الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخميني ج 2

كتاب الطهارة

السيد الخميني ج 2


[ 1 ]

كتاب الطهارة لمؤلفه العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني أدام الله ظله العالي اشرف على طبعه وعنى بتصحيحه السيد هاشم الرسولي المحلاتي يشتمل هذا الجزء على مباحثت التيمم قم - چاپخانه مهر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين. وبعد فلما انجر بحثنا إلى الطهارة الترابية أحببت أن افرد فيها رسالة لذكر مهمات احكامها، ولما كان التيمم مهية ذات اضافة إلى المتيمم والى ما يتيمم به ولها احكام صارت المباحث فيها اربعة: بحث في مهيته، وآخر في المتيمم، وثالث فيما يتيمم به، ورابع في الاحكام، ونحن نذكر المباحث على ترتيب الشرايع لكون بحثنا موافقا له وان كان الترتيب الطبيعي يقتضى غير ذلك، وقبل الورود في المباحث لا بأس بذكر امور: منها انه لا اشكال في مشروعية التيمم كتابا، وسنة واجماعا، واما كونه من ضروريات الدين ففيه تأمل، وان لا يبعد في الجملة كما ان كون منكر الضرورى كافرا محل اشكال يأتي الكلام فيه في مباحث النجاسات ان ساعدنا التوفيق انشاء الله، والاشكال فيه ناش من ان انكار الضرورى هل هو بنفسه موجب للكفر، أو إذا لزم منه انكار الله أو توحيده أو رسالة النبي صلى الله عليه واله والاظهر هو الثاني، ولا مجال لتفصيل ذلك. ومنها ان التحقيق عدم اتصاف الطهارات الثلث بالوجوب لا نفسيا ولا غيريا ولا بعنوان آخر كالنذر وشبهه. اما عدم الوجوب النفسي فلقصور الادلة عن اثباته، لان الظاهر من كل مارود فيها من الاوامر وغيرها هو الاشارد إلى الشرطية، لان الاوامر المتعلقة بالاجزاء وغيرها من متعلقات المركبات لا ظهور لها في المولوية بحسب فهم العرف، فقوله

[ 3 ]

تعالى: إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم الخ لا يدل الا على ان تلك المهيات أو أثرها شرط للصلوة والاوامر المتعلقة بها للارشاد إلى الشرطية. لا اقول باستعمال الهيئة في غير ما وضعت له، فان التحقيق ان هيئة الامر الموضوعة لنفس البعث والاغراء استعملت في مثل المقام فيما وضعت له، لكن البعث لداعى افادة الشرطية كما ان النهى في مثل المقام كقوله: " لا تصل في وبر مالا يؤكل لحمه " استعمل في الزجر، لكن لا فادة ما نعيته للصلوة، بل الظاهر من قول أبى جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة: " الوضوء فريضة " (1) ايضا كونه فريضة في الصلوة وهو لا يفيد الا الشرطية والدليل عليه صحيحته عن أبى جعفر عليه السلام ايضا بالسند المتقدم " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الفرض في الصلوة؟ فقال: الوقت والطهور والقبلة والتوجه والركوع والسجود والدعاء " (2) فعد الوقت من فرائض الصلوة في عرض الطهور، ولا اشكال في ان الوقت فرض فيها بالمعنى الذى ذكرنا. وكيف كان لا اشكال في عدم الوجوب النفسي في الطهارات كما يدل عليه بعض الروايات، كرواية الكاهلى وغيرها، كما ان التحقيق عدم الوجوب الغيرى ايضا لما ذكرنا في محله من عدم وجوب المقدمة شرعا، بل عدم امكان وجوبها، بل لو قلنا بوجوب المقدمة ايضا لا يلزم منه وجوب تلك العناوين بما هي، لما حقق من وجوب المقدمة الموصلة أي عنوان الموصل بما هو موصل، فلا يسرى الوجوب منه إلى ما يتحد معه وجودا فلا تقع الطهارت الثلث الاعلى وجه واحد هو الاستحباب، وانما جعلت شرطا ومقدمة للصلوة بما هي متسحبات وعبادات، فما هو شرط له هو الوضوء العبادي والتيمم العبادي، فتكون عباديتها قبل تعلق الامر الغيرى بها على فرض تصوير الامر الغيرى، فلا يمكن أن تكون عباديتها لاجل الامر الغيرى المتعلق بها، لان الامر الغيرى لا يتعلق الا بما هو شرط للصلوة، فان كان الشرط ذات تلك الافعال بلا اعتبار


(1) الوسائل: ابواب الوضوء، ب 1 ح 2 (2) الوسائل: ابواب الوضوء، ب 1، ح 3

[ 4 ]

قيد العبادية والقربة لكان اللازم صحتها وصحة الصلوة مع اتيانها بلا قصد التقرب، كما ان الامر كذلك في الستر والتطهير من الخبث، وهو كما ترى وان كان الشرط هي مع قيد العبادية فلازمه كون عباديتها مقدمة على شرطيتها المتقدمة على الامر الغيرى، وكون عباديتها للامر النفسي المتعلق بالصلوة اسوء حالا منه والتفصيل موكول إلى محله. فتحصل مما ذكر ان التيمم بما هو عبادة جعل شرطا للصلوة فلا بدران يكون مستحبا نفسيا مثل الوضوء، مع ان الاصحاب لم يلتزموا باستحبابه النفسي على حذو الوضوء، ويحسم الاشكال بامكان أن يكون التيمم مستحبا نفسيا في ظرف خاص هو ظرف وجوب الاتيان بما هو مشروط به، أو ارادة ذلك أو يكون مستحبا نفسيا بحسب ذاتها مطلقا لكن عرض له عنوان مانع عن التعبد به في غير الظرف الكذائي هذا. لكن التحقيق ان الوضوء ايضا ليس مستحبا نفسيا الا باعتبار حصول الطهارة به، واما نفس الافعال باهى فلا تستحب والتيمم مع تلك الغاية ايضا مستحب وسيأتى التفصيل في بعض المباحث الاتية. واما عدم وجوبها بساير العناوين فلان النذر وشبهه إذا تعلق بعنوان لا يوجب الا وجوب الوفاء به وهو لا يوجب سراية الوجوب من عنوان الوفاء به إلى عنوان آخر بل لا يعقل ذلك وان كان متحدا معه في الوجود، فالواجب في النذر هو الوفاء به لا الوضوء المنذور المتحد معه وجودا لا عنوانا. ومنها انه لا اشكال في ان التكليف إذا تعلق بعنوانين متقابلين مثلا كالمسافر والحاضر والواجد للماء والفاقد، وكذا إذا كان التعلق مشروطا كما إذا قيل إذا كنت في السفر كذا، وان كنت في الحضر كذا، لا يجب على المكلف حفظ العنوان في الغرض الاول، وحفظ الشرط في الثاني، فيجوز تبديل أحد العنوانين بالاخر ورفع الشرط، سواء كان قبل تحقق التكليف وتنجزه أولا لعدم اقتضاء التكليف حفظ موضوعه ولا المشروط حفظ شرطه، فيجوز للحاضر السفر قبل الوقت وبعده. وللواجد

[ 5 ]

اراقة الماء قبله وبعده. كما لا ريب في انه إذا توجه التكليف بنحو الاطلاق بالمكلف لا يجوز تعجيز نفسه، لان القدرة ليست من القيود والعناوين المأخوذة في المكلف، ولا شرطا للتكليف لا شرعا ولا عقلا، لكن العاجز معذور في ترك التكليف المطلق الفعلى، فلو قال يجب على الناس انقاذ الغرقى لا يكون هذا التكليف المتعلق بالعنوان الكلى مشروطا بحال القدرة شرطا شرعيا، والا لكان للمكلف تعجيز نفسه، ولما وجب عليه الاحتياط في الشك في القدرة وليس للعقل تقييد حكم الشرع، بل هو حاكم بمعذورية العبد عند مخالفة التكليف في صورة عجزه، وعدم معذوريته مع قدرته. وتوهم لزوم تعليق التكليف والبعث على العاجز قد فرغنا من دفاعه في الاصول كما انه لو فرض استفادة وجود اقتضاء التكليف من الادلة في صورة عروض عنوان على المكلف يوجب تعلق تكليف آخر به يكون حكمه حكم العجز العقلي، كما لو فرض استفادة اقتضاء لزومي للطهارة المائية أو الصلوة معها، حتى في حال عروض فقدان الماء، فلا يجوز اراقته أو تحصيل العجز في هذه الصورة ايضا، هذا كله مما لا اشكال فيه. انما الاشكال في ان حال الطهارة المائية والترابية ماذا؟ وهل التكليف متعلق بالواجد وبالفاقد كتعلقه بالحاضر والمسافر أو يكون التكليف بالطهارة المائية مطلقا وله اقتضاء حتى في صورة فقدان الماء، والطهارة الترابية مصداق اضطرارى سوغه العجز عن المائية مع بقاء الاقتضاء اللزومى، فلا يجوز تحصيل الاضطرار؟ فاللازم صرف الكلام اولا إلى الاية الشريفة ثم إلى مقتضى الروايات قال تعالى في المائدة: يا ايهاالذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله

[ 6 ]

ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون. امر تعالى شأنه بالوضوء اولا، ومع فرض الجنابة بالغسل لظهور قوله: " فاطهروا " بعد قوله " فاغسلوا " وقبل فرض العجز عن الماء في التطهير بالماء واطلاقها يقتضى مطلوبيتهما مطلقا، واقتضائهما كذلك حتى في فرض العجز والفقدان، وليس لاحد أن يقول ان عدم ذكر قيد الوجدان لحصوله غالبا وندرة فقدانه، فان ندرة فقدانه في تلك الازمان والاسفار ممنوعة، ولو سلم ندرته لكن العجز المطلق المستفاد من الآية بذكر المرض والقاء الخصوصية بالنسبة إلى ساير الاعذار كما يأتي بيانه ليس بنادر، كما ان كونها بصدد بيان كيفية الوضوء لا ينافى الاطلاق من جهة اخرى، فال آية الشريفة بصدد بيان تكليف صنوف المكلفين من الواجد والفاقد والجنب وغيره، وقوله تعالى: " فلم تجدوا " لا يصلح لتقييد الصدر بحيث صار معنونا بعنوان الواجد، فيكون العنوانان عدلين كالحاضر والمسافر. اما اولا: فلان العرف يفهم من عنوان الفاقد وعدم الوجدان ونظيرهما من العناوين الاضطراية ان الحكم المتعلق به انما هو في فرض الاضطرار والعجز عن المطلوب الاصلى، وفى مثله لا يكون التكليفان في عرض واحد على عنوانين. واما ثانيا: فلان جعل المرضى قرين المسافر، دليل على ان الحكم كما في المرضى اضطرارى الجائى كذلك في ساير الاصناف. واما ثالثا: فلان التذييل بقوله: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " الظاهر عرفا في كونه مربوطا بالتيمم في حال المرض والسفر، وان الامر بالتيمم لاجل التسهيل ورفع الحرج، فان الامر بالمرضى بالطهارة المائية، وبالمسافر بتحصيل الماء كيف ما اتفق حرجى، وما يريد الله ذلك يدل على التيمم سوغ لاجل التسهيل ورفع الوضوء والغسل للحرج، ولايكون ذلك الا مع تحقق الاقتضاء فيفهم منه ان التكليف الاولى الاصلى هو الطهارة المائية، وله اقتضاء حتى في صورة العجز

[ 7 ]

فلا يجوز تحصيل العجز ويجب عليه تحصيل المائية حتى الامكان مع عدم الوصول إلى حد الحرج. وتدل عليه ايضا روايات: منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألت عن رجل اجنب في سفر ولم يجد الا الثلج أو ماءا جامدا؟ فقال: هو بمنزلة الضرورة، يتيمم ولا أرى ان يعود إلى هذه الارض التى يوبق دينه " (1) والظاهر ان المراد من عدم وجدان غير الثلج والماء الجامد عدم وجدان ما يتوضأ به لاما يتيمم به اختيارا، كما زعمه صاحب الوسائل فحينئذ تدل على ان التيمم مصداق اضطرارى سوغ في حال الضرورة، ويدل ذيلها على عدم جواز تحصيل الاضطرار اختيارا، وان الترابية ما وفت بما وفت المائية، والذهاب إلى تلك الارض لاجل تفويت التكليف الاعلى، من قبيل هلاك الدين وتفويت ما يجب تحصيله. ومنها ما دلت على وجوب شراء الماء على قدر جدته ولو بمأة ألف، وكم بلغ قائلا وما يشترى بذلك مال كثير (2) فان المتفاهم منها وجوب حفظ الموضوع و يرى العرف جواز اراقته بعد الشراء منافيا لها، خصوصا مع قوله: ما يشترى بذلك مال كثير، والظاهر ان المراد ليس نفس الماء بل ما يترتب عليه من الخاصية، ولو ترتبت تلك الخاصية بعينها على التراب لا يكون ذلك مالا كثيرا، مع كون وجوده و عدمه على السواء، والتعليل دليل على ان وجوب الشراء انما هو لتحصيل المصلحة الملزمة لا لكونه واجدا الماء، حتى يتوهم عدم المنافاة بين وجوب شرائه وجواز اراقته لتبديل الموضوع، وبالجملة لا شبهة في ان المتفاهم منها لزوم تحصيل الماء، وكون الصلوة مع المائية مطلوبة حتى الامكان، وانها الفرد الاعلى. ومنها مادلت على وجوب الطلب (3) ومن الغرائب بل الباطل لدى العرف


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 9، ح 9 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 26. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 1

[ 8 ]

وجوب تحصيل الماء بالطلب وجواز اراقته بعد الوجدان، وان امكن ان يقال ان الطلب واجب لتحصيل العلم بتحقق الموضوع، فلا ينافى رفع الموضوع اختيارا، لكنه احتمال عقلي لا يساعد عليه العرف، بحسب ما يتفاهم من الروايات. نعم هنا روايات ظاهرها ينافى ما تقدم كرواية اسحاق بن عمار " قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يكون مع أهله في السفر فلا يجد الماء ياتي اهله فقال: ما أحب أن تفعل ذلك الا أن يكون شبقا أو يخاف على نفسه " (1). وعن السرائر نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب مثله وزاد: " قلت يطلب بذلك اللذة؟ قال: هو له حلال، قلت: فانه روى عن النبي صلى الله عليه واله ان أبا ذر سأله عن هذا فقال: ايت أهلك توجر " الخ. بدعوى انها بالقاء الخصوصية عرفا أو بالاولوية تدل على جواز نقض الوضوء ايضا، فتدل على ان الترابية والمائية سواء، ورواية السكوني (الموثقة برواية المفيد مع نحو اشكال فيها وهو احتمال الارسال) " عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن أبى ذر رضى الله عنه، انه أتى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله هلكت، جامعت على غير ماء! قال: فأمر النبي صلى الله عليه واله بمحمل فاستترنا به وبماء، فاغتسلت انا وهى ثم قال: يا باذر يكفيك الصعيد عشر سنين " (2). والظاهر من ذيلها دفع توحش أبى ذر بانه هلك وعمل على خلاف التكليف، و المتفاهم منه ان الصعيد لا ينقص عن الماء مطلقا ولا يختص الجواز بالجماع. وصحيحة حمادبن عثمان " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلوة؟ فقال: لا، هو بمنزلة الماء " (3). وصحيحة محمد بن حمران وجميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال:


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 27، ح 1 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 14 ح 12. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 23، ح 2.

[ 9 ]

ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (1). إلى غير ذلك كقوله: ان الله عزوجل جعلهما طهورا الماء والصعيد (2) وان رب الماء هو رب الصعيد (3) وان التيمم أحد الطهورين (4) وان التيمم بالصعيد لمن لا يجد الماء كمن توضأ من غدير ماء، أليس الله يقول: " فتيمموا صعيدا طيبا ". (5) أقول: مضافا إلى ترجيح الروايات الاولى الموافقة للكتاب وفتوى الاصحاب على ما حكى عن الحدائق: ان ما دلت على جواز الجماع مخصوصة بموردها، ولا يتعدى منه ودعوى الاولوية أو القاء الخصوصية في غير محلها، مع وجود الخصوصية في الجماع الذى هو من سنن المرسلين والتضييق فيه ربما يورث الوقوع في الحرام، ولعل أبا ذر رضى الله عنه تخيل عدم صحة صلوته فقال: " هلكت " ورفع النبي صلى الله عليه واله هذا التوهم بقوله: " يكفيك " فلا يدل ذلك على مساواة الترابية والمائية، لان الكفاية والاجزاء غير المساواة في المصلحة والمطلوبية، وقوله: " هو بمنزلة الماء " ليس بصدد بيان عموم المنزلة حتى بالنسبة إلى المورد جزما، بل الظاهر أنه بمنزلته في عدم وجوب الاعادة أو في الطهورية والاجزاء، وكذا ساير الروايات ليست بصدد التسوية بينهما من جميع الجهات ضرورة عدم التسوية التى تتوهم من ظاهرها بينهما، والا لكان التيمم سائغا مع وجدان الماء فلا يستفاد منها الا التسوية في أصل الطهورية واجزاء الصلوة. ورواية العياشي (6) مع ضعفها بالارسال لا تدل الا على تسويتهما في تصحيح الصلوة بهما، ولهذا استدل فيها بالاية الشريفة الظاهرة في صحة الصلوة به، مع كونه


(1) الوسائل ابواب النميم، ب 23، ح 1 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 25، ح 2 (3) الوسائل أبواب التيمم، ب 3، ح 2 (4) الوسائل ابواب التيمم، ب 23، ح 5 (5) الوسائل ابواب التيمم، ب 19، ح 6 (6) الوسائل ابواب التيمم، ب 19، ح 6

[ 10 ]

طهاره اضطرارية، فالاقوى عدم جواز اراقة الماء وتحصيل الاضطرار في غير المورد المنصوص فيه. نعم يبقى اشكال وهو انه لو كان الامر كذلك لوجب الاكتفاء على قدر الضرورة و الاضطرار مع عدم امكان الالتزام به لما سيأتي من جواز البدار وجواز الاستيجار و الاستباحة لساير الغايات التى لا يضطر المكلف إليها، وصحة الاقتداء بالمتيمم إلى غير ذلك مما لا يمكن الجمع بينها وبين القول بكون الطهارة الترابية اضطرارية، والغايات معها أنقص مما تحصل بالمائية بنحو يلزم مراعاته، ولعله لذلك التزم المحقق (ره) في محكى معتبره بجواز الاراقة، وهو كما ترى مخالف لظاهر الادلة كتابا وسنة وفتاوى الاصحاب، كما ان الالتزام بلزوم الاكتفاء بمقدار الضرورة غير ممكن مخالف للادلة الاتية خصوصا في بعض الفروع. وقد التزم بعض اهل التحقيق بان للطهارة المائية من حيث هي لدى الاتيان بشئ من غاياتها الواجبة مطلوبية وراء مطلوبيتها مقدمة للواجبات المشروطة بالطهور ووجوب حفظ الماء، وحرمة تحصيل العجز لاجل ذلك، لا لكون لاجل المائية تصير واجدة لخصوصية واجبة المراعاة. وهو كما ترى ليس جمعا بين الادلة وتصحيحا لها، بل هو طرح طائفة منها كظاهر الاية الشريفة الدالة على ان الطهارة بمصداقيها شرط للصلوة، ولازمه كون الصلوة معهما مختلفة المرتبة، كما يتضح بالتأمل في الاية، ولا يجوز رفع اليد عن هذا الظاهر بلا حجة، مع ان هذه المطلوبية النفسية خلاف ارتكاز المتشرعة وجميع الادلة. والذى يمكن ان يقال في رفع الاشكال: أن الصلوة مع المائية أكمل منها مع الترابية بمقدار يجب مراعاته كما هو ظاهر الادلة المتقدمة، ومع العجز تتحفق مفسدة واقعية مانعة عن عدم تجويز البدار وعدم تجويز ساير الغايات وهكذا، فوجوب حفظ الماء لاجل وجوب تحصيل المصلحة اللزومية، وبعد فقد الماء وعروض

[ 11 ]

العجز تجويز الاتيان بساير الغايات وتجويز البدار وغير ذلك لاجل التخلص عن مفسدة واقعية لازمة المراعاة، وهذا الوجه وان كان صرف احتمال عقلي لكن يكفى ذلك في لزوم الاخذ بالظواهر وعدم جواز طرحها كما لا يخفى. واما الالتزام بحصول جهة مقتضية في ظرف الفقدان توجب تسهيل الامر على المكلفين فغير دافع للاشكال، لان الجهة المقتضية ان كانت مصلحة جابرة يجوز للمكلف تحصيل العجز، والا لا يعقل تفويت المصلحة بلا وجه تأمل. ثم انه لا فرق في جوب حفظ الطهور وعدم جواز تحصيل العجز بين قبل حضور زمان التكليف وبعده، وما يتخيل من الفرق بان التكليف غير متعلق بذى المقدمة قبل حضور الوقت، أو غير فعلى، أو غير منجز، والمقدمة تابعة لذيها، غير مسموع لما قلنا بعدم وجوبها شرعا، بل وجوب الاتيان بها عقلي محض، وعلى فرض وجوبها حديث تبعيتها لذيها لا اصل له، بل يمكن تعلق الارادة الغيريه بها قبل تعلق الارادة بذيها بناءا على كون الوقت شرطا وعدم وجوب المشروط قبل شرطه، لان مبادى تعلق الارادة الغيرية غير مبادى الارادة النفسية، والتفصيل موكول إلى محله ولعله يأتي من ذى قبل بعض الكلام فيه. وكيف كان لا بد من ملاحظة حكم العقل، ولا اشكال في ان العقل حاكم بعدم جواز تحصيل العجز عن تكليف يعلم بحضور وقته، وحصول جميع ما يوجب الفعلية والتنجيز فيه، فانه مع العلم بالغرض المطلق الاستقبالي لا يجوز عقلا تفويته بتعجيز نفسه، بل لا يجوز تفويت المقدمة ولو مع احتمال حصول القدرة عند حضور وقت العمل. واولى بذلك ما إذا كان واجدا في الوقت، وان احتمل الوجدان فيه، فلا يجوز عقلا اراقة الموجود بمجرد احتمال تجدده بعد ذلك، لحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجز، واحتمال التجدد ليس عذرا عند العقلاء ولدى العقل. وما قيل من جريان البرائة عن التكليف المتعلق بهذه المقدمة بعد كون الشك في انحصارها والشك في توقف ذى المقدمة على هذا الماء بالخصوص والشك في وجوب حفظه.

[ 12 ]

غير وجيه لعدم وجوب المقدمة وعدم كون مخالفتها على فرض وجوبها موجبة لاستحقاق العقاب عليها فلا مجرى للبرائة فيها، واما ذو المقدمة فواجب مطلق منجز فرضا يجب عقلا الخروج عن عهدته، ومجرد احتمال تجدد القدرة لا يوجب التعذير العقلي لو فرض عدم التجدد، والشاهد حكم العقل في نظائره، فمن كان مكلفا بضيافة ضيف لمولاه، وكانت موجبا ضيافته واسبابها حاصلة لديه، واحتمل عدم امكان حصولها بعد ذلك احتمالا عقلائيا، هل ترى من نفسك معذوريته في تفويت المقدمات؟ وهل له الاعتذار باحتمال تجدد القدرة بل وظنه به؟. فما اختاره بعض أهل التحقيق من جواز الاراقة حتى في الوقت باحتمال الوجدان بعد ذلك تمسكا بالبرائة غير سديد، ومما ذكر تعلم حرمة ابطال الطهارة ونقض الوضوء مع العلم بعدم تمكنه أو الاحتمال العقلائي المعتد به، سوء في ذلك قبل حضور الوقت وبعده. ثم اعلم ان المراد بحرمة نقض الوضوء أو وجوب حفظ الطهارة ليس الاعدم المعذورية بالنسبة إلى ما يفوت منه لاجل الطهارة المائية من التكليف النفسي، والافترك التكليف الغيرى على فرضه لا يوجب العقوبة، بل لا يكون حفظ المقدمة واجبا شرعا، ولا تفويتها حراما كذلك كما مر. إذا عرفت ما ذكر فالمباحث كما تقدم اربعة: المبحث الاول فيمن يشرع له التيمم، وان شئت قلت فيما يصح معه التيمم، وهو اشخاص أو امور يحويهم المعذور عقلا أو شرعا عن الطهارة المائية أو يحويها العذر كذلك عنها، والمراد من العذر هو ما بحسب الواقع لا الظاهر، كالقاطع بعدم الماء مع وجوده فانه معذور عن الوضوء عقلا لكن لا يشرع له التيمم واقعا. ولعل ما ذكرنا اولى مما في القواعد حيث عد الشئ الواحد الجامع للمسوغات

[ 13 ]

هو العجز عن استعمال الماء فان العجز ان كان عقليا يخرج منه كثير من المسوغات و ان كان اعم من العقلي والشرعي كما في الجواهر يخرج منه ايضا بعضها كالخوف على مال لا يجب حفظه، أو بعض مراتب النفس ان قلنا بعدم حرمته، وكباب المزاحمة مع الاهم، فان فيها لا يعجز عقلا ولا شرعا، اما عقلا فواضح واما شرعا فلعدم الحرمة الشرعية فيها، بل التحقيق عدم سقوط الامر عن المهم كما ذكرنا في باب التزاحم، فحينئذ يكون التعبير عن الجامع بان المسوغ سقوط وجوب الطهارة المائية غير وجيه ايضا لعدم السقوط في موارد التزاحم، وان كان المكلف معذورا في تركه كما حقق في محله. واما عنوان المعذور عقلا أو شرعا عن المائية فالظاهر جمعه لجميع المسوغات حتى ضيق الوقت، فان في بعضها يكون العذر عقليا وفى بعض شرعيا وفى بعض شرعيا وعقليا، و لا يهم البحث عنه، والاولى صرف عنان الكلام إلى مفاد الآية الكريمة، ليعلم مقدار سعة دلالتها للاعذار. فنقول ان قوله: " وان كنتم مرضى " لا يتفاهم منه عرفا ان للمرض موضوعية و استقلالا في تشريع التيمم، بحيث يكون الحكم دائرا مدار عنوانه، بل الظاهر منه هو المرض الذى يكون عذرا عند العقلاء من استعمال الماء، ويكون الغسل والوضوء منافيا له، ومضرا بحال المريض دون مالا يضره، فضلا عما إذا كان نافعا. ويمكن ان يقال ان العرف كما يقيد المرض بذلك، كذلك يلغى خصوصية عنوان المريض، ويفهم منه ان الميزان هو العذر عن استعماله ولو لم يكن عذره المرض كالذى يكون كسيرا أو به جرح وقرح، يكون استعماله مضرا بحاله، فالمفهوم من الآية تشريع التيمم للمعذور عن استعمال الماء لمرض وشبهه، وكذا لا يرى العرف خصوصية للسقر وموضوعية له، بل يرى ان ذكره لاجل كون الابتلاء بالفقدان فيه غالبا، خصوصا في الاسفار التى في تلك الازمنة والامكنة. فما عن أبى حنيفة من ان الفقدان في السفر يوجب التيمم لا في الحضر ليس بشئ كما لا يرى الخصوصية للمجئ من الغائط أو لمس النساء، بل يرى ان الميزان

[ 14 ]

حصول الحديث الاصغر أو الاكبر، كما ان المراد من عدم الوجدان الذى هو قيد لقوله على سفر هو الوجدان بنحو يمكن معه الوضوء، فيشمل عدم الوصلة ككونه في بئر أو محفظة لا يتسير الوصول إليه، وكذا يشمل ما إذا كان الماء قليلا لا يفى بالاحتياج فلا يكون وجدانه بعنوانه موضوعا للحكم، بل هو عنوان طريقي إلى تيسر استعماله أو كناية عنه، فلو وجد الماء لكن لا يكون تحت سلطته بحيث جاز استعماله شرعا و عقلا لا يعدوا جدا. وقوله: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " بناء على ما تقدم من كونه مربوطا بقوله: " ان كنتم مرضى أو على سفر " ويكون بيانا لنكتة تشريع التيمم، يدل على انه كلما كان الوضوء والغسل حرجيا سواء كان الحرج في نفسهما أو مقدماتهما يتبدلان بالتيمم، فيكون المتفاهم من الاية صدرا وذيلا بالغاء الخصوصيات عرفا، ومناسبات الحكم والموضوع، ان التيمم طهور اضطرارى مشروع عند كل عذر شرعى أو عقلي، ولو فرض عدم استفادة بعض الموارد منها، لكن بعد العلم بعدم سقوط الصلوة بحال، وان لا صلوة الا بطهور، وان التيمم أحد الطهورين، لا يبقى اشكال في توسعة نطاق شرعه لكل الاعذار هذا مع ان الحكم مستفاد من التدبر في مجموع روايات الباب فراجع. وكيف كان لا بد من التعرض لبعض اسباب العذر تفصيلا وهو أمور: الاول عدم الماء ولا اشكال نصا وفتوى في كونه من المسوغات من غير فرق عندنا بين السفر والحضر، كان السفر طويلا أو قصيرا، وما عن السيد ليس خلافا في هذه المسألة بل في مسألة الاجزاء. نعم خالف في ذلك أبو حنيفة وأحمد في احدى الروايتين وزفر على ما حكى عنه فقالوا، ان الحاضر العادم الماء لا يصلى، بل عن زفر لا يصلى قولا واحدا، ولا اعتداد بخلافهم ودردهم ظاهر الاية كما عرفت.

[ 15 ]

كما لا اشكال في وجوب الطلب والفحص عن الماء في الجملة، وحكى الاجماع عليه عن الخلاف والغنية والمنتهى والتذكرة وجامع المقاصد وارشاد الجعفرية والتنقيح والمدارك والمفاتيح وظاهر المعتبر، بل عن السائر دعوى تواتر الاخبار به. ويدل عليه اطلاق الاية الشريفة لما عرفت من ان الظاهر منها ان التكليف بالصلوة مع المائية غير مقيد بحال الاختيار بل مطلق، وان التعليق بعنوان اضطرارى هو عدم وجدان الماء ظاهر عرفا في أن الترابية طهارة اضطرارية سوغها الاضطرار والالجاء، مع بقاء المطلوبية المطلقة في المائية على حالها، ومعه يجب عقلا الفحص والطلب في تحصيل المطلوب المطلق إلى زمان اليأس، أو حصول عذر آخر، وليش الشك في العذر عذرا عند العقلاء، نظير الشك في القدرة في الاعذار العقلية، بل الظاهر من الاية ان تعليق التيمم على عدم الوجدان ليس لاجل تحديد موضع المائية فقط، بل لما كان حكم العقل مع فقد الماء هو سقوط الصلوة لعدم القدرة عليها مع المائية أفادت الاية الكريمة مطلوبيتها مع الترابية، وعدم سقوط أمرها بمجرد العجز عن المائية، وان الترابية مصداق اضطرارى يجب عند فقدان الماء، (فح) يحكم العقل بوجوب الطلب إلى حد الياس، واحراز العذر بل يمكن استفادة لزوم الطلب من قوله تعالى: " فلم تجدوا " فان الظاهر منه عدم الوجدان بعد الفحص والطلب كما يظهر بالتأمل في صيغ الماضي والمضارع، منه ومن مرادفاته في الفارسية. ولا يلزم ان يكون المتفاهم من جميع الصيغ حتى اسم الفاعل والمفعول كذلك، فلا ينتقض بالواجد والموجود فانه قد يدل بعض المشتقات ولو انصرافا على معنى لا يفهم من الاخر، كالماء الجارى حيث يدل على الجريان من مبدء نابع بخلاف جرى الماء، لصدقه على ما جرى من الكوز، والعمدة في وجوب الطلب هو ما ذكر. واما رواية السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على عليه السلام " قال: يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة فغلوة، وان كانت سهولة فغلوتين، لا يطلب أكثر

[ 16 ]

من ذلك " (1) ففيها اشكال لا لضعف سندها، فان الارجح وثاقة النوفلي والسكونى، كما يظهر بالفحص والتدبر في رواياتهما، وعمل الاصحاب بها، و عن الشيخ اجماع الشيعة على العمل بروايات السكوني، وقلما يتفق عدم كون النوفلي في طريقها، وعن المحقق في المسائل الغرية انه ذكر حديثا عن السكوني في ان الماء يطهر وأجاب عن الاشكال: بانه عامى، بانه وان كان كذلك فهو من ثقات الرواة وفى طريقها النوفلي ولم يستشكل فيه. وبالجملة لاضعف في سندها ولو سلم فهى مجبورة بعمل الاصحاب قديما وحديثا بل لدلالتها فان الظاهر منها انها بصدد بيان مقدار الفحص بعد مفروضية أصله، واما كونه واجبا أو مستحبا فلا تتعرض له، فقوله: يطلب في الحزونة كذا وفى السهولة كذا، يراد به ان مقدار الطلب المفروض كذا، ولا يطلب زايدا من ذلك، وذلك مثل ان يقال يغتسل للجمعة من بين طلوع الفجر إلى الزوال، فان الظاهر منه بيان زمان اتيان الغسل لا وجوبه بين الحدين، وكيف كان لا نحتاج في اصل الوجوب إلى تلك الرواية بعد حكم العقل ودلالة الاية الكريمة. واما رواية على بن سالم عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قلت أيتيمم؟ " إلى أن قال: " فقال له داود بن كثير الرقى: فأطلب الماء يمينا وشمالا؟ قال: لا تطلب يمينا ولا شمالا ولا في بئرا، ان وجدته على الطريق فتوضأ وان لم تجده فامض " (2) فبعد ضعف سندها بعلى بن سالم المشترك بين المجهول والبطائنى الضعيف، وقرب احتمال كونها عين الواقعة التى نقلها داود، " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أكون في السفر فتحضر الصلوة وليس معى ماء. ويقال ان الماء قريب منا أفأ طلب الماء وانا في وقت يمينا وشمالا قال: لا تطلب الماء ولكن تيمم، فانى أخاف عليك التخلف عن اصحابك فتضل ويأكلك السبع " لبعد سؤاله عنه مرتين، ولشباهة الفاظهما وان ترك بعض الخصوصيات في كل منهما.


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 2، ح 2 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 3، ح 3.

[ 17 ]

فمحمولة على الخوف من اللص والسبع، والاطلاق لاجل كون الاسفار في تلك الازمنة والامكنة مظنة الخطر نوعا، ولهذا نهى عن الطلب في رواية داود من غير فصل معللا بما ذكر. بل في رواية يعقوب بن سالم " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك؟ قال: لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع " (1) فمع فرض وجود الماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين قال: لا آمره لاجل تغرير النفس وتعرض اللص والسبع، فيتضح منه ان الطلب واجب لولا ذلك، وانه عليه السلام مع الامن من ذلك يأمره به، لكن لما كانت تلك الحوادث في تلك الاسفار كثيرة نوعا قال ما قال، وكيف كان لا يمكن الاتكال برواية على بن سالم. فتحصل مما ذكر وجوب الطلب، ولا اشكال في ان حكم العقل بوجوبه بعد دلالة الآية على المطلوبية المطلقة للطهارة المائية هو الفحص إلى زمان اليأس أو ضيق الوقت، كما تدل عليه صحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السلام " قال: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت، فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت، وإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل " (2) لكن موثقة السكوني حاكمة على حكم العقل، وشارحة لمفاد الآية الكريمة، ومبينة لمقدار الطلب و نافيه لوجوب الزيادة. واما صحيحة زرارة فكما انها معارضة لرواية السكوني، معارضة لطايفة من الروايات الآتية في محلها الدالة على جواز البدار، وصحة الصلوة في سعة الوقت مع التيمم، كصحيحة زرارة " قال قلت لابي جعفر عليه السلام: فان أصاب الماء وقد صلى بتيمم و هو في وقت قال: تمت صلوته ولا اعادة عليه " (3) ومثلها غيرها وموافقة لطائفة اخرى


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 3 ح 2. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 2. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 9

[ 18 ]

الدالة على عدم جواز البدار، سواء في ذلك " فليطلب " كما في رواية الكليني أو " فليمسك " كما في رواية الشيخ بطريق آخر غير الكليني، فان وجوب الامساك عن الصلوة إلى ضيق الوقت كما هو مخالف لما دل على جواز البدار، كذلك وجوب الطلب إليه مخالفه له، والجمع العقلائي بينها وبين مخالفاتها هو حملها وحمل ساير ما امر فيها بالتأخير إلى ضيق الوقت على الاستحباب، فيرتفع التعارض بين جميعها. ومنها رواية السكوني الدالة على أن مقدار الطلب غلوة سهم أو سهمين. وهذا الجمع اقرب بنظر العرف من الجمع الذى صنع بعض المحققين بحمل رواية الكسونى على من أراد الصلوة في مكان مخصوص، كما لو نزل المسافر بعد الظهر منزلا واراد ان يصلى فيه، وحمل صحيحة زرارة على من ضرب في الارض فله الضرب في جهة من الجهات ولو في الجهة الموصلة إلى المقصود برجاء تحصيل الماء إلى أن يتضيق الوقت فان العود إلى المكان الاول ليس واجبا تعبديا، فحيثما طلب الماء في جهة ولو في الجهة المؤدية إلى المقصود بمقدار رمية سهم أو سهمين، فله أن يصلى في المكان الذى انتهى إليه طلبه، لكن يجب عليه الفحص فيما حوله بالنسبة إلى المكان الذى انتهى إليه، فله في هذا المكان كالمكان الاول أن يختار أولا الضرب إلى مقصده، وهكذا إلى أن يتضيق الوقت، فثمرة العود إلى المكان الاول جواز الصلوة ولو مع عدم الضيق بعد الفحص عن ساير الجهات، فتقيد صحيحة زرارة بغير هذا الصورة " انتهى ". لان الجمع المذكور مضافا إلى كونه بهذا الوجه الدقيق مخالفا للانظار العرفية مع ان الميزان في الجمع بين الاخبار هو فهم العرف العام ومقبوليته عندهم، ومضاف إلى اباء العرف من تقييد الصحيحة القائلة بانه فليطلب مادام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم، بانه كلما أراد الصلوة لا يجب الفحص إلى ضيق الوقت، بل يكفى مقدار سهم أو سهمين، ان الصحيحة محمولة على الاستحباب على أي تقدير. لمعارضتها لروايات جواز البدار الآتية، فلا تعارض رواية السكوني!

[ 19 ]

ثم انه يجب التنبيه على امور: الاول: قد عرفت ان خبر السكوني ليس بصدد ايجاب الطلب بل بصدد بيان مقداره، فيكون ايجابه بحكم العقل ودلالة الآية كما مر، وقد مر ان حكم العقل بوجوبه لتحصيل المطلوب المطلق انما هو في جميع الوقت، وفى كل جهة محتملة إلى حد اليأس ففى كل جهة يحتمل وجود الماء يحكم بالفحص إلى اليأس لولا دليل على عدم لزومه وقد دلت رواية السكوني على تقدير الفحص بغلوة أو غلوتين لا أزيد، فالرواية في مقام تقدير ما وجب عقلا، فالرواية مع حكم العقل دالة على لزوم الفحص في الجهات إلى الحد المذكور فيها والمراد من الجهات الاربع ليس الخطوط المتقابلة، بل كل جهة هي ربع الدائرة، فلا بد من الفحص في جميع سطح الارض في الجهات، فيكون محل المصلى كالمركز الذى تحيط به دائرة قطرها، غلوة أو غلوتين، ويجب الفحص في جميع تلك الدائرة أي السطح المحاط بالخط الموهوم، وهذا هو المراد من النص والفتوى. الثاني: الحزونة والسهولة الواردتان في رواية السكوني يحتمل أن تكونا بمعنى ما غلظ من الارض وضده، بان يكون عنوان الارض ما خوذا في مفهومهما كما يظهر من بعض تعبيرات اللغويين، ففى الصحاح: السهل نقيض الجبل، والحزن ما غلظ من الارض. وعن الاصمعي: الحزن الجبال الغلاظ ويحتمل أن تكونا بمعنى الغلظلة وضدها من غير اعتبار الارض فيهما، وانما نسبتا إليها، وقيل السهل من الارض والحزن منها كما يظهر من بعض تعبيراتهم، ففى الصحاح بعد قوله: والحزن ما غلظ من الارض قال: و فيها حزونة، يظهر منه ان الحزونة الغلظة، ويقال في الارض حزونة أي غلظة. وفى المنجد: حزن يحزن حزونة المكان صار حزنا أي غليظا، وهو كصريح في ان الحزن هو نفس الغلظة، لا ما غلظ من الارض، وان قال بعده: الحزن ما غلظ من الارض، ولا يبعدان يكون الاحتمال الثاني أرجح فيقال: ارض سهلة وحزنة، ورجل سهل الخلق

[ 20 ]

ونهر سهل أي ذو سهولة، وسهل الموضع، بل وأسهل الدواء بمعنى، ويفهم بالانتساب إلى المتعلقات كيفية السهولة، وكذا الحزن فإذا قيل للجبال الغلاظ الحزن كصر دو للشاة السيئة الخلق الحزون، ولقدمة العرب على العجم في اول قدومهم الذى اسحقوا فيه ما اسحقوا من الدور والضياع الحزانة، يكون بمعنى واحد. بل لا أستبعد أن يكون الحزن مقابل الفرح من هذا الاصل وان اختلفت الهيئات. ثم على الاحتمال الاول يكون الميزان في الغلوة والغلوتين سهولة الارض و حزونتها ذاتا، سواء كانتا في الخبر خبرا والكون ناقصا أو فاعلا وهو تاما، لان المفروض مأخوذية عنوان الارض فيهما، ولا ريب في انهما إذا كانتا صفة الارض تلاحظ غلظتها وسهولتها الذاتية ككونها جبلا وبسيطا فلا تنافى السهولة الاشجار فيها، فاراضى العراق سهلة مع ما فيها من الاشجار، فلا بدمن اسراء الحكم إلى غيرها كالاراضى المشجرة من دعوى الغاء الخصوصية والعهدة على مدعيها. واما على الاحتمال الثاني الراجح فان كان الكون ناقصا وقدرت الارض اسما له بقرينة المقام يكون الامر كما مر وان كان تاما ويكون المعنى ان تحققت حزونة فكذا من غير انتساب إلى الارض، يمكن استفادة ساير الموانع كالشجر والثلج الغليظ منها، ولو لم يمكن استظهار تمامية الكون والوثوق بترجيح ثانى الاحتمالين فلا محيص عن الاحتياط، لما عرفت من حكم العقل ودلالة الاية، وان رواية السكوني لتقدير المقدار فمع اجمالها يحتاط في موارد الاحتمال بالاخذ بأكثر الحدين، وكذا في كل مورد مشكوك فيه. واما الغلوة بفتح المعجمة: المرة من غلا. وهى رمية بأبعد المقدور. قال في الصحاح: غلوت بالسهم غلوا إذا رميت به أبعد ما تقدر عليه، والغلوة الغاية رمية سهم، وقال: غلا يغلو غلوا أي جاوز فيه الحد ويظهر منه مجيئها بمعنى رمية سهم ايضا. وفى القاموس: غلا في الامر غلوا: جاوز حده، وبالسهم غلوا وغلوا رفع

[ 21 ]

يديه لاقصى الغاية، إلى ان قال: فهو رجل غلاء كسماء أي بعيد الغلو بالسهم، والسهم ارتفع في ذهابه وجاوز بالمدى (أي الغاية). وفى المنجد غلا يغلو غلوا وغلوا السهم وبالسهم: رمى به أقصى الغاية، غالا غلاء ومغالاة السهم وبالسهم: رمى به أقصى الغاية إلى أن قال: الغلوة المرة من غلا الغاية وهى رمية سهم أبعد ما تقدر عليه المغلى، والمغلاة سهم يغلى به أي يرمى به أقصى الغاية. والظاهر ان الغليان والغلو في باب المبالغة والغلاء في السعر كلها من هذا الباب وهو التجاوز إلى أقصى الغاية. نعم في مجمع البحرين وفى الحديث ذكر الغلوة وهى بالفتح: مقدار رمية سهم، الظاهر منه انها لغة كذلك وقد عرفت ما في اللغة، ولا يبعد ان يكون استعمالها في مطلق رمية بنحو من التوسع، والا ففي كل مورد استعملت تكون بالمعنى المعروف المتقدم، بل لا يبعد أن تكون الغالية المركبة من عدة من الطيب ايضا بلحاظ المعنى المتقدم هذا حال اللغة. واما الفقهاء فقد اختلفت كلماتهم: فمنهم من قدر المقدار برمية سهم كالشيخ في نهايته وعن مبسوطه، وعن المفيد وأبى الصلاح مثله، وفى الوسيلة والغنية واشارة السبق كذلك. ومنهم من قدرة بغلوة سهم أو غلوتين كالمراسم، وعن ابن ادريس وحده ما وردت به الروايات وتواتر به النقل في طلبه، إذا كانت الارض سهلة غلوة سهمين، وإذا كانت حزنة فغلوة سهم، وفى الشرايع والنافع والقواعد والارشاد التعبير بالغلوة والغلوتين، وعن المعتبر والتقدير بالغلوة والغلوتين رواية السكوني وهو ضعيف غير ان الجماعة عملوا بها، ومنه يظهر عمل الجماعة بها بمالها من التعبير، والظاهر ان التفسير بالرمية والرميتين اجتهاد منهم، ضرورة انه لا يكون في الباب غير رواية السكوني ومرسلات الحلى، وفيها الغلوة والغلوتين، فلا يكون دليل على

[ 22 ]

الرمية والرميتين، ولهذا ترى ان بعضهم فسرت الغلوة بالرمية. قال في كشف الغطاء: الغلوة الرمية بالسهم المتوسط في القوس المتوسط من الرامى المتوسط، مع الحالة المتوسطة في الهواء المتوسط، والوضع المتوسط والجذب والدفع المتوسطين. وفى المسالك الغلوة مقدار الرمية من الرامى المعتدل بالالة المعتدلة. و مثلهما ما في بعض كتب من قارب عصرنا، وقد عرفت ان هذا التفسير مخالف للغة بل العرف، فالمعتبر في الرمى هو إلى أقصى الغاية وأبعد ما يكون مقدورا، نعم يعتبر في الرامى والالة وغيرهما المتوسط المتعارف لانه المتفاهم من التحديدات كالشبر والذراع وهكذا. لكن الاشكال في المقام هو عدم امكان تعيين المقدار خارجا لعدم تداول الرمى في هذه الاعصار، وما هو المعتبر هو الغلوة والغلوتين من الرامى المتدرب في الفن، كما كان في عصر صدور الرواية، ومعلوم ان الرامى الذى فنه ذلك يرمى بما لا يمكن لغيره (فح) لا محيص عن الاحتياط والاخذ بالمقدار المحتمل العقلائي، فان الدليل على الوجوب ليس رواية السكوني حتى يقال بعدم الوجوب الا بمقدار متيقن فينفي الزائد بالاصل، بل يحكم العقل بالوجوب إلى ان يحرز المعذر مضافا إلى ان شرع التيمم معلق على عدم الوجدان، فلا بد من احراز موضوعه لدى الشك، الثالث: لا شبهة في ان المتفاهم عرفا من الآية الكريمة ولو بسبب مناسبة الحكم والموضوع وما هو مرتكز في الذهن، ان المراد بعدم الوجدان هو عدم وجدان ما يمكن أن يستعمل في الوضوء والغسل، بل هو الظاهر من قوله: " فلم تجدوا " بعد قوله: " إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا الخ " " وان كنتم جنبا فاطهروا " فعدم الوجدان أعم من عدم الوجود واقعا، ومن الوجود مع عدم العثور وعدم التقصير في الفحص بالمقدار المأثور. فلا يكون الموضوع في تشريع التيمم عدم الماء فقط، ولا يكون عنوان عدم

[ 23 ]

الوجدان معتبرا فيه حتى يقال لازم الاول بطلان التيمم لو كان الماء موجودا واقعا مع عدم العثور عليه ولو بعد الفحص الكامل، ولازم الثاني عدم الصحة حتى مع العلم بعدم الماء حتى مع موافقته للواقع، بل لا بدله من الضرب في الارض بالمقدار المأثور حتى يصير الفقدان وجدانيا، للفرق بين العلم بالعدم وعدم الوجدان، فان الاحتمالين خلاف المتفاهم العرفي، فان الطلب المتفاهم من قوله: " فلم تجدوا " لاجل تحقق موضوع تشريع التيمم، وهو عدم الماء الذى يمكن عقلا وشرعا استعماله في الطهارة، فإذا علم بعدم وجوده علم بتحققه، فلا وجه بعد للطلب كما انه لو طلب الغلوة أو الغلوتين، ولم يجد يتحقق الموضوع وهو عدم الماء الذى يمكن له استعماله خارجا للعجز عن استعمال مالا يعثر عليه. فتحصل مما ذكر أن عدم الماء الكذائي موضوع لشرع التيمم، فإذا تفحص قبل الوقت أو في الوقت وعلم بعدم الماء يستصحب إلى زمان قيام الامارة على وجوده وهو يحرز ما هو موضوع من غير فرق بين قبل الوقت وبعده، بل ولا بين الارتحال من مكان الطلب والعود إليه وبين عدمه، ومن غير فرق بين صلوة واحدة وصلوات عديدة، فما عن المحقق في المعتبر والعلامة والشهيد من عدم الاعتداد بالطلب قبل الوقت بل يجب اعادته الا أن يعلم استمرار العدم الاول، فغير وجيه. وان استدل عليه في الجواهر تارة بظاهر ما دل على وجوبه من الاجماعات وغيرها وهو لا يتحقق الابعد الوقت، واخرى بان صدق عدم الوجدان يتوقف عليه سيما بعد ظهور الاية الدالة على اشتراطه في ارادة عدم الوجدان عند ارادة التيمم للصلوة، وثالثة بصحيحة زراة المتقدمة، ورابعة بانه لو اكتفى به قبل الوقت لصح الاكتفاء به مرة واحدة للايام المتعددة وهو معلوم البطلان، وخامسة بان المنساق إلى الذهن من الادلة ارادة الطلب عند الحاجة إلى الماء، ثم استشكل في الاستصحاب بانه لا يعارض ما ذكرنا من ظهور الادلة في شرطية الطلب أن يكون بعد الوقت " انتهى ملخصا ". وفيه مالا يخفى فان الوجوب لا يكون شرعيا بل يكون عقليا محضا، لاجل حفظ

[ 24 ]

المطلوب المطلق ولا دليل غيره على الوجوب، فضلا عن استفادة الوجوب الشرعي منه، لعدم ثبوت غير ما هو حكم العقل من الاجماعات، لعدم كشفها عن دليل آخر مع وجود حكم العقل، واحتمال استفادتهم الوجوب من الادلة اللفظية ايضا، واما صحيحة زرارة فقد عرفت لزوم حملها على الاستحباب، وعرفت حال رواية السكوني من عدم دلالتها على الوجوب. واما الاية فلا يدل ذيلها أي قوله " فلم تجدوا " على وجوب الطلب، بل يدل على شرطية عدم الوجدان لشرع التيمم، نعم هو ظاهر في عدم الوجدان في الوقت وقد عرفت ان الموضوع عدم الماء في الوقت وهو يحرز بالاستصحاب، ويكون الاصل حاكما على الاية، ومحققا لموضوع وجوب التيمم ومشروعيته، فلا دليل على وجوب الطلب بنحو يقدم على الاستصحاب وهو حاكم أو وارد على حكم العقل. واما النقض بلزوم الاكتفاء بالطلب مرة لصلوات عديدة، ودعوى معلومية بطلانه فلا يتضح وجهها بعد جريان الاستصحاب واحراز موضوع التيمم، فالاقوى بحسب القواعد كفاية الطلب الواحد مطلقا سواء كان قبل الوقت أو بعده، وسواء كان تجدد الماء محتملا أو مظنونا نعم مع قيام الامارة المعتبرة أو الوثوق بالتجديد يجب الطلب وينبغى الاحتياط مطلقا. ومما ذكرنا يظهر حال وجوب الطلب فانه عقلي محض غير مرتبط بالتيمم، بل هو لاجل احراز العذر عن ترك المطلوب المطلق أي الصلوة مع المائية، وليس في المقام دليل لفظي يدل على الوجوب حتى يبحث عن كونه نفسيا أو شرطيا أو غيريا كما عرفت، ولو سلم دلالة مثل رواية السكوني على وجوبه أو عدم حمل صحيحة زرارة على الاستحباب فلا شبهة في عدم دلالتهما على الوجوب النفسي، لظهور الاوامر في مثل المقام على الارشاد، اما إلى الشرطية أو إلى حكم العقل، فاحتمال النفسية في غاية الضعف. واحتمال الوجوب الشرطي ايضا ضعيف لان الظاهر من قوله في الصحيحة: " إذا

[ 25 ]

لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل الخ " ان وجوب الطلب انما هو لتحصيل الماء لا لتحقق موضوع التيمم، وان التيمم مشروع عند خوف فوت الوقت وشرطه ذلك لا الطلب، وقوله في رواية السكوني " يطلب الماء في السفر " ظاهر في ان الطلب واجب لتحصيل الماء لا لشرطيته للتيمم، و قدمر تحقيق مدلول الآية. فتحصل من جميع ذلك ان الروايات بناءا على تسليم دلالتها على الوجوب ارشاد إلى حكم العقل، أو تحديد لما يحكم به كما مر في رواية السكوني. الرابع: إذا أخل بالطلب وتيمم وصلى مع سعة الوقت ففى الجواهر بطلانه قطعا واجماعا منقولا ان لم يكن محصلا، لما دل على اشتراط صحته به، ولا فرق بين ان يصادف عدم الماء بعد الطلب وعدمه. اقول: اما دعوى الاجماع في مثل هذه المسألة الفرعية الاجتهادية المتراكمة فيها الادلة العقلية والنقلية فغير وجيهة، واما ادلة الاشتراط المدعاة فقد تقدم عدم دلالتها على اشتراط الطلب، بل الظاهر من الادلة ان عدم الماء الذى يمكن استعماله في الوضوء والغسل اما لفقده أو لعدم وجدانه موجب لانقلاب المائية بالترابية من غير دخالة للطلب موضوعا، ولا لعنوان عدم الوجدان، أي هذا الامر الانتزاعي فيه، و لهذا لو علم بعدم الماء لا يجب عليه الطلب وان لم يصدق عدم الوجدان عليه، لانه عنوان منتزع من عدم العثور عليه بالقوى الجزئية كالبصر، ومع فرض عدم وجوب الطلب مع العلم بعدم الماء لا محيص عن القول بان عدم الماء واقعا موضوع للانقلاب والالزم موضوعية العلم ولو بنحو جزء الموضوع وهو كما ترى خلاف ارتكاز العقلاء والمتفاهم من الادلة فيكون عدم الماء واقعا تمام الموضوع للانقلاب، وان جهل المكلف فلزوم الطلب عقلا أو شرعا لاحراز الواقعة لا لتحقق الموضوع، فلو كان الماء غير موجود في محل الطلب أو كان بوجه لا يهتدى إليه لو طلبه صح تيممه وصلوته، اما إذا كان بحيث لم يوجد إلى آخر الوقت فظاهر بمامر.

[ 26 ]

واما إذا حدث بعد الصلوة فلا طلاق الآية فان الظاهر من صدرها انه إذا قام المكلف إلى الصلوة يجب عليه الوضوء أو الغسل ولو في سعة الوقت، ومقتضى عطف المرضى والمسافر الفاقد عليه جواز التيمم في السعة، وبعدما علم ان المراد بعدم الوجدان عدم الاهتداء إلى ما يمكن استعماله تمت الدالالة على صحة التيمم والصلوة، لتحقق الموضوع، وظهور الآية في الاجزاء. ويمكن الاستدلال على المطلوب بما دل على عدم وجوب الاعادة لو وجد بعد الصلوة مع بقاء الوقت، كصحيحة زرارة " قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: فان أصاب الماء وقد صلى بتيمم وهو في وقت؟ قال: تمت صلوته ولا اعادة عليه " (1) ومثلها غيرها وهى وان كانت في مقام بيان حكم آخر لكن يستفاد منها ان من كان تكليفه التيمم فصلى بتيمم لا اعادة عليه وان وجد الماء في الوقت ولو اخل بالطلب حتى ضاق الوقت تيمم وصلى ولا قضاء عليه، وعن المدارك انه المشهور، وعن الروض نسبته إلى فتوى الاصحاب وفى الجواهر انه الاظهر الاشهر. ويمكن استفادته من الآية بمناسبات مغروسة في الاذهان بان يقال: ان المراد من عدم وجدان الماء عدم وجدان ما يمكن استعماله مع حفظ الوقت، والا فلو لم تلاحظ مصلحة الوقت أو كانت مصلحة المائية مقدمة على مصلحته لم يشرع التيمم مع عدم الوجدان، ضرورة ان عدمه لم يستمر إلى آخر العمر، فايجاب التيمم مع الفقد لاجل عدم فوت الصلوة وحفظ مصلحة الوقت، فالمراد بعدم الوجدان عدم وجدان ما يغتسل و يتوضأ به في الوقت، ومع الضيق يكون فاقدا للماء الكذائي وان كان واجدا للطبيعة، والظاهر من تعليق الحكم عليه انه تمام الموضوع للتبديل من غير دخالة شئ آخر. ودعوى الانصراف إلى ما لا يكون سببه المكلف عصيانا، في غير محلها لان الظاهر منها ان الترابية مع فقد الماء طهور قائمة مقام المائية من غير دخالة لاسباب الفقد فيه بل المناسبات المغروسة في الذهن توجب الغاء بعض القيود لو كان في الكلام ومعه لا


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 14. ح 9.

[ 27 ]

معنى لدعوى الانصراف. وتدل عليه ايضا صحيحة زرارة المتقدمة عن أحدهما عليهما السلام " قال: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل " الخ (1) فان وجوب الطلب مادام في الوقت على فرضه لاجل تحصيل الماء لا لاشتراط التيمم به، وقوله: " فإذا خاف " الخ ظاهر في ان خوف الفوت سبب وموضوع تام لوجوب التيمم من أي سبب حصل، فلو أراق الماء أو قصر في الطلب أو ترك الوضوء بالماء الموجود حتى خاف الفوت يجب عليه التيمم وتتم صلوته ولا قضاء عليه لظاهر الصحيحة، بل يستفاد ذلك من مجموع الادلة، فانه يعلم منها ان للوقت منزلة لدى الشارع ليس لغيره وان الصلوة لا تترك بحال. وما قيل ان التيم في هذه الحال يمكن أن يكون مبغوضا فضلا عن أن يقع عبادة فاسد، فان المبغوض هو ترك الصلوة مع المائية لا اتيانها مع الترابية ولا الطهارة الترابية لعدم وجه لمبغوضيتهما. ومما ذكرنا يتضح عدم وجوب الاحتياط بدعوى تردد المكلف به المعلوم بالاجمال لما عرفت من التكليف بالترابية واجزائها. الخامس: قدمر أن الموضوع لانقلاب التكليف بالترابية هو عدم الاهتداء إلى ما يمكنه الاستعمال، وان شئت قلت: كون الواقعة بحيث لا يهتدى المكلف بماء يمكنه استعماله عقلا وشرعا، أو قلت: عدم الوجدان الاعم من عدم الوجود للماء الكذائي (فح) نقول: لو تفحص عن الماء بما قرره الشارع ولم يقصر فيه صح تيممه وصلوته، ولو كان الماء موجودا بحسب الواقع لتحقق موضوع الانقلاب، واما لو قطع بعدم الماء أو عدم الاهتداء إليه أو قامت البينة على عدمه، أو عدم الاهتداء به بطلا لعدم تحقق الموضوع لعدم كون الواقعة بحيث لا يهتدى بالماء فهو واجد للماء، وان كان قاطعا بعدمه وغير معذور واقعا، وان كان معذورا ظاهرا وغير معاقب على ترك الصلوة مع المائية، فيجب عليه الاعادة وكذا يجب الاعادة على الناسي لماء في رحله، سواء طلب في خارجه غلوة


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 2.

[ 28 ]

أو غلوتين أولا، لانه واجد وان كان غافلا عنه وعدم الوجدان في خارج الرحل مع كونه واجدا فيه لا يوجب الانتقال. ويدل عليه موثقة أبى بصير أو صحيحته " قال: سألته عن رجل كان في سفر وكان معه ماء فنسيه فتيمم وصلى ثم ذكر أن معه ماء قبل ان يخرج الوقت؟ قال: عليه أن يتوضأ ويعيد الصلوة " (1) ومقتضى اطلاقها لزوم الاعادة، ولو طلب خارج رحله، والمفروض فيها عدم الطلب في رحله. السادس: الظاهر من الآية الكريمة كما مر عدم وجدان ما يمكن معه الوضوء أو الغسل فعدم الماء بمقدار الكفاية كعدمه المطلق، لعدم تبعض الطهارة وعدم تلفيقها من الماء والتراب، فما يقال من استعمال ما وجد في بعض الاعضاء والتيمم غير وجيه مخالف لظاهر الآية، ولما ورد من وجوب التيمم على الجنب مع وجدان الماء بقدر الوضوء كصحيحة الحلبي " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ومعه قدر ما يكفيه من الماء لوضوء الصلوة أيتوضأ بالماء أو يتيمم؟ قال: بل يتيمم ألا ترى انه انما جعل عليه نصف الوضوء " (2) ومثلها رواية الحسين بن ابى العلا (3) الا ان في آخرها بدل " نصف الوضوء " " نصف الطهور " وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام في رجل أجنب في سفر ومعه قدر ما يتوضأ به؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ " (4) ومن هنا يظهران التمسك بمثل قاعدة الميسور في غسل ما يمكن أن يغتسل ليس في محله بعد تسليم جريانها في مثل المقام. السابع: لو تمكن من مزج الماء الذى لا يكفيه بما لا يسلبه الاسم فتحصل به الكفاية فهل يجب ذلك كما عن جماعة من المتأخرين منهم العلامة أولا كما عن الشيخ وأتباعه؟ مقتضى ما مر مرارا من ان التيمم مصداق اضطرارى لدى العجز عن المصداق الاختياري


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 5 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 24، ح 1. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 24، ح 3 (4) الوسائل ابواب التيمم، ب 24، ح 4

[ 29 ]

وان التكليف بالصلوة مع المائية مطلق يحكم العقل بلزوم تحصيله ولو بحفر بئر أو اذابة ثلج ما لم يكن حرجيا، أو غير ذلك من انحاء التوصل إليه لزوم مثل هذا العلاج لتحصيل المطلوب المطلق، والمتفاهم من الادلة تعليق التيمم على العجز عن الماء، وليس المراد من عدم الوجدان هو ما يقتضى الجمود عليه، ولهذا يجب الوضوء والغسل مع وجود ثلج أو ماء جامد مع امكان اذابتهما أو دلكهما على الجسد بنحو يحصل مسماهما بواسطة الاذابة بحرارته، ففى رواية محمد بن مسلم " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في السفر لا يجد الا الثلج؟ قال: يغتسل بالثلج أو ماء النهر " (1) (يعنى هما سواء) وفى رواية معاوية بن شريح " قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام فقال: يصيبنا الدمغ والثلج ونريد أن نتوضأ ولا نجد الا ماءا جامدا فكيف أتوضأ أدلك به جلدى؟ قال: نعم " (2). فيظهر منهما ومن غيرهما ان الجمود على عدم الوجدان غير وجيه، ويؤيد ذلك رواية الحسين بن أبى طلحة " قال: سألت عبدا صالحا عن قول الله عزوجل: أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ما حد ذلك؟ قال: فان لم تجدوا بشراء و غير شراء " (3). فلو كان عنده المادتان اللتان يتركب منهما الماء حسب التجربيات الحديثة و يمكنه مزجهما حتى يحصل الماء يجب عليه، ولا أظن التزامهم بعدم الوجوب والانتقلاال إلى التيمم. وما يقال من عدم اعتناء العرف والعقلاء بهذا النحو من القدرة الحاصلة بالمعالجات غير المتعارفة، وقياسه بخلط الحنطة بالتراب غير وجيه، والقياس مع الفارق، فان المدعى اما ان العرف لا يستفيد من الاية المطلوبية المطلقة للمائية وهو كما ترى، بل


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 10، ح 1. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 10، ح 2 (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 26، ح 2.

[ 30 ]

لا يلتزم به القائل، أو ان عدم الوجدان صادق، ولا يجب على المكلف ايجاد الماء وانسلاك نفسه في الواجد، وهو ايضا غير وجيه ولا اظن التزامه به، وترده الروايات المتقدمة، أو ان العقلاء يرون نفوسهم عاجزة ولايكون العلاج المذكور تحصيلا للقدرة أو لا يكون تحصيلها كذلك واجبا، وان التكليف بمثله قبيح، فهو أيضا بجميع تقاديره ممنوع لعدم العجز بحسب الواقع مع امكان المزج، وعدم وجوبه اماناش من عدم التكليف المطلق أو من حصول شرط التيمم وهما ممنوعان، واما غفلتهم عن امكان تحصيل الماء بمثل ذلك فلا يضر بالمطلوب وليس ذلك الا كغفلتهم عن وجود الماء، وقد عرفت بطلان التيمم معه، وكيف كان الاقوى وجوب العلاج بأى نحو يمكنه بلا حرج ومشقة. السبب الثاني عدم الوصلة إلى الماء، وهو قد يكون للتعذر العقلي أو العادى كما لو كان في بئر لا يمكنه اخراجه، والوصول إليه بوجه، أو كان في محل لا يمكنه الوصول إليه لكبر ونحوه، ومنه عدم الثمن لشرائه، وهذا مما لا اشكال في التبديل به، لما عرفت من استفادته من الاية بالبيان المتقدم، وقد يكون الوصول إليه حرجيا كما كان في بئر يمكنه الوصول إليه مع الحرج والعسر، ويدل على تبديل فيه ادلة نفى الحرج. وقد يقال: ان الظاهر من نفى الحرج في الدين ان أحكام الدين سهلة غير حرجية فإذا لزم من الوضوء أو الغسل أو نحوهما حرج يرفع بدليله، واما إذا كان الحرج في المقدمات فلا، لان المقدمات ليست من الدين ووجوبها عقلي لا شرعى، فما هو من الدين كالوضوء في المقام ليس حرجيا، وما فيه الحرج ليس مجعولا ولا من الدين، وفيه ان المتفاهم من آية نفى الحرج بمناسبة كونه تعالى في مقام الامتنان انه تعالى لم يجعل تكليفا ينشأ من قبله الحرج، كان في نفس المتكلف به أو مقدماته أو نتائجه. ويؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه استشهاد أبى عليه السلام في رواية عبد الاعلى الصحيحة على الاصح بالاية الكريمة " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل

[ 31 ]

قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج امسح عليه " (1) فان الحرج ليس في مسح الاصبع برطوبة اليد بل في مقدماته من نزع الخرقة ورفع المرارة. هذا مضافا إلى امكان استفادته من ذيل آية التيمم قال تعالى: وان كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء إلى ان قال: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج فان الظاهر ارتباط هذه الجملة بالمريض والمسافر ولا وجه لا ختصاصها بالاول، فتكون حرجية الوضوء بالنسبة إلى المسافر الفاقد في مقدمات تحصيل الماء كالتخلف عن الرفقة وغيره، فيستفاد منها أعمية الحرج عن كونه في الطبيعة المأمور بها. واما روايات الركية كصحيحة الحلبي " انه سال أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو؟ قال: ليس عليه أن يدخل الركية لان رب الماء هو رب الارض فليتمم " (2) ومثلها صحيحة الحسين بن أبى العلاء على الاصح (3) وصحيحة عبد الله ابن أبى يعفور عنه " قال: إذ اتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد فان رب الماء هو رب الصعيد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم مائهم " (4) ففى دلالتها على المطلوب اشكال. اما الاوليتان فلاحتمال أن يكون ذلك لخوف السقوط والعطب أو للحرج أو لافساد الماء على القوم لاجل سقوط الوحل والتراب من جدار البئر، وان كان الاخير غير مناسب لقوله: " ليس عليه ان يدخل " بل المناسب له " ليس له أن يدخل " و كيف كان دلالتهما على التبديل في الجملة ظاهرة، لكن كونه للحرج غير ظاهر، الا ان يقال بشمول اطلاقهما له، أو يقال: ان خوف الضرر موجب لحرجية التكليف. واما صحيحة ابن أبى يعفور الواردة في الجنب فليست مربوطة بالحرج بل النهى


(1) الوسائل: ابواب الوضوء، ب 39، ح 5 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 3 ح 1. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 3، ح 4 (4) الوسائل أبواب التيمم، ب 2، ح 2

[ 32 ]

عن الدخول انما هو لافساد الماء المعد لشرب القوافل والمارة، وتلك الآبار في الطرق انما حفرت لاستقاء المارة للشرب وساير الحاجات، ولا يجوز افسادها و الدخول فيها لعدم كونها كالمياه المباحة، ولا يجوز التصرف فيها بغير ما جعلت له و كيف كان لا ربط لها بالحرج الذى يكون الكلام فيه. ومن الحرج الشراء الموجب للشدة والضيق في المعيشة، أو للوهن في جاهته واعتباره من غير فرق بين ان يكون أزيد من ثمن المثل اولا، ولا في حصول الحرج في الحال أو في الاستقبال مما يعد بنظر العرف حرجا، وما دل على وجوب شرائه بمأة درهم بل بما بلغ لو سلم اطلاقه بالنسبة إلى مورد الحرج والغض عن ان قوله في صحيحة صفوان وهو واجد لها ظاهر في انه ميسور له كما هو ظاهر ذيل خبر الحسين بن طلحة، وهو قوله " على قدر جدته " فمحكوم لدليل نفى الحرج كما هو واضح. ومن الحرج الخوف من السبع واللض ولو كان على أخذ ماله لا على نفسه، لان لاخذ اللص ماله والتسلط عليه مهانة وذلة ووهنا تأبى عنها النفوس غالبا ويكون تحملها حرجيا. ومنه الخوف على العرض، فان الوقوع في معرض هتك الاعراض من أوضح موارد الحرج، وتدل على جواز التيمم عند خوف السبع واللص مضافا إلى دليل نفى الحرج رواية داود بن كثير الرقى ولا يبعد صحتها لعدم بعد وثاقة داود " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أكون في السفر فتحضر الصلوة وليس معى ماء ويقال ان الماء قريب منا أفأطلب الماء وأنا في وقت يمينا وشمالا؟ قال: لا تطلب الماء ولكن تيمم فانى اخاف عليك التخلف عن أصحابك فتضل وياكلك السبع " (1) ورواية يعقوب بن سالم " قال: سألت أبا عبد الله عن رجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك قال: لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع " (2) وهما مختصتان بالخوف على نفسه، ولعل اللصوص في تلك الازمنة

[ 33 ]


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 2، ح 1 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 2، ح 2 والامكنة كانوا كثيرين، والتخلف عن الرفقة كان تغريرا بالنفس نوعا لعدم ابائهم عن اراقة الدماء، ولهذا اجاب الامام عليه السلام بما أجاب، مع اطلاق السؤال بل لا يبعد ان يكون السؤال قرينة على الخوف، والا فمع الامن ووجود الماء لا يحتمل سقوط الوضوء. وقد يكون في الوصول إلى الماء ضرر مالى من غير حصول عنوان آخر كالحرج فقد استدل على سقوط المائية به بدليل " لا ضرر ولا ضرار "، وبالاجماع المحكى عن الغنية والمعتبر والمنتهى والتذكرة وكشف اللثام والمدارك، وبروايتي داود ويعقوب المتقدمتين، وباستقراء أخبار التيمم في سقوط المائية بأقل من ذلك. وفيه ما ذكرناه في رسالة مستقلة من ان دليل الضرر ليس بصدد رفع الاحكام الضرورية كما أفادوا، بل حكم سياسي سلطاني صدر من رسول الله صلى الله عليه واله بما هو سلطان على الناس فراجع، والاجماع المحكى مع كونه موهونا لاجل احتمال استنادهم إلى الادلة مثل دليلى الضرر والحرج وغيرهما من الاخبار، لا يبعد أن يكون معقده هو الخوف عن اللص في ماله وقد مر انه حرجى مرفوع بدليله. ففى الغنية ادعى الاجماع على الجواز عند حصول خوف لعدو من غير ذكر المال وفى المنتهى ادعى عدم وجدان الخلاف في الخوف على المال من لص أو عدو أو حربى، وعن المعتبر وكشف اللثام مثله، وفى المدارك هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب على ما نقله جماعة بل قال في المنتهى: انه لا يعرف فهى خلافا بين أهل العلم " انتهى " و القيد الاخير ليس في النسخة الموجودة عندي. وكيف كان هذه العبارات كما ترى ظاهرة في دعوى الاجماع في مورد الخوف من اللص ومثله، وهو حرجى كما مر، والروايتان مورد هما الخوف من اللص و السبع ايضا بل ظاهر هما الخوف على النفس. والتمسك بالاستقراء في غير محله بعد ورود وجوب شراء ماء الوضوء بالغا ما بلغ، بل يمكن استفادة وجوب صرف المال لتحصيل الماء للطهارة من صحيحة

[ 34 ]

صفوان في غير مورد المنصوص فيه، " قال: سأل أبا الحسن عليه السلام عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلوة وهو لا يقدر على الماء فوجد بقدر ما يتوضأ به بمأة درهم أو بألف درهم و هو واجد لها أيشترى ويتوضا أو يتيمم؟ قال: لا بل يشترى، قد أصابني مثل ذلك فاشتريت وتوضأت، وما يشترى بذلك مال كثير " (1) حيث قال: ان ماء الوضوء مال كثير و هو بمنزلة التعليل. فيستفاد منه ان صرف المال لتحصيل المال الكثير عقلائي، فإذا كان تحصيل ذلك المال الكثير لازما يجب صرف المال لاجله ولو بغير شرائه كشراء الالات وحفر البئر واعطاء المال للاذن على الدخول في ملكه، والعبور عنه للوصول إليه، واستيجار الغير لتحصيله، بل ولو خاف من ضياع ماله في سبيل تحصيله ما لم يكن حرجيا، بل وشق الثوب النفيس إذا لم يكن فيه محذور شرعى على تأمل في الاخير، لاجل احتمال انصراف الدليل من مثله، وصدق عدم الوجدان و عدم القدرة عرفا على تحصيله. السبب الثالث كون الاستعمال حرجيا ولو لم يخف الضرر كالبرد الشديد الذى يكون التوضى والاغتسال معه ذا مشقة، ويعد التكليف معه حرجيا، أو كان في استعمال الماء ضرر موجب للهلاك أو عيب أو حدوث مرض أو شدته أو طول مدته أو صعوبة علاجه، أو عدم برئه، أو خاف على نفسه مما ذكر وامثاله من الامراض المعتد بها حتى مثل الشين الذى يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة مما يعتنى به العقلاء، ولا عبرة باليسير الغير المعتنى به ما لا يعد ضررا ولا حرجا ولا مرضا. وتدل على ذلك كله الاية الكريمة: " وان كنتم مرضى أو على سفر " إلى قوله تعالى: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " فان عنوان المرض وان كان صادقا على مطلقه حتى ما لا يكون استعمال الماء منافيا له أو مضرا به، لكن المناسبة بين الحكم و الموضوع، وذكر المرض عقيب وجوب المائية توجب الانصراف إلى ما تكون المائية منافيا لمرضه ومضرا به. كما يستفاد منه التبديل إذا اضرته المائية ولو لم يندرج تحت عنوان المرض


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 26، ح 1

[ 35 ]

كما لو كان به قرح أو جرح، فانهما لا يعدان مرضا عرفا، فانه عبارة عن اختلال مزاجي كالحمى والسل وغيرهما، كما ان الظاهران الرمد وبعض الاوجاع ايضا لا يعد مرضا عرفا. وكيف كان يستفاد حكم جميع ما ذكر من ذكر المرض ذيل الوضوء والغسل بمناسبة الحكم والموضوع، هذا مع قطع النظر عن قوله: " ما يريد الله) الخ والا يكون الحكم أوضح فتدل الآية صدر أو ذيلا على التبديل في مطلق ما ينافيه المائية، ومطلق الحرج ولو كان مأمونا من المرض، بل يكون في نفس الوضوء لاجل البرد حرج، وتدل عليه آية عدم جعل الحرج في الدين ايضا. نعم تنصرف الادلة عن اليسير الغير المعتنى به كما أشرنا إليه، ولعل مراد المحقق (ره) وغيره من المرض الشديد هو مقابل اليسير المذكور، ولا أظن أن يكون مرادهم اعتبار الشدة احترازا عن اول مراتب الحمى مثلا ولو كان الغسل معه مضرا به. ثم انه يستفاد من ذيل الاية رفع المائية مع خوف المذكورات فان التكليف بها مع الخوف ضيق وحرج وتشديد على المكلف، فيعد التكليف مع خوف الهلاك أو حدوث العيوب والامراض تضييعا وتحريجا عليه، ومخالفا لقوله: " ما يريد الله " الخ. وتدل على ما ذكر مضافا إلى الآية والاجماع المنكرر في ألسنتهم روايات مستفيضة لو لم تكن متواترة ففى صحيحة محمد بن سكين عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قيل له ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات؟ قال: قتلوه ألا سألوا الا يمموه؟ ان شفاء العى السؤال " (1) وفى صحيحة محمد بن مسلم: " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون به القرح والجراحة يجنب؟ قال: لا بأس بان لا يغتسل يتيمم " (2)


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 5 ح 1. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 5.

[ 36 ]

وفى صحيحة ابن أبى نصر عن الرضا عليه السلام " في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: لا يغتسل ويتيمم " (1) ونحوها صحيحة داود بن السرحان عن أبى عبد الله عليه السلام (2) إلى غير ذلك. ولا فرق فيما ذكر بين الحدث الاصغر والاكبر، ولا بين حدوثه اختيارا أو لا، لكن وردت روايات منافية لذلك كصحيحة سليمان بن خالد وأبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام " انه سئل عن رجل كان في ارض باردة تتخوف ان هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع؟ قال: يغتسل وان أصابه ما أصابه، قال: وذكر انه كان وجعا شديد الوجع فاصابته جنابة وهو في مكان بارد وكانت ليلة شديدة الريح باردة فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فقالوا: انا نخاف عليك؟ فقلت: ليس بد فحملوني ووضعوني على خشبات ثم صبوا على الماء فغسلوني (3) وصحيحة محمد بن مسلم " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة ولا يجد الماء وعسى ان يكون الماء جامدا؟ فقال: يغتسل على ما كان، حدثه رجل انه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد؟ فقال: اغتسل على ما كان فانه لا بد من الغسل، وذكر أبو عبد الله عليه السلام انه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل وقال: لابد من الغسل " (4). وقد يجمع بينهما وبين ما تقدم بحملهما على الجنابة الاختيارية، وحمل ما سبق على الاحتلام بشهادة مرفوعة على بن أحمد عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة، قال: ان كان أجنب هو فليغتسل وان كان احتلم فليتيمم " (5) ومرفوعة


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 7 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 8. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 17 ح 3 (4) الوسائل: ابواب التيمم، ب 17، ح 4 (5) الوسائل ابواب التيمم، ب 17، ح 1

[ 37 ]

ابراهيم بن هاشم " قال؟ ان أجنب فعليه أن يغتسل على ما كان منه وان احتلم فليتيمم " (1) بل عن الخلاف دعوى اجماع الفرقة على وجوب الغسل على من أجنب اختيارا، وعن المفيد والصدوق اختياره. وفيه ان مرفوعة ابن هاشم لا يعلم كونها رواية بل لا يبعد أن يكون ذلك فتواه جمعا بين الروايات، ومرفوعة على بن احمد مع رفعها وجهالة ابن احمد ومخالفتها للروايات الكثيرة في المجدور مع كونها آبية عن التقييد، لا تصلح للشهادة على الجمع، مع ان مثل هذا الجمع غير عقلائي ولا مقبول، وان المذكور في صحيحة ان مسلم " أصابته الجنابة " ولا يبعد ظهوره في غير الاختيارية وكذا الحال في صحيحتي البزنطى وابن السرحان. وذكر أبى عبد الله عليه السلام لاصابته الجنابة مع كونه منزها عن الاحتلام لا يصير شاهدا على كون السؤال عن حصولها باختياره، والتعبير عن جنابة نفسه بالاصابة التى يجب صرفها إلى الاختيارية لا يوجب ظهورها في نفسها في الاختيارية، بل لعله يوجب وهنا في الرواية. وكيف كان هذا الجمع ضعيف غير مقبول، وأضعف منه الاتكال بدعوى اجماع الخلاف مع كون خلافه مظنة الاجماع، بل عن ظاهر المنتهى الاجماع عليه، قال: لو اجنب مختارا وخشى البرد تيمم عندنا. وفى الجواهر المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا عدم الفرق بين متعمد الجنابة وغيره. هذا كله مع منافاة ما ذكر للكتاب والسنة واباء أدلة نفى الحرج من التقييد و مخالفته لسهولة الملة وسماحتها، ومخالفة بعض مراتبه للعقل كخوف تلف النفس، ولهذا خصه بعضهم بما إذا لم يخف منه زاعما لكونه جمعا بين الاخبار، وبين مثل صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرج تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ فقال: يتيمم ويصلى فإذا أمن البرد اغتسل


(1) الوسائل ابواب التيمم، 17، ح 2

[ 38 ]

واعاد " (1). ويتلو الجمع المتقدم في الضعف لو لم يكن أضعف منه حمل الصحيحتين على الاستحباب، بدعوى ان الغالب ان الخوف على النفس بمرض شديد أو تلف من البرد عند صحة المزاج كما هو منصرف السؤال، انما ينشأ عن احتمال موهوم في الغاية لا يجب رعايته، والمظنون الغالب في مثل الفرض الامن من الضرر لو فرض التحمى والتحفظ بل ربما يكون الخوف من التلف والمرض من تسويلات النفس تنشأ من مشقة الفعل كما تشهد به صحيحة سليمان، حيث فرض اصابة العنت وهو المشقة فقول الامام " يغتسل وان اصابه ما أصابه " يعنى من العنت. واما الخوف من التلف أو المرض الواجب التحرز فلا يكون غالبا الاعلى الاحتمال الموهم، ولا مانع من حمل الصحيحتين على الفرض وحملهما على الاستحباب، ولا يعارضهما عمومات نفى الحرج والصحاح المتقدمة إذ لا يفهم من العمومات الا الرخصة، ولا من النهى في الصحاح الوارد في مقام توهم الوجوب الا جواز الترك " انتهى ". وذلك لان دعوى موهومية الاحتمال في المقام في غاية الضعف، وكيف يكون الاحتمال موهوما في مورد الصحيحتين مع ذكر الامام عليه السلام في صحيحة سليمان الامر باغتساله في ليلة باردة شديدة الريح مع الوجع الشديد، بحيث لم يتمكن من الحركة ولا من الاغتسال بنفسه فحملوه وغسلوه، ولم يقل في جواب الغلمة حيث قالوا: " انا نخاف عليك ": لاخوف على، بل قال: ليس بداى ولو مع الخوف، ومع حديث الرجل في صحيحة ابن مسلم " انه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد؟ فقال عليه السلام: اغتسل على ما كان فانه لا بد من الغسل " مما هو كالصريح في لابدية الغسل ولو مع الخوف من المرض كائنا ما كان، بل ولو مع العلم بحدوثه، بل مع المرض الفعلى كما حكى عن غسله في مرضه. ويتلوه في لضعف دعواه انصراف السؤال إلى صحيح المزاج وسليمه، فانه


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 16، ح 1.

[ 39 ]

في نفسه وان لا يبعد انصرافه إليه لكن الجواب وحكاية ابى عبد الله عليه السلام مرضه ووجعه الشديد صريح في لابدية الغسل، ولو كان مريضا وسقيما، وفى معرض الازدياد بل التلف وقوله في صحيحة سليمان " نتخوف ان هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل " الذى استشهد به لرمامه من ان العنت عبارة عن المشقة وقوله عليه السلام " يغتسل وان اصابه ما اصابه " أي من العنت والمشقة غير صالح للاستشهاد، لان العنت كما جاء بمعنى المشقة جاء بمعنى الهلاك والفساد، وظاهر قوله " نتخوف ان يصيبه عنت " أصابة فساد أو هلاك والا فأصل المشقة في الارض الباردة معلومة، ولا يقال معها نتخوف أن يصيبه، ولو سلم لكن لحن قوله: " وان اصابه ما أصابه) لا يلائم الحمل على المشقة فقط، ولو سلم لكن حكاية أبى عبد الله عليه السلام اغتساله مع الوجع الشديد والليلة الباردة والريح الشديد، وقول الغلمة وغير ذلك مخالف لما ذكر ولو سلم ذلك في صحيحة سليمان لا يأتي احتماله في صحيحة ابن مسلم. وأضعف من جميع ذلك حملهما على الاستحباب مع ابائهما عنه وكيف يحمل عليه قوله " يغتسل وان اصابه ما أصابه " وقوله عليه السلام في جواب الغلمة من الخوف على نفسه " ليس بد " وقوله: " يغتسل على ما كان " وقوله بعد قول الرجل: فمرض شهرا من البرد: " اغتسل على ما كان " وقوله بعد حكاية غسله في حال المرض: " لابد من الغسل " ولعمري ان طرح الرواية أولى من هذا النحو من الجمع!. وكيف كان لا محيص عن طرحهما ورد علمهما إلى أهله بعد وهنهما بطهورهما في اصابة الجنابة عليه عليه السلام من غير اختيار، وهو منزه عنها، وبغاية بعد الاختيارية منها في هذه الحال وفى هذه الارض البادرة المخوفة على النفس، ولمخالفتهما للعقل والكتاب والسنة، وبا عراض المشهور عنهما على ما حكى، وموافقتهما للمحكى عن أصحاب الرأى وأحمد في احدى الروايتين. ثم قدمر انه لافرق في خوف المرض وغيره بين الشديد والضعيف، الا إذا كان يسيرا غير معتنى به، واما الشين الذى ادعى عدم وجدان الخلاف في جواز التيمم معه،

[ 40 ]

وعن المعتبر والمنتهى والمدارك والكفاية جوازه عند علمائنا، وهو ظاهر في الاجماع بل عن جامع المقاصد دعواه صريحا، فان كان المراد منه بعض الامراض الجلدية من قبيل الجرب والسوداء فلا اشكال في صحة التيمم معه، لاطلاق الاية، بل يستفاد حكمه من ادلة القرح والجرح، اما بدعوى اندراجه فيها أو بدعوى الغاء الخصوصية عرفا مضافا إلى أدلة نفى الحرج، وان كان المراد منه هو الخشونة التى تعلو البشرة، وقد تنتهى إلى انشقاق الجلد فمع خوف الانشقاق المعتد به ينسلك في الادلة ولو بالغاء الخصوصية، ومع عدمه فلا دليل عليه الا ادلة نفى الحرج، فلا بد من كونه بحد يصدق معه الحرج والمشقة، وصار التوضى مع خوفه مندرجا في التضييق والتحريج. ثم اعلم ان ظاهر بعضهم في المقام الذى هو من جزئيات الحرج تقييده بما لا يحتمل عادة، والظاهر منه ان الحرج عبارة عن المشقة التى لا تتحمل عادة. ويؤيده قول بعض أهل اللغة على ما قيل ان الحرج أضيق الضيق، وفى المجمع: ما جعل عليكم في الدين من حرج أي من ضيق بأن يكلفكم ما لا طاقة لكم به وما تعجزون عنه: يقال: حرج يحرج من باب علم أي ضاق. وفى كلام الشيخ على بن ابراهيم الحرج الذى لا مدخل له والضيق ما يكون له مدخل " انتهى ". وفى الصحاح مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، ونقل ذلك عن ابن عباس ايضا هذا. لكن الظاهر من كثير من كتب اللغة تفسيره بالضيق من غير تقييد بما لا يتحمل أو غيره. ففى الصحاح والقاموس التحريج التضييق، وتقدم عن المجمع حرج من باب علم أي ضاق. وفى المنجد حرج الشئ ضاق. حرجه ضيقه. وعن النهاية الحرج في الاصل الضيق. وحكى في مجمع البيان تفسيره بالضيق والعنت عن جميع المفسرين، بل

[ 41 ]

فسره به في صحيحة زرارة المتقدمة عن المشايخ الثلاثة، قال لابي جعفر عليه السلام " أو لا تخبرني من أين علمت وقلت ان المسح ببعض الرأس؟ " والحديث طويل متعرض لتفسير الاية والنكات التى فيها وقال في آخره: " ثم قال: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج والحرج الضيق " (1). وعن قرب الاسناد عن الصادق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله " قال: أعطى الله امتى و فضلهم به على ساير الامم " إلى أن قال: " وان الله تعالى اعطى امتى ذلك حيث يقول: و ما جعل عليكم في الدين من حرج يقول من ضيق " (2) وفى موثقة أبى بصير في ابواب المياه " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر " إلى ان قال " اخرج الماء بيدك ثم توضأ، فان الدين ليس بمضيق فان الله يقول: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) ويظهر ايضا من بعض موارد تمسكهم بدليل نفى الحرج اوسعية الامر مما قيل، كرواية عبد الاعلى، فان رفع المرارة ليس مما لا يتحمل عادة بل له مشقة وكلفة. وفى الرواية المحكية عن حمزة الطيار عن أبى عبد الله عليه السلام والحديث طويل قال فيه: " وكذلك إذا نظرت في جميع الاشياء لم تجد أحدا في ضيق " (4) وعن قرب الاسناد: " عن الصادق عليه السلام عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال: لا غلظ على مسلم في شيئ " مضافا إلى أن لسان الايات الشريفة الواردة في مقام الامتنان لسان عدم جعل مطلق الضيق كقوله: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقوله: ربنا لا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ". السبب الرابع الخوف من العطش في استعمال الماء على نفسه أو اولاده وعائلته أو صديقه، بل


(1) الوسائل ابواب الوضوء: ب 23، ح 1. (2) قرب الاسناد ص 41. (3) الوسائل ابواب الماء المطلق ب 9، ح 16. (4) رواه الكليني في الكافي في باب حجج الله من كتاب التوحيد.

[ 42 ]

كل ما يتعلق به من الانسان والحيوان من تلف أو حدوث مرض أو علة أو عروض حرج أو مشقة من فقد الماء لادلة نفى الحرج، ضرورة انه كما يكون التكليف بالوضوء مع خوف ما ذكر على نفسه تحريجا وتضييقا، كذلك إذا خاف على أطفاله وعياله أو صديقه بل غلمته بل حيوانه الذى يحتاج إليه في سفره بل مطلقا، إذا كان في حفظه غرض عقلائي، سواء اخذ للذبح لكن لا يكون في السفر محل ذبحه ويشق عليه حمله أو لم يؤخذ لذلك نعم لو اخذ له ولا يتعلق الغرض ببقائه ولا يكون في ذبحه أو حمله حرج، فلا يستفاد حكمه من دليل نفى الحرج وان لا يبعد استفادته من ساير الادلة كموثقة سماعة " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته؟ قال: يتيمم بالصعيد ويستبقى الماء فان الله عزوجل جعلهما طهورا الماء والصعيد " (1) لصدق خوف القلة على من كان في سفر مع عائلته وكل ما يتعلق به ويرتبط إليه انسانا أو حيوانا، ذميا أو مسلما، بل لعله يشمل الخوف على الحربى المتعلق به وان كان الاقرب انصرافه عن مثل الحربى الذى يجب على الناس قتله بأية وسيلة ممكنة، نعم لو لم يكن مهدور الدم لكن يكون مرتكبا لما يكون حده القتل كنا لقاتل والزانى المحصن ممن يكون قتله بيد شخص خاص أو بنحو خاص، فالظاهر شمول الرواية له. بل لا يبعد شمولها للخوف على غير ما يتعلق به آدميأ كان أو غيره مما له كبد حراء، ضرورة انه مع رؤية الانسان انسانا أو حيوانا يتلظى عطشا بمحضر منه يكون التكليف بالوضوء عليه تحريجا وتضييقا، لان النفوس الشريفة بل الغير القاسية والشقية تأبى عن ذلك (فح) مع خوف حصول ذلك يصدق خوف القلة بل تشمله أدلة نفى الحرج، ولا يبعد استفادته من صحيحة ابن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام " انه قال في رجل أصابته جنابة في السفر وليس معه الاماء قليل ويخاف ان هو اغتسل أن يعطش؟ قال: ان خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة وليتيمم بالصعيد فان الصعيد أحب إلى " (2) فان


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 25، ح 3 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 25، ح 1

[ 43 ]

تغيير الجواب عما هو متعارف وتنكير العطش مما يشعر أو يدل على توسعة الموضوع عن عطاش نفسه، والا كان حق الجواب اما ان يقول: فليتيمم، أو يقول ان خاف ان يعطش أو خاف العطش، فتبديل الجواب بما هو غير متعارف لا بد فيه من نكتة وهى افادة توسعة الحكم لخوف عطش على نفسه أو غيره آدمى أو غيره. ثم ان الظاهر من خوف العطش والقلة ان يكونا مخوفين ولا يطلق عرفا ذلك الا على ما يكون في احتمالهما خطر هلاك أو مرض أو مشقة، واما إذا احتمل العطش المتعارف فلا يقال يخاف من العطش أو القلة، فليس المراد احتمال حصول اول مراتب العطش، منه يظهران احتمال قلة الماء لمثل الطبخ والقهوة والقليان خارج من مصب الرواية لان القلة لا تكون مخوفة معه عادة ضرورة ان احتمال القلة لكل حاجة لا يوجب الخوف، ولا يطلق عليه فخوف القلة ينحصر عرفا بما يكون معرضا لخطر أو حرج أو مشقة. السبب الخامس ما إذا استلزم من استعمال الماء في الوضوء أو الغسل محذور شرعى من ترك واجب، كما لو لزم من الاشتغال باحدهما والصلوة ترك انقاذ غريق دون التيمم أو تأخير اداء الدين المطالب به ونحوهما، أو فعل محرم كاستعمال ماء مغصوب، أو العبور من طريق مغصوب أو استعمال آنية الذهب والفضة ونحوها، أو ترك شرط معتبر في الصلوة كما لو لزم منه نجاسة مسجد الجبهة مع الانحصار وعدم امكان التحرز أو حصول مانع كما لو لزم منه نجاسة الساتر، ومنه ما لو كان الماء بقدر تطهير الثوب النجس أو الوضوء، لا ريب في صحة التيمم بل لزومه في بعض تلك الموارد، فهل يكون في جميع الاعذار الشرعية كذلك أو يكون من باب الاهم والمهم؟ ولا بد من ملاحظة قاعدة باب التزاحم. قد يقال باستفادة كون كل عذر شرعى أو عقلي موجبا للتيمم من الاية الكريمة بدعوى ان الظاهر من ذكر عدم الوجدان عقيب الامر بالوضوء والغسل عدم وجدان

[ 44 ]

ما يستعمل في الطهور بلا محذور مطلقا، الا ترى انه لو وجد بأقل من الوضوء أو كان الماء للغير لا ينقدح في الذهن صدق وجدانه وعدم صحة التيمم معه، فيطهر منه ان الموضوع هو الوجدان من غير محذور. وفيه انه لا ريب في ان الظاهر من الاية ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو وجدان ما يمكن استعماله في الطهارة كما مر ففى صورة كون الماء غير واف يتيمم كما انه لو كان الماء للغير يصدق عدم الوجدان عرفا، فانه غير واجد لمال الغير، كما انه يستفاد حكم عدم امكان التوصل به من الاية كما مر، لكن الحاق كل محذور شرعى به غير ظاهر، فان الوجدان صادق بلا شبهة مع وجوده في آنية الذهب والفضة أو كان في التوصل إليه وفى طريقه محذور شرعى، فعدم الوجدان وان عم ما تقدم لكنه لا يعم لمثل المحذور الشرعي، وليس في الآية الكريمة صدرا وذيلا ما يدل على ذلك، ولو بالارتكاز العرفي والمناسبات. وبالجملة ان عدم الوجدان هو العرفي منه كما في جميع الموضوعات المتعلقة للاحكام وهو صادق مع ما تقدم دون مطلق المحذور الشرعي، وقياس ساير المحاذير بمثل التصرف في مال الغير أي غصب مائه في غير محله، لصدق عدم الوجدان عرفا مع كونه للغير، لا لاجل حكم الشارع بالحرمة بل لحكم العقلاء بان الانسان لم يكن واجدا لمال غيره، واما إذا كان الماء له والانية من الذهب أو من مال الغير فلا شبهة في صدق الوجدان، وعدم اشعار في الاية على الالحاق. نعم يمكن ان يستدل على المطلوب ببعض الروايات: منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألت عن رجل أجنب في سفر ولم يجد الا الثلج أو ماءا جامدا؟ فقال: هو بمنزلة الضرورة يتيمم " (1) حيث يظهر منها ان الضرورة أو ما هو بمنزلته موضوع لصحة التيمم، وموردها وان كان من الضرورات التكوينية لكن لا تقيد ما هو بمنزلة التعليل أو الكبرى بالمورد،


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 8، ح 9

[ 45 ]

ولاريب في ان التخلص عن ارتكاب المحرم أو ترك الواجب أو شرطه أو اتيان مانعه من الضرورات عرفا وعقلا، ولا يمكن ان يقال ان المحذور الشرعي ليس محذورا في نظر العرف مع كونه متعبدا بحكم هذا الشرع، فأى ضرورة أعظم من التخلص عن مخالفة المولى؟. ودعوى عدم الاطلاق في الرواية، غير وجيهة فانه لو كان موضوع التبديل عنوانا آخر لكان قوله: " هو بمنزلة الضرورة " في غير محله خصوصا مع كونه بمنزلة التعليل فالظاهر ان كل ضرورة موجب للانتقال. ومنها صحيحة أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: إذا كنت في حال لا تقدر على الطين فتيمم به فان الله أولى بالعذر " (1) حيث يظهر منها ان موضوع التبديل هو العذر من التيمم بالتراب، وهى وان كانت في مورد آخر لكن يمكن الاستشهاد بها للمورد. تأمل. ومنها صحيحة عبد الله بن يعفور عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: إذا أتيت البئر و انت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد، فان رب الماء هو رب الصعيد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم مائهم " (2) بدعوى ان الظاهر من قوله: " لا تفسد على القوم مائهم " ان فساد الماء عليهم محذور يوجب الانتقال والمحذور، اما الحرمة الشرعية فيفهم انه مع وقوع الحرام لا يجوز التوضى والغسل، واما الغضاضة العرفية مع عدم محذور شرعى فيدل على التبديل مع المحذور الشرعي قطعا لدلالتها على صحة التيمم بأدنى شئ ولو بمثل تنفر الطباع عن الورود في الماء. ومنها دعوى ان المتفاهم من مجموع الروايات كقوله: " انه احد الطهورين وان ربهما واحد ويكفى عشر سنين " وما دل على عدم لزوم الفحص عن الماء اكثر من غلوة


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 8، ح 7 (2) الوسائل: ابواب التيمم، ب 3، ح 2

[ 46 ]

وغلوتين مع احتمال وجوده بل الظن به واخبار الركيه، وما دل على جواز اجناب النفس مع عدم الماء، وما دل على جواز اتمام الصلوة مع التيمم لو وجد الماء بعد الدخول في الركوع، بل بعد الدخول في الصلوة على الاقرب، وما دل على جواز البدار وجواز التيمم مع خوف العطش ولو على الذمي والحيوان، ان الامر في التبديل سهل يوجبه أدنى عذر. والانصاف ان الخدشة لو امكنت في كل واحد مما ذكر لكن من مجموع ما ذكر تطمئن النفس بان المحذور الشرعي مطلقا يوجب التبديل، واما لو اغمض عن ذلك و رجعنا إلى باب المزاحمة فمع احراز الاهمية في طرف يؤخذ بالاهم، وكذا مع احتمالها بناء على التعيين في دوران الامر بين التعيين والتخيير ومع التساوى بينهما يتخير. وقد يقال: ان الوضوء لما كان له البدل يتأخر في الدوران عما لا يكون له البدل لكن ان اريد به دعوى احراز الاهمية فيما ليس له البدل بذلك فهى كما ترى، وان اريد ان الاخذ بالبدل جمع بين الغرضين في مرتبة والعقل حاكم بلزومه، ففيه ان المفروض ان احتمال الاهمية في الغرض الاقصى مساو لاحتمالها فيها ليس له البدل، فليس الاخذ به جمعا بين الغرضين. نعم في خصوص دوران الامر بين الوضوء والغسل، ورفع النجاسة عن البدن والثوب ادعى الاجماع على تقديم التطهير عن الخبث، كما عن المعتبر والتذكرة و تشهد له رواية أبى عبيدة " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحائض ترى الطهر و هي في السفر وليس معها ماء يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلوة؟ قال: إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم وتصلى " (1) فامر بغسل البدن دون الوضوء وقد مر وجوب الوضوء مع كل غسل الا الجنابة. ويؤيده الادلة الواردة في تتميم الصلوة مع التيمم إذا دخل فيها أو ركع، فأصاب الماء قائلا ان التيمم أحد الطهورين، وما ورد في عروض النجاسة في الاثناء من وجوب


(1) الوسائل ابواب الحيض، ب 21، ح 1.

[ 47 ]

غسلها أو انتزاع الثوب، ومع عدم الامكان تبطل الصلوة فيستشعر من الطائفتين كون ازالة النجاسة أهم في نظر الشارع. السبب السادس ضيق الوقت، فقد يلزم من الطهارة المائية فوت جميع الوقت وقد يلزم فوت بعضه وعلى الثاني قد تدرك ركعة من الوقت وقد لا تدرك، وعلى أي تقدير قد يدرك مع التيمم جميع الوقت وقد يدرك بعضه بمقدار ركعة أو اقل أو اكثر لكن يكون الادراك معه اكثر من الادراك مع المائية. وكيف كان فعن المعتبر وجامع المقاصد وكشف اللثام والمدارك عدم مشروعية التيمم لضيق الوقت لاشتراط الصلوة بالطهارة المائية، وعدم ثبوت مسوغية ضيق الوقت للتيمم لتعليقه بعدم الوجدان، والمكلف واجد للماء متمكن من استعماله، غاية الامر أن الوقت لا يتسع له. وعن المنتهى والتذكرة والمختلف والروضة وغيرها مشروعيته، بل عن الرياض انه الاشهر واختاره صاحب الجواهر (ره) وغيره ممن تأخر عنه من المحققين وهو الاقوى للاية الكريمة، فان الظاهر منها بعد تعلق الطلب المطلق في صدرها على الوضوء والغسل وتعليق الترابية على بعض العناوين العجزية أي المرض والفقدان، ان التنزل إلى المصداق الاضطراري ورفع اليد عن المطلوب المطلق انما هو لا لجاء المكلف باتيان الصلوة في الوقت، فيكون حفظ مصلحة الوقت موجبا لالجاء المكلف باتيان الصلوة فيه كائنة ما كانت، وهذا الالجاء والاضطرار صار سببا لعجز المكلف عن المائية و تشريع التزابية له، فلولا حفظ الوقت لم يكن مضطرا ولا معنى لقبول الفرد الاضطراري، وترك المصلحة المطلقة، (فح) يستفيد العرف والعقلاء من الآية بلا اشكال ان مصلحة الترابية المتروكة لحفظ الوقت لا تدفع مصلحة الوقت، ولا تصير سببا لترك الصلوة في وقتها المضروب لها.

[ 48 ]

وبالجملة إذا صارت اهمية الوقت موجبة لرفع اليد عن مصلحة المائية، كيف يمكن مصادمة المائية مع مصلحته، ولا مجال لتوهم ان فقدان الماء صار موجبا لحدوث مصلحة في الصلوة مع الترابية، لان ذلك خلاف ظاهر الادلة آية ورواية، فان الظاهر منها ان الترابية مرتبة ناقصة كما عبر عنها في الروايات بنصف الطهور ففى رواية ابن ابى يعفور عن أبى عبد الله عليه السلام: " الا ترى انه انما جعل عليه نصف الطهور " (1) ومثلها رواية الحسين بن ابى العلاء وان احتمل ان يكون المراد بهما نصف الوضوء كما في صحيحة الحلبي، فيكون المقصود المسح على بعض الوجه واليد، لكن لا ينافى ذلك فهو قصور الترابية عن المائية بل قد عرفت سابقا دلالة الآية عليه. وبالجملة لا قصور في دلالة الادلة على ان الوجدان المنافى لدرك الوقت يعد عدم الوجدان، وعدم مزاحمة المائية للوقت، هذا مضافا إلى ان الفحص عن موارد الاعذار وان الشارع لم يرفع اليد عن الصلوة في وقتها لاجل عذر من الاعذار ويكن التخلف عنه في غاية القلة يوجب الاطمينان بل العلم بان للوقت أهمية لا يزاحمها شئ من الاعذار، بل يشعر بذلك تسمية ترك الاتيان في الوقت بالفوت دون فقدان غيره من الاجزاء والشرائط فالآتي بها بعد الوقت جامعة لساير ما يعتبر فيها فاتت منه، والاتي بها فيه مع فقد جل الاجزاء والشرائط لم تفت منه، بل الناظر فيما وردت في تارك الصلوة وان من تركها متعمدا فهو كافر أو برئت منه ذمة الاسلام، وان تركها اعظم من ساير الكبائر، يرى ان المراد من تركها عدم اتيانها في وقتها إلى غير ذلك مما يستنبط منها ان الصلوة لا تترك بحال. وتدل على المقصود ايضا صحيحة زرارة عن أحدهما " قال: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت " (2)


(1) الوسائل أبواب التيمم، ب 25، ح 4 (2) الوسائل ابواب التيمم ب 4، ح 2.

[ 49 ]

فان الظاهر منها ان وجوب الطلب أو استحبابه لاجل التوصل إلى المطلوب الاعلى، لا لاجل دخالته في موضوع الصلوة مع التيمم، وان الامر بالتيمم مخافة فوت الوقت انما هو لتقديم الشارع حفظ الوقت على الطهارة المائية، والا فلا وجه لرفع اليد عن المطلوب المطلق فلو علم المكلف بوجود الماء بعد الوقت ليس له تركها فيه واتيانها مع المائية في خارجه، كل ذلك لاجل رعاية الوقت واهميته ومع ذلك كيف يحتمل أن يكون وجدان الماء المفوت للوقت موجبا لترك الصلوة فيه مع المائية والترابية. فمما ذكرنا يعلم أن عدم الوجدان ليس قيدا للموضوع، بل مخافة الفوت تمام الموضوع لوجوب التيمم وعدم ترك الصلوة في الوقت. وتوهم ان التيمم انما هو لمن سبق ذكره في الرواية، وهو من لم يجد ماء فكأنه قال: إذا كان الفاقد خائفا فوت الوقت فيتيمم، في غير محله لما اشرنا إليه من ان الامر بالتيمم عند خوف الفوت انما هو لرعاية الوقت، وكونه اهم من المائية، ومعه كيف يمكن مزاحمتها للوقت وايجابها ترك الصلوة فيه مطلقا، ولعمري ان الحكم بعد التأمل فيما ذكرنا واضح. هذا كله مع ادراك جميع الوقت مع الترابية وعدم ادراك شئ منه مع المائية. واما إذا أدرك مع المائية ركعة من الوقت ومع الترابية جميعه، فقد يقال بتقديم المائية بدليل من أدرك. وتفصيل الحال انه بعد البناء على دلالة صحيحة زرارة المتقدمة على ان خوف فوت الوقت تمام الموضوع لصحة التيمم، يقع الكلام في ان المراد من قوله: " إذا خاف ان يفوته الوقت " هو خوف فوت جميع الوقت بحيث لو علم ادراك بعضه وجب أو استحب الطلب لادراك المائية، فتكون غاية الطلب ولزوم التيمم خوف فوت تمام الوقت، وعليه إذا كان الماء موجودا ولم يخف فوت الوقت لزم الوضوء من غير احتياج إلى دليل من أدرك، بل يكون مفادها أعم من دليل من أدرك أو ان المراد منه خوف فوت الوقت المضروب للصلوة، أي خوف أن يفوته ما هو ظرف لطبيعة

[ 50 ]

الصلوة فمع خوف وقوع جزء منها خارج الوقت فقد خاف أن يفوته الوقت الذى هو ظرفها، فان ظرفها هو مقدار من الوقت يسع جميع الصلوة، ومع ذهاب جزء منه لا يكون الوقت وقتالها وان كان جزء من النهار (فح) تدل الرواية على انه مع خوف فوت الوقت ولو بجزء منه لا بد من التيمم. ويمكن ان يقال: ان دليل من ادرك حاكم على الصحيحة وموسع لموضوعها فانه يدل على ان ادراك ركعة من الوقت ادراك للوقت، ومع تنزيل الوقت الخارج منزلة الوقت أو تنزيل ادراك ركعة منه منزلة ادراك جميعه، أو تنزيل ادراك ركعة من الصلوة في الوقت منزلة ادراك الصلوة فيه يتم المطلوب، ويرفع خوف فوت الوقت، لكنه غير وجيه. اما اولا: فلان ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله: " من ادرك ركعة من الصلوة فقد أدرك الصلوة " (1) وعن الوصي عليه السلام: " من ادرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (2) وعنه عليه السلام " من ادرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد ادرك الغداة تامة " (3) وفى لفظ آخر " من ادرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت " على ما في المنتهى والمدارك، روايات ضعاف بعضها بالارسال وبعضها بضعف السند، ودعوى الجبر بالاشتهار بين الاصحاب مشكلة لعدم ثبوت كون اتكالهم في صحة الصلوة مع ادراك ركعة من الوقت بتلك الروايات، لورود موثقة عمار بن موسى عن أبى عبد الله عليه السلام: " قال فان صلى ركعة من لغداة ثم طلعت الشمس فليتم فقد جازت صلوته " (4) واحتمال اتكالهم بها مع الغاء الخصوصية الا أن يقال: ليس بناء اصحابنا خصوصا قدمائهم على التعدي من مثل الموثقة الواردة في الغداة إلى غيرها، فلا محالة يكون مستندهم تلك الروايات.


(1) الوسائل ابواب المواقيت، ب 30. ح 4. (2) الوسائل ابواب المواقيت، ب 30. ح 5. (3) الوسائل ابواب المواقيت ب 30. ح 2. (4) الوسائل ابواب المواقيت، ب 30، ح 1.

[ 51 ]

وعن المدارك بعد ان نقل الروايات قال، وهذه الاخبار وان ضعف سندها الا ان عمل الطائفة عليها، ولا معارض لها فتعين العمل بها، والانصاف ان المناقشة فيها من هذه الجهة غير وجيهة واما ثانيا: فلان قوله في النبوى: " من ادرك ركعة من الصلوة فقد ادرك الصلوة " و كذا ما في العلوى يحتمل في بادى الامر أحد معان: اما توسعة الوقت حقيقة لمن ادرك الركعة فيكون خارج الوقت وقتا اضطراريا، واما تنزيل الصلوة الناقصة بحسب الوقت منزلة التامة، واما تنزيل مقدار ركعة من الوقت منزلة تمام الوقت، واما تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت. وانما يتم المطلوب وتوجه الحكومة أو الورود لو كان المراد منها المعنى الاول، فانه مع توسعة الوقت حقيقة يرفع خوف الفوت وجدانا، فيصير دليله حاكما على الصحيحة ونتيجتها الورود، ومنفيا لموضوعها تكوينا، الا ان يقال: ان الموضوع في الصحيحة خوف فوت الاختياري من الوقت، أي الوقت المضروب بحسب الادلة الاولية المحددة للاوقات. لكن مع ذلك الاوجه ان التوسعة الحقيقية توجب رفع خوف فوت طبيعة الوقت المأخوذة في الصحيحة، وليس موضوعها متقيدا بالاختيارى، وان كان المنصرف مع عدم الدليل هو الوقت المضروب بحسب الادلة الاولية لكن بالنظر إلى من ادرك و تحكيمه على الادلة يكون مقتضاه ما ذكر، ولا ينافى ذلك عدم جواز تأخير الصلوة إلى الوقت الادراكى الضطراى كما لا يخفى. وكيف كان لو تمت الحكومة انما هي في هذا الفرض، واما في ساير الفروض فلا يرفع الخوف الوجداني المأخوذ في الموضوع، أما على فرض تنزيل الصلوة الناقصة منزلة التامة فواضح، وأما على فرض تنزيل الوقت سواء كان متوجها إلى الوقت الناقص أو إلى خارج الوقت، فلان دليل التنزيل لا يوجب رفع خوف فوت الوقت فان وقتها حسب الفرض هو ما قرره الشارع من دلوك الشمس إلى غروبها، فمع

[ 52 ]

احتمال ضيقه بمقدار لا يسع أربع ركعات لا محالة يخاف فوت الوقت المقرر، و التنزيل لا يرفع هذا الخوف، كما ان استصحاب بقاء الوقت لا يرفعه، فلا يجوز الاتكال على الاستصحاب واتيان الطهارة المائية، لعدم زوال الخوف الوجداني به، مع انه اولى بذلك من دليل من ادرك، لان المستصحب هو الوقت المضروب فيكون الاستصحاب حاكما ببقاء الوقت، لكن مع ذلك لا يرفع به موضوع دليل التيمم، فدليل تنزيل الوقت لا يرفع خوف فوته لا وجدانا وهو ظاهر، ولا تعبدا لعدم توجه التنزيل إليه وتنزيل الوقت الخارج منزلة الداخل أو الوقت الناقص منزلة التام غير تنزيل خوف الفوت منزلة عدمه. هذا كله مع ان ما هو المشهور الذى يمكن دعوى جبره هو النبوى الظاهر في تنزيل الصلوة الناقصة منزلة التامة من غير تعرض لتنزيل الوقت فضل عن تنزيل خوف فوته منزلة العدم. ثم ان ظاهر قوله: " من ادرك " هو التنزيل فيما إذا فات الوقت ولم يبق الا ركعة وهو لا يوجب جواز تفويته اختيارا، فح يقع التزاحم بين الوقت والطهور، فلا بد من اثبات اهمية الوقت حتى في هذه الصورة حتى يحكم بوجوب التيمم وهو مشكل بعد ورود مثل من ادرك، والذى يسهل الخطب عدم المجال للتزاحم بعد ما قدمناه. ثم انه يظهر الكلام مما تقدم فيما إذا لم يدرك مع المائية ركعة وادرك جميع الوقت مع الترابية، واما إذا أدرك ركعة مع الترابية ففى شمول من ادرك له نوع خفاء لاحتمال ان يكون المراد ادراك ركعة حسب وظيفته مع قطع النظر عن الوقت، وان كان الاقرب صحة الترابية ولزومها بعد عدم ترك الصلوة بحال، وان التراب أحد الطورين، وان الصلوة معه صلوة، والظاهر ان هذا التنزيل بملاحظة أهمية الوقت وعدم ترك الصلوة حتى الامكان، فلا يبعد التمسك باطلاق من ادرك، فانه مع ادراك ركعة مع الترابية يصدق ادراك ركعة من الصلوة، وان شئت قلت: ان دليل تنزيل الترابية منزلة المائية حاكم على دليل من أدرك ومحقق لموضوعه.

[ 53 ]

وان أدرك مع المائية ركعة ومع الترابية أزيد منها ففى تقديم الترابية دعوى أهمية الوقت وعدم سقوط الميسور بالمعسور، أو تقديم المائية لعدم شمول أدلة الوقت مطلقا للمقام ضرورة فوت الصلوة فوت بعض الوقت بحسبها فيبقى دليل من أدرك وظاهره أن ادراك ركعة ادراك للصلوة تامة كما صرح به في العلوى من طريقنا فلا فرق بحسبه بين أدراك ركعبة أو أزيد، فحينئذ لا وجه لرفع اليد عن الطهارة المائية وجهان، أقربهما الثاني، لكن الالتزام ببعض لوازمه في غاية الاشكال كتجويز تأخير الصلوة مع ادراك ثلث ركعات منها مثلا إلى بقاء الوقت بمقدار ادراك ركعة. وينبغى التنبيه على امور: الاول - هل الخوف المأخوذ في الادلة هو مطلق الخوف أو ما يكون حاصلا من منشأ مخوف عرفا، فان الخوف الوجداني قد يصحل من منشأ مخوف كالخوف الحاصل من مفازة تكون في معرض السباع واللصوص، ولو باحتمال عقلائي أو من قلة الماء في مفازة قفر، وكخوف فوت الوقت الحاصل من ضيقه وهكذا، وقد يحصل من اعتقاد باطل كما لو اعتقد كونه في مفازة كذائية مع كونه في محل أمن كثير الماء، أو اعتقد ضيق الوقت مع كونه في سعته وهكذا. مقتضى الادلة هو الثاني، اما غير دليل الحرج فلان ما في الباب من الاخبار ظاهرة فيه أو منصرفة إليه ففى صحيحة داود الرقى بناء على وثاقته كما لا يبعد " قال: قلت: لابي عبد الله عليه السلام أكون في السفر فتحضر الصلوة وليس معى ماء ويقال ان الماء قريب منا أفأطلب الماء وأنا في وقت يمينا وشمالا؟ قال: لا تطلب الماء ولكن تيمم فانى اخاف عليك التخلف عن أصحابك فتضل ويأكلك السبع " (1) وفى رواية يعقوب عنه عليه السلام بعد فرض كون الماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين " قال: لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع " (2) والظاهر منهما ان في المحل المخوف الذى يكون معرضا للخطر و


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 2، ح 1. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 2 ح 2.

[ 54 ]

يخاف منه على النفس يتيمم، واما محل الامن الذى لا يكون معرضا لذلك لكن حصل الخوف لخطأ في الاعتقاد فغير مشمول لهما، خصوصا ان المارة في تلك الازمنة والامكنة كانوا يمرون على مفاوز مخوفة على النفوس غالبا. وفى صحيحتي ابن أبى نصر وابن السرحان عن الرضا وأبى عبد الله عليهما السلام " في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: لا يغتسل ويتيمم " (1). والظاهر منهما الخوف من البرد المحقق لا من تخيله فكأنه قال: إذا كان الهواء باردا فخاف على نفسه، ولا ريب في عدم شمولهما لمن خاف على نفسه من تخيل البرد مع كون الهواء حارا، وفى رواية زرارة عن أحدهما عليه السلام " قال: قلت: رجل دخل الاجمة ليس فيهما ماء وفيها طين ما يصنع؟ قال: يتيمم فانه الصعيد، قلت: فانه راكب لا يمكنه النزول من خوف وليس هو على وضوء؟ قال: ان خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوات الوقت فليتيمم، يضرب بيده على اللبد أو البرذعة ويتيمم ويصلى " (2) وهى ايضا ظاهرة فيما ذكرناه خصوصا إذا كانت الاجمة بمعنى محل الاسد كما في المنجد وعلى أي تقدير لا تشمل الخوف من اعتقاد باطل، و كذا الكلام في الروايات خوف العطش فانها ايضا ظاهرة في ان المحل كان بحيث يخاف فيه من قلة الماء أو من العطش. وكذا في صحيحة زرارة عن احدهما عليه السلام " قال: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت، (3) الخ لان الظاهر منها الخوف الحاصل من ضيق الوقت كما هو واضح. واما دليل نفى الحرج فقد يمكن ان يقال بصدقه فيما إذا خاف على نفسه، من


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 7. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 9، ح 5 (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 3.

[ 55 ]

أي منشأ كان، فيكون التكليف بالوضوء حرجيا على المكلف المعتقد ولو خطئا معرضية المحل للخطر، لكنه ايضا مشكل لان الظاهر الاولى من دليل نفى الحرج عدم جعل الحرج في الدين أي الاحكام المجعولة فيه، وغاية ما يمكن الاستفادة منه بالتقريب المتقدم في ذيل آية التيمم ان ما يلزم منه الحرج والمشقة سواء كان في مقدماته كتحصيل الماء للوضوء، أو ما يترتب عليه كأن لزم من التكليف به عطاش في المستقبل فهو ايضا غير مجعول، واما الحرج الحاصل من تخيل باطل أو تخيل الحرج كما لو تخيل المرض مع عدمه أو البرد في مكان حار فليس مشمولا للادلة، لعدم الحرج في الدين ولا من قبله واقعا، ولا يمكن الغاء الخصوصية بالنسبة إلى ما يلزم من اعتقاد باطل. ومن هنا يمكن دعوى الفرق بين ما إذا شك في ضيق الوقت وسعته وبين ما إذا علم ضيقه وشك في كفايته لتحصيل المائية بالبناء على بقاء الوقت في الاول للاستصحاب دون الثاني، لا لما قيل من صدق خوف الفوت في الثاني دون الاول، ضرورة تحقق خوفه في الصورتين، لان احتمال الضيق موجب له وجدانا، بل لان الموضوع في الدليل هو الخوف الناشئ من ضيق، وفى الصورة الاولى يكون الخوف من احتماله لا من نفسه فيجرى الاستصحاب بلا دليل حاكم عليه، بخلاف الثانية للدليل الحاكم الا ان يقال: ان المتفاهم من صحيحة زرارة ان الامر بالتيمم عند خوف الفوت انما هو لترجيح ادراك الوقت على الادراك مع المائية فأهمية الوقت أو جبت الامر بالتيمم مع خوف فوته، وهو حاصل في الصورة الاولى ايضا، فالشارع اسقط الاستصحاب في المقام لاجل أهمية الوقت، واعتنى بخوف فوته لذلك، فمع الدوران بين احتمال فوت الوقت وفوت الطهارة المائية يلاحظ حال الاهم، فيحكم العقل بالتيمم واسقط الشارع الاصل لذلك، فلا فرق حينئذ بين الفرعين في لزوم التيمم. الثاني: هل الخوف المأخوذ في موضوع الادلة على نسق واحد بمعنى ان الموضوع لتشريع التيمم في جميع الموارد هو الخوف، أو الموضوع في جميعها هو

[ 56 ]

الواقع الذى خاف منه، فإذا تيمم من خوف العطش ولو في محل مخوف ثم تبين عدم حصول العطش على فرض استعمال الماء بطل على الثاني دون الاول، وكذا في ساير موارد الخوف أو يفصل بين المقامات؟ التحقيق هو التفصيل، فان الظاهر من الادلة غير دليل ضيق الوقت ان صرف معرضيته للخطر الموجبة للخوف موضوع لتشريع التيمم و رفع الوضوء، فقوله في صحيحة ابن سنان: " ان خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة وليتيمم بالصعيد، فان الصعيد أحب إلى " (1) ظاهر في ان مجرد خوف العطش يوجب محبوبية الصعيد، وقوله في موثقة سماعة بعد فرض خوف قلة الماء: " يتيمم بالصعيد ويستبقى الماء فان الله عزوجل جعلهما طهورا الماء والصعيد " (2) وقوله في رواية ابن أبى يعفور بعد فرض انحصار الماء بمقدار شربه: " يتيم افضل الا ترى انه انما جعل عليه نصف الطهور " (3) ظاهر ان في مشروعية التيمم وانه أحد الطهورين، وان عليه نصف الطهور في هذا الحال وكذا الحال في ساير الموارد. وبالجملة الظاهر من تلك الموارد ان الشارع لاحظ حال المكلف لئلا يقع في معرض الخطر، وهذه المعرضية أوجبت رفع الوضوء وتشريع التيمم، بل الظاهر ان في تلك الموارد انما رفع الوضوء لنكتة رفع الحرج عن المكلف ولا شبهة في ان الالزام بالاقدام على ما هو معرض الخطر حرج عليه، ففى تلك الموارد إذا تيمم وصلى صحت صلوته ولا اعادة عليه، ولو انكشف عدم اللص وعدم اضرار الماء وهكذا. واما صورة خوف فوت الوقت فالظاهر انه ليس على مساق ساير الموارد، بل الشارع لاحظ فيه حفظ التكليف الاهم لدى الدوران بينه وبين المهم، فأمر بالتيمم لا لاجل صيرورة خوف الفوت موجبا لاسقاط المائية ومحبوبية الترابية، بل لاجل الاعتناء باحتمال فوت الاهم في قبال المهم، بل يمكن ان يقال بعدم تشريع التيمم


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 25، ح؟. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 25، ح 3. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 25، ح 4.

[ 57 ]

في هذا الحال فقوله: " إذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم " ارشاد إلى أهمية الوقت، وانه مع الدوران بين احتمال فوت الوقت وفوت الطهارة المائية توجب اهمية الوقت تقديمه من غير تشريع للتيمم في هذا الحال، ومعه لا وجه للاجزاء، فلو صلى ثم تبين سعة الوقت لاعادتها مع المائية تجب الاعادة، وكذا لو تبين صلوح الوقت للمائية و لو فات بواسطة الصلوة مع الترابية يجب عليه القضاء. كل ذلك لما تقدم من عدم استفادة التشريع من الرواية بل لا معنى للتشريع بعد حكومة العقل بتقديم الاهم، وتقديم احتمال فوت الاهم على احتمال فوت المهم بل يكفى في عدم الاجزاء احتمال ما ذكرناه، لان الاجزاء متقوم بالتشريع ومع عدم احرازه يحكم بالاعادة والقضاء، وان كان في الحكم بالقضاء اشكال يحتاج إلى بسط في المقال وتأمل في المسألة. الثالث - قد اشتهر بينهم حتى صار كالاصول المسلمة أن ادلة الحرج لمكان ورودها في مقام الامتنان وبيان توسعة الدين لا تدل الا على نفى الوجوب، ولا يستفاد منها عدم الجواز فالتيمم فيما نحن فيه إذا ثبت تشريعه بدليل نفى الحرج رخصة لا عزيمة، فلو تحمل المكلف المشقة الرافعة للتكليف وتوضأ واغتسل لم يرتكب محذورا وصحت طهارته، ولا توجب حكومة ادلة الحرج على الادلة الاولية، وتخصيصها بغير مورد الحرج بطلان العبادة، ولو قلنا بعدم بقاء الجواز، لان غاية ذلك عدم بقاء الحكم الشرعي على جواز المائية، لكى لا يقتضى ذلك رفع مقتضى الطلب ومحبوبية الفعل، وهو يكفى في صحة العبادة كما قرر في مبحث الضد. فهيهنا مقامان من البحث: أحدهما: أن المستفاد من الادلة هل هو السقوط على نحو العزيمة أو الرخصة؟ وثانيهما: انه لو خالف واتى بما فيه الحرج بطلت عبادته أولا؟ ولا ملازمة بينهما كما سيأتي في الامر الرابع البحث عنه وعن المقام الثاني. اما المقام الاول: فغاية ما يدعى عدم دلالة قوله: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " على كون الرفع على وجه العزيمة. واما الدلالة على كونه على وجه

[ 58 ]

الرخصة فلا، فلو دل دليل على كونه على وجه العزيمة لا يعارضه ذلك. ويمكن استفادة العزيمة من قوله تعالى: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " فان الله تعالى إذا أراد بنا اليسر في أحكامه لا يجوز علينا مخالفة ارداته بايقاع العسر على أنفسنا. فكما انه لو أراد منا شيئا لا يجوز لنا التخلف عن ارادته تعالى، كذلك لو أراد في حقنا شيئا لا يجوز التخلف عنها خصوصا مع وقوعه في ذيل قوله: " من كان مريضا أو على سفر " حيث يكون الصوم على المسافر بل المريض الذى يضربه الصوم حراما، ويكون السقوط عنهما على سبيل العزيمة، فدلت الاية على ان ارادته تعالى اليسر في ساير الموارد التى تشملها بالاطلاق كارادته في صيام المسافر والمريض، والتفكيك بينهما غير جائز الا مع قيام دليل في مورد فان قوله: " يريد الله بكم اليسر " كالتعليل لرفع الصوم من المسافر والمريض، ولا يصح التعليل بشئ ظاهر في عدم الالزام على أمر الزامي، فلا يمكن ان يقال الزامية الارادة فيهما تفهم من الخارج. فان قلت: يستفاد عدم الجواز في المريض والمسافر من قوله: " فعدة من ايام أخر " فاوجب تعالى بمجرد السفر والمرض عدة من غير ايام شهر رمضان. قلت: مضافا إلى ان مجرد جعل عدة أخر لا يدل على حرمة صوم شهر رمضان انه لو دل عليه يوجب تأكد المطلوب، بان ارادة اليسر الزامية وانها في ساير الموارد كارادته في الموردين. وتدل على العزيمة ايضا رواية يحيى بن أبى العلاء عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر، ثم قال: ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال: لا فقال: يا رسول الله انه على يسير؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله تصدق على مرضى امتى ومسافريها بالافطار في شهر رمضان أيحب أحدكم لو تصدق بصدقة أن ترد عليه صدقته؟ " (1) لان استشهاد


(1) الوسائل ابواب من يصح منه الصوم، ب 1 ح 5.

[ 59 ]

ابى عبد الله عليه السلام فيها لقوله: " الصائم في السفر " الخ بقول رسول الله صلى الله عليه واله دليل على ان رد صدقته تعالى غير جايز، والا لما صح الاستشهاد للقول بالحرمة بامر لا يكون محرما، مع ان رد الصدقة مبغوض وثقيل على النفوس الشريفة فيكون قوله: " أيحب أحدكم " الخ تقريبا لمبغوضيته عند الله بما هو مبغوض عندهم، وليس المراد من قوله: " أيحب احدكم " رفع محبوبيته الاعم من المبغوضية، بل الظاهر من مثله حصول المبغوضية كقوله تعالى: " ايحب أحدكم أن ياكل لحكم أخيه ميتا " فتدل الرواية على ان رد صدقته تعالى وهديته مبغوض محرم، ولا شبهة في ان الرفع بدليل نفى الحرج صدقة من الله تعالى وتفضل على الامة وهدية منه تعالى لهم كما هو مقتضى الامتنان ويدل عليه بعض الروايات. وفى موثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله عزوجل اهدى إلى والى امتى هدية لا يهديها إلى أحد من الامم كرامة من الله لنا، فقالوا: ما ذاك يا رسول الله؟ قال: الافطار في السفر والتقصير في الصلوة فمن لم يفعل فقد رد على الله عزوجل هديته " (1) تدل على ان وجه حرمة الصوم في السفر واتمام الصلوة هو كونه رد هدية الله تعالى. ويؤيد المطلوب ما عن تفسير العياشي عن عمرو بن مروان الخزاز " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفعت عن امتى اربع خصال ما اضطروا إليه وما نسوا وما اكرهوا عليه وما لم يطيقوا، وذلك في كتاب الله قوله: ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به، وقول الله الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " (2) حيث ذكر الاية المربوطة بالتقية في سياق حديث الرفع، مع ان التقية واجبة ليس للمكلف تركها كما قررناه في رسالة مفردة في التقية، فتشعر الرواية بان الرفع عن الامة في موارده


(1) الوسائل ابواب صلوة المسافر: ب 22، ح 11. (2) الوسائل ابواب الامر والنهى: ب 25، ح 9.

[ 60 ]

على نحو العزيمة، كما تشعر به ما عن الطبرسي في الاحتجاج عن الكاظم عليه السلام والرواية طويلة جدا وفيها عد عدة موارد رفعت الاصار عن الامة بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قوله: ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملة على الذين من قبلنا. منها: رفع قرض اذى النجاسة من أجسادهم وجعل الماء طهورا للامة. ومنها رفع الصلوات المفروضة على ساير الامم في ظلم الليل وانصاف النهار وجعلها في اطراف الليل والنهار وفى اوقات نشاطهم. ومنها رفع خمسين صلوة وجعل الخمس في اوقات خمسة فيستشعران ما رفع عن الامة من التكاليف مثل تلك الموارد ليس لهم التكلف باتيانها. فتحصل من جميع ذلك ان ثبوت الترابية وسقوط المائية انما هو على وجه العزيمة وليس للعبد اختيار المائية، اما لاجل ارادة الله التوسيع على العباد، واما لاجل انطباق عنوان رد الهدية على الاتيان بها، واما لاجل حرمة الرد لا حرمة المائية لكن لاجل اتحادهما في الخارج يتعين عليه الترابية، وسيأتى في الامر الاتى الفارق بين الاحتمالات وما هو الاظهر بينها. ثم من المحتمل ان يكون رفع الرج عن العباد وارادة التوسيع عليهم لا لصرف الامتنان عليهم حتى يقال: انه لا يقتضى الالزام أو لا يناسبه، بل لانه تعالى لا يرضى بوقوع عباده في المشقة والحرج كالاب الشفيق الذى لا يرضى بوقوع ابنه المحبوب في الحرج ولو باختياره فيمنعه اشفاقا عليه. ويحتمل ان يكون رفع الحرج في عباداته ومن قبله لعدم رضائه بوقوع العبيد في المشقة من ناحيتها، لكونه مظنة لانزجارهم عنها فينتهى إلى ادبار نفوسهم عن عبادة الله و دينه وهو امر مرغوب عنه. ففى رواية عمرو بن جميع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا على ان هذا الدين متين فاوغل فيه بالرفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك ان المنبت يعنى المفرط لا ظهرا أبقى ولا ارضا قطع " (1).


(1) الوسائل ابواب مقدمة العبادات، ب 26، ح 7.

[ 61 ]

وعن أبى عبد الله عليه السلام بسند صحيح " قال: لا تكرهوا على انفسكم العبادة " (1) ولا يبعد عدم جواز ذلك إذا كانت مخافة الوقوع في الانزجار من دين الله والعياذ بالله. واما ما ورد من بعض الائمة المعصومين عليهم السلام من ايقاع المشقة على نفوسهم الشريفة فلانهم مأمونون من خطوات الشيطان وخطراته واما ساير الناس فانى لهم بالعلم أو الاطمينان من الامن من كيده ووسوسته، بل لنفوسهم الشريفة مقامات من الحب إلى عبادة الله والاشتياق إلى لقاء الله ربما لا يكون ما هو مشاق على ساير النفوس مشقة عليهم بل لهم لذات في عباداتهم ورياضاتهم كما هو معلوم رزقنا الله تعالى الاقتداء بهم، وقد خرج الكلام من طرز البحث الفقهى إلى واد يتحير فيه العقول، مع ان ما ورد من تحمل المشاق منهم انما هو في المستحبات دون الواجبات، وما ورد في غسل أبى عبد الله عليه السلام في ليلة باردة قد مر الكلام فيه، وفى المستحبات كلام آخر، ولا يبعد عدم شمول ادلة الحرج لها لعدم حرجية الامر الاستحبابى. تأمل. هذا كله في مورد الحرج. واما ساير الموارد فالميزان في كون التيمم متعينا وسقوط المائية على وجه العزيمة هو لزوم محذور شرعى من الوضوء والغسل، ولو لم يلزم منه حرمتهما كما لو كان في التوصل إلى الماء خوف التلف كما إذا خاف من السبع أو السقوط في البئر فتلف أو خاف من استعمال الماء العطش المهلك أو خاف الهلاكة من البرد أو المرض أو غير ذلك أو لزم منه ارتكاب محرم كالوضوء من آنية الذهب أو الفضة، أو المرور من طريق مغصوب أو ترك واجب كانقاذ نفس محترمة أو لزم منه فوت الوقت إلى غير ذلك، ولا اشكال فيما إذا أحرز المحذور الشرعي. نعم في بعض موارد الضرر على النفس كلزوم طول المرض أو حدوث مرض غير مهلك أو الضرر على الجرح والقرح أو لزوم طول زمان البرء، أو لزوم ضرر غير مهلك على النفس في طى الطريق إلى الماء، أو خوفه من الموارد التى قد يتردد في قيام الدليل على الحرمة، هل يمكن استفادة تعين التيمم وكون سقوط المائية عزيمة من ادلة الباب اولا؟ لا يبعد ذلك من مجموع الروايات، فان طائفة منها وردت فيما كان الغسل ضرريا


(1) الوسائل ابواب مقدمة العبادات، ب 26، ح 2.

[ 62 ]

كصحيحة محمد بن سكين عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قيل له ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات؟ فقال: قتلوه ألا سألوا، الا يمموه؟ ان شفاء العى السؤال " (1) وقريب منها مرسلة ابن أبى عمير ورواية الجعفري عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: ان النبي صلى الله عليه وآله ذكر له ان رجلا أصابته جنابة على جرح كان به فأمر بالغسل فاغتسل فكزفمات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قتلوه قتلهم الله انما كان دواء العى السؤال " (2). واطلاق هذه الروايات يقتضى شمولها لما إذا خاف على نفسه التلف اولا، بل لا يبعد خروج خوف التلف منها فان احدا من العقلاء لا يرتكب الاغتسال أو الامر به عند خوف تلف النفس فيكون خوفه مفروض العدم، فتدل الروايات باشتمالها على اللوم الشديد والدعاء على الامر بالغسل وأنه إذا سالوا لكان الجواب تعين التيمم على كون السقوط عزيمة لا رخصة والا لما توجه التقصير عليهم بعد كونه رخصة والغسل جائزا. وقوله: " قتلوه " لا يدل على انهم تعمدوا في قتله أو كان في معرض الموت، بل تصح النسبة بوجه لاجل انتهاء امر الامر إلى فوته ولو لم يكن المفروض خوف الموت بل الظاهر منها ان التعيير واللوم على الامر بما هو خلاف حكم الشرع أو العمل على خلاف التكليف من غير دخالة للانتهاء إلى الموت في ذلك. وبالجملة بعد اطلاق الروايات لصورة عدم الخوف على الهلاك يستفاد منها تعين التيمم في مطلق الخوف على النفس، من غير فرق بين الجدرى والجرح وغيرهما كما لا يخفى. ومثلها في الدلالة أو ادل منها صحيحة ابن أبى نصر عن الرضا عليه السلام " في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: لا يغتسل ويتيمم " (3) ومثلها صحيحة داود بن السرحان عن ابى عبد الله عليه السلام (4)


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 1. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 6. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 7. (4) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 8.

[ 63 ]

والخوف على النفس من البرد اما ظاهر في خوف التلف أو اعم منه فشموله له هو القدر المتيقن، فحيئنذ لا يمكن حمل النهى عن الاغتسال والامر بالتيمم على رفع الوجوب والترخيص، بدعوى ان النهى في مقام توهم الوجوب والامر في مقام توهم الحظر، ضرورة انه مع الخوف على النفس من الهلاك لا يمكن الترخيص، و تجويز الالقاء في الهلكة فلا اقل من كون المقام في نظر السائل من قبيل الدوران بين المحذورين لاجل خوف الضرر والتلف، فلا يرفع اليد معه عن ظاهر النهى والامر فحينذ يقتضى ذكر القروح والجروح مع خوف النفس ان يكون الامر بالتيمم و النهى عن الغسل في جميعها على نسق واحد وهو العزيمة. واما صحيحة محمد بن مسلم " قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون به القرح والجراحة يجنب؟ قال: لا بأس بان لا يغتسل يتيمم " (1) وقريب منها روايته الاخرى - والظاهر وحدتهما - لا تقاوم الروايات المتقدمة، فان غاية ما في نفى البأس الاشعار بالترخيص لا الدلالة عليه، فنفى البأس انما هو لرفع توهم عدم جواز ترك الغسل، فهو نص في جواز ترك الغسل واما لزوم التيمم وكونه على وجه العزيمة أو كونه على وجه الرخصة فلا تعرض فيها له لو لم نقل بظهورها في العزيمة أخذا بقوله " يتيمم " فلا يجوز رفع اليد عن ظاهر الادلة به، مع ان كثيرا ما يعبر بمثله في مورد لزوم فعله كما في روايات التيمم بالطين إذا لم يجد غيره، كقول أبى جعفر عليه السلام: " إذا كنت في حال لا تجد الا الطين فلا بأس ان يتيمم به " (2) مع لزومه عند عدم وجدان غيره. ثم ان هذه الطائفة وان وردت في الغسل لكن يستفاد منها حكم الوضوء بلا ريب، فان الامر بالتيمم انما هو لخوف الضرر الاعم من الهلاك، فإذا خاف على نفسه في الوضوء كخوفه في الغسل بتعين التيمم، ويستفيد العرف من الروايات حكمه ولعل ذكر الغسل لاجل كون الخوف غالبا فيه.


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 5. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 9، ح 3.

[ 64 ]

وهنا طائفة اخرى من الروايات وهى ما وردت في مورد خوف العطش كموثقة سماعة " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته؟ قال: يتيمم بالصعيد ويستبقى الماء فان الله عزوجل جعلهما طهورا الماء والصعيد " (1) وما عن الحلبي " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الجنب يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش أيغتسل به أو يتيمم؟ فقال: بل يتيمم وكذلك إذا أراد الوضوء " (2) وخوف القلة والعطش أعم من خوف الهلاك على نفس محترمة وغيره، ولا يكون الخوف من الهلاك في تلك الاسفار وتلك الامكنة في تلك الاعصار بعيدا قليلا، (فح) تدل الروايتان على تعين التيمم ووجوب استبقاء الماء. واما صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: ان خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة وليتيمم بالصعيد فان الصعيد احب إلى " (3) ورواية ان أبى يعفور عنه عليه السلام فيما إذا كان الماء بقدر شربه " قال: يتيمم أفضل الا ترى انما جعل عليه نصف الطهور " (4) فلا يراد بأفعل التفضيل اثبات الجواز والمحبوبية لاهراق الماء، فانه مضافا إلى ان خوف العطش أعم من خوف التلف وفى فرضه لا يمكن تجويز الاهراق، بل في فرض حصول الحرج ايضا لا يكون الايقاع في الحرج باهراقه محبوبا كما عرفت ان قوله عليه السلام " لا يهريق منه قطرة " لا يناسب اثبات الفضل لاهراق جميعه بالاغتسال، كما ان قوله في الثانية: " الا ترى انما جعل عليه نصف الطهور " المراد منه التيمم الظاهر في حصر جعل التيمم عليه لا يناسب كونه أفضل فردي التخيير، ثم انه لا يبعد استفادة حرمة ايقاع الضرر على النفس من مجموع الروايات في موارد متفرقة كابواب الصوم الضررى والوضوء والغسل والتيمم وغيرها. الرابع هل يصح الوضوء أو الغسل في موارد تعين عليه التيمم؟ لابد من البحث اولا


(1) الوسائل ابواب التيمم * ب 25، ح 3. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 25، ح 2. (3) الوسائل ابواب التيمم،، ب 25، ح 1. (4) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 4.

[ 65 ]

على مقتضى القواعد ثم النظر في مقتضى الادلة الخاصة. فنقول: لا اشكال في صحتهما إذا كان التعين لاجل توقفهما على مقدمة محرمة كطى طريق مغصوب أو مخوف، فلو عصى وأتى الماء تجب عليه المائية وصحت، واما إذا كان المحرم من العناوين المتحدة مع فعلهما. فقد يقال: بالبطلان بدعوى ان الفعل الخارجي الذى تعلق به النهى وصح العقاب عليه لا يعقل أن يقع عبادة لتوقفها على الامر الممتنع تعلقه بالمنهى عنه لتعذر الامتثال، ولكون النهى ناشيا عن قبح الفعل بلحاظ مفسدته الملزمة القاهرة المقبحة له، فيقبح الامر بايجاده. وفيه أن هذه الدعوى تنحل إلى دعويين: احديهما امتناع تعلق الامر والنهى بالفعل الخارجي اما لاجل الامتناع الذاتي للتضاد بينهما أو العرضى لاجل تعذر الامتثال " وفيها " انه قد فرغنا من جواز اجتماع الامر والنهى، وقلنا بان الاوامر والنواهي متعلقة بالطبايع لا المصاديق الخارجية، بل ولا الوجودات العنوانية، فموضوع تعلق كل غير الآخر في وعاء تعلقهما، وظرف اتحاد المعلقين هو الخارج، ولا يمكن ان يكون ظرف تعلقهما للزوم طلب الحاصل والزجر عنه وهو محال فقوله: الفعل الخارجي الذى تعلق به النهى، ان كان المراد ظاهره فهو كما ترى، فان الفعل لا يصير خارجيا الا بتحققه ووجوده، وبعده لا يمكن تعلق الامر والنهى عليه، وان كان المراد الوجود العنوانى كما لا يبعد فمع كونه خلاف التحقيق لا يلزم منه الامتناع، لان الوجود العنوانى للمنهى عنه لا يتحد مع الوجود العنوانى للمأمور به، وانما اتحدا في المصداق الخارجي. والحاصل ان هيهنا أمورا: الاول، مهية الوضوء والغسل وطبيعتهما، ومهية الغصب والتصرف في مال الغير، الثاني: الوجود العنوانى للقبيلتين والثالث: الايجاد العنوانى لهما والرابع: الوجود الخارجي العينى أو الايجاد الخارجي. لا اشكال في عدم لزوم الامتناع للتضاد إذا تعلق الامر والنهى بالمهيات والطبايع كما هو الحق المحقق في محله، مع ذب ما يتخيل من الاشكال فيه لاختلافهما ذاتا، و

[ 66 ]

كذا لو تعلقا بالوجود العنوانى أو الايجاد كذلك لانهما مفهوم الوجود والايجاد المضاف الحاكى عن المعنون، والمفهومان مختلفان متغايران في وعاء المفومية لا اتحاد بينهما، هذا مضافا إلى ان تعلقهما بهما خلاف التحقيق. فلا يبقى الا الوجود والايجاد أي الخارجيين المتحدين، والمتحد معهما كل العناوين الصادقة عليهما، ولا ريب في امتناع تعلقهما بهما. لا يقال: ان الوجودات العنوانية بل نفس الطبايع انما تصير متعلقة للامر والنهى حال كونها مرآتا للخارج لعدم تعقل تعلقهما بالوجود الذهنى بما هو كذلك، ولا بالمهية من حيث هي، فانها ليست الاهى فمع المرآتية لا يمكن اجتماعهما للتضاد أو لرؤيته. فانه يقال: مضافا إلى امتناع تعلقهما بالعناوين المرآتية ان اريد تعلقهما بالمرئى دون المرآة لعين ما ذكر آنفا، ان كان للمرئى وجود وحقيقة، والا فلا محالة يتعلق بعنوان لا وعاء له الا الذهن وفى هذا الوعاء لا يتحدان واقعا ولا في نظر المولى حتى يلزم منه محذور ان العناوين المرآتية لا يمكن ان تحكى الا عن نفس الطبايع بوجودها الخارجي، لا عن مقارناتها ومتحداتها، فعنوان الصلوة لا يمكن الحكاية عن الغصب أو الصلوة في الدار المغصوبة لعدم التناسب الحقيقي ولا الجعلى بينهما، ولا يمكنه ان يكون المرئى مغايرا ذاتا لمرآته والمحكى لحاكيه. والتحقيق ان متعلقهما هو نفس الطبايع والمهيات من حيث هي، والهيئة دالة وضعا أو عقلا على الايجاد لتحصيل المكلف الوجود الخارجي والتفصيل موكول إلى محله، ومما ذكرنا يظهر بطلان دعوى الامتناع عرضا لتعذر الامتثال، ضرورة امكانه بعد كون الطبايع مأمورا بها ومنهيا عنها وسيأتى مافى توهم تعذره عن قريب. والدعوى الثانية انه يقبح الامر بايجاد ما هو القبيح فان النهى ناش عن قبح الفعل بلحاظ مفسدته فالفعل قبيح، ولا يمكن أن يتعلق الامر بما هو قبيح. وفيها ان الامر متعلق بطبيعة المأمور به وهى حسن، ولا يتعلق بالغصب ولا بالوجود الخارجي المتحد معه حتى يكون قبيحا، ولا يمكن أن يتعدى كل من الامر والنهى عن

[ 67 ]

متعلقهما إلى مقارناته ومتحداته، فالامر بالوضوء ليس الا أمرا بهذه الطبيعة وهى ليست بمنهى عنها. ولا مشتملة على مفسدة حتى يكون التعلق بها قبيحا والظاهران الدعويين نشأتا من مبدء واحد هو الخلط بين متعلقات الاوامر والنواهي، وقد تقرر الدعوى بان ايجاد الفرد الخارجي يعرضه صفة الحسن أو القبح باعتبار جهته القاهرة، فلا يكون ما يوجده المكلف من حيث صدوره منه الا حسنا أو قبيحا على سبيل منع الجمع، لامتناع توارد الوصفين المتضادين على الفعل الخاص الصادر من المكلف من حيث صدوره منه الذى لا يتصف بشئ من الوصفين الا من هذه الحيثية، فالفرد الخارجي من الصلوة الذى يتحقق به الغصب المحرم على الاطلاق يمتنع أن يطلبه الشارع، فان الامر بشئ في الجملة ينافى النهى عنه على الاطلاق. وفيها ان هذه الدعوى ايضا تنحل إلى دعويين، احديهما: وهى التى ذكرها أخيرا ترجع إلى امتناع تعلق الطلب بشئ في الجملة مع تعلق النهى عنه مطلقا، وقد مر مورد الخلط فيها وقلنا: ان الامر لا يمكن ان يتعلق بغير عنوان متعلقه وهو الصلوة في المثال، كما ان النهى ايضا لا يمكن ان يتعلق بغير عنوان الغصب، فلا يتحد المتعلقان في وعاء التعلق والخارج ليس وعائه. وثانيتهما: ان الفعل الخارجي لا يمكن ان يكون حسنا وقبيحا، لانهما وصفان متضادان لا يمكن تواردهما على الفعل الخاص الصادر من الملكف، وفيها ان الحسن والقبح ليسا من الاعراض والكيفيات الخارجية الحالة في الموضوع كالسواد والبياض حتى لا يكفى اختلاف الجهة في رفع التضاد بينهما، فقبح الظلم لا يكون له صورة خارجية حالة في الجسم، بل هو أمر عقلي منتزع من التصرف عدوانا في مال الغير، أو من قتل نفس محترمة عدوانا مثلا، وكذا حسن العدل ليس من الاعراض الخارجية بل من الانتزاعيات فيمكن ان يكون شئ خارجي ذا عناوين حسنة وقبيحة، فالفعل الخاص الخارجي ليس قبحه لاجل كونه من مقولة خاصة، أو كونه صادرا من فاعل كذا أو في وقت كذا أو حال في محل كذا مع ان كلها عناوين متحدة معه بل انما هو لاجل كونه

[ 68 ]

ظلما وعدوانا، فإذا لم يسر قبحه إلى ساير الجهات وبقيت هي على ماهى عليها بلا اقتضاء الحسن والقبح، يعلم ان القبح لا يسرى من عنوانه وحيثيته إلى حيثية اخرى وعنوان آخر وكذا الحسن. فلا مانع من أن يكون عنوان الحسن والقبح صادقين على موجود خارجي، فيكون حسنا بوجه وقبيحا بوجه، والجهات في العقليات تقييدية فتكون الحيثيات بما هي موضوعة للحسن والقبح، فالصلوة في الدار المغصوبة حسنة بما هي صلوة ليست الا، والغصب في حال الصلوة قبيح ليس الا، من غير سراية مالكل عنوان وحيثية إلى عنوان آخر وحيثية اخرى. ومما ذكرنا يظهر النظر فيما يقال بوقوع الكسر والانكسار في الجهات المقتضية و بعد قاهرية جهة يتمحض الفعل في الجهة القاهرة، فإذا كانت مقبحة يتمحض في القبح فقط، فالفعل الخاص الصادر من المكلف لا يكون الا حسنا أو قبيحا على سبيل منع الجمع وذلك لما عرفت من ان الفعل الخارجي مجمع لعناوين وله جهات فإذا فرض في احدى عناوينه جهة مقبحة وفى الاخرى جهة محسنة وفرض غلبة المقبحة على المحسنة لا توجب خروج الجهة المحسنة عن كونها جهة محسنة، لان معنى قاهرية احدى الجهتين ليس سراية القبح منها إلى الجهة التى هي حسنة، بل لا يكون الا كتقديم الاهم على المهم، والفارق الذى بينهما ليس فارقا من الجهة المنظورة عقلا، لان شأن العقل تحليل الجهات وتكثير الحيثيات وعدم الاهمال فيها. وبالجملة: لا يعقل أن تكون نتيجة الكسر والانكسار اعدام الجهة المقهورة، فما فيه الجهتان يكون كل منهما ممحضا فيما هو شأنه فالوضوء من الماء المغصوب و الصلوة في الدار المغصوبة مع قاهرية حيثية الغصب على حيثيتهما، لا يمكن ان يخرجا من الجهة المحسنة التى فيهما بعنوانهما وحيثيتهما الذاتية، وان حكم العقل بلزوم تركهما والاخذ بما هو ذو جهة قاهرة. ونحن الان بصدد بيان مقتضى حكم العقل لا الترجيحات التى وقعت من الشارع

[ 69 ]

في مقام التشريع، بل الكلام بعد التشريع على العناوين واتفاق اتحادها في الخارج فلا يرد علينا الاشكال بان الشارع إذا رجح احدى الجهتين على الاخرى في مقام التشريع ليس للمكلف الاخذ بالجهة المرجوحة، فليس النظر بقاهرية بعض الجهات على بعضها في مقام تشريع الاحكام، بل في القاهرية التى يدركها العقل بعد التشريع في احدى التكليفين، والتحقيق فيها ما عرفت. وبالتامل فيما ذكرنا ينحل ساير الشبهات كامتناع كون شئ واحد شخصي مقربا ومبعد وذا مصلحة ومفسدة إلى غير ذلك. كما انه مما ذكرنا ظهر وجه الصحة في المسألة الاخرى، وهى ما إذا توقف فعل الوضوء أو الغسل على مقدمة مقارنة محرمة بل الامر ههنا اوضح، فان ذات الوضوء والغسل لا تتحدان مع المحرم حتى يأتي فيه بعض ما تقدم مع جوابه. نعم قد يقال هيهنا: بان الامر بما يتوقف على القبيح قبيح، كالامر بالقبيح بل هو هو، فان الامر بالشئ يقتضى ايجاب ما يتوقف عليه، ولا أقل من انه يقتضى جوازه و المفروض حرمة المقدمة فيمتنع أن يكون ما يتوقف عليه واجبا، وفيه: انه ان اريد بالامتناع ما يلزم من اجتماع الامر والنهى، فمع الغض عن عدم وجوب المقدمة انه قد ذكرنا في محله ان ما هو الواجب على فرضه هو المقدمة الموصلة بما هي كذلك أي حيثية ما يتوصل به إلى ذى المقدمة فيكون الوجوب متعلقا على هذا العنوان لا ذات المقدمة ولا عنوان ما يتوقف عليه ذو المقدمة وقد دفعنا الاشكالات التى اوردوها على صاحب الفصول (ره) و نقحنا مقصده بما لا مزيد عليه فراجع. (فح) نقول: ان ما يتعلق به الامر الغيرى ليس هو عنوان الاغتراف، ولا الاغتراف الذى هو موصل بل عنوان الموصل بما هو كذلك، وهو متحد الوجود مع الاغتراف الخارجي المتحد مع كونه من الآنية المغصوبة أو آنية الذهب والفضة، وما هو المحرم هو عنوان التصرف في مال الغير بلا اذنه واستعمال الآنيتين المتحن في الخارج، فيندفع الاشكال بما دفعناه في المسألة الاولى.

[ 70 ]

وبما ذكرنا يظهر دفع توهم قبح تعلق الامر على ما يتوقف على مقدمة محرمة، لمنع القبح على فرض، ومنع التعلق على آخر يتضح بالتأمل فيما مر فلا نعيده، واما ساير الاشكالات المتقدمة فلا يتأتى فيها. وقد يقال: بعدم امكان تصحيح الوضوء المتوقف على الاغتراف من الآنية المغصوبة لاشتراك تحققه في الخارج بقصد حصول عنوانه، بداعي التقرب فيكون القصد المحصل لعنوانه من مقومات مهية المأمور به، فيشترط فيه عدم كونه مبغوضا للشارع، فغسل الوجه انما يقع جزء من الوضوء إذا كان الاتى به بانيا على اتمامه وضوءا وهذا البناء ممن يرتكب المقدمة المحرمة قبيح يجب هدمه، والعزم على ترك الوضوء بترك الغصب فلا يجوز ان يكون هذا العزم من مقومات العبادة، بل العزم على ذى المقدمة عزم على ايجاد مقدمته اجمالا، ولدى التحليل لا انه موقوف عليه. وفيه: ان ما هو القبيح العزم على الغصب لا العزم على اتمام الوضوء، وحكم العقل بلزوم ترجيح جانب الغصب وهدم العزم ليس لاجل كون الوضوء أو عزمه قبيحا أو حراما، بل لاجل ترجيح الاهم، فما هو من مقومات مهية الوضوء هو العزم على الوضوء، متقربا به إلى الله لا العزم على المعصية والتصرف في الانية المغصوبة وما هو قبيح يجب هدمه هو هذا العزم لا الاول، فلو فرض تحليل العزم إلى العزم على التصرف عدوانا، والعزم على الوضوء يكون الاول قبيحا دون الثاني، ولزوم هدم الثاني عقلا ليس لقبحه، وعدم امكان وقوعه مقوما لمهية العبادة، بل لاتحاده مع الاول وحكم العقل بالترجيح. هذا مع ان ما ذكره اخيرا من ان العزم على ذى المقدمة عزم على مقدمته اجمالا ولدى التحليل لا يمكن مساعدته، ضرورة ان العزم والارادة وغيرهما من الاوصاف ذات الاضافة انما يكون تشخصها بمتعلقاتها، ومع كثرة المتعلقات لا يمكن وحدتها فالعزم المتعلق على الكون على السطح لا يمكن أن يصير متشخصا الا بالوجود العنوانى، لذلك العنوان لا العنوان الاخر، ولا يمكن أن يكون الوجود ان

[ 71 ]

مشخصا لارادة واحدة. مضافا إلى ان مبادى ارادة ذى المقدمة غير مبادى ارادة مقدمته، فارادة ذى المقدمة موقوفة على تصوره والتصديق بفائدته إلى آخر المبادى، وارادة المقدمة موقوفة على تصورها وتصور توقف ذى المقدمة عليها وكونها موصلة إليه، والتصديق به إلى آخرها فلا معنى لانحلال ارادة ذى المقدمة إلى ارادتها وهو معلوم جدا، فإذا اختلفت الارادتان لا يبقى مجال للقول بقبح العزم على اتمام الوضوء، ولو فرض لزوم ارادة اخرى بمقدماتها على حصول المعصية. وبما ذكرنا ظهر فساد ما ربما يقال: لا يعقل الامر بالوضوء مع المقدمة المحرمة المنحصرة، للزوم الامر بما يلازم الحرام وهو قبيح، بل محال مع بقاء النهى على فعليته كما هو المفروض، لما عرفت من تعلق الامر والنهى على العناوين، وعدم سراية حكم كل على الاخر وان اتحدا في الخارج، ولا يكون الحاكم ناظرا في مقام جعل الحكم إلى حال الخارج وحال مقارنات الموضوع في ظرفه، وكيفية الامتثال، وترجيح الراجح على المرجوح، بل الحاكم فيها هو العقل، بل لو ورد حكم في هذا المقام من الشارع لا يكون الا ارشادا بحكم العقل أو ارشادا، بأهمية احد التكليفين. نعم إذا كان بين العنوانين تلازم لا يمكن جعل الحكمين المتضادين عليهما لامتناع الامتثال ولكنه خارج عن محط البحث. ثم انه قد يقال في تصوير الامر بالوضوء في المقدمة المقارنة بالترتب لا بان يكون العصيان الخارجي شرطا فيه، لانه متأخر عن الشروع في الفعل، ويمتنع تقدم المعلول على علته، ولا بأن يكون العزم على المعصية شرطا للوجوب، فان العزم عليها لا يبيحها ولا يخرج فعلها من كونه مقدمة لايجاد ذى المقدمة حتى يتنجز التكليف به على تقدير حصول العزم، بل يجب عليه نقض العزم وترك المحرم لا ايجاد ما يقتضيه بل عنوان كونه عاصيا في الواقع شرط، بمعنى ان الطلب الشرعي

[ 72 ]

تعلق بمن يعصى في فعل المقدمة، ويقدر على ايجاد المأمور به، فعزمه على المعصية طريق لاحراز كونه من مصاديق هذا العنوان من دون أن يجب عليه تحصيله. وفيه: ان كشفه عن تحقق عنوان كونه ممن يعصى من عزمه المعصية لا يوجب سقوط النهى المتعلق بالمقدمة، ومع تحقق النهى الفعلى لا يمكن الامر بها بناء اعلى هذا البنى فكما ان العزم على المعصية لا يبيحها ويجب عليه نقضه وترك المعصية، كذلك العزم الكاشف عن المعصية، وكذا صدق عنوان كونه ممن يعصى لا يوجبان اباحتها وسقوط النهى، بل يجب عليه نقض العزم وهدم العنوان. وبالجملة إذا كان القبيح أو الممتنع تعلق الامر بالوضوء اللازم منه تعلق الامر بمقدماته المحرمة أو تجويزها، لا يمكن التخلص عنهما في المقدمات المقارنة بالترتب، سواء جعل الشرط المعصية أو عزمها أو عنوان من يعصى، لكن التحقيق، ما عرفت من دون لزوم تكلف. ومما ذكرنا يظهر الحال في مسألة اخرى وهى ما إذا زاحمت الطهارة المائية واجبا اهم لا لاجل الترتب المعروف الذى فرغنا عن ابطاله في الاصول، بل لاجل عدم امتناع تعلق الامرين على عنوانين متزاحمين في الوجود، سواء كانا من قبيل الاهم والمهم أولا، لان الاوامر متعلقة على نفس الطبايع من غير سراية إلى الخصوصيات الفردية، وان الاطلاق بعد تمامية مقدماته ليس كالعموم في تعلق حكمه على الافراد، بل مقتضاه بعدها كون نفس الطبيعة تمام الموضوع بلا دخالة شئ آخر من الخصوصيات الفردية والحالات الطارية وان الادلة غير ناظرة إلى حال التزاحمات ولا حال علاجها، فاطلاق دليل المتزاحمين شامل لحال التزاحم من غير ان يكون ناظرا إلى التزاحم وعلاجه وان الاحكام القانونية تعم العاجز و القادر والعالم والجاهل من غير تقييد لحال دون حال. وان الامر بكل من المتزاحمين أمر بالمقدور والجمع غير مقدور، وهو ليس بمأمور به ففى المتزاحمين أمران كل تعلق بمقدور لا أمر واحد بالجمع الذى هو غير مقدور

[ 73 ]

فتحصل من تلك المقدمات التى فصلناها في محله ان لدليل المتزاحمين اطلاقا يشمل حال التزاحم من غير تقييد، وانما يحكم العقل بلزوم الاخذ بالاهم وترك المهم مع كونه مامورا به، فيكون المكلف بحكم العقل معذورا في ترك التكليف الفعلى بالاشتغال بالاهم ومع ترك الاهم والاتيان بالمهم أتى بالمامو به ويثاب عليه، ولم يكن معذورا في ترك الاهم فيستحق العقوبة على تركه، ومع تركهما يستحق العقوبة عليهما لتركه كلا من التكليفين المقدورين بلا عذر والتفصيل يطلب من محله. ثم ان الصحة لا تتوقف على تصوير الامر بل تصح العبادة مع عدمه، بل لا يبعد القول بها مع الالتزام بكون الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده لعدم اقتضاء النهى الغيرى الفساد، وكيف كان لا اشكال في صحة الوضوء مع الابتلاء بالمزاحم. هذا كله حال تلك المسائل من ناحية حكم العقل واما حالها بالنظر إلى الادلة النقلية فلا بد لبيانها من افراز بعض المسائل التى وردت فيها النصوص: المسألة الاولى: الاقرب بطلان الوضوء والغسل في الموارد التى سقطا بدليل العسر والحرج، والدليل عليه التعليل المستفاد من الاية الكريمة الواردة في الصوم قال تعالى: شهر رمضان الذى انزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر والمحتمل بحسب التصور أن يكون مفادها حرمة صوم المريض والمسافر لجهة ارادة اليسر أو لجهة عدم ارادة العسر وأن يكون ابقاء اليسر وعدم هدمه واجبا، لا عنوان الصوم العسير أو لجهة عدم اراداة العسر وأن يكون ابقاء اليسر وعدم هدمه واجبا، لا عنوان الصوم العسير حراما وان يكون ايقاع العسر على النفس حراما بعنوانه، فعلى الاحتمالين الاخيرين لا يلزم بطلان الصوم لما مر من عدم بطلان العبادة المتحدة مع عنوان محرم، وكذا إذا كانت العبادة ضد الواجب، وعلى الاحتمال الاول يقع باطلا لتعلق الحرمة بنفس العبادة، وهنا بعض احتمالات اخر منفى بما يأتي. والاقرب من بينها هو الاحتمال الاول، اما لمفهوم قوله: " فمن شهد منكم

[ 74 ]

الشهر فليصمه " بناء على كون مفهومه ومن لم يشهر فلا يصمه، واصل المفهوم وكذا كونه كذلك وان كان محل مناقشة في الاصول، لكن لا يبعد مساعدة العرف عليهما، فيما إذا كان الجزاء من قبيل الهيئة لا المعنى الاسمى للفرق عرفا بين اخذ المفهوم من قوله: فمن شهد منكم الشهر فيجب عليه الصيام حيث ان المفهوم لا يجب عليه، و بين ما في الاية فلا يبعد أن يكون مفهومه فلا تصمه. وتؤيده بل تدل عليه في المورد رواية عبيد بن زرارة التى لا يبعد أن تكون حسنة برواية الصدوق " قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه؟ قال: ما ابينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه " (1) وفى مجمع البيان فيه وجهان أحدهما: فمن شهد منكم المصر وحضر ولم يغب في الشهر، والالف واللام في الشهر للعهد، والمراد به شهر رمضان فليصم جميعه وهذا معنى ما رواه زرارة عن أبى جعفر انه قال: لما سئل عن هذه الاية " ما أبينها لم عقلها قال من شهد شهر رمضان فليصمه ومن سافر فيه فليفطر ". واما لاطلاق قوله: " فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر " حيث دلت على ان نفس المرض والسفر توجب عدة من ايام أخر من غير دخالة شئ آخر من افطار أو غيره فيه، فإذا كان المكلف مريضا أو مسافرا في الشهر تأتى على عهدته عدة ايام اخر بدل شهر رمضان، ولا شبهة في ان هذه العدة قضاء شهر رمضان لما يستفاد من الاية ان الواجب الاصلى هو صيام الشهر، ومع طرو العنوانين يتبدل بعدة من غيره، فإذا وجب القضاء بمجرد طروهما لابد وان يقع الصوم معهما باطلا، والا فيلزم اما ايجاب البدل ولو على فرض ايجاد المبدل منه وصحته أو تقدير في الاية، و تقييد بلا دليل وحجة بان يكون المعنى ومن كان مريضا أو على سفر وأفطر. وتؤيده رواية الزهري عن على بن الحسين عليهما السلام في حديث " قال: واما صوم السفر والمرض فان العامة قد اختلفت في ذلك فقال قوم: يصوم وقال آخرون: لا يصوم وقال قوم: ان شاء صام وان شاء افطرو أما نحن فنقول: يفطر في الحالين جميعا فان


(1) الوسائل ابواب من يصح منه الصوم، ب 1، ح 8

[ 75 ]

صام في حال السفر أو في حال المرض فعليه القضاء، فان الله عزوجل يقول: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر " فهذا تفسير الصيام " (1) فحكم بوجوب القضاء عليهما وان صاما مستدلا بالاية ومستظهرا منها من دون اعمال تعبد، وقد عرفت ان ذلك مقتضى اطلاقها. فتحصل مما ذكرنا ان المستفاد من الاية ان صوم المريض والمسافر بعنوانهما محرم باطل ويظهر منها تعليله بارادة اليسر وعدم ارادة العسر على الامة، فيجب التعميم بمقتضى العلة المنصوصة. ثم يقع الكلام في ان القضايا المعللة المعممة هل تكون ظاهرة في ان الحكم لحيثية العلة كما يقال في الاحكام العقلية ان الحيثيات التعليلية عناوين للموضوعات. فيكون حكم العرف كحكم العقل أو أن الظاهر كون عنوان الموضوع ما اخذ في ظاهر القضية المعللة، وما أخذ علة واسطة في ثبوت الحكم لموضوعه، فقوله: " الخمر حرام لانه مسكر " ظاهر عرفا في ان موضوع الحرمة هو الخمر وكونه مسكرا واسطة لتعلقها عليه؟ الاقرب هو الثاني، فان الاول حكم عقلي دقيق برهانى لا عرفى عقلائي إذ لا اشكال في ان العرف يرى في تلك القضايا امورا ثلثة: الموضوع والحكم و واسطة ثبوته له. فتحصل مما ذكر أن المتفاهم من الآية ان صوم المريض والمسافر حرام بعنوانه لاجل ارادة اليسر، والظاهر بحسب فهم العرف ان القضايا المفهومة من تعميم التعليل كالقضية الاصلية المعللة لها موضوع وحكم ووسط، فقضية تعميم التعليل في قوله " الخمر حرام لانه مسكر " ان الفقاع والنبيذ كذلك بعنوانهما لكونهما مسكرا، فان الحكم في الفرع تابع لاصله، فاحتمال كون الحكم في الفرع لحيثية الاسكار وكون الشئ مسكرا بما هو كذلك ضعيف مخالف لفهم العرف والعقلاء، فظهر مما مر ان مقتضى تعميم العلة بنحوما مر ان ما يلزم منه الحرج والعسر بعنوانه حرام، فالوضوء


() الوسائل ابواب من يصح منه الصوم، ب 1، ح 2

[ 76 ]

الحرجى والغسل العسير بعنوانهما حرام فيقعان باطلا. هذا مضافا إلى أن قوله في آية التيمم: " وان كنتم مرضى أو على سفر " إلى قوله: " فتيمموا صعيدا طيبا " كقوله في آية الصوم " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر " فكما ان مجرد السفر صار سببا لعدة اخرى من غير دخالة شئ آخر كما مر كذلك الظاهر ان المرض بنفسه سبب لايجاب التيمم، وكذا في ساير الاعذار ان عممناها بالنسبة إليها. بل يمكن الاستشهاد على المقصود بتمسك الائمة عليهم السلام بآية الصوم للحرمة تارة بمفهوم قوله: " من شهد منكم الشهر فليصمه " كما في رواية الزهري واخرى بقوله: " فعدة من ايام اخر " كما في روايتي زرارة وابنه مع كونها في مقام الامتنان وسياقها كسياق آية التيمم، فلو كان الامر في الرفع امتنانا كما ذكره المتأخرون من عدم الدلالة على العزيمة ولا البطلان على فرض التخلف، لما كان وجه لتمسكهم عليهم السلام بها في مقابل من ذهب إلى الرخصة فيستشعر منه ان جعل التيمم بدل الوضوء عزيمة كجعل عدة من ايام اخر بدل صوم المسافر، هذا كله في مفاد الاية الكريمة. ويأتى الكلام المتقدم في مثل رواية يحيى بن ابى العلا عن ابى عبد الله عليه السلام، و سند الشيخ الصدوق إليه كالصحيح، لكن لم يرد في يحيى توثيق، واحتمل بعضهم ان يكون متحدا مع يحيى بن العلاء الثقة وهو غير ثابت " قال: الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر، ثم قال: ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال: لا، فقال: يا رسول الله انه على يسير؟ فقال رسول الله: ان الله تصدق على مرضى امتى ومسافريها بالافطار في شهر رمضان أيحب أحدكم لو تصدق بصدقة ان ترد عليه صدقته " (1) فيأتي فيها الاحتمالات المتقدمه الا ان العنوان هيهنا رد الصدقة، واقرب الاحتمالات هيهنا ايضا حرمة عنوان الصوم بعلية كونه رد الصدقة، ويأتى فيها الكلام في التعميم الذى ذكرنا في الاية. نعم هنا كلام آخر: وهو ان ظاهر الاية ان العلة لحرمة الصوم ارادة الله اليسر


(1) الوسائل: ابواب من يصح منه الصوم، ب 1، ح 5

[ 77 ]

على العباد، وظاهر الرواية وبعض روايات اخر ان العلة كونه رد الصدقة والظاهر عدم التنافى بينهما ولا مجال لتفصيله. ثم اعلم ان هيهنا نكتة اخرى في باب التكاليف الحرجية وهى انه لو سلم عدم دلالة مادل على نفى الحرج على بطلان متعلقات التكاليف النفسية الحرجية، اما بدعوى بقاء الجواز بل الرجحان مع رفع الالزام لاجل أن الواجب عبارة عن الامر بالشئ مع عدم الرخصة بالترك، ودليل نفى الحرج يرفع عدم الرخصة، وبقى الامر مع الرخصة فيه وهو الاستحباب أو لكفاية ما يقتضى الطلب ومحبوبية الفعل لصحته، لكن إذا كان شرط المأمور به أو جزئه حرجيا لا يسلم ذلك لان مقتضى نفى الحرج نفى الشرطية والجزئية فيكون المأمور به هو الفاقد لهما سواء قلنا بامكان تعلق الرفع والجعل بهما استقلالا كما هو التحقيق، أو قلنا بامتناعه ولزوم رفع الامر عن المقيد، والمركب الواجد و تعلق امر آخر على فاقدهما. وعلى أي تقدير يكون المأمور به فعلا هو الطبيعة الفاقدة ولو بدل الشرط أو الجزء بالآخر يكون المأمور به فعلا هو الطبيعة المتقيدة بالبدل أو المشتملة عليه لا المبدل منه فيكون الاتيان به مع الجزء الساقط زيادة في المأمور به الفعلى، والاكتفاء به مع فرض التبديل غير مجز عن الواقع، وهو المأمور به الفعلى، ومجرد اقتضاء الجزئية أو الشرطية لا يوجب عدم الزيادة، وجواز ترك الشرط الفعلى والجزء كذلك، والاكتفاء بما فيه الاقتضاء فالصلوة المشروطة بالتيمم أو بالطهارة الحاصلة منه هي المأمور بها فعلا، ولم تكن مشروطة بالوضوء والغسل والاتي بها معهما آت بغير شرطها وكذا في تبديل الجزء. ودعوى حصول الطهارة التى من الترابية من الغسل والوضوء مع شئ زائد لانها مرتبة كاملة من الطهارة، غير متضحة الدليل، ومجرد كون المائية أكمل من الترابية في تحصيل الغرض لا يوجب وحدتهما واقعا، واختلافهما بالشدة والضعف لامكان أن تكونا صنفين أحدهما افضل من الاخر، فلا يحصل من أحدهما ما يحصل من الاخر، مع ان في أصل

[ 78 ]

دعوى كون الشرط امرا معنويا حاصلا منهما كلاما، لقوة احتمال أن يكون الطهور عبارة عن الوضوء والغسل والتيمم، لا أمرا حاصلا منها، ولا تبعد أقربية ذلك بظواهر الادلة وكلمات الاصحاب، ومثل قوله التراب أحد الطهورين ويكفيك عشر سنين، لا يدل على انه امر معنوى ولا على وحدتهما ذاتا واختلافهما رتبة، كما ان قوله: الوضوء نور أو نور وطهور لا يدل على كون الطهور امرا معنويا لو لم نقل بدلالته على الخلاف بل الظاهر من آية الوضوء ان نفس تلك الافعال أو العناوين شرط للصلوة، وليس المراد بقوله " فاطهروا " الا الغسل بحسب وحدة السياق وفهم العرف خصوصا مع قوله: " حتى تغتسلوا " في الاية الاخرى لا تحصيل طهارة معنوية. فتحصل مما ذكرنا ان مقتضى دليل نفى الحرج رفع شرطية الطهارة المائية، ومقتضى جعل التيمم بدلا اشتراط الصلوة به فعلا، وقضيتهما بطلان الصلوة مع الاكتفاء بالمائية. ولو قلنا بأن مقتضى دليل نفى الحرج رفع سببيته الوضوء والغسل للطهارة، و مقتضى جعل البدل جعل السببية له، لكان البطلان أوضح مع الذهاب إلى ان الشرط هو الامر الحاصل بها. المسألة الثانية ما تقدم حال أدلة نفى الحرج وأما ساير الادلة الدالة على عدم الوضوء أو الغسل كما وردت في القرح والجرح والخوف على النفس مثل صحيحتي البزنطى وابن السرحان وغيرهما، وماورت في مورد خوف العطش مثل صحيحة ابن سنان وموثقة سماعة وغيرهما، وما وردت في الركية وفرض افساد الماء مثل صحيحة عبد الله ابن يعفور، وما وردت في مورد خوف فوف الوقت مثل صحيحة زرارة، بناء على ما قدمناه من الاستفادة منها، فالظاهر عدم استفادة بطلان المائية منها. اما مالا يتعلق النهى فيها على الغسل بل تعلق بعنوان خارج كافساد الماء أو عدم اهراقه فظاهر لان الظاهر منها ان الامر بالتيمم لاجل ترجيح أحد المتزاحمين أي حرمة افساد الماء، ووجوب حفظ النفس على الطهارة المائية فالامر بالشرط الناقص ليس

[ 79 ]

لاجل تبديل الكامل به، واسقاط شرطيته كما قلنا في نفى الحرج بل للمزاحمة الواقعة بين الاهم والمهم، فيأتي فيه ما مر في باب المتزاحمين. واما ما تعلق النهى في ظاهر الدليل على الغسل فهو ايضا كك، لان المتفاهم من مجموعها ان النهى عنه ليس لمبغوضية فيه بل للارشاد إلى الاخذ بأهم التكليفين فسبيل قوله في فرض القروح والجروح والمخافة على النفس: " لا يغتسل ويتيمم " سبيل قوله: " لا تقع في البئر ولا تفسد على القوم مائهم " وقوله: " ان خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة وليتيمم بالصعيد " حيث لا يفهم منها مبغوضية الغسل والوضوء بعنوانهما، بل الظاهر ان المبغوض هلاك النفس أو الواجب حفظها فلا يدل على البطلان وقد مر ان مقتضى القاعدة ايضا الصحة. نعم ما ذكرنا من الصحة بمقتضى القاعدة أو بحسب ساير الادلة انما هو حيثى، فإذا انطبق على مورد عنوان آخر يقتضى البطلان نحكم به، كما إذا انطبق عنوان الحرج على مورد الضرر أو الخوف على النفس لما عرفت ان مقتضى ادلة نفى الحرج البطلان فيفصل في الحكم به بين ما إذا انطبق على مورد عنوان الحرج وبين ما إذا انطبق عليه عنوان محرم كالغسل في آنية الذهب والفضة والوضوء ارتماسا فيها، فيحكم بالبطلان في الاول دون الثاني، واوضح منه في الصحة ما إذا زاحم مع تكليف أهم كالوضوء في ضيق الوقت المزاحم لفعل الصلوة، فانه صحيح من غير فرق بين ان يكون قصده امتثال الامر المتعلق به من ناحية هذه الصلوة على وجه التقييد وغيره لما ذكرنا من ان ملاك عبادية الطهارات ليس الامر الغيرى من ناحية الامر بالصلوة لعدم وجوب المقدمة الا عقلا، ولان الطهارات بما هي عبادة جعلت شرطا، فعباديتها مقدمة على تعلق الامر الغيرى على فرضه، ولا منافاة بين الامر الاستحبابى الذاتي والامر الغيرى لاختلاف العنوان. (فح) لو جهل المكلف وقصد الامر الغيرى أو قصد التقرب به يقع قصده لغوا، و عبادته صحيحة لعدم اعتبار شئ فيها الا الرجحان الذاتي وقصد كونه لله.

[ 80 ]

نعم لو كان من قصده عدم التعبد الا بالامر الغيرى يقع باطلا ولو في سعة الوقت لعدم وجوده، وعدم كونه مقربا على فرضه، الا ان يقال انه نحو انقياد للمولى وهو كاف في الصحة (فح) لا يفترق بين السعة والضيق. الخامس لو قلنا في الموارد التى تعين عليه التيمم بالحرمة والبطلان، فأتى بالمائية لعذر من غفلة أو جهل بالموضوع أو بالحكم قصورا ونحوها ففى صحتها مطلقا، أو التفصيل بين الموارد وجهان أقواهما التفصيل بين الموارد التى استفدنا من الادلة تقييد المكلف به بغير المائية، واسقاط شرطيتها كما قلنا في مورد الحرج فنحكم فيها بالبطلان لفقد ما هو شرط واقعا، ولا تأثير في العمد وغيره والعذر وغيره، وبين الموارد التى قيل ببطلانها لاجل أن المبعد القبيح لا يمكن ان يقع عبادة و صحيحا، ولو قلنا بجواز الاجتماع، لانه مع العذر لا يقع قبيحا ومبعدا، فلا مانع من مقربيته. فالوضوء والغسل صحيحان لرجحانهما الذاتي بل فعلية الامر بهما، وعدم مانع آخر من صحتهما، فالوضوء في آنية الذهب وبالماء المغصوب صحيح. هذا إذا قلنا بجواز الاجتماع واما مع القول بامتناعه وترجيح جانب النهى، فالصحة تتوقف على وجود الملاك في المتعلق وامكان مقربية الملاك المكسور، وقد ذكرنا في محله ان امكان تحقق الملاكين للشئ الواحد يهدم اساس الامتناع إذا كان ملاكه لزوم التكليف المحال لا التكليف بالمحال، فان وجود الحيثيتين لحمل الملاكين إذا كان رافعا للتضاد بينهما يكون رافعا للتضاد بين الحكمين قطعا، فالقائل بالامتناع لا بد وأن يقول بان الحيثية التى تعلق بها الامر عين ما تعلق به النهى حتى يتحقق التضاد الموجب للامتناع، ومع وحدة الحيثية لا يمكن تحقق الملاكين، ومع ترجيح جانب النهى يستكشف عدم ملاك الامر في المتعلق فيقع باطلا حتى مع الجهل و ساير الاعذار. نعم إذا كان ملاك الامتناع التكليف بالمحال أو أغمضنا عن الاشكال والتزمنا

[ 81 ]

بوجود الملاك فالظاهر وقوعه صحيحا حتى مع العلم لوجود الملاك، وعدم تقوم العبادة بالامر بل يكون حاله حال المتزاحمين. وما قيل: ان في باب التزاحم انما يتزاحم الحكمان في مقام الامتثال عقلا بعد انشائهما من قبل المولى، واما في باب الاجتماع تتزاحم المقتضيات لدى المولى فلا تأثير لعلم المكلف وجهله في وقوعه باطلا. غير وجيه: لان تقييد المولى أحد التكليفين بحال قد يكون لفقدان الملاك في غير هذا الحال، وقد يكون لترجيح أحد الملاكين على الاخر، فان كان من قبيل الثاني يكون حكمه كحكم العقل في ترجيح الاهم على المهم، وفى مثله لا مانع من الصحة لو قلنا بكفاية الملاك، والملاك المرجوح صالح للمقربية والتقييد في مقام ترجيح الملاكات كالتقييد في مقام التزاحم لو قلنا بان الشارع ناظر إليه أو ان العقل يقيد الادلة. وما قيل: ان الملاك المكسور غير صالح للمقربية ان كان المراد من المكسورية رفع الملاك أو نقصانه عما هو عليه بواسطة التزاحم فهو ممنوع، لان حامل الملاكات الحيثيات، ولا يسرى حكم حيثية إلى حيثية اخرى. وان كان المراد مرجوحيته فهى لا توجب البطلان بعد فرض كفاية الملاك ولو لم يكن مامورا به، والتقييد بغير حال الاجتماع لا يستتبع نهيا فرضا، فالفعل وان لم يكن مأمورا به لكن مشتمل على الملاك التام كاشتماله في غير مورد الاجتماع فيقع صحيحا. المبحث الثاني فيما يتيمم به ويتم ذلك في ضمن امور الاول: لا اشكال في اشتراط كونه ارضا فلا يجوز بما هو خارج عن مسماها، وهو مذهب علمائنا كما عن المنتهى وعليه الاجماع كما عن كشف اللثام ولا نزاع فيه عندنا كما عن مجمع البرهان. وادعى عليه الاجماع في الخلاف وعن السرائر ان الاجماع منعقد على ان التيمم لا يكون الا بالارض

[ 82 ]

أوما يطلق عليه اسمها، وفى الخلاف قال أبو حنيفة: كل ما كان من جنس الارض أو متصلا بها من الثلج (والشجر خ ل) والصخر يجوز التيمم به، وبه قال مالك " انتهى ". وفى مفتاح الكرامة نسبة الجواز بالثلج إلى ابى حنيفة وبالنبات إلى مالك، لكن في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة الحنفية قالوا: ان الصعيد الطهور هو كل ما كان من جنس الارض فيجوز التيمم على التراب والرمل والحصى والحجر ولو املس، والسبخ المنعقد من الارض، اما الماء المنعقد وهو الثلج فلا يجوز التيمم عليه، لانه ليس من اجزاء الارض كما لا يجوز التيمم على الاشجار والزجاج والمعادن " الخ " و احتمال ان يكون مراده من الحنفية أصحاب أبى حنيفة وتابعيه لا نفسه بعيد، بل عن ابن رشد عدم تجويز أبى حنيفة التيمم بالثلج. وكيف كان فلا اشكال في عدم جوازه بغير الارض وما خرج عن مسماها، بل ولا خلاف ظاهرا في حال الاختيار وسياتى حال التيمم بالثلج عند الاضطرار. ثم انه اختلفت كلمات اصحابنا بعد اشتراط كونه ارضا على أقوال: فقيل: انه التراب الخالص حكى ذلك عن السيد في شرح الرسالة والكاتب والتقى بل عن ظاهر الناصريات والغنية الاجماع عليه، وقيل: انه كل ما يقع عليه اسم الارض وهو المشهور تحصيلا كما في الجواهر وعن الكفاية والحدائق، وعن الخلاف ومجمع البيان وظاهر التذكرة الاجماع على الجواز بالحجر، وعن مجمع البرهان والمفاتيح وكشف اللثام هو مذهب الاكثر وعن مجمع البرهان: ينبغى ان يكون لا نزاع فيه وهو المشهور كما عن الكفاية، وعن جمع التفصيل بين حال الاختيار والاضطرار ومنشأ اختلافهم اختلاف اجتهادهم في الاستنباط عن الكتاب والسنة، ولا شبهة ان الشهرة والاجماع في مثل هذه المسألة الاجتهادية المتراكمة فيها الادلة والاراء في دلالة الكتاب ليست حجة مستقلة فالاولى صرف الكلام إلى ظواهر الادلة. اما الكتاب: فقد نزلت فيه آيتان كريمتان احديهما في سورة النساء وهى قوله تعالى وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم وثانيتهما في المائدة

[ 83 ]

بعينها مع زيادة لفظة " ومنه " بعد " وايديكم ". وقد اختلفت كلمة أهل اللغة والعربية في معنى الصعيد فعن العين والمحيط والاساس والمفردات للراغب وجمع آخر انه وجه الارض، بل عن الزجاج انه لا يعلم اختلافا بين أهل اللغة، وعن المعتبر حكايته عن فضلاء أهل اللغة وعن البحاران الصعيد يتناول الحجر كما صرح به ائمة اللغة والتفسير وعن الوسيلة قد فسر كثير من علماء اللغة الصعيد بوجه الارض، وادعى بعضهم الاجماع عليه واستدل بعضهم بكونه وجه الارض بقوله تعالى: " فتصبح صعيدا زلقا " وقول النبي صلى الله عليه وآله، " يحشر الناس يوم القيمة حفاة عراة على صعيد واحد " (1) أي ارض واحد لعدم تناسب التراب. وعن جمع من أهل اللغة انه التراب كالصحاح والاصمعى وابى عبيدة بل عن ظاهر القاموس وبنى الاعرابي وعباس والفارس، بل عن السيد حكايته من أهل اللغة، ويظهر من بعضهم الاشتراك اللفظى بين التراب الخالص ومطلق وجه الارض، بل والطريق لا نبات فيه. قال في مجمع البحرين: والصعيد التراب الخالص الذى لا يخالطه سبخ ولا رمل، نقلا عن الجمهرة، والصعيد ايضا وجه الارض ترابا كان أو غيره وهو قول الزجاج، حتى قال: لا اعلم اختلافا بين اهل اللغة في ذلك، فيشمل الحجر والمدر ونحوهما، والصعيد ايضا الطريق لا نبات فيها. قال الازهرى: ومذهب أكثر العلماء ان الصعيد في قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " انه التراب الطاهر الذى على وجه الارض، أو خرج من باطنها انتهى ما في المجمع، بل في المنجد: الصعيد التراب. القبر. الطريق. ما ارتفع من الارض. وما قيل: ان الاشتراك اللفظى كذلك أي بين مطلق وجه الارض والتراب بعيد بل إذا دار الامر بين اللفظى والمعنوي يقدم الثاني، ناش من تخيل ان وقوع الاشتراك اللفظى في الالسن من واضع واحد أو طائفة واحدة، لكن الظاهر ان الاشتراك


(1) بحار الانوار ج 3 ب 5، ح 4

[ 84 ]

حاصل من ضم الطوائف بعضها ببعض، واختلاط اللغات كاختلاط لغة العرب بالعجم، لاجل سلطة الاعراب واختلاطهم مع غيرهم، فربما نسى بعض اللغات من احدى الطائفتين، وقامت اللغة الاخرى مقامه، وربما بقيت اللغتان فبقى لمعنى واحد لفظان أو أكثر من اختلاط الطوائف، فيظن من ذلك الاشتراك اللفظى البعيد أو المرجوح. وكيف كان لا يمكن لنا الاتكال في معنى الصعيد على قول أهل اللغة مع هذا الاختلاف الفاحش بينهم، فان حجية قولهم اما لحجية قول أهل الخبرة فمع اختلافهم وتعارض أقوالهم تسقط عنها، أو للاطمينان والوثوق منه فلا يحصل معه، ودعوى الزجاج عدم الاختلاف بين أهل اللغة يردها قول من عرفت من كونه التراب الخالص أو الاشتراك بينه وبين غيره. كما ان الاستدلال على كونه مطلق وجه الارض بقول الله تعالى: " صعيدا زلقا " وقول النبي صلى الله عليه وآله في النبوى المتقدم. في غير محله، لعدم جريان اصالة الحقيقة مع معلومية المراد والشك في الوضع، وانما هي حجة في تشخيص المراد بعد العلم بالوضع. وكذا دعوى الانصراف إلى التراب الخالص لكونه الفرد الغالب الشايع في غير محلها، لمنع تحقق الشيوع الموجب له كما ان الارض لا تنصرف إليه. وقد يستدل لتشخيص المراد من الصعيد في الاية التى في المائدة بلفظة " منه " بدعوى ان المتبادر منها هو المسح ببعض الصعيد، لظهور رجوع الضمير إليه وعدم امكان المسح بجميعه، فلا بد من المسح ببعضه، ولا يمكن ذلك الا بارادة التراب منه لحصول العلوق به دون الحجر ومثله، سواء كان الاستعمال على وجه الحقيقة أو المجاز، والمقصود في المقام اثبات المطلوب لا اثبات المعنى الحقيقي. وفيه ان المحتمل بدوا فيها كون الضمير راجعا إلى الصعيد وكون " من " ابتدائية وعليه يكون معنى الاية. " تيمموا واقصدوا صعيدا فإذا انتهيتم إليه فارجعوا منع إلى مسح الوجوه والايدى " فيكون الصعيد منتهى المقصود اولا، فإذا انتهى

[ 85 ]

الملكف إليه صار مبدء الرجوع إلى عمل المسح، فاستفيد منها عدم جواز مسح الوجه و اليد على الارض، وعدم جواز التمرغ والتمعك كما فعل عمار رضى الله عنه، فكأن رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال: " هكذا يصنع الحمار وانما قال الله عزوجل: فتيمموا صعيدا طيبا " أراد تفهيم ان المستفاد من الاية خلاف ما فعله، بل يستفاد منها كون اليد آلة المسح. وطريق الاستفادة انه إذا أمر بالمسح بعد الانتهاء إلى المقصد وهو الصعيد و الرجوع منه إلى تمسح الوجه والايدى، يعلم ان المسح باليد فانها الالة المتعارفة للعمل، وبهذا يعلم ان المسح بباطن الكف لكونه الالة المتعارفة، وبعد كون باطنها آلته يعلم ان الممسوح غيره تأمل. نعم لا يستفاد منها ان الممسوح ظاهرها، ولعل هذا الوجه بالتقريب المتقدم اقوى الوجوه وأنسبها. ويحتمل ان تكون " من " تبعيضية مع رجوع الضمير إلى الصعيد، كما يدعى المدعى فيكون المعنى: وامسحوا بوجوهكم وايديكم بعض الصعيد (فح) لا يتضح من الاية ان آلة المسح اليد لامكان ان تكون الالة نفس بعضه بان يرفع حجرا أو مدرا ويمسح به أو يضع وجهه على الصعيد ويمسحه به لصدق مسح وجهه ببعض الصعيد، بل لما كان بعض الصعيد هو الصعيد لصدق الجنس على الكثير والقليل بنحو واحد، فكأنه قال: أمسحوا بوجوهكم وايديكم الصعيد، فيكون الصعيد آلة المسح أو الممسوح و الماسح الوجه فيكون مناسبا لما صنع عمار، لكنه تخيل ان ما هو بدل الوضوء عبارة عن وضع الوجه والايدى على الارض، وما هو بدل الغسل بالمناسبة المرتكزة في ذهنه عبارة عن مسح جميع البدن بالتراب كما يغسل بالماء. وهذا الاحتمال مع بعده لان لازمه اعتبار زائد في الصعيد حتى يخرجه عن المعنى الجنسى الشامل للقليل والكثير بنحو واحد، وهو لحاظه مجموعا ذا أبعاض و هو خلاف الظاهر، ولان الاصل في " من " الابتدائية على ما قالوا، والاستعمال في

[ 86 ]

غيرها بضرب من التأويل، ولان ذكر المسح ببعضه غير محتاج إليه بعد عدم امكانه بجميع ما يصدق عليه الصعيد، بل غير محتاج إليه مع الامكان ايضا، لان طبيعة المسح توجد باول مصداقه عرفا، والفرض ان الصعيد اسم جنس صادق على الكل وبعضه، لا يثبت مدعاهم، وهو كون المراد من الصعيد هو التراب. اما اولا فلما عرفت من عدم دليل في ظاهر الاية بان الماسح الكف، بل يمكن ان يكون نفس الصعيد برفع بعضه إلى الوجه، وهو يشعر بخلاف مطلوبهم، وان يكون المراد مسح الوجه على الارض نظير ما صنع عمار، والمنظور الان هو النظر إلى نفس الاية لا الادلة الخارجية والمرتكزات الحاصلة من معهودية كيفية التيمم، والا يكون مطلوبهم واضع البطلان كما يأتي التنبيه عليه. واما ثانيا فلان وجه الارض لا ينحصر بالتراب والحجر حتى يثبت مطلوبهم، بل كثير من الاراضي يكون لها علوق مع عدم كونها ترابا كالجص والنورة والرمل بل والحجر المسحوق وغيرها. ويحتمل ان تكون " من " للتأكيد كقوله تعالى: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " وقوله: " وترى الملائكة حافين من حول العرش " فيكون المعنى فامسحوا بوجوهكم وايديكم الصعيد، وهذا الاحتمال ان لم يكن أقرب من الاحتمال المتقدم لعدم لزوم التصرف في الصعيد بمامر من لزومه على ذاك الاحتمال، فلا أقل من مساواته معه، ويأتى فيه ما مر آنفا؟ - في فرض ذاك الاحتمال. وما قيل ان مجئ الحرف للتأكيد خلاف الظاهر، والاصل ان تستعمل في معنى من المعاني، غير مسلم إذا كان ساير المعاني خلاف ما وضع له كما يظهر منهم هيهنا، من ان الاصل فيها الابتدائية، بل عن السيدان كلمة " من " ابتدائية وان جميع النحويين من البصريين منعوا ورود من لغير الابتداء. نعم لو ثبت اشتراكها بين المعاني المذكورة لها يكون المجيئ للتأكيد خلاف الاصل لكنه غير معلوم، ويحتمل ان يكون بدلية مع رجوع الضمير إلى

[ 87 ]

الماء، وهذا الاحتمال ايضا لا يقصر من احتمال كونها تبعيضية، ويحتمل ان تكون ابتدائية والضمير راجعا إلى التيمم، وان تكون سببية والضمير راجعا إلى الحدث المستفاد من سوق الاية، أو يكون مساقها مساق قوله: اغسل ثوبك من ابوال مالا يؤكل لحمه إلى غير ذلك من الاحتمالات التى بعضها اقرب من التبعيضية أو مساولها. وقد يستدل لتعيين المراد من الاية بصحيحة زرارة انه قال لابي جعفر عليه السلام: " الا تخبرني من اين علمت وقلت ان المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين " إلى ان قال: " فلما وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبت بعض الغسل مسحا لانه قال: بوجوهكم ثم وصل بها وايديكم ثم قال: منه أي من ذلك التيمم لانه علم ان ذلك اجمع لم يجر على الوجه لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها " (1) بدعوى ان المراد من التيمم ما يتيمم به لبعد الرجوع إلى ذات التيمم المستفاد من قوله: فتيمموا صعيدا " فيناسب التعليل مع تبعيضية " من " فكأنه قال: التيمم من بعض الصعيد لعدم اجراء جميعه على الوجه لعلوقه ببعض اليد لا تمامها، (فح) يتم المطلوب وهو كون الصعيد التراب. ويرد عليه ما يرد على الاستدلال بالاية بعد تسليم تمامية جميع المقدمات، وهو عدم اختصاص العلوق بالتراب، فهذه الصحيحة والآية الكريمة بعد تسليم ما ذكر تدلان على لزوم كون التيمم بما يصلح أن يعلق منه في الجملة على اليد بضربها عليه كالرمل والجص والنورة والحجر المسحوق، بل تدلان (ح) على لزوم كون المسح بما يصدق عليه الصعيد في الجملة، أي ولو لم يلزم الاستيعاب، فلا يجوز النفض اللازم منه عدم بقاء ما يصدق عليه الصعيد والتراب، ضرورة ان الغالب أن يكون الباقي بعد النفض أثر الارض والتراب لانفسهما وجنسهما، للفرق بين الاثر الباقي بعد النفض وبين التراب كالفرق بين النداوة والماء وسياتى الكلام فيه. هذا مع ممنوعية كون المراد من التيمم ما يتيمم به لوضوح كون عناية ابى جعفر


(1) الوسائل ابواب الوضوء. ب 23، ح 1.

[ 88 ]

عليه السلام برجوع الضمير إلى التيمم، وعدم رجوعه إلى الصعيد فلو أراد الرجوع إلى ما يتيمم به، لكان اللازم أن يقول من ذلك الصعيد مع ذكره في الاية لئلا يصير الكلام المعجز كاللغز، لان عدم رجوعه إلى الصعيد المذكور في الكلام والرجوع إلى التيمم الغير المذكور وارادة ما يتيمم به من التيمم، ثم ارادة الصعيد مما يتيمم به أشبه بالاحجية من الكلام المتعارف فلا محيص عن ارجاعه إلى نفسس التيمم بناءا على هذا التفسير، فلا محالة يكون ذلك لنكتة ولعلها افادة ان المسح بالوجه والايدى لابد وان يكون من ذلك التيمم الذى كناية عن ضرب الارض فكأنه لافادة لزوم حفظ العلاقة العرفية وعدم التاخير أو الاشتغال بامر رافع للربط بين المسح والضرب على الارض، فان ضرب كفيه على الارض وغسلهما مثلا، فمسح بهما وجهه لم يكن مسحه من ذلك التيمم، وكذلك لو فصل بين الضرب والمسح بما يقطع العلاقة العرفية. واما التعليل في الصحيحة فالظاهر أن يكون لعدم رجوع الضمير إلى الصعيد حتى يتوهم منه لزوم المسح به مع عدم امكانه، فكأنه قال: انما قلنا من ذلك التيمم لامن الصعيد لعدم امكان المسح منه لعدم اجرائه على الوجه لانه يعلق منه ببعض الكف ولا يعلق ببعض. وما ذكرنا في توجيه الرواية وان لا يخلو من بعد وارتكاب خلاف ظاهر لكنه أهون من القول بأن المراد من التيمم ما يتيمم به، فان النفس لا ترضى بانتسابه إلى متعارف الناس فضلا عن أفضلهم علم وفصاحة، فضلا عن الانتساب إلى الوحى المعجز، فلابد من ابقاء التيمم بظاهره، وتوجيه التعليل ومع العجز فرد علمه إلى اهله. وفيها احتمالات اخر يطول بنا البحث في الخوض فيها، لكن في الذهن شبهة وهى انه مع ابقاء ظاهر الاية بحاله ورجوع الضمير إلى الصعيد، وارادة الابتدائية من كلمة " من " يستصح ما يراد بالرواية بالتوجيه الذى ذكرناه، فلا تتوقف افادة ما ذكر برجوع الضمير إلى التيمم، فلو كان المراد مسح من الصعيد أي مبتدئا منه إلى

[ 89 ]

تمسح الوجه يفهم منه عرفا ما يفهم من رجوعه إلى التيمم، فلا بد من نكتة اخرى فيه غير ما تقدم، فلعلها لافادة كون المسح على الوجه والايدى جميعا من ذلك التيمم، أي عدم لزوم تجديد الضرب أو عدم جوازه. ولعل التعليل على هذا الاحتمال أقرب بان يقال: ان المراد منه افادة ان الضرب الثاني لا يحصل به الا ما يحصل بالضرب الاول، ولا يعلق الصعيد على جميع اليد حتى يجرى على الوجه، بل يعلق على بعضه فلا يلزم العلوق بل ما لزم هو كون المسح من ذلك التيمم، وهو حاصل بالضرب الاول. وبالجملة ليس اللازم في المسح ان يكون باجزاء الارض لانه غير ممكن في التيمم لان الاجزاء لا تعلق بجميع اليد حتى تجرى على الوجه، بل اللازم ان يكون من التيمم وهو حاصل بالضرب الاول من دون تكرار. ولعل هذا مراد الشهيد في محكى الذكرى في ذيل الرواية بقوله: وهذا الصحيح فيه اشارة إلى عدم اعتبار العلوق وهو كذلك، لان فيها اشارة إلى ان المعتبر هو العلاقة لا العلوق. ثم ان الاقوى ما عليه المشهور من كون ما يتيمم به مطلق وجه الارض لا التراب خاصة لطوائف من الروايات فيها الصحيح والموثق، ربما يستفاد منها ان المراد بالصعيد في الاية مطلق وجه الارض. منها النبوى المعروف: " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا " (1) وهى رواية مشهورة مستفيضة نقلا لو لم نقل بتواترها ولهذا نسبها الشيخ الصدوق (ره) إلى النبي صلى الله عليه وآله على سبيل الجزم، ولا يمكن ذلك من مثله رحمه الله الا مع علمه بصدورها وقد ذكرنا ان جواز الاتكال بمثل هذا الارسال بنفسه من مثله لا يخلو من قوة فضلا عن مثل المقام مع استفاضة النقل. فقد رواها الشيخ الكليني في الكافي، والبرقي في المحاسن والصدوق في الخصال بسندين وفى الامالى وابن الشيخ الطوسى في مجالسه والطبرسي في بشارة المصطفى


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 7 ح 2

[ 90 ]

والديلمي في ارشاد القلوب، والشيخ حسن بن سليمان الحلى في ما رواه من كتاب المعراج والمسعودي في اثبات الوصية، والراوندي في لب اللباب، والقاضى في دعائم الاسلام. ومن هنا قد ينقدح في الذهن وقوع اشتباه فيما روى الصدق (ره) بسند في غاية الضعف عن جابر بن عبد الله " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عزوجل: جعلت لك ولامتك الارض كلها مسجدا وترابها طهورا (1) وكذا في مرسلة غوالى الئالى واماما في مجالس ابن الشيخ في حديث " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا أينما كنت أتيمم من تربتها واصلي عليها " (2) فلا يخالف الروايات لان علمه صلى الله عليه وآله يمكن أن يكون لاجل أفضلية التراب لا لتعينه، فلا ينافى صدرها ولا يصلح لتقييد اطلاقه فضلا عن ساير المطلقات. ثم ان احتمال كون المراد من طهورية الارض طهوريتها من الخبث، فانها طهور منه في الجملة في غاية الضعف، بل الاختصاص مقطوع البطلان بعد معروفية التيمم، وكونه أحد الطهورين، ونزول الوحى به في آيتين مضافا إلى التصريح بالتيمم في بعض الروايات فلا شبهة في ارادة خصوص التيمم منه أو الاعم، (فح) يمكن الاستشهاد به لكون المراد من الصعيد في الاية هو مطلق الارض فانه ناظر إلى الآيتين الكريمتين، حيث جعل الله تعالى فيهما الصعيد طهورا فيكون بمنزلة المفسر للاية. ومنها ما وردت في قضية عمار بن ياسر رضى الله عنه ففى موثقة زرارة عن أبى - جعفر عليه السلام " قال اتى عمار بن ياسر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله إنى اجنبت الليل فلم يكن معى ماء، قال: كيف صنعت؟ قال: طرحت ثيابي فتمعكت فيه، فقال: هكذا يصنع الحمار انما قال الله عزوجل فتيمموا صعيدا طيبا فضرب بيديه على الارض ثم ضرب احديهما على الاخرى ثم مسح بجبينيه " (3) الخ. وفى صحيحة زرارة " قال: قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات


(1) المستدرك أبواب التيمم، ب 5، ح 3. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 7، ح 2. (3) الوسائل ابواب، ب 11، ح 9

[ 91 ]

يوم لعمار في سفر له: يا عمار بلغنا انك أجنبت فكيف صنعت؟ قال: تمرغت يارسول الله في التراب، قال: فقال: كذلك يتمرغ الحمار أفلا صنعت كذا؟ ثم أهوى بيديه إلى الارض فوضعها على الصعيد ثم مسح بجبينيه " الخ (1) إلى غير ذلك وقد يتوهم دلالة الصحيحة على مخالفة الصعيد للارض حيث قال فيها اهوى بيديه إلى الارض فوضعهما على الصعيد، فلو كان الصعيد هو الارض لقال فوضعهما عليها. وفيه انه من المحتمل ان يكون ذلك لاجل افادة ان الصعيد هو الارض، وهذه الطائفة مضافا إلى دلالتها على المذهب المشهور يمكن الاستشهاد بها على كون الصعيد في الاية هو الارض لا التراب خاصة، فانه لا شبهة في ان قضية عمار قضية واحدة حكاها الائمة عليهم السلام بتعبيرات مختلفة نقلا بالمعنى، ففى رواية " فوضع بده على المسح " وفى اخرى " فضرب بيديه على الارض " وفى ثالثة " اهوى بيديه إلى الارض فوضعهما على الصعيد " فيظهر منها كون الارض والصعيد واحدا ليصح النقل بالمعنى. اللهم الا ان يقال ان النقل بالاعم والاخص غير مضر بعد ان لا تكون العناية بنقل ما يتيمم به بل بأصل القضية ولهذا قال أبو عبد الله عليه السلام: فوضع يده على المسح. لكن يظهر من أبى جعفر عليه السلام في نقل القضية عناية بذكر ما يتيمم به، فراجع ماروعى عنه في القضية (فح) يتم المطلوب، وهو كون المراد بالصعيد في الاية هو الارض لا التراب. ثم انه يظهر من قوله: " أفلا صنعت كذا ثم اهوى بيديه " الخ وقوله: " هكذا يصنع الحمار انما قال الله عزوجل فتيمموا صعيدا طيبا " الخ ان ما صنع عمار خلاف المتفاهم من الاية الشريفة، فيحتمل ان يكون مراده افادة ان الاية تدل على ان المسح من الصعيد لا مسح الجسد على الارض، فتدل على ظهور " من " في الابتدائية، والا فمع التبعيضية كان الظاهر جواز مسح الاعضاء بالارض. الا ان يقال: ان اعتراض رسول الله صلى الله عليه وآله عليه لتمرغه على الارض في بدل


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 8

[ 92 ]

الغسل بتوهم ان المناسب فيه ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الاية تدل على ان للتيمم كيفية واحدة بدلا عن الوضوء والغسل، فلم تمرغت مع دلالتها على المسح ببعض الوجه والايدى كما تشهد به رواية دعائم الاسلام عن على عليه السلام وفيها " فقال له: يا عمار تمعكت تمعك الحمار قد كان يجزيك من ذلك ان تمسح بيديك وجهك وكفيك، كما قال الله عزوجل " لكن الظاهر حتى من رواية الدعائم انه ارجع عمارا إلى ظاهر الاية، وانها دالة على ان آلة المسح هي اليدان، فان قوله فيها " يجزيك من ذلك ان تمسح إلى ان قال كما قال الله " يدل على استفادة ذلك منها، وكذا قوله في صحيحة زرارة " أفلا صنعت كذا ثم اهوى بيديه إلى الارض " الخ يدل على دلالة الاية على كيفية التيمم، ولا بعد في استفادته منها كما اشرنا إلى شمة من طريقها ولعله يأتي تتمة كذلك. ومنها عدة روايات اخر كصحيحة الحلبي " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول، " إذا لم يجد الرجل طهورا فليمسح من الارض وليصل وإذا وجد ماء فليغتسل وقد اجزأته صلوته التى صلى " (1) لكن احتمال كونها بصدد بيان اجزاء الصلوة التى صلى مع التيمم، لافى مقام بيان ما يتيمم به كاحتمال كونها بصدد بيان انه مع عدم وجدان الماء يصح التيمم ولو في سعة الوقت، ولا يجب الصبر إلى آخره واهمال بيان ما يتيمم به غير بعيد. ونظيرها صحيحة ابن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام، وكصحيحة المرادى " عن ابى عبد الله عليه السلام في التيمم قال: تضرب بكفيك على الارض مرتين ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك " (2) ورواية زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " في التيمم تضرب بكفيك الارض ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك " (3) واحتمال كونهما بصدد بيان كيفية التيمم أي المسحتين لامايتيمم به ضعيف.


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 4. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 12 ح 2. (3) الوسائل ابواب التيمم ب 11، ح 7

[ 93 ]

بل لو سلم يكون الضرب على الارض من كيفياته، وداخل في مهيته ومقوماته وكيف كان لا اشكال في ظهور مثل تلك الروايات في ان ما يتيمم به الارض، بل لا تبعد استفادة كون المراد من الصعيد هو الارض من مثلها، فان الظاهر ان كلها واردة لبيان مفاد الاية لا بيان تشريع آخر زائدا على مضمونها وصل إليهم من غير طريقها، بل يمكن رفع الاجمال عن كلمة " من " على فرض اجمالها، وترددها بين الابتدائية وغيرها، وعن ذيل صحيحة زرارة المتقدمة وتعليلها، فانه مع النفض لا يبقى من اجزاء الارض على الكف، وما بقى من الاثر الضعيف لا تصدق عليه الارض، فمع كونها تبعيضية لزم المسح باجزاء الصعيد، فيقع التنافى بين الاية والروايات فمع نصوصية تلك الروايات في مضمونها يرفع الاجمال المتوهم عن الاية والصحيحة وتعليلها. وتوهم ان لزوم النفض أو رجحانه دليل على وجوب كون التيمم بالتراب لا مطلق الارض مدفوع بما مر من انه لا يدل على مدعاهم، بل لو سلم يدل على لزوم كون الارض صالحا للعلوق مع انه وارد مورد الغالب، فان الاراضي غالبا ذات اجزاء تعلق باليد حتى مثل اراضى الحجاز التى لا تكون ترابا أو ترابا خالصا، فلا تصلح مثلها لرفع اليد عن عنوان الارض الظاهر في تمام الموضوعية. ويمكن الاستدلال على المطلوب برواية زرارة عن أحدهما " قال: قلت رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين مايصنع؟ قال: يتيمم فانه الصعيد " الخ (1) فان الظاهر منها ان الطين صعيد مع انه ليس بتراب لكن في مرسلة على بن مطر " قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين؟ قال: نعم صعيد طيب وماء طهور " (2) وهى ظاهرة في ان اصل الطين صعيد بقرينة ماء طهور، فتكون ظاهرة في ان الطين ليس بصعيد، ولكن فيها احتمال آخر وهو ان السؤال عن الاراضي الممطورة التى صارت طينة وفيها الطين، والاجزاء


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 8، ح 5 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 8، ح 6.

[ 94 ]

المائية القليلة التى لا تضر بصدق عدم وجدان الماء، ولا بصدق كون الارض طينة، فيكون المراد بقوله: " صعيد طيب " هو الطين، وبقوله: " ماء طهور " هو الاجزاء المائية كما تشاهد في الاراضي الممطورة، والطرق المطينة، فتكون الرواية شاهدة على المشهور. وهنا احتمال ثالث وهو ان المراد بقوله صعيد طيب وماء طهور ان ما يتطهر به اما صعيد طيب، واما ماء طهور والطين هو الصعيد الطيب فيجوز التيمم به، و مع هذه الاحتمالات لا يمكن رفع اليد عن ظاهر قوله في رواية زرارة فانه الصعيد، هذا مع ان اطلاق الصعيد على التراب لا يدل على عدم صدقه على غيره، غاية الامر اشعاره أو دلالته على ان الطين ليس بصعيد. ومع ذلك يكون رواية زرارة أظهر في دلالتها على كون الطين صعيد من دلالة هذه الرواية على نفيه. ويمكن الاستشهاد على المطلوب بان اراضى الحجاز وما حولها غالبا وغالب الاراضي الجبلية لا يوجد فيها التراب الخالص، بل ليس فيها الا الرمل والاحجار الصغار فلو كان المراد من الصعيد في الاية التراب الخالص لكان التيمم حرجيا على سكان محل نزول الوحى، وهو ينافى شرع التيمم والنبوى المشهور: " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا " الذى هو في مقام بيان الامتنان بل لو كان ذلك لشاع وصار موردا للسؤال والجواب كثيرا. ثم انه قد يستدل لمذهب الخصم بعد اجماع السيد والغنية بروايات: منها صحيحة محمد بن حمران وجميل بن دراج " انهما سالا أبا عبد الله عليه السلام عن امام قوم اصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلى بهم؟ فقال: لا ولكن يتيمم الجنب ويصلى بهم فان الله عزوجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) بدعوى انه في مقام بيان امتنان الله


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 24 - ح 2.

[ 95 ]

على العباد، فو كان مطلق الارض طهورا كان المناسب أن يذكرها فانه ادخل في الامتنان مع امكان ان يقال انها ناظرة إلى تفسير الاية. وفيه ان الرواية بصدد بيان صحة تيمم المجنب وامامته مع وجود المتوضى، و انما ذكر جعل الله تعالى التراب طهورا استدلالا على المقصود من غير نظر إلى امتنان الله على العباد، ولا إلى تفسير الاية فلا تدل على المطلوب الا بمفهوم اللقب. هذا مع انه لو كان في مقام الامتنان لكان المناسب ذكر الارض على أي حال لانها طهور في الجملة. وعن روض الجنان والروضة لا قائل بالمنع مطلقا والحق ما مر، ولهذا ترى ان الروايات التى بصدد بيان الامتنان ذكرت فيها الارض وهى ما مر من الحديث المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وآله: " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا ". واستدل ايضا بصحيحة رفاعة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " إذا كان الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه " الخ (1) ونظيرها صحيحة عبد الله بن المغيرة، بدعوى ان فرض عدم التراب خاصة دليل على عدم جواز التيمم حال الاختيار بوجه الارض والامكان عليه فرض عدم الحجر ايضا. وفيه انه من القريب ان يكون فرض عدم التراب في الارض التى لها بلة لم تصل إلى حد الطين، لاجل ان البلة لم تنفذ إلى باطن التراب، فمع وجود التراب في الارض المبتلة بالمطر القليل مثلا يكون التيمم بالارض اليابس ممكنا برفع ظاهر التراب، والتيمم باليابس من الارض الذى لم تنفذ إليه البلة فالصحيحة سيقت لبيان مراتب التيمم بانه ان أمكن بالارض اليابسة فهو، والا بأجف موضع منها فالاجف إلى أن لا يجد الا الطين فيتيمم به كما هو المفروض في ذيلها، فلم تكن بصدد بيان تقدم التراب على ساير وجه الارض بل بصدد بيان تقدم اليابس على غيره، والاجف على غيره فهى غير مربوطة بالمقام.


(1) الوسائل: ابواب التيمم، ب 9، ح - 4

[ 96 ]

وبالجملة فرض عدم التراب لفرض عدم وجود الارض اليابسة لا لموضوعية التراب مقابل وجه الارض (فح) ان أمكن الالتزام بمضمونهما فلا محيص عن اعتبار المراتب فيما يتيمم به ترابا كان أو غيره، فالتراب اليابس والارض اليابسة مقدم على غيرهما والاجف مقدم على غيره، ومع عدم امكانه كما هو الحق لا بد من حملهما على مراتب الفضل. وربما يأتي الكلام فيها، فتحصل من جميع ما ذكرنا ان مقتضى الادلة صحة التيمم اختيارا بمطلق وجه الارض، وانه المراد من الصعيد في الاية. بقى الكلام فيما نسب إلى ناصريات السيد من دعوى كون الصعيد هو التراب بل دعواه الاجماع عليه وكذا في اجماع الغنية ولا بأس بذكر عبارتهما حتى يتضح حال النسبة. قال في الناصريات بعد كلام من الناصر: والذى يذهب إليه أصحابنا ان التيمم لا يكون الا بالتراب أو ما جرى مجرى التراب مما لم يتغير تغييرا يسلبه اطلاق اسم الارض عليه، ويجوز التيمم بغبار الثوب وما اشبهه إذا كان ذلك الغبار من التراب أو ما يجرى مجراه، ثم حكى أقوال العامة وتجويز أبى حنيفة التيمم بالزرنيخ والكحل، والنورة ومالك بالشجر وما يجرى مجراه، ثم قال: دليلنا على صحة مذهبنا الاجماع المتقدم ذكره، ويزيد عليه قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " والصعيد هو التراب، وحكى ابن دريد في كتاب الجمهرة عن أبى عبيدة معمر ابن المثنى ان الصعيد هو التراب الخالص الذى لا يخالطه سبخ، وقول ابى عبيدة حجة في اللغة، والصعيد لا يخلو ان يراد به التراب أو نفس الارض، وقد حكى انه يطلق عليها أو يراد ما تصاعد على الارض، فان كان الاول فقد تم ما اردناه وان كان الثاني لم يدخل فيه ما ذهب إليه أبو حنيفة، لان الكحل والزرنيخ لا يسمى أرضا بالاطلاق كمالا يسمى ساير المعادن من الذهب والفضة والحديد بانه أرض، وان كان الصعيد ما تصاعد على الارض لم يخل من ان يكون ما تصاعد عليها هو منها وتسمى

[ 97 ]

باسمها اولا يكون كذلك فان كان الاول فقد دخل فيما ذكرناه، وان كان الثاني فهو باطل لانه لو تصاعد على الارض شئ من التمر والمعادن أو مما هو خارج عن جوهر الارض فانه لا يسمى صعيدا بالاجماع، وايضا ماروى عنه من قوله: " جعلت لى الارض مسجدا وترابها طهورا " وايضا فقد علمنا انه إذا تيمم بما ذكرناه استباح الصلوة بالاجماع، وإذا تيمم بما ذكره المخالف لم يستبحها باجماع وعلم، فيجب ان يكون الاحتياط والاستظهار فيما ذكرناه. ولك ايضا ان تقول انه على يقين من الحدث، فلا يجوز ان تستبيح الصلوة الا بيقين ولا يقين الا بما ذكرناه دون ما ذكره المخالف " انتهى بطوله ". وانت خبير بأن صدر العبارة صريح في ذهاب أصحابنا إلى صحة التيمم بالتراب وغيره مما يطلق عليه اسم الارض ولم يتغير تغيرا مخرجا عن اطلاق اسمها عليه رملا كان أو جصا أو حجرا وقوله: " مما لم يتغير " الخ بيان لما يجرى مجرى التراب وموضح لمقصوده، فاحتمال كون مراده مما يجرى مجراه هو المسحوق من غير التراب، ضعيف، مع انه مثبت للمدعى في الجملة. ثم انه ادعى الاجماع على ما ذكره من جواز الارض بمطلق مالا يخرج عن مسمى الارض، أو على عدم الجواز بما يخرج عنه في مقابل ابى حنيفة وأشباهه ممن أجاز التيمم بالزرنيخ والكحل أو الشجر وشبهه، فللسيد كما يظهر من صد عبارته وذيلها دعويان: احديهما صحة التيمم بمطلق وجه الارض وثانيتهما عدم جوازه بما يخرج عن مسماها، فقد استدل على الاولى بالاجماع في أول العبارة وأثنائها وآخرها، وبقاعدة الشغل والاستصحاب، وعلى الثانية بالاية الكريمة والحديث النبوى، وذكر محتملات الاية رد الابى حنيفة واضرابه، لا لاثبات الدعوى الاولى، وان كان في بعض فقراتها اشعار بان التراب ما يتيمم به، فلا ريب في لزوم رده إلى ما هو صريح بصحته بمطلق الارض ولا اغتشاش في عبارته كما ترى، وهو رحمه الله موافق للمشهور من صحته التيمم بالارض.

[ 98 ]

وتوهم مخالفته له ناش من زعم انه استدل بالاية والرواية لمذهبه فاستكشف منه مذهبه مع ان التدبر في عبارته موجب للاطمينان بان استدلاله بهما في مقابل الخصم، ولدعواه الثانية لا لمذهبه. وقال في الغنية: واما التراب فالذي يفعل به التيمم ولا يجوز الا بتراب طاهر ولا يجوز بالكحل ولا بالزرنيخ ولا بغيرهما من المعادن، ولا بتراب خالطه شئ من ذلك بالاجماع وقوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " والصعيد هو التراب الذى لا يخالطه غيره. والظاهر ان دعواه الاجماع راجعة إلى عدم الجواز بالكحل والزرنيخ وغيرهما من المعادن والتراب المخلوط بشئ منها لا إلى الجملة الاولى، وكيف يدعى الاجماع على عدم الجواز الا بالتراب مع ان السيد (ره) ادعاه على جوازه بما يجرى مجرى التراب أي الارض، وهو مختار الشيخ بل لعله ادعى الاجماع عليه. وربما يشهد لذلك قوله: ولا بتراب خالطه شئ من ذلك أي الكحل وما بعده والا كان عليه ان يقول: ولا بتراب خالطه شئ من غيره، وكيف كان لم يظهر منه دعوى الاجماع على عدم الصحة الا بتراب خالص، ولو سلم فهى موهونة بذهاب المشهور على خلافها. وربما يتمسك لذلك بقاعدة الشغل وهو انما يصح لو كان المأمور به أو الشرط هو الطهور المعنوي الذى تكون تلك الافعال محصلاته، وهو غير ثابت بل ظاهر الادلة ان الشرط للصلوة هو الوضوء والغسل والتيمم، وقوله: " لا صلوة الا بطهور " لا يدل على انه غير تلك العناوين نعم في بعض الروايات اشعار بما ذكر لم يصل إلى حد الدلالة ولا يقاوم ساير الادلة، هذا مع انه لو سلم فلا مجال للاصل في مقابل ما عرفت. الامر الثاني: لا يصح التيمم بما خرج عن مسمى الارض كالمعادن الخارجة عن مسماها مثل الزرنيخ والملح والكحل والاحجار الكريمة والذهب والفضة، وكالنبات والشجر بلا اشكال ولا خلاف. الا المحكى عن ابن أبى عقيل من تجويزه بالارض وبكل ماكان من جنسها كالكحل والزرنيخ لانه يخرج من الارض، والظاهر من قوله

[ 99 ]

من جنسها ملا يخرج عن مسماها فيوافق المشهور، وان كان تمثيله بما ذكر وتعليله ربما ينافيان ذلك، ولعل مراده من الخروج من الارض بنحو خاص منه بما لا ينافى كونه من جنسها فيكون موافقا للحكم الكلى للقوم، وتمثيله بما ذكر من تعيين المصداق لا الاختلاف في الفتوى وان لا يخلو من بعد. وكيف كان يدل على المطلوب الاجماعات المنقولة والشهرة المحققة وظواهر الادلة الدالة على أن ما يتيمم به هو الارض والصعيد وما خرج عن مسماها، ولا يكون صعيدا وأرضا لا يصح التيمم به. ولا يخفى ان الميزان في عدم الجواز هو ما ذكرنا، واما عنوان المعدن فليس في شئ من الادلة موضوعا للحكم بل يظهر من الاجماعات المنقولة ان المناط هو الخروج عن مسماها من غير دخالة لعنوان المعدن. ففى المنتهى لا يجوز التيمم بما ليس بارض على الاطلاق كالمعادن والنبات المنسحق والاشجار إلى ان قال: وهو مذهب علمائنا، ثم قال في الفرع الثاني من التفريعات ومنع ابن ادريس من التيمم بالنورة وهو الاقرب، لانها معدن فخرجت عن اسم الارض، وعليه يحمل اجماع الخلاف والغنية لانهما مثلا بالكحل والزرنيخ وبغيرهما من المعادن، والظاهر من كلامهما ان مراهما من المعادن من قبيل الكحل والزرنيخ الخارجين عن مسمى الارض، لا ان عنوان المعدن بما هو دخيل في الحكم حتى نحتاج إلى تشخيص مفهومه ومصاديقه. فيجوز التيمم بما لم يخرج عن مسماها ولو صدق عليه عنوان المعدن كالتراب الاحمر وحجر الرحى والمرمر وطين الرأس والارمني وغيرها من المعادن الصادق عليها الارض. وقد يستدل على جوازه بمطلق ما خرج من الارض وكان اصله منها وان تبدل بحقيقة اخرى، برواية السكوني " عن جعفر عن ابيه عن على عليهم السلام انه سئل عن التيمم بالجص؟ فقال: نم، فقيل: بالنورة؟ فقال: نعم، فقيل: بالرماد؟ فقال: لا انه ليس يخرج من الارض انما يخرج من الشجر " (1) وفى رواية الراوندي " قيل: هل يتيمم


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 8، ح 1.

[ 100 ]

بالرماد؟ قال: لا لان الرماد لم يخرج من الارض " (1) وفى رواية الجعفريات: " ولا يجوز بالرماد لانه لم يخرج من الارض " (2) دلت تلك الروايات على ان العلة في عدم جواز التيمم برماد الشجر عدم خروجه من الارض فلو خرج منها لم يكن مانع منه. واورد عليه بانه لا يدل التعليل الا على المنع من كل ما لم يخرج من الارض، واما الجواز بكل ما خرج منها فلا، والا لفهم منه جوازه بالنباتات. وفيه بعد بطلان النقض بالنباتات فانها نابتة من الارض عرفا لا متبدلة منها ومنقلبة عنها والمراد من الخروج منها في الرواية كخروج الرماد من الشجر لا كخروج النبات من الارض وهو واضح، ان ذلك وارد لو أريد الاستدلال بمفهوم التعليل، بدعوى دلالته على الحصر والانتفاء عند الانتفاء، ضرورة ان مقتضى اطلاق التعليل وان كان تمام الموضوعية والعلية التامة، لكن لا يقتضى ذلك انحصار العلة، فيمكن أن يقوم شئ آخر مقامها في نفى الجواز، واما لو اريد الاستدلال بانه إذا كان عدم الخروج من الارض المراد به بحسب ظاهر الروايات عدم الانقلاب منها علة لعدم جواز التيمم بالرماد، لا يمكن أن يكون التبدل والخروج من الارض ايضا علة لعدم الجواز، فالاستدلال على عدم جوازه بالمعادن بانها خارجة عن مسمى الارض ينافى مفاد الروايات، وبعبارة اخرى: ان التعليل وان لم يدل على الانحصار ويمكن قيام علة اخرى مقامها، لكن لا يمكن قيام نقيض العلة مقامها في العلية لشئ واحد فتدل الروايات على جوازه بكل ما خرج من الارض ولا يكون الخروج منها مانعا عنه. ان قلت: هذا إذا اريد بقوله: " لم يخرج من الارض " انه لم ينقلب منها، واما لو اريد منه انه لم تكن مادته من الارض فلا ينافى قول الفقهاء، بتقريب ان عدم الجواز معلول لعلتين: احديهما عدم كون مادة الشئ من الارض كما دلت الروايات والثانية عدم كون صورته من الارض أي الخروج من مسماها كما ذكره الفقهاء. قلت: لا يمكن جعل الشيئين علة فعلية لشئ الا إذا أمكن افتراقهما في


(1) المستدرك ابواب التيمم، ب 6، ح 2. (2) المستدرك ابواب التيمم، ب 6. ح 2.

[ 101 ]

الجملة، فإذا كان تبدل صورة الارض وعدم الخروج عن مادتها علتين لعدم الجواز، لا بد من الالتزام بانه إذا لم يخرج الشئ من الارض لا يجوز التيمم به، ولو صدق عليه مسماها وهو كما ترى ضرورة صحة التيمم بالتراب كتابا وسنة واجماعا ولو كان أصله غير الارض. ولو قيل ان الخروج من غير الارض أو عدم الخروج منها علة في صورة خروج صورته منها، يقال: ان تبديل الصورة الارضية بغيرها علة حسب الفرض، فعلية عدم الخروج من مادة الارض غير معقول، وجعلها لغو لو كانت مجعولة مضافا إلى ان التعليل في الروايات بعدم الخروج من الارض مع ان الرماد خارج عن مسماها ولا تصدق الارض عليه، يدل على ان ما هو العلة هو عدم الخروج من الارض لا عدم صدق الارض عليه، والا لكان الاولى بل المتعين التعليل به، بان يقال انه ليس من الارض فترك التعليل ما بالصفة النفسية، والتعليل باصله ومادته دليل على عدم علية الخروج عن مسماها له. فلو كانت الروايات حجة معتبرة لكان اللازم الالتزام بعدم مانعية تبدل صورة الارض، بل الاعتبار بالاصل والمادة لا بالصورة لامكان أن يقال بحكومة تلك الروايات على الاية الكريمة، والروايات الدالة على لزوم التيمم بالارض تأمل لكنها روايات ضعيفة سندا شاذة معرض عنه غير معول عليها. الثالث لا يصح التيمم بالرماد بلا اشكال ولا خلاف ظاهرا، لعدم كونه ارضا وتؤيده الروايات المتقدمة وكذا لا يجوز بالرماد الحاصل من الحجر والارض لعدم صدق الارض عليه، ولا اقل من الشك فيه، وعدم حجية الروايات الدالة على الجواز وعدم جريان الاستصحاب فيه لا موضوعا ولا حكما، لعدم وحدة القضية المتيقنة و المشكوك فيها فان الرماد حقيقة غير حقيقة التراب والحجر عرفا، وليس تبدلهما به تبدل صفة مع بقاء الذات، بل تبدل حقيقة بالاخرى عرفا وعقلا، فما هو حاصل بعد الاحتراق لا يكون بعينه ما هو قبله.

[ 102 ]

ولو قيل ان الرماد كان حجرا فصار رمادا، يراد به انه كان حجرا قبل تبدله و قد تبدل بشئ آخر أو يراد محفوظية المادة والهيولى لابقاء الحقيقة والتغير في الصفة نعم لو فرض في مورد عدم التبدل في الذات كالخزف والاجر ونحوهما فلا اشكال فيه، ومع الشك فلا مانع من اجراء الاستصحاب الحكمى دون الموضوعي. اما الاول فلان قوله صلى الله عليه وآله: " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا " ظاهر في المقام في انها مطهر ولا يراد منه انها طاهرة ولا مبالغة في الطهارة كما احتمال في قوله: " خلق الله الماء طهورا " فالاجر والخزف قبل طبخهما كانا طهورا بحكم الشارع، فشك في ذلك بعد طبخهما فيستصحب ولا يكون من الاستصحاب التعليقي، بل هو كاستصحاب كرية الماء وطهارته حيث كان الحكم الشرعي حصول الطهارة بالتيمم بهما، ولو كان المراد من قوله: " جعلت لى الارض طهورا " انه ان يتيمم بها تحصل الطهارة، و بعبارة اخرى يكون مفاده حكما تعليقيا فلا مانع من استصحابه ايضا، لانه في التعليقات الشرعية جار على ما هو المحقق في محله. واما عدم الجريان في الموضوعي فلان ذلك من قيل الشبهات المفهومية، كتردد مفهوم اليوم بين كونه موضوعا لامتداده إلى ذهاب الحمرة المشرقية أو إلى سقوط الشمس، فان من المعلوم ان الخزف ليس بتراب، ومعلوم انه خزف لكن يشك في صدق مفهوم الارض عليه من جهة الشك في ان مفهومها شامل لما طبخ اولا وفى مثله لا يجرى الاستصحاب لان مصب ادلتها هو الشك في بقاء الشئ بعد العلم به، وكذا لا يجرى الاستصحاب في الشبهات الحكمية التى من قبيلها، كما لو شكل في ان الكر شرعا عبارة عن ثلثة أشبار ونصف طولا وعرضا وعمقا، أو ثلثة اشبار، فإذا كان الماء بالمقدار المتيقن من الكر، ثم وصل إلى ثلثة أشبار لا يجرى استصحاب بقاء الكر، لان الموضوع معلوم أي يعلم انه ليس بالحد الاول، ويعلم انه بالحد الثاني، فليس الشك في بقاء ما علم، بل في تطبيق العنوان عليه شرعا، وفى ان الشارع جعل الكر أي الحدين وفى مثله لا يجرى الاصل.

[ 103 ]

الرابع يجوز التيمم بالجص والنورة قبل احتراقهما كما عن المشهور، لصدق عنوان الارض عليهما ولا مضايقة في صدق المعدن عليهما، لما عرفت من عدم دليل على اعتبار عدم المعدنية، بل المناط عدم الخروج عن مسمى الارض، فالمانع ان يدعى الخروج عن مسماها فهو محجوج بالعرف واللغة، وان يدعى معدنيتهما فهو محجوج بان المعدنية غير مضرة، واما التفصيل بين حال الاختيار والاضطرار فلا وجه له لانهما لو خرجا عن صدق الارض فلا يصح التيمم بهما مطلقا والا فيصح كذلك، ولا دليل على التفصيل فيهما كما في مثل الطين والغبار. نعم قد ذكرنا سابقا ان صحيحة رفاعة تشعر بالتفصيل بين التراب وغير، لكن قد عرفت ان الاظهر كونها في مقام بيان الترتيب بين اليابس والجاف والاجف، وكذا يجوز التيمم بهما بعد احتراقهما لصدق عنوان الارض وعدم الخروج عن مسماها بمجرد الطبخ، ومع الشك يرجع إلى الاستصحاب الحكمى لا الموضوعي كما مر. الخامس يشترط في ما يتيمم به ان يكون مباحا فلا يجوز التيمم بالمغصوب اجماعا كما عن التذكرة، وعقلا ان كان الضرب على الارض داخلا في حققته كما هو الظاهر، لعدم تعدد العنوان والجهة معه، وان أمكن أن يقال ان بين عنواني الضرب على الارض والتصرف في مال الغير عدوانا عموما من وجه، فهما عنوانان متصادقان على موجود واحد فما هو الحرام التصرف عدوانا، وما هو جزء التيمم هو الضرب على الارض وهو عنوان آخر غيره، ولهذ يفترقان بالضرب على الارض المباحة، وبالتصرف بغير الضرب في الارض المغصوبة تأمل. وكيف كان لو فرض صحته فبمقتضى القاعدة لكن الالتزام بها في غاية الاشكال بل غير ممكن لتسلمه بين الاصحاب، وللاجماع المدعى وان امكن المناقشة في مثل هذا الاجماع الذى للعقل فيه مدخل، ويمكن اتكال المجمعين على حكمه اما بعدم جواز الاجتماع وترجيح جانب النهى، أو دعوى ان المبعد لا يمكن أن يكون

[ 104 ]

مقربا ولو مع جوازه أو جهات اخر مر بيانها والجواب عنها، لكن مع ذلك لا محيص عما ذهب إليه الجماعة، الا ان ذلك فيما إذا كانت الارض مغصوبة، واما مع مباحيتها ومغصوبية الانية، أو المكان أو غيرهما فلا يبعد القول بالصحة على طبق القاعدة لبعد كون المسألة بالنسبة إلى تلك الفروع اجماعية والاحتياط سبيل النجاة. السادس يشترط في الارض الطهارة، فلا يصح التيمم بالتراب النجس اجماعا كما عن الغنية والتذكرة وجامع المقاصد وشرح الجعفرية، وعن المنتهى نفى الخلاف عنه وعن المدارك نسبته إلى الاصحاب وهو حجة. ويدل عليه قوله تعالى: " صعيدا طيبا " بناء على كونه بمعنى الطاهر كما عن ابن عباس، بل عن جامع المقاصد نسبته إلى المفسرين، ولا يبعد دعوى ظهوره فيه عرفا بعد عدم كون المراد منه المستلذ الذى قيل انه معناه الحقيقي بمناسبة الحكم والموضوع، وبكونه على الظاهر مساوقا للنظيف عرفا، الذى جعل مقابل القذر في بعض الروايات، أو يكون المراد منه مطلق النظيف خرج منه غير النجس اجماعا وبقى ماهوا المقابل للقذر. واحتمال كونه مقابل الخبيث كما في قوله " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذى خبث لا يخرج الا نكدا " فيكون المراد منه الارض النابتة يبعده ما مر من كون الصعيد هو مطلق وجه الارض بالشواهد المتقدمة، فلا يبعد دعوى أقربية ما ذكرناه اولا ولو بضميمة فهم المفسرين والفقهاء، مع ان الخبيث ليس لغة بمعنى الارض الغير النابتة، بل بمعنى الردى وما يساوقه والنجس ايضا خبيث والمناسبات المغروسة في الاذهان توجب تعين الطيب المقابل للخبيث في الطاهر المقابل له، وقد اشتهر النجاسات بالاخباث والطهارة من الخبث في مقابل الطهارة من الحدث. ويؤيد المطلوب بعض الروايات كمرسلة على بن مطر عن بعض أصحابنا " قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين؟ قال: نعم

[ 105 ]

صعيد طيب وماء طهور " (1) بناء على ان المراد ان الطين صعيد طيب وماء طهور. فان الظاهر منها ان السؤال من حيث صحة التيمم لا صيرورة بدنه نجسا للصلوة و الجواب عن هذه الجهة، فالرواية دالة على صحته به لكونه كذلك ولولا اعتبار الطهور في المتيمم به لا يكون وجه لتقييده بالطهور بل في نفس ذكر الطيب والطهور اشعار بذلك وما عن الفقه الرضوي: " الصعيد الموضع المرتفع عن الارض والطيب الذى ينحدر عنه الماء " وعن معاني الاخبار تفسير الطيب بما ذكر، والاخبار الواردة في ان الارض طهور أي طاهرة مطهرة أو مطهرة مع قضاء الارتكاز بان المطهر لابد وأن يكون طاهرا، والانصاف ان مجموع ما ذكر يوجب الاطمينان و ان أمكن الخدشة في غالبها، فلا ينبغى الاشكال في الحكم. السابع لو مزج ما يصح التيمم به بغيره، فان خرج عن صدق الارض باستهلاكه فيما لا يصح أو بالامتزاج على وجه لا يصدق عليه الارض وان لم يصدق عليه ما اختلط به ايضا فلا يصح التيمم به بلا اشكال ولا خلاف ظاهرا وهو واضح، وان لم يخرج عن مسماها باستهلاك غير الارض فيها، كما إذا امتزج كف من الرماد بامنان من التراب جاز بلا اشكال، للصدق حقيقة عند العرف من غير مسامحة، ويلحق به بعض الاجزاء الضعيفة التى لا يستهلك عرفا مثل الشعرة، وبعض ذرات التبن والحشيش مما لا ينفك عن الارض نوعا للانصراف وعدم فهم العرف من الصعيد والارض الا تلك الاراضي المتعارفة لا لصدق الارض على المجموع من التراب وغيره عرفا ضرورة ان الحبة الصغيرة كحبة الجاورس والخشخاش والاجزاء الصغيرة من التبن وغيره إذا كانت على وجه الارض لا يطلق على المجموع الارض أو التراب الا بنحو من المسامحة حتى في نظر العرف. وقد مر ان تشخيص موضوعات الاحكام مفهوما ومصداقا وان كان بنظر العرف لكن المعتبر لولا القرائن هو الدقة العرفية لا مسامحتها، من غير فرق بين التحديدات


(1) الوسائل: ابواب التيمم، ب 9، ح - 6

[ 106 ]

وغيرها فإذا وجب التيمم على الارض ولم تكن قرينة توجب الاكتفاء بالفرد المسامحى المجازى، لزم أن تكون الارض خالصة عرفا، ويصدق عليها عنوانها من غير مسامحة تحكيما لاصالة الحقيقة. ودعوى ان الاجزاء الصغار ليست ملحوظة لدى العرف بحيالها لكون المجموع مصداقا للصعيد في الفرض، ولا يعتبر أن يكون كل جزء جزء يفرض منه مما يقع عليه الاسم. غير وجيهة ضرورة ان كل جزء إذا لم يكن أرضا عرفا لا يمكن أن يكون المجموع ارضا الا بالمسامحة والتأول، والنقض بمورد الاستهلاك كالفرض الاول ليس على ما ينبغى، لان فرض الاستهلاك العرفي ينافى البقاء العرفي، وان كان المستهلك باقيا بالبرهان والعقل البرهانى، أو ترى الاجزاء بآلات مكبرة لكن العرف لا يرى المستهلك موجودا ولو بالدقة كاستهلاك الماء في اللبن، والمراد بالاستهلاك في الفرض الاول ذلك، فلو رؤيت الاجزاء وميزت يكون من قبيل الثاني، وبالجملة ان مصداق المفاهيم قد يكون عقليا برهانيا أو مشخصا بآلات غير عادية كالمكبرات وقد يكون عرفيا حقيقيا من غير مسامحة، وقد يكون عرفيا مسامحيا والميزان هو تشخيص العرف بالنظر الدقيق العرفي، ولا ريب في ان الارض إذا خالطها اجزاء صغار غير ارضية تدرك بالبصر لا يصدق على مجموعها الارض حقيقة بل الاطلاق بنحو من المسامحة وتنزيل الموجود الصغير منزلة المعدوم. ولهذا ترى ان العرف يفرق بين الموضوعات فيسامح في خليط التبن بما لا يسامح في خليط الحنطة ويسامح في خليطها بما لا يسامح في خليط الزعفران والذهب وذلك دليل على التسامح وغض البصر عن بعض الامور، لا لان صدق التبن على الخليط حقيقي بخلاف الزعفران، لكن قد تقدم وجود قرائن في بعض المقامات على ان الموضوع للحكم الشرعي هو الموضوع الذى يتسامح فيه العرف مثلا إذا اوجب الشارع في زكوة الفطر صاعا من الحنطة أو الشعير لا ينقدح في ذهن العرف من وجوب

[ 107 ]

صاع من الحنطة والشعير في زكوة الفطر الا ما هو المتعارف منهما في سوق البلد، لا الخالص الغير المتعارف،: فالتعارف يوجب الانصراف إلى مابين أيديهم من الافراد وتقع معاملاتهم عليه، كما ان بيع كر من الحنطة منصرف إلى المصاديق المتعارفة في سوق البلد، فلو كانت الافراد المتداولة مخلوطة بمقدار من غير الجنس لا يجب الاداء الا ما هو المتعارف، لا لاجل صدق كر من الحنطة حقيقة ومن غير تسامح على الناقص مع المتمم من غير جنسها، بل لاجل الانصراف إلى المتعارف وعدم اعتناء العرف بمثل هذا الخليط، وان لم يتسامح في الاجناس الغالية العزيزة. وفى المقام ايضا ينصرف الامر بالتيمم على الصعيد والتراب إلى ما هو المتعارف الذى لا ينفك عن الخليط بما ذكرناه وان لم يصدق عليه التراب أو الصعيد عليه من غير تسامح، ولهذا لو كان الخليط غير متعارف مقدارا أو جنسا كوقوع ذرات من الذهب على الارض لا يصح التيمم به لعدم تعارف مثل هذا الاختلاط بالأجنبي. وهذا هو السر في الافتراق بين الاختلاط بغير الارض مما هو متعارف وبين الاختلاط بغير المتعارف كالاختلاط بشئ من النجس، أو الاختلاط الاختياري بشئ غير الارض لعدم المناط المتقدم، وكذا الحال في أشباه المقام كاختلاط مقدار من التراب اختيارا في الحنطة لتميم الصاع، فان هذا النحو من الاختلاط غير متعارف لا ينصرف إليه الدليل بخلاف الاختلاط الطبيعي الغير المنفك، ولهذا يفترق بين اعطاء صاع من الحنطة في زكوة الفطر، وصاع من التمر لاختلاف تعارف الخلط فيهما، فلو كان التمر مخلوطا بمثل خلط الحنطة أي الخلط بالتراب والرمل لا يكتفى به في الزكوة، لاجل عدم التعارف، بخلاف اختلاطه بما هو المتعارف كالاخشاب الصغار من ساقاته وجذوعه. فتحصل من ذلك جواز التيمم بالتراب والارض المتعارف مما هو مخلوط بصغار التبن والحشيش وغيرهما مما لا ينفك منها غالبا، بخلاف الاختلاط بالأجنبي وما هو غير متعارف خلطا ومخلوطا وان كان صغيرا ومما ذكرنا يظهر النظر في كلام بعض أهل التحقيق ممن قارب عصرنا فراجع.

[ 108 ]

وليعلم ان ما ذكرنا في المقام مبنى على لزوم استيعاب جميع الكف الارض، لكن فيه كلام سيأتي التعرض له في محله. الثامن: يجوز التيمم بغبار الثوب ولبد السرج وعرف الدابة عند فقد الارض أو تعذر الاستعمال بلا اشكال نصا وفتوى، وعن المعتبر هو مذهب علمائنا واكثر العامة وتدل عليه صحيحة زرارة " قال: قلت لابي جعفر عليه السلام أرايت المواقف ان لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال: يتيمم من لبده أو سرجه أو معرفة دابته فان فيها غبارا ويصلى " (1). وموثقته عن أبى جعفر عليه السلام " قال: ان كان أصابه الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شئ معه (2) وان كان في حال لا يجد الا الطين فلا باس ان يتيمم منه " (3) وصحيحة رفاعة عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: إذا كان الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فليتيمم منه، قال: ذلك توسيع من الله عزوجل، قال: فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فيتيمم من غباره أو شئ مغبر، وان كان في حال لا يجد الا الطين فلا بأس أن يتيمم منه " (4). وصحيحة أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: إذا كنت في حال لا تقدر الا على الطين فتيمم به فان الله أولى بالعذر إذا لم يكن معك ثوب جاف أو لبد تقدر أن تنفضه وتتيمم به " (5). (وينبغى التنبيه على امور) منها: انه يظهر من تعليل صحيحة زرارة واطلاق قوله


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 9 - ح 1. (2) لا يبعد ان يكون " معه " مصحف مغبر ولقربهما في الكتب اشتبه الامر على النساخ و يؤيده صحيحة رفاعة الآتية (منه عفى عنه) (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 9 ح 2. (4) الوسائل ابواب التيمم ب 9 ح 4. (5) الوسائل ابواب التيمم ب 9 ح 7

[ 109 ]

أو شئ معه في موثقته عدم اختصاص الحكم بالامثلة المذكورة في النصوص بل لولاهما ايضا لا يفهم منها الا التمثيل واختصاص تلك الامثلة بالذكر، لاجل كون المحارب المفروض في الصحيحة الاولى، والمسافر الذى يكون ظاهرا مفروض ساير الروايات لا يكون معهم شئ مغبر نوعا الا ما ذكر فيها، فلا يستفاد منها التمثيل، وتلغى الخصوصية عرفا بلا اشكال، كما ان الظاهر من النص والفتوى عدم الترتيب بين المذكورات، فتقديم الثوب على اللبد أو العكس مما لا وجه له. ومنها هل جواز التيمم بالغبار مشروط بفقد التراب أو مطلق الارض كما نسبه في محكى التذكرة إلى علمائنا، وعن الكفاية انه ظاهر أكثر الاصحاب، وعن كشف اللثام كذلك تارة واخرى نسبته إلى الاصحاب. أولا فيصح التيمم به اختيارا كما عن السيد حيث قال: يجوز التيمم بالتراب وغبار الثوب، وعن المنتهى وارشاد الجعفرية تقويته لكن لا يستفاد من عبارتهما المنقولة ذلك بل يمكن أن يكون مرادهما جمع الغبار بمقدار يصدق عليه اسم التراب، وهى هذه: ان الغبار تراب فإذا نفض أحد هذه الاشياء عاد إلى اصله فصار ترابا مطلقا، بل يمكن ان يكون مراد السيد من قوله المتقدم هوا الجواز في الجملة ولم يكن بصدد بيان نفى الترتب وعرضية الجواز، وكيف كان فالمتبع هو الادلة المتقدمة الخاصة. واما مقتضى الاية الكريمة والروايات الدالة على ان التيمم بالارض والتراب عدم صحته بالغبار مطلقا، ولو في حال الاضطرار، لعدم صدقهما عرفا على الشئ المغبر أو الغبار الذى يعلو السرج واللبد، بل هو أثر التراب لدى العرف كالرطوبة بالنسبة إلى الماء. فلا بد من النظر في تلك الروايات. فنقول: ام صحيحة زرارة فلا حدان يقول ان مقتضى عموم تعليلها جواز التيمم بما فيها الغبار مطلقا، وفرض الراوى عدم القدرة على النزول لا يوجب تنزيل التعليل عليه فان المورد لا يقيد ولا يخصص اطلاق التعليل أو عمومه فكما نتعدى بعموم التعليل أو اطلاقه إلى كل ما فيه الغبار، ونتعدى إلى كل عذر مع ان المورد عدم القدرة على النزول

[ 110 ]

يمكن أن نتعدى بعمومه عن مورد التعذر إلى غيره بعد كون فرض التعذر في كلام الراوى فهو بمنزلة ان يقول: إذا لم يكن عنده تراب كيف يصنع؟ فأجاب بانه يتيمم بالحجر فانه أرض، حيث لا يبعد استفادة ان الارض كالتراب في صحة التيمم من غير ترتب بينهما. نعم لو كان تقديره في كلام الامام، كان ظاهرا في التأخر كما في قوله: " إذا كنت لا تجد الا الطين فلا بأس أن تتيمم به ". واحتمال التعدي ولو على هذا الفرض فلو قال إذا لم تجد التراب فتيمم بالحجر فانه أرض نحكم بجواز التيمم بالارض اختيارا. ضعيف للفرق بين قوله: " لا تشرب الخمر لانه مسكر " وبين قوله: " إذا لم تجد التراب " الخ فان الظاهر من فرض عدم التراب انه مع وجوده لا يجوز التيمم بغيره، نعم لازم التعليل التعدي من الحجر إلى غيره، لامن فرض العجز عن التراب إلى غيره. وهذا بخلاف ما يكون الفرض في السؤال وفى كلا الراوى لامكان القول بالتعدي وان تمام الموضوع للجواز هو مورد العلة. تأمل. هذا مع تسليم ان المفروض في الصحيحة عدم القدرة على التيمم بالارض لكنه ممنوع، بل المفروض فيها بحسب الظاهر المتفاهم عرفا عدم التمكن من النزول للوضوء، فان قوله: " ان لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول " ظاهر في انه لا يقدر على النزول للوضوء بقرينة ذكره. واما فرض عدم التمكن من النزول للتيمم أمر آخر لا بد من فرض فقدان الماء معه، ولم يفرضه مع ان فقدانه نادر، وعدم القدرة على النزول لصرف ضرب الكف على الارض نادر ايضا، بخلاف عدم القدرة للوضوء لاحتياجه إلى زمان معتد به. فتحصل من ذلك ان المفروض فيها العذر عن الوضوء فكأنه قال: إذا تعذر النزول للوضوء يتيمم بلبد سرجه، لان فيه غبارا فيدل على انه عند فقدان الماء يجوز التيمم بالغبار، ومجرد كون المورد من الذى لا يتمكن من التيمم على الارض

[ 111 ]

لو فرض فقدان الماء على فرض تسليمه لا يوجب تقييد الاطلاق، ورفع اليد عن التعليل بعد عدم فرض فقدان الماء. واما قوله في موثقة زرارة: " ان كان اصابه الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره " وان كان ظاهرا بدوا في الترتيب لكن يحتمل أن يكون المقصود التنبه بفرد مغفول عنه، فيكون المراد افادة صحة التيمم بالغبار لئلا يتوهم انه مع اصابة الثلج فاقد للمتيمم به لا لافادة الترتيب. ويؤيده بل يدل عليه انه لو كان بصدد افادة الترتيب كان عليه ان يقول ان لم يجد التراب فانه مع اصابة الثلج يمكن له تحصيل التراب والارض اليابس نوعا من غير حرج رافع للتكليف، خصوصا في المناطق الباردة التى تكون الارض تحت الثلج يابسة لمنع البرودة من ذوبان الثلج، وصيرورتها مبتلة فضلا عن صيرورتها وحلة، مع ان التيمم بالارض الندية جايز يدعى عليه اتفاق الاصحاب، ولا يصير تحت الثلج طينا أو وحلا الافى اوقات خاصة فتجويز التيمم بالمذكورات مع اصابة الثلج مطلقا دليل على كونه بها مصداقا اختياريا، وكون اصابة الثلج كناية عن عدم وجدان التراب والارض خلاف الظاهر مع وجدانهما نوعا، فلا يبعد أن يكون التعليق باصابته للتنبيه على انه لا يلزم مع اصابته ان يتكلف برفعه من الارض ويتيمم بما تحته، بل يجوز التيمم بغبار الثوب ونحوه، فان المكلف المأمور بالتيمم إذا أصابه الثلج يرى نفسه مكلفا وملزما بتحصيل التراب والارض برفع الثلج، وساير الموانع والتيمم بها، فيمكن ان يراد بذلك دفع توهم لزومه لا افادة الترتيب. ويؤيد ما ذكرناه من احتمال كون التعليق للارشاد بمصداق آخر اختياري مغفول عنه صحيحة رفاعة حيث أردف فيها قوله: " وان كان في ثلج " لقوله:! إذا كان الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه " فانه لايراد منه الترتيب بين أجف موضع من الارض وبين التراب، كما عليه الفقهاء فيكون المراد دفع توهم عدم جواز التيمم بالارض المبتلة، والارشاد إلى مصداق آخر مما يصح التيمم به اختيارا

[ 112 ]

فيمكن الاستيناس به للفرض الثاني. ويمكن الاستدلال عليه برواية ابن المغيرة " قال: ان كانت لارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم من غباره أو شى مغبر، وان كان في حال لا يجد الا الطين فلا بأس ان يتيمم به " (1) فان الظاهر من عطف شئ مغبر (باو) انه مع فقد التراب والماء في عرض الموضع الاجف، فمع البناء على ان الارض الندية في عرض التراب ويجوز التيمم بها اختيارا يتم المطلوب، الا ان المظنون حصول تقطيع في تلك الرواية وان أصلها هي صحيحة رفاعة المنقولة بتوسط ابن المغيرة، مع انها مقطوعة غير منسوبة إلى المعصوم ولعله فتواه. والانصاف انه لولا مخالفة الاصحاب، وعدم ثبوت مخالف في المسألة حتى السيد كما عرف لكان الجواز اختيارا غير بعيد، لكن بعد تسليم المسألة بينهم وبعد ظهور الاية الكريمة في تعين التيمم بالصعيد، وبعد ظهور الاخبار الكثيرة التى جملة منها ظاهرة في حصر المتيمم به بالارض، يمكن دعوى ان التجويز بالغبار من جهة انه ميسور الارض لكونه أثرها، ولهذا ترى ان مادلت على تجويزه به انما هي في موارد خاصة كالمواقف الغير القادر على النزول، والمصاب بالثلج والخائف من سبع وغيره، وليس في الروايات العامة الا التيمم بالارض والصعيد والتراب، فلو كان في حال الاختيار جايزا لكان في تلك الروايات الكثيرة خصوصا ما وردت في مقام الامتنان ذكر منه، فيحصل الاطمينان بما عليه المشهور. مع امكان ان يقال ان ما أنكرنا من دلالة الروايات على الترتيب مناقشات عقلية بعيدة عن الاذهان العرفية، والعرف يفهم منها مع خلو نفسه عن المناقشات العقلية الترتيب، ويشهد به فهم الفقهاء وأرباب اللسان. وبالجملة الظاهر من الروايات عرفا بعد تعليق الجواز على امور عذرية، ان التيمم به متأخر عن التيمم بالصعيد الذى هو التكليف الاولى كتابا وسنة، ولا ينقدح


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 9، ح 10.

[ 113 ]

في الذهن كونها في مقام بيان توسعة المصداق الاختياري، فالقول المشهور كونه أحوط هو الاقوى. ومنها: انه لا اشكال في اعتبار كون الغبار محسوسا على ذى الغبار بحيث يرى ظاهره مغبرا، ولا يكفى ضرب اليد على ما يكون الغبار كامنا فيه، وان أثار الغبار منه بالضرب عليه لعدم صدق التيمم بالغبار كما أمر به في موثقة زرارة وصحيحة رفاعة، ومقتضى ظاهر صحيحة أبى بصير قال فيها: " إذا لم يكن معك ثوب جاف اولبد تقدران تنفضه وتتيمم به " فان الظاهر ان النفض لان يظهر غباره على ظاهره، لعدم وجود ثوب أو لبد يمكن ان ينفض منه مقدار من الغبار يصح التيمم به اختيارا، فحمل الاشتراط عليه مرجعه إلى اشتراط لغو غير محقق المصداق فلا يفهم من قوله ذلك الا النفض لظهور الغبار ولو لاجل ندرة المصداق الاختياري أو فقدانه. ودعوى صدق التيمم على الغبار إذا ضرب يده على ذى غبار كامن فأثار منه في غير محلها. ضرورة ان الظاهر من الامر بالتيمم على الغبار أن يضرب يده عليه، ومع عدم كون ظاهره مغبرا لا يقع الضرب عليه، بل وقع على الثوب وبعده ظهر الغبار، نظير ما فرض ان يضرب على غير الارض فصار بالضرب أرضا، فصيرورة الشئ بعد الضرب مما يصح التيمم به لا يوجب صدق التيمم به وهو ظاهر، وعليها يحمل التعليل في صحيحة زرارة ان لم يكن بنفسه ظاهرا في كون ظاهرها مغبرا، كما انه عليها يحمل اطلاق رواية زرارة الضعيفة بأحمد بن هلال مع ان ارتكازية كون الغبار ميسور الصعيد لا يبعدان تمنع من اطلاقها، مضافا إلى ان اطلاقها بقتضى الجواز ولو لم يكن في اللبد غبار كامن وهو كما ترى. وكيف كان لا اشكال في المسألة ولا تحتاج إلى طول البحث، كما لا اشكال في لزوم كون الغبار مما يصح التيمم به، فلا يصح بغبار الدقيق والاشنان لانصراف الادلة وارتكازية كون الغبار ميسور الارض وأثرها فلا ينبغى الخلاف والاشكال فيه، ومقتضى اطلاق الادلة عدم الفرق بين مراتب ذى الغبار، واكثريته لا توجب التعيين بعد اشتراك

[ 114 ]

الكل في عدم صدق الارض عليه وصدق الغبار، والاحتياط حسن على كل حال. التاسع لا اشكال نصا وفتوى في جواز التيمم بالطين اجمالا، وانما الاشكال في امرين: (احدهما) في ان مقتضى الادلة العامة والخاصة هل هو جواز التيمم به اختيارا أو هو مترتب على مطلق وجه الارض ومصداق اضطرارى للمتيمم به، (وثانيهما) ان مقتضاها هل هو تقدمه على الغبار أو تأخره ولنبحث عنهما مع قطع النظر عن فتاوى الاصحاب. فنقول: مقتضى ظاهر الكتاب والنصوص الآمرة بالتيمم بالصعيد والارض جواز التيمم بما يصدق عليه عنوانهما، ولا ريب في ان الطين إذا كان غليظا غير رقيق يصدق عليه الارض وان لم يصدق عليه التراب، فالطين المتماسك الذى غلبت أجزاء أرضيته على مائيته أرض وصعيد بناءا على ما تقدم من كونه مطلق الارض ومجرد خروجه عن صدق التراب لا يوجب خروجه عن الارض، فاللبنة قبل جفافها وبعده أرض و ليست بتراب حتى بعد الجفاف كما ان الاواني المصنوعة من الطين قبل جفافها وبعده ارض وليست بتراب. نعم قد يكون رقيقا بحيث يخرج عن صدق الارض عليه أو يشك فيه كالوحل فان في بعض مراتبه لا يصدق عليه الارض ويشك فيه في بعضها، ولعل الطين أعم من الوحل. ويشهد لما ذكرنا من صدق الارض على الطين موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن حد الطين الذى لا يسجد عليه ما هو؟ فقال: إذا غرقت الجبهة ولم تثبت على الارض " (1) فان الظاهر منها جواز السجدة على الطين الغليظ المتماسك بحيث تستقر الجبهة عليه، ولا شبهة في ان جوازها لاجل كونه ارضا، بل لا يبعد دعوى استفادة كون ما تغرق الجبهة فيه أرضا منها، لجعل المانع منها عدم الاستقرار لا عدم الارضية وكيف كان لا شبهة في دلالتها على أرضية الطين الذى تستقر عليه الجبهة لتماسكها.


(1) الوسائل ابواب مكان المصلى: ب 9، ح 9.

[ 115 ]

وتدل عليه رواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام " قال: قلت رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع؟ قال: يتيمم فانه الصعيد " (1) نعم ربما يشعر قوله في مرسلة على بن مطر " صعيد طيب وماء طهور " (2) في خلاف ذلك لكن الظاهر منها ايضا جواز التيمم به لكونه صعيدا، واما قوله: " وماء طهور " فلا بد من رفع اليد عن ظاهره لعدم صدق الماء عليه بالبداهة، فلعل المراد انه صعيد طيب فيه ماء طهور لا يمنع عن التيمم به. تأمل. وكيف كان بناءا على صدق الارض على الطين ببعض مراتبه يجوز التيمم به اختيارا ولو كان بحيث تتلطخ اليد بالضرب عليه لظاهر الكتاب والسنة، فلا بد من قيام دليل على عدم الجواز يقيد اطلاقهما، وهذا بخلاف الغبار والوحل الذى لا يصدق عليه الارض فلا بد فيهما من قيام الدليل على صحته ويظهر مما ذكر تقدم التيمم بالطين على التيمم بالغبار بمقتضى الكتاب والسنة، للصدق في الاول دون الثاني. هذا حال الادلة العامة واما الادلة الخاصة فقد استدل على تأخر الطين عن الغبار فضلا عن الارض بروايات كموثقة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام " قال: ان كان اصابه الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شئ معه، وان كان في حال لا يجد الا الطين فلا بأس ان يتيمم منه (3) وقريب منها صحيحة رفاعة واماما جعلها في الوسائل رواية اخرى عن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام وهى الرواية الثالثة من الباب، فالظاهر انها قطعة من الرواية المتقدمة لا رواية مستقلة. ووجه الاستدلال بهذه الروايات قوله: " وان كان في حال " الخ حيث علق فيها جواز التيمم بالطين على عدم شئ يتيمم به ولو مثل اللبد والثوب، ومقتضاه تأخر رتبته عنه. وفيه ان الظاهر من قوله: " ان كان أصابه الثلج " بعد عدم جواز الاخذ باطلاقه كما


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 9 ح 5. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 9، ح 1. (3) الوسائل ابواب التيمم ب 9، ح 2.

[ 116 ]

مر في المسألة السابقة، هو كونه بحيث بتعدز أو يتعسر التيمم معه بالارض، أي لا يمكن رفع الثلج والتيمم بها، فيكون عدم امكان التيمم بالارض ولو كانت طينا مفروضا في الروايات، فكأنه قال: مع عدم المصداق الاختياري يتميم بالاضطراري وهو الغبار الذى مر أنه ليس بارض (فح) لا يجوز حمل قوله: " وان كان في حال لا يجد الا الطين " الخ على تعليق التيمم به على عدم الغبار، بل هو محمول على فقدان الارض غير الطين، بل بعد صدق الارض على الطين عرفا لا ينقدح في الذهن تأخره عن الغبار الذى هو فرد اضطرارى وليس بأرض فيوجب ذلك ظهورا فيما ذكرنا لو نوقش في ظهوره ذاتا في ذلك، مع ان المناقشة في غير محلها ظاهرا. نعم لو كان قوله: " ان كان اصابه الثلج " كناية عن فقدان الارض غير الطين، لكان لما ذكر وجه لكن لو كان المراد ذلك لكان ذكر المطر أولى، فذكر الثلج خصوصا في تلك الافاق التى لا ينزل فيها الثلج وترك المطر الذى هو أولى بالذكر لكثرة الابتلاء به واسرعيته في تطبين الارض دليل على ان له دخالة في الحكم وللامام عليه السلام عناية في ذكره، وليس فيه ما يوجب الخصوصية الا حيلولته عن الوصول إلى وجه الارض، فكأنه قال: إذا لم يمكن التيمم بالارض لاصابة الثلج وحيلولته يتيمم بالغبار، وان امكنه لكن لا يجد الا الطين فلا باس بالتيمم به، فتدل على تقدم الطين على الغبار. واما تقدم الارض الجاف على الطين فمبنى عل ان مفهوم " لا باس " الباس بمعنى الممنوعية واما إذا كان المراد التنزيه خصوصا في مثل التيمم بالطين مما يوجب تلطخ اليد والوجه، وربما ينافى النظافة المطلوبة فلا، ومع احتماله وعدم ظهوره في الاول لا يمكن رفع اليد عن اطلاق الادلة بها. وتدل على تقدم الطين على الغبار وعرضيته مع الارض رواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام " قال: قلت رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع؟ قال: يتيمم فانه الصعيد، قلت فانه راكب لا يمكنه النزول من خوف وليس هو على وضوء؟ قال:

[ 117 ]

إذا خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوات الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللبد و البرزعة ويتيمم ويصلى " (1) فقوله: فانه الصعيد اشارة إلى جواز التيمم به اختيارا لكونه الصعيد الذى أمر الله تعالى بالتيمم منه، ولا ريب في ان قوله: " فانه راكب " ظاهر في ان الداخل على الاجمة الكذائية راكب ويخاف على نفسه أن ينزل لكونها مأوى الاسد، والحمل على سؤال مستانف، خلاف الظاهر جدا (فح) تدل على تقدم الطين على الغبار. ويدل عليه ايضا اطلاق مرسلة على بن مطر عن بعض أصحابنا " قال: سالت الرضا عليه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين؟ قال: نعم صعيد طيب و ماء طهور " (2) والظاهر من قوله: " صعيد " الخ انه فرد اختياري لا منع من التيمم به والماء الذى فيه لا مانع منه. اما صحيحة أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام " قال إذا كنت في حال لا تقدر الا على الطين فتيمم به فان الله أولى بالعذر، إذا لم يكن معك ثوب جاف أو لبد تقدر أن تنفضه وتتيمم به " (3) فمع قطع النظر عن ساير الروايات ظاهرة في ان الطين فرد اضطرارى عذرى متأخر عن الافراد الاختيارية، وعن غبار الثوب أو اللبد الذى هو فرد اضطرارى ايضا لكن لا يبعد أن يكون التصرف فيها بحمل القدرة على النفض على ما إذا حصل به مقدار من التراب يمكن ايجاد الفرد الاختياري معه، خصوصا مع قوله: " إذا لم يكن معك " الخ عقيب قوله: " فان الله اولى بالعذر " فان ظاهره ان الطين مصداق عذرى دون التيمم بما نفض فانه مصداق غير عذرى، أهون من التصرف في ساير الادلة كقوله: " فانه صعيد " خصوصا مع بعد تقديم ما ليس بصعيد على الصعيد نعم ظاهرها ان التراب مقدم على الطين. هذا كله إذا اريد بالطين في جميع الروايات معنى واحد، لكن يمكن الجمع


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 9، ح 5. (2) مرت بعينها في صفحة 115 (3) مرت بعينها في صفحة 108

[ 118 ]

بينها بوجه آخر وهو حمل مادل على جوازه اختيارا على الطين الذى يصدق عليه انه صعيد بقرينة قوله في رواية زرارة: " انه صعيد " وحمل صحيحة أبى بصير على الوحل الذى يكون مصداقا عذريا بقرينة قوله: " ان الله اولى بالعذر " لعدم تناسبه مع الطين الصادق عليه الصعيد خصوصا مع جعله في الصحيحة متاخرا عن الغبار الذى لا تصدق عليه الارض بلا اشكال. وان شئت قلت: ان اطلاق صدرها وان يقتضى كون المراد بالطين أعم من الوحل ويمكن جعل قوله: " ان الله أولى بالعذر " دليلا على ان مطلق الطين فرد اضطرارى لكن كون التعليل بامر ارتكازى، وهو انه مع عدم امكان الصعيد والعذر منه يتيمم بالطين يمنع عن اطلاقه فيفهم منه ان المراد به مالا يصدق عليه الارض أي الوحل، خصوصا مع بعد تأخر الارض عن الغبار، فيكون مقتضى الصحيحة تأخر الوحل عن الغبار، و هي تصير قرينة على ساير الروايات كموثقة زرارة وصحيحة رفاعة ولو مع قطع النظر عن رواية زرارة ومرسلة ابن مطر. فتحصل مما ذكر ان مقتضى الجمع المذكور جواز التيمم بالطين الصادق عليه الارض اختيارا، وعند الاضطرار يقدم الغبار على الوحل الذى هو خارج عن مسمى الارض حفظا لظهور صحيحة أبى بصير، ولعل تعبيرات الفقهاء في المتون بالوحل للجمع المذكور، مع تطابق النصوص جميعا بذكر الطين وكان المناسب تبعيتهم لها في التعبير كما هو بنائهم في ساير الموارد غالبا خصوصا قدماء اصحابنا فرفع اليد عما في النصوص بعنوان مغاير في الجملة للطين، لا بد له من نكته لا يبعد أن تكون ما ذكرناه من الجمع. قال الشيخ في النهاية: فان كان في أرض وحلة لا تراب فيها ولا صخر، وكانت معه دابة فلينفض عرفها أو لبد سرجها وتيمم بغبرته فان لم يكن معه دابة، وكان معه ثوب تيمم منه، فان لم يكن معه شئ من ذلك وضع يديه جميعا على الوحل ويمسح احديهما بالاخرى وينفضهما حتى يزول عنهما الوحل ثم يتيمم، ولا يجوز التيمم بمالا يقع عليه اسم الارض بالاطلاق سوى ما ذكرناه " انتهى ".

[ 119 ]

وهى كما ترى تدل على ان الوحل بما لا يصدق عليه عنوان الارض لا يجوز التيمم به، فدلت على ان اختصاصه بالذكر لاجل عدم صدقها عليه، فذكر الوحل الذى هو الطين الرقيق، وترك مافى النصوص وتعليله ذلك دليل على عناية به ولعلها ما ذكرناه، والا فلا وجه لرفع اليد عن النصوص بما يخالفها، وقد عبد بالوحل في المراسم والوسيلة والشرايع والنافع والقواعد والتذكرة و المنتهى قائلا ولو لم يجد الا الوحل يتيمم به وهو مذهب علمائنا، وان عبر بالطين ايضا في خلال المسائل لكن الظاهر من تلك العبارة ان التيمم بالوحل مذهب علمائنا، وكذا عبر به في الارشاد والروض وعن الدورس وفى مفتاح الكرامة في ذيل قول الماتن ولا بالوحل، قال: أي لا يجوز التيمم بالوحل اختيارا كما صرح به المصنف وغيره، وفى مجمع البرهان عدم ظهور الخلاف فيه إلى آخر ما قال، حيث يظهر منه ان معقد عدم ظهور الخلاف عنوان الوحل. ولا اعتماد بتفسير المتأخرين المتون المشتملة على الوحل بالطين، فان الظاهر ان التفسير حسب اجتهادهم وعلى ما وجدوا النصوص كذلك. قال في مفتاح الكرامة: و الوحل هو الطين الرقيق كما نص عليه جماعة من الاصحاب، وهذا ايضا دليل على عناية منهم بذكر الوحل مقابل الطين. وكيف كان لا ريب في ان تطابقهم على التعبير به ليس من باب الاتفاق بلا عناية منهم بمعنى الوحل، مع ما عرفت من حكاية تفسير جماعة منهم بالطين الرقيق، ولا يمكن حمل كلامهم على ان المراد به الطين مع ما عرفت، ومع تفسير أئمة اللغة الوحل بالطين الرقيق. ففى الصحاح: الوحل الطين الرقيق. وفى القاموس: الوحل - ويحرك - الطين الرقيق ترتطم فيه الدواب، فما في مفتاح الكرامة حكاية عنه تفسيره بالطين مخالف لما فيه، وفسره في المنجد والمجمع بالطين الرقيق، وقد ذكر الفقهاء الموتحل و الغريق في باب صلوة الخوف قرينين، والمراد به من غرق في الوحل وهو الطين

[ 120 ]

الرقيق الذى يغرق الانسان فيه. ومع ما عرفت لا يمكن دعوى الشهرة أو الاجماع على تأخر الطين الغليظ المتماسك الذى يصدق عليه الارض عن الصعيد، فضلا عن تأخره عن الغبار، ولا أقل من الشك فيه ومعه لا يمكن رفع اليد عن اطلاق الكتاب والسنة، ومقتضى الجمع بين الادلة وان عبر بعضهم بالطين كالشيخ في الخلاف، بل ولو نوقش في ظهور الادلة فيما ذكرناه وفى اقتضاء الجمع المذكور، فلا أقل من أن ما ذكرناه احتمال مساو لما ذكروه، ودعوى الظهور فيما قالوا ممنوعة، فلا يجوز رفع اليد عن اطلاق الاية والروايات الصحاح، الا أن يمنع صدق الارض على الطين بجميع مصاديقه، أو يدعى انصراف الادلة إلى غيره وهما ممنوعان مردودان إلى المدعى. ثم ان مقتضى اطلاق الادلة انه ليس للتيمم بالوحل كيفية خاصة بل كيفيته هي المعهودة المتداولة في التيمم بالارض، نعم لا مانع من فرك الطين من اليد بل لا يبعد استحبابه ان قلنا باستحباب النفض بدعوى استفادته من أدلة النفض، ولعله مراد الشيخ المفيد (ره) كما انه ظاهر شيخ الطائفة في عبارته المتقدمة حيث قال: وضع يديه جميعا على الوحل ويمسح احديهما بالاخرى وينفضهما حتى يزول عنهما الوحل ثم يتيمم. فما نسب إليه من مخالفته للاصحاب ليس على ما ينبغى، بل لا يبعد أن يكون ذلك ايضا مراد صاحب الوسيلة، قال: فان لم يكن معه شئ من ذلك ووجد وحلا يتيمم منه وضرب بيديه عليه، وقد أطلق الشيوخ رحمهم الله ذلك على الاطلاق، والذى تحقق لى منه انه يلزمه أن يضرب يديه على الوحل قليلا ويتركه عليها حتى ييبس ثم ينفض عن اليد ويتيمم به " انتهى ". فان الظاهر من تعليق جواز التيمم بالوحل على عدم وجود شئ مما يتيمم به ان التيمم به بهذه الكيفية متأخر عن ساير المراتب. ولو كان مراده الحيلة إلى تحصيل التراب والتيمم به لم يكن وجه لذلك التعليق، فان التيمم بالتراب جايز كان أصله الوحل اولا، مع ان الظاهر منه ان كلامه في مقابل اطلاق الاصحاب في كيفية

[ 121 ]

التيمم لبيان لزوم النفض، والظاهر رجوع الضمير في قوله: " ويتيمم به " إلى الوحل لا إلى المنفوض تأمل. وكيف كان فالمتبع هو اطلاق الادلة، ثم ان في لزوم تلك الحيلة أو مثلها لتحصيل التراب كلاما ربما يأتي في ذيل مسألة جواز التيمم في سعة الوقت. تتميم الظاهر انحصار ما يتيمم به ولو اضطرارا بما ذكر، ومع فقده يكون فاقد الطهورين وحكى عن ظاهر السيد وابن جنيد وسلار التيمم بالثلج واستدل عليه بصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل أجنب في سفر ولم يجد الا الثلج أو ماء جامدا؟ قال: هو بمنزلة الضرورة يتيمم ولا أرى أن يعود إلى هذه الارض التى توبق دينه " (1) بدعوى ان الظاهر منها عدم وجدان شئ مما يتيمم به اختيارا واضطرارا، فيكون الظاهر من قوله " يتيمم " انه يتيمم بالثلج ويشهد له قوله: " ولا أرى أن يعود " الخ فان التراب احد الطهورين ومعه لا يوبق دينه. وفيه: ان الظاهر من قوله " ولم يجد الا الثلج أو ماءا جامدا " هو عدم وجدان الماء لا عدم وجدان الارض ولا الطين ولا الغبار، وقوله: يتيمم في مقام الجواب أي إذا لم يجد ماء وكان الماء جامدا يتيمم. وعدم ذكر ما يتيمم به لاجل وضوحه بنص الكتاب والسنة ولو كان المراد التيمم بالثلج كان عليه التصريح مع كونه مخالفا لما ذكر، وقد مر دلالة ذيلها على عدم جواز تحصيل الاضطرار عمدا والتيمم بالتراب وقوله: " لا أرى أن يعود " الخ أي لا يعود إلى أرض لا يجد فيها ماء للطهارة، ومجرد كون التراب أحد الطهورين لا يوجب جواز تحصيل الاضطرار كما مر في أوائل هذه الوجيزة: واما التمسك بقاعدة الاحتياط والشغل وقوله: " الصلوة لا تترك بحال " فهو كما ترى مع حكومة " لا صلوة الا بطهور " على مثل " الصلوة لا تترك بحال "، لو سلم وروده


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 9 ح 9

[ 122 ]

مع انه لا يوجب طهورية ما ليس بطهور، بل مقتضاه عدم سقوط الصلوة مع فقد الطهور لا جعل ما ليس بطهور طهورا، وسيأتى تتمة لذلك في محله انشاء الله. وعن المفيد في المقنعة: وان كن قد غطاها الثلج ولا سبيل إلى التراب فليكسره وليتوضأ به مثل الدهن " انتهى " وفيه: انه ان كان مراده بالتوضى مثل الدهن هو مسح الاعضاء بدل الغسل بدعوى انه ميسوره فانه عبارة عن ايصال الماء واجرائه عليه، و مع عدم امكان ذلك لا يسقط ميسوره، وهو ايصال رطوبة الماء وبلته إلى العضو ومسحه به كما تشهد به رواية عبد الاعلى، " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج امسح عليه " (1) فإذا كان المسح على المرارة ميسور المسح على البشرة لانحلال المسح عليها إلى الامرار و مماسة الماسح للممسوح، فإذا رفعت المماسة للحرج بقى الامرار على الملاصق بالعضو، لارتكازية قاعدة الميسور يكون المقام كذلك جزما. فيرد عليه بعد الغض عن سند القاعدة وعدم ثبوت جبره وعدم ثبوت كونها عقلائية يتكل بها العقلاء في امورهم، ان عنوان المسح مقابل بل مباين للغسل، ولا يكون ميسوره عرفا، ولا يعتنى العرف بهذه التحليلات العقلية، مع ان الغسل بالماء لا ينحل إلى وصول الرطوبة التى ليست بماء، بل أثره عرفا ومغاير له ذاتا، فلا مجال للتمسك بالقاعدة في مثله. واما رواية عبد الاعلى وان كانت موهمة لذلك لكن التأمل فيها يدفع التوهم فان المفروض فيها حكمان: احدهما عدم لزوم المسح على البشرة، والثانى لزوم المسح على المرارة وما يعرف من كتاب الله، أي آية عدم جعل الحرج التى تمسك بها أبو عبد الله عليه السلام هو الحكم الاول، ضرورة ان المستفاد منها ليس الا عدم جعل التكاليف الحرجية، واما جعل البدل وبقاء الوضوء المركب من المسح والغسل بعد تعذر بعض اجزائه، فلا يكاد ان يستفاد ويعرف منها، مضافا إلى وضوح عدم كون المسح على المرارة ميسور


(1) الوسائل ابواب الوضوء ب 39، ح 5

[ 123 ]

المسح على البشرة، فلو صح التقريب والتحليل المتقدم لصح ان يقال ان المسح على البشرة منحل إلى اصل المسح، وكونه باليد وكونه على البشرة، وكونه باثر الماء المنحل إلى مطلق المايع والخصوصية، فإذا تعذر الجميع يجب المسح ولو بأثر مايع غير الماء على غير البشرة وبغير آلية اليد وهو كما ترى. وبالجملة ان المسح على الخرقة ليس ميسور المسح على الرجل، ولو كانت الخرقة متصلة وملصقة بها، والظاهر ان استناده على الاية انما هو للحكم الاول أي عدم لزوم المسح على البشرة، وقوله امسح عليه خصوصا عقيب التمسك بها حكم تعبدي آخر لا يمكن معرفته منها. فتحصل مما ذكر ان التمسك بالقاعدة لتبديل الغسل بالماء بالمسح بالثلج في غير محله، وقد يتوهم دلالة طائفة من الروايات على جواز الاغتسال والتوضى مسحا بدل الغسل كصحيحة على بن جعفر ورواية معاوية بن شريح وسيأتى حالها عن قريب. وان كان مراده من التوضى بمثل الدهن الاكتفاة بأقل مراتب الغسل كما هو مقتضى الروايات في الوضوء، فيرد عليه انه مع امكان الوضوء به بلا حرج كما هو كذلك في الوضوء نوعا، فلا وجه لتأخره عن التراب ومع حرجية لا يجب ويكون فاقد الطهورين. وقد يوجه قوله بان التيمم في موارد الحرج لما كان رخصة لا عزيمة يجوز تحمل المشقة بالوضوء والغسل مع حرجيتهما، ويجوز تركهما والتيمم، وجعل ما ذكر وجه الجمع بين طائفة من الروايات، كروايتي محمد بن مسلم ومعاوية بن شريح و صحيحتي على بن جعفر، وبين صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بحمل ما عدى الاخيرة على جواز الوضوء والغسل مع حرجيتهما والاخيرة على جواز التيمم وعدم تعينه، وقد تقدم كون ما يرفع بدليل الحرج عزيمة لا رخصة بما لا مزيد عليه. والاولى في المقام نقل الروايات حتى يتضح حال التوهم المتقدم أي تبديل الغسل بالمسح، والدعوى المتقدمة في توجيه كلام الشيخ المفيد رحمه الله

[ 124 ]

فعن محمد بن مسلم " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في السفر لا يجد الا الثلج قال يغتسل بالثلج أو ماء النهر " (1) وعن معاوية بن شريح " قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وانا عنده فقال يصيبنا الدمق والثلج ونريد ان نتوضا ولا نجد الا ماء جامد افكيف أتوضأ ادلك به جلدى؟ قال: نعم " (2) وفى صحيح على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام " قال: سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا أيهما أفضل أيتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال: الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل فان لم يقدر على ان يغتسل به فليتيمم وقريب منها روايته الاخرى. وقد يتوهم منها خصوصا من رواية معاوية وجوب المسح بالثلج في صورة فقدان الماء وعدم امكان الغسل، وفيه مالا يخفى، اما قوله في رواية ابن مسلم " يغتسل بالثلج أو ماء النهر " فهو ظاهر في ان الاغتسال بهما سواء، وهو خلاف المطلوب مضافا إلى ان مسح الثلج بالبشرة غير الاغتسال به بالبداهة، والظاهر ان مراده من الاغتسال به هو دلكه على الجسد بنحو يحصل به أقل مراتب الغسل، وقد تقدم في باب الوضوء والغسل ان المعتبر في مهيتهما ليس الا أقل مراتب الجريان ولو باعانة اليد، وليس الغسل فيهما كالغسل عن القذرات كما هو المصرح به في الروايات، وبالجملة ان المتفاهم من هذه الرواية اعتبار تحقق عنوان الغسل، وهو موقوف على اجراء ماء الثلج على البشرة في الجملة ولو بالدلك واعانة حرارة البدن. واما رواية ابن شريح فليست في مقام بيان كفاية المسح عن الغسل بل بعد فرض ارادة الوضوء المعهود بين المسلمين المصرح به في الكتاب والسنة، وهو الغسلتان و المسحتان، سئل عن نحو تحصيله بنحو دلك الماء الجامد على العضو، فالسؤال عما


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 10، ح 1. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 10، 2. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 10، ح 3.

[ 125 ]

يتوضا به لا عن تبديل الوضوء بغيره كما لا يخفى على المتأمل، ولعل احتمال اعتبار كون ما يتوضأ به قبل الغسل به ماءا مطلقا، أو احتمال لزوم اجراء الماء على العضو كاجرائه في باب غسل القذارات صار منشئا لسئواله. واما صحيحة على بن جعفر فلو لا ذيلها لكانت ظاهرة فيما يتوهم على تأمل فيه ناش من ان ارتكازية اعتبار الغسل في مهية الاغتسال تمنع عن ظهور قوله: " إذا بل رأسه وجسده " في الرطوبة التى لا يحصل منها أقل مراتب الغسل، لكن صراحة قوله: " فان لم يقدر ان يغتسل به فليتيمم " رافعة للتوهم والاجمال على فرضه، بل هو حاكم على الظهور البدوى للصدر لو سلم ذلك هذا حال التوهم المتقدم. واما الدعوى المتقدمة فصحتها مبنية على أن يكون الموضوع في تلك الروايات فرض حرجية الوضوء والغسل، فيقال ان تجويزهما مع فرضها دليل على كون السقوط رخصة لا عزيمة، فيحمل الامر بالتيمم في صحيحة ابن مسلم عليه فيكون ذلك طريق جمع بين الروايات. وفيه: منع كونها في مقام بيان حال حرجيتهما بل هي في مقام بيان حكم آخر بخلاف صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، اما رواية ابن مسلم وان كان ظاهر صدرها السؤال عن تكليفه عند عدم وجدان غير الثلج فيكون مطابقا لصحيحته في ذلك، لكن الظاهر من الجواب بيان كون الاغتسال بالثلج وبماء النهر سواء، فهو في مقام بيان صحة الاغتسال به كالاغتسال بماء النهر. واما لزومه أو جوازه فلا يفهم منه لعدم كونه من هذه الجهة في مقام البيان، فهو كقوله ابتداءا: ان الوضوء بالثلج كالوضوء بماء النهر، لا يدل الا على التسوية بينهما، واما مع حرجيته فيجوز أو يجب، فلا يستفاد من مثله. مع انه على فرض تسليم شموله لحال الحرج يكون اطلاقا يجب تقييده بأدلة الحرج الحاكمة على المطلقات ودعوى كون المفروض حرجية الاغتسال ممنوعة واما رواية ابن شريح ففى مقام بيان جواز الوضوء بذلك الثلج على العضو، ولا

[ 126 ]

اشعار فيها على فرض الحرج كما لا يخفى مع ان الوضوء بالثلج ليس حرجيا نوعا، و كيف كان لا يمكن الاتكال عليها للمدعى. كما ان صحيحة على بن جعفر ايضا تكون في مقام بيان حكم آخر، وهو أفضلية التيمم أو المسح بالثلج فلا يكون المفروض فيها حرجية، والاستدلال بقوله أفضل الظاهر في كون التيمم ايضا جائزا ولو كان مفضولا، وان لا يخلو من وجه، لكن مع قرب احتمال ان ذكره لاجل وجوده في السؤال لا لاجل عناية بصحة التيمم في الفرض، ولهذا قال في ذيلها: فان لم يقدر أن يغتسل به فليتيمم الظاهر في ان التيمم انما هو مشروع مع عدم القدرة، كما هو المرتكز في الاذهان والمستفاد من الكتاب والسنة كما تقدم لا يفهم منه ما يدعى، وليس الافضل في هذه الرواية الا كقوله في صحيحة ابن سنان الواردة في خوف العطش: " فان الصعيد أحب إلى " وكقوله في رواية ابن ابى يعفور مع فرض كون الماء بقدر شربه " يتيمم افضل ". والانصاف انه لا يمكن رفع اليد عما تقدم من ضروب الاستدلال كتابا ورواية على كون السقوط في مورد الحرج عزيمة بمثل هذا الاشعار الضعيف، وبما ذكرنا يرفع التضاد والمعارضة المتوهمان بين تلك الروايات وبين صحيحة محمد بن مسلم الظاهرة في ان موردها حرجية الغسل بوجوه فتدبر. المبحث الثالث في كيفية التيمم وان كان الترتيب يقتضى ان يذكر اولا ماله دخل في مهية التيمم من الاجزاء المقومة لها، ثم ذكرت شروطها وما هي خارجة عن حقيقتها، لكن وقع خلاف الترتيب تبعا لبعض المتون والامر سهل، وكيف كان يعتبر في التيمم امور: الاول النية وقد فرغنا من المباحث المتعلقة بها في مبحث الوضوء ونتعرض في المقام لبعض المباحث المتعلقة بخصوص التيمم.

[ 127 ]

منها ان مقتضى ما حقق في محله من اصالة التوصليه في الاوامر، اما للاطلاق اللفظى لجواز أخذ جميع القيود حتى ما تاتى من قبل الاوامر في متعلقاتها كما هو التحقيق، واما للاطلاق المقامى بعد كون بيان جميع القيود الدخيلة في المتعلقات المؤثرة في حصول الغرض من وظائف المولى، وامكان بيانها بدليل منفصل عدم وجوب شئ في التيمم سوى الضرب والمسحات المأخوذة في الادلة كتابا وسنة، ولا اشكال في اطلاق طائفة من الروايات. كموثقة زرارة عن أبى جعفر في التيمم " قال: تضرب بكفيك الارض ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك " (1) وقريب منها صحيحة المرادى (2) وكبعض ما وردت في قضية عمار بن ياسر وغيرها، بل الظاهر اطلاق الآية الكريمة ايضا كما يشهد به بعض ما ورد من تمسك المعصوم بالخصوصيات المأخوذة فيها مما لا مجال له الا للاطلاق، لكن يجب الخروج عن مقتضى الاطلاقات بقيام الاجماع بل الضرورة على عبادية التيمم ولزوم النية والاخلاص فيه. وقد مر في بعض المباحث السالفة وفى بحث الاصول ان مناط عبادية الطهارات الثلاث ليس الاوامر الغيرية من غاياتها، ولو قلنا بوجوب المقدمة مع بطلانه ايضا، وان عباديتها في رتبة سابقة على تعلقها على الفرض. وكيف كان لا شبهة في اعتبار النية في التيمم وقد تظافرت دعوى الاجماع عليه كما عن الغنية ونهاية الاحكام والذكرى وارشاد الجعفرية والمدارك وكشف اللثام بل عن المعتبر والتذكرة وجامع المقاصد وروض الجنان اجماع علماء الاسلام عليه. وعن المنتهى لا نعرف فيه خلافا، وبه قال أهل العلم سوى ما حكى عن الاوزاعي و الحسن بن صالح بن حى بل لزوم النية قصد القربة والاخلاص فيه وفى اخويه ضروري في الفقه، ولزوم الاخلاص في العبادة مستفاد من السنة المستفيضة.


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 7. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 12، ح 2.

[ 128 ]

واما اعتبار قصد الوجه والتنجيز في النية وغيرهما كقصد البدلية فلا دليل عليه بل مقتضى الاطلاق عدمه، ولو قلنا بان التيمم بدل عن الوضوء والغسل، فان عنوان البدلية بناء عليه ثابت لنفسه من غير دخالة للقصد فيه بل في امكان ذلك تأمل واشكال مع انه لا دليل على كونه بدلا منهما، خصوصا ان اريد بالبدلية كون التيمم بدل الطهور فانه مخالف للادلة ومجرد كونه أمرا ثابتا في حال الاضطرار ومصداقا اضطراريا لا يستلزم البدلية فانها امر زائد عليه، فان اريد بالبدلية كونه مصداقا اضطراريا ولهذا يقال انه بدل اضطرارى. فهذا امر لا معنى للنزاع فيه ولا مشاحة في الاصطلاح، وان كان المراد بها امرا زائدا على ذلك وعنوانا ملازما للمصداق الاضطراري فهو ممنوع، فان المصداق الاضطراري يمكن ان يكون مستقلا في التأثير في ظرفه لا نائبا عن غيره وبدلا عنه فلا ملازمة بينهما عقلا ولا عرفا. ودعوى استفادة ذلك من بعض الاخبار كصحيحة حماد بن عثمان " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلوة؟ فقال: لا هو بمنزلة الماء " (1) وصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " قال: قلت له: كيف التيمم؟ فقال: هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة " (2) وموثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن التيمم من الوضوء والجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ فقال: نعم " (3) مدفوعة لان كونه بمزلة الماء في جواز اتيان الصلوات الكثيرة به لا يلازم كونه بدلا منه، فان وحدة منزلة شيئين في حصول امر لو لم نقل بكونها دليلا على استقلال كل في حصوله، لا يكون دليلا على نيابة أحدهما عن الاخر أو بدليته. وبالجملة لا يستفاد منه الا كون التيمم مثل الوضوء في الحكم المذكور أو مطلقا نظير قوله: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى " فان كون أمير المؤمنين بمنزلة


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 20، ح 2 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 12 ح 4. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 12، ح 6.

[ 129 ]

هارون عليهما السلام لا يستلزم نيابته عن هارون واصالة هارون في نبابته عن موسى وعدم اصالة المولى عليه السلام في نيابته عن رسول الله صلى الله عليه وآله. واما الرواية الثانية فلا اشعار فيها للمدعى فان كون التيمم للوضوء لا معنى له بحسب ظاهره، والظاهر ان ذكر الوضوء وغسل الجنابة لمجرد المعرفية عن التيمم الذى هو للحدث الاصغر والاكبر فلا يستفاد منه البدلية بوجه. وكذا لا تستفاد من الثالثة لان قوله من الوضوء لولا تعقبه بقوله والجنابة وعن الحيض لا يبعد ظهوره في البدلية، وان كان وقوعه في لفظ الراوى لا يفيد شيئا، وليس قول الامام تقريرا لذلك، لكن مع تعقبه به يدفع ذلك والانصاف ان تلك الروايات لا تكون في مقام افادة بدلية التيمم واصالة الوضوء والغسل، بل هي بصدد مجرد المعرفية نظير قوله في صحيحة محمد بن مسلم بعد بيان التيمم " ثم قال: هذا التيمم على ما كان فيه الغسل " الخ بل الظاهر من مثل قوله، " التراب احد الطهورين " وقوله: " ان الله جعلهما طهورا: الماء والصعيد " عدم البدلية ثم انه لا يبعد أن يكون القائل بكون التيمم مبيحا لا رافعا هو القائل ببدليته بان يقول ان المعتبر في الصلوة هو الطهور، وهو لا يحصل الا بالوضوء والغسل، واما التيمم فبدل عن الطهور لا موجب له ورافع للحدث والا فلو قيل بحصول الطهور منهما لا معنى للبدلية، وسيأتى في المسألة الاتية ما هو التحقيق. ثم ان ما ذكرنا هيهنا من انكار البدلية بالمعنى المتقدم لا ينافى ما سيأتي منا كرارا من التمسك باطلاق البدلية وعموم المنزلة كما يظهر بالتأمل. ومنها صرح غير واحد بل ادعى الاجماع جماعة بان التيمم ليس برافع للحدث بل هو مبيح فلا يجوز فيه نية الرفع، وقد استدل عليه بعد الاجماع ببعض وجوه عقلية سيأتي الكلام فيها وفى حال الاجماع المدعى. وليعلم انه لا ريب في ان المستفاد من الاخبار استفادة قطعية بان التيمم طهور كما ان الوضوء والغسل كذلك، كقوله: انه أحد الطهورين، وان رب الماء هو رب الصعيد

[ 130 ]

وان الله جعلهما طهورا الماء والصعيد وانه بمنزلة الماء، وجعلت لى الارض مسجدا و طهور أو ان المتيمم فعل أحد الطهورين، وان التيمم بالصعيد لمن لم يجد الماء كمن توضأ من غدير ماء، وان الصعيد طهور المسلم ان لم يجد الماء عشر سنين، وان التراب طهور المسلم ولو إلى عشر سنين إلى غير ذلك. مع طهور الاية الكريمة فيه صدرا وذيلا فان الظاهر عرفا من جعل التيمم في مقام الضرورة شرطا للصلوة انه في حاله يفيد فائدة الوضوء والغسل ولو بمرتبة نازلة منها، لاكونه أجنبيا منهما ومن أثرهما، كما هو الظاهر في امثال المقام، فلو قال الطبيب اشرب الدواء الكذائي ولو لم تجده اشرب كذا، يفهم انه يفيد فائدة الاول ولو بمرتبة ناقصة منه، وهذا واضح ولو مع الغض عن قوله تعالى: " ولكن يريد ليطهر كم " فانه كالنص في ذلك ودعوى كونه مربوطا بالصدر أي الوضوء والغسل كما ترى. نعم في مقابل ما عرفت بعض روايات ربما يدعى دلالتها على عدم طهوريته كصحيحة الحلبي " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الارض وليصل فإذا وجد ماء فليغتسل وقد اجزأته صلوته التى صلى " (1) ومثلها صحيحة ابن سنان فان التيمم لو كان طهورا لم يقل لم يجد طهورا مع اشعار الاجزاء به ايضا. وفيه بعد كونه من قبيل مفهوم القيد الذى لا نقول بحجيته، ولما لم يكن التيمم طهورا مطلقا كالماء كان الكلام مصونا عن لغوية ذكره - أن مثله لا يقاوم الادلة الناصة على طهوريته، ودعوى اشعار ذيلها بذلك كما ترى، بل يمكن دعوى الاشعار أو الدلالة بتحقق الشرط الذى هو الطهور. ومنه يظهر الحال في موثقة يعقوب بن سالم حيث قال فيها " قد مضت صلوته


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 14: ح 4 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 14 ح 7.

[ 131 ]

وليتطهر (1) وكذيل صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " ومتى اصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا والوضوء ان لم تكن جنبا " (2) وفيه عدم ظهوره في ان اطلاق الجنب عليه انما هو في حال التيمم فانه كان جنبا قبل التيمم، فصح اطلاقه عليه بلحاظه ولا ظهور له في اتصال زمان وجدان الماء لصفة الجنابة نعم ظاهره كونه قبل وجدانه جنبا فلا يصح الحمل على الجنابة الحاصلة بعد وجدانه. وكموثقة ابن بكير عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قلت: رجل أم قوما وهو جنب وقد تيمم وهم على طهور؟ فقال لا بأس " (3) بدعوى اطلاق الجنب عليه حتى مع تيممه، فان الظاهر منها انه امهم مع كونه جنبا، وايضا جعله مقابل القوم وهم على طهور، و فيه: أن قوله " وهو جنب وقد تيمم " ليس معناه انه جنب حتى مع التيمم، بل المراد انه جنب فتيمم، فأم قوما مع التيمم فلم يظهر منه انه جنب حتى حال التيمم والصلوة، والانصاف ان السائل انما هو بصدد استفهام جواز اقتداء المتوضى بالمتيمم من دون نظر إلى بقاء جنابته حال التيمم اولا، وأجابه عن ذلك من غير نظر إلى غيره، وقوله: " وهم على طهور " قدمر جوابه. هذا مع ان اطلاق ابن بكير وجعله مقابلا لما ذكر ليس بحجة والامام عليه السلام ليس الا بصدد بيان حكم الاقتداء فلم يظهر منه تقريره لما فهمه، مضافا إلى عدم مقاومة أمثال تلك الاشعارات التى لم تصل إلى حد الدلالة لما تقدم. وقد ورد في هذا الموضوع حسنة جميل بن دراج أو صحيحته تكشف المراد من مثل موثقة ابن بكير (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام عليه امام قوم أصابته جنابة في السفر وليس


(1) الوسائل ابواب التيمم. ب 14. ح 14. (2) الوسائل أبواب التيمم ب 19، ح 4. (3) الوسائل ابواب صلوة الجماعة، ب 17، ح 3.

[ 132 ]

معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلى بهم؟ قال: لا ولكن يتيمم الجنب ويصلى بهم فان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) فنفى البأس في موثقة ابن بكير انما هو لاجل كون التراب طهورا كالماء فلا اشكال في المسألة من هذه الجهة. انما الاشكال من جهتين اخريين (الاولى) هي الاشكال العقلي المعروف وهو ان التيمم إذا كان رافعا ومفيدا للطهارة لا يمكن ان ينتقض بوجدان الماء الذى ليس بحدث اجماعا، مع ان وجدانه لو كان حدثا لزم المساواة في الموارد. لانه اما حدث أصغر يوجب الوضوء أو اكبر يوجب الغسل، مع انه بانتقاض التيمم ترجع الحالة الاولى جنابه أو حيضا أو حدثا آخر وهو دليل على عدم كونه رافعا. ويمكن دفع الاشكالين بان الظاهر من الاخبار في الابواب المتفرقة ان الحدث مانع عن الصلوة سواء في ذلك الحدث الاصغر والاكبر، وايجاب الوضوء والغسل لتطهير الحدثين، ومنزلتهما كمنزلة الماء في تطهير الفذارات الصورية، وعود المحل إلى حالته الاصلية. وهذا في الحدث الاكبر واضح، ضرورة ان المكلف الذى لم يحصل له اسباب الجنابة وغيرها من ساير الاحداث الكبيرة تصح صلوته، فلو كان شرط الصلوة أمرا وجوديا وكمالا نفسانيا يحصل بالغسل لكان اللازم على المكلف الغسل ولو مع عدم حصول الاسباب. والقول بكونه واجدا له قبل حصولها وهى صارت موجبة لزواله والغسل موجب لعوده كما ترى، والمتدبر في الروايات خصوصا ما تعرضت لعلل الغسل والوضوء لا يكاد يشك في ان الجنابة حالقة قذارة تحصل باسبابها، والغسل تطهير من الجنابة وتلك القذارة وكذا الحال في الوضوء، بل اطلاق الطهور على الغسل والوضوء وكذا على الماء ليس الا كاطلاقه على الماء بالنسبة إلى رافعيته للقذارات الصورية، لان معنى التطهير التنظيف المساوق لازالة القذارة، والاشياء غير الاعيان النجسة نظيفة بحسب ذاتها، و


(1) الوسائل ابواب التيمم: ب 24، ح 2.

[ 133 ]

انما عرضت لها القذارة، بملاقاتها والماء طهور لها وموجب لعودها إلى الحالة الاصلية وحال الوضوء والغسل الطهورين من الاحداث، والقذارات المعنوية حال الماء الطهور من القذارات الصورية. ويظهر ذلك بالتأمل في الاية الكريمة حيث قال تعالى: " وان كنتم جنبا فاطهروا " أي من الجنابة. وكذا يظهر من قوله: " إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا) الخ المفسر بانه إذا قمتم من النوم فيظهر منه ان الوضوء لرفع حدث النوم، و كذا يظهر ذلك من صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " قال: لا صلوة الا بطهور و يجزيك عن الاستنجاء ثلثة احجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله واما البول فانه لابد من غسله " (1). حيث ان اطلاقها يقتضى نفى الصلوة الا بطهور من الاحداث والاخباث، وذيلها ظاهر في ان الاستنجاء بالاحجار، وغسل البول لازالة القذر، ومقتضى وحدة السياق والحكم أن يكون الطهور من الاحداث كذلك، فليست الصلوة مشروطة بالطهارة أي الامر المعنوي الحاصل بالوضوء والغسل، نعم الطهارات الثلاث عبادات مقربات إلى الله تعالى، وبهذه الحيثية يطلق على الوضوء انه نور والوضوء على الوضوء نور على نور، لكن لم يتضح كونها بتلك الحيثية شرطا للصلوة، بل الظاهر انها مع عباديتها رافعة للقذارات المعنوية التى هي مانعة عنها، وبالجملة الاقرب بالنظر إلى مجموع الادلة هو ما نعية الاحداث والارجاس عن الصلوة والطهور رافع لها. والمسألة تحتاج إلى زيادة تفصيل وتنقيح. إذا عرفت ذلك نقول: يمكن ان يقال: ان الاحداث الحادثة باسبابها انما تعرض على المكلف وتصير كالحالة الاصلية الثانوية له والتيمم انما يرفع الحدث مادام متحققا فإذا انتقض بوجدان الماء وغيرة ترجع الحالة الاصلية الثانوية وهو بوجه نظير النظافة التى للاشياء فانها نظيفة لولا عروض القذارة عليها، ومع رفع القذارة عنه ترجع إلى حالتها الاصلية


(1) الوسائل ابواب احكام الخلوة، ب 9، ح 1.

[ 134 ]

من غير تأثير سبب، فيمكن ان تكون الجنابة العارضة كالحالة الاصلية وان كانت حالة اصلية اضافية والتيمم رافعا لها مادام باقيا، وبوجدان الماء انتقض التيمم وترجع الحالة الاصلية من غير لزوم تأثير سبب، فاماء ليس بحدث بل ناقض للتيمم الرافع للحدث والمانع عن فعليته حالة الجنابة. وان شئت قلت: ان اساب الاحداث توجب مع الاحداث اقتضاء في الذات لابقائها والوضوء والغسل رافعان لها وللاقتضاء والتيمم رافع لها لا للاقتضاء، و وجدان الماء ناقض للتيمم، ورافع لمانع تأثير المقتضى فيرجع الحدث بالاقتضاء الحاصل بالاسباب، تأمل. وعلى أي تقدير يندفع كلا الاشكالين العقليين مع حفظ ظهور الادلة في ناقضية الماء التيمم وكونه طهورا، ومن غير مخالفة للاجماع المدعى على عدم كون الماء حدثا. وما ذكرنا في دفعهما أولى وأقرب إلى ظهور الادلة مما ذكره بعض المحققين: من " ان الطهارة ان كانت امرأ وجوديا كما هو الاظهر نلتزم بحصولها لموضوع خاص هو العاجز، ومع رفع العجز انتفى الطهور بانتفاء موضوعه لا لوجود المزيل، وان كانت القذارة امرا وجوديا فلا استحالة في ان يكون التيمم مزيلا لتكل القذارة على وجه يعد نظافة مع الضرورة، نظير مسح اليد بالحائط لدى الضرورة، بل من الجائز أن يكون رافعا لها بالمرة، ولكن يكون اسبابها المؤثرة لحدوثها مقتضيات لتجددها عند تجدد القدرة من استعمال الماء انتهى ملخصا ". وفيه مضافا إلى ان ما اختاره من كون الطهارة امرا وجوديا معتبرة في العبادات خلاف التحقيق كما أشرنا إليه، وليس المقام جديرا بتحقيقه مستقصى: أن القول بان الطهور ينتفى بانتفاء موضوعه، لا بوجود المزيل مخالف للنصوص المصرحة بنا قضية الماء له كصحيحة زرارة وغيرها، ولكلمات الفقهاء فانهم جعلوا التمكن من استعمال الماء ناقضا له بل عن جمع حكاية اجماع اهل العلم سوى شاذ من العامة عليه، ومعلوم ان ناقضية الماء غير تبدل الموضوع.

[ 135 ]

ويرد على فرضه الثاني أي كون القذارة امرا وجوديا والتيمم بعد نظافة لدى الضرورة وهو عبارة اخرى عن حصول نظافة ناقصة غير كافيه لدى الاختيار، ان هذا ايضا مخالف لما تقدم من الاخبار وكلمات الاصحاب، فانه لو صار عاجزا فتيمم ووجد الماء مع القدرة على استعماله ولم يطهر وفقد الماء لا يجب على ما ذكره تجديد التيمم لحصول النظافة الناقصة وعدم تجدد رافع لها، واما ما ذكره اخيرا فيمكن ارجاعه إلى ما ذكرناه اخيرا وان كان خلاف ظاهره، فان الظاهر منه ان تلك الاسباب الموجبة للاحداث مقتضية للحدث عند وجدان الماء. مع انه مستحيل لو كان الاقتضاء على طبق التكوين مضافا إلى انه التزام بحدوث حدث جديد ولو بالسبب الاول، وكيف كان لا يمكن رفع اليد عن ظاهر الكتاب والسنة القطعية بتلك الوجوه العقلية القابلة للدفع. الجهة الثانية: دعوى الاجماع على عدم كون التيمم رافعا، وقد تكررت الدعوى في كتب القوم كالشيخ والمحقق والعلامة والشهيد والمحقق الثاني وغيرهم، لكن معروفية الاستدلال بالدليل العقلي المتقدم بينهم من لدن عصر الشيخ تمنع عن كشف دليل شرعى تعبدي لقرب احتمال كون المستند هو الوجه العقلي لا غير كما ربما يظهر من الشيخ في الخلاف عدم الاجماع منا في هذه المسألة فانه ادعى عدم الخلاف في ان المتيمم إذا وجد الماء وجب عليه الغسل، ومع كون التيمم رافعا لم يكن واجبا فيظهر منه ان مستنده في هذا الحكم هو عدم الخلاف في تلك المسألة والوجه العقلي. قال: التيمم لا يرفع الحدث وانما يستباح به الدخول في الصلوة وبه قال كافة الفقهاء الا داود وبعض اصحاب مالك، فانهم قالوا يرفع الحدث، دليلنا: انه لا خلاف في ان الجنب إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء وجب عليه الغسل، فلو كان الحدث قد زال بالتيمم لما وجب عليه الغسل لان رؤية الماء لا توجب الغسل الخ. ومراده بكافة الفقهاء هو فقهاء العامة كما يظهر من تعبيراته عنهم وعنا في الخلاف

[ 136 ]

ولذا استثنى منهم داود وبعض أصحاب مال، ولم يستثن السيد منا المصرح بانه رافع فعن الذكرى قال المرتضى في شرح الرسالة: ان الجنب إذا تيمم ثم أحدث اصغر و وجد ما يكفيه للوضوء توضأ به، لان حدثه الاول قد ارتفع وجاء ما يوجب الصغرى " انتهى " بل لا يبعد ظهوره من مقنع الصدوق ايضا. وكيف كان فالشيخ لم يدع الاجماع في هذه المسألة ولهذا لم يدعه بعد قوله دليلنا كذا، بل جعل الدليل عدم الخلاف في مسألة اخرى جعلها مبنى المسألة وتمسك بالوجه العقلي المتقدم لا يبعد ظهوره من منتهى العلامة ايضا، نعم ظاهر التذكرة ادعائه زائدا عن الدليل العقلي، وعلى أي تقدير لا يمكن الاتكال بالاجماع مع قوة احتمال ان يكون مرادهم ان التيمم لا يرفع الحدث كرفع الماء بحيث لا يحتاج إلى الغسل عند وجدانه وهو مسلم. الثاني تعتبر في التيمم المباشرة حال الاختيار فلو يممه غيره مع قدرته لم يصح بلا اشكال، وعن المنتهى لا خلاف عندنا في انه لا بد من المباشرة بنفسه ونفى عنه الريب في محكى المدارك وهو كذلك لظهور الادلة فيها، فانه المتبادر من هيئة الامر هو بعث المأمور لايجاد المأمور به، والظاهر ان ذلك من دلالة اللفظ لا حكم العقل كالالزام الذى قلنا انه خارج عن مفاد الهيئة، وان كان صرف البعث حجة عقلائية على لزوم الخروج عن عهدة التكليف ما لم يرد من قبل المولى ترخيص في الترك، لكن المباشرة مفهومة من ظاهر الهيئة لكن لا بمعنى دخول مفهوم اسمى في مفاد الهيئة، بل بمعنى وضعها لنفس الاغراء المتوجه إلى الغير بوجه يكون المبعوث خارجا عنه كخروج القيد، ودخول التقيد بوجه، فتدل دلالة لفظية على الاغراء المتوجه إلى الغير بحيث لا يكون جزء مفادها. ولا اشكال في ان الصدور الحقيقي بلا تأول هو المباشرى دون التسبيبى والنيابي المحتاجين إلى نحو تأول وادعاء، وكيف كان لا شبهة في ظهور الا وامر وضعا أو انصرافا أو عقلا مع قطع النظر عن القرائن في لزوم المباشرة، ومقتضاه سقوط الامر عند

[ 137 ]

تعذره لعدم دليل على تعدد المطلوب في نفس الادلة الاولية، ولا يستفاد ذلك من الهيئة المتوجهة إلى المخاطب الباعثة اياه نحو المأمور به. نعم لا اشكال في المقام في لزوم ايجاده تسبيبا، وجعل غيره آلة لايجاده بلا خلاف كما في الجواهر. وعن المدارك تجب الاستنابة في الافعال دون النية عند علمائنا فيظهر منه تسلم الحكم عندهم، مضافا إلى صحيحه محمد بن سكين في المجدور الذى غسلوه فمات ففى ذيلها " الا يمموه ان شفاء العى السؤال " (1). واما مرسلة ابن ابى عمير عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: يؤمم المجدور والكسير إذا اصابتهما جنابة " (2) فمع كونها في نسخة الوسائل بدل (يؤمم) يتيمم، يمكن ان يكون مبنيا للفاعل فان يمم وتيمم بمعنى واحد فلا تدل على المطلوب، نعم لا يبعد ظهور مرسلة الفقيه في البناء للمفعول على تأمل " قال: وقال الصادق عليه السلام: المبطون والكسير يؤممان ولا يغسلان " وان كان المظنون فيهما البناء للمفعول لكنه ظن خارجي غير حجة. وكيف كان لا اشكال في اصل الحكم كما لا اشكال في ان المباشر يباشر صورة العمل مقصرا لعى مقدار يعجز عنه المكلف ويباشر النية نفس المكلف كما ادعى المدارك، كما ان المعتبر ضرب يدى العاجز مع الامكان فان ضربهما دخيل في مهية التيمم جزءا أو شرطا، وليس حاله حال الاغتراف للوضوء أو الغسل، ومع عدم امكان ضرب يديه ينوب عنه الصحيح بان يضرب يده على الارض فيمسح بها وجه العليل ويديه، وعن الكاتب يضرب الصحيح بيديه ثم يضرب بها يدى العليل، وفيه ما لا يخفى فانه مع دوران الامر بين سقوط ما يتيمم به وسقوط آليه لا شبهة في سقوط الثاني، وضرب اليد على اليد المضروبة على الارض ليس ضربا عليها، الا ترى انه لو دار الامر بين سقوط آليه اليد والتيمم بالحديد مثلا اختيارا لا يحتمل تقديم الثاني،


(1) الوسائل: ابواب التيمم، ب 5، ح - 1 (2 - 3) الوسائل ابواب التيمم، ب 5، ح 10 - 12.

[ 138 ]

وضرب اليد على اليد كضربها على الحديد، ومما ذكرنا يظهر صحة قول الشهيد انه لم نقف على مأخذ قول الكاتب والنظر فيما عن كشف اللثام من دعوى ظهور المأخذ. الثالث يعتبر الترتيب بين اجزاء التيمم بتقديم الضرب على الارض على مسح الجبهة وهو على مسح الكف اليمنى وهو على اليسرى، فلو نكس استأنف بما حصل معه الترتيب وهو اجماعي كما عن الغنية والمنتهى وارشاد الجعفرية والمدارك والمفاتيح وظاهر التذكرة والذكرى، وعن المرتضى ان كل من واجب الترتيب في الوضوء أوجبه فيه، فمن فرق بينهما خرق الاجماع، وعن جامع المقاصد يجب تقديم اليمنى على اليسرى اجماعا، وعن الذكرى نسبته إلى الاصحاب، لكن ترك جمع منهم ذكر الترتيب بين الكفين كالشرايع وعن المراسم والسرائر والمقنع وجمل العلم والعمل، وعن بعضهم ترك ذكر الترتيب مطلقا أو ما في بدل الوضوء، فالاستناد إلى الاجماع مع ذلك لا يخلو من توقف. لكن يمكن الاستدلال عليه بالسيرة العملية في مثل تلك المسألة التى تعم بها البلوى وتحتاج إليها طائفة من المكلفين في صلواتهم، فلا يبعد الجزم بانه كان كذلك من لدن زمن الشارع، وكان الخلف أخذ من السلف كذلك إلى عصر المعصوم عليه السلام، بل لا يبعد جواز الاتكال على الشهرة المحققة في هذه المسألة التى يقتضى اطلاق الكتاب والسنة فيها عدم الترتيب بين الكفين كما يأتي الكلام فيه، وكيف كان لا ريب في تقدم الضرب على الارض على ساير الاجزاء كتابا وسنة بل هو كالضروري، كما لا اشكال في دلادلة النصوص على تقدم المسح على الجبين على مسح الكفين، كموثقة زرارة الاتية وغيرها وبمثلها يقيد اطلاق الكتاب والسنة كبعض الروايات الاتية. انما الاشكال في استفادة الترتيب بين الكفين من الادلة فقد استدل له بموثقة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام " قال: أتى عمار بن ياسر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله انى اجنبت الليل فلم يكن معى ماء. قال: كيف صنعت؟ قال: طرحت

[ 139 ]

طرحت ثيابي وقمت على الصعيد فتمعكت فيه، فقال: هكذا يصنع الحمار انما قال الله عزوجل: فتيمموا صعيدا طيبا فضرب بيديه على الارض ثم ضرب احديهما على الاخرى ثم مسح بجبينيه ثم مسح كفيه كل واحدة على ظهر الاخرى فمسح اليسرى على اليمنى و اليمنى على اليسرى " (1). وتقريبه ان حكاية ابى جعفر عليه السلام قضية عمار انما هو لبيان الحكم الشرعي لا لبيان امر تاريخي فلا تكون مثل الفعل في عدم افادة تقديم بعض الافعال على بعض وجوبه بعد عدم امكان الجمع بين الفعلين، فلا بد من الاخذ بخصوصيات النقل الذى هو لافادة الحكم. فنقول: ان قوله: " فمسح كفيه كل واحدة على ظهر الاخرى " يكفى في مقام بيان الحكم لو كان الترتيب بينهما غير مراد، فيبقى قوله: " فمسح اليسرى على اليمنى " الخ بلانكتة، وحمله على بيان واقع القضية بلا نظر إلى افادة الحكم بعيد، ولا نكنة فيه الا بيان تقديم مسح اليمنى على اليسرى وهو المطلوب. وفيه انه لو كان مراده من ذلك بيان لزوم تقديم اليمنى لكان عليه عطف اليمنى بثم أو الفاء كما ترى عنايته عليه السلام بتخلل ثم في الجمل السابقة فذكرها فيها وترك ما يفيد الترتيب في الجملة الاخيرة، دليل على اعتبار الترتيب في غير اليسرى وعدم اعتباره فيها. بل يمكن ان يدعى ان دلالة هذه الموثقة على عدم اعتباره أوضح من الاطلاقات لان عنايته بذكر خصوصيات ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله لتعليم عمار والعطف بثم والفاء في الجبهة والكفين وتركهما في عطف اليمنى على اليسرى كادت أن تجعلها صريحة في عدم اعتباره في الكفين. نعم عن العياشي عن زرارة " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن التيمم؟ فقلا: ان عمار " ثم ساقها باختلاف يسير مع الموثقة وقال في ذيلها " ثم دلك احدى يديه بالاخرى على ظهر الكف بدء باليمنى " ودلالتها واضحة خصوصا مع سؤاله عن كيفيته ونقل القضية


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11: ح 9

[ 140 ]

لتعليم الكيفية، وعنايته بحكاية بدئة رسول الله صلى الله عليه وآله باليمنى، فلا اشكال فيها الا من جهة الارسال وعدم الجبر، فان مجرد مطابقة الفتاوى لها لا توجبه الا ان يعلم استنادهم عليها وبهذا يظهر النظر في الاستدلال بما في فقه الرضا ودعوى جبره بل الظاهر عدم فتوى جامع الكتاب بما أرسله، بل ولا غيره من الفقهاء، لان فيه المسح على ظهر الاصابع من اصولها فراجعه، والاولى للقائل بالجبر بمجرد المطابقة التمسك برواية العياشي الموافقة لفتاوى الفقهاء لا مرسلة فقه الرضا المخالفة لها التى هي مرسلة في مرسلة لم يعمل بها مرسلها فضلا عن غيره. واما التمسك بذيل صحيحة جميل: " فان الله عزوجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) بدعوى ان مقتضى اطلاق التشبيه انه مثل الماء حتى في كيفيته الاما خرج بدليل وذيل صحيحة حماد " قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلوة؟ فقال: لا، هو بمنزلة الماء " (2) بدعوى استفادة عموم المنزلة منها حتى في كيفيته. ففى غير محله ضرورة انهما في مقام بيان حكم آخر ولا اطلاق فيهما من الجهة المبحوث عنها كما لا يخفى. والذى يمكن ان يقال زائدا على ما تقدم من السيرة العملية وارتكاز المتشرعة وحجية الشهرة في مثل المسألة التى دلت الادلة اطلاقا على خلافها: ان المستفاد من الاية الكريمة مشفوعا بالارتكاز العقلائي ان فاقد الماء يتيمم ويقصد الصعيد لتحصيل الطهور الذى كان يحصل بالماء، وانه يجب ان يفعل معه ما يفعل مع الماء عند فقده، فلو لم تتعرض الاية لكيفيته واختتمت إلى قوله: " فيتمموا صعيدا طيبا " يستفيد منها العقلا عانه انه عند عدم وجدان الماء يقوم الصعيد مقامه فيما يحتاج المكلف إليه، فيفهم منه ما فهمه عمار من التمعك على الصعيد للغسل، ومسح اعضاء الوضوء بالكيفية التى فيه للحدث الاصغر.


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 24، ح 2. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 23: ح 2

[ 141 ]

وبالجملة المتفاهم منه وضع التراب موضع الماء من غير تغيير وتبديل في الكيفية، فبقى المتقدم والمتأخر في الغسل على حالهما من غير تصرف وتغيير الا فيما يتطهر به، نظر ان يأمر المولى بضيافة العلماء مقدما على الاشراف، وهم مقدما على التجار وعين محلا خالصا لها وشرايط وقيودا، وقال أضفهم بالغذاء الفلاني ومع فقده بالفلانى، فانه لا ريب في ان العرف لا يأخذ باطلاق قوله ومع فقده كذا، و يرفع اليد عن الشرايط والقيود، بل يحكم بان التبديل انما وقع في الغذاء لا في ساير الكيفيات فلا بد من مراعاتها، ومقتضى هذا الارتكاز ان كل ما يعتبر في الوضوء والغسل معتبر في التيمم الذى هو بدله. والقائل بالبدلية ان كان مراده ذلك فلا كلام، و ان كان مراده عدم حصول الطهور بل يحصل بدله فقد مرما فيه. وبالجملة لا شبهة في ان مقتضى ارتكاز العقلاء والرجوع إلى الاشباه والنظائر ان التبديل انما هو فيما يتطهر به لا في كيفية التطهير والعمل، فحينئذ نقول: ان قوله: " فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " يدل على سقوط المسح على الرجل والرأس، وعدم كونه إلى المرفق ولا على جميع الوجه، لمكان الباء على ما افاد أبو جعفر عليه السلام، واما ساير ما يعتبر فيه من الشرائط والموانع فبقيت على حالها كالبدئة بالوجه وباليمنى المعتبرة في الوضوء، وطهارة المحال و غيرها من الشرائط، فلا بد من مراعات ما يعتبر فيهما فيه ايضا، ولو لا دليل لقلنا بعدم اعتبار الموالاة في بدل الغسل، لكن سيأتي بيان استفادته من الادلة حتى من الاية الكريمة. ويؤيد ما ذكرناه قوله في صحيحة زرارة في تفسير الاية عن أبى جعفر عليه السلام " ثم قال: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم، فلم أن وضع الوضوء عمن لم يجد أثبت بعض الغسل محسا " (1) فانه مشعر أو ظاهر في اثبات المسح ببعض المحال واسقاط الغسل فقط من غير تصرف في ساير الشرائط والقيود كما


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 13 ح 1

[ 142 ]

يشعر به مافى الرضوي " قال: ونروى ان جبرئيل نزل إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله في الوضوء " إلى ان قال: " ثم في التيمم باسقاط المسح وجعل مكان موضع الغسل مسحا " (1) (1) وكيف كان لا ينبغى الاشكال في أصل الحكم وان فرض امكان المناقشة في بعض ما ذكر، ومما ذكرنا من التقريب المتقدم يظهر الدليل على اعتبار كل ما يعتبر في الوضوء والغسل جميعا كطهارة المحال والمباشرة وغيرهما مما يعتبر فيهما. الرابع مقتضى التقريب المتقدم في بيان الترتيب التفصيل بين التيمم الذى للحدث الاصغر وما للاكبر في الموالاة كما حكى عن الشهيد (ره) في الدروس، و كذا التفصيل بين الشرائط التى اعتبرت في أحدهما دون الاخر كالمسح من الاعلى، فيقال باعتباره في بدل الوضوء دون بدل الغسل، لكن مقتضى بعض الروايات مساواتهما. كموثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن التيمم من الوضوء و الجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ فقال: نعم " (2) وموثقة أبى بصير " قال: سألته عن تيمم الحائض والجنب سواء إذا لم يجد اماء؟ قال: نعم " (3) بناءا على ان المراد بتيمم الحائض إذا لم تجد ماء ما تحتاج إليه من بدل الغسل والوضوء. وحملهما على صرف الكيفية دون ساير ما يعتبر فيهما، فاسد بعد اقتضاء الاطلاق سوائيتهما مطلقا (فح) لا يمكن التمسك بالاية للتفصيل، ولا لاعتبار الموالاة مطلقا ولا لعدمه كذلك وكذا في ساير الشرائط التى اعتبرت في احدهما دون الاخر فالقول بالتفصيل غير وجيه. والاقوى اعتباره مطلقا، والدليل عليه مضافا إلى الاجماعات المحكية عن الغنية وجامع المقاصد والروض ومجمع البرهان وظاهر المنتهى والذكرى والمدارك والى ما اشرنا إليه في الترتيب من السيرة المستمرة الكاشفة عن كونه كذلك من


(1) المستدرك: ابواب التيمم، ب 9، ح 1 (2 - 3) الوسائل ابواب التيمم، ب 12 - ح 6 - 7.

[ 143 ]

زمن الشارع المقدس وان كان للاشكال في ذلك مجال، لاحتمال كونها لاقتضاء العادة وعدم الداعي إلى التفريق لا الاعتبار، وان امكن ان يقال ان في ارتكاز المتشرعة اعتباره الاية الكريمة قال تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " بناء على كون الفاء للترتيب باتصال كما هو المعروف، فيفيد قوله: " فامسحوا " الترتيب باتصال عرفى بين المسح على الوجه والايدى، وبين وضع اليدين أو ضربهما على الارض الذى هو المراد من قوله: " تيمموا " لان قصدا الارض ليس بنفسه موضوعا للحكم بلا اشكال، بل اخذ العنوان الطريقي الذى ليس مقصودا بالذات فيه لعله دليل على ان المراد منه المرئى والمقصود، خصوصا مع قيام القرينة عليه، فان قوله: " فتيمموا صعيدا " عقيب " ولم تجدوا ماء " ظاهر عرفا في ان المراد التوصل إلى الصعيد للمتسح به إلى الوجه، والمقصود هو الوضع أو الضرب على الارض ولو بدليل خارجي، فكأنه قال: اضرب يديك على الارض فتمسح بلا فصل بوجهك ويديك، فلو دلت الفاء على الترتيب باتصال تمت الدلالة بلا احتياج إلى دعوى عدم القول بالفصل، كما صنع المحقق الثاني على ما حكى عنه، لكن في دلالتها عليه تأمل، نعم لا اشكال في دلالتها على الترتب والتعقب وهى غير كافية. فالاولى الاستدلال على المطلوب بلفظة " منه " فان " من " على ما تقدم ابتدائية لا تبعيضية، فالمعنى: فامسحوا بوجوهكم وايديك مبتدءا من الصعيد، ومنتهيا إلى الوجوه والايدى، والتمسح من الصعيد بهذا المعنى لا يصدق عرفا الا مع حفظ العلاقة بين الضرب على الارض والمسح منها على الوجه واليدين. الا ترى انه لو قيل لمريض: تمسح من الضرائح المقدسة تبركا، لا ينقدح في ذهن العقلاء منه الا مع حفظ العلقة بين المسح عليها والمسح على موضوع العلة، فلو مسحها بيده ثم انصرف وذهب إلى حوائجه، ثم مسح يده على الموضع بعد سلب العلاقة العرفية، لم يعمل بقوله تمسح منها، لانه لا يكون الا بعلاقة خاصة مقطوعة بالفصل المعتد به، كما ربما تقطع بغيره كما لو ضرب يده على الارض فغسلها، فان

[ 144 ]

الظاهر سلب العلاقة وعدم صدق التمسح منها، لا لاعتبار العلوق بل لاعتبار العلاقة الخاصة العرفية. نعم لو قلنا بان المراد من قوله فامسحوا منه فامسحوا ببعضه أو اراد به العلوق والاثر من الارض لما تم الاستدلال لصدقه مع بقاء اجزاء الارض على اليد أو أثرها عليها، لكنه خلاف التحقيق كما مر وسياتى بعض الكلام فيه، وما ذكرنا يظهر صحة التمسك للمطلوب ببعض الاخبار، كصحيح الحلبي " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الارض " (1) ونظيرها صحيح ابن سنان (2) لعدم صدق المسح منها لو قطعت العلاقة، بعد ظهور " من " في الابتدائية كما تقدم حكايته عن ائمة الادب. ولو قيل: لا تدل الابتدائية الا على لزوم كون ضرب اليد مبتدءا من الارض و منتهيا إلى الوجه، واما اعتبار العلقة فلا، ألا ترى ان المسافر إذا سافر من بلده إلى مكة المعظمة مع اشتغاله بين الطريق بأمور كثيرة بل مع تعطله عن السير في بعض البلاد التى بين الطريق، يقال سافر من بلده لى مكة من غير لزوم العلاقة. يقال: مع ان القياس لعله مع الفارق كما يظهر من التأمل في مثل تمسح من التربة أو من الضرائح المقدسة والاشباه والنظائر، ان ما ذكر من النقض حاله حال المقام، لانه لو فرض التعطل عنه بين الطريق بمقدار انقطعت العلقة بين قطعات سفره عرفا يخرج من صدق منه واليه، لكن في مورد النقض ونظائره تعارف لكيفية طى الطريق والاقامة في بعض البلاد للزيارة أو لسائر الحوائج، لا يوجب التلبس بها لاجله سلب العلقة. فلو فرض خروجه عن التعارف كما لو سافر من بلده إلى الحج فاقام في النجف الاشرف مدة لتحصيل العلم أو غيره بحيث سلبت العلاقة بين قطعات اسفاره، لخرج عن الصدق ايضا، فالعلاقة معتبرة والمقامات متفاوتة، وفى المقام تنقطع


(1 - 2) الوسائل ابواب التيمم ب 14، ح 4 - 7

[ 145 ]

العلاقة بفصل معتد به، وبهذا ظهر الميزان في الموالاة فانها عبارة عن بقاء تلكل العلاقة العرفية وهى محفوظة مع عدم الفصل المعتد به عرفا بين الضرب وبين المسحات، واما التقدير بمقدار الجفاف في الموضوء أو بمقدار سلب الاسم فلا دليل عليه، نعم مع سلب الاسم عر لا تبقى العلاقة المذكورة، وظهر ايضا لزوم الموالاة سواء قلنا بان الضرب على الارض شرط أو جزء اولا ذاولا ذاك، بل هو مثل الاغتراف، فان التمسح من الارض معتبر بلا اشكال وهو لا يصدق الا مع حفظ العلاقة، وعدم الفصل بين الضرب والمسح، واما الاغتراف من الماء فلا يعتبر فيه شئ، لان الوضوء غسل الوجه بالماء، وهو يحصل ولو بقى الماء في كفه اربعين سنة، كما لو قلنا ان المعتبر في التيمم المسح ببعض الارض أو بأثرها والضرب مقدمة لذلك، لما كان يلزم حفظ العلاقة بل المعتبر صدق المسح ببعضها أو أثرها وهو صادق ولو بقياما بقيا. فتأمل في أطراف ما ذكرنا والموارد التى نظيره في العرف، وتدبر في الارتكازات العرفية حتى يتضح لك الحال ولا تحتاج إلى التكلف بما ارتكبه بعض المحققين في اقامة الدليل عليه، مع ما ترى من تردده في صحة مقالته فيقدم رجلا ويؤخر اخرى. الخامس هل يعتبر في التيمم ضرب اليدين على الارض أو يعتبر وضعهما بناء على مباينته للضرب، أو يكفى مطلق التمسح عليها وضعا أو ضربا، أو لا يعتبر شئ من ذلك، بل المعتبر وصول اثر الصعيد على الوجه والكفين، فيكفى تعريضهما على الهواء المغبر ليصل اليهما، أو يعتبر المسح باليدين لكن لا يعتبر وضعهما أو ضربهما على الارض، بل يكفى تأثرهما منها ولو بوضعها عليهما، أو استقبالهما للعواصف حتى تتاثرا كما حكى عن العلامة، لكن عن بعض تكذيبه ونسبة الحكاية إلى الغفلة، أو يعتبر الضرب أو الوضع على الارض لكن لا يعتبر ماسح خاص، بل يجزى بكل آلة يدأ كانت أو غيرها ولولا مخالفة الاصحاب والسيرة المستمرة المتقدمة لكان

[ 146 ]

للاحتمال الاخير وجه معتد به. توضيحه: ان الظاهر من الاية الكريمة، انه مع عدم وجدان الماء يقوم التراب مقامه، لكن مع تبديل الغسل ببعض المسح فقوله: " فتيمموا صعيدا طيبا " أي اقصدوا ونحوا نحوه لتمسح الوجوه والايدى منه، فلا ينقدح في ذهن العرف منه، الا ان التمسح من الصعيد على الوجه والايدى تمام الموضوع وتمام حقيقة التيمم، وان قصد الصعيد والذهاب إليه انما هو لاجل التوصل إلى هذا المقصود. الا ترى انه لو قال: اذهب إلى الماء وخذ غرفة منه فاغسل وجهك به، لا ينقدح في الذهن دخالة الذهاب والاغتراف فيه، ويرى العرف والعقلاء ان ذكر الغرفة كذكر التراب لمحض التوصل إلى غسل الوجه المقام أولى به منه، لان الامر بالتيمم من الصعيد عقيب الامر بغسل الوجه والايدى في الوضوء الذى يطلب فيه صرف غسلهما من غير دخالة للالة يجعل الذيل ظاهرا، بل كالنص في ان منزلة التراب منزلة الماء، و ان المقصود حصول المسح من الصعيد، محل الغسل بأية آلة حصل، وعدم ذكر الالة مع كونها في مقام البيان يؤكد ما ذكرناه. وتشهد به صحيحة زرارة المفسرة لها قال فيها: " فلما ان وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا لانه قال بوجوهكم ثم وصل بها وأيديكم " فانها ظاهرة في ان التصرف انما هو في اثبات المسح موضع الغسل، فكما ان الغسل لا يعتبر فيه آلة خاصة كذلك ما أثبت محله. فتحصل من ذلك ان الظاهر من الاية ان اللازم فيه هو التمسح من الصعيد على الوجه والايدى، وهو لا يحصل الا مع التوصل والتمسح على الصعيد ومنه اليهما، و هو صادق بأية آلة كالغسل بالماء، فإذا علم ذلك لا بد من رفع اليد عنه من دليل صالح، والادلة الواردة في التيممات البيانية وغيرها تشكل صلاحيتها لذلك، فان وزانها وزان ما وردت في الوضوءات البيانية مما اشتملت على الاخذ بالغرفة وباليمين، حيث لا يفهم منها الا صرف الالية من غير دخالة في تحصيل الغسل.

[ 147 ]

وبهذا يظهر الخدشة في دلالة مثل قوله: " تضرب بكفيك الارض " فانه مع كون اليد آلة للمسح لا يفهم العرف منها الخصوصية، كقوله: " يجزيك من الوضوء ثلث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين " فكما لا يفهم منه اعتبار الاغتراف، ولا ينقدح في الذهن الا صرف آليتها، ولا يصلح لتقييد اطلاق الاية، كذلك حال الضرب بالكفين وليست المدعى الغاء الخصوصية حتى يقال لا طريق للعرف إليه في مثل هذا الحكم التعبدى، بل المدعى عدم امكان رفع اليد عن ظهور الاية بمثله، مع عدم الانقداح في الذهن من ضرب اليد والكف الا الالية، فلا يحرز من مثله القيدية حتى يقيد به الاطلاق كما لا تحرز من الوضوءات البيانية. ولعمري ان هذا الوجه وجيه لولا الجهات الخارجية من مفروغية الحكم لدى الاصحاب ومعهودية التيمم بين المتشرعة بحيث ما ذكرناه يعد كالشبهة في مقابل البديهة، ولهذا ترى انه مع كمال المناسبة بين البابين لم يتفوه أحد بذلك وهو كاف في بطلانه. واما بعض الاحتمالات المتقدمة كالمنسوب إلى العلامة وما قبله فهو مخالف لظاهر الاية وجميع الادلة فلا داعى للتعرض له، بقى الكلام في ان المعتبر هو ضرب اليدين أو وضعهما بناء على مبابنتهما أولا يعتبر شئ منهما بل المعتبر هو شئ اعم أي مطلق المماسة ولو مسحا؟ مقتضى اطلاق الآية عدم اعتبار شئ الا كون المسح من الارض أي مبتدئا منها، وقد قيدت بالاجماع بل الضرورة بلزوم كون الالة اليد، وبقى اطلاقها بالنسبة إلى الوضع والضرب بحاله، بل بمناسبة كون الصعيد قائما مقام الماء عند فقده والارتكاز المتقدم ذكره يتقوى اطلاقها، ويشكل رفع اليد عنه بمثل قوله: " تضرب بكفيك الارض " في مقام بيان كيفية التيمم، ولو مع الغض عن الروايات المشتملة على الوضع لعدم فهم القيدية منه، بل لا ينقدح في ذهن العرف الا ان الضرب للتوصل إلى التمسح من الارض خصوصا من مثل قوله في صحيحة الكندى " التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " (1) الظاهر


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 12، ح 3

[ 148 ]

في ان الضرب لصرف التمسح للوجه ولا موضوعية له، وبالجملة لا يحرز من مثله القيدية ولو مع قطع النظر عن ساير الروايات. ثم ان الروايات التى في الباب منها ماهى مشتملة على حكاية عمار بن ياسر كصحيحة زرارة " قال قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لعمار " إلى أن قال " فقال: كذلك يتمرغ الحمار أفلا صنعت كذا؟ ثم اهوى بيديه إلى الارض فوضعهما على الصعيد " الخ (1). والظاهر منها ظهورا كاد أن يكون كالنص ان قوله: " ثم اهوى " من تتمة كلام أبى جعفر عليه السلام أي أهوى النبي صلى الله عليه وآله، والحاكى له أبو جعفر عليه السلام، فلا يأتي فيه احتمال الاشتباه الا من الرواة في نقل القول وهو مدفوع بالاصل، وظاهرها كفاية الوضع ولو لم يشتمل على خصوية زائدة وهى الدفع واللطم، إذ لو كانت دخيلة في ذلك لما أهملها أبو جعفر عليه السلام في مقام بيان الحكاية لتعليم الحكم، نعم في موثقة زرارة عنه بعد حكاية القضية " فقال هكذا يصنع الحمار، وانما قال الله عزوجل فتيمموا صعيدا طيبا فضرب بيديه على الارض) (2) الخ وظاهرا ايضا ان قوله: " فضرب " من كلام ابى جعفر عليه السلام حكاية عن فعل النبي صلى الله عليه وآله وان احتمال ان كان العمل من ابى جعفر عليه السلام فيها غير بعيد، ولا يبعد ان يكون وجه اختلاف الحكاية على فرض كونها منه عليه السلام أو العمل والحكاية على فرض آخر، ان واقع فعل النبي صلى الله عليه وآله هو الضرب، لكن لما كان العنوان المفيد للامر الزائد عن حقيقة الوضع غير دخيل في صحة التيمم وكان متقوما بمطلق الوضع كيف كان، ذكره أبو جعفر عليه السلام لافادة عدم دخالة شئ غيره. ولما كان الضرب وضعا ايضا مع قيد، لا يكون النقل خلاف الواقع، كما لو كان مجئ انسان موضوعا لحكم فجاء زيد مثلا، فيصح ان يقال: جاء زيد وان يقال: جاء انسان، وبالجملة حكى أبو جعفر عليه السلام تارة واقع القضية مع بعض الخصوصيات


(1 - 2) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 8 - 9.

[ 149 ]

غير الدخيلة في صحة التيمم وكيفيته كقوله عليه السلام: " أهوى بيديه إلى الارض " وكقوله " ضرب بيديه " واحرى ما هو دخيل في الحكم كقوله: " وضع يديه " افادة لعدم دخالة الخصوصية الزائدة وليس هذا من قبيل المطلق والمقيد، بل هو حكاية قضية شخصية لا بد في ترك القيد الزائد الذى اشتملت عليه من نكتة، والمحتمل ان تكون ما ذكرناها ومنها: ما اشتملت على بيان كيفية التيمم عملا، كرواية الخزاز الصحيحة على الاصح " عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن التيمم؟ فقال: ان عمارا " إلى أن قال، (فقلت له: كيف التيمم؟ فوضع يده على المسح " (1). وصحيحة داود بن النعمان: " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التيمم؟ فقال: ان عمارا " إلى أن قال: " فقلنا له: فكيف التيمم؟ فوضع يده على الارض " الخ (2). وصحيحة زرارة " قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: وذكر التيمم وما صنع عمار فوضع أبو جعفر عليه السلام كفيه على الارض " الخ (3) وموثقة سماعة أو صحيحته " قال: سألته كيف التيمم؟ فوضع يده على الارض " الخ (4) واحتمال الاشتباه من الرواة في حكاية الفعل لا يعتنى به، سيما مع تعددهم وتكرر الرواية وكونهم من قبيل زرارة والخزاز وسماعة، فدار الامر بين تقييد الاطلاقات كتابا وأخبارا ورفع اليد عن صحيحة زرارة المتقدمة الحاكية لفعل النبي صلى الله عليه وآله بلفظ أبى جعفر عليه السلام إذ عمل الاطلاق والتقييد غير وجيه بعد الحكاية عن الفعل الشخصي تاركا لما هو دخيل في الحكم فرضا، وان فهم من حكايته حكم كلى، وبين رفع اليد عن قيدية الضرب الوارد في الاخبار الكثيرة، والاهون في المقام مع الخصوصيات المتقدمة هو الثاني، سيما مع كون المطلق والمقيد مثبتين، والحمل في مثله متوقف على احراز وحدة المطلوب وهو مع ما تقدم مشكل. مضافا إلى ان المقام ليس من قبيل المطلق والمقيد، فان المتفاهم العرفي من


(1 - 2 - 3) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 2، 4، 5 (4) الوسائل ابواب التيمم، ب 13، ح 3

[ 150 ]

قوله: " وضع يده على الارض " في مقام تعليم التيمم، وبيان كيفيته انه كان وضعها بلا دفع واعتماد، والا كان على الرواة عدم اهماله. والحمل على الغفلة قد مر ما فيه، فيظهر ان مقتضى هذه الروايات ان عمل المعصوم في مقام التعليم كان وضعا لا ضربا، ومعه كيف يمكن عمل المطلق والمقيد. فلا محيص عن الالتزام اما برفع اليد عن الروايات الصحيحة التى هي في مقام البيان وهو كما ترى. واما البناء على ان للتيمم كيفيتين احديهما وضع اليد، وثانيتهما ضربها، واما البناء على ان المعتبر فيه ليس الا لمس الارض وضعا أو ضربا بل أو مسحا أخذا باطلاق الاية وجمعا بين الروايات، وهو أهون لكونه جمعا عقلائيا بين جميع الروايات. نعم لا يبعد الالتزام برجحان الضرب أخذا بظواهر ما دلت على الضرب واشتملت على الامر به. هذا كله إذا قلنا بعدم مباينة الضرب والوضوع، واما لو قلنا بمباينتهما فيقع التعارض بين صحيحة زرارة وموثقته الحاكيتين عن أبى جعفر عليه السلام نقل فعل رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث عبر في الاولى بالوضع وفى الثانية بالضرب، وهو لا يوجب رفع اليد عن ساير الروايات الحاكية لفعل أبى عبد الله وأبى جعفر عليهما السلام في مقام تعليم التيمم بعد السؤال عن كيفيته، فالاخذ بجميع الروايات والالتزام بان للتيمم كيفيتين، وحمل ما اشتملت على الامر بالضرب على الرجحان أولى وأهون من طرح الطايفة المقابلة مع صحة سندها، بل هو من قبيل حمل الظاهر على النص لان اخبار الضرب ظاهر في تعينه، واخبار الوضع نص في الاجتزاء به مع موافقتها لاطلاق الكتاب. واما الشهرة المنقولة في المقام فليست من الشهرات المعتد بها، لان المسألة اجتهادية تراكمت فيها الادلة، هذا مع ذهاب جملة من الاساطين إلى الاجتزاء بالوضع صريحا أو ظاهرا، كالشيخ في محكى المبسوط والنهاية، والمحقق في الشرايع، و

[ 151 ]

الشهيد في محكى الذكرى، وعن جامع المقاصد وحاشية الارشاد، لكن لا ينبغى ترك الاحتياط بعد اشتمال اكثر الروايات على الضرب ونقل الشهرة، واحتمال كون مراد بعض من عبر بالوضع الضرب منه. وتعارف الضرب بين المتشرعة والله العالم. تنبيه ظاهر الكتاب والسنة ان الضرب أو الوضع شرط لحصول المسح من الارض لاجزء للتيمم، فان قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " متفرعا عليه قوله: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " ظاهر في ان قصد الصعيد ضربا أو وضعا لاجل المسح والتوصل إليه، ولو لا الاجماع والتسلم بينهم لقلنا بعدم مدخلية الالة الخاصة ايضا، لكن بعد القول باعتبارها لا ريب ان الظاهر منها ان الضرب لاجل المسح بالوجوه والايدى، كما هو الظاهر ايضا من مثل قوله: " التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " وقوله: " مرتين مرتين للوجه واليدين " وهذا ينافى الجزئية، ولا دليل على اعتبار الجزئية زائدا على اعتبار الشرطية، بان يكون جزءا بالنسبة إلى المجموع وشرطا لساير الاجزاء وقوله: " تضرب بكفيك الارض ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك " لا يدل على الجزئية لو لم نقل بدلالتها على الشرطية خصوصا مع كون جميع الروايات كالتفسير للاية الكريمة. فتوهم كون التيممات البيانية وكذا اشباه الرواية المتقدمة في مقام بيان مهية التيمم والاجزاء المقومة لها غير وجيه جدا، لان الظاهر انهم عليهم السلام بصدد بيان كيفية التيمم الصحيح من غير نظر إلى ما يعتبر فيه شرطا أو جزءا، لو لم نقل بظهور بعضها كالرواية المتقدمة في الشرطية، فالاظهر هو الشرطية، واما الثمرة بين القولين فغير ظاهرة، نعم لو قلنا بان دليل اعتبار الموالاة فيه هو ظهور الاوامر المتعلقة بالمركبات في اتيان اجزائها متوالية ومرتبطة كما استدلوا به له، يكون اعتبار الموالاة بين الضرب والمسح على الجزئية، وعدم اعتباره على الشرطية ثمرة بينهما، لان غاية ما يمكن دعواه هو ظهورها في الموالاة بين الاجزاء لا بين الشرائط والاجزاء ايضا كما لا يخفى، لكن قد عرفت ان وجه اعتباره غير ذلك، ومع ما ذكرناه لا تكون هذه ثمرة فراجع. ويمكن ان يقال: انه على الشرطية لا دليل على لزوم قصد التقرب والتعبد به،

[ 152 ]

بخلافه على الجزئية لان المتيقن من الاجماع على عبادية التيمم عبادية مهيته، لا الاعم منها ومن شرائطه، الا ان يقال مقتضى ارتكاز المتشرعة عبادية الضرب ايضا، وقد يقال في بيان الثمرة أمران آخران وهو غير سديد. السادس لا اشكال نصا وفتوى في اعتبار كون الضرب بكلتا يديه فلو ضرب باحديهما بطل بل يمكن استفادته من الكتاب العزيز فضلا عن الاخبار الناصة به، واما اعتبار الدفعة فغير ظاهر، بل مقتضى اطلاق الادلة عدم اعتبارها، اما اطلاق الكتاب فظاهر، واما الاخبار فلان الظاهر من قوله: " تضرب بكفيك " ليس الاعتبار الضرب بهما، وانه تمام الموضوع للحكم، واما الدفعة فامر آخر غير ضربهما لا بد في اعتباره من بيان وتقييد مفقود في المقام، فمقتضى اطلاق مثله هو عدم اعتبار. وتوهم دلالة الادلة عليه انصرافا أو اشعارا كل واحد من الاخبار وبعد ضم بعضها إلى بعض يستفاد الحكم غير سديد، نعم لا يبعد أن يكون العمل الخارجي المتعارف بين الناس موجبا لتوهم الانصراف، لكنه غير الانصراف في نفس الادلة، " والانصاف " ان رفع اليد عن ظاهر الادلة ومقتضى اطلاقها مشكل، وان كان ترك الاحتياط والبناء على عدم الاعتبار بعد كون العمل عليه مشكلا آخر. ثم انه لا ريب في ان الظاهر من الادلة ولو انصرافا ان المعتبر ضرب باطن الكفين خصوصا بعد ارتكازية مخالفة الماسح والممسوح، بل يمكن ان يستدل عليه بعدها بمثل موثقة زرارة (1) " ثم مسح كفيه كل واحدة على ظهر الاخرى " وقوله في رواية داود (2) " فوضع يديه على الارض ثم رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكف، بعد كونه في مقام بيان كيفية التيمم ولا يمكن الغاء الخصوصية بعد ما عرفت من اعتبار الادلة الخاصة فيه، بل اللازم مراعاة جميع ما يتفاهم من التيممات البيانية وغيرها المحتملة لدخالتها بعد كونها في مقام بيان كيفية التيمم وما يعتبر فيه، كما لا ريب في جواز التيمم بالتراب ونحوه، وان لم يكن متصلا بالارض.


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11: ح 9. (2) الوسائل ابواب التيمم: 11، ح 4.

[ 153 ]

ويدل عليه مضافا إلى السيرة القطعية وقوله: " التراب احد الطهورين " وما دل على جواز التيمم بالجص والنورة الصادق كل منهما على المنفصل من الارض، ان الظاهر عرفا من قوله تعالى " فتيمموا صعيدا " إلى قوله " منه " ان ما هو دخيل فيه هو محل الضرب ووقوع اليد، واما سائر اجزاء الارض التى لا تقع اليد عليها لا دخالة لها في المسح، ولو نوقش فيه فلا اشكال في اصل الحكم بعد كون التراب أحد الطهورين و قطعية عدم الفصل بينه وبين الحجر وغيره. ثم ان المعتبر فيه ضرب مجموع باطن الكفين لكون الكف اسما له ظاهرا وبعضه جزء له لا كف على الاطلاق، نعم لو كانت ناقصة يكفى الضرب بها ولا يسقط التيمم بلا اشكال لقاعدة الميسور، وضرورية عدم سقوط الصلوة بل لا يبعد فهمه من نفس الخطابات المتوجهة إلى المكلفين، كما ذكرناه في الوضوء، وقلنا ان قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق " ليس مخصوصا بمن كان وجهه ويده سليما فمن قطعت يده من الاصابع وسمع قوله تعالى: " اغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق " يرى لزوم غسل يده الناقصة إلى المرفق ولا ينقدح في ذهنه توجه الخطاب إلى السالمين. نعم لو كان القطع من المرفق يكون خارجا منه وفى المقام ايضا يرى العرف دخول مقطوع الاصبع تحت الخطاب، ولو قلنا بكون الكف اسما للمجموع، وذلك لمناسبات مغروسة في الاذهان كما هو كذلك في الخطابات العرفية، بل لا يبعد أن يقال ان الكف كاليد والرجل صادقة على الكل والبعص لكن ينصرف مثل قوله: " اضرب كفيك " إلى ضرب جميعهما وهو يتم مع سلامة الكف، ومع نقصها يصدق انه ضرب كفيه على الارض حقيقة، فلا اشكال في عدم سقوط التيمم والصلوة مع نقصان الكف. واما لو قطعت كفاه من الزند فقد يقال بلزوم مسح الوجه بالذراعين، ومسح ظاهر كل بباطن الاخرى، وهو بالنسبة إلى مسح الوجه غير بعيد، وان لا يخلو من شبهة لكن بالنسبة إلى ظاهر كل بباطن الاخرى، وقيامهما مقام الكف بعيد، لعدم شمول

[ 154 ]

الخطابات له وهو واضح، وعدم كون مسح الذرعين ميسور مسح الكفين ولو حاول أحد شمول قاعدة الميسور لمثل ذلك لصح له أن يلتزم بلزوم مسح الرجل أو ساير الجسد بدل اليد، إذا قطعت يداه من الاصل، لان المسح بظاهر الكف ينحل إلى المسح، وكونه بظاهر الكف وكونه بالكف وكونه بالجسد، فمع تعسر كل مرتبة يجب قيام الاخرى مقامها وهو كما ترى. وبالجملة ليس الذراعات مع الكف الا كأجنبي في باب التيمم، وليس المسح عليهما ميسور مسح الكفين، والانحلال العقلي غير معول عليه في مثل المقام. بل لزوم مسح الجبهة فقط ممن لم يكن له يد لوكنه ميسور التيمم ايضا لا يخلو من اشكال والاحتياط لازم على أي حال في مثل الصلوة التى لا تترك بحال مع بعد عدم تكليف مثله بالصلوة التى هي عماد الدين إلى آخر عمره، بل ليس المدعى للقطع بعدم ترك مثله سدى بمجازف. ثم لو تعذر الضرب بباطن الكفين هل يقوم ظاهرهما مقامه بدعوى انه ميسوره وأقرب من غيره أو يقوم باطن الذارعين مقامه فيضرب ببطانهما ويمسح بهما الوجه و ظاهر الكفين أو يتخير بينهما أو يجب الجمع للعلم الاجمالي بحصول التيمم الواجب بأحدى الكيفيتين؟ وجوه. لا يبعد ترجيح الثاني، لان اصل اعتبار كون الماسح هو اليد والكفين غير مستفاد من الادلة اللفظية كما مر، وانما قلنا باعتباره للسيرة والاجماع والمتيقن منهما اعتباره حال عدم التعذر وفي صورة الاختيار، واما مع التعذر فالاصل و ان اقتضى عدم اعتبار احدى الخصوصيتين لكن المتفاهم من الادلة كما مرت الاشارة إليه مخالفة الماسح للمسوح، وان آلة المسح موصلة لاثر الارض ولو اثرا اعتباريا إلى ما لم يلمس الارض. ومع القول بالانتقال إلى الظاهر لا بد من رفع اليد عن هذا الظاهر. وبعبارة اخرى يعتبر في التيمم حال الاختيار كون المسح بباطن الكف و مغايرة الالة للممسوح، وفى حال التعذر يرفع اليد عن الباطن وتحفظ المغايرة مع حفظ

[ 155 ]

آلية اليد فيرجح الذراع على الظاهر، لكن ما ذكرناه لا يساعد كلمات القوم ممن تعرض للمسألة والاحتياط بالجمع لا ينبغى تركه. ثم انه مع نجاسة الباطن اما أن تكون سارية إلى الارض لو تيمم أو إلى الممسوح دون الارض، كما لو جرح العضو بعد الضرب أو لم تكن سارية مطلقا، فعلى الاول قد يقال ان ظاهر الادلة اعتبار طهارة الصعيد عند ضرب اليد عليه، فإذا صار قذرا بالضرب لا يضرب بالتيمم. وفيه ان ظاهر الاية مع قطع النظر عن صحيحة زرارة اعتبار طهارته عند رفع اليد منه ايضا لمكان " منه " فان الظاهر رجوع الضمير إلى الصعيد الطيب، فمع ابتدائية " من " كما هي الارجح يكون المعتنى فامسحوا مبتدءا من الصعيد الطيب. نعم بناء على رجوع الضمير إلى التيمم، كما في صحيحة زرارة المفسرة للاية يشكل استفادة ما ذكر منها كما تقدم بعض الكلام فيها، الا ان يقال ان المراد من قوله: " ذلك التيمم " ذلك الضرب الواقع على الصعيد الطيب ومع قذارته بالضرب يخرج من ذلك العنوان، تأمل. ويمكن استفادة اعتبار طهارة الارض التى يمسح منها المحال، وكذا اعتبار طهارة المحال الممسوحة إذا فرض سراية نجاسة الكف إليها من الاية الكريمة، وصحيحة زرارة المتقدمة بالتقريب المتقدم مستمدا بارتكاز العرف في اعتبار كل ما يعتبر في الوضوء والغسل جميعا في التيمم فراجع، واما مع عدم سرايتها بأن يكون المحل جافا فالظاهر عدم الانتقال إلى الظاهر، بل ينتقل إلى الذراعين كما مر الكلام فيه. واما دعوى ان حفظ الذات أولى من حفظ الوصف، فمع الانتقال إلى غير باطن الكف ترك الاصل والذات حفظا للوصف بخلاف المسح مع الباطن النجس (ففيها) ان امثال هذه الامور الاعتبارية والترجيحات الظنية غير معول عليها في الاحكام التعبدية البعيدة عن العقول، مع ما عرفت من ان اعتبار باطن الكف بل مطلق آلية اليد غيره مستفاد من الادلة لولا الاجماع والسيرة المفقودان في مثال المقام، والاحتياط

[ 156 ]

في جميع صور الدوران لا ينبغى ان يترك، وان كانت البرائة في كثير من الموارد محكمة بناء على جريانها في الطهارات الثلث كما هو الاقوى. السابع هل يعتبر في التيمم العلوق مما ضرب عليه؟ والكلام فيه يقع في موارد: منها في اعتبار العلوق بمعنى لزوم مسح المواضع بالتراب ونحوه، ولا اشكال ولا كلام عندنا في عدم اعتباره، وهو الذى ادعى الاجماع عليه، فعن المنتهى لا يجب استعمال التراب عند علمائنا وحكى الاجماع عن غيره ايضا. والظاهر ان خلاف بعض المتأخرين ليس في ذلك كما يظهر من استدلالاتهم حصوصا جوابهم عن الروايات الدالة على النفض من عدم المنافاة بينه وبين لزوم العلوق لبقاء الاجزاء الصغيرة الغبارية بعد النفض، فيظهر منهم ان مرادهم بلزوم العلوق لزوم بقاء اثر التراب الذى لا يسمى ترابا. وكيف كان يدل على عدم اعتباره بعد الاجماع الادلة الدالة على استحباب النفض أو جوازه ضرورة انه بعده لا يبقى من نفس الصعيد والارض على اليد شئ وما بقى عليها احيانا هو أثرهما الذى لا يسمى ترابا عرفا ولا أرضا، والاية الكريمة بعد البناء على كون " من " ابتدائية بشهادة صحيحة زرارة التى دلت على رجوع الضمير المجرور إلى التيمم لا الصعيد، وكذا الاخبار المتقدمة، ضرورة انه لو كان الجار للتبعيض والمجرور راجعا إلى الصعيد لزم منه وجوب حمل الصعيد إلى الوجه والكفين، مع انه بعد النفض لا يبقى بعض الارض على اليد للوجه فضلا عن الكفين، فإذا لم تكن تبعيضية فلا محالة تكون ابتدائية لضعف الاحتمالات الاخر، فتدل على ان المعتبر في التيمم ان يكون المسح مبتدئا من الارض لا بالارض، فتدل على عدم اعتبار العلوق بالمعنى المتقدم ولا بغيره كما يأتي، فلا ينبغى الاشكال في عدم اعتباره بهذا المعنى. ومنها اعتباره بمعنى لزوم ان يعلق على اليد من اجزاء الارض ولو سقطت

[ 157 ]

بالنفض بل ولو لم يبق أثرها. ولا ينبغى الاشكال في عدم اعتباره ايضا، بل هو أضعف من سابقة لامكان التمسك له بالاية، والصحيحة المتقدمة بتوهم تبعيضية " من " وبارتكازية بدلية التراب للماء، وان ظهر ضعفهما مما تقدم حتى الثاني، فان الارتكاز لا يقاوم الادلة كتابا وسنة، وأما توهم اعتبار العلوق وكونه واجبا مستقلا لا للتمسح به على الاعضاء فهو خلاف الاية والروايات جميعا، فان الظاهر منها عدم استقلاليته، بل لو كان معتبرا فلاجل المسح على الاعضاء، والروايات المشتملة على النفض يظهر منها بمساعدة الارتكاز العرفي، ان النفض لعدم الاحتياج إلى ما يعلق من الصعيد على اليد لمسحها ولا اشعار فيها على لزوم العلوق استقلالا من غير لزوم المسح به. ولهذا ترى ان الروايت المشتملة على الوضع خالية عن ذكر النفض، بخلاف ما تشتمل على الضرب فانها مشتملة عليه الا نادرا، والظاهر ان الوجه فيه هو تحقق العلوق بالضرب دون الوضع خصوصا في أراضي الحجاز الغالب عليها الرمل والاحجار الصغار التى تلصق باليد مع الضرب دون الوضع بلا اعتماد ولا قوة ولا مكث، وبالجملة عدم اعتبار العلوق بهذا المعنى ايضا واضح، والعمدة البحث عن النحو الثالث من العلوق وهو أثر التراب والارض ولا يبعد أن يكون ذلك موردا للكلام. ومختارا لبعض المتأخرين كما مرت الاشارة إليه، وهو ايضا لا يقصر في الضعف عما تقدم فان " من " في الاية الكريمة ان كانت تبعيضية، تنطبق على العلوق بالمعنى الاول، وان كانت ابتدائية لا تنطبق على العلوق بهذا المعنى ايضا، بل بعد البناء على الابتدائية تدل الاية باطلاقها على عدم اعتبار العلوق للدلالة على ان تمام الموضوع لتحقق التيمم كون التمسح مبتدءا من الصعيد من غير دخالة شئ آخر فيه. ودعوى ان المسح منه على الوجه والكف ولو بمناسبة الحكم والموضوع منصرف إلى انتقال أثر من الارض على الاعضاء، (مدفوعة) بان ما هو المرتكز من قيام الصعيد مقام الماء هو قيام نفسه مقامه كما فعل عمار لا قيام أثره، وبعد قيام الدليل على عدم لزوم ذلك، لا مجال لدعوى قيام الاثر، فلا يجوز رفع اليد عن الاطلاق ولا دعوى

[ 158 ]

الانصراف لاجل الارتكاز. كما ان دعوى الانصراف أو عدم الاطلاق لاجل غلبة الاراضي في انتقال أثرها على اليد وبقائه بعد النفض، (مدفوعة) بمنع الغلبة الموجبة لعدم الاطلاق فضلا عن الانصراف، سيما في أراضي نزول الوحى وصدور الروايات، وخصوصا مع كون الصعيد مطلق وجه الارض وبالاخص مع قرب أراضي الحرمين الشريفين من البحر الموجب لنزول الامطار الغريزة في غالب الفصول فيها مع كيفية أرضهما الخالية عن التراب الموجب لعدم كونها مغبرة وعدم بقاء أثرها بعد النفض غالبا، ومعه كيف تسوغ دعوى الغلبة والانصراف، وكيف يمكن السكوت عنه مع فرض اعتباره، مضافا إلى انه لو فرض بقاء أثر ضعيف بعد النفض فلا ريب في انه مع امرار اليدين على الوجه يرتفع وينتقل إليه، فلا يبقى للكفين اثر منها فلا بد للقائل بلزوم العلوق، اما ان يلتزم بلزومه للوجه فقط، أو لزوم المسح ببعض اليد على الوجه بوجه بقى الاثر للكفين، أو لزوم ضرب آخر بعد مسح الوجه، ولا أظن التزامه بالاولين ويأتى الكلام في ضعف الثالث. الثامن في تحديد الماسح والممسوح وكيفية المسح، اما الماسح فيقع البحث فيه من جهات. الاولى. بعد وضوح لزوم كون المسح بما يضرب على الارض نصا وفتوى هل يعتبر أن يقع مسح الجبهة باليدين كما عن التذكرة انه الاظهر من عبارات الاصحاب، وعن المدارك ان أكثر الاصحاب على كون المسح بباطن الكفين معا، وعن المختلف والذكرى وكشف اللثام انه المشهور، أو يجتزى بيد واحدة كما عن التذكرة احتماله، وعن المولى الاردبيلى والمحقق الخونسارى اختياره؟ لا يبعد ترجيح ذلك لاطلاق الاية الكريمة وعدم صلوح الادلة لتقييدها. ودعوى كونها من المتشابهات التى يجب الرجوع فيها إلى تفسير أهل البيت عليهم السلام كدعوى عدم اطلاقها لكونها في مقام اصل التشريع ضعيفة، ضرورة عدم

[ 159 ]

اجمال وتشابه فيها، فان الظاهر من قوله: " تمميوا صعيدا " الواقع في ذيل بيان الوضوء والغسل وانهما بالماء وبقرينة فامسحوا منه هو التلمس بالارض بالالة المتداولة التى هي باطن الكفين، لعدم امكان المسح على اليدين بكف واحد فيستفاد منها لزوم مسح بعض الوجه واليدين من الارض بالالة. نعم لولا الجهات الخارجية لقلنا بعدم لزوم كون اليد آلة كما تقدم فاطلاق الاية محكم ما لم يرد دليل على التقييد، والتقييدات الواردة عليها ليست بحد الاستهجان حتى نلتزم باهمالها أو بقيام قرائن حالية لم تصل الينا، والذى يشهد على عدم اجمال أو اهمال فيها ارجاع رسول الله صلى الله عليه وآله عمارا إليها لرفع خطائه بقوله: " هكذا يصنع الحمار انما قال الله عزوجل فتيمموا صعيدا طيبا " وفى رواية انما قال الله: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " وفى اخرى " أفلا صنعت كذا ثم تيمم " (1) وتمسك ابى جعفر بها وبخصوصياتها لتعليم زرارة، فلا اشكال في اطلاقها وعدم تشابهها. نعم الروايات الحاكية لفعلهم لا يكون فيها اطلاق معتد به من هذه الجهة، واما عدم صلوح شئ لتقييدها فلان أظهر مافى الباب في ذلك مما يمكن الركون عليه سندا موثقة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في التيمم " قال: تضرب بكفيك الارض ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك " (2) وصحيحة المرادى عن أبى عبد الله عليه السلام في التيمم: " قال تضرب بكفيك على الارض مرتين ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك " (3) بدعوى ظهورهما بل صراحتهما في كون مسح الوجه باليدين. لكن يمكن انكار ظهورهما فضلا عن صراحتهما بان يقال: ان محتملات قوله " و تمسح بهما وجهك ويديك " كثيرة بدوا. (احدها) ان يكون المراد تمسح بهذه وهذه وجهك ويدك اليمنى واليسرى جمودا


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 12 ح 7 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، 7. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 12، ح 2.

[ 160 ]

على ظاهر علامة التثنية من تكرير مدخولها، وظاهر الضمير الراجع إلى طبيعة اليدين من غير اعتبار الاجتماع في المدخول والمرجع، فانه يحتاج إلى مؤنة زائدة، ولازم هذا الاحتمال لزوم مسح كل يد جميع الجبهة أوهى مع الجبينين، وكذا مسح كل من اليدين الماسحين كل واحد من الممسوحين وهو غير ممكن في الثاني، ولم يلتزموا به في الاول فهذا الاحتمال مدفوع لذلك. (ثانيها) ان يكون المراد تمسح بمجموعهما وجهك وكل واحد من يديك، ولازمه لزوم مسح كل من اليدين بمجموعهما وهو ايضا مدفوع لامتناعه. (ثالثها) ان يكون المراد تمسح بمجموعهما وجهك ومجموع اليدين، ولازم ذلك ما هو المشهور. (رابعها) تمسح بمجموعهما مجموع الوجه واليدين أي بمجموع هذين مجموع الثلاثة، ولازم ذلك جواز مسح الوجه بيد واحدة كما اختاره المحققان المتقدمان، ولا ترجيح لاحد الاخيرين لو لم نقل بترجيح ثانيهما لاجل ارتكاز العرف بان المسح لايصال أثر الارض ولو أثرها الاعتباري إلى الوجه من غير دخالة مجموع اليدين في ذلك، وضرب اليدين انما هو لتحصيل المسحات الثلاث لا لمسح الوجه بهما. وبالجملة مع محفوفية الكلام بالقرينة العقلية ورفع اليد عن الظاهر الاولى لا يبقى ظهور في الاحتمال الثالث. ودعوى ان الظاهر منها هو المسح بهما مطلقا، وقيام القرينة العقلية موجب لرفع اليد عنه بالنسبة إلى اليدين دون الوجه (مدفوعة) بان الظاهر منها هو المسح بكل واحد منهما جميع الممسوح، وهو مخالف لاطلاق الكتاب والفتوى والعقل، ومع رفع اليد عنه ودوران الامر بين أحد الاخيرين فالترجيح مع ثانيهما، فيوافق اطلاق الاية ومع تساويهما أو الترجيح الظنى لاولهما لا يترك الاطلاق حتى على الثاني، لعدم ظهور معتد به، وعدم كون الظن مستندا إلى اللفظ وظهورة حتى يكون حجة. نعم ظاهر رواية الكاهلى " قال: سألته عن التيمم؟ فضرب على البساط فمسح بهما

[ 161 ]

وجهه ثم مسح كفيه احديهما على ظهر الاخرى " (1) هو مسح الوجه باليدين لكنها مع ضعفها سندا واضمارها لا تصلح لتقييد الكتاب، ولا يعلم استناد المشهور إليها، ومجرد مطابقة فتويهم لرواية لا يجبر ضعفها، وكون الناقل منه صفوان بن يحيى وصحة السند إليه غير مفيد، لعدم ثبوت انه لا يروى الا عن ثقة وان قال به الشيخ في محكى العدة، والاجماع على تصحيح ما يصح عنه على فرض ثبوته لم بتضح اثبات ماراموا منه والتفصيل موكول إلى محله. واما صحيحة محمد بن مسلم " قال: سألت أبا عبد الله عن التيمم؟ فضرب بكفيه الارض ثم مسح بهما وجهه ثم ضرب بشماله الارض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الاصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها، ثم ضرب بيمينه الارض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه، ثم قال: هذا التيمم على ما كان في الغسل وفى الوضوء الوجه واليدين إلى المرفقين " الخ (2). فلا يتكل عليها لتقييد الكتاب بعد اشتمالها على عدة احكام مخالفة للمذهب، والتفكيك في الحجية في مثلها غير جائز، بعد عدم الدليل على حجية خبر الثقة الابناء العقلاء الممضى، ولا ريب في عدم ثبوت بنائهم على العمل بما اشتملت على عدة احكام مخالفة للواقع لو لم نقل بثبوت عدمه. نعم هنا روايات لا يبعد دعوى ظهورها في المطلوب كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام حكاية لقضية عمار بن ياسر، وفيها: " ثم أهوى بيديه إلى الارض فوضعهما على اصعيد ثم مسح جبينيه بأصابعه وكفيه احديهما بالاخرى ثم لم يعد ذلك " (3) فان الظاهر من مسح جبينيه باصابعه المسح بجميعها سيما بعد قوله " فوضعهما على الصعيد ".


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 1. (2) الوسائل ابواب التيمم ب 12، ح 5. (3) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 8

[ 162 ]

وموثقته عن أبى جعفر عليه السلام قال في ذيل حكاية قضية عمار: " فضرب بيديه على الارض ثم ضرب احديهما على الاخرى ثم مسح بجبينيه ثم مسح كفيه كل واحدة على ظهر الاخرى " (1). فان الظاهر منها ان المسح وقع بعين ما ضرب على الارض للمسح لا باحدى يديه ضرورة انه لو ضرب بيدين ومسح باحديهما على جبينيه لقال في مقام الحكاية فمسح بواحدة منهما لكون الضرب بهما والمسح باحديهما مخالفا للمتعارف، ومعه كان عليه حكايته، ومع عدم الذكر ينصرف إلى المتعارف وهو المسح بما ضرب، الا ترى عدم احتمال كون المسح بغير اليدين مع عدم حكاية كونه بهما، وليس ذلك الا للانصراف والظهور في كونه بما وقع على الارض. وهذا نظير ان يقال اخذ الماء بغرفتيه، فغسل وجهه حيث يكون ظاهرا في صب مافى الغرفتين على وجهه وغسله بهما، ومن هنا يمكن الاستدلال عليه ببعض روايات اخر، لكن يمكن المناقشة في صلوح مثل تلك الروايات لتقييد الاية الكريمة، فان مجرد ظهورها في كون المسح باليدين ولو في مقام بيان الحكم والتعليم لا يكفى في التقييد الا إذا دلت على التعيين والعمل الخارجي الذى لا يمكن أن يقع الا على وجه واحد وكيفية واحدة لا يكون ظاهرا فيه، ودالا على ان للتيمم كيفية واحدة، وان تمام حقيقته كذلك، ومعه لا يمكن تقييد المطلق الموافق له به. وبعبارة اخرى ان المطلق والمقيد المثبتين غير متنافيين، الا إذا احرزت وحدة المطلوب والكيفية وهى غير محرزة في المقام. ولعله إلى ما ذكرنا يرجع ما عن المحقق الخونسارى (ره) حيث قال: كما يجوز حمل المطلق على المقيد يجوز القول بكفاية المطلق وحمل المقيد على انه احد افراد الواجب " انتهى ". الا ان يقال ان الظاهر من صحيحة داود بن النعمان (2) هو السؤال عن


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11. ح - 3. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 4.

[ 163 ]

كيفية التيمم فعمل أبى عبد الله عليه السلام في مقام جواب سؤاله عن الكيفية ظاهر في ان ما فعل هو الكيفية الفريدة، وتمام مهية التيمم. فلو كان المسح بيد واحدة مجزيا لفعله في مقام بيان نفس المهية لعدم دخالة ضم الاخرى في تحققها، والظاهر منها مسح الوجه باليدين بالتقريب المتقدم، بل لا يبعد أظهريتها في ذلك مما تقدم لقوله: " ثم رفعهما فمسح وجهه ويديه ". ولا يخفى انه فرق بين هذه الصحيحة التى ندعى ظهورها في كون المسح بيدين وبين صحيحة المرادى، ورواية زرارة المتقدمة حيث منعنا ظهورهما فيه كما مر، لان الظهور المدعى في هذه الصحيحة لاجل حكاية الفعل كما تقدم وجهه فتدبر، بل الظاهر منها ومن صحيحة الخزاز ان ما صنع أبو عبد الله عليه السلام موافق لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله في مقام تعليم عمار، وبعد ضم ذلك إلى رواية الكاهلى التى شهد شيخ الطائفة (ره) بوثاقته لرواية صفوان عنه، وقيام الاجماع المنقول على تصحيح ما يصح عنه، و هما وان كانا موردين للمناقشة كما مر، لكن يوجبان ظنا معتدا به، فإذا ضم ذلك إلى مرسلة العياشي عن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام (1) وفيها " ثم مسح يديه بجبينيه " والى رواية فقه الرضا (2) والى صحيحة زرارة وموثقته (3) الحاكيتين لفعل رسول الله الظاهرتين في مسحه باليدين يتم المطلوب، وهو تعينه في كيفية واحدة. والانصاف ان الراجع إلى الروايات يطمئن بان له كيفية واحدة، هي ما قال به المشهور، بل قيام السيرة القطعية المتصلة إلى زمان الائمة من أقوى الشواهد على كونه بهذه الكيفية المعهودة، فيتقيد بها الاية الشريفة فلا ينبغى التأمل فيه. الجهة الثانية مقتضى اطلاق الاية وبعض الروايات كصحيحة المرادى ورواية زرارة المتقدمتين عدم اعتبار المسح بهما دفعة فيجوز تدريجا، واشعار الروايات الحاكية


(1) مرت في صفحة 139 (2) مرت في صفحة 142. (3) مرتا في صفحة 161 و 162.

[ 164 ]

لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام أو دلالتها على ان عملهم كان بنحو الدفعة، لا يظهر منها التعيين للفرق الظاهر بين الاتيان باليدين الظاهر في الدخالة وبين الاتيان دفعة، لانه لو كان مجزيا باليد الواحدة لكان ضم اليد الاخرى إليها بلا وجه، لعدم تعارف ضم ما ليس بدخيل إلى ما هو الدخيل بخلاف الدفعة، فانها متعارفة بعد لزوم كون المسح باليدين، والتعارف يوجب عدم الظهور في التعيين كما ان السيرة على الدفعة لا تكشف الا صحته كذلك، واما بطلان غيره فلا كما لا يخفى وهذا بخلاف السيرة على المسح باليدين فانها كاشفة عن دخالة اليد، وذلك لما مرمن عدم تعارف ضم ما ليس بدخيل فلا تغفل لكن الاحتياط لا ينبغى تركه. الجهة الثالثة الظاهر عدم اعتبار كون المسح بجميع الكف لاطلاق الاية، و ظهور الادلة في ان ضرب اليد على الارض انما هو لايصال أثرها ولو اعتبارا إلى الممسوح وليس للكفين الاسمة الالية للمسح منها، فإذا حصل ببعض الكف سقط التكليف وبعبارة اخرى ان المسح منها الذى هو الواجب الاصيل يحصل بتحقق صرف الوجود من المسح، ويتحقق ذلك بأول مرتبة الامرار، والزائد يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه الا توهم ظهور الادلة في وجوب الضرب بجميح الكف، ولما كان ذلك للمسح لا بد من كونه بجميعها. وفيه ان تقليب ذلك الدليل أولى بحسب ارتكاز العرف بان يقال: ان الضرب لما كان للمسح وهو يحصل ببعض الكف، فهو دليل على عدم لزوم الضرب بجميعها، والاولوية لاجل ان المطلوب الاصلى هو المنظور فيه، والتبعى منظور لاجله، وبعد اقتضاء الدليل كون الضرب للمسح الحاصل باول وجود الامرار لا ينقدح في ذهن العرف توسعة ذى الالة بل ينقدح فيه تضييق الالة. هذا مع ان ظاهر الادلة انصرافا هو المسح بوضع طول الماسح على عرض الممسوح في الكف، وهو أزيد منه بمقدار معتد به، بحيث يرى العرف زيادته عليه، وكذا يزيد عرض اليدين عن الجبهة والجبينين، ومع لزوم الاستيعاب كان اللازم التنبيه عليه

[ 165 ]

وعدمه دليل على عدم لزومه، هذا مع الغض عن صحيحة زرارة والا فهى صريحة في جوازه، فالاقوى عدم لزوم الاستيعاب وان كان الاحوط خلافه. ومن بعض ما ذكرناه يعلم كفاية مسح مجموع الممسوح بمجموع الماسح توزيعا، فلا يجب المسح بكل من اليدين على تما الممسوح. واما الممسوح فيقع البحث فيه من جهات: الاولى في تحديد الوجه والكلام يقع فيه في مقامين: (الاول) في مقتضى الادلة مع قطع النظر عن فتوى الاصحاب فنقول: ان مقتضى اطلاق الاية جواز مسح بعض الوجه أي بعض كان، بعد كون الباء تبعيضية، اما لقول السيد المرتضى ان الباء إذا لم يكن لتعدية الفعل إلى المفعول لا بد له من فائدة، والا كان عبثا ولا فائدة بعد أرتفاع التعدية به الا التبعيض، وهو من أهل الخبرة في صناعة الادب تأمل، واما لصحيحة زرارة المفسرة للاية عن أبى جعفر عليه السلام (1) واستدل عليه السلام لتبعيض المسح في الوضوء والتيمم بالباء. واما الروايات فعلى طوائف: منها وهى الاكثر ما اشتملت على عنوان الوجه، ومنها على الجبينين، ومنها على الجبين مفردة، وفى نسخة اخرى أو رواية اخرى بدل الجبين الجبهة، وبعضها وهى رواية زرارة عن تفسير العياشي على المسح من بين عينيه إلى أسفل حاجبيه، وفى رواية فقه الرضا ذكر موضع السجود من مقام الشعر إلى طرف الانف، وروى فيه مسح الوجه من فوق الحاجبين وبقى ما بقى. ويمكن الجمع بينها بالاخذ باطلاق الاية وحمل الروايات على اختلافها على التخيير بين اعضاء الوجه، بدعوى عدم استفادة التعيين منها بعد ذلك الاختلاف، وحمل اخبار الوجه على الفضل في الاستيعاب، وفيه ما يخفى لان الالتزام بجواز مسح العارض أو الذقن بعد كونه مخالفا لجميع الروايات في غاية الاشكال، بل غير ممكن وان


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 13: 1.

[ 166 ]

يظهر من محكى المعتبر التخيير بين استيعاب الوجه ومسح بعضه بشرط عدم الاقتصار على أقل من الجبهة، وظاهره جواز المسح على العارض مثلا إذا لم يقتصر على أقل منها مساحة. وهو أسوء من الجمع المتقدم لالتزامه بالتخيير بين الاقل والاكثر، وهو لو لم يكن ممتنعا فلا اقل من عدم كونه من الجمع المقبول، مضافا إلى ان روايات الجبين والجبهة لو كانت صالحة لتقييد الاية فلا بد من التخيير بينهما وبين الوجه، أو تعين المسح بهما، والا فلا وجه لعدم جواز الاقتصار على أقل من الجبهة. وقد يقال بالجمع بين روايات الوجه والجبينين بحمل الاولى على ارادة المسح في الجملة حملا للمطلق على المقيد، وهو من أهون التصرفات (وفيه) انه بعد تسليم دلالة روايات الوجه على كثرتها على لزوم الاستيعاب يقع التعارض بينها، وبين مادل على المسح عل الجبينين بالتباين. والانصاف انه لو سلم دلالة الروايات المتجاوزة عن العشرة وفيها الصحاح و الموثق على لزوم الاستيعاب وكونها في مقام بيان كيفية التيمم لا يتأتى الجمع بينها بما ذكر بل يقع التعارض بينها وبين غيرها، بعد عدم كونها من قبيل المطلق والمقيد. لان نسبة الكل والجزء ليست من قبيلهما، لكن الشأن في ثبوت دعوى دلالتها عليه فان الناظر بعين التدبر يرى عدم سلامة الا النادرة منها من المناقشة اما سندا أو دلالة أو جهة فها هي الروايات: اما مادلت على ان التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين كصحيحة اسماعيل الكندى عن الرضا عليه السلام " قال: التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " (1) وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما " قال: سألته عن التيمم؟ فقال: مرتين مرتين للوجه واليدين " (2) وصحيحة زرارة (3) عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: كيف التيمم؟ فقال: هو ضرب


(1 - 2 - 3 -) الوسائل ابواب التيمم: ب 12، ح 3 - 1 - 4.

[ 167 ]

واحد للوضوء والغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه ومرة لليدين " فهى في مقام حكم آخر لا يمكن استفادة لزوم الاستيعاب منها كما لا يستفاد لزوم مسح تمام اليد منها، فهى لا تعارض اخبار المسح على الكف، ولا ما دلت على مسح الجبينين كما لا يخفى. والظاهران صحيحة المرادى من هذا القبيل واما صحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة (1) المشتملتان على مسح الذراعين إلى المرفق فهما محمولتان على التقية، و استقر المذهب على عدم العمل بهما، ويمكن أن تكون صحيحة المرادى (2) ايضا كذلك واما موثقة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " قال: تضرب بكفيك الارض ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك " (3) فمن القريب أن تكون بصدد بيان عدم لزوم نقل التراب إلى الوجه، حيث قد يدعى دلالة الاية على لزومه، ويظهر من فتوى الشافعي ان ذلك كان في تلك الاعصار مورد البحث والنظر. فلا تكون ناظرة إلى مقدار مسح الوجه واليدين، ولذا ذكر فيها اليدان لا الكفان، ولو كانت بصدد بيان كيفية التيمم لم تهمل وظيفة اليد، فالاقرب ما ذكرنا من كونها بصدد بيان لزوم كون المسح باليد المضروبة على الارض لا بأجزاء التراب، ولهذا قال فيها: " وتنفضهما وتمسح بهما ". واما روايتا داود بن النعمان والخزاز (4) فيحتمل فيهما كون قوله: " قليلا " قيدا للوجه ايضا، فيكون المراد مسح الوجه قليلا، وفوق الكف قليلا، مع احتمال أن يكون المنظور ضرب اليد على الارض في مقابل عمل عمار تأمل،


(1 - 2) الوسائل ابواب التيمم ب 13 ح 3 و 12 ح 2 و 5 (3 - 4) الوسائل ابواب التيمم ب 11 ح 7 - 4 - 2

[ 168 ]

وكيف كان مع اشتمالهما لما تصلح للقرينية لا يمكن اثبات الاستيعاب بهما. واما رواية الكاهلى (1) فضعيفة ولو قيل بحسنها لكن لا تكون صالحة لمعارضة الصحاح لا سندا ولا دلالة، فبقيت صحيحة واحدة هي صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول وذكر التيمم وما صنع عمار فوضع أبو جعفر كفيه على الارض ثم مسح وجهه وكفيه ولم يمسح الذراعين بشئ " (2) وهى مع عدم بيان تفصيل القضية فيها حتى يعلم كون أبى جعفر عليه السلام في مقام بيان أية جهة من جهات التيمم وكون المذكور فيها عمله ويصح لمن يرى مسح يده على جبهته أو جبينه أن يقول مسح يده على وجهه من غير تسامح وتجوز، لا تقاوم الكتاب، إذ لو كان المراد لزوم مسح جميع الوجه تخالفه بالتباين بعد كون الباء للتبعيض، ولا تقاوم الروايات الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله الناصة على مسحه بجبينيه، فتكون قرينة على ان ليس المراد بالوجه جميعه لا لتقييد الاطلاق كما قيل، بل لان الوجه يطلق على البعض والتمام بلا مسامحة. ولا يبعد دعوى الفرق بين " اغسل وجهك " وبين " امسح بيدك وجهك " بانه يفهم الاستيعاب من الاول دون الثاني فتأمل، وكيف كان لا شبهة في عدم وجوب الاستيعاب في الوجه حتى مع الغض عن فتاوى الاصحاب ومخالفته للمكتاب وموافقته للعامة، هذا حال الاخبار المشتملة على الوجه. واما ساير الاخبار فالمعتمد منها وهى صحيحة زرارة وموثقته الحاكيتان لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله تعليما لعمار عن أبى جعفر عليه السلام (3) كالصريح في كفاية مسح الجبينين من دون لزوم مسح الجبهة، فان قوله عليه السلام: " ثم مسح (أي رسول الله صلى الله عليه وآله) جبينيه باصابعه " أو " ثم مسح بجبينيه " في مقام بيان الحكم ومهية التيمم ظاهر بل كنص في ان تمام


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 11 - ح 1 (2 - 3) الوسائل ابواب التيمم، ب 11 ح 5 - 8

[ 169 ]

الدخيل فيه مسحهما فقط وليس مسح غيرهما كالجبهة وغيرها دخيلا في مهينه، وليس هذا كنقل أحد من الرواة حتى يقال انه ترك ذكر الجبهة بتوهم ملازمة مسحها لمسحهما مع عدم الملازمة واقعا، أو احتمل فيه الخطأ في فهم كيفية العمل، وكيف كان لو كان اللازم مسح الجبهة لمسحها رسول الله، ونقل أبو جعفر عليه السلام، وتدل عليه ايضا رواية ابى المقدام أو حسنته لرواية صفوان عنه عن ابى عبد الله عليه السلام " أنه وصف التيمم فضرب بيديه على الارض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح على جبينيه وكفيه مرة واحدة " (1). وذكر الجبينين مثناة وترك الجبهة دليل على عدم مسحه جبهة، والظاهر ان موثقة زرارة المختلفة في النقل المرددة بين جبينه وجبهته كانت في الاصل جبينه أو جبينيه واشتبهت في النسخ لغاية شباهتهما في الخط العربي سيما في الخطوط القديمة، و انما رحجنا الجبين على الجبهة لشهادة ساير الروايات المتفقة على الجبينين، بل المظنون وقوع تصحيف في عبارة الحسن بن عيسى العماني حيث ادعى تواتر الاخبار، بانه حين علم عمارا مسح بهما جبهته وكفيه، وكان الاصل جبينيه، فاشتبهت وصحفت بجبهته لشدة المشابهة في الخط، والا فكيف يدعى تواتر ما ليس بموجود الا نادرا، وترك ذكر الجبينين مع ورود روايات كثيرة فيهما. واما قول المحقق في النافع: وهل يجب استيعاب الوجه والذراعين بالمسح فيه روايتان أشهرهما اختصاص المسح بالجبهة، فليس المراد منه اكثرية الرواية كما توهم بل أشهريتها بحسب الفتوى وهو مبنى على حمل عبارات من تقدم عليه على اختصاص المسح بالجبهة وسيأتى الكلام فيها، والا فروايات الوجه والجبينين اكثر بلا اشكال، ولم تصل إلى المحقق روايات أخر غير ما بايدينا أكثر من روايات الجبينين جزما، وكيف كان فمراده أشهرية الفتوى والشهرة الفتوائية هي الميزان في قبول روياة أوردها لا الاكثرية كما هو المقرر في محله. نعم هنا بعض روايات ضعاف تدل على وجوب مسح الجبهة كالفقه الرضوي الذى


(1) الوسائل ابواب التيمم: ب 11 ح 6

[ 170 ]

لم يثبت كونه رواية، بل الظاهر من عباراته انه مصنف فقيه أفتى بمضمون الاخبار، وفيه " ثم تمسح بهما وجهك موضع السجود من مقام الشعر إلى طرب الانف " ثم قال: " واروى " إلى ان قال: " ثم تمسح بأطراف أصابعك وجهك من فوق حاجبيك وبقى ما بقى " (1) ولعل المراد من هذه الرواية الاخيرة مسح جميع ما فوق الحاجبين وابقاء بقية الوجه، ولا يبعد رجوع مرسلة العياشي إلى ذلك " قال: وعن زرارة عن أبى جعفر بعد ذكر قضية عمار ثم وضع يديه جميعا على الصعيد، ثم مسح من بين عينيه إلى اسفل حاجبيه " (2) وهى موافقة لفتوى الصدوق في المقنع مع احتمال كون المراد مسح الجبهة إلى طرف الانف المحاذي لاسفل الحاجبين وكيف كان فمقتضى الجمود على الروايات الصالحة للاعتماد كفاية مسح الجبينين وعدم الاجتزاء بمسح الجبهة خاصة، لان ما دلت على الاجتزاء بها غير صالحة للحجية، الا ان ثبت استناد المشهور بها وهو غير معلوم، هذا كله حال الروايات. واما المقام الثاني وهو حال فتاوى الاصحاب فالظاهر من فتاوى قدمائهم إلى زمان المحقق فيما رأيت الا نادرا هو التحديد بمسح الجبينين والجبهة عرضا، ومن قصاص الشعر إلى طرف الانف طولا، لان الغالب منها التعبير بمسح الوجه باليدين من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه، وليس في عباراتهم لفظة الجبهة، والظاهر من مسح الوجه بهما أي باليدين مضمومتين كما هو المتبادر المتعارف تحديد العرض. ومن قصاص الشعر إلى طرف الانف تحديد الطول في مقابل العامة القائلين بالاستيعاب، أو مسح اكثر الوجه، وبه يرجع قول السيد في الانتصار والناصريات، قال في الاول: ومما انفردت به الامامية القول بان مسح الوجه


(1) مرت في صفحة 142 (2) مرت في صفحة 139

[ 171 ]

بالتراب في التيمم انما هو إلى طرف الانف من غير استيعاب له، فان باقى الفقهاء يوجبون الاستيعاب، وقال في الثاني بعد قول الناصر: وتعميم الوجه واليدين واجب، بهذه العبارة: هذا غير صحيح، وقد بينا في المسألة التى قبل هذه إلى أن قال: وقد اجمع أصحابنا على ان التيمم في الوجه انما هو من قصاص الشعر إلى طرف الانف " انتهى " والظاهر من مسح الوجه إلى طرف الانف هو مسح جميع القطعة التى وقعت من الوجه فوق طرف الانف، لا ما هو بحذاء طرفه فانه أقل من عرض اصبع واحد، ولا ينطبق الا على أقل قليل من الجبهة، فاحتماله في عبارته وساير عبارات القوم مقطوع الفساد بل الاجماع والضرورة على خلافه، واليها من هذه الجهة ترجع ظاهرا عبارة المقنع: فامسح بهما بين عينيك إلى أسفل الحاجبين، لاحتمال كون المراد التحديد عرضا باليدين وطولا إلى أسفل الحاجبين، سيما مع ذكر الحاجبين لا طرف الانف. والظاهر رجوع قول الصدوق في الامالى إليه، قال فيما وصف دين الامامية: فان اراد الرجل أن يتيمم ضرب بيديه على الارض مرة واحدة ثم ينفضهما فيمسح بهما وجهه إلى أن قال: وقد روى ان يمسح الرجل جبينه وحاجبيه ويمسح على ظهر كفيه وعليه مضى مشايخنا. وقال في الفقيه: ومسح بهما جبينيه وحاجبيه، والظاهر بقرينة افراد الجبين في الامالى وضم الحاجبين الظاهر منه مسح تمامهما الملازم لمسح الجبهة ان مراده مسح الجبهة والجبين، ويشهد له ان مسح الجبين فقط مخالف لكلمات الاصحاب هذا حال كلمات أصحابنا من زمن الصدوق إلى عصر المحقق مما عثرت عليه من كتبهم كالآمالي والفقيه والمقنع والهداية والانتصار والناصريات والنهاية والخلاف والوسيلة والمراسم والغنية، واشارة السبق، وعن أبى الصلاح وابن ادريس كذلك. واما من عصر المحقق فقد تغيرت العبارات فقال في النافع: وهل يجب استيعاب

[ 172 ]

الوجه والذراعين بالمسح؟ فيه روايتان أشهرهما اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين، والظاهر ان مراده أشهرهما فتوى كما تقدم، وهو مبنى على ان مراد قدماء اصحابنا من العبارات المتقدمة هو مسح الجبهة بقرينة قولهم من قصاص الشعر إلى طرف الانف، لكن قدمر ان ذلك لتحديد الطول، فكما حددوا الوجه في الوضوء من قصاص الشعر إلى مجاور شعر الذقن طولا، وبما اشتمل عليه الابهام والوسطى عرضا حددوه في المقام عرضا بقولهم مسح بهما الظاهر في تمام باطنهما متصلين وطولا بما ذكر في مقابل الاستيعاب. وقد نسب في محكى المعتبر مسح الجبهة إلى مذهب الثلثة وأتباعهم، فان كان مراده اختصاصه بالجبهة كما صرح في النافع ففيه ما مر، وان كان مراده لزوم مسحها ايضا مضافا إلى الجبينين فهو حق، وظاهر الشرايع اختصاصه بها كظاهر العلامة في القواعد والارشاد وهو ظاهر التذكرة ايضا، وان عبر فيها بمسح الوجه لتمسكه بقول الصادق عليه السلام في رواية زرارة " قال: ولان زراة سأل الصادق عليه السلام عن التيمم فضرب بيديه الارض ثم رفعهما فنفضهما ومسح بهما جبهته وكفيه مرة واحدة " (1) وهى بعينها موثقة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام لكنه نسبها إلى الصادق عليه السلام، ولعلها رواية اخرى عثر عليها وان كان بعيدا. وقال في المنتهى: أكثر علمائنا على ان حد الوجه هنا من قصاص الشعر إلى طرف الانف اختاره الشيخ في كتبه والمفيد والمرتضى في انتصاره، وابن ادريس و أبو الصلاح، ثم حكى قول على بن بابويه وغيره، وتمسك لمختارة بروايات الجبهة والجبينين في مقابل القائل بالاستيعاب. والانصاف امكان ارجاع كلامه فيهما إلى ما ذكرناه واستظهرناه من كلام القوم، وعن الشهيد في الذكرى ان مسح الجبهة من القصاص إلى طرف الانف متفق عليه بين الاصحاب، ولعل مراده وجوب مسحها لا الاختصاص بها، وصرح ثانى الشهيدين في الروض بالاختصاص، وقال: هذا القدر متفق عليه بين الاصحاب إلى


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 11 ح 3.

[ 173 ]

أن قال: وزاد بعضهم مسح الجبينين وهما المحيطان بالجبهة، يتصلان بالصدغين لوجوده في بعض الاخبار. وفى مقابله الاردبيلى حيث قال: ان المشهور ان مسح الجبينين واجب وكاف وهو مصيب في وجوبه لا في كفايته، كما ان الشهيد مصيب في ان وجوب مسح الجبهة متفق عليه بين الاصحاب على تأمل، لما نقل عن المحقق من التخيير بين الوجه وبعضه بمقدار مساحه الجبهة، وغير مصيب في انتساب الجبينين إلى بعضهم. وكيف كان فالاقوى وجوب مسح الجبينين والجبهة وفاقا للمشهور بين المتقدمين كما عرفت، بل والمتأخرين فانه المحكى عن جامع المقاصد ومجمع البرهان والمدارك وشرح المفاتيح ومنظومة الطباطبائى وفوائد الشرايع وحاشية الارشاد وشرح الجعفرية وحاشية الميسى والروضة والمسالك ورسالة صاحب المعالم، وعن مجمع البرهان انه المشهور وعن شرح المفاتيح لعله لا نزاع فيه بين الفقهاء، واما ما عن الامالى من كونه من دين الامامية، ومضى عليه مشايخنا فالظاهر ان ما نسب إلى دين الامامية غير ذلك نعم ظاهر قوله: ومضى عليه مشايخنا هو الرجوع إلى ما ذكر كما مر، فراجع عبارته فان النسخة التى عندي مغلوطة ظاهرا. وبعدما عرفت من الشهرة المحققه والسيرة القطعية لا بد من تأويل الروايات على ما تنطبق على القول المشهور أورد علمها إلى أهله، وانطباقها عليه ليس ببعيد بدعوى ان مسح جبينيه بتمام أصابعه يلازم عادة مسح الجبهة، وكذا المسح باليدين عليهما كما هو ظاهر موثقة زرارة ورواية أبى المقدام. واولى منهما موثقة زرارة الاخرى برواية الكافي حيث قال فيها: " ثم مسح بها جبينه مفردة " واطلاق الجبين على تمام القطعة التى فوق الحاجبين غير بعيد، بل شايع في مثل قولهم بكد اليمين وعرق الجبين، لكن يظهر من المجلسي في مرآته انه بلفظ التثنية لا المفرد، وفى الوافى عن الكافي جبهته بدل جبينه، فيظهر من ذلك ان نسخ الكافي ايضا مختلفة، ومعه لا يبعد ترجيح النسخة المشتملة على الجبهة على تأمل.

[ 174 ]

وقد يجمع بين الروايات الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الروايات الظاهرة في مسح الجبهة كالموثقة على احدى النسختين والرضوى حيث قال فيه: " ثم تمسح بهما وجهك موضع السجود من مقام الشعر إلى طرف الانف " (1) ومرسلة العياشي عن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال بعد حكاية قضية عمار " ثم وضع يديه جميعا على الصعيد ثم مسح من بين عينيه إلى اسفل حاجبيه " (2) بناء على ظهوره في الجبهة كما لا يبعد برفع اليد عن ظاهر كل من الطائفتين بصريح الاخرى، فان الطائفة الثانية نص في اعتبار الجبهة، وظاهر في عدم اعتبار غيرها من باب السكوت في معرض البيان، والطائفة الاولى عكسها فيأول الظاهر بالنص فيحكم باعتبارهما، وهو كما ترى ضرورة ان واحدة من الطائفتين ليست نصا في الاعتبار معينا بل ظاهرة في التعيين. والاقرب في الجمع بينهما مع قطع النظر عن فتاوى الاصحاب هو الاجتزاء بكل من الجبهة والجبينين، فيرفع اليد عن ظهورهما فيه، بل لولا مخالفة الاصحاب لقلنا بعدم كون ذلك الجمع مخالفا للظاهر المعتد به، لان العمل ليس له ظهور في التعيين، و الروايات كلها الا الرضوي حكاية أعمال بل ظهور الاعمال في الاجتزاء قوى يعارض مالو دل دليل على اعتبار شئ آخر، لكن لا مناص عن رفع اليد عن هذا الظهور بعد الاجماع على لزوم مسح الجبهة وظهور كلمات الاصحاب كما عرفت في مسح الجبهة والجبينين. الجهة الثانية ان ظاهر تحديد الاصحاب إلى طرف الانف هو الظرف الاعلى منه كما صرح به في المنتهى، وقال: انه المراد في عبارات المفيد والشيخ والسيد و ابن حمزة وابى الصلاة وهو ظاهر من قال بمسح الجبينين والحاجبين كالصدوق في الفقيه. وقال في الامالى: وقد روى ان يمسح الرجل جبينه وحاجبيه وعليه مضى


(1) مرت في صفحة 142 (2) مرت في صفحة 139

[ 175 ]

مشائخنا، بل في الجواهر صرح به بنو حمزة وادريس وسعيد والعلامة والشهيدان وغيرهم، لا الاسفل بل في السرائر وغيرها الازراء على من ظن ذلك من المتفقهة " انتهى ". لكن لم يصرح ابن حمزة به ولعله رئى في غير وسيلته، كما ان ما نقل عن الامالى من المسح إلى طرف الانف الاعلى والى الاسفل أولى، وكذا ما نقل في مفتاح الكرامة عن الامالى المسح من القصاص إلى طرف الانف الاسفل ليس شئ منهما موجودا في النسخة الموجودة عندي. وكيف كان مقتضى الادلة وكلمات الاصحاب عدم لزومه إلى الاسفل. واما مسح الحاجبين فمقتضى تحديدهم إلى طرف دخولهما في المحدود وبعد الاستظهار المتقدم من كون المراد من قولهم: " يمسح بهما من قصاص الشعر إلى الانف " تحديد الطول والعرض، ضرورة ان طرف الانف الاعلى اسفل من الحاجبين، فيكون الحاجبان فوق الحدود داخلين في المحدود الممسوح. ويشهد له قول الصدوق في الامالى بعد نقل رواية مسح الجبين والحاجبين: وعليه مضى مشائخنا، وقد أفتى به في الفقيه والهداية ايضا، ويشهد له ايضا ارساله العلامة ارسال المسلمات. قال في المنتهى: لا يجب ما تحت شعر الحاجبين بل ظاهره كالماء، فيظهر النظر في محكى الكفاية من دعوى الشهرة على عدم وجوب مسح الحاجبين. نعم ظاهر الادلة الحاكية لتيمم رسول الله صلى الله عليه وآله وأبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام عدم وجوب مسحهما وفى بعض روايات ضعيفة وجوبه كمرسلة العياشي على احتمال، ومرسلة الصدوق في الامالى، فيكون حال الحاجبين حال الجبهة في كون لزوم مسحهما مشهورا، وظاهر الادلة المعتبرة على خلافه مع فرق بينهما، وهو ان لزوم مسح الجبهة صريحهم ومسح الحاجبين ظاهرهم. وكيف كان فلا يبعد ترجيح وجوبه كما نفى عنه البأس في محكى الذكرى و اختاره جامع المقاصد، بل يمكن أن يقال ان مسح الجبينين والجبهة ملازم لمسحهما خصوصا إذا كانت الجبهة محدودة بطرف الانف الاعلى والجبينان طرفاها، كما يظهر

[ 176 ]

من اللغة، فتنطبق الاخبار على القول المشهور. الجهة الثالثة المشهور بين الاصحاب وجوب مسح الكفين من الزند وهو المفصل بين الساعد والكف إلى أطراف الاصابع، بل عليه نقل الاجماع والشهرة والمعروفية بين الاصحاب متكرر، وعليه جملة من العامة كمالك واحمد والشافعي قديما على ما نقل وعن على بن بابويه وجوب استيعاب المسح إلى المرفقين وهو المحكى عن أبى حنيفة والشافعي ثانيا، وعن ابن ادريس عن بعض اصحابنا ان المسح من اصول الاصابع إلى رؤسها، وروى عن مالك ايضا ان التيمم على الكف ونصف الذارع واحتجاجه عليه من المضحكات، وعن الزهري يمسح يديه إلى المنكب. وتدل على المشهور صحيحة زرارة وموثقته الحاكيتان لفعل رسول الله و صريح صحيحة زرارة الحاكية عن فعل أبى جعفر عليه السلام " قال: فوضع أبو جعفر عليه السلام كفيه على الارض ثم مسح وجهه وكفيه، ولم يمسح الذارعين بشئ " (1) وظاهر غيرهما مما اشتملت على الكف، بل ظاهر صحيحتي داود بن النعمان والخزاز (2) حيث قال في الاولى: " فمسح وجهه ويديه فوق الكف قليلا " وقريب منها الثانية، لان الظاهر من فوق الكف قليلا، ولو بجهات خارجية، هو حد المفصل أو فوقه قليلا، الذى يتعارف المسح منه لتحصيل مسح ظهر الكف احتياطا. واحتمال كون المراد منه ظهر الكف لافادة عدم لزوم مسح تمام الظهر ضعيف ومع احتمال كون المسح فوق الكف قليلا لاجل الاحتياط واليقين بحصول مسح الكف لا يمكن الاستدلال بها للزوم مسح الفوق تعبدا لدخالته في مهية التيمم، واما روايات ليث المرادى ومحمد بن مسلم وسماعة (3) المشتملات على مسح الذارعين أو هما مع المرفق فمحمولة على التقية، كما تظهر آثارها من ثانيها، ولولا قوة احتمالها لكان


(1) مرت في صفحة 161 و 162. (2) راجع صفحة 149 (3) مرت في صفحة 149 و 159

[ 177 ]

الحمل على الاستحباب غير بعيد، بل متعينا حملا للظاهر على النص، كما ان مرسلة فقه الرضا كمرسلة حماد بن عيسى الظاهرتين في اجتزاء المسح على الاصابع غير صالحتين للاحتجاج، فضلا عن المقاومة لما تقدم مع امكان أن يقال ان المراد بموضع القطع ما هو المعروف عند العامة، فأراد أبو عبد الله عليه السلام تعليم السائل طريق الاحتجاج معهم، ورواية فقه الرضا مجمل المراد، ولا داعى لبيان محتملاتها بعد عدم حجيتها. واما كيفية المسح فمقتضى اطلاق الاية وبعض الروايات ومقتضى سكوت ابى جعفر عليه السلام عن الخصوصية الواقعية التى وقعها بها تيمم رسول االله صلى الله عليه وآله في مقام تعليم عمار هو عدم دخالة كيفية خاصة في المسح، بل التيمم متقوم بمسح الوجه والكفين باليدين بأية كيفية وقع من الاعلى أو إليه، وقع طول الباطن على عرض الظاهر أو طوله على طوله، بل ولو وضع جميع الباطن على جميع الظاهر، فجر الماسح في الجملة حتى وقع مسح جميع الظاهر به، وكذا لا خصوصية بمقتضاها في مسح الوجه. اما اطلاق الاية فلما مر مرارا انها في مقام البيان ولا اجمال فيها، ولذا تمسك النبي صلى الله عليه وآله والامام بها وبخصوصياتها المأخوذة فيها لاثبات الحكم، فالقول بكونها مجملة نشأ من قلة التأمل فيها، والا فغالب احكام التيمم مستفاد منها. واما اطلاق بعض الاخبار كموثقة زرارة ورواية المرادى وان لا يخلو من المناقشة كما مر، لكن لا يبعد اطلاقهما. واما سكوت أبى جعفر عليه السلام فهو أقوى دليل على عدم الاعتبار، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان في مقام بيان مهية التيمم لعمار، بلا ارتياب ولا اشكال، وكان أبو جعفر عليه السلام في مقام نقل القضية لافادة الحكم بلا اشكال، وان كان في تكرار القضية منه ومن أبى عبد الله عليه السلام فائدة اخرى أو فوائد اخر، كافحام المخالفين والتنبيه على جهل الثاني بالاحكام وبالقرآن الذى بين أيديهم أو تجاهله ومخالفته لله ورسوله، وقد حكى عن كتاب سليم بن قيس الهلالي عن امير المؤمنين. والعجب بجهله

[ 178 ]

وجهل الامة انه كتب إلى جميع عماله ان الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصلى وليس له أن يتيمم بالصعيد حتى يجد الماء، وان لم يجده حتى يلقى الله، ثم قبل الناس ذلك منه ورضوا به وقد علم وعلم الناس ان رسول الله قد أمر عمارا وأمر أبا ذر أن يتيمما من الجنابة ويصليا، وشهدا به عنده وغيرهما، فلم يقبل ذلك ولم يرفع به رأسا، و كيف كان لو كان للمسح خصوصية من قبيل كونه من الاعلى أو وقوع طول باطن الكف على عرض الظاهر أو غيرهما لما أهملها أبو جعفر عليه السلام في مقام نقل القضية لافادة مهية التيمم. واما التشبث بدليل التنزيل لاثبات كونه من الاعلى كما في الوضوء فقد مر. ما فيه، وقلنا ان الاية الكريمة مع الارتكاز العرفي وان يظهر منها اعتبار ما يعتبر في الغسل والوضوء معا في التيمم ايضا كالترتيب وطهارة البدن من الاحكام المشتركة، لكن لا يمكن اثبات الشرائط المختصة بكل واحد منهما للتيمم بعد كونه بدلا منهما في الاية الشريفة بنحو واحد. واما التشبث بالشهرة فهو ناش من توهم ظهور كلمات الاصحاب في وجوب المسح من الاعلى حيث قالوا يمسح من قصاص الشعر إلى طرف الانف، ولا يخفى على الناظر في كلماتهم ان ذلك لتحديد الممسوح لا لبيان كيفية المسح، ولذا لم يتعرضوا بالنسبة إلى الكف، فيمكن أن يقال: ان خلو كلماتهم عن الكيفية دليل على عدم اعتبار كيفية خاصة فيه، نعم ان السيرة القطعية على هذه الكيفية المعودة ربما توجب الوثوق بدخالتها لو لم نقل بانها انما دلت على صحته بهذه الكيفية لا انحصاره بها. فالاحوط عدم التعدي عن الكيفية المعهودة لما ذكر، ولدلالة ماروى في الرضوي عليه بالنسبة إلى الكفين مع دعوى عدم الفصل بينهما، واشعار مرسلة العياشي عن أبى جعفر عليه السلام به " قال: ثم مسح من بين عينيه إلى اسفل الحاجبين " واحتمال انصراف مسح الوجه إلى المسح من الاعلى. التاسع اختلفوا في عدد الضربات في التيمم فعن المشهور التفصيل بين ما للوضوء وبين ما للغسل بضربة واحدة في الاول وضربتين في الثاني، وعن جمع من

[ 179 ]

المتقدمين والمتاخرين الضربة الواحدة فيهما، وعن جمع آخر منهما الضربتان فيهما، وربما نقل عن بعض بل قوم من أصحابنا كما حكى عن المعتبر ثلث ضربات. فالاولى اولا بيان مقتضى الادلة والجمع بينهما، ثم النظر إلى كلمات القوم، فنقول: مقتضى اطلاق الاية الكريمة الاجتزاء بالضربة الواحدة فيهما، سيما بعد ذكر التيمم عقيب الحدثين. واما الروايات فهى على طوائف منها وهى عمدتها ماهى ظاهرة في الاجتزاء بواحدة وفيها الروايات الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله تعليما لعمار، حكاه أبو جعفر ولا ريب في ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان في مقام تعليمه وبيان مهية التيمم كما يظهر من قوله: " افلا صنعت كذا ثم اهوى بيديه إلى الارض فوضعهما على الصعيد ثم مسح " الخ. فهل يمكن أن يقال انه صلى الله عليه وآله بعد قوله: " افلا صنعت كذا " واتيانه بالتيمم الذى هو بدل الغسل الذى ابتلى به عمار أهمل في مقام البيان والتعليم ما كان معتبرا في مهية التيمم، أو يقال ان أبا جعفر عليه السلام أهمل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وكان دخيلا في مهيته. أو ان زرارة أو الرواة بعده أهملوا ما وصل إليهم، ولو فتح على الروايات باب هذه الاحتمالات لاختل الفقه، وانسد باب الاحتجاج على العقلاء، واضعف شئ في المقام احتمال كونه في مقام بيان كيفية قسم من التيمم، وهو الذى بدل الوضوء وهل هذا الا الاغراء بالجهل والايقاع في خلاف الواقع. ومثلها قوله في موثقة زرارة (1) " هكذا يصنع الحمار انما قال الله عزوجل فتيمموا صعيدا طيبا فضرب بيديه الارض " الخ فان تمسك بالاية الكريمة واتيانه بالتيمم بضربة واحدة مما جعل الكلام كالنص في عدم الاحتياج إلى الضربتين في بدل الغسل الذى هو مورد الكلام والمتيقن في مقام التعليم، ومثلهما صحيحتا الخزاز وداود بن النعمان (2) حيث سئلا ابا عبد الله عليه السلام عن التيمم، فذكر قضية عمار " فقالا له كيف


(1) مرت في صفحة 148 (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 11

[ 180 ]

التيمم؟ فوضع يديه على الارض ثم رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكف قليلا " واللفظ من الثانية، فان الاكتفاء بالمرة بعد حكاية قصة عمار وسؤالهما عن الكيفية كالنص في كفايتها عن بدل الغسل. ويدل عليه اطلاق موثقة زرارة وأبى المقدام (1) وغيرهما من غير احتياج إلى دعوى كون قوله مرة واحدة في ذيلهما قيدا للضرب لا للمسح أو قيدا لهما، بدعوى ان الضرب كان مورد البحث، والخلاف عند العامة والخاصة لا المسح فكون القيد للثاني، كاللغو، وكيف كان لا شبهة في قوة ظهور تلك الروايات في الاجتزاء بالمرة مطلقا، وفى بدل غسل الجنابة بالخصوص. ومنها طائفة اخرى مشتمله على مرتين كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما " قال سألته عن التيمم فقال مرتين مرتين للوجه واليدين (2) ومحتملاتها كثيرة ككون المرتين قيدا للقول، أو لامر مقدر كاضرب أو احدهما قيدا للقول والاخر للامر، ثم على فرض كونهما من متعلقات الضرب يمكن أن يكون الثاني تأكيدا للاول، ويمكن ان يكون تأسيسا لبيان ان اللازم في التيمم أربع ضربات ضربتان للوجه وضربتان لليدين. والاظهر هو الاحتمال الاخير، فكأنه قال: ضربتان للوجه وضربتان لليدين ولا أقل من كون هذا الاحتمال في عرض احتمال التأكيد، مع انه ليس المورد من موارد التأكيد فهذه الصحيحة بما لها من الظهور خلاف فتوى الكل، أوهى مجمله في نفسها لابد من رفع اجمالها بساير الروايات. وكرواية ليث المرادى عن أبى عبد الله عليه السلام " في التيمم تضرب بكفيك الارض مرتين ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك (3) والظاهر منها ان ضرب المرتين قبل المسح وبها يرفع الاجمال من هذه الحيثية عن الصحيحة المتقدمة، إذ لا يتضح منها


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 11، ح 1. (3) مرت في صفحة 127

[ 181 ]

ان المرتين قبل المسح أو مرة قبل مسح الوجه ومرة قبل مسح الكفين، كما يرفع الاجمال بها عن صحيحة الكندى عن الرضا عليه السلام " قال: التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " (1) لعدم ظهورها في الافتراق وان كانت مشعرة به لكن ظهور رواية المرادى محكم ومقدم عليه، فهذه الروايات الثلث كما رأيت لا تدل على ما نسب إلى المشهور، فان ظاهرها بعدرد بعضها إلى بعض ضرب اليد بن مرتين قبلا ثم مسح الاعضاء بهما، وفتوى القوم خلاف ذلك ظاهرا في بعض عباراتهم ونصا في الاخر فأوجبوا التفريق. واما صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (2) التى هي العمدة في مستند القول بالتفصيل وجعلت شاهدة للجمع بين الطائفتين، فليست شاهدة له حتى بعد تسليم دلالة هذه الروايات على ماراموا من الضربتين، " قال: قلت له: كيف التيمم؟ فقال: هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه ومرة لليدين، ومتى اصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا والوضوء ان لم تكن جنبا " لان الظاهر منها ان لتيمم الوضوء والغسل كيفية واحدة وهى الضرب باليدين مرتين اولا ثم نفضهما نفضة، والمرتان تكونان للوجه ثم يجب مرة اخرى لليدين فتكون الضربات ثلثة. ولو اغمضنا عن هذا الظهر المتفاهم عرفا وقلنا بان الواو في قوله: " والغسل " للاستيناف وهو مبتدأ وتضرب خبره، فلا يمكن الاغماض عن ظهورها في ان الضربات ثلث كما مر، وهو مما لم يقل به أحد منهم، فلا يمكن الاستشهاد بها للجمع بين الروايات بجميع النسخ المختلفة الحاكية لها، لان كلها مشتركة في قوله: " تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما " الذى هو ظاهر في كونهما قبل مسح الوجه، وان كانت مختلفة من جهات أخر في كتب الاستدلال، كالخلاف والتذكرة والمنتهى والمدارك ومحكى المعتبر لكن لا اعماد في نقل الروايات على الكتب الاستدلالية غير المعدة لنقلها


(1) مرت في صفحة 147. (2) مرت في صفحة 149.

[ 182 ]

بألفاظها، كما يظهر بالمراجعة إليها خصوصا بعض كتب المتأخرين. هذه مع ان الجمع بين الطائفتين المتقدمتين بحمل الاولى على تيمم بدل الوضوء مع كونها غالبا في مورد الجنابة، والثانية على بدل الغسل مع كونها في مقام بيان اصل المهية ليس جمعا مقبولا عقلائيا كما لا يخفى، (فح) لو سلمت دلالة الرواية المتقدمة ودلالة صحيحة محمد بن مسلم الظاهر منها آثار التقية، مع وضوح عدم دلالتها على التفصيل بما قالوا بل ظاهرها المرتان مطلقا، والتفصيل في المسح من المرفقين و اليهما. وسلم ورود مرسلات اخر من جملة من الاعاظم، كالمحكى عن المعتبر، قال روى في بعض الاخبار التفصيل من ذلك رواية حريز عن زرارة، وفى الغنية وقد روى أصحابنا ان الجنب يضرب ضربتين، وعن السيد، وقد روى ان تيممه ان كان من جنابة وما اشبهها ثنى ما ذكرناه من الضربة، وعن الصيمري نسبة لتفصيل إلى الروايات: لا يمكن الجمع بينها بما ذكر، بل لا بد من حملها على الاستحباب أو التقية مع عدم ثوبت كون تلك المرسلات غير الروايات التى في الباب، وان يستشعر من عبارة السيد كون مرسلته غيرها. تأمل. وكيف كان لا يمكن الاتكال علهيا وانجبارها بالشهرة مع عدم ثوبت أصلها فضلا عن ثوبت الاتكال بها ممنوع، فلم يبق في المقام الا روايات المرة، ورواية الساباطى الدالة على التسوية بين التيمم من الوضوء والجنابة ومن الحيض، وليس في مقابلها مادل على القول المنسوب إلى المشهور، وقد اول صاحب الجواهر رواية التسوية بما لا يخلو من الغرابة. واما الشهرة في المسألة فليست بتلك المثابة التى ذكرها في الجواهر، ولا جلها فتح باب المناقشات على الروايات وكلمات الاصحاب، فأولها بما لا أظن ارتضاء نفسه الشريفة به لولا اتكاله على الشهرة، حتى نسب الخلاف إلى الاردبيلى والكاشاني مع ان ظاهر الصدوق في المقنع والهداية والسيد في الانتصار وابن زهرة في الغنية والمحكى عن ابن الجنيد وابن ابى عقيل والمفيد في المسائل الغرية، وعن المعتبر والذكرى

[ 183 ]

وغيرهم اختيار الضربة في الجميع، بل حكى اشتهاره بين العامة عن على عليه السلام وابن عباس وعمار، وعن المعتبر عن قوم من أصحابنا اختيار ثلث ضربات وحكى عن المفيد في الاركان وعن التقى عن جماعة من القدماء في الكل ضربتان، ونسب ذلك إلى الصدوق ايضا وهو موافق للنسخة التى عندنا من اماليه. قال: فإذا أراد الرجل ان يتيمم ضرب بيديه على الارض مرة واحدة ثم ينفضهما فيمسح بهما وجهه ثم يضرب بيساره الارض فيمسح بها يده اليمنى من الزند إلى اطراف الاصابع ثم يضرب بيمينه الارض فيمسح بها يده اليمنى من الزند إلى اطراف الاصابع وقد روى ان يمسح الرجل جبينيه وحاجبيه ويمسح على ظهر كفيه وعليه مضى مشايخنا انتهى. وهذه النسخة وان كانت مغلوطة لكن لم يفصل فيها بين التيمم بدل الوضوء و الغسل، فهى شاهدة على ان التفصيل لم يكن مشهورا في تلك الاعصار بل مضى المشايخ على خلافه ويشهد له ان شيخ الطائفة في الخلاف لم يتمسك لمذهبه بالاجماع، مع ان دأبه فيه ذلك وانما تمسك بصحيحة زرارة المتقدمة، فيعلم من ذلك ان اختياره له كان بتخلل اجتهاد لا لامر آخر نحن بعيد منه. والانصاف ان الاتكال على الشهرة في مثل هذه المسألة التى تراكمت فيها الادلة وأقوال أساطين الفقه، ورفع اليد لا جلها عن الادلة كتابا وسنة مما لا مجال له. ثم انه لا اشكال في اتحاد كيفية التيمم بدل الاغسال واجبة كانت أو مستحبة قولا واحدا كما في الجواهر. ويدل عليه كثير من الروايات حيث يظهر منها السؤال عن كيفية مهية التيمم، كرواية الكاهلى وموثقة زرارة بل وصحيحتي الخزاز وابن النعمان وغيرها (1) مضافا إلى موثقة عمار الساباطى عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن التيمم من الوضوء والجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ فقال: نعم " (2) وموثقة أبى بصير في حديث " قال: سألته عن تيمم الحائض والجنب سواء إذا لم يجدا؟ قال:


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 11. (2) مرت في صفحة 128.

[ 184 ]

نعم " ومعلومية عدم الفصل بل يمكن الاستيناس له بالتساوى في المبدل منه فلا اشكال فيه. تتميم هل يكون التيمم كالغسل في الاجتزاء به فيما إذا كان بدلا من غسل الجنابة عن الوضوء والاجتزاء بتميم واحد عن الاغسال الكثيرة إذا كان فيها غسل جنابة ونوى الجميع أو مطلقا كان فيها جنابة اولا، نوى الجميع أو بعضها؟ وبالجملة هل يقوم التيمم مقام الغسل في جميع ما للغسل أولا مطلقا، أو يفصل بين ما هو بدل غسل الجنابة، فيقوم مقامه في الاجتزاء عن الوضوء أو التيمم له دون غيره، فلا يكتفى بتيمم واحد عن الاغسال المتعددة أو يجتزى به حتى فيما لا يجتزى بالغسل الواحد، كما لو كان على المرأة غسل الحيض وقلنا بوجوب الوضوء عليها مع الغسل فيجزى تيمم واحد عن غسلها ووضوئها؟ وجوه أقويها كونه بمنزلة المبدل منه في جميع ماله، فكيتفى بتيمم واحد بدل غسل الجنابة عن الوضوء، ويتداخل كما تتداخل الاغسال، ولا يتداخل فيما لا تتداخل ولا يجتزى به فيما لا يجتزى بالغسل، فيجب تيممان على الحائض بدل الغسل والوضوء. اما الاجتزاء عن الوضوء في بدل غسل الجنابة فمما لا ينبغى الاشكال فيه، بل في الجواهر دعوى عدم وجدان الخلاف فيه، لكن لا للاية الكريمة بنفسها، فانها مع قطع النظر عن الروايات لا تدل على الاجتزاء فان الظاهر من صدرها لزوم الوضوء للصلوة شرطا، ولزوم الغسل من الجنابة كذلك، فلا يستفاد منها غير ذلك، فلا تدل على اجتزاء أحدهما عن الاخر لو لم نقل ان الظاهر منها لزومهما عند تحقق سببهما. واما ذيلها فيتفرع على الصدر فلا يستفاد منه زائدا عليه، مع ان الظاهر من عطف " لامستم النساء " بلفظ " أو " ان كل واحد من الحدث الاصغر والاكبر سبب للتيمم واطلاق السببية يقتضى تكرر المسبب ويكون مقدما على اطلاق المسبب كما حررناه في


(1) مرت في سفحة 142.

[ 185 ]

محله، وكيف كان لا يمكن استفادة الاجتزاء منها بنفسها، بل يستفاد بضم مادل على على اجتزاء غسل الجنابة عن الوضوء، لان الظاهر منها ان التيمم عند فقدان الماء بمنزلة الوضوء وللمجنب بمنزلة الغسل، فإذا علم ان الغسل كاف عن الوضوء قام التيمم مقامه في ذلك. بل لنا دعوى استفادة عموم التنزيل بالنسبة إلى ساير الاغسال ايضا، اما بدعوى كون قوله: " لامستم النساء " كناية عن مطلق الحديث الاكبر، كما ان قوله " أو جاء أحد منكم من الغائط " كناية عن مطلق الاصغر وقوله: " وان كنتم مرضى أو على سفر " كناية عن مطلق المعذور مع المناسبات المغروسة في ذهن العرف، ومعلومية عدم ترك الصلوة بحال، وعدم سقوط شرطية الطهارة لها، أو بدعوى استفادة ذلك من قوله تعالى في ذيل بيان التيمم " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم " الظاهر منه ان التيمم طهور لدى فقدان الماء أو العذر في استعماله، فكأنه قال: التيمم أحد الطهورين. فيستفاد منه ومن قبله مع الارتكازات العقلائية ان كل ما للوضوء والغسل عند الاحتياج اليهما للتيمم مع تعذرهما، فإذا اجتزى بغسل واحد عن الاغسال المتعددة وان كان احدها للجنابة اجتزى عن الوضوء ايضا يجتزى بالتيمم الذى هو بمنزلته، وهو الطهور في هذه الحالة وبالجملة حال البدل حال المبدل منه مطلقا وفى جميع ماله من الاثار. ويمكن استفادته عن الاخبار ايضا كصحيحة ابن حمران وجميل بن دراج بطريق جميل " انهما سالا أبا عبد الله عليه السلام عن امام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلى بهم؟ فقال: لا ولكن يتيمم الجنب ويصلى بهم فان الله عزوجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) فان الظاهر منها الاكتفاء بالتيمم للصولة مع فرض وجدان الماء بقدر الوضوء، ومقتضى تعليله عموم


(1) مرت في صفحة 95.

[ 186 ]

الحكم والمنزلة. واما ما قد يقال بالاجتزاء بتيمم واحد عن غسل الحيض والوضوء، وان لم نقل في المبدل منه فمبنى على كون التيمم للوضوء والغسل بكيفية واحدة، وعدم قيد يوجب تباينهما و عدم امكان اجتماعهما في المصداق الواحد، واستفداة جميع التيممات من الآية الكريمة بالتقريب المتقدم، وتقديم اطلاق الجزاء على اطلاق الشرط في الآية، لكن جميع المقدمات مسلمة الا الاخيرة لما تقرر من تقديم اطلاق الشرط على الجزاء، مضافا إلى بعد زيادة البدل عن المبدل منه ولاجله لا يستفاد ذلك في المقام ولو سلم في ساير المقمات فالاقوى هو تساويهما في الاثار مطلقا. المبحث الرابع في احكامه وهى امور الاول لا خلاف ظاهرا بينهم في عدم صحة التيمم قبل الوقت لصاحبته وعليه نقل الاجماع مستفيضا، لانه منقول عن ثلثة عشر موضعا أو اكثر من زمن المحقق ومن بعده ولو اضيف إليه فحوى الاجماعات المنقولة على عدم صحته في سعة الوقت يكاد يتجاوز العشرين، وهو الحجة لعدم امكان ان يقال كل ذلك لامر عقلي، سيما إذا ثبت ان الوضوء التأهبى المفتى به من قبيل التخصيص عندهم من عدم جواز الوضوء قبل الوقت لان التأهب للفرض والتهيئ له عبارة اخرى عن كونه له، ومعه لا يكون منعهم لعدم المعقولية، لكن اثبات الخروج التخصيصي مشكل بل غير ممكن، لاحتمال أن يكون تخصصا لاجل الاتكال على الروايات الدالة على أفضلية ايقاع الصلوات في اول أوقاتها فاتسكشف منها محبوبية تحصيل الطهور قبل الاوقات، ولو لاجل الكون على الطهارة. ويمكن ان يقال: ان نفس التهيؤ للصلوة غاية اخرى غير الغيرية، وكيف كان ففى الاجماعات كفاية بعد فساد توهم كون الاتكال على الامر العقلي الغير التام، وتخطئة

[ 187 ]

الكل في مثل هذا الامر العقلي الذى ربما يطابق الوجدان خطأ فاحش، سيما مع ورود نظيره في الشرع كمقدمات الحج وظهور الكتاب والسنة الا بعض الروايات في كون الصلوة بالنسبة إلى الاوقات من قبيل الواجب المعلق لا المشروط كما سيأتي. مضافا إلى عدم اتكال كثير من قدماء اصحابنا على مثل تلك العقليات التى كثرت وشاعت لدى متأخرى المتأحزين كما لا يخفى. ومن هنا يمكن كشف كون الحكم معهودا من الصدر الاول، واما لو اغمضنا عن ذلك فالاتكال على الدليل العقلي المتوهم في المقام غير ممكن بأن يقال: ان الصلوة من قبيل الواجب المشروط بالاوقات فقبل مجيئ اوقاتها لا يكون التكليف بها فعليا، ومع عدم وجوب ذى المقدمة لا يمكن وجوب مقدمته لعدم امكان تحقق المعلوم قبل علته، ومعه لا يمكن صحته لاجل الاتيان به بداعي الامر المقدمى الموهوم. وفيه: بعد تسليم كون الصلوة من الواجب المشروط وتسليم وجوب المقدمة شرعا وتسليم صلوح الامر الغيرى للعبادية، ان التحقيق امكان وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها لما حققناه في محله. ومجمله ان الملازمة على فرض تسليمها ليس بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها، ولا بين ارداتها وارادته بمعنى نشو وجوب عن وجوب أو ارادة عن ارادة، لان البعث إلى ذى المقدمة لو كان علة تامة لبعث آخر متعلق بمقدمته بحيث يكون البعث إليها لازم البعث إليه ومعلوم، لزم منه مقهورية الآمر الباعث لذى المقدمة للبعث إلى مقدمته بلا حصول مقدماته، وما يتوقف عليه من التصور والتصديق بالفائدة وغيرهما وهو ضروري الفساد، كما ان معلولية ارادة المقدمة لا ارادة ذى المقدمة بذلك المعنى ضروري البطلان، ضرورة ان كل ارادة تحتاج في تحققها إلى مباد تصورية و تصديقية لا يعقل تحققها بدونها. نعم ما يمكن ان يقال في باب وجوب المقدمة ان ارادتها تحصل من مباد خاصة بها هي تصورها، وتصور توقف ذى المقدمة عليها والتصديق به، وادراك لزوم حصولها

[ 188 ]

بيد العبد ومعها تتحقق ارادتها والبعث إليها، وهذه المقدمات كما هي حاصلة في مقدمات الواجب المطلق والمشروط بعد تحقق شرط، حاصلة للمشروط قبل تحقق شرطه، فان المولى الامر بشئ مشروطا بوقت مثلا، إذا تصور مقدمته الوجودية قبل مجيئ شرطه وتصور توقفه عليها وصدق ذلك، وراى ان مطلوبه في موطنه متوقف عليه، وان لم يكن بالفعل مطلوبا له، ولا يمكن التوصل به الا بايجادها فمع انحصارها تتعلق لا محالة ارادته بايجادها للتوصل بها إلى ما يصير واجبا ومطلوبا مطلقا في موطنه، لحصول مبادى الارادة وعدم امكان تفكيك مباديها عنها، وتبعية وجوب المقدمة عن وجوب ذى المقدمة ليس الا بهذا المعنى المحقق في الواجبات المشروطة قبل مجيئ شرطها ايضا، ومع عدم الانحصار يحكم العقل بالتخيير. نعم لو كانت الملازمة بين الارادة الفعلية أو الوجوب الفعلى المتعلق بذى المقدمة مع وجوب مقدمته لكان وجوبها قبل وجوبه ممتنعا لكن المبنى فاسد، بل وجوبها على فرض تسليم الملازمة تابع لوجوب ذيها بالوجه الذى عرفت، وقد عرفت عدم الفرق بين فعلية وجوب ذى المقدمة أو ما سيصير فعليا من غير لزوم الالتزام بالوجوب التعليقي أو التفصيل بين المقدمات المفوتة وغيرها. فتحصل مما ذكرناه ان الطهارات الثلث قبل حضور أوقات الصلوة واجبة بناء على القول بوجوب المقدمة، ولو قلنا بان الوقت شرط الوجوب وان عباديتها تتوقف على الامر الغيرى المقدمى، مع ان كون الصلوة من قبيل الواجب المشروط بحضور أوقاتها محل منع لظهور الكتاب الكريم، واكثر الاخبار في الوجوب التعليقي كقوله تعالى: " اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " وقوله تعالى: " ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " المفسر بكونها موجوبا وثابتا ومفروضا في الروايات وقوله تعالى " اقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل " المفسر بصلوة الغداة والمغرب والعشاء. وكقول أبى جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة: " انما فرض الله عزوجل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلثين صلوة " فيكون الوجوب فعليا والواجب

[ 189 ]

استقباليا، وقد ذكرنا في محله امكان المشروط بما ذكره المشهور وكذا المعلق. واما ما ذكره بعض المحققين من لزوم تعلق الخطابات قبل حضور زمان الفعل لعدم تعقل الامر بايجاد شئ في زمان صدور الطلب وبذلك دفع الاشكال عن جوب المقدمة قبل حضور وقت الواجب، وصح حرمة اراقة الماء قبل الوقت إذا علم بعدم امكان تحصيله بعد إلى غير ذلك. ففيه: أنه ان كان المراد بعدم تعقل وحدة زمان الخطاب وايجاد الفعل لزوم تقدم انشاء الخطاب عن زمان العمل كما هو ظاهره، فهو غير ملازم للوجوب المعلق، فيمكن ان يصدر الخطاب المشروط بزمان العمل قبل مجيئ الوقت، ولا يكون الوجوب فعليا الا عند مجيئ وقته ومعه لا يدفع الاشكال في المقام ولا في ساير المقامات. وان كان المرادان اتحاد زمان فعلية التكليف والعمل محال، فلا يمكن ان يكون الزوال شرطا للوجوب وظرفا لاول جزء من الصلوة فهو ممنوع، لان ما هو المسلم لزوم تقدم باعثية الامر على انبعاث المكلف، لكن لا يلزم منه أن يكون بينهما تقدم وتأخر وجودي، ضرورة ان المكلف إذا علم بخطاب أقم الصلوة إذا زالت الشمس مثلا ينبعث منه في اول الزوال، وان شئت قلت ان التقدم رتبي لا خارجي، فلا يلزم ان يكون الخطاب فعليا قبل مجيئ وقت العمل. والعجب منه ان في ذيل كلامه اعترف بان الوقت من الشرائط الوجوبية للواجبات الموقتة، ومع ذلك التزم بالوجوب التعليقي، فكأنه التزم بالوجوب المعلق والمشروط معا في الصلوة وهو كما ترى. ثم ان في اصل وجوب المقدمة وصلاحية الامر المقدمى للمقربية وكون عبادية الطهارات الثلث من قبل الامر المقدمى ولو فرض صلوحه للتقرب، اشكالا ومنعا ينافى التفصيل فيها لوضع هذا المختصر. وبما ذكرناه من عدم الفرق بين قبل الوقت وبعده على فرض وجوب المقدمة، وبما حققناه في محله من عدم تعقل وجوب المقدمة رأسا يجب التصرف

[ 190 ]

بوجه في مثل صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " قال: إذا دخل الوقت وجب الصلوة ولا صلوة الا بطهور " (1) حيث يظهر منها وجوب الطهور عند دخول الوقت ومفهومها عدمه بعدمه، فان وجوب الطهور انما هو بملاك المقدمية لا غير، وقد حقق عدم تعقله وعلى فرض تعقله عدم تعقل الفرق بين الوقت وقبله، ولذلك لا بد من رفع اليد عن مفهومها والتصرف في منطوقها بوجه، مضاف إلى مخالفتها لظاهر الكتاب وصحيحة زرارة المتقدمة الدالتين على كون الصلوة واجبا معلقا. ثم ان ما مر من الكلام انما هو مع المماشاة للقوم والا فالتحقيق ان الطهارات الثلث بما هي عبادات جعلت مقدمة وشرطا للصلوة أو مقدمة لمقدمتها، ان قلنا بان الطهور شرط وهو محصل منها، فالارادة المتعلقة بالصلوة على فرض وجوب المقدمة موجبة بنحو ما مر لارادة متعلقة بتلك العبادات بما هي عبادات، وصالحات للتقرب قبل تعلق الارادة بها من قبل ذى المقدمة، والا يلزم ان يكون سبيلها سبيل الطهارة الخبثية التى هي واجبة توصلا مع انه خلاف الضرورة، فالامر المقدمى على فرض لا يمكن ان يكون ملاك عباديتها بعد كونها مقدمة على تعلقه. وتوهم سقوط أوامرها النفسية الاستحبابية عند تعلق الامر الوجوبى المقدمى قد فرغنا عن تضعيفه في محله. ثم ان الامر المقدمى على فرضه انما يدعو إلى الغسل واخويه لاجل ترتب الطهارة عليها أو كونها طهارات كما يظهر من الكتاب والسنة، وان كان للتامل في كون الطهارة بنفسها شرطا أو لاجل رفع القذارة الحاصلة بالاحداث التى هي الموانع مجال، وكيف كان لا يدعو الامر المقدمى الا إليها لاجل ترتب الطهارة عليها، فتكون الصلوة غاية ثانوية للطهارات والغاية الاولى حصول الطهور، لا بمعنى ان حصول الطهور يتوقف على قصده فانه محل اشكال بل منع عقلا ان رجع إلى تقييد في العمل، بل المرادان الطهور


(1) مرت في صفحة 144

[ 191 ]

لما كان شرط الصلوة مثلا وهو يحصل بتلك الاعمال إذا وجدت لله تعالى. فلا محالة يتعلق الامر المقدمى بتحصيله واتيان الافعال لله تعالى لتحصيله، فتقع دائما تلك الاعمال لاجل غاية هي الطهور ويدعو الامر المقدمى إليه، (فح) يقع الاشكال في الاجماع المدعى على عدم صحة التيمم قبل الوقت مع دعوى ارسال الاصحاب صحة التيمم قبل الوقت لغاية آخرى حتى الكون على الطهارة ارسال المسلمات، مع ما عرفت ان الامر المقدمى لا يدعو الا إليها لتحصيل الطهور، فلا تقع تلك الافعال الا على وجه واحد هو الاتيان لله تعالى لما يترتب عليها الطهور، فعليه لو كان الاجماع قائما على بطلان التيمم إذا أتى به لمحض الامر الغيرى وللصلوة مع تجريده عن كافة الغايات حتى الكون على الطهارة فهو صحيح لو رجع إلى عدم قصد العبادية، لكن لازمه بطلانه ولو وقع في الوقت أو في ضيقه، كما انه لو قلنا بصحته وطهوريته إذا وقع بقصد التقرب و لو جرد عن قصد كونه طهورا لغفلة أو جهل لكان صحيحا، ولو قبل الوقت لان ترتب أثر الشئ عليه لا يتوقف على قصده. ولو قيل بقيام الاجماع على بطلانه للصلوة ولو كانت غايه الغاية، وتكون الغاية الاولى الطهور، فهو مناف لما ادعى من تسالمهم على صحته إذا قصد غاية اخرى الا أن يرجع مرادهم إلى البطلان، إذا كانت الصلوة غاية الغاية وهو بعيد، والمسألة مشكلة والاحتياط سبيل النجاة. الثاني: لا اشكال ولا كلام في صحة التيمم في ضيق الوقت، واما في سعته فعن المشهور عدم الجواز مطلقا، ولازم مقابلته للتفصيل الاتى هو عدم الجواز حتى مع العلم باستمرار العجز، وان كان شمول اطلاق معاقد الا جماعات والشهرات المحكية لذلك محل تأمل، وكيف كان قد نسب هذا القول تارة إلى الاكثر كما عن المنتهى والتذكرة، والذكرى، وكشف الالتباس، وجامع المقاصد، وكشف اللثام، و اخرى إلى الاشهر كما عن الدروس، وثالثة إلى المشهور كما عن المختلف والمسالك. وجملة اخرى من الكتب، ورابعة إلى الاجماع كما في الانتصار. وعن الناصريات. و

[ 192 ]

عن ظاهر الغنية. وشرح جمل السيد للقاضى، واحكام الراوندي. وعن جماعة الجواز مطلقا كالعلامة في المنتهى والتحرير والارشاد والشهيد في البيان والاردبيلى، والخراساني: والكاشاني، وعن الذكرى حكايته عن الصدوق وظاهر الجعفي، والبزنطي، وفى مفتاح الكرامة الحاكى عن الصدوق جماعة من الاصحاب منهم العلامة في جملة من كتبه والمحقق في المعتبر وعن حاشية الارشاد والمدارك انه قوى متين، وعن المهذب البارع انه مشهور كالقول الاول، وحكى اطباق جمهور العامة عليه. وعن جماعة الجواز مع العلم باستمرار العجز وعدمه مع عدمه، وهو المحكى عن المعتبر والتذكرة والفخرية واللمعة. وجملة اخرى، وعن جامع المقاصد ان عليه اكثر المتأخرين، وعن الروضة انه الاشهر بين المتأخرين، وربما يفصل بين العلم برفع العجز وعدمه كما اختاره جماعة من متأخرى المتأخرين، وهو محتمل قول من قال بالجواز مطلقا بدعوى انصرافه عن هذه الصورة، وكيف كان فالمتبع هو الادلة اللفظية إذ تحصيل الاجماع أو الشهرة المعتبرة في مثل تلك المسألة التى تراكمت فيها الاراء والادلة مشكل. ثم ان لازم ما ذكرناه في الامر الاول هو جواز التيمم في سعة الوقت وصحته لكن لما وردت أدلة كثيرة في هذه المسألة لا بد من استيناف الكلام فيها والنظر في الادلة ومقتضاها. فنقول: يمكن الاستدلال للجواز مطلقا باطلاق الاية الكريمة، قد استشكل على الاستدلال بها علم الهدى في الانتصار بما ملخصه: ان المراد من قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلوة " إذا اردتم القيام بلا خلاف ثم اتبع ذلك بحكم العادم للماء، فمن تعلق بالاية لجواز التيمم في اول الوقت لا بد ان يدل على جواز ارادته القيام للصلوة، فانا نخالف ذلك ونقول ليس لمن عدم الماء أن يريدها اول الوقت، وارادة الصلوة شرط في الجملتين والالزم وجوب التيمم على المريض والمسافر إذا حدثا وان لم يريدا الصلوة وهذا

[ 193 ]

لا يقول به احد " انتهى " اقول: ظاهر الاية الشريفة ان ارادة القيام للصلوة على فرض شرطيتها للوضوء والغسل والتيمم على نسق واحد، وان في كل مورد أراد القيام للصلوة فيجب عليه الطهارة المائية، ومع فقدان الماء تقوم الترابية مقامها من غير تفكيك بين الموارد. ولازمه انه إذا أراد القيام للصلوة في اول الوقت يجب عليه الوضوء أو الغسل و مع فقدان الماء يجب عليه التيمم، والتفكيك بينهما خلاف المتفاهم العرفي، مع ان قوله: " إذا قمتم إلى الصلوة " ليس مسوقا لافادة شرطية القيام إلى الصلوة للوضوء أو التيمم أو وجوبهما، بل مسوق لافادة شرطية الطهرة للصلوة، كما هو المتفاهم عرفا في مثل تلك التراكيب، سيما في مثل العناوين الالية والطريقية المأخوذة في تلو الشرط، فلا يفهم من مثل " إذا اردت الصلوة أو إذا قمت إلى الصلوة استر عورتك أو توجه إلى القبلة " الا انهما دخيلان في تحققها، لا ان القيام والارادة شرط لوجوبهما. وبالجملة لا ينبغى الاشكال في اطلاق الاية الكريمة، وانه مع عدم وجدان الماء مطلقا يقوم التيمم مقام الوضوء والغسل والتقييد بعدم وجدانه إلى آخر الوقت يحتاج إلى دليل. ومما يوجب تحكيم اطلاقها قوله تعالى في ذيل حكم التيمم " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " حيث يدل على ان تشريع التيمم لدفع الحرج عن المريض وغيره ومعه كيف يمكن تحميل لزوم الصبر على المريض والفاقد إلى نصف الليل أو آخره، وهل هذا الا تحريج وتضييق فوق تحميل الوضوء، ومعه كيف يمن عليه بعدم جعل الحرج وارادته. والانصاف ان اطلاق الآية في غاية القوة خصوصا مع ضم ذيلها إليه، وهو يقتضى عدم الفرق بين العلم بزوال العذر وعدمه، ودعوى الانصراف عن صورة العلم غير مسموعة، هذا حال الاية وأما الروايات فما دلت على صحته في السعة على طوائف: منها مادلت باطلاقها عليها مع التصريح بعدم لزوم الاعادة كصحيحة الحلبي

[ 194 ]

" أنه سال أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل إذا أجنب ولم يجد الماء؟ قال: يتيمم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد " (1). وصحيحته الاخرى " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليتمسح من الارض وليصل فإذا وجد ماء أفليغتسل وقد أجزأته صلوته التى صلى " (2) ومثلها صحيحة ابن سنان (2) وقريب منها غيرها. ومنها مادلت على صحته مع التصريح بسعة الوقت وعدم لزوم الاعادة، كموثقة أبى بصير " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تيمم وصلى ثم بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت؟ فقال: ليس عليه اعادة الصلوة " (4) وصحيحة يعقوب بن سالم أو موثقته عن ابى عبد الله عليه السلام " في رجل تيمم وصلى ثم أصاب الماء وهو في وقت؟ قال: قد مضت صلوته وليتطهر " (5) وروايته على بن سالم عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: أتيمم وأصلى ثم أجد الماء وقد بقى على وقت؟ فقال: لا تعد الصلوة فان رب الماء هو رب الصعيد " (6) وصحيحة زرارة " قال قلت لابي جعفر عليه السلام فان أصاب الماء وقد صلى بتميم وهو في وقت؟ قال: تمت صلوته ولا اعادة عليه " (7) وجعل قوله: هو في وقت متعلقا بصلى في غاية البعد خصوصا مع تعقبه بلا اعادة عليه إلى غير ذلك كرواية معوية بن ميسرة، (8) ومرسلة حسين العامري عمن سأله، (9) والعياشي عن أبى ايوب عن أبى عبد الله عليه السلام بل رواية داود الرقى التى لا يبعد أن تكون صحيحة، بل لا يبعد أن تكون صحيحة ابن مسلم والعيص (11) ظاهرتين في بقاء الوقت. ومنها مادلت على صحته مع الامر بالاعادة مع رفع العذر في الوقت كصحيحة


(1 - 2 - 3) مرت في صفحة 144 (4 - 8) الوسائل ابواب التيمم ب 14، ح 11 - 14 - 17 - 9 - 13 (9 - 10) الوسائل ابواب التيمم: ب 19. ح 2 - 6. (11) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 15 - 16.

[ 195 ]

عبد الله بن سنان " انه سال أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة البادرة و يخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ فقال: يتيمم ويصلى فإذا أمن من البرد اغتسل و اعاد الصلوة " (1) ونظيرها مرسلة جعفر بن بشير عن أبى عبد الله عليه السلام (2) وصحيحة يعقوب بن بقطين " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تيمم فصلى فأصاب بعد صلوته ماءا أيتوضاء ويعيد الصلوة أم تجوز صلوته؟ قال: إذا وجد الماء قبل أن يمضى الوقت توضأ واعاد فان مضى الوقت فلا اعادة عليه " (3) وموثقة منصور بن حازم عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل تيمم فصلى ثم أصاب الماء؟ فقال: اما أنا فكنت فاعلا انى كنت أتوضأ واعيد " (4) ولا يخفى تعين حمل الاعادة في الوقت على الاستحباب بقرينة نصوصية الطائفة المتقدمة في عدم وجوب الاعادة بل الرواية الاخيرة مشعرة أو ظاهرة في الاستصحاب، (فح) تكون جميع تلك الطوائف من أدلة صحة التيمم في سعة الوقت كما ان أوجه المحامل في الروايات التى استدلت بها على عدم صحته في السعة الحمل عليه لو سلمت دلالتها على مقصودهم لكن يمكن الخدشة فيها. اما صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: سمعته يقول: إذا لم تجد ماء وأردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت فان فاتك الماء لم تفتك الارض " (5) فلا مكان ان يقال فيها ان قوله: فان فاتك الخ الذى هو بمنزلة العلة لقوله اخر التيمم ظاهر في ان التيمم في سعة الوقت مع عدم وجدان الماء محصل للطهور المحتاج إليه، لكن الامر بالتأخير لاحتمال وجدان الماء الذى هو المصداق الارجح، وبعبارة اخرى ان التراب إذا كان في سعة الوقت غير محصل للطهارة ويكون كالخشب في ذلك، وانما تختص طهوريته بآخر الوقت لا يناسب أن يقال: فان فاتك الماء لم تفتك الارض، فان هذا الكلام انما يقال فيما إذا كان المصداق المرجوح ميسورا في جميع الوقت


(1 - 4) الوسائل أبواب التيمم، ب 14: ح 2 - 6 - 8 - 10. (5) الوسائل ابواب التيمم، ب 22، ب 22: ح 1.

[ 196 ]

المضروب ومصداق الراجح محتمل الوجود. واما إذا كان المصداق المرجوح غير ميسور وغير صحيح الا آخر الوقت لا يقال بتلك العبارة الا ترى انه إذا قيل لاحد أخر الغذاء فانه إذا فاتك اللحم لم تفتك الخبز كان ظاهرا في ان الخبز مصداق المطلوب مطلقا، لكن الارجح تأخير الاكل لانتظار حصول المطلوب الارجح، ولا يقال ذلك فيما إذا لم يكن الخبز صالحا للطعام الا في آخر الوقت والمرجع في مثله العرف. وبه يجاب عن موثقتي عمار، وما ذكرناه وان ثقل على بعض الاسماع لكن بالمراجعة إلى اشباهه في المخاطبات يرفع الاستبعاد فتأمل، واما صحيحة زرارة عن أحدهما " قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت " (1) فالظاهر منها وجوب الطلب إلى آخر الوقت، وهو مع مخالفته لتحديده بغلوة سهم أو سهمين مخالف لفتوى الاصحاب، فلا بد من حملها على الاستحباب أو تأويلها بان يقال ان المراد منه انه يجب الطلب إذا كان في الوقت، وكان واسعا له من غير تعرض لمقدار الطلب ومع عدم سعته لم يتيمم، (فح) تدل على جواز التيمم في سعته، لان قوله " فليطلب إذا كان في سعة " ظاهر في انه يتيمم بعد الطلب في سعته خصوصا مع مقابلته لخوف الفوت فكأنه قال: مع خوف الفوت يتيمم بلا طلب ومع سعته بعد الطلب، نعم بناءا على رواية فليمسك تدل على المطلوب في الجملة. ثم انه بناءا على الغض عما ذكرنا في الروايات المانعة فلا شبهة في ان محطها هو فيما إذا احتمل العثور على الماء، اما فيما علل بقوله انه ان فات الماء لم تفتك الارض فظاهر واما صحيحة زرارة بناء على رواية فليمسك فلان العرف لا يفهم من لزوم الامساك والتأخير إلى آخر الوقت، موضوعيته بعد كون الصلوة مع الوضوء والغسل فرد المطلوب الاعلى، وبعد العلم بان المنظور الاصلى في تلك الروايات هو الصلوة مع الطهور اما


(1) الوسائل: ابواب التيمم، ب 22، ح 2.

[ 197 ]

بالماء أو بالتيمم، فمعه لا يشك العرف في ان الامر بالامساك إلى آخر الوقت والتيمم عند خوف فوت الوقت ليس الا لاحتمال حصول المطلوب الاعلى، لا لمطلوبية الامساك نفسا أو اشتراط التيمم بضيق الوقت. ومنه يعلم ان الروايات المشتملة على التعليل المتقدم لو لم تكن مذيلة به يفهم منها ان الامر بالتأخير انما هو لاجل احتمال الوصول إلى المطلوب الاعلى، وهو الصلوة مع المائية وهذا واضح لدى التأمل، (فح) قد يقال في مقام الجمع بين هذه الطائفة والروايات المتقدمة بتقييدها بهذه الطائفة، فتحمل تلك الروايات والاية الكريمة على مورد العلم بفقدان الماء، فيفصل بين رجاء رفع العذر وعدمه كما تقدم نقل اشتهاره بين المتأخرين من اصحابنا. لكن الانصاف ان هذا النحو من الجمع والتقييد في غاية الوهن لعدم امكان حمل الآية والروايات التى ربما بلغت عشرين كلها في مقام البيان وتعيين الوظيفة من غير اشارة إلى هذا القيد النادر التحقق على هذا المورد، سيما ما اشتملت على التعليل بان رب الماء هو رب التراب، كصحيحة ابن مسلم " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى ثم وجد الماء؟ قال: لا يعيد ان رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين " (1) وقريب منها رواية معوية بن ميسرة وعلى بن سالم (2) وبالجملة تقييد الاية و الروايات المستفيضة بل المتواترة بهذا القيد من أبعد المحامل، وتوهم ان محيط ورودها لما كان قليل الماء سيما في المسافرات البعيدة في البوادى التى قلت فيها المياه والمعمورة فلا مانع من الحمل على صورة العلم بالعدم لعدم ندرة الفرض، فاسد، بعد كون جزيرة العرب محاطة بالبحار، وفى معرض الامطار الكثيرة الغريزة المعهودة فيها في كثير من الاوقات، فكيف يمكن دعوى شيوع العلم بذلك أو عدم ندرته بحيث لا يستهجن ورود المطلقات الكثيرة فيه في مقام البيان.


(1 - 2) الوسائل ابواب التيمم، ب 14، ح 15 - 170 13

[ 198 ]

هذا مع ان السائلين لم يكونوا من أهل الجزيرة غالبا كزرارة ومحمد بن مسلم وليث المرادى ومنصور بن حازم الكوفيين والحلبي ويعقوب بن يقطين البغدادي وغيرهم، فالحمل المذكور غير وجيه بخلاف حمل الاخبار المانعة على الاستحباب حملا للظاهر على النص على فرض تسليم الظهور اللغوى في الوجوب، مع انه محل كلام كما قرر في محله فلا اشكال في هذا الحمل سيما مع وجود شواهد في نفسها عليه، ففى رواية محمد بن حمران عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلوة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين تدخل في الصلوة قال: يمضى في الصلوة، واعلم انه ليس ينبغى لاحد ان يتيمم الا في آخر الوقت " (1) فان قوله واعلم انه الخ بعد الامر بالامضاء في الصلوة من غير استفصال كالنص في عدم الالزام، فالتفصيل بين العلم باستمرار العذر وعدمه ضعيف كما ان الاقرب بحسب اطلاق الادلة عدم الفرق بين العلم بزوال العذر وعدمه، ودعوى الانصراف إلى صورة عدم العلم برفعه في غير محلها. نعم الانصاف انصراف الادلة عن بعض الموارد بلا اشكال كما لو منعه الزحام عن الوصول إلى الماء الا بعد ساعة أو كانت نوبته في لاغتراف من الشريعة بعد اغتراف من سبقها وتقدم عليه وأمثال ذلك، بل لا يبعد أن يكون الامر بالاعادة في موثقة سماعة " عن أبى عبد الله عليه السلام عن أبيه عن على انه سئل عن الرجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة ويوم عرفة فاحدث أو ذكر انه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج من كثرة الزحام قال يتيمم ويصلى معهم ويعيد إذا هو انصرف " (2) وقريب منها موثقة السكوني (3) لاجل العلم برفع العذر بعد انصراف الجماعة فيجب عليه الاعادة، و تدل على التفصيل المتقدم والامر بالصلوة معهم، لكون التخلف عن جماعتهم خلاف التقية، والاعتذار بعدم الوضوء لعله كان غير مقبول عندهم، والامر بالتيمم وان


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 21 ح 3. (2 - 3) الوسائل ابواب التيمم، ب 15 ح 2 - 1.

[ 199 ]

كان ظاهرا في صحة صلوته في هذا الحال، ولهذا حملوا الاعادة على الاستحباب لكن حمل الامر بالتيمم والصلوة معهم عليه أولى من حمل الاعادة عليه بعد انصراف الادلة عن مثل هذا العذر الذى يرفع بعد ساعة، ولهذا لو كان الزحام لامر آخر يمنعه عن الوضوء مقدار ساعة لا يمكن الالتزام بصحة التيمم والصلوة، وكذا لو منعه مانع منه مقدار ساعة. نعم لو قلنا بوجوب الجمعة تعيينا فالظاهر صحته وصحة صلوته لخروج وقتها كما لو منعه زحام أو غيره عند ضيق الوقت صح تيممه وصلوته، لكن الروايتين ظاهرتان في جمعة الناس، ومع اقامتهم لا تجب علينا تعيينا بل في وجوبها تعيينا حتى في زمان الحضور وبسط يد الوالى بالحق ايضا كلام، وان ارسلوه ظاهرا ارسال المسلمات فالاقرب التفصيل بين العلم برفع العذر وعدمه وكونه في بعض الفروض النادرة موجبا للحرج غير مضر بعد رفعه بدليله. ثم انه حكى عن صريح جماعة وظاهر آخرين ان محل الخلاف في المسألة في غير المتيمم واما من كان متيمما في اول الوقت لصلوة ضاق وقتها. أو لغاية اخرى صحت صلوته في اول وقتها لوجود المقتضى ورفع المانع، ويظهر مما ذكر ان المانع من تعجيل الصلوة هو فقدان الطهور وشرطية ضيق الوقت لصحة التيمم، واما مع حصول الطهور بوجه آخر فلا يبقى مانع، فح لا ثمرة للنزاع كما لا يخفى. وهذا النحو من البحث وان امكن احتماله في كلمات الفقهاء على بعد في خصوص الفرع بالنظر إلى اطلاق كلماتهم ظاهرا بل الظاهر من السيد في الناصريات انه لا يجوز الصلوة بالتيمم الا في آخر الوقت كما لا يجوز التيمم ايضا الا في آخره، لكن غير ممكن في الروايات. اما اولا فلان الظاهر من روايات المضايقة هو الامر بتأخير التيمم التحصيل الفرد الاكمل الاختياري من الصلوة، لا لاجل عدم حصول الطهور، بل لو فرض شتراط حصوله بتحقق الضيق ايضا يكون لاجل الصلوة لا للطهور والعرف الملتفت بان المنظور الاصلى هو الصلوة والطهارات شرائط لها لا مطلوبات نفسية الزامية، لا يفهم من الامر بالتأخير

[ 200 ]

الا للتحفظ على الصلوة المطلوبة ذاتا مع الطهارة المائية، ولا ينقدح في ذهنه اشتراط الطهور بالوقت، بل لو صرح بالاشتراط لا ينقدح في ذهنه الا مراعاة حال الصلوة مع المائية، (فح) لو أخذنا بتلك الروايات الواردة في المضايقة، وأغمضنا عما تقدم لا محيص عن القول بلزوم تأخير الصلوة إلى آخر الوقت رجاء لتحصيل الطهارة المائية. هذا مضافا إلى ان الظاهر من قوله في صحيحة زرارة " فليتيمم وليصل في آخر الوقت " (1) وقوله في موثقة ابن بكير " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فلم يجد ماء يتيمم ويصلى؟ قال: لا حتى آخر الوقت " (2) ان الصلوة يجب ان تكون في آخر الوقت ايضا. تأمل، مع ان قوله في تلك الروايات " ان فاته الماء لم تفته الارض) ظاهر في فوت المصلحة الصلوتية لا المصلحة النفسية للطهارة كما لا يخفى على المتأمل. واما ثانيا فلانه لو كان تحصيل الطهور بوجه آخر وغاية اخرى رافعا للمانع، ولم يكن للامر بتأخير الصلوة والتيمم إلى آخر الوقت موجب الا فقد الطهور الممكن الحصول بغاية اخرى، لما أمروا بتأخيرها مع الاهتمام العظيم بالتحفظ للصلوة في اوائل أوقاتها بما كاد أن يلحقه بالواجبات، فكان على الائمة عليهم السلام لتنبيه على ذلك حفظا لاهمية أول الوقت لا الامر بالتأخير بقول مطلق. فيظهر من ذاك وذا ان المهم في نظر الشارع مراعاة ايجاد الصلوة مع المائية وليس الامر بالتأخير لعدم حصول الطهور، فالاقوى بناء على القول بوجوب التاخير وجوبه مطلقا ولو كان الطهور محققا في اول الوقت. نعم لا شبهة في عدم وجوب تجديد التيمم في آخر الوقت إذا وجد صحيحا في أوله أو قبله في ضيق الوقت مثلا كما صرحت به الروايات خلافا لبعض العامة. ثم انه قد يقال ان المراد بآخر الوقت الذى يجب أو ينبغى مراعاته هو آخره عرفا بحيث يقال انه اتى بها في آخره، فيصدق ذلك إذا اتى بها مع الاداب المتعارفة،


(1 - 2) الوسائل ابواب التيمم ب 22 ح 2 - 3

[ 201 ]

بل واختيار الفرد الطويل مع التخيير بينه وبين القصير، بل واتيان بعض المقدمات المتعارفة، ومستندهم فيه هو الاخبار الحاكمة بتأخير التيمم إلى آخر الوقت المحمولة على الاخر العرفي، كما هو الشأن في جميع العناوين المأخوذة في موضوعات الاحكام. ويمكن ان يقال: ان الاخبار الواردة في لزوم التاخير فرضا لا يفهم منها الا الارشاد بما حكم به العقل، وهو مع قطع النظر عن الادلة الخاصة يحكم بوجوب الصلوة بالفرد الاختياري من دلوك الشمس إلى آخر الوقت، ومع التعذر عنه جزما لا احتمالا يجتزى بالاضطراى، فيحكم فيما إذا كان للصلوة فرد طويل وقصير مع الاحتمال المعتد به برفع العذر الانتظار لا الاتيان بالطويل، كما انه يحكم بالاكتفاء بالواجبات وترك الاداب حفظا للغرض الاعلى والفرد الاختياري، والظاهر ان الاخبار وردت للارشاد لا للتوسعة عما يدركه العقل. ثم ان ظاهر الاخبار ان اللازم هو التاخير إلى آخر الوقت، وهو الموضوع للحكم والامر بالتيمم والصلوة مع خوف الفوت انما هو لترجيح الوقت على الطهارة المائية عند احتمال فوته لا لموضوعية في خوف الفوت، ومعه لو انكشف سعة الوقت بقدر تحصيل المائية تجب عليه الاعادة، بل لا يبعد وجوبها لو وسع للترابية ايضا لعدم تحقق الشرط لو قلنا بان الضيق لها أو لصحة الصلوة ايضا، لكن الذى يسهل الخطب ان القول بالمضايقة ضعيف لكن لا ينبغى ترك الاحتياط. ولا يخفى ان القائل بالمضايقة لا يكون عاملا بالاخبار الدالة على عدم لزوم الاعادة ولو مع بقاء الوقت، اما بحملها على التقية لمطابقتها لجمهور الناس أو لغير ذلك، و معه لاوجه لرد قوله في هذه المسألة تشبثا بتلك الروايات، فقول بعض اهل التحقيق ردا على الشيخ القائل بالاعادة بانه ضعيف محجوج بالاخبار المصرحة بعدم الاعادة كأنه وقع في غير محله. الثالث من صلى بتيمم صحيح لا يجب عليه الاعادة ولا القضاء، لاقتضاء الامر

[ 202 ]

الاجزاء ومحل الكلام ما إذا قلنا بصحة صلوته مع التيمم، اما لاجل القول بالمواسعة أو للبناء على صحة صلوته مع التيمم لغاية اخرى، أو مع بقائه من الوقت السابق، و بعبارة اخرى بعد الفراغ عن المسألة السابقة ففى كل مورد صححنا تيممه وصلوته فصلى بتيمم لا يجب عليه الاعادة فضلا عن القضاء سواء قلنا بان الشرط قابل للجعل المستقل و لا يحتاج إلى انتزاعه من الامر بالمركب مقيدا به اولا. اما على الاول فواضح، لان الظاهر من الاية الكريمة انها بصدد جعل شرطية الطهور للصلوة المأمور بها مع الوضوء والغسل، ومع فقدان الماء مع التيمم فتكون الصلوة طبيعة واحدة ذات أمر واحد، ولها مصاديق اختيارية واضطرارية. فمع طرو الاضطرار يكون المكلف مخيرا مع سعة الوقت بين اتيان الصلوة المأمور بها بفردها الاضطراري، أو الصبر والاتيان بالفرد الاختياري، وليس المصداق الاختياري والاضطراري مامورا به بل لا يكون الا أمر واحد متعلق بنفس الطبيعة، ولا يعقل بقائه مع الاتيان بمتعلقه سواء أتى بالفرد الاختياري منها أو الاضطراري، ومع فرض امكان تعلق الجعل المستقل بالشرطية والمانعية لا يجوز رفع اليد عن ظاهر الاية الدالة على جعل شرطية الوضوء والغسل ولدى العذر التيمم. واما على الثاني فلا محيص عن أمرين يتعلق أحدهما بالواجد والاخر بالفاقد لكن الضرورة فائمة بان الصلوة مطلوبة واحدة، وتعدد الامر فرضا انما هو لضيق الخناق وامتناع افادة الشرطية الا به، وفى مثله لا يكون المتعدد كاشفا عن كونها مع المائية مطلوبة ومع الترابية مطلوبة اخرى مستقلة. وهذا نظير ما إذا قلنا بامتناع أخذ ما يجئ من قبل الامر كقصده في متعلقه و التزمنا بأمرين فان الامر الثاني لا يكون لتحديد المطلوب الاول ولا استقلال له، فلا يكون تعدد الامر في المقام الا لافادة الشرطية في الحالين ولتحديد المطلوب الاول فلا شبهة في استفادة الاجزاء من الاية، لان الظاهر منها ان المكلف إذا قام إلى الصلوة المأمور بها يجب عليه أن يأتي بها مع المائية، ومع العذر مع الترابية ومع الاتيان

[ 203 ]

بالاضطراري يكون آتيا بطبيعة المأمور بها. ومقتضى اطلاقها والغاء الخصوصية عرفا كما مر عدم الفرق بين السفر والحضر ولا بين أسباب حصول الجنابة ولا غيرها، فما عن القديمين من ايجاب الاعادة كما عن السيد الفرق بين الحاضر والمسافر فأوجبها فالاول ضعيف. والظاهر ان مراد السيد وجوب القضاء لا الاعادة لان مذهبه على مافى الانتصار والناصريات عدم صحة التيمم والصلوة الافى آخر الوقت، ولهذا أورد على الناصر حيث قال: فان وجد الماء بعدما فرغ من صلوته وهو في بقية من وقتها وجب عليه اعادتها بقوله: ان هذا الفرع لا يشبه أصل من ذهب إلى أن الصلوة بالتيمم لا يجوز الا في آخر الوقت، وانما يجوز ان يفرع هذا الفرع من يجوز الصلوة في سعة الوقت، أو قبل تضييق الوقت، وقد بينا ان ذلك لا يجوز، فلا معنى لهذا الفرع على مذهبنا ومذهب من وافقنا في ان الصلوة لا تجوز الا في آخر الوقت " انتهى " ولعل وجه ذهابه إلى التفصيل انه لم يعمل على اخبار المواسعة وظن ان الآية الشريفة تختص بالمسافر الفاقد، واخبار المضايقة لم تتعرض الا للزوم التاخير إلى آخر الوقت الا صحيحة زرارة المختصة بالمسافر، وفيها عدم لزوم القضاء عليه بعد الوجدان خارج الوقت. وفيه ان الاية وان علقت على المريض والمسافر لكن العرف بالمناسبات المرتكزة في ذهنه يلقى الخصوصية كما مر مرارا كما يلقيها عن الصحيحة ايضا هذا مضافا إلى ما تقدم من دلالة طوائف من الروايات على المقصود، ولا وجه لرفع اليد عنها بعد كون المسألة خلافية من لدن زمن قديم، ولم يثبت اعراض الاصحاب عنها لو لم نقل بثبوت عدمه، وتخلل الاجتهاد في البين. ثم ان مقتضى اطلاق الاية والرواية عدم الفرق في الاجزاء بين تعمد الجنابة والخشية عن استعمال الماء وغيره، فما حكى عن كتب الشيخ والمهذب والاصباح وروض الجنان من لزوم الاعادة على المتعمد، وعن المدارك ان فيه قوة غير متضح المدرك، وصحيحة عبد الله بن سنان " انه سال أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل تصيبه الجنابة

[ 204 ]

في الليلة الباردة فيخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ فقال: يتيم ويصلى فإذا أمن البرد اغتسل واعاد " (1) ومثلها مرسلة جعفر بن بشير (2) غير ظاهرة (2) في المتعمد لو لم نقل بظهورها في غيره، مع ان ظاهرها صحة الصلوة مع التيمم في هذه الحال، ومعها يكون مقتضى القاعدة الاجزاء، فتكون قرينة على حمل الامر بالاعادة على الاستحباب لبعد كون الصلوة صحيحة ووجوب الاعادة تعبدا، ولو لم يسلم ذلك فلا بد من حملها على الاستحباب جمعا بينها وبين ما تقدم من الادلة المتظافرة على عدم وجوب الاعادة والتفصيل بين فاقد الماء والمقام في غير محله، مع ان العرف يفهم من تلك الادلة ان تمام المناط هو صحة صلوته مع التيمم واقتضاء الامر الاجزاء، مضافا إلى صحيحتي داود بن السرحان عن أبى عبد الله عليه السلام والبزنطي عن الرضا عليه السلام " في الرجل يصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: لا يغتسل ويتيمم " (3) فانه يفهم منهما جزما صحة الصلوة مع التيمم وعدم لزوم الاعادة لقاعدة الاجزاء. فحمل الامر بالاعادة على الاستحباب أولى من التصرف فيهما خصوصا مع جعل الخائف قرينا مع المجروح والمقروح مما لم ينقل من أحد وجوب الاعادة عليهما بعد الالتيام. ومما ذكرنا يظهر انه لا مجال للتفصيل بين وجود الماء وخوف النفس عن استعماله وبين فقدان الماء بلزوم الاعادة بعد الصلوة مع التيمم في الاول، بدعوى ان ذلك مقتضى الروايات لاختصاص مادلت على عدم الاعادة بفاقد الماء، وما دلت على الاعادة أي صحيحة ابن سنان ومرسلة جعفر بن بشير بالواجد الخائف. وذلك لما عرفت من ان الامر بالتيمم والصلوة في الروايتين دال على أن ما يأتي به في هذه الحال مع التيمم هي الصلوة التى كانت على المسلمين كتابا موقوتا لا صلوة اخرى وجبت على خصوص الخائف تعبدا وبقيت الصلوة المكتوبة على عامة المسلمين


(1 - 2) مرت في صفحة 195 (3) الوسائل ابواب التيمم ب 5، ح 7 - 8.

[ 205 ]

بحالها يجب عليها اتيانها بعد رفع الخوف، ومعه لا شبهة في سقوط الامر عقلا لحصول المأمور به بمصداقه الاضطراري، الا ان يدعى ان خصوص الخائف مكلف من بين المسلمين بصلوتين احديهما مع المائية والاخرى مع الترابية، والاتيان بالاولى موجب لسقوط التكليف عن الثانية دون العكس، وتكون الصلوتان في حق خصوص الخائف من الفرائض اليومية وهو كما ترى. أو يلتزم بكون المكتوبة على كسائر المسلمين صلوة واحدة وهى ساقطة باتيان الفرد الاضطراري، لكن يجب تعبدا اعادتها كاستحباب اعادة الصلوة جماعة بعد الاتيان بها فرادى، وهو ايضا بمكان من البعد لا يمكن الالتزام به وبعد بطلان الاحتمالات عقلا وعرفا لا محيص عن حمل الامر بالاعادة على الاستحباب، ولو لم يكن غير الروايتين شئ، في الباب. مع ان الروايات الدالة على عدم لزوم الاعادة على الفاقد تدل عرفا على ان عدمها انما هو لاجل كون الصلوة مع التيمم مصداقا للمأمور به من غير دخالة للسبب فيه، وانما السبب دخيل في حصول موضوع التيمم لا في كون الصلوة معه مصداقا للمأمور به. وان شئت قلت: ان العرف يفهم مع الغاء الخصوصية ان تمام العلة لعدم لزوم الاعادة انما هو قيام التيمم مقام المائية وتحقق الطبيعة المأمور بها باتيانها معه من غير دخالة اسباب العذر والانتقال في ذلك. هذا مع قطع النظر عن التعليلات الواردة فيها، واما مع النظر إليها كقوله في صحيحة محمد بن مسلم (1) بعد الحكم بعدم الاعادة بعد وجدان الماء " ان رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين " فالامر أوضح، لان الظاهر منه ان تمام العلة لعدم الاعادة هو فعل أحد الطهورين من غير دخالة شئ آخر فيه، فح مع الامر بالاتيان


(1) مرت في صفحة 194 تحت رقم (11)

[ 206 ]

بالصلوة مع التيمم عند الخوف على النفس لا مجال للتشكيك في حصول الطهور به وفعل أحد الطهورين، فيندرج تحت العلة المنصوصة، ولا شبهة في ان التصرف في الامر بالاعادة بحمله على الاستحباب أهون من رفع اليد من كل واحد مما تقدم فضلا عن مجموعه، فلا اشكال في الحكم بحمد الله تعالى. ثم ان مقتضى ما ذكرناه وان كان البناء على استحباب الاعادة فيمن منعه الزحام عن الوضوء كما ذهب إليه جمع، بل لعله المعروف بينهم خلافا للمحكى عن النهاية، والمبسوط، والمقنع، والوسيلة، والمهذب. وكشف اللثام فأوجبوا الاعادة بعد التيمم والصلوة معهم، ومستندهم موثقة سماعة " عن أبى عبد الله عليه السلام عن ابيه عن على عليه السلام انه سئل عن الرجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة ويوم عرفة فاحدث أو ذكر انه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج من كثرة الزحام قال: يتيمم ويصلى معهم ويعيد إذا هو انصرف " (1) ونظيرها موثقة السكوني (2) لكن الالتزام بالانتقال إلى التيمم مع العلم بزوال العذر بعد ساعة مثلا بعيد، ولو بنينا على الاخذ بظاهر الروايتين لكان الواجب على من منعه الزحام أو غيره عن الوصول إلى الماء مطلقا الصلوة متيمما والاعادة لعدم الخصوصية في زحام عرفة جزما. ودعوى اختصاص الجواب بزحام الجمعة فيكون لها خصوصية في غير محلها لان الظاهر منها ان الزحام في يوم الجمعة منعه عن الوضوء لصلوتها ويوم عرفة منعه عن الوضوء لفريضة الظهر أو العصر، بل الظاهر منهما ان الجمعة للناس، ومعه لا تجب علينا تعيينا بلا اشكال المكلف مخير بين الصلوة معهم جمعة والفرادي ظهرا، ومعه كيف تجب عليه الصلوة والاعادة معا. ولهذا قلنا ان الظاهر من الروايتين لزوم الصلوة معهم تقية ولعل الامر بالتيمم لاجل ان الدخول في الصلوة صورة ايضا يجب أو يستحب ان يكون مع الوضوء أو


(1 - 2) مرت في صفحة 198

[ 207 ]

التيمم كما لعله تشهد به رواية مسعدة بن صدقة التى لا يبعد كونها موثقة " ان قائلا قال لجعفر بن محمد عليهما السلام: جعلت فداك انى امر بقوم ناصبية وقد اقيمت لهم الصلوة وأنا على غير وضوء، فان لم أدخل معهم في الصلوة قالوا ما شاؤا ان يقولوا أفاصلى معهم ثم اتوضأ إذا انصرفت وأصلى؟ فقال جعفر بن محمد: سبحان الله أفما يخاف ان يصلى من غير وضوء أن تأخذه الارض خسفا " تأمل (1). وكيف كان فالاقرب حملها على ان الصلوة معهم وجبت تقية، ويستحب أو يجب التيمم لها لكن لا تقع عن الفريضة وتجب عليها الاعادة وعدم وقوعها فريضة ليس لكون الصلوة معهم لما قلنا في محله انها معهم مجزية، بل لعدم صحة التيمم مع العلم بوجود الماء ورفع المانع في الوقت خصوصا في مثل المفروض في الرواية. ثم انه حكى عن النهاية والمبسوط ان من كان على ثوبه نجاسة غير معفوة و تعذر عليه ازالتها يتيمم ويصلى ثم يعيد، ومستنده موثقة عمار الساباطى عن أبى عبد الله عليه السلام " انه سئل عن رجل ليس عليه الا ثوب ولا تحل الصلوة فيه ولى يجد ما يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصل فإذا أصاب ماء اغسله واعاد الصلوة (2). ولا يخفى ان هذه الموثقة غير مربوطة بالمقام سؤالا وجوابا، لوضوح ان سئواله انما هو عن وحدة الثوب وعدم امكان تطهيره فأجاب بالتيمم والصلوة أي مع الثوب النجس ظاهرا، ثم إذا أصاب الماء أعادها بعد غسله، فالجواب عن هذه الحيثية، ولهذا تعرض لغسله واعادتها لا للوضوء والاعادة، وانما ذكر التيمم تطفلا لفرض فقدان الماء. فهذه المسألة ليست من مستثنيات المسألة المتقدمة بل هي مسألة اخرى برأسها تأتى انشاء الله في ابواب النجاسات، وقد كثرت الروايات فيمن كان ثوبه نجسا واختلفت


(1) الوسائل ابواب الوضوء، ب، 2، ح 1. (2) الوسائل ابواب الوضوء: ب، 30، ح 1.

[ 208 ]

في وجوب الصلوة معه أو عريانا والمقام ليس مورد تنقيحها. الرابع المشهور كما عن كشف الالتباس والرياض ان فاقد الطهورين تسقط عنه الصلوة، وعن روض الجنان والمدارك انه مذهب الاصحاب لا نعلم فيه مخالفا، وعن جامع المقاصد انه ظاهر مذهب اصحابنا، لكن في الشرايع قيل يصلى ويعيد وعن التذكرة وغيرها ان بعض الاصحاب قال: يصلى ويعيد، وعن جد المرتضى وجوب الاداء لا القضاء، ولا بأس بالاشارة إلى مقتضى القاعدة في مثل المقام، فنقول: لو علم بجزئية شيئ للمركب أو شرطيته في الجملة وشك في انه كذلك مطلقا أو مخصوص بحال التمكن فلا يخلو اما ان يكون لدليل المركب اطلاق دون دليل اعتبارهما أو العكس، أو لكل منهما اطلاق أو اهمال، فان كان لدليل المركب اطلاق فقط يجب اتيانه مع العجز عن الجزء أو الشرط. أو لدليل اعتبارهما فقط فيسقط معه، ويلحق باطلاق دليله فقط تقدم دليله على دليل اعتبارهما بحكومة أو غيرها لو كان لهما اطلاق وباطلاق دليليهما تقدمهما على دليله كذلك، ومع اهمالهما أو اطلاقهما من غير ترجيح يرجع إلى مقتضى الاصل العقلي أو النقلي، مع قطع النظر عن أدلة العلاج لو قلنا بشمولها لمثل المقام، والاصل العقلي يقتضى البرائة مطلقا كما هو المقرر في محله. وقد يتمسك بالاستصحاب في بعض الموارد بوجوه من التقرير وقد فرغنا عن تضعيفه وبقاعدة الميسور وهى ضعيفة المستند غير مجبورة، إذا عرفت ذلك فنقول: ان مقتضى اطلاق آية الوضوء ان الصلوة مشروطة بالطهور مطلقا ولو مع العجز عنه. و (توهم) قصور الامر عن اثبات الشرطية حال العجز لعدم امكان توجه الخطاب إلى العاجز، (فاسد) لا لما قيل ان مثل تلك الاوامر ارشادية لا يعتبر فيها القدرة على متعلقاتها لان مفادها ليس الا الارشاد إلى دخل متعلقاتها في متعلق الخطاب النفسي ففى الحقيقة ان تلك الخطابات بمنزلة الاخبار لا بعث فيها، ولا تحريك إلى المتعلقات حتى تقتضي القدرة عليها، فلا فرق بين الشرطية المستفادة من مثل لا صلوة الا بطهور أو المستفاد من الامر الارشادي، وذلك لما قررناه في محله من ان مطلق الاوامر

[ 209 ]

نفسية كانت أو غيرية أو ارشادية انما تستعمل في معناها، وهو نفس البعث والاغراء فان الهيئة موضوعة لذلك من غير أن يكون الوجوب أو غيره مفادها، لكن البعث إذا توجه إلى طبيعة من غير دلالة على انه لاجل مطلوب آخر ينتزع منه النفسية، و إذا تعلق بشئ مع الدلالة على انه للاخر ينتزع منه الغيرية أو الارشاد إلى الشرطية أو الجزئية حسب اختلاف المقامات. فقوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم " الخ لا ينسلخ عن البعث إلى غسل الوجوه والايدى بحيث تكون الهيئة مستعملة في الاخبار باشتراط الصلوة بالوضوء، ضرورة ان هذا الاستعمال مع كونه غلطا لا مجازا مخالف لفهم العرف و العقلاء، بل الهيئة مستعملة في معناها وهو البعث والاغراء، لكن لما كانت مسبوقة بقوله: " إذا قمتم إلى الصلوة " تكون دالة على ان البعث إليه لاجل اشتراط الصلوة به، ففهم الشرطية أو انتزاعها انما هو من البعث والاغراء مع خصوصية المورد وتصور ما ذكر يكفى مؤنة عن تصديقه في مثل المقامات التى يكون الاتكال فيها إلى العرف والذوق السليم. بل لما حققناه في مظانه ان الاوامر الكلية لقانونية غير مشروطة عقلا على صحة توجهها إلى فرد فرد من المكلفين، وليست الخطابات الكلية منحلة كل إلى خطابات متوجهة إلى آحادهم، فيكون كل خطاب منحل منظور فيه شرائط توجه الخطاب، والا لزم منه مفاسد كعدم تكليف العصاة والكفار، والجاهل بالحكم أو الموضوع، بل و اختصاص الوضعيات بمن يختص به التكاليف إلى غير ذلك مما يطول ذكره، والخلط بين شرائط الخطاب الجزئي الشخصي والخطاب العام القانوني منشأ لكثير من الاشتباهات والاختلاطات والتفصيل موكول إلى محله. وبالجملة ان اطلاق الاية يقتضى اشتراطها بالطهور مطلقا، ومقتضاه سقوط الصلوة مع تعذر الشرط، نعم لو كان الاتكال على صرف ظاهر الاية واطلاقها لكان لتوهم اطلاق ادله الصلوة سيما مثل قوله: " الصلوة لا تترك بحال " مجال، بل كان

[ 210 ]

ذلك حاكما على ظاهر الاية لتعرضه لمقام الاتيان، وهو من أقسام الحكومة، لكن مضافا إلى عدم اطلاق متعدبه في ادلة تشريع الصلوة وعدم ثبوت قوله: " الصلوة لا تترك بحال " من طريقنا بحيث يمكن الاتكال عليه وعلى اطلاقه وحكومته على الاية. ومقتضى الاستقراء وان كان ان للوقت في نظر الشارع أهمية فوق غالب الاجزاء والشرائط، فربما يحصل الظن منه بان الصلوة لا تترك بحال، لكن ذلك ليس بمثابة يمكن الركون على كليته واطلاقه، وما ورد في بعض الروايات في باب النفاس كصحيحة زرارة وفهيا " ولا تدع الصلوة على حال فان النبي صلى الله عليه وآله قال الصلوة عماد دينكم " غير مربوط بمثل المقام، وليس قوله: " فان الصلوة عماد دينكم " علة يمكن معها كشف صحتها لدى الشك في شرطية شئ لها أو جزئيته. ان قوله في صحيحة زرارة: " لا صلوة الا بطهور " حاكم على مثل قوله: " الصلوة لا تترك بحال " على فرض ثبوته، لان الصحيحة رافعة لموضوعها وهو حاكم على عدم جواز الترك على فرض الموضوع بل من أوضح موارد الحكومة كقوله: لا سهو لمن اقر على نفسه بالسهو " مثلا بالنسبة إلى ادلة الشكوك وكذا يكون قوله: " لا صلوة الا بطهور " حاكما على قاعدة الميسوران كان المراد من قوله: " الميسور لا يسقط بالسعسور " ان الطبيعة الميسورة لا تسقط لعين ما ذكر. واما ان كان المراد ان ميسور الطبيعة لا يسقط، فلا يبعد أن تكون القاعدة حاكمة عليه، لعدم لزوم صدق الطبيعة على ميسورها، فيمكن ان يكن شئ ميسور شئ عرفا لا نفسه بل لا منافاة (ح) بين الصحيحة والقاعدة، لان مفاد الاولى ان فاقد الطهور ليس بصلوة، ومفاد الثانية ان ميسور الصلوة ولو لم تكن صلوة لا يسقط، لكن مضافا إلى عدم ظهور القاعدة في الاحتمال الثاني لو لم نقل بظهورها في الاول لا أصل لتلك القاعدة لضعف سندها، و عدم ثبوت الجبر خصوصا في مثل تلك المسألة التى هي مظنة الاجماع على عدم وجوب الاداء وان يمكن الاشكال في صحيحة زرارة بوجه آخر وهوانها منقولة في الباب الاول من أبواب الوضوء من الوسائل عن محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد

[ 211 ]

ابن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " قال لا صلوة الا بطهور " ورواها في الوافى عن الفقيه مرسلا وعن التهذيب بالسند المتقدم، وروى الحر في الباب الرابع من ابواب الوضوء بالسند المتقدم عن أبى جعفر عليه السلام " قال إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلوة ولا صلوة الا بطهور " ورواها في الفقيه مرسلا وروى في الباب التاسع من احكام الخلوة بالسند المتقدم عن أبى جعفر عليه السلام ايضا " قال: لا صلوة الا بطهور ويجزيك عن الاستنجاء ثلثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله واما البول فانه لا بد من غسله " فيحتمل أن تكون الرواية واحدة هي هكذا: إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلوة ولا صلوة الا بطهور ويجزيك عن الاستنجاء الخ فيكون الذيل قرينة على ان المراد من الطهور هو الطهور عن الخبث، وقد جزاها المحدثون والنقلة على الابواب. ويمكن دعوى الاطلاق في صدرها للطهورين، وان كان الذيل يناسب ما ذكر ويحتمل كونها روايتين أو ثلاثا كما هو الظاهر من محكى التهذيب والفقيه ومع ذلك اختصاص الطهور بالوضوء واخويه بعيد ولو بلحاظ ذيل الصحيحة. (فح) مقتضى اطلاقها تحكيمها على ادلة اشتراط الطهارة عن الخبث مع انه مخالف للنص والفتوى، فيشكل الامر من جهة ان ورود التقييد على مثل قوله لا صلوة الا بطهور مشكل لا ستهجانه عرفا، فلا بد في رفعه من الالتزام بانها مخصوصة بموارد بطلان الصلوة مع الخبثية، ومعه يشكل التشبث بها وتحكيمها على مثل قوله " الصلوة لا تترك بحال " لكن ذلك لا يوجب التوقف في اصل المسألة، لا طلاق أدلة الشرط كالاية الكريمة، وعدم اطلاق في ادلة تشريع الصلوة كتابا وسنة، فالاقوى عدم وجوب الاداء. واما وجوب الذكر عليه مقدار الصلوة والاكتفاء به عن الاداء والقضاء كما حكى عن رسالة المفيد إلى ولده، وعن أبى العباس وصلوة الموجز والصيمري في طهارة كشف الالتباس، فلم نعثر على مستنده بل ولا مستند استحبابه بالخصوص، فهل يجب عليه القضاء عند ارتفاع العذر بعد الوقت قيل: نعم.

[ 212 ]

وفى الجواهر انه الاشهر بين المتقدمين والمتاخرين، وعن كشف الالتباس انه المشهور لعموم مادل عليه كقوله: " من فاته فريضة فليقضها كما فاتته " وقوله في النبوى المشهور كما في الرباض: " من فاتته فريضة فليقضها إذا ذكرها فذلك وقتها " وحكاه في المنتهى مع سقوط قوله: " فذلك وقتها ". والاخبار المستفيضة من طريق الخاصة في الابواب المتفرقة كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام: " انه قال أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلوة فاتتك فمتى ذكرتها أديتها " الخ (1)، وصحيحة الحلبي " قال: سأل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل فاتته صلوة النهار متى يقضيها؟ قال: متى شاء " (2) ومثلهما غيرهما، وصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام: " ومتى ما ذكرت صلوة فاتتك صليتها " (3) وصحيحته الاخرى عنه " سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسى صلوات لم يصلها أو نام عنها؟ قال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها (4) إلى غير ذلك. ودعوى تبعية الاداء للقضاء غير مسموعة، مع امكان ان يقال: ان الاداء فريضة اما بدعوى صيرورة الفريضة اسما لتلك الصلوات لا وصفا لها كما احتمله الشهيد، و اما بدعوى انها فريضة فعلا، وان كان المكلف معذورا في تركها كما ذكرناه في محله. كدعوى عدم صدق الفوت ضرورة صدقه عرفا مع فوات المصلحة فضلا عما قلنا من فعلية الفريضة، لكن الا شبه مع ذلك عدم وجوبه وفاقا للمحقق والعلامة و الكركي وغيرهم، للاصل بعد عدم اطلاق أو عموم يمكن الركون عليه، سيما في مثل الفرض الذى هو نادر الوجود بحيث يلحق بالعدم. اما النبويان فمع عدم جبر سندهما بعد عدم ثبوت اتكال الاصحاب عليهما في


(1) الوسائل ابواب قضاء الصلوات. ب 2. ح 1 (2) الوسائل ابواب المواقيت، ب 39. ح 7. (3) الوسائل ابواب المواقيت ب 63 ح 1. (4) الوسائل ابواب قضاء الصلوات، ب 1، ح 1.

[ 213 ]

أبواب القضاء مع وجود روايات كثيره من طرقنا يحتمل اتكالهم عليها، انهما في مقام بيان حكم آخر، اما الاول منهما ففى مقام بيان كيفية القضاء ان قصرا فقصرا وان تماما فتماما، كما ان الامر كذلك في طائفة من روايتنا: مثل صحيحة زرارة " قال قلت: له رجل فاتته صلوة من صلوة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: يقضى ما فاته كما فاته ان كانت صلوة السفر أداها في الحضر مثلها وان كانت صلوة الحضر فليقض في السفر صلوة الحضر كما فاتته " (1) فهى كالتفسير للنبوي المتقدم الاول وتكون في مقام بيان حكم آخر فلا اطلاق لها ولا للنبوي المفسر بها. واما النبوى الثاني فمضافا إلى احتمال اختصاصه بالناسى كما يشعر به قوله: " إذا ذكرها " ففى مقام بيان جوازتيان القضاء بلا كراهية في أي وقت من الاوقات فهو كطائفة اخرى من رواياتنا كالصحاح المتقدمة، ومما ذكرنا يظهر الكلام في الروايات التى هي من طرقنا فانها جميعا في مقام بيان الحكام اخر لا اطلاق في واحد منها كما يظهر بالنظر إليها. ودعوى انه يفهم منها ولو بملاحظة المجموع ان وجوب قضاء الفرائض على من لم يأت بها في وقتها كان من الامور المعهودة لديهم، غير مفيدة، لان معهوديته في الجملة ضرورية، ولزومه في الجملة منصوصة، لكن لا يثبت بها الحكم في الموارد المشكوك فيها، وان رجعت الدعوى إلى معهودية القضاء مطلقا حتى في مثل المقام فهى فاسدة جدا. وبالجملة لا يثبت بتلك الروايات الا المعهودية في الجملة، وهى غير مفيدة و ماهى مفيدة غير ثابتة بها خصوصا في مثل فاقد الطهورين الذى تنصرف عنه الاذهان لغاية ندرته، بل هو من الفروع التى أبداها الفقهاء ولم يكن معهودا، بل يمكن التشبث لسقوط القضاء بالتعليل الوارد في المغمى عليه بانه كلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر، الا ان يقال ان الاخذ بهذا العموم مشكل لو رود تخصيصات كثيرة عليه.


(1) الوسائل ابواب قضاء الصلوات ب 6، ح 1

[ 214 ]

والانصاف ان القواعد وان تقتضي سقوطه الا ان الاحتياط لا ينبغى ان يترك لكن ينبغى الاحتياط بترك الصلوة مع فقدان الطهورين، لاحتمال الحرمة النفسية في الدخول فيها جنبا، بل ومن غير وضوء لقوله تعالى: " لا تقربوا الصلوة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا " بناء على ان المراد من الصلوة نفسها لا محالها كما هو الاظهر في الآية، ولا ينافيه قوله: " الا عابرى سبيل " لانه اشارة ظاهرا إلى المسافر الفاقد الذى يأتي حكمه في ذيلها، ولا يكون ذلك تكرارا بشيعا حتى يكون قرينة على ارادة محالها. بل هو من قيل الاجمال و التفصيل وهو من فنون البلاغة. والظاهر من التعبير " بلا تقربوا " هو الحرمة الذاتية. وليس سبيلها سبيل النواهي في المركبات التى تكون ظاهرة في الارشاد إلى المانعية، للفرق بين قوله لا تصل جنبا ولا تصل في وبرما لا يؤكل وبين قوله: لا تقربوا الصلوة جنبا فان سبيلة سبيل قوله: " لا تقربوا الزنا " و " لا تقربوا الفواحش " و " لا تقربوهن حتى يطهرن " مما هي ظاهرة في مبغوضيه الارتكاب وأهمية الموضوع. ولرواية مسعدة بن صدقة الموثقة على الاصح وفيها " فقال جعفر بن محمد بن سبحان الله أفما يخاف أن يصلى من غير وضوء ان تأخذه الارض خسفا " (1) وصحيحة صفوان الجمال عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: اقعد رجل من الاحبار في قبره فقيل له: انا جالدوك مأة جلدة من عذاب الله " إلى أن قال: " فقال: لم تجلدونيها؟ قالوا: نجد لك انك صليت يوما بغير وضوء " (2) فان الظاهر منها ان الجلدة لم تكن لترك الصلوة بل لاتيانها بغير وضوء، وليست الحرمة النفسية ببعيدة بعد وقوع نظيرها في العبادات كصلوة الحائض. نعم وردت رواية صحيحة من زرارة يظهر منها ان المراد من قوله تعالى: " ولا جنبا


(1) مرت في صفحة 207. (2) الوسائل ابواب الوضوء، ب 2 ح 2

[ 215 ]

الا عابرى سبيل هو المساجد " وكف كان فالاحتياط في ترك الاحتياط باتيانها جنبا ومن غير طهور. الخامس: إذا وجد المتيمم الماء قبل دخوله في الصلوة انتقض تيممه بلا اشكال نصا وفتوى، والمراد من الوجدان هو التمكن من استعماله عقلا وشرعا كما هو المحكى عن ظاهر معقد اجماع التذكرة أو صريحه، وصريح معقد اجماع المعتبر والذكرى بل هو المتفاهم من جميع روايت الباب كما قلنا في الاية الشريفة، ان المراد من عدم الوجدان هو عدم وجدان ما يغتسل أو يتوضأ به، ولا الاصابة والوجدان في تلك الروايات وان لم تكن مقرونة بما في رواية العياشي وكان يقدر عليه ونحوه، كانت ظاهرة في الاصابة والوجدان على نحو يتمكن من رفع احتياجه به، وكون الاصابة مطلقا موجبة للتعبد بانتقاض التيمم، حتى يقال بالانتقاض مع اصابة ماء قليل لا يكفى للوضوء أو الغسل أو كان مغصوبا مع كفايته بعيد جدا، بل مقطوع الفساد فضلا عن مقارنة الروايات بما يجعلها كالصريح في المقصود، كقوله في صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام " ويصلى بتيمم واحد صلوة الليل والنهار؟ قال: نعم ما لم يحدث أو يصب ماء، قلت: فان أصاب الماء ورجا أن يقدر على ماء آخر وظن انه يقدر عليه كلما أراد فعسر ذلك عليه؟ قال: ينقض ذلك تيممه وعليه أن يعيد التيمم " (1) الخ حيث يظهر من قوله: " قلت فان أصاب " الخ انه فهم من اصابة الماء في قول أبى جعفر هو اصابة ما يقدر على استعماله كما هو واضح بأدنى تأمل. وكمرسلة العامري (2) قال فيها: " فان تيممه الاول انتقض حين مر بالماء و لم يغتسل " يظهر منها ان الانتقاض انما هو بالمر وربماء يتمكن من الاغتسال به و لم يغتسل. واظهر منهما قوله في رواية العياشي إذا راى الماء وكان يقدر عليه انتقض تيممه " (3) فلو وجد الماء في ضيق الوقت الذى هو مأمور بحسب ما استظهرناه من الروايات بالتيمم


(1 - 2 - 3) الوسائل ابواب التيمم، ب 19، ح 1 - 2 - 6.

[ 216 ]

لم ينتقض تيممه فلو فقد حين الصلوة أو بعدها بلا مهلة لم يجب عليه تجديده. ثم ان الاخبار وان وردت في وجدان الماء لكن يظهر منها بالغاء الخصوصية حال رفع ساير الاعذار كما هو ظاهر. ولا فرق في وجدان الماء ورفع العذر بين قبل دخول الوقت وبعده، سواء قلنا بجواز الوضوء والغسل للصلوة قبل الوقت كما هو الاقوى اولا، لاطلاق الروايات وحصول القدرة ولو لغاية اخرى، وقد مر حكم من وجد بعد الفراغ منها. وان وجد في الاثناء ففيه أقوال خمسة أو ستة، لكن العمدة منها القولان (أحدهما) انه يقطع ما لم يركع وهو المحكى عن مقنع الصدوق أو فقيهه، ومصابح السيد وجمله وشرح الرسالة والجعفى والحسين بن عيسى، وعن النهاية ومجمع البرهان والمفاتيح وشرحه ورسالة صاحب المعالم وشرحها، وقد بالغ في تشييده المحقق صاحب الجواهر بما لا مزيد عليه. ثانيهما انه يمضى بعد التلبس بتكبيرة الاحرام وهو المحكى عن رسالتي على ابن بابويه والسيد والمقنعة والخلاف والمبسوط والغنية والسرائر وكتب المحقق و العلامة وغيرهم، وهو المشهور كما عن جامع المقاصد والمسالك وروض الجنان و مجمع البرهان، بل عن السرائر الاجماع عليه في بحث الحيض والاستحاضة. لا للاصل أو الاصول أو ادلة التنزيل والبدلية وكفاية عشر سنين والنهى عن ابطال العمل كتابا وسنة وعن الانصراف حتى يسمع الصوت ويجد الريح إلى غير ذلك مما يطول ذكرها، لقطع ذلك كله باطلاق ادلة بطلانه بوجدان الماء واصابته مما قد مر بعضها ودعوى الانصراف إلى ما لم يشرع في المقصود في غير محلها كدعوى عدم اطلاقها لكون القدر المتيقن بعدما حرر في مقامه من عدم اضراره بالاطلاق سيما أمثال ذلك مما يقطع بعدم الاضراربه. ولا للشهرة والاجماع المنقولين لعدم حجيتهما في مثل هذه المسألة التى نقطع بكون المدرك هو النصوص الموجودة، بل عدم ثبوتهما خصوصا الثانية بعد خماسيتها

[ 217 ]

قولا أو سداسيتها وذهاب من تقدم وغيرهم إلى التفصيل. بل لعدم دليل صالح للركون إليه للقولل بالتفصيل اما صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام وفيها " قلت: ان اصاب الماء وقد دخل في الصلوة قال: فلينصرف فليتوضأ ما لم يركع وان كان قد ركع فليمض في صلوته فان التيمم أحد الطهورين " (1) فلان حمل الامر بالانصراف والتوضى قبل الركوع على الوجوب والارشاد العقلي على ابطلان التيمم قبل الركوع، كحمل الامر بالمضي على الارشاد على الصحة بعد الركوع كما هو الشأن في مثل تلك الاوامر، غير مناسب، مع التعليل بان التراب أحد الطهورين فان العلة المشتركة بين قبل الدخول في الركوع وبعده لا يناسب التفصيل بل قاطع له، هذا نظير ان يقال اشرب الخمر ولا تشرب النبيذ فانه مسكر مع كون المسكرية مشتركة بينهما، ففى المقام لو كانت العلة للمضي كون التراب احد الطهورين فقط كما هو الظاهر لم يكن للتفصيل وجه، ولو كان التفصيل الزاميا حتى يستفاد منه ما تقدم كان عليه ان يعلل بان حرمة الركوع مثلا مانعة عن نقض الطهور، فلا بد من حمل الامر بالانصراف والتوضى على الاستحباب، والاخذ بعموم التعليل لصحة الصلوة مطلقا أو رفع اليد عن التعليل بلا جهة موجبة والاول متعين، فتكون الصحيحة من أدلة القول المنصور، و لعله لذلك لم يجعلها المحقق في المعتبر دليلا على القول بالتفصيل مع كونها بمنظر منه، فقال فان احتج الشيخ بالروايات الدالة على الرجوع ما لم يركع فالجواب عنه ان اصلها عبد الله بن عاصم، فهى في التحقيق رواية واحدة ويعارضها روايتنا وهى ارجح من وجوه: احدها ان محمد بن حمران أشهر في العدالة، والعلم، من عبد الله بن عاصم والاعدل مقدم " انتهى " ونسبة المحقق إلى الغفلة عن صحيحة زرارة كأنها غفلة. واما رواية عبد الله بن عاصم فهى منقولة من طريق الكليني إليه، وفى طريقه المعلى بن محمد الذى قال النجاشي فيه انه مضطرب الحديث والمذهب وكتبه قريبة وذكره العلامة في القسم الثاني من محكى الخلاصة، ووصفه باضطراب الحديث و


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 21، ح 1.

[ 218 ]

المذهب وعن ابن الغائرى يعرف حديثه وينكر ويروى عن الضعفاء، ويجوز ان يخرج شاهدا وعن الوجيزة انه ضعيف. نعم قد يقال انه شيخ اجازة وهو يغنيه عن التوثيق، ولاجله صحح حديثه بعضهم وفيه ان كونه شيخ اجازة غير ثابت. وغناء كل شيخ اجازة عن التوثيق ايضا غير ثابت ومن طريق الشيخ إليه تارة بسند فيه الحسن بن الحسين اللؤلوئى وقد ضعفه الصدوق واستثناء شيخه ابن الوليد من روايات محمد بن احمد بن يحيى، ونقل النجاشي استثناء ابن الوليد ثم قال: قال أبو العباس بن نوح: قد اصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن ابن الوليد في ذلك كله، وتبعه أبو جعفر بن بابويه على ذلك الا في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدرى ما رأيه فيه لانه كان على ظاهر العدالة والثقة. (اقول) يظهر من استثناء أبى العباس ان استثناء ابن الوليد انما هو لضعف في الرجال نفسهم، نعم وثقه النجاشي لكن سكت عند نقل عبارة ابن نوح ولعله لرضاه بما ذكره، وكيف كان يشكل الاتكال على توثيقه بعد تضعيف الصدوق وشيخه ظاهرا وابن نوح، واحتمال كون تضعيف الصدوق للاتباع عن ابن الوليد، وان كان قريبا لكن يؤيد ذلك بل يدل على ان ابن الوليد انما ضعف الرجال نفسهم، وهو مع تقدم عصره عن النجاشي وقول الصدوق فيه ما قال، لا يقصر عن قول النجاشي لو لم يقدم عليه واخرى بسند فيه القاسم بن محمد الجوهرى وهو واقف غير موثق. واما عبد الله بن عاصم فهو مهمل في كتب الرجال كما عن الوجيزة، ان عبد الله ابن عاصم غير مذكور في كتب الرجال لكن يظهر مما سننقل من كلام المحقق توثيقه " انتهى ". والعبارة المشار إليها هي ما في المعتبر في مسئلتنا هذه، قال وهى (أي رواية محمد بن حمران) أرجح من وجوه: احدها محمد بن حمران أشهر في العدالة والعلم من عبد الله بن عاصم والاعدل مقدم " انتهى " لكن المحقق لم يوثقه بنفسه ولم يعد له بل يظهر منه أشهريه عدالته من ابن حمران

[ 219 ]

وهى شهرة منقولة بعدالته على اشكال لا وثاقته وحجية مثلها مع اهمال الرجل في كتب الرجال المعدة لذلك محل اشكال بل منع، سيما مع كون الوثاقة غير العلم والعدالة. والانصاف ان الركون على مثل هذه الرواية مع ما عرفت مع الغض عن ساير الروايات مشكل بل غير جايز، نعم مع الغض عن سندها لا اشكال في دلالتها على مذهب المفصل، لكن بازائها مضافا إلى صحيحة زرارة المتقدمة بالتقريب المتقدم صحيحة اخرى عنه وعن محمد بن مسلم " قال: قلت في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلوة فتيمم وصلى ركعتين ثم اصاب الماء أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثم يصلى؟ قال: لا ولكنه يمضى في صلوته ولا ينقضهما لمكان انه دخلها وهو على طهر بيتمم (1) تدل على ان تمام العلة لعدم النقض والمضى دخوله فيها وهو على طهر بتيمم وحمل الدخول فيها على الدخول في الركوع وتقييد التعليل بالدخول فيه طرحها في الحقيقة لا الجمع بينها وبين رواية عبد الله على فرض تسليم سندها، فان معنى دخلها أي شرع فيها ولا يكون صادقا على الدخول في الركوع، ومطلقا بلا للتقييد لوضوح الفرق بين هذا التعبير وبين أن يقال انه داخل في الصلوة، فان الاول لا يصدق الا على اول الجزء وحال الشروع بخلاف الثاني. ورواية محمد بن حمران عن أبى عبد الله عليه السلام (2) التى لا يبعدان تكون صحيحة لقرب احتمال ان يكون محمد بن سماعة الواقع في سندها هو الحضرمي الثقة لقيام شواهد عليه كما يظهر من ترجمته وترجمة ابنه جعفر بن محمد بن سماعة، وقرب احتمال أن يكون محمد بن حمران هو النهدي الثقة بقرينة رواية محمد بن سماعة عنه ولو كان ابن اعين يكون ممدوحا لكونه من مشايخ ابن ابى عمير، لحديث في المجلس الثاني من مجالس الصدوق ان محمد بن أبى عمير قال: حدثنى جماعة من


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 21: ح 4. (2) الوسائل ابواب التيمم، ب 21 - ح 3

[ 220 ]

مشايخنا. وعد منهم محمد بن حمران تأمل، ويشهد بكونه النهدي قول المحقق انه اشهر في العلم والعدالة من عبد الله بن عاصم ومن كان كذلك هو النهدي. " قال: قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلوة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلوة قال يمضى في الصلوة، واعلم انه ليس ينبغى لاحد ان يتيمم الا في آخر الوقت " وهى كالنص في ان الاتيان بالماء في اول الشروع في الصلوة لقوله " حين يدخل " فان حين الدخول اول وقته، فإذا اضيف إلى فعل المضارع صار كالنص فيه، وإذا اضيف إلى ذلك اعادته بعد قوله " ثم دخل في الصلوة " مع عدم الاحتياج إلى التكراران كان المراد مطلق الدخول، يؤكد ذلك لان الظاهر انه لافادة زائدة و هي بيان ان الاتيان به انما هو في اول الشروع فيها. وحملها على بعد الدخول في الركوع طرح لها جزما لا جمع بينهما وبين رواية عبد الله، ولهذا قال المحقق في مقام ترجيحها على رواية عبد الله ان مع العمل برواية محمد يمكن العمل برواية عبد الله بالتنزيل على الاستحباب، ولو عمل بروايته لم يكن لرواية محمد محمل " انتهى "، مع ان حمل المطلق على المقيد من أوضح المحامل عندهم. والانصاف ان الجمع بين الروايات بحمل الامر بالمضي قبل الركوع على الاستحباب متعين لا غبار فيه ولم نترقب من المحقق صاحب الجواهر ارتكاب ما ارتكبه في هذه المسألة الواضحة المأخذ بما لا ينقضى العجب منه من التمسك بما لا ينبغى التمسك به، وحمل الروايات بما لا ينبغى الحمل عليه مما يطول الكلام لو تعرضنا لموارد النظر في كلامه، وأجب منه انه خالف المشهور مع تصديقه بتحصيل الشهرة مع ان بنائه على اتباعها وارتكاب التأويل في الادلة المخالفة لها كيف كانت، وفى المقام خالفها و ارتكب التأويلات الغريبة في ادلتها الظاهرة الدلالة على المذهب المشهور فراجع ثم انه حكى عن التذكرة استحباب الاستيناف مطلقا ولعله لرواية الصيقل " قال قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل تيمم ثم قام يصل فمر به نهر وقد صلى ركعة قال فليغتسل و

[ 221 ]

ليستقبل الصلوة، قلت: انه قد صلى صلوته كلها قال لا يعيد " (1) بل يمكن ان يقال باستحباب الاعادة مطلقا حتى بعد الصلوة لصحيحة عبد الله بن سنان (2) المتقدمة الامرة بالاعادة بعد الصلوة إذا امن البرد، ويحتمل أن تكون للاستحباب مراتب بحسب حالات قبل الركوع وبعده وبعد الصلوة. وربما يقال بالتنافى بين رواية الصيقل وما دلت على وجوب المضى خصوصا ما فصلت بين قبل الركوع وبعده، ودعوى قصور الاخبار عن افادة وجوب المضى لكون الاوامر فيها في مقام توهم الحظر غير مسموعة بعد مغروسية حرمة قطع الصلوة، وكون النقض منافيا لا حترامها في اذهان المتشرعة. وفيه ان الاوامر الواردة في ذلك المضمار لا يستفاد منها الا الارشاد إلى صحة العمل، ولهذا لا يجوز التمسك بمثلها على حرمة القطع كما ترى معروفية عدم الدليل على حرمته الا الاجماع، مع ان أمثال هذه الروايات كثيرة، وليس ذلك الا لعدم دلالتها على وجوب المضى. فمع ارشاديتها إلى صحة العمل وعدم انتقاض التيمم لا مانع من الجمع بينها وبين الامر بالاعادة بحمله على الاستحباب، ودعوى مغروسية حرمة القطع في اذهان المتشرعة في زمان صدور الروايات بل مطلقا، غير ثابته خصوصا في مثل المقام الذى يمكن أن يقال فيه بارتكازية وجوب الاستيناف لكون التيمم طهارة اضطرارية، ولو لا ضعف الرواية وعدم امكان التشبث بالتسامح في ادلة السنن في مثل المقام الذى هو مظنة الاجماع على حرمة القطع لكان القول بالاستحباب غير بعيد، الا أن ينكر الاجماع بدعوى ان القدر المتيقن منه في غير مثل المورد لكن الاحوط عدم القطع. واما توهم التنافى بين استحباب الانصراف قبل الركوع وبقاء التيمم مع عدم العذر ووجدان الماء ففى غاية السقوط بعد وجود الادلة الصحيحة المعمول عليها. ثم انه هل يختص الحكم بصحة الصلوة مع الدخول فيها بتيمم بالفرائض اليومية أو


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 21، ح 6 (2) الوسائل ابواب التيمم ب 14، ح 2.

[ 222 ]

يعم مطلق الفرائض أو يعم النوافل أو يعم مطلق المركبات المشروطة بالطهارة، قد يقال بالاول لاختصاص الادلة بها وانصرافها إليها، وفى غيرها يرجع إلى ادلة نقض التيمم بوجدان الماء وفى مقابله احتمال التعميم إلى مطلق المركبات، بدعوى اقتضاء التعليل الوارد في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ذلك (1) فانه يظهر من قوله " لمكان انه دخلها وهو على طهر بيتمم " ان تمام العلة لعدم النقض والمضى هو وجدان الطهور حال الدخول في العمل من غير دخالة لكونه صلوة فريضة، بل ولا لكونه صلوة فكما يعمم العرف من قوله: لا تشرب الخمر لانه مسكر الحكم إلى كل مسكر ولو لم يكن خمرا، ولا يعتنى بالمورد ولا بالضمير الراجع إليه كذلك في المقام، يستفاد من التعليل ان الدخول بتيمم في كل عمل مشروط بالطهارة يقتضى عدم النقض، وصحة العمل وبقاء الطهور من غير اعتناء إلى الضمير الراجع إلى الفريضة أو إلى الصلوة، فانه لو كان لها دخالة فيه لما علل بالدخول وهو على طهر بتيمم بل كان المناسب التعليل بحرمة القطع ونظائرها. وبالجملة هذه الجملة المعللة كاشباهها تدل على عموم الحكم ويلغى المورد وخصوصية الضمير الراجع إليه، ومما ذكرنا يظهر التقريب في تعليل الصحيحة الاخرى لزرارة (2) وهو قوله: " فان التيمم احد الطهورين " فان مقتضاه وان كان الصحة لو تيمم صحيحا ولو كان قبل الدخول لكن يرفع اليد عنه بالنسبة إلى قبل الدخول بالروايات الدالة على نقضه إذا وجد الماء، فان الظاهر أو المتيقن منها هو النقض قبل الدخول في الصلوة ولو كان فيها اطلاق يرفع اليد عنه بالروايات، المتقدمة، ومعه لا يمكن تعميم العلة حتى بالنسبة إلى قبل الدخول للزم طرح تلك الروايات، فيبقى العموم في غير موردها ويعمم إلى غير الصلوة بالتقريب المتقدم، فنتعدى إلى الطواف وغيره من غير احتياج إلى التمسك بالنبوي: " الطواف بالبيت صلوة " (3) حتى يستشكل في سنده ودلالته ايضا بدعوى عدم التنزيل من هذه الجهات. لكن مع ذلك لا يخلو التعميم بهذه السعة من اشكال لاحتمال عدم مساعدة العرف


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 21. ح 4. (2) الوسائل ابواب التيمم ب 23 ح 5 (3) المستدرك ابواب الطواف، ب 38، ح 2

[ 223 ]

للتعميم إلى غير الصلوة، وان كان إلى مطلق فريضة أو نافلة قريبا، بل دعوى انصراف جميع الروايات إلى الفرائض أو اليومية منها ممنوعة، ضرورة ان النوافل سيما الرواتب منها كانت معمولة في تلك الاعصار ولم تكن كاعصارنا مهجورة ينصرف عنها الاذهان، فمقتضى اطلاق الادلة عدم الفرق بين الفريضة والنافلة. ولو وجد الماء في اثناء الصلوة بمقدار يمكن معه الوضوء أو الغسل وفقد في الاثناء أو بعدها بلا مهلة فالاقرب بقاء الطهارة، وعدم الاحتياج إلى الاعادة، لعدم شمول الروايات الحاكمة بنقض الطهارة بوجدان الماء أو بالقدرة عليه لذلك، فان المراد منهما ليس مطلق الوجدان والقدرة عليه ولذا لو وجدو كان مغصوبا لا ينتقض به بلا ريب بل المراد ما يمكن رفع الاحتياج به شرعا وعقلا فينسلك المورد فيما دلت على جواز اتيان الصلوات المتعدد بتيمم واحد، ولو نوقش فيه يكفى الاصل بعد حصول الطهور والشك في النقض بعد قصور ادلته. السادس قالوا المتيمم يستبيح له ما يستبيحه المتهطر بالماء والكلام فيه يقع في مقامين: (احدهما) انه لو تيمم لغاية جاز لاجلها التيمم يباح له جميع ما يباح للمتطهر، فلو تيمم لصلوة فريضة جاز له فعل النافلة ومس الكتاب والاجتياز عن المسجدين واللبث في غيرهما وقرائة العزائم إلى غير ذلك، وخالف في ذلك فخر المحققين. والتحقيق ان الخلاف في هذه المسألة انما يأتي بناء على كون التيمم مبيحا أو بناء على اعتبارية الطهور على فرض كونه رافعا، لامكان أن يقال على الفرض الاول انه مبيح بالنسبة إلى غاية دون غاية اخرى، وعلى الثاني انه اعتبرت الطهورية كذلك بالنسبة إلى غاية دون اخرى. واما على القول بالرفع وكونه طهورا وكون الطهور امرا واقعيا كشف عنه الشارع ككون الحدث قذارة معنوية كشف عنها، فلا مجال للنزاع لعدم تعقل كون العاجز المتيمم طاهرا من الجنابة أو الحدث الاصغر بالنسبة إلى عمل وجنبا ومحدثا بالاصغر

[ 224 ]

بالنسبة إلى آخر، فهذا النزاع انما يتمشى بعد الفراغ عن مبيحية التيمم ولما فرغنا عن كونه طهورا ورافعا كما مر فلا يبقى وجه لذلك لضعف احتمال اعتبارية الطهور. ثم انه على فرض المبيحية ايضا الاقوى ما عليه المشهور لادلة البدليه والمنزلة، ولو نوقش في اطلاق بعضها فلا مجال للتشكيك بالنسبة إلى جميعها كذيل الاية الكريمة فانها وان وردت في الصلوة لكن يظهر منها بأتم ظهور انه طهور، ولاجل طهوريته امر الشارع به للصلوة، فمع حصول الطهور يجوز معه الاتيان بكل ما يشترط فيه الطهور و يحتاج إليه. والقائل بعدم حصول الطهور كما هو المفروض، لا محالة يقول في الاية انه بمنزلته، فيفهم منه عموم المنزلة، لان الذيل بمنزلة التعليل، وكأنه قال على هذا المسلك: لما كان التيمم بمنزلة الطهور تيمموا. وكالروايات المتواترة لقوله صلى الله عليه وآله في المستفيضة (1) " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا " وقوله عليه السلام: " هو بمنزلة الماء " وقوله عليه السلام " ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " وقوله صلى الله عليه وآله " يكفيك عشر سنين " وقوله عليه السلام: " ان رب الماء ورب الارض واحد " و " انه أحد الطهورين " و " ان التيمم غسل المضطر ووضوئه " و " انه الوضوء التام الكامل في وقت الضرورة " إلى غير ذلك مما يعلم منها ان التيمم بمنزلة الوضوء والغسل في جميع ما لهما من الخواص والاثار. (المثام الثاني) انه هل يجوز التيمم لكل غاية أو مخصوص بغايات خاصة؟ يظهر من بعضهم عدم وجوبه الا للصلوة أولها وللخروج من المسجدين أو مع زيادة الطواف. وعن الفخران والده لا يجوز التيمم من الاكبر للطواف ومس كتابة القرآن وعنه ايضا عدم مشروعية التيمم لصوم الجنب والحائض والمستحاضة، ويظهر من المحقق الانصاري نوع تردد فيه، قال في صومه: لو لم يتمكن المكلف من الغسل فهل يجب عليه التيمم؟ فيه قولان من عموم المنزلة في صحيحة حماد هو بمنزلة الماء


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 23 - 24.

[ 225 ]

وفى الروايات هو أحد الطهورين. وهو مذهب المحقق والشهيد الثانيين خلافا للمحكى عن المنتهى ولعله من ان المانع هو حدث الجنابة والتيمم لا يرفعه، وهو طهور بمنزلة الماء في كل ما يجب فيه الغسل، لا ما توقف على رفع الجنابة، فالتيمم يجب في كل موضع يجب فيه الغسل، لا فيما يشترط بعدم الجنابة ويشعر به قوله في صحيحة ابن مسلم " فان انتظر ماء يسخن أو يستقى فطلع الفجر فلا شئ عليه " (1) حيث انه لم يأمر بالتيمم إلى أن قال: فالاحوط التيمم " انتهى ". وفيه (اولا) ما تقدم من ان التيمم رافع للجنابة في الموضوع الخاص، كما هو مقتضى الادلة وقد دفعنا الاشكال العقلي فيما مر، (وثانيا) لو فرض عدم رفعها فلا اشكال في ان مقتضى الادلة رفع مانعيتها، فهو لو لم يكن طهورا بمنزلته ويقوم مقامه في كل ماله من الاثار بمقتضى عموم المنزلة، وان شئت قلت: ان دليل عموم المنزلة حاكم على مادل على ان الجنابة مانعة أو رفعها شرط. واما صحيحة محمد بن مسلم فهى عن أحدهما في حديث " انه ساله عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان ثم ينام قال: ان استيقظ قبل أن يطلع الفجر فان انتظر ماء يسخن أو يستقى فطلع الفجر فلا يقضى صومه " فالظاهر انها بصدد بيان حكم آخر و هو حكم طلوع الفجر حال انتظار تسخين الماء أو استقائه لا لتكليفه عند ضيق الوقت فالسؤال انما هو عن طلوع الفجر فجأة، وهو غير مربوط بالمقام، كرواية اسماعيل ابن عيسى عن الرضا عليه السلام وفيها " قلت: رجل اصابته جنابة في آخر الليل فقام ليغتسل ولم يصب ماء فذهب يطلبه أو بعث من يأتيه بالماء فعسر عليه حتى أصبح كيف يصنع قال: يغتسل إذا جاء ثم يصلى " (2) فانها ايضا في مقام بيان حكم آخر لا يمكن الاسشهاد عليها بسكوته في مقام البيان، لصحة الصوم مع ترك التيمم عمدا كما لا يخفى ثم ان مقتضى اطلاق المنزلة وعمومها قيام التيمم مقام الوضوءات المستحبة حتى وضوء الحائض للذكر والاغسال المستحبة حتى غسل الجمعة، والاستشكال في الاول


(1 - 2) الوسائل ابواب ما يسمك عنه الصائم ب 14. ح 1 - 20

[ 226 ]

بانه غير رافع وفى الثاني بذلك ايضا، بدعوى انصراف الادلة إلى الرافع سيما بملاحظة ان الحكمة في شرع بعضها التنطيف مع سكوت روايات غسل الجمعة عن ذكر التيمم خصوصا الروايات المتعرضة لعدم التمكن من الغسل يوم الجمعة مع تعرضها لتقديمه و قضائه يوم السبت لعله في غير محله. اما دعوى الانصراف فغير وجيهة خصوصا مع حصول نحو طهارة لمطلق الوضوء بل الغسل كما ورد في رواية اصبغ " كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا اراد ان يوبخ الرجل يقول والله لانت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة فانه لا يزال في طهر إلى الجمعة الاخرى " (1) وفى روايات استحباب الغسل لدخول مكة (2) ما يشعر بذلك، بل الظاهر ان كلا من الغسل والوضوء مهية واحدة موجبة لنحو طهارة، وان كانت للطهارة مراتب، وكيف كان لا تتجه دعوى الانصراف. واما التأييد للانصراف بان الحكمة في شرع بعضها التنظيف، ففيه ان الظاهر من الروايات المشتملة على العلل ان الوضوء وغسل الجنابة وغسل الميت وغسل مسه للتنظيف ومعه لا يسوغ دعوى الانصراف. واما عدم التعرض له في الروايات الواردة في من لا يتمكن من الغسل، ففيه ان تلك الروايات واردة فيمن نسى الغسل يوم الجمعة وفوته، ولم أر فيها عاجلا فرض فقدان الماء الا في رواية واحدة، ولا يمكن رفع اليد عن اطلاق أدلة البدلية بمجرد عدم التعرض في رواية واحدة، واما روايات التقديم فلا تشعر على المقصود، لانه مع شرعيته لا تبقى للبدلية مجال تأمل، وكيف كان فالاقوى ما ذكرناه والاحوط الاتيان به رجاءا. السابع إذا اجتمع ميت وجنب ومحدث بالاصغر، ومعهم من الماء ما يكفى أحدهم، فان كان ملكا لاحدهم اختص به، ويحرم على غيره التصرف فيه من غير رضاه، فان كان المالك هو الميت تعين صرفه فيه لانه أولى بماء غسله من غيره حتى وارثه.


(1) الوسائل ابواب؟؟؟؟؟؟ ب 7، ح 2. (2) الوسائل ابواب مقدمات الطواف ب 6، ح 1.

[ 227 ]

وان كان لغيره فلا يبعد القول بجواز ايثاره على نفسه، لا لما قيل من عدم الدليل على وجوب حفظه حتى مع العلم بعدم الاصابة في مثل المورد، لان المتيقن من الادلة اللبية انما هو حرمة تفويت التكليف باراقة الماء ونحوه، مما يعد فرارا من التكليف، واما حرمة صرفه في مقاصده العقلائية التى من أهمها احترام موتاهم بتغسيلها فلا. وذلك لما عرفت في محله من دلالة الاية وغيرها على عدم جواز تعذير العبد نفسه، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين المقامات، ودعوى استفادة الحكم من الادلة المتفرقة في تجويز التيمم بخوف العطش ولو على الدواب، وفى مورد الدخول في الركية وغيرهما من الموارد في غير محلها، كما ان دعوى جواز صرف الماء في مطلق المقاصد العقلائية في غير محلها، بل لان العقل الحاكم في مقام الاطاعة وكيفيتها لا يرى ذلك مخالفة لامر المولى. توضيحه ان المولى إذا أمر عبيده بشئ كتنظيف بدنهم حين الورود على محضره بحيث يكون في تنظيف كل واحد منهم غرض الزامي ولم يوجد ماء كاف لجميعهم، ولم يكن حصول اغراض المولى لقصور الماء، ولم يكن في نظره فرق بين فعل النظافة منه ومن غيره، وتركها كذلك لا يعد العقل من آثر غيره على نفسه باعطائه مائه لا طاعة أمر المولى مخالفا لامره، بعد كون المولى واحدا والعبيد كلهم موظفين باطاعته وبالجملة بعد كون العبيد من مولى واحد وعملهم لتحصيل غرضه لا يفرق العقل في مقام المزاحمة وعدم امكان الجمع بين السقوط منه ومن غيره، بل لو آثر غيره على نفسه لوصوله إلى المثوبة يكون مأجورا للايثار. واوضح منه ما إذا كان الماء مباحا، فان التخلية بينه وبين غيره وايثاره على نفسه حسن عقلا، وليس مخالفا لامره بعد أن لا يكون غرضه الاهمال في أمره، و التوانى في اطاعته. وان شئت قلت: ان حال العبيد بالنسبة إلى اطاعة المولى الواحد في المزاحمة كعبد واحد بالنسبة إلى تكاليف متعددة متساوية في مقام المزاحمة، فكما يحكم

[ 228 ]

العقل بعدم الترجيح في الثاني يحكم بعدمه في الاول. وما ذكرناه وان أمكن أن يكون بيعدا من الاذهان ابتداءا لكن بالنظر والتأمل في الموالى العرفية والعبيد المأمورين بتحصيل أغراضهم يرفع الاستبعاد، ولا يبعد ان تكون الروايات الواردة في الباب وترجيح الجنب في مقام الدوران بين رفع الجنابة ورفع الحدث الاصغر وغسل الميت، وترجيح رفع الحدث الاصغر من جماعة ورفع الجنابة من واحد لاجل ما ذكرناه من اعتبار المكلفين، كأنهم شخص واحد مامور بتحصيل غرض المولى، والا فلا وجه للترجيح في التكاليف المتعددة والاشخاص المختلفة لعدم التعارض بينها الا باعتبار ما ذكر. تأمل. ففى صحيحة عبد الرحمن بن ابى نجران " انه سأل ابا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن ثلثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب والثانى ميت والثالث على غير وضوء وحضرت الصلوة ومعهم من الماء قدر ما يكفى أحدهم، من يأخذ الماء وكيف يصنعون؟ قال: يغتسل الجنب ويدفن الميت بتيمم، ويتيمم الذى هو على غير وضوء لان غسل الجنابة فريضة و غسل الميت سنة والتيمم للاخر جائز " (1). وقريب منها رواية الحسن بن النظر الارمني (2) الا ان فيها فرض ميت وجنب ورواية الحسن التفليسى (3) وفى ذيلها إذا اجتمعت سنة وفريضة بدء بالفرض، وفى موثقة أبى بصير " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة وليس معهم من الماء الا ما يكفى الجنب لغسله، يتوضأون هم هو أفضل أو يعطون الجنب فيغتسل وهم لا يتوضأون؟ فقال: يتوضأون هم ويتيمم الجنب " (4). والظاهر ان وقوع المزاحمة والترجيح بما ذكر انما هو لكون المولى واحدا والعبيد كأنهم واحد كما اشرنا إليه. تأمل.


(1 - 4) الوسائل ابواب التيمم، ب 18، ح 1 - 4 - 3 - 2

[ 229 ]

ثم ان مقتضى ترك الاستفصال في الروايات عدم الفرق بين كون الماء مشتركا بينهم أو مختصا باحدهم، كما ان الظاهر من التعليل هو كون الترجيح استحبابيا لا الزاميا كما يظهر من المحقق الاجماع عليه على تأمل، لكن العمل على الروايات إذا كان الميت مالكا مشكل، نعم لا يبعد جواز العمل إذا كان شريكا لعدم لزوم اعطاء الشريك مائه لتغسيله ومعه يكون مائه، مثل ما يفسد ليومه يجوز التصرف فيه وتقويمه أو يرجع إلى ورثته ويجواز لهم التبرع به لغسل الحنب، واما حمل الروايات على كون الماء مباحا اصليا فغير ممكن، ولا بأس بالعمل بموثقة أبى بصير بعد كون الترجيح استحبابيا، واما مرسلة محمد بن على (1) فمع ضعفها ومخالفته للمعتبرة وفتاوى الاصحاب لا يعول عليها. الثامن إذا تيمم الجنب بدلا من الغسل ثم أحدث بالاصغر فعن المشهور انه اعاد بدلا من الغسل ولا يتوضأ لو وجد ماء بقدر الوضوء، وعن السيد في شرح الرسالة ان المجنب إذا تيمم ثم أحدث حدثا أصغر ووجد ما يكفيه للوضوء توضأ لان حدثه الاول قد ارتفع و جاء ما يوجب الصغرى وقد وجد من الماء ما يكفيه لها فيجب عليه استعماله " انتهى " و أجابوا عنه بقيام الاجماع على ان التيمم ليس برافع بل هو مبيح والجنابة باقية، وزالت الاباحة بالحدث الاصغر فيجب عليه الغسل ومع فقد الماء التيمم بدله، ويظهر من الاستدلال وجوابه ان المسألة مبتنية على المسألة المتقدمة. ومع القول بالرافعية لا مجال للقول المشهور، ومع القول بالاستباحة لا مجال لقول السيد، ولكن الامر ليس كذلك لامكان القول بالرافعية إلى غاية حصول الحدث، وامكان القول بانه مبيح لا ترفع اباحته من حيث الجنابة بحدوث الاصغر، فلا بد من النظر في الادلة على كلا القولين. فنقول: ان مقتضى اطلاق أدلة التنزيل والبدلية كتابا وسنة قيام التيمم مقام الغسل والوضوء في جميع مالهما من الاثار سواء قلنا بطهوريته أولا.


(1) الوسائل ابواب التيمم، ب 18، ح 5.

[ 230 ]

اما على الاول فواضح، لان الطهور من الجنابة لا ينتقض الا بجنابة جديدة، نعم لو قام دليل خاص على انتقاضه بالحدث الاصغر لالتزمنا بكونه طهورا إلى غاية، والا فمقتضى اطلاق الادلة طهوريته مطلقا وانما قلنا بكونه طهورا للعاجز لقيام الدليل على الاغتسال بعد رفع العجز كما تقدم. واما على الاستباحة فلان غاية ما نرفع اليد عن اطلاق الادلة وتنزيل التراب منزلة الماء بناء على قيام دليل عقلي أو غيره على عدم الرفع، هو عدم قيامه مقامه في الرافعية فيكون الدليل الخارجي قرينة على ان المراد بقوله هو احد الطهورين هو أحد الطهورين تنزيلا، أي بمنزلة الطهور، فيكون مقتضى الاطلاق انه طهور تعبدي تنزيلي في جميع الاثار، فنزل الشارع المقدس الجنابة منزلة العدم والتيمم منزلة الطهور والغسل، فكما ان الغسل والطهور من الجنابة لا ينتقض بالاصغر، كذلك ما هو بمنزلته بل هو هو في عالم التنزيل، فلا بد من قيام دليل على ذلك حتى ترفع اليد عن الادلة. واما انكار اطلاقها بدعوى اأدلة التنزيل ناظرة إلى التنزيل في أصل التحقق لا في الناقض، فيمكن أن يكون البول مثلا ناقضا ولا اطلاق لها لرفع هذا الشك، ففيه أنه ان كان المراد ان مفادها حصول الطهور أو ما هو بمنزلته مطلقا للفاقد، ويكون البول موجبا لحدوث جنابة جديدة فهو مخالف للضرورة والادلة، فلا بد من الالتزام بحصول الطهارة لموضوع خاص، مثل من لم يحدث أو إلى أمد خاص أي إلى حين الحدث فيرجع إلى التقييد في موضوع الادلة الدالة على انه طهور كما لا يخفى. وقد يقال: لا يبعد الالتزام بمقالة المشهور حتى مع القول بطهورية التيمم، بدعوى ان الطهور الذى هو شرط في الصلوة صفة وجودية، والحدث ايضا قذارة معنوية، فنلتزم بعدم المضادة بين الوصفين ذاتا، بل التنافى بين أثريهما، كما ان المسلوس طاهر و محدث حقيقة، وغسل الجنابة رافع لحدث الجنابة ومفيد للطهارة التى هي شرط الصلوة، واما التيمم فانما يقوم مقام الغسل والوضوء في الطهورية المسوغة لاستباحة الغايات، أي المجامعة مع المانع لا بصفة المانعية، واما كونه بمنزلتهما في ازالة ذات المانع

[ 231 ]

فالادلة قاصرة عن اثباته، اما مادل على انه طهور فواضح واما مادل على ان التراب بمنزلة الماء، فهو وان اقتضى عموم المنزلة، لكن العلم ببقاء الاثر في الجملة المقتضى لوجوب الغسل لدى القدرة موجب لصرف الذهن عن ارادة التشبيه في ازالة الذات انتهى ملخصا ثم تأمل وتردد وامر بالاحتياط. ولا يخفى ما فيه فانه مضافا إلى ان التضاد بين الصفتين ارتكازى بين المتشرعة، وان القطرات غير الاختيارية في المسلوس والمبطون ليست سببا للحدث بمقتضى الجمع بين الادلة كما حقق في محله، وان الحدث مانع للصلوة لا الطهارة شرط على الاقرب، وانما أمر بالطهارة لازالة الجنابة وساير الاحداث، وان يوهم شرطيتها بعض الادلة كقوله: " لا صلوة الا بطهور " لكن مع تذيله بقوله: " ويجزيك من الاستنجاء ثلثة أحجار " (1) يدفع التوهم كما اشرنا إليه، كما ان قوله تعالى: " وان كنتم جنبا فاطهروا " ظاهر في ان الامر بالاغتسال لازالة الجنابة: ان انكار دلالة الادلة على ازالة ذات المانع في غير محله. اما الاية الكريمة فمع تصديرها بقوله: " وان كنتم جنبا فاطهروا " الذى هو كالنص في ان الغسل مزيل للجنابة ورافع له، وليس ذلك الا للتضاد بين الوصفين، تكون ظاهرة جدا في ان التيمم ايضا رافع عند فقدان الماء، لما تقدم مرارا من استفادة عموم التنزيل منها، ولو لم تكن مذيلة بقوله: " ولكن يريد الله ليطهركم " ومعه لا يبقى مجال تشكيك فيه. نعم لو كان الدليل العقلي المعروف بينهم تاما، لما كان بد من توجيهها وتوجيه ساير الادلة التى هي كالنص في الطهورية، ولعل اعراض القوم عن هذا الظاهر والتزامهم بالاستباحة لاجلي المانع العقلي، كما هو المعول عليه من زمن شيخ الطائفة رضى الله عنه، وبعدما تقدم من تصوير الرافعية من غير لزوم اشكال عقلي لا يبقى مجال لرد الادلة. والعجب من دعوى وضوح عدم دلالة مثل قوله: " التيمم احد الطهورين " وان لله * هامش) * (1) مرت في صفحة 133

[ 232 ]

جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهور " (1) على كونه مزيلا لذات الجنابة، مع ان صرف مثل تلك الاخبار عن الدلالة على ازالة قذارة الجنابة كما هو شأن الماء إلى كونه في حكمها كالطرح للادلة بلا موجب، ودلالة هذه الطائفة أو ضح بمراتب من دلالة قوله: " هو بمنزلة الماء " (2) كما لا يخفى بأدنى تأمل، فالادلة على المقصود. ولو قلنا بمقالة المشهور في مسألة الاستباحة والرفع. نعم هنا بعض الروايات استدل بها للقول المشهور مما لا داعى لنقلها والجواب عنها بعد وضوح عدم دلالتها. ثم لو فرض قصور ادلة التنزيل عن اثبات الحكم فقد يقال بان مقتضى القاعدة الاحتياط، لكون الشك في المكلف به فيجب بعد الحدث الجمع بين التيمم بدلا من الغسل وبين الوضوء أو التيمم بدله. وفيه ان المرجع بعد الشك إلى استصحاب بقاء الطهور الحقيقي أو التنزيلى، ومعه ينقح موضوع الادلة الاجتهادية المستفاد منها بعد الجمع والتخصيص، ان الطاهر من الجنابة إذا أحدث بالصغرى يجب عليه الوضوء. ولا يعارضة استصحاب عدم مشروعية الوضوء قبل التيمم، لان الشك في المشروعية وعدمها ناش عن بقاء الطهارة وعدمه، واستصحاب بقائها المنقح لموضوع الادلة الاجتهادية حاكم عليه. هذا فيما إذا قلنا بحصول الطهارة حقيقه واضح، وكذا إذا قلنا بالاستباحة لان القائل بها لا يمكنه رفع اليد عن ظاهر الادلة المتواترة الا بما دل دليل عقلي أو نقلى على خلافه فمع قيامه على عدم حصول الطهارة واقعا تحمل الادلة على حصول التنزيلية منها، فيكون معنى قوله: " التراب أحد الطهورين " انه احدهما حكما، لكن بلسان تحقق الموضوع وهو من أوضح موارد الحكومة، فكما ان قوله: " التراب طهور " حاكم على مثل " لا صلوة الا بطهور " ولو قلنا بان الطهور تنزيلي، كذلك استصحابه به ينقح موضوع الادلة


(1) الوسائل ابواب التيمم ب 23 - 24 (2) مرت في صفحة 128

[ 233 ]

الاجتهادية الحاكمة على ان الحدث الاصغر لغير الجنب موجب للوضوء، فلا اشكال في المسألة سواء قلنا بالرافعية كما هو الاقوى أو بالاستباحة. التاسع لا اشكال نصا وفتوى في انتقاض التيمم مع التمكن من استعمال الماء و عدم العذر منه شرعا وعقلا، ومع فقده بعد ذلك افتقر إلى تجديده، كما لا اشكال في عدم انتقاضه بخروج الوقت ولا باتيان الصلوة. فما عن الشافعي من اختصاص أثر التيمم بصلوة واحدة ضعيف، كما لا يعول على رواية السكوني المخالفة للروايات وفتوى الاصحاب وانما الكلام في بعض الفروع. منها: لو تيممت الحائض أو المستحاضة تيممين بدلا من الغسل والوضوء، فوجدت ماءا يكفى لواحد منهما لا كليهما، فلا يخلوا ما ان تعلم بأهمية أحدهما المعين المعلوم كالغسل أهمية الزامية أو تحتمل ذلك أو تعلم بأهمية أحدهما المعين واقعا ولا تعرفه أو تحتمل ذلك أو تعلم بتساويهما. فعلى الاول ينتقض ما هو بدل الاهم لحصول التمكن من استعمال الماء له، ولا ينتقض بدل المهم للعذر عن استعماله له. وعلى الثاني ينتقض محتمل الاهمية بناء على انتقاضهما مع التساوى كما يأتي للعلم التفصيلي بانتقاضه، اما لكونه أهم فيختص بالانتقاض أو لتساويهما فينتقضان والاخر محتمل الانتقاض فيستصحب بقائه. وعلى الثالث والرابع يحصل العلم بانتقاض أحدهما وبقاء أحدهما، فيجب عليها التيممان لو قلنا باختلاف كيفيتهما، وتكتفي بواحد بقصد ما في الذمة لو قلنا باتحادهما كيفية كما هو الاقوى، وكذا مع احتمال الاهمية في كل واحد منهما، ومع احراز تساويهما ينتقض التيممان لكونها قادرة على كل واحد من الغسل والوضوء، وان لم تكن قادرة على الجمع، والقدرة عليه ليست موضوعة للحكم، بل القدرة على كل واحد موجبة لانتقاضه، وهى حاصلة وهذا بوجه نظير باب المتزاحمين حيث قلنا بانه لو ترك المكلف انقاذ الغريقين يستحق العقوبة على ترك كل منهما للقدرة على انقاذه، وان

[ 234 ]

لم يقدر على الجمع وهو ليس بمأمور به. ثم انه قد يقال مع احراز أهمية الغسل لو توضأت صح وضوئها لقاعدة الترتب ومقتضاها انتقاض ما هو بدل من الوضوء ايضا على تقدير ترك الغسل، ولو اتلفت الماء انتقض التيممان. وفيه مضافا إلى ما حررنا في محله من بطلان الترتب ان انتقاض التيمم في المقام نصا وفتوى متوقف على القدرة الفعلية على استعمال الماء للوضوء وعدم محذور فيه، وهى لم تحصل الا باستعمال مقدار من الماء للوضوء أو غيره أو اتلاف مقدار منه، بحيث خرجت البقية عن امكان الاغتسال بها، فح لو استعملت الماء لغير الوضوء أو أتلفته ثم توضأت بالبقية صح وضوئها، لكن هذا الفرض خارج عن محط الكلام. واما لو استعملت في الوضوء فما لم يخرج الماء عن امكان الاغتسال به لم ينتقض تيممها، لكونها غير قادرة على استعماله في الوضوء لبقاء العذر. ولزوم تقديم الاهم، و إذا تعذر بالاستعمال كما لو تعذر بعد غسل وجهها للوضوء انتقض تيممها، فلا يمكن أن يقع ذلك الوضوء صحيحا لحصول الانتقاض بعد غسل الوجه وصيرورتها محدثة بين الوضوء نظير حدوث الحدث بينه. وبالجملة انتقاض التيمم حصل بالوضوء وفى اثنائه فلا يقع صحيحا، وذلك من غير فرق بين القول برافعية التيمم حقيقه أو حكما كما لا يخفى وجهه بالتأمل. ثم ان اتلاف الماء لا يوجب انتقاض التيمم بدل الوضوء الا أن يكون تدريجيا بحيث تقدر على الوضوء بعد سلب قدرتها عن الغسل، واما لو أتلفته دفعة فلا موجب لانتقاض بدل الاصغر بعد فرض أهمية الاكبر، لانها قبل التلف لم تكن قادرة على استعماله في الوضوء، وبالتلف تسلب القدرة عنهما دفعة، فلا وجه لا نتقاض ما هو بدل الاصغر فاطلاق القول بانتقاضهما بالاتلاف محل اشكال ومنع. وقد يقال في فرض عدم الاهمية انهما ينتقضان ان تركت استعماله فيهما إلى أن يمضى زمان تتمكن فيه من فعل كل من الطهارتين لقدرتها على كل منهما على تقدير ترك

[ 235 ]

الاخر، وقد تحقق التقدير في الفرض واما على تقدير استعماله في احدهما فالظاهر عدم انتقاض ما هو بدل من الاخر لعدم قدرتها على الاتيان بمبدله على تقدير صرف الماء فيما استعملت بمقتضى تكليفها. وفيه ان مضى الزمان بمقدار العمل لادخالة له في قدرتها، بل هي حاصلة في اول زمان وجدان الماء الجايز الاستعمال شرعا وعقلا، فان القدرة على كل منهما ليست معلقة على ترك الآخر، بل فعله رافع للقدرة لاجل المزاحمة عقلا بينهما، فالقدرة قبل الاشتغال بالعملين حاصلة بالنسبة إلى كل من العملين، وبالاشتغال باحدهما ترفع عن الآخر مادام الاشتغال أو مع نقصان الماء بالاستعمال. ومنه يظهر النظر في كلامه الاخير أي عدم الانتقاض على تقدير الاستعمال في صاحبه، لان القدرة كانت حاصلة لكل منهما قبل الاشتغال بالاخر، ولا يشترط في الانتقاض الا ذلك، فالاقوى انتقاضهما بمجرد الوجدان والقدرة على الاستعمال قبل الاشتغال بأحدهما ولا تأثير للاشتغال به في عدم الانتقاض. والعجب ان القائل بالتفصيل في هذا الفرع لم يفصل في الفرع الاخر، فقال لو وجد جماعة ماءا يباح لهم لتصرف فيه، فان تمكن كل منهم من التصرف فيه على وجه سائغ من غير ان يزاحمة غيره انتقض تيمم الجميع والا انتقض تيمم المتمكن خاصة " انتهى ". وكان عليه التفصيل المتقدم من مضى زمان بمقدار العمل مع تركهم الاستعمال ومع استعمال أحدهم حين الوجدان يلتزم بعدم الانتقاض، الا ان يقال ان مراده ذلك ولم يصرح به لا يكاله على الوضوح بعد بيان الفرع المتقدم فيرد عليه ما تقدم. والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وقد وقع الفراغ من هذه الوجيزة في 11 شهر شعبان المعظم سنة 1376 .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية