الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخلل في الصلاة - السيد الخميني

الخلل في الصلاة

السيد الخميني


[ 1 ]

كتاب الخلل في الصلوة تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني أدام الله ظله العالي مطبعة مهر - قم

[ 2 ]

مطبعة مهر ايران قم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين. وبعد فهذه وجيزة في خلل الصلوة، وقد فسر بتفاسير: الفساد والوهن والنقص والاضطراب وغير ذلك، والظاهر انها مصاديق عنوانه لامعان مختلفة له باوضاع. فإذا وقع في مهية تركيبية حقيقية أو اعتبارية شئ مما ذكر يقع فيه خلل واختلال، فإذا عرض لاركلان بناء فساد في خشبته أو حديده أو صار مضطربا من ناحية عوارض أو نقص منه شئ أو وهنت اركانه مثلا صار ذا خلل. والصلوة بما انها ماهية مركبة اعتبارية يدعى انها بناء فيه اركان واجزاء ويعرض لهما خلل تارة من ناحية امر يوجب فسادها مع عدم امكان علاجه واخرى من ناحية ما يوجب فسادها ولكنه يمكن علاجه، ويطلق على ما يعرض عليها الخلل اعتبارا فليس تسمية ذلك بالخلل الا اعتبارا في امر اعتباري. ثم ان كل نقص أو احتمال نقص وقع في الصلوة يوجب بحسب القاعدة الاولية

[ 4 ]

فسادها أو الحكم بالفساد من غير فرق بين العلم بحصوله أو الشك فيه ومن غير فرق بين الاركان وغيرها ولا بين عروض الشك في الركعات في المحل أو بعد الصلوة فالفساد بحسب الحكم اعم من الظاهرى جامع بين جميع موارد الخلل المذكورة في مباحثه فالشك بين الثلاث والاربع يوجب الفساد لولا دليل العلاج. ثم ان الخلل كما يحصل بالنقيصة يحصل بالزيادة لا بمعنى الزيادة في المأمور به بما انه مامور به حتى يقال بامتناعها بل بمعنى الزيادة في ما تعلق به الامر مع قطع النظر عنه فلو تكرر منه الركوع يقال انه زاد في الصلوة عرفا لا بمعنى الزيادة في الماهية فانها صادقة عليها حتى مع الزيادة بل بمعنى الزيادة في المأمور به مع الغض عن الامر. وان شئت قلت حصلت الزيادة في مصداق المأمور به فالزيادة بهذا المعنى امر معقول كما ان البطلان من أجلها امر معقول فان بطلان الشئ قد يكون لاجل النقص وعدم تطابق المأمور به مع الماتى به وقد يكون لاجل المزاحمة في الوجود أو لعروض مفسدة غالبة على المصلحة الكامنة فيه وطريق احراز التزاحم هو الشارع الاقدس. على ان للشارع جعل المبطلية استقلالا فان التحقيق صحة الجعل استقلالا في الوضعيان مطلقا ومنها المانعية والناقضية والمبطلية وتوهم كون التشريع كالتكوين فلا يعقل جعل السببية ونحوها مستقلا قد فرغنا عن بطلانه في محله فلو دل الدليل على ان زيادة الركوع موجبة للفساد نأخذ به ونستكشف منه ان الركوع الزائد مزاحم لوجود الصلوة الصحيحة المطلوبة وبهذا المعنى تكون الزيادة مبطلة. وقد يقال ان البطلان بالزيادة حيث لا يعقل فلابد وان يرجع إلى اشتراط العدم فتكون البطلان لاجل النقيصة. وفيه ان العدم لا يعقل ان يكون شرطا ولا جزء بل ولا يعقل تصوره والاشارة إليه وكل ما وقع من تصوره والاشارة إليه انما يقع على الموجود الذهنى أي المفهوم أو عنوان العدم الموجود بالحمل الشايع فلو كان البطلان من ناحية الزيادة غير معقول لا محيص عن طرح الاخبار الواردة في الزيادة أو تأويلها بوجه آخر لا بذاك الوجه

[ 5 ]

فان اشتراط العدم والتقييد به اوضح امتناعا منه وما هو المعروف من ان عدم المانع من اجزاء العلة التامة كلام صوري لابد من تأويله ان صدر عمن لا يحتمل فيه الغفلة فان اثبات الجزئية أو الشرطية للباطل المحض والعدم غير معقول. وان شئت قلت ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له ولا ثبوت للعدم حتى الاضافي منه وما قيل من ان للاعدام المضافة حظا من الوجود كلام ظاهري لا يعتنى به ان اريد به أن للعدم المضاف حظا منه وعلى ما ذكرنا من امكان الزيادة وامكان البطلان من أجلها لابد من الاخذ بظاهر ما دل على البطلان من أجلها. (القول في انحاء الخلل) فصل في الخلل العمدي وهو على اقسام (منها) ما يصدر عن علم والتفات بلا عذر يدعو إليه ولا اشكال في كونه مبطلا مطلقا بالزيادة كان أو بالنقيصة ركنا كان أو غيره مثل ترك الجزء أو الشرط أو ايجاد المبطل وفى امكان شمول حديث لا تعاد لمثله كلام يأتي التعرض له وعلى فرض امكان الشمول لا شبهة في انصرافه عنه. ومنها ما وقع عن علم وعمد تقية وهى قد تكون عن خوف واضطرار كما لو ضاق وقت الصلوة واضطر باتيانها على خلاف الواقع خوفا على نفسه مثلا والظاهر صحة الصلوة عندئذ لوجوه احدها حديث رفع ما اضطروا (1) إليه فان الظاهر منها تعقل الرفع بذوات العناوين المذكورة فيه وحيث إنها غير مرفوعة خارجا فلابد من حمل الحديث على الحقيقة الادعائية ومصححها رفع جميع الاثار إذ مع ثبوت


(1) الوسائل كتاب الجهاد باب - 56 - من ابواب جهاد النفس حديث: 1

[ 6 ]

بعضها لا يصح الدعوى الا إذا كان الاثر المرفوع مما تصح دعوى كونه جميعها كقوله يا اشباه الرجال ولا رجال وليس المقام كذلك ولازم رفع الاثار صحتها مع ايجاد الزيادة والقواطع والموانع كزيادة السجدة مع قرائة العزائم والتكتف وقول امين ونحوها. واما الترك تقية فلا يشمله الحديث لانه ليس له اثر شرعى بل اثر ترك السورة مثلا بطلان الصلوة عقلا وليس للشارع حكم ا لا وجوب الصلوة جامعة للاجزاء والشرايط وما ورد في الاخبار من الامر بالاعادة والاستيناف ليس حكما مولويا بل كناية عن بطلان الصلوة كما هو ظاهر وليس اثر رفعه ثبوت مقابله الا عقلا وهو لا يثبت بالحديث. الا ان يقال: بعد ظهور الدليل في رفع نفس العناوين والحمل على الحقيقة الادعائية يمكن ان يكون الوجه المصحح للدعوى عدم الاثار مطلقا لا رفعها فإذا رأى المتكلم بهذا الكلام ان الترك لا اثر له في التشريع وان حكم الشرع معه الصحة وعدم الاعادة والقضاء قبال حكم العقل المترتب على اعتبار الاجزاء والشرايط شرعا صح منه دعوى رفعه لفقد الاثر له مطلقا بل رفع الاثر العقلي برفع منشأه ممكن. ومع صحة الدعوى كذلك لا يمكن رفع اليد عن اطلاق الدليل وقد ذكرنا في محله ان لعنوان الترك ثبوتا اضافيا فراجع الاصول مع ان الرفع متعلق بعنوان ما اكره وما اضطر إليه من العناوين الوجودية. ولا فرق في التقية الاضطرارية بين كون التقية عن امراء العامة وقضاتهم أو عن الكفار أو عن سلاطين الشيعة لاطلاق حديث الرفع وما يأتي من الادلة. (ثانيها) حديث لا تعاد الصلوة (1) فانه يدل على الصحة فيما عدا الخمس فان قوله لا تعاد كناية عن صحتها في هذه الحالة ولو بقبول الناقصة مكان التامة هذا بناء على شموله للخلل العمدي وعدم انصرافه وسيأتى الكلام فيه. (ثالثها) روايات التقية كصحيحة الفضلاء قالوا سمعنا ابا جعفر (عليه السلام) يقول


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب افعال الصلوة حديث: 14

[ 7 ]

التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد احله الله (1) فهى بعمومها تدل على الصحة في جميع موارد الاضطرار سواء كان من قبل حكام العامة وقضاتهم أو غيرهم وسواء كان في الاركان أو غيرها بعد حفظ صدق الصلوة على الباقي. وقد يتوهم ان قوله فقد احله الله قرينة على تخصيص الشئ في الصدر بالامر التكليفى وفيه ان الحل والحرمة والجواز واللاجواز واشباهها لم توضع لغة للاحكام التكليفية بل هي موضوعة لمعنى يساوق التكليف تارة والوضع اخرى ففى كل مورد تعلقت بالعنوان النفسي الذى لا يتوقع منه الصحة والفساد ولا التسبيب إلى أمر يكون مساوقا للتكليف كما لو تعلقت بشرب المسكر والماء بخلاف ما لو تعلقت بمثل البيع أو الصلوة كقوله يحرم البيع الربوي والصلوة في وبر ما لا يؤكل لحمه أو قال احل الله البيع وجاز البيع الكذائي وتحرم الصلوة في المغصوب فانه يساوق للوضع حسب اختلاف الموارد. فلو اضطر إلى شرب الفقاع فقد احله الله ويساوق التكليف ولو اضطر إلى الطلاق بغير شرايطه والى الصلوة على طريقة غير الحق فقد احله الله ويساوق ذلك للوضع وبيان الصحة فقوله احله الله في جميع الموارد بمعنى واحد يختلف بحسب الموارد تكليفا ووضعا. هذا مع ان الحمل على خصوص التكليف يوجب الحمل على الفرد النادر جدا فان الابتلاء بالتقية في مخالفة التكليف كشرب الفقاع مثلا كان نادرا في عصر الصادقين (عليه السلام) بخلاف الابتلاء بالمخالفة تقية في الوضعيات كالمعاملات والعبادات فان كان كثيرا جدا فلا ينبغى الاشكال في بطلان هذه المزعمة كما لا ينبغى الاشكال في عمومه لكل خلل زيادة كان أو نقيصة ركنا كان أو غيره مع حفظ عنوان الصلوة على الباقي. وتوهم عدم العموم للنقيصة لانها لم تكن محرمة ولا محكومة بحكم وضعي حتى تحلل عند الاضطرار ومن هنا لابد من تخصيص الحديث بالزيادة وبمثل القاطعية


(1) الوسائل كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر باب - 25 - من ابواب الامر والنهى وما يناسبهما حديث: 2

[ 8 ]

والمانعية مما لها حكم وضعي أو تحريمي فاسد وذلك لان من الواضح ان العقل والعرف تبعا لاعتبار الشارع الجزء والشرط في الصلوة يحكمان ببطلانها بتركهما وانه لا يجوز الترك المبطل فحكم الشرع على حسب الدليل بان الترك اضطرارا مباح لا مانع منه وقد احله الله يفهم منه عدم بطلانها من هذه النقيصة وقياس المورد بحديث رفع الاضطرار مع الفارق كما يظهر بالتأمل. ومثل الصحيحة بل اوضح منها دلالة في شمول الوضع موثقة سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو اكره أو اضطر إليه وقال ليس شئ مما حرم الله الا وقد احله لمن اضطر إليه (1) بناء على أن ما في الذيل بمنزلة الكبرى الكلية المتيقن انطباقها على الصدر الذى تضمن للحكم الوضعي واحتمال كونه حكما مستقلا ذكره الامام (عليه السلام) في وقت اخر وقد جمع سماعة بينهما بعيد مخالف للامانة في الحديث بعد احتمال وقوع الاشتباه معه في الدلاة. وهنا روايات دلت على الصحة في موارد التقية عن العامة ولو من غير اضطرار في الارتكاب كموثقة مسعدة بن صدقة وفيها فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين فانه جايز (2) وقد مر ان الجواز ونحوه ليس بمعنى الجواز التكليفى وصحيحة ابى الصباح وفيها ما صنعتم في شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فانتم منه في سعة (3) دلت على التوسعة في الاتيان بالمأمور به على طريقتهم وعلى تعم التكليف والوضع إلى غير ذلك مما تدل على صحة المأتى به على طريقتهم. بل في كثير من الاخبار الحث على الصلوة معهم والاقتداء بهم في صلوتهم والاعتداد بهغا كصحيحة حماد بن عثمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصف الاول (4) وصحيحة ابن سنان عنه وفيها وصلوا معهم في مساجدهم (5) وصحيحة على بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال صلى حسن (عليه السلام) وحسين (عليه السلام) خلف مروان ونحن نصلى معهم (6) إلى غير ذلك


(1) الوسائل كتاب الايمان باب - 12 - من ابواب الايمان حديث: 18 (2) الوسائل كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر باب - 25 - من ابوابهما حديث: 6 (3) الوسائل كتاب الايمان باب - 12 - من ابواب الايمان حديث: 2 (4 و 5 و 6) الوسائل كتاب الصلوة باب - 5 - من ابواب صلوة الجماعة حديث 1 و 8 و 9

[ 9 ]

مما هو ظاهر في الصحة. مع ان الصلوة معهم كانت في العصر الاول إلى زمان الغيبة مبتلى بها للائمة (عليه السلام) واصحابهم ولم يمكن لهم التخلف عن جماعاتهم ومع ذلك كانوا يعتدون بها كما انهم كانوا يحجون معهم طوال اكثر من مأتى سنة وكان امر الحج في الوقوفين بيد الامراء ولم يردانهم (عليهم السلام) أو اصحابهم تخلفوا عنهم في ذلك أو ذهبوا سرا إلى الموقفين كما يفعله جهال الشيعة فلا شبهة في صحة كما ما يؤتى به تقية ومن اراد الوقوف على اكثر من ذلك فليراجع رسالتنا في التقية. ومنها ما وقع عن علم والتفات اكراها كما لو اكرهه مكره على الاتيان بالزيادة أو بالقواطع والموانع ويدل على الصحة هنا ما لم يخرج المأتى به عن صدق الصلوة عليه حديث الرفع (1) بعين ما ذكرناه في الاتيان الاضطراري. فصل في الخلل عن جهل وهو اما عن الجهل بالحكم أو بالموضوع عن تقصير أو قصور كما في تخلف الاجتهاد والتقليد الصحيحين زيادة كان أو نقيصة ركنا أو غيره ويدل على الصحة في الجميع مع الغض عن المعارض الذى نتعرض له حديث الرفع ببيان قدمناه من ان ضم دليل الرفع إلى دليل وجوب الصلوة ينتج كون المأمور به ما عدا المرفوع وعليه فالاتيان به موجب للصحة عقلا. وقد يستشكل في شموله للشبهة الحكمية بلزوم المحال ضرورة ان اختصاص الحكم بالعام به دور صريح وفيه ان الوجه المصحح للدعوى ان كان رفع الاثار أو عدمها في جميع التسعة فلا يرد اشكال لان الحكم باق والمرفوع آثاره فلا يلزم اختصاص الحكم بالعالم به وان كان المرفوع فيما يمكن رفعه كالشبهة الحكمية نفس الحكم حقيقة وفى ما لا يمكن فيه ذلك رفع العنوان ادعاء بلحاظ آثاره لا بمعنى استعمال اللفظ


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2

[ 10 ]

في المعنى الحقيقي والمجازي لما قررنا في محله من أن الاستعمال حتى في المجازات فضلا عن الاستعارات انما يكون في المعنى الحقيقي مع ان الاستعمال في اكثر من معنى جايز فلا ينبغى الاشكال فيه ايضا. بل التصويب بالمعنى الذى ادعى قوم من مخالفينا معقول لا يلزم منه الدور كما قيل لامكان كون الحكم الجدى أو الفعلى تابعا لاجتهاد المجتهد في الاحكام الانشائية فما في الكتاب والسنة هي الاحكام الانشائية مطلقا ويقتضى الاصل العقلائي الحمل على الجد الا إذا دل الدليل على التخصيص والتقييد وعليه فلا مانع هناك من ان يكون حكم الله الواقعي تابعا لاجتهاد المجتهد في الادلة الظاهرية فلا يلزم الدور. وفى المقام يمكن ان تكون الجزئية والشرطية والمانعية الانشائية مشتركة بين العالم والجاهل ومع تعلق العلم بالانشائيات منها تصير جديا أو فعليا فلا اشكال عقلي في المقام واثبات الاجماع في المقام محل تأمل بعد احتمال استناد فتوى المعظم إلى الامر العقلي الذى تشبث به كثير من المحققين ولو ثبت اجماع على بطلان التصويب فانما هو في التصويب الذى قال به غيرنا لا في مثل ما ذكرناه في المقام. ثم ان مقتضى اطلاق حديث الرفع الاخذ به في جميع موارد الجهل لكن لا ينبغى الاشكال في انصرافه عن الجاهل المقصر سواء علم اجمالا باشتمال الشريعة أو الصلوة على احكام تكليفية ووضعية واهمل ام لا. اما على الاول فلعدم صدق لا يعلم عليه لفرض علمه ولو اجمالا بالتكليف ومع عدم شمول حديث الرفع له يجب عليه الاتيان بالواقع ولو بنحو الاحتياط. واما على الثاني فلان الظاهر ولو بالقرائن الخارجية وبضميمة ساير العناوين المأخوذة في الحديث ان الرفع ارفاق لمن ابتلى باحد العناوين لا باختيار منه و بغير عذر فمن اوقع نفسه في الاضطرار إلى اكل الميتة لم يرفع عنه الحرمة وان وجب عليه حفظ نفسه بارتكاب المحرم من دون أن يكون الاضطرار إليه عذرا له فيستحق العقوبة بارتكابه ومن علم انه لو ذهب إلى مكان كذا اكره على شرب الخمر فذهب

[ 11 ]

اختيارا فابتلى بشربها عن اكراه لا اشكال في انه معاقب عليه فالجاهل غير المعذور عقلا الجرئ على المولى لا يستحق الارفاق ولم يرفع الحكم عنه وكيف كان الرواية منصرفة عن المقصر. واما القاصر فتشمله الرواية من غير فرق بين المجتهد المتخلف اجتهاده عن الواقع والمقلد المتخلف تقليده الصحيح عن الواقع وبين العامي القاصر وبتحكيمها على الادلة الاولية تصير النتيجة كون الباقي تمام المأمور به وصحت صلوته فلا اعادة في الوقت فضلا عن القضاء فالتفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية معللا بلزوم الدور غير وجيه لما عرفت كما ان الاجماع غير ثابت. ثم انه على ما ذكرناه من لزوم الاخذ بظاهر روايات البطلان بالزيادة لا اشكال في رفعها بالحديث. واما على مبنى القوم من عدم معقولية البطلان بالزيادة ولزوم الارجاع إلى اشتراط العدم فقد يقال بان الترك والعدم غير مشمولين له لانه حديث رفع ولا يعقل رفع العدم والترك وفيه انه بعد البناء على امكان اشتراط العدم فلا ينبغى الاشكال في الشمول لان شرطية عدم الزيادة المشكوك فيها في الشبهة الحكمية وجودية بل الترك أو عدم الزيادة لابد وان يكون لهما وجود اعتباري على الفرض بل لهما ثبوت اضافي والمفروض أن الرفع ادعائي لا حقيقي وعليه لا اشكال فيه. ثم على الفرضين أي الرفع الحقيقي والادعائى فكما لا توجب الاعادة والقضاء لا يجب الاستيناف لو علم بالواقعة في اثناء الفعل فلو زاد في صلوته أو ترك جزء أو شرطا وعلم في الاثناء صحت صلوته ولا يجب الاستيناف بل لا يجوز قطعها. بل لو كان محل الاتيان باقيا أي علم بترك الجزء قبل وروده في الركن لا يجب العود لان حال الجهل كان مرفوعا والميزان مراعاة حاله لا حال العلم بل على فرض الرفع الحقيقي بعد الاتيان به وبما بعده زيادة في المكتوبة بل على غيره ايضا زيادة حكما.

[ 12 ]

والتفصيل في الفرق بين مؤدى الامارات والاصول وبيان ما هو مقتضى القاعدة من الاجزاء في الثاني دون الاول موكول إلى محله هذا بحسب مقتضى الحديث مع قطع النظر عن الادلة الخاصة. وتدل ايضا على الصحة مطلقا الا ما استثنى مع الغض عن ساير الادلة صحيحة زرارة المنقولة في الفقيه عن ابي جعفر عليه السلام قال لا تعاد الصلوة الا من خمس الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ثم قال القرائة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة (1) وقد رويت في غيره بلا ذكر ذيلها أي لا تنقض السنة الخ وما في الفقيه اجمع واحتمال الزيادة في الرواية سيما بمثل ذلك مقطوع البطلان ولا تعارض اصل عدمها اصالة عدم النقص كما لا يخفى. والظاهر من قوله لا تعاد مع الغض عن الذيل هو الارشاد إلى عدم البطلان في غير الخمس كما يظهر بالرجوع إلى العرف في مثل ذلك والى اشباهه ونظائره في الاخبار وبملاحظة ما في الذيل يكون كالصريح في ذلك فان التعليل بان عدم الاعادة لاجل عدم نقض السنة الفريضة كالنص في ان عدم الاعادة لعدم الابطال فالحكم به للارشاد إلى الصحة واحتمال كونه حكما مولويا في غاية السقوط. فلا يعتنى بالتقريب الذى اوردوه لعدم شمول الحديث للجهل من ان الظاهر من قوله لا تعاد نفى الاعادة في مورد لولا الحديث كانت الاعادة بعنوانها متعلقة للامر وهذا ليس الا في صورة السهو والنسيان اللذين لا يعقل معهما بقاء الامر الاول والتكليف بالاتيان بالمأمور به فلا محالة يكون الامر المولوي بوجوب الاعادة ممحضا فيهما واما في صورة العمد والجهل فيكون الحكم بها عقليا والامر بها ارشادا إلى حكمه. وبما ذكرناه من التقريب يظهر النظر في كلام بعض محققى العصر رحمه الله من الاتعاب لبيان صدق عنوان الاعادة على الوجود الثاني ولو وقع عن جهل أو عمد إذ لم يكن المدعى عدم صدق عنوان الاعادة في صورتي العمد والجهل، بل كانت


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب افعال الصلوة حديث: 14

[ 13 ]

الدعوى عدم تعلق الامر المولوي بها مع وضوح الحكم بها عقلا وكيف كان يرد عليه ما قدمناه من كونه ارشادا إلى البطلان وعدمه. هذا مضافا إلى ان الفرق بين الجهل والسهو لا يرجع إلى محصل ضرورة ان توجه الخطاب إلى الجاهل سيما المركب منه غير معقول كالتوجه إلى الناسي والساهى والاجماع على اشتراك الجاهل والعالم على فرض صحته لا يدفع الاشكال العقلي والتكليف بالمعنى الذى لا اشكال فيه عقلا يشترك فيه الناسي والجاهل على السواء كما انهما مشتركان في مورد الامتناع. بل قد ذكرنا في محله بطلان اساس الاشكال والرد فانهما مبتنيان على انحلال الخطابات العامة كل إلى خطابات عديدة عدد المكلفين متوجهة إليهم باشخاصهم ولازمه تحقق مبادئ الخطاب في كل على حدة فكما لا يمكن توجه خطاب خاص إلى الناسي لعدم حصول مباديه كذلك لا يمكن خطابه في ضمن الخطاب العام المنحل إلى الخطابات لعدم حصول مباديه. إذ فيه مضافا إلى ان لازمه عدم تكليف العاجز والنائم والجاهل وغيرهم من ذوى الاعذار بل والعاصي المعلوم عدم رجوعه عنه فان مبادى توجيه الخطاب إليه بخصوصه مفقودة لعدم امكان الجد في بعث من لا ينبعث قطعا ومن المقطوع عدم التزامهم بذلك ان قياس الخطابات العامة بالخطاب الخاص مع الفارق فانه في الخطاب العام لابد من حصول مباديه لا مبادى الخطاب الخاص. فإذا علم الآمر بان الجماعة المتوجه إليهم الخطاب فيهم جمع كثير ينبعثون عن امره وينزجرون عن نهيه وان فيهم من يخضع لاحكامه ولو إلى حين صح منه الخطاب العام ولا يلاحظ فيه حال الاشخاص بخصوصهم الا ترى الخطيب يوجه خطابه إلى الناس الحاضرين من غير تقييد ولا توجيه إلى بعض دون بعض واحتمال كون بعضهم اصم لا يعتنى به بل العلم به لا يوجب تقييد الخطاب بل انحلال الخطاب أو الحكم حال صدوره بالنسبة إلى قاطبة المكلفين من الموجودين فعلا ومن سيوجد

[ 14 ]

في الاعصار اللاحقة مما يدفعه العقل ضرورة عدم امكان خطاب المعدوم أو تعلق حكم به والالتزام بانحلاله تدريجا وفى كل عصر حال وجود المكلفين لا يرجع إلى محصل. والحق ان التشريع في الشرع الاطهر وفى غيره من المجالس العرفية ليس الا جعل الحكم على العناوين والموضوعات ليعمل به كل من اطلع عليه في الحاضر والغابر. فالقرآن الكريم نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وابلغه إلى معدود من اهل زمانه وهو حجة قاطعة علينا وعلى كل مكلف اطلع عليه من غيران يكون الخطاب منحلا إلى خطابات كثيرة حتى يلزم مراعاة احوال كل مكلف وهو واضح. فلا فرق بين العالم والجاهل والساهى وغيرهم بالنسبة إلى التكاليف الالهية الاولية بعد تقييد المطلقات وتخصيص العمومات بما ورد في الكتاب والسنة كحديث الرفع ولا تعاد وغيرهما فالقول بسقوط الخطاب عن الساهي والناسى خلاف التحقيق فيسقط ما يترتب عليه مما ورد في كلام المحققين من المتأخرين. وما قيل من ان تعذر جزء من المركب المأمور به يوجب سقوط امره وتعلق امره آخر بالناقص فيما لو اراد الامر تحققه عند تعذر التام مبنى على مبان فاسدة قد اشرنا إليه قبلا وحققناه في غير المقام. هذا مضافا إلى ان العناوين المأخوذة في موضع الخطابات والاحكام سواء كانت من قبيل العمومات كقوله يا ايها الذين آمنوا والطبايع والمطلقات كقوله من آمن ونحوه لا يعقل ان تكون حالية عن الطوارى العارضة على المكلفين من العلم والنسيان والقدرة والعجز وغيرها. ضرورة ان اللفظ الموضوع لمعنى لا يعقل ان يحكى عن غيره في مقام الدلالة الا مع صارف وقرينة فقوله مثلا المؤمن يفى بنذره لا يحكى الا عن الطبيعة دون لو احقها الخارجية أو العقلية وكذا الحال في قوله يا ايها المؤمنون فان دلالته على الافراد ليست الا بمعنى الدلالة على المصاديق الذاتية لطبيعة المؤمن أي الافراد بما

[ 15 ]

هم مؤمنون لا على الاوصاف والطواري الاخر إذ لا تحكى الطبيعة الا عمن هو مصداق ذاتي لعنوانها ولا تكون الات التكثير كالجمع المحلى والكل الا دالة على تكثير نفس العنوان ولا يعقل دلالتها على الخصوصيات الفردية فعموم الخطاب ليس في المثال الا للمؤمنين. فإذا ورد مثله في الكتاب العزيز يشمل كل مؤمن في كل عصر حال وجودهم ولكن ليس حجة عليهم الا بعد علمهم بالحكم فقبل تبليغ الرسول صلى الله عليه و آله لم يكن حجة على احد الا على نفسه الكريمة وبعد التبليغ صار حجة على السامعين دون الغائبين وعند ما وصل إليهم صار حجة عليهم وبعد وجود المكلفين في الاعصار المتأخرة لم يكن حجة عليهم الا بعد علمهم به. فالجاهل والعالم والناسى والمتذكر والعاجز والقادر كلهم سواء في ثبوت الحكم عليهم وشمول العنوان لهم واشتراك الاحكام بينهم وان افترقوا في تمامية الحجة عليهم فذووا الاعذار مشتركون مع غيرهم في الحكم وشمول العنوان لهم و ان اختلفوا عن غيرهم في ثبوت الحجة عليهم. ومما تقدم يظهر النظر في كلام شيخنا الاستاد اعلى الله مقامه في كتاب الصلوة ومحصله دعوى انصراف الحديث إلى الخلل الحاصل بالسهو والنسيان في الموضوع بدعوى ان ظاهره الصحة الواقعية وان الناقص مصداق واقعى للمأمور به كما يشهد به ما ورد في النسيان الحمد حتى ركع من انه تمت صلوته (1) فالناسي مخصوص بخطاب متعلق بالناقص ولا مانع من خطاب الناسي وصلوة الذاكر والناسى كصلوة الحاضر والمسافر فما اتى به تمام المأمور به. كما ان الظاهر منه ان الحكم بالصحة والتمامية انما هو فيما لو تذكر بعد الفراغ من الصلوة أو بعد المضى عن امكان تدارك المنسى كما لو تذكر بعد دخوله في الركن فالعامد الملتفت والشاك في الجزئية أو الشرطية ونحوهما خارجان عن مصبه وكذا غيرهما


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 29 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث: 2

[ 16 ]

ممن يصح له الدخول لجهله المركب أو للاصول العقلائية فانه أيضا خارج عن مصب الحديث لما اشرنا إليه من الدلالة على كون المأتى به تمام المأمور به إذ على هذا يلزم من شموله له التصويب المحال أو المجمع على بطلانه فغير الناسي والساهى في الموضوع اما خارج عن مصب الرواية أو خارج بدليل عقلي أو شرعى. وجه النظر مضافا إلى ما تقدم من عدم بطلان التصويب عقلا حتى ما قال به المخالف للحق وعدم ثبوت الاجماع على بطلان التصويب بالمعنى الذى ذكرناه. هو ان الحديث ظاهر كالصريح في ان المأتى به ليس تمام المأمور به لان التعليل الذى ورد فيه بان السنة لا تنقض الفريضة دال على أن المصداق الذى اتى به المكلف واجدا للخمس وفاقدا للقرائة والتشهد مثلا انما لم يبطل لان المفقود سنة وهى لا تنقض الفريضة فكونه سنة أي مفروضا من قبل السنة لا الكتاب كان مفروغا عنه بحسب مفاده فلو كان الساهي مكلفا بخصوص الناقص فقط ولم يكن الجزء المنسى جزء في حقه لم يصدق عليه انه سنة لا تنقض الفريضة فعدم نقضها متفرع على فرض كون الجزء سنة لا على عدم كونه جزء وهو ظاهر كالصريح في جزئية المنسى حال النسيان. بل ظاهر قوله لا تعاد الصلوة الا من خمس ان غير الخمس ايضا داخل في الصلوة لكن لا تعاد بتركه لا انه غير جزء لها فعدم الاعادة بنفى الموضوع خلاف الظاهر فلا ينبغى الاشكال في عموم الرواية لكل خلل باى سبب. بل لو لا انصراف الدليل وبعد الالتزام بصحة الصلوة مع الترك العمدي والدخول في الصلوة مريدا لترك القرائة وساير الاذكار الواجبة وغيرها مما عدا الخمس لكان للقول بالشمول للعامد أيضا وجه لان الظاهر من التعليل ان الفريضة لها بناء واتقان لا ينهدم بالسنة والتقييد بحال دون حال لعله مخالف للظهور في ان السنة بما هي لا تنقضها وحديث مخالفة جعل الجزئية مع الصحة حال العمد قد فرغنا عن بطلانه. وكيف كان لو رفعنا اليد عنه بالنسبة إلى العامد العالم فلا وجه لرفع اليد عنه

[ 17 ]

بالنسبة إلى الشاك الملتفت المتمسك بالبرائة العقلية النقلية للدخول في الصلوة فضلا عن الساهي للحكم والجاهل المركب ومن له امارة على عدم الجزئية أو الشرطية فانكشف البطلان بعد الصلوة أو بعد مضى محل التدارك والاجماع المدعى في المقام غير ثابت بعد تخلل الاجتهاد فيه كما لا يخفى. وقد يقال بعد الاعتراف بالاطلاق بانه يقيد بما في صحيحة زرارة ان الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود والقرائة سنة فمن ترك القرائة متعمدا اعاد الصلوة ومن نسى فلا شئ عليه (1) فيقيد به رواية لا تعاد فان قوله فيها القرائة سنة بمنزلة التعليل فكأنه قال لا تعاد الصلوة بترك السنة وبعد تقييدها يصير المتحصل هو اختصاص نفى الاعادة بصورة الاخلال السهوى بملاحظة اندراج الاخلال الجهلى في العمدي لصدقه عليه. كما لعله يشهد بذلك المقابلة بين الترك العمدي والسهوى في الرواية فانه يستفاد منها اندراج الاخلال الجهلى خصوصا الجهل بالحكم في الاخلال العمدي نعم إذا كان امر شرعى بوجوب المضى يخرج عن العمد لان المكلف مقهور ومسلوب عنه القدرة على الترك ولو بحكم العقل على وجوب الطاعة انتهى ملخصا. وانت خبير بان هذا لا يفيد فانه بعد تسليم المقدمة لا يستفاد منه الا التقييد بالنسبة إلى القرائة كما ان دعوى عدم صدق العمد مع وجود الامر الشرعي بالمضي بدعوى أن المكلف مقهور عندئذ ومسلوب القدرة فيها ما فيها. فالاولى في التقريب ان يقال ان قوله فمن ترك القرائة متعمدا متفرعا على قوله القرائة سنة يدل على ان في ترك القرائة لكونها سنة التفصيل بين العمد والنسيان فيسرى الحكم إلى مطلق السنة. وتدل على المقصود ايضا رواية دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليه السلام) انه قال: القرائة في الصلوة سنة وليست من فرائض الصلوة فمن نسى القرائة فليست عليه اعادة ومن تركها متعمدا لم تجزئه صلوته لانه لا يجزى تعمد ترك السنة وادنى ما يجب


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 27 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث: 1

[ 18 ]

في الصلوة تكبيرة الاحرام والركوع والسجود من غير ان يتعمد ترك شئ مما يجب عليه من حدود الصلوة ومن ترك القرائة متعمدا اعاد الصلوة ومن نسى فلا شئ عليه (1). هذا غاية ما يقال في تقريب التقييد واختصاص عدم الاعادة بالسهو لكن يرد عليه ان معنى التعمد عرفا وهو المستفاد من الكتاب والسنة ايضا هو اتيان الشئ أو تركه مع القصد الناشئ عن العلم بعنوان الفعل والعمل فمن قتل مؤمنا زاعما أنه كافر مهدور الدم لا يصدق في حقه انه قتل مؤمنا متعمدا وان صدق انه قتل شخصا متعمدا ولا ينطبق عليه قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزائه جهنم (2). وقد ورد في الاخبار ان من ترك الصلوة متعمدا فقد برئت منه ملة الاسلام (3) ومن افطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه كفارة (4) إلى غير ذلك مما يشهد بان الترك متعمدا لا ينطبق الا مع العلم باطراف العمل فمن قطع بان القرائة ليست جزء الصلوة فتركها لا يكون متعمدا في ترك القرائة في الصلوة وكذا من تركها مع قيام امارة على العدم أو حجة عليه من الاصل العقلي أو الشرعي فالترك التعمدى هو الترك مع العلم بالحكم والموضوع والا لم يكن متعمدا في ترك ما هو المفروض في صلوته. وعلى هذا فمفهوم قوله ان كان متعمدا هو ان لم يكن كذلك الشامل للناسي والساهى حكما وموضوعا والجاهل بالموضوع والحكم مركبا أو بسيطا بل والمتعمد التارك لعذر شرعى أو عقلي كما لو اكره أو اضطر إلى الترك لانصراف المتعمد عن كل ما ذكر فالمفهوم دال على عدم الاعادة عليه. واما تخصيص النسيان بالذكر في الجملة الثانية مع انه من مصاديق المفهوم فلان الجهل بحكم القرائة وانها جزء الصلوة في زمان الصدور ومن المخاطبين بتلك الروايات كان في غاية القلة فضلا عن العلم بالخلاف واما النسيان فامر يبتلى به عامة الناس نوعا فذكر مصداق من المفهوم في مثله متعارف.


(1 و 3) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب الخلل حديث 7 وباب - 6 - من ابواب فضل الصلوة: حديث 27 (2) سورة النساء آية 93 (4) الوسائل كتاب الصوم باب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 11

[ 19 ]

والدليل على كثرة الابتلاء به دون غيره الروايات الكثيرة جدا الواردة في باب التكبير والقرائة والركوع والسجود وذكرهما وغير ذلك فانها سؤالا وجوبا على كثرتها لم تتعرض لغير النسيان الا نادرا كالروايتين الواردتين في الجهر والاخفات (1) والقصر والاتمام (2) واما الروايات الواردة في القرائة فكلها متعرضة للنسيان وفى بعضها تصريح بان المراد بالتعمد الترك عن علم بالحكم والموضوع كقوله (عليه السلام): في رواية قرب الاسناد ان يفعل ذلك متعمدا لعجلة (3). وان شئت قلت بعد ظهور التعمد في الشئ في كونه عن علم ولو في العرف لابد من الاخذ به وبمفهومه ومجرد مقابلة النسيان له لا توجب صرفه عن ظاهره بعد وجود نكتة ظاهرة في التخصيص بالذكر. مضافا إلى انه مع الغض عما ذكرو تسليم المقدمات لاتدل الروايات الا على حكم القرائة التى يمكن ان تكون لها خصوصية فانه لا صلوة الا بها كما في الحديث (4). وما ذكرناه من التقريب للتسرية إلى غيرها اشعار لم يصل إلى حد الدلالة حتى يمكن معه رفع اليد عن الظاهر الذى هو الحجة ورواية دعائم الاسلام وان كانت ظاهرة بل صريحة في العموم لكنها لا يعتمد عليها ولا تصلح لتقييد اطلاق الحجة و مما تقدم ظهر حال الخلل عن نسيان أو سهو فان دليل الرفع حاكم بالصحة كما انه مشمول لحديث لا تعاد بل شموله لنسيان الموضوع متسالم عليه بينهم. فصل هل يشمل الحديث للزيادة أو يختص بالنقيصة؟ وقد يقال: ان اكثر ما في المستثنى حيث كان مما لا يقبل الزيادة فهذا موجب لانصراف الدليل إلى النقيصة حتى في المستثنى منه فلا تعرض في الحديث للزيادة رأسا وفيه ما لا يخفى من الوهن ضرورة ان مجرد عدم كون بعض المصاديق قابلا للزيادة لا يوجب الانصراف عنها. وقد يقال ان المستثنى مفرغ والمقدر انه لا تعاد بشئ وهو امر وجودي والعدم ليس بشئ فيختص بنقص ما اعتبر وجوده أو ينصرف إليه. وفيه مضافا إلى ان العدم لو فرض اعتباره في التشريع يكون له ثبوت


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 26 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 17 - من ابواب صلوة المسافر حديث 4 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 29 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث 4. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب 1 من ابواب الوضوء حديث 1

[ 20 ]

اعتباري ووجود تشريعي انه قد تقدم ان الزيادة بعنوانها موجبة للزوم الاعادة وان الزيادة ناقضة جعلا مع ان الظاهر عرفا من مثل قوله (عليه السلام): من زاد في صلوته فعليه الاعادة (1) ان الزيادة بنفسها موجبة لذلك وارجاع ذلك إلى اشتراط العدم كما قالوا انما هو امر عقلي يغفل عنه العرف المعيار في امثال ذلك مع ان المقدر المناسب للحديث خصوصا بملاحظة التعليل في الذيل انه لا يعاد باخلال فيعم كل ما يخل بالصحة. نعم هنا وجه لدخول زيادة الركوع والسجود في المستثنى منه وعدم البطلان بزيادة الركن وهو التعليل بان السنة لا تنقض الفريضة فان الفريضة هو الخمسة واما الاشتراط بعدم زيادة الركوع والسجود أو كون زيادتهما مبطلة فلا يدل عليهما الا السنة كقوله من زاد في صلوته فعليه الاعادة فالحديث بحسب التعليل دال على عدم نقض ما فرضه الله بشئ ثبت بالسنة. ويؤيده الروايات الدالة على انه لو اتم الركوع والسجود فقد تمت صلوته (2) وقوله (عليه السلام): وادنى ما يجب في الصلوة تكبيرة الاحرام والركوع والسجود من غير ان يتعمد ترك شئ مما يجب عليه من حدود الصلوة (3). فان قلت ان قوله السنة لا تنقض الفريضة بمنزلة التعليل لما سبق والفريضة هي ما اوجبه الله والسنة ما اوجبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو دال على ان كل ما اوجبه النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينقض فريضة الله ومن المعلوم ان ما اوجبه النبي (صلى الله عليه وآله) هي الاجزاء والشرايط المأخوذة في الصلوة واما الموانع والقواطع والزيادة فيها فهى خارجة عنه وحينئذ ان قلنا بان العلة تعمم وتخصص تكون الرواية دالة على اختصاص عدم النقض بالواجبات والفرائض النبوية واما غيرها فناقض وان لم نقل بالتخصيص فلا اقل من سكوتها عنها فلا يشمل المستثنى منه الا للنقيصة وكذا المستثنى. قلت ان السنة في الرواية في قوله فرض الله السجود والركوع ليستا بمعنى الواجبات المعروفة عندنا أي الواجبات التى يستحق المكلف العقاب على تركها.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 29 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث: 2 (3) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 4 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 7

[ 21 ]

ضرورة عدم تعلق الوجوب المولوي الا بنفس طبيعة الصلوة من غير تعلق امر مولوى بالاجزاء والشرايط ولا ثبوت وجوب لها استقلالا ولا تبعا ولا انحلال وجوبها أو امرها إلى وجوبات واوامر ولا بسط الوجوب النفسي إلى الاجزاء والشرايط بحيث تصير واجبات تعبدية نفسية مولوية فان لازمه اشتمال الصلوة وكل مركب واجب إلى تكاليف عديدة يعاقب بترك الصلوة عقابات عديدة عدد الاجزاء والشرايط وهو ضروري البطلان. وما يتكرر في الالسن من الوجوب الضمنى لا يرجع إلى محصل الا ان يراد ان الصلوة واجبة بالذات وينسب الوجوب إلى الاجزاء بالعرض والمجاز والا فامر الشارع بالصلوة وكل مركب امر واحد متعلق بطبيعة واحدة يفنى فيها الاجزاء والشرايط عند تعلقه بها وان كانت ملحوظة حين تقدير الاجزاء واعتبارها في المركب فليس الملحوظ حال تعلق الامر بالطبيعة الا نفسها لا الاجزاء ففى قوله اقم الصلوة لا يلاحظ الا طبيتعها وعند اللحاظ الثانوي يرى اشتمالها عليها فترك الجزء ليس مخالفة لامر المولى ولايكون المكلف معاقبا عليه بل العقاب على ترك الطبيعة والمركب الذى يكون بترك الجزء أو الشرط. بل المراد بالفريضة في تلك الروايات هو ما قرره الله وقدره وعينه وحدده في كتابه ويستفاد اعتباره منه كقوله تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام (1) وقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم (2) وقوله تعالى: اقم الصلوة (3) وقوله تعالى: واركعوا مع الراكعين (4) وقوله تعالى: فاسجدوا لله (5) فان شيئا منها ليست فريضة بالمعنى المعروف بل بمعنى ما قدره وشرعه وحدده الله كما يستعمل في كتاب الارث و يقال للارث: إنه فرض الله وكقوله تعالى: ان الذى فرض عليك القرآن (6) أي قرره وحدده وقوله تعالى: لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (7) أي مقتطعا محدودا وبالسنة


(1) سورة البقرة - آية - 144 (2) سورة المائدة آية - 6 (3) سورة الاسراء آية - 78 (4) سورة البقرة - آية - 43 (5) سورة النجم - آية - 53 (6) سورة القصص - آية - 85 (7) سورة النساء - آية - 118

[ 22 ]

ما سنه وشرعه رسول الله وسنته سيرته وطريقته وشريعته فالمراد من الحديث ان ما قرره وشرعه رسول الله لا ينقض الفريضة والمراد بالفريضة في الرواية مع الغض عن ساير الروايات هي الصلوة فتكون الفريضة بمعناها المعروف عندنا فكأنه قال لا تعاد الصلوة لانها لا تنقض بالسنة وقد مر ان ما في بعض الروايات فرض الله الركوع والسجود ليس بمعنى اوجبهما والامر بهما ارشادى لا يطلق عليه الفرض ولا على متعلقه الفريضة. وكيف كان لا ينبغى الاشكال في ان السنة في الرواية ليست بالمعنى المصطلح ولا بمعنى الواجب من قبل النبي (صلى الله عليه وسلم) بل بمعنى ما سنه وشرعه وثبت بالسنة أي الاحاديث وهو اعم من الشروط والاجزاء والموانع والقواطع كالزيادة فيها فاطلاق المستثنى منه المنطبق على الجميع المؤيد بالتعليل في الذيل محكم. وعلى فرض التنزل عن ذلك فلا ينبغى الاشكال في الغاء الخصوصية عرفا بل يفهم من سياق الرواية ان الصلوة التى من الفريضة لا تنقضه شئ مطلقا الا الخمس من غير فرق بين الواجبات وغيرها كالموانع والقواطع واما المستثنى فمختص بنقص الخمسة التى هي من فرض الله والزيادة في الركوع والسجود داخلة في المستثنى منه كما لا ينبغى الاشكال في ان جميع ما يعتبر في الركوع والسجود من الذكر والاستقرار بل ووضع ما عدا الجبهة على الارض مما علم من السنة داخلة في المستثنى منه ولا تنقض الصلوة بها. فما في بعض كلمات الاعلام من انه لا يستفاد ما ذكر من الرواية لاحتمال كون المراد بالسجود والركوع ما قرره الشارع في الصلوة غير وجيه لما عرفت من وضوح استفادته من التعليل الذى كالصريح في ذلك. ثم ان الظاهر من حديث لا تعاد كما اشرنا إليه هو ان السنة المعتبرة في الصلوة مع فرض أنها سنة فيها لا تنقض الفريضة فجزئيتها للصلوة أو شرطيتها مفروغ عنها بحسب التشريع لكن مع ذلك حكم بعدم الاعادة بنقصها أو زيادتها وحديث الرفع بناء على الرفع الحقيقي فيما يمكن رفعه كالجهل بالحكم ونسيانه مناف له ويرفع

[ 23 ]

التنافى بينهما بالحمل على الحقيقة الادعائية كما في اكثر الفقرات بل لعله الظاهر منه فان الحمل على الحقيقي في بعض والادعائى في غيره وان امكن لكنه خلاف الظاهر والسياق. وكيف كان يستفاد منهما ان الاجزاء وان كانت اجزاء لكنها مرفوعة بحسب الادعاء لفقد الاثر المترتب عليها. ولعل حديث لا تعاد ناظر إلى حديث الرفع وانه مع رفع الجزء والشرط والمانع ولو ادعاء يرفع موضوع الاعادة وفى الحقيقة المبنى والاصل في صحة الصلوة مع الخلل هو حديث الرفع وتدل على الصحة ايضا بعض روايات اخر يأتي الاشارة إليها. وفى مقابل تلك الروايات ما دلت على البطلان كموثقة ابى بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من زاد في صلوته فعليه الاعادة (1) والظاهر شمولها لكل زيادة اتيت بها بقصد كونها منها ركعة كانت أو جزء أو فعلا كالتفكير والتامين. والقول بالاختصاص بخصوص الركعة لانه بها تزيد الصلوة واما الاجزاء فلا تكون صلوة والظاهر من قوله من زاد في صلوته جعلها زائدة عما هو المقرر ولم يصدق ذلك الا بزيادة صلوة إلى صلوته واول مراتب الصدق الركعة ولا اقل من احتمال ذلك ومعه لاتدل على البطلان بزيادة الاجزاء ويؤيده ان الروايات الواردة في الزيادة جلها واردة في زيادة الركعة حتى صحيحة زرارة وبكير الاتية (2) عن ابى - جعفر (عليه السلام) على نقل الكليني حسب نسخة الحر والمجلسي. غير وجيه للفرق بين قول: زادت صلوته وبين قول: وزاد في صلوته إذ لو صح احتمال ما ذكر في العبارة الاولى على اشكال فيه ايضا فلا شك أن احتماله في الثانية ضعيف وعلى خلاف المتفاهم فان الصلوة مركب وحداني لها حدود فإذا زاد فيها شيئا بعنوان الصلوة فقد زاد فيها أفهل ترى أن قوله زاد في صولته سجدة فيه مسامحة ويكون على خلاف الظاهر؟ فلا اشكال في الصدق العرفي من غير فرق بين الركعة


(1 و 2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2 و 1

[ 24 ]

وجزئها ولا بين ما هو من سنخ الصلوة وغيره كالتكفير والتامين إذا اتى به بقصد أنه منها. والقياس بقوله زاد الله في عمرك مع الفارق فان عدم دخالة شئ آخر غير الامتداد الزمانى في العمر قرينة على ان الزائد والمزيد عليه سنخ واحد بخلاف الصلوة المكربة من مقولات متعددة واجزاء كذلك. نعم لا يصدق العنوان الا إذا قصد بالزائد كونه منها أو زيادة فيها فلا يصدق إذا اتى بها بلا قصدها فضلا عن قصد الخلاف من غير فرق بين الاذكار والاركان والافعال ولا بين ما هو من سنخها وبين غيره. والقول بالفرق بين مثل الركوع والسجود وغيرهما كالتكفير بصدق الزيادة مع عدم القصد في الاول دون الثاني فان من اتى بركوعين ولو بلا قصد الصلوة يصدق انه زاد في صلوته الا إذا قصد الخلاف مثل الاتيان بعنوان آخر كالسجود للعزيمة. غير وجيه للفرق بين قوله: زاد في صلوته وبين قول: اتى به في حالها والركوع الثاني مع عدم القصد حتى ارتكازا كما لو ذهل عن الصلوة رأسا وان اتى به في حالها بناء على عدم الخروج من الصلوة مع الذهول لكنه لا يعد زيادة فيها. وتوهم ان الاتيان بما هو سنخها يجعله جزءا قهرا بل حتى مع قصد الخلاف كاضافة غرفة في البيت الذى كان محدودا بحد خاص. فاسد إذ قياس المركبات الاعتبارية بالاعيان الخارجية مع الفارق فان الاعتبارات متقومة بالقصد فكما ان التركيب والتقويم قبل التشريع لا يتحقق الا باعتبار الشئ جزء كذلك لا يصير شئ زيادة في المركب الاعتباري الا بالقصد. والاستشهاد لصدق الزيادة ولو مع قصد الخلاف بما ورد في سجدة العزيمة انها زيادة في المكتوبة (1) في غير محله لاحتمال ان تكون السجدة التابعة للسورة التى هي جزء الصلوة على رأى المجوز جزء تبعا ويقصد به الجزئية ولو منع ذلك فلابد من حمل الرواية على التعبد وانها زيادة حكما لا واقعا ولا يصح التعدي إلى غيرها. كما ان القول بان ما هو خارج عن سنخ الصلوة لا يصير زيادة ولو بالقصد كما


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 40 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث: 1

[ 25 ]

لو القى حصاة في لبن لا يصير ذلك زيادة فيه وان قصد به ذلك. فاسد فان ذلك قياس الامر الاعتباري المتقوم بالقصد بالاعيان الخارجية التى ليس للقصد فيها مدخل. ثم ان الموثقة تشمل الزيادة العمدية وغيرها لا بمعنى الزيادة التشريعية كما توهم فان التشريع بالمعنى الذى ذكروه ممتنع لامتناع ادخال ما ليس في الشرع فيه ولو بناء وقصدا لامتناع تعلق القصد بما هو خارج عن القدرة مع العلم بالاطراف نعم التشريع بمعنى الافتراء لا مانع منه عقلا. بل بمعنى الزيادة عمدا على المأمور به في المأتى به فان الاتيان بركوع أو سجدة أو كيفية في الماتى به بعنوان الزيادة على ما امر به الله يعد زيادة في صلوته فان من علم ان الشارع لم يجعل في الصلوة الا ركوعا واحدا في كل ركعة ولكن اعتقد ان الزيادة على المأمور به لا تضر يتمشى منه قصد الاتيان بالزائد منه بعنوان الزيادة في المأتى به لا في المأمور به بما هو كذلك فالجزء المزيد فيه تعد جزء زايدا على المأمور به وان لم يكن زايدا عن ماهية الصلوة فانها كما تصدق على المصداق الناقص بركعة أو ركوع تصدق على الزايد ايضا. ومن المحتمل ان الرواية وردت لاجل ردع المكلف من التعدي عن حدود الصلوة فان الزيادة لما لم تكن بحسب القاعدة مضرة بالصلوة فربما يأتي المكلف بالزيادات بداعي زيادة الاجر والثواب وحيث إن في ذلك مظنة للهرج فامر بالاعادة لحفظ حدودها وان الزيادة ناقضة لها وهذا احتمال غير بعيد لكنه مخالف لاطلاقها و عليه فلا معارضة بينهما. وكيف كان فالرواية شاملة لكل زيادة فحينئذ ان قلنا بان لا تعاد لا يشمل الزيادة كما قال به شيخنا الاجل فلا معارضة بينهما وان قلنا بالتعميم تكون النسبة بينهما العموم من وجه فبناء على عدم شمول لا تعاد لغير السهو يقع التعارض بينهما فيه وان قلنا بشموله لكل خلل الا العمدي منه يقع التعارض في غير موارد العمد.

[ 26 ]

فقد يقال في مقام العلاج بحكومة لا تعاد على ادلة اعتبار الاجزاء والشرايط والموانع ومنها هذه الموثقة. وفيه منع فان التقديم بالحكومة منوط بلسان الدليل مع موافقة العرف على ذلك كحكومة دليل نفى الحرج على الادلة الاولية وفى المقام حيث كان الاثبات والنفى واردين على موضوع واحد من غير تعرض احدهما لموضوع الاخر ولا لمحموله ولا لسلسلة علله أو معلولاته وكان قوله: لا تعاد الصلوة كقوله: عليه الاعادة واردا على عنوان الاعادة فلا يكون فيه مناط الحكومة بوجه. هذا إذا قلنا بان عنوانها متعلق للحكم وكذا ان قلنا بان الكلام فيهما مبنى على الكناية عن البطلان وعدمه والميزان هو المكنى عنه فيكون مفاد لا تعاد عدم بطلان الصلوة بالخلل ومفاد الموثقة بطلانها فلا وجه لتقديم احدهما على الاخر ولايكون التقديم عرفيا كما هو واضح. واما ما في ذيل الرواية من ان السنة لا تنقض الفريضة فان قلنا بان قوله: من زاد فعليه الاعادة كناية عن نقض الزيادة للصلوة والميزان هو المكنى عنه لا المفهوم الكنائى لعدم تعلق الارادة به فلا حكومة في البين ايضا فان الدليلين واردان على موضوع واحد وهو النقض وعدمه. واما ان قلنا ان الاعتبار بلفظ الرواية فيمكن القول بالحكومة لان الحكم بالاعادة مترتب على نقض الزيادة وقوله: السنة لا تنقض الفريضة يرفع العلة واساس الحكم لكن الظاهر ترجيح الاحتمال الاول لان الاعادة غير منظورة بوجه فان من الظاهر ان الزيادة ليست سببا لرفع التكليف الاول بالصلوة واثبات تكليف جديد لوجوب الاعادة والعرف يفهم من امثال ذلك المعنى الكنائى وان ايجاب الاعادة على من زاد كعنوان مشير إلى المكنى عنه. واما اظهرية لا تعاد من الموثقة لاشتماله على الاستثناء الدال على الحصر والتعليل الموجبين لقوة الظهور فغير بعيدة لكن كونه بحيث يقدم في مقام التعارض في محيط

[ 27 ]

العرف على معارضه محل تأمل. ويمكن حمل من زاد فعليه الاعادة على الرجحان المطلق أعم من الوجوب حملا للظاهر على النص فان دليل لا تعاد نص في عدم لزوم الاعادة والموثقة ظاهرة في لزومها، وهذا مبنى على عدم كون (فعليه الاعادة) كناية عن البطلان وعلى عدم مانعية عدم الفتوى باستحباب الاعادة عن الحمل المذكور ولكن في هذا الجمع ايضا اشكال. وكيف كان سواء قلنا بأنه لا جمع عرفى بينهما أو قلنا بوجود مناط الحكومة في لا تعاد صدرا أو ذيلا أو باظهريته دلالة من الموثقة لابد من معاملة التعارض بينهما بعد لزوم تخصيص الاكثر المستهجن. الا ان يقال كنا اشرنا إليه بان اختصاص الموثقة بالمتعمد للزيادة ليس مستهجنا لعدم ندرة التعمد غير المضر بنظر المكلف لولا ورود النهى عن الزيادة أو الامر بالاعادة كما في الموثقة فان الندرة انما هي بملاحظة ورود ذلك ولولاه لم تكن نادرة خصوصا في محيط المتعبدين الملتزمين للعبادة واكثارها وأما ندرة تعمد الزيادة بعد ملاحظة الامر بالاعادة فلا توجب استهجانا. ولو اغمضنا عن ذلك أو زيفناه ولم يصح حمل الموثقة على زيادة الركعة للاشكال فيه كما مرو وصلت النوبة إلى المعارضة فالترجيح لحديث لا تعاد للشهرة على عدم ابطال الزيادة السهوية التى هي الفرد الشايع لمضمون الرواية. بل يمكن ان يقال ان المشهور لم يعملوا بمضمون الموثقة مطلقا اما في الزيادة السهوية في غير الاركان وبعض الموارد التى دلت الادلة الخاصة على الابطال فواضح واما في الاركان فلان المستند حديث لا تعاد واما في الزيادة جهلا بالحكم فلاستنادهم بامر عقلي كالدور والتصويب والاجماع والشهرة القرائنية اما مرجحة كما قالوا أو مميزة للحجة من غيرها. ومع الغض عنه يمكن ان يقال ان عدم عمل المشهور بالموثقة في المورد

[ 28 ]

الرايج من الزيادة يكشف عن قرينة دالة على اختصاص الموثقة بالعامد أو بالركعات. ولو اغمضنا عن ذلك فالترجيح ايضا لحديث لا تعاد لموافقته للسنة النبوية و هي حديث الرفع العام لجميع الموارد صلوة أو غيرها بناء على شمول ادلة العلاج للعامين من وجه كما هو الحق وكون الكتاب والسنة مرجحين حتى مع كون النسبة بينهما وبين احد المتعارضين أو كليهما عموما من وجه كما لا يبعد وعلى فرض عدم اندراجهما في ادلة العلاج وسقوطهما بالتعارض فمقتضى القاعدة عدم ابطال الزيادة. ومما تعارض الموثقة رواية سفيان ابن السمط لولا ضعفها وارسالها لقوله (عليه السلام) فيها: تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان (1) اللازم منه صحة الصلوة في جميع موارد الخلل السهوى ضرورة عدم لزوم سجدتي السهو في الصلوة الباطلة فالرواية بلازمها تعارض الموثقة وان كانت النسبة بينهما عموما مطلقا لان المفروض لزوم التخصيص المستهجن ومعه يعارض العام الخاص. وتوهم ان بينهما عموما من وجه لان الرواية متعرضة للنقصان دون الموثقة فاسد لان العموم من وجه أو المطلق انما يلاحظ بين العنوانين الشاملين بالعموم أو الاطلاق للمصاديق كالعالم والفاسق وكل عالم وكل فاسق واما إذا صرح في الدليل بالافراد أو بالاصناف فلا فإذا قال اكرم كل عالم عادل وكل عالم فاسق وورد لا تكرم العالم الفاسق فليس بين الدليلين العموم المطلق بل لا يعارض لا تكرم لقوله اكرم العالم العادل و يعارض الجملة الثانية بالتباين والسر فيه ان كلا من الجملتين مستقلة لها حكم ويلاحظ النسبة بين كل من الجملتين مع غيرها فيقع التعارض بالتباين في المقام بين الحديثين. وقد يقال ان دليل سجدتي السهو ليس في مقام تكفل حكمين احدهما الاعادة من جهة الزيادة وثانيهما وجوب سجدتي السهو بل هو ممحض لحكم الزيادة السهوية في فرض احراز صحة الصلوة وعدم مانعية الزيادة من الخارج مع سكوته عن بيان أن أي مورد تصح فيه الصلوة ولا تكون الزيادة مانعة.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 32 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3

[ 29 ]

وفيه ما لا يخفى فان الدليل وان لم يتكفل الا لحكم الزيادة السهوية لكن العموم يقتضى ان يكون سجود السهو لكل زيادة وكل نقيصة فيشمل الاركان وغيرها ولازمه عدم البطلان بها في جميع الموارد ودعوى فرض الصحة في موضوعه بلا شاهد. وان شئت قلت ان قوله لكل زيادة سجدتا السهو لو القى إلى العرف الخالى ذهنه عن الشبهات لا يشك في ان السجدة ثابتة للخلل كلها ولا تضر الزيادة مطلقا بصحة الصلوة بعد العلم بان سجود السهو ليس في الصلوة الباطلة بل كونه في مقام البيان يدل باطلاقه على ان ليس في الزيادة والنقص الا سجود السهو. وقد يستشكل في رواية سفيان بان اجزاء الصلوة اما اركان واما غيرها من القرآن والذكر والدعاء ولا فرق في البطلان بالزيادة أو النقصان في الاول بين العمد والسهو ومعه لا مورد لسجود السهو وفى الثاني لا يتصور الزيادة بعد ما امر بها في الصلوة بل مقتضى بعض الروايات ان كل ما ذكرت الله ورسوله فهو من الصلوة (1) فاين الزيادة التى لو وقعت عمدا تبطل الصلوة ولو وقعت سهوا توجب السجدة. واجيب عنه بانه يمكن ان يكون المراد من الزيادة في المرسلة ما اعتبر عدمه من قبيل البكاء والقهقهة والوثبة والتكلم بغير الذكر والقرآن فيكون معنى المرسلة ان في ترك كل ما اعتبر وجوده في الصلوة أو فعل ما اعتبر عدمه فيها سهوا سجدتي السهو. ولا يخفى ما في الاشكال والجواب اما في الاول فلانه وراء ما ذكر امور تبطل بها الصلوة مع العمد حسب موثقة ابى بصير إذا وقعت بعنوان الصلوة أو الزيادة فيها كالتكفير والتامين وزيادة القيام والجلوس كمن قام اثناء التشهد أو جلس اثناء القرائة بعنوان الزيادة فيها أو فعل افعالا أخر بعنوان الصلوة بل لعل زيادة فاتحة الكتاب أو بعضها بعنوان الزيادة في الصلوة موجبة للبطلان ولا ينافى ذلك الرواية المشار إليها من ان كل ما ذكرت الله ورسوله فهو من الصلوة لاحتمال ان يكون المراد بها وبمثلها ان من قرء القرآن أو دعى دعاءا وذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) متقربا إلى الله صار من الصلوة بعد وجودها ولا ينافى ذلك البطلان لو اتى بها بعنوان الزيادة فيها تأمل.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2

[ 30 ]

واما في الثاني فلان ما اعتبر عدمه في الصلوة لا يكون وجوده مع عدم قصد كونه من الصلوة أو زيادة فيها من الزيادة بل يرجع إلى نقصان الصلاة بفقد القيد و هذا هو الموجب للبطلان لا الزيادة ولا هي مع النقصان والحمل على أن مبطلية الاتيان بما اعتبر عدمه لكونه موجبا للنقصان خلاف الظاهر خصوصا مع المقابلة بينهما في الرواية. ومما يعارض موثقة ابى بصير حديث الرفع حتى على تقدير وجود مناط الحكومة من اجل استلزامها التقييد المستهجن على المفروض فحينئذ ان قلنا بان حديث الرفع حديث واحد معارض للموثقة ياتي فيه ما مر في معارضتها لحديث لا تعاد الا في بعض ما يختص به. وان قلنا بانه لاشتماله على الفقرات المستقلة موردا وحكما كالروايات المتعددة بل لعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع الموارد المختلفة التى رفعها الله عن امته في كلام واحد كما ربما يستفاد من بعض الروايات فيكون كل فقرة منه حاكمة على اطلاق الرواية فيما يقابل تلك الفقرة فيكون حاله كالمخصصات المنفصلة الواردة على العام الموجبة للاستهجان إذا خصص بكلها فيقع التعارض العرضى بين المخصصات للعلم اجمالا ببطلان بعضها ومع عدم جريان مرجحات باب التعارض في مثل المقام أو كون نسبتها إلى جميع الفقرات على السواء تسقط عن الحجية ولكن العام أو المطلق كما في المقام يسقط عن الحجية ايضا للعلم بورود مخصص عليه اجمالا مع فرض عدم وجود القدر المتيقن الموجب للانحلال فيرجع إلى مقتضى القاعدة من عدم البطلان بالزيادة. ومن هنا يظهر الكلام في معارضة حديث الرفع مع المستثنى في حديث لا تعاد فانه بناء على ما ذكرنا من اطلاقه صدرا وذيلا بالنسبة إلى مطلق الخلل غير الخلل الحاصل بالعمد والعلم وبناء على ملاحظة كل عنوان فيه وفى حديث الرفع مستقلا كما هو الموافق للتحقيق تكون النسبة بين كل عنوان من عناوين المستثنى في حديث لا تعاد وبين ما يقابله من عناوين حديث الرفع العموم من وجه فان مقتضى

[ 31 ]

المستثنى لزوم الاعادة في ترك الركوع مثلا باى سبب كان ومقتضى فقرة رفع النسيان مثلا من حديث الرفع عدم الاعادة إذا كان عن نسيان فيعم حديث رفع النسيان الركوع وغيره ويختص بالنسيان ويعم حديث لا تعاد الخلل النسيانى وغيره ويختص بالركوع مثلا فيما إذا لوحظ عنوان الركوع في المستثنى فيقع التعارض بينهما بالعموم من وجه وهكذا الحال في سائر العناوين من كل منهما وحيث كان تحكيم حديث الرفع على المستثنى في جميع الفقرات متعذرا للزوم التخصيص المستهجن أو المستغرق إذا قلنا بخروج الخلل عن علم من مفاد لا تعاد صدرا وذيلا فيقع التعارض بين فقرات حديث الرفع ومع عدم الترجيح يسقط عن الحجية كما يسقط حديث لا تعاد عنها بعد العلم الاجمالي بورود تخصيص عليه وعدم قدر متيقن في البين فلابد من العمل على طبق القاعدة من بطلان الصلوة مع نقص الجزء الركنى وصحتها مع زيادته بناء على شمول المستثنى للزيادة ايضا والا فالامر أوضح. وربما يتوهم ان حديث لا تعاد ليس في مقام البيان بالنسبة إلى المستثنى ولا أقل من عدم احراز ذلك وانما المحرز قطعا كونه في مقام بيان المستثنى منه سيما مع لحاظ ذيله من ان القرائة سنة الخ فسقط القول بالمعارضة والقول بالعموم من وجه. وفيه ان الظاهر كونه في مقام بيان قاعدة كلية في طرفي الاعادة وعدمها بل الظاهر ان قوله ان السنة لا تنقض الفريضة بعد استثناء الخمسة التى هي الفرايض الالهية المستفادة من الكتاب لبيان ان الميزان في نقض الصلوة التى هي فريضة هو الخلل الواقع فيها من قبل فريضة الله أي الخمسة وفى عدم نقضها هو الخلل الواقع فيها من قبل غير الفريضة بمعنى ان الفريضة ناقضة للفريضة واما السنة فلا فالميزان في النقض هي الفريضة بذاتها مطلقا من غير دخالة حالات المكلف في ذلك كما هو الامر في السنة وهذا هو معنى الاطلاق فلا ينبغى الاشكال في اطلاقه صدرا وذيلا. ويؤيد ذلك انه لو دخل الاهمال في المستثنى لا محالة سرى إلى المستثنى منه لان ما عدا الخارج منه من الحالات داخل في المستثنى منه والداخل غير معلوم

[ 32 ]

فيكون هو مهملا أو مجملا وهو ينافى كونه في مقام البيان بالنسبة إلى المستثنى منه ثم على فرض الاهمال لا يصح التمسك بالصدر ولا بالذيل فلابد من العمل بالقواعد ومقتضاها البطلان في النقيصة والصحة في الزيادة. ويمكن ان يقال في اشباه ذلك بالمعارضه بين فقرات الروايتين بعد عدم امكان اعمال التخصيص أو الحكومة لورود فقرات الحاكم أو المخصص في عرض واحد على المحكوم أو العام فيؤخذ بالمرجح لو كان والا فلابد من القول بالسقوط أو بالتخيير في الاخذ باحداهما وفى المقام يقدم لا تعاد لوجود المرجح وهو الشهرة المحققة بالبطلان مع نقص الخمسة لو لم نقل بان الاجماع المدعى أو الشهرة غير معتبرين لاحتمال كون كل منهما مستندا إلى القواعد أو إلى قوله لا تعاد وغيره. ثم ان ذلك كله فيما إذا قلنا بشمول حديث الرفع للتروك كما قررنا وجهه واما مع عدم الشمول كما احتملناه أو لا لكون الترك لا رفع له وانه لا اثر له شرعا بل الاثر وهو البطلان ولزوم الاعادة عقلي فلا يعارض حديث لا تعاد ويكون إذن مستند البطلان بترك كل من الخمس هو حديث لا تعاد هذا على ما هو التحقيق من عدم اندراج زيادة الركن في مستثنى لا تعاد بل في المستثنى منه كما مر واما مع اندراجها في المستثنى فيقع التعارض بينهم ا في الزيادة ويتضح الكلام فيه بما مر. ومما ذكرنا يظهر الكلام فيهما مع صحيحة زرارة وبكير ابني اعين عن ابى - جعفر (عليه السلام) قال: إذا استيقن انه قد زاد في الصلوة المكتوبة لم يعتد بها واستقبل الصلوة استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا (1) فانه يجرى فيها ما جرى في موثقة ابى بصير مع حديث الرفع وحديث لا تعاد. نعم لا شبهة في عدم شمول هذه الصحيحة للزيادة العمدية والاكراهية والاضطرارية وما صدر عن تقية ويحتمل اختصاصها بالسهو أو به بالنسيان أو عمومها للجهل بقسميه ايضا كما يأتي الاشارة إليه. وعلى أي حال تكون النسبة بينها وبين ما تقدم هي العموم من وجه لان حديث الرفع


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1

[ 33 ]

في كل فقرة منه يختص بعنوانها الخاص ويعم النقيصة والزيادة، وهذه الصحيحة تعم اكثر العناوين والحالات وتختص بالزيادة، وحديث لا تعاد (1) ينفى الاعادة عند الاخلال بخصوص غير الخمس ويعم النقيصة والزيادة وهذه الصحيحة تثبت الاعادة عند الاخلال بأى جزء أو شرط مع اختصاصها بالزيادة، فحال التعارض بين الصحيحة وبين كل من حديث الرفع وحديث لا تعاد في مادة الاجتماع، بعد فرض عدم جريان الحكومة وعدم صحة التقديم بالشهرة ما تقدم في موثقة ابى بصير هذا كله مع كون المتن ما تقدم ذكره كما هو كذلك في الوافى ومرآة العقول وفى النسخة التى عندنا من الكافي وفى ما عن التهذيب والاستبصار نقلا عن الكافي واما على ما في الوسائل (2) من زيادة كلمة ركعة بعد قوله في الصلوة المكتوبة فلا موضوع للمعارضة. واما معارضتها مع رواية سفيان بن السمط (3) فقد يقال إنها بالتباين لاختصاصهما بالزيادة وعمومهما للاركان وغيرها ومع ذلك يقدم رواية سفيان فانه بعد تخصيصها بما عدا الاركان بمقتضى ما دل على وجوب الاعادة في زيادة الركن يتعين تقديمها على صحيحة زرارة بالنسبة إلى زيادة غير الركن إذ لولاه لزم لغوية قوله تسجد سجدتي السهو لكل زيادة لبقائه حينئذ بلا مورد. بل تقديمها عليها مقتضى تقديم الاظهر على الظاهر لانه لا شبهة في ان قوله: تسجد سجدتي السهو اظهر في الدلالة على الصحة في زيادة غير الركن من دلالته عليها في زيادة الركن لمكان اولوية الصحة في غير الركن منها في الركن كما ان قوله: إذا استيقن اظهر في الدلالة على البطلان في زيادة الركن من دلالته على البطلان في غير الركن فلابد من حمل الظاهر في كل منهما على ما يكون الاخر اظهر فيه فيحمل قوله: إذا استيقن على خصوص زيادة الركن وقوله: تسجد سجدتي السهو على زيادة غير الركن


(1) الوسائل باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (2) الوسائل باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 32 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث 3

[ 34 ]

انتهى ملخصا. وفيه مواقع للنظر منها ان النسبة بينهما هي العموم المطلق فان الصحيحة تعم السهو والنسيان للحكم والموضوع والجهل كذلك والرواية لا تشمل الا السهو وهو ان اريد به ما يقابل النسيان كما هو مقتضى الجمود على التعبير، فينحصر مفاد الرواية بذلك ويخرج ساير العناوين وان اريد به ما يعم النسيان، إنحصر مفادها بالسهو والنسيان وخرج الجهل بقسميه عنه. واما الصحيحة فتعم ما عدا الترك العمدي من ساير العوارض واحتمال اختصاصها بخصوص السهو مدفوع بان الظاهر المتفاهم عرفا منها ان الزيادة بما هي زيادة موجبة للاعادة من غير دخالة السهو وغيره فمناسبة الحكم والموضوع تؤكد التعميم، وعليه كان تقديم الرواية عليها للجمع العرفي بينهما من باب تقديم الخاص على العام، ومقتضاه خروج السهو أو هو مع النسيان عن الصحيحة واختصاصها بالجهل بقسميه أو به وبالنسيان كذلك. ومنها ان لزوم اللغوية على فرضه لا يكون من المرجحات وليس الجمع بلحاظه عرفيا كما تقدم. ومنها انه مع ورود التخصيص في الاركان قبل لحاظ المعارضة كما هو ظاهر كلامه تنقلب النسبة من التباين إلى العموم المطلق فلا وجه للتشبث باللغوية كما انه لو فرض التخصيص بعد التعارض لا موضوع لدعواه. ومنها ان دعوى الاظهرية في بعض المفاد في كل منهما ممنوعة لان الظهورات مربوطة بدلالات الالفاظ مفرداتها مادة وهيئة وهيئات الجمل المشتملة على المفردات، وأما الامور الخارجية كالاولوية المذكورة فغير دخيلة فيها نعم قد يكون قيام القرينة موجبا لصرف الظاهر أو جعل الظاهر في الجملة التركيبية اظهر لكن المقام ليس من هذا القبيل. بل الاولوية المذكورة لا مساس لها بالظهورات اللغوية وهذه الدعوى نظيرة

[ 35 ]

دعوى ان قلة الافراد توجب الاظهرية في العموم مقابل كثرة الافراد مع ان كثرة الافراد وقلتها خارجتان عن مفاد الادلة وغير مربوطتين بالدلالات العرفية واللغوية فقوله اكرم كل عالم ليس اظهر دلالة بالنسبة إلى العدول بدعوى انهم اولى بالاكرام من غيرهم كما لا فرق في دلالة المفردات والهيئات بين كثرة الافراد وقلتها وهو واضح فالاولى في الجمع ما ذكرناه هذا مع ضعف رواية سفيان وارسالها فلا مجال لهذه التفصيلات وانما تعرضنا لذلك لترتب الفائدة عليه في ساير الأبواب. هذا كله مقتضى الجمع أو الترجيح في العمومات الواردة في المقام كحديث الرفع (1) ولا تعاد (2) ومقابلاتهما فتحصل من المجموع بطلان الصلوة بالخلل في الخمسة نقصا لا زيادة وصحتها بالخلل في غيرها مطلقا. بقى الكلام في موارد الخروج عن المستثنى منه والمستثنى تخصيصا أو تخصصا من الشروط والاجزاء. (القول في الشروط) مسألة من الشروط النية وقد ادعى الاجماع على بطلان الصلوة بالاخلال بها ولابد في تصويره من بيان ماهية النية فقد نقل الخلاف بين متقدمي الاصحاب والمتأخرين في ان النية هل هي الاخطار بالبال أو القصد والارادة ولا يخفى أن ابقاء ذلك على ظاهره يعطى أن المحققين من اصحابنا المتقدمين ذهبوا إلى امر واضح


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 37 من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 و - باب - 30 - من ابواب الخلل في الصلوة حديث: 2 وباب - 56 - من ابواب جهاد النفس حديث: 1 و 2 و 3 2 - الوسائل كتاب الطهارة - باب - 3 - من ابواب الوضوء حديث 8

[ 36 ]

الفساد وهو ان الاخطار بالبال قائم مقام القصد في وجود الفعل الاختياري في خصوص العبادات فهى مع كونها من الافعال الاختيارية المحتاجة في الوجود إلى المقدمات من التصور والتصديق والاشتياق احيانا والارادة تستثنى من القاعدة العقلية لمكان عبادتيها إذ من الواضح ان الخطور من سنخ التصور ولا يعقل كونه علة لتحريك الاعضاء والاعصاب لايجاد الفعل. ولهذا التجأ بعضهم إلى حمل كلامهم على ان الخطور بالبال من مقدمات حصول الارادة والنية أي إنه هو التصور المتقدم على الارادة. وهو حمل في غاية البعد بل فاسد جدا إذ يرجع إلى ان مرادهم ان الشارع الاقدس اعتبر التصور الموقوف عليه الفعل من شرايط صحة العبادة وهو كما ترى. والذى يمكن ان يقال ان مرادهم اعتبار امر زايد على التصور والتصديق والقصد والارادة التى تشترك فيها جميع الافعال الاختيارية وهو اضمار النية بان يضمر في نفسه أنه يصلى صلوة كذائية. وقد ورد في باب نية الاحرام روايات دالة على التخيير بين القول والاظمار في النية كصحيحة حماد بن عثمان عن ابى عبد الله قال: قلت له انى اريد ان اتمتع بالعمرة إلى الحج فكيف اقول: قال تقول اللهم انى اريد ان اتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك وان شئت اضمرت الذى تريد (1) وفى بعض الروايات قال: اصحاب الاضمار احب إلى (2). وقد تعارف التنطق بالنية بين العوام في الصلوة والاضمار بها بل حتى لدى بعض الخواص أيضا وهو امر زائد على القصد الذى هو من مقدمات وجود الفعل ومن الشئون الفعلية للنفس. ولعل نظرهم في اعتبار الاخطار والاضمار إلى مثل تلك الروايات مع القطع


(1) الوسائل كتاب الحج - باب - 17 - من ابواب الاحرام حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الحج - باب - 17 - من ابواب الاحرام حديث: 5

[ 37 ]

بعدم الفرق بين عبادة وعبادة أو ان نظرهم إلى مثل ما ورد (1) من انه لا عمل الا بالنية حملا لها على الاضمار المذكور اما لتلك الروايات أو لان الاخذ بظاهره من حاجة العمل إلى القصد يرجع إلى توضيح الواضحات الذى ينزه عنه كلامهم بداهة أن عدم تحقق الفعل الا بالقصد من الواضحات فلابد من حملها على اضمار النية على نحو ما ذكر في الروايات المتقدمة. وكيف كان لو كان ذلك حقا لكان تصوير الخلل في النية واضحا لامكان ايجاد الفعل جهلا أو نسيانا بلا اضمار النية أو التكلم بها، أو مع تكرار الاضمار لو كان ذلك خللا. واما على القول الاخر وهو ان النية عبارة عن الارادة التفصيلية أو الاجمالية والارتكازية فلابد في تصوير الخلل في النية من بيان ما هو التحقيق في مبدئيتها للفعل الخارجي والاولى تشريحها أو لا في المركبات الخارجية كالبيت والسيارة ونحوها كى يتضح الامر في المركبات الاعتبارية كالصلوة. فنقول إذا كان بناء قصر على شكل ورسم خاص متعلقا لارادة البناء فلا يعقل ان تكون تلك الارادة المتعلقة ببناء القصر الكذائي مبدءا لوجود مقدماته الخارجية أو الداخلية لان كل مقدمة منها بما انها فعل خاص اختياري لابد في وجودها من حصول المقدمات المختصة بها فمع حصول تلك المقدمات لا محالة يتعلق بهذا الفعل الخاص ارادة ولا يعقل تعلق ارادة اخرى به في عرض واحد كما هو واضح. فالارادة المتعلقة بالكل تصير داعية إلى تعلق ارادة مستقلة بالجزء أو الشرط الذى توقف وجود الكل عليه لا بمعنى تولد ارادة من ارادة أو عليتها لها فان ذلك غير معقول بل بمعنى ان الفاعل لما اراد ان يوجد بناء ورأى ان هذا البناء يتوقف وجوده على تسطيح الارض مثلا وتهيئة الاسباب المحتاج إليها في البناء يصير تصور ذلك والتصديق بالصلاح والاشتياق احيانا موجبة لتعلق ارادة مستقلة بالجزء، وكل جزء أو شرط يتوقف


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 5 من ابواب مقدمة العبادات حديث 1 و 2 و 3 و 9

[ 38 ]

عليه الكل يتعلق القصد به على نعت الكثرة لا محالة، والفرق بين الاجزاء والشروط والمقدمات الخارجية وبين الكل ان الاشتياق إليه وقصده نفسيان فهو مشتاق إليه ومقصود بذاته، واما المقدمات مطلقا داخلية وخارجية فهى مقصودة بالتبع لا بذاتها بل لاجل حصول الغير، فهنا ارادة ذاتية متعلقة بالكل والطبيعة، وارادات متكثرة حسب تكثر الافعال والمقدمات متعلقة بها لاجل الغير أي الكل. وما قد يقال من ان ارادة المقدمة ناشئة من ارادة ذى المقدمة وهى علة لها فاسد أو فيه مسامحة ان صدر عن محقق بارع. كما ان ما يقال من ان الارادة في اول الشروع في العمل تفصيلية وهى باقية بنحو الاجمال والارتكاز إلى اخر العمل فيه خلط فان الارادة بسيطة امرها دائر بين الوجود والعدم لا التفصيل والاجمال، نعم قد تكون معلومة موردة للالتفات والتوجه، وقد تكون مغفولا عنها غير موردة لهما، والا فهى موجودة في كل فعل اختياري، كيف وهى علة لتحريك العضلات إلى الافعال من غير فرق بين مورد الالتفات وعدمه ومن غير امكان عروض التفصيل والاجمال عليها لا في اول العمل ولا في أثنائه، نعم في اول العمل تكون الارادة والعمل ملتفتا اليهما غالبا بخلاف اثنائه فانه قد يغفل عنهما في أثناء العمل غفلة ما. فتحصل مما مر ان الارادة المتعلقة بالطبيعة في مثل الصلوة غير الارادات المتعلقة بالاجزاء المحركة إلى ايجادها فحينئذ ان انبعث المكلف عن ارادة الطبيعة المأمور بها إلى ايجاد الاجزاء بالمعنى المعقول في الانبعاث لا بمعنى كون ارادة الطبيعة بنفسها محركة إلى الاجزاء بل بمعنى أن المكلف بعد علمه بالتكليف المتعلق بالطبيعة وتصديقه بوجود المصلحة في الفعل ولزوم ايجاده المستتبع لتعلق ارادته به وبعد علمه بتوقف وجوده إلى ذلك الجزء كالتكبير مثلا والتصديق بالفايدة تتعلق ارادته بايجاده فإذا اوجده بتلك المبادى صار جزء للمأمور به سواء التفت حال الايجاد إلى الارادة المتعلقة بالطبيعة أو الارادة المتعلقة بالاجزاء ام لا.

[ 39 ]

واما إذا ذهل عن الطبيعة والامر المتعلق بها ذهولا تاما بحيث لم تكن ارادة الجزء منبعثة عن ارادتها وصارت ارادة الجزؤ اما مستقلة غير تابعة أو تابعة لمبادئ اخر لم يصر جزء للطبيعة المأمور بها، بل يقع باطلا فما هو المعتبر في العبادة كون ارادة الاجزاء منبعثة بنحو ما مر عن ارادة المأمور به. وعلى هذا فيتصور الخلل في النية بمعنى القصد من غير ان يكون الفعل الاختياري فاقدا للمبدأ أي الارادة فيدفع الاشكال الذى يمكن ان يرد على ذلك الشرط على فرض كون النية هي الارادة بان ارادة الفعل لا يعقل لاخلال بها في الفعل الاختياري إذ لا يعقل وجوده الا بها وجه الدفع ان الارادة وان كانت موجودة في جميع الاجزاء الموجودة اختيارا لكن ما هو المعتبر كونها ناشئة من ارادة المأمور به بالنحو الذى قلنا آنفا. فعلى ما ذكرناه لو اوجد اجزاء الصلوة من التكبيرة إلى التسليم لله تعالى لكن لا بباعثية الارادة المتعلقة بالطبيعة اللازم منه عدم ايجاد تلك الاجزاء اجزاء للصلوة وقعت باطلة غير مسقطة للتكليف ولو اخل بهذا القصد في الاجزاء الركنية فكذلك لان فقد الركن موجب للبطلان وان اخل بذاك القصد في غير الاجزاء الركنية لم يوجب الا بطلان ذلك الجزء، فان امكن تداركه وجبرانه وجب والا صحت صلاته لقاعدة لا تعاد. ومن ذلك يظهر ان بطلان الصلوة بفقد النية بالمعنى المذكور في جميع الاجزاء أو في الجزء الركنى وعدم البطلان بفقده في غير ما ذكر ليس تخصيصا في دليل لا تعاد لا في عقد المستثنى منه ولا في عقد المستثنى. ولو قلنا بان النية عبارة عن الخطور بالبال على ما تقدم من احتمال استفادة ذلك من الروايات (1) الواردة في النية في احرام العمرة، أو من قوله (2) لا عمل الا بنية و (3) انما


(1) الوسائل كتاب الحج - باب - 17 - من ابواب الاحرام حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 5 من ابواب مقدمة العبادات حديث 1 و 2 و 3 و 9 (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 5 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 1

[ 40 ]

الاعمال بالنيات بالتقريب المتقدم، فلا يوجب الاخلال غير العمدي بها في اصل الصلوة أو في اركانها فضلا عن غيرها بطلانها، وذلك لحديث الرفع وقاعدة لا تعاد، لان ما هو الركن الموجب للاعادة هو الخمسة، واما النية بهذا المعنى فلا، ولا يوجب بطلان الركن حتى تبطل به الصلوة. الا ان يقال ان اعتبار النية مستفاد من الكتاب مثل قوله تعالى (1) وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فخرجت عن السنة التى لا تنقض الفريضة ودخلت في الفريضة الناقضة. لكنه فاسد اما اولا فلان الاية الكريمة وما شابهتها بصدد بيان الاخلاص في النية بعد ما كانت معتبرة في الصلوة واجزائها عقلا لتقوم نفس الصلوة واجزائها بها، وهو امر عقلي لا اعتبار شرعى. واما ثانيا فلانه لا دليل على ان كل فريضة فرضها الله في كتابه ناقضة للفريضة فان ما دل عليه حديث لا تعاد هو حصر الناقض بالخمس وذيله لاتدل الا على قاعدة اخرى هي عدم نقض السنة الفريضة، واما نقض كل فريضة ولو غير الخمسة فلا دلالة فيها، وتوهم دلالة مقابلة السنة للفريضة أو اشعارها على ان جميع ما يعتبر في الصلوة اما سنة غير ناقضة أو فريضة ناقضة، يدفع بان الدلالة ممنوعة والاشعار لا يفيد، مع ان التوسعة بالتعليل في مثل الحديث خارجة عن الطريقة العقلائية في المحاورات، فان حصر الناقض في الخمسة ثم تعقيبه في كلام واحد بأن كل فريضة من الخمسة وغيرها ناقضة للصلاة يعد تناقضا وخارجا عن المحاورات العرفية فكأنه قال لا ينقض الصلوة الا الخمسة وينقضها كل شئ يستفاد من الكتاب، وهو كما ترى، ولهذا نقول ما عدا الخمسة سواء استفيد حكمه من الكتاب أو من السنة داخل في المستثنى منه الا ان يدل دليل على الخروج. هذا مضافا إلى بطلان المبنى وهو لزوم اخطار النية بالبال أو اظهارها في اللفظ بنحو الواجب التخييري لمنع استفادته من تلك الروايات كما يظهر بالتأمل


(1) سورة البينة - آية - 5 -

[ 41 ]

فيها، مع ان الحمل على الاستحباب متعين، لعدم القول ظاهرا بالوجوب التخييري. واما مثل قوله (عليه السلام) (1) لا عمل الا بالنية فالظاهر منها هو القصد بالنحو الذى تقدم منا لا الخطور، لانه ليس بنية، مضافا إلى دلالة بعض الروايات الواردة في هذا السياق على ان المراد الغايات المحركة إلى العمل، كقوله (صلى الله عليه وآله) (2) انما الاعمال بالنيات، وانما لكل امرء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امراة يتزوجه افهجرته إلى ما هاجر إليه وقريب منها (3) ما عن امالي الشيخ، هذا كله في اصل النية. واما الكلام في الضمائم فنقول إنها اما مباحة أو محرمة والثانية اما رياء أو غيرها وعلى أي حال فالضميمة ان كانت جزء المؤثر سواء كان تأئير الضميمة مع داعى الصلوة إلى الانبعاث بحيث لو تفرد احدهما عن الاخر لم يؤثر في انبعاث المكلف ام كان كل منهما مستقلا في ذلك لو تفرد عن الاخر، فالظاهر بطلان الماتى به كذلك، فان صيرورة الاجزاء أجزاءا للصلوة تتوقف على الانبعاث إليها بارادتها المنبعثة من الارادة المتعلقة بالصلوة، والارادة الناشئة من مجموع الداعيين أو من جامعهما لو قلنا بالجامع ليست ارادة لاجزاء الصلوة المنبعثة من الارادة المتعلقة بالصلوة المأمور بها، بل ارادة ناشئة من مجموع الداعيين أو من الجامع بينهما فتبطل الصلوة فيما إذا اتى بجميع الاجزاء كذلك، ويبطل الجزء فيما أتى بجزء كذلك، وبه تبطل الصلوة فيما إذا كان ركنا، وأما الجزء غير الركن فبطلانه بغير الرياء لا يوجب بطلان الصلوة إذا لم يكن عن عمد، وذلك بدليل لا تعاد. واما في الرياء فالظاهر البطلان مطلقا لان التحقيق ان دخول الرياء في العمل باى نحو كان موجب لبطلان الكل كما هو الظاهر من جملة من الروايات كروايه على


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات حديث 1 و 2 و 3 و 4 و 9 (2) مستدرك الوسائل كتاب الطهارة باب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات حديث: 5 (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات حديث 1

[ 42 ]

ابن سالم قال سمعت ابا عبد الله يقول: قال الله عزوجل: انا خير شريك من اشرك معى غيرى في عمل لم اقبله الا ما كان لى خالصا (1) ونحوها غيرها وفى حديث انى اغنى الشركاء فمن عمل عملا ثم أشرك فيه غيرى فانا منه برئ وهو للذى اشرك بى دوني (2) وعن عدة الداعي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ان الله تعالى لا يقبل عملا فيه مثقال ذرة من رياء (3) مما يظهر منها ان ادخال الرياء في عمل يوجب بطلانه فمن صلى وادخل الرياء في ركوعه مثلا أو في قرائته أو في شئ من المستحبات التى فيها فقد اشرك في صلوته غير الله وادخل فيه مثقال ذرة من الرياء فبطل عمله ولم يقبل الله منه وجعله لشريكه. ومن الواضح ان ادلة حرمة الرياء آبية عن التقييد والتخصيص سواء كان المقيد والمخصص بلسان لا تعاد ام كان بلسان الرفع، بل الظاهر انصراف الدليلين عن الرياء بعد مثل قوله (عليه السلام) في جملة من الروايات كل رياء شرك (4) ونظير ذلك ما ذكر في روايات اخر، فالخروج عن الدليلين في مورد الرياء بالانصراف والتخصص لا بالتقييد والتخصيص. مسألة ومن الشروط القبلة ومقتضى ذكرها في مستثنى حديث لا تعاد بطلان الصلوة بالاخلال بها ولا بأس ببيان ماهيتها وقد اختلفت كلمات الاصحاب فيها فعن جملة من القدماء والمتاخرين أن القبلة عين الكعبة لمن تمكن من العلم بها وجهتها لغيره وعن جماعة انها الكعبة لمن كان في المسجد والمسجد لمن كان في الحرم والحرم


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 8 - من أبواب مقدمة العبادات حديث: 9 (2) جامع أحاديث الشيعة في احكام الشريعة - باب - 12 - من ابواب المقدمات حديث: 24 (3) جامع أحاديث الشيعة في أحكام الشريعة - باب - 12 - من ابواب المقدمات حديث: 50 (4) الوسائل كتاب الطهارة (باب - 11. حديث 11 وباب - 12 - حديث: 2 و 4) من أبواب مقدمة العبادات .

[ 43 ]

لمن خرج عنه وقد اختلفت ظواهر الاخبار ايضا. وقبل الورود في دلالة الكتاب والاخبار لابد من التنبيه على امر وهو انه لا اشكال ولا خلاف بين عامة المسلمين بل من المعروف لدى جميع اهل الملل والاديان ان قبلة المسلمين واحدة وهى الكعبة المعظمة وبيت الله الحرام بحيث لو قيل ان للمسلمين اكثر من قبلة واحدة يعد مستنكرا وكون الكعبة وحدها قبلتهم من الضروريات التى لا يشوبها شبهة وكانت الشهادة بان الكعبة قبلتى معروفة معلومة كالشهادة بساير العقايد الحقة وعلى ذلك لو دل ظاهر دليل على خلاف ذلك لابد من تأويله أو طرحه إذا عرفت ذلك. فنقول مما ورد في القبلة قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (1) وقوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (2) وقد نزلت الاية الشريفة في المدينة المنورة بعد ما كانت القبلة إلى ذلك الحين بيت المقدس ويظهر منها امران احدهما ان القبلة لجميع المسلمين واحدة لا كثرة فيها. وثانيهما أن الخارج عن الحرم مكلف بالتوجه إلى المسجد الحرام لا غير. فالاخبار الدالة على ان الكعبة قبلة لاهل المسجد والمسجد قبلة لاهل الحرم والحرم قبلة لجميع الناس مخالفة للاية من وجهين احدهما دلالتها على كثرة القبلة وان لكل طايفة قبلة خاصة بها وثانيهما صراحتها على ان قبلة جميع الناس الخارجين من الحرم هي الحرم والاية صريحة على خلافها فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في المدينة وقد أمره الله ان يولى وجهه إلى المسجد الحرام، فتلك الاخبار اما مئولة أو مطروحة، وان افتى بها كثير من الاصحاب بل ادعى الاجماع على مضمونها، فان ذلك القول اجتهاد منهم، ولا اعتبار بالاجماع إذا تخلله الاجتهاد، وقد خالفهم كثير من الاصحاب،


(1) سورة البقرة - آية - 144 (2) سورة البقرة - آية - 150

[ 44 ]

واما ما تضمنت الاية الكريمة من التوجه إلى المسجد الحرام فليس فيه دلالة صريحة على انه قبلة لاحتمال كون التوجه إليه عين التوجه إلى الكعبة بحيث لا يمكن التفكيك بينهما لمن كان خارجا عن مكة سيما إذا كان في المدينة. وهذا الاحتمال هو المتعين بعد كون الكعبة بالضرورة قبلة للمسلمين وبعد ورود الروايات الكثيرة على تحويل وجهه إلى الكعبة بل تلك الروايات بمنزلة التفسير للاية الكريمة وبيان المراد منها. ففى صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى إلى بيت المقدس قال: نعم فقلت: اكان يجعل الكعبة خلف ظهره فقال: اما إذا كان بمكة فلا واما إذا هاجر إلى المدينة فنعم حتى حول إلى الكعبة (1) وقريب منها روايات وفى بعضها فلما صلى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل فقال له قد نرى تقلب وجهك الخ ثم اخذ بيد النبي (صلى الله عليه وآله) فحول وجهه إلى الكعبة (2). فمن راجع روايات الباب لا يبقى له ريب في أن التحول إلى المسجد الحرام لم يكن الا للتحول إلى الكعبة التى هي القبلة والتوجه إليه عين التوجه إليها لمن خرج عن مكة كما يشهد به الوجدان. وفى رواية عبد الله بن سنان عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) انه قال: ان لله عزوجل حرمات ثلاثا ليس مثلهن شئ كتابه وهو حكمته ونوره، وبيته الذى جعله قبلة للناس لا يقبل من احد توجها إلى غيره، وعرة نبيكم (3)، وعن الخصال (4) بالسند المتصل إلى ابن عباس نحوها، وعن البرقى في المحاسن بسنده إلى بشير في حديث سليمان مولى طريال قال ذكرت هذه الاهواء عند ابى عبد الله (عليه السلام) قال لا والله ما هم على شئ مما


(1) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 2 - من أبواب القبلة حديث: 4 (2) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 2 - من أبواب القبلة حديث: 12 (3) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 2 - من أبواب القبلة حديث: 10 (4) الخصال الجزء الاول - ص - 71

[ 45 ]

جاء به رسول الله الا استقبال الكعبة فقط (1). ثم انه بناء على هذا الاحتمال لابد ان يحمل الاية الكريمة أي قوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (2) بناء على عمومها حتى لمن كان في مكة على من كان في مكان كان التوجه فيه إلى المسجد عين التوجه إلى الكعبة بقرينة شأن نزول الاية والضرورة المتقدمة والاخبار المشار إليها، مع امكان ان يقال ان قوله تعالى ومن حيث خرجت (3) أي إذا كنت خارجا عن مكة وقوله تعالى: وحيث ما كنتم (4) أي بعد خروجكم عن مكة. وهنا احتمالان آخران في الآية لا حاجة معهما إلى الحمل المتقدم ذكره وهما كون المسجد الحرام كناية عن الكعبة بالقرائن المتقدمة أو مجازا ادعائيا أو في الكلمة على ما قالوا في المجاز فيكون المراد التوجه إلى الكعبة. وكيف كان فلابد لاجل تلك القرائن من حمل الروايات المخالفة كمرسلة الفقيه والتهذيب عن ابى عبد الله (عليه السلام) ان الله تبارك وتعالى جعل الكعبة قبلة لاهل المسجد والمسجد قبلة لاهل الحرم والحرم قبلة لاهل الدنيا (5)، ونحوها رواية بشر (6) على ما حملنا الاية عليه من ان الامر بالتوجه إلى المسجد ليس لاجل كونه قبلة بل لاجل كونه توجها إليها. بان يقال إن جعل المسجد والحرم قبلة بالمعنى اللغوى للاستقبال إليها ليس لاجل نفسيتهما بل لكونهما مشتملين على الكعبة وكون الاستقبال اليهما هو الاستقبال إلى الكعبة وان المراد من أهل المسجد هو اهل مكة والا فلا اهل للمسجد فاهل المسجد أي اهل مكة لابد لهم من استقبال الكعبة والخارج عنها أي اهل الحرم لا محيص لهم في استقبال الكعبة عن استقبال المسجد لعدم امكان التفكيك بين استقباله واستقبالها


(1) جامع أحاديث الشيعة في احكام الشريعة - باب 1 - من ابواب القبلة حديث: 10 (2) سورة البقرة - آية 144 و (3 و 4) سورة البقرة - آية 150 (5) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 3 - من أبواب القبلة حديث: 1 (6) الوسائل كتاب الصلوة - باب 3 - من أبواب القبلة حديث: 2

[ 46 ]

والمراد من أهل الحرم اهله ومن والاه، وساير الناس لا محيص لهم عن استقبال الحرم لعدم التفكيك. ولو كان الحمل المذكور بعيدا في الروايات المخالفة فلابد من رد علمها إلى اهلها، لان ظاهر الاية أو صريحها ان الناس يا جمعهم في أي مكان كانوا يجب عليهم استقبال المسجد الحرام فهى نص على خلاف التفصيل المذكور، فهذا القول مزيف. واما القول الاخر وهو ان الكعبة قبلة يجب التوجه إليها لمن يقدر عليها، والى سمتها لغيره، فليس بذلك البعد، لكنه ايضا مخالف للاية بعد ملاحظة ما ورد عنهم عليهم السلام في بيان المراد منها كقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي حتى حول إلى الكعبة (1) و في رواية الفقيه فحول وجهه إلى الكعبة (2) وغيرهما الذى بذلك المضمون مثل قوله (عليه السلام) في رواية بشر لا والله ما هم على شئ مما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا استقبال الكعبة فقط (3) بل الظاهر من قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد (4) ان لا موضوعية للشطر كما هو المتعارف في مثل ذاك التعبير فلا يستفاد منها ومن مثلها الا استقبال المسجد وقد عرفت ان استقبال المسجد انما هو لاستقبال البيت الشريف فجميع الناس مأمورون باستقبال الكعبة حيثما كانوا. ومن هنا ربما يستشكل بان مقتضى كروية الارض اختلاف الاقطار في الافق، والمصلى حيث يتوجه إلى افقه لا إلى الافاق الاخر فلا يعقل ان يكون مستقبلا للكعبة المعظمة بل ولا لسمتها وجهتها الا بنحو التوسع لان الجهة في كل افق هو الطرف الذى يخرج الخط المستقيم إليه من مقام الشخص ومن في جانب اخر أو قطعة اخرى من


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب 2 - من ابواب القبلة حديث: 4 (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب 2 - من ابواب القبلة حديث: 12 (3) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة - باب 1 - من ابواب القبلة حديث: 10 (4) سورة البقرة - آية - 150

[ 47 ]

الارض لا يكون موافقا في الجهة معه بل لا يصدق حتى توسعا فيما إذا كان البلد نائيا جدا كما لو كان بينه وبين مكة المشرفة تسعون درجة فيكون البلدان في طرفي قطر الارض فلا يعقل في مثله مواجهة مكة ولا جهتها. ويمكن ان يجاب بوجه بعد مقدمة وهى ان موضوعات الاحكام انما تؤخذ من العرف إذا لم تكن قرينة على خلافه وفى المقام وامثاله مما امر فيه باستقبال الكعبة والتوجه إلى القبلة التى هي الكعبة بالضرورة قامت القرينة على عدم ارادة المعنى العرفي فان استقبال الشئ بنظر العرف هو جعل الشئ في قباله وهذا لا يصدق مع حائل في البين مثل جدار ونحوه فمن كان في بيت من البلد لا يكون عرفا في قبال شخص اخر في بيت اخر فلا محالة لايراد هذا المعنى في مثل قوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (1) بل المراد هو التسامت الحقيقي بين المصلى والكعبة بان يكون الخطوط الخارجة عن مقاديم بدنه واصلة إليها أو شاملة لها ولو من وراء الارض وان لم يطلع المصلى عليه وعلى سره. ثم ان سر كون الشئ البعيد ولو كان كبيرا عظيما كالجبل مثلا بجميعه في قبال الناظر مع كونه صغيرا بالنسبة إليه جدا هو ان العينين واقعتان في سطح محدب والعدسي الواسط للرؤية ايضا واقع على سطح محدب قريب بالكروى ونفس العدسي ايضا له تحديب ولهذا يخرج الشعاع الواسط للرؤية على شكل مخروطي رأسه عند الناظر وقاعدته منطبعة على الشئ المنظور إليه وكلما امتد النظر صارت القاعدة اكثر سعة. ولو كان الرؤية بانعكاس صورة المرئى في عين الناظر لكان الامر كذلك ايضا تقريبا فان النور الاتى من قبل المرئى يكون كمخروط قاعدته عنده ورأسه عند الناظر وهذا سر اتساع ميدان الرؤية وكلما كان المرئى بعيدا يكون الاتساع اكثر ثم ان الاجسام كلما بعدت عن عين الناظر ترى اصغر وذلك لاتساع زاوية


(1) سورة البقرة - آية - 144

[ 48 ]

الرؤية وضيقها فكلما كانت الزاوية اضيق يكون الشئ اصغر في الرؤية وكلما اتسع انفراجها صار اكبر فيها. ثم ان هنا امرا اخر وهو ان مقاديم بدن الانسان خلقت على نحو فيها تحديب من الجبهة إلى القدم ولهذا كانت الخطوط الخارجة عن اجزاء المقاديم غير متوازية كاشعة خارجة عن عين الشمس فلو كان البدن نورانيا كالشمس كان الور الخارج منه قريبا مما خرج منها ويزداد بسط نوره واتساعه كلما ازداد الامتداد ولهذا يختلف التقابل بينه وبين الاجسام حقيقة ودقة باختلاف البعد والقرب لا لخطاء الباصرة كما قيل لان الخطوط الخارجة من مقدم صدر الانسان لا تكون متوازية بل تكون كخطي المثلث كلما ازدادت امتدادا ازدادت اتساعا فإذا امتدت إلى فرسخين تنطبق على جبل عظيم وكان ذلك مقابلا للصدر حقيقة الا ترى ان الجسم الكروي الصغير يحاذي حقيقة سطحه المحيط به على صغره مع الدوائر العظيمة جدا كدائرة معدل النهار بل الدائرة المفروضة فوقها إلى ما شاء الله تعالى. إذا عرفت ذلك نقول إذا كان الكعبة المعظمة بعيدة عن المصلى بمقدار ربع كرة الارض أو اقل فلا محالة تصل الخطوط الخارجة عن مقاديم بدنه إلى الكعبة أو تحيط بمكة بل بشبه الجزايرة العربية فان الخطوط التى يخرج من الجبهة والصدر وساير المقاديم لا تكون متوازية كما مر فلما كان التحديب في كل من عرض مقاديم البدن وطولها كما هو المشاهد تكون الخطوط الطولية الخارجة منها غير متوازية ايضا وكلما ازدادت بعدا من الاجسام ازدادت اتساعا واحاطة فتكون جملة منها نافذة فرضا في الارض الحاجبة بينه وبين الجسم الاخر وهو الكعبة في المقام وتصل إلى نفس الكعبة وتحتها وفوقها إلى ما شاء الله وقد عرفت ان هذا هو التقابل الحقيقي العقلي الذى عرفه الشارع الاعظم وان غفل عنه المصلى. واما بالنسبة إلى من كان بعيدا ازيد مما ذكر فلنفرض كون المصلى بعيدا عن مكة بمأة وثمانين درجة وكان واقفا على موقف لو فرض خط مستقيم من ام رأسه

[ 49 ]

وامتد إلى الطرف الاخر من الارض يصل إلى البيت الحرام. ففى مثله لابد في تصوير مقابلته للبيت المعظم من ذكر امرين (احدهما) ان الكعبة بحسب النص والفتوى والاعتبار القطعي تمتد من موضعها إلى السماء والى تخوم الارض وقد نقل عدم الخلاف في ذلك وفى رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال سأله رجل قال: صليت فوق جبل ابى قبيس العصر فهل يجزى ذلك والكعبة تحتي قال: نعم انها قبلة من موضعها إلى السماء (1) وعن الفقيه قال الصادق عليه السلام اساس البيت من الارض السابعة السفلى إلى الارض السابعة العليا (2) بل الاعتبار الجزمى يوافق ذلك بعد عموم وجوب الاستقبال لكافة الناس اينما كانوا بل هو لازم قوله تعالى: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (3) المراد منه شطر الكعبة كما مر. ثانيهما ان كل بناء بنى على سطح الارض إذا كانت جدرانه مستقيمة، لا محالة يكون كل جدار منه محاذيا لمركز الارض والاخرج عن الاستقامة ولازم ذلك عدم الموازاة الحقيقية بين الجدارين المتقابلين وكلما امتدا ارتفاعا كانت الفرجة بينهما اكثر فإذا فرض امتدادهما إلى السماء يكون الاتساع بينهما اكثر من اتساع شرق الارض وغربها بما لا يقدر. ولما كان المتفاهم من قوله (عليه السلام) ان الكعبة قبلة من موضعها إلى السماء (4) ان كلا من جدرانها كأنه ممتد مستقيما إلى عنان السماء لا معوجا يكون الشعاع الفرضى الخارج من تخوم الارض إلى الكعبة والى عنان السماء كمخروط رأسه مركز الارض وقاعدته عنان السماء ويمتد إلى ما شاء الله فلا محالة تكون الخطوط الخارجة عن مقاديم المصلى طولا مسامتة لنصف البناء والجدران المحيطة به والمسامت لا محالة يصل إلى مسامته


(1) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 18 - من أبواب القبلة حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 18 - من أبواب القبلة حديث: 3 (3) سورة البقرة - آية - 144 (4) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 18 - من أبواب القبلة حديث: 1

[ 50 ]

إذا امتد فالخطوط الخارجة عن مقاديم البدن طولا يصل كثير منها إلى الكعبة الممتدة إلى عنان السماء فيكون استقبال المصلى لها حقيقيا وان غفل عنه العامة. بل الظاهر وقوع الاستقبال والاستدبار للكعبة المكرمة في جميع بقاع الارض اينما كان المصلى فمن صلى إلى قبال البيت كان مستقبلا له ومستدبرا ايضا بعد التأمل فيما مر. ولعل هذا سر قوله تعالى اينما تولوا فثم وجه الله (1) حيث طبق في الاخبار على القبلة كقوله (عليه السلام) في مكاتبة محمد بن الحصين إلى عبد صالح (عليه السلام) فكتب يعيدها ما لم يفته الوقت أو لم يعلم ان الله تعالى يقول وقوله الحق فاينما تولوا فثم وجه الله (2) تأمل. ثم اعلم ان الشارع الاقدس اسقط حكم الاستقبال والاستدبار الحقيقيتين فيما إذا خالفا لحكم العرف واثبت حكمهما على طبق نظرهم، فما كان استقبالا بنظر العرف الملازم لكونه استقبالا حقيقة بلا شائبة تسامح رتب عليه حكمه وما لا يكون كذلك اسقط عنه الحكم بالاستقبال ولو كان استقبالا حقيقة. وما ذكرناه عكس ما ذكره القول من ان التوجه إلى الجهة يكون في اعتبار العرف نحو توجه إلى البيت وان لم يكن كذلك واقعا فان لازم ما ذكرناه ان التوجه إلى الجهة توجه حقيقي إلى البيت وان غفل عنه العامة الا ترى انه لو علم العرف بان بينهم وبين الكعبة ستين درجة وانها واقعة في افق اخر وجهتها غير جهة افقهم ينكرون جدا كون صلوتهم إلى القبلة أو إلى جهتها ولعل الخواص اشد انكارا منهم مع ان الاستقبال الحقيقي محقق بلا ريب. نعم لاريب لاحد في ان الصلوة لابد من اتيانها إلى جهة اقرب إلى مكة من ساير


(1) سورة البقرة - آية - 115 (2) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 11 - من أبواب القبلة حديث: 4 الرجل يصلى في يوم غيم في فلاة من الارض ولا يعرف القبلة فيصلى حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلى لغير القبله أيعتد بصلاته أم يعيدها؟... الخ .

[ 51 ]

الجهات، والشارع الاقدس تبع لذلك العرف عالما بان هذه الجهة استقبال حقيقي لا مسامحي كما ان التوجه إلى ابعد الجهات ايضا كذلك لكنه اسقط هذه الجهات المخالفة لحكم العرف فتحصل من جميع ما ذكرناه ان القبلة هي عين الكعبة للقريب والبعيد. بقى الكلام في روايات ظاهرة في ان القبلة بين المشرق والمغرب اهمها صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال لا صلوة الا إلى القبلة قال: قلت: اين حد القبلة قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كله قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال: يعيد (1). فانها بظاهرها دالة على ان ما بين المشرق والمغرب حد القبلة مطلقا لجميع الناس في جميع الاحوال فمن صلى إلى غير ما بينهما بطلت صلوته. ولازم ذلك امور منها لزوم الصلوة فيما بينهما مع العلم بان الكعبة في جهة اخرى بل على الخلف وعليه فتكون مخالفة لاجماع المسلمين بل للضرورة ولجميع النصوص كتابا وسنة. ومنها لزوم اختلاف القبلة باختلاف البلدان فان ما بينهما في خط الاستواء لا يختلف الا يسيرا واما في آفاقنا فيختلف فاحشا وفى بعض الافاق يكون قوس النهار قصيرا جدا فان النهار فيها ثلاث ساعات أو اقل وفى بعضها طويلا جدا فان النهار فيها اكثر من عشرين ساعة بل لعل فيما يكون النهار شهرا أو شهرين أو ستة اشهر تطلع الشمس من محل غربت منه فلا يكون بين المغرب والمشرق فصل. ومنها لزوم اختلاف القبلة باختلاف الفصول في كثير من الافاق بل في جميعها وان كان في خط الاستواء قليلا فان الفصل بين المشرق والمغرب في اول السرطان اكثر جدا مما بينهما في اول الجدى في مثل آفاقنا بل اللازم تغيير القبلة في كل يوم بتغيير الغروب والطلوع.


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - باب 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 .

[ 52 ]

ومنها لزوم كون ما بينهما قبلة لمن كان بلده في شرق مكة المعظمة أو غربها ومنها استلزام كون ما بينهما قبلة لاستدبار الكعبة ولو كانت في ما بينهما ايضا كما لو كان قوس النهار طويلا جدا وكان النهار اكثر من عشرين ساعة فان الصلوة إلى الجهة المقابلة منها تقع باستدبار إلى غير ذلك. والذى يمكن ان يقال ان المراد من هذه العبارة ان مقدار ما بينهما قبلة لا نفس ما بينها نظير ما ورد في حد البريد ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لجبرئيل واى شئ البريد فقال ما بين ظل عير إلى فيئ وعير (1) أي ان هذا المقدار بريد لا لنفس ذلك بل هو الظاهر من الصحيحة (2) لان زرارة سئل عن مقدار حد القبلة لا عن نفسها ضرورة ان كون الكعبة قبلة من الضروريات لا يسئل عنه فقوله اين حد الكعبة سؤال عن المقدار مكانا أي إلى أي حد يكون مقدار التوجه إلى القبلة فقوله (عليه السلام) بين المشرق الخ جواب عنه ولابد ان يحمل على بيان مقدار الحد الذى يكون التخلف عنه موجبا للبطلان والحمل على بيان الماهية باطل فيدفع بعض الاشكالات. ثم إن المراد من المشرق والمغرب هو النقطة التى وقعت بين نقطتى الشمال والجنوب كما هو المراد عند الاطلاق عرفا أي نقطتى المشرق والمغرب الا عند اليين ولهذا قيل في العرف إذا كان الوجه إلى المشرق يكون طرف اليسار شمالا واليين جنوبا ولا يلاحظ العرض العريض فيهما كما لا يكون ذلك في الشمال والجنوب فيكون المراد ان مقدار ما بين المشرق والمغرب الا عند اليين قبلة. فيندفع بعض الاشكالات الاخر حتى الاشكال الاول لان لازم كون مقدار ما بينهما حد بطلان الصلوة إذا وقعت في قوس غير القوس المواجه للمصلى للزوم كون المقدار اكثر مما بينهما. ويمكن ان يقال ان المراد مما بينهما في افق محل السؤال أي المدينة المنورة


(1) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 2 - من أبواب صلاة المسافر حديث: 13 (2) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 9 - من أبواب القبلة حديث: 2

[ 53 ]

بناء على كونه فيها فيكون بينهما فيها نصف قوس تقريبا في جميع الفصول والاختلاف يسير فيها وعلى ذلك يكون الانحراف بمقدار ربع الدائرة لان مكة المعظمة في جنوب المدينة حقيقة تقريبا ولو الغيت الخصوصية بالنسبة إلى ساير الجهات والبلاد لا يمكن الغائها بالنسبة إلى لزوم كون الانحراف غير زائد عن الربع فالبلاد التى تكون مشابهة للمدينة المنورة قبلتها بين المشرق والمغرب أو بين الجنوب والشمال وفى غيرهما يعتبر عدم الانحراف زايدا عن الربع. ويمكن ان يقال ان الجواب في نفس المقدار محمول على افق المدينة فلا فرق بين الوجه المتقدم وهذا الوجه مع ان الحمل على خصوص افقها خلاف الظاهر فالاوجه هو الوجه الاول فبين اليمين واليسار هو الميزان الكلى. ثم انه لو اخل بالقبلة بأن صلى مع الاجتهاد فيها أو قيام بينة أو لضيق الوقت ونحوه ثم انكشف انه صلى إلى غيرها فاما أن يكون التبين في الوقت أو في خارجة، وعلى أي حال اما ان يكون الانحراف فيما بين اليمين واليسار أو ازيد وعلى الثاني اما يكون مستدبرا أو لا. مقتضى القواعد الاولية والعمومات بطلان الصلوة بالاخلال بالقبلة من غير فرق بين الصور المذكورة كقوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (1) حيث انه دل على شرطية القبلة على ما هو التحقيق من ظهور الا وامر في مثل المركبات المبحوث عنها في الحكم الوضعي وقوله (عليه السلام) لا تعاد الصلوة الا من خمس (2) وقوله (عليه السلام) لا صلوة الا إلى القبلة (3) ولازمه وجوب الاتيان في الوقت بحسب الادلة الاولية وحكم العقل. واما حكم الصلوة بعد الوقت والقضاء فلا يستفاد من شئ من تلك الادلة لان لسانها هو بيان الصحة والفساد فقوله (عليه السلام) لا تعاد كناية عن الصحة في المستثنى منه وعن


(1) سورة البقرة - آية - 144 (2) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 9 - من أبواب القبلة حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 2 - من أبواب القبلة حديث: 9

[ 54 ]

البطلان في المستثنى ضرورة عدم كون الاعادة محكومة بحكم تكليفي وجوبي أو تحريمي لانه مع بطلان الصلوة لا ينقلب التكليف الالهى المتعلق باقامة الصلوة إلى تكليف جديد متعلق بالاعادة ولم يسقط الحكم الاول ولم يتجدد حكم اخر فما دام المكلف لم يأت بالصلوة صحيحة كان مكلفا بالتكليف الاولى وكذا الحال في اشباه ما ذكر مما امر بالاعادة كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة حين سأله عمن صلى لغير القبلة فقال يعيد (1). فالاية الكريمة والروايتان ونحوها لاتدل على حكم الصلوة بعد الوقت فتوهم اطلاقها بالنسبة إلى ما بعد الوقت في غير محله فالروايات الاتية المفصلة بين الانكشاف في الوت وخارجه غير مخالفة للاية وغيرها مما ذكر وتوهم الاطلاق ناش عن توهم كونها متكفلة للحكم التكليفى وان الوضعي منتزع عنه نعم لو دل اطلاق على وجوب القضاء يكون مخالفا لها بالاطلاق والتقييد والجمع بينهما معلوم. واما رواية معمر بن يحيى قال سئلت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبين له القبلة وقد دخل وقت صلوة اخرى قال يصليها قبل ان يصلى هذه التى قد دخل وقتها الا ان يخاف فوت التى دخل وقتها (2) وقريب منها رواية اخرى عنه (3) بل الظاهر انهما رواية واحدة مع زيادة احداهما بقيد. فمع ضعفها سندا لا تعارض الروايات المفصلة الا بالاطلاق والتقييد بيان ذلك انه من الواضح انه في صدر الاسلام حتى في عصر الصادقين عليهما السلام كان بناء المسلمين عموما على تفريق الصلوات وكان لكل صلوة وقت خاص بها بحسب هذا التفريق وقد وردت روايات كثيرة على ان وقت صلوة الظهر بعد الزوال قدمان ووقت العصر بعد ذلك


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (2) جامع أحاديث الشيعة كتاب الصلاة - باب - 8 - من أبواب القبلة حديث: 3 (3) جامع أحاديث الشيعة كتاب الصلاة - باب - 8 - من أبواب القبلة حديث: 2

[ 55 ]

قدمان (1) اوان وقت الظهر ذراع من زوال الشمس ووقت العصر ذراع من وقت الظهر (2) وقد سئل في بعض منها بنحو الاطلاق عن وقت الظهرين فكان الجواب نحو ذلك فلا اشكال في ان المعروف في تلك الازمنة ان الصلوات الخمس لها اوقات ولكل وقت خاص به. فلا ينبغى الاشكال في ان قوله في رواية معمر وقد دخل وقت صلوة اخرى (3) اعم من دخول وقت الشريكة أو دخول وقت غيرها فيكون الجمع بينها وبين الروايات المفصلة بالاطلاق والتقييد. بل يجرى ذلك في مرسلة النهاية قال وقد رويت رواية انه إذا كان صلى إلى استدبار القبلة ثم علم بعد خروج الوقت وجب عليه اعادة الصلوة (4) بل لااستبعد ان تكون تلك المرسلة اشارة إلى مثل رواية معمر. ولو اغمض عن ذلك فلا اشكال في عدم صلاحية مثل تلك المرسلة لمعارضة الروايات الكثيرة المعتمدة وفيها الصحاح المفتى بها قديما وحديثا المفصلة بين الوقت وخارجه كالمروية عن ابى عبد الله (عليه السلام) إذا صليت وانت على غير القبلة واستبان انك على غير القبلة وانت في وقت فأعد فان فاتك الوقت فلا تعدو (5) عنه في الاعمى إذا صلى لغير القبلة فقال ان كان في وقت فليعد وان كان قد مضى الوقت فلا يعيد (6) إلى غير ذلك فان قلت ان مثل تلك الروايات معارضة لصحيحة زرارة (7) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال


(1) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 8 - من أبواب المواقيت حديث: 1 و 2 (2) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 8 - من أبواب الموقيت حديث: 3 و 4 (3) جامع أحاديث الشيعة كتاب الصلاة - 8 - من ابواب القبلة حديث: 3 (4) جامع أحاديث الشيعة كتاب الصلاة - باب - 8 - من أبواب القبلة حديث: 16 (5) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 11 - من ابواب القبلة حديث: 1 و 5 (6) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 11 - من ابواب القبلة حديث: 9 (7) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 9 - من أبواب القبلة حديث: 2

[ 56 ]

لا صلوة الا إلى القبلة قال: قلت: اين حد القبلة قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كله قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال يعيد: لان النسبة بينها وبين تلك الروايات العموم من وجه فان المراد بغير القبلة في الصحيحة هو غير ما بين المشرق والمغرب بقرينة قوله (عليه السلام) بينهما قبلة كله والامر بالاعادة اعم من الانكشاف في الوقت وخارجة واما الروايات المفصلة فيؤخذ فيها بظاهر قوله على غير القبلة أعم من الانحراف إلى ما بين المشرقين أو ازيد إلى الخلف فيقع التعارض بينهما في خارج الوقت والترجيح للصحيحة لموافقة الكتاب. قلت اولا انه قد اشرنا إلى ان قوله (عليه السلام) يعيدو نحوه كناية عن البطلان ولا حكم لعنوان الاعادة في الشرع وفى الكنايات لا يكون المتكلم الا في مقام بيان الامر الكنائى واما ما وقع كناية فلا ينظر إليه ولهذا يقال ان المناط في الصدق والكذب فيها هو مطابقة المكنى عنه للواقع فقوله فلان كثير الرماد المراد بها الجود في مقام بيان جوده لا كثرة رماده فلو لم يكن له رماد وكان جوادا كان المتكلم صادقا. ففى المقام لما كانت الاعادة بعنوانها غير محكومة بحكم لا عقلا ولا شرعا لم يكن مراده الا المعنى الكنائى أي بطلان الصلوة لعدم اتيانها على ما هي عليه. فكأنه قال صلوته باطلة ولا معنى لاطلاق البطلان فلا تنافى الروايات فتدبر جيدا. وثانيا ان قوله في الصحيحة وغيرها ان ما بين المشرق والمغرب قبلة حاكم على الادلة المأخوذة فيها الصلوة لغير القبلة ومع وجود الدليل الحاكم تنقلب النسبة بين المتعارضين فيكون المراد بغير القبلة فيها غير ما بين المشرق والمغرب الذى هو قبپلة كله فتكون الروايات المتقدمة اخص من الصحيحة مطلقا فتقيد بها فتكون النتيجة عدم وجوب الاعادة في خارج الوقت ووجوبها في الوقت. وهل يلحق الصلوة إلى نفس المشرق والمغرب أي نفس اليمين والشمال بالصلوة إلى ما بينهما فتصح ولا تجب اعادتها في الوقت ولا في خارجه أو تلحق بالصلوة استدبارا فيفصل بينهما؟

[ 57 ]

مقتضى الجمع بين الروايات هو الثاني فان ما دل على ان ما بين المشرق والمغرب قبلة كله الخارج منه نفسهما حاكم على قوله (عليه السلام) لا صلوة الا إلى القبلة (1) ونحوه فيخرج منه الصلوة إلى ما بينهما فقط ويبقى الباقي ومنه الصلوة اليهما داخلا في العمومات ومقتضى الادلة الدالة على التفصيل بين الوقت وخارجه هو لحوق المشرق والمغرب بالاستدبار كما هو المشهور بينهم. اللهم الا ان يقال ان قوله (عليه السلام) بين المشرق والمغرب قبلة تعبير عادى عن قوله من الشرق إلى الغرب قبلة كما يقال بين هذا البلد وذاك عشرون فرسخا أي منه إليه كذا الا ترى ان ما ورد في السعي بين الصفا والمروة لايراد به الا السعي بينهما كما قد يعبر عنه بقوله ان يطوف بهما الظاهر منه السعي منه إليه وقد ورد في روايات انه يبدء بالصفا (2) وقد ورد في باب الاذان والصفين من الملائكة كم مقدار كل صف فقال اقله ما بين المشرق إلى المغرب (3) في بعض الروايات وما بينهما في بعض (4) فيعلم انه لا فرق بين التعبيرين. وتشهد بذلك صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قلت الرجل يقوم في الصلوة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا وشمالا فقال له قد مضت صلوته وما بين المشرق والمغرب قبلة (5) فان الانحراف عنها اعم من ان يكون يسيرا أو إلى حد اليمين والشمال والمشرق والمغرب فيستفاد من ذلك ان المراد بقوله ما بين المشرق والمغرب قبلة انها من المشرق إلى المغرب كما هو المعهود من التعبير. وتشهد به ايضا موثقة عمار بن موسى (6) عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل صلى على


(1) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 9 - من أبواب القبلة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الحج - باب - 6 - من أبواب السعي حديث: 1 (3) جامع أحاديث الشيعة كتاب الصلاة - باب - 2 - من ابواب الاذان حديث: 3 (4) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 4 - من أبواب الاذان والاقامة حديث: 7 (5) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 10 - من ابواب القبلة حديث: 1 (6) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 10 - من ابواب القبلة حديث: 4

[ 58 ]

غير القبلة فيعلم وهو في الصلوة قيل ان يفرغ من صلوته قال ان كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم وان كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلوة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلوة فان الظاهر منها ان دبر القبلة مقابل لما بين المشرق والمغرب ومن الضرورى ان التوجه إلى نفسهما ليس توجها إلى دبر القبلة فيكون التوجه اليهما داخلا في قوله (عليه السلام) فيما بين المشرق والمغرب. وبالجملة الظاهر من الجواب ان المسألة ذات فرضين احدهما التوجه إلى ما بينهما والثانى التوجه إلى دبر القبلة ولا ثالث لهما وعليه فلابد من ادراج المورد في اولهما والقول بعموم ما بينهما له. والقول بان دبر القبلة مصداق من مصاديق مفهوم الصدر والميزان عموم المفهوم وهو شامل للقسمين هما دبر القبلة والمشرق والمغرب نظير ما يقال ان غسلت الثوب بالماء القليل فاغسله مرتين وان غسلت بالجاري فمرة واحدة حيث ان الكر داخل في مفهرم الصدر وانما ذكر الجارى لكونه مصداقا واضحا مثلا. انما يصح فيما لو فرض تثليث الاقسام والظاهر في المقام أن المسألة ذات قسمين ولم يدل دليل من الخارج عن تثليث الاقسام فالصلوة إلى المشرق والمغرب ملحق بالصلوة إلى ما بينهما هذا غاية ما يمكن ان يقال. لكن التحقيق في المقام هو ما عليه الاصحاب من الحاق الصلوة إلى المشرق والمغرب بالصلوة استدبارا فان العرف يرى التوجه إلى المشرقين غير التوجه إلى ما بينهما ومعه ينفسخ جميع ما تقدم واما الاستشهاد بموارد استعمال ما بينهما فمع امكان المنع عن كونه مستعملا في تلك الموارد في ما ادعى فيه ان الاستعمال اعم من الحقيقة ومن المعلوم ان الحقيقة العرفية تخالف الشمول لما ذكر فالاقسام ثلاثة ما بين المشرق والمغرب واليهما والى الخلف وعليه فلا شهادة لصحيحة معاوية (1) لما ذكر فان اطلاقها الشامل لنفس اليمين والشمال على فرضه يقيد بقوله ما بين المشرق ألى آخره فانه بمنزلة التعليل الذى


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 10 - من أبواب القبلة حديث: 1

[ 59 ]

يوسع ويضيق كما لا شهادة لموثقة عمار (1) بعد تثليث الاقسام إذ يكون حالها حينئذ مثل ما تقدم في اقسام الماء من كون الشرطية الثانية متكفلة لبيان مصداق من مصاديق المفهوم. فان قلت ان الشرطية في الموثقة لا مفهوم لها فانها نظير ما سيقت لبيان تحقق الموضوع فان مفهوم ان كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب هو ان لم يكن متوجها لا ان كان متوجها الى غير ذلك كى يكون قوله متوجها إلى دبر القبلة من مصاديق المفهوم ولا مفهوم للقيد أيضا كى يقال إن مفهوم ان كان متوجها فيما بينهما هو ان كان متوجها لا فيما بينهما بل إلى غير ذلك وعليه فيلزم اهمال التوجه إلى المشرقين مع كونه في مقام البيان فلابد من التزام دخوله في احدهما وحيث لايدخل في الثانية فلا محالة يكون داخلا في الاولى. قلت ان كونها نظير الشرط المحقق للموضوع ممنوع فان المفروض هو المصلى المتوجه إلى جهة وهو في الصلوة فتكون الشرطية في الفرض المذكور فكأنه قال المصلى المتوجه في صلوته إلى جهة ان كان متوجها إلى ما بين المشرق والمغرب فكذا، وان لم يكن متوجها إلى ما بينهما فكذا، ومن المعلوم ان بعد فرض التوجه يكون المفهوم كون توجهه إلى غير ذلك فالعرف يفهم في المورد أن المفهوم ان كان توجهه إلى غير ذلك فيشمل القسمين والا يكال في فهم المفهوم إلى العرف ومن المعلوم انه في قوله ان كان متوجها اليهما بعد فرض تحقق التوجه ان لم يكن كذلك المراد منه كون التوجه إلى غير ذلك فلا اشكال من هذه الجهة فالاقوى ما عليه الشمهور من التفصيل. وهل التوجه إلى دبر القبلة داخل في التفصيل المذكور أو موجب لبطلان الصلوة فيجب اعادتها في الوقت وخارجه. وليعلم ان استدبار القبلة مقابل استقباله فكما ان الانحراف يمينا ويسارا قبل الوصول إلى حد المشرق والمغرب يوجب عدم الاستقبال كذلك في طرف الاستدبار


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 10 - من ابواب القبلة حديث: 4

[ 60 ]

فالاقسام اربعة بين المشرق والمغرب واليهما وبعدهما إلى حد الاستدبار عرفا والاستدبار. وعليه فقد يقال: إن الادلة المفصلة منصرفة عن الاستدبار ولو عرفية لان وقوع الصلوة مستدبرا نادر لمن يجتهد تفصيل الاستقبال. وفيه - مضافا إلى منع كونه نادر الوقوع فان القوافل الكثيرة في تلك الاعصار كانوا كثيرا ما يشتبه عليهم المشرق والمغرب في الليل أو في يوم غيم فكانوا يصلون بتخيل كون النقطة الكذائية هي المشرق فكانت صلوتهم تقع مستدبرا بل ربما يتحقق للحاضر الذى يعلم القبلة بواسطة الاشتباه فدعوى ندرة الوجود غير مسموعة - ان ندرته لا يوجب الانصراف الا إذا كانت كالتقييد والقرينة الحافة بالكلام والا فمثل المطلقات لا يحكى عن الافراد حتى تكون الندرة دخيلة في الانصراف وهو في المقام ممنوع جدا. فان قلت ان موثقة عمار الساباطى (1) المتقدمة مقيدة للروايات (2) الدالة على ان من صلى على غير القبلة فلا اعادة عليه بعد مضى الوقت فانها تدل على بطلان الصلوة لو صلى على دبر القبلة ولازمها العرفي القضاء خارج الوقت فمن صلى على دبر القبلة بطلت صلاته ويجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في الخارج والموثقة وان تعرضت للاثناء وفى الوقت لكن تدل على بطلانها مع الاستدبار في بعض الصلوة ولازمه البطلان مع الاستدبار في الجميع ولازم البطلان القضاء في خارج الوقت فيتقيد بها ساير الروايات فيحكم بالبطلان ولزوم القضاء في المستدبر دون غيره كالمتوجه إلى المشرق والمغرب وما فوقهما إلى حد الاستدبار. قلت قد مر سابقا أن تلك الروايات متعرضة للبطلان فقط كقوله (عليه السلام) لا صلوة الا إلى القبلة (3) وحديث لا تعاد (4) ونحوهما الموثقة فلا تعرض لها للاعادة خارج الوقت بل


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 10 - من أبواب القبلة حديث: 4 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب 11 من ابواب القبلة حديث: 1 - 2 - 5 - 6 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1

[ 61 ]

وليس لازمها العرفي أو العقلي القضاء نعم مع الحكم بالبطلان يندرج تحت ادلة القضاء فهى الدليل على القضاء لا تلك الروايات ومع فرض اطلاقها يتقيد بالروايات المفصلة بين الوقت وخارجه. فالتحقيق هو ما عليه جل من المحققين من كون المسألة ذات فرضين الانحراف إلى بين المشرق والمغرب وحكمه الصحة وعدم القضاء والاعادة والى ازيد حتى يبلغ إلى الاستدبار فيفصل بين الوقت وخارجه. وهل الحكم المذكور يعم كل من صلى على غير القبلة فتبين الانحراف سوى العالم العامد والمسامح أو يختص بفرض خاص؟ فالكلام يقع في الصورتين. الاولى من صلى وتبين الخلاف والانحراف فيما بين اليمين والشمال ومن المعلوم ان مقتضى صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال قلت اين حد القبلة قال ما بين المشرق والمغرب قبلة كله (1) الصحة مطلقا خرج العامد العالم والمسامح غير المبالى انصرافا أو صرفا وبقى الباقي. وليس ما يعارض الصحيحة المذكورة الا صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الاعمى يؤم القوم وهو على غير القبلة قال يعيد ولا يعيدون فانهم قد تحروا (2) فان مقتضى التعليل ان الحكم وجود أو عدما دائر مدار التحرى والاجتهاد فخرج ساير الفروض والموارد. وفى صلاحيتها للتقييد اشكال وهو انه لا اشكال في ان قوله (عليه السلام) في الصحيحة وغيرها ما بين المشرق والمغرب قبلة ليس على نحو الحقيقة ضرورة ان قبلة المسلمين هي الكعبة خاصة كما مر الكلام فيه مستقصى فلابد من حملها على الحقيقة الادعائية كما في الاشباه والنظاير ولا يصح ادعاء أن ما بينهما قبلة الا مع كونه مشتركا مع الكعبة في


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب 11 - من ابواب القبلة حديث: 7

[ 62 ]

جميع الصور المتصورة في الصلوة بناء على كون الدعوى مختصة ببابها كما لا يبعد أو كون ما يترتب عليه من الفروض البارزة عرفا وعقلا بحيث كان مما تصح فيه دعوى أنه تمام الاثار كالشجاعة في الاسد والرجولية في الرجل أو كانت الاثار المرتبة عليه كثيرة بحيث كان الاثر المقابل نادرا ملحقا بالمعدوم فمصحح الدعوى احد الامور الثلاثة ومع فقدانها لا تصح. وفى المقام لو اختص اثر الكعبة أي صحة الصلوة نحوها بفرض واحد وهو فرض التحرى الذى يختص بمن يبصر ويكون الاعمى محروما عنه أي الاخذ بالاحرى بعد الاجتهاد والتفحص عن الجهات وكان ساير الفروض كالقطع والظن والبينة والغفلة والاشتباه والسهو والنسيان والجهل غير محكومة بهذا الحكم كانت دعوى كونه قبلة غير صحيحة ضرورة ان التحرى ليس من الفروض الواضحة البارزة عرفا أو عقلا ولا تكون ساير الفروض قليلة ملحقة بالعدم بل هي امور كثيرة شايعة كما لا يخفى. وليست القضية في المورد قضية الاطلاق والتقييد حتى يقال: ان التخصيص المذكور لا يوجب الاستهجان، بل قضية صدق الدعوى ومصححها وهو امر غير باب الاطلاق والتقييد، مع ان التقييد المذكور ايضا محل اشكال مع تلك الكثرة وعليه فلو لم يمكن توجيه صحيحة الحلبي بنحو عقلائي لابد من معاملة المعارضة بينها وبين صحيحة زرارة ونحوها. والذى يمكن ان يقال امور (الاول) ان قوله وهو على غير القبلة اعم مما بينهما وغيره إلى حد الاستدبار وقوله بين المشرق والمغرب قبلة حاكم عليه فيختص غير القبلة بما عدا ما بينهما فيقع التعارض بين صحيحة الحلبي والروايات المفصلة وينتفى التعارض بينها وبين صحيحة زرارة ودعوى كون الحكم في صحيحة الحلبي بعدم الاعادة على من تحرى قرينة على الموضوع فكان المفروض أنهم صلوا فيما بين المشرق والمغرب غير مسموعة فان الظهور اللفظى لا ينقلب بمجرد كون الحكم بدليل آخر منفصل مخصوصا بمورد خاص.

[ 63 ]

(الثاني) ان صحيحة الحلبي معارضة لصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله انه سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل اعمى صلى على غير القبلة قال ان كان في وقت فليعد وان كان قد مضى الوقت فلا يعد (1) والظاهر من قول الفقيه روى عن عبد الرحمن هو الرواية عنه بالطريق الذى ذكره وهو الصحيح ونحوها مرسلة الفقيه التى هي ملحقة بالصحاح وتوهم كون الامامة دخيلة في الحكم فاسد جدا ومقتضى الجمع بينهما حمل صحيحة الحلبي على الاستحباب. ولا ينافى ذلك ما مر منا مرارا من أن المتفاهم من الاعادة وعدمها هو كونهما كناية عن الصحة والفساد وذلك لان ما هو كناية عن الفساد هو الامر الالزامي فلو كان الامر استحبابيا فلا معنى للكناية فيه ومع اقتضاء الجمع الحمل على الاستحباب ينتفى موضوع الكناية. وعليه فيمكن الجمع بين الصحيحة والروايات المفصلة بان يقال ان قوله (عليه السلام) يعيد إذا حمل على التكليفى فيحمل قوله (عليه السلام) لا يعيدون بالقرينة على نفى الاعادة تكليفا أيضا وهذا باطلاقه شامل للوقت وخارجه والجمع بينها وبين الروايات المفصلة ينتج نفيها في خارج الوقت لا في داخله وانما لم نقل به سابقا لان نفى الاعادة إذا كان كناية عن الصحة لا معنى للاطلاق فيه واما مع الحمل على ظاهره بقرينة فلا مانع من الجمع المذكور. (الثالث) ان صحيحة زرارة بعد ما تقدم ما في عمل الاطلاق والتقييد فيها من المحذور تكون اظهر في مفادها بل كالصريح فتقدم على ظهور الامر في صحيحة الحلبي في اللزوم ويحمل على الاستحباب مع ان التحقيق في هيئات الاوامر عدم دلالتها وضعا على الوجوب أو الاستحباب بل لاتدل الا على البعث نحو المأمور به كالاشارة المفهمة نعم مع عدم ورود قرينة على الترخيص يحكم العقل بلزوم الخروج عن العهدة فهيئة الامر كالاشارة الصادرة عن المولى فحينئذ مثل الاطلاق المذكور يقدم


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب 11 - من ابواب القبلة حديث: 8

[ 64 ]

عليها ويكون بمنزلة الترخيص وتحمل على الاستحباب. (الرابع) ان صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال قلت الرجل يقوم في الصلوة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة: يمينا وشمالا قال قد مضت صلوته وما بين المشرق والمغرب قبلة (1) ظاهرة في ان وروده فيها كان لا باجتهاد ونظر بل لغفلة ونحوها وان ابيت فلا اقل من احتمال كونه عن اجتهاد أو غفلة أو خطأ ونحوها ومع عدم الاستفصال تدل على الصحة في جميع الفروض والمحتملات فعلى الاول الذى هو الاظهر تكون معارضة لصحيحة الحلبي تعارض النص والظاهر فتقدم عليها بالحمل على الاستحباب وكذا على الثاني لبعد حملها على خصوص فرض الاجتهاد فتدبر. ومع الغض عما سبق من الوجوه فغاية ما تدل عليه صحيحة الحلبي هو ان المصلى في مورد كان مكلفا بالتحرى والاجتهاد لو تركه ولو قصورا بطلت صلوته ويجب عليه الاعادة واما استفادة الحكم للساهي والغافل ونحوهما فمحل اشكال بل منع فلا محيص عن الاخذ باطلاق صحيحة معاوية وكيف كان فلا ينبغى الاشكال في عدم صلاحية صحيحة الحلبي لتقييد صحيحة زرارة فلا اشكال في هذه الصورة. ومنه يعلم الجواب في الصورة الثانية أي صورة الانحراف إلى اكثر مما بينهما فان الصحيحة على اكثر الوجوه لا تعارض الاخبار المفصلة بين الوقت وخارجه. واما صحيحة سليمان بن خالد قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يكون في قفر من الارض في يوم غيم فيصلى لغير القبلة ثم يصحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع قال ان كان في وقت فليعد صلوته وان كان قد مضى الوقت فحسبه اجتهاده (2) فلا تدل على ان الامر مطلقا دائر مدار الاجتهاد حتى في مورد لم يكن المكلف مأمورا به كما


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 10 - من ابواب القبلة حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 11 - من ابواب القبلة حديث: 6

[ 65 ]

لو صلى لغير القبلة خطأ أو غفلة ونحوهما بل غاية ما تدل عليه انه في مثل الفرض الذى يكون مكلفا بالاجتهاد حسبه اجتهاده ولو لم يجتهد وصلى بطلت صلوته. وهذا مما لا اشكال فيه بل الظاهر ان المكلف لو صلى في يوم غيم غفلة أو خطأ أو قاطعا لوجه القبلة يكون التفصيل محكما فيختص البطلان على نحو الاطلاق بالمتسامح للاجتهاد مع تكليفه به. ويمكن الاستيناس بل الاستدلال بصحيحة يعقوب بن يقطين (1) قال سألت عبدا صالحا عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبلة ثم طلعت الشمس وهو في وقت أيعيد الصلوة إذا كان قد صلى على غير القبلة وان كان قد تحرى القبلة بجهده اتجزيه صلوته فقال يعيد ما كان في وقت فإذا ذهب الوقت فلا اعادة عليه. فان الظاهر منها ان مورد السؤال امران احدهما وروده في الصلوة بلا اجتهاد وثانيهما الورود فيها مع الاجتهاد فان قوله وان كان قد تحرى إلى آخره جملة شرط مع الجزاء والحمل على الوصلية خلاف الظاهر فتدل على صحة صلوته مع عدم الاجتهاد واطلاقه يشمل الدخول غفلة وخطأ أو قاطعا أو مسامحة خرج الدخول مسامحة انصرافا أو صرفا وبقى الباقي. فتحصل من جميع ما مر وجوب الاخذ باطلاق الادلة في الصورتين والخارج منها الدخول علما وعمدا أو مسامحة واهمالا. وهل الجاهل بالحكم أو الناسي له ملحق بالعامد فتبطل صلوته فيعيد في الوقت وخارجه أو بالساهي والخاطى فتصح فيما إذا كان الانحراف فيما بين المشرقين ويفصل في الزائد بين الوقت وخارجه أو ملحق بالخاطى في الصورة الاولى وتبطل في الثانية فيعيد في الوقت وخارجه أو تصح في الثانية ايضا فلا يعيد في الوقت ولا في خارجه وجوه. وجه الاول مضافا إلى الاشكال الثبوتي في اختصاص الحكم بالعالم به أو


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 11 - من ابواب القبلة حديث: 2

[ 66 ]

الملتفت ان الادلة الخاصة مختصة بالخطاء ونحوه في الموضوع فلا تعم الجهل بالحكم ونسيانه ودليل لا تعاد حاكم على حديث الرفع مضافا إلى الاشكال في عمومه للشبهات الحكمية. ووجه الثاني اطلاق صحيحة زرارة (1) بالنسبة إلى الصورة الاولى فان قوله بعد السؤال عن حد القبلة: ما بين المشرق والمغرب قبلة كله مطلق قوى الاطلاق لما عرفت من انه من الحقايق الادعائية وليس فيها دلالة أو اشعار باختصاصها بالموضوعات بل لعل المستفاد من ذيلها تأكيد اطلاق الصدر حيث قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال فليعد فان فرض الشبهة الموضوعية في الوقت يؤكد تعميم مقابلها للحكمية وكيف كان لا ينبغى الاشكال في الاطلاق كما لا ينبغى الاشكال في حكومتها على ادلة اعتبار القبلة كقوله (عليه السلام) لا تعاد الصلوة (2) هذا حال حكم ما بين المشرقين. واما التفصيل في الانحراف الزائد فلاطلاق بعض روايات الباب كصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبو عبد الله: إذا صليت وانت على غير القبلة فاستبان لك انك صليت على غير القبلة وانت في وقت فأعد فان فاتك الوقت فلا تعد (3). ووجه الثالث هو تسليم وجه الصورة الاولى وانكار الاطلاق لصحيحة عبد الرحمن فان المنساق منها الخطاء ونحوه في الموضوع سيما مع ندرة الجهل بالحكم ونسيانه في عصر ابى عبد الله (عليه السلام) مما كان حكم القبلة ضروريا بين المسلمين مضافا إلى ان اختصاص ساير الروايات على كثرتها بالمووع يشهد باختصاص الصحيحة به مع ان قوله استبان كانه مخصوص بالموضوع لا الحكم الكلى وكيف كان لا يمكن اثبات الاطلاق لهما وعلى هذا يكون البطلان بحسب القواعد محكما.


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1

[ 67 ]

ووجه الرابع اما في الصورة الاولى فما مر واما في الثانية فهو انه بعد عدم ثبوت الاطلاق في الروايات الخاصة لا مجال للتفصيل، ومقتضى حديث الرفع الصحة مطلقا، وهو حاكم على الادلة المثبة للقبلة، كحديث لا تعاد، وصحيحة زرارة لا صلاة الا إلى القبلة (1) ونحوهما، لان مقتضى لا تعاد بطلان الصلوة بترك القبلة فان ايجاب الاعادة ونفيه كناية عن البطلان والصحة كما تقدم ولسان حديث الرفع (2) رفع ما لا يعلم وفى المقام رفع شرطية القبلة وهو لسان الحكومة فكما ان قوله (عليه السلام) بين المشرق والمغرب قبلة حاكم على ادلة شرطية القبلة توسعة كذلك حديث الرفع رافع لموضوع ما ثبت البطلان لاجله بالتوسعة بنحو آخر. فما في كلمات بعض الاعيان من حكومة حديث لا تعاد على حديث الرفع غير وجيه، كدعواه باختصاص لا تعاد بالسهو في الموضوع. نعم هنا اشكال آخر في تحكيم حديث الرفع عليه وهو ان اخراج ما ثبت بفقرات حديث الرفع عن لا تعاد لازمه بقائه بلا مورد أو في مورد نادر الوجود ضرورة ان اخراج السهو حكما وموضوعا والنسيان والخطاء والجهل كذلك عنه لازمه ذلك، فيقع التعارض بين الحاكم والمحكوم، والمرجح أو المرجع هو الكتاب الموافق لحديث لا تعاد، ولازمه البطلان مطلقا. والجواب عنه ان الادلة الخاصة المفصلة بين الوقت وخارجه مخصصة لحديث الرفع لانها وردت في مورده فعليه يكون الجهل بالموضوع والخطاء والسهو فيه داخلة في لا تعاد وخارجة عن حاكمه واما الجهل بالحكم ونسيانه الخارجان عن الادلة الخاصة فهما باقيان تحت حديث الرفع، واخراجهما من لا تعاد لا يوجب الاشكال المذكور. ومما ذكرناه يظهر حال قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة لا صلاة الا إلى القبلة (3)


(1 و 3) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2

[ 68 ]

فان حديث الرفع حاكم عليه حتى على الحمل على الحقيقة الادعائية على ما هو الاظهر بين محتملات امثاله فانهما متكفلة لحكم الصلوة مع فرض اعتبار القبلة فيها والحديث يرفعها منها فهو بمنزلة رافع الموضوع ونظير الاشكال المتقدم مع جوابه جار فيه فتدبر. ثم ان الاشكال الثبوتي المعروف أي توقف كل من الحكم والعلم به على الاخر فيدور قد فرغنا عن جوابه سالفا مع ان نظيره واقع شرعا ومفتى به عند الاصحاب كالجهر والاخفات والقصر والاتمام فما يجاب به عن الاشكال فيهما يجاب به عن الاشكال في المقام. فتحصل مما ذكر صحة صلوة الجاهل بحكم القبلة والناسى عنه مطلقا وتوهم ان الرفع انما هو ما دام جاهلا فمع حدوث العلم يثبت التكليف فاسد وقد ذكرنا في محله بيان الاجزاء في امثاله فراجع الاصول. واستبعاد كون الجهل بالموضوع اسوء حالا من الجهل بالحكم في غير محله بعد اقتضاء الدليل ذلك بل ورد في صحيحة عبد الرحمن بن حجاج (1) في باب التزويج في العدة ان جهالته بالحكم اهون من جهالته بالموضوع وكيف كان لا اشكال من هذه الناحية والاحتياط حسن على كل حال. فروع (الاول) لا اشكال في صحة الصلوة إذا تبين في أثنائها الانحراف إلى ما بين المشرق والمغرب، فيجب عليه أن يحول وجهه إلى القبلة ويتمها، من غير فرق بين سعة الوقت وضيقه حتى فيما إذا لم يبق منه الا مقدار نصف الركعة أو اقل، كما لا اشكال في بطلانها مع الاستدبار ونحوه إذا تبين في سعة الوقت فليقطع صلوته ويستأنف إذا كان يدرك ركعة من الوقت بعد قطعها. وتدل على ما ذكر موثقة عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل صلى


(1) الوسائل كتاب النكاح باب - 17 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها حديث: 4

[ 69 ]

على غير القبلة فيعلم وهو في الصلوة قبل ان يفرغ من صلوته قال ان كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم وان كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلوة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلوة (1) فان مقتضى اطلاقها عموم الحكم بالصحة والفساد لجميع الفروض. والظاهر ان الحكم بالبطلان ثابت للانحراف الزايد عما بين المشرق والمغرب اما في غير نقطة المشرقين فلصدق دبرها عرفا وحقيقة وان ابيت عن ذلك فالظاهر من مثل التركيب ان الحكم المقابل للشرطية الاولى ثابت لمفهومها وانما ذكر في المنطوق مصداق منه بل من البعيد جدا اهمال الحكم في غالب المصاديق المفروضة ومنه يعلم حال التوجه إلى المشرقين إذ هو ايضا داخل في مفهوم الصدر. ولو ضاق الوقت عن ادراك ركعة فهل الحكم هو البطلان أو تصح صلوته ويحول وجهه إلى القبلة ويتمها؟، لا يبعد ثبوت حكم البطلان في هذه الصورة ايضا فان في الموثقة احتمالات ارجحها ما يوجب ذلك وهو ان قوله فليقطع الصلوة كناية عن بطلانها من غير قيد ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين سعة الوقت وضيقة، وقوله بعد ذلك ثم يحول وجهه الخ ليس حكما شرعيا بل ارشاد إلى شرطية القبلة أو تعبير على مجرى العادة ولا دلالة فيه على فرض سعته بل مقتضى الاطلق لو فرض كونه حكما عدم الفرق بين السعة والضيق وهذا الاهتمال هو الارجح الموافق لاطلاق السؤال والجواب والصدر والذيل وعليه تبطل صلوته ويجب القضاء لفوتها. وهنا احتمالان آخران أحدهما ان قوله ذلك كناية عن البطلان كالسابق من غير قيد وقوله بعد ذلك ثم يحول وجهه إلى آخره في فرض سعة الوقت والنتيجة مع السابق واحدة. ثانيهما ان قوله فليقطع إلى آخره في فرض سعة الوقت وعلى ذلك لا تتعرض الرواية لصورة ضيقه فلابد من العمل بالقواعد ومقتضى القاعدة الاولية بطلانها لقوله (عليه السلام) لا صلوة الا إلى القبلة (2) ونحوه مما يدل على اشتراط القبلة في جميع


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب القبلة حديث: 4 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2

[ 70 ]

الصلوة حتى في الاكوان الخالية عن الذكر ولو بيركة ادلة القواطع أو بضميمتها على ما يأتي الكلام فيه. ويمكن القول بالصحة فيما إذا صلى لغير القبلة حال الجهل بالحكم أو نسيانه وذلك لدليل الرفع (1) بالنسبة لما مضى من الصلوة لغير القبلة ولدليل رفع الاضطرار (2) بالنسبة لحال الالتفات إلى الاشتراط إلى أن يحول وجهه إلى القبلة، وحصول الشرط بالنسبة لما بعد ذلك فيقال بصحتها ولزوم التحول إلى القبلة فيما بقى منها. فان قلت ان شمول دليل رفع الاضطرار فرع تحققه، وتحققه فرع تكليف الشارع باتمامها والا فلا يضطر المكلف به تكوينا، فمع احتمال بطلانها يشك في الاضطرار، فلا يصح التمسك بدليله للشبهة المصداقية أو لشبهة الدور بل مقتضى دليل بطلان الصلوة بالالتفات الفاحش والاستدبار بطلانها وهو رافع لموضوع دليل الرفع لانه مع بطلانها ينتفى الاضطرار. قلت نعم لكن يمكن استكشاف لزوم الاتمام من الادلة الكثيرة الظاهرة في مراعاة الشارع الاعظم للوقت عند الدوران بين فوته أو فوت ساير الشروط، وقد وردت روايات يظهر منها ان الصلوة لا تترك مع فقد القبلة، كما وردت في المريض ان يصلى مضطجعا (3) وما وردت في الصلوة على الدابة في يوم مطير (4)، وصرح في بعضها بانه يستقبل القبلة بتكبيرة الاحرام ثم يدور حيثما دارت الدابة (5)، وفى ادلة صلوة الخوف وغيرها ما يدل على ذلك (6) وبالجملة انها لا تترك بحال، فلو اضطر إلى ان يصلى مستدبرا يجب عليه وصحت صلوته.


(1 و 2) الوسائل كتاب الجهاد باب - 56 - من ابواب جهاد النفس حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 7 - من ابواب القيام حديث: 1 - 2 - 3 (4) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (5) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 10 (6) الوسائل كتاب الصلوة باب - 3 - من ابواب صلوة الخوف والمطاردة حديث: 2

[ 71 ]

فحينئذ يمكن ان يقال ان صلوته الصحيحة إلى حال الالتفات مع امكان اتمامها مستقبلا مع ادراك الوقت وجب اتمامها وصحت بدليل الرفع بل يمكن القول بالصحة وعدم قاطعية الالتفات والاستدبار في حال الالتفات إلى الاستقبال بالاستكشاف من هذه الادلة ومن ان الصلوة لا تترك بحال هذا حال الجهل بالحكم ونسيانه. ويمكن اجراء حكمهما إلى السهو والخطاء في الموضوع والاشكال بلزوم صيرورة لا تعاد بلا مورد مع حكومة فقرات حديث الرفع عليه مرتفع بان غير مورد ضيق الوقت الذى كلامنا فيه داخل في دليل لا تعاد كما تقدم فخروج هذا المصداق النادر عنه كخروج الجهل بالحكم والنسيان عنه لا يوجب اشكالا فعلى هذا يمكن تصحيحها بدليل رفع الخطاء منضما إلى رفع الاضطرار كما مر. الا ان يستشكل في صحة الاستدلال بدليل الرفع في غير الجهل بالحكم ونسيانه، بان يقال ان المصلى صلى إلى غير القبلة سهوا أو خطأ، ورفع غير القبلة لا اثر له، الا ان يقال ان رفع الاستدبار الخطاى اثره عدم بطلان الصلوة، وكذا رفع الاستدبار الاضطراري، الا ان يقال ان ما هو الشرط استقبال القبلة، وما ورد من ان الالتفات الفاحش قاطع للصلوة ارشاد إلى اشتراط القبلة في جميع حالاتها، وليست القاطعية حكما شرعيا حتى يتعلق به الرفع، وما هو حكم شرعى قابل للرفع هو اشتراط التوجه إلى القبلة ولم يتعلق به السهو والخطاء ولا الاضطرار، بل المانعية والقاطعية لو لم ترجعا إلى اشتراط ما يقابلهما غير معقولة. والتحقيق ان اساس الاشكال في التمسك بحديث الرفع لنظاير المقام امور (منها) ان حديث الرفع لا يرفع الا ما هو ثابت بالادلة الاولية ولو قانونا، إذ لا معنى لرفع غير ما ثبت بالشرع، والمفروض في المقام ان ما هو ثابت شرطية القبلة لا مانعية الاستدبار إذ لا دليل لها. وفيه منع عدم الدليل على مانعيته لان ظاهر كثير من الروايات ان الالتفات الفاحش اولا التفات عن القبلة تقطع أو تفسد الصلوة، وادلة الاشتراط لا يفهم منها

[ 72 ]

الالزوم الاستقبال حال الاتيان بها فان الصلوة هي الاذكار والقرآن والافعال المعتبرة فيها، ولولا ادلة البطلان بالالتفات لما دلت ادلة الشرايط على البطلان به في غير حال الاشتغال بها. وبالجملة ها هنا دليلان دليل اشتراط القبلة ودليل قاطعية الالتفات، وارجاع الثانية إلى الاولى لا وجه له الا مع القول بالامتناع، وقد مر الكلام في دفعه في بعض المقامات وتأتى الاشارة إليه. مضافا إلى ان دليل الرفع بما ان فقراته حقايق ادعائية ومصححها رفع جميع الاثار فيما إذا لم يكن بعضها واضحة أو شايعة كما تقدم الكلام فيه يرفع لازم المجعولات الشرعية كالاستدبار، فان قاطعيته لازم شرطية القبلة، بناء على شرطيتها في الاكوان ايضا، مع ان رفع الاستدبار الراجع إلى قاطعيته لازمه رفع شرطية الاستقبال فلا ينبغى الاشكال من هذه الجهة. (ومنها) ان الالتفات والاستدبار برجوعهما إلى عدم الاستقبال موجبان للبطلان، فالمفسد حقيقة عدم الاستقبال لا الاستدبار والالتفات، ولا يعقل تعلق الرفع بالامور العدمية فانها مرفوعة بذاتها. وفيه - لو سلم ذلك، مع انه غير مسلم بل ممنوع بحسب ظواهر الادلة -، ان ما لا يعقل تعلقه بالاعدام هو الرفع الحقيقي دون الادعائي الراجع إلى نفى الاثر كما في المقام، فان ترك الاستقبال مفسد ولو لاجل فقدان الاستقبال ودليل الرفع بما انه حقيقة ادعائية يرفع تركه ادعاء الراجع إلى عدم بطلان الصلوة به فلا اشكال من هذه الجهة ايضا. (ومنها) شبهة امتناع المانعية والقاطعية لو لم ترجعا إلى شرطية ما يقابلهما. وفيه ما تقدم من الجواب عنها، وحاصله ان مناط الشرطية يباين مناط القاطعية والمانعية، ولا يعقل ارجاع احداهما إلى الاخرى، فالشرط دخيل في وجود المصلحة والاقتضاء، والقاطع مزاحم لتحقق المأمور به في الخارج اعتبارا، ولا يعقل ان

[ 73 ]

يكون عدمهما شرطا ودخيلا في المصالح فراجع وقد تقدم في بعض المباحث ان ما قيل من ان مانعية الشئ ترجع إلى ان عدمه شرط كلام خال عن التحقيق ولعله مأخوذ من ظاهر كلام بعض اهل النظر من ان عدم المانع من اجزاء العلة التامة وهو كلام صوري لو صدر من اهل الفن لايراد منه ظاهره. فتحصل مما ذكر ان تصحيح الصلوة بدليل الرفع مما لا مانع منه، هذا كله لو لم نقل باستفادة البطلان من موثقة عمار كما تقدم. (الثاني) لو تبين انه كان مستدبرا في صلوة الظهر ولم يبق من الوقت الا مقدار اربع ركعات فها هنا صورتان احداهما تبين ذلك مع عدم الاتيان بالعصر ثانيتهما تبينه بعد الاتيان به وبالظهر مع فرض أن الوقت في الصورتين لا يسع الا لاربع ركعات ففى الصورة الاولى هل يجب عليه قضاء الظهر أو لا؟ وفى الصورة الثانية هل يجب عليه الاتيان بالظهر أو لا؟ فالكلام تارة في مقتضى ادلة الاختصاص والاشتراك واخرى في مفاد الادلة الواردة في المقام. فنقول قد يقال بامتناع اشتراك الوقت من اوله إلى اخره لامتناع تعلق التكليف بالضدين حين الزوال وامتناع تعلقه بهما عند ضيق الوقت واما في غير اول الوقت واخره فلا مانع من الاشتراك لعدم اداء التكليف إلى الجمع بين الضدين كما هو ظاهر. وفيه انه قد ذكرنا في باب الترتب بعد البناء على بطلانه انه لا مانع من تعلق تكليفين فعليين بالضدين، وتحقيق ذلك مبتن على مقدمات ذكرناها هناك، ولا مجال ها هنا لاطالة الكلام. لكن نقول اجمالا ان الامتناع اما لاجل امتناع تعلق التكليف بالضدين في زمان واحد لكونه تكليفا محالا، أو لاجل امتناع الجمع بينهما في وقت واحد، فيكون تكليفا بالمحال، وكل منهما ممنوع اما من ناحية التكليف بالضدين، فلان الامر بكل من الضدين امر مستقل متعلق بموضوعه الذى هو الطبيعة من غير لحاظ حالاتها

[ 74 ]

فضلا عن مزاحماتها، فالامر بالصلوة مثلا متعلق بطبيعتها، ومقتضى الاطلاق بعد تمامية مقدماته هو كون المتعلق تمام الموضوع، ولا يعقل ان يكون الامر بالطبيعة متعلقا بمصاديقها، كما لا يعقل ان تكون مرآة وكاشفا لها، فالامر بها امر واحد متعلق بواحد، ولا يتكثر حتى بعد مقدمات الاطلاق، فالامر بكل من الضدين امر به بلا لحاظ ضده ومزاحمه. وبعبارة اخرى هنا امر بهذا الضد وامر آخر بذاك الضد، ولايكون امر ثالث بالجمع بينهما حتى يقال انه تكليف محال، ومن هذا يظهر ان دعوى انه تكليف بالمحال غير وجيهة، فان الامر إذا لم يتعلق بالجمع لم يكن تكليفا بالمحال، ولا تكليفا محالا، نعم لا يمكن للمكلف اطاعة الامرين بعد امكان اطاعة كل واحد منهما، فحينئذ يحكم العقل بالتخيير مع فقد الاهمية وبالتعيين إذا كان احدهما اهم، هذا باب المتزاحمين. واما في المقام فلانه بعد معلومية عدم امتناع أصل الاشتراك بوجه لا محالة يكون اشتراك الوقت بينهما في جميع القطعات على السواء، وان الوقت في جميعها وقت فعلى من غير فرق بين الاول والاخر والواسط. وما قيل من الوقت الانشائى أو الاقتضائى بالنسبة إلى القطعة الاولى والاخيرة، والفعلى بالنسبة إلى ساير القطعات مسع عدم الاتيان بالظهر، وبعد الاتيان يتنجز التكليف. مما لا اصل له ونشأ من الخلط بين الشروط، بيان ذلك ان للصلوة شروطا كالقبلة والستر والطهارة والوقت، ولصلوة العصر شرطا آخر وهو ترتبها على صلوة الظهر، ففى القطعات المتوسطة للوقت يكون مقتضى الاشتراك تحقق هذا الشرط أي الوقت فعلا، وليس معناه ان المكلف يجوز له الشروع في الصلوة بمجرده، بل بعد حصول هذا الشرط لابد من حصول الشروط الاخر كالطهارة ونحوها، وانتظار هذه الشروط لا يوجب ان يكون الوقت شأنيا أو اقتضائيا، فان عدم صحتها لاجل فقدان ساير الشروط لا لنقصان الوقت.

[ 75 ]

وكذا الحال في القطعة الاولى أي عند زوال الشمس، فان المكلف لو كان محدثا لا يجوز له الشروع في الظهر لا لنقصان في الوقت بل لعدم حصول الطهارة وحال صلوة العصر بالنسبة إلى شرطها أي ترتبها على صلوة الظهر كحال صلوة الظهر بالنسبة إلى الطهارة فصلوة العصر عند زوال الشمس واجبة، لكن لا يصح الشروع فيها، لا لاجل فقدان الوقت أو شأنيته، بل مع تحقق وقته فعلا يكون عدم الصحة لاجل فقدان شرطه وهو ترتبها على الظهر، فلو كان هذا الشرط محققا أو غير معتبر كانت صحيحة واقعة في وقتها الفعلى، فلو نسى صلوة الظهر وشرع في العصر تصح لسقوط الترتيب وتحقق ساير الشروط، فالخلط بين اشتراط الترتيب واشتراط الوقت يوجب عدم تصور الوقت الفعلى الحقيقي فالالتزام بان للوقت حالات ثلاثا مما لا يرجع إلى تحقيق. بل لو قلنا: إن التكاليف لا تصير فعلية عند عدم القدرة عليها أو على شروطها المطلقة ولو حال الالتفات، فلابد وان يقال في المقام ان التكليف بالعصر غير فعلى، لاجل عدم القدرة على تحصيل شرطها المطلق، لا ان الوقت غير فعلى. نعم لو كان الترتيب بينهما معتبرا مطلقا وكان الشروع في صلوة الظهر قبل الزوال موجبا لبطلانها ولو مع ادراك الوقت في الاثناء، كان للسؤال عن جواز جعل اول الزوال وقتا للعصر وجها لو كان الوقت جعليا، لكن بعد عدم اعتبار الترتيب الا حال الذكر، وصحة الصلوة في بعض الحالات مع الشروع فيها قبل الوقت والادراك في الاثناء لا وقع لهذا السؤال هذا حال القطعة الاولى. واما القطعة الاخيرة فعدم صحة الظهر فيها ليس لاجل عدم تحقق الوقت وخروجه بل لمزاحمة صلوة العصر معها وليست المزاحمة في الوجود حتى يقال بصحة الظهر لو ترك العصر كما في ساير المزاحمات بل لمزاحمتها في صورة الالتفات مع المصلحة فوجوب العصر مزاحم في هذا الوقت الضيق لادراك مصلحة الظهر تأمل ولولا المزاحم كانت صحيحة كما لو صلى العصر غفلة في الوقت الواسع وتمت عند الضيق أو نسيها وصلى الظهر فلم يكن في مثل الحال مزاحما في البين وصح الظهر ووقع في وقته.

[ 76 ]

ويحتمل ان يكون الظهر في آخر الوقت مشروطا بالاتيان بالعصر كما لو اتى به غفلة وضاق الوقت أو بالعذر عن اتيانه كما لو نسى العصر واتى بالظهر في الضيق أو قطع باتيانه فاتى بالظهر في الضيق هذا كله احتمالات موجبة لعدم دليل عقلي أو اعتباري على عدم امكان الوقت المشترك، فلو كان مقتضى الجمع بين الادلة اشتراكه لم يصح رده بعذر الامتناع. ثم ان الروايات مختلفة المضمون في الباب ولهذا صارت المسألة محل خلاف فعن المشهور اختصاص صلوة الظهر من اول الوقت بمقدار ادائها حسب حالات المكلف واختصاص آخره بالعصر كذلك وما بينهما من الوقت مشترك وعن الصدوقين انه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر وسيأتى الكلام في حال القولين والشهرة المدعاة. والعمدة صرف الكلام في مفاد الادلة ومما تدل على الاشتراك جملة من الروايات كرواية عبيد بن زرارة المنقولة في الفقيه بسند نقى قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر والعصر فقال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعا الا ان هذه قبل هذه ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس (1). وصحيحة اسماعيل بن مهران على الاصح قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) ذكر اصحابنا انه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر ووقت العصر وإذا غربت الشمس دخل وقت المغرب والعشاء الاخرة الا ان هذه قبل هذه في السفر والحضر وان وقت المغرب إلى ربع الليل فكتب كذلك الوقت (2) وقريب منهما روايات (3) عبيد بن زرارة مما هي ظاهر الدلالة على الاشتراك. وصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال إذا زالت الشمس دخل الوقتان


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 5 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 20 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 19

[ 77 ]

الظهر والعصر وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الاخرة (1) وبمضمونها غيرها. وبازائها مرسلة داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضى مقدار ما يصلى المصلى اربع ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلى اربع ركعات فإذا بقى مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقى وقت العصر حتى تغيب الشمس (2) إلى آخره وعن الفقيه قال الصادق (عليه السلام) إذا غابت الشمس فقد حل الافطار ووجبت الصلوة وإذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الاخرة إلى انتصاف الليل (3) وعن فقه الرضا وقت العشاء الاخرة الفراغ من المغرب (4). وهذه الطايفة ايضا ظاهرة الدلالة على الاختصاص وانه قبل مضى مقدار اربع ركعات أو مقدار صلوة المصلى يكون الوقت بالنسبة إلى العصر والعشاء كما قبل زوال الشمس وسقوطها. وقد تصدى المحققون لتوجيه روايات الاشتراك بوجوه غير مرضية (منها) ما افاده شيخنا العلامة اعلى الله مقامه بقوله من المحتمل ان يكون المراد كون الوقت صالحا للفرضين لولا حيث تقدم الظهر على العصر، وبملاحظة هذه الحيثية جعل الوقت بمقدار اداء الفريضة وقتا للظهر، والحاصل ان مفاد الرواية والله اعلم على هذا انه إذا زالت الشمس دخل الوقتان بموجب الاقتضاء الذاتي الا ان قبلية الظهر على العصر اوجبت جعل مقدار من الوت خاصا به، ثم جعل ذلك نظير ما ورد في بعض اخبار النافلة الا ان بين يديها سبحة (5).


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 7 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 16 - من ابواب المواقيت حديث: 19 (4) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 15 - من ابواب المواقيت حديث: 4 (5) الوسائل كتاب الصلوة باب - 5 - من ابواب المواقيت حديث: 1

[ 78 ]

وانت خبير بان الاخبار الملقاة على العرف لا يصح تأويلها بالوجه العقلي المغفول عنه عند المخاطبين مع انه مخالف الظاهر جدا فانه يرجع إلى أن أول الوقت ليس وقتا للعصر مثلا ولكن لو لم تكن مرتبة على الظهر كان وقتا لها وهو مخالف لقوله إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر أو دخل وقت الظهر والعصر جميعا ولعمري ان طرح الرواية ورد علمها إلى قائله خير من هذا التأويل. والعجب من شيخنا الاجل مع ذلك الذهن العرفي كيف رضى بهذا التأويل قائلا انه ليس ببعيد. ويتلوه في الاشكال القول بشأنية الوقت وكونه من حيت هو صالحا لفعل العصر لكن الترتيب مانع عن الفعلية فانه ايضا يرجع إلى عدم كون اول الزوال وقتا للعصر وانما له شأنية ذلك وهو ايضا مخالف للروايات الدالة على دخول وقت صلوة الظهر والعصر جميعا حين زوال الشمس نعم لا بأس بالاطلاق المجازى لكنه خلاف الاصل كما انه خلاف التأكيد الواقع في الكلام. ونظيرهما في الضعف القول بان المراد دخول وقتهما توزيعا، وربما تشهد بذلك رواية عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل قال ان الله تعالى افترض اربع صلوات اول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان اول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس الا ان هذه قبل هذه (1) إلى آخره. فان كون اول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل ليس الا على نحو التوزيع فيحمل ساير فقراتها على ذلك وكذا يحمل ساير الروايات المشتملة على هذا التعبير عليه. وفيه - مضافا إلى ان قيام قرينة في رواية على خلاف ظاهرها لا يوجب ارتكاب خلاف الظاهر فيما لم تقم فيه القرينة عليه - ان تعبير هذه الرواية يخالف تعبيرات ساير


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب المواقيت حديث: 4

[ 79 ]

الروايات، فاين قوله (عليه السلام) إذا زالت الشمس دخل وقت صلوة الظهر وصلوة العصر جميعا ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس (1) مع التعبير في هذه الرواية فهل يصح من شخص عادى ان يقول بهذا القول المفصل المؤكد ثم يقول: إنى أقول ان اول الوقت ليس وقتا للعصر، وهل هذا الا غفلة وذهول. ودعوى ان قوله (عليه السلام) ان هذه قبل هذه دليل على التوزيع، بعيدة عن الصواب بعد التأكيد المذكور، وبعد قوله (عليه السلام) ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس، بل لو كان الاستثناء لبيان التوزيع لرجع الكلام إلى ان اول وقت صلوة الظهر وصلوة العصر جميعا هو الزوال الا ان وقت العصر متأخر عن الزوال وهذا كلام لا يصدر عن الشخص العادى فضلا عمن كان الكلام له. فلا اشكال في ان المراد بالاستثناء بيان الترتيب بين الصلاتين، ولا مانع من عدم القدرة على تحصيله في بعض القطعات حتى القطعة المذكورة، فالمراد ان الوقت الذى هو الشرط حاصل لكن لا يصح العصر لان لاتيان بالظهر قبله شرطه فهذه الطايفة مع اشتمالها على الاستثناء شاهدة ايضا على الاشتراك. والقول بتقييد تلك الروايات برواية داود بن فرقد على ما حكى عن المحقق في المعتبر غير وجيه فان من المعلوم ان تلك الروايات ليست من قبيل المطلق حتى تقيد فقوله (عليه السلام) إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعا وانت في وقت منهما جميعا كيف يعد مطلقا حتى يقيد وكيف كان فالتأويلات المذكورة ليست وجيهة وان صدرت عن الاجلة. والذى يمكن ان يقال ان رواية داود محمولة على بيان الوقت الذى تصح الصلوة فيه بحسب الحالات العادية ولما كانت صلوة العصر مشروطة بالترتب على صلوة الظهر ولا يمكن للمكلف تحصيل هذا الشرط في اول الزوال بحسب اختياره وكذا الحال بالنسبة إلى آخر الوقت فانه لا تصح صلوة الظهر لابتلائها بالمزاحم الخارج عن


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 5

[ 80 ]

قدرة المكلف أو اشتراطها بامر خارج منها بخلاف القطعات المتوسطة فان تحصيل شرط صلوة العصر أي ترتبها على الظهر تحت قدرة المكلف. فيصح بحسب الذهن العرفي ان يقال إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر أي الوقت الذى يصح فيه الظهر بحسب الحالات العادية وحيث لا يصح العصر يصح ان يقال ان هذه القطعة وقت الظهر لا العصر، ومع لحاظ القطعة الاخيرة بحسب اختيار المكلف يصح ان يقال هذه القطعة وقت العصر أي الوقت الذى لا يصح فيه الا العصر واما القطعات المتوسطة فيصح الظهر فيها وكذا العصر لان تحصيل شرطه تحت قدرة المكلف. فالمراد بحسب الواقع بيان الاوقات بحسب وقوع الصلوة فيها صحيحة فهل ترى انه لو سئل سائل عن الفقيه الذى يرى اشتراك الوقت من اوله إلى آخره عن أنه هل يجوز صلوة العصر في اول الزوال فأجاب بانه وقت الظهر لا العصر وكذا الحال في آخره لقال شيئا مناقضا لمبناه الذى هو الاشتراك ام يكون المراد ان اول الوقت وقت يصح الظهر فقط ولا يقع العصر فيه فالتعبير بانه وقت الظهر أي الوقت الذى صح فيه الظهر فقط صحيح موافق لنظر العرف العام ولا يناقض مع القول بالاشتراك. ويمكن الاستيناس بل الاستشهاد لذلك بان المراد لو كان تعيين الوقت مع قطع النظر عن الشرط الاخر أي الترتيب لعينه بأمر مضبوط لا بامر موكول إلى المكلف مع الاختلاف الكثير وعدم الانضباط بوجه ضرورة ان المكلفين مختلفون في الاتيان بالصلوة فمقدار ما يصلى فيه المصلى مختلف غاية الاختلاف حتى في الطبقة المتوسطة من المكلفين، ومع الحمل على ظاهر قوله مقدار ما يصلى المصلى لزم اختلاف اوقات الصلوة بحسب اختلاف المكلفين ويكون الوقت لكل مكلف غيره للاخر أو لكل صنف منهم وقت غير وقت صنف آخر وهو كما ترى. وهذا شاهد على ان المراد بيان تحصيل شرط الترتيب. فالمراد ان اول الزوال وقت صح فيه الظهر فقط، ثم بعد ما صلى المصلى صحت صلوة عصره كما صحت صلوة ظهره لو وقع فيه، والاختلاف بين المكلفين بهذا المعنى أي في تحصيل الشرط لا اشكال فيه

[ 81 ]

وان شئت قلت ان اول الوقت لمكان عدم قدرة المكلف على الاتيان بالظهرين فيه وكذا على الاتيان بالعصر فيه لاشتراطه بالظهر يختص بالظهر لا بمعنى عدم اشتراك العصر معه في الوقت بل بمعنى عدم قدرته لاتيانه لا جمعا ولا منفردا فلذا قال انه وقت الظهر وبعد مقدار من الزوال يمكن الاتيان بهما اما الظهر فواضح واما العصر فللقدرة عليه بالاتيان بشرطه قبله فيقال ان الوقت مشترك بينهما وآخر الوقت لا يمكن فيه الجمع بين الظهرين ولا الاتيان بالظهر للمزاحم أو فقد شرط غير المقدور ولهذا يقال بالاختصاص بالعصر. وانت إذا راجعت الاخبار لوجدت ان اطلاق الوقت بنحو مطلق على وقت الفضيلة شايع فيها كصحيحة الفضلاء عن أبى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام وقت الظهر بعد الزوال قدمان ووقت العصر بعد ذلك قدمان (1) إلى غير ذلك وإذا صح اطلاق الوقت المطلق على وقت الفضيلة فليس من البعيد اطلاقه على الوقت باعتبار الصحة أو قدرة المكلف ايضا. وليس مرادنا ان الظاهر من رواية داود ارادة وقت الصحة أو وقت قدرة المكلف بل المراد ان الجمع بين الروايات يقتضى ذلك بحمل الظاهر على الاظهر هذا مضافا إلى ان رواية داود غير صالحة لمعارضة الروايات المتقدمة التى فيها الصحيحة والمعتبرة. وما يقال من ان السند إلى بنى فضال صحيح ونحن مأمورون باخذ رواياتهم، غير ظاهر، فان الامر بالاخذ بما رووا في مقابل رفض ما رأو ليس معناه الا توثيقهم والاخذ برواياتهم إذا كانت عن الامام عليه السلام أو عن ثقة عن الامام (عليه السلام) لا الاخذ بمرسلاتهم أو بما رووا عن الضعاف فان رفض ذلك ليس ردا لرواياتهم بل رفض لرواية الضعفاء. واما دعوى ان استناد المشهور إليها جابر لسندها، ففى غير محلها، فانه لم يثبت استناد اصحابنا القدماء إليها بل مقتضى ما حكى السيد في الناصريات عنهم


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 8 - من ابواب المواقيت حديث: 1 .

[ 82 ]

خلاف ذلك، قال: يختص اصحابنا بانهم يقولون: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر معا الا ان الظهر قبل العصر وهو عين مضمون الروايات المقابلة لرواية داود فبناء قدماء اصحابنا على العمل بتلك الروايات. وما قال السيد في الناصريات بقوله: وتحقيق ذلك انه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدى اربع ركعات فإذا خرج هذا المقدار اشترك الوقتان و معنى ذلك انه يصح ان يؤدى في هذا الوقت المشترك الظهر والعصر بطوله والظهر مقدمة ثم إذا بقى للغروب مقدار اربع ركعات خرج وقت الظهر وخلص للعصر انتهى تحقيق له في مقابل الاصحاب لا بيان مرادهم. فما عن المختلف وعلى هذا التفسير الذى ذكره السيد يزول الخلاف، غير ظاهر، بل لنا ان نقول: ان تفسيره راجع إلى ما ذكرناه في تفسير رواية داود، فان قوله: ومعنى ذلك انه يصح ان يؤدى الخ في مقابل اول الوقت واخره مما لا يصح ان يؤدى الظهر أو العصر فالاختصاص المستفاد من عبارته ليس في مقابل الاشتراك القائل به الاشتراكيون بل المراد ان اول الزوال وقت يصح فيه صلوة الظهر فقط كآخر الوقت بالنسبة إلى العصر واما الوقت فمشترك بين الصلاتين من الزوال إلى الغروب كما هو ظاهر العبارة المنقولة عن الاصحاب. فمقتضى حكاية السيد توافق الاصحاب على الاشتراك كما ان مقتضى كلام المحقق المنقول عن المعتبر في مقابل الحلى بقوله: ان فضلاء الاصحاب رووا و افتوا به أي برواية الاشتراك ان جميع فضلائهم افتوا وعملوا بتلك الروايات وتركوا العمل برواية داود. فيظهر من المحققين السيد والمحقق ان المشهور بين الاصحاب قديما إلى عصر المحقق هو القول بالاشتراك فيثبت منه اعراضهم عن ظاهر رواية داود. بل الظاهر ان المشهور بين المتأخرين ايضا رفض العمل بروايته فان مقتضى روايته ان أول الزوال إلى ان يصلى المصلى اربع ركعات وقت مختص بالظهر وكذا الحال

[ 83 ]

بالنسبة إلى وقت العصر ولازم ذلك ان ذلك المقدار بالنسبة إلى العصر كما قبل الزوال لصلوة الظهر فلو صلى المسافر ركعتين في اوله يجب عليه الصبر إلى مضى هذا الوقت ولو كان الفراغ عن صلوة الظهر بحسب بعض احوال المكلف قبل مضى المقدار المذكور لنوع المصلين يجب الانتظار، وهذا مخالف لجميع الروايات المستدل بها للاشتراك والاختصاص ولفتوى المشهور من الفقهاء فان عباراتهم مشحونة بان الظهر تختص من اول الزوال بقدر ادائها وكذا بالنسبة إلى العصر وقد ادعى الاجماع عليه تارة والشهرة اخرى ولم يفرقوا بين القصر والتمام نعم حكى عن معدود منهم انه تختص بمقدار اداء اربع ركعات وعن السرائر الاجماع عليه مع ان المحكى عنه التعبير بمقدار ادائها. وكيف كان الظاهر عدم عمل الاصحاب برواية داود فضلا عن استنادهم إليها بل من المحتمل ان القائلين بالاختصاص انما ذهبوا إليه لشبهة عقلية وهى امتناع كون اول الوقت مشتركا لادائه إلى الامر بالضدين وكذا اخر الوقت أو فهموا من الروايات المشتملة على ان هذه قبل هذه الاختصاص كما تقدم الكلام فيه. فتحصل مما ذكر ان رواية داود مرسلة غير مجبورة بعمل الاصحاب بل معرض عنها بحسب المشهور قديما وحديثا ولو فرض ان في ما رواه بنو فضال لا ينظر إلى ما بعدهم من الارسال أو ضعف السند وكانت بمنزلة رواية صحيحة لما افاد أيضا بعد فرض اعراضهم عنها ولو قيل بمعارضة الطايفتين وقلنا بان الشهرة من المرجحات فالترجيح لروايات الاشتراك. فالتحقيق اشتراك الوقت من الزوال إلى الغروب بينهما وعدم صحة العصر اول الزوال لاجل فقد شرط الترتيب ولهذا لو سقط ذلك ووقع العصر من اول الزوال كان صحيحا كما لو نسى الظهر واتى بالعصر من اوله. وعليه فيظهر الكلام في الفرعين المتقدمين اولهما إذا صلى الظهرين ثم علم باستدبار الظهر عن القبلة ولم يبق من الوقت الا اربع ركعات أو اقل، فعلى الاختصاص

[ 84 ]

بمعنى كون آخر الوقت بالنسبة إلى الظهر كما بعد الغروب، يسقط القضاء لشمول الروايات المفصلة للظهر، واما على القول بالاشتراك فيجب عليه الاتيان بها لبقاء وقتها وسقوط الترتيب وكذا على القول بالوقت الاقتضائى والشأني لانه على القولين يصير الوقت بعد سقوط الترتيب فعليا فيجب عليه الظهر. ثانيهما إذا صلى الظهر فقط وبقى من الوقت مقدار اربع أو اقل يجب عليه العصر وسقط قضاء الظهر على الاختصاص وكذا على القولين الاخرين لخروج وقته وشمول الاختبار المفصلة له. واما على الاشتراك ففيه وجهان سقوط القضاء بدعوى ان المتفاهم من العناوين المأخوذة في الروايات المفصلة التى تقدم بعضها هو فوت الوقت الذى يمكن الاتيان بالصلوة فيه ولو لاجل مراعاة الشريكة وبدعوى ان الظاهر من الروايات ان حكم الاتيان في الوقت ثابت لمن يمكن له الاتيان فيه ويكون مأمورا بالاتيان كقوله (عليه السلام) ان كان في وقت فليعد وان كان الوقت قد مضى فلا يعيد (1) وقوله يعيدها ما لم يفته الوقت (2) ونحوهما غيرهما فان الظاهر منها ان المفروض من الوقت هو الذى امر فيه بالاعادة والوقت الذى يجب الاتيان بالعصر فيه لا يعقل الامر باعادة الظهر فيه. وفى الدعويين اشكال اما في الاول فواضح، لان الظاهر من ذهاب الوقت ومضيه وفوته هو خروج الوقت المقرر للصلوة لا خروج وقت صحت الصلوة فيه وانما حملنا رواية داود على ذلك بقرينة روايات اخر وحمل الظاهر على الاظهر واما دلالة مثل الروايات المفصلة على ذهاب الوقت المقرر فمما لا ينبغى الاشكال فيه والحمل المذكور في رواية داود لا شاهد عليه. واما في الثانية فلانها مبنية على ان الامر بالاعادة يراد منه ظاهره، وقد مر منا ان قوله: فليعد ولا اعادة عليه ونحوه كناية عن البطلان والصحة، والجمل التى يؤتى بها كناية لا يراد منها معانيها الحقيقية كقوله فلان كثير الرماد، وقد ذكرنا سابقا ان


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 11 - من ابواب القبلة حديث: 8 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 11 - من ابواب القبلة حديث: 4

[ 85 ]

القرينة موجودة بانه لايراد من تلك الجمل معانيها الحقيقية بل هي كنايات عن الصحة والفساد وعليه فليس الامر بالاعادة قرينة على ما ذكر. مضافا إلى ان الامر بالاعادة لا يدل على كونها في الوقت، إذ الاعادة هي الاتيان بالشئ ثانيا سواء كان في الوقت أو في خارجه ولهذا استعمل لفظها بالنسبة إلى خارج الوقت فقال (عليه السلام) وان كان قد مضى الوقت فلا يعد أو لا اعادة عليه (1) فيصير المعنى على فرض الاستعمال الحقيقي، انه إذا علم بالاستدبار في الوقت يجب عليه الاعادة، واطلاقه يعم الاعادة خارج الوقت، فالظاهر على القول بالاشتراك هو وجوب قضاء الظهر لو استبان في الوقت الضيق الذى يجب عليه العصر. الثالث لو صلى العصر ثم استبان قبل غروب الشمس بمقدار ما يسع لثلاث ركعات أو اقل أنه كان مستدبرا فيها، بحيث لو اعادها كانت مشمولة لقاعدة من ادرك، وكذا لو صلى الظهرين ثم تبين استدباره للظهر في الوقت المذكور فهل صحت صلوة عصره مطلقا وكذا ظهره في الفرض الثاني على الاشتراك أو لا، والمسألة مبنية على كيفية استفادة الحكم من قاعدة من ادرك. والاولى ذكر بعض رواياتها منها المرسلة المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله) في الخلاف وغيره قال في الخلاف روى ان من ادرك من الصلوة ركعة فقد ادركها (2) وعن الخلاف وجماعة من الاصحاب على ما في مفتاح الكرامة قوله (عليه السلام) من ادرك من الصلوة ركعة فقد ادرك الصلوة تامة (3)، قال: وفى لفظ آخر من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت (4) وفى الذكرى روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: من ادرك ركعة من الصلوة


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 11 - من ابواب القبلة حديث: 8 (2) لم نعثر عليها في كتب الحديث والظاهر انها متصيدة من روايات الباب (3) لم نعثر عليها في كتب الحديث والظاهر انها متصيدة من روايات الباب (4) لم نعثر عليها في كتب الحديث والظاهر انها متصيدة من روايات الباب

[ 86 ]

فقد ادرك الصلوة (1)، وفى رواية اصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من ادرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد ادرك الغداة تامة، (2) وعن الذكرى من ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك الشمس (3) وعن على بن احمد الكوفى في كتاب الاستغاثة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: من ادرك من صلوة العصر ركعة واحدة قبل ان تغيب الشمس ادرك العصر في وقتها، (4) وفى موثقة عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث، فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلوته (5). وهذه الروايات وان كانت مرسلات وضعاف الا واحدة منها الا ان مضمونها مفتى به عند الاصحاب وكان الحكم مشهورا معروفا يدعى عليه الاجماعات والشهرات فلا اشكال في الحكم بل ولا في جبر سند النبوى المعروف. ثم ان المحتملات في مضمون الروايات كثيرة (منها) انها بصدد توسعة الوقت واقعا فيكون وقتا اختياريا، وهذا الاحتمال مقطوع الخلاف وان كان يظهر من الخلاف احتماله عند الاصحاب، قال فيمن صلى الفجر ركعة أو العصر كذلك ثم طلعت أو غربت الشمس: انه يكون مؤديا وانه ادرك الصلوة جميعا في وقتها، دليلنا اجماع الفرقة المحقة، فانهم لا يختلفون في ان من ادرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس يكون مؤديا في الوقت، وانما اختلفوا في ان هذا هل هو وقت اختيار أو وقت اضطرار، واما انه وقت الاداء فلا خلاف بينهم فيه انتهى تأمل. (ومنها) انها بصدد توسعة الوقت للمضطر فيكون وقتا حقيقة لكن لمن اضطر


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 4 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 2 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 5 (4) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 28 - من ابواب المواقيت حديث: 6 (5) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 1

[ 87 ]

حتى ولو اوقع نفسه في الاضطرار اختيارا وان كان معاقبا لذلك، فيكون معنى قوله (صلى الله عليه وآله) من ادرك من الصلوة فقد ادرك الصلوة (1)، انه ادركها في وقتها، كما قال (عليه السلام) في مرسلة اخرى: من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت (2)، وكما في رواية الكوفى المتقدمة ادرك العصر في وقتها (3). (ومنها) انها بصدد تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت اما في جميع الاثار مطلقا أو للمضطر ولو باختياره وإما في الاثر البارز وهو كون الصلوة اداء. (ومنها) كونها بصدد التنزيل لكن لا تنزيل الوقت بل تنزيل ادراكه بمقدار ركعة منزلة ادراك الجميع، أو تنزيل الصلوة التى وقعت ركعة منها في الوقت منزلة ما وقعت فيه جميعا، أو تنزيل الشخص الذى ادرك ركعة منزلة المدرك للجميع. (ومنها) ان يكون المراد منها بيان انه لا يعتبر عند الشارع في كون الصلوة اداء الا وقوع ركعة منها في الوقت، وهذه الاحتمالات تأتى بالنسبة إلى ادراك اول الوقت بمقدار ركعة لكن كلامنا في آخر الوقت. فنقول انه على القول بالوقت الاختياري الراجع إلى نسخ قاعدة من ادرك الادلة الدالة على ان الغروب آخر الوقت فلا اشكال في عدم خروج الوقت بغروبها بل يكون باقيا إلى مضى مقدار ثلاث ركعات بعد غروبها، وكذا الحال في ساير الفروض لكنه مقطوع الخلاف، وكذا الحال في التنزيل المطلق اللازم منه التاخير اختيارا، والظاهر ان فتوى الاصحاب بكون المدرك للركعة مؤديا ليس لهذين الوجهين بل احد ساير الوجوه. وكذا على القول بالتوسعة للمضطر لا يبعد استلزامه لبقاء الوقت فان خروج الوقت المقرر بقول مطلق لا يتحقق الا بخروج الاضطراري أيضا الا ان يدعى الانصراف


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 4 (2) لم نعثر عليها في كتب الحديث والظاهر انها متصيدة من روايات الباب (3) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 28 - من ابواب المواقيت حديث: 6

[ 88 ]

وهو غير ظاهر، واولى بذلك أي بعدم خروجه على القول بالوقت التنزيلى إذا قيل إنه بلحاظ جيع الاثار، فان مقتضى الادلة الاولية وان كان انتهاء الوقت بغروب الشمس مثلا، لكن مقتضى حكومة دليل من ادرك عليها هو التوسعة الحكمية مطلقا أو في بعض حالات المكلفين أما على التوسعة المطلقة فواضح وأما على المقيدة فلما اشرنا إليه من عدم صدق الذهاب الا بذهاب جميع المصاديق. فعلى هذه الاحتمالات إذا استبان الاستدبار بعد الغروب مما هو مشمول للقاعدة يجب قضاء الصلوة. واما على ساير الاحتمالات سواء قلنا بتنزيل الوقت في خصوص الاداء أو تنزيل الادراك أو غيرهما من المحتملات فلا قضاء لذهاب الوقت وعدم دليل على التوسعة أو التنزيل فيؤخذ بالادلة المفصلة هذا حال التصورات. واما في مقام التصديق فالاحتمالات المتقدمة التى لازمها وجوب القضاء كلها خلاف الظاهر حتى في مثل قوله (عليه السلام): من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك (1) الوقت، أو قوله (عليه السلام) في رواية الكوفى: من ادرك من صلوة العصر ركعة واحدة قبل ان تغيب الشمس ادرك العصر في وقتها (2) فضلا عن غيرهما. فان الظاهر منهما اما تنزيل ادراك الصلوة بركعة منزلة ادراك جميعها في الوقت، لا تنزيل الوقت حتى يقال بعدم خروجه تنزيلا، بل لسان الرواية يخالف لسان التنزيل في الوقت فان التنزيل في مثله يرجع إلى الحقيقة الادعائية وفى مثلها لا يرى المتكلم الا تلك الحقيقة ويكون الطرف منسيا فمن قال رايت اسدا يدعى كون المرئى اسدا لا غير فان ذكر معها بعض خصوصيات الانسان خرج الكلام من الادعاء والبلاغة وفى تلك الروايات يكون الوقت المقرر منظورا فيه وان المصلى ادرك منه ركعة وان الوقت خرج باتمام الركعة ومعه كيف يدعى ان تلك القطعة وقت واما دعوى ادراك


(1) لم نعثر عليها في كتب الحديث والظاهر انها متصيدة من روايات الباب (2) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 28 - من ابواب المواقيت الحديث: 6

[ 89 ]

الصلوة بادراك ركعة فلا مانع منه وبالجملة الظاهر منه ذلك. أو الاحتمال الاخير الراجع إلى ان المعتبر في الاداء عند الشرع ليس الا ادراك ركعة منها كما قال (عليه السلام) في موثقة عمار: فليتم وقد جازت صلوته (1) فلا اشكال في ان الاستبانة في الوقت المذكور خارج الوقت فصحت صلوته وحسبه اجتهاده. الرابع لو صلى العشائين فتبين بعد انتصاف الليل كونهما أو احداهما في دبر القبلة فهل عليه الاتيان أو لا شئ عليه؟ مبنى الثاني هو خروج الوقت وليس ما بعده وقتا لا اختيارا ولا اضطرارا والمسألة محل اشكال في الفرض بل وفيما تبين بعد سقوط الشفق أو بعد ثلث الليل أو ربعه وان كان بعض الاحتمالات غير معتنى به. وقد اختلفت الاخبار والاقوال في المسألة وهى وان لم تكن محط البحث لكن لا بأس بالتعرض الاجمالي فنقول: ان في قوله تعالى: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر (2) احتمالات واقوالا بحسب رأى اللغويين، فمن قائل ان الدلوك زوال الشمس وميلها والظاهر ان الاغلب على ذلك، وقيل: الدلوك من الزوال إلى الغروب، وقيل: هو الغروب، وقيل في وجه كل أمر اعتباري لا يرجع إلى محصل، وقيل: غسل الليل هو اول بدئه وقبل: سواد الليل وظلمته، وقيل: انتصافه وقيل: وقت غيبوبة الشفق والظاهر ان الاية الكريمة متعرضة لبيان اوقات الصلوات الخمس فالقول بان الدلوك هو الغروب كالقول بان الغسق بدء الليل غير وجيه. والظاهر ان المراد من الدلوك زوال الشمس كما عليه الاكثر، والغسق انتصاف الليل إذا كان المراد شدة ظلمته بناء على انها في الانتصاف، أو غيبوبة الشفق إذ بها يصير الليل مظلما لذهاب شعاع الشمس عن الافق وسياتى الكلام في ترجيح احد الاحتمالين واما احتمال كونه سواد آخر الليل فبعيد عن الصواب. والظاهر من الاية الكريمة ان الغسق منتهى الوقت، وهو اما سواد الليل وظلمته


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 1 (2) سورة الاسراء - آية - 78 ]

[ 90 ]

وهو يحصل بذهاب الشفق بل قبيله، أو شدة الظلام وهى اما بعد الشفق أو انتصافه والحمل على آخر الليل خلاف الظاهر. مضافا إلى انه يمكن الاستيناس لذلك من اختلاف تعبير الاية الكريمة في بيان الصلوات الاربع مع بيان صلوة الفجر فقوله تعالى: اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (1) راجع إلى الاربع وقوله: وقرآن الفجر راجع إلى صلوته. ومن المحتمل قريبا ان النكتة في اختلاف التعبير اتصال وقت تلك الصلوات الاربع فالقطعة المتصلة من الزوال إلى انتصاف الليل أو ذهاب الشفق وقت لها، فقال: اقم الصلوة من الدلوك إلى الغسق، ثم لما كانت القطعة المذكور منفصلة عن القطعة التى تجب فيها صلوة الفجر افردها بالذكر بقوله: وقرآن الفجر، وهذا وجه عدم التعبير بقوله: اقم الصلوة من دلوك الشمس إلى الفجر أو إلى قرآن الفجر، وهذا شاهد على ان بين الاربع والفجر فصلا دون تلك الاربع. وبما ذكرنا يمكن الاستظهار من الاية أن المراد من الغسق نصف الليل بان يقال انه لو كان المراد منه سقوط الشفق يلزم عدم تعرضها لوقت العشاء تاما، إذ لم يقل احد بان وقتها إلى سقوط الشفق، مضافا إلى مادل من الاخبار المستفيضة على ان الوقت إلى نصف الليل، فلا ينبغى الاشكال في ان الغسق نصف الليل. ثم انه بناء على ظهور الاية في ان منتهى الوقت انتصاف الليل لا تكون الروايات الدالة على بقاء الوقت للمعذور كالحائض التى طهرت آخر الليل والناسى والنائم المستيقظ اخره مخالفة له الا بالاطلاق والتقييد فيجب الاخذ بالمقيدات لو لم يكن محذور آخر بل لا كون رواية عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) ولا صلوة الليل حتى يطلع الفجر (2) مخالفة للاية بالتباين إذ لا دلالة لها على انه وقت اختيارا وعدم الفوت لا ينافي كون آخر الوقت للمضطر فان التارك عمدا ولو عوقت بتأخيره لكن


(1) سورة الاسراء - آية - 78 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب المواقيت حديث: 9

[ 91 ]

صار مضطرا ولم تفت صلوته. ثم انه يمكن الاستدلال بالاية الشريفة على ان الوقت من زوال الشمس إلى غسق الليل وقت اختياري للصلوات الاربع. بيان ذلك ان في قوله تعالى: اقم الصلوة إلى آخرها احتمالات (احدها) انه امر لخصوص النبي (صلى الله عليه وآله) باقامتها من الزوال إلى انتصاف الليل، ويكون امرا مولويا وجوبيا. (ثانيها) أنه امر مولوى متوجه إليه بايقاعها في القطعة المذكورة بان لا يكون الامر متوجها إلى نفس الصلوة التى ظرفها تلك القطعة بل إلى لزوم جعلها فيها بعد مفروضية كونها واجبة وبعبارة اخرى لم يكن بيان اصل وجوبها بالاية الشريفة، بل كان ثابتا من قبل، وانما تعلق الوجوب بجعل الصلوات الواجبة في تلك القطعة. (ثالثها) أنه امر ارشادى متوجه إليه لبيان شرطية الوقت للصلوة كالاوامر المتعلقة بساير الشروط كالطهارة والقبلة. فعلى هذه الاحتمالات لما كان الخطاب شخصيا متوجها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا محالة يكون الامر للتوسعة اختيارا فان الاضطرار كالسهو والنسيان والخطا والجهل والاغماء والمرض الموجب لعدم الالتفات إلى اوقات الصلوة بل النوم الموجب لترك الصلوة في الوقت الاختياري غير جايز على النبي (صلى الله عليه وآله)، وما ورد من نومه منها لابد فيه من التأويل أو الرد إلى اهله، فلا محالة يكون الخطاب لشخص ملتفت غير معذور فتكون التوسعة لصلوة المختار، ثم بعد ثبوت ذلك له عليه وعلى آله السلام تثبت للامة للاجماع بل الضرورة على الاشتراك وعدم كونها من مختصاته، ولا يفرق في استفادة ذلك بين الوجوه المتقدمة، حتى على الاحتمال الثالث لان الامر الارشادي ايضا متوجه إليه فيكون ارشادا له إلى ذلك. نعم لو كان المراد من امره بالاقامة اقامتها في الامة بان يكون مأمورا بان يأمر الامة باقامتها لكان امره بها قانونيا يصح فيه الاطلاق للحالات العارضة، لكنه خلاف

[ 92 ]

الظاهر. ولعل الظاهر هو الاحتمال الاول، للفرق بين المقام وغيره مما امر بالاجزاء والشرايط لقيام القرينة في ساير الموارد على الارشاد لتعلق الامر بالجزء أو الشرط ونحوهما مما لا يصح فيه الحمل على المولوية واما في المقام فيحمل على ظاهره لتعلقه بالصلوة في الاوقات المذكورة والحاصل ان الحمل على الارشاد حمل على خلاف الظاهر المحتاج إلى القرينة المفقودة في المقام. فتحصل مما ذكر ان الوقت المستفاد من الاية وقت اختياري، هذا مضافا إلى دلالة جملة من الروايات عليه وعدم صلاحية الروايات الموهمة للخلاف لمعارضتها بل في نفس تلك الروايات شواهد على ان الاوقات المذكورة فيها اوقات فضل على مراتبه، ولا يقتضى المقام تفصيل الاوقات واحكامها. فلا اشكال في ان وقت العشاء ممتد إلى نصف الليل اختيارا، كما لا اشكال في عدم امتداده إلى الفجر اختيارا بمقتضى الاية الكريمة والروايات. واما الامتداد للمضطر مطلقا، أو في الموارد التى ورد فيها النص به، ففيه كلام (حاصله) انه ورد في جملة من الروايات في الحائض إذا طهرت آخر الوقت قبل طلوع الفجر أنه يجب عليها المغرب والعشاء كرواية ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا طهرت المرئة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر وان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء (1)، ونحوها غيرها، وورد مثلها في الناسي والنائم ففى صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال ان نام رجل أو نسى ان يصلى المغرب والعشاء الاخرة فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما فان خاف ان ان تفوته احداهما فليبدء بالعشاء وان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس (1) وقريب منها غيرها.


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 49 - من ابواب الحيض حديث: 10 (2) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب قضاء الصلوات حديث: 15

[ 93 ]

ولا يبعد ثبوت الحكم لمطلق المعذور ولو حصل ذلك باختياره وان عوقب على ذلك، وتشهد له رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال لا يفوت الصلوة من اراد الصلوة لا يفوت صلوة النهار حتى تغيب الشمس ولا صلوة الليل حتى يطلع الفجر ولا صلوة الفجر حتى تطلع الشمس (1) بل لولا ضعفها كانت حجة قاطعة ويظهر من الخلاف عدم الخلاف بين اهل العلم في عدم الانحصار بالموارد المتقدمة كما يأتي كلامه مع ان الرواية في الفقيه من المرسلات المعتمد عليها وان كان في المقام لا يخلو من اشكال. ثم لا اشكال في وجود الجمع العرفي بين مادل على الامتداد إلى الفجر وبين الروايات الدالة على ان آخر الوقت نصف الليل وكذا بينها وبين الاية الكريمة فان المخالفة بينهما بالاطلاق والتقييد، هذا لو كان للاية اطلاق، واما على ما مر من اختصاصها بصلوة المختار فلا اشكال رأسا وهذا لا اشكال فيه. انما الاشكال فيما قيل من عدم جواز الاعتماد على تلك الاخبار الدالة على الامتداد لغير المختار لاعراض المشهور عنها ولموافقتها لفتوى جميع الفقهاء الاربعة مع ان اكثر الاخبار الواردة في الوقت مشوبة بالتقية. وفيه ان اعراض قدماء اصحابنا غير ثابت كما يظهر من الشيخ في الخلاف، قال فيه: الوقت الاخر وقت من له عذر وضرورة، وبه قال الشافعي وذكر الشافعي في الضرورة في الوقت اربعة اشياء، الصبى إذا بلغ، والمجنون إذا افاق، والحائض والنفساء إذا طهرتا، والكافر إذا اسلم، ولا خلاف بين اهل العلم في ان واحدا من هؤلاء الذين ذكرناهم إذا ادرك قبل غروب الشمس مقدار ما يصلى ركعة انه يلزمه العصر، وكذلك إذا ادرك قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة يلزمه العشاء الاخرة، ثم تمسك بالروايات، ثم قال: دليلنا اجماع الامة على ان من لحق ركعة تلزمه تلك الصلوة الخ. وقال في مسألة اخرى: إذا ادرك بمقدار ما يصلى فيه خمس ركعات قبل المغرب لزمته الصلاتان بلا خلاف، وان لحق اقل من ذلك لم يلزمه الظهر عندنا، وكذا القول


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب المواقيت حديث: 9

[ 94 ]

في المغرب والعشاء الاخرة قبل طلوع الفجر إلى آخره. واما دعوى موافقتها لفتوى جميع الفقهاء الاربعة، ففيها - مضافا إلى ان مجرد موافقتها لهم لا يوجب وهنا فيها وانما المخالفة لهم عند التعارض من المرجحات كما لا يخفى - انها ممنوعة، فان المذكور في الخلاف انهم اختلفوا في آخر وقت العشاء وانه إلى الثلث أو الربع أو النصف أو طلوع الفجر اختيارا أو اضطرارا. ومنه يظهر انه لو سلم كون اكثر الاخبار الواردة في الوقت مشوبة بالتقية فلا يوجب ذلك الوهن في تلك الاخبار غير المشوبة بها، فتحصل مما مر ان الوقت الاختياري للعشائين إلى نصف الليل ويمتد للمضطر إلى الفجر وطريق الاحتياط واضح. مسألة في الخلل في الوقت، ولابد من تقديم مقدمة، وهى ان دخول الوقت يحتمل ان يكون شرطا لوجوب الصلوة، فيكون وجوبها مشروطا بمجئ الوقت كساير الوجوبات المشروطة، ويحتمل ان يكون الصلوة الواجبة معلقة على دخول الوقت فتكون من قبيل الواجبات المعلقة، فيكون الوجوب فعليا متعلقا بامر استقبالي هي الصلوة في الوقت، ويحتمل ان يكون الوجوب مطلقا والوقت شرطا للمأمور به كالطهارة والستر للصلوة. فعلى الاولين لو وقعت الصلوة خارج الوقت بطلت بحسب القواعد عمدا كان أو سهوا ونسيانا ونحوهما، ولا يمكن تصحيحها بحديث الرفع كالتصحيح به بالنسبة إلى شروطها كالطهارة والقبلة على ما مر الكلام فيه، فان الصلوة قبل الوقت ليست مأمورا بها فلا مجرى لحديث الرفع فيها قبل الوقت ولا لقاعدة الاجزاء. وعلى الثالث يكون حاله كحال ساير الشروط والاجزاء التى قلنا بجريان الحديث فيها وصيرورة الواجب الصلوة ما عدا الجزء أو الشرط المنسيين هذا بحسب الاحتمال. ولا اشكال بحسب الاثبات في عدم كون الوقت من قبيل شروط الواجب

[ 95 ]

وظاهر الاية الكريمة اقم الصلوة لدلوك الشمس (1) الخ احد الاحتمالين الاولين، والارجح بينهما هو الاول منهما، فان الاظهر ان يكون قوله لدلوك الشمس متعلقا بالطلب فيكون الحاصل تجب الصلوة عند دلوكها فيكون الوجوب مشروطا، لا بالصلوة حتى يكون الوجوب معلقا، واما كونها بصدد بيان الشرطية لا الحكم التكليفى، فخلاف الظاهر بعد كون الامر متعلقا بالصلوة أو متعلقاتها، هذا بالنسبة إلى اول الزوال، واما منه إلى آخر الوقت فسيأتي الكلام فيه. واما الروايات فيظهر من كثير منها أن الصلوة بالاضافة إلى وقتها من قبيل الواجب المشروط، مع ان عدم وجوبها قبل الوقت واضح لدى المتشرعة وكيف كان لا اشكال في عدم جريان حديث الرفع بالنسبة إلى الوقت من غير فرق بين ما قبل الوقت وما بعده ولا بين وقوع بعضها خارج الوقت ووقوع كلها هذا بحسب القواعد الاولية. واما بحسب الادلة الخاصة فالكلام يقع فيها في مقامين. الاول لو دخل في الصلوة قبل الوقت خطأ مثلا وانكشف الخطاء قبل تمام الصلوة أو بعده. فيمكن الاستدلال للصحة وادراك الوقت بقاعدة من ادرك إذا ادرك من اوله مقدار ركعة بدعوى شمول مرسلة الذكرى (2) المجبور ضعفها بعمل المشهور له فان قوله (عليه السلام) فيها: من ادرك ركعة اعم من ان ادركها من اول الوقت أو آخره وعلى ذلك يمكن تحكيمها على رواية اسماعيل بن رياح الاتية فان المفهوم منها ان من لم يدرك الركعة لم يدرك الصلوة أو لم يدرك الصلوة في الوقت وهو حاكم على قوله في الرواية فدخل الوقت وانت في الصلوة فيحكم بان المحكوم بالصحة الصلوة المدركة ركعتها من غير الفرق بين اول الوقت وآخره. والقول بان كلا من القاعدة والرواية بصدد حكم غير حكم صاحبها، فان القاعدة بصدد بيان ادراك الصلوة، والرواية بصدد بيان الاجزاء والصحة، فيعمل


(1) سورة الاسراء - آية - 78 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - حديث: 4

[ 96 ]

بكل في موضوعها. لا يفيد فان القاعدة بمفهومها ترفع موضوع الاجزاء والصحة ايضا، الا ان يقال: عدم ادراك الصلوة في وقتها لا ينافي الاجزاء والصحة، لكنه غير وجيه، لان العرف يستفيد من ذلك بطلان الصلوة وعدم الاجزاء، مضافا إلى ان المستفاد من موثقة عمار (1) المتقدمة المستدل بها للصحة ان المراد بادراك الوقت صحة الصلوة واجزائها، وفيها فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلوته تأمل هذ. ولكن يمكن الخدشة في شمول القاعدة لاول الوقت، بان يقال: ان ادراك الوقت بمقدار الركعة انما يقال إذا لم يبق منه الا ذلك وخرج من يده بعده، وهذا مختص بآخر الوقت، مضافا إلى ان روايات الباب كلها متعرضة لادراك آخر الوقت، والظاهر ان مفاد المرسلة موافق لها، وكيف كان هذا الاحتمال مع هذا التأييد لو لم يكن موجبا للاستظهار، فلا اقل من انه موجب للشك في الصدق وعدم جواز التمسك بها لاول الوقت. فالمستند إذن للقول المشهور رواية اسماعيل بن رياح عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال إذا صليت وانت ترى انك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وانت في الصلوة فقد اجزأت عنك (2) قالوا: ان الرواية صحيحة إلى اسماعيل، ورواية ابن ابى عمير عنه كافية للحكم بالصحة، لانه لا يروى الا عن ثقة كما صرح به الشيخ في العدة، مع ان جماعة من المتأخرين يقولون: إذا صح الخبر إلى ابن ابى عمير فقد صح إلى المعصوم، مضافا الپى ان الشهرة جابرة لضعفها على فرضه. اقول: اما ما عن الشيخ من عدم رواية ابن ابى عمير الا عن الثقة، فهو خلاف الوجدان كما يظهر بالمراجعة إلى رجاله ورواياته، نعم اكثر رجاله ثقات، وهذا لا يكفي لاثبات المدعى. واما ما عن الجماعة فهو مستند إلى اجماع الكشى بالنسبة لابن ابى عمير واضرابه


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 25 - من ابواب المواقيت حديث: 1

[ 97 ]

ممن ذكره، وقد تعرضنا لذلك في بعض كتبنا، واثبتنا أنه على فرض صحة قيام هذا الاجماع لا يستفاد منه الا الاجماع على وثاقة هؤلاء. واما قضية الشهرة الجابرة وهى العمدة ففى ثبوتها اشكال بعد ما يحكى عن السيد في رسياته من أن عدم الاجزاء هو الذى أفتى به المحققون والمحصلون من اصحابنا، وقد فهم بعضهم من ذلك دعوى الاجماع عليه، وبعد مخالفة كثير من القدماء والمتأخرين للشهرة، ففى جبرها للسند على فرض ثبوتها اشكال بعد احتمال كون المستند عندهم أو عند كثير منهم قاعدة الاجزاء أو اصل البرائة، كما استدل بهما أو باحدهما قديما وحديثا، واحتمال كون استناد بعضهم أو اغلبهم إلى رواية اسماعيل بزعم ان ابن ابى عمير لا يروى الا عن ثقة أو انه من اصحاب الاجماع ولا ينظر إلى السند بعد الاتصال بهم بسند وثيق. واما التشبث بقاعدة الاجزاء ففى غير محله كما اشرنا إليه، واوهن منه التشبث باصل البرائة بعد قيام الدليل كتابا وسنة على وجوبها من الزوال وعدم صحتها قبله. بقى الكلام فيما قال الحلى في السرائر من ورود الاخبار المتواترة على الاجزاء قال: فان شك (أي في دخول الوقت) لغيم أو غيره استظهر حتى يزول عنه الريب في دخوله، ومن صلى صلوة في حال فقدان الامارات والدلالات ومع الاستظهار وظهر بعد الفراغ منها ان الوقت لم يدخل وجب عليه الاعادة، إلى ان قال: وان كان قد دخل عليه وقت الصلوة وهو فيها ولم يفرغ منها لم يلزمه الاعادة، وذهب قوم من اصحابنا إلى وجوب الاعادة، إلى ان قال: والاول هو المعمول (المعتمد خ) عليه والاظهر في المذهب، وبه تنطق الاخبار المتواترة المتظاهرة عن الائمة الطاهرة عليهم السلام انتهى. ولم يتضح لنا مراده من الاخبار المتواترة، ومن المعلوم أنه ليس مراده الاخبار الواردة في قاعدة من ادرك بالغاء الخصوصية، ضرورة انها مع عدم كونها متواترة يكون موضوعها ادراك الركعة، وفى المقام يكون الموضوع ادراك الوقت وهو في

[ 98 ]

الصلوة ولم يقيده احد بادراك الركعة، وكلام الحلى كالصريح في الاعم. كما ان مراده ليس خبر اسماعيل بن رياح باعتبار الطرق العديدة إلى ابن ابى - عمير الناقل عنه، ضرورة ان قوله: الاخبار المتواترة المتظاهرة عن الائمة صريح في كثرة الاخبار عنهم بحيث يتظاهر بعضها ببعض، ولولا الجزم بوقوع اشتباه في البين اما من قلمه الشريف أو من النساخ لصح الاعتماد على قوله، ولكن المعلوم عدم عثوره على اخبار متواترة ليست لها في جوامعنا وكتبنا الاستدلالية رسم ولا اثر، فالمسألة مورد تردد، وان كان مقتضى القواعد الحكم بالبطلان هذا كله في سند رواية اسماعيل ابن رياح. واما بيان مفادها فالبحث فيه من جهات (الاولى) تارة ينكشف الخطاء بعد تمام الصلوة، واخرى في اثنائها، وعلى الثاني تارة ينكشف بعد دخول الوقت، واخرى قبله لكن مع بقاء مقدار من الصلوة لو اتمها ادرك الوقت. فهل يمكن الجمع بين الفروع الثلاثة في لفظ واحد أو لا، بان يقال: ليس بين الفراغ من الصلوة وعدمه واتمامها والشروع فيها وانكشاف الخطاء في الاثناء وعدمه جامع، فلا يمكن الجمع بلفظ واحد الا على القول بجواز استعماله في الاكثر، وعلى فرض صحة الاستعمال لا يحمل اللفظ عليه الا مع قيام القرينة. ويمكن دفع الاشكال بان يقال: يصح الجمع في العناوين التى توجد متدرجة مع صدقها على الخارج من اول الامر إلى آخره كالصلوة، فان المصلى المشتغل بها يصح ان يقال: انه صلى باعتبار الاجزاء السابقة ويصلى باعتبار الاشتغال والاجزاء اللاحقة، الا ترى صحة قوله صليت وشككت في الركعة الثانية، أو صليت مع الامام وانفردت في الركعة الاخيرة بلا شائبة تجوز. فقوله (عليه السلام) في الرواية: إذا صليت وانت ترى انك في وقت (1) بعد افادة المعنى الاستقبالي لمكان لفظة إذا يصدق في حال الاشتغال كما يصدق بعد الاتمام، وليس الفراغ و


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 25 - من ابواب المواقيت حديث: 1

[ 99 ]

عدمه، والاشتغال وعدمه بعنوانهما قيدا في الكلام حتى يقال: لا يصح الجمع بينهما، وانكشاف الخطاء ليس في الرواية، وعلى فرضه يصدق على الداخل والخارج بعنوان واحد. فالعبارة المذكورة في الرواية شاملة للفروع الثلاثة لولا بعض القرائن، فمن اشتغل بالصلوة ويرى انه في الوقت ولم يدخل الوقت فدخل وهو في الصلوة يصدق عليه لفظ الحديث سواء انكشف الخطاء في الاثناء ام بعد الفراغ وسواء انكشف بعد دخول الوقت ام قبله، فالموضوع تحقق الصلوة مع احراز الوقت و وقوع بعضها في الوقت، فلو انكشف قبل دخوله وادام صلوته حتى دخل صح ان يقال بالعبارة المتقدمة وامكن الجمع بين الفروع، هذا بحسب الثبوت والامكان. واما بحسب الاثبات والدلالة فالظاهر بطلان الاحتمال الاخير لظهور الكلام في ان دخول الوقت مرتب على الصلوة المحرز وقتها، فكأنه قال: ان الصلوة المحرز وقتها لو ترتب عليها دخول الوقت واقعا اجزأت عنه، فاستدامة الاحراز إلى زمان الدخول مفروضة في الكلام، هذا مع ان الاجزاء في هذا الفرض بعيد في نظر العرف جدا لا ينقدح في الاذهان قطعا. واما الفرضان الاخران فمع الصدق عليهما عرفا بلا شائبة تجوز فمقتضى الاطلاق كونهما مشمولين للرواية. وبعبارة اخرى ان قوله: عليه السلام إذا صليت وانت ترى انك في وقت (1) شامل لمن اتم صلوته أو كان مشتغلا بها، ففى الفرضين إذا امتد الاحراز إلى زمان دخول الوقت اجزأت صلوته عنه، من غير فرق بين كشف الخطاء في الاثناء أو بعد الصلوة، ولاجل عدم الفرق بينهما لم يتعرض في الرواية لكشف الخطاء لعدم دخالته في الاجزاء والصحة. (الثانية) المحتمل بحسب التصور ان يكون لفظ ترى الواقع في الرواية موضوعا للعلم أو للظن أو لكل منهما على سبيل الاشتراك اللفظى، أو للجامع بينهما


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 25 - من ابواب المواقيت حديث: 1

[ 100 ]

وهو الكشف عن الواقع فعلى الاول بطلت الصلوة لو احرز الوقت بامارة ظنية كخبر الثقة واذانه، فانكشف وقوع بعضها خارج الوقت، من غير فرق بين كون الانكشاف بعد الصلوة أو في اثنائها. وقد يقال: ان دليل حجية الامارات منزل لها منزلة العلم، فتندرج فيه تعبدا وحكومة، فان مفاده تتميم الكشف وجعل الكشف الناقص منزلة التام، وقد يجاب عنه بان دليل الحجية ينزل المؤدى منزلة الواقع لا الامارة منزلة العلم. وفيهما اشكال ومنع فانهما ادعاء بلا برهان، اما في مثل خبر الثقة فواضح، لان دليل حجيته هو البناء العقلائي فقط، ولا دليل على تأسيس الحجية له كتابا ولا سنة مع كثرة الروايات الواردة فيه، فان الناظر فيها يرى أنه لا يفهم منها الا تنفيذ البناء العقلائي على ما فصلنا القول فيه في محله، والاية الكريمة المتشبث بها كذلك على فرض الدلالة، ومن الواضح ان عمل العقلاء على خبر الثقة ليس لتنزيله منزلة القطع والعلم ولا تنزيل مؤداه منزلة الواقع بل هو احد الطرق العقلائية قبال العلم عند فقده. واما ما ورد في المقام من اذان الثقة (1) وصياح الديكة (2) فلان اذان المؤذن الثقة العارف بالوقت امارة على الواقع كما ان تجاوب اصوات الديكة امارة ظنية على دخول الوقت، فاجاز الشارع العمل بهما من غير دلالة في الروايات على تنزيلهما منزلة العلم وهو واضح ولا على تنزيل مؤداهما منزلة الواقع. فقوله عليه السلام: إذا ارتفعت اصواتها وتجاوبت فقد زالت الشمس (3) لا دلالة فيه على ان خارج الوقت بمنزلته، بل بيان لكشف ذلك عن تحقق الزوال ظنا


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 3 - من ابواب الاذان والاقامة حديث: 1 - 2 - (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب المواقيت. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب المواقيت حديث: 1 .

[ 101 ]

وهو كاف في العمل، ففى الحقيقة مفاد الادلة جواز الاتكال على تلك الامارات الظنية للعمل بالواقع. وعلى الثاني يشكل القول بالصحة فيما لو كان الاحراز قطعيا، واحتمال اولوية القطع من الامارة الظنية مدفوع بان من المحتمل ان يكون الحكم بالاجزاء لاجل عمله بالامارة الشرعية، ونحن وان قلنا: ان العمل بها لا يوجب الاجزاء، لكن من المحتمل ان يكون الحكم بالاجزاء بدليل خاص لاجل مراعاة المكلف العامل بقول الشارع الاقدس، وهذا كاف في عدم القطع بالاولوية، والحكم بالبطلان لكون الصحة على خلاف القواعد. وعلى الثالث لو انكشف الخطاء بعد الصلوة تجب اعادتها، لان الشك في امتثال الامر المعلوم، وتوهم - ان توجه التكليف إليه مشكوك فيه، لان حال وجود الامارة لا يكون التكليف الواقعي متوجها إليه، لانه غير ملتفت، وبعد الالتفات الحاصل بعد الصلوة يحتمل عدم توجه التكليف إليه إذا اتى بالصلوة مع قيام ما يحتمل اماريته، ففى الحقيقة كان المورد من موارد الشك في التكليف - فاسد لما ذكرنا في محله من ان التكاليف القانونية الشرعية ثابتة وفعلية بالنسبة إلى جميع المكلفين من غير فرق بين العالم والجاهل والناسى والساهى والعاجز وغيرهم، وانما المكلف مع احد تلك العناوين معذور عن العمل بالواقع وعن اطاعة المولى، فبعد الالتفات يكون شكه في الامتثال وسقوط التكليف الفعلى. ولو انكشف الخطاء اثناء الصلوة فقد يقال بلزوم الاتمام والاعادة للعلم الاجمالي بانه اما يجب عليه الاتمام أو الاعادة، وهذا مبنى على القول بحرمة قطع الصلوة مطلقا وهو غير ثابت، إذ لا دليل عليها الا الاجماع المدعى، والمتيقن منه هو الصلوة المعلوم كونها صحيحة ومصداقا للمأمور به، فلا يكون العلم الاجمالي حجة كما هو واضح. وعلى الرابع تصح الصلوة على الفرضين، هذا بحسب التصور، واما ما يفهم

[ 102 ]

من كلمات الفقهاء قديما وحديثا فهو طرح المسألة في مورد الورود في الصلوة مع الاجتهاد وتشخيص الوقت ظنا كما يظهر من الرجوع إلى المتون، ودعاوى الشهرة والاجماع وقعت على هذا الفرض. وادعى بعضهم ان قوله (عليه السلام): ترى انك في وقت (1) بمعنى تظن، وحكى الجواهر عن غير واحد ان المراد منه الظن، ويدل على ان مرادهم خصوص الظن تمسكهم قديما وحديثا بان الامر الظاهرى يفيد الاجزاء، إذ لا يكون هذا الا في موارد الاجهاد أو الدلالات الظنية كاذان الثقة وصياح الديك هذا. ولكن المصرح به في اللغة انه بمعنى العلم، ففى الصحاح الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، وفى المنجد لم يسمع مضارع راى بمعنى الظن الا مجهولا. والظاهر من موارد استعمال العلم وما بمعناه في الروايات في الابواب المتفرقة شيوع استعماله في مطلق الكشف عن المواقع علما يقينا كان أو ظنا معتمدا على الامارات الشرعية أو العقلائية غير المردوعة، كقوله (عليه السلام): كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر (2)، وكل شئ حلال حتى تعرف الحرام بعينه (3)، حتى مثل قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين ابدا بالشك (4) على ما هو المقرر في محله، والرجوع إلى الروايات الكثيرة المتواترة الواردة في فضل العلم والعلماء وفى الفتوى بغير العلم والمستأكل بعلمه إلى غير ذلك، يشرف الناظر على القطع بان الاستعمال في العلم مقابل ساير الحجج الالهية نادر. وفى خصوص لفظ راى شاع الاستعمال في الاراء الفقهية ونحوها مما هي متكلمة على الظنون الاجتهادية، بل ما فرض في الرواية من انه يرى انه في الوقت وليس


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 25 - من أبواب المواقيت حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 37 - من أبواب النجاسات حديث: 4 (3) الوسائل كتاب التجارة - باب - 4 - من أبواب ما يكتسب به حديث: 4 (4) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 1 - من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1

[ 103 ]

في الوقت هو انه يرى في اول الاوقات كالزوال والغروب، وهو بحسب الغالب في مورد قيام الامارات الظنية وان كان يحصل العلم القطعي احيانا، والانصاف ان من علم بدخول الوقت وجدانا، أو قامت عنده الامارات الشرعية، أو اجتهد وحصل له الظن المعتبر بحسب الشرع يصدق عليه انه يرى انه في وقت، والظاهر استعماله في الرواية في مطلق الكشف المعتبر فيعم العلم وساير الحجج، وما ذكرناه غير مخالف لقول المصباح والمنجد كما يظهر بالتأمل ولعل نظر الفقهاء في طرح المسألة في الظنون انما هو لاجل عدم تخلف الامارات والدلالات اليقينية عن الواقع غالبا بخلاف الظنون عند فقدها. (الثالثة) يحتمل ان تكون الصلوة التى وقعت بعضها قبل الوقت وبعضها فيه اداء، أو غير اداء، أو اداء ببعضها ولا اداء ببعض، بعد معلومية عدم كونها قضاء، لان القضاء بحسب العرف هو ايقاعها بعد فوت الوقت، فاصلوة قبل وقتها لا اداء ولا قضاء، ولا ثمرة للبحث هنا الا عند من يرى ان الاداء والقضاء من العناوين التى لابد من قصدها، وكيف كان لاتدل رواية اسماعيل (1) الا على ان الصلوة الكذائية مجزية، فالقول بأنها اداء لتوسعة الوقت تعبدا واقعا أو تنزيلا مما لا دليل عليه، كما لا دليل على تنزيل ادراك بعض الوقت منزلة ادراك الكل، فاحتمال كونها اداء ضعيف. والاستيناس له بروايات من ادرك، بان يقال: لا فرق في ذلك بين اول الوقت وأخره، بل في تلك الروايات قد يعبر بلفظ جازت صلوته كما يعبر بلفظ ادرك الوقت أو ادرك في الوقت لا يعبأ به كما هو ظاهر، بل الفرق بين قبل الوقت الذى لم تكن الصلوة مأمورا بها وبعد الوقت واضح، فإذا يحتمل ان تكون غير اداء باجمعها أو اداء فيما وقع في الوقت والامر سهل بعد كونها مجزية بحسب الرواية، وبعد عدم اعتبار قصد تلك العناوين، وان كان الاحتمال الاول اقرب.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 25 - من ابواب المواقيت حديث: 1

[ 104 ]

(فرع) لو شك اثناء الصلوة في دخول الوقت بعد احراز الدخول في اولها، فتارة ينقلب احرازه إلى الشك فيشك في دخوله من اول الصلوة إلى الحال الفعلى، وتارة ينقلب إلى العلم بالخلاف وان دخوله فيها كان قبل الوقت لكن يشك في دخول الوقت في الاثناء، وعلى الثاني قد يحرز دخول الوقت إذا استدام في الصلوة وقد يحرز العدم وقد يشك. فعلى الاول يحتمل الحكم بصحة صلوته لقاعدة التجاوز، بان يقال: ان المحل الشرعي لاحراز الوقت قبيل الدخول في الصلوة وان كان الوقت مضروبا لجميعها فمع مضى المحل يندرج في قوله عليه السلام كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1) ونظير ذلك ما لو شك اثنائها في انه كان على وضوء، فان الطهارة وان اعتبرت في جميع اجزاء الصلوة لكن محل تحصيلها قبيل الصلوة، فمع التجاوز لا يعتنى بشكه. لكنه احتمال ضعيف فان ما يحكم بصحته هو ما مضى من الافعال التى يعتبر فيها الطهارة أو الوقت دون ما لم يمض كما هو ظاهر من روايات الباب. وفى المقام اشكال أخر وهو ان محط روايات قاعدة التجاوز هو الشك في الاجزاء أو الشرايط الثابتة للمأمور به، الا ترى ان لو صلى قبل الوقت عالما وشك في بعض اجزائها بعد التجاوز لا تجرى القاعدة، فحينئذ لو تردد في كون الصلوة وقعت قبل الوقت ولو ببعضها أو في الوقت، يرجع شكه إلى أنها هل كانت مأمورا بها أو لا، فيكون من الشبهة المصداقية لقاعدة التجاوز. واما استصحاب عدم دخول الوقت فيأتى الكلام فيه في الصورة الاخرى، وهى ما لو شك اثناء الصلوة في دخول الوقت مع تبين عدم دخوله حال افتتاح الصلوة


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3 .

[ 105 ]

والعلم بدخوله أخر الصلوة، فيشك في كون احرازه للوقت عند افتتاح الصلوة هل هو متصل بدخوله في الاثناء أو لا، فعلى القول بعدم لزوم اتصال الاحراز بدخوله لا اشكال فيه لان الموضوع المأخوذ في الرواية محرز وهو الدخول محرزا للوقت ودخول الوقت في الاثناء، ولا ينظر إلى الوسط وعلى القول بلزوم اتصال احراز الوقت باحراز دخوله في الاثناء لا اشكال في البطلان وخروجه عن الموضوع. وعلى القول بلزوم اتصال الاحراز بدخول الوقت واقعا لا باحرازه، فيمكن اجراء استصحاب عدم دخول الوقت إلى حال الصلوة واستصحاب عدم كون صلوته المحرزة الوقت في الوقت، واستصحاب عدم اتصال زمان الاحراز بزمان دخول الوقت، والاستصحاب الاول جار في الفرع السابق على اشكال فيه. والظاهر عدم شبهة المثبتية في هذا الفرع ولو كان الموضوع في طرف الحكم بالصحة مركبا أو مقيدا، فضلا عما إذا كان الموضوع مركبا من امرين، لان رفع الموضوع المقيد أو المركب برفع بعض اجزائه أو قيوده، ففى الحكم بالبطلان لا يحتاج إلى اثبات التقييد حتى يلزم المثبتية، وعلى ذلك ينحل العلم الاجمالي بانه اما يجب الاتمام أو الاعادة على القول بتنجيزه، وان كان غير منجز على ما تقدم الكلام فيه. ومما ذكرنا يظهر الكلام في الشك بعد الفراغ، بان دخل في الصلوة محرزا للوقت واتمها ثم شك في ان الوقت كان داخلا أو لا، فحينئذ قد يشك في الدخول من اولها إلى الاخر وقد ينكشف له الخطأ ويتبين له ان الوقت لم يدخل حين افتتاح الصلوة لكن يحتمل أنه دخل في الاثناء. ففى الصورتين لا تجرى قاعدة التجاوز ولا الفراغ بناء على كونها قاعدة اخرى، لما مر من ان محط القاعدة هو الشك في اجزاء المأمور به وشرايطه، وبعبارة اخرى هي قاعدة اسست لمقام الامتثال، وما لا يكون مشروعا أو مأمورا به خارج عن محط القاعدة.

[ 106 ]

فان قلت: ان الصلوة التى دخل فيه بزعم دخول الوقت ثم دخل الوقت في الاثناء وان لم تكن مأمورا بها واقعا ولا ظاهرا ولكنها تقبلها الشارع بعنوان الصلوة فيترتب عليها كل ما يترتب على الصلوة، ومن هنا يظهر انه لو قطع بدخول الوقت في الاثناء يجب عليه الاتمام ويحرم الابطال. قلت: هذا ما افاده شيخنا العلامة اعلى الله مقامه في صلوته، وهو حق لو علم بدخول الوقت في الاثناء كما افاد في أخر كلامه، ولا اشكال في انه مع دخوله في الاثناء يجرى عليه ما يجرى على الصلوة المأمور بها من جريان قاعدة التجاوز وقواعد الشك وغيرهما، لكن المفروض عدم العلم بدخول الوقت في الاثناء والشك فيه شك في تقبل الشرع لها، ومعه يكون من الشبهة المصداقية لقاعدة التجاوز والفراغ وساير القواعد. الا ترى انه لو لم يدخل الوقت في الاثناء لا يجرى شئ من القواعد فيها. وبعبارة اخرى اجراء قاعدة الفراغ يتوقف على احراز تقبل الشارع لها الموقوف على احراز دخول الوقت في الاثناء ولا يعقل احراز ذلك بالقاعدة هذا. مضافا إلى ان الاستصحابات التى تقدمت الاشارة إليها حاكمة على القاعدة ورافعة لموضوعها، فان المصلى الذى علم بعدم دخول الوقت في اول صلوته وشك في دخوله في الاثناء يجرى في حقه استصحاب عدم دخول الوقت في الاثناء إلى آخر الصلوة بلا اشكال، ومعه ينتفى موضوع التقبل وموضوع قاعدة الفراغ. ولا يتوهم ان ذلك مخالف لما يقال من ان القاعدة حاكمة أو مقدمة على الاستصحاب، ضرورة ان مورد حكومتها عليه غير مورد حكومته عليها كما يظهر بادنى تأمل، هذا مع اشكال اخر في جريان القاعدة في مثل المورد قد تعرضنا له في محله. وهل الحكم بالاجزاء يعم ما لو دخل في الصلوة بزعم دخول الوقت لشبهة حكمية، كما لو كان يرى باجتهاده دخول وقت المغرب بسقوط القرص فدخل فيها عنده ودخل الوقت بذهاب الحمرة وهو في الصلوة، أو يختص بما إذا كان الخطأ في تحقق الوقت الواقعي.

[ 107 ]

الظاهر عدم قصور الرواية لشمول الفرضين، وصدق قوله (عليه السلام): دخل في الصلوة وهو يرى انه في وقت، ودعوى الانصراف إلى الفرض الثاني في غير محلها، بل المناسبات المغروسة في الذهب تؤكد التعميم، والظاهر ان موضوع الحكم بالاجزاء هو الدخول في الصلوة مع حجة شرعية أو عقلية بان كان يرى اجتهادا أو تقليدا أو لقيام امارة على الوقت ونحو ذلك دخوله ثم دخل الوقت في الاثناء والله العالم. المقام الثاني فيما يتعلق بآخر الوقت والكلام فيه من جهات (الاولى) لا اشكال في ان الوقت ليس من اوله إلى آخره شرطا للوجوب فما هو الشرط له هو الزوال في الظهرين والغروب في العشائين والفجر في الصبح. وعليه فهل دخول الوقت شرط لوجوبها حدوثا وباقى الوقت شرط للواجب، أو أن دخوله شرط لوجوبها إلى آخر الوقت؟ فعلى الاول يجوز التمسك بدليل الرفع لصحتها إذا وقعت بعد الوقت بتمامها أو ببعضها نسيانا أو خطأ أو جهلا، فانه على ذلك يصير الوجوب بتحقق شرطه كواجب مطلق والوقت بوجوده البقائى كساير شرايط الواجب قابل للرفع التعبدى، لكنه احتمال ضعيف مخالف لظواهر الادلة كالاية الكريمة المتقدمة وغيرها، مضافا إلى انه لا مجال مع ادلة القضاء الشاملة للترك العمدي لجعل شرطية الوقت للصحة، لانها تنافى الصحة على جميع الفروض. وعلى الثاني لا يصح التمسك بحديث الرفع (1) ولا بساير القواعد المقررة للصلوة المأمور بها كما تقدم الكلام فيه بالنسبة إلى ما قبل الوقت، نعم مع ضم ادلة القضاء يكون الصلوة خارج الوقت مأمورا بها، فيصح التمسك بساير القواعد وبحديث الرفع في غير الوقت من ساير ما هو دخيل في الصلوة جزء أو شرطا. والظاهر ان الصلوة بدخول الوقت تجب مستمرا وجوبها إلى آخر الوقت


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2

[ 108 ]

كما هو المتفاهم من الاية بعد تفسيرها بان الظهرين تجبان إلى الغروب والعشائين إلى نصف الليل. (الثانية) هل قاعدة من ادرك مخصوصة بمن ترك الصلوة لعذر إلى ضيق الوقت أو يعم العالم العامد، فعلى الاول لو تركها عامدا فاراد الاتيان بها عند ضيق الوقت تكون فائتة كمن ادرك اقل من الركعة، فان الاداء وقوع الصلوة بجميعها في الوقت فانه لازم التوقيت عرفا وعقلا، وعليه فلا يجب عليه الاتيان فورا حتى على المضايقة لانها ليست بذلك التضييق. وعلى الثاني هل يجوز التأخير عمدا، بدعوى ان دليل من ادرك وان لم يكن ناظرا إلى توسعة الوقت لا واقعا ولا تنزيلا كما مر، لكن مفاده ادراك الصلوة بادراك الركعة، اما لاجل ان المعتبر في الادراك ليس الا ادراك الركعة واما لاجل تنزيل ادراكها منزلة ادراك الجميع، بل المستفاد من قوله (عليه السلام) في بعض الروايات: فقد ادرك الغداة تامة (1) انه لا نقص في صلوته ولا فرق بينها وبين الصلوة في الوقت الحقيقي، بل المستفاد من قوله (عليه السلام) في بعض الروايات: ادرك العصر في وقتها (2) ان الخارج وقت حقيقة ان تنزيلا، فتكون تلك الاخبار حاكمة على ما دل على وجوب الصلوة في وقتها وحرمة التأخير عنه، وعلى قوله تعالى: اقم الصلوة لدلوك الشمس (3) إلى آخره، لان مقتضاها جعل المصداق التعبدى للوقت أو لادراكه، وفى مقام الامتثال تخير العبد بين امتثال الامر بالمصداق الحقيقي والتعبدي، الا ترى انه إذا قال: اكرم عالما ثم قال: ان الاتى بصلوة الليل عالم أو بمنزلة العالم يجوز اكرامه والاكتفاء به عن الاكرام المأمور به. أو لا يجوز التأخير؟ التحقيق ذلك، لان وجوب الاتيان بالصلوة في وقتها


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 2 (2) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 28 - من ابواب المواقيت حديث: 6 (3) سورة الاسراء - آية 78

[ 109 ]

وحرمة تأخيرها عنه ثابت بالادلة بل بالضرورة، ودليل القاعدة لا يدل على توسعة الوقت تحقيقا وهو واضح، ولا تنزيلا لما عرفت سابقا والتنزيل في ادراك الصلوة ليس من آثاره الا كون المدرك اداء ولايجوز تأخيره ويجب المبادرة إليه، وليس من آثار هذا التنزيل توسعة الوقت ولا التنزيل منزلة الوقت، بل الظاهر انه نزل ادراك الركعة منزلة ادراك الصلوة في الجملة ان لم نقل بتنزيله منزلة ادراك اربع ركعات. وكيف كان لا يدل دليل القاعدة لا المرسلة ولا غيرها على جواز التأخير عمدا نعم لو اخرها عمدا إلى مقدار ادراك الركعة يجب عليه المبادرة ويكون اداء وان عوقب على التأخير. وربما يقال: ان القاعدة لا تشمل من ادرك مقدار ركعة من الوقت حتى لذوى الاعذار فضلا عن العامد فان مفادها ادراك الركعة لا ادراك مقدار من الوقت يسعها، وادراكها فعلا بالاتيان بها في الوقت، فمن لم يأت بها لم يكن مدركا فعلا لها، فلم يشمله الدليل الظاهر في فعلية الادراك التى لا تنطبق الا على الاتى بها، فلو التفت إلى ضيق الوقت حتى في اثناء الركعة لم يكن مشمولا للدليل. وفيه ان قوله (عليه السلام): من ادرك ركعة في معنى إذا الشرطية المفيدة للادراك الاستقبالي ولو بنظر العرف، بل المناسبات المغروسة في الاذهان العرفية موجبة لاستفادة ان الصلوة الواقعة في الوقت بركعة منها كافية في ادراك جميعها، فقوله: من ادرك معناه عرفا ان ادراك الصلوة بادراك ركعة منها من غير نظر إلى حال مضى الصدور أو استقباله، فقوله ذلك كقوله: من ادرك زيارة بيت الله فثوابه كذا، فان الظاهر ان لزيارته الثواب الكذائية سواء كان آتيا ام ممن يأتي فيما بعد. (الثالثة) هل القاعدة تعم جميع الصلوات الخمس أو تختص بالعصر والعشاء والصبح دون الظهر والمغرب مما يلزم شمولها لها التزاحم في الوقت الخاص بالعصر والعشاء، وربما يؤيد الثاني بان روايات الباب غير المرسلة متعرضة للعصر والصبح وتلغى الخصوصية بالنسبة إلى العشاء دون الظهر والمغرب لوضوح الخصوصية فيهما،

[ 110 ]

ولعل عدم التعرض للعشاء لاجل خفاء تشخيص وقتها بمثل ادراك ركعة بخلاف طلوع الشمس وغروبها. والتحقيق اطلاق النبوى الذى هو الاصل في القاعدة لجميع الصلوات فلو بقى من وقت العصرين خمس ركعات تشمل القاعدة لصلوة الظهر فتجب عليه، ويكشف ذلك عن عدم مزاحمة العصر لها، مع ان المزاحمة انما تتحقق إذا لزم من صلوة الظهر تفويت العصر ومع الاتيان بالظهر لا يلزم تفويت العصر بمقتضى القاعدة. والحاصل ان شمول القاعدة لها رافع لموضوع المزاحمة فان موضوعها فوت العصر كما هو ظاهر صحيحة الحلبي وفيها وان خاف ان يفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فيفوته فيكون قد فاتتاه جميعا (1) إلى آخرها، فان الظاهر كالصريح ان لزوم تقديم العصر ورفع اليد عن الترتيب المعتبر فيهما انما هو أنه لولاه لزمه فوته، وصريح القاعدة انه بادراك الركعة يدرك الصلوة وهى حاكمة على الصحيحة. والحاصل ان الظهر مع بقاء خمس ركعات مشمول القاعدة فعلا وشمولها له لا يلزم منه محذور فوت العصر فيجب الاتيان به، ولو لم يأت به واتى بالعصر مع بقاء الخمس بطل للاخلال بالترتيب، ضرورة ان سقوط الترتيب للزوم فوت العصر، ومع عدم فوته بدليل القاعدة لا وجه لسقوطه. وتوهم ان شمول القاعدة للظهر يتوقف على عدم مزاحمته للعصر وهو يتوقف على شمولها له، فاسد لان شمولها له لا يتوقف الا على تحقق موضوعه وهو ادراك ركعة من الوقت الذى لا مزاحم له فيه وبانطباق القاعدة قهرا يستشكف عدم مزاحمة باقى الركعات للعصر فيجب عليه الاتيان به فيتحقق به موضوع العصر وهو ادراك ركعة منه وبادراكها تدرك تامة. واما ما افاد شيخنا العلامة من ان مجموع الظهر والعصر مطلوب واحد إلى آخر ما افاد، فلا يخفى ما فيه، ضرورة ان مجموع الصلوتين ليس موجودا، ولا يوجد


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 18

[ 111 ]

ابدا، بل الموجود هذا وهذا لا هما، والمطلوب كذلك، مع انه لا ينحل به العقدة فراجع، هذا على الاختصاص، واما على الاشتراك فيقع صلوة الظهر في وقتها ولا يزاحمها العصر لعدم فوتها مع ادراك الركعة فيرفع موضوع المزاحمة هذا حال الظهرين. واما العشائان فالمشهور فيهما ايضا انه لو بقى من نصف الليل مقدار خمس ركعات يأتي بهما وهو مبنى على اختصاص آخر الوقت بمقدار اربع ركعات بالعشاء وقد عرفت فيما سبق الاشكال فيه كما عرفت حال الشهرة والاجماع في المسألة. فعلى الاشتراك الفعلى بل الاقتضائى والشانى ايضا لو بقى اربع ركعات وجب المغرب والعشاء، اما على الاشتراك الفعلى فلان المغرب يقع في وقته ولا يزاحمه العشاء ببركة من ادرك، واما على الشأنى والاقتضائي، فلانه مع ادراك وقت العشاء في محله وعدم مزاحمته للمغرب يصير الوقت فعليا إذا لمانع من فعليته ليس الا فوت العشاء وهى لا تفوت مع ادراك ركعة منها لكن الجزم به مع عدم القائل به الا من بعض العامة مشكل. ثم ان المستفاد مما مر ان دليل من ادرك ينطبق على جميع الصلوات الخمس ويحتاج إليه لتصحيح الظهر بالانطباق على الظهر والعصر على القول بالاختصاص اما الظهر فلتصحيح وقوعه بعد الوقت واما العصر فلرفع مزاحمته للظهر وكذا الحال في المغرب واما في صلوة العصر والصبح والعشاء فلا يحتاج إليه للتصحيح لان الاوليين صحيحتان لوقوعهما قضاء لو لم يكن دليل من ادرك واما العشاء فكذلك بناء على انتهاء وقتها مطلقا بانتصاف الليل، وعلى بقاء الوقت الاضطراري صحت لوقوعها في وقتها، فدليل من ادرك بالنسبة إلى الصلوات الثلاث يفيد لزوم الاتيان وعدم جواز التأخير كما يفيد كونها اداء لا قضاء. (الرابعة) الموضوع في القاعدة هو المدرك للركعة الاختيارية بحسب حاله،

[ 112 ]

فمن كان تكليفه تحصيل الطهارة المائية يعتبر في حقه سعة الوقت بمقدار ادراك ركعة معها، ومن كان تكليفه الطهارة الترابية كالمريض أو الفاقد للماء يعتبر في حقه سعته بمقدار تحصيلها وهكذا في جميع ذوى الاعذار. وانما الاشكال فيما إذا كان تكليفه بحسب حاله الطهارة المائية ولا يدرك ركعة مع تحصيلها لكن يدركها مع الترابية، فهل يجب عليه المبادرة وتصح صلوته أو لا، ومنشأ الاشكال ان صدق ادراك الركعة يتوقف على مشروعية التيمم في حقه والا لم يدركها، واثبات المشروعية يتوقف على من ادرك. والجواب ان توقف صدقه على مشروعية التيمم ممنوع بل ما يتوقف عليها هو صحة الصلوة ودليل تنزيل التراب منزلة الماء كفيلها، توضيحه ان للوقت بحسب الادلة المتفرقة اهمية بحيث لا يعارضها ساير الاجزاء والشرايط والموانع، فالصلوة لا تترك وان فقدت جل اجزائها وشرايطها، ولو ادرك الوقت لا يقال: فاتت صلوته وان كانت ساير الاجزاء والشرايط مفقودة على اشكال في فاقد الطهورين، ومع استجماعها لجميع الشرايط والاجزاء إذا فات وقتها يقال: فاتت صلوته، فالوقت له اهمية لا تقاس بساير الشرايط، ودليل من ادرك ايضا يدل على اهميته وان وقوع مقدار منها يصدق عليه عنوان الصلوة في الوقت موجب للزوم المبادرة إليها، فالوقت إذا يسع لادراك ركعة منها لم تفت الصلوة عن وقتها، ومعه ان امكن الاتيان بها جامعة للشرايط يجب والا فمبقدار الامكان يراعى تحصيلها فواجد الماء ان تمكن من الاتيان بها مع الوضوء يجب، والا فيجب الاتيان بها مع التيمم لئلا تفوت الصلوة بفوت وقتها هذا. مضافا إلى ان قوله (عليه السلام): من ادرك ركعة من الصلوة فقد ادرك الصلوة (1) نزل ادراك ركعة منزلة ادراك الجميع، ومن آثار ادراك جميع الصلوة في الوقت هو الاتيان بها مع الطهارة المأتية ان وسع الوقت لذلك والا فمع الترابية ومقتضى التنزيل في


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 4

[ 113 ]

الاثار لزوم ذلك ايضا. اضف إلى ذلك ان دليل تنزيل التراب منزلة الماء حاكم على قاعدة من ادرك ومحقق لموضوعه فالتراب بمنزلة الماء ورب التراب والماء واحد وهو احد الطهورين، فلو ضاق الوقت عن الطهور الاصلى يقوم الطهور التنزيلى مقامه وموجب لادراك الصلوة تامة. تنبيه لو شك في بقاء الوقت بمقدار ادراك ركعة، فاستصحاب بقاء الوقت لاثبات ادراكها مثبت، اما على فرض اعتبار عنوان الادراك فواضح، واما على اعتبار سعة الوقت بمقدار اداء ركعة فكذلك ايضا، بل الظاهر مثبتيته لو قلنا بان الموضوع وقوع الصلوة في الوقت بمقدار ركعة منها، لان ما هو ثابت بالاصل بقاء الوقت بمقدار ركعة، وما هو وجدانى وقوع ركعة في الخارج، واما وقوعها في الوقت فليس بالوجدان بل لازم المستصحب عقلا. واما الاستصحاب التعليقي بان يقال: لو صليت قبلا كنت ادركت الركعة فيستصحب هذا العنوان، فمن التعليق في الموضوع وقد قرر في محله عدم جريانه وكونه مثبتا. واما استصحاب كون الوقت بمقدار ركعة فان السابق كان كذلك، فعدم مثبتيته مبنى على ان يكون المستفاد من قوله (عليه السلام) (من ادرك ركعة) فإن إدراك ركعة من الوقت بمنزلة ادراك الصلوة، واما اثبات العنوان المأخوذ في القاعدة فغير ممكن الا بالاصل المثبت. نعم الظاهر جريان استصحاب ان المصلى كان ممن ادرك ركعة في السابق وكذا الحال فيترتب على ذلك انه ادرك الصلوة ويجب عليه الاتيان بها، وقد مر ان الظاهر من قوله: من ادرك أنه ليس المراد منه الادراك في الماضي ولا الادراك بالفعل الذى لا ينطبق الا مع ايجاد الصلوة، ولهذا قلنا: إنه مع علمه بانه يدرك الركعة تجب عليه المبادرة إليها، فالموضوع من كان يدركها وهو الظاهر من القاعدة، فعلى ذلك لا اشكال في الاستصحاب فيجب عليه الاتيان بها وكان آتيا بها في وقتها تعبدا.

[ 114 ]

(الخامسة) لو تبدل اجتهاده كما إذا كان يرى في السابق ان اول وقت المغرب سقوط قرص الشمس فالصلوات التى صلاها قبل زوال الحمرة لا يحكم بصحتها، سواء قلنا بالاجزاء مع تخلف الاجتهاد في ساير المقامات ام لا، وسواء قلنا بان دليل الاجزاء حتى في تخلف الامارات حديث الرفع (1) كما ذهبنا إليه ام لا، لما تقدم من ان محط قاعدة الاجزاء اصلا أو امارة هو الاتيان بالمأمور به بكيفية تقتضيها الامارات أو الاصول، والصلوات قبل اوقاتها المقررة لم تكن مأمورا بها، لان دخول الوقت شرط التكليف لا المكلف به. واما لو اتى بها قبل الوقت تقية كما لو اتى بها عند سقوط الشمس قبل ذهاب الحمرة أو قبل الفجر الصادق تقية، فالظاهر صحتها واجزائها، لما يظهر من الاخبار الكثيرة الواردة في التقية في الابواب المتفرقة من اجزاء العمل الواقع على طبق فتاوى القوم، وفى المقام دلت الادلة على الحث على دخول جماعاتهم والصلوة معهم، وان الصلوة معهم كالصلوة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يأمرهم بالاعادة، بل الظاهر من الادلة ان الصلوة تقية صحيحة، ومن الواضح ان الحضور في جماعاتهم في المغرب والصبح يلزم منه كثيرا ما أو احيانا الصلوة قبل وقتها، وبالجملة الظاهر من الادلة هو لزوم أو جواز ترتيب اثر الواقع على فتاواهم واحكامهم فالاتى بصلوة المغرب قبل وقتها صحت صلوته. (السادسة) لو بقى من نصف الليل مقدار ثلاث ركعات وكان المصلى مسافرا فعلى اختصاص آخر الوقت بالعشاء تجب صلوتها وفاتت المغرب وعليه القضاء. وأما على الاشتراك فهل يأتي بالمغرب؟، بدعوى ان مادل على الاشتراك بضميمة مادل على ترتب العشاء على المغرب دليل على لزوم الاتيان بالمغرب وما دل على مزاحمة المتأخر وانه لو اتى بالمتقدم يفوته كلتا الصلوتين مثل صحيحة الحلبي (2)


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 18

[ 115 ]

مخصوص بالظهرين ولا يمكن الغاء الخصوصية لان الوقت الاضطراري للعشاء باق ولا يفوت العشاء بمضي نصف الليل. أو يأتي بالعشاء ثم المغرب؟ بدعوى ان قوله تعالى اقم الصلوة (1) إلى آخره يدل على ان اول الزوال لاولى الصلوات الاربع وغسق الليل وهو نصفها لاخيرتها وهى العشاء الاخرة بالضرورة وان لم تدل على ان آخر الوقت مختص بالعشاء ولا على أن لزوم الاتيان بالاخيرة في آخر الوقت لاجل المزاحمة، لكن لا اشكال في استفادة لزوم الاتيان بها لا بشريكتها فالاتيان بالمغرب مخالف للاية ولو بضميمة ما هو الضرورى من ان العشاء الاخرة اخيرة الصلوات الاربع، فيجب عليه الاتيان بالعشاء ثم المغرب فورا بدليل من ادرك الدال على ادراك الوقت الاختياري بادراك ركعة، وهذا هو الاقوى مع ان المتسالم بين الاصحاب لزوم الاتيان بالعشاء وعدم مزاحمة المغرب لها وان اختلفوا في أن ذلك للاختصاص أو المزاحمة. وهنا احتمال آخر يظهر وجهه في الفرع الاخر وهو انه لو ادرك ركعتين من الوقت، فعلى الاشتراك وجواز اقحام صلوة في صلوة يمكن ان يقال بلزوم الاتيان بركعة من المغرب ثم الافتتاح بالعشاء اثناء صلوة المغرب والاتيان بركعة منها ثم تتميم المغرب ثم تتميم العشاء، هذا بناء على لزوم الترتيب بين الصلوتين حتى بالنسبة إلى اجزائهما، واما بناء على ان الترتيب بين الصلوتين لا بين اجزائهما سقط الترتيب فله ان يتبدأ بايهما شاء ويأتى بركعة ثم يأتي بالصلوة الاخرى ثم يتم ما بدء بها. لكن جواز الاقحام محل اشكال بل منع وان ورد في الاخبار جوازه في صلوة الكسوف، فانه مع ضيق الفريضتين يبتدء بالايات ثم يأتي باليومية بينها ثم يرجع إلى ما بدء من الايات ويأتى بها ويصح صلوته. ويمكن الذب عن الاشكالات التى يمكن ورودها على الاقحام، من ان ذلك مخالف لنظم الصلوات، وان الاتيان بمثل الركوع والسجدتين ونحوهما مبطل


(1) سورة الاسراء - آية - 78

[ 116 ]

وان لم يأت بها بعنوان الصلوة التى ابتدء بها لما دل على النهى عن قرائة السورة العزيمة معللا بان السجود زيادة في المكتوبة (1) وان الاتيان بصلوة في صلوة يوجب محو الصورة، وانه من الفعل الكثير، وانه مشتمل على الكلام الادمى وهو السلام، وعدم معهودية الاقحام الا في مورد واحد إلى غير ذلك. لمنع مخالفة الاقحام للنظم وانما اللازم منه هو الفصل بين الاجزاء والفصل بمثل عبادة مماثلة لا دليل على اضراره بالصحة. ولمنع صدق الزيادة على الاتيان بالركوع والسجدتين ونحوهما بعد ما كان يأتي بها لصلوة اخرى، وما دل على ان السجدة زيادة في المكتوبة اما تعبد خاص بمورده واما لصدق الزيادة إذا اتى بالسورة العزيمة في الصلوة فان السجدة من متعلقاتها، واين ذلك من سجدة أو ركوع لصلوة اخرى. ولمنع محو الصورة في مثل ذلك كما لو اتى بادعية وقرآن ونحوهما مما هي عبادة سيما إذا كان الاقحام بركعة، وان الفعل الكثير انما يضر لو كان من غير جنس الصلوة مع عدم الدليل على ابطاله، واما الكلام الادمى فيمكن ان يقال بالاتيان بالصلوتين إلى ما قبل السلام ثم الاتيان بسلام واحد لهما بناء على كون التداخل على القاعدة، مع ان الاتيان بالسلام لصلوة واجبة مأمور بها لا دليل على ابطاله سيما إذا وقع بعد التشهد، وعدم المعهودية لا باس به بعد الموافقة للقواعد والضوابط هذا، ومع ذلك كله ان الالتزام به في غاية الاشكال. بل الظاهر هو المنع لمخالفته لارتكاز المتشرعة، مع انه لو كان ذلك جائزا لكان اللازم التنبيه عليه في الاخبار الواردة في آخر الوقت، بل الامر بصلوة العصر وترك الظهر وانه لو اتى بها فاتتاه (2) دليل على عدم صحة الاقحام، إذ على فرض صحة الاقحام تجب الصلوتان لادراكهما في وقتهما ولم يفت شئ منهما، ومن البعيد جدا التزام احد بالاقحام كذلك والله العالم.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 40 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 18

[ 117 ]

مسألة في الخلل الواقع في الصلوة من قبل الطهور وهو قد يكون في اصله كما لو تركه عمدا أو سهوا أو نحوهما، وقد يكون في الخصوصيات المعتبرة فيه كمن ترك ما يعتبر فيه عمدا أو نسيانا ونحوهما، فصلى مع الوضوء بلا غسل بعض اعضائه أو بلا مسح أو صلى مع ترك بعض اعضاء الغسل، وعلى أي حال قد يكون الترك عمدا ولا كلام فيه، وقد يكون سهوا أو نسيانا أو خطأ أو جهلا بالحكم أو بالموضوع. ومقتضى القواعد الاولية البطلان مع الاخلال بالشرط أو بما يعتبر فيه، ويدل عليه كل مادل على اشتراط الطهارة كالاية الكريمة إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم (1) إلى آخرها الظاهرة في اشتراط الطهارة كما هو المستفاد من امثالها، وقوله (عليه السلام) لا تعاد الصلوة الا من خمس (2) وعد الطهور منها، وقوله (عليه السلام) لا صلوة الا بطهور (3) وغير ذلك. لكن مقتضى حكومة حديث الرفع (4) على تلك الادلة هو الصحة والاجزاء اما حكومته على غير لا تعاد وقوله لا صلوة الا بطهور فواضح، واما على حديث لا تعاد، فلما اشرنا إليه سابقا من أن مفاد لا تعاد في عقد المستثنى البطلان وفى عقد المستثنى منه عدمه فيكون لا تعاد وتعاد كناية عن الصحة مع الاخلال بما سوى الخمس وعن بطلان الصلوة بالخلل من قبل الطهور، ودليل الرفع يرفع الموضوع الذى يأتي من قبله البطلان، كما ان قوله (عليه السلام): لا صلوة الا بطهور اما كناية عن البطلان كحديث لا تعاد أو حقيقة ادعائية ومصححها البطلان والكلام فيه كالكلام في لا تعاد. فلو ترك الوضوء أو الغسل وصلى من غير عمد كالجهل باشتراطها بالطهور، يرفع الحديث الطهور، ويكون ما عدا الشرط المجهول تمام المأمور به ومجزيا عن


(1) سورة المائدة - آية - 6 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1 (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2

[ 118 ]

المأمور به. فان قلت: ان تحكيم حديث الرفع بكل فقراته على حديث لا تعاد يوجب أن لا يبقى له مورد، وذلك لان الترك العمدي غير مشمول له ويوجب البطلان ويشترك فيه المستثنى والمستثنى منه فان اخرج الترك عن غير عمد ككونه جهلا أو نسيانا أو خطأ أو اضطرارا أو سهوا لم يبق له مورد، ولازم ذلك وقوع التعارض بينهما على ما مر سابقا، ويكون الترجيح لحديث لا تعاد بوجوه. قلت: نعم لكن وردت الاخبار الخاصة على بطلان الصلوة بترك الطهارة نسيانا (1) وهى وان كان جلها في نسيان المسح أو بعض اجزاء الوضوء، لكن يستفاد منها حكم نسيان اصل الوضوء بلا ريب، فمع خروج النسيان عن حديث الرفع وعدم خروجه عن لا تعاد يبقى له المورد سيما مثل النسيان الذى كثيرا ما يبتلى به المصلون، ولهذا صار موردا للسؤال والجواب وسيأتى الكلام في ذلك ولو صلى بلا طهور معتمدا على استصحابه لصحت صلوته حسب قاعدة الاجزاء، وكذا لو شك بعد الصلوة في الطهور وحكم عليه بالمضي لقاعدة التجاوز على اشكال فيه وان كان الاقرب الاجزاء. ومما ذكر يعلم حال الصلوة مع الوضوء أو الغسل الناقصين، كما لو توضأ وترك المسح أو غسل بعض الاعضاء في الوضوء أو الغسل، فان كان ذلك في غير مورد النسيان لا يضر بالصحة على القواعد، واوضح من ذلك ما لو ترك ما يعتبر فيهما تقية، وذلك للنصوص الواردة فيها وفى خصوص الوضوء كقضية ابن يقطين (2) وداود بن زربى، (3) فلا اشكال في صحة ما يؤتى به على طريقتهم تقية وفى اجزائه عن الواقع. ولو علم بالخلل في اثناء الصلوة، فيمكن تصحيحها على القواعد، بجريان


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 3 - من ابواب الوضوء (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 32 - من ابواب الوضوء حديث: 3 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 32 - من ابواب الوضوء حديث: 1 - 2

[ 119 ]

حديث الرفع بالنسبة إلى ما مضى وايجاد الوضوء لما يأتي من الاجزاء، واما الفترة بين العلم وتحصيل الطهور، فان كان الوقت ضيقا بحيث لو استانف الصلوة فاتت يجب عليه الاتمام لان الصلوة لا تترك بحال، فلا محالة يكون مضطرا في الفترة المذكورة فدليل رفع الاضطرار يرفع الشرطية فيها، وان كان واسعا فكذلك لو قلنا بوجوب اتمام العمل وحرمة ابطاله مطلقا والا فيجب الاستيناف. ولو احدث في اثناء الصلوة فان كان عن جهل بالحكم أو نسيان أو خطأ فيرفع الشرط ية أو الشرط بدليله ويتوضأ للباقى، والكلام في الفترة كالكلام فيها في الفرع السابق. ولو احدث بلا اختيار فكذلك لان ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر، وقد ورد ذلك (1) في باب عدم القضاء صوما وصلوة على المغمى عليه هذا كله على ما تقتضيه القواعد. لكن مقتضى الروايات الخاصة في الابواب المتفرقة اعادة الصلوة أو قضائها مع الخلل من قبل الطهور. (منها) ما ورد في باب قضاء الفريضة الفائتة كصحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسى صلوات لم يصلها أو نام عنها قال يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها (2) وقريب منها غيرها. (ومنها) ما وردت في الجماعة كصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ام قوما وهو على غير طهر فاعلمهم بعدما صلوا فقال يعيد هو ولا يعيدون (3) وقريب منها غيرها. (ومنها) ما وردت في ابواب الوضوء كصحيحة على بن مهزيار قال: كتب إليه


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 3 - من ابواب قضاء الصلوات حديث: 3 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب قضاء الصلوات حديث: 3 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 36 - من ابواب صلوة الجماعة حديث: 3

[ 120 ]

سليمان بن رشيد إلى ان قال: فأجاب بجواب قرأته بخطه إلى ان قال: وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتى فاتته (1) إلى آخرها وفى متنها نحو اضطراب لكن لا يضر ذلك بما في ذيلها. (ومنها) الروايات الواردة فيمن نسى المسح أو شيئا من الوضوء كصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا ذكرت وانت في صلوتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك فانصرف فاتم الذى نسيته من وضوئك واعد صلوتك (2) وقريب منها غيرها مما يظهر منها عدم جريان حديث الرفع في الخلل في الطهور نسيانا سواء تمت صلوته ام لا ومن المعلوم عدم الفرق بين النسيان وغيره كما هو المستفاد من مجموع الروايات، هذا حال الفرعين الاولين. واما الفرع الاخير وهو ما لو احدث في اثناء الصلوة، وهو تارة فيما قبل الفراغ عن السجدة الاخيرة، واخرى بعد الفراغ منها قبل التشهد، وثالثة بعده، وعلى أي حال تارة تكون وظيفته الوضوء واخرى التيمم. وقبل الورود في بيان الفروع المذكورة لابد من ذكر امر وهو انه من المحتمل ان تكون ماهية الصلوة هي التكبيرة والقرائة والاذكار والركوع والسجود ونحوها وتكون الفترات الحاصلة بينها خارجة عنها وعليه فالفصل بين التكبيرة والتسمية وبين آيات القرائة إذا لم يأت بها متصلة إلى غير ذلك من الفترات والفواصل ليست من الصلوة في شئ، ولو قيل: ان المصلى يشتغل بهما في جميع صلوته كان مسامحة في الاطلاق، كما يقال: ان فلانا تكلم ساعة مع ان تكلمه باستثناء الفواصل والوقوفات الحاصلة في البين اقل منها، فان ذلك الاطلاق مبنى على التسامح بلا اشكال عرفا وعقلا، فان العرف لا يطلقون على السكوت النطق فلا يقال: ان فلانا حال سكوته مشغول بالنطق.


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 3 - من ابواب الوضوء حديث: 6

[ 121 ]

ويحتمل أن تكون ماهية الصلوة هي المركبة من المذكورات والفواصل الحاصلة بينها بحيث تكون الفواصل اجزاء للصلوة في عرض ساير الاجزاء. وفى كلا الاحتمالين اشكال أما في الاول فلكونه على خلاف ارتكاز المتشرعة، فانه لا يشك احد في ان من كبر تكبيرة الاحرام دخل في الصلوة قبل الشروع في القرائة ولا يخرج منها الا بالسلام، وانه في حال الصلوة، من اولها إلى آخرها، ولو قيل لاحد: ان المصلى لم يكن بالتكبير داخلا فيها بل إذا كبر فهو خارج عنها حال سكوته ثم يدخل فيها باشتغاله بالبسملة ثم يخرج عند الوقوف فيدخل بالاشتغال بالاية وهكذا يعد ذلك من العجايب ومخالفا للشرع وارتكاز المتشرعة، والعذر بانه مصل في جميع الصلوة لكن بنحو من المسامحة والتجوز في غير محله ولا يدفع الاشكال، وهذا الارتكاز الذى جعل الامر كالضروري من اقوى الادلة على ان المصلى ليس في الفترات خارجا عن الصلوة. ويدل عليه اخبار منها الاخبار الواردة في القواطع كقوله (عليه السلام) القهقهة تقطع الصلوة (1) والكلام يقطع الصلوة (2) ودلالتها من وجهين. (احدهما) التسمية بالقاطع إذ هو لا يطلق حقيقة الا إذا كان للشئ ماهية اتصالية ممتدة، لها نحو استحكام ومقاومة كالحبل، فتكون القهقهة ونحوها قاطعة لتلك الاتصال والارتباط، ولو كانت الصلوة مجموع الاجزاء بلا اعتبار ماهية اتصالية لكان اطلاق القطع والقاطع فيها مجازا بل لعله يعد من الغلط، ولو قيل: ان الاطلاق باعتبار قطع الربط بين جزء وجزء، يقال: ما هذا الربط المعتبر بينهما، فان مجرد كون القرائة بعد التكبير والركوع بعد القرائة لا يصحح الاطلاق، وفى المقام وان كان الاتصال اعتباريا لا خارج له الا انه بعد الاعتبار يكون الاطلاق صحيحا، ولو عد مجازا فهو من المجاز المشهور الصحيح بخلاف ما إذا لم يعتبر ذلك.


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 7 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 25 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 6

[ 122 ]

(وثانيهما) من قبل ان الكلام بل القهقهة لا يجتمعان مع الاشتغال بالذكر فهما على القول المتقدم واقعان خارج الصلوة فكونهما قاطعين مع وقوعهما خارجين منها يحتاج إلى تأويل وتعسف ومن الواضح ان القواطع إذا وقعت فيها كانت قواطع. ومنها ما ورد في تكبيرة الاحرام من أنها مفتاح الصلوة (1) وتحريمها (2) وسميت بتكبيرة الافتتاح (3)، ولا يصح ذلك الا إذا كانت ماهية الصلوة بحيث يدخل فيها المصلى بمجرد التكبير، مع ان الفصل بينه وبين القرائة بالسكوت يخالف ذلك، بل لا معنى لاطلاق المفتاح والافتتاح والتحريم الا إذا كان الاعتبار انه مع التكبير يدخل في الصلوة وحريمها ولا يخرج الا بالتسليم الذى هو التحليل، مضافا إلى ان لازم هذا القول عدم اضرار الاستدبار والحدث وساير الموانع بالصلوة إذا وقعت في الفواصل وحال السكوت فان الشرايط والموانع والقواطع انما هي للصلوة وما هو خارج عنها لا يتشرط بشئ ولا يقطع الصلوة بها فاطلاق ادلة الشرايط والقواطع دال على ان تلك الفواصل لا تكون خارجة عنها إلى غير ذلك من الشواهد التى يأتي الاشارة إليها عن قريب. واما في الثاني فلانه لو كانت الفترات جزء منها لعدت من اجزائها في النصوص، مع ان ما فيها ليس الا التكبير والقرائة والركوع والسجود ونحوها من غير ذكر للفواصل، وكذا لم يعدها الفقهاء من اجزائها. والتحقيق ان نفس الفواصل ليست جزء منها، فانها عبارة عن قطعات الزمان تقطيعا توهميا، وكون الصلوة عبارة عن القرائة والركوع وقطعات الزمان مما لا ينبغى التفوه به، بل الصلوة عبارة عن ماهية اعتبارية ممتدة من اول الافتتاح إلى السلام، والافعال اجزائها، وهى باقية موجودة مع الفواصل كأنها رابطة بين الاجزاء باتصالها


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 1 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 7 (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 1 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 10 (3) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 6 - 11 - 12

[ 123 ]

وامتدادها. فالصلوة إذن مركبة من اجزاء ومتحدة معها اتحاد الماهية المركبة مع الاجزاء بالاسر. وتمتد تلك الماهية الاعتبارية بين الفواصل من غير ان تكون الفواصل من اجزائها كامتداد الزمان مع الزمانيات، فالمصلى في الصلوة حقيقة وبلا تجوز من اول الشروع إلى آخر الصلوة من غير فرق بين حال ايجاد الاجزاء وحال الفواصل ومن غير ان تكون نفس الفواصل من الصلوة بشئ فانها امر حقيقي وما تصورناه امر اعتباري باعتبار الشارع الاقدس، فالصلوة مع الاجزاء صلوة، ومع الفترات صلوة فالفترات كرابطة بين الاجزاء، فالفترات ليست من الصلوة، وهى موجودة معها وجودا اعتباريا ممتدا من الافتتاح إلى الختم. والشواهد على ان للصلوة ماهية اعتبارية غير الاجزاء كثيرة، منها ما مر من الادلة اللفظية، ومنها انه لو لم تكن ماهيتها الا الاجزاء أو مجموعها ينتفى الامتياز بين الصلوات المساويات في الركعات كالظهرين والعشاء والصبح ونافلتها، ولا يعقل ان يكون الامتياز بالقصد لان مجرده يتعلق بنفس اربع الركعات والفرض ان العناوين غير مأخوذة فيها وبعد الوجود يكون الامتياز الفردى كالامتياز بين الفردين لماهية واحدة فلابد من الالتزام بان الصلوات الثلاث ماهية واحدة ونسبة الصلوة إليها كنسبتها إلى المصاديق الخارجية ومثل نسية صلوة الظهر إلى مصداقين لها، وهو كما ترى، ولا معنى مع سلب الامتياز لان تكون احدى الصلوتين مقدمة والاخرى مؤخرة، ولا للزوم العدول من المتأخرة إلى المتقدمة. ومنها أن لازم كون ماهية الصلوة هي نفس الاجزاء أو مجموعها ان لا يكون معنى لقصد العناوين بل مع قصد الخلاف والاتيان بنفس الاجزاء بقصد لابد من الالتزام بوقوعها صحيحة لان قصد عدم الظهر مثلا لا يعقل ان يضر مع الفرض المذكور. ومنها لزوم أن لا يكون ملاك لكون صلوة الصبح فريضة ونافلتها نافلة، ومنها لزوم كون جميع النوافل المشابهة في الركعة مصاديق لامر واحد، وعدم الملاك لاختلاف احكامها واوقاتها إلى غير ذلك.

[ 124 ]

واما إذا كان كل صلوة معنونة بعنوان اعتباري ناش من ملاك واقعى كشف عنه الشرع فينحل الاشكالات، ويصح الاختلاف بالافضلية وغيرها كالصلوة الوسطى وغيرها وكنافلة الصبح بالنسبة إلى ساير النوافل، وبالجملة فالظاهر ان المسألة اوضح من ان تحتاج إلى التشبث. وبناء على ما ذكر من تحقق ماهية الصلوة بالتكبير وبقائها مستمرة إلى السلام تكون جميع الشرايط المعتبرة فيها معتبرة في تلك الماهية المستمرة من غير فرق بين حال الاشتغال بالافعال وغيره، فيصح الاستدلال للبطلان بمثل قوله (عليه السلام): لا صلوة الا بطهور (1) ولا تعاد الصلوة (2) ونحوهما. ولايحتاج المسألة إلى الادلة الخاصة، وان وردت فيها الاخبار الشريفة كموثقة عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سأل عن الرجل يكون في صلوته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع قال: ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوؤه، وان خرج متلطخا بالعذرة فعليه ان يعيد الوضوء، وان كان في صلوته قطع الصلوة واعاد الوضوء والصلوة (3). ورواية على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) وفيها قال: وسألته عن رجل يكون في الصلوة فيعلم ان ريحا قد خرجت فلا يجد ريحها ولا يسمع صوتها قال: يعيد الوضوء والصلوة ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا (4) وفى الوسائل رواه على بن جعفر في كتابه وعليه هي صحيحة إلى غير ذلك من الروايات. وفى قبالها بعض الروايات كصحيحة الفضيل بن يسار قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): كون في الصلوة فاجد غمزا في بطني أو اذى أو ضربانا فقال انصرف ثم توضأ وابن


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 5 - من ابواب نواقض الوضوء حديث: 5 (4) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء حديث: 9

[ 125 ]

على ما مضى من صلوتك ما لم تنقض الصلوة بالكلام متعمدا وان تكلمت ناسيا فلا شئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلوة ناسيا قلت: وان قلب وجهه عن القبلة قال: نعم وان قلب وجهه عن القبلة (1). وفيها احتمالات (منها) ما احتمله شيخ الطايفة قدس سره من ان مجرد الغمز والاذى لا يوجب الحدث لكن موجب لاستحباب الوضوء وتقليب الوجه عن القبلة مطلق من جهتين اولاهما من جهة العمد والسهو وثانيتهما من جهة الاستدبار وعدمه فيقيد بساير الادلة والتوضيح منا مع احتمال ان يكون لفظ قلب مبنيا على المفعول فيكون ظاهرا في عدم العمد (ومنها) ان المراد حصول الحدث من غير عمد ويكون الامر بالانصراف والوضوء لاجله والكلام في ذيلها هو الكلام المتقدم (ومنها) ان المراد الانصراف لقضاء الحاجة كما هو مفاد الرواية الاتية والكلام في الاطلاق كما تقدم. ولا ترجيح للثاني الذى هو مبنى الاستدلال فتخرج عن قابلية الاحتجاج بالاجمال مع ان فيها نحو اضطراب فان المتفاهم من قوله: هو بمنزلة من تكلم في الصلوة ناسيا، انه في هذا الحال خارج عن الصلوة وتكلمه بمنزلة التكلم في الصلوة وقوله: ما لم تنقض الصلوة بالكلام ظاهر في انه في الصلوة ولم يخرج منها. وكرواية ابى سعيد القماط قال: سمعت رجلا يسئل ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو اذى أو عصرا من البول وهو في الصلوة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة فقال: إذا اصاب شيئا من ذلك فلا بأس بان يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذى كان يصلى فيه فيبنى على صلوته من الموضع الذى خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلوة بالكلام قال: قلت: وان التفت يمينا أو شمالا أو ولى عن القبلة قال: نعم كل ذلك واسع انما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاثة فانما عليه ان يبنى على صلوته ثم ذكر سهو النبي (صلى الله عليه وآله) (2).


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 9 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 11

[ 126 ]

وهى مع ضعف سندها غير معول عليها في نفسها مع انها مشتملة على ما لا يقول به احد منا وهو جواز ايجاد الحدث عمدا واستدبار القبلة كذلك وصحة الصلوة مع الاستدبار سهوا في ثلاث ركعات مع اشتمالها على سهو النبي (صلى الله عليه وآله) الذى يجب تنزيهه عنه فهى مردودة سندا ومتنا ومناسبة لفتاوى غيرنا وعقائدهم. ومع الغض عن ذلك كله فهى معارضة بطوايف من الروايات التى هي ارجح منها بل لو كانت صحيحة السند كان الترجيح لتلك الروايات المعارضة أيضا لموافقتها للكتاب وموافقة تلك الرواية لاشهر فتاوى العامة على ما حكى فلا اشكال في المسألة. ولو احدث في الصلوة مع ضيق الوقت، فان امكن ادراك ركعة منها مع الوضوء قطعها لبطلانها بالحدث وتوضأ واستأنف الصلوة، لقاعدة من ادرك، وكذا لو امكن ادراكها مع التيمم سواء كان تكليفه ذلك مع الغض عن الضيق كما لو كان فاقد الماء لما ذكر، أو كان لضيق الوقت لادلة تنزيل التراب منزلة الماء وقاعدة من ادرك وهو واضح. ولو لم يدرك ولا ركعة حتى مع التيمم فهل صلوته والحال هذه باطلة ويجب عليه القضاء أو تصح ويتوضأ أو يتيمم فيما بقى ويبنى على ما اتى بها وجهان، من ظهور الروايات المتقدمة في البطلان وعدم الاعتداد بشئ مما صلى، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين الضيق والسعة، ومن تحكيم قاعدة الميسور وان الصلوة لا تترك بحال على تلك الروايات فيتقيد اطلاقها بغير حال الضيق، بل لعل المنساق منها أو من بعضها ان المفروض فيها حال السعة وان اهمية الوقت عند الشارع بحد لا يزاحمه شئ من الشرايط والموانع وياتى الكلام لتقوية ذلك في فرع آخر. وهو انه لو احدث المتوضى في الصلوة حال فقد الطهورين فهل تبطل صلوته بذلك وعليه القضاء بعد وجدان الطهور أو تصح ويجب عليه اتمامها ولا قضاء عليه وكذا الكلام في فاقد الطهورين من راس فان المسألة محل كلام، فمن المشهور انه يؤخرها إلى زوال العذر وسقط الاداء مع استيعاب الفقدان للوقت، واما القضاء

[ 127 ]

فيجب على الاشهر على ما قيل. وقيل في وجه سقوط الاداء: -، مضافا إلى اشتراط الصلوة بالطهارة وعدم شرعيتها بدونها، ولا يعارض ذلك اطلاق مادل على وجوب الصلوة، لاشتراط التكليف عقلا بالقدرة على الامتثال وهى منتفية - ان قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: لا صلوة الا بطهور (1) حاكم على قاعدة الميسور وان الصلوة لا تترك بحال فانه رافع للموضوع المأخوذ فيهما، بل قوله (عليه السلام): لا صلوة الا بطهور يدل على ان الفاقدة للطهور ماهية اجنبية عن ماهية الصلوة. والجواب عن الاول ان الاشتراط بالطهارة مثل ساير الشرايط كالقبلة والستر ولا اشكال في ان قوله الميسور لا يسقط بالمعسور حاكم عليها ضرورة ان الصلوة الجامعة للشرايط عدا الطهور ميسور الصلوة مع الطهور ولا شبهة في صدق الصلوة على الفاقدة وكذا قوله الصلوة لا تترك بحال حاكم على دليل الاجزاء والشرايط. وعن الثاني ان هذا التركيب يحتمل ان يراد به نفى الحقيقة واقعا، وان يراد نفيها ادعاء، ومصحح الادعاء يمكن ان يكون بطلان الصلوة، ويمكن ان يكون جميع الاثار، وان يراد به التكنية عن البطلان، أو يكون ارشادا إلى الشرطية، اما نفى الحقيقة واقعا فلا شبهة في عدم صحته لان ماهية الصلوة امر معلوم بين المسلمين معروف بتعريف الشرع وهى صادقة على الماهية الفاقدة للشرايط فضلا عن الفاقدة لشرط واحد. واما الحقيقة الادعائية فلا مانع من ارادتها لكن المصحح بحسب المتفاهم هو البطلان كما يمكن ان يكون المراد ساير الاحتمالات، وعلى ذلك نقول: ان تلك الهيئة قد وردت في موارد لايراد منها بيان أن الصلوة الفاقدة اجنبية عن ماهية الصلوة، كقوله (عليه السلام): لا صلوة الا إلى القبلة (2)، ولا صلوة الا بفاتحة الكتاب (3) ومن لم


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (3) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب القراءة حديث: 2 - 3

[ 128 ]

يقم صلبه فلا صلوة له (1) ولا صلوة لجار المسجد الا في مسجده (2). مضافا إلى أن صحيحة زرارة المتقدمة واردة في الطهور بمعنى طهارة البدن، فانه قال: لا صلوة الا بطهور ويجزيك في الاستنجاء ثلاثة احجار (3) إلى آخرها، أو اعم منها ومن الطهور عن الحدث، ومع كون صحيحة زرارة واردة في خصوص الخبث أو كونها اعم لا يبقى مجال لتوهم ارادة الطهور من الحدث فيما لا يكون لها هذا الذيل، كما أنه مع احتمال التكنية أو الارشاد لا مجال للجزم بحكومتها على ما ذكر. بل التتبع في ساير الموارد من الشروط والاجزاء، وتقديم جانب الوقت على غيره، وان الصلوة مع فقد الشرايط في الوقت تقدم على الجامعة لها بعد الوقت كصلوة المريض والغرقى والمبطون والسلس، يوجب الحكم بان الطهور كساير الشرايط ولا تترك الصلوة مع فقده، كما لا تترك مع الاستدبار إذا لم يقدر الا على الصلوة مستدبرا مع ورود لا صلوة الا إلى القبلة (4)، وكذا لا تترك مع نجاسة البدن مع ورود لا صلوة الا بطهور (5)، والانصاف انه لولا خوف مخالفة الاصحاب لكان القول بوجوب صلوة فاقد الطهورين وصحتها قويا. ثم انه على فرض عدم الخلاف في فاقد الطهورين أو الاجماع فيه على سقوط الاداء يقتصر على مورده ولا يتعدى إلى ما نحن بصدده، وهو ما إذا صلى بوضوء وعرض في الاثناء فقد الطهورين، فان مقتضى القاعدة وجوب اتمامها وصحتها وعدم القضاء، فان الصحة هنا اولى من صحتها مع فقدهما من الاول كما هو واضح. ولو كانت وظيفته التيمم فدخل في الصلوة متيمما واحدث في الاثناء ثم وجد


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب القيام حديث: 1 - 2 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب احكام المساجد حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 1 (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 2 (5) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1

[ 129 ]

الماء، فهل يوجب ذلك بطلان صلوته ويجب عليه الاستيناف، أو عليه ان يبنى عليها بعد ما توضأ وياتى بباقى الصلوة؟. مقتضى القاعدة يختلف بحسب الاحتمالات المتصورة في التيمم، وكذا في قاطعية الحدث للصلوة، فان قلنا: ان التيمم رافع للحدث حقيقة كالوضوء والغسل والفرق بينه وبينها ان رافعيته في موضوع خاص هو فاقد الماء بخلافهما، يكون حاله حال احداث الحدث في الصلوة مع الدخول فيها بوضوء، من ان مقتضى القاعدة بطلانها وعدم الاعتداد بشئ منها. وان قلنا: ان التيمم مبيح غير رافع للحدث بوجه، وقد اجاز الشارع للمحدث ان ياتي بالصلوة متيمما مع بقائه على حال الحدث، فان قلنا: ان قاطعية الحدث للصلوة مستقلة في عرض قاطعيته للوضوء، بمعنى ان الحدث قاطع للصلوة ولو لم يكن ناقضا للوضوء، فمقتضى القاعدة ايضا بطلانها وعدم الاعتداد بشئ منها فانه مع ورود القاطع عليها لا يصح البناء عليها الا بدليل. وان قلنا: ان الحدث ليس قاطعا للصلوة، بل لما كان ناقضا للطهارة يعرض معه البطلان على الصلوة من أجل الطهور، يكون مقتضى القاعدة صحة ما اتى به، فيتوضأ ويأتى بالبقية، فان المفروض ان المصلى محدث بعد التيمم فليس حدثه ناقضا لشرط الصلوة أي الطهور، بل غاية ما يترتب على حدثه هو رفع المبيح فإذا توضأ واتى بها صحت، بل لو كان تكليفه التيمم صحت مع تجديده بل القاعدة تقتضي الصحة حتى مع احداث الحدث عمدا لان حدثه لا ينقض الصلوة ولا الطهور ولا يضر بالصحة فالاتيان بالطهور أو المبيح للباقى لا مانع منه. وان قلنا: ان التيمم بمنزلة الوضوء والغسل وإن الشارع نزل التراب للفاقد منزلة الماء، فان قلنا: ان التنزيل مختص بآثار الطهور، ويترتب على التيمم كل ما يترتب على الطهور، وكل ما يشترط فيه الطهور يصح الاتيان به ويجوز مع التيمم فالمتيمم محدث حقيقة ونازل منزلة المتطهر، فمقتضى القاعدة جواز البناء على ما

[ 130 ]

مضى وتصح صلوته مع الاتيان بالبقية متوضئا أو متيمما، لان المفروض انه محدث حقيقة والتنزيل ليس الا في آثار الطهور. وان قلنا بان التنزيل اعم من الاثار المترتبة على الطهور ومن حيث ناقضية الحدث له، فكأنه قال رتب آثار ناقض الطهور على الحدث في التيمم، فالقاعدة تقتضي بطلانها سواء قلنا بناقضية الحدث للصلوة مستقلا أم قلنا ببطلانها من جهة فقد الطهور، لتحقق ناقض الطهور تعبدا وتنزيلا، هذا بحسب التصور. واما في مقام الاثبات فقد ذكرنا في محله ان التيمم كالوضوء في رفع الحدث حقيقة عن موضوعه المحدود، وليس المقام محل تحقيقه، فمقتضى القاعدة على ذلك بطلان الصلوة وعدم صحة البناء عليها، لما مر من اعتبار الطهور من اولها إلى آخرها حتى في الفترات، فتصحيحها فيها يحتاج إلى دليل، ودليل الرفع وان امكن التمسك به في بعض الفروض، لكن الظاهر المستفاد من الادلة انه لا يجرى في باب الطهور. نعم قد دلت صحيحة زرارة على وجوب الوضوء والبناء على ما مضى، روى الفقيه عن زرارة أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل دخل في الصلوة وهو متيمم فصلى ركعة ثم احدث فاصاب ماء قال: يخرج ويتوضأ ثم يبنى على ما مضى من صلوته التى صلى بالتيمم) (1) ورواه الشيخ باسناده عن زرارة مثله، وباسناده عن زرارة ومحمد بن مسلم عن احدهما مثله. وعن المعتبر انه بعد نقل الرواية قال: وهذه الرواية متكررة في الكتب باسنانيد مختلفة، واصلها محمد بن مسلم إلى آخره، مع انها مروية تارة عن زرارة واخرى عنه وعن محمد بن مسلم، فقوله: ان اصلها محمد بن مسلم غير ظاهر. ثم ان الظاهر ان المفروض فيها ان الحدث غير عمدي ولا اطلاق لها بالنسبة إلى العمد، وعلى فرضه لابد من تخصيصه بغير العمد بان يكون بلا اختيار وفجأة،


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 10

[ 131 ]

وعليه فيمكن تصحيحها على القواعد بان يقال: ان غير الاختياري مشمول لقوله (عليه السلام): كل ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر (1)، وعلى ذلك فلا مانع من العمل بالرواية سيما مع عمل المفيد والشيخ بها، وقد حكى عن المعتبر أنه لا بأس بالعمل بها على الوجه الذى ذكره الشيخان، فانها رواية مشهورة، والوجه الذى ذكراه هو الحمل عن المحدث سهوا، ولعل المراد بالسهو هو عدم الاختيار مقابل العمد كما احتمله بعضهم. ولو احدث بعد رفع رأسه من السجدة الاخيرة من الصلوة قبل ان يتشهد، فلا يبعد القول بصحة صلوته على القواعد، لان الطهور وان كان شرطا للصلوة من اولها إلى آخرها، ويمكن استفادة اعتباره كذلك من مثل قوله (عليه السلام) لا صلوة الا بطهور (2) وحديث لا تعاد (3) ونحوهما، وان امكن المناقشة في الجميع أو في بعض، لكن لا تصح المناقشة في اعتباره، الا ان مقتضى حديث لا تعاد المذيل بقوله (عليه السلام): التشهد سنة والسنة لا تنقض الفريضة صحة تلك الصلوة الجامعة للشرايط إلى ما بعد السجدة الاخيرة. فان الحدث وان قطع صلوته لكن لا اشكال في ان قطعها من حين حدوث الحدث، وقطعها موجب لخروج المصلى عن الصلوة بلا اشكال، لكن النقيصة في تلك الصلوة من قبل التشهد والسلام، والتشهد بحسب نفس الرواية سنة ولا تنقض الفريضة بالخلل فيها بتركها من غير عمد، ولا اشكال في ان هذا الترك ليس عن عمد، فان الحدث يوجب خروجه عن الصلوة وترك التشهد بعد الخروج عنها لا موضوع له حتى يقال انه عمدي. فان قلت ان الطهور معتبر في الصلوة واجزائها، وانتقاضه بالحدث في الاثناء يوجب بطلان اصل الصلوة من قبل فقد الطهور الذى هو خلل في الفريضة، فالصلوة


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 3 - من ابواب قضاء الصلوات حديث: 3 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1

[ 132 ]

باطلة من قبل الخلل فيها لا من قبل التشهد. قلت: اولا ان ما هو مقتضى اطلاق ذيل لاتعادان السنة مطلقا لا تنقض الفريضة التى هي الصلوة واما ان مثل فقد الطهارة ينقض الفريضة مطلقا فغير ثابت، لان قوله (عليه السلام): السنة لا تنقض لا مفهوم له، ولو قيل بالمفهوم فلا ريب في أنه لا اطلاق له، فلا يدل الا على نقضها في الجملة. وثانيا سلمنا ان فقد الطهور مطلقا ينقض الفريضة لكن لا دليل على ان نقضها موجب للابطال من الاول بل الفرق بين الطهور ومثل التشهد انه لو ترك التشهد من غير عمد لم يوجب ذلك نقض الصلوة بل تبقى على ما هي عليه واما فقد الطهور في اثناء الصلوة فيوجب نقضها من حين الفقد، غاية الامر انه لو نقضت في الركعة الثانية أو قبل السجود في الرابع ة صار ذلك موجبا لعدم امكان الاتمام فتبطل واما بعد السجدة الاخيرة فلا يوجب النقض الا الخروج عن الصلوة من حينه وعدم امكان لحقوق التشهد والسلام بساير الاجزاء، وهو لا يوجب البطلان لان التشهد لا يصلح لنقض الفريضة بمعنى ابطالها. وبعبارة اخرى ان الصلوة إلى ما بعد السجدة الاخيرة وقعت صحيحة جامعة للشرايط وبعروض الحدث نقضت من حينه. ولا دليل على الابطال من الاصل، فالبطلان ان كان من اجل التشهد فلا وجه له بعد كونه سنة، وان كان من اجل فقد الطهور في خصوص التشهد فلا وجه له ايضا بعد كون فقد اصله غير مضر كما لو نسيه ولم يأت به أو نسيه واستدبر، فكما ان الاستدبار بعد نسيان التشهد لا يوجب الا نقض الصلوة من حين الاستدبار لا من الاصل كذلك لو وقع قهرا بعد السجدة الاخيرة، إذ لا نقض للصلوة الا من قبل التشهد. وان شئت قلت: انا سلمنا ان الحدث ناقض للصلوة وموجب لخروج المصلى عنها، لكن لا نسلم نقضها من الاول بعد وقوعها على ما هي عليها من الشرايط. بل لنا ان نقول: ما وقع صحيحا جامعا للشرايط في محلها لا يعقل ان ينقلب

[ 133 ]

مما هو عليه، وانما قلنا بالبطلان فيما قبل السجدة، لاجل عدم امكان لحوق السجود بالاجزاء السابقة، وهو موجب للبطلان، واما عدم لحوق التشهد والسلام فلا يوجبه كما هو كذلك في ساير المنافيات كالقبلة والتكلم، نعم في الوقت كلام آخر مر في محله. الا ان يقال: ان صحة المركب مراعاة على ان ياتي باجزائها صحيحة في محالها ومع بطلان بعضها يبطل المركب، لكن ذلك صحيح بحسب الاصل الاولى في المركب وبه يجاب عن ما ذكر من عدم معقولية الانقلاب، واما بحسب ملاحظة ذيل لا تعاد وعدم الدليل على نقض الفريضة للصلوة على نحو الاطلاق كما اشرنا إليه فلا. فتحصل مما ذكر ان مقتضى القاعدة صحة الصلوة مع احداث الحدث بعد السجدة الاخيرة من غير عمد. وتدل عليها جملة من الروايات كصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الاخيرة وقبل ان يتشهد قال ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع إلى المسجد وان شاء ففى بيته وان شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم وان كان الحدث بعد التشهد فقد مضت صلوته (1). وصحيحة عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى الفريضة فلما فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة احدث فقال: اما صلوته فقد مضت وبقى التشهد والتشهد سنة في الصلوة فليتوضا وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد (2) ونحوهما غيرهما. والظاهر منها ما هو الموافق للقواعد على ما تقدم من ان صلوته صحيحة والتشهد سنة لا تنقض الفريضة، والظاهر ان المراد بالسنة هي ما وقع في ذيل لا تعاد، ولعل


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب التشهد حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب التشهد حديث: 4

[ 134 ]

ما في هذه الروايات اشارة إلى ما في حديث لا تعاد وانه خرج بالحدث من الصلوة، لكن يأتي بالتشهد اما لزوما أو استحبابا، ولما مضت صلوته وخرج منها لم يلزم في الاتيان بالتشهد اعتبار عدم الاستدبار أو عدم الفعل الكثير، فلا طعن في الروايات بمثل ذلك. ولا ينافيها ساير الروايات كمفهوم رواية الخصال عن على عليه السلام إذا قال العبد في التشهد الاخير وهو جالس: اشهد ان لا اله الا الله إلى ان قال: ثم احدث حدثا فقد تمت صلوته (1) ومرسلة المقنع وفيها وان لم تكن قلت ذلك فقد نقصت صلوتك (2) فلان نقصانها وعدم تماميتها من قبل التشهد لا اشكال فيه، لكن لا ينافي ذلك صحتها ومضيها. واما رواية الحسن بن الجهم (3) الدالة على وجوب الاعادة إذا احدث قبل التشهد، فهى ضعيفة السند، ويمكن حملها على الاستحباب، فانه جمع عرفى فان قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: مضت صلوته صريح في الصحة وهذه الرواية ظاهرة في وجوب الاعادة اللازم منه البطلان فيحمل على الاستحباب، وهذا مما لا اشكال فيه لكن اعراض الاصحاب عن الروايات الدالة على الصحة وموافقتها الفتاوى العامة القائلين باستحباب التشهد وجواز الخروج عن الصلوة بالحدث عمدا، وارتكازية بطلان الصلوة بالحدث اثناءها، ووضوح ذلك عند الطايفة يوجب الوثوق بصدور تلك الروايات تقية، وبذلك يعلم الحال في الحدث قبل السلام وان كان الامر فيه اهون. مسألة في الخلل الحاصل من ناحية الطهور العتبر في البدن والثوب وهو قد يكون عن علم وعمد أي مع كونه عالما بنجاسة الثوب أو البدن وعالما بشرطية طهارتهما


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب التشهد حديث: 5 (2) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب التشهد حديث: 3 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 6

[ 135 ]

للصلوة اخل بها عن التفات فلا اشكال في البطلان في هذه الصورة. وهنا صور اخرى تحتاج إلى البحث (الاولى) ما إذا اخل بها مع الجهل بالحكم سواء كان الجهل بنجاسة الشئ الكذائي ام كان بشرطية الطهارة للصلوة فمقتضى الشرطية وانتفاء المشروط بانتفاء الشرط عقلا وان كان هو البطلان لكن يمكن القول بالصحة على القواعد. اما بناء على كون الطهور في حديث لا تعاد عبارة عن الطهر من الحدث، فيدخل المورد في المستثنى منه ومقتضى اطلاقه عدم الاعادة حتى مع الجهل بالحكم، ودعوى اختصاصه بالنسيان غير وجيهة كما مر سالفا. واما بناء على اطلاق الطهور في المستثنى للطهارة الحدثية والخبثية بدعوى ان صدق الطهور عرفا على الطهارة من القذر اوضح من صدقه على الطهارة من الحدث فانه يحتاج إلى بيان من الشارع وكشفه عن قذارة معنوية عند حدوث الحدث ورفعه بالوضوء أو الغسل. ويؤيد هذا الاطلاق ما ورد في صحيحة زرارة لا صلوة الا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار (1) إلى آخرها فان الظاهر منه اما خصوص الخبثية أو ما هو اعم منها. وما ورد في ذيل لا تعاد من ان القرائة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة، المستفاد منه ان ما يصلح لنقضها هو الفريضة أي ما يستفاد شرطيتها من الكتاب لا الواجب الذى يستفاد من السنة، بدعوى ان شرطية الطهور من الخبثية ايضا مستفادة من الكتاب لقوله تعالى: وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر (2)، بدعوى ان المراد هو التكبير في الصلوة وتطهير الثوب فيها والهجر عن القذارة فيها، فيكون عاما للبدن ايضا، واستفادة ذلك من الكتاب لا تقصر عن استفادة جزئية الركوع والسجود لها فيكون.


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 9 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 1 (2) سورة المدثر آية 3 و 4 و 5

[ 136 ]

مقتضاه البطلان مطلقا. لكن يمكن القول بالصحة مع الجهل بالنجاسة لقاعدة الطهارة، فان قوله (عليه السلام): كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر (1) محقق لموضوع ادلة الشرطية، كقوله عليه السلام لا صلوة الا بطهور، وقوله عليه السلام: لا تعاد (2) إلى آخره، واطلاق التنزيل أو الادعاء في القاعدة يشمل كل من لم يعلم سواء كان شاكا في نجاسة شئ أو قاطعا بطهارته أو ظانا بذلك لدليل اجتهادى مع نجاسته واقعا، فان كل ذلك داخل فيمن لم يعلم بالنجاسة، وان كان جهله مركبا ومقتضى عموم الاثار تحقق الشرط للصلوة وصحتها واقعا وعدم قصورها عن الصلوة في الطاهر الواقعي. ووقوع قوله (عليه السلام): كل شئ نظيف إلى آخره في موثقة عمار (3) ذيل الشبهات الموضوعية لا يوجب الاختصاص بها بل المراجع يرى ان قوله في الذيل: وقال: كل شئ نظيف كبرى مستأنفة أو منقولة عنه في مقام اخر وعلى أي حال لا وجه لرفع اليد عن اطلاقه ويدل على المطلوب حديث الرفع (4) ايضا والحجب (5) وغيرهما. ومع الجهل بشرطية الطهارة عن الخبث يمكن الاستناد للصحة بحديث الرفع ونحوه وقد مر سابقا بعض الاشكال فيه مع جوابه، بل يمكن الاستناد إلى قاعدة الحل بدعوى اعميته من التكليف والوضع وبقاعدة معذورية الجاهل بدعوى شمولها للوضع ببركة استفادته من بعض النصوص. ثم ان الاشكال العقلي الذى اوردوه في المقام وامثاله من ان لازم ذلك اختصاص الشرطية بالعالم بها وهو دور صريح قد فرغنا من حله سابقا فراجع.


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - من ابواب النجاسات حديث: 4 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 37 - من أبواب النجاسات حديث: 4 (4) الوسائل كتاب الجهاد - باب - 56 - من أبواب جهاد النفس وما يناسبه حديث: 1 و 2 (5) الوسائل كتاب القضاء - باب - 12 - من أبواب صفات القاضى حديث: 28

[ 137 ]

نعم هنا بعض روايات ربما يستفاد منها بطلان الصلوة مع الجهل بالحكم كصحيحة عبد الله بن سنان قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اصاب ثوبه جنابة أو دم قال: ان كان علم انه اصاب ثوبه جنابة أو دم قبل ان يصلى ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه ان يعيد ما صلى وان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة وان كان يرى انه اصابه شئ فنظر فلم ير شيئا اجزئه ان ينضحه بالماء (1). بدعوى ورودها في خصوص الجاهل أو اطلاقها ولكنه مشكل لان المتبادر من الرواية صدر أو ذيلا ان المفروض فيها العالم بالحكم سيما قوله: فنظر ولم ير شيئا فان النظر انما هو لاجل الصلوة لا في نفسه فهى اما مختصة بالعالم الملتفت أو اعم منه ومن الناسي. ودعوى - ان العالم بالحكم والموضوع كيف يدخل في الصلوة مع كونه في مقام الاطاعة وابراء الذمة - في غير محلها مع ما يشاهد من عمل العوام الذين لا يبالون بما يبالى به اهل العلم والخواص فترى ان بعضهم يصلى ولا يبالي بشرايطها وان امرته بمراعاتها ومن ذلك ترى ورود ذلك في صحيحة زرارة (2) المشتملة على حكم الاستصحاب من فرض الصلوة مع العلم بنجاسة الثوب والظاهر ان موردها العلم بالشرطية ايضا فراجعها مضافا إلى ان من راجع الروايات الواردة في هذا المضمار يرى ان جلها لو لم يكن كلها واردة في النسيان فيلحق بها هذه ايضا. ومما ذكرنا يعلم الحال في رواية قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه (3)


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 40 - من أبواب النجاسات حديث: 3 (2) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 42 - حديث: 2 وباب - 37 - حديث: 1 وباب - 7 - حديث: 2 وباب - 44 - حديث: 1 من أبواب النجاسات وتمام الخبر - من دون التقطيع - موجود في الاستبصار كتاب الطهارة - باب - الرجل يصلى في ثوب فيه نجاسة قبل أن يعلم من ابواب تطهير الثياب والبدن من النجاسات حديث: 13 (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 40 - من أبواب النجاسات حديث: 10

[ 138 ]

فان المراجع إليها يظهر له انها واردة مورد العالم بالحكم لا الجاهل. واما رواية عمار بن موسى الساباطى واسحاق بن عمار في رجل يجد في انائه فارة (1) فالحكم بالاعادة لاجل الوضوء بالماء النجس واحتمال ان يكون فيها فرض مسئلتين احداهما الوضوء بالماء بالماء النجس وثانيتهما الصلوة مع الثوب المغسول به مع كون وضوئه صحيحا في غاية البعد بل فاسد. بل يظهر من بعض الروايات صحة الصلوة مع الجهل بالحكم كرواية الصيقل وولده قال: كتبوا إلى الرجل جعلنا الله فداك انا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليه وانما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمير الاهلية لا يجوز في اعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشرائها وبيعها ومسها بايدينا وثيابنا ونحن نصلى في ثيابنا ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا؟ فكتب عليه السلام اجعل ثوبا للصلوة (2) إلى اخرها. ضرورة ان السكوت عن اعادة ما صلوا في الثوب النجس مع الجهل بالحكم الذى هو مورد الرواية كاشف عن صحة ما صلوا حال الجهل بالحكم وتوهم انه في مقام بيان الصلوات المستقبلة كما ترى. الصورة الثانية نسيان الحكم فان كان ناسيا لنجاسة شئ وصلى فيه فمقتضى ادلة الاشتراط البطلان، لكن مقتضى حكومة دليل الرفع (3) عليها حتى على قوله عليه السلام: لا صلوة الا بطهور (4) وقوله عليه السلام: لا تعاد (5) بناء على عموم المستثنى هو الصحة، وعلى فرض اختصاص لا تعاد في المستثنى بالطهارة عن الحدث فعمومه


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 4 - من أبواب الماء المطلق حديث: 1 (2) الوسائل كتاب التجارة باب - 38 - من ابواب ما يكتسب به حديث: 4 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1 (5) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1

[ 139 ]

ايضا يقتضى الصحة، ومما ذكرنا يظهر الكلام في نسيان الشرطية. ثم اعلم ان ما يمنعنا عن القول بعموم مستثنى لا تعاد للطهارة عن الخبث هو عدم وجدان من يوافقنا من الاعلام، واهمية الطهارة عن الحدث في الشرع وارتكاز المتشرعة دون الطهارة عن الخبث التى يسامح فيها حتى انه يجوز ايجاد ما يوجب الشك فيها. واما في صورة الجهل بالحكم أي حكم الصلوة مع نجاسة البدن أو الثوب ونسيانه، فيوافقنا بعض المحققين وان اختلفنا معه في كيفية الاستدلال، ودعوى - ان تساوى العالم والجاهل في الاحكام اجماعي - في غير محلها، لعدم ثبوته، بل عدم ثبوت دعواه من اصحابنا المتقدمين. نعم ان ببالى أنه نقل عدم الخلاف من بعض المتأخرين في مفتاح الكرامة، ثم استدل عليه بما لا يخفى على الناظر، واما صاحب الجواهر الذى هو لسان المشهور فقال: انه قد صرح بعضهم بالبطلان في مورد الجهل بالحكم وتمسك باطلاق النص والفتوى، فالحكم كما ترى لم يثبت فيه اجماع أو شهرة معتمدة، وما - في مفتاح الكرامة من قوله: ظاهر اطلاق الاجماعات والاخبار عدم الفرق بين العالم والجاهل، بل الظاهر انعقاد اجماعهم على مساواة الجاهل بالحكم مع العالم به - ففيه اشكال، بل القدر المتيقن منها غير ما ذكر، بل لو انعقد الاجماع في خصوص المسألة التى لها عندهم مبان عقلية واجتهادية، لا يمكن اثبات الاجماع المفيد فيها. واما الاخبار فقد عرفت الكلام في بعضها، وهنا بعض اخبار في ابواب مختلفة ربما يدعى اطلاقها لكن الناظر إليها لا يطمئن بالاطلاق بعد كونها في مقام بيان احكام اخر، فراجع بعض ما ورد في الدم، وتأمل فيها حتى يتضح لك عدم الاطلاق. الثالثة إذا اخل بها مع الجهل بالموضوع فصلى في النجس وبعد الفراغ علم بالنجاسة فهل تصح مطلقا أو لا مطلقا أو تفصيل بين النظر والفحص قبل الصلوة و

[ 140 ]

عدمه أو تفصيل بين العلم بالنجاسة في الوقت والعلم بها في خارجه وجوه. اما الصحة مطلقا فمضافا إلى انها مقتضى قاعدة الطهارة وساير القواعد المشار إليها، تدل عليها جملة كثيرة من الروايات. وفى قبالها روايات منها ما تدل على البطلان مطلقا كموثقة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى وفى ثوبه بول أو جنابة، فقال: علم به أو لم يعلم فعليه (الاعادة) اعادة الصلوة إذا علم (1) وصحيحة وهب بن عبد ربه عن ابى عبد الله عليه السلام في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه فيصلى فيه ثم يعلم بعد ذلك، قال: يعيد إذا لم يكن علم (2). لكنهما - مع عدم العامل بهما ولهذا اضطر شيخ الطايفة إلى حملها على النسيان وهو كما ترى ومع احتمال ان يكون قوله في الموثقة: علم به أو لم يعلم استفهاما و استفسارا عن الواقعة، وقوله: فعليه الاعادة جواب الشرط المتأخر، فتكون موافقة لساير الروايات، وهذا الاحتمال وان كان بعيدا عن الاذهان لكن ليس بذلك البعد عند التأمل، ومن المؤسف أن الروايات الواردة عنهم عليهم السلام لم تقرء علينا، وكثيرا ما يتفق الاشتباه من اجل اختلاف القرائة، وفى المورد كان يمكن ان يستفاد من كيفية تكلمه انه هل كان في مقام الاستفهام أو لا، ولا يخفى ان الظن الحاصل من غير ظهور الكلام ليس بحجة، وعن بعض نسخ التهذيب لا يعيد إذا لم يكن علم بدل يعيد في الصحيحة، وعليه فتسقط عن الحجية في نفسها، وان كان ذلك بعيدا بعد حمل شيخ الطايفة الرواية على النسيان، ولعل ما في التهذيب من زيادة بعض الفقهاء والمحدثين باجتهاده ولم يكن اختلاف في النسخ - لا تعارضان ساير الروايات المشهورة المستفيضة المعمول بها بل مقتضى الجمع العرفي حملهما على استحباب الاعادة فان تلك الروايات المعارضة لهما نصوص في عدم وجوب الاعادة وعدم البطلان، وهما ظاهرتان في


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 9 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 8

[ 141 ]

وجوبها الملازم للبطلان، ومقتضى حمل الظاهر على النص استحباب الاعادة مع صحة الصلوة وان لا يخلو من اشكال ايضا. بل لقائل ان يقول: ان رواية ابى بصير تدل على الاستحباب في نفسها، وحملها على وجوب الاعادة غير صحيح من وجهين. احدهما ان قوله: عليه الاعادة الظاهر في ان الاعتبار فيها كونها على عهدة المكلف، كما في امثال ذلك كقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (1)، وقد ورد فيه ان دين الله احق بالقضاء (2)، واعتبار الدين باعتبار ذلك التركيب الوارد في الكتاب، فمع اعتبار العهدة والدينية لا يصح تعليقه على الشرط، فان حصول الدين من اول وقوع الخلل لا بعد العلم بالواقعة. وثانيهما ان الظاهر - من قوله: عليه الاعادة - أن ما في ذمته وعلى عهدته عنوان الاعادة بنفسها، مع انه على فرض الخلل الموجب للبطلان لا يكون على عهدته اعادتها، بل نفس الصلوة المجعولة لكافة الناس، فإذا كان في الحمل على الوجوب محذور فلابد من حمله على الاستحباب، ولا مانع من كون الاستحباب عند العلم بالواقعة وعلى عنوان الاعادة كالمعادة في بعض الموارد، كما لا مانع من اعتبار العهدة في المسنون كما ورد في غسل الجمعة (3)، وكيف كان والروايتان لا تعارضان الروايات الكثيرة


(1) سورة آل عمران - آية - 97 - (2) دلت الروايات الكثيرة على ان الصلوة والحج من الدين، وأن الاتيان بها - عن النفس أو الغير، حيا كان الغير أم ميتا - من قبيل قضاء الدين. وهذا ورد في قصة الخثعمية لما سألت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت له: ان أبى أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لايستطيع أن يحج، ان حججت عنه ينفعه ذلك؟ فقال صلى الله عليه وآله لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه ينفعه ذلك؟ قالت: نعم. قال صلى الله عليه وآله: فدين الله أحق بالقضاء. وتجد بعض ذلك في مستدرك الوسائل - باب - 18 - من أبواب وجوب الحج وشرائطه. وكنز العمال - ج - 3 - صفحة: 24 و 56 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 3 - من ابواب الاغتسال المسنونة حديث: 1

[ 142 ]

الدالة على عدم لزوم الاعادة بل الظاهر من بعضها عدم لزوم الاعادة في الوقت أو المتيقن منه ذلك. وقد يقال بالجمع بينهما وبين ساير الروايات بحملهما على وجوب الاعادة في الوقت، وحمل غيرهما على عدم وجوب الاعادة في خارجه، وهذا بظاهره في غاية السقوط، لان هذا النحو من الجمع ليس بعقلائى ولا شاهد عليه. ويمكن تقريب هذا القول بان ما في موثقة ابى بصير من قوله: علم به أو لم يعلم فعليه الاعادة إلى آخرها بعد كون المتيقن من اخلال العالم بالنجاسة الصلوة في النجس نسيانا لبعد الاتيان بالخلل عمد أو علما فيه شهادة على ان الجاهل شريك مع الناسي في الحكم، والناسى تجب عليه الاعادة في الوقت دون خارجه فكذا الجاهل، وبعبارة اخرى ان ذكر الناسي والجاهل معا في الحكم قرينة على التفصيل بين الوقت وخارجه، فيتقيد به ساير الروايات فتصير النتيجة من مجموعها التفصيل المذكور. وفيه ان تقييل بعض فقرات الحديث بالدليل المنفصل لا يصلح للقرينية حتى يكون شاهدا على أن المراد بالفقرة الاخرى ايضا ذلك، فقوله (عليه السلام): علم به أو لم يعلم مطلق وانما ورد التقييد بالنسبة إلى العالم الناسي، وليس ذلك قرينة بوجه على ان يراد من غير العالم ما يراد من الناسي فلا وجاهة لهذا الجمع رأسا، بل المتفاهم من بعض الروايات المقابلة لها عدم وجوب الاعادة في الوقت، بل على ما ذكرناه سابقا من ان قوله: لا يعيد ويعيد مع الغض عن القرائن كناية عن البطلان وعدمه لا وجه لهذا التفصيل بوجه. واما التفصيل بين النظر والفحص وعدمه وانه مع عدم النظر تجب الاعادة، فعلى مقتضى القواعد مع الغض عن الاخبار الخاصة لا وجه له، لاطلاق دليل قاعدة الطهارة وهو قوله (عليه السلام): كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر (1) على ما تقدم تقريبه،


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - من ابواب النجاسات حديث: 4

[ 143 ]

واطلاق دليل لا تعاد (1)، وحديث الرفع (2)، وقد ذكرنا في ما سلف ان كل واحدة من تلك الادلة حاكمة على ادلة الاشتراط ومقتضية للاجزاء والصحة واقعا. فالقول - بان القواعد الظاهرية انما تقتضي جواز الدخول في الصلوة ولا ينافى ذلك لزوم الاعادة في صورة كشف الخلاف مع عدم الفحص وان عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية لا دليل عليه الا الاجماع وهو لا يقتضى عدم الاعادة مع عدم الفحص كما ان ادلة الباب محمولة على عدم امكان الفحص بلا مشقة - غير وجيه. اما قوله: ان دليل عدم لزوم الفحص في الشبهات الموضوعية لا دليل عليه الا الاجماع، ففيه ان الدليل اطلاق تلك الادلة المتقدمة آنفا، واما قوله إن الاجماع على عدم لزوم الفحص لا يقتضى عدم الاعادة مع عدم الفحص، ففيه ما اشرنا إليه من اقتضاء تلك الادلة عدم الاعادة مطلقا، وأما دعوى ان اخبار الباب محمولة على عدم امكان الفحص بلا مشقة، ففيها ما لا يخفى، فان صحيحة عبد الله بن سنان (3) الاتية وغيرها واردة في مورد امكان الفحص بلا مشقة، بل صحيحة زرارة (4) صريحة في ذلك، وسيأتى الكلام فيها. وكيف كان لا اشكال في ان مقتضى القاعدة صحة الصلوة سواء تفحص ام لا. واما الروايات الواردة في الباب، فمنها رواية ميمون الصيقل، والظاهر ان مرسلة الفقيه (5) ناظرة إليها. رواها في الكافي والتهذيبين عن ميمون الصيقل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل اصابته جنابة بالليل فاغتسل فلما اصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، فقال: الحمد لله الذى لم يدع شيئا الا وله حد، ان كان حين قام نظر


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 5 (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - من ابواب النجاسات حديث: 1 (5) الوسائل كتاب الطهارة باب - 41 - من ابواب النجاسات حديث: 4

[ 144 ]

ولم ير شيئا فلا اعادة عليه، وان كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة (1). استدل بها على لزوم الاعادة مع عدم النظر، وقيل: ان الجمع بينها وبين ساير الروايات بالاطلاق والتقييد، بل المورد من اهون موارد التصرف في المطلق. وفيه مع الغض عن ضعف سندها، وكونها مخالفة للمشهور، ان الاستناد إليها للزوم النظر مطلقا كما هو المدعى محل الاشكال، فان من المحتمل قريبا ان يكون موردها ما إذا قامت قرينة أو امارة عقلائية على تنجس الثوب، فان الثوب الذى لبسه المحتلم في النوم تسرى إليه الجنابة عادة ونوعا. سيما مع ملاحظة محيط صدور الرواية من كون عادتهم النوم في لباس واحد كالقميص الطويل أو مع سربال، ولا شبهة في ان الاحتلام فيه يوجب تنجسه مع دفقه الملازم له، فالمورد مما قامت الامارة على التلوث، فإذا نظر ولم ير شيئا علم بتخلف الامارة، ولا اشكال في لزوم الفحص في هذا المورد، وهو غير ما راموا الاستفادة منها، فكان المورد ما إذا قام ولم ينظر مع قيام الامارة على التنجس وصلى غفلة أو نسيانا أو مسامحة، وفى الفرض لابد من الاعادة. واما ما قيل من الجمع بينها وبين الروايات بالتقييد، ففيه ان هذه الرواية مع الغض عما ذكرنا معارضة لصحيحة ابن سنان ونحوها بالتباين. ضرورة ان موضوع تلك الروايات عدم العلم، ففى صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى وفى ثوبه عذرة من انسان أو نسور أو كلب ايعيد صلوته، قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد (2)، وقريب منها غيرها، مما هو ظاهر في ان تمام المناط والموضوع لعدم الاعادة هو عدم العلم. والموضوع في هذه الرواية هو العلم أو الاطمينان بالعدم، ضرورة ان الناظر والمتفحص عن ثوبه الذى اجنب فيه حين قام أو حين قام إلى الصلوة كما في نسخة يقطع


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 41 - من ابواب النجاسات حديث: 3 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 5 وفى التهذيب رواها عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله .

[ 145 ]

أو يطمئن بعد فحصه بعدم وجود الجنابة في ثوبه، فان للجنابة اثرا ظاهرا حتى بعد اليبوسة ومضى زمان عليها، فالطلب والفحص ملازم للعلم أو الاطمينان بعدمه. ومن المعلوم انه عند العرف يكون بين الاعتبارين تعارض وتناقض، وان فرض عدم التناقض عقلا وبدقة عقلية، بان يقال: عدم العلم اعم من العلم بالعدم، والميزان في التنافى هو العرف، وبما ذكر يظهر الكلام في مرسلة الفقيه (1) لو كانت غير تلك الرواية. والعمدة في الباب صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: ذكر المنى فشدده وجعله اشد من البول، ثم قال: ان رأيت المنى قبل أو بعد ما تدخل في الصلوة فعليك اعادة الصلوة، وان انت نظرت في ثوبك فلم تصبه، ثم صليت فيه، ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك، وكذلك البول (2). وجه الاستدلال مفهوم الشرطية الثانية وهو لزوم الاعادة مع ترك النظر والفحص (اقول): لو فرضنا ان الشرطية الثانية جملة مستقلة لها مفهوم كما هو مبنى الاستدلال بها، فان بنينا على الجمود على لفظ الرواية الواردة فيها، نقول: ان مفهوم الجملة الاولى انه ان لم تر المنى قبل ذلك فلا اعادة عليك، سواء كان عدم الرؤية بعد الفحص و النظر ام لا، ومفهوم الجملة الثانية لزوم الاعادة على فرض ترك النظر والفحص، فيتقيد به مفهوم الجملة الاولى، لكن يرد عليها ما يرد على رواية ميمون (3) من معارضتها لصحيحة ابن سنان (4) وابى بصير (5) حيث، علق عدم الاعادة فيها على عدم العلم بالنجاسة، وفى هذه الصحيحة علق على النظر والفحص الملازم للعلم بعدمها، فيتعارضان، والترجيح لتلك الروايات الموافقة للشهرة والقواعد، هذا


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 41 - من ابواب النجاسات حديث: 4. (2) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 41 - من أبواب النجاسات حديث: 2 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 41 - من ابواب النجاسات حديث: 3. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 3. (5) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 2 .

[ 146 ]

مع الجمود على لفظ الرواية. لكن لا ينبغى الاشكال في أن قوله عليه السلام: ان رأيت المنى، لايراد به تعليق الحكم على خصوص الرؤية في قبال العلم الحاصل بغيرها، بل ذكر الرؤية لاجل حصول العلم نوعا بواسطتها في مثل الموضوع، فالحكم معلق على العلم والرؤية وسيلة لذلك، ففى الصدر علق الحكم على العلم، ومفهومه انه لو لم يعلم بوجود المنى فلا اعادة، وهو يناقض الجملة الثانية التى علق فيها الحكم بعدم الاعادة على العلم بالعدم الحاصل بالنظر والفحص، فيقع التعارض بين الصدر والذيل، والترجيح للصدر بالشهرة وموافقة القواعد الحاكمة على ادلة اعتبار الشروط هذا. لكن فرض الجملة الثانية مستقلة مخالف لفهم العقلاء، فان الظاهر من مثل المقام ان الجملة الثانية اتى بها لبيان احد مصاديق المفهوم المستفاد من الصدر، فقوله: ان رأيت المنى في ثوبك، مفهومه ان لم تر، وهو اعم من عدم الرؤية مع الفحص وعدمه، والجملة الثانية اتى بها لذكر احد المصداقين المستفاد من الجملة الاولى وعلى ذلك فلا مفهوم للشرطية الثانية وبقى مفهوم الشرطية الاولى على اطلاقه. هذا كله مع ان صحيحة زرارة الطويلة تدل على عدم وجوب النظر والفحص فان فيها قلت: فهل على ان شككت في انه اصابه شئ ان انظر فيه قال لا ولكنك انما تريد ان تذهب الشك الذى وقع في نفسك (1) الحديث، وبما ان النظر والفحص لا يجب نفسيا بلا شبهة، يكون نظر السائل والمجيب إلى لزومه وعدمه في تحصيل شرط الصلوة، فكان السائل لما علم باشتراط الصلوة بطهارة الثوب سئل عن لزوم الفحص لتحصيل العلم بالطهارة الواقعية المشروطة بها الصلوة، فأجاب بعدم لزومه فان الطهارة الظاهرية كافية في صحة الصلوة واقعا. فمن تأمل في فقرات الصحيحة يرى ان الاسئلة كلها تكون حول الحكم الوضعي، أي اشتراط الصلوة بطهارة الثوب، ولم يبق له شك في ان المراد بتلك الفقرة


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - من ابواب النجاسات حديث: 1

[ 147 ]

ايضا ليس الا السؤال عن صحة الصلوة مع الشك، فدلالتها على صحتها مما لا ينبغى الاشكال فيه ولا تحتاج إلى التشبث بما في كلمات المحققين فتحصل مما مر عدم صحة التفصيل بين الفحص وعدمه. الرابعة لو علم بالنجاسة في الاثناء، فتارة يعلم حدوثها في الحال كما لو رعف أو عرض له نجاسة اخرى، واخرى يعلم بوجودها من اول الصلوة أو في بعض الركعات السابقة، وثالثة يعلم بأصل النجاسة، لكن يشك في زمان العروض وأنها هل كانت من اول الامر أو أنها عرضت في الاثناء قبل الحالة الفعلية أو في هذه الحالة، وعلى أي حال قد يكون العروض في سعة الوقت، وقد يكون في ضيقه، وعلى الثاني قد يمكن مع التبديل أو التطهير ادراك ركعة منها في الوقت وقد لا يمكن. مقتضى اشتراط الصلوة بالطهور هو البطلان في جميع الصور، فانها مشروطة به في جميع الحالات سواء اشتغل بعمل ام لا كما تقدم الكلام فيه، ومع فقده في حال بطلت لانه لا صلوة الا بطهور، لكن مقتضى اهمية الوقت وان الصلوة لا تترك بحال صحتها في الفرض الاخير. واما ساير الفروض، فان كان المستند للصحة قاعدة الطهارة أو حديث الرفع (1)، فلا يمكن تصحيحها بهما لانهما لا تصححانها الا حالة الجهل بالنجاسة فتبقى الفترة بين العلم وتحصيل الطهارة تحت قاعدة الاشتراط الا أن يدل دليل على عدم جواز ابطالها حتى في هذه الحالة فانها على هذا الفرض إذا اشتغل فورا بالتبديل أو التطهير تصح بدليل الاقتضاء أو بحديث رفع الاضطرار (2). ويمكن القول بصحتها مطلقا وفى جميع الصور بدليل لا تعاد (3) بناء على شمولها لمطلق الاخلال الا صورة الاخلال عن علم وعمد، أي صورة الاخلال بالطهور بلا


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الجهاد باب - 56 - من ابواب جهاد النفس حديث: 1 و 3 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب الصلوة حديث 14 وباب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1

[ 148 ]

محذور، كمن صلى عالما عامدا في النجس، إذ في الفترة التى اشتغل المصلى بتحصيل الطهور لا يكون التلبس بالنجس عمدا وبلا وجه فليس مثلها خارجا عن اطلاق القاعدة. واما الروايات، فجملة وافية منها وردت في عروض الدم في الاثناء، كصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سئلته عن الرجل يصيبه الرعاف وهو في الصلوة، فقال: ان قدر على ماء عنده يمينا أو شمالا أو بين يديه وهو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصل ما بقى من صلوته وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلوته (1) ونحوها أو قريب منها غيرها من الصحاح وغيرها. لكن في كفاية تلك الروايات الواردة في الرعاف لاثبات الحكم لمطلق النجاسات اشكال، فان الغاء الخصوصية عن الدم غير ممكن بعد ما نرى من الخصوصية شرعا لدم الرعاف ونحوه من العفو عن القليل منه والعفو عن دم القروح والجروح. وعليه فيحتمل ان يكون الحكم مخصوصا بمثل هذا النحو من الدماء وان لا يسرى إلى ساير النجاسات حتى إلى بعض اقسام الدم كالدماء الثلاثة ونحوها مما لا يعفى عنه. وتشهد لذلك بل تدل عليه رواية محمد بن مسلم قال: قلت له: الدم يكون في الثوب على وأنا في الصلوة، قال: ان رايته وعليك ثوب آخر فاطرحه وصل في غيره إلى ان قال: وليس ذلك بمنزلة المنى والبول، ثم ذكر المنى فشدده وجعله اشد من البول، ثم قال عليه السلام: ان رأيت المنى قبل أو بعد (ما تدخل في الصلوة) فعليك اعادة الصلوة إلى اخرها، وصحيحة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام


(1) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 3 - من أبواب ما يقطع الصلوة وما لايقظع حديث: 7 (2) الوسائل كتاب الطهارة ذكر صدرها في باب - 20 - من ابواب النجاسات حديث: 6 وذيلها في باب - 41 - من ابواب النجاسات حديث: 2

[ 149 ]

في رجل صلى في ثوب فيه (نكتة) جنابة ركعتين ثم علم به قال: عليه ان يبتدى الصلوة (1). ومقتضى الجمع بينهما وبين تلك الروايات هو التفصيل بين الدم المعفو عنه وساير النجاسات، بل لرواية محمد بن مسلم نحو حكومة عليها. لكن مقتضى صحيحة زرارة الطويلة عدم الفرق بين الدم وساير النجاسات في البناء على الصحة قال زرارة في الصحيح: قلت (أي لابي جعفر عليه السلام): اصاب ثوبي دم رعاف (أو غيره) أو شئ من المنى فعلمت اثره إلى ان قال: قلت: ان رأيته في ثوبي وانا في الصلوة، قال: تنقض الصلوة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلوة وغسلته ثم بنيت على الصلوة لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك (1)، والمقصود ها هنا هو الحكم الاخير، ويأتى الكلام في الجملة السابقة، ودلالتها على البناء في الدماء مطلقا واضحة بناء على نسخة التهذيب بل في مطلق النجاسات بناء على رجوع ضمير غيره إلى الدم لا إلى رعاف ولا إلى المنى. ولا اشكال في الغاء الخصوصية عن المنى والدماء وجريان الحكم في مطلق النجاسات، بل بملاحظة التعليل بقوله: فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك يكون العموم اوضح من غير احتياج إلى الغاء الخصوصية، فان الظاهر بل الصريح منه ان الحكم بصحة الصلوة من اجل الحكم الظاهرى الحاكم على ادلة الاشتراط، ومن الواضح عدم الفرق في ذلك بين انواع النجاسات، كما تدل على عدم اضرار التلبس بها في حال الغسل والتطهير. بل يستكشف من صحيحة زرارة ان التفصيل - الوارد في الاخبار الواردة في دم


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - و - 41 - و - 44 - من ابواب النجاسات حديث: 1 وباب - 42 - من أبواب النجاسات حديث: 2

[ 150 ]

الرعاف من غسل الثوب أو تبديله مع امكانهما بلا حصول المنافيات للصلوة كالالتفات والتكلم والفعل الماحى للصورة وبطلانها مع عدمه - انما هو لمطلق النجاسات من غير خصوصية للدم، فالتفصيل المذكور مستفاد من مجموع الروايات، بل هو مقتضى ضم ادلة اعتبار الشروط في الصلوة إلى روايات هذا الباب. كما ان مقتضى تلك الروايات مع الضم إلى قاعدة الطهارة وحديثي لا تعاد (1) والرفع (2) صحة الصلوة مع الغسل والتبديل في جميع الصور المتقدمة، كصورة حدوث العلم في الاثناء بان النجاسة عارضة من اول الصلوة، وغيرها، ضرورة انه مع تحكيم تلك الادلة على دليل اشتراط الطهارة تكون صلوته إلى زمان العلم صحيحة واقعا، من غير فرق بين الطهارة الواقعية والظاهرية في ذلك كما هو ظاهر، بل تدل على شمول الحكم للنجاسة المصاحبة من اول الامر صحيحة محمد بن مسلم الاتية. ثم ان ها هنا روايات منافية لهذا التفصيل (منها) صحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت له: الدم يكون في الثوب على وانا في الصلوة، قال: ان رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وان لم يكن عليك غيره فامض في صلوتك ولا اعادة عليك وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ رأيته أو لم تره، وإذا كنت قد رايته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوة كثيرة فاعد ما صليت فيه. (3) (ومنها) موثقة داود بن سرحان عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يصلى فابصر في ثوبه دما قال: يتم (4). (ومنها) ما عن السرائر من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: ان رأيت في ثوبك دما وانت تصلى ولم تكن رأيته


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 20 - من ابواب النجاسات حديث: 6. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 20 - من ابواب النجاسات حديث: 3 .

[ 151 ]

قبل ذلك فاتم صلوتك فإذا انصرفت فاغسله، قال: وان كنت رأيته قبل ان تصلى فلم تغسله ثم رأيته بعد وانت في صلوتك فانصرف واغسله واعد صلوتك (1) دلت هذه الطايفة على صحة الصلوة مع الثوب النجس، اما مع عدم ثوب غيره كما في الصحيحة، أو مطلقا كما في الاخيرتين. والجواب اما عن الاولى فبان الرواية منقولة في الكافي والاستبصار والفقيه بما هو الموافق للتفصيل المتقدم، وذلك باسقاط الواو وزيادة قوله: وما كان اقل، والترجيح للكافى، فتكون الرواية من ادلة القول بالتفصيل، ولو اغمض عنه فلا حجية لها مع اختلاف النقل. وأما عن الثانية فبان الامر بالاتمام اطلاق يقيد بما إذا لم يكن بمقدار العفو، ولعل هذا مراد شيخ الطايفة من الحمل على ما دون الدرهم. وأما عن الثالثة فبانها مخالفة لجميع الروايات والقواعد، مع انه لا عامل بهما، ولا اظن باحد ان يلتزم بجواز الصلوة في النجس مع امكان التطهير أو التعويض. وبازاء هذه الطايفة طايفة اخرى تدل على بطلان الصلوة من غير تفصيل (منها) صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: ذكر المنى فشدده وجعله اشد من البول، ثم قال: ان رأيت المنى قبل أو بعد ما تدخل في الصلوة فعليك اعادة الصلوة (2) إلى آخرها (ومنها) صحيحة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به، قال عليه السلام: عليه ان يبتدى الصلوة (3) إلى اخرها (ومنها) صحيحة زرارة (4) وسيأتى الكلام فيها. وهذه الطايفة ظاهرة في ان الصلوة إذا وقعت مع المنى من اول الامر وعلم به


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 44 - من ابواب النجاسات حديث: 3. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 16 - من ابواب النجاسات حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 2. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 و 41 و 44 - من ابواب النجاسات حديث: 1 وباب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 2 .

[ 152 ]

المصلى في الاثناء بطلت وعليه الاعادة، من غير تفصيل بين امكان التطهير والتبديل و عدمه، اما الثانية فظاهرة كصحيحة زرارة الاتية، واما الاولى فالظاهر من صدرها و ذيلها ان المنى كان من اول الصلوة مع بعد عروضه في الاثناء جدا. والجواب عنهما انهما مطلقتان من حيث امكان التطهير بلا عروض مانع أو فقد شرط وعدمه، ويمكن تقييدهما بما إذا لم يمكن التطهير فتوافقان للتفصيل المشهور. وهذا التقييد وان كان مشكلا من حيث كون قاطبة الروايات المشتملة على التفصيل موضوعها خصوص دم الرعاف أو الدم ومن حيث كون التفصيل في مورد عروضه في الاثناء وفى مثل ذلك لا يصح التقييد ولايكون موردا للجمع بالاطلاق والتقييد. لكن يمكن ان يقال: ان المستفاد من صحيحة زرارة (1) الطويلة ان الحكم بالبناء فيما إذا عرض النجاسة في الاثناء ليس مخصوصا بالدم أو بدم الرعاف ويستكشف منها ان الروايات الواردة في الدم أو دم الرعاف يراد منها مطلق النجاسات وان ذكر الدم اما من جهة كون السؤال عنه أو لكونه اكثر ابتلاء من غيره فيكون ذكر الدم لمجرد المثال واحد مصاديق النجاسات وكذا الحال فيما ذكر فيه الجنابة والمنى فانه لايراد منه خصوصه بل مثال لمطلق النجاسة. فعلى ذلك يمكن ان يقال: ان صحيحة محمد بن مسلم - قال: قلت له: الدم يكون في الثوب على وانا في الصلوة، قال: ان رأيت وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره (2) الظاهرة في أن الدم كان مصاحبا له من اول الصلوة لمكان قوله: يكون على إلى آخرها - صالحة لتقييد اطلاق الروايتين المتقدمتين فان الموضوع في كل منهما مطلق النجاسات بالغاء الخصوصية عرفا ومورد الحكم فيهما ثبوت النجاسة من اول الصلوة فيحمل اطلاق الروايتين على التقييد في الصحيحة ولزوم الطرح مع الامكان. ان قلت: ان صحيحة ابن مسلم المشتملة على التفصيل مخصوصة بالدم المعفو عنه بدليل


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 و 41 و 44 - من ابواب النجاسات حديث: 1. وباب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 20 - من ابواب النجاسات حديث: 6 .

[ 153 ]

ذيلها المذكور فيه كونه بمقدار الدرهم أو اقل فلا يصح ان يقال: ان المراد مطلق الدم حتى غير المعفو عنه كى يصح الغاء الخصوصية والشمول لساير النجاسات. قلت: ان الاختصاص ممنوع ومجرد ورود دليل منفصل على التفصيل بين الدماء لا يوجب القرينية فيما ينفصل، بل مقتضى اطلاق الرواية صدرا وذيلا ان في مطلق الدماء يجب الطرح والتبديل الا إذا كان اقل من الدرهم والدليل المنفصل يخصص خصوص الذيل وبقى الصدر على اطلاقه وبه يقيد اطلاق الروايتين كما اشرنا إليه وهذا اسلم من الحمل على كون العلم قبل الدخول وانما دخل فيه نسيانا وغفلة. ثم ان ما ذكرنا من التقييد في صحيحة ابن مسلم انما يجرى بحسب رواية التهذيب عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ذكر المنى فشدده (1) إلى آخرها واما بحسب رواية الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام فلا يصح فان روايته عن ابى عبد الله عليه السلام مستقلة واما في الفقيه فعين تلك الرواية مروية في ذيل روايته لحكم الدم ومعه يكون التفصيل بين الدم والمنى ظاهرا والحمل على عدم امكان طرح الثوب غير صحيح لكن سند الفقيه إليه غير نقى. والعمدة في المقام هي صحيحة زرارة وفيها، قلت: ان رأيته في ثوبي وانا في الصلوة، قال: تنقض الصلوة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت وغسلته ثم بنيت على الصلوة، لانك لا تدري لعله شئ أو قطع عليك فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك (2). وبازائها صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة التى قالوا فيها: انها مع اغتشاش متنها لا تصلح لمعارضة صحيحة زرارة. ولا بأس بذكر بعض الاشكالات الواردة فيها، اما صحيحة زرارة الطويلة،


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 16 - من ابواب النجاسات حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - و - 41 - و - 44 - من ابواب النجاسات حديث: 1 وباب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 2 .

[ 154 ]

فان في متنها اشكالات نذكر بعضها (منها) ان فيها قوله: فان ظننت انه قد اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تعيد الصلوة، قلت: لم ذلك، قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا إلى آخرها، وفيه احتمالات لا داعى لذكرها. لكن يرد عليه ان تمام الموضوع لعدم الاعادة مع فرض أنه صلى في النجس واقعا حال الشك في الطهارة، هو الشك وعدم العلم بالنجاسة، من غير دخالة للعلم بالحالة السابقة، وعلى هذا كان ينبغى الاستدلال بقاعدة الطهارة لا استصحابها حيث يوهم بل يدل على دخالة العلم بالحالة السابقة في عدم الاعادة. ويمكن ان يجاب عنه بان لسان الاستصحاب ابقاء الموضوع الواقعي تعبدا، ومع الحكم بوجود الطهارة الواقعية لاوقع للتشبث بقاعدة الطهارة، وبعبارة اخرى انه تمسك بالاصل الحاكم ولا يجرى معه الاصل المحكوم. (ومنها) ان الاعادة من نقض اليقين باليقين لا بالشك. فيكف استدل بالاستصحاب، وقد اجبنا عنه في محله، وحاصله ان الاشكال يرجع إلى ان التعليل لا يناسب لعدم الاعادة، والجواب ان التعليل راجع إلى منشأ عدم الاعادة، أي تحقق شرط المأمور به ظاهرا وصيرورة المأتى به موافقا للمأمور به فراجع. (ومنها) ان التمسك بالاستصحاب في ذيل الرواية ليس كافيا لصحة الصلوة، فانه انما يفيد بالنسبة إلى حال الجهل، واما حال الالتفات والعلم والاشتغال بالتطهير فلا، بل يحتاج إلى التماس دليل آخر، والظاهر من الاستدلال انه كاف لعدم الاعادة وانه تمام المناط له. مضافا إلى انه لم يظهر فرق بين الفرع الذى حكم فيه بالاعادة وهو ما كان النجس مصحوبا من السابق مع جهله به، والفرع الاخر الذى حكم فيه بعدمها، فان الاستصحاب يجرى فيها ويصححها بالنسبة إلى حال الجهل، وقاعدة لا تعاد على ما قررنا جارية فيهما، والباقى يصح بالطهارة الواقعية.

[ 155 ]

نعم لو قلنا بعدم جريان لا تعاد يفترق الفرعان، فان في حال الفترة تجرى البرائة العقلية والشرعية في الفرع الثاني، لان احتمال ان يكون عروض النجاسة في الحال يوجب الشك في تحقق المانع فيجرى الاصل بناء على مانعية النجاسة عن الصلوة لا شرطية الطهارة، واما في الفرع الاول، فلا يمكن التصحيح لان ما ورد من الادلة في دم الرعاف مخصوصة بالعروض في الحال، والعروض من الاول فاقد للدليل، والاستصحاب لا يفيد بالنسبة إلى حال الالتفات والتطهير، فادلة الاشتراط قاضية بالبطلان لقد الطهور حال الفترة. ثم ان ورود مثل تلك الاشكالات لا يوجب سقوط الاستدلال بتلك الصحيحة في مورد البحث، وهو التفصيل بين العلم بوجود النجاسة من حال الدخول في الصلوة فتبطل، وبين عروض النجاسة في الاثناء حال الالتفات فتصح، فيغسل النجس ويبنى على الصلوة. ثم انه يستفاد من هذه الصحيحة حكم فروع ثلاثة، احدها الدخول مع مصاحبة النجس، ثانيها الشك في العروض من الاول أو في الحال وهما مفروضان فيهما، وثالثها المستفاد حكمها من الفرع الثاني العروض في الاثناء وهو واضح. نعم هنا فرع رابع، وهو العروض في الاثناء قبل حال الالتفات، كما لو كان في الركعة الثالثة فعلم بعروضها في الركعة الثانية، وفرع خامس وهو الشك في عروضها في الركعة الثانية مثلا أو في الحال بعد العلم بعدمه من الاول، فهل يلحق الفرعان بالفرع الاول فتبطل، أو بالفرعين الاخرين؟. اشكال ينشأ من ان قوله عليه السلام: إذا شككت في موضع منه ثم رأيته (1) يراد به الشك قبل التلبس بالصلوة؟ فيختص البطلان بما إذا كانت النجاسة من اول الصلوة مع العلم بها في الاثناء، فان مفاد قوله حينئذ في الشرطية الثانية انه إذا لم يشك


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - و 41 - و - 44 - من ابواب النجاسات حديث: 1 وباب - 42 - حديث: 2 .

[ 156 ]

في الاول ورآها في الاثناء رطبا صحت الصلوة، سواء علم بعروضها في الاثناء بعد دخوله في الصلوة متطهرا، أو شك في عروضها من الاول أو في الاثناء في الحال أو قبل تلك الحالة، فعلى ذلك يكون قوله (عليه السلام): لعله شئ اوقع عليك لايجاد الاحتمال بوقوعها في الاثناء من غير فرق بين حال الالتفات وغيره فتصح في جميع الصور الا صورة العلم في الاثناء بوجود النجاسة من الاول. أو ان المراد بالشرطية الاولى أعم من الشك في الاول، فكأنه قال: ان شككت في موضوع منه سواء كان الشك قبل التلبس بالصلوة أم كان بعده في الاثناء، ويراد بقوله: ان لم تشك عدم حصوله لا في الاثناء ولا في الاول قبل التلبس، فيكون المراد بقوله: لعله شئ اوقع عليك ايجاد الاحتمال لخصوص الوقوع في الحال، فحينئذ تبطل الصلوة سواء علم بعروضها من حال التلبس أو في الاثناء قبل حال الالتفات. ثم ان قوله: إذا شككت في موضع منه يشمل الصورتين، الا ان يقال بانصرافه إلى الشك قبل التلبس، فيكون الموضوع للبطلان هو الدخول في الصلوة مع النجاسة والكشف في الاثناء، وموضوع الصحة هو الدخول متطهرا وان عرض النجاسة في الاثناء. نعم قد يختلج بالبال ان قوله عليه السلام: لعله شئ اوقع عليك، يراد به احتمال العروض في الحال لايجاد الاحتمال في اندراجه في الروايات الدالة على الصحة مع العروض في الحال، ويأتى الكلام في ذلك، ومع الشك يعمل على طبق القواعد، وقد مر ان مقتضى لا تعاد الصلوة (1) إلى آخره الصحة كما قد مر بيان حكومته على ادلة الشروط والموانع حتى على مثل قوله عليه السلام: لا صلاة الا بطهور (2) هذه حال صحيحة زرارة، ولا اشكال في دلالتها على التفصيل بين ما إذا


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب افعال الصلوة حديث: 14 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1 .

[ 157 ]

كانت النجاسة من الاول وبين ما إذا عرضت حال الالتفات، وان كان بعض الفروع محل اشكال كما مر. واما صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة قال: قلت له: الدم يكون في الثوب على (1) إلى آخرها، فلابد من البحث فيها على رواية التهذيب وعلى رواية الكافي وغيره، اما على الاولى فلا اغتشاش في متنها، لان قوله: وما لم تزد، جملة مستقلة غير متعلقة بالجملتين السابقتين عليها، واشتمالها على ما لا يقول به احد لا يضر بالاستدلال بالجملة الاولى المستقلة الدالة على ان حكم الدم مع وجود ثوب آخر طرح الثوب واتمام الصلوة، والجمل الاخرى ايضا احكام مستقلة لا تضر على فرض وجود اشكال فيها بالاستدلال بالجملة الاولى، وما في ذيلها من التفصيل بين مقدار الدرهم والزائد منه لا يضر به ايضا، فلا اغتشاش في متنها على هذا. نعم نفس الاختلاف بين التهذيب وغيره في الرواية نحو اغتشاش لا يضر بالاستدلال بما هو متفق فيه على جميع الروايات، لكن قد تقدم ان الرواية في الكافي والفقيه والاستبصار على خلاف التهذيب، مع ان الكافي اضبط فتقدم روايته على رواية التهذيب. واستشكل على روايته اولا بان الظاهر منها بيان موضوعات ثلاثة لاحكام ثلاثة (الدم القليل) وانه ليس بشئ (والدم الكثير) أي اكثر من الدرهم الموجب للبطلان (الدم المساوى للدرهم) ففيه تفصيل وهو أنه يطرح الثوب إذا كان له ثوب آخر، و يصلى فيه ولا يعيد الصلوة إذا كان ثوبه واحدا، وهذا التفصيل مما لا قائل له كما لا يخفى. وثانيا ان الظاهر ان المأخوذ في الشرطية الاولى والثانية شئ واحد أي نفس طبيعة الدم وان القيد أي قوله: ما لم يزد على مقدار الدرهم راجع إلى الجملتين، ولازمه الامر بالطرح في صورة عدم زيادة الدم عن الدرهم، وهو محمول على الاستحباب


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 20 - من ابواب النجاسات حديث: 6 .

[ 158 ]

ومبنى الاستدلال بالرواية للمطلوب فرض كون الدم كثيرا في الشرطية الاولى واخذ طبيعة الدم في الشرطية الثانية ورجوع القيد إلى الاخيرة، وهو خلاف الظاهر جدا، وبالجملة الامر بالطرح محمول على الاستحباب ان كان المراد بما لم يزد على مقدار الدرهم الدم القليل المعفو عنه، وان اريد به غير المعفو عنه حتى يكون الامر للوجوب كانت الشرطية الثانية مخالفة للاجماع والاخبار. اقول: يمكن ان يقال: ان المأخوذ في الموضوع طبيعة الدم في الشرطيتين والامر بالطرح في الاولى للاحتياط والسهولة وعدم الداعي للفحص عن حاله بانه اقل أو اكثر، فان الطرح لا مانع منه، فان كان الدم من القسم غير المعفو عنه يكون رافعا للمانع، وان كان اقل فلا اشكال في طرحه، والقيد راجع إلى الجملة الثانية، ولا اشكال فيه، وانما امره بالفحص عن مقداره مع انحصار الثوب لان امره دائر بين المحذورين، فانه ان كان كثيرا يجب عليه غسله ولايجوز ادامة الصلوة وان كان قليلا لا يجوز رفع اليد عنها، وحيث كان غسل الثوب في اثناء الصلوة يوجب ارتكاب المنافيات غالبا، لم يأمر بالغسل مطلقا، بل أمر في الاولى بالطرح لعدم محذور فيه، وفى الثانية بالفحص عن مقداره فان كان قليلا يجب عليه الاتمام بدون الغسل ولا اعادة عليه، وان كان كثيرا لا يجوز ادامة الصلوة الا بعد الغسل. ثم انه على فرض رجوع القيد إلى الجملة الثانية لا يوجب الاضطراب في الذيل سقوط الجملة الاولى عن الاستدلال بها، ومما ذكرنا يندفع الاشكالان، وتكون الجملة الاولى مستقلة قابلة للاستدلال بها على المطلوب. ثم انه في صحيحة زرارة خص حكم الاعادة بما إذا كان النجس مصاحبا له من الاول، ويحتمل تعميم ذلك لما إذا كان عارضا في الاثناء قبل زمان الرؤية لاحتمال اطلاق قوله: إذا شككت في موضع منه للفرضين ويحتمل عدم هذا التعميم، لكن المتيقن منه الفرض الاول واما الاطلاق بالنسبة للعروض في حال الرؤية فلا يحتمل، وأما صحيحة محمد بن مسلم فيحتمل اختصاص الحكم فيها بوجود الدم من الاول في

[ 159 ]

الثوب، ويحتمل اطلاقه بالنسبة لحدوثه في الاثناء قبل حال الرؤية، كما يحتمل اطلاقه بالنسبة لحدوثه حال الرؤية بدعوى اطلاق قوله: الدم يكون في الثوب على وانا في الصلوة لجميع الفروض ويحتمل انكار الاطلاق بالنسبة إلى الثالث أو بالنسبة إلى الثاني ايضا. فلو اختص كل من الصحيحتين بالفرض الاول أو عمت كل منهما للثاني وقع التعارض بينهما، بل لو كان صحيحة ابن مسلم عامة لجميع الصور وصحيحة زرارة شاملة للفرضين الاولين فقط لم يصح تقييد صحيحة ابن مسلم بهما، لان الحدوث حال الرؤية فقط فرد نادر جدا، مضافا إلى انه فرد خفى جدا بالنسبة إلى الفرضين فعلى فرض اطلاقهما يقع التعارض بينهما. ولو عمت صحيحة محمد بن مسلم للفرضين أو الفروض، واختصت صحيحة زرارة بالاول، تقيد بها، ويختص البطلان بالمصاحبة من الاول، وتصح في الفرضين الاخرين، ولا اشكال فيه، ولو انعكس بان تعم صحيحة زرارة الفرضين الاولين و تختص صحيحة محمد بالاول، كى تصير نتيجة التقييد الصحة مع المصاحبة من الاول والبطلان مع المصاحبة في الاثناء ولو حال الرؤية، يقع التعارض بينهما لان هذا النحو من التقييد لا يوافقه العقلاء إذ لا يحتمل أن تضر النجاسة في ركعة مثلا ولا تضر بالصحة فيما لو كانت في هذه الركعة وساير الركعات المتقدمة. وتوهم وقوع ذلك فيما إذا لم يعلم بالنجاسة الابعد الصلوة فانهما صحيحة بخلاف ما لو علم في الاثناء فاسد، لان فرض عدم العلم مغاير لفرض العلم في الاثناء الذى يوجب فقدان الشرط حال الفترة، وفى المقام يشترك الفرضان في العلم في الاثناء و معه لا يحتمل الافتراق، نعم لو فرض ورود نص صحيح صريح في ذلك لا مناص الا التعبد به وهو امر آخر. ثم ان الظاهر اطلاق صحيحة زرارة للفرضين، وبعد عدم الاطلاق لصحيحة محمد بن مسلم بالنسبة إلى الفرض الثالث فالتعارض بينهما مما لا اشكال فيه، بل قد عرفت

[ 160 ]

وقوع التعارض حتى مع اطلاقها بالنسبة إلى الفرض الثالث فتقدم صحيحة محمد للشهرة وموافقة القواعد لو لم نقل بان الشهرة توجب سقوط صحيحة زرارة عن الحجية. بقى شئ وهو ما لو شك في اطلاق احدهما وعلم باطلاق الاخر، فهل يعامل معهما معاملة الاطلاق والتقييد، فيقيد المطلق بما شك في اطلاقه، أو ان الجمع بالاطلاق والتقييد موقوف على احراز كون الدليل مقيدا، فمع الشك لا يعامل معهما ذلك. الظاهر لزوم معاملة الاطلاق والتقييد، لان الشك في اطلاق احديهما مع مع القطع بشمول حالة مساوق للقطع بعدم الحجية في مورد الشك والحجية في مورد اليقين بالشمول، ومع حجية المطلق المنفصل لا يصح رفع اليد عنه الا بحجة اقوى منها، فيؤخذ بالاطلاق في غير مورد اليقين ويترك الاطلاق في مورده، لانه اخص منه، والجمع بينهما عقلائي وليس في باب الاطلاق والتقييد لفظ يؤخذ بظهوره، بل المناط أن يكون الجمع عقلائيا وفى المقام ايضا كذلك فلا تغفل. الخامسة لو كان الخلل من نسيان في الموضوع بان علم بالنجاسة قبل الصلوة فنسى عنها فصلى صحت صلوته حسب القواعد لحديث لا تعاد (1) على ما تقدم من رحجان دخول ذلك في المستثنى منه ولحديث الرفع، (2) وحكومتهما سيما الثاني على ادلة الشروط والموانع حتى على قوله عليه السلام: لا صلوة الا بطهور (3) فراجع. لكن المشهور بين قدماء اصحابنا البطلان، فيجب عليه الاعادة في الوقت وخارجه، بل لم ينسب الخلاف الا إلى الشيخ في الاستبصار الذى لم يقصد من تأليفه الا رفع التنافى بين الاخبار، نعم عن التذكرة نسبة عدم الاعادة مطلقا إليه في بعض اقواله. وتدل على البطلان مطلقا الاخبار المستفيضة في الاستنجاء، ولما كان من


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 1 - من أبواب الوضوء حديث: 1

[ 161 ]

المحتمل الفرق بين الاستنجاء وبين غيره من النجاسات كما احتمله بعضهم، لاختصاصه ببعض الاحكام دون غيره، كالاجتزاء بالاحجار في تطهير محل النجو، وكطهارة غسالة البول لا بأس بالبحث عن الاخبار الواردة فيه مستقلا وتدل على البطلان ايضا اخبار واردة في غير الاستنجاء كصحيحة زرارة المتقدمة قال: قلت له: اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من منى فعلمت اثره إلى ان اصيب له الماء وحضرت الصلوة ونسيت ان بثوبي شيئا وصليت ثم انى ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلوة وتغسله إلى آخرها، (1) وكصحيحة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: ان اصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم، فلا اعادة عليه، وان هو علم قبل ان يصلى فنسى وصلى فيه فعليه الاعادة، (2) وكموثقة سماعة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلى، قال: يعيد صلوته كى يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه، عقوبة لنسيانه (3) إلى غير ذلك. وفى مقابل هذه الروايات صحيحة العلاء عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه فينسى ان يغسله فيصلى فيه، ثم يذكر انه لم يكن غسله ايعيد الصلوة، قال: لا يعيد قد مضت الصلوة وكتبت له (4) قد يقال بان مقتضى الجمع بينها وبين ما تقدمت حمل تلك الاخبار على الاستحباب، فانها ظاهرة في وجوب الاعادة، وهذه صريحة في الصحة وفيه انه لو قلنا بجواز الجمع كذلك في غير المقام لا يصح ها هنا لمنافاة الاستحباب مع ما صرح به في موثقة سماعة، ضرورة ان الامر بالاعادة عقوبة لا يجتمع مع الاستحباب


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - و - 41 - و - 44 - من ابواب النجاسات حديث: 1 وباب - 42 - حديث: 2 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من أبواب النجاسات حديث: 7 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 5 (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من أبواب النجاسات حديث: 3

[ 162 ]

الذى مقتضاه جواز الترك وجواز الاتيان التماسا للثواب وهو واضح. ويمكن الجمع بينهما بحمل الاخبار الآمرة بالاعادة على ما إذا صلى وفى ثوبه اعيان النجاسات كما هو مفاد تلك الاخبار، اما ما اشتمل على حكم الدم والمنى منها فظاهر، واما ما اشتمل على اصابة البول بفخذه كصحيحة ابن مسكان (1) و غيرها فلان البول ليس كالماء بحيث لا يبقى له عندما ييبس اثر ولو ضعيفا، فان له غلظة ما ولونا وريحا فيبقى اثره في البدن والثوب، واما صحيحة العلاء فالظاهر ان السؤال عن الثوب المتنجس بالملاقاة مع النجس والغالب في الملاقاة عدم انتقال العين والاثر إلى الملاقى. وتؤيد صحيحة العلاء بصحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر ذلك وهو في صلوته كيف يصنع، قال: ان كان دخل في صلوته فليمض وان لم يكن دخل في صلوته فلينضح ما اصاب من ثوبه الا ان يكون فيه اثر فيغسله (2) فان الظاهر منها انه مع دخوله في الصلوة يصح صلوته ولو كان أثر الملاقاة مع الرطوبة باقيا بحاله إلى حين الذكر، غاية الامر يقيد اطلاقه بما دل على لزوم الغسل ثم البناء على الصلوة وفى هذه الرواية كلام سيأتي ان شاء الله. هذا غاية ما يقال في هذا التفصيل. لكنه مشكل لان اطلاق رواية العلاء (3) يشمل ما إذا كان المتنجس مصاحبا لعين النجاسة، فان الثوب إذا لاقى دما رطبا يصدق انه اصابه الشئ ينجسه سواء كان معه العين ام لا، مضافا إلى ان البول بعد يبسه ليس مما يبقى له اثر مطلقا، بل قد يكون وقد لا يكون، ومقتضى اطلاق الرواية عدم الفرق، فهذا التفصيل مع عدم قائل به ظاهرا غير وجيه. ويمكن ان يقال في الجمع بين الروايات بان رواية العلاء صريحة مع التأكيدات الواردة فيها في أن صلوته صحيحة، والروايات المقابلة لصحيحة العلاء


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 4 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 13 - من ابواب النجاسات حديث: 1. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 3 .

[ 163 ]

الوارد فيها لفظ يعيد وعليه الاعادة ظاهرة في بطلانها، لما اشرنا إليه من ان الامر بالاعادة ارشاد إلى البطلان، لكن موثقه سماعة (1) قرينة على ان الاعادة واجبة للعقوبة على عدم اهتمامه بطهارة الثوب، فإذا ضمت هذه الرواية إلى رواية العلاء الصريحة في الصحة ينتج أنها صحيحة ومع ذلك يجب اعادتها لكى يهتم بشروط الصلوة، فتحمل الروايات المذكورة فيها الامر بالاعادة على لزوم الاعادة بعنوانها (2). وبعبارة اخرى، ان الحمل على الارشاد انما هو مع فقد القرينة، وأما مع قيامها فتحمل الاوامر المتعلقة بعنوان الاعادة على ظاهرها وعلى ان الاعادة واجبة نفسا للعقوبة وتظهر الثمرة بينه وبين الحكم بالبطلان في لزوم القضاء على الولد الاكبر وعدمه، وعلى ذلك تجب عليه الاعادة وقتا وخارجه، ويوافق المشهور من جهة، لكن في كون ذلك جمعا عرفيا يقبله العقلاء تأمل بل اشكال وان كان اقرب مما سبق. وابعد من الكل التفصيل بين الوقت وخارجه بحمل ما اشتملت على لزوم الاعادة على لزومها في الوقت وما قابلها على عدمه في خارجه، بان يقال: ان الاخبار المتعارضة مشتمل بعضها على لفظ الاعادة الظاهر في الاتيان في الوقت وبعضها على نفى الاعادة، وبعد تعارض الطائفتين تقدم اخبار الاعادة للشهرة ونحوها، وبقى حكم خارج الوقت بلا دليل، ومقتضى الاصل عدم القضاء، لانه بامر جديد. وفيه - مضافا إلى ان الامر بالاعادة وكذا نفى وجوبها ظاهر ان في الارشاد إلى البطلان وعدمه كما تقدم، وعليه فلا معنى للفرق بين الوقت وخارجه، لانه بعد البطلان لا اشكال في لزوم قضائها، ومضافا إلى ان الاعادة ليست ظاهرة فيما ذكر بل اعم، ومقتضى اطلاق الادلة عدم الفرق بين الوقت وخارجه - ان مقتضى اطلاق بعض الاخبار وظهو ر بعض آخر لزوم القضاء خارج الوقت، كذيل صحيحة محمد بن


(1) الوسائل - كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 5. (2) الوسائل - كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 7 .

[ 164 ]

مسلم وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوة كثيرة فاعد ما صليت فيه (1)، فان اعادة الصلوات الكثيرة لا محالة يكون بعضها أو اغلبها خارج الوقت، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين الناسي وغيره، لو لم نقل: انها مختصة بالناسى لان الخطاب متوجه إلى محمد بن مسلم الذى لا يصلى في النجس عمدا ولا جهلا بالحكم والجهل بالموضوع خارج عنه بالدليل فلا محالة يكون المورد مختصا بالنسيان ويعم الحكم عامة المكلفين إذا قلنا بان الخطاب المتوجه إلى مثله يراد به مطلق المكلفين، وكيف كان لا اشكال في الاطلاق ومعه لا معنى للاصل. واوضح من تلك الصحيحة رواية على بن جعفر عن اخيه، قال: سألته عن رجل احتجم فاصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟، فقال: ان كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلى ولا ينقص منها شئ (2) إلى آخرها، فانها ظاهرة بل صريحة في لزوم الاعادة خارج الوقت من وجوه. واما ما عن الاستبصار من القول بالتفصيل مستشهدا بصحيحة على بن مهزيار، قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل، وانه اصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك انه اصابه ولم يره وانه مسحه بخرقة، ثم نسى ان يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه، ثم توضأ وضوء الصلوة فصلى، فاجابه بجواب قرأته بخطه، اما ما توهمت مما اصاب يدك فليس بشئ الا ما تحقق، فان حققت ذلك كنت حقيقا ان تعيد الصلوات التى كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل ان الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلوة الا ما كان في وقت، فإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتى فاتته، لان الثوب خلاف الجسد


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 20 - من ابواب النجاسات حديث: 6. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 10 .

[ 165 ]

فاعمل على ذلك ان شاء الله (1). ففيه مضافا إلى عدم عامل بالتفصيل من قدماء اصحابنا حتى أنه لم يثبت ان الشيخ ايضا عمل به بعد كون الاستبصار معدا للجمع بين الاخبار باى وجه كان، وبعد كون فتواه في ساير كتبه موافقا للمشهور كما نقل، فتكون الرواية معرضا عنها وغير حجة ومضافا إلى كون الرواية مغشوشة متنا من جهات مذكورة وغير مذكورة، بل صدرها مناقضة لذيلها، والظاهر وقوع السقط والغلط فيها، بل لا يبعد ان تكون افتراء عليه سلام الله عليه، وقول ابن مهزيار قرأته بخط غير حجة بعد امكان الشباهة بين الخطوط كثيرا ما، بل الظاهر منها ان النجاسة في الثوب تخالف النجاسة في الجسد حكما، والتأويل بان المراد من الجسد النجاسة الحالة فيه بالحدث غير مرضى، لان الخباثة والنجاسة المعنويتن لا يعقل حلولهما في الجسد، الا ان يكون المراد بالجسد غير المحسوس وهو كما ترى. ان رواية تحتاج إلى التأويلات لرفع الاشكالات فيها لا تصلح للتعويل عليها وارتكاب مخالفة الظواهر بها، هذا مضافا إلى عدم امكان حمل تلك الروايات على نفى القضاء، كصحيحة على بن جعفر في باب الاستنجاء (2). وموثقة الساباطى (3) فراجعها، وهما وان وردتا في الاستنجاء، لكن سيظهر لك عدم الفرق بين النجاسة الحاصلة منه وبين غيرها من النجاسات. بل لا يصح هذا الجمع في بعض روايات الباب ايضا مثل صحيحة ابن مسلم (4). ورواية على بن جعفر (5) المتقدمتين لان حملهما على العامد غير وجيه بل حمل على النادر.


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب النجاسات حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 10 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 4. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 10 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 1. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 20 - من ابواب النجاسات حديث: 6. (5) الوسائل كتاب الطهارة باب - 40 - من ابواب النجاسات حديث: 10

[ 166 ]

فتحصل مما مر ان الروايات متعارضة، والترجيح للروايات الامرة بالاعادة للشهرة ومخالفة العامة، بل لعدم العامل بهذه الروايات الدالة على الصحة في الطبقة المتقدمة من اصحابنا، فهلذا لا تصل النوبة إلى الترجيح، بل لا حجية لها، لاعراض المشهور عنها. واما الروايات الواردة في باب الاستنجاء، فهى ايضا في نفسها متعارضة، بعضها مع بعض بل التعارض فيها من جهات. فمنها ما تدل على بطلان الصلوة بترك الاستنجاء من البول نسيانا من دون بطلان الوضوء بذلك، كصحيحة عمرو بن ابى نصر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ابول واتوضأ وانسى استنجائي ثم اذكر بعد ما صليت، قال: اغسل ذكرك واعد صلوتك ولا تعد وضوئك (1) ونحوها غيرها. ومنها ما تدل على بطلان الوضوء بتركه ايضا كموثقة سماعة قال: قال أبو - عبد الله عليه السلام: إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء ثم توضأت ونسيت ان تستنجى فذكرت بعدما صليت فعليك الاعادة، فان كنت اهرقت الماء فنسيت ان تغسل ذكرك حتى صليت فعليك اعادة الوضوء والصلوة وغسل ذكرك، لان البول (ليس) مثل البراز على نسخة الكافي، (2) ونحوها في الحكم الثاني رواية ابى بصير وغيرها (3). ومنها ما تدل على بطلان الصلوة بترك الاستنجاء من الغائط، كموثقة سماعة المتقدمة (4) آنفا، بناء على ان المراد بقوله: فعليك الاعادة خصوص الصلوة، كما هو المناسب لما عن نسخة من الكافي لان البول ليس مثل البراز، واما على ساير النسخ فالمناسب ان يكون الحكم بالاعادة شاملا للوضوء ايضا.


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء حديث: 3. (2) و (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 10 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 5: (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء حديث: 8 .

[ 167 ]

ومنها ما تدل على عدم بطلان الصلوة بترك الاستنجاء من البول، كرواية عمرو بن ابى نصر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى صليت فذكرت انى لم اغسل ذكرى بعدما صليت أفاعيد قال: لا (1) ونحوها رواية هشام بن سالم (2). ومنها ما تدل على عدم لزوم الاعادة بترك الاستنجاء من الغائط، كموثقة عمار بن موسى، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لو ان رجلا نسى ان يستنجى من الغائط حتى يصلى لم يعد الصلوة (3) ونحوها ذيل صحيحة على بن جعفر (4). وهذه الروايات كما ترى متعارضة بعضها مع بعض وليس لها جمع عرفى، سواء جعلنا الملاك فيها غير الملاك في الروايات الواردة في النجاسات، أو جعلناه مشتركا مع الملاك في تلك الروايات كما هو التحقيق، وعلى أي حال الترجيح لروايات الاعادة بالنسبة إلى الصلوة، ولروايات عدم الاعادة بالنسبة إلى الوضوء. ومن المحتمل ان اعادة الوضوء فيما إذا بال ولم يستنج الواردة في الاخبار تكون احتياطا لاحتمال خروج البول لاجل عدم الاستبراء فان من نسى الاستنجاء من البول فلا محالة بحسب الغالب ينسى الاستبراء ايضا، ومع تركه كان في مظان خروج البول فامر بالوضوء استحبابا واحتياطا لذلك. ثم ان مقتضى القاعدة في المقام صحة الصلوة فيما لو تذكر ترك الاستنجاء في الاثناء على حسب ما قدمناه ورجحناه من شمول حديثى الرفع (5) و لا تعاد (6) لحال الجهل والنسيان إلى حال الذكر، وفى حال الاشتغال بالتطهير يكون مشمولا لحديث رفع الاضطرار (7) على ما مر، وبقية الصلوة واجدة للشرط


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء حديث: 6. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 10 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 10 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 3. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 10 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 4. (5) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 (6) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1. (7) الوسائل كتاب الجهاد باب 56 - من ابواب جهاد النفس حديث: 1 و 3 .

[ 168 ]

فتصح صلوته. وتدل عليها صحيحة على بن جعفر عن موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر ذلك وهو في صلوته كيف يصنع به؟ قال: ان كان دخل في صلوته فليمض وان لم يكن دخل فلينضح ما اصاب من ثوبه الا ان يكون فيه اثر فيغسله (1)، فان مقتضى اطلاق قوله: فليمض عدم الفرق بين وجود الاثر وعدمه، بل الظاهر ان مفروض السائل الملاقاة مع الرطوبة ولهذا قال: لم يغسله، اذمن المعلوم ان الملاقاة بلا رطوبة لا يحتاج إلى الغسل، فيكون الجواب بالمضي في الصلوة على هذا الفرض، وعلى ذلك يكون قوله: فلينضح فرضا منه عليه السلام زائدا على سؤال السائل. وبازائها صحيحة اخرى عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل ذكر وهو في صلوته انه لم يستنج من الخلاء، قال: ينصرف ويستنجى من الخلاء ويعيد الصلوة، وان ذكرو قد فرغ من صلوته اجزئه ذلك ولا اعادة عليه (2). ولا يضر بالمطلوب اشتمالها على هذا الذيل الذى لانقول به: ويمكن الجمع بينهما بان يقال: ان هذه الصحيحة ظاهرة الدلالة على وجوب الاعادة وبطلان الصلوة، واما الصحيحة الاولى فليس لها ظهور معتد به في كون الاستثناء من الجملة الثانية، فمن المحتمل ان يكون من الجملتين، فيكون مفادها ان لا بس الثوب الملاقى للخنزير إذا دخل في الصلوة فليمض الا ان يكون فيه اثر فيغسله وسكت عن اعادة الصلوة، ودلت الصحيحة الثانية على اعادتها بعد عدم الفرق بين الاستنجاء وغيره، فيكون المحصل من مجموعهما ان من دخل في الصلوة يمضى مع عدم الاثر، ويغسل النجاسة مع الاثر ويعيد صلوته والله العالم. مسألة لو صلى في المكان الذى لا يجوز له التصرف فيه لغصب أو نحوه أو في لباس كذلك.


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 13 - من أبواب النجاسات حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 10 - من ابواب احكام الخلوة حديث: 4 .

[ 169 ]

فان كان المستند لاشتراط اباحة المكان واللباس دليلا لفظيا، كرواية تحف العقول (1)، يكون حالهما كساير الشرايط، والكلام فيهما كالكلام في غيرهما من الخلل من البطلان بالخلل عمدا وعدمه في غيره لدليل الرفع (2) وحديث لا تعاد (3) ولا يأتي في المقام بعض الاشكالات الخاصة ببعض الشروط. وان كان المستند الاجماع المدعى، فان كان للاجماع اطلاق يشمل الاعذار، فلا اشكال في البطلان وعدم جواز التمسك بالادلة العامة، والا فيؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو الخلل عمدا وعلما. وان كان المستند الدليل العقلي فان قلنا بجواز اجتماع الامر والنهى، كما هو الحق المحقق في محله، فمقتضى القاعدة الصحة مطلقا حتى مع العلم والعمد، وقد فرغنا عن دفع الاشكالات التى أوردوها على الجواز، كلزوم كون الموجود الشخصي مأمورا به ومنهيا عنه، ومحبوبا ومبغوضا، ومقربا ومبعدا، وذا مصلحة ومفسدة، وقلنا بعدم اللزوم أو عدم المحذور. وملخصه بنحو نتيجة البرهان ان الاوامر والنواهي متعلقة بالطبايع، ولا يعقل تعلقها بلوازم الطبيعة متحدة كانت معها في الخارج ام لا، والموجود الشخصي الذى هو مجمع العنوانين لا يعقل تعلق الامر والنهى به للزوم تحصيل الحاصل والزجر عن الحاصل، فلا يعقل اجتماعهما في الموجود الشخصي، ولا محذور في كون الموجود الشخصي الذى هو مجمع العنوانين محبوبا ومقربا وذا مصلحة باحد عنوانيه المنطبق عليه وموجبا لمقابلاتها بعنوانه الاخر، فان تلك العوارض ليست كالكيفيات العارضة للاجسام مثل البياض والسواد مما لا يمكن اجتماعهما في موضوع واحد بجهتين فراجع التفصيل في محله. وان قلنا بعدم جواز الاجتماع فيمكن القول بالصحة ايضا مطلقا على انحاء


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب مكان المصلى حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1 (* 9.

[ 170 ]

التقريرات المعقولة وغيرها، اما - على ما هو المعقول منها بأن يقال: ان الامر والنهى وان تعلقا بالطبايع كما قال به القائل بالجواز، لكن لما كان الامر بعثا إلى ايجاد الطبيعة في الخارج والنهى زجرا عنها يمتنع اجتماعهما على طبيعتين متصادقتين على موجود شخصي في التحارج، فلا محالة يقع التزاحم بينهما في مقام التعلق فيسقط الامر لوجود المندوحة وبقى النهى، فالموجود الخارجي أي التصرف في الدار المغصوبة المتحد مع الصلوة مصداق للمنهى عنه لا المأمور به - فيمكن الالتزام بالصحة، لان هذا القول يشترك مع القول بجواز الاجتماع في جميع المراحل الا مرحلة تعلق الامر، حيث ان القائل بالاجتماع يقول ببقاء الامر والنهى على متعلقهما، والقائل بالامتناع ينكر ذلك، واما ان الموجود الخارجي مصداق حقيقي لكل من العنوانين فمورد موافقتهما، فعلى ذلك يدفع جميع الاشكالات المتقدمة بعين ما قلنا على القول بالاجتماع، فان الجهة المحبوبة والمقربة والحاملة للمصلحة غير الجهات المقابلة لها، فلا مانع من الصحة حتى عمدا وعلما واما محذور عدم الامر الذى يمتاز به هذا القول عن القول بجواز الاجتماع، فلا يعتنى به الاعلى القول بان الصحة عبارة عن موافقة المأتى به للمأمور به فعلا وهو ضعيف، لما تقرر في باب التزاحم من كفاية ساير الجهات كالرجحان الذاتي ونحوه في الصحة ولا تتوقف على وجود الامر فعلا. وأما على التقريب غير المعقول بان يقال: ان الامر والنهى متعلقان بالايجاد أو الوجود بالحمل الشايع، ومع الامتناع يسقط الامر وبقى النهى، فلان هذا القول مشترك مع القول بالجواز في كون الموجود الخارجي مصداقا للصلوة والغصب، والعنوانان موجودان بوجود واحد، فيجاب عن الاشكالات بما يجاب به عنها على القول بالاجتماع، وانما يفترق هذا القول عنه في متعلقات الاوامر وفى سقوط الامر لاجل التزاحم، وقد مر ان الصحة لا تتوقف على الامر فعلا. واما على القول بالامتناع والالتزام بسراية النهى عن الغصب إلى عنوان الصلوة أو إلى مصداقها بما هو مصداقها، بان يقال: ان الصلوة في الدار المغصوبة منهى

[ 171 ]

عنها بعنوانها، فيمكن القول بالصحة ايضا، بان يقال: ان المصداق الموجود في الدار الغصبى جامع لجميع الاجزاء والشرايط المعتبرة في ماهية الصلوة على الفرض، والنهى التحريمي ليس ارشادا إلى البطلان على الفرض، فمع تحقق مصداقها مع جميع ما هو المعتبر فيها لا يعقل عدم الصحة، واعتبار عدم النهى أو عدم الحرمة على نحو الاشتراط أو جعل المانعية غير ثابت، بل الثابت عدمه. فالقول بمنافاة الصحة للتحريم لا يرجع إلى الاستناد بدليل، فان المنافاة ان كانت لاجل عدم صدق العبادة والصلوة على المصداق، ففيه ان كون الموجود مصداقا للصلوة ضروري وكونه عبادة لله ذاتي له لا يعقل سلبها عنه، فعبادة الله تعالى كساير الموضوعات يمكن ان يتعلق بها الاحكام الخمسة، فالعبادة المحرمة عبادة الله كالعبادة الواجبة والمستحبة، فالنهى عنها لو لم يدل على الصحة كما قيل في المعاملات لا يدل على البطلان، لان للبطلان ميزانا لا ينطبق عليه ذلك. ومما ذكرنا يظهر الجواب عما يقال من انه على وحدة الجهة لا يعقل وجود المصلحة في الموضوع، فتقديم جانب النهى يكشف عن عدم المصلحة في الموضوع لا تامة ولا غيرها فلا تقع صحيحة، وذلك لان وجود المصلحة ان كان قيدا للمأمور به فلا كلام، لكن لا دليل عليه، والا فلا وجه لعدم الصحة ولو كان فيها المفسدة، واما البطلان من جهة عدم امكان قصد القربة فلا دليل عليه بل الدليل على خلافه، لان قصد التقرب من قبيل قصد الغايات ولا يتقيد العبادة به كما لا تتقيد بنفس الغايات بل لا يعقل ذلك، بل قصد القربة في العبادات مخصوص بالمتوسطين من اهل العبادة، واما الكمل والاولياء فليس اتيانهم بالعبادات لاجل التقرب وقصده الذى يرجع إلى نفع وتجارة، فمحرك الاولياء العظام إلى عبادته تعالى ادراك عظمته ومعرفتهم بمقامه المقدس، فلا يعتبر قصد التقرب في العبادة نحو الشرايط المعتبرة فيها. وعلى ما ذكرنا لايمنع كون المصداق مبغوضا ومبعدا من وقوعه صحيحا، فالعبادة الصحيحة قد توجب استحقاق العقوبة والبعد عن ساحة المولى، نعم لو

[ 172 ]

قلنا بان ارتكاز المتشرعة على عدم وقوع العبادة المحرمة والمبعدة والمبغوضة صحيحة كاشف عن اعتبار الشارع الشرطية أو المانعية، فلابد من القول بالبطلان على هذا الفرض الباطل بل واضح البطلان، دون ساير الفروض. ثم ان الاجماع الذى ادعى على بطلان الصلوة في الدار المغصوبة قابل للمناقشة فيه، لاحتمال كون المستند في القول بالبطلان الوجوه العقلية كما هي المستشهد بها في لسان الاصحاب، لكن الخروج عما تسالم عليه القوم سلفا وخلفا جرئة على المولى تعالى شأنه. مسألة لو اخل بستر العورة من غير عمد سواء كان عن سهو أو عن جهل بالحكم أو عن نسيان أو نحوها وصلى صحت صلوته، لما تقدم من عموم دليل لا تعاد (1) وحديث الرفع (2) بل في المقام كان الامر اسهل لعدم اطلاق في ادلة اعتبار الستر يشمل تلك الحالات، والمرجع عند الشك في الاعتبار البرائة كما هو المقرر في محله، ولو التفت في الاثناء صحت فيما سبق، لما سبق من دليل لا تعاد على فرض الاطلاق لادلة الستر وبناء على عدم اطلاقها كما هو الظاهر صحت من غير احتياج إليه، بل يكفى اصل البرائة، وبالنسبة لما بعد حال الالتفات ان تمكن من الستر بادر إليه وصحت لقاعدة البرائة مع الشك في الاعتبار في تلك الفترة التى اشتغل فيها بالتستر. ولو التفت في الاثناء إلى أنه لا ساتر له، ولم يكن له ساتر طاهر، ولم يمكنه تطهير الساتر النجس لفقد الماء أو ضيق الوقت، فهل يتم صلوته عاريا أو يتستر بالنجس ويتمها فيه، وكذا الحال لو التفت إلى ذلك قبل الدخول في الصلوة مع عدم تمكنه مع التطهير لضيق الوقت أو لفقد الماء فهل يصلى عاريا أو في الثوب النجس، مقتضى القاعدة مع الغض عن الادلة اللفظية بناء على اعتبار الطهور في الصلوة والستر فيها في عرض واحد بان كان الطهور شرطا للصلوة والستر شرطا لها ايضا، هو التخيير


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1، (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2 .

[ 173 ]

بين الصلوة في النجس أو عاريا الا مع احراز اهمية احدهما أو احتمال اهميته، اما مع احرازها فظاهر، وأما مع احتمالها، فلانه يدور الامر بين التخيير والتعيين، والاصل العقلي يقتضى العمل على التعيين مع فرض عدم التكليف بالتكرار كما ان الامر كذلك بلا اشكال. وأما بناء على اعتبار الطهارة شرطا في الستر واعتبار الستر شرطا في الصلوة فتارة يكون بنحو التقييد بان اعتبر الستر المتقيد بالطهارة شرطا للصلوة بنحو وحدة المطلوب، واخرى يكون المعتبر الستر بلا قيد واعتبر الطهور فيه بنحو تعدد المطلوب. فعلى الاول يتعين الصلوة عريانا، لان الساتر الكذائي غير مقدور والصلوة مع الطهور ممكنة بان يصلى عاريا، وعلى الثاني يتعين الصلوة مع الستر النجس لان الستر ممكن وتحصيل طهارته غير ممكن، ولو شك في احد الاعتبارات المتقدمة ودار الامر بين التخيير وبين تعيين ذلك أو ذاك فالظاهر الحكم بالتخيير، لان احتمال التعيين معارض بمثله فيشك في التعيين والاصل البرائة منه، هذا مع عدم التمكن من التكرار أو عدم التكليف به، والا فيحتمل القول به، لان الامر دائر بين التخيير وتعيين ذلك أو التخيير وتعيين ذاك، وكذا لو شك بين تعيين ذاك أو ذالك وجب التكرار مع الامكان ويتخير مع عدمه، هذا حال القاعدة مع الغض عن الادلة مطلقا. واما مع النظر إلى ادلة اعتبارهما مع الغض عن الاخبار الواردة في خصوص المسألة، فان كان لدليل اعتبارهما اطلاق يكون مقتضى القاعدة التخيير لو لم يحرز أو يحتمل اهمية احدهما بعينه، والا فيتعين، وان كان لاحد الدليلين اطلاق يؤخذ به ويعمل على طبقه هذا بحسب التصور. واما بحسب الواقع، فلا اشكال في اطلاق ادلة الطهور مثل قوله عليه السلام

[ 174 ]

لا صلوة الا بطهور (1) وغيره مما له اطلاق، واما دليل الستر فلا اطلاق فيه، وان احتمل الاطلاق في بعض ما ورد في ستر النساء لكنه ايضا محل تأمل، مع ان التعبير بمثل قوله: لا صلوة الا بطهور يكشف عن اهميته ولا اقل من احتمالها، فعلى ذلك يتعين الصلوة عاريا عند الدوران، كما ان مقتضى القاعدة وجوب صلوة المختار من القيام والسجدة والركوع، لاطلاق ادلتها مع الغض عن الادلة الواردة في كيفية صلوة العارى. واما الاخبار الواردة في المقام، فيقع الكلام فيها تارة من حيث اختلافها في لزوم الاتيان بالصلوة عريانا أو مع الثوب النجس، واخرى من حيث اختلافها في كيفية صلوة العارى اما الكلام في الجهة الاولى فنقول: تدل على لزوم الصلوة في النجس اخبار صحيحة، كصحيحة على بن جعفر عن اخيه عليه السلام (2)، وصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله عليه السلام (3)، وصحيحة الحلبي عنه (4)، وغيرها، وبازائها صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (5) وموثقة سماعة (6) ففى صحيحة على بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن رجل عريان وحضرت الصلوة فاصاب ثوبا نصفه دم أو كله ايصلى فيه أو يصلى عاريا، فقال: ان وجد ماء غسله وان لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا (7) وفيها احتمالان احدهما ان قوله: صلى فيه ولم يصل عريانا يراد به لزوم الصلوة فيه ارشادا إلى اعتبار الستر في هذا الحال وحرمة الصلوة عريانا ارشادا إلى بطلانها كذلك، وعلى هذا الاحتمال لا يصح


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1. (2) و (7) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - من ابواب النجاسات حديث: 5. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - من ابواب النجاسات حديث: 4 - 6. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - من ابواب النجاسات حديث: 1. (5) الوسائل كتاب الطهارة باب - 46 - من ابواب النجاسات حديث: 4. (6) الوسائل كتاب الطهارة باب - 46 - من ابواب النجاسات حديث: 1 .

[ 175 ]

الجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير بينهما كما ذهب إليه جمع من المتأخرين، لكن على هذا تكون الصحيحة معرضا عنها لان المسألة بين القدماء والمتأخرين ذات قولين وجوبها عريانا والتخيير بينهما، واما لزوم الصلوة في الثوب معينا فمخالف للقولين، بل حكى عن بعض انه لعل هذا لم يقل به احد من الفقهاء. ثانيهما ان يقال: ان كلا من الصلوة في الثوب والصلوة عريانا في معرض الحظر واللزوم أو توهما، وسؤال على بن جعفر عن الامرين انما هو لذلك، فلا يدل الامر مع ذلك على الوجوب المستفاد منه الشرطية ولا النهى على الحرمة المستفاد منها المانعية، فكأنه قال: يجوز الصلوة في الثوب ولا يلزم الاتيان بها عريانا فتدل على التخيير بينهما والرواية اذن شاهدة للجمع بين الاخبار. بل على هذا الاحتمال لنا ان نقول: ان شيئا من الروايات لا يدل على الالزام، اما الطايفة الاولى فلكونها عقيب مظنة الحظر أو توهمه فلا تدل الا على الجواز، واما الثانية فلكونها عقيب مظنة اللزوم أو توهمه فلا تدل الا على نفيه فيستفاد منهما التخيير الذى ذهب إليه جمع من المحققين. هذا مضافا إلى ما بينا في الهيأة من عدم دلالتها على الوجوب والحرمة، ولا على الوجوب التعييني والعيني أو الحرمة كذلك، بل هيئة الامر موضوعة للبعث والاغراء إلى المأمور به وهيئة النهى موضوعة للزجر عنه، نظير الاشارة المفهمة للبعث والزجر، نعم مع فقد القرينة يحكم العقل بلزوم الاتيان عينا وتعيينا في الاوامر ولزوم الترك في النواهي لتمامية الحجة فيهما كما ان الامر كذلك في الاشارة المفهمة مع عدم الوضع فيها، وعلى ذلك يكون قيام ادنى قرينة كافيا في الصرف، بل على ذلك لا معارضة بين الطائفتين فانها موقوفة على الدلالة على التعيين حتى ينفى كل طائفة صاحبها، ومع عدمها لاتتعارضان سيما مع عدم وجود صيغة الامر فيهما بل هما مشتملتان على الجمل المستقبلة والماضية مما لا مصير للقول فيها بالدلالة على ما ذكر

[ 176 ]

وبعبارة اخرى ما تدل على الصلوة في الثوب النجس لاتدل وضعا الا على البعث إليها، وتدل ايضا على ان الصلوة معه تمام الموضوع لاسقاط امرها، وما تدل على الصلوة عاريا في نفسها تدل على ان الصلوة عاريا كذلك، وبعد ضم الطائفتين والعلم بعدم لزوم الجمع كما هو المفروض بل يدل عليه بعض الروايات في الباب ايضا تكون النتيجة التخيير بينهما، والحاصل ان للقول بالتخيير وجهين، احدهما دلالة الروايات على الجواز في الطرفين لكون الاوامر والنواهي لا يدلان في المقام الا على الرخصة، وثانيهما عدم دلالة لفظية على التعيين، فلا معارضة بينهما، ومع عدم لزوم الجمع يحكم العقل بالتخيير. ثم ان الوجه الاول جار في جميع الروايات الا في رواية الحلبي الاتية (1)، والثانى لا يجرى فيها ولا في صحيحة على بن جعفر (2) الناهية عن الصلوة عاريا والامرة بالصلوة في الثوب ولا في صحيحة الحلبي (3) الامرة بالصلوة عاريا والامرة بطرح الثوب. واما رواية الحلبي المخالفة للطائفتين قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره، قال: يصلى فيه إذا اضطر إليه (4) ففيها احتمالان احدهما ان الصلوة فيه مشروطة بالاضطرار إليه كشدة برد ومرض ونحوهما، فتدل على تعين الصلوة عاريا الا لعارض وتخالف التخيير بينهما، ثانيهما ان المراد ليس الاضطرار الخارجي بل ما هو ناش من قبل التكليف بالصلوة، فكأنه قال: بعد كون الثوب واحدا وكونه مضطرا لايقاع الصلوة لانها لابد منها يصلى فيه فتدل على لزوم الصلوة في الثوب معينا، فانه مع التخيير لا معنى للاضطرار، ولو كانت الرواية مجملة من هذه الحيثية لكن دلالتها على نفى التخيير مشتركة بينهما، فقامت الحجة الاجمالية على نفيه، لكنها ضعيفة لا تصلح لمعارضة الروايات الصحيحة


(1) و (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - حديث: 7. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - من ابواب النجاسات حديث: 5. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 46 - من ابواب النجاسات حديث: 4 .

[ 177 ]

ثم ان المانع عن القول بالتغيير امران، احدهما احتمال ان لا يكون الجمع بما ذكرنا عرفيا ويشبه ان يكون صناعيا، ويرى العرف التعارض بين الطائفتين سيما بين صحيحة على ابن جعفر (1) وصحيحة الحلبي (2) الامرة بالطرح، وثانيهما اعراض اصحابنا القدماء عن الطايفة الدالة على الصلوة في الثوب النجس مع اشتمالها على الصحاح، فلا تصلح للحجية، والقول بالتخيير انما حدث بين المتأخرين من عصر المحقق إلى ما بعده حتى ان الحلى الذى لا يعمل بالخبر الواحد الا ما كان قطعيا ترك العمل بتلك الطايفة وافتى بمضمون الطايفة الاخرى على ما حكى عنه، وكيف كان الشهرة بين القدماء ثابتة، بل في الخلاف دعوى الاجماع عليه، فالقول بتعين الصلوة عاريا هو الاقوى الموافق للقواعد كما مر. ويمكن الجمع بين الطائفتين بحمل ما دلت على وجوب الصلوة عاريا على ما إذا كان المصلى مأمونا من الناظر المحترم، وحمل ما دلت على الصلوة في الثوب على ما إذا لم يكن كذلك، بدعوى ان محط الروايات في الصلوة عاريا هو الفرض في الفلاة المأمون فيها من الناظر، بخلاف الروايات الاخر. وفيها ان المتفاهم من الروايات ان فرض الفلاة لاجل فرض عدم امكان الثوب غير ما عليه وعدم امكان غسله لفقد الماء مع ان كونه فيها لا يلازم عدم غيره فيها لو لم نقل بان الغالب وجود الرفقة في الاسفار. أو بدعوى انصراف الدليل المشتمل على الصلوة عاريا عما إذا كان بمحضر من النظار لان اباء النفوس عن ذلك بل قبحه لدى العرف يوجب الانصراف الذى هو بمنزلة التقييد فيقيد بها الاطلاقات الواردة في الصلوة مع الثوب. وفيها منع الانصراف، ومنع القبح في المحيط الذى صدرت فيه الروايات بل القبح والاستيحاش تجدد بعد تلك العصور وفى اقوام اخر، فمن راجع إلى ما وردت في آداب الحمام يرى ان الدخول فيه بلا ستر ومئزر كان متعارفا رائجا، مضافا إلى


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - من ابواب النجاسات حديث: 5 (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 46 - من ابواب النجاسات حديث: 4

[ 178 ]

أن اشتمال الرواية الدالة على الصلوة عاريا على الامر بالجلوس، كما في صحيحة الحلبي (1) وموثقة سماعة (2) على احدى الروايتين يمنع هذا الحمل، لما ورد في باب كيفية الصلوة عاريا ان الجلوس فيما إذا راه ناظر محترم والقيام عريانا فيما إذا لم يره احد. وقد يقال بان التحقيق هو القول بالتخيير واقعا حملا لظاهر كل من الطائفتين على نص الاخرى، إذ كل منهما نص في الرخصة وظاهر في التعيين، فيؤخذ بالنص من كل منهما ويطرح الظاهر، واما النهى عن الصلوة عريانا فمحمول على الكراهة جمعا، ثم قال وان ابيت عن كون هذا جمعا عرفيا، فلا محيص عن التخيير الظاهرى بعد وجود النص الصحيح في كلا الطرفين. اقول بعد الغض عن دعوى الظهور في التعيين كما مر، وبعد الغض عما ذكرنا في كلتا الطائفتين من عدم دلالتهما على اللزوم لمكان كون الاوامر عقيب الحظر: ان هذا النحو من الجمع لو سلم انه عرفى في ساير الموارد، فلا يكون في المقام كذلك جزما، لمخالفته لصحيحة على بن جعفر (3) وصحيحة الحلبي (4)، فان النهى عن الصلوة عاريا والامر بطرح الثوب والصلوة عاريا متعارضان عرفا، ولا يصح حمل النهى عن الصلوة عاريا على الكراهة والامر بطرح الثوب على الاستحباب، أو النهى عن الصلوة مع الثوب المستفاد من الامر بالطرح على الكراهة، إذ يلزم على الاول أن تكون الصلوة عاريا مكروهة ومستحبة، ويلزم على الثاني أن تكون الصلوة عاريا مكروهة ومع اللباس مكروهة، واما التخيير الظاهرى فقد عرفت انه مع الشهرة على التعيين الثابتة في الطبقة المتقدمة لا وجه له، فتحصل مما مر ان الاقوى هو لزوم الصلوة عاريا، مع ان الصلوة عاريا صحت قولا واحدا والمخالف لو كان لا يعتنى به هذا حال اصل الصلوة.


(1) و (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 46 - من ابواب النجاسات حديث: 4. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 46 - من ابواب النجاسات حديث: 1. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - من ابواب النجاسات حديث: 5

[ 179 ]

واما كيفية الصلوة عريانا ففيها جهات من البحث (الاولى) هل يجب الاتيان بها قائما مطلقا أو قاعدا كذلك، أو يفصل بين وجود الناظر المحترم فيؤتى بها قاعدا وعدمه فقائما، أو يفصل بين الامن من الناظر وعدمه كما عن المشهور؟ والاخبار مختلفة فمنها ما دلت على لزوم الصلوة قائما كصحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقى عريانا وحضرت الصلوة كيف يصلى، قال: ان اصاب حشيشا يستر به عورته اتم صلوته بالركوع والسجود، وان لم يصب شيئا يستر به عورته اومأ وهو قائم (1)، وفى ذيل صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (وان كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلد السيف ويصلى قائما (2). ومنها ما دلت على لزومها قاعدا كصحيحة الحلبي المتقدمة وفيها (يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا ويصلى فيؤمى ايماء) (3) وصحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل خرج من سفينة عريانا أو سلبت ثيابه ولم يجد شيئا يصلى فيه، قال: يصلى ايماء، وإن كانت امرأة جعلت يديها على فرجها، وان كان رجلا وضع يده على سوأته، ثم يجلسان فيوميان ايماء ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفهما (4) واما موثقة سماعة (5) ففيها على رواية يصلى قاعدا وعلى اخرى قائما وعليه فتسقط عن الحجية. ومنها ما دلت على التفصيل بين ما إذا كان هناك احد يراه فيصلى قاعدا وبين ما إذا لم يكن احد يراه فيصلى قائما كصحيحة عبد الله بن مسكان عن ابى جعفر عليه - السلام، في رجل عريان ليس معه ثوب، قال: إذا كان حيث لا يراه احد فليصل قائما (6)


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 4 (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 46 - من أبواب النجاسات حديث: 4. (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 6. (5) الوسائل كتاب الطهارة باب - 46 - من ابواب النجاسات حديث: 1 - 3. (6) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 7 .

[ 180 ]

وروايته الاخرى عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلوة، قال: يصلى عريانا قائما ان لم يره احد، وان رآه احد صلى جالسا (1)، ونحوها روايات آخر. ويمكن ان يقال: ان ما دلت على الصلوة قائما فهى على القواعد من اعتبار القيام فيها، واما ما دلت على الجلوس فلا تدل على اللزوم ولا على التعيين، لما مر من ان الامر عقيب الحظر أو توهمه لا يدل الا على الجواز، وقد مر عدم الدلالة على التعيين، وعلى ذلك لا معارضة بين الطائفتين الاوليتين، وحاصل مفادهما ان التكليف الاولى هو القيام ولكن يجوز عن جلوس، بل لا اشكال في ان الامر بالجلوس لمراعاة نحو تستر زائدا على ما هو الواجب فان التستر بالمقدار الواجب يحصل بالقيام ايضا، فالامر بالجلوس ليس تعبدا محضا من غير نظر إلى التستر وليس لاجل الستر اللازم، بل لمراعاة الاستتار زائدا عليه. ويمكن الاستيناس منه لعدم وجوب الجلوس حتى مع وجود الناظر وانما شرع لمراعاة زيادة تستر في الصلوة وان لم يجب. ثم على فرض لزوم الجلوس عند وجود الناظر المحترم أو عدم الامن منه، فهل الصلوة قائما مشروطة بعدم الناظر أو بالامن منه، قد يقال: ان مقتضى ظاهر الروايات هو الاول، فان في صحيحة ابن مسكان (2) عن ابى جعفر عليه السلام، ومرسلته (3) عن ابى عبد الله عليه السلام المتقدمتين، والمروى عن الجعفريات باسناده عن على عليه السلام، انه سئل عن صلوة العريان، فقال: إذا رآه الناس صلى قاعدا وإذا كان لا يراه احد صلى قائما (4) إلى آخره، تعليق الحكم على رؤية الناظر وعدمها لا على الامن منه. اقول: في صحيحة ابن مسكان (5) التى هي الاصل في المسألة احتمالات،


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 3. (2) و (5) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 7. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب المصلى حديث: 3. (4) جامع احاديث الشيعة كتاب الصلوة باب - 6 - من ابواب الستر في الصلوة حديث: 5 .

[ 181 ]

اسدها ان الصلوة قائما مشروطة بعدم رؤية احد في جميع الصلوة، ومع عدم هذا الشرط يصلى جالسا. وساير الاحتمالات كاحتمال كون كل من الصلوة قائما وجالسا مشروطة بشرط مقابل لشرط صاحبها، وكاحتمال ان يكون الشرط لقطعات الصلوة وتكون دائرة مداره، فيصلى في صلوة واحدة قائما وجالسا كرارا حسب وجود الناظر وعدمه إلى غير ذلك مرجوحة. اما مرجوحية اشتراط الجلوس بشرط مقابل لشرط القيام، فلان الظاهر من الصحيحة ان الشرط للقيام لاتكاله في الجلوس بالمفهوم، والظاهر من المرسلة التى ذكرت فيها الشرطيتان ان الثانية بيان مفهوم الاولى. واما مرجوحية اعتبار ان يكون الشرط لقطعات الصلوة، فلان الظاهر من قوله لم يره احد انه لم يره في صلوته، ولحاظ القطعات خلاف الظاهر، مع ان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ذلك، فان الظاهر ان التشريع كذلك لاجل مرجوحية رؤيته كذلك ولو فجأة وبلا توجهه إلى الرائى، وعلى ذلك يكون شرط جواز الدخول فيها قائما عدم رؤية احد اياه في حال من حالات الصلوة، ولازم احراز الشرط هو الاطمينان بعدم الرائى، وهذا هو الامن منه كما عليه المشهور، بل يمكن الاستيناس لذلك بقوله في الصحيحة: حيث لا يراه احد، بان يقال: ان المراد منه ان يكون المصلى بحيث لا يراه احد في صلوته وهو المساوق للامن من الناظر، والتمسك باستصحاب عدم الرائى في صلوته محل اشكال لانه من قبيل الاستصحاب التعليقي على وجه ومن عدم الاحراز الا بالاصل المثبت على آخر فتدبر. ثم انه قد يستشكل في الصحيحة إلى هي الاصل، بانها مرسلة لم يذكر فيها الواسطة فان عبد الله بن مسكان لم يرو عن ابى جعفر عليه السلام، بل انكر بعضهم روايته عن ابى عبد الله عليه السلام، أو قيل: انه لم يرو عنه الا حديثا واحد ا وانه من احداث اصحاب ابى عبد الله عليه السلام، فكيف يروى عن ابى جعفر عليه السلام.

[ 182 ]

اقول: اما روايته عن ابى عبد الله عليه السلام فكثيرة على ما حكى، وكونه من احداث اصحابه لا ينافي رؤيته لابي جعفر عليه السلام وروايته عنه، إذ على فرض ثبوت كونه من احداث اصحابه فانما هو في قبال مثل زرارة واشباهه من الشيوخ مع ان كونه من احداث اصحابه لم يثبت الا بنقل بعض من تأخر عن ذلك العصر ومجرد رؤيته لابي جعفر عليه السلام في مجلس وروايته حديثا عنه لا يستلزم صدق الصحبة حتى يعد من اصحابه، ومع احتمال ملاقاته له وروايته منه لا يجوز رد الصحيحة الظاهرة في الرواية عنه بلا وسط، فطرح امثالها بمجرد الاحتمال غير صحيح، بل مرسلته ايضا حجة عند من قال بقيام الاجماع على تصحيح ما يصح عن مثله وان المراد منه الحكم بالصحة من غير نظر إلى الواسطة أو تكون المرسلات منه حجة، وان كان في الدعاوى المذكورة اشكال بل منع. ثم ان مقتضى صحيحة على بن جعفر (1) المتقدمة، ان تكليفه الايماء مع الامن من الناظر حيث امر بالايماء قائما، وهو في مورد الامن كما هو مقتضى الجمع بين الروايات، وهى مقدمة على اطلاق ادلة الاجزاء والشرايط، وليس في قبالها الا مرسلة ايوب بن نوح عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: العارى الذى ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها ويسجد فيها ويركع (2)، وهى غير صالحة لمعارضة تلك الرواية الصحيحة، مع ان الصحيحة موافقة للمشهور، واما موثقة اسحاق بن عمار (3) الواردة في كيفية جماعة العراة، فهى مخصوصة بموردها، ولا دليل على الغاء الخصوصية، نعم لولا الشهرة لم يكن الحكم بالتخيير بين الصلوة قائما موميا وبين اتمام الركوع والسجود بذلك البعد، لما تقدم من الوجه وان كان فيه اشكال.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 1 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 51 - من ابواب لباس المصلى حديث: 2 .

[ 183 ]

ومقتضى صحيحة زرارة (1) وجوب كون الايماء بالرأس وعدم الاكتفاء بالايماء بالحاجب والعين، ومقتضى اطلاق الادلة كفاية الايماء بالرأس باول مرتبة منه، ولا يجب ان يكون الايماء للسجود اخفض، ولا يثبت الحكم برواية ابى البخترى (2) والجعفريات (3) وان كان الاعتبار يوافقهما لكن لا اعتبار به في مقابل الاطلاق كما أنه لا اعتبار في مقابل اطلاق الدليل بالوجوه التى تشبث بها بعضهم للزوم الانحناء للركوع بمقدار لا يبدو ما خلفه ولوجوب الجلوس للسجود. ثم ان مقتضى اطلاق الصحيحتين وغيرهما صحة الصلوة وعدم وجوب الاعادة، فما في موثقة عمار الساباطى (4) من الامر بالاعادة محمول على الاستحباب لو صح العمل بها والا كما هو التحقيق لا يثبت الاستحباب بها ايضا. مسألة ما تقدم من الكلام إلى هنا كان كله حول الشروط التى وردت في مورد الاخلال بها النصوص التى كانت بحاجة إلى البحث عنها، ومنه يظهر حال الشروط التى لم يرد في مورد الاخلال بها نص كذلك كجلود الميتة والسباع والارنب والثعلب وما لا يؤكل لحمه، وكالحرير والذهب، وكذا البكاء في الصلوة، والقهقهة والتكلم، وكذا التكفير وقول آمين على فرض كونهما من القواطع، والروايات التى وردت فيها وان اختلفت في التعبير، لكن كلها مشتركة في الدلالة على اشتراط الثوب أو الصلوة بالخلو عن تلك الامور. فالخلل الحاصل من ناحيتها اما ينشكف بعد الصلوة، أو في اثنائها في ضيق الوقت بحيث لو قطعها واراد الاستيتناف مع احراز الشرط لم يدرك ركعة منها في الوقت، أو ينكشف في سعته. ففى الصورة الاولى لا ينبغى الاشكال في صحتها، مطلقا من غير فرق بين


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب 50 - من ابواب لباس المصلى حديث: 6. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 52 - من ابواب لباس المصلى حديث: 1. (3) جامع احاديث الشيعة باب - 7 - من ابواب الستر في الصلوة حديث: 2. (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 45 - من ابواب النجاسات حديث: 8 .

[ 184 ]

السهو والنسيان في الحكم والموضوع والجهل كذلك والخطاء وغير ذلك، سوى العمد مع العلم، لحديث الرفع (1) واطلاق حديث لا تعاد (2) نعم هو منصرف عن الاخير وان لم يكن في الاطلاق محذور عقلا، والاشكال بلزوم اللغوية في ادلة الشروط فان الاخلال عن علم وعمد نادر جدا وساير الحالات داخلة في الدليلين، قد مر دفعه في خلال المباحث المتقدمة، مع ان ادلة اعتبار الشروط، كقوله لا تصل في كذا، ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن الصلوة في كذا، ولا يحل الصلوة في كذا، انما وردت لدفع المكلف عن الاتيان بها فيها، ولولا تلك الادلة لكان الارتكاب كثيرا جدا، فلا يكون ورود الدليل لغوا، والندرة الحاصلة منه بعد وروده لا توجب اللغوية. وفى الصورة الثانية لا اشكال في الصحة، ضرورة انه لا يعارض اهمية الوقت شئ من الشروط، بل الصحة في هذه الحالة لا تحتاج إلى دليل الرفع ولا إلى لا تعاد، بل لو ضاق الوقت ولم يكن عنده الا اللباس الممنوع فيه الصلوة ولم يمكنه نزعه وجب الاتيان بها فيه، وصحت بلا شبهة فانها لا تترك بحال. واما في الصورة الثالثة، فالاشكال انما هو في الفترة التى تنبه بالواقعة واراد النزع أو التبديل، فان مقتضى اطلاق دليل الشرط بطلانها، ولا يمكن التصحيح بدليل الرفع وهو واضح، لكن يمكن التشبث بدليل لا تعاد، لما ذكرنا من ان مقتضى اطلاقه الشمول لجميع الحالات حتى مع العمد والعلم، لكنه منصرف عن العمد والعلم بمعنى انه منصرف عما إذا ارتكب المكلف بلا عذر وقام للصلوة في فاقد الشرط، وأما انصرافه عن الفترة المذكورة التى اشتغل فيها المكلف بالنزع والتبديل، فممنوع ومقتضى اطلاقه الصحة. فان قلت: ان شموله للعمد يخالف ادلة الاشتراط عقلا، فان اشتراط الصلوة


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 37 - من ابواب قواطع الصلوة حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1

[ 185 ]

بعدم كون اللباس من الميتة مثلا، ثم الحكم بالصحة في جميع الحالات حتى مع الاخلال عن علم وعمد ينافى الشرطية، فكيف تدعى انه لا مانع منه عقلا وانما المانع الانصراف. قلت: يمكن ان يقال: ان مقتضى الجمع بين اطلاق دليل لا تعاد وادلة الشروط ان للصلوة مرتبتين من المطلوبية، احداهما ما قامت بالخمسة الواردة في المستثنى، فالصلوة مع الاتيان بالخمسة صلوة صحيحة واجدة للمصلحة الملزمة، ففى هذه المرتبة غير مشروطة بشئ والاخرى ما قامت بالخمسة مع الشروط، ولها مع كل شرط مطلوبية، والمطلوب الاعلى ما هو الجامع للشرايط كافة، ففى الحقيقة المرتبة الثانية مشتملة على مطلوبات حسب تعدد الشروط، فمع الاتيان بالخمسة واستيفاء المصلحة الناقصة لا يبقى الاستيفاء المصالح العالية مجال، فان استيفائها موقوف على الاتيان بها مع الخمسة، وعلى ذلك فلا مانع عقلا من القول بالصحة حتى مع العمد كما لا يخفى، ولولا الانصراف لكان الالتزام بما ذكر جمعا بين الادلة ممكنا، لكن المانع هو الانصراف. وكيف كان فدليل لا تعاد (1) حاكم على جميع ادلة اعتبار الشروط بالسنتها المختلفة، مثل لا تجوز، ولا تحل، ويحرم، ونهى عن فلان، حتى على مثل قوله: عليه السلام الصلوة فاسدة لا يقبل الله تلك الصلوة (2)، فان العنوانين ايضا كناية أو كاشفة عن فقد الشرط، والا فنفسهما لا يعقل ان يكونا حكما شرعيا تعبديا، فان الفساد منتزع من عدم الجامعية للشروط ومن عدم موافقة المأتى به للمأمور به ولايكون بنفسه مجعولا، وعدم القبول ايضا مترتب على الفاسد. ولو توهم ان لا تعاد ايضا كناية عن الصحة بل عن عدم الاشتراط إذ نفى الاعادة ليس بنفسه حكما شرعيا، فمفاده صحة العمل المفهوم منها ان ما اخل به ليس شرطا


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب لباس المصلى حديث: 1 .

[ 186 ]

في هذه الحالة، وادلة الشروط باختلاف تعبيراتها تدل على الاشتراط، والاثبات والنفى واردان على موضوع واحدا، وفى مثله لا يكون وجه لحكومة احدهما على الاخر. يقال: ان قوله: لا تعاد الصلوة الا من خمسة (1) ناظر إلى الادلة المثبتة للصلوة شيئا شطرا أو شرطا أو قاطعا ومانعا، كانه قال: لا تعاد الصلوة من قبل خلل الامن الخلل في الخمسة، ولا اشكال في ان مناط الحكومة موجود فيه، وليس مفاد لا تعاد لا يشترط في الصلوة كذا، بل مفاده ان الصلوة لا تعاد من قبل ترك شرط أو جزء أو ايجاد مانع أو قاطع فيها عدا الخمسة ولايكون الاخلال بها مضرا بها، وان كان العقل يحكم بان عدم الاعادة لاجل الصحة وهى لاجل موافقة المأتى به للمأمور به، ولا يعقل ذلك الا مع سقوط الشرط، وكيف كان لا ينبغى التفوه بعدم الحكومة كما هو واضح، ولازمها صحتها مع كل خلل سواء كان من جهة فقد الجزء أو الشرط أو من قبل ايجاد القاطع والمانع في غير حال العمد والعمل الا ان يدل دليل على البطلان. فرع: لو صلى فيما اخذ من يد المسلم أو سوقه فتبين انه غير المذكى، فالظاهر صحتها، فان المانع اما هي النجاسة الواقعية، فلا اشكال في ان قاعدة الطهارة الجارية في المقام حاكمة على ادلة الاشتراط، فان قوله عليه السلام: كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر (2) اعم شامل لمورد الشك والعلم بالخلاف، وهو حاكم على قوله عليه السلام: لا صلوة الا بطهور (3) كما قررنا في محله. أو اما كونه ميتة فهو ايضا غير مانع، لا لما قيل من ان الامر الظاهرى يفيد الاجزاء كلما ذهب إليه جمع، بل قيل: انه مشهور، فان الاوامر الطريقية لا تفيده سواء كانت الطرق عقلية ام شرعية، كما فيما نحن فيه على فرض أن لا يكون اعتبار يد المسلم وسوقه ببناء العقلاء، فان فرض الطريقية فرض عدم تصرف الشارع الاقدس في الواقعيات وهو ينافى الاجزاء، ودعوى التصرف تنافى الطريقية.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب القبلة حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - من ابواب النجاسات حديث: 4 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 1 - من ابواب الوضوء حديث: 1

[ 187 ]

وملخص الكلام ان الروايات في الباب على طوائف، منها ما تدل عل عدم جواز الصلوة في الميتة، كقوله في مرسلة ابن ابى عمير: لا تصل في شئ منه ولا شسع (1) ورواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون محض الاسلام، وفيها، ولا يصلى في جلود الميتة، (2) ومنها ما تدل على عدم الجواز ولو دبغ سبعين مرة كما في جملة من الروايات (3) ومنها ما تدل على جواز الصلوة فيما يؤخذ من سوق المسلمين، كما في روايات، (4) بل في بعضها التوبيخ على الاحتراز كقوله عليه السلام: اترغب مما كان أبو الحسن عليه السلام يفعله، (5) في رد قول الراوى: انى اضيق من هذا أي الصلوة في النعل المشترى من السوق، فالطائفتان الاولتان دالتان على اشتراط الصلوة بعدم كونها في الميتة أو على مانعية الميتة، والطائفة الثالثة تدل على جواز الصلوة فيما يشترى من سوق المسلمين أو من يد المسلم، ولا اشكال في ان السوق أو اليد طريق إلى احراز التذكية ولا موضوعية لهما بوجه فمع التخلف تجب الاعادة على القاعدة. ولا لموثقة ابن بكير عن ابى عبد الله عليه السلام، وفيها فان كان مما يؤكل لحمه فالصلوة في وبره وبوله إلى ان قال: وكل شئ منه جائزة إذا علمت انه ذكى قد ذكاه الذبح (6)، بدعوى ان الجواز الدال على الصحة معلق على العلم بالتذكية، وهو اعم من الموافق للواقع كما انه اعم من العلم الوجداني والحجة القائمة على الواقع، فمع قيام الحجة عليه صحت الصلوة وافق الواقع ام لا، إذ فيها ان العلم وما يشبهه مما هي طريق صرف الواقعيات لا يحمل على الموضوعية عرفا وعند العقلاء الا بدليل وقرينة، ومع فقدهما لا يفهم منه الا الطريقية، فكأنه


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب لباس المصلى حديث: 6 (2) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 1 - من ابواب لباس المصلى حديث 18 (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 61 - من ابواب النجاسات حديث: 1 (4) الوسائل كتاب الطهارة باب - 50 - من ابواب النجاسات حديث: 2 و 3 و 5 (5) الوسائل كتاب الطهارة باب - 50 - من ابواب النجاسات حديث: 9. (6) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب لباس المصلى حديث: 1 .

[ 188 ]

قال: إذا كان مذكى جاز الصلوة فيه، مع انه في كون العلم اعم من الموافق كلام بل اشكال ومنع. ولا لما دل على ان بعض الائمة عليهم السلام كان يلبسه في الصلوة (1)، بدعوى استبعاد الصلوة فيما هو يبطلها على فرض التخلف، فان عملهم عليهم السلام على الظواهر كساير المكلفين، ولعل الوجه فيه البيان العملي على ان الاسلام بنى على التوسعة، كما يشهد به رواية الجبن (2)، ورواية رشح الماء على فخذه عندما كان اراد أن يبول (3). بل لقاعدة لا تعاد وحديث الرفع، فانهما تدلان على الصحة بما قررناه كرارا، بل حديث الرفع تدل على الاجزاء في جميع الابواب مع تخلف الاجتهاد وتبدل الرأى من غير فرق بين عمل المجتهد والمقلد، فان مقتضى القواعد الاولية في باب تبدل الرأى على ما ذكرنا في محله وان كان هو عدم الاجزاء بالنسبة إلى عمل المقلد مطلقا، والتفصيل بالنسبة إلى اعمال المجتهد بين ما إذا ادى اجتهاده ببركة الامارات إلى شئ، وما إذا ادى نظره لاجل الاصول إلى شئ بعدم الاجزاء في الاول دون الثاني، لكن دليل الرفع دال على الصحة و الاجزاء مطلقا وفى كل الابواب. وتوهم ان ما لا يعلم عبارة عما لم يقم عليه الحجة، ومع قيامها لا موضوع للحديث، مدفوع أو لا بانه مع استكشاف مخالفتها للواقع لا معنى للحجية، والمفروض استكشافها، وثانيا بان محط قيام الحجة غير مجرى دليل الرفع، فان الحجة في المقام مثلا قامت على تحقق التذكية، ودليل الرفع يرفع مانعية الميتة أو شرطية التذكية. واما توهم اختصاص دليل الرفع بالشبهات الحكمية، ومع العلم بالحكم أي الشرطية أو المانعية لا وجه لجريان حديث الرفع، مدفوع بما ذكرناه في محله من ان الرفع


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 50 - من أبواب النجاسات حديث: 1 و 2 و 3. (2) الوسائل كتاب الاطعمة والاشربة باب - 61 - من أبواب الاطعمة المباحة حديث: 5. عن أبى الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن إلى أن قال: والله انى لاعترض السوق فأشترى بها اللحم والسمن والجبن والله ما أظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 37 - من أبواب النجاسات حديث: 5 .

[ 189 ]

بحسب اطلاق دليله يعم الاحكام والموضوعات المترتب عليها الحكم، والرفع بالنسبة إلى الثاني ادعائي لعدم امكان رفع الموجود الخارجي تشريعا، فالرفع انما هو بلحاظ الاثر الشرعي أي المانعية أو الشرطية، فلو صلى في جلد الميتة جهلا أو نسيانا أو سهوا ثم علم بذلك كان مقتضى اطلاق دليل الرفع ان هذا الجلد مرفوع ادعاء بلحاظ اثره الشرعي وهو المانعية، فما قد يقال من ان الرفع لا يتعلق بالاعدام أو ان الرفع بلحاظ الصحة عقلي غير وجيه، ويطلب التفصيل من الاصول ولو صلى فيما اشتراه من غير مسلم ما هو محكوم بعدم التذكية جهلا بالحكم أو الموضوع أو نسيانا ونحوها صحت صلوته، لقاعدة لا تعاد ودليل الرفع كما قدمنا، فان اطلاق دليل المنع محكوم لدليلهما، واختصاص المانعية أو الشرطية بحال العمد والعلم لا اشكال فيه عقلا، ودعوى الاجماع في الجهل بالحكم لا يثبت بها الاجماع المعتبر فان حكمهم بذلك يمكن ان يكون مبنيا على القاعدة العقلية كما استدلوا بها. واما التشبث للبطلان بموثقة ابن بكير، فان مفهوم قوله: ان علمت انه ذكى ذكاه الذبح (1)، انه إذا لم يعلم لا يجوز مطلقا وفى جميع الاحوال، فغير وجيه فان فيه مع الاشكال في اطلاق المفهوم فان مقابل المنطوق نفى العموم لا عموم النفى كما حقق في محله، انه على فرض الاطلاق يكون كساير الاطلاقات المحكومة لدليل الرفع وقاعدة لا تعاد. مسألة لو اتى بالسجود والركوع العرفي واخل ببعض ما يرتبط بها، كما لو سجد على غير ما يصح السجود عليه، أو ترك وضع بعض السبعة غير الجبهة على الارض أو ترك الانحناء المعتبر شرعا واتى بالمقدار العرفي، أو ترك الطمأنينة، فهل صلوته صحيحة لو أخل بما ذكر من غير عمد وعلم، أو باطلة مطلقا، أو يفصل بين المذكورات. وتفصيل الكلام في ذلك ان تلك الامور يحتمل ان تكون معتبرة في الصلوة ويكون الركوع والسجود محلا لها بمعنى أنها من شروط الصلوة كالستر والقبلة


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب لباس المصلى حديث: 1 .

[ 190 ]

ويكون الركوع والسجود مورد الاعتبار لتلك الامور لا مشروطا بها، ويحتمل ان تكون شروطا لهما كشرطية الطهارة في الصلوة، ولازمه انه لو اتى بهما فاقدا لها لو كان آتيا بهما، ولكن فقدان الشرط اوجب البطلان على القاعدة ويحتمل ان تكون مقومات لهما بمعنى التقييد بها بنحو وحدة المطلوب بحيث لو اتى بهما فاقدا لها لم يأت بهما الا صورة، فالتارك لها تارك لنفس الموضوع المتقيد لا آت به وتارك لشرطه كما على الاحتمال الثاني. ولو شك في ان المعتبر أي الاحتمالات، فمع الغض عن الادلة، ربما يقال: لو تذكر بعد الركوع وقبل الاتيان بركن آخر يجب الاحتياط بالاتيان بركوع آخر واتمام الصلوة واعادتها، للعلم الاجمالي بوجوب الركوع والاتمام أو وجوب الاعادة، فانه على الفرض الثالث لم يأت به، وعلى الفرضين الاخرين اتى به، والشرط المحتمل مجرى البرائة لاحتمال عدم الاعتبار حال السهو، ولو تذكر بعد ركن آخر يجب الاحتياط باتمام الصلوة والاعادة للعلم الاجمالي، ولو تذكر بعد الصلوة لا شئ عليه، لعدم العلم الاجمالي، وجريان البرائة عن التقييد على الفرض الثالث فان المقام من قبيل الاقل والاكثر، والبرائة عن الاعتبار على الفرضين الآخرين، لاحتمال الاختصاص بغير حال السهو. وفيه انه مع جريان البرائة في الاقل والاكثر لا وجه للتفصيل المذكور بل لا وجه للاحتياط في شئ من الصور، ومع عدم الجريان وجريان اصل الاشتغال لابد من الاعادة مطلقا والاحتياط، ولما كان الاقوى جريان البرائة حتى على الفرض الاخير وكانت الشبهات التى في مثله غير وجيهة كما قلنا في محله يجوز الاكتفاء بالفرد العرفي من الركوع والسجود مطلقا، والعلم الاجمالي المذكور ليس الا العلم التفصيلي بالاقل والشك في الاكثر، فدعوى العلم الاجمالي فاسدة في مثل المقام هذا مع الغض عن حديث لا تعاد واما مع لحاظ قاعدة لا تعاد في المقام فعلى الاول تصح بلا ريب فان ترك ما يعتبر في الركوع والسجود جهلا أو سهوا كترك ساير

[ 191 ]

الشرايط المعتبرة في الصلوة لا يضر بها وذلك لدليل الرفع وحديث لا تعاد، والمفروض انه آت بهما بما هو المعتبر في الصلوة، وعلى الثالث حيث يرجع الاخلال بما يعتبر فيها إلى الاخلال بها فتبطل الصلوة لاندراج المورد في مستثنى لا تعاد وأما على الثاني فربما يقال بالبطلان ايضا، لانه لم يأت بهما بما هو المعتبر في الصلوة، بل قد يقال: ان الظاهر من دليل لا تعاد ان المستثنى هو الركوع وسجود المعتبران شرعا في الصلوة، والمفروض ان المعتبر هو الجامع للشرايط. ولكن التحقيق صحتها على الفرض الثاني ايضا بدليل ذيل الحديث الذى هو بمنزلة التعليل، فان قوله عليه السلام: القرائة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة، دال على ان السنة أي ما فرضه النبي صلى الله عليه وآله وثبت وجوبه بالسنة لا بالكتاب لا تنقض الفريضة، ومن الواضح ان غير اصل الركوع والسجود من الشروط وغيرها لم يثبت وجوبها وشرطيتها بالكتاب وانما ثبتت بالسنة، فلو انتقضت الصلوة بتركها كان من نقض السنة للفريضة وهو يخالف الحديث، بل الظاهر من المستثنى ان ما خرج هو ذات الركوع والسجود لا بما هما مشروطان بالشروط، وبعبارة اخرى لا يعقل ان يحكى عنوان الركوع والسجود عن غيرهما من اللواحق والقيود، فالدلالة على الزايد من ماهيتهما تحتاج إلى القرينة والدال الاخر، والحمل على الركوع المتقيد أو المعهود خلاف الظاهر، فالاتيان بذات الركوع والسجود اللذين فرضهما الله تعالى موجب للصحة وان ترك السنة. ان قلت: ان القرينة على ارادة الركوع والسجود المعتبرين في الصلوة موجودة. وهى وقوعهما في خلال قوله: لا تعاد الصلوة، فان الظاهر منه انها لا تعاد بالاخلال بشئ مما اعتبر فيها الا بالركوع والسجود وباقى الخمسة المعتبرة فيها. قلت: هذا مسلم، لكن الركوع والسجود بنفسهما معتبران فيها، والشرايط المعتبرة فيهما اعتبارات زايدة، فما قامت عليه القرينة هو ان كلا من الركوع والسجود المعتبرين في الصلوة مستثنى، واما الشرايط التى لها اعتبارات مستقلة فلا

[ 192 ]

واما الاحتمال الثالث فمع كونه خلاف ظواهر الادلة ومحتاجا إلى دليل خاص يثبته، ينفيه اطلاق دليل لا تعاد، وهو كاشف عن عدم التقييد الكذائي، بل الركوع الذى فرضه الله بقوله: فاركعوا مع الراكعين (1) والسجود المفروض بقوله: يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (2) وغيرهما هما نفس طبيعتهما لا غير، فالشروط والتقييدات الواردة في السنة لابد وان تكون من قبيل الاحتمال الثاني، فان الاحتمال الاول ايضا ضعيف، حيث ان الراجع إلى الروايات الدالة على الشروط يرى ان كلها ظاهرة في اعتبارها في الركوع والسجود. ان قلت: جملة من الروايات تدل على ان ما هو المعتبر في الصلوة هو الركوع والسجود الجامعان للشرايط، كموثقة منصور بن حازم، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى صليت المكتوبة فنسيت ان اقرء في صلوتى، فقال: اليس قد اتممت الركوع والسجود قلت: بلى، قال: قد تمت صلوتك إذا كان نسيانا (3) وكرواية الدعائم عن جعفر بن محمد عليه السلام، انه قال في حديث: فان نسى القرائة فيها كلها واتم الركوع والسجود والتكبير لم يكن عليه الاعادة (4)، وكرواية فقه الرضا فان نسيت القرائة في صلوتك كلها ثم ذكرت فليس عليك شئ إذا اتممت الركوع (5)، فهى كما ترى ظاهرة في ان الركوع والسجود التامين معتبران في الصلوة وان من لم يأت بهما تامين بطلت صلوته، فلو كانت صحيحة مع الاتيان بنفسهما ينبغى ان يقول: لو أتيت بهما تمت صلوتك.


(1) سورة البقرة - آية - 43. (2) سورة الحج - آية - 77. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 29 - من أبواب القرائة في الصلوة حديث: 2. (4) جامع احاديث الشريعة باب - 4 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 11. (5) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 4 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 8 .

[ 193 ]

قلت: مضافا إلى ما في اسناد غير الموثقة، ان قوله: اتممت أو اتم يحتمل وجوها، منها الاتيان جامعة للاجزاء أو للاجزاء والشرايط، ومنها الاتيان بهما صحيحة، فان الاتمام يطلق على الصحيح شايعا، ففى الموثقة ايضا اراد الصحة بقوله: تمت صلوتك، ومنها الاتيان بجميع الركوعات والسجدات، فقوله: اتممت أي اتيت بتمام الركوعات المعتبرة في الصلوة. ولعل المراد الاحتمال الاخير بشهادة جملة من الروايات، كرواية الحسين ابن حماد عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها، أسهو (أي عن القرائة) في صلوتى كلها، قال: إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلوتك (1)، ورواية فقه الرضا، إذا صليت فنسيت ان تقرء فيها شيئا من القرآن أجزئك ذلك إذا حفظت الركوع والسجود (2)، والظاهر منها انه إذا علمت بالاتيان بهما أي إذا اتيت بهما، واحتمال ارادة حفظهما عن ترك ما يعتبر فيهما فاسد جدا، بل الاختلاف في روايتي منصور ابن حازم وصاحب فقه الرضا حيث عبر في احداهما بقوله: اتممت وفى الاخرى إذا حفظت يكون شاهدا على وحدة المراد، فيرفع الاجمال عن الطايفة الاولى. ومع الغض عنه فالاحتمال الثاني لعله اقرب أو المساوى، وعلى هذا الاحتمال يدل على صحتهما مع فقد الشرايط عن عذر حديثى لا تعاد والرفع، ومع الغض عنه فالاحتمالات موجبة للاجمال الموجب لعدم الحجية. ثم مع الغض عنه، فالرواية القابلة للاعتماد أي الموثقة لا مفهوم لها بل يكون فيها اشعار ما بالمدعى، ومع الغض عنه فالمفهوم في امثال ذلك لا اطلاق له، والقدر المعلوم هو ترك الشرايط عمدا، وعلى فرص تسليم الاطلاق فهو كساير الاطلاقات قابلة للتقييد ولتحكيم الادلة الحاكمة عليه، وكيف كان لا يمكن رفع اليد عن حديث


(1) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 4 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 14. (2) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 4 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 10 .

[ 194 ]

لا تعاد مع ظهور الدلالة وقوتها صدرا وذيلا بتلك الروايات، فانها لاتدل على ان الركوع عبارة عن الجامع للشرايط ولا على أن المراد منه ذلك، كى يتوهم حكومته على حديث لا تعاد. فان قلت: ان ما دل على ان السجود على سبعة اعظم، كصحيحة حماد بن عيسى عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها، وسجد على ثمانية اعظم على الكفين والركبتين وانامل ابهامى الرجلين والجبهة والانف، وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها، وهى التى ذكرها الله عزوجل في كتابه، فقال: وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا وهى الجبهة والكفان والركبتان والابهامات، ووضع الانف على الارض سنة إلى آخرها (1)، وعن العياشي في تفسيره ان المعتصم سئل ابا جعفر الثاني عليه السلام وفيها في الحجة على وجوب قطع يد السارق من مفصل اصول الاصابع، قال: قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): السجود على سبعة اعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: وان المساجد لله يعنى به هذه الاعضاء السبعة التى يسجد عليها، فلا تدعوا مع الله احدا، وما كان لله لم يقطع إلى آخره (2)، دال على التفصيل بين الاخلال بها وبين الاخلال بغيرها، فان قوله: السجود على سبعة اعضاء أو اعظم كما في الاخرى تدل على ان السجدة عبارة عن السجود عليها فينقح موضوع حديث لا تعاد تحكيما عليه، وان قوله: سبعة منها فرض يسجد عليها وهى التى ذكرها الله عزوجل في كتابه، فقال: ان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا دال على ان السجود عليها من فرض الله فتخرج عن ذيل لا تعاد فتنقض الفريضة الفريضة. قلت: دعوى دلالتها على ان السجدة بحسب الماهية ولو عند الشارع عبارة عن ذلك، ممنوعة فانها لاتدل الا على ان الواجب السجود عليها أي وضعها على


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب افعال الصلوة حديث: 1 و 2. (2) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب السجود حديث: 6 .

[ 195 ]

الارض، ولهذا قال: سبعة منها فرض يسجد عليها إلى آخره، ومن المعلوم أن اطلاق السجود توسع في غير الجبهة، فما في بعض الروايات من ان للكفين مثلا سجدة مجاز وغير دال على المدعى. وكذا دعوى دلالة الاية الكريمة (1) على كون الفرض السجدة عليها ممنوعة أيضا إذ نفس الاية لا دلالة فيها على تلك الاعضاء فضلا عن كون السجود عليها فرضا في الصلوة، واما الروايات فلا تدل على ان الله تعالى فرض السجود على تلك الاعضاء بل ما يظهر منها هو ان السجود على تلك الاعضاء فرض، وتلك الاعضاء هي التى ارادها الله تعالى بقوله: وان المساجد لله لا أنه تعالى فرض السجود عليها بقوله ذلك وهو واضح، فلا يصح التفصيل بعد عدم دخالة غير وضع الجبهة في ماهية السجدة. ان قلت: التحديد والانحناء الخاص المعتبر في الركوع والسجود، يحتمل ان يكون راجعا إلى تعيين المفهوم، وتخطئة العرف في التطبيق على ما هو خارج عن الحد الشرعي، فلابد من التفصيل بين الاخلال به وبين الاخلال بغيره مما يعتبر فيهما. قلت: ان كان المراد ان الشارع عين المفهوم العرفي واخطأ العرف، فهو كما ترى لا يخلو من تناقض، فانه بعد التصديق بان المفهوم عند العرف ذلك لا معنى للتخطئة، ولو رجعت التخطئة إلى التطبيق لا إلى تعيين المفهوم، فهو ايضا غير سديد، لان المرجع في تعيين المفاهيم والتطبيق وتعيين المصاديق هو العرف، وان كان المراد ان للشارع اصطلاحا خاصا فيهما يخالف العرف، ورجع التخطئة إلى ان الركوع والسجود الشرعيين ليسا بالمعنى الذى فهمه العرف، فهو امر معقول، لكن لابد من قيام الدليل عليه، والروايات الدالة على التحديد فيهما لاتدل على ذلك، كقوله في صحيحة زرارة: بلغ باطراف اصابعك عين الركبة (2)، وفى الاخرى فان وصلت اطراف


(1) سورة الجن - آية - 18. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب الركوع حديث: 1 .

[ 196 ]

اصابعك في ركوعك إلى ركبتيك اجزئك (1) وقوله في السجود في رواية ابن سنان: إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس (2)، فان امثالها لاتدل على تعيين المفهوم وتخطئة العرف، بل غاية ما تدل عليه هو كون الانحناء إلى هذا الحد شرطا وانه كساير الشرايط المعتبرة فيهما. فان قلت: ان خبر الحسين بن حماد يدل على ان الانحناء الخاص في السجود داخل في ماهيته ولو شرعا، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع، قال: ارفع رأسك ثم ضعه، (3) فانه دال على ان وقوع الجبهة على المرتفع لا يكون سجدة شرعا أو مطلقا، والا لما امره به فانه من قبيل الزيادة عمدا الموجب للبطلان في السجدة الواحدة ايضا. قلت: رواية الحسين ضعيفة لعدم توثيقه، وعن الاستبصار عن الحسن بدل الحسين وهو مجهول مهمل، ودعوى جبران سندها بالشهرة بل عدم الخلاف غير وجيهة فان استنادهم إليها غير ظاهر بعد احتمال الاستناد إلى ظهور مستثنى لا تعاد في الركوع والسجود المعتبرين شرعا الجامعين للشرايط، كما يظهر من استدلال بعضهم، ويشهد له نقل الشهرة في ساير الشروط ايضا فان سجد على ما لا يصح جاز رفع رأسه والسجود على ما يصح على المشهور كما هو المنقول فيعلم منه انهم لم يستندوا في الحكم المذكور إلى الرواية بل إلى القاعدة على ما رأوا أو إلى أن مثل هذه الزيادة لا توجب البطلان كما قال به بعض. مع ان الحسين روى عن ابى عبد الله (عليه السلام) في المسألة ما يخالف تلك الرواية، قال: قلت له: اضع وجهى للسجود فيقع وجهى على حجر أو على موضع مرتفع احول وجهى إلى مكان مستو، قال: نعم جر وجهك على الارض من غير ان ترفعه (4)، فيوجب


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب افعال الصلوة حديث: 3. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 11 - من ابواب السجود حديث: 1. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 8 - من ابواب السجود حديث: 4. (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 8 - من ابواب السجود حديث: 2 .

[ 197 ]

ذلك ايضا وهنا فيها، إذ من المحتمل ان يكون سؤاله مرة واحدة واختلاف الرواية لخطأ منه إذ كون السؤال مرتين والجوابين مختلفين لا يخلو من بعد. وعلى ذلك لا تعارض الرواية صحيحة معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها ولكن جرها على الارض (1)، و يظهر منها تحقق السجدة وأن الرفع يوجب زيادتها المبطلة. وتوهم اعراض الاصحاب عنها في غير محله بعد احتمال ان يكون الحكم بالرفع ترخيصا عندهم جمعا بين الروايات، كما صنعه المحققون بدعوى ان الامر بالرفع في مقام توهم الحظر، فلا يستفاد منه الا الترخيص، والامر بالجر محمول على الاستحباب والنهى عن الرفع محمول على المرجوحية ومع ذلك الاحتمال لا يثبت الاعراض بحيث يمكن رفع اليد عن الحجة القاطعة، وان كان الجمع بما ذكر بعيدا عن الفهم العقلائي، فان بين قوله ارفع رأسك وقوله لاترفع جبهتك وجرها على الارض تناقضا بحسب العرف تأمل، وكيف كان لا يصح رفع اليد عن لا تعاد الظاهر الدلالة بمثل تلك الرواية. واضعف مما مر التشبث برواية الحسين بن حماد الاخرى للمطلوب، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسجد على الحصى، قال: يرفع رأسه حتى يستمكن (2)، بدعوى دلالتها على ان السجدة مع عدم التمكن ليست بالسجدة المجعولة في الصلوة، فالتمكن من مقوماتها ولذا امره بالرفع، ولو كانت السجدة حاصلة وان فقد شرطها، كان يامره بالجر لئلا يلزم الزيادة العمدية، ويمكن الغاء الخصوصية عن التمكن واثبات الحكم بالنسبة إلى ساير الشروط كالسجدة على ما لا تصح وغيره وانما لم نقل ذلك في الرواية الواردة في مورد ارتفاع موضع الجبهة لخصوصية فيه دون المقام. وجه الا ضعيفية أن الرواية ضعيفة بالمفضل الذى قالوا فيه: انه كذاب يضع


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 8 - من ابواب السجود حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 8 - من ابواب السجود حديث: 5

[ 198 ]

الحديث، فلا تصلح لاثبات الحكم، مع انه وردت في موردها صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام. قال: سألته عن الرجل يسجد على الحصى ولا يمكن جبهته من الارض، قال: يحرك جبهته حتى يتمكن فينحى الحصى عن جبهته ولا يرفع رأسه (1) فدلت على ان السجدة تحققت وان فقد شرطها، والا لم يمنعه عن الرفع، وبالغاء الخصوصية يعرف الحال في ساير الشروط. واضعف منهما التشبث بما عن الاحتجاج من مكاتبة الحميرى إلى صاحب الزمان عليه السلام، وفيها السؤال عن المصلى يكون في صلوة الليل في ظلمة فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على مسح أو نطع فإذا رفع رأسه وجد السجادة هل يعتد بهذه السجدة ام لا يعتد بها، فكتب إليه في الجواب ما لم يستو جالسا فلا شئ عليه في رفع راسه لطلب الخمرة (2). فانها مع ضعفها وكونها مكاتبة سيما إلى الناحية المقدسة مضطربة المتن، فان الظاهر من السؤال انه سجد في الظلمة خطأ على غير السجادة التى كانت يصح السجود عليها، فلما رفع رأسه وجد السجادة وعلم بخطائه فسأل عن صحة سجدته وكان حق الجواب ان يقول: نعم أو لا، ولا يناسبه الجواب الذى في المتن، ومع الاغماض عنه والتأويل في السؤال بان المراد انه ان رفع رأسه وجدها وان المراد انه هل يعتد بتلك السجدة أو يرجع إليها لتحصيل الشرط، فالتفصيل بين الجلوس مستويا وغيره غير ظاهر فانه ان كان رفع رأسه لتحصيل ما هو الشرط فلا فرق بينهما، والجلوس لا يجعل السجدة مستقلة كما قيل، فان الاستقلال وعدمه على فرض الصحة يتبع القصد ولا دخل للاستواء جالسا فيه، ومع الغض عن ذلك كله فهى واردة في صلوة الليل، والزيادة فيها بما ذكر معفو، ولا يمكن استفادة حكم الفريضة منها. فان قلت: يمكن ان يستفاد من بعض ما ورد في الركوع انه عند الشارع


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 8 - من ابواب السجود حديث: 3 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 8 - من ابواب السجود حديث: 6

[ 199 ]

عبارة عن المحدود بحد معين شرعى، وهى رواية عمار عن ابى عبد الله عليه السلام، عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، قال: ليس عليه شئ، وقال: ان ذكره وقد اهوى إلى الركوع قبل ان يضع يده على الركبتين فليرجع قائما وليقنت ثم ليركع، وان وضع يده على الركبتين فليمض في صلوته وليس عليه شئ (1) فان قوله: قد اهوى إلى الركوع دال على ان ما قبل الوصول إلى ذلك الحد هوى إليه لا ركوع ولو مع الصدق العرفي فليس ذلك الا عدم حصول الركوع الشرعي به، كما ان التفصيل بين ما قبل الوصول إلى الحد وغيره وامره بالرجوع قبل ذلك دال على عدم تحققه والا لزم الزيادة، والسؤال وان كان عن الوتر لكن غيره المذكور تلوه شامل باطلاقه للفريضة. قلت: مضافا إلى ان الرواية ضعيفة لا يمكن اثبات الحكم بها، والى ان المظنون أن المراد بغير الوتر ساير الصلوات الليلية المستحبة بقرينة انه لو اراد السؤال عن الفريضة وغيرها يسئل عنها ويذكر النافلة تلوها فالسؤال عن الوتر وغيره أي من صلوة الليل ان الماهيات التى لاتوجه الا قصدا كاجزاء الصلوة من الركوع وغيره إذا وجدت من غير قصد إليها لم يصدق عليها العناوين، فالركوع عبارة عن الانحناء الخاص قاصدا به الركوع والخضوع، أو الا فمطلق الانحناء ليس ركوعا، فلو انحنى بقصد قتل الحية مثلا لا يقال: انه ركع وزاد في صلوته ركوعا. فحينئذ نقول: ان من اهوى إلى ايجاد الركوع بالحد الذى عينه الشارع فقبل الوصول إلى ذلك الحد ليس ما أتى به الا الهوى إليه ولم يصدق عليه الركوع، لا لان الحد الشرعي ماهيته، بل لان المقصود ايجاد الحد الشرعي وحصول الركوع العرفي قبل الوصول إلى ذلك الحد انحناء غير مقصود به الركوع، لكن لو ركع قاصدا به الركوع و وصل إلى الحد العرفي بتوهم ان ذلك موافق للشرع اوجد الركوع، لان ذلك الانحناء الخاص


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 15 - من ابواب القنوت حديث: 2 .

[ 200 ]

مقصود به ذلك، فقوله: اهوى إلى الركوع قبل ان يضع يده إلى آخره الذى هو كناية عن الحد الخاص وان دل على ان الهوى قبل الوصول ليس بركوع، لكن لا يدل على ان الركوع الشرعي ذلك وان للشرع اصطلاحا فيه، بل ذلك لاجل ان الهوى غير مقصود الا للوصول إلى الحد الخاص، ولما كان الركوع من الامور القصدية لا يصدق على هذا الهوى. وتوهم ان هذه الرواية شارحة لساير الروايات التى علق الحكم فيها بالركوع في غير محله، فان المفهوم منها ان الهوى إلى الركوع ليس ركوعا، فلو ركع قاصدا ما دون الحد الشرعي لجهل أو نسيان فقد اتى بالركوع وتشمله الروايات المذكورة وبالجملة ان الرواية لاتدل على ان ما دون ذلك ليس ركوعا وان قصده. بل تدل على ان الهوى غير ركوع، وقد تقدم ان ذلك الهوى لم يقصد به الركوع فيسلب عنه اسمه، وكيف كان فاثبات الحكم بتلك الرواية غير ممكن ولو نوقش في بعض ما ذكرناه فتدبر. مسألة لو اخل بالقيام في الجملة أو في جميع صلوته فهل مقتضى القاعدة الاولية مع الغض عن الاجمال والاخبار الخاصة هي الصحة أو الفساد؟ ربما يتوهم ان القيام ثبت وجوبه في الصلوة بالكتاب فهو من فرائض الله، و مقتضى ذيل حديث لا تعاد ان الفريضة تنقض الفريضة، اما ثبوته به فلقوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم (1) حيث فسر في الرواية عن ابى جعفر عليه السلام بان الصحيح يصلى قائما والمريض جالسا (2) وعن تفسير النعماني عن على عليه السلام قوله عزوجل: فإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، ومعنى الاية ان الصحيح يصلى قائما والمريض قاعدا إلى اخره، (3) و


(1) سورة آل عمران - آية - 191 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب القيام حديث: 1. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب القيام حديث: 22 .

[ 201 ]

في مرسلة حريز عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: فصل لربك وانحر قال: النحر الاعتدال في القيام، ان يقيم صلبه ونحره (1) وفيه ان ما في الرواية الاولى لا دلالة فيها على ان الله تعالى اوجب ذلك، بل الظاهر منها خلافه، فان الظاهر ان الله تعالى مدح المصلين الذين يذكرون الله قياما وقعودا، وهو ظاهر في ان الحكم لم يثبت بالاية، واما ما عن تفسير النعماني فلولا ضعفه لامكن الاستناد إليه على تأمل، فان استفادة ما في الحديث عن ظاهر الاية لا يخلو من اشكال، فيمكن القول بان الاستفادة انما هي من السنة لا من الكتاب تأمل، واما المرسلة فمع ضعفها معارضة بروايات اخرى كصحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: فصل لربك وانحر، قال: هو رفع يديك حذاء وجهك (2) وقريب منها غيرها. ثم على فرض ثبوت اعتبار القيام بالكتاب وكونه من فرائض الله، ففى كون مطلق ذلك ناقضا للفريضة اشكال ومنع، لان ما ثبت من ذيل لا تعاد هو ان السنة لا تنقض الفريضة، واما ان كل فريضة ناقضة لها فلا دلالة فيه، نعم يثبت منه ان الفريضة في الجملة صالحة لنقضها أو ناقضة لها. وربما يتوهم ان قوله في صحيحة زرارة: قال: قال أبو جعفر عليه السلام في حديث: وقم منتصبا فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من لم يقم صلبه فلا صلوة له حاكم على حديث لا تعاد ومقتضى القاعدة بطلان الصلوة بترك القيام. وفيه - بعد الغض عن ان دليل الرفع حاكم على مثل الرواية لانه رافع لموضوعها - ان قوله: (لا صلوة له) بعد استعماله فيما يصح الصلوة مع فقده بدليل لا تعاد، سيما مع ورود مثله في الحمد مع صراحة ذيل لا تعاد بان القرائة سنة لا تنقض الفريضة فيشمله لا تعاد بالصراحة، لا يبقى مجال لتوهم الحكومة


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب القيام حديث: 3. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 9 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 4 .

[ 202 ]

الموجبة لرفع اليد عن لا تعاد، هذا كله بالنسبة إلى القيام بنحو مطلق. واما القيام حال تكبيرة الافتتاح وما هو متصل بالركوع فقد تسالم الاصحاب على كون منهما ركنا وادعى الاجماع عليه، فلابد مع الغض عنه من الكلام في كل منهما حسب القاعدة. فنقول: اما القيام حال تكبيرة الاحرام فلا اشكال في بطلان الصلوة بتركه، لموثقة عمار قال: سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل وجبت عليه صلوة من قعود فنسى حتى قام وافتتح الصلوة وهو قائم، قال: يقعد ويفتتح الصلوة وهو قاعد ولا يعتد بافتتاحه الصلوة وهو قائم وكذلك ان وجبت عليه الصلوة من قيام فنسى حتى افتتح الصلوة وهو قاعد، فعليه ان يقطع صلوته وهو يقوم ويفتتح الصلوة وهو قائم ولا يعتد بافتتاحه وهو قاعد، (1) وهى كما ترى صريحة في بطلان الصلوة بترك القيام حال التكبير إذا كان عن نسيان. لكن وقع الكلام في امرين، احدهما ان البطلان حسب هذه الموثقة مخصوص بالترك نسيانا، فلا يشمل الترك لساير الاعذار كنسيان الحكم والجهل به ونحوهما، فبناء على مسلك من قال: ان حديث لا تعاد مخصوص بالنسيان وان حديث الرفع مخصوص برفع العقاب، لا اشكال في البطلان مطلقا حسب القاعدة، واما على ما قدمناه من اطلاقهما وشمول لا تعاد لغير العمد والعلم، فالقاعدة تقتضي الحكم بالصحة في غير العمد والعلم، ولابد في القول بالبطلان في غير والنسيان من التماس دليل آخر. وثانيهما ان اعتبار القيام حال التكبيرة بعد الفراغ عن البطلان بتركه يتصور على وجوه، منها انه معتبر في الصلوة وركن فيها، ومنها انه شرط لتكبيرة الاحرام، وهى ركن تبطل الصلوة ببطلانها ولو سهوا، ومنها ان التكبيرة المتقيدة به ركن، وهو من القيود المقومة لها بحسب الشرع، والفرق بين الاخيرين انه على الاول منهما لو أتى التكبيرة حال الجلوس اتى بما هو المقرر في الصلوة، وانما


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب القيام حديث: 1 .

[ 203 ]

البطلان لاجل فقدان شرط الصحة، وأما على الثاني فلم يأت بها بما هي تكبيرة الصلوة، ومنها ان القيام شرط لتحقق افتتاح الصلوة، توضيحه ان تكبيرة الافتتاح سبب للدخول في الصلوة وافتتاحها، فيتحقق الافتتاح بتماميتها، وباتمامها يدخل المكلف في حريم الصلوة ويحرم عليه وضعا وتكليفا امور، ولهذا يقال لها تكبيرة الاحرام نظير التلبية في احرام الحج، فانها سبب لتحقق الاحرام الذى هو امر اعتباري شرعى وبها يحرم على المكلف امور: وبالجملة ان التكبيرة غير الافتتاح وغير الدخول في الصلوة، وهذا لا ينافي مع ما ورد من ان اول الصلوة التكبيرة، فان ذلك لاجل كونها من الصلوة بعد الدخول بها فيها، نظير التكبيرات السبع الافتتاحية، فانها من الصلوة أي من مصداقها وان كانت متحققة قبل الدخول في الماهية الصلوتية، ونظير قوله و رحمة الله وبركاته فانه جزء الفرد وان كان الفراغ بقوله: السلام عليكم، بل ذلك الاشكال وارد على أي حال فان الجزء الاول للتكبير أي قوله الله يوجد دائما قبل الدخول في الصلوة، فان الدخول فيها بالتكبيرة لا يتحقق الا بعد تمام التكبير أي بعد التنطق بالراء فما قبل الراء يصير جزء للصلوة تبعا للتكبيرة بعد تحقق الصلوة. والفرق بين هذا الاحتمال وسوابقه، انه على فرض ترجيحه في معنى الموثقة يمكن القول بصحة الصلوة إذا اوجد بعض التكبيرة حال الجلوس سهوا ثم تنبه وقام واتمها فانه على ذلك عمل بالموثقة بخلاف ساير الاحتمالات. ثم انه قد يتوهم أنه لا منافاة بين كون القيام حال التكبيرة في نفسه ركنا للصلوة وبين كونه مع ذلك شرطا للتكبيرة، ومع الاخلال به ينسب البطلان اليهما، فعلى هذا نأخذ بظاهر الرواية الدالة على الاشتراط وبالاجماع المدعى بانه في نفسه ركن فيها وفيه انه بعد معلومية ان الصلوة ماهية اعتبارية باجزائها وشرايطها كافة، لا يعقل جعل القيام ركنا وجعله شرطا للتكبيرة، للغوية احد الجعلين، فلو جعل ركنا حال التكبير لا يمكن ايجاد التكبير الصحيح الا مع القيام، فجعله شرطا لغو لا اثر له لعدم التفاوت بين جعل الشرطية وعدمه، وكذا لو جعل شرطا لا يعقل جعله ركنا لما ذكر وذلك للتلازم بينهما

[ 204 ]

وعدم امكان الافتراق، وهذا بخلاف الموارد التى يكون بين المجعولين بحسب المورد العموم من وجه كشرطية طهارة لباس المصلى وشرطية عدم كونه مما لا يؤكل، فان الشرط هو نفس الطبيعة في الموردين من غير لحاظ الافراد فضلا عن الافراد المقابلة لكل مجعول فضلا عن مورد الاجتماع، ففى مثله يصح الجعل ويثمر ولو اجتمعا ينسب البطلان اليهما، ولا يقاس المقام بمثل ذلك وهو واضح، فعلى ذلك لو تم الاجماع على ركنية نفس القيام يكشف ذلك عن المراد في الموثقة ويطرح ظاهرها على فرض الدلالة على الشرطية ولو لم يتم يكشف ظاهرها عن عدم كونه ركنا في نفسه. ان قلت: يمكن رفع الاشكال بان لغوية جعل الركنية انما هي على فرض جعلها مستقلة لكنها لم تستقل في الجعل بل انتزعت من الجزئية في المأمور به فالقيام لما كان جزء المأمور به يكون ركنا بحسب الاصل الاولى وهو اصا لة الركنية، لكن بدليل لا تعاد يرفع اليد عن الاصل فيه مطلقا، الا ان الاجماع أو الموثقة على بعض الاحتمالات كاشف عن بقاء جزئية القيام حال التكبير بنحو الاطلاق الكاشف عن الركنية ففى الحقيقة لم يتعرض الدليل لخصوص القطعة الخاصة من القيام بجعل الركنية له كى يستشكل بلزوم اللغوية، بل دل على جزئية القيام مطلقا وبعد تحكيم دليل لا تعاد عليه دل الاجماع على تقييد المستثنى منه في لا تعاد. قلت: هذا التشبث لا يدفع الاشكال، فانه بعد التحكيم والتقييد تكون النتيجة ركنية القطعة الخاصة من القيام وبطلان الصلوة بترك القيام حال التكبيرة وعند ذلك جعله شرطا لتكبيرة الاحرام لغو لا ثمرة له، فانه على ذلك بطلت الصلوة بتركه سواء كان في ضمن ترك التكبيرة أو ايجادها بغير حال القيام، فلابد من الاتيان به مع التكبيرة لتصحيح الصلوة سواء جعل شرطا لها ام لا فجعل الشرط وعدمه سواء. ثم ان ما افادوا من ان البطلان على فرض ركنية نفس القيام وشرطيته للتكبيرة ينسب إلى الامرين غير واضح، فان ترتب المسبب على سببه عقلي وان كانت

[ 205 ]

السببية جعلية شرعية، فلابد في ذلك من ملاحظة حكم العقل، ومن المعلوم ان ذات القيام مقدمة رتبة على وصفها وهو شرطيته للتكبيرة: كما ان عدمها مقدمة على عدم الوصف، فترك القيام سبب لامرين في رتبة واحدة بطلان الصلوة وفقد الشرط، وفقد الشرط والبطلان في رتبة واحدة، ولا يعقل ان يصير احدهما سببا للاخر، فالبطلان دائما يترتب على ترك القيام بنفسه ولا يترتب على ترك الشرط تأمل. وان نوقش فيما ذكر باعتبار ان الشرط نفس القيام لا وصفه، وتقدم ذات القيام على ذاته الموصوفة بالشرطية غير ممكن، للزوم تقدم الشئ على نفسه، فنقول: انه مع الغض عن امكان المناقشة في، ذلك يرد عليه اشكال آخر وهو ان انتساب بطلان الصلوة على فرض ركنية القيام إلى بطلان تكبيرة الاحرام لفقد شرطها وهو القيام غير معقول، لان بطلان التكبيرة متأخر عن فقد شرطها وبطلان الصلوة متاخر عن بطلان التكبيرة، وبطلان الصلوة المترتب على فقد نفس القيام على فرض ركنيته في عرض بطلان التكبيرة فلا يعقل انتساب البطلان إلى بطلان التكبيرة بفقد شرطها في حال من الاحوال، هذا حال مقام الثبوت. واما بحسب مقام الدلالة فمع الغض عن الاحتمال الاخير وحمل ما ورد في الموثقة من لفظ افتتح ويفتتح على المعنى الكنائى بأن يراد منه أوجد تكبيرة الافتتاح، يكون الترجيح للقول بالشرطية، فان الظاهر من الجملات المذكورة ان اللازم افتتاح الصلوة وهو قائم، سيما مع التأكيد بانه لا يعتد بافتتاحه وهو قاعد. هذا إذا دار الامر بين الاحتمالات الثلاثة الاول، ولكن لا دليل على ذلك، بل الامر دائر بين الاحتمالات الاربعة على ما تقدم، وعليه فالظاهر منها هو الاحتمال الرابع الذى ذكرناه أخيرا لان الافتتاح مسبب عن التكبيرة، والحمل على المعنى المجازى أو الكنائى خلاف الظاهر، وقد دلت الموثقة على لزوم كون افتتاح الصلوة حال القيام، فتكون ظاهرة في ان القيام شرط لافتتاحها، ولما لم يمكن التفكيك بين آخر التكبيرة والافتتاح خارجا لابد وان يكون القيام مقارنا لاخرها حتى يوجد الافتتاح قائما، فلو نسى واوجد بعض التكبيرة جالسا وقام واتمها صحت صلوته لو

[ 206 ]

كان المستند هي الموثقة بدليل لا تعاد وغيره، واما الاجماع فغير ثابت مع اختلاف كلماتهم، وعدم تعرض جماعة للمسألة، وعدم ادعائه الا من بعض المتأخرين، واحتمال استنادهم في الحكم إلى الموثقة وغيرها كما ترى الاستناد إليها في كلماتهم، فالصحة على ذلك في الصورة المذكورة على القواعد، والاحتياط باتمامها واعادتها طريق النجاة هذا حال القيام حال التكبيرة. واما القيام المتصل بالركوع فالكلام فيه يتوقف على بيان ماهية الركوع، فنقول: يحتمل فيها بحسب التصور وجوه. (منها) ان يكون الركوع عبارة عن الهيئة الخاصة من الانحناء، من غير دخالة القيام والانتصاب والهوى منهما إلى تحقق الانحناء الخاص في ماهيته، كما ان الامر كذلك في السجود، فلو هوى إليه قبل الوصول إلى حده العرفي من غير نية ثم بدى له الركوع فهوى بقصد الركوع إلى حده العرفي صدق الاسم، وكذا لو قام مقوسا من السجود والجلوس ووصل إلى حده، وبعبارة اخرى ان الحركة من العلو أو السفل دخيلة في وجوده ومقدمة وجودية له لا في ماهيته، فلو تولد طفل منحنيا يصدق انه راكع ولادة. (ومنها) ان يكون عبارة عن الهوى عن القيام أو الانتصاب إلى الوصول إلى الحد الخاص، بحيث يكون الهوى عن القيام إلى ذلك دخيلا في تحقق ماهيته و يكون من مقوماتها، بحيث لا يصدق على الانحناء الخاص لو وجد من غير الهوى عن القيام، فلا يكون الركوع عن الجلوس ركوعا الا تجوزا، وان كان ملحقا به شرعا في بعض الحالات، كالاشارة التى تكون ملحقة به احيانا وقائمة مقامه. (ومنها) ان يكون عبارة عن الهوى عن انتصاب الظهر واقامته إلى الحد المذكور فيصدق على ركوع الجالس إذا اوجده عن الجلوس واقامة الظهر، وعلى الفرضين لا يصدق على الناهض مقوسا إلى حده، ولا على ما حصل بعد الهوى بقصد آخر ثم بدى لد الركوع فزاد في هويه إلى وصول الحد.

[ 207 ]

(ومنها) ان يقال الانتصاب لا دخالة له في ماهيته، بل القيام العرفي الصادق مع انحناء ما كاف في صدقه إلى غير ذلك من الاحتمالات. ثم على فرض دخالة القيام في ماهية يشكل امكان ركنية القيام المتصل بالركوع بمعنى الهوى عن قيام مقابل ركنية الركوع، ضرورة ان القيام إذا كان دخيلا في الماهية يصير جزء ركنيا للصلوة باعتبار جزئيته للركوع، فمن ركع عن غير قيام اخل بالركوع وبطلت لاجله، فلا يعقل جزئية القيام المذكور مرتين في الصلوة وكذا ركنيته، فالقائل بركنيته مقابل الركوع لابد له من التزام احد الامرين، اما الالتزام بان الركوع لا يتقوم بالقيام، واما الالتزام بان المراد بالقيام المتصل بالركوع قيام ما قبل القيام المتصل، فالركن مصداقان من القيام، احدهما ما هو متصل بالهوى إلى الركوع فهو جزء الركوع وركن بركنيته ثانيهما قطعة اخرى من القيام قبل ما هو متصل بالهوى إلى الركوع فهو ركن آخر، والظاهر عدم التزام احد بالثاني. بل الظاهر من كلماتهم هو ركنية القيام المتصل بالمعنى الاول، فلابد له من الالتزام بعدم دخالته في مفهوم الركوع وهو غير بعيد عرفا ولغة، فان من هوى إلى السفل من غير قصد الركوع ثم بدا له الركوع وادام هويه إلى حده يصدق عليه انه ركع ويصدق على ما اوجده الركوع، بل الظاهر صدقه على الهيئة الخاصة، فلو شوهد شخص في هذه الهيئة وسئل عن العرف بان ذاك الشخص في أي حال يقال: انه في حال الركوع وان لم يعلم انه هوى من القيام إلى هذا الحد، وليس ذلك الا للصدق العرفي. ولو نوقش في ذلك، فلا اشكال في ان القيام فضلا عن الانتصال لا دخل له في الصدق، فلو هوى من انحناء ما الذى هو خارج عن القيام لغرض فهوى إلى الحد يصدق الركوع عليه، وظاهر كلمات اللغويين ان الركوع هو الانحناء، ففى الصحاح الركوع الانحناء، ومنه ركوع الصلوة وركع الشيخ انحنى من الكبر، وقريب منه ما عن القاموس وغيره، وهو كما ترى ظاهر في ان نفس الانحناء والتقوس ركوع،

[ 208 ]

بل الظاهر من بعض النصوص ان الهوى إلى الركوع غيره فضلا عن القيام، كموثقة عمار المتقدمة عن ابى عبد الله عليه السلام، وفيها وقال: ان ذكره (أي القنوت) وقد اهوى إلى الركوع إلى آخرها (1)، وهو ايضا ظاهر كلماتهم حيث قالوا: لو نسى القرائة مثلا وذكر قبل الوصول إلى حد الركوع رجع واتى بها إلى غير ذلك من كلماتهم المشحونة بذكر الهوى إليه الظاهرة في الافتراق، وكذا قولهم في المقام ان الركن القيام المتصل بالركوع، فعلى ذلك يكون القيام المتصل بالركوع امرا مستقلا عنه يمكن ان يكون ركنا في الصلوة. نعم لو قيل باشتراط الركوع بالقيام شرعا وببطلانه بفقد القيام بدعوى أن حديث لا تعاد ناظر إلى ان الركوع مع قيوده وشروطه الشرعية هو المستثنى ومقتضاه ان الاخلال بالشرط مخل بالركن وموجب للبطلان ولو سهوا لما صح ايضا استقلال القيام بالركنية، فان ما ذكر على فرض صحته يكشف عن عدم استقلاله لها لما مر فيه من الوجه، فلابد في القول بركنيته من الالتزام بعدم شرطيته للركوع، أو الالتزام بعدم كون المستثنى الركوع مع قيوده وشروطه، والالتزام بهما غير بعيد. اما الالتزام بعدم شرطية القيام للركوع، فلانه لا دليل على الاشتراط، وتوهم أن قوله في صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام، قال: إذا اردت ان تركع فقل وانت منتصب: الله اكبر ثم اركع إلى آخرها (2) دال على الاشتراط في غير محله، فانه مضافا إلى ان الصحيحة بصدد بيان المستحبات والاداب كما يظهر للمراجع، ان غاية ما تدل عليه هو اشتراط التكبيرة بالانتصاب وأما اشتراط الركوع بالقيام فلا دلالة لها عليه ولا دليل على زيادة ذلك لو لم نقل بان اطلاقها يقتضى عدمه. وربما يقال بعدما فرضنا وجوب القيام لمن كان قادرا وصحيحا بمقتضى الادلة فالامر بالركوع الظاهر في وجوب احداثه يرجع إلى وجوب الانحناء الخاص على


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 15 - من أبواب القيام حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب الركوع حديث: 1 .

[ 209 ]

من يكون قائما، وحاصله لزوم الانحناء الخاص عن استقامة واقامة للصلب، فلو ركع جالسا لم يأت بما هو ركن اعني الركوع عن استقامة انتهى. وفيه اولا ان الاوامر المتعلقة بالاجزاء لا يلحظ فيها الا متعلقاتها بل لا يعقل لحاظ غيرها، فالامر المتعلق بالركوع ليس الا امرا بالركوع ولا يتوجه الا إلى المكلف لا إلى القائم باعتبار وجوب القيام بدليل آخر، كما لا يتوجه إلى الاتى بالقرائة والتسبيحات إلى غير ذلك. وثانيا لو سلم ذلك لكن مقتضى الاطلاق صحة الاتيان بالركوع ولو اتى به من غير قيام، مثلا لو قال: ايها القائم اركع لا يدل ذلك على لزوم كون الركوع عن قيام الا ان يقيد كلامه بما يفيد ذلك. وثالثا لو سلم ذلك لكن لا دليل على الاشتراط فان الدلالة عليه انما هو من الظهور القائم باللفظ ومجرد وجوب القيام وتوجه الامر بالقائم لا يستفاد منه شرطيته بحيث يبطل الركن بالاخلال بشرطه، ثم على فرض الاشتراط، فلا دليل على ان المستثنى من لا تعاد هو الركوع المقرر شرعا مع شرايطه، إذ قد مر ان مقتضى الدليل هو استثناء ذات الركوع فراجع. ثم على ما تقدم من الكلام لا مانع عقلا عن وجوب ذلك القيام ركنا لو دل الدليل عليه لكن قد تقدمت الاشارة إلى ان لا دليل عليه كما ان التشبث باصالة الركنية وقاعدة الاشتغال في غير محله. والعمدة هي الاجماع المدعى من عصر المحقق إلى ما بعده، وفيه مجال واسع، للمناقشة فان الاختلاف الكثير في كلماتهم واهمال جمع عن ذكره واحتمال استفادة الركنية من اصالتها ومن نحو قوله من لم يقم صلبه فلا صلوة له (1) وتحكيمه على لا تعاد واحتمال ذهاب جمع منهم إلى ان شرط الركن ركن وجمع منهم إلى جزئيته للركن وجزء الركن ركن إلى غير ذلك يوجب التشكيك في قيام الاجماع


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب القيام حديث: 1 .

[ 210 ]

الحجة، لكن مع ذلك مخالفة ما تسالم عليه الاصحاب جرئة، وطريق الاحتياط هو النجاة. مسألة: لو اخل بتكبيرة الاحرام لنسيان أو غيره من الاعذار، فمع الغض عن الادلة الخاصة هل يحكم بالصحة كنسيان ساير الاجزاء والشرايط ما عدا المستثنى في حديث لا تعاد، لتحكيمه على ادلتها ولدليل الرفع الحاكم عليها، أو يحكم بالبطلان لخصوصية في لسان ادلة اثبات التكبيرة توجب تقديمها على حديث الرفع ودليل لا تعاد. لا يبعد البطلان فان الظاهر حكومة ادلة التكبيرة على حديث الرفع ودليل لا تعاد، وذلك لا لقوله في موثقة عمار ولا صلوة بغير افتتاح (1)، فانه وان كان حاكما على دليل لا تعاد في نفسه، لكن قد عرفت فيما سلف أن تكرر هذا التركيب في موارد يقدم فيها لا تعاد يمنع عن ذلك سيما وروده في فاتحة الكتاب مع تصريح حديث لا تعاد بانها سنة ولا تنقض السنة الفريضة، الا ان يقال ان الورود في مورد أو في موارد قام الدليل على منع التحكيم لا يوجب رفع اليد عن الحكومة في ساير الموارد، لكن مع ذلك لا يسلم عن الاشكال. بل التقديم لاجل ما ورد فيها من انها تكبيرة الافتتاح، (2) وانها مفتاح الصلوة (3) ولا تفتح الصلوة الا بها (4) وان تحريمها التكبير، (5) فان مثل تلك التعبيرات ظاهرة في ان الصلوة اعتبرت بوجه لايدخل فيها المصلى الا بالتكبيرة، فكأنها بيت مسدود لا يفتح الا بها، فلو لم يكبر المكلف واتى بجميع اجزاء الصلوة تقع خارجها كما ان قوله تحريمها التكبير ظاهر في عدم الدخول فيها الا بالتكبيرة،


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 7 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 1 - 12 (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 7 (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 12 (5) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 10

[ 211 ]

ولا ينافى ذلك كونها جزء الصلوة باجزائها كما اشرنا إليه فيما سبق. وكيف كان فهذه التعبيرات تجعل ادلة التكبيرة الافتتاحية مقدمة عليهما، اما على حديث لا تعاد فواضح، لان موضوعه الصلوة، وهذه الادلة تدل على عدم الدخول فيها ما لم يكبر فترفع موضوعه تعبدا، واما على حديث الرفع، فلان مفاده ليس الا رفع المنسى مثلا ولا يثبت به الدخول في الصلوة بلا تكبيرة. وبعبارة اخرى مفاد ادلة اثبات التكبيرة ان الصلوة لا تفتح الا بها، وحديث الرفع لا يتكفل لاثبات افتتاحها بلا تكبيرة، وفرق بين تحكيمه على ادلة ساير الاجزاء وبين المقام فان الدخلو في الصلوة في تلك الموارد محرز مع قطع النظر عن دليل الرفع والاتيان بساير الاجزاء وجدانى، والجزء المنسى إذا رفع به تم المقصود و هو الاتيان بالصلوة المأمور بها الوجداني، واما في المقام فالدليل دال على عدم دخوله في الصلوة وعدم فتح بابها، ودليل الرفع لا يثبت دخوله فيها، هذا بحسب القواعد، ومقتضاها بطلان الصلوة بترك التكبيرة مطلقا. واما بحسب الروايات الخاصة، فقد دلت جملة منها على بطلان الصلوة بنسيان التكبيرة، كصحيحة زرارة قال: سئلت ابا جعفر عليه السلام عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: يعيد (1) وموثقة عبيد بن زرارة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل اقام الصلوة فنسى ان يكبر حتى افتتح الصلوة، قال: يعيد الصلوة، (2) و صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما في الذى يذكر انه لم يكبر في اول صلوته، فقال: إذا استيقن انه لم يكبر فليعد ولكن كيف يستيقن (3) إلى غير ذلك، فهى باطلاقها تدل على البطلان سواء ذكرها قبل الركوع أو بعده أو بعد الصلوة. وبازائها روايات منها صحيحة الحلبي قال: سألته عن رجل نسى ان يكبر


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 3. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 2 .

[ 212 ]

حتى دخل في الصلوة، فقال: اليس كان من نيته ان يكبر، قلت: نعم قال: فليمض في صلوته، (1) فهى اخص من الروايات المتقدمة، ومقتضى الجمع ان يفصل في المسألة. وقد يقال: ان تقييد تلك الروايات بصحيحة الحلبي غير صحيح للزوم حمل المطلقات على الفرد النادر، فلابد من حمل الصحيحة على التقية حيث حكى القول بمضمونها أي الاكتفاء بالنية عن العامة وفيه ان النادر نسيان التكبيرة مما كان من نيته أن يكبر، وأما نسيانها لمن لم يكن من نيته التكبير فليس بقليل، لما اشرنا إليه فيما سلف من ان نية عنوان الصلوة ليست بعينها نية الاجزاء جزء فجزء بل يعقل ان تحرك ارادة المركب إلى اجزائه فان كل جزء يحتاج في وجوده إلى تصوره والتصديق بفائدته كى تتعلق به الارادة، فايجاد كل جزء موقوف على ارادة مستقلة متعلقة به وارادة العنوان لا يعقل ان تكون ارادة الجزء أو الاجزاء، وهذا امر سار في ايجاد المركبات الحقيقية والاعتبارية، فلا يعقل ان تكون ارادة بناء المسجد عين ارادة المقدمات الخارجية أو الداخلية، ولا يعقل انحلال الارادة إلى الارادات، فعلى هذا يكون الظاهر من الرواية هو التفصيل بين ما إذا لم يتعلق ارادته بالتكبيرة بنفسها وبين ما إذا تعلقت بها ثم نسى ان يكبر، وهذا امر ممكن. وعلى هذا تكون الصحيحة مختصة بمورد نادر والمطلقات بقيت على حالها في المصاديق الشايعة، وبعد رفع اشكال الحمل على الفرد النادر لابد من الاخذ بالمقيد وان كان موافقا لمذهب العامة، فان الحمل على التقية مورده التعارض بين الروايات لا ما إذا كان بينها جمع عقلائي. لكن يمكن ان يقال في المقام بان لسان روايات اثبات التكبيرة آب عن التخصيص، كقوله: لا تفتح الصلوة الا بالتكبيرة (2) ومفتاحها التكبيرة (3) إلى غير ذلك فلابد


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 9. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 12. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 7 .

[ 213 ]

من معاملة التعارض والترجيح للروايات المقابلة لصحيحة الحلبي المخالفة لمخالفتها للشهرة وموافقتها للعامة وموافقة مقابلاتها للسنة. وان ابيت عن استهجان التقييد، فنقول: ان صحيحة الحلبي لاجمالها لا تصلح لتقييد تلك الصحاح، وذلك لان فيها احتمالين متناقضين، فان كلمة نعم في جواب قوله: اليس كان من نيته ان يكبر يحتمل ان تكون حرف تصديق يراد منها انه لم يكن من نيته ذلك، فقال: فليمض أي إذا لم يكن من نيته وكان ناسيا لها رأسا صحت صلوته، وهذا مقابل ما حكى عن العامة، وفى مقابله ما إذا كان نسيانه بعد تعلق ارادته بالتكبيرة فنسيها، وهو وان كان نادرا لكنه واقع، ويحتمل ان يكون المراد بها الضد، أي انه كان من نيته كذلك، فالامر دائر بين الاحتمالين المتناقضين، ودعوى الظهور في احد الطرفين عهدتها على مدعيها، ومع الاجمال لا تصلح للتقييد. ومنها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام، قال: قلت له: الرجل ينسى اول تكبيرة (من) الافتتاح، فقال: ان ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرء ثم ركع، وان ذكرها في الصلوة كبرها في قيامه (مقامه) في موضع التكبير قبل القرائة (أو) وبعد القرائة، قلت: فان ذكرها بعد الصلوة قال: فليقضها ولا شئ عليه (1). بدعوى ظهورها في صحة الصلوة مع ترك تكبيرة الاحرام إذا تذكر بين الصلوة بعد الركوع أو تذكر بعد الصلوة. وفيها منع فان الظاهر من قوله: اول تكبيرة الافتتاح، ان المنسى هو التكبيرة الاولى من التكبيرات السبع الافتتاحية، كما ان اول تكبيرة من الافتتاح ظاهر في ذلك، وحمل من على البيانية خلاف الظاهر، وانما قال اول تكبيرة لان تعيين الاولى والثانية إلى آخرها كانه قصدي، فاراد الاتيان بها واحدة بعد واحدة فنسى الاولى ونوى التكبيرة الثانية ثم كبر الثالثة إلى آخرها، فالمنسية تكبيرة مستحبة والامر بالقرائة محمولة على الاستحباب كما ان الامر بالاتيان بها بين الصلوة والقضاء بعدها


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 8

[ 214 ]

محمول عليه. ومع الغض عنه وحمل التكبيرة على الافتتاحية الواجبة، فقوله: ان ذكرها في الصلوة كبرها في قيامه في موضع التكبيرة، ظاهر في ان الاتيان بها لابد وان يكون في موضعها وهو افتتاح الصلوة إذ ما عداه ليس مقامها وان كان مقام ساير التكبيرات فبناء عليه ظاهر الرواية بطلان الصلوة ولزوم الاستيناف وعليه يحمل القضاء على الاستحباب، وان اغمض عما ذكر فالرواية ذات احتمالات ولا تصلح لتقييد الصحاح. ومنها موثقة ابى بصير، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل قام في الصلوة ونسى ان يكبر فبدء بالقرائة، فقال: ان ذكرها وهو قائم قبل ان يركع (فليكبر وان ركع) فليمض في صلوته (1)، وهى مع اختلاف النسخة معارضة بصحيحة على بن يقطين، قال: سئلت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل ينسى ان يفتتح الصلوة حتى يركع، قال: يعيد الصلوة (2)، والترجيح للصحيحة، ويمكن ان يقال بعيدا: ا ن مفاد الموثقة اعم من نسيان التكبير الواجب وغيره والصحيحة مختصة بتكبيرة الافتتاح، فيعمل معهما عمل المطلق والمقيد. ومنها صحيحة ابن ابى نصر عن ابى الحسن الرضا عليه السلام، قال: قلت له: رجل نسى ان يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع، قال: اجزئه (3). ويعارضها موثقة ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام، انه قال: في الرجل يصلى فلم يفتتح بالتكبير هل تجزيه تكبيرة الركوع؟، قال: لابد يعيد الصلوة إذا حفظ انه لم يكبر (4)، والظاهر ان موردها النسيان سيما مع ملاحظة ذيلها، وتوهم ان اجزاء تكبيرة الركوع عن تكبيرة الاحرام موافق للقاعدة في غاية السقوط، كما ان حمل ما


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 10. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 2 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 5. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 3 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 2. (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 3 - من ابواب تكبيرة الاحرام حديث: 1 .

[ 215 ]

دلت على المضى وعدم البطلان على صورة الشك في غاية البعد، فتحصل مما مر بطلان الصلوة بالاخلال بالتكبيرة مطلقا. ومما ذكرنا يظهر الكلام في قوله في صحيحة زرارة على بعض طرقها منها في قاعدة لا تعاد: ان التكبير سنة ولا تنقض السنة الفريضة (1) فان اطلاقها وان اقتضى دخول تكبيرة الاحرام فيها لكن قد عرفت ان الاحاديث الواردة في اثبات التكبيرة حاكمة عليه فيحمل التكبير على غير تكبيرة الاحرام فتدبر جيدا هذا حال نقصان التكبيرة. واما الزيادة فقد حكى التسالم على بطلان الصلوة بها، وفرعوا عليه ان التكبير الثاني موجب للفساد والثالث صحيح وهكذا في كل زوج وفرد، اقول ابطال زيادتها موقوف على امكان وقوع تكبيرة الافتتاح زائدة ومع الامتناع يسقط البحث بهذا العنوان والتحقيق ان التكبير والتسليم يمتازان عن ساير الاجزاء، فان غيرهما مما يمكن فيه الزيادة حتى القيام المتصل بالركوع سواء قلنا بان الركن هو القيام المنتهى إلى الركوع ام لا، اما على الثاني فكما إذا هوى إلى الركوع فتذكر عدم اتيانه بالقرائة فقام لها ثم ركع، واما على الاول فكما لو زاد الركوع عن قيام إذ معه يستند البطلان على فرض القول به إلى زيادة القيام لانه اسبق العلتين. وهذا بخلاف التكبيرة الافتتاحية والتسليم المخرج، فانه لا يتصور فيهما الزيادة، أما في التسليم المخرج فلان الواقع بعده خارج الصلوة ولا يعقل الخروج مرتين، واما في تكبيرة الافتتاح التى يحصل بها الدخول في الصلوة، فلانها لا يعقل فيها الزيادة ايضا لا عمدا ولا عن غير عمد، اما العمدية فلعدم امكان صدور التكبيرة الافتتاحية من العامد الملتفت، لعدم امكان تعلق القصد بحصول ما هو حاصل، مضافا إلى عدم امكان تحقق الافتتاح مرتين، ولو قيل: إن العزم على الثانية موجب لبطلان الاولى يقال: على فرض التسليم ينتفى موضوع الزيادة فان الاولى بطلت


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 - من ابواب افعال الصلوة حديث: 14 .

[ 216 ]

بالعزم فرضا والثانية افتتاح لصلوة مستأتفة لا زيادة، وكذا لو قلنا بان العزم والاشتغال بالتكبيرة موجب للبطلان، لان التكبيرة لا تقع زيادة فانها باتمامها تكبيرة الاحرام، واما غير العمدية فلان القصد بها وان كان ممكنا، لكن الافتتاح مرتين غير معقول، وهو امر واقعى لا دخل للعمد وغيره فيه، والكلام في البطلان بالعزم أو به مع الاشتغال هو الكلام. فالبحث عن بطلان الصلوة بزيادة تكبيرة الاحرام ساقط رأسا، نعم يصح البحث عن ان زيادة التكبير بعنوان تكبيرة الاحرام هل هو موجب للبطلان أو لا، لامكان الاتيان بها كذلك مع السهو والغفلة ونحوهما وان لم تكن تكبيرة الاحرام. ثم مع الغض عما تقدم والبناء على امكان زيادتها، فمقتضى دليل لا تعاد وحديث الرفع عدم بطلان الصلوة بزيادتها، وما تقدم من تحكيم ادلة التكبيرة على حديث لا تعاد لا يجرى في الزيادة، لان دخوله في الصلوة مفروض وانما الشك في بطلانها بها وهى داخلة في المستثنى منه في لا تعاد، كما لا اشكال في شمول حديث الرفع لغير العامد، بل لو زادها عن عمد وعلم لا تضر أيضا لشمول لا تعادلها، فان ما قلنا من انصرافه عن العامد انما هو في العمد على النقيصة التى مقتضى القاعدة بطلانها بها لا الزيادة التى هي بالعكس، فمع الشك في الابطال مقتضى الحديث عدمه، كما ان مقتضى الاصل كذلك، والتمسك للابطال بقوله: من زاد في صلوته فعليه الاعادة (1)، قد مر دفعه مستقصى فيما سلف فليراجع. كما ان التشبث بالاجماع على ركنية التكبيرة الافتتاحية والاجماع على ان الركن ما تبطل الصلوة بتركه أو زيادته مطلقا في غير محله اما على ما ذكرناه من عدم امكان الزيادة فيها، فظاهر فانه على فرض ثبوت الاجماعين لابد من القول باختصاص الاجماع الثاني بغير التكبيرة الافتتاحية بعد امتناع الزيادة فيها، بل لو دل نص أو اجماع على خصوصها لابد من تأويله بعد الامتناع عقلا، هذا مضافا إلى عدم ثبوت


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2 .

[ 217 ]

الاجماع الثاني بعد اختلاف كلماتهم بل الظاهر ان الركن ما يبطل الشئ بتركه، كما هو مقتضى عنوان الركنية، فان ركن الشئ كانه قوائمه التى قام الشئ بهما فمع فقدها يهدم الشئ لا مع زيادتها، واما على الوجه الاخر أي الاتيان بعنوان تكبيرة الافتتاح وان لم تكن زيادة بان يقال: لو كبر للافتتاح ثم كبر له ثانيا بطل وابطل، فثبوت الاجماع فيه ممنوع. واما الاستدلال على كونه مع العمد باطلا بأنه تشريع محرم، وعلى كونه مبطلا للصلوة بانه زيادة فيها، ففيه ان كون التشريع موجبا لحرمة الفعل ممنوع، فان المأتى به بعنوانه الذاتي لا يعقل تحريمه بالتشريع، وبالعنوان الثانوي العرضى لا ينافي بقاء عنوانه الذاتي على اباحته أو استحبابه، هذا مع الغض عما ذكرنا من الامتناع، والا فالاساس مهدوم، كما ان ابطال الزيادة العمدية غير ثابت، بل الاصل والدليل على عدمه. وربما يحتمل أو يقال: ان الاتيان بالتكبيرة الافتتاحية ثانيا يلازم استيناف الصلوة ولازمه رفع اليد عن الاولى، وهو موجب لبطلانها، اما لان العزم على رفضها مبطل، أو هو مع الاشتغال بما ينافى الاولى، أو هو مع اتمام التكبيرة كذلك. وفيه اولا ان العزم أو هو مع الاشتغال أو الاتمام لا يلازم العزم على الاستيناف ورفع اليد عن الاولى، لامكان ان يأتي بالثانية بعنوان تكبيرة الافتتاح والغفلة عن عدم الامكان أو الجهل به، فاراد زيادة التكبيرة عمدا بتوهم ان عمدها لا يوجب البطلان، وهذا الزيادة وان لم تكن زيادة تكبيرة الافتتاح واقعا، لكن زيادة بعنوان الافتتاح مع عدم رفع اليد عن الاولى بل مع العزم على بقائه في الصلوة بالتكبيرة الاولى. وثانيا ان الناسي أو الساهي وان كبر للافتتاح لكن لم يكن عزمه رفع اليد عن الاولى والاستيناف، وذلك للغفلة عن كونه في الصلوة، ومجرد ذلك لا يوجب البطلان وان اتى بالتكبيرة، ولابد في البطلان من دليل آخر. وثالثا ان مجرد العزم على رفع اليد عن الاولى لا دليل على ابطاله، وتوهم

[ 218 ]

ان استدامة النية لابد منها ونية الخلاف ينافيها، فاسد لعدم الدليل على لزوم الاستدامة بهذا المعنى، بل ما هو اللازم هو الاتيان باجزاء الصلوة مع النية، وان تكون تلك النية تبعا لنية اصل الصلوة وهما موجودتان في الفرض، وبالجملة ما وجد من اجزاء الصلوة أو غيرها من المركبات كالوضوء مثلا لا دليل على بطلانه وعدم لحوقه بالتالى بمجرد العزم على رفع اليد عنه، بل يقتضى الاصل خلافه، بل العزم والاشتغال بما ينافيه ايضا لا يوجب البطلان وكذا مع التكبير ايضا. ودعوى - ان الهيئة الاعتبارية ووحدتها المعتبرة في الصلوة غير باقية مع العزم والاشتغال، فيصير ذلك ماحيا لصورتها عرفا، والعرف محكم في امثال المقام - غير وجيهة لان مجرد ذلك ان لم يكن اشتغالا كثيرا موجبا لرفع اسم الصلوة لا يوجب محو الصورة لا عرفا ولا شرعا، ومع الشك يقتضى الاصل بقائها، ومع ان في كون ذلك موكولا إلى العرف كلاما، فانه ليس من الموضوعات العرفية، فلابد في دعوى المحو من انتسابه إلى المتشرعة لينتهى الامر إلى اعتبار الشارع، وعهدتها على مدعيها، ثم لو قلنا ببطلانها مع العزم فلا اشكال في صحة الثانية وعدم الحاجة إلى الثالثة. واما على القول بان الاشتغال بالتكبيرة قبل تمامها يوجب البطلان فقد يقال بان اجزاء التكبيرة اجزاء الصلوة ومع كونه في الصلوة لا يعقل أو لا يصح دخوله في مصداق آخر منها. وفيه ان هذا مبنى على ان اجزاء التكبيرة قبل تمامها اجزاء وانما تكشف التكبيرة عن ذلك، وهو مخالف لظاهر الادلة، كقوله: اولها أو افتتاحها أو مفتاحها التكبير، والصلوة لاتفتتح الا بالتكبير، إذ من المعلوم ان التكبير لاتتحقق الا بعد التمام فإذا تمت دخل المصلى فيها، ودخول الاجزاء في الصلوة تبع لها ولا يتعبر الاجزاء مستقلا فيها، بل ما هو المعتبر نفس التكبيرة لا اجزائها وهى تبع لها، ولا يعقل دخول التابع في الجزئية قبل دخول المتبوع، فالاجزاء بعد تمام التكبيرة صارت

[ 219 ]

اجزاء الصلوة تبعا، وعلى ذلك فالاشتغال موجب للبطلان على الفرض، والدخول في الصلوة موقوف على تمامها، فيندفع الاشكال. واما لو قلنا بان البطلان عارض بعد تمام التكبيرة، ولعل هذا مورد تسالمهم على بطلان الثانية والاحتياج إلى الثالثة، والظاهر ان نظرهم إلى ان الدخول في الصلوة لا يمكن الا بعد بطلان ما بيده، والفرض انها لا تبطل الا باتمام التكبير فلا يعقل أو لا يصح كونه مبطلا ومفتاحا للصلوة. لكن يمكن ان يقال بصحة الثانية وعدم الاحتياج إلى الثالثة، فان المانع المتوهم امور، منها مضادة الاشتغال بهذه وتلك، وهو غير لازم أو غير ممكن، فان الصلوتين بوجودهما كمضادين أو مثلين وعلى هذا يكون عدم احداهما ملايما مع وجود الاخرى غاية الملايمة لو اعتبر للعدم حيثية، والا يقال: عدم احداهما غير مضاد للاخرى، والفرض ان التكبيرة بتمامها موجب لبطلان الاولى والدخول في الثانية، فهذا الظرف أو هذه الرتبة مقام الجمع بين عدم الاولى ووجود الثانية، ولا يعقل التضاد في هذا الظرف لعدم تعقل وجود المضادين. ومما ذكر يظهر النظر في ما افاده شيخنا العلامة من ان المبطل مبطل لتضاده مع الاثر من العمل فكيف يمكن ان يصير جزئه، فان مضادته انما هي مع اثر المصداق الذى كان بيده قبل التكبير الثاني لا مع اثر المصداق المتحقق بالثاني، وبعبارة اخرى انه مضاد لاثر الفرد الباطل به، ولا ينافى ذلك صيرورته جزء لفرد اخر. ومنها ان التكبير الثاني لا يمكن ان يقع امتثالا للامر بالتكبير مع وجود الاول، لامتناع تكرر الامتثال، ومع عدم الامر يقع باطلا، وفيه - مضافا إلى ان الاجزاء لا امر لها نفسيا، لا مستقلا وهو ظاهر، ولا ضمنيا لما حقق في محله، ولا غيريا، بل الاوامر المتعلقة بها ارشاد إلى الجزئية كالاوامر المتعلقة بالشروط فلا معنى للامتثال - ان الامتثال انما هو بعد تمام التكبيرة، وهو ظرف بطلان الاولى، فلا مانع من وقوعها امتثالا، ومنه يظهر النظر في توهم ان التكبير لا يعقل ان يصير جزء مع وجود التكبيرة

[ 220 ]

الاولى، لان الجزئية بعد التمام وهو ظرف سقوط جزئية الاولى. ومنها انه مع علم المكلف بالواقعة لا يمكن له قصد الافتتاح، لعدم امكان تكرره كما تقدم، وفيه ان ما تقدم من الامتناع هو قصد افتتاح ما هي مفتتحة، أي قصد تكبير الاحرام بعد تكبيرة الاحرام في مصداق واحد، لا قصد تكبيرة الافتتاح لمصداق يتحقق في ظرف بطلان الافتتاح الاول، وبعبارة اخرى ان المصلى لما راى ان الافتتاح يقع في حال سقوط الافتتاح الاول لان التكبيرة باتمامها افتتاح ومبطل، لا يرى امتناعا حتى يمتنع له القصد. ومنها انه مع العمد تقع الثانية محرمة، اما للتشريع المحرم، واما لكونها مبطلة للصلوة وهو محرم، وفيه ان التشريع غير لازم بعد ما لم يتكرر الافتتاح في مصداق واحد، بل باتمامها ينتفى موضوع التشريع، مضافا إلى ما تقدم من عدم حرمة الفعل المشرع به، واما الحرمة من قبل كونها مبطلة للعمل ففيها بعد تسليم حرمة الابطال ان سبب الحرام ليس محرما، فما هو الحرام ابطال العمل لا سبب ابطاله. ومنها ان صحة الثانية موقوفة على تأخر بطلان الاولى اما زمانا أو آنا أو رتبة وهو مفقود، وفيه ان ذلك دعوى بلا برهان، لعدم دليل على لزوم التأخر حتى الرتبى منه، فعلى القواعد لا مانع من صحة الثانية وعدم الاحتياج إلى الثالثة. بقى الكلام في دعوى عدم الخلاف بين الاصحاب وتسالمهم على البطلان قديما وحديثا كما قيل، لكنها قابلة للخدشة بعد احتمال تشبثهم باحدى الوجوه السابقة، فطريق الاحتياط الاتمام ثم الاعادة. مسالة: لو اخل بالجهر أو الاخفات في الاوليين أو في ساير الركعات عن جهل بالحكم أو الموضوع أو نسيان أو خطأ أو سهو ونحوها، فمع قطع النظر عن الروايات الخاصة، ان لم يكن لدليل اثبات الجهر أو الاخفات اطلاق فمقتضى اصالة البرائة في الاقل والاكثر الصحة مطلقا، للشك في اعتبارهما في غير حال العلم والعمد، من

[ 221 ]

غير فرق بين الجهل بالحكم وغيره، ومن غير فرق بين الالتفات إلى الخلل بعد الصلوة أو اثناءها بعد الركوع أو قبله حتى اثناء القرائة، فمن ترك الجهر أو الاخفات في آية أو آيات من الحمد أو السورة نسيانا أو نحوه ثم التفت يجوز له المضى ولا يجب عليه الاتيان بما قرء، بل لا يجوز الارجاء واحتياطا. واما لو كان لدليلهما اطلاق يشمل الحالات العارضة، فربما يتوهم ان حديثى لا تعاد والرفع الحاكمين على دليلهما لا يشملان جميع الحالات، فان الاول على فرض تسليم شموله لغير العمد والعلم من ساير الحالات وعدم اختصاصه بالسهو يكون محطه الالتفات بعد الصلوة، فان الاعادة تكرار الشئ وهو انما ينطبق على الشئ بعد وجوده، ولو اغمض عن ذلك ويقال بشموله لاثناء الصلوة فلا ينبغى الاشكال في عدم الشمول لما قبل الدخول في الركن، فان قبله لا معنى للاعادة أو الاستيناف و مقابلهما، فلو قرء جهرا فيما لا ينبغى الجهر فيه والتفت إليه قبل الدخول في الركوع لا يشمله، فلابد من الرجوع إلى اطلاق ادلة اعتبارهما، ويمكن المناقشة في شمول دليل الرفع ايضا لهذا الفرض لو سلم شمول اطلاقه لحال الالتفات وعدم تقيده بما دام النسيان مثلا، لامكان دعوى الانصراف عن المنسى الذى يمكن جبرانه بلا اعادة الصلوة واستينافها. وفيه نظر اما بالنسبة إلى لا تعاد فان منشأ توهمه تخيل ان الحكم في المستثنى منه والمستثنى متعلق بعنوان الاعادة، وقد سبق منا ان عنوانها غير مقصود بلا اشكال، ضرورة ان في ترك الاركان الموجب للبطلان بقى الامر المتعلق بالصلوة على حاله لعدم امتثاله ولازم كون الاعادة بعنوانها مأمورا بها سقوط الامر المتعلق بالصلوة وثبوت امر جديد متعلق بالاعادة بعد قيام الضرورة على عدم الامرين معا، وهو كما ترى لا ينبغى التفوه به، فالامر بالاعادة في المورد وفى كل مورد ورد نحوه كناية عن بطلان الصلوة الا إذا قامت القرينة على الخلاف، كما ان قوله: لا تعاد كناية عن صحتها وهو من الوضوح بمنزلة، مضافا إلى ان ذيل الحديث دل على ذلك، وهو التعليل بان السنة

[ 222 ]

لا تنقض الفريضة، وعلى ذلك يكون مفاد الحديث ان ترك الجهر لا يوجب البطلان واطلاقه يشمل ما قبل الركوع فلو اخفت في آية ثم التفت ومضى في صلوته صحت، ولو قيل بالبطلان يكون مخالفا لاطلاقه وللتعليل الوارد فيه. واما حديث الرفع فشموله اوضح، فان الظاهر الذى لا ينكران المنسى مثلا مرفوع، والرفع ما دام النسيان لا يرجع إلى محصل لو اريد به الرفع ثم الوضع، ولو قيل: ان الرفع متعلق بالمنسى إلى آخر عمر المكلف فلو التفت يكشف عن عدم الرفع فهو كما ترى خلاف الظاهر جدا، فمقتضى اطلاق الدليل في المقام ان المنسى ونحوه مرفوع سواء التفت بعده قبل الركوع أو بعده أو بعد الصلوة ام لا، فمع رفع الجهر عن الاية لم يبق محل للاتيان والجبران، فان الاية وقعت صحيحة بعد رفع الجهر أو الاخفات، والاتيان بها ثانيا خارج عن الصلوة. نعم لو فرض كون القرائة المتقيدة بالجهر أو الاخفات جزء بنحو وحدة المطلوب فمع الجهر محل الاخفات أو العكس لم يأت بالجزء، فلابد من الاتيان ما لم يمض وقت الجبران، لكن هذا الاحتمال ضعيف مخالف لفهم العقلاء، مضافا إلى ان اطلاق دليل اثبات القرائة يدفعه، ولا يعارضه اطلاق دليل الجهر على فرضه، فان الظاهر من مثل قوله فرضا الجهر واجب في صلوة العشائين انه شرط للقرائة أو الصلوة كما لا يخفى. ثم على ما ذهبنا إليه من جريان البرائة في الاقل والاكثر، ومن عموم لا تعاد لجميع الصور الا صورة العلم والعمد، وجريان حديث الرفع في مثل المقام، لا ثمرة مهمة للبحث عن مفاد الادلة الخاصة، لكن لما اختلفت الانظار في المبنى، بل لعلهم تسالموا على عدم معذورية الجاهل بحسب القواعد أو بقيام الاجماع لا بأس بالبحث عنها اجمالا. فنقول: اما اطلاقها فمحل منع، لانها اما في مقام بيان احكام اخر، أو حكاية افعال، واما ما في رواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام المنقولة عن كتاب العلل

[ 223 ]

لمحمد بن على بن ابراهيم، وفيها والقنوت واجب والاجهار بالقرائة واجب في صلوة المغرب والعشاء والفجر (1) فمع اشكال في سندها، وان الظاهر على ما يشهد به المجلسي وصاحب المستدرك ويشهد به متنها ان هذه الفقرة من كلام المؤلف انها ليست في مقام البيان، بل هي في مقام بيان اصل الفرض والنفل، فراجع روايات الباب كى يتضح الامر. واما حدود دلالتها فلابد من ذكر ما هو المهم منها، وهى صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لا ينبغى الاجهار فيه أو اخفى فيما لا ينبغى الاخفاء فيه، فقال: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلوته وعليه الاعادة، وان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدرى فلا شئ عليه وقد تمت صلوته (2) وفى الفقيه بدل أي ذلك ان فعل ذلك إلى آخرها. ويحتمل فيها وجود المفهوم لكل من الجملتين وعدمه فيهما أو وجوده في الاولى دون الثانية أو العكس على رواية التهذيب، والوجه في الاول انه جملتان شرطيتان سيما على رواية الفقيه لكل منهما مفهوم، وفى الثاني ان المتكلم إذا تصدى لذكر مفهوم كلامه فلا مفهوم له، وفى الثالث ان المتفاهم في امثال ذلك أنه للجملة الاولى مفهوم وقد تصدى المتكلم لذكر بعض مصاديقه الشايعة وعليه لا مفهوم للثانية، وفى الرابع انه على رواية التهذيب لم يكن قوله أي ذلك فعل حرف شرط فكأنه قال: المتعمد كذا ولا مفهوم لمثله. ثم على فرض المفهوم للجملتين يقع التعارض بين المفهومين في بعض المصاديق كما لو قلنا بان قوله: لا يدرى لا يشمل الا الجهل بالحكم، والسهو والنسيان مخصوصان بالموضوع، ومع التعارض يكون المرجح أو المرجع حديثى لا تعاد والرفع.


(1) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 6 - من ابواب كيفية الصلوة وآدابها حديث: 4. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 26 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث: 1 .

[ 224 ]

وعلى فرض ثبوت المفهوم للذيل دون الصدر تبطل الصلوة في الجهل بالموضوع ونسيان الحكم وسهوه، وكذا كل مورد لا يشمل المنطوق. وعلى فرض عدم ثبوت المفهوم لها تكون الموارد التى هي خارجة عن المنطوق في الجملتين محكومة بالصحة على ما هو الاصح. وعلى فرض ثبوت المفهوم لخصوص الجملة الاولى تصح في غير المتعمد، وهذا هو الاصح لكونه موافقا لفهم العرف حتى على رواية التهذيب، فان أي ذلك في حكم الشرطية يفهم منها المفهوم، وان الظاهر ان للكلام مفهوما وانما تصدى المتكلم لبيان بعض مصاديقه، ولا يبعد ان يقال: ان العرف مساعد للقول بان المتفاهم من الصحيحة ولو بمناسبة الحكم والموضوع ان الميزان في باب الجهر والاخفات هو التعمد بالترك وعدمه، وهما تمام الموضوع للاعادة وعدمها، فتشمل الصحيحة جميع الموارد حتى الموارد التى يقال انها خارجة عن السؤال كالمأموم المسبوق وجهر المرأة فيما يجب عليه الاخفات، ولا فرق بين الركعتين الاولتين والاخيرتين، كما لا فرق بين التخلف في بعض القرائة وجميعها، والامر سهل بعد ما عرفت من القاعدة لولا الصحيحة. مسألة: لو اخل بعدد الركعات زيادة فزاد ركعة أو ازيد عمدا أو لا عن عمد، فمقتضى القاعدة الاولية عدم البطلان، حتى مع العمد كمن صلى الظهر خمسا عالما عامدا، وحتى مع الاتيان بالتشهد والسلام في آخر الركعات مع العمد والعلم فان البطلان من ناحية الركعات، اما لاجل كون الصلوة مأخوذة بشرط لا عن الزيادة على فرض كونه معقولا، أو لاجل كون الزيادة مزاحمة بحسب الجعل الشرعي بناء على ما قلنا في امثالها. ومع الشك كان المرجع البرائة بعد فرض ان عنوان الصلوة صادقة على المأتى بها، فالشك بين الاقل والاكثر كساير الموارد، مضافا إلى حديث لا تعاد فانه يشمل الزيادة حتى العمدية ولم يكن منصرفا عنها، للفرق بين النقيصة التى قلنا

[ 225 ]

بانصرافه عن العمد، لان حكم العقلاء فيها البطلان كما انه مقتضى القواعد، وبين الزيادة التى يكون حكم العقل والعقلاء عدم البطلان بها، والى حديث الرفع فان الحكم مشكوك فيه فيشمله الحديث، والبطلان من ناحية تأخر التشهد والسلام ايضا ممنوع، فانه لا محالة من اجل اشتراط الاتصال بالركعة الاصلية أو اعتبار نحو وحدة في الاجزاء بحيث لو انفصل التشهد والسلام تنهدم الوحدة، وكلاهما من قبيل الشك في الاقل والاكثر، ويكون مجرى البرائة ومنطبق حديثى لا تعاد والرفع بعد صدق الصلوة حتى مع فقدانهما مطلقا، هذا بحسب القاعدة. واما بحسب الاخبار ففى موثقة ابى بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من زاد في صلوته فعليه الاعادة، (1) وقد مرت جملة الكلام فيها في اوائل هذه الرسالة، ومجمله ان الامر فيها دائر بين رفع اليد عن اطلاقها وحمل الزيادة على زيادة الركعة أو الاركان وحفظ ظهور عليه الاعادة الدال على اللزوم والقول بكونه كناية عن البطلان وبين حفظ الاطلاق وحمل الجملة على الاستحباب، ولا ترجيح للاول، بل الترجيح للثاني لان الاول موجب لتخصيص الاكثر كما ان الحمل على العمد مخالف لاطلاقها لو لم نقل بان فيه ايضا هذا المحذور، واما ما افاد شيخنا العلامة اعلى الله مقامه من ان المراد الركعة كقوله: زاد الله في عمره فقد مر الجواب عنه. وفى صحيحة زرارة وبكير ابني اعين عن ابى جعفر عليه السلام، قال: إذا استيقن انه قد زاد في صلوته المكتوبة لم يعتد بها واستقبل صلوته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا، (2) كذا عن التهذيبين، وعن الكافي كذلك بزيادة ركعة بعد قوله: صلوه المكتوبة. وهى على رواية الكافي تدل على المقصود، لكن الشيخ في الكتابين يحكيها عن الكافي من دون لفظة ركعة فيدل ذلك على اختلاف نسخ الكافي، ولعل


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1 .

[ 226 ]

الشيخ اخبر بالواقعة من غيره، وتقديم اصالة عدم الزيادة على عدم النقيصة غير ثابت. وتوهم ان الكافي اضبط فاسد في المقام فان الشيخ في الكتابين روى الرواية عن الكافي كما ان توهم - ان زيادة الركعة هي القدر المتيقن من الرواية فانه على رواية الشيخ داخلة فيها - في غير محله، فانه على روايته لابد من التوجيه للزوم تخصيص الاكثر لو قلنا ببطلانها بمطلق الزيادة، فلابد من الحمل على العمد أو على الاستحباب وان كان بعيدا عن قوله: لا يعتد بها. الا ان يقال: ان مناسبة الحكم والموضوع، ودلالة بعض الروايات على ان الركعة الزايدة موجبة للبطلان، كصحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سئلته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة فقال: لا يعيد صلوة من سجدة و يعيدها من ركعة، (1) ورواية عبيد بن زرارة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل شك فلم يدر اسجد اثنتين ام واحدة فسجد اخرى ثم استيقن انه قد زاد سجدة، فقال: لا والله لا تفسد الصلوة بزيادة سجدة، وقال: لا يعيد صلوته من سجدة ويعيدها من ركعة (2) موجبة لترجيح وجود الركعة في النسخة. وعلى ذلك يمكن ان يقال: ان في صحيحة زرارة احتمالين، احدهما انه بصدد بيان الحكم الظاهرى، وكان المراد من الاستيقان هو عنوانه مقابل الشك، وانه بعدما صلى إذا كان شاكا في الزيادة فلا يعتنى به لقاعدة التجاوز، وإذا استيقن يجب الاعادة فتكون موثقة ابى بصير دالة على ان الزيادة بحسب الواقع توجب الاعادة، والصحيحة تدل على ان الحكم الظاهرى مع الشك هو عدم وجوب الاعادة ولو كان اطلاقها شاملا لاثناء الصلوة، فدلت على عدم الاعادة مع الشك في زيادة الركعة في الاثناء فلا بأس به، ولا ينافى ذلك ان الوظيفة في بعض الشكوك سجدة السهو مثلا، كما ان اطلاقها يقيد بالدليل الوارد في بعض الشكوك المبطلة، لكن هذا الاحتمال في الرواية بعيد.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب الركوع حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب الركوع حديث: 3 .

[ 227 ]

والارجح احتمال آخر وهو ان المراد بيان الحكم الواقعي، وان الاستيقان ونحوه من العناوين الطريقية لا يحمل على الموضوعية الا بدليل، وليس المراد في الصحيحة الا ان من زاد ركعة يجب عليه الاعادة من دون دخالة للاستيقان في ذلك بنحو تمام الموضوع أو بعضه فيكون الظاهر منها ان من زاد في صلوته المكتوبة ركعة لم يعتد بها، ومفهومه انه إذا لم يزد ركعة يعتد بها وهى صحيحة، وهو اعلم من ان لم يزد شيئا أو زاد ولم يكن الزايد ركعة فحينئذ لو قلنا باطلاق الصحيحة بالنسبة إلى الجاهل بالحكم والناسى له بعد معلومية خروج الزيادة عمدا عنها، فيخرج من موثقة ابى بصير الشاملة لمطلق الزيادة سواء كان عمدية أو سهوية أو جهلية أو نسيانية ما عدا الزيادة العمدية وما عدا الركعة وبقى الباقي، وان قلنا باختصاص الصحيحة بالزيادة السهوية في الموضوع يبقى في الموثقة الزيادة العمدية والركعة، وقد قلنا سالفا ان الزيادة العمدية لولا ورود النهى عنها ليست نادرة، فلا بأس بهذا التقييد، فتحصل مما ذكر ان زيادة الركعة مبطلة مطلقا. وبازاء تلك الروايات روايات اخر، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى الظهر خمسا، فقال: ان كان لا يدرى جلس في الرابعة ام لم يجلس، فليجعل اربع ركعات منها الظهر ويجلس ويتشهد ثم يصلى وهو جالس ركعتين واربع سجدات فيضيفها إلى الخامسة فتكون نافلة، (1) و صحيحة زرارة سألته عن رجل صلى خمسا، فقال: ان كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلوته، (2) ونحوها صحيحة جميل بن دراج. (3) وفى تلك الروايات نحو ارتياب، من قبل ان الجلوس بمقدار التشهد و عدمه بمقداره تمام الموضوع للصحة والفساد بحسبها، مع انه ليس بركن وتركه مع ترك التشهد لا يوجب الفساد، فانتساب الفساد إلى تركه دون زيادة الركعة من البعد بمكان، ومن قبل ان الركعة الزايدة التى اتى بها بعنوان الفريضة مع ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس تصير نافلة مع فقد القصد وتكبيرة الافتتاح، ولكن مع


(1 و 2 و 3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة أحاديث: 7 و 4 و 6 .

[ 228 ]

النص الصريح الصحيح لا وجه للاشكال، والعمدة هو اعراض المشهور عنها وقلة المفتى بها مع صحتها واخصيتها من الروايات المطلقة ومع عدم التعارض بين الطائفتين لا وجه للحمل على التقية بمجرد موافقتهم، فلا تصلح لتقييد الروايات، فالقول بالبطلان بركعة زايدة أو ركعتين هو الاقوى. الا فيما إذا صلى التمام جهلا في السفر الذى وجب عليه القصر، والاصل فيه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم انهما قالا: قلنا لابي جعفر عليه السلام: ما تقول في الصلوة في السفر كيف هي وكم هي فقال: ان الله عزوجل يقول: وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلوة، فصار القصر في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا: انما قال الله عزوجل: ليس عليكم جناح ولم يقل: افعلوا فكيف اوجب ذلك كما اوجب التمام في الحضر، فقال عليه السلام: أو ليس قد قال الله عزوجل: ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما، الا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض لان الله عزوجل ذكره في كتابه، وصنعه نبيه صلى الله عليه وآله، وكذلك التقصير شئ صنعه النبي صلى الله عليه وآله وذكره الله في كتابه قالا: قلنا: فمن صلى في السفر اربعا ايعيد ام لا، قال: ان كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى اربعا اعاد، وان لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا اعادة عليه إلى آخرها (1). ودلالتها في الجملة ظاهرة، لكن يحتمل ان يكون لقرائة آية التقصير و تفسيرها بعنوانهما دخالة في الحكم، بمعنى ان الحكم معلق بالعلم به من ناحية الكتاب وتفسيره، فإذا خالف ذلك يجب عليه الاعادة، واما لو لم تقرء ولم تفسر فلا اعادة ولو علم الحكم من ناحية السنة، ويؤيده العناية بذكرهما في المنطوق والمفهوم، ولكنه بعيد ولهذا لم يحتملوه، فالمراد بذلك التعليق على العلم بالحكم وعدمه، وانما ذكر الاية وتفسيرها لمسبوقية الكلام بما ذكره زرارة ومحمد والتعليق على التفسير لاجل عدم ظهور الاية في نفسها في وجوب التقصير لولا تفسيرها عنهم،


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 22 - من ابواب صلوة المسافر حديث: 2 .

[ 229 ]

بل ظاهرها الرخصة، بل لها نحو اجمال اخر من ناحية تذيلها بقوله: ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا، (1) الذى يظهر منه ان التقصير لاجل الخوف من العدو كما ذهب إليه جمع، وتمسك بعضهم كالشافعي بظاهر لا جناح وافتى به، ولذلك وذاك قال ابو جعفر عليه السلام: لو قرئت عليه آية التقصير وفسرت له. ثم انه بعدما كانت الرواية كناية عن العالم وغيره، فمن المحتمل ان يكون حكم البطلان دائرا مدار العلم الفعلى مع الالتفات بالاطراف، أي من كان عالما عامدا بطلت صلوته وغيره يكون داخلا في المفهوم وعلى ذلك لو نسى الحكم أو الموضوع وصلى تماما لم تبطل بمقتضى المفهوم، وان يكون المدار على العلم الفعلى بالحكم فيدخل في المفهوم السهو عن الموضوع دون السهو عن الحكم، وان يكون المدار على حدوث العلم فمجرد العلم بالحكم موضوع للبطلان ولو نسيه فمع النسيان حكما أو موضوعا بطلت، وان تكون الرواية بصدد بيان حكم العالم وغيره وخرج النسيان موضوعا أو حكما ايضا عن مصبها، وعلى ذلك لم يكن للشرطية مفهوم. ثم انه بازاء هذه الصحيحة صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى وهو مسافر فاتم الصلوة قال: ان كان في وقت فليعد وان كان الوقت قد مضى فلا، (2) ويحتمل فيها ان يكون المورد هو نسيان الموضوع أو ذلك مع نسيان الحكم ايضا، ويحتمل فيها الاطلاق للعمد والعلم والجهل والنسيان. فعلى بعض الاحتمالات فيهما لا تعارض بينهما وهو الاحتمال الاخير في الصحيحة الاولى والاحتمال الاول في الثانية، فان كلا منهما متعرض لموضوع غير موضوع الاخر، وعلى بعض الاحتمالات تكون النسبة بينهما هي الاطلاق والتقييد، وعلى بعض تكون النسبة العموم من وجه فيتعارضان في الجاهل بالحكم في الوقت، فان مقتضى الاولى


(1) سورة النساء - آية - 101 (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 17 - من ابواب صلوة المسافر حديث: 1

[ 230 ]

الصحة ومقتضى الثانية البطلان. وقد يقال باظهرية الصحيحة الاولى في مفادها وهو نفى الاعادة في الوقت من الصحيحة الثانية في شمولها للجاهل، بل الظاهر ان مصب الثانية هو النسيان، وفيه منع كلا الدعويين اما الثانية فلاطلاقها، ومجرد السؤال في بعض روايات الباب عن الناسي لا يوجب ان يكون مصب غيره هو النسيان، واما الاولى فلان منشأ التوهم هو أن عنوان الاعادة مما يدعى ظهوره في الاتيان ثانيا في الوقت وهو غير وجيه لما تكرر منا من ان عنوانها كناية عن البطلان، والميزان في ظهور الكلام في مورد الكناية هو المكنى عنه، ومن المعلوم انه عنوان واحد مأخوذ فيهما فلا وجه لدعوى الاظهرية. والعمدة موافقة الصحيحة الاولى للشهرة وهى وجه تقدمها على الثانية، فتحصل مما ذكرناه انه على جميع الاحتمالات فيهما يثبت عدم وجوب الاعادة على من اتم جهلا بحكم التقصير. ولو صلى قصرا في مورد يجب عليه التمام بطلت صلوته بحسب القواعد و عليه الشهرة على ما نقل فما في رواية منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: إذا اتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة ايام فاتم الصلوة فان تركه رجل جاهلا فليس عليه اعادة (1)، لا يصلح للاستناد إليه في الصحة، لضعف سندها وان وصفه بعض بالصحة، ولمخالفتها للشهرة. وقد يقال: ان الرواية لم تكن ظاهرة في سقوط الاعادة في الوقت عن الجاهل بوجوب التمام. لانها تدل على سقوط الاعادة عمن ترك التمام في بلد الاقامة جهلا وترك الواجب الموسع لا يصدق الا بعدم الاتيان به في مجموع الوقت. فمن علم بالحكم في الوقت بعد تحقق القصر لم يصدق انه ترك التمام جهلا نعم تدل على سقوط القضاء عنه.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 17 - من ابواب صلوة المسافر حديث: 3 .

[ 231 ]

وفيه ان الظاهر الذى لا ينبغى الريب فيه هو ان المراد من قوله: ترك التمام انه اتى بالقصر مقام التمام جهلا. وبعبارة اخرى ان جملة تركه إلى آخره في مقابل اتم الصلوة تدل على انه لو لم يتم رجل جهلا صحت صلوته. والامر سهل بعد ضعفها. ولو اتم المسافر ناسيا للحكم أو الموضوع فليعد في الوقت دون خارجه، و تدل عليه صحيحة العيص المتقدمة الشاملة باطلاقها للفرضين. بل لفرض ثالث ايضا وهو الاتيان تماما بحسب عادته وارتكازه من غير نسيان لا للحكم ولا للموضوع. ولعل هذا الفرض اكثر اتفاقا. ولهذا شمول الرواية له اوضح، واما رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام. قال: سألته عن الرجل ينسى فيصلى في السفر اربع ركعات، قال: ان ذكر في ذلك اليوم فليعد وان لم يذكر حتى يمضى ذلك اليوم فلا اعادة عليه (1) المختصة بالنسيان سؤالا وجوابا فلا توجب صرف الصحيحة إلى النسيان ودعوى ان مساق الروايات هو النسيان في الموضوع فنسيان الحكم خارج عنها في غير محلها بعد اطلاق السؤال وعدم الاستفصال في الجواب وبعد ما سمعت ان الاكثر وقوعا هو الفرض الثالث، وكيف كان مقتضى الاطلاق هو التفصيل في الفروض المتقدمة ولا يعارضها صحيحة عبيد الله بن على الحلبي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: صليت الظهر اربع ركعات وانا في السفر، قال: اعد (2)، لانها مطلقة تقيد بصحيحة العيص. وقد يقال ان صحيحة الحلبي مخصوصة بالنسيان عن الموضوع لعلو شأنه عن الجهل بالحكم، وفيه - مضافا إلى ان عدم جهله بالحكم لا يوجب الاختصاص بالنسيان في الموضوع، لامكان السؤال عن الفرض الثالث المتقدم الذى هو اكثر وقوعا ولا ينافى وقوعه علو الشأن - ان الرواية انما ارادوا السؤال عن الحكم الكلى من غير اختصاص بشخص أو ابتلائه به كقول زرارة في الصحيحة اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 17 - من ابواب صلوة المسافر حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 17 - من ابواب صلوة المسافر حديث: 6 .

[ 232 ]

أو شئ من المنى (1)، ضرورة انه لا يريد الا السؤال عن الواقعة من غير ابتلائه بها، كما ان قولهم رجل شك بين الثلاث والاربع (2) لايراد به الرجل، كذلك في امثال المقام مما ينسبون الموضوع إلى انفسهم لا يريدون الاختصاص ولا يظهر منها ابتلاء الراوى بالواقعة. واما صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (3) الواردة في الجاهل بالحكم، فهى وان احتملنا فيها احتمالات، لكن لا يبعد ان يكون الحكم فيها حيثيا من غير اطلاق لغير الجاهل، فالجاهل بالحكم صحت صلوته، والناسى والساهى عن الحكم أو الموضوع يعيد في الوقت دون خارجه، وان كان الاولى مراعاة الاحتياط في غير النسيان للموضوع. مسألة لو قصر المسافر اتفاقا بان كان آتيا بالعمل باعتقاد الاتمام وبعنوانه لجهله بالحكم أو بالموضوع وسها وسلم في الثانية باعتقاد كونها رابعة، وكذا لو اتم الحاضر اتفاقا بان كان آتيا بالصلوة بعنوان القصر للجهل أو النسيان وسها واتم، لم تصح صلوته وتجب عليه الاعادة على قول مشهور، بل المحكى عدم الخلاف في الفرض الاول، واردف بعضهم الاتى كذلك لعذر بالمتعمد لذلك تشريعا، لكنه غير وجيه لعدم امكان الاتيان بالعمل بقصد الطاعة أو التقرب مع العلم بالخلاف، وان امكن التشريع بمعنى الافتراء والاتيان بصورة العمل. وكيف كان فهل يصح العمل مطلقا بحسب القواعد، أو لا كذلك أو في المقام تفصيل يمكن ان يقال: انه ان قلنا في باب القصر والاتمام بان كلا منهما متعلق للامر، فالصلوة قصرا عنوان متعلق للامر بالنسبة إلى المسافر، وتماما عنوان متعلق لامر اخر بالنسبة إلى الحاضر، وقلنا مع ذلك بان صحة العبادة موقوفة على قصد الطاعة المتوقف على الامر، فلا محالة يكون المسافر الآتى بعنوان التمام جهلا قاصدا للامر


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 44 - من ابواب النجاسات حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 17 - من ابواب صلوة المسافر حديث: 4 .

[ 233 ]

المتوهم تعلقه بالتمام، فلا يعقل تصحيحها لانه لم يأت بالمأمور به ولم يكن قاصدا لاطاعة امر المولى، فما اتى به بعنوانه غير مأمور به وما هو المأمور به لم يأت به. وتوهم كون الداعي له هو الامر الواقعي والخطأ انما هو في التطبيق غير صحيح في الفرض لان الداعي له لا يعقل ان يكون الامر الذى يقطع بعدم وجوده، وما هو الداعي ليس الا توهم الامر لا الامر الواقعي، وقد قلنا في غير المقام: ان الانبعاث لا يكون في مورد من الموارد من الامر الباعث انشاء، بل مع القطع بامر المولى يكون الباعث للاطاعة مبادى اخر موجودة في المكلف كالخوف من العقاب أو الرجاء للثوب أو غيرهما من المبادى، ومع تخيل الامر يتحقق الانبعاث بواسطة تحقق المبادى، وبالجملة ان حديث الخطأ في التطبيق مع كون الداعي هو الامر الواقعي لا ينطبق على هذا الفرض. وان قلنا بان الامر متعلق بعنوان صلوة الظهر مثلا وطبيعتها، والقصر والاتمام كيفيتان في المأمور به، نظير الترتيبي والارتماسي بالنسبة إلى غسل الجنابة، فان الامر المتعلق بطبيعة الغسل واحد، وله في مقام الاتيان كيفيتان وليس للترتيبي امر وللارتماسي امر اخر، يصح ان يقال: ان المكلف قاصد للامر الواقعي المتعلق بطبيعة صلوة الظهر، واخطأ في مقام الامتثال بتطبيقه على احدى الكيفيتين، فاتى بعنوان التمام بتوهم ان تكليفه الاتيان بها بهذه الكيفية، فإذا سها وسلم في الثانية صحت صلوته، لكونه آتيا بالمأمور به مع كون داعيه الامر الواقعي، وكذا الحال في العكس. هذا إذا قلنا بان صحة العبادة متوقفة على قصد الاطاعة والامر، واما ان قلنا بعدم الحاجة إليه، بل الاتيان بها بقصد القربة والخلوص مجز وان لم يكن لها امر كما في باب التزاحم لو قلنا بسقوطه، أو كان الامر ولكن لم يقصده وكان الداعي هو التقرب، فتصح صلوته ايضا، فان الآتى بصلوة الظهر بعنوان التمام لله تعالى إذا سلم في الثانية قد أتى بصلوة مأمور بها متقربا إلى الله تعالى، ولا تتوقف الصحة الا على ذلك، نعم لو قلنا بان كلا من عنواني القصر والاتمام دخيل في المأمور به ولابد من قصده لا يمكن التصحيح لكنه مما لا دليل عليه.

[ 234 ]

ثم ان الطاهر عدم تعدد الامر في القصر والاتمام بمعنى انه لم يكن لصلوة التمام امر بعنوانها ولا للقصر كذلك، بل الامر متعلق بنفس الصلوة وطبيعتها والامر الآخر يستفاد منه كيفيتها بالنسبة إلى المسافر أو الحاضر، والاصل فيه الاية الكريمة وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلوة (1)، والمتفاهم منها بضميمة صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2) انه يجب تقصير الصلوة التى امر بها، لا وجوب الصلوة تقصيرا مستقلا وتماما كذلك، فالامر واحد وكيفية الاتيان على نحوين، نظير الغسل كما اشرنا إليه، فعلى ذلك مقتضى القاعدة الصحة، فلو استكشفنا من عدم الخلاف في المسألة ان الحكم بحسب الشرع كذلك فلا كلام، وان قلنا بان للعقل دخالة في المسألة وفى مثله لا يمكن استكشاف حكم شرعى مستقل من الاجماع فضلا عن لا خلاف، فلا محالة يحكم بصحتها وطريق الاحتياط معلوم ومطلوب مسألة لو زاد ركوعا أو سجدتين فهل توجب هذه الزيادة بطلان الصلوة أو لا، يمكن الاستدلال لطرفي القضية بامور، اما للثاني فبان عدم الاعادة على القواعد كقاعدة البرائة العقلية، فان الحكم بالاعادة اما لاجل تقييد الصلوة بعدم زيادة الركن بناء على جواز مثل هذا التقييد، أو لاجل جعل المزاحمة بينهما، والشك في كل منهما مجرى البرائة حتى في الزيادة العمدية وكقاعدة لا تعاد فان اطلاقها يقتضى الصحة حتى مع العمد، كما اشرنا إليه سابقا وقلنا بالانصراف عن العمد في جانب النقيصة لا الزيادة، وقلنا: ان مقتضى ذيل الحديث ان الزيادة لو فرض ايجابها للبطلان انما ثبت بالسنة والسنة لا تنقض الفريضة، ولو سلم عدم الجريان في العمد فلا ريب في جريانها في موارد العذر كالجهل والنسيان ونحوهما، وكحديث الرفع في مثل الجهل حكما أو موضوعا أو نسيانا. ويمكن الاستدلال للصحة أيضا بجملة من الروايات، منها صحيحة زرارة وبكير ابني اعين المتقدمة على نسخة الكافي، قال: إذا استيقن انه قد زاد في صلوته


(1) سورة النساء آية - 101. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 22 - من ابواب صلوة المسافر حديث: 2 ].

[ 235 ]

المكتوبة ركعة لم يعتد بها إلى آخرها (1) فان مفهومه الصحة مع عدم زيادة الركعة سواء زاد ركوعا أو سجودا، وعلى نسخة التهذيب يتشبث باطلاقها على البطلان. ومنها صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة، فقال: لا يعيد صلوة من سجدة ويعيدها من ركعة (2)، فانها تدل على ان ما يوجب البطلان زيادة ركعة، إذ لو كانت السجدتان بوحدتهما أو الركوع بوحدته توجب البطلان كان ذكر الركعة بلا وجه، بل مع ابطال الركوع لا يعقل انتساب البطلان إلى الركعة، فان البطلان عارض قبل تحققها دائما، وحمل الركعة على الركوع خلاف الظاهر. وقريب منها موثقة عبيد بن زرارة، قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل شك فلم يدر اسجد اثنتين ام واحدة فسجد اخرى ثم استيقن انه قد زاد سجدة فقال: لا والله لا تفسد الصلوة بزيادة سجدة، وقال لا يعيد صلوته من سجدة ويعيدها من ركعة (3)، والوجه في دلالتها كسابقتها. الا ان يقال: ان في عبارة الرواية قرينة تدل على ان المراد بالركعة الركوع، فان قوله في الجواب: لا والله لا تفسد الصلوة زيادة سجدة لا ابهام فيه ويدل على المقصود بلا شبهة، فقوله بعد ذلك: لا يعيد صلوته إلى آخرها اتى به لافادة امر زايد وهو ان السجدة الواحدة لا تبطلها، فتدل بمفهوم القيد على ان السجدتين مبطلة، فإذا دلت على ذلك لا يعقل ان تكون الركعة بتمامها دخيلة في البطلان، فان الزائد، على سجدتين غير دخيل، وهذا قرينة على ان المراد هو الركوع ليصح الكلام، فكأنه قال: السجدتان مفسدة وكذا الركوع، وانما لم نقل ذلك في الرواية الاولى، لامكان ان يقال فيها بان ذكر سجدة لاجل وقوعها في كلام السائل، وهذه النكتة تمنع عن فهم المفهوم، واما في الثانية فبعد ما تم جوابه أتى بجملة اخرى زائدة على


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل في الصلوة حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب الركوع حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب الركوع حديث: 3 .

[ 236 ]

ذلك فتفيد المفهوم ومعه يتم ما ذكرنا من الدلالة. ولو قيل بان الجملة الاولى بمنزلة الكبرى الكلية وجواب السؤال في الجملة الثانية، يقال: مع كفاية الكبرى الكلية في المقصود لا احتياج إلى بيان الصغرى، مضافا إلى ان ذلك ايضا كاف في الدلالة التى رمناها، فان دلالة الكبرى الكلية على البطلان بالسجدتين بالمفهوم كافية في القرينية وانما لم نقل بهذه الدلالة بناء على كون المقصود جواب السؤال بنفس هذه الجملة، واما إذا كان الجواب في الجملة الثانية، وكانت الجملة الاولى كبرى شرعية منطبقة على الثانية فلا قصور في الدلالة على المفهوم. وبالجملة لا ينبغى الاشكال في فهم العرف من مثل هذه الجملة وهذا القيد المفهوم، إذ لو كانت طبيعة السجدة غير مبطلة لا وجه للتقييد بالوحدة، والميزان هو الفهم، العرفي وان فرض انكار المفهوم بحسب الصناعة، كما هو كذلك حتى في مفهوم الشرط، وعلى ذلك يمكن ان تكون تلك الرواية شاهدة على ان المراد بالركعة في الصحيحة ايضا الركوع. وأما للاول أي البطلان بزيادة الركوع أو السجدتين فيمكن الاستدلال بالنسبة إلى زيادة الركوع بجملة من الروايات، منها رواية معلى بن خنيس قال سألت ابا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلوته، قال: إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلوته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وان ذكرها بعد ركوعه اعاد الصلوة، ونسيان السجدة في الاولتين والاخيرتين سواء (1). وجه الدلالة انه لو كانت زيادة الركوع على تقدير العود لتدارك السجدة غير مبطلة كزيادة القرائة والقيام لم يكن وجه لبطلان الصلوة في مفروض الجواب فالوجه للبطلان لزوم زيادة الركن أي الركوع لو رجع لتدارك السجدة، وتوهم ان الزيادة في المورد عمدية فاسد ضرورة ان الركوع الاول انما اتى به لاجل تخيل كونه في محله وانه ركوع الصلوة، وانما يتصف بالزيادة بعد الاتيان بالركوع


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب السجود حديث: 5 .

[ 237 ]

الثاني في محله، فالثاني عمدي وليس بزائد بل هو ركوعه الصلاتى، والاول يتصف بالزيادة بعد تحقق الثانية ولم يكن ايجاده عمدية، نعم منشأ انتزاع الزيادة عنه عمدي أي الركوع الثاني، وبهذا يظهر ان ما قال بعضهم في غير مورد من ان دليل بطلان العمل بالزيادة كقوله: من زاد في صلوته فعليه الاعادة (1) لم يشمل ما انتزع الزيادة عن العمل بعد وجوده ففى مثله لا دليل على بطلانه غير وجيه لدلالة هذه الرواية والروايات الاتية على ذلك، وهذه الرواية وان كانت دلالتها ظاهرة لكنها مرسلة وفيها ضعف. ومنها صحيحة اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل نسى ان يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم انه لم يسجد، قال فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلوته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء (2) ونحوها غيرها، وجه الدلالة على ان زيادة الركوع مبطلة وليست كزيادة القرائة والقيام هو أن زيادة الركوع لو لم تضر بالصلوة وكانت كزيادة القرائة لم يكن وجه للخروج به عن محل السجدة حتى يجب المضى وقضاء السجدة. وبالنسبة إلى زيادة السجدتين بجملة من الروايات، منها صحيحة رفاعة عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل نسى ان يركع حتى يسجد ويقوم قال: يستقبل (3) وقريب منها غيرها، وهى تدل على ان زيادة السجدتين مبطلة والا لم يكن وجه للاستقبال بل كان يجب العود لتدارك الركوع ثم السجدتين وتوهم أن الزيادة هنا على فرض العود لتدارك المنسى عمدية قد مر بيان فساده.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب السجود حديث: 1. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب الركوع حديث: 1 .

[ 238 ]

واما الاستدلال برواية ابى بصير (من زاد في صلوته فعلية الاعادة (1) و برواية زرارة وبكير (2) على رواية التهذيب، فقد مر الكلام فيه مستقصى فيما سبق وفصلنا القول فيهما وفى نسبتهما مع حديثى لا تعاد والرفع فلا نطيل، فبطلان الصلوة بزيادة الركوع أو السجدتين لا ينبغى الاشكال فيه، لا لمجرد الاجماع والشهرة، بل لدلالة تلك الروايات عليه، فما قيل من انه لادليل عليه الا الاجماع في غير محله وان كان الاجماع بل الشهرة في مثله حجة كافية لولا الروايات. مسألة لو علم بترك السجدتين ولم يدر انهما من ركعة واحدة أو من ركعتين فللمسألة صور، الصورة الاولى ما إذا علم بذلك بعد الفراغ من الصلوة والاتيان بالمنافى كالاستدبار ونحوه. وليعلم اولا ان العلم الاجمالي في المقام واكثر الموارد المبحوث عنها انما هو العلم بالحجة وان شئت قلت: علم بالواقع الثابت من قبل الادلة الشرعية كالامارات ونحوها، لا العلم الفعلى بالتكليف الواقعي الفعلى الذى لا يرضى المولى بتركه ولا يحتمل فيه الخطأ والتخلف، والفرق بينهما كما بينا في محله ان الثاني لا يمكن فيه احتمال الترخيص في احد الاطراف فضلا عن جميعها، لان احتماله مساوق لاحتمال اجتماع النقيضين، والمبحوث عنه في الغالب الا ما شذ هو الاول، وفى مثله يجوز الترخيص في جميع الاطراف فضلا عن بعضها. فيكشف ذلك عن عدم الفعلية مطلقا أو على بعض التقادير، وما نحن فيه من قبيله فلو ادى مقتضى الادلة إلى مخالفة العلم الاجمالي في بعض الاطراف لا يصح رده بلزوم المحال على تقدير وان الترخيص في المعصية غير ممكن فان ذلك في الفرض الثاني لا الاول والتفصيل في مقامه.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 19 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1 .

[ 239 ]

وكيف كان فهل يجب في الصورة المفروضة اعادة الصلوة وقضاء السجدتين والاتيان بسجدة السهو، أو عليه اعادتها فقط، أو قضائهما والسجود للسهو فقط وجوه، فمع قطع النظر عن القواعد والاصول يكون مقتضى العلم الاجمالي الاول، واما مع النظر إليها فلابد اولا من النظر إلى القواعد والاصول الحاكمة كقاعدة التجاوز والفراغ ثم إلى المحكومة فالمحكومة. فلو قلنا بان هنا قاعدتين، قاعدة الفراغ وهى اصالة الصحة المؤسسة للحكم بالصحة عند الشك فيها بعد الفراغ من العمل، وقاعدة التجاوز المؤسسة للحكم بالصحة عند احتمال ترك ما يعتبر وجوده أو فعل ما يعتبر عدمه بعد التجاوز عن محله، وقلنا ايضا بحكومة قاعدة التجاوز على قاعدة الفراغ لان الشك في الصحة والفساد ناش عن الشك في ترك ما يعتبر وجوده أو فعل ما يعتبر عدمه، وقع التعارض بين قاعدة التجاوز في اطراف العلم وبقيت قاعدة الفراغ بلا معارض، ومقتضاها صحة العمل. فحينئذ لو قلنا بانها امارة على الواقع فتكشف عن عدم ترك السجدتين من ركعة واحدة وعن تركهما من ركعتين فيجب عليه قضائهما وسجدة السهو وينحل بذلك العلم الاجمالي. وان قلنا بانها اصل لا يترتب عليها الا صحة العمل، فلابد من الاتيان بقضائهما والسجود لئلا تلزم المخالفة القطعية، الا ان يقال ان القاعدة معارضة مع استصحاب عدم وجوب قضاء السجدة وعدم وجوب سجدة السهو، فانه جار بعد سقوط قاعدة التجاوز الحاكمة أو المتقدمة عليه، وهو في عرض قاعدة الفراغ لعدم حكومتها عليه، ومع سقوطهما بالتعارض تصل النوبة إلى الاصل المحكوم، كاصالة بقاء وجوب الصلوة، وقاعدة البرائة عن وجوب القضاء وسجود السهو ويأتى تتمة لذلك. لكن التحقيق أن قاعدة الفراغ ليست قاعدة مجعولة برأسها، بل قد ذكرنا في محله امتناع ذلك فراجع مظانه، كما أن التحقيق عدم حكومة قاعدة التجاوز عليها على فرض تأسيسها، وذلك لعدم مناط الحكومة هنا على ما ذكرنا في محله من لزوم

[ 240 ]

كون الترتب شرعيا ولا يجدى مجرد السببية والمسببية. فعلى ما هو التحقيق من وحدة القاعدة وهى قاعدة التجاوز فبعد سقوطها بالتعارض في اطراف العلم، تصل النوبة إلى اصول اخر من الحكمية والموضوعية والحاكمة والمحكومة، كاصالة بقاء وجوب الصلوة عليه، واصالة عدم وجوب قضاء السجدة وسجدة السهو، واصالة الاشتغال بتكليف الصلوة، واصالة البرائة عن القضاء وسجود السهو. لكن تلك الاصول الحكمية محكومة لاصول اخر، فان الشك في بقاء حكمها ووجوبها واشتغال الذمة بها مسبب عن الشك في صحة المأتى به وفساده وعن الشك في عروض البطلان عليه، واستصحاب صحته وعدم عروض المبطل محقق لمصداق المأمور به وموجب لسقوط التكليف وسلب الاشتغال، مع ان قاعدة الاشتغال محكومة لاستصحاب بقاء التكليف، وكذا استصحاب عدم تحقق موجب القضاء وسجود السهو حاكم على استصحاب عدم الوجوب فضلا عن البرائة ولازم ذلك صحة الصلوة وعدم وجوب القضاء، والاصلان متعارضان للعلم الاجمالي بوجوب اعادة الصلوة أو قضاء السجدتين. لكن استصحاب الصحة وعدم عروض المبطل محكوم لاصل آخر فان الشك في الصحة وعروض المبطل مسبب عن الشك. في ترك السجدتين من ركعة، واستصحاب عدم الاتيان بهما في ركعة أو استصحاب عدم الثانية فيها بعد العلم بوجود سجدة محقق لموضوع مستثنى لا تعاد بعد خروج سجدة واحدة عنه بالدليل، وليس عنوان الترك موضوعا حتى يناقش فيه من جهة المثبتية. واما موجب قضاء السجدة وسجدة السهو فهو ترك السجدة المنفردة أو الواحدة، وقد يتوهم جريان استصحاب عدم السجدة الواحدة والمنفردة، وهو حاكم على الاصل الحكمى وعلى اصل عدم الموجب على احتمال، وفيه ان الاصل المذكور مثبت على فرض وغير تام الاركان على فرض آخر، فان المستصحب ان كان نفس

[ 241 ]

عدم السجدة واريد اثبات الحكم لعدم السجدة الواحدة والمنفردة فهو مثبت، وان كان عدم السجدة المنفردة والواحدة أي الموصوف بما هو كذلك فلا حالة سابقة له لان الاعدام لا يعقل اتصافها بامر وجودي أو عدمي عقلا ولا تتصف بهما عرفا، وهذا بوجه نظير استصحاب عدم القرشية الذى فصلناه بما لا مزيد عليه واثبتنا عدم جريانه لا بنحو القضية المعدولة ولا بنحو الموجبة السالبة المحمول ولا بنحو السالبة المحصلة فراجع. فتحصل مما ذكر وجوب الاعادة وعدم وجوب قضاء السجدتين وسجدة السهو للاصل الحكمى وانحلال العلم الاجمالي ولو حكما. بل يمكن ان يقال: ان قضاء السجدة وسجدة السهو مترتبان على الصلوة الصحيحة، كما يظهر من عنوان القضاء فان قضاء السجدة هو الاتيان بها بعد الصلوة الصحيحة بل سجدة السهو ايضا كذلك ولولا صحة الصلوة لما وجبا، ويظهر ذلك ايضا من الروايات الواردة في المسألة من الامر بالمضي والاتمام ثم قضائها والاتيان بالسجدة للسهو (1)، فحينئذ مع استصحاب عدم الاتيان بالسجدتين في الركعة يحرز البطلان وينتفى الصحة، وبه ينتفى موضوع القضاء وسجدة السهو، وما في بعض الكلمات من انهما لاتترتبان على الصلوة الصحيحة بل دليلهما احكام حيثيته مما لا يمكن موافقته، وعليه فاستصحاب عدم الاتيان بالسجدتين في ركعة مقدم على استصحاب عدم وجوب القضاء وعدم وجوب سجود السهو وعلى اصل البرائة عن وجوبهما، ولو منعنا التقدم كما يأتي فجريان جميعها موجب للحكم بالبطلان وعدم لزوم القضاء والامر سهل. الصورة الثانية ما إذا علم اجمالا بعد الفراغ وقبل الاتيان بالمنافى، فحينئذ ان لم يحتمل ترك كلتيهما من الركعات غير الاخيرة، بان احتمل أنه اما تركهما من الاخيرة أو ترك احداهما منها والاخرى من الركعات السابقة، فعلى القول بانه مع تركها من الاخيرة يقع التشهد والسلام في غير محلهما ووجب الاتيان بهما ثم الاتمام، يجب


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 14 - من ابواب السجود أحاديث: 1 و 2 و 4 و 5 .

[ 242 ]

عليه بحكم العلم الاجمالي الاتيان بهما والاتمام ثم قضاء السجدة مرتين وكذلك سجدة السهو، فانه لا يحتمل في الفرض بطلان الصلوة، بل يعلم اجمالا بانه يجب عليه اما ذاك أو ذلك. الا ان يقال: ان استصحاب عدم الاتيان بهما في الاخيرة أو استصحاب عدم السجدة الثانية بعد العلم بالاتيان بالاولى يوجب انحلال العلم ولو حكما، فانه بعد الاستصحاب يرتفع الاجمال ويعلم بوجوب الاتيان بهما تفصيلا ولو بحسب الحكم الظاهرى، ويشك في وجوب القضاء والسجود للسهو فيستصحب عدمهما كما هو مقتضى البرائة ايضا: وان احتمل ترك كلتيهما من غير الاخيرة فيجرى استصحاب عدمهما ويترتب عليه البطلان وينحل العلم، فيجب عليه الاعادة ويرتفع موضوع القضاء وسجود السهو كما مر، مع انه موافق لاصل البرائة والاصل الحكمى. الصورة الثالثة ما إذا علم في اثناء الصلوة بعد ما لم يمكن التدارك كما لو كان بعد الركوع الثالث فلم يدر انه تركهما من الركعة الثانية أو من الاولى أو ترك من كل منهما سجدة، فيعلم اما بوجوب الاستيناف أو وجوب القضاء وسجود السهو، ففى هذه الصورة ايضا يجرى استصحاب عدم الاتيان بالسجدة الثانية في ركعة ترك فيها سجدة واحدة يقينا، أو استصحاب عدم الاتيان بهما إذا كان احد اطراف العلم احتمال عدمهما في ركعة ويوجب الحكم بالبطلان ورفع موضوع القضاء والسجود كما مر. ان قلت: ان العلم الاجمالي متعلق بواجب مردد بين المطلق والمشروط، فان وجوب القضاء مشروط باتمام الصلوة فلم يكن علم اجمالي بتكليف مطلق على أي حال، وفى مثله يجوز اجراء قواعد الشك، فيحكم بعدم وجوب الاعادة وكذا القضاء ومخالفة احدهما للواقع غير مضر لانها لا ترجع إلى مخالفة التكليف الفعل القطعي. قلت: كون الواجب مرددا بين المطلق والمشروط محل اشكال بل منع،

[ 243 ]

لان التكليف بالقضاء مشروط بالنسبة إلى الركوع والمفروض تحققه. واما بالنسبة إلى اتمام الصلوة فليس مشروطا، بل الظاهر انه معلق على الفراغ من الصلاة فان وجوب القضاء يترتب على الفوت وهو حاصل بمجرد الركوع، لكن محل الواجب ما بعد الفراغ فالوجوب فعلى وان كان الواجب استقباليا. والاخبار الواردة في قضائها مختلفة الظاهر، ففى بعضها يشبه أن يكون مشروطا وفى بعضها يشبه أنه مطلق لكن محل وجوده بعد الصلوة، لكن القرينة المذكورة أي لزوم ترتب القضاء على الفوت وعدم اشتراطه بامر آخر غيره قاعدة تكشف المراد عن الاخبار، بل في دلالة ما ذكر على الوجوب المشروط اشكال فليرجع إليها، فلا نحتاج إلى جواب الاشكال بان الواجب المشروط كالمطلق في قبح الترخيص. ولكن في المقام يمكن ان يقال بجواز قطع الصلوة ليرتفع موضوع القضاء لعدم الدليل على حرمته في مثل المقام، ولو اتى بها رجاء ياتي فيها ما مر لان ذلك تبعيد المسافة، مع انه بما ذكرنا من اقتضاء الاصل البطلان ينسد باب الاتيان بالصلوة رجاء ليترتب عليه عدم القضاء بل يرتفع موضوعه بالحكم بالبطلان فتدبر. الصورة الرابعة ما لو علم بذلك بعد تجاوز المحل على جميع الاحتمالات قبل الدخول في الركن كما لو علم حال التشهد فحالها حال الصور السابقة من بطلان الصلوة ووجوب اعادتها وعدم وجوب غيرها من القضاء وسجدة السهو عليه. وربما يقال في مطلق الموارد التى كان احد الاحتمالات البطلان سواء كان بعد الفراغ أو قبله بان مقتضى كون وجوب القضاء وسجود السهو مترتبا على الصلوة الصحيحة تقدم قاعدة التجاوز المثبتة للصحة على ما يترتب عليها نفى القضاء وسجود السهو، لكون ما يوجب الصحة جاريا في موضوع ما ينفى القضاء وسجود السهو، فالقاعدة الجارية في الشك في السجدتين معا حاكمة على غيرها، فاذن جريانها لاثبات الصحة لا مزاحم له إذ لم يحرز الصحة الا به، وبعد جريانها واثبات الصحة بها تصل النوبة إلى اجرائها بالنسبة إلى سجدة واحدة، ولازم اجرائها فيها مخالفة العلم الاجمالي

[ 244 ]

قطعا، فيرفع اليد عنها ويحكم بوجوب القضاء وسجود السهو. وبعبارة اخرى ان الاصل الجارى في السجدتين في رتبة مقدمة لا يزاحمه العلم الاجمالي لعدم لزوم المخالفة القطعية، ولا الاصل الذى في ساير الاطراف لعدم جريانه في هذه الرتبة لترتبه على احراز الصحة فيحكم بالصحة، واما ساير الاصول فساقطة لمكان المخالفة القطعية. وفيه ان ما ذكرنا سابقا من ان القضاء وسجود السهو مترتبان على الصلوة الصحيحة بحسب الادلة والاعتبار لا يلزم منه تقدم الاصول بعضها على بعض لعدم الترتب بين موضوعاتها وهى الشك بعد التجاوز، مع انه على فرض الترتب العقلي كالاصل السببي والمسببي لا يكون الاصل السببي مقدما، لما قرر في محله من ان ملاك التقدم امر آخر، على انه لا ترتب في المقام، واما عدم جريان الاصل لاثبات القضاء الا في الصلوة الصحيحة، فلا ينافى الجريان عرضا بالنسبة إلى السجدتين والسجدة الواحدة لاثبات الصحة والقضاء في رتبة واحدة، وبعبارة اخرى لا يتوقف جريان الاصل بالنسبة إلى السجدة الواحدة على ثبوت الصحة مقدما على جريان الاصل الاخر، بل ما يوجب رفع لغوية الاصل هو عدم ثبوت القضاء في الصلوة الباطلة، واللغوية مرتفعة إذا ثبت القضاء والصحة في وقت واحد أو رتبة واحدة من غير لزوم التقدم الزمانى أو الرتبى، فاذن الاصلان جاريان معا مع الغض عن العلم الاجمالي، ويثبت باحدهما الصحة وبالاخر القضاء في زمان واحد بل في رتبة واحدة، ولما كان الاجراء في الجميع مخالفا قطعيا للعلم سقطا جميعا، وبعده يحكم بالاعادة لاستصحاب عدم سجدتين في ركعة أو عدم سجدة مع العلم بعدم سجدة اخرى وبعدم وجوب القضاء والسهو للاصل كما مر. الصورة الخامسة ما إذا لم يتجاوز المحل الشكى في بعض الاطراف، كما لو شك في حال الجلوس قبل الدخول في التشهد في أنه ترك السجدتين من هذه الركعة أو من ركعة سابقة، فمقتضى قاعدة التجاوز في ما مضى واستصحاب عدم الاتيان في ما بقى محله وقاعدة الشغل بل مقتضى بعض الروايات هو الاتيان بالسجدتين ولا شئ عليه.

[ 245 ]

ولكن الشيخ الاعظم بنى على عدم جريان قاعدة التجاوز فيما إذا كان الفائت مرددا بين ما بقى محله وبين ما تجاوز، وتمسك بعد ذلك باصالة عدم المبطل، واوجب قضاء سجدة واحدة حذرا عن المخالفة القطعية، وتبعه في عدم الجريان بعض الاعيان قائلا بانه ليس ببعيد بالنسبة إلى منصرف ادلة القاعدة. وفيه ما لا يخفى بعد العموم والاطلاقات القوية، ولا اشكال في ان ها هنا شكوكا متعددة ناشية من العلم الاجمالي، احدها الشك في الاتيان بالسجدتين في الركعة الاخيرة وهو شك في وجودهما وعدمهما بلا اشكال ومحله باق قطعا ثانيها الشك في السجدة الاخيرة من كل من الركعة الاخيرة والركعة الماضية وثالثها شك مستقل آخر في الاتيان بالسجدتين في الركعة الماضية ومن المعلوم انه مضى محله، وهو مشمول لقاعدة التجاوز، ولا دليل على تقييد دليل القاعدة بعدم الاقتران بالعلم الاجمالي، ودعوى الانصراف في غير محلها مع ان في الادلة بعض العمومات مما لا مسرح للانصراف فيه. وما يظهر منه من كون الفائت مرددا بين ما بقى وما مضى مما يوهم انه شك واحد مردد التعلق مغالطة، ضرورة ان هنا شكين مستقلين لكل حكمه، لاشك واحد ولعل بنائه على وحدة الشك اوقعه في ذلك، واما تمسكه باصالة عدم المبطل على فرض عدم قاعدة التجاوز فقد مر ما فيه من ان اصالة عدم الاتيان بالسجدتين محرزة لمستثنى قاعدة لا تعاد وحاكمة على الاصل الذى ذكره لو كان اصيلا فالاقوى ما تقدم. القول في الشك وهو اما في اصل الصلوة واما في الاجزاء والشرايط واما في الركعات اما الشك في اصل الصلوة ففيه مسائل، الاولى ما لو شك بعد انقضاء الوقت في الاتيان بالصلوة في وقتها، فتارة يبحث عنه بلحاظ الاصول العقلية، واخرى بلحاظ الاستصحاب. وثالثة بملاحظة قاعدة التجاوز، ورابعة بلحاظ النص الوارد في خصوصه. اما البحث بلحاظ الاصول العقلية فيختلف حسب اختلاف كيفية الاستفادة

[ 246 ]

من ادلة ايجاب الصلوة فان قلنا بانها تدل على الوجوب مطلقا، وان حال الوقت كحال الطهور ماء وترابا بالنسبة إلى الصلوة، وان الصلوة في الوقت وخارجه من قبيل تعدد المطلوب كما في ساير ما يعتبر في الصلوة، يكون المحكم قاعدة الاشتغال، وان قلنا: ان التكليف بالصلوة اداء غير التكليف قضاء، وأن القضاء بامر جديد فالمحكم قاعدة البرائة، وكذا مع الشك وعدم احراز احد الامرين. وأما البحث بلحاظ جريان استصحاب عدم الاتيان إلى آخر الوقت فنقول: ان جريان الاصل المذكور مبنى على ان موضوع الحكم بالقضاء هذا العنوان كما يظهر من بعض الروايات في الناسي، واما إذا كان الموضوع عنوان الفوت فالاصل المذكور لا يثبته الا على القول بالاصل المثبت، الا ان يقال: ان الفوت عبارة عن عدم تحقق شئ ذى مصلحة، وفيه منع فانه عبارة عن ذهاب المصلحة أو امر ذى مصلحة من يده، لا نفس عدم الاتيان، فالاصل مثبت وسيأتى تتمة لذلك. واما استصحاب بقاء التكليف المتعلق بالصلوة فمبنى على ان الامر بالصلوة مطلق بالنسبة إلى الاداء والقضاء، فإذا شك بعد الوقت بان التكليف سقط بالاتيان أو لا يستصحب بقائه عينا، واما على فرض كون الامر بالاداء غير الامر بالقضاء، وانه يحتاج إلى امر جديد، أو على فرض التردد في ذلك واحتمال ان يكون على الوجه الاول أو الثاني فلا يجرى الاستصحاب الشخصي. ثم يرد على الاصل المذكور ما اورده النراقى على الاستصحابات الحكمية أو الموضوعية من تعارض استصحاب الوجود باستصحاب عدمي آخر، ففى المقام يعارض استصحاب بقاء التكليف على عنوان الصلوة إلى ما بعد الوقت باستصحاب عدم التكليف بالصلوة المتقيدة بالوقت، وكذا الحال في الاشباه والنظاير، وقد فرغنا عن جوابه في محله، وقلنا: ان الاصلين على ما ذكر لا تعارض بينهما لان الموضوع في احدهما مغاير لموضوع الاخر وشرط التعارض وحدة الموضوع، ومع عدم التقيد بالوقت وكونهما في موضوع واحد هي الصلوة لا يجرى الثاني لعدم اتصال

[ 247 ]

زمان الشك باليقين فراجع. ثم على فرض تعدد الامر وكون القضاء بامر جديد تجرى في بادئ النظر استصحابات ثلاثة، احدها استصحاب وجوب الصلوة على نحو الكلى القسم الثالث، فان وجوبها اداء معلوم، ومع ذهاب الوقت يحتمل تحقق وجوب القضاء لاحتمال عدم الاتيان بالاداء، فنفس طبيعة الوجوب المشتركة بين الاداء والقضاء مجرى الاستصحاب للعلم بها والشك في بقائها، ثانيها استصحاب عدم وجوب القضاء للشك في حدوثه بعد العلم بعدمه في الوقت، ثالثها استصحاب عدم الاتيان بالصلوة إلى آخر الوقت. لكن مع جريان الاصل الاخير لا مجرى للسابقين لحكومته على الدليل الاجتهادي أي وجوب القضاء بتنقيح موضوعه، ومع تطبيق الدليل الاجتهادي يرفع الشك تعبدا فيكون الاصلان المتقدمان محكومين للدليل المحكوم للاصل الاخير، كما هو المحققق في حكومة الاصل السببي على المسببى مطلقا، فلا شك تعبدا في وجوب القضاء، فاصالة عدم القضاء غير جارية، كما يرتفع به احتمال بقاء الكلى. وقد يستشكل في استصحاب عدم الاتيان بها، بان موضوع القضاء هو عدم الاتيان بها في الوقت المضروب لها، لا مطلق عدم الاتيان فيرد على الاصل ما يرد على استصحاب الاعدام الازلية كاستصحاب عدم قرشية المرأة، لان عدم الاتيان بها في الوقت على نعت الليس الناقص لاحالة سابقة له، وعلى نعت الليس التام أي عدم وجود الاتيان بالصلوة الواقعة في الوقت لعدم الوقت بل وعدم المكلف الاتى بها لا يترتب عليه الاثر، واثبات الموضوع المترتب عليه الاثر أي الليس الناقص باجراء الاصل في الليس التام مثبت. الا ان يقال: انا نعلم في الان الاول من الوقت بعدم الاتيان بالصلوة في الوقت، ولو مع احتمال الاتيان بها في اول وقتها، ضرورة انها لا يعقل وجودها في الان الاول، ففى هذا الآن عدم الاتيان بها في الوقت معلوم ويشك في بقائه إلى آخر الوقت

[ 248 ]

فيستصحب بلا ورود الشبهة المتقدمة. مضافا إلى انه مع الغض عن ذلك، يمكن اجراء استصحاب عدم الاتيان بالصلوة واحراز جزء الموضوع به، والجزء الاخرى الوقت وذهابه محرز بالوجدان، كساير الموارد المحرز فيها احد جزئي الموضوع بالاصل والاخر بالوجدان. والجواب عن الاول ان المعلوم عدم الاتيان في الان الاول من الوقت وهو ليس موضوعا للحكم، وما هو الموضوع عدم الاتيان في الوقت المضروب لها من الاول إلى آخره، وان شئت قلت: عدم الاتيان في مجموع الوقت هو الموضوع للاثر، ويرد على القطعات المتأخرة ما يرد على الاولى لو فرض عدمها واريد اجراء الاصل الازلي، وبالجملة الاشكال الوارد على استصحاب الاعدام الازلية يرد على القطعات المتأخرة، وهذا ليس انكارا لاجراء الاصل في الزمان والزمانيات المتصرمة، بل اشكال على اجراء الاصل بنعت الليس الناقص تأمل. وعن الثاني ان احراز الموضوع بالاصل والوجدان لا يمكن في المتقيدات والمركبات، اما في الاولى فلان اثبات التقيد باجراء الاصل مثبت، واما في الثانية فلان المركبات الاعتبارية متقومة بلحاظ نحو وحدة فيها والاصل لا يصلح لاثباتها. والذى يسهل الخطب ان موضوع وجوب القضاء كما يظهر من الروايات الواردة في الناسي بعد الغاء الخصوصية هو عدم الاتيان بالصلوة إلى ذهاب وقتها، فاستصحاب عدم الاتيان بها إلى آخر الوقت أو إلى ذهابه محرز للموضوع ويترتب عليه القضاء. واما استصحاب الكلى ففى جريانه اشكال، لا لاجل حكومة استصحاب عدم وجوب القضاء عليه، بدعوى ان الشك في بقاء الكلى مسبب عن الشك في حدوث وجوب القضاء مقارنا لسقوط وجوب الاداء والاصل السببي حاكم على المسببى، وذلك لما حقق في محله واشرنا إليه سابقا من ان ميزان تقدم الاصل السببي على المسببى ليس مجرد السببية والمسببية، بل لو كان السببي محرزا لموضوع الدليل الاجتهادي فانطبق

[ 249 ]

هو على الموضوع التعبدى يرفع ذلك الدليل الشك تعبدا فيقدم عليه، واما السببية إذا لم تكن بتلك المثابة فلا تقدم له عليه، وان شئت قلت: ان الترتب إذا كان عقليا لا يوجب التقدم كالمقام، فاصالة عدم وجوب القضاء لا يترتب عليها شرعا عدم بقاء الحكم الكلى بل الترتب عقلي، فاذن يتعارض الاستصحابان والمرجع الاصل العملي. بل الاشكال في جريانه هو ان الجامع بين الحكمين التكليفيين ليس حكما شرعيا لانه جامع انتزاعي من الحكمين عقلا لا حكم مجعول شرعا ولا موضوع لحكم شرعى، فلا مجرى لاصالة بقائه، فاصالة عدم وجوب القضاء بلا معارض. هذا كله فيما إذا احرز وحدة التكليف أو تعدده، واما مع عدمه وتردد الامر بينهما، فمع الغض عن ادلة اثبات القضاء يكون الاصل فيه شبيها باستصحاب القسم الثاني من الكلى مع فرق بينهما بناء على ما ذكروا فيه من دوران الامر بين مقطوع الزوال ومقطوع البقاء كالمردد بين طويل العمر وقصيره، إذ في المقام يكون الامر مرددا بين مقطوع الزوال ومحتمل البقاء لا مقطوعه، فان المفروض هو الشك في الاتيان بالصلوة في الوقت، ومعه يشك في بقاء التكليف على فرض وجود طويل العمر أي على فرض وحدة التكليف في الاداء والقضاء، وعلى فرض كون القضاء بامر جديد يكون زوال التكليف الادائي مقطوعا به، لكن مع لحاظ ادلة القضاء يكون الامر دائرا بين محتمل البقاء في فرض ومحتمله في فرض آخر، وان كان الاحتمال بملاك التردد بين طويل العمر وقصيره في احد الفرضين، وبملاك احتمال حدوث تكليف بالقضاء مقارنا لسقوط التكليف بالاداء على الفرض الآخر والامر سهل. ويمكن ان يقال في المقام: ان استصحاب عدم حدوث التكليف الواحد الطويل العمر جار، واثره عدم وجوب الاتيان بعد الوقت، ولا يعارضه استصحاب عدم حدوث القصير، لان عدمه لا اثر له الا ان يثبت به تحقق الطويل، وهو كما ترى مثبت، ولا يتوهم فيه اجراء اشكال اصل العدم الازلي كما يظهر بالتأمل، هذا حال الاستصحابات. وأما الكلام في ما تقتضيه قاعدة التجاوز، فنقول: لا اشكال في جريان قاعدة

[ 250 ]

التجاوز في الشك بعد الوقت لو قلنا بان القضاء بامر جديد، بل صدق نحو قوله عليه السلام: كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1) على مضى الوقت اولى وانسب. واما لو قلنا بامر واحد في الاداء والقضاء مع تعدد المطلوب، فبناء على ان مفاد القاعدة احراز المشكوك فيه لكن من حيث، أي تكون اصلا حيثيا، فتجرى بالنسبة إلى المطلوب الاعلى لو كان للاحراز اثر، واما بالنسبة إلى نفس الطبيعة فلا تجرى لعدم المضى بالنسبة إليها، لان المفروض ان الامر بنفس الطبيعة لا توقيت فيه وانما التوقيت بالنسبة إلى المطلوب الاعلى. والتفكيك المذكور ليس بعزيز، كما لو توضأ بماء ثم علم انه مسبوق بالنجاسة مع الشك في بقائها فيحكم بصحة الوضوء وطهارة اعضائه من حيث اشتراط الوضوء بها، وبنجاستها في نفسها للملاقاة، وكما لو صلى وشك بعدها في وجود الوضوء فيحكم بتحققه من حيث اشتراط ما مضى عليه وعدم تحققه في نفسه أو من حيث اشتراط ما يأتي به بعد ذلك. ففى المقام يحكم بتحقق الصلوة من حيث ما مضى وهو المطلوب الاعلى لو كان له اثر، ولا يحكم بتحققها في نفسها، فلابد من ايجادها لقاعدة الاشتغال والاستصحاب وكذا الحال لو قلنا بان القاعدة اصل تعبدي غير محرز فيحكم بعدم الاعتناء بالشك بالنسبة إلى ما مضى، بخلاف القول بمحرزيتها المطلقة أو باماريتها فانه على فرض الجريان يثبت الموضوع مطلقا حتى بالنسبة إلى ما يأتي، لكن التحقيق هو كونها اصلا محرزا حيثيا، وعلى هذا لو ترددنا في وحدة الامر وتعدده في الاداء والقضاء لا تجرى قاعدة التجاوز للشبهة المصداقية، فلابد من التمسك بالاستصحاب وقد مر الكلام فيه. واما الكلام في ما يقتضيه النص في المقام، فنقول: لا اشكال في عدم الاعتناء


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3

[ 251 ]

بالشك في الاتيان بعد الوقت، لصحيحة زرارة والفضيل عن ابى جعفر عليه السلام انه قال في حديث: ومتى استيقنت أو شككت في وقتها انك لم تصلها أو في وقت فوتها انك لم تصلها صليتها، فان شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن، فان استيقنت فعليك ان تصليها في أي حالة كنت (1)، وقريب منها صحيحتهما الاخرى (2) ولا يبعد وحدتهما، والمراد بوقت الفوت الوقت الثاني بعد وقت الفضيلة، وبالوقت وقت الفضيلة. ثم ان ما ذكرنا من الاحتمالات المتقدمة مجرد تصورات، والا فالاقوى بحسب الكتاب والسنة ان الاوامر لا تنحل إلى امرين، بل امر واحد تعلق بالصلوة في الوقت ولا يشمل خارجه، والقضاء انما هو بامر جديد كما هو المقرر في محله. المسألة الثانية لو شك في الاتيان بالصلوة وقد خرج الوقت بمقدار ركعتين أو ثلاث ركعات فهل يعتنى بشكه أو لا؟ يمكن الاستدلال للاول بوجهين، الاول دعوى تنزيل خارج الوقت منزلته بدليل من ادرك، ودعوى اطلاق التنزيل بالنسبة إلى جميع الاثار منها كون الشك فيه شكا في الوقت، ودعوى عدم اختصاص قاعدة من ادرك بمن اشتغل بالصلوة وادرك بالفعل ركعة من الوقت، بل هي قاعدة كلية كلية دالة على انه لو بقى مقدار ركعة منه بقى وقت جميع الصلوة، ولما لم يكن ذلك على نحو الحقيقة جزما يحمل على التنزيل، ويستفاد منها ان مقدار ثلاث ركعات أو ركعتين من خارج الوقت بمنزلة الوقت مطلقا سواء في ذلك من اشتغال في آخر الوقت بالصلوة فوقع بعضها خارج الوقت ومن لم يشتغل كما في المقام ولهذا لو علم ببقاء الوقت مقدار ركعة يجب عليه المبادرة إليها وكانت صلوته اداء. ودعوى ان القاعدة لا تختص بالملتفت لادراك الركعة، فخارج الوقت بمقدار ما ذكر وقت تنزيلي لمطلق المكلفين سواء علموا بالواقعة ام لا، فمن شك بعد الوقت


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 1. (2) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة كتاب الصلوة باب - 42 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2 .

[ 252 ]

الحقيقي في المقدار التنزيلى كما لو شك بعد غروب الشمس بدقيقة أو دقيقتين في الاتيان بالعصر كان شكه في الوقت وان لم يدرك فعلا ركعة منه ولم يكن ملتفتا إلى الواقعة. ونتيجة تلك الدعاوى وجوب الاعتناء بالشك ولزوم قضاء الصلوة، بعد الجزم بان ادراك ركعة من الوقت التنزيلى ليس بمنزلة ادراك ركعة من الوقت الحقيقي، ليترتب عليه تنزيل اخر بالنسبة إلى الزائد من ثلاث ركعات فينتفى عنوان القضاء هذا غاية ما يمكن ان يقال في هذا الوجه. وفيه انه قد مر منا في مباحث الخلل في الوقت محتملات القاعدة، وقلنا بعدم استفادة تنزيل الخارج منزلة الوقت حتى على مرسلة الخلاف، وهى قوله: وفى لفظ اخر من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت (1)، أو مرسلة كتاب الاستغاثة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، انه قال: من ادرك من صلاة العصر ركعة واحدة قبل ان تغيب الشمس ادرك العصر في وقتها (2)، فضلا عن غيرها مما لا يكون بهذا اللفظ. فان اقرب الاحتمالات بناء على التنزيل هو تنزيل ادراك الركعة منزلة ادراك الوقت لا تنزيل الخارج منزلة الوقت، وفرق بين كون ادرك ركعة من الوقت منزلة ادرك جميعه وبين تنزيل الخارج منزلته، مع انه على فرض التنزيل ففى عمومه واطلاقه منع. مضافا إلى احتمال اخر لعله اقرب وهو عدم كونه بصدد التنزيل بل المراد ان وقوع ركعة من الصلوة في الوقت كاف في كونها اداء عند الشارع الاقدس، وان وقوع ركعة في الوقت وادراكها كادراكه جميعا في صيرورة الصلوة اداء، كما ان


(1) لم نعثر عليها في كتب الاحاديث والظاهر انها متصيده من احاديث الباب. (2) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة كتاب الصلوة باب - 28 - من ابواب المواقيت حديث: 6 .

[ 253 ]

وقوع بعض الصلوة قبل الوقت وبعضها في الوقت كاف في الصحة، فدعوى التنزيل ثم دعوى تنزيل الوقت ثم دعوى اطلاقه كلها دعاو بلا دليل. الوجه الثاني دعوى دلالة بعض الروايات على ذلك بضميمة قاعدة من ادرك، كصحيحة زرارة والفضيل عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: متى استيقنت أو شككت في وقت صلوة انك لم تصلها أو في وقت فوتها أنك لم تصلها صليتها، فان شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا اعادة (خ -) عليك من شك حتى تستيقن فان استيقنت فعليك ان تصليها في أي حالة كنت (1)، وقريب منها ذيل صحيحة اخرى عن الكافي. بدعوى ان المراد بوقت الفوت وقت وقعت الصلوة فيه فائتة، فالميزان في عدم الاعتناء بالشك خروج الوقت الذى تقع فيه فأتته وهو بعد مقدار ثلاث ركعات من خارج الوقت المقرر بحسب الادلة الاولية، فان مقتضى دليل من ادرك كون الصلوة المأتى بها خارج الوقت مع ادراك ركعة في الوقت اداء لا قضاء ولا قضاء واداء، وقد ادعى عدم الخلاف فيه ايضا، وقد تقدم في الوجه الاول عدم اختصاص القاعدة بمدرك الركعة فعلا، وعدم اختصاصها بالملتفت للواقعة، فهذا المقدار من الزمان ملحق بالوقت في كون الصلوة فيه اداء بحسب الواقع مطلقا. ويرد عليه ان هنا احتمالا اخر في الصحيحة لعله اقرب إلى الفهم من هذا الاحتمال، وهو ان المراد بوقت فوتها وقت لو خرج ذلك الوقت ولم يصل ثم اراد الصلوة تكون صلوته فائتة، وبعبارة اخرى ان الميزان في وقت الفوت هو افتتاح الصلوة لا الركعات المتأخرة. ويشهد لذلك صحيحتهما (2) عن ابى جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، يعنى مفروضا وليس يعنى وقت فوتها


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 1. (2) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 42 - من ابواب الخلل في الصلوة حديث: 2 .

[ 254 ]

ان جاز ذلك الوقت ثم صليها لم تكن صلوته هذه مؤداة، يستفاد منها ان وقت الفوت وقت لو افتتح الصلوة فيه تكون فائة غير مؤداة، وهذا الاحتمال لو لم يكن اقرب فلا اقل من كونه مكافئا له، ومعه تسقط الرواية عن الدلالة، ومقتضى ادلة التجاوز انه لا اعتبار بهذا الشك هذا. مع ان في الرواية نحو ابهام فان المراد بوقت الفوت ان كان الوقت الثاني أي الوقت الذى بعد وقت الفضيلة فانتساب الفوت إلى الصلوة يحتاج إلى تأويل و تجوز، وان كان المراد وقت لو اتى بها فيه تكون مؤداة فتسميته بوقت الفوت غير ظاهرة، وان كان المراد وقت لو اتى بها كانت غير مؤداة فالامر بالاتيان قبل خروجه غير موجه، وهذا ايضا يوجب عدم جواز الاستناد إليها للمطلوب. المسألة الثالثة لو شك في الاتيان بالعشائين بعد انتصاف الليل، فبناء على امتداد وقتها إلى نصف الليل لا يعتنى بشكه لقاعدة التجاوز والدليل الخاص، وبناء على امتداده إلى الفجر ان قلنا بذلك مطلقا حتى للمختار وان وجبت المبادرة اليهما قبل انتصاف الليل وانه لا يجوز التأخير عنه بلا عذر، وأما ان كان الوقت مع التأخير باقيا فيجب الاعتناء بالشك والاتيان بهما وهو واضح. ولو قلنا بان الوقت للمختار إلى انتصاف الليل ولو اخر الصلوة إليه تقع قضاء، ويمتد إلى الفجر لو كان التأخير لعذر كنسيان وحيض، فحينئذ لو علم بان التأخير على فرضه عن عمد واختيار، بأن شك في أنه اتى بهما أو أنه اخرهما عن انتصاف الليل اختيارا لا يعتنى بشكه لانه من الشك بعد الوقت، ولو علم بانه على فرضه كان عن عذر يجب الاعتناء والاتيان بها. ولو لم يحرز احدهما وكان شاكا في ان الترك هل كان عن اختيار أو عن عذر، لم يصح التمسك بقاعدة التجاوز لان الشبهة بالنسبة إليها مصداقية، ومقتضى الاستصحاب بقاء التكليف ولزوم الاتيان بهما لكن لا يثبت بذلك لزوم المبادرة و عدم جواز التأخير عن الفجر لعدم اثبات كون الوقت باقيا، وعلى فرض القضاء لا تجب

[ 255 ]

المبادرة إليه بناء على المواسعة، بل على المضايقة ايضا لان التضييق ليس ينافى التأخير بهذا المقدار خصوصا لو كان حدوث الشك قبل الفجر بمقدار الاتيان بهما مثلا، هذا بحسب القواعد. واما بحسب النص الخاص ففى صحيحة زرارة والفضيل المتقدمة ان الحكم بوجوب الاتيان وعدمه عند الشك مترتب على بقاء وقت الفوت وخروجه، وقد ورد في رواية عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام، لا يفوت صلوة النهار حتى تغيب الشمس، ولا صلوة الليل حتى يطلع الفجر ولا صلوة الفجر حتى تطلع الشمس (1) وهى حاكمة على الصحيحة باحراز الموضوع، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين الفروض المتقدمة، لكنها ضعيفة، نعم قد ارسلها الصدوق بقوله قال الصادق عليه السلام، (2) ومرسلاته كذلك معتمدة وان لا يخلو ذلك من اشكال في خصوص المورد المحتمل أو المظنون ان مرسلته عين المسندة الضعيفة، مع احتمال كون ذلك الارسال على فرض ما ذكر توثيقا منه لروات الرواية تأمل. المسألة الرابعة لو شك في الوقت في الاتيان بالفريضة، ففيه صور نتعرض لمهماتها، الاولى لو علم بانه صلى العصر ولم يدر أنه صلى الظهر أو لا وكان الوقت واسعا فهل يجب عليه الظهر أو لا، ربما يقال بعدمه لان الشك بعد تجاوز المحل فان صلوة العصر مشروطة بصلوة الظهر ومحل الشرط قبل تحقق المشروط نظير الشك في الوضوء بعد الصلوة ويدل، على ذلك قوله في بعض الروايات ان هذه قبل هذه. وما قيل في الجواب من أن صلوة الظهر ليست مشروطة بوقوع صلوة العصر بعدها كى يكون محلها شرعا قبل صلوة العصر بل صلوة العصر مشروطة بالظهر فلا يكون الشك بعد تجاوز المحل ليس بمرضى فان لازم اشتراط الظهر بوقوع العصر بعدها كون محل العصر


(1 و 2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب المواقيت حديث 9

[ 256 ]

بعدها كون محل العصر بعدها لا الظهر قبل العصر، كما ان لازم اشتراط العصر بوقوع الظهر قبلها هو كون محل الظهر قبلها، ولهذا ورد في الروايات ما تقدم. ان قلت: ان الشك انما هو في صحة صلوة العصر، واجراء قاعدة الفراغ فيها لا يثبت كون الظهر قبل العصر محققة الا بالاصل المثبت. قلت: ان منشأ الشك في صحة صلوة العصر هو الشك في تحقق شرطه أي صلوة الظهر وقاعدة التجاوز جارية بالنسبة إلى الشرط أي صلوة الظهر ومقدمة على قاعدة الفراغ، مع ان المقرر في محله انه لا اصل رأسا لقاعدة الفراغ بل هنا قاعدة واحدة هي قاعدة التجاوز ومقتضاها تحقق الظهر قبل العصر أو عدم الاعتناء بالشك فيها بعد تجاوز محلها. فان قلت: ان الترتيب بين الظهر والعصر مختص بالملتفت، ومع عدم الالتفات لا يشترط الترتيب فلا مجرى للقاعدة. قلت هذا مسلم لكن لا يدفع الاشكال به في بعض الفروع، كما لو علم بان الترك لم يكن من غير التفات بل اما اتى بالصلوة أو تركها عمدا والتفاتا فتجرى القاعدة ويثبت بها تحقق الظهر، وتوهم عدم جريانها في مثل القرض فاسد مخالف لاطلاق الادلة. والحق في الجواب ما تعرضنا له في محله من ان قاعدة التجاوز اصل محرز حيثى، فصلوة الظهر لها حيثيتان حيثية اشتراط العصر بها وحيثية كونها واجبة مستقلة فالقاعدة يحرزها في المقام من جهة الاشتراط لا مطلقا، ولا بأس في التعبديات بالبناء على وجود شئ من جهة وعلى عدمه من اخرى، فلو شك في الاتيان بالوضوء بعد صلوة الظهر يبنى على تحققه من حيث اشتراط الظهر به ويستصحب عدمه ويبنى عليه من حيث اشتراط العصر به، ففى المقام يبنى على تحقق الظهر من حيث الاشتراط وعلى عدمه من حيث كونه واجبا مستقلا. ففرق بين قاعدة الطهارة والاستصحاب وبين قاعدة التجاوز، فان لسانهما

[ 257 ]

التعبد بوجود الطهارة والمستصحب مطلقا في موضوع الشك، واما قاعدة التجاوز فلا تدل على التعبد به مطلقا، بل من حيث المضى والتجاوز كما هو لسان ادلتها، فقوله عليه السلام: كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1) يدل على عدم الاعتناء بالشك بالنسبة إلى ما مضى فالوضوء بالنسبة إلى ما مضى مبنى على الوجود أو لا يعتنى بشكه لا بالنسبة إلى ما يأتي، فصلوة الظهر محققة تعبدا بالنسبة إلى ما مضى وهو حيث اشتراط العصر بها لا بالنسبة إلى ذاتها التى بقى وقتها ولم يتجاوز محلها، فعلى ذلك لو قيل باشتراط الترتيب واقعا يجب عليه الاتيان بالظهر ويصير حالها كحال الوضوء والطهور. فان قلت: ان المحل في قاعدة التجاوز اعم من المحل الشرعي والعادي فإذا كان من عادة المصلى الاتيان بالعصر عقيب الظهر يكون المحل العادى للظهر قبل العصر من حيث كونها واجبا مستقلا لا من حيث الاشتراط. قلت: قد فرغنا في محله عن فساد هذه الدعوى لعدم الدليل عليها الا دعوى اطلاق الادلة أو بعض الشواهد المذكورة في محله، وفى الاطلاق منع بعد تعيين الشارع محل الاجزاء والشرايط، فانه مع تعيين المقنن محالها لو قال: ان مضى المحل لا يعتنى بالشك يحمل عرفا على المحال المقررة، مع ان المحل العادى المختلف بحسب الاشخاص ولشخص بحسب الازمان لا يكون محلا بنحو الاطلاق. مع ان مثل قوله: كل ما شككت فيه مما قد مضى محمول على التجوز بنحو الحقيقة الادعائية كما هو التحقيق في باب المجازات، والمصحح للدعوى كما يمكن ان يكون مضى الوقت المقرر شرعا، يمكن ان يكون مضى المحل العادى أو هما معا أو احدهما أو المضى المطلق، ومع صحة الادعاء بكل نحو لا دليل على التعيين ولا على الاطلاق، إذ ليس المقام كالاطلاق في ساير المقامات مثل جعل


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث - 3

[ 258 ]

ماهية موضوعة للحكم بلا قيد حيث يحمل على الاطلاق، فان الموضوع هنا ليس موضوعا للحكم بنحو الحقيقة، ضرورة ان المضى لا ينسب إلى نفس الموضوعات المشكوك فيها حقيقة، فدار الامر في المصحح بين الوجوه المتقدمة ولولا الدليل على واحد منها لم يحمل على احدها، لكن لا اشكال في ارادة المحل الشرعي وانه ملحوظ لتصحيح الدعوى كما يدل عليه ادلة المقام، واما ساير الاحتمالات فلا دليل عليه، والعمدة ان الاطلاق في المقام ليس كساير الاطلاقات فتدبر جيدا. واما دعوى ان قوله في بعض الروايات: انه حين العمل اذكر (1) مؤيد للتعميم فان ظاهره ان احتمال عدم وجود المشكوك فيه لاجل كونه على خلاف العادة لا يعتنى به فمخدوشة لان ذلك التعليل على فرض كونه تعليلا شاهد على ان الذاكر يأتي بالمأمور به على وجهه المقرر شرعا ولا يخل بمقصود المولى، لا انه يأتي به على طبق عادته، ولو جعل هذا التعليل شاهدا على ان المراد بالمحل هو الشرعي منه لكان اولى. واما دعوى ان قوله في بعض الروايات في الوضوء إذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلوة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوئه لا شئ عليك (2)، وكذا في الغسل قوله: فان دخله الشك وقد دخل في صلوته فليمض في صلوته ولا شئ عليه (3)، شاهدان على الدعوى ففيه ما فصلناه في مقامه من ان حال الوضوء قبل جفاف محاله باقية وحال الغسل قبل الدخول فيما يترتب عليه شرعا باقية فراجع. فتحصل مما مر ان مقتضى القواعد وجوب الاتيان بالظهر في الفرض، لكن وردت هنا رواية ربما يستند إليها في وجوب المضى وعدم الاعتناء بالشك، وهى ما


(1) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب الوضوء حديث: 7. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب الوضوء حديث: 1. (3) الوسائل كتاب الطهارة باب - 41 - من ابواب الجنابة حديث: 2 .

[ 259 ]

روى الحلى في آخر السرائر نقلا من كتاب حريز بن عبد الله قال: وقال زرارة عن ابى جعفر عليه السلام: إذا جاء (فإذا جائك) يقين بعد حائل قضاه ومضى على اليقين ويقضى (العصر) الحائل والشك جميعا، فان شك في الظهر فيما بينه وبين ان يصلى العصر قضاها، وان دخله الشك بعد ان صلى (يصلى) العصر فقد مضت الا ان يستيقن لان العصر حاثل فيما بينه وبين الظهر فلا يدع الحائل لما كان من الشك الا بيقين (1) ولا بأس بصرف الكلام إلى فقه الحديث فنقول: الظاهر سيما على نسخة (فإذا جائك يقين) ان الكلام مسبوق بكلام آخر لم ينقل الينا، ولهذا وقع في الجملة الاولى نحو اجمال. فان متعلق اليقين يحتمل ان يكون صلوة الظهر فيراد انه مع اليقين بعدم الاتيان بها بعد الحائل أي العصر الذى هو المراد به بالقرينة، فيجب الاتيان بالظهر والعصر جميعا وعلى ذلك يقع في المقام اشكالان، احدهما انه لم يفرض في الكلام الشك في الظهر بل الفرض تعلق اليقين بتركها فكيف قال الحائل والشك أي المشكوك فيه الذى يراد به الظهر، ويمكن ان يتخلص عنه بتكليف بارد وهو ان الظهر كانت مشكوكا فيها ثم جاء يقين فكأنه قال حدث يقين بعد الشك ثم اعتبار تعلق الشك بها قبل عروض اليقين وصفها بالمشكوك فيها ثانيهما ان اعادة العصر مخالفة لحديث لا تعاد، الا ان يقال: لا بأس بها لولا تسالم الاصحاب على أن الترتيب ليس بواقعى. ويحتمل ان يكون متعلق اليقين بطلان الحائل أي إذا جاء يقين ببطلان العصر يقضى العصر والشك أي الظهر المشكوك فيها جميعا، اما العصر فلليقين، واما الظهر فعلى القاعدة، فاراد افهام ان الحائل الباطل ليس بشئ، وعلى ذلك يندفع الاشكالان ويناسب الفرع الاتى، بل ظاهر الرواية هذا الاحتمال لان المفروض في الكلام تعلق يقين وكون شئ مشكوكا فيه وقد جعل الحائل الذى هو العصر مقابل المشكوك فيه


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 2 .

[ 260 ]

ومقابله هو ما تعلق به اليقين فيكشف عن متعلق اليقين وهو بطلان العصر بعد فرض وجوده. ثم انه وقع في كتاب جامع الاحاديث خطأ ففيه ويقضى (العصر - ح و) الحائل والشك جميعا بعطف الحائل على العصر بالواو وعليه لا يصح الكلام الا مع التوجيه، لكن في السرائر هكذا ويقضى العصر (ح ز) الحائل الظاهر منه ان في نسخة ذكر العصر موصوفا بالحائل، وجعل كلمة (ز) علامة على زيادة كلمة العصر فتوهم كاتب جامع الحديث ان كلمة زاء واو، والامر سهل. والمقصود في المقام قوله: فان شك في الظهر إلى آخره الظاهر في التفصيل بين الشك الحادث قبل صلوة العصر وبعدها، فلو حدث بعدها مضى ولا يعتنى به لمكان الحائل وهو العصر فيدل على ان الشك في الظهر مع سعة الوقت لا يعتنى به على خلاف القواعد. لكنه معارض لصحيحة زرارة والفضيل (1) المتقدمة فانها مشتملة على جملتين هما، قوله: متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها وقوله: أو في وقت فوتها انك لم تصلها صليتها. وكل منها معارضة لرواية حريز عن زرارة بالعموم من وجه، فان الجملة الاولى خاصة باول الوقت واعم من كون الشك قبل صلوة العصر أو بعدها، والرواية خاصة بالشك بعد صلوة العصر واعم من اول الوقت وآخره، ولعلها اعم من ذلك ومن خارج الوقت ايضا، وكذا الحال في الجملة الثانية فانها خاصة بآخر الوقت واعم من كون الشك قبل العصر أو بعده، والرواية اخص من وجه واعم من وجه فتتعارضان والترجيح على فرض صحة سند الرواية للصحيحة لكونها موافقة للقاعدة أي روايات قاعدة التجاوز بحسب مفهومها بل منطوق بعضها كقوله انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 1 .

[ 261 ]

ولو استشكل في كون الروايات من الائمة عليهم السلام من المرجحات، أو استشكل في اندراج العامين من وجه في المتعارضين الوارد فيهما الترجيح، سقطتا بالتعارض، ويكون المرجع هو القواعد، فيجب الاتيان بالظهر وهو واضح. لكن في جواز الاتكال على رواية حريز اشكال بل منع لان استناد الكتاب إليه ليس واضحا ومتواترا والسند إلى كتابه مفقود عندنا، والظاهر ان الحلى رحمه الله انما اسند الكتاب إليه باجتهاد منه وقيام قرينة لديه على ذلك، لا بسند غير مذكور لنا، وشهادته اجتهادية غير حجة لا يصح لنا الاتكال إليها. هذا مضافا إلى احتمال آخر في الرواية يجمع به بينها وبين الصحيحة ويرتفع به التعارض، وهو ان قوله: فان شك بينه وبين ان يصلى العصر قضاها يكون فعل المضارع مبنيا للمفعول، ويراد به الوقت الذى يصلى فيه العصر أي قبل وقت الاختصاص أي مقدار اربع ركعات بالغروب أو قبل بقاء ركعة واحدة حيث يصلى فيه العصر، وقوله: ان دخله الشك بعد ان يصلى العصر على رواية الوسائل ونسخة من جامع الاحاديث يراد به بعد مضى الوقت عن مقدار اربع ركعات أو ركعة على احتمالين. وعلى ذلك يكون المراد بقوله في الجملتين زمان يصلى فيه العصر أو لا يصلى، وعلى ذلك يحمل قوله لان العصر حائل أي الزمان الذى بقى من الوقت اقصر من اربع ركعات أو ركعة، أي هذه القطعة من العصر حائل والشك فيه لا يعتنى به، فصارت الرواية عين مضمون الصحيحة حيث علق فيها الحكم على بقاء وقت الفوت أي الوقت الذى لو جاز لم تكن صلوته مؤداة كما في صدرها بل خرج وقته، فيندفع التعارض كما يندفع اشكال كونها مخالفة للقواعد، وهذا الاحتمال وان كان بحسب النظرة الاولى بعيدا في الجملة، لكن عند التأمل وفى مقام الجمع بينها وبين الصحيحة ليس بذلك البعد والامر سهل. الصورة الثانية إذا اشتغل بصلوة العصر في الوقت الموسع فشك في الاتيان بالظهر ففيها احتمالات، احدها عدم جريان قاعده التجاوز، بدعوى ان ظاهر قوله

[ 262 ]

في الروايات الا ان هذه قبل هذه (1) اعتبار عنوان القبلية واشتراط العصر بعنوان قبلية الظهر عليها، ولا يمكن اثبات هذا العنوان بقاعدة التجاوز الا بالاصل المثبت، ومع عدم جريانها تصل النوبة إلى الاصل المحكوم أي استصحاب عدم الاتيان بالظهر، واجرائه لتنقيح موضوع العدول من العصر إليها مشكل، لان موضوع العدول بحسب ادلته هو العلم بترك الظهر فله موضوعية ولا تصلح ادلة الاستصحاب لاثبات قيامه مقام القطع الموضوعي، فلابد من رفع اليد عما اشتغل بها والاتيان بالظهر ثم العصر. وفيه مضافا إلى منع اعتبار عنوان القبلية، بل لايراد بقوله: هذه قبل هذه الا اشتراط العصر بالاتيان بالظهر، ومعه تجرى قاعدة التجاوز، بل لو سلم اعتبار عنوانها جرت القاعدة في نفس العنوان المشكوك فيه، فإذا شك في تحقق عنوان القبلية المعتبر في صلوة العصر لا يعتنى به، بل يبنى على تحققه لكون القاعدة على ما مر محرزة تعبدا من حيث، فإذا شك في حصول القبلية المعتبرة في صلوة العصر يبنى على وجودها نعم لا يترتب عليها الا حيث صحة صلوة العصر. ثم على فرض عدم جريانها لا مانع من جريان استصحاب عدم الاتيان لتنقيح موضوع العدول، لان عنوان مثل التذكر والعلم ونحوهما المأخوذ في الادلة لا يفهم منه الموضوعية عرفا بل المتفاهم العرفي من نحو قوله: ان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلوة فانوها الاولى (2) ان موضوع الحكم هو عدم الاتيان وأن التذكر والعلم طريقان إليه فلا مانع من جريان استصحاب عدم الاتيان لتنقيح موضوع العدول. مضافا إلى انه لقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي وجه لا يخلو من جودة فراجع مظانه. ثانيها جريان قاعدة التجاوز واثبات وجود شرط صلوة العصر بتمامها، فان


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 1 6 - من ابواب المواقيت حديث: 24. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 63 - من ابواب المواقيت حديث: 1 .

[ 263 ]

قوله: الا ان هذه قبل هذه ظاهر في ان تقدم صلوة الظهر شرط لطبيعة صلوة العصر، لا لاجزائها حتى يقال: ان القاعدة لا تجرى بالنسبة إلى الاجزاء الاتية، فمحل الشرط للطبيعة قبلها، فإذا اشتغل بها جاز عن محله فيحرز بالقاعدة شرطها فهل يجب اتمامها عصرا ثم الاتيان بالظهر بدعوى ان الاستصحاب لا يجرى مع وجود القاعدة ويعد الصلوة يجرى لان القاعدة محرزة من حيث، أو يجب العدول بان يقال: ان القاعدة لا تحرز وجود الظهر الا من حيث اشتراط العصر بها كما هو الشأن في المحرز الحيثى، ومعه لا مانع من جريان استصحاب عدم الاتيان بالظهر من حيث ذاتها فيندرج الموضوع تحت ادلة العدول، والاوفق بالقواعد هذا الوجه. ثالثها جريانها واحراز وجود الشرط بالنسبة إلى الاجزاء الماضية دون الاتية، بدعوى اشتراط صلوة العصر باجزائها بتقدم الظهر عليها، فحينئذ يمكن ان يقال بامكان احرازه باقحام صلوة الظهر في العصر واتمامها ثم الاتيان بما بقى من العصر فصحت الظهر وكذا العصر لاحراز الشرط تعبدا ووجدانا بدعوى عدم الدليل على بطلان الصلوة باقحام الصلوة فيها، كما ورد نظيره في اقحام الصلوة اليومية في صلوة الايات، فالاقحام موافق للقاعدة. ودعوى البطلان بالزيادة العمدية سيما الاركان فيها ممنوعة لعدم الصدق الا مع الاتيان بعنوان الصلوة نفسها لا لصلوة اخرى. وما في بعض الروايات في باب النهى عن قرائة العزيمة معللا بان السجود زيادة في المكتوبة (1) يقتصر على مورده بعد عدم صدق الزيادة حقيقة، وحملها على التعبد، مع احتمال الصدق فيما إذا كانت السجدة من متعلقات السورة المأتى بها في الصلوة فاين ذلك من المقام. ودعوى ان الروايات الامرة بالعدول إلى العصر دالة على عدم جواز الاقحام والا لكان عليه البيان مخدوشة لان مجرد الامر به لا يدل على عدم جواز غيره، ولو


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 40 - من ابواب القراءة في الصلوة حديث: 1 .

[ 264 ]

حمل الامر على الوجوب فلا يدل على التعيين ونفى الغير، مع ان الظاهر حمله على الارشاد لتصحيح الصلوة، ولولا كون ذلك الاقحام خلاف ارتكاز المتشرعة لما كان به بأس، ودعوى كون الاقحام ماحيا لصورة الصلوة ومخلا بالوحدة قابلة للدفع، فالعمدة هو ذلك الارتكاز. ثم انه يصح العدول منها إلى صلوة الظهر لصحتها باحراز الشرط بدليل التجاوز للاجزاء السالفة واستصحاب عدم الاتيان بالظهر على ما مر لتنقيح موضوع العدول وقد تحصل مما مر صحة العدول في جميع الفروض بحسب القاعدة. نعم ربما يتوهم مخالفة ذلك لرواية زرارة نقلا من كتاب حريز بن عبد الله المتقدمة في بعض الفروض والاحتمالات، فان في قوله: فان شك في الظهر فيما بينه وبين ان يصلى العصر قضاها وان دخله الشك بعد ان يصلى العصر فقد مضت احتمالات منها ان يكون المراد ان حدث الشك قبل صلوة العصر قضاها، وان حدث بعدها فقد مضت، وعلى ذلك لم يتعرض لحدوثه في الاثناء ومنها ان يكون المراد ان حدث قبل شروع الصلوة قضاها، وان حدث بعد الشروع مضت، وهذا مخالف لما تقدم من لزوم العدول فان المتفاهم منه انه لا يعتنى بشكه ويصح ما اشتغل به عصرا ويتمها كذلك، ومنها ان يكون المراد ان حدث بينه وبين اتمام الصلوة قضاها، أي ان حدث قبل تمامها، وفى مقابله الحدوث بعدها، وفى هذا الفرض يمكن اجراء القاعدة المتقدمة أي العدول إلى العصر، فالمخالف لها فرض واحد منها، مع احتمال ان يكون المراد بقوله مضت البناء على الاتيان بالظهر بما هي شرط في العصر واوكل الحكم على القواعد، والامر سهل بعد ضعف الرواية فالقاعدة متبعة. الصورة الثالثة لو علم بالاتيان بالعصر وشك في الاتيان بالظهر وقد بقى من الوقت اربع ركعات، فان قلنا باشتراك الوقت بينهما إلى الغروب مطلقا كما قويناه في محله يجب الاتيان بالظهر وكذا لو قلنا بذلك فيما إذا كان آتيا بالعصر لكون الشك فيها حينئذ في الوقت، كما أنه لو قيل باختصاص آخر الوقت بالعصر مطلقا كان الشك

[ 265 ]

في الظهر حينئذ من الشك بعد الوقت فلا يعتنى به. ان قلت: هذا كذلك بحسب القاعدة، لكن مقتضى صحيحة زرارة والفضيل (1) المتقدمة ان الحكم معلق على خروج وقت الفوت وعدمه، حيث صرح فيها بأنه ان شك في وقت فوتها يجب الاتيان، وان خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا يجب، وقد فسر وقت الفوت فيها بانه وقت لو جاز ذلك الوقت لم تكن الصلوة مؤداة. وإذا ضم ذلك إلى صحيحة الحلبي، قال: سألته عن رجل إلى ان قال: قلت: فان نسى الاولى والعصر جميعا ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس، فقال: ان كان في وقت لا يخاف فوت احداهما فليصل الظهر ثم ليصل العصر، وان هو خاف ان يفوته فليبدء بالعصر ولا يؤخرها فيفوته فيكون قد فاتتاه جميعا إلى آخرها (2) ينتج انه مع بقاء اربع ركعات خرج وقت فوت الظهر أي وقت لو جاز لم يكن مؤديا، فيكون شكه بعد وقت الفوت فلا يجب الاعتناء، فالميزان خروج الوقت بمقدار لو صلى لم يكن اتيا بالمأمور به كما لو شك في العصر مع بقاء الوقت بمقدار اقل من ركعة فانه لا يعتنى به مع عدم خروج الوقت، لانه لو صلى في ذلك الوقت لم يكن صلوته مؤداة. قلت: في صحيحة الحلبي احتمالات، احدهما ان المراد بفوتهما مضى وقتهما أي كون فوت الظهر المأتى بها في الوقت المذكور مستندا إلى مضى وقتها كما هو الحال في العصر المأتى بها بعد الظهر في الفرض، وعلى ذلك تكون الصحيحة كمرسلة داود بن فرقد (3) من ادلة القائلين باختصاص آخر الوقت بالعصر وعدم الاشتراك فخرج الفرض عن مفروض المسألة. وثانيهما ان المراد بفوت الظهر هو بطلانها، لكون الوظيفة في الوقت الضيق


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 18. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 7 .

[ 266 ]

هو الاتيان بالعصر وكانت الظهر مشروطة بالاتيان بالعصر فالبطلان مستند إلى ترك شرطها لا إلى خروج وقتها كما لو صلى العصر في الوقت المشترك قبل الظهر عمدا، و لما كان البطلان في وقت لا يمكن جبرانها في الوقت صح القول بانه فات منه، نظير ما لو صلى العصر في الوقت المختص بها باطلة فان البطلان وان لم يكن مستندا إلى خروج الوقت لكن صح القول بفوتها لعدم بقاء الوقت لجبرانها. وعلى هذا الاحتمال يجمع بين الروايات الدالة على بقاء وقتهما إلى الغروب كالروايات المتقدمة في خلل الوقت. ولعل منها رواية عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها لا يفوت صلوة النهار حتى تغيب الشمس (1) على اشكال فيها وبين ما هي ظاهرة في اختصاص آخر الوقت بالعصر ويجمع ايضا بين الصحيحتين بان المراد من صحيحة الحلبي ما ذكر ومن صحيحة زرارة والفضيل (2) هو خروج الوقت، وعلى ذلك لما كان الوقت باقيا ومشتركا بين الظهرين يجب الاعتناء بالشك، ويجب الاتيان بها بعد الاتيان بالعصر وان كانت قضاء. الصورة الرابعة لو شك في الظهرين في الوقت المختص بالعصر يجب الاتيان بها على أي حال لكون الشك بالنسبة إليها في الوقت، وكذا الظهر ان قلنا باشتراك الوقت بينهما إلى الغروب مطلقا، اما لو قلنا باختصاص آخر الوقت بالعصر لو لم يأت بها، ومع الاتيان بها يكون وقت الظهر باقيا، فهل يجب الاتيان بها في الفرض أو لا وجهان. وجه الثاني ان العصر محكومة بعدم الاتيان بها، لقاعدة الشك في المحل، وللاستصحاب، ولصحيحة زرارة والفضيل. فيكون الشك في الظهر بعد خروج المحل.


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 10 - من ابواب المواقيت حديث: 9. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 1 .

[ 267 ]

وفيه أنه لا يثبت بالقاعدة الا الاعتناء بالشك بالنسبة إلى العصر على اشكال فيه ايضا، كما لا يثبت بالصحيحة الا وجوب الاتيان بالعصر ولا بالاستصحاب الا البناء على عدم الاتيان بها، ولا يثبت بشئ منها ان الوقت مختص بالعصر كما لا يثبت بها ان الشك في الظهر بعد الوقت لتجرى القاعدة، بل ولا يثبت بها ان الوقت خارج بالنسبة إلى الظهر الا بالاصل المثبت. فان قلت: ان الاختصاص بالعصر من الاحكام الوضعية الشرعية المترتبة على وجوب الاتيان بالعصر، وبعد ثبوت الاختصاص يكون عدم كون الوقت للظهر عبارة اخرى عنه لا من اللوازم حتى يكون الاصل مثبتا، وبعد الحكم شرعا بان الوقت خارج بالنسبة إلى الظهر يكون الشك فيها خارج الوقت، فيترتب عليه اثره وهو المضى. قلت: ان وجوب الاتيان بالعصر مترتب على الاختصاص دون العكس كما يظهر من الادلة كمرسلة داود، فاجراء الاصل فيه لاثبات الاختصاص مثبت فانه من اثبات الملزوم باستصحاب اللازم، ومن قبيل استصحاب الحكم لاثبات الموضوع كاستصحاب وجوب اكرام زيد لاثبات كونه عالما، مع انه - على فرض اثبات الاختصاص والتسليم بان كون الوقت خارجا عبارة اخرى عن الاختصاص، والغض عن عدم امكان كون احد العنوانين عين الاخر، بل انه من اللوازم البينة والجلية والاصل مثبت حتى في مثلها بل في الوسايط الخفية والجلية على ما هو المقرر في محله، الا ان يدعى ان الجعل في احدهما مستلزم للجعل في الاخر وهو كما ترى - لا شك في ان اثبات كون الشك بعد الوت باستصحاب وجوب الاتيان بالعصر مثبت. ثم انه هل يمكن اثبات كون الشك في الوقت بالنسبة إلى الظهر باستصحاب بقاء وقته أما باستصحاب الشخص أو القسم الاول من الكلى ان قلنا بان الوقت مشترك بينهما إلى الغروب الا مع عدم الاتيان بالعصر إلى اربع ركعات بالغروب فينقلب الاشتراك إلى الاختصاص، أو قلنا بان آخر الوقت مختص بالعصر ومع الاتيان بها قبل صلوة الظهر بوجه صحيح يستمر وقت الظهر إلى الغروب، فمع الشك في الاتيان

[ 268 ]

بالعصر يشك في استمرار وقت الظهر فيستصحب أو باستصحاب القسم الثالث من الكلى ان قلنا بان وقتها إلى مقدار اربع ركعات، ومع الاتيان بالعصر قبلها بوجه صحيح جعل وقت العصر للظهر بجعل اخر، فالشك في بقاء الوقت ناش من حدوث وقت آخر مقارنا لزوال الوقت الاول فيستصحب الوقت الكلى ويترتب عليه قوله: ان شك في وقت الفوت فليصل، ويدعى ان هذا الامر التعليقي حكم تعليقي شرعى مترتب على الوقت، نظير الاستصحاب التعليقي لترتب الحكم على الموضوع عند وجوده، كاستصحاب حكم العصير العنبى، أي قوله: ان نش عصيره يحرم إلى زمان صيرورته زبيبا، ويترتب عليه الحرمة عند نش عصيره. قلت: ان استصحاب بقاء الوقت لا يثبت به كون الشك في الوقت، وتوهم ان الشك وجدانى والوقت مستصحب فيثبت الموضوع بها فاسد لان ما هو وجدانى هو الشك في هذه القطعة من الزمان وما هو مستصحب نفس وقت الظهر، واما كون الشك في وقتها ليس بوجداني ولا يصح اثباته بالاصل الا على الاصل المثبت، والتنظير بالاستصحاب التعليقي في غير محله كما هو ظاهر. ثم انه بعد عدم جريان قاعدة التجاوز في الظهر، ربما يقال بان عدم وجوب الظهر في الوقت المختص بالعصر معلوم ووجوب القضاء مشكوك فيه ومقتضى قاعدة البرائة عدم وجوبها، بل مقتضى استصحاب عدم وجوب القضاء واستصحاب عدم وجوبها إلى ما بعد الوقت ذلك. ويمكن ان يقال: ان معلومية عدم وجوب الظهر في الوقت المختص ممنوعة لاحتمال وجوبها فان العصر محتمل التحقق وعلى فرضه تجب الظهر، بل مع عدم الاتيان بالعصر ايضا يحتمل وجوب الظهر، لاحتمال كون وجوب الاتيان بالعصر في الوقت المختص من باب تزاحمهما وترجيح الشارع جانب العصر، وقد حقق في محله ان المتزاحمين واجبان فعلا ولا يسقط خطاب المزاحم المرجوح فحينئذ يحتمل وجوب الظهر كما يحتمل وجوب العصر فيستصحب وجوبهما ووجوب الظهر إلى ما بعد الوقت، فان قلنا بوحدة

[ 269 ]

التكليف الادائي والقضائي وان وجوب القضاء تابع للاداء وان تعدد المطلوب يكون الاستصحاب شخصيا أو من الكلى القسم الاول، وان قلنا بان القضاء بامر جديد يكون من القسم الثالث لاحتمال حدوث التكليف بالقضاء مقارنا لسقوط الامر الادائي، وان احتمل الامر ان يكون من القسم الثاني. وفيه - مضافا إلى ان الاحتمال الاول والثالث باطلان لان القضاء بامر جديد بحسب مقتضى الادلة، وان التحقيق هو الاحتمال الثاني، واستصحاب الكلى ممنوع لما اشرنا إليه سابقا من ان الكلى المستصحب لابد وان يكون حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم، والكلى الجامع بين التكليف الادائي والقضائي، ليس حكما شرعيا بل امر انتزاعي عقلي لا يجب اتباعه، ولا موضوعا مترتبا عليه الحكم الشرعي ان مقتضى صحيحة الحلبي الحاكمة بان الاتيان بالظهر في الوقت المختص بالعصر موجب لفوتها ان المورد ليس من باب التزاحم، والا لم يكن وجه لبطلانها سواء سقط الامر كما هو المعروف ام لا كما هو المختار، فالبطلان بعد اشتراك الوقت بينهما بحسب الادلة كما تقدم لاجل ان الظهر مشروطة بالاتيان بالعصر، ومع عدمه بطلت لفقدان الشرط، فاستصحاب عدم الاتيان بها ينقح موضوع الصحيحة، فعلى ذلك يجرى استصحاب عدم وجوب الظهر إلى ما بعد الوقت، فلا يجب القضاء كما هو مقتضى البرائة واستصحاب عدم وجوب القضاء. وقد يتوهم ان استصحاب عدم الاتيان بها إلى آخر الوقت ينقح موضوع الفوت الذى هو مأخوذ موضوعا لوجوب القضاء، وهو حاكم على الاستصحابين المذكورين وعلى اصل البرائة، لا يقال: ان اجراء الاستصحاب لاثبات عنوان الفوت مثبت، فانه يقال: ان الفوت ليس عنوانا وجوديا منتزعا من عدم الاتيان إلى آخر الوقت كعنوان الحدوث الذى هو امر وجودي منتزع من الوجود المسبوق بالعدم حتى يكون الاصل بالنسبة إليه مثبتا، بل الفوت عبارة عن عدم الاتيان بالموضوع المشتمل على المصلحة المقتضية للوجود إلى زمان لا يمكن تداركها، فهو عنوان عدمي وعبارة اخرى عن

[ 270 ]

عدم تحقق الموضوع المذكور، فاجراء اصالة عدم الاتيان إلى آخر الوقت كاف في الحكم بالقضاء. وفيه ان دعوى وحدة العنوانين وكون احدهما عبارة اخرى عن الاخر ممنوعة، بل الفوت مترتب على الترك في تمام الوقت، والشاهد عليه صحة قولنا ترك في تمام الوقت صلوته ففاتت منه، وعدم صحة: تركها في تمام الوقت فتركها، وكذا فاتت منه ففاتت، وكذا فاتت منه فتركها فصحة الاول عرفا وعقل عدم صحة ما عداه شاهدة على اختلافهما عنوانا وواقعا وترتب الفوت على الترك. وما قلنا من ترتب الفوت على الترك مع كون كل منهما عدميا، نظير ما يقال: من أن عدم العلة علة لعدم المعلول، وليس المراد منه تأثير عدم في عدم، أو ترتب عدم على عدم، بل هو لبيان علية الوجود للوجود وترتب وجود على وجود وعلى أي حال بعد اختلافهما عنوانا واعتبارا، لا يصح اثبات الفوت باستصحاب الترك في تمام الوقت الا بالاصل المثبت، وانه من قبيل اثبات اللازم باستصحاب الملزوم في العرف وان كان اطلاق ذلك على الاعدام مبنيا على المسامحة عقلا. فتبين من ذلك ان تخلصه عن الاصل المثبت بدعوى كون الفوت عدميا و ليس نظير الحدوث غير مرضى لان ميزان المثبتية محقق ولو كان العنوانان عدميين. نظير اثبات عدم اليوم باستصحاب عدم طلوع الشمس وبالجملة بعد اختلافهما عنوانا لا يصح استصحاب احدهما لاثبات الاخر الا بالاصل المثبت من غير فرق بين عدميتهما أو وجودية احدهما أو كليهما ولا بين ترتب احدهما على الاخر وعدمه، هذا إذا قلنا بان القضاء مترتب على الفوت، واما ان قلنا بانه مترتب على عدم الاتيان بالمأمور به في الوقت المقرر له فلا مانع من جريان استصحاب عدم الاتيان إلى آخر الوقت لاثباته. ان قلت: ان الفوت مترتب على عدم الاتيان في الوقت المقرر لا على مجرد عدمه، واستصحاب عدمه في الوقت غير جار لعدم الحالة السابقة لعدم الاتيان في الوقت ظرفا أو قيدا ومثبتية استصحاب عدمه المطلق إلى آخر الوقت لاثبات عدمه في الوقت كاستصحاب ساير الاعدام الازلية.

[ 271 ]

قلت: اولا ان كلا من تقييد عدم الاتيان بزمان خاص وكونه ظرفا له محال لان العدم لا يعقل ان يصير مثبتا له، ضرورة أن ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، فعدم الاتيان بالصلوة لا يعقل ان يكون موضوعا للقضاء مع قيد الوقت أو ظرفيته له، كما لا يكون الموضوع له عدم الاتيان بالصلوة المتقيدة بالوقت أو في الوقت، على ان يكون الظرف قيد الا صلوة أو ظرفا لها ويكون الاتيان بلا قيد، فان عدم الاتيان بالصلوة المتقيدة أو المظروفة صادق قبل الوقت ولايكون موضوعا للقضاء، فما هو قابل للتقييد والمظروفية ليس موضوعا له، وعدم الاتيان في الوقت يصح ان يكون موضوعا، لكن تقييده بالوقت أو ظرفية الوقت له غير ممكن، فعلى ذلك لابد من القول بان ما يترتب عليه القضاء عدم الاتيان ومضى الوقت المقرر للمأمور به، وان الموضوع ذو جزئين. فحينئذ يمكن اثبات القضاء باستصحاب العدم ومضى الوقت وجدانا ومن قبيل اثبات الموضوع بالاصل والوجدان. ومع الغض عن ذلك والتزام ان الموضوع للقضاء عبارة عن عدم الاتيان في الوقت على ان يكون الوقت ظرفا لعدم الاتيان بدعوى عرفية ذلك، والميزان هو تشخيص العرف لا حكم العقل يمكن اجراء اصل عدم الاتيان في الوقت بوجهين. احدهما استصحاب عدم الاتيان بالصلوة في الوقت من ما قبل الظهر مثلا إلى غروب الشمس، ومعه يحرز الموضوع أي عدم الاتيان في القطعة المتصلة بما قبل الظهر وهذا استصحاب شخص يكون الظرف الذى هو جزء الموضوع قطعة من الزمان الذى يكون بقاء للمستصحب، وليس كليا حتى يتوهم المثبتية، وعدم كون القطعة الاولى موضوعا للحكم لا يضربه بعد كون القطعة المتصلة بها موضوعا له. ثانيهما استصحاب عدم الاتيان بها في الوقت المقرر، فان في الجزء الاول منه الذى لا يسع للصلوة حتى بمقدار تكبيرة الافتتاح تماما يصح ان يقال: انى اعلم

[ 272 ]

بعدم الاتيان بها في الوقت المقرر، فان وقتها من الزوال وهى لا يعقل ان تقع في اول ا لزوال، فيصح القول المذكور، ومع الشك في الاتيان بها إلى الغروب يستصحب القضية المتيقنة إليه، نعم لو احتمل الاتيان بها قبل الوقت ووقوع جزء منها فيه، لا تصح دعوى العلم ان قلنا بان هذا المقدار الذى لا يسع الا لبعض السلام كاف في الصحة وهو محل كلام. الصورة الخامسة لو علم اجمالا بالاتيان باحداهما وعدم الاتيان بالاخرى ولم يبق من الوقت الا اربع ركعات فلو كان المأتى بها الظهر يجب عليه العصر وبالعكس. وعندئذ ان قلنا بعدم اعتبار قصد العنوان في الصحة يكتفى بالاتيان باربع ركعات بقصد ما في الذمة وتصح، واما ان قلنا باعتبار قصد العنوان تفصيلا في الصحة وأنه لا يصح قصد ما في الذمة حتى يكتفى باربع ركعات من غير القصد إلى احد العنوانين فيعلم اجمالا بوجوب احداهما قاصدا لعنوانها فحينئذ ان قيل بان وقوع العصر قبل الظهر صحيحة لابد وأن يكون ناشيا عن الغفلة، واصالة عدمها امارة عقلائية تكشف عن ان المأتى بها الظهر لا العصر غفلة، فيجب عليه العصر، لكنه فاسد جدا لا يستند إلى دليل. وعليه لو قلنا بان الوقت مختص بالعصر مطلقا سواء اتى بها ام لا، فقاعدة التجاوز الجارية في الظهر، واستصحاب عدم الاتيان بالعصر الفارغ عن المعارض يوجب انحلال العلم تعبدا، فيجب عليه العصر، ويبنى على تحقق الظهر ولا يعتنى بشكه، وان قلنا بالاشتراك مطلقا فلا تجرى قاعدة التجاوز فيهما، وكذا لو قلنا بالاختصاص لو لم يأت بالعصر فانه من موارد الشبهة المصداقية للقاعدة. فحينئذ ان قلنا بعدم جريان الاستصحاب في اطراف العلم مطلقا أو بسقوطه بالتعارض، فيجب العمل بالعلم الاجمالي بالاتيان باحداهما بعنوانه رجاء وقضاء الاخرى خارج الوقت، وتوهم لزوم الاتيان بالظهر لتحصيل الترتيب فاسد لان

[ 273 ]

الترتيب اما حاصل أو غير معتبر في الفرض، وتوهم انه لا دليل على القضاء بعد سقوط الاصل غير صحيح لان العقل يحكم بوجوب الاتيان بهما، ولازم ذلك الاتيان باحداهما قضاء، كما لو علم بعد الوقت بترك احداهما وبعبارة اخرى بعد العلم بان ترك المأمور به في الوقت يوجب القضاء يكون العلم الاجمالي حجة على الواقع كالعلم التفصيلي. ولو قلنا بجريان الاصل في اطراف العلم لو لم يلزم منه المخالفة العلمية، فتجرى اصالة عدم الاتيان في كل منهما فيحرز موضوع صحيحة الحلبي من وجوب الاتيان بالعصر، الا ان يقال: ان مفاد الصحيحة لا ينطبق على المورد، لان فيها التعليل بانه لو اتى بالظهر فاتتاه، ولا شك أنه مع العلم بالاتيان باحداهما لم يفت المأتى بها، الا ان يقال: ان لازم التعبد بعدم الاتيان بهما هو التعبد بفوتهما لو اتى بالظهر، مع ان الحكم بوجوب العصر مع عدم الاتيان بهما إلى ما بقى من الوقت مقدار اربع ركعات مسلم غير قابل للتشكيك، والاستصحاب يحرز موضوع الحكم. هذا كله على القول باعتبار قصد العنوان تفصيلا، واما مع عدمه فالاتيان باربع ركعات بقصد ما في الذمة كاف في العمل بالعلم الاجمالي وفى تحقق قصد العنوان اجمالا، ولا يجب عليه القضاء، وتوهم انه مع جريان الاصلين يجب عليه الاتيان بالعصر بمقتضى الادلة في غير محله فانه مع الاتيان بما هو المعلوم لا يبقى مجال لاحتمال وجوب شئ عليه، والفرض انه ليس على ذمته الا صلوة واحدة و قد اتى بها بلا ريب، والتحقيق ذلك واما ما تقدم فمبنى على مبان غير مرضية. تنبيه لا بأس بالاشارة إلى امر ربما ينتج في بعض المسائل الآتية، وهو انه لا اشكال في عدم الفارق بين الظهرين، كما انه لا اشكال في انه لا حقيقة لهما الا تلك الاجزاء من التكبيرة الافتتاحية إلى التسليم معتبرا فيها نحو وحدة واتصال، فالظهران متحدتا الحقيقة والصورة ودعوى ان لكل منهما حقيقة مختلفة مع صاحبتها في غير محلها.

[ 274 ]

فحينئذ يقع اشكال، وهو ان اختلافهما في بعض الاحكام بعد اتحادهما في الصورة والحقيقة مما لا منشأ له، فكيف صارت صلوة الظهر وهى الصلوة الوسطى افضل من ساير الصلوات، ولم اختص اول الوقت بالظهر واخره بالعصر، ولم اشترطت العصر بوقوعها بعد الظهر إلى غير ذلك. والذى يمكن ان يقال ان اختلاف الاضافات كثيرا ما يوجب اختلاف الاحكام عرفا وشرعا مع وحدة المضاف إليه حقيقة، فرداء رسول الله صلى الله عليه وآله و سيفه وساير ما يضاف إليه اشرف وافضل من غيره، ولو وجد ردائه أو سيفه لبذل فيه من الاثمان بلغت ما بلغت، وليس ذلك الا لمجرد الاضافة إليه، وفرض المسجد لا يجوز بيعه بخلاف فرش المنزل لمجرد اختلاف الاضافة، والزمان مع كونه امرا واحدا مستمرا لا يختلف فيه حقيقة يوم من يوم اخر ولا ليلة من ليلة اخرى لكن لما نزل القرآن المجيد في ليلة القدر أو في شهر رمضان صار زمان نزوله من اجله عظيما شريفا يمتاز عن ساير الازمنة، وليس ذلك الا لاضافة خاصة، وكذا الحال في الكعبة ومدينة الرسول إلى غير ذلك. فحينئذ يمكن ان يقال: ان ساعات الايام بواسطة القضايا الواقعة فيها صار بعضها اشرف من بعض، وما نسب إلى بعضها صار اشرف من غيره بواسطة الاضافة، وكذا يختلف الاحكام بذلك، فاربع الركعات المأمور بها في اول الظهر لاجل انتسابها إليه تختلف مع شريكتها في الاحكام والاثار الاعتبارية. فحينئذ تمتاز الظهر عن العصر بهذه الاضافة، ولابد من قصد العنوان وان كان بنحو الاشارة والاجمال، كالاتيان باربع ركعات بقصد ما في الذمة، فان ذلك اشارة إلى ما هو الواقع المعلوم حقيقة عند الله وان كان مجهولا عند المكلف، وهذا المقدار كاف في التعيين وقصد العنوان ولا دليل على الزائد منه. ثم ان الاضافة إلى الظهر مثلا قد تعتبر بالنسبة إلى نفس طبيعة الصلوة وماهيتها من غير نظر إلى اجزائها فتكون اضافة واحدة لمضاف واحد، وقد تعتبر إلى اجزائها

[ 275 ]

فكل ركعة أو جزء منها كانت مضافة إلى الزمان. فعلى الثاني يكون العدول من صلوة إلى اخرى محالا، لان الجزء مثلا مثلا عند وجوده صار مضافا إلى الزمان وماتيا به بعنوانه، وبعد تحققه بهذا العنوان وهذه الاضافة لا يعقل تبديله باضافة اخرى وعنوان اخر، اما لصيرورته معدوما أو لامتناع انقلابه عما هو عليه. وعلى الاول يجوز العدول، لان الاضافة لنفس الطبيعة التى بيدها، وما دامت الطبيعة تحت اختيار المكلف حال اشتغاله بها له ان ينوى لها اضافة اخرى، وهو امر اختياري له، فمن اشتغل بصلوة الظهر ثم بدا له ان يجعلها صلوة العصر أو غيرها له ذلك باختياره ونيته ما دام مشتغلا بها من غير لزوم امتناع، وعلى ذلك يكون العدول موافقا للقاعدة سواء عدل من الحاضرة إلى الفائتة، أو من اللاحقة إلى السابقة أو بالعكس، فان ظاهر ادلة العدول هو ذلك حيث تدل على انه بالنية يتحقق العدول، فمن صلى ركعتين من العصر ثم علم انه ترك الظهر ينويها ظهرا كما هو مورد النص، وهذا يكشف عن ان الاضافة مخصوصة بنفس الماهية لا لاجزائها، والا لامتنع الاخذ بظاهر الرويات وكان اللازم تأويلها. وبالجملة بعد ما كانت الماهية بنفسها واحدة غير ممتازة، ودل الدليل على ان الاضافة الموجبة للافتراق قابلة للنقل باختيار المكلف لكونها للماهية ونظير اضافة الملكية لا اضافة الاجارة صار العدول على القاعدة بعد ما وقع المعدول عنه صحيحا و كان المعدول إليه مأمورا به، وعلى ذلك لو دخل في صلوة الظهر مع عدم الاتيان بالعصر في الوقت الخاص بالعصر أو شك في الاتيان بها يمكن القول بلزوم العدول إلى العصر، وانما لا يجوز العدول إلى اللاحقة إذا لم يكن السابقة مأمورا بها كما لو اتى بها ثم دخل فيها ثانيا خطأ فان عدم الجواز لاجل بطلان السابقة ثم لو قلنا بعد جواز العدول من السابقة مطلقا، واستشكلنا في ما مر بأن الامكان لا يكفي في القول بالصحة مع توقيفية العبادة، ولا دليل على جواز العدول كذلك، بل لعل عدمه متسالم عليه

[ 276 ]

بين الاصحاب، يمكن القول في الفرع المذكور بايقاع صلوة العصر في خلال الظهر، وبعد تتميمها يتمم الظهر من غير احتياج إلى رفع اليد، إذ لا دليل على عدم جواز ذلك كما مر في السابق، وبذلك يقع بعض الظهر في وقتها كالعصر. ولو منع ذلك ايضا بدعوى مخالفته لارتكاز المتشرعة لابد من رفع اليد عن الظهر والاتيان بالعصر ثم الظهر قضاء، هذا إذا ادرك من العصر ركعة أو ازيد، والا فالظاهر صحة الظهر ولزوم تتميمها ثم قضاء العصر. لان الوقت مشترك، والظهر صحيحة إلى الان فرضا، والعصر لم يزاحمها لصيرورتها قضاء رفع اليد عن الظهر ام لا، فيجب عليه تتميمها مع القول بعدم جواز العدول إلى العصر. الصورة السادسة لو لم يبق من الوقت الا ركعة فشك في الاتيان بالصلوة، فبملاحظة خصوص قاعدة التجاوز مع الغض عن الدليل الخاص الوارد في الوقت أي صحيحة الفضيل وزارة (1)، وعن دليل من ادرك ركعة (2) يمكن ان يقال: انه لم يمض الوقت وان الشك في الوقت، لان ظاهر الادلة ان وقت الظهرين باق إلى غروب الشمس، وهذه القطعة الاخيرة وقت للطبيعة، ولهذا لو وقعت الركعة الاخيرة من الصلوة فيها لكانت في وقتها بخلاف ما لو وقعت بعد غروب الشمس، وانما يمضى الوقت بقول مطلق بغروبها، فمقتضى ضم هذه الروايات أي روايات امتداد الوقت إلى غروب الشمس إلى روايات قاعدة التجاوز هو ان الشك في الوقت. وقد يقال: ان المراد بالوقت في قوله (عليه السلام): انت في وقت منهما جميعا: (3) هو الوقت الواسع لاداء الصلوة فيه، لان وقت الشئ ما يمكن ان يقع فيه بتمامه، ومن المعلوم عدم امكان وقوع الصلوة في الوقت الذى لا يسع الا لركعة، فلابد من توجيه قوله: انت في وقت منهما إلى الغروب ومضى الوقت الواسع لجميع الصلوة


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 5 .

[ 277 ]

بذهابه إلى حد لا يمكن ان يقع تمام الصلوة فيه. وفيه انه لا وجه لتأويل الروايات بعد امكان الحمل على ظاهرها، وهو ان الوقت إلى غروب الشمس، لا بمعنى انه وقت الشروع، بل بمعنى انه وقت لها باعتبار انه لو وقعت الصلوة في تحققها الامتدادي فيه لوقعت في وقتها، فهل يصح ان يقال في قوله عليه السلام إذا زالت الشمس دخل وقت الصلوتين: (1) لايراد به ظاهره لان الصلوة لا يعقل وقوعها اول الزوال، فكما ان المراد به انه وقت لاجل انه لو شرع فيها حال الزوال وقع الصلوة في الوقت المضروب لها، كذلك المراد بان قبل الغروب وقت انه لو ختمت وقعت في وقتها، وقوله: كل ما شككت فيه مما قد مضى (2) لو نسب إلى زمان الصلوة يكون مضيه بقول مطلق هو المضى بجميع قطعاته. وبتقريب آخر، ان الصلوة في اعتبار الشارع المستشكف من ارتكاز المتشرعة والاخبار الواردة في الابواب المختلفة ليست نفس تلك الاجزاء، ولا مجموعها من حيث المجموع بالترتيب الخاص بدليل ان المكلف إذا كبر دخل فيها بلا ريب و بلا شائبة مجاز، وهو داخل فيها إلى ان يختمها بالسلام سواء في ذلك نفس الاجزاء والفترات الحاصلة بينها، فالدخول فيها امر حاصل بمجرد الشروع وباق إلى آخره، ولا يعقل مع كونها اجزاء أو مجموعا ان تكون كذلك كما لا يعقل فيها القواطع و النواقض، وانما يصح كل ذلك بلا تأول إذا كانت معتبرة بنحو وحداني اتصالي نظير ساير الماهيات التى تتحقق باول الوجود وتبقى إلى آخره. فلو كان البلد مثلا مجموع الابنية لا يصدق على الوارد في اولها انه وارد في البلد، لان الجزء ليس بلدا، والحال في نقطة منه ليس حالا فيه، بل لا يعقل الحلول فيه باحد، بل المار باحد جانبيه إلى الاخر غير مار بالبلد لان المرور وقع على


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت أحاديث: 8 و 9 و 10 و 11. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3 .

[ 278 ]

الاجزاء الخاصة وهى ليست بلدا. ولو كان شهر رمضان مثلا عبارة عن مجموع الايام لما دخل الشهر بحلول هلاله ولا بدخول يومه، فشهر رمضان عبارة عن قطعة زمان ممتد اعتبرت فيها ايام وليال وساعات ودقائق نحو بعض الماهيات الحقيقية التى يصدق على بعضها و على كلها اسم الحقيقة كالماء. والصلوة اعتبرت نحو اعتبار يشبه بوجه شهر رمضان فكما ان الشهر يحل باول دقائقه وهو باق إلى آخره كذلك الصلوة تتحقق باول اجزائها أي تكبيرة الاحرام ويكون المكلف متلبسا بها إلى السلام المخرج، والاوقات انما جعلت لهذه الطبيعة الاعتبارية لا لاجزائها، وليس اول الزوال وقتا لتكبيرة الاحرام والان الاخر للحمد وهكذا، بل إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر أي تلك الماهية التى تتحقق باول وجودها، فكل قطعة ودقيقة من الزوال إلى غروب الشمس وقت لتلك الطبيعة، فإذا شرع فيها يكون الوقت الواقعة فيه الصلوة وقتا لها، ولا يلحظ في هذا الاعتبار الاجزاء اصلا، وعلى ذلك لا فرق في هذا الامر بين اول الوقت وآخره، فقوله: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهرين وانت في وقت منهما جميعا إلى غروب الشمس (1) اطلاق حقيقي بعد الاعتبار المذكور. فحينئذ يكون مضى وقت الصلوة بغروب الشمس، لان الوقت المقرر لها وقت حقيقي لها إلى الغروب، فمقتضى قاعدة التجاوز مع قطع النظر عن ساير الادلة وعن خصوص الرواية الواردة في الوقت كون الشك قبل غروب الشمس قبل تجاوز الوقت وانما التجاوز يتحقق بغروبها. ان قلت: مقتضى بعض الروايات كقوله حين يتوضاء اذكر (2)، وقوله اقرب


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من ابواب المواقيت حديث: 5. (2) الوسائل كتاب الطهارة باب - 42 - من ابواب الوضوء حديث: 7 .

[ 279 ]

إلى الحق، (1) وقوله قد ركعت، (2) هو ان العلة لعدم الاعتناء بالشك ان المكلف المقدم للاتيان بالمأمور به يأتي به مع جميع ما يعتبر فيه، ولا يصح الاعتناء بشكه باحتمال الغفلة والاشتباه، وعلى ذلك لو شك في وقت لا يسع الصلوة فيه وتكون قضاء لوقوع بعضها خارج الوقت، لا محالة يكون ذلك لاحتمال التأخير غفلة و اشتباها، فمقتضى الروايات المتقدمة عدم الاعتناء بالشك وان لم يصدق المضى، لان العلة تخصص وتعمم. قلت: علية ما ذكر محل اشكال بل منع نعم لا مانع من كونه نكتة الجعل، لكن لا يصح رفع اليد عن الاطلاق بمثل ذلك، ولا رفع اليد عن الكبريات الكلية به، هذا مع الغض عن صحيحة زرارة والفضيل. واما بالنظر إليها، فقوله: متى شككت في وقتها انك لم تصلها أو في وقت فوتها انك لم تصلها صليتها، فان شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حايل فلا اعادة عليك من شك، (3) منضما إلى قوله قبل ذلك في تفسير وقت الفوت: بانه ان جاز ذلك الوقت ثم صليتها لم تكن صلوته هذه مؤداة ظاهر في ان المراد بخروج وقت الفوت ذهاب الوقت بمعنى غروب الشمس، فان الصلوة إذا وقعت بعد غروبها تكون غير مؤداة بنحو الاطلاق، ولو وقع بعضها في الوقت وبعضها خارجه تكون قضاء أو اداء ببعضها وقضاء ببعض، والظاهر من دخول الحائل وكونها غير مؤداة غير هذا الفرض فالصحيحة مع اشتمالها على التفسير المذكور مطابقة للاحتمال الذى رجحناه في مطلقات روايات قاعدة التجاوز، من ان المضى بخروج الوقت أي بغروب الشمس. نعم مع الغض عن ادلة القضاء لا شك في ان الصلوة الواقعة بعضها خارج الوقت باطلة بحسب القواعد مع الغض عن قاعدة من ادرك، فيكون الشك مع


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 27 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب الركوع حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 60 - من ابواب المواقيت حديث: 1 .

[ 280 ]

بقاء الوقت بمقدار اقل من سعة جميع الصلوة شكا في وقت لو صليها لم تكن مؤداة لصيرورتها باطلة، فينبطق حينئذ على الاحتمال المرجوح المتقدم في قاعدة التجاوز، لكن مع ادلة القضاء والتفسير المتقدم يكون الترجيح للاحتمال الاخر المطابق لما رجحناه بل مع الغض عن التفسير المذكور تكون الصحيحة ظاهرة فيما ذكر، لان وقت الفوت مقابل وقت الفضيلة الذى عبر فيها بانه وقتها، والوقت من اوله إلى آخره قسم بقطعتين احداهما الوقت والاخرى وقت الفوت وخروجه بغروب الشمس، فتحصل مما ذكر ان مقتضى قاعدة التجاوز وصحيحة زرارة ان الشك في الوقت ولو كان بمقدار بعض الركعة يعتنى به، والتجاوز ودخول الحائل بذهاب الوقت بتمامه. ان قلت: ان الصحيحة الآمرة بالصلوة مع الشك في وقت الفوت دالة على ان الوقت واسع لها، والا كان الامر بشئ غير مقدور، فلاحظ الوقت الواسع لها وفى مقابلها الوقت غير الواسع، فالشك في ذلك الوقت لا يعتنى به. قلت: الامر بالصلوة لا يدل على ان صلوته اداء، بل غاية ما يدل عليه انه وجب عليه الاعتناء بشكه ولايكون خارج الوقت فيجب الصلوة عليه ولو كان الاتيان بها خارج الوقت فمع اعتبار الشك في الوقت لو شك في الجزء الاخر من الوقت صح ان يقال: يجب عليك الصلوة فلا محالة تكون صلوته قضاء، بل قوله في الصحيحة: فليصل ليس امرا مولويا، لان الصلوة لا تجب مع الاتيان بها، ومع عدمه يجب بالامر الاول، فالامر ارشاد إلى حكم العقل بالاشتغال. ثم على ما بنينا من عدم جريان قاعدة التجاوز مع بقاء الوقت ولو كان اقل من ركعة، لانحتاج إلى دليل من ادرك في الاعتناء بالشك فيما لو بقى الوقت بمقدار ادراك الركعة. وأما لو بقى بمقدار اقل من ادراك ركعة فهل يدل دليل من ادرك على الاعتناء بالشك؟ يبتنى ذلك على ان يدل منطوق الدليل على تنزيل خارج الوقت منزلة

[ 281 ]

الوقت، ومفهومه على تنزيل الوقت منزلة خارجه، وعلى ان شكه شك في خارج الوقت، وفي الكل اشكال، اما تنزيل الوقت فقد اشرنا إليه سابقا بان الدليل لا يدل عليه في المنطوق حتى في مثل من ادرك من صلوة العصر ركعة واحدة قبل ان تغيب الشمس أدرك العصر في وقتها (1) فان الظاهر منه تنزيل المدرك له أو تنزيل ادراكه للوقت، لا تنزيل نفس الوقت، وعلى فرض التسليم وتسليم المفهوم للدليل فلا يدل الا على عدم تنزيل الاقل منزلة الوقت لاتنزيله منزلة عدم الوقت حتى ينتج، وعلى فرض التنزيل فلا اطلاق له حتى يثبت به تنزيل الشك فيه منزلة الشك في الوقت منطوقا وخارجه مفهوما. ودعوى ان تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت كاف في كون شكه كذلك من غير احتياج إلى تنزيل اخر، فانه من قبيل ترتب الحكم على الموضوع غير وجيهة فان الشك في الاتيان في الوقت ليس حكما مترتبا عليه، بل موضوع لوجوب الاعتناء به على اشكال فيه ناش من ان لزوم الاعتناء ليس حكما شرعيا بل حكم عقلي لقاعدة الاشتغال، وليس للشارع في قاعدة التجاوز حكمان احدهما وجوب الاعتناء بالشك وثانيهما وجوب المضى، نعم بالنسبة إلى خارج الوقت يكون وجوب المضى حكما شرعيا، وكيف كان فدعوى كون الشك في قاعدة التجاوز حكما شرعيا مترتبا على الموضوع في غير محلها. ثم ان من المحتمل ان يكون المراد من قوله: من ادرك ركعة إلى آخره، ان الوقت المعتبر في الصلوة اعتبر بنحو يكون وقوع ركعة من الصلوة فيه كافيا في صحتها من غير نظر إلى الاتيان بها وعدمه أو اشتغال ذمة المكلف بها وعدمه، نظير اعتبار ذات الوقت فيها، وعلى ذلك صحت الصلوة لو فرض اشتغال الذمة بها ان وقعت كذلك، ولازم ذلك جواز التأخير إلى ادراك ركعة لعدم اعتبار شئ فيه من الاضطرار أو اشتغال الذمة بها وحينئذ ليس الدليل ناظرا إلى توسعة الوقت أو تنزيل


(1) جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة باب - 28 - من ابواب المواقيت حديث: 6 .

[ 282 ]

الخارج منزلة الوقت وبالعكس، فلو شك في الصلوة وقلنا بمقالتنا هذه يكون شكه في الوقت ولو قيل بان الشك بعد مضى الوقت إلى حد لا يسع للصلوة يكون الشك بعد الوقت. لكن هذا الوجه مضافا إلى كونه خلاف الظاهر لا اظن التزام احد به، فالمراد من دليل من ادرك اما تنزيل الخارج منزلة الوقت، أو تنزيل المدرك لركعة منزلة مدرك الصلوة أو مدرك الصلوة في الوقت. أو تنزيل ادراك ركعة منها منزلة ادراكها تامة أو في وقتها، كل ذلك لا مطلقا بل لمن لم يصل إلى هذا الحد، أو لمن اضطر إلى الاتيان بها كذلك، كما هو ظاهر قوله من ادرك، وصريح الموثقة (1) من رواياته، فلا يجوز التأخير إلى هذا الحد، وان اخر ولو عصيانا يجب الاتيان بها، وادراكه لها ادراك للصلوة. ومن بين هذه الوجوه اما يرجع الوجه الاخير، أو احد الوجهين الاخيرين، أو لا ترجيح بينها، ولا ينبغى الاشكال في عدم ترجيح الاول، بل هو خلاف ظاهر الدليل بل خلاف اعتبار التنزيل الذى هو نظير الحقيقة الادعائية، وقد اشرنا سابقا إلى وجهه، وكيف كان فعلى الوجه الذى رجحناه في قاعدة التجاوز وصحيحة زرارة لانحتاج في المسألة إلى دليل من ادرك، بخلاف الوجه الاخر أي القول بان خروج الوقت مضيه إلى حد لا يسع تمام الصلوة، وعليه فان قلنا: ان المعتبر في موضوع دليل التجاوز الشك بعد الوقت، وفى قباله الشك في الوقت فلا محالة لا يفيد الدليل الا على الوجه الاول، بناء على كفاية التنزيل في الوقت في صيرورة الشك فيه شكا في الوقت وقد عرفت الاشكال في اصل التنزيل وفى كفايته لما ذكر. وقد يقال: ان قاعدة الشك في الوقت ليست كقاعدة الشك في خارجه قاعدة شرعية مترتبة على الشك في الوقت، بل القاعدة الحاكمة بلزوم الاتيان هي قاعدة الاشتغال الحاكم بها العقل، وليس في موضوع القاعدة اعتبار عنوان الوقت، و


(1) الوسائل كتاب الصلوة باب - 30 - من ابواب المواقيت حديث: 1 و 3 .

[ 283 ]

يكفى فيها الشك في الاتيان بالمأمور به، فيكفى التنزيل المذكور في حكم العقل بلزوم الاتيان. وفيه ان حكم العقل بلزوم البرائة اليقينية انما هو مع العلم بالاشتغال والفرض ان الوقت المقرر للصلوة خارج، ومعه يسقط التكليف وينتفى موضوع الاشتغال، ومع الغض عنه ان قاعدة التجاوز حاكمة بالمضي وعدم الاعتناء بالشك، ومعها ينتفى موضوع الاشتغال، فلابد في الحكم بالاشتغال من احراز عدم كونه موردا لقاعدة التجاوز ويكون موردا للاشتغال، وهو باحراز كون الشك في الوقت. ان قلت تنزيل هذا المقدار من وقت المغرب منزلة وقت الظهرين لا معنى له الا كون الشك في هذا المقدار في الاتيان بالصلوة موجبا لوجوب الاتيان بها، من دون احتياج إلى اثبات ان الشك في هذا المقدار شك في الوقت، فان الحكم على العناوين عين الحكم على المصاديق وانما الاختلاف بالاجمال والتفصيل، ولهذا يقال في القياس: هذه خمر وكل خمر يحرم شربها باخذ نفس عنوان الموضوع من غير اخذ عنوان الخمر أو الشرب فيه، وفى المقام يقال: هذا المقدار من وقت المغرب وقت للظهر وكل وقت للظهر إذا شك فيه في الاتيان بها يجب الاتيان بها فيجعل نفس هذا المقدار بما هو موضوعا لوجوب الاتيان بالظهر إذا شك في الاتيان بها لا بعنوان وقت الظهر، ولا ان الشك فيه شك في الوقت. قلت: ان عينية تنزيل وقت المغرب منزلة وقت الظهر مع كون الشك في هذا المقدار موجبا لوجوب الاتيان ممنوع، وقياس المقام بالخمر ومصاديقها في غير محله، وكيف يمكن عينية العنوانين مع كون احدهما من الاحكام الوضعية الشرعية والاخر من حالات النفس، بل العنوانان مختلفان ولكل مصاديق مختلفة مع الاخر، وعلى ذلك لا يصح القياس الذى تشبث به. وان اريد بذلك ان تنزيل احدهما عين تنزيل الاخر، فهو ايضا ممنوع، واستلزام احد التنزيلين للاخر اول الكلام، بل لنا ان نقول في القياس المتقدم: ان الحكم الشرعي

[ 284 ]

لو كان موضوعه عنوان الشرب في لسان الدليل لا يمكن اثباته باستصحاب الخمر، ولا بتنزيل شئ كالعصير منزلتها، فلو ورد ان شرب الخمر موجب لثبوت الحد الكذائي ثم ورد ان العصير خمر لا يثبت بذلك ان شربه يوجب الحد الا مع اثبات عموم التنزيل، وكيف كان لا يمكن مساعدة ما افيد وان نسب إلى شيخنا الاستاد قد سره. كما نسب إليه ان التنزيل يجدى في عدم كون هذا الشك شكا بعد الوقت، وذلك يكفى في حكم العقل بالاشتغال، لعدم كون موضوعه الشك في الوقت، وفيه ايضا ما لا يخفى لمنع اثبات عدم كونه بعد الوقت بدليل التنزيل. ثم انك قد عرفت على ما تقدم منا آنفا ان الشك في الوقت ولو كان اقل من ركعة مما يعتبر ويعتنى به، ولا تشمله قاعدة التجاوز من غير فرق بين كون المستند قاعدة التجاوز أو صحيحة الفضيل صدرا وذيلا. واما بناء على المسلك الاخر وهو القول بان تجاوز الوقت ومضيه بأن لا يبقى منه ما يسع الصلوة فمع بقاء ركعة منه كان الشك بعد التجاوز، فلابد اذن في القول ببقاء الوقت وكون الشك في الوقت وعدم التجاوز من التمسك بحديث من ادرك. ويرد عليه مضافا إلى ما تقدم، انه بناء على اختصاص الحديث بمن لم يصل أو بمن اضطر إلى الاتيان بها ولو بقاعدة الشغل يتوقف جريان من ادرك على استصحاب عدم الاتيان أو الاضطرار إليه لقاعدة الاشتغال، ومع كون الشك بعد التجاوز تمنع قاعدته عن الاستصحاب وقاعدة الاشتغال لتقدمها عليهما بالحكومة أو بغيرها، فلا يمكن جريان قاعدة من ادرك في المقام. الصورة السابعة ما لو شك في الاتيان بالظهرين ولم يبق من الوقت الا مقدار خمس ركعات، فعلى ما قدمناه يكون الشك فيهما في الوقت ويجب الاتيان بهما، وهذا لا اشكال فيه. انما الاشكال في ان الواجب عليه هل هو الاتيان بالظهر ثم العصر أو العكس؟

[ 285 ]

وجهه ان في صحيحة الحلبي المتقدمة الدالة في مورد عدم الاتيان بهما وقد ضاق الوقت على انه ان خاف فوت احداهما يصل العصر ثم الظهر ولو صلى الظهر فاتتاه جميعا (1) احتمالين: أحدهما ان المراد بالفوت خروج الوقت وعدم وقوع شئ منهما فيه، ويكون المفروض فيهما احتمال بقاء الوقت لاربع ركعات فقط فإذا خاف ذلك يجب تقديم العصر، وفى غير ذلك كما لو علم بكون الوقت اكثر منه لكن احتمل ان يكون بمقدار خمس ركعات يجب تقديم الظهر، فالفوت انما يصدق مع وقوعهما تماما خارج الوقت، فعلى هذا الاحتمال تدل الصحيحة على انه مع عدم الاتيان بهما يجب تقديم الظهر على فرض، وتقديم العصر على اخر، وعليه لانحتاج إلى قاعدة من ادرك. ثانيهما: وهو الاظهر ان الفوت عبارة عن عدم وقوع تمام الصلوة في الوقت المقرر، فلو بقى من الوقت خمس ركعات أو اكثر إلى اقل من ثمان ركعات فقد فات وقت احداهما، ولو خاف ذلك يجب عليه تقديم العصر، وإذا وجب ذلك مع العلم بعدم الاتيان يجب مع الشك في الاتيان بهما ايضا، لتنقيح الاستصحاب موضوع الحكم، و مقتضى اطلاق الصحيحة عدم الفرق في وجوب تقديم العصر بين احتمال بقاء اربع ركعات أو اكثر إلى ثمان ركعات، ومع العلم ببقاء ثمان ركعات أو ازيد يجب تقديم الظهر. فعلى ذلك هل يمكن التمسك بقاعدة من ادرك مع بقاء خمس ركعات لاثبات عدم الفوت وتقديم الظهر على العصر أو لا. وجه الاشكال فيه ان التمسك للظهر موجب لوقوعها بمقدار ثلاث ركعات في الوقت المختص بالعصر، فيزاحمها العصر وانما ترتفع المزاحمة فيما إذا انطبق قاعدة من ادرك على العصر ليوسع وقتها أو يوجب عدم الفوت، ومع بقاء الوقت للعصر تماما لا وجه للتمسك بهذه القاعدة لها، ومع عدم جوازه لا يصح التمسك


(1) - الوسائل كتاب الصلوة باب - 4 - من أبواب المواقيت حديث: 18 .

[ 286 ]

للظهر لمكان المزاحمة. وقد تفصى شيخنا الاستاد (قدس سره) عنه بان كل صلوة مطلوب مستقل ومجموعهما ايضا مطلوب عرفا، وبعبارة اخرى يجب على المكلف ثمان ركعات ولم يمكن له الاتيان بها في الوقت بجميعها ويمكن ادراك ركعتين منها فيجب. وفيه ما لا يخفى فان مجموع الصلوتين ليس مطلوبا، بل المطلوب كل واحدة والالزم في تركها عقوبات ثلاثة لترك هذه وهذه المجموع، واعتبار المجموع لا يوجب شمول التكليف المتعلق بكل واحدة منهما مستقلا للمجموع والعرف لا يساعد ايضا لما ذكر، فان العرف لا يرون الا وجوب الظهر ووجوب العصر، مضافا إلى انه لو كان المجموع الذى هو امر واحد اعتبارا مطلوبا واحدا هو الصلوة ايضا، يشمله قاعدة من ادرك، ولازمه ادراك المجموع بادراك ركعة من الوقت، فلو صلى ووقعت ركعة من المجموع في الوقت والبقية خارجه صحت صلوته لقاعدة من ادرك، وهو كما ترى. هذا مضافا إلى عدم رفع الاشكال بذلك، فان المجموع المركب من الصلوتين إذا لو حظ بالنسبة إلى الوقت، يكون احد جزئيه مزاحما للاخر في الوقت، فكما ان العصر المستقلة مزاحمة للظهر المستقلة كذلك تكون العصر التى هي جزء للمجموع مزاحمة للظهر، ومجرد مطلوبية المجموع عرفا لا يوجب رفع التزاحم، بل مزاحمة العصر المستقلة باقية على حالها، لان مطلوبية المجموع ناشية عن مطلوبية جزئية ولا يعقل رفع المزاحمة بينهما لعدم تعقل رفع الاستقلال، إذ مع رفعه يرفع مطلوبية المجموع، وبالجملة هذا الوجه مع الاشكالات الواردة عليه لا يرتفع به الاشكال. والذى يمكن ان يقال في رفع الاشكال: ان عمدة المستند في مزاحمة العصر للظهر في الوقت المختص بها صحيحة الحلبي الدالة على انه مع خوف فوت احداهما يقدم العصر، والاتيان بالظهر يوجب فوت كلتيهما، و بطلان الظهر بعد اشتراكهما في الوقت على ما تقدم اما لاجل اشتراطها بالاتيان

[ 287 ]

بالعصر، أو مزاحمة العصر في مصلحتها بحيث تمنع عن استيفائهما مع عدم الاتيان بها، وكيف كان لا يثبت شئ منهما الا بمقدار دلالة الصحيحة، وفيها علق الحكم على عنوان خوف الفوت وعدمه، فمع عدمه لابد من تقديم الظهر فلا مزاحمة ولا اشتراط في هذا الفرض. فحينئذ إذا علم ان صلوة العصر عند بقاء الوقت بمقدار ركعة لا تفوت، بل وقعت اداء كما هو ظاهر الادلة ومعقد لا خلاف في الخلاف يرتفع خوف فوتها، ويرتفع خوف فوت الظهر أيضا بقاعدة من ادرك، وبالجملة لا يتوقف رفع خوفه بانطباق من ادرك فعلا على المورد، بل لو علم انطباقه عليه عند تحقق موضوعه يرتفع، فلو بقى من الوقت خمس ركعات لا يحتمل فوت احداهما بدليل من ادرك المنطبق على العصر في وقته وعلى الظهر فعلا، فيرتفع خوفه فيجب عليه الظهر ثم العصر، ولا تكون العصر مع رفع خوفه مزاحمة للظهر فتدبر جيدا، هذا إذا قلنا بشمول قاعدة من ادرك للظهر فيما لو بقى من الوقت خمس ركعات. وكذا الحال لو قلنا بعدم شمولها لها مع كون الوقت مشتركا بينهما إلى الغروب على ما هو الحق، فانه مع بقاء جميع وقتها لا ينطبق عليها القاعدة، بل في فرض الاشتراك واستناد البطلان والفوت إلى المزاحمة أو الاشتراط بتحقق العصر أو تركها عذرا يمكن الاستشكال في شمولها لها ثبوتا، فان الجمع بلفظ واحد بين تنزيل ادراك ركعة مقام تنزيل ادراك الجميع وتنزيل ادراك ركعة بلا مزاحمة مقام ادراك الصلوة كذلك أو ادراك ركعة بلا اشتراط مقام ادراك الصلوة كذلك لعله غير ممكن. وتوهم امكان الجمع في قوله: من ادرك ركعة من الصلوة إلى اخره، بان يقال: نزل ادراك ركعة جامعة للشرايط وعدم المزاحمات مكان ادراك الصلوة كذلك فيشمل الموردين بالعموم والاطلاق فاسد. اما اولا فللزوم التقييد المستهجن كما هو ظاهر واما ثانيا فلان المراد من

[ 288 ]

الادراك في الرواية هو ادراك ركعة في الوقت جزما، لكونه متفاهما من عنوان الادراك وبقرينة ساير الروايات الوارد فيها التصريح بذلك، وقرينة فهم الاصحاب، فلا شبهة في أن المراد من الادراك في القاعدة هو ادراك ركعة من الوقت، وعلى ذلك لو فرض امكان الجمع بينه وبين ادراك الوقت المشترك مقابل المختص على ما بنينا عليه فلا اشكال في قصور دلالتها. والتحقيق في المقام عدم شمولها لصلوة الظهر والمغرب الا إذا لم يبق من الوقت الا مقدار ركعة مع الاتيان بالشريكة خطأ أو تركها عذرا، والروايات الواردة في المقام ايضا مؤيدة لذلك لكونها متعرضة للعصر والغداة، وهى وان لم تتعرض للعشائين ايضا، لكن التعرض للعصر الشريكة للظهر دونها ربما يشهد بعدم ارادة الظهر منها، وعلى فرض عدم شمول القاعدة للظهر فنفس شمولها للعصر في محلها كافية لرفع الخوف عن فوت احداهما، فان العصر لا يخاف فوتها لقاعدة من أدرك المنطبقة عليها في محلها، وعلى ذلك لا تزاحم العصر الظهر في وقتهما المشترك بينهما فيقع الظهر في وقتها بلا مزاحم، والعصر في وقتها التنزيلى إذ كانت اداء فلا تفوت واحدة منهما، هذا كله على ما قويناه من اشتراكهما في الوقت وان الشك فيهما شك في الوقت. واما بناء على القول الاخر من عدم كون الشك في الظهر في وقتها وشمول قاعدة التجاوز لها بخلاف العصر ففى المسألة صور: الاولى ما لو علم بعدم الانفكاك بينهما في الفعل والترك وأنه اما اتى بهما جميعا أو تركهما كذلك، وعليه تجرى في الظهر قاعدة التجاوز، وفى العصر استصحاب عدم الاتيان بها، ولازمه التفكيك بينهما، وهو مخالف للعلم فيعلم بمخالفة احدهما للواقع. فان قلنا بعدم جريان الاصول أو سقوطها بالتعارض في أطراف العلم وان لم يكن موجبا للمخالفة العملية يرجع إلى الاصل المحكوم أي: استصحاب عدم الاتيان بالظهر وقاعدة الاشتغال في العصر، وعليه لا يمكن الحكم بتقديم الظهر ببركة

[ 289 ]

صحيحة الحلبي (1) فان المفروض فيها عدم الاتيان بهما، فيتوقف تنقيح الموضوع باحرازه بالاصل، واصالة الاشتغال لا تصلح لذلك، الا ان يقال: ان المتفاهم من الصحيحة انه مع لزوم الاتيان بهما ولو عقلا يجب تقديم الظهر مع عدم خوف الفوت تحصيلا للترتيب، وان لزوم تقديم العصر انما هو لاجل فوت احداهما، أو يقال: ان وجوب تقديم الظهر حكم ثابت لمن لم يأت بهما واقعا من غير دخالة الاحزار فيه، وفى المقام دوران الامر بين الاتيان بهما فلا شئ على المكلف وعدم الاتيان بهما فيجب تقديم الظهر، وبالجملة اما لا يجب عليه شئ أو يجب الاتيان بهما بتقديم الظهر، وهذا هو الاقوى. وان قلنا بجريان الاصول في اطراف العلم مع عدم المخالفة العملية كما في المقام وعلى ما هو الاقوى، فمقتضى قاعدة التجاوز عدم لزوم الاتيان بالظهر، بل التعبد بالاتيان بهما على ما هو الاظهر من كونها اصلا محرزا حيثيا، ومقتضى استصحاب عدم الاتيان بالعصر لزوم الاتيان بهما. وعلى ذلك يستشكل بان الاتيان بالعصر لغو بعد البناء على كون الظهرين اداء في مفروض الكلام لقاعدة من أدرك اما بما أفاده شيخنا الاستاذ قدس سره أو بما ذكرناه، فانها على ذلك تقع اما لغوا أو باطلا لاجل فقد الترتيب. الا أن يقال: ان قاعدة التجاوز تحرز وجود الظهر وهو كاف في حصول شرط العصر. وفيه ان المحتمل في مثل قوله في الروايات المستفاد منها الاشتراط: الا أن هذه قبل هذه (2) إما دخالة عنوان قبلية الظهر على العصر أو بعدية العصر أو ترتب العصر عليها أو عدم دخالة شئ منها بل الشرط في صحتها وجود الظهر فلو وجدت صحت العصر، وعلى ما عدا الاخير لا تصلح القاعدة لاثبات تلك العناوين الا بالاصل


(1) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 4 - من أبواب المواقيت حديث: 18 (2) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 4 - من أبواب المواقيت حديث: 5 و 20 و 2 1

[ 290 ]

المثبت. وأما على الاخير فبما انها اصل محرز حيثى لا يحرز بها الظهر الا من حيث وجودها المستقل للتجاوز عن محل ادائها، وقد تقدم ان دليل قاعدة من ادرك لا يصلح لاثبات كون الشك في الوقت، واما من حيث اشتراط العصر بها فلا يحرز بها لعدم كونها محرزة مطلقا. ولا مانع في التعبديان من لزوم البناء على وجود شئ من حيث وعدم لزوم أو لزوم عدمه من حيث، وعلى ذلك لما كانت كل من الصلوتين أداء لقاعدة من أدرك ولدعوى عدم الخلاف من الشيخ في الخلاف يجب الاتيان بالظهر تحصيلا للشرط لارجاء كما افيد، فانه لم يتعبد بتحققها من هذه الحيثية، بل الظاهر جريان استصحاب عدم الاتيان بها لعدم حكومة قاعدة التجاوز عليه من هذا الحيث، وانما تكون حاكمة عليه من حيث وجودها الاستقلالي للتجاوز من هذه الحيثية دون تلك فينقح الاستصحاب فيهما موضوع صحيحة الحلبي، بل لا يبعد أن يقال: ان الصحيحة متعرضة لحيث اشتراط العصر بالظهر. ومما ذكرنا يظهر حال صورة احتمال انفكاكهما سواء احتمل تركهما أو فعلهما معا أو ترك الظهر وفعل العصر أو العكس، فانه على ما بنينا عليه تكون حال الصورتين أو الصور الاخرى حال صورة العلم بعدم الانفكاك، من جريان الاستصحابين والاندراج تحت صحيحة الحلبي، وعلى المبنى الاخر يظهر الحال بالتأمل فيما تقدم. الصورة الثامنة ما لو ما شك في بقاء الوقت، وشك مع ذلك في الاتيان بالظهر فقط أو بالعصر فقط يجب الاتيان بالمشكوك فيه. لا لما قيل من انه حكمه حكم الشك فيها مع بقاء الوقت واقعا فان استصحاب بقاء الوقت يترتب عليه هذا الحكم، لما عرفت من الخلط فيه بين اللازم العقلي والحكم الشرعي والخلط بين الموضوع والحكم، مع انه لو سلم لم يكن وجوب الاتيان في الوقت مع الشك فيه حكما شرعيا مستفادا من كبرى شرعية، بل وجوب الاتيان مع

[ 291 ]

الشك فيه حكم العقل بالاشتغال. بل لان وجوب الاتيان لا يحتاج إلى احراز الوقت، بل بعد اشتغال الذمة يقينا بالاداء تجب البرائة اليقينية، ومع الشك في خروج الوقت يحكم العقل بالاتيان خروجا عن الاشتغال ولعدم المؤمن مع الترك، هذا مع الغض عن الاستصحاب. واما بالنظر إليه فان استصحاب بقاء الوقت واستصحاب عدم الاتيان بالصلوة كافيان في حكم بالوجوب فان الوجوب مترتب على عدم الاتيان وبقاء الوقت من غير دخالة الشك في الوقت فيه، ولو شك في الوقت وشك في الاتيان بها فالحكم كذلك لو ترتب على عدم الاتيان وبقاء الوقت، لكن مقتضى صحيحة الحلبي خلاف ذلك فان المأخوذ فيها خوف الفوت وعدمه فمع خوفه يجب تقديم العصر، ومن المعلوم ان الاستصحاب لا يرتفع به الخوف وجدانا، ولا دليل على التعبد بعدمه شرعا، وعليه لو خاف في الفرض من فوت احداهما يجب عليه الاتيان بالعصر، و مع عدمه يجب الاتيان بهما مترتبا. القسم الثاني: وهو الشك فيما يعتبر في الصلوة شرطا أو شطرا أو مانعا وقاطعا، لا اشكال في لزوم الاتيان بما يعتبر فيها والمراعاة له إذا شك في المحل للاصل وتؤيده جملة من الاخبار، كما لا ينبغى الاشكال في عدم لزوم ذلك وعدم الاعتناء بالشك مع كونه بعد المحل لقاعدة التجاوز من غير فرق بين انحاء ما اعتبر فيها، و من غير فرق بين الركن وغيره، ومن غير فرق بين الركعتين الاولتين والاخيرتين، وان نقل الخلاف في ذلك عن بعض الاصحاب انما الاشكال والخلاف في بعض الموارد. منها الخلاف في ان المستفاد من روايات الباب هل هو تأسيس قاعدة واحدة أو قاعدتين، فمن قائل ان هنا قاعدتين مستقلتين، قاعدة التجاوز المختصة بالصلوة، وقاعدة الفراغ فيما شك في صحته وهى قاعدة جارية في جميع الابواب غير مختصة بالصلوة، ومن قائل ان المستفاد منها قاعدة واحدة تشمل باطلاقها الشك في الوجود والشك في الصحة.

[ 292 ]

وهنا احتمال اخر هو المتعين بعد بيان مأخذه، وهو ان القاعدة في المقام هي قاعدة التجاوز عند الشك فيما يعتبر في الشئ، وهى سارية في جميع الابواب و غير مختصة بالصلوة، واما اصالة الصحة بمعنى الحكم بالصحة أو البناء عليها عند الشك فيها بعد الفراغ من العمل فلا اساس لها، وقد فصلنا ذلك في رسالة الاستصحاب ونشير إليه في المقام اجمالا. فنقول: ان في قاعدة الفراغ بما ذكروها اشكالا ثبوتيا من ناحيتين. اولاهما ان الصحة والفساد امران انتزاعيان من فعل المكلف تابعان لمنشائهما، ولا يعقل تخلفهما عنه، ولا تنالهما بذاتهما يد الجعل، بل لا يعقل ذلك الا بالتصرف في المنشأ، فلو كان المأتى به مطابقا للمأمور به في جميع ما يعتبر فيه تنتزع منه الصحة، ولا يعقل عدمها كما لا يعقل الحكم بالفساد، أو الحكم بالبناء عليه كما انه لو كان المأتى به مخالفا له ولو من حيث لانتزع منه الفساد ولا يعقل مع بقاء المنشأ بحاله انتزاع الصحة منه أو الحكم بها أو الحكم بالبناء عليها، وبالجملة جعل الصحة من غير التصرف في المنشأ محال، ومع التصرف فيه بوجه ينطبق عليه المأتى به تحصيل للحاصل، ومنه يعلم عدم امكان الحكم بالبناء عليها مع فعلية ما يعتبر في المأمور به وعدم التصرف في المنشأ، فاصالة الصحة بالمعنى المعهود أمر غير معقول. ثانيتهما ان الشك في الصحة لا يعقل الا مع الشك في شئ مما يعتبر في العمل، ولا يعقل العلم بتحقق المأمور به باجزائه وجميع ما يعتبر فيه والشك في صحته، وعلى ذلك يكون الشك فيها دائما مسبوقا بالشك في الوجود الذى هو مجرى قاعدة التجاوز، فاصالة الصحة دائما إما محكومة للقاعدة أو جعلها لغو لا يعقل صدوره من الحكيم. وتوهم ان بين القاعدتين عموما من وجه قد فرغنا عن رده، وتوهم عدم

[ 293 ]

اجراء قاعدة التجاوز في غير الصلوة فاسد لا يرجع إلى مستند ومخالف للاطلاقات. وعلى ما ذكرنا لابد من توجيه ما دل على قاعدة الفراغ على فرضه، لكن الظاهر عدم دليل عليها بالمعنى الذى ذكر من ان المراد بها اصالة الصحة عند الشك فيها. فان العمدة في الباب اما جملة من الروايات الواردة في عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ من الصلوة، كصحيحة ابن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلوتك فامض ولا تعد (1) وقريب منها غيرها. ولكن انت خبير بانها لاتدل على اصالة الصحة، بل المراد من الشك فيه هو الشك في وجود ما يعتبر في الصلوة، ومجرد ذكر الفراغ أو الانصراف لا يدل على ان عدم الاعتناء لاجل الفراغ بعد توافق النص والفتوى على جريان قاعدة التجاوز في الصلوة قبل الفراغ منها وبعد انطباق قاعدة التجاوز عليه باطلاق ادلتها، فذكر الفراغ اما لبيان أحد المصاديق وبيان عدم الفرق بين ما قبل الفراغ وما بعده أو لبيان عدم الاعتناء بالشك حتى في الركعات، وكيف كان لا ينبغى الاشكال في عدم ارادة اصالة الصحة على ما راموا. أو جملة من الروايات الاخر كموثقة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1) بدعوى دلالة قوله مضى و امضه في الخروج عن نفس الشئ لا عن محله، وعليه يكون المراد من الشك هو الشك في الصحة. وفيها بعد تسليم ذلك والغض عن تحكيم دلالة الصدر الظاهر في الشك في الوجود على الذيل ان المحتمل فيهما بعد فرض المضى عن نفس الشئ اما الشك


(1) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 27 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 2. (2) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3 .

[ 294 ]

في وجود ما يعتبر فيه كما لو خرج من الركوع وشك في الاستقرار المعتبر فيه أو خرج من القرائة وشك في مراعاة ما يعتبر فيها، واما الشك في صحته. ومن المعلوم ان الشك الاصيل الاولى هو الشك في وجود ما يعتبر فيه، واما الشك في الصحة فهو امر تبعى مسبب من الاول، والظاهر من الشك فيه هو الشك الاصلى لا التبعى، مع ان الحمل على الفراغ من الصلوة مخالف للاطلاق بلا وجه، والحمل على الشك في الاجزاء بعد الخروج عنها أو اعم منه ومن الخروج من العمل المركب مخالف لظاهر القائل بان اصالة الصحة انما جرت في الافعال المستقلة. ومما ذكرنا يظهر الكلام في ذيل صحيحتي زرارة (1) واسماعيل ابن جابر (2) بل الاشكال فيهما أوضح لانهما صريحتان في الشك في الاجزاء، بل نقول من رأس: ان الشك في جميع الموارد شك في الوجود أولا وبالذات، والمضى مضى عن المحل كذلك، والشك في الصحة، والمضى عن الشئ، والفراغ عنه، وكذا الشك في الوجود الصحيح والفراغ عن العمل تبعى ثانوى مسبوق بالشك في الوجود والخروج عن المحل ولا يتصور غير ذلك في شئ من الموارد. فلو شك في صحة الصلوة بعد العمل يكون شكه مسبوقا بشك في وجود شئ معتبر فيها بنحو من الاعتبار بعد المحل المقرر له، فلو شك في الصلوة للشك في صحة تكبيرة الاحرام بعد احراز وجودها يكون شكه مسبوقا بالشك في وجود كيفية معتبرة في التكبيرة، ولا يعقل الشك في صحة الصلوة ولا في صحة التكبيرة أو لا وبالذات، ومحل كيفية التكبيرة نفس مادتها، فالشك بالاصل هو الشك في كيفيتها بعد خروج محلها الذى هو مادة التكبيرة، ولو شك في صحة السلام يكون مسبوقا بالشك في وجود ما يعتبر فيه بعد محله الذى هو نفس السلام مادة، وكل ذلك مشمول لوثقة ابن مسلم:


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1. (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 13 - من أبواب الركوع حديث: 4 .

[ 295 ]

كل ما شككت فيه مما قد مضى إلى آخرها (1) وعلى ذلك لا محيص عن حمل الموثقة على الشك الاصيل الاولى وهو ما مر، وكذا المضى على مضى محله فتحصل من جميع ما مر انه لا اصل لاصالة الصحة ولا لقاعدة الفراغ، سواء كانت بمعنى اصالة الصحة، أو بمعنى الشك في الوجود بعد العمل فعلى ذلك لابد من القول بان الوضوء باق تحت قاعدة التجاوز وان تصرف الشارع في التجاوز عنه، وقيده في خصوص الوضوء بالتجاوز عن تمام العمل بالنص الصريح الصحيح. وتشهد لذلك موثقة ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه (2) فان المستفاد من الحصر في الذيل ان الميزان الكلى هو التجاوز وعدمه لا الفراغ وعدمه، من غير فرق بين رجوع الضمير إلى الوضوء، بشهادة صحيحة زرارة (3) الواردة في الشك في الوضوء المصرحة بانه ما دام قاعدا على الوضوء ومشتغلا به يجب عليه الاتيان بما شك فيه، وإذا قام من الوضوء وخرج منه وصار في حال اخرى لا شئ عليه، وبين رجوعه إلى شئ مشكوك فيه كما هو الظاهر ابتداء غاية الامر أنه لابد على ذلك من تقييدها فيما سماه الله أي الغسل والمسح بالتجاوز عن تمام الوضوء، وابقاء ساير الشكوك المتعلقة بغير ما سماه الله بحاله، من جريان القاعدة بالنسبة إليها كالشك في شرايط الوضوء، وعلى أي حال يدل الحصر المذكور الذى في قوة الكبرى الكلية على ان المناط


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3. (2) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 42 - من أبواب الوضوء حديث: 2. (3) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 42 - من أبواب الوضوء حديث: 1 .

[ 296 ]

في الاعتناء بالشك وعدمه هو التجاوز وعدمه، سواء كان التجاوز بتمام الوضوء أو بالدخول في الجزء الاخر. ومنها الخلاف في جريان قاعدة التجاوز في ساير الموضوعات غير الصلوة، فانه ربما يقال باختصاص القاعدة بالصلوة، بخلاف قاعدة الفراغ السارية في جميع ابواب الفقه، وقد تقدم آنفا ان قاعدة الفراغ مما لا أصل لها. وعليه فينطبق جميع روايات الباب على قاعدة التجاوز، ولا اشكال في استفادة الكبرى الكلية منها كموثقة محمد بن مسلم: كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1) فان عمومها مما لا اشكال فيه وانما حمل القائل هذه الرواية على بيان قاعدة الفراغ دون التجاوز، وقد عرفت ما فيه. ويدل على الكلية ذيل صحيحتي زرارة (2) واسماعيل بن جابر (3) ففى الاولى بعد السؤال والجواب الشاملين تقريبا لتمام الشكوك في اجزاء الصلوة بنحو لا يبقى شك للسائل في ان الشك بعد الخروج عن المحل والدخول في الغير لا يعتنى به تصدى الامام عليه السلام لبيان أمر كلى، وهو قوله: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشككت فليس بشئ، واحتمال اختصاص الكلى بالصلوة، في غاية البطلان بعد بيان الحكم في الاجزاء وعدم الاحتياج إلى البيان، والثانية ايضا نص في الكلية، والحمل على الصلوة مما لا وجه له، وكيف كان بعد كون القاعدة الوحيدة هي التجاوز لا يبقى شك في كليتها، ولا دليل على التقييد بالتجاوز من العمل الا في الوضوء خاصة بالنسبة إلى ما سماه الله دون غيره، ولا دليل على الحاق التميم والغسل بالوضوء.


(1) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3. (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1. (3) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 13 - من أبواب الركوع حديث: 4 .

[ 297 ]

ومنها انه لا يعتبر في القاعدة الدخول في الغير، وعلى فرض الاعتبار لا فرق فيه بين الركن وغيره ولا بين الاجزاء الواجبة وغيرها ولا بين الاجزاء مطلقا وغيرها. اما الدليل على الدعوى الاولى، فهو أن الظاهر من الاخبار كقوله هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك كما في موثقة بكير بن اعين (1) وقوله في رواية ابن مسلم: وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك (2) وقوله في صحيحة حماد بن عثمان: قد ركعت امضه (3) هو ان نكتة تأسيس القاعدة هي عدم الغفلة عن العمل حين الاشتغال به، لانه حال العمل لا يترك ما يعتبر فيه عمدا، ولا غفلة وسهوا لانه في هذا الحال اذكر، ولاصالة عدم الغفلة حال الاشتغال. ومن الواضح ان الدخول في الغير لا دخالة له في ذلك، فلابد من حمل نحو قوله في صحيحة زرارة: إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ (4) وقوله في صحيحة اسماعيل: كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه (5) على محمل كغلبة عروض الشك بعد الدخول في الغير أو ملازمة الدخول في الغير مع التجاوز، مع ان القيود الغالبية لا تصلح لتقييد المطلقات فضلا عن تخصيص العموم. ومما يدل على المدعى بوضوح موثقة ابن ابى يعفور إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه (6) فان فيها الجمع بين الدخول في الغير، والحصر الذى يستفاد منه ان الشك المعتبر


(1) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 42 - من ابواب الوضوء حديث: 7. (2) الوسائل كتاب الصلوة باب - 27 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3. (3) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب الركوع حديث: 2. (4) الوسائل كتاب الصلوة باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1. (5) الوسائل كتاب الصلوة باب - 13 - من ابواب الركوع حديث: 4. (6) الوسائل كتاب الطهارة - باب - 42 - من ابواب الوضوء حديث: 2 .

[ 298 ]

منحصر في الشك الذى لم يتجاوز محله، فإذا جاوزه فلا شك فاعتبار الدخول في الغير مناف للحصر، فلابد من حمله على ما تقدم، فلا ينبغى الاشكال من هذه الناحية. واما الدليل على الدعوى الثانية فهو اطلاق الادلة وعدم الدليل على التقييد، ودعوى الانصراف إلى الركن أو إلى الاجزاء الواجبة أو إلى مطلق الاجزاء في غير محلها. وقد يقال: ان الغير مختص بالاجزاء المستقلة بالتبويب كالتكبير والقرائة و الركوع والسجود ونحوها فان شمول نحو قوله: كل شئ شك فيه للاجزاء انما هو بعناية وتنزيل، لانها بعد اعتبارها جزء للمركب تسقط عن الاستقلال، فدخولها في عنوان الشئ وعمومه في عرض دخول الكل لا يمكن الا بعناية التعبد والتنزيل، وحينئذ لابد من الاقتصار على مورده وهو الاجزاء المستقلة، كما يظهر من صدد صحيحتي زرارة واسماعيل. وفيه ما لا يخفى فان عنوان الشئ المأخوذ في صحيحة زرارة لا يعقل ان يكون حاكيا عن خصوصيات الاشياء مثل الكل والجزء، فان الخصوصيات امور زائدة تحتاج إلى دلالة مفقودة في المورد، وكذا قوله: كل شئ فيه لا يعقل ان يكون دالا الا على الكثرة الاجمالية في الشئ بدلالة الكل، ولا يعقل دلالته على الخصوصيات كالكلية والجزئية، لكن نفس عنوان الشئ، أو كل شئ تنطبق على كل شئ بعنوان الشيئية لا شئ اخر من الخصوصيات، فقوله - شموله للكل والجزء في عرض واحد - لا يرجع إلى محصل وساقط من اصله. هذا مضافا إلى ان الشك في الكل في غير الشك بعد الوقت الذى ليس ها هنا مورد البحث غير مشمول لقاعدة التجاوز، لانه شك تبعى مسبوق بالشك فيما يعتبر فيه، فتوهم لزوم شمول الشك للجزء والكل - كى يحتاج إلى العناية والتنزيل - فاسد جدا. وتدل على المدعى موثقة عبد الرحمن بن ابى عبد الله، قال: قلت لابي عبد الله

[ 299 ]

عليه السلام: رجل اهوى إلى السجود فلم يدر اركع ام لم يركع؟ قال: قد ركع (1) فانها تدل على عدم اعتبار الدخول في السجدة، بل الغير اعم من مقدمات الفعل ايضا، نعم لابد من القول بالتخصيص في مسألة واحدة وهى الشك في السجدة حال النهوض إلى القيام قبل ان يستوى قائما، فان مقتضى موثقة عبد الرحمن وجوب الرجوع، ولا مانع من تخصيص قاعدة التجاوز فيها. ومن العجب ما ذهب إليه القائل المتقدم، من حمل قوله في الموثقة المتقدمة: رجل اهوى إلى السجود على السجود، قائلا بان للهوى مراتب، فانه من مبدء التقوس إلى وضع الجبهة على الارض يكون كله هويا، فيحمل الهوى على اخر مراتبه الذى يتحقق به السجود انتهى. وانت خبير بما فيه من الوهن والضعف ومن وضوح البطلان، ضرورة ان نفس السجود ليست هويا إلى السجود، فهل يمكن ان يكون الشئ هويا إلى نفسه، ومع الغض عن ذلك القاء مثل الكلام لافادة نفس السجدة أو الهوى المستلزم لها يعد مستهجنا خارجا عن الكلام المتعارف حتى في محيط التقنين أو الناقل له، فالقول بان غاية ما يلزم تقييد الهوى باخر مراتبه غير مفيد لرفعه. وربما يقال: ان الظاهر من الغير في صحيحة اسماعيل (2) بملاحظة كون صدرها في مقام التحديد والتوطئة للقاعدة المقررة في ذيلها هو أن مثل السجود والقيام حد للغير، وانه لا غير اقرب منهما بالنسبة إلى الركوع والسجود، إذ لو كان الهوى والنهوض كافيين قبح التحديد بهما، ولم يكن وجه لجزم المشهور بوجوب الالتفات إذا شك قبل الاستواء قائما انتهى. وفيه منع كون صدرها في مقام التحديد كى يترتب عليه ما ذكر، بل الكلام


(1) الوسائل كتاب الصلاة - باب - 13 - من أبواب الركوع حديث: 6. (2) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 13 - من ابواب الركوع حديث: 4 .

[ 300 ]

يجرى مجرى العادة في امثال المقام، ويمكن ان يكون سر ذكر السجود والقيام كون عروض الشك قبلهما نادرا، وبالجملة لا يصح رفع اليد عن الاطلاق بمثل ذلك الذى لا دليل عليه، ولا عن الموثقة - المتقدمة آنفا - الصريحة في عدم الاعتناء إذا اهوى إلى السجود، وجزم المشهور في المسألة المشار إليها انما هو لموثقة اخرى من اسماعيل، لا لما ذكره، فالوجه عدم الفرق بين غير وغير مطلقا الا في مسألة واحدة هي ما جزم به المشهور والتقييد غير عزيز. ومنها ان المضى وعدم الاعتناء في القاعدة على نحو العزيمة لا الرخصة، وذلك لا للاوامر الواردة فيه، لعدم الاستفادة منها الا الرخصة بعد ورودها في مورد توهم الحظر، ولا لقوله في بعضها: ان شكه ليس بشئ لان ما يستفاد منه ليس الا عدم الاعتناء بالشك، ويأتى فيه ما يرد على الاحتمال الاول، وعلى ذلك لا يكون الاتيان بالمشكوك فيه والتلافى بقصد المشروعية تشريعا محرما، ولا يلحق الاتيان بالزيادة العمدية كما قال القائل، فانه مع عدم الاستفادة منه الا الترخيص لا يترتب عليه ما ذكر. بل لكون القاعدة كما اشرنا إليه فيما سلف محرزة، كما يستفاد من قوله عليه السلام في صحيحة حماد: قد ركعت امضه (1) وفى موثقة عبد الرحمن: قد ركع (2) ومع التعبد بوجود المشكوك فيه يعد الاتيان به زيادة في المكتوبة من غير شبهة المثبتية فلا يجوز، والتفصيل يطلب من مظانه. ومنها ان روايات الباب كموثقة ابن مسلم (3) وصحيحتي زرارة (4) واسماعيل (5)


(1) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 13 - من أبواب الركوع حديث: 2. (2) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 13 - من أبواب الركوع حديث: 6. (3) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3. (4) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 1. (5) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 13 - من ابواب الركوع حديث: 4 .

[ 301 ]

هل تدل باطلاقها على عدم الاعتناء بالشك على جميع انحائه، حتى فيما فرض احتمال ان الاتيان مطابقا للواقع يكون سهوا وغفلة أو مصادفة، فمن اعتقد ان المسافر حكمه التمام وبعد ما اتى بالصلوة احتمل انه اخطأ واتى قصرا، أو اعتقد انه مخير بين القصر والاتمام وبعد ما صلى احتمل أنه صلى قصرا مصادفة أو غير ذلك من انحاء الشكوك مع الجهل بالحكم أو الموضوع أو كليهما تشمله القاعدة، أو تختص بمورد واحد هو الشك في مخالفة الواقع سهوا وغفلة بعد العلم بالحكم والموضوع، أو تشمل مورد احتمال المصادفة، لا مورد احتمال الاتيان بالعمل الصحيح غفلة وسهوا وجوه. أو جهها الاختصاص بالمورد الاول المشار إليه، لعدم احراز كون الروايات في مقام البيان بالنسبة إلى حالات المكلف وحالات المصاديق، فان روايتي ابن مسلم واسماعيل في مقام بيان مصاديق المشكوك فيه كالاجزاء والشرايط، واما بيان حكم الحالات العارضة للافراد أو للمكلف فلم يحرز كونهما في مقامه، وكذا الحال في صحيحة زرارة، فان ما هي متكفلة لبيانه هو حكم الشئ الذى شك فيه، واما الحالات الخارجة فلم يحرز، وعليه لا يصح الاخذ بالاطلاق. ولو رد ذلك بدعوى ان المتكلم بصدد بيان حكم الشك، فاخذه في الموضوع بلا قيد يدل على انه تمام الموضوع من أي سبب حصل، ولا معنى للاطلاق الا ذلك. يقال: انه لا اشكال في ان الحكم بالمضي في تلك الروايات ليس حكما تعبديا محضا بحيث لم يكن للعقول إليه سبيل، بل أمر يجده العقلاء لنكتة جعله طريقا، وهى ان المكلف الذى بصدد الاتيان بالمأمور به والخروج عن عهدة التكليف، مع علمه بالحكم والموضوع لا يغفل نوعا عن خصوصيات المأمور به، فلا محالة مع نفى الغفلة والسهو بالاصل يأتي به جامعا للجزاء والشرايط، وهذا الارتكاز العقلائي موجب لانصراف الدليل إلى ما هو المرتكز عندهم، وهذا الارتكاز غير

[ 302 ]

البناء العقلائي على عدم الاعتناء بالشك كى يقال: ان القاعدة عقلائية، فان البناء العملي عليه غير ثابت، بل مجرد ذلك الارتكاز كاف في صرف الدليل إلى ما هو كذلك. وعلى ذلك يمكن أن يقال: ان المتكلم لم يقيد الموضوع لاتكاله على هذا الارتكاز العقلائي، مع ان الشواهد الموجودة في الروايات تدل على ان القاعدة مجعولة لهذا المورد، كقوله عليه السلام: هو حين يتوضأ اذكر (1) وكان حين انصرف اقرب إلى الحق (2) وقوله عليه السلام: قد ركع (3) بل الناظر في الروايات سؤالا وجوابا يرى ان مورد الكلام هو هذا المورد بالخصوص دون الجاهل بالحكم والموضوع وساير انواع الشك والانصاف ان مدعى الانصراف بعد ما ذكر وبعد تلك الشواهد ليس مجازفا. وقد ادعى بعض اهل التحقيق اطلاق الادلة لجميع صور الشك، وقال في تقريبه: ان العمدة في حمل الاعمال الماضية على الصحيح هي السيرة القطعية، وانه لولا ذلك لاختل النظام ولم يقم للمسلمين سوق، فضلا عن لزوم العسر والحرج إذ ما من احد إذا التفت إلى اعماله الصادرة منه في الاعصار السابقة من عباداته ومعاملاته الا ويشك في كثير منها لاجل الجهل بالحكم واقترانها بامور موجب للشك، ولولا الحمل على الصحة مطلقا لضاق عليهم العيش، وهذا الدليل وان كان لبيا يشكل استفادة العموم عنه، الا انه يعلم منه عدم انحصار الحمل على الصحيح بظاهر الحال، فيؤخذ بالاطلاق. وفيه ان السيرة القطعية غير ثابتة لو لم نقل بان عدمها ثابت، وعلى فرض الثبوت


(1) - الوسائل كتاب الطهارة - باب - 42 - من أبواب الوضوء حديث: 7. (2) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 27 - من أبواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3. (3) الوسائل كتاب الصلوة - باب - 13 - من أبواب الركوع حديث: 6 .

[ 303 ]

فالمتيقن منها هو فرض كون الترك مستندا إلى السهو والغفلة مع العلم بالحكم والموضوع، وقد اعترف القائل بانها دليل لبى لا يثبت بها تمام المدعى، وعلى فرض كون المتيقن منها ما ذكر كيف يستكشف منها عدم انحصار الحمل على الصحيح بظاهر الحال، بل لقائل أن يقول: ان السيرة القطعية الحمل على الصحيح فيما يقتضى ظاهر الحال موجبة لانصراف الدليل إلى موردها، وكيف كان لا اشكال في عدم الدلالة على الاطلاق. وأما دعوى اختلال النظام ووقوع العسر والحرج ففى غير محلها، اما في العبادات فما يمكن ان يكون الاختصاص فيه بالفرض المتقدم موجبا للاختلال والعسر هو الصلوة، والا فالشك في سايرها قليل لا يوجب الاعتناء به عسرا فضلا عن اختلال النظام، واما الصلوة فالشك في الصلوات السابقة وان كان كثيرا، لكن العلم بحال الواقعة تفصيلا نادر جدا، فاحتمال كون الترك مستندا إلى السهو والغفلة أو إلى الجهل والتصادف أو ساير الاحتمالات يوجب عدم امكان التمسك بقاعدة التجاوز، ولا بالاستصحاب لكون الشبهة بالنسبة إليها مصداقية، فعلى ذلك وجوب القضاء مجرى البرائة، لان القضاء بامر جديد. وبوجه اخر ان الجهل بالاركان قليل جدا وبغيرها لا يوجب البطلان، وذلك أما للقول بان قاعدة لا تعاد تعم الترك ولو عن جهل وانما يخرج منه انصرافا العمد مع العلم بالحكم والموضوع، واما لكون حال المكلف مجهولا عنده نوعا، فكما يحتمل الترك عن جهل يحتمل السهو والغفلة، فلا يصح التمسك بالقاعدة، ولا بالاستصحاب للشبهة المصداقية، فيكون القضاء مورد البرائة وتوهم ان لا تعاد لا يشمل الشك في غير محله لان المراد ليس شموله للشك بعنوانه، بل مرادنا ان الترك بحسب الواقع في غير الخمس لا يوجب البطلان ولا دخالة للعلم والشك فيه، فحينئذ نقول ان الامر دائر بين الاتيان بالمشكوك فيه وعدمه، وعلى أي حال صحت الصلوة لانه اما أتى بالمأمور به على وجهه أو صحت صلوته بقاعدة لا تعاد.

[ 304 ]

وبوجه ثالث ان المفروض الاتيان بالصلوات السابقة والشك في صحتها من جهة الشك في ترك شئ منها ركنا أو غيره، فمع احتمال صحة الصلوة يكون القضاء مجرى البرائة لانه بامر جديد، ولا يمكن احراز بطلانها وعدم موافقتها للمأمور به بالاستصحاب، لان الاصل بنحو الكون الرابط غير مسبوق بالعلم بالحالة السابقة، واجرائه بنحو الكون التام والعدم الازلي لاثبات الكون الرابط مثبت، كما في نظاير الاصول للاعدام الازلية لاثبات الحكم للموجود، فتحصل منه ان الاختصاص بالعالم حكما وموضوعا مع احتمال الترك سهوا وغفلة لا يوجب محذورا، هذا كله بالنسبة إلى العبادات. واما المعاملات المشكوك فيها كالبيع والصلح وغيرهما فاكثر ما وقعت منها في جريان السوق من المعاملات الجزئية اليومية المعاطاتية من المأكول والمشروب والملبوس لا تكون موردا للشك إلا نادرا، مع ان متعلقاتها صارت تالفة في الاعصار السالفة إلا نادرا، ومع التلف يشك في الضمان، واثباته بقاعدة اليد أو قاعدة الاتلاف غير ممكن لان الشبهة فيهما مصداقية بعد التردد في كون الشك من القسم الجارى فيه قاعدة التجاوز أو القسم غير الجارى فيه القاعدة، فلا يجوز التمسك بالقاعادة ولا بالاستصحاب مطلقا، ولا بساير القواعد، فالضمان مجرى البرائة. مضافا إلى انه مع احتمال صحة المعاملة الخارجية تجرى البرائة من الضمان، واثبات بطلانها بنحو الكون الناقص غير مسبوق بالعلم، وبنحو التام لاثبات الناقص مثبت كما تقدم نظيره، ومع عدم الجريان، وكون ساير القواعد والاستصحابات الحكمية غير جارية للشبهة المصداقية تجرى البرائة عن الضمان. بقى الكلام في المعاملات المهمة كالاراضى والعقارات وغيرها ما يهتم بها المتعاملان، وفى مثلها يمكن ان يقال: ان اكثرها تقع بالتوكيل للدلالين وغيرهم مما يحمل اعمالهم على الصحة مطلقا، ومع فرض ايقاعها مباشرة فما طرئ عليها التلف ولو حكما ياتي فيها ما تقدم من البرائة عن الضمان، وما بقى منها يمكن اجراء

[ 305 ]

اصالة الحل فيها ودعوى - وجوب الاحتياط في الماليات مطلقا حتى في مثل المورد - ممنوعة لا تستند إلى دليل، مضافا إلى ان الشك فيها نادر، وموردها ايضا نادر لا يوجب الاحتياط فيها اختلال النظام والعسر والحرج، مضافا إلى ان نحو المورد ليس مجرى دليل الحرج والعسر، بل مجرى الضرر، وفى دليله كلام واشكال يطلب من محاله (1). مع انه في المعاملة الخطيرة تراعى غالبا الاحتياطات والرجوع إلى اهل الخبرة والاطلاع عن الصحة والفساد، بل لعلها توكل إلى الدلالين المطلعين، و يقل مع ذلك الشك فيها سيما من ناحية غير ما جرت فيها قاعدة التجاوز، كما ان مثل النكاح والطلاق قلما يتفق الاجراء الا بالتوكيل وهو مجرى اصالة الصحة في فعل الغير الجارية في مطلق الشكوك الا ماندر فدعوى العسر والحرج - فضلا عن الاختلال مطلقا - في غير محلها. ومنها لا اشكال في لزوم فعلية الشك في قاعدة التجاوز، كما ان الظاهر منه هو الشك الحادث بعد التجاوز، فالشك الباقي من ما قبله إلى ما بعده ليس موضوعا للحكم، فلو شك في الوضوء قبل الصلوة مع سبق الحدث ثم غفل عنه وصلى، فان احتمل التوضى حال الغفلة يشمله القاعدة لكون الشك حادثا، وان لم يحتمل فلا يبعد التفصيل بين الذهول عن الشك رأسا بحيث لو التفت إلى الواقعة لم يرتفع ذهوله وبين ما كان الشك في خزانة نفسه وان لم يتوجه إليه، فعلى الاول يكون من الشك الحادث فيؤخذ بالقاعدة، وعلى الثاني من الشك الباقي فلا تجرى. ويأتى الوجهان في الشك واليقين الماخوذين في الاستصحاب، فلو ذهل عنهما راسا لا يجرى، لان فعلية الشك واليقين معتبرة فيه، فمع الذهول عنهما رأسا حيث ليسا بفعليين فلا يجرى، بخلاف ما لو بقيا في النفس فانه يجرى وان غفل


(1) راجع كتاب الرسائل لسيدنا الاستاذ الامام الخمينى مد ظله العالي ففيه مطالب راقية وتحقيقات أنيقة لا يستغنى منه .

[ 306 ]

عنهما. وربما يحتمل في الاستصحاب ان المعتبر فيه الالتفات إلى الشك واليقين، لانه من الحجج الشرعية المعتبر فيها الالتفات إلى الحجة، ولا معنى للاحتجاج بالامر المغفول عنه. وفيه انه لا دليل على هذا المدعى، فان غاية ما يمكن دعواه هو دلالة مثل قوله عليه السلام: ولا تنقض اليقين أبدا بالشك (1) على ذلك، نظرا إلى أنه امر بعدم الانتقاض ولازمه الالتفات ومع الغفلة لا معنى لعدم نقضه به، وفيه - مضافا إلى ان ذلك مخالف لظاهر بعض روايات اخر، كقوله عليه السلام: لايدخل الشك في اليقين (2) وقوله عليه السلام: فان الشك لا ينقض اليقين (3) فان اليقين لا يدفع بالشك (4) و اليقين لايدخل فيه الشك (5) فان الظاهر منها ان الحكم لعنوان الشك واليقين في نفسهما من غير دخالة الالتفات فيه - ان الامر بعدم الانتقاض والنهى عنه لا يدلان على دخالة الالتفات في الموضوع كما هو الامر في جميع الخطابات المتوجهة إلى المكلفين. فقوله - عليه السلام مثلا: اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه (6) - لا يدل على دخالة الالتفات إلى الغسل أو الماء أو البول، بل الظاهر من مثله ان الحكم للواقع والموضوعات الواقعية، فلو غسل ثوبه مع الغفلة عن الواقعة كفى، وفى المقام لو كان شاكا في الطهارة وعلى يقين بها سابقا وغفل وصلى صحت صلوته، لان اليقين والشك فعليان وما هو المعتبر فعليتهما دون الالتفات اليهما، فالمصلى في


(1) - الوسائل كتاب الطهارة - باب - 1 - من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (2) - الوسائل كتاب الصلوة - باب - 10 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة حديث: 3. (3) - الوسائل كتاب الطهارة - باب - 1 - من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6. (4) - مستدرك الوسائل كتاب الطهارة - باب - 1 - من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4. (5) - الوسائل كتاب الصوم - باب - 3 - من أبواب احكام شهر رمضان حديث: 13. (6) الوسائل كتاب الطهارة باب - 8 - من ابواب النجاسات حديث: 3 .

[ 307 ]

المثال محكوم بالطهارة للاستصحاب وان كان غافلا عن الحكم. مع امكان ان يقال: انه على فرض لزوم الالتفات إلى الاحتجاج، يصح ذلك عند الالتفات إلى الواقعة، ففى المثال لو التفت إلى حاله يجرى الاصل، ويبنى على صحة صلوته المأتى بها حال الغفلة، فان الاعادة من قبيل نقض اليقين بالشك فتدبر. ومنها انه قد ظهر مما تقدم حال الشك في الشرائط والموانع والقواطع، فان الشك في كل منها بعد التجاوز عن المحل لا يعتنى به، فلو شك بعد الصلوة في وجود الطهارة حدثية كانت أو خبثية لا يعتنى به ولو كان مجرى الاستصحاب، لكن لابد من تحصيلها للصلوات الاتية، لما مر من ان قاعدة التجاوز محرزة من حيث، لا مطلقا وبذلك يفرق بينها وبين استصحاب الطهارة فان الثاني محرز مطلق. فما في بعض الكلمات من التحير في الفرق وانه لو كانت القاعدة محرزة يجب ترتيب الاثار حتى في الصلوات اللاحقة كالاستصحاب ناش من عدم التأمل في الفرق بينهما، فان مفاد دليل الاستصحاب عدم نقض اليقين بالشك، ومفاد دليل التجاوز عدم الاعتناء بالشك فيما مضى والبناء على الوجود بالنسبة إلى ما مضى، وعلى ذلك يكون الفرق واضحا. ثم ان للشرط اقساما بحسب التصور، الأول: أن يكون شرطا لنفس الطبيعة كالطهور والاستقبال والستر، فانها معتبرة في طبيعة الصلوة من غير لحاظ الاجزاء، ولهذا تبطل الصلوة لو اخل بها حال عدم الاشتغال بالاجزاء، فلو أحدث حال النهوض إلى القيام أو استدبر أو ألقى الستر عمدا بطلت، فما في بعض الكلمات من ان تلك الشروط للصلوة حال الاشتغال بالاجزاء غير وجيه، لان لازمه الالتزام بالصحة في المثال المذكور، وهو كما ترى. الثاني: أن يكون شرطا للصلوة حال الاشتغال بالاجزاء، الثالث: أن يكون شرطا للاجزاء نفسها، والاستقرار والاستقلال وكذا الجهر والاخفات يمكن ان يكون من قبيل الثاني، كما يمكن أن يكون من قبيل الثالث، كما أن الانحناء في الركوع زائدا على مقدار تحقق الطبيعة من قبيل الثالث.

[ 308 ]

ولا يبعد أن يكون الاستقرار والاستقلال ايضا كذلك، بل وكذا الجهر والاخفات، وفى دلالة قوله تعالى: ولا تجهر بصلوتك (1) على أنها من قبيل الثاني تأمل، بل تصوره ايضا لا يخلو من كلام، والفهم العقلائي شاهد على انها من قبيل الثالث. وأما مثل موالاة حروف الكلمة وكلمات الآية بحيث يضر تخلفها بالصدق فهو ليس من الشروط بل من مقوماتها، ولا فرق من هذه الحيثية بين حروف الكلمة وكلمات الاية، فما في بعض الكلمات من ان الفرق بينهما ان تخلف الموالاة في الاول يضر بالصدق عقلا دون الثاني، ليس على ما ينبغى، فان الفصل الطويل أو بالأجنبي بين الكلمات ايضا يضر به عقلا. وكيف كان لا اشكال في شئ مما ذكر في عدم الاعتناء بالشك فيه مع مضى المحل لعموم الدليل واطلاقه. نعم يقع الكلام في تحقق المضى بالنسبة إلى الوضوء مثلا، فان الشرط أي ما يعتبر في الصلوة شرطا لو كان عبارة عن الغسلتين والمسحتين فلا اشكال في ان محلها قبل الصلوة، ولو كان الطهور الحاصل بها فمحل المحصل قبلها، ومع حكم الشارع بتحققه يترتب عليه الاثار بالنسبة إلى الصلوة التى يشتغل بها دون ساير الصلوات هكذا افاد شيخنا العلامة اعلى الله مقامه (2) وفيه ان ترتب المحصل على المحصل والمسبب على السبب عقلي وان كان السبب شرعيا أو السببية كذلك، فعلى هذا لا تصلح القاعدة الجارية في المحصل لاثبات الاثر الا بالاصل المثبت. وأما ما قيل - من ان محل الطهور شرعا قبل الصلوة لقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلوة (3) إلى آخره، بخلاف الستر والاستقبال فان لزوم تقدمهما عقلي لا شرعى -


(1) سورة الاسراء آية - 110 -. (2) هو الاستاذ آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدى قدس سره. (3) سورة المائدة - آية - 9 .

[ 309 ]

ففيه انه بعد عدم امكان تحصيل الشرط الا بتقدمه على المشروط لا يمكن استفادة كون المحل شرعيا من الاية الكريمة كما هو ظاهر. والاقوى ان الطهور شرط لطبيعة الصلوة ومع عروض الشك اثناء الصلوة لا يمكن التمسك بالقاعدة بالنسبة إليها في الوجود البقائى، فان الطبيعة تتحقق بالدخول فيها مع تكبيرة الافتتاح وباقية إلى ان يخرج عنها بالسلام، فلها وجود تدريجي كالزمان أو الزمانى، والقاعدة لا تفيد بالنسبة إلى وجودها البقائى، وكذا الحال لو كانت الطهارة شرطا للاجزاء أو للصلوة في حال الاجزاء، فالتفصيل بين الاجزاء اللاحقة والصلوات الاخر لا يرجع إلى فارق والله العالم. إلى الصلوة (3) إلى آخره، بخلاف الستر والاستقبال فان لزوم تقدمهما عقلي لا شرعى -


(1) سورة الاسراء آية - 110 -. (2) هو الاستاذ آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدى قدس سره. (3) سورة المائدة - آية - 9 .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية