الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخميني ج 3

كتاب الطهارة

السيد الخميني ج 3


[ 1 ]

كتاب الطهارة لمؤلفه العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم اية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني أدام الله ظله العالي الجزء الثالث في مباحث النجاسات

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. القول في النجاسات وفيه مقدمة وفصلان أما المقدمة ففيها جهات من البحث: الاولى: الظاهر ان النجاسة والقذارة العرفية أمر وجودي مقابل النظافة والنقاوة، فان الاعيان الخارجية على قسمين: أحدهما ما هو قذر ورجس وهو ما يستكرهه العقلاء ويستقذرونه ويتنفرون عنه، كالبول والغائط والمني والنخامة وأمثالها مما تجتنب منها العقلاء لتنفرهم عنها وعن التماس معها، ومنها ما ليس كذلك كساير الاعيان. والثانية نظيفة نقية لا بمعنى أن النظافة أمر وجودي قائم بذاتها وراء أوصافها وأعراضها الذاتية، فالحجر والمدر والجص وأمثالها بذاتها نظيفة ليست بقاذورة يستكرها الناس، وانما تصير بملاقاتها مع بعض الاعيان القذرة وتلطخها بها نجسة قذرة بالعرض، ويستقذرها الناس

[ 4 ]

لتلك المماسة وذلك التلطخ، فالاشياء كلها ما عدى الاعيان القذرة نظيفة أي نقية عن القذارة. فالنظافة هي كون الشئ نقيا عن الاقذار، فإذا صارت الاشياء بملاقاتها قذرة فغسلت بالماء ترجع إلى حالتها الاصلية، أي النقاوة عنها من غير أن يحصل لها أمر وجودي قائم بها خارجا أو اعتبارا. وما ذكر موافق للاعتبار والعرف وهو ظاهر، وكذا موافق للغة ففي الصحاح: " النظافة: النقاوة، ونظفته أنا تنظيفا أي نقيته " وفى القاموس: " النظافة: النقاوة، وهو نظيف السراويل وعفيف الفرج " انتهى والظاهر أن نظيف السراويل كناية عن عدم التلطخ بدنس الزنا ومثله، وفي المجمع: " النظافة النقاوة، ونظف الشئ ينظف - بالضم - نظافة: نقى من الوسخ والدنس " وفى المنجد: " نظف الشئ كان نقيا من الوسخ والدنس يقال: فلان نظيف السراويل اي عفيف، ونظيف الاخلاق اي مهذب، وتنظف الرجل اي تنزه عن المساوي " هذا حال القذارات العرفية ويأتي الكلام في حال اعتبار الشارع وحكمه. الثانية: يحتمل في بادئ النظر أن تكون النجاسة من الاحكام الوضعية الشرعية للاعيان النجسة عند الشارع حتى فيما هو قذر عند العرف كالبول والغائط فتكون النجاسة قذارة اعتبارية غير ما لدى العرف بحسب الحقيقة موضوعة لاحكام شرعية. ويحتمل أن تكون أمرا انتزاعيا من الاحكام الشرعية كوجوب الغسل وبطلان الصلاة معها وهكذا، ويحتمل أن تكون امرا واقعيا غير ما يعرفها الناس كشف عنها الشارع المقدس ورتب عليها احكاما. ويحتمل أن تكون الاعيان النجسة مختلفة بحسب الجعل، بمعنى أن ما هو قذر عرفا كالبول والغائط والمني لم يجعل الشارع لها القذارة بل

[ 5 ]

رتب عليها أحكاما، وما ليس كذلك كالكافر والخمر والكلب ألحقها بها موضوعا أي جعل واعتبر لها النجاسة والقذارة، فيكون للقذارة مصداقان: حقيقي وهو الذي يستقذر العرف، واعتباري جعلي كالامثلة المتقدمة وغيرها من النجاسات الشرعية التي لا يستقذرها الناس لو خليت طباعهم وأنفسها أو ألحقها بها حكما أي رتب عليها أحكام النجاسة من غير جعل نجاسة لها. والظاهر بحسب الاعتبار بل الادلة هو احتمال ما قبل الاخير، لان الظاهر انه لم يكن للشارع اصطلاح خاص في القذر والنجس، فما هو قذر ونجس عند العقلاء والعرف لا معنى لجعل القذارة لها، لان الجعل التكويني محال، واعتبار آخر نظير التكوين لغو، وليست للنجاسة والقذارة حقيقة واقعية لم يصل إليها العرف والعقلاء كما هو واضح، نعم لما كان العرف يستقذر أشياء لم يكن لها أحكام النجاسات الالزامية وان استحب التنزه عنها والتنظيف منها كالنخامة والمذى والوذى، يكشف ذلك عن استثناء الشارع اياها موضوعا أو حكما. وأما النجاسات الشرعية التي ليست لدى العرف قذرة نجسة كالخمر والكافر فالظاهر إلحاقها بها موضوعا، كما هو المرتكز عند المتشرعة فانها قذرة عندهم كسائر الاعيان النجسة. ولقوله تعالى: " انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام " (1) فان الظاهر منه تفريع عدم قربهم المسجد على نجاستهم، بل وقوله تعالى: " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " (2) فان الرجس القذر، وظاهره أنه تعالى جعلهم رجسا، وقوله تعالى: " قل لا


(1) سورة التوبة: 9 - الآية: 28. (2) سورة الانعام: 6 - الآية: 125.

[ 6 ]

أجد فيما أوحى - إلى قوله -: أو لحم خنزير فانه رجس " (1). ولحسنة خيران الخادم قال: " كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فان أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم فيه: فان الله انما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه، فكتب: لا تصل فيه فانه رجس " (2) فان التعليل دليل على ان عدم صحة الصلاة فيه لاجل كون الخمر رجسا فلا تكون نجاستها منتزعة من الاحكام ولما لم يكن الخمر رجسا عرفا ولدى العقلاء لا محالة تكون نجاستها مجعولة شرعا. وصحيحة أبي العباس وفيها " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب فقال: رجس نجس لا يتوضأ بفضله " (3) والتقريب فيها كسابقتها، وقريب منها صحيحته الاخرى (4) وحسنة معاوية بن


(1) سورة الانعام: 6 - الآية: 145. (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 4. (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 2. (4) في الوسائل بطريق صحيح عن الفضل أبي العباس قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إن اصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن مسه جافا فاصبب عليه الماء، قلت: ولم صار بهذه المنزلة؟ قال: لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتلها (بغسلها) " راجع المصدر المذكور آنفا - الحديث 1 - هذه صحيحة أخرى للفضل في باب نجاسة الكلب، إلا انه لا يحسن الاستشهاد بها لما بصدده الاستاذ دام ظله، نعم أورد في الوسائل صدر الصحيحة المتقدمة في الباب 11 من ابواب النجاسات - الحديث 1 - وذيلها في الباب 12 و 70 - من هذه الابواب - الحديث 2 - 1 - وأوردها بتمامها في الباب 1 - من =

[ 7 ]

شريح (1). فتحصل مما ذكر أن النجاسات على نوعين: أحدهما ما يستقذره الناس وقد رتب الشارع عليه أحكاما، وثانيهما ما جعله الشارع قذرا وألحقه بها موضوعا بحسب الاعتبار والجعل، فصار قذرا في عالم الجعل ووعاء الاعتبار ورتب عليه أحكام القذر. الثالثة: الظاهر أن جعل القذارة للموضوعات التي ليست قذرة عند الناس ليس بملاك واحد، كما أن الظاهر عدم قذارة واقعية لها لم يطلع عليها الناس وكشف عنها الشارع، ضرورة أن القذارة ليست من الحقائق المعنوية الغائبة عن أبصار الناس ومداركهم. بل الظاهر أن جعل القذارة لمثل الخمر لاجل أهمية المفسدة التي في شربها فجعله نجسا لان يجتنب الناس عنها غاية الاجتناب، كما أن الظاهر ان جعل النجاسة للكفار لمصلحة سياسية هي تجنب المسلمين عن معاشرتهم ومؤاكلتهم لا لقذارة فيهم تؤثر في رفعها كلمة الشهادتين. ولعل في مباشرة الكلب والخنزير مضرات أراد الشارع تجنبهم


= ابواب الاسئار الحديث 4 - ولعل هذا التقطيع صار منشأ لتوهم تعدد الحديث فراجع وتأمل. (1) عنه عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث): " انه سئل عن سؤر الكلب يشرب منه أو يتوضأ، قال: لا، قلت: أليس هو سبع؟ قال: لا والله، انه نجس، لا والله انه نجس " وفي رواية عن ابي سهل القرشي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لحم الكلب. فقال: هو مسخ، قلت: أهو حرام؟ قال: هو نجس: أعيده (ها) عليه ثلاث مرات، كل ذلك يقول: هو نجس " راجع المصدر المذكور آنفا - الحديث 6 - 10.

[ 8 ]

عنهما تحفظا عنها إلى غير ذلك، ولا أظن إمكان الالتزام بأن القذارة عند الشارع مهية مجهولة الكنه يصير المرتد بمجرد الردة قذرا واقعا، وصارت الردة سببا لاتصافه تكوينا بصفة وجودية تكوينية غائبة عن أبصارنا، ومجرد الاقرار بالشهادتين صار سببا لرفعها تكوينا. الفصل الاول في تعيين الاعيان النجسة وهي عشرة أنواع على ما في جملة من الكتب أو أكثر كما يأتي حال الخلاف في بعض: الاول والثاني: البول والغائط من كل حيوان غير مأكول ذي نفس سائلة فما لا يصدق عليه عنوانهما ليس بنجس كالحب الخارج من الحيوان إذا لم يصدق عليه العذرة ولو فرض الخروج عن صدق عنوانه الذاتي ايضا فضلا عما إذا صدق عليه وان زالت صلابته وقوة نبته، فما عن المنتهى من الحكم بنجاسته إذا زالت صلابته غير وجيه، وقد حكي الاجماع على نجاستهما مع القيدين عن الخلاف والغنية والمعتبر والمنتهى والتذكرة وكشف الالتباس والمدارك والدلائل والذخيرة، وعن الناصريات والروض والمدارك والذخيرة نقل الاجماع على عدم الفرق بين الارواث والابوال ولعله هو العمدة في الارواث لعدم إطلاق أو عموم معتد به يمكن الركون إليه، وان لا يبعد في بعضها كما سيتضح الكلام فيه. وأما الابوال فلا إشكال في دلالة كثير من الاخبار عموما أو إطلاقا على نجاستها فلا موجب لنقلها، والاولى سرد الروايات الواردة في الارواث: فمنها ما عن المختلف نقلا عن كتاب عمار بن موسى عن الصادق عليه السلام

[ 9 ]

قال: " خرء الخطاف لا بأس به، هو مما يؤكل لحمه لكن كره أكله لانه استجار بك وآوى إلى منزلك، وكل طير يستجير بك فأجره " (1). بدعوى أن قوله: " هو مما يؤكل " تعليل لعدم البأس، وبرفع العلة يرفع عدم البأس، وأن المراد بعدم البأس صحة الصلاة معه وجواز شرب ملاقيه وغير ذلك ولو بملاحظة معهوديته من البأس واللابأس في خرء الحيوان وبوله، وبقرينة الروايات الواردة في أبوال ما لا يؤكل لحمه. وفيها بعد الغض عن أن الرواية بعينها نقلت في باب المطاعم عن الشيخ باسناده عن عمار، وفيها: " الخطاف لا بأس به " من غير كلمة " خرء " واحتمال كونها رواية أخرى نقلها العلامة وأهملها الشيخ في غاية البعد، بل مقطوع الفساد، نعم يحتمل اختلاف النسخ فدار الامر بين الزيادة والنقيصة، فان قلنا بتقدم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة لدى العقلاء خصوصا في المقام مما يظن لاجل بعض المناسبات وجود لفظ الخرء صح الاستدلال بها. لكن اثبات بنائهم على ذلك مشكل، بل اثبات بنائهم على العمل بمثل الرواية ايضا مشكل، وقد حرر في محله أنه لا دليل على حجية خبر الثقة الا بناءهم المشفوع بامضاء الشارع. أن غاية ما يستفاد من اطلاق التعليل أن أكل اللحم تمام العلة وتمام الموضوع لعدم البأس، وأما انحصارها به فغير ظاهر، ولا يكون مقتضى الاطلاق، فيمكن قيام علة أخرى مقامها عند عدمها، وبعبارة أخرى أن الاطلاق يقتضى عدم دخالة شئ غير المأكولية في نفي البأس فتكون تمام العلة له لا جزئها، وهو غير الانحصار، وما يفيد هو انحصارها


(1) الوسائل - الباب 9 - من ابواب النجاسات - الحديث 20.

[ 10 ]

بها حتى يقتضي رفعها ثبوت نقيض الحكم أو ضده. ودعوى أن العرف مع خلو ذهنه عن هذه المناقشة يفهم من الرواية أن في خرء غير المأكول بأسا غير مسلمة. مضافا إلى أن البأس أعم والمعهودية غير معلومة وقرينية أخبار الابوال غير ظاهرة، مع كون البول أشد في بعض الموارد كلزوم تعدد غسله وعدم الاكتفاء بالاحجار فيه. ومنها موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل ما يؤكل فلا بأس بما يخرج منه " (1) بدعوى أن تعليق الحكم على ما يؤكل يفيد العلية، والكلام فيها كسابقتها، مضافا إلى أنه لو سلم دلالتها فلا تدل على الكلية في مفهومها، فغاية ما يثبت بها أن هذه الكلية غير ثابتة لما لا يؤكل، بل لو سلم كون ما يخرج منه عبارة عن ما يخرج من طرفيه من البول والخرء، فلا يثبت في المفهوم البأس فيهما، فيمكن أن يكون في أحدهما بأس. ومنها رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يطأ في العذرة أو البول أيعيد الوضوء؟ قال: لا، ولكن يغسل ما أصابه " (2) وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء " (3). ورواية علي بن محمد في حديث قال: " سألته عن الفأرة والدجاجة والحمامة وأشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال: ان كان استبان من


(1) في الوسائل " كل ما اكل لحمه " راجع الباب 9 - من ابواب النجاسات - الحديث 12. (2) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب النجاسات - الحديث 15. (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 13.

[ 11 ]

أثره شئ فاغسله، وإلا فلا بأس " (1). وصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله أو موثقته قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي وفى ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد " (2). وصحيحة محمد بن مسلم قال: " كنت مع أبي جعفر عليه السلام إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه فقلت: جعلت فداك قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك. فقال أليس هي يابسة؟ فقلت: بلى، قال: لا بأس، ان الارض يطهر بعضها بعضا " (3) إلى غير ذلك كبعض ما ورد في ماء البئر (4) وابواب المطاعم (5). ويظهر منها أن نجاسة العذرة بعنوانها كانت معهودة وان امكنت


(1) الوسائل - الباب 37 - من ابواب النجاسات - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 40 - من ابواب النجاسات - الحديث - 5. (3) الوسائل - الباب 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 2. (4) كموثقة عمار قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة أو رطبة، فقال: لا بأس إذا كان فيها ماء كثير " وكصحيحة اسماعيل بن بزيع قال: " كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع عليه السلام بخطه في كتابي: ينزح دلاء منها " وقريب منها غيرها المروية في الوسائل - الباب 14 و 20 - من ابواب الماء المطلق. (5) راجع الوسائل - الباب 27 - 28 - 29 - من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 12 ]

المناقشة في دلالة بعضها واطلاق بعض، لكن يتوقف اثبات عموم الحكم على كون العذرة خرء مطلق الحيوان انسانا وغيره، طائرا وغيره، كما هو الظاهر من كلمات كثير من اللغويين، ففي القاموس " العذرة: الغائط وأردء ما يخرج من الطعام " ونحوه في المعيار والمنجد، وفي الصحاح " الخرء بالضم: العذرة، والجمع الخروء، وقال يهجو: كأن خروء الطير فوق رؤسهم " وفي المجمع: " العذرة وزان كلمة الخرء " وفي القاموس: " الخرء بالضم العذرة " وقريب منه ما في المنجد والمعيار وعن الصراح: " عذره پليدى مردم وستور وجز آن " ونحوه عن منتهى الارب. ويظهر من الفقهاء في المكاسب المحرمة اطلاق العذرة على مطلق مدفوع الحيوان، وحملوا رواية " لا بأس ببيع العذرة " على عذرة ما يؤكل لحمه، واستندوا في حرمة عذرة غير المأكول على الاجماع المدعى على حرمة بيع العذرة، وبالجملة يظهر منهم اطلاق العذرة على مدفوع مطلق الحيوان. وتدل على عدم الاختصاص بعذرة الانسان مضافا إلى صحيحة عبد الرحمان المتقدمة رواية سماعة قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر فقال: اني رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها وثمنها، وقال لا بأس ببيع العذرة " (1) حيث تدل ان العذرة: منها ما يجوز بيعها ومنها ما لا يجوز، وقد حملوا الجزء الثاني منها على عذرة الحيوان المحلل اللحم. وتؤيده صحيحة ابن بزيع في أحكام البئر قال: " كتبت إلى


(1) الوسائل - الباب 40 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 2.

[ 13 ]

رجل - إلى ان قال -: أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها " (1) بناءا على كون البعرة مثالا للعذرة، لكن في رواية أخرى بدل " من عذرة " " من غيره " ودعوى انصراف العذرة إلى ما هي محل الابتلاء كعذرة الانسان والسنور والكلب دون السباع ونحوها غير وجيهة، لفهم العرف أن حكم النجاسة ثابت لذات العذرة من غير دخالة للاضافة إلى صاحبها، ولعدم الانصراف عن عذرة بعض الطيور وبعض الحيوانات كالقردة والخنازير مما يبتلى بها ولو قليلا، وعدم الفصل جزما بينها وبين غيرها، مع أن اطلاق الخرء على رجيع الطيور والفارات والكلاب شايع ظاهرا، وهو مساوق للعذرة كما مر من كتب اللغة المتقدمة. لكن مع ذلك اثبات كون العذرة الواردة في الروايات شاملة لفضلة جميع الحيوانات مشكل، أما أولا فلاختلاف اللغويين في ذلك فعن جمع منهم الاختصاص بفضلة الآدمي، كالهروي والغريبين ومهذب الاسماء وتهذيب اللغة ودائرة المعارف للفريد، بل الظاهر من محكي ابن الاثير. وأما ثانيا فلقرب احتمال انصرافها إلى فضلة الآدمي لو فرض كونها أعم. وأما ثالثا فلعدم الاطلاق في الروايات الواردة لاثبات الحكم كما ستأتي الاشارة إليه. وكيف كان لا اشكال في نجاسة البول والغائط من الحيوان الغير المأكول الذي له نفس سائلة الا ما استثنى كما يأتي لما مر حكاية الاجماع عليها بل في بعضها واضحة.


(1) الوسائل - الباب 14 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 21.

[ 14 ]

وينبغي التنبيه على أمور: منها قالوا: لا فرق بين غير المأكول الاصلي والعرضي كالجلال والموطوء، وعن الغنية الاجماع على نجاسة خرء مطلق الجلال وبوله، وعن المختلف والتنقيح والمدارك والذخيرة الاجماع على نجاسة ذرق الدجاج الجلال، وعن ظاهر الذخيرة والدلائل الاجماع على نجاسة الجلال والموطوء وكل ما لا يؤكل لحمه، وعن التذكرة والمفاتيح نفي الخلاف في إلحاق الجلال من كل حيوان والموطوء بغير المأكول في نجاسة البول والعذرة وهو العمدة. ولولاه لكان للخدشة في الحكم مجال، لان الظاهر مما يؤكل وما لا يؤكل المأخوذين في الادلة هو الانواع كالبقر والغنم والابل والكلب والسنور والفأر لا أشخاص الانواع، فكأنه قال: اغسل ثوبك من أبوال كل نوع لا يؤكل لحمه كما يظهر من الامثلة التي في بعض الروايات. ففي صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله أو موثقته قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يصيبه بعض أبوال البهائم. أيغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار والفرس والبغل، وأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (1) وعنه (ع) مثله الا أنه قال: " وينضح بول البعير والشاة، وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (2) إلى غير ذلك مما هي ظاهرة في أن الحكم في الطرفين معلق على الانواع. ولا ريب في ان الظاهر من ذلك التعليق أن النوع مما اكل أولا،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب النجاسات - الحديث 9 - 10.

[ 15 ]

ولا تنافي مأكوليته مع عروض العدم بالجلل وغيره لبعض الافراد، نعم لو كان موضوعه أفراد الانواع كان الجلال مصداقه، لكنه خلاف ظواهر الادلة. وأما الاستشهاد للمطلوب بما ورد من غسل عرق الجلال ففي غير محله ولو قلنا بنجاسته، لحرمة القياس، ودعوى الاولوية غير مسموعة بعد احتمال كون نجاسة عرقه لكونه فضل العذرة بخلاف بوله، مع أن الاقوى عدم نجاسة عرق ما عدى الابل الجلال كما يأتي. نعم لو اغمض عما ذكرنا، فلا مجال للقول بتعارض ما دل على نجاسة بول غير المأكول وروثه مع ما دل على طهارتهما من الغنم والبقر تعارض العموم من وجه، فيرجع إلى أصالة الطهارة واستصحابها، لتقدم الاولى على الثانية بنحو من الحكومة، لان المأكولية وغيرها من الاوصاف الانتزاعية الزائدة على الذات، والدليل الدال على الحكم المعلق عليها مقدم عرفا على الدال على الحكم المعلق على عناوين الذات. وكيف كان لا مجال للتشكيك في الحكم بعد ما عرفت من تسلمه بين الاصحاب وان احتمل أن يكون مستندهم فيه هو الادلة اللفظية، بدعوى عمومها للمحرم بالعرض كما صرح به بعضهم، وبعد وصول شئ آخر إليهم غير ما وصل الينا، لكن مع ذلك الاقوى ما عليه الاصحاب ولفهم العلية من الادلة والدوران مدارها ببركة فهمهم منها. وامكان دعوى إطلاق ادلة نجاسة البول والعذرة، والمتيقن من الخروج هو ما للمأكول فعلا، والمتأيد في روثه بأنه من فضل العذرة، وهو أردء منها. ومنها: اختلفوا في رجيع الطير، فعن الصدوق في الفقيه: " لا بأس بخرء ما طار وبوله " واطلاقه يقتضي عدم الفرق بين المأكول وغيره،

[ 16 ]

وحكي القول بطهارته عن ابن أبي عقيل والجعفي، وتبعهم جمع من متأخرى المتأخرين، وعن الشيخ في المبسوط القول بها فيما عدى الخشاف. فقال: " بول الطيور وذرقها كله طاهر الا الخشاف ". وعن المشهور القول بنجاسة خرء ما لا يؤكل وبوله، بل في الجواهر " شهرة عظيمة تقرب الاجماع ان قلنا بشمول لفظ الغائط والعذرة والروث في عبارات الاصحاب لما نحن فيه، كما قطع به العلامة الطباطبائي في مصابيحه بالنسبة إلى خصوص عباراتهم " انتهى. وهو ليس ببعيد، لما عرفت من تصريح اللغويين من مساوقة العذرة للخرء وشيوع اطلاق الخرء على رجيع الطير في الاخبار وغيرها. وعن الحلى في باب البئر: " قد اتفقنا على نجاسة ذرق غير المأكول من سائر الطيور، وقد رويت رواية شاذة لا يعول عليها أن ذرق الطائر طاهر سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكوله، والمعمول عند محققى أصحابنا والمحصلين منهم خلاف هذه الراوية لانه هو الذي يقتضيه أخبارهم المجمع عليها " انتهى. وفي التذكرة: " البول والغائط من كل حيوان ذي نفس سائلة غير مأكول اللحم نجسان باجماع العلماء كافة، وللنصوص الواردة عن الائمة عليهم السلام بغسل البول والغائط عن المحل الذي أصاباه، وهى أكثر من أن تحصى، وقول الشيخ في المبسوط بطهارة ذرق ما يؤكل لحمه من الطيور لرواية أبي بصير ضعيف، لان أحدا لم يعمل بها " انتهى. وهو ظاهر في أن الروايات المشتملة على البول والعذرة والخرء باطلاقها شاملة للطيور وغيرها من أصناف الحيوان، وكذا كلمات الفقهاء المشتملة عليها وعلى الغائط ونحوه، ويظهر ذلك من الحلى أيضا. وعن الغنية: " والنجاسات هي بول ما لا يؤكل وخرؤه بلا خلاف

[ 17 ]

وما يؤكل لحمه إذا كان جلالا بدليل الاجماع " وشمول الخرء لرجيع الطير مما لا سبيل إلى إنكاره، وعن الخلاف دعوى اجماع الفرقة وأخبارهم على نجاسة بول وذرق ما لا يؤكل طيرا أو غيره، وعن الجامعة شرح الالفية دعوى إجماع الكل على نجاستهما من الطير الغير المأكول وغير الطير. فعليه يشكل العمل بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه " (1) وعن البحار: وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي نقلا من جامع البزنطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خرء كل شئ يطير وبوله لا بأس به " (2) لعدم ثبوت عمل الصدوق بها وان كان ظاهر فقيهه، سيما مع ما عن مقنعته قال: " وان أصاب ثوبك بول الخشاشيف فاغسل ثوبك " (3) وروي " أنه لا بأس بخرء ما طار وبوله ولا تصل في ثوب أصابه ذرق الدجاج " (4) انتهى. فان الظاهر منه عدم عمله بما روي، ولم يحضرني عبارة الجعفي وابن ابي عقيل، ولا يعتمد بما في المبسوط مع دعوى الاجماع في الخلاف على خلافه، ومع فتواه في النهاية التي هي معدة لذلك على نجاسة ذرق غير المأكول من الطيور، كما أنه لا اعتماد على فتوى متأخرى المتأخرين مع إعراض الاصحاب عن الصحيحة بشهادة الحلي والعلامة مع صحة سندها ووضوح دلالتها، ولا شبهة في أن المشهور بين قدماء أصحابنا هو النجاسة، ولهذا لم ينقل الخلاف الا ممن ذكر، فتكون الفتوى بالطهارة شاذة. ولو اغمض عن ذلك ومحضنا النظر إلى الروايات فيمكن أن يقال:


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (2) و (3) و (4) المستدرك - الباب - 6 - من ابواب النجاسات الحديث 2 - 3 - 4 .

[ 18 ]

إن بين صحيحة أبي بصير وصحيحة ابن سنان تعارض العموم من وجه بدوا، فان الاولى بعمومها شاملة لغير المأكول والثانية باطلاقها شاملة له. نعم هنا رواية أخرى عن ابن سنان رواها الكليني في أبواب لباس المصلي عن علي بن محمد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه " (1) فهي أيضا شاملة له بالعموم، لكن فيها إرسال لان علي بن محمد من مشايخ الكليني ولم يدرك ابن سنان، فانه من أصحاب أبي عبد الله (ع) ولم يثبت إدراكه لابي الحسن موسى عليه السلام كما يشهد به التتبع وشهد به النجاشي، وان عده الشيخ من أصحابه عليه السلام، ولا اشكال في عدم إدراك على بن محمد ومن في طبقته له ولمن في طبقته، بل في طبقة متأخرة منه ايضا، كابن أبي عمير وجميل ومن في طبقتهما. وعلى أي تقدير بينهما جمع عرفي في مورد الاجتماع، لان الامر بالغسل من بول ما لا يؤكل من الطير حجة على الالزام والوجوب ما لم يرد الترخيص، ونفي البأس ترخيص، ولو سلم ظهوره في الوجوب لغة يجمع بينهما بحمل الظاهر على النص، وصحيحة أبي بصير نص في عدم الوجوب. وتوهم عدم امكان التفكيك في مفاد الهيئة مدفوع، أما على ما ذكرناه في محله بأنها لا تدل إلا على البعث والاغراء من غير دلالة على الوجوب أو الاستحباب وضعا فظاهر، لعدم لزوم التفكيك في مفادها الذي هو البعث والاغراء وان انقطعت الحجة على الالزام بالنسبة إلى مورد الترخيص دون غيره وأما على ما قالوا فللكشف عن استعمالها


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النجاسات - الحديث 3.

[ 19 ]

في مطلق الرجحان. وكيف كان لا تعارض بينهما بعد الجمع العقلائي مضافا إلى ما قيل من تقدم أصالة العموم على أصالة الاطلاق فيقدم صحيحة أبي بصير بعمومها على اطلاق صحيحة ابن سنان، وروايته الاخرى وان كانت عامة، لكن قد عرفت أنه لا ركون إليها وان كان في تقديم اصالة الاطلاق إشكال وكلام، مع امكان أن يقال: إن صحيحة ابن سنان غير ظاهرة في الوجوب ولا حجة عليه، لقرب احتمال ان يكون المراد مما لا يؤكل لحمه ما لا يعد للاكل ولا يكون أكله متعارفا، لا ما يحرم أكله شرعا، بل لا يبعد دعوى ظهورها في ذلك لان ما يؤكل وما لا يؤكل ظاهر ان فيما يأكله الناس وما لا يأكله، والحمل على ما يحرم أو يحل يحتاج إلى تقدير وتأويل. وتشهد لما ذكر صحيحة عبد الرحمان أو موثقته قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يصيبه بعض أبوال البهائم أيغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الفرس والحمار والبغل فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (1) حيث قابل فيها بين الفرس وأخويه وبين ما يؤكل لحمه. ورواية العياشي عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن أبوال الخيل والبغال والحمير قال فكرهها فقلت: أليس لحمها حلالا؟ قال: فقال: أليس قد بين الله لكم: والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون، وقال في الخيل: والخيل والبغال والحمير؟ وليس لحومها بحرام ولكن الناس عافوها " (2).


(1) مرت في صفحة 14. (2) المستدرك - الباب - 5 - من أبواب النجاسات - الحديث 2.

[ 20 ]

مضافا إلى الروايات الكثيرة الآمرة بالغسل عن أبوال البهائم الثلاث (1) فيضعف ظهور قوله عليه السلام: " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " في الوجوب حتى يستفاد منه النجاسة، بعد معلومية عدم نجاسة بول تلك البهائم من الصدر الاول خصوصا في زمان الصادقين عليهما السلام. حيث كانت طهارته ضرورية مع كثرة ابتلاء الاعراب بها، وكثرة حشرهم مع تلك الدواب في الحروب وغيرها من زمن رسول الله (ص) إلى عصر الصادقين عليهما السلام. وبالجملة ان قلنا بظهور صحيحة ابن سنان فيما لا يعد للاكل ولا يأكله الناس فعلا لا يبقى ظهور الامر بالغسل في الوجوب. ثم لو اغمض عن ذلك وقلنا بتعارض الروايتين وقلنا بعدم شمول أدلة العلاج للعامين من وجه كما هو الاقرب فالقاعدة تقتضي سقوطهما والرجوع إلى أصالة الطهارة، إلا أن يقال باطلاق الروايات الواردة في البول، كصحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن البول يصيب الثوب؟ قال: اغسله مرتين " (2) ونحوها غيرها (3). وإطلاق ما وردت في العذرة تقدم جملة منها وان كان في إطلاقها


(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - يمكن أن يقال: انه ليس في مقام بيان أصل النجاسة للبول، بل بصدد بيان كيفية التطهير من حيث التعدد بعد المفروغية عن نجاسته ولا يصح التمسك باطلاق كلمة البول الواقعة في كلام السائل كما لا يخفى، وعليه ففي اطلاقها نظر. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب النجاسات الحديث 2 و 3 و 4 و 7.

[ 21 ]

لبول الطير كلام، وقد يقال بعدم البول للطيور غير الخفاش، كما يظهر من رواية المفضل (1) اختلافه مع سائر الطهور في امور: منها أنه يبول دونها، ويحتمل أن يكون بول الطيور مخلوطا برجيعها لوحدة مخرجهما، وتشهد لوجود البول للطيور صحيحة أبى بصير المتقدمة، لبعد إلغاء الكلية في بول الطير، لمكان الخفاش فقط. والانصاف انه لولا إعراض الاصحاب عن صحيحة أبي بصير، لكان القول بالطهارة متجها، لما مر من الوجوه، والعمدة منها الجمع العقلائي بينها وبين غيرها، لكن لا مجال للوسوسة بعد ما عرفت، بل ولولا الخدشة المتقدمة في رواية المختلف عن كتاب عمار بن موسى لكانت الرواية من أقوى الشواهد على أن علة عدم البأس في خرء الخطاف مأكولية اللحم لا الطيران، وإلا كان التعليل به أولى بل متعينا، فيظهر منها أن الطيور ايضا على قسمين. ومما ذكرنا يظهر حال بول الخفاش، بل القول بالنجاسة فيه أظهر لا لرواية داود قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده فقال: اغسل ثوبك " (2) لضعفها سندا وعدم مقاومتها لموثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عليهما السلام


(1) في الخبر المشتهر بتوحيد المفضل: " تأمل يا مفضل جسم الطائر وخلقته فانه حين قدر ان يكون طائرا في الجو خفف جسمه وأدمج خلقه فاقتصر به من القوائم الاربع على اثنتين، ومن الاصابع الخمس على اربع ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما " راجع البحار - ج 3 - ص 103 - من الطبعة الحديثة. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب النجاسات - الحديث 4.

[ 22 ]

قال: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (1) لا سندا ولا دلالة، أما الاول فواضح لعدم من يتأمل فيه في سندها إلا غياث وهو موثق أو ثقة، بخلاف الاولى فان في سندها موسى بن عمر ويحيى ابن عمر ولم يرد فيهما توثيق. وأما دلالة فلتقدمها عليها تقدم النص على الظاهر مع تأيدها بما عن نوادر الراوندي باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن الصلاة في الثوب الذي فيه أبوال الخشاشيف ودماء البراغيث فقال: لا بأس به " (2) بل لما تقدم من عدم العامل بمثل هذه الرواية. والشيخ الذي أفتى في المبسوط بطهارة بول الطيور وذرقها استثنى الخفاش وحمل هذه الرواية على التقية مع أنها أخص مطلقا من أدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، فهى إذا شاذة لا يعبؤ بها. وأما خرء الدجاجة فلا ينبغي الاشكال في طهارته، بل مع شدة ابتلاء الناس به لو كان نجسا لصار من الضرورى، مع إمكان دعوى ضرورية طهارته، مضافا إلى العمومات وخصوص رواية وهب (3). وأما رواية فارس قال: " كتب إليه: رجل يسأل عن ذرق


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب النجاسات - الحديث 5. (2) المستدرك - الباب - 6 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (3) عن وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه عن على عليهم السلام انه قال: " لا بأس بخرء الدجاج والحمام يصيب الثوب " راجع الوسائل - الباب - 10 - من ابواب النجاسات - الحديث 2.

[ 23 ]

الدجاج تجوز الصلاة فيه؟ فكتب: لا " (1) فمر دودة إلى راويها (2) الذي هو فارس بن حاتم بن ما هوية القزويني الكذاب اللعين المختلط الحديث وشاذه، المقتول بيد أصحاب أبي محمد العسكري عليه السلام وبأمر أبى الحسن عليه السلام كما هو المروى. فما عن المفيد والشيخ من القول بنجاسته غير وجيه، بل عن ظاهر الثاني في التهذيب والاستبصار موافقة الاصحاب، ومن بعض ما تقدم يظهر وضوح طهارة أبوال الخيل والبغال والحمير وأرواثها، فانها مع هذا الابتلاء الكثير المشاهد خصوصا في بلاد الاعراب في حروبهم وغيرها لو كانت نجسة لصارت ضرورية واضحة لدى المسلمين لا يشك فيها أحد منهم، مع أن الطهارة في جميع الاعصار كالضروري لا يحوم حولها التشكيك. فالقول بالنجاسة اغترارا بالروايات الآمرة بالغسل عن أبوالها في غاية السقوط ولو فرض عدم الروايات النافية للبأس عنها، وفي مثل المقام يقال: كلما ازدادت الروايات صحة وكثرة ازدادت وهنا وضعفا مع أن الجمع بينها عقلائي والتصرف فيها من اوهن التصرفات. ففى حسنة معلى بن الخنيس وعبد الله بن أبي يعفور أو صحيحتهما قال: " كنا في جنازة وقدامنا حمار فبال، فجائت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا، فدخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرناه فقال:


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب النجاسات - الحديث 3. (2) وكذلك رواية وهب بن وهب المتقدمة لما عن النجاشي وابن الغضائري في شأنه من انه كذاب، وكذلك عن الكشى من انه اكذب البرية فلا فرق بين ما رواه فارس بن حاتم أو وهب بن وهب.

[ 24 ]

ليس عليكم بأس " (1). وليس في سندها من يتأمل فيه إلا الحكم بن مسكين، وهو مع كونه كثير الرواية ومقبولها ورواية مثل ابن أبي عمير وابن محبوب وابن أبى الخطاب والحسن بن على بن فضال عنه، وكونه كثير الكتب يندرج في الحسان، بل عن الوحيد في حاشية المدارك عن المحقق الحكم بصحة رواياته، ومعه لا مجال للتوقف فيها. وهي نص في المطلوب، فيحمل عليها ما هو ظاهر في وجوب الغسل لو سلم ذلك. وعن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الدابة تبول فتصيب بولها المسجد أو حائطه، أيصلى فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جف فلا بأس " (2) قال في الوسائل: ورواه على ابن جعفر في كتابه مثله فهى صحيحة بالطريق الثاني. وصحيحته الاخرى عن أخيه عليه السلام قال: " سألته عن الثوب يقع في مربط الدابة على أبوالها وأرواثها كيف يصنع؟ قال: إن علق به شئ فليغسله، وإن كان جافا فلا بأس " (3) والظاهر من فرض وقوعه في الابوال وصولها إليه وتأثره منها، فحينئذ يراد بقوله: " إن كان جافا " صيرورته جافا بعد وصول البول إليه، لا إبداع الشك في الوصول أو فرض عدمه، فانهما خلاف الظاهر منها، تأمل. ورواية النخاس قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أعالج الدواب، فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت، فيضرب إحداها برجله أو يده، فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه، فقال: ليس


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب النجاسات - الحديث 15 - 19 - 22 .

[ 25 ]

عليك شئ " (1). والظاهر أن المراد بالدابة عند الاطلاق الخيل وأخواه كما تشهد به رواية زرارة الآتية، نعم يحتمل في رواية النخاس عدم العلم بوصول البول إلى ثيابه، لكن بعد فرض أنها بالت وراثت مع كون بولها وروثها في مكان واحد، فلا محالة لو كانت الابوال نجسة صارت الارواث بملاقاتها نجسة، سيما مع فرض دواب كثيرة في مكان واحد، فنفي البأس عن الروث دليل على عدم البأس في أبوالها أيضا، ومنه يظهر إمكان الاستيناس أو الاستدلال للمقصود ببعض ما دلت على نفي البأس في الارواث. وفي رواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام " في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أليس لحومها حلالا؟ فقال: بلى، ولكن ليس مما جعله الله للاكل " (2) بدعوى ظهور " كرهه " في الكراهة وإن لا تخلو من اشكال. وفي موثقة ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله " ان الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله، ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فاحفظ ذلك يا زرارة فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز " (3) الخ إلى غير ذلك مما هو نص في الطهارة وعدم البأس، والجمع بينها وبين


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 - 8. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 1.

[ 26 ]

ما أمر فيها بالغسل عقلائي بحمل الثانية على رجحان التنزه عنها. ولقد أطنب صاحب الحدائق في المقام، وأتى بغرائب وأطال اللسان على محققي أصحابنا بزعم تنبهه على أمور غفل عنها المحصلون، ولولا مخافة تضييع الوقت لسردت إيراداته مع ما يرد عليها، لكن الاولى الغض عنها بعد وضوح المسألة. وأما بول الرضيع فلم ينقل الخلاف في نجاسته إلا عن ابن الجنيد فانه قال: " بول البالغ وغير البالغ من الناس نجس إلا أن يكون غير البالغ صبيا ذكرا، فان بوله ولبنه ما لم يأكل اللحم ليس بنجس " والظاهر منه نجاسة لبنه إذا أكل اللحم وهو غريب، كما أن التقييد بأكل اللحم أيضا غريب، لكن عن المدارك حكاية " الطعام " بدل " اللحم " عنه. والاقوى ما عليه الاصحاب لا لروايات غسل بول ما لا يؤكل، فانها منصرفة عن الانسان، بل للاجماع المحكي عن السيد، بل دخوله في معقد إجماع غيره، وللروايات الخاصة الآمرة بالغسل تارة كموثقة سماعة (1) وبالصب والعصر أخرى كصحيحة الحسين بن أبي العلاء (2) بناءا على وثاقته، وبالصب ثالثة مفصلا بين من كان قد أكل وغيره مع


(1) عن سماعة قال: " سألته عن بول الصبي يصيب الثوب، فقال: اغسله، قلت: فان لم أجد مكانه، قال: أغسل الثوب كله " راجع الوسائل - الباب - 3 - من ابواب النجاسات الحديث 3. (2) عن الحسين بن أبي العلاء (في حديث) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصبي يبول على الثوب، قال: تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره " راجع الوسائل - الباب - 3 - من أبواب النجاسات - الحديث 1.

[ 27 ]

الحكم بأن الغلام والجارية شرع سواء (1). ولا منافاة بين ما دلت على الغسل وما دلت على الصب إما بحمل الغسل على الصب بأن يقال: إنه نحو من الغسل، وما دلت عليه حاكمة على ما دلت على الغسل، وبيان لكيفيته، أو يقال: إن ما دلت على الصب مطلقا محمولة على غير من أكل، وما دلت على الغسل محمولة على من أكل. بشهادة صحيحة الحلبي المفصلة بينهما لو قلنا بأن الغسل مباين له. وأما توهم أن ما دلت على الصب لا تدل على النجاسة لبعد أن يكون الصب مطهرها مع بقاء الغسالة فيه بعد البناء على عدم وجوب العصر كما يأتي في محله. فمدفوع بأن غاية ما لزم من عدم لزوم انفصال غسالته أنها طاهرة فلا يلزم انفصالها، وهي غير مستبعدة بعد وقوع نظيرها في باب الاستنجاء فان لازم طهارة مائه انه يجوز صب الماء على الحشفة في السراويل، بل وضعها على ثوب وصب الماء عليها، نعم لو قلنا بلزوم انفصال غسالتها يكون ذلك نحو افتراق بينهما مع اشتراكهما في عدم نجاسة غسالتها. فالقائل بالطهارة إن أراد عدم لزوم غسل بول الصبي وكذا الصب عليه، فمحجوج بالروايات المعتبرة الدالة على لزوم الصب والغسل، ولا يمكن رفع اليد عنها بمجرد الاستبعاد مع تعبدية الحكم. وإن أراد أنه مع لزومه لا يكون البول نجسا فهو أبعد مما استبعده


(1) وهي صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي، قال: تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا، والغلام والجارية في ذلك شرع سواء " راجع الوسائل بالباب - 3 - من ابواب النجاسات الحديث 2.

[ 28 ]

ضرورة أن الامر بالصب ليس إلا لنحو تغسيل له، لا حكم تعبدي غير مربوط بباب التطهير والتغسيل. وأما ما ورد في قضية الحسنين عليهما السلام في رواية الراوندي و الجعفريات عن على عليه السلام (1) من عدم غسل رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبه من بولهما قبل أن يطعما فلا تنافي الروايات، لان الغسل منصرف أو حقيقة فيما يتعارف من انفصال الغسالة، وهو غير لازم فلم يفعل النبي صلى الله عليه و آله، ولا ينافي لزوم الصب كما تشهد به رواية الصدوق في معاني الاخبار " أن رسول الله صلى الله عليه وآله أتي بالحسن بن علي عليه السلام فوضع في حجره فبال، فقال: لا تزرموا ابني، ثم دعا بماء فصب عليه " (2) بل لا يبعد أن تكون القضية واحدة بل ورد في مولانا الحسين عليه السلام شبه القضية فقال: " مهلا يا أم الفضل فهذا ثوبي يغسل وقد أوجعت ابني " (3) وفي رواية فقال: " مهلا يا أم الفضل إن هذه الاراقة الماء يطهرها، فأي شئ يزيل هذا الغبار عن قلب الحسين عليه السلام " (4) مضافا إلى أن الروايات الواردة في القضيتين ضعاف لا ركون إليها لاثبات حكم.


(1) عن السيد فضل الله الراوندي في نوادره باسناده عن موسى ابن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: " قال علي عليه السلام: بال الحسن والحسين عليهما السلام على ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يطعما فلم يغسل بولهما من ثوبه " ومثلها ما عن الجعفريات راجع المستدرك - الباب - 2 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 - 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النجاسات الحديث 4 - 5. (4) المستدرك - الباب - 4 - من ابواب النجاسات - الحديث 5

[ 29 ]

وأما رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام قال: لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن يطعم لان لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " (1) فمع اشتمالها على ما يخالف الاجماع والاعتبار ومعارضتها لصحيحة الحلبي (2) المصرحة بالتسوية وإمكان كون التصريح بها لدفع مثل ما صدر تقية وإمكان أن يقال: إنه لا يغسل من بوله وإن صب عليه، فيكون طريق جمع بينها وبين روايات الصب، لا تصلح لاثبات حكم مخالف للاجماع والادلة العامة والخاصة. ومنها: لا ينبغي الاشكال في طهارة رجيع ما لا نفس له إذا كان من غير ذوات اللحوم كالذباب والخنفساء ونحوهما، وان حكي عن المعتبر التردد فيه لانصراف أدلة ما لا يؤكل لحمه عنها بلا إشكال، وتوهم أعمية ما لا يؤكل من السالبة بسلب الموضوع في غاية السقوط. وأما ما لا نفس له من ذوات اللحوم ففي طهارة بولها ورجيعها ونجاستهما والتفصيل بين البول والرجيع بنجاسة الاول دون الثاني وجوه: والظاهر عدم إجماع في المسألة يمكن الاتكال عليه في اثبات شئ مما ذكر، وإن قال صاحب الحدائق " الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب في طهارة رجيع ما لا نفس له كالذباب ونحوه "، ويشعر قول العلامة في التذكرة على عدم الخلاف بيننا، حيث نسب الخلاف إلى الشافعي قال " رجيع ما لا نفس له سائلة كالذباب والخنافس طاهر لان دمه طاهر، وكذا ميتته وروث السمك، وللشافعي في الجميع قولان " انتهى لكن مع احتمال أن يكون دعوى عدم الخلاف في مثل الذباب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 - 2

[ 30 ]

مما لا لحم له، وهو مسلم أن ذلك غير مجد، مع ما نرى من إطلاق كلام كثير من الاصحاب كصحاب الوسيلة والنهاية و المراسم والغنية واشارة السبق، ولا يبعد الاستظهار من الناصريات ومحكي المقنعة والخلاف والجمل والنافع والدروس، مع تقييد بعضهم في الميتة والدم بما لا نفس له مما يؤكد الاطلاق، والاطلاق معقد لا خلاف الغنية ومحكي الخلاف. والانصاف أن المسألة اجتهادية لا إجماعية ومنشأ الخلاف يمكن أن يكون اختلافهم في فهم الاطلاق من الروايات الدالة على نجاسة العذرة التي مرت جملة منها، وكذا اختلافهم في صدقها على غير ما للانسان بحيث تشمل رجيع ما لا نفس له، وكذا في البول من الخلاف في الاطلاق، والمسألة محل تردد من هذه الجهة لعدم الوثوق باطلاق معتد به في الادلة، واحتمال اختصاص العذرة بالآدمي كما قال جمع، أو بالاعم منه ومن السباع كالسنور والكلب لا مثل رجيع الطير وما لا نفس له، أو منصرفة إليه. بل يمكن أن يقال: إنه ليس في الروايات ما أطلق الحكم على العذرة، لان أوضحها دلالة وإطلاقا رواية على بن محمد قال: " سألته عن الفأرة والدجاجة والحمامة وأشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال: ان كان استبان من أثره شئ فاغسله " (1) وعبد الرحمان " عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد " (2) وعلي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباهها تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلا أن يكون الماء


(1) مرت في الصفحة 10. (2) مرت في الصفحة 11.

[ 31 ]

كثيرا قدر كر من ماء " (1) إلى غير ذلك مما هي نظيرها أو أخفى منها. وهي مع كونها في مقام بيان حكم آخر لا نجاسة العذرة ان موردها عذرة الانسان وشبهها مما هي محل الابتلاء التي تطأها المذكورات أو يكون في ثوب الانسان وإلغاء الخصوصية عرفا من موردها حتى تشمل مما لا نفس له غير ممكن بعد قرب احتمال الخصوصية، سيما مع طهارة ميتتها ودمها. ومنه يظهر الكلام في صحيحة ابن سنان قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (2) لعدم الوثوق باطلاقها لما لا نفس له، وميتتها ودمها طاهرة، وعدم إمكان إلغاء الخصوصية عرفا بعد ذلك، والشك في خروج البول منها بحيث يصيب الثوب. وأما روايته الاخرى فمرسلة لا يمكن إثبات الحكم بعمومها اللغوي والمسألة محل إشكال وان كانت الطهارة أشبه، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط خصوصا ف‍ في البول. تنبيه: يظهر من صاحب الجواهر (ره) نوع ترديد في الشبهات الموضوعية، كفضلة لم يعلم أنها من ذي النفس، قال: " بقى شئ بناءا على اعتبار هذا القيد (أي كونه من ذي النفس) وهو أن مجهول الحال من الحيوان الذي لم يدر أنه من ذي النفس أو لا يحكم بطهارة فضلته حتى يعلم أنه من ذي النفس، للاصل واستصحاب طهارة الملاقي ونحوه، أو يتوقف الحكم بالطهارة على اختياره بالذبح ونحوه، لتوقف امتثال الامر بالاجتناب عليه، ولانه كسائر الموضوعات التي علق الشارع


(1) مرت في الصفحة 10. (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النجاسات - الحديث 2.

[ 32 ]

عليها أحكاما كالصلاة للوقت والقبلة ونحوهما، أو يفرق بين الحكم بطهارته وبين عدم تنجيسه للغير، فلا يحكم بالاول إلا بعد الاختبار بخلاف الثاني للاستصحاب فيه من غير معارض، ولانه حينئذ كما لو أصابه رطوبة مترددة بين البول والماء، وجوه لم أعثر على تنقيح منها في كلمات الاصحاب " انتهى. وفيه انه لا شبهة في جريان الاصول الشرعية في الشبهات الموضوعية بل الحكمية بعد الفحص، بل الاقوى جريان الاصول العقلية أيضا بالنسبة إلى أكل ملاقيه وشربه وسائر التكاليف الاستقلالية، بل والتكاليف الغيرية والارشادية لو قلنا بما نعية النجاسة، نعم لو قلنا بشرطية الطهارة أو عدم النجاسة يشكل الاصل العقلي، لكن يجري الشرعي، لان أصالة الطهارة حاكمة على أدلة الاشتراط ومنقحة لموضوعها كما حررنا في محله. نعم قد يتوقف في جريانها في الموارد التي ترفع الشبهة بأدنى شئ كالنظر بدعوى انصراف أدلة الاصول عن المشكوك فيه الذي يزول الشك عنه بأدنى اختبار، لكن الاقوى خلاف ذلك سيما في باب النجاسات لصحيحة زرارة فيها " قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصاب شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك " (1) بل لا يبعد ظهورها في أن عدم لزوم الفحص انما هو للاتكال على الاستصحاب، وأنه لا ينبغي نقض اليقين بالشك لا لخصوصية النجاسة، كما أن الاقرب عدم انصراف الادلة عن مثلها. وما يقال: إن عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إنما هو فيما إذا لم تكن مقدمات العلم حاصلة بحيث لا يحتاج حصوله إلى أزيد من النظر، فان في مثله يجب النظر، ولا يجوز الاقتحام في الشبهات


(1) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب النجاسات - الحديث 1.

[ 33 ]

مطلقا إلا بعد النظر في المقدمات لعدم صدق الفحص على مجرد النظر. ففيه أن ذلك يتم لو كان الاتكال على الاجماع على عدم وجوب الفحص، وأما لو كان المعول عليه إطلاق أدلة الاصول فصدق الفحص وعدمه أجنبي عنه، إلا أن يدعى الانصراف وهو غير مسلم، والتفصيل موكول إلى محله. الثالث المني: وهو نجس من الآدمى بلا إشكال ونقل خلاف، بل في الانتصار إجماع الشيعة الامامية على النجاسة، وكذا عن الخلاف والمسائل الطبرية والغنية والمنتهى وكشف الحق الاجماع على نجاسته من كل حيوان ذي نفس، وعن النهاية والتذكرة وكشف الحق أنها مذهب علمائنا. واستدل عليها السيد في الناصريات مضافا إلى الاجماع بقوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " (1) قال: " روي في التفسير أنه تعالى أراد بذلك أثر الاحتلام، فدلت الآية على نجاسة المني من وجهين: أحدهما قوله تعالى: " ويذهب عنكم رجز الشيطان " والرجز والنجس بمعنى واحد - إلى أن قال -: والثاني من دلالة الآية أنه تعالى أطلق عليه اسم التطهير، والتطهير لا يطلق في الشرع إلا لازالة النجاسة، أو غسل الاعضاء الاربعة " انتهى. وفيه أن الظاهر من عطف قوله: " يذهب عنكم " على قوله: " ليطهركم " بالواو الظاهر في المغايرة أن التطهير بالماء غير إذهاب رجز الشيطان، فالمراد بالتطهير إما التطهير من الخبث وباذهاب الرجز رفع الجنابة، أو المراد منه أعم من رفع الخبث وحدث الجنابة، فيكون المراد من إذهاب الرجز إذهاب وسوسة الشيطان كما عن ابن عباس،


(1) سورة الانفال: 8 - الآية: 11.

[ 34 ]

وذلك أنه حكى أن الكفار في وقعة بدر قد سبقوا المسلمين إلى الماء فنزلوا على كثيب رمل فأصبحوا محدثين ومجنبين وأصابهم الظمأ ووسوس إليهم الشيطان، فقال: إن عدوكم قد سبقكم إلى الماء وأنتم تصلون مع الجنابة والحدث وتسوخ أقدامكم في الرمل، فمطرهم الله حتى أغتسلوا به من الجنابة، وتطهروا به من الحدث، وتلبدت به أرضهم وأوحلت أرض عدوهم، وهذا هو المراد من ذهاب رجز الشيطان كما عن ابن عباس، وعليه لا يتم ما ذكره السيد من الوجهين. نعم تدل على النجاسة مضافا إلى الاجماع المحكي المستفيض طوائف من الاخبار: منها ما أمر فيها بغسله (1) واحتمال كونه مانعا من الصلاة من غير كونه نجسا مقطوع الفساد، خصوصا بعد إردافه فيها بالدم والبول. ومنها ما أمر فيها باعادة الصلاة التي صلى فيه (2) ومنها ما أمر بالصلاة عريانا مع كون الثوب منحصرا بما فيه الجنابة (3) ومنها ما دل


(1) كموثقة سماعة قال: " سألته عن المني يصيب الثوب، قال: إغسل الثوب كله إذا خفى عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا " وقريب منها روايات أخر المروية في الوسائل - الباب - 16 - من أبواب النجاسات - الحديث 1 - 3 - 4 - 5 - 6. (2) كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة " الحديث. راجع الوسائل - الباب 16 من أبواب النجاسات الحديث 2. (3) كرواية سماعة قال: " سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض وليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء كيف -

[ 35 ]

على جواز الصلاة فيه حال الاضطرار (1) ومنها ما صرح فيه بالنجاسة، كقول أبي عبد الله عليه السلام على ما في مرسلة شعيب بن أنس لابي حنيفة: " أيهما أرجس؟ البول أو الجنابة " الخ (2). ورواية العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام " وإنما أمروا بالغسل من الجنابة ولم يؤمروا بالغسل من الخلاء وهو أنجس من الجنابة " (3) إلى غير ذلك، فلا إشكال فيها نصا وفتوى. نعم هنا روايات ربما يتوهم ظهورها في الطهارة، منها صحيحة أبى أسامة زيد الشحام قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: تصيبني السماء وعلي ثوب فتبله وأنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني أفاصلي فيه؟ قال: نعم " (4). وموثقة ابن بكير عنه عليه السلام قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل علي؟ قال: لا بأس " (5) بدعوى أن الظاهر منهما أن ملاقي المني طاهر


- يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي عريانا قاعدا ويؤمى أيماءا " وقريب منها روايته الاخرى راجع الوسائل - الباب - 46 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 3. (1) كرواية محمد الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره، قال: يصلي فيه إذا اضطر إليه " راجع الوسائل - الباب - 45 - من أبواب النجاسات - الحديث 7. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الجنابة - الحديث 5 - 4 (4) و (5) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 3 - 6.

[ 36 ]

ولازمه طهارته. وفيه أن الظاهر منهما أن السؤال انما هو عن أمر بعد مفروغية نجاسة المني، وليس السائل بصدد السؤال عن نجاسته، بل بصدد أنه بمجرد كون البدن نجسا من المنى وصار الثوب مبتلا بالمطر يحكم بنجاسة الثوب إذا أصاب بعض ما أصاب الجسد من المني أو لا؟ فأجاب بعدم البأس، لان مجرد ذلك لا يوجب العلم بالسراية ووصول أثر المني إلى الثوب، لاحتمال كون ما أصابه غير مورد البلة أو كون البلة بمقدار لا يوجب السراية، وبالجملة لا يحكم بالنجاسة إلا مع العلم باصابة الثوب بما أصابه المني مع العلم بالسراية، ومع الشك في جهة من الجهات محكوم بالطهارة. والشاهد على أن سؤاله عن الشبهة الموضوعية أنه فرض في الروايتين مصداقين من الشبهة الموضوعية: أحدهما فرض كون المني في جسده وثوبه مبتلا فسأل عن حال الثوب والصلاة فيه، والثاني فرض كون الجنابة في ثوبه وأصابه السماء حتى يبتل عليه فسأل عن حال جسده. فهاتان الروايتان من أدلة نجاسته لا طهارته، لان الظاهر منهما مفروغيتها، والسؤال عن الشبهة الموضوعية، والسؤال عنها غير عزيز يظهر بالتتبع. ومنها رواية علي بن أبى حمزة قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه، فقال: ما أرى به بأسا، وقال: إنه يعرق حتى لو شاء أن يعصره عصره، قال: فقطب أبو عبد الله عليه السلام في وجه الرجل، فقال: ان أبيتم فشئ من ماء ينضحه به " (1) بدعوى ظهورها في طهارة ملاقيه ولازمها طهارته.


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 4.

[ 37 ]

وفيه أن فيها احتمالين: أحدهما أن مراد السائل رفع الشبهة عن عرق الجنب كما وردت فيه روايات يظهر منها أن عرقه كان مورد الشبهة في تلك الازمنة، فيكون قوله: " أجنب في ثوبه " يعني به أجنب وعليه ثوب فيعرق فيه، لا أن الجنابة وقعت في الثوب. وثانيهما أن السؤال عن الشبهة الموضوعية كما تقدم في الروايتين المتقدمتين، والشاهد عليه قوله: " أنه يعرق حتى لو شاء " الخ، فكأنه قال: مع كون العرق كذلك كيف يحتمل عدم الملاقاة، ويؤيده أمره بالنضح الذي ورد الامر في غير مورد من الشبهات الموضوعية، فتكون الرواية من أدلة نجاسته لا طهارته. ومنها صحيحة زرارة قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوبه، أيتجفف فيه من غسله؟ قال: نعم لا بأس به، إلا أن تكون النطفة فيه رطبة، فان كانت جافة فلا بأس به " (1). و الظاهر منها التفصيل بين الرطب والجاف كما نسب ذلك إلى أبي حنيفة، قال السيد في الناصريات: إن أبا حنيفة وأصحابه وإن وافقوا في نجاسته فانهم يوجبون غسله رطبا ويجزى عندهم فركه يابسا، والظاهر منهم أن ملاقي النطفة ليس بنجس، ولهذا اكتفوا بالفرك، والظاهر أنها صدرت تقية موافقة لمذهبهم فانها نفت البأس عن النطفة اليابسة، لان التجفيف مع يبسها لا يوجب إلا الملاقاة معها، وأما التجفيف مع الرطبة فيوجب انتقال أجزائها إلى الجسد، والشيخ البهائي حملها على ما لا يخلو من تعسف وإشكال. ويمكن أن يقأل: إنه مع اليبوسة لا يحصل العلم بسراية النجاسة إلى البدن لاحتمال سبق موضع الطاهر بالبدن وتجفيفه، ومعه لا تسرى


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 7.

[ 38 ]

النجاسة، وأما مع الرطوبة ووجود المني الرطب فيه فلا محالة تسرى إليه، تأمل. وكيف كان فالعمل على المذهب، و الرواية مأولة أو مطروحة. وأما المني من الحيوان غير الآدمي من ذي النفس فلا إشكال في نجاسته، ونقل الاجماع عليها متكرر بحيث لا يبقى مجال للتشكيك فيها. وإنما الكلام في إطلاق الادلة، فانه يظهر من المعتبر والمنتهى التمسك باطلاقها، وأنكره صاحب المدارك، وشدد النكير عليه صاحب الحدائق، وتبعهما غيرهما، وقد علله في الجواهر بتبادر الانسان من الادلة، قال. " ولعله لاشتمالها أو أكثرها على إصابة الثوب ونحوه مما يندر غاية الندرة حصوله من غير الانسان " انتهى. أقول: إن كانت دعوى التبادر والانصراف توهم ندرة الوجود فلا نسلمها في المحيط الذي وردت الروايات فيه، ضرورة أنه محل تربية الحيوانات و استنتاجها واستفحالها، ولا يخفى على من رأى كيفية استفحال البهائم شدة الابتلاء بمنيها وكثرته وأن إصابة منيها خصوصا البهائم الثلاثة بالثوب وغيره مما يحتاج إليه الانسان ويبتلي به كثيرة لا يمكن معها دعوى الانصراف، والعرب سيما سكان الجزيرة كان مهم شغلهم تربية الحيوانات التي تحتاج إلى الاستفحال الذي يكثر معه إصابة المني بألبستهم وأيديهم وسائر متاعهم. والانصاف أن دعوى الانصراف والتبادر إنما صدرت ممن لا يبتلى به، ونشأ في بيت أو محيط كان الابتلاء به نادرا أو مفقودا رأسا، فقاس به سائر الامكنة والاشخاص، وإلا فأي قصور بعد التنبه بما ذكرناه في إطلاق رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المني يصيب الثوب قال: إن عرفت مكانه فاغسله، وإن

[ 39 ]

خفى عليك مكانه فاغسل الثوب كله " (1) وموثقة سماعة قال: " سألته عن المني يصيب الثوب، قال: إغسل الثوب كله إذا خفى عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا " (2). وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول، ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك وكذا البول " (3) إلى غير ذلك. بل لا يبعد أن يقال: إن العرف يرى أن الحكم لمهية المني من غير دخالة للاضافات فيه، بل يمكن أن يقال: إن المراد من تشديد المنى وجعله عليه السلام أشد من البول هو كونه نجسا مطلقا، وأما البول فطاهر من مأكول اللحم، فكان أمره أهون في الشريعة من المني، لكون هذا طاهرا في الجملة، وذاك نجس مطلقا، أي حتى من المأكول ذي النفس، وأما احتمال كونه أشد لاحتياج إزالته إلى الدلك والفرك دون البول فبعيد، لانه أمر واضح لا يحتاج إلى الذكر والنقل، مع أن الظاهر من قوله: " شدده وجعله أشد " أن ذلك أمر لا يعرفه الناس، ويعرفه الامام عليه السلام، وأما احتمال كون الاشد بمعنى أنجس فيرده تصريح أبي عبد الله عليه السلام في رواية شعيب وأبي الحسن الرضا عليه السلام في رواية العلل (4) بأنجسية البول. بل يدل على أنجسيته ما دل على لزوم غسله مرتين دون المني.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب النجاسات - الحديث 6 - 5 (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب النجاسات - الحديث 2. (4) مرتا في صفحة 35.

[ 40 ]

واحتمال كون الاشدية باعتبار وجوب غسل الجنابة منه دون البول بعيد أيضا، لان الظاهر منها أن الحكم لطبيعة المنى لا لخروجه من المجرى، فبقى الاحتمال الاول، وما ذكر وإن لم يثبت جزما ولا يوجب ظهورا لكن يقرب دعوى الاطلاق فيها. والانصاف أن دعواه في تلك الروايات لا تقصر عن دعواه في كثير من الموارد التي التزموا به، نعم لا إشكال في اختصاص ما اشتملت على الجنابة أو الاحتلام بالآدمي، لكن لا يوجب ذلك طرح الاطلاق في غيرها. وأما موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (1) فالظاهر انصرافها إلى البول والروث مما كثرت الروايات في التعرض لهما ولحكمهما، ولهذا لا ينقدح في الذهن منها عدم البأس بدمه. نعم لو قلنا باطلاقها وشمولها للمني لا يعارضها تلك المطلقات لتقدمها عليها بنحو حكومة، ولو نوقش فيها فالاهون الجمع بينهما بحملها على الاستحباب بقرينة نفي البأس النص في عدم النجاسة. وأما موثقة ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " إن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وشعره وبوله وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح " (2) فمحمولة على ما كانت التذكية دخيلة فيه بمناسبة الشرطية، لا مثل الدم والمني، نعم في مثل البول والروث ظاهرها طهارتهما، وعلى أي تقدير لا إشكال في الحكم بعد الاجماع وما تقدم من الاخبار. وأما غير ذي النفس من الحيوان فلا يبعد انصراف الادلة عنها،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب النجاسات - الحديث 12. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 1.

[ 41 ]

كما لا يبعد انصرافها عن بعض أقسام ذي النفس أيضا، لكن يتم فيه بالاجماع، وفي غيره يكون مقتضى الاصل طهارته بعد الانصراف أو عدم إحراز الاطلاق، بل لا وثوق باطلاق معاقد الاجماعات يشمل غير ذي النفس، بل وبعض أفراد ذي النفس، فان المحتمل من عبارة السيد أن دعواه الاجماع بالنسبة إلى مني الانسان، ولهذا استدل عليها بعد الاجماع بقوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماءا " الخ، وهو مخصوص بمنيه. والظاهر من إجماع الخلاف هو مقابل أبي حنيفة المدعي بأنه يغسل رطبا ويفرك يابسا، بقرينة قوله بعد دعواه: " ودليل الاحتياط لان من أزال ذلك بالغسل صحت صلاته بلا خلاف، وإذا فركه وأزاله بغير الماء فيه خلاف " ثم استدل بالآية المتقدمة. وفي الغنية: والمني نجس لا يجزي فيه إلا الغسل رطبا كان أو يابسا بدليل الاجماع المذكور، وقوله تعالى: " وينزل عليكم " الخ، ثم استدل بها كما استدل السيد، ولم يظهر منها دعوى الاجماع حتى بالنسبة إلى ما لا نفس له مما يشك في وجود المني له، لكن الانصاف أن إنكار شمول إجماع الخلاف المصرح بأن المني كله نجس من الانسان وغير الانسان والرجل والمرأة لغير ذي النفس مكابرة. مع أنه استدل بالآية أيضا كما استدل بها السيد. ومن هنا يمكن دعوى شمول معقد إجماع السيد وابن زهرة لمطلق الحيوان ذي النفس وغيره، وإنما استدلوا بالآية في مقابل بعض العامة القائل بالطهارة مطلقا، فاستدلالهم بها لنفي السلب الكلي لا لاثبات جميع المدعى، وإنما دليلهم على جميعة الاجماع والروايات الواردة من الطريقين.

[ 42 ]

وقد حكي الاجماع بقول مطلق زائدا على ما ذكرناه عن المسائل الطبرية والمنتهى وكشف الحق والسرائر، وإن قال صاحب مفتاح الكرامة بأنه لم أجده في السرائر، وإنما نص على نجاسة المني بقول مطلق من غير نقل إجماع، وعن شرح الفاضل أن ظاهر الاكثر على نجاسة مني غير ذي النفس، وعن نهاية الاحكام والذكرى والدروس والروض والروضة أنه لا فرق بين الآدمي وغيره والحيوان البري والبحري كالتمساح، مع أنه من غير ذي النفس ظاهرا، وهو الظاهر ممن لم يقيده بغير ذي النفس كالوسيلة والمراسم واشارة السبق، بل لم يحك عن أحد قبل المحقق التفصيل بين ذي النفس وغيره، ولا تقييد المني بذى النفس مع تقييدهم الميتة به، وهو مما يؤكد الاطلاق، فحينئذ كيف يسوغ دعوى الشهرة جزما بل تقريب الاجماع من السيد في محكي الرياض، ودعوى الاجماع من صاحب مجمع البرهان وصاحب الجواهر، واستظهار عدم الخلاف من الشيخ الاعظم. فالمسألة مشكلة من أجل إمكان دعوى إطلاق الادلة ومعاقد الاجماعات المتقدمة، بل عموم معقد إجماع الخلاف، ومن إمكان دعوى الانصراف بالنسبة إلى غير ذي النفس، خصوصا مع عدم العلم بكونه ذا مني، بل ومن بعض أنواع ذي النفس، والاحتياط لا يترك مطلقا، وان كان التفصيل أشبه بالقواعد بعد قوة دعوى الانصراف عن غير ذي النفس، والجزم بعدم التفصيل بين أقسام ذي النفس بعد شمول المطلقات لبعضها كما تقدم. والله العالم. الرابع الميتة: وهي إما من ذي النفس أو غيره، والاولى إما من آدمي أو غيره، فقد استفيض نقل الاجماع على نجاسة ميتة ذي النفس، وعن المعالم قد تكرر في كلام الاصحاب إدعاء الاجماع على هذا

[ 43 ]

الحكم، وهو الحجة، إذا النصوص لا تنهض باثباته، ثم ذكر بعض الروايات وناقش في سنده ودلالته في إفادة الحكم بكماله. وعن المدارك المناقشة في أصل الحكم لفقدان نص على نجاستها، وناقش في دلالة ما أمر فيها بالغسل ونهي عن الاكل على النجاسة، ثم ذكر رواية الفقيه النافية للبأس عن جعل الماء ومثله في جلود الميتة (1) مع تصريح الصدوق (ره) في أوله بأن ما أوردته فيه هو ما أفتى وأحكم بصحته وأعتقد أنه حجة بيني وبين ربي، ثم قال: والمسألة قوية الاشكال. أقول: أما نجاستها من ذي النفس غير الآدمي فلا ينبغي الاشكال فيها، لا لدعوى الاجماع المتكرر فقط، بل لدلالة طوائف من الروايات عليها، وقلما توجد كثرة الاخبار في نجاسة شئ بمثلها، ونحن نذكر قليلا من كثير. فمنها صحيحة حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء وأشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب " (2). ورواية أبي خالد القماط " أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة، فقال أبو عبد الله


(1) عن محمد بن علي بن الحسين قال: " سئل الصادق عليه السلام عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تصل فيها " راجع الوسائل - الباب - 34 - من أبواب النجاسات - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 3 من ابواب الماء المطلق - الحديث 1.

[ 44 ]

عليه السلام: إن كان الماء قد تغير ريحه وطعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه، وإن لم يتغير ريحه وطعمه فاشرب وتوضأ " (1) وموثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد انتنت، قال: إن كان النتن الغالب على الماء. فلا تتوضأ ولا تشرب " (2). وموثقة عبد الله بن سنان قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال: إن كان الماء قاهرا ولا توجد منه الريح فتوضأ " (3) ونحوها مرسلة الصدوق (4). ولا إشكال في ظهور هذه الطائفة عرفا في تنجس الماء بغلبة الريح أو تغير الطعم، ويستكشف عن ذلك - مضافا إلى ذلك ومضافا إلى أن الظاهر من بعضها مفروغية نجاستها كما يظهر بالتأمل فيه - رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قلت له راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة، قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ فصبها، وإذا كان غير منفسخ فاشرب منه وتوضأ، واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية، وكذلك الجرة وحب الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء، قال: وقال أبو جعفر عليه السلام: إذا كان الماء أكثر من راوية لا ينجسه شئ، تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه، إلا أن يجئ ريح فغلب على ريح الماء " (5).


(1) الوسائل - الباب - 3 من أبواب الماء المطلق - الحديث 4 (2) الظاهر انه موثقة سماعة - راجع الوسائل - الباب - 3 من أبواب الماء المطلق - الحديث 6. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الماء المطلق الحديث 11 - 13 - 8 و 9.

[ 45 ]

فان ذيلها مفسر لصدرها ومبين للنهي عن الشرب والوضوء بأنه لاجل النجاسة لا لامر تعبدي غيرها. وفي صحيحة زرارة قال: " إذا كان الماء أكثر من راوية " إلى آخر الحديث المتقدم (1) فتفسر الرواية والصحيحة سائر ما تقدم، وتبينان أن النهى فيها لنجاسة الماء بملاقاة الميتة إذا كان دون الكر، وبالتغير إذا كان كرا، بل يمكن الاستشهاد عليها بمثل صحيحة ابن بزيع " ماء البئر واسع لا يفسده شئ " (2) الخ. فإذا ضمت تلك الروايات إلى ما تقدم من الروايات الناهية عن شرب ملاقي الجيفة والميتة والوضوء منه تنتج نجاستها مطلقا. وتوهم كون تلك الروايات بل سائر ما في الباب في مقام بيان حكم آخر، فلا إطلاق فيها فاسد، فان الظاهر منها أن الحكم لنفس الجيفة، وإن غلبة ريحها مطلقا موجبة لعدم جواز الشرب والوضوء كما أن عدم الاستفصال في صحيحة شهاب الآتية دليل عموم الحكم، والانصاف أن توهم عدم الاطلاق فيها وسوسة مخالفة لفهم العرف، تأمل. ونظيرها في وضوح الدلالة صحيحة شهاب بن عبد ربه قال: " أتيت أبا عبد الله عليه السلام أسأله فابتدأني، فقال: إن شئت فاسأل يا شهاب، وإن شئت أخبرناك بما جئت له، قلت: أخبرني، قال: جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضأ منه أو لا؟ قلت: نعم، قال: توضأ من الجانب الآخر، إلا أن يغلب الماء الريح فينتن وجئت تسأل عن الماء الراكد، فما لم يكن فيه تغيير وريح غالبة، - قلت فما التغيير؟ قال: الصفرة -، فتوضأ منه، وكلما غلب كثرة الماء فهو طاهر " (3) فهي مع إطلاقها كالصريحة في المطلوب من أن الماء


(1) راجع الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 9 (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 11.

[ 46 ]

ينجس بالتغيير. وقريب منها في الدلالة رواية زرارة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: بئر قطرت فيه قطرة دم أم خمر، قال: الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد، تنزح منه عشرون دلوا، فان غلب الريح نزحت حتى تطيب " (1) فان إردافها بسائر النجاسات دليل على نجاستها، وحمل نزح العشرين على الاستحباب لعدم انفعال البئر لا يوجب قصورها عن الدلالة مع موافقة ذيلها لسائر الروايات، كصحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السلام " ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا أن يتغير ريحه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة " (2) لان المراد بالفساد هو النجاسة كما هو واضح. بل الروايات في النزح من الميتة كلها ظاهرة في مفروغية نجاستها كما يظهر بالنظر إليها، وتدل عليها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن آنية أهل الكتاب، فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير " (3) فانها ظاهرة في تنجسها، سيما مع إردافها بما ذكر. ورواية تحف العقول عن الصادق عليه السلام في حديث قال: " وأما وجوه الحرام من البيع والشراء - إلى أن قال -: والبيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الخمر أو شئ من وجوه النجس، هذا كله حرام محرم " الخ (4)، فان الظاهر منها أنه في مقام عد النجاسات


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 6. (3) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1

[ 47 ]

فذكر عدة منها وعطف عليها سائرها كما هو واضح. وما عن الجعفريات بسنده عن علي عليه السلام قال " في الزيت والسمن إذا وقع فيه شئ له دم فمات فيه: استسر جوه، فمن مسه فليغسل يده، وإذا مس الثوب أو مسح يده في الثوب أو أصابه منه شئ فليغسل الموضع الذي أصاب من الثوب أو مسح يده في الثوب يغسل ذلك خاصة " (1). وعن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام " انه رخص في الادام والطعام يموت فيه خشاش الارض والذباب وما لا دم له، وقال: لا ينجس ذلك شيئا ولا يحرمه، فان مات فيه ما له دم وكان مايعا فسد، وان كان جامدا فسد منه ما حوله وأكلت البقية " (2) إلى غير ذلك مما يطول الكلام بسردها. نعم لا ننكر عدم إطلاق كثير منها مما يكون بصدد بيان أحكام أخر. بل يمكن الاستدلال على المطلوب بموثقة ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: " فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكى قد ذكاه الذبح " الخ (3). بناءا على أن المراد بقوله: " ذكاه " طهره، كما لعله المناسب لنسبة التذكية إلى الذبح، وبعد إرادة الذكاة بمعنى الذبح، والذكاة بالذال وإن كان بمعنى الذبح في اللغة ولم أر في اللغة من عد الطهارة من معانيه إلا في مجمع البحرين، حيث قال: " وفي الحديث " كل يابس


(1) المستدرك - الباب - 26 - من أبواب النجاسات - الحديث 1 (2) المستدرك - الباب - 27 - من ابواب النجاسات - الحديث 3 (3) مرت في صفحة 25.

[ 48 ]

ذكي " (1) أي طاهر، ومنه ذكاة الارض يبسها: أي طهارتها من النجاسة، ومنه أذك بالادب قلبك: أي طهره ونظفه " انتهى، لكنه ذكر في " زكى " بالزاء زكاة الارض يبسها، ويمكن الاستشهاد لاستعمال " ذكى " بالذال في الطهارة بروايات، كقوله عليه السلام: " الحوت ذكي حيه وميته " (2) قال الشيخ الحر: الذكي هنا بمعني الطاهر، وقوله عليه السلام " الجراد ذكي كله والحيتان ذكي كله وأما ما هلك في البحر فلا تأكل " (3) بل قوله عليه السلام: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " (4) وقوله عليه السلام: " خمسة أشياء ذكية مما فيه منافع الخلق: الانفحة والبيض " الخ (5) وقوله عليه السلام: " اللبن واللباء - إلى أن قال -: وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي وان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (6) إلى غير ذلك. وان كان للمناقشة فيها أو في جلها مجال، بل الظاهر أن الذكاة في مقابل الميتة في الروايات لا بمعنى الطاهرة ولا الذبح مطلقا كيفما كان كما لعله يأتي التنبيه عليه. ويمكن الاستدلال للمطلوب بقوله تعالى: " إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس " (7) بدعوى أن الظاهر


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب احكام الخلوة - الحديث 5 (2) و (3) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الذبائح - الحديث 5 - 7 من كتاب الصيد والذبائح. (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الذبائح - الحديث 12. (5) و (6) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 2 - 3. (7) سورة الانعام: 9 - الآية 145.

[ 49 ]

رجوع الضمير إلى جميع المذكورات، فان قوله عليه السلام: " فانه رجس " تعليل لاستثنائها من الحلية، فلا يناسب أن يجعل تعليلا للاخير فقط واهمال التعليل في غيره. وان كان للتأمل فيه مجال، كالتأمل في كون الرجس بمعنى النجس وإن لا يبعد ذلك، وفيما ذكرنا من الاخبار كفاية. نعم في الاستدلال للمطلوب بمثل موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن الخنفساء - إلى أن قال -: كل ما ليس له دم فلا بأس " (1) وصحيحة ابن مسكان عنه عليه السلام قال: " كل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس " (2) محل إشكال، لان الكلية في طرف نفي البأس عما ليس له دم لا تثبت الكلية في الطرف المقابل، نعم لا إشكال في الاثبات جزئيه وفى الجملة، والظاهر من البأس النجاسة ولو بقرائن ولو من سائر الروايات. وكذا يشكل الاستدلال بمثل موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (3) لاعطائها الكلية في المستثنى منه دون المستثنى، وان قال الشيخ الاعظم: إنها بصدد تنويع الميتة على قسمين مختلفين في الحكم لا مجرد ضابطة كلية في طرف المنطوق فقط. وهذه الدعوى خالية عن الشاهد وعهدتها عليه. تنبيهان: الاولى: قال الصدوق في المقنع: " ولا بأس ان تتوضأ من الماء


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 3 - 2

[ 50 ]

إذا كان في زق من جلدة ميتة، ولا بأس بأن تشربه " انتهى. وقال في الفقيه: " وسئل الصادق عليه السلام: عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تصل فيه " (1). فصار هذا مع ضمانه قبل إيراد الحديث بقليل صحة ما في الكتاب وحجيته بينه وبين ربه منشأ لنسبة الخلاف في نجاسة الميتة إليه. وربما يجاب عنه بأنه لم يف بهذا العهد، كما يظهر بالتتبع في الفقيه، ولعله كذلك، لكن من البعيد حصول البداء له في أول كتابه. لكن لا يظهر من فتواه في المقنع ولا روايته في الفقيه مخالفته في مسألة نجاسة الميتة أو نجاسة جلدها. واستثناؤه ذلك زائدا على سائر المستثنيات كالوبر وغيره، بل يحتمل ذهابه إلى عدم سراية النجاسة مطلقا أو في خصوص الجلد أو الميتة إلى ملاقيها، وهو أيضا في غاية البعد، نعم لا يبعد ذهابه إلى طهارة جلدها بالدباغ، كما حكي عن ابن الجنيد من القدماء وعن الكاشاني. وكيف كان فان كان مراده المخالفة في مسألتنا فقد مر ما يدل على خلافه، وإن كانت في سراية النجاسة أو نجاسة الميتة أو جلدها فهي ضعيفة مخالفة للروايات الكثيرة بل المتواترة الدالة على غسل الملاقي وانفعال الماء القليل وسائر المايعات، وان كان مراده طهارة الجلود بالدباغ فهو مخالف للاجماع المتكرر في كلام القوم، كالناصريات والخلاف والغنية ومحكي الانتصار وكشف الحق، وعن المنتهى والمختلف والدلائل اتفق


(1) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب النجاسات - الحديث 5.

[ 51 ]

علماؤنا إلا ابن الجنيد على عدمها به، وقريب منه عن البيان والدروس بل عن شرح المفاتيح للاستاذ هذا من ضروريات المذهب كحرمة القياس، إلى غير ذلك مما يعلم منه أنه من مسلمات المذهب، وهو حجة قاطعة ولولاها لكان للمناقشة في دلالة الاخبار مجال. بل لا يبعد القول بطهارتها بالدباغ بمقتضى الجمع بينها، فان طائفة منها ظاهرة في حرمة الانتفاع بها مطلقا الظاهرة في نجاستها وعدم طهارتها بالدباغ، كرواية علي بن أبي المغيرة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ، فقال: لا، قلت بلغنا ان رسول الله صلى الله عليه وآله مر بشاة ميتة فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها قال: تلك شاة لسودة بنت زمعة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها أن (اي خ ل) تذكى " (1). وحسنة أبي مريم بطريق الصدوق وموثقته بطريق الشيخ قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: السخلة التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي ميتة فقال: ما ضر أهلها لو انتفعوا باهابها. فقال أبو عبد الله عليه السلام: لم تكن ميتة يا أبا مريم، ولكنها كانت مهزولة فذبحها أهلها فرموا بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان على أهلها لو انتفعوا باهابها " (2).


(1) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب النجاسات - الحديث 2. (2) راجع الوسائل - الباب - 61 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 - والباب 34 من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 52 ]

ورواية الفتح بن يزيد عن ابي الحسن عليه السلام " لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب " (1) وموثقة سماعة قال: " سألته عن جلود السباع أينتفع بها فقال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا " (2) إلى غير ذلك، كرواية قاسم الصيقل قال: " كتبت إلى الرضا عليه السلام: اني اعمل اغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فأصلي فيها، فكتب إلي: اتخذ ثوبا لصلاتك، فكتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: كنت كتبت إلى ابيك بكذا وكذا فصعب علي ذلك، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية، فكتب إلي: كل أعمال البر بالصبر يرحمك الله، فان كنت ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس " (3). وطائفة منها دالة على عدم تذكيتها بالدباغ وعدم جواز الصلاة فيها ولو دبغت، كصحيحة محمد بن مسلم قال: " سألته عن جلد الميتة يلبس في الصلاة إذا دبغ قال: لا وإن دبغ سبعين مرة " (4) ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث عن علي بن الحسين عليهما السلام " كان يبعث إلى العراق، فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة القاه والقى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك، فقال: أن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته " (5).


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 (2) و (3) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 - 1. (4) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب النجاسات - الحديث 3

[ 53 ]

ورواية عبد الرحمان بن الحجاج قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني ادخل سوق المسلمين، أعني: هذا الخلق الذين يدعون الاسلام، فأشترى منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن ابيعها على انها ذكية؟ فقال: لا، ولكن لا بأس ان تبيعها وتقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية، قلت: وما أفسد ذلك قال: استحلال اهل العراق للميتة وزعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله " (1) وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن الماشية تكون لرجل فيموت بعضها، أيصلح له بيع جلودها ودباغها ويلبسها؟ قال: لا، وان لبسها فلا يصلي فيها " (2) ورواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام " انه كتب إلى المأمون: ولا يصلي في جلود الميتة " (3) ورواية فقه الرضا عليه السلام " ولا تصل في جلد الميتة على كل حال " (4). وطائفة منها نص في طهارتها، بل شاهدة للجمع بين الروايات كحسنة الحسين بن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام " في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فأشرب منه وأتوضأ؟ قال: نعم، وقال: يدبغ فينتفع به ولا يصلى فيه " (5) وموثقة سماعة قال: " سألته عن


(1) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب النجاسات - الحديث - 6 (2) الوسائل - الباب 34 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 3. (4) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 5. (5) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7

[ 54 ]

جلد الميتة المملوح وهو الكيمخت فرخص فيه، وقال: إن لم تمسه فهو أفضل " (1). ورواية الفقيه المتقدمة. ورواية دعائم الاسلام انه قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عظم ولا عصب، فلما كان من الغد خرجت معه فإذا نحن بسخلة مطروحة على الطريق، فقال: ما كان على أهل هذه لو انتفعوا باهابها، قال: قلت: يا رسول الله فأين قولك بالامس؟ قال: ينتفع منها بالاهاب الذي لا يلصق " (2) وعن فقه الرضا " وان كان الصوف والوبر والشعر والريش من الميتة وغير الميتة بعد ان يكون مما احل الله اكله فلا بأس به، وكذلك الجلد فان دباغه طهارته " (3) نعم عنه ايضا " ان ذكاة الحيوان ذبحه، وذكاة الجلود الميتة دباغه " إلى غير ذلك. وأنت خبير بأن الجمع العرفي بين الروايات ممكن إما بحمل الروايات الناهية عن الانتفاع بها مطلقا على الكراهة في مورد الاجتماع بقرينة ما هو نص في طهارته، ولقوله: " فرخص فيه، وقال: إن لم تمسه فهو أفضل " فيلتزم بأن جلدها يطهر بالدباغ، لكن لا يصير ذكية فانها عبارة عن صيرورته بحيث يستحل معها جميع الآثار كالصلاة فيها والبيع و الشراء وغيرها. والظاهر من الروايات أن الذي كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله هو أن دباغه ذكاته، وهو الذي أنكره الائمة عليهم السلام على العامة، وأما الطهارة فليست التذكية، بل بعض آثارها، وليست في


(1) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 8 (2) المستدرك - الباب - 25 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 (3) المستدرك - الباب - 24 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6

[ 55 ]

الاخبار ما تدل على نجاسته بعد الدباغ إلا اطلاق النواهي القابل للجمع المذكور بالشواهد التي فيها، نعم في رواية دعائم الاسلام عن النبي صلى الله عليه وآله " الميتة نجس وإن دبغت " (1) لكنها - مع ضعفها وارسالها ومخالفتها لروايته الاخرى المتقدمة - يمكن حملها على القذارة العرفية لكونها من الميتة التي يستقذرها العرف. والانصاف أن هذا الجمع عقلائي، بل لولا تصريح الاصحاب و العلم من الخارج بأن الطهارة بعد الدبغ كانت محل الخلاف بين الفريقين لقلنا بحسب الاخبار أن النزاع بينهم في عصر الائمة عليهم السلام كان في أن دباغه ذكاته لا دباغه طهارته، وقد مر أن الحمل على الكراهة في بعض مدلول النهى لا يلزم منه محذور. أو حمل المطلقات على المقيد، فيحكم بعدم الانتفاع بها إلا بمثل جعله ظرفا للماء وغيره، أو حمل النهي عن الانتفاع بالميتة على الانتفاع قبل الدباغ بقرينة ما نص على أن الجلد يدبغ فينتفع به، لكن لا يصلى فيه ولا يصير مذكى به. هذا كله مع قطع النظر عن فتاوى الاصحاب، وإلا فلا ينبغي الترديد في عدم طهارته بالدباغ، كما أن الظاهر أن محط البحث بينهم هو الطهارة والنجاسة، فان أبا حنيفة رأى الطهارة جميع الجلود بالدباغ إلا جلد الخنزير، وقال داود: يطهر الجميع، وقال الشافعي كل حيوان طاهر حال حياته فجلده إذا مات يطهر بالدباغ، وقال: يطهر الظاهر منه دون الباطن. فلا إشكال في المسألة بل لم تثبت مخالفة الصدوق للطائفة، أما


(1) المستدرك - الباب - 37 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 6.

[ 56 ]

روايته في الفقيه مع الضمان المذكور فللجزم بأن مراده منه ليس الافتاء بكل ما نقل فيه، ضرورة أنه نقل فيه المطلق والمقيد والعام والخاص والمتعارضين، ولا يعقل الفتوى بعموم العام وإطلاق المطلق وبما يقابلهما ولا بالمتعارضين، فالمراد منه حجية الروايات في ذاتها والفتوى بمضمونها بعد الجمع أو الترجيح. بل يظهر من أول مقنعته أيضا أن ما فيه روايات محذوفة الاسناد، فلم يعلم من عبارته المتقدمة فيه فتواه به، بل من البعيد جدا فتوى مثل الصدوق بما يخالف جميع الاصحاب، نعم لا يبعد ذلك من ابن الجنيد كما يظهر من فتاواه. الثاني: قال الشيخ في الخلاف: " إذا مات في الماء القليل ضفدع أو غيره مما لا يؤكل لحمه مما يعيش في الماء لا ينجس الماء، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إذا قلنا إنه لا يؤكل لحمه فانه ينجسه، دليلنا أن الماء على أصل الطهارة والحكم بنجاسته يحتاج إلى دليل، وروي عنهم عليهم السلام قالوا: إذا مات في الماء ما فيه حياته لا ينجسه، وهو يتناول هذا الموضع أيضا ". ورد الاصل باطلاق الادلة والرواية بعدم العثور عليها، وعن المحقق أنه رد الشيخ بأنه لا حجة لهم في قوله عليه السلام في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " (1) لان التحليل مختص بالسموك. أقول: أما قطع الاصل فموقوف على إطلاق الادلة، والقائل بالعموم والاطلاق هاهنا أنكر إطلاق أدلة نجاسة المني، كصاحب الجواهر والشيخ الاعظم وصاحب مصباح الفقيه، مع أن المانع المدعى في المني وهو ندرة اصابته الثوب موجود في المقام، لان الروايات المتقدمة الدالة على نجاسة


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 4.

[ 57 ]

الميتة على طوائف، كلها منصرفة عن الحيوان البحري لو كانت ندرة الابتلاء موجبة له، كما قالوا في المني. أما أخبار البئر فواضح انصرافها، لعدم وقوع الحيوان البحري فيه مطلقا، ولو فرض وقوعه فهو من أشذ الشواذ، وكذا أخبار الجيفة ووقوعها في الغدير والماء النقيع (1) فان الجيفة الواقعة في المياه والغدران هي الجيف المتداولة الموجودة في البر، كالكلب والحمار أو بعض السباع البرية دون الحيوانات البحرية. وكذا ما دل على وقوع بعض الحيوانات في الادام أو السمن أو الزيت وأمثالها (2) وما دل على نجاسة إناء اليهود لاكلهم الميتة، فان الميتة المأكولة ليست مثل الفرس البحري وكلبه، والروايات التي استثنى فيها من الميتة بعض الاعضاء، كالشعر والانفحة واللبن واللباء (3) موردها الحيوانات البرية بلا إشكال. وأما رواية تحف العقول المتقدمة فمع ضعفها سندا تكون في مقام بيان حكم آخر يشكل استفادة الاطلاق منها، وقد مرت المناقشة في رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام " أن الله حرم الميتة من كل شئ ". نعم يمكن التمسك باطلاق الآية الكريمة المتقدمة لو قلنا برجوع الضمير إلى جميع المذكورات، لكنه محل إشكال والترجيح الظني بما


(1) راجع الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق والباب - 43 - من ابواب الاطعمة المحرمة. (2) راجع الوسائل - الباب - 35 - ابواب النجاسات. (3) راجع الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 58 ]

تقدم غير مفيد وبموثقة ابن بكير (1) لو استظهرنا منها أن المراد بالتذكية التطهير كما مر، لكنه محل إشكال بل منع بعد عدم ثبوت كونها بمعناه لغة، والاستعمال فيه في بعض الموارد لو سلم لا يوجب ثبوت الحقيقة ولقوة احتمال أن يكون المراد بالتذكية الواردة في الروايات هي معنى مقابل للميتة، فمعنى ذكاه الذبح أنه جعله مذكى، والمراجع إلى الروايات في الابواب المتفرقة لعله يطمئن بكون المذكى فيها مقابلها لا مطلق ما ذبح فراجع، فيبقى الاصل سليما بناءا على مبناهم من أن ندرة الوجود موجبة للانصراف، بل المقام أولى بدعواه، لما عرفت أن إصابة الثوب بمني الحيوانات ليست نادرة. لكن كما قد عرفت بطلان دعوى الانصراف في المني فكذلك تبطل ولو كان ندرة الابتلاء فيه مسلما، ضرورة أن مثل قوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم: " لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير " (2) ظاهر في أن الحكم لنفس الميتة ومهيتها من غير دخالة خصوصياتها فيه. وكذا قوله عليه السلام في رواية زرارة: " الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد " (3) وكذا غيرها ظاهر في ذلك، فانكار الاطلاق في مثل المقام خلاف فهم العرف، بل ربما يوجب اختلالا في الفقه، فلا إشكال في سقوط الاصل. وأما الرواية التي أشار إليها الشيخ فالظاهر أنها غير ما ذكرها


(1) مرت في الصفحة 25. (2) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 6. (3) مرت في الصفحة 46.

[ 59 ]

المحقق وأجاب عنها، لان الحل ظاهر في حلية اللحم، ولهذا تختص ببعض السموك. وقد يقال: إن نظر الشيخ إلى صحيحة ابن الحجاج قال: " سأل أبا عبد الله عليه السلام رجل وأنا عنده عن جلود الخز، فقال: ليس به بأس، فقال الرجل: جعلت فداك إنها علاجي، وانما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل: لا، قال: ليس به بأس " (1) بدعوى أن ظاهر التعليل نفى البأس من كل ما لا يعيش إلا في الماء، فكأنه فهم من ذلك طهارة ميتته، لعدم معهودية ذبحه وعدم إشعار في الرواية باشتراطه. وفيه أن الشبهة في الخز انما هي من قبل عدم تذكيته وإخراجه من الماء وأخذ الجلد بلا ذبح، ونفي البأس لاجل أن أخذه من الماء ذكاته، وتشهد لذلك رواية ابن أبي يعفور قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من الخزازين، فقال له: جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز؟ فقال: لا بأس بالصلاة فيه، فقال له الرجل جعلت فداك إنه ميت، وهو علاجي وأنا أعرفه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أنا أعرف به منك، فقال له الرجل: إنه علاجي وليس أحد أعرف به مني، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: أتقول إنه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقد الماء مات؟ فقال الرجل: صدقت جعلت فداك هكذا هو، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: فانك تقول: إنه دابة تمشي على أربع وليس هو في حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء، فقال له الرجل:


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 1.

[ 60 ]

إي والله هكذا أقول، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: فان الله تعالى أحله وجعل ذكاته موته، كما أحل الحيتان وجعل ذكاتها موتها " (1). وهي كما ترى ظاهرة في أن الشبهة فيه إنما هي في كونه ميتة لعدم تعارف ذبحه، وليس مثل الحيتان يكون خروجها من الماء ذكاتها، فأجاب بأنه مثلها في ذلك، ولا يبعد أن تكون رواية ابن الحجاج أيضا حكاية عن هذه القضية التي حكاها ابن أبي يعفور، فترك ابن الحجاج ما لا دخالة له في الحكم، ونقل بالمعنى ما هو دخيل فيه، ولو كانت الواقعة قضيتين فلا ريب في أن الشبهة ما ذكرناه، فتكون الرواية أجنبية عما نحن بصدده، ولا أظن أن الشيخ كان متمسكه هذه الصحيحة أو الذي ذكره المحقق، بل الظاهر عثوره على رواية بالمضمون المحكي. وأما الآدمي منها فهل هي نجسة أم لا؟ وعلى الاول هل هي نجسة عينا أو حكما؟ وعلى التقديرين هل تكون نجاستها على حذو سائر النجاسات في السراية فلا تسري إلا بالملاقاة معها رطبا بنحو يتأثر منه الملاقي أم تسري مع اليبس أيضا؟ وعلى التقادير هل يكون حال ملاقي ملاقيها كسائر النجاسات أم لا؟ ربما يتشبث القائل بعدم النجاسة العينية بوجه عقلي، وهو أن عين النجاسة لا يعقل رفعها وزوالها بالاغتسال مع أن الميت بعد الغسل طاهر بلا إشكال. وفيه أن ذلك موجه لو كانت أعيان النجاسات أمورا تكوينية ويكون الميت كالمني والعذرة قذرا ذاتا، ويكون منشأ نجاسته شرعا قذارته الذاتية، لكن قد عرفت أن القذارات الشرعية مختلفة، فمنها ما هي مستقذرة عرفا كالاخبثين. ومنها ما ليست كذلك كالكافر والخمر فان القذارة فيهما مجعولة لجهات أخر غير القذارة العرفية والذاتية،


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 4.

[ 61 ]

ولا مانع من أن تكون نجاسة الميت كذلك، أي مجعولة لجهة مرفوعة بالغسل. ولو قيل: إن الميت ولو كان آدميا مستقذر عرفا، وكان الناس تستقذره وتتجنب منه، ولعله منشأ الحكم بنجاسته، لقلنا: هذا لو صح يوجب بقاء نجاسته حتى بعد الغسل، فلا بد أن يقال بعدم طهارته بالغسل، لا عدم نجاسته بالموت، ضرورة أن التجنب الاحتراز والاستقذار باق بعد الغسل أيضا، والتحقيق أن النجاسة في مثله مجعولة كرافعها، فلا إشكال عقلي في المقام. وظني أن الاشكالات في خصوص ميتة الآدمي نشأت غالبا من توهم دلالة الروايات على وجوب غسل ملاقيها ولو مع اليبس، فظن أن الميتة ليست كسائر النجاسات المتداولة، فمنهم من التزم بعدم النجاسة ومنهم من التزم بالنجاسة الحكمية، وهو أيضا يرجع إلى الالتزام بعدم النجاسة، فانه لا معنى للنجاسة الحكمية إلا لزوم ترتب آثارها تعبدا على ما ليس بنجس. وإن قيل إن المراد بالنجاسة الحكمية هي الجعلية مقابل العرفية والذاتية، قلنا: إن لازمه الالتزام بالنجاسة الحكمية في الكافر والخمر بل الكلب أيضا مع عدم التزامهم بها في سائر النجاسات، فأساس الالتزام بالنجاسة الحكمية وكذا الالتزام بعدم سرايتها إلى ما يلاقيها - فلا ينجس ملاقي ملاقيها - لا يبعد أن يكون البناء على لزوم غسل الملاقي ولو مع اليبوسة، فيقال: إنها لو كان نجسة كسائر النجاسات لكانت نجاسة ملاقيها للسراية كما في سائر أنواعها، وهي لا تتحقق إلا مع الرطوبة، وهذه لازم عرفي للنجاسات، ومع فقده يكشف إما من عدم النجاسة رأسا ولزوم غسل ملاقيه تعبدا لا لتنجسه كلزوم غسل

[ 62 ]

المس، أو من النجاسات الحكمية التي ترجع إلى عدم النجاسة. فالاولى عطف الكلام إلى ذلك، فنقول: لولا الاجماعات المنقولة المتكررة في كلام الاصحاب على عدم الفرق بين الآدمي وغيره، كمحكي ظاهر الطبريات وصريح الغنية والمعتبر والمنتهى ونهاية الاحكام والتذكرة والذكرى وكشف الالتباس والروض والدلائل والذخيرة وشرح الفاضل بل ومحكي الخلاف لامكن المناقشة في نجاستها لو خلينا والروايات. بل يمكن المناقشة في الاجماع أيضا، بدعوى تخلل الاجتهاد والجزم بعدم شئ عندهم إلا تلك الروايات التي باب الاجتهاد فيها واسع ولهذا اختلف الآراء في أصل النجاسة، فان القول بالنجاسة الحكمية، وعدم السراية إلى ما يلاقيها يرجع إلى عدم النجاسة كما مر. بل لازم محكي كلام الحلي دعوى عدم الخلاف في عدم النجاسة العينية، قال فيما حكي عنه في مقام الاستدلال على عدم السراية مع الرطوبة أيضا: " لان هذه النجاسات حكميات وليست عينيات ولا خلاف بين الامة كافة أن المساجد يجب أن يجتنب النجاسات العينية، وأجمعنا بغير خلاف على أن من غسل ميتا له أن يدخل المسجد ويجلس فيه، فلو كان نجس العين لما جاز ذلك، ولان الماء المستعمل في الطهارة الكبرى طاهر بغير خلاف. ومن جملة الاغسال غسل من مس ميتا، ولو كان ما لاقى الميت نجسا لما كان الماء الذي يغتسل به طاهرا " انتهى فكأنه ادعى الاجماع بالملازمة على المسألة، فلو كانت إجماعية بنفسها لا يتأتي له ذلك. وليس المقصود في المقام تصحيح كلامه وصحة دعوى إجماعه حتى يقال: إن للمناقشة فيه مجالا واسعا، بل المقصود هدم بناء إجماعية المسألة، وفتح باب احتمال اجتهاديتها.

[ 63 ]

وأما الروايات فما يمكن الاستدلال عليها للنجاسة كثيرة: منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال: يغسل ما أصاب الثوب " (1) ورواية ابراهيم بن ميمون قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، وإن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه، يعني إذا برد الميت " (2). وفيهما احتمالان: أحدهما قراءة الثوب بالفتح على أن يكون مفعول أصاب، فيكون المعنى: إغسل ما وصل إلى ثوبك من الميت والمراد غسل الثوب مما أصابه منه وعلى هذا الاحتمال تكون الروايتان ظاهرتين في لزوم غسل الملاقي لاجل السراية، ويكون المتفاهم منه عرفا بل عند المتشرعة نجاستها عينا كسائر النجاسات. ثانيهما قراءته بالضم على أن يكون فاعله، ويكون الموصول كناية عن موضع الاصابة، ويرجع الضمير المجرور إلى الميت مع حذف العائد، فيكون المعنى إغسل موضع إصابة الثوب من الميت، نظير صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: " وسألته عن الرجل يعرق في الثوب ولم يعلم أن فيه جنابة، كيف يصنع؟ هل يصلح أن يصلي قبل أن يغسل؟ قال: إذا علم أنه إذا عرق فيه أصاب جسده من تلك الجنابة التي في الثوب فليغسل ما أصاب من ذلك " الخ (3). والمظنون وإن كان الاحتمال الاول، لكنه ظن خارجي غير حجة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب النجاسات الحديث 2 - 1. (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب النجاسات - الحديث 10.

[ 64 ]

ولا يوجب الظهور، نعم لو كان الاحتمال الثاني غلطا أدبا، كما قد يدعى لتعين الاول، لكنه غير متضح. إن قلت لا فرق بين الاحتمالين في فهم نجاسة الميت بعد كون الارتكاز على أن الغسل انما هو بالسراية والرطوبة، ومعه تدلان على نجاسته عينا كباقي النجاسات. قلت: ما هو المرتكز عند العرف أو المتشرعة أن ملاقي النجس لا ينجس إلا مع السراية والرطوبة السارية، وأما ارتكازية أن الامر بغسل ملاقي كل شئ للسراية فغير معلومة، فان علم أن الكلب نجس وقيل: إغسل ثوبك إذا أصاب الكلب، يفهم منه أن الغسل لدى السراية كسائر النجاسات، وأما لو احتمل عدم نجاسة شئ ولزوم تطهير ملاقيه تعبدا، فلم يثبت ارتكاز بعدم لزوم الغسل إلا بالسراية. ومنها رواية الاحتجاج قال: " مما خرج عن صاحب الزمان عليه السلام: إلى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري حيث كتب إليه روي لنا عن العالم عليه السلام أنه سئل عن إمام قوم يصلي بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة، كيف يعمل من خلفه؟ فقال: يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم، ويغتسل من مسه، التوقيع: ليس على من مسه إلا غسل اليد " الخ (1). وعنه عليه السلام قال: " وكتب إليه عليه السلام وروى عن العالم عليه السلام أن من مس ميتا بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد برد فعليه الغسل، وهذا الميت في هذه الحال لا يكون إلا بحرارته، فالعمل في ذلك على ما هو؟ ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه، فكيف يجب عليه الغسل؟ التوقيع: إذا مسه في هذه الحال لم يكن عليه


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب غسل المس - الحديث 4.

[ 65 ]

إلا غسل يده " (1). ويمكن أن يقال: إن ظاهرهما أن المس بلا رطوبة موجب لغسل اليد ولا أقل من الاطلاق، إلا أن يقال: إنهما بصدد بيان حكم المستثنى منه لا المستثنى فلا إطلاق فيهما، وفيه تأمل لقوة إطلاقهما بالنسبة إلى حال اليبوسة، بل القدر المتيقن منهما ذلك. خصوصا مع أن الظاهر منهما أن الموضوع في غسل اليد وغسل المس واحد، فيشكل ظهورهما في النجاسة، لما عرفت من أن لزوم الغسل لاجل النجاسة ملازم للسراية وعدم سرايتها من اليابس ارتكازي عقلائي. ومنها رواية الحسن بن عبيد قال: " كتبت إلى الصادق عليه السلام هل اغتسل أمير المؤمنين عليه السلام حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله عند موته؟ فأجابه: النبي طاهر مطهر، ولكن فعل أمير المؤمنين عليه السلام، وجرت به السنة " (2) بدعوى ظهورها في اختصاص الطاهرية والمطهرية بالنبي صلى الله عليه وآله، ويلحق به سائر المعصومين عليهم السلام بمقتضى المذهب، وأما غيرهم فمسلوب عنه هذه الخاصية، لكن في دلالتها بعد ضعف سندها إشكال، لقوة احتمال أن يكون المراد الطهارة من الحدث الحاصل للميت، سيما مع ما ورد من أن علة غسل الميت هي الجنابة الحاصلة له بواسطة خروج النطفة التي خلق منها، والنبي صلى الله عليه وآله لا تصيبه الجنابة بغير اختياره، بل هي المناسبة للسؤال لا النجاسة العينية. وكيف كان يشكل فهم النجاسة منها، ومنه يعرف عدم دلالة رواية محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام، قال: " وعلة اغتسال من غسل


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب غسل المس - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 7.

[ 66 ]

الميت أو مسه، الطهارة لما أصابه من نضح الميت لان الميت إذا خرج منه الروح بقى أكثر آفته، فلذلك يتطهر منه ويطهر " (1) لان الظاهر منها ولو بقرينة الصدر التطهير منه من حدث المس وتطهره من حدث الموت أو الجنابة العارضة له بالموت. ومنها رواية زرارة " قلت لابي عبد الله عليه السلام: بئر قطرت فيه قطرة دم أو خمر، قال: الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد ينزح منه عشرون دلوا، فان غلب الريح نزحت حتى تطيب " (2) بدعوى إطلاق الميت وشموله للانسان، ولا ينافيها ما سيأتي من نزح سبعين للانسان، لان ذلك لاجل اختلاف الحدود في النزح، لكونه مستحبا، كما يختلف في سائر المنزوحات أيضا فراجع. لكن في إطلاقها مضافا إلى ضعفها تأمل، لاحتمال أن يكون الميت الحيوان الذي لم يذك مع كون الرواية بصدد بيان حكم آخر، نعم لو كان بتضعيف الياء يكون ظاهرا في الانسان لكنه غير ثابت، بل بعيد. ومنها موثقة عمار الساباطى قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر، فقال: ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا، وما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره الانسان ينزح منها سبعون دلوا، وأقله العصفور ينزح منها دلو واحد، وما سوى ذلك فيما بين هذين " (3) بدعوى أن المراد


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس الحديث 12 وفيه " من فضح الميت ". (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب 21 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 2 وفيه: " فأكثره الانسان " والظاهر انه الصحيح، لما قابله في ذيلها بلفظة: " وأقله العصفور ".

[ 67 ]

من أكبرية الانسان ليس أكبرية جسمه وهو معلوم، ولا أكبرية شأنه فانها لا تناسب أكثرية النزح، بل أنجسيته وأقذريته من سائر الميتات. ويمكن الخدشة في دلالتها على النجاسة لاستحباب النزح، وبعد كون المراد أن الانسان أنجس من الكلب والخنزير جدا، ولذلك تضعف دلالتها على النجاسة. بل لا يبعد أن يكون أكثرية النزح حكما تعبديا غير ناش من نجاسته، وإلا فكيف يمكن أن يقال: إن المؤمن الذي له تلك المنزلة الرفيعة عند الله تعالى حيا وميتا انه أنجس من سائر الميتات، تأمل (1). ثم لو سلمت دلالة هذه الروايات على النجاسة لكن في مقابلها طوائف من الروايات الدالة أو المشعرة بالطهارة، منها ما وردت في علة غسل الميت كرواية الفضل بن شاذان التي لا يبعد أن تكون حسنة عن الرضا عليه السلام قال: " إنما أمر بغسل الميت لانه إذا مات كان الغالب عليه النجاسة والآفة والاذى، فأحب أن يكون طاهرا إذا باشر أهل الطهارة من الملائكة الذين يلونه ويماسونه، فيما سهم نظيفا موجها به إلى الله عزوجل " (2). ورواية محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام " كتب إليه في جواب مسائله علة غسل الميت أنه يغسل ليتطهر وينظف عن أدناس أمراضه،


(1) اشارة إلى انه استبعاد محض، ولا يصح رفع اليد به عن الدليل المعتبر من النص والاجماع، مع ان شرف المؤمن بروحه وقلبه لا بجسده، ولزوم احترام المؤمن حيا وميتا لشرف ايمانه وهو حظ روحه، ولا يلزم منه عدم نجاسة بدنه بعد خروج روحه، وسيشير الاستاذ دام ظله إلى هذا الوجه قريبا. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل الميت - الحديث 4.

[ 68 ]

وما أصابه من صنوف علله " الخ (1). فان الظاهر منهما أن علة غسله رفع القذارات العرضية، ولو كان الميت نجسا عينا - مع قطع النظر عنها والغسل مطهره - كان الاولى أو المتعين التعليل به لا بأمر عرضي. واحتمال أن يكون المراد من قوله (ع) في الثانية: " ليتطهر وينظف " التطهير من النجاسة الذاتية والنظافة من العرضية خلاف الظاهر جدا فتدلان على عدم نجاسته عينا وذاتا، ولا ينافي دلالتها على المقصود كون العلة في أمثالها نكتة للتشريع لا علة حقيقة. ومنها ما دلت على أن غسل الميت لاجل الجنابة الحاصلة له كرواية الديلمي عن أبيه عن ابي عبد الله عليه السلام قال في حديث: " إن رجلا سأل أبا جعفر عليه السلام عن الميت لم يغسل غسل الجنابة قال: إذا خرجت الروح من البدن خرجت النطفة التي خلق منها بعينها منه، كائنا ما كان صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى، فلذلك يغسل غسل الجنابة " (2) وبهذا المضمون روايات أخر، فلو كان الميت نجسا عينا ويطهر بالغسل كان الانسب تعليله به لا بالامر العارضي، إلا أن يقال: إن غسل الميت ليس لتطهير بدنه وإن رتب عليه، وهو كما ترى. ومنها الروايات الكثيرة الواردة في غسل الميت (3) وموردها الغسل بالماء القليل ولم يتعرض فيها على نجاسة الملاقيات، وكذا ما ورد في تجهيزه من حال خروج الروح إلى ما بعد الغسل (4) من غير تعرض


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل الميت - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب غسل الميت - الحديث 2. (3) المروية في الوسائل - الباب - 2 - من أبواب غسل الميت. (4) المروية في الوسائل - الباب 35 - 40 - 44 - 46 - 47 - =

[ 69 ]

لتطهير ما يلاقيه، وهي وإن كانت في مقام بيان أحكام أخر، لكن كان اللازم التنبيه لهذا الامر الكثير الابتلاء المغفول عنه لدى العامة. والالتزام بصيرورة يد الغاسل وآلات الغسل المتعارفة طاهرة بالتبع وإن أمكن إلا أنه مع اختصاصه بحال الغسل دون الملاقيات قبله من حال نزع الروح إلى حال الغسل مسلم بعد تسلم نجاسته، وأما مع عدم تسلمها فهذه الطائفة من أقوى الشواهد على الطهارة، فان التطهير بالتبعية أمر بعيد عن الاذهان، مخالف للقواعد لا يصار إليه إلا مع الالجاء. ومنها ما دلت على رجحان توضي الميت قبل الغسل (1) مع أن شرطه طهارة الاعضاء، وإن أمكن المناقشة فيه، لكن يؤيد القول بالطهارة بل يمكن الاستشهاد أو الاستدلال على الطهارة بمكاتبة الصفار الصحيحة قال: " كتبت إليه: رجل أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل، هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقع عليه السلام: إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (2) فان الظاهر أن الغسل بالضم لا بالفتح، لان في صورة الفتح كان المناسب أن يقول " غسلها " أو " غسل يدك " كما ترى في سائر الموارد من الاشباه والنظائر مع أن فرض السائل ملاقاة يده ثوب الميت، فتغيير الجواب يؤيد أن يكون المراد أنه ليس في إصابة الثوب شئ، بل يجب الغسل في إصابة الجسد، فتدل على أنه ليس في


= من ابواب الاحتضار - والباب 2 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - من ابواب غسل الميت. (1) المروية في الوسائل - الباب - 6 - من أبواب غسل الميت. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 5.

[ 70 ]

إصابة الثوب شئ، ولا في ملاقاة جسده إلا الغسل لا غسل اليد، تأمل. بل عدم النجاسة واستحباب غسل ملاقيه مقتضى الجمع بين صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس " (1) وبين مكاتبة الحميري المتقدمة " إذا مسه في هذه الحال (اي حال الحرارة) لم يكن عليه إلا غسل يده " (2) فان في الصحيحة نفي البأس عن مسه في حال الحرارة، وفي التوقيع جعل عليه في حالها غسل اليد، إلا أن يقال بامكان حمل المطلق على المقيد إلى غير ذلك من الشواهد والمؤيدات، كبعد نجاسة بدن المؤمن عينا كالكلب والخنزير، مع ما يعلم من منزلته عند الله تعالى، وعدم معروفية نجاسته لدى عامة المكلفين، مع أنه لو كان نجسا لكان ينبغي اشتهارها بين الناس كسائر النجاسات، لابتلائهم بملاقاته من لدن خروج روح إلى آخر تجهيزه. لكن مع ذلك الاقوى نجاسته كسائر النجاسات، لصحيحة الحلبي ورواية ابن ميمون وموثقة عمار والتوقيعين المباركين وغيرها (3) خصوصا مع عدم إفادة النجاسة في سائر النجاسات إلا بغسل الملاقيات وقلما اتفق فيها التصريح بها كالكلب والخنزير، وغالب الروايات فيهما ايضا يفيدها بالامر بغسل الملاقي أو النهي عن شرب ملاقيهما، سيما مع فهم الاصحاب قاطبة من تلك الروايات وسائر الروايات التي من قبيلها النجاسة، وهم أهل اللسان، وفهم أساليب الكلام، وأهل الحل والعقد في اللغة والادب، بل كثيرا ما في العرف أفيدت القذارة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب غسل المس الحديث 1 - 5. (3) مرت في صفحة 63 و 64 و 66

[ 71 ]

بغسل الملاقي، فإذا قال الطبيب: اغسل فمك إذا شربت الدواء الفلاني لا ينقدح في الذهن إلا نجاستها وقذارتها، تأمل. فالشبهة في دلالة تلك الروايات من الوسوسة، وكابداء احتمالات عقلية في مقابل الظهور العرفي والدلالة الواضحة، ومعه لا يبقى مجال لما أطنبنا من سرد طوائف من الروايات في مقابلها، فان الروايات الواردة في العلل بعد الغض عن أسنادها لا تصلح لصرف الظواهر بعد وضوح أن العلل فيها من قبيل تقريبات لا علل واقعية، ولهذا ترى فيها التعليل لشئ واحد بأمور مختلفة، ففي المقام علل اغتسال الميت تارة بتنظيفه وتطهيره عن أدناس الامراض، وما أصابه من صنوف علله، فجعل ما ذكر علة، وأخرى بأن الغالب عليه النجاسة والآفة، فجعل النجاسة العارضة علة، مع أن آفة المرض أسبق من النجاسة العارضة في حال المرض، وثالثة بخروج المني الذي خلق منه حين الموت، مع أنه متأخر عنهما، مضافا إلى أن الروايات الواردة في علة اغتسال الميت غسل الجنابة ضعاف غالبا مجهولة المراد، بل موهونة المتن لا يمكن الاتكال عليها في اثبات حكم شرعي. وأما السكوت عن غسل يد الغاسل وآلات الغسل وما يلاقيه عنده عادة فمع كونه غير مقاوم للادلة اللفظية الدالة على النجاسة، ومع كون ما وردت في الغسل في مقام بيان حكم آخر أنه بعد ثبوت النجاسة نصا وفتوى لا بد من الالتزام بطهارتها تبعا كآلات نزح البئر، وأما دعوى السكوت عن غسل ملاقيه من حال الموت إلى حال الغسل فغير وجيهة بعد ما وردت الروايات المتقدمة في غسل الثوب واليد الملاقيين لجسد الميت.

[ 72 ]

وأما التأييد باستحباب توضيه فلا يخفى ما فيه، وأما مكاتبة الصفار (1) وإن كان المظنون ضم الغسل فيها لكن دعوى الظهور اللفظي في غير محلها، بل هو ظن خارجي حاصل من بعض الاعتبارات، وهو غير حجة، مع إمكان أن يقال: إنه من البعيد أن يترك جواب السؤال عن نجاسة الميت، وأجاب عن غسل المس، فالانسب قراءته بالفتح، وإنما ذكر ملاقي البدن لافادة أن ملاقاة الثوب الذي يلي البدن لا يوجب التنجس، وإنما الموجب له ملاقاة بدنه، مع أن الظاهر منها أن النجاسة كانت مفروغا عنها، وإنما سأل بعد الفراغ عنها عن أمر آخر، فهذا الاحتمال إن لم يكن أقوى فلا أقل من مساواته للاحتمال السابق، فلا تدل الرواية على شئ من طرفي الدعوى. وأما دعوى أن عدم النجاسة مقتضى الجمع بين صحيحة ابن مسلم والتوقيع الشريف فلا يخفى ما فيه، وسيأتي التعرض للصحيحة والاحتمالات التي فيها. وأما الاستبعاد من نجاسة بدن المؤمن فلا يوجب رفع اليد به عن الدليل المعتبر من النص والاجماع، مع أن شرفه بروحه وقلبه لا بجسده، ولزوم احترامه حيا وميتا لشرف ايمانه، وهو حظ روحه، ولا يلزم منه عدم نجاسة بدنه بعد خروج روحه، وكيف كان لا يمكن ترك الادلة بمجرد الاستبعاد والاعتبار، وأما دعوى أنه لو كان نجسا لاشتهر وصار واضحا ففي غير محلها، لان الابتلاء بملاقاة جسد الميت مع رطوبته نادر حتى بالنسبة إلى أقربائه، وليس أمره بحيث يدعى فيه لزوم الاشتهار. فالاقوى ما عليه الاصحاب من نجاسته عينا كسائر النجاسات،


(1) مرت في صفحة 69.

[ 73 ]

فينجس ملاقيه مع الرطوبة كما هو المرتكز عند العقلاء بل المتشرعة في سائر النجاسات، فدعوى عدم نجاسة ملاقيه مع نجاسته كدعوى نجاسة ملاقيه أو لزوم غسله حتى مع ملاقاته يابسا ضعيفة مخالفة للادلة وفهم العرف. وأما دعوى الحلى عدم السراية مع الرطوبة أيضا لما تقدم منه من دعوى عدم الخلاف في وجوب تجنب النجاسات العينية عن المساجد ودعوى الاجماع على جواز دخول من غسل ميتا المساجد، فاستنتج منهما عدم نجاسته، ففيها ما لا يخفى، أما أولا فلان الاجماع لو كان إنما هو في أعيان النجاسات لا في ملاقياتها، مع أنه في الاعيان أيضا محل منع، مع عدم السراية أو الاهانة، كما أن الدعوى الثانية أيضا محل إشكال، وأما ثانيا فلانه لو سلم الاجماعان فلا يلزم منهما عدم النجاسة، بل يمكن أن يقال بحصول الطهارة له تبعا، بل المتعين ذلك بعد الاجماعين المفروضين وقيام الدليل على نجاسته، وأما حال الملاقي مع الواسطة أو الوسائط فستأتي في محله بعد عدم خصوصية لهذه النجاسة وهل ينجس بمجرد الموت كما عليه جمع من المحققين، أو بعد البرد كما عليه جمع آخر؟ الاقوى هو الاول، لاطلاق صحيحة الحلبي ورواية ابن ميمون، فان الظاهر أن التفسير فيها ليس من المعصوم، وتفسير غيره لا يوجب رفع اليد عن إطلاقها وإطلاق غير الروايتين مما مر وليس في الباب ما يصلح لتقييدها، لان العمدة فيه صحيحة محمد ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس به بأس " (1) ورواها في الفقيه مرسلا، وهي مضافا إلى اختلاف النسخ في نقلها - قال الكاشاني في ذيلها:


(1) مرت في ص 70.

[ 74 ]

" ربما يوجد في بعض النسخ " بعد موته " وهو تصحيف " انتهى. قوله: " وهو تصحيف " اجتهاد منه سيأتي الكلام فيه، ولا يدفع به اختلاف النسخ المحكية وجدانا، وفي نسخة الوسائل وبعض نسخ الفقيه: " بها " بدل " به " وفى النسخة المطبوعة من الفقيه أخيرا وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: " من مس الميت بعد موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس " وجعل علامة بدل النسخة " عند موته وعند غسله " والموصول في أولها وإن كان من زيادة النساخ جزما كما هو ظاهر، لكن يظهر منها أن النسخة التي عند المصحح كان فيها " بعد موته وبعد غسله " بنحو جعل ذلك الاصل في الكتاب وجعل " عند موته وعند غسله " بدلا - لا تصلح لذلك. أما أولا، فلان الظاهر من قوله عليه السلام: " عند موته " - مع قطع النظر عن القرائن كنظائره مثل عند غروب الشمس - هو قبيل الموت ولا يطلق على ما بعده، فلا يقال عند طلوع الفجر لما بعده، كما أن الظاهر من قوله عليه السلام: " مس الميت " مع عدم القرينة هو الميت فعلا، لا من أشرف على الموت، فعند اجتماعهما في كلام واحد مثل ما في الصحيحة يحتمل أن يكون كل منهما صارفا للآخر على سبيل منع الجمع، ويحتمل عروض الاجمال عليهما، ولا ترجيح لحفظ ظهور الميت وجعله قرينة على أن المراد من عنده بعده لو لم يكن الترجيح مع عكسه ويحتمل بعيدا أن يكون المراد من عنده كونه مقارنا له لافادة أن المسح المقارن للموت لا يوجب شيئا، بمعنى أنه إذا وقع المس وزهاق الروح في آن واحد لا يوجب شيئا، كما قيل في حدوث الكرية وملاقاة النجاسة معا إن كلا من أدلة الاعتصام والانفعال قاصر عن شموله، لان الظاهر منهما أن يكون الملاقاة بعد تحقق الكرية أو القلة

[ 75 ]

فيقال في المقام: إن مس الميت يوجب الغسل أو التنجس، ومع مقارنته للموت لا يصدق مس الميت، لان الظاهر منه أن يقع عليه ويكون حلول الموت مقدما على المس. وأما ثانيا فلان رفع اليد عن إطلاقها وصرفها إلى عدم البأس نفسا أو عدم إيجاب الغسل أو هما معا أهون من تقييد الروايات المتقدمة، سيما رواية ابن ميمون، وذلك لان الغالب في الاسئلة والاجوبة البحث عن إيجاب الغسل، وكأنه هو مورد الشبهة نوعا أو هو مع حزازته النفسية، كما يظهر من رواية تقبيل أبي عبد الله عليه السلام ابنه اسماعيل (1) وغيرها، وذلك يوجب وهن إطلاقها وأوهنية صرفها من الروايات المتقدمة، ولقوة ظهور الشرطين في رواية ابن ميمون في أن الغسل علة لرفع النجاسة والموت لعروضها، فهي أظهر في مفادها من الصحيحة. هذا بناءا على النسخة المعروفة، وأما بناءا على النسخة الاخرى أي " بعد الموت وبعد الغسل " فالامر اوضح، لان المراد منه حينئذ عدم البأس النفسي، إن كان المراد نفي البأس عن مسه بعد الموت مستقلا ونفيه عما بعده كذلك، وأما احتمال معاملة الاطلاق والتقييد بمعنى تقييد إطلاق الصحيحة بما دل على ايجاب الغسل بالضم والفتح بعد البرد ففي غاية البعد، بل مقطوع الفساد وموجب لحملها على النادر وان كان المراد نفي البأس عن مسه بعد الموت والغسل معا باحتمال بعيد فتشعر أو تدل على النجاسة بمجرد الموت، وأما قول الكاشاني بأنه تصحيف فلم يتضح وجهه ان كان مراده اختلال في المعنى.


(1) المروية في الوسائل - الباب - 5 و 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 2.

[ 76 ]

نعم لا يبعد أن يكون حكمه به لاجل أن النسخ المشهورة مخالفها وهو غير بعيد، كما أن النسخة المطبوعة أخيرا مصحفة من جهات، وكيف كان لا يمكن رفع اليد عن إطلاق الادلة بمثل هذه الصحيحة. ومنه يظهر الكلام في صحيحة اسماعيل بن جابر قال: " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام حين مات ابنه اسماعيل الاكبر فجعل يقبله وهو ميت، فقلت: جعلت فداك أليس لا ينبغي أن يمس الميت بعد ما يموت ومن مسه فعليه الغسل؟ فقال: أما بحرارته فلا بأس، انما ذلك إذا برد " (1) فان الظاهر من نفي البأس هو نفي إيجاب الغسل أو مع حزازته النفسية كما لا يخفى. هذا كله مع قطع النظر عن روايتي الاحتجاج (2) وإلا فالامر أوضح، وإن كان في سندهما كلام. وأما سائر تشبثات الخصم كالتمسك بالاصل موضوعا للشك في الموت قبل البرد أو حكما، كالجزم بعدم رفع جميع آثار الحياة كما قال به صاحب الحدائق، وكدعوى ملازمة الغسل بالفتح والضم مع أن مضمومه لا يكون إلا عند البرد وكذا مفتوحة ففيها ما لا يخفى. وإن استشهد للثالث بمكاتبة الحسن بن عبيد قال: " كتبت إلى الصادق عليه السلام هل أغتسل أمير المؤمنين عليه السلام حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله عند موته؟ فأجابه: النبي طاهر مطهر، ولكن فعل أمير المؤمنين، وجرت به السنة " (3) ونحوها مكاتبة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب غسل المس - الحديث 2. (2) مرتا في ص 64. (3) مرت في ص 65.

[ 77 ]

القاسم الصيقل (1). ويمكن الاستشهاد له برواية محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام قال: " وعلة اغتسال من غسل الميت أو مسه الطهارة لما أصابه من نضح الميت، لان الميت إذا خرج منه الروح بقى أكثر آفته. فلذلك يتطهر منه ويطهر " (2). لكن المكاتبة مع ضعفها ظاهرة في الطهارة من حدث الجنابة التي تعرض على الميت، فان المعصوم عليه السلام لا تصيبه الجنابة الغير الاختيارية، تأمل. أو في الطهارة من حدث الموت الموجب للغسل وللاغتسال من مسه أو منهما ومن النجاسة العينية بحيث يكون المجموع علة للاغتسال من مسه، ومع الحرارة لا يوجبه. لفقد جزء منها، فلا تدل على الملازمة المدعاة. والثانية مع ضعفها سندا ووهنها متنا باشتمالها على أن غسل المس للتطهير من إصابة نضح الميت ورشحه اللازم منه عدم الغسل إذا مسه بلا نضح ورشح، وهو كما ترى، تأمل. ثم أن الظاهر من قوله عليه السلام: " يتطهر منه ويطهر " يغتسل من مسه ويغسل بمناسبة صدرها، فالقول بالملازمة مما لا دليل عليه. بل يمكن الاستشهاد بعدم الملازمة بمرسلة أيوب بن نوح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسه الانسان فكل ما فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل، فان لم يكن


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب غسل المس - الحديث 12 وفيه " من فضح الميت ".

[ 78 ]

فيه عظم فلا غسل عليه " (1) بناءا على جبر سندها بالشهرة كما سيأتي الكلام فيه انشاء الله في محله، فان القطعة المبانة من الحي نجس سواء اشتملت على العظم أو لا كما يأتي، ولا يوجب مسها الغسل إلا إذا اشتملت على العظم، كما قد يوجب الغسل مس ما ليس بنجس، مثل ما لا تحله الحياة. وأما الميتة من غير ذي النفس فلا ينبغي الاشكال في طهارتها نصا وفتوى إلا في العقرب والوزغ والعظاية - وهي نوع من الوزغة ظاهرا - فانه يظهر من بعضهم نجاسة ميتتها، كالشيخين في محكي المقنعة والنهاية بل عن الوسيلة أن الوزغة كالكلب نجسة حال الحياة. والاقوى ما هو المشهور، بل عليه الاجماع في محكي الخلاف والغنية والسرائر والمعتبر والمنتهى، لقول الصادق عليه السلام في موثقة عمار الساباطي قال: " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه، قال: كل ما ليس له دم فلا بأس " (2) وموثقة حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (3) ولا إشكال فيهما سندا سيما أولاهما، ولا دلالة، ضرورة أن المراد من نفي البأس وعدم الافساد هو عدم التنجيس، كما هو المراد منهما في سائر الموارد المشابهة للمقام، وقد تقدم جملة أخرى من الروايات الدالة على المقصود. وليس شئ صالح لتخصيص العام أو تقييد المطلق إلا موثقة


(1) الوسائل - الباب - 2 - أبواب غسل المس - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب النجاسات الحديث 1 - 2.

[ 79 ]

سماعة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن جرة دخل فيها خنفساء قد مات، قال: ألقه وتوضأ منه، وإن كان عقربا فأرق الماء وتوضأ من ماء غيره " (1) ونحوها رواية أبي بصير (2). ويمكن المناقشة في دلالتها على النجاسة، لان العقرب لما كان من ذوي السموم يمكن أن يكون الامر بالاراقة لاجل سمه، واحتمال دخوله في منافذ البدن عند التوضي، فلا ظهور لمثله في أن الاراقة لنجاسته. نعم يمكن التمسك لنجاسة ميتته برواية منهال قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: العقرب يخرج من البئر ميتة، قال: استق منها عشرة دلاء، قال: قلت: فغيرها من الجيف، قال: الجيف كلها سواء " الخ (3) بدعوى أن الحكم بالنزح لجيفة العقرب كما في سائر الجيف والتسوية بين الجيف كلها دليل على أن النزح لاجل ميتته وجيفته فتدل على النجاسة كما في سائر الجيف. وهي غير بعيدة لولا ضعف سندها ومعارضتها بدوا لرواية علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهما السلام " عن العقرب والخنفساء وأشباههما يموت في الجرة والدن يتوضأ منه للصلاة؟


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب النجاسات - الحديث 4 وفيه " عن جرة وجد فيها ". (2) عنه عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضأ به؟ قال: نعم لا بأس به، قلت: فالعقرب، قال: أرقه " راجع الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاسئار الحديث 5. (3) راجع الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 7

[ 80 ]

قال: لا بأس " (1) وصحيحة ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " كل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس " (2). والجمع العرفي يقتضي عدم نجاسته وإن رجح الاستقاء عشرة دلاء للنظافة أو احتمال الضرر. وإلا ما دلت على النزح من الوزغة كحسنة هارون بن حمزة الغنوي أو صحيحته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الفارة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه ويتوضأ منه غير الوزغ، فانه لا ينتفع بما يقع فيه " (3) بدعوى دلالتها على نجاسته العينية، فميتته نجسة أيضا. ورواية يعقوب بن عثيم قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: سام أبرص وجدته قد تفسخ في البئر قال: انما عليك أن تنزح منها سبع دلاء " (4) والظاهر أنه أيضا نوع من الوزغة. وصحيحة معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفارة والوزغة تقع في البئر، قال: ينزح منها ثلاث دلاء " (5) لكنها محمولة على الاستحباب بقرينة غيرها، كرواية جابر بن يزيد الجعفي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب النجاسات الحديث 6 - 3. (3) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 5 (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الماء المطلق الحديث 7 - 2.

[ 81 ]

قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن السام أبرص يقع في البئر فقال: ليس بشئ، حرك الماء بالدلو في البئر " (1) فان الظاهر منها أن سام أبرص ليس بشئ ينجس الماء، لا أن ماء البئر معتصم. ومرسلة ابن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت: بئر يخرج من مائها قطع جلود، قال: ليس بشئ. إن الوزغ ربما طرح جلده، وقال: يكفيك دلو من ماء " (2) دلت على عدم نجاستها عينا، فتصير شاهدة على حمل رواية الغنوي على الكراهة. وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن العظاية والحية الوزغ يقع في البئر فلا يموت أيتوضأ منه للصلوات؟ قال: لا بأس به " (3) دلت على عدم نجاسته عينا. وموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " أنه سئل عن العظاية يقع في اللبن قال: يحرم اللبن قال: إن فيها السم " (4) وهذه الموثقة حاكمة على سائر الروايات ومفسرة لها بأن علة النزح وعدم الانتفاع هو كونه ذا سم، ونحن الآن لسنا بصدد بيان حرمة ما مات فيه الوزغ أو وقع فيه، بل بصدد عدم نجاسته، فلا إشكال فيه، بل الاتكال على الروايات المتقدمة الواردة في النزح مع مخالفتها للمشهور أو المجمع عليه بين الاصحاب في غير محله، بل تقدم الاشكال


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الماء المطلق الحديث 8 - 9. (3) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 2.

[ 82 ]

في دلالتها أيضا، فتبقى الادلة العامة أو المطلقة بلا مخصص ومقيد. ثم أنه قد وقع في بعض الحيوانات كلام في كونه ذا نفس أو لا، وتحقيقه ليس من شأن الفقيه، نعم في مورد الشبهة موضوعا فالمرجع هو الاصول. وينبغي التنبيه على أمور: منها أنه كل ما ينجس بالموت فما قطع من جسده حيا أو ميتا فهو نجس، بلا خلاف ظاهرا كما في الحدائق، ولا يعرف فيه خلاف بين الاصحاب كما عن المعالم، وهو المقطوع به في كلامهم كما عن المدارك وعن الاستاذ الاكبر ان أجزاءه نجسة ولو قطعت من الحي باتفاق الفقهاء بل الظاهر كونه إجماعيا، وعليه الشيعة في الاعصار والامصار، وعن الذخيرة أن المسألة كأنها إجماعية، ولولا الاجماع لم نقل بها لضعف الادلة، وقال في محكي المدارك: " احتج عليه في المنتهى بأن المقتضى لنجاسة الجملة الموت، وهذا المقتضي موجود في الاجزاء، فيتعلق به الحكم، وضعفه ظاهر، إذا غاية ما يستفاد من الاخبار نجاسة جسد الميت وهو لا يصدق على الاجزاء قطعا، نعم يمكن القول بنجاسة القطعة المبانة من الميت استصحابا لحكمها حال الاتصال، ولا يخفى ما فيه " انتهى. اقول: أما القطعة المبانة من الميت فلا ينبغي الاشكال في نجاستها لا للاجماع حتى يستشكل تارة بعدم ثبوته وتحصيله، والمنقول منه في كتب المتأخرين غير حجة، سيما مع ترديد النقلة، كما يظهر من كلماتهم، وأخرى بأنه مسألة اجتهادية فرعية لا يعلم ان استناد المجمعين

[ 83 ]

إلى غير الادلة التي في الباب. ولا للاستصحاب وإن كان جريانه مما لا إشكال فيه بعد وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، لان الجزء حال اتصاله بالكل كان نجسا قطعا، ويشك في بقاء نجاستها بعد الانفصال، ولا ريب في أن الاتصال والانفصال من حالات الموضوع ولا يوجبان تبدله. وتوهم أن الاحكام تتعلق بالعناوين وعنوان الميتة لا يصدق على الجزء بعد الانفصال، وانما يصدق على المجموع حال الاتصال ناش من الخلط بين موضوع الدليل الاجتهادي وموضوع الاستصحاب، فان الاول هو العناوين، ومع الشك في تبدلها لا يمكن التمسك بالدليل فضلا عما إذا علم ذلك، كما في المقام، لكن بعد تحقق العنوان خارجا بوجود مصداقه يصير المصداق الخارجي متعلقا لليقين بثبوت الحكم له، فإذا تبدل بعض حالاته فصار منشئا للشك لا مانع من جريان الاستصحاب، لوحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، فإذا تعلق حكم النجاسة بالميتة فلا إشكال في أنها تثبت لاجزائها، كاليد والرجل وغيرهما عند تحقق العنوان في الخارج، فيتعلق اليقين بنجاسة الاجزاء الخارجية، وبعد الانفصال يصح أن يقال إني كنت على يقين من نجاسة هذه اليد الموجودة في الخارج فأشك في بقائها بعد الانفصال، ولا إشكال في وحدة القضيتين وهي المعتبرة في الاستصحاب، لابقاء موضوع الدليل الاجتهادي، فقول صاحب المدارك: " ولا يخفى ما فيه " تضعيفا للاستصحاب لا يخفى ما فيه، ومنه يعلم أن مقتضى الاستصحاب في الجزء المبان من الحي الطهارة وعدم النجاسة ما لم يدل دليل على خلافه. بل للادلة المثبتة للحكم على الميتة، فان معروض النجاسة بحسب نظر العرف هو أجزاء الميتة، من غير فرق في نظرهم بين الاتصال

[ 84 ]

والانفصال، كما أن ما دل على أن الكلب رجس نجس يفهم منه أنه بجميع أجزائه نجس، ولا يحتاج في إثبات النجاسة للاجزاء التمسك بدليل آخر غيره، كما لا يحتاج في إثبات نجاستها بعد الانفصال إلى غيره. وبعبارة أخرى: أن العرف يرى أن موضوع النجاسة ذات الاجزاء من غير دخالة للاتصال والانفصال فيها، كما أن الاستقذار من الكلب على فرضه استقذار من أجزائه اتصلت بالكل أو انفصلت، وهو مما لا شبهة فيه. وأما المنفصل من الحي فقد عرفت أن مقتضى الاصل طهارته، فلا بد في الخروج من مقتضاه من قيام دليل، وقد عرفت من محكي المنتهى أن المقتضي لنجاسة المجموع - وهو الموت - موجود في الاجزاء فيتعلق بها الحكم. وفيه أنه إن أراد من وجود المقتضي في الاجزاء التشبث بالقطع بوجود المناط الذي في الكل فيها فالعهدة عليه، فأنى لنا القطع في الامور التشريعية المجهولة المناط، وأي مناط في وجوب غسل المس في الاجزاء المبانة من الحي إذا اشتملت على العظم، وعدمه في اللحم المجرد، بل لازمه الحكم بنجاسة الجزء المتصل إذا علم موته وفساده. وبالجملة الطريق إلى العلم بمناطات مثل تلك الاحكام التعبدية مسدود. وان أراد استفادة الحكم من الادلة المثبتة للحكم على الميتة بدعوى إلغاء خصوصية الكلية والجزئية عرفا ففيه ما لا يخفى، ضرورة أن العرف مع ما يرى من الخصوصية بين الميت وأجزائه وبين الحي وجزئه المبان منه لا يمكن له إلغائها، فلا يمكن إثبات الحكم بمثله، كما لا يمكن التشبث بالادلة العامة المثبتة للنجاسة لعنوان الميتة والجيفة،

[ 85 ]

لعدم صدقهما على الجزء المبان من الحي، وانما قلنا بثبوت الحكم للجزء المبان من الميت بواسطة الادلة المثبتة للنجاسة للميت لا لاجل صدقهما عليه استقلالا، بل لاجل أن الحكم الثابت للميت ثابت لاجزائه بنفس ثبوته له عرفا، والفرض أنه في المقام لم يثبت الحكم للكل حتى يجري على الاجزاء تبعا واستجرارا لان الجزء مقطوع من الحي فصار مستقلا بالقطع وهو ليس بميتة عرفا ولغة، فلا يمكن إثبات الحكم له بدليل نجاسة الميتة. كما أن إثباته بقول العلامة في محكي التذكرة: " إن كل ما أبين من الحي مما تحله الحياة فهو ميت، فان كان من آدمي فهو نجس عندنا خلافا للشافعي " انتهى، مشكل. نعم هنا روايات خاصة يمكن التمسك بها: منها صحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه، فانه ميت وكلوا مما أدركتم حيا وذكرتم اسم الله عليه " (1) وصحيحة عبد الرحمان ابن أبي عبد الله برواية الصدوق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت، وما أدركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه " (2) ونحوها خبر زرارة (3). ورواية عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ما أخذت الحبالة فانقطع منه شئ فهو ميتة " (4) والظاهر منها بعد العلم بعدم كون الجزء ميتة عرفا ولغة أنه ميتة تنزيلا وبلحاظ الآثار،


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الصيد الحديث 1 - 2 - 4 - 3.

[ 86 ]

وإطلاق التنزيل يقتضي النجاسة. وتوهم أن المتبادر منها هو التنزيل من حيث حرمة الاكل، بقرينة ما ذكر فيها من أكل ما أدرك حيا بعد التذكية، ولهذا يستفاد منها حرمة الاجزاء الصغار المقطوعة بالحبالة ولو كانت في غاية الصغر، ولا يستفاد نجاستها. فاسد لان التعليل في صحيحة ابن قيس يقتضي أن يكون وجوب رفضه بسبب كونه ميتا، والحمل على أنه ميت في هذا الحكم مستهجن، ومن قبيل تعليل الشئ بنفسه، تأمل. وأما إذا كان الجزء بمنزلة الميت في جميع الاحكام يكون التعليل حسنا. وبالجملة فرق بين قوله عليه السلام: " فذروه فانه ميت " وبين قوله عليه السلام في موثقة معاوية بن عمار في العصير: " خمر لا تشربه " (1) فان الثاني لا يستبعد فيه التنزيل من جهة الشرب من غير استهجان، بخلاف الاول الذي ذكر القضية معللة، كما لا يخفى على العارف بالمحاورات العرفية. هذا لو سلم أن قوله عليه السلام: " فذروه " بمعنى لا تأكلوه بقرينة قوله: " وكلوا مما أدركتم حيا " مع أنه غير مسلم، لاحتمال أن يكون المراد منه: لا تنتفعوا به، وانما ذكر أحد الانتفاعات التي هي أعم من سائرها فيما أدرك حيا، بل لاحد أن يقول: إن قوله: " وكلوا مما أدركتم حيا " كناية عن جواز الانتفاع به مع ذكر أوضح الانتفاعات، ولهذا لا يفهم منه جواز الانتفاع أكلا فقط حتى يكون مقابله عدم جواز ذلك. وكذا تدل الصحيحة الثانية على المطلوب، لاطلاق التنزيل، ولا


(1) المستدرك - الباب - 4 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1.

[ 87 ]

يكون ذيلها قرينة على اختصاصه بالاكل، سيما مع ذكر التذكية في مقابل الميتة، وخصوصا مع كون قوله (ع): " ثم كل منه " من متفرعات التذكية بحسب ظاهرها، وسيأتي تتمة لذلك عن قريب، وأوضح منهما في الاطلاق رواية عبد الله بن سليمان. وأما توهم استفادة حرمة الاجزاء التي في غاية الصغر وعدم استفادة النجاسة منها فغير وجيه سيأتي التعرض له. وتدل على النجاسة أيضا صحيحة عبد الله بن يحيى الكاهلي بطريق الصدوق بل بطريق الكليني أيضا بناء على وثاقة سهل بن زياد قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن قطع أليات الغنم فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال: إن في كتاب علي عليه السلام أن ما قطع منها ميت لا ينتفع به " (1) فان الاستشهاد بكتاب علي عليه السلام دليل على أنه ميت تنزيلا وحكما لا عرفا ولغة، وإطلاق التنزيل وتفريع عدم الانتفاع به مطلقا دليل على نجاسته. وأوضح منها رواية الحسن بن علي قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت: جعلت فداك إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها قال: هي حرام، قلت: فيستصبح بها؟ قال: أما تعلم أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام؟ " (2) والظاهر عدم إرادة النجس من الحرام، بل الظاهر منها معروفية الملازمة بين حرمة الاكل في العضو المقطوع وبين النجاسة في عصر الصدور، كما هو متقضى التأمل في ألفاظ الرواية فيستفاد منها نجاسة كل عضو حرام أكله، ويدل عليه إطلاق رواية


(1) و (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الذبائح الحديث 1 - 2.

[ 88 ]

أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في أليات الضأن تقطع وهي أحياء: " إنها ميتة " (1). وأما ما في صحيحة الحلبي: " لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، أن الصوف ليس فيه روح " (2) فالظاهر عدم دلالتها على المقصود، فان موضوع الكلام فيها هو جزء الميتة، فتدل على أن الاجزاء التي فيها روح لا يصلى فيها إذا قطع من الميت، هذا حال غير الآدمي. وأما هو فتدل على نجاسته مرسلة أيوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسه إنسان فكل ما فيه عظم وجب على من يمسه الغسل فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " (3). وتفريع الذيل والتفصيل بين ما له العظم وغيره جعله كالنص في عموم التنزيل وعدم الاختصاص بغسل المس، وسيأتي الكلام في حال سندها في غسل المس انشاء الله. تذنيب: حكي عن العلامة في المنتهى أن الاقرب طهارة ما ينفصل عن بدن الانسان من الاجزاء الصغيرة مثل البثور والثؤلول وغيرهما، لعدم إمكان التحرز عنها، فكان عفوا دفعا للمشقة، واعترض عليه بأن التمسك


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الذبائح - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 68 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب غسل المس - الحديث 1.

[ 89 ]

بدليل الحرج دليل على أن أدلة النجاسة شاملة لها وانما يستثنى منها بدليل الحرج مع قصورها عن شمولها. أقول: لا بأس بذكر محتملات الروايات المتقدمة خصوصا صحيحة محمد بن قيس حتى يتضح الحال، فنقول: إن في قوله عليه السلام فيها " ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه فانه ميت " الخ احتمالات: أحدها أن يكون المراد من قول عليه السلام: " فانه ميت " انه ميت حكما، على معنى أن مصحح الادعاء بعد عدم الصدق على نحو الحقيقة هو محكومية الجزء بأحكام الميت كقوله صلى الله عليه وآله: " الطواف بالبيت صلاة " (1) فيكون مفاده أن وجوب رفضه لاجل كونه ميتة حكما، ولازم هذا الاحتمال أن الاجزاء المقطوعة بالحبالة في حكم الميتة، وقد قلنا سابقا أن مقتضى إطلاق التنزيل وتناسب التعليل نجاسته أيضا، لكن لا يكون هذا التعليل كسائر التعليلات المعممة، فالموضوع للحكم هو الاجزاء المقطوعة بالحبالة لكونها في حكم الميتة، فلا تشمل الاجزاء المتصلة ولا ما انفصلت بالقطع، بل برفض الطبيعة المودوعة من قبل الله تعالى في الحيوان كفأرة السمك، وكجلد الحية الذي رفضته وأفرزته بناء على كون الحية من ذي النفس. بل يمكن أن يقال بعدم شمولها للاجزاء الصغار ولو كانت ذا روح وزهق بالقطع مما لا تأخذها الحبالة لصغرها، ودعوى إلغاء الخصوصية بعد احتمال أن يكون للجزء المعتد به خصوصية كما فرق في المس بين ذي العظم وغيره في غير محلها، نعم لا خصوصية في الحبالة ولا الرجل واليد بنظر العرف.


(1) السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 87.

[ 90 ]

الثاني أن المصحح للدعوى بأنه ميت هو مشابهة الجزء للكل في زهاق الروح، فكأنه قال: فذروه لانه زهق روحه، فعليه تكون العلة للحكم برفضه هي زهاق روحه، والعلة تعمم فتشمل الاجزاء المتصلة إذا زهق روحها وذهبت إلى الفساد والنتن، وكذا ما زهق روحه ولو باقتضاء الطبع كالبثور والثؤلول والفأر ونظائرها لوجود العلة وتحقق موضوع الحكم. نعم لو كان المراد من قوله عليه السلام " فذروه " ترك الاكل بقرينة ذيلها لما يستفاد النجاسة منها، لكنه ضعيف قد أشرنا إليه. وسنشير إليه تارة أخرى. الثالث أن يقال: إن المراد بقوله عليه السلام: " فانه ميت " أنه غير مذكى، لافادة أن الحيوان بأجزائه إذا لم يكن مذكى بما جعله الشارع سببا لتذكيته فهو ميت، فالميتة مقابلة المذكى في الشرع كما يظهر بالرجوع إلى الروايات وموارد الاستعمالات، وليست التذكية في لسان الشارع وعرف المتشرعة عبارة عما في عرف اللغة، فان الذكاة لغة الذبح، ولا كذلك في الشرع، إذ التذكية ذبح بخصوصيات معتبرة في الشرع، ولهذا ترى لم تطلق هي ولا مشتقاتها في الذبح بغير طريق شرعي، كذبائح أهل الكتاب والكفار، وكذا لو ذبح بغير تسمية أو على غير القبلة عمدا، وهكذا. فدعوى أن للتذكية حقيقة شرعية قريبة جدا، وكذا للميتة التي هي في مقابلها، فالمذبوح بغير ما قرر شرعا ميتة وإن قلنا بعدم صدقها عرفا إلا على ما مات حتف أنفه أو بغير الذبح، وكذا الاجزاء المبانة من الحيوان ميتة أي غير مذكى وإن لم تصدق عليها في العرف واللغة، وإطلاق الميتة وغير المذكى على الاجزاء كاطلاق المذكى والذكي عليها في

[ 91 ]

الاخبار شائع، فيراد في تلك الروايات بالميتة مقابل المذكى، ويشهد له ذيل الصحيحة حيث قال عليه السلام: " وكلوا ما أدركتم حيا وذكرتم اسم الله عليه " فان الظاهر من مقابلتهما أن ما أدرك حيا وذبح على الشرائط مذكى والجزء المقطوع ميتة غير مذكى، ولا ريب في أن قوله عليه السلام: " كلوا " من قبيل التمثيل، وإلا فيجوز بيعه والصلاة فيه ويكون طاهرا إلى غير ذلك. فالصحيحة بصدد بيان أن ما قطعت بالحبالة ميت وغير مذكى، وما ذبح على الشرائط هو المذكى، ولازم هذا الوجه نجاسة الاجزاء ولو كانت صغيرة، بل نجاسة ما خرج منه الروح برفض الطبيعة لعدم ورود التذكية عليه، فهو ميت على إشكال بل منع في هذا الاخير لان ظواهر الادلة لا تشملها، ضرورة عدم شمول ما قطعت الحبالة لمثل ثؤلول الانسان وبثوره، ولمثل الالياف الصغيرة في أطراف أظفاره، وما يتطاير من القشور عند حكها، وما يعلو الجراحات إلى غير ذلك، وكذا رواية ابن نوح، لعدم صدق القطعة على مثلها أو انصرافها، بل لا تشمل الادلة لامثال ما ذكر في الحيوانات غير الانسان أيضا. وبالجملة عناوين الروايات قاصرة عن شمولها، بل عن شمول الاجزاء الصغار الحية، وما يساعد عليه العرف في إلغاء الخصوصية هو عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة التي فيها روح وزال بالقطع، لامكان دعوى استفادته من النصوص بدعوى أن المستفاد منها أن موضوع الحكم بعد إلغاء الخصوصية هو قطع الاجزاء التي فيها حياة، وأما إلغاؤها بالنسبة إلى ما رفضه الطبيعة وألقاها باذن الله تعالى فلا، لوجود الخصوصية في نظر العرف سيما إذا كانت الابانة أيضا كازالة الحياة برفضها. ثم أن الاحتمالات المتقدمة انما تأتي في صحيحة ابن قيس لو

[ 92 ]

خليت ونفسها، وأما مع لحاظ سائر الروايات فيسقط الاحتمال الثاني جزما، لعدم تأتيه في سائرها، للفرق الظاهر بين قوله عليه السلام في الصحيحة: " فذروه فانه ميت " وبين التعبير الذي في غيرها أي قوله عليه السلام: " ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت " نعم يأتي احتماله على بعد في الرواية الكاهلي، وأبعد منه احتماله في رواية الحسن بن علي. وبعد عدم صحة الاحتمال الثاني في غير الصحيحة يسقط فيها أيضا للجزم بوحدة مفاد الجميع وعدم إعطاء حكم فيها غير ما في سائرها، فبقى الاحتمالان، والاقرب الاخير منهما، لما عرفت من كثرة استعمال الميتة قبال المذكى بحيث صارت كحقيقة شرعية أو متشرعة أو نفسهما بل لو ادعاها أحد ليس بمجازف، فاتضح مما مر قوة التفصيل بين الاجزاء الصغار التي زالت حياتها بالقطع وغيرها كالثؤلول والبثور. وقد يتمسك لطهارة أمثالها بصحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام " عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثؤلول وهو في صلاته؟ أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال: إذا لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، وإن تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله " (1). ولا تخلو من دلالة، لان السؤال ولو بملاحظة صدرها الذي سأل عن نزع الاسنان ولو كان من نفس هذا العمل لكن الجواب مع تعرضه لخوف السيلان وعدم تعرضه لملاقاته مع الرطوبة - خصوصا مع كون بلد السؤال مما يعرق فيه الابدان كثيرا وسيما مع السؤال عن اللحم وهو مرطوب نوعا خصوصا ما هو على الجرح - يدل على أن المانع


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب قواطع الصلاة - الحديث 1

[ 93 ]

من جوازه الادماء لا غير، فلا بأس بملاقيه رطبا وحمله في الصلاة. وأما فأرة المسك - وهي الجلدة التي وعاؤه - فعن العلامة في التذكرة والنهاية والشهيد في الذكرى التصريح باستثنائها من القطعة المبانة. سواء انفصلت من الظبي في حال حياته، أو أبينت بعد موته، بل عن ظاهر التذكرة والذكرى الاجماع عليه، وعن كشف اللثام القول بنجاستها مطلقا سواء انفصلت عن الحي أو الميت، إلا إذا كان ذكيا، وعن المنتهى التفصيل بين الاخذ من الميتة وبين الاخذ من الحي والمذكى. والظاهر أن محط البحث فيها هي الفأرة التي انقطعت علاقتها الروحية من غزالها، وزالت حياتها، واستقلت وبلغت وآن أوان رفضها سواء انفصلت بطبعها من الحي أو بقيت على اتصالها، وسواء كان الحيوان حيا أو ميتا وأما ما كانت حية وعلاقته الروحية باقية فلا ينبغي الاشكال في عدم كونه محل البحث، كما يظهر من كلماتهم لانه جزء حيواني كسائر الاجزاء التي قد مر أن مبانها من الميت والحي نجس. وكيف كان تدل على طهارتها في الحي أصالة الطهارة أو استصحاب الطهارة الثابتة لها حال اتصالها، ولا يعارضه الاستصحاب التعليقي، بأن يقال: إن هذا الجزء قبل ذهاب الروح منه إذا كان مبانا من الحي نجس، فيستصحب الحكم التعليقي، وحصول المعلق عليه وجداني، وهو مقدم على الاستصحاب التنجيزي، لحكومته عليه كما حرر في محله. وذلك لان الاستصحاب التعليقي انما يجري فيما إذا كان الحكم الصادر من الشارع على نحو التعليق كقوله عليه السلام: " العصير العنبي إذا نش وغلى يحرم " (1) دون ما إذا كان الحكم تنجيزيا وانتزعنا منه الثعليق، لانه ليس حكما شرعيا ولا موضوعا ذا حكم، والمقام من


(1) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 94 ]

هذا القبيل، فان في أدلة الحبالة والاليات علق الحكم التنجيزي على الاجزاء المبانة ولم يرد حكم تعليقي في الجزء المتصل حتى يستصحب. وقد أشرنا إلى قصور أدلة نجاسة الجزء المبان من الحي عن شمول نحو الفأرة التي استقلت وبلغت وصارت كشئ أجنبي من الحيوان، وفي الميت أصالة الطهارة بعد قصور أدلة نجاسة الميتة عن إثباتها لها فان ما تدل على نجاستها على كثرتها انما تدل على نجاسة الجيفة والميتة كما تقدم، ولا تشمل الجزء لعدم صدقهما عليه. وانما قلنا بنجاسة أجزائها مبانة أو غير مبانة لارتكاز العقلاء بأن ثبوتها للميتة ليس إلا للموجود الخارجي بأجزائه، فلا بد في إسراء الحكم لمثل هذا الجزء المستقل الذي زالت حياته برفض الطبيعة وبلوغه حد الاستقلال من دعوى عدم الفارق بين الاجزاء، وأنى لنا بهذه بعد ظهور الفارق بين هذا الجزء وغيره. ولم يرد في دليل أن ملاقي الميتة أو ملاقي جسدها نجس حتى يستفاد منه نجاسة هذا الجزء بدعوى كونه من أجزائها ومن جسدها حال اتصاله بها، ودعوى إلغاء خصوصية الاتصال والانفصال، إلا في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال: يغسل ما أصاب الثوب " (1) وهي منصرفة إلى ميت الانسان إن كان الياء مشددة، نعم لو ثبت سكونها وتخفيفها لا يبعد انصرافها إلى غير الانسان. والشاهد على انصراف الاول بعد موافقة العرف رواية ابن ميمون قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يقع ثوبه على جسد

[ 95 ]

الميت قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه " الخ (1) حيث حمل الاطلاق على ميت الانسان، والظاهر أن الياء مشددة فيها، بل لا يبعد دعوى ظهور صحيحة الحلبي في ذلك، ولهذا ذكرها الفقهاء في أدلة نجاسة الميت الآدمي لا الحيواني. وأما صحيحة عبد الله بن جعفر قال: " كتبت إليه يعني أبا محمد عليه السلام: يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب: لا بأس به إذا كان ذكيا " (2) فاحتمال عود الضمير المذكر إلى الغزال الذي يؤخذ منه الفأرة حتى تدل على نجاسة ما يؤخذ من الميتة ومن الحي غير موجه ولا حجة فيه، كاحتمال كون الذكي بمعنى الطاهر وعوده إلى المسك، بل هذا الاحتمال بعيد جدا، لان السؤال انما هو عن الفأرة، ولا يناسب الجواب عن مسكها. كما أن احتمال عوده إلى الفأرة وكون الذكي بمعنى الطاهر أيضا بعيد لعدم موافقته للغة، وبعد استعمال الذكي فيه مجازا، بل المظنون قويا أن الذكي في مقابل الميتة كما في سائر الروايات، وعود الضمير إلى الفأرة إما بأن الامر في التذكير والتأنيث سهل يتسامح فيه، وإما بمناسبة كونه معه، فعاد إلى ما معه. فتدل على أن للفأرة نوعين: ذكية وغيرها، لكن لا يستفاد منها أن أي قسم منها ذكية أو غيرها، فمن المحتمل أن تكون بعد استقلالها وبلوغها وخروج الروح منها برفض الطبيعة صارت ذكية، وتكون حالها حينئذ كالظفر والحافر، ويكون القسم الغير المذكى ما لم تبلغ إلى هذا الحد وقطعت قبل أوان بلوغها، ونحن لا نعلم حال الفأرة، فمن الممكن


(1) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 2.

[ 96 ]

أن تكون هي أو نوع منها تتبدل ما في جوفها مسكا قبل تمام استقلالها ولا شبهة في أن هذا النوع تذكيتها بتذكية غزالها، وسائر أقسامها يمكن أن يكون من القسم المذكى، وبالجملة لا ركون إلى هذه الرواية مع هذا التشويش والاجمال في إثبات الحكم. وقد يتمسك للطهارة بالتعليل الوارد في صوف الميتة بقوله عليه السلام: " إن الصوف ليس فيه روح " (1) وفي رواية " ليس في الصوف روح ألا ترى أنه يجز ويباع وهو حى؟ " (2) وبصحيحة حريز قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (3) وبرواية أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام (4) حيث علل عدم البأس في الانفخة " بأنها ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم انما تخرج من بين فرث ودم وانما الانفخة بمنزلة دجاجة ميتة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 68 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 7. (3) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 (4) في حديث طويل قال فيه: " قال قتادة: فأخبرني عن الجبن فتبسم أبو جعفر عليه السلام ثم قال: رجعت بمسالك إلى هذا؟ قال: ضلت عني، فقال: لا بأس به، فقال: إنه ربما جعلت فيه إنفحة الميتة، قال: ليس بها بأس، ان الانفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم، انما تخرج من بين فرث ودم، ثم قال: ان الانفحة بمنزلة دجاجة ميتة خرجت منها بيضة " الحديث. راجع الوسائل الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 1.

[ 97 ]

أخرجت منها بيضة " وبصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: " سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلي وهو في جيبه أو ثيابه، فقال: لا بأس بذلك " (1) وبفحوى ما دل على طهارة المسك، وبالحرج. وفي الكل نظر لان المراد من كون الصوف غير ذي روح أنه كذلك رأسا، فلا يشمل ما كان ذا روح فزهق، ولذلك لا يتوهم شموله للعضو الفلج، فالمراد منه أن الصوف من غير ذوات الارواح، لا أنه ليس له روح فعلا ولو بزهاقه، وإلا فالميتة أيضا كذلك. وتشهد له رواية الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الشعر والصوف والريش وكل نابت لا يكون ميتا " (2) فانها بمنزلة المفسر لغير ذي الروح، أي ما كان من قبيل النبات ليس له روح حيواني، ومنه يظهر ما في الاستشهاد بصحيحة زرارة، فان المراد من كل ما يفصل من الشاة والدابة ما كان من قبيل المعدودات فيها، أي ما يجز في حال حياتها، لا كل ما يفصل حتى من قبيل اليد والرجل وليس المراد مما يفصل ما ينقطع عنه بطبعه، فان المذكورات ليست كذلك. والتعليل الذي في الانفحة لا يعلم تحققه في الفأرة، فمن أين يعلم أن الفأرة ليس لها عروق ولا دم حال نموها وارتزاقها وحياتها الحيوانية أو خروجها من بين فرث ودم، أو كونها بمنزلة البيضة؟ بل المظنون لو لم يكن المقطوع أن طريق رشدها وارتزاقها بالدم والعروق الضعيفة كسائر الاعضاء ذوات الارواح، بل في الانفحة أيضا كلام سيأتي في


(1) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 8

[ 98 ]

محله انشاء الله. وصحيحة علي بن جعفر عليه السلام - مع أن التمسك بها مبني على عدم صحة الصلاة في المحمول - إن إطلاقها محل تأمل مع كون المتعارف من الفأرة ما هي موجودة في بلاد المسلمين، مضافا إلى أنها متقيدة بصحيحة عبد الله بن جعفر المتقدمة، والاستدلال مبني على عدم سراية إجمال القيد كعدم سراية إجمال المخصص، وهو لا يخلو من كلام. والفحوى ليس بشئ بعد عدم معلومية الحكم بطهارته الواقعية، حتى مع الملاقاة رطبا مع جلدته، وبعد إمكان كون المسك كاللبن واللباء والانفحة على بعض الاحتمالات، ووقوع النظائر لها في الميتة يرفع الاستبعاد، ولا يخفى ما في التمسك بالحرج. نعم قد يقال بعدم معلومية كون الفأرة مما تحلها الحياة، ومجرد كونها جلدة لا يستلزم حلول الروح، ومعه لا إشكال في طهارتها، لكن الظاهر حلول الروح فيها كسائر الجلود، وليس الجلد كالظفر والحافر والقرن وسائر النابتات، ومع إحراز الروح فيها فالاقوى أيضا طهارة ما بلغت واستقلت وحان حين لفظها سواء انفصلت بطبعها أم قطعت من الحي أو الميت. ثم أن ملاقي ما قلنا بنجاستها نجس سواء كان المسك الذي فيه أو غيره كسائر ملاقيات النجاسات، وليس شئ موجبا للخروج عن القاعدة إلا توهم إطلاق أدلة طهارة المسك، وفيه ما لا يخفى، لفقد إطلاق يقتضي ذلك كما يظهر من المراجعة إليها. ومنها: لا ينجس من الميتة ما لا تحله الحياة كالعظم والقرن والسن والمنقار والظفر والظلف والحافر والشعر والصوف والوبر والريش اتفاقا

[ 99 ]

كما عن كشف اللثام، وبلا خلاف كما عن المدارك، وعن الذخيرة لا أعرف خلافا بين الاصحاب في ذلك، وعن الغنية دعوى الاجماع في شعر الميتة وصوفها، وعن المنتهى دعواه على طهارة العظم. وعن شارح الدروس " أن العمدة في طهارة هذه الاجزاء عدم وجود نص يدل على نجاسة الميتة حتى تدخل، لا عدم حلول الحياة، وإلا لو كان هناك نص كذلك لدخلت كشعر الكلب والخنزير، وإلا فزوال الحياة ليس سببا للنجاسة، وإلا لاقتضى نجاسة المذكى، على أنه لا استبعاد في صيرورة الموت سببا لنجاسة جميع أجزاء الحيوان وإن لم تحله الحياة " انتهى. وفيه أنه إن أراد عدم الدليل على نجاسة الميتة فقد مر ما يدل عليها، وإن أراد أنه لا دليل على نجاسة أجزائها فان الميتة اسم للمجموع فقد مر ما فيه، مع أن التعليل عن عدم الاكل في آنية أهل الكتاب بأنهم يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير دليل على أن الاجزاء نجسة فان المأكول لحمها. وإن أراد قصور الادلة عن اثبات نجاسة ما لا تحله الحياة منها فهو لا يخلو من وجه، لان ما دل على نجاسة الميتة على كثرتها إنما علق فيها الحكم على عنوان الجيفة والميتة، وهما بما لهما من المعنى الوصفي لا تشملان ما لا تحله الحياة، فان الجيفة هي جثة الميتة المنتنة، والنتن وصف لما تحله الحياة، ولا ينتن الشعر والظفر وغيرهما من غير ما تحله الحياة. ودعوى أنها وإن كانت معنى وصفيا ولكنها صارت اسما للمجموع الذي من جملته ما لا تحله في غير محلها، لعدم ثبوت ذلك، بل الظاهر من اللغة أن الجيفة اسم للجثة المنتنة، فتكون تلك الاجزاء خارجة عن مسماها.

[ 100 ]

ففي القاموس والصحاح: الجيفة جثة الميت وقد أراح أي أنتن، وفي المنجد الجيفة جثة الميت المنتنة، وفيه: جافت الجيفة أي انتنت. والميتة ما زال عنها الروح في مقابل الحي، ولا تطلق على الاجزاء التي لم تحلها الحياة ولو بتأول كما تطلق كذلك على ما تحلها، وصيرورتها اسما للمجموع الداخل فيه تلك الاجزاء غير ثابت، وارتكاز العقلاء باسراء النجاسة إلى الاجزاء انما يوافق بالنسبة إلى ما تحله الحياة لا غير فالحكم بنجاسة الجيفة والميتة لا يشمل تلك الاجزاء لا لفظا ولا بمدد الارتكاز، فأصالة الطهارة بالنسبة إليها محكمة. هذا بالنسبة إلى ما لا تحلها أو ما شك في حلولها فيها، وأما لو فرض بعض تلك الاجزاء المستثناة مما تحله الحياة كالانفحة فلا يأتي فيه ما ذكر، فلا بد من اقامة دليل على استثنائه. ثم أن المنسوب إلى المحقق المتقدم أنه لو دل دليل على النجاسة لا تصلح الادلة الخاصة لتخصيصه واستثناء المذكورات، ولا تبعد استفادة ذلك من كلام المتقدم، وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن تلك الادلة الناصة على أن تلك الاجزاء ذكية دالة على طهارتها سواء كان الذكي بمعنى الطاهر كما قيل أو مقابل الميتة كما هو التحقيق. فلا إشكال في أصل الحكم بالنسبة إلى ما لا تحله الحياة، وكذا بالنسبة إلى ما هو المنصوص به في الادلة والفتاوى، من غير فرق في الصوف والريش والشعر والوبر بين الاخذ من الميتة جزا أو قلعا، وإن احتاج الاصول في الثاني إلى الغسل لو كان ملاقاتها للميتة مع الرطوبة لاطلاق الادلة وكونها مما لا تحلها الحياة، وإن فرض عدم استحالتها إلى المذكورات بل لو شك فيها فالاصل يقتضي الطهارة. فما عن نهاية الشيخ من تخصيص الطهارة بالمقطوع جزا كأنه ليس

[ 101 ]

خلافا في المسألة حكما بل موضوعا بدعوى كونها من الاجزاء التي حلت فيها الحياة ولم تخرج بالاستحالة إلى أحد المذكورات، وفيه ما لا يخفى. نعم يمكن أن يقال: إن مقتضى إطلاق قوله عليه السلام في صحيحة حريز: " وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " لزوم الغسل ولو لم يلاق المأخوذ مع جلد الميتة برطوبة، وهو يقتضي نجاسة أمثال ذلك بعد الموت، ويكون الغسل موجبا لزوالها، فالموت سبب لنجاسة ما تحله الحياة ذاتا، فلا تزول بالغسل وغيره، وفي مثل المذكورات بمرتبة ترتفع بالغسل. وفيه ما لا يخفى فان مقتضى ما دل على طهارة المذكورات ذاتا والامر في هذه الرواية بالغسل هو أن الغسل إنما هو لملاقاتها للميتة برطوبة، فالعرف بالارتكاز يقيدها بالصورة المذكورة، كما ورد نظيره في ملاقي الكلب ومصافحة اليهود وغيرهما مما لا يفهم منها إلا مع الملاقاة رطبا. نعم ظاهر موثقة مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " قال جابر بن عبد الله: ان دباغة الصوف والشعر غسله بالماء، وأي شئ يكون أطهر من الماء؟ " (1) أن الشعر والصوف يحتاجان إلى التطهير بذاتهما، والتعبير بالدباغة مكان التطهير لعله بمناسبة قول العامة بأن دباغة جلد الميتة مطهرة، فالظاهر منها أن الشعر بذاته لا يكون طاهرا ويحتاج إلى الدباغة ليتطهر، ودباغته غسله بالماء، وحملها على النجاسة العرضية خلاف الظاهر جدا (2).


(1) الوسائل - الباب - 68 - من أبواب النجاسات - الحديث 6. (2) مع احتمال أن يكون الامر بالغسل مطلقا لاجل التجنب =

[ 102 ]

لكنها مع مخالفتها لفتوى الاصحاب وإعراضهم عن ظاهرها مخالفة للاخبار الكثيرة الدالة على أن المذكورات ذكية معللا في الصوف بعدم الروح فيه، وهي أظهر في مفادها من تلك الموثقة، فتحمل على الاستحباب أو غسل موضع الملاقاة رطبا، ومنه يظهر الكلام في صحيحة الحلبي (1) الظاهر في اشتراط الذكاة في السن الذي يضع مكان سنه. ثم انه قد يترائى منافاة في الروايات الواردة في استثناء المذكورات ففي رواية يونس عنهم عليهم السلام قالوا: " خمسة أشياء ذكية مما فيه منافع الخلق: الانفحة والبيض والصوف والشعر والوبر " الخ (2) والظاهر منها انحصار الاستثناء بها وان قلنا بعدم مفهوم العدد في غير المقام (3) وأيضا تشعر بأن الاستثناء لاجل منفعة الخلق وإن كان فيها


= والاستقذار من الميتة وان لم يلاقها رطبا، فلا يكون الامر بالغسل تعبديا كاشفا عن نجاستها. (1) قال: " سألته عليه السلام عن الثنية تنفصم وتسقط أيصلح أن تجعل مكانها سن شاة؟ قال: إن شاء فليضع مكانها سنا بعد أن تكون ذكية " راجع الوسائل - الباب - 68 - من أبواب النجاسات - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 (3) ولعل هذا الاستظهار مبني على الغض عن مرسلة الصدوق الواردة في هذا الباب واليك نصها، عنه في الفقيه مرسلا قال: " قال الصادق عليه السلام: عشرة أشياء من الميتة ذكية: القرن والحافر والعظم والسن والانفحة واللبن والشعر والصوف والريش والبيض " قال في الوسائل: " ورواه في الخصال عن علي بن أحمد بن عبد الله عن أبيه عن جده أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن محمد بن أبي عمير يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام مثله مع مخالفة في الترتيب " راجع الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 9.

[ 103 ]

اقتضاء النجاسة فهي بهاتين الجهتين مخالفة لغيرها. ويمكن أن يجاب عنها - مضافا إلى أن اختصاصها بالذكر لعله لكونها ذات منافع للخلق نوعا بخلاف غيرها حتى مثل لبنها، نعم في الريش أيضا منافع ولعله داخل بالغاء الخصوصية في إحدى الثلاثة الاخيرة، تأمل. ومعه لا مفهوم فيه جزما - بأن من الممكن أن تكون " ذكية " صفة لخمسة وخبرها بعدها، فيكون المراد الاخبار بأن في بعض المستثنيات منافع الناس، تأمل. وكيف كان لا ريب في عدم صلاحيتها لمعارضة سائر النصوص كعدم صلاحية رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبى الحسن عليه السلام قال: " كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا فكتب عليه السلام: لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب، وكلما كان من السخال الصوف إن جز والشعر والوبر والانفحة والقرن، ولا يتعدى إلى غيرها انشاء الله " (1) الظاهر في أن جواز الانتفاع في الصوف مشروط بالجز، وأن المستثنيات منحصرة بما ذكر فيها لا تتعدى إلى غيرها، بعد ضعف سندها ووهن متنها بوجوه، ومخالفتها للنصوص المعتبرة الصريحة ولفتوى الاصحاب، ولعل الاشتراط في الصوف للانتفاع به فعلا مع الجز، وأما مع القلع فبعد الغسل، والظاهر عدم اختصاصه بالصوف دون الشعر والوبر. ثم أنه قد صرح في النصوص والفتاوى بخروج أشياء أخر ما عدا المذكورات: منها الانفحة، ولا إشكال نصا وفتوى في طهارتها، فعن المدارك أنه مقطوع به في كلام الاصحاب، وعن المنتهى أنه قول علمائنا، وعن الغنية وكشف اللثام دعوى الاجماع عليه، وتدل عليها صحيحة زرارة


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7.

[ 104 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت، قال: لا بأس به " الخ (1). ورواية الحسين بن زرارة أو موثقته قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وأبى يسأله عن اللبن من الميتة والبيضة من الميتة وإنفحة الميتة، فقال: كل هذا ذكي " (2) ورواية يونس المتقدمة (3) أو حسنته وغيرها. نعم يظهر من عدة روايات خلاف ذلك، كرواية بكر بن حبيب قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الجبن وأنه توضع فيه الانفحة من الميتة، قال: لا تصلح، ثم أرسل بدرهم فقال: اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شئ " (4). ورواية عبد الله بن سليمان عنه عليه السلام في الجبن قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة " (5) وروايته الاخرى قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن - إلى أن قال -: قلت: ما تقول في الجبن؟ قال أو لم ترني آكله؟ قلت: بلى ولكني أحب أن أسمعه منك، فقال سأخبرك عن الجبن وغيره، كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه " (6).


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 10. (2) الوسائل الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 4 وفيه " يسأله عن السن من الميتة ". (3) مرت في ص 102. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 2 - 1.

[ 105 ]

ورواية أبي الجارود قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقلت له أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة، فقال: أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في جميع الارضين؟! إذا علمت أنه ميتة فلا تأكله، وإن لم تعلم فاشتر وبع وكل، والله اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والسمن والجبن، والله ما أظن كلهم يسمون: هذه البربرية وهذه السودان " (1). ولا شبهة في أن ما يجعل في الجبن وما كان محل الكلام هو الانفحة كما نص عليه روايتا بكر بن حبيب المتقدمة وأبي حمزة الآتية، لكنها محمولة على بعض المحامل كالتقية والمماشاة معهم والجدل بما هو أحسن. كما تشهد به رواية أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث " أن قتادة قال له: أخبرني عن الجبن فقال: لا بأس به فقال: إنه ربما جعلت فيه إنفحة الميتة، فقال: ليس به بأس إن الانفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم، إنما تخرج من بين فرث ودم وإنما الانفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة - إلى أن قال -: فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلين، ولا تسأل عنه إلا أن يأتيك من يخبرك عنه " (2) فان الارجاع إلى الحكم الظاهري بعد بيان الحكم الواقعي إنما هو على طريق المماشاة والجدل بما هو أحسن، فلا إشكال في أصل الحكم. انما الكلام في مهية الانفحة حيث اختلفت كلمات أهل اللغة في تفسيرها، ففي الصحاح: " والانفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش عن أبي زيد "


(1) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 106 ]

وفي القاموس: " الانفحة بكسر الهمزة وتشديد الحاء، وقد تكسر الفاء والمنفحة والبنفحة شئ يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر، فيعصر في صوفه فيغلظ كالجبن، فإذا أكل الجدي فهو كرش " وتفسير الجوهري الانفحة بالكرش سهو، وقريب منه في المنجد وعن المغرب. واختلفت كلمات الفقهاء على حذو اختلاف اللغويين، وقد اتفقت كلمات اللغويين فيما رأيت في مادة الكرش أنها بمنزلة المعدة للانسان وأن الانفحة صارت كرشا إذا رعي الجدي وأكل، ففي الصحاح: " الكرش لكل مجر بمنزلة المعدة للانسان - إلى أن قال -: واستكرشت الانفحة، لان الكرش تسمى انفحة ما لم يأكل الجدى، فإذا أكل تسمى كرشا " وفي القاموس: " الكرش ككتف لكل مجر بمنزلة المعدة للانسان - إلى أن قال -: استكرشت الانفحة صارت كرشا، وذلك إذا رعى الجدى النبات " وقريب منهما في المنجد والمجمع والبستان، والظاهر منهما أن الكرش عين الانفحة. والفرق بينهما أن الانفحة معدة الجدى قبل الرعى والاكل. والكرش معدته بعده، فنسبة السهو إلى الجوهري كأنها في غير محلها. وتوهم أن المادة الصفراء التي هي كاللبن ولم تكن مربوطة بالحيوان ارتباطا حياتيا واتصالا حيوانيا صارت كرشا مقطوع الفساد، فعلم من اتفاق أهل اللغة بأن الانفحة صارت كرشا بالاكل أنها هي الجلدة، لا المادة التي في جوفها، غاية الامر أن الجلدة في الجدي قبل الرعي رقيقة، وإذا بلغ حده ورعى صارت غليظة مستكرشة، فالاظهر بحسب كلمات أهل اللغة أن الانفحة هي الجلدة الرقيقة لا المادة في جوفها. نعم يظهر من رواية الثمالي المتقدمة أنها المادة التي كاللبن أو هي اللبن بعينه وإن صارت في جوف الجدى غليظة، كما أن الظاهر أن

[ 107 ]

تلك المادة كانت فيها منافع الناس، وهي التي تجعل في الجبن وإن احتمل أن تكون الجلدة الرقيقة بما في جوفها مادته. وكيف كان لا إشكال في طهارة المظروف، إما لطهارة ظرفه إن كان إنفحة، أو لعدم انفعاله منه إن كان المظروف إنفحة، ولو شك في أنها ظرف أو مظروف فيمكن أن يقال بوقوع التعارض بين أصالة الاطلاق في أدلة نجاسة أجزاء الميتة التي تحلها الحياة وأصالة الاطلاق في دليل منجسية النجس، فيرجع إلى أصالة الطهارة في الظرف بعد العلم تفصيلا بطهارة المظروف. لكن التحقيق نجاسة الظرف أحذا باطلاق دليل نجاسة الميتة ولا تعارض أصالة الاطلاق فيها بأصالة الاطلاق في دليل منجسية النجس لعدم جريانها فيما علم الطهارة وشك في أنه من باب التخصيص أو التخصص، أو التقييد والخروج موضوعا، لان تلك الاصول العقلائية عملية يتكل عليها العقلاء في مقام الاحتجاج والعمل دون غيره، نظير أصالة الحقيقة فيما دار الامر بينها وبين المجاز، فانها جارية مع الشك في المراد لا مع الشك في نحو الاستعمال بعد العلم بالمراد. ففيما نحن فيه بعدما علمنا بأن المظروف طاهر وشككنا في أن طهارته لاجل التقييد في إطلاق " الجس منجس " أو التخصيص في عمومه أو لاجل الخروج موضوعا والتخصص لا تجرى أصالة الاطلاق، لعدم بناء العقلاء على إجرائها في مثله بعد عدم الاثر العملي لها، فبقيت أصالة العموم أو الاطلاق في نجاسة الميتة على حالها، نعم لو شك في كونها مما تحله الحياة فالاصل الطهارة. هذا إذا كان ما في جوف الجلدة جامدا طبعا أو مائعا كذلك، وقلنا بعدم انفعاله بملاقاة الجلدة النجسة، وأما إذا كان جامدا طبعا

[ 108 ]

كالخميرة وقلنا بانفعاله ولزوم غسل ظاهره الملاقي للجلدة فالامر بالاخذ بأصالة الاطلاق في نجاسة أجزاء الميت مما تحله الحياة والحكم بنجاسة الجلدة أوضح، للعلم بدخولها فيما تحله الحياة والشك في ورود المخصص عليه، للشك في كون الانفحة الظرف أو المظروف، فمقتضى الاطلاق نجاستها وتنجيس ما في جوفها. وهذا بوجه نظير العلم بعدم وجوب إكرام زيد وتردد الامر بين كونه زيدا العالم حتى خصص أكرم العلماء، أو غير العالم حتى بقى العالم في العموم، فمقتضى العموم وجوب إكرام زيد العالم للشك في التخصيص نعم لا يستكشف بأصالة العموم والاطلاق حال الفرد الخارج، ففيما نحن فيه لا يحرز بها، إلا أن الانفحة هي ما في الجوف. ثم ان الاظهر وجوب غسل ظاهر الانفحة الملاقي للميت برطوبة إن قلنا بأنها هي الجلدة أو قلنا بأنها ما في جوفها مع كونها طبعا ونوعا جامدا، لعدم استفادة عدم انفعالها حينئذ من الادلة، لقصور دلالتها إلا على طهارتها الذاتية كالشعر والوبر والصوف، حيث نصت الروايات بأنها ذكية مع الامر بغسلها إذا قلعت من الميتة، فيظهر منها أن الحكم بذكاتها في مقابل الميتة التي هي نجسة ذاتا. وهذا بخلاف اللبن واللباء والانفحة إذا كانت ما في الجوف وهي مايعة، فان لازم نفى البأس عنها والحكم بأنها ذكية عدم انفعالها، لعدم إمكان غسلها، ولا معنى لبيان طهارتها الذاتية مع لزوم النجاسة معها ولا يبعد اختصاص الحكم بالانفحة المتعارفة التي تجعل في الجبن، والظاهر أنها من الجدى والعناق والسخال والحمل، لا من غير المأكول ولا من المأكول كالحمار والفرس، بل في البقر والبعير أيضا تأمل، لعدم العلم بتعارف الاخذ منهما، بل في صدق الانفحة على غير المأخوذ عن

[ 109 ]

الجدي والحمل إشكال، لظهور كلمات اللغويين في الاختصاص بهما. نعم في بعض الروايات شبهة الاطلاق على فرض صدق الانفحة على سائر الحيوانات كمرسلة الصدوق قال: " قال الصادق عليه السلام: عشرة أشياء من الميتة ذكية - وعد منها - الانفحة " (1) ورواية الحسين ابن زرارة (2) لكن المظنون أن ما هو محل الكلام هي الانفحة التي تجعل في الجبن، كما يظهر من الروايات الواردة في الجبن، فانها التي فيها منافع الناس وتكون مورد السؤال غالبا، ومعه يشكل الاطلاق فيهما، فالاحوط لو لم يكن الاقوى اختصاص الحكم بما يتعارف جعلها في الجبن والمتيقن منه إنفحة الجدى والحمل، نعم لو شك في كونها مما تحلها الحياة كما تدل عليه رواية الثمالي فالاصل طهارتها مطلقا. وأما البيض فلا إشكال في طهارته نصا وفتوى، بل مقتضى القاعدة طهارته، لعدم كونه من أجزاء الميتة بعد استقلاله واكتسائه الجلد الاعلى وعدم كونه مما تحله الحياة قبله، مع الشك في ملاقاته للميتة فضلا عن القطع به، والعلم بعدم سراية النجاسة من الجلدة فضلا عن الغليظة. لكن حكي اتفاق الاصحاب على التقييد باكتسائه الجلد الاعلى أو الغليظ بل عن جمهور العامة موافقتنا في ذلك، فذهبوا إلى عدم حيلولة الجلد الرقيق بينه وبين النجاسة. أقول: لولا ذلك للمناقشة في الحكم مجال، لا لضعف رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام " في بيضة خرجت من أست دجاجة ميتة قال إن كانت اكتست الجلد الغليظ فلا بأس


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 9 (2) مرت في ص 104.

[ 110 ]

بها " (1) فانها من الموثق لو لم تكن من الصحيح. بل لقوة احتمال أن يكون السؤال عن حليتها وحرمتها لا نجاستها والجواب موافق للقاعدة، لان البيضة قبل اكتسائها الجلد الغليظ تكون من أجزاء الحيوان مرتزقة منه متصلة به، وبعده تصير مستقلة منحازة فخرجت عن جزئيتها. فهي قبل الاكتساء جزء الميتة حرام أكلها وإن كانت طاهرة لكونها مما لا تحله الحياة، وللشك في سراية النجاسة منها إليها لقطع الارتزاق بالموت وعدم العلم بالسراية، وبعد الاستقلال خرجت عن الجزئية، فحلال أكلها وطاهرة، فنفي البأس بعد الاكتساء لا يدل على نجاستها قبله إن كانت الشبهة في الحلية والحرمة، ويكفي الشك في وجه السؤال بعد كون الطهارة موافقة للاصل. لكن مخالفة الاصحاب غير ممكنة، واحتمال أن يكون مستندهم الموثقة المتقدمة مع تخلل اجتهاد منهم ضعيف، لاشتهار الحكم بين الفريقين قديما وحديثا على ما حكي، وفي مثله لا يمكن أن يكون المستند رواية غياث فقط، مع أن المفهوم منها ثبوت البأس، وهو أعم من النجاسة مضافا إلى ما مر من الاحتمال. فالاقوى ما عليه الاصحاب، لكن لا يشترط فيها صلابة الجلد، فانها تحصل على ما قيل بعد خروجها من أست الدجاجة بتصرف الهواء الخارج، وحين الخروج لا تكون صلبة وإن كانت غليظة، وكيف كان فالحكم مترتب على الجلد الغليظ لا الصلب، ولو حصل في جوف الدجاجة. وأما اللبن فعن الصدوق والمفيد والشيخ والقاضي وابني زهرة وحمزة وصاحبي كشفي الرموز واللثام والشهيد وغيرهم القول بالطهارة


(1) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6

[ 111 ]

وعن البيان أنه قول المشهور، وعن الدروس أن القائل بخبر المنع نادر وعن الخلاف الاجماع على طهارة ما في ضرع الشاة، وعن الغنية الاجماع على جواز الانتفاع بلبن ميتة ما يقع الذكاة عليه، وتدل عليه صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الانفحة - إلى أن قال -: قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت قال: لا بأس به " (1) وخبر الحسين بن زرارة أو موثقته قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وأبي يسأله عن اللبن من الميتة والبيضة من الميتة وإنفحة الميتة فقال: كل هذا ذكى " (2). ومرسلة الصدوق قال: " قال الصادق عليه السلام: عشرة أشياء من الميتة ذكية - وعد منها - اللبن " (3) ورواها في الخصال بسند غير نقي عن ابن أبي عمير رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام مع مخالفة في الترتيب. بل وصحيحة حريز: قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن واللباء - إلى أن قال -: وكل شئ من الشاة والدابة فهو ذكي، وان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (4). خلافا للمحكي عن أبي علي وأبي يعلى والعجلي والمحقق وأبي العباس والعلامة والمحقق الثاني والصيمري والمقداد، وعن الحلي أنه لا خلاف فيه بين المحصلين من أصحابنا، وعن المنتهى أنه المشهور، وعن جامع المقاصد أنه المشهور الموافق لاصول المذهب وعليه الفتوى.


(1) و (2) مرتا في ص 104. (3) مرت في ص 109. (4) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3

[ 112 ]

ويمكن تأييده بدعوى قصور الادلة عن اثبات هذا الحكم المخالف للقواعد، بل المنكر في أذهان المتشرعة، لا لما ذكره الشيخ الاعظم من أن طرح الاخبار الصحيحة المخالفة لاصول المذهب غير عزيز إلا أن تعضد بفتوى الاصحاب - كما في الانفحة - أو بشهرة عظيمة توجب شذود المخالف، وما نحن فيه ليس كذلك، فان قاعدة منجسية النجس ليست من القواعد المعدودة من أصول المذهب بحيث لا يمكن تخصيصها بالرواية الصحيحة فضلا عن الروايات الصحيحة المؤيدة بفتوى من عرفت، بل لو لم يثبت إعراض الاصحاب عنها لوجب العمل بها، ولا ريب في عدم إعراضهم عنها، بل عملهم بها. بل لاستضعاف سند رواية الحسين بن زرارة لكونه مجهولا، وإن دعا له أبو عبد الله عليه السلام دعاءا بليغا، إذ لا يوجب ذلك ثقته في الحديث وحجية روايته، مع أن في نسخة من الوسائل بدل اللبن " السن " ومرسلة الصدوق، وإن نسب إلى الصادق عليه السلام جزما، ونحن قلنا بقرب اعتبار مثل هذا الارسال، وذلك لما قال في ذيلها في الفقيه: وقد ذكرت ذلك مسندا في كتاب الخصال في باب العشرات، وسند الخصال ضعيف بجهالة علي بن أحمد بن عبد الله وأبيه. ولعدم الاطلاق في صحيحة حريز، بل إشعار ذيلها بأن ما ذكر في صدرها هو ما يفصل من الحي. فبقيت صحيحة واحدة هي صحيحة زرارة وهي - مع اشتمالها على الجلد مما هو خلاف الاجماع واختلاف متنها لسقوط الجلد في رواية الصدوق وثبوته في رواية الشيخ وهو يوجب نحو وهن فيها - لا يمكن الاتكال عليها في الخروج عن القاعدة، مع أنها مخصوصة بالشاة، ولم يقل أحد بالاختصاص خصوصا مع ما عن الحلي

[ 113 ]

أنه نجس بغير خلاف عن المحصلين من أصحابنا، لانه مائع في ميتة ملامس لها، قال: وما أورده شيخنا في نهايته رواية شاذة مخالفة لاصول المذهب، ولا يعضدها كتاب وسنة مقطوعة بها ولا إجماع. ودعوى العلامة الشهرة على النجاسة سيما مع اعتضادها برواية وهب عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن؟ فقال علي عليه السلام: ذلك الحرام محضا " (1) ورواية الفتح بن يزيد عن أبي الحسن عليه السلام وفيها " وكلما كان من السخال الصوف إن جز والشعر والوبر والانفحة والقرن ولا يتعدى إلى غيرها إنشاء الله " (2) ورواية يونس عنهم عليهم السلام " قالوا: خمسة أشياء ذكية " (3) ولم يعد اللبن منها. لكن مع ذلك الاقوى هو الطهارة، والمناقشة في تلك الروايات المعمول بها المعول عليها قديما وحديثا في غاية الفساد والضعف، مع أن تضعيف رواية الحسين مع كونه إماميا ممدوحا يروي عنه الاجلة كصفوان بن يحيى في غير محله، مضافا إلى أن ظاهر الكليني حيث قال: " وزاد فيه على بن عقبة وعلي بن الحسن بن رباط قال: والشعر والصوف كله ذكى " (4) انهما رويا ما روى الحسين مع زيادة عمن روى لا عنه، فانهما لم يرويا عن الحسين، بل علي بن عقبة من رجال الصادق عليه السلام. وقيل في علي بن الحسن أيضا ذلك، ولو كان من أصحاب الرضا عليه السلام لا يبعد إدراكه مجلس أبي عبد الله عليه السلام وان لم يكن روايا عنه، فتكون الرواية صحيحة لوثاقتهما. ولا شبهة في خطأ نسخة الوسائل لروايتها في مورد آخر وفيها


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 11 - 7 - 2 - 5.

[ 114 ]

" اللبن. وفي مرآة العقول كذلك وفي كتب الفروع أيضا كذلك، فالنسخة من خطأ النساخ جزما. بل المناقشة في مرسلة الصدوق أيضا لا تخلو من إشكال بعد انتساب الرواية جزما إلى الصادق عليه السلام وهو غير ممكن من مثل الصدوق إلا مع وثاقة رواتها، أو محفوفيتها بقرائن توجب جزمه بالصدور، فيمكن أن يجعل ذلك توثيقا منه للرجلين، ولو نوقش فيه فلا أقل من كونها معتمدة عنده ومجزوما بها، سيما مع ما في أول الفقيه من الضمان مضافا إلى أن المحكي عن العلامة تصحيح بعض روايات ابن مسلم إلى الصدوق وعلي بن أحمد فيه، وقيل: إن الصدوق كثيرا ما يذكره مترضيا عنه ومترحما عليه، وعن المجلسي الاول توثيق أبيه مستندا إلى اعتماد الصدوق عليه في كثير من الروايات، وعن الفاضل الخراساني تصحيح خبرهما في سنده وجعلهما من مشايخ الاجازة. والظاهر أن لصحيحة حريز إطلاقا، ولا يكون ذيلها قرينة على عدمه لو لم يكن مؤكدا له، فان الظاهر من قوله عليه السلام: " وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " هو ذكر أحد شقي المذكور في الصدر، فكأنه قال: كل ما يفصل من الدابة ذكي ذاتا، لكن إذا أخذت من الميت اغسله لنجاسته العرضية. وأغرب من جميع ذلك المناقشة في صحيحة زرارة بمجرد اشتمالها على الجلد إما الاشتباه من النساخ أو الرواة، أو لجهة في الصدور مع كون سائر المذكورات فيها موافقة للنصوص والفتاوى، فلا وجه لردها. وأغرب من ذلك المناقشة في الصحيحة بطريق الصدوق مع عدم اشتمالها على الجلد. بل يكشف ذلك عن الاشتباه في رواية الشيخ، فلا وهن فيها بوجه، وهى حجة كافية في رفع اليد عن قاعدة منجسية النجس.

[ 115 ]

وفي دعوى الحلي ما لا يخفى، سيما في نسبة الشذوذ إلى الرواية مع أنها مشهورة فتوى، متكررة نقلا، موافقة لفتوى المحصلين من أصحابنا. ولعل مراد العلامة الشهرة عند المتأخرين، وإلا فقد مرت كلمات القوم وإجماع الخلاف والغنية، والشهرة المتأخرة لا تفيد جرحا ولا جبرا. ومن ذلك لا يعبؤ برواية وهب بن وهب، أكذب البرية، مع أن الحرمة غير النجاسة، فيمكن أن يكون اللبن من الميت حراما غير نجس فلو كانت الرواية معتمدة يمكن الجمع بينها وبين سائر الروايات بذلك فبقى ما دل على الطهارة بلا معارض، وأما رواية الفتح مع ضعفها سندا ووهنها متنا مخالفة للاجماع والنصوص المعتبرة، وقد مر الكلام في رواية يونس، مع أن الانحصار بالخمسة مما لم يقل به أحد، فلا مفهوم لها جزما. ثم أنه يأتي الكلام إنشاء الله في نجاسة شعر الكلب وأخويه في محله المناسب له فان الكلام ها هنا في نجاسة الميتة، نعم ينبغي الجزم بعدم تأثير الموت في تنجيس ميتتها بعد الجزم بعدم كون النجاسة بالموت أغلظ من نجاستها الذاتية، لعدم معنى تنجس النجس لكن لو كان للميت بما هو كذلك حكم يترتب عليها بموتها. فما يشعر به كلام الشيخ الاعظم من ارتضائه بتنجسها بالموت مضافا إلى نجاستها العينية وعدم نجاسة ما لا تحله الحياة منها بالموت، بل يكون على نجاستها الاولية، لا يخلو عن الاشكال، ولعله أشار إليه بقوله فافهم. (تنبيه استطرادي) ذكر المحقق ها هنا غسل المس فقال: يجب الغسل على من مس ميتا من الناس قبل تطهيره وبعد برده، والظاهر

[ 116 ]

منه أن محل الكلام موضوع واحد: هو مسه كما هو المعروف، لكن يظهر من الشيخ في الخلاف أن محط البحث بين الفريقين أمران: أحدهما أنه هل يجب الغسل على غاسل الميت؟ والثاني هل يجب ذلك على من مس ميتا بعد برده وقبل غسله؟. وذلك أنه عنون المسألة الاولى فقال: يجب الغسل على من غسل ميتا، وبه قال الشافعي في البويطي، وهو قول علي عليه السلام وأبى هريرة، وذهب ابن عمر وابن عباس وعائشة والفقهاء أجمع: مالك وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأحد قولي الشافعي قاله في عامة كتبه أن ذلك مستحب، ثم استدل على الوجوب باجماع الفرقة وقاعدة الاحتياط ورواية أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ ". ثم عنون الثانية وجعل المخالف جميع الفقهاء، واستدل بالاجماع والاحتياط دون الرواية. وهو ظاهر في أن خلافهم في الاولى دون الثانية. ثم أن الموضوع في المسألة الاولى يحتمل أن يكون عنوان الغاسل ولو لم يمس الميت، فيكون الخلاف في أن الغاسل بما هو هل يجب عليه أم لا؟. ويحتمل أن يكون المس الحاصل بتبع الغسل بمعنى أن للمس مصداقين أحدهما ما هو تبع الغسل، وهو محل الخلاف الاول، والثاني ما هو مستقل، وهو مورد الثاني، والجمود على ظاهر عنوان الخلاف أن محط البحث الاول، كما ربما تشهد له بعض الروايات، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " قلت: الرجل يغمض عين الميت أعليه غسل؟ قال: إذا مسه بحرارته فلا، ولكن إذا مسه بعدما برد

[ 117 ]

فليغتسل، قلت: فالذي يغسله يغتسل؟ قال: نعم " (1) وصحيحته الاخرى عن أحدهما عليهما السلام قال: " الغسل في سبعة عشر موطنا - إلى أن قال - وإذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسسته " الخ (2) ورواها الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام باختلاف يسير (3) لكن عطف فيها " كفنته " بالواو، وهو الصحيح. وصحيحة معاوية بن عمار قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الذي يغسل الميت أعليه غسل؟ قال: نعم، قلت: فإذا مسه وهو سخن؟ قال: لا غسل عليه، فإذا برد فعليه الغسل " (4) حيث يظهر منها أن عنوان الغاسل غير عنوان الماس، ويجب على كل منهما الغسل، مضافا إلى أن ذلك مقتضى الجمود على ظاهر ما علق فيها الغسل على عنوان من يغسل الميت تارة، وعلى من مسه أخرى في سائر الروايات. لكن مع ذلك لا يمكن الالتزام بوجوبه له ولو مع عدم المس، لعدم احتماله في كلمات القوم فضلا عن اختياره، فلا بد من حمل مادل على وجوبه على من مسه حال غسله، أما حمل مثل صحيحة ابن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من غسل ميتا وكفنه اغتسل غسل الجنابة " (5) على ذلك فلان غسله ملازم عادة لمسه. وقلما يتفق التفكيك لو لم نقل لم يتفق. وأما صحيحة الاولى المتقدمة فلاحتمال أن يكون سؤاله لشبهة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاغسال المسنونة الحديث - 11 - 4. (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب غسل المس - الحديث 4 - 6

[ 118 ]

أن مسه حال الغسل لا يوجبه، أو أن غسله موجب لسقوط غسل المس تبعا، كما أن السؤال في صحيحة معاوية محمول عليه أيضا، فلا يكون سؤاله عن عنوان الغسل بل عن مسه في ضمنه، كما لعله المتفاهم عرفا منها، بل هو ظاهرها. وعليه تحمل صحيحة ابن مسلم الاخرى، ضرورة أن التكفين لا يوجب شيئا، فيكون المقصود المس حال الغسل، وذكر التكفين لعله لاجل أن الغاسل هو المكفن، ولهذا عد فيها للثلاثة غسلا واحدا، ولولا ذلك للزم أن يكون الغسل في تسعة عشر موطنا لا سبعة عشر، فالغسل في الثلاثة لعنوان واحد هو المس، فتكون الرواية شاهدة على عدم تعدد العنوان، وتشهد لذلك حسنة الفضل الآتية الواردة في علة غسل من غسل ميتا بل هي حاكمة على غيرها. فموضوع البحث هو مس الميت بعد برده وقبل غسله، كما عنون المحقق وغيره، وقد عرفت عنوان الشيخ، ولعل خلاف العامة في الغاسل الذي مسه لا الاعم، ولا أظن الخلاف في عدم وجوبه على من لم يمسه. وكيف كان فالغسل واجب لمسه إجماعا كما في الخلاف وعن الغنية وفي استفادته من كلامهما كلام، وهو المشهور كما عن المختلف وجامع المقاصد والكفاية ومذهب الاكثر كما عن طهارة الخلاف والتذكرة والمنتهى والمدارك والكفاية في موضع آخر، ولم يحك الخلاف صريحا إلا عن السيد، وفي الخلاف أن من شذ منهم لا يعتد بخلافه، وتدل عليه روايات مستفيضة أو متواترة، فهي بين آمرة بالغسل كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة عن أحدهما عليهما السلام، وصحيحة عاصم ابن حميد (1) وصحيحة ابن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام قال:


(1) قال: " سألته عن الميت إذا مسه الانسان أفيه غسل؟ =

[ 119 ]

" من غسل ميتا وكفنه اغتسل غسل الجنابة " (1) وصحيحة الحلبي وفيها: " ويغتسل من مسه " (2) وصحيحة الاقطع وصحيحة حريز عن أبى عبد الله عليه السلام (3). ومعبرة بأن عليه الغسل كصحيحة معاوية بن عمار قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الذي يغسل الميت أعليه غسل؟ قال: نعم - إلى أن قال -: فإذا برد فعليه الغسل " الخ (4) وصحيحة عبد الله بن سنان على الاصح عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها " ولكن إذا مسه وقبله وقد برد فعليه الغسل " (5) وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: " سألته عن رجل مس ميتا عليه الغسل؟ قال: فقال: إن كان الميت لم يبرد فلا غسل عليه، وإن كان قد برد فعليه الغسل إذا مسه " (6). ومعبرة بأنه الفرض كرواية يونس عن بعض رجاله عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " الغسل في سبعة عشر موطنا منها الفرض ثلاثة قلت ما الفرض منها؟ قال: غسل الجنابة وغسل من مس ميتا


= قال: فقال: إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل " راجع الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 3. (1) مرت ص 117. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 9. (3) وفيها: " من غسل ميتا فليغتسل، وان مسه ما دام حارا فلا غسل عليه، وإذا برد ثم مسه فليغتسل " الخ. راجع الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الغسل المس - الحديث 14. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 4 - 15 - 18.

[ 120 ]

وغسل الاحرام " (1). ومعبرة بمادة الامر كحسنة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: " انما أمر من يغسل الميت بالغسل لعلة الطهارة مما أصابه من نضح الميت، لان الميت إذا خرج منه الروح بقى منه أكثر آفته " (2). ومعبرة بمادة الوجوب كصحيحة الصفار قال: " كتبت إليه عليه السلام: رجل أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقع: إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (3) بناء على ضم المعجمة كما لا يبعد، وفي موثقة سماعة أو صحيحته " وغسل من مس الميت واجب " (4) تأمل، إلى غير ذلك. فلا اشكال في دلالتها على وجوبه والخدشة فيها من بعضهم في غير محلها. نعم هنا روايات ربما يتمسك بها لعدم الوجوب كرواية سعد بن أبي خلف، ولا يبعد أن تكون صحيحة قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الغسل في أربعة عشر موطنا، واحد فريضة والباقي سنة " (5). وفيه إن المواطن غير مذكورة فيها، ولعل الباقي المراد منها الاغسال المندوبة، وإلا فلا شبهة في وجوب أغسال أخر، كمال لا إشكال في زيادتها عن أربعة عشر، ولو قيل باندراج بعضها في بعض يقال من المحتمل اندراج الواجبات في غسل الجنابة باعتبار اشتراكها في رفع


(1) و (2) (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس الحديث 17 - 11 - 5. (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب غسل المس الحديث 16. (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب غسل الجنابة - الحديث 11

[ 121 ]

الحدث الاكبر. ومع الاغماض عنه لابد من حمل الفريضة على ما ثبت وجوبه بالكتاب، وإلا فلا ينحصر الواجب في غسل الجنابة بالضرورة، فسبيل هذه الرواية سبيل صحيحة عبد الرحمان بن أبي نجران " أنه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب والثاني ميت - إلى أن قال -: لان غسل الجنابة فريضة وغسل الميت سنة " (1) وقريب منها رواية الحسين بن النضر (2) وغيرها، ضرورة وجوب غسل الميت. ولو كان المراد من أربعة عشر موطنا هي المعدودة في محكي الخصال صحيحة عن عبد الله بن سنان لوجب حملها على ما ذكر، لان فيها غسل الميت، وهو واجب بلا شبهة. ومنه يظهر الجواب عن مرسلة الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام وصحيحة محمد بن مسلم، والظاهر كونهما واحدة كما مر. وفيها بعد عد جملة من الاغسال منها غسل المس قال: " وغسل الجنابة فريضة " هذا مع عدم المفهوم لها. ومنه يظهر الجواب عن رواية الاعمش عن جعفر بن محمد (3) وفيها بعد عد جملة منها غسل المس قال: " وأما الفرض فغسل الجنابة، وغسل الجنابة والحيض واحد " مضافا إلى أن من جملة المعدود فيها غسل الميت، وهو معلوم الوجوب، فلا بد من رفع اليد عن مفهومها لو سلم المفهوم، أو حملها على ما تقدم. ومن بعض ما تقدم يظهر الجواب عن رواية عمرو بن خالد عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب التيمم - الحديث 1 - 4 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاغسال المسنونة - الحديث 8

[ 122 ]

زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال " الغسل من سبعة: من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت، وإن تطهرت أجزأك " (1) وذكر غيره، فان اثبات الوجوب لغسل الجنابة لا يدل على النفى عن غيره، ولو استدل له بقوله عليه السلام: " وإن تطهرت " الخ فلم يتضح معناه لاحتمال كون المراد من التطهير غسل الجنابة، ويريد إجزاءه عن غسل المس، ولعل التعبير بالتطهير تبعا للكتاب، حيث قال: " وان كنتم جنبا فاطهروا " (2) وحملها الشيخ على التقية، ولا بأس به لو أغمض عما ذكرناه. وأما رواية الحسن بن عبيد قال: " كتبت إلى الصادق عليه السلام هل اغتسل أمير المؤمنين حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله عند موته؟ فأجاب النبي طاهر مطهر، ولكن فعل أمير المؤمنين، وجرت به السنة " (3) فهي ظاهرة في معروفية ثبوت الغسل لمس الميت، وانما سأل عن مس رسول الله صلى الله عليه وآله لخصوصية فيه، فأجاب بما أجاب، فيظهر منها أن غسل مس المعصوم عليه السلام سنة لكونه طاهرا مطهرا، وحكمه غير حكم مس غيره، فلا بد بعد ثبوته أن يكون واجبا فتدل على المقصود أي وجوبه لمس غير الطاهر. وأما رواية الاحتجاج (4) فظاهرة في المس حال الحرارة كما لا


(1) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 8 - 7. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 6. (4) عن أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج قال " مما خرج عن صاحب الزمان عليه السلام إلى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري حيث كتب إليه: روى لنا عن العالم عليه السلام =

[ 123 ]

يخفى، وتدل عليه مكاتبة أخرى (1) فراجع، وأما عده في عداد المستحبات فلا دلالة على استحبابه كما عد غسل الميت والحيض في عدادها. وأما ما دل على حصر النواقض في غيره فمضافا إلى أن الكلام في وجوبه لا ناقضيته أن تلك الروايات في مقام الرد على العامة الذين عدوا كثيرا من الامور من النواقض، فالحصر إضافي فراجعها. فتحصل مما ذكر أن لا معارض للروايات الدالة على وجوبه، فلا إشكال فيه، كما لا إشكال في عدم الغسل لمسه قبل البرد، كما صرحت به جملة من الروايات فيحمل عليها إطلاق غيرها لو كان، وكذا لا إشكال بعدم شئ بمسه بعد الغسل كما صرح به في صحيحة ابن مسلم (2)


= انه سئل عن امام قوم يصلي بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال: يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه، التوقيع: ليس على من مسه إلا غسل اليد، وإذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تمم صلاته مع القوم " راجع الوسائل - الباب - 3 - من أبواب غسل المس - الحديث 4. (1) وعن الطبرسي قال: " وكتب إليه: وروي عن العالم أن من مس ميتا بحرارته غسل يده ومن مسه وقد برد فعليه الغسل، وهذا الميت في هذه الحال لا يكون إلا بحرارته، فالعمل في ذلك على ما هو؟ ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه فكيف يجب عليه الغسل؟ التوقيع: إذا مسه على (في) هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده " راجع الوسائل - الباب - 3 - من ابواب غسل المس - الحديث 5. (2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس " راجع الوسائل - الباب - 3 - من أبواب غسل المس - الحديث 1.

[ 124 ]

وعبد الله بن سنان (1) فلا بد من حمل موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يغتسل الذي غسل الميت، وكل من مس ميتا فعليه الغسل وإن كان الميت قد غسل " (2) على الاستحباب أو غير ذلك. هذا إذا لم يجز جعل اسم كان ضميرا راجعا إلى من مس، وجعل الجملة التي بعدها خبرها بدعوى عدم جواز جعل معمول الخبر تلو العامل وإلا فتسقط عن الدلالة على الخلاف، فلا دليل على استحبابه إلا إشعار بعض الروايات. كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها قال: " فمن أدخله القبر؟ قال: لا، إنما مس الثياب " (3) ونحوها صحيحة حريز (4) فهما مشعرتان أو ظاهرتان في أنه إذا مس جسده فعليه الغسل، فلا بد من حملهما على الاستحباب جمعا، والامر سهل. ثم الظاهر أن المس من الاحداث الموجبة لنقض الطهارة، كما عن النهاية والدروس والذكرى والالفية، وعن شرح المفاتيح أن المشهور المعروف بين الفقهاء أن مس الميت من الناس حدث أكبر كالجنابة والحيض وعن الحدائق دعوى عدم الخلاف بينهم لا لمجرد أن الامر بالغسل عند مسه ظاهر في أنه مثل الجنابة من الاحداث المقتضية للطهارة لان الظاهر منه أن الغسل رافع لما يحدث بالمس لكن لا يجدي ذلك في اثبات أن ما يحدث به حدث مانع للصلاة، وقياسه على سائر الاحداث


(1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال " لا بأس بأن يمسه بعد الغسل ويقبله " راجع الوسائل - الباب - 3 - من ابواب غسل المس - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب غسل المس - الحديث 3 (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس - الحديث 10 - 14.

[ 125 ]

كما ترى. وبعبارة أخرى أن الظاهر من ترتب وجوب الغسل على المس أنه دخيل في ذلك، والمتفاهم منه عرفا أن المس موجب لحدوث حالة معنوية للماس لا ترتفع إلا بالغسل، وأما كون تلك الحالة مانعة عن الصلاة أو أن الغسل منه شرط لها فلا الا بالقياس إلى الجنابة وغيرها. بل لدلالة جملة من الروايات كمكاتبتي الحسن بن عبيد والصقيل قال: " كتبت إلى الصادق عليه السلام هل اغتسل أمير المؤمنين حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله عند موته فأجابه: النبي طاهر مطهر ولكن فعل أمير المؤمنين، وجرت به السنة " (1) حيث أن الظاهر منهما أن مس غير الطاهر المطهر من حدث الموت موجب للغسل، والظاهر منه أن ايجابه له إنما هو بنحو من السراية كما أن الظاهر من أدلة غسل ملاقي النجاسات ذلك. فالمفهوم منهما أن مس الاموات موجب لحصول حالة شبيهة بما في الاموات أي القذارة المعنوية المقابلة للطهارة، وترتفع بالغسل وتتطهر به، فإذا ضم ذلك إلى قوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (2) يتم المطلوب، ويؤيده بل يدل عليه ما دل على أن غسل الاموات غسل الجنابة وكحسنة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: " إنما أمر من يغسل الميت بالغسل لعلة الطهارة مما أصابه من نضح الميت " الخ (3) وقريب منها رواية محمد بن سنان عنه عليه السلام (4) لكن في ذيلها " لان الميت إذا خرج منه الروح بقى أكثر آفته، فلذلك


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب غسل المس الحديث 7. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الوضوء الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس الحديث 12 - 13

[ 126 ]

يتطهر منه ويطهر ". وهما كالصريح في أن المس موجب للقذارة والحدث المقابلين للطهارة وهي تحصل بالغسل، ولما كان بصدد بيان علة الاغتسال لا بد من حمل ما أصابه على قذارة معنوية مقابلة للطهور الحاصل بالغسل بالضم، وأصرح من ذلك ذيل الثانية أي " يتطهر منه ويطهر " إذ معلوم أن المراد التطهير من الحدث كتطهير الميت منه، بل يمكن الاستشهاد لذلك بالقول المحكى عن أمير المؤمنين عليه السلام في رواية زيد بن علي عليه السلام قال: " الغسل من سبعة: من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت، وإن تطهرت أجزأك ". (1) بناء على أن المراد التطهير من الجنابة كما احتملناه، أو التطهير من مس الميت كما احتمله الحر في الوسائل. وكيف كان لا إشكال في كونه حدثا مانعا من الصلاة وغيرها مما هو مشروط بالطهارة، وهل هو ناقض للوضوء، فلو كان على وضوء ومسه يجب عليه الغسل والوضوء إن قلنا بعدم كفاية الاول عن الثاني كما هو الحق؟ وجهان. لا يبعد أقربية الاول. ويمكن الاستدلال عليه برواية ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في كل غسل وضوء إلا الجنابة " (2) وفي مرسلته الاخرى عنه عليه السلام قال: " كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة " (3). بدعوى أن الظاهر أن الحكم فعلي، وأن كل غسل يجب قبله أو بعده وضوء، ومقتضى الاطلاق لزومه، ولو مع كونه على وضوء قبل تحقق السبب، لا حيثى يراد به أن غير غسل الجنابة لا يجزي عن الوضوء حتى يقال: لا يراد لزوم الوضوء حتى


(1) مرت في ص 122. (2) و (3) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب الجنابة - الحديث 2 - 1

[ 127 ]

مع الفرض، فتدل على سببية ما يوجب الغسل للوضوء أيضا، وعدم إجزاء الغسل عنه. نعم على ما احتملناه سابقا من أن المراد اشتراط تحقق الغسل بالوضوء تكون أجنبية عن المقام. لكن لا يبعد دعوى كون ذلك الاحتمال خلاف الظاهر، ولهذا لم أجد احتماله في كلماتهم، وكيف كان لو لم يكن الناقضية أقوى فهي أحوط. وهل يلحق المتيمم بالمغتسل مطلقا في رفع حدثه وخبثه أو لا مطلقا أو يلحق في رفع الاول؟ وجوه، أقواها الاول، لا لما قد يقال: إنه مقتضى عموم أدلة البدلية، لعدم الدليل على عمومها حتى في الخليطين، أما دليل تنزيل التراب منزلة الماء فظاهر، وأما مثل قوله عليه السلام: " ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) فلان تلك الروايات ناظرة إلى الآية الكريمة التي أفادت بدليته عن الماء في الوضوء وغسل الجنابة، وليست مطلقة خرجت منها الطهارة من الاخباث في جميع الموارد إلا ما ندر، كما لا يخفى. فسبيل تلك الطائفة سبيل دليل التنزيل. ولا لما يقال: إنه حيث علم أن غسله ليس إلا غسل الجنابة وأنه يغسل الميت لصيرورته جنبا، فيكون الحال حينئذ بمنزلة ما لو بين الشارع للجنابة سببا آخر غير السببين المعهودين، فلا يشك حينئذ في قيام التيمم مقام غسلها حال الضرورة بمقتضى عموم ما دل على أنه أحد الطهورين، فيعلم أن التعدد وتشريك غير الماء معه في طهوريته لخصوصية المورد، فاعتبار ذلك لا يمنع من شمول أدلة البدلية، خصوصا مع أن السبب الاعظم الذي يستند إلى الطهورية إنما هو الماء وخصوصياته المعتبرة ككونه بماء السدر والكافور بمنزلة الاوصاف الغير المقومة. وذلك لانه بعد الاعتراف بأن الخليط دخيل في الرفع، وليس الماء


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب التيمم - الحديث 1.

[ 128 ]

القراح تمام السبب في ذلك لا بد من التماس دليل على قيام التراب منزلة الماء المخلوط الذى يكون الخلط جزء سبب الرفع، ومجرد كون الماء السبب الاعظم على فرض تسليمه لا يفيد في قيام التيمم مقامه، وكون غسله غسل الجنابة على فرض تسليم كون تلك الجنابة كسائر الجنابات والغض عما في النصوص من خروج النطفة التي خلق منها من فمه أو غيره الدال على أن هذه من غير سنخ سائر الجنابات لا يفيد أيضا بعد كون السبب الرافع ولو لخصوصية المورد غير الماء القراح، بل الاغسال الثلاثة بالمقررات الخاصة، ومعه لا بد من دلالة دليل على قيام التراب منزلة السبب وهو مفقود. بل للادلة الخاصة الدالة على وجوب تيمم الميت مع فقد الماء كصحيحة عبد الرحمان بن أبي نجران " أنه سأل أبا الحسن موسى ابن جعفر عليه السلام عن ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب والثاني ميت والثالث على غير وضوء وحضرت الصلاة، ومعهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء وكيف يصنعون؟ قال: يغتسل الجنب ويدفن الميت بتيمم، ويتيمم الذي هو على غير وضوء، لان غسل الجنابة فريضة وغسل الميت سنة، والتيمم للآخر جائز " (1) وفي نسخة من الوسائل الموجودة لدي نقلها بهذا المتن عن الشيخ بسنده عن عبد الرحمان عمن حدثه عن الرضا عليه السلام، لكن عن المدارك نقل الصحيحة مع سقوط لفظ " بتيمم " وأورد عليه صاحب الحدائق بأن الصحيحة بسند الصدوق مشتملة عليه، نعم لم تشتمل عليه رواية الشيخ، وهي غير صحيحة، ثم قال: " إن صاحب الوافي والوسائل قد نقلا هذه الرواية من التهذيب بهذا المتن - الذى ذكره، اي مع سقوطه - ثم


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب التيمم - الحديث 1.

[ 129 ]

نقلاها عن الفقيه وأحالا المتن على ما نقلاه عن التهذيب ولم ينبها على الزيادة - ثم قال -: إني قد تتبعت نسخا عديدة مضبوطة من الفقيه فوجدت الرواية فيها كما ذكرته من الزيادة " انتهى، لكن في نسخة الوسائل عكس ما قال في الحدائق، فانه نقل صحيحة ابن أبي نجران من الفقيه مع الزيادة، ثم نقل عن التهذيب وأحال المتن على ما نقل عن الفقيه. وكيف كان هذه الصحيحة المشتملة على الزيادة حجة قاطعة على وجوب تيممه مع فقد الماء. وتدل على وجوبه عند العذر رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: " إن قوما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله مات صاحب لنا وهو مجدور فان غسلناه انسلخ فقال: يمموه " (1) وقد يقال بجبر سندها بفتوى الاصحاب بمضمونها وذكره في المتون. وجه الدلالة على المقصود: أن المتفاهم منهما بعد مسبوقية ذهن المتشرعة بقيام التيمم مقام الغسل في الجنابة وغيرها أن الامر بالتيمم عند فقد الماء والتعذر لاجل حصول ما يحصل بالغسل به في هذا الحال، ولا يكون التيمم أجنبيا غير مؤثر في تطهير الميت، لمقطوعية خلافه ومخالفته لارتكاز المتشرعة، فالمفهوم منهما أنه يقوم مقام الغسل في جميع الآثار، ومنها رفع الخبث، فان الرافع له مع نجاسته العينية ليس الغسل بالفتح بل الغسل. وبالجملة أن أدلة البدلية كتابا وسنة صارت موجبة لاستظهار ما ذكرناه من الدليل الخاص لو فرض قصوره وإن لم تكن بنفسها دالة


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب غسل الميت - الحديث 3

[ 130 ]

عليه، فالاقوى قيامه مقامه في رفع الخبث أيضا، نعم رفعه لهما في موضوع خاص أو إلى أمد خاص، كما مر في باب التيمم. ومن هنا يظهر حال الاغسال الاضطرارية سواء كان مستندها الادلة الخاصة كغسل المحرم بلا كافور، أو كون الغاسل كافرا أو مخالفا، أو مستندها أدلة التقية كالغسل على طبق أهل الخلاف تقية، أو دليل الميسور أو اطلاق أدلة الغسل مع قصور دليل اعتبار الشرط والقيد مثلا. أما الاخير فواضح، وأما ما عداه فلظهور الادلة الخاصة والعامة في أن الطبيعة المأتى بها حينئذ ليست أمرا أجنبيا عن تحصيل ما يترقب من الغسل من رفع الحدث والخبث، بل المتفاهم منها أن الغسل الذي أوجبه الله تعالى لتطهير الميت حدثا وخبثا ولملاقاته لملائكة الله طاهرا نظيفا هو المصداق الاضطراري لدى الاضطرار، وأنه موجب لتطهره. فهل يمكن أن يقال: إن المحرم المحروم من الكافور باق على جنابته ونجاسته، ويكون الامر بغسله لا للتطهير منهما، بل لمطلوبية نفسية بلا ترتب أثر عليه؟ ولا أظن التزام مثل الشيخ الاعظم المستشكل في المسألة بذلك فيه، وكذا فيما إذا كان الغاسل كافرا، فان الظاهر من الادلة أنه يأتي بالغسل الذي يترتب عليه الآثار المطلوبة، بل الامر كذلك لو كان دليل المثبت قاعدة الميسور، لان الارجح في معنى قوله عليه السلام: " الميسور لا يسقط بالمعسور " أن ميسور الطبيعة لا يسقط بمعسورها، بمعنى أن الطبيعة المأمور بها التي يكون لها فردان: اختياري واضطراري لا تسقط عن العهدة بمعسورية الاختياري، بل يؤتى بها بمصداقها الميسور، فالطبيعة المأتى بها حال الاضطرار عين المأتى بها حال الاختيار، والاختلاف في الخصوصيات الفردية، فيترتب عليها ما يترتب على الاختياري منها، وقد فرغنا في رسالة التقية عن أن المأتى

[ 131 ]

به حالها مجز عن الواقع، ويترتب عليه ما يترتب على الفرد المأتى به في غير حالها. فما أفاده شيخنا الاعظم من انصراف الغسل في الاخبار إلى الغسل الاختياري التام ولا دليل على قيام الاضطراري مقام الاختياري في جميع الاحكام غير متجه. وأما من لا يجب تغسيله إما لتقديم غسله على موته كالمرجوم، أو لكونف‍ شهيدا لا يغسل كرامة، أو لكونه كافرا لا يغسل إهانة ولقصور المحل عن التأثير فالاظهر عدم إيجاب الموت في الاولين الجنابة والنجاسة. لظهور دليل أولهما في أن غسله المعهود صار مقدما، ولا يتوهم عدم معقولية تأثير السبب المتقدم في رفع أثر السبب المتأخر زمانا، لانه بعد ظهور الدليل في أن غسله غسل الميت قدم على موته نلتزم بمانعيته عن تأثير السبب، أي الموت في الحدث والخبث. وبالجملة الظاهر من دليل تقديم الغسل أن الاثر المترتب على الغسل المتأخر مترتب عليه، وإن كان نحو التأثير مختلفا لكون المتأخر رافعا وهو دافع. واحتمال أن وجوب الغسل المتقدم بملاك آخر غير ملاك سائر الاغسال وأن المرجوم لابد وأن يدفن جنبا ونجسا ففي غاية السقوط، وأما الشهيد فلا شبهة في أن سقوط غسله إنما هو لكرامة فيه، وأنه لعلو قدره لا يصير جنبا ولا نجسا. ومعه لا يجب على من مسه غسل ولا غسل، أما بالفتح فواضح، وأما بالضم فلظهور الادلة في أن الموجب له مس غير المطهر، فلا إشكال في المسألة وإن قال الشيخ الاعظم: إن المسألة لا تخلو من إشكال. وأما الثالث فيجب الغسل بمسه لاطلاق مثل صحيحة عاصم بن

[ 132 ]

حميد قال: " سألته عن الميت إذا مسه انسان أفيه غسل؟ قال: فقال: إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل " (1) بل الظاهر من سائر الاخبار أن الموجب للغسل هو المس، وأن الغسل غاية لرفع الحكم لا قيد في الموضوع، فظاهر مثل قوله عليه السلام: " إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (2) أن مس جسده موجب لذلك، والغسل غاية لرفع الحكم، لا أن مس جسد من يجب غسله أو من يغسل موجب له، وتدل عليه رواية العلل (3) وغيرها. بل ربما يتمسك له بمثل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " في رجل مس ميتة أعليه الغسل؟ قال: لا إنما ذلك من الانسان " (4) وفيه كلام وإشكال. ثم أن مقتضى إطلاق بعض الروايات كصحيحتي علي بن جعفر ومحمد بن مسلم وغيرهما عدم الفرق في الماس والممسوس بين ما تحله الحياة وغيره. نعم لا يبعد الانصراف أو عدم الصدق في الشعر سيما المسترسل منه. وعلى فرض الاطلاق يمكن القول بالتفصيل في الممسوس بينه وبين غيره، لصحيحة عاصم بن حميد المتقدمة آنفا، فان الظاهر من ذكر الجسد سيما بعد فرض الراوي مس الميت أن له دخالة في الحكم وهو عليه السلام ذو عناية بذكره، والظاهر عدم صدقه على الشعر بل لا يبعد مساوقته للبشرة، نعم لا شبهة في صدقه على مثل الظفر والعظم والسن. وأما مكاتبة الصفار الصحيحة قال: " كتبت إليه: رجل أصاب


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب غسل المس الحديث 3 - 5 - 11.

[ 133 ]

يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل، هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقع عليه السلام: إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (1) ففي دلالتها تأمل ناش من احتمال كون الغسل بالفتح بمناسبة السؤال، وان كان المظنون ضمه، ومن احتمال كون ذكر الجسد في مقابل الثوب المذكور في السؤال. ويمكن التمسك للتفصيل بين الشعر وغيره بمكاتبة الحسن بن عبيد المتقدمة فان الظاهر من قوله عليه السلام: " النبي طاهر مطهر " (2) أن علة الغسل من المس نحو سراية من الممسوس إلى الماس، والمناسبة تقتضي أن تكون السراية في الخبثية نحوها وفي الحدثية نحوها، فان قلنا بأن الشعر كما أنه لا ينجس لا يصير معروضا للحدث ولا يجب غسله في غسل الجنابة ولا غسل الميت تدل الرواية على عدم لزوم الغسل بمسه لعدم السراية منه. ومنه يظهر دلالة رواية العلل والعيون ومحمد بن سنان عن الرضا عليه السلام عليه. نعم إن قلنا بوجوب غسل الشعر في الجنابة وغسل الميت كما لا يبعد فلا تكون الروايات شاهدة على التفصيل، وكيف كان الاقوى التفصيل في الممسوس، كما لا يبعد في الماس أيضا، لقوة دعوى الانصراف أو عدم الصدق. وأما التفصيل بين ما تحله الحياة وغيره متشبثا بحسنة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال " انما لم يجب الغسل على من مس شيئا من الاموات غير الانسان كالطيور والبهائم والسباع وغير ذلك


(1) مرت في ص 120. (2) مرت في ص 125.

[ 134 ]

لان هذه الاشياء كلها ملبسة ريشا وصوفا وشعرا ووبرا، وهذا كله ذكي لا يموت، وانما يماس منه الشئ الذي هو ذكى من الحي والميت " (1) ففي غاية الاشكال، بل غير وجيه، وإن ذهب إليه الشيخ الاعظم فان ما ذكر إن كان علة للتفصيل بين ما تحله الحياة وغيره لا بين الانسان وغيره فلا إشكال في مخالتفها للاجماع بل الضرورة. وإن كان نكتة للتشريع بمعنى أن الاغلب لما كان الملاقاة لغير الانسان بما ذكر صار ذلك علة لجعل عدم البأس لملاقاته مطلقا، أو لعدم جعل الحكم له كذلك مس البشرة أو غيرها يكون مقتضى المقابلة إن مس ميت الانسان مطلقا موجب له، وإن كانت نكتة التشريع غلبة المباشرة مع البشرة فتكون شاهدة على خلاف المقصود، ولا أقل من عدم الدلالة على التفصيل. وبالجملة كيف يمكن الاستدلال للتفصيل بما يكون محل التفصيل منه غير مراد جزما، فما أفاده شيخنا الاعظم في وجه التمسك غير وجيه، والتفصيل بين ما تحله وغيره في الممسوس ضعيف فضلا عن الماس وإن فصل الشهيد في الروض بينهما في الماس والممسوس. فروع: الاول: مقتضى الاصل أن مس القطعة المبانة من الميت موجب للغسل سواء كانت مشتملة على العظم أو لا، أو عظما مجردا حتى السن والظفر، فكل ما يوجب مسه الغسل حال الاتصال يوجبه حال الانفصال، لاستصحاب الحكم التعليقي وقد فرغنا عن جريانه إذا كان التعليق شرعيا كما في المقام. وقد يتوهم عدم جريانه، لانه فرع إحراز الموضوع، والقدر المتيقن


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب غسل المس - الحديث 5.

[ 135 ]

الذي علم ثبوته عند اتصال العضو بالميت إنما هو وجوب الغسل بمس الميت المتحقق بمس عضوه، وهو مفروض الانتفاء عند الانفصال، وسببية العضو من حيث هو لم يعلم في السابق حتى يستصحب. وفيه أن موضوع الاستصحاب ليس عين الدليل الاجتهادي حتى يشك فيه مع الشك في الثاني، ويعلم انتفاؤه مع العلم بانتفاؤه، ضرورة أن موضوع الادلة الاجتهادية هو العناوين الاولية مثل الميت والعنب والعالم وغيرها، وأما الاستصحاب فجريانه يتوقف على صدق نقض اليقين بالشك ووحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، فإذا أشير إلى موضوع خارجي كالعنب ويقال: إن هذا الموجود إذا غلى عصيره يحرم، ثم يبس وخرج عن عنوان العنبية لكن بقيت هذيتة وتشخصه عرفا بحيث يقال: إن هذا الموجود عين الموجود سابقا وإن تغير صفة لا شبهة في جريان الاستصحاب فيه، مع العلم بتبدل موضوع الدليل الاجتهادي كما في المثال، لان موضوعه عصير العنب وهو لا يصدق على الزبيب جزما، لكن العنب الخارجي متيقن الحكم بهذيته، لا بمعنى تعلق الحكم على عنوان هذيته، بل بمعنى تعلق اليقين بأن هذا الموجود الذي هو مصداق العنوان ذو حكم بتشكيل صغرى وجدانية وكبرى اجتهادية. ففي المقام يصح أن يقال مشيرا إلى كف الميت المتصلة به: إذا مسست هذه يجب علي الغسل، فإذا قطعت منه وانفصلت لا تتغير، إذا في بعض الحالات فالقضية المتيقنة عين المشكوك فيها، وهو الميزان في جريان الاستصحاب، وأما تغيير موضوع الدليل الاجتهادي فأجنبي عن جريانه ولا جريانه، وهذا الخلط يسد باب جريانه في كثير من الموارد والعجب من قوله أخيرا: إن سببية مس يده من حيث هو لم تعلم في السابق حتى تستصحب، لانه إذا علم سببيته من حيث هو بلا دخالة

[ 136 ]

شئ آخر فيتمسك باطلاق الدليل لا الاستصحاب، إلا مع دعوى قصور الادلة عن إثبات الحكم حال الانفصال ولو في الفرض. ثم أنه لا فرق في اقتضاء الاستصحاب ذلك بين القطعات كما أشرنا إليه، هذا حال الجزء المبان من الميت. وأما المبان من الحي فمقتضى الاستصحاب عدم إيجابه شيئا إن قلنا بجريانه في مثل المقام، وإلا فمقتضى البراءة ذلك، والخروج في المسألتين عن مقتضى الاصل يحتاج إلى الدليل. وأما الادلة الاجتهادية فما اشتملت على مس الميت أو مس جسده فلا إشكال في عدم شمولها لمس القطعة المنفصلة، لعدم صدق الميت ولا جسده عليها عرفا، سواء انفصلت من حي أو ميت. ودعوى إلغاء الخصوصية عرفا إذ لم يفرق العرف بين حال الاتصال والانفصال فاسدة جدا في مثل هذا الحكم التعبدى المجهول العلة، كما أن التمسك بالتعليل الوارد في رواية العلل وغيرها بدعوى أن العلة لوجوب الغسل إذا كانت إصابة نضح الميت وآفاته فهي متحققة مع الانفصال من الميت في غير محله، لان العلة فيها غير حقيقية، ولا يكون الحكم دائرا مدارها، وإلا لزم الالتزام بعدم الوجوب إذا فرض العلم بنظافة الميت وعدم آفات صورية فيه، وهو كما ترى، فتلك العلل ليست معممة ولا مخصصة. مع أن المراد فيها ليس النضح الظاهري ولا الآفات الظاهرية، فانها ترتفع بتنظيف اليد المماسة وتطهيرها لا بالغسل الذي هو أمر تعبدي كما لا يخفى. وقد يستدل لاثبات الحكم للقطعة المنفصلة من الميت باطلاق مرسلة أيوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

[ 137 ]

" إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسه انسان فكل ما فيه عظم فقد وجب على من يسمه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " (1) ولا شبهة في جبرها باتكال الاصحاب عليها قديما وحديثا، ضرورة أن الفتوى بمثل هذا الحكم التعبدي الذي هو مضمون المرسلة لا يمكن إلا بالاتكال عليها، فان ما في الفقه الرضوي (2) مخصوص بالميت، فلم يكن مستند الحكم في الحي، فالخدشة فيها من جهة القطع في غير محلها، كما أن إطلاقها غير بعيد سيما إذا قلنا بأن الرجل بكسر الراء وسكون المعجمة، كما لا يبعد، ولا يكون قوله عليه السلام: " فهي ميتة " موجبة لصرفها إلى الحي، فان المراد بقوله ذلك تنزيل القطعة منزلة الميتة، وإلا فليس صدق الميتة على العضو حقيقيا. وكيف كان لا يبعد الاطلاق، بل لو شك في الانصراف بعد شمول اللفظ وصدق الطبيعة عليهما يشكل رفع اليد عنه بمجرده، لانه شك في انحراف الكلام عن ظاهره اللغوي، إلا أن يقال بأن إحراز عدم الانصراف من مقدمات الاخذ بالاطلاق، وهو ممنوع. وأما ما قيل من أن الرواية وإن انصرفت إلى الحي لكن يلحق به الميت بالاولوية القطعية، ففيه أن ذلك موجه في إيجاب الغسل في مس القعطة المشتملة على العظم لا في عدم إيجاب مس القطعة المجردة، ففائدة القول بالاطلاق تظهر في ذلك الذي هو مخالف للاستصحاب.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب غسل المس - الحديث 1 (2) عن فقه الرضا عليه السلام: " وإن مسست شيئا من جسده أكله السبع فعليك الغسل إن كان فيما مسست عظم، وما لم يكن فيه عظم فلا غسل عليك في مسه " راجع المستدرك - الباب - 2 - من ابواب غسل المس - الحديث 1.

[ 138 ]

لكن لو قلنا بانصرافها إلى الحي وقد عرفت عدم الاولوية في الفقرة الثانية يلزم منه أن لا تكون مستند المشهور تلك الرواية، فاما أن يكون مستندهم الفقه الرضوي وهو بعيد، أو يكون الشهرة أو الاجماع المدعى في الخلاف بلا استناد إلى رواية، وهي أيضا حجة قاطعة في مثل تلك المسألة المخالفة للقواعد والبعيدة عن العقول. نعم يحتمل في عبارة الخلاف أن يكون قوله (ع): " وكان فيها عظم " راجعا إلى ما قعطت من الحي، حيث قال: " إن مس قطعة من ميت أو قطعة قطعت من حي وكان فيها عظم وجب عليه الغسل، وخالف جميع الفقهاء في ذلك " فتكون القطعة المبانة من الميت مطلقا مورد دعوى الاجماع، لكن عبارته في النهاية صريحة في أن القطعة المبانة من الميت أيضا مقيدة باشتمالها على العظم، ومنها يرفع الاحتمال من عبارة الخلاف بارجاع القيد إلى كليهما كما فهم الاصحاب، ولم أجد في كلماتهم احتمال الرجوع إلى الاخير. فتحصل مما ذكر قوة التفصيل بين المشتمل على العظم وبين غيره في الحي والميت، كما هو معقد إجماع الخلاف على ما استظهرناه، وفي التذكرة نسب الخلاف إلى الجمهور مع التنصيص باشتمال القطعة على العظم من آدمي حي أو ميت، وتمسك بالمرسلة ناسبا بنحو الجزم إلى الصادق عليه السلام، وهو دليل على جبرها عنده، بل ثبوت الصدور لديه، وهو المشهور كما عن جامع المقاصد، وفي الحدائق كذلك، وفى التذكرة عن الاكثر، وفي روض الجنان هو الاشهر، وفي الجواهر " على المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا، بل لا أجد خلافا إلا من الاسكافي - فقيده في المبان من الحي بما بينه وبين سنة - وإلا من المصنف في المعتبر والسيد في المدارك فلم يوجباه " انتهى، وفى طهارة شيخنا الاعظم دعوى

[ 139 ]

معروفيته ممن عدا المحقق في المعتبر تارة، ومشهوريته ومخالفته للجمهور أخرى. ثم ان الظاهر من الرواية وجوب الغسل بمس القطعة المشتملة على العظم، وأما مس عظم تلك القطعة فهي قاصرة عن إثبات وجوبه به، فان الظاهر من قوله عليه السلام: " فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " رجوع ضمير يمسه إلى الموصول، فيصير المعنى إذا مس ما كان فيه عظم، والظاهر منه اللحم الذي فيه عظم. ويؤكده قوله عليه السلام: " فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " لان الظاهر أن الموضوع في كليهما مس ما كان مشتملا عليه، والحمل على اشتمال الكل على الجزء خلاف الظاهر جدا، بل لا يبعد أن يكون ذلك ظاهر كلمات الفقهاء كالشيخ والعلامة وغيرهما، فانهم عبروا بمثل الرواية أو قريبا منها، فمس العظم من القطعة المبانة من الحي لا يوجب شيئا على الاقرب فضلا عن العظم المجرد منه، نعم العظم المبان من الميت يوجبه مجردا كان أو لا؟ لما تقدم من الاصل، ولاشعار ما دلت على أن العظام يجب غسلها بعد ما يظهر من الروايات أن غسل المس بنحو من السراية، ولا فرق بين الضرس والظفر وغيرهما، ودعوى السيرة القطعية على عدم الغسل بملاقاتهما في الميت كما ترى، نعم هي في الحي في محلها. ثم أن الاظهر اعتبار حصول البرد في القطعة المبانة من الحي أو الميت، لظهور الرواية في أن إيجاب مسها للغسل متفرع على التنزيل منزلة الميت، فهي باعتبار كونها ميتة في نظر الشارع يوجب مسها الغسل فلا محالة يعتبر فيها ما يعتبر في الميت.

[ 140 ]

واحتمال أن يكون التنزيل في النجاسة فقط باعتبار لفظ الميتة التي لا تطلق على الانسان وباعتبار التفصيل بين ذي العظم وغيره غير وجيه لظهور الرواية في أن إيجاب المس للغسل متفرع على كونها ميتة، وهي قرينة على أن الميتة ها هنا مستعملة في الانسان لو سلم عدم استعمالها فيه، مع أنه غير مسلم وإن لا يبعد انصرافها إليه عند الاطلاق، وبالجملة ظهور التفريع محكم على ذلك وعلى إشعار التفصيل بأن الحكم ليس للميت فالاظهر اعتبار البرودة، كما أن الاظهر اعتبار كونه قبل الغسل. الثاني: لو وجد ميت أو جزء منه في مقبرة فاما أن تكون المقبرة للمسلمين أو لغيرهم أو مشتركة بينهما أو غير معلومة الحال، فعلى أي تقدير إن الاصل يقتضي وجوب الغسل بمسه، وإن يقع الكلام في جريانه موضوعا أو حكما، توضيحه أنه إن قلنا بأن موضوع وجوبه بحسب الادلة مس الميت قبل غسله بدعوى دلالة مكاتبة الصفار عليه إذا فيها: " إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (1) ومفهوم صحيحتي محمد بن مسلم وعبد الله بن سنان إذ قال عليه السلام فيهما: " لا بأس أن يمسه بعد الغسل ويقبله " (2) لان مفهومه عرفا أن قبل الغسل فيه بأس، فلا يجري استصحاب عدم غسله لاثبات كون المس قبل الغسل، لكونه مثبتا، وأما الاستصحاب الحكمي التعليقي فلا مانع منه، وقد قلنا بجريانه في مثل المقام. وإن قلنا بأن موضوعه هو الميت الذى لم يغسل كما هو الاقرب فلا مانع من الاستصحاب الموضوعي، سواء في الميت أو العضو منه، وإن قلنا بأن الغسل من واجبات الميت لا العضو لصحة أن يقال: إن


(1) مرت في ص 120. (2) مرتا في ص 123 - 124.

[ 141 ]

هذا العضو كان في زمان لم يغسل صاحبه والآن كما كان، والفرض أن عدم غسل الميت موضوع لوجوب الغسل بمس أعضائه شرعا، وبهذا يظهر جريانه فيما وجد في مقبرة الكفار، وكذا لو وجد الميت في المقبرة المشتركة أو مجهولة الحال، وأما إذا وجد عضو منه في المقبرة المشتركة فيدور الامر بين كون هذا العضو من معلوم الاغتسال أو من معلوم العدم فحينئذ إن قلنا بأن الغسل صفة الميت لا العضو فيقع الاشكال في الاصل الموضوعي، نظير الاشكال في أصالة عدم التذكية في العضو المردد في أخذه من معلوم التذكية أو معلوم العدم، بأن الاصل غير جار بالنسبة إلى نفس الحيوانين لعدم الشك فرضا فيهما، ولا في العضو لعدم كون التذكية من صفاته، ولا أصل يثبت كونه من أحد القسمين. وقد يقال بجريان الموضوعي فضلا عن الحكمي، فان هذا العضو كان في زمان لم يغسل صاحبه فيستصحب. وبهذا التقرير يمكن إجراؤه في المثال المتقدم، فان هذا العضو لم يكن صاحبه مذكى في زمان، والفرض ان عدم تذكية الحيوان موجب شرعا لحرمة أجزائه وعدم صحة الصلاة فيها، وفيه إشكال لان صاحب هذا العضو ليس مشكوكا فيه حتى يجري الاستصحاب فيه، بل الشك في أخذ هذا العضو من هذا المعلوم أو ذاك، ولا أصل محرز له. وقد يقال بأن ما وجد في مقبرة المسلمين محكوم بالتغسيل، فان الغلبة كافية في إحراز كونه منهم، وإحراز جريان يدهم عليه بمثل الدفن والكفن، بل وإحراز كونه مغسلا، سيما مع شدة اهتمام المسلمين في أمر موتاهم وتجهيزها وخلو مقابرهم من سائر الاموات، بل وشدة اهتمام سائر الطوائف في اختصاص مقابرهم بموتاهم وعدم التدفين في مقابر غيرهم، ومثل هذه الغلبة حجة، بل مع إحراز جريان يد

[ 142 ]

المسلمين عليه من تكفينه وتدفينه حكم بطهارته وعدم الغسل بمسه، لكون تصرفهم من قبيل تصرف ذي اليد فيما يتعلق به تصرفا مشروطا بالطهارة فانه كاخباره بالطهارة حجة شرعية حاكمة على الاستصحاب. وفيه أن مجرد الغلبة أو بناء العقلاء على عدم الاعتناء بالاحتمال المخالف لا يوجب الحجية إلا مع انضمام عدم ردع من الشارع الكاشف عن رضائه به، وهو مفقود في المقام، لعدم إحراز وجوده في زمان الشارع الصادع صلى الله عليه وآله أو الائمة الهدى عليهم السلام وعمل العقلاء على طبقة ولم يردع عنه الشارع. وإن شئت قلت: إمضاء بناء العقلاء ليس بدليل لفظي يتمسك باطلاقه، بل يحرز لاجل السكوت عما يعمل العقلاء بمرئى ومنظر من الشارع، فهو كاشف قطعي عن الرضا به كالعمل بخبر الثقة واليد وأصالة الصحة، وأما في مثل المقام الذي يكون نادر الاتفاق ولم يعلم تحققه في زمانه وارتضائه به فلا يمكن الحكم بحجية الغلبة، أو بناء العقلاء، لعدم الدليل على الامضاء نعم مع حصول الاطمئنان الشخصي لا كلام فيه، لانه علم عادي وهو غاية للاستصحاب. ومنه يظهر ما في دعوى السيرة لعدم إحراز اتصالها بزمنهم على فرض تسليم تحققها وعدم القول بأن عدم اعتنائهم لحصول العلم ولو عاديا على اغتسال ما وجد. وأما دعوى أن تصرف المسلم فيما يكون مترتبا على الغسل كتصرف ذي اليد وهو بمنزلة إخباره ففيه - بعد تسليم كون تصرفه كتصرف ذي اليد وأن تصرف ذي اليد مطلقا حجة - أنه لا يسلم كونه كاخباره بالطهارة، فان غاية ما في الباب أن تصرفه في الدفن كان موافقا لوظيفته وهو لا يكفي في دفع احتمال كون ترك الغسل والتيمم لعذر، فلا بد

[ 143 ]

في دفعه من التشبث بالغلبة وبناء العقلاء على عدم الاعتناء، وقد عرفت ما فيه، فالاحوط لو لم يكن أقوى وجوب الغسل بمسه إلا مع الاطمئنان كما هو حاصل غالبا. الثالث: السقط بعد ولوج الروح كغيره يجب في مسه الغسل، لصدق الميت عليه بلا إشكال، كما لا إشكال في عدم الوجوب قبله، لعدم الصدق، فان الميت ما زال عنه الروح لا ما لم يلج فيه، ولو مع شأنيته، ومقتضى الاصل طهارته، وإن حكي عن العلامة التصريح بوجوب غسل اليد منه، وعن النراقي عدم الخلاف فيه، لكن إثبات الحكم به مشكل بل ممنوع. ودعوى ان نجاسته لكونه قطعة مبانة من الحي كما ترى، لانه ليس قطعة من أمه، وعلى فرضه لا يكون مما تحله الحياة، ودعوى حلول روح الام فيه قبل حلول روحه وبحلوله زال روحها مجازفة مقطوعة الخلاف، ولا أقل من الشك فيه، والاصل معه الطهارة. كما ان دعوى استفادة نجاسته من قوله عليه السلام: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " (1) بدعوى أن الظاهر منه قبول الجنين للتذكية وأن ما عدا المذكى ميتة شرعا، غير وجيهة، فان قوله ذلك لا يثبت إلا أن تذكية ما يحتاج إلى التذكية بتذكية أمه، لا أن لكل جنين تذكية حتى يقال: إذا لم يذك يكون ميتة وبالجملة لا تدل الرواية على أن لكل جنين تذكية، بل تدل على أن ما فرض قبوله لها تكون تذكيته بتذكية أمه، وبعبارة أخرى إن الموضوع المفروض ما يمكن أن تقع عليه التذكية لا مطلق الجنين. الخامس من النجاسات: الدم، ونجاسته في الجملة واضحة، بل


(1) مرت في ص 48.

[ 144 ]

يظهر منهم أنها اجماعية بين المسلمين، بل قيل إنها من ضروريات الدين، لكن لما كان بعض مصاديقه محل الشبهة كالعلقة ودم البيضة والمخلوق آية والمصنوع بتركيب أجزائه لو فرض اصطناعه إلى غير ذلك لا بد من النظر في الادلة، حتى يعلم أن الاصل في الدم النجاسة، والاستثناء يحتاج إلى دليل أو العكس وإلحاق المورد المشكوك فيه يحتاج إليه. وقد استدل على نجاسته مطلقا بالآية الكريمة: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس " (2) بناء على كون الرجس بمعنى النجس وعود الضمير إلى جميع ما تقدم، وفيه تأمل حتى بعد تسليم الامرين كما لا يبعد، فان الرجس على ما نص عليه أهل اللغة هو القذر، وهو عرفا بمعنى النجس وإن قيل إنه أعم، وعلى فرض أعميته لا يبعد دعوى أنه في الآية بمعناه، كما حكي عن شيخ الطائفة في التهذيب: " أن الرجس هو النجس بلا خلاف " وقيل ظاهره أنه لا خلاف بين علمائنا في أنه في الآية بمعنى النجس. ولا يبعد استظهاره من الآية بأن يقال: إن ما قيل في معنى الرجس لا يناسب في الآية إلا القذارة بالمعنى الاعم، أي ما يقابل النظافة، ولا ريب في أن لحم الخنزير الذي هو المتيقن في عود الضمير إليه لا يكون غير نظيف عرفا، وإنما يستقذره المسلمون للتلقين الحاصل لهم تبعا للشرع، وحكمه بنجاسته وحرمته لا لقذارة فيه عند العرف والعقلاء، وليس استقذارهم منه إلا كاستقذارهم من الكافر والخمر والكلب، فلا مجال في حمل الآية على القذارة العرفية المقابلة للنظافة.


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 145.

[ 145 ]

ومع عدم إرادة ذلك يتعين الحمل على النجاسة بالمعنى المعهود شرعا إذ لا يناسب شئ آخر مما ذكر في معناه يصح الانتساب إليه، كالقذارة المعنوية مع بعدها عن الاذهان، ويؤيد ذلك ما ورد في الكلب " إنه رجس نجس " (1) وفي الخمر " لا تصل فيه فانه رجس " (2) بل لا يبعد أن يكون الرجس بمعنى النجس والقذر، وإطلاقه على مثل الاوثان والميسر والانصاب و الازلام بنحو من التوسعة، بل لا يبعد أن يكون الشرع والعرف موافقين في مفهومه، وإن ألحق الشارع بعض ما ليس بقذر عرفا به، واستثنى بعض ما يستقذره العرف عنه. وكيف كان دعوى ظهور الرجس في النجس المعهود ولو بواسطة القرائن الداخلية والخارجية غير مجازفة، كما لا يبعد عود الضمير إلى جميع المذكورات بواسطة القرينة، بأن يقال إن الظاهر من الآية أن الظاهر تعليل حرمة الاكل بما ذكر، وهو لا يناسب قصره على الاخير. ودعوى عدم احتياج الاولين إلى التعليل لاستقذار الناس منهما دون الاخير كما ترى، ضرورة أن النهي عن أكلهما لردع الناس عنه، ومع استقذارهم لا يحتاج إليه، سيما إذا كان المراد بالميتة غير المذكى لا ما مات حتف أنفه، فانه بمستقذر عندهم رأسا، وفي المجمع إرجاع الضمير إلى جميع المذكورات بلا احتمال خلاف. لكن مع ذلك استفادة الاطلاق من الآية مشكلة بعد كونها بصدد بيان حرمة أكل المذكورات، وذلك لان الدم مطلقا وبجميع أنواعه ليس مأكولا أو متعارف الاكل، فالمستفاد منها بعد تسليم ما تقدم هو نجاسة الدم المطعوم لا مطلقه،


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات - الحديث 5.

[ 146 ]

بل لو أغمض عن ذلك يمكن منع الاطلاق في المستثنى، بدعوى عدم كونها في مقام بيان حكمه، بل الظاهر كونها بصدد بيان العقد السلبي وأنه لم يوجد غير المذكورات محرم، لا بصدد بيان حرمة المذكورات حتى يؤخذ باطلاقها في المشتبهات، إلا أن يقال: إن تقييد الدم بالمسفوح وتعليل المذكورات بقوله (ع): " فانه رجس " دليل على كونها بصدد بيان المستثنى وعنايتها بحكمه أيضا، فيؤخذ باطلاقها، وفيه تأمل. لان القيد على فرض قيديته لعله لاجل تعارف أكل المسفوح، ويحتمل أن يكون التعليل لبيان أن حرمتها ليست إلا لنجاستها لا لعناوينها، تأمل. وأما الروايات فعلى كثرتها لم أجد فيها ما يمكن الاتكال على اطلاقها إلا النبوى " يغسل الثوب من المني والدم والبول " (1) ورواية دعائم


(1) قال الشهيد في الذكرى: " الثالث والرابع المني والدم من كل ذي نفس سائلة وان كان مائيا كالتمساح، لقول النبي صلى الله عليه وآله: انما يغسل الثوب من المني والدم والبول " وقال المحقق في المعتبر حول نجاسة الدم (ص 116) ما هذا لفظه: " الدم كله نجس عدا دم ما لا نفس له سائلة - إلى أن قال -: لنا قوله صلى الله عليه وآله: انما يغسل الثوب من البول والغائط والمني والدم، وانما للحصر، ولم يرد حصر الجواز ولا الاستحباب، فتعين حصر الوجوب، وكأنه قال: لا يجب غسل الثوب إلا من هذه " وقال في موضع آخر منه (ص 119) في بيان عدم العفو عما بلغ الدرهم: " فلان مقتضى الدليل وجوب إزالة قليل النجاسة وكثيرها لقوله صلى الله عليه وآله: انما يغسل الثوب من البول والغائط والمني والدم، وهذا اللفظ باطلاقه يقتضي وجوب إزالة الدم كيف كان، فيترك منه ما وقع الاتفاق على العفو =

[ 147 ]

الاسلام عن الباقر والصادق عليهما السلام " أنهما قالا في الدم يصيب الثوب: يغسل كما تغسل النجاسات " (1) وهما ضعيفان سندا، إذ لم يحرز اتكال القوم عليهما، بل الظاهر عدم استنادهم اليهما، وربما يحتمل في الثانية كونها بصدد بيان كيفية غسل الدم لا أصله، وهو كما ترى سيما مع اختلاف النجاسات في كيفية التطهير. وأما سائر الروايات فلا إطلاق فيها، لكونها بصدد بيان أحكام أخر كموثقة عمار بن موسى عن أبى عبد الله عليه السلام، وفيها: " فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما،


= عنه وهو ما دون الدرهم " وعن العلامة في المنتهى في مسائل نجاسة المني والدم: " وما رواه الجمهور عن عمار بن ياسر ان النبي صلى الله عليه وآله قال له حين رآه يغسل ثوبه من النجاسة: ما نخامتك ودموع عينك و الماء الذي في ركوتك إلا سواء، انما يغسل الثوب من خمس: البول والغائط و الدم والقئ والمني، وروى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله قال: سبعة يغسل الثوب منها: البول والمني.... " وقريب منهما ما أورده الشيخ في الخلاف (ص 69) ونقله في مستدرك الوسائل الباب 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 2، ولكنه ما ذكر لفظ " القئ والدم " وأورده في جمع الجوامع للسيوطي - ج 5 ص 83 - الحديث 1757 مع أدنى تغيير في العبارة، وكذلك في كتاب بدايع الصنايع للكساني - ج 1 ص 60 - وبما نقلناه يظهر وجه ما قاله صاحب الجواهر من أن الحديث مروي في كتب الفروع لاصحابنا وان لم اجده من طرقنا، وظني أنه عامي، بل ظاهر المنتهى أو صريحه ذلك. (1) المستدرك - الباب - 15 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 148 ]

فان رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب " (1) فانها بصدد بيان سؤر الطيور لا نجاسة الدم، فكأنه قال: سؤر الطير لا بأس به إلا أن يتنجس بالدم. ونظيرها رواية زرارة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: بئر قطرت فيه قطرة دم أو خمر؟ قال: الدم والخمر و الميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد، ينزح منه عشرون دلوا، فان غلب الريح نزحت حتى تطيب " (2) فانها في مقام بيان حكم البئر لا الدم، إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الواردة في بيان أحكام الصلاة والماء والمكاسب المحرمة و آنية أهل الكتاب وغيرها مما لا مجال لتوهم الاطلاق فيها. وأما رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن عليا عليه السلام لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل: يعني دم السمك " (3) فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى ما يذكى لانه بصدد بيان نفي البأس عما لم يذك، لا إثبات البأس فيما يذكى. ثم إن قلنا بعدم الاطلاق في الروايات فكما لا يمكن التمسك بها لاثبات نجاسة مطلق الدم لا يمكن التمسك بها لاثبات نجاسة دم ماله نفس سائلة، فلو شك في نجاسته ما دام كونه في الباطن، أو في نجاسة العلقة إن قلنا بأنها لذي النفس، أو في بعض أقسام الدم المتخلف، كالمتخلف في القلب والكبد، أو في العضو المحرم، أو المتخلف في الحيوان الغير المأكول لا تصلح تلك الروايات لرفع الشك فيها. ودعوى أن الناظر في تلك الروايات الكثيرة في الابواب المختلفة


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاسئار - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 149 ]

لا يشك في أن نجاسة الدم مطلقا كانت معهودة مفروضة التحقق لدى السائل والمسؤول عنه، كما تشهد به صحيحة أبي بصير قال: " دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو يصلي فقال لي قائدي: إن في ثوبه دما فلما انصرف قلت له: إن قائدي أخبرني أن بثوبك دما، فقال: إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرء " (1) في غير محلها لان المسلم من معهوديتها انما هو بنحو الاجمال لا الاطلاق، كما هو واضح. وأما الرواية فلا تدل على معهوديتها مطلقا، فان الدم في ثوبه لم يكن إلا من دمه الشريف عادة أو نظيره، ولم يحتمل الناظر غير ذلك، كدم العلقة أو المخلوق آية. كدعوى إلغاء الخصوصية عرفا من الروايات الواردة في دم الرعاف وحكة الجلد وغيرهما، فان إلغاء الخصوصية انما هو فيما لا تحتمل خصوصية عرفا، وأما مع احتمال أن للدم الظاهر أو في الاجزاء الاصلية خصوصية فلا مجال لالغائها، مع امكان أن يقال: إن إلغاء الخصوصية انما هو فيما إذا كانت الروايات بصدد بيان نجاسة الدم، وأما بعد مفروضية نجاسته والسؤال عن حال الابتلاء به فلا مجال لالغائها. فتحصل مما ذكرناه أن الاصل في الدم الطهارة إلا أن يدل دليل على نجاسته. والظاهر أن دم ماله نفس سائلة مع خروجه إلى الظاهر مما لا كلام ولا إشكال في نجاسته، وقد ادعي الاجماع في الدم من ذي النفس السائلة في محكي المختلف والذكرى وكشف الالتباس وشرح الفاضل، وعن الغنية والتذكرة لا خلاف فيه، وعن المنتهى ونهاية الاحكام والمعتبر


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب النجاسات - الحديث 1

[ 150 ]

والمدارك والدلائل هو مذهب أصحابنا مع استثناء ابن الجنيد في الثلاثة الاخيرة، ونقل عنه: الدماء كلها تنجس الثوب بحلولها فيه، وأغلظها نجاسة دم الحيض. لكن يظهر من جماعة التقييد بالمسفوح، فعن الحلي الاستدلال على طهارة دم السمك ونحوه بأنه ليس بمسفوح، وعنه أيضا: الدم الطاهر هو دم السمك و البراغيث وما ليس بمسفوح، وقد نسب العلامة في المنتهى التقييد به إلى علمائنا قال: " قال علماؤنا الدم المسفوح من كل حيوان ذي نفس سائلة - أي يكون خارجا بدفع من عرق - نجس، وهو مذهب علماء الاسلام، لقوله تعالى: " قل لا أجد " الخ - وقال -: دم السمك طاهر وهو مذهب علمائنا - إلى أن قال -: وقوله تعالى: " دما مسفوحا " ودم السمك ليس بمسفوح " والظاهر أن كل من قيد الدم به انما هو بتبع الآية الكريمة، كما ترى تمسك العلامة بها، فالاولى عطف الكلام إلى مفادها. فنقول: إن في بادئ النظر وان احتمل أن يكون التوصيف بالمسفوح للاحتراز عما لا يخرج من العرق صبا واهراقا بدفع في مقابل الرشح كدم السمك وغيره مما لا نفس سائلة له، أو للاحتراز عن الدم المتخلف في الذبيحة، أو للاحتراز عن الدم في الباطن مقابل الظاهر، أو للاحتراز عن جميع المذكورات، لكن الاقرب عدم قيدية الوصف، لان ما هو المتعارف أكله هو الدم المسفوح أي الدم المأخوذ من الذبائح دون سائر الدماء، ومعه لا يصلح القيد للاحتراز، مضافا إلى أن الاستثناء لما كان من حرمة الاكل لا يراد بالقيد الاحتراز عن المذكورات واثبات الحلية لسائر أقسام الدم المقابل للمسفوح، ولا أظن من أحد احتمال حلية دم خرج من عرق حيوان بلا صب ودفع تمسكا بالآية الكريمة.

[ 151 ]

نعم لو قيل بأن المراد بغير المسفوح هو ما اختلط باللحم مما لا يتعارف الاحتراز عنه أو لا يمكن لكان له وجه، لكنه خلاف ظاهر القيد، فان الظاهر منه كما مر في كلام العلامة هو ما خرج بدفع من العرق. والانصاف أن فهم القيدية واحترازية الوصف مشكل، ومعه لا يجوز التمسك لطهارة ما في الباطن أو المتخلف في الذبيحة، وإن لا تدل على نجاستهما أيضا، لان عدم احترازية القيد لا يلازم الاطلاق وبعبارة أخرى ان المدعى أن الآية حرمت ما يتعارف بينهم أكله، أي الدم المسفوح، والتقييد للمتعارف للاحتراز، فتكون ساكته عن حكم غيره اثباتا ونفيا. هذا كله مع عدم المفهوم للوصف، فلا تدل على حلية غير محل الوصف فضلا عن طهارته، فالاستدلال لطهارة دم السمك أو المتخلف بالآية في غير محله، سيما مع القول بحرمة دمهما إذا لم يكن تبعا لللحم، وبهذا كله ظهر عدم صلاحية القيد في الآية لتقييد قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " (1) وللمسألة محل آخر. ثم أن المتفاهم أو المتيقن من معاقد الاجماعات نجاسة الدم الخارج عن حيوان له نفس سائلة، والتقييد بالمسفوح في كلام الحلي والعلامة وغيرهما ليس لاخراج مثل دم الرعاف والدماميل بالضرورة، بل لاخراج المتخلف وما لا نفس له، ضرورة نجاسة المذكورات نصا وفتوى، فمثل الدم المخلوق آية أو الصناعي فرضا ليس مشمولا لها، كما لا تشمل الدم الذي يوجد في البيضة، فانه ليس دم الحيوان، والاصل فيه الطهارة.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية: 3.

[ 152 ]

ودعوى غلبة الظن بمعهودية نجاسة مطلق الدم في الشريعة عهدتها على مدعيها، مع أن الظن لا يدفع الاصل إلا أن يكون حجة شرعية، كدعوى مغروسية نجاسة مثله في أذهان المتشرعة بحيث أمكن دعوى تلقيه من الشارع الاقدس، فانها بلا بينة. وكذا العلقة غير معلومة الشمول للاجماع لان الظاهر من دم الحيوان غيرها فانها نطفة تبدلت بالعلقة فلا تكون دم الام عرفا، ولا دم الحيوان الذي تنقلب إليه بعد حين، لكن الشيخ ادعى في الخلاف إجماع الفرقة على نجاستها، واستدل لها أيضا باطلاق الادلة، ويظهر من المحقق والعلامة ومحكي غيرهما التمسك لها بأنها دم أو دم ذي نفس ومن ذلك ربما توهن دعوى إجماع الخلاف، ولعل مراد القاضي في محكي المهذب من أنه الذي يقتضيه المذهب ظاهر الادلة، لكن مع ذلك الاحوط نجاستها بل لا تخلو من ترجيح. وأما العلقة في البيضة فغير معلومة الشمول لاجماع الخلاف، بل الظاهر عدم إطلاق العلقة عليها حقيقة، ولا أقل من انصرافها عنها، فالاقوى طهارتها. كما أن الحكم بطهارة الدم المتخلف لا يحتاج إلى إقامة برهان بعد قصور الادلة اللفظية عن إثبات نجاسة مطلق دم ذى النفس، وعدم دليل آخر على نجاسته، وإن قام الدليل على طهارته، كما عن المختلف وكنز العرفان والحدائق وآيات الجواد دعوى الاجماع عليها وإن كان في معقد بعضها قيد، وعن المجلسي وصاحب كشف اللثام والذخيرة والكفاية عدم الخلاف فيها، بل هو الظاهر من الجواهر أيضا، وعن أطعمة المسالك أن ظاهرهم الاتفاق عليه. نعم استثنى بعضهم ما في الجزء المحرم كالطحال، بزعم أن حرمة

[ 153 ]

أكله ملازمة لنجاسته وهو كما ترى، أو بزعم إطلاق أدلة نجاسة الدم وقصور دليل الاخراج، وقد مر ما فيه. هذا مع استقرار السيرة على عدم الاجتناب عنه وعن اللحم الملاقي له، من غير فرق بين دم القلب والكبد والطحال وغيرها، وبين الدم الظاهر الخارج منها والمخلوط بها، فما عن بعضهم من احتمال الفرق أو اختياره في غير محله، ولو نوقش في شمول معقد الاجماع لبعض المذكورات أو ثبوت السيرة في بعض فلا مجال للمناقشة في الاصل بعد ما تقدم من فقد الاطلاق، مع أن المناقشة في السيرة لعلها في غير محلها كما أن مقتضى الاصل طهارة المتخلف في الحيوان المحرم. لكن عن البحار والذخيرة والكفاية وشرح الاستاذ أن ظاهر الاصحاب الحكم بنجاسته في غير المأكول، وثبوت الحكم بمثله مشكل، لكن الاحتياط لا ينبغي تركه. كما أن طهارة دم ما لا نفس سائلة له لا تحتاج إلى تجشم استدلال بعد ما عرفت، وان تكرر نقل الاجماع عليها من السيد والشيخ وابن زهرة والحلي والمحقق والعلامة والشهيدين وغيرهم. وتشهد لبعضها السيرة المستمرة، ورواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن عليا عليه السلام كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل يعني دم السمك " (1) وكون التفسير من أبي عبد الله عليه السلام غير معلوم، فتدل على عدم البأس لمطلق ما لم يذك، تأمل. بل لا يبعد صحة الاستدلال ببعض الروايات


(1) مرت في ص 148.

[ 154 ]

الواردة في ماء البئر والمياه، كموثقتي عمار (1) وحفص بن غياث (2) فما يظهر من بعضهم كالمحكي عن المبسوط والجمل والمراسم والوسيلة مما يوهم النجاسة وإن عفي عنه على فرض ثبوته لعله لزعم قصور الادلة عن إثبات طهارتها بعد إطلاق أدلة النجاسة، لان نفي البأس أعم من الطهارة، فلا يدل إلا على العفو، وهو مقتضى الجمع بين الادلة والاقتصار على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات، وفيه - مضافا إلى أن المتفاهم من نفي البأس في المقام الطهارة - لا إطلاق ولا عموم في الادلة كما مر مرارا حتى يأتي فيها ما ذكر. فرع: المشكوك في كونه دما أو غيره أو كونه مما له نفس أو غيره أو من الدم المتخلف أو غيره محكوم بالطهارة، للاصل بعد قصور الادلة عن إثبات نجاسة الدم مطلقا، فلا مجال للتشبث بترك الاستفصال في الروايات الكثيرة الواردة في الدم، كقوله: " بئر قطرت فيه قطرة دم " وقوله عليه السلام: " فان رأيت في منقاره دما ". وقوله عليه السلام: " إن رأيت في ثوبك دما ". وقوله: " فأصاب ثوبا نصفه دم " وغيرها. ضرورة أن ترك الاستفصال دليل العموم أو الاطلاق فيما إذا كان المتكلم في مقام بيان الحكم، وتلك الروايات في مقام


(1) عنه عن ابي عبد الله عليه السلام قال " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه، قال: كل ما ليس له دم فلا بأس به " راجع الوسائل - الباب - 10 من أبواب الاسئار - الحديث 1. (2) عنه عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " راجع الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاسئار - الحديث 2.

[ 155 ]

بيان أحكام أخر. وبعبارة أخرى: أنه بعد فرض نجاسة قسم من الدم سأل فيها عن الابتلاء بما هو نجس، وفي مثله لا معنى للاستفصال، ولا وجه لتوهم العموم مع تركه، وهذا الاشكال مشترك الورود في جميع الروايات ويختص بعضها باشكال أو إشكالات لا مجال لعدها بعد ضعف أصل الدعوى ثم على فرض تسليم كون الادلة أو بعضها في مقام البيان لكن لا مجال لتوهم العموم اللفظي فيها لفقدانه جزما، فلا يكون في المقام إلا الاطلاق المتوهم، والتمسك بالشبهة الموردية في المطلقات المتقيدة ولو بتقييد منفصل أضعف جدا من التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية، لقرب احتمال صيرورة المطلق بعد التقييد بمنزلة المقيد، فتكون الشبهة من قبيل الشبهة الموردية في المقيد المتصل، بخلاف تخصيص العام بالمنفصل فانه لا يوجب حصول عنوان أو قيد فيه، وإن توهمه بعضهم قياسا بالمطلق والمقيد، وقد فرغنا عن تهجينه في محله. وكيف كان لا عموم في المقام حتى يأتي فيه ما ذكر في بيان جواز التمسك به في الشبهة المصداقية للمخصص من تمامية الحجة بالنسبة إلى الفرد المشمول للعام، وعدم حجة على دفعها، لكون الفرد من الشبهة المصداقية لنفس المخصص، فالعام حجة بالنسبة إلى الفرد، والخاص ليس بحجة. ونحتاج إلى الجواب عنه بأن حجية العام تتوقف على مقدمات: منها أصالة الجد، وبعد خروج أفراد من العام يعلم عدم تطابق الجد والاستعمال بالنسبة إلى الافراد الواقعية من المخصص، وتطابقهما بالنسبة إلى غير مورد التخصيص والمورد المشتبه من الشبهة المصداقية، لاصالة التطابق، وليس بناء العقلاء على جريانها في مورده كما لا يخفى،

[ 156 ]

أو نحتاج إلى ما اتعب به شيخنا الاعظم نفسه الشريفة من التصدي للجواب عن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وربما يقال في الدم المتخلف في الذبيحة إذا شك في أنه من القسم الطاهر أو النجس: بأن الظاهر الحكم بنجاسته عملا بالاستصحاب أو بالعام مع لبية المخصص، ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لاصالة عدم الرد وبين ما كان لاجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة عملا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف. وفيه أن الاستصحاب في الدم غير جار، لعدم العلم بنجاسته في الباطن، لقصور الادلة عن اثباتها (1) والتمسك بالعام في المخصص اللبي فرع وجوده، وهو مفقود، مع أن في التمسك به مع لبيته إذا


(1) ويمكن أن يفصل في المقام في جريان استصحاب النجاسة وعدمه من حيث الموجب لنجاسة الدم المتبقى في الذبيحة إذا كان رأسها عاليا بأن يقال: إن قلنا إن الموجب لنجاسته عدم خروجه منها بمقدار المتعارف لا يجري استصحاب نجاسته فيما إذا شك في أن الدم المتخلف من القسم الطاهر أو النجس لعدم العلم بنجاسته في الباطن لقصور الادلة عن اثباتها كما افاده الاستاذ دام ظله، واما إذا قلنا بأن الموجب لها هو الذبح غير أن خروجه بمقدار المتعارف سبب لطهارة المتخلف فيها، بدعوى أن الدم في الباطن طاهر ما دام جاريا في الدورة الدموية وأما عند الذبح فحاله كحال المبتقى في الذبيحة إذا لم يخرج بمقدار المتعارف، وعليه يجري استصحاب النجاسة في المقام لانه عند الذبح محكوم بالنجاسة، فعند الشك في حصول سبب الطهارة نستصحب نجاسته المتيقن سابقا، تأمل.

[ 157 ]

كان الاخراج بعنوان واحد إشكالا، بل منعا. وأما أصالة عدم رد النفس لا تثبت كون هذا متخلفا، لان خروج الدم بالمقدار المتعارف لازم عقلي أو عادي لعدم رد النفس، وكون الدم متخلفا لازم لهذا اللازم، كما أن أصالة عدم خروج المقدار المتعارف لا تثبت كون هذا الدم نجسا، لان الدم النجس هو الدم الغير المتخلف أو الدم المسفوح أو نحوهما، والاصل المتقدم لا يثبت تلك العناوين، بل أصالة عدم خروج الدم المتعارف لا تثبت لمصداق الدم حكما، نظير ما إذا علمنا بأن واحدا من الشخصين الموجودين في البيت عالم فخرج أحدهما منه. فلا إشكال في جريان استصحاب بقاء العالم فيه، لكن لا يثبت به أن الموجود في البيت عالم حتى يترتب عليه أثره. ثم لو حاولنا جريان أصالة عدم رد النفس لاثبات طهارة بقية الدم لجرى أصل عدم كون رأسه على علو لاثبات طهارته (1) وهو حاكم على أصالة عدم خروج الدم المتعارف. لكن التحقيق عدم جريان واحد من تلك الاصول. والحكم بطهارة المشكوك فيه لاصالة الطهارة. السادس والسابع: الكلب و الخنزير ونجاستهما في الجملة واضحة لا تحتاج إلى تجشم استدلال، وإن ذهب إلى طهارتهما مالك والزهري وداود على ما حكى عنهم العلامة في المنتهى، ونقل في التذكرة عن أبي حنيفة القول بطهارة الكلب دون الخنزير، ونسب الشيخ في الخلاف إلى أبي حنيفة القول بنجاسة الكلب حكما لا عينا، واستدل على طهارته


(1) هذا إذا كان المراد برد النفس استرجاع الدم إلى الجوف قبل أن يخرج إلى الخارج أي أن الرد يوجب عدم الخروج وأما إذا كان المراد بالرد رد ما خرج إلى الجوف ففي المقام أصل آخر، وهو أصالة عدم رجوع الدم الخارج إلى الجوف.

[ 158 ]

بقوله تعالى: " فكلوا مما امسكن عليكم " (1) وفيه ما لا يخفى من الوهن، ضرورة أنها في مقام بيان حليته وتذكيته، ولا إطلاق فيها من جهة أخرى، ولهذا لا يجوز التمسك بها لجواز أكله من غير تغسيل عن دمه الخارج عن موضع عض الكلب، وهو واضح. وتدل على نجاسته مضافا إلى الاجماع المستفيض روايات مستفيضة كقوله عليه السلام في صحيحة البقباق " رجس نجس لا يتوضأ بفضله " (2) وكصحيحة ابن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل، قال: يغسل المكان الذي أصابه " (3) وفي رواية معاوية بن شريح: " لا والله إنه نجس، لا والله إنه نجس " (4) إلى غير ذلك. ولا فرق بين ما تحله الحياة وغيره، فان الكلب عبارة عن الموجود الخارجي بجميع أجزائه من الشعر والظفر وغيرهما، فما عن السيد من إنكار أن ما لا تحله الحياة من جملة الحي وان كان متصلا به، ان كان مراده أنه ليس من جملته بما هو حي أي لا تحله الحياة فهو معلوم لا كلام فيه، لكن لا دليل على تخصيص النجاسة بما تحله الحياة في الكلب أو الخنزير، وإن أراد أنه ليس من أجزائه مطلقا فهو غير وجيه، فكيف يمكن نفي جزئية العظم والظفر بل الشعر، فان الكلب في الخارج كلب بجميع أجزائه. بل المتيقن من قوله: " الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل "


(1) سورة المائدة: 5 - الآية: 4. (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب النجاسات - الحديث 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 6 - 4.

[ 159 ]

وقوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب السلوقي فقال: إذا مسسته فاغسل يدك " (1) ونحوهما ملاقاة شعره، لانه نوعي غالبي، ولو نوقش فيه فلا أقل من الاطلاق، بل هو الفرد الشايع. وكيف يمكن أن يقال في مثل قول علي عليه السلام على ما في حديث أربعمائة: " تنزهوا عن قرب الكلاب، فمن أصاب الكلب وهو رطب فليغسله، وإن كان جافا فلينضح ثوبه بالماء " (2) لا يراد منه إصابة ظاهره المحفوف بالشعر، ولا يلاقي الملاقي نوعا إلا شعره. نعم يمكن المناقشة في دلالة مثل صحيحة أبي العباس قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وان أصابه جافا فاصب عليه الماء، قلت: ولم صار بهذه المنزلة؟ قال: لان النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتله " (3) لاحتمال أن يكون المراد رطوبة الكلب مثل لعابه، لا ملاقاته رطبا، وان لا يبعد الاحتمال الثاني بقرينة قوله عليه السلام: " أصابه جافا " تأمل. وكيف كان لا شبهة في نجاسة شعره وسائر ما لا تحله الحياة، ودعوى السيد الاجماع على طهارته موهونة، لعدم الموافقة له ظاهرا فضلا عن الاجماع عليها، نعم ربما يمكن المناقشة في استفادة نجاسة لعابه وسائر رطوباته ذاتا من الروايات، بل من الاجماع أيضا، بدعوى أن الرطوبات خارجة عن اسمه، فكما أن خرءه لا يدخل فيه لانه منفصل عنه وإن كان في جوفه كذلك سائر رطوباته، فما دلت على نجاسته عينا لا تدل على نجاستها ذاتا وعينا.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات الحديث 9 - 11 - 1.

[ 160 ]

بل لما كانت الرطوبات ملاقية له لا يمكن استفادة نجاستها الذاتية من دليل ناطق بنجاستها، فانها أعم من العينية، لكن الظاهر أنه شبهة في مقابل المسلم بل البديهي. بل يمكن دعوى دخول الرطوبات في إطلاقه عرفا كدخول دمه فيه إن لم يدخل فيه خرءه. ومتقضى إطلاق الادلة وخصوص صحيحة ابن مسلم المتقدمة في الكلب السلوقي نجاسة كلب الصيد كسائر الكلاب فما عن ظاهر الصدوق من طهارته ضعيف، وربما كان منشأه دعوى عدم صدق الكلب عليه أو انصراف الادلة عنه، أو إطلاق قوله تعالى: " فكلوا مما امسكن " والجميع كما ترى، هذا مع عدم ورود شئ منها على الصحيحة. وبهذا كله ظهر لزوم التصرف في صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألت عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: نعم إلا أن تجد غيره فتنزه عنه " (1) بتقييد إطلاقها بما فصل في سؤر الكلب بين الماء الكثير والقليل، هذا كله في الكلب. وأما الخنزير فيدل على نجاسته مضافا إلى الآية الكريمة والاجماعات المتقدمة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصابه من ثوبه، إلا أن يكون فيه أثر فيغسله، قال: وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاسئار - الحديث 6.

[ 161 ]

قال: يغسل سبع مرات " (1). فانها ظاهرة في معهودية نجاسته، وانما سأل بعدها عن حكم آخر، فحينئذ يكون المراد من التفصيل بين ما إذا كان له أثر ولم يكن: التفصيل مطلقا سواء كان قبل الصلاة أو بعدها، مع أن ذيلها أيضا دال على نجاسته، فالامر بالمضي مع دخوله في الصلاة في صورة الشبهة لا العلم بوجود الاثر، مضافا إلى أن الامر بالمضي لا يدل على طهارته، بل دليل على صحة الصلاة مع النجس إذا تذكر في الاثناء، كما هو واضح وحمل الغسل على الاستحباب بقرينة الامر بالمضي بعيد جدا. ورواية ابن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام في الشطرنج قال: " المقلب لها كالمقلب لحم الخنزير قال: قلت: ما على من قلب لحم الخنزير؟ قال يغسل يده " (2) وفي دلالتها تأمل، ورواية زرارة الواردة في البئر (3) وتدل على نجاسة شعره مصححة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قلت له: إن رجلا من مواليك يعمل الحمايل بشعر الخنزير، قال: إذا فرغ فليغسل يده " (4) ورواية برد الاسكاف قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شعر الخنزير يعمل به - إلى أن قال -: فاعمل به، واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة، قلت: ووضوء؟ قال: لا، إغسل يدك كما تمس الكلب " (5). ولعل قوله: " ووضوء " بالرفع: أي ووضوء علي إذا مسسته


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 4. (3) راجع الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 3 (4) و (5) الوسائل - الباب - 85 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1 - 2.

[ 162 ]

أو وضوء في مسه؟ قال: لا، ولكن اغسل يدك كما تمس الكلب، فكما لا وضوء معه فكذا مع مس الخنزير. وقريب منها روايته الاخرى (1) و رواية سليمان الاسكاف قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شعر الخنزير يخرز به قال: لا بأس به، ولكن يغسل يده إذا أراد أن يصلي " (2). فلا إشكال في نجاسته ونجاسة ما لا تحل الحياة منه، ويأتي في لعابه ورطوباته ما مر في الكلب، والظاهر نجاستها ذاتا كما في الكلب. وعن النهاية والتحرير و التذكرة والذكرى طهارة كلب الماء، وعن الكفاية أنه المشهور. وعن الحلى نجاسته، وعن المنتهى تقريب شموله له معللا بأن اللفظ يقال له بالاشتراك. و الاقوى طهارة كلب الماء وخنزيره، لا لانصراف الادلة على فرض صدق العنوان عليهما، فانه ممنوع، ومجرد كون بعض الافراد يعيش في محل أو يندر الابتلاء به لا يوجب الانصراف، بل لعدم صدق العنوانين عليهما جزما، وعدم كونهما مع البرى منهما من نوع واحد، وقد طبع في المنجد رسمهما، فترى لا يوجد بينهما وبين البرى منهما أدنى شباهة، وإن قال في الكلب: " كلب الماء وكلب البحر سمك بينه وبين الكلب بعض الشبه " وقال: " خنزير البحر جنس من الحيتان أصغر من الدلفين ". وتدل على طهارة كلبه بل وخنزيره على وجه صحيحة عبد الرحمان ابن الحجاج قال: " سأل أبا عبد الله عليه السلام رجل وأنا عنده عن


(1) الوسائل - الباب - 85 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب النجاسات - الحديث 3.

[ 163 ]

جلود الخز، فقال: ليس به بأس، فقال الرجل: جعلت فداك إنها علاجي، وانما هي كلاب تخرج من الماء؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل: لا، قال: ليس به بأس " (1). ثم ان المتولد من النجسين أو أحدهما إن صدق عليه اسم أحدهما فلا إشكال في نجاسته، و إن صدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة فلا ينبغي الاشكال في طهارته، إما لاطلاق دليل طهارته لو كان وإما للاصل. ودعوى ارتكازية نجاسة المتولد من الكلبين أو الكلب والخنزير عند المتشرعة وتبعية ولدهما لهما فيها كتبعية ولد الكافر عنه، أو كونه حقيقة من جنس الوالدين، وان كان غيرهما ظاهرا، والاحكام مترتبة على الحقيقة، والاسماء كاشفة عنها، أو القطع بالمناط. غير وجيه وان صدرت عن الشيخ الاعظم نضر الله وجهه، لعدم ثبوت ارتكازيتها في مثل المقام، ولا دليل على التبعية ها هنا، والتبعية في الكافر لا توجب الحكم بها في غيره، و ممنوعية كون حقيقته ما ذكر بعد صدق عنوان آخر عليهما، وسلب صدق اسمهما عنه، ولو سلم ذلك فلا دليل على أن الاحكام مترتبة على الحقائق بذلك المعنى، و ممنوعية القطع بالمناط بعد كونهما عنوانين. وأما استصحاب النجاسة فيما إذا كانت أمه نجسة، سواء كان أبوه طاهرا أو لا بدعوى كون الجنين جزء من الام ولا يتبدل الموضوع بنفخ الروح فيه ففيه ما لا يخفى بعد عدم الدليل على نجاسته وممنوعية جزئيته لامه.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 1

[ 164 ]

وأضعف منه استصحاب نجاسته في حال كونه علقة أو منيا حتى فيما إذا كان الام نجسا، ضرورة تبدل الموضوع. وقد يقال بجريان استصحاب الكلي الجامع بين الذاتي والعرضي في جميع الموارد المشكوك فيها، فانه عند ملاقاته لرطوبات أمه نعلم بنجاسته إما عرضا أو ذاتا، ومع الغسل عن العرضية نشك في بقاء الذاتية. أقول: تارة نقول بتنجس الجنين في الباطن لملاقاته النجس، وأخري نقول بعدمه، إما لقصور أدلة النجاسة عن إثبات نجاسة البواطن، أو لقصور أدلة نجاسة الملاقى لاثبات نجاسة الملاقي في الباطن أو لغير ذلك. فعلى الثاني لا إشكال في جريان أصالة الطهارة في الجنين في بطن أمه، مع الشك في نجاسته ذاتا، فحينئذ إن تنجس حين التولد عرضا فلا يجري الاستصحاب بعد زوالها وتطهيرها، لانه مع جريان أصل الطهارة في الجنين لا مجال لدعوى العلم الاجمالي بأنه إما نجس ذاتا أو عرضا، للعلم بالطهارة الظاهرية وترتب جميع آثار الطهارة عليه، ومعه ينقح موضوع تنجس الظاهر بالملاقاة نجاسة عرضية، بناء على عدم تنجس النجس، وبالجملة أن العلم الاجمالي بأن الجنين في الخارج بعد ملاقاة أمه إما نجس ذاتا أو عرضا مما لا أثر. له، مع جريان أصالة الطهارة في أحد طرفيه. وإن شئت قلت: إن محتمل البقاء هو الذي حكم الشارع بطهارته أو قلت بعد غسل ظاهره نعلم بأنه إما طاهر واقعا أو طاهر ظاهرا ولو حاول أحد جريان مثل هذا الاستصحاب للزم عليه إجراؤه فيما إذا شك في نجاسة عينية لواحد من الحيوانات كالوزغة، فيحكم بطهارتها قبل عروض النجاسة عليها، وبنجاستها بعد عروضها وغسلها، وهو كما

[ 165 ]

ترى. وكذا لو فرض نجاسة طرف من الثوب وشك في نجاسة الباقي فغسل موضع النجس لزم عليه الحكم ببقاء نجاسته لاحتمال البقاء. والجواب والحل أنه مع هذا الاحتمال المحكوم عليه بالطهارة لا مجرى للاصل، ولا أثر للعلم، تأمل جيدا حتى لا يختلط عليك بين المقام والمقامات التي يكون الاستصحاب حاكما على أصل الطهارة، وكذا لا يختلط بينه وبين المقامات التي قلنا بعدم جريان الاصل في الفرد المشكوك في حدوثه للتحكيم على استصحاب بقاء الكلي، فان الفارق بينهما ظاهر لدى التأمل. ومما ذكرنا ظهر الحال فيما إذا قلنا بتنجس ما في الباطن، فان الظاهر جريان أصالة الطهارة في الجنين لاثبات طهارته العينية ظاهرا حتى مع تنجسها بالعرض لوجود الاثر، في جريانها كما عرفت. ثم أنه قد وقع الخلاف من قدماء أصحابنا في نجاسة جملة أخرى غيرهما كالثعلب والارنب والفارة والوزغة والمسوخ، بل وما لا يؤكل لحمه. فعن المقنعة نجاسة الاربعة الاول، وعن ظاهر الفقيه والمقنع نجاسة الفارة، وعن المراسم أن الفارة والوزغة كالكلب و الخنزير في رش ما مساه بيبوسة، وعن الشيخ أن الاربعة المذكورة كالكلب و الخنزير في وجوب إراقة ما باشرته من المياه، وعن الوسيلة عدها في عداد الكلب والخنزير والكافر والناصب في وجوب غسل ما مسته رطبا ورشه يابسا، بل عن الغنية دعوى الاجماع في بعض المذكورات، وعن الشيخ في التهذيب النص بنجاسة ما لا يؤكل لحمه، وعن الاستبصار استثناء ما لا يمكن التحرز عنه، وعن الخلاف القول بنجاسة المسوخ، وعزي في محكي المختلف إلى سلار وابن حمزة، وعن المعالم حكايته عن ابن الجنيد. وكيف كان، تدل على طهارة الجميع صحيحة الفضل أبى العباس

[ 166 ]

قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة و البقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألت عنه، فقال: لا بأس، حتى انتهيت إلى الكلب " الخ (1) لدخول الثعلب والارنب في الوحش والسباع. فان الاول سبع بلا إشكال، وعد بعضهم الثاني فيه أيضا. ويظهر من بعض الروايات أن الارنب بمنزلة الهرة، وله مخالب كسباع الوحش. بل تدخل الوزغة في الوحش وكذا بعض أنواع الفارة إن كان الوحش مطلق الحيوان البري مقابل الاهلي، إذ الظاهر أن سؤاله كان عن عنوان الوحش والسباع لا عن أفرادهما تفصيلا. بل المظنون أن الفارة والوزغة كانتا من جملة ما سألها فان قوله: " فلم أترك شيئا " وإن كان على سبيل المبالغة لكن من البعيد جدا ترك السؤال عن الفارة المبتلى بها والمعهودة في الذهن و الوزغة المعروفة سيما في بلد السؤال والراوي. ويظهر مما مر جواز الاستدلال لطهارة الاولين بناء على سبعيتهما بكل ما دل على طهارة السباع، كصحيحة ابن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء، قال: اغسل الاناء، وعن السنور، قال: لا بأس أن تتوضأ من فضلها، إنما هي من السباع " (2) وصحيحة زرارة عنه عليه السلام قال: " في كتاب علي عليه السلام ان الهر سبع ولا بأس بسؤره " (3) إلى غير ذلك مما يعلم منه مفروغية طهارة السبع إلا ما استثنى. وتدل على طهارة الوزغة والفارة مصححة على بن جعفر عن أخيه


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاسئار - الحديث 4. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاسئار - الحديث 3 - 2

[ 167 ]

موسى بن جعفر عليه السلام في حديث قال: " سألته عن العظاية والحية والوزغ يقع في الماء يموت أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به، وسألته عن فأرة وقعت في حب دهن وأخرجت قبل أن تموت أيبيعه من مسلم؟ قال: نعم، ويدهن منه " (1). وعلى طهارة الفارة صحيحة إسحاق بن عمار (2) ورواية أبي البختري (3) وصدر صحيحة هارون بن حمزة الغنوي (4) وصحيحة سيعد الاعرج برواية الشيخ قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفارة يقع في السمن والزيت ثم يخرج حيا قال: لا بأس بأكله " (5) وفي رواية الكليني " عن الفارة والكلب يقع " الخ. والظاهر زيادة لفظ الكلب من النساخ أو بعض الرواة، فان أصالة عدم الزيادة ولو كانت أرجح من أصالة عدم النقيصة لم تسلم في مثل المقام الذي كانت نجاسة الكلب معهودة من الصدر الاول، مع بعد سمن أو زيت يقع الكلب فيه ويكون في معرض الموت، فالمظنون وقوع الزيادة سيما مع


(1) مرت في ص 81. (2) عنه عن أبي عبد الله عليه السلام إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: " لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الاناء أن تشرب منه وتتوضأ منه " راجع الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الاسئار الحديث 2. (3) عنه عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام ان عليا عليه السلام قال: " لا بأس بسؤر الفأرة ان تشرب منه ويتوضأ " راجع الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاسئار - الحديث 8. (4) سيأتي في ص 168. (5) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1

[ 168 ]

إفراد الضمير. ويدل على طهارة الوزغ كل ما دل على طهارة ميتة ما لا نفس له ضرورة أن الموت لو لم يؤثر في تغليظ النجاسة لم يؤثر في تطهير الميت مضافا إلى حسنة يعقوب بن عثيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت: بئر يخرج من مائها قطع جلود، قال: ليس بشئ، إن الوزغ ربما طرح جلده، وقال: يكفيك دلو واحد من ماء " (1). وعلى طهارة الثعلب جملة من الروايات الواردة في لباس المصلي الدالة على قبول تذكيته، كرواية جعفر بن محمد بن أبي زيد قال: " سئل الرضا عليه السلام عن جلود الثعالب الذكية قال: لا تصل فيها " (2) و رواية الوليد بن أبان قال: " قلت للرضا عليه السلام: يصلى في الثعالب إذا كانت ذكية؟ قال: لا تصل فيها " (3) فان الظاهر تقريره لقبوله التذكية. بل وصحيحة ابن أبي نجران (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الصلاة في جلود الثعالب فقال: إذا كانت ذكية فلا بأس " ونحوها غيرها، وهي وان صدرت تقية من جهة تجويز الصلاة فيها لكن لا دليل على أن التعليق أيضا صدر كذلك.


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 9 (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب لباس المصلي الحديث 6 - 7. (4) الظاهر انه سهو إذ الراوي جميل بن دراج على ما في الوسائل وهو الصحيح لان ابن أبي نجران من اصحاب الرضا والجواد عليهما السلام ولم يرو عن الصادق عليه السلام بلا واسطة راجع الوسائل الباب - 7 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 9.

[ 169 ]

بل قد يشعر بعض الروايات بقبول الارنب التذكية، كمكاتبة محمد بن عبد الجبار قال: " تبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه، أو تكة حرير محض، أو تكة من وبر الارانب؟ فكتب: لا تحل الصلاة في الحرير المحض وإن كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه إنشاء الله " (1) ومن المعلوم أن التذكية لا تقع على نجس العين. وفى مقابلها جملة من الروايات ربما يستدل بها للنجاسة، كمرسلة يونس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته هل يحل أن يمس الثعلب والارنب أو شيئا من السباع حيا وميتا؟ قال: لا يضره، ولكن يغسل يده " (2) وصحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن الفارة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشى على الثياب أيصلى فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها، وما لم تره انضحه بالماء " (3). وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام قال: " سألته عن الفارة والكلب إذا أكلا من الخبز أو شماه أيؤكل؟ قال: يطرح ما شماه ويؤكل ما بقي " (4) وقريب منها موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (5) ورواية الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام في حديث المناهي قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أكل سؤر الفار " (6).


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب النجاسات - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب النجاسات - الحديث 2 (4) و (5) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب النجاسات - الحديث 1 - 2 (6) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاسئار - الحديث 7.

[ 170 ]

وذيل صحيحة هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الفارة والعقرب و أشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ به؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه ويتوضأ منه غير الوزغ، فانه لا ينتفع بما يقع فيه " (1). وصحيحة معاوية بن عمار قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفارة والوزغة تقع في البئر قال: ينزح منها ثلاث دلاء " (2) ورواية العلل والعيون عن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب إليه من جواب مسائله في العلل: " وحرم الارنب، لانها بمنزلة السنور ولها مخالب كمخالب السنور والسباع الوحش فجرت مجراها مع قذرها في نفسها وما يكون منها من الدم كما يكون من النساء لانها مسخ " (3) بدعوى أن القذر نجس، إلى غير ذلك مما لا بد من حملها على استحباب الغسل والتنزه وكراهة الارتكاب جمعا بينها وبين ما هو نص في الطهارة، خصوصا في الفارة والوزغة. هذا لو سلم ظهورها في النجاسة، وهو ممنوع في جلها، فان المرسلة بعد إرسالها وكلام في محمد بن عيسى عن يونس لا يمكن حملها على النجاسة بعد اقترانهما بشئ من السباع حيا وميتا، مع كون جميع السباع طاهرا حيا إلا ما ندر، واستثناؤها لا يخلو من استهجان، مضافا إلى أن السؤال عن حلية المس وإطلاقه شامل للمس يابسا، ولا ينصرف إلى حال الرطوبة كما ينصرف في ملاقي النجس، ومعه لا محيص عن حمل الامر على الاستحباب، وهو أولى في المقام من ارتكاب التخصيص


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 5 - 2. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 11.

[ 171 ]

والتقييد كما لا يخفى. وصحيحة علي بن جعفر وغيرها مما وردت في الفارة لا تحمل عليها أيضا، للسيرة المستمرة على عدم التحرز عن سؤرها، ومعها لا ينقدح في الذهن من الامر بالغسل النجاسة، وصحيحته الاخرى الواردة في أكل الكلب والفارة وشمهما لا محيص عن حملها على الاستحباب أو كراهة الاكل، ضرورة أن مجرد الشم بل الاكل لا يوجب النجاسة، ولم يفرض فيها سراية رطوبتهما، ومع الشك محكوم بالطهارة، وصحيحة معاوية في النزح مع عدم دلالتها على النجاسة بعد كونه استحبابيا - تأمل - محمولة على موتهما فيه كما هو مورد السؤال في باب المنزوحات غالبا. وذيل صحيحة الغنوي محمول على الكراهة بصراحة صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، تأمل. والقذر في رواية العلل بعد الغض عن السند لا يراد به النجاسة وإلا كان تمام الموضوع للحرمة، مع أن الظاهر منها أنها جزء العلة، ويشهد له ما رواه في العلل: " وأما الارنب فكانت امرأة قذرة لا تغتسل من حيض ولا جنابة " والظاهر أن القذارة فيه كالقذارة التي في المرأة الحائض والجنب، وهي ليست النجاسة. وكيف كان لا إشكال في طهارة المذكورات فضلا عن طهارة المسوخ وما لا يؤكل لحمه إلا ما استثنى، فان نجاستهما بنحو العموم مخالف للنص والاجماع بل الضرورة ولذا لا بد من تأويل ما نسب إلى الشيخ رحمه الله. الثامن: المسكر المايع بالاصالة كالخمر وغيره، فالمشهور بيننا نجاسته ولم ينقل من قدماء أصحابنا القول بالطهارة إلا من الصدوق ووالده في الرسالة وابن أبي عقيل والجعفي. لكن في الجواهر " عدم ثبوت ذلك عن الثاني، بل أنكره بعض

[ 172 ]

الاساطين، وعدم صراحة الاول فيه أيضا، سيما بملاحظة ما نقل عنه من إيجابه نزح البئر منه، كعدم معروفية حكاية ذلك عن الجعفي في كثير من كتب الاصحاب كالعلامة وغيره، نعم حكاه في الذكرى وتبعه بعض من تأخر عنه " انتهى. أقول: إن الصدوق نفى البأس - على المحكي - عن الصلاة في ثوب أصابه خمر قائلا إن الله حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته، وهو ظاهر في طهارته، لكن من المحتمل بعيدا أن يكون مراده العفو في الصلاة كقليل الدم، وكذا لم ينقل من الجمهور إلا عن داود وربيعة، وهو أحد قولي الشافعي على ما في التذكرة، لكن لم ينسبها إليه في المنتهى، وظاهره انحصار المخالف فيهم بداود، وفي حكاية ربيعة. وربما يظهر من البهائي عدم كون الشافعي قائلا بها، حيث قال في الحبل المتين: " وقد أطبق علماء الخاصة والعامة على ذلك إلا شرذمة منا ومنهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم " بل من السيد أيضا حيث قال: " لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم " فان الشافعي ليس من الشذاذ الذين لا اعتداد بقولهم ولم يعتد الفريقان بمخالفتهم (1) وأما الصدوق منا فلم يصرح بالطهارة كما مر، بل لعل المجتهدين كالسيد والمفيد والشيخ وأضرابهم لم يعتدوا برأيه وان اعتدوا بنقله ونفسه، ولهذا حكي عن الشيخ أن الخمر نجس بلا خلاف، ولم يستثن أحدا.


(1) ويؤيده ما نقله في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة (ج 1 ص 12) عن المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة: " ان الخمر تطهر إذا صارت خلا ".

[ 173 ]

وكيف كان قد تكرر نقل الاجماع بيننا بل بين المسلمين على نجاسة الخمر، وتدل عليه الآية الكريمة: إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (1) بناءا على أن الرجس بمعنى النجس إما مطلقا أو في المقام، إما لنقل الاجماع في محكي التهذيب على أنه ها هنا بمعنى النجس، أو لمناسبة المقام، فان الله تعالى فرع وجوب الاجتناب عن المذكورات على كونها رجسا من عمل الشيطان ولا يناسب التفريع على مطلق الرجس المشترك بين ما لا بأس به ولا يجب الاجتناب عنه وبين ما به بأس، فرفع اليد عن ذات العناوين والتفريع على الرجس لا يناسب إلا كونه بمعنى النجس المعهود الذي كان وجوب الاجتناب عنه معهودا بينهم. ويؤيده إطلاق الرجس على لحم الخنزير أو عليه وعلى الميتة والدم في آية أخرى (2) وإطلاقه على لحم الخنزير والخمر في بعض الروايات، ولا يبعد أن يكون ذلك تبعا للآية، وبناء على أن باب المجازات مطلقا ليس من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له، بل من قبيل ادعاء ما ليس بمصداق المهية حقيقة مصداقها، وتطبيق المعنى الحقيقي الذي استعمل اللفظ فيه عليه كما حقق في محله. ففي المقام استعمل الرجس في النجس الذي هو أحد معانيه بالتقريب المتقدم، وادعي كون الثلاثة التي بعد الخمر مصداقا له تنزيلا لما ليس بنجس منزلته، لقيام القرينة العقلية عليه، ولم تقم قرينة على التنزيل والادعاء في الخمر، فيحمل على الحقيقة فتثبت نجاستها، لكن بعد اللتيا واللتي إثبات نجاستها بالآية محل إشكال ومناقشة لا مجال للتفصيل حولها.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 90. (2) سورة الانعام: 6 - الآية: 145.

[ 174 ]

وأما الروايات فعلى طوائف: منها ما هي ظاهرة في النجاسة، وهي التي أمر فيها بغسل ملاقيها أو النهي عن الصلاة فيما يلاقيها، وهي كثيرة كموثقة عمار بن موسى قال: " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس، وعن الابريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس، وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال: تغسله ثلاث مرات، وسئل أيجزيه أن يصيب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " (1). والفقرات منها ظاهرة في النجاسة، والاخيرة كالنص فيها. وموثقته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تصل في ثوب أصابه خمرا أو مسكر، واغسله إن عرفت موضعه، فان لم تعرف موضعه فاغسله كله، فان صليت فيه فأعد صلاتك " (2) ونحوها مرسلة يونس عنه


(1) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (2) هذه محكية في الحدائق ولم أجدها الآن عاجلا في كتب الحديث (منه دام ظله). لم نعثر عليها في كتب الحديث بهذا اللفظ، وانما الوارد فيها هكذا " لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر، لان الملائكة لا تدخله، ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله " راجع الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 7. نعم ورد هذا المضمون في مرسلة يونس كما أشار إليه الاستاذ دام ظله واليك متنها: " إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فأغسله كله، وإن صليت فيه فاعد صلاتك " وفى رواية غير زرارة التي يرويها علي بن مهزيار: " إذا أصاب ثوبك خمر =

[ 175 ]

عليه السلام (1). ورواية أبي جميلة البصري قال: " كنت مع يونس ببغداد وأنا أمشي في السوق، ففتح صاحب الفقاع فقاعه فقفز فأصاب ثوب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس، فقلت له: يا أبا محمد ألا تصلي؟ قال: فقال لي: ليس أريد أن أصلي حتى أرجع إلى البيت فأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت له: رأي رأيته أو شئ ترويه؟ فقال: أخبرني هشام بن حكم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الفقاع فقال: لا تشربه فانه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله " (2) ولا تخفى دلالتها على النجاسة من وجوه. وصحيحة علي بن جعفر المنقولة في الاشربة المحرمة عن أخيه عليه السلام قال: " سألته عن النضوح يجعل فيه النبيذ أيصلح للمرأة أن تصلي وهو على رأسها؟ قال: لا، حتى تغتسل منه " (3) وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام قال: " سألته عن الشرب في الاناء يشرب فيه الخمر قدحا عيدان أو باطية قال: إذا غسله فلا بأس، قال: وسألته عن دن الخمر يجعل فيه الخل والزيتون أو شبهه، قال إذا


= أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صليت فيه فاعد صلاتك " راجع المصدر المذكور آنفا - الحديث 3 - 2. (1) مرت في التعليقة (2) من ص 174. (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 وتمام الحديث في الباب - 27 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 8 (3) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 3

[ 176 ]

غسل فلا بأس " (1) إلى غير ذلك. بل يظهر من بعضها مفروغية النجاسة، كصحيحة معاوية بن عمار الواردة في الثياب يعملها المجوس (2). ومنها ما هي كصريحة أو صريحة فيها، كرواية أبي بصير في حديث أم خالد العبدية في التداوي بالنبيذ قال في ذيلها. " ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا " (3) وحسنة خيران الخادم أو صحيحته قال: " كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فان أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فان الله انما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه، فوقع: لا تصل فيه فانه رجس " الخ (4). ضرورة أن الرجس في الحديث بمعنى النجس، فان اختلاف الاصحاب لم يكن في استحباب غسله، بل في نجاسته كما هو واضح، وصحيحة عبد الله بن سنان قال: " سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر أني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام:


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 5 و 6 (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث (أخباب) وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال " الخ. راجع الوسائل - الباب - 73 - من ابواب النجاسات الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2. (4) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 4

[ 177 ]

صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فانك أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (1) فان الظاهر منها مفروغية نجاسة الخمر ولحم الخنزير، وانما سأل عن الشبهة الموضوعية، فأجاب بما أجاب، حيث يعلم منه أنه مع ملاقاته يصير نجسا، سيما مع اقترانه بلحم الخنزير، وصحيحة هارون ابن حمزة الغنوي - بناء على وثاقة يزيد بن إسحاق كما لا تبعد - عن أبي عبد الله عليه السلام: " في رجل اشتكى عينيه، فنعت له بكحل يعجن بالخمر، فقال: هو خبيث بمنزلة الميتة، فان كان مضطرا فليكتحل به " (2) فان التنزيل منزلة الميتة إما يكون في النجاسة أو مع الحرمة لا في الحرمة فقط، سيما مع قوله عليه السلام: " خبيث " وسيما أن الاكتحال ليس بأكل، وأن الخمر مستهلك في الكحل، فالانسب فيه النجاسة، ولا أقل من إطلاق التنزيل. ومنه يظهر صحة الاستدلال برواية الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دواء يعجن بالخمر لا يجوز أن يعجن إلا به، إنما هو اضطرار؟ فقال: لا والله لا يحل للمسلم أن ينظر إليه، فكيف يتداوى به؟ وانما هو بمنزلة شحم الخنزير الذى يقع في كذا وكذا " الخ (3) تأمل (4).


(1) الوسائل - الباب - 74 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 5. (3) الوسائل الباب - 20 - من ابواب الاشربة المحرمة الحديث 10 (4) لعله اشارة إلى أن السائل يكون بصدد السؤال عن حلية التداوي بالمعجون الذى يعجن بالخمر لا عن طهارته ونجاسته أو عن جواز امتزاجه بها وعدمه، ولهذا قال في جوابه: " لا يحل للمسلم، أن ينظر إليه =

[ 178 ]

ويمكن عد الروايات الواردة في باب المنزوحات من تلك الطائفة فان الناظر فيها لا يشك في أن نجاستها كانت مفروغا عنها، وإنما وقع بعدها السؤال عن حال البئر، بل جميع الروايات في منزوحات البئر إلا ما شذ منها واردة في ملاقاته لنجاسات مفروغ عنها، فلا شبهة في دلالتها عليها سيما مع اردافها بالدم والميتة ولحم الخنزير وتسويتها معها، فجعلها كالصريحة في المطلوب. كما أن منها موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: " أنه سأله عن الاناء يشرب فيه النبيذ، فقال: تغسله سبع مرات، وكذلك الكلب " (1) فان اقترانه بالكلب وتنظير الكلب به جعله كالصريح في النجاسة، وان قلنا بأن السبع استحبابي. ومنها ما أمر فيها باهراق ملاقيها، كرواية زكريا بن آدم قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير، قال: يهراق المرق أو تطعمه أهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله، قلت: فانه قطر فيه دم؟ قال: الدم تأكله النار إنشاء الله، قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؟ قال: فقال: فسد، قلت: أبيعه من اليهود والنصارى وأبين لهم؟ قال: نعم، فانهم يستحلون شربه، قلت: والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شئ من ذلك؟ قال: فقال: اكره أن آكله إذا قطر في شئ من طعامي " (2).


= فكيف يتداوى به " وأن التنزيل يكون في الحلية والحرمة لا الطهارة والنجاسة، ومع هذا الظهور لا سبيل إلى إطلاق التنزيل كما لا يخفى. (1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 8

[ 179 ]

واشتمالها على أكل النار الدم لا يضر بالمطلوب مع احتمال كون الدم مرددا بين النجس وغيره، سيما مع تعقيبه بأن مع تقطير الدم في العجين يوجب الفساد، ودلالتها على النجاسة لا تكاد تخفى، فان إهراق المرق الكثير لامر استحبابي بعيد، نعم فيها إشعار بأن حرمة الخمر صارت موجبة للاهراق على تأمل، إذ لا يبعد أن يكون قوله عليه السلام: " يستحلون شربه " إشارة إلى ملازمة الحرمة والنجاسة وإلا فمجرد حرمة الخمر أو الدم مع استهلاكهما لا يوجب التحريم. وحسنة عمر بن حنظلة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال: لا والله ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب " (1) وإطلاقها يقتضي لزوم إهراق كل ما لاقاها ولو مثل الزيت والدبس، ومع عدم النجاسة يكون الاهراق بعيدا مع استهلاكها، واحتمال أن يكون ذلك لاجل المبالغة في أمر الخمر وشربها أيضا بعيد، لامكان بيان حرمتها والمبالغة فيها بنحو آخر غير الامر باهراق مال محترم. وفى مقابلها روايات استدل بها للطهارة ربما يقال ببلوغها اثنتى عشرة، وهو غير ظاهر، إلا أن يلحق بها بعض أدلة النجاسة، كرواية اعارة الثوب لمن يعلم أنه يشرب الخمر، حيث أجاز الصلاة فيه قبل غسله، ورواية دلت على جواز الصلاة فيما يعمله المجوس وهم يشربون الخمر، وغيرهما، وقد مر أنها ظاهرة في مفروغية نجاستها. فمما استدل عليها: صحيحة أبي بكر الحضرمي قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أصاب ثوبي نبيذ أأصلي فيه؟ قال: نعم قلت: قطرة من نبيذ قطر في حب أشرب منه؟ قال: نعم إن أصل


(1) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 180 ]

النبيذ حلال، وأصل الخمر حرام " (1) وفيه أنها تدل على خلاف مطلوبهم ان جعلت العلة مربوطة بالفقرتين، لدلالتها على ملازمة حرمة المشروب لنجاسته، ولا محيص عن حمل قوله عليه السلام: " أصل النبيذ حلال " الخ على حلية نفس النبيذ وحرمة نفس الخمر، وإلا فما يؤخذ منه الخمر حلال بالضرورة إلا أن يراد من الاصل حال الغليان قبل صيرورته خمرا، وهو كما ترى. ولا تدل على مطلوبهم إن جعلت علة للاخيرة، فانها قرينة على أن المراد من النبيذ في الفقرة المتقدمة قسم الحلال منه، ولا يبعد شيوع النبيذ الحلال في تلك الازمنة بحيث كان اللفظ منصرفا إليه. ولهذا ترى في بعض الروايات تقييده بالمسكر، وفي بعضها سئل عنه بلا قيد، فأجاب بأنه حلال، كرواية الكلبي النسابة " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النبيذ فقال: حلال، فقال: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك، فقال شه شه تلك الخمرة المنتنة " الخ (2) وموثقة حنان بن سدير قال: " سمعت رجلا يقول لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في النبيذ فان أبا مريم يشربه ويزعم أنك أمرته بشربه؟ فقال: صدق أبو مريم سألني عن النبيذ فأخبرته أنه حلال، ولم يسألني عن المسكر " (3) فيظهر منهما شيوع استعماله في القسم الحلال، ومعه لا مجال للاستدلال بها للطهارة في القسم الحرام. والعجب من الاردبيلي حيث اقتصر على نقل صدرها لمطلوبه، وترك ذيلها الذي هو قرينة على الصدر، أو دال على خلاف مطلوبه، وأعجب


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 9 (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الماء المضاف - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 5

[ 181 ]

منه توهم انحصار الصحيحة في الروايات الدالة على النجاسة بصحيحة ابن مهزيار، مع أن فيها جملة من الصحاح تدل عليها، كصحيحتي عبد الله بن سنان في باب اعارة الثوب الذمي، وصحيحة معاوية بن عمار في باب طهارة ما يعمله الكفار من الثياب ما لم يعلم تنجيسهم لها وغيرها. مع أن الموثق سيما مثل موثق عمار لا يقصر في اثبات الحكم عن الصحاح. والعجب منه أيضا تصحيح رواية الحسين بن أبي سارة بمجرد ظنه بأن ما وقع في التهذيب في موضعين من اشتباه النساخ، وأن الصحيح الحسن بن أبي سارة، لوقوعه في الاستبصار مكبرا، وعدم ذكر من الحسين في الرجال، فان مجرد وقوعه فيه كذلك وإهمال الحسين لا يوجب الاطمينان به، والظن لا يغنى من الحق شيئا، مع أن إهمال الراوي في كتب الرجال ليس بعزيز، ومن المحتمل أن لابي سارة ولدا آخر يسمى بالحسين، وقد أهمله أصحاب الرجال لجهالته. نعم لو قيل بأن ذلك لا يوجب جواز طرح رواية الاستبصار التي في سندها الحسن الثقة لكان له وجه، لكنه غير وجيه لعدم احتمال كون ما في الاستبصار حديثا ثالثا غير ما في التهذيب، مع اتحادهما من جميع الجهات إلا الاختلاف في الحسن مكبرا ومصغرا، ومع ما يقال: إن الاستبصار قطعة من التهذيب. وقد قلنا في محله: أن لا دليل على حجية أخبار الثقة إلا بناء العقلاء الممضى من الشارع المقدس، وليس بناؤهم على الاحتجاج بمثل هذه الرواية مع هذه الحال، مضافا إلى أن متنها أيضا لا يخلو من نحو اختلال، وهو هذا: قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن أصاب ثوبي شئ من الخمر أصلي فيه قبل أن أغسله؟ قال: لا بأس.

[ 182 ]

إن الثوب لا يسكر " (1) فان هذا التعليل الغير المناسب للسؤال والحكم ربما يوجب وهنا فيها سيما في المقام، سواء كان لا يسكر من باب الافعال ويراد به أن الثوب لا يوجب سكر لابسه حتى لا تصح صلاته لاجل كونه سكرانا، أو يراد به أن الثوب لا يكون مسكرا حتى لا تصح الصلاة فيه، أو من المجرد ويراد به أن الثوب لا يصير سكرانا، فان افادة طهارة الثوب أو الخمر بتلك العلة البعيدة عن الاذهان وغير المناسبة للمقام توجب وهنا فيها، وينقدح في الذهن أنها معللة، مع أنه على الاحتمال الثاني تشعر بنجاسة الخمر أو تدل عليها. وأضعف منها سندا ودلالة روايته الاخرى قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون، فيمر ساقيهم ويصب على ثيابي الخمر، فقال: لا بأس به إلا أن تشتهي أن تغسله لاثره " (2) فانها مضافا إلى اشتراكها مع ما قبلها في الحسين بن أبي سارة في سندها صالح بن سيابة، وهو مجهول، مع أن في متنها أيضا وهنا من جهة تقريره حضورهم في مجلس شربهم والمخالطة معهم حتى في المجالس التى يشربون فيها ويدور الساقي حولها، مع أنه حرام منهي عنه، ومن جهة دلالتها على طهارة الطوائف الثلاث، فان الظاهر أن الخمر التى أصابت ثيابه من يد ساقيهم كانت من فضلهم ومن الكأس الدائر بينهم للشرب، فتعارض ما دلت على نجاستهم آية ورواية وإجماعا، وسيأتي محمل لمثلها. ويتلوهما في ذلك رواية الصدوق قال " سئل أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام فقيل لهما: إنا نشتري ثيابا يصيبه الخمر وودك الخنزير


(1) و (2) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات - الحديث 10 - 12.

[ 183 ]

عند حاكتها أنصلي فيها قبل أن نغسلها؟ فقالا: نعم لا بأس، إن الله انما حرم أكله وشربه ولم يحرم لبسه ولمسه والصلاة فيه " (1) إذ اشتمالها على ودك الخنزير أي شحمه ودسمه الذي لا يجوز الصلاة فيه بما أنه نجس العين وبما أنه ميتة وبما أنه من غير المأكول موجب لوهنها وعدم جواز التمسك بها، والتفكيك في مثله كما ترى. ونظيرهما في ضعف السند بل الدلالة رواية حفص الاعور قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف فيجعل فيه الخل قال: نعم " (2) لجهالة حفص، وقوة احتمال أن يكون السائل بصدد السؤال عن أن الدن الذي هو وعاء من خزف ينفذ فيه الخمر إذا جفف يجعل فيه الخل ولا ينفذ من جوفه الخمر فتسرى إلى الخل فتفسده وتنجسه، ولم يكن في مقام السؤال عن طهارة الخمر ونجاستها بل تشعر الرواية أو تدل على نجاستها من حيث مفروغيتها، والسؤال عن نفوذها وتنجيسها، تأمل (3) وكيف كان الظاهر عدم الاطلاق فيها وبالجملة لما كانت الظروف التي تصنع فيها الخمر من نظائره منهيا


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 13 (2) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (3) لعله اشارة إلى أن ما يظهر من السؤال عدم تغسيل الدن بعد ما جفف، فإذا كانت نجاسة الخمر معلومة عند السائل ويكون السؤال عن نفوذها من جوفه إلى الخل يلزم ان لا يكون المتنجس منجسا وإلا فمتى لاقاه شئ من رطوبة مسرية كالخل يتنجس بسبب الملاقاة وإن لم ينفذ من جوفه الخمر إلى الخارج، ولذا حكى في الوسائل عن الشيخ بأنه قال: " المراد به إذا جفف بعد أن يغسل ثلاثا " على أن تصوير نفوذ الخمر من جوف الدن إلى الخل بعد ما جفف مشكل جدا.

[ 184 ]

عنها في الروايات كما في رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل مسكر فكل مسكر حرام، قلت: فالظروف التي يصنع فيها منه؟ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله من الدباء والمزفت والحنتم والنقير " الخ (1) فلعل ذلك صار سببا للسؤال عن نحوها، فلا يكون لها إطلاق يتمسك به للطهارة لو لم نقل بدلالتها على خلافها. ومنه يظهر الكلام في حسنة علي الواسطي قال: " دخلت الجويرية - وكانت تحت عيسى بن موسى - على أبي عبد الله عليه السلام وكانت صالحة، فقالت: إني أتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التى أمتشط بها الخمر وأجعله في رأسي قال: لا بأس " (2) لقرب احتمال أن تكون شبهتها في حلية الانتفاع بالخمر وجواز التمشط بها. ضرورة أنه مع تلك التشديدات في أمر الخمر والمسكر كقوله عليه السلام: " لا يحل للمسلم أن ينظر إليه " (3) وقوله عليه السلام: " ما أحب ان أنظر إليه ولا أشمه " (4) والنهي عن الانتفاع بها، وتحريم الاكل على مائدة تشرب عليها الخمر، والنهي عن الجلوس عند شراب الخمر، وعن الصلاة في بيت فيه خمر، وعن الظروف التي يصنع فيها الخمر، وعن التداوي بها إلى غير ذلك، ينقدح في الاذهان عدم جواز التطيب بها، بل وسائر الانتفاعات، بل لعله تنقدح فيها شبهة جواز مسها ولمسها ولبس الثوب الذي أصابها.


(1) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 20 من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 10 - 6.

[ 185 ]

وعليه لا يبقى لمثل قوله عليه السلام " لا بأس " ظهور في الطهارة، مع قرب احتمال نفي الحرمة النفسية، فاذن فرق بين الخمر والمسكر وبين سائر الموارد مما لا يحتمل الحرمة النفسية احتمالا معتدا به، حيث يقال فيها بظهور نفي البأس في نفي المانعية أو النجاسة، فانه مع هذا الاحتمال القريب لا يبقى لنفي البأس ظهور في الغيرية حتى يستفاد منه ذلك. وعليه لا يبعد إنكار ظهور موثقة ابن بكير قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب قال: لا بأس " (1) في نفي البأس الغيري حتى يستفاد منه الطهارة أو عدم المانعية، بعد احتمال أن يكون نفيه عن لبس ما يصيبه الخمر كما نفى البأس عنه في موثقته الاخرى المتقدمة، وفيها " نعم لا بأس إن الله حرم أكله وشربه، ولم يحرم لبسه ولمسه والصلاة فيه " فانها تشعر أو تدل على أن جواز اللبس واللمس أيضا كان مورد الشبهة والنظر فلا يبقى ظهورها في الطهارة بعد ما عرفت، وهذا ليس ببعيد بعد التأمل فيما مر والتدبر فيما ورد في الخمر إن كان بعيدا بدوا. وأما صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: " سألته عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به، قال: وسألته عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله، ويصلي فيه ولا بأس به " (2).


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 11 (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 2

[ 186 ]

وعن كتاب علي بن جعفر مثله، وزاد " وسألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب أيصلى فيها قبل أن تغسل؟ قال: إذا جرى من ماء المطر لا بأس، ويصلى فيه " (1) فهي من أدلة نجاسة الخمر لا طهارتها، ضرورة أن السؤال عنها كالسؤال عن البول والكنيف بعد الفراغ عن نجاستها انما هو عن حال اصابة المطر لها، والانصاف أن الاستدلال بمثلها للطهارة ليس إلا لتكثير سواد الدليل، وإلا فهي من أدلة نجاستها. وأما رواية فقه الرضا (2) فمع ضعفها بل عدم ثبوت كونها رواية مشتملة على ما لا نقول به، فراجعها. فما بقى في الباب إلا صحيحة ابن رئاب قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي فأغسله أو أصلي فيه؟ قال: صل فيه، إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الاثر، إن الله تعالى انما حرم شربها " (3) فانها سليمة سندا ودلالة عن الخدشة بل يمكن أن يقال: إن قوله عليه السلام " إلا أن تقذره فتغسل منه " الخ نحو تفسير للاوامر الواردة في غسل الثوب منها، بل لقوله: رجس ونجس، بدعوى أن القذارة فيها بالمعنى العرفي، فتكون شاهدة


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 3 (2) وهي هكذا: " لا بأس أن تصلي في ثوب أصابه خمر، لان الله حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته، وإن خاط خياط ثوبك بريقه وهو شارب الخمر إن كان يشرب غبا فلا بأس، وإن كان مدمنا للشرب كل يوم فلا تصل في ذلك الثوب حتى يغسل. راجع المستدرك - الباب - 30 - من أبواب النجاسات - الحديث 4. (3) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات - الحديث 14

[ 187 ]

للرجس والنجس في غيرها، بل قوله عليه السلام: " إن الله انما حرم شربها " الخ حاكم على ما تقدم لو لا صحيحة علي بن مهزيار قال: " قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا: لا بأس بأن تصلي فيه، انما حرم شربها، وروى غير زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صليت فيه فأعد صلاتك، فاعلمني ما آخذ به؟ فوقع عليه السلام بخطه وقرأته: خذ بقول أبي عبد الله عليه السلام " (1) وحسنة خيران الخادم أو صحيحته المتقدمة، فانهما حاكمتان عليها وعلى جميع الروايات في الباب على فرض تسليم دلالتها. والعجب من الاردبيلي حيث رد الاولى تارة باحتمال أن المراد من الاخذ بقول أبي عبد الله عليه السلام هو الاخذ بقوله المشترك مع أبي جعفر عليه السلام، وأخرى بأن المشافهة خير من المكاتبة، وأنت خبير بما فيه من الضعف. ثم أنه على فرض تسليم دلالة الروايات المذكورة على الطهارة، والغض عما مر فلا شبهة في تعارض الطائفتين من غير جمع مقبول بينهما، ضرورة وقوع المعارضة والمخالفة بين قوله عليه السلام: " لا تصل فيه فانه رجس " وقوله عليه السلام: " وينجس ما يبل الميل حبا من ماء " وقوله عليه السلام: " لا والله ولا وقطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب " وقوله عليه السلام: " إنه خبيث بمنزلة الميتة وأنه بمنزلة شحم الخنزير " وقوله عليه السلام: " تغسل الاناء منه سبع


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 188 ]

مرات، وكذلك الكلب " إلى غير ذلك وبين قوله عليه السلام: " لا بأس بالصلاة فيه " وقوله عليه السلام: " صل فيه " معللا بأن الله انما حرم شربها إلى غير ذلك. ولو حاول أحد الجمع بينهما بحمل الطائفة الاولى على الاستحباب أو حمل الرجس والنجس على غير ما هو المعهود لساغ له الجمع بين جميع الروايات المتعارضة، فانه ما من مورد إلا ويمكن حمل الروايات على ما يخرجها عن التعارض، فبقيت أخبار العلاج بلا مورد، وقد حقق في محله أن ميزان الجمع هو الجمع العرفي لا العقلي، وهو مفقود في المقام، وقد قلنا في محله: إن الشهرة التي أمرنا في مقبولة عمر بن حنظلة في باب التعارض بالاخذ بها، وترك الشاذ النادر المقابل لها، هو الشهرة في الفتوى لا في النقل، وتلك الشهرة ومقابلها معيار تشخيص الحجة عن اللاحجة، والمشهور بين الاصحاب بين رشده، ومقابله بين غيه، والمقام من هذا القبيل، والتفصيل موكول إلى محله. ثم أن حكم الخمر سار في جميع المسكرات المايعة بالاصالة، ولا يختص بالخمر والنبيذ المنصوص عليهما في الروايات، لا لصدق الخمر عليها لغة أو عرفا، ضرورة عدم ثبوت ذلك لو لم نقل بثبوت خلافه، ولا للحقيقة الشرعية كما ادعاها صاحب الحدائق مستدلا بجملة من الروايات: كرواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " انما الخمر والميسر - الآية - أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر، وما أسكر كثيره فقليله حرام - ثم ذكر قضية أبي بكر، ثم قال: - انما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر والتمر، فلما نزل تحريمها خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقعد في

[ 189 ]

المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فأكفأها، وقال: هذه كلها خمر حرمها الله، فكان أكثر شئ أكفئ في ذلك اليوم الفضيخ، ولم أعلم أكفئ يومئذ من خمر العنب شئ إلا إناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، وأما عصير العنب فلم يكن منه يومئذ بالمدينة شئ، وحرم الله الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشراءها والانتفاع بها " الخ (1). وبما عن ابن عباس في تفسير الآية قال: " يريد بالخمر جميع الاشربة التى تسكر " وبقوله صلى الله عليه وآله المحكي في رواية عطاء ابن يسار عن الباقر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر ". (2) وبجملة من الروايات المصرحة بأن الخمر من خمسة أو ستة أشياء، كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمزر من الشعير، والنبيذ من التمر " (3) ونحوها غيرها (4). قال في الحدائق: فقد ظهر بما نقلناه من الاخبار تطابق كلام الله تعالى ورسوله على أن الخمر أعم مما ذكروه من التخصيص بالمتخذ من العنب، فيكون حقيقة شرعية. وانت خبير بما فيه، ضرورة أن تلك الروايات وقول ابن عباس


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 (4) راجع الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاشربة المحرمة الحديث 2 و 3 و 6.

[ 190 ]

لا يثبت بها إلا إطلاق الخمر على غير المتخذ من العنب أحيانا، وأما كونه على وجه الحقيقة فغير ظاهر، والتمسك بأصالة الحقيقة مع معلومية المراد والشك في الوضع لاثباته كما ترى، مع أن شأن الرسول والائمة صلوات الله عليهم ليس بيان اللغة ووضعها. والعجب منه كيف غفل عن سائر الروايات الظاهرة في أن الخمر مختصة بالمتخذ من العنب، وأن ما حرم الله تعالى هو ذلك بعينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله حرم غيره من المسكرات، كرواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " وضع رسول الله صلى الله عليه وآله دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله من غير أن يكون جاء فيه شئ؟ فقال: نعم ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه " (1) فانظر كيف صرح فيها بعدم ورود شئ في حرمة المسكرات مع ورود حكم الخمر في الكتاب العزيز، ورواية أبي الربيع الشامي قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام إن الله حرم الخمر بعينها، فقليلها وكثيرها حرام، كما حرام الميتة والدم ولحم الخنزير، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله الشراب عن كل مسكر، وما حرمه رسول الله فقد حرمه الله عزوجل " (2) ورواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته عن النبيذ فقال: حرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من الاشربة كل مسكر " (3). وأوضح منها صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي عليه


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 4 - 6.

[ 191 ]

السلام قال: " إن الله لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر " (1) فانها صريحة في أن اسم الخمر لا يطلق على غيرها من المسكرات، لكنها خمر عاقبة وأثرا وحكما وهي شاهدة للمراد في الروايات التى تمسك بها صاحب الحدائق بأن المراد من كون الخمر من خمسة أنها خمر لاجل كون عاقبتها عاقبة الخمر، فهي خمر حكما لا اسما ولغة. ولا تنافي بينها وبين ما تقدم من أن تحريم غيرها من رسول الله صلى الله عليه وآله، فان الظاهر منها أيضا أن الله إنما حرم الخمر، لكن سر تحريمه عاقبته، ورسول الله صلى الله عليه وآله حرم كل ما فيه هذا الثمر، وبعبارة أخرى: ان الله تعالى حرم الخمر فقط، لكن حكمة الجعل إسكاره، ورسول الله صلى الله عليه وآله حرم كل ما فيه هذه الحكمة. ولا لكون النبيذ حقيقة في جميع الانبذة وإن يظهر ذلك من بعض اللغويين قال في القاموس: " النبيذ: الملقى، وما نبذ من عصير ونحوه " (2) وفى المجمع: " والنبيذ ما يعمل من الاشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك " وفي المنجد " النبيذ المنبوذ الخمر المعتصر من العنب أو التمر، الشراب عموما " وذلك لان الشايع في عصر صدور الروايات ومحله هو استعماله في النبيذ من التمر، وقد يطلق على الزبيب، فكان المستعمل فيها منصرفا عن سائر الانبذة جزما


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1. (2) وفيه أيضا: " الخمر ما أسكر من عصير العنب، أو عام كالخمرة والعموم أصح " وفي تاج العروس والمصباح الخمر كل مسكر خامر العقل واختمرت الخمر: ادركت وغلت.

[ 192 ]

وعن الزبيب ظاهرا، وقد تقدم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الخمر من خمسة، وخص النبيذ بالتمر، والنقيع بالزبيب ولعل شيوع استعماله فيه لاجل كون التمر في محيط صدور الروايات شايعا جدا وما كانوا ينبذون من غيره إلا نادرا، وكيف كان لا يمكن استفادة حكم سائر المسكرات من روايات النبيذ. بل لروايات خاصة - مضافا إلى عدم الخلاف فيه ممن قال بحرمته وقد مر عدم الاعتداد بخلاف من خالف في المسألة المتقدمة - كموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر لان الملائكة لا تدخله، ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله " (1). والخدشة فيها بأن اشتمالها على النهي عن الصلاة في بيت فيه خمر المحمول على الكراهة يوهن دلالتها على الحرمة الوضعية مدفوعة أولا بأن مجرد ورود نهي في صدرها قام الدليل على عدم حرمته لا يوجب الوهن في نهي آخر مستقل مستأنف. وثانيا اقتران المسكر بالخمر وعطفه عليها يدفع توهم الوهن لو فرض، فان النهي عن الصلاة في ثوب أصابه خمر، تحريمي كما مر، ولاجل نجاستها كما صرحت بها رواية خيران الخادم، وكذلك في المسكر المعطوف عليه، وحسنة عمر بن حنظلة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال: لا والله، ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب " (2) بل وصحيحة علي بن مهزيار بناء على أن قوله


(1) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات - الحديث 7. (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 193 ]

عليه السلام: " يعني المسكر " لم يكن تفسيرا للنبيذ، بل يكون المراد التعميم في السؤال، وهو وإن كان للراوي ظاهرا، لكن تقرير أبي الحسن عليه السلام إياه وإرجاعه إلى قول أبي عبد الله عليه السلام من غير التعرض للتفسير دال على ارتضائه به، لكن للخدشة فيها مجال، لاحتمال أن يكون التفسير للنبيذ، فانه على قسمين محلل ومحرم مسكر. والانصاف أن روايات النبيذ مع التقييد بالمسكر أو التفسير به وما وردت في الخمر كقوله عليه السلام: " إن الثوب لا يسكر " وقوله عليه السلام: " ان الله لم يحرم الخمر لاسمها لكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر " مما تؤيد نجاسة مطلق المسكر، بل لاحد أن يقول: إن المستفاد من الاخيرة عموم التنزيل وإطلاقه، ومجرد كون صدرها في مقام بيان التحريم لا يوجب صرف الاطلاق، إلا أن يقال: إن المعروف من خاصة الخمر في تلك الازمنة هو حرمتها لا نجاستها، فانها كانت محل خلاف وكلام، فينزل على الخاصة المعروفة في زمان الصدور، وهو لا يخلو من تأمل وكلام. وأما التمسك لاثبات النجاسة بما دلت على أن الخمر من خمسة أشياء بدعوى أن الحمل إما حقيقي كما قد يدعى، وإما لثبوت أحكام الحقيقة فغير تام، لان الحمل ليس بحقيقي كما تقدم، وليس في تلك الروايات إطلاق جزما، فهي أسوء حالا من الرواية المتقدمة وإن عكس الامر شيخنا الاعظم رحمه الله. ثم أن مقتضى الاصل طهارة المسكر الجامد بالاصالة وإن صار مايعا بالعرض، كما نص عليها في محكي التذكرة والذكرى وجامع المقاصد والروض والمسالك والمدارك والذخيرة، بل عن الاخير أن الحكم

[ 194 ]

بنجاسة المسكرات مخصوص عند الاصحاب بما هو مايع بالاصالة، وعن المدارك أن الحكم به مقطوع به في كلام الاصحاب، بل عن الدلائل نقل الاجماع عليه، وعن الحدائق اتفاق كلهم عليه، وعن شرح الدروس عدم ظهور الخلاف فيه. وقد يتوهم شمول بعض الروايات الدالة على النجاسة له أيضا كعموم التنزيل في الرواية المتقدمة وقوله صلى الله عليه وآله: " كل مسكر حرام وكل مسكر خمر " إلى غير ذلك، وفيه أنها منصرفة إلى المايعات، خصوصا مع حصر الخمر في الروايات التى تقدم بعضها بالاشياء التى كلها مايعات بالاصالة، مضافا إلى قوله عليه السلام في رواية أبي الجارود: " فكل مسكر من الشراب فهو خمر " هذا مع عدم الجزم بعموم التنزيل في تلك الروايات، فلا ينبغي التأمل في قصورها عن اثباتها. كما لا ينبغي التأمل في نجاسة المنجمد من المسكر المايع بالاصالة للاصل، بل إطلاق الادلة، ضرورة أنه لو جمد الخمر أو المسكر لا يسلب عنه الاسم، فتكون خمرا جامدا ومسكرا كذلك، لعدم انقلاب الحقيقة بالجمود عما هي عليه، نعم لو زال عن غير الخمر والنبيذ اسكاره يتشبث فيه بالاستصحاب لاثبات نجاسته، ولا شبهة في جريانه (1) وأما


(1) وحكي عن العلامة في المنتهى الحكم بطهارته، وقد يقال في تقريب طهارته وعدم جريان استصحاب النجاسة فيه: إن الحكم كان معلقا نصا وفتوى على المايع المسكر، وهو منفي صدقه عليه نعلا، ولا يمكن إجراء استصحاب النجاسة لتغير الموضوع قطعا، مضافا إلى أن الحكم منقلب بنفس الدليل لو قلنا بحجية مفهوم الوصف. وفيه أن المعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والمشكوك =

[ 195 ]

الخمر والنبيذ فالحكم تابع لعنوانهما. تنبيه: قد وقع الخلاف بين أصحابنا قديما وحديثا في نجاستها عصير العنب الذي غلى ولم يذهب ثلثاه ولم يعرض له إسكار، بعد عدم الاشكال والريب في حرمته، ثم اعلم أنه لا يجوز الاتكال في المسألة على دعاوي الشهرة وعدم الخلاف والاتفاق، لتراكم الاقوال والدعاوي فيها من الطرفين، فربما يدعى الشهرة على نجاسته بين المتأخرين أو مطلقا، أو يدعى عدم الوقوف على القول بها إلا من أبي حمزة من القدماء والمحقق في المعتبر، أو يقال: إن القول بالنجاسة بين الطبقة الاولى من فقهائنا


= فيها وان موضوع القضية المتيقنة فيه هنا عبارة عن هذا المايع الخارجي المشار إليه، لا عنوان المايع المسكر الكلي، وهو بشخصيته موجود عرفا وإن سلب عنه عنوان المسكر، وهذا نظير الكبر والصغر والمرض والصحة في الشخص الخارجي حيث بقيت شخصيته مع تبادل العناوين والعوارض عليه، فعليه لا مانع من جريان استصحاب النجاسة فيه، نعم لا يمكننا التمسك بالدليل الاجتهادي على نجاسته للعلم بعدم بقاء موضوع الدليل الاجتهادي، وبالجملة أن ما هو المعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة مع القضية المشكوك فيها، لا وحدة المستصحب مع موضوع الدليل الاجتهادي، ولعل هذا التوهم نشأ من الخلط بينهما كما هو الظاهر من كلامه، فما أفاده الاستاذ دام ظله من صحة جريان استصحاب النجاسة فيه متين جدا، وأما التمسك بمفهوم الوصف فهو كما ترى.

[ 196 ]

إما قليل أو معدوم. وهو كذلك ظاهرا، كما يظهر بالمراجعة إلى كتبهم، كالناصريات والنهاية والمراسم والغنية، بل والوسيلة، بل هو الظاهر من كل من قيده بالاشتداد، وأما الصدوقان وإن يظهر منهما أن العصير المغلي خمر، لكن قد مر أن الظاهر منهما عدم نجاسة الخمر. وبالجملة إن المسألة مما لا يمكن تحصيل الشهرة والاجماع فيها، فان في كثير من عبارات الاصحاب التقييد بالاشتداد. حتى قيل: إن نجاسته إذا غلى واشتد مشهورة بين الاصحاب، وحكي ذلك عن الذكرى وجامع المقاصد وغيرهما، بل في المجمع وعن كنز العرفان دعوى الاجماع على نجاسته وحرمته مع الاشتداد، والظاهر أو المحتمل أن يكون مرادهم من الاشتداد السكر، كما احتمله جمع، منهم النراقي، وتبعهم بعض أهل التتبع والتحقيق وأصر عليه، فحينئذ تكون المسألة خارجة عن بحثنا، أي إلحاق العصير المغلي الغير المسكر بالمسكر. وكيف كان لا بأس قبل الاشتغال بالاستدلال بتحصيل المراد من العصير الوارد في النص والفتوى، فنقول: لا شبهة في أن المراد منه فيهما هو العصير العنبى، لا لانه موضوع لخصوصه وضعا جامدا، فانه غير ثابت، كما أن وضعه لمطلق عصارة الاجسام غير ثابت، وإن يوهمه بعض تعبيرات اللغويين، أو يظهر منه ذلك، ففي القاموس " عصر العنب ونحوه يعصره فهو معصور وعصير - إلى أن قال -: وعصارته وعصاره وعصيره ما تحلب منه " وفي المنجد " العصير والعصيرة والعصار ما تحلب مما عصر، العصير أيضا المعصور ". والمستفاد منهما ظاهرا أنه موضوع له نحو موضوعية العصارة له، لا أنه يطلق عليه نحو إطلاق العنوان الاشتقاقى عليه، نعم في المجمع

[ 197 ]

" عصرت العنب عصرا - من باب ضرب - استخرجت ماؤه، واسم الماء العصير فعيل بمعنى مفعول " ومراده من اسمه بقرينة قوله: " فعيل بمعنى مفعول " أنه يطلق عليه وصفا. ولعله منه أخذ بعض أهل التحقيق، حيث ذهب في رسالته المعمولة في عصير العنب إلى أن العصير أطلق على الماء المستخرج من العنب وغيره بالمعنى الوصفي، ومن قبيل استعمال فعيل بمعنى مفعول، ووجهه تارة بأن العصر إذا وقع على الشئ المتضمن للماء فقد وقع على جميع أجزائه التي منها الماء، وأخرى بأن إطلاق الفعيل بمعنى المفعول حقيقة لا يختص بما إذا كان مفعولا من غير تقييد، بل يصح إذا كان مفعولا مع تقييد بحرف كالنبيذ والنقيع والمريس، فان النبيذ استعمل في الماء الذي ينبذ فيه التمر، والنقيع فيما نقع فيه الزبيب، والمريس في الماء الذي دلك فيه التمر أو الزبيب، فهي فعيل بمعنى المفعول مع التقييد، والعصير أيضا يستعمل في الماء المستخرج استعمال الفعيل في المفعول المقيد، وقد جعل ذلك دقيقة لغوية. وقال أيضا في تقريبه: إنه إذا تحقق العصر فالفاعل عاصر، وذلك الشئ معصور والماء معصور منه، وقد يؤدى هذا المعنى بالفعل المجهول، فيقال: عصر هذا من ذاك، وقد يؤدى بصيغة المفعول، فيقال: إنه معصور منه، فالعنب وماؤه كلاهما معصور منه، لكن كلمة " منه " في الاول نائب الفاعل، وفى الثاني الضمير المستتر في المعصور الراجع إلى الماء هو نائب الفاعل، انتهى ملخصا. وفيه مواقع للنظر: منها ما يدعي أن العصر إذا وقع على العنب وقع على مائه الذي في جوفه، لان الماء ونحوه من المائعات لا يقع عليها العصر، ولا تصير معصورا حقيقة في العرف واللغة، فإذا وقع العصر

[ 198 ]

على شئ كان في جوفه الماء يقع العصر على ذلك الشئ، ويفر الماء عن تحت يد العاصر، وربما يخرج من المعصور، فالماء لا يقبل العصر ولا يقع عليه إلا ببعض الآلات الحديثة مما توجب تكاثفه، وأما الماء في جوف العنب أو الثوب لا يصير معصورا، وإلا لكان العصير صادقا على الماء الذي في جوف العنب إذا عصر العنب رقيقا بحيث لا يخرج ماؤه. ولكان المعصور والعصير صادقا على الماء في جوف القربة إذا عصرت وهو كما ترى، والسر فيه عدم قبول المايعات العصر. ومنها أن ما جعله دقيقة لغوية في العصير والنبيذ ومثلهما من إطلاق الفعيل بمعنى المفعول مع التقييد يخالف الموازين الادبية والدقائق اللغوية ومغالطة نشأت من الخلط بين المفعول الصرفي والمفعول النحوي، فان الفعيل يجئ بمعنى المفعول الصرفي لا النحوي، والمفعول الصرفي مقابل الفاعل الصرفي لا يصدق حقيقة إلا على ما وقع على الفعل، فهل ترى صحة إطلاق الفعيل على المفعول فيه حقيقة، فيقال الجريح على زمان الجرح ومكانه، وعلى سائر المفاعيل كالمفعول المطلق والمفعول له. ففي المقام ما وقع عليه العصر هو العنب، ولاجله خرج الماء من جوفه، فالعنب معصور وعصير بمعنى المعصور، والماء مستخرج منه لا معصور منه، بل لا محصل عند التأمل للمعصور منه إلا أن يراد أنه معصور من قبله، مع أن الماء ليس معصورا لا من قبل العاصر كما عرفت، ولا من قبل العنب، فلو أطلق على الماء المعصور منه يكون المراد أنه مستخرج من العنب بالعصر الواقع عليه لا على الماء، نعم لا مانع من الاطلاق الاستعاري والمجازي. ومنها أن دعواه أن العنب معصور منه وكذا الماء مستشهدا بصدق عصر هذا من ذاك في غير محلها، لان العنب معصور لا معصور منه،

[ 199 ]

فان " عصر " متعد، يقال: عصر العنب يعصره فهو عاصر وذاك معصور ولا معنى لتعديته ب‍ " من " وأما الماء فلا يطلق عليه أنه معصور منه بمعنى وقع عليه العصر من العاصر. فلا يصح إطلاق العصير عليه، إلا أن يراد أنه يستخرج من العنب عصرا بمعنى وقوعه على العنب لا وقوعه عليه، وكذا الحال في عصر هذا من ذاك يراد به أنه خارج منه عصرا لا أنه معصور منه، فانه لا يرجع إلى محصل، فما زعمه دقيقة ففي الحقيقة غفلة عن دقيقة. نعم لا إشكال في أن العصير في الاخبار على كثرتها لم يعهد استعماله في غير الماء المستخرج من العنب. كما أن استعماله فيه شايع كثير الورود فيها، بحيث لا يبقى شبهة للمتتبع فيها في أن العصير فيها ليس إلا الماء المستخرج من العنب، وهذا كاف في حمل المطلقات عليه ولو قلنا بأن استعماله حقيقة في مطلق المعتصر من الاجسام، فضلا عن القول بأنه ليس على نحو الحقيقة، لان المتيقن منه حينئذ عصير العنب، وإرادة غيره مشكوك فيه. والانصاف أنه لا مجال للتشكيك في أن المراد من المطلقات والعمومات هو خصوص العنبى منه. هذا مع أن جملة من الروايات شاهدة على أن ما هو محط النظر فيها هو خصوص ذلك، كرواية أبي الربيع الشامي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أصل الخمر كيف كان بدء حلالها وحرامها ومتى اتخذ الخمر؟ فقال: إن آدم لما أهبط من الجنة اشتهى من ثمارها فأنزل الله عليه قضيبتين من عنب فغرسهما - ثم ساق قضية منازعته مع ابليس إلى أن قال: - فرضيا بينهما بروح القدس، فلما انتهيا إليه قص آدم عليه قصته فأخذ روح القدس ضغثا من نار فرمى به عليهما،

[ 200 ]

والعنب في أغصانهما، حتى ظن آدم أنه لم يبق منهما شئ، وظن ابليس مثل ذلك، قال: فدخلت النار حيث دخلت وقد ذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث، فقال الروح: أما ما ذهب منهما فحظ ابليس، وما بقي فلك يا آدم " (1). وموثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن نوحا لما هبط من السفينة غرس غرسا فكان فيما غرس الحبلة (2) فجاء ابليس فقلعها - إلى أن قال - فجعل له الثلثين، فقال أبو جعفر عليه السلام: إذا أخذت عصيرا فاطبخه حتي يذهب الثلثان، وكل واشرب، فذاك نصيب الشيطان " (3) كذا في الكافي، وقال المجلسي: وفى بعض النسخ " النخلة " ونقلها في الوسائل باختلاف ما وذكر بدل " الحبلة " " النخلة ". أقول: والاصح الحلبة، لان الظاهر من المجلسي أن النسخة المشهورة كذلك، مضافا إلى أن سائر الروايات قرينة عليها، كموثقة سعيد بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن ابليس لعنه الله نازع نوحا في الكرم فأتاه جبرئيل، فقال له: إن له حقا فأعطه فأعطاه الثلث فلم يرض ابليس، ثم أعطاه النصف فلم يرض، فطرح جبرئيل نارا فاحرقت الثلثين وبقي الثلث، فقال: ما أحرقت النار فهو نصيبه، وما بقي فهو لك يا نوح " (4) وفي رواية وهب بن منبه ذكر قضية نوح قال: " وكان آخر شئ أخرج حبلة العنب - ثم ساق


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 (2) الحبلة: القضيب من شجر العنب. (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة الحديث 4 - 5.

[ 201 ]

القضية فقال -: فما كان فوق الثلث من طبخها فلابليس وهو حظه، وما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح وهو حظه، وذلك الحلال الطيب يشرب منه " (1). يظهر من تلك الروايات أن أصل قضية التثليث والنزاع بين إبليس وآدم عليه السلام تارة وبينه وبين نوح عليه السلام أخرى انما هو في الكرم والحبلة، والعصير هو العنبي المورد للنزاع. وتدل عليه طوائف أخرى من الروايات منها ما حكي عن رسول الله صلى الله عليه وآله " أن الخمر من خمسة: العصير من الكرم والنقيع من الزبيب " الخ (2). ومنها ما وردت في جواز بيع العصير ممن يعمل خمرا، مثل رواية أبي كهمس قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن العصير فقال: لي كرم وأنا أعصره كل سنة وأجعله في الدنان " الخ (3) وصحيحة رفاعة بن موسى قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره " (4) إلى غير ذلك. ومنها ما سئل فيه عن بيعه فيصير خمرا قبل قبض الثمن (5). ومنها ما حكي فيها لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر وعاصرها ومعتصرها الخ (6).


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 11 (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاشربة المحرمة الحديث 1 و 3 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 6 - 8 - 1. (6) المروية في الوسائل - الباب - 55 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 3 و 4.

[ 202 ]

ومنها أخبار متفرقة، كصحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا، فقال: إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس " (1) وصحيحة عبد العزيز قال: " كتبت إلى الرضا عليه السلام جعلت فداك العصير يصير خمرا فيصب عليه الخل " الخ (2). وجه دلالة تلك الروايات هو أن الخمر كما عرفت اسم لما يختمر من العنب، وغيره لا يسمى خمرا عرفا ولغة كما هو الظاهر من الروايات أيضا، كما أن الطلاء الوارد في الاخبار كصحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا زاد الطلاء على الثلث فهو حرام " (3) هو العصير العنبي، إما المطبوخ منه إلى ذهاب الثلثين كما في بعض كتب اللغة، أو أعم من ذلك كما في بعض، ففي الصحاح " الطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه وتسميه العجم الميبختج " وفى المجمع والمنجد تفسيره بذلك، وعن النهاية تفسيره بالشراب المطبوخ من عصير العنب، وفى دعائم الاسلام " روينا عن علي عليه السلام أنه كان يروق الطلاء، وهو ما طبخ من عصير العنب حتى يصير له قوام " (4) والظاهر أن التفسير من صاحب الدعائم، ولعل مراده من القوام ذهاب الثلثين. وكيف كان لا شبهة في أن الطلاء هو العصير العنبي المطبوخ، كما يظهر أيضا من قصة ورود عمر بالشام، وتوصيف أهله ما صنعوا من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 5 - 8. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 8 (4) المستدرك - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 3

[ 203 ]

العنب شرابا يشبه العسل، فجعل عمر يرفعه باصبعه يتمدد كهيئة العسل فقال: كأن هذا طلاء الابل، ولعل هذا صار سببا لتسميته به، كما أن البختج الوارد في بعض الروايات هو العصير المطبوخ، لا مطلق المطبوخ وهو واضح، ولا المطبوخ من سائر العصارات التي تجعل خمرا، لتعارف الطبخ في العصير دون غيره، ولان الطبخ على الثلث كما في بعض رواياته هو التثليث المعهود في عصير العنب، ولم يعهد وروده في الروايات في غيره إلا في شاذ غير معتمد عليه، ولتفسيره به، فعن النهاية: " البختج العصير المطبوخ وأصله بالفارسية: مي پخته " وفسره في المجمع أيضا به. بل قد يقال: إنه مفسر في كلام الكل بالعصير المطبوخ، وقد يقال باتفاق اللغويين على ذلك، ولعل مراده اتفاق المتعرض لتفسيره، وإلا فلم يتعرض الكل لذكره أو تفسيره، نعم الفقهاء المستدلون على نجاسة العصير المغلي بصحيحة معاوية بن عمار الآتية لم يعهد استدلالهم بها على نجاسته سائر العصارات. فقد تحصل مما مر أن العناوين الثلاثة الواردة في الاخبار حرمتها قبل ذهاب الثلثين أي العصير والطلاء والبختج هي خصوص العصير العنبي حتى المطلقات والعمومات كصحيحة عبد الله بن سنان قال: " ذكر أبو عبد الله عليه السلام أن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال " (1) وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام قال: " كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (2) وغيرهما. وكيف كان فقد استدل على نجاسة العصير المغلي تارة بالاجماع


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 204 ]

والشهرة، وقد عرفت حالهما، وأخرى بموثقة معاوية بن عمار أو صحيحته قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث وأنا أعلم أنه يشربه على النصف أفأ شربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: خمر لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم " (1) بتقريب أن الحمل إما حقيقي، كما هو المحكي عن جمع من الفريقين أن الخمر اسم للعصير، وإما تنزيلي، فمقتضى إطلاق التنزيل ثبوت جميع أحكامه له. والجواب أن الحمل لا يمكن أن يكون حقيقيا، لان الموضوع هو المغلي المشتبه بين كونه على الثلث أو النصف، ولا يجوز حمل الخمر حقيقة على مشتبه الخمرية فضلا عن العصير المشتبه، مع أن خمرية العصير بمجرد الغليان ممنوعة، لعدم صدق الخمر عليه عرفا ولغة، وسيأتي الكلام في ذلك. ولا يمكن أن يكون تنزيليا لان المشتبه لا يكون منزلا منزلته واقعا بحيث يكون محرما ونجسا واقعا ولو كان مطبوخا على الثلث، بل الظاهر من الرواية صدرا وذيلا هو السؤال عن الحكم الظاهري، وعن حال شهادة ذي اليد بالتثليث، فالمراد بقوله عليه السلام: " خمر " أي خمر ظاهرا يجب البناء على خمريته للاستصحاب، وهو وإن يكشف عن كون المغلي قبل التثليث نازلا منزلة الخمر في الجملة، لكن لا يكشف عن إطلاق دليل التنزيل، وبعبارة أخرى إنها ليست في مقام بيان


(1) المستدرك - الباب - 4 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1.

[ 205 ]

التنزيل وحكم العصير حتى يتمسك باطلاقها، بل بعد الفراغ عن حكمه كانت بصدد بيان حال الشك، فدعوى إمكان استكشاف دليل مطلق من الحكم الظاهري ممنوعة. وليس لاحد أن يقول: إنه لا يمكن أن تكون بصدد أمرين: أحدهما تنزيل العصير منزلة الخمر والآخر التعبد ببقاء خمريته، لان ذلك غير معقول بجعل واحد، بل هو أسوء حالا من استفادة قاعدة الطهارة والاستصحاب من مثل قوله عليه السلام: " كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام " (1) لان القائل بها إنما قال باستفادة الثاني من الغاية، والمقام ليس كذلك، وأما احتمال أن يكون قوله عليه السلام: " خمر " خبرا من العصير المغلي قبل ذهاب ثلثيه إفادة للحكم الواقعي بالتنزيل وقوله عليه السلام: " لا تشربه " يكون نهيا عن شرب المشتبه فهو كما ترى لا يستأهل جوابا، وعلى فرض كونها بصدد التنزيل فاطلاقه أيضا لا يخلو من مناقشة. ثم أن ذلك مع الغض عما في الرواية من الاشكال، فانها في الكافي - بل والنسخة من التهذيب التي كانت عند الحر والكاشاني - خالية عن لفظة " خمر " مع اتقان الكافي وشدة ضبط الكليني، وما يقال من الاغتشاش والتحريف والزيادة والنقيصة في التهذيب. ويؤيد ذلك - مضافا إلى ما قيل من عدم تمسك الفقهاء بها لنجاسته، وأول من تمسك بها الاسترآبادي - أن هذا التعبير غير معهود في أدلة الاستصحاب على كثرتها عموما وخصوصا، بل التعبير فيها بعدم نقص اليقين بالشك وما يشبهه، بل الزيادة في مثل الرواية ليست بذلك


(1) المروية في الوسائل - الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة والباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 206 ]

البعد، لان خمرية عصير العنب لما كانت موردا للبحث والجدال فربما تنسبق إلى ذهن الراوي أو الناسخ، فيأتي بها ارتكازا كما قلنا نظيره في قوله صلى الله عليه وآله: " لا ضرر ولا ضرار في الاسلام ". فما يقال من تقدم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة ليس مسلما مطلقا لو سلم في الجملة، وكذا ما أفاد شيخنا الاعظم من أن الظاهر عدم الزيادة حتى من الشيخ الذي بكثر منه الخلل غير موجه إن أراد بالظاهر غير الاصل العقلائي، لعدم الدليل عليه، وقد عرفت عدم ثبوت الاصل العقلائي في مثل المقام، كما أن تأييده وجود لفظ الخمر في الرواية بتعبير والد الصدوق بمضمونها في رسالته إلى ولده التي هي كالروايات المنقولة بالمعنى غير وجيه، لان تعبير والد الصدوق غير مضمون الرواية، فانه بصدد بيان حكم العصير العنبي إذا غلى أو نش بنفسه، وهي بصدد بيان الحكم الظاهري وأن المشتبه محكوم بحرمة الشرب، فأين أحدهما من الآخر! إلا أن يراد به مجرد اشتماله على لفظة " خمر " وهو كما ترى، أو يراد إن والد الصدوق عثر على رواية بذلك المضمون، وهو كذلك، لان عبارته عين عبارة الفقه الرضوي لو كان رواية، لكن لا يوجب ذلك تأييد اشتمال الموثقة لها مع اختلافهما في المضمون. وقد يستدل بصحيحة عمر بن يزيد بناء على كونه بياع السابري كما لا يبعد، قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يهدي إلي البختج من غير أصحابنا؟ فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه، وإن كان ممن لا يستحل شربه فاقبله، أو قال: اشربه " (1) احتج بها صاحب الجواهر، والعجب من بعض أهل التتبع من دعوى


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 207 ]

عدم وجدان الاحتجاج بها من أحد. وتقريبه أن المنع عن شرب ما في يد المستحل انما هو لخوف الاسكار، فيظهر منه أن للعصير المطبوخ قسمين: مسكر وغيره، والمستحل لا يأبى عن هدية المسكر منه، فلا يقبل هديته، وليس المراد من ذكر الاستحلال بيان فسقه جزما، بل ذكر لمناسبة بينهما كما لا يخفى. وفيه أولا أن غاية ما تدل الرواية عليه وجود قسم مسكر للبختج وهو لا يدل على أن مطلق المغلي قبل التثليث مسكر، ولعل المستحل كان يطبخ عصيرا ويعالجه حتى يصير مسكرا كما كانوا يعالجون النبيذ، وثانيا أن الاسكار كما هو الظاهر من الروايات وغيرها أنما يحصل بالاختمار والفساد لا بالغليان بالنار والطبخ المانع منهما. ومعه لا خوف من الاسكار إذا كان منشأ الشك طبخه على الثلث أو أزيد. فلا بد من حمل الرواية على أن المستحل للمسكر لما لا يبالي بالعصير المطبوخ ولا يرى غير الخمر حراما لا يجوز الاعتماد عليه في هديته، بخلاف غير المستحل، مضافا إلى أن المستحل لا يبالي بابقاء العصير قبل تثليثه للشرب مدة حتى يعرض عليه الاختمار المطلوب لاصحابه. وأما الاستدلال عليها بالروايات الحاكية لقضيتي آدم ونوح عليهما السلام مع ابليس بدعوى دلالتها على أن تلك الواقعة منشأ تحريم الخمر وفيها دلالة واضحة على أن عصير العنب إذا غلى بالنار أو نش بنفسه حكمه حكم الخمر إلا أن يذهب ثلثاه أو يصير خلا كما أفاده الشيخ الاعظم ففيه أنه لا دلالة فيها رأسا، فضلا عن وضوح الدلالة. أما رواية أبي الربيع الشامي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أصل الخمر كيف كان بدء حلالها وحرامها ومتى اتخذ

[ 208 ]

الخمر؟ فقال: إن آدم لما أهبط من الجنة " (1) ثم ساق القضية في بيان حرمة عصير العنب المغلي قبل ذهاب ثلثيه، ففيها إشعار بأن العصير المغلي خمر حقيقة، حيث تصدى لبيان حرمته عند السؤال عن بدو حرمة الخمر، لكن لما كانت خمرية العصير المغلي خلاف الوجدان والضرورة وان فرض مسكريته مع ممنوعيتها أيضا فلا محالة لا يريد بذكر القضية بيان خمريته، بل أراد بيان بدو القضية ومقدماتها حتى انجر إلى حرمة الخمر، فكأن نزاع آدم مع ابليس في الكرم صار موجبا لتحريم الخمر، لا أن محل النزاع هو الخمر، فانه خلاف الواقع. وأما احتمال كونه بصدد بيان أن حكم العصير حكم الخمر ففي غاية البعد، لعدم تطابق السؤال والجواب، فانه سأل عن بدو حرمة الخمر، فالجواب بأن عصير العنب خمر حكما غير مربوط به، وبالجملة هذه الرواية محمولة على أنه بصدد بيان أن الخمر كان حراما من لدن زمن آدم عليه السلام، كما وردت به روايات، وبدؤ قصتها نزاع آدم (ع) مع ابليس في الكرم وعصيره، لا بصدد بيان أن العصير خمر أو في حكمه، كما يظهر بالتأمل في سائر روايات الباب، هذا مع ما فيها من الضعف سندا. وأما سائر الروايات الواردة في تلك القضية أو قضية نوح عليه السلام فلا إشعار فيها لما ذكره رحمه الله، وأما الاستدلال عليها بقوله عليه السلام: " فلا خير فيه " (2) وقوله عليه السلام: " فمن هنا طاب الطلاء على الثلث " (3) وقوله عليه السلام: " وذلك الحلال


(1) مرت في ص 199. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة الحديث 7 - 10

[ 209 ]

الطيب " (1) وقوله صلى الله عليه وآله: " الخمر من خمسة: العصير من الكرم " (2) ففيه ما لا يخفى. نعم يمكن الاستدلال عليها برواية فقه الرضا (ع) قال: " الخمر حرام بعينها - إلى أن قال -: ولها خمسة أسامي، فالعصير من الكرم وهي الخمرة الملعونة " (3) بأن يقال: إن العصير لما لم يكن وجدانا الخمرة الملعونة لا بد من الحمل على التنزيل، وإطلاقه وان اقتضى كونه بمنزلتها حتى قبل الغليان وبعد التثليث لكنهما خارجان نصا وفتوى، وبقى الباقي، ومتقضى إطلاق التنزيل ثبوت جميع الاحكام له. وفيه مضافا إلى ضعفها أن ظاهرها بقرينة قوله: " ولها خمسة أسامي " وسائر فقراتها أن المراد بها الخمرة الواقعية لا التنزيلية، كما يشعر به توصيفها بالملعونة، ولما كان العصير قبل غليانه وبعده إذا كان بالنار ليس خمرا حقيقة بلا شبهة فلا محالة يراد بذلك العصير الخاص المختمر. ويمكن الاستدلال عليها بالفقه الرضوي أيضا. قال فيه: " إعلم أن أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غلى من غير أن تصيبه النار فهو خمر، ولا يحل شربه إلا أن يذهب ثلثاه " الخ (4) وهو بعينه عبارة والد الصدوق رحمهما الله. بأن يقال: إن حمل الخمر عليه بعد ما لم يكن حقيقيا يحمل على التنزيل، وعمومه يقتضي ترتب جميع الآثار، لكنه غير صالح للاستناد عليه لضعفه، بل عدم ثبوت


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة الحديث 11. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1. (3) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2. (4) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 5

[ 210 ]

كونه رواية، مع احتمال أن يكون التنزيل في حرمة شربه، كما قيل في موثقة ابن عمار. ومما جعله صاحب الجواهر مؤكدا لنجاسته قوله: " إنه قد استفاضت الروايات بل كادت تكون متواترة بتعليق الحرمة في النبيذ وغيره على الاسكار وعدمها على عدمه مع استفاضة الروايات بحرمة عصير العنب إذا غلى قبل ذهاب الثلثين، وحملها على التخصيص ليس بأولى من حملها على تحقق الاسكار فيه، بل هو أولى لاصالة عدم التجوز، بل لعله متعين لعدم القرينة، بل قد يقطع به لعدم ظهور شئ من روايات الحرمة في خروج ذلك عن تلك الكلية، بل ولا إشارة " انتهى. وهو لا يخلو من غرابة، لعدم ورود رواية في مطلق الاشربة ولا في الخمر أو العصير أو النبيذ بنحو ما ذكره من التعليق فضلا عن استفاضتها نعم وردت روايات كثيرة بأن كل مسكر حرام، وأن المسكر حرام، وفى النبيذ روايات بأن المسكر منه حرام. وأما ورود روايات بأن ما ليس بمسكر فليس بحرام فكلا، لا بنحو الاطلاق أو العموم ولا في موضوع خاص، فدوران الامر بين التخصيص والتخصص لا موضوع له جزما ثم، لو فرض ورود روايات في النبيذ بذلك المضمون فلا ربط له بالعصير العنبي الذي هو عنوان خاص مغاير له، فما معنى تخصيص ما ورد في النبيذ بما ورد في العصير. مضافا إلى أن أولوية التخصص من التخصيص فيما إذا علم المراد ممنوعة، فإذا علم عدم وجوب إكرام زيد ولم يعلم أنه عالم وخارج عن وجوب إكرام العلماء تخصيصا أو ليس بعالم فخرج تخصصا لا دليل على تقديم الثاني، فأصالة عدم التخصيص كأصالة الحقيقة غير معول عليها مطلقا في نحو المقام، وأما تشبثه بأصالة عدم التجوز فلا

[ 211 ]

يخفى ما فيه، وفي كلامه موارد أخر للمناقشة. فتحصل من جميع ما ذكر عدم دليل على نجاسته، فالاصل طهارته من غير فرق بين ما غلى بنفسه أو بالنار وغيرها. وقد فصل ابن حمزة في الوسيلة بين ما غلى بنفسه فذهب إلى نجاسته وحرمته إلى أن يصير خلا، وبين ما غلى بالنار فذهب إلى حرمته إلى ذهاب الثلثين دون نجاسته، وربما يتوهم أن تفصيله ليس في الحكم الشرعي، بل لاحراز مسكرية ما غلى بنفسه، فحكمه بالنجاسة لمسكريته لا للتفصيل في العصير، ولقد أصر على ذلك بعض أهل التتبع، حتى نسب الغفلة إلى أساطين العلم وجهابذة الفن، وأرعد وأبرق في رسالته المعمولة لحكم العصير، ولم يأت بشئ مربوط بجوهر المسألة الفقهية. وقد وقع منه فلتات عجيبة، من جملتها دعوى عدم تفرد ابن حمزة في ذلك التفصيل، وزعم أن مرجع أقوال عدا من شذ إلى هذا القول، وعد منهم شيخ الطائفة والحلى والقاضي صاحب دعائم الاسلام والقاضي ابن البراج في المهذب والشهيد في الدروس، بل استظهر من رسالة على ابن بابويه ومن عبارة فقه الرضا، ثم قال: " إن المحقق والعلامة والفاضل المقداد كلهم موافقون لما عزي إلى ابن حمزة من التفصيل، وأن عد قولهم مقابلا لقوله ناش من عدم تدقيق النظر وتحديد البصر فانتظر لهذه الفائدة التي لم يتنبه لها أحد في الحديث والقديم ولا ينبئك مثل الخبير العليم " انتهى. وأنا أقول: لم أر من وافق ابن حمزة حتى صاحب هذه الرسالة نفسه، ولتوضيح ذلك لا بد من تحرير المسألة حتى يتضح موضع الخلط فنقول: إن محط البحث في هذه المسألة بعد الفراغ عن حكم المسكر ونجاسته في أن العصير العنبي هل هو ملحق بالمسكرات في النجاسة

[ 212 ]

مطلقا أو لا مطلقا أو ملحق بها إذا غلى بنفسه دون ما إذا غلى بالنار؟ والاقوال انما تتقابل في المسألة الفقهية إذا كان محط كلامهم العصير الذي لا يسكر، أو لم يحرز إسكاره، وأما إذا ادعي أحد مسكريته فحكم بنجاسته والآخر عدمها فذهب إلى طهارته والمفصل يرى مسكرية قسم منه فلا تتقابل في المسألة الفقهية، ولو فرض اختلاف كلامهم موضوعا فلا تتقابل الاقوال رأسا. ثم أنه وقع خلاف آخر بين الفقهاء في غاية حرمة العصير لا نجاسته، فذهب جمع إلى أن غايتها ذهاب الثلثين، وجمع آخر إلى التفصيل بين ما غلى بنفسه فغايتها انقلابه خلا، وما غلى بالنار فذهاب الثلثين. إذا عرفت ذلك فاعلم إن ابن حمزة قائل بالتفصيل في المسألتين ولم يوافقه أحد فيما أعلم في المسألة الاولى، ووافقه جملة من الاساطين في الثانية، والخلط بين المسألتين صار سببا لنسبة التفصيل في المسألة الاولى إليهم، وقلة التأمل في كلام ابن حمزة بل وفي المسألة أيضا صارت منشئا لتوهم أن ابن حمزة قائل بنجاسة ما غلى بنفسه لصيرورته مسكرا، كما أن قلة التدبر في كلمات القوم صارت منشئا لزعم موافقتهم مع ابن حمزة في التفصيل بما زعم أنه قائل به، ونحن نحكي كلام ابن حمزة والشيخ حتى يتضح مورد خلط صاحب الرسالة في كلامهما ثم راجع إلى غيرهما من كلمات الاصحاب حتى يتضح لك الامر. قال ابن حمزة في الوسيلة بعد ذكر الاشربة التي تؤخذ من الحيوان بهذه العبارة: " وأما ما يؤخذ من الاشربة من غير الحيوان ضربان: مسكر وغير مسكر، فالمسكر نجس حرام - ثم قال -: وغير المسكر ضربان: رب وغيره - ثم قال -: وغير الرب ضربان إما جعل فيه

[ 213 ]

شئ من المسكرات ويحرم شربه وينجس بوقوع المسكر فيه أو لم يجعل فيه شئ منها، فان كان عصيرا لم يخل إما غلى أو لم يغل، فان غلى لم يخل إما غلى من قبل نفسه أو بالنار، فان غلى من قبل نفسه حتى يعود أسفله أعلاه حرم و نجس، إلا أن يصير خلا بنفسه أو بفعل غيره فيعود حلالا طيبا، وإن غلى بالنار حرم شربه حتى يذهب على النار نصفه ونصف سدسه، ولم ينجس أو يخضب الاناء ويعلق به ويحلو " انتهى. وظاهر كلامه كالصريح في أن التفصيل بين المغلي بنفسه و غيره بعد الفراغ عن عدم كونه مسكرا، فانه من قسم غير المسكر الذي لم يقع فيه مسكر كما هو واضح، فهو مفصل في مسألتنا وقائل بنجاسة العصير الذي غلى بنفسه ولم يكن مسكرا، وجعل غاية النجاسة الانقلاب بالخل كما أنه مفصل في المسألة الثانية بأن غاية الحلية فيما إذا غلى بنفسه صيرورته خلا وفيما إذا غلى بالنار التثليث، وكثير من الاصحاب وافقوه في المسألة الثانية دون الاولى، حتى أن صاحب الرسالة أيضا لم يوافقه فيها ولم يلتزم بالنجاسة لو فرض عدم إسكاره، لكنه مدع لذلك، وسيأتي الكلام فيه. وقال الشيخ في النهاية: " كل ما أسكر كثيره فالقليل منه حرام لا يجوز استعماله بالشرب والتصرف فيه بالبيع والهبة، وينجس ما يحصل فيه خمرا كان أو نبيذا أو تبعا أو نقيعا أو مزرا أو غير ذلك من أجناس المسكرات، وحكم الفقاع وحكم الخمر على السواء في أنه حرام شربه وبيعه والتصرف فيه، والعصير لا بأس بشربه وبيعه ما لم يغل، وحد الغليان الذي يحرم ذلك هو أن يصير أسفله أعلاه، فإذا غلى حرم شربه وبيعه إلى أن يعود إلى كونه خلا، وإذا غلى العصير على

[ 214 ]

النار لم يجز شربه إلى أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " انتهى. وأنت خبير بأن الظاهر منه موافقة ابن حمزة في غاية الحلية لا في النجاسة، بل الظاهر منه عدم نجاسة العصير مطلقا، حيث جعله مقابل النجس، ولم يحكم بالتسوية فيه كما حكم في الفقاع، وإن كانت عبارته في الفقاع لا يخلو من نوع إجمال، وعلى هذا المنوال أو قريب منه العبارات المحكية عن ابن إدريس وصاحب الدعائم والقاضي ابن البراج والشهيد، فانها أيضا بصدد بيان المسألة الثانية لا الاولى، فراجع. وأعجب من ذلك إرجاع كلمات المحقق والعلامة الفاضل المقداد إلى ما فصل ابن حمزة، مع أن المتأمل في عباراتهم لا ينبغي أن يشك في خلافه، وأنهم في طرف النقيض منه، قال المحقق في المعتبر: " وفي نجاسة العصير بغليانه قبل اشتداده تردد، أما التحريم فعليه إجماع فقهائنا، ثم منهم من أتبع التحريم النجاسة، والوجه الحكم بالتحريم مع الغليان حتى يذهب الثلثان، ووقوف النجاسة على الاشتداد ". وهو صريح في خلاف ابن حمزة القائل بالنجاسة مع عدم السكر إن أراد بالاشتداد السكر، كما قال به صاحب الرسالة، ونحوه في ذلك كلام العلامة والمحكي من الفاضل المقداد، وأما والد الصدوق فقال في وصيته إلى ابنه: " اعلم يا بني أن أصل الخمر من الكرم، إذا أصابته النار أو غلى من غير أن تصيبه النار فيصير أسفله أعلاه فهو خمر لا يحل شربه إلى أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فان نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلا من ذاته من غير أن تلقي فيه أو ملحا أو غيره حتى يتحول خلا " انتهى. وهو كما ترى مخالف لابن حمزة وموافقيه في المسألة الثانية: أي

[ 215 ]

غاية الحلية، وأما قوله: " فان نش " الخ فمسألة أخرى غير مربوطة بما ذكرها أولا، كما لا يخفى على المتأمل في قوله: " من غير أن تلقى " الخ، لكن صاحب الرسالة لم يرتض إلا أن يؤول كلامه، وكذا عبارة فقه الرضا الموافقة له بما لا يرضى به صاحبهما ولا منصف متأمل. فتبين مما مر أن ابن حمزة متفرد في تفصيله في مسألتنا بذهابه إلى النجاسة في المغلي بنفسه مع عدم إسكاره، وعدمها في المغلي بالنار. ثم أن تفصيله خال عن الوجه، بل لو فصل أحد بعكس ما فصل أي ذهب إلى نجاسة ما يغلى بالنار دون ما يغلى بنفسه لكان أوجه، بدعوى أن عمدة ما يمكن أن يتمسك بها للنجاسة موثقة معاوية بن عمار وصحيحة عمر بن يزيد المتقدمتان، وهما واردتان في البختج، وهو العصير المطبوخ، بل غالب ما يستدل به لها إنما هو في العصير المغلي بالنار. و كيف كان فالاقوى طهارة العصير، سواء غلى بالنار أو بنفسه، إلا أن يحرز مسكريته، وهو أمر آخر. ثم أنه لا يلزم علينا دفع الشبهة الموضوعية، وليس تحقيق مسكرية ما غلى بنفسه شأن الفقيه، لكن لا بأس في البحث عنها على سبيل الاختصار دفعا لتوهم دلالة الروايات عليها، والعجب من صاحب الرسالة أنه لما سمع أن قائلا من معاصريه قال: إن البحث في الشبهة الموضوعية ليس بمهم للفقيه، اعترض عليه ونسبه إلى الغرور والغفلة والبعد عن تلك المسائل بمراحل، وأنه عدو لما جهلة، وقال: " إن الذي لا يهم للفقيه أن يتكلم في موضوع وهمي فرضي، من قبيل اتصاف الشئ بنقيضه، أو سلب الشئ عن نفسه، أو يتعرض لحكم الكوسج العريض

[ 216 ]

اللحية، أو العنين المستهتر بالجماع " انتهى. وأنت خبير بما في كلامه من الوهن، وكيف غفل عن أمر واضح وهو أن تنقيح الموضوعات و اثبات كون شئ خمرا أو خلا، أو أن الادوية الكذائية مسكرة أو ليست بمسكرة، أو أن المسافة الكذائية ثمانية فراسخ أو لا، وهكذا ليس من المسائل الفقيهة التي للفقيه البحث عنها، وليس رأى الفقيه فيها حجة على غيره، وإنما شأنه البحث عن الاحكام الكلية ومداركها لا عن موضوعاتها. وكيف كان فقد زعم أن في المسألة إعضالات لا تنحل إلا بالالتزام بمسكرية العصير المغلي بنفسه. أحدها: أن الروايات المتضمنة لحرمة العصير المطبوخ كلها مغياة بذهاب الثلثين، ولم يتفق التحديد بذهابهما الا فيما تضمن لفظ الطبخ أو ما يساوقه كالبختج والطلاء، وأما الروايات الحاكمة بتحريم العصير بالغليان فكلها خالية عن التحديد بهما، فجعل هذا شاهدا على أن العصير المغلي بنفسه مسكر وشاهدا على التفصيل المتقدم، بعد التنبيه على أن الغليان والنشيش إذا أسند إلى الاشياء التي يحدثان فيها تارة بسبب وأخرى باقتضاء نفسها من غير ذكر السبب، كان المراد بهما حصولهما بنفسها لا بالسبب، وبعد دعوى حصول السكر بمجرد الغليان. وفيه أنه بعد تسليم كون الروايات كما زعمها لا تدل هي إلا على أن غاية الحرمة فيما نش بنفسه ليست التثليث، وهو موافق للتفصيل في المسألة الثانية المشار إليها في صدر البحث، وغير مربوط بالمسألة الاولى ولا هي شاهدة على حصول السكر في المغلي بنفسه، مع أن دعاويه بجميع شعبها ممنوعة أو غير مسلمة. أما دعوى كون الغليان إذا لم يسند إلى سبب ومؤثر خارجي يكون

[ 217 ]

المراد ما حصل بذاته ففيها - مضافا إلى كونها مجردة عن الدليل - ما لا يخفى، فان المتبادر من الغليان عرفا ولغة هو الفوران والقلب بقوة، ولا يبعد أن يكون مأخوذا من الصوت في الاصل ثم اشتق منه. ففي المجمع: " غلت القدر غليانا إذا اشتد فورانها " وفي المنجد: " غلت القدر: جاشت بقوة الحرارة " ولم يفسره في الصحاح والقاموس لوضوحه عرفا، ومعلوم أن الفوران واشتداده لا يحصل فيما إذا غلى العصير بنفسه، بل ما حصل بنفسه هو النش والجيش الضعيف، فاذن لاحد أن يقول: إن الغليان وسائر تصاريفه إذا اسند إلى شئ بلا اضافة إلى نفسه يتبادر منه الفوران الشديد بقوة الحرارة النارية وغيرها، وإذا قيل غلى بنفسه يراد منه القلب الضعيف غالبا، ولعل النش المستعمل في الروايات فيما إذا غلى العصير بنفسه عبارة عن الصوت الحاصل من الجيش الضعيف للعصير المغلي بنفسه وإن كان لغة أعم منه. وكيف كان لا بينة على دعواه، بل على خلافها، ولا أقل من أن يكون الغليان أعم. وأما دعوى حصول الاسكار بمجرد الغليان فسيأتي الكلام فيها، ومما ذكرنا يظهر حال مستنده، وهو أن كل ما ذكر فيه الغليان لم يذكر فيه الثلثان لاثبات أن الغليان بنفسه موجب للاسكار، مع أن الواقع ليس كما ذكره. أما صحيحة حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يحرم العصير حتى يغلي " (1) فمع الغض عما ذكرناه آنفا - والغض عن احتمال كون " يغلى " مجهولا من باب التفعيل، ولا دافع له إلا الظن الخارجي الغير الحجة، والغض عن أن المراد في مقام الذي بصدد بيان الكبرى


(1) الوسائل - الباب 3 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 218 ]

الكلية - هو مطلق الغليان بنفسه أو بغيره جزما. ولا تعارض بينها وبين ما دل على حرمة العصير المغلي بالنار، وأن الاختصاص موجب لمخالفته للواقع نصا وفتوى، فلا معنى لذكر الثلثين فيها، لانها بصدد بيان غاية الحلية لا غاية الحرمة كما هو واضح. ومنه يظهر الحال في روايته الاخرى قال: " سألته عن شرب العصير، قال: تشرب ما لم يغل، فإذا غلى فلا تشربه، قلت: أي شئ الغليان؟ قال: القلب " (1) فانها أيضا بيان غاية الحلية صدرا وذيلا، فلا معنى لذكر التثليث فيها، وأما موثقة ذريح قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا نش العصير أو غلى حرم " (2) فهي كالنص في خلاف دعواه، ولهذا تشبث بدعوى أخرى، وهي أن الرواية في النسخ المصححة من الكافي بالواو، وفي التهذيب " أو " بدلها قال: " والاول أصح لاضبطية الكافي، وأنه لا وجه لجعل النشيش وهو الصوت الحاصل بالغليان مقابلا له، إلا على وجه راجع إلى عدم المقابلة " انتهى. وفيه أن الرواية على ما هو الموجود في كتب الاخبار والفقه واللغة كالمرآة والوسائل والحدائق والجواهر والمستند وطهارة الشيخ ومصباح الفقيه ومجمع البحرين انما هي بأو لا بالواو، ولم يشر أحدهم حتى المجلسي إلى اختلاف نسخ الكافي فضلا عن كون النسخ المصححة كذلك، فأضبطية الكافي انما تفيد إذا ثبت كونها كذلك فيه، وأما مع اختلاف نسخه على فرض التسليم واتفاق نسخ التهذيب بذكر " أو " موافقة للنسخ المشهورة المتداولة من الكافي، فلا وجه لرجحان ما ذكر.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 - 4.

[ 219 ]

مع أن الاصح بحسب الاعتبار نسخة التهذيب، لما أشرنا إليه من أن النش كلما أطلق في الاخبار أريد به الجيش بنفسه، والغليان عند الاطلاق بمناسبة ما ذكرناه هو ما حصل بالنار ولا أقل من كونه أعم، لكن في الرواية بعد عدم معنى لذكر النش والغليان معا بعد كون أحدهما موضوعا للحكم لا بد وأن يراد بالنش ما ذكرناه، كما في سائر الروايات، وبالغليان ما غلى بغيره، فلا بد من العطف بأو لا الواو لكن صاحب الرسالة لما اغتر باصابة رأيه فتح باب التأويل والتحريف في الروايات المخالفة له. وأما دعواه بأن كل ما ورد بلفظ الطبخ أو ما يساوقه فهو مغياة بذهاب الثلثين ففيها إنه إن أراد بذلك أن ما ذكر فيها ذهاب الثلثين منحصر بالمطبوخ كما هو الظاهر منه - ولهذا ادعى أمرا آخر، وهو أن المغلي بنفسه إذا ذهب ثلثاه بالنار يكون حراما، ولا يفيد التثليث إلا في العصير الذي طبخ قبل نشيشه بنفسه - ففيها منع، فان الظاهر من غير واحد من الروايات أن التثليث غاية مطلقا، ففي رواية أبي الربيع الشامي بعد ذكر منازعة آدم عليه السلام وإبليس لعنه الله قال: " فرضيا بروح القدس، فلما انتهيا إليه قص آدم عليه السلام عليه قصته فأخذ روح القدس ضغثا من نار فرمى به عليهما (اي على القضيبتين) والعنب في أغصانهما حتى ظن آدم أنه لم يبق منهما شئ، وظن إبليس مثل ذلك، قال: فدخلت النار حيث دخلت، وقد ذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث، فقال الروح: أما ما ذهب منهما فحظ إبليس، وما بقي فلك يا آدم " (1) فان الظاهر منها أن التثليث مطلقا موجب للحلية، لان إخراق نفس القضيبتين انما هو لتعيين حظ آدم وإبليس، وهو غير


(1) مرت في ص 199.

[ 220 ]

مربوط بطبخ عصير العنب وتثليثه بالنار، فبعد تعيين ذلك وتحديد الحدود قال الروح: " أما ما ذهب منهما فحظ إبليس " أي مقدار ما ذهب من القضيبتين وهو الثلثان فحظ إبليس من العصير الذي نش أو غلى بالنار، وانما قيدناه بذلك لقيام الاجماع والضرورة بعدم حظ لابليس في نفس العنب ولا في عصيره قبل الغليان. فاتضح مما ذكر من فقه الحديث أن متقضى إطلاقها أن الثلثين من العصير المغلي بنفسه أو بغيره لابليس، وبعد ذهابهما يتخلص سهم آدم (ع) ويحل ما بقي، ومنه يظهر الكلام في موثقة سعيد بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام (1) وكأن صاحب الرسالة حمل الطبخ في الروايتين و نحوهما على طبخ العصير، فصار ذلك موجبا لدعواه المتقدمة مع أنهما صريحتان في أن الاحراق وقع في نفس القضيبتين والكرم لتعيين الحظين لا في العصير للتثليث. وفي موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام بعد ذكر معارضة إبليس نوحا عليه السلام في الحبلة " فقال جبرئيل أحسن يا رسول الله فان منك الاحسان، فعلم نوح أنه قد جعل له عليها سلطان، فجعل له الثلثين، فقال أبو جعفر عليه السلام: فإذا أخذت عصيرا فطبخته حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل واشرب " (2) وهو أيضا ظاهر في


(1) قال: " إن إبليس نازع نوحا في الكرم، فأتاه جبرئيل فقال له: إن له حقا، فأعطاه الثلث فلم يرض إبليس، ثم أعطاه النصف فلم يرض، فطرح عليه جبرئيل نارا فأحرقت الثلثين وبقى الثلث فقال: ما أحرقت النار فهو نصيبه، وما بقي فهو لك يا نوح حلال " راجع الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 4

[ 221 ]

أن حظ إبليس هو الثلثان، وأما قول أبي جعفر عليه السلام فتفريع على قول نوح لا ينبغي أن يتوهم منه اختصاص الغاية بذهاب الثلثين بالنار، كما لا يتوهم منه اختصاص الحرمة بالغليان بها. وفي حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام " كان أبي يقول: إن نوحا حين أمر بالغرس كان إبليس إلى جانبه، فلما أراد أن يغرس العنب قال: هذه الشجرة لي، فقال نوح: كذبت، فقال إبليس: فما لي منها؟ فقال نوح: لك الثلثان، فمن هناك طاب الطلاء على الثلث " (1) وهي أوضح في تفريع قوله: " فمن هناك " الخ على كلية هي كون الثلثين من العصير المغلي لابليس لعنه الله والثلث لنوح عليه السلام، ومن هنا يظهر حال رواية وهب بن منبه (2). وفي مرسلة محمد بن الهيثم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلى من ساعته أيشربه صاحبه؟ فقال: إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (3) وهي أوضح فيما ذكرناه، فان فاعل " تغير " و " غلى " ضمير راجع إلى العصير، لا هو مع قيد الطبخ والغليان، وهو واضح، فحينئذ إعراضه عن الموضوع المفروض في السؤال واستيناف الكلام بأنه


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 10 (2) وفيها: قال عليه السلام - أي نوح -: " لي الثلث وله الثلثان، فرضي، فما كان فوق الثلث من طبخها فلابليس وهو حظه، وما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح عليه السلام وهو حظه، وذلك الحلال الطيب ليشرب منه " راجع الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 11. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 7

[ 222 ]

" إذا تغير عن حاله وغلى " لاعطاء قاعدة كليه، وهي أن مطلق التغير عن حاله والغليان موجب للحرمة إلى ذهاب الثلثين مع أن قوله عليه السلام: " تغير عن حاله " لا يبعد أن يكون ظاهرا في الفساد الذي يحصل من الجيش بنفسه، وكيف كان لا وجه لاختصاصه بالنار. وفي فقه الرضا " اعلم أن أصل الخمر من الكرم، إذا أصابته النار أو غلى من غير أن تصيبه النار فهو خمر، ولا يحل شربه إلا أن يذهب ثلثاه على النار وبقي ثلثه، فان نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلا من ذاته من غير أن يلقى فيه شئ " (1). وهي ظاهرة في أن ما غلى بنفسه يحل إذا ذهب ثلثاه على النار، وأما قوله: " فإذا نش.... فدعه " الخ فمتعرض لفرع آخر، وهو عدم جواز إلقاء شئ خارجي فيما يجعل خلا، بلا لا بد من أن يدعه حتى يصير خلا بذاته من دون إلقاء شئ فيه. وانما قيد ذهاب الثلثين بكونه على النار لاجل أن التثليث بغير النار قلما يتفق، بل العصير إذا غلى بنفسه يصير خلا أو خمرا بعلاج أو بغيره قبل أن يذهب ثلثاه، لا أقول: إنه يصير خمرا أو مسكرا بمجرد الغليان بنفسه، بل أقول قبل ذهاب الثلثين يتبدل إليه أو إلى الخل، ولهذا قيده بقوله: " على النار ". ولعله لاجل ما ذكرناه من عدم دخالة النار في الحلية لو اتفق التثليث بغيرها أسقطها على بن بابويه، فقال: لا يحل شربه إلى أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، مع أن كلامه عين ما في فقه الرضا تقريبا، لكن صاحب الرسالة نقل كلام ابن بابويه ثم قال: " والذي أحصله من هذا الكلام أن عصير الكرم إذا أصابته النار ولم يذهب ثلثاه وترك


(1) مرت في ص 209.

[ 223 ]

على هذا الحال أو غلى من غير أن يصيبه النار فهو خمر، وإن لم يترك طبخه حتى ذهب ثلثاه كان حلالا، وإن غلى بنفسه كان خمرا لا يفيد فيه التثليث إلا أن ينقلب خلا " انتهى. وليت شعري من أين حصل له هذا الامر المخالف لظاهر الكلام بل صريحه؟ ومن أين لفق بالعبارة قوله: " وترك على هذا الحال " وقوله: " وإن لم يترك طبخه حتى يذهب ثلثاه كان حلالا " حتى وافقت مذهبه بعد مخالفتها له؟ مع أنه على فرض كون مراده ذلك لا يتضح موافقته لمذهبه، لما مر من أن هؤلاء انما يكون كلامهم في مسألة الحلية والحرمة، لا النجاسة والطهارة، ولم يتضح أن مراده من كونه خمرا أنه هو تكوينا، ولعله تبع بعض النصوص في إطلاق الخمر عليه كما هو دأبه، ولم يظهر منه ولا من الفقهاء ملازمة النشيش والغليان من قبله نفسه مع الاسكار وان نسب صاحب الرسالة ذلك أيضا إليهم من غير حجة، بل مع الحجة على خلافه كما لعلنا أشرنا إليها من ذي قبل. الاعضال الثاني: أنه قد ورد في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (1). هذا التقييد لا يتضح وجهه مع أنه بصدد إعطاء القاعدة، وموضوع الحكم مطلق ما غلى بنفسه أو بالنار، فالتقييد مخل إن قلنا بمفهوم الوصف، وموجب لعدم دلالته على حكم ما غلى بنفسه إن لم نقل به، فالمناسب أو المتعين أن يقول: " كل عصير غلى فهو حرام حتى يذهب ثلثاه " وجعل وجه حله أن الحديث في مقام بيان الحرمة المحدودة بذهاب الثلثين، وليست إلا في العصير المطبوخ، فالتقييد في موقعه، والضابطة


(1) مرت في ص 302.

[ 224 ]

تامة، والقاعدة محكمة، انتهى ملخصا. وفيه أولا أنه بعد تسليم ما ذكره لا تدل إلا على أن غاية الحرمة في المغلي بالنار ذهاب الثلثين لا في المغلي بنفسه، وهو غير مربوط بمدعاه الذي ذكر الاعضالات والانحلالات المتوهمة لاجله، وهي مسكرية ما غلى بنفسه دون ما غلى بالنار. وقد عرفت أن مورد البحث ومحط كلام الفقهاء في مسألتين: إحداهما في النجاسة والطهارة، والثانية في غاية الحلية، فالرواية على فرض تمامية مدعاه مربوطة بالثانية، وهو يريد الاستدلال بها للاولى على زعمه في طرح المسألة، وثانيا انه لا إشكال في أن الصحيحة بصدد بيان حرمة ما أصابته النار لا مطلق العصير المغلي، كما لا إشكال في أن ذهاب الثلثين غاية للحرمة فيه، وأما عدم ذكر العصير المغلي بنفسه مع حرمته بنحو الاطلاق فهو إشكال مشترك لو فرض وروده. والعذر بأنها بصدد بيان العصير الذي يصير حلالا بذهاب الثلثين تسليم للاشكال لا دافع له، إلا أن يقال: إنها بصدد بيان الغاية فقط، وهو كما ترى. هذا مع عدم ورود الاشكال رأسا، لان السكوت عن بعض أنواع موضوع بعد عدم المفهوم للقيد هنا جزما غير عزيز، سيما إذا كان المذكور أخفى حكما كما في المقام. والظاهر أنه غفل عما التزم به من اختصاص مثل رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يحرم العصير حتى يغلي " (1) بما يغلي بنفسه، مع أنها بصدد بيان الضابطة والقاعدة الكلية جزما، والضابطة مع ذلك الاختصاص مخلة بالمقصود جزما، لان ما غلى بالنار حرام أيضا، ولم يذكر فيها الغاية حتى يتوهم أنها بصدد


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 225 ]

بيان ما كانت غايته التخليل، أللهم إلا أن يقول: الذي أحصله منها ذلك، كما قال في عبارة الصدوق، فلا كلام لنا حينئذ. وثالثا أنه لقائل أن يقول: إن إطلاق ذيل الصحيحة يقتضي أن يحل ما أصابته النار بذهاب الثلثين ولو بغير النار، ومجرد كون الغليان بالنار لا يوجب صرفه إلى كون التثليث بها، ولو توهم الانصراف فهو بدوي، كما أن ندرة الوجود لا توجبه، بل متقضى إطلاق صدرها أن ما أصابته النار أعم مما كانت الاصابة بعد النش بنفسه أو لا، وأول مراتب النش ليس بنادر في العصير الذي يتهيأ للطبخ، سيما إذا كان كثيرا ويعصر بتدريج، وسيما إذا كان في المناطق الحارة، وليس ظهور الصحيحة في حدوث الحرمة باصابة النار ظهورا يدفع الاطلاق، سيما مع قوة احتمال أن يكون المقصود الاصلي فيها بيان غاية التحريم. فتكون دالة على خلاف مدعاه من وجهين: أحدهما دعواه بأن ما غلى بنفسه لا يحل ولا يطهر إلا بصيرورته خلا ولا يفيده ذهاب الثلثين بالنار، وهي دالة على خلافها، وثانيهما دعواه بأن ما غلى بالنار لا يحل إلا بذهاب ثلثيه بها، وهي دالة على خلافها. الاعضال الثالث أنه قد وقع في موثقة عمار ما لم يهتد إلى وجهه وسره أغلب الواقفين عليها قال عمار: " وصف لي أبو عبد الله عليه السلام المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا، فقال: تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه، ثم تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش - إلى أن قال -: ثم تغليه بالنار، فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث " (1) فان هذه الفقرة مما تحير الناظر من وجهين:


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 2

[ 226 ]

أحدهما أنه إذا نش خارج التنور فهو بأن ينش فيه أولى، فكيف داواه بما يضاعفه؟ الثاني أنه أمره بعد ذلك بالتثليث، فالنشيش ليس فيه محذور يخاف منه، ولو فرض خوف فيندفع بعد الغليان والتثليث، ثم حل هذه المعضلة بأنه إذا نش بنفسه حدث فيه الاسكار وبطل المقصود، إذ لا بد من اراقته أو تخليله، بخلاف تعجيل غليانه بالتنور المسجور، فانه يمنع من تسارع الفساد عليه، انتهى بتلخيص. وفيه - بعد الغض عن تسميتها موثقة مع ترددها بين موثقة ومرسلة، وبعد الغض عن أن ذلك بعد تسليم المقدمات لا ينتج مقصوده لان غاية ما يستفاد منها أنه مع النشيش بنفسه لا يحلله التثليث، وهو المسألة الثانية من المسألتين المتقدمتين، وهو استدل بها للاولى - أن هذه الرواية لا يمكن التعويل عليها حتى في حرمة ما ينش بنفسه لولا دليل آخر، ضرورة أن القيود الكثيرة المأخوذة فيها مما لا دخالة لها في الحلية تمنع عن الاستدلال بها، فمن المحتمل قريبا أن يكون الامر بجعله في التنور لئلا ينش لاجل أن النشيش بنفسه يوجب الفساد تكوينا فلا يحصل معه المقصود من تحصيل مشروب لذيذ طبي مطبوخ له خواص وآثار (1) لا لما ذكره من لزوم اراقته أو تخليله، إلا أن يقول: الذي أحصله ذلك، ولا كلام معه. نعم لا إشكال في أن الرواية دالة على أنه بعد ما عمل بدستوره حصل له مطبوخ حلال، وأما لو نش فلم يصر حلالا لاسكاره ولا يحل


(1) أي يحتمل أن يكون الدستور طبيا لا شرعيا نظير ما احتمله المستدل جوابا عن استدلال القائلين بالحرمة بهذا الخبر ونحوه من الاخبار الآمرة باذهاب الثلثين في العصير الزبيبي بامكان مدخلية ذهاب الثلثين طبيا لا شرعيا راجع ص 125 من كتابه.

[ 227 ]

إلا بالتخليل فلا تدل عليه بوجه، هذا مع أن هذه الفقرة غير مذكورة في روايته الاخرى الموثقة، مع أن الناظر فيهما يرى أنهما رواية واحدة نقلتا بالمعنى لحكاية قضية واحدة، نعم ترك في الثانية ذيل الاولى، فلو كان النش موجبا لحرمته وعدم حليته بالتثليث كان عليه ذكره، إلا أن يقال بوقوع السقط في الثانية اشتباها، أو بتوهم الساباطي عدم الدخالة، وأولى بالدلالة على عدم الدخالة ما لو كانت الموثقة رواية أخرى. الاعضال الرابع أنه قد ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: " سألته عن نبيذ قد سكن غليانه، قال: كل مسكر حرام " وجه الاشكال أنه قد دل الجواب سيما مع ترك الاستفصال على أن مطلق الغليان في النبيذ يوجب إسكاره غلى بنفسه أو بالنار، بل يدل على أن اندارجه في موضوع الجواب مفروغ عنه عند السائل، وهو مع مخالفته للوجدان وصريح رواية وفد اليمن يشكل بأنه لو كان الغليان موجبا لاسكاره لم يكن معنى لجعل ذهاب الثلثين محللا، فان تسخين المسكر وتغليظه لا يزيل إسكاره، ثم أجاب عنه بأن المراد من الغليان ما كان بنفسه، فاندارجه تحت الكبرى لما كان مفروغا عنه أجاب بما أجاب. وفيه بعد إصلاح الرواية - فان صحيحة ابن مسلم ليست كما نقلها بل هي هكذا: محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن نبيذ سكن غليانه، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام " (1) وبعد تسليم اندراج مورد السؤال في موضوع الجواب بل مفروغيته لدى السائل، والغض عن احتمال أن إلقاء الكبرى لاجل إفادة أن الحرمة دائرة مدار السكر، فان كان ما وصفته مسكرا فهو


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 228 ]

حرام، وإلا فلا كما في رواية وفد اليمن، حيث أن فيها قال رسول الله صلى الله عليه وآله - بعد توصيفهم ما صنعوا -: " يا هذا قد أكثرت علي أفيسكر؟ قال: نعم، فقال: كل مسكر حرام " (1) - أن مضمون الرواية غير مرتبط بدعواه التي من أجلها أسس أساس المعضلات المتوهمة، أي مسكرية العصير إذا نش وغلى بنفسه، لو لم نقل أنه ضدها، لا لانها واردة في النبيذ وكلامنا في العصير، بل لان موضوع السؤال نبيذ سكن غليانه لا حدث فيه الغليان، فلو فرض كون النبيذ الذي غلى بنفسه وبقي حتى سكن غليانه مسكرا لم يثبت به مسكرية ما غلى في أول غليانه فيه فضلا عن العصير. بل يمكن أن يقال: إن عدم مسكرية ما غلى بنفسه مفروغ عنه لدى السائل، وانما شبهته فيما سكن غليانه، وهذه الصحيحة نظير جملة أخرى من الروايات التي تمسك بها لاثبات مدعاه بعد عدة مقالات، كرواية ابراهيم بن أبي البلاد عن أبيه قال: " كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقلت: يا جارية اسقيني ماءا، فقال لها: اسقيه من نبيذي فجائت بنيذ مريس في قدح من صفر، قلت: لكن أهل الكوفة لا يرضون بهذا، قال: فما نبيذهم؟ قلت يجعلون فيه القعوة، قال: وما العقوة؟ قلت الدازى، قال: وما الدازي؟ قلت: ثفل التمر يفرى به الاناء حتى يهدر النبيذ فيغلى ثم يسكب فيشرب، قال: ذاك حرام " (2). وقريب منها ورواية ابراهيم بن أبى البلاد عن الرضا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الاشربة المحرمة الحديث 6 - 1 وفى الثاني: " الزازى " (اللاذى) - وكذلك: " ويضرى به الاناء ".

[ 229 ]

عليه السلام (1) وفي نسخة مرآة العقول: " ثم يسكر " بدل " يسكن " فعليها تدل الرواية على ضد مقصوده، لمكان " ثم ". وكصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: " استأذنت لبعض أصحابنا على أبي عبد الله عليه السلام، فسأله عن النبيذ، فقال: حلال فقال: انما سألتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر ثم يسكن، فقال أبو عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام " (2) وفي نسخة المرآة (3) " فيلغى حتى يسكر " فعليها تدل على ضد مقصوده، فان الظاهر منها أنه يغلي إلى أن ينتهى إلى السكر، فتدل على أن السكر بعد الغليان مدة. وفي رواية وفد اليمن في وصف النبيذ: " يؤخذ التمر فينبذ في إناء، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلي، ثم يوقد تحته حتى ينطبخ، فإذا انطبخ أخرجوه فألقوه في إناء آخر، ثم صبوا عليه ماء ثم مرس، ثم صفوه بثوب، ثم ألقي في إناء، ثم صب عليه من عكر ما كان قبله، ثم هدر وغلى ثم سكن على عكره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا هذا قد أكثرت علي أفيسكر؟ قال: نعم، فقال: كل مسكر حرام " (4). وهذه الروايات كما ترى تدل على أن النبيذ بعد العلاج وإلقاء العكر فيه والغليان والسكون بعده صار مسكرا، فتدل على أن الاسكار


(1) المروية الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 7 وفيه: " كل ما أسكر حرام ". (3) وكذلك في الوسائل المطبوع جديدا. (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 6

[ 230 ]

انما هو بعد تلك المقدمات لا بمجرده، فتكون دالة على ضد مقصوده، ولو منعت دلالتها على ذلك فلا شبهة في عدم دلالتها بل ولا إشعارها بحصول السكر بمجرد الغليان. لكن صاحب الرسالة لا يبالي بعدم الدلالة حتى استدل بها على حصول السكر بمجرده، كما استدل عليه بروايات أخر نظيرها في عدم الدلالة، كذيل رواية ابراهيم في باب تحريم العصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ثم أن إبليس ذهب بعد وفاة آدم عليه السلام فبال في أصل الكرم والنخلة، فجرى الماء في عودهما ببول عدو الله، فمن ثم يختمر العنب والتمر، فحرم الله على ذرية آدم كل مسكر، لان الماء جرى ببول عدو الله في النخلة والعنب وصار كل مختمر خمرا لان الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله " (1) واستشهد لا تمام الدلالة بقول ابن الاعرابي: سميت الخمر خمرا لانها تركت واختمرت، قال: واختمارها تغير ريحها. أقول: أما الرواية فلا دلالة لها على منظوره بوجه، فان صيرورة الخمر حراما لجريان بول عدو الله في عود النخلة والكرم وصيرورة كل مختمر خمرا لاختمار الماء فيهما من رائحة بول لا تدل على أن العصير بمجرد غليانه بنفسه صار مسكرا أو خمرا، وأي ربط بين تلك الفقرات ودعواه. إلا أن يقال: إن رائحة الخمر إذا كانت في شئ تكشف عن بول عدو الله واختماره ببوله، وهو حسن لمن أراد الدعابة والمزاح، مع أن موافقة رائحة الخمر لرائحة العصير إذا نش غير معلومة، بل


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 وفيه: " يختمر العنب والكرم ".

[ 231 ]

معلومة العدم، وأما التشبث بقول ابن الاعرابي وغيره من أئمة اللغة فمع الغض عن عدم حجية قولهم في غير المعاني اللغوية - وذكر وجه التسمية غير داخل في فنهم، بل من قبيل الاجتهاد في أصل اللغة - أن العبارة المنقولة منه دالة على أن كل ما تغير ريحها يسمى خمرا، بل تدل على أن الخمر سميت بذلك لهذا الوجه، والافتراق بينهما ظاهر لا يخفى. وأما قوله: " اختمارها تغير ريحها " فأن أراد به الاخبار عن حقيقة كيمياوية فهو غير مسموع منه، لعدم كونه داخلا في فنه، إلا أن يدعى التجربة، وهي كما ترى، هذا مضافا إلى أن الظاهر من تلك العبارة أن الخمر سميت خمرا لانها - أي الخمر - تركت واختمرت وتغيرت حالها، لا أن العصير إذا ترك وتغير حاله يصير خمرا ويسمى بها، فلعل مراده أن وجه تسمية الخمر أنها إذا تركت تتغير في ريحها وتأويل كلامه بما يرجع إلى ما أراد المستدل بلا حجة لا داعي به. واستدل أيضا بما دل على حرمة ما تغير من العصير وغيره إذا نش وغلى بنفسه، وأمر النبي صلى عليه وآله باهراق ما تغير ونش والامر بغسل الاناء الذي ينبذ فيه لكيلا يغتلم، وبروايات النهي عن الانتباذ في جملة من الاواني، أو مطلق استعمالها كالدباء والمزفت والحنتم والنقير (1). وأنت خبير بما في الاستدلال بها لاثبات مسكرية ما غلى بنفسه من الوهن بعد التأمل فيما مر، والتميز بين المسألتين المتقدمتين أي مسألة حرمة ما نش وغلى والاختلاف في غايتها ومسألة نجاسة العصير المغلي التي تفرد بالتفصيل فيها ابن حمزة كما مر، ومع جعل ذلك نصب عينيك تهتدي إلى أن ما تمسك به لمدعاه من الاخبار وكلمات الاصحاب


(1) المروية في الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاشربة المحرمة

[ 232 ]

إما مخالف لمذهبه أو غير مربوط به، إلا بعض إشعارات في بعض الكلمات، ولو كان الوقت متسعا والحال مقتضيا والمسألة مهمة لسردت عليك موارد خلطه حتى لا تغتر بعباراته ودعاويه، واتضح لك وهن اعتراضاته على أئمة الفقه ومهرة الفن، والله العاصم. فاتضح مما مر عدم قيام دليل على نجاسته مطلقا لا ما غلى بنفسه ولا ما غلى بغيره. ثم أن الاشتداد الواقع في كلام جملة من الاصحاب كالمحقق والعلامة إن كان المراد منه الاسكار فالتعبير بالالحاق بالمسكر غير مناسب وإن كان المراد الثخانة والخثورة فلا دليل على اعتباره إلا ما احتمله الشيخ الاعظم من " أن عمدة الدليل على النجاسة لما كانت الموثقة المتقدمة المختصة بما بعد الثخونة المحسوسة وفتوى المشهور المتيقن منها ذلك كان الاقتصار في مخالفة الاصل عليها أولى، وإن كان الاطلاق لا يخلو من قوة " انتهى. وهو غير وجيه، فانه على فرض كون المستند هو الموثقة لا يظهر منها الاختصاص، بل الظاهر منها ولو بالقرائن الداخلية والخارجية هو الاطلاق، مضافا إلى أن في كونها مستندهم إشكالا بعد كونها في مقام بيان الحكم الظاهري كما مر، وبعد ما قيل من عدم معهودية التمسك بها إلى زمان الاسترابادي، ولو قيل باستنادهم إلى مثل الرضوي المتقدم وصحيحة عمر بن يزيد المتقدمة كان أولى، ولم يظهر منهما الاختصاص، أما الرضوي فظاهر، وأما الصحيحة فلان البختج صادق على أول مراتب الطبخ الحاصل بالغليان، ويحتمل أن يكون المراد به الاشتداد في الغليان وإن كان بعيدا، بل غير وجيه. وكيف كان فبعد بطلان أصل الدعوى لا داعى بالبحث في متفرعاتها

[ 233 ]

وقيودها. وأما عصير الزيبب فلا ينبغي الاشكال في طهارته وإن قلنا بنجاسة عصير العنب، بل في الحدائق " الظاهر أنه لا خلاف في طهارته وعدم نجاسته بالغليان، فاني لم أقف على قائل بالنجاسة هنا " وحكى ذلك عن الذخيرة أيضا، لكن يظهر من بعضهم وجود قول بها، بل عن أطعمة مجمع البرهان أنه يظهر من الذكرى اختيار نجاسة عصير التمر والزبيب، لكن في مفتاح الكرامة ليس لذلك في الذكرى عين ولا أثر قال: " وفى الذكرى بعد أن نسب الحكم بالنجاسة إلى ابن حمزة والمحقق في المعتبر، وذكر أن المصنف تردد في النهاية، قال: ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة، نعم اختار في الالفية النجاسة " انتهى. أقول: ولم أر في الوسيلة والمعتبر ما نسب اليهما، إلا أن يقال: إن العصير شامل للاقسام، وهو غير ظاهر، سيما بعد معروفية اختصاصه عند الاطلاق بالعنبي وتسمية غيره بأسماء أخر، وكيف كان فالاصل فيه الطهارة إلى أن قام دليل على نجاسته. وربما يتمسك لنجاسته بعد البناء على نجاسة العصير العنبي المغلي بالاستصحاب التعليقي تارة، وبالتنجيزي أخرى، وهو استصحاب سببية غليانه للحرمة والنجاسة أو استصحاب ملازمة لهما. أقول: إن ظواهر الادلة المستدل بها لنجاسة العصير مختلفة، ويختلف حال الاستصحاب حسب اختلاف المستند، فان ظاهر موثقة معاوية بن عمار (1) وصحيحة عمر بن يزيد (2) جعل الحكم التنجيزي للعصير المطبوخ، لان موضوع السؤال فيهما البختج، وهو العصير المطبوخ


(1) مرت في ص 204. (2) مرت في ص 206.

[ 234 ]

فقد نزله في الموثقة منزلة الخمر في الآثار فرضا، ومنها النجاسة، فكأنه قال: البختج حرام ونجس، وكذا الحال في الصحيحة، فان الحكم فيها أيضا تنجيزي لا تعليقي. وأما ظاهر مرسلة محمد بن الهيثم (1) وخبر فقه الرضا (2) بل خبر أبي بصير (3) المستدل بكل منهما لها هو إنشاء قضايا تعليقية، أي إذا تغير العصير وغلى فلا خير فيه، أو إذا أصابته النار أو غلى من غير أن تصيبه النار فهو خمر، فان المستفاد من مثلهما جعل حكم على العصير معلقا على الغليان، ولا يرجع ذلك إلى الحكم التنجيزي مطلقا، لا في الجعل ولا في الاعتبار ولا في الواقع، لا قبل حصول المعلق عليه ولا بعده، لاختلاف موضوعهما اعتبارا وواقعا وكذا حكمهما. لان المجعول في القضايا التنجيزية أي مفاد الطائفة الاولى هو الحكم الفعلي المنجز على موضوع مقيد أي العصير المغلي ولو تحليلا، فان البختج هو العصير المغلي أو المطبوخ، وفي القضايا التعليقية يكون الموضوع ذات العصير والغليان واسطة ومعلق عليه الحكم، وهو أمر تعليقي يتوقف فعليته على حصول المعلق عليه. فقبل حصول المعلق عليه وبعده لا يفترق الموضوع ولا الحكم المجعول فان القضية لا تنقلب عما هي عليها حصل المعلق عليه أو لم يحصل. نعم


(1) مرت في ص 221. (2) مر في ص 222. (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن الطلاء فقال: إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير " راجع الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 6.

[ 235 ]

بعد حصول المعلق عليه يصير الحكم فعليا منجزا على العبد وحجة عليه، لا بانقلاب القضية التعليقية إلى التنجيزية أو انقلاب موضوعها إلى موضوع آخر، فانه غير معقول، فالموضوع في القضية التعليقية هو العصير لا العصير المغلي ولو بعد حصول المعلق عليه، فالغليان ليس قيدا له في وعاء من الاوعية وما قرع الاسماع من أن الجهات التعليلية ترجع إلى التقييدية انما هو في القضايا العقلية لا القضايا العرفية والظواهر اللفظية، وهو ظاهر لدى التأمل. ثم أن الظاهر من القضايا التعليقية هو جعل الحكم على الموضوع على تقدير وجود المعلق عليه، ففي المقام جعل النجاسة والحرمة على تقدير وجود الغليان، وينتزع منه سببية الغليان لهما أو ملازمتها معه لا أقول: لا يمكن جعل السببية أو الملازمة ثبوتا، بل أقول: إن الظاهر منها في مقام الاثبات جعل الحكم، لا جعل السببية أو الملازمة فهما منتزعتان من جعل الحكم عقلا لا مجعولتان شرعا. إذا عرفت ذلك فاعلم إنه إن قلنا بأن النجاسة في العصير العنبي مستفادة من القضية التعليقية فان قلنا بأن المستفاد منها هو سببية الغليان لها أو ملازمته لها فاستصحابهما وإن كان تنجيزيا والسببية والملازمة شرعية لكن تحقق المسبب بتحقق سببه، وكذا تحقق الملازم بتحقق صاحبه عقلي، فاستصحاب السببية المجعولة لعصير العنب لا يثبت نجاسة عصير الزبيب المغلي إلا بالاصل المثبت، وكذا استصحاب الملازمة فصرف كون السببية أو الملازمة شرعية لا يوجب التخلص عن المثبتية. وإن قلنا بأن المستفاد منها الحكم التعليقي فيجري استصحابه من غير شبهة المثبتية، لان حصول الحكم بحصول المعلق عليه شرعي، فكأن الشارع المقدس قال: تعبديا بأنه إذا وجد غليان عصير الزبيب وجدت

[ 236 ]

النجاسة، أو تعبد بوجودها عند وجوده، فلا إشكال من هذه الجهة، وكذا لو قلنا بأن السببية الشرعية ليست على مثابة السببية التكوينية بل ترجع إلى التعبد بوجود المسبب عند وجود سببه يكون استصحابها كاستصحاب الحكم التعليقي جاريا. لكن قد يستشكل في الاستصحاب تارة بعدم بقاء الموضوع، فان العنب والزبيب عنوانان مختلفان عرفا وعقلا، وكذا مصاديقهما، ولهذا لا يمكن التمسك بدليل حكم العنب على حكم الزبيب، وفيه أن المعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة مع القضية المشكوك فيها، لا وحدة المستصحب مع موضوع الدليل الاجتهادي، ولما كان الزبيب في الخارج مسبوقا بالعنبية فحين كان عنبا يقال: هذا الموجود في الخارج إذا غلى عصيره ينجس ويحرم، وذلك بالاستنتاج من كبرى كلية اجتهادية وصغرى وجدانية، فموضوع القضية المتيقنة فيه ليس عنوان العنب الكلي، بل الموجود الخارجي المشار إليه لانطباق الكبرى عليه. فإذا جف رطوبته لم يصر موجودا آخر وإن صدق عليه عنوان آخر وسلب عنه عنوانه الاولي، فالرطوبة و اليبوسة فيه نظير الكبر والصغر والمرض والصحة في الشخص الخارجي، حيث بقيت شخصيته عرفا وعقلا مع تبادل العناوين والعوارض عليه، فموضوع القضية المتيقنة باق مع العلم بعدم بقاء موضوع الدليل الاجتهادي. وأخرى بأن الحكم التعليقي و التقديري ليس بشئ، ولا بد في الاستصحاب من ثبوت حكم وضعي أو تكليفي أو موضوع ذي حكم والشك في بقائه، وفيه - مضافا إلى أن الحكم التكليفي أو الوضعي المشروط أمر مجعول محقق في وعائه وليس معدوما ولا شئ - أنه لا يشترط في الاستصحاب

[ 237 ]

كون المستصحب أمرا موجودا، بل ما يعتبر فيه هو فعلية الشك واليقين لا فعلية المتيقن والمشكوك فيه، وكون المتعلق ذا أثر قابل للتعبد في زمان الشك. فلو تعلق اليقين بعدم شئ وكان له أثر في زمان الشك يجري الاستصحاب بلا شبهة فضلا عن المقام، فان اليقين متعلق بقضية شرعية هي أنه إذا نش العصير أو غلى يحرم، أو إذا اصابته النار فهو خمر، وشك في بقائها بعد انطباقها على العنب الخارجي لاجل صيرورتها زبيبا، والتعبد به ذو أثر في زمان الشك، وهو الحكم بالنجاسة والحرمة إذا تحقق الغليان. وأما ما قيل بأن معنى الاستصحاب التعليقي هو الشك في بقاء الحكم المرتب على موضوع مركب من جزئين عند فرض وجود أحد جزئيه وتبدل بعض حالاته قبل فرض وجود الجزء الآخر. ثم استشكل على الاستصحاب التعليقي تارة بأن الحكم المرتب على الموضوع المركب انما يكون وجوده وتقرره بوجود الموضوع بما له من الاجزاء والشرائط لان الموضوع كالعلة للحكم، ولا يعقل تقدم الحكم عليه، فلا معنى لاستصحاب ما لا وجود له، وتارة بأنه ليس للجزء الموجود من المركب أثرا إلا إذا انضم إليه الغليان، وهذا مما لا شك فيه، فلا معنى لاستصحابه، وتارة بأن هذه القضية التعليقية عقلية، لانها لازم جعل الحكم على الموضوع المركب. فلا ينبغي أن يصغى إليه، بعد خلطه بين القضايا التعليقية التي موضوعها نفس العناوين، وحكمها تعليقي، والمعلق عليه واسطة في ثبوت الحكم للموضوع، وبين القضايا التنجيزية التي موضوعها أمر موكب من جزئين: أي العصير والغليان، وهو مبنى إشكاله الاول.

[ 238 ]

وأعجب منه إشكاله الثاني، فان ما لا شك فيه هو عصير العنب إذا ضم إليه الغليان، لا عصير الزبيب. وأعجب من ذلك إشكاله الثالث، حيث أرجع القضايا التعليقية الواردة في الشرع إلى القضايا التنجيزية المركبة الموضوع، ثم قال: إن القضية التعليقية لازمة عقلا بجعل الحكم على الموضوع المركب. وثالثة بأن الاستصحاب التعليقي معارض دائما باستصحاب تنجيزي فان العصير الزبيبي المغلي كما هو محكوم بالنجاسة والحرمة للاستصحاب التعليقي وبعد حصول المعلق عليه كذلك محكوم بالطهارة والحلية الثابتين له قبل الغليان، فأجابوا عنه بحكومة الاصل التعليقي السببي على التنجيزي المسببي، وذكروا في وجهها بما لا يخلو عن مناقشة أو مناقشات. والتحقيق في تقريرها أن يقال: إن الاستصحاب التعليقي جار بلحاظ حال قبل الغليان، والمستصحب فيه هو القضية التعليقية، فإذا شك في بقائها يتسصحب، وأما مفاد القضية المستصحبة فهو أن هذا العصير إذا غلى ينجس ويحرم. وبعد حصول الغليان وضم الوجدان إلى القضية المستصحبة تصير النتيجة أن هذا العصير نجس وحرام، لا أن العصير المشكوك في نجاسته أو حرمته كذا، لان الاستصحاب لم يجر في المغلي المشكوك فيه، بل يجري في التعليقي بلحاظ قبل الغليان، فيحرز الدليل الاجتهادي في ظرفه. وأما استصحاب الحل والطهارة انما يجري في العصير المغلى المشكوك في حليته وطهارته، فالدليل الاجتهادي المستصحب لسانه نجاسة هذا العصير إذا غلى، وبعد الغليان ينتج نجاسة هذا العصير من غير قيد الشك، ولسان استصحاب الحل والطهارة الجاري في المغلى ان المشكوك فيه طاهر وحلال، فالاول بلسانه مقدم على الثاني، وهذا هو السر في تقدم

[ 239 ]

الاصل السببي على المسببي في جميع الموارد. مثلا إذا شك في نجاسة الثوب المغسول بما شك في كريته فاستصحاب الكرية ينقح موضوع الدليل الاجتهادي تعبدا، فينطبق عليه الدليل الاجتهادي، أي أن الكر مطهر لما أصابه وغسل فيه، وليس مفاده: إذا شككت فيما غسل فيه فهو طاهر، بخلاف مفاد استصحاب نجاسة الثوب، فان مفاده إذا شك في نجاسته فهو باق عليها، فمفاد الاول بعد تطبيق الدليل أن هذا طاهر، ومفاد الثاني إذا شك في نجاسته فهو نجس. وان شئت قلت إن استصحاب الكرية في المثال لا يعارض استصحاب النجاسة لتعدد موضوعهما، وإنما التعارض بين مفاد الدليل الاجتهادي المنطبق على المستصحب تعبدا بعد ضم الوجدان وبين مفاد استصحاب نجاسة الثوب، والاول مقدم بلسانه على الثاني وحاكم عليه ولو كان تنقيحه ببركة التعبد ببقاء الكرية بالاستصحاب، وكذا الحال في المقام، فتدبر واغتنم. ورابعة بأن الحكم انما تعلق بالعصير لا بالعنب حتى قال ببقاء الموضوع، وهذا الاشكال يقرر بوجهين: أحدهما أن موضوع الدليل الاجتهادي عصير العنب لا نفسه، وهو غير باق، فان الزبيب لما كان مسبوقا بالعنبية صح أن يقال: إن هذا الموجود كان كذا والآن كما كان لكن عصيره لم يكن مسبوقا بعصيرية العنب حتى يجئ فيه ما ذكر، فاسراء الحكم من عصير العنب إلى عصيره إسراء له من موضوع إلى موضوع مباين له في المفهوم والحقيقة والوجود. وفيه أنه بعد فرض تعلق الحكم بعصير العنب يصح أن يقال عليه إن عصير هذا الموجود إذا غلى يحرم وينجس، فإذا يبس وصار زبيبا يقال: إن هذا الموجود كان عصيره كذا والآن كما كان.

[ 240 ]

وثانيهما أنه ليس للزبيب عصير، فان العنب بعد جفاف ما في جوفه من الماء صار زبيبا، وما بقى فيه هو الجرم اللزج، وهو ليس بعصير جزما، وموضوع الحكم في العنب هو عصيره لا نفسه، فإذا صار زبيبا لا يبقى فيه ماء يعتصر ويغلى، والماء الخارجي الذي يراق فيه لاخراج حلاوته غير العصير العنبي جزما، فالقضية المتيقنة غير القضية المشكوك فيها يقينا، وهذا الاشكال متين، وهو الجواب عن الاستصحاب التعليقي (1). هذا كله إذا كان المستند للنجاسة والحرمة هو القضايا التعليقية، وأما إذا كان المستند لهما القضايا التنجيزية كقوله: " البختج خمر "


(1) وقد يستشكل عليه بأن موضوع الحكم هو نفس المادة لا العنب وهي موجودة في الزبيب، بل العنبية والزبيبية من الحالات، ولذلك لو خلط شئ من عصير العنب بالماء وغلى نحكم بحرمته، وعليه لا مانع من جريان الاستصحاب، وفيه ما لا يخفى من ان الموضوع هو العصير العنبي، وما لم يصدق عليه هذا العنوان لا اثر لغليانه مع الماء كما هو واضح. وقد يقال في وجه عدم جريان الاستصحاب بأن العنب لا يصير زبيبا إلا بعد ذهاب الثلثين فلا يضره الغليان بعد ذلك إذ لا اثر للغليان بعد الغليان، وفيه انه مبنى على دعويين الاولى ان ماء العنب يغلي في جوفه كي ينقلب زبيبا، والثانية انه بعد ذهاب الثلثين يصير زبيبا، ولا يخفى ان كلتيهما غير ثابتة، فإذا نشك في غليانه الاصل يقتضي عدمه، وكذلك في ذهاب الثلثين لو سلمنا غليانه، على انه لا اثر لغليان ماء العنب وهو في حباته، لعدم صدق العصير على مائه ما دام موجودا فيها، تأمل.

[ 241 ]

أو " لا تشرب البختج من يد مستحل المسكر " فعدم جريان الاستصحاب واضح، لان الحكم التنجيزي على الموضوع المقيد لا يتحقق إلا بعد تحقق موضوعه بجميع قيوده، وقبله لا وجود له ولو بنحو الاعتبار في الخارج حتى يشك في بقائه ويستصحب. وتوهم إجراء الاستصحاب التعليقي بتقريب أن العنب كان إذا انضم إليه الغليان محكوما بالحرمة والنجاسة، فإذا صار عصيرا يستصحب الحكم التعليقي فاسد، فان هذا التعليق عقلي لا شرعي، لان المفروض أنه ليس للشارع إلا حكم تنجيزي على العصير المغلى، فالحكم التعليقي غير مجعول بل من اللوازم العقلية، وفي مثله لا يجري الاستصحاب، مضافا إلى ورود الاشكال الاخير، أي عدم بقاء الموضوع عليه أيضا. فتحصل مما ذكر عدم جريان الاصل، وعدم الدليل على نجاسة العصير الزبيبي، ودعوى صدق العصير عليه قد مر جوابها، هذا كله على فرض تسليم نجاسة عصير العنب، وإلا فقد عرفت عدم نجاسته فضلا عن نجاسة عصير الزبيب. ثم أنه لا بأس بصرف الكلام إلى حكم عصير الزبيب من جهة الحرمة وان كان خارجا عن محط البحث، لكونه محلا للابتلاء، فنقول المشهور كما في الحدائق حليته، بل في طهارة شيخنا الاعظم عن جماعة دعوى الشهرة عليه، بل عن الرياض كادت تكون إجماعية، وهي مقتضى الاصل السالم عن المعارض. أما الاستصحاب فقد عرفت الكلام فيه، وأما غيره فعمدة المستند للحرمة رواية زيد النرسي في أصله قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الزبيب يدق ويلقى في القدر ثم يصب عليه الماء ويوقد تحته؟ فقال: لا تأكله حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث، فان النار قد أصابته

[ 242 ]

قلت: فالزبيب كما هو في القدر ويصب عليه الماء ثم يطبخ ويصفى عنه الماء؟ فقال: كذلك هو سواء، إذا أدت الحلاوة إلى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثم نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم، وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فسد " (1). وقد حاول العلامة الطباطبائي تصحيح سندها تبعا للمجلسي (رحمه الله)، واستند في ذلك تارة على قول النجاشي: " له كتاب يرويه عنه جماعة، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن نوح السيرافي، قال: حدثنا محمد بن أحمد الصفواني، قال: حدثنا علي بن ابراهيم بن هاشم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن زيد النرسي بكتابه " وعلى نص الشيخ رواية ابن أبي عمير كتابه. وعن البحار وغيره طريق إليه بتوسط ابن أبي عمير، قال: " وروايته لهذا الاصل تدل على صحته واعتباره والوثوق بمن رواه، فان المستفاد من تتبع الحديث وكتب الرجال بلوغه الغاية في الثقة والعدالة والورع والضبط، والتحذر عن التخليط، والرواية عن الضعفاء والمجاهيل، ولهذا ترى أن الاصحاب يسكنون إلى روايته ويعتمدون على مراسيله، وقد ذكر الشيخ في العدة أنه لا يروي ولا يرسل إلا عمن يوثق به، وهذا توثيق عام لمن روى عنه ولا معارض له ها هنا " ثم ذكر إجماع الكشي على تصحيح ما يصح عنه وأجال القلم حوله. وأخرى على قول الشيخ: له اصل قال " وعد النرسي من أصحاب الاصول وتسمية كتابه أصلا مما يشهد بحسن حاله واعتبار كتابه، فان الاصل في اصطلاح المحدثين من أصحابنا بمعنى الكتاب المعتمد الذي لم ينتزع من كتاب آخر، وليس بمعنى مطلق الكتاب، فانه قد يجعل


(1) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 243 ]

مقابلا له فيقال: له كتاب وله أصل ". ثم حكى الكلام المنقول عن المفيد طاب ثراه بأنه " صنفت الامامية من عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى عهد أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام أربعمائة كتاب تسمى الاصول، قال: وهذا معنى قولهم: له أصل، ومعلوم أن مصنفات الامامية فيما ذكر من المدة تزيد على ذلك بكثير، كما يشهد به تتبع كتب الرجال، فالاصل أخص من الكتاب، ولا يكفي فيه بمجرد عدم انتزاعه من كتاب آخر وان لم يكن معتمدا، فانه يؤخذ في كلام الاصحاب مدحا لصحابه ووجها للاعتماد على ما تضمنه، وربما ضعفوا الرواية لعدم وجدان متنها في شئ من الاصول ". وثالثة بسكوت ابن الغضائري عن الطعن فيه مع طعنه في جملة من المشائخ وأجلاء الاصحاب، حتى قيل: السالم من رجال الحديث من سلم منه، بل قال: " زيد الزراد وزيد النرسي رويا عن أبي عبد الله عليه السلام، قال أبو جعفر بن بابويه: إن كتابهما موضوع وضعه محمد بن موسى السمان، وغلط أبو جعفر في هذا القول، فاني رأيت كتبهما مسموعة من محمد بن أبي عمير " انتهى. قال: " ولو لا أن هذا الاصل من الاصول المعتمدة المتلقاة بالقبول بين الطائفة لما سلم من طعنه ومن غمزه على ما جرت به عادته في كتابه الموضوع لهذا الغرض " ورابعة باخراج الكليني في جامعه الكافي - الذي ذكر أنه قد جمع الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام - روايتين منه: إحداهما في باب التقبيل من كتاب الايمان والكفر، وثانيتهما في كتاب الصوم في باب صوم العاشوراء، وأخرج الشيخ عنه حديثا في كتاب الوصايا من التهذيب مع إيراده الرواية الاخيرة في كتابي الاخبار باسناده عن

[ 244 ]

الكليني، فلا تخلو الكتب الاربعة عن أخباره، بل روى جعفر بن قولويه عن علي بن الحسين وغيره بسندهم عن النرسي، ومنه يعلم رواية علي بن بابويه والد الصدوق أصل النرسي. ويظهر منه أن أصل نسبة اعتقاد وضعهما إلى الصدوق تبعا لشيخه ضعيف، أو رجف عنه بعد ما ذكره في فهرسته، فان والده شيخ القميين وفقيههم وثقتهم - والذي خاطبه الامام العسكري عليه السلام بقوله في توقيعه: يا شيخي ومعتمدي - يروي الاصل المذكور، وولده يعتقد كونه موضوعا، هذا مما لا ينبغي نسبته إليه، انتهى ملخصا، وهو تفصيل ما أفاده المجلسي على ما حكي عنه تقريبا. قال بعد نقل كلمات الجماعة في الاصلين وصاحبيهما: " أقول: وإن لم يوثقهما أصحاب الرجال لكن اخذ اكابر المحدثين من كتابهما، واعتمادهم عليهما حتى الصدوق في معاني الاخبار وغيره، ورواية ابن أبي عمير عنهما، وعد الشيخ كتابهما من الاصول لعلها تكفي لجواز الاعتماد عليهما " انتهى، ثم ذكر حال نسخته العتيقة. أقول: لا بأس بصرف الكلام إلى حال ما تشبثا به، سيما إجماع الكشي الذي هو العمدة في المقام وغيره من الموارد الكثيرة المبتلى بها، فعن الكشي في حق فقهاء أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: " اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الاولين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا أفقه الاولين ستة " ثم ساق أسماءهم. وفي فقهاء أصحاب أبي عبد الله عليه السلام " أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقروا لهم بالفقه " ثم ساق أسماءهم، وفى فقهاء أصحاب أبي ابراهيم وأبي الحسن (ع) " اجتمع

[ 245 ]

أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم، وأقروا لهم بالفقه والعلم " ثم ذكر اسماءهم. ويقع الكلام تارة في المفهوم المراد من تلك العبارات، وأخرى في حول كلمات الاصحاب، وفهمهم المعنى المراد منها، وحال دعوى تلقيهم هذا الاجماع بالقبول. أما الاول ففيها احتمالات أظهرها أن المراد تصديقهم لما أخبروا عنه، وليس إخبارهم في الاخبار مع الواسطة إلا الاخبار عن قول الواسطة وتحديثه، فإذا قال محمد بن أبي عمير: حدثني زيد النرسي قال: حدثني علي بن مزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام كذا، لا يكون إخبار ابن أبي عمير إلا تحديث زيد، وهذا فيما ورد في الطبقة الاولى واضح، وكذلك الحال في الطبقتين الاخيرتين، أي الاجماع على تصحيح ما يصح عنهم، لان ما يصح عنهم ليس متن الحديث في الاخبار مع الواسطة لو لم نقل مطلقا. فحينئذ إن كان المراد من الموصول مطلق ما صح عنهم يكون لازمه قيام الاجماع على صحة مطلق أخبارهم، سواء كان مع الواسطة أو لا، إلا أنه في الاخبار مع الواسطة لا يفيد تصديقهم وتصحيح ما صح عنهم بالنسبة إلى الوسائط، فلا بد من ملاحظة حالهم ووثاقتهم وعدمها. وإن كان المراد منه متن الحديث بدعوى أن الصحة والضعف من صفات المتن ولو بلحاظ سنده فلازمه قيام الاجماع على تصحيح الاخبار بلا واسطة، فان ما يصح عنهم من المتن هو الذي أخبروا عن نفسه، وأما الاخبار مع الواسطة فليس إخبارهم عن متنه بل عن تحديث الغير ذلك وإن شئت قلت: ما صح عنهم الذي يجب تصحيحه لا بد وأن يكون الاخبار عن واقع حتى يجوز فيه الصدق والكذب والتصحيح وعدمه.

[ 246 ]

فإذا قال ابن أبي عمير: حدثني النرسي قال: حدثني علي بن مزيد قال الصادق عليه السلام كذا، فما أخبر به ابن أبي عمير ويصح أن يكون كاذبا فيه وصادقا ويمكن الحكم بصحته والاجماع على تصحيحه هو إخباره بأن زيدا حدثني، وأما قول النرسي وعلي بن مزيد وكذا قول الصادق عليه السلام فليس من إخباره، ولهذا لو كان إخبار النرسي أو علي بن مزيد كاذبا لا يكون ابن أبي عمير كاذبا، وليس ذلك إلا لعدم إخباره به، وصحة سلبه عنه، وهو واضح جدا. فهل ترى من نفسك لزوم تصديق الجماعة حتى فيما لا يقولون؟ بل قالوا إنا لم نقله، فإذا كذب علي بن مزيد مثلا على الصادق عليه السلام ونقل ابن أبي عمير قوله، ثم قيل له: لم كذبت على الصادق عليه السلام؟ يصح له أن يقول: إني لم أكذب عليه، بل نقلت عن زيد وهو عن علي بن مزيد وهو كاذب لا أنا ولا زيد، وانما كررنا هذا الامر الواضح لما هو مورد الاشتباه كثيرا. فما قد يقال في رد هذا الاحتمال - من أنه لا يخفى ما فيه من الركاكة خصوصا بالنسبة إلى هؤلاء الاعلام، ولو كان المراد ما ذكر اكتفي بقوله أجمعت العصابة على تصديقهم بل هنا دقيقة أخرى وهي أن الصحة والضعف من أوصاف متن الحديث تعرضه باعتبار اختلاف حالات رجال السند - لا يخفى ما فيه من الغفلة عن أن ذلك من قبيل الفرار من المطر إلى الميزاب، فانه يلزم منه عدم قيام الاجماع على تصديقهم في الاخبار مع الواسطة، حتى بالنسبة إلى تحديث الوسائط إلا بدعوى تنقيح المناط، نعم لازم تصديقهم وثاقتهم وصداقتهم في النقل، وهو واضح. وأما دعوى ركاكة دعوى الاجماع على صرف تصديقهم سيما في هؤلاء العظماء ففيها أنه إذا قام الاجماع على تصديق هؤلاء فأية ركاكة

[ 247 ]

في نقله؟ كما لا ركاكة في نقل الاجماع على فقاهتهم والاقرار لهم بالعلم كما نقله أيضا. ودعوى عدم اختصاص هذا الاجماع بهم بعد تسليمها يمكن أن لا يكون عند الكشي ثابتا في غيرهم، هذا مضافا إلى أن لزوم الركاكة في ظاهر لفظ لا يوجب جواز صرفه عن ظاهره وحمله على ما لا تلزم منه الركاكة كائنا ما كان. وقوله: لو كان المراد ذلك لاكتفى بقوله: " أجمعت العصابة على تصديقهم " فيه أولا أكتفي به في الطبقة الاولى، ومن في الطبقتين الاخيرتين ليسوا بأوثق وأورع ممن في الاولى، ومن ذلك يمكن أن يقال: إن مراده في الجميع واحد وحيث لم يرد في الاولى إلا تصديقهم وتوثيقهم لم يرد في غيرها إلا ذلك، إلا أن يقال: إن الطبقة الاولى لما لم يكن إخبارهم مع الواسطة لم يحتج إلى دعوى الاجماع على تصحيح ما يصح عنهم، وهو كذلك نوعا، لكن دعوى الاجماع على تصديقهم لو كانت ركيكة كانت بالنسبة إليهم ركيكة أيضا، بل أشد ركاكة. وثانيا لنا أن نقول: لو كان المراد من العبارة ما ذكرتم من تصحيح الرواية مع توثيق ما بعده لكان عليه أن يقول: اجتمعت العصابة على وثاقة من نقل عنه واحد من هؤلاء، أو نحو ذلك من العبارات، حتى لا يشتبه الامر على الناظر، وما الداعي إلى ذكر تلك العبارة التي هي ظاهر في خلاف المقصود؟ وربما يقال: إن بناء فقهاء أصحاب الائمة عليهم السلام نقل فتواهم بالرواية، فكل ما روى أحد هؤلاء العظماء كان مضمونها فتواه، فكما صح من أصحاب الاجماع التحديث بالمعنى الذي تقدم صح منهم الفتوى على مضمون حديثه، ومتقضى تصديقهم وتصحيح ما صح عنهم

[ 248 ]

تصديق التحديث ومضمون الحديث جميعا، فيتم المطلوب. وفيه - بعد تسليم ذلك وبعد الغض عن أن ذلك الاجماع لو ثبت فانما قام على تصديقهم في النقل لا الفتوى كما هو الظاهر من معقده - أن ما ينتج لاتمام المطلوب إثباته أن كل ما رووا موافق لفتواهم، وهو مقطوع بالبطلان، ضرورة وجود رواية المتعارضين من شخص واحد في مروياتنا، ورواية ما هو خلاف المذهب أصولا أو فروعا فيها مما لا يمكن مطابقتها لفتواهم. وأما إثبات كون فتواهم بنحو الرواية فلا ينتج المطلوب، فإذا علمنا أن بعض ما روى ابن أبي عمير مطابق لفتواه لا ينتج ذلك لزوم الاخذ بجميع رواياته، وكذا لو علمنا أن كل ما أفتى به فهو بنحو الرواية، وهذا مغالطة نشأت من إيهام الانعكاس، مع أن في أصل الدعوى أيضا كلاما. ثم أنهم ذكروا في وجه حجية هذا الاجماع بعد عدم كونه بالمعنى المصطلح أحد الامرين: الاول إطلاع العصابة على احتفاف جميع الاخبار التي هي منقولة بتوسطهم بقرائن خارجية يوجب الاطلاع عليها العلم بصحة الخبر. وهذا غير ممكن عادة، ضرورة عدم حصر تلك الاخبار، وعدم إمكان إطلاع جميع العصابة على القرائن الموجبة لكل ناظر في كل واحد من الاخبار التي لا تحصى. فهذا محمد بن مسلم أحد الجماعة روى عن الكشي عن حريز عنه أنه قال: ما شجرني رأي قط إلا سألت عنه أبا جعفر عليه السلام حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ستة عشر ألف حديث، والظاهر أن أحاديث زرارة لم تقصر منها لو لم

[ 249 ]

تكن أزيد، ومن المحال إطلاع جميع الاصحاب على جميع ما روى هؤلاء مع إطلاعهم على قرائن موجبة للقطع، بل من المحال عادة احتفاف جميع أخبارهم بالقرائن الكذائية، فهذا ليس وجه إجماعهم ولا ذاك وجه حجيته. الثاني - إطلاعهم على جميع مشائخ هؤلاء ومن يروون عنهم مسندا ومرسلا، والعلم بوثاقة جميعهم، فحكموا بصحة أحاديثهم لاجل صحة سندها إلى المعصوم عليه السلام، هذا وجه إجماعهم. ومنه يظهر وجه حجيته، وهو وإن كان دون الاول في البطلان، لكنه يتلوه فيه، أما أولا فلان إطلاع جميع العصابة على جميع الافراد الذين يروي هؤلاء الجماعة عنهم بلا واسطة ومع الواسطة بعيد في الغاية، بل غير ممكن عادة، مع عدم تدوين كتب الحديث والرجال في تلك الاعصار بنحو يصل الكل إلى الكل، وبعد وصول أخبار البلاد البعيدة بعضها إلى بعض، وتصوير تهيئة الاسباب جميعا لجميعهم مجرد تصور لا يمكن تصديقه. وأما ثانيا فلان مشائخ الجماعة ومن يروون عنهم لم يكن كلهم ثقاة، بل فيهم من كان كاذبا وضاعا ضعيفا لا يعتني برواياته وبكتبه، هذا ابن أبي عمير وهو أشهر الطائفة في هذه الخاصة يروي عن يونس ابن ظبيان الذي قال النجاشي فيه على ما حكي عنه: " ضعيف جدا لا يلتفت إلى ما رواه، كل كتبه تخليط " وعن ابن الغضائري " أنه غال وضاع للحديث " وعن الفضل في بعض كتبه " الكذابون المشهورون أبو الخطاب ويونس بن ظبيان ويزيد الصائغ " الخ. وقد ورد فيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام اللعن البليغ. وعن عبد الله بن القاسم الحضرمي الذي قال فيه ابن الغضائري: " ضعيف غال متهافت " وقال النجاشي: " كذاب غال يروي عن الغلاة

[ 250 ]

لا خير فيه ولا يعتد بروايته " وقريب منه بل أزيد عن الخلاصة. وعن علي بن أبي حمزة البطائني الذي قال فيه أبو الحسن على بن الحسن بن الفضال على المحكي " علي بن أبي حمزة كذاب متهم معلون قد رويت عنه أحاديث كثيرة وكتبت عنه تفسير القرآن من أوله إلى آخره إلا أني لا أستحل أن أروى عنه حديثا واحدا " نعم عن صاحب المعالم أن ذلك في حق ابنه الحسن بن علي بن أبي حمزة، وعن ابن الغضائري " أنه لعنه الله أصل الوقف وأشد الخلق عداوة للمولى يعني الرضا عليه السلام، ونقل عنه نفسه قال لي أبو الحسن موسى عليه السلام: انما أنت يا علي وأصحابك أشباه الحمير ". وروى الكشي روايات في ذمه: منها ما رواه بسنده عن يونس ابن عبد الرحمان قال: " مات أبو الحسن وليس من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم موته، وكان عند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار " وروى بسنده عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام حديثا وفيه: " وسمعته يقول في ابن أبي حمزة: أما استبان لكم كذبه؟ " إلى غير ذلك. والاعتذار بأن رواية ابن أبي عمير عنه كانت قبل وقفه غير مقبول لظهور ما تقدم وغيره في سوء حاله قبل الوقف، وأن الوقف لاجل حطام الدنيا، ولهذا لم يستحل علي بن الحسن بن الفضال أن يروي عنه رواية واحدة، فلو كان قبل الوقف صحيح الرواية لم يستحل له ترك روايته بناءا على كون ذلك في حقه، كما عن ابن طاووس والعلامة، وعمل الطائفة برواياته لا يوجب توثيقه، مع أنه غير مسلم بعد ما نقل عن المشهور عدم العمل بها، تأمل. وعن أبي جميلة الذي ضعفه النجاشي، وقال ابن الغضائري

[ 251 ]

والعلامة: " إنه ضعيف كذاب يصنع الحديث ". وعن علي بن حديد الذي قال الشيخ في محكي الاستبصار: " إنه ضعيف جدا لا يعول على ما ينفرد بنقله " وضعفه في محكي التهذيب أيضا. وعن الحسين بن أحمد المنقري الذي ضعفه الشيخ والنجاشي والعلامة وغيرهم، إلى غير ذلك. وأما نقله عن غير المعتمد والمجهول والمهمل ومن ضعفه المتأخرون أمثال محمد بن ميمون التميمي وهاشم بن حيان فكثير يظهر للمتتبع. وأما صفوان بن يحيى فقد روى عن علي بن أبي حمزة، وأبي جميلة المفضل بن صالح المتقدمين، وعن محمد بن سنان الذي ضعفوه، بل عن المفضل أنه من الكذابين المشهورين، وعن عبد الله بن خداش الذي قال فيه النجاشي: ضعيف جدا، إلى غير ذلك. وأما البزنطي فروى عن أبي جميلة المتقدم، وأحمد بن زياد الخزاز الضعيف، والحسن بن على بن أبي حمزة الضعيف المطعون، عن ابن الغضائري " أنه واقفي ابن واقفي ضعيف في نفسه، وأبوه أوثق منه " وقال الحسن بن علي بن الفضال: " اني لاستحيي من الله أن أروي عن الحسن بن علي " وقد مر أن ما حكي عن ابن الفضال في علي بن أبي حمزة ذهب صاحب المعالم إلى أنه في ابنه الحسن، وحكى الكشي عن بعضهم أن الحسن بن علي بن أبي حمزة كذاب. وأما الحسن بن محبوب فروى عن أبي الجارود الضعيف جدا، الوارد فيه عن الصادق عليه السلام أنه كذاب مكذب كافر عليه لعنة الله وعن محمد بن سنان إنه قال: " أبو الجارود لم يمت حتى شرب المسكر وتولى الكافرين ". وعن صالح بن سهل الهمداني الذي قال ابن الغضائري فيه: " إنه غال كذاب وضاع للحديث، روى عن أبي عبد الله عليه

[ 252 ]

السلام لا خير فيه ولا في سائر ما رواه، وقد روي أنه قال بألوهية الصادق عليه السلام ". وعن عمرو بن شمر الذي قال فيه النجاشي: " إنه ضعيف جدا زيد أحاديث في كتب جابر الجعفي " وغيرهم كعبد العزيز العبدي وأبي جميلة ومحمد بن سنان ومقاتل بن سليمان من الضعاف والموصوفين بالوضع، فقد حكي أنه قيل لابي حنيفة، قدم مقاتل بن سليمان قال: " إذا يجيئك بكذب كثير " (فويل لمن). وأما يونس بن عبد الرحمان فقد روى عن صالح بن سهل، وعمرو ابن جميع، أبي جميلة، ومحمد بن سنان، ومحمد بن مصادف، إلى غير ذلك من الضعفاء. وكذا حال غيرهم كرواية ابن بكير وابن مسكان عن محمد بن مصادف وجميل، وأبان بن عثمان عن صالح بن الحكم النيلى، إلى غير ذلك. وأما روايتهم عن المجاهيل وغير الموثقين فالى ما شاء الله. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن دعوى شيخ الطائفة قال في محكي العدة: " إذا كان أحد الراويين مسندا والآخر مرسلا نظر في حال المرسل، فان كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولاجل ذلك سوت الطائفة بين ما رواه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا ممن يوثق به وبين ما يسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم " انتهى. فان هذا الاجماع المدعى معلل، ونحن إذا وجدنا خلاف ما وجدوا أو ادعوا لا يمكننا التعويل على إجماعهم فضلا عن دعواه. وما قيل من عدم منافاة خروج فرد أو فردين بالظن بل الاطمينان

[ 253 ]

بالوثاقة مدفوع بأن الخارج كثير سيما مع انضمام المجهول والمهمل إلى الضعيف، ومعه كيف يمكن حصول الاطمينان على ذلك، والظن لو حصل لا يغني من الحق شيئا، هذا مع عدم إحراز اتكال أصحابنا على دعوى إجماع الكشي ولا على إجماع الشيخ. وقد يقال باتكالهم على إجماع الكشي، فان شيخ الطائفة قال في أول كتابه المختار من رجال الكشي بهذه العبارة: " فان هذه الاخبار اختصرتها من كتاب الرجال لابي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، واخترنا ما فيها " انتهى. بدعوى ظهورها أو صراحتها في أن ما في الكتاب مختاره ومرضيه، وأيضا عبارته المتقدمة المحكية عن العدة اشارة إلى الاجماع المذكور، وأيضا نقل الشهيد في الروضة عنه أن العصابة أجمعت على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن بكير، واقروا له بالفقه والثقة. وفيه أن ما ذكر في أول الرجال لا إشعار فيه بكون ما فيه مختاره لو لم نقل باشعاره بخلافه، فضلا عن الظهور أو الصراحة فيه، فان الضمير المؤنث في قوله: " ما فيها " يرجع إلى الاخبار المذكورة قبله فيظهر منه أن مختاره بعض الاخبار التي اختصرها من كتابه، وإلا لكان عليه أن يقول: واخترناها أو اخترنا ما فيه، مع أن الاختيار في مقام التصنيف غير الارتضاء والاختيار بحسب الرأي، كما هو ظاهر بعد التدبر. ثم أن رجال الكشي على ما يظهر من مختاره ومختصره مشحون بالروايات والاحاديث، وانما قال الشيخ إن هذه الاخبار اختصرتها من كتابه، وظاهره الاخبار المصطلحة، فأي ربط لهذا الكلام مع ما ذكر من اختياره لدعاوي الكشي وسائر ما في الكتاب.

[ 254 ]

مع أن الضرورة قائمة بعدم كون جميع ما في الكتاب الذي اختصره من كتاب الكشي مرضيا له، فان فيها روايات الطعن على زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد بن معاوية من مشائخ أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وغيرهم، وفيها الاخبار المتناقضة، فهل يمكن أن تكون تلك الاخبار مختارا له؟ ولو كان كذلك لزم منه هدم إجماع الكشي. وأما عبارته المتقدمة فمفادها غير مفاد إجماع الكشي على ما تقدم مستقصى مفاده، إلا أن يقال: إنه اتكل على إجماعه ونقله بالمعنى، وأخطأ في فهم المراد منه، وفيه ما فيه، بل الظاهر عدم اعتماده على إجماع الكشي، وقد طعن على عبد الله بن بكير بجواز وضعه الرواية والكذب على زرارة، نصرة لمذهبه في محكي كتاب الطلاق من التهذيب والاستبصار. قال بعد ذكر روايته عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في هدم كل طلاق ما قبله إذا تركت الزوجة حتى تخرج العدة ولو كان مأة مرة بهذه العبارة: " هذه الرواية في طريقها ابن بكير، وقد قدمنا أنه قال حين سئل عن هذه المسألة: هذا مما رزق الله من الرأي، ولو كان سمع ذلك لكان يقول: نعم رواية زرارة، ويجوز أن يكون أسند إلى زرارة نصرة لمذهبه، لما رأى أصحابه لا يقبلون ما يقوله برأيه، وقد وقع منه من اعتقاد الفطحية ما هو أعظم من ذلك " انتهى. وانت خبير بأن ما ذكره فيه لا يجتمع مع تصديقه إجماع الكشي لما عرفت أن لازم إجماع وثاقة الجماعة أو مع من بعدهم على زعم بعضهم، ولا يمكن دعوى احتفاف جميع رواياتهم بالقرائن الموجبة للاطمينان أو القطع بالصدور سوى هذه الرواية من ابن بكير، هذا

[ 255 ]

مع ما يأتي من شواهد أخر على عدم اعتماده على إجماعه. وأما العبارة المحكية عن الروض - فمع عدم وجودها في كتب الشيخ كما قال بعض أهل التتبع، واحتمال أن يكون النقل بالمعنى من العبارة المتقدمة بزعم كونها اشارة إلى إجماع الكشي، أو زعم أن ما في مختصر الكشي مختاره ومرضيه، ومنه دعوى الاجماع كما زعمها غيره - فلا يمكن الاتكال عليها في نسبة تصديق الاجماع إليه مع وجود الشواهد على خلافه كما مر و يأتي، هذا حال شيخ الطائفة. وأما النجاشي الذي هو أبو عذرة هذا الفن، وسابق حلبته، ومقدم على الكل فيه فلم تر من اشارة ما إلى هذا الاجماع، ولم يظهر منه أدنى اتكال عليه، مع شدة حرصه بتوضيح أحوال الرجال، والفحص عن وثاقتهم، وعنايته بنقل توثيق الثقات، ولو كان هذا الاجماع صالحا للاتكال عليه لما غفل عنه، بل لما خفي عليه إجماعهم مع تضلعه وكثرة إطلاعه وتقدمه عليه في سعة الباع والاحاطة وقرب عهده منه، فلو ثبت عنده ما ثبت عند الكشي أو كان نقله معتمدا عنده لما صح منه التوقف في أحد من الجماعة ورجالهم، فضلا عن تضعيف بعض رجالهم. فعدم التعرض لهذا الاجماع وعدم توثيق بعض أصحابه كأبان بن عثمان و عبد الله بن بكير وتضعيف بعض رجالهم ورميه بالكذب والوضع كما تقدم منه كاشف قطعي عن عدم ثبوت الاجماع عنده، وعدم اعتنائه بنقل الكشي، لا لعدم اتكاله على الاجماع المنقول بخبر الواحد، بل لوجدان خلافه مع قربه منه، وكان كتاب الكشي موجودا عنده. قال في ترجمته: " محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي أبو عمرو كان ثقة عينا، وروى عن الضعفاء كثيرا - إلى أن قال -: له كتاب الرجال، كثير العلم، وفيه أغلاط كثيرة، أخبرنا أحمد بن

[ 256 ]

علي بن نوح وغيره عن جعفر بن محمد عنه بكتابه " انتهى. سيما مع تعرضه في ترجمة ابن أبي عمير بسكون الاصحاب إلى مرسلاته. فلو كان إجماعه ثابتا أو كان متكلا عليه في ابن أبي عمير لاشار إليه في سائر الرجال المشاركين له فيه، قال في ترجمة ابن أبي عمير: " وكان حبس في أيام الرشيد - إلى أن قال -: وقيل: إن اخته دفنت كتبه في حال استتاره وكونه في الحبس أربع سنين، فهلكت الكتب وقيل: بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدث من حفظه ومما سلف له في أيدي الناس، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله " انتهى. وهو واضح الدلالة على أن الامر ليس كما ذكره الكشي أو نسب إليه، بل هذا خاصة ابن أبي عمير عنده، نعم صرف ضياع الكتب ليس موجبا لعملهم على مراسيله لو كان السكون بمعنى العمل والاعتماد وفيه كلام، بل لا بد من علمهم أو ثقتهم بأنه لا يرسل إلا عن ثقة، وهو يدل على أن مرسلاته فقط مورد اعتماد أصحابنا دون غيرها، بل المتيقن منها ما إذا أسقط الواسطة ورفع الحديث إلى الامام عليه السلام لا ما ذكره بلفظ مبهم كرجل أو بعض أصحابنا، وكون المرسلة في تلك الازمنة أعم غير واضح عندي عجالتا لا بد من الفحص والتحقيق. فاتضح بما ذكر أن النجاشي لم يكن مباليا باجماع الكشي، وكان يرى سكون الاصحاب إلى خصوص مرسلات ابن أبي عمير دون مسنداته ولا بمرسلات غيره ومسنداته، وكذا لم يظهر من ابن الغضائري المعاصر لشيخ الطائفة - بل له نحو شيخوخة وتقدم عليه - ادنى اعتماد على ذلك الاجماع، تأمل. وكذا المفيد وغيره ممن هو في عصر الكشي أو قريب منه وقد ضعف القمييون يونس بن عبد الرحمان وطعنوا فيه، وبهذا يظهر المناقشة في دعوى إجماع شيخ الطائفة في عبارته المتقدمة، هذا

[ 257 ]

حال تلك الاعصار. وأما الاعصار المختأخرة عنها التي اشتهر هذا الاجماع فيها وكلما مضى الزمان قوى الاشتهار فلا حجية في شهرتهم وإجماعهم لا في مثل المسألة ولا في المسائل الفرعية، لعدم شئ عندهم غير ما عندنا، ومع ذلك إن المحقق اختلفت كلماته، فربما مال إلى حجية مرسلات ابن ابي عمير أو قال بها، وربما صرح بعدمها، فعن موضع من المعتبر قال: " الجواب الطعن في السند، لمكان الارسال، ولو قال قائل: مراسيل ابن أبي عمير تعمل بها الاصحاب منعنا ذلك، لان في رجاله من طعن الاصحاب فيه، فإذا ارسل احتمل ان يكون الراوي احدهم " انتهى. هذا بالنسبة إلى ابن ابي عمير، فما حال مرسلات غيره كصفوان والبزنطي فضلا عن غيرهما. وعنه في زكاة المستحقين: " إن في ابان بن عثمان ضعفا " وقريب منه عن العلامة والفخر والمقداد والشهيد، وعن الشهيد الثاني " ان ظاهر كلام الاصحاب قبول مرسلات ابن ابي عمير لاجل إحرازه أنه لا يرسل إلا عن ثقة، ودون اثباته خرط القتاد، وقد نازعهم صاحب البشرى في ذلك، ومنع تلك الدعوى " انتهى، ومع كون العلامة اتكل كثيرا على الاجماع المذكور حكى عنه فخر الدين قال: " سألت والدي عن أبان بن عثمان قال: الاقرب عدم قبول روايته، لقوله تعالى: " إن جاءكم فاسق " الآية، ولا فسق أعظم من عدم الايمان ". ورد ابن طاووس رواية ابن بكير، وضعفه المحقق والفاضل المقداد والشهيد، وطعنوا في روايات هو في سندها لاجله، ويظهر من ابن طاووس نحو تردد في جميل بن دراج، والاختلاف في الاسدي والمرادي معروف ولم يتعرض النجاشي لمعروف بن خربوذ، ولم يوثقه الشيخ والعلامة

[ 258 ]

وقال الثاني: " روى الكشي فيه مدحا وقدحا " وقال ابن داود: " وثقة أصح " وهو ظاهر أو مشعر بوجود الخلاف فيه. وعن ابن داود في بريد بن معاوية مدحه الكشي ثم ذمه، ويقوى عندي أن ذمه انما هو لاطباق العامة على مدحه والثناء عليه فساء ظن بعض أصحابنا به، وهو ظاهر في أن الذام غير منحصر بالكشي. هذا حال أصحاب الاجماع، وقد تقدم حال جملة من رجالهم ومشايخهم، وعليك بالفحص في حال سائرهم حتى يتضح لك حال إجماع الكشي والشيخ، هذا شطر من الكلام في أول ما تشبث به الطباطبائى في إصلاح حال النرسى وكتابه. وأما ما تشبث به ثانيا من أنه ذو أصل، وهو في اصطلاح المحدثين من أصحابنا بمعنى الكتاب المعتمد الذي لم ينتزع من كتاب آخر إلى آخر ما تقدم منه فهو ينحل إلى دعويين أو دعاو ثلاث إن حاول به إصلاح حال النرسي الراوي له. الاولى: أن الاصل عبارة عن كتاب معتمد لا مطلق الكتاب، ويرد عليها أولا أنه لا مستند له في ذلك من قول متقدمي أصحابنا إلا قول المفيد المتقدم أي انحصار الاصول بالاربعمائة، مع كون الكتب أكثر من ذلك، وأنت خبير بأن مجرد ذلك لا يدل على مطلوبه، بل يدل على أخصية الاصل من الكتاب، فيمكن أن يكون الاصل عبارة عن كتاب جامع لعدة كتب يكون نسبته إليها كنسبة كتاب الشرايع إلى كتاب الطهارة والصلاة إلى الديات، فتكون تلك الكتب متفرعة عن الكتاب الاصل، وعددها أكثر من الاصل بكثير. ويمكن أن يكون الاصل كتابا غير مأخوذ من كتاب آخر من غير قيد الاعتماد فيه، والكتاب أعم منه، ولا دليل على أكثرية الكتب بلا

[ 259 ]

واسطة من أربعمائة، سيما إذا قلنا بأن الاصل عبارة عن مجموع كتب غير مأخوذ من آخر أي أخذنا فيه القيدين، وسيجيئ احتمال أقرب منها فانتظر، وبالجملة دليله أعم. وثانيا يظهر من التصفح في كتب الرجال خلاف ما أفاده، لان جعل الاصطلاح على فرضه لا يمكن أن يكون لمحض التفنن لغوا والعياذ بالله، سيما من مثل هؤلاء الاعاظم، بل لا بد أن يكون لتميز من تأخر منهم الكتب المعتمدة من غيرها. فحينئذ كان عليهم التصريح به في كتبهم الموضوعة في الرجال والحديث، مع عدم نقله منهم وعدم تصريح أو اشارة إليه فيها، وإلا لما اختلفت كلمة المتأخرين في معنى الاصل هذا الاختلاف، ولكان عليهم عد جميع الكتب التي بهذه الخاصية أصلا، مع انه خلاف ما نجد في الفهارست وكتب الرجال، لعدم إطلاقهم الاصل على كتب أصحاب الاجماع في جميع الطبقات غير كتاب جميل بن دراج، فان الشيخ قال: " له أصل " وأثبت النجاشي له كتابا وأصلا، وغير أبان بن عثمان، فأثبت الشيخ له أصلا، وقال النجاشي: " له كتاب " وكذا لا يطلقون الاصل على نوع كتب أصحاب الائمة أكابرهم وغيرهم، وانما أطلق النجاشي على كتب معدودة منهم لعلها لم تتجاوز عن عدد الاصابع. والشيخ وإن أطلقه على كتب جمع منهم كثير نسبة لكن نسبته إلى ما لا يطلق عليه بل أطلق الكتاب عليه كنسبة القطرة إلى البحر، فممن لم يذكر له أصل من كبار أصحاب الائمة غير من تقدم من أصحاب الاجماع أبو بصير ليث المرادي، والحسن بن علي بن فضال، وفضالة ابن أيوب، وعثمان بن عيسى - وهؤلاء من أصحاب الاجماع على نقل بعضهم - وجعفر بن بشير، وصفوان الجمال، وعبد الرحمان بن الحجاج،

[ 260 ]

وعباس بن معروف، وعبد الرحمان بن أبي نجران، وعبد الله بن سنان، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وعلي بن الحسن بن فضال، ومحمد الحلبي، وعبيد الله الحلبي، وعمار بن موسى الساباطي، وعلي بن النعمان، والحسن بن موسى الخشاب، وحريز بن عبد الله، وسعد بن سعد، وعلي بن يقطين، والصفار، والحميري، إلى غير ذك من المشائخ وأصحاب الكتب المتعددة والاصول المعول عليها ممن يطول ذكرهم، كثعلبة ابن ميمون، ومعاوية بن وهب، ومعاوية بن عمار، ومعاوية بن حكم، والحسين بن سعيد، وسعد بن عبد الله وغيرهم، فهل ترى من نفسك أن هؤلاء المشائخ اصطلحوا على أن الاصل الكتاب المعتمد ثم لم يعدوا كتب جميع المشائخ والاصحاب، مع كونها معتمدة في الاصول إلا نادرا منها فما عذر هذا الاغراء بالجهل؟. وثالثا ربما أطلق الاصل على كتب غير معتمدة من قوم ضعاف بتصريح منهم، كالحسن بن صالح بن الحي، قال الشيخ: " إنه زيدي إليه تنسب الصالحية منهم " وعن التهذيب: " إنه زيدي بترى متروك العمل بما يختص بروايته " ومع ذلك قال في الفهرست: " الحسن الرباطي له أصل، والحسن بن صالح بن الحى له أصل، والرباطي أيضا غير موثق، وسعيد الاعرج له أصل " وقال العلامة: " لا حجة في روايته ". وزكريا بن مؤمن عده الشيخ في ترجمة أحمد بن الحسين المفلس من صاحب الاصول، وقال النجاشي: " حكي عنه ما يدل على أنه كان واقفا، وكان مختلط الامر في حديثه " وقال الشيخ في أحمد بن عمر الحلال " إنه كوفي ردي الاصل ثقة " وتوقف العلامة في قبول روايته لقوله هذا، والغرض من ذكره أن الاصل لو كان بحسب اصطلاحهم

[ 261 ]

الكتاب المعتمد لم يتوقف العلامة في ذلك، بل كان يحمل ردى الاصل على محامل أخر. وأثبت الشيخ الاصل لجماعة أخر من الضعاف أو غير الموثقين، كعلى بن أبي حمزة، وسفيان بن صالح، وعلي بن بزرج، وشهاب بن عبد ربه، وعبد الله بن سليمان، وسعدان بن مسلم، وزيد الزراد، وزيد النرسي، وابراهيم بن عمر اليماني، وابراهيم بن يحيى إلى غير ذلك ممن يطلع عليه المتتبع. فهل تكون كتب تلك الجماعة المتقدمة غير معتبرة عندهم دون هذه الجماعة من الضعفاء والمردودين، أو اصطلحوا على أمر وخالفوه في غالب الموارد؟ اللهم لا، ولكن... وايضا بعض تعابيرهم تشعر أو تدل على خلاف هذه الدعوى، كقول الشخى في الساباطي: " له أصل، وكان فطحيا إلا أنه ثقة واصله معتمد عليه " وكالمحكي عن الشيخ البهائي في مشرق الشمسين في الامور الموجبة لحكم القدماء بصحة الحديث: " منها وجوده في كثير من الاصول الاربعمائة المشهورة، أو تكرره في اصل أو اصلين، منها بأسانيد مختلفة متعددة أو وجوده في اصل رجل احد من اصحاب الاجماع " انتهى. ولو كان الاصل هو الكتاب المعتمد عليه لكان وجوده في اصل واحد من أي شخص موجبا للحكم بالصحة، وإن كان في كلام البهائي كلام من جهة أخرى. وكالمحكي عن رواشح المحقق الداماد: " وليعلم ان الاخذ من الاصول المصححة المعتمدة احد اركان تصحيح الرواية " وانت خبير بأن التقييد بالمصححة المعتمدة مع كون الاصل الكتاب المعتمد بشيع مخل بالمقصود.

[ 262 ]

الدعوى الثانية: أن الاصل هو الكتاب الذي لم ينتزع من كتاب، وفيها - مضافا إلى أنه على فرض صحتها لا تنتج المدعى إلا مع ضم الدعوى الاولى إليها، وقد عرفت ما فيها - أولا انها مجرد دعوى خالية عن البينة، وكون كتب اصحابنا اكثر من الاصول المنحصرة بالاربعمائة أعم من مدعاه، كما مر في دعواه الاولى. وقد يقال: إن الاصل بمعناه اللغوي، وهو مقابل الفرع، فان الكتاب مأخوذا من كتاب آخر يكون ذلك فرع ما أخذ منه وهو اصله وفيه - مضافا إلى أنه ايضا دعوى بلا بينة، والتمسك بأصالة عدم النقل كما ترى - انه اعم من المدعى لصحة أن يقال لكتاب كبير مشتمل على كتب كثيرة ككتاب الشرايع المشتمل على عدة كتب: إن هذه فروع وذاك أصل. بل يصح إطلاق الاصل حقيقة على كتاب مشتمل على أخبار أصول الدين والمذهب، ككتاب التوحيد والامامة مقابل كتب الفروع، كما يصح إطلاق الاصل أو الاصول على مطلق كتب الاخبار في مقابل كتب الفروع المستنبطة منها كالكتب الفقهية كما يظهر من البهائي. وثانيا ان المحدثين أطلقوا الاصل على كتاب منتزع من كتب أخر قال الشيخ البهائي في الوجيزة بعد ذكر الاصول الاربعمأة: " ثم تصدى جماعة من المتأخرين شكر الله سعيهم بجمع تلك الكتب وترتيبها تقليلا للانتشار وتسهلا على طالبي تلك الاخبار، فألفوا كتبا مبسوطة مبوبة وأصولا مضبوطة مهذبة مشتملة على الاسانيد المتصلة بأصحاب العصمة سلام الله عليهم، كالكافي وكتاب من لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار ومدينة العلم والخصال والآمالي وعيون اخبار الرضا وغيرها، ولاصول الاربعة الاول هي التي عليها المدار في هذه الاعصار - إلى أن

[ 263 ]

قال -: فجمعت في كتاب حبل المتين خلاصة ما تضمنه الاصول الاربعة من الاحاديث الصحاح والحسان والموثقات التي منها تستنبط امهات الاحكام الفقهية، وإليها ترد مهمات المطالب الفرعية " انتهى. وظاهر ان الاصول عبارة عن كتب الاخبار مطلقا مقابل الفروع التي هي الكتب المشتملة على ما يستنبط منها مثل الكتب الفقهية، وقد تكرر من المحدث الكاشاني إطلاق الاصول على الكتب الاربعة في مقدمات الوافى، وقال المحدث المجلسي في اول مرآة العقول: " إن الكافي أضبط الاصول وأجمعها " وعن السيد الجزائري ان هذه الاصول الاربعة لم تستوف الاحكام. وقال شيخ الطائفة في ترجمة احمد بن محمد بن زيد: إنه لم يرو عنهم، وقال: روى عنه حميد اصولا كثيرة، وعد احمد بن محمد ابن عمار في باب من لم يرو عنهم، ومع ذلك قال في الفهرست: إنه كثير الحديث والاصول، وصنف كتبا، وعن الحسين بن عبيد الله انه مات سنة ست واربعين وثلاثمائة، وعد علي بن بزرج ممن لم يرو عنهم، وقال: روى عنه حميد كتبا كثيرة من الاصول. ومن البعيد جدا لو لم نقل مقطوع الخلاف ان تكون تلك الاصول الكثيرة من الجماعة روايات بلا واسطة، أو مع الواسطة سماعا لا من كتاب مدون قبلهم، مع شدة حرص اصحابنا بضبط اخبار الائمة عليهم السلام وكتابتها. واحتمال ان لا تكون تلك الاصول من الجماعة بل من غيرهم في غاية البعد، بل كخلاف الصريح في مثل قوله كثير الحديث والاصول مضافا إلى ان عدم إنهاء الكتب والاصول إلى صاحبها والرواية عن الواسطة خلاف المعهود بينهم والمتعارف كما لا يخفى، وعليه يمكن

[ 264 ]

الاستدلال لضد مطلوبهم بكل من كان كذلك، كأحمد بن نهيك، وعلي ابن ابراهيم الخياط، وغيرهما ممن لم يرووا عنهم وروي عنهم اصول أو اصل. فتحصل من جميع ما تقدم عدم وجاهة دعوييه بل دعاويه الثلاث لو حاول إثبات وثاقة النرسي أو حسنه. ثم بعد ما لم يثبت كون الاصل في اصطلاح متقدمي اصحابنا بمعنى الكتاب المعتمد المعول عليه أو ثبت خلافه لا نتيجة معتد بها في التحقيق عن مرادهم من كون الرجل ذا اصل أو له اصول. لكن لما بلغ الكلام إلى هذا المجال لا بأس بالاشارة إلى احتمالين منقدحين في ذهن القاصر: أحدهما الذي انقدح في ذهني لاجل بعض التعبيرات والقرائن انه عبارة عن كتاب معد لتدوين ما هو مرتبط بأصول الدين أو المذهب، كالامامة والعصمة والبداء والرجعة وبطلان الجبر والتفويض إلى غير ذلك من المطالب الكثيرة الاصلية التي كان التصنيف فيها متعارفا في تلك الازمنة، كما يظهر من الفهارس والتراجم، والكتاب اعم منه. والذي اوقعني في هذا الاحتمال إثباتهم الاصل لكثير من اصحابنا المتكلمين كهشام بن الحكم، وهشام بن سالم، وجميل بن دراج، وسعيد ابن غزوان الذى يظهر من ترجمته انه ايضا منهم، روى الكشي باسناده عن جعفر بن الحكيم الخثعمي قال: " اجتمع هشام بن سالم وهشام ابن الحكم وجميل بن دراج وعبد الرحمان بن الحجاج ومحمد بن حمران وسعيد بن غزوان ونحو من خمسة عشر رجلا من اصحابنا فسألوا هشام ابن الحكم ان يناظر هشام بن سالم فيما اختلفوا فيه من التوحيد وصفة الله عزوجل لينظروا ايهما اقوى " ويؤيد هذا الاحتمال قول الشيخ في

[ 265 ]

الفهرست في ترجمة ابى منصور الصرام: " إنه من جملة المتكلمين من اهل نيسابور، وكان رئيسا مقدما، وله كتب كثيرة: منها كتاب في الاصول سماه بيان الدين ". وقال في ترجمة هشام بن الحكم: " له مباحث كثيرة مع المخالفين في الاصول وغيرها، وله أصل " وعن منتجب الدين في ترجمة أبي الخير بركة بن محمد " إنه فقيه دين، قرأ على شيخنا أبي جعفر الطوسي، وله كتاب حقايق الايمان في الاصول، وكتاب الحجج في الامامة " إلى غير ذلك من التعبيرات. ثم عدلت عن هذا الاحتمال، وقوي في نفسي احتمال آخر لعل المنصف يجزم به بعد الفحص الاكيد، وهو أن لاصحابنا كما يظهر من كلماتهم تعبيرات عن مؤلفات أصحاب الكتب، فقد يعبر عنها بالكتاب فيقال: لفلان كتاب أوله كتب، وهو أكثر تداولا وإطلاقا، وقد يعبر بالاصل، فيقال: له أصل أوله أصول كما مر، وهو اقل تداولا. وقد يعبر بالمصنف، فيقال: له مصنفات أوله من المصنفات كتاب كذا، وقد يعبر بالنوادر، وقد يقال: له روايات أو أخبار، كما أن لاصحاب الائمة عليهم السلام ومن بعدهم وغيرهم كتبا مختلفة، فربما كان الكتاب ممحضا في نقل الرواية لا غيرها، وربما كان لمقصد آخر كالتاريخ والادب والرجال والتفسير واثبات المعراج والرجعة والبداء إلى غير ذلك مما شاع تصنيفها في تلك الاعصار، كما يظهر بأدنى مراجعة إلى تراجمهم، وتلك المصنفات وإن عملت لاجل اثبات مقصد لكنها كانت مشحونة بالآيات والروايات، وكان مصنفوها استشهدوا بها كثيرا. إذا عرفت ذلك نقول: إن الظاهر المقطوع به أن الكتاب أعم من المصنفات والاصول، وهما قسمان منه، وكل قسيم الآخر، والظاهر

[ 266 ]

أن الاصل عبارة عن كتاب المعمول لنقل الحديث، سواء كان مسموعا عن الامام عليه السلام بلا واسطة أو معها، وسواء كان مأخوذا من كتاب وأصل آخر أو لا، ولا يبعد أن يكون غالب استعماله فيما لم يؤخذ من كتاب آخر. والمصنف عبارة عن كتاب معمول لاجل مقصد مما تقدم، وإن أطلق أحيانا على مطلق الكتاب، والشاهد على ما ذكرناه ما عن الشيخ في الفهرست قال: " إني رأيت جماعة من أصحابنا من شيوخ طائفتنا من أصحاب التصانيف عملوا فهرست كتب أصحابنا وما صنفوه من التصانيف، ورووه من الاصول، فلم أجد أحدا استوفى ذلك إلا أحمد ابن الحسين الغضائري، فانه عمل كتابين أحدهما ذكر فيها المصنفات، والآخر فيه الاصول " انتهى. وهذا كما ترى ظاهر الدلالة في أن الكتاب أعم من التصانيف والاصول، وهما مقابلان، بل يمكن أن يقال: إن ظاهر قوله: " ما صنفوه من التصانيف ورووه من الاصول " إن كلمة " من " في الفقرتين بيانية، فتدل على أن مطلق كتب الرواية أصل. ويشهد له أيضا ما قال في ترجمة أبان بن عثمان: " وما عرفت من مصنفاته إلا كتابه الذي يجمع المبدء والمبعث والمغازي والوفاة والسقيفة والردة " ثم ذكر طرقه إليه ثم أنهى طريقه إلى أصل له إلى محسن بن أحمد وابن أبي نصر. ترى كيف جعل المعروف من مصنفاته منحصرا في كتابه الكذائي، وأثبت له أصلا وأنهى طريقه إليه، وفيه شهادة على مقابلة التصنيف بالاصل، وعلى سنخ الكتب المصنفة، وعنه في ترجمة هشام بن الحكم: " كانت له مباحث كثيرة مع المخالفين في الاصول وغيرها، وكان له

[ 267 ]

أصل أخبرنا به جماعة - إلى أن قال - وله من المصنفات كتب كثيرة " ثم عد ثمانية وعشرين كتابا، انتهى. ومع الاسف ليس عندي فهرست الشيخ حتى أنظر في تلك الكتب وانما أنقل عنه بواسطة، وعلى أي حال يظهر منه مقابلة المصنف بالاصول، وعنه في ترجمة أحمد بن محمد بن عمار أنه كثير الحديث والاصول، وصنف كتبا: منها كتاب أخبار آل النبي وفضائلهم وايمان أبي طالب عليه السلام، وكتاب المبيضة، وهي على ما حكي الفرقة المخالفة لبني العباس في البيعة والرأي، وعد النجاشي من كتبه كتاب الفلك، وكتاب الممدوحين والمذمومين، ويظهر منه مضافا إلى التقابل بين المصنف والاصل سنخ المصنفات. وعن المفيد بعد ذكر جماعة من الاصحاب قال: " هم أصحاب الاصول المدونة والمصنفات المشهورة " وقال الشيخ الصدوق في الفقيه بعد ذكر جملة من الكتب: " ورسالة أبي رضي الله عنه الي وغيرها من الاصول والمصنفات " وقال النجاشي في ترجمة أحمد بن عبيد الله ابن يحيى: " ذكره أصحابنا في المصنفين، وأن له كتابا يصف فيه سيدنا أبا محمد عليه السلام إلى غير ذلك، فاتضح مما مر مقابلة التصنيف بالاصل. ثم أنك لو تصفحت مليا تجد أن التصنيف يطلق غالبا في لسانهم على الكتاب الذي عمل لمقصد غير جمع الاخبار، وإن ذكرت فيه اشتشهادا بها مثل بيان الفروع، ككتاب علي بن الحسين إلى ابنه، أو لغير ذلك، كالرجال والطب والنجوم وما يرتبط بأصول المذهب ونحوها فالكتاب أعم من الصنفين. ثم لا يبعد أن يقال: إن سر عدم إطلاق الاصل على كتب من

[ 268 ]

في الطبقة الاولى من أصحاب الاجماع وأضرابهم إلا ما استثنى عدم كونهم من المصنفين، وتعارف التصنيف في الطبقات المتأخرة عنهم، وانما أطلق على كتاب أبان بن عثمان لكونه ذا تصنيف، مضافا إلى أنه ذو أصل، وكذا يظهر من ترجمة جميل بن دراج أن له أصلا وله كتابا هذه جملة حول الاصل والكتاب، وقد اتضح عدم دلالة قولهم: إن له أصلا على الاعتماد به أو بصاحبه فضلا عن قولهم: له كتاب. وأما ما تشبث به ثالثا لاصلاح حال زيد بعدم طعن ابن الغضائري عليه ففيه ما لا يخفى، أما تغليطه الشيخ الصدوق فهو غير مرتبط بوثاقة النرسي أو صحة أصله، بل غايته أنه غير مجعول ولم يكذب محمد بن موسى الهمداني علي زيد النرسي، ففي الحقيقة هو دفاع عن الهمداني، وأما سكوته فلا يدل على شئ، ولعله لم يطلع على طعن فيه، وكان عنده من المجاهيل، وهو لا يكفي في الاعتماد عليه. وأما ما تشبث به رابعا من عدم خلو الكتب الاربعة من أخبار أصل النرسي، فهو عجيب منه، فانه لولا هذا الامر في سلب الوثوق عن أصله لكان كافيا، لان اقتصار المشائخ الثلاثة من روايات أصله على حديثين أو ثلاث احاديث دليل على عدم اعتمادهم بأصله من حيث هو اصله أو من حيث رواية ابن ابي عمير عنه، فكانت لما نقلوا منه خصوصية خارجية، وإلا فلاي علة تركوا جميع اصله واقتصروا على روايتين منه، مع كون الاصل عندهم وبمرئي ومنظرهم. بل لو ثبت ان كتابا كان عندهم فتركوا الرواية عنه إلا واحدا أو اثنين مثلا صار ذلك موجبا لعدم الاكتفاء بتوثيق اصحاب الرجال صاحبه في جواز الاخذ بالكتاب، وهذا واضح جدا، وموجب لرفع

[ 269 ]

اليد عن كتاب النرسي جزما، بل تركهم الرواية عنه مع كون الراوي عنه ابن ابي عمير دليل على عدم تمامية ما قيل في شأن ابن ابي عمير من انه لا يروي إلا عن ثقة، تأمل. وبما ذكرنا في حال اصل النرسي يظهر الكلام في اصل زيد الزراد فانهما مشتركان غالبا فيما ذكر، هذا كله مع عدم وصول النسخة التي عند المحدث المجلسي إليه بسند يمكن الاتكال عليه، لجهالة منصور بن الحسن الآبي الذي كانت النسخة بخطه مؤرخة بأربع وسبعين وثلاثمأة وهو غير منصور بن الحسين الآبي الذي ترجمه منتجب الدين، وقال: " فاضل عالم فقيه، وله نظم حسن، قرأ على شيخنا المحقق ابى جعفر الطوسي " انتهى، لتأخره عن كتابة النسخة عصرا بناء على ما ترجمه، وإن صرح بعض بأنه معاصر الصاحب بن عباد، مضافا إلى اختلافهما في الاب. هذا مع عدم ثبوت وثاقة الثاني ايضا، وعدم كفاية ما قال منتجب الدين فيها، هذا مع ما حكي من اشتمال اصله على المناكير وما يخالف المذهب، تأمل. اضف إلى كل ذلك ان الرواية مغشوشة المتن، فان المحكي عن جملة من المشائخ كسليمان بن عبد الله البحراني رحمه الله والوحيد البهبهاني وصاحب البرهان والموجود في الحدائق والجواهر وطهارة شيخنا الاعظم نقلها بغير المتن الذي نقله المجلسي، وتبعه جملة اخرى من المشائخ. والعجب من بعض أهل التتبع حيث رأى صراحة الرواية بذلك المتن على خلاف مدعاه الذي قد فرغنا عن فساده أخذ في الاشكال بل الطعن على أكابر المشائخ، فقال: " هذا الذي اتفق من هؤلاء الاكابر أمر ينبغي الاسترجاع عند تذكر مثله، والاستعاذة بالله العاصم عن

[ 270 ]

الوقوع في شبهه " ثم نقل الرواية على طبق رواية المجلسي من النسخة المتقدمة، وقد سبقه على تذكر هذا الاختلاف المحدث النوري في مستدركه. ثم ذكر موارد الاختلاف بين المتنين مسميا لما يخالف مذهبه بالتصحيف والزيادة الباطلة، ثم قال: " والذي نقلناه مطابق لجميع نسخ أصل زيد المصححة الموجودة في عصرنا المنتشرة في بلاد مختلفة ". ثم قال بعد كلام: وأول من عثرت عليه ممن وقع في تلك الورطة الموحشة والهوة المظلمة الشيخ الفاضل المتبحر الشيخ سليمان الماحوزي البحراني، فتبعه من تبعه ممن لا يراجع إلى أصل زيد ولا البحار كالذين سميناهم أولا، وسلم منه من راجعه أو البحار كالذين سميناهم أخيرا، ثم ذكر وصية الفاضل الهندي في آخر كشف اللثام تتميما لاشكاله وطعنه ". أقول: لاحد أن يسترجع عند تذكر مثله من مثله من إطالة اللسان على هؤلاء الاكابر من غير دليل وثيق على خطائهم، فان الشيخ الاجل أبا الحسن سليمان بن عبد الله البحراني كما يظهر من ترجمته وشهدت له الاكابر كان زميلا للمحدث المجلسي وعديلا له عصرا وثقة وحفظا وإحاطة وعلما وخبرا. فعن المولى الوحيد طه: " العالم العامل والفاضل الكامل المحقق المدقق الفقيه النبيه نادرة العصر والزمان المحقق الشيخ سليمان " وعن تلميذه - أي تلميذ الشيخ سليمان - الشيخ عبد الله بن صالح في اجازاته: " كان هذا الشيخ أعجوبة في الحفظ والدقة وسرعة الانتقال في الجواب والمناظرة وطلاقة اللسان لم أر مثله قط، وكان ثقة في النقل ضابطا، إماما في عصره، وحيدا في دهره، أذعنت له جميع العلماء، وأقرت بفضله جميع الحكماء، وكان جامعا لجميع العلوم، علامة في جميع الفنون

[ 271 ]

حسن التقرير، عجيب التحرير، خطيبا شاعرا، مفوها، وكان أيضا في غاية الانصاف، وكان أعظم علومه الحديث الرجال والتواريخ " انتهى. وقريب منهما عن صاحب الحدائق مع ذكر تاريخ وفاته، وهو سنة سبع وثلاثين ومائة وألف. فكان هذا الشيخ معاصر للمولى المجلسي، وهو يروي هذا الحديث على ما حكي بمتن روى صاحب الحدائق وغيره، وكيف يمكن تغليطه ونسبة التصحيف والخطأ إليه بمجرد مخالفة حديثه نسخة المحدث المجلسي. وهل هذا إلا مثل تغليط المجلسي في رواية روى بعض معاصريه على خلافه ولو من نسخة عتيقة أو غيرها، مع احتمال كون ما روى من نسخة غيرها، سيما مثل هذا الشيخ الذي كان عمدة علومه الحديث والرجال، كيف يمكن منه رواية حديث والاستناد إليه من غير اسناد إلى كتاب ونسخة أصل، بل المحدث صاحب الحدائق أيضا مثله في ذلك، وشأن الوحيد البهبهاني وتقدمه في العلوم معلوم لا يحتاج إلى إطالة الكلام فيه، نعم لا يبعد عن صاحب الجواهر وشيخنا المرتضى نقل رواية اتكالا على نقل صاحب الحدائق. وليت شعري كيف لغير العالم بالغيب الاطلاع على جميع نسخ كتاب، سيما مثل أصل النرسي حتى يحكم بخطأ هؤلاء الاكابر، والعجب أنه ادعى أن ما نقلناه مطابق لجميع نسخ أصل زيد، الخ. لا لان الاطلاع على جميعها بل غالبها غير ممكن سيما لمن لم يخرج من سور بلد، وهل هذه الدعوى إلا من سذوجة النفس وصفاء الضمير، حيث رأى أو سمع كون بعض النسخ كذلك فجزم بمطابقته لجميع النسخ المتفرقة في البلاد. بل لان الآلاف من النسخ المصححة إذا انتهت إلى نسخة المجلسي

[ 272 ]

لا تفيد شيئا إلا الجزم بأنها موافقة لما في البحار وعند المجلسي، وأنها فيه بعين هذه الالفاظ، ولا يكشف منها عدم نسخة أخرى عند الشيخ سليمان وغيره، هذا مضافا إلى اختلاف بعض ما حكي عن أصل زيد في الكافي مع ما هو الموجود عند المجلسي، وهو دليل على اختلاف في النسخ فراجع. فاتضح من جميع ذلك عدم إمكان الاتكال على أصلي زيدين وما هو من قبيلهما، وأما مع الغض عنه فالانصاف أن الخدشة في دلالتها في غير محلها، لظهورها صدرا وذيلا في حرمة عصير الزبيب إذا غلى بالنار أو بنفسه. وما يقال من أن التعبير في ذيلها عن الحكم بالفساد دون التحريم لا يبعد أن يكون الوجه فيه أنه بعد إصابة النار صار معرضا لطرو الفساد والاسكار لا لحرمته لا ينبغي الاصغاء إليه، لان مجرد الاحتمال لا يوجب جواز رفع اليد عن الظاهر المتفاهم عرفا، وإطلاق الفاسد على ما يكون معرضا للاسكار على فرض تسليم دعوى أن إصابة النار توجب تسريع الاسكار والمعرضية له مجازا لا يصار إليه بلا وجه، ولم يظهر ولو إشعارا التفكيك بين ما غلى بنفسه وغيره، بل ظاهرها عدم التفكيك، كما لا يخفى فالعمدة ما مر. ثم أنه يتمسك للتحريم بوجوه مخدوشة كعموم قوله عليه السلام: " كل عصير أصابته النار فهو حرام " الخ (1)، وفيه ما مر في أوائل البحث من أن العصير في الروايات هو العنبي منه لا غير، مضافا إلى أن مطلق العصير لا يكون موضوعا للحكم بالضرورة، ولو كان المدعى الاخذ بالعموم بعد خروج ما خرج منه، ففيه أنه من تخصيص الاكثر


(1) تقدم في ص 203.

[ 273 ]

البشيع، فلا بد أن يحمل على عصير معهود، والمتيقن هو العنبي وغيره مشكوك فيه. مع أن العصير بنفسه ليس موضوع الحكم، فلا محيص عن أن يقال: إن الموضوع عصير العنب ونحوه، ومن الواضح أنه ليس للزبيب والتمر بلا نقع في الماء عصير، ومعه يجذب الماء الخارجي، وهو ليس عصير الزبيب، فان المتفاهم من عصير شئ هو عصيره بالذات لا بمداخلة شئ أجنبي فيه وإخراجه منه. نعم لو دل دليل على أن عصير الزبيب أو التمر إذا غلى يحرم لا يكون بد إلا بالحمل على الماء الخارجي المعصور منه بعد نقعه فيه، وهو مفقود، وإطلاق العصير لا يحمل إلا على ما بنفسه عصير الشئ، فالعصير منحصر بالعنب أو ما يشبهه، مضافا إلى أن الزبيب المنقوع في الماء لا يجذب من الماء ما يمكن أن يعصر منه شئ معتد به، بل دائما يكون المعصور منه مستهلكا في الماء المصبوب فيه، فلا يطلق على المجموع العصير. وكالروايات الواردة في خصوص الزبيب كمرسلة الساباطي أو موثقته قال: " وصف لي أبو عبد الله عليه السلام المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا " الخ (1) وموثقته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا؟ " الخ (2) فذكر فيهما كيفية طبخه، وأمر بالاغلاء حتى يذهب الثلثان. وفيه أن الرواية الاولى وإن كانت ظاهرة في أن المفروض لدى الساباطي أن المغلي من الزبيب حرام إلى غاية، ويصير حلالا بما وصف


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 وفيه: " كيف يحل طبخه ".

[ 274 ]

أبو عبد الله عليه السلام، لكن لم يظهر منها أن أبا عبد الله عليه السلام أفتى بحرمته وصيرورته حلالا بالتثليث، بل فيها توصيف أبي عبد الله عليه السلام طبخه من غير ذكر الحرمة والحلية، ولعل الساباطي توهم من ذكر التثليث أن الغليان موجب للحرمة، والتثليث لرفعها، قياسا على عصير العنب المعهود فيه ذلك، مع أنها مرددة بين المرسلة والموثقة ولا اعتماد عليها. والثانية وإن كانت موثقة لكن لا ظهور فيها في المدعى، للفرق الظاهر بين قوله: " كيف يطبخ حتى يصير حلالا " وبين قوله: " كيف طبخه حتى يشرب حلالا " لان المتعارف في طبخ الزبيبة مع تلك التفصيلات والتشريفات المذكورة في الروايتين طبخ مقدار كثير حتى بقي عدة أيام كثيرة، بل إلى شهور أو سنة أو أزيد كما قال في رواية علي بن جعفر الآتية، فيشرب منه السنة، فإذا لم يذهب الثلثان لا يبعد أن يعرض عليه الفساد والاسكار إذا طال بقاؤه، سيما في تلك الآفاق، فإذا أريد أن يشرب ذاك المشروب حلالا من غير عروض الاسكار عليه لا بد من طبخه حتى يذهب ثلثاه، فيشرب حلالا إلى آخر أمده. والانصاف أن هذا الاحتمال لو لم يكن ظاهرا فيها فلا أقل من عدم مرجوحيته بالنسبة إلى احتمال آخر يوافق دعوى المدعي، ويشهد لرجحانه بل تعينه ذيل رواية اسماعيل الهاشمي حيث قال بعد وصف النبيذ: " وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إنشاء الله " (1) ولعل


(1) الظاهر أنه من كلام السائل لا الامام عليه السلام وإليك نص الرواية: قال: " شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام قراقر تصيبني في معدتي وقلة استمرائي الطعام، فقال لي: لم لا تتخذ نبيذا؟ =

[ 275 ]

الطيب مقابل الخبيث الذي أطلق على الخمر والمسكر. وكذا تشهد له صحيحة علي بن جعفر - بناء على وثاقة سهل بن زياد كما هو الاصح - عن أخيه موسى أبي الحسن عليه السلام قال: " سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه، ثم يؤخذ الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبق ثلثه، ثم يرفع فيشرب منه السنة، فقال: لا بأس به " (1). فان الظاهر أن علي بن جعفر لم يكن شكه إلا في أن ماء الزبيب المطبوخ كذلك إذا بقي سنة يحل شربه أو يعرضه الفساد والاسكار، وإلا فحليته بعد ذهاب الثلثين كانت واضحة، فتصير شاهدة لسائر الروايات أيضا. وبما ذكرناه يظهر ضعف الاستدلال بها على حرمة عصير الزبيب قبل التثليث بتوهم دلالتها على معهوديتها، وذلك بما عرفت من أن السؤال لم يكن عن حليته بالتثليث، بل عن بقائه حلالا إلى آخر السنة


= - إلى ان قال -: فقلت له: صفه لي جعلت فداك، قال: تأخذ صاعا من زبيب فتنقيه من حبه وما فيه، ثم تغسل بالماء غسلا جيدا ثم تنقعه في مثله من الماء أو ما يغمره، ثم تتركه في الشتاء ثلاثة أيام بلياليها وفي الصيف يوما وليلة، فإذا أتى عليه ذلك القدر صفيته وأخذت صفوته وجعلته في إناء وأخذت مقداره بعود، ثم طبخته طبخا رقيقا حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه - إلى أن قال -: فإذا برد صفيت وأخذت منه على غذائك وعشائك، قال: ففعلت فذهب عني ما كنت أجده، وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقى إنشاء الله " راجع الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 4. (1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 .

[ 276 ]

لاحتمال عروض الفساد عليه، هذا مضافا إلى أن غاية ما تدل عليه هذه الصحيحة بل سائر الروايات معهودية التثليث، وأما كونه لرفع الحرمة فلا، والظاهر أن تعارفه لاجل عدم عروض الفساد والاسكار عليه. ويشهد لذلك مضافا إلى ما تقدم ورود التثليث في السفرجل والعسل في رواية خليلان بن هاشم قال: " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك عندنا شراب يسمى الميبه، نعمد إلى السفرجل فنقشره ونلقيه في النار، ثم نعمد إلى العصير فنطبخه على الثلث، ثم ندق ذلك السفرجل ونأخذ ماءه ونعمد إلى هذا المثلث وهذا السفرجل فنلقي فيه المسك و الافاوى والزعفران والعسل فنطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه أيحل شربه؟ فكتب: لا بأس به ما لم يتغير " (1) مع وضوح عدم حرمة عصير السفرجل والعسل بالغليان بالنار، ووروده في دستور الطبيب أيضا في رواية إسحاق بن عمار (2)، وليس ذلك ظاهرا إلا لعدم عروض الفساد أو الاسكار عليه بطول المدة. وربما يتمسك للحرمة بالروايات الحاكية لمشاجرة إبليس لعنه الله آدم ونوحا عليهما السلام (3) بدعوى إعطائهما إبليس من ثمرة


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 (2) قال: " شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام بعض الوجع وقلت له: إن الطبيب وصف لي شرابا آخذ الزبيب وأصب عليه الماء للواحد اثنين، ثم أصب عليه العسل، ثم أطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث، قال: أليس حلوا؟ قلت: بلى، قال: اشربه ولم أخبره كم العسل " راجع الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 5. (3) المروية في الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المحرمة.

[ 277 ]

الحبلة الثلثين. وفيه ما لا يخفى، فان الاخذ بظاهر تلك الروايات مستلزم لمالكية إبليس ثلثى جميع شجرة الكرم كما هو مقتضى بعضها، ولزوم تثليث ماء العنب باغلائه، وإخراج حظ إبليس وعدم جواز شربه قبل غليانه، وهو كما ترى، فلا بد من حملها على بيان سر حرمة الخمر أو عصير العنب المغلي كما هو المتيقن منها، بل الظاهر من بعضها، وبعبارة أخرى لا يستفاد الاطلاق من هذه الروايات التي هي بصدد بيان سر مخفي وحكمة غير معقولة لنا لحرمة شئ معهود، كما لا يخفى. وأضعف منه التمسك بموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: " أنه سأل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، قال: إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب " (1) ونحوها رواية علي بن جعفر عن أخيه (2) لانها بصدد بيان حكم آخر، فلا إطلاق فيها (3) فتحصل من جميع ذلك حلية عصير الزبيب المغلي وطهارته. وأما العصير التمري فأولى بهما، لفقد الاصل الذي تمسك به للزبيبي، وعدم دليل على حرمته عدا ما عن دعائم الاسلام عن جعفر ابن محمد عليه السلام أنه قال: " الحلال من النبيذ أن تنبذه وتشربه من يومه ومن الغد، فإذا تغير فلا تشربه، ونحن نشربه حلوا قبل أن يغلي " (4).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 6 - 7. (3) مع إمكان دعوى أن الشراب لم يشمل لغير المتخذ من العنب. (4) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2

[ 278 ]

وفيه - مضافا إلى ضعف سنده وإرساله، ونقل الاجماع على خلافه ومعارضته بما يأتي - أن المراد بالتغير يمكن أن يكون الاسكار لا مطلق التغير أو الغليان، ويمكن الاستشهاد عليه بقوله عليه السلام: " نحن نشربه " الخ، حيث يشعر بأن عدم الشرب قبل الغليان ليس حكما إلزاميا على الناس، بل أهل البيت عليهم السلام كانوا لا يشربونه. ونحو هذا التعبير غير عزيز في الروايات، كرواية زرارة قال: " قلت: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاث لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج، قال زرارة: ولم يقل: الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا " (1) وورد نظيره في إتيان أدبار النساء إلى غير ذلك، فحينئذ يكون التغير مقابلا للغليان، فيرجع إلى الاستحالة وصيرورته خمرا ومسكرا، تأمل. ولا على نجاسته إلا بعض الروايات الشاذة المشعرة بها، كموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " انه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل؟ قال: خذ ماء التمر فاغسله حتى يذهب ثلثا ماء التمر " (2) وموثقته الاخرى عنه عليه السلام قال: " سألته عن النصوح، قال: يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، ثم يمتشطن " (3) مما يجب طرحها على فرض دلالتها، لقيام الشهرة على طهارته، بل حكى شيخنا المرتضى الانصاري خمسة إجماعات عليها ولو ضم إليها ما حكي على حليته المستلزم للطهارة لزاد عددها. مع ما في دلالتهما من الاشكال، أما الثانية فواضح، وأما الاولى


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب الوضوء - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الاشربة - المحرمة - الحديث 1

[ 279 ]

فبعد القطع بأن المراد من الحلية ليس حلية الشرب لكونه من الطيب، بل إما حلية الاستعمال تكليفا أو حلية الصلاة فيه وضعا أن الوصف بالمعتق مشعر أو دال على أن المراد أنه كيف يصنع النضوح أي الطيب الخاص حتى يحل استعماله معتقا. وبعبارة أخرى كيف يصنع حتى لا يصير مع صيرورته عتيقا فاسدا ومسكرا، فالامر باذهاب الثلثين حينئذ لاجل عدم طرو الفساد عليه (1) ويظهر من الروايات تعارف جعل الخمر أو النبيذ في النضوح في تلك الازمنة (2).


(1) في مجمع البحرين في مادة نضح: " أصل النضح الرش، فشبه كثرة ما يفوح من طيبه بالرش " وفي كلام بعض الافاضل: " النضوح طيب مائع ينقعون به التمر والسكر والقرنفل والتفاعل والزعفران وأشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من الماء، ويشد رأسها ويصبرون أياما حتى ينشر ويتخمر، وهو شائع بين النساء الحرمين الشريفين، وكيفية تطيب المرأة به أن تحط الازهار بين شعر رأسها ثم ترشرش به الازهار لتشتد رائحتها، قال: وفى أحاديث أصحابنا انهم عليهم السلام نهو نساءهم عن التطيب به بل أمر باهراقه في البالوعة " انتهى. قوله: " في أحاديث أصحابنا " اشارة إلى رواية عيثمة المروية في الوسائل - الباب - 32 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 قال: " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده نساؤه، قال: فشم رائحة النضوح، فقال: ما هذا؟ قالوا: نضوح يجعل فيه الضياح قال: فأمر به فاهريق في البالوعة ". (2) كرواية علي الواسطي قال: دخلت الجويرية - وكانت تحت عيسى بن موسى - على أبي عبد الله عليه السلام وكانت صالحة، فقال: =

[ 280 ]

مضافا إلى دلالة بعض الاخبار على أن حرمته ونجاسته تابع لاسكاره كخبر وفد اليمن، وفيها بعد توصيفهم النبيذ من التمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وتصريحهم بطبخه " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أكثرت علي أفيسكر؟ قال: نعم، قال: كل مسكر حرام " يظهر منها أنه مع طبخه وعدم عروض الاسكار عليه ليس بحرام، ولازمه عدم نجاسته. فالمسألة واضحة بحمد الله. التاسع: الفقاع، ولا ريب في نجاسته، وقد حكي الاجماع عليها مستفيضا، كما في الانتصار والخلاف ومحكي الغنية والمنتهى والمهذب البارع والتنقيح وكشف الالتباس وإرشاد الجعفرية وظاهر المبسوط والتذكرة والذكرى، وعن المدارك تأمل في نجاسته، حيث قال: " وردت به رواية ضعيفة " أراد رواية الكافي عن أبي جميلة البصري قال: " كنت مع يونس ببغداد وأنا أمشي معه في السوق ففتح صاحب الفقاع فقاعه، فقفز (1) فأصاب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس، فقلت له: يا أبا محمد ألا تصلي؟ قال: فقال لي: ليس أريد أن أصلي حتى أرجع إلى البيت فأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت له: هذا رأي رأيته أو شئ ترويه؟ فقال: أخبرني هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الفقاع فقال: لا تشربه فانه خمر مجهول


= إني أتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التي امتشط بها الخمر واجعله في رأسي، قال: لا بأس " ورواية علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (ع) قال: " سألته عن النضوح يجعل فيه النبيذ أيصلح للمرأة أن تصلي وهو على رأسها؟ قال لا حتى تغتسل منه " راجع الوسائل - الباب - 37 من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 - 3. (1) قفز بالقاف ثم الفاء ثم الزاء: وثب (الوافي).

[ 281 ]

فإذا أصاب ثوبك فاغسله " (1) ولا مجال للتردد في الحكم بعد ذلك الاشتهار وتلك الاجماعات، ولو نوقش في الرواية بضعف السند بل وعدم العلم بالجبر لاشتراطه باحراز الاستناد وهو ممنوع، لما تصح المناقشة في دلالة الروايات المتظافرة الآتية الحاكمة بأنه خمر بعينها أو من الخمر، أو خمر استصغره الناس، إلى غير ذلك، فانها إما تدل على خمريته ومسكريته واقعا، فقد فرغنا عن نجاسة المسكرات المايعة، وإما تدل على التنزيل منزلته حكما، فلا شبهة في استفادة عموم التنزيل مع هذه التعبيرات والتأكيدات، ولولا كونه بمنزلته في جميع الآثار لما صح هذا التنزيل بهذا اللسان الاكيد، والشاهد عليه ثبوت حكم شارب الخمر عليه (2) فلا ينبغي الاشكال في نجاسته وحرمته. فما في رواية زكريا بن آدم عن أبي الحسن عليه السلام (3) مما يشعر أو يدل على الخلاف لا يعول عليه مع ضعفها سندا بابن المبارك ووهنها متنا باشتمالها على حكم في الدم لا نقول به، وموافقتها للناس، ومخالفتها للاجماع والنصوص. نعم يأتي الكلام في جهة أخرى، وهي أن الفقاع ليس خمرا حقيقة ولم يسم باسمها عرفا ولغة، والدليل عليه مضافا إلى وضوحه وفاق أهل الخلاف في عدم حرمته ونجاسته، مع أن كثيرا منهم من أهل اللسان وعلماء العربية وأئمة الادب واللغة، فلو كان الخمر صادقا


(1) مرت في ص 175. (2) اشارة إلى الروايات الدالة عليه كموثقة ابن فضال قال: " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن الفقاع فقال: هو الخمر وفيه حد شارب الخمر " راجع الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 و 11 - والباب 28 منها - الحديث 1. (3) مرت في ص 178.

[ 282 ]

عليه حقيقة لما اتفق بينهم هذا الاتفاق مع حرمتها بنص الكتاب، مضافا إلى استفادة ذلك من الاخبار وكلمات أصحابنا. أما الاخبار فقد تقدم الكلام فيها من أن الظاهر منها أن الخمر اسم للمادة الخبيثة المأخوذة من العنب، وهي التي حرمها الله تعالى، وانما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله سائر المسكرات، وفى بعضها أن الله لم يحرم الخمر لاسمها بل حرمها لعاقبتها (1) وهو كالنص في أن الاسم مختص بالمتخذ من العنب، وإطلاقها على غيرها بضرب من التأويل، فراجع. وأما كلمات الاصحاب فبين ظاهرة في ذلك، لان مقابلة المسكرات مع الفقاع في كلماتهم في أبواب النجاسات والاشربة المحرمة والمكاسب المحرمة والحدود ظاهرة في أنه بعنوانه موضوع الحكم لا لاسكاره، ولا لصدق الخمر عليه، مضافا إلى أنه لم نر استدلالهم على خلاف العامة في حرمته بظاهر القرآن، فقد استدلوا عليه تارة بروايات من طرقهم وأخرى بدليل الاحتياط. ولو أمكن الاستدلال عليه بظاهر الآية ولو بوجه لاستدلوا عليه، سيما علم الهدى رضي الله عنه الذي عمل الانتصار لانتصار الحق وإزهاق الباطل جزاه الله عن الاسلام أفضل جزاء، ومن دأبه التشبث بظواهر الآيات عليهم حيثما أمكن مع أنه من أئمة الادب واللسان، وكذا شيخ الطائفة في خلافه، بل وابن زهرة، وقد تمسك الشيخ في حدود نهايته لاثبات أحكام الخمر له بثبوت سوائيته مع الخمر من أئمة آل محمد عليهم الصلاة والسلام. وبالجملة يظهر من كلمات أصحابنا عدم كونه خمرا أو مسكرا،


(1) مر في ص 191.

[ 283 ]

وليست حرمته لهما، ففي النهاية بعد ذكر المسكرات: " وحكم الفقاع حكم الخمر على السواء " وفى المراسم: " والخمر وسائر المسكرات والفقاع " وفى الغنية: " وكل شراب مسكر نجس وكل فقاع نجس " وكذا سائر الكتب والمصنفات على هذا المنوال قديما وحديثا. وبين ناصة على عدم مسكريته مطلقا أو قسم منه المتفاهم منه عدم خمريته أيضا، لبعد تسميته خمرا مع عدم الاسكار، ففي الانتصار: " وقد روى أصحاب الحديث من طرق معروفة أن قوما من العرب سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن الشراب المتخذ من القمح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يسكر؟ قالوا نعم، فقال: لا تقربوه ولم يسأل من الشراب المتخذ من الشعير عن الاسكار، بل حرم ذلك على الاطلاق، وحرم الشراب الآخر إذا كان مسكرا - وقال قبل ذلك -: ومما انفردت به الامامية القول بتحريم الفقاع وأنه جار مجرى الخمر في جميع الاحكام " وهو كالنص في أنه بمنزلة الخمر لا نفسها. وفي الوسيلة وغير المسكر ضربان: فقاع وغيره، والفقاع حرام نجس، وعن فقه الرضا: " واعلم ان كل صنف من صنوف الاشربة التي لا يغير العقل شرب الكثير منها لا بأس به سوى الفقاع، فانه منصوص عليه لغير هذه العلة " (1) وعن الاستاذ في حاشية المدارك انهم صرحوا بأن حرمة الفقاع ونجاسته يدوران مع الاسم والغليان لا للسكر فهو حرام ونجس وإن لم يكن مسكرا، لان رسول الله صلى الله عليه وآله حكم بالحرمة من دون استفصال، وفي المجمع: " الفقاع كرمان: شئ يشرب، يتخذ من ماء الشعير فقط، ليس بمسكر، ولكن ورد النهي عنه ".


(1) المستدرك - الباب - 19 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 8

[ 284 ]

نعم ظاهر المعتبر أنه خمر اسما وإن لم يكن مسكرا، متمسكا بالتسمية الشرعية وأصالة الحقيقة، وهو كما ترى. وبقول أبي هاشم الواسطي المحكي في الانتصار: " الفقاع نبيذ الشعير، فإذا نش فهو خمر " وهو أيضا غير وجيه لان الظاهر أن مراده من كونه خمرا أنه مسكر، لا أنه مسمى بها، مع أن التعويل على قوله مع ما عرفت في غير محله، ولهذا لم يعول عليه علم الهدى، وإلا لاستدل على حرمته بظاهر الكتاب، إلا أن يقال: إن الكتاب منصرف عنه، وهو غير معلوم، بل ممنوع بعد الصدق حقيقة. ثم أنه بعد العلم بعدم خمريته حقيقة لا بد من حمل الروايات الحاكمة بأنه خمر بعينها (1) أو من الخمر (2) أو خمر استصغره الناس (3) على نحو من التنزيل، فيدور الامر بين احتمالين: إما البناء على التنزيل باعتبار الحكم، بمعنى أن الائمة عليهم السلام لما رأوا ثبوت جميع آثار الخمر له أطلقوها عليه إدعاء ومجازا، وإما البناء على


(1) كرواية محمد بن سنان قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الفقاع فقال: هي الخمر بعينها " راجع الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 7. (2) كرواية حسين القلانسي قال: " كتبت إلى أبي الحسن الماضي عليه السلام أسأله عن الفقاع فقال: لا تقربه فانه من الخمر " ونحوها رواية محمد بن سنان راجع الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 6. (3) كرواية الوشا عن أبي الحسن عليه السلام قال: " هي خمرة استصغرها الناس " راجع الوسائل - الباب - 28 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1.

[ 285 ]

التنزيل باعتبار الخاصية، وأنه لما كان عاقبته عاقبة الخمر وفعله فعلها نزلوه منزلتها. والفرق بينهما أنه على الاول يحكم بترتب الاحكام بمجرد صدق الفقاع وان لم يكن مسكرا، لان التنزيل ليس بلحاظ إسكاره، وعلى الثاني يترتب الاحكام على قسم المسكر، لان التنزيل باعتبار مسكريته. ولا شبهة في أن مقتضى إطلاق الاخبار البناء على الوجه الاول، ولا وجه لرفع اليد عن إطلاقها بلا دليل مقيد، ودعوى الانصراف إلى القسم المسكر ممنوعة، فالاقوى حرمته ونجاسته وترتب سائر الآثار عليه بمجرد صدق الاسم ولو لم يكن مسكرا كما نص عليه الاصحاب في كلماتهم المتقدمة وأرسلوه إرسال المسلمات. نعم الظاهر عدم ترتبها قبل الغليان، لصحيحة ابن أبي عمير عن مرازم قال: " كان يعمل لابي الحسن عليه السلام الفقاع في منزله، قال ابن أبي عمير: ولم يعمل فقاع يغلي " (1) والظاهر أن ابن أبي عمير كان بصدد دفع توهم عمل الفقاع الحرام، وموثقة عثمان بن عيسى قال " كتب عبد الله بن محمد الرازي إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام إن رأيت أن تفسر لي الفقاع، فانه قد اشتبه علينا أمكروه هو بعد غليانه أم قبله؟ فكتب: لا تقرب الفقاع إلا ما لم يضر آنيته أو كان جديدا، فأعاد الكتاب إليه كتبت أسأل عن الفقاع ما لم يغل فأتاني: إشربه ما كان في إناء جديد، أو غير ضار، ولم أعرف حد الضراوة والجديد، وسأل أن يفسر ذلك له، وهل يجوز شرب ما يعمل في الغضارة والزجاج والخشب و نحوه من الاواني؟ فكتب عليه السلام: يفعل الفقاع في الزجاج وفي الفخار الجديد إلى قدر ثلاث عملات، ثم لا يعد


(1) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1

[ 286 ]

منه بعد ثلاث عملات إلا في إناء جديد والخشب مثل ذلك " (1). والظاهر منها أن النهي عن هذه الظروف لاجل حصول النشيش والغليان له إذا نبذ فيها، ويمكن أن يكون لحصول الاسكار له، لكن هذا مجرد احتمال لا يمكن رفع اليد به عن إطلاق الادلة وكلمات الاجلة، وصحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: " سألته عن شرب الفقاع الذي يعمل في السوق ويباع ولا أدرى كيف عمل ولا متى عمل أيحل أن أشربه؟ قال: لا أحبه " (2). والظاهر منها وجود قسمين منه: حلال وحرام، والظاهر من الروايتين المتقدمتين أن الحلال منه قبل غليانه ونشيشه والحرام بعده، وكذا الاخيرة أيضا لاشعار قوله: " متى عمل " أو ظهوره في شكه في بقائه إلى حال التغير والنشيش، ولا يبعد حمل إطلاق كلمات الاصحاب على ما بعده كما مر ما عن الاستاذ في حاشية المدارك أنهم صرحوا بأن حرمة الفقاع ونجاسته تدوران مع الاسم والغليان. بل الظاهر من اللغويين عدم صدقه على ما لم ينش، قال في القاموس " الفقاع كرمان: هذا الذي يشرب، سمي به لما يرتفع في رأسه من الزبد " ونحوه في المنجد ومعيار اللغة، وفي المجمع: " قيل: سمي فقاعا لما يرتفع في رأسه من الزبد " ويظهر من الشهيد في محكي الروض اعتباره في الصدق. ثم ان المتيقن منه ما أخذ من الشعير، والظاهر عدم الكلام فيه وانما الكلام والاشكال فيما يؤخذ من سائر الاشياء كالقمح والذرة والزبيب وغيرها، وقد مر كلام الطريحي في المجمع في انحصاره بما


(1) و (2) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب الاشربة المحرمة الحديث 2 - 3.

[ 287 ]

يؤخذ من الشعير، وهو ظاهر السيد في الانتصار حيث استدل على حرمة الفقاع مطلقا بعدم استفصال النبي صلى الله عليه وآله فيما يؤخذ من الشعير دون ما يوخذ من القمح، فما نسب إليه من أخذه من القمح أيضا مخالف لذلك. نعم حكى هو من طريق الناس عن أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وآله " أن أناسا من أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ليعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، فقالوا: يا رسول الله إن لنا شرابا نعمله من القمح والشعير، فقال: الغبيراء؟ قالوا: نعم، قال: لا تطعموه " الخ، ثم حكى تفسير زيد بن أسلم الغبيراء بالاسكركة، وهي بالفقاع. ولعل الغبيراء في كلام النبي صلى الله عليه وآله كان مربوطا بالمتخذ من الشعير المتأخر في الذكر في كلام السائل لا منه ومن القمح، تأمل ويظهر من السيد اختصاص الغبيراء بما يؤخذ من الشعير، فراجع الانتصار بتعمق. وعن المدنيات أنه شراب معمول من الشعير، وحكى السيد عن الواسطي أن الفقاع نبيذ الشعير، وإذا نش فهو خمر، وعن بعض آخر عدم الاختصاص به، فعن رازيات السيد والانتصار كان يعمل من الشعير ومن القمح، وقد عرفت حال ما في الانتصار، وليس عندي الرازيات، وعن مقداديات الشهيد: " كان قديما يتخذ من الشعير غالبا، ويحصل (1) حتى يحصل فيه التنشر، وكأنه الآن يتخذ من الزبيب " انتهى. كذا في مفتاح الكرامة، ولعل مراده أنه يبقى حتى ينش، وعن أبي عبيدة أن السكركة من الذرة، وعن مخزن الادوية " أن الفقاع


(1) كذا.

[ 288 ]

اسم لنوع من النبيذ مركب طعمه من حلاوة قليلة وحموضة ومرارة، ويصنع من أكثر الحبوب كالشعير والارز والدخن والذرة والخبز الحواري والزبيب والتمر والسكر والعسل، وقد يضيفون إليه الفلفل وسنبل الطيب والقرنفل " انتهى. والمتحصل من الجميع أن ما يؤخذ من الشعير فقاع بلا ريب، وصدقة على ما عداه مشكوك فيه، ومقتضى الاصل الحلية والطهارة بعد كون الشك في المفهوم والوضع، ومجرد إطلاقه في الازمنة المتأخرة على المأخوذ من غيره لا يفيد، وأصالة عدم النقل والاشتراك على فرض جريانهما لا تفيد في إثبات الوضع ولو كانت عقلائية. العاشر: الكافر بجميع أنواعه، ذميا كان أو غيره، أصليا أو مرتدا، إجماعا كما في الانتصار والناصريات مع التصريح بالكلية، وفى الخلاف دعواه في المشرك الذمي وغيره. وفي الغنية ادعى الاجماع المركب، وقال: " التفرقة بين نجاسة المشرك وغيره خلاف الاجماع " وادعى الاجماع صريحا في المنتهى، وظاهرا في التذكرة، وهو المحكي عن السرائر والبحار والدلائل وشرح الفاضل وظاهر نهاية الاحكام، وعن التهذيب إجماع المسلمين، ولعل مراده المؤمنين الذين هم المسلمون حقا، وحكى تأويله عن الفاضل الهندي بما هو أبعد مما ذكرناه. وعن حاشية المدارك أن الحكم بالنجاسة شعار الشيعة يعرفه علماء العامة منهم، بل وعوامهم يعرفون أن هذا مذهب الشيعة، بل ونساؤهم وصبيانهم يعرفون ذلك، وجميع الشيعة يعرفون أن هذا مذهبهم في الاعصار والامصار، وعن القديمين القول بعدم نجاسة أسئار اليهودي والنصارى، وكذا عن ظاهر المفيد وعن موضع من النهاية. لكن عن حاشية المدارك لا يحسن جعل ابن أبي عقيل من المخالفين

[ 289 ]

مع تخصيصه عدم النجاسة بأسئارهم. لانه لا يقول بانفعال الماء القليل، والسؤر هو الماء الملاقى لجسم حيوان، قال: " والكراهة في كلام المفيد لعله يريد منها المعنى اللغوي " انتهى. وهو حسن، وأما ما نسب إلى نهاية الشيخ ففي غير محله جزما، قال فيها: " ولا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم، ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لانهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه - قال بعد أسطر -: ويكره أن يدعو الانسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل منه، وإن دعاه فليأمره بغسل يديه " انتهى. وهو كما ترى محمول عن نكتها على الطعام اليابس، كالتمر والخبز ونحوهما، بقرينة ما تقدم، والامر بغسل يدهم لدفع القذارة العرفية، وأما ما عن ابن إدريس بأنه ذكر ذلك إيرادا لا اعتقادا فبعيد و الظاهر استناد الشيخ فيما ذكره إلى صحيحة عيص بن القاسم، فانها بمضمون ما ذكره ظاهرا (1). ولم يحضرني كلام ابن الجنيد، وما نقل عنه غير ظاهر في المخالفة ونسب إلى صاحب المدارك والمفاتيح الميل إلى طهارتهم، لكن لم يظهر من المدارك ذلك فراجع، ولم يحضرني المفاتيح، نعم قد يظهر من الوافي ذلك، لانه بعد ذكر الاخبار قال: " وقد مضى في باب طهارة الماء خبر في جواز الشرب من كوز شرب منه اليهودي، والتطهير من مسهم مما لا ينبغي تركه " وفيه إشعار على رجحان التطهير منه لا لزومه. وكيف كان فالعمدة هو الاجماعات المتقدمة، والمعروفية بين جميع طبقات الشيعة صار شعارهم عند الفريقين، كما تقدم عن الاستاذ


(1) سيأتي البحث عنها في ص 301.

[ 290 ]

الوحيد، ولا يمكن أن يقال: إن ذلك لتخلل اجتهاد من الفقهاء وتبعهم العوام، أما أولا فلان الاخبار كما تأتى جملة منها ظاهرة الدلالة على طهارة أهل الكتاب، ولها جمع عقلائي مقبول مع غيرها لا يمكن خفاؤه على فاضل، فضلا عن جميع الطبقات من أهل الحل والعقد من الطائفة وهو دليل على أن استنادهم إلى بعض الآيات والاخبار ليس مبنى فتواهم بل المبنى هو المعلومية من الصدر الاول وأخذ كل طبقة لاحقة عن سابقتها. واحتمال تخلل الاجتهاد وخطأ جميع طبقات الفقهاء في هذه المسألة الواضحة المأخذ بحسب الرواية مما تبطله الضرورة، ولا تقاس هذه المسألة بمسألة المنزوحات التي اختلفت الآراء والاخبار فيها بحيث تكون مظنة تخلل الاجتهاد، كما يظهر بالرجوع إليها. وأما ثانيا فلان أحتمال كون المعروفية عند جميع الطبقات من النساء والصبيان والحاضر والبادي من فتوى فقهائهم بعيد جدا، بل غير وجيه، فان المسائل الاجتهادية التي أجمعت الفقهاء عليها غير عزيزة، مع عدم معروفيتها لدى العامة حتى فيما تكون محل الابتلاء، كحرمة العصير العنبي، وحرمة كثير من أجزاء الذبيحة، هذا مع أن كثيرا ممن يكون الحكم واضحا عندهم لعله لا عهد لهم بالفقهاء وآرائهم. وبالجملة هذه الشهرة والمعروفية في جميع الطبقات في الاعصار والامصار تكشف جزما عن رأى أئمتهم عليهم السلام، ولا يبقى فيها محل تشكيك وريب، سيما مع مخالفة العامة جميعا، فذهبوا إلى طهارة الكفار مطلقا. قال السيد: " ومما انفردت به الامامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وحكى الطحاوي

[ 291 ]

عن مالك في سؤر النصراني والمشرك أنه لا يتوضأ به، ووجدت المحصلين من أصحاب مالك يقولون: إن ذلك على سبيل الكراهة لا التحريم، لاجل استحلالهم الخمر والخنزير، وليس بمقطوع على نجاسته، فالامامية منفردة بهذا المذهب " انتهى. هذا أيضا يؤكد البناء على نجاستهم، وعلى معللية ما دلت على طهارتهم من الاخبار، وقد تكرر منا أنه لا دليل معتد به على حجية خبر الثقة إلا بناء العقلاء، والتي وردت في هذا المضمار آية ورواية لا يستشعر منها التأسيس، بل كلها أو جلها دالة على إمضاء ما لدى العقلاء وليس للشارع المقدس طريق خاص وتعبد في ذلك، ولو وجد فيها ما يشعر بخلاف ذلك لم تصل إلى حد الدلالة. ولا شبهة في عدم بناء العقلاء على العمل بمثل الروايات التي أعرض عنها الاصحاب مع كونها بمرئى ومنظر منهم، وكونهم متعبدين على العمل بما وصل إليهم من طريق أهل البيت عليهم السلام، فيكون إعراضهم إما موجبا للوهن في سندها، ومع عدم إمكان ذلك لكثرة الروايات والقطع بصدور بعضها فلا محالة يوجب الوهن في جهة صدورها مع اتفاق أهل الخلاف على طهارتهم. فالقول بأن مجرد وثاقة الراوي يكفى في العمل بالرواية تارة، وبأن احتمال صدورها تقية في المقال في مقام بيان الحكم بعيد عن مساق الاخبار أخرى لا ينبغي أن يصغى إليه. كما أن القول بحدوث هذه السيرة والمعروفية بعد عصر الائمة عليهم السلام ولم يكن الحكم معروفا في زمانهم - لشهادة جل الروايات بخلو أذهان السائلين الذين هم من عظماء الشيعة ورواة الاحاديث عن احتمال نجاستهم الذاتية، وأن الذي أوقعهم في الريبة الموجبة للسؤال

[ 292 ]

عدم تجنبهم عن النجاسات، حتى أن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري الذي كتب إلى صاحب الزمان في عصر الغيبة (1) استشكل في الصلاة في الثياب المتخذة من المجوس، لاجل أنهم كانوا يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة، فيستفاد منه عدم انقداح نجاستهم الذاتية في ذهنه، فيظن منه حدوث المعروفية لدى العلماء للاجتهاد، ولدى العوام للتقليد - في غاية الضعف. أما أسئلة الرواة فلا تدل على عدم المعروفية لدى الشيعة، فان المتتبع في أسئلتهم في المسائل الفقهية يرى أن كثيرا ما لم تكن الاسئلة الصادرة من فقهاء أصحابهم لرفع شبهة، بل كان بناؤهم على السؤال لضبط الجواب عن كل إمام في أصولهم وكتبهم، فمثل مشائخ أصحاب أبي عبد الله عليه السلام نظير زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وغيرهم ممن أدركوا عصر أبي جعفر عليه السلام وأخذوا المسائل منه سألوا أبا عبد الله عليه السلام عن تلك المسائل بعينها، وربما سألوا عن مسائل واضحة لا يمكن خفاؤها عليهم إلى زمان الصادق عليه السلام، ككيفية غسل الجنابة، وغسل الميت، والوضوء، وجواز المسح على الخفين بل وعدد الصلوات الفرائض، إلى غير ذلك مما لا تحصى، حيث كان السؤال لمقاصد أخر، كالحفظ في الكتب للبقاء والوصول إلى الطبقة المتأخرة وكثرة الانتشار وغير ذلك. وأما دعوى أن جل الروايات شاهدة على خلو أذهان السائلين عن نجاستهم ذاتا ففيها أن الواقع خلاف ذلك، فان جلها خالية عن الاشعار بما ذكر فضلا عن الشهادة به، كما يظهر للمراجع إليها في كتاب الطهارة


(1) الرواية مروية في الوسائل - الباب - 73 من ابواب النجاسات الحديث 9.

[ 293 ]

والاطعمة، نعم في بعضها إشعار بذلك كرواية الحميري المتقدمة، لكن ليس محط نظره السؤال عن نجاسة المجوس، بل نظره إلى السؤال عن حال الثوب المنسوج بيدهم، ولا يبعد أن يكون بعد الفراغ عن نجاستهم ولهذا خصهم بالذكر، وإنما ذكر أكلهم الميتة وعدم اغتسالهم من الجنابة لفرض قوة احتمال تنجس الثوب، وأنه مع كونهم نجسا كانوا كذلك ولاجله صار ما بأيديهم أقرب إلى التنجس، ولهذا أضاف إلى أكل الميتة عدم اغتسالهم من الجنابة. فهي نظير صحيحة معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال ألبسها ولا أغسلها " الخ (1) والظاهر أن المراد بالاخباث الانجاس، فان الخبث الباطني النفساني لا يناسب المقام، وذكر النجاسة العرضية غير مناسب مع قوله بعده: " وهم يشربون الخمر " فالظاهر فرض قوة احتمال تلوث الثياب وتنجسها بفرض نجاسات ذاتا وعرضا فيهم وفيما بأيديهم، ونحوها صحيحة عبد الله بن سنان (2) حيث فرض فيها إعارة الذمي الثوب ويعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير. بل الاسئلة الكثيرة في الروايات عن ثياب المجوس والنصارى واليهود وبواريهم وما يعملونه وغير ذلك ظاهرة الدلالة على معهودية نجاستهم في ذلك العصر، إلا أن يقال: اختصاصهم بالذكر لكثرة ابتلائهم بها، كما ربما يشهد به بعضها. ثم أنه قد استدل على نجاستهم بقوله تعالى: " إنما المشركون


(1) الوسائل - الباب 73 - من أبواب النجاسات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 74 - من أبواب النجاسات - الحديث 1

[ 294 ]

نجس " (1) ويمكن تقريبه بنحو لا يرد عليه بعض الاشكالات، وهو أن المستفاد من كلمة الحصر وحمل المصدر أن المشركين ليسوا إلا حقيقة النجاسة بالمعنى المصدري، وهو مبني على الادعاء والتأول، وهو لا يناسب طهارتهم ونظافتهم ظاهرا التي هي بنظر العرف أوضح مقابل للنجاسة وأظهره، فلا يجوز الحمل على القذارة الباطنية من كفرهم أو جنابتهم، لبشاعة أن يقال: إن الكافر ليس إلا عين القذارة، لكنه طاهر نظيف في ظاهره كسائر الاعيان الطاهرة، بل لو منع من افادة كلمة " إنما " الحصر يكون حمل المصدر الدال على الاتحاد في الوجود موجبا لذلك أيضا، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام. نعم لو قارن الكلام بدعوى أخرى هي دعوى أن المشركين ليسوا إلا بواطنهم لكان لانكار الدلالة وجه، لكنها على فرض صحتها خلاف الاصل. والحمل على القذارة الصورية العرفية غير جائز، لعدم مطابقته للواقع إن أريد الحقيقة، فلا بد من ارتكاب تجوز، وهو دعوى أنه من هو نظيف بينهم كالعدم، وهي لا تصح إلا إذا كان النظيف بينهم نادرا يلحق بالعدم، وهو غير معلوم، بل معلوم العدم، مع أن المجاز خلاف الاصل، ولا قرينة عليه. وكذا إن أريد نجاستهم عرضا لا بد من ارتكاب التجوز، وهو أيضا خلاف الاصل لو فرض كثرة ابتلائهم بحد تصحح الدعوى، مضافا إلى أن دعوى كونهم عين النجاسة بالمعنى المصدري أو حاصله أيضا لا تناسب في النجاسة العرضية إلا في بعض الاحيان كما لو تلوث جميع البدن تحقيقا أو تقريبا، وإلا فمع الملاقاة ببعض البدن لا يصح دعوى أنه عين القذارة، وتلوث جميع أفراد المشركين أو أكثرهم بنحو تصح


(1) سورة التوبة: 9 - الآية 38.

[ 295 ]

دعوى أن جميعهم نجاسة ونجس بالفتح معلوم العدم، مع أن المجاز خلاف الاصل. فتحصل مما ذكر أن حمل الآية على إرادة القذارة المعنوية فقط غير صحيح لا يناسب البلاغة، وحملها على القذارة العرفية حقيقة غير موافق للواقع، وعلى التأول غير صحيح، ومع فرض الصحة مخالف للاصل، وكذا على القذارة العرضية. فبقي احتمال أن يكون المراد به النجاسة الجعلية الاعتبارية، فهو إما محمول على الاخبار عن الواقع، فلا بد من مسبوقيته بجعل آخر، وهو بعيد، أو على الاخبار في مقام الانشاء، فيصح دعوى أنهم عين القذارة والنجاسة بعد كون جميع أبدانهم قذرا، سيما إذا أريد نجاستهم الباطنية أيضا فتكون دعوى انهم عين القذارة بعد كونهم ظاهرا وباطنا ملوثين بالكفر والخباثة والجنابة والقذارة في غاية البلاغة، فابقاء المصدر على ظاهره أبلغ في إفادة المطلوب من حمله على خلاف ظاهره مرادفا للنجس بالكسر، وبما ذكرناه يندفع الاشكال بأنه نمنع كون النجس في زمان صدور الآية حقيقة في المعنى المصطلح، بل المتبادر منه هو المعنى اللغوي الذى هو أعم من الاصطلاحي، لما عرفت من أن الحمل على المعنى الحقيقي أي القذارة العرفية غير ممكن كما تقدم. ولو قيل إنه يدور الامر بين حمل النجس على المعنى الحقيقي والتصرف والتأويل في المشركين أو العكس ولا ترجيح يقال: إن الترجيح مع حمل النجس على الجعلي الاعتباري، لمساعدة العرف، مع أن مصحح الادعاء في المشركين غير محقق، لما تقدم. هذا مضافا إلى ما أشرنا إليه في هذا المختصر بأن ليس للشارع اصطلاح خاص في النجاسة والقذارة مقابل العرف، بل وضع أحكاما

[ 296 ]

لبعض القذارات العرفية وأخرج بعضها عنها، وألحق أمورا بها، فالبول والغائط ونحوهما قذرة عرفا وشرعا، ووضع الشارع لها أحكاما، وأخرج مثل النخامة والقيح ونحوهما من القذارات العرفية عنها حكما بلسان نفي الموضوع في بعضها، وألحق مثل الكافر والخمر والكلب بها بجعلها نجسا أي اعتبر القذارة لها، ففي الحقيقة أخرج مصاديق من المفاهيم تعبدا وأدخل مصاديق فيه كذلك من غير تصرف في المفهوم، فان أريد من الاصطلاح الشرعي ذلك فلا كلام، وإن أريد أن مفهوم القذارة عند الشرع والعرف مختلفان فهو ممنوع. ولا إشكال في أن الاحكام الشرعية كانت مرتبة على قذارات كالاخبثين وغيرهما في عصر الشارع الاقدس، فقوله تعالى: " انما المشركون نجس " محمول على النجاسة بمفهومها، لكن لا بمعنى الاخبار عن الواقع، فانه غير محقق، ومع فرض تحققه لا يكون الاخبار به وظيفة الشارع، بل بمعنى جعل ما ليس بمصداق مصداقا تعبدا، وهو الاقرب بعد قيام القرينة العقلية والعادية، كما عرفت الكلام فيها مستقصى. فتحصل من ذلك أن دلالة الآية الكريمة بالنسبة إلى المشركين تامة، وأما بالنسبة إلى الذمي فقد يقال بانسلاكه فيهم، لقوله تعالى: " وقالت اليهود عزيز ابن الله - إلى قوله -: سبحانه عما يشركون " (1) وفيه أن تلك الآية مسبوقة بأخرى، وهي: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " والمراد باتخاذهم أربابا ليس ما هو ظاهرها، لعدم قولهم بألوهيتهم.


(1) سورة التوبة: 9 - الآية 31.

[ 297 ]

ففي مجمع البيان (1) عن الثعلبي عن عدي بن حاتم في حديث قال: " انتهيت إليه - أي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو يقرأ سورة البراءة هذه الآية: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم " حتى فرغ منها، فقلت له: لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم " وقريب منها في رواياتنا، فعليه لا يكون الشرك بمعناه الحقيقي. إلا أن يقول النصارى بأن المسيح الله كما قال تعالى: " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين " (2) وقال تعالى في الآية المتقدمة: " والمسيح ابن مريم " ولم ينفه عدي بن حاتم، بل الظاهر نفى عبادتهم للاحبار والرهبان، وقال تعالى: " لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة " (3) قال في المجمع " القائلون بهذه المقالة جمهور النصارى من الملكانية واليعقوبية والنسطورية، لانهم يقولون ثلاثة أقانيم " وفي مجمع البحرين قيل: " هو رد على النصارى لاثباتهم قدم الاقنون " انتهى. وقال تعالى: " لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة " (4) حيث يظهر منها شركهم، ولعله لقولهم بأن المسيح هو الرب المتجسد في الناسوت، حتى أن صاحب المنجد المسيحي قال: " المسيح: لقب الرب، يسوع ابن الله المتجسد - وقال -: المسيحي: المنسوب إلى المسيح الرب " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وفي مجمع البيان هذا مذهب اليعقوبية منهم، لانهم قالوا: إن الله اتحد بالمسيح اتحاد الذات، فصار شيئا واحدا وصار الناسوت لاهوتا،


(1) ج 3 ص 23 ط صيدا. (2) و (3) و (4) سورة المائدة: 5 - الآية 116 - 73 - 72.

[ 298 ]

وذلك قولهم: إنه الاله. وكيف كان لا يمكن لنا إثبات الشرك لجميع طوائفهم، ولا إثباته لليهود مطلقا. وليس في قول النصارى: " ثالث ثلاثة " إشعار بأن اليهود قائلون: إنه ثاني اثنين، ومجرد القول بأن عزيزا ابن الله لا يوجب الشرك وان لزم منه الكفر، مع أن القائلين بذلك - على ما قيل - طائفة منهم قد انقرضوا. وأما المجوس فان قالوا بالهية النور والظلمة أو يزدان وأهرمن فهم مشركون داخلون في إطلاق الآية الكريمة، مع احتمال أن يكون المراد بالمشركين في الآية هو مشركوا العرب أي الوثنيين، كما أن الطبيعيين من الكفار والمنتحلين إلى الاسلام خارجون عن الشرك، فالآية الشريفة غير وافية لاثبات تمام المدعى، أي نجاسة تمام صنوف الكفار. واستدل المحقق لنجاستهم بقوله تعالى: " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " (1) وهو مشكل مع اشتراكه بين العذاب واللعنة وغيرهما، وإن حكي عن الشيخ في التهذيب أن الرجس هو النجس بلا خلاف، وقال في المجمع: " ظاهره أنه لا خلاف بين علمائنا في أنه في الآية بمعنى النجس " انتهى. ولعل دعواه ناشئة من عدم الخلاف في نجاستهم، وإلا فلم يفسره المفسرون به، كما يظهر من المحقق، ولم يحتمله في مجمع البيان، ولم ينقله من أحد، مع أن بناءه على نقل الاقوال. واستدل على نجاسة أهل الكتاب بروايات مستفيضة وهي على طوائف:


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 125.

[ 299 ]

منها - ما وردت في النهي عن مصافحتهم والامر بغسل اليد إن صافحهم، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل صافح رجلا مجوسيا، فقال: يغسل يده ولا يتوضأ " (1) وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى عليه السلام قال: " سألته عن مؤاكلة المجوس في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد وأصافحه، قال: لا ". (2) وقريب منها صحيحة الاخرى (3) فان الامر بالغسل محمول على ما إذا كان في اليد رطوبة سارية، فهو ظاهر في نجاستهم كالامر بغسل الثوب عن ملاقاة الكلب. وفيه أن الامر كذلك بالنسبة إلى صحيحة ابن مسلم لولا سائر الروايات، وأما مع ملاحظتها فالظاهر منها أن مصافحة الذمي مرجوح نفسا لاجل ترك المحابة معهم، والامر بالغسل محمول على الاستحباب لاظهار التنفر والانزجار عنهم، سواء كانت اليد مربوطة أو لا. والدليل على المرجوحية مطلقا - مضافا إلى رواية الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله " إنه نهى عن مصافحة الذمي " (4) - صحيحة علي بن جعفر المتقدمة وصحيحته الاخرى الظاهرتان في أن المصافحة معهم مطلقا مرجوح، وحمل النهي فيها على الغيري خلاف الظاهر، سيما في مثل المقام مما يعلم مرجوحية إظهار الموادة معهم بأي نحو كان، ويؤيده بل يدل عليه إرداف النهي عن المصافحة للرقود مع المجوس على فراش واحد، ومع النهي عن إقعاد اليهودي والنصراني على فراشه ومسجده في صحيحته الاخرى.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب النجاسات الحديث 3 - 6 - 10. (4) الوسائل - الباب - 125 - من ابواب احكام العشرة - الحديث 7

[ 300 ]

وتدل على أن الغسل ليس للتطهير بل لاظهار التنفر - مضافا إلى ما تقدم - رواية خالد القلانسي قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ألقى الذمي فيصافحني، قال: إمسحها بالتراب أو بالحائط، قلت: فالناصب، قال: اغسلها " (1) فان الظاهر منها أن الموضوع في الموردين واحد، فيكون المسح بالتراب أو الحائط لاظهار نفرة وانزجار منهم، وهو في الناصب أشد. ويمكن أن يكون الغسل في الناصب للنجاسة والمسح في الذمي لاظهار النفرة، فالرواية دالة على طهارتهم. وموثقة أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام " في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني قال: من وارء الثوب، فان صافحك بيده فاغسل يدك " (2) والظاهر منها أن غسل اليد ليس للنجاسة، وإلا لكان يأمر بغسل الثوب أيضا بل لاجل التماس مع يدهما وهو نحو انزجار ونفور، والحمل على عرق اليدين مشترك، والتفكيك كما ترى، فتلك الطائفة أجنبية عن الدلالة على النجاسة. ومنها - ما دلت على النهي عن مؤالكتهم في قصعة واحدة، كصحيحة علي بن جعفر المتقدمة وصحيحته الاخرى عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه قال: لا بأس، ولا يصلى في ثيابهما، ولا يأكل المسلم مع المجوس في قصعة واحدة، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه " الخ (3) وصحيحة هارون بن خارجة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب النجاسات - الحديث 4 - 5. (3) مرت قريبا.

[ 301 ]

إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم، فقال: لا " (1) والظاهر منها النهي عن المؤاكلة، فتدل على نجاستهم. وفيه أنه لا دلالة لها على النجاسة، لقوة احتمال مرجوحية المؤاكلة معهم مطلقا لا للسراية، كما أنه مقتضى إطلاقها الشامل لليابس سيما مع اشتمالها على النهي عن الاقعاد على الفراش والمسجد ونحوهما وتشهد له حسنة الكاهلي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أما أنا فلا أواكل المجوس، وأكره أن أحرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم " (2) والمراد من التحريم المنع، وظاهرها أن الحكم على سبيل التنزه لا الحرمة، كما هو ظاهر هذا التعبير في غير واحد من المقامات. وصحيحة عيص بن القاسم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي، فقال: إن كان من طعامك وتوضأ فلا بأس " (3) وصحيحته الاخرى قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مؤاكلة اليهودي والنصراني، فقال: لا بأس إذا كان من طعامك، وسألت عن مؤاكلة المجوسي فقال: إذا توضأ فلا بأس " (4) ولعل المراد بالتوضي الاستنجاء بالماء أو غسل يده، وهما ظاهرتا الدلالة في عدم نجاستهم، والنهي عن مؤاكلتهم على سبيل الكراهة مطلقا أو في بعض الصور.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب النجاسات - الحديث 7 - 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 4.

[ 302 ]

ومنها - ما وردت في النهي عن آنيتهم، كصحيحة إسماعيل بن جابر قال: " قال لي أبو عبد الله عليه السلام: لا تأكل ذبائحهم ولا تأكل في آنيتهم - يعني أهل الكتاب - " (1) ونحوها روايته الاخرى (2) وكذا رواية عبد الله بن طلحة (3) وصحيحة محمد بن مسلم قال: " سألته أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمة والمجوس، فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم الذي يشربون فيه الخمر " (4) بدعوى أن النهي عنه ظاهر في نجاستهم. وفيها أن هاهنا احتمالين آخرين أقرب مما ذكر: أحدهما احتمال المرجوحية النفسية، لكون الاكل في آنيتهم أيضا نحو عشرة معهم، والدليل عليه - مضافا إلى أن إطلاقها يقتضي منع الاكل من مطلق أوانيهم سواء كان المأكول يابسا أو لا والآنية يابسة أو لا - رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في آنية المجوس فقال: " إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء " (5) فان الظاهر منها أن المنع ليس لنجاستهم وإلا لما قيده بالاضطرار، نعم ظاهر الامر بالغسل نجاسة إنائهم، وإطلاقه يقتضي نجاستهم، وإن أمكن أن يقال: إن إطلاقه يقتضي لزوم غسل إنائهم ولو لم يستعملوها في المايعات أو شك فيه، فيكون الغسل نحو نفور وانزجار عنهم، تأمل ثانيهما أن الامر بالغسل لكونها مستعملة في أكل النجس وشربه


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الذبائح - الحديث 10 وهذه الرواية ضعيفة فان ابن سنان الواقع في سندها محمد بن سنان لا عبد الله بن سنان كما في التهذيب ج 9 ص 63 الرقم 269 والاستبصار ج 4 ص 81 الرقم 302. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 54 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 - 3 - 2 - 8.

[ 303 ]

وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألته عن آنية أهل الكتاب فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير " (1) وصحيحة إسماعيل بن جابر قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله، ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله، ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله ولا تتركه، تقول: إنه حرام ولكن تتركه تتنزه (تنزها خ) عنه إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " (2). وهما مفسرتان لسائر الروايات. وظاهرتان في طهارتهم، وشاهدتان للجمع بين جميع الروايات لو فرضت دلالتها على النجاسة في نفسها. ومنها - ما وردت في سؤرهم كصحيحة سعيد الاعرج بناء على كونه ابن عبد الرحمان كما هو الظاهر قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني، فقال: لا " (3) ومرسلة الوشا عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كره سؤر ولد الزنا. وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب " (4) بناء على كون الكراهة الانزجار على نحو الالتزام وفيه مضافا إلى معارضتهما بما هو كالصريح في الطهارة أعني موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنه يهودي فقال: نعم، فقلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال: نعم " (5)


(1) الوسائل - الباب - 54 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 54 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاسئار - الحديث 1 - 2 - 3

[ 304 ]

والظاهر أن المراد بقوله: " على أنه يهودي " أنه على فرض كون الرجل يهوديا. والحمل على الظن بكونه يهوديا خلاف الظاهر، وصحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال: " قلت للرضا عليه السلام: الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة، قال: لا بأس، تغسل يديها " (1) ومقتضى الجمع بينهما وبين ما تقدم حمل النهى على الكراهة، لاحتمال النجاسة العرفية، بل الصحيحة الاخيرة شاهدة للجمع بين الروايات المتفرقة كما هو واضح. يمكن منع دلالتهما، أما الثانية فهي على خلاف المطلوب أدل سيما مع اقترانه بولد الزنا، وأما الاولى فلان استفادة نجاستهم منها انما هي بمدد ارتكاز العقلاء، على أن النهي عن سؤرهم لانفعال الماء منه، كما تستفاد النجاسة في سائر النجاسات من الامر بالغسل أو النهي عن الصلاة فيها أو نحو ذلك، وهو في المقام ممنوع بعد الاحتمال العقلائي المعول عليه بأن الشرب من سؤرهم وفضلهم بما أنهم أعداء الله كان منهيا عنه ومنفورا، سيما مع ورود النهي عن مؤالكتهم ومصافحتهم والنوم معهم على فراش واحد، وإقعادهم على الفراش والمسجد، فانها توجب قوة احتمال أن تكون النواهي الواردة فيهم نواهي نفسية لتجنب المسلمين ونفورهم عنهم، لا لنجاستهم العرضية أو الذاتية، بل لمحض كونهم مخالفين للاسلام وأعداء الله ورسوله صلى الله عليه وآله. ويؤيده قوله في المرسلة: " وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب " وبالجملة لو لم نقل بأن تلك النواهي ظاهرة في ذلك، فلا أقل من الاحتمال الراجح أو المساوي، فلا يستفاد منها نجاستهم بوجه. ومما ذكرناه يظهر الكلام في روايات أخر. كموثقة عبد الله بن أبي


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب النجاسات - الحديث 11

[ 305 ]

يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها يجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم، فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وأن الناصب لنا أهل البيت لانجس منه " (1) فان استفادة نجاستهم منها لمقارنتهم بالناصب مع تصريحه بأنهم أنجس من الكلب، وهي لم تصل إلى حد الدلالة فضلا عن معارضة غيرها، ولو سلمت دلالتها فمقتضى الجمع بينها وبين ما هو كالصريح في طهارتهم حملها على الكراهة أو على ابتلائهم بالنجاسات، مضافا إلى قيام شواهد على ذلك في روايات المنع عن الاغتسال بغسالة الحمام أو على الحمل على الكراهة كالتعليل بأن فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبع آباء، لمعلومية أن الطهارة فيها غير ما تقابل نجاسة ظاهر أبدانهم. كرواية محمد بن علي بن جعفر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " من اغتسل من الماء الذى قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه، فقلت لابي الحسن: إن أهل المدينة يقولون: إن فيه شفاء من العين. فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما وكل من خلق الله ثم يكون فيه شفاء من العين؟ " (2) بناء على أن المراد الغسل من غسالة الحمام. وعنه عليه السلام في حديث أنه قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم " (3) وغيرها مما تشعر أو تدل على الكراهة


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف - الحديث 4 (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف - الحديث 2 - 3

[ 306 ]

هذا إذا كان المراد من الغسالة غير ماء الحمام كما لا يبعد، وأما لو كان المراد ذلك فلا إشكال في كونها محمولة على الكراهة، للمستفيضة الدالة على عدم انفعال ماء الحمام، وأنه كماء النهر، ولا ينجسه شئ. فعليها أيضا تحمل صحيحة علي بن جعفر " أنه سأل أخاه موسى ابن جعفر عليه السلام عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام، قال: إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا أن يغتسل وحده على الحوض، فيغسله ثم يغتسل، وسأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضا منه للصلاة؟ قال. لا، إلا أن يضطر إليه " (1). فان الظاهر منها الاغتسال بماء الحمام لا غسالته المجتمعة في البئر فلا محيص عن الحمل على الكراهة، لعدم انفعاله، مع أن الظاهر من ذيلها طهارتهم، والحمل على الاضطرار للتقية كما ترى. ومنها - ما وردت فيما يعملون من الثياب أو يستعيرونها (2) فانها وإن اشتملت على نفي البأس غالبا، لكن يظهر منها معهودية نجاستهم وفيه أنها أعم من الذاتية، كما تشعر أو تدل على العرضية نفس الروايات، مع أنها لا تقاوم الادلة الصريحة أو كالصريحة بطهارتهم كما مرت. فتحصل من جميع ذلك أن لا دليل على نجاسة أهل الكتاب ولا الملحدين ما عدا المشركين، بل مقتضى الاصل طهارتهم، بل قامت الادلة على طهارة الطائفة الاولى، بل هي متقضى الاخبار الكثيرة الدالة على جواز تزويج الكتابية واتخاذها ظئرا، وتغسيل الكتابي للميت المسلم بعض الاحيان، إلى غير ذلك. ويؤيدها مخالطة الائمة عليهم السلام.


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب النجاسات - الحديث 9 (2) راجع الوسائل - الباب - 73 و 74 - من ابواب النجاسات.

[ 307 ]

وخواصهم مع العامة الغير المتحرزين عن معاشرتهم. فالمسألة مع هذه الحال التي تراها لا ينبغى وقوع خطأ عمن له قدم في الصناعة فيها، فضلا عن أكابر أصحاب الفن ومهرة الصناعة، فكيف بجميع طبقاتهم، ومن ذلك يعلم أن المسألة معروفة بينهم من الاول، وأخذ كل طائفة من سابقتها، وهكذا إلى عصر الائمة عليهم السلام والتمسك بالادلة أحيانا ليس لابتناء الفتوى عليها. ولقد أجاد العلم المحقق صاحب الجواهر قدس الله نفسه حيث قال: " فتطويل البحث في المقام تضييع للايام في غير ما أعد له الملك العلام " وتعريض بعض الاجلة عليه وقع في غير محله، وخروج عن الحد في حق من عجز البيان عن وصفه، وعقم الدهر عن الاتيان بمثله في التحقيق والتدقيق والكر والفر والرتق والفتق وجودة الذهن وثقابة الفكر والاحاطة بأطراف المسائل والآثار والدلائل شكر الله سعيه، ونضر الله وجهه، وجزاه الله عنا وعن الاسلام أفضل الجزاء. ثم أنه لا فرق في نجاسة الكفار بين ما تحله الحياة وما لا تحله لا للآية الكريمة المتقدمة الظاهرة في نجاسة المشرك الذي هو الموجود الخارجي بجميع أجزائه كالكلب الذى هو اسم للموجود كذلك وتتميمه بعدم القول بالفصل، ولا لما دل على نجاسة الناصب بعنوانه الشامل لما ذكر وتتميمه بما ذكر، وإن كان لهما وجه. بل لاطلاق معاقد الاجماعات وإطلاق فتاوى الاصحاب، لعدم تعقل طهارة ما لا تحله الحياة من الكفار، وعدم استثناء الفقهاء مع شمول اللفظ للموجود بجميع أجزائه، وهل هذا إلا الفتوى بغير ما أنزل الله تعالى؟ وهل ترى أن استثناء ما لا تحل في الميتة وقع من باب الاتفاق كعدم الاستثناء ها هنا؟

[ 308 ]

ولو كان اللفظ غير شامل له عندهم واحتمل خطأ الكل في مثل هذا الامر الواضح فلم استثنوها في الميتة وتركوها ها هنا؟ بل ليس ذلك إلا لعدم كونها مستثناة عندهم، نعم مقتضى كلام السيد في الناصريات واستدلاله في خروج ما لا تحله الحياة في الكلب والخنزير جريان بحثه هاهنا أيضا، لكنه ضعيف. ويلحق بالكافر ما تولد من الكافرين، كما عن المبسوط والتذكرة والايضاح وكشف الالتباس، وعن الاستاذ أن الصبي الذي يبلغ مجنونا نجس عند الاصحاب، وهو مؤذن بالاجماع، وعن الكفاية أنه مشهور، وقربه العلامة، قيل: وهو مؤذن بالخلاف، وهو غير معلوم، وفي جهاد الجواهر دعوى الاجماع بقسميه على تبعية الولد لوالديه في النجاسة والطهارة، وعن جملة من الكتب دعوى الاجماع صريحا على تبعية الولد. المسبي مع أبويه لهما في النجاسة. والدليل عليها - مضافا إلى ذلك وإلى احتمال صدق اليهودي والنصراني والمجوسي على أولادهم، كما جزم به النراقي حتى في الناصب وإن لا يخلو من نظر بل منع، سيما في الاخير، وإلى صدق العناوين على أطفالهم المميزين المظهرين لدين آبائهم، سيما مع قربهم بأوان التكليف، مع عدم القول بالفصل جزما - السيرة القطعية على معاملة الطائفة الحقة معهم معاملة آبائهم في الاحتراز عنهم، وإلحاقهم بآبائهم، وعدم الافتراق بينهم. وأما سائر الاستدلالات فغير تام، كالاستصحاب وتنقيح المناط عند أهل الشرع، حيث أنهم يتعدون من نجاسة الابوين ذاتا إلى أولادهما وهو شئ مركوز في أذهانهم إن لم يرجع إلى ما تقدم من السيرة القطعية

[ 309 ]

وكقوله تعالى: " ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " (1) وقوله صلى الله عليه وآله: " أبوانه يهودانه " بدعوى أن المراد منه يجعلانه تبعا لهما في التهود، وصحيحة عبد الله بن سنان (2) وغيرها مما وردت في أولاد الكفار، ورواية حفص بن غياث: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك، فقال: إسلامه إسلام لنفسه ولولده الصغار، وهم أحرار وولده ومتاعه ورقيقه له، وأما الولد الكبار فهم فئ للمسلمين إلا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك " الخ (3) لما مر في نظائره من أن الطفل في بطن أمه ليس من أجزائها، واستصحاب الكلي الجامع بين الذاتية والعرضية قد عرفت ما فيه، وتنقيح المناط إن لم يرجع إلى السيرة المتقدمة ممنوع بعد عدم كفر الصغار وعدم نصبهم. ولا يراد من عدم توليدهم إلا فاجرا كفارا هو كونهم كذلك لدى


(1) سورة نوح: 71 - الآية 27. (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث، قال: كفار، والله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم " وقال عليه السلام: " يؤجج لهم نار فيقال لهم: أدخلوها، فان دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما، وإن أبوا قال لهم الله عزوجل: هو ذا أنا قد أمرتكم فعصيتموني، فيأمر الله عزوجل بهم إلى النار " ولا يخفى أنه بصدد بيان حالهم فيما بعد الموت لا حال حياتهم - راجع من لا يحضره الفقيه - ج 3 ص 317 ط نجف - باب حال من يموت من أطفال المشركين والكفار (151) الحديث 2، وبحار الانوار ج 5 ص 295 من الطبعة الحديثة. (3) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 1

[ 310 ]

الولادة، ضرورة عدم كونه فاجرا، بل المراد أنهم يصيرون كذلك بسوء تربيتهم وتلقيناتهم، وهو المراد من تهويد الوالدين، والروايات المشار إليها مع مخالفتها لاصول العدلية غير مربوطة بعالم التكليف، مضافا إلى معارضتها لجملة أخرى من الروايات الدالة على امتحانهم في الآخرة بتأجيج النار وأمرهم بالدخول فيها. ورواية حفص - مع الغض عن سندها - لا تدل على المقصود، لان قوله عليه السلام: " إسلامه إسلام " الخ ليس على وجه الحقيقة بل على نحو التنزيل، ولم يتضح التنزيل من جميع الجهات وإن لا يبعد ثم لو سلم ذلك لا تدل على عمومه للكفر أيضا، كما لا يخفى. وأما الاستدلال على طهارتهم بالاصل وقوله تعالى: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " (1) المفسر بفطرة التوحيد والمعرفة والاسلام (2) وقوله صلى الله عليه وآله: " كل مولود يولد على فطرة الاسلام ثم أبواه يهودانه " الخ (3) ففيه ما لا يخفى، لانقطاع الاصل بما تقدم، وعدم كون المراد من فطرة التوحيد أو الاسلام هو كونهم موحدين مسلمين، بل المراد ظاهرا أنهم مولودون على وجه لولا إضلال الابوين وتلقيناتهما لاهتدوا بنور فطرتهم إلى تصديق الحق ورفض الباطل عند التنبه على آثار التوحيد وأدلة المذهب الحق، وهو المراد من النبوي المعروف. ولو أسلم أحد الابوين ألحق به ولده، لا لقوله صلى الله عليه وآله:


(1) سورة الروم: 30 - الآية 30. (2) راجع أصول الكافي ج 2 ص 12 من الطبعة الحديثة (باب فطرة الخلق على التوحيد). (3) راجع المصدر المذكور آنفا - الحديث 3.

[ 311 ]

" الاسلام يعلو ولا يعلى عليه " (1) لمنع دلالته على ذلك، لاحتمال أن يكون المراد منه غلبة حجته على سائر الحجج، أو يكون المراد منه عدم علو غير المسلم على المسلم، نظير قوله: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (2) ولا لقوله تعالى: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم " الخ (3) لكونه أجنبيا عما نحن بصدده، ولا للنبوي: " كل مولود " الخ، لما تقدم، ولا لكون عمدة دليل الحكم بالتبعية الاجماع والسيرة فليقتصر على القدر المتيقن منهما، وهو ثبوت الحكم مع تبعيته لهما، ومقتضى الاصل الطهارة لما يأتي من جريان استصحاب النجاسة فيه وفى المسبي. بل لعدم نقل الخلاف في المسألة، ودعوى الشيخ الاجماع عليها في لقطة الخلاف، قال: " إذا أسلمت الام وهي حبلى من مشرك أو كان منه ولد غير بالغ فانه يحكم للولد والحمل بالاسلام ويتبعانها - ثم قال -: دليلنا إجماع الفرقة " وفى نسخة " وأخبارهم " وفى جهاد الجواهر نفي وجدان الخلاف عنها، كما اعترف به بعضهم، واستدل برواية حفص بن غياث المتقدمة، ولا يبعد دعوى عموم التنزيل فيها متمسكا باطلاقه. وأما المسبي فان انفرد عن أبويه ففي إلحاقه بالسابي المسلم في مطلق الاحكام أو في الطهارة فقط أو عدم الالحاق مطلقا وجوه: أوجهها الاخير، لاستصحاب نجاسته المتيقنة قبل السبي، وكذا غيرها من الاحكام.


(1) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 243 - الرقم 778 (باب ميراث أهل الملل - الحديث 3). (2) سورة النساء: 4 - الآية 141. (3) سورة الطور: 52 - الآية 21.

[ 312 ]

واستشكل الشيخ الاعظم فيه بأن الدليل على ثبوت النجاسة للطفل هو الاجماع، ولم يعلم ثبوتها لنفس الطفل أو الطفل المصاحب للابوين فلعل لوصف المصاحبة مدخلا في الموضوع الذي يعتبر القطع ببقائه في جريان الاستصحاب. وإليه يرجع ما في كلام بعض أهل التحقيق في الاشكال على استصحاب نجاسة من أسلم أحد أبويه بتبدل الموضوع وعدم بقائه عرفا، لان وصف التبعية من مقومات الموضوع عرفا في مثل هذه الاحكام الثابتة له بالتبع، وأضاف إليه أن الاستصحاب فيه من قبيل الشك في المقتضي والجواب عنه ما مر مرارا من أن المعتبر في جريان الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها من غير مدخلية لبقاء موضوع الدليل الاجتهادي وعدمه، بل ومع القطع بعدم بقاء ما أخذ في موضوعه، فلو علمنا بأن المأخوذ في الدليل الاجتهادي هو الطفل المصاحب لابويه لكن كان الدليل قاصر عن نفي الحكم عما بعد المصاحبة وشككنا في بقاء الحكم لاحتمال أن يكون وصف المصاحبة واسطة في الاثبات ودخيلا في ثبوت الحكم لا في بقائه فلا إشكال في جريانه، لانا على يقين من أن الطفل الموجود في الخارج كان نجسا ببركة الكبرى الكلية المنضمة إلى الصغرى الوجدانية، فيشار إلى الطفل الموجود، ويقال: هذا كان مصاحبا لابويه الكافرين، وكل طفل كان كذلك كان نجسا ولو لاجل مصاحبته، فهذا كان نجسا، وهو القضية المتيقنة المتحدة مع القضية المشكوك فيها. ولو قيل: إن القضية المتيقنة ببركة الدليل الاجتهادي لا بد وأن تكون على طبقه، وهو لم يثبت الحكم على نفس الذات بل على الذات الموصوفة، وهي غير باقية، يقال له: إن الذات الموصوفة متحدة الوجود

[ 313 ]

في الخارج مع الذات، ولا يعقل حصول القطع بنجاسة الذات الموصوفة الخارجية، وعدم حصول القطع بنجاسة الذات، والتفكيك بين العناوين الكلية لا يستلزم التفكيك في الموجود الخارجي عرفا، فإذا كان زيد عالما في الخارج يحصل القطع بأن ابن عمرو وابن أخ الخالد عالم لمكان الاتحاد ولو كانت العناوين مختلفة، وبالجملة إنكار العلم بأن الطفل الموجود المسمى بفلان نجس مكابرة. فالقضية المتيقنة موضوعها الطفل المسمى بكذا، وهو باق بعينه عقلا وعرفا، مع أن ما ذكر مستلزم للبناء على طهارة ما انقطعت عنه هذه المصاحبة ولو بغير السبي، كما لو فر الطفل من حجر أبويه أو مات الابوان أو أخذه الوالى وسلمه إلى دار الرضاعة من غير البناء على عودة اليهما، إلى غير ذلك مما لا يمكن الالتزام به. ودعوى دخالة السبي في الحكم بالطهارة مع خلوها عن الدليل خروج عن محط البحث وفرار عن المبنى، والاستدلال للتبعية ببعض ما تقدم من النبوي وغيره كما ترى، فالاقوى عدم تبعيته مطلقا إذا سبي منفردا فضلا عمن سبي مع أبويه أو أحدهما. وأما اللقيط فمقتضى الاصل طهارته، وعدم جريان الاحكام المخالفة للقواعد عليه، نعم لا يبعد جريان حكم المسلم عليه إذا غلب على البلد المسلمون بحيث يكون غيرهم نادرا، وحكم الكافر إذا غلبت الكفار كذلك، لعدم اعتناء العقلاء في أمثال ذلك على الاحتمال، كما في الشبهة الغير المحصورة ونحوها، إلا أن يقال: مجرد الغلبة لا يكون حجة ما لم يحصل العلم العادي والاطمينان إلا إذا كان بناء العقلاء على العمل وأحرزنا إمضاء الشارع، وهو مشكل.

[ 314 ]

تنبيه: في تحصيل مفهوم الكفر، والظاهر مقابلته مع الاسلام تقابل العدم والملكة، والكافر وغير المسلم مساوقان، فمن لم يعتقد بالالوهية ولو لم يعتقد بخلافها ولم ينقدح في ذهنه شئ من المعارف ومقابلاتها يكون كافرا، وما ذكرناه هو المرتكز عند المتشرعة، والمستفاد من الادلة. فما في بعض الروايات مما يوهم خلاف ذلك لا بد من توجيهه. كقوله (ع) في رواية عبد الرحيم القصير: " ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال " (1) وفي صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا " (2) ورواية محمد بن مسلم قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا عن يساره وزرارة عن يمينه إذ دخل أبو بصير، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن شك في الله تعالى؟ قال: كافر يا أبا محمد، قال: فشك في رسول الله؟ فقال: كافر، ثم التفت إلى زرارة فقال: إنما يكفر إذا جحد " (3) ولعل المراد أنه لا يحكم بكفره إلا مع الجحود، ومن المحتمل أن يكون " يكفر " من التفعيل مبنيا للمفعول. بل هو مقتضى الجمع بين صدرها وذيلها، ومقتضى الجمع بينها


(1) راجع أصول الكافي - ج 3 ص 37 (باب أن الاسلام قبل الايمان) (2) هذه الرواية ضعيفة، لان في سندها محمد بن سنان على ما في أصول الكافي ج 2 ص 388 من الطبعة الحديثة (باب الكفر - الحديث 19) (3) أصول الكافي ج 2 ص 399 من الطبعة الحديثة (باب الشك - الحديث 3).

[ 315 ]

وبين غيرها مما حكم فيه بكفر الشاك كصحيحة منصور بن حازم قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: من شك في رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كافر، قال: قلت: فمن شك في كفر الشاك فهو كافر؟ فأمسك عني، فرددت عليه ثلاث مرات، فاستبنت في وجهه الغضب " (1) وعن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة: " لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا " (2) وفي صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من شك في الله تعالى وفي رسوله صلى الله عليه وآله فهو كافر " (3). وبالجملة لا إشكال بحسب ارتكاز المتشرعة في مقابلة الكفر والاسلام وأن الكافر من لم يكن مسلما، ومن شأنه ذلك، فلا بد في تحصيل معنى الكفر من تحصيل مفهوم الاسلام حتى يتضح هو بمقابلته. فنقول: إن المسلم بحسب إرتكاز المتشرعة هو المعتقد بالله تعالى، ووحدانيته، ورسالة رسول الله صلى الله عليه وآله، أو الشهادة بالثلاثة على احتمالين يأتي الكلام فيهما. وهذه الثلاثة مما لا شبهة ولا خلاف في اعتبارها في معنى الاسلام ويحتمل أن يكون الاعتقاد بالمعاد إجمالا أيضا مأخوذا فيه لدى المتشرعة على تأمل يأي وجهه.


(1) أصول الكافي ج 2 ص 387 من الطبعة الحديثة (باب الكفر - الحديث 11). (2) أصول الكافي ج 2 ص 399 من الطبعة الحديثة (باب الشك - الحديث 2). (3) أصول الكافي - ج 2 ص 386 من الطبعة الحديثة (باب الكفر - الحديث 10).

[ 316 ]

وأما الاعتقاد بالولاية فلا شبهة في عدم اعتباره فيه، وينبغي أن يعد ذلك من الواضحات لدى كافة الطائفة الحقة إن أريد بالكفر المقابل له ما يطلق على مثل أهل الذمة من نجاستهم وحرمة ذبيحتهم ومساورتهم وتزويجهم، ضرورة استمرار السيرة من صدر الاسلام إلى زماننا على عشرتهم ومؤاكلتهم ومساورتهم وأكل ذبائحهم والصلاة في جلودها، وترتيب آثار سوق المسلمين على أسواقهم من غير أن يكون ذلك لاجل التقية، وذلك واضح لا يحتاج إلى مزيد تجشم. لكن اغتر بعض من اختلت طريقته ببعض ظواهر الاخبار وكلمات الاصحاب من غير غور إلى مغزاها، فحكم بنجاستهم وكفرهم، وأطال في التشنيع على المحقق القائل بطهارتهم بما لا ينبغى له وله، غافلا عن أنه حفظ أشياء هو غافل عنها، فقد تمسك لنجاستهم بأمور: منها روايات مستفيضة دلت على كفرهم، كموثقة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن الله تعالى نصب عليا علما بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، ومن جاء بولايته دخل الجنة، ومن أنكره كان كافرا، ومن جهله كان ضالا، ومن نصب معه شيئا كان مشركا، ومن جاء بعدواته دخل النار " (1). ورواية أبي حمزة قال: " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن عليا باب فتحه الله تعالى من دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان


(1) أصول الكافي - ج 2 ص 388 من الطبعة الحديثة (باب الكفر - الحديث 20) وفيه: " فمن عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا - - إلى أن قال -: ومن جاء بولايته دخل الجنة ومن جاء بعدواته دخل النار ".

[ 317 ]

كافرا " (1) ونحوهما أخبار كثيرة، وفيه أن كفرهم على فرض تسليمه لا يفيد ما لم يضم إليه كبرى كلية هي: كل كافر نجس، ولا دليل عليها سوى توهم إطلاق معاقد إجماعات نجاسة الكفار. وهو وهم ظاهر، ضرورة أن المراد من الكفار فيها مقابل المسلمين الاعم من العامة والخاصة، ولهذا ترى إلحاقهم بعض المنتحلين إلى الاسلام كالخوارج والغلاة بالكفار، فلو كان مطلق المخالف نجسا عندهم فلا معنى لذلك، بل يمكن دعوى الاجماع أو الضرورة بعدم نجاستهم، وتخيل أن المحقق أول من قال بطهارتهم باطل، لقلة مصرح بنجاستهم قبله أيضا. نعم قد صرح جمع بكفرهم، منهم المحقق في أوصاف المتسحقين من كتاب الزكاة، قال: " وكذا لا يعطى غير الامامي وإن اتصف بالاسلام، ونعنى بهم كل مخالف في اعتقادهم الحق، كالخوارج والمجسمة وغيرهم من الفرق الذين يخرجهم اعتقادهم عن الايمان - إلى أن قال -: إن الايمان هو تصديق النبي صلى الله عليه وآله في كل ما جاء به، والكفر جحود ذلك، فمن ليس بمؤمن فهو كافر " انتهى. ومع ذلك قد صرح بطهارتهم في كتاب الطهارة، فالقول بكفرهم وطهارتهم غير متناقضين، لعدم الدليل على نجاسة مطلق الكفار، والعلامة أيضا - مع ظهور كلامه في محكي شرحه لكتاب فص الياقوت تصنيف الشيخ ابن نوبخت في كفرهم بالمعنى المعروف على تأمل - لم يحكم بنجاستهم في طهارة القواعد والتذكرة والمنتهى، بل صرح في التذكرة بطهارة من عدا النواصب منهم، فيظهر منه أن كفرهم لا يلازم نجاستهم.


(1) أصول الكافي - ج 2 ص 388 الطبعة الحديثة (باب الكفر - الحديث 16).

[ 318 ]

ومن ذلك يعلم عدم استفادة النجاسة من مثل قول ابن نوبخت: " دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، ومن أصحابنا من يفسقهم " ولا من قول ابن ادريس المحكي عن السرائر بعد اختيار عدم جواز الصلاة على المخالف تبعا للمفيد " وهو أظهر، ويعضده القرآن، وهو قوله تعالى: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " (1) يعني الكفار، والمخالف لاهل الحق كافر بلا خلاف بيننا " انتهى. ولعل السيد المرتضى أيضا حكم بكفرهم دون نجاستهم وإن كان ما نقل عنه خلاف ذلك، وهكذا حال سائر العبارات الموجبة لاغترار الغافل. وبالجملة لو التزمنا بكفرهم لا يوجب ذلك الالتزام بنجاستهم بعد عدم الدليل عليها وعلى نجاسة مطلق الكفار الشامل لهم، بل مع قيام الادلة على طهارتهم من النصوص المتفرقة في أبواب الصيد والذباحة وسوق المسلم وغيرها، وتوهم أن المراد من المسلم في النصوص والفتاوى في تلك الابواب خصوص الشيعة الاثنى عشرية من أفحش التوهمات. هذا كله لو سلم أنهم كفار، مع أنه غير مسلم، لتطابق النصوص والفتاوى في الابواب المتفرقة على إطلاق المسلم عليهم، فلا يراد بذبيحة المسلمين ولا سوقهم وبلادهم إلا ما هو الاعم من الخاصة والعامة لو لم نقل باختصاصها بهم، لعدم السوق في تلك الاعصار للشيعة كما هو ظاهر كما أن المراد من إجماع المسلمين في كتب أصحابنا هو الاعم من الطائفتين، هذا مع ما تقدم من ارتكاز المتشرعة خلفا بعد سلف على إسلامهم. وأما الاخبار المتقدمة ونظائرها فمحمولة على بعض مراتب الكفر، فان الاسلام والايمان والشرك أطلقت في الكتاب والسنة بمعان مختلفة،


(1) سورة التوبة: 9 - الآية 84.

[ 319 ]

ولها مراتب متفاوتة ومدارج متكثرة، كما صرحت بها النصوص، ويظهر من التدبر في الآيات، ففى آية " قالت الاعراب: آمنا قل: لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الايمان في قلوبكم " (1) وفى آية " فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا " (2) وفي آية " إن الدين عند الله الاسلام " (3) وفى آية " فان أسلموا فقد اهتدوا " (4) وفي آية " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام " (5). وفى رواية: " الاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها " (6) وفي أخرى " والاسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله " (7) وفى ثالثة: " إن الله خلق الاسلام فجعل له عرصة، وجعل له نورا، وجعل له حصنا، وجعل له ناصرا " الخ (8) وفي رابعة " الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوفاء، ومروته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت " (9) وفي خامسة " قال أمير المؤمنين عليه السلام: لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا


(1) سورة الحجرات: 49 - الآية 14. (2) سورة الجن: 72 - الآية 14. (3) و (4) سورة آل عمران: 3 - الآية 19 - 20. (5) سورة الانعام: 6 - الآية 125. (6) راجع أصول الكافي - ج 2 ص 26 من الطبعة الحديثة (باب أن الايمان لا يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان - الحديث 5) (7) راجع المصدر المذكور آنفا ص 25 - الحديث 1. (8) و (9) أصول الكافي - ج 2 ص 46 من الطبعة الحديثة (باب نسبة السلام - الحديث 3 - 2) وفي بعض النسخ: " وزينته الوقار ".

[ 320 ]

ينسبه أحد بعدي إلا بمثل ذلك. إن الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو العمل، والعمل هو الاداء " الخ (1). وكذا للايمان مراتب لو حاولنا ذكرها عما هو مقصدنا الآن، وبازاء كل مرتبة من مراتب الاسلام والايمان مرتبة من مراتب الكفر والشرك، فراجع أبواب أصول الكافي وغيره: كباب وجوه الكفر وباب وجوه الشرك، وباب أدنى الكفر والشرك، ترى أنهما أطلقا على غير الامامي، وعلى الكافر بالنعمة، وعلى تارك ما أمر الله به، وعلى تارك الصلاة. وعلى تاركها مع الجهد، وعلى تارك عمل أقر به، وعلى من عصى عليا عليه السلام، وعلى الزاني وشارب الخمر، ومن ابتدع رأيا فيحب عليه ويبغض، ومن سمع عن ناطق يروي عن الشيطان، وعلى من قال للنواة إنها حصاة وللحصاة إنها نواة ثم دان به، وقد استفاضت الروايات في إطلاق المشرك على المرائي، بل يستفاد من بعض الروايات أن من لقى الله وفي قبله غيره تعالى فهو مشرك، إلى غير ذلك. فهل لصاحب الحدائق وأمثاله أن يقولوا: إن كل من أطلق في الروايات عليه المشرك أو الكافر فهو نجس، وملحق بالكفار وأهل الكتاب؟ فهلا تنبه بأن الروايات التي تشبث بها لم يرد في واحدة منها أن من عرف عليا عليه السلام فهو مسلم ومن جهله فهو كافر، بل قابل في جميعها بين المؤمن والكافر، والكافر المقابل للمسلم غير المقابل للمؤمن.


(1) أصول الكافي - ج 2 ص 45 من الطبعة الحديثة (باب نسبة الاسلام - الحديث 1).

[ 321 ]

والانصاف أن سنخ هذه الروايات الواردة في المعارف غير سنخ ما وردت في الفقه، والخلط بين المقامين أوقعه فيما أوقعه، ولهذا أن صاحب الوسائل لم يورد تلك الروايات في أبواب النجاسات في جامعه، لانها أجنبية عن افادة الحكم الفقهي. ثم مع الغض عن كل ذلك فقد وردت روايات أخر حاكمة عليها لا يشك معها ناظر في أن إطلاق الكافر عليهم ليس على ما هو موضوع للنجاسة وسائر الآثار الظاهرة، كموثقة سماعة قال: " قلت: لابي عبد الله عليه السلام أخبرني عن الاسلام والايمان انهما مختلفان؟ فقال: إن الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس " الخ (1). وحسنة حمران بن أعين أو صحيحة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سمعته يقول: الايمان ما استقر في القلب وافضى به إلى الله وصدقه العمل بالطاعة لله، والتسليم لامر الله، والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح - إلى أن قال -: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شئ من الفضائل والاحكام والحدود وغير ذلك؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد، ولكن للمؤمن فضل على المسلم " الخ (2). وبعض فقرات هذا الحديث لا يخلو من


(1) أصول الكافي - ج 2 ص 25 من الطبعة الحديثة (باب أن الايمان يشركه الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان - الحديث 1). (2) راجع المصدر المذكور آنفا ص 26 - الحديث 5.

[ 322 ]

تشويش فراجع. ورواية سفيان بن السمط قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما؟ فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه، ثم التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل فقال له أبو عبد الله عليه السلام: كأنه قد أزف منك رحيل؟ فقال: نعم، قال: فالقني في البيت فلقيه، فسأل عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما؟ فقال: الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان، فهذا الاسلام، وقال: الايمان معرفة هذا الامر مع هذا فان أقر بها ولم يعرف هذا الامر كان مسلما وكان ضالا " (1). ورواية قاسم الصيرفي قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام: الاسلام يحقن به الدم، وتؤدى به الامانة، وتستحل به الفروج، والثواب على الايمان " (2) وقريب منها روايات أخر يظهر منها بنحو حكومة أن الناس مسلمون، وأن الاسلام عبارة عن الشهادتين، وبهما حقنت الدماء، وجرت الاحكام، وإن كان الثواب على الايمان والفضل له (3). هذا مع ما مر من أن الكفر يقابل الاسلام تقابل العدم والملكة حسب ارتكاز المتشرعة وأن ما أخذ في مهية الاسلام ليس إلا الشهادة بالوحدانية والرسالة والاعتقاد بالمعاد بلا إشكال في الاولين، وعلى


(1) و (2) أصول الكافي ج 2 ص 24 من الطبعة الحديثة (باب أن الاسلام يحقن به الدم وتؤدى به الامانة وأن الثواب على الايمان الحديث 4 - 1). (3) راجع أصول الكافي - ج 2 ص 24 و 25 و 26 من الطبعة الحديثة

[ 323 ]

احتمال اعتبار الاخير أيضا ولو بنحو الاجمال، ولا يعتبر فيها سوى ذلك سواء فيه الاعتقاد بالولاية وغيرها، فالامامة من أصول المذهب لا الدين. فالعامة العمياء من المسلمين بشهادة جميع الملل مسلما وغيره، وإنكاره إنكار لامر واضح عند جميع طبقات الناس، فما وردت في أنهم كفار لا يراد به الحقيقة بلا إشكال، ولا التنزيل في الاحكام الظاهرة لانه مع مخالفته للاخبار المستفيضة بل المتواترة التي مرت جملة منها واضح البطلان، ضرورة معاشرة أهل الحق معهم أنواع العشرة من لدن عصر الائمة عليهم السلام إلى الحال من غير نكير، ومن غير شائبة تقية. فلا بد من حملها إما على التنزيل في الاحكام الباطنة، كالثواب في الآخرة كما صرحت به رواية الصيرفى أو على بعض المراتب التي هي غير مربوطة بالاحكام الظاهرة، وأما الحمل على أنهم كفار حقيقة لكن يجري عليهم أحكام الاسلام ظاهرا ولو من باب المصالح العالية وعدم التفرقة بين جماعات المسلمين فغير وجيه بعد ما تقدم من أنه لا يعتبر في الاسلام إلا ما مر ذكره. ومما ذكرناه يتضح الجواب عن دعوى صاحب الحدائق بأنهم نصاب وكل ناصب نجس، أما الصغرى فلروايات: منها رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لانك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وانكم من شيعتنا " (1) ونحوها عن المعلى بن خنيس (2)، ومنها مكاتبة محمد بن علي بن عيسى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 3

[ 324 ]

المنقولة عن السرائر قال: " كتبت إليه يعني علي بن محمد عليهما السلام أسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد امامتها؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب " (1) وأما الكبرى فللاجماع والاخبار على نجاسة الناصب. والجواب بمنع المقدمة الاولى لضعف مستندها، أما الرواية الاولى فمضافا إلى ضعف سندها بجميع طرقها في متنها، وهي أما أولا فلورود روايات تدل على وجود الناصب لهم أهل البيت عليهم السلام، وحملها على الناصب لشيعتهم بعيد جدا، مع أن الواقع على خلاف ذلك، فكم لهم ناصب وعدو في عصرهم!. وأما ثانيا فلان الظاهر منها أن كل من نصب لمن يعلم أنه يتولاهم وشيعتهم فهو ناصب، ولا يمكن الالتزام به، إلا أن يقال: إن من نصب لجميع الشيعة التي تولى الائمة عليهم السلام مع علمه بذلك فهو ناصب، أي ناصب للشيعة وللموالي بما هم كذلك، لكنه ملازم لعدواتهم، سيما مع ضم توليهم، فان البغض لمن يتولاهم بما هو كذلك يرجع إلى البغض لهم، ولعل المراد أن الناصب لم يصرح بعداوتنا، ولو نصب لكم بما أنتم من موالينا يكون ذلك دليلا على نصبه. وأما الرواية الثانية فمع ضعفها سندا أيضا مخالفة للواقع إن كان المراد أن كل من قدمهما فهو ناصب لهم حقيقة، كيف وكثير منهم لا يكونون ناصبين لهم وإن قدموا الجبت والطاغوت، فيحتمل التنزيل بحسب الآثار في يوم القيامة، وأما بحسب الآثار ظاهرا فلا، لما تقدم. وبمنع المقدمة الثانية، أما دعوى الاجماع على الكلي بحيث يشمل


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 14 عن موسى بن محمد بن علي بن عيسى.

[ 325 ]

محل البحث فواضحة الفساد، بل يمكن دعوى الاجماع على خلافها، بل الاجماع العملي من جميع الطبقات على خلافها، وأما الاخبار فصرح في جملة منها بالناصب لنا أهل البيت، وما اشتملت على الناصب بلا قيد فمحمول عليه، لتبادر الناصب للناصب لهم لا لشيعتهم، بل مع تلك السيرة القطعية والاجماع العملي لا يمكن العمل برواية على خلافهما لو وردت كذلك فضلا عن فقدانها. ومما ذكرنا يظهر الحال في غير الاثنى عشري من سائر فرق الشيعة كالزيدي والواقفي، نعم لو كان فيهم من نصب لاهل البيت فمحكوم بحكمه، وسيأتي الكلام فيه، وأما مجرد الزيدية والواقفية فلا يوجب الكفر المقابل للاسلام وحال الاخبار الواردة فيهم حال ما وردت في الناس، وقد عرفت الكلام فيها. ومن بعض ما ذكر يظهر حال الدعوى الاخرى لصاحب الحدائق وهي أنهم منكرون للضروري من الاسلام، ومن كان كذلك فكافر، لكنه خلط بين مطلق العامة ونصابهم من قبيل يزيد وابن زياد عليهما لعائن الله، وفيها أولا أن الامامة بالمعنى الذي عند الامامية ليست من ضروريات الدين، فانها عبارة عن أمور واضحة بديهية عند جميع طبقات المسلمين، ولعل الضرورة عند كثير على خلافها فضلا عن كونها ضرورة، نعم هي من أصول المذهب، ومنكرها خارج عنه لا عن الاسلام وأما التمثيل بمثل قاتلي الائمة عليهم السلام وناصبيهم غير مربوط بالمدعى. وثانيا أن منكر الضروري بوجه يشمل منكر أصل الامامة لا دليل على نجاسته من إجماع أو غيره، بل الادلة على خلافها كما تقدم الكلام فيها.

[ 326 ]

تنبيه آخر: قد اختلفت كلماتهم في كفر منكر الضروري ونجاسته، فلا بد من تمحيص البحث في منكره بما هو في مقابل منكر الالوهية والنبوة، وأما البحث عن المنكر الذي يرجع إنكاره إلى إنكار الله تعالى أو النبي صلى الله عليه وآله فهو خارج عن محط البحث، ضرورة أن الموجب للكفر حينئذ هو إنكار الاصلين لا الضروري، وهو بأي نحو موجب له نعم أحد مبرزاته إنكار الضروري أحيانا، فالبحث المفيد هاهنا هو أن إنكاره مستقلا موجب للكفر كانكارهما أو لا؟. ثم أن القائل بأن إنكاره موجب له إذا رجع إلى إنكار أحد الاصلين من المنكرين لوجبيته له، فقد استدل الشيخ الاعظم على كفره بوجوه: منها أن الاسلام عرفا وشرعا عبارة عن التدين بهذا الدين الخاص الذي يراد منه مجموع حدود شرعية منجزة على العباد كما قال الله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " (1) ثم تمسك بروايات يأتي حالها، ثم قال: وأما ما دل من النصوص والفتاوى على كفاية الشهادتين في الاسلام فالظاهر أن المراد به حدوث الاسلام ممن ينكرهما من غير منتحلي الاسلام، إذا يكفي منه الشهادة بالوحدانية والرسالة المستلزمة للالتزام بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله إجمالا فلا ينافى ما ذكرنا من أن عدم التدين ببعض الشريعة أو التدين بخلافه موجب للخروج عن الاسلام، وكيف كان فلا إشكال في أن عدم التدين بالشريعة كلا أو بعضا مخرج عن الدين والاسلام.


(1) سورة آل عمران: 3 - الآية 19.

[ 327 ]

ثم ذكر أقسام المنكرين وساق الكلام إلى أن قال في تأييد عموم كلام الفقهاء في نجاسة الخوارج والنواصب للقاصر والمقصر: ويؤيدها ما ذكرنا من أن التارك للتدين ببعض الدين خارج عن الدين، انتهى ملخصا. وفيه أن لازم دليله من أن الاسلام عبارة عن مجموع الاحكام، والتدين بالمجموع إسلام، وعدم التدين به كفر هو كفر كل من لم يتدين بمجموع ما جاء به النبي واقعا أصلا وفرعا ضروريا وغيره، منجزا على المكلف أولا، لان عدم التنجز العقلي لا يوجب خروج غير المنجز عن قواعد الاسلام، فلا وجه المتقييد بالمنجز، مع أن هذا التقييد ينافي التأييد في ذيل كلامه، لعدم تنجز التكليف على القاصر. كما لا ينبغي معه الفرق بين الامور الاعتقادية والعملية بعد كون الاسلام عبارة عن مجموع ما ذكر، فالتفصيل بين الامرين كما وقع في خلال كلامه مناف لدليله، ومجرد أن المطلوب في الاحكام العملية ليس إلا العمل لا يوجب خروجها عن مهيته التي ادعى أنها مجموع هذه الحدود الشرعية، وبترك التدين ببعضها يخرج عن الاسلام، والانصاف إن كلامه في تقرير هذا المدعى لا يخلو من تدافع واغتشاش. والتحقيق أن ما يعتبر في حقيقة الاسلام بحيث يقال للمتدين به إنه مسلم ليس إلا الاعتقاد بالاصول الثلاثة أو الاربعة: أي الالوهية والتوحيد والنبوة والمعاد على إحتمال، وسائر القواعد عبارة عن أحكام الاسلام، ولا دخل لها في مهيته، سواء عند الحدوث أو البقاء، فإذا فرض الجمع بين الاعتقاد بتلك الاصول وعدم الاعتقاد بغيرها لشبهة بحيث لا يرجع إلى إنكارها يكون مسلما. نعم لا يمكن الجمع بين الاعتقاد بالنبوة مع عدم الاعتقاد بشئ

[ 328 ]

من الاحكام، وهذا بخلاف بعضها ضروريا كان أو غيره، لاجل بعض الشبهات والاعوجاجات، فإذا علم إن فلانا اعتقد بالاصول والتزم بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله إجمالا الذي هو لازم الاعتقاد بنبوته لكن وقع في شبهة من وجوب الصلاة أو الحج وتخيل أنهما كانا واجبين في أول الاسلام مثلا دون الاعصار المتأخرة لا يقال: إنه ليس بمسلم في عرف المتشرعة، وتدل على إسلامه الادلة المتقدمة الدالة على أن الاسلام هو الشهادتان. ودعوى أنهما كافيتان في حدوث الاسلام وأما المسلم فيعتبر في إسلامه أمور أخر زائدا عليهما خالية عن الشاهد، بل الشواهد في نفس تلك الروايات على خلافها، كما في حسنة حمران، والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء وغيرها مما تقدم ذكرها. والانصاف أن دعوى كون الاسلام عبارة عن مجموع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وترك الالتزام ببعضها بأي نحو موجبا للكفر مما لا يمكن تصديقها، ولهذا أن الشيخ الاعظم لم يلتزم به بعد الكر والفر. ومع الاغماض عما تقدم يلزم من دليله كفر كل من أنكر شيئا مما يطلب فيه الاعتقاد ولو لم يكن ضروريا كبعض أحوال القبر والبرزخ والقيامة، و كعصمة الانبياء والائمة عليهم السلام ونظائرها، والتفكيك بين الضروري وغيره خروج عن التمسك بهذا الدليل. ثم أن اندراج منكر المعاد أيضا في الكفار حقيقة ودعوى كون الاسلام عبارة عن الاعتقاد بالاركان الاربعة والاعتقاد بالمعاد داخل في مهيته أيضا لا يخلو من إشكال، بل منع، لاطلاق الادلة المتقدمة

[ 329 ]

الشارحة لمهية الاسلام الذي به حقنت الدماء، وقوة احتمال أن يكون الارتكاز المدعى لاجل وضوح عدم الجمع بين الاعتقاد بالنبوة وإنكار المعاد الذي لاجل كمال بداهة كونه من الاسلام عد في الاصول. فدعوى كون الاسلام هو الاعتقاد بالالوهية والتوحيد والنبوة غير بعيدة، وكلامنا هاهنا في مقام الثبوت والواقع، وإلا فمنكر الضروري سيما مثل المعاد محكوم بالكفر ظاهرا، ويعد منكرا للالوهية أو النبوة بل لا يقبل قوله إذا ادعى الشبهة إلا في بعض أشخاص أو بعض أمور يمكن عادة وقوع الشبهة منه أو فيه، كما أن إنكار البديهيات لدى العقول لا يقبل من متعارف الناس، فلو ادعى أحد أن اعتقاده أن الاثنين أكثر من الالف لا يقبل منه، بل يحمل على أنه خلاف الواقع إلا أن يكون خلاف المتعارف. ويمكن أن يقال: إن أصل الامامة كان في الصدر الاول من ضروريات الاسلام، والطبقة الاولى المنكرين لامامة المولى أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ولنص رسول الله صلى الله عليه وآله على خلافته ووزارته كانوا منكرين للضروري من غير شبهة مقبولة من نوعهم، سيما أصحاب الحل والعقد، وسيأتي الكلام فيهم. ثم وقعت الشبهة للطبقات المتأخرة لشدة وثوقهم بالطبقة الاولى، وعدم احتمال تخلفهم عمدا عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله ونصه على المولى سلام الله عليه، وعدم انقداح احتمال السهو والنسيان من هذا الجم الغفير، ولعل ما ذكرناه هو سر ما ورد من ارتداد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أربعة أو أقل أو اكثر، والظاهر عدم ارادة ارتداد جميع الناس سواء كانوا حاضرين في بلد الوحي أو لا، ويحتمل أن يكون المراد من ارتداد الناس نكث عهد الولاية ولو ظاهرا

[ 330 ]

وتقية لا الارتداد عن الاسلام، وهو أقرب. ومما استدل به على كفره جملة من الروايات: منها مصححة أبي الصباح عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قيل لامير المؤمنين عليه السلام: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله كان مؤمنا؟ قال: فأين فرائض الله؟ قال: وسمعته يقول: كان علي عليه السلام يقول: لو كان الايمان كلاما لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حرام، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن عندنا قوما يقولون إذا شهد أن لا إله إلا لله وأن محمد رسول الله فهو مؤمن، قال: فلم يضربون الحدود، ولم يقطع أيديهم، وما خلق الله تعالى خلقا أكرم على الله من مؤمن، لان الملائكة خدام المؤمنين، وان جوار الله تعالى للمؤمنين، وان الجنة للمؤمنين، وان الحور العين للمؤمنين، ثم قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافرا؟ " (1). قال الشيخ الاعظم: " فهذه الرواية واضحة الدلالة على ان التشريع بالفرائض مأخوذ في الايمان المرادف للاسلام كما هو ظاهر السؤال والجواب، كما لا يخفى " انتهى. أقول: بل هي واضحة الدلالة على أن المراد من الايمان فيها هو الايمان الكامل المنافي لترك ما فرضه الله ولفعل ما يوجب إجراء الحد عليه، والمؤمن الذى هذا صفته وملائكه الله خدامه وجوار الله له هو المؤمن الكامل لا المرادف للمسلم الذي لا ينافي إسلامه ارتكاب المعاصي وإجراء الحدود عليه إلى غير ذلك. نعم ذيلها يدل على أن جحد الفرائض موجب للكفر، فهو إما محمول بقرينة صدره على أن الجحد موجب للكفر المقابل للايمان لا


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 13

[ 331 ]

الاسلام، فيكون شاهدا على الحمل في سائر الروايات، فانها على كثرتها طائفتان. إحداهما - ما دلت على أن ترك الفرائض أو ترك ما أمر الله به موجب للكفر، وهي كثيرة جدا، كرواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " من اجترى على الله في المعصية وارتكاب الكبائر فهو كافر، ومن نصب دينا غير دين الله فهو مشرك " (1). ورواية حمران بن أعين قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " قال: إما آخذ فهو شاكر، وإما تارك فهو كافر " (2) ورواية عبيدة بن زرارة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله " فقال: ترك العمل الذي اقر به منه الذي يدع الصلاة متعمدا لا من سكر ولا من علة " (3). ورواية أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الكفر في كتاب الله خمسة أوجه - إلى أن قال -: والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عزوجل به، وهو قول الله عزوجل: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ " فكفرهم ترك ما أمر الله عزوجل به " (4) وفي كثير من الروايات ورد كفر تارك الصلاة، ومانع الزكاة، وتارك الحج، إلى غير ذلك. وثانيتهما - ما دلت على أن تركها مع الجحود أو الاستكبار أو نفس الجحد موجب له، وهي كثيرة أيضا، كصحيحة محمد بن مسلم قال: " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كل شئ يجره الاقرار


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 21 - 5 - 6 - 9.

[ 332 ]

والتسليم فهو الايمان، وكل شئ يجره الانكار والجحود فهو الكفر " (1) ورواية داود بن كثير الرقي قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: سنن رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال -: فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافرا " (2). ورواية عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: " ولم يخرجه إلى الكفر إلا الجحود الاستحلال، فإذا قال للحلال: هذا حرام وللحرام هذا حلال ودان بذلك فعندها يكون خارجا من الايمان والاسلام إلى الكفر " (3). ورواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا " (4). ورواية عبد الله بن سنان قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام - إلى أن قال -: فقال: من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الاسلام، وعذب أشد العذاب، وإن كان معترفا أنه ذنب ومات عليها أخرجه من الايمان ولم يخرجه من الاسلام وكان عذابه أهون من عذاب الاول " (5). ورواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في حديث: " الكفر أقدم من الشرك - ثم ذكر كفر إبليس ثم قال -: فمن اجترى على الله فأبى الطاعة وقام على الكبائر فهو كافر، يعني مستخف كافر " (6) إلى غير ذلك. ويمكن الجمع بينها إما بحمل الجميع على مراتب الكفر والشرك والايمان والاسلام، فأول مراتب الاسلام هو ما يحقن به الدماء ويترتب


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 1 - 2 - 18 - 8 - 10 - 4.

[ 333 ]

عليه أحكام ظاهرة، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله كما في موثقة سماعة ونحوها، وأكمل مراتبه هو ما عرفه أمير المؤمنين عليه السلام على ما في مرفوعة البرقي قال: " لانسبن الاسلام " الخ (1). ولعله المراد بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة " (2) فهذه المرتبة من الاسلام أعلى من كثير من مراتب الايمان، وبين المرتبتين مراتب إلى ما شاء الله، وبازاء كل مرتبة مرتبة من الكفر أو الشرك، وكذا للايمان درجات ومراتب كثيرة يشهد بها الوجدان والروايات، وبذلك يجمع بين جميع الروايات الكثيرة الواردة في الابواب المتفرقة، وله شواهد كثيرة في نفس الروايات، فخرجت الروايات المستشهد بها لكفر منكر الضروري عن صلاحية الاسشتهاد بها، وعن صلاحية تقييد مثل موثقة سماعة المتقدمة وغيرها. وإما بحمل الطائفة الاولى المتقدمة على الثانية، وحمل الطائفة الثانية على ما إذا جحد حكما علم أنه من الدين، لكن لا لكونه موجبا للكفر بنفسه، بل لكونه مستلزما لانكار الالوهية أو النبوة وتكذيب النبي صلى الله عليه وآله بدعوى عدم ملائمة تصديق النبوة مع إنكار ما أعلم أنه جاء به منتسبا إلى الله، من غير فرق بين الضروري منها وغيره، وهذا أقرب إلى حفظ ظواهرها من حملها على إنكار الضروري بل حملها عليه خال عن الشاهد، بل مخالف لكثير منها، سيما إذا قيل بالتسوية بين الجحد عن علم وغير علم، وإن لم نقل بأن الجحد هو


(1) راجع أصول الكافي ج 2 ص 45 من الطبعة الحديثة (باب نسبة الاسلام - الحديث 1). (2) سورة البقرة: 2 - الآية 208.

[ 334 ]

الانكار عن علم، وإلا فالامر أوضح. وهنا احتمال ثالث بعد حمل المطلقات على المقيدات، وهو حملها على الحكم الظاهري، وأن الجاحد لما علم أنه من الدين محكوم بالكفر لكنه لا يلائم جميع الروايات وإن يلائم بعضها، كما أن الجمع الثاني كذلك وإن كان أقرب من الثالث، وأقرب منهما الجمع الاول. وكيف كان لا دلالة لها على كفر منكر الضروري من حيث هو، والظاهر أن غالب كلمات الاصحاب في الابواب المختلفة سيما أبواب الحدود ناظر إلى الحكم الظاهري، وبعضها محتمل للوجه الثاني أو محمول عليه. فلا يمكن تحصيل الشهرة أو الاجماع على المدعى. ففي كتاب المرتد من الخلاف: " من ترك الصلاة معتقدا أنها غير واجبة كان كافرا يجب قتله بلا خلاف " وفي النهاية: " من استحل الميتة والدم ولحم الخنزير ممن هو مولود على فطرة الاسلام فقد ارتد بذلك عن دين الاسلام ووجب عليه القتل بالاجماع ". وفي حدود الشرايع: " من شرب الخمر مستحلا استتيب، فان تاب أقيم عليه الحد، وإن امتنع قتل، وقيل يكون حكمه حكم المرتد وهو قوي، وأما سائر المسكرات فلا يقتل مستحلها، لتحقق الخلاف بين المسلمين - وقال -: من استحل شيئا من المحرمات المجمع عليها كالميتة والدم ولحم الخنزير ممن ولد على الفطرة يقتل ". ويحتمل في هذه العبارات أحد الوجهين، ولهذا قال المحقق في حدود الشرايع: " كلمة الاسلام أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله " نعم صريح بعض وظاهر جمع حصول الارتداد بانكار الضروري أو ما يعلم إنه من الدين مطلقا وانه سبب مستقل، كما أن صريح بعض وظاهر جمع أنه ليس سببا مستقلا، بل هو لاجل

[ 335 ]

رجوعه إلى إنكار الاصلين، ولم يظهر من قدماء أصحابنا شئ من الوجهين يمكن الوثوق بمرادهم، فضلا عن تحصيل الشهرة في المسألة. نعم قد يقال بأن تسالمهم على نجاسة الخوارج والنصاب مع استدلالهم لها بأنهم منكروا الضروري من الدين دليل على تسالمهم بأن إنكاره مطلقا موجب للكفر، ضرورة أن كثيرا منهم بل غالبهم كانوا يتقربون إلى الله تعالى بالنصب لهم والحرب معهم، لجهلهم عما ورد في حقهم من الكتاب والسنة. وفيه أن التمسك لنجاستهم بانكارهم الضروري انما وقع من بعضهم، ولم يظهر تسالمهم عليه، بل الظاهر أن نجاسة الطائفتين مسلمة عندهم بعنوان النصب والحرب، ولهذا لم ينقل الخلاف في نجاستهما، مع وقوع الخلاف في منكر الضروري، فالاقوى عدم نجاسة منكر الضروري إلا أن يرجع إلى إنكار الاصلين ولو قلنا بأن الانكار مطلقا موجب للكفر، لعدم الدليل على نجاسة الكفار بحيث يشمل المرتد بهذا المعنى، أما الآية فواضح، وأما الروايات فقد مر الكلام فيها. وأما الاجماع فلم يقم عليها. بل لا يبعد أن يكون دعوى الشيخ الاجماع على كفر مستحل الميتة والدم ولحم الخنزير وارتداده تارة ودعوى عدم الخلاف في كفر من ترك الصلاة معتقدا أنها غير واجبة أخرى، مضافا إلى ما تقدم هي ارتداده بحسب بعض الآثار كالقتل وغيره دون النجاسة، تأمل. وكيف كان لا يمكن إثبات نجاسته بالاجماع أو الشهرة. وأما الطائفتان فالظاهر نجاستهما، كما نقل الاجماع وعدم الخلاف وعدم الكلام فيها من جملة من الاعاظم، وإرسالهم إياها إرسال المسلمات ويمكن الاستدلال عليها بموثقة ابن أبي يعفور هن أبي عبد الله عليه السلام

[ 336 ]

في حديث قال: " وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها يجمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت لانجس منه " (1) فانه بعد ثبوت نجاسة الطوائف الثلاث بما مر مستقصى جعل هذه الطائفة الخبيثة قرينة لهم يشعر أو يدل على كونهم نجسة، هذا مع التصريح بأنهم أنجس من الكلب الظاهر بمناسبة الحكم والموضوع في النجاسة الظاهرية، ومجرد جعلهم أنجس من الكلب لا يوجب رفع اليد عن الظاهر الحجة. ولا ينافى ذلك ما مر منا من الخدشة في الاستدلال عليها لنجاسة الطوائف الثلاث، لان الاستدلال هناك كان لمقارنتهم مع النصاب، وقلنا إن صرف ذلك لا يدل على المطلوب، وهاهنا بعد ثبوت النجاسة للطوائف يستدل من المقارنة على أن المراد بتلك النجاسة هي النجاسة الظاهرة التي للطوائف والكلب بالدليل الخارجي، تأمل. وأما الاستدلال لها برجوع إنكارهم فضائل أهل البيت الواردة من النبي الاكرم صلى الله عليه وآله إلى تخطئته واعتقاد الغفلة والجهل بعواقب أمورهم في حقه صلى الله عليه وآله وهو كفر فغير تام صغرى وكبرى، لمنع عموم المدعى في جميع طبقاتهم، ومنع صيرورته موجبا للكفر والنجاسة سيما مع ذهاب بعض أصحابنا كابن الوليد إلى أن نفى السهو عن النبي صلى الله عليه وآله أول مراتب الغلو، وظهور بعض الآيات والروايات في سهوه. وكيف كان لا ينبغي الاشكال في كفر الطائفتين ونجاستهما ثم أن المتيقن من الاجماع هو كفر النواصب والخوارج أي الطائفتين المعروفتين، وهم الذين نصبوا للائمة عليهم السلام، أو بعنوان


مرت في ص 305.

[ 337 ]

التدين به، وأن ذلك وظيفة دينية لهم، أو خرجوا على أحدهم كذلك كالخوارج المعروفة، والظاهر أن الناصب الوارد في الورايات كموثقة ابن أبي يعفور المتقدمة أيضا يراد به ذلك، فان النواصب كانوا طائفة معهودة في تلك الاعصار كما يظهر من الموثقة أيضا، حيث نهى فيما عن الاغتسال في غسالة الحمام التي يغتسل فيها الطوائف الثلاث والناصب، وليس المراد منه المعنى الاشتقاقي الصادق على كل من نصب بأي عنوان كان، بل المراد هو الطائفة المعروفة وهم النصاب الذين كانوا يتدينون بالنصب، ولعلهم من شعب الخوارج. وأما سائر الطوائف من النصاب بل الخوارج فلا دليل على نجاستهم وإن كانوا أشد عذابا من الكفار، فلو خرج سلطان على أمير المؤمنين عليه السلام لا بعنوان التدين بل للمعارضة في الملك أو غرض آخر كعائشة وزبير وطلحة ومعاوية وأشباههم أو نصب أحد عداوة له أو لاحد من الائمة عليهم السلام لا بعنوان التدين بل لعدواة قريش أو بني هاشم أو العرب أو لاجل كونه قاتل ولده أو أبيه أو غير ذلك لا يوجب ظاهرا شئ منها نجاسة ظاهرية. وإن كانوا أخبث من الكلاب والخنازير لعدم دليل من إجماع أو أخبار عليه. بل الدليل على خلافه، فان الظاهر أن كثيرا من المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كأصحاب الجمل والصفين وأهل الشام وكثير من أهالي الحرمين الشريفين كانوا مبغضين لامير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم وتجاهروا فيه ولم ينقل مجانبة أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم السلام وشيعته المنتجبين عن مساورتهم ومؤاكلتهم وسائر أنواع العشرة، والقول بأن الحكم لم يكن معلوما في ذلك الزمان وانما صار معلوما في عصر الصادقين عليهما السلام كما ترى، مع عدم

[ 338 ]

نقل مجانبة الصادقين عليهما السلام وأصحابهما وشيعتهما وكذا سائر الائمة عليهم السلام المتأخرة عنهما وشيعتهم عن مساورة شيعة بني أمية وبني العباس ولا من خلفاء الجور، والظاهر أن ذلك لعدم نجاسة مطلق المحارب والناصب، وأن الطائفتين لعنهما الله لم تنصبا للائمة عليهم السلام لاقتضاء تدينهما ذلك، بل لطلب الجاه والرياسة، وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، أعاذنا الله منه بفضله. بل المنقول عن بعض خلفاء بني العباس أنه كان شيعيا، ونقل عن المأمون أنه قال: " إني أخذت التشيع من أبي " ومع ذلك كان هو وأبوه على أشد عداوة لابي الحسن موسى بن جعفر وابنه الرضا عليهما السلام لما رأيا توجه النفوس اليهما، فخافا على ملكهما من وجودهما. وبالجملة لا دليل على نجاسة النصاب والخوارج إلا الاجماع وبعض الاخبار، وشي منهما لا يصلح لاثبات نجاسة مطلق الناصب والخارج، وإن قلنا بكفرهم مطلقا، بل وجوب قتلهم في بعض الاحيان. ثم أن المتحصل من جميع ما تقدم أن المحكوم بالنجاسة هو الكافر المنكر للالوهية أو التوحيد أو النبوة وخصوص النواصب والخوارج بالمعنى المذكور، وسائر الطوائف من المنتحلين إلى الاسلام أو التشيع كالزيدية والواقفة والغلاة والمجسمة والمجبرة والمفوضة وغيرهم إن اندرجوا في منكري الاصول أو في إحدى الطائفتين فلا إشكال في نجاستهم كما يقال: إن الواقفة من النصاب لسائر الائمة من بعد الصادق عليه السلام. وأما مع عدم الاندراج فلا دليل على نجاستهم، فان بعض الاخبار الواردة في كفر بعضهم كقوله عليه السلام: " من شبه الله بخلقه فهو

[ 339 ]

مشرك، ومن نسب إليه ما نهي عنه فهو كافر " (1) وقوله عليه السلام: " من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك " (2) وقوله عليه السلام: " والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك " (3) وغير ذلك فسبيله سبيل الاخبار الكثيرة المتقدمة وغيرها مما لا يحصى مما أطلق فيها الكافر والمشرك على كثير ممن يعلم عدم كفرهم وشركهم في ظاهر الاسلام وقد حملناها على مراتب الشرك والكفر، كما قامت الشواهد في نفس الروايات عليه. والانصاف أن كثرة استعمال اللفظين في غير الكفر والشرك الظاهريين صارت بحيث لم يبق لهما ظهور يمكن الاتكال عليه لاثبات الكفر والشرك الموجبين للنجاسة فيمن أطلقا عليه، ولا لاثبات التنزيل في جميع الآثار، وهو واضح جدا لمن تتبع الروايات، ولا دليل آخر من إجماع أو غيره على نجاستهم. وأما الغلاة فان قالوا بالهيه أحد الائمة عليهم السلام مع نفي إله آخر أو إثباته أو قالوا بنبوته فلا إشكال في كفرهم، وأما مع الاعتقاد بألوهيته تعالى ووحدانيته ونبوة النبي صلى الله عليه وآله فلا يوجب شئ من عقائدهم الفاسدة كفرهم ونجاستهم حتى القول بالاتحاد أو الحلول إن لم يرجع إلى كون الله تعالى هو هذا الموجود المحسوس - والعياذ بالله - فانه يرجع إلى إنكار الله تعالى. بل يراد بهما ما عند بعض الصوفية من فناء العبد في الله واتحاده معه نحو فناء الظل في ذيه، فان تلك الدعاوى لا توجب الكفر وإن كانت فاسدة، وكالاعتقاد بأن الله تعالى فوض أمر الخلق مطلقا إلى


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد المرتد الحديث 1 - 5 - 4.

[ 340 ]

أمير المؤمنين عليه السلام، فهو بتفويض الله تعالى إليه خالق ما يرى وما لا يرى، ورازق من ورى، وأنه محيي ومميت إلى غير ذلك من الدعاوي الفاسدة، فان شيئا منها لا يوجب الكفر، وإن كان غلوا وكان الائمة عليهم السلام يبرؤون منها و ينهون الناس عن الاعتقاد بها. ودعوى أن اثبات ما هو مختص بالله تعالى لغيره إنكار للضروري، ممنوعة إن أريد به ضروري الاسلام، فان تلك الامور من ضروري العقول لا الاسلام، مع أن منكر الضروري ليس بكافر كما مر. وأما المجسمة فان التزموا بأنه تعالى جسم حادث كسائر الحوادث فلا إشكال في كفرهم لانكار ألوهيته تعالى، ولا أظن التزامهم به، ومع عدمه بأن اعتقد بجسميته تعالى بمعنى أن يعتقد أن الاله القديم الذي يعتقده كافة الموحدين جسم لنقص معرفته وعقله فلا يوجب ذلك كفرا ونجاسة. هذا إن ذهب إلى أنه جسم حقيقة، فضلا عما إذا قال بأنه جسم لا كالاجسام، كما نسب إلى هشام بن الحكم الثقة الجليل المتكلم، ولقد ذب أصحابنا عنه، وقالوا: انما قال ذلك معارضة لطائفة لا اعتقادا وبعض الاخبار وإن ينافي ذلك لكن ساحة مثل هشام مبرأ عن مثل هذا الاعتقاد السخيف، مع أن مراده غير معلوم على فرض ثبوت اعتقاده به. وأما القول بالجبر أو التفويض فلا إشكال في عدم استلزامه الكفر بمعنى نفي الاصول إلا على وجه دقيق بغفل عنه الاعلام فضلا عن عامة الناس، ومع عدم الالتفات إلى اللازم لا يوجب الكفر جزما. ودعوى استلزام الجبر لنفي العقاب والثواب وذلك إبطال للنبوات لو فرضت صحتها فلم يلتزم المجبر به، ولا إشكال في أن القائل بهما

[ 341 ]

ليس منكرا للضروري، لعدم كون الامر بين الامرين من ضروريات الدين، بل ولا من ضروريات المذهب، وإن كان ثابتا بحسب الاخبار بل البرهان كما حقق في محله. والانصاف ان الامر بين الامرين بالمعنى المستفاد من الاخبار والقائم عليه البرهان الدقيق لا يمكن تحميل الاعتقاد به إلى فضلاء الناس فضلا عن عوامهم وعامتهم، ولهذا ترى أنه قلما يتقف لاحد تحقيق الحق فيه، وسلوك مسلك الامر بين الامرين من دون الوقوع في أحد الطرفين أي الجبر والتفويض سيما الثاني. فتحصل مما ذكر عدم كفر الطوائف المتقدمة، فما عن غير واحد من أن نجاسة الغلاة إجماعية أو لا خلاف ولا كلام فيها، فالقدر المتيقن منه هو الغلو بالمعنى الاول لا بمعنى التجاوز عن الحد مطلقا، وما عن الشيخ وغيره من نجاسة المجسمة، وعن حاشية المقاصد والدلائل " لا كلام في نجاستهم " لعل المراد منهم من توجه والتفت إلى لازمه، وإلا فلا دليل عليها كما تقدم، وكذا الكلام في المجبرة والمفوضة. بقي الكلام في المنافقين الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر، فان قلنا بأن الاسلام عبارة عن الاعتقاد بالاصول الثلاثة، وكلمة الشهادتين طريق إثباته في الظاهر أو أنه عبارة عن الاقرار باللسان والاعتقاد بالجنان فيكون الموضوع الاحكام مركبا من جزئين وجعل أحدهما طريقا للآخر فلا إشكال في كفرهم واقعا وإن رتبت عليهم أحكام الاسلام ظاهرا ما لم يثبت خلافه، فإذا علمنا بنفاقهم لا يجوز إجراء الاحكام عليهم. فحينئذ يقع الاشكال في المنافقين الذين كانوا في صدر الاسلام، وكان النبي صلى الله عليه وآله والوصي عليه السلام يعاملان معهم معاملة

[ 342 ]

الاسلام، وطريق دفعه إما بأن يقال: إن مصالح الاسلام اقتضت جعل أحكام ثانوية واقعية نظير باب التقية، فجريان أحكام الاسلام عليهم واقعا لمصلحة تقوية الاسلام في أوائل حدوثه، فانه مع عدم إجرائها في حال ضعفه ونفوذ المنافقين وقوتهم كان يلزم منه الفساد والتفرقة، فأجرى الله تعالى أحكامه عليهم واقعا، وأما بعد قوة الاسلام وعدم الخوف منهم وعدم لزوم تلك المفسدة فلا تجرى الاحكام عليهم. وإما بأن يقال: إن ترتيب الآثار كان ظاهرا لخوف تفرقة المسلمين، فهم مع كفرهم وعدم محكوميتهم بأحكامه واقعا كان رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه عليه السلام يعاملان معهم معاملة المسلمين ظاهرا حفظا لشوكة الاسلام، والالتزام بالثاني في غاية الاشكال، بل مقطوع الخلاف بالنسبة إلى بعض الاحكام. وإما بأن يقال: إن العلم الغير العادي كالعلم من طريق الوحي لم يكن معتبرا، لا بمعنى نفي اعتباره حتى يلزم منه الاشكال، بل بالتزام تقييد في الموضوع، وهو أيضا بعيد. وإن قلنا بأن الاسلام عبارة عن صرف الاقرار ظاهرا والشهادة باللسان وهو تمام الموضوع لاجراء الاحكام واقعا فلا إشكال في طهارتهم وإجراء الاحكام عليهم، ولا يرد الاشكال على معاملة النبي صلى الله عليه وآله معهم معاملة الاسلام، فانهم مسلمون حقيقة، إلا أن يظهر منهم مخالفة الاسلام، بأن يقال: إن الاسلام عبارة عن التسليم والانقياد ظاهرا مقابل الجحد والخروج عن السلم، فمن ترك عبادة الاوثان مثلا ودخل في الاسلام بالاقرار بالشهادتين وانقاد لاحكامه كان مسلما منقادا يجري عليه أحكام واقعا، إلا أن يظهر منه ما يخالف الاصول. هذا بحسب مقام الثبوت، وأما بحسب مقام الاثبات والتصديق.

[ 343 ]

فقد عرفت في صدر المبحث أن المرتكز في أذهان المتشرعة أن الاسلام عبارة عن الاعتقاد بالاصول الثلاثة، فلو علمنا بأن نصرانيا أظهر الاسلام من غير اعتقاد بل يبقى على اعتقاد التنصر لم يكن في ارتكازهم مسلما. لكن يظهر من الكتاب والاخبار خلاف ذلك، قال تعالى: " قالت الاعراب: آمنا قل: لم تؤمنوا ولكن قولوا: أسلمنا، ولما يدخل الايمان في قلوبكم " (1) في المجمع: (2) " هم قوم من بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وآله في سنة جدبة وأظهروا الاسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر - ثم قال -: قال الزجاج: الاسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله، بذلك يحقن الدم، فان كان مع ذلك الاظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الايمان - إلى أن قال -: وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: الاسلام علانية والايمان في القلب أشار إلى صدره " انتهى. وموثقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سمعته يقول: قالت الاعراب: آمنا قل: لم تؤمنوا ولكن قولوا: أسلمنا " فمن زعم أنهم آمنوا فقد كذب، ومن زعم أنهم لم يسلموا فقد كذب " (3) وفي موثقة جميل بن دراج قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: " قالت الاعراب: آمنا قل: لم تؤمنوا ولكن قولوا: أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فقال لي: ألا ترى أن


(1) سورة الحجرات: 49 - الآية 14، (2) ج 5 ص 138 ط صيدا. (3) اصول الكافي ج 2 ص 25 الطبعة الحديثة (باب أن الاسلام يحقن به الدم - الحديث 5).

[ 344 ]

الايمان غير الاسلام " (1). وفي حسنة حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سمعته يقول: الايمان ما استقر في القلب، وأفضى به إلى الله، وصدقه العمل بالطاعة لله، والتسليم لامر الله، والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح - ثم استشهد بالآية المتقدمة - وقال: فقول الله أصدق القول " (2). وتدل عليه أيضا جملة من الروايات الاخر، كموثقة سماعة المتقدمة عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: " فقلت: فصفها لي فقال: الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله به حقنت الدماء. وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والايمان الهدى، وما يثبت في القلوب من صفة الاسلام، وما ظهر من العمل به، والايمان أرفع من الاسلام بدرجة، إن الايمان يشارك الاسلام في الظاهر والاسلام لا يشارك الايمان في الباطن، وإن اجتمعا في القول والصفة " (3) وهي بحسب ذيلها كالصريحة أو الصريحة في المقصود. ويمكن المناقشة في صدرها بأن يقال: إن الشهادة لا تصدق إلا مع الموافقة للقلوب، ولهذا كذب الله تعالى المنافقين مع شهادتهم برسالة النبي صلى الله عليه وآله، فقال: " والله يشهد أن المنافقين لكاذبون "


(1) اصول الكافي ج 2 ص 24 الطبعة الحديثة (باب أن الاسلام يحقن به الدم - الحديث 3). (2) و (3) مرتا في ص 321.

[ 345 ]

والظاهر أن تكذيبهم لعدم موافقة شهادتهم لقلوبهم. ويمكن دفعها بأن الشهادة صادقة بصرف الشهادة ظاهرا، ولهذا تجعل مقسما للصادقة والكاذبة بلا تأويل، ولعل التكذيب في الآية كان لقرينة على دعواهم موافقة القلوب للظاهر، وكيف كان لا إشكال في دلالتها عليه. وفي صحيحة الفضيل بن يسار قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الايمان يشارك الاسلام ولا يشاركه الاسلام، إن الايمان ما وقر في القلوب، والاسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء " (1). وفي رواية حفص بن خارجة قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام - إلى أن قال -: فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالايمان، ويجري عليه أحكام المؤمنين، وهو عند الله كافر، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله " (2) إلى غير ذلك، وحمل تلك الروايات على لزوم جريان الاحكام في الظاهر لو أمكن في بعضها لكن يأبي عنه أكثرها. ثم أن المشهور على ما حكاه جماعة طهارة ولد الزنا وإسلامه، بل عن الخلاف الاجماع على طهارته، ولعله مبني على أن فتوى السيد بكفره لا يلازم فتواه بنجاسته، كما أن فتوى الصدوق بعد جواز الوضوء بسؤره لا يستلزم القول بها، ولم يحضرني كلام السيد ولا الحلي، واختلف النقل عنهما، ففي الجواهر: " في السرائر أن ولد الزنا قد ثبت كفره


(1) أصول الكافي - ج 2 ص 26 الطبعة الحديثة (2) اصول الكافي ج 2 ص 40 الطعبة الحديثة (باب أن الايمان مثبوت لجوارح البدن كلها - الحديث 8).

[ 346 ]

بالادلة بلا خلاف بيننا، بل يظهر منه أنه من المسلمات، كما عن المرتضى الحكم بكفره أيضا " انتهى. ويظهر ذلك أيضا من الشيخ سليمان البحراني، كما في الحدائق، وهو لا يدل على حكمهما بنجاسته، لعدم الملازمة بينهما بعد قصور الادلة عن إثبات نجاسة مطلق الكافر، إلا أن يقال: إن السيد قائل بنجاسة كل كافر، كما يظهر من انتصاره وناصرياته. وكيف كان تدل على إسلامه الاخبار الشارحة للاسلام الذي عليه المناكح والمواريث، وإطلاقها شامل له بلا شبهة، ودعوى عدم الاطلاق في غاية الضعف، وهي حاكمة على جميع ما ورد في حق ولد الزنا، فان غاية ما في الباب تصريح الاخبار بكفره، فتكون حالها حال الاخبار التي وردت في كفر كثير من الطوائف وشركهم مما مر الكلام فيها، مع عدم دليل عليه أيضا كما سنشير إليه. ثم أن القائل بكفره إن أراد أنه لا يمكن منه الاسلام عقلا أو لا يقع منه خارجا فلا بد من طرح إظهاره للشهادتين، للعلم بتخلفه عن الواقع، ففيه - مضافا إلى عدم الدليل على ذلك لو لم نقل: إن الدليل على خلافه - أنه لو سلم لا يوجب كفره، لما مر من أن الاسلام الذي يجري عليه الاحكام ظاهرا ليس إلا التسليم الظاهري والانقياد باظهار الشهادتين، فما لم يظهر منه شئ مخالف لذلك يكون محكوما بالاسلام ولو علم عدم اعتقاده كما قلنا في المنافقين. وإن أراد منه أنه محكوم بأحكام الكفر من عدم جواز التزويج وغيره فهو ممكن، لكن يحتاج إلى قيام دليل عليه، وهو مفقود، لان الاخبار الواردة فيهم الدالة على عدم دخولهم في الجنة فانها للمطهرين لا تدل على كفرهم، بل فيها ما تدل على صحة إيمانهم، مثل ما دل

[ 347 ]

على بناء بيت في النار لولد الزنا العارف، وكان منعما فيها ومحفوظا عن لهيبها، وهذا دليل على صحة إيمانه. ولا يجب على الله تعالى أن يدخله الجنة، فان ما يحكم به العقل امتناع تعذيب الله تعالى أحدا من غير كفر أو عصيان، وأما لزوم إدخاله في الجنة بل لزوم جزائه واستحقاقه على الله تعالى شيئا فلا دليل عليه، بل العقل حاكم على خلافه، نعم لا يمكن تخلف وعده، لكن لو دل دليل على اختصاص وعده بطائفة خاصة لا ينافي حكم العقل. وكيف كان هذه الطائفة من الاخبار أجنبية عن الاحكام الظاهرية، كأجنبية سائر ما تشبث به في الحدائق، كما وردت في مساواة ديتهم لدية أهل الكتاب مع عدم عمل الطائفة بهذه الاخبار على ما حكي. وما وردت من أن حب علي عليه السلام علامة طيب الولادة، وبغضه علامة خبثها (1) وما وردت من أن لبن أهل الكتاب أحب إلي من لبن ولد الزنا (2) وما وردت أن نوحا عليه السلام لم يحمل في السفينة ولد الزنا مع حمله الكلب والخنزير (3) وما وردت من عدم قبول شهادته وعدم جواز توليته القضاء والامامة (4) إلى غير ذلك مما لا دخل لها بكفره ونجاسته، كما لا يخفى. نعم ربما يتمسك لنجاسة بأخبار غسالة الحمام، وبكفره بدعوى ملازمتها مع كفره، في المتقدمتين إشكال ومنع، أما الثانية فلعدم الدليل


(1) كتاب الغدير - ج 4 ص 322 و 323. (2) الوسائل - الباب - 75 - من أبواب أحكام الاولاد - الحديث 2 من كتاب النكاح. (3) البحار - ج 5 ص 287 الطبع الحديث. (4) راجع الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الشهادات والباب 14 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 348 ]

عليها، وأما الاولى فللاشكال في روايتها سندا ودلالة. أما رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن عليه السلام قال: " سألته أو سأله غيري عن الحمام قال: أدخله بمئزر. وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم " (1) فمع ضفعها وإرسالها أن الظاهر منها أن اغتسال الجنب بما هو مانع عن الاغتسال بغسالة الحمام لا للنجاسة، ولعله لكون البقية هو الماء المستعمل فلا يمكن الاستدلال بها لنجاسة ولد الزنا ولو كان الناصب نجسا. وقريب منها رواية علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن عليه السلام في حديث أنه قال: " لا تغتسل من غسالة الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم " (2) والظاهر منها أن غسالة الغسل من الزنا بما هي من غسل الزنا مانع، وهو غير نجس بالضرورة، والحمل على نجاسة عرقه خلاف ظاهرها. وأما رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبع آباء " (3) فمع ضعفها وارسالها تدل على خلاف مطلوبه، ضرورة أن قوله عليه السلام: " لا يطهر إلى سبع آباء " بمنزلة التعليل للمنع، مع قيام الضرورة بعدم نجاسة آباء ولد الزنا أو أبنائه، فيعلم أن ما اوجب النهى عن غسالته، هو خباثته المعنوية لا النجاسة الصورية، ولو كان المراد منه المبالغة فلا تناسب إلا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 من أبواب الماء المضاف - الحديث 1 - 3 - 4.

[ 349 ]

للخباثة المعنوية. بل هي شاهدة على صرف سائر الروايات على فرض دلالتها، فأخبار هذا الباب ينبغي أن تعد من أدلة طهارة ولد الزنا لا نجاسته، فما في الحدائق من دعوى دلالة الاخبار الصحيحة الصريحة الغير القابلة للتأويل على كفره أو نجاسته على فرض ارادتها أيضا في غاية الغرابة بعد ما عرفت من عدم دلالة رواية واحدة على مطلوبه. بل عرفت دلالتها على خلافه، وأغرب منه توهم عدم وقوف علمائنا الاعلام على هذه الاخبار التي خرجت من لديهم، وإليه إلى مثله، وهو عيال لهم في العثور عليها، وكم له من نظير. تتميم: يذكر فيه بعض ما هو محل خلاف بين الاصحاب: منها - عرق الجنب من الحرام، فعن جملة من المتقدمين كالصدوقين والشيخين والقاضي وابن الجنيد القول بالنجاسة، وعن الخلاف الاجماع عليه. وعن الاستاذ دعوى الشهرة العظيمة عليه، وعن الرياض الشهرة العظيمة بين القدماء، وعن المراسم والغنية نسبته إلى أصحابنا، وعن المبسوط إلى رواية أصحابنا، وعن أمالي الشيخ الصدوق أنه من دين الامامية. واستدل عليه بجملة من الروايات، كرواية إدريس بن داود الكفرثوثي " انه كان يقول بالوقف، فدخل سر من رأى في عهد أبي الحسن عليه السلام وأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلى فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره حركه أبو الحسن عليه السلام

[ 350 ]

بمقرعة، وقال مبتدئا: إن كان من حلال فصل فيه، وإن كان من حرام فلا تصل فيه " (1). وعن إثبات الوصية لعلي بن الحسين المسعودي نقل الرواية بتفصيل آخر، وفي آخرها " فقال لي: يا إدريس أما آن لك؟ فقلت: بلى يا سيدي، فقال: إن كان العرق من الحلال فحلال، وإن كان من الحرام فحرام من غير أن أسأله، فقلت به وسلمت لامره " (2). وعن البحار: وجدت في كتاب عتيق من مؤلفات قدماء أصحابنا رواه عن أبي الفتح غازي بن محمد الطريفي، عن علي بن عبد الله الميموني عن محمد بن على بن معمر، عن علي بن يقطين بن موسى الاهوازي عن الكاظم عليه السلام مثله، وقال: " إن كان من حلال فالصلاة في الثوب حلال، وإن كان من حرام فالصلاة في الثوب حرام " (3) كذا في مفتاح الكرامة، وفي المستدرك ذكره بعد رواية المناقب نقلا عن البحار وعن مناقب ابن شهر اشوب " أن علي بن مهزيار كان أراد أن يسأل أبا الحسن عليه السلام عن ذلك وهو شاك في الامامة - إلى أن قال -: ثم قلت: أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب؟ فقلت في نفسي: إن كشف عن وجهه فهو الامام، فلما قرب مني كشف وجهه، ثم قال: إن كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا تجوز الصلاة فيه، وإن كان جنابته من حلال فلا بأس، فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة " (4). وعن الفقه الرضوي " إن عرقت في ثوبك وأنت جنب فكانت


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب النجاسات - الحديث 12 (2) و (3) و (4) المستدرك - الباب - 20 - من ابواب النجاسات الحديث 7 - 5 - 5.

[ 351 ]

الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه، وإن كان حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل " (1) نقله في الحدائق ولم ينقله صاحب المستدرك. وقد يؤيد بما ورد في غسالة الحمام، كرواية علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن عليه السلام قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا " (2). وفي الكل نظر، أما الاجماع أو الشهرة فغير ثابت لا بالنسبة إلى النجاسة ولا المانعية، أما الاولى فلان عبارات القدماء إلا الشاذ منهم خالية عن التصريح بالنجاسة، بل ولا ظهور فيها يمكن الاتكال عليه، ففي الامالي (3) فيما يملي من دين الامامية: " وإذا عرق الجنب في ثوبه وكانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة في الثوب، وإن كانت من حرام فحرام الصلاة فيه ". وفي الفقيه: " ومتى عرق في ثوبه وهو جنب فليستنشف فيه إذا اغتسل، وإن كانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة فيه، وإن كانت من حرام فحرام الصلاة فيه ". وهما كما ترى ظاهران في المانعية لا النجاسة، بل الظاهر من الثاني الطهارة مع المانعية، لان الظاهر أن الضمير المجرور في ذيله راجع إلى الثوب الذي أجاز التنشيف به، وفي الخلاف: " عرق الجنب إذا كان الجنابة من حرام يحرم الصلاة فيه، وإذا كان من حلال فلا بأس بالصلاة فيه - ثم قال -: دليلنا إجماع الفرقة ودليل الاحتياط والاخبار التي ذكرناها في الكتابين المتقدم ذكرهما ".


(1) فقه الرضا - ص 4. (2) مرت في ص 348. (3) ص 384 - 385 ط قم.

[ 352 ]

وهو كما ترى نقل الاجماع على حرمة الصلاة، وهي أعم من النجاسة، كحرمة الصلاة في وبر ما لا يؤكل، وتوهم أن مراده النجاسة بقرينة تصريحه في نهايته بنجاسته وتظهر من تهذيبه أيضا في غير محله حتى بالنسبة إلى فتواه، فضلا عن نقل فتوى الفرقة، لاحتمال عدوله عن الفتوى بالنجاسة، كما يظهر من محكي مبسوطه التوقف في الحكم، وفى التهذيب في ذيل كلام المفيد حيث قال: " ولا يجب غسل الثوب منه - أي من عرق الجنب - إلا أن تكون الجنابة من حرام، فتغسل ما أصابه من عرق صاحبها من جسد وثوب، ويعمل في الطهارة بالاحتياط " قال بهذه العبارة: " فأما ما يدل على أن الجنابة من حرام فانه يغسل الثوب منها احتياطا فهو ما أخبرني - ثم نقل صحيحة الحلبي - قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل أجنب في ثوبه " الخ (1). ثم حمل الرواية على عرق المجنب من حرام، ثم قال: " مع أنه يحتمل أن يكون المعنى فيه أن يكون أصاب الثوب نجاسة فحينئذ يصلي فيه ويعيد " انتهى. فترى أن كلام الشيخين مبني على الاحتياط، نعم يظهر منهما سيما الاول أنه لاحتمال النجاسة، وفي المراسم: " وأما غسل الثياب من زرق الدجاج وعرق الجلال وعرق الجنب من الحرام فأصحابنا يوجبون ازالته، وهو عندي ندب " والظاهر أن المسألة لم تكن إجماعية، لمخالفته صريحا، وذكر زرق الدجاج، مضافا إلى عدم ظهور معتد به لكلامه في النجاسة. وفي الغنية: " وقد ألحق أصحابنا بالنجاسات عرق الابل الجلالة، وعرق الجنب إذا أجنب من حرام " وهو غير صريح، بل ولا ظاهر في النجاسة، لاحتمال أن يكون مراده الالحاق الحكمي مطلقا أو في خصوص


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 11.

[ 353 ]

الصلاة، فيمكن تأييد شارح الموجز، فعنه أن القول بالنجاسة للشيخ وهو متروك، بل تصديقه، بل تصديق دعوى الحلي الاجماع على الطهارة بدعوى رجوع الشيخ عن القول بها فضلا عن تصديق دعوى صاحب المختلف والذكرى والكفاية والدلائل الشهرة بها. وأما الاخبار فلا دلالة لشئ منها على النجاسة، نعم ظهرها مانعيته عن الصلاة، وهي أعم منها، نعم ما عن الفقه الرضوي لا يخلو من إشعار عليها، لكن كون هذا الكتاب رواية غير ثابت، فضلا عن اعتباره، فلو ثبت اعتماد الاصحاب على تلك الروايات الدالة على عدم جواز الصلاة فيه لا محيص عن العمل بها، لكنه أيضا محل إشكال، سيما مع ما في الخلاف كما تقدم، حيث تمسك في الحكم بالاخبار التي في التهذيبين. فلو كان اعتماده على تلك الاخبار لم يقل ذلك، ولم يكن وجه لترك التمسك بها في الكتابين، وسيما مع نقل الدلائل عن المبسوط نسبة كراهة الصلاة فيه إلى الاصحاب، وإن قال صاحب مفتاح الكرامة: " ولم أجد ذكر ذلك فيه " فان عدم وجدانه أعم. فاثبات المانعية بتلك الروايات الضعيفة غير المجبورة مشكل بل ممنوع، والاتكال على نفس الشهرة والاجماع المنقول في الخلاف وغيره أيضا لا يخلو من إشكال، لاعراض المتأخرين عنه من زمن الحلي، مضافا إلى أن مدعي الاجماع كالشيخ توقف أو مال إلى الخلاف على ما في محكي مبسوطه ويظهر من تهذيبه. والناسب إلى الاصحاب توقف كابن زهرة أو أفتى بالخلاف كأبي يعلى سلار بن عبد العزيز. وأما ما في الامالي فالظاهر أن ما أدى إليه نظره عده من دين الامامية، كما يظهر بالرجوع إلى أحكام ذكرها في ذلك المجلس.

[ 354 ]

هذا مع ما في جملة من الروايات المصرحة بعدم البأس عن عرق الجنب لا يبعد دعوى تحكيم بعضها على تلك الاخبار، مثل ما عن أمير المؤمنين عليه السلام: قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما؟ فقال: إن الحيض والجنابة حيث جعلهما الله عزوجل ليس في العرق، فلا يغسلان ثوبهما " (1). وعن أبي عبد الله عليه السلام: " لا يجنب الثوب الرجل، ولا يجنب الرجل الثوب " (2) فلو كان عرق الجنب موجبا للنجاسة أو المانعية في الجملة لم يعبرا بمثل ما ذكر فيهما، هذا ولكن الاحتياط لا ينبغي أن يترك سيما بالنسبة إلى المانعية. ومنها - عرق الابل الجلالة، والاقوى نجاسته وفاقا للمحكي عن الصدوقين والشيخين في المقنعة والنهاية والمبسوط والقاضي والعلامة في المنتهى وصاحب كشف اللثام والحدائق واللوامع، وعن الرياض أنها الاشهر بين القدماء، وقد تقدم ما في الغنية والمراسم من نسبة إلحاقه بالنجاسات في الاول، ونسبة وجوب ازالته عن الثياب في الثاني إلى الاصحاب. وما قلنا في المسألة السابقة: إن المحتمل في الاول الالحاق الحكمي، ولم يكن الثاني صريحا في النجاسة لدفع تحصيل الشهرة أو الاجماع بابداء الاحتمال لا ينافى تشبثنا بكلامهما في المقام، للفرق بين المسألتين بأن هناك لم يدل دليل معتمد على النجاسة، بل ولا على المانعية فاحتجنا في اثباتها اليهما ولو لجبر سند بعض ما تقدم، والمناقشة في تحققهما أو جبر الاسناد بهما بما تقدم كافية فيه.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 9 - 5

[ 355 ]

وهاهنا تدل الرواية الصحيحة على نجاسته، فلا يجوز رفع اليد عنها إلا باثبات إعراض الاصحاب عنها، ومع المناقشة فيه باحتمال كون مراد صاحب الغنية والمراسم ذهاب الاصحاب إلى نجاسته تبقى الصحيحة سليمة عن الموهن، وهي صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تشرب من ألبان الابل الجلالة، وإن أصابك شئ من عرقها فاغسله " (1) وإطلاق صحيح هشام بن سالم عنه عليه السلام قال: " قال: لا تأكل اللحوم الجلالة، وإن أصابك من عرقها فاغسله " (2). وعن الفقيه: " نهى صلى الله عليه وآله عن ركوب الجلالات وشرب ألبانها، وإن أصابك من عرقها فاغسله " (3) وخلافا للمراسم وعن الديلمي والحلي وجمهور المتأخرين بل عن كشف الالتباس والذكرى والبحار وغيرها نسبته إلى الشهرة من غير تقييد، بل عن كشف الالتباس أن القول بالنجاسة للشيخ وهو متروك. وقد بالغ المحقق صاحب الجواهر في تشييده وتأييده بما لا مزيد عليه، ولم يأت بشي مقنع يتجه معه ترك العمل بالحجة الظاهرة في النجاسة، أما تمسكه بالاصول فمع الاشكال في بعضها فظاهر، كتمسكه بعمومات طهارة الحيوان أو سؤره، وكون الجلال طاهر العين، وملازمة طهارة سؤره لطهارة عرقه لعدم الانفكاك غالبا، واستبعاد الفرق بينهما وبين ما حرم أكله أصالة، بل وبين سائر الجلالات، بل وبين سائر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 - 1 (3) وعن الصدوق في المقنع: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تشرب من ألبان الابل الجلالة، وإن أصابك شئ من عرقها فاغسله " راجع المستدرك - الباب - 11 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 356 ]

فضلات نفسه، وما دل على حل أكله بعد الاستبراء من غير ذكر نجاسته، وبفحوى عدم حرمة استعماله في الركوب وحمل الاثقال مع استلزامه للعرق غالبا من غير الامر بالتجنب. إذا العمومات على فرض وجودها قابلة للتخصيص، مع أن الظاهر عدم عموم لفظي يدل على طهارة الجلال أو سؤره، بل لو كان شئ يكون إطلاقا، مع أنه أيضا محل تأمل ومناقشة، وعلى فرضه قابل للتقييد وقضية ملازمة طهارة سؤره لطهارة عرقه على فرضها إنما هي متجهة لورود دليل في خصوص سؤر الجلال، وهو مفقود، والعمومات والاطلاقات لا تقتضي ما ذكر، مع أنها مخصصة أو مقيدة. والاستبعاد المذكور غير معتمد في الاحكام التعبدية، مع عدم بعد في بعض، وعدم إطلاق فيما دل على حل الاكل بعد الاستبراء، لكونها في مقام بيان حكم آخر، ومنه يظهر حال الفحوى المدعى إلى غير ذلك من مؤيداته. وأما ما أفاده من أن صحيحة هشام ومرسل الفقيه لا اختصاص فيهما بالابل، لا قائل غير النزهة بالاعم، والتخصيص إلى واحد غير جائز، والحمل على العهد تكلف، فلا بد من الحمل على غير الوجوب، والا لكان الخبر من الشواذ، ومجاز الندب أولى من عموم المجاز، لشيوعه حتى قيل: إنه مساو للحقيقة، فيكون قرينة على ارادة الندب أيضا بالنسبة إلى الابل في حسنة حفص. ففيه بعد تسليم جميع المقدمات أنه لا يوجب رفع اليد عن الحسنة، و دعوى قرينية ما ذكر لارادة الندب فيها ممنوعة، بل هي مخصصة أو مقيدة للصحيح و المرسل، مع أن ما ذكر من المقدمات غير سليمة عن المناقشة بل المنع.

[ 357 ]

لمنع لزوم الاستهجان لو قلنا بعدم نجاسة غير عرق الابل، فان هيئة الامر على ما ذكرنا في محله لا تدل على الوجوب دلالة لفظية وضعية بل هي موضوعة للبعث و الاغراء، كما أن هيئة النهى موضوعة للزجر، فهى في عالم الالفاظ كالاشارة المغرية أو الزاجرة، نعم مع عدم قيام دليل على الترخيص تكون حجة على العبد، لحكم العقل والعقلاء على لزوم تبعية إغراء المولى وزجره مع عدم الدليل على الترخيص، كما ترى في الاشارة الاغرائية أو الزاجرة مع عدم وضعها لشئ. فحينئذ نقول: إن الترخيص إلى واحد لا يوجب الاستهجان مع بقاء أصل البعث بالنسبة إلى سائر الافراد، فان الترخيص ليس مخصصا للدليل، بل يكون كاشفا عن عدم الارادة الالزامية بالنسبة إلى مورد الترخيص مع بقاء البعث بحاله من غير ارتكاب خلاف ظاهر، نعم لو دل دليل على عدم استحباب غسل عرق سائر الجلالات لا يبعد القول بالاستهجان. هذا لو لم نقل بأن كثرة ابتلاء أهالي محيط ورود الروايات بالابل دون سائر الجلالات، فانها بالنسبة إلى الابل كانت قليلة بحيث توجب الانصراف أو عدم استهجان التخصيص وإلا فالامر أوضح. والانصاف عدم قيام الحجة بما ذكره لرفع اليد عن الحجة القائمة على النجاسة، فالاقوى نجاسته، كما أن الاقوى طهارة عرق سائر الجلالات، الاحوط التجنب منه أيضا. وقد وقع من الشيخ الاعظم هنا أمر ناش عن الاستناد إلى حافظته الشريفة والتعجيل في التصنيف، وهو انه نقل حسنة ابن البختري مع إسقاط لفظة " الابل "، فقال: إن ظاهر الصحيحة الاولى كالحسنة عدم اختصاص الحكم بالابل، مع ان جميع النسخ الموجودة عندي وكذا

[ 358 ]

الكتب الفرعية التي راجعتها مشتملة عليها، ومن هنا لزم على كل باحث أن يراجع المدارك عند التأليف والفتوى، ولا يكتفي بالكتب الاستدلالية لنقل الرواية ولا يتكل عليها، فضلا عن حفظ نفسه بعد ما رأى وقوع مثله من مثل من هو تالي العصمة وفقيه الامة، والله العاصم. ثم إنه قد تقدم الكلام في المسوخ فلا نطيل بالاعادة، وهنا بعض أمور أخر قد ذهب بعض إلى نجاسته، ودل بعض الاخبار عليها كلبن الجارية والحديد وأبوال البغال والحمير و غيرها مما هي ضعيفة المستند بعد كون طهارتها كأمر ضروري، فلا نطيل إلى ذكرها. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وقد وقع الفراغ من مبيضة هذه الوريقات في صبيحة العاشر من ذي الحجة الحرام سنة 1373 هج‍

[ 359 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين. الفصل الثاني في أحكام النجاسات وفيه مطالب: الاول - المعروف بينهم القول بسراية النجاسة مما هو محكوم بها شرعا إلى ما يلاقيه وهكذا بلغ ما بلغ، فهاهنا جهات من البحث بعد الفراغ عن أن السراية من الاعيان النجسة إلى ملاقياتها تتوقف على الرطوبة السارية كما مر الكلام فيه مستقصى. الاولى: الكلام في سرايتها إلى الملاقيات مقابل من أنكر ذلك إما مطلقا أو في الجملة، وهو لازم كلام علم الهدى حيث حكي عنه في مقام الاستدلال لجواز استعمال المايعات الطاهرة غير الماء في تطهير الثوب بأن تطهيره ليس إلا إزالة النجاسة عنه، وقد زالت بغير الماء شاهدة، وأوضح منه ما حكي عنه من جواز تطهير الاجسام الصقيلة بالمسح بحيث تزول عنها العين معللا لذلك بزوال العلة، والظاهر منهما أن الاعيان النجسة لا تؤثر في تنجيس ملاقياتها حكما، وأن الطهارة للاشياء ليست إلا زوال عين النجاسة منها، فإذا زالت العلة ولا يبقى أثر منها تصير طاهرة، إذ ليست النجاسة إلا تلطخها بأعيانها، وهذا

[ 360 ]

مساوق للقول بعدم سراية النجاسة من الاعيان إليها. وعن المحدث الكاشاني " أنه لا يخلو من قوة، إذ غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب أعيان النجاسات، وأما وجوب غسلها بالماء من كل جسم فلا، فما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهره إلا ما خرج بدليل يقتضي اشتراط الماء كالثوب والبدن، ومن هنا يظهر طهارة البواطن بزوال العين وطهارة أعضاء الحيوان النجسة غير الآدمي به، كما يستفاد من الصحاح " انتهى. ولعمري أن قول السيد أظهر في هذا المقال من قول الكاشاني أو مثله حيث تبعه في ذلك، فلا وجه للطعن عليه بتفرده. ويمكن أن يستدل على مطلوبهما بطوائف من الاخبار: منها ما دلت على أن الله جعل الارض مسجدا وطهورا، وورودها في مقام الامتنان يؤكد إطلاقها، فعن الخصال باسناده عن أبي أمامة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فضلت بأربع: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (1) وفي مرسلة أبان عن أبي عبد الله عليه السلام: " إن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى - إلى أن قال -: جعل له الارض مسجدا وطهورا " الخ (2) ودعوى عدم إطلاقها فانه في مقام الاخبار بالتشريع كأنها في غير محلها، فان حكايته انما هي للعمل، لا لنقل قضية كنقل التاريخ، فلو كانت أرض خاصة طهورا لكان عليه البيان، سيما مع اقتضاء المقام التعميم، كدعوى اختصاصها برفع الحدث لعدم الدليل عليه، ومجرد اشتمال بعضها على ذكر التيمم لا يوجب الاختصاص. ومن هذا القبيل صحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب التيمم الحديث 3 - 1

[ 361 ]

" إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) سيما إذا أريد التشبيه، ومجرد كون صدرها في مورد التيمم لا يوجب تقييد الكبرى الكلية التي في مقام الامتنان المقتضي للتعميم. وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة للمطلوب بأن يقال: إن الطهارة لدى العرف عبارة عن خلو الاشياء ونقائها عن القذارات، والارض كالماء مؤثرة في إزالتها وإرجاعها إلى حالها الاصلية، وزوال العلة، وهي بعينها دعوى السيد، ولازمه عدم سراية القذارات في الاشياء، إذ الارض لا تؤثر إلا في زوال الاعيان، وهو بعينه الطهارة عرفا وعقلا. وبالجملة هذه الطائفة تدل على ما ذهب إليه من عدم اختصاص الطهور بالماء، ويثبت بها لازمه، وشاهدة أيضا على ما لدى العقلاء في مهية الطهارة والقذارة، فما قد يمكن أن يقال: إن التعبير بالطهور دليل على أن الاشياء تصير قذرة محتاجة إلى المطهر - غاية الامر كما يكون الماء مطهرا تكون الارض مطهرة وهو مخالف لمذهب السيد - مدفوع بأن العرف لا يرى الطهارة إلا إزالة النجاسة عن الجسم وإرجاعه إلى حالته الذاتية، وطهورية الارض كطهورية الماء ليست إلا ذلك، وهي معلومة بالمشاهدة كما قال السيد في كلامه المتقدم. ومنها ما دلت على مطهرية غير الماء لبعض النجاسات، كصحيحة زرارة قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها، أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلا أن يقذرها، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها، ويصلي " (2) ولا يخفى قوة دلالتها على مذهب السيد، فان العذرة


(1) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب التيمم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 7

[ 362 ]

ظاهرة وضعا أو انصرافا إلى ما للانسان أو الاعم منها ومما لغير المأكول من السباع كالكلب والسنور، وحملها على عذرة مأكول اللحم خلاف الظاهر جدا، كما أن حمل المسح على المسح بالارض خلاف ظاهرها، بل الظاهر منها أن كل ما أذهب أثرها كاف، والميزان فيه ذهاب الاثر بأي طريق كان، وهو عين مدعاه، ولازمه عدم السراية حكما مطلقا. بل يمكن دعوى حكومة هذه الرواية على الروايات الواردة في غسل ملاقي القذارات بدعوى أن قوله (ع): " لا يغسلها إلا أن يقذرها " دليل على أن الامر بالغسل فيها لرفع القذارة العرفية بجميع مراتبها، لا لكون الماء ذا خصوصية شرعا، بل المعتبر لدى الشارع ليس إلا ذهاب الاثر بأي نحو اتفق. وكموثقة الحلبي أو صحيحته قال: " نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: أين نزلتم؟ فقلت: في دار فلان، فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا، أو قلنا له: إن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس، إن الارض يطهر بعضها بعضا " (1) ومقتضى إطلاقها أن الارض بازالتها للعين موجبة للتطهر من غير اختصاص بالمشي أو بالرجل وغير ذلك. وبما ذكرنا من أن الطهارة في الاشياء عرفا وعقلا ليست إلا زوال القذارات عنها، ورجوعها إلى حالتها الاصلية من غير حصول صفة وجودية فيها، يظهر صحة الاستدلال بروايات تدل على مطهرية الشمس أو هي والريح في بعض ما يذهب أثره باشراق الشمس وتبخيرها (2) وبما هو كالضروري من أن زوال عين النجاسة عن بدن الحيوان بأي نحو موجب


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 (2) المروية في الوسائل - الباب - 29 - من أبواب النجاسات

[ 363 ]

لطهارته، وبما دل على طهارة بصاق شارب الخمر (1) وما دل على أنه ليس للاستنجاء حد إلا النقاء (2) وبموثق غياث الدال على جواز غسل الدم بالبصاق (3) وبمرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام " في عجين عجن وخبز ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة، قال: لا بأس أكلت النار ما فيه " (4) وبما دل على طهارة الدن الذي كان فيه الخمر ثم يجفف ويجعل فيه الخل (5) إلى غير ذلك، فان كل تلك الموارد موافق للقواعد، وليس للشارع إعمال تعبد فيها بعد عدم كون الطهارة أمرا مجعولا تعبديا، بل هي بمعنى النظافة، وهى تحصل بازالة القذارة بأي نحو كان. ونحوها أو أوضح منها رواية عبد الاعلى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الحجامة أفيها وضوء؟ قال: لا، ولا يغسل مكانها، لان الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا " (6) فان الظاهر منها أن التنظيف بأي نحو يقع مقام الغسل في تحصيل الطهارة وليس المراد منه الغسل بالماء جزما، أما أولا فلعدم تعارف غسل الحجام محل الحجامة، بل المتعارف تنظيفه بثوب أو خرقة، فحملها عليه حمل بالفرد النادر أو غير المحقق، وأما ثانيا فلان تبديل الغسل بالتنظيف وجعله مقابلا له مع أن المناسب ذكر الغسل دليل على مغايرتهما، فهي


(1) المروية في الوسائل - الباب - 39 - من أبواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل - الباب - 13 - من ابواب احكام الخلوة (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الماء المضاف - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 18 (5) مر في ص 183. (6) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 364 ]

دالة على أن الغسل لم يؤمر به إلا للتنظيف، والحجام إذا كان ينظفه حصل المقصود به، ومنه يعرف سر الامر بالغسل في سائر النجاسات، وهو تحصيل النظافة عرفا. ومن ضم تلك الروايات الكثيرة وغيرها مما لم نذكره يحصل الجزم لو خليت الواقعة عن دليل تعبدي بأن التنظيف عند الشارع ليس إلا ما لدى العقلاء، وأن الامر بالغسل بالماء فيما ورد انما هو لسهولة تحصيل الطهور به ولو فوره ولكونه مع مجانيته أوقع وأسهل في تحصيله، ومعه لا يفهم من الادلة الآمرة بغسل الاشياء بالماء خصوصية تعبدية، ولا يفهم العرف أن التطهير والتنظيف لدى الشارع غير ما لدى العقلاء وأن الطهارة عنده ليست عبارة عن خلو الشئ عن القذارة العارضة، بل هي أمر آخر ليس للعقلاء إلى فهمه سبيل، فان كل ذلك بعيد عن الافهام، مخالف لتلك الروايات الكثيرة، يحتاج إثباته إلى دليل تعبدي رادع للعقلاء عن ارتكازهم، ولا تصلح الروايات الآمرة بالغسل لذلك لما عرفت. ومنها روايات متفرقة في الابواب ظاهرة في عدم السراية، كصحيحة حكم بن حكيم قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أبول فلا أصيب الماء، وقد أصاب يدي شئ من البول فأمسحه بالحائط وبالتراب ثم تعرق يدي فأمسح بها وجهي أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي، قال: لا بأس به " (1) وهي أيضا موافقة لما تقدم.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - وقد احتمل المحدث الكاشاني فيها احتمالين: أحدهما الظاهر منها أن ما يلاقي اليد برطوبة بعد زوال عين النجاسة عنها بالمسح يلاقي اليد المتنجسة لا عين النجاسة، فالرواية دليل على مدعاه وثانيهما أن =

[ 365 ]

ونحوها رواية سماعة قال: " قلت لابي الحسن موسى عليه السلام إني أبول فأتمسح بالاحجار فيجئ مني البلل ما يفسد سراويلي، قال: ليس به بأس " (1). ورواية زيد الشحام " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل علي، فقال: لا بأس به " (2) وحملها على تطهر الثوب بالمطر كما ترى. ورواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: " سألته عن الكنيف يصب فيه الماء، فينضح على الثياب ما حاله؟ قال: إذا كان جافا فلا بأس " (3). وصحيحة أبي أسامة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: تصيبني السماء وعلي ثوب فتبله وأنا جنب، فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني أفأصلي فيه؟ قال: نعم " (4) بناء على أن المراد إصابة الثوب لنفس المني الذي في الجسد لا للجسد الملاقي له. ورواية علي بن أبي حمزة قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه، فقال: ما أرى به بأسا، فقال: إنه يعرق حتى لو شاء أن يعصره عصره، قال: فقطب


= اصابة البول جميع أجزاء اليد ووصول جميع أجزاء اليد إلى الوجه أو الجسد أو الثوب وشمول العرق كل اليد كلها غير متيقنة، فاحتمال ملاقاه البول لا يوجب رفع اليد عن الطهارة المتيقنة سابقا. (1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب نواقض الوضوء - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب النجاسات - الحديث 7. (3) الوسائل - الباب - 60 - من أبواب النجاسات - الحديث 2. (4) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات الحديث 3

[ 366 ]

أبو عبد الله عليه السلام في وجه الرجل، فقال: إن أبيتهم فشئ من ماء فانضحه " (1) والظاهر أن السؤال عن الثوب الذي فيه أثر الجنابة إذا عرق فيه، ومعلوم أن العرق بالوجه المسؤول عنه يوجب ملاقاة البدن للاثر، والحمل على السؤال عن عرق الجنب كما ترى. وموثقة أبي أسامة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب الذي فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل علي، قال: لا بأس " (2) وتوجيهها بأن المطر طهره بعيد، فان إزالة المني تحتاج إلى الدلك ونحوه. وأوضح منها صحيحة زرارة قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله؟ قال: نعم لا بأس به، إلا أن تكون النطفة فيه رطبة، فان كانت جافة فلا بأس " (3) والظاهر أن التفصيل بين الرطبة وغيرها لكون التجفيف بالرطبة موجبا لتلوث البدن بها دون اليابسة التي لا يوجب ذلك معها إلا الملاقاة له بلا ثلوث بالنطفة (4) إلى غير ذلك مما يعثر عليه المتتبع (5)،


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 4 (2) لعلها محمول على عدم العلم بالتسرية تأمل، راجع الوسائل الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 6. (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب النجاسات - الحديث 7 (4) ولعل التفصيل بين الرطبة وغيرها من أجل أنه إذا كانت رطبة يعلم موضع النجاسة فيه، فلا بد من الاحتراز عنه، بخلاف ما إذا كانت جافة، فانه ربما لا يعلم موضعها فلا يجب الاحتراز عن كله، تأمل. (5) كذيل صحيحة العيص المروي في الوسائل - الباب - 6 - من =

[ 367 ]

وليس في مقابلها غير الروايات المستفيضة بل المتواترة الآمرة بالغسل بالماء (1) أو بالغسل المنصرف إلى كونه بالماء في أنواع النجاسات، وهي لا تصلح لمعارضتها، أما أولا فلان المفهوم منها - بعد ما تقدم من أن الطهارة ليست لدى العقلاء إلا إزالة النجاسة - أن الامر بالغسل بالماء ليس إلا للتطهير والتنظيف من غير خصوصية للماء، وانما خص بالذكر لسهولته وكثرته وأوقعيته للتطهير غالبا، وأما ثانيا فلعدم المفهوم لتلك الروايات، فلا تنافى بينها وبين ما تقدم من جواز التنظيف بغيره كالارض والتراب والبصاق ونحوها، بل لبعض الاخبار المتقدمة نحو حكومة عليها كما تقدم. نعم ما دل على أن الاستنجاء في محل البول لا بد له من الماء (2)


= أبواب النجاسات - الحديث 2 وموثقة حنان بن سدير المروية في الباب - 13 - من أبواب نواقض الوضوء - الحديث 7 - ورواية محمد ابن مسلم المروية في الباب - 11 - من أبواب أحكام الخلوة - الحديث 2 وكلها لا تخلو عن مناقشة. (1) المروية في الوسائل - الباب - 9 - 26 - 28 - 29 - 31 - 34 - من ابواب أحكام الخلوة والباب - 1 - 2 - 4 - 5 - 7 - 8 - 12 - 13 14 - 16 - 19 - 21 - 24 - 25 - 34 - 38 - 40 - 51 - 53 - 68 - من ابواب النجاسات والباب - 1 - 3 - من أبواب الاسئار وغيرها. (2) كرواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: " يجزى من الغائط المسح بالاحجار، ولا يجزي من البول إلا الماء " وفي صحيحة زرارة عنه عليه السلام قال: " ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما البول فانه لا بد من غسله " راجع الوسائل - الباب - 9 - من =

[ 368 ]

ولا يجوز بغيره مخصوص بمورده، ولا يتعدى منه إلى البول في سائر الموارد فضلا عن غيره، مع احتمال أن يكون اللابدية اضافية في مقابل التحجر لا سائر المايعات. وغير ما دل على تغسيل ملاقي مثل الكلب والخنزير والكافر (1) مما لا يتلوث الملاقي به، وهو دليل على عدم كون النجاسة والطهارة لدى الشارع ما لدى العرف، ولهذا حكم بنجاسة أمور لا يستقذرها العرف وعدم نجاسة أمور يستقذرها. ويمكن أن يجاب عنه بأن النجاسات الالحاقية كالكافر والكلب وغيرها مما لا يستقذرها العقلاء بما هو كذلك ليست نجاستها لكشف قذارة واقعية في ظاهر أجسامها من سنخ القذارات الصورية، لعدم قذارة كذائية فيها، بل الظاهر أن انسلاكها في سلك القذارات بجهات وعلل أخرى سياسية أو غيرها، وليس الحكم بغسل ملاقياتها للسراية كما في سائر النجاسات المستقذرة، بل لامور أخر وعلل شتى غير السراية: كتجنب المسلمين عن الكفار، وعدم اختلاطهم بهم، وكدفع مضرات لم نطلع بها، فإذا لم تكن الامر بالغسل للسراية لم تكن تلك الروايات شاهدة على أن سائر النجاسات كذلك، وأن الطهارة والنجاسة مطلقا في عرف الشرع ونظر الشارع المقدس غير ما عند العقلاء. وبعبارة أخرى مجرد إلحاق أشياء بها وإخراج أشياء منها لا يدل على مخالفة نظره مع العرف في أصل مهية النجس و الطاهر.


= أبواب أحكام الخلوة - الحديث 6 - 1. (1) راجع الوسائل - الباب - 12 - 13 - 14 - 26 - من أبواب النجاسات والباب - 1 - 3 - من أبواب الاسئار.

[ 369 ]

وغير الادلة الدالة على انفعال الماء القليل وسائر المايعات (1) وهي تبلغ في الكثرة حد التواتر، وفيه أن تلك مسألة برأسها لا تكون أوضح من هذه المسألة، ولا ملازمة بينهما كما لا يخفى، هذا غاية ما يمكن لنا ذكره في هذا المختصر لتأييد مذهبهما. لكن الانصاف عدم خلو كثير من تلك الاخبار من المناقشة إما في السند أو في الدلالة أو الجهة، لو حاولنا ذكرها تفصيلا لطال بنا البحث، كما أن، الانصاف خلو بعضها منها، لكن مع ذلك كله لا يمكن الاتكال في تلك المسألة التي عدت من الضروريات على تلك الاخبار المعرض عنها أو عن إطلاقها خلفا عن سلف. وقد مر منا مرارا أن دليل حجية أخبار الثقة ليس إلا بناء العقلاء مع إمضاء الشارع، ومعلوم أن العقلاء لا يتكلون على أخبار أعرض عنها نقلتها وغيرهم، بل ادعى جمع من الاعاظم الاجماع على تنجيس المتنجس فضلا عن النجس، فهذه المسألة من المسائل التي يقال فيها: إنه كلما ازادادت الاخبار فيها كثرة وصحة ازدادت وهنا وضعفا، هذا مع تظافر الاخبار بسراية النجاسة من المتنجس كما يأتي، فضلا عن النجس. الجهة الثانية: بعد الفراغ عن السراية من الاعيان النجسة يقع الكلام في السراية من المتنجس إلى ملاقيه، إما في الجملة أو مطلقا ولو بلغ ما بلغ، وهي الجهة الثالثة. وقد نسب الخلاف في أصل السراية إلى ابن إدريس، واختاره صريحا المحدث الكاشاني، لكن لم يظهر من الحلي الانكار مطلقا، أي في مطلق المتنجسات، لاحتمال اختصاص كلامه بميت الانسان، وإن


(1) راجع الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق والباب - 5 من ابواب الماء المضاف.

[ 370 ]

كان ظاهر تعليله العموم، لكن يظهر منه في بعض الموارد عدم العموم، ولهذا عد ذلك من متفردات الكاشاني، نعم لازم كلام السيد ذلك أيضا كما لا يخفى. قال الكاشاني في محكي المفاتيح: " انما يجب غسل ما لاقى عين النجاسة، وأما ما لاقى الملاقى لها بعد ما إزيل عنه بالتمسح ونحوه بحيث لا يبقى فيه شئ منها فلا يجب غسله، كما يستفاد من المعتبرة، على أنا نحتاج إلى دليل على ذلك " الخ. أقول: أما ما ادعى من عدم الدليل ففيه أن الادلة المتفرقة في الابواب بلغت حد التواتر أو قريب منه إن أراد عدم الدليل حتى بالنسبة إلى المايعات، كما هو مقتضى إطلاقه، وإلا فهي أيضا كثيرة نذكر جملة منها، مع الاشارة إلى مقدار دلالتها بالنسبة إلى الوسائط، حتى يظهر حال الملاقيات مع الوسائط. منها صحيحة الفضل أبي العباس قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة - إلى أن قال -: حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس، لا يتوضأ بفضله، فاصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (1) والظاهر منها أن الماء الملاقي للكلب صار نجسا، والاناء الملاقي للماء كذلك، وأمر بغسله لسراية النجاسة منه إلى ما يلاقيه بعد ذلك. ودعوى أن غاية ما يمكن استفادته منها ومن مثلها بعد البناء على ظهورها في الوجوب الغيري كما هو المتعين انما هو حرمة استعمالها حال كونها متنجسة في المأكول والمشروب المطلوب فيها النظافة والطهارة في الجملة ولو بالنسبة إلى المايعات التي يتنفر الطبع من شربها في


(1) مرت في ص 6.

[ 371 ]

إناء يستقذره، وأما تأثيرها في نجاسة ما فيها فلا. مدفوعة بأن العرف لا يشك في أن الامر بغسل الاناء سيما مع تفرعه على قوله عليه السلام: " رجس نجس " ليس إلا لتأثير الاناء في المائع المصبوب فيه، ولا يشك في الفرق بين الامر بغسل خارج الاناء الذي لا يلاقي المائع وداخله الملاقي، وهل يكون استقذار العقلاء من المايعات المصبوبة في الاناء غير النظيف دون الجامدات إلا لتأثر الاولى منه دون الثانية، فالاعتراف بتنفر الطباع من الشرب في اناء مستقذر دون أكل الجوامد اعتراف بالسراية عرفا، وبالجملة يظهر من هذه الرواية تنجس الملاقي للنجس وملاقيه وملاقي ملاقيه، ومن تعليله أن ذلك حكم النجس من غير اختصاص بالكلب واختصاص كيفية الغسل به بدليل آخر لا يوجب اختصاص سائر الاحكام به. ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألته عن الكلب يشرب في الاناء، قال اغسل الاناء " (1) ونحوها ما دل على غسل الاناء من شرب الخنزير كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام (2). ومنها حسن المعلى بن خنيس قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق، فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا؟ فقال: أليس وراءه شئ جاف؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس أن الارض يطهر بعضها بعضا " (3) وهي كالصريح في نجاسة الرجل


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاسئار - الحديث 3 (2) في حديث قال: " وسألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات " راجع الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاسئار - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب النجاسات - الحديث 3

[ 372 ]

الملاقي لملاقي النجس. ومنها ما دلت على وجوب غسل آنية اليهود (1) وآنية يشرب فيها الخمر (2) وغسل أواني الخمر (3) وغسل ما فيه الجرذ ميتا (4) وغسل الفراش والبساط وما فيه الحشو (5) وغسل لحم القذر الذي قطرت فيه قطرة من الخمر (6) وغسل الثوب الذي لاقى الطين الذي نجسه شئ بعد المطر (7) وغسل الفخذ الملاقي مع الذكر بعد مسحه بالحجر (8) وما دل على عدم جواز الصلاة على البواري التي يبل قصبها بماء قذر قبل


(1) راجع الوسائل - الباب - 54 - من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث 7. (2) و (3) راجع الوسائل - الباب - 51 - من أبواب النجاسات والباب - 30 - من أبواب الاشربة المحرمة. (4) راجع الوسائل - الباب - 53 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (5) راجع الوسائل - الباب - 5 - من أبواب النجاسات. (6) راجع الوسائل - الباب - 26 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1. (7) راجع الوسائل - الباب - 75 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (8) اشارة إلى صدر صحيحة العيص، ولا يخفى أن ذيلها معارض لصدرها، وإليك نصها قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذه، قال: يغسل ذكره وفخذه، وسألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصابه ثوبه يغسل ثوبه؟ قال: لا " أورد صدرها في الوسائل في الباب - 26 - من أبواب النجاسات - الحديث 1 - وذيلها في الباب - 6 - من هذه الابواب - الحديث 2.

[ 373 ]

الجفاف (1). ومنها موثقة الساباطي الآمرة بغسل كل ما أصاب ماءا مات فيه الفارة (2) ورواية العيص الآمرة بغسل الثوب الذي أصابه قطرة من طست فيه وضوء من بول أو قذر (3) وصحيحة معاوية بن عمار الآمرة بغسل الثوب الملاقي للبئر النتن (4) وما دلت على انفعال الماء القليل ببعض المتنجسات (5) إلى غير ذلك. نعم لا يظهر من تلك الروايات على كثرتها إلا التنجيس بواسطة أو واسطتين، فلا بد من التماس دليل على تنجس الوسائط الكثيرة، سيما إذا كانت الكثرة معتدا بها، والتشبث بالقاء الخصوصية من واسطة أو واسطتين إلى الوسائط سيما الكثيرة في غير محله، بعد وضوح الفرق بين الكثرة والقلة في الوسائط. وغاية ما يمكن الاستدلال على تنجسها بالغة ما بلغت أن يقال: إن الظاهر من كثير من الروايات أن ملاقي النجس يصير نجسا، وبالملاقاة ينسلك الملاقي بالكسر تحت عنوان النجس، كقوله عليه السلام في المستفيضة: " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " (6) فانه بمفهومه


(1) راجع الوسائل - الباب - 30 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 و 5 (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الماء المضاف - الحديث 14 (4) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 10 (5) راجع الوسائل - الباب - 8 من أبواب الماء المطلق. (6) ما وجدته بلفظة " بلغ " بل غير موجود في كتب الحديث والموجود فيها بلفظة " كان " راجع الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 1 و 2 و 5 و 6.

[ 374 ]

يدل على أن ملاقاة الماء للنجس موجب لصيرورته نجسا، وقوله عليه السلام: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه " إلى آخره (1) وكقوله عليه السلام في الثوب الذي يستعيره الذمي: " أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (2) وقوله عليه السلام في النبيذ: " ما يبل الميل ينجس حبا من ماء " (3) إلى غير ذلك. فإذا ضم ذلك إلى التعليل في بعض الروايات المتقدمة لغسل الملاقي بكونه نجسا، وضم إليه ارتكاز العرف بأن الامر بغسل الملاقي للسراية ينتج المطلوب، بأن يقال: لو فرضت سلسلة مترتبة من الملاقيات رأسها عين النجس فالملاقي الاول محكوم بأنه نجس، لان العين نجسته بارتكاز العرف ودلالة الروايات، وبمقتضى التعليل بأن النجس يغسل ملاقيه وبضميمة الارتكاز بأن لزوم الغسل ليس لتعبد محض بل للسراية وصيرورة الملاقي نجسا، والتأييد بالروايات الحاكمة بصيرورته نجسا يحكم بنجاسة ملاقي الملاقي، وهكذا في جميع السلسلة يحكم بلزوم غسل ملاقي كل نجس، بالارتكاز والروايات المتقدمة يحكم بصيرورة الملاقي نجسا. وبعبارة أخرى يستفاد من التعليل والارتكاز وضميمة الروايات قاعدة كلية: هي أن كل نجس متنجس، أي موجب لتحقق مصداق آخر للنجس، وهو أيضا منجس، وهلم جرا. لكن الانصاف عدم خلوه عن إشكال بل منع، بعدما علمنا اختصاص الحكم المذكور في الرواية الشاملة على العلة بولوغ الكلب وعدم الاسراء


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 9. (2) الوسائل - الباب - 74 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات الحديث 6

[ 375 ]

إلى سائر ملاقياتها، فضلا عن سائر النجاسات، ودعوى أن ورود التقييد أو التخصيص في حكم لا يوجب رفع اليد عن عموم العلة غير وجيهة، فانه مع اختصاص هذا الحكم الظاهر به لا يبقى وثوق بعموم التعليل، ولا ظهور له. مضافا إلى الاشكال في كون قوله عليه السلام: " رجس نجس " تعليلا يمكن الاتكال عليه لاسراء الحكم، نعم فيه إشعار بأن التغليظ في نجاسة الكلب ربما يوجب اختصاص الاحكام به أو بما هو من قبيله، ولا دليل على كون سائر النجاسات مغلظة نحوها، فضلا عن ملاقياتها ولو مع الوسائط المعلوم عدم غلظتها كذلك. مضافا إلى أن التعليل الآخر في صحيحة أخرى لابي العباس يورث وهنا فيه قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وان أصابه جافا فاصبب عليه الماء، قلت: ولم صار بهذه المنزلة؟ قال: لان النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتلها " (1) هذا مع أن ما دلت من الروايات على صيرورة الملاقي نجسا انما هو في ملاقي أعيان النجاسات لا ملاقي ملاقيها، وهكذا. والتشبث بارتكاز العرف في الوسائط الكثيرة محل إشكال ومنع، فاستفادة نجاستها مما تقدم مشكلة بل ممنوعة. بقي الكلام في حال الاجماعات المنقولة، فليعلم أن هذه المسألة بهذا الوجه لم تكن معنونة في كتب القدماء من أصحابنا على ما تتبعت الكتب الموجودة عندي، ولم أر النقل منهم فيما هو معد لنقل الاقوال، نعم عنون الشيخ في الخلاف مسألتين: إحداهما مسألة (136): " إذا ولغ الكلب في الاناء نجس الماء الذي فيه، فان وقع ذلك الماء على بدن الانسان أو ثوبه وجب عليه


(1) مرت في ص 6.

[ 376 ]

غسله - إلى أن قال -: دليلنا أن وجوب غسله معلوم بالاتفاق لنجاسة الماء ". ثانيتهما مسألة (137): " إذا أصاب الماء الذي يغسل به الاناء من ولوغ الكلب ثوب الانسان أو جسده لا يجب غسله سواء كان من الدفعة الاولى أو الثانية أو الثالثة - ثم قال -: دليلنا أن الحكم بنجاسة ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه " ثم تمسك بالدليل العقلي المعروف في الغسالة. أقول: لم يتضح من قوله في المسألة الاولى إلا دعوى الاتفاق على وجوب غسله، وأما التعليل بنجاسة الماء فليس من معقد الاتفاق حتى يتوهم الاجماع، على أن كل نجس يجب غسل ملاقيه، ويضم إليه ارتكازية السراية بالتقريب المتقدم، بل الظاهر من المسألة الثانية أن مسألة تنجيس ملاقي ملاقيه ليس ثابتا باجماع أو غيره، وهي وإن كانت في الغسالة التي وقعت محل البحث، لكن تعليله بعدم الدليل دليل على عدم قيام الاجماع على الكلية، مع أن الدليل العقلي في الغسالة على فرض صحته انما يجري في الغسلة الاخيرة لا مطلقا، وقد صرح بعدم الفرق بين الغسلات، ومن هنا يظهر أن استدلاله بالدليل العقلي لبعض المقصود، وهو الغسلة الاخيرة. ومما يدل على عدم إجماعية المسألة وعدم وضوحها في تلك الاعصار قوله في كتاب الصلاة في مسألة (222): " الجسم الصقيل مثل السيف والمرآة والقوارير إذا أصابته نجاسة فالظاهر أنه لا يطهر إلا بأن يغسل بالماء، وبه قال الشافعي، وفى أصحابنا من قال: يطهر بأن يمسح ذلك منه أو يغسل بالماء، اختاره المرتضى، ولست أعرف به أثرا، وبه قال أبو حنيفة، دليلنا أنا قد علمنا حصول النجاسة في هذا

[ 377 ]

الجسم والحكم بزوالها يحتاج إلى شرع، وليس في الشرع ما يدل على زوال هذا الحكم مما قالوه - ثم تمسك بدليل الاحتياط - " انتهى. وقد تقدم أن لازم كلام السيد بل صريح ما نقل عنه في دليل مذهبه أن ملاقي النجس ليس بنجس، فضلا عن ملاقي المتنجس، ومع ذلك قد ترى أن ظاهر كلام الشيخ وجود القائل غير السيد فيها، وعدم إجماع أو دليل آخر على خلافه، وإلا لتمسك به، ولم يقل: والظاهر كذا مما يظهر منه عدم الجزم بالمسألة، ولم يتمسك بالاصل والاحتياط ولم يقل: لست أعرف به أثرا، فيظهر منه أن المسألة حتى في ملاقي عين النجس لم تكن إجماعية في عصره، فضلا عن ضروريتها، فضلا عن إجماعية نجاسة الملاقي مع الوسائط بالغة ما بلغت أو ضروريتها. وظاهر ابن إدريس أن ملاقي ملاقي النجس لم يحكم بنجاسة لعدم الدليل عليها، ولو كانت المسألة إجماعية لما قال ذلك، نعم قد يقال: إن كلامه مختص بالميت مع الملاقاة بيبوسة، لكن الظاهر من كلامه عدم الاختصاص باليابس، بل يظهر منه أن النجاسات الحكمية مطلقا لا تؤثر في تنجيس الملاقي، ولا يبعد بقرينة المقام أن يكون مراده من الحكميات من قبيل الملاقي الذي لا أثر فيه من الملاقاة مقابل الاعيان النجسة. كما أن استدلال المحقق في المعتبر في رد الحلي بقوله: " لما اجتمع الاصحاب على نجاسة اليد الملاقية للميت، وأجمعوا على نجاسة المائع إذا وقعت في نجاسة لزم من مجموع القولين نجاسة ذلك المائع " انتهى دليل على عدم إجماعية نجاسة الملاقيات ولو بلا واسطة، وإلا لتمسك به من غير احتياج إلى التمسك بالاجماعين على نحو لا يخلو من إشكال ومصادرة.

[ 378 ]

وأما دعاوي متأخري المتأخرين الاجماع أو الضرورة فجملة منها في مقابل المحدث الكاشاني، كالاستاذ الاكبر والمحقق القمي والنراقي وصاحب الجواهر والشيخ الاعظم وغيرهم، والبعض منها الظاهر أو المصرح بعدم الخلاف في الوسائط وهلم جرا كالطباطبائي صاحب البرهان فلا وثوق بها، بعد ما عرفت من عدم كون المسألة معنونة في كتب القدماء ومن غير ذلك مما تقدم ذكره. ومن جملة ثالثة لم يظهر دعوى الاجماع على الوسائط كذلك، كالشهيد في الروض بناء على استفادة الاجماع منه لاجل استثناء ابن إدريس فقط، قال في حكم مس الميت: " فان كان من الرطوبة فهي عينية محضة، فلو لمس اللامس له برطوبة آخر برطوبة نجس أيضا وهلم جرا، وخلاف ابن إدريس من ذلك ضعيف " انتهى، فانه بعد تسليم الاستفادة لا يظهر منه إلا الاجماع في مقابل ابن إدريس القائل بعدم تنجيس المتنجس مطلقا، مع أن في الاستفادة أيضا إشكالا. نعم لا يبعد ظهور كلام صاحب المعالم في الوسائط قال فيما حكي عنه: " إن كل ما حكم بنجاسته شرعا فهو يؤثر التنجيس في غيره أيضا مع الرطوبة عند جمهور الاصحاب، لا نعرف فيه الخلاف إلا من العلامة وابن إدريس " بأن يقال: إن التأثير في التنجيس عبارة أخرى من صيرورة الملاقي محكوما بنجاسته شرعا، فلا بد من تأثيره، وهلم جرا. وفيه - مضافا إلى إمكان أن يكون الكلام في مقابل ابن إدريس والعلامة فمن البعيد استفادة الوسائط الكثيرة منه - أن دعوى عدم معرفة الخلاف غير دعوى عدم الخلاف أو الاجماع، هذا مع ما تقدم من عدم كون المسألة إجماعية في الطبقة الاولى، وعدم تعرض تلك الطبقة

[ 379 ]

بل الطبقة الثانية أيضا للمسألة. ثم أن هاهنا شواهد داخلية وخارجية على عدم تنجس الملاقيات مع الوسائط المتعددة، أما الاولى فيمكن الاستشهاد عليه بروايات: منها موثقة عمار الساباطي " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يجد في إنائه فارة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه، وقد كانت الفارة متسلخة، فقال، إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه، ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء، ويعيد الوضوء والصلاة " الخ (1) فان الظاهر أن الاناء المسؤول عنه هو مثل الحب الذي كان متعارفا في تلك الامكنة أن يصيب فيه الماء لرفع الحوائج من الوضوء والغسل وغسل الثياب وغيرها، وقد اتفق رؤية الفارة المتسلخة فيه، ومن الواضح أنه لو تنجس يوما يوجب ذلك نجاسة كثير مما في الايدي لو قلنا بسراية النجاسة من الملاقيات هلم جرا فضلا عن تنجيسه أياما، كما هو مقتضى ظاهر الرواية أو إطلاقها. وبالجملة لا شبهة في ابتلاء صاحب الحب بملاقيات الماء وملاقيات ملاقياته، وهكذا بعد مضي أيام، فلو صار الملاقاة مطلقا موجبا للنجاسة كان على الامام عليه السلام الامر بغسل ملاقي ملاقي الماء وهكذا، فسكوته عنها مع العلم عادة بالابتلاء وتخصيص التطهير بملاقي ذلك الماء المشعر بعدم لزوم تطهير غيره لو لم نقل بدلالة نحو التعبير عليه دليل على عدم السراية مع الوسائط، فان الماء تنجس بالفارة، وملاقي الماء تنجس به، والامر بغسل ملاقيه مطلقا الذي منه الاواني والظروف دليل على تنجس ملاقي ذلك الملاقي، وأما الملاقي مع ذلك الملاقي الاخير


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 1

[ 380 ]

فلا يؤثر في نجاسته، وإلا لامر بغسلها مع الجزم بالابتلاء عادة، بل كان عليه البيان بعد السؤال عن تكليف الرجل الذي ابتلى بذلك، مع احتمال ابتلائه بملاقي الملاقي للماء فضلا عن الجزم به، فعدم البيان دليل على عدم التنجيس، فضلا عن الاشعار المذكور الموجب للاغراء والعياذ بالله. ومنها رواية بكار بن أبي بكر قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يضع الكوز الذي يغرف به من الحب في مكان قذر ثم يدخله الحب، قال: يصب من الماء ثلاثة أكف ثم يدلك الكوز " (1) بناء على أن المراد بالمكان القذر المتنجس، لا المكان الذي فيه عين النجس، كما لا يبعد أن يكون منصرفا إليه، وإلا لخرجت عن الاستشهاد بها للمقام، وينسلك في الادلة الدالة على كلام المحدث الكاشاني، وهنا احتمال آخر في الرواية: هو أن المراد من قوله: " ثم يدخله " إرادة ادخاله فيه، وقوله عليه السلام: " يصب " الخ بيان تطهير الكوز، لكنه بعيد. ومنها الروايات التي تعرضت لاكفاء الماء واراقته، والسكوت عن حكم الاناء مع اقتضاء المقام بيانه لو تنجس، كصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة، قال: يكفئ الاناء " (2) وصحيحة أبي بصير (3) وغيرهما (4).


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 17 (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 من ابواب الماء المطلق - الحديث 7 - 11 (4) المروية في الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الماء المطلق والباب 43 - 44 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 381 ]

ونظيرها موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " ان عليا عليه السلام سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فارة، قال: يهراق المرق ويغسل اللحم ويؤكل " (1). وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها وما يليها، وكل ما بقي، وإن كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك " (2) إلى غير ذلك. والسكوت في مقام سئل عن التكليف في القضية المبتلى بها عن حال الاواني وسائر الملاقيات دليل على عدم تنجسها، سيما في مثل الرواية الاخيرة، فان الاستصباح بالسمن والدهن في مدة كثيرة مع كثرتهما لا يتخلف عن الابتلاء بالملاقيات بلا وسط ومعه، ودعوى كون الحكم معهودا أو مرتكزا تردها نفس الروايات، كدعوى كونهما في مقام بيان حكم آخر. وأما الشواهد الخارجية فكثيرة: منها أن فقهاء العامة الذين كانوا مرجعا للناس في تلك الاعصار من زمن الصادقين عليهما السلام إلى زمن الهادي والعسكري عليهما السلام قلما اتفق موافقتهم معنا في أعيان النجاسات وكيفية تطهيرها، فمالك والشافعي في الجديد خالفانا في نجاسة المني، وأبو حنيفة قال باجزاء فركه إذا كان يابسا، والشافعي في أحد وجهيه والزهري ذهبا إلى طهارة الميتة، ومالك وداود والزهري إلى طهارة الكلب، وداود إلى طهارة الخمر، وأبو حنيفة إلى طهارة المسكرات، وجمهورهم إلى طهارة الفقاع وحليته وطهارة الكفار.


(1) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2

[ 382 ]

وقال أبو حنيفة: تطهر جلود الميتة بالدباغ إلا الخنزير، وعن مالك حتى الخنزير، وعن الشافعي الحيوان الطاهر، وقال أبو حنيفة: لا يجب العدد في النجاسات، وعن داود ومالك والزهري إناء الولوغ طاهر، وعن كثير منهم كالشافعي في أحد قوليه ومالك في إحدى الروايتين عدم نجاسة الماء القليل إلا بالتغير، واختلفوا معنا في تحديد الكر أيضا وعن أبي حنيفة جواز إزالة النجاسة بالمضاف، وعن أحمد روايتان، وعنه في إحدى الروايتين عدم تنجس المضاف إن بلغ قلتين، وفي الاخرى: ما أصله الماء كالخل التمرى فكالماء، وقال أبو حنيفة: لا يجب الاستنجاء من البول والغائط بالماء وغيره، وهو إحدى الروايتين عن مالك، وقال الشافعي في الاخرى وأحمد: يكفي في البول الحجر إلى غير ذلك. فهذه جملة من موارد اختلافهم معنا في أبواب النجاسات والطهارات فلو كان أمر الملاقي وملاقي ملاقيه وهلم جرا كما ذكر في السراية لما بقي من الناس طاهر، ومع حشر الخاصة معهم في تلك الاعصار صارت حالهم كذلك، ومع ذلك لم يسأل أحد من أصحاب الائمة عليهم السلام عن حال الملاقيات معهم مطلقا، ولم يكن ذلك إلا لما رأوا أن الائمة عليهم السلام عاشروا معهم كعشرتهم مع غيرهم. أضف إلى ذلك ما هو المشاهد من حال أهل البوادي، وعدم احترازهم غالبا عن النجاسات وملاقياتها، وكانت تلك الطوائف في زمن الائمة عليهم السلام مترددين في البلاد سيما الحرمين الشريفين، ولم يعهد من أحد من الائمة عليهم السلام وأصحابهم وشيعتهم التنزه عنهم أو السؤال من حالهم ومن ملاقياتهم. وهذه الامور وغيرها مما يوجب الجزم بأن قضية الملاقي ليس كما

[ 383 ]

ذكر من السراية هلم جرا، سيما مع سهولة الملة وسماحتها. والانصاف أن الفتوى بالنجاسة سيما مع الوسائط الكثيرة جرأة على المولى، والاشبه عدم النجاسة مع الوسائط الكثيرة، والاحتياط سيما فيما علم تفصيلا بالملاقاة ولو مع الوسائط لا ينبغي تركه. المطلب الثاني: قالوا: يجب إزالة النجاسة عينية كانت أو حكمية عن الثياب عدا ما استثنى، وعن ظاهر البدن للصلاة واجبة كانت أو مندوبة بالوجوب الشرطي الذي يتبعه الوجوب الشرعي المقدمي عند وجوب ذيها أصلا أو عارضا. أقول: أما الوجوب الشرعي المقدمي فقد فرغنا عن بطلانه، بل عدم تعقله في محله، وأما الوجوب الشرطي فهو موقوف على كون الشرط للصلاة إزالة النجاسة أو عدم النجاسة، وهو محل بحث ونظر، ولا بأس ببسط الكلام فيه لترتب ثمرات مهمة عليه. فنقول: يحتمل ثبوتا أن تكون الطهارة شرطا للصلاة أو عدم القذارة شرطا لها أو القذارة مانعة عنها، والفرق بين الاولين واضح وإن كان في صحة جعل العدم شرطا كلام، وأما الفرق بين الشرطية والمانعية أن الشرط ما هو دخيل في الملاكات الواقعية، إن كان المراد به شرط المهية كما في المقام الذي لا يحتمل أن يكون الطهور شرطا لوجودها لا دخيلا في مهيتها. وبعبارة أخرى أن الشرط لبا من مقومات حمل الملاك، والصلاة بلا طهور لا تكون حاملة للملاك بناء على شرطية الطهور، وبناء على

[ 384 ]

شرطية عدم القذارة أن مهية الصلاة المجردة عن القذارة حاملة له. وأما المانع فلا يتصور للمهية، ولا يرجع إلى محصل، بل المانعية مطلقا ترجع إلى مقام الوجود، ومنشأها الضدية بين الشيئين، وتصويرها في المقام بأن يقال: إن الملاك الذي في مهية الصلاة من غير دخالة لعدم القذارة أو وجود الطهارة فيه مضاد لوجود القذارة أو المفسدة الواقعية الحاصلة منه، وهذه المضادة موجبة لمانعية الملاك الاقوى للملاك الاضعف، من غير تقييد وجود أحدهما بعدم الآخر حتى ترجع المانعية إلى الاشتراط بعدم المانع. وبعبارة أخرى كما أن البياض والسواد مضادان، ويكون وجود كل مانعا عن وجود الآخر من غير اشتراط وجود أحدهما بعدم الآخر ولا مقدمية له بل نفس المضاد موجبة للتمانع، فإذا كان أحدهما أقوى مقتضيا يمنع عن تحقق الآخر، كذلك يتصور ذلك في الملاكات الواقعية فمع تحقق المانع والملاك المضاد الذي هو أقوى لا يمكن تحقق الممنوع ومع عدم تحققه تقع الصلاة بلا ملاك وباطلة. ولا يتوهم أن ذلك مستلزم للقول بالاشتغال في الشك في المانع، وهو خلاف مختارك في مباحث البراءة والاشتغال - قائلا: إن احتمال عدم سقوط الامر لاحتمال عدم حصول الملاك الواقعي وأخصية الغرض لا يصير حجة على العبد - ضرورة أن ما ذكرناه في مباحث البراءة انما هو في مقام الاثبات وتمامية الحجة، وقلنا أن العقل يحكم بالبراءة مع عدم تمامية حجة المولى، واحتمال بقاء الامر لاجل احتمال بقاء الملاك لا يوجب تمامية حجته بعد قيام العبد بما هو حجة عليه، والكلام هاهنا في الملاكات الواقعية، وتصور المانعية والشرطية بحسب الثبوت، فلا تناقض بين الكلامين.

[ 385 ]

ثم أنه بعد تصور المانعية بنحو لا ترجع إلى شرطية العدم لو قام دليل ظاهر في المانعية لا يجوز رفع اليد عنه، وانما نطرح الظاهر إن قلنا بعدم تعقل المانعية، وقد عرفت تعقله. ثم أن ما ذكرناه من تردد الامر بين شرطية الطهارة أو عدم القذارة وبين مانعية القذارة الراجعة إلى منع الجمع بينهما انما يصح لو امتنع الجمع بين شرطية الضد ومانعية ضده فيما لا ثالث لهما، وكذا بين شرطية الشئ ومانعية نقيضه، وإلا لما يبقى مجال للتردد، ولا تتعارض الادلة لو فرض فيها ما هو ظاهرها الشرطية وما ظاهرها المانعية، كما لا يخفى. والتحقيق امتناع ذلك، وعدم إمكان الجمع بين شرطية شئ ومانعية نقيضه أو ضده الذي لا ثالث له، لان اشتراط شئ لمهية المأمور به لا يعقل بحسب الملاكات الواقعية إلا مع دخالته في حاملية الملاك، لئلا يلزم جزافية الارادة، وكذا لا يمكن تعلق الارادة بالفاقد مما هو دخيل في تحصيل الملاك، وكذا الحال في تعلق الامر الواقعي، فحينئذ لو كان عدم النجاسة مثلا شرطا لمهية المأمور به لا يعقل وقوع المانع بين الملاك الواقعي لها مع وجود النجاسة، إذ قد عرفت أن التمانع انما يكون بين الوجودين لا المهيتين، وأما الشرطية فترجع إلى قيد في المهية مع عدمه لا تكون حاملة للملاك، ومع عدم الملاك لا يعقل التمانع بين الملاكين. وبالجملة المهية المشروطة بشرط مع فقده لا تكون ذات الملاك ولا متعلقة للارادة ولا للامر، ومعه لا يعقل التمانع الذي طرفه الوجود بعد تمامية الملاك، هذا كله بحسب التصور والثبوت. وأما حال مقام الاثبات ودلالة الادلة فتتضح بعد التنبيه إلى ما مر

[ 386 ]

منا من أن الطهارة الخبثية ليست أمرا وجوديا مضادا للقذارة، بل هي عبارة عن خلو الجسم عن القذارات ونقائها عنها، لا بمعنى دخالة هذا العنوان، بل الطهارة عدم تلوث الجسم الموجود بشئ من القذارات وكونه على حالته الاصلية، فان الضرورة قاضية بأنه لم يكن في الجسم غير أوصافه الذاتية والعرضية شئ وجودي هو الطهارة مقابل القذارة، فالطهارة عبارة أخرى عن عدم القذارة، وكذا النظافة، بل الطهارة عن الاخباث المعنوية والصفات الخبيثة ليست إلا خلو النفس عنها، وأما حصول كمالات مقابلات لها فهي أمور أخر غير الطهارة عنها كما يظهر بالتأمل، وما ذكرناه هو الموافق للعرف واللغة، فما أدعى بعض الاعيان من وضوح كون الطهارة ضدا وجوديا للقذارة الخبثية في غير محله، بل مدعي وضوح خلافه غير مجازف. فحينئذ نقول: لا يعقل شرطية حيثية العدم للمهية المأمور بها لا بحسب الملاكات الواقعية ولا بحسب تعلق الارادة الجدية ولا بحسب الاوامر المتعلقة بمتعلقاتها، أما الاولى فلعدم إمكان مؤثرية العدم ولو بنحو جزء الموضوع في شئ وما يتوهم ذلك في بعض الامثلة العرفية ناش من الخلط وقلة التدبر، وإلا فما ليس بشئ أصلا كيف يمكن تأثيره ودخالته في أمر، فان التأثير ونحوه من الامور الوجودية لا يمكن اتصاف العدم به، ومن هنا يظهر امتنان تعلق الارادة والامر به، أي بما هو عدم حقيقة، لا بمفهوم العدم الذي هو وجود بالحمل الشايع. وما ذكرناه ليس أمرا دقيقا عقليا خارجا عن فهم العرف حتى يقال: إن الميزان في هذه الابواب هو الفهم العرفي، وبعد امتناع شرطية العدم لا محيص عن إرجاع ما يظهر منه الشرطية إلى مانعية الوجود التي قد عرفت تعقله، مع أن غالب الادلة ظاهرة في مانعية النجاسة لا شرطية الطهارة

[ 387 ]

أو عدم النجاسة، كقوله عليه السلام في مكاتبة خيران الخادم في الخمر: " لا تصل فيه فانه رجس " (1) وفي رواية أبي يزيد القسمي في جلود الدارش: " لا تصل فيها، فانها تدبغ بخرء الكلاب " (2) ومثل ما دلت على نفي البأس عن الدم ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم (3) حيث يظهر منها البأس في مقداره، وهو عين المانعية، وما دلت على نفي البأس عن القذارة فيما لا تتم فيه الصلاة وحدها (4) وما دلت على اعادة الصلاة مع اتيانها في النجس في الموارد الخاصة (5) وهي كثيرة، والمتفاهم منها عرفا أن النجس موجب للاعادة، بل ما دلت على وجوب الغسل والاعادة إذا صلى في النجس (6) وهي كثيرة، بل لك أن تتمسك بقوله (ع):


(1) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب النجاسات - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 71 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (3) كمرسلة جميل بن دراج عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انهما قالا: " لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم " راجع الوسائل - الباب - 20 - من أبواب النجاسات - الحديث 4. (4) كمرسلة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يصلي في الخف الذي قد أصابه القذر، فقال: إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس " وغيرها من الروايات المروية في الوسائل - الباب - 31 - من ابواب النجاسات. (5) و (6) راجع الوسائل - الباب - 18 - 19 - 20 - 21 - 37 40 - 41 - 42 - 43 - 44 - من أبواب النجاسات.

[ 388 ]

" لا تجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ " (1) فانه يظهر منها كراهة الصلاة في النجس الذي صار ممسوخا، ويستأنس منه عدم الجواز في النجس غير الممسوخ، تأمل. نعم بازائها روايات ربما تكون ظاهرة في شرطية الطهارة كقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " لا صلاة إلا بطهور " (2) بناء على شمولها للطهارة الخبثية أو ظهورها فيها بقرينة ذيلها، وصحيحة زرارة الثانية (3) من أدلة الاستصحاب، وقوله عليه السلام: " الصلاة ثلثها الطهور " (4) وقوله عليه السلام: " لا تعاد الصلاة إلا من خمس - وعد منها - الطهور " (5) وما عد الطهور من فروض الصلاة (6) بناء على أعميته من الطهور عن الخبث. وهو محل إشكال في كثير منها، مع أن قوله عليه السلام مثلا: " لا صلاة إلا بطهور " - بناء على ما تقدم من أن الطهور ليس إلا خلو المحل عن القذارة وكونه على حالته الاصلية - معناه لا صلاة إلا بازالة القذارة والتطهر منها، وهو غير ظاهر في شرطية


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب احكام الخلوة - الحديث 1 (3) الحديث طويل ونحن نشير إلى قطعاته راجع الوسائل - الباب - 42 - من أبواب النجاسات - الحديث 2 - والباب - 37 - من هذه الابواب - الحديث 1 - والباب - 7 - من هذه الابواب - الحديث 2 (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الوضوء - الحديث 8. (5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الوضوء - الحديث 8. (6) كصحيحة زرارة قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الفرض في الصلاة، فقال: الوقت والطهور والقبلة " الخ، راجع الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الوضوء - الحديث 3.

[ 389 ]

الطهور، بل غير ظاهر في شرطية الازالة، بل لا يبعد دعوى ظهورها في أن النجاسة لما كانت مانعة عن الصلاة قال: لا صلاة إلا بازالتها، ولو نوقش في ذلك فرفع اليد عن مثله أولى من رفع اليد عن الادلة الكثيرة الدالة على مانعية النجاسة لو لم نقل بتعينه بلحاظ ما تقدم. فالاقرب أن النجاسة مانعة، لا الطهارة أو ازالة النجاسة شرط، فما قيل من أن إزالة النجاسات واجبة شرطا للصلاة لا يخلو من تسامح. نعم يجب عقلا إزالتها لمانعيتها عن الصلاة من غير فرق بين الواجبة والمندوبة، لاطلاق الادلة، ومن غير فرق بين أنواع النجاسات، للاجماع المنقول عن جملة من الاصحاب، بل لزومها في الجملة من الواضحات، والنصوص في الموارد الخاصة مستفيضة أو متواترة، بحيث لا يبقى للناظر فيها شك في مانعية مطلق النجاسات بالقاء الخصوصية عن الموارد المنصوصة من غير احتياج إلى دعوى الاجماع المركب. بل المستفاد من جملة من الروايات عموم الحكم لمطلق النجاسات كصحيحة عبد الله بن سنان قال: " سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر أني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، فيرد علي فاغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: صل فيه، ولا تغسله من أجل ذلك، فانك أعرته إياه وهو طاهر، ولم يستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (1) يعلم منها أن غاية جواز الصلاة فيه العلم بتنجسه، ومقتضى الاطلاق ثبوت الحكم لمطلق النجاسات. وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قلت له:


(1) الوسائل - الباب - 74 - من أبواب النجاسات - الحديث 1

[ 390 ]

أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني - إلى أن قال -: فان ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا، ثم صليت فيه فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا، قلت: فاني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك " الخ (1) فان المستفاد منها أن الطهارة عن جميع القذارات لازمة في الصلاة، بل الظاهر من صدرها أن المذكور فيها من قبيل المثال لمطلق النجاسات، وكيف كان فلا إشكال في استفادة حكم مطلق النجاسات منها، إلى غير ذلك مما سيأتي الكلام في بعضها كرواية خيران الخادم. ومن غير فرق بين الثوب والبدن، للاجماع المتقدم، ولفحوى ما دلت على لزوم إزالتها عن الثوب (2) وللمستفيضة الدالة على اعادة الصلاة على من نسي غسل البول عن فخذه أو جسده أو ذكره أو نسي الاستنجاء فصلى أو دخل في الصلاة (3) ولصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا صلاة إلا بطهور، ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما


(1) راجع الوسائل - الباب - 37 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - والباب - 7 - من هذه الابواب - الحديث 2. (2) راجع الوسائل - الباب - 8 - 16 - 19 - 42 - من أبواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل - الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء والباب - 10 - من ابواب أحكام الخلوة.

[ 391 ]

البول فلا بد من غسله " (1) حيث يظهر منها لزوم طهارة البدن بل الثوب عن النجاسات، وسيأتي تتمة لفقه الحديث، ولرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن النضوح يجعل فيه النبيذ أيصلح أن تصلي المرأة وهو في رأسها؟ قال: لا حتى تغتسل منه " (2) إلى غير ذلك، ويظهر منها عدم الفرق بين الشعر وغيره، كما أن مقتضى إطلاق ما تقدم كصحيحة زرارة عدم الفرق بين الظفر والشعر وغيرها. ومن غير فرق بين ما صدق عليه اسم الثوب عرفا أو لا إذا كان للمصلي نحو تلبس به، كالقطن والصوف غير المنسوجين الملفوفين بالبدن والحصير والحشيش كذلك، لامكان دعوى أن الثوب الوارد في الادلة من باب المثال أو لجري العادة عن السؤال عنه، ولرواية خيران الخادم الحسنة أو الصحيحة قال: " كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فان أصحابنا قد اختفلوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فان الله انما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه، فوقع: لا تصل فيه، فانه رجس " الخ (3) يظهر من التعليل عدم جواز الصلاة في الرجس مطلقا. نعم يقع الكلام في هذه الظرفية هل هي للمصلي، فيكون المعنى: لا يصلي المصلي وهو في رجس، فلا تصدق في مثل الخاتم والسيف والخف والجورب والتكة وغيرها مما لا تتم فيها الصلاة، فتكون خارجة تخصصا ضرورة عدم صدق كون الانسان في الخاتم والسيف ونحوهما مما ليس


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب أحكام الخلوة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 (3) مرت في ص 387.

[ 392 ]

لها نحو اشتمال على البدن كالقميص والرداء والقباء مما هي صادقة فيها عرفا بخلاف ما قبلها، بل التأويل والادعاء فيها أيضا لا يخلو من اشكال ونحو ركاكة إلا في بعض الاحيان الذي ليس في المقام منه، أو هي للصلاة بالمعنى المصدري أو حاصلة بنحو من الادعاء والتخيل، فيكون المعنى لا تجعل صلاتك في النجس، وهو ادعاء واعتبار ليس للعرف تشخيص مراده إلا ببيان من المتكلم واقامة قرينة على مراده؟ ويمكن دعوى اقربية الاحتمال الثاني بالنظر إلى الروايات وموارد الاستعمال في خصوص المقام، لشيوع استعمال الظرفية في مثل الخف والنعل والجورب والجرموق والتكة والكمرة والمنديل والقلنسوة والفص والسيف وأشباه ذلك، وقد عرفت أن دعوى ظرفية هذه الامور للمصلي ولو بنحو من التأويل بعيدة. وأما ظرفيتها لفعل الصلاة وحاصله فمبتنية على نحو اعتبار وادعاء، فلو قامت قرينة على اعتبار ظرفية تلك الامور له يتبع بمقدار دلالتها. والذي يمكن دعواه أن شيوع استعمال الظرفية فيما يتلبس المصلى بنحو تلبس كالتختم والتقلد والتلبس بنحو التكة والكمرة وأشباهها يوجب حمل ما يستفاد من الرواية المتقدمة، أي " لا تصل في النجس " على الاعم من الثياب ومن مثل هذا النحو من المتلبسات، فالاستعمال الشايع الكثير والمتعارف قرينة على إرادة الاعم، فيكون خروج ما لا تتم فيه الصلاة من قبيل الاستثناء. وأما إلحاق المحمول بها فلا بد من قيام دليل آخر غير ذلك لعدم الظرفية لا للمصلي، وهو واضح، ولا للصلاة لعدم قيام قرينة عليه بعد عدم تشخيص العرف لاناطته على اعتبار المعتبر، وهو يحتاج إلى قيام القرينة. نعم لو كان استعمال الظرف في المحمول أيضا شائعا كاستعماله في

[ 393 ]

الملبوس وما يتلبس به بنحو ما تقدم كان الالحاق وجيها، لكن لم يثبت ذلك، بل التعبير في لسان الادلة سؤالا وجوابا في المحمول والمصاحب خلافه في اللباس وما يتلبس به. ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: " سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلي وهو في جيبه أو ثيابه، فقال: لا بأس بذلك " (1) ونحوها مكاتبة عبد الله بن جعفر الآتية (2) وفي صحيحته الاخرى " سألته عن الرجل يصلي ومعه دبة من جلد حمار أو بغل، قال. لا يصلح أن يصلي وهو معه " (3) ونحوها صحيحته الاخرى (4) وعلى هذا التعبير ورد في الطير والدراهم في جملة من الروايات (5) وفي المفتاح والسكين (6) إلى غير ذلك. وأما مرسلة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وإن كان فيه قذر، مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك " (7) فلا تدل على استعمال الظرف فيما مع الانسان أو عليه، بل الظاهر استعمالها فيما يتلبس به المصلي كالامثلة المذكورة، فانها مع الانسان وبعضها عليه، لكن مع نحو من التلبس. ويشهد له قصر الامثلة في الملبوسات، فلو كان ما معه مختصا بالمحمول


(1) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 1 (2) مرت في ص 95. (3) و (4) الوسائل - الباب - 60 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 2 - 4 (5) الوسائل - الباب - 60 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 1 والباب - 45 - منها - الحديث 3. (6) راجع الوسائل - الباب - 32 - من ابواب لباس المصلي. (7) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب النجاسات - الحديث 5

[ 394 ]

أو الاعم منه كان عليه ذكر مثال له سيما على الاول. وأما قوله عليه السلام في موثقة ابن بكير: " الصلاة في وبره وروثه وبوله " الخ (1) وقوله عليه السلام في رواية فارس عن زرق الدجاج: " يجوز الصلاة فيه " (2) فليس في مورد المحمول، بل فيما تلوث اللباس بها، فاستعمال الظرف باعتبار الصلاة في الثوب المتلوث بها، فتحصل من جميع ذلك عدم صحة الاستدلال بمثل رواية خيران الخادم لعدم صحة الصلاة في المحمول. وربما يستدل على المنع فيه بروايات أجنبية عن المقام كمكاتبة عبد الله بن جعفر الواردة في فأرة المسك وصحيحة علي بن جعفر الواردة في دبة من جلد الحمار والبغل، فانهما على فرض دلالتهما غير مربوطتين بالمقام، بل ترجعان إلى مانعية الميتة وأجزائها نعم لو كان المراد بالذكي الطاهر كان له وجه، لكنه خلاف ظاهره، وقد مر الكلام في الرواية في نجاسة الميتة (3). وكرواية رفاعة وفيها " أيصلي في حنائه؟ قال: نعم إذا كانت خرقته طاهرة " (4) فان الخرقة إذا كانت نجسة تسري لا محالة إلى البدن، بل لا يبعد صدق الصلاة فيها وفي الحناء مع هذا التلبس نحو التلبس بالكمرة والتكة. وكرواية وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه ما لم تر فيه


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 1 (2) مرت في ص 22 و 23. (3) راجع ص 95. (4) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 2

[ 395 ]

دما، والقوس بمنزلة الرداء " (1) فانها أيضا مربوطة بما يتلبس به فان المراد السيف المتقلد والصلاة فيه لا المحمول، ولهذا قال عليه السلام: إنه بمنزلة الرداء، وكذا القوس، ولولا ضعف سندها لما كانت روايات ما لا تتم فيه الصلاة معارضة معها، لحكومتها عليها بواسطة التنزيل منزلة الرداء، فخرج السيف والقوس عما لا تتم مع أنها أخص من تلك الروايات. وكرواية علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال: " وسألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتسقى عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه يصلي فيه قبل أن يغسله، قال: نعم ينفضه ويصلي فلا بأس " (2) فان الظاهر أنه من قبيل المتلبسات التي يصدق معها الصلاة فيه. فان سفي الريح من العذرة على الثوب والرأس وصيرورتهما مغيرا بما هو نحو الذر يوجب نحو تلبس بالنجاسة يصدق معه الصلاة فيه، فلا تجوز الصلاة كذلك، فلا يستفاد منها حكم المحمول الذي عرفت عدم صدق الصلاة فيه، هذا مع ضعف سندها. وقد يقال: لا يدل قوله عليه السلام: " ينفضه " على وجوب النفض لجريانه مجرى العادة. والرواية بصدد بيان نفي الغسل، وفيه ما لا يخفى، سيما إن قلنا بأن المستفاد من قوله عليه السلام: " فلا بأس " انه جواب شرط، فكأنه قال: إنه ينفضه ويصلي فلا بأس. وبالجملة رفع اليد عن ظاهر الدليل الموافق لارتكاز مانعية النجاسة ولو في الجملة بمجرد احتمال الجري مجرى العادة مما لا وجه له، فالوجه ما ذكرناه، بل مع احتماله لا تدل الرواية على مطلق المحمول بعد


(1) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب النجاسات - الحديث 12

[ 396 ]

كون موردها غيره عرفا. ويمكن الاستدلال عليه بصحيحة زرارة " لا صلاة إلا بطهور " (1) الشاملة للطهور من الخبث بدعوى شمولها للمحمول بمناسبة الحكم والموضوع بأن يقال: إن المصلى المناجي لربه القائم بين يدي الجبار لا بد وأن يكون طاهرا نقيا عن الادناس والارجاس مطلقا في بدنه وثوبه ومصاحباته كما ربما يستأنس به من رواية العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: " انما أمر بالوضوء وبدء به لان يكون العبد إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه مطيعا له فيما أمره نقيا عن الادناس والنجاسة " (2) ومع نجاسة شئ منها لا تكون الصلاة بطهور ضرورة أن المراد منه مطلق وجود الطهور لا صرف وجوده، وهو لا يتحقق إلا مع كون المصلي طاهرا بجميع ما معه وعليه، هذا. ولكن الانصاف عدم جواز التعويل على هذه الاستحسانات والاعتبارات في تعميم الصحيحة للبدن والثوب فضلا عن المحمول، مع ما نرى من إعمال تعبدات في العبادة بعيدة عن العقول، كجواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه ولو كان متلطخا بالقذارة، وجوازها في الدم القليل غير الدماء الثلاثة، وإجزاء الاحجار في الغائط دون البول مع أقذريته عرفا، فأمثال ما ذكر وغيرها مما هو وارد في باب التعبديات توجب عدم الاتكال بالاعتبارات والمقايسات العقلية، كمقايسة محضر الرب الجليل بمحاضر أشراف البشر، وأما رواية العلل فلا تكون بمثابة يمكن التعدي عن موردها الذي هو الطهارة عن الحدث إلى غيره. وأما دعوى أن المراد من الطهور هو مطلق الوجود الشامل للمحمول


(1) مرت في ص 388. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الوضوء - الحديث 9

[ 397 ]

فخالية عن الشاهد، نعم الظاهر ولو بمساعدة فهم العرف مطلق وجوده بالنسبة إلى البدن وعدم الاختصاص بمحل النجو، لكن إسراؤه إلى اللباس فضلا عن المحمول محل إشكال. وإن شئت قلت: إن كان المراد من قوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " أن الصلاة لا بد وأن تكون طاهرة فلا تتصف هي بالطهارة مع أن العقول قاصرة عن إدراك كيفية طهارتها، وان كان المراد غير ذلك كما أن الامر كذلك فلا بد من تقدير مثل لا صلاة إلا بطهور بدن المصلي، أو نفس المصلي، أو بدنه ولباسه، أو مع ملابساته، أو مع محموله، ولا طريق إلى إثبات شئ منها إلا بدنه الذي يدل عليه ذيل الصحيحة، وغاية ما يمكن دعواه هو التعميم بالنسبة إلى ما يصلي فيه، فيكون مساوقا لقوله: " لا تصل في النجس " وهو غير شامل للمحمول الذي كالاجنبي عن الصلاة. وأضعف مما تقدم أو نحوها التمسك بصحيحة زرارة المعروفة في الاستصحاب، وفيها " فاني قد علمت أنه أصابه ولم أدر أين هو فاغسله؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك " (1) بأن يقال: إن انتساب الطهارة إليه دال على لزوم طهارته وطهارة جميع ما عليه وفيه ومعه، وفيه ما لا يخفى من الوهن، ضرورة ان الانتساب إلى اللابس انما يكون بنحو من التأويل والدعوى، وهما في اللباس صحيحان، لان المصحح هو التلبس، فيصح أن يقال مع نجاسة اللباس: اني نجس، ومع طهارته اني طاهر، دون مثل المحمول، فهل يصح لمن يكون في جيبه سكين نجس أن يقول: اني نجس. أو كان بيده سيف نجس يقول ذلك، بل لا تصح الدعوى في


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 398 ]

بعض الالبسة والملابسات كالخاتم والسيف المتقلد، مضافا إلى أن فرض صحة الدعوى لا يوجب وقوعها. فلا تدل الرواية إلا على لزوم طهارة الانسان ولباسه، لا مطلق متلبساته، فضلا عن محمولاته التي لا يصح إطلاق طهارتك حتى مجازا وإدعاء بالنسبة إليها، فمقتضى الاصل جواز الصلاة مع المحمول النجس من غير فرق بين كونه عين النجاسة أو لا. قال الشيخ في الخلاف في قارورة مشدودة الرأس بالرصاص فيها بول أو نجاسة: " ليس لاصحابنا فيه نص، والذي يقتضيه المذهب أنه لا ينقض الصلاة به " وهو كذلك للاصل السالم عن الدليل الحاكم، وقوله بعد ذلك: " ولو قلنا إنه يبطل الصلاة لدليل الاحتياط كان قويا " مبني على القول بالاشتغال في الشك في القيود والموانع، وهو ضعيف، وأما قوله: " ولان على المسألة الاجماع فان خلاف ابن أبي هريرة لا يعتد به " فالظاهر منه إجماع القوم بدليل ما تقدم منه، وبدليل استثناء ابن أبي هريرة، وأما احتمال أن يكون مراده الاجماع على القاعدة فبعيد. بل يمكن الاستدلال على الجواز في عين النجاسة بصحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام " عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح هل له أن يقطع الثؤلول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال: إن لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، وإن تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله " (1) فان اللحم الذي على الجرح أو حوله ليس مثل الثؤلول الذي ترفضه الطبيعة باذن الله تعالى، وقلنا في محله بعدم نجاسته وعدم كونه ميتة أو في حكمها،


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب قواطع الصلاة - الحديث 1

[ 399 ]

لان اللحم الفاسد يتبع الجرح مما تحله الحياة، وذهاب حياته لاجل الفساد لو فرض لا يوجب عدم كونه مما تحله الحياة، فنفي البأس عنه دليل على عدم مانعية المحمول النجس. وتوهم أن قوله عليه السلام: " إن لم يتخوف أن يسيل الدم " كناية عن عدم كونه مما تحله الحياة، والخوف عن السيلان كناية عما تحله كما ترى، كتوهم عدم صدق المحمول على النتف والرمي، فان قلة زمان الحمل لا يوجب نفي الصدق، إلا أن يقال بانصراف الدليل، فيلزم منه الالتزام بعدم مانعية سائر الموانع مع قلته. فيقال بجواز لبس ما لا يؤكل والنجس عمدا وطرحه فورا، وهو كما ترى، مع أن الطرح الذي في لسان السائل ليس به غايته. أي ليس نظره إلى قلة الزمان، بل نظره إلى جواز الاخذ في حال الصلاة، فلا يبعد فهم جوازه ولو مع حفظ القطعة المأخوذة من الرواية، تأمل. ولك الاستدلال للمطلوب بموثقة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يمس أنفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع؟ أينصرف؟ قال: إن كان يابسا فليرم به، ولا بأس " (1) بتقريب أن التفصيل بين الرطب واليابس دليل على أن الدم لو كان رطبا كان مانعا، فالمفروض فيه ما كان بمقدار غير معفو عنه، ومع ذلك نفى البأس عن يابسه. إلا أن يقال: إن التفصيل لاجل أنه مع عدم يبسه يمكن أن يسري إلى اللباس والبدن فصار زائدا عن المعفو عنه، دون ما إذا كان يابسا، مضافا إلى بعد كون الدم اليابس المأخوذ بمس الانف زائدا عنه، إلا أن يقال: إن التعرض للفرد النادر لا مانع منه، وحملها


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب قواطع الصلاة - الحديث 5

[ 400 ]

على عدم بيان الحكم الشرعي بعيد. وكيف كان لا فرق بين عين النجاسة وغيرها، والتفصيل ضعيف لعل منشأه رواية الفارة والدبة (1) وقد عرفت حالهما، ولو قال أحد بالتفصيل بين عينها وغيرها وبعكس ما ذهب إليه المفصل وقال بالعفو في العين كان أوجه، لمكان الروايتين المتقدمتين، لكن الوجه عدم التفصيل. ولا فرق في المحمول بين ما تتم فيه الصلاة وغيره، ولا وجه للافتراق بينهما إلا بتخيل صدق الصلاة فيه في المحمول مطلقا، وقد خرج ما لا تتم بالادلة الآتية وبقي غيره، وقد عرفت بطلانه، وإلا توهم دلالة مرسلة عبد الله بن سنان المتقدمة (2) عليه، بدعوى أن المراد من قوله: " معه " هو المحمول، وقد فصل فيها بين ما تتم الصلاة فيه وغيره، وقد مر ما فيها فراجع. ثم أنه لا إشكال نصا وفتوى في الجملة في استثناء ما لا تتم فيه الصلاة منفردا، وقد حكي عليه الاجماع أو الاتفاق في الانتصار والخلاف وعن السرائر ونسبه في التذكرة إلى علمائنا. وعن المختلف والمدارك نسبته إلى الاصحاب، وعن الذخيرة والكفاية وشرح الاستاذ لا أعلم في أصل الحكم خلافا بين الاصحاب. وبه يجبر ضعف الروايات سندا ودلالة إن كان ضعف في دلالة ما هي معتبرة الاسناد، فانه قد يقال إن الروايات في الباب بين ما ضعيفة دلالة مع اعتبار سندها كصحيحة زرارة أو موثقته عن أحدهما عليهما السلام قال: " كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ.


(1) و (2) مرتا في ص 393.

[ 401 ]

مثل القلنسوة والتكة والجورب " (1) فان في قوله عليه السلام: " عليه الشئ " إجمالا غير معلوم المراد، كما ان كونه عليه غير متضح المقصود، وبين ما هي واضحة الدلالة غير معتبرة الاسناد كمرسلة إبراهيم (2) وابن سنان (3) وحماد (4) وكرواية زرارة (5) وحفص بن أبي عيسى (6)


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس بالصلاة في الشئ الذي لا تجوز الصلاة فيه وحده يصيب القذر مثل، القلنسوة والتكة والجورب " راجع الوسائل - الباب - 31 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 (3) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وإن كان فيه قذر، مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك " راجع الوسائل - الباب - 31 - من ابواب النجاسات - الحديث 5. (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يصلي في الخف الذي قد أصابه القذر، فقال: إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس " راجع الوسائل - الباب - 31 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (5) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت فقال: لا بأس " راجع الوسائل - الباب - 31 - من ابواب النجاسات - الحديث 3. (6) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن وطأت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم ار فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: لا بأس " راجع الوسائل - الباب - 32 - من أبواب النجاسات - الحديث 6

[ 402 ]

وفقه الرضا (1). لكن الانصاف عدم ورود الاشكال بشئ مع استفاضة الروايات وعمل الاصحاب بها قديما وحديثا لا في الاسناد ولا في دلالة الموثقة، فانه لا يشك أحد في أن المراد قذارة المذكورات لا حمل القذر، لعدم التناسب معها، ولا حمل سائر الموانع، والتشكيك فيه وسوسة، ولهذا لم يعهد من أحد الاشكال فيها من هذه الجهة، فالمسألة لا إشكال فيها إجمالا. كما أن الحكم عام لجميع مصاديق ما لا تتم سواء كانت من المذكورات أو غيرها، فما عن القطب من الحصر ضعيف، بل لا يبعد عدم استفادة الحصر من عبارته المحكية في مفتاح الكرامة، ونسب ذلك إلى أبي الصلاح وسلار، ولعلهم اقتصروا على مورد اتفاق النص والفتوى بعد الخدشة في الروايات بما مرت منا، تأمل. فروع: الاول - يحتمل في بادئ النظر أن يكون المراد من قوله عليه السلام: " كل ما كان لا يجوز فيه الصلاة وحده " أنه كل ما لا تجوز مطلقا وبنحو السلب الكلي في مقابل جوازها في الجملة وبنحو الايجاب الجزئي بمعنى أن الموضوع للعفو ما لا تتم الصلاة فيه لا من الرجال ولا من النساء ولا من صغير الجثة ولا كبيرها، فإذا صح الصلاة في الجملة يرتفع العفو، وأن يكون المراد أنه كل ما لا تجوز في الجملة بنحو السلب الجزئي يكون موضوعا للعفو في مقابل الايجاب الكلي، فإذا لم تصح


(1) سيأتي نقلها والبحث عنها في ص 404.

[ 403 ]

ولو من مكلف يكون معفوا عنه من جميع المكلفين، ولازمه العفو عن كل ثوب لا يصح الصلاة فيه ولو من النساء للرجال والنساء، وأن يكون المراد ما لا تتم بالقياس إلى صنف الرجال وصنف النساء، فيكون مثل المقنعة والقميص غير معفو عنه للرجال، لجواز صلاتهم فيه منفردا ومعفوا عنه للنساء، وأن يكون عدم الاتمام بالقياس إلى أشخاص المكلفين فيكون بعض الثياب معفوا عنه عن صغير الجثة لا كبيرها، وجوه: أوجهها الاول، لا للامثلة المذكورة في الروايات، فانها لا توجب التقييد في موضوع الحكم بصرف كونها من قبيله، نعم يمكن تأييد الوجه الآتي بها، بل لا يبعد أن تكون الامثلة مرجحة له. بل لاجل أن الظاهر أن الحكم لطبيعة الصلاة، وعدمها بعدم جميع الافراد عرفا، كما أن وجودها بوجود فرد ما، فما لا تتم الصلاة فيه انما يصدق إذا لم تتم فيه مطلقا، وإلا فيصدق أنه مما تتم فيه، وهو الموافق لفهم العرف. ثم الثالث بدعوى أن الروايات متعرضة لحال الرجال كنوع الاحكام المشتركة بينهم وبين النساء، كقوله: رجل شك بين كذا وكذا، لكن العرف بالقاء الخصوصية يفهم أن الحكم أعم ومشترك بين الصنفين، ومقتضى ذلك أن ما لا تتم الصلاة فيه للرجال تصح صلاتهم فيه مع القذارة، وما لا تتم للنساء تصح صلاتهن فيه، أو يقال: إن العرف لما علم أن ما لا تتم للرجال مغاير لما لا تتم للنساء لا ينقدح في ذهنه إلا أن لكل صنف حكمه، فكل صنف لا تتم صلاته في شئ تصح صلاته فيه مع القذارة. وأما الاحتمالان الآخران فضعيفان سيما الاخير، والاقوى هو الوجه الاول وإن كان الثاني لا يخلو من قوة، ولو شككنا في ترجيح أحد

[ 404 ]

الوجهين كان المرجع عموم عدم جواز الصلاة في النجس، لاجمال المخصص المنفصل، والمتيقن منه مورد الامثلة المذكورة وأشباهها. الثاني - عن الصدوقين عد العمامة مما لا تتم الصلاة فيها، وهو موافق للفقه الرضوي (1) وربما يحمل كلامهما على العمامة التي تكون كذلك لصغرها، وقد يقال: إن العمامة بالهيئة الفعلية المعهودة لا تتم فيها، وهو الميزان فيما لا تتم، وإلا لامكن تغيير القلنسوة أيضا بنحو يتم الصلاة فيها. والتحقيق أن الظاهر من الروايات أن الثياب على نوعين: منها ما يصدق عليها أنها موصوفة بجواز الصلاة فيها وحدها، ومنها ما هي بخلاف ذلك، والموضوع لجواز الصلاة مع القذارة هو الثوب الذي له هذا الوصف العنواني من غير لحاظ كونه على المصلي ولا لحاظ إتيان الصلاة معه فعلا، فالقلنسوة متصفة فعلا بأنها ما لا تجوز الصلاة فيها وحدها، سواء صلى فيها مصل أو لا، والرداء متصف بجواز الصلاة فيه صلى فيه مصل أو لا، والعمامة من الثياب التي تتصف بالوصف العنواني، أي جواز الصلاة فيها بأية هيئة كانت. كما ان الرداء كذلك


(1) عن فقه الرضا عليه السلام: " إن أصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه، وذلك أن الصلاة لا تتم في شئ من هذه وحده " المستدرك - الباب - 23 - من ابواب النجاسات - الحديث 1، وفيه - مع أنه ضعيف السند بل في كونه رواية كلام - أن ما يظهر من التعليل الوارد في ذيله أن الاشياء المذكورة كانت من مصاديق عنوان ما لا تتم الصلاة فيه وحده، فيحمل قوله: " أو عمامتك " على العمامة التي تكون كذلك.

[ 405 ]

كان ملفوفا أو لا. وبالجملة لم يلحظ في الثياب هيئة فعلية، بل الملحوظ نفس الثياب ولا شبهة في أن العمامة كالمئزر في صدق جواز الصلاة فيها. فما قد يقال: إن الروايات لولا الامثلة المذكورة لا يبعد دلالتها على قول الصدوق، لظهورها في أن المدار جواز الصلاة فيها وحده بالفعل لا بالفرض، غير وجيه لان الظاهر منها النظر إلى ذات الثياب لا هيئاتها فكما أن الرداء بذاته يصدق عليه جواز الصلاة فيه ولو كان ملفوفا كذلك العمامة، فهي قطعة كرباس مثلا يجوز الصلاة فيها، أي يمكن جعلها ساترا، وهو ثابت لها بأية هيئة كانت. فلو لوحظ فعلية جواز الصلاة فيها حقيقة لا يصدق ذلك على شئ إلا مع جعله مئزرا بالفعل، واعتبار ذلك - مع كونه خلاف الضرورة للزوم البناء على العفو عن سائر الالبسة عدا الساتر الفعلي - خلاف المتفاهم من الروايات. وبالجملة الجواز الفعلي لا يصدق إلى مع فعلية التلبس والتستر به وهو غير مقصود بالبداهة، والوصف العنواني صادق حتى مع لفه وكونه على هيئة العمامة، وأما النقض بالقلنسوة بأنه يمكن تغيرها بنحو يجوز الصلاة فيها فهو كما ترى. الثالث - اعتبر العلامة وجمع آخر منهم الشيخ الاعظم أن تكون الملابس المعفو عنها في محالها مدعيا أنه المتبادر من إطلاق النص ومعاقد الاجماعات، فلو شد تكته في وسطه أو حملها على عاتقه لم تجز الصلاة أقول: أما لو أخذها من محالها وحملها من غير تلبس فعدم الجواز مبني على عدم جواز حمل المتنجس، وقد مر جوازه، وأما مع التلبس بها في غير محلها فالظاهر أيضا الجواز، لان الظاهر من الروايات أن ماله

[ 406 ]

هذا الوصف العنواني لصغره يكون تمام الموضوع لجواز الصلاة فيه من غير دخالة شئ آخر فيه، ولم يلحظ فيها حال الصلاة والمصلي فعلا حتى يقال: إن المتبادر تلبسه بها في محلها. وتوهم أن الحكم مبني على العفو - كما هو ظاهر تعبير الفقهاء، وهو مناسب لكون تلك الالبسة في محلها، وبالجملة معنى العفو ان المقتضى للمنع موجود لكن مصلحة التسهيل على المكلف أوجبت العفو عنها فيقتصر على ما إذا كانت في محلها - مدفوع أولا بأن لا إشعار في شئ من روايات الباب بالعفو، ولم يتضح من تعبير بعض الفقهاء بذلك أن يكون مراده وجود الاقتضاء فيها، بل الظاهر جريانه مجرى العادة، وتبعا لذكر دم الجروح والقروح الذي يظهر من نفس الواقعة فيه العفو، فدعوى العفو في المقام بهذا المعنى خالية عن الشاهد، وثانيا لو فرض العفو لكن لا يلزم منه رفع اليد عن ظاهر الرواية وإطلاقها، ودعوى الانصراف ممنوعة، وإلا فلقائل أن يدعي الانصراف في دليل المنع أيضا فالاقوى عدم الفرق بين كونها في المحال وعدمه. الرابع - بناء على عدم جواز حمل المتنجس لا فرق بين ما تتم فيه الصلاة وغيره إن قلنا باستفادة عدم جوازه من غير ما دل على عدم جواز الصلاة في النجس كصحيحة زرارة (1) وغيرها، ومنعنا صدق الصلاة فيه بالنسبة إلى المحمول، لان أدلة التجويز انما أجازت فيما لا تتم الصلاة فيها إذا كانت قذرة، والمحمول خارج عنه فرضا، نعم لو قلنا بصدق الصلاة فيه وقلنا باستفادة حكمه من الكبرى الدالة على عدم جواز الصلاة في النجس فمقتضى أدلة العفو التفصيل في المحمول أيضا كالتفصيل في الملبوس.


(1) مرت في ص 388.

[ 407 ]

الخامس - قيل مقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق في العفو بين النجاسات التي من فضلات غير مأكول اللحم أو غيرها، وكذا عدم الفرق بين ما يكون ما لا تتم من أعيان النجاسات كالخف المتخذ من جلد الميتة والقلنسوة المنسوجة من شعر الكلب والخنزير أو غيرها. أقول: ما هو المناسب بالبحث عنه هاهنا حيثية إطلاق نصوص العفو لما ذكر، وأما البحث عن أدلة عدم الجواز فيما لا يؤكل أو في الميتة ونجس العين ومقدار دلالتها ومعارضتها فهو موكول إلى محل آخر. والظاهر عدم الاطلاق في الادلة، أما غير (1) موثقة زرارة فلان الظاهر منه هو العفو من حيث النجاسة لا الموانع الاخر، ولهذا لا يتوهم إطلاقها لما إذا كان ما لا تتم مغصوبا، وبالجملة إطلاق العفو عن النجس حيثي لا يقتضي رفع مانعية أخرى تكون مستقلة في المانعية كغير المأكول والميتة بناء على مانعيتها من غير جهة النجاسة، وأما الموثقة فلان قوله عليه السلام: " بأن يكون عليه الشئ " ليس له إطلاق، بل الظاهر أنه إشارة إلى شئ خاص، وإلا لقال: " عليه شئ " منكرا، وهو إما القذر كما هو الظاهر ولو بقرينة سائر الروايات أو مجمل لا يدل على المقصود. فصل: لا إشكال نصا وفتوى في العفو عن دم القروح والجروح في الجملة وعليه الاجماع في محكى الخلاف والغنية وغيرهما، لكن عبارات القوم


(1) مر في ص 401.

[ 408 ]

مختلفة في اعتبار الدوام والسيلان وعدمه، ومشقة الازالة وعدمها، ووجوب التقليل وعدمه، ووجوب إبدال الخرقة مع الامكان وعدمه. والعفو لو ترشرش عليه من دم غيره وعدمه، ووجوب العصب وعدمه، وأن الغاية هي الاندمال أو قطع الدم، إلى غير ذلك. وقبل الورود في أصل المسألة لا بأس بذكر أمر يبتني عليه بعض فروعها، ويترتب عليه ثمرات في غير المقام، وهو أنه بعد ما فرغنا فيما سلف عن أن النجاسة مانعة عن الصلاة لا أن الطهارة شرط فيها يقع الكلام في المانع وكيفية مانعيته، بمعنى أن المانع هل هو عنوان النجس الجامع بين أنواع النجاسات، فيكون المانع شئ واحد هو النجس، أو كل نوع من أنواعها مانع مستقل بنحو تمام الموضوع أو بعضه، فيكون المني بعنوانه مانعا، والبول كذلك بناء على تمام الموضوعية، أو المني أو البول النجسين كذلك بناء على جزء الموضوعية؟ وعلى أي تقدير هل يكون المانع بعنوان صرف الوجود أو الطبيعة السارية. ولوازم الصور معلومة، فانه إن كان المانع النجس الجامع بعنوان صرف الوجود لو اضطر المكلف إلى بعض النجاسات في صلاته لا يجب التطهير من سائر الانواع ولا تقليل ما يضطر إليها، بخلاف ما لو كان بالوجود الساري فيجب عليه التطهير والتقليل، وكذا الحال بالنسبة إلى كل نوع لو قلنا بمانعيته مستقلا أو بنحو جزء الموضوع، فان قلنا بمانعية كل نوع بنحو صرف الوجود فإذا اضطر إلى ارتكاب نوع منها لا يجب تقليله، لكن يجب تطهير سائر الانواع غير المضطر إليها بخلاف ما إذا كان بنحو الوجود الساري، فانه يجب عليه التقليل والتطهير، ويمكن أن يكون الاعتبار في بعض الانواع بنحو صرف الوجود وفي بعضها بنحو الوجود الساري، ولوازمه معلومة.

[ 409 ]

هذا بحسب مقام الثبوت، وأما بحسب مقام الدلالة والاثبات فيمكن أن يستدل برواية خيران الخادم المتقدمة (1) على أن المانع هو النجاسة بعنوانها بأن يقال: إن قوله عليه السلام: " لا تصل فيه - أي في الثوب الذي أصابه الخمر - فانه رجس " يدل على أن تمام الموضوع لعدم جواز الصلاة هو الرجس من غير دخالة الخمر فيه، لا بنحو تمام الموضوع ولا جزئه. ومقتضى عموم العلة أن النجس بعنوان مانع في جميع أنواع النجاسات، ومع مانعية النجاسة التي هي صفة زائدة على الذات لازمة لها لا يكون المانع ذات العناوين، وإلا نسبت المانعية إليها، لاولوية الانتساب إلى الذات من الانتساب إلى الصفة الزائدة أو تعينه، فالانتساب إلى الرجس بعنوان الظاهر في أنه مانع دليل على أن لا مانعية لذوات العناوين، ولا دخالة لها رأسا. وتدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في الثوب الذي يستعيره الذمي، وفيها " ولا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (2) ويدل عليه أيضا بعض ما ورد في ما لا تتم الصلاة فيه (3). وكذا يمكن الاستدلال برواية خيران الخادم على أن المانع هو الطبيعة السارية، بأن يقال: إن النهى إذا تعلق بطبيعة يكون ظاهره الزجر عن تلك الطبيعة، ولازمه العرفي مبغوضيتها بأي وجود تحققت به،


(1) مرت في ص 387. (2) مرت في ص 389. (3) راجع الوسائل - الباب - 31 - من أبواب النجاسات - والباب - 14 - من ابواب لباس المصلي.

[ 410 ]

بخلاف الامر كما حقق في محله، هذا في الاوامر والنواهي النفسيتين، وكذا الحال في الارشاديتين مثل المقام، فان النهي عن الصلاة في النجس وإن كان ارشادا إلى مانعيته، لكن ليس معناه أنه مستعمل في عنوان المانع بحيث يكون معنى لا تصل في النجس أن النجس مانع حتى يتوهم ظهوره في صرف الوجود على تأمل فيه أيضا، بل هو مستعمل في معناه الموضوع له، أي الزجر عن الصلاة في النجس، لكن المتفاهم العرفي من الزجر الكذائي هو أنه لمانعية النجس، لا للمبغوضية النفسية. ولا ريب في أن الزجر عن الصلاة في النجس كالزجر عن شرب الخمر لازمه الزجر عن الطبيعة بأى وجود وجدت، ولازمه مانعيتها لجميع انحاء تحققها. وتدل عليه في الجملة رواية أبي يزيد القسمي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام " انه سأله عن جلود الدارش التي يتخذ منها الخفاف، قال: لا تصل فيها، فانها تدبغ بخرء الكلاب " (1) ويتم المطلوب بعدم الفصل جزما، بل يمكن أن يقال: إن المتفاهم من التعليل ولو بضميمة الارتكاز أن خرء الكلاب لنجاسته منهي عنه، بل لا ينبغي الشك فيه بعد دلالة الادلة المتقدمة على أن المانع هو القذارة لا العناوين الذاتية، فيصير مفادها كرواية خيران. ومنه يعلم الوجه في دلالة موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام وفيها " لا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل " (2) بالتقريب المتقدم، سيما مع إشعار به في نفسها. هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب مانعية الطبيعة السارية،


(1) الوسائل - الباب - 71 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 7

[ 411 ]

لكن مع ذلك لا تخلو من إشكال بل منع، لان الظاهر من تلك الروايات تعلق النهي بطبيعة الصلاة بمعنى أن المنهي عنه هو الصلاة في النجس أو ثوب أصابه الخمر، ولازمه بالتقريب المتقدم النهي عن جميع مصاديق الصلاة في النجس، لا في جميع مصاديق النجس، فقوله عليه السلام: " لا تصل في وبر ما لا يؤكل " على فرض الانحلال أو على التقريب المتقدم هو النهي عن ايجاد المكلف الصلاة مطلقا وبأي مصداق منها في وبر ما لا يؤكل، لا عدم التلبس بأي مصداق من الوبر، ضرورة أن ما يقال في الانحلال أو ما قلنا في لازم النهي انما هو في الطبيعة التي جعلت تلو النهي وصارت منهيا عنها، وهي الصلاة في الوبر على أن يكون ظرفا لها. فتحصل من ذلك أن المتفاهم من الروايات مانعية النجس عن كل صلاة، لا مانعية كل مصداق منه عن الصلاة، مضافا إلى الفرق بين النواهي النفسية والارشادية. فان وقوع جميع مصاديق الطبيعة في الاولى على صفة المبغوضية الفعلية لا مانع منه، بخلاف الثانية، لعدم إمكان اتصاف المصداق الثاني بالمانعية الفعلية مع اتصاف المصداق المتقدم بها فلا بد من الالتزام بالمانعية الشأنية أو التقديرية، وهو خلاف ظاهر الادلة، ولا يرد النقض بالموانع الاخر من غير سنخ النجاسة، لان الادلة في كل نوع غير ناظرة إلى حال الادلة الاخرى، فضلا عن حال تقدم بعض المصاديق وتأخرها. وهذا بخلاف الدليل الواحد الظاهر في النهي الفعلي عن الصلاة في النجس الظاهر في فعلية المانعية، وهى تناسب مانعية صرف الوجود ولهذا يمكن دعوى ظهور الادلة في مانعية صرف الوجود من النجس لطبيعة الصلاة السارية، ولو نوقش في هذا الاخير فلا أقل من عدم

[ 412 ]

دلالة الروايات على مانعية الوجود الساري بما تقدم. نعم لرواية أبي يزيد القسمي نوع إشعار به لا يبلغ حد الظهور والدلالة مع ضعف سندها جدا، كالاشعار في صحيحة علي بن جعفر الواردة في الثؤلول والجرح (1). وأما صحيحة الحلبي (2) وموثقة ابن سنان (3) الواردتان في كيفية غسل الجرح فلا ينبغي توهم الاشعار فيهما فضلا عن الدلالة، مع انهما غير واردتين في الصلاة، فتحصل مما ذكر عدم الدليل على أن المانع هو الوجود الساري للنجاسة. بل يمكن الاستدلال بجملة من الروايات على عدم مانعيته، مثل ما وردت في جواز الصلاة في ثوب النجس مع تعذر الازالة، كصحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره، قال: يصلي فيه، فإذا وجد الماء غسله " (4) ونحوها صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله (5) وغيرها. وكصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: " سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم، يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ قال: إن وجد ماء غسله، وإن لم يجد


(1) راجع الوسائل - الباب - 63 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: " سألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله؟ قال: اغسل ما حوله " ونحوها موثقة ابن سنان، راجع الوسائل - الباب - 24 - من ابواب النجاسات الحديث 3. (3) راجع الوسائل - الباب - 24 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 (4) و (5) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 4

[ 413 ]

صلى فيه، ولم يصل عريانا " (1) فان عدم الامر بفرك المني والدم عن الثوب مع أن لهما عينا قابلة له، سيما الثوب الذي كله أو نصفه دم دليل على عدم لزوم فركهما وتقليلهما، ولازمه كون المانع صرف الوجود لا الساري منه. ومنها ما وردت في المقام: أي دم القرح والجرح، كصحيحة أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو يصلي، فقال قائدي: إن في ثوبه دما فلما انصرف قلت له: إن قائدي أخبرني أن بثوبك دما، فقال: إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ " (2) وموثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الجرح يكون في مكان لا يقدر ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي، فقال: دعه فلا يضرك أن لا تغسله " (3) وصحيحة ليث المرادي قال ": قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دما وقيحا وثيابه بمنزلة جلده، فقال: يصلي في ثيابه ولا يغسلها، ولا شئ عليه " (4). ورواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم " (5) إلى غير ذلك، فان أقرب الاحتمالات فيها هو أنه بعد الابتلاء بالدم زائدا على المقدار المعفو عنه وحرجية غسل الدماميل نوعا أو شخصا لا


(1) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 22 من أبواب النجاسات - الحديث 1. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب النجاسات الحديث 6 - 5 - 7.

[ 414 ]

يكون الدم في الثوب والبدن مانعا عن الصلاة. وأما احتمال حرجية غسل الثوب نوعا أو شخصا فواضح البطلان سيما إلى أن يبرأ القرح والجرح، ضرورة أن البرء والاندمال تدريجي التحقق، وقبله يوما أو أزيد لا يكون الدم سائلا ولا تعويض الثوب أو غسله حرجيا لا نوعا ولا شخصا، فعدم لزوم الغسل والتعويض إلى زمان البرء إما للعفو عن المانع بعد فرض مانعية الطبيعة السارية، أو لعدم مانعية الزائد عن صرف وجود الزائد عن مقدار الدرهم بعد الابتلاء به وحرجية غسله، والعفو مع فرض المانعية بلا جهة موجبة له من الحرج نوعا أو شخصا بل مع سهولة التعويض كما هو كذلك نوعا بعيد في نفسه، بل عن سوق الروايات، فان الظاهر من قوله عليه السلام: " لا يضرك " وقوله عليه السلام: " لست اغسله حتى تبرأ " لا يبعد أن يكون عدم اقتضائه للمانعية، لا العفو عن المقتضي، بل اقامة الدليل على أن المانع صرف الوجود غير لازمة، وعدم الدليل على مانعية الطبيعة السارية كاف بعد جريان الاصل أو الاصول. نعم يمكن ان يستدل لمانعية الطبيعة السارية بموثقة سماعة قال: " سألته عن الرجل به الجرح والقرح فلا يستطيع ان يربطه ولا يغسل دمه، قال: يصلي، ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة واحدة، فانه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة " (1). ورواية محمد بن مسلم عن مستطرفات السرائر قال: " قال: إن صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم أكثر من مرة " (2) بدعوى ان الظاهر منهما


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (2) راجع الوسائل - الباب - 22 - من ابواب النجاسات =

[ 415 ]

لزوم غسل الثوب مرة في اليوم. ولولا مانعية الطبيعة السارية لما كان وجه للزومه، بل الظاهر من تعليل الاولى أن عدم لزوم الغسل زائدا على مرة واحدة لعدم استطاعته، وإلا فالمقتضي له محقق، وهو لا يتم إلا مع مانعية الوجود الساري. وفيه أن دلالتهما على ما ذكر فرع لزوم الغسل في اليوم مرة واحدة ولا يمكن الالتزام به، إما لاعراض الاصحاب عن ظاهرهما وعدم الافتاء بهما، وإما لان مقتضى الجمع بينهما وبين ما تقدم حملهما على الاستحباب ضرورة عدم إمكان حمل صحيحة أبي بصير المتقدمة على غسل أبي جعفر عليه السلام ثوبه كل يوم مرة فانها ليست من قبيل المطلق القابل للتقييد، بل هو إخبار منه عن عدم غسله إلى زمان البرء، فاللازم حملها على الاستحباب، فيكون التعليل لامر استحبابي لا لزومي، فدلت الاولى على أنه لو كان مستطيعا لكان الراجح عليه الغسل لا اللازم وهو لا يتم إلا بما ذكرناه. لكن لازم ما ذكرناه أمر لا يمكن الالتزام به لمخالته لارتكاز المتشرعة، بل من البعيد التزام أحد من الاصحاب به، وهو عدم مانعية سائر النجاسات عن الصلاة بعد ابتلاء المكلف بواحدة منها، فيقال فيما نحن فيه لا يكون البول والمني وغيرهما مانعة، ويجوز للمكلف الصلاة مع التلوث بها عمدا، والالتزام به في النوع غير المبتلى به غير ممكن، وأما في المبتلى به فليس بذلك البعد، كما هو مورد الروايات المتقدمة في الدم والمني. وقد التزم به في الجملة بعضهم مدعيا عليه الاجماع، قال في مفتاح الكرامة وفي نهاية الاحكام والمنتهى: لو ترشرش عليه من دم غيره فلا


= الحديث 4 - الطبعة الحديثة.

[ 416 ]

عفو، ونقله الاستاد الآقا أيده الله تعالى عن بعض من قرب زمانه، ورده بالاجماع على عدم الفرق بين الدمين، وبمطلقات أخبار العفو. وإليه أشار في المبسوط، حيث قال: " وما نقص (1) عنه من سائر الحيوان " انتهى، وعن المدارك تقريب ثبوت العفو إن أصاب الدم ماء فأصاب الماء الثوب، وعن الذكرى تقويته، نعم عن شرح الاستاد دعوى الاتفاق على عدم العفو إن أصاب الدم نجاسة خارجية، فالتفصيل بين النوع المبتلى به وغيره غير بعيد، وإن كان الاحتياط سيما في بعض الفروع لازم المراعاة. إذا عرفت ذلك فالمحتملات في باب دم القرح والجرح كثيرة، ككون الحكم مطلقا في نفس القروح والجروح وما يتلوث بدمهما دائرا مدار الحرج الشخصي، فلا يكون في الباب تعبد خاص، ويكون مما قال فيه أبو عبد الله عليه السلام: " يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله " (2) أو الحرج النوعي، فيكون التعبد في المقام لاجله، أو كون حكم نفس القرح والجرح دائرا مداره شخصا أو نوعا دون الثياب وما يتلوث بالدم فلا يكون فيهما مانعا كما تقدم. أو يكون معفوا عنه على فرض المانعية، أو كون حكم نفسهما العفو مع الاستمرار واللزوم أو مطلقا مع فرض عدم المانعية في غيرهما أو العفو، أو كون الحكم فيهما وما يتلوث بدمهما مبينا على العفو إما مطلقا أو مع الاستمرار. والاستمرار أينما يعتبر يمكن أن يكون المراد منه الاستمرار الفعلي في جميع الاوقات، أو شأنيته أي تكون له مادة قابلة لدفع


(1) في مفتاح الكرامة " نقص " بالقاف والصاد المهملة، ولعله بالفاء والضاد المعجمة (منه دام ظله). (2) راجع الوسائل - الباب - 39 - من ابواب الوضوء - الحديث 5

[ 417 ]

الدم وجريانه، إلى غير ذلك من الاحتمالات. ثم أن بعضها مقطوع الفساد بحسب مفاد الادلة كالاحتمالين الاولين ضرورة عدم حرجية غسل الثياب أو تبديلها إلى زمان البرء لا شخصا ولا نوعا، وبعضها مبني على عدم مانعية الدم بطبيعته السارية، وقد مر الكلام فيه، والاولى عطف الكلام إلى بعض الاحتمالات المعتد بها. منها أن موضوع العفو هل القرح والجرح إذا كان غسلهما حرجيا بمعنى أنه مع حرجية غسلهما يعم العفو الثياب وغيرها مما يتلوث به عادة مطلقا حرجيا كان غسلهما أو لا؟ فنقول بناء على مانعية الطبيعة السارية لا بد في رفع اليد عن دليل المانعية من دليل، والظاهر قصور الادلة عن افادة العفو عن مطلق دم القروح والجروح، والمتيقن منها ما يلزم منه الحرج. أما صحيحة أبي بصير عن أبى جعفر عليه السلام فمع كون قضية شخصية ولم يتضح أن دمامليه عليه السلام على أية كيفية أن الظاهر أن الدماميل مع كثرتها يعسر عادة غسلها، ويكون تطهيرها حرجيا ولو نوعا سيما في اليدين، بل لا يبعد أن يكون الدمل غير مطلق الجراح عرفا، بل ماله مادة معتد بها، وكيف كان لا يستفاد منها العفو عن مطلق القروح. وفي موثقة سماعة يكون عدم استطاعة الغسل مفروضا، والمراد منه غسل نفس الجرح والقرح، لا غسل الدم عن الثوب، كما يظهر من الجواب، أو غسل جميع الدم الحاصل منهما باعتبار عدم إمكان غسلهما وفى موثقة عبد الرحمان كان المفروض سيلان الدم والقيح، وغسل مثله في معرض الضرر، ويكون فيه الحرج ولو نوعا، مع أن قوله:

[ 418 ]

" لا يقدر على ربطه " دال على احتياجه إلى الربط، ومثله يكون معتدا به، وغسله حرجي نوعا. والمفروض في صحيحة محمد بن مسلم (1) انها لا تزال تدمي، وغسل مثلها حرجي بلا شبهة، وكذا مورد صحيحة ليث المرادي، وكذا ظاهر " جرح سائل " في رواية سماعة، ورواية عمار مع ضعفها بعلي ابن خالد ظاهرة فيما يكون معتدا به، فان الانفجار لا يصدق إلا مع مادة كثيرة معتد بها، فيكون غسله حرجيا. فتحصل من ذلك اعتبار الحرج النوعي في غسل نفس الجرح والقرح لكن لا بمعنى دوران الحكم مدار الحرج حتى لزم منه وجوب الغسل عند قرب الاندمال. لعدم الحرج فيه نوعا، بل بمعنى أن المعتبر كونهما على وجه يكون غسلهما ولو في زمان طغيانهما حرجيا، فحينئذ يكون الدم مطلقا معفوا عنه، ولو في زمان لا يكون الغسل حرجيا والثوب كذلك، وتوهم أن ذلك مستلزم للعفو عن مطلق الجرح والقرح لعدم الفرق بين ما هو قريب بالاندمال وما هو في رتبته مدفوع بكونه قياسا ممنوعا. ومنها أن الاستمرار هل هو معتبر أم لا؟ لا شبهة في أن الاستمرار الفعلى وعدم الفتور في جميع الاوقات غير معتبر كما هو ظاهر النصوص فان الظاهر من صحيحة أبى بصير أن الغاية لعدم وجوب الغسل هي البرء، ومعلوم أنه تدريجي الحصول، وينقطع الدم وسيلانه قبله بيوم


(1) عن احدهما عليها السلام قال: " سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمى، كيف يصلي؟ فقال: يصلي وإن كانت الدماء تسيل " راجع الوسائل - الباب - 22 - من ابواب النجاسات. الحديث 4.

[ 419 ]

أو أيام حسب اختلاف الدماميل. وأما رواية سماعة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم " (1) فالظاهر أن البرء غاية لا الانقطاع، وذكره جار مجرى العادة لكونه لازم البرء، فلا يظهر منه القيدية (2) وليس المراد بقوله عليه السلام: " جرح سائل " السيلان الفعلي في كل زمان، بل المراد الذي له مادة سائلة يسيل منه الدم دفعة بعد دفعة، وإلا فليس في الجروح ما يكون دائم السيلان فعلا إلى زمان البرء، هذا مضافا إلى عدم المفهوم للقيد ولا للشرطية، لكونها محققة للموضوع. ولا يراد من قوله في صحيحة ابن مسلم: " فلا تزال تدمي " السيلان الدائمي الفعلي، لما عرفت، مع أنه في السؤال لا في كلامه عليه السلام (3) وبالجملة اعتبار السيلان الفعلي ضعيف.


(1) مرت في ص 413. (2) يمكن أن يستشهد عليه بقوله عليه السلام في صحيحة أبى بصير " ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ " حيث اقتصر بذكر البرء من دون تعرض للانقطاع، فإذا كان الانقطاع غاية لا يحسن الاكتفاء بذكر البرء، مع أنه الاعم منه، وعليه فالمراد بالانقطاع هنا البرء، لانه يلازمه، وبهذا يظهر الجواب عما قيل من أن عطف العام على الخاص يشعر بأن المراد بالخاص هو العام، تأمل. (3) بل يمكن أن يستفاد من الجواب وهو قوله عليه السلام: " يصلي وان كانت الدماء تسيل " عدم اعتبار السيلان، بدعوى أن التعبير بان الوصلية يقتضي ذلك، فيكون المفاد هكذا: أن الدم الذى يسيل معفو عنه، فكيف إذا لم يكن كذلك تأمل.

[ 420 ]

نعم المتيقن من مورد الروايات كونهما داميتين، بمعنى أن يكون لهما مادة معتد بها يكون لها شأنية السريان والادماء، فتكون صاحبة الدم والمادة، فلا يشمل العفو مطلق الدماميل، وهذا هو المراد من الجرح السائل، ومن قوله: " لا تزال تدمى " ولا إطلاق في الباب يشمل غير الداميات والسائلات بالمعنى المتقدم. أما صحيحة أبى بصير فواضح، لكون القضية شخصية، مع أن خروج الدماميل ملازم نوعا لشأنية السيلان وكونها ذا مادة قابلة له سيما في الابدان السمينة البدينة، وظاهر موثقة سماعة ذلك، لان ما يحتاج إلى الربط ملازم لها، وكذا الحال في سائر الروايات حتى رواية عمار، لان الانفجار لا يقال إلا في ما له مادة سائلة. ثم أنه بناء على مانعية النجاسات بطبائعها السائلة لا يكون سائر النجاسات معفوا عنها إذا أصابت الدم المعفو عنه، حتى دم نفسه فضلا عن دم غيره فضلا عن سائر النجاسات، بل الظاهر عدم العفو عن الماء الواصل بهذا الدم فتنجس به، نعم الرطوبات الملازمة للقرح والجرح كالعرق والقيح وكذا الدواء الموضوع عليهما معفو عنها. ولو شك في دم أنه من القروح أو لا فالاحوط عدم العفو، وإن كان العفو لا يخلو من وجه، لان المانع عن الصلاة ليس مطلق الدم، بل الدم المسفوح، وقد خرج منه ما سفح بالجرح والقرح، فصار الموضوع بحسب الواقع واللب الدم المسفوح، لا عنهما على نحو القضية المعدولة، أو الدم الذي لا يكون مسفوحا منهما على نعت القضية الموجبة السالبة المحمول، ولا حالة سابقة لهما، واستصحاب العدم الازلي لاثبات القضية على أحد النحوين مثبت، كاستصحاب عدم خروجه منهما أو استصحاب كون هذا الدم غير خارج منهما أو لم يكن خارجا منهما

[ 421 ]

فان هذه العناوين ليست موضوعة للحكم، بل الموضوع الدم المسفوح بالقيد المتقدم، وتلك الاستصحابات لا تثبته إلى على الاصل المثبت، والتفصيل موكول إلى محله. فصل: وعفي عن قليل الدم غير ما استثني يكون في الثوب بلا إشكال، وحكي عليه الاجماع مستفيضا، وهو العمدة في إطلاق الحكم، وإلا فربما يمكن المناقشة في دلالة الروايات وإطلاقها بالنسبة إلى العالم العامد. أما صحيحة ابن أبى يعفور (1) فموردها الناسي، ودعوى فهم عدم المانعية مطلقا بالقاء الخصوصية ممنوعة بعد اختلاف الحكم في الناسي، ودعوى فهم عدم المانعية مطلقا بالقاء الخصوصية ممنوعة بعد اختلاف الحكم في الناسي وغيره في موارد، فمن الجائز اختصاص العفو به في الدم القليل. وأما رواية اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: " في الدم يكون في الثوب: إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة " (2) فمع ضعفها سندا أن الظاهر أن مقول قول أبى جعفر عليه السلام قوله:


(1) في حديث قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة " الوسائل - الباب - 20 - من أبواب النجاسات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 422 ]

" إن كان أقل " الخ، ولم يذكر الجعفي خصوصيات السؤال، ويظهر من الجواب أن سؤاله كان فيمن صلى مع الدم، ولم يتضح أنه كان مختصا بالناسى أو العامد أو الاعم، و مجرد عدم ذكره لا يدل على الاعم، واحتمال كون قوله: " في الدم يكون في الثوب " من أبي جعفر عليه السلام بعيد، بل غير مناسب لابتداء الكلام. نعم يمكن أن يقال: إن قوله عليه السلام: " وإن كان أكثر " قرينة على أعمية السؤال و الجواب في الدم الاقل، لكنه محل إشكال وتأمل، بل الظاهر من قوله عليه السلام: " وكان رآه " الخ أن رؤيته السابقة صارت موجبة للاعادة، وهو مخصوص بالناسي، وبالجملة في دلالتها على العفو مطلقا تأمل، فتأمل. كدلالة مرسلة جميل عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: " لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم " (1) فانه - مع ضعف سندها بعلى بن حديد، ومجرد أن الراوي منه أحمد بن محمد بن عيسى، وهو كان يخرج من " قم " من يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل لا يوجب وثاقة الراوي وهو ظاهر، ولا موثقية الصدور، لاحتمال اتكاله على أمر لم يكن عندنا معتمدا عليه، كما أن كون المرسل جميلا و هو من أصحاب الاجماع لا يوجب اعتبارها، لعدم دليل مقنع على ما ذكروا في أصحاب الاجماع وقد مر شطر من الكلام فيهم في باب العصير - يمكن المناقشة في دلالتها، لاحتمال كون " إن " في قوله عليه السلام: " وإن كان " الخ وصلية وقوله عليه السلام: " فلا بأس " أعيد للفصل الطويل بينه وبين


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب النجاسات - الحديث 4

[ 423 ]

سابقه، وللتوطئة للقيد المذكور: أي قوله عليه السلام: " ما لم يكن مجتمعا " الخ، فيكون التالي للوصلية أخفى الافراد، ولو كان العفو مطلقا حتى بالنسبة إلى العامد كان حق العبارة غير ما ذكرت. فعلى الوصلية تدل الرواية على العفو بالنسبة إلى من رأى فنسيه وصلى، ولو قلنا بشرطية " إن " كان الظاهر من الرواية عدم البأس بشبه النضح مطلقا على تأمل، والتفصيل بين قدر الدرهم وأقله في غيره فلا يبعد أن يكون الظاهر حينئذ أيضا بيان حال الناسي لظهور قوله عليه السلام: رآه صاحبه قبل ذلك " في أن المقتضى للاعادة رؤيته قبلا، وفي العامد يكون المقتضى العلم به فعلا لا سابقا، وكيف كان لا دلالة فيها على العفو مطلقا ولو عن العامد. وأما صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشئ، رأيته من قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه " (1) فالتفصيل فيها بين الثوب المنحصر وغيره، وهو مسألة أخرى. واحتمال ان قوله عليه السلام: " وما كان أقل " أمر مستأنف لا من فروع الثوب المنحصر بعيد غايته مع أنه على فرضه يكون مخصوصا بالناسي بمناسبة قوله عليه السلام: " رأيته من قبل أو لم تره " بالتقريب المتقدم.


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب النجاسات - الحديث 6

[ 424 ]

نعم عن التهذيب " وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ " بزيادة الواو وحذف " وما كان أقل " وعن الاستبصار حذفه بلا زيادة الواو، وفي نسخة من التهذيب مقروة على المحدث المجلسي كتبت الواو في ذيل السطر مع علامة النسخة، يظهر منها أن نسخة الاصل بلا واو وفى نسخة زيادتها، وليس فيها لفظ " من قبل " بعد قوله عليه السلام: " رأيته " فتكون العبارة كذلك " وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ رأيته أو لم تره " الخ. فعلى نسخة زيادة الواو وسقوط " من قبل " تدل الرواية على مذهب المشهور من جهة، أي التفصيل بين القليل والكثير مطلقا، وجواز الصلاة مع قليله ولو عمدا، لكن الاتكال على هذه النسخة مع مخالفتها للكافي و الفقيه بل والاستبصار وبعض نسخ التهذيب مشكل، سيما مع مخالفتها لمذهب المشهور من جهة أخرى كما يأتي. وأما رواية أبي بصير عن أبى عبد الله أو أبي جعفر عليهما السلام قال: " لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض، فان قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء " (1) فمع ضعف سندها منصرفة عن العمد، لكن الانصاف أن المناقشة في هذه المسألة المجمع عليها في غير محلها، بل الظاهر أن المناقشة في إطلاق بعض الروايات كرواية الجعفي و بعض آخر كذلك. بل مقتضى موثقة داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يصلى فأبصر في ثوبه دماء قال: يتم " (2) صحة الصلاة في الدم مطلقا، خرج منه الزائد على مقدار العفو إجماعا ونصوصا


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب النجاسات - الحديث 3.

[ 425 ]

وبقي الباقي، وتوهم التفصيل بين أثناء الصلاة وغيره فاسد مخالف للاجماع وكيف كان لا ينبغي الاشكال في المسألة من هذه الجهة، كما لا ينبغي الاشكال في إلحاق البدن بالثوب، لعدم القول بالفرق، بل مقتضى تصريح جمع وإطلاق آخر الاجماع عليه، ومجرد سكوت جمع عن البدن لا يوجب استظهار الفتوى بالاختصاص، سيما أن مثل الصدوق يوافق لفظ النص في التعبير. والشيخ في الخلاف على النسخ المشهورة ألحق البدن به، ويظهر منه الاجماع عليه، وهو قرينة على أن ما في المبسوط ليس مخالفا للخلاف، كما أن دعوى السيد إجماع الامامية على العفو في البدن دليل على أن رأي استاده المفيد موافق له، وأما ابن زهرة فكلامه في دم القروح والجروح، وهو أمر آخر، مع أنه لا يظهر منه الاختصاص، بل مقتضى مجموع كلامه عدمه، وانما ذكر الثوب مثالا، ولهذا ذكره أيضا في الدماء الثلاثة مع القطع بعد ارادته الخصوصية، وأما سلار فقد عقد البحث رأسا في تطهير الثياب عن النجاسات فلا يظهر منه القيدية. هذا مضافا إلى إمكان استفادة الالحاق من رواية أبي بصير عن أبى عبد الله أو أبى حعفر عليهما السلام المتقدمة، فان مقتضى إطلاق صدرها عدم وجوب الاعادة في الدم القليل في الثوب والبدن، وأما ذكر الثوب في التعليل الراجع إلى المستثنى فالمقطوع عدم قيديته، بل ذكر من باب المثال، ضرورة وجوب تطهير البدن كالثوب عن دم الحيض فلا يجوز تقديره في الصدر ودعوى دخالته في الحكم، كما لا تتجه دعوى عدم الاطلاق في الصدر بتوهم أنه بصدد بيان الفرق بين الدمين، أو أن الصدر توطئة لبيان حكم دم الحيض، فان كل ذلك تكلف وتهجس مخالف للظاهر.

[ 426 ]

ثم ان المستفاد منها أصل التفصيل، وأما مقدار المعفو عنه فمستفاد من سائر الروايات بعد الجزم بعدم التفصيل فيه بين الثوب والبدن، ومن صحيحة ابن مسلم المتقدمة، فان قوله عليه السلام: " وما كان أقل من ذلك فليس بشئ " ظاهر في أن القليل منه لاجل قلته ليس بشئ ولا يكون مانعا، وان القلة بما هي تمام الموضوع لعدم المانعية ولو كان الثوب دخيلا في الحكم لم يتجه ذلك التعبير. بل يمكن الاستيناس بعدم دخالة الثوب في الروايات بمقطوعية عدم دخالته في الدم الذي بمقدار الدرهم أو أكثر، مع أنه مذكور فيها أيضا، فالقطع بعدم دخالته في غير المعفو عنه وأنه ذكر تبعا للسائل أو من باب المثال يقرب أن ذكره في المعفو عنه أيضا كذلك. فان التفرقة بين الفقرات خلاف ظاهر السياق وارتكاز العرف. ومن رواية مثنى بن عبد السلام عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " قلت: إنى حككت جلدى فخرج منه دم، فقال: إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلا فلا " (1) بعد عدم إمكان التفصيل بين الثوب والبدن في مقدار الدم، وفساد حمل الرواية على عدم نجاسته إذا كان أقل من حمصة، لمخالفته لارتكاز القعلاء والمتشرعة، بل للقطع بفساده، فلا محيص عن حملها على عدم مانعية الاقل منها، وهو يعطي التفصيل بين القليل والكثير في البدن، وإن كانت في مقدار محمولة على بعض المحامل، تأمل. وكيف كان لا إشكال في أصل الحكم، وانما الاشكال في أن مقدار الدرهم غاية للرخصة أو للمنع، فالمشهور كما عن كشف الالتباس والمسالك الثاني، بل في الخلاف الاجماع عليه، وذهب سلار إلى الاول، وربما


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب النجاسات - الحديث 5

[ 427 ]

نسب ذلك إلى السيد في انتصاره، وهو خلاف الواقع، فانه بعد ما صرح بأنه مما انفردت به الامامية هو جواز الصلاة في ثوب أو بدن أصاب منه ما ينقص مقداره عن سعة الدرهم، ونقل عن الشافعي القول بعدم الاعتبار بالدرهم في جميع النجاسات، وعن أبي حنيفة القول باعتبار مقداره في جميعها قال: " فاعتباره في بعضها دون بعض هو التفرد - - ثم قال -: ويمكن القول بأن الشيعة غير متفردة بهذه التفرقة - ثم حكى قول زفر، وقال -: هو نظير قول الامامية - ثم حكى قول محسن بن صالح، وقال: - هذا مضاهي لقول الامامية ". ومراده في أصل التفصيل والتفرقة بين الدم وغيره، لا في مقداره ضرورة أن قولهما مختلفان في المقدار، فان الاول جعل الدرهم معفوا عنه دون الثاني، وأما ما في خلال كلامه في مقام الاستدلال مما يوهم خلاف المشهور فلا بد من حمله على صدر كلامه دفعا للتناقض، بل ليس في خلاف البحث بصدد بيان الخصوصيات، بل بصدد بيان أصل التفرقة، فالمخالف هو سلار ظاهرا. وتدل على المشهور صحيحة ابن أبي يعفور (1) ومرسلة جميل (2) بل ورواية اسماعيل الجعفي (3) فان الظاهر من قوله: إن كان أقل فكذا، وإن كان أكثر فكذا أن الجملة الثانية بيان لمفهوم الجملة الاولى


(1) تقدم الاشارة إليها في ص 421. (2) مرت في ص 422. (3) مرت في ص 421.

[ 428 ]

وانما خص بالذكر بعض المصاديق الشايعة منه، لان المساوي لمقدار الدرهم قليل الوجود بخلاف الاكثر منه، ولا مفهوم للجملة الثانية التي بصدد بيان مفهوم الاولى عرفا، فتوهم أن مفهوم الجملتين متعارضان، بل مفهوم الثانية معارض للروايتين المتقدمتين أيضا ضعيف، وأضعف منه توهم كون الجملة الاولى بيان بعض مصاديق مفهوم الجملة الثانية، عكس ما قلناه، ضرورة أنه في غاية الحزازة، ومخالف للمحاورات العرفية نعم يحتمل أن لا يكون لمثل الجملتين مفهوم، فكان مقدار المساوي مسكوتا عنه، لكن الاقرب ما ذكرناه وإن لا يختلف الحكم على هذا الاحتمال، غاية الامر لا تكون هذه الرواية متعرضة للمقدار المساوي فنأخذ فيه بالروايتين المتقدمتين. وأما صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فعلى نسخة الكافي والفقيه لا يبعد أن يكون مفادها كرواية الجعفي، فان قوله عليه السلام: " ما لم يزد عليه " من تتمة حكم انحصار الثوب مع رؤية الدم في الاثناء، وهو مسألة أخرى، والظاهر أن قوله عليه السلام: " وما كان أقل من ذلك " مسألة أخرى برأسها لا في موضوع الثوب المنحصر حتى يكون تتمة للجملة السابقة، فان جعله من تتمتها يوجب التكرار في حكم الزائد عن مقدار الدرهم، مضافا إلى أن ظاهر الذيل ينافي كونه في الفرض السابق، فحينئذ تكون الشرطيتان نظير الشرطيتين في رواية الجعفي، وقد عرفت حالهما، فلو فرض كونها من تتمتها فتكون مسألة أخرى هي فرض انحصار الثوب، تأمل. نعم على نسخة التهذيب تكون معارضة لسائر الروايات، لكن قد عرفت عدم جواز الاعتماد على نسخته، و على فرض التعارض لا يعتمد عليها لمخالفتها للمشهور، وكونها شاذة، و لموافقتها لابي حنيفة، ومخالفتها

[ 429 ]

للقواعد والعمومات، فلا إشكال في الحكم. هذا إن كان الدم مجتمعا قدر الدرهم، واما ان كان متفرقا فان لم يكن قدره لو اجتمع فلا إشكال بل لا خلاف كما في الجواهر في مساواته للمجتمع في العفو عنه، لاطلاق الادلة وخصوص ما تقدم، وإن كان قدره أو زائدا ففيه خلاف، فعن المبسوط والسرائر والنافع والشرائع وابن سعيد والاردبيلي والتلخيص والكفاية و الذخيرة والحدائق وبعض من متأخري المتأخرين العفو، وعن الذكرى أنه المشهور، وفي المراسم والوسيلة وعن العلامة في جملة من كتبه وجملة وافرة ممن تأخر عنه عدمه، بل عن بعضهم دعوى الشهرة عليه، وعن جملة نسبته إلى أكثر المتأخرين، و هو ظاهر نهاية الشيخ على تأمل، وعن المحقق في المعتبر القول بالعفو، إلا أن يتفاحش، لكن عبارته فيه على خلاف ما نسب إليه، فراجع. ومنشأ اختلافهم الاختلاف في فهم الروايات، فقد استدل كل من القائل بالعفو وعدمه برواية ابن أبى يعفور، ومحتملاتها كثيرة لا يمكن الركون إلى واحد منها، ولا استظهار واحد من القولين منها، لاحتمال أن يكون " مقدار الدرهم " في قوله عليه السلام: " إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا " مرفوعا إسما للفعل الناقص، وخبره " مجتمعا " وأن يكون منصوبا خبرا له، واسمه الضمير الراجع إلى الدم، " ومجتمعا " خبرا بعد خبر، أو الراجع إلى نقط الدم " ومجتمعا " خبر ثان إما لسهولة أمر التذكير والتأنيث أو لكونها مضافة إلى المذكر الممكن قيامه مقامها، وعلى التقديرين يمكن أن يكون " مجتمعا " حالا محققة من " مقدار الدرهم " أو من الضمير، وأن يكون حالا مقدرة، وعلى جميع الاحتمالات تكون ظاهرة في العفو إلا على تقدير كون الحال مقدرة،

[ 430 ]

وقد قيل باتفاق أئمة الادب على اشتراط كون الحال مقدرة بمخالفة زمان العامل مع الحال وهو مفقود في المقام، فعلى فرض صحة ذلك يكون هذا الاحتمال مرجوحا، وإن كان انقطاع الاستثناء على سائر الاحتمالات مخالف الظاهر أيضا. لكن الانصاف أن الاتكال على تلك الرواية مع تلك الاحتمالات الكثيرة لاثبات كل من طرفي الدعوى مشكل، نعم ظاهر مرسلة جميل (1) العفو، فان قوله عليه السلام: " وإن كان قد رآه صاحبه " إلى آخره وصلية، وإلا يلزم التفصيل بين شبه النضح وغيره في العلم به وعدمه، وهو خلاف الواقع، وعلى الوصلية تكون ظاهرة في العفو، فان قوله عليه السلام: " فلا بأس به " الخ بيان للجملة المتقدمة، أي لا بأس بالدم ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم فشبه النضح لا بأس به لكن الاتكال عليها مشكل لضعف سندها وعدم جابر له، لان الاصحاب وإن أفتوا بمضمون روايات الباب لكن لما كانت بينها روايات صحيحة معتمدة لا يظهر منهم الاتكال على تلك المرسلة. وأما رواية اسماعيل الجعفي (2) وصحيحة محمد بن مسلم (3) فيمكن أن يستدل بهما للطرفين بأن يقال: إن المراد بالدم والثوب جنسهما، فيكون المعنى إن كان جنس الدم في جنس الثوب أقل من قدر الدرهم فلا يعيد. وإن كان أكثر فيعيد، وإطلاقهما شامل للمتفرق، وأن يقال: إن الحكم على طبيعي الدم والثوب وهما صادقتان على المصداق الخارجي الفعلي وليس في الخارج من طبيعة الدم إلا هذا المصداق وذاك وذلك، وكذا الثوب. وأما مجموع الدمين والدماء فليس مصداقا للدم


(1) مرت في ص 422. (2) مرت في ص 421. (3) مرت في ص 423.

[ 431 ]

ولا موجودا في الخارج، وفرض الاجتماع لا يوجب إلا المصداق الفرضى لا الفعلي، وهذا خلاف ظواهر الادلة، فكل مصداق محقق في الخارج منه أقل من مقدار الدراهم فرضا، وغير ذلك غير موجود خارجا إلا بحسب الفرض والتعليق المخالف للظاهر، فالروايتان دالتان على القول بالعفو إن كان العرف مساعدا لما ذكرناه كما لا يبعد. ومن هنا يمكن الاستدلال عليه برواية أبي بصير المعمول بها عند الاصحاب عن أبى جعفر أو أبى عبد الله عليهما السلام قال: " لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض، فان قليله وكثيره في الثوب إن رآه وإن لم يره سواء " (1) فان ما في الخارج شبه النضح مصاديق كثيرة يصدق على كل منها أنها دم لا تبصره، ومجموعها ليس إلا مصداقا تخيليا، إلا أن يكون قوله عليه السلام: " لا تبصره " كناية عن الدم القليل المقابل للكثير، وقلنا بأن العرف يرى الدماء التي على شبه النضح كثيرا. وتدل على العفو صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال: لا، وإن كثر فلا بأس أيضا بشبهه من الرعاف ينضحه ولا يغسله " (2) فان الظاهر أن قوله عليه السلام: " ينضحه ولا يغسله " راجع إلى دم البراغيث، لانه مورد السؤال والجواب وانما ذكر الرعاف استطرادا وتطفلا، والمنظور الاصلي بيان حكم دم البراغيث، وللمناسبة


(1) مرت في ص 424. (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب النجاسات - الحديث 7

[ 432 ]

بينه وبين النضح كما هو وارد في بعض موارد أخر نظيره مما لا يكون قذرا كالملاقي مع الكلب يابسا، وللقرينة العقلية على عدم المراد منه دم الرعاف، حيث يوجب النضح تكثير النجس لا تطهيره، فلا شبهة في رجوعهما إلى دم البراغيث، فلا اشكال في الرواية من هذه الحيثية، وأما دلالتها على المطلوب فواضحة، بل تدل على العفو وإن كثر وتفاحش لظهور التشبيه فيه، فلا إشكال في الرواية سندا (1) ولا دلالة. وتدل عليه إطلاق مرفوعة أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال: دمك أنظف من دم غيرك، إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، وإن كان دم غيرك قليلا أو كثيرا فاغسله " (2) بعد حمل ذيلها على الاستحباب في الدم القليل وكون المراد بالكثير مقابل النضح، لعدم الفصل في الدماء. فتحصل مما ذكر قوة القول الاول، ومقتضى إطلاق الروايات عدم الفرق بين المتفاحش وغيره، مضافا إلى ظهور صحيحة الحلبي فيه كما تقدم، ودعوى انصرافها عن المتفاحش في غير محلها، كما أن الاستبعاد في الاحكام التعبدية المجهولة المناط في غير محله، وأما رواية دعائم الاسلام (3) فلا ركون إليها بعد ضعفها سندا ووهنها متنا، لكن الاحتياط حسن على كل حال سيما مع كون الثوب واحدا، وسيما مع التفاحش جدا.


(1) هذا بناء على كون المراد من ابن سنان في سندها عبد الله بن سنان. (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (3) عن الباقر والصادق عليهما السلام انهما قالا في الدم يصيب الثوب: " يغسل كما تغسل النجاسات " ورخصا في النضح اليسير منه ومن سائر النجاسات، مثل دم البراغيث واشباهه قالا: " فإذا تفاحش غسل " المستدرك - الباب - 15 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 433 ]

ثم أنه قد استثني من أدلة العفو موارد: منها - الدماء الثلاثة كما في الوسيلة والمراسم والغنية والشرائع، وعن السرائر وكشف الحق وكتب الشهيدين، بل في الغنية الاجماع، ولا يبعد استظهار دعوى الاجماع من الخلاف، وعن السرائر عدم الخلاف فيه، بل عن ظاهر كشف الحق هو من دين الامامية، ويظهر من الانتصار الحاق النفاس بالحيض. هذا مضافا إلى رواية أبي بصير المتقدمة (1) بالنسبة إلى دم الحيض وهي مروية في الوافي عن أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام، وفي التهذيب عن أبى عبد الله وأبى جعفر عليهما السلام كليهما، والاشكال فيها بالقطع غير وجيه، مضافا إلى أن قطع مثل أبى بصير لا يضر بعد القطع بأن مثله لا يقول إلا مع السماع عن المعصوم عليه السلام، كما أن تضعيفها بأبي سعيد المكاري في غير محله بعد الجبر بعمل الاصحاب، كما أشار إليه المحقق أيضا، وظاهرها بل صريحها عدم العفو عن الاقل من الدرهم، فان الاستثناء فيه عن دم لم تبصره وهو أقل من الدرهم، فالمراد بالقليل هو مثل ما في المستثنى منه، وهو واضح. وأما دم النفاس فمضافا إلى الاجماعات المتقدمة - التي لا يضر بها نسبة الالحاق في المعتبر إلى الشيخ بحيث يظهر منه اختصاصه به فانه خلاف الوجدان، لان كثيرا ممن تقدم على المحقق لم يفترق بين الدماء الثلاثة، بل ادعى الاجماع أو عدم الخلاف عليه - الاجماعات المدعاة في اتحاد حكم النفاس مع الحيض إلا فيما استثني، وأما دعوى أن النفاس حيض محتبس فقد مر في محله أنه لا دليل عليها. وأما دم الاستحاضة فمضافا إلى ما تقدم تدل على عدم الفعو عنه


(1) مرت في ص 424

[ 434 ]

الاجماعات المستفيضة المنقولة، والشهرة المحققة على لزوم تبديل القطنة في أوقات الصلاة في القليلة منها، مع أن الغالب فيها عدم بلوغ الدم بمقدار الدرهم، سيما إذا قلنا بأن مقداره قدر أخمص الراحة، فالشهرة قائمة على وجوب التبديل من غير تفصيل من الصدر الاول، وهي الحجة القاطعة سيما مع ما مر في محله من أن إطلاق الادلة على خلاف الاجماعات والشهرات، ومعه يزيد الوثوق بها. ولا شبهة في أن التبديل ليس واجبا تعبديا نفسيا، بل لمانعيته عن الصلاة، كما لا شبهة في أن الظاهر من الادلة أن المانع هو الدم بما هو من غير دخالة للقطنة والمحل فيه، ولهذا قلنا بلزوم تبديل الخرقة أيضا إن تلوثت به، فيستفاد منها مانعيته في الثوب والبدن قليلا كان أو كثيرا. بل يمكن الاستدلال عليه باطلاق بعض ما ورد في المستحاضة المتوسط على لزوم تبديل القطنة (1) لعدم ملازمة التوسط مع كون الدم بمقدار الدرهم، فان الميزان فيه هو ثقب القطن، ولا يلزم منه أكثريته منه، فلو منع ذلك فيكفى ما تقدم، فالحاقهما بالحيض مع أنه أحوط لا يخلو من قوة. ومنها - دم نجس العين، فقد استثناه العلامة في القواعد والتذكرة وعن سائر كتبه ذلك، بل عن جملة من الاصحاب استثناؤه، وعن الطوسي والرواندي استثناء دم الكلب والخنزير، وربما ينسب اليهما استثناء مطلق دم نجس العين، وعن ابن إدريس بعد نسبة استثناء دم الكلب والخنزير إلى الرواندي معللا بأنه دم نجس العين قال: " وهذا خطأ عظيم وزلل فاحش، لان هذا هدم وخرق لاجماع أصحابنا " انتهى


(1) راجع الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاستحاضة.

[ 435 ]

وقد استدل عليه تارة بأن ملاقاة دم نجس العين لسائر أجزائه موجب لطرو نجاسة أخرى عليه منها، وهي غير معفو عنها، وبعبارة أخرى أدلة العفو عن الدم ناظرة إلى العفو عنه لا عنه وعن ملاقيه، كما لو لاقى نجاسة اخرى كالعذرة والبول، وأخرى بأن دم نجس العين منطبق عنوانين: أحدهما كونه دما، وهو مانع، وثانيهما كونه جزء من نجس العين، وهو مانع آخر، وما دل على العفو عن الدم قاصر عن الدلالة على العفو عن العنوان الثاني، وثالثة بأن دم نجس العين من أجزاء غير المأكول، وهو مانع آخر، فالعفو عن الدم لا عنه، وسيأتى الكلام في هذا الاخير. وأما الوجه الاول ففيه أنه لا دليل على انفعال أجزاء نجس العين بعضها عن بعض، بل ولا انفعال نجس عن مثله، فلا يتنجس بول من بول آخر، ولا بعض اجزاء الكافر بملاقاة بعض آخر من أجزائه، بل لا دليل على تنجس النجاسات بملاقاة بعضها مع بعض حتى فيما إذا كان أحد النجسين أغلظ وأشد، لعدم إطلاق أو عموم في أدلة الانفعال بالملاقاة، وعدم إمكان إلقاء الخصوصية من الموارد الجزئية، ولهذا لا يبعد القول بالعفو فيما إذا لاقى الدم المعفو عنه نجاسة أخرى إذا لم تكن أجزاؤها محققة فيه فعلا، بل استهلكت فيه ومع عدم ملاقاتها للجسد، فانه مع ملاقاته يشكل العفو، وبالجملة لا شبهة في عدم الدليل على تنجس دم نجس العين بملاقاة أجزائه، فلا يكون دمه نجسا ذاتا وعرضا. وأما الوجه الثاني ففيه أنه لا دليل على مانعية أجزاء نجس العين بما أنه أجزاؤه، بمعنى أن جزء الكلب بما أنه كلب يكون مانعا، بل الظاهر من الادلة أن المانع النجاسة، فاجزاء الكلب بما انها نجسة مانعة عن الصلاة لا بما أنها

[ 436 ]

أجزاؤه، وكذا الدم ليس بعنوانه مانعا، فلا يكون عنوان نجس العين مانعا آخر مغايرا لمانعية النجس. ومنها - دم غير المأكول، فقد استثناه من العفو بعضهم، وعن الاستاد اختياره، وهو مخالف لتضاعف كلمات الفقهاء، حيث اقتصروا على استثناء الدماء الثلاثة أو مع نجس العين، ولاجماع الحلي. ويدل على العفو إطلاق أدلته. ودعوى الانصراف فاسدة جدا كدعوى معارضتها لموثقة ابن بكير (1) فانها حاكمة عليها أولا، ويحتمل قريبا عدم شمول الموثقة للدم والمني المانعين عن الصلاة - سواء كانا من مأكول اللحم أو غيره - ثانيا، ومثلها في الضعف دعوى أن أدلة العفو متعرضة لحيثية نجاسة الدم لا لحيثية اخرى منطبقة عليه، وهو كونه من غير المأكول، ضرورة أنه ليس فيها ما يمكن استشمام تعرضها لحيثية نجاسته، بل الموضوع فيها نفس الدم، ومقتضى إطلاقها عدم مانعيته بأي عنوان منطبق عليه ذاتا، فلا قصور فيها لشمول مطلق الدماء من المأكول أو غيره، نجس العين أو غيره، وقد عرفت حكومتها على موثقة ابن بكير وإن كان بينهما عموم من وجه. ودعوى قوة إطلاق الموثقة بل صراحتها في الاطلاق كدعوى إبائها عن التقييد مردودة على مدعيها، وأضعف من الجميع استبعاد العفو عن الدم القليل من غير المأكول مع كونه نجسا، وعدم العفو عن سائر أجزائه مع طهارتها، ضرورة عدم طريق للعقول إلى فهم مناطات الاحكام التعبدية، وإلا فأي فارق عند العقول بين الدم وغيره، وبين مقدار الدرهم وأقل منه، وبين دم القروح والجروح وغيره إلى غير ذلك من التعبديات، فالفقيه كل الفقيه من يقف على التعبديات، ولا يستبعد


(1) مرت في ص 25.

[ 437 ]

شيئا منها بعد ما رأى رواية أبان في الدية (1). ثم أن البحث في أطراف كون الدرهم هو البغلى أو الوافي وكونهما واحدا أو متعددا وكون وزنه درهما وثلثا لا فائدة فيه في المقام، وما هو مفيد: البحث عن تعيين سعته التي هي موضوع الحكم نصا وفتوى، لكن لا طريق لنا إليه، لاختلاف الكلمات في ذلك، وما نسب إلى الحلى من كونه قريبا من أخمص الراحة ليس على ما ينبغي. قال في محكي السرائر: " إن الشارع عفى عن ثوب وبدن أصابه منه دون سعة الدرهم الوافى المضروب من درهم وثلث، وبعضهم يقولون دون قدر الدرهم البغلي المضروب المنسوب إلى مدينة قديمة يقال لها: بغل، قرية من بابل، بينهما قريب من فرسخ، متصلة ببلد الجامعين يجد فيها الحفرة دراهم واسعة، شاهدت درهما من تلك الدارهم، وهذا الدرهم أوسع من الدينار المضروب بمدينة السلام المعتاد، يقرب سعته من سعة أخمص الراحة " انتهى. وهذا كما ترى بعد الغض عن نحو إجمال فيه ليس شهادة برؤية الدرهم الوافي وان سعته كذا، بل شهادة برؤية درهم مما وجدها الحفرة من غير تعرض لكون ما شاهده عين الوافى، مع أن الشهادة في ذلك مبني على الحدس والاجتهاد، ولو فرض رسم فيه يدل على كونه وافيا أو بغليا لاحتمال ضرب الحفرة دراهم على نعت الدراهم القديمة اختلافا لجلب الانظار وبيعها بثمن غال على طالبي الآثار القديمة كما انه لا اعتماد على مدعي الخبرة في هذا العصر ولا على الدراهم المنقوشة مما يزعم الناظر أنها من الآثار القديمة لكثرة الخدعة والاختلاق وعدم الوثوق على أقوالهم وما في أيديهم، فمقتضى القاعدة الاقتصار على الاقل فيما دار الامر بينه وبين الاقل منه


(1) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب ديات الاعضاء - الحديث 1 - من كتاب الديات

[ 438 ]

المطلب الثالث: ومن أحكام النجاسات عدم جواز إدخالها في المساجد ولو مع عدم التعدي، قال الشيخ في الخلاف: " لا يجوز للمشركين أن يدخلوا المسجد الحرام ولا شئ من المساجد لا باذن ولا بغير إذن - ثم تمسك بالآية الشريفة الآتية ثم قال -: وإذا ثبت نجاستهم فلا يجوز أن يدخلوا شيئا من المساجد، لانه لا خلاف في أن المساجد يجب أن تجنب النجاسات " انتهى. وعن الحلي في مقام الاستدلال على طهارة ميت الانسان " ولا خلاف بين الامة كافة أن المساجد يجب أن تجنب النجاسات العينية، وقد أجمعنا بغير خلاف بيننا أن من غسل ميتا له أن يدخل المسجد ويجلس فيه " انتهى، وقد أنكر المحقق عليه جواز دخول الغاسل المسجد، ولم ينكر عليه دعواه عدم الخلاف بين الامة تجنب المساجد، ولاحد أن يقول: إن معقد عدم الخلاف وجوب تجنب المساجد النجاسات، والظاهر من تجنبها منها أو المتيقن منه هو وجوب تجنبها عن التلوث بالقذارة، لا حرمة إدخال النجاسة غير المتعدية فيها، ولعل استدلالهما على ما ذكراه مبني على اجتهادهما واستظهارهما الاطلاق من معقد الاجماع وهو ليس بحجة. ومنه يظهر النظر فيما عن كشف الحق في توجيه الاستدلال بالآية بأنه لا خلاف في وجوب تجنب المساجد كلها النجاسات بأجمعها، فضلا عما عن المفاتيح من نفي الخلاف عن إزالة النجاسة عنها، فان الازالة ظاهرة في رفع تلوث المسجد عنها أو منصرفة إليه، وأما إخراج النجس

[ 439 ]

غير المتعدي منها فلا يقال له الازالة، فالمتيقن من تلك الدعاوي وجوب تنزه المساجد عن التنجس أو حرمة تنجسها أو وجوب ازالتها منها، سيما مع دعوى الحلي عدم الخلاف في جواز دخول من غسل الميت المساجد والجلوس فيها. وهو وإن استدل به على أمر آخر لكن نحن نأخذ بروايته ونترك درايته كما أشار إليه الشيخ الاعظم. واستدل على حرمة إدخال مطلق النجاسات فيها ولو مع عدم التعدي بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام " (1) وقد مر في باب نجاسة الكافر تقريب أن المراد بالنجاسة المعنى المعهود، فلا نعيده. نعم هاهنا مناقشة أخرى في دلالتها، وهي أن النهي قد تعلق بالفعل الاختياري، أي دخول المشركين المسجد، ومقتضى تفريع الحكم على نجاستهم أن كل نجس لا يدخله، فيعم الحكم سائر طوائف الكفار وأما ادخال النجس فيه فلا، لاحتمال دخالة الفعل الاختياري من نجس العين في الحكم، وهذا الاحتمال سيال في جميع الاوامر والنواهي المتعلقة بالافعال الاختيارية، إلا أن تقوم القرينة على إلقاء الخصوصية لكنها مدفوعة بأن النهي عن القرب متفرع على النجاسة، فيدل على أن نجاستهم تمام الموضوع لعدم الدخول لا الاختياري منه، فدخالة الاختيارية خلاف الظاهر، مع أن العرف يساعد على إلقاء خصوصية الاختيار، سيما في المقام الذي يؤكده مناسبة الحكم والموضوع. نعم هنا أمر آخر، وهو أن حمل المصدر على الذات لا يصح إلا بادعاء وتأول، وهو لا يصح إلا في مقام المبالغة سيما مع المقارنة لكلمة " انما " المفيد للحصر أو التأكيد، فكأنه قال: لا حيثية للمشركين


(1) سورة التوبة: 9 - الآية 28.

[ 440 ]

إلا حيثية القذارة أو المشركون بتمام حقيقتهم عين القذارة. وهذه الدعوى انما تحسن وتصير بليغة إذا كان المشرك خبيثا في باطنه ونجسا في ظاهره ولا تكون له نقطة طهارة ولو ادعاء، وانما تفرع عدم قرب المسجد الحرام على هذه المرتبة من النجاسة الادعائية، وهي مختصة بالمشرك أو هو وسائر الكفار، وأما سائر النجاسات فلا دليل على الحاقها بهم ما لم يدعي لها ما ادعى، فالحكم لم يتفرع على النجس بالكسر حتى يتعدى إلى سائر النجاسات، بل على ما بلغ مرتبة يدعى له هذه الدعوى على سبيل المبالغة، ولعل ما ذكرناه هو مراد من قال بلغظة نجاستهم، فلا يرد عليه ما قيل: إن أغلظية نجاسة الكافر من الكلب أو دم الحيض غير معلومة. وبالجملة اسراء الحكم من هذه الحقيقة الادعائية المبنية على ما أشرنا إليه إلى غيرها مشكل بل ممنوع، ولا يتوهم أن أعيان النجاسات كلها عين النجس بالفتح، وذلك أن شيئا منها ليس كذلك. بل لها ذوات وحقائق غير هذا المعنى المصدري أو الحاصل من المصدر، نعم يصدق عليها النجس بالكسر بلا تأول، لكن لم يتفرع عليه الحكم. ثم أن هاهنا كلاما آخر، وهو أن قوله: " لا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " لا يبعد أن يكون كناية عن عدم دخولهم للحج وعمل المناسك بقرينة قوله: " بعد عامهم هذا " المتفاهم منه عدم قربهم في سائر الاعوام، ومع كون المعهود من شد رحال المشركين في كل سنة إلى المسجد الحرام لعمل المناسك لم يبق للآية ظهور في الكناية عن مطلق الدخول، بل لا يبعد أن تكون كناية عن الدخول للعمل أو عمل المناسك المستلزم للدخول. ففي المجمع والعام الذي أشار إليه هو سنة تسع الذي نادى فيه

[ 441 ]

علي عليه السلام بالبراءة، وقال: " لا يحجن بعد هذا العام مشرك " (1) وفي البرهان عن العياشي عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر - إلى أن قال -: وقال - أي قال علي عليه السلام -: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ولا مشرك بعد هذا العام " (2) وعنه عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: " خطب علي عليه السلام بالناس واخترط سيفه، وقال: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن بالبيت مشرك " الخ (3) وعن الصدوق بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " انما سمي الاكبر - أي الحج - لانها كانت سنة حج فيها المسلمون والمشركون ولم يحج المشركون بعد تلك السنة " (4) وفي بعض الروايات فكان ما نادى به " أن لا يطوف بعد هذا العام عريان، ولا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك " (5). ولا يبعد أن يكون الظاهر من تلك الروايات أن النهي عن القرب لاجل الحج والطواف وأعمال المناسك لا مطلقا، لكن الظاهر تسالمهم على عدم جواز تمكين الكفار المسجد الحرام. ثم أن إلحاق سائر المساجد به بعد عدم إلقاء الخصوصية عرفا لما له من العظمة والاحكام الخاصة، يحتاج إلى دليل، ودعوى عدم القول بالفصل غير مسموعة، بل هو غير حجة ما لم يرجع إلى الاجماع على التلازم، ولو سلم عدم القول بالفصل بين تمكينهم سائر المساجد وتمكينهم المسجد الحرام لكن عدم القول بالفصل بين تمكينهم وإدخال النجاسة سائر المساجد لو نوقش في دلالة الآية بما تقدم أو عدم القول بالفصل بين


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) راجع الوسائل - الباب - 53 - من أبواب الطواف - والمستدرك - الباب - 37 - من هذه الابواب.

[ 442 ]

حرمة إدخال النجاسات في المسجد الحرام وبين إدخالها في سائر المساجد على فرض تسليم دلالتها بالنسبة إلى المسجد الحرام بحيث يرجع إلى الاجماع على التلازم أنى لنا باثباته. فالقول بجواز إدخال النجاسات غير المتعدية الغير المستلزمة لهتك حرمة المسجد لا يخلو من قوة، فان عمدة الدليل على عدم الجواز دعوى الاجماع والشهرة ودلالة الآية، وقد تقدم الكلام فيهما. وأما قوله تعالى: " وطهر بيتي للطائفين " (1) فهو أجنبي عن إدخال النجاسة غير المتعدية فيها، مع أن الخطاب لابراهيم عليه السلام أو هو واسماعيل عليه السلام كما في آية أخرى (2) وأما ما عن النبي صلى الله عليه وآله " جنبوا مساجدكم النجاسة " (3) ففي سنده ودلالته إشكال، إذ استنادهم إليه غير ثابتة، واحتمال أن يكون المراد بالمساجد محال السجدة قريب. هذا مضافا إلى ما دلت على جواز اجتياز الجنب والحائض المساجد بما لا يمكن حملها على الجواز الحيثي، كصحيحة أبي حمزة قال: " قال أبو جعفر عليه السلام: إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول فاحتلم فاصابته جنابة فليتيمم، ولا يمر في المسجد إلا متيمما، ولا بأس أن يمر في سائر المساجد، ولا يجلس في شئ من المساجد " (4) وهى كما ترى ظاهرة في أن الذي احتلم يجوز له الاجتياز، وهو حكم فعلي لا حيثي.


(1) سورة الحج: 22 - الآية 26. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 125. (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب أحكام المساجد - الحديث 2 (4) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الجنابة - الحديث 6

[ 443 ]

وقريب منها روايته الاخرى (1) إلا أن فيها " وكذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك، ولا بأس ان يمرا في سائر المساجد، ولا يلجسان فيها " وهذه بملاحظة ذيلها أوضح دلالة، مضافا إلى انه قلما يتفق كون الحائض طاهرة. بل لعل نوع النساء لا يتجنبن عن بعض النجاسات في أيام الحيض، فتجويز دخولها في المساجد ملازم لتجويز دخول النجاسة. وتدل عليه ما وردت في المستحاضة من جواز دخولها في المسجد وجواز الطواف لها، والسيرة المستمرة على تمكين الصبيان، بل إدخالهم في المساجد، بل ادعيت السيرة على عدم منع أصحاب القروح والجروح ومن به دم قليل عن الجمعة والجماعات، وهذه كلها شاهدة على عدم العموم في الآية، وعدم إمكان إلقاء الخصوصية، وعدم صحة دعوى عدم القول بالفصل بين حرمة تمكين الكفار المسجد الحرام أو مطلق المساجد وبين إدخال سائر النجاسات غير المتعدية، ومما ذكر ظهر عدم حرمة إدخال المتنجس فيها مع عدم السراية. وأما إدخال النجاسات السارية فالظاهر ان حرمته لا بعنوان إدخالها فيها، بل بعنوان تنجيس المساجد، وهو القدر المتيقن من الاجماعات، بل حرمة التنجيس معروفة لدى المتشرعة، وهما العمدة فيها. وأما سائر ما استدل لها - كقوله تعالى: " وطهر بيتي للطائفين " إلى آخره، ورواية الثمالي التي لا يبعد صحتها عن أبي جعفر عليه السلام وفيها: " إن الله أوحى إلى نبيه أن طهر مسجدك وأخرج من المسجد من يرقد بالليل، ومر بسد أبواب من كان له في مسجدك باب إلا باب


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الجنابة - الحديث 3

[ 444 ]

علي عليه السلام ومسكن فاطمة عليها السلام، ولا يمرن فيه جنب " (1) وصحيحة الحلبي الواردة في زقاق قذر بينه وبين المسجد (2) ورواية علي بن جعفر الواردة في اصابة بول الدابة المسجد أو حائطه (3) إلى غير ذلك - فغير تام إذ الآية الشريفة مع كونها مربوطة بالامم السالفة لا يبعد أن يكون المراد من التطهير فيها هو التنظيف العرفي والكنس، لا التطهير من النجاسة بمناسبة قوله: " للطائفين والعاكفين " الخ مع أن التعدي من المسجد الحرام يحتاج إلى دليل. ورواية الثمالي راجعة إلى مسجد النبي صلى الله عليه و آله والتعدي منه إلى غيره يحتاج إلى دليل بعد عدم إمكان القاء الخصوصية عرفا، ورواية الزقاق أجنبية عن المقام، فان الظاهر منها أن مورد الكلام تنجس الرجل المانع عن الصلاة، ورواية علي بن جعفر لا تدل على المطلوب بعد طهارة أبوال الدواب، فيمكن أن يكون وجه السؤال معهودية كراهة الصلاة مع تلوث المسجد. وقد يستدل على ذلك بالاخبار المستفيضة الدالة على جواز اتخاذ الكنيف مسجدا بعد تطهيره، مثل صحيحة الحلبي " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام في مسجد يكون في الدار فيبدو لاهله أن يتوسعوا بطائفة منه أو يحولوه عن مكانه، فقال: لا بأس بذلك، قال: فقلت: أفيصلح المكان الذي كان حشا زمانا (حشي رمادا خ ل) أن ينظف ويتخذ مسجدا؟ قال: نعم إذا القي عليه من التراب ما يواريه، فان


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الجنابة - الحديث 10. (2) مرت في ص 362. (3) مرت في ص 24.

[ 445 ]

ذلك ينظفه ويطهره " (1) وقريب منها رواية ابى الجارود (2) وصحيحة عبد الله بن سنان (3). ومثل رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال. " سأله عن بيت كان حشا زمانا هل يصلح أن يجعله مسجدا؟ قال: إذا نظف وأصلح فلا بأس " (4). ورواية مسعدة التي لا يبعد أن تكون موثقة عن جعفر بن محمد عليهما السلام " أنه سأل أيصلح مكان حش أن يتخذ مسجدا؟ فقال إذا القى عليه من التراب ما يواري ذلك ويقطع ريحه فلا بأس، وذلك لان التراب يطهره، وبه مضت السنة " (5) واستدل بعضهم بها على وجوب تطهير ظاهر المسجد دون باطنه مطلقا أو في خصوص مورد الاخبار، وبعضهم على عدم وجوبه مطلقا. أقول: لا يبعد أن يكون المساجد في تلك الروايات غير المساجد المعهودة التي محل البحث، بل المراد منها الامكنة التي اتخذت في البيت مسجدا، كما قد يشهد صدر الروايات الثلاثة المتقدمة ويشعر به قوله: " يتخذ مسجدا " ويحتمل في بعضها أن يكون المراد من اتخاذ المسجد اتخاذها محلا يسجد عليه، فيكون سؤاله عن جواز السجدة على مكان كان حشا بعد تنظيفه، واما الحمل على السؤال عن بناء المسجد أو الوقف للمسجدية فبعيد عن سوق الروايات.


(1) اورد صدرها في الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام المساجد - الحديث 1 - وذيلها في الباب - 11 - من هذه الابواب - الحديث 1. (2) و (3) و (4) و (5) راجع الوسائل - الباب - 11 - من ابواب احكام المساجد - الحديث 3 - 4 - 7 - 5.

[ 446 ]

وربما تشهد لما ذكرناه رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الارض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة " (1) ولو اريد بها المساجد المعهودة فمقتضى الجمع بينها جواز جعل الكنيف بعد تطهيره وتنظيفه مسجدا، وعليه يحمل المطلق منها، وأما إلقاء التراب فلكمال النظافة لا للتطهير الشرعي، ولهذا أمر به مع فرض السائل تنظيفه، وحمل التنظيف في لسان السائل على الكنس مع بقاء النجاسة لا وجه معتد به له. وكيف كان لا يمكن التشبث بتلك الروايات على جواز تنجيس بواطن المساجد أو عدم وجوب تطهيرها، نعم ربما يقال: إن المتيقن من معاقد الاجماع والروايات تطهير ظواهرها، وفيه أن المسجد عنوان معهود واسم للمعبد المعهود بين المسلمين والمعنى الوضعي منسي، والاجماع القائم على تجنب المساجد النجاسات يدل على وجوب ما يصدق عليه هذا العنوان، وهو مجموع ما جعلت للمعبدية، أرضها إلى مقدار متعارف وسقفها وجدارها داخلا وخارجا، وليس المسجد من قبيل المطلق حتى يؤخذ بالقدر المتيقن فيه، بل هو كالعلم اسم لهذه البنية، فالاظهر حرمة تنجيس أجزائه ظاهرا وباطنا، بل لا يبعد استفادة حرمة تنجيس حصيره وفرشه بالمناسبات المغروسة في الاذهان من النبوى ومعقد الاجماع بل الظاهر معهوديتها لدى المتشرعة. ثم انه كما يحرم تنجيسه يجب إزالة النجاسة منه، ولا يبعد أن يكون قوله صلى الله عليه وآله: " جنبوا مساجدكم " وكذا معاقد الاجماعات ظاهرة في وجوب الازالة. لكن المتفاهم منها عرفا أن الامر بها وبتجنب المساجد لمبغوضية تنجيسها حدوثا وبقاء، ومنه يعلم أن


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب احكام المساجد - الحديث 8.

[ 447 ]

وجوب الازالة فوري عقلا، لاستفادة مبغوضية تلوث المساجد مطلقا من الادلة. ويلحق بالمساجد المصحف الشريف والمشاهد المشرفة والضرائح المقدسة والتربة الحسينية، سيما المتخذة للتبرك والاستشفاء والسجدة عليها بلا اشكال مع لزوم الوهن، بل مطلقا على وجه موافق للارتكاز بل لا يبعد أن يكون المناط في نظر المتشرعة وارتكازهم في وجوب تجنب المساجد النجاسات هو حيثية عظمتها وحرمتها لدى الشارع الاقدس، أو كان التنجيس مطلقا هتكا عنده ولو لم يكن عندنا كذلك. هذا بالنسبة إلى غير الخط من المصحف، وأما هو فلا ينبغي الاشكال في حرمة تنجيسه ووجوب الازالة عنه، لارتكازية الحكم لدى المتشرعة، ولفحوى قوله تعالى: " لا يمسه إلى المطهرون " (1) الظاهر منه مبغوضية مس غير الطاهر إياه بأي وجه اتفق، والمفهوم منه الحكم فيما نحن فيه، سيما أن الظاهر من الآية الكريمة أن المناط فيها غاية علو القرآن وعظمته وكرامته. المطلب الرابع: يعتبر في التطهير بالماء القليل انفصال الغسالة على النحو المتعارف ففي مثل الاجسام التي لا يرسب فيها النجاسة كالبدن والجسم الصقيل يكفي صب الماء بنحو ينفصل غسالته عنها، وفيما ترسب النجاسة فيه وتنفذ لا بد من إخراج الغسالة بالعصر أو بغيره بأي نحو يمكن، لا لقيام إجماع أو شهرة عليه كما قد يدعى، فان الظاهر من تعليل


(1) سورة الواقعة: 56 - الآية 79.

[ 448 ]

من يدعي الشهرة أو الاجماع أن الاستناد لم يكن اليهما، بل المسألة من التفريعات التي يدخلها الاجتهاد، وفي مثلها لا يكون الاجماع حجة فضلا عن الشهرة بل الظاهر انه لم يكن للشارع إعمال تعبد في تطهير النجاسات إلا ما استثني مما نص على كيفية تطهيره، والشاهد عليه أن الروايات الواردة في باب تطهير أنواع النجاسات على كثرتها لم تزد إلا الامر بالغسل أو الصب في بعض الموارد من غير تعرض لبيان الكيفية إلا نادرا، والتنصيص في بعض الموارد على التعدد كالبول أو على كيفية خاصة كالولوغ دليل على كونها في مقام البيان في سائر النجاسات أيضا فاطلاق الامر بالغسل فيها يكشف عن عدم طريقة خاصة في التطهير، فدعوى ورود تعبد خاص زائدا على لزوم الغسل في غير محلها. ولا لان الغسل متضمن للعصر لغة أو عرفا، وإن قال المحقق في المعتبر: الغسل يتضمن العصر، ومع عدم العصر يكون صبا ثم قال: ويجري ذلك - أي قولهم يغسل الثياب والبدن - مجرى قول الشاعر: " علفتها تبنا وماء باردا " ثم استشهد برواية الحسين بن أبي العلاء حيث قال: " في الجسد يصب عليه الماء مرتين، وفى الثوب اغسله مرتين " (1) فجعل الصب مقابل الغسل، ثم قال: " أما الفرق بين الثوب والبدن فلان البول يلاقي ظاهر البدن ولا يرسب فيه، فيكفي صب الماء لانه يزيل ما على ظاهره، وليس كذلك الثوب لان النجاسة ترسخ فيه فلا تزول إلا بالعصر " انتهى. والظاهر من كلامه أن العصر مأخوذ في مفهوم الغسل. فلا بد في الثياب من الغسل ولا يكفي فيها الصب، لانه لا يزيل النجاسة التي


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب النجاسات - الحديث 4

[ 449 ]

رسبت فيها، وسائر كلامه تعقيب لما فهم من معنى الغسل، ولا يبعد أن يكون قوله: " وهو مذهب علمائنا " اشتشهادا بفهمهم لتضمن الغسل العصر، لا دعوى الاجماع على حكم تعبدي، وانما قلنا لا لذلك لان الغسل صادق عرفا ولغة على صب الماء على البدن لازالة القذارة وغيرها، وقد ورد الامر بغسل الجسد والبدن والوجه واليدين في الكتاب والسنة إلى ما شاء الله من غير شائبة تجوز وتأول، وسيأتي الكلام في مثل رواية الحسين بن أبي العلاء، وتوهم اعتبار العصر في مفهوم غسل الثياب ونحوها دون غيرها فيكون الغسل مشتركا لفظيا في غاية الفساد يرده العرف واللغة. ولا لان خروج الغسالة وانفصالها معتبر في مفهوم الغسل كما يظهر من المحقق القمي على ما ببالي، لمنع ذلك وصدقه مع عدم انفصالها عرفا ولا لان مفهوم الازالة مأخوذ في مهية الغسل كما قال به في مصباح الفقيه، ضرورة صدقه على الفاقد لها أيضا، فيصدق على صب الماء على اليد ولو لم تكن قذرة كالغسلتين في الوضوء. بل لان الظاهر من أدلة غسل النجاسات أن الامر به غيري لازالة النجاسة، ولا يكون عنوان الغسل بما هو مطلوبا حتى نقتصر في تحققه على أول المصاديق بأي نحو وجد، ولا شبهة في أن إزالة النجاسة وإرجاع الاجسام إلى حالتها الاصلية تختلف باختلاف الاجسام واختلاف النجاسات، فإذا أمر بغسل الثوب من المني يفهم العرف منه أنه لا بد من الفرك والدلك والتغميز ونحوها، لا لاعتبارها في مفهوم الغسل، بل لانه توصلي إلى حصول النظافة للجسم ورجوعه إلى حالته الاصلية، وهو لا يحصل إلا بها، وإذا أمر بغسل اليد من البول الذي لا جرم له لا يفهم منه إلا صب الماء عليه وإخراج غسالته، لان ملاقاة البول لا

[ 450 ]

يوجب حصول أثر يحتاج إلى الدلك وإن احتاج إلى إخراج غسالته لزوال القذارة به. وبعبارة أخرى ان الغسل بالماء انما يوجب النظافة ورفع القذارة لانه إذا صب على المحل وغسل به يوجب ذلك انتقال القذارة منه إليه فمع بقاء الغسالة على المحل لا يرتفع القذارة، فلو يبس الثوب المغسول بالماء من غير إخراج غسالته تبقى قذارته عرفا، بخلاف ما لو خرجت منه، فالمعتبر في التطهير ليس العصر بعنوانه، بل المعتبر خروج الغسالة بأي علاج كان، وهو أمر عقلائي متفاهم من الاوامر الواردة في غسل النجاسات. وهذا بالنسبة إلى القذارات التي يدرك العرف قذارتها لا إشكال فيه ولا في مساعدة العرف له، وإن كانت حكمية بنظر العرف بأن لا يبقى في الملاقي أثر من الملاقى لكن تتنفر الطباع بمجرد ملاقاته، كملاقاته لبدن الميت، أو العذرة اليابسة، أو ملاقاة طعامه لها، فان غسله لرفع النفرة لا يتحقق إلا بانفصال الغسالة. وأما النجاسات الجعلية الالحاقية كالكافر والكلب ونحوهما فهي أيضا كذلك، لان الغسل كما عرفت لازالة القذارة، وهي تتوقف على اخراج الغسالة بالعصر أو ما يقوم مقامه في القذارات العرفية، فإذا جعل الشارع قذارة لشئ وأوجد مصداقا من القذارة في عالم التعبد يجب على المكلف ترتيب آثار القذارة العرفية عليه، نعم لما لم يكن التنزيل والجعل إلا في نفس القذارة لا غير يكون حكمه حكم القذارات غير العينية إذا لم يلصق من أعيانها على الملاقي كالمثال المتقدم، فلا يحتاج في التطهير إلى الدلك ونحوه. ثم أن ما ذكرناه من لزوم العصر أو ما يقوم مقامه لاخراج

[ 451 ]

الغسالة ثابت حتى مع القول بعدم انفعال الغسالة، فان عدم انفعالها لا يلازم إزالة النجاسة عن المحل المتوقفة على اخراج الماء وانفصاله، نعم لو قلنا بأن المحل يصير طاهرا قبل خروج الغسالة ومع بقائها فيه ينفعل ثانيا عنها لكان للتفصيل وجه، لكن المبنى غير صحيح، لان طهارة المحل ونظافته انما تحصل بمرور الماء على المحل القذر وخروجه عنه، فلو صب الماء في اناء قذر وقلنا بعدم انفعاله فمع بقائه فيه حتى يبس لا يصير طاهرا نظيفا بحكم العقلاء ولو لم ينفعل الماء، فالنظافة موقوفة على إزالة النجاسة وذهابها بوسيلة مرور الماء على المحل سواء انفعل أم لا. وبعبارة أخرى أن الماء يزيل القذارة بمروره على المحل وانفصاله عنه لا بانتقال النجاسة إليه محضا، مضافا إلى أن الاقوى انفعال الغسالة وعدم التلازم بين طهارة المحل وطهارتها كما هو المقرر في محله. ثم أن الاخبار الواردة في غسل البول كصحيحة الحسين بن أبى العلاء على الاصح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله مرتين، وسألته عن الصبي يبول على الثوب، قال: يصب عليه الماء قليلا ثم يعصره " (1) وصحيحة البزنطي قال: " سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء، وسألته عن الثوب، قال: اغسله مرتين " (2) لا تدل على اعتبار العصر أو نحوه في مفهوم الغسل، وهو واضح، ولا تدل


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 والباب - 3 - من هذه الابواب - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب النجاسات - الحديث 7

[ 452 ]

على أن الصب ليس بغسل، بل تدل على أن الغسل المطلوب لازالة القذارة يحصل في مثل البول والجسد بالصب من غير احتياج إلى الدلك والغمز. ولهذا يفهم العرف منه أن الصب بوجه خاص تزال به القذارة مطلوب، لا مطلقه ولو لم يمر على المحل ولم تخرج غسالته، وانما قال في الثوب: " اغسله " لاجل أنه لو قال صب عليه لتوهم منه عدم لزوم اخراج غسالته ردعا لبناء العقلاء في كيفية الغسل، وأمر بالغسل لمعهودية كيفيته إذا كان لازالة القذارة. فتحصل مما ذكرناه أن ما يعتبر في التطهير إخراج الغسالة وانفصالها بأي علاج كان، بل لو كان العصر مصرحا به في الروايات لما كان ينقدح منه في الاذهان إلى الطريقية لخروج الغسالة، لا موضوعية عنوانه بحيث لم يقم مقامه ما فعل فعله. ثم أنه يظهر مما مر أن عدم انفعال ماء الغسالة لا يلازم عدم لزوم إخراجها في التطهير أنه يعتبر في الغسل بالماء الجاري والكثير المعتصم خروج الماء المحيط بالثوب، ولو بتغيره وتبدله، ولو في داخل الماء بأي نحو كان من الغمز أو تموج الماء أو قوة حركته وجريانه إلى غير ذلك، فالاكتفاء في التطهير بمطلق اصابة الثوب الكر أو الجاري مشكل لا دليل عليه. والاخذ باطلاق أدلة الغسل بعد ما مر من مساعدة العرف في كيفية التطهير لامرار الماء على المحل لاذهاب القذارة في غير محله. كما أن التمسك بمرسلة الكاهلي الواردة في المطر، وفيها: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (1) مع دعوى عدم القول بالفصل بينه


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 5

[ 453 ]

وبين الجاري بل عدم القول به بينه وبين الكثير، مضافا إلى المرسل المحكى عن المنتهى عن أبي جعفر عليه السلام مشيرا إلى غدير ماء " ان هذا لا يصيب شيئا إلا طهره " (1) مشكل لضعف المرسلة ولو سلم جبرها بالعمل كما لا يبعد، وسيأتي في محله، فعدم القول بالفصل والاجماع على التلازم بين المطر والجاري والكر غير ثابت، بل مقتضى إطلاق كثير من الاصحاب على ما حكي عدم الفرق في لزوم العصر بين القليل وغيره. ولو لبنائهم على كون العصر مأخوذا في مفهوم الغسل. ومرسلة المنتهى غير حجة، واشتهار الحكم بين المتأخرين، بل واستنادهم إليها لا يوجب الجبر مع عدم معلومية الاستناد إليها، فالاحوط لو لم يكن الاقوى لزوم الفرك أو العصر أو التحريك أو نحوها مما يوجب تبدل الماء الداخل في الجملة، والظاهر تحققه بالغمز في الجاري الذي يكون جريانه محسوسا، سيما إذا كان قويا، بل الظاهر حصول


(1) أورده المحدث النوري في مستدركه نقلا عن المختلف وهذا نصه: " العلامة في المختلف عن ابن أبي عقيل قال: ذكر بعض علماء الشيعة أنه كان بالمدينة رجل يدخل على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيف وكان يأمر الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل به رجله إذا خاضه، فأبصر بي يوما أبو جعفر عليه السلام فقال: ان هذا لا يصيب شيئا إلا طهره فلا تعد منه غسلا " ثم قال بعد كلام له وقال الشيخ الاعظم في كتاب الطهارة في كلام له: مضافا إلى قوله عليه السلام في بعض الروايات مشيرا إلى غدير الماء: إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره، وارد به هذا الخبر وليس فيه ذكر للغدير، وهو أعرف بما قال " راجع المستدرك - الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 8.

[ 454 ]

ذلك في القليل في بعض الاحيان، كما إذا صب من مكان مرتفع بقوة، أو صب على الثوب مستمرا بحيث خرجت الغسالة بورود الماء بعد ورود مستمرا. ثم أنه يستثنى مما ذكر بول الصبي قبل أن أكل وأطعم، وقد ادعى السيد إجماع الفرقة المحقة على جواز الاقتصار على صب الماء والنضح، ثم تمسك بما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يغسل من بول الجارية، وينضح من (على خ ل) بول الصبي ما لم يأكل الطعام " (1) وبما روت زينب (لباب خ ل) بنت الجون " أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ الحسين بن على عليهما السلام فاجلسه في حجره فبال عليه، قالت: فقلت له: لو اخذت ثوبا وأعطيتني إزارك لاغسله، فقال: انما يغسل من بول الانثى، وينضح على بول الذكر " (2) انتهى، والروايتان من غير طرق أصحابنا، وكذا ادعى الشيخ إجماع الفرقة فيه على كفاية الصب بمقدار ما يغمزه، وعدم وجوب غسله، وعن غير واحد من المتأخرين دعوى عدم الخلاف وأنه مذهب الاصحاب. وتدل عليه مضافا إلى ذلك صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي، قال: تصب عليه الماء فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا، والغلام والجارية في ذلك شرع سواء " (3) ونحوها عن فقه الرضا عليه السلام (4) وعن الصدوق في معاني الاخبار " أن رسول الله صلى الله عليه وآله أتي بالحسن بن علي عليهما السلام فوضع


(1) و (2) راجع سنن أبى داود ج 1 - ص 154. (3) مرت في ص 27. (4) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب النجاسات - الحديث 1.

[ 455 ]

في حجره فبال، فقال: لا تزرموا ابني، ثم دعا بماء فصب عليه " (1) وعن دعائم الاسلام قال الصادق عليه السلام: " في بول الصبي يصب عليه الماء حتى يخرج من الجانب الآخر " (2). وموثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال: " لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن يطعم، لان لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " (3) وروي في فقه الرضا عليه السلام نحوها عنه عليه السلام (4) وقريب منها ما عن الجعفريات عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام (5) وعنها عن جعفر بن محمد عن علي عليهم السلام " أن النبي صلى الله عليه وآله بال عليه الحسن والحسين عليهما السلام قبل أن يطعما، فكان لا يغسل بولهما من ثوبه " (6). ولا منافاة بين ما دل على عدم الغسل من بوله وبين ما دل على وجوب الصب، فان دلالة الاول على طهارته وعدم لزوم شئ بالسكوت في مقام البيان، وهو لا يقاوم التصريح بالصب، بل في كون موثقة السكوني وما بضمونها في مقام البيان من هذه الجهة منع، فان الظاهر أنها في مقام بيان نكتة الفرق بين بول الغلام والجارية بعد معهودية أصل الفرق.


(1) مرت في ص 28. (2) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 (3) مرت في ص 29 (4) و (5) و (6) المستدرك - الباب - 2 من ابواب النجاسات الحديث 1 - 3 - 2.

[ 456 ]

وأما موثقة سماعة قال: " سألته عن بول الصبي يصيب الثوب فقال: اغسله، قلت: فان لم أجد مكانه، قال: اغسل الثوب كله " (1) فطريق الجمع بينها وبين صحيحة الحلبي تقييدها بها، ويمكن حملها على الاستحباب وكمال النظافة تحكيما لنص رواية السكوني على ظاهرها. وأما رواية الحسين بن أبي العلاء الصحيحة على الاصح قال: " سالت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد. قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله مرتين، وسألته عن الصبي يبول على الثوب قال: يصب عليه الماء قليلا ثم يعصره " (2) فليس المراد من العصر فيها العصر المعهود في غسل الثياب بقرينة مقابلة صب الماء قليلا والعصر مع غسل الثوب في بول غير الصبي، فانه لو كان المراد منه صب الماء والعصر على النحو المعهود في غسل سائر النجاسات لقال: اغسله، ولو كان الفرق بين بوله وبول غيره بالمرة والمرتين لقال اغسله مرة، فتغير التعبير دليل على عدم لزوم الغسل، فلو كان العصر هو المعهود لزم منه وجوب الغسل، وهو ينافي المقابلة (3) سيما مع تقييد الصب بكونه قليلا،


(1) مرت في ص 26 (2) مرت في ص 451. (3) ولا يخفى أن ما استظهره الاستاد دام ظله من الصحيحة مبني على كونها رواية واحدة وأما إذا قلنا بأنها روايات ثلاث وان راويها جمعها في كتاب أو نقل واحد كما هو الظاهر منها - ويؤيده كون الحسين بن ابى العلاء من أصحاب الكتب بل وعن الشيخ في الفهرست: " له كتاب يعد في الاصول " - فلا يحسن الاستظهار منها بهذا النحو بل لا بد من بيان آخر.

[ 457 ]

وهو دليل آخر على عدم لزوم الغسل، وعلى عدم كون العصر لاخراج الغسالة. بل الظاهر أنه لا يصال الماء إلى جوف الثوب، فان من طباع البول لحرارته أن يرسب في الثوب، ومن طباع الماء البارد أن لا يرسب عاجلا إلا بالعلاج سيما مع قلته، فلا منافاة بينها وبين صحيحة الحلبي المقتصر فيها على الصب، فانه أيضا لا يكفي إلا مع الغلبة على البول ووصول الماء إلى جميع ما وصل إليه البول، ولا يكفي الصب على ظاهر الثوب لتطهير باطنه، كما هو الظاهر من رواية الدعائم المتقدمة، فان الخروج من الجانب الآخر من الثوب لوصوله إلى كل ما وصل إليه البول لخروجه من الجانب الآخر في غالب الثياب، فلا تعارض بين الروايات بحمد الله. وهل تلحق الصبية بالصبي؟ ظاهر الخلاف بل الناصريات الاجماع على عدم الالحاق، وعن المختلف الاجماع على اختصاص الحكم بالصبي وعن جمع دعوى الشهرة عليه، وعن الذكرى وفى بول الصبي قول بالمساواة، ولعله استظهره من محكي عبارة الصدوقين، حيث أوردا عبارة الرضوي بعينها (1) واختاره صاحب الحدائق صريحا. والاقوى عدم الالحاق كما عليه الاصحاب، لاعراضهم عن ذيل الصحيحة، مع معارضتها لموثقة السكوني، حيث انها نفت التفرقة بينهما، وهي صرحت بها ولا جمع عقلائي بينهما (2) ومع التعارض


(1) هذا نصها: " وإن كان البول للغلام الرضيع فتصب عليه الماء صبا، وإن كان قد أكل الطعام فاغسله، والغلام والجارية سواء " راجع المستدرك - الباب - 2 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) ويمكن حمل رواية السكوني على التقية، لموافقة مضمونها =

[ 458 ]

فان قلنا بأن الشهرة مرجحة فالترجيح مع الموثقة، وإن قلنا بأنها موهنة لمخالفها فالوهن للصحيحة، وإن قلنا بأن موافقة السنة القطعية مرجحة فالترجيح للموثقة. وإن قلنا بأن العمومات مرجع لدى التعارض فعمومات غسل النجاسات وغسل البول مرتين حاكمة على عدم المساواة ثم أن الظاهر المتفاهم من الادلة أن الموضوع للحكم هو الصبي الذي لم يطعم أو لم يأكل الطعام، كما هو معقد إجماع الخلاف بل الناصريات، كما يظهر من عنوان البحث فيها، وهو المراد من الرضيع في خلال كلامه، كما هو ظاهر، وهو ومقابله مأخوذان في الروايات المحكية من طرقهم وطرقنا عدا فقه الرضا عليه السلام الذي لم يثبت كونه رواية ولا شبهة في ان الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: " فان كان قد أكل فاغسله " أنه إذا كان متغذيا وآكلا بشهوته وإرادته على النحو المعهود بحيث يقال: إنه صار متغذيا، للفرق بين قوله: " إذا أكل فاغسله " وقوله: " فان كان قد أكل " لان الثاني ظاهر فيما ذكرناه دون الاول، وكذا الحال في قوله عليه السلام في موثقة السكوني: " قبل أن يطعم " وقوله عليه السلام: " ما لم يأكل الطعام " إلى غير ذلك من التعابير. وليس الرضيع موضوعا للحكم حتى يقال بانصرافه إلى من لم يبلغ سنتين، واحتمال كون العنوانين كناية عن عدم كونه رضيعا - وفي مقابله الرضيع - لا يساعده الظاهر، ولهذا لا يحتمل كون بول المولود


= لبعض العامة. وأن التصريح بالتسوية في الصحيحة لدفع مثل ما صدر تقية، بل هي ناظرة إليها، مضافا إلى ان التفصيل بين لبن الجارية ولبن الغلام يورث فيها الوهن، على أن في سندها النوفلي، وهو لم يوثق، فالتعبير عنها بالموثقة لا يخلو من مسامحة.

[ 459 ]

آن ولادته قبل الرضاع كبول سائل الناس، ولا أظن التزام أحد بذلك، إلا أن يقال بصدق الرضيع عليه بمعنى كونه في سن الرضاع وهو كما ترى مجاز في مجاز. ومما ذكرناه من كون الموضوع هو الصبي الذي لم يطعم ولم يأكل يتضح ثبوت الحكم للصبي الذي شرب من لبن كافرة أو خنزيرة فضلا عن بقرة ونحوها، بل لا يبعد ثبوته لمن شرب من الالبان الجافة المعمولة في هذه الاعصار على إشكال، سيما إذا كان ممزوجا من بعض الاغذية، بل الاقرب عدم الثبوت في هذا الفرض. ثم أن ما ذكرناه من ثبوت الحكم للمذكورات انما هو لاطلاق الادلة، ودعوى انصرافها عنها انما تسمع على تأمل في بعضها إذا كان الموضوع للحكم الرضيع، والاستيناس أو الاستدلال لوجوب الغسل في بعضها بموثقة السكوني بدعوى ان مقتضى التعليل فيها وجوبه كما ترى فان التعليل على فرض العمل به تعبدي يناسب استحباب الغسل لا لزومه ضرورة أن اللبن إذا خرج من المثانة لا يوجب ذلك نجاسته لو اريد الملاقاة للنجس في الباطن، ومع ذلك هو غير مربوط بالاغتذاء باللبن النجس كما هو ظاهر. نعم في إلحاق بول طفل الكافر نوع تردد ناش من أن ملاقاته لجسمه يمكن أن يلحقه الاثر الزائد وإن لم ينجسه، ويأتي ذلك التردد فيما إذا لاقى بوله نجسا آخر واستهلك ذلك النجس فيه، ولو لاقى المحل بعد ملاقاته لبول الصبي نجسا آخر كبول غيره فالظاهر وجوب غسله وعدم الاكتفاء بالصب. ثم ان الظاهر من الاخبار المعتمدة لزوم الصب، فلا يكفي النضح والرش، وهو معتمد إجماع الخلاف، ولا يبعد أن يكون عطف

[ 460 ]

السيد في الناصريات النضح على الصب انما اراد به ما يصدق عليه الصب كبعض مصاديقه، ولهذا لم يعطفه بأو، إذ من البعيد استناده في الفتوى إلى الروايتين المتقدمتين من طرقهم، وانما استدل بهما اقحاما لهم كما هو دأبه، وكذا دأب شيخ الطائفة وبعض آخر من أصحابنا، كما انهم ربما يستدلون في الاحكام بأمور تشبه القياس إرغاما لهم لا استنادا إليها، وظن الغافل غير ذلك، وربما طعن بهم والعياذ بالله. وكيف كان فالاقوى عدم كفاية الرش، ودعوى إلقاء الخصوصية لو فرضت قاهرية الماء بالرش مع تكرره وإن لا تخلو من وجه لكن الاوجه خلافها، لاحتمال كون الدفعة دخيلا في التطهير، والقاهرية التدريجية غير كافية، بل العرف يساعد ذلك في ابواب التطهير وإزالة النجاسات. ثم أن الظاهر من الاخبار أن مجرد صب الماء على بوله موجب لطهارته من غير لزوم خروج الغسالة وجري الماء على المحل، ولازمه عرفا عدم نجاسة ما انفصل منه لو فرض انفصاله بعصر أو غيره. للفرق الواضح بين غسالته وغسالة سائر النجاسات بحسب اقتضاء الادلة فان كيفية تطهير سائرها على ما مر بصب الماء على المحل القذر وإجرائه عليه لازالة القذارة بذلك، بمعنى أن الماء باجرائه على المحل وانفصاله يذهب بقذارته، فصار الماء قذرا والمحل طاهرا لانتقال قذارته إلى الماء، وهو أمر يساعد معه العرف والعقلاء في رفع القذارات العرفية كما هو واضح، ولهذا قلنا بنجاسة الغسالة حتى المطهرة. وأما بول الرضيع الذي بين الشارع كيفية تطهيره وأخطأ العرف فيها فلا ينبغي الاشكال في أن المتفاهم من أدلتها أن غلبة الماء عليه مطهرة من غير انفعاله به، وإلا فلا يحكم بجواز بقائه في الثوب حتى

[ 461 ]

ييبس، ومعه كيف يمكن التفكيك عرفا بين الماء الذي في المحل فيقال بطهارته إذا كان فيه ونجاسته إذا انفصل منه، وبالجملة فرق واضح بين الغسلة المزيلة للنجاسة بجريانها وانفصالها وبين الماء المطهر للمحل بنفس اصابته وقاهريته ولو لم يخرج منه، فالقول بالتفكيك كالقياس على الغسالة ضعيف جدا. ثم أن ما ذكرناه في صدر المبحث من اعتبار حصول الغسل في النجاسات لازالتها وتطهيرها - وهو يتوقف على قاهرية الماء على المحل وخروج غسالته لتحصيل الازالة واذهاب القذارة بمرور الماء وخروجه - هو مقتضى الادلة الواردة في غسل النجاسات، وليس للشارع إلا فيما استثني طريقة خاصة في ذلك ولا اعمال تعبد. فحينئذ يكون غسل الفرش المحشوة بالصوف أو القطن ممكنا، أما ظاهرها فباجراء الماء عليه وعصرها، ولا تسري النجاسة من باطنها إليه بمجرد رطوبة متصلة ما لم يلاق مع النجس برطوبة، وملاقاة أحد الطرفين لا يوجب نجاسة الطرف الآخر كما هو مقتضى صحيحة ابراهيم ابن أبي محمود قال: " قلت للرضا عليه السلام: الطنفسة والفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما وهو ثخين كثير الحشو؟ قال: يغسل ما ظهر منه في وجهه " (1). وأما باطنها فلا بد في تطهيره من حصول الغسل بالمعنى المتقدم فيه، وهو يحصل بغمرها في الماء الكثير وتحريكها أو غمزها أو عصرها لخروج الماء الوارد فيها، أو صب الماء القليل حتى قهر على النجاسة ثم إخراج غسالته بوجه من العلاج. وربما يتوهم من رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 462 ]

خلاف ذلك وأوسعية الامر فيها، قال: " سألته عن الفراش يكون كثير الصوف فيصيبه البول كيف يغسل؟ قال: يغسل الظاهر، ثم يصب عليه الماء في المكان الذي أصابه البول حتى يخرج من جانب الفراش الآخر " (1) بدعوى دلالتها على عدم لزوم العصر واخراج الغسالة وفيه اولا أن الظاهر منها اصابة البول على ظاهر الفراش، للفرق بين قوله عليه السلام: " أصابه البول " وبين قوله: " بال عليه شخص " لان الظاهر من الاول اصابة ظاهره، ولعل السؤال عنه والقيد بكثرة الصوف لاحتماله لزوم اخراج الصوف منه ثم بعد غسله، وعدم تحقق غسل ظاهره إلا به، والامر بصب الماء عليه بعد غسل ظاهره لعله لاحتمال السراية كالرش الوارد في نظيره، ولهذا أمر بغسل ظاهره أولا ثم صب الماء عليه. وتشهد لما ذكرناه صحيحة ابراهيم بن عبد الحميد قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر وعن الفرو وما فيه من الحشو؟ قال: اغسل ما أصاب منه، ومس الجانب الآخر، فإذا أصبت مس (من خ ل) شئ منه فاغسله وإلا فانضحه " (2) حيث أمره بالغسل في فرض نفوذ النجاسة إلى الباطن. وثانيا أنه من المحتمل أن يكون مراده من خروجه من الجانب الآخر خروج جمعية أو معظمه ولم يذكر العصر أو نحوه لعدم الاحتياج إلى الذكر بعد توقفه عليه، تأمل. وثالثا يمكن أن يكون الصوف الكثير في باطن الفراش بوجه لا يقبل الماء نوعا، وخرج منه الغسالة بلا علاج، والانصاف أن رفع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب النجاسات - الحديث 3 - 2.

[ 463 ]

اليد عن إطلاق أدلة الغسل الموافق للقواعد وارتكاز العقلاء وخصوص صحيحة ابراهيم المتقدمة لا يجوز بمثل هذه الرواية. هذا كله فيما يمكن فيها الغسل بالمعنى المعتبر في إزالة النجاسة، وأما الاجسام التي لا يمكن فيها ذلك كالصابون والحبوب والفواكه وما يجرى مجراها مما لا ينفذ الماء فيها بل تنفذ الرطوبة فيها فالظاهر عدم امكان تطهير بواطنها لا بالماء الكثير ولا بالقليل، فان تطهيرها يتوقف على مرور الماء المطلق عليها وخروجه منها لازالة القذارة كما مر مرارا وليس للشارع تعبد خاص في تطهير البواطن. وسيأتي في حال بعض الاخبار المتمسك بها لذلك، كما انه ليس في الادلة ما تدل على قبول كلية الاجسام للتطهير، وما قيل: إنه يستفاد من تتبع الاخبار وكلمات الاصحاب ان كل متنجس حاله حال الثوب، والبدن في قبوله للتطهير والتشكيك في ذلك سفسطة غير وجيه، ولا مستند إلى دليل. نعم لا شبهة في أن تحقق الغسل في كل متنجس موجب للطهارة وأما مع تعذره لاجل عدم إمكان نفوذ الماء فيه أو عدم امكان اخراج غسالته منه فلا دليل على حصول الطهارة له - وغمض الشارع عن الغسل والاكتفاء بغيره بدله أو اكتفاؤه بغسل ظاهره لطهارة باطنه تبعا من غير تحقق الغسل - إلا بعض الروايات، كرواية زكريا بن آدم قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله " (1) وقريب منها خبر السكوني (2). بدعوى أن مقتضى إطلاقها إمكان غسل اللحم مطلقا سواء كان مما ينفذ


(1) مرت في ص 178. (2) مرت في ص 381.

[ 464 ]

فيه الماء أو لا، فتدل على جواز غسل مطلق اللحوم بل مطلق أجسام نحوها بماء كثير أو قليل يمر على ظاهرها، وطهارة باطنها بتبعه، وعدم لزوم مرور الماء أو سرايته ونفوذ إلى باطنها، فان اللحم الذي يكون رطبا ولزجا وقد رسب فيه الماء المتنجس لا يرسب فيه الماء حتى يتحقق الغسل بالنسبة إلى باطنه، فالامر بغسله وأكله دليل على أن غسل ظاهره كاف في طهارته ظاهرا وباطنا. وفيه أن ما ذكر وجيه لو لم يقبل باطن اللحوم مطلقا غسلا، وأما مع قبول كثير من أفرادها فلا وجه له، لان الامر بغسل اللحم وأكله لا يدل على قبول كل لحم ذلك، كما هو واضح. فهل يمكن أن يقال إن قوله: " اغسل ثوبك من البول وصل فيه " يدل على قبول كل ثوب الغسل؟ فلو فرض عدم امكان غسل باطن ثوب لعارض يكتفى بظاهره ويصلى فيه، بل لاحد أن يقول: إن الروايتين بما أنهما تدلان على توقف جواز الاكل على الغسل الذي أمر عقلائي معهود دالتان على أن ما لا يمكن غسله لا يجوز أكله، فلا يجوز أكل مثل الشحم وبعض أقسام اللحوم الذي لا يرسب فيه الماء ولا يمكن غسله. مضافا إلى أن في اطلاقهما لصورة العلم بنفوذ النجاسة إلى باطن اللحم مع ندرة حصول اشكالا، بل لعل الجمع بين افادة لزوم الغسل فيما يمكن غسل باطنه والاكتفاء بغسل الظاهر عن الباطن وطهارته تبعا بلفظ واحد غير ممكن، وكالجمع بين اللحاظين المختلفين، فتدبر. والانصاف ان القول بتبعية الباطن للظاهر التي هي خلاف القواعد المحكمة بمثل هاتين الروايتين اللتين على خلاف المطلوب أدل مما لا يمكن مساعدته، وأضعف منه التمسك بمرسلة الكاهلي، وفيها " كل شئ يراه

[ 465 ]

ماء المطر فقد طهر " (1) بدعوى عدم الفصل بينه وبين سائر المياه حتى الماء القليل من هذه الجهة، ومرسلة العلامة في غدير الماء (2) مع الدعوى المذكورة، وذلك لمنع اصابة ماء المطر واصابة الكر بواطن الاشياء، بل ما أصابها هو الرطوبة، وهي غير الماء عرفا، مع ضعف مرسلة العلامة، وعدم الجابر لها، وعدم ثبوت الاجماع على الملازمة، سيما مع القليل. وأغرب منه التمسك بمرسلة الصدوق الحاكية لوجدان أبى جعفر عليه السلام لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ليأكلها فأكلها غلامه (3) لانها قضية شخصية لا يعلم كيفية قذارة الخبز، بل لا يعلم تأثره من القذر فضلا عن العلم بقذارة باطنه، ويتلوه في الضعف التشبث برواية طهارة طين المطر إلى ثلاثة أيام (4) ونحوها مما هي اجنبية عن المقام، مع أن في المطر كلاما ربما يلتزم فيه بما لا يلتزم في غيره. فتحصل مما ذكر أن في كل جسم من المذكورات تحقق الغسل بما هو معتبر فيه لازالة النجاسة ولو بجعله مرة أو مرات في الماء العاصم لينفذ الماء المطلق إلى باطنها ويخرج منه صار طاهرا، وإلا فمجرد وصول الرطوبة ولو من الماء العاصم إليه لا يوجب الطهارة. ودعوى وحدة الماء مع الرطوبة التي في الجوف غير مسموعة أولا وغير مفيدة للطهارة ثانيا كما مر، وأوضح منها فسادا دعوى أن المناط في التطهير على صدق نفوذ الكر فيه ووصول الماء المطلق إلى باطنه، ولا ملازمة بينه وبين إطلاق اسم الماء عليه، فانه لو سرت نداوة الماء إلى


(1) مرت في ص 452. (2) مرت في ص 453 (3) راجع الوسائل - الباب - 39 - من ابواب احكام الخلوة - الحديث 1 (4) راجع الوسائل - الباب - 75 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 466 ]

خارج الاناء يطلق عرفا ان ماءه نفذ فيه وخرج منه إطلاقا حقيقيا، لكن لو لوحظ الاجزاء المائية السارية فيه بحيالها لا يطلق عليها اسم الماء لاستهلاكها في الظرف، انتهى. إذ لم يتضح كيف لا يصدق على ما سرى فيه الماء، ومع ذلك صدق نفوذ الماء فيه ووصول الماء المطلق إلى باطنه، وأنه غسل باطنه بالماء مع كون الرطوبة غير الماء عرفا، وهل هذا إلا تناقض ظاهر؟! ومجرد لحاظ الاجزاء تارة مستقلا وأخرى تبعا لا يوجب صيرورة الرطوبة ماء والماء رطوبة، وليت شعري ما الداعي إلى هذه التكلفات البعيدة عن الواقع والاذهان لاثبات أمر لا دليل عليه، وأي دليل على قبول كل شئ التطهير، فالاقوى ما تقدم. ويظهر مما مر في كيفية غسل المتنجسات أنه لو تنجس الارض تصير طاهرة بامرار الماء القليل عليها وإخراج الغسالة، ولا يكفي صبه عليها من غير الامرار والاخراج، ورواية أبي هريرة (1) - مع كونها ضعيفة وتسميتها مقبولة غير مقبولة ومجرد تمسك شيخ الطائفة بها إرغاما للقوم لا يوجب مقبوليتها - فيها نقل قضية مجهولة لا يعلم كيفيتها، لاحتمال أن الاعرابي بال عند باب المسجد بحيث صار صب ذنوب من الماء عليه موجبا لخروج غسالته عن المسجد. المطلب الخامس: يعتبر في تطهير البول - عدا ما استثني - بالماء القليل الغسل مرتان من غير فرق بين الثوب والجسد، لتظافر الاخبار عليه كصحيحة محمد بن مسلم


(1) راجع عمدة القاري شرح البخاري للعينى ج 1 ص 488.

[ 467 ]

عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن البول يصيب الثوب، قال: اغسله مرتين " (1) ونحوها صحيحة ابن أبي يعفور (2) وصحيحة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة (3). وصحيحة البزنطي المنقولة عن جامعه قال: " سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله مرتين " (4). وصحيحة أبي إسحاق النحوي ثعلبة بن ميمون الثقة على الاصح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صب عليه الماء مرتين " (5). فالتفصيل بين الثوب وغيره بلزوم المرتين في الاول والاكتفاء بالمرة في الثاني للخدشة في أسناد ما دل على المرتين في الجسد ضعيف، لصحة الروايات المتقدمة ووثاقة رواتها على الاصح، مع أن الحكم مشهور بين الاصحاب، كما عن البحار والمدارك والكفاية، وعن المعتبر نسبته إلى علمائنا، وعن الذخيرة أن عليه عمل الطائفة، وليس لهم مستند غيرها، فأسنادها مجبورة لو فرض ضعفها. وتوهم أن حمل أخبار المرتين على الاستحباب أولى من رفع اليد على إطلاق الروايات الكثيرة المقتصرة على الامر بالغسل مؤيدة بما دل على الاكتفاء بالمرة في الاستنجاء بعد عدم الفارق عرفا بينه وبين غيره فاسد، لعدم الاطلاق في الاخبار، لان كلها أو جلها في مقام بيان أحكام أخر، فلا إطلاق فيها كما تقدم في غسل الفراش، لكونها في مقام بيان كيفية غسل الفراش لا حال البول. فقوله عليه السلام في صحيحة ابراهيم بن أبي محمود: " يغسل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 2 - 4 - 7 - 3.

[ 468 ]

ما ظهر منها في وجهه " (1) يراد منه أن يكتفى بغسل ظاهره، ولا يجب إخراج حشوه أو غسله، لعدم الاحتياج إليه وعدم الابتلاء إلا بظاهره، فلا إطلاق فيها، وكذا الحال في غيرها. نعم لا يبعد الاطلاق في صحيحة عبد الله بن سنان قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (2) على إشكال فيه، لاحتمال كونه بصدد الفرق بين بول ما يؤكل وما لا يؤكل، لا بصدد كيفية الغسل، ولو فرض الاطلاق في بعضها فيقيد بالمستفيضة الدالة على وجوب التعدد، والتأييد بما في باب الاستنجاء في غير محله، فانه لو التزمنا فيه بكفاية المرة فلا يمكن إلقاء الخصوصية بعد ما نرى فيه من التخفيف ما ليس في غيره. ثم أن الظاهر منها أن المعتبر في كل غسلة هو إخراج الغسالة على النحو المتقدم، وأما الاكتفاء في الغسلة الاولى بازالة العين كيفما اتفقت فخلاف ظاهر الادلة، حتى بناء على أن قوله: " مرة للازالة ومرة للانقاء " من تتمة رواية ابن أبى العلاء المحكية في المعتبر (3) والذكرى (4) فان الغسل للازالة بنظر العرف هو بامرار الماء وإخراج غسالته لا الازالة كيفما اتفقت، فالمأمور به الغسل للازالة لا الازالة كما لا يكتفى بالانقاء كيفما اتفق، فكما أن الغسل للانقاء لا يقتضى ولو بغير الغسل فكذا للازالة، سيما مع الارتكاز بأن للماء خصوصية وأن للغسل لازالة النجاسة لديهم كيفية معهودة.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (3) في أحكام النجاسات ص 162. (4) في البحث الثالث من أحكام النجاسات ص 15.

[ 469 ]

هذا كله مع أن الوثوق حاصل بعدم كون هذا الذيل من تتمة الحديث. بل هو من اجتهاد الناقل، لعدم وجوده في شئ من كتب الحديث، كما هو المحكي والمشاهد. هذا كله حال بول غير الصبي، وأما بوله فالظاهر عدم اعتبار تعدد الصب فيه، لاطلاق صحيحة الحسين المتقدمة. سيما بعد وقوع السؤال عن بوله عقيب السؤال عن البول الذي أصاب الجسد والثوب، والامر فيهما بالصب والغسل مرتين، إذ لا يبقى معه مجال توهم عدم الاطلاق (1). بل الظاهر إطلاق صحيحة الحلبي أيضا قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي، قال: تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا " (2) فان الظاهر أن سؤاله كان بعد الفراغ عن كيفية غسل بول غير الصبي، وإنما كان شاكا في كيفية غسل بوله، فقوله عليه السلام: " تصب عليه الماء " لبيان كيفيته، وقوله عليه السلام: " فان كان قد أكل " لبيان غاية الحكم في الصبي، لا لبيان غسل بول غيره حتى يقال كما لم يذكر الكيفية في الثاني لعدم كونه في مقام بيانها فكذا بول الصبي. وبالجملة أن الظاهر كونه في مقام بيان كيفية غسل بول الصبي الذي هو محط السؤال، فيؤخذ باطلاقه، لا لبيان كيفية غسل بول غيره، فلا إطلاق فيها من هذه الجهة، فلا ينبغى الاشكال في


(1) هذا بناء على أن تكون الصحيحة رواية واحدة، وأما بناء على ما استظهرناه سابقا من أنها روايات ثلاث فللخدشة في إطلاقها مجال. (2) مرت في ص 454.

[ 470 ]

كفاية المرة. هذا حال الغسل بالماء القليل، وأما الجاري فيكفي فيه مرة واحدة بلا خلاف على المحكي، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (1). ويمكن الاستدلال بها للاكتفاء بالغسل في الكر بمرة واحدة بأن يقال: لا إشكال في أن قوله عليه السلام: " في المركن " كناية عن الغسل بالماء القليل، وإلا فالكون في المركن لا دخالة له في الحكم، سيما مع مقابلته للجاري، فكأنه قال: اغسله بالقليل مرتين، ولا ريب في أن لقيد القلة دخالة في إيجاب المرتين، ومفهوم القيد وإن لم يكن حجة في غير المقام لكن فيه خصوصية لا بد من الالتزام بحجيته، وهي عدم كون شئ آخر صالح للقيام مقام القيد في إيجاب المرتين، فان ما يتوهم إمكان قيامه هو الكثير المقابل للجاري و القليل المذكورين، وهو لا يصلح للنيابة، لان دخالة القلة في ثبوت حكم لا يمكن مع دخالة الكثرة أيضا، وكون الحكم للجامع بينهما يخالف ظاهر الرواية فلا بد من القول بأن القلة علة منحصرة، ومع فقدها لا يجب المرتين والاكثر منهما مقطوع العدم، فيجب المرة في غير القليل، وهو المطلوب وانما ذكر أحد مصاديق المفهوم وهو الجاري لنكتة خفية علينا. وقد قلنا سابقا أن لا مفهوم للقضية الشرطية التي ذكرت تصريحا بالمفهوم، وإن قلنا بالمفهوم في سائر الموارد، هذا مع أن الشرطية في المقام سيقت لبيان تحقق الموضوع، والوصف لا مفهوم له في غير المقام فضلا عن المقام الذي ذكرت القضية الثانية لبيان مفهوم القيد في


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 471 ]

القضية الاولى. فتحصل من ذلك حجية مفهوم القيد في الجملة الاولى دون الثانية فلا تعارض بينهما من حيث المفهوم، وانما ذكر الجارى وهو أحد مصاديق المفهوم لنكتة لعلها كثرة وجوده في بلد السائل. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الصحيحة لاثبات المطلوب لكنه محل إشكال، ولو سلم كون المركن كناية عن القلة، لامكان أن يكون النائب مناب القيد الركود لا الكثرة، فلا يأتي فيه ما تقدم من البيان لا يقال: إن الركود مشترك بين القليل والكر، فان الجاري القليل حكمه مرة، فلا معنى لنيابته عنه، فانه يقال: يمكن أن يكون القلة سببا مستقلا والجريان مانعا عن تأثيره، والركود سببا آخر، وانما نسب الحكم في القليل بالقلة لكونها كالوصف الذاتي للماء بخلاف الركود المقابل للجريان فانه من الاعراض اللاحقة، والوصف الذاتي أسبق في التأثير. هذا مع إمكان أن يقال: إن ذكر المركن ليس للاحتراز، بل لمجرد ذكر قسم من الماء، فحينئذ لاحد أن يعكس الامر ويقول: إن توصيف الماء بالجاري لدخالته في الحكم، وليس شئ ينوب منابه، إذ مقابل الجاري الراكد، وهو لا يصلح للنيابة لعين ما تقدم، فيكون للجملة الثانية مفهوم بعد عدم المفهوم للاولى، وانما ذكر المركن لانه أحد المصاديق، فتدل الرواية بمفهومها على وجوب التعدد في غير الجاري، لكنه أيضا محل إشكال، لان الراكد وإن لم يصلح للنيابة لكن الكثير يمكن أن ينوب عن الجاري، سيما مع التناسب بينهما، ولكن الانصاف أن إثبات حكم المرة أو المرتين في الكر بهذا الرواية في غاية الاشكال، والظاهر سكوتها عن حكم الكر.

[ 472 ]

وأما الاستدلال على الاكتفاء بالمرة بمرسلة العلامة المتقدمة عن أبي جعفر عليه السلام مشيرا إلى غدير: " إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره " (1) بدعوى إنجبار سندها بالشهرة، وأقوائية دلالتها مما وردت في غسل البول مرتين لانها بالعموم وتلك بالاطلاق، بل الاطلاق أيضا صار موهونا بخروج الجاري منها، بل يمكن إنكار دلالتها إلا على القليل لكثرة القليل وقلة الكثير في تلك البلاد، سيما مع مقابلة الغسل للصب فيها ومصبه القليل. ففيه منع جبر السند بعمل المتأخرين مع عدم ثبوت الاشتهار بالعمل بها حتى منهم، وضع أقوائية دلالتها، لانها بالاطلاق أيضا لا العموم كما قرر في محله. بل للمنع من أقوائية العموم من الاطلاق مجال وخروج الجاري لا يوجب وهنا في الاطلاق لو لم نقل بايجابه القوة، ولا مجال لانكار إطلاقها حتى فيما اشتملت على الصب فضلا عن غيرها وقلة الكثير في بلد السائل كابن مسلم وأبي اسحاق وابن أبي يعفور الكوفيين كما ترى. والاستدلال عليه بروايات ماء الحمام كقوله عليه السلام: " هو بمنزلة الماء الجاري " (2) وقوله: " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (3) فرع إثبات عموم التنزيل، وهو ممنوع لان الناظر في الروايات لا ينبغى أن يشك في أن التنزيل في عدم الانفعال، وتقوي بعضه ببعض آخر، وتطهير المادة الحياض كما هو الظاهر من الاسئلة والاجوبة، فلا دلالة مع عمومه، سيما مع كون المعهود ذلك.


(1) مرت في ص 453. (2) و (3) راجع الوسائل - الباب - 7 من ابواب الماء المطلق الحديث 1 - 7.

[ 473 ]

ودعوى إلقاء الخصوصية عرفا من قوله عليه السلام: " فان غسلته بالماء الجاري فمرة واحدة " - فان الاكتفاء فيه بها ليس إلا لقاهريته واستهلاك النجاسة فيه، ولا دخالة للمادة والجريان فيه، بل ربما يدعى القطع بالمساواة - فيها ما لا يخفى، لعدم مجال لالقائها عرفا بعد ما نرى أن للجاري خصوصية عرفا ولدى العقلاء، ومن هنا لا ظن بالمساواة فضلا عن القطع به، سيما مع ما في الاحكام من المناطات التي تقصر العقول عن إدراكها. ولقد أطنب المحقق صاحب الجواهر وأكثر في الاستدلال على الاكتفاء ولم يأت بشئ مقنع يمكن التشبث به في مقابل الاطلاقات والاصل. ثم أن مقتضى الادلة عدم الفرق بين بول الانسان وغيره من الحيوانات غير المأكولة، ودعوى الانصراف وعدم الاطلاق ضعيفة، كما لا يتوهم فيما ورد في الدم وغيرها مع كونهما من قبيله أو أسوأ حالا، بل لا يبعد استفادة حكم سائر الابوال لو فرض السؤال عن بوله الذي أصاب ثوبه، فانه كما تلقى الخصوصية من الثوب عرفا تلقى من البول، فيقال: إن الحكم لطبيعة البول لا لبول نفسه أو نوعه، تأمل. مضافا إلى أنه لا قصور في إطلاق صحيحة ابن مسلم وأبي اسحاق وابن أبي يعفور وغيرها، والظاهر منها أن الحكم لنفس طبيعته، وقلة الابتلاء ببول غير الانسان وكثرة الابتلاء ببوله لا توجب الانصراف كما لا تنصرف سائر المطلقات عن الافراد القليلة الابتلاء بها، مع منع قلة الابتلاء عن بعض الابوال. مضافا إلى موثقة سماعة قال: " سألته عن أبوال الكلب والسنور والحمار والفرس، فقال: كأبوال الانسان " (1) ومتقضى عموم التشبيه


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النجاسات - الحديث 7.

[ 474 ]

أن حد قذارتها كقذارة بوله، فلا بد من غسلها مرتين، وحمل الحكم في الحمار والفرس على محمل كالتقية ونحوها لا يوجب رفع اليد عن غيره والظاهر أن ذكر الكلب والسنور من باب المثال لكل ما لا يؤكل، ولو نوقش فيما ذكره ففي الاطلاقات كفاية، كما أن مقتضى إطلاقها لزوم الغسل مرتين ولو بعد جفاف البول أو زواله بغير الماء، وكذا مقتضاه عدم لزوم كونهما بعد زوال العين إذا فرض زوالها بالغسلة الاولى. وبالجملة ما يعتبر فيه هو المرتان، سواء كانت عين البول زائلة بشئ آخر أو زالت باحداهما فيضم إليها الاخرى ويكتفى بهما والقول بالاكتفاء بالمرة مع زوال العين ولو بالجفاف أو بغير الماء - بدعوى أن الغسلة الاولى للازالة، فإذا تحققت لا يحتاج إليها، بل يطهر مع مرة كما هو مقتضى ذيل صحيحة الحسين على نقل المحقق والشهيد - ضعيف لعدم الدليل على كون الاولى لمجرد الازالة بأي نحو اتفقت، بل لا دليل على كونها لها مطلقا، وقد مر الكلام في حال ذيل الصحيحة، بل قلنا أنه مع فرضه أيضا لا ينتج، فمقتضى إطلاق الادلة لزومهما جف أو لا أزيل بغير الغسل أو لا، كما أن القول بكفاية المرتين ولو لم تزل العين بالاولى ضعيف جدا، فان فرض حصول الغسل بالاولى وبقاء عين البول فرض غير واقع أو نادر جدا، ولو فرض تحققه في بعض الاحيان كما إذا تكرر البول في شئ ورسب وبقى جرمه ورسوبه فيه فلا يطهر إلا بالدلك وإزالة العين ثم غسله مرتين، ويكفي ضم غسله إلى الغسلة المزيلة. وقريب منها في الضعف دعوى كفاية التقدير في الغسلتين بمعنى الاكتفاء بالصب المستمر بقدر الغسلتين بدعوى أن الامر بالمرتين لحصول النظافة، وهي تحصل بالاستمرار، بل ربما يكون ذلك أوقع في التنظيف بل لا دخالة لقطع الماء جزما، وما هو المزيل والمطهر جريان الماء

[ 475 ]

وقاهريته، وقد حصلا بالاستمرار، وفيها أن تلك الدعاوي لا توجب رفع اليد عن ظاهر الاخبار المستفيضة، ودعوى الجزم بالمناط في غير محلها في الاحكام التعبدية. فالاقوى اعتبار التعدد ولو في الكر بناء على اعتباره فيه، ولا يكفي الجري تحت الماء مرتين إلا إذا حصل تعدد الغسل عرفا، كما لا يبعد حصوله بعض الاحيان، تأمل. فرع: هل يختص اعتبار التعدد بغسل البول فيكفي في غيره غسله مرة واحدة أم يجري في سائر النجاسات؟ الاقوى الاول كما نسب إلى الاكثر بل المشهور، لا لاطلاق الادلة، لعدم الاطلاق في جميع الانواع بل يتطرق الاشكال في كثير من الموارد التي ادعي فيها الاطلاق، نعم لا يبعد في بعضها، لكن كفايته بالنسبة إلى ما لا إطلاق فيه مشكلة، ودعوى عدم القول بالفصل غير متجهة. وما يمكن دعوى الاطلاق فيها بالنسبة إلى جميع النجاسات ليست إلا مرسلة محمد بن اسماعيل عن أبي الحسن عليه السلام: " في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر، فان أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله، وإن كان الطريق نظيفا لم تغسله " (1) بدعوى أن قوله عليه السلام: " فان أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله " يراد به أنه إذا نجسه شئ من النجاسات ومقتضى إطلاقها كفاية المرة في مطلق النجاسات إلا ما خرجت بالدليل


(1) الوسائل - الباب - 75 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 476 ]

لكنها مشكلة بل ممنوعة، فانه بعد الغض عن كونها في مقام بيان حكم آخر فلا إطلاق فيها من هذه الجهة أن ظاهرها لزوم الغسل بعد ثلاثة أيام في فرض عدم العلم، وإلا فلا وجه للفرق بين ثلاثة أيام وبعدها، فلا بد من حمل الامر على الاستحباب بعد المخالفة للقواعد، والظاهر عدم التزامهم بمضمونها، مع أنها ضعيفة أيضا، وأما غيرها ففي موارد خاصة لا يمكن إلحاق غيرها بها بدعوى إلقاء الخصوصية بعد اعمال التعبد في بعض الموارد كالبول والولوغ. ولا لاصالة البراءة عن الغسلة الثانية - بدعوى أن النجاسة في الحكميات انتزاعية من التكليف، فمرجع الشك في زوالها إلى الشك في لزوم المرة أو المرتين، فتدفع الثانية بالاصل ولا يجري الاستصحاب - إذ هي ضعيفة مخالفة لظواهر الادلة، ولقد قلنا سابقا أنه ليس للشارع المقدس في باب النجاسات اصطلاح خاص، وقد تصرف فيها بالالحاق والاخراج، فالقذارة كما لدى العرف والعقلاء أمر قائم بالجسم باق فيه إلى أن تزول بمزيل ولو في المعنوي منها بنظرهم، فكذلك لدى الشارع، ومع الشك في بقائها يجري الاستصحاب، ولا مجال لجريان أصالة البراءة. وبالجملة للقذارة مصداقان عرفي وجعلي وضعي، ولا ينبغي الاشكال في جريان الاستصحاب فيها كما في أشباهها. ولا لقوله عليه السلام: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ " (1) ضرورة عدم الاطلاق فيه للمقام، ومثله أجنبي عنه. بل لان الطهور وإزالة النجاسة لما كانا أمرين معلومين لدى العقلاء، وتكون كيفية حصولهما معهودة معروفة لديهم، ولهم طريقة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 9

[ 477 ]

عقلائية معمولة فيهما، وحصول الطهور وهو إرجاع الامر المتلوث بالقذارة إلى حالته الاولية ونظافته الذاتية أمر معلوم لدى كل أحد، فلا محالة إذا حكم الشارع بعدم جواز الصلاة في الثوب المستقذر بالمنى أو الدم مثلا حتى إذا طهر لا يشك العرف في كيفية رفع قذارته وحصول الطهارة له، فإذا تحقق لا يرى العقلاء بقاء المانع أو عدم حصول الشرائط إلا أن دل دليل على الخلاف. وإن شئت قلت: إذا نظير بناء العقلاء على العمل بشئ، فإذا لم يرد منع عنه يكشف عن إرتضاء الشارع به، بل هو أولى من ذلك، فانه أمر تكويني حاصل بالوجدان، فإذا قال الشارع: إن الثوب النجس بالبول أو الدم لا يجوز الصلاة فيه حتى يتطهر لا يشك العرف في كيفية تطهره وإرجاعه إلى حالته الاولى، إلا أن يرد تعبد خاص من الشارع يردعه عما هو المعلوم عنده، وإن شئت سم ذلك بالاطلاق المقامي، بل هو أوضح عنده، ولهذا لم يرد في شئ من الادلة إلا فيما فيه تعبد خاص بيان كيفية الغسل إلا نادرا، وليس ذلك إلا لعدم الاحتياج إليه كعدم الاحتياج إلى بيان سائر الموضوعات المعلومة لدى العرف. هذا مضافا إلى إمكان الاستدلال للمطلوب بكفاية المرة في ملاقي الكلب، لاطلاق أدلة غسله، كصحيحة الفضل قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن أصابه جافا فاصبب عليه الماء " (1). وصحيحة محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل، قال: يغسل المكان الذي


(1) مرت في ص 6.

[ 478 ]

أصابه " (1). وفي حديث الاربعمائة عن علي عليه السلام قال: " تنزهوا عن قرب الكلاب فمن أصاب الكلب وهو رطب فليغسله، وإن كان جافا فلينضح ثوبه بالماء " (2) إلى غير ذلك مما لا ينبغي الاشكال في إطلاقها سيما صحيحة ابن مسلم، فان السامع إذا سمع مثل ذلك يفهم منه أن تحقق الغسل كاف في رفع القذارة، سيما مع كون الغسل من القذارات معهودا عندهم. فإذا ضم إلى ذلك موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها يجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت، وهم شرهم، فان الله تبارك وتعالى لم يخلق أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت لانجس منه " (3) يستفاد منها أن سائر النجاسات التي لا تكون بمثابة نجاسة الكلب تطهر بمرة إلا ما ورد دليل على عدم الاكتفاء بها، فيستكشف منه أقذريته من الكلب، واستثناء شئ منها موضوعا أو حكما لا مانع منه. وتوهم عدم ملازمة الاقذرية لما ذكر مدفوع بمخالفته لفهم العرف نعم لا يلزم أن يكون ملاقي الاقذر محتاجا إلى مرتين، لامكان أن تكون المرة مزيلة لتمام مراتب النجاسة. ولا ينبغي الاشكال في أن النجاسة المذكورة في الرواية هي المعهودة بقرينة صدرها لا القذارة المعنوية، والمراد من غسالة الحمام فيها هي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 - 11. (3) مرت في ص 305.

[ 479 ]

ماء البئر الذى يكون من فضالة ماء الحياض التي لها مادة من المنابع التي في الحمامات، فان الظاهر من مجموع ما وردت في الحمامات أن لها في تلك الاعصار منابع محفوظة لها مزملة، وتحت المزملات حياض صغار متقويات بتلك المنابع بوسيلة المزملات، وكان يغتسل الناس في تلك الحياض وتجري فضالتها إلى محل آخر يقال له البئر. فما وردت من عدم انفعال ماء الحمام وانه بمنزلة الجاري (1) يراد به ما في الحياض الصغار المتقوية بالمنابع التي يقال لها المادة، وما بمضمون الموثقة يراد به ماء البئر الذي غير متقو بالمادة، فلا منافاة بينها حتى نحتاج إلى حمل هذه الطائفة على الاستحباب كما صنع صاحب الوسائل، وخرجت عن الاستشهاد بها للمقام، ودعوى اختصاص أقذرية الكلب بولوغه أو أنه أقذر بلحاظها مخالفة لظاهر الدليل كما لا يخفى. وأما الاستدلال للزوم المرتين في سائر النجاسات بقوله عليه السلام في البول: " انما هو ماء " (2) مع لزوم المرتين فيه فإذا وجب الغسل في الاهون مرتان يجب في غيره كالمني الذي شدده وجعله أشد من البول كما في الحديث فضعيف، لان قوله عليه السلام: " هو ماء " يراد به عدم لزوم الدلك لا أهونية نجاسته، كما يراد باشدية المني احتياجه إليه لا أقذريته من البول، ولهذا قال أبو عبد الله عليه السلام على ما في حديث في إبطال القياس ردا على أبى حنيفة: " أيهما أرجس البول أو الجنابة؟ فقال: البول، فقال أبو عبد الله عليه السلام فما بال الناس يغتسلون من الجنابة ولا يغتسلون من البول " (3) والظاهر أن


(1) راجع الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق. (2) مر في ص 467 (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الجنابة - الحديث 5.

[ 480 ]

أرجسية البول كان متسالما بينهما، وإن احتمل كونها عند أبي حنيفة وألزمه بما هو مسلم عنده. ثم أن الظاهر كون المرة في سائر النجاسات غير الغسلة المزيلة لا بمعنى لزوم مرة بعدها، بل بمعنى إمرار الماء على المحل بعد الازالة ولو باستمرار الغسلة المزيلة، فان التطهير وازالة القذارة لدى العرف معهودان، وإطلاقات الغسل محمولة على ما هو المعهود، وهما متقدمتان على ما مر بما ذكر فلا مجال للاخذ باطلاق الادلة. ويظهر مما مر آنفا من أن الغسل للازالة معهود أنه لا عبرة باللون والريح ونحوهما مما لا تعد لدى العرف من أعيان النجاسات، فغسل الدم من الثوب ليس إلا ازالة عينه بالماء بالطريق المعهود، واللون ليس بدم عرفا وليس بنجس، ولا يحتاج في تطهير الدم إلى ازالته، ولا عبرة بحكم العقل البرهاني ببقاء العين حتى في الرائحة، ولا بالآلات المستحدثة المكبرة للاجزاء الصغار حتى بتوسطها الالوان أعيانا، وهذا واضح لا يحتاج إلى تجشم استدلال بعد وضوح كون المشخص لموضوعات الاحكام مفهوما ومصداقا هو العرف العام. وأما الروايات المستدل بها للمطلوب فلا تخلو دلالتها عن نوع مناقشة، لان صحيحة ابن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قال: " قلت له: إن للاستنجاء حدا، قال: لا حتى ينقى ما ثمة، قلت: فانه ينقي ما ثمة ويبقى الريح، قال: الريح لا ينظر إليه " (1). يحتمل فيها أن يكون الحكم من مختصات الاستنجاء، ولا يجوز إلقاء الخصوصية بعد اختصاصه بالاحكام وتخفيفات لا تعم غيره، نعم لو أراد بقوله عليه السلام: " الريح لا ينظر إليه " أنه ليس بشئ


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب النجاسات الحديث 2

[ 481 ]

يمكن أن يقال باستفادة الحكم الكلي منه. وأما إن أراد منه أنه لا بأس به فالاستفادة مشكلة. ومنه يظهر في مرسلة الصدوق في الريح الباقي بعد الاستنجاء (1) وأما ما ورد من نفي عليه من الشقاق فلعله لكونه من البواطن كباطن الانف، بل هو أولى منه. ورواية علي بن أبي حمزة عن العبد الصالح عليه السلام قال: " سألته أم ولد لابيه - إلى أن قال -: قالت أصاب ثوبي دم حيض فغسلته فلم يذهب أثره، فقال: اصبغيه بمشق (2) حتى يختلط ويذهب أثره " (3) فمع ضعفها على خلاف المطلوب أدل، لاحتمال أن يكون بصدد بيان العلاج لرفع الاثر وصيرورته طاهرا، ضرورة أن مجرد الاختلاط لا يذهب بالاثر، بل لا بد من غسله حتى يذهب، والسكوت عنه لمعلوميته، والحمل على أمر عادي لا حكم شرعي خلاف المعهود من شأن المعصوم عليه السلام. وعليها يحمل إطلاق قول أبى عبد الله عليه السلام: " قل لها تصبغيه بمشق حتى يختلط " (4) ومرفوعة الاشعري قال: " اصبغيه


(1) قال: " سئل الرضا عليه السلام عن الرجل يطأ في الحمام وفي رجله الشقاق فيطأ البول والنورة فيدخل الشقاق أثر أسود مما وطأ من القذر وقد غسله كيف يصنع به وبرجليه التي وطأ بهما؟ أيجزيه الغسل أم يخلل أظفاره (بأظفاره) ويستنجي فيجد الريح من أظفاره ولا يرى شيئا؟ فقال: لا شئ عليه من الريح والشقاق بعد غسله " راجع الوسائل - الباب - 25 - من ابواب النجاسات - الحديث 6 (2) المشق: الطين الاحمر. (3) و (4) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 3

[ 482 ]

بمشق، فان الاختلاط بغير الغسل بعده لا يذهب بالاثر " (1). فالاستدلال بتلك الروايات لاثبات عدم العبرة مشكل، ولاثبات العبرة بها أشكل بعد ضعف أسنادها ومخالفتها للسيرة القطعية في تطهير الاشياء ومعهودية كيفية التطهير، وأشكل منها الاستدلال بضعيفة القسمي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام " أنه سأل عن جلود الدارش التي يتخذ منها الخفاف قال: لا تصل فيها، فانها تدبغ بخرء الكلاب " (2) لان الظاهر النهي عنها لنجاستها الحاصلة من ملاقاة الخرء كقوله: " لا تصل في الثوب الكذائي، لانه أصابتها الخمر " فلا تدل على عدم تطهرها بالغسل بالماء، مع أن ظاهرها النهي عن الصلاة في الخف، وهو مما لا تتم فيه الصلاة، واحتمال كون السؤال عن أثواب أخر غير الخفاف خلاف الظاهر منها، تأمل. (فصل) في كيفية تطهير الاواني وفيها مسائل: الاولى: اختلفت كلمات الاصحاب في كيفية تطهيرها من ولوغ الكلب، فعن


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 (2) مرت في ص 410.

[ 483 ]

المشهور يغسل ثلاث مرات أولاهن بالتراب. وفى الناصريات " الصحيح عندنا أن الاناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات أولاهن بالتراب - ثم قال بعد كلام - لا خلاف بين الاصحاب في التحديد بوجوب الثلاث " والظاهر منه عدم الخلاف في الثلاث على الكيفية المتقدمة، سيما مع قوله: " الصحيح عندنا " وادعى الاجماع عليها في الغنية. وعلى ما في الناصريات يحمل ما في الانتصار، وهو قوله: " مما انفردت الامامية إيجابهم غسل الاناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات إحداهن بالتراب " وكذا ما في الخلاف " أي ثلاث مرات إحداهن بالتراب " بقرينة قوله في النهاية: " إحداهن - وهي الاولي - بالتراب " فهي مفسرة لما في الخلاف، بل يمكن رفع الاجمال عنه باجماع الناصريات، إذ من البعيد أن يكون مراد الشيخ الاجماع على عنوان إحداهن في مقابل دعوى السيد، كما أنه من البعيد دعوى ابن زهرة الاجماع على أن أولاهن بالتراب مقابل دعوى الشيخ الاجماع على الاطلاق. فلا ينبغي الاشكال في أن مراد الجميع حتى الصدوقين واحد، وهو كون الاولى بالتراب، كما تدل عليه صحيحة البقباق الآتية، كما لا إشكال في اعتبار العدد، للاجماع المتقدم، وعدم نقل خلاف من أحد منا، فيقيد به إطلاق صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء، قال: اغسل الاناء " (1) لو فرض لها إطلاق مع إمكان الخدشة فيه، بأن يقال إنها بصدد بيان أصل نجاسة الكلب لا كيفية الغسل، وانما أمر به ارشادا لنجاسته، تأمل.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 3

[ 484 ]

وإطلاق صحيحة الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال في الكلب: " رجس نجس لا يتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، وأغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (1) ويحتمل بعيدا عدم الاطلاق فيها بدعوى كونها بصدد بيان الترتيب بين الغسل بالتراب والغسل بالماء، فلا إطلاق لها من جهة العدد، هذا مع أنها منقولة في الخلاف في أول مسائل الولوغ مع زيادة " مرتين " بعد قوله: " ثم بالماء " وإن نقلها في مواضع أخر منه وكذا في التهذيب بغير الزيادة، وفي المعتبر والمنتهى مع الزيادة، وعن المختلف بلا زيادة، وعليه لا وثوق باطلاقها، بل يمكن كشف الزيادة من شهرة القول بالعدد بين قدماء أصحابنا، بل استدل الشيخ في التهذيب والخلاف بها على لزوم الثلاث، وإن تشبث في الاول عليه بما لا دلالة فيه، ولو لا استدلاله بغيرها لم يبق شك في كون النقيصة من النساخ. هذا مع ما اشتهر بينهم من تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة. وإن كان للتأمل في أصله مجال، فضلا عن مثل المقام الذي تكرر الحديث بلا زيادة في كتب الاصول والفروع. وأما ما قال الشيخ البهائي ردا على من قال بأن الزيادة من قلم النساخ -: " إن المحقق مصدق فيما نقله، وعدم إطلاعنا عليها في الاصول المتداولة في هذا الزمان غير قادح، فان كلامه في أوائل المعتبر يعطي أنه نقل بعض الاحاديث المذكورة فيه عن كتب ليس في أيدي أهل زماننا هذا إلا أسماؤها، ككتب الحسن بن محبوب، ومحمد بن أبي نصر البزنطي (2) والحسين بن سعيد، والفضل بن شاذان وغيرهم،


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (2) هكذا في حبل المتين، وكذا في نسخة غير نقية من المعتبر =.

[ 485 ]

فلعله طاب ثراه نقل هذه الزيادة من بعض تلك الكتب " انتهى - فغير وجيه، لان الظاهر من الفصل الرابع من مقدمات المعتبر أنه اقتصر في النقل فيه عن كتب المتقدمين على ما نقله الحسين بن محبوب وأحمد ابن محمد بن أبي نصر والحسين بن سعيد والفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمان، وعن المتأخرين على كتب الصدوقين والكليني والشيخ وعدة أخرى سماهم، وليس أبو العباس الفضل منهم. فلم ينقل منه إلا بتوسط الجوامع المتأخرة لا من أصل آخر. هذا مع أنه لم ينقل لابي العباس إلا كتاب واحد نقله سعد بن عبد الله والنجاشي، فلا معنى لنقل المحقق روايته عن أصل آخر غير كتابه، فهو إما ناقل عن كتابه أو من كتاب آخر ناقل عنه أو من التهذيب الناقل عنه، وعلى أي حال يدور الامر بين الزيادة والنقيصة في كتاب أبي العباس أو فيما نقل عنه. والظاهر أنه حكاها عن التهذيب والشاهد عليه ان العلامة في المنتهى نقلها مع الزيادة عن الشيخ، فيظهر منه اختلاف نسخ التهذيب بل من البعيد أن يكون كتاب أبي العباس عند المحقق، وكانت الرواية فيها مع الزيادة، ولم يطلع عليها العلامة مع تلمذه عليه، ونقلها بتوسط الشيخ. وعلى أي حال فالاعتماد في الحكم على الاجماع والشهرة قديما وحديثا في مثل هذه المسألة التعبدية سيما لو كانت الرواية خالية عنها وسيما مع إطلاقها والبناء على إطلاق صحيحة ابن مسلم المتقدمة، فان ترك أصحابنا إطلاق الصحيحتين والفتوى بلزوم العدد يوجب الجزم بكون الحكم معروفا بين السلف والخلف ومأخوذا عن أئمة أهل البيت


= والصحيح أحمد بن محمد بن أبي نصر (منه دام ظله).

[ 486 ]

عليهم السلام. ويظهر مما مر ضعف قول ابن الجنيد من لزوم السبعة إحداهن أو أولاهن بالتراب وفاقا للشافعي، وإن أمكن الاستدلال عليه بعد عدم ثبوت الزيادة المتقدمة في صحيحة أبي العباس بتقييد إطلاقها بموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام " في الاناء يشرب فيه النبيذ، قال: تغسله سبع مرات، وكذا الكلب " (1) وتقييد الغسلات في الموثقة بكون الاولى منها بالتراب، وكذا الكلب بالولوغ، وإن كانت التقييدات سيما الاخيرتان بعيدة. وكيف كان لا ينبغي التأمل في ضعف ما ذهب إليه بعد عدم موافق له، فالمتيقن حمل الموثقة على الاستحباب، ويتلوه في الضعف قول المفيد، وهو وجوب الثلاث وسطهن بالتراب، وإن قال في الوسيلة به رواية، إذ هي غير ثابتة، ومع ثبوتها شاذة بلا إشكال، فالاقوى ما عليه المشهور. تنبيهات:: الاول - ظاهر الاصحاب قديما وحديثا عدا شاذ منهم كالصدوقين والمحكي عن المفيد من القدماء، وكالمحكي عن الكركي وصاحبي المدارك والحدائق من المتأخرين اختصاص الحكم بالولوغ، وهو شربه من الاناء بأطراف لسانه على ما هو المعهود من شربه، ويظهر من اللغة، وهو معقد إجماع السيد والشيخ وابن زهرة، وألحق جمع اللطع بالولوغ، وادعى شيخنا المرتضى الشهرة عليه، وهو غير ثابتة، بل الظاهر من قدماء


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2

[ 487 ]

اصحابنا الاختصاص، والتعدي من بعض المتأخرين، وألحق الصدوق الوقوع بالولوغ، وهو المحكى عن أبيه موافقا للرضوي. والاصل في الحكم صحيحة أبي العباس المتقدمة (1) ففى صدرها " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة - إلى أن قال -: حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس " الخ، واحتمل بحسب التصور أن يكون " رجس نجس " علة للحكم، فتعمم إلى كل رجس ولو كان غير الكلب، وأن يكون علة لكون فضله محكوما بالحكم، فيتعدى إلى فضل كل نجس كالخنزير والكافر، وأن تكون نجاسة الكلب علة فيتعدى من ولوغه إلى مباشرة سائر أجزائه، وأن تكون نجاسته علة لكون فضله محكوما بالحكم، فيختص بالولوغ. والحق عدم استفادة العلية منها بحيث يدور الحكم مدارها كائنة ما كانت، بل هو خلاف المقطوع به وضرورة الفقه، نعم الحكم متفرع على كون الكلب رجسا نجسا، ومن المحتمل بل المعلوم أن لمرتبة نجاسته دخالة في ذلك، فاحتمال أن الحكم لمطلق النجس أو لفضل مطلق نجس العين ضعيف، وإن قال الشيخ وبعض من تأخر عنه: إن الخنزير كالكلب، بل في الخلاف هو مذهب جميع الفقهاء، لكن ظاهره فقهاء العامة، ولهذا لم يستدل عليه بالاجماع، بل تشبث بأمرين ضعيفين، فراجع. فانحصر الاحتمال بالاخرين، وأقواهما الثاني، لعدم فهم العلية بنحو توجب التعدي من فضله إلى مباشرة سائر أجزائه، وعدم إمكان القاء الخصوصية عن الفضل لخصوصية ظاهرة في ولوغه ليست في غيره حتى في لطعه، فان لشربه بأطراف لسانه بكيفية معهودة موجبة لرجوع


(1) مرت في ص 484.

[ 488 ]

المشروب إلى الاناء كرارا قذارة ليست في سائر ملاقياته حتى لطعه بل ولا لعابه، فمن المحتمل أن يكون للشرب كذلك دخالة في الحكم، فلا تلقى الخصوصية عرفا. فما يقال في اللطع: إنه مساو للولوغ، ولا يفقد شيئا مما يتضمنه من الامور المناسبة للتنجيس، وفى اللعاب: إن المقصود قلعه من غير اعتبار السبب ممنوع، لوضوح الفرق بين الولوغ ومجرد اللطع، فان الثاني يفقد بعض الخصوصيات المناسبة لشدة الاستقذار مما يتضمنها الاول، كما مرت الاشارة إليه، وعدم الدليل على أن المقصود قلع اللعاب، بل في شربه خصوصية خاصة به. فالتحقيق قصور الرواية عن إثبات الحكم لما عدا ولوغه، بل لو شرب بغير النحو المتعارف لعلة كقطع لسانه بحيث لم يسم ولوغا لا يلحقه الحكم، وتوهم أن الحكم متعلق بالفضل وهو ايضا فضله في غير محله بعد معهودية نحو شربه الموجبة لانصراف الدليل إليه، سيما مع الخصوصية التي في شربه المعهود، ولهذا أخذ الولوغ خاصة في معاقد الاجماعات وظواهر الفتاوى، مع أن الاصل في الحكم صحيحة أبى العباس ولكن الاحتياط سيما في الاخير وفي وقوع اللعاب لا ينبغي تركه. نعم لا إشكال في أن العرف لا يرى لخصوصية الماء دخالة، بل الظاهر المتفاهم من الدليل أن الشرب الكذائي تمام الموضوع للحكم، فلو كان المشروب لبنا أو غيره من المايعات يلحقه الحكم. وأما فضله من غير المايعات كاللحم الفاضل منه في الاناء مع ملاقاته له فلا يلحقه الحكم، لقصور الدليل عن اثباته، فهل يلحق غير الاناء مما يمكن تعفيره بالاناء؟ بأن يقال: إن الاناء غير مذكور في النص، ولو فرض فهمه منه لكن لا يفرق العرف بينه وبين حجر مثلا لو اجتمع

[ 489 ]

على سطحه الماء وولغ فيه الكلب، فان الحكم عرفا للولوغ من غير دخالة للمحل فيه، لكن الاقوى الاختصاص كما هو ظاهر الفقهاء وظاهر معاقد الاجماعات، لان في الاواني التي مورد استعمال الاكل والشرب غالبا خصوصية ليست في غيرها، والنظافة المطلوبة فيها ليست مطلوبة في غيرها ولهذا ترى أن الشارع الاقدس اعتبر في كيفية تطهيرها ما لا يعتبر في غيرها، كالغسل ثلاثا من مطلق النجاسات وسبعا من بعضها، فالاقوى اختصاص الحكم بولوغ الكلب في الاواني ونحوها كما هو ظاهر الاصحاب والمتيقن من النص، وطريق الاحتياط واضح. الثاني - هل يعتبر مزج التراب بالماء مع بقاء مسمى التراب، أو يتعين عدم مزجه، أو يعتبر المزج بما يخرجه عن مسماه، أو بمقدار حصول الميعان، أو يعتبر الغسل بالماء مع مزجه بالتراب بما لا يخرجه عن الاطلاق، أو بما يخرجه عنه، أو يجب الجمع بين الاولين، أو هما مع الثالث، أو هي مع ما قبل الاخير، أو يتخير بينها؟ وجوه، بل في بعضها قول، لم يتعرض النص ولا الفتوى في الطبقة الاولى من الفقهاء كالصدوقين والسيد والشيخين ومن في تلك الطبقة أو قريب منها لكيفية الغسل بالتراب، بل اقتصروا بما في النص أي غسله بالتراب. وعن الحلي والراوندي لزوم المزج، ولم يظهر من الاستدلال المحكي عن الاول أنه قائل بأي نحو من الامتزاج، قال: " إن الغسل بالتراب غسل بمجموع الامرين منه ومن الماء لا يفرد أحدهما عن الآخر، إذ الغسل بالتراب لا يسمى غسلا، لان حقيقته جريان المائع على الجسم المغسول، والتراب وحده غير جار " انتهى، ولا يبعد إرادته المزج بمقدار حصول الميعان، ويظهر من التذكرة أنه عند القائل بالامتزاج الاكتفاء بامتزاج لا يخرج الماء عن إطلاقه مسلم قال: " التاسع إن

[ 490 ]

قلنا بمزج الماء بالتراب فهل يجزى لو صار مضافا؟ إشكال ". ثم أن أردأ الوجوه الوجه الثالث وما هو نظير بحسب ظاهر النص، لانه موجب لرفع اليد عن مفهوم الغسل ومفهوم التراب ومفهوم الغسل بالتراب جميعا، ودعوى كونه موافقا لفهم العرف من اضافة الغسل إلى التراب فاسدة، كما يأتي الاشارة إليه، ثم الوجه الخامس لانه وإن كان موجبا لحفظ ظهور الغسل لكن موجب لرفع اليد عن ظهور التراب وظهور الظرف في اللغوية وتعلقه بالغسل، وعن ظهور المقابلة بين الغسل بالتراب والغسل بالماء في المغايرة وصرف كون أحد الماءين خالصا والآخر مخلوطا بما لا يخرجه عن الاطلاق لا يوجب مقابلته للغسل بالماء، بل في مثله لا بد من مقابلة القراح بالمخلوط، وظاهر النص خلافه، فحفظ ظهور الغسل موجب لارتكاب مخالفات للظواهر المتقدمة وأما الاحتياط بالجمع بين الاثنين فما زاد فلزومه يتوقف على التوقف في فهم النص. والظاهر المتفاهم منه عرفا بالمناسبات المغروسة في الاذهان - من كون الغسل بالتراب لقلع اللزوجة الحاصلة للاناء من لعاب الكلب الخارجة من فمه بواسطة الولوغ، أو لاجل رفع القذارة الشديدة التي حصلت به - أن المراد من ذلك التعفير، ووضع التراب في الاناء، ودلكه عنيفا حتى يقلع الاثر أو يدفع الاستقذار منه وهذا هو الموافق لفهم العرف في محاوراتهم ومقاولاتهم. وبعبارة أخرى كانت الظهورات المتقدمة محكمة لدى العرف على ظهور الغسل لو سلم ظهوره، بل تكون اضافته إلى التراب موجبة لظهوره فيما قلناه. نعم مقتضى إطلاق الرواية عدم الفرق بين التراب اليابس أو مع المزج بمقدار لا يخرجه عن مسمى التراب، وكما أن العرف يرى أن

[ 491 ]

التراب مع مزج ما موجب لقلع القذارة كذلك يرى هذه الخاصة للتراب بلا مزج، كما يشاهد أن دلك التراب أو نحوه يابسا على الاواني موجب لنظافتها جدا، بل لعله أبلغ فيها من الممزوج بالماء، فالاقوى هو التخيير بينهما أخذا باطلاق النص ومعاقد الاجماعات. ثم أن طريق الاحتياط التام الموجب للعمل بقول جميع الاصحاب أن يغسله أولا بالماء ثم أربع مرات بالتراب أي يابسة وممزوجة مع بقاء اسمه وممزوجة مع ميعانه ومزجه بالماء مع بقاء إطلاقه ثم ستة بالماء عملا بقول ابن الجنيد. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم من لزوم العشرة إذا روعي مذهب المفيد مع احتمالات أربعة ثمانية بالتراب بينها غسلة وبعدها غسلة، وإذا روعي مذهب الاسكافي بالسبع صارت الغسلات المتأخرة، خمسا فيصير أربعة عشر، انتهى، فيحتاج إلى مزيد تأمل، و إلا فيرد على ظاهره إشكالات. الثالث - حكي عن أبي علي الغسل بالتراب أو ما يقوم مقامه من غير قيد بفقده، وعن التحرير احتمال القيام مطلقا، وعن الشيخ في المبسوط والعلامة في جملة من كتبه قيام ما يشبهه كالاشنان والصابون والجص ونظائرها مقامه عند فقده، وعن الشيخ وجمع آخر أنه مع تعذر التراب سقط اعتباره، وطهر الاناء بغسله مرتين، ولو لا مخافة مخالفة ظاهر الاصحاب والاحتياط لكان قول أبي علي قويا في النفس، فان النص وان اقتصر على التراب وكذا ظاهر كلمات الاصحاب لزوم الغسل بالتراب لكن ليس باب غسل القذارات كباب التيمم من الامور التعبدية التي ليس للعرف طريق إلى فهم الملاك منها فانه أمر معهود معلوم الملاك بل طريق تطهير جملة من الامور لدى العرف الغسل بالتراب

[ 492 ]

كالاواني المتلوثة بالدسومات ونحوها مما فيها لزوجة بل استقذار شديد ولم يتقصروا فيها على الغمس في الماء أو الدلك باليد، ومع هذا وذاك لا ينقدح في ذهن العرف من قوله: " اغسله بالتراب مرة " إلا أن ذكره من باب المثال لكل قالع نحوه، وانما ذكره لكونه كثير الوجود والمتعارف في التعفير، فلو أمر بعض أهل العرف بعضا بغسل إناء دسم بالتراب لا ينقدح في ذهنه أن للتراب خصوصية لا يحصل التنظيف إلا به، وأنه لو غسله بالرماد أو الرمل أو النورة أو الجص ونحوها تخلف عن الاتيان بالمراد. وتوهم أن نجاسة الولوغ أمر معنوي معقول لا يصل إليها العقول والغسل بخصوص التراب موجب لحصول النظافة عنه بكشف الشارع فاسد وإن كانت نجاسة الكلب بجعل من الشارع، لكن لم تكن إلا كسائر النجاسات الشديدة التي كان لنظافتها طريق معهود. وبالجملة لما كان التطهير في ارتكاز العقلاء عبارة عن استرجاع الاجسام والملاقيات للقذارات إلى حالتها الاصلية الاولية، وهو يحصل بقلع المادة القذرة بكيفية معهودة عندهم من التغسيل بالماء في جملة منها والتعفير ثم التغسيل في جملة أخرى لا ينقدح في ذهنهم من قوله: " اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء مرتين " إلا ما هو المعهود بينهم في التعفير والغسل فيما يحتاج اليهما، وإلا كان لازم الاقتصار والجمود على النص وجوب غسله بالتراب الخالص، وعدم كفاية التراب الممزوج بالتبن أو الرمل أو الحصاة في الجملة مثلا، كما أن الامر كذلك في التيمم بالتراب، فيعتبر أن يكون خالصا من الاجزاء غير الارضية إلا إذا استهلك فيها، ولا أظن التزامهم به في المقام، وليس ذلك إلا لما ذكرناه من الارتكاز.

[ 493 ]

وبالجملة لا ينقدح في الاذهان الخالية عن الدقائق العلمية والفارغة عن الشبهات المخرجة للنفوس عن السذاجة لفهم المطالب العرفية أن للتراب خصوصية ليست لغيرها، فكما لا يفهم العقلاء من قوله: " رجل شك بين الثلاث والاربع " أن للرجل خصوصية فلا يكون إسراء الحكم إلى المرأة قياسا كذلك الامر فيما نحن فيه. ولو لا مخافة مخالفتهم لقلنا بقيام كل قالع مقامه، لكن الخروج عما قالوا مشكل، بل الخروج عن مورد النص كذلك، فالاقتصار على مورده لو لم يكن أقوى فهو أحوط، سيما في هذه النجاسة المجعولة من قبل الشارع. وأما سقوط التعفير مطلقا مع فقد التراب والاقتصار على الغسلتين فغير وجيه جدا، فهو نظير الالتزام بسقوط إحدى الغسلتين إذا فقد الماء إلا لمرة أو سقوطهما مع فقده. كما ان قيام غير التراب مقامه حال الفقدان والعذر كذلك، لان خصوصية التراب إما معتبرة، فلا تتحقق الطهارة إلا به، والعذر والفقدان لا يوجبان مطهرية غير المطهر، ودليل الميسور مع عدم ثبوت جابر له وعدم كون مثل المورد مصبه لا يدل على حصول الطهارة بالميسور، ولهذا لو فقد الماء بمقدار الغسلتين لا يقوم المرة مقام المرتين بدليله. كما أن مثل المورد ليس مجرى دليل الحرج والضرر، ولا يكون دليلهما مشرعا، ولهذا لو فقد الماء والتراب لا يمكن أن يقال بطهارة الاناء، وهو واضح، فالاوجه من تلك الاقوال قول أبي علي، وإن كان الوقوف على ظاهر النص وكلمات الاصحاب أحوط أو أوجه. الرابع - لو لم يمكن التعفير، فهو إما لضيق المجري بحيث لا يمكن معه ذلك ولو بآلة كخشبة رقيقة أو ميل كذلك تجعل رأسهما

[ 494 ]

خرقة ليعفر بها، أو لعدم قابلية المحل ككون الاناء من القرطاس ونحوه أو يلزم منه فساده كآنية منقوشة لو غسلت بالتراب زالت النقوش وفسدت لا شبهة في أن الاخيرة لا تطهر إلا بالتعفير، وزوال النفوش به لا يوجب طهارتها بلا مطهر معتبر، كما لو فرض زوالها بالغسل، فانه لا يوجب طهارتها بلا غسل، وقد مر ما في التمسك بدليل الحرج والضرر وأما الاولتان فيمكن القول بقصور دليل التعفير عن اثباته لنحوها أما الاولى فلان تحقق الولوغ فيها غير معلوم أو معلوم العدم، لانه عبارة عن شرب الكلب من الاناء بأطراف لسانه بالنحو المعهود، وهو لا يحصل في مثل قارورة ضيقة الفم جدا بحيث لا يمكن إدخال ميل فيه، نعم لو فرض تحققه كما لو كان رأسها وسيعة وعنقها ضيق فالظاهر بقاؤها على النجاسة، وكون تعطيلها حرجا أو ضررا قد مر الكلام فيه وأما الثانية فلان سوق الرواية في إناء يمكن تعفيره، فالدليل منصرف عما لا يمكن تعفيره لفقد القابلية، ولهذا اقتصر الفقهاء قديما وحديثا على الاواني، مع أم مورد النص فضل الكلب، وهو صادق فيما إذا ولغ في ثوب اجتمع فيه الماء كعمامة أو قلنسوة، لكن لما لم يكن التعفير ونحوها في الاثواب ونظائرها متعارفا لدى العرف بل لم تكن قابلة له عرفا لم يفهم من النص غير الاواني القابلة له. فالاقوى في مثل الآنية غير القابلة ذاتا للتعفير عدم لزومه، وطهارته بغيره، أخذا باطلاق صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء قال: اغسل الاناء " (1) لقصور صحيحة البقباق (2) عن تقييدها في مثل المورد. ولو استشكل في إطلاقها أو قيل بوهنها لزوم تقييدها بصحيحة


(1) مرت في ص 483 (2) مرت في ص 484

[ 495 ]

البقباق في الاواني الممكنة الغسل بقاء الفرد النادر تحتها وهو مستهجن حتى في المطلقات يمكن التمسك بموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات: يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرع ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه، فقد طهر " (1) بعد تقييدها بصحيحة البقباق في إناء يمكن تعفيره، ولا يلزم فيه استهجان كما لا يخفى. فالاقوى في الموارد التي كانت خارجة عن مصب الصحيحة الغسل ثلاثا، والاكتفاء بالواحد غير جائز، لما عرفت من الاشكال في إطلاق صحيحة ابن مسلم، بل لقرب احتمال عدم الاطلاق فيها، بل لعله مقطوع الخلاف، لما يأتي من لزوم غسل الاواني من مطلق النجاسات ثلاث مرات، مع كون الكلب أنجس من سائر المخلوقات، وكون المتنجس بولوغه أشد رجسا من سائر أجزائه، كما يظهر من الروايات ومنه يظهر أن الاكتفاء بالمرتين بدعوى أن التعفير ساقط والغسلتان مطهرتان بعد سقوطه أخذا بصحيحة البقباق في المرتين ضعيف، لان مصبها أن الغسلتين مطهرتان فيما إذا سبقهما التعفير المؤثر في تخفيف النجاسة بالقلع ورفع الاثر، ولولا موثقة عمار المتقدمة لامكن القول ببقاء تلك الاواني على النجاسة أخذا بالاستصحاب. الخامس - هل يسقط التعفير بالغسل بالماء الكثير والجاري والمطر وما بحكمها، وكذا العدد، فيكتفى بمرة واحدة، أو يسقط العدد دون التعفير، أو يسقط العدد أيضا؟ وجوه:


(1) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 496 ]

قال في الحدائق: " المشهور بين الاصحاب سقوط التعدد في الغسل إذا وقع الاناء في الماء الكثير، وكذا كل نجس يحتاج إلى العدد، إلا أنه لا بد من تقديم التعفير في إناء الولوغ " انتهى، وفيما ادعى من الشهرة سيما في الطبقة المتقدمة من فقهاء أصحابنا إشكال ومنع، بل مقتضى إطلاقهم وإطلاق معاقد الاجماعات المدعاة عدم الفرق بين القليل والكثير وسائر أقسام المياه، ويؤكد الاطلاق تصريح شيخ الطائفة بلزوم العدد في الكثير، فيظهر منه أنه أراد بلزوم الغسل بالماء مرتين مطلق المياه، فتمسكه بالاجماع وصحيحة أبي العباس يكون في الاعم من القليل. وكيف كان الاقوى عدم سقوط التعفير، وكذا العدد، أما الاول فلان المتفاهم من قوله عليه السلام: " اغسله بالتراب " أن التعفير به لقلع الاثر لا التطهير، ومرسلة الكاهلي في المطر (1) ومرسلة العلامة في الكثير (2) مع الغض عن ارسالهما انما تدلان على قيام المطر والكثير مقام العدد في المطهر المعتبر فيه العدد، لا في القالع للاثر لظهورهما في كوئهما مطهرين وقائمين مقام المطهر لا القالع، وليس القالع مطهرا، ولهذا أن الاقوى عدم اعتبار الطهارة في التراب، لاطلاق الصحيحة، ومنع الانصراف إلى الطاهر فيما لا يكون إلا للقلع الحاصل به مطلقا، وإن شئت قلت: إن الروايتين منصرفتان عن القيام مقامه. وأما القيام مقام العدد فقد يقال في تقريبه بأنه إذا سلمنا وجود المرتين في رواية البقباق ومقتضى اطلاقها لزومهما حتى في غير القليل لكن تقييدها بما إذا كان الغسل بالقليل أولى في مقام الجمع من تخصيص


(1) مرت في ص 452 (2) مرت في ص 453

[ 497 ]

الخبرين بها، فان ظهور المطلق أضعف من ظهور العامين في العموم بالنسبة إلى مورد الاجتماع، بل قد يدعى انصراف المطلق في حد ذاته إلى إرادة الغسل بالماء القليل، لكونه هو الغالب في مكان صدور المطلق. ولا يخفى ما فيه، فان الامر لا يدور بين التخصيص والتقييد حتى يقال فيه بالترجيح مع إشكال فيه أيضا، بل يدور بين التقييدين، فان لقوله عليه السلام: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (1) عموما أفراديا بالنسبة إلى المتنجسات، وإطلاقا لازمه الاكتفاء بمجرد الرؤية وعدم لزوم العدد، فلو خرج المتنجس بالولوغ عنه تخصيصا يلزم منه عدم مطهرية المطر له، سواء أصابه مرة أو دفعات، وهو كما ترى، وأما لو قيل بلزوم العدد فليس ذلك تخصيصا للافراد، بل تقييد لاطلاق الرؤية كما أن لزوم التعفير أيضا تقييد لو فرض إطلاقها من هذه الجهة وغض البصر عما تقدم. فحينئذ الارجح في النظر العرفي تقديم إطلاق الصحيحة على إطلاق المرسلة، لان العرف يرى أن للولوغ خصوصية موجبة لشدة نجاسة الاناء به، بحيث لا يكتفي فيه بالماء فقط ولا بالمرة، فلا ينقدح في الاذهان إلا إخراج الاناء الذي ولغ فيه الكلب من سائر النجاسات لمزيد خصوصية فيه، وإن شئت قلت أن الاظهر تحكيم الصحيحة على المرسلة. وأضعف منه دعوى الانصراف إلى القليل، فان مجرد ذلك لا يوجبه مع أن السائل من الكوفيين، والمجيب يراعي حال السائل وبلده وهو محل وفور الجاري والكثير، ومما ذكرناه، يظهر حال مرسلة العلامة مع أن فيها ضعفا غير مجبور، نعم الظاهر كون سند الاولى مجبورا بالعمل.


(1) مر في ص 452

[ 498 ]

المسألة الثانية: اختلفوا في إناء شرب منه الخنزير، فالشيخ في الخلاف ألحقه بولوغ الكلب متمسكا بوجهين غير وجيهين، وألحقه المحقق بسائر النجاسات واكتفى بمرة، وحكيت الشهرة بين المتأخرين على وجوب السبع أخذا بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: " سألته عن خنزير يشرب من الاناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات " (1) وقد حملها المحقق على الاستحباب، قيل لقلة العامل بها. وهو كذلك لان الظاهر من قدماء أصحابنا كالمفيد والسيد والشيخ وابن حمزة وسلار بل الصدوق ومن بعدهم كالحلي وابن زهرة عدم وجوب السبع، بل ظاهر الخلاف على عدم وجوب الزيادة على الثلاث في النجاسات سوى الولوغ، ومعه لا يبقى وثوق بها مع كونها بمرئى ومنظر لهم، رواه الكليني والشيخ، ومع عدم معارض لها، فتقييد موثقة عمار الآيتة بها مشكل، وطريق الاحتياط واضح. وأما الخمر فذهب جملة من الاصحاب إلى وجوب غسل الاناء منها سبعا، وذهب جمع إلى الثلاث، وهو متقضى الجمع بين الروايات فان منها ما تدل على السبع، كموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام " في الاناء يشرب فيه النبيذ، قال: تغسله سبع مرات، وكذلك الكلب " (2) والظاهر إلقاء الخصوصية وفهم حكم الخمر منها، ولهذا استدلوا بها لها.


(1) مرت في ص 160 (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2

[ 499 ]

ومنها ما تدل على الثلاث كموثقته الاخرى عنه عليه السلام قال: " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس، وعن الابريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس، وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات، وسأل أيجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده، ويغسله ثلاث مرات " (1) فتحمل الاولى على الاستحباب جمعا سيما مع عطف الكلب به، ويحمل إطلاق الغسل في الدن والابريق على المقيد، لكن هو في المقام لا يخلو من اشكال، لقوة ظهور الصدر في الاطلاق، لمقابلته مع الامر بالثلاث في القدح والاناء، واحتمال الفرق بين الاواني المستعملة في الشرب وغيرها لكن الاقوى التقييد، لان من المحتمل بل الظاهر أن عمار جمع في النقل بين روايات مستقلة لا أنها كانت واحدة، ومعه لا قوة في الاطلاق، مع أن ذلك التفصيل مخالف لفهم العقلاء، ولهذا لم ينقل من أحد حتى احتماله، بل لا يبعد إنكار إطلاق الصدر رأسا لاحتمال أن تكون شبهة السائل عدم جواز جعل الخل في ظرف الخمر ولو بعد الغسل فأجاب بجوازه بعده، فلا يكون في مقام بيان كيفية الغسل. وأما ما مات فيه الجرذ فقد ورد عن عمار في الموثقة الغسل سبعا (2) ومقتضى الجمود هو الاخذ بها مع كونها موثقة، ولا معارض لها، فيقيد بها موثقته الاخرى الآتية في مطلق القذارات الآمرة بالثلاث، لكن في النفس وسوسة، وهي أن السبع في الكلب والخمر والخنزير بعد ما كان محمولا على الاستحباب واكتفي فيها بالثلاث وكذا في جميع


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 500 ]

النجاسات يشكل الالتزام بوجوب السبع من بين جميع النجاسات بميتة الجرذ، مع أن الكلب بحسب النص أنجس من جميع المخلوقات، وورد في الخمر ما يظهر منه شدة قذارته، مضافا إلى دعوى الشيخ الاجماع على طهارة النجاسات سوى الولوغ بالثلاث. والانصاف أن حمل الموثقة على الاستحباب مع ما نرى من حمل نظائرها عليه في الباب أهون من تقييد الموثقة الآمرة بالثلاث، مع قوة إطلاقها، كما يظهر بالتأمل فيها، لكن رفع اليد عن ظاهر الامر بالسبع مع دعوى اشتهاره وفتوى جمع من قدماء أصحابنا جرءة على المولى، فالسبع أشبه مع كونه أحوط. وان بقيت الوسوسة في النفس، إلا أن يقال أو يحتمل كون الغسل سبعا لشئ آخر غير محض القذارة المسألة الثالثة: مقتضى موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام وجوب غسل الاواني عن سائر النجاسات ثلاثا قال: " سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر " (1) وهو المحكي عن أبي علي والشيخ في غير المبسوط، والشهيد في الذكرى والدروس، والكركي في جامع المقاصد وتعليق النافع، وجعلها في الشرائع ومحكي المبسوط والنافع والاصباح أحوط. واختار في المعتبر مرة، وقال: " والذي يقوى عندي الاقتصار


(1) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 501 ]

في اعتبار العدد على الولوغ، وفيما عداه على إزالة النجاسة وغسل الاناء بعد ذلك مرة واحدة لحصول الغرض من الازالة " انتهى. وتقريب ما ذكره أن النجاسة والطهارة ليستا من الامور المعنوية التي لم يصلها العقول، بل هما من الامور الواضحة والمفاهيم الظاهرة عنوانا ومصداقا فإذا علم من الشارع لزوم تطهير الاواني أو غيرها وعدم جواز استعمالها إلا مع طهارتها لا يحتاج العقلاء في تحصيل الطهارة إلى بيان من الشارع كما لا يحتاجون في بيان سائر المصاديق العرفية والعناوين الكذائية إليه واحتمال أن الطهارة أمر غير ما يدركها العقلاء كاحتمال لزوم الغسل تعبدا من غير نظر إلى التطهير وارجاع الشئ إلى حالته الاصلية ضعيف مخالف لظواهر الادلة وفهم العقلاء منها، ولهذا لا ينقدح في ذهن العقلاء من الامر بغسل الاواني ثلاثا إلا أنه لغرض تنظيفها، فإذا حصلت النظافة بمرة إذا بالغ في تنظيفها فقد حصل الغرض. وبهذا الوجه يمكن الاستدلال على جواز الاكتفاء بمرة في الغسل بماء جار أو كثير إذا حصل الغرض من الغمس فيهما، بل يتسع نطاق البيان إلى جميع أنواع النجاسات كالبول والولوغ أيضا، بدعوى عدم إعمال تعبد من الشرع في باب النجاسات والطهارات إلا بجعل مصداق نجسا أو سلب النجاسة عن قذر عرفي، فالطهارة أمر واضح يدركه العقلاء، والامر بالغسل والدلك والتعفير والتعدد لاجل حصولها من غير إعمال تعبد في مهيتها، فإذا علم حصولها ولو بنحو مغاير لما في الاوامر الشرعية التوصلية تسقط الاوامر لحصول الغرض. هذا غاية تقريب كلام المحقق رحمه الله، وبه قال العلامة، وحمل الروايات الآمرة بالعدد على الغالب لا على المقدر، قال في جملة من كلامه في الخمر: والاقرب عندي عدم اعتبار العدد، بل الواجب

[ 502 ]

الانقاء، لنا محل نجس فوجب تطهيره بصيرورته إلى الحال الاول، وذلك انما يحصل بالنقاء، فيجب الانقاء، لكن الغالب أنه لا يحصل إلا مع الثلاث، فيجب لا باعتبار أنه مقدر " انتهى. وهو متين، لكن مع ذلك يشكل الخروج عن مقتضى موثقة عمار سيما مع ما نرى من إعمال التعبد في أبواب النجاسات إلى ما شاء الله كالاكتفاء في محل النجو بالاحجار ونحوها دون محل البول مع أشدية قذارة الاول عرفا، وكالاكتفاء بالارض في تطهير بعض الامور خاصة، مثل تحت الاقدام، وكالاكتفاء بتطهير الشمس في بعض الامور: أي غير المنقول، وكزوال عين النجاسة في الحيوان الصامت بأي نحو كان، إلى غير ذلك. ومعه كيف يمكن دعوى إعمال تعبد من قبله من أبوابهما، فلا محيص عن الوقوف على النصوص، وعليه لا فرق ظاهرا بين القليل والكثير والجاري والمطر، لان الظاهر من موثقة عمار أنه عليه السلام سئل عن كيفية الغسل وعن كميته فأجاب عن الثانية بقوله عليه السلام: " يغسل ثلاث مرات " وعن الاولى بقوله: " يصب فيه الماء " الخ (1) وإطلاق الجواب الاول يقتضي عدم الفرق بين القليل وغيره، والجملة الثانية لا تكون قرينة على أن المراد بالاولى الغسل بالقليل، لان بيان الكيفية انما يحتاج إليه في القليل دون الكر والجاري، فان كيفية غسله فيهما واضحة، وأما الغسل بالقليل فلما كان في نظر العرف أن صب الماء في الاناء يوجب تنجيسه فلا يمكن التطهير به إلا بنحو يجري الماء من غير أن يجتمع فيه كان بيانه لازما ورافعا للتحير، فلا يصير الذيل قرينة على الصدر ولا مقيدا له، فتكون الموثقة مقدمة على مرسلة الكاهلي


(1) مرت في ص 500.

[ 503 ]

الواردة في المطر، وعلى مرسلة العلامة في الكثير، لما مر سابقا من تحكيم مثلها عليهما، هذا مع ضعف الثانية بلا جبر، فالاحوط لو لم يكن أقوى اعتبار التعدد مطلقا. فائدة استطرادية: جرت عادتهم باستطراد أحكام الاواني والجلود في المقام، وفيها مسائل: الاولى: لا يجوز الاكل والشرب وكذا سائر الاستعمالات من آنية الذهب والفضة، وهو في الجملة ثابت، ادعي عليه الاجماع وعدم الخلاف وسيأتي الكلام فيه. وتدل على الاول جملة من الروايات من طرق الناس كالمروي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فانها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " (1) وعنه صلى الله عليه وآله " نهى عن الشرب في آنية الفضة " (2) وعنه صلى الله عليه وآله " من يشرب في آنية الفضة في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة " (3) وعنه صلى الله عليه وآله " الذي يشرب في آنية الفضة


(1) راجع كنز العمال ج 8 - ص 16 - الرقم 362. (2) و (3) المستدرك - الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 6 - 4.

[ 504 ]

انما يجرجر في بطنه نار جهنم " (1). ومن طرقنا صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا تأكل من آنية الذهب والفضة " (2) و صحيحته الاخرى على الاصح عنه عليه السلام: " أنه نهى عن آنية الذهب والفضة " (3) ورواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تأكل في آنية الذهب والفضة " (4) وفي حديث المناهي قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الشرب في آنية الذهب والفضة " (5) ورواية مسعدة ابن صدقة الموثقة ظاهرا عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام " أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهاهم عن سبع: منها الشرب في آنية الذهب والفضة " (6). لكن بازائها روايات ربما يكون مقتضى الجمع العقلائي بينها وبين الاولى الحكم على الكراهة لولا الجهات الخارجية كموثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا ينبغي الشرب في آنية الذهب والفضة " (7) وصحيحة الحلبي عن أبي جعفر عليه السلام " أنه كره


(1) نقله في المستدرك عن البحار هكذا " قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشارب في آنية الذهب و الفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم " وعن عوالي اللئالي عنه صلى الله عليه و آله وسلم " الذين يشربون في آنية الفضة يجرجر في بطونهم نار جهنم " راجع المصدر المذكور الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 - 7. (2) الوسائل - الباب - 65 - من ابواب النجاسات - الحديث 7 وفيه: " لا تأكل في آنية ذهب ولا فضة ". (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 65 - من النجاسات - الحديث 3 - 2 - 9 - 11 - 5.

[ 505 ]

آنية الذهب والفضة والآنية المفضضة " (1) وظاهرها ان الكراهة في الفضة والمفضضة سواء، فتكون الكراهة ظاهرة في الاصطلاحية. ولو قيل: إن الكراهة عن أصل الآنية لا تنافي حرمة الشرب منها يقال: الظاهر أن المراد من كراهتهما كراهة الاكل والشرب، كما تشهد به روايته الاخرى (2) عنه عليه السلام قال: " لا تأكل في آنية من فضة ولا آنية مفضضة ". ولعل الرواية الاولى نقل بالمعنى للثانية، وانما فهم الحلبي من النهى الكراهة بقرينة ذكر المفضضة، وهو جيد، لان الظاهر من الثاني أن المفضضة كالفضة، فان ضم إليها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس، أن يشرب الرجل في القدح المفضض، واعزل فمك عن موضع الفضة " (3) يستفاد منها الكراهة، وكون الاولى في الاكل والثانية في الشرب لا يقدح في ذلك لالقاء الخصوصية عرفا، وعدم الفصل جزما. وموثقة بريد عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه كره الشرب في الفضة وفي القدح المفضض، وكذلك أن يدهن في مدهن مفضض والمشطة كذلك " (4) وهي ظاهرة الدلالة في الكراهة الاصطلاحية بعد عطف المفضض والمشطة عليها. وصحيحة ابن بزيع قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام


(1) راجع الوسائل - الباب - 65 - من ابواب النجاسات - الحديث 10 (2) أي صحيحته الاخرى، راجع الوسائل - الباب - 66 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (3) راجع الوسائل - الباب - 66 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 (4) راجع الوسائل - الباب - 66 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 506 ]

عن آنية الذهب والفضة فكرههما، فقلت: قد روى بعض أصحابنا أنه كان لابي الحسن عليه السلام مرآة ملبسة فضة. قال: لا والحمد لله، وانما كانت لها حلقة من فضة نحوا من عشرة دراهم، فأمر به أبو الحسن عليه السلام فكسر " (1) وهي أيضا بلحاظ ذيلها ونحو تعبيرها ظاهر في الكراهة مقابل الحرمة. ورواية موسى بن بكر عن أبي الحسن عليه السلام قال: " آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون " (2) وهي أيضا مشعرة بالكراهة أو ظاهرة فيها. والانصاف أن الجمع بين الطائفتين من أهون التصرفات العقلائية نعم لو كانت الروايات التي من طرقهم معتبرة عندنا كان الجمع بينهما مشكلا، لكنها غير معول عليها. هذا حال الاكل والشرب، ومنه يظهر حال سائر الاستعمالات فان ما يمكن الاستشهاد بها على حرمة سائرها ليست إلا صحيحة محمد ابن مسلم الثانية لكن لما لا يمكن أن يتعلق النهي بماهية آنية الذهب والفضة لا بد وأن يتعلق بمحذوف كالاكل والشرب أو الاستعمال أو الاقتناء، وليس المقام مما يقال فيه: إن حذف المتعلق دليل العموم، لان محمد بن مسلم حكى عن أنه عليه السلام نهى عنها، ولم يحك نحو النهى الذي في كلامه ولا متعلقه، والمتيقن بل الظاهر هو النهي عن


(1) في الوسائل بعد قوله: " من فضة ": " وهي عندي " ثم قال: " ان العباس حين عذر عمل له قضيت ملبس من فضة من نحو ما يعمله للصبيان تكون فضة نحوا من عشرة دارهم " الخ راجع الباب - 65 - من ابواب النجاسات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 65 - من ابواب النجاسات - الحديث 4.

[ 507 ]

الاكل والشرب لا كل شئ، كما تشهد به سائر الروايات. وقياس المورد بقوله عليه السلام: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر " حيث يستفاد منه الغرر في كل معاملة مع الفارق، لان الغرر مصدر يمكن تعلق النهي به دون آنية الذهب، بل الظاهر أن هذه الرواية نقل بالمعنى عن روايته الاخرى عنه عليه السلام قال: " لا تأكل من آنية الذهب والفضة ". وبالجملة لو سمع ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام هذا النهي يجوز له أن يقول: " نهى أبو جعفر عليه السلام عن آنية الذهب والفضة " وتوهم أن الصادر عن أبي جعفر عليه السلام بتوسط ابن مسلم روايتان إحداهما منقولة بلفظها والاخرى بمعناها ولا بد أن يكون النهي عن عنوان عام حتى يصح له أن يحكي عنه عليه السلام بقوله: " نهى عن الآنية " كما ترى، والحاصل أنه لا يمكن إثبات نهي عن مطلق الاستعمال بحكايته النهى عن الآنية، مع صحة الحكاية إن لم يصدر عن أبي جعفر عليه السلام إلا روايته الاخرى المتقدمة. وأما سائر الروايات التي يمكن استفادة حكم مطلق الاستعمال منها فظاهرة في الكراهة، كرواية موسى بن بكر، وصحيحة ابن بزيع وصحيحة الحلبي مع إشكال فيها تقدم ذكره، وهو أنها عين صحيحته الاخرى منقولة بالمعنى، ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة من فضة؟ قال: نعم، انما يكره استعمال ما يشرب فيه " (1) بناء على أن المراد كراهة مطلق استعمال إناء يشرب فيه أي يكون


(1) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب النجاسات - الحديث 5

[ 508 ]

معدا للشرب. وهذه أيضا ظاهرة الدلالة على الكراهة المصطلحة، بل لو فرض ظهور في صحيحة ابن مسلم في حرمة مطلق الاستعمال تكون هذه الرواية حاكمة عليها موجبة لصرفها عنه، فتحصل مما ذكر عدم دليل لفظي على حرمة استعمال الاواني بنحو الاطلاق ولا الاكل والشرب منها. ثم لو فرض دلالة الادلة على حرمة الاكل والشرب وكذا حرمة الاستعمال هل تنصرف إلى حرمة الشرب والاكل في آنية يتعارف الاكل والشرب منها وكذا تنصرف إلى الاكل والشرب المتعارفين أو تعم غير المتعارفين في البابين؟ وجهان، لا يبعد القول بالتعميم، لاجل ارتكاز العقلاء بعدم دخالة كيفية الاكل والشرب ولا تعارف الاناء فيهما، نعم الظاهر أن استعمال الاناء منصرف إلى استعمال يكون من شأن الاواني لا مثل قتل الحية ودق الباب بها، فلو ورد دليل على أن استعمال الاواني محرم كمرسلة الخلاف روي عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه نهى عن استعمال أواني الذهب الفضة " (1) لا يعم إلا ما يكون الاستعمال نحو استعمال الاواني. ولو استعمل ما للشرب في الاكل أو بالعكس أو استعمل ما ليس لهما فيهما فشرب من القنديل وغلاف السيف يكون محرما على اشكال في مثل الاخير، دون ما لو استعمل الاناء فيما لا يكون شأن الاواني بما هي، كاستعمالها في ضرب الدابة، ووضعها والجلوس عليها، كما أن الظاهر عدم التعميم لمثل الوضع على الرفوف للتزيين إلا ما كان


(1) نقله في المستدرك عن الاحسائي، في درر اللئالي عنه صلى الله عليه وآله وسلم، راجع الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 9.

[ 509 ]

نحو استعمال كذلك بناء على عموم حرمة الاستعمال، وأولى بعدم الحرمة اقتناؤها. نعم لو استفيد من صحيحة ابن بزيع الحرمة لا يبعد أن يقال: إنها متعلقة بذات الآنية، فيكون وجودها مبغوضا لا يجوز اقتناؤها، بل يجب كسرها كما أمر أبو الحسن عليه السلام بكسر قضيب يلبس بالفضة على ما فيها (1) لكنها ظاهرة في الكراهة أو غير دالة على الحرمة كما أنه لو فرض استفادة الحرمة من قوله عليه السلام: " آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون " (2) يكون دالا على حرمة مطلق الانتفاع والتمتع بها مما هو من شأن الاواني، نعم لا يشمل مثل الاقتناء فانه تعطل عن الانتفاع لا انتفاع بها. هذا كله حال الادلة اللفظية، وقد عرفت عدم نهوضها لاثبات حرمة الاكل والشرب فضلا عن سائر الاستعمالات، نعم قد تكرر واستفاض نقل الاجماع من عصر العلامة إلى عصرنا على حرمة الاكل والشرب في جملة من الكتب، وعن الذكرى والمجمع للاردبيلي والمدارك وغيرها على حرمة سائر الاستعمالات أيضا، وعن المدارك وكشف الرموز لا خلاف فيه، ونسبه في محكي الكفاية إلى المشهور، وعن الصدوق والمفيد وسلار والشيخ في النهاية الاقتصار على الاكل والشرب، وعن المدارك والكفاية أن تحريم اتخاذها لغير الاستعمال هو المشهور، وعن المجمع هو مذهب الاكثر، وهو المحكي عن الشيخ والمحقق واليوسفي والعلامة والفخر والكركي وظاهر الشهيد، وعن الحلي والعلامة في المختلف تقريب الجواز. وعن المدارك استحسانه، وعن شيخه الاردبيلي الميل إليه هذا.


(1) و (2) مرتا في ص 506.

[ 510 ]

والذي يوجب وسوسة في النفس أمران: أحدهما إحتمال تخلل الاجتهاد في الحكم، وأن الفقهاء انما أفتوا بالحرمة في الاكل والشرب وسائر الاستعمالات اتكالا على الروايات، سيما مع استدلال الشيخ والمفيد ومن بعدهما كالمحقق والعلامة وأمثالهما من عمد أصحاب الفتوى وأئمة الفن بها. ومعه كيف يمكن القطع بأن عندهم غير تلك الروايات أمرا آخرا ويكون الحكم معروفا من لدن زمن الائمة عليهم السلام، وانما ذكروا الروايات إيرادا لا استنادا واعتمادا، أو أعرضوا عن الروايات الحاكمة عليها، لا رجحوا مفاد ما دلت على التحريم عليها بالتقريبات التي ذكرها المتأخرون. والحاصل أنه مع الظن الراجح على استنادهم إلى الروايات كيف يمكن القطع بكشف الاجماع عن الدليل المعتبر غيرها، أو عن أخذهم الحكم خلفا عن سلف من غير تخلل اجتهاد. وثانيهما عبارة الشيخ في الخلاف قال في مسألة (15) من كتاب الطهارة: " يكره استعمال أواني الذهب والفضة، وكذلك المفضض منها، وقال الشافعي: لا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة، وبه قال أبو حنيفة في الشرب والاكل والتطيب على كل حال، وقال الشافعي يكره المفضض، وقال أبو حنيفة: لا يكره، وهو مذهب داود، دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا روى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " لا تأكل في آنية من فضة ولا في آنية مفضضة " وروى ابن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنه نهى عن آنية الذهب والفضة " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه نهى عن استعمال أواني الذهب والفضة " انتهى.

[ 511 ]

وهذه كما ترى ظاهرة في الكراهة المصطلحة غير ممكن التأويل بغيرها من وجوه، وإن كان مقتضى تمسكه بالروايات الظاهرة في الحرمة أن يكون مدعاه التحريم، لكن نصوصية الصدر حاكمة على الذيل، سيما مع أن رواية الحلبي محمولة على الكراهة بقرينة عطف المفضضة على آنية الفضة، والنص قائم على عدم البأس بها، وهو صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (1). ولعل استناد الشيخ إليها على الكراهة كذلك، كما أن الحلبي الناقل لها عن أبي عبد الله عليه السلام قال في موضع آخر: " إنه كره آنية الذهب والفضة، والآنية المفضضة " (2). وأما فتواه في زكاة الخلاف بحرمة الاتخاذ والاستعمال مستدلا على النبويين المتقدمين، وكذا فتواه في النهاية بحرمة الاكل والشرب فلا يصيران قرينة على أن مراده في المقام الحرمة أو الجامع بينهما وبين الكراهة، فان التصرف في عبارة الخلاف كطراح النص لا تأويل الظاهر أو المجمل، نعم لاحد أن يقول بتصحيف نسخة الخلاف، وهو كما ترى فإذا كان الامر كذلك والمسألة على هذه المنوال كيف يمكن الاتكال على دعوى إجماع العلامة ومن تأخر عنه، سيما في مطلق الاستعمال، مع أن جمعا من المتقدمين اقتصروا على الاكل والشرب كما تقدم. فالمسألة قوية الاشكال، ولكن الخروج عن الاجماعات المنقولة في الاكل والشرب والاستعمالات المتعارفة المتيقنة أشكل،، للوهن الحاصل منها في الروايات المقابلة للنواهي الواردة عن الاكل والشرب، أو حصول الوثوق بأن المراد من الكراهة في الروايات غير معناها الاصطلاحي


(1) تقدمت في ص 505 (2) مرت في ص 504

[ 512 ]

وعلى أي حال غاية ما يمكن الاتكال عليها في ذاك وذلك هي حرمة الاكل والشرب والاستعمالات المتعارفة دون غير المتعارفة أو غير المتوقعة من الاواني فلا سيما الثانية، فضلا عما لا يكون استعمالا أو شك فيه كالوضع على الرفوف للتزيين والاقتناء ونحوهما. فالاقوى حلية غير الاكل والشرب والاستعمالات المتوقعة عن الاواني، وإن لا يخلو عن تأمل فيما لا يتعارف فيها، كالشرب من غلاف السيف لو قلنا بأنه آنية أو جعل الكوز والكأس محلا للمداد لاجل الكتابة ونظائرها. وقد ظهر من بعض ما تقدم عدم حرمة المفضض، وهل يحرم الشرب من موضع الفضة أو يكره؟ ظاهر ذيل صحيحة ابن سنان المتقدمة (1) الاول، وبه قال جملة من الاصحاب قديما وحديثا، بل عن الكفاية نقل الشهرة عليه، وفي المدارك نسبة إلى عامة المتأخرين، واختار المحقق في المعتبر الاستحباب، واستحسنه صاحب المدارك، لاطلاق صحيحة معاوية بن وهب قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الشرب في القدح فيه ضبة من فضة، قال: لا بأس إلا أن يكره الفضة فينزعها " (2). ومقتضى الجمود على قواعد الفن وإن كان تقييد هذا الاطلاق لكن لا يبعد أقربية حمل الصحيحة على استحباب العزل أو كراهة الشرب من المحل عنه، لقوة الاطلاق سيما إذا كانت الضبة بمعنى الشعب التي يزين بها الاناء، فان الابتلاء بها في الشرب كثير، فعدم النهي عنها والتذييل بقوله عليه السلام: " إلا أن يكره الفضة فينزعها " والمناسبات


(1) مرت في ص 505 (2) الوسائل - الباب - 66 - من ابواب النجاسات الحديث 4

[ 513 ]

المغروسة في الذهن ربما توجب ترجيح الحمل على الكراهة على التقييد، لكن مع ذلك رفع اليد عن ظهور الصحيحة مشكل، فالاحوط العزل كما أن الاحوط إلحاق المذهب بالمفضض، بل لا يخلو من قوة. الثانية: يحتمل بحسب التصور حرمة الاكل والشرب من الآنيتين، وكذا سائر العناوين التي نظيرهما في استلزام الاستعمال، كالوضوء والتدهين والتطيب والتدخين وهكذا، بمعنى أن المنهي عنه ذات تلك العناوين، فكل منها محرم بعنوانه، ويحتمل حرمة عنوان استعمالها سواء كان في الاكل أو الشرب أو غيرهما من المقاصد، بحيث يكون نفس الاستعمال بما هو محرما لا العناوين المتقدمة، ويحتمل أن يكون الاكل والشرب بعنوانهما محرما دون سائر العناوين، بل هي بعنوان الاستعمال محرمة. ظاهر شيخ الطائفة في عبارته المتقدمة عن موضعين من الخلاف ثاني الاحتمالات، وهو ظاهر المحقق في المعتبر والنافع، حيث قال في الاول: " لا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة في الاكل والشرب وغيرهما " والظاهر منه حرمة نفس الاستعمال لا عنوان الشرب والاكل وهكذا، ويشهد له ما قال بعد ذلك: " لا يحرم المأكول والمشروب فيهما وإن كان الاستعمال محرما، لان النهي عن الاستعمال لا يتناول المستعمل " ويؤيده ما قال في رد من قال ببطلان الوضوء من آنية الذهب والفضة: " لنا أن انتزاع الماء ليس جزء من الطهارة، بل لا يحصل الشروع فيها إلا بعده " انتهى، تأمل تعرف. بل لا يبعد رجوع عبارة الشرائع إليه، قال: " لا يجوز الاكل

[ 514 ]

والشرب في آنية من ذهب أو فضة ولا استعمالها في غير ذلك " بأن يقال: إن الاكل والشرب المذكورين مثال لانحاء الاستعمال المذكور في الذيل، فكأنه قال: " لا يجوز استعمالها في الاكل والشرب وغير ذلك، سيما مع قرينية ما في المعتبر والنافع عليه. وهو ظاهر القواعد والتذكرة، قال في الثاني: " ويحرم استعمال المتخذ من الذهب والفضة في أكل وشرب وغيرهما عند علمائنا أجمع - ثم قال -: فروع: الاول لا فرق في تحريم الاستعمال بين الاكل والشرب وغيرهما كالبخور والاكتحال منه والطهارة وشبهه وجميع وجوه الاستعمال، لان في تحريم الاكل والشرب تنبيها على منع غيرهما " انتهى. فيظهر منه البناء على القاء الخصوصية من الاكل والشرب الواردين في النصوص، ولولا ذهابه إلى صحة الوضوء والغسل في آنيتهما واستدلاله بما استدل به المحقق لكان المحتمل في عبارته أن مراده من سائر الاستعمالات غير الاكل والشرب عناوين أخر نظيرهما كالوضوء والغسل حتى يكون موافقا للاحتمال الاول من الاحتمالات المتقدمة، لكن ما ذكره أخيرا كالنص في أن النهي لم يتعلق بالعناوين، فيكون قرينة على أن مراده من كون الاكل والشرب تنبيها على منع غيرهما، انهما مثال لمطلق الاستعمال، فهو محرم منطبق على سائر العناوين، وهو قرينة على ما في المنتهى. وكيف كان ظاهرهم حرمة الاستعمال والتناول، كما نسب إلى المشهور، وما ذكروه هو الاقرب، لان مقتضى الجمود على ظاهر النواهي المتعلقة بعنوان الاكل والشرب وإن كان موضوعيتهما، وأن المحرم نفس عنوانهما لا الاستعمالات التى مقدمات لهما، فلا بد من الاقتصار عليهما لولا دليل آخر، لكن بعد ثبوت حرمة مطلق الاستعمالات إما للاجماع

[ 515 ]

أو بعض الادلة المتقدمة وبعد كون الشرب والاكل فيها نحو استعمال لها عرفا لا يبقى ظهور في موضوعية العنوانين. ألا ترى أنه لو ورد دليل بعدم جواز استعمال الاواني مطلقا ثم ورد النهي عن الاغتراف عنها لا ينقدح في الذهن إلا أن النهي عنه لكونه استعمالا لا لخصوصية في عنوانه، وإن شئت قلت: إن ملازمة الاكل والشرب للاستعمال - وكونهما من الافراد الشايعة في استعمال الاواني، وبعد حرمة العنوانين مستقلا في مقابل الاستعمال المطلق، وبعد كون الشرب من الآنية محرما من حيث الشرب ومن حيث الاستعمال، فيكون وضع الفم على الآنية وجذب الماء منها محرما وبلعه وازدراده محرما آخر، وبعد عدم حرمة التناول والاستعمال في الاكل والشرب، فيكون المحرم مطلق الاستعمالات إلا ما كانت مقدمة لهما - توجب رفع اليد عن موضوعية عنوان الاكل والشرب. بل بعد التنبيه على تلك المقدمات لا ينقدح في الذهن من قوله: " لا تأكل من آنية الذهب والفضة " إلا ما يفهم من قوله: " لا تحج مع الدابة المغصوبة " وقوله: " لا ترفع على السطح مع المدرج المغصوب " حيث يرى العرف أن المبغوض هو التصرف في المال المغصوب لا الحج أو الكون على السطح. نعم لو لم يكن في المقام إلا قوله: " لا تشرب من آنية الذهب أو " لا تأكل منها " كان الظاهر حرمة عنوانهما بخلاف باب الغصب في المثالين، للقرينة العرفية فيهما، لكن بعد ما ذكرناه من الشواهد لا يبقى مجال لدعوى الظهور في حرمة نفس العنوانين، بل المستفاد عرفا منه أن المحرم هو الاستعمال مطلقا، ولهذا ترى أن الشيخ قد استدل على حرمة مطلق الاستعمالات بالروايات الناهية عن الاكل والشرب، وكذا

[ 516 ]

المحقق، بعد الوثوق بأن استدلالهما بروايات الناس ليس استنادا واعتمادا بل جدلا في مقابلهم. الثالثة: لو فرضنا حرمة العنوانين فهل تسري إلى المأكول والمشروب؟ فعن المفيد نعم، وعن الذكرى " وهو يلوح من كلام أبي الصلاح " ورده المحقق بأن النهى عن الاستعمال لا يتناول المستعمل، وهو موافق للتحقيق ولو كان المراد من الاستعمال عنوان الشرب والاكل، لان ما تعلق به النهي هو الشرب عن الآنية من غير لحاظ اضافته إلى مشروب أصلا، ولزوم المتعلق بمشروب ما محقق عنوان الشرب لا جزء موضوع المحرم. وإن شئت قلت: إن هاهنا عناوين يمكن بحسب الثبوت أن يتعلق النهي بكل منها: أحدها الشرب المطلق مقابل الاكل والمشي ونحوهما، فيكون المبغوض أصل الشرب لا الشرب المتعلق بمائع وإن كان في تحققه يتوقف على تعلق ما، لكنه خارج عن الموضوع المنهي عنه وثانيها شرب الخمر مقابل شرب الماء، فيكون المنهي عن شرب هذا العنوان الخاص، وهو بذاته مبغوض، ومنه شرب المتنجس أو أكل لحم الموطوء، فان النهى إذا تعلق بالعنوان الخاص كشرب المتنجس يكون بذاته مبغوضا، نعم إذا تعلق بمائع إذا تنجس يكون المائع مبغوضا بالعرض. والثالث شرب المائع مطلقا، والفرق بينه وبين الاول بأن المائع هاهنا أخذ جزء الموضوع بخلافه هناك. والرابع شرب الخمر من آنية كذائية أو في مكان كذا بحيث يكون

[ 517 ]

عنوان الخمر جزء الموضوع والاضافة إلى الآنية أو المكان جزء آخر له. والخامس شرب المائع المطلق من آنية كذائية أو مكان كذا. والسادس الشرب في آنية أو من آنية كذائية بحيث تكون نفس طبيعة الشرب بلا تعلق بمتعلق إذا كانت من آنية كذائية أو فيها مبغوضة فيكون الشرب في آنية كذائية متعلق النهي، فيكون الشرب المطلق من حيث المتعلق جزء من الموضوع، والاضافة إلى الآنية جزءا آخر منه، فالمتعلق في هذه الصورة محتاج إليه في وجوده من غير أن يكون مقوما للموضوع المنهى عنه. والمقام من قبيل الاخير، فان قوله: " لا تشرب في آنية الذهب والفضة ولا تأكل فيها " يكون من حيث المتعلق ساقط الاضافة، فلا يكون المائع بنحو الاطلاق ولا العناوين الخاصة كالماء واللبن جزءا للموضوع المنهى عنه، ولا متعلقا للنهي ولا مبغوضا، وهذا مرادنا من أن النهى عن الشرب لا يتناول المشروب، ولعله مراد المحقق أيضا وإن استظهرنا من كلامه أن المحرم هو الاستعمال والتناول من الآنيتين ومما ذكرناه يظهر ضعف الاستدلال للسراية بقوله صلى الله عليه وآله: " إن الذي يشرب في آنية الذهب والفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم " (1) فان ظاهره أن نفس الشرب منها توجب الجرجرة لا المشروب، بل المناسب للجرجرة هو الشرب، لانه سببها لا المشروب. وكيف كان يتضح مما ذكرناه ضعف توجيه صاحب الحدائق كلام المفيد بأن المأكول صار حراما بالعرض، ويرجع النهي ثانيا وبالعرض إلى المأكول، فيكون حراما متى أكل بهذه الكيفية، وظاهر النصوص يساعده، انتهى. أقول: بل لا يساعده شئ من النصوص، فان النهي


(1) راجع ص 503 - 504

[ 518 ]

فيها انما تعلق بالشرب من الآنية لا بالمشروب، وأضعف منه تنظيره بما أخذ الحق الشرعي بحكم حاكم الجور، لوضوح الفارق، فان الدليل هناك وهو مقبولة عمر بن حنظلة (1) دال على أن ما أخذه بحكمه سحت، فالحرمة تعلقت بما أخذ، بخلاف المقام، فان النهي لم يتعلق بما شرب. ويتلوه في الضعف قول بعض أهل النظر بأن " أضافة الحرمة إلى الذوات انما هي بلحاظ الفعل المتعلق بها، فالمراد بحرمة المأكول ما دام في الآنية ليس إلا حرمة أكله فيها، فالاعتراض عليه بأن النهي عن الاكل لا يتعدى إلى المأكول ليس على ما ينبغي - ثم ذكر المناقشة التي أوردوها في الاستدلال بحديث الجرجرة، وأجاب عنها بأن - المتبادر منه كون الشرب بنفسه سببا لجرجرة النار في البطن لا مقدمته التي هي أجنبية عن البطن، فالمتبادر إلى الذهن من التشبيه ليس إلا حرمة المأكول التي مآلها إلى حرمة الاكل، كما أن هذا هو المتبادر من الاخبار الناهية، فهذا هو الاقوى " انتهى. وأنت خبير بما فيه، فان المراد من عدم حرمة المأكول ليس عدم حرمة الذات بما هي حتى يقال: إن الذات لا يتعلق بها النهي إلا بلحاظ الفعل، بل المراد ان المنهى عنه هو الاستعمال أو الشرب والاكل من الآنية أو فيها، لا شرب المائع فيها أو شرب الماء واللبن وسائر العناوين، فلا تسري الحرمة من الشرب إلى متعلقه أي الماء، فلا يكون شرب الماء من الآنية حراما، بل الشرب منها حرام بلا اضافة إلى متعلق، وانما هو دخيل في تحقق عنوان المحرم لا جزء لموضوعه.


(1) المروية في الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي الحديث 1.

[ 519 ]

فالمفيد رحمه الله قائل بأن المأكول حرام كحرمة الخمر أو حرمة المال الذى أخذ بحكم حاكم الجور أو حرمة لحم الموطوء أو العين المنذور عدم اكلها، وكل ذلك يرجع إلى حرمة أكل هذه العناوين ذاتا أو عرضا بالمعنى الذي أشرنا إليه على تأمل في المثال الاخير، قد أشرنا إليه في بعض مسفوراتنا. والمحقق رحمه الله منكر لذلك إما لان المحرم التناول والاستعمال كما قدمنا تقريبه وتقويته، وإما لان المحرم الشرب والاكل من الاناء لا شرب المائع أو الماء كما تقدم، وقد تقدم الكلام في حديث الجرجرة وانما ارتكبنا في المقام التطويل الممل مع وضوح المطلب بنظر القاصر لما وقع الخلط من بعض أهل التحقيق، وحمله كلام المحقق على غير مرضيه. الرابعة: إن قلنا بأن المنهى عنه استعمال الاواني فالاقوى صحة الوضوء والغسل بها، سواء كانا بالاغتراف أو الارتماس، وسواء كان الماء منحصرا ولم يمكن إفراغه في غيرها أم لا. أما في صورة عدم الانحصار وإتيانه بالاغتراف فواضح، وأما مع الانحصار والاتيان بالاغتراف فلان غاية ما يقال في وجه البطلان: عدم الامر بهما أو عدم تنجز التكليف بهما، وفيه أن صحتهما لا تتوقف على الامر، ولا على تنجزه، وكفى فيها عباديتهما ومطلوبيتهما الذاتية والمفروض ان النهى لم يتعلق بهما، والتبديل بالتيمم ليس لمبغوضيتهما في هذه الحالة، بل لمبغوضية استعمال الاناء.

[ 520 ]

وبالجملة ان المقام من قبيل تزاحم المطلوب الاعلى مع المبغوض، فاكتفاء الشارع بالمطلوب الادنى بلحاظ عدم الابتلاء باستعمال المبغوض لا بلحاظ عدم الاقتضاء في المحبوب الاعلى أو مبغوضيته، فلو تخلف المكلف وأتى بالمطلوب الاعلى صح وضوؤه وإن عصى باستعمال الآنية، مع أن لنا الالتزام بتعلق الامر الاستحبابي النفسي بالوضوء والغسل بناء على ما حققناه من أن عباديتهما غير متقومة بالامر الوجوبي الغيري، بل انما تتوقف على الامر الاستحبابي بناء على توقفها على الامر، وذلك لان الاوامر متعلقة بنفس الطبائع من غير لحاظ حال التزاحم، وفي صورة التزاحم لا يسقط الامر، بل يرجح العقل أو الشرع المزاحم الاقوى على الاضعف، فالوضوء فيما نحن فيه متعلق لامر استحبابى فعلى، لكن الشارع رجح جانب حرمة الاستعمال على الوضوء الاستحبابي الذي مقدمة وشرط للصلاة الواجبة، ويتضح مما ذكر حال ما لو قلنا بتقوم العبادية بالامر الغيري، فتدبر. وبالجملة لا وجه معتد به لبطلان الوضوء والغسل في صورة الانحصار لان الامر بالتيمم لا يوجب النهي عن الوضوء ولا مبغوضيته، بل ولا عدم الامر على ما حققناه في تصويره، وكذا يصح الوضوء والغسل ارتماسا لما قلنا في باب اجتماع الامر والنهى من صحة العبادة المتحدة في الوجود مع المنهي عنه، وحديث أن المبعد لا يمكن أن يصير مقربا قد فرغنا عن حله. بل لو قلنا بأن المستفاد من الادلة النهى عن العناوين الخاصة فكأنه قال: " لا تتوضأ من الآنيتين " يمكن تقريب الصحة بأن يقال: إن المنهى عنه في امثال المقام هو ايجاد الطبيعة بتلك الاضافة، فالنهى

[ 521 ]

في قوله عليه السلام: " لا تصل في الحمام " (1) انما تعلق بأمر خارج وهو تمكين الصلاة المطلوبة في المكان الكذائي. وهكذا الحال في المقام، فان النهي تعلق بالاضافة الخارجية أو نحوها، وهي كون الوضوء من آنية الذهب، لا بنفس طبيعة الوضوء فالمسألة في هذه الصورة بحسب حكم العقل محل نظر وإشكال، وإن كان العرف لا يساعد على هذا التحليل، ويكون قوله: " لا تتوضأ من آنية الذهب " من قبيل النهي في العبادة عرفا، فالاوجه في هذه الصورة البطلان. ثم أن المرجع في تشخيص الاناء والآنية والاواني المذكورة في النصوص هو العرف، كما عن كثير من اللغويين إيكاله إليه، والتفسير بالوعاء والاوعية في غير محله، لاطلاق الوعاء على ما لا تكون آنية جزما من غير تأويل، قال تعالى في قضية يوسف على نبينا وآله وعليه السلام: " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه " (2) ومعلوم أن أوعيتهم لم تكن من الاواني، بل كانت من الجواليق وما يشبهها، وأما ما عن كاشف الغطاء في تشخيص الموضوع - من اعتبار الظرفية، وكون المظروف معرضا للرفع والوضع، احترازا عن موضع فص الخاتم وعكوز الرمح ونحوها، وأن تكون موضوعة على صورة متاع البيت الذي يعتاد استعماله عند أهله في أكل أو شرب أو طبخ أو غسل أو نحوها، احترازا عن كوز الغليان ورأسها ورأس الشطب وقراب السيف ونحوه وبيت السهام وبيت المكحلة والمرآة والصندوق وقوطي النشوق والعطر ونحوها، وأن يكون لها أسفل يمسك ما يوضع فيه، وحواشي


(1) راجع الوسائل - الباب - 34 - من ابواب مكان المصلي. (2) سورة يوسف: 76 الآية 12

[ 522 ]

كذلك، احترازا عن القناديل والمشبكات والمخرمات والطبق - فلا يخلو من إشكال وإن كان كلامه ذلك مع كونه من أهل اللسان يوجب لنا الشك في صدقها على كثير مما ذكره، ومعه مقتضى الاصل الاباحة، والانصاف أن المتيقن منها ما ذكره وإن كان الاحتياط في مثل كوز الغليان لا ينبغي تركه، بل لا يترك. وأما ما عد صاحب الجواهر منها كرأس الغليان ورأس الشطب وما يجعل موضعا له وقراب السيف والخنجر والسكين وبيت السهام وظروف الغالية والكحل والعنبر والقير والمعجون والتتن والتنباك والافيون والمشكاة والمجامر والمحابر ونحوها فكثير منها محل إشكال أو منع، سيما مع جزم الاستاذ على خلافه، وهو يوجب الشك لنا مع عدم إمكان إحرازها أو إحراز كثير منها من العرف واللغة، بعد ما كان الاناء في عصرنا قليل الاستعمال أو عديمه، على ما شهد به صاحب الجواهر وغيره من أهل اللسان. ودعوى استفادة إنائية كثير منها أو جميعها من صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع - قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن آنية الذهب والفضة فكرهها، فقلت: قد روى بعض أصحابنا أنه كان لابي الحسن عليه السلام مرآة ملبسة فضة، فقال لا والحمد لله، انما كانت لها حلقة من فضة، وهي عندي - ثم قال -: إن العباس حين عذر عمل له قضيب ملبس فضة من نحو ما يعمل للصبيان، تكون فضة نحوا من عشرة دراهم، فأمر به أبو الحسن عليه السلام فكسر " (1) بدعوى أن الظاهر أن الراوي نقض عليه فعل أبى الحسن عليه السلام فأنكره شديدا، وحكى أمره بكسر القضيب الملبس، وهو دليل على صدقها في جميع تلك الموارد حتى فيما لا يقول به صاحب الجواهر كالمثال -


(1) مرت في ص 506.

[ 523 ]

ضعيفة، لمنع كون كلام الراوي نقضا بالنسبة إلى المرآة بدعوى صدق الآنية عليها، بل من المحتمل قريبا أنه فهم من كراهة أبي الحسن الرضا عليه السلام أن استعمال مطلق الذهب والفضة مكروه، فقال ما قال، وإلا فالظاهر عدم صدق الآنية على المرآة الملبس ولا على لباس المرآة. وكذا لا يصدق على القضيب أو لباسه. والظاهر من قوله عليه السلام: " تكون فضة نحوا من عشرة دراهم " أن إدخار الفضة حتى بهذا المقدار كان مكروها لدى أبى الحسن عليه السلام فضلا عن إدخار الملبسة بها. والانصاف ان دعوى تشخيص الآنية من الرواية في غاية السقوط بعد عدم صدقها على ما فيها، وأضعف منه دعوى كون الموضوع الشرعي أعم، بدعوى أن للآنية حقيقة شرعية، وهو كما ترى، نعم لا يبعد استفادة كراهة مطلق استعمال الآلات المعمولة من الفضة والذهب من هذه الرواية وبعض روايات أخر واردة فيها وفي الذهب، والامر سهل. الخامسة: لا يجوز استعمال شئ من الجلود إذا كانت من ذوات الانفس فيما يشترط فيه الطهارة - إلا إذا كانت من حيوان وردت عليه تذكية شرعية بالشروط المقررة - ولو دبغت سبعين مرة، إذ هي بدون التذكية نجسة ميتة لا تحل الصلاة فيها، وهذا لا اشكال فيه نصا وفتوى إلا من ابن الجنيد القائل بطهارتها بالدباغة، وإن قال بعدم جواز الصلاة فيها. والذي ينبغي بسط الكلام فيه أنه هل يعتبر في جواز استعمالها، وكذا في حلية اللحوم من الحيوانات المحللة الاكل، وكذا في صحة

[ 524 ]

الصلاة فيما تجوز فيها مع التذكية إحرازها بالعلم أو بامارة شرعية معتبرة، ومع عدمه يحكم بنجاستها وحرمة الانتفاع بها وعدم جواز الصلاة فيها أو عدم التذكية يحتاج إلى دليل، ومع عدمه يحكم بطهارتها وجواز الصلاة فيها، وحلية أكل اللحم أو تفصيل بين الطهارة وغيرها؟ قد استقر آراؤهم على جريان أصالة عدم التذكية بنحو السالبة المحصلة وبين ما إذا كان الموضوع بنحو الايجاب العدولي، كما لعله الظاهر من الشيخ الاعظم، وفصل آخر بين كون المذكى ومقابله من قبيل الضدين فلا تجري وبين كونهما من قبيل العدم والملكة فتجري وتترتب عليها الاحكام، بدعوى كون الموضوع في هذه الصورة من قبيل الموضوعات المركبة أو المقيدة المشكوك فيها بقيدها أو جزئها فيحرز بالاصل، وهو ظاهر المحقق الخراساني. وثالث بين الآثار التي رتبت على عدم كون الحيوان مذكى كعدم الحلية وعدم جواز الصلاة وعدم الطهارة من الاحكام العدمية المنتزعة من الوجوديات التي تكون التذكية شرطا في ثبوتها، فيقال الاصل عدم تعلق التذكية بهذا اللحم الذي زهق روحه فلا يحل أكله ولا الصلاة فيه ولا استعماله فيما يشترط بالطهارة وبين الآثار المترتبة على كونه غير المذكى، كالاحكام الوجودية الملازمة لهذه العدميات، كحرمة أكله ونجاسته وتنجيس ملاقيه ونحوها، بدعوى ان الحلية وسائر الاحكام الوجودية المترتبة على سبب حادث تصير منتفية بانتفاء سببها، فالموت المقرون بالشرائط أمر مركب سبب للاحكام، وهو أمر حادث مسبوق بالعدم، فأصالة عدمه مما يترتب عليها عدم الحلية والطهارة وجواز الصلاة فيها، فعدم حلية اللحم من آثار عدم حدوث ما يؤثر في حليته

[ 525 ]

بعد الموت لا من آثار كون الموت فاقد للشرائط حتى لا يمكن احرازه بالاصل،، وهو صريح المولى الهمداني تبعا لظاهر الشيخ الاعظم، ولعله يرجع إلى التفصيل الاول أو قريب منه. ونحن قد استقصينا البحث في أطراف أصالة عدم التذكية وما هي نحوها بما لا مزيد عليه مع مقدمات مفيدة في المقام وسائر المقامات في الاصول، وتذكارها ونقلها هاهنا موجب للتطويل المخالف لوضع هذا المختصر، ولهذا نشير إلى لمحة منها احترازا عن الحوالة، فنقول: لا شبهة في أن التذكية عبارة عن أمر وجودي هو ازهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع: أي فري المسلم الاوداج الاربعة متوجها للحيوان إلى القبلة ذاكرا عليه اسم الله مع قابلية الحيوان لها، وهو الموضوع للاحكام المتقدمة، أي الطهارة وحلية الاكل وجواز الصلاة في أجزائه وغيرها ومقابل هذا العنوان الذي يكون موضوعا لاحكام أخر أي الحرمة والنجاسة أو عدم الحلية وعدم الطهارة وعدم جواز الصلاة فيه يمكن أن يكون عنوانا وجوديا هو إزهاق الروح بكيفية أخرى ضد الكيفية المأخوذة في التذكية، ويمكن أن يكون ازهاقه لا بالكيفية المذكورة على نعت الايجاب العدولي، أو إزهاقه الذي لم يكن بالكيفية الخاصة على نعت الموجبة السالبة المحمول، أو إزهاقه مسلوبا عنه الكيفية الخاصة على نعت سلب محصل بسلب المحمول مع فرض وجود الموضوع، ويمكن أن يكون أمرا سلبيا بالسلب التحصيلي الاعم من سلب الموضوع، ويمكن أن يكون مركبا من إزهاق الروح وعدم تحقق الكيفية الخاصة بنحو العدم المحمولي. هذا بحسب التصور والاحتمال البدوي، لكن لا شبهة في أن الموضوع للاحكام ليس عدم إزهاق الروح بالكيفية الخاصة بنحو السالبة

[ 526 ]

المحصلة الاعم من سلب الموضوع، ضرورة عدم إمكان موضوعية عدم محض للاحكام ثبوتا وعدم مساعدة الادلة لها اثباتا. ومنه يظهر بطلان الصورة الاخيرة، لعدم تعقل كون جزء الموضوع للاحكام شيئا أعم من الوجود، بل يلزم من جزئيته له التناقض، لان فرض ازهاق الروح الذي هو صفة لامر وجودي وفرض سلب الكيفية بالسلب البسيط الاعم فرض كون المتناقضين موضوع الحكم، فبقيت الاعتبارات الاخر وفي شئ منها لا مصير لجريان أصالة عدم التذكية لاثبات الحكم، أما في صورة الضدية فواضح، ضرورة أن سلب الضد على فرض جريان الاصل لا يثبت تحقق الضد الآخر إلا بالاصل المثبت ولو مع فرض عدم الثالث لهما، وأما صورة اعتبار الايجاب العدولي والموجبة السالبة المحمولي والسالبة المحصلة مع فرض وجود الموضوع وكون السلب عنه فليس لشئ منها بعنوانه حالة سابقة يقينية. واستصحاب السلب البسيط التحصيلي الجامع بين سلب الحيوان وسلب الزهوق وسلب الكيفية لا يثبت الحكم المترتب على مصداقه المنحصر إلا بالاصل المثبت، فان موضوع الحكم إذا كان بأحد الاعتبارات الثلاثة لا يكون السلب التحصيلي موضوعا له، بل هو أي السلب المطلق كلى جامع منطبق على السلب الازلي بسلب الحيوان و سلب الازهاق مع وجود الحيوان وإزهاق روحه بغير الكيفية الخاصة، وموضوع الحكم هو الاخير، واستصحاب الجامع واثبات الفرد وأحكامه مثبت كما هو ظاهر. ومنه يتضح بطلان ما يمكن أن يقال: إن الحيوان في حالة حياته يصدق عليه أنه غير زاهق الروح بالكيفية الخاصة أو مسلوب عنه الزهوق الكذائي، وهذا العنوان وإن لم يكن موضوعا للحكم في حال اليقين لكنه موضوع له في حال الشك، وهو كاف في الاستصحاب، وذلك لان

[ 527 ]

موضوعه ليس عنوان عدم زهوق الروح القابل للصدق على الحيوان الحي ولو بنحو الايجاب العدولي مع موضوعية الحيوان، بل الموضوع زهوقه بلا كيفية خاصة، فاستصحاب أن الحيوان غير زاهق الروح بالكيفية الخاصة لترتب الاحكام عليه غير صحيح، لان هذا العنوان المستصحب ليس موضوع الحكم، بل الموضوع عنوان آخر منطبق هذا العنوان، واستصحاب العنوان الاعم لا يثبت أحكام الاخص. وما ذكره المولى الهمداني فهو غفلة عن دقيقة، وهي أن سلب السبب الموجب لاحكام وجودية بالسلب المطلق لازمه سلب الاحكام الوجودية القابل للانطباق على عدم التشريع رأسا لا ثبوت حكم آخر سلبي أو ثبوتى، فاستصحاب عدم تحقق السبب لاثبات حكم من الشارع كعدم الحلية ونحوه من المثبتات لو لم نقل بأن سلب السبب لاثبات سلب المسبب أيضا من المثبتات، فأصالة الحل والطهارة محكمه ما لم يدل دليل على خلافها، هذا إجمال مما فصلناه في الاصول، ولا بد أن يطلب التحقيق من هناك. والاولى في المقام صرف الكلام إلى حال الروايات، فنقول: قد وردت جملة من الاخبار في باب الصيد والذباحة يستفاد منها توقف حلية الاكل على إحراز الذبح الشرعي، كصحيحة الحذاء قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسرح كلبه المعلم ويسمي إذا سرحه قال: يأكل مما أمسك عليه، فإذا أدركه قبل قتله ذكاه، وإن وجد معه كلبا غير معلم فلا يأكل منه " (1). ورواية أبي بصير عنه عليه السلام قال: " سألته عن قوم أرسلوا كلابهم وهي معلمة كلها، وقد سموا عليها، فلما أن مضت الكلاب


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الصيد - الحديث 2.

[ 528 ]

دخل فيها كلب غريب يعرفون له صاحبا، واشركت جميعا في الصيد فقال: لا يؤكل منه، لانك لا تدري أخذه معلم أم لا " (1). وصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام قال: " من جرح صيدا بسلاح وذكر اسم الله عليه ثم بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع، وقد علم أن سلاحه هو الذي قتله، فليأكل منه إن شاء " (2) وبمضمونها عدة روايات. وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام في صيد وجد فيه سهم وهو ميت لا يدري من قتله قال: لا تطعمه " (3). وحسنة حمران عنه عليه السلام " أنه سأله عن الذبح فقال: إن تردى في جب أو وهدة من الارض فلا تأكله ولا تطعم. فانك لا تدري التردي قتله أو الذبح " (4) إلى غير ذلك، ويستفاد من التعليل فيها وفي رواية أبى بصير ولو بالمناسبات وإلقاء الخصوصيات عرفا أنه مع الشك في وقوع التذكية الشرعية على الحيوان لا يجوز الاكل منه، فجواز الاكل موقوف على احراز التذكية الشرعية. وبازائها موثقة السكوني عن أبى عبد الله عليه السلام " إن أمير المؤمنين (ع) سئل عن سفرة وجدت في الطريق - إلى أن قال -: قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أم سفرة مجوسي، فقال:


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الصيد - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصيد - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الصيد - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الذبائح - الحديث 2

[ 529 ]

هم في سعة حتى يعلموا " (1) ومقتضى إطلاقها وإن كان جواز الاكل حتى مع الشك في التذكية، لكنها مقيدة بالروايات المتقدمة، فتحمل على جواز الاكل إذا كانت الشبهة في الطهارة والنجاسة. نعم لو كان بدل المجوسي اليهودي لكان الحمل مشكلا، لان اليهود لا يأكلون من ذبائح المسلمين، ونقل عن بعضهم إن أكل ذبائح المسلمين علامة الخروج عن التهود أو كالخروج منه، لكن الظاهر أن المجوس ليسوا كذلك، فلا مانع من هذا الجمع. انما الكلام في أنه هل يستفاد من تلك الروايات أنه مع عدم احراز التذكية يحكم بأنه غير مذكى في جميع الاحكام، فهو محكوم بالنجاسة، ولا تصح الصلاة في اجزائه مع قطع النظر عن الروايات الواردة في الصلاة إما بدعوى أن الظاهر منها أن هذا الحكم انما هو للاتكال على الاستصحاب فيكشف منها جريان استصحاب عدم التذكية كما جعلها بعضهم شاهدة على جريانه، وإما بدعوى إلقاء الخصوصية عرفا بين عدم جواز الاكل وسائر أحكام غير المذكى، وإما بدعوى أن التعليل في الروايتين دليل على أن تمام العلة للحكم بعدم جواز الاكل هو الجهل بالتذكية، ومعه يكون محكوما بعدمها، وإما بدعوى أن النهي عن الاكل ليس إلا للشك في عدم التذكية، فما شك في تذكيته محكوم بعدمها، والحكم بالحرمة متفرع على ذلك سيما مع ما يأتي من الروايات الدالة على لزوم إحراز التذكية الشرعية في صحة الصلاة، فإذا ضم تلك الروايات إلى هذه يستفاد منها استفادة قطعية بأن المشكوك فيه في حكم غير المذكى مطلقا، وأن الحكم بعدم جواز الصلاة فيه وعدم جواز الاكل منه متفرعان على ترجيح احتمال عدم التذكية على الاحتمال المقابل. وللاشكال في جميع الدعاوي مجال واسع، فان الاتكال على الاستصحاب لم يظهر في شئ منها، بل الظاهر منها أن مجرد عدم الدارية


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب الذبائح - الحديث 2

[ 530 ]

موضوع للحكم بالحرمة، لا إحراز عدم التذكية بالاصل، مع أن لازمه حجية الاستصحاب في المثبتات بعد ما عرفت أن الاصل المذكور مثبت، وهذا وإن لم يكن محذورا لو دل الدليل عليه لكن التزامهم به مشكل مع أن الشأن في قيام الدليل عليه وهو ممنوع مخالف للظواهر. ودعوى إلقاء الخصوصية عرفا ممنوعة، مع الاحتمال القريب في أن لاكل الميتة خصوصية لا يرضى الشارع بارتكابه بمجرد الشك وأصل الحل، بل لا بد فيه من إحراز التذكية والحلية بامارة معتبرة، فدعوى إلقاء الخصوصية من حرمة الاكل ومن عدم صحة الصلاة والحكم بترتب سائر الاحكام كالنجاسة وحرمة سائر الانتفاعات غير وجيهة. وأضعف منها دعوى الاستفادة من التعليل، فانه وإن يعم لكن لا إلى موضوع أجنبي أو حكم كذلك، فأي تناسب بين قوله عليه السلام " لا تأكله، فانك لا تدرى التردي قتله أو الذبح " وبين نجاسة الحيوان المذبوح أو عدم جواز الصلاة في اجزائه والنهي عن الاكل وإن كان للشك في تذكيته، لكن لا ينتج أن كل ما شك في تذكيته محكوم بعدمها في جميع الاحكام، وحكم حرمة الاكل متفرع على التعبد بعدمها مطلقا إذ لا شاهد عليها، وانما هي مجرد دعوى بلا بينة، كدعوى ترجيح جانب احتمال عدم التذكية. والحاصل أن المشكوك فيه ليس غير المذكى واقعا، فلا بد من قيام دليل على التعبد بعدم التذكية مطلقا، ولم يظهر من تلك الروايات ولا الروايات الآتية إشعار بأن المشكوك فيه محكوم بعدمها، فضلا عن الدلالة، فضلا عن عموم التنزيل والتعبد، والتفكيك في الاحكام تعبدا بين الملازمات غير عزيز. نعم دعوى حصول الظن من جميع ما ذكر بعدم التفكيك وجيهة

[ 531 ]

لكنه لا يغنى من الحق شيئا، فمقتضى قصور الاخبار عن إثبات عدم التذكية مطلقا تعبدا البناء على الطهارة وجواز لبسها وسائر الانتفاعات بها إلا الاكل. وأما جواز الصلاة في أجزائها فمع عدم جريان أصالة عدم التذكية والبناء على البراءة في الاقل والاكثر هو ذلك مع قطع النظر عن الاخبار، فلا بد من إلتماس دليل على المنع، وفى كل مورد قصرت الادلة عن إثبات المنع يحكم بالجواز على طبق القواعد. ثم أن الاخبار في المقام على طوائف: منها - ما تدل على جواز الصلاة فيها إلا بعد العلم بالذكية كموثقة ابن بكير قال: " سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب - إلى أن قال -: فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذبح " (1). ومنها - ما تدل على الجواز مطلقا حتى يعلم أنها ميتة. كصحيحة جعفر بن محمد بن يونس " أن أباه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الفرو والخف ألبسه وأصلي فيه ولا أعلم أن ذكي، فكتب لا بأس به " (2) وموثقة سماعة " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام في تقليد السيف في الصلاة وفيه الفراء والكيمخت، فقال: لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة " (3) ورواية علي بن أبي حمزة " أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه قال: نعم، فقال الرجل: إن فيه الكيمخت، قال: وما الكيمخت؟


(1) مرت في ص 25 (2) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 4 (3) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب النجاسات - الحديث 12

[ 532 ]

فقال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة، فقال: ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه " (1). ومنها - ما دلت على جوازها في موارد: كمورد السؤال عن الاشتراء من السوق، وهي صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه " (2) وقريب منها صحيحته الاخرى (3) وصحيحة البزنطي قال: " سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية أيصلي فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسألة إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، إن الدين أوسع من ذلك " (4) وقريب منها صحيحته الاخرى عن الرضا عليه السلام (5) ورواية الحسن بن الجهم قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام: اعترض السوق فاشتري خفا لا أدري أذكي أم لا؟ قال: صل فيه، قلت: فالنعل، قال: مثل ذلك، قلت: إني أضيق من هذا، قال: أترغب عما كان أبو الحسن عليه السلام يفعله " (6). ومثل مورد الضمان، وهي رواية محمد بن الحسين الاشعري قال: " كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: إذا كان مضمونا فلا بأس " (7).


(1) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 (2) و (3) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 - والباب - 38 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 2 (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب النجاسات - الحديث 3 - 6 - 9 - 10

[ 533 ]

ومورد المصنوع في أرض الاسلام، وهي موثقة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السلام " أنه قال: لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام، قلت: فان كان فيها غير أهل الاسلام قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس " (1). ومورد صلاتهم فيها كرواية اسماعيل بن عيسى قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجيل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " (2). ومنها - ما فصلت بين النعل والخفاف في المشترى في أرض غير المسلمين وغيرهما، كموثقة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لباس الجلود والخفاف والنعال والصلاة فيها إذا لم تكن من أرض المسلمين (المصلين خ ل) فقال: أما النعل والخفاف فلا بأس بهما " (3). ومنها - ما يظهر منها التفصيل بين ما صنع في أرض يستحل أهلها الميتة بدباغتها وغيرها، كرواية أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الفراء، فقال: كان علي بن الحسين عليه السلام رجلا صردا لا يدفؤه فراء الحجاز، لان دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذى يليه، فكان يسأل عن ذلك، فقال: إن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 - 7 (3) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 3

[ 534 ]

أهل العراق يستحلون لباس جلود الميت ويزعمون أن دباغه ذكاته " (1) وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " تكره الصلاة في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز أو ما عملت منه ذكاة " (2). وقد جمعوا بين الروايات بحمل المطلقات من الطرفين على الموارد الخاصة، فصارت النتيجة عدم جواز الصلاة فيها إلا إذا علم تذكيته، أو قامت امارة عليها، كسوق المسلمين، أو الصنع في أرضهم، أو يد المسلم مطلقا، أو مع معاملته معه معاملة المذكى، أو إخباره بالتذكية. وهذا الجمع لا يخلو من إشكال، أما في مثل الطائفة الاولى من الطائفة الثالثة التي لم يرد القيد في كلام المعصوم عليه السلام كصحيحتي الحلبي وما بعدهما فلان فهم القيدية فيهما مشكل، فان قوله: " الرجل يأتي السوق فيشتري " أو قوله: " اعترض السوق فاشتري خفا " بل وكذا قوله: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفاف التي تباع في السوق " انما يجري مجرى العادة، كقوله: " أدخل السوق واشتر كذا " وليست العناية بالاشتراء منه بخصوصه والسؤال عن حاله حتى يقال: إنه بصدد بيان أمارية السوق للتذكية، بل الظاهر من قوله عليه السلام: " صل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه " أن الموضوع لجواز الصلاة عدم العلم لا الامارة على التذكية. فهل ترى من نفسك فيما إذا قال أبو عبد الله عليه السلام: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " (3) ثم سئل عنه منفصلا " أني اعترض


(1) و (2) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 2 - 1. (3) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب النجاسات - الحديث 4

[ 535 ]

السوق فاشرب من المياه التي فيه، فقال. اشرب منها حتى تعلم أنها قذرة " تقييد الرواية الاولى بالثانية؟ فيقال: لا يجوز الشرب إلا مع قيام أمارة - وهي سوق المسلمين - على الطهارة. فهل المقام إلا نظيره؟ إذ قال عليه السلام في مورد: " لا بأس به ما لم تعلم أنه ميتة " وسئل في مورد " أنى اعترض السوق فاشتري الخف وأصلي فيه فقال: صل حتى تعلم أنه ميتة " فهل الذهن الخالي عن شبهة جريان أصالة عدم التذكية وأنه لا بد من قيام أمارة يدفع بها الاصل ينقدح فيه غير ما ينقدح فيه من المثال المتقدم، فكما لا يتوهم منه أمارية السوق كذلك فيما نحن فيه، سيما مع ما تقدم من عدم جريان أصالة عدم التذكية. إن قلت: نعم ولكن إلقاء الخصوصية وفهم الاطلاق أشكل، قلت: انما المراد عدم صالحية تلك الروايات لتقييد المطلقات لا التمسك باطلاقها، مع أن الانصاف أن عد تلك الروايات في عداد المطلقات أقرب إلى الفهم العرفي من عدها في المقيدات والبناء على أمارية سوق المسلمين، سيما إن قلنا: إن إحراز عدم التذكية يحتاج إلى أمارة، لا جواز الصلاة ونحوه. وأما سائر الروايات ما عدا موثقة ابن بكير وموثقة الهاشمي فالجمع بينها بالحمل على مراتب الفضل في التنزه عن المشكوك فيه أقرب من تقييد المطلقات أو حملها على مورد قيام الامارة، فان الظاهر من قوله عليه السلام: " صل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه " وما هو نظيره أن تمام الموضوع لجواز الصلاة هو عدم العلم بكونه ميتة، وعدم اعتبار قيام الامارة على التذكية في الجواز، وإرجاع مثله إلى مورد قيام الامارة بعيد عن الاذهان.

[ 536 ]

ودعوى الانصراف إلى ما يشترى من سوق المسلمين وإن لم تكن بعيدة ذلك البعد، لكن حملها على مراتب الفضل في التنزه أو مراتب الكراهة في الارتكاب لعله أقرب، بأن يقال: إن ما شك في تذكيته تصح الصلاة فيه إلى أن يعلم كونه ميتة أو قامت أمارة عليه، لكن يكره ارتكابه، وترتفع كراهته بمراتبها إذا علم وجدانا تذكيته أو صنع في مثل أرض الحجاز. كما هو ظاهر صحيحة الحلبي الاخيرة. وعليه يحمل فعل زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام وتنزهه عما صنع في أرض العراق، وفعل أبي جعفر عليه السلام على ما في رواية عبد الله بن سنان قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أهديت لابي جبة فرو من العراق، وكان إذا أراد أن يصلي نزعها فطرحها " (1) فان اشتراؤه وقبول هديته ولبسه وعدم التنزه عنه إلا في الصلاة دليل على أنه على سبيل الفضل. وكذا ترتفع ببعض مراتبها أو جميعها إذا اشترى من سوق المسلمين من مسلم ضمن تذكيته، وهو ظاهر رواية الاشعري. فان الاشتراء من السوق منصرف إلى الاشتراء من سوق المسلمين، والظاهر من قوله عليه السلام: " إذا كان مضمونا " أن الضامن البائع المسلم لا الكافر، فانه في غاية البعد، فمع قيام امارة أو أمارتين - أي سوق المسلم وبيعه على التذكية - لا يكون اعتبار الضمان إلى على الفضل وترتفع ببعض مراتبها فيما إذا صنع في ارض الاسلام أو أرض كان الغالب عليها المسلمون أو صلى فيه المسلم أو كان في سوق المسلمين والحمل المذكور قريب جدا. لكن المانع منه موثقة ابن بكير المتقدمة حيث أن ظاهرها أن الصلاة في الجلود مع عدم العلم بتذكيتها فاسدة،


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 5

[ 537 ]

وأن الجواز موقوف على العلم بالتذكية، وحملها على الجواز بلا كراهية مع العلم بها بعيد غايته، سيما مع التصريح بالفساد في صدرها وذيلها الموجب لقوة ظهور كون الجواز مقابل الفساد. فالاقرب بالنظر إلى الموثقة حمل الروايات المتقدمة التي ترك فيها الاستفصال على كون الكيمخت وغيره كان في أرض المسلمين وسوقهم لا الكفار، فان المظنون إن ما كان مورد السؤال الاشياء التي اشتريت من الاسواق، وكانت هي من المسلمين أو كان الغالب على أهلها الاسلام، فتحصل من ذلك أن الجمع الذي صنعه أهل التحقيق لا محيص عنه. نعم يبقى الكلام في موثقة الهاشمي، ولا يبعد أن يكون التفصيل فيها بين ما تتم وما لا تتم في غير المذكى لا في مشتبه التذكية كما فصل بينهما في النجس، ويشهد له أن الظاهر منها قيام الامارة العقلائية على عدم التذكية، فان قوله: " في غير أرض المسلمين " أو " المصلين " يراد به أنه من أرض الكفار، والحمل على مشتبه الحال أو الاعم فاسد. فاتضح أنها بصدد بيان مسألة غير ما نحن بصددها. ثم أن السوق منصرف إلى سوق المسلمين، سيما بالنظر إلى موثقة إسحاق بن عمار، وهو واضح، ولا فرق بين سوق المستحلين وغيرهم، لما قدمنا من ظهور رواية أبي بصير الحاكية عن فعل علي بن الحسين عليهما السلام في أن جلود العراق أيضا محكومة بالتذكية وإلا لما اشتراها ولما لبسها، ولما قبل أبو جعفر عليه السلام هديتها، وانما ألقاها لفضل التنزه منها، فهي ونحوها ظاهرة في عدم الفرق بين السوقين، فتوهم تقييد إطلاق الادلة بها فاسد. ويشهد للتعميم موثقة إسحاق بن عمار حيث نفى فيها البأس عن الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام، ومقتضى المقابلة بينهما

[ 538 ]

جواز الصلاة فيما صنع في أرض غير المستحلين كاليمن والمستحلين، وحملها على سائر المستحلين بعيد، فلها إطلاق قوي في قوة التصريح، ويشهد له أيضا كون السائلين فقهاء العراق كالحلبي وابن أبي نصر وإسحاق بن عمار، ومن البعيد جدا استثناء سوق العراق، وعدم جواز الصلاة فيما يشترى من ارضه، وعدم التنبه للعراقيين مع ابتلائهم به، ولعل سوق العراق القدر المتيقن من الروايات. ثم أن متقضى إطلاق الادلة اعتبار سوق المسلمين وأمارتيه للتذكية مطلقا ولو كان الكافر بايعا في سوقهم فضلا عن مجهول الحال، بل لموثقة إسحاق بن عمار قوة إطلاق بالنسبة إلى الاخذ من الكافر، بل قوله: " فان كان فيها غير أهل الاسلام، قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس " لا يبعد أن يراد به الاشتراء من غير المسلم بعد كون يد المسلم أمارة بنفسها، بل الظاهر منها أن غلبة المسلمين في بلد أمارة على أن المصنوع من صنعهم لا صنع الصنف الذي في الاقلية والحاصل أن متقضى الاطلاق اعتبار سوق المسلمين وأرضهم، فهما أمارة على وقوع التذكية الشرعية، وإن شئت قلت: أمارة على إجراء يد المسلمين عليه، وكون المصنوع منهم ولو كان بيد الكافر، إلا أن يعلم عدم اجراء يد المسلم عليه، والظاهر أن الامر كذلك لدى العقلاء أيضا، فان السوق إذا كان للمسلمين ويكون متاع متاع تجارتهم وكان فيهم بعض أهل ملة أخرى وكانت تحت يده من ذلك المتاع يكون احتمال كونه من غير بلد المسلمين واشتراؤه من غير أهل هذا السوق احتمالا بعيدا لا يعتني به العقلاء. ولو استشكل في هذا البناء أو حجيته لكن لا إشكال في أن ذلك الارتكاز موجب لفهم العرف من الروايات أن سوق المسلمين وغلبتهم

[ 539 ]

صار سببا لحكم الشارع جواز الصلاة فيما يشترى منه أو مما صنع في أرضهم. نعم ربما يقال: إن رواية اسماعيل بن عيسى قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجيل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف، قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " (1) دلت على أن يد الكافر أمارة على عدم التذكية. وفيه مع ضعف الرواية أن الظاهر منها أن الفراء إذا كان من المتاع الذي يبيعه المشركون وكان له نحو اختصاص بهم في التجارة وكانوا هم الذين يبيعونه لا يجوز الصلاة فيه، ويجب السؤال عنه، وهو غير أمارية يد الكافر، فكما أن سوق المسلمين أمارة على التذكية بما قدمناه كذلك سوق الكفار، وكون المتاع منهم ومن مال تجارتهم يكون أمارة على عدمها. وبالجملة فرق بين قوله " إذا كان المشركون يبيعون ذلك " وبين قوله: " إذا اشتريت من مشرك أو من المشركين " فالمفهوم من العبارة الاولى أن للمتاع نحو اختصاص بهم في التجارة دون الثانية، ولا أقل من مساواة هذا الاحتمال للاحتمال الآخر، فلا يجوز معه رفع اليد عن إطلاق أدلة اعتبار السوق الموافق لارتكاز العقلاء، نعم سوق الكفار أو كون المتاع من أمتعتهم أمارة على عدم التذكية ما لم تقم أمارة أقوى عليها، كترتيب المسلم آثار التذكية عليها. ولعله الظاهر من ذيل رواية اسماعيل، وهو قوله عليه السلام:


(1) مرت في ص 533

[ 540 ]

" وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " فان المفهوم منه أن ما رأيتم المشركين يبيعونه يجب السؤال عنه الا إذا رأيتم المسلمين يصلون فيه، أي في ذلك المتاع الذي يبيعه المشركون، وليس المراد من قوله: " يصلون فيه " أن جميع المسلمين يصلون فيه، فلا محالة يراد به جواز الصلاة إذا رتب المسلم آثار التذكية عليه، ولا اختصاص بالصلاة فيه، بل الظاهر أن ترتيب مطلق آثارها موجب لذلك، وسيأتي إشكال فيه. ثم اعلم أنا وإن قلنا بعدم جريان أصالة عدم التذكية لكن بمقتضى موثقة ابن بكير التي علق فيها جواز الصلاة على العلم بالتذكية نحكم بعدم الجواز إلا مع قيام الامارة عليها، أو دل دليل على جواز معاملة المذكى معه، ولا شبهة عندهم في أن سوق المسلمين والصنع في أرضهم أمارة عليها لا بمعنى اعتبار مفهوم السوق، بل الظاهر أن ما هو الموضوع للحكم هو اجتماع المسلمين وكون المتاع في مجتمعهم ومورد تجارتهم، سواء كان في السوق أو غيره، كما أن المراد بما صنع في أرض الاسلام أن المصنوع من مصنوعات مجتمعهم ولو لم تكن الارض لهم، فلو اجتمع المسلمون في أرض غيرهم وكان المتاع الفلاني كالفراء من مصنوعات ذلك المجتمع وكان صنع غيرهم له مشكوكا فيه أو نادرا يحكم عليه بالتذكية. والحاصل أن الامارة على التذكية كون الجلد في مجتمعهم سوقا أو غيره وكونه صنع مجتمعهم ومستقرهم كان الارض ملكا لهم أو لا، وهذا لا ريب فيه ظاهرا، واحتمال خصوصية السوق ونحوه من العناوين ضيعف ملقى بنظر العرف، ضرورة أنهم لا يرون لخصوصية السقف والجدار دخالة في الحكم. وكذا لمملوكية الارض، وكون النكتة للجعل دفع الحرج مشتركة بين السوق وغيره مع أن كونها ذلك غير معلوم.

[ 541 ]

ثم أنه لا ثمرة مهمة في البحث عن أن عنوان السوق وعنوان الصنع في أرض المسلمين أو الفراء اليماني أو الحجازي مما ورد في النصوص يرجع إلى عنوان واحد هو كون الشئ في مجتمعهم أو عناوين مستقلة. نعم الظاهر بناء على الا مارية أن عنوان السوق وغيره أمارة على التذكية بلا وسط، لا امارة على الامارة عليها، وما هي امارة بلا وسط يد المسلم أو يده مع ترتيبه أثر التذكية على ما في اليد، أو نفس ترتيب المسلم أثرها ولو لم يكن تحت يده، مثل عدم احترازه عن ملاقاته والصلاة في ملاقيه، لان ظاهر الادلة أن السوق بنفسه أمارة عليها لا بوسط، ولا دليل على الوسطية، بل لا إشعار في الروايات عليها. فحينئذ يقع الكلام في أن يد المسلم مطلقا أو مع ترتيب أثر التذكية أو نفس ترتيبه الاثر امارة عليها، فان كان شئ تحت يده أو عامل معه معاملة المذكى في غير سوق المسلمين وأرضهم يحكم عليه بالتذكية؟ الظاهر ذلك، لا لكون الادلة الواردة في المقام ظاهرة في أمارية يده عليها أصالة، لما عرفت. ولا لرواية اسماعيل بن عيسى المتقدمة بدعوى أن الظاهر منها عدم لزوم السؤال عما كان بائعه مسلما غير عارف فضلا عن العارف، لقصرها لزوم السؤال على ما إذا كان المشركون يبيعونه، فكأنه قال لا يجب السؤال إذا كان المسلم يبيعه، وبدعوى أن دلالة ذيلها على أن ترتيب المسلم أثر التذكية أمارة كما تقدم، فتدل على اعتبار يد المسلم وترتيبه الاثر وإن كانت يده مسبوقة بيد الكافر، كما يظهر من ذيلها بالتقريب السابق، وذلك لان في الرواية احتمالا آخر مساويا له أو

[ 542 ]

أقرب منه، وهو أن قوله عليه السلام: " عليكم أنتم أن تسألوا عنه " أي عليكم أن تسألوا عما يبيعه المسلم غير العارف إذا كان المتاع مما يبيعه المشركون، فيكون المراد أن المبيع إذا كان من متاع المشركين ومورد تجارتهم نوعا يجب السؤال عنه وإن باعه مسلم ترجيحا للغلبة. وقوله عليه السلام: " وإذا رأيتهم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " معناه أن ما كان من متاع تجارة المشركين وكان له نحو اختصاص بهم لا يجوز الصلاة فيه، إلا أن يكون المسلمون يصلون فيه، لا بمعنى صلاة جميع المسلمين فيه، بل بمعنى بناء المسلمين على الصلاة فيه، وحاصل فقه الحديث على هذا الاحتمال أن البائع إذا كان مسلما وباع المتاع الذي كان يبيعه المشركون نوعا بحيث ينسب المتجر إليهم يجب السؤال عنه لترجيح غلبة الكفار على فرد من المسلمين، نعم إن كان بناء المسلمين الصلاة فيه يجوز الصلاة فيه بلا سؤال ترجيحا لعمل المسلمين على سوق الكفار. وهذا الاحتمال لو لم يكن ظاهر الرواية فلا أقل من مساواته للاحتمال المتقدم، فتدل الرواية حينئذ على عدم اعتبار يد المسلم في مثل الواقعة، نعم لا تدل على نفي الاعتبار مطلقا ولا على الاعتبار ولو في الجملة، هذا بعد تسليم أن السوق المسؤول عنه أعم من سوق المسلمين في خصوص الرواية لقرينة. ولا للروايات الواردة في باب سوق الهدي، كصحيحة حفص بن البختري قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به عليه، قال: ينحره ويكتب كتابا يضعه عليه ليعلم من مر به أن صدقه " (1) وقريب منها روايات


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الذبح الحديث 1 - من كتاب الحج.

[ 543 ]

أخر (1) وذلك لان في مورد تلك الروايات يكون النحر وجدانيا، وكونه بيد مسلم مجزوما به بالامارات كالنحر والكتابة وكونه في طريق الحج وانما الشك في حصول التذكية الشرعية، وهى محرزة بأصالة الصحة. ولا كلام في جريانها فيما إذا احرز عمل المسلم وشك في صحته، وهو غير ما نحن بصدده من إحراز التذكية من غير احراز الذبح والنحر فضلا عن كونهما بيد المسلم، فتلك الروايات أجنبية عن المدعى. ولا لاولوية اعتبار يد المسلم من يد مجهول الحال في سوق المسلمين وذلك لان المعتبر في المفروض سوق المسلمين لا يد مجهول الحال، ولولا مخافة مخالفة الاصحاب لقلنا باعتبار سوق المسلمين ولو كان الشئ في يد الكافر، لا لكون يده معتبرة، بل لكون السوق كذلك. ولا لاصالة الصحة، لان اثباتها لتلك المثبتات محل إشكال، مضافا إلى مبنى أصالة الصحة عند العقلاء، أن العاقل إذا أتى بعمل يعتبر في صحته إمور لا يتركها عمدا ولا يأتي بها فاسدا، لمنافاة الترك عمدا لقصد فراغ الذمة وقصد تحقق المأتى به، والترك من غير عمد مخالف للاصل، وهذا غير جار في المستحل، ولا تجري أصالة الصحة مع احتمال التصادف للواقع من باب الاتفاق كما قرر في محله، مع أن الصحة في بعض الاحيان والاعمال لا تلازم التذكية، كما لو صلى في شئ لامكان كون صلاته فيه لعذر، ولا يحرز بأصالة الصحة عدم العذر ولا لكون ترتيب آثار التذكية بمنزلة الاخبار عنها، فكما أن إخبار ذي اليد حجة عند العقلاء كذلك ما هو بمنزلته، وذلك لمنع كونه بمنزلته، سيما في المستحل ذبيحة أهل الكتاب ومستحل الصلاة في جلد الميتة مع دباغه، وسيما مع اختلاف الناس معنا في بعض شرائط


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الذبح من كتاب الحج

[ 544 ]

التذكية كالتسمية وفري الاوداج وغيرهما، بل لا يلازم بعض الاعمال من غير المستحل أيضا للتذكية كما تقدم، فلا يكون مطلق ترتيب الآثار بمنزلة الاخبار. بل لبناء المتشرعة على ترتيب آثار الملكية على ما في يد المسلمين من غير نكير، وهو كاشف عن التذكية، وإن شئت قلت: سيرة المتشرعة على ترتيب آثار الملكية والتذكية على ما في يدهم من غير تفرقة بين المستحل وغيره، سواء كان في سوق المسلمين أم لا، مضافا إلى أن البناء العملي على التذكية فيما في يد غير المستحل مع ترتيبه آثارها كأنه إجماعي لم ينقل الخلاف فيه من أحد. والانصاف أن الخدش في كل واحد مما ذكر وإن أمكن لكن لا يبعد دعوى الوثوق من مجموعها، على أنه يعمل مع ما في أيدى المسلمين معاملة المذكى، سيما مع كون ذبيحة المسلمين محللة علينا، وقد اختلفوا معنا في شرائط الذبح مع مناسبة الحكم لسهولة الملة وسمحتها. مضافا إلى أن سوق المسلمين في تلك الاعصار والبلاد كان لغير الطائفة المحقة، ولم يكن لهذه الطائفة سوق في تلك البلاد، وهم مختلفون مع الطائفة في كثير من الشرائط، كفري الاوداج، واستقبال القبلة، و التسمية، ومورد النحر والذبح، وآلة الذبح، وفي الصيد أيضا في صائده وشرائطه، وفى استحلال ذبيحة أهل الكتاب مع كثرتهم في ذلك العصر، كما يظهر من الاسئلة والاجوبة في الروايات الواردة في ذبيحتهم وأوانيهم وأثوابهم، ومعه يمكن أن يقال: إن حكم تحليل ما يشترى من السوق لاجل التوسعة على العباد، لا لكاشفيته وأماريته عن التذكية، ضرورة أنه مع هذا الاختلاف الفاحش بين الفرقتين وأقلية الفرقة الحقة لم يكن سوق المسلمين ولا يدهم أمارة عقلائية على

[ 545 ]

التذكية الشرعية، فخصوصية السوق ليست لكاشفيته عن التذكية الشرعية بل لاجل أنه يعمل مع المأخوذ من يد المسلمين الذين لا يراعون شرائط التذكية معاملة المذكى توسعة على العباد، كما أنه يعمل مع ما في سوقهم وما صنع في أرضهم معاملته، كل ذلك للتوسعة. وتشهد لما ذكرناه - مضافا إلى عدم صالحية مثل هذا السوق وتلك اليد للامارية - الروايات الواردة في الباب الظاهرة فيما ذكرناه، وليس فيها بكثرتها ما تشعر بالامارية، بل لسانها لسان أدلة الاصول، كقوله عليه السلام: " هم في سعة حتى يعلموا " وقوله عليه السلام: " إن الدين أوسع من ذلك " وقوله عليه السلام: " لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة " وقوله عليه السلام: " صل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه ". وما ظهر لي بعد التأمل في الاخبار والنظر في حال سوق المسلمين في تلك الاعصار الذي كان منحصرا بالعامة أمران: أحدهما أن منشأ سؤال السائلين احتمال عدم مراعاة القصابين شرائط التذكية، والثاني أن الحكم على سبيل التوسعة لا للامارية العقلائية ولا الجعلية الشرعية لو سلم إمكانها، كما تشهد لهما صحيحة الفضلاء " انهم سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللحوم من الاسواق ولا يدرى ما صنع القصابون؟ فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه " (1). فكان منشأ سؤال فقهاء أصحاب أبي جعفر عليه السلام اطلاعهم على فتاوى أبي حنيفة ومالك واختلافها معنا، وقوله عليه السلام: " كل " الخ لا يدل إلا على جواز الاكل عما كان في سوق المسلمين لا لاماريته على التذكية الشرعية بالشرائط المقررة عند الفرقة المحقة ضرورة عدم اماريته لها كما مر، ولا لاصالة الصحة، فانها غير جارية


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الذبائح - الحديث 1.

[ 546 ]

في مثل المقام الذي يحتمل الانطباق من باب الاتفاق ولا لامارية اليد الكذائية لعين ما ذكر، بل للتوسعة على العباد كما تدل عليه الروايات المتقدمة. وإن شئت قلت: هذه الرواية لا تدل إلا على جواز الاكل بلا سؤال، وسائر الروايات ظاهرة في أن الحكم على نحو التوسعة لا الا مارية فلا تنافي بينهما، بل يمكن أن يقال: إن تجويز الاكل وترك السؤال في موضوع لا يقوم عليه أمارة عند العقلاء ظاهر في التوسعة. وتشهد أيضا لما ذكرناه رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام، وفيها " والله اني لاعترض على السوق فاشتري اللحم والسمن والجبن، والله ما أظن كلهم يسمون: هذه البربر وهذه السودان " (1) فلو كان السوق امارة على التذكية لكان المناسب أن يقول عليه السلام: أن ما يشترى منه مذكى، ولا يناسب هذا التعبير مع إلقاء احتمال الخلاف في الامارات. ويشهد له خبر عبد الرحمان بن الحجاج، قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أدخل السوق أعنى هذا الخلق الذي يدعون الاسلام، فاشتري منهم الفراء للتجارة، وأقول لصاحبها: أليس هي ذكية: فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال: لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول قد شرط الذي اشتريتها منه أنها ذكية، قلت: ما أفسد ذلك، قال استحلال أهل العراق الميتة " (2) حيث يظهر منها جواز البيع والشراء مطلقا وعدم جواز الاخبار بتذكيته حتى مع إخبار صاحبها. لاستحلال أهل العراق الميتة، فلو كان سوق المسلمين


(1) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 (2) راجع الوسائل - الباب - 61 - من ابواب النجاسات - الحديث 4

[ 547 ]

امارة على التذكية جاز الاخبار بها ولو لم يخبر صاحبه بها، وليس هذا إلا لكون جواز ترتيب أثر التذكية عملا انما هو للتوسعة على العباد، لا أن السوق أو اليد امارة عليها. فظهر من جميع ذلك جواز معاملة المذكى مع ما في سوق المسلمين وما صنع في أرضهم وما في ايدي المستحل وغيره، بل مورد الروايات هو ما في أيدي المستحلين للميتة ولو لاستحلال ذبيحة أهل الكتاب أو استحلال ما لا يكون مذكى شرعا عند الفرق الناجية، ومقتضى اطلاق الروايات جواز الشراء من يد مجهول الحال، بل لعل سوق المسلمين وأرضهم أمارة على أن مجهول الحال مسلم. وأما المأخوذ من يد الكافر فمع كون الحكم بعدم التذكية مظنة الاجماع يمكن دعوى قصور الروايات عن شموله بالتقريب الاخير، فانها سؤالا وجوابا بصدد بيان حال المأخوذ من سوق العامة وأيديهم، والمسألة بجميع جوانبها تحتاج إلى مزيد تدبر. المطلب الخامس: طريق ثبوت النجاسة والطهارة وغيرهما من الموضوعات الخارجية العلم وما قام مقامه من الامارات الشرعية وبعض الاصول. وقيل بثبوتها بمطلق الظن، فان الشرعيات كلها ظنية، والعمل بالمرجوح في مقابل الراجح قبيح، وهو منقول عن أبي الصلاح الحلبي وفيه منع اعتبار الظن المطلق في الشرعيات، ولو فرض اعتباره في الاحكام فالحاق الموضوعات بها قياس، ومنع كون عدم العمل بالظن من باب ترجيح المرجوح عليه، بل لعدم الدليل على اعتباره والعمل

[ 548 ]

بالاصول المعتبرة في مقابل الظن عمل بالراجح. وعن ابن البراج أن طريق ثبوتها العلم فقط، قائلا: إن الطهارة ثابتة بالعلم، والبينة لا تفيد إلا الظن، وفيه منع ثبوت الطهارة بالعلم إلا في بعض الاحيان، ومنع الملازمة بين ثبوتها بالعلم وثبوت النجاسة به، لعدم الدليل على أن الشئ إذا ثبت بالعلم لا بد وأن يثبت ضده به أيضا، وأما الاستدلال له بنحو قوله عليه السلام: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " (1) فلا يخفى ما فيه بعد تحكيم أدلة اعتبارات الامارات عليه لو سلم أن المراد بالعلم هو العلم الوجداني، وإلا فهو أيضا محل منع أشرنا إلى وجهه في بعض المقامات. فالاولى صرف الكلام إلى ما يثبت به النجاسة غير العلم، لا ينبغي الاشكال في ثبوتها بالبينة كما عن المشهور، فان الادلة الواردة في ثبوت المعظمات بها كما يوجب القتل مثل الزندقة وعبادة الاوثان واللواط أو القطع كالسرقة أو الحد كشرب الخمر ونحوها مما يعثر عليه المتتبع وكذا في موارد حقوق الناس وغيرها من الموارد الكثيرة المختلفة موجبة لالقاء الخصوصية عرفا، لان العرف يرى أن ثبوت تلك الاحكام كالقطع والقتل والحد انما هو لثبوت موضوعاتها بالبينة من غير دخالة لخصوصية الموضوع أو الحكم في ذلك، بل دعوى الجزم باعتبارها في مثل النجاسة والطهارة من غير المعظمات بعد ثبوت تلك المعظمات بها غير جذاف. هذا مضافا إلى موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك يكون عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة


(1) مرت في ص 534

[ 549 ]

تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " (1). وفي الرواية احتمالان: أحدهما ما فهموا منها، وهو أن كل شئ لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه سواء كان من قبيل الامثلة مما قامت امارة عقلائية وشرعية على حليتها أم لا، فان الامارة لا توجب العلم الوجداني على الحلية، فيصح انسلاك موردها فيما لا يعلم، وذكر خصوص تلك الامثلة انما هو من باب الاتفاق ثم عقبها بقاعدة كلية شاملة لمواردها وغيرها. هي قوله عليه السلام: " والاشياء كلها على ذلك " الخ. والمراد بالاستبانة المقابلة للبينة إن كان خصوص العلم الوجداني فاختصاصهما بالذكر لكونهما أوضح مصاديق ما يثبت به الموضوع، فلا ينافي ثبوته بغيرهما كاخبار ذي اليد والاستصحاب، وإن كان المراد بها مطلق الامارات والاصول المحرزة فاختصاص البينة بالذكر لكونها أوضح مصاديق ما جعله الشارع حجة. والمراد من قيام البينة قيامها على السرقة والحرية والاختية ونحوها من الموضوعات التي تقوم عليها البينة عادة، وتوهم أن المراد قيامها على الحكم فاسد جدا، مخالف لظاهر الرواية وللمعهود من قيامها على الموضوعات فتترتب عليها الاحكام لا عليها. ولا شبهة في عدم فهم خصوصية للموضوعات التي تترتب عليها الحرمة حتى يقال لا دلالة لها على حجية البينة فيما يترتب عليه حكم وجوبي، لان المستفاد منها أن تمام الملاك لثبوت الموضوع قيام البينة، سيما مع كونها امارة عقلائية مضاعفة فان خبر الثقة ايضا امارة عقلائية.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 4

[ 550 ]

وبالجملة لما كانت للبينة حيثية الا مارية فلا يفهم العرف من قاطعيتها للحلية إلا لاماريتها على الواقع وثبوته بها من غير خصوصية للموضوعات أو الاحكام المترتبة عليها خصوصا مع جعلها عدلا للاستبانة والاحتمال الثاني الذي يمكن أن يكون ثقيلا على الاسماع ابتداءا وليس بعيدا بعد التنبه لخصوصيات الرواية هو أن المراد بقوله عليه السلام: " كل شئ هو لك حلال " أن ما هو لك بحسب ظاهر الشرع حلال فيكون قوله عليه السلام: " هو لك " من قيود الشئ " وحلال " خبره، وتشهد لهذا أمور: منها ذكر " هو " في خلال الكلام، وهو غير مناسب لبيان حلية المجهول، كما هو غير مذكور في الروايات التي سيقت لبيان حليته، فنكتة ذكر الضمير لعلها لافادة خصوصية زائدة هي تقييد الشئ بكونه لك. ومنها قوله: وذلك كذا وكذا، فان الظاهر منه أن له عناية خاصة بالامثلة التي ذكرها، ولها نحو اختصاص بالحكم. ومنها ذكر الامثلة التي كلها من قبيل ما تقدم من كون الموضوع مما يختص به بحسب امارة شرعية كاليد أو اصالة الصحة أو الاستصحاب فذكر خصوص تلك الامثلة التي ليست واحدة منها من مورد كون الشك موجبا للحلية يؤكد ما ذكرناه، بل يدل عليه. ومنها أن لسان الرواية بناء على الاحتمال الاول لسان الاصل، وهو لا يناسب الامثلة المذكورة، وأما بناء على الاحتمال الثاني فليس المنظور جعل الحكم الظاهري حتى لا يناسبها، بل أمر آخر يأتي بيانه. ومنها اختصاص العلم الوجداني والبينة بالذكر، فان الظاهر من الاستبانة في مقابل البينة هو العلم الوجداني فحملها على الاعم خلاف الظاهر المتفاهم منها، فعليه تكون الرواية بصدد بيان أن ما هو لك

[ 551 ]

بحسب الامارات الشرعية ونحوها لا تنقطع حليته إلا بالعلم الوجداني وخصوص البينة من بين الامارات، وليست بصدد بيان الحكم الظاهري. ففقه الحديث على هذا أن ما هو بحسب ظاهر الشرع لك ومختص بك - كالثوب الذي اشتريته واحتمل أن يكون سرقة، والمملوك الذى تحت يدك ومحكوم بملكيتك واحتمل حريته، والامرأة التي تحتك واحتمل كونها اختك أو رضيعتك، مع ان اليد وأصالة الصحة بل والاستصحاب الموضوعي في الرضيعة بل في الاخت على فرض جريانه في الاعدام الازلية كل يقتضي كونها زوجتك - هو حلال لك لا تنقطع حليته إلا بأمرين: العلم الوجداني والبينة دون سائر الامارات، وهذا الاحتمال وإن كان بعيدا ابتداءا، لانس الاذهان بأن مثل العبارة سيقت في سائر الروايات لبيان الحكم الظاهري، لكن بعد التأمل في الجهات المتقدمة لا يبعد أن يكون أظهر من الاول، ولا أقل من مساواته له مع رفع الاشكال به عن الرواية، فيكون حينئذ المراد من قوله عليه السلام: " والاشياء كلها على هذا " أن كل شئ من قبيل الامثلة لا جميع الاشياء. وكيف كان تثبت على هذا الاحتمال أيضا حجية البينة مطلقا، ضرورة ان جعلها عدلا للعلم في قطع الاصول والامارات العقلائية والشرعية المخالفة لها موجب لاستظهار كونها أقوى الامارات في إثبات الموضوعات، واحتمال دخالة خصوصية قيام الامارة على خلافها في حجيتها مدفوع بالقطع ومخالفته لفهم العقلاء، فالمستفاد منها ان البينة عدل العلم في إثبات الموضوعات حتى مع قيام الامارات على خلافها. وتدل على ثبوتها بها أيضا رواية عبد الله بن سليمان قال: " كل

[ 552 ]

شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة " (1). وهل يثبت النجاسة بل سائر الموضوعات بخبر الثقة؟ قيل: نعم متمسكا باستقرار سيرة العقلاء على العمل به، ولم يثبت الردع من الشارع، بل ثبت الانفاذ في أخذ الاحكام والاخبار من الثقات، والظاهر من الاخبار الواردة في هذا المضمار أن الشارع لم يؤسس حكما، بل أنفذ ما لدى العقلاء من الاخذ عن الثقات، ولا فرق في نظر العقل والعقلاء بين الاحكام وموضوعاتها، نعم ورد الردع في بعض الموارد كأبواب الخصومات. بل يمكن الاستدلال للمطلوب بموثقة مسعدة المتقدمة بدعوى أن الاستبانة أعم من العلم وغيره كخبر الثقة، وانما خصت البينة بالذكر لكونها اوضح الطرق الشرعية لا لخصوصية فيها. وتشهد له ايضا الاخبار الواردة في ابواب مختلفة. مثل صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها " قلت: فان الوكيل امضى الامر قبل ان يعلم العزل أو يبلغه أنه قد عزل عن الوكالة فالامر على ما امضاه؟ قال: نعم، قلت له: فان بلغه العزل قبل ان يمضي الامر ثم ذهب حتى امضاه لم يكن ذلك بشئ؟ قال: نعم، إن الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا، والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة " (2). وموثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضا فقال لي: إن


(1) مرت في ص 104 (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوكالة - الحديث 1

[ 553 ]

حدث بي حدث فاعط فلانا عشرين دينارا، واعط أخي بقية الدنانير فمات ولم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: إنه أمرني أن أقول لك: انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي فتصدق منها بعشرة دنانير أقسمها في المسلمين، ولم يعلم أخوه أن عندي شيئا فقال: ارى أن تصدق منها بعشرة دنانير " (1). وموثقة سماعة قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة، فقال: إن هذه امرأتي وليست لي بينة، فقال: إن كان ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل " (2). والاخبار الدالة على جواز الاعتماد على أذان الثقة (3) وما دلت على جواز وطي الامة بغير استبراء إذا كان البائع ثقة أمينا (4). وصحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده " (5). أقول: وفى الجميع نظر، أما استقرار سيرة العقلاء فمسلم، لكن مع ما نرى من اعتبار البينة في موارد كثيرة لا تحصى، لا يبقى وثوق بها، فانها بنفسها ليست بحجة، ومع ورود الردع في تلك الموارد لا يمكن استكشاف عدمه في الموارد المشكوك فيها. إلا أن يقال: إن للموارد المردوعة خصوصيات كباب الخصومات


(1) الوسائل - الباب - 97 - من كتاب الوصايا - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب عقد النكاح - الحديث 2 (3) المروية في الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاذان والاقامة. (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب الجنابة - الحديث 1.

[ 554 ]

فان غالب مواردها قامت أمارة شرعية على أمر يراد دفعها، فلا بد وأن تكون الامارة الدافعة أقوى منها، ولهذا اعتبرت فيها البينة لقطعها، وفى موارد الحدود ونحوها يكون للشارع الاقدس مزيد عناية بعدم ثبوتها ومحفوظية عرض المسلم ودمه، ولهذا تدرأ بالشبهات، ولا يعتنى في بعض الموارد باقرار المرتكب مرة أو مرتين أو أزيد، فردع الشارع في تلك الموارد المهمة لا يدل على ردعه في سائر الموارد. لكن نقل الشهرة على عدم اعتبار خبر الثقة فيما نحن فيه، وكذا نقلها بل نقل الاجماع في الموارد التي وردت فيها الخبر بالخصوص باعتبار خبر الثقة على عدم الثبوت به - كمورد عزل الوكيل ومورد الوصية ومورد أذان الثقة مما تأتي الاشارة إليه - ربما توجب الوثوق بمعهودية عدم اعتباره في الموضوعات. هذا مع أن موثقة مسعدة ظاهرة في الردع عنه بناء على ما هو المعروف في معناها أي الاحتمال الاول من الاحتمالين المتقدمين، فان الظاهر أن الغاية للحل مطلقا البينة، فلو كان خبر الثقة مثبتا للموضوع كان اعتبار البينة بلا وجه، فان معنى اعتبارها أن يكون كل واحد من الشاهدين جزء الموضوع للاثبات، ومقتضى ثبوته بخبر الثقة أنه تمام الموضوع، فلا يمكن الجمع بينهما في الجعل، فالقول بأن الاستبانة أعم من العلم وخبر الثقة ضعيف غايته، ضرورة لغوية جعل البينة حينئذ غاية. فان قلت: المراد بالبينة شاهدا عدل ولو لم يكونا ثقتين من غير جهة الكذب بل من جهته أيضا فان ظهور الصلاح كاشف تعبدي عن العدالة، فحينئذ يكون خبر الثقة في مقابل البينة، لا جزئها حتى يرد الاشكال العقلي، فالبينة إحدى الاثبات، وهي شاهدا عدل ثبت

[ 555 ]

عدالتهما بظهور الصلاح ولو لم نثق بهما من جهة الاحتراز عن الكذب أو من جهة الغفلة والخطأ، وخبر الثقة ولو لم يكن عدلا طريق آخر له مباين لها لا مداخل فيها، نعم لو قلنا باعتبار خبر واحد عدل لتطرق الاشكال المتقدم. قلت: نمنع عدم اعتبار الوثوق من جهة احتمال الغفلة والخطأ في البينة، فان الشاهدين إذا كان من متعارف الناس تجري فيهما أصالة عدم الخطأ والغفلة لدى العقلاء، وإن لم يكونا كذلك وكان الغالب عليهما الاشتباه والخطأ أو كانا بحيث لم يتكل عليهما العقلاء ولم تجر في حقهما الاصول العقلائية لا تعتبر شهادتهما، وتكون أدلة اعتبار البينة منصرفة عن مثلهما. والظاهر ملازمة ظهور الصلاح بالمعنى المعتبر في الكاشف للوثوق النوعي بالاحتراز عن الكذب، والوثوق الشخصي غير معتبر لا في البينة ولا في خبر الثقة، ومع عدم حصول الوثوق النوعي لجهة من الجهات في الشاهدين فلا محالة تكون تلك الجهة منافية لظهور الصلاح، مضافا إلى أن إطلاق الموثقة يقتضي اعتبار التعدد ولو كان الشاهدان موثقين، وحملها على خصوص غير الموثق مع كون العدلين موثوقا بهما نوعا كما ترى. فتحصل مما ذكرناه أن الموثقة رادعة عن العمل بخبر الثقة في الموضوعات، ومن هنا ظهر ضعف التمسك بها لاثبات اعتبار خبر الثقة كما هو واضح، نعم بناء على الاحتمال الثاني لا تكون الموثقة رادعة إلا عن الموارد التي قامت أمارة على إحراز موضوع ويراد إثبات خلافها نظير الامثلة المتقدمة. وأما الروايات المستشهد بها فمع كونها في موارد خاصة لا يمكن

[ 556 ]

إثبات سائر الموارد بها، سيما مع البناء على كون الموثقة رادعة، وسيما مع قلة العامل بها على الظاهر، كما حكي عن التذكرة وجامع المقاصد الاجماع على عدم ثبوت العزل بخبر العدل، وظهور الكتاب والسنة في عدم ثبوت الوصية إلى بشاهدين عدلين، بل أرسل الاصحاب إرسال المسلمات عدم ثبوت شئ من الوصية باخبار رجل عدل، وإن ثبت الربع منها باخبار مرأة والربعين بمرأتين وثلاثة أرباع بثلاث للنص (1) فضلا عن ثبوت التمام به، وعدم عمل المشهور بالاخبار الواردة في أذان الثقة في حال إمكان العلم ومع عدمه يكون مطلق الظن حجة يثبت به الوقت. ان المحتمل في خبر عزل الوكيل أن العزل المحقق واقعا إذا بلغ بثقة ينعزل الوكيل به لا لاجل ثبوت العزل به بل لبلوغه، ففرق بين ثبوت العزل به عند الشك فيه وبين بلوغ العزل المحقق بثقة، فالاول محط البحث هاهنا، والثاني مورد دلالة الخبر. وبعبارة اخرى أن العزل الواقعي لا يكون موضوع حكم حتى يكون خبر الثقة مثبتا له، بل الموضوع للحكم بلوغ العزل بثقة على أن يكون كل من العزل والبلوغ جزء للموضوع، وهو أجنبي عما نحن بصدده، ولا دليل على أن أحد الجزئين مثبت للجزء الآخر، وبهذا اللحاظ يكون موضوعا له، فتدبر تعرف. والمحتمل في خبر الوصية أن الوصي لم تكن شبهته في ثبوت الوصاية بخبر الثقة، بل الظاهر فرض حصول الاطمئنان بها، حيث فرض كون المخبر صادقا مع انه أخبر عن واقعة شخصية كانت بينه وبين الموصي، ومعه تطمئن النفس بصدقه، سيما في أمر لا داعى له


(1) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الوصايا.

[ 557 ]

أن يكذب فيه، بل كانت شبهته في أن تبديل الوصية بوصية أخرى جائز، ومعه هل يجب على الموصي العمل بالاولى أو الثانية؟ تأمل. وموثقة سماعة محمولة على الاستحباب، ضرورة عدم اعتبار قول المدعي ولو كان ثقة، وقد ورد في موردها ما يدل على عدم سماع دعواه إلا بالبينة (1). وخبر قبول الاستبراء من البائع فمن إخبار ذي اليد، وهو أمر آخر غير مربوط بالمقام. ولم يظهر من خبر اللمعة العمل بخبر الثقة، بل لعله كان مشتغلا بالعمل فصار خبره موجبا للشك حال الاشتغال، أو كانت اللمعة في طرف الايسر بناء على اعتبار الشك فيه ولو بعد الفراغ، أو كان من باب الاحتياط. فالمسألة محل إشكال من جهة الاشكال في معنى موثقة مسعدة، ومن جهة عدم العثور على مورد عمل الاصحاب بخبر الثقة في الموضوعات كما عملوا به في الاحكام، ومن هنا يشكل الاعتماد على السيرة والوثوق بعدم الردع، فالاحوط عدم الثبوت بخبر الثقة لو لم يكن الاقوى. وأما إخبار ذي اليد أي من كان له نحو استيلاء وتصرف في الشئ ولو كان غاصبا وفاسقا فضلا عمن كان مالكا أو أمينا كالمستأجر والمستودع بل والخادم وغيرهم فلا ينبغي الاشكال في اعتبار قوله في ثبوت النجاسة والطهارة، بل وغيرهما إلا ما استثني. والدليل عليه السيرة المستمرة، وبناء العقلاء، ونقل الشهرة، والاتفاق على قبول قوله، ويدل على اعتباره في الجملة الاخبار المختلفة في موارد لا يبعد القاء الخصوصية منها عرفا.


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب عقد النكاح - الحديث 3

[ 558 ]

منها روايات قبول خبر غير العارف وغير معروف الحال في البختج إن لم يكن مستحلا كصحيحة عمر بن يزيد قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يهدى إليه البختج من غير أصحابنا فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه، وإن كان ممن لا يستحل فاشربه " (1) وصحيحة معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث، وأنا أعرف أنه يشربه على النصف، فأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم " (2). دلتا على أنه مع كون الرجل غير متهم ولا مكذب عمله قوله يقبل منه إخباره ولو كان إخبارا عمليا، سواء كان من أهل المعرفة أو لا، معلوم الحال أو لا، وإطلاقهما يقتضي قبول قول الفاسق في مذهبه. نعم في بعض الروايات (3) اعتبار كون المخبر مسلما ورعا مؤمنا أو مسلما عارفا أو اعتبار البختج حلوا يخضب الاناء مضافا إلى إخبار صاحبه، والاوليان محمولتان على الاستحباب حملا على النص، والثالثة محمولة على ما إذا كانت الامارة على خلاف قوله، فان عدم الاختضاب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 - 4. (3) المرية في الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 6 و 7 و 3.

[ 559 ]

دليل على عدم التثليث، بل لعله دليل قطعي على عدمه، وأما الاختضاب فأعم من حصول التثليث، فاعتباره لاجل حصول الشك فيه لا قيام الامارة عليه. نعم إطلاق صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها " إذا كان يخضب الاناء فاشربه " (1) يقتضي أمارية الاختضاب على التثليث، لكنها محمولة على صحيحة معاوية بن وهب (2) التي اعتبر فيها مضافا إلى ذلك إخبار ذي اليد حملا للمطلق على المقيد. ومنها بعض الروايات الواردة في الجبن، كرواية بكر بن حبيب قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الجبن وأنه توضع فيه الانفحة من الميتة، قال: لا تصلح، ثم أرسل بدرهم، فقال: اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شئ " (3) ونحوها في عدم لزوم السؤال رواية حماد بن عيسى (4) وهذه الروايات وإن صدرت تقية لان الانفخة من الميتة طاهرة عندنا لكن يظهر منها أنه لا بأس بالاشتراء والاكل من سوق المسلمين، ولا يلزم السؤال، لكن لو سأل وأجاب صاحب اليد بكون الميتة فيه لا يجوز الاكل، فيظهر منهما أن هذا الحكم كان معهودا في ذلك العصر. ومنها ما وردت في قبول قول البائع الامين الثقة في استبراء الامة (5) واعتبار الامانة والثقة لكون أمر الفروج مهما كما يظهر من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 2 - 3. (3) مرت في ص 104. (4) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب النجاسات - الحديث 8 (5) مرت في ص 553.

[ 560 ]

تلك الروايات. ومنها رواية عبد الرحمان بن الحجاج قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أني أدخل السوق أعني هذا الخلق الذي يدعون الاسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة وأقول لصاحبها: أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال: لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية، قلت: ما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق الميتة " (1). وقد مر في المسألة السابقة أن الظاهر منها ومن سائر الروايات أن سوق المسلمين - أي هذا الخلق - ليس امارة على التذكية، وإن جاز لنا ترتيب آثارها توسعة، وأما جواز الاخبار بها فهو من آثار ثبوتها لدى المخبر، وانما نهي عن الاخبار بها مع إخبار ذي اليد لاستحلال أهل العراق الميتة، فيظهر منه أنه لو لا ذلك لجاز الاتكال على إخباره وقول عبد الرحمان: " ما افسد ذلك؟ " دليل على معروفية الاتكال على قول صاحب اليد، فسأل عن وجه عدم الجواز، فأجابه عليه السلام بذلك. إن قلت: مع عدم استحلاله تكون يده امارة قلت المراد بالاستحلال استحلال الميتة بالدباغ، ولهذا نسبه إلى أهل العراق، فحينئذ مع عدم الاستحلال أيضا لا يكون سوقهم امارة ولا يدهم، لاختلافهم معنا في معظم شرائط التذكية، تأمل. ويمكن أن تعد من الشواهد أو الادلة الروايات الواردة في سياق الهدي، كصحيح حفص بن البختري قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به


(1) مرت في ص 546

[ 561 ]

عليه، قال: ينحره ويكتب كتابا يضعه عليه، ليعلم من مر به أنه صدقة " (1) بدعوى دلالتها على معروفية قبول قول صاحب اليد بأنها صدقة إلى غير ذلك من الموارد التي يعلم - بالقاء الخصوصية عنها عرفا - أن قول صاحب اليد معتبر عند الشارع، كما هو معتبر عند العرف، سيما مع قبوله في المهمات. المطلب السادس: مقتضى اطلاق أدلة شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة - كقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " لا صلاة إلا بطهور " (2) المتيقن منها بقرينة ذيلها الطهور من الخبث، وقوله عليه السلام: " لا تعاد الصلاة " الخ (3) بناء على أن الطهور في المستثنى أعم من الخبث - بطلان الصلاة التي يؤتى بها في النجس مطلقا، سواء كان عن عمد أو جهل بالحكم أو الموضوع أو النسيان أو غيرها من الاعذار، فلا بد من التماس دليل على صحة الصلاة المأتي بها في النجس. وقد يقال: إن الادلة قاصرة عن اثبات الحكم للجاهل، لقبح تعلق التكليف بالغافل، وعليه يكون المأتي به مع النجاسة مجز، لانه صلاة تامة في حقه بعد عدم الدليل على إثبات المانعية أو الشرطية في حقه. وفيه ما حقق في الاصول من عدم قصور الادلة عن إثبات التكليف لمطلق المكلفين، ولا مانع من تعلقه بالعناوين الكلية الشاملة لعامة


(1) مرت في ص 542 (2) و (3) مرتا في ص 388.

[ 562 ]

المكلفين، وإن كان التارك عن عذر معذورا في ادائه، والسر فيه عدم انحلال الخطاب المتعلق بالعناوين كالناس والمؤمنين إلى خطابات جزئية بعدد النفوس أو العناوين الطارية، ولهذا يكون العصاة مكلفين، مع أن العاصي الذي يعلم المولى طغيانه لا يمكن تكليفه جدا لغرض الانبعاث لامتناع انقداح إرادة التكليف جدا بمن لا يطيع. هذا مع أن ما ذكر لا يتأتي في الوضعيات، كقوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " ولا شبهة في إطلاقه بالنسبة إلى كل صلاة من دون اشكال. نعم لا فرق في الاشكال بين الاوامر النفسية وما هي للارشاد إلى الشرطية، كقوله: " إذا قتمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " الخ (1) فانها وان كانت للارشاد لكنها لم تنسلخ عن البعث والتكليف، ولم تستعمل في الاشتراط، بل يفهم العرف من البعث إلى تحصيل الطهور للصلاة اشتراطها بها، فان قبح أو امتنع تعلق التكليف بالغافل لا يمكن انتزاع الاشتراط مطلقا منها بحيث يشمل الغافل، فما قد يقال في الجواب عنه: إن الاوامر الارشادية لا اشكال فيها كأنه في غير محله. هذا مع اقتضاء بعض الادلة الخاصة في المقام بطلان الصلاة في النجاسة، كصحيحة عبد الله بن سنان قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم، قال: إن كان علم أنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى " (2) وغيرها مما تشمل باطلاقها للعالم وغيره. وأما الجاهل بالموضوع ففيه أقوال: عدم الاعادة مطلقا، والاعادة


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 6 (2) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 3

[ 563 ]

كذلك كما حكي عن بعض، والتفصيل بين التذكر في الوقت وخارجه، فيعيد في الاول، والتفصيل بين المتذكر الذى لم يتفحص وغيره، فيعيد الاول. وقد يقال: إن مقتضى الجمع بين الروايات التفصيل الاول، لان منها ما تدل على عدم الاعادة مطلقا كموثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي وفى ثوبه عذرة انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد " (1) ونحوها روايات (2). ومنها ما تدل على الاعادة مطلقا، كصحيحة وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله عليه السلام " في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم به صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد ذلك، قال: يعيد إذا لم يكن علم " (3) ورواية أبى بصير الصحيحة بناء على كون وهب بن حفص هو الجريري الثقة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة، فقال: علم به أو لم يعلم فعليه اعادة الصلاة إذا علم " (4). ومنها ما تدل على عدم وجوب القضاء كصحيحة العيص بن القاسم قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى في ثوب رجل أياما، ثم أن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه، قال: لا يعيد شيئا من صلاته " (5) ورواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر


(1) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 (2) المروية في الوسائل - الباب - 40 - من ابواب النجاسات. (3) و (4) و (5) الرسائل - الباب - 40 - من ابواب النجاسات الحديث 8 - 9 - 6.

[ 564 ]

عليه السلام قال: " سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ قال: إذا كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي، ولا ينقص منه شئ، وإن كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله " (1). وطريق الجمع بينها بتقييد صحيحة ابن عبد ربه ورواية أبى بصير بالروايتين الاخيرتين، فيصير مفادهما بعده الاعادة في الوقت دون خارجه فتقيد بهما الطائفة الاولى الدالة على عدم الاعادة مطلقا، فتصير النتيجة التفصيل بين الوقت وخارجه. وفيه - مضافا إلى منع كون الاخيرتين مختصتين بالقضاء. اما صحيحة العيص فظاهر، ضرورة أن ترك الاستفصال في وقت إخبار صاحب اليد دليل على عموم الحكم لما إذا أخبره في الوقت وقد صلى في ثوبه وبقى وقت الاعادة، والرواية الثانية وان كان صدرها متعرضا للقضاء لكن ذيلها مطلق يشمل الفرض المتقدم، ومجرد تعرض الصدر للقضاء لا يوجب الانصراف أو تقييد الاطلاق -. ان المتفاهم العرفي من نفي القضاء هو الارشاد إلى صحة الصلاة المأتي بها، فيفهم العرف من نفي القضاء نفي الاعادة، كما أنه يفهم من نفي الاعادة نفي القضاء، وذلك لان نفي كل منهما دليل عرفا على صحة الصلاة، وارشاد إليها، واحتمال أن تكون النجاسة المحرزة في جزء من أجزاء الوقت مانعة منها - وبعبارة اخرى تعقبها بالاحراز في الوقت ولو بعد الصلاة مانعة - بعيد عن فهم العرف غايته. نعم لو ورد دليل على التفصيل بين الاعادة في الوقت وعدم القضاء خارجه كان هذا التصوير العقلي موجبا لعدم جواز طرحه وعدم العمل به


(1) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 10

[ 565 ]

أما إن كانت الواقعة مثل المقام من عدم الدليل على التفصيل وانما أردنا البناء عليه بدليل نفي القضاء والتقييد المشار إليه فلا يساعده العرف فان ما يدل على نفى القضاء يدل على صحة الصلاة لدى العرف فيعارض ما دل على الاعادة. هذا مع التأمل في أن هذا النحو من التقييد وانقلاب النسبة جمع مقبول عقلائي، بل كأنه أمر صناعي عقلي، لا جمع عرفي، والميزان في جمع الادلة هو الثاني، وهو محل اشكال سيما في المقام الذي يأبى جل الروايات عن الحمل على ما بعد الوقت، كما لا يخفى على المتأمل فيها، فبقيت صحيحة ابن عبد ربه ورواية أبي بصير معارضتين لسائر الروايات. ويمكن أن يجاب عن الاولى بأن الشرطية المذكورة فيها ظاهرة في دخالتها في الحكم، فيكون موضوع الاعادة النجاسة غير المعلومة، وهذا غير النباء على المفهوم كما هو المقرر في محله، فإذا قطعنا بعدم دخالتها في الحكم بل كان ذكرها مخلا بالمقصود أو لغوا يجب تنزيه ساحة القائل عنهما يدور الامر بين زيادة الشرطية وما بعدها ونقصان كلمة " لا " قبل " يعيد " أو كون اداة الاستفهام غير مذكورة فيكون الاستفهام إنكاريا ولا ترجيح لواحد منها. وبعبارة أخرى إن العمل بالظواهر ليس أمرا تعبديا، بل أمر عقلائي يتوقف على جريان الاصول العقلائية، كأصالة عدم الخطأ والنسيان والغفلة في صدورها حتى يجوز الاتكال عليها، وفي مثل المورد الذي كان القيد الزائد بلا وجه لا يعتد العقلاء بالاصول المتقدمة، سيما مع معارضتها بالروايات المستفيضة المصرحة بأنه لا يعيد إذا لم يعلم، والانصاف أن دعوى الجزم بوجود خلل فيها غير بعيدة.

[ 566 ]

وأوضح منه الجواب عن الثانية، فانه بعد الغض عن عدم الدليل عن أن وهب بن حفص هو الجريري الثقة أن صحة الشرطية فيها أيضا تحتاج إلى التوجيه والتأويل، وإلا فبعد قوله عليه السلام: " علم به " الظاهر في أنه علم به حين الصلاة لا وجه للتقييد بأنه إذا علم فلا بد من أن يقال: سواء علم به فنسي أو لم يعلم فعليه الاعادة إذا علم بالخلل (1) وهو تأويل فيها بلا دليل، ولا ترجيح لهذا الاحتمال على الاحتمال الآخر، وهو الحمل، على أن قوله عليه السلام: " علم به أو لم يعلم " استفسار عن الواقعة، وأن الشرطية لافادة أن في شق منهما يعيد دون الآخر، وعليه تكون الرواية من أدلة القول المشهور. والانصاف عدم إمكان التعويل عليهما في مقابل تلك الروايات الظاهرة الدلالة الواضحة المراد السليمة عن المناقشة في الاسناد والمتون والحمل على الاستحباب لا يخلو من بعد وإشكال، سيما في المقام الذي يكون الامر الاعادة لدى العرف إرشادا إلى الفساد، كما أن النهي عنها ارشاد إلى الصحة، ولم ينقدح في الاذهان منهما النفسية وجوبا كان أو استحبابا، كما أنه مع تصديق التعارض بين الاخبار يشكل ترجيح الروايات النافية للاعادة عليهما بعد ما قرر في محله أن كثرة الرواية ليست من المرجحات، وليس في المقام شهرة فتوائية موهنة لمقابلها بحيث يكون المقابل شاذا نادرا، بعد عمل عمد الفقهاء بها كالشيخ وابن زهرة والمحقق والعلامة وثاني المحققين والشهيدين وغيرهم على ما حكي عنهم، وموافقتهما لادلة الاشتراط، مثل " لا صلاة إلا بطهور " و " لا تعاد " بناء على أن الطهور أعم، وغيرهما من أدلة


(1) أضف إلى ذلك أن التعبير بالعلم في صورة النسيان غير مناسب بل المناسب التعبير بتذكر.

[ 567 ]

اعتبار الطهارة أو مانعية النجاسة، فالتفصيل المتقدم ضعيف لا لما ذكر آنفا، بل لما تقدم من الوجه. وأضعف منه التفصيل الثاني، لعدم دليل عليه سوى رواية ميمون الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل، فلما اصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، فقال: الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وله حد، إن كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة " (1) كذا في نسخة الوسائل ومرآة العقول، وفى الوافى عن الكافي والتهذيب بزيادة " وصلى " بعد " فاغتسل " وفي هامش الوافى " هذا الخبر أورده في التهذيب مرتين، وليس في أحدهما قوله عليه السلام: " حين " الاول إلى " حين " الثاني (منه) " انتهى. وفى الوسائل بعد نقله عن الكافي كما تقدم قال: " ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب، ورواه ايضا باسناده عن الصفار عن الحسن بن علي بن عبد الله، ورواه ايضا مثله إلى قوله عليه السلام: فلا إعادة عليه " وفي نسخة من التهذيب مقروة على المحدث المجلسي كما تقدم عن الوسائل، لكن بزيادة " إلى الصلاة " بعد قوله عليه السلام: " حين قام " الاول، وقد اختلف نقلها في الكتب الاستدلالية أيضا. فهذه الرواية مع هذا السند الضعيف بل المغشوش كما يظهر بالرجوع إلى كتب الحديث وهذا المشوش لا يمكن الاتكال عليها، سيما مع عدم تحقق عامل بها، مع أنه على نسخة الوسائل التي ليس فيها قوله: " وصلى " لم يتضح أن الاعادة اعادة الصلاة، ولعلها اعادة


(1) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب النجاسات - الحديث 3

[ 568 ]

الغسل، ولزوم فساد المتن على هذا الفرض لا يوجب العلم بكون المقدر فيها الصلاة إلا أن يكون ذلك موجبا لترجيح النسخة الاخرى. وعلى النسخة التي ليس فيها جملة " وإن كان حين قام لم ينظر " إلى آخره لا تدل على المقصود إلا بتوهم أن المفهوم لها أنه إذا لم ينظر... الخ، وهو غير معلوم، لان أخذ النظر وغيره من العناوين التي لها طريقية إلى الواقع في موضوع لا يكون ظاهرا في الموضوعية، ولعل قوله عليه السلام: " نظر فلم ير " أخذ امارة على عدم الجنابة فيه واقعا، ومقابلها وجودها واقعا فيه، ومعارضة هذا المفهوم للادلة المتقدمة لا توجب ظهورا فيها. وأما دعوى تقدم أصالة عدم الزيادة على اصالة عدم النقيصة على فرض تسليمها لا تسلم في المقام، فان المحتمل فيه أن تكون الزيادة عن عمد نقلا بالمعنى وتفصيلا لما أجمل في الرواية، وهو ليس بممنوع حتى ينافي العدالة، فيدور الامر بين النقصية السهوية أو العمدية بلا وجه، وبين الزيادة السهوية أو العمدية مع الوجه، إلا أن يقال: يحتمل في النقيصة أن تكون عن عمد في المقام ايضا، لاحتمال اكتفاء الرواي يالمنطوق وإيكال فهم المفهوم على السامع، لكنه بعيد، بل ما ذكرناه أيضا كذلك. فالاوجه في الجواب عنها الطعن في السند والهجر في العمل، وبالاخير يجاب عن سائر الروايات التي استدل بها للمقصود لو سلمت دلالتهما لكنها غير مسلمة، لان الظاهر من صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " ذكر المني فشدده وجعله اشد من البول، ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة، وإن انت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا

[ 569 ]

إعادة عليك، وكذلك البول " (1) أن الجملة الثانية مفهوم الشرطية للاولى، ولسيت جملة مستقلة غير مربوطة بها، فيكون المراد عدم رؤية المني في الثوب، وقد مر منا أن الجملة المذكورة لبيان المفهوم لا مفهوم لها. وأما مرسلة الصدوق (2) فهي على الظاهر عين الرواية المتقدمة، ورواية ميسر (3) أجنبية عن المقام. ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة فان علم بسبقها وان بعض صلاته وقع مع النجاسة بطلت صلاته مع سعة الوقت، لبطلان المشروط مع فقد شرطه، ولجملة من الروايات الآتية عن قريب. وقد يقال: إن مقتضى الروايات الواردة في حدوث الدم في أثناء الصلاة كصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرعاف أينقض الوضوء؟ قال: لو أن رجلا رعف في صلاته وكانه عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فقال: برأسه


(1) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (2) هكذا نصها: قال: " وقد روي في المني أنه ان كان الرجل حيث قام نظر وطلب فلم يجد شيئا فلا شئ عليه، فان كان لم ينظر ولم يطلب فعليه أن يغسله ويعيد صلاته " راجع الوسائل - الباب - 41 - من ابواب النجاسات - الحديث 4. (3) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: " آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله، فأصلي فيه فإذا هو يابس، قال: أعد صلاتك، أما أنك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليه شئ " راجع الوسائل - الباب - 18 - من ابواب النجاسات - الحديث 1.

[ 570 ]

فغسله فليبن على صلاته ولا يقطعها " (1) ونحوها جملة من الصحاح (2) وغيرها، والروايات الواردة في صحتها لو علم بالنجاسة بعدها صحة صلاته في الفرض، فان الجهل إذا كان في جميعها عذرا يكون في بعضها بالاولوية وإلقاء الخصوصية عرفا، فصحت صلاته إلى حين الالتفات، وفى حاله والاشتغال بالتطهير يكون معذورا بمقتضى الروايات المتقدمة في الرعاف، والعرف لا يفرق بين الحدوث والعلم بالوجود، لان المانع للصلاة النجاسة لا حدوثها. وبالجملة تصح صلاته هذه بعضها بدليل معذورية الجاهل، وبعضها بما دل على معذوريته حال الاشتغال بالتطهير، وبعضها بوجدانها للشرط وفيه منع الاولوية المدعاة، أما إن قلنا بالعفو فلان العفو في الجميع ربما يكون تخفيفا على المكلف وعدم ارادة اعادة جميع الصلاة دون بعضها، وإن قلنا بعدم المانعية فكذلك، لامكان أن يكون للجهل في جميع الصلاة دخالة فيه، فلا قطع بالمناط، وهو واضح سيما مع وقوع نظائره في الشرع. ولا يمكن دعوى إلقاء الخصوصية، لمنع فهم العرف من الادلة ذكر بعد الصلاة من باب المثال مثلا بعد ما يرى أن لتمام الصلاة خصوصية وأحكام في الشرع ليست لبعضها. ومنع القطع بعدم الفارق بين حدوث الدم وحدوث الالتفات إليه لاحتمال أن يكون للحدوث القهري خصوصية لم تكن لغيره، بل لو كان الدليل في الباب منحصرا بأدلة الرعاف لا يمكن لنا التعدي منها إلى


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب قواطع الصلاة - الحديث 11 (2) المروية في الوسائل - الباب - 76 - من ابواب نواقض الوضوء - والباب - 2 - من ابواب قواطع الصلاة.

[ 571 ]

سائر النجاسات بعد ثبوت التخفيف في الدم بما لا يكون في غيره كالتخفيف في دم القروح والجروح كائنا ما كان، وكالاقل من الدرهم، لكن سيأتي ما يستفاد منه العموم لسائر النجاسات. وقد يقال لتصحيح العبادة في الفرض وسائر الفروض في المقام: إنه لا دليل على مانعية النجاسة في جميع الصلاة أفعالا وأكوانا، لقصور أدلة الاشتراط أو المانعية عن شمول الاكوان، ومع الشك مقتضى الاصل البراءة، فتكون الصلاة صحيحة إلى حين الالتفات بأدلة الجهل كما تقدم وفي حينه وحين الاشتغال بالتطهير بأصالة البراءة. وفيه ما مر من عدم الدليل على معذورية الجاهل مع الالتفات في أثناء الصلاة ومنع فقدان الدليل على اعتبار الطهارة أو عدم النجاسة في الاكوان لعدم قصور صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا صلاة إلا بطهور، ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما البول فانه لا بد من غسله " (1) عن إفادته ذلك، لان الظاهر منها أن الصلاة باطلة مع فقد الطهور فإذا فقدت الطهور في بعضها لم تكن هي بطهور، وبالجملة الظاهر منها اعتباره في جميعها. إن قلت: نعم لكن الاكوان ليست بصلاة، بل هي عبارة عن التكبير إلى التسليم أي الاجزاء الوجودية من الاذكار وغيرها، والسكوتات المتخللات بينها ليست من الصلاة. قلت: مضافا إلى إمكان أن يقال: إن المصلي من اول صلاته إلى آخرها لا يخلو من التلبس بفعل من افعال الصلاة كالقيام والقعود والركوع والسجود، بل يمكن أن يقال: إن النهوض للقيام والهوي


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة - الحديث 1

[ 572 ]

للسجود أيضا من اجزائها لا من مقدماتها فاجزاء الصلاة متصلة إلى آخرها، تأمل: ان المرتكز لدى المتشرعة أن المصلي إذا كبر يكون في الصلاة إلى ان خرج عنها بالسلام، فتكون الصلاة عندهم أمرا ممتدا يكون المكلف متلبسا بها في جميع الحالات أكوانا أو أفعالا، ودعوى أن الاكوان خارجة عنها مخالفة لارتكازهم، مع ان التعبير بالقاطع في جملة من الموارد يدل على أنها أمر ممتد في الاعتبار يقطعها بعض القواطع. والقول بأن التعبير بالقاطع لاجل ابطاله الاجزاء السابقة وسلب صلوح اتصالها بالاجزاء اللاحقة خلاف ظاهر القطع والقاطع، مع أن اعتبار الطهور وسائر ما يعتبر في الصلاة في جميع الاجزاء والاكوان مما لا ينبغي الشك والترديد فيه، ومن هنا لا يجوز الاتيان بالموانع عمدا في الاكوان ورفعها للافعال، وهو كالضروري، وليس إلا لبعض ما تقدم فتحصل مما ذكر أن مقتضى القاعدة بطلان الصلاة في صورة العلم بسبق العروض، سواء علم بسبقه عن الدخول في الصلاة أو سبقه عن الرؤية مع إتيان بعض الصلاة مع النجس. هذا مضافا إلى دلالة صحيحة زرارة الطويلة عليه قال: " قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت اثره - إلى أن قال -: قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدرى لعله شئ أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك " (1) ولا ريب في أنه يستفاد منها حكم مطلق النجاسات، ضرورة أن


(1) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 573 ]

ذكر الدم والمني من باب المثال، كما يظهر مضافا إلى وضوحه من سائر فقراتها، كما لا شبهة في أن المراد بالفرع الاول من الفرعين مورد العلم بسبق النجاسة على زمان الرؤية، وقوله عليه السلام: " إذا شككت في موضع منه ثم رأيته " لتنقيح موضوع الاطمئنان بكون ما رآه هو المشكوك فيه قبلا، كما يظهر ذلك من تقييد المرئي في الفقرة الثانية بكونه رطبا، فانه مع فرض اليبوسة يعلم بسبقه، ويؤيده بل يشهد عليه قوله عليه السلام: " لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك " فانه لالقاء الشبهة بحدوث النجاسة. وبالجملة لا ينبغي الاشكال في ظهورها في أنه مع العلم بوجود النجاسة قبل الرؤية تبطل الصلاة، ومع الشك لا تبطل، وحمل الفقرة الاولى على مورد العلم الاجمالي مخالف للظاهر من وجوه. فيبقى سؤال الفارق بين الفرعين، حيث تمسك في الثانية بالاستصحاب دون الاول، مع أن جريان الاصل انما يفيد لحال الجهل لا الالتفات بوجود النجاسة، وفي الفرع الاول أيضا كان المصلي شاكا في عروضها، وتبين الخلاف غير مضر به، كما أجراه في صدر الصحيحة بالنسبة إلى من صلى في الثوب ثم علم بالنجاسة، وبالجملة كما انه في الفرع الثاني يجري الاستصحاب و يفيد بالنسبة إلى حال قبل الالتفات كذا في الاول بالنسبة إليه، ولا بد في تصحيح حال الالتفات والعلم من دليل آخر غير الاستصحاب. والجواب عنه ما ذكرناه من احتمال عدم العفو عن النجاسة الموجودة قبل حال الرؤية في حالها، لقصور الادلة الدالة على حدوث الرعاف بين الصلاة عن اثباته، وهذه الصحيحة شاهدة على ما ذكرناه من اقتضاء القواعد، وانما تمسك في الفرع الثاني بالاستصحاب لاصلاح

[ 574 ]

حال الجهل لا حال الالتفات، وأما في حال العلم فلما شك في وقوعها من الاول أو حدوثها في الآن يشك في حدوث المانع، فأصالة البراءة عقلا وشرعا جارية، ومع التطهير تصح صلاته ببركة الاستصحاب وأصالة البراءة والطهارة الواقعية. هذا إذا كان المراد من الاستصحاب في الرواية استصحاب عدم عروض النجاسة، وانما تمسكنا بأصالة البراءة دون أدلة الرعاف، فان استصحاب عدم عروض النجاسة إلى زمان الرؤية لا يثبت حدوثها في الحال حتى ينقح به موضوع الادلة الاجتهادية، فالاصل لاثبات الحدوث مثبت، وأما إن أريد استصحاب عدم عروض المانع أو استصحاب بقاء الهيئة الاتصالية للصلاة على فرض جريانهما فالامر واضح. وأما الفرع الاول فلا يمكن تصحيحه بالاستصحاب، لانه مع انكشاف أن النجس عرض سابقا يحرز عدم اندراج المورد في أدلة العفو الظاهرة في حدوث النجاسة لدى الرؤية، فتبقى أدلة اعتبار الطهور في الصلاة بلا مقيد. وتدل على المطلوب ايضا صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به، قال: عليه أن يبتدئ الصلاة، قال: وسألته عن رجل يصلى وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم، قال: مضت صلاته ولا شئ عليه " (1). واحتمال أن يكون المراد فرض نسيان النجاسة في غاية البعد لو لم نقل مقطوع الخلاف، سيما بملاحظة ذيلها الذى لا شبهة في أن المراد منه الجهل لا النسيان.


(1) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 575 ]

واحتمال أن الفقرة الثانية كانت رواية أخرى مستقلة ذكرت في ذيلها تلفيقا بعيد لا يصار إليه، وبالجملة لا ينبغى الاشكال في دلالتها على المطلوب. وتدل عليه أيضا اطلاق صدر صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول، ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة، وان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصليت فيه ثم رأيته بعد ذلك فلا إعادة عليك، وكذلك البول " (1) ولو نقش فيها بدعوى ظهورها بمناسبة الاعادة وغيرها فيما لو صلى واتمها بعد رؤية الدم ففي ما عداها كفاية وان امكن إنكار المناقشة. وربما يقال بأن الاعادة مختصة بما إذا لم يمكن نزع الثوب أو تطهيره، ومع إمكان ذلك فعله واتمها جمعا بين الروايات بشهادة صحيحة محمد بن مسلم قال: " قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك، ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته من قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه " (2). وفيه - بعد الغض عن اغتشاش متنها ونقلها كما مر في باب العفو عن الدم القليل، والغض عن ان ظاهرها بيان احكام لموضوعات ثلاثة: الدم المساوي للدرهم الدم والاقل منه، والاكثر منه، فان ما لم


(1) مرت في ص 568 (2) مرت في ص 423

[ 576 ]

يزد إذا وقع في مقابل الزائد والقليل يتعين أن يكون بمقداره، وهو تفصيل لم يقل به أحد - أن الاستدلال بها لما ذكر موقوف على أن المراد بالشرطية الاولى الدم الكثير وبالثانية طبيعة الدم، وارجاع القيد إلى الثانية فقط، وهو خلاف الظاهر، فان الظاهر أن قوله عليه السلام " وان لم يكن عليك ثوب غيره " بيان مفهوم الشرطية الاولى، فحينئذ يكون القيد راجعا اليهما، فيكون الامر بالطرح محمولا على الاستحباب إن أريد بما لم يزد الدم الاقل، وإلا كانت الشرطية الثانية خلاف الاجماع والاخبار. والانصاف أن رفع اليد عن القواعد والتصرف في الاخبار بهذه الرواية غير ممكن. واما الناسي بأن علم بالنجاسة فنسيها وصلى فعليه الاعادة في الوقت وخارجه على المشهور أو مذهب الاكثر، كما عن المعتبر وكشف الالتباس والروض وغيرها، وعن كشف الرموز نسبته إلى الشيخ والمفيد وعلم الهدى وأتباعهم، وعن التنقيح أنه مذهب الثلاثة واتباعهم، وعليه الفتوى، وعن ابن زهرة والحلي وظاهر شرح القاضي الاجماع عليه، ولم ينسب الخلاف إلى متقدمي أصحابنا إلا الشيخ في الاستبصار الذي لم يعد للفتوى، بل لرفع التنافي بين الاخبار، فلا ينبغي عده مخالفا، نعم عن التذكرة نسبة عدم وجوب الاعادة مطلقا إليه في بعض أقواله وعلى أي تقدير الشهرة محققة في الطبقة الاولى من أصحابنا. وقبل التكلم في مفاد الاخبار الخاصة لا بأس بالتكلم في مقتضى القواعد، فنقول: مقتضى أدلة اشتراط الطهور أو مانعية النجس سيما مثل قوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " هو بطلانها مع فقده نسيانا، وقد فرغنا عن رفع اشكال الاردبيلي ومن تبعه في المسألة المتقدمة

[ 577 ]

وأما حدث " لا تعاد الصلاة " الخ فان قلنا بأن الطهور في المستثنى أعم من الطهور عن الخبث كما هو الاظهر يكون مقتضاه موافقا لادلة الاشتراط، وإن قلنا باختصاصه بالطهور عن الحدث فيكون الطهور عن الخبث في العقد المستثنى منه تكون النسبة بينه وبين " لا صلاة الا بطهور " أعم من وجه، سواء كان الحديث مخصوصا بالنسيان كما حكى عن المشهور، أو كان الاعم منه ومن الجهل بالحكم والموضوع ومن نسيان الحكم، ويكون الخارج منه العالم العامد للانصراف عنه لا للاشكال العقلي كما قيل. وكيف كان يكون " لا صلاة إلا بطهور " حاكما عليه، لان الصحيحة تنفي موضوع الحديث بلسانها، وهو الصلاة المأخوذة في موضوعه فوزان الصحيحة معه وزان " لا سهو لمن أقر على نفسه بالسهو " مع أدلة السهو، وما قد يقال من حكومة حديث لا تعاد على أدلة اعتبار الاجزاء والشرائط ممنوع على إطلاقه، نعم هو حاكم على نحو قوله: " لا تصل في النجس " لا مثل الصحيحة التي تتصرف في عقد وضع الحديث، بل ولا على ما دلت على الاعادة بعنوانها، فانها معارضة معه أو مخصصة إياه. فتحصل مما ذكر أن حديث لا تعاد إما معاضد للصحيحة أو محكوم لها، فتصير النتيجة بطلان الصلاة مع نسيان الطهور. وأما حال حديث " لا تعاد " مع حديث الرفع فان قلنا باختصاص لا تعاد بالنسيان وشمول المستثنى للطهور عن الخبث فيكون مخصصا لحديث الرفع، لاخصيته عنه ويقدم عليه، ولو فرض تحكيم لسان حديث الرفع فأن التحكيم انما يفيد في الجمع العرفي فيما كانت نتيجته التخصيص لا فيما كانت النتيجة سقوط الدليل في جميع مفاده، فالخاص والمقيد

[ 578 ]

مقدمان على العام والمطلق، ولو كان لسانهما الحكومة. نعم لو كان " لا تعاد " أعم من النسيان وشاملا لغير العامد العالم تكون النسبة بينه وبين حديث الرفع العموم من وجه، ويمكن أن يقال: بتقدم حديث الرفع عليه، فان المستثنى في " لا تعاد " إن كان إرشادا إلى اشتراط الصلاة بالخمسة في جميع الاحوال فحديث الرفع حاكم عليه، لانه ناظر إلى أدلة الاشتراط بالرفع حال النسيان، وإن كان معترضا لعدم التقبل في المستثنى والتقبل في المستثنى منه فالمفروض فيه الاشتراط حال العمل، ولسان الرفع مقدم عليه على تأمل، لكن لا يمكن تحكيم حديث الرفع عليه، لان لا تعاد وان كان شاملا لغير العامد لكن حديث الرفع أيضا بفقراته مستغرق لجميع مفاد " لا تعاد " في العقد المستثنى، فيقع التعارض بينهما كما قرر في محله، فيكون المرجع أو المرجح أدلة الاشتراط. وأما حال حديث الرفع وقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " لا صلاة إلا بطهور " مع الغض عن " لا تعاد " فلا يبعد أن يقال بتحكيمه على حديث الرفع، فان الحديث يرفع الشرط والجزء بعد مفروغية كون المأتي به صلاة، والصحيحة ترفع الموضوع، ومع عدمه لا معنى لرفع الجزء والشرط، تأمل. فتحصل من ذلك أن متقضى القواعد بطلانها مع فقد الطهور نسيانا. وتدل عليه مضافا إلى ذلك روايات مستفيضة، كصحيحة زرارة قال: " قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من منى فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء، وحضرت الصلاة، ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم أني ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة وتغسله، قلت: فأني لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنه أصابه فطلبته

[ 579 ]

فلم أقدر عليه، فلما صليت وجدته، قال: تغسله وتعيد " الخ (1) وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم، فلا اعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الاعادة " (2). وموثقة سماعة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي، قال: يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه " (3) إلى غير ذلك مما وردت في البول والدم والاستنجاء كموثقة سماعة قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء، ثم توضأت ونسيت أن تستنجئ فذكرت بعد ما صليت فعليك الاعادة، فان كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك، لان البول مثل البراز " (4) وقريب منها غيرها (5). وبازائها روايات: منها صحيحة العلاء عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه، فينسى أن يغسله فيصلي فيه، ثم يذكر أنه لم يكن غسله أيعيد الصلاة؟ قال: لا يعيد


(1) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب النجاسات - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب النجاسات - الحديث 7 (3) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب النجاسات - الحديث 5 (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة - الحديث 5 (5) المروية في الوسائل - الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء - والباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة.

[ 580 ]

قد مضت الصلاة وكتبت له " (1). ومنها موثقة عمار بن موسى قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو أن رجلا نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة " (2) ونحوها غيرها ولو لا روايات الاستنجاء أو أمكن الالتزام باختلاف حكمه مع غيره كما قيل لامكن الجمع بين روايات الباب بالتفصيل بين نسيان الغسل عن أعيان النجاسات كالدم والمني وغيرهما فيقال فيه بالاعادة، وبين نسيان غسل المتنجس بها فيقال بعدمها، فان مورد روايات ايجاب الاعادة نسيان الاعيان ومورد صحيحة العلاء تنجس الثوب بها، لكن مضافا إلى بعد ذلك جدا ان هذا التفصيل لم ينقل من أحد ولو احتمالا. ويمكن الجمع بين الروايات بحمل ما دلت على عدم الاعادة على الحكم الحيثى، بقرينة موثقة سماعة الاولى، فان ظاهرها أن ايجاب الاعادة انما هو لعقوبة الناسي وعدم اهتمامه، فتحمل روايات ايجابها على كونه للعقوبة لا جبرا لبطلانها، واخبار نفيها على انها لا تعاد لاجل فسادها، وقد مضت صلاته وكتبت له، لكن تجب الاعادة لكي يهتم بالشئ. وهذا الجمع وان كان أقرب من حمل روايات الاعادة على الاستحباب لاباء بعضها عنه، سيما مع ما أشرنا إليه من أن الامر بالاعادة ارشاد إلى فساد الصلاة، كما ان النهي عنها ارشاد إلى صحتها، والحمل على الاستحباب النفسي بعيد في الغاية وغير مقبول عرفا، لكنه أيضا بعيد عن مذاق العرف، وليس جمعا عقلائيا مقبولا.


(1) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب النجاسات - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة - الحديث 3

[ 581 ]

وأبعد منه التفصيل بين الوقت وخارجه بشهادة صحيحة علي بن مهزيار قال: " كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل، وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره، وأنه مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله، وتمسح بدهن فمسح به كفه ووجهه ورأسه، ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى، فأجابه بجواب قرأته بخطه أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ الا ما تحقق، فان حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت وان كان جنبا أو صلى على غير وضوء، فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لان الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك انشاء الله " (1) وأنت خبير بأن الروايات آبية عن هذا التفصيل، ولو سلمت هذه الصحيحة عن الخدشة فكيف يمكن حمل موثقة الساباطي المتقدمة على نفى القضاء، وكذا الحال في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء، قال: ينصرف ويستنجي من الخلاء، ويعيد الصلاة، وان ذكر وقد فرغ من صلاته فقد أجزأه ذلك ولا إعادة " (2) فضلا عن أنه لو تسلم عنها سندا لاضمارها، وان كان المظنون كون المسؤول عنه أبو الحسن الرضا أو احد الامامين بعده عليهم السلام، ومتنا، وهو واضح. والمظنون ان فيها سقطا بعد قوله عليه السلام: " وما فات وقتها "


(1) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة - الحديث 4

[ 582 ]

ولا يبعد أن يكون السقط نحو هذه العبارة " وإن كان ثوبك نجسا " ويكون قوله: " وما فات وقتها " عطفا على سابقه لا استينافا (1) ويكون المراد من قوله: " إن الثوب خلاف الجسد " ان النجاسة خلاف الحدث الذي محله الجسد. وكيف كان لا يمكن الاتكال على مثل هذه الرواية والتصرف بها في سائر الروايات وتخصيص القواعد بها. والانصاف ان الروايات متعارضة، والترجيح لروايات ايجاب الاعادة، بل الظاهر عدم عمل متقدمي أصحابنا بروايات نفي الاعادة وأعرضوا عنها، فلا تصلح للحجية، لما ذكرنا أن العمل بالاخبار لبناء العقلاء وإمضاء الشارع، وفي مثل تلك الروايات التي لم يعمل بها رواتها لا يتكل العقلاء عليها، فهي ساقطة عن الحجية، لا مرجوحة بعد الفراغ عن حجيتها. ومع الغض عنه فالترجيح مع أخبار الاعادة، لموافقة مقابلاتها للعامة كأبى حنيفة والشافعي في القديم والاوزاعي، حيث ذهبوا على ما حكي عنهم إلى عدم وجوب الاعادة في الناسي وغيره، بل ذهب أبو حنيفة إلى استحباب الاستنجاء من الغائط، فتحمل موثقة عمار على التقية، ورواية هشام بن سالم ضعيفة، مع أن اخبار وجوب الاعادة موافقة لقواعد السنة القطعية، ولعلها تكون مرجحة كموافقة الكتاب،


(1) ولا يخفى لو قلنا بأنه استيناف يقع التهافت بين صدرها وذيلها، إذ الظاهر من صدرها أن الاعادة لاجل فساد الوضوء وأن مقتضى الاستيناف الفرق بين ما كان في الوقت وخارجه، وهو لا يلائم قوله في ذيلها: " أو صلى على غير وضوء فعليه الاعادة " الخ الظاهر في عدم الفرق بين ما كان في الوقت وخارجه.

[ 583 ]

فالاقوى وجوب الاعادة وقتا وخارجا، هذا حال الناسي. وأما إذا صلى فيه عالما عامدا فعليه الاعادة بلا اشكال نصا وفتوى، نعم يستثنى منه موارد قد تقدم بعضها. ومنها - المرأة المربية لمولود إذا تنجس ببوله قميصها مع وحدته، فانها تغسل ثوبها في اليوم مرة واحدة وتجزيها عن الغسل في بقيته، والاصل فيه رواية أبى حفص عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرة " (1) ولا ينبغى الاشكال في سندها بعد عمل الاصحاب بها قديما وحديثا، فأصل الحكم لا اشكال فيه، وانما الكلام في بعض الفروع، ولا بد من الخروج عن القواعد بمقدار دلالتها. فنقول: إلحاق الرجل المربي بالمرأة محل اشكال، لان النص مخصوص بها، ولها خصوصية، وهى كونها ضعيفة بحسب النوع جسما وروحا، فيمكن أن يكون التخفيف عليها دون الرجال. فان غسل الثوب في كل يوم كرارا ربما يكون موجبا لمعرضية فساده، وهو مشقة على النساء نوعا دون الرجال، فالقاء الخصوصية منها أو القطع بالملاك ممنوعان (2).


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 (2) يمكن ان يقال: ان السؤال عن المرأة لا يوجب اختصاص الحكم بها، بل العرف يرى أن السؤال عنها في هذا المورد من باب التغليب، وغير خفى أن غسل الثوب على الرجال مشقة دون النساء، نعم إن الجمود على اللفظ يقتضى الفرق بينهما، وهكذا بين القميص وغيره، واختصاص الحكم بقميص واحد وبما ولد منها، مع انهم لم =

[ 584 ]

والظاهر عدم الفرق بين القميص وغيره كالسربال، لا نحو المقنعة التي لا يبول عليها عادة، وذلك لالقاء الخصوصية عرفا، نعم لا يجوز التعدي إلى البدن لعسر الغسل في الثوب دون البدن لاحتياج الاول في تجفيفه إلى زمان معتد به دون الثاني، فلا يمكن التعدي. وهل الحكم مختص بقميص واحد كما هو مورد النص أو يتعدى إلى المتعدد مع الاحتياج إليه في اللبس بحيث لا يمكنها الاكتفاء بغيره؟ الظاهر ذلك، لمساعدة العرف في الفهم من النص بالقاء الخصوصية. كما أن الحكم لا يختص بما ولد منها فيتعدى إلى المؤجرة والمتبرعة والمربية بغير رضاع، لان العرف يرى أن الحكم جعل تخفيفا على المرأة المتصدية للطفل من غير دخالة للولادة في ذلك، وانما ذكر المولود مثالا ومن باب الغلبة. كما أنه شامل للذكر والانثى (1) والواحد والمتعدد، ولو قيل باختصاص بالاولين منهما لا يختص الحكم بهما، لان المفهوم من النص أن ذلك تخفيف بالنسبة إلى المرأة من غير دخالة لخصوصية الولد، ولا لكونه واحدا، فتوهم أن بول الصبي والواحد أخف من الصبية والمتعدد فيمكن الاختصاص بهما في غير محله، ما يتفاهم منه أن الحكم جعل للتخفيف على المرأة لا لتخفيف البول. والظاهر ان الحكم مختص بالبول لخصوصية فيه دون الغائط فضلا عن سائر نجاساته، وهى كثرة الابتلاء به دون غيره، فلا يمكن التعدي من ظاهر النص، نعم الظاهر ان ملاقي بوله في حكمه.


= يلتزموا بذلك، والذي يشكل الامر ذهاب جل الفقهاء إلى الفرق بين المربى والمربية كما ذهب إليه الاستاذ دام ظله. (1) ولا يخفى أن لفظ المولود بحسب اللغة يطلق على الذكر والانثى

[ 585 ]

والظاهر أن المراد بالغسل في النص ليس إلا ما كان تكليفها في تطهير بول المولود، فان كان ذكرا فبالصب، وإن كان انثى فبالغسل، فتوهم أن الغسل في خصوص المورد واجب حتى في مورد جواز الصب ضعيف، وإن شئت قلت: إن الرواية ليس بصدد بيان حال الغسل وكيفيته حتى يقال: أراد بالغسل عنوانه مطلقا، بل بصدد بيان الاجتزاء بتطهير واحد عن الكثير، بل لا إشكال في أنها بصدد تخفيف ما كان عليها، لا تبديل الحكم بحكم آخر فضلا عن التضييق عليها. والظاهر أن المراد من اليوم اليوم بليلته، بمعنى كفاية غسل واحد للصلوات النهارية والليلية، ولا دخالة لبياض اليوم في الحكم، واختصاص التخفيف باليوم والتضييق في الليل مع أنها أولى بالتخفيف مخالف لفهم العرف من الرواية. وهل يجب وقوع الغسل في النهار ولا يكفي الغسل في الليل عنه؟ مقتضى الجمود على اللفظ ذلك، لكن الظاهر المتفاهم من الرواية أن اليوم فيها في مقابل اليومين والثلاثة، وكذا في مقام ردع لزومه لكل صلاة، فلا عناية فيه بحيثية وقوع الغسل فيه، سيما أن السائل انما سأل عن تكليفها في صلواتها الخمس. وأنه مع الابتلاء بالبول كيف تصنع؟ فترك ذكر الليل وأنه لو ابتليت فيها لا بد من غسله لكل صلاة يدل على أن الغسل مرة واحدة عند الابتلاء به وإرادة الصلاة كاف ولو وقع في الليل، وتكون تلك النجاسة معفوة في سائر الصلوات، والبناء على الشرط المتأخر كما ترى. وبالجملة لا يفهم العرف لليوم خصوصية وإن كان الغسل فيه أسهل، بل الظاهر المتفاهم أن الغسل الواحد المحتاج إليه كاف لجميع الصلوات.

[ 586 ]

والظاهر أن المقصود بالغسل في اليوم مرة هو وقوع صلاة منها مع الطهارة والعفو عن البقية، فالغسل في غير موقع الصلاة واتيان جميع الصلوات مع النجس غير مراد جزما، وبعبارة أخرى أن الغسل لما كان لاجل الصلاة ولا نفسية له لا ينقدح في الذهن إطلاق في الرواية لوقوعه في أي قطعة من اليوم، بل لا بد من إيقاعه قبل صلاة من الصلوات اليومية، لتقع بعضها مع الطهور. نعم لا يجب عليها الجمع بين الصلوات بل ولا الصلاتين، لاطلاق الرواية، فلو كان عليها الجمع لكان عليه التنبيه عليه، سيما ان بناءهم في الصدر الاول على تفريق الصلوات، وكانوا يصلون صلاة الظهر أول الزوال والعصر في موقعه، وهكذا في المغرب والعشاء، كما ورد في أخبار المستحاضة من الامر بتأخير الظهر وتقديم العصر وكذا في العشاءين (1) فيظهر منها أن بناء النساء أيضا كان على التفريق بينها، ومع هذا البناء والعادة لو كان الواجب عليها الجمع بين الصلاتين لوجب عليه التنبيه عليه. وتوهم عدم الاطلاق لها فانها بصدد بيان الاجتزاء بغسل واحد مقابل الغسل لكل صلاة في غاية الفساد، لانه سأل عن تكليفها وأنها كيف تصنع مع هذا الابتلاء فلو كان أمر آخر غير الغسل دخيلا فيه لنبه عليه. ثم أن الظاهر من الرواية ان الغسل انما هو لتحصيل شرط الصلاة على وزان سائر المكلفين وإن عفي عن الشرط في بعضها، لا أن الشرط المجعول لسائر المكلفين سقط عنها، وجعل لها شرط آخر متأخر، إذا أوقعت الطهارة آخر النهار بعد الصلوات اليومية والليلية السابقة


(1) المروية في الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاستحاضة.

[ 587 ]

أو بعد العشاء على احتمال، ومتقدم إذا أوقعت قبلها، ومتقدم ومتأخر إن أوقعت في خلالها، فان كل ذلك خلاف الواقع والمتفاهم من الدليل، ومع القول بالعفو أيضا لا ينقدح في الاذهان هذا النحو من العفو بأن يكون موقوفا على أمر متأخر تارة ومتقدم أخرى وهما معا ثالثة. فدعوى الاطلاق بالنسبة إلى ساعات النهار ممنوعة، وكذا بالنسبة إلى الصلوات أيضا بأن تكون مخيرة في ايقاعه قبل صلاة من صلواتها الخمس بحيث تصح المتقدمة والمتأخرة بغسلها المتخلل، فانه ايضا مستلزم لتغير شرط الصلاة بالنسبة إليها من بين سائر المكلفين، وهو مقطوع الفساد. كما انه لا إطلاق لها يشمل ما إذا غسلت ثوبها للصلاة فبال عليه قبل إتيان الصلاة، فان الامر بالغسل في المقام ليس الا كالامر به في سائر المقامات، الفرق بينه وبينها أن الشارع الاقدس خفف عليها إذا غسل ثوبها وصلى فيه مع الطهارة في أول الدورة بالنسبة إلى سائر الصلوات في هذه الدورة. والحاصل أن الظاهر منها أنه إذا تنجس ثوبها ببول الصبي غسلته وصلت فيه، فإذا ابتلت به بعدها يكون معفوا عنه، وتصح صلاتها في ذلك اليوم وليلته، ولا يجوز عليها اتيان الصلاة في النجس في أول الابتلاء والغسل لسائرها، فإذا ابتلت في الصبح غسلته وصلت بطهور وعفي عن سائر صلواتها إلى العشاء، ويجب عليها الغسل ليوم آخر، وإذا ابتلت في الظهر صلت الظهر بطهور وعفي عما بعدها إلى العشاء وهكذا، والتلفيق وان كان محتملا لكن خلاف ظاهر الدليل.

[ 588 ]

فرع: لو كان مع المصلي ثوبان أحدهما نجس ولا يعلمه بعينه وتعذر غسل أحدهما ليصلي فيه بطهارة صلى في كل منهما تحصيلا للقطع بفراغ الذمة على المشهور نقلا وتحصيلا، بل لا نعرف فيه خلافا إلا من ابني ادريس وسعيد كما في الجواهر، وعن الشيخ في الخلاف حكاية الخلاف عن قوم من أصحابنا، فأوجبوا الصلاة عاريا، وهو ضعيف مخالف للنص والفتوى. ففي صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام أنه كتب إليه يسأله عن الرجل كان معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وقد حضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: يصلي فيهما جميعا " (1). وعن الحلي الاستدلال على ما ذهب إليه بأمرين: احدهما أنه يجب عليه عند افتتاح كل فريضة القطع بطهارة ثوبه، فان المؤثرات في وجوه الافعال تجب أن تكون مقارنة لها لا متأخرا عنها، والمسألة خلافية، ودليل الاجماع فيها مفقود، والاحتياط يوجب ما قلناه، ثانيهما أن كون الصلاة واجبة وجه تقع عليه الصلاة، وكيف يؤثر في هذا الوجه ما يأتي بعدها ومن شأن المؤثر في وجوه الافعال أن يكون مقارنا لها لا يتأخر عنها. والظاهر أنهما يرجعان إلى عدم إمكان الجزم بالنية المعتبر في العبادات، وفيه أنه على فرض تسليم اعتبار الجزم لا يتم مطلوبه لعدم


(1) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 589 ]

القطع بكون الصلاة عاريا مأمورا بها، ولا يدل عليه دليل شرعي، ولهذا تمسك هو بفقد الاجماع، وتشبث بدليل الاحتياط، ومعه كيف يمكن الجزم بأن المأتي به هو الواجب الشرعي، والفرض أن الوجوب وجه للواجب يجب العلم به مقارنا للاتيان، بل الاتيان عاريا أسوأ حالا من الاتيان فيهما، فانه مع الاتيان فيهما يعلم باتيان المأمور به الواقعي وإن ترك نية الوجه، ومع الاتيان عاريا لا يعلم باتيانه بعد الصلاة ولا مقارنا لها، تأمل. وليت شعري أنه كيف بنى على تحقق الجزم في الصلاة عاريا مع تمسكه في الواقعة بالاحتياط، هذا مع ما في مبناه من الضعف، لعدم الدليل على اعتباره، ولا يمكن كشف الحكم الشرعي عن الاجماع المنقول فيه، لان المسألة عقلية كلامية، ولهذا نقل عليها الاجماع في الكتب الكلامية. وأما ما أجاب عنه صاحب الجواهر من امكان الجزم في النية في المقام، لان كل واحد منهما واجب وان كان أحدهما أصليا والآخر مقدميا ففيه ما لا يخفى، لان التحقيق عدم وجوب المقدمات الوجودية فضلا عن المقدمة العلمية، ولا يستفاد من الصحيحة المتقدمة وجوبهما شرعا بعد كون الحكم موافقا للعقل ووضوح عدم تغيير التكليف الشرعي في المورد، فلا يفهم منها إلا الارشاد إلى حكم العقل، فدعوى كونهما صلاة شرعية متمسكا بها في غير محلها. ثم على فرض تسليم اعتبار الجزم في النية وحصوله بالصلاة عاريا لا يرد عليه أنه مع الدوران بين سقوط هذا وغيره من الامور المعتبرة في المهية لتعين سقوط هذا الشرط المتأخر عن غيره في الرتبة، ضرورة أن القائل باعتباره في العبادات انما يدعي انها بلا نية جازمة لم تقع

[ 590 ]

عبادة، فالجزم كالنية مقوم لعبادية العبادة، إذ وقوعها على صفة الطاعة للمولى متوقف على انبعاثه ببعثه، ومع عدم الجزم لا يمكن ذلك، فلا تقع ما فعل عبادة، فدار الامر بين ترك أصلها أو ترك شرطها أو جزئها، مع أن مجرد التأخر الرتبي لا يوجب أولوية السقوط، بل هي تابعة للاهمية، والقائل يمكنه أن يقول بأهمية النية وما بحكمها، لتقوم لعبادة بها دون سائر الشروط. فالتحقيق في الجواب تضعيف المبنى وفساد ما بنى عليه، هذا مع ما تقدم من النص الصحيح الصريح المعمول به. ولو كانت الثياب كثيرة وأمكن الاتيان بصلاة في ثوب طاهر بتكرارها يجب عليه ذلك حتى يعلم الاتيان بصلاة صحيحة على قاعدة العلم الاجمالي، بل يستفاد حكمها من الصحيحة المتقدمة بالقاء الخصوصية عرفا. ولو لم يمكنه إلا صلاة واحدة لضيق أو غيره هل يجب عليه نزع الثوب والصلاة عاريا أو يصلي في احدهما أو يتخير بينهما؟ وجوه، ويقع الكلام هاهنا بعد الفراغ عن وجوبها عاريا مع انحصار الثوب النجس كما يأتي في المسألة الآتية، وأما إن قلنا في تلك المسألة بوجوبها في النجس فلا اشكال في وجوبها في محتمل النجاسة في المقام، ضرورة أنه على أي تقدير يجب الصلاة فيه، وكذا إن قلنا فيها بالتخيير بين الصلاة فيه أو عاريا، فان الاتيان فيه حينئذ مسقط يقيني، لان الثوب إما طاهر يتعين الصلاة فيه، أو نجس يتخير بين الصلاة فيه أو عاريا وأما إن صلى عاريا فلا يحصل له اليقين بالبراءة، لاحتمال كونه طاهرا يجب الصلاة فيه، ففي مورد دوران الامر بين التعيين والتخيير يحكم العقل بالتعيين، سيما في مقام ابراء الذمة والفراغ عن الاشتغال

[ 591 ]

اليقيني. فمع وجوبها عاريا في تلك المسألة قد يقال بوجوبها فيه في هذه المسألة، لدوران الامر بين المخالفة القطعية لدليل الستر والمخالفة الاحتمالية لدليل مانعية النجس، وقد يجاب عنه باحتمال أن يكون أهمية المانع بحد يقدم مخالفته الاحتمالية على المخالفة القطعية لشرطية الستر، ولازمه التخيير بينهما. والتحقيق أن يقال: إن كون المورد من قبيل الدوران بين المخالفة القطعية والاحتمالية يتوقف على استفادة شرطية الستر للصلاة مطلقا بحيث يكون مطلوبا ولو مع النجاسة، وتكون النجاسة ايضا مانعة مطلقا فيكون المورد من قبيل المتزاحمين. وان قدم الشارع احدهما وهو المانع على الآخر، وذلك يتوقف على إطلاق ادلة الستر، وهو مفقود، فان دليله الاجماع الذي لا اطلاق فيه وبعض الاخبار التي في مقام بيان حكم آخر لا إطلاق فيها. فحينئذ يحتمل أن يكون الستر الطاهر مطلوبا واحدا فيكون المورد من الدوران بين الموافقتين الاحتماليتين، فان إتيان الصلاة في الثوب لا يكون موافقة قطعية للشرط، كما أن ترك الصلاة في احد الثوبين ليس مخالفة قطعية في خصوص المقام الذي لا يمكنه إلا صلاة واحدة. فحينئذ يمكن أن يقال. إن الاوجه وجوب الصلاة عاريا، لان اهمية مراعاة المانع كما أوجبت الصلاة عاريا مع النجس المحرز توجب تقديم الموافقة الاحتمالية فيه على الموافقة الاحتمالية في الستر عقلا في مقام الامتثال، فيجب الصلاة عاريا، إلا أن يقال: إنه مع احتمال تعدد المطلوب يأتي احتمال اهمية الستر من المانع كما يحتمل العكس فالقاعدة التخيير، لكن يمكن أن يقال: إنه مع الشك في اعتبار

[ 592 ]

الستر مع نجاسته يكون اطلاق دليل مانعية النجس محكما، هذا مضافا إلى جريان البراءة الشرعية عن الستر في حال نجاسته، وهو كاف في وجه التقديم في المقام، فتدبر جيدا وتأمل فانه لا يخلو منه. وهل العمل على طبق حكم العقل يوجب سقوط القضاء بدعوى كشف التكليف الشرعي من حكم العقل بتقديم محتمل الاهمية، ومع إحرازه يحكم بسقوط الامر، فلا إعادة عليه ولا قضاء، مضافا إلى أن إثبات القضاء يتوقف على احراز الفوت، وهو لا يحرز بالاصل، أو لا يوجبه بدعوى ان كشف الحكم الشرعي يتوقف على احراز وحدة المطلوب في الستر الطاهر، وأما مع احتمال التعدد فلا يمكن ذلك، وهذا لا ينافي ما تقدم من تقدم محتمل الاهمية، تأمل. مضافا إلى أن تقديم محتمل الاهمية على غيره بحكم العقل لا يكشف عن حكم الشرع، فلا دليل على سقوط القضاء. وأما دعوى أن القضاء مترتب على الفوت، وهو عنوان لا يمكن احرازه بالاصل ممنوعة، لان الامر بالقضاء وان علق على الفوت في غالب الاخبار، لكن علق على عدم الاتيان والترك في بعضها، فلا يبعد دعوى عدم دخالة هذا العنوان الوجودي فيه، وموضوعه صرف عدم الاتيان بها في الوقت، أي عدم إتيانها إلى خارج الوقت، ومعه لا مانع من إحرازه بالاصل. وقد يقال بأنه لا شك في الخارج في المورد، لان ما أتى بها هي الصلاة عاريا وما لم يأت بها هي مع الثوب، فالمقام نظير الشك في كون الغروب سقوط الشمس أو ذهاب الحمرة مما لا يجري فيه الاستصحاب وفيه ما لا يخفى ولو سلم عدم الجريان في مورد النقض، لانا لا نريد إثبات حكم للصلاة المتحققة في الخارج، بل الموضوع لوجوب القضاء

[ 593 ]

عدم اتيان المكلف بالصلاة المأمور بها إلى بعد الوقت، والآتي بها عاريا يشك في اتيانه للمأمور به شرعا، لاحتمال أن يكون الثوب طاهرا وكان تكليفه إتيانها فيه، فيجري استصحاب عدم الاتيان بالمأمور به، فيجب عليه القضاء، فالاحوط لو لم يكن أقوى إتيانها عاريا وقضاؤها خارج الوقت. فرع: لو لم يجد إلا ثوبا نجسا يجب أن يلقيه ويصلي عريانا إذا لم يتمكن من غسله ولم يضطر إلى لبسه لضرورة عرفية أو شرعية، كما عن جل المتقدمين بل كلهم عدا ابن الجنيد، فان المحكي عنه التخيير بين الصلاة فيه والصلاة عريانا، ولم ينقل ذلك عن غيره إلى عصر المحقق نعم حكي عن الشيخ احتماله، لكن ادعى في الخلاف الاجماع على الاول وعن الدروس والمسالك والروض والدلائل والمدارك نقل الشهرة فيه، وعن المحقق في المعتبر والعلامة في بعض كتبه وبعض من تأخر عنهما القول بالتخيير، ولم يحك من أحد القول بتعين الصلاة فيه، وانما هو أمر حادث بين بعض متأخر المتأخرين ممن قارب عصرنا. فالمسألة لدى القدماء ذات قول واحد حقيقة، ولدى المتأخرين ذات قولين إلى الاعصار القريبة منا، فحدث قول ثالث فيها. ثم أنه حكي عن المنتهى أنه لو صلى عاريا فلا إعادة قولا واحدا وعن الذخيرة والكفاية حكاية الشهرة على أنه لو صلى بالثوب لم يعد، ولعل مرادهما فيما لا يمكن نزعه، أو حكاية الشهرة بين المتأخرين. واختلفت آراء العامة فيها، فعن الشافعي يصلي عريانا ولا اعادة

[ 594 ]

عليه، وعن مالك ومحمد بن الحسن والمزني يصلي فيه ولا اعادة عليه، وعن أبي حنيفة إن كان أكثره طاهرا لزمه أن يصلي فيه ولا اعادة عليه وإن كان أكثره نجسا فهو بالخيار بين أن يصلي فيه وبين أن يصلي عريانا وكيف كان ما صلى فلا اعادة عليه، ومنشأ الاختلاف بيننا اختلاف الاخبار فمما تدل على الصلاة فيه صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره، قال: يصلي فيه، فإذا وجد الماء غسله " (1) وقريب منها صحيحة عبد الرحمان ابن أبى عبد الله عنه عليه السلام (2) وموثقته (3) وهما رواية واحدة ويحتمل في هذه الروايات أن يكون السؤال عن عرق المجنب، كما سئل عنه في روايات عديدة، وحمل شيخ الطائفة رواية الحلبي علي عرق المجنب من الحرام، وما ذكرناه وإن كان خلاف المظنون لكنه ظن خارجي لا دليل على حجيته، تأمل. وأما موثقة الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سأل عن رجل ليس معه إلا ثوب، ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله، كيف يصنع؟ قال يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة " (4) فلا يظهر منها بأنه يصلي فيه، سيما مع قوله: " ولا تحل الصلاة فيه " فيمكن أن أقره على عدم الصحة وأراد بالصلاة الصلاة عريانا، والظن الخارجي بأن المراد الصلاة فيه قد مر حاله. وأما صحيحة الحلبي الاخرى أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام " عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله قال: يصلي فيه " (5) من المحتمل قريبا وقوع التقطيع فيها، فان الحلبي روى


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 4 - 6 - 8 - 3.

[ 595 ]

ثلاث روايات إحداها ما تقدمت، وهي متعرضة لحكم الثوب الذي أجنب فيه، والثانية متعرضة لحكم البول، وهي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل... الخ التي تقدمت آنفا، والثالثة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره قال: يصلي فيه إذا اضطر إليه " (1). فيحتمل أن تكون الثالثة هي الاصل، والاوليان تقطيع منها، إذ من البعيد أن يسأل الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام تارة عن الثوب الذي أجنب فيه وأخرى عن الثوب الذي أصابه البول، وثالثة عن كليهما، فقيد الاضطرار غير مذكور للتقطيع، وهذا وإن كان غير مرضي في غير الباب، لكن يوجب فيه نحو وهن فيها لخصوصية فيه، والرواية الثالثة إما ظاهرة في الاضطرار في اللبس لبرد أو ناظر محترم أو محتملة له، لا يمكن معه استفادة الاطلاق منها. فبقيت صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: " سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ قال: إن وجد ماء غسله وإن لم يجد ماء صلى فيه، ولم يصل عريانا " (2) فهي صريحة الدلالة وصحيحة السند، لكن ربما يمكن الخدشة فيها بأن الظاهر من اصابة الثوب أنه وجده مطروحا كاللقطة، فكيف أجاز التصرف والصلاة فيه، وهو نحو وهن فيها. ولو نوقش في الخدشات بضعف الاحتمالات المتطرقة وظهورها في صحة الصلاة في الثوب النجس كما هو الصواب يمكن أن يقال: إن


(1) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب النجاسات - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب النجاسات - الحديث 5

[ 596 ]

وجه الجمع بينها وبين موثقة سماعة قال: " سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض وليس معه إلا ثوب فأجنب فيه، وليس يجد الماء، قال: يتيمم ويصلي عريانا قائما يؤمي إيماء " (1) ونحوها روايته الاخرى (2) إلا أن فيها: " ويصلي قاعدا " وعن الكليني والشيخ رواية الموثقة أيضا كذلك، ومصححة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة، وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني، قال: يتيمم ويطرح ثوبه فيجلس مجتمعا فيصلي فيؤمي إيماء " (3) بحمل الاخبار المتقدمة على حال وجود الناظر المحترم بدعوى أن قوله: " وهو في الفلاة " لافادة فقدان الناظر المحترم فتكون اخص مطلقا منها فتقيد بها. وتشهد له رواية الحلبي المتقدمة، وحملها على اضطرار اللبس للصلاة تأكيد، والتأسيس خير منه واظهر، ولو نوقش في ذلك بأن ذكر الفلاة توطئة لبيان عدم اصابة ثوب آخر وعدم اصابة الماء. وبمنع ظهور رواية الحلبي في الاضطرار التكويني بعد كون الصلاة عند المسلمين من الضروريات التي يصدق معها الاضطرار، فصارت الروايات متعارضة، فلا ينبغي الاشكال في ترجيح الروايات الحاكمة بالصلاة عاريا على معارضاتها بل لا تصلح هي للحجية، لاعراض الطبقة الاولى من أصحابنا عنها، والميزان في وهن الرواية هو إعراض تلك الطبقة المتقدمة. والظاهر أن المحامل التي تراها من شيخ الطائفة مما هي مقطوع


(1) ولعل التعبير بالمضمرة أولى، راجع الوسائل - الباب - 46 - من ابواب النجاسات - الحديث 3. (2) و (3) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 4.

[ 597 ]

الخلاف، ولا يليق بجنابه - كحمل صحيحة علي بن جعفر على الدم المعفو عنه، وحمل الاخبار الاخر على صلاة الجنازة - انما هي بعد مفروغية عدم صلوحها للعمل، لا أن اتكاله على هذا الجمع في الفتوى. فترك الروايات المتكثرة الصحيحة الظاهرة الدلالة لاجل روايتين ربما يخدش في سندهما بالقطع، وبأحمد بن محمد بن يحيى، ومحمد ابن عبد الحميد، وسيف بن عميرة إلى عصر المحقق، وعدم طرح أحد من أصحابنا هاتين الروايتين حتى صاحب المدارك الذي دأبه الاشكال والخدشة في الروايات، فانه لم يردهما بل جعل الاخذ بالروايات الاولى أولى. يدفعنا عن الاستبداد بالرأي اغترارا بصحة تلك الروايات وكثرتها ففي مثل المقام يقال: كلما ازدادت الروايات صحة وكثرة ازدادت ضعفا ووهنا، هذا مع موافقتها لمالك وغيره ممن تقدم ذكره ولابي حنيفة غالبا، والروايتان الآمرتان بالصلاة عاريا مخالفتان لابي حنيفة ومالك وهما من عمد الفقهاء من أهل الخلاف في عصر صدور الروايات، ولم يكن الشافعي موجودا فيه، بل لعله لم يكن معتمدا في زمن أبي الحسن عليه السلام، فانه كان شابا في عصره، فلا ينبغي الاشكال في تعين الصلاة عاريا. فما قد يقال: من أن أصل الستر أولى بالرعاية من وصفه أو أنه مع إلقائه يلزم ترك السجود والركوع الاختياري اجتهاد في مقابل النص المعمول به. ثم أنه مع عدم تمكنه من النزع لعذر عقلي أو شرعي صلى فيه بلا إشكال، لعدم سقوط الصلاة بحال، وتكون صحيحة مجزية لا تجب إعادتها كما عن المشهور، وهو الموافق للقواعد، وما في موثقة الساباطي

[ 598 ]

من الامر بالاعادة فمع اشتمالها على التيمم محمول على الاستحباب: خاتمة في باقى المطهرات: وهو أمور: - الاول: المطر، ومطهريته كطهارته من الواضحات التي لا ينبغي التكلم فيها، كيف وهو من اقسام الماء المطلق الذي خلقه الله طهورا، ونزل فيه قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " (1) وقوله: " وينزل عليكم ماء ليطهركم به " (2) الخ، ولهذا لم يعنون في كلمات القوم أصل طهوريته أو طهارته، وانما افردوه بالذكر لبيان حكمين آخرين: احدهما عدم انفعاله بملاقاة النجس حال تقاطره، مع أنه من أقسام الماء القليل، فكان معتصما حين نزوله، سواء فيه القطرات النازلة المعتصمة بعضها بالبعض كالماء الجاري والكر المعتصم بالمادة والكثرة، أو ما اجتمع منه بعد النزول وكان قليلا بشرط تمطير السماء فعلا وعدم الانقطاع وارتباط بينهما، وثانيهما كيفية التطهير به، وأن مجرد اصابته للمحل المتنجس موجب لطهارته بشرط قابليته لها. ثم اعلم انا لو التزمنا باعتبار الكرية في الماء الجاري أو قلنا باعتبار العصر فيه في مثل الثياب أو التعدد في الاواني لا يوجب ذلك التزامنا باعتبارها في المطر، لعدم دليل على مشاركته للجاري في الاحكام والشروط، وانما حكي الشهرة على أن ماء المطر كالجاري في عدم الانفعال


(1) سورة الفرقان: 25 - الآية 51. (2) سورة الانفال: 8 - الآية 11.

[ 599 ]

وتطهير ما اصابه بعد الفراغ عن عدم اعتبار ما تقدم، أي الكرية والعصر والتعدد في الجارى، فمع سقوط تلك القيود نزلوا المطر منزلته لا لقيام دليل على التنزيل، فالمتبع في ماء المطر الادلة الخاصة. فنقول: تدل على الحكمين - مضافا إلى الشهرة المنقولة واعتراف بعض الاعيان بعدم معرفة الخلاف بين الاصحاب، بل عن الذخيرة الظاهر عدم الخلاف في أنه لو أصاب حال تقاطره متنجسا غير الماء طهر مطلقا، اللازم منه عدم انفعاله - مرسلة عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت: أمر في الطريق فيسيل علي الميزاب في أوقات أعلم أن الناس يتوضؤون، قال: ليس به بأس لا تسأل عنه، قلت: يسيل على من ماء المطر أرى فيه التغير، وأرى فيه آثار القذر. فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه، والبيت يتوضأ على سطحه، فكيف على ثيابنا، قال: ما بذا بأس، لا تغسله، كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (1). والظاهر جبر سندها بالشهرة، لنقل جمع من الاعيان الشهرة على الحكم الثاني من الحكمين المتقدمين، وليس في المسألة دليل صالح للاتكال عليه إلا المرسلة، ولهذا لم يرمها صاحب المدارك بالضعف، وقال الاردبيلي بعد الاشكال في طريقها " وقد يقال: ينجبر بالشهرة، وفيه تأمل " والظاهر تأمله في الانجبار بالشهرة لا في تحققها، ولعله استشكل في أصل الانجبار بها أو ثبوت اتكالهم عليها. أقول: في مثل هذا الحكم المخالف للقواعد المفقود فيه الدليل إلا المرسلة والمرسلة الآتية على إشكال فيها يطمئن النفس بأن اتكالهم كان عليها، وهذا يكفي في الجبر.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 5

[ 600 ]

ولا إشكال في دلالتها على مطهريته بمجرد الاصابة من غير لزوم خروج الغسالة أو شرط آخر فيما يعتبر في الغسل بالماء القليل، ولازمه عدم انفعاله، إذ لو انفعل لما يمكن التطهير به مع بقاء الغسالة، فتدل على الحكمين. ثم أن قوله: " أمر في الطريق " الخ في صدرها سؤال عن مورد يظن بكون ما سال من الميزاب نجسا، فان المراد بتوضي الناس إما استنجاؤهم أو الوضوء لكنهم كانوا يتوضؤون في محل يبولون فيه ويستنجون، فأجابه بما أجاب، ثم سأل عن سيلان المطر مع فرض العلم بملاقاته للنجاسة برؤية آثارها فيه، ورؤية تغيير فيه، وهذا التعبير لا يدل على كون ماء المطر متغيرا، ولو فرض أن المراد التغيير بالنجاسة فان الظاهر من رؤية التغيير فيه أن فيه آثار القذارة بأن يكون بعض الماء الذي يسيل متغيرا، فقوله: " وأرى فيه آثار القذر " على هذا يكون بيانا للجملة المتقدمة. وبالجملة الظاهر منه عدم تغير جميع الماء، بل رأى تغيرا وآثارا من القذارة فيه، فأجاب بأنه لا بأس به، وعلله بأن كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر. لا يقال: التعليل لا يناسب هذا الحكم، لان المناسب أن يقول: ماء المطر لا ينفعل، لا أنه مطهر لما يراه، لعدم التنافي بين مطهريته وتنجسه به كغسالة ماء القليل، فانه يقال: يحتمل أن يكون المراد تطبيق الكبرى على الماء الذي يسيل ويرى فيه آثار القذر، فأفاد أن هذا الماء الذي يسيل حال تقاطر المطر يطهر ما أصابه فكيف يتنجس به، بل كيف يمكن انفعاله، فان الماء المتنجس لا يكون مطهرا، فأفاد المراد بلازمه بنحو بليغ.

[ 601 ]

ويحتمل أن يكون المراد تطبيقها على الماء حال وصوله إلى المحل القذر قبل جريانه، بأن يقال: إن ماء المطر ليس كسائر المياه القليلة لانه بمجرد الاصابة مطهر، وما من شأنه ذلك لا بد وأن لا ينفعل بملاقاة النجس ولو بمثل الاعيان النجسة، لعدم الفرق في التنجس بينها وبين ما تنجس بها، تأمل. وكيف كان لا إشكال في إفادتها الحكمين المتقدمين. وتدل عليهما أيضا مرسلة محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن عليه السلام " في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا إن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر، فان أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله، وان كان الطريق نظيفا فلا تغسله " (1) ومقتضى اطلاقها أن طينه طاهر ولو نجسه شئ قبل المطر، سيما مع تعقبه بقوله عليه السلام: " إلا أن يعلم " الخ المتفاهم منه أن العلم بنجاسته قبل المطر لا يوجب التحرز، ولعل الامر بالغسل بعد ثلاثة أيام للاستحباب، وعلى أي تقدير يظهر منها طهارة المتنجس، ولازمها عدم انفعال ماء المطر، لعدم خروج الغسالة واختلاط المطر بالطين. وتدل على الحكم الاول من الحكمين المتقدمين جملة من الروايات: كصحيحة هشام بن سالم " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب، فقال: لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه " (2). وصحيحة هشام بن الحكم عنه عليه السلام " في ميزابين سالا، أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضره


(1) مرت في ص 475. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 1

[ 602 ]

ذلك " (1) إلى غير ذلك. ويمكن أن يستدل بها للحكم الثاني في الجملة بأن يقال: إنه بعد عدم انفعال ماء المطر بملاقاة النجس إذا أصاب المتنجس وغلب عليه يصير طاهرا، لصدق الغسل وعدم لزوم إخراج غسالته، وانما اعتبر إخراجها في الغسل بالماء القليل لانفعاله بالملاقاة، فلا بد في الغسل به من صب الماء عليه وإخراج غسالته لازالة النجاسة بعد انتقال القذارة من المتنجس إلى الماء، كما مر تقريبه في بابه. وأما ماء المطر فلما لم ينفعل بحكم تلك الروايات فلا يحتاج في التطهير به إلى إخراجه من المحل المتنجس، ولازمه تطهيره باصابته وغلبته عليه. هذا بناء على عدم لزوم العصر في الكثير والجاري بدعوى صدق الغسل بمجرد نفوذ الماء في المحل، وأما لو بني على عدم صدقه أو شك فيه إلا بعد العصر أو التحريك في الماء حتى ينتقل الماء الداخل في الجملة كما تقدم احتماله أو اختياره فلا تدل تلك الروايات على الحكم الثاني، وعلى الفرض الاول أيضا لا تدل على تمام المطلوب أي الكفاية عما يحتاج إلى التعدد كالبول والاواني، بخلاف مرسلة الكاهلي المتقدمة، فهي الاصل في إثبات الحكم على نحو الاطلاق. ثم أن مقتضى إطلاق المرسلتين وصحيحة هشام بن سالم وذيل صحيحة علي بن جعفر الآتية ورواية أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكنيف يكون خارجا فتمطر السماء فتقطر علي القطرة قال: ليس به بأس " (2) ثبوت الحكم بمجرد صدق المطر من غير اعتبار الجريان على الارض فضلا عن كونه بحد يجرى من الميزاب، كما لعله


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 4 - 8.

[ 603 ]

مراد الشيخ وابن سعيد، ضرورة فساد توهم أن مرادهما من الجريان منه دخالة الجريان منه في الحكم بحيث لو لم يجر منه بالفعل لفقدانه أو كون محل التمطير كالصحاري والبراري لم يحكم بمطهريته، فالنقض عليهما بمثل ذلك غير صحيح، فان ذكر الميزاب لبيان تعيين حد الجريان لا اعتبار ذاك الخشب والجريان منه. كما أن الظاهر من ابن حمزة أن الحد جريانه من الشعب، قال في بيان ما هو بحكم الماء الجاري: " وحكم الماء الجارى من الشعب من ماء المطر كذلك " والشعب بكسر الاول: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن الارض، فيرجع كلامه إلى اعتبار الجريان بمقدار يسيل من مسيل الجبل المنحدر. وهو يوافق الجريان من الميزاب الذي ظاهر الشيخ، قال في التهذيب: " قال محمد بن الحسن: الوجه في هذين الخبرين - أي خبر هشام بن الحكم وخبر محمد بن مروان الواردين في ميزابين - أن ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الماء الجاري لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته، ويدل على ذلك ما رواه على بن جعفر قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن البيت يبال على ظهره ويغتسل فيه من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس " (1) انتهى. ولا يبعد أن يكون مراده مطلق الجريان، وانما ذكر في ذيل الخبرين الواردين في ميزابين وجه عدم الانفعال في موردهما لا تقييد أصل الحكم بقرينة تمسكه برواية علي بن جعفر، فالقول باشتراطه الجريان من خصوص الميزاب فاسد جدا.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 2

[ 604 ]

نعم لا يبعد اعتباره ذلك بحد جرى من الميزاب، لكن الاقرب أنه اشترط أصل الجريان على تأمل فيه أيضا ناش من أن كتاب التهذيب لم يعمل للفتيا، بل عمل لتأويل الروايات المختلفة، وتوجيهها لحفظ القلوب الضعيفة التي ثقل عليها الاختلاف فيها، كما يظهر من أوله، ولم يحضرني كتاب المبسوط. وكيف كان فالمشهور على ما حكي عدم اعتبار الجريان شهرة عظيمة بل عن الروض أنه جعل المخالف الشيخ، وعن المصابيح بعد نسبته إلى فتوى الاصحاب " أنه لم يثبت مخالف ناص " وهو كذلك بالنسبة إلى الشيخ في تهذيبه، على ما تقدم، لكن ظاهر ابن حمزة اعتباره بنحو ما تقدم، ومستند أصل الجريان صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، فتقيد بها المطلقات. ولا يخفى ما فيه، فان الظاهر من قوله: " البيت يبال على ظهره " إن ظهره معد لذلك، والظاهر أنه كان متعارفا في تلك الامكنة والازمنة، كما يظهر من سائر الروايات، فحينئذ يكون اشتراط الجريان لخصوصية المورد، لعدم غلبة المطر على النجاسة بلا جريان في مثله مما يكون مبالا، كما أن السؤال عن الاغتسال من الجنابة يؤيده، فيكون اعتبار الجريان للغلبة على النجاسة. ويحتمل ان يكون المراد من الاخذ من مائه أخذ ما جرى خارج المحل، فانه إذا كان الماء فيه وكان معدا للبول لم يذهب بالمطر عين النجاسة، ومع بقائها فيه والاخذ منه لا محالة يبتلي المكلف بها إذا أخذ منه، فيكون القيد للارشاد إلى الاخذ من المحل الخارج لئلا يبتلى بها، ولهذا لم يذكر الجريان في ذيلها، وهو هكذا " قال: وسألته عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه

[ 605 ]

قبل أن يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس به " (1). هذا مضافا إلى احتمال أن يكون المراد من جريان فعليه تمطير السماء، فالشرط لاجل أن المحل المعد للبول لا يرتفع جرم البول المتراكم فيه بالمطر، فمع قطع الجريان ينفعل ماؤه كسائر المياه القليلة والانصاف أنه لا يجوز رفع اليد عن الاطلاقات سيما مثل قوله عليه السلام: " ما أصابه من الماء أكثر " (2) بمثل هذه الرواية. وأما رواية الحميري باسناده عن علي بن جعفر " وسألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب أيصلى فيه قبل أن تغسل؟ قال: إذا جرى من ماء المطر فلا بأس " (3) فظاهرها أن ما يكف إن كان من ماء المطر فلا بأس في مقابل ما كان من البول أو ماء الكنيف، فهي في الحقيقة من أدلة عدم اعتبار الجريان فيه أو لا أقل من عدم دلالتها على اعتباره. كما أن ما في كتاب علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: " سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب أيصلى فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جرى المطر فلا بأس " (4) لا ظهور فيه في القيدية بعد مسبوقيته بفرض جريانه في المكان، فكأنه قال: على هذا الفرض لا بأس به، مضافا إلى ان الظاهر ان المفروض


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 2 (2) مرت في ص 601 (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 3 (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 9 وفيه: " إذا جرى به المطر " ولعل بين التعبيرين فرق.

[ 606 ]

جريان ماء المطر إلى محل فيه العذرة، ولم يكن ذلك المكان مورد اصابة المطر، فالسؤال عن تمطير السماء في مكان واجراء مائه في مكان آخر فيه العذرة، فلا يدل على القيدية في مورد البحث، مع أن الشرطية لبيان تحقق الموضوع، فان مفهومها إذا لم يجر فيه المطر لا إذا تحقق المطر ولم يكن جاريا، فالاقوى ما عليه القوم من عدم اعتبار الجريان نعم لا عبرة بالقطرات اليسيرة لانصراف الادلة عنها، بل لا يبعد عدم صدق المطر عليها عرفا، بل ولغة. ثم أن التطهير بالمطر متوقف على صدق رؤية مائه للشئ النجس أي المحل الذي تنجس فإذا تقاطر على بعض الجسم النجس طهر موضع التقاطر لا غير، هذا في غير المائعات. وأما فيها فلا اشكال في عدم طهارة غير الماء منها به، لعدم إمكان رؤيته جميع أجزائها، وما وصل إليه أيضا لا يطهر للسراية، ففي مثله لا يمكن حصول الطهارة، وإن شئت قلت: إن قوله عليه السلام: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (1) لا يشمل مثل المائعات، فانها غير قابلة للتطهير كالاعيان النجسة، فان رؤية المطر جميع أجزائها غير ممكن، وبعضها المتصل بالنجس غير قابل له، فلا يشمله الدليل، ومن ذلك يعلم الحال في الماء أيضا. ودعوى صدق رؤيته إياه بتقطير قطرات بل قطرة عليه غير وجيهة لان المراد من صدقها إن كان صدق الرؤية لهذا الجسم بملاحظة كونه موجودا واحدا، فإذا صدق رؤيته لجزء منه صدق رؤيته له، فلازمه طهارة جميع الارض إذا تقاطر على نقطة منها المطر، لصدق رؤيته إياها. والحل أن الظاهر من قوله عليه السلام " كل شئ يراه " الخ


(1) مرت في ص 599

[ 607 ]

بمناسبة الحكم والموضوع أن الطهارة مخصوصة بموضع الملاقاة دون غيره وهو واضح، ولو قيل: إن مقتضى إطلاق الرؤية طهارة الجزء الذي رآه المطر، ولازمه طهارة جميع الماء للاجماع على عدم محكومية الماء الواحد بحكمين يقال له: بعد تسليم ثبوت الاجماع المذكور أنا نمنع إطلاقها لمثل المورد، لعدم إمكان قبوله للتطهير كسائر المائعات، فان الجزء المائع المتصل للنجس اللازم الانفعال منه لا يصير طاهرا بورود المطهر عليه. بل لولا الاجماع على قبول المياه للطهارة ودلالة بعض الاخبار عليه كصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع الواردة في ماء البئر (1) وما وردت في ماء الحمام (2) لكان الحكم بقبوله لها مشكلا، والمتيقن من الاجماع طهارته بعد الامتزاج، كما أن، مورد الروايات المتقدمة ذلك فالاقوى عدم طهارة الماء المتنجس إلا بالامتزاج بالمعتصم. وقد يقال بدلالة مرسلة الكاهلي على طهارته بالتقاطر عليه على بعض نسخ الكافي كما نقل في الوافي " ويسيل على الماء المطر " بتعريف " الماء " وجره بعلى وكون " المطر " فاعل " يسيل " قال في الوافي: " والغرض من السؤال الثاني أن المطر يسيل على الماء المتغير بالقذر فيثب من الماء القطرات وينتضح علي، والبيت يتوضأ على سطحه سؤال آخر " انتهى بدعوى إن كل شئ يراه... الخ بعد تعقبه بذلك يدل على المطلوب. وفيه مع عدم ثبوت صحة هذه النسخة - ولهذا لم يشر إليها المحدث المجلسي في مرآته ولا الحر في جامعه والاستشهاد على صحتها بمنافاة


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 1 (2) المروية في الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق.

[ 608 ]

فرض السيلان عليه على النسخة المعروفة مع فرض ورود القطرات عليه غير تام، لامكان رفع التنافى يقال: إن فرض ورود القطرات قرينة على أن المراد من سيلانه عليه سيلانه من فوق رأسه، فكأنه قال: يسيل علي الميزاب فيقطر علي منه القطرات - ان سيلان المطر على الماء بناء على هذه النسخة ملازم لامتزاجه به، ولعله مع الامتزاج صدق الرؤية عرفا بنحو من التسامح، مع أن لنا أن نقول: إن تطبيق الكبرى على المورد دليل على صحة النسخة المشهورة لو منع الصدق العرفي مع الامتزاج. وكيف كان لا يمكن اثبات هذا الحكم المخالف للقواعد والارتكاز العرفي بهذه النسخة غير الثابتة. الثاني: الشمس إذا جففت باشراقها البول وغيره من النجاسات والمتنجسات التي لا يبقى جرمها بعد الجفاف بالتبخير عن الارض وغيرها مما لا ينقل كالنباتات والاشجار واثمارها الموصولة بها والابنية وما يتعلق بها من الابواب والاخشاب والمسامير وغيرها، بل عن البواري والحصر من المنقولات على الاظهر الاقوى في جميع المذكورات. وقد خالف في أصل الحكم المحدث الكاشاني، فاختار في الوافي عدم مطهريتها، بل عدم العفو حتى عن السجدة عليها، قال في ذيل رواية ابن أبي عمير قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أصلي على الشاذكونة وقد اصابتها الجنابة، قال: لا بأس " (1) بهذه العبارة:


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب النجاسات - الحديث 4

[ 609 ]

" والوجه في ذلك عدم اشتراط الطهارة في مواضع الصلاة إلا بقدر ما يسجد عليه، نعم يشترط أن لا يكون فيها - إذا كانت نجسة - رطوبة يتعدى بها النجاسة إلى ثوب المصلي أو بدنه، وبناء الاخبار الآتية على هذا الاصل، إلا أن جماعة من أصحابنا اشتبه ذلك عليهم، فزعموا أن الشمس تطهر الارض والبواري " ثم ذكر في ذيل بعض الاحاديث مؤيدات لما اختاره، وحمل صحيحة زرارة الآتية ورواية أبي بكر الحضرمي على المعنى اللغوي، أي عدم سراية القذر، كقوله عليه السلام: " كل يابس زكي " (1) ليوافق سائر الاخبار. وعن جملة من الاصحاب القول بصحة السجود عليها وبقائها على النجاسة، فيكون البناء على العفو في خصوص هذا الحكم، والمشهور البناء على الطهارة، بل عن جملة منهم دعوى الاجماع عليها. ففي الخلاف الاجماع على طهارة الارض والحصر والبواري من البول، وعن السرائر الاجماع على التطهير بالشمس، وعن كشف الحق ذهب الامامية إلى أن الارض لو أصابها البول وجفت بالشمس طهرت وجاز التيمم منها، وعن جملة منهم دعوى الشهرة عليها. وأيضا يظهر من بعضهم اختصاص الحكم بالبول، وعن جملة منهم دعوى الشهرة على التطهير من سائر النجاسات المائعة، وظاهر بعضهم اختصاص الحكم بالارض والحصر والبواري، وعن جملة منهم نقل الشهرة عليها وعلى كل ما لا ينقل كالنباتات والابنية وغيرهما. والاقوى في المقامات الثلاثة ما حكي عن المشهور، أي حصول الطهارة وعموم الحكم لكل مائع متنجس أو نجس، نظير البول مما يتبخر باشراق الشمس، وعمومه لكل ما لا ينقل وللحصر والبواري.


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة - الحديث 5

[ 610 ]

وتدل على المطلوب في المقامات الثلاثة صحيحة زرارة قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر " (1) أما دلالتها على الطهارة فلا ينبغي الاشكال فيها. وتوهم أن الطهارة فيها بمعنى عدم السراية كقوله عليه السلام: " كل يابس زكي " خلاف الظاهر بل الصريح لا يذهب إليه إلا مع قيام قرينة، وسيأتي حال بعض ما يتوهم قرينيته، بل الظاهر من قوله عليه السلام: " فصل عليه " ان شرط الصلاة عليه حاصل. ومعلوم أن المتعارف في تلك الاعصار السجود على المكان الذي كانوا يصلون فيه، نعم من كان على مذهب الحق كان لا محالة يراعي كون المكان مما تصح السجدة عليه، وأما وضع شئ كتراب قبر مولانا الحسين سلام الله عليه أو حجر أو خشب فلم يكن معهودا ومتعارفا، سيما مع شدة التقية، فسؤال زرارة عن البول في المكان الذى يصلى فيه انما هو عن صحة الصلاة والسجود عليه مع جفاف البول، ضرورة عدم تعقل السؤال عن البول الرطب الساري، فقوله عليه السلام في مقام الجواب: " إذا جففته الشمس فصل عليه " يدل على حصول شرط السجود، والحمل على العفو مع بقاء النجاسة خلاف الظاهر المتفاهم، فهل ترى من نفسك بعد معهودية اشتراط الطهارة في ثوب المصلي انقداح احتمال العفو وبقاء النجاسة من قوله مثلا: " إن أصابه المطر صل فيه " وليس ذلك إلا أن تجويز الصلاة فيه دليل على حصول شرطه. فيستفاد من الصحيحة مع الغض عن قوله عليه السلام: " فهو


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 611 ]

طاهر " حصول شرط السجدة مع الجفاف بالشمس، فاحتمال التجفيف مخالف للظاهر، فضلا عن احتمال ارتكبه الكاشاني، فانه بناء على ما ذكره يكون ذكر الشمس والتعليق عليها في غير محله، إذ لو كان الموضوع هو التجفيف فلا معنى للتقييد، وكون الشمس أسرع في التجفيف لا يوجب تعليقه عليها من غير دخالة لها. هذا مع أن الطاهر في مقابل القذر عرفا وشرعا، وليس للشارع اصطلاح خاص فيهما، كما مر مرارا، وحملها على عدم السراية مع الجفاف من قبيل توضيح الواضحات بعد وضوحه لدى العرف، وبالجملة لا شبهة في دلالتها وصراحتها على المطلوب وتدل عليه أيضا رواية الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام قال: " كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر " (1) وفي رواية أخرى عنه عليه السلام " ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر " (2) والظاهر أنهما رواية واحدة، والسند وإن كان ضعيفا بعثمان بن عبد الملك، بل في الحضرمي تأمل، لكن رواية أحمد بن محمد بن عيسى إياها مع ما هو المعروف من طريقته لا يبعد أن تكون نحو توثيق لهما أو دالة على قرينة على صدورها. وأما صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: " سألته عن الارض والسطح يصيبه البول وما أشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال: كيف يطهر من غير ماء؟! " (3) فالظاهر منها أن الشمس تطهر مع الماء سيما لو كان " يطهر " في الذيل من التفعيل وضميره رجع إلى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب النجاسات - الحديث 6 - 5 - ولا يخفى أن إطلاقها يقيد بالصحيحة أو بها وبالاجماع (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب النجاسات - الحديث 7

[ 612 ]

الشمس، كما هو المناسب للسؤال، وفي نسخة الوافي " تطهر " بالتاء والظاهر منها كونه من التفعيل لا من باب المجرد، فتكون الرواية دالة على المطلوب، فدعوى الكاشاني بأنها صريحة في عدم التطهر بالشمس غير وجيهة. ومن بعض ما ذكرناه يظهر إمكان الاستدلال للمطلوب - أي حصول الطهارة - بصحيحة زرارة وحديد الازدي قالا: " قلنا لابي عبد الله عليه السلام: السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلى في ذلك المكان؟ فقال: إن تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس به إلا أن يكون يتخذ مبالا " (1) فان التفصيل بين ما يتخذ مبالا فلا يجوز فيه الصلاة مع جفافه وبين غيره فيجوز كالصريح في مخالفة مختار الكاشاني، ومع معهودية اشتراط الطهور في محل سجدة المصلي وكون المتعارف عدم وضع شئ للسجود تدل الرواية على حصول الشرط، أي الطهور، فدعوى أن تجويز الصلاة فيه ونفي البأس لا يدلان على حصول الطهارة لامكان كونهما مبنيا على العفو خلاف فهم العرف وظهور الرواية. نعم فيها مناقشة ناشية من ضم الريح إلى الشمس، ومناقشة أخرى وهي دعوى كون قوله عليه السلام: " وكان جافا " ظاهرا في أن الجفاف موضوع الحكم ولو لم يحصل بالشمس. وهما ضعيفتان، فان ذكر الريح بعد قيام الاجماع وظهور الادلة في عدم دخالته لعله لدفع توهم أن دخالته الجزئية مضرة بتطهير الشمس ومن المعلوم أن الشمس إذا أشرقت على موضع وهب الريح عليه يكون التأثير في التجفيف مستندا إلى إشراقها، وإن كان للريح أيضا تأثير ضعيف، فلا يكون هذا التأثير مضرا، لا أنه جزء الموضوع بحيث ينتفي


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 613 ]

الحكم بانتفائه. وأما قوله عليه السلام: " وكان جافا " فلا ظهور فيه لما ادعي. نعم لا ظهور فيه بأن الجفاف حصل بالشمس فقط، وإن لا يبعد ظهوره العرفي فيه، ولو كان فيه إجمال يرفع بسائر الروايات فلا إشكال فيها. وأما موثقة عمار الساباطي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غير فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر، قال: لا يصلي، وأعلم موضعه حتى تغسله، وعن الشمس هل تطهر الارض؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس، وإن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس، وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك " (1). كذا في الوسائل، وليس في الوافى " حتى ييبس " بعد قوله عليه السلام: " ذلك الموضع " ويكون بدل " غير الشمس " " عين الشمس " وبدل " أصابه " " أصابته " وفي نسخة من التهذيب مقروة على المولى المجلسي رواها نحو الوافى، إلا أنه جعل فيها لفظ " غير " فوق " عين " مع علامة نسخة، ونقل " أصابه " مذكرا. وفي حبل المتين " ربما يوجد في بعض نسخ التهذيب بدل " عين الشمس " بالعين المهملة والنون " غير الشمس " بالغين المعجمة والراء والصحيح الموجود في النسخ الموثوق بها هو الاول " انتهى.


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب النجاسات - الحديث 4

[ 614 ]

وفي المنتهى رواها نحو ما في الوسائل، وصرح في ذيلها بأن رواية عمار فرقت بين اليبوسة بالشمس وغيرها، وفي هامش حبل المتين " وقد ظفرنا في النسخ الصحيحة المعتمد عليها جدا على لفظة " غير " أيضا نسخة، والظاهر أن الهامش لمصصح الكتاب ". وكيف كان فالموثقة متعرضة لاحكام: منها - انه إن يبس الموضع بغير الشمس لا يجوز الصلاة عليه حتى يغسل، ووجهه لزوم كون محل السجدة طاهرا، فالمراد من النهي عنها اما عن خصوص السجود، أو عن الصلاة بجميع أجزائها التي منها السجود، لما ذكرناه من عدم تعارف وضع شئ للسجدة عليه، فلا محالة يكون السؤال عن الصلاة على موضع قذر شاملا للسجود عليه. ومنها - أنه إذا كان الموضع قذرا ببول أو غيره فيبس بالشمس يجوز الصلاة عليه، والتفصيل بين الجفاف بالشمس وغيرها كالنص على رد الكاشاني، وليس المراد من قوله عليه السلام: " ثم يبس " اليبوسة ولو بغير الشمس، بل المراد الجفاف بها، وتخلل لفظة " ثم " لكون الجفاف يحصل بتدريج، فيكون متأخرا عن حدوث إصابتها، ولو كان فيه نوع اجمال يرفع بصحيحة زرارة المتقدمة وبالاجماع، على أن الجفاف بغير الشمس غير مفيد، كما أنه لو كان له إطلاق يقيد بهما. والتقريب فيها لحصول الطهارة بنحو ما تقدم من أن العرف بعد ما رأى أن الطهارة في محل السجدة معتبرة لا ينقدح في ذهنه من تجويز الصلاة إلا حصول الشرط، والعفو لا ينقدح في الاذهان غير المشوشة بالعلميات (1).


(1) أضف إلى ذلك أن الراوى سألت عن مطهرية الشمس وأن مقتضى ارتباط الجواب بالسؤال أن يكون الحكم بتجويز الصلاة عليه =

[ 615 ]

ومنها - أنه إن أصابته الشمس فلم ييبس وكان رطبا لا يجوز الصلاة عليه حتى ييبس، والظاهر أن هذه الفقرة مفهوم الفقرة المتقدمة، وقوله عليه السلام: " حتى ييبس " تأكيد لها، ولو فرض الاجمال أو الاطلاق فيها يرفع أو يقيد كما تقدم. ومنها - أنه مع رطوبة الاعضاء لا يجوز الصلاة عليه حتى ييبس والمراد اليبوسة بالشمس بقرينة الفقرة الآتية، أي " وإن كان غير الشمس أصابه " الخ، والمراد من الفقرتين التفصيل في الصلاة عليه مع رطوبة الاعضاء بين الجفاف بالشمس وغيرها، فتدل على حصول الطهارة بالاول دون الثاني. هذا على نسخة الوسائل الموافقة لمنتهى العلامة وللنصوص والفتاوى والمناسب لتذكير الضمير كما في التهذيب والوسائل، ولعل البهائي والكاشاني تصرفا في النسخة بعد ترجيح " عين " على " غير " فجعلا الضمير مؤنثا كما يظهر من حبل المتين، حيث جعل " أصابته " بالتأنيث في المتن، والتذكير فوق السطر مع علامة التهذيب، مع أن الرواية من التهذيب فكان نسخه كذلك، وتصرف فيها تصحيحا. وأما على النسخة الاخرى وهي هكذا " وإن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع وإن كان عين الشمس أصابه حتى ييبس، فانه لا يجوز ذلك " ففيه احتمالان: أحدهما أن المراد بذلك الموضع هو الموضع القذر الرطب أي لا تصل مع رطوبة الاعضاء على ذلك الموضع وإن كان عين الشمس أصابته إلا أن يبس بالشمس، فيجوز حينئذ الصلاة عليه مع رطوبتها، فكان المقصود بهذه الفقرة إثبات طهارة ما


= كناية عن طهارة الموضع التي هي معتبرة في مسجد الجبهة.

[ 616 ]

أصابته الشمس، فتكون مخالفة للقول بالعفو دون الطهارة. فعلى هذا الاحتمال تكون الفقرة السابقة على هذه الفقرة متعرضة لعدم جواز الصلاة على الموضع حتى ييبس، وهذه الفقرة لجواز الصلاة مع رطوبة الاعضاء فيما إذا يبس الموضع بالشمس، فيكون التعرض لعدم الجواز حتى ييبس توطئة لهذا الحكم، فتدل على طهارة الموضع بالتجفيف بالشمس، وعلى هذا الاحتمال يكون " حتى ييبس " غاية لعدم جواز الصلاة، نعم يحتمل أن يكون متعلقا بقوله: " أصابه " فتدل على عدم الطهارة. وثانيهما أن المراد الموضع القذر بعد اليبوسة أي لا تصل مع رطوبة الاعضاء على الموضع الذى يبس وإن كان أصابه عين الشمس ويبس بها، فتدل على نجاسة ما يبس بالشمس، ولا ترجيح لهذا الاحتمال على الاحتمال الاول، بل الترجيح معه سيما مع كونه موافقا لسائر الروايات الدالة على الطهارة صريحا، فدعوى الكاشاني بأن الرواية على هذه النسخة صريحة في عدم الطهارة غير وجيهة، بل لا ظهور لها فيه، بل الارجح دلالتها على الطهارة على هذه النسخة ايضا. واستدل على عدم الطهارة بها بصحيحة ابن بزيع قال: " سألته عن الارض والسطح يصيبه البول وما أشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال: كيف يطهر من غير ماء؟ " (1) بدعوى أن المراد من السؤال أن الشمس مطهرة في قبال الماء، ومن الجواب أنه كيف يطهر بالشمس؟! بل لا بد من الغسل بالماء. وفيها أن هاهنا احتمالا آخر أقرب منه بلفظ الرواية، وهو أن الشمس في تطهيرها تحتاج إلى ماء أو يطهر المحل بصرف إشراقها عليه؟


(1) مرت في ص 611

[ 617 ]

فتعجب من ذلك، وقال: كيف تطهر من غير ماء؟! أي تحتاج في التطهير إلى التبخير والتجفيف، وهما لا يتمان إلا بماء، ولعل المراد بالماء مطلق المائع القابل للتبخير، ولهذا نكره، ولو نوقش في ذلك يجب تقييد إطلاقها بصحيحة زرارة. وانما قلنا هذا الاحتمال أقرب لان الرواية مشعرة بأن مطهرية الشمس كانت مفروضة، وانما سئل عن كيفيتها، وان الاشراق بلا ماء كاف أو لا، وقوله عليه السلام: " كيف يطهر " معناه كيف يطهر المحل بالشمس فقط من دون ماء سيما على نسخة الوافى، فان فيها " تطهر " بالتاء المثناة، والظاهر انه من التفعيل بمناسبة السؤال، وسيما مع تنكير " ماء " فانه مشعر بأن المراد ليس التطهير بالماء على النحو المعهود، بل لا بد فيه من ماء يتبخر بالشمس. ومع تساوي الاحتمالين لا يجوز رفع اليد عن صحيحة زرارة وغيرها الناصة على الطهارة بمثلها، بل مع فرض أرجحية الاحتمال الاول صارت معارضة لها، والترجيح معها لموافقتها مع الشهرة والاجماعات المنقولة، والانصاف أن طرح الصحيحة الصريحة بمثل هذه المضمرة المجملة غير جائز (1). وأما الروايات الواردة في الشاذكونة وغيرها مما تدل على جواز الصلاة عليها مع الجفاف بلا تقييد بالشمس - وهي التي صارت موجبة لاغترار الكاشاني وارتكابه للتأويل البعيد في صحيحة زرارة وغيرها - فهي مطلقات يمكن تقييدها بتلك الروايات، ومع المناقشة فيه فالتصرف


(1) ويمكن حملها على التقية إذ أكثر أهل العامة يخالفونا في هذا الحكم، ولذا قيل: إن ما يظر من كلام العلامة ان هذا الحكم مختص بالطائفة الحقة.

[ 618 ]

فيها بحملها على جواز الصلاة فيها أو عليها إذا كان موضع السجدة طاهرا بتقييدها بالاجماع على لزوم طهارته أولى من التصرف في صحيحة زرارة ونحوها الموافقة للشهرة والاجماعات المنقولة، هذا حال إحدى المقامات الثلاثة. وأما دلالة صحيحة زرارة على تعميم الموضوع وعدم الاختصاص بالسطح والمكان الذي يصلى فيه فبالقاء الخصوصية عرفا، بل لدلالة الشرطية على أن تمام العلة للتطهير هو تجفيف الشمس من غير دخالة القابل فيه والمقام، لا يقصر عن سائر المقامات التي يدعى فيها إلقاء الخصوصية عرفا. وبالجملة لا ينقدح في ذهن العرف من هذا الكلام أن السطح بما هو مكان خاص أو مكان المصلي بما هو كذلك دخيل في تطهيره بالشمس، بل يرى أن التأثير للشمس وإشراقها والتجفيف بها، من غير دخالة الارض والسطح ومكان المصلي فيه، نعم لو كان الحكم من قبيل العفو لكان لدعوى الخصوصية وجه. لكن بعد البناء على حصول الطهارة لا ينقدح في الاذهان الخصوصية سيما مع وقوع المكان الخاص في كلام السائل فلو كان يدل هذه الشرطية قوله: " إذا أصابه المطر صل عليه وهو طاهر " هل يختلج في الذهن أن المطهر مطهر السطح أو مكان المصلى بحيث يكون للجدار تحت السطح أو لصلاة المصلي دخالة فيه؟ والمقام من قبيله، وعدم معهودية كون الشمس مطهرة لا يوجب فهم الخصوصية بعد دلالة الدليل على أصل الحكم. وبالجملة أن الظاهر المتفاهم من الشرطية أن السبب الوحيد للتطهير تجفيف الشمس كما هو المتفاهم في غير المقام، نعم يستثنى المنقولات ما عدا الحصر والبواري عنها بالاجماع ودلالة بعض الادلة، أو بدعوى

[ 619 ]

عدم القاء الخصوصية بالنسبة إليها بملاحظة الاخبار الواردة في كيفية تطهير الاواني والثياب وأمثالهما، تأمل. ويدل على التعميم رواية أبي بكر الحضرمي المتقدمة (1) بعد تقييدها بحصول الجفاف لو لم نقل بانصرافها عما قبله، بعد عدم إمكان كون إشراقها مطهرا مع بقاء عين النجس أو الرطوبة المتنجسة، فلا ينقدح في الاذهان من قوله عليه السلام: " ما أشرقت عليه الشمس فهك‍ طاهر " إلا إذهاب الاشراق عين النجس أو الرطوبة المتنجسة بالتبخير، لكن يجب تقييدها بالمنقولات بالاجماع. وتوهم انصرافها إلى غير المنقول الذي من شأنه الثبات وإشراق الشمس عليه كما ترى، إلا أن يدعى الانصراف بملاحظة ما وردت في كيفية تطهير الاواني والثياب، وهو ايضا لا يخلو من تأمل، ويشهد على التعميم حكاية جمع من الاعاظم الشهرة عليه. ومما تقدم يظهر الحال في الامور التي يشك في كونها منقولا أو لا لعدم دليل على هذا العنوان، بل ما دل على الاستثناء هو الاجماع، والواجب الاخذ بالمتيقن منه وهو غير المذكورات وتدل على تعميم الحكم بالنسبة إلى غير البول مما هو نظيره في رقته وتبخيره صحيحة زرارة بعد إلقاء الخصوصية منه عرفا، سيما مع كون البول أشد نجاسة من المائعات المتنجسة بسائر النجاسات، بل من كثير من النجاسات. ويدل عليه أيضا مضافا إلى الشهرة المنقولة بتوسط كثير من الاعيان إطلاق رواية الحضرمي وموثقة الساباطي وصحيحة ابن بزيع بناء على أحد الاحتمالين.


(1) مرت في ص 611

[ 620 ]

ثم أن المراد من الجفاف في صحيحة زرارة وغيرها هو حصول اليبوسة كما في موثقة عمار، ضرورة أنه مع بقاء رطوبة عين البول وكذا سائر المائعات النجسة أو المتنجسة لا يطهر المحل، وهو واضح، والميزان حصول اليبوسة، وعدم بقاء أثر النجس، ولو كان للبول وغيره بواسطة التكرار على المحل جرم لا يتبخر باشراق الشمس لم يطهر، وهذا هو المراد من استثناء المحل المتخذ مبالا في صحيحة زرارة وحديد ولعله مراد الشيخ من استنثاء الخمر. والظاهر من النصوص أن يكون الجفاف واليبس حاصلا باشراقها استقلالا، فلو اشترك معه غيره ولو بتنشيف المحل بحيث لا يبقى من الرطوبة السارية شئ أو اعينت الشمس في فعلها بحرارة ونحوها لا يطهر المحل، وكون الشمس متأخرة في التأثير في بعض الصور لا يوجب استقلالها في حصوله، نعم لا يضر تقليل العين والرطوبة عنه مع بقاء شئ من الرطوبة السارية للصدق العرفي. لا يقال: إطلاق موثقة عمار أي قوله عليه السلام: " إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة " يقتضي طهارته ولو مع نداوة غير سارية فاللازم استقلال الشمس في تحصيل اليبوسة، وهو حاصل ولو كان الوصول إلى حد الرطوبة غير السارية بفاعل آخر، بل ولو لم يبق للمحل إلا نداوة ضعيفة جدا، لصدق أن المحل كان قذرا بالبول ويبس بالشمس فانه يقال: إطلاقها محل تأمل، لان اليبوسة فيها في مقابل الرطب المذكور في الفقرة الثانية، وهو لا يصدق على النداوة الضعيفة غير السارية، فان المتفاهم من كون الشئ رطبا ولو بالانصراف هو كونه ذا نداوة سارية، ولا يلزم أن تكون الرطوبة أيضا كذلك، أي لا تصدق

[ 621 ]

إلا على السارية، لاختلاف المشتقات بعضها مع بعض احيانا ولو للانصراف كجري الماء والماء الجاري، ألا ترى أن الظاهر من قوله عليه السلام في الفقرة الاخرى منها: " إن كانت رجلك رطبة " الخ كونها ذا نداوة سارية مع إمكان أن يقال: إنها بصدد بيان حكم آخر، وهو حصول اليبس بالشمس تارة وبغيرها أخرى، لا بصدد بيان كيفية التطهير بها مضافا إلى أن صحيحة محمد بن اسماعيل على الاحتمال الراجح تقيد الاطلاق لو كان. هذا مع أن في صحيحة زرارة التي هي الاصل في المسألة علق الحكم على التجفيف، وهو لا يصدق على ما ذكر، ولا يلزم منه كفاية حصول الجفاف مع بقاء رطوبة غير سارية في التطهير، للقرينة العقلية على أن المراد حصول الجفاف إلى حد اليبوسة، فلا بد من حفظ مفهوم الجفاف غير الصادق على حصول اليبس من النداوة غير السارية، والتقييد بانتهائه إلى حد اليبوسة. فالاحوط بل الاقوى عدم الطهارة إلا مع نداوة سارية للمحل، ولو جف بغير الشمس ويراد تطهيره يرش عليه الماء، فإذا جففته الشمس طهر، لعدم الفرق بين النجس والمتنجس. الثالث: النار، والكلام فيها يقع في مقامين: أحدهما - في أنها هل مطهرة كمطهرية الشمس، فكما أن الثانية مطهرة باشراقها على المحل وتبخير النجس أو المتنجس كذلك الاولى إذا أصابت شيئا طهرته؟ يظهر من الشيخ في مياه نهايته ومحكي استبصاره

[ 622 ]

ذلك في الجملة، قال في النهاية: " فان استعمل شئ من هذه المياه النجسة في عجين يعجن به ويخبز لم يكن بأس بأكل ذلك الخبز، لان النار قد طهرته " نعم عدل عنه في اطعمتها فقال: " لم يجز أكل ذلك الخبز، وقد رويت رخصة في جواز أكله، وذكر أن النار طهرته ". ويظهر من المقنع ذلك أيضا، حيث أجاز الاكل من خبز عجين عجن بماء البئر الواقع فيه الفارة وغيرها وماتت فيها، بناء على انفعال ماء البئر عنده. وعن خلاف الشيخ ومبسوطه وجمع آخر القول بطهارة الخزف والآجر مع نجاسة طينهما، وادعى الشيخ الاجماع عليه، واستدل على الطهارة بصحيحة ابن محبوب الآتية، والظاهر منهم مطهريتها مع عدم تبدل الموضوع سيما مع الاستدلال بالصحيحة، وقد أفتى الشيخ في أطعمة النهاية بمضمون رواية زكريا بن آدم الظاهر منها أن النار إذا أكلت الدم طهر المرق فكانت مطهريتها فوق سائر المطهرات حتى الماء. وكيف كان فما يمكن أن يستدل على مطلوبهم روايات. منها - صحيحة الحسن بن محبوب قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إلي بخطه أن الماء والنار قد طهراه " (1). بدعوى أن السؤال عن الجص الملاقى للعذرة والعظام الموقدتين عليه وهما ملازمتان للرطوبة، سيما الثانية التي لا تنفك غالبا عن دسومة سارية في أول الايقاد، فسئل عن النجاسة العارضة للجص، فأجاب عليه السلام بأن الماء والنار طهراه، ومعلوم أنهما لم يقعا عليه دفعة، بل النار أصابته أولا للطبخ والماء بعدها للتجصيص، وبعد عدم مطهرية


(1) الوسائل - الباب - 81 - من ابواب النجاسات - الحديث 1

[ 623 ]

الماء المخلوط بالجص جزما وإجماعا، وعدم كونه جزء المطهر ايضا كالمرة الثانية في الماء المطهر للبول، فلا محالة تكون المطهرية مستندة إلى النار حقيقة، وللماء أيضا نحو تأثير في رفع القذارة العرفية، ولا يلزم منه استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي لما مر مرارا من أن الطهارة والقذارة في اصطلاح الشارع ليستا إلا بالمعنى العرفي واللغوي مع أن الاستعمال في الجامع بعد قيام القرينة لا مانع منه، بل لا يمتنع الاستعمال في المعنيين كما قرر في محله. فتحصل من ذلك أن الجص النجس بملاقاة النجاسة صار طاهرا بايقاد النار عليه. وفيه - أن في الرواية احتمالات أخر لعل بعضها أقرب مما ذكر كاحتمال كون السؤال عن الجص الموقد عليه ما ذكر لاجل اختلاطه برمادهما وعدم إمكان تفكيكه عنه، فعليه يكون المراد من التطهير بالنار استحالتهما، وبالماء رفع القذارة العرفية، والتطهير بالاستحالة وتبدل الموضوع غير ما هو المطلوب في المقام. وكاحتمال كون السؤال لتوهم ان الطبخ بالعذرة وعظام الموتى مناف لاحترام المسجد والسجود فسئل عن جوازه فأجاب بعدم المنافاة لرفع القذارة العرفية بالنار والماء. وكاحتمال أن يكون المراد أن إيقادهما عليه معرض لعروض النجاسة فيكون مظنه لذلك، فأجاب بما ذكر، والمراد بالتطهير رفع القذارة المظنونة أو المحتملة كما ورد الرش في موارد الشبهات في الاخبار. والانصاف أن اثبات هذا الحكم المخالف للقواعد بمثل هذه الرواية غير ممكن، مع أن الظاهر منها أن النار جزء الموضوع للتطهير، والحمل المتقدم بعيد جدا.

[ 624 ]

ومنها - مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام " في عجين عجن وخبز ثم علم ان الماء كانت فيه ميتة، قال: لا بأس أكلت النار ما فيه " (1). وفيه - مضافا إلى أنه لم يصرح فيها بأن العجين عجن بالماء النجس بل الظاهر منها أنه بعد العجن علم أن في الماء الذي أخذ ماء العجين منه كانت ميتة، فلو فرض أن المأخوذ منه لم يكن بئرا لكن لم يعلم أن الميتة كانت فيه حين أخذ الماء منه أو وقعت فيه بعده فكانت الشبهة موضوعية، وقوله عليه السلام: " أكلت النار ما فيه " لدفع القذارة المحتملة كرش الماء في مثله، ولم يتضح حال من أرسل عنه ابن أبي عمير فلعله كان رجلا مبتلى بوسواس، فأراد أبو عبد الله عليه السلام دفعها كما نقل عن الشيخ الاعظم أنه يرى رجلا مبتلى بالوسواس يتحرز عن بخار الحمام لكونه بخار الماء النجس، فقال له: إن هذا البخار متصل بالخزانة وهي كر فلا ينفعل، وبالجملة أن الشبهة ظاهرا كانت موضوعية تأمل - أنها معارضة بما هو أوضح سندا ومتنا. وهو مرسلته الاخرى بالسند المتقدم عن بعض أصحابنا وما أحسبه إلا عن حفص بن البختري قال: " قيل لابي عبد الله عليه السلام في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممن يستحل أكل الميتة " (2) وبالاسناد عنه عن بعض أصحابه عنه عليه السلام قال: " يدفن ولا يباع " (3). وحمل الثانية على الاستحباب كما ترى، فان دفن المال المحترم


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 18 (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الاسئار - الحديث 1 - 2.

[ 625 ]

تبذير، ولا يبعد حملها على النهي عن بيعه على المسلم، فيجوز البيع على المستحل، ومع عدمه أو عدم اشترائه كما هو الغالب يدفن، فهذه نص في العجين بالماء النجس والاولى محتمل للامرين، فتحمل على مورد الشبهة هذا مع عدم نقل عامل بها يعتد به، فان الشيخ قد رجع عن القول به في أطعمة النهاية، والاستبصار ليس كتاب الفتوى. ومنها - رواية زكريا بن آدم قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله قلت: فانه قطر فيه الدم، قال: الدم تأكله النار إنشاء الله، قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم، قال: فقال: فسد، قلت: أبيعه من اليهودي والنصراني وأبين لهم؟ قال: نعم، فانهم يستحلون شريه " الخ (1). وفيه أنها - مع ضعفها سندا ومناقضة صدرها وذيلها في الدم ومخالفتها لقاعدة انفعال المضاف وتفصيلها بين الدم وغيره وهو كما ترى وظهور ذيلها في كراهة أكل ما قطر فيه الفقاع - لا تصلح لاثبات هذا الحكم المخالف للقواعد، بل الظاهر منها أن أكل النار الدم موجب لطهارة المرق أيضا، وهو غير معهود في شئ من المطهرات. هذا مضافا إلى أن الدم المستهلك في المرق لا تأكله النار بالتبخير أو لا يمكن العلم به إلا بعد تبخير جميع المرق، بل المستهلك ليس بشئ عرفا حتى تأكله النار، فتحصل مما ذكر عدم كون النار مطهرة مطلقا. والمقام الثاني - في تطهيرها كل ما أحالته دخانا أو رمادا، وهذا


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب النجاسات - الحديث 8

[ 626 ]

الحكم ليس من مختصات النار، وليست الاستحالة مطهرة، بل هي من قبيل تبديل موضوع بموضوع آخر، كما أن الامر كذلك في بعض آخر مما يعد مطهرا. والميزان الكلى في الحكم بالطهارة بالاستحالة تبدل موضوع النجس أو المتنجس بآخر طاهر بنحو لا يصدق عليه عنوان موضوع الدليل الاجتهادي المثبت للحكم على الموضوع الاول، ولم يبق موضوع القضية المتيقنة عرفا حتى يستصحب، فان فرض حصول التغير للموضوع الاول لكن بنحو لم يخرج عن صدق عنوانه عليه أو فرض حصوله بنحو بقي عرفا موضوع القضية المتيقنة المعتبر في الاستصحاب يحكم عليه بالنجاسة وخرج عن موضوع الاستحالة ولو ظاهرا. نعم قد يتفق حصول التغير على النحو الاول دون الثاني، فيكون المورد مجرى الاستصحاب، لكن قام دليل لفظي اجتهادي أو إجماع أو سيرة على طهارته، فيحكم بها تحكيما للدليل على الاصل. ثم أن الاختلافات التي وقعت في المقام كالاختلاف في التفرقة بين النجاسات والمتنجسات وعدمها، وكالاختلاف في الآجر والخزف المعمولين من الطين النجس، وكالاختلاف في الفحم، وفي بخار الماء النجس أو المائع النجس، ودخان الدهن المتنجس وغيرها كلها موضوعية، فالقائل بالنجاسة يرى الموضوع الاستصحابي باق، والقائل بالطهارة ينكره أو يشك فيه، وليست الاختلافات فيها فقهية وإن يظهر من بعض استدلالاتهم كونها في بعض الموارد كذلك. ثم أن الانتقال من الاستحالة لو فرض إيجابه لتعدد الموضوع بحيث لا يبقى موضوع الدليل الاجتهادي ولا القضية المتيقنة وذلك مثل ما إذا انتقل إلى النبات وتبدل إلى الرطوبة التي جزء له وخرج عن مسماه

[ 627 ]

أو شرب حيوان دم إنسان، فتبدل بتصرف جهاز هضمه إلى أجزائه كالدم وغيره، وأما لو لم يتبدل بل انتقل إلى المنتقل إليه وبقي على حقيقته فلا يخلو إما أن صدق عليه أنه من المنتقل منه ولم يصدق أنه من المنتقل إليه، أو على عكسه، أو صدقا عليه، أو لم يصدق شئ منهما عليه، أو صدق أحدهما ويشك في صدق الآخر، أو شك في صدق كل منهما عليه. وعلى أي تقدير فاما كان لدليل المنتقل منه إطلاق يشمله، أو للمنتقل إليه، أو لدليلهما، أو لا إطلاق لهما، فمع اطلاق دليل أحدهما وإحراز موضوعه ولو بالاصل دون الآخر يحكم به، فلو أحرز أن الدم من الانسان كدم مصه العلق وكان لدليل نجاسته إطلاق حكم بها له، وكذا لو شك في تبديل الاضافة لتنقيح موضوع الدليل بالاستصحاب. ولو كان لدليل طهارة دم المنتقل إليه إطلاق دون المنتقل منه وأحرز كونه من المنتقل إليه يحكم عليه بالطهارة، ولو شك فيه يحكم بالنجاسة للاستصحاب الحكمي. ولو كان لدليلهما إطلاق وأحرز كونه لهما لو فرض صحة ذلك يقع التعارض بين الدليلين، فيؤخذ بالارجح لو قلنا بالترجيح في مثل المقام، ومع عدمه يحكم بالنجاسة لو قلنا بسقوطهما في مثله، بل وكذلك لو شك في كونه مضافا إلى المنتقل منه سواء أحرز كونه من المنتقل إليه أم شك فيه، كل ذلك للاستصحاب على تأمل في بعض الصور، ومنه يظهر حال الفروض الاخر. هذا بحسب القاعدة، لكن لا يبعد الحكم بطهارة دم البق والبرغوث ولو مع العلم بأن الدم الذي فيهما من الانسان لقيام السيرة على عدم الاحتراز منه، ولاطلاق صحيحة ابن أبي يعفور قال: " قلت لابي عبد الله

[ 628 ]

عليه السلام: ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس، قلت أنه يكثر ويتفاحش، قال: وان كثر " (1). ورواية الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دم البراغيث في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة؟ قال: لا " (2). ورواية غياث عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (3). ومكاتبة محمد بن ريان قال: " كتبت إلى الرجل عليه السلام هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ وهل يجوز لاحد أن يقيس دم البق على البراغيث فيصلي فيه، وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع يجوز الصلاة، والطهر منه أفضل " (4). وتلك الروايات وإن وردت في الدم المضاف اليهما، لكن ما يضاف اليهما سيما إلى البق هو ما اجتمع في جوفهما من دم الانسان وأما بعد هضمه فلا يتبدل بالدم عرفا، ولهذا لا يرى للبق دم إلا ما امتصه من الانسان، ولعل البرغوث أيضا كذلك، ولو كان له دم ايضا لا شبهة في شمول الروايات للدم الذي في جوفه وامتصه من الانسان، فالاقوى ما ذكر، وإن كان الاحوط الاجتناب عن الدم الذي امتصه من الانسان ولم يستقر في جوفه زمانا. كما أن الاقوى نجاسة الدم الذي امتصه العلق، للاستصحاب، بل لاطلاق الدليل على احتمال، وعدم سيرة أو دليل آخر على طهارته نعم لو صار جزء بدنه وتبدل إلى موضوع آخر ولو كان دما طهر. واما انقلاب الخمر خلا فلا يكون استحالة للتبدل في الصفة عرفا


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 4 - 5 - 3.

[ 629 ]

فبقى موضوع الاستصحاب، وجرى الاستصحاب الحكمي فيه، بل مع الغض عنه يحكم بنجاسته، للملاقاته مع الاناء المتنجس بالخمر، فلا بد في الحكم بطهارته من قيام دليل مخرج عن الاصل وإطلاق الدليل، وهو النصوص المستفيضة، مضافا إلى الاجماع المنقول مستفيضا فيما ينقلب خلا بنفسه، وإطلاق بعض معاقده فيما ينقلب بالعلاج، وعن جمع دعوى الشهرة عليه. مثل موثقة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلا قال: لا بأس " (1). وموثقة عبيد بن زرارة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا قال: لا بأس " (2). وموثقته الاخرى عنه عليه السلام أنه قال: " في الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا قال: إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس " (3). والظاهر منها جعلها خلا بالعلاج، فان الخمر بنفسها ولو بقيت طويلا لا تصير خلا، فالمراد من جعلها خلا هو علاجها حتى صارت كذلك، بأن يوضع فيها شئ كالخل والملح. هذا مع تصريح بعض الروايات به، مثل ما عن ابن ادريس نقلا عن جامع البزنطي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن الخمر تعالج بالملح وغيره لتحول خلا قال: لا بأس بمعالجتها " الخ (4) وصحيحة عبد العزيز بن المهتدي على الاصح قال: " كتبت إلى الرضا عليه السلام جعلت فداك العصير يصير خمرا فيصب عليه الخل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 - 3 - 5 - 11.

[ 630 ]

وشئ يغيره حتى يصير خلا، قال: لا بأس به " (1). فما في بعض الروايات الشاذة من المنع مطروح أو مؤل ومحمول على الكراهة، مثل ما عن العيون عن على عليه السلام " كلوا من الخمر ما انفسد، ولا تأكلوا ما أفسدتموه انتم " (2). ورواية أبي بصير - ولا يبعد أن تكون صحيحة - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن الخمر يجعل فيها الخل فقال: لا إلا ما جاء من قبل نفسه " (3) مع ما في الاولى من الاجمال، بل الثانية لا تخلو منه أيضا. وأما موثقة أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر تجعل خلا قال: لا بأس إذا لم يجعل فيها ما يغلبها " (4) ففي الوسائل والكافي " يغلبها " بالغين المعجمة، وفى بعض كتب الاستدلال " يقلبها " بالقاف، والظاهر أنها موافقة لمضمون روايته الاخرى عنه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر يضع فيها شئ حتى تخمض، قال: إن كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا بأس به " (5). فهي مؤيدة لصحة نسخة الكافي والوسائل، وفيها نحو إجمال يرفع بما في النسختين، فيكون المراد من الروايتين النهي عن غلبة ما يعالج به الخمر لتصير خلا، فلا يجوز صب مقدار منها في خل كثير، ولا تطهر ولو مع العلم بصيرورتها خلا لانه صار نجسا بصبها فيه، ولا


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 8 (2) راجع عيون أخبار الرضا عليه السلام - الباب - 31 - الحديث 127 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 7 - 4 - 2.

[ 631 ]

دليل على صيرورته طاهرا بالتبع، فان ما طهر بالتبع هو شئ يصب للعلاج بحسب المتعارف كمقدار من الملح أو الخل مما يتعارف صبه فيها للانقلاب. فما عن الشيخ من القول بطهارة الخمر القليلة الملقاة في خل كثير إذا مضى عليها زمان يعلم عادة باستحالتها ضعيف، لا لما قيل بأن صب المائع حتى للعلاج محل اشكال فضلا عن غيره، فان الخل الوارد في الادلة من المائعات مضافا إلى أن مقتضى إطلاق الادلة عدم الفرق بل منشأ الاشكال أن المستفاد من الادلة هو طهارة ما يعمل علاجا ويتعارف استعماله فيه دون غيره، فالقاء الاجسام الاجنبية فيها سواء كانت من المائعات أو الجامدات لتصير طاهرة بالتبع محل إشكال ومنع، بل الاشكال في الجامدات أشد إذا كانت المائعات بمقدار يستهلك فيها وإن زاد عن المتعارف، بل مع الاستهلاك يكون للقول بالطهارة وجه نعم يمكن أن يقال: إن مقتضى موثقتي أبي بصير جواز جعل الخل وغيره فيها إذا لم يغلبها وان زاد عن المتعارف، لكن الاتكال عليهما مع اختلاف نسخة الاولى والاجمال في الثانية لا يخلو من اشكال، فالاحوط عدم التجاوز عن المقدار المتعارف للعلاج. وأما ذهاب الثلثين فلا موجب للبحث عنه بعد ما تقدم من عدم نجاسة العصير بغليانه، ولو فرض حصول الاسكار في بعض الاحيان وصار خمرا فلا يطهر إلا بالانقلاب. وأما الاسلام فموجب لارتفاع نجاسة الكفر، وهو نظير الانقلاب من تبدل عنوان بالآخر دلت الادلة على طهارة المعنون به. نعم إن قلنا بطهارة رطوباته المتصلة به كعرقه وبصاقه ووسخه وثوبه المتنجس بها كما ادعي عليها السيرة وعدم معهودية الامر بتطهيره

[ 632 ]

بعد الاسلام مع ملازمته لها يكون الاسلام مطهرا لها، وأما بناء على ما قيل من تبدل النسبة وصيرورتها من المسلم يكون من الانقلاب، لكنه كما ترى سيما في بعضها. وكيف كان فالحكم بطهارة المسلم من الكفر الاصلي إجماعي بل ضروري، كما ادعاه الاعلام، وهو كذلك، وهو متسالم عليه فيمن أسلم عن ارتداد ملي، وحكي عليه الاتفاق. وتدل عليه مضافا إلى أولوية قبول إسلامه وتوبته من الفطري الذي يأتي قوة قبوله منه آنفا صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال: " سألته عن مسلم تنصر، قال: يقتل ولا يستتاب قلت: فنصراني أسلم ثم ارتد، قال: يستتاب فان رجع وإلا قتل " (1). وبها يقيد اطلاق نحو صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرتد، فقال: من رغب عن الاسلام وكفر بما انزل على محمد بعد اسلامه فلا توبة له، وقد وجب قتله، وبانت منه امرأته، ويقسم ما ترك على ولده " (2) والمراد من قوله عليه السلام: " بعد اسلامه ": بعد كونه مسلما لا بعد دخوله في الاسلام جمعا بينها وبين صحيحة على بن جعفر المصرحة باستتابته. وأما المرتد الفطري فالظاهر قبول توبته أيضا، أما باطنا فيمكن دعوى القطع به، لعموم رحمته تعالى وفضله على العباد، وعدم امكان من رجع إليه وتاب وأسلم وآمن أن رده من بابه، وعذبه عذاب الكفار بل لعله مخالف لاصول العدلية.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المرتد - الحديث 5 - 2 - من كتاب الحدود والتعزيرات.

[ 633 ]

وأما ظاهرا بمعنى صحة إسلامه فقد يقال بعدم قبوله، وعلى فرض قبوله وصيرورته مسلما فلا دليل على صيرورته طاهرا، لعدم عموم على طهارة كل مسلم يشمل مثله، فمقتضى الاستصحاب نجاسته، وقد يستدل على عدم قبوله بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. وفيه - مضافا إلى عدم الملازمة بين عدم قبول توبته وعدم صحة إسلامه لامكان أن يكون المرتد الذي عصى ربه واستوجب القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة لا تقبل توبته من هذا العصيان وإن صار مسلما فمقتضى الجمع بين الصحيحة وبين ما دلت على أن الاسلام عبارة عن الشهادتين أن يصح إسلامه ويترتب عليه أحكام الاسلام من الطهارة وغيرها، لكن لا يصير إسلامه موجبا لقبول توبته من عصيانه السابق فيستحق العقوبة في الآخرة لا نحو عقوبة الكفار من الجلود، وفي الدنيا تترتب عليه أحكام المرتد - أن الصحيحة قاصرة عن إثبات عدم قبول توبته باطنا وظاهرا فيما هو راجع إلى الاحكام الثابتة له بالارتداد كوجوب قتله وبينونة زوجته وتقسيم ماله وما لا يرجع إليه، لان الظاهر من قوله عليه السلام: " وقد وجب قتله وبانت امرأته ويقسم ما ترك على ولده " أن الجمل حالية. فحاصل الصحيحة أن الاحكام الثلاثة بعد ثبوتها بحدوث الارتداد لا ترفع بالتوبة، فلا توبة له، والحال أن القتل صار ثابتا، والامرأة بائنة، والمال منتقلا إلى الورثة، فيمكن دعوى ظهورها أو إشعارها بأن لا توبة لها بالنسبة إلى ما ثبت عليه ومضى، وهي الاحكام الثلاثة دون ما سيأتي من الاحكام كطهارته وغيرها. بل الظاهر أن الصحيحة نظير غيرها من الروايات الواردة في الباب الدالة على أن المرتد الملي يستتاب ولا يقتل، والفطري لا يستتاب

[ 634 ]

وعلى الامام أن يقتله بلا استتابة، فلا إطلاق فيها. وبالجملة لا يصح إثبات هذا الحكم المخالف للعقول في قبول توبته باطنا وللادلة في قبول إسلامه وتحققه منه بتلك الرواية، ولا يبعد رجوع كلمات الفقهاء إلى ما تقدم، فلا يمكن الاعتماد على الشهرة المحكية في الباب. وأما احتمال بقاء نجاسته بعد صحة إسلامه فلا ينبغي التفوه به بعد وضوح طهارة كل مسلم لدى المتشرعة، بل لو أنكر أحد نجاسة هذا المرتد الراجع عن ارتداده كان أقرب إلى الصواب من إنكار طهارة هذا المسلم الذي اسلامه كسائر المسلمين. مضافا إلى أن الروايات الوادة في تشريح حقيقة الاسلام ظاهرة في أن جميع أحكام الاسلام مترتبة على من أقر بالشهادتين، كموثقة سماعة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الاسلام - إلى أن قال -: الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس " (1) ونحوها صحيحة حمران بن أعين (2). ومعلوم أن تلك الامثلة لافادة أن جميع الاحكام الظاهرة من المعاشرات والمناكحات وغيرها مترتبة على الشهادتين، فتوهم أن الطهارة التي هي من أوضح ما يحتاج إليها الناس في عشرتهم لا تترتب عليها في غاية السقوط. نعم لاحد أن يقول: إن الروايات في هذا المضمار انما هي لبيان الاسلام المقابل للايمان ولا إطلاق لها بالنسبة إلى المرتد عن الاسلام إذا رجع وأظهر الشهادتين، لكنه وهم، فان المنساق من الروايات أن


(1) و (2) مرتا في ص 321.

[ 635 ]

الشهادتين تمام حقيقة الاسلام، وتمام الموضوع لترتب الآثار الظاهرة على مظهرها، فالتشكيك في طهارة المسلم سيما المؤمن بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله الذي أعز من الكبريت الاحمر ويكون من أولياء الله تعالى إلى غير ذلك من الاوصاف التي ذكرت له في الروايات كالتشكيك في البديهي. وأما الاستدلال عليها بأنه مكلف بالاسلام وشرائعه، فلا بد من صحتها منه وإلا فلا يعقل تكليفه بها جدا، والصحة متوقفة على قبول إسلامه وعلى طهارته فغير وجيه، إذ غاية ما يدل عليه هذا الوجه هو قبول إسلامه الذي هو شرط في قبول عمله ولا يمكن التخصيص في دليله وأما اشتراط الطهارة فيمكن أن يقال: بسقوط منه، فالعلم بصحة العبادات منه ملازم للعلم بصحة إسلامه لا العلم بطهارته. ومنه يظهر أن الاستدلال عليها برواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام فيمن كان مؤمنا فحج وعمل في ايمانه ثم أصابته في ايمانه فتنة فكفر ثم تاب وآمن، قال: يحسب له كل عمل صالح في ايمانه، ولا يبطل منه شئ " (1) غير وجيه، لانها تدل على قبول اعماله الصالحة، وهو لا يلازم طهارة بدنه، نعم يلازم صحة عباداته ولو مع إسقاط شرطية الطهارة. الرابع: الارض ولا ينبغي الاشكال في مطهريتها إجمالا، وعن جامع


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 1 - وفيه: عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 636 ]

المقاصد الاجماع عليها في باطن النعل وأسفل القدم والخف والقبقاب ونحوه، وعن المدارك أن هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب، وظاهرهم الاتفاق عليه، وعن الدلائل هو مقطوع به في كلام الاصحاب ونقل بعضهم الاجماع عليه، وعن المعالم والذخيرة لا يعرف فيه خلاف بين الاصحاب. وربما يظهر من الشيخ في الخلاف خلاف في ذلك على اشكال في ظهور كلامه، وعلى فرضه لابد من تأويله، وتدل عليها الكبرى الواردة في الروايات بأن الارض يظهر بعضها بعضا تارة في وطئ العذرة، كصحيحة محمد بن مسلم قال: " كنت مع أبي جعفر عليه السلام إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك، فقال: أليس هي يابسة؟ فقلت: بلى، قال: لا بأس إن الارض تطهر بعضها بعضا " (1). ولعل المراد أنه لا بأس باصابة الثوب لكونها يابسة، ولا يوطئها الملازم لصحابة اجزائها للرجل أو النعل، لان الارض يزيلها، وعلى هذا يكون مفادها غير مفاد ما تأتي في سائر الروايات. ويحتمل بعيدا أن يراد بنفي البأس إذا كانت يابسة نفيه عن اصابة الثوب، وذكر الكبرى لاجل التنبيه على أنها لو كانت رطبة وتلوثت بها الرجل تطهر بالارض فضلا عما كانت يابسة، وعليه يكون مفادها كغيرها، واحتمل بعضهم وقوع سقط فيها. وأخرى في مورد التنجس بملاقي الخنزير، كحسنة المعلى بن خنيس قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا فقال: أليس وراه شئ


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 2

[ 637 ]

جاف؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا " (1) وثالثة في مورد التنجس بالبول، كحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس علي حذاء فليلصق برجلي من نداوته، فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا " الخ (2). ورابعة في مورد التنجس بمطلق القذر، كموثقة الحلبي (3) لو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 3 - 9 (3) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 4 - وسندها في الوسائل هكذا: محمد بن يعقوب، عن محمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، عن اسحاق بن عمار، عن محمد الحلبي، وظني أن محمد بن اسماعيل هذا هو محمد بن اسماعيل البندقي النيشابوري الذي يذكر احوال الفضل بن شاذان بلا واسطة، ويؤيده رواية الكشي عنه عند ترجمة الفضل بن شاذان، وأيضا روايته عنه عن الفضل بن شاذان عند ترجمة أبي ذر الغفاري، ومحمد بن اسماعيل البندقي النيشابوري لم يوثق. وما قيل من أن محمد بن اسماعيل الذي يروى عنه الكليني مردد بين أن يكون محمد بن اسماعيل بن بزيع، أو محمد بن اسماعيل ابن أحمد بن بشير البرمكي المعروف بصاحب الصومعة، أو محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني وكلهم ثقات غير وجيه، لانهم لقوا أصحاب الصادق عليه السلام كما يظهر من ترجمتهم، ومن البعيد جدا أن روى الكليني عن الصادق عليه السلام بواسطتين. على أن الكليني يروي عن ابن البزيع بواسطتين، لانه يروى =

[ 638 ]

كانت القضية غير ما في الحسنة، وإلا كان المراد من القذر البول كما صرح به في الاولى. وكيف كان يظهر من تلك الكبرى أن الارض مطهرة للرجل ولو فرض أن فيها إجمالا. فان صدورها لافادة طهارتها وجواز الدخول معها في المسجد، والدخول في الصلاة كما لعله المنساق منها مما لا ينبغي الاشكال فيه، وانما الاشكال في كيفية إفادتها طهارة الرجل، ولا يبعد أن يكون المتفاهم منها أن الارض يظهر بعضها ما يتنجس ببعضها أو يكون المراد بالبعض الثاني نفس النجاسات الحالة في الارض بنحو من التأويل فانها صارت كالجزء لها، والمراد بتطهيرها تطهير آثارها من الملاقي كقوله: " الماء يطهر الدم ". نعم ما احتمله الكاشاني غير بعيد بالنسبة إلى صحيحة ابن مسلم المتقدمة، والظاهر أن مراده توجيه هذه الرواية دون غيرها. بل يمكن استفادة الطهارة من سائر الروايات ايضا فان اشتراط طهارة البدن لما كان معهودا لدى السائل والمسؤول عنه فلا يفهم من تجويز الصلاة مع رجل ساخت في العذرة بعد مسحها وذهاب أثرها ولا من نفي البأس إذا مشى نحو خمسة عشر ذراعا إلا حصول شرط


= عن علي بن ابراهيم عن أبيه عنه، أو عن محمد بن يحيى عن احمد ابن محمد عنه، هذا مع أن الفضل بن شاذان ممن روى عن محمد بن اسماعيل بن بزيع كما صرح به الكشي، وأن الكليني روى عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان، وبالجملة أن محمد بن اسماعيل مشترك بين الموثق وغير الموثق، فالتعبير عن رواية الحلبي هذه بالموثقة أو بالصحيحة كما عن بعض لا يخلو من اشكال.

[ 639 ]

الصلاة والطهارة، وأما رفع اليد عنه والعفو فشئ لا يفهمه العرف، فلا ينبغي التأمل في حصولها. نعم الاستدلال عليها بمثل قوله صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (1) أو قوله عليه السلام: " إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (2) ضعيف، لان الظاهر منهما سيما الثانية كونهما اشارة إلى آية التيمم، وإلا فالاخذ باطلاقهما خلاف الاجماع بل الضرورة، وتقييدهما موجب للاستهجان. ثم أن مقتضى اطلاق بعض الروايات كالكبرى المتقدمة وصحيحة الاحول عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا، قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك " (3) بل وموثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه سأله " عن رجل يتوضأ ويمشي حافيا ورجله رطبة، قال: إن كانت أرضكم مبلطة أجزأكم المشي عليها " الخ (4) عموم الحكم لجميع النجاسات من غير فرق بين العذرة والبول وغيرهما. وهل يعم الحكم حصولها بأي نحو كان أو يختص بحصولها من الارض بمشي ونحوه لا النجاسة الخارجية كأن قطرت على باطن القدم قطرة دم أو غيره؟ قد يقال: إن مورد جل الروايات أو كلها وإن كان ما حصل التلوث من الارض بل قد يستشعر من قوله عليه السلام:


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب التيمم - الحديث 2 و 3 و 4 (2) مرت في ص 361 (3) و (4) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 1 - 8.

[ 640 ]

" الارض يطهر بعضها بعضا " ذلك. لكن استبعاد مدخلية مثل هذه الخصوصية في موضع الحكم مانع عن أن يقف الذهن دونها، ولهذا لم يفهم الاصحاب منها الاختصاص، وحاصل كلامه يرجع إلى إلقاء الخصوصية عرفا. ويمكن أن يستدل له باطلاق صحيحة الاحول، فان الموضع الذي ليس بنظيف أعم من الارض، كأن وطأ على فراش ونحوه، ويتم في غيره بعدم الفصل جزما، لكن الحكم بالتعميم في المقام لا يخلو من إشكال، لان الكبرى المتقدمة لما كانت في مقام بيان الضابط لا بد من أخذ القيود التي فيها، ولا يجوز إلقاؤها إذا كانت في مورد اعطاء القاعدة ولا يبعد أن يكون أظهر الاحتمالات فيها أحد الاحتمالين المتقدمين فيفهم منها دخالة خصوصية حصول النجاسة من الارض، وإلا لم يأخذها في مقام إعطاء الضابط. واحتمال أن يكون المراد من البعض الثاني الارض، ويكون المراد من تطهيرها إزالة أثرها أو استحالتها وتبديل موضوعها ويكون الاستدلال بهذه القضية لطهارة الرجل والخف مبنيا على تنزيلهما منزلة الارض بعلاقة المجاورة بعيد مخالف للمتفاهم العرفي، بل لعله من أبعد الاحتمالات. كما أن في إطلاق صحيحة الاحول إشكالا، سيما مع أن المراد من المكان النظيف الذي بعده هو الارض كما يأتي الكلام فيه، والتفكيك بينهما بدعوى اطلاق الموضع الذي ليس بنظيف لكل موضع، لمساعدة العرف مع عدم الفرق بين أسباب حصول النجاسة، وعدم اطلاق قوله: " مكانا نظيفا " بعيد، سيما مع الكبرى المتقدمة، بل يمكن تقييد إطلاقه بها لو فرض الاطلاق بعد ما عرفت ظهورها وأن القيد فيها

[ 641 ]

ظاهر في القيدية، بل وظهور النبويين العاميين في الاختصاص، فان قوله صلى الله عليه وآله: " إذا وطأ أحدكم الاذى بخفيه فطهورهما التراب " (1) وقوله صلى الله عليه وآله: " إذا وطأ أحدكم بنعليه الاذى فان التراب له طهور " (2) ظاهر أو مشعر بالاختصاص، ومعه يشكل إلقاء الخصوصية. وأما عدم ذكر الاصحاب هذا القيد بل مقتضى إطلاق كلامهم عدم القيدية ليس إلا لاجتهادهم في تلك الروايات، للجزم بعدم أمر آخر عندهم وراؤها، ومعه ليست الشهرة بحجة، إلا أن يقال: إن عدم دخالة الخصوصية عرفا يستكشف من فهم الاصحاب، فانهم أيضا من العرف، وهو مشكل بعد عدم استفادتنا إلقاء الخصوصية بالشواهد المتقدمة، فالاحوط لو لم يكن أقوى اعتبار كون النجاسة من الارض. نعم لا يلزم أن يكون التنجس بملاقاة الارض المتنجسة، بل أعم منه ومن ملاقاة عين النجس الملقاة فيها، كما تدل عليه صحيحة زرارة قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلا أن يقذرها، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلي " (3) كما تدل على ثبوت الحكم لملاقاة الارض المتنجسة حسنة المعلى واطلاق بعض الروايات. ثم أنه لا ينبغي الاشكال في ثبوت الحكم لاسفل القدم لاطلاق بعض الروايات، كصحيحة الاحول وإحدى روايتي الحلبي، وصراحة جملة منها كحسنتي المعلى والحلبي وصحيحة زرارة وموثقة عمار، ولم


(1) و (2) راجع كنز العمال - ج 5 - ص 88 - الرقم 1878 - 1879 (3) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 7

[ 642 ]

يتضح مع ذلك وجه اشكال العلامة في محكي التحرير، وتوقفه في محكي المنتهى فيه. وأما باطن النعل والخف فمضافا إلى حكاية الشهرة والاجماع وعدم الخلاف فيه يدل عليه اطلاق الكبرى المتقدمة واطلاق صحيحة الاحول وصحيحة ابن مسلم، فان من المعلوم عدم كون أبي جعفر عليه السلام بلا حذاء، ورواية حفص بن أبي عيسى قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني وطأت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: لا بأس " (1) إذ الظاهر أن سؤاله عن طهارته بالمسح، وإلا فصلاته صحيحة مع نجاسته أيضا. ويلحق بهما مثل القبقاب وظاهر القدم والنعل إذا كان المشي به لنقص في الخلقة على الاقوى، لاطلاق بعض الاخبار، وفي إلحاق الركبتين واليدين ممن يمشي عليهما تأمل، وان لا يخلو من وجه، للتعليل المتقدم بل لا يبعد صدق الوطأ عليهما على تأمل سيما في اليدين. وفي إلحاق عصى الاعرج وخشبة الاقطع إشكال، لاحتمال انصراف الادلة عنهما، وأشكل منهما نعل الدواب وأسفل العكاز وكعب الرمح ومن الكل أسفل العربات والدبابات ونحوها. واحتمال الحاق الجميع لاطلاق الكبرى المتقدمة غير وجيه، لعدم إمكان الاخذ باطلاقها، إذ مقتضى ذلك أن كل ما تنجس بالارض تطهر بها، وهو مقطوع البطلان، فلا بد من اختصاصها بأنحاء ما وقع السؤال عنها، وعدم التعدي عن اطلاق بعض الادلة، مثل صحيحة الاحول وبالجملة بعد وضوح بطلان الاخذ باطلاق الكبرى المتقدمة للزوم التعدي إلى كل ما تنجس بالارض حتى الثياب والاواني لا يبقى لاطلاقها


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب النجاسات - الحديث 6

[ 643 ]

في المذكورات وثوق، بل يوهن ذلك الاطلاق، ويشكل التعدي عن موردها أي المقدم والنعل. نعم لا فرق بين انحاء النعال، بل لا يبعد الحاق الجورب إذا خيط في أسفله جلد الدابة - كما قد يعمل - على تأمل فيه، وأما الجورب المعمول من القطن والصوف أو غيرهما فالاقوى عدم الالحاق، لانصراف صحيحة الاحول عنه، وعدم دليل آخر عليه. ثم أنه يعتبر في المطهر أن يكون ارضا، وعن ابن الجنيد كفاية المسح بكل قالع، وعن النهاية احتماله، واختار النراقى الاجتزاء بالمشي في غير الارض كالحصير والنبات والخشب. والدليل على الاعتبار الكبرى الملقاة في مقام الضابط، حيث لا بد من الاخذ بقيودها والحكم بدخالتها، فلو كان مطلق القالع أو المشي على مطلقة مجزيا لما كان اختصاص الارض بالذكر في مقام ذكر الضابط مناسبا، سيما مع قوله عليه السلام في حسنة الحلبي: " أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ " وهي المراد بقوله عليه السلام: " أليس وراه شئ جاف؟ " في حسنة المعلى بقرينة ذكر الكبرى بعده، وهما يؤكدان خصوصية الارض، ويؤيد الاعتبار بل يدل عليه موثقة عمار ويؤيده النبويان المتقدمان، بل كون الارض بخصوصها مطهرة للحدث لا يخلو من تأييد. وبكل ذلك يقيد إطلاق صحيحتي الاحول وزرارة ورواية حفص المتقدمات، وذيل صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما " (1) على فرض تسليم إطلاقها


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة - الحديث 3

[ 644 ]

مع إمكان إنكاره بدعوى أن صحيحة الاحول منصرفة إلى الارض كما عن صاحب الحدائق، وهو غير بعيد، سيما مع أن الوطئ مع الرجل القذر بمثل الفراش بعيد خصوصا عمدا، وان غير الارض في محل الصدور نادر، ودعوى أن صحيحة زرارة في مقام بيان عدم وجوب الغسل وكفاية المسح، وليست بصدد بيان ما يمسح به وشرائطه، مع أن المتعارف في مسح ما يقذر بالعذرة هو المسح على الارض، سيما في تلك البلاد وذلك العصر، ومنه يظهر الحال في رواية حفص، والصحيحة الاخيرة مع عدم وضوح المراد منها يأتي فيها ما ذكر. وأما دعوى كون المقام نظير باب الاستنجاء بل هو منه، فكما يكفي فيه مطلق القالع كذلك في المقام، ففيه ما لا يخفى، فالاقوى اعتبار كون القالع أرضا. نعم لا فرق بين أجزاء الارض كالتراب والحجر والحصى والرمل والجص والنورة، بل والآجر والخزف، لصدق الارض عليها، ولجريان استصحاب كونها مطهرة في بعضها، ولا يضر بالحكم اختلاط غير الارض بها بما لا يضر بالصدق العرفي، كالتبن القليل ونحوه، لابتلاء الاراضي نوعا به، فمقتضى الاطلاق عدم الاضرار، وإلا لوجب التنبه عليه. ومن بعض ما تقدم يظهر اعتبار الجفاف واليبوسة في الارض، لان ذكر الجاف في حسنة المعلى واليابس في حسنة الحلبي دليل عليه، سيما في مقام بيان الضابط، ودعوى أن الجاف في الاولى في مقابل الماء السائل من الخنزير واليابسة في الثانية في مقابل نداوة البول كما ترى، فانه إن أريد مقابلتهما للنداوة والرطوبة مطلقا فمسلم، لكن يستفاد منهما التقييد. وإن أريد مقابلتهما لنداوة البول وما سال من الخنزير أي يكون

[ 645 ]

جافا من هذه الرطوبة والندواة حتى لا ينافي كونه رطبا بغيرها بل وحلا فهو ممنوع جدا، لعدم صدق الجفاف واليبوسة عليه كما لا يخفى، مع أن للمسح على الجاف واليابس دخالة في قلع القذارة لدى العرف، فان مسح شئ رطب رطوبة سارية أو شئ نحو الوحل يوجب انتشار القذارة، بل صيرورة المحل أقذر لا قلعها، ولهذا يناسب الجفاف واليبس للقلع بارتكاز العرف، فيفهم منهم القيدية، وبهما يقيد اطلاق لو كان نعم لا يبعد أن يقال: إن الرطوبة الضعيفة غير السارية غير مضرة، لصدق الجاف بل واليابس على الارض إذا كانت كذلك سيما بعض مراتبها، ولو كانت الجفاف أعم من اليبوسة وكانت الثانية غير صادقة على الارض التي لها رطوبة غير سارية فلا يبعد أيضا القول بكفاية الجفاف، بدعوى أن ذكر اليبوسة لكونها أحد المصاديق الحاصلة به التطهير، فيكون كل من الجافة، واليابسة مطهرة وإن كانت الثانية أسرع في القلع وأوقع، وبعبارة أخرى تقييد حسنة المعلى بحسنة الحلبي أبعد من البناء على ما ذكر، وأما تأييد كفاية الرطوبة السارية بل الوحل بأن الملة سمحة سهلة وبحصول الحرج في فصل الشتاء فهو كما ترى وتعتبر طهارة الارض، لان الظاهر من قوله عليه السلام: " إن الارض يطهر بعضها بعضا " التقابل بين الارض التي تنجس به القدم والارض المطهرة، فيفهم منه أن الارض الطاهرة ترفع النجاسة الحاصلة من الارض القذرة، تأمل. مضافا إلى أن التناسب بين طهارة الشئ ومطهريته يوجب صرف الذهن إلى ذلك، ولهذا المناسبة قابل الاحول في روايته بين الموضع الذي ليس بنظيف والمكان النظيف، فيمكن أن يستدل على اعتبارها بالرواية للارتكاز المذكور.

[ 646 ]

ولهذا لو قيل إن العذرة اليابسة مطهرة للنجاسة إذا ذهب بالمسح بها أثرها عد عند العرف مستنكرا، فلا ينقدح في الاذهان من الادلة إطلاق يشمل الارض النجس، فلو كانت الارض نجسا بالبول وكانت رطوبة البول موجودة غير سارية وقلنا باجتزاء الجفاف فهل ترى من نفسك أن المشي في رطوبة البول صار مطهرا لندواته. والانصاف أن الادلة منصرفة عن الارض النجسة، فلا وجه للتمسك باطلاقها لنفي الاعتبار، وتوهم أن ترك هذا القيد في الاخبار على كثرتها دليل على عدم الاعتبار مدفوع بأن الترك للاتكال على الارتكاز العقلائي، ولهذا لم يرد هذا القيد في مطهرية الماء، لعدم الاحتياج إلى ذكره لا لعدم الاعتبار. ثم أنه لا فرق بين المشي والمسح في حصول الطهارة، كما تدل على كل منهما الروايات المتقدمة، ولا يتقدر المشي بمقدار معين، بل المعتبر زوال عين النجاسة، ولا تصلح صحيحة الاحول لتقييد الاطلاقات، سيما مثل قوله عليه السلام: " إن الارض يطهر بعضها بعضا " خصوصا بعد قوله عليه السلام: " أليس وراه شئ جاف؟ " أو " أليس يمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ ". مضافا إلى أن الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها " أن المسح ونحوه انما هو لاذهاب الاثر، فلها نحو حكومة على سائر الاخبار، فيفسر المقصود من مشي خمسة عشر ذراعا بأنه ليس إلا للقلع، ولهذا لا يشك أحد في أنه مع عدم القلع بهذا المقدار لا يصير طاهرا، مع أن قوله (ع) في الصحيحة: " أو نحو ذلك " دليل على أن التحديد ليس تعبديا، بل لحصول الغاية بها نوعا.

[ 647 ]

واحتمال أن يكون في التطهير بالمشي إعمال تعبد، وهو المقدار الذي في الصحيحة دون المسح، فإذا مسح كانت الغاية زوال الاثر دون ما إذا مشى في غاية السقوط، ضرورة عدم انقداح النفسية في امثال المقامات في الاذهان. بل يمكن أن يقال: بأن لا خفاء لمفهوم التطهير عند العرف، فإذا قال الشارع: إن الارض تطهر كذا يستفاد منه أن التطهير بها عبارة عن رفع القذارة عن الشئ بها، وهو بقلع عين النجس عنه، كما إذا قال أحد من أهل العرف لصاحبه: نظف قدمك بالتراب يفهم منه ازالة القذارة منها بمسحها به أو المشي عليه، فظاهر قوله عليه السلام: " الارض يطهر بعضها بعضا " أن تطهيره عبارة عن ازالة قذارته، فلا يختلج في الاذهان بعد هذا الارتكاز إعمال تعبد خاص في مقدار المشي، نعم لا مانع من إعمال التعبد، لكن يحتاج إلى بيان غير ما في الصحيحة. وهل يتعين المسح على الارض أو يجتزى بمسح التراب أو الحجر على الموضع حتى يذهب أثره؟ ظاهر الكبرى المتقدمة هو الاول، لعدم صدق بعض الارض على الجزء المنفصل عنها صدقا حقيقيا، وانما يصدق عليه حال الاتصال، ولو نوقش فيه فالظاهر من الكبرى ولو بقرينة سابقها هو المشي على الارض، ولما كانت الكبرى في مقام بيان الضابط لا بد من الحكم بدخالة الخصوصية فيه. ولا يجوز في المقام الاتكال على ارتكاز العرف، فانه يوجب اتساع الخرق كما تقدم، فبها يقيد اطلاق صحيحة زرارة وحفص على فرض تسليم اطلاقهما. وقد يقال: إن الظاهر منهما أن الرجل والخف ممسوحتان لا

[ 648 ]

ماستحتان، وفيه أن المتعلق غير مذكور، فان كان التقدير يمسحها على الارض تكون الرجل ماسحة، وإن كان يمسحها بالتراب مثلا تكون ممسوحة، ومع عدم الذكر لو فرض أن مقتضاه الاجتزاء بكل منهما نظير الاطلاق لكن مقتضى الكبرى عدم الاجتزاء الا بالمسح على الارض فيقدم عليه، ولو قيل: إن بين الصحيحة والكبرى عموما من وجه قلنا: ان الترجيح مع الكبرى، لاظهريتها وموافقتها للشهرة ظاهرا. ثم أن التطهير حاصل بذهاب عين النجاسة وأثرها بمعنى الاجزاء الصغار التي يعد أثرا لدى العرف، ولا يلزم رفع الآثار كالرائحة واللون واما احتمال أن الارض مطهرة للاجزاء الصغار التي يراها العرف الاعيان النجسة فلا ينبغي التفوه به فضلا عن اختياره، لعدم معنى طهارة عين النجاسة، نعم لو كانت الازالة بالارض من قبيل العفو لا التطهير لكان لاحتمال العفو عن الاجزاء الصغار سبيل، وان كان أيضا خلاف الادلة، لكن مع البناء على الطهارة فلا سبيل إليه، وبناء الحكم على السهولة لا يوجب طهارة النجس ذاتا. وأما الاجزاء الصغار التي لا يراها العرف اعيانا فلا يعتنى بها، بل الالوان والروائح من بقايا الاعيان واقعا بحسب البرهان أو كشف الآلات الحديثة المكبرة، لكن الميزان في التشخيص العرف العام، فلا يعبأ بمثلها. وهل يتعين أن يكون السبب لذهاب عين النجاسة المشي أو المسح أو لا، فلو ذهبت بغيرهما يطهر المحل بالمشي أو المسح، وبالجملة كما أنهما موجبان للطهارة باذهاب العين موجبان لها عن ملاقي الاعيان؟ الاقوى الثاني، لاطلاق الكبرى المتقدمة وصحيحة الاحول، بل اطلاق بعض روايات أخر، ولا ينافيها صحيحة زرارة ورواية حفص، لعدم

[ 649 ]

ظهورهما في القيدية، بل فرض فيهما وجود العين، فقوله عليه السلام: " يمسحها حتى يذهب أثرها " لبيان حال قضية مفروضة، فيكون بيانا عاديا لا يستفاد منه دخالة وجود العين في طهارة المحل، ولا ينقدح في الاذهان منه بقاء النجاسة على المحل لو زالت العين بغير الارض ولو مشى بعده ما مشى. وبالجملة لا تصلح الصحيحة ونحوها لتقييد اطلاق الكبرى وغيرها مع أن تطهير المحل الخالي من العين أولى من المشغول بها في نظر العرف فالاقوى عدم اعتبار وجودها أو أثرها في المحل، ومع عدمهما يكفي مجرد المسح أو المشي دون المس، لعدم الدليل عليها إلا دعوى إطلاق الكبرى، وهو مشكل، سيما مع سبقها في حسنة الحلبي بقوله عليه السلام: " أليس يمشي بعد ذلك؟ " الخ، وتبادر المشي من موارد غيرها، وهو وإن لا يصلح لتقييد إطلاق لو كان لكن يوهن توهم الاطلاق، فان الاظهر عدم اطلاقها لصرف المماسة، لان التطهير به خلاف ارتكاز العقلاء في باب التنظيف بالارض دون التمسح الذى موافق له، ودون المشي الذي دل عليه الدليل، مع إمكان أن يقال. إنه كالمسح في رفع الاثر، هذا مع إمكان تقييد إطلاقها لو فرض بموثقة عمار بن موسى، تأمل. وكيف كان فالاحوط لو لم يكن أقوى عدم الاجتزاء بمجرد المماسة والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين. وقد وقع الفراغ من هذه الوجيزة يوم الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1377. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية