الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخميني ج 1

كتاب الطهارة

السيد الخميني ج 1


[ 1 ]

كتاب الطهارة لمؤلفه العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني ادام الله ظله العالي جلد 1 ويشتمل هذا الجزء على مباحث الدماء الثلاثة

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والصلوة و السلام على رسوله وآله. وبعد لا زالت الحوزة العلمية المقدسة ببلدة (قم) المشرفة من بدء تأسيس أساسها وغرس فسيلها بيد بطل العلم والورع آية الله العظمى " الحاج الشيخ عبد - الكريم الحائري اليزدي " - رضوان الله عليه - إلى الآن تزداد سعة ونمية، و بهجة ونضارة، وتتكامل صورة ومعنى، وظاهرا وباطنا، حتى أصحبت أكبر معهد علمي للشيعة الامامية، وأسهل منهل لرواد سنم العلم الصافي، وأيسر مشرع لروام معين الفضيلة الخالدة، وكان هذا هو المتوقع، إذا اسست من أول يوم على التقوى، وبنيت على الاخلاص والصلاح، " شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها ". وقد قاست تلك الشجرة المباركة طيلة حياته حوادث صعبة جمة كادت أن تقلعها من أصلها فضلا عن أثمارها وأغصانها لولا ما ضمن الله تعالى من إحقاق الحق وحفظه وإنما ما حرث بالاخلاص لوجهه، وإرباء ما غرس لاصلاح أرضه وعمارة بلاده، فبالرغم على ما كان يأمله شرذمة شاردة، ويستهدفه أيادي خائنة، ربت و نمت وأنبتت وآتت اكلها بإذن الرب تبارك وتعالى. وقد كفل سقايتها وتعاهد حراستها امة عظيمة من رجالات العلم والفضيلة

[ 3 ]

وجهابذة الادب والفقاهة، بدراسات متوالية، وتعاليم متتابعة، فجاهدوا في إحياء الدين وإعلاء الكلمة الحقة ونشر علوم أهل البيت عليهم السلام، وكابدوا في سبيل ذلك كل ألم وتعب، وقاسوا كل عناء ونصب، ولم يخافوا في الله لومة لائم، وما وهنوا لما أصابهم في جنبه، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يؤيد بنصره من يشاء إن الله على كل شئ قدير. نعم، قد أثمرت تلك الشجرة، وينعت ثمارها، وحان قطافها، فلا يزال يبرز من الحوزة رجال عظماء، وأبطال كبراء، وأساتذة وزعماء، ينتشر في البلاد آثارهم، ويستفيد الناس من علومهم، ويستضئ الفضلاء بأنوارهم، ويستصبح المتعلمون بأضوائهم. وفي الرعيل الاول من اولئك العباقرة سماحة الاستاذ الاكبر، الحجة الفذ، الآية العظمى " الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني " - أطال الله بقاءه وأدام على رؤوسنا ظلاله - فقد طال ما ينتفع الطلاب من دروسه الراقية، وأفكاره العميقة، وآرائه القيمة، جزاالله عنا خير الجزاء. ومما تفضل الاستاذ علينا بإلقائه دروس عالية في الفقه آخذا على طريقة الاصحاب من كتاب الطهارة، وقد كتب بقلمه الشريف جل ما أفاد، ثم من علينا بإجابة مسؤولنا الذي لم نزل نكرر عليه التماسه، فأجاز لنا أن نقدم في طبعه و نشره، حتى يكون الانتفاع به أشمل وأعم، والاستفادة منه أكمل وأتم. ونحن بعون الله تعالى نبذل غاية جهدنا في تنميق طبع هذا السفر القيم والاثر الفخم، ونبلغ جهيدانا في تصحيحه وتخريج رواياته، رجاء أن يبدو للقراء الكرام بصورة بهية رائقة، وطبعة رشيقة رائعة، وإن كان خروج الكتاب خاليا عن الاغلاط ربما يعد من الآمال التي لا يرجى تحققها! إلا أن ترك السعي في ذلك - و لاأقل من تقليل الخطأ - خطاء لا يقبل الاعتذار منه. نرجو من الله التوفيق لاتمام هذا الجزء وما يليه ولكل خير، والله المستعان. علي أكبر المسعودي

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. وبعد فلما انتهى بحثنا في الدورة الفقهية إلى الدماء الثلاثة أحببت أن افرز رسالة فيها حاوية لمهمات مسائلها. وفيها مقاصد: المقصد الاول في الحيض والبحث في أطراف معناه اللغوي غير مهم، ويشبه أن يكون دم الحيض ما تقذفه الرحم حال استقامتها واستقامة مزاج المرأة، ودم الاستحاضة ما تقذفه حال الانحراف لضعف أو مرض أو غيرهما. ولما كانت النساء نوعا في حال الاستقامة و السلامة لا يقذفن الدم أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة، ونوعهن لا تقذف أرحامهن قبل البلوغ وبعد اليأس وخلاف ذلك من شذوذ الطبيعة ونوادرها تصرف

[ 5 ]

الشارع المقدس في الموضوع، وحدده بحدود، لاحظا فيه حال النوع الغالب، و إلحاقا للشواذ والنوادر بالعدم. فلو رأت المرأة قبل سن البلوغ ما تراه البالغات منظمة مرتبة في كل شهر ثلاثة أو خمسة مثلا بحيث علم أنه الدم المعهود الذي تقذفه الرحم بحسب العادة، أو رأت بعد الخمسين في عادتها كما رأت قبل الخمسين بحيث علم أنه هو الدم المعهود الذي كانت تقذفه رحمها قبل زمان يأسها لم يحكم بالحيضية، لا لاجل أنه ليس بحيض - أي الدم الذي تقذفه الرحم في حال استقامتها واعتدالها - بل لاسقاط الشارع شواذ الطبيعة ونوادرها عن الحكم الذي لغالب النسوة ونوعهن. وكذا الحال في ما إذا رأت يومين أو أكثر من عشرة أيام مع فرض كون الرحم في حال السلامة، والدم المقذوف هو الدم المعهود الذي تقذفه الارحام. وما ذكرنا هو الاقرب لفتاوى الاصحاب - رحمهم الله - والاخبار الكثيرة في الباب، مع عدم مخالفته للوجدان والضرورة، فإن الالتزام بأن الدم إلى الدقيقة الاخيرة من اليوم العاشر يكون حيضا ويكون مجراه مجرى خاصا ثم ينسد دفعة ذلك المجرى وينفتح عرق آخر هو عرق العاذل ويخرج منه دم الاستحاضة كأنه مخالف للضرورة، وكذا حال الدم إلى الدقيقة الاخيرة من عادتها لمن استمر بها الدم، وكذا الاشباه والنظائر. وبعض الروايات التي يتراءى منها أن مجراهما مختلفان كرواية معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إن دم الاستحاضة والحيض ليس يخرجان من مكان واحد، إن دم الاستحاضة بارد وإن دم الحيض حار " (1) لابد من توجيهها بوجه لا يخالف الوجدان والضرورة، فكيف يمكن الالتزام بأن من استمر بها الدم وتكون ذات عادة يكون مجرى دمها إلى آن ما قبل العادة وآن ما بعدها غير مجراه في زمان العادة؟! وقد حكي عن العلامة أنه لو قيل بأن الدم بعد الخمسين من المرأة في زمن عادتها على ما كانت تراه قبل ذلك ليس بحيض كان تحكما لا يقبل. ولعل مراده أن


(1) الوسائل: كتاب الطهارة، ابواب الحيض، ب 3، ح 1.

[ 6 ]

الدم الكذائي ولو كان حيضا ولا افتراق بينه وبين الدم قبل الخمسين لكن الشارع مع ذلك أسقط حكمه، وهو يوافق ما ذكرناه نتيجة تأمل. فتحصل مما ذكرنا أن الشرع حدد الدم في موارد، فما كان خارجا عن الحدود التي جعلت للحيض ولو كان في الواقع حيضا لا يكون محكوما بحكمه. فما أفاده المحقق الخراساني من تقريب خلاف ذلك وحمل أخبار الحدود على مورد الاشتباه، لبعد عدم ترتب أحكام الحيض شرعا على ما علم أنه حيض واقعا، مؤيدا ببعض الروايات كموثقة سماعة ورواية إسحاق بن عمار، ومنكرا للاجماع استنادا إلى المحكي من المنتهى كما تقدم ذكره، لا يمكن مساعدته، وليت شعري أي بعد في الالتزام بجعل الشارع قسما خاصا من الدم موضوعا لحكمه على ما قربنا وجهه؟! وهل هذا إلا مثل تحديد السفر بثمانية فراسخ وغير ذلك من التحديدات الواقعة في الشرع؟ وهل يمكن مع هذا الاستبعاد رفع اليد عن الاجماع والاخبار بل ضرورة الفقه؟ وأما ما استند إليه من عبارة العلامة فغير واضح، فلعله ليس بصدد بيان كون دم الحيض بعد الخمسين أيضا موضوعا لحكمه بل مراده أنه مع كونه حيضا لا يترتب عليه حكمه. ولو كان مراده ذلك فلعله مبني على أن حد اليأس زائد من الخمسين بل إلى الستين، وأما بعد اليأس - وهو الستون على جميع الاقوال - فلا يلتزم أحد ببقاء حكم الحيض ولو كان الدم مثل ما رأت قبلها، كما أنه قبل البلوغ لم يذهب أحد منا إلى ترتب أحكام الحيض عليه، وكذا في الدم المرئي أقل من ثلاثة أو أكثر من عشرة مما نقل الاجماع عليهما كثير من الفقهاء. وعن الامالي في الحدين أنهما من دين الامامية الذي يجب الاقرار به. وأما الروايات التي استند إليها فلابد من توجيهها كما لعله يأتي من ذي قبل، أورد علمها إلى أهلها بعد مخالفتها للنصوص الكثيرة والاجماع بل ضرورة القفه، فالاخذ بالحدود الشرعية الواردة في الروايات لا محيص عنه، فتدبر.

[ 7 ]

ثم ههنا مطالب المطلب الاول إذا علمت المرأة أن دمها من أي أقسام الدم تعمل على طبق أحكامه، ومع الاشتباه فإما أن يشتبه دم الحيض بدم الاستحاضة، أو بدم البكارة، أو بدم القرحة أو بغيرها، وقد يكون الاشتباه ثلاثي الاطراف أو رباعيها، فيتم الكلام فيه برسم مسائل: المسألة الاولى وردت روايات بذكر أوصاف يشخص بها دم الحيض والاستحاضة كالحراة والسواد والخروج بالحرقة وكونه عبيطا بحرانيا وله دفع وإقبال إلى غيرها في أوصاف الحيض، والصفرة والبرودة والفساد والكدرة والادبار في الاستحاضة. فيقع الكلام في أن تلك الاوصاف هل هي أمارة تعبدية واحدة كالخاصة المركبة، أو أمارات مستقلة، أو ليست بأمارات رأسا بدعوى أن ظاهر الروايات أنها بصدد رفع اشتباه الحيض بالاستحاضة بذكر أوصافها التي تعهدها النساء، وأنه لا مجال معها للاشتباه لحصول القطع غالبا، وبالجملة هذه الاصاف وردت لرفع الاشتباه لا لجعل الامارة في موضوع الشبهة، أو يكون بين الاوصاف تفصيل: ففي غير إقبال الدم وإدباره يكون كما ذكر من عدم الا مارية بخلافهما بدعوى ظهور الاخبار في هذا التفصيل؟ وعلى فرض الا مارية هل تكون الامارة لتشخيص الحيض أو هو والاستحاضة مطلقا فيجب الاخذ بها في جميع موارد الشبهة إلا مادل الدليل على خلافه، أو تكون لتشخيصه عند اشتباهه بالاستحاضة مطلقا فلو اشتبه دم المبتدئة بينهما تكون الاوصاف أمارة، أو عند اشتباهه بها في موضوع أخص وهو عند استمرار الدم بها، ففي المثال المتقدم لا تكون أمارة؟ وجوه وأقوال. ثم إنه يقع كلام آخر في أن الاوصاف التي ذكرت للحيض أمارات على - الحيضية وكذا الاوصاف التي في الاستحاضة أمارات عليها، فجعل الشارع أمارتين: إحديهما للحيض، والاخرى للاستحاضة، أو تكون أوصاف الحيض أمارة دون

[ 8 ]

الاستحاضة، ثم عند فقد أمارة الحيض هل يكون استحاضة من غير جعل أمارة عليها أو لا يكون استحاضة أيضا فلابد أن تعمل مع فقد أمارة الحيضية على طبق العلم الاجمالي أو القواعد الاخر؟ ذهب المحقق الخراساني إلى التفصيل المتقدم، فأنكر الا مارية التعبدية في الاوصاف غير إقبال الدم وإدباره، وفيها ذهب إلى الا مارية التعبدية، وقال: " نعم، ظاهر المرسلة الطويلة جعل إقبال الدم وإدباره أمارة تعبدية على الحيض وعدمه، لكن الاقبال والادبار لادخل له بالاوصاف، بل العبرة بتغير الصفة التي كان عليها شدة وضعفا " انتهى. فلابد أولا من الكلام معه حتى يتضح الحال من هذه الجهة، ثم الكلام في سائر الجهات، فلا محيص إلا من ذكر الروايات والبحث في دلالتها: ففي صحيحة حفص بن البختري قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام امرأة، فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره. قال: فقال لها: إن دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلوة. قال: فخرجت وهي تقول: والله لو كان امرأة ما زاد على هذا. (1) ولا يخفى أن ظاهرها أن من لم تدر أن دمها حيض أو غيره فطريق تشخيصها هو هذه الاوصاف، وإنما الكلام في أن سوق الرواية بصدد بيان ما يرفع به الشبهة تكوينا وأنه مع هذه الاوصاف تقطع المرأة بأنه حيض، أو أنها أوصاف غالبية يحصل بها الظن النوعي بالموضوع وقد جعلها الشارع أمارة عند الاشتباه. وبعبارة اخرى: إنها بصدد رفع الشبهة تكوينا وإرشادها إلى آثار تقطع منها بالواقع أو بصدد رفع الشبهة تشريعا. الظاهر هو الثاني، لان هذه الاوصاف لا تكون من اللوازم العادية بحيث تقطع النساء غالبا لاجلها بالحيض، نعم يحصل لهن غالبا العلم به، لكن لا


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 2.

[ 9 ]

لاجل هذه الاوصاف، بل للعادة المستمرة لهن وعدم اعوجاج طبائعهن غالبا، ففي حال الاستقامة تعلم المرأة بقرائن غالبا أن ما تقذفة الرحم حيض، وأما لو استمر مثلا بها الدم أو حصلت شبهة اخرى لها فليس أن تقطع مع ذلك بالواقع لاجل تلك الصفات، ومع عدم حصول القطع وجدانا لا محيص عن كونها أمارة ظنية اعتبرها الشارع، نظير الشهوة والفتور والدفع في المني، مع أن تشخيص المني عادة أسهل للرجال من تشخيص الحيض عند الاشتباه للنساء. وبالجملة كون الرواية بصدد بيان أن هذه الاوصاف علامات يحصل بها القطع فلا معنى للسؤال، في غاية البعد. وفي مرسلة يونس موارد للدلالة على أن تغير لون الدم أمارة تعبدية، ففيها: ان فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي صلى الله عليه وآله فقالت: إني استحاض ولا أطهر، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: ليس ذلك بحيض إنما هو عزف، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة، وإذا أدبرت فاغسلي - إلى أن قال: - فهذا يبين أن هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها ولا وقتها، ألا تسمعها تقول: إني استحاض ولا أطهر؟ وكان أبي يقول: إنها استحيضت سبع سنين، ففي أقل من هذا تكون الريبة والاختلاط، فلهذا احتاجت إلى أن تعرف إقبال الدم من إدباره و تغير لونه من السواد إلى غير ذلك، وذلك أن دم الحيض أسود يعرف، ولو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم، لان السنة في الحيض أن تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في أيام الحيض - أذا عرفت - حيضا كله إن كان الدم أسود أو غير ذلك. فهذا يبين لك أن قليل الدم وكثيره أيام الحيض حيض كله إذا كانت الايام معلومة، فإذا جهلت الايام وعددها احتاجت إلى النظر حينئذ إلى إقبال الدم وإدباره وتغير لونه (1) - الحديث -. فإن الظاهر منها أن إقبال الدم وإدباره وتغير لونه أمارة تعبدية لتشخيصه وأنها إذا اختلط عليها أيامها ولم تعرف عددها ولا وقتها مما هي أمارة تعبدية اخرى احتاجت إلى أمارة دونها في الا مارية، وهي إقبال الدم وإدباره وتغير لونه


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 3.

[ 10 ]

من السواد إلى غير ذلك. فلا يكون تغير لون الدم أمارة قطعية على الحيض، وإلا لم يعقل تأخرها عن الرجوع إلى العادة المعلومة، مع أن أمارية العادة أيضا لا تكون قطعية، خصوصا مع حصولها بمرتين، وبالاخص في زمان اختلاط الدم والريبة كما هو المفروض. وبهذا يظهر أن المراد بقوله " إن دم الحيض أسود يعرف " ليس هو المعروفية الوجدانية القطعية بل الظنية التعبدية. ولهذا قال " ولو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم، لان السنة في الحيض - إلخ - " فإن الرجوع إلى معرفة لونه إذا كان بحسب احتياجها إليه وعند فقد ما يوصلها إلى معرفة الايام و لو تعبدا لا يعقل إلا أن يكون أمارة ظنية دون أمارية العادة. ويؤكد ذلك تعليله بأن السنة في الحيض أن تكون الصفرة في أيام الحيض حيضا. ومما يؤكد ما ذكرنا قوله عليه السلام في المرسلة " فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث لاتكاد تخلو من واحدة منهن: إن كانت لها أيام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيامها وخلقتها التي جرت عليها ليس فيها عدد معلومم موقت غير أيامها، فإن اختلطت الايام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم ألوانا فسنتها إقبال الدم وإدباره وتغير حالاته " حيث جعل تغير حالات الدم من السنن الثلاث التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله قبال السنتين الاخريين، ومعلوم أن الاخذ بتغير اللون لاجل التبعية عن السنة لا للعلم الوجداني بالموضوع، ولهذا تمسبك في ذيلها أيضا للرجوع إلى تغير دمها مع اختلاط الايام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله " إن دم الحيض أسود يعرف " ولو كان يحصل العلم بالحيض من لون الدم لم يعقل التشبث بالتعبد. وبالجملة لا يشك الناظر في المرسلة في أن تغير الدم ألوانا من الامارات التعبدية التي جعلها الشارع أمارة عند فقد أمارة هي أقوى في الا مارية منها. والعجب من المحقق الخراساني - رحمه الله - حيث اعترف بظهور المرسلة في أمارية إقبال الدم وإدباره وأنكر الا مارية في تغير اللون، مع أن الاقبال و الادبار ذكرا فيها مع تغير اللون بسياق واحد، ولا يمكن التفكيك بينهما.

[ 11 ]

ومما ذكرنا يظهر الحال في موثقة إسحاق بن جرير، قال: سألتنى امرأة أن ادخلها على أبي عبد الله عليه السلام فاستأذنت لها، فأذن لها فدخلت - إلى أن قال: - فقالت له: ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ قال: إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة. قالت: فإن الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة، كيف تصنع بالصلوة؟ قال: تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلوتين. قالت له: إن أيام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك، فما علمها به؟! قال: دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد. قال: فالتفتت إلى مولاتها فقالت: أترينه كانت امرأة مرة؟! (1) وهذه الموثقة عمدة ما تشبث بها لما ادعى من عدم إمكان كونها بصدد جعل أمارة تعبدية. وأنت خبير بأن المتعين فيها أيضا هو الحمل على جعل الامارة لا إرجاعها إلى ما تقطع بها بالحيض، ضرورة أن إرجاعها إلى الاوصاف المذكورة يكون بعد فقد أمارة تعبدية هي أيام حيضها، ومعه كيف يمكن أن يقال: إن تغير الاوصاف مما تقطع منه بالحيض؟ وكيف يمكن الارجاع أولا إلى أمارة ظنية ثم مع فقدها إلى ما يحصل به العلم؟! وأما التعبير بأنه ليس به خفاء وإن كان مشعرا بما ذكره، لكن مع ما ذكرنا ومع النظر إلى المرسلة المتقدمة لا ينبغي الشك في أن المراد أن تلك الاوصاف أمارات له ومعها لاخفاء به، وبعبارة اخرى: إن الموضوع الذي له أمارة من أوصافها وحالاتها لا يكون به خفاء. وأما قول المرأة " أترينه كان - إلخ - " فلا يدل على تصديقها بأن دم الحيض وجدانا كذلك، بل لا يبعد أن يكون تعجبها من ذكره أوصافا لا يطلع عليها إلا النساء، فإن الحرارة والحرقة مما لا يطلع عليهما إلا صاحبة الدم، فتعجبت من ذكر أبي عبد الله عليه السلام أوصاف الدم الذي يكون من النساء فقط. وهذا القول وإن كان


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 3.

[ 12 ]

ربما يستشعر منه ما ادعاه لكن لا يمكن معه رفع اليد عما هو كالنص في جعل الامارة بل بما ذكرنا يقطع المنصف بأمارية الاوصاف. ثم بعد البناء على الا مارية يقع الكلام في أنها أمارة مطلقة لتشخيص مطلق الدماء من الحيض وأن الحيض دائر مدار وجودها وعدمها في الثبوت التعبدي و اللاثبوت، أو أنها أمارة لتشخيص الحيض من الاستحاضة مطلقا، أو مع استمرار الدم، وجوه وأقوال أقربها أوسطها ثم الاخير. وأما الاول وهو الذي نسب إلى المدارك والحدائق والمستند فضعيف، اما اولا فلان تلك الاوصاف التي ذكرت للحيض لا تكون مختصة به وجدانا، خصوصا مع البناء على استفادة طريقية كل واحد منها مستقلا كما هو الاقوى، ضرورة أن نوع الدماء الخارجة من الانسان مع خلو طبيعته عن الانحراف والضعف والمرض يكون عبيطا حارا أحمر يضرب إلى السواد، بل كثير منها يكون له دفع، ويكون بحرانيا مقبلا، فلا تكون تلك الاوصاف من خواص دم الحيض بحيث تميزه عن سائر الدماء. واما دم الاستحاضة فهو بحسب النوع لما كان مقذوفا من الطبيعة المنحرفة بواسطة ضعف وفتور ومرض لا محالة يكون فاسدا باردا أصفر مدبرا غير دافع، فهذا الامر الوجداني يساعدنا في الاستفادة من الاخبار، وأن المنظور من ذكر الاوصاف ليس تمييز دم الحيض من سائر الدماء مع اشتراكها نوعا فيها، بل هذه الاوصاف المشتركة بين الحيض وغير الاستحاضة ذكرت في ما دار الامر بين الحيض و الاستحاضة لامتيازها عنه لا امتيازه عن غيرها. ولهذا لم تذكر هذه الاوصاف في دوران الامر بينه وبين العذرة وكذا بينه وبين القرحة، فحينئذ لو دار الامر بين الحيض وبين جريان الدم من شريان لانقطاعة لا تكون تلك الاوصاف معتبرة، فإن الضرورة حاكمة بأن دم الشريان أيضا طري عبيط له دفع وحرارة، ويكون أسود كدم الحيض بحسب النوع، ومعه كيف يمكن الذهاب إلى ما ذهب إليه الاعلام المتقدم ذكرهم. وأما ثانيا فلان سياق الروايات يشهد بأنها في مقام تشخيص الحيض عن

[ 13 ]

الاستحاضة لا غير، ألا ترى إلى صحيحة حفص بن البختري مع كون السؤال عن أنها لا تدري حيض هو أو غيره أجاب عن الحيض والاستحاضة وسكت عن غيرهما؟ وذلك لان نوع الاشتباه الحاصل للنساء إنما هو الاشتباه بين الدمين، وأما سائر الدماء فنادرة الوجود لا يكون السؤال والجواب محمولين عليها إلا بالتنصيص، فيكون محط الجواب والسؤال هو الاختلاط والاشتباه بين الدمين، فلا يمكن استفادة الامارة المطلقة لا من منطوقها ولا من مفهوم مثل رواية حفص، فدعوى دلالة السياق على مدعاهم في غاية السقوط، بل دعوى دلالته على تشخيص الدمين قريبة جدا. نعم، حمل الروايات على التشخيص بين الدمين في حال الاستمرار بحيث يكون التمييز بها لمستمرة الدم كما ذهب إليه الشيخ الاعظم بل نسب إلى المشهور غير وجيه ظاهرا، لان السؤال في صحيحة ابن البختري مثلا وإن كان عن مستمرة الدم لكن ظاهر الجواب هو ذكر الاوصاف التي لمهية دم الحيض في مقابل مهية دم الاستحاضة لا قسم خاص منه، فقوله عليه السلام بعد السؤال " إن دم الحيض حار عبيط.... ودم الاستحاضة أصفر بارد " ظاهر في أن هذه الاوصاف لطبيعة الدمين ومهيتهما لا لصنف خاص منهما، كما أن قوله عليه السلام في موثقة إسحاق " إن دم الحيض ليس به خفاء، وهو دم حار.... ودم الاستحاضة دم فاسد... يدل على ما ذكرنا، وحمله على صنف خاص بمجرد كون السؤال عنه بعيد، وقوله " فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلوة " متفرعا على قوله السابق في الصحيحة يؤيد ما ذكرنا. ويدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته، قال: أبو عبد الله عليه السلام: إن دم الاستحاضة والحيض ليس يخرجان من مكان واحد، إن دم الاستحاضة بارد، وإن دم الحيض حار " (1) ولا تكون هذه الرواية مسبوقة بالسؤال حتى يأتي فيها ما ذكر في غيرها، ولو سلم عدم الاستفادة مما سبق فلا مجال لرفع اليد عن ظهورها في أن وصف الحرارة لمطلق دم الحيض، ولا إشكال في كونها بصدد بيان تشخيص الدمين، ولا معنى للاهمال في هذا الحال، وغاية الامر في الروايات الاخر عدم الدلالة


(1) قد مرت الرواية بعينها.

[ 14 ]

لا الدلالة على العدم، مع أن عدم الدلالة ممنوع. نعم بقيت المرسلة الطويلة حيث يدعى دلالتها على أن الرجوع إلى الصفات ليس سنة المبتدئة، وأنه مختص بالمضطربة التي لها أيام متقدمة مغفول عنها، وأن المبتدئة التي لم تسبق بدم فسنتها الرجوع إلى الروايات. ففيها بعد ذكر السنتين من السنن الثلاث التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله: " قال: وأما السنة الثالثة ففي التي ليس لها أيام متقدمة ولم تر الدم قط ورأت أول ما أدركت فاستمر بها، فإن سنة هذه غير سنة الاولى والثانية، وذلك أن امرأة يقال لها " حمنة بنت جحش " أتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إني استحضت حيضة شديدة، فقال: احتشي كرسفا، فقالت: إنه أشد من ذلك، إني أثجه ثجا، فقال: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين أو أربعة و عشرين - إلى أن قال: - قال أبو عبد الله عليه السلام: فأراه قد سن في هذه غير ما سن في الاولى والثانية، وذلك أن أمرها مخالف لامرتينك - إلى أن قال: - فهذا بين واضح، إن هذه لم يكن لها أيام قبل ذلك قط، وهذه سنة التي استمر بها الدم، أول ما تراه أقصى وقتها سبع وأقصى طهرها ثلاث وعشرون حتى تصير لها أيام معلومة فتنتقل إليها، فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث لاتكاد أبدا تخلو من واحدة منهن: إن كانت لها ايام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيامها وخلقتها التي جرت عليه، ليس فيه عدد معلوم موقت غير أيامها، وإن اختلطت الايام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم ألوانا فسنتها إقبال الدم وإدباره وتغير حالاته، وإن لم تكن لها أيام قبل ذلك واستحاضت أول ما رأت فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون، وإن استمر بها الدم أشهرا فعلت في كل شهر كما قال لها - إلى أن قال بعد ذكر حصول العادة بمرتين: - وإن اختلط عليها أيامها وزادت ونقصت حتى لا تقف منها على حد ولا من الدم على لون عملت بإقبال الدم وإدباره، ليس لها سنة غير هذا لقوله صلى الله عليه وآله إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة، وإذا أدبرت فاغتسلي، ولقوله صلى الله عليه وآله إن دم الحيض أسود يعرف. كقول أبي: إذا رأيت الدم البحراني...

[ 15 ]

وإن لم يكن الامر كذلك ولكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون، لان قصتها كقصة " حمنة " حين قالت: إني أثجه ثجا. (1) فهذه الرواية عمدة مستند من ذهب إلى أن المبتدئة سنتها الرجوع إلى السبعة والثلاثة والعشرين ليس لها سنة غيرها وليس لها الرجوع إلى الصفات، لكن المتأمل فيها من أولها إلى آخرها لا يبقى له ريب في أن الرجوع إلى التمييز بعد الرجوع إلى العادة مقدما على الرجوع إلى الروايات، وأن الرجوع إليها أي إلى السنة الثالثة إنما هو مع فقد الامارة على الحيض أو الاستحاضة، وأن من كانت لها عادة معلومة يجب عليها الرجوع إليها، لان العادة طريق قوي إلى الحيض، و مع فقد الامارة القوية ترجع إلى الامارة التي دونها وهي إقبال الدم وإدباره وتغير حالاته وألوانه، ومع فقد هذه أيضا يكون المرجع هو السنة الثالثة، وهي التي لفاقدة الامارة. ومعلوم من الرواية حتى مع قطع النظر عن ذيلها الذي هو كالصريح في المطلوب أن " حمنة بنت جحش " كانت فاقدة الامارة، أما فقدها للعادة فمعلوم، وأما فقدها للتمييز فلان الظاهر منها أن الدم كان في جميع الازمنة كثيرا له دفع، حيث قالت " إني استحضت حيضة شديدة " وقالت " إنه أشد من ذلك، إني أثجه ثجا. فقال: تلجمي وتحيضى.. " فإن الثج هو سيلان دم الاضاحي والهدي، والدم الذي بهذه الشدة والكثرة لا ينفك عن الحرارة والحمرة، فله دفع وشدة و حرارة وكثرة من تغير حال، وإنما جعلت السنة الرجوع إلى السبع لاجل ذلك. ثم لو فرض إبهام فيها من هذه الجهة فلا إشكال في أن ذيلها يرفع كل إبهام متوهم، حيث قال: فإن لم يكن الامر كذلك - إلى آخرها - فيعلم من ذلك أن قصة " حمنة " هي كون الدم على حالة واحدة من الحرارة والدفع والكثرة وعلى لون واحد لا يكون لها تميز، وأن الثج دليل عليه كما ذكرنا. فلا إشكال في أن الرواية تدل


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 3.

[ 16 ]

على أن الرجوع إلى السبع والثلاث والعشرين سنة التي فقدت الامارتين المتقدمتين وتكون الاستحاضة دارة عليها، ويكون في جميع الاوقات لها در ودفع وعلى لون واحد وعلى حالة واحدة، فمن كانت قصتها هذه لا إشكال في أنها ترجع إلى الروايات، فلا يستفاد منها أن المبتدئة إذا رأت أول ما رأت بصفة الحيض لا تكون الصفات أمارة لها، كيف وصدر الرواية يدل على أمارية الصفات مطلقا، حيث قال: فلهذا احتاجت إلى أن تعرف إقبال الدم من إدباره، وتغير لونه من السواد إلى غيره، وذلك أن دم الحيض أسود يعرف. فترى كيف علل رجوعها إلى الصفات بقوله " إن دم الحيض أسود يعرف " فيعلم منها أن العلة في الرجوع هي كون مهية دم الحيض بهذه الصفة لا أن صنفا منها كذلك، فتدل على أن هذه الصفات من مميزات هذه المهية عن مهية الاستحاضة، ولهذا أرجعها إليها، فيستفاد منها أنه كلما وجدت هذه الصفة امتاز الحيض عن الاستحاضة في ما دار الامر بينهما في غير ذات العادة التي سنتها الرجوع إليها. والظاهر أن المسألة لا تحتاج إلى زيادة إطناب. ثم إن صريح المستند وظاهر الحدائق والمحكي عن المدارك أن هذه الاوصاف خاصة مركبة متى اجتمعت في الدم يحكم بأنه حيض، واستدل الاول منهم بأن ذلك مقتضى الجمع بين الروايات التي ذكرت بعضها وما ذكر الجميع بتقييد الاطلاق. وهو في غاية البعد، فإنه لا توجد في الروايات رواية تستجمع جميع الصفات وأجمع الروايات في ذلك صحيحة حفص، حيث قال فيها: " إن دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع و سواد فلتدع الصلوة " ومع ذلك لم تذكر فيها الكثرة التي ذكرها صحيحة " أبي المغرا " ورواية ابن مسلم في باب جمع الحيض والحمل، وترك الحرقة المذكورة في موثقة إسحاق بن جرير، وترك ذكر العبيط في ذيلها مع ذكرها في صدرها. ودعوى تقييد كل رواية برواية اخرى في غاية البعد، بل ارتكابه في مرسلة يونس ممتنع، فإن أبا عبد الله عليه السلام نقل قضية شخصية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة، وإذا أدبرت فاغسلي " فترك أبي عبد الله عليه السلام

[ 17 ]

سائر الصفات لو كانت في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله غير ممكن، وعدم ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله مع كونه في مقام بيان تكليفها وتأثيرها في الحكم أيضا غير ممكن، وليس المقام مقام ذكر الكليات والقواعد والمطلقات وترك القرائن إلى زمان آخر كما نقول ذلك في الروايات الملقاة إلى أصحاب الاصول والكتب، ففي مثل المقام لا يجوز تأخير البيان مع حاجتها الفعلية. واحتمال تغير الحكم بعد قصة فاطمة مع بعده في نفسه يدفعه ذكر أبي عبد الله عليه السلام ذلك في مقام بيان الحكم وإفادة أحكام المستحاضة. وبالجملة إن روايات الباب على كثرتها لا يشتمل واحدة منها على جميع - الصفات، بل في غالبها اكتفي بخاصة واحدة كصحيحة معاوية بن عمار، حيث ذكر فيها الحرارة وفي مقابلها البرودة، وكمرسلة يونس حيث ذكر إقبال الدم في مقابل الادبار تارة، واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وآله " إن دم الحيض أسود " وعلل الحكم بأن دم الحيض أسود يعرف، اخرى. وفي صحيحة أبي المغرا اكتفى بذكر الكثرة وفي مقابلها القلة وفي موثقة إسحاق بن عمار اقتصر على كون الدم عبيطا، وفي بعضها ذكر الوصفين منها كموثقة إسحاق بن جرير حيث اكتفى فيها بذكر الحرارة والحرقة في الحيض وذكر الفساد والبرودة في الاستحاضة، وفي مرسلة يونس اكتفى بذكر البحراني وفسره بالكثرة واللون، وفي رواية محمد بن مسلم في باب جمع الحبل و الحيض اقتصر على الكثرة والحمرة في مقابل القلة والصفرة، وفي رواية حفص التي هي أجمعها ذكر في صدرها أربع صفات واقتصر في ذيلها على الثلاث، فكيف يمكن أن تكون الاوصاف من قبيل الخاصة المركبة التي يكون لجميعها دخل في الموضوع ولم يذكر الجميع في رواية؟ ومعه كيف يمكن تقييد الاطلاق مع الغض عما ذكرنا من عدم إمكانه بالنسبة إلى المرسلة الطويلة؟ فالقول بالخاصة المركبة غير صحيح، إلا أن يدعى أن بين الصفات ملازمة عادية غالبية بحيث يستغني المتكلم عن ذكر جميعها، فذكر الواحد أو الاثنين بمنزلة ذكر الجميع مع تلك الغلبة. لكن الدعوى غير ثابتة، فأي ملازمة غالبية

[ 18 ]

بين كون الدم عبيطا وبين كثرته، أو بين الدفع والسواد، أو بين الحرقة والعبيطية؟ فربما كان الدم أسود غير دافع، أو حارا غير كثير. وبالجملة هذه الدعوى غير ثابتة بل خلافها ثابت، فلا يمكن إلا المصير إلى استقلال كل صفة في الا مارية. ثم إنه قد يدعى كون مطلق الظن بالحيضية حجة كما نفى البعد عنه صاحب الجواهر، أو كون الظن الحاصل من أي صفة من صفات الحيض حجة و لو لم تذكر في الروايات، بل ولو كانت مختصة بمرأة. بحسب حالها كما نفى البعد عنه المولى الهمداني. والظاهر بعدهما، خصوصا الاولى منها، فإنه إن كان المراد أن المستفاد من الاخبار هو حجية الظن الشخصي بحيث يدور الحكم بالحيضية مداره، فإن حصل من غير الصفات المذكورة في الروايات يكون حجة، وإن لم يحصل من المذكورات فيها ظن لم يحكم بالحيضية، فهو تخريص غريب لا يمكن الالتزام به خصوصا في الشق الثاني. وإن كان المراد هو حجية الظن الحاصل نوعا من الصفات الخاصة بالحيض ولو لم تذكر في الروايات مثل النتن المذكور في بعض الروايات الغير المعتبرة فله وجه، بدعوى عدم خصوصية لتلك الصفات إلا كونها من الصفات الغالبية، فلو فرض صفة اخرى غالبية لاستفيد منها بالارتكاز العرفي وإلغاء الخصوصية كونها أمارة أيضا. لكنه غير خال عن الاشكال وبعيد عن مساق كلامهما، فالجمود علي الروايات أسد وأشبه. ثم الظاهر أن المستفاد منها هو جعل الامارتين للحيض والاستحاضة، فكما أن الصفات المذكورة لدم الحيض أمارة تعبدية له كذلك الصفات المذكورة لدم الاستحاضة كالبرودة والفساد والصفرة وغيرها، فلو وجد في دم بعض صفاتهما يكون من قبيل تعارض الامارتين، وسيأتى زيادة توضيح للمقام إن شاء الله. المسألة الثانية إذا اشتبه دم الحيض بدم العذرة فتارة لا يحتمل غيرهما، واخرى يحتمل الآخر من استحاضة أو قرحة أو غيرهما كاحتمال انقطاع عرق في الباطن، وعلى أي حال

[ 19 ]

قد يكون زوال البكارة معلوما فيدور الامر بين كون الدم منها أو من غيرها، واخرى يشك في زوالها فيحتمل الزوال والخروج منها أو من غيرها، ويحتمل عدم الزوال و الخروج من غيرها، وعلي أي تقدير قد يكون الدم في أيام العادة وقد يكون في غيرها، وقد تكون له حالة سابقة من حيض أو غيره وقد لا تكون، فيقع الكلام في جهات: منها أن المستفاد من روايات الباب هل هو جعل أمارة تعبدية على العذرة أو ما ذكر فيها من تطوق الدم لرفع الاشتباه، ومعه يحصل القطع بكونه دم العذرة - كما تقدم من المحقق الخراساني في أوصاف دم الحيض واحتمل ذلك في المقام أيضا -؟ ثم على فرض الا مارية هل تكون أمارة مطلقة لتشخيص دم العذرة مطلقا أو في ما إذا دار الامر بينهما مطلقا، أو في ما إذا كان زوال البكارة معلوما أيضا؟ وهل يكون التطوق أمارة على العذرة وعدمه على عدمها أو لا أمارية لعدمه؟ وهل يكون الاستنقاع أيضا أمارة على الحيضية أو لا؟ احتمالات يظهر حالها في خلال الجهات المبحوث عنها، ولابد من تقديم ذكر مستند الحكم حتى يتضح الحال. ففي صحيحة خلف بن حماد الكوفي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام بمنى، فقلت له: إن رجلا من مواليك تزوج جارية معصرا لم تطمث، فلما اقتضها سال الدم، فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام، وإن القوابل اختلفن في ذلك، فقال بعضهن: دم الحيض، وقال بعضهن: دم العذرة، فما ينبغي لها أن تصنع؟ قال: فلتتق الله، فإن كان دم الحيض فلتمسك عن الصلوة حتى ترى الطهر، وليمسك عنها بعلها، وإن كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل، و يأتيها بعلها إن أحب ذلك. فقلت له: وكيف لهم أن يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي؟ قال: فالتفت يمينا وشمالا في الفسطاط مخافة أن يسمع كلامه أحد، قال: فنهد إلي فقال: يا خلف! سر الله فلا تذيعوه، ولا تعلموا هذا الخلق اصول دين الله، بل ارضوا لهم ما رضي الله لهم من ضلال. قال: ثم عقد بيده اليسرى تسعين ثم قال:

[ 20 ]

تستدخل القطنة ثم تدعها مليا، ثم تخرجها إخراجا رفيقا، فإن كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة، وإن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض. قال خلف: فاستخفني الفرح فبكيت، فلما سكن بكائي قال: ما أبكاك؟ قلت: جعلت فداك، من كان يحسن هذا غيرك؟! قال: فرفع يده إلى السماء وقال: إني والله ما اخبرك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عن الله عزوجل. (1) وقريب منها غيرها. قال بعض شراح الحديث: إن قوله " عقد بيده اليسرى تسعين " لعله من اشتباه الراوي، أو كان لحساب العقود ترتيب آخر غير مشهور، وإلا فاليد اليسرى للمئات لا العشرات (انتهى) والامر سهل بعد وضوح أن المراد منه وضع رأس ظفر مسبحة يسراه على المفصل الاسفل من إبهامها لافهام كيفية وضع القطنة. ولا إشكال في أن ظاهر الرواية هو بيان الامارة الشرعية التعبدية لرفع الاشتباه تعبدا لا التنبيه على أمر تكويني لحصول القطع، لعدم الملازمة بين الاستنقاع و الحيض لاحتمال اجتماع دم البكارة في جوف المحل وحصول الاستنقاع به، كاحتمال كون الحيض موجبا للتطوق أحيانا، فحصول العلم لاجله ممنوع. مع أن الظاهر من صدر الرواية وذيلها حيث عد ذلك من سر الله الذي لابد من كتمانه وعدم إفشائه للناس ومن اصول دين الله ومن وحي الله إلى رسوله صلى الله عليه واله وسلم بتوسط جبرئيل أن ذلك من أحكام الشريعة والامارات التعبدية، وإلا لم يكن وجه لهذه التعبيرات والتقية الشديدة مع حصول العلم به لنوع النساء وكونه من الامور الطبيعية، فاحتمال عدم الا مارية ضعيف لا يمكن رفع اليد عن ظاهر النصوص به. ومنها أن المفروض في الروايات وإن كان العلم بالاقتضاض وأنه مع فرص العلم به دار الامر بينه وبين الحيض لكن المتفاهم منه أن التطوق في هذا الحال أي حال الدوران بينهما من خواص دم العذرة المميزه إياه من دم الحيض، وأن دم الحيض لا يوجب التطوق بل يوجب الاستنقاع والانغماس، كما يساعده الاعتبار أيضا، فإن


(1) الوسائل: أبواب الحيض، ب 2، ح 1

[ 21 ]

دم الحيض من الباطن فلا يتطوق منه القطنة غالبا ودم العذرة من زوال غشاء البكارة وخرقه، فيخرج الدم من الاطراف فتصير مطوقة نوعا، فلاجل هذه الغلبة جعل الشارع التطوق أمارة للعذرة. وبالجملة المتفاهم من الروايات عرفا أنه مع الدوران بين الامرين يكون التطوق أمارة للعذرة من غير تأثير للعلم بزوال البكارة وعدمه في ذلك، فحينئذ لو شكت في زوالها ودار الامر بينهما فوضعت القطنة على نحو ما في الرواية فأخرجت و كانت مطوقة يحكم بكون الدم من العذرة، فيكشف عن تحقق زوالها فيرفع ذلك الشك، لحجية الامارة بالنسبة إلى لوازمها وملزوماتها. ومنها أن الظاهر من الروايات خصوصا من رواية " خلف بن حماد " المتقدمة أن المفروض في السؤال والجواب هو دوران الدم بين العذرة والحيض ولا ثالث للاحتمالين، فإن قوله " إن القوابل اختلفن - إلخ - " ظاهر في أنهن اتفقن على نفي الثالث ولو لاجل لازم قولهن، سواء قلنا بأمارية قول القوابل وأن الامارتين لدى التعارض لا تسقطان بالنسبة إلى مدلولهما الالتزامي أولا، أما على الاول فظاهر، وأما على الثاني فلان الظاهر أن هذا الاختلاف صار سببا لصرف ذهن السائل عن سائر الدماء واحتمالها، مضافا إلى أن سائر الدماء حتى دم الاستحاضة على خلاف العادة ومن انحرافات الطبيعة، بخلاف دم الحيض فإنه طبيعي، فالسؤال والجواب منصرف إليه عن غيره. ولهذا يفهم ذلك من صحيحة " ابن سوقة " (1) أيضا، مع أن ظاهر السؤال فيها هو السؤال عن تكليفها بالسنة إلى الصلوة، فجواب أبي جعفر عليه السلام بأنه مع التطوق من العذرة ومع الانغماس من الحيضة إنما هو في الموضوع الخاص لا لاجل كون التطوق يرفع جميع الاحتمالات إلا العذرة، والانغماس جميعها إلا الحيضة، حتى يكون الاستنقاع والانغماس من مميزات الحيض عن جميع الدماء لكن لا مطلقا وإلا لذكر في الاوصاف في الروايات المتقدمة في المسألة السابقة بل عند


(1) الوسائل: كتاب الطهارة، ابواب الحيض - ب 2، ح 2.

[ 22 ]

إضافة احتمال العذرة أيضا. فإن هذا بمكان من البعد كيف ولو كان لدم الحيض خاصة مميزة لم يكن معنى لتأثير زوال العذرة أو احتماله فيها هذا، مع أن الوجدان أيضا غير مساعد لذلك، فإن دم الحيض والاستحاضة كليهما يخرجان من الجوف و تصير القطنة بهما مستنقعة منغمسة نوعا من غير افتراق من هذه الجهة بينهما، فلا يكون الاستنقاع خاصة مميزه للحيض عن مطلق الدماء، بل الظاهر أنه من مميزات سائر الدماء الخارجة من الجوف عن دم العذرة الذي يخرج من غشاء البكارة، على إشكال في ذلك أيضا، فإن مقتضى الجمود على الروايات هو كون التطوق أمارة على العذرة والاستنقاع على الحيض في حال دوران الامر بينهما مطلقا ولو مع الشك في زوال العذرة ولو كان هذا خارجا عن مفادها بدوا، وأما التخطي عن مورد الدوران بينهما إلى غيره فمشكل بعد خروجه عن مفادها وعدم مساعدة العرف عليه أيضا. نعم، لا إشكال في حصول الظن بأن التطوق من العذرة في الدور ان بينهما وبين الاستحاضة والاستنقاع من الاستحاضة، لكن لادليل على اعتبار هذا الظن أو الغلبة مع قصور الادلة. وكما أن التطوق ليس أمارة على العذرة في الدور ان بينها وبين الاستحاضة كذلك الاستنقاع ليس أمارة على الاستحاضة، ولا على عدم العذرة حتى يؤخذ بلازمها، لعدم الدليل على ذلك، لان الظاهر من الادلة أنه في الموضوع الخاص كما يكون التطوق أمارة على العذرة يكون الاستنقاع أمارة على الحيض لا أنه أمارة على عدم العذرة، ولو سلم أماريته على عدمها فإنما هي في مورد الدوران فقط لا مطلقا. ومنها أن مقتضى إطلاق صحيحة " زياد بن سوقة " ورواية " خلف بن حماد " الثانية (1) المحتمل كونها صحيحة لاحتمال كون " جعفر بن محمد " الواقع في سندها هو جعفر بن محمد بن يونس الثقة، وكونها حسنة لاحتمال كونه جعفر بن محمد بن عون أن التطوق أمارة العذرة في حال الدوران مطلقا لذات العادة وغيرها، كما أن مقتضى إطلاق جميع الروايات هو أماريته لها ولو كان الدم بصفة الحيض.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 2، ح 3.

[ 23 ]

وتوهم أن وقوع الاختلاف في متن رواية " خلف بن حماد " يوجب الترديد في جواز التعويل عليها، حيث قال في الرواية الاولى: " قال فقلت له: إن رجلا من مواليك تزوج جارية معصرا لم تطمث، فلما اقتضها سال الدم، فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام " (1) وفي الثانية قال: " قلت لابي الحسن الماضي عليه السلام: جعلت فداك، رجل تزوج أو اشترى جارية طمثت أو لم تطمثت أو في أول ما طمثت، فلما افترعها غلب الدم، فمكث أياما وليالي - إلخ - " (1) فترى أن الظاهر من الاولى أن السؤال كان مقصورا على معصر لم تطمث، والثانية عن التي طمثت أولم تطمث أو في أول ما طمثت. مدفوع بأن هذا ليس من التشويش والاختلاف الموجبين للتأمل فيها، فإن ترك بعض الخصوصيات مما لا يضر بالحكم لبعض الدواعي أو لعدم الداعي في النقل لا يوجب خللا فيها، ولاريب في أن اختلافهما إنما هو لاجل ذلك، ألا ترى أن مقدمات ملاقاته وغيرها مما هي مذكورة في الرواية الاولى إنما ترك ذكرها في الثانية لبعض الدواعي أو عدم الداعي على النقل؟ فترك بعض شقوق المسألة أيضا من هذا القبيل. ولا ظهور للرواية الاولى في كون السؤال مقصورا على ما ذكر إلا لعدم الذكر والسكوت، والمذكور فيها أحد الشقوق التي ذكرت في الرواية الثانية، وهو قوله " أوفي أول ما طمثت " أي في أول زمان طمثها، وهو بمنزلة قوله " معصرا " فإن المراد منه كونها في عصر الطمث وزمانه، ومعنى " أول ما طمثت " أول زمان طمثها في مقابل التي طمثت أي كانت امرأة ليس أول طمثها بل طمثت سابقا، وقوله " لم تطمث " في مقابلهما أي التي في سن الطمث ولما تطمث، أي مضى منها أوقات كان من شأنها أن تطمث فيها ولم تطمث، فلا إشكال من هذه الجهة فيها. فتحصل أن مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ذات العدة وغيرها، والدم الموصوف بصفات الحيض وغيره، ولا ينافيها مادل على اعتبار العادة والصفة، أما اعتبار الصفات فلان الظاهر من أدلتها هو أن تلك الصفات مميزات الحيض عن الاستحاضة لا عن مطلق


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 2، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 2، ح 3.

[ 24 ]

الدماء كما مر، وأما اعتبار العادة فكذلك أيضا، فإن أقوى مادل عليه هو مرسلة يونس القصيرة، حيث قال فيها: (وكل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، وكل ما رأته بعد أيام حيضها قال فليس من الحيض " (1) والظاهر منها - بعد الغض عن الاشكالات الآتية فيها سند أو متنا - أنها ناظرة إلى مثل ما نحن فيه، وليست الكلية إلا في مورد الصفات لا مطلق الدم، فالجمع العرفي يقتضي اختصاص الرجوع إلى العاد بمورد الدوران بين الحيض والاستحاضة دون الحيض والعذرة مما ذكر له طزيق خاص وأمارة مستقلة. ومنها أن المرأة التي اشتبه دم حيضها بالعذرة تارة تعلم حال سابقها، واخرى لاتعلم، بل حال حدوث الدم تشك في أنه منه أو منها أو مختلط منهما، وعلى الاول تارة تكون الحالة السابقة هي الحيض ثم تشك في عروض دم العذرة، واخرى تكون هي دم العذرة ثم يحدث الشك في عروض الحيض، فتحتمل بقاء دم العذرة و عدم كون الدم من الحيض، وانقطاع دم العذرة وكونه من الحيض، واختلاطهما، وثالثة تكون الحالة السابقة هما معا ثم تشك في بقاء أحدهما وانقطاع الآخر أو بقائهما وامتزاجهما، وقد يكون الشك ساريا ويأتي فيه الفروض المتقدمة. فالكلام يقع في أن المستفاد من روايات الباب أن التطوق أمارة للعذرة والانغماس للحيض في جميع صور الشك أولا، وعلى الاول هل يجب الاختبار في جميعها أولا؟ لا يبعد استفادة جميع الصور ما عدا الشك في زوال البكارة منها، أما غير صورة كون الحالة السابقة هي الحيض فلاطلاقها، فإنه بعد سيلان الدم وعدم انقطاعه يمكن أن يكون الشك ساريا فتشك في أن الدم من أول الامر من أيهما كان، ويمكن أن تكون عالمة بكونه من العذرة وتشك في حدوث الحيض، ويمكن أن تكون عالمة بكونه منهما ثم تشك لاجل الشك في انقطاع أحدهما، فترك الاستفصال دليل على إطلاق الحكم. وأما الصورة المذكورة فلاستفادتها من رواية خلف الثانية، فإن قوله " جارية طمثت أو لم تطمث أو في أول ما طمثت " يحتمل وجوها، أقربها أن


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 3.

[ 25 ]

يكون المراد من التي طمثت هي المرأة التي كانت تحيض، ومن التي لم تطمث هي من لم تحض سواء كانت معصرا أولا، فحينئذ يكون المراد من التي في أول ما طمثت بقرينة المقابلة هي التي طمثت فعلا وكان طمثها ذلك أول طمث لها، فلما افترعها غلب الدم وصار كثيرا لا أنه حدث الدم، وعليه فالصورة المذكورة تكون مسؤولا عنها بالخصوص. ومع الغض عنه يكون قوله " جارية طمثت " بإطلاقه شاملا لهذه الصورة، وقوله " غلب الدم " أعم من غلبة الدم حدوثا وغلبته بعد وجود أصله لو لم نقل بظهوره في الثاني. وكيف كان فلا يبعد استفادة جميع الصور من الرواية. وأما صورة الشك في زوال العذرة وإن كانت خارجة منها لكن يفهم حكمها منها عرفا، فإن الظاهر كما مر أن التطوق أمارة لمهية دم العذرة من غير تأثير للعلم والشك فيه، فمع الشك في حصوله لو اختبرت فخرجت القطنة مطوقة يحكم بزوال البكارة كما يحكم بكون الدم من العذرة. ثم بعد كون التطوق أمارة مطلقة في حال الدوران بينهما - وكذا الاستنقاع على الظاهر - فالظاهر وجوب الاختبار في جميع الصور حتى صورة الشك في زوال البكارة. أما في غير هذه الصورة فظاهر بعد دخولها في مفاد الروايات، وأما في هذه الصورة فلان الظاهر منها أنه مع إمكان تحصيل الامارة على أحدهما يسقط الاصل، فإن صورة عدم المسبوقية بالحيض هي المتيقنة في شمول الروايات لها، ومع ذلك لم يعول عليها أبو الحسن عليه السلام مؤكدا بقوله " فلتتق الله " فيفهم منه أن الاصل في مثل ما يمكن تحصيل الامارة الشرعية غير معول عليه. مع أن العرف لا يساعد على الرجوع إلى الاصل مع وجود الامارة الحاكمة وإمكان الاطلاع عليها بالاختبار، تأمل. فوجوب الاختبار مطلقا أحوط، بل أوجه وأقوى. ثم إن وجوبه ليس نفسيا ولا شرطيا، بل طريقي كوجوب العمل بخبر الواحد فإذا تركته وصلت فإن كانت حائضا تستحق العقوبة لاجل الصلوة في حال الحيض، و إن كانت طاهرة تصح صلوتها مع حصول قصد القربة.

[ 26 ]

وليس في الروايات لا دخال القطنة كيفية خاصة غير ما في رواية " خلف " فهل الودع مليا والاخراج رفيقا واجبان أولا؟ وجهان: من أن مقتضى الجمع بينها وبين إطلاق صحيحة " زياد " تقييد إطلاقها، ومن إمكان الحمل على الاولوية والاستحباب أخذا بإطلاقها الذي في مقام البيان، والاول أحوط لو لم يكن أقوى. واختلاف روايتي " خلف " من هذه الجهة لا يضر بعد تقدم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة عند العقلاء، خصوصا مثل تلك الزيادة التي لا يحتمل فيها الخطأ والاشتباه، فعدم الذكر في الرواية الثانية لجهة من الجهات. ثم إنه إذا تعذر عليها الاختبار ترجع إلى سائر القواعد المقررة للشاك. المسألة الثالثة إذا اشتبه دم الحيض بدم القرحة فعن المشهور وجوب الاختبار وملاحظة خروج الدم من الايسر أو الايمن، فإن كان من الايسر فهو من الحيض، وإن كان من الايمن فهو من القرحة، وعن المعتبر عدم الاعتبار بالاختبار، وتبعه الاردبيلي وصاحب المدارك، وعن الشهيد في الدروس عكس المشهور، وعن الذكرى الميل إليه، لكنه أفتى في البيان موافقا للمشهور. ومبنى ذلك هو الاختلاف الواقع في نسخة الكافي والتهذيب في المرفوعة التي هي الاصل في هذا الحكم. ففي الكافي: عن محمد بن يحيى، رفعه عن أبان، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فتاة منا بها قرحة في جوفها، والدم سائل لا تدري من دم الحيض أو من دم القرحة. فقال: مرها، فلتستلق على ظهرها، ثم ترفع رجليها، ثم تستدخل إصبعها الوسطى، فإن خرج الدم من الجانب الايمن فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الايسر فهو من القرحة. وعن الشيخ في التهذيب روايتها، لكن فيها: قال: فإن خرج الدم من الجانب الايسر فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الايمن فهو من القرحة. ثم إن الظاهر ترجيح نسخة الشيخ على نسخة الكافي للشهرة المنقولة على الفتوى بمضمونها قديما وحديثا، بل عن جامع المقاصد نسبتها إلى فتوى الاصحاب

[ 27 ]

وعن حاشية المدارك نقل اتفاق المتقدمين والمتأخرين من المحدثين على موافقة المشهور، وهو الموافق لرسالة علي بن بابويه إلى الصدوق التي قيل إنها كانت المرجع عند إعواز النصوص، والموافق للفقه الرضوي، وأفتى به المفيد وغيره، فلا إشكال في اشتهار الحكم بين الاصحاب. وفي مقابله فتوى ابن الجنيد، لكن مفروض كلامه دوران الامر بين الحيض و الاستحاضة، فإن المحكي عنه أن دم الحيض أسود عبيط تعلوه حمرة، يخرج من الجانب الايمن، وتحس المرأة بخروجه، ودم الاستحاضة بارد رقيق يخرج من الجانب الايسر. والظاهر أنه من الصفات المميزة بين الحيض والاستحاضة كسائر الصفات المذكورة، فلا يعلم فتواه في المقام. وعن ابن طاوس والشهيد في الذكرى أن ما في التهذيب محالفا للكافي إنما هو في النسخ الجديدة، وقطعا بأنه تدليس وكانت النسخ القديمة موافقة للكافي، وقد رجع الشهيد عن هذا الاعتقاد ظاهرا، لفتواه في " البيان " الذي يقال إنه متأخر في التصنيف عن الذكرى موافقا للمشهور. وعن شرح المفاتيح أن ابن طاوس لم ينقل عنه مخالفة المشهور. وأما حديث التدليس في النسخ الجديدة فيرده فتوى الشيخ في المبسوط و النهاية على وفق المشهور، ولا إشكال في أن مستنده هذه الرواية، مع أن اختلاف النسخ لم ينقل إلا من ابن طاوس والشهيد، فعن ابن طاوس نسبة كون الحيض من الايسر إلى بعض نسخ التهذيب الجديدة، وعن الذكرى أن كثيرا من نسخ التهذيب موافقة لرواية الكليني. وكيف كان، لو كان الاشتباه من النساخ لما أفتى الشيخ في كتبه الفتوائية خصوصا مثل النهاية بخلافها، ولو كانت النسخ الموافقة للكافي بهذه الكثرة لما خفي على غيرهما مع بناء محشي التهذيب - على ما قيل - على نقل النسخ المختلفة ولم ينقلوا ذلك، بل عن شرح المفاتيح أنه اعترف جميع المحققين باتفاق نسخ التهذيب على ما وجدناه. فاتضح أنه لم يكن خلاف في المسألة بين المتقدمين كالصدوقين والمفيد والشيخ

[ 28 ]

ومن تأخر عنهم سوى المحقق في المعتبر على ما حكي عنه، وقد حكي عن المعتبر أن ما في الكافي لعله من وهم الناسخ. وأما الاردبيلي فطريقته المناقشة وعدم الاعتناء بالشهرات وكذا متابعوه، ومن ذلك كله يقع الترديد في ما نقل عن ابن طاوس والشهيد، وليس عندي كتابهما حتى أتأمل في عبارتهما، فمن المحتمل أن يكون قطعهما بالتدليس كان لامر غير ما ذكر كالاعتماد التام على الكافي وحفظه. وعلى أي حال فالمسألة مشهورة فتوى، والخلاف لو ثبت شاذ نادر، وقد ذكرنا في محله أن الشهرة الفتوائية ليست من المرجحات حتى يناقش بأن ما نحن فيه ليس من الروايتين المتعارضتين، بل بقيامها تمتاز الحجة عن غيرها، وأن المشتهر بين الاصحاب فتوى بين رشده فيتبع، والشاذ النادر بين غيه فيجتنب. والانصاف أن الشهرة في مثل هذا الحكم المخالف للاعتبار والقواعد والتعبدي المحض حجة معتبرة في نفسها مع قطع النظر عن الرواية، فضلا عن المقام الذي يمكن حصول الاطمئنان باتكالهم على رواية " أبان " أو الفقه الرضوي، فالمسألة من هذه الجهة خالية من الاشكال. وأما ما يقال من أن الحكم على خلاف الاعتبار، وأن القرحة قد تكون في الطرف الايسر وقد تكون محيطة بالمحل فلاينبغي الاصغاء إليه في الاحكام التعبدية مع أن كيفية خروج الدم غير معلومة لنا، فلعل الغالب في خروج الحيض إذا كانت المرأة مستلقية كذلك. وكيف كان لا يمكن رفع اليد عن الدليل المعتبر بمثل ذلك مع دعوى شهادة النساء بما يوافق المشهور. ثم إن إطلاق الرواية وترك الاستفصال فيها وإن اقتضى عدم الفرق بين الجهل بمحل القرحة والعلم به سواء كانت في الايمن أو الايسر، ودعوى جهل المرأة بمحلها غالبا مع كون القرحة ذات ألم غالبا في غير محلها، لكن الالتزام به مع العلم بكون القرحة في الطرف الايسر في غاية الاشكال مع عدم إحراز فتوى الاصحاب في مثل تلك المسألة التي تكون على خلاف الاعتبار، فالاتكال على مثل ترك الاستفصال في القضية التي لا يبعد أن تكون شخصية مشكل، تأمل. كما أن الظاهر أن تلك الامارة خاصة

[ 29 ]

بدور ان الامر بين الحيض والقرحة لا مطلقا. وما عن المدارك أن الجانب إن كان له مدخل في الحيض وجب اطراده وإلا فلا، فهو كما ترى. المسألة الرابعة في سائر الاشتباهات بين دم الحيض وغيره، فإن منشأ الشك في دم الحيض قد يكون فقدان الامارة كما لو اشتبه بدم الجرح مثلا مما لم يرد فيه نص، وقد يكون تعارض الامارتين كما لو رأت دما فيه بعض صفات الحيض وبعض صفات الاستحاضة إن قلنا بأمارية الصفات، وقد يكون قصور اليد عن الوصول إلى الامارة المحققة كما لو علمت بتحقق التطوق أو الانغماس لكن اشتبه عليها حاله لاجل مانع من ظلمة أو غيرها، وقد يكون عدم التمكن من استعمال الامارة كما لو غلب الدم أو ضاق المجرى. ومن فقدان الامارة ما إذا كان الاشتباه ثلاثي الاطراف أو أكثر، كما لو دار الامر بين الحيض والاستحاضة والقرحة، أو هي والجرح أو العذره مما قصرت النصوص من شمولها. وأيضا قد يكون الشك لاجل الشك في المكلف، كما لو شكت الخنثى في ذكورتها وأنوثتها فصار منشأ للشك في كون الدم حيضا، أو شكت في بلوغها أو يأسها فصار منشأ لشكها في كونه حيضا، وقد يكون الشك لاجل الشك في تحقق شرط أو مانع، كما لو شكت في كون الدم بعد العشرة أولا، أو شكت في تحقق الفصل المعتبر بين الدمين، وقد يكون لاجل الشك في شرطية شئ كالتو الي ثلاثة أيام، أو مانعية شئ كالفترات اليسيرة بين ثلاثة أيام، وقد يكون لاجل الشك في تحقق شرطه بعد، كالمبتدئة التي تشك في استمرار دمها إلى ثلاثة أيام، إلى غير ذلك كالشك في كونه حيضا مع وجدان الشرائط وفقدان الموانع بحسب الادلة الشرعية ومع تحقق ما تحتمل شرطيته وفقدان ما تحتمل مانعيته بحسب الشبهات الحكمية لكن مع ذلك تشك في الحيضية لاجل بعض الاحتمالات الشخصية الجزئية التي تختلف بحسب اختلاف الحالات والامزجة. هذه هي نوع الشكوك الواقعة أو ممكنة الوقوع للنساء. فيقع الكلام في أنه مع فقدان الامارات أو تعارضها أو عدم إمكان التعويل عليها هل تكون قاعدة شرعية

[ 30 ]

أو عقلائية ممضاة ترفع الشك شرعا وتكون معولا عليها لدى الشبهة أولا؟ وعلى فرض وجودها فما حدها سعة وضيقا؟ وهل يمكن رفع جميع الشكوك المتقدمة بها أو تختص ببعضها؟ وليعلم أن ما هو الدائر في الالسن والمشتهر بين الاصحاب في المقام هو " قاعدة الامكان " وهي أن كل دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض، وقد تكرر نقل الاجماع عليها، وأرسلوها إرسال المسلمات، فلابد من بسط الكلام فيها موضوعا و مدركا وموردا. أما الاول فيحتمل في بادي الامر أن يكون الامكان بمعنى الاحتمال بقول مطلق فيشمل جميع الصور من الشكوك المتصورة، لمساوقة الشك الاحتمال أو أعميته من الشك، وأن يكون بمعنى عدم الامتناع بحسب القواعد الشرعية أي إذا لم يرد دليل شرعي على عدم حيضيته بحسب نفس الامر وصل إلينا أو لم يصل، وأن يكون بمعنى عدم الامتناع بحسب ما وصل إلينا من القواعد الشرعية، أي إذا لم يدل دليل شرعي على عدم حيضيته واحرز عدم امتناعه كذلك، لا بمعنى الامكان العام حتى يشمل مورد قيام الامارة على الحيضية، بل بمعنى أنه إذا لم يقم أمارة ودليل شرعي على الطرفين تكون القاعدة معولا عليها. ولعل هذا مراد من قال: إن الامكان هو الاحتمالي لكن الاحتمال المستقر، وأن يكون بمعنى الامكان الذاتي وعدم الامتناع ذاتا أي سلب الضرورة عن الجانب المخالف للحكم بالحيضية. هذا، لكن الاحتمال الاخير غير صحيح، لان المراد من الدم الخارجي الموجود لا مهية الدم، والدم الموجود إما واجب الحيضية أو ممتنعها، وكذا الاحتمال الثاني، فإن العلم بالواقعيات غير حاصل للمكلفين، فتقييد الموضوع بأمر غير محقق موجب للغوية القاعدة. فيبقى الاحتمال الاول والثالث، ولازم الاحتمال الاول هو الحكم بحيضية كل محتمل إلا ما قام دليل على خلافها، بل المعول عليه هو القاعدة في موارد الشبهات

[ 31 ]

المصداقية لادلة جعل الامارات، فلو شكت في تحقق أمارة العذرة أو الاستحاضة مثلا فلا يجوز التمسك بدليلهما، ومعه ينسلك في موضوع القاعدة، لان موضوعها هو الاحتمال، ومع عدم إحراز الامارة يتحقق الاحتمال الذي هو موضوعها، وكذا في تعارض الامارتين. ولازم الثاني هو الحكم بحيضية ما احرز استجماعه للشرائط المقررة له، فقبل استمرار الدم إلى ثلاثة أيام لا يحكم بالحيضية إلا إذا احرز الشرط بالاصل، وكذا مع الشبهة المصداقية للقواعد المقررة الشرعية لعدم إحراز الامكان بحسب القواعد المقررة، وكذا مع الشك في قيام الامارة بعد إحراز أماريتها، كما لو اشتبهت الامارتان لاجل الظلمة مثلا لعدم إحراز موضوع القاعدة وهو الامكان الواقعي بالنظر إلى المقررات الشرعية. ثم إثبات أن الامكان في موضوع القاعدة بأي معنى يكون تابع للدليل الدال عليه. واما الثاني فقد استدل عليها بوجوه: الاول أصالة السلامة، وقد عول عليها في " الرياض " وقربها في " مصباح الفقيه " بما لا مزيد عليه، ومحصله أن أصل السلامة أصل معتبر معتمد عليه عند العقلاء كافة في جميع امورهم معاشا ومعادا، ويشهد به تتبع الاخبار وسيرة العقلاء. وإن دم الحيض تقذفه الرحم بمقتضى طبعها ومع عدم انحرافها عن حالتها الطبيعية، و أما سائر الدماء حتى دم الاستحاضة دماء غير طبيعية منشأها خلل في المزاج أو آفة، فلا يعتني العقلاء باحتمال ينافي أصالة السلامة، فعند الاشتباه بين دم الحيض وغيره لابد من البناء على الحيضية عملا بأصل السلامة. ثم بالغ في التأييد والاستشهاد بطوائف من الاخبار يأتي الكلام فيها إن شاء الله، وجعل جميعها دليلا على كون الاصل في دم النساء هو الحيضية، وأن ملاحظة سيرة النساء والاسئلة والاجوبة الواردة في الاخبار تكاد تلحق المسألة بالبديهيات - إلى آخر ما فصل وقرر -. ويمكن المناقشة فيه بوجوه: منها أن بناء النساء على أن الدم المقذوف حيض لو سلم فكونه لاجل الاتكال

[ 32 ]

على أصل السلامة غير مسلم، خصوصا مع هذه الحدود التي قررها الشارع، فلو علمت المرأة أن الدم بأي صفة وفي أي وقت خرج إذا لم يبلغ ثلاثة أيام ونقص منها ولو ساعة واحدة ليس بحيض شرعا، وكذلك الدم المتجاوز عن العشرة ولو قليلا و الدم الخارج قبل تمام عشرة أيام من الحيضة السابقة وهكذا، فهل تبني على الحيضية بمجرد رؤية الدم اتكالا على أصالة الصحة فتحكم باستمراره إلى ثلاثة أيام؟! وهل ترى أن العقلاء يحكمون بأن الدم مع انقطاعه قبل ثلاثة أيام بساعة من انحراف المزاج، بخلافه إذا استمر إلى تمام الثلاثة؟! والذي يمكن أن يقال: أن بناء النساء على حيضية الدم غالبا غير قابل للانكار لكن لا لاجل الاتكال على أصالة الصحة، بل معهودية الدم والحالات التي تعرضهن في حال خروج الدم أو قبله والاوصاف والخصوصيات التي للدم المعهود وغير ذلك من الغلبة وغيرها صارت موجبة لقطعهن أو اطمئنانهن بكون الدم هو المعهود من النساء. وأما الاتكال على مجرد أصالة الصحة لو فرض عدم وجود الغلبة و القرائن والعلائم التي للدم وللمرأة في قرب رؤيته أو حينها فغير معلوم لو لم نقل إنه معلوم العدم. ومنها أنه بعد تسليم جريان أصالة الصحة وكون اتكالهن عليها لا يمكن أن تكون دليلا على قاعدة الامكان، سواء فسرناها بالمعنى الاول من المعاني المتقدمة أو بالثالث، ضرورة أن أصالة السلامة ليست من الاصول التعبدية، فإنه مضافا إلى عدم ثبوت التعبد في الامور العقلائية لازمه أن لانحكم على الدم بالحيضية، لان الحيضية من لوازم صحة المزاج وسلامته فأصالة السلامة مجريها المزاج، و لازم صحة الرحم أن يكون قذفها طبيعيا، ولازم ذلك كون الدم حيضا وكون المرأة حائضا، فلا محيض لاثبات المدعي، إلا أن يدعى أن أصالة السلامة طريق عقلائي لاثبات متعلقه، وأن الظن الحاصل لاجل الغلبة وغيرها طريق إلى السلامة ومع ثبوتها تثبت لوازمها. فمع تسليم هذه الامارة العقلائية والغض عن المناقشة فيهما لا يمكن أن تكون مبنى القاعدة، لان مفاد القاعدة أن ما يمكن أن يكون حيضا

[ 33 ]

فهو حيض بمجرد احتمال الحيضية على المعنى الاول، أو إمكانها أي عدم الدليل على خلافها على المعنى الثاني، ومع قيام الامارة على الحيضية يخرج المورد عن موضوع القاعدة، وكيف يمكن أن يكون دليل الشئ معدما لموضوعه؟! وبعبارة اخرى: إن موضوع القاعدة هو إمكان الحيضية، فوجوب الحيضية وامتناعها خارجان عن مصبها، إلا أن يفسر الامكان بالامكان العام أي سلب الضرورة عن الجانب المخالف بالنظر إلى القواعد الشرعية حتى لا ينافي الوجوب، وهو كما ترى، فإن مرجعها في كثير من الموارد أو جميعها أن كل ما يجب أن يكون حيضا فهو حيض، وأن كل مادلت الادلة الشرعية والامارات المعتبرة على حيضيته فهو حيض. فلا محيص عن أن يقال: إن قاعدة الامكان قاعدة برأسها، مؤسسة للحكم بالحيضية في ما لم يدل دليل على أحد الطرفين وكانت المرأة فاقدة الامارة، فتأسيس القاعدة لرفع الشك عند فقد الامارة، والالتزام بكونها منتزعة من موارد قيام الادلة على الحيضية إنكار لاصل القاعدة. ومنها أنه على فرض تسليم ذلك لا تفي أصالة السلامة بجميع موارد قاعدة الامكان، ففي مورد تعارض الامارتين أو الجهل بالامارة القائمة أو كون المرأة في معرض اختلال المزاج وانحرافه لامصير إلى أصالة الصحة، مع أن موضوع القاعدة يشملها. فتحصل مما ذكرنا أن الاستدلال بأصالة السلامة لاثبات المدعى مما لا مجال له. الثاني التمسك بطوائف من الاخبار إما مستقلا أو مؤيدا بها لاصالة السلامة. منها ما وردت في تحيض الحامل، معللة بأن الحبلى ربما قذفت بالدم، كصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلوة؟ قال: نعم، إن الحبلى ربما قذفت بالدم. (1) وقريب منها مرسلة حريز، (2) وهي تدل على أن احتمال قذف الدم موضوع للتحيض، وهذا هو قاعدة الامكان.


(1) الوسائل: أبواب الحيض، ب 30، ح 1. (2) الوسائل: أبواب الحيض، ب 30، ح 9.

[ 34 ]

وفيه أن الحكم لما كان محل خلاف بين العامة وكان أبو حنيفة منكرا لاجتماع الحيض مع الحبل وردت هذه الروايات لرفع استباعد اجتماعهما، ولهذا ترى في بعضها ذكر وجه خروج دم الحيض، كصحيحة سليمان بن خالد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الحبلى ربما طمثت، قال: نعم، وذلك أن الولد في بطن امه غذاؤه الدم، فربما كثر ففضل عنه، فإذا فضل دفقته، فإذا دفقته حرمت عليها الصلوة. (1) فقوله " إن الحبلى ربما قذفت بالدم " إخبار عن الواقع لرفع الاستبعاد لا للتعبد بجعل الدم حيضا بمجرد الاحتمال، كما ترى أن ما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الحبلى، ترى الدم؟ قال: نعم، إنه ربما قذفت المرأة الدم وهي حبلى. كالصريح في ما ذكرنا، فإن قوله " نعم " جواب سؤاله بأن الحبلى ترى الدم أولا؟ وقوله " إنه ربما قذفت... " إخبار عن واقع محفوظ، و لا معنى للتعبد في هذا المقام. ولا يخفى أن مضمون الروايات التي ذكر فيها هذه الجملة واحد، فقوله في صحيحة عبد الله المتقدمة " إن الحبلى ترى الدم، أتترك الصلوة؟ " مراده أنها ترى الدم المعهود مثل سائر النساء فهل عليه أن تترك الصلوة أو لا؟ ولهذا عرف " الدم " في الروايات باللام، كما ترى في صحيحة عبد الرحمان، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الحبلى ترى الدم وهي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر، هل تترك الصلوة؟ قال: تترك الصلوة إذا دام. (2) وفي صحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الحبلى ترى الدم كما كانت ترى أيام حيضها مستقيما في كل شهر (3) - الحديث - أن السؤال عن ترك الصلوة بعد الفراغ عن كون الدم في أيام العادة أو بصفات الحيض لاحتمال أن لا يجتمع الحيض والحبل كما قال أبو حنيفة.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 14. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 2. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3 0، ح 7.

[ 35 ]

وكيف كان فالتأمل في الروايات يورث القطع بعدم كونها في مقام إفادة القاعدة بل يمكن أن يدعى أن في أخبار جواز اجتماع الحمل والحيض ما يشهد بعدم اعتبار قاعدة الامكان للارجاع إلى الصفات، ففي صحيحة أبي المغرا: إن كان دما كثيرا فلا تصلين، وإن كان قليلا فلتغتسل عند كل صولتين، (1) وفي موثقة إسحاق: إن كان دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلوة (2) وفي رواية محمد بن مسلم: إن كان دما أحمر كثيرا فلا تصلي، وإن كان دما قليلا أصفر فليس عليها إلا الوضوء. (3) فتحصل أن الاستدلال بهذه الروايات للقاعدة في غير محله. ومنه يظهر حال مادل على التحيض قبل وقت حيضها معللا بأنه ربما تعجل الوقت، وهو موثقة سماعة، قال: سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها، فقال: إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلوة، فإنه ربما تعجل بها الوقت. فإن الظاهر أن قوله " ربما تعجل بها الوقت " ليس بصدد بيان أن مجرد احتمال التعجل موضوع للحكم بالحيضية، بل بصدد أن الدم المعهود للنساء إذا جرى قبل العادة فهو من الحيض ويكون من تعجل الوقت، فإن العادة في النساء ليست مضبوطة بالدقة بحيث لا تتقدم يوما أو يومين، بل كثيرا ما يتعجل الوقت فيكون من العادة بل يمكن دعوى إشعارها أو دلالتها بعدم اعتبار قاعدة الامكان، فإنها لو كانت معتبرة وكان كل دم يمكن أن يكون حيضا محكوما بالحيضية لم يكن وجه لتخصيص الحكم بما يصدق عليه عرفا عنوان تعجل الوقت، وقد حدده في بعض الروايات بيوم أو يومين، فالتقييد بذلك لاجل أمارية العادة للحيض لكن لا بمعنى أنها منضبطة بحيث لا تتقدم قليلا أو لا تتأخر كذلك، وبالجملة لا يستفاد من مثل تلك الرواية قاعدة الامكان.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 5. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 6. وفى نسخة الوسائل [ عند كل صلوتين ]. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 16. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 15، ح 2.

[ 36 ]

ومما استدل به لها مادل على أن ما رأت قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: وإذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة. (1) و روايته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أقل ما يكون الحيض ثلاثة، وإذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، وإذا رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة اخرى مستقبلة. ورواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله في أبواب العدد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تكون هي أملك بنفسها؟ قال: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها. قلت: فإن عجل الدم عليها قبل أيام قرئها؟ فقال: إن كان الدم قبل عشرة أيام أملك بها وهو من الحيضة التي طهرت منها، وإن كان الدم بعد العشرة أيام فهو من الحيضة الثالثة وهي أملك بنفسها (3). دلت هذه الاخبار على أن الدم بمجرد رؤيته محكوم بالحيضية، لكن إذا كان قبل العشرة فهو من الاولى، وإذا كان بعدها فهو من الثانية، وأنت خبير بأن الظاهر من الروايات مفروغية كون الدم حيضا، وأن محل البحث كونه من الاولى أو الثانية. و بعبارة اخرى: إنها في مقام بيان أن أي دم من الحيضة الثانية، لا في مقام بيان أن كل ما رأته فهو من الحيض. ومما يوضح ذلك قوله في رواية ابن مسلم " أقل ما يكون الحيض ثلاثة " فإن قوله " إذا رأت الدم... " عقيب ذلك يؤكد أن المراد منه هو دم الحيض، كما أن قوله في الرواية الاخيرة " فإن عجل الدم عليها قبل أيام قرئها " كالصريح في تعجل دم الحيض فقوله " إن كان الدم قبل عشرة أيام - إلخ - " جوابا عن ذلك ظاهر في أن الكلام بعد فرض حيضية الدم. وتوهم عدم علمها بالحيضية لولا القاعدة مدفوع بأن النساء


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 11، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 11، ح 5. (3) الوسائل: ابواب العدد، ب 17، ح 1.

[ 37 ]

كثيرا ما علمن بها بواسطة القرائن والامارات التي عندهن، مع أن الشارع جعل للحيض طريقا إذا اشتبه بالاستحاضة، والاشتباه قلما يتفق في غيرهما. وبالجملة استفادة مثل تلك القاعدة من مثل تلك الروايات غير ممكن. ومنها صحيحة عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الاول في امرأة نفست فتركت الصلوة ثلاثين يوما، ثم طهرت، ثم رأت الدم بعد ذلك، قال: تدع الصلوة، لان أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس. (1) حيث حكم بالحيضية بمجرد عدم الامتناع وخروج أيام الطهر. وفيه اولا أن تلك الرواية في عداد سائر الروايات التي دلت على أن أيام النفاس يمكن أن تكون ثلاثين يوما أو أزيد مما أعرض أصحابنا عنها، مع أن ظاهرها أن أيام النفاس تجتمع مع أيام الطهر، وهو أيضا يوجب الاضطراب في المتن، وإن أمكن تأويله بالحمل على أيام النفاس عرفا وإن لم يكن واقعا وشرعا، لكنه تأويل بعيد ينافي تقريره ترك الصلوة ثلاثين يوما. إلا أن يقال: إن قوله " لان أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس " في مقام الردع عن ترك الصلوة، فإن أيام النفاس ليست أيام الطهر عينا، فيحمل على أن الثلاثين ليست أيام النفاس جميعا بل بعضها أيام النفاس وبعضها أيام الطهر، فيكون قد أظهر الحكم الواقعي تحت حجاب التقية. وثانيا أن المراد من الدم هو دم الحيض مقابل الصفرة، وهو أمارة الحيض عند دوران الامر بينه وبين الاستحاضة، والشاهد عليه - مضافا إلى أن الدم في الروايات ذكر في مقابل الصفرة - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا إبراهيم عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو أكثر، ثم طهرت وصلت، ثم رأت دما أو صفرة، قال: إن كان صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلوة. (2) وروى الشيخ مثلها، إلا أنه قال " فمكثت ثلاثين ليلة أو أكثر " وزاد في آخرها " فإن كان دما ليس


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 5، ح 1. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 5، ح 2.

[ 38 ]

بصفرة فلتمسك عن الصلوة أيام قرئها، ثم لتغتسل ولتصل " فتدل على أن مرجعها الصفات لا قاعدة الامكان، والانصاف أنها على خلاف المطلوب أدل. ومنها صحيحة يونس بن يعقوب أو موثقته، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلوة، تصنع ما بينها وبين شهر، فإن انقطع عنها الدم وإلا فهي بمنزلة المستحاضة. (1) وقريب منها رواية أبي بصير، لكن التمسك بمثلهما لا يجوز، للزوم كون الحيض أكثر من عشرة أيام أو كون الطهر أقل منها، وكلاهما خلاف الواقع، فلابد من طرحهما أو توجيههما، وقد وجههما الشيخ والمحقق بما لا بأس به. هذا، مع أن قوله " ترى الدم " في مقابل " ترى الطهر " أي ترى الحيض والدم المعهود، مضافا إلى أن الرواية في مقام بيان حكم آخر ولا يمكن أن يتمسك بها للمقام كما لا يخفى. ومنها مادل على أن الصائمة تفطر بمجرد رؤية الدم، ولا يخفى ما فيه بعد الرجوع إليها، كما لا يخفى ما في التمسك بقوله " والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض " كصحيحة ابن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيامها فقال: لا تصلي حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت (2) إذ لا إشكال في أن الظاهر من الايام خصوصا قوله " أيامها " هو أيام العادة دون أيام الامكان كما قيل. ومنها صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ذهب طمثها سنين ثم عاد إليها شئ، قال: تترك الصلوة حتى تطهر. (3) فإن عود شئ أعم من الموصوف بصفات الحيض وغيره وفي زمان العادة وغيره. وفيه أن ظاهر العود مجئ الطمث، مع أن الاخذ بإطلاق قوله " شئ " لا معنى له، فلابد من تقدير، والظاهر أن التقدير: عاد إليها شئ من الطمث، فإنه


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 6، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 1. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 32، ح 1.

[ 39 ]

ذهب فعاد، ولا أقل من احتماله، ومعه لا يجوز التمسك به للقاعدة الثالث الاجماع، كما في الخلاف، وحكي عن المعتبر والمنتهى والنهاية و بعض من تأخر عنهما وفيه - مضافا إلى وهن دعوى الاجماع في مثل هذه المسألة التي كثرت الاخبار والقواعد فيها بحيث يمكن اتكال القوم عليها، فكيف يمكن حصول العلم أو الاطمئنان بوجود شئ آخر غير تلك الادلة كان هو منشأ الاجماع؟ - أن في أصل الدعوى تأملا، وإشكالا، فلابد من نقل عباراتهم حتى يتضح الحال. قال في الخلاف: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض وفي أيام الطهر طهر سواء كانت أيام العادة أو الايام التي يمكن أن تكون حائضا فيها، وعلى هذا أكثر أصحاب الشافعي - إلى أن قال: - دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الفرقة وقد بينا أن إجماعها حجة، وأيضا روى محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، فقال: لا تصلى حتي تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت. ثم تمسك برواية أبي بصير. وقد نقل عن المبسوط تفسير قوله " والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض " بأيام الامكان، فكأن الشيخ فهم من قوله " أيامها " و " أيام الحيض " أيام الامكان، فحينئذ من الممكن مطابقة عبارات الاصحاب أو جملة منهم لهذا النص الذي استند إليه، وقد فهم الشيخ منها ما فهم، وأسند إليهم الحكم باجتهاده، فصارت المسألة بتخلل اجتهاده إجماعية. وبالجملة بعد استظهار الشيخ أيام الامكان من " أيامها " في مثل رواية ابن مسلم لا يبقى وثوق بنقل إجماعه، لامكان استظهاره ذلك من عبائر الفقهاء أيضا، خصوصا مع دعواه أن الفقهاء كان بناؤهم على عدم التخطي عن النصوص بل عن عباراتها أيضا. هذا، مع أن في مطلق إجماعات الخلاف كلاما على نحو كلام الذي في إجماعات الغنية. وعن المعتبر: وما تراه المرأة بين الثلاثة إلى العشرة حيض إذا انقطع، ولا عبرة بلونه ما لم يعلم أنه لقرح أو لعذرة، وهو إجماع، ولانه زمان يمكن أن يكون حيضا

[ 40 ]

فيجب أن يكون الدم فيه حيضا. وعن المنتهى: كل دم تراه المرأة ما بين الثلاثة إلى العشرة لم ينقطع عنها فهو حيض ما لم يعلم لعذرة أو قرح، ولا اعتبار باللون، وهو مذهب علمائنا أجمع ولا نعرف مخالفا، لانه في زمان يمكن أن يكون حيضا فيكون حيضا. وعن النهاية: كل دم يمكن أن يكون حيضا وينقطع على العشرة فإنه حيض، سواء اتفق لونه أو اختلف، قوي أو ضعف إجماعا. ثم استدل بأنه دم في زمان يمكن - الخ -. وأنت خبير بأن شيئا من تلك الكلمات لا يدل على دعوى الاجماع على القاعدة، بل يكون محل كلامهما هو المسألة الفرعية، وهي ما ترى المرأة بين الثلاثة إلى العشرة، فادعيا الاجماع على هذه المسألة الفرعية، وأضافا التمسك بالقاعدة من غير دعوى الاجماع عليها. وتوهم كون موضوع كلام العلامة في النهاية قاعدة الامكان فاسد جدا، للزوم المصادرة والاستدلال على القاعدة بنفسها. فمن المحتمل بعيدا أن يكون مفروض كلامهما بعد مفروغية كون الثلاثة حيضا، ويكون مستندهما في حيضية الزائد إلى العشرة هو الاستصحاب، وذكر إمكان حيضية الدم لتنقيح موضوع الاستصحاب لا التمسك بالقاعدة، كما عن الذكرى أن ما بين الاقل والاكثر حيض مع إمكانه وإن اختلف لونه، لاستصحاب الحيض، ولخبر سماعة. ومعلوم أن التمسك بالاستصحاب بعد مفروغية كون الدم في الثلاثة حيضا. ومما ذكرنا يتضح حال دعوى عدم الخلاف والاجماع والشهرة من المتأخرين والمقاربين لعصرنا، لعدم الوثوق بها في هذه المسألة التي مر حالها من ترامي الادلة والاستدلالات فيها، وطريق الاحتياط واضح، وهو سبيل النجاة. واما الثالث أي بيان موردها ومقدار سعة نطاقها فهو تابع لمدرك القاعدة، فيختلف باختلافه، فإن كان مثل أصالة السلامة فيلاحظ بناء العقلاء في الاجراء و الاستناد، ولا إشكال في عدم مورد لجريانها إلا في ما شك موضوعا أن الدم الخارج

[ 41 ]

منها هو الدم الطبيعي المقذوف من الرحم السالم أو لا، وكان منشأ الشك فيها هو الشك في السلامة والانحراف، دون سائر الموارد من الشبهات الحكمية، أو الشك في تحقق ما يعتبره الشارع، أو الشبهة الحاصلة من تعارض الامارات، أو عدم إمكان العلم بالامارة الموجودة، أو عدم إمكان استعمال الامارة، وغير ذلك من الشبهات المتقدمة. وإن كان المستند هو الروايات فلابد من ملاحظة مفاد المستند، وأشملها دلالة على الفرض هو روايات اجتماع الحمل والحيض وما دل على أن الوقت ربما يعجل بها، ورواية النفاس، وشئ منها لا يدل إلاعلى البناء على الحيض في الشبهة الموضوعية والشك في أن الدم الخارج حيض أو لا، فإن الظاهر من الروايات الواردة في الحمل أن الشبهة كانت في أن الحامل تقذف الحيض أو لا تقذف لكون الدم غذاء ولدها، فدلت الروايات على أن الغذاء قد يزيد عن الطفل فتقذفه الرحم. واما سائر الشكوك كالشك في اعتبار الشارع أمرا في لزوم ترتب الآثار، أو الشك في تحقق ما اعتبره الشارع وأمثال ذلك فلا دلالة فيها بالبناء عليها بوجه. ومنه يظهر حال سائر الروايات. وأما الاجماع فالقدر المتيقن منه الشبهة الموضوعية بعد إحراز ما له مدخل في الحكم بالحيضية كالبلوغ وعدم اليأس والاستمرار إلى ثلاثة أيام، بل مع الشبهة الحكمية في دخل شئ فيه كالشك في شرطية التوالي مثلا أو مانعية شئ يشكل التمسك بالقاعدة، لعدم ثبوت الاجماع في مثله أيضا على فرضه. والانصاف أن القاعدة بنفسها غير ثابتة، وبعض الفروع التي ادعي الاجماع فيها لو ثبت قيامه عليها كالفرع المتقدم الذي سيأتي الكلام فيه نلتزم به لا لاجل القاعدة بل للاجماع في المسألة الفرعية. ثم إن القاعدة على فرض تماميتها في كونها أصلا أو أمارة تابعة لمدركها، فإن كان المدرك لها هو أصالة السلامة وقلنا بأماريتها أو الظن الحاصل لاجل الغلبة فتكون أمارة، وإن كان المدرك لها الاجماع والاخبار فلا تكون إلا أصلا معولا عليه لدى الشبهة. ثم إن تقديمها على الاستصحاب بناء على أماريتها واضح أصلا و

[ 42 ]

كيفية، وأما بناء على أصليتها فمقدمة عليه أيضا للزوم لغويتها لو عملنا بالاستصحاب لندرة مورد لا يكون فيه استصحاب. وتأخرها عن سائر الامارات الشرعية على الاصلية واضح، وأما على الا مارية فلان جعل الامارات الشرعية لغير الحيض رادع عن بناء العقلاء، فلو دار الامر بين الحيض والاستحاضة في المبتدئة مثلا وقلنا بأمارية البرودة والصفرة والفتور للاستحاضة فلا مجال للتمسك بالقاعدة حتى على الا مارية لعدم اعتبار بناء العقلاء مع قيام الامارة على خلافه. هذا تمام الكلام في قاعدة الامكان، وقد تحصل عدم اعتبارها، فمع الشك في كون دم حيضا أو غيره مما لم تقم أمارة أو دليل على رفع الشبهه لا محالة يرجع الامر إلى الاصول الشرعية، موضوعية أو حكمية - والله العالم -. * المطلب الثاني * في حدود الحيض وقيوده وشرائطه. وهي امور: (الامر الاول) لا إشكال نصا وفتوى في أن ما تراه الصبية قبل بلوغها تسعا ليس بحيض وإن كان مع الصفات والمميزات، وقد تكرر دعوى الاجماع عليه، وتدل عليه بعده صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ثلاث يتزوجن على كل حال: التي لم تحض ومثلها لا تحيض، قال: قلت: وما حدها؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين (1) - الحديث - وليس في سندها من يمكن التوقف فيه إلا " سهل بن زياد " وهو مورد وثوق على الاصح. ورواها الشيخ بسند فيه " الزبيري " وفيه توقف و إن لم يبعد وثاقته. والظاهر منها أن الحد هو تمام التسع، لان تسع سنين لا يصدق إلا من حين الولادة إلى آخر التسعة، فإتيان تسع سنين لا يكون إلا بتمامه، للفرق بين قوله " أتى لها تسع


(1) الوسائل: ابواب العدد، ب 2، ح 4.

[ 43 ]

سنين " وقوله " أتى لها السنة التاسعة " فمع وردها في التاسعة أتى لها السنة التاسعة ولكن أتى لها أقل من تسع سنين كما أنها لم تبلغ تسع سنين كما في روايته الاخرى. كما أن المراد منه التحقيق لا التقريب، لا لما قيل: إن الظاهر من مقام التحديد هو ذلك - وإن لم يخل من وجه - ولا لما قيل من أن تطبيق المفاهيم على المصاديق يكون بالدقة العقلية لا بتشخيص العرف، فإنه ضعيف، لان مبنى مخاطبات الشرع معنا كمخاطبات بعضنا مع بعض، ولا شبهة في أن المخاطبات العرفية لا تكون مبنية على الدقة العقلية لا مفهوما ولا في تشخيص المصاديق، فإذا قال " اغسل ثوبك من الدم " فكما أن مفهومه يؤخذ من العرف كذلك المعول عليه في تشخيص المصداق هو العرف، فلون الدم دم عقلا لكن لا يجب غسله لعدم كونه دما عرفا بل هو لون الدم، بل لان الميزان في تشخيص المفاهيم والمصاديق نظر العرف بحسب فهمه ودقته لا مع التسامح العرفي، فإذا كان للمفهوم مثلا ثلاثة مصاديق: أحدها مصداق برهاني عقلي لا سبيل للعرف إلى تشخيصه ولو مع الدقة وعدم التسامح كلون الدم، فإن العرف لا يدرك استحالة انتقال العرض وأن المنتقل أجزاء صغار جوهرية، فلا يكون اللون دما في أدق نظر العرف، ولا يتسامح في سلب الدمية عنه، وثانيها مصداق عرفي من غير تسامح عرفي، بل يكون مصداقا بدقته العرفية، وثالثها مصداق مسامحي لدى العرف، كإطلاق " الالف " على عدد ناقص منه بواحد أو اثنين، وإطلاق " الرطل " على ما نقص بمثقال أو درهم، ولا إشكال في أن هذا الاطلاق مسامحي مجازي يحتاج إلى التأول، فميزان تشخيص موضوعات الاحكام هو الثاني، لا الاول وهو معلوم، ولا الثالث إلا مع قيام قرينة حالا أو مقالا على تسامح المتكلم، وإلا فأصالة الحقيقة محكمة. هذا من غير فرق بين الموضوعات، ولا بين مقام التحديد وغيره، فالماء موضوع لهذا المائع المعروف، وتسامح العرف في إطلاقه على شئ لا يكون متبعا. فإطلاق العرف بلوغ التسع على من بلغت التسع إلا عدة أيام مسامحي مجازي، ولهذا لو سئلوا: هل بلغت تمام التسع؟ لاجابوا بالنفي واعترفوا بالتسامح، فبلوغ التسع لا يكون إلا بتمام الدورة التاسعة من السنة القمرية التي هي المنصرف

[ 44 ]

إليها عند العرف العام، والشمسية يحتاج معرفتها إلى مباني علمية ونجومية لا يعرفها عامة الناس خصوصا الاعراب وفي تلك الازمنة إلا أن تكون قرينة موجبة للتعين كما قد تدعى في باب سنة الخمس. كما لا إشكال في التلفيق وحساب المنكسر لقضاء العرف به. ثم إن ههنا إشكالا مشهورا بل إشكالين: احدهما ما في " الروض " قال: إن المصنف وغيره ذكروا أن الحيض للمرأة دليل على بلوغها وإن لم يجامعه السن، و حكموا هنا بأن الدم الذي قبل التسع ليس بحيض، فما الدم المحكوم بكونه حيضا؟ (انتهى) وهذا - كما ترى - ليس إشكال الدور بل إشكال التناقض في كلامهم بأن لازم القول الاول أن الحيض قبل التسع دليل البلوغ فيمكن تحققه قبله، وصريح القول الثاني عدم كون الحيض إلا بعد التسع، فلا يمكن أن يتحقق قبله. والاشكال الثاني أن القوم جعلوا الحيض والحمل دليلين على البلوغ، و قالوا في المقام: إن كل دم تراه المرأة قبل التسع ليس بحيض، فإحراز الحيضية يتوقف على إحراز التسع، ولو كان إحراز التسع متوقفا على إحراز الحيضية لدار الامر على نفسه. ولقد أجاب الشهيد في الروض عن الاشكال الاول بما يناسب الاشكال الثاني، و يمكن أن يجاب عن الاول بأنه لا تنافي بين كون الحيض دليلا على البلوغ مستقلا و عدم كون الدم قبل التسع حيضا، إذا اريد بالثاني عدم ترتب آثار الحيضية على الدم قبل التسع لا عدم تحقق الحيض تكوينا، فالحيض الذي لا يترتب عليه أحكام الحيض كترك الصلوة وحرمة مس الكتاب مثلا دليل على البلوغ، فيجب على الحائض قبل التسع الصلوة لبلوغها، لكن الالتزام بذلك بعيد بل ممنوع وإن شهد به بعض الاخبار، ولعل رجوع الشهيد إلى الجواب المذكور لاجل ما ذكر، فالاولى أن يقال: إن المصنف وغيره لم يلتزموا بكون الحيض بلوغا مستقلا ولو قبل التسع بل ادعي الاجماع أو عدم الخلاف على أن الحيض لا يكون بلوغا. فبقي الاشكال الثاني، فاجيب عنه بأنه مع العلم بالسن لا اعتبار بالدم

[ 45 ]

قبله وإن جمع الصفات، ومع اشتباهه ووجود الدم في وقت إمكان البلوغ يحكم بالبلوغ، ولا إشكال حينئذ. لكن هذا الجواب مبني على أن الدم المعهود المقذوف من النساء أعني دم الحيض لا يتحقق قبل التسع ويكون السن دخيلا في تحققه تكوينا، حتى تكون الامارة على الحيضية أمارة على السن، أو كان القذف قبل التسع مع إمكانه بحد من الندرة يعد معه قذف الدم المتصف بالصفات المعهودة من الامارات العقلائية على السن، وكلاهما محل تأمل وإشكال، وإن كان الثاني لا يخلو من قرب. ثم إنه لا مجال للتمسك بروايات الصفات للحكم بالحيضية والسن، لان الصفات أمارات في مقام الدوران بين الحيض والاستحاضة، والدم الخارج قبل التسع لا يكون أمره دائرا بينهما، ومع الشك في السن يشك في الموضوع. مضافا إلى أن مقتضى النص والفتوى أن الدم الخارج ممن لم تبلع التسع ليس بحيض ولو كان على صفاته، ومع استصحاب عدم كونها بالغة يحرز موضوع المخصص، فلا مجال معه للتمسك بأدلة الصفات، نعم، مع العلم أو الاطمئنان بكون الدم المقذوف حيضا لا يبعد الحكم ببلوغ التسع وترتيب آثار البلوغ والحيضية على إشكال. (الامر الثاني) ما تراه المرأة بعد يأسها ليس بحيض ولو كان بصفاته بلا إشكال نصا وفتوى. إنما الاشكال في حد اليأس: هل هو ستون مطلقا، أو خمسون كذلك، أو تفصيل بين القرشية وبين غيرها، أوبين القرشية والنبطية وبين غيرهما؟ وجوه وأقوال منشأها اختلاف الاخبار. ففي صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حد التي قد يئست من المحيض خمسون سنة. (1) وليس في طريقها من يتأمل فيه إلا " محمد بن إسماعيل النيسابوري " الذي لم يرد فيه توثيق، وإنما هو راوية " الفضل بن شاذان " لكن من تفحص رواياته اطمأن بوثاقته وإتقانه، فإن كثيرا من رواياته لو لم نقل


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 31، ح 1.

[ 46 ]

أغلبها منقولة بطريق آخر صحيح أو موثق أو معتبر طابق النعل بالنعل، والوثوق و الاطمئنان الحاصل من ذلك أكثر من الوثوق الذي يحصل بتوثيق الشيخ أو النجاشي أو غيرهما. وفي صحيحته الاخرى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ثلاث يتزوجن على كل حال - إلى أن قال: - والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض. قال: قلت: وما حدها؟ قال إذا كان لها خمسون سنة. (1) وفي طريقها " سهل بن زياد الآدمي " وأمره سهل بعد اشتراكه في إتقان الرواية وكثرته مع " النيسابوري " بل هو أكثر رواية منه، وله قدم راسخ في جميع أبواب الفقه كما يتضح للمتتبع، مع قرائن كثيرة توجب الاطمئنان بوثاقته. وفي مرسلة البزنطي عن بعض أصحابنا قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المرأة التي قد يئست من المحيض حدها خمسون سنة. نعم، روى الشيخ باسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج الرواية المتقدمة مع اختلاف يسير من التقديم والتأخير في العبارة، وفيها: إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض. (3) لكن في سندها تأمل، فإن في طريق الشيخ إلى على بن الحسن، علي بن محمد بن الزبير القرشي، ولم يرد فيه توثيق، وإنما قال النجاشي في ترجمة " أحمد بن عبد الواحد ": وكان قد لقي أبا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير وكان علوا في الوقت. وقد جعل بعض المتأخرين كالمحقق الداماد الجملة الاخيرة وصفا له، ففهم منه التوثيق أو قريبا منه. مع أن قول النجاشي لا يبعد أن يكون مر بوطابأحمد بن عبدون، لانه في مقام ترجمته لا ترجمة ابن الزبير. مع أن قوله " كان علوا في الوقت " يحتمل قريبا جريه على الاصطلاح من كونه علوا في السند من حيث كثرة عمره أو عمر واسطته، فإن ابن الزبير عمر مائة


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 31، ح 6. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 31، ح 3. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 31، ح 8.

[ 47 ]

سنة على ما ذكروا، ومعنى علو السند قلة الوسائط، فقول النجاشي مربوط ظاهرا بابن عبدون وأنه لاجل لقائه القرشي كان عالي السند في رواياته في ذلك الزمان. وكيف كان فمع الاشكال في السند - وإن كان الارحج عندي قبول رواياته - يحتمل قريبا وقوع اشتباه في الرواية إما من الرواة أو من النساخ، لبعد كونها رواية اخرى مستقلة غير الصحيحة، وبعد الاشتباه في الصحيحة لتأيدها بالصحيحة الاولى ومرسلة البزنطي، بل ومرسلات ابن أبي عمير والصدوق والمفيد والشيخ. بل لا يبعد أن يكون الاشتباه من النساخ في النسخ الاولية من كتاب الشيخ، لان الفتوى بهذه الرواية حدثت بعد زمان الشيخ في عصر المحقق والعلامة، ونقل عن مبسوطه: وتيأس المرأة إذا بلغت خمسين سنة، إلا أن تكون امرأة من قريش، فإنه روي أنها ترى دم الحيض إلى ستين سنة. ولم يشر إلى رواية ستين مع إشارته إلى المرسلة. وكيف كان فلا يبقى مع ما ذكرنا وثوق بالرواية، وليست حجية الخبر الواحد تعبدية محضة، بل لاجل عدم ردع بناء العقلاء أو تنفيذه، ولا إشكال في أن العقلاء لا يعملون بمثل هذه الرواية ولا أقل من عدم إحراز بنائهم على العمل بمثلها، فلا إشكال في ضعف القول بالستين مطلقا. والاقوى هو التفصيل بين القرشية وغيرها، والبحث عن النبطية لا يجدي بعد عدم معروفية هذه الطائفة. وأما القرشية فقد دلت على التفصيل بينها وبين غيرها مرسلة ابن أبي عمير (1) التي هي في حكم الصحيحة عندهم، حتى أن المجلسي - رحمه الله - وصف هذه المرسلة بالصحيحة في مرآته، ولا تقصر عنها مرسلة الصدوق، قال: قال الصادق عليه السلام المرأة إذا بلغت خمسين لم تر حمرة، إلا أن تكون امرأة من قريش، وهو حد المرأة التي تيأس من المحيض. (2) فإن هذا النحو من الارسال والنسبة إلى الصادق عليه السلام على نحو الجزم من مثل الصدوق لا يصح إلا مع علمه بصدور الرواية، ومعلوم من طريقته أن النسبة ليس من الاجتهاد. فهو إما اتكل على مرسلة ابن أبي عمير،


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 31، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 31، ح 7.

[ 48 ]

فحكمه على نحو الجزم يوجب الوثوق بها، وإما جزم بصدورها مستقلا، وهو لا يقصر عن توثيق الوسائط بالنظر إلى طريقته. ومثلها ما عن " المقنعة " قال: روي أن القرشية من النساء والنبطية تريان الدم إلي ستين سنة. وعن الشيخ في المبسوط: تيأس المرأة إذا بلغت خمسين سنة، إلا أن تكون امرأة من قريش، فإنه روي أنها ترى دم الحيض إلى ستين سنة. وهما مرسلتان مستقلتان غير السابقتين لافتراقهما عنهما مضمونا كافتراق أنفسهما. هذا، مع اشتهار الحكم بين الاصحاب قديما وحديثا، وقد نقل الشهرة عن جامع المقاصد وفوائد الشرائع في التفصيل بين القرشية والنبطية وغيرهما، وادعاها في الروضة، وادعى الشهرة في التفصيل بين القرشية وغيرها صاحب المسالك والجواهر، وعن التبيان والمجمع نسبة ذلك إلى الاصحاب. بل هو مقتضى الجمع بين الروايات على فرض استقلال رواية ابن الحجاج ومرسلة الكليني على تأمل. فلاينبغي الاشكال بعدم صراحة " الحمرة " في الحيض كما في مرسلتي ابن أبي عمير والصدوق، ولا " الدم " فيه كما في مرسلة المفيد، وعدم ذكر الستين للقرشية فيهما، ولعل فتوى المشهور كان لاجل الجمع بين روايتي ابن الحجاج ومرسلة ابن أبي عمير، وبعد ترجيح تصحيف الستين لا يبقى دليل على التفصيل إلا مرسلة الشيخ والمفيد. وهما غير كافيتين للاحتجاج بعد احتمال أن إرسالهما لاجل الجمع وتخلل الاجتهاد. ضرورة أن مثل هذه الاحتمالات العقلية تأتي في جميع الفقه، وهى ليست معتدا بها ومعيار الفهم الاحكام، ولايجوز نسبة هذا الجمع الغير المقبول لدى العقلاء إلى الفقهاء، وأن مبنى اشتهار الفتوى هذا الجمع البعيد الغير الوجيه، بل عدم ذكر الستين في المرسلتين يؤكد كون الحكم كذلك كان مشهورا لدى الامامية ومعروفا من لدن زمن الائمة عليهم السلام من غير احتياج إلى الاستناد إلى رواية. والشهرة في مثل هذا الحكم التعبدي المخالف للقواعد حجة مستقلة لو لم نقل بكفاية مرسلتي المفيد والشيخ مع انجبارهما بفتوى الطبقة المتقدمة والمتأخرة. ثم مع الشك في كون امرأة قرشية لا تجري أصالة عدم القرشية أو عدم

[ 49 ]

الانتساب إلى القريش لو كان المراد بها الاستصحاب لما حقق في محله، وإن كان المراد بها الاصل العقلائي المستند إلى الغلبة وندرة الطائفة بين سائر الطوائف فلها وجه، وإن لم يخل من إشكال منشأه عدم ثبوت هذا الاصل وعدم ندرة هذه الطائفة بحد يتكل العقلاء على الاصل لدى الشبهة. نعم، لا بأس بها مع الشك في النبطية لاحتمال الانقراض رأسا، فاحتمال النبطية ضعيف إلى حد لا يعتني به العقلاء. (الامر الثالث) لا إشكال نصا وفتوى في عدم كون ما رأت المرأة أقل من ثلاثة أيام حيضا، و نقل الاجماع عليه مستفيض، وعن الامالي أنه من دين الامامية الذي يجب الاقرار به، وعن المعتبر: هو مذهب فقهاء أهل البيت عليهم الصلوة والسلام. نعم، يقع الكلام ههنا في جهتين: الجهة الاولى وهي التي لا تختص بالمقام وقد مر فيها بعض الكلام أن الروايات الواردة في حدود الحيض كعدم كونه قبل التسع وبعد اليأس، وعدم كونه أقل من ثلاثة أيام وأكثر من عشرة أيام هل هي في مقام تحديد واقع الحيض وأن ما خرج على خلاف تلك الحدود ليس من الحيض تكوينا، بل من مبدأ آخر، إما من عرق العاذل أو من القرحة في الجوف أو غير ذلك، أو في مقام التحديد الشرعي بمعنى جعل الشارع موضوع الاحكام صنفا خاصا من دم الحيض لا مطلقه، كما جعل موضوع السفر صنفا خاصا من السفر، فقبل ثمانية فراسخ و إن كان سفرا واقعا لكن لا يترتب عليه الاحكام، وكذا سفر المعصية والصيد، فكذا لو فرض تحقق دم الحيض أي الدم الطبيعي المعهود قبل التسع أو بعد الخمسين أو أقل من ثلاثة أو أكثر من عشرة لم يكن موضاعا للحكم الشرعي، أو في مقام بيان جعل الشارع أمارات للحيض عند الاشتباه، وكانت الاحكام مترتبة على واقع الحيض ونفس طبيعة الدم المعهود، لكن لما كان الموضوع غالبا مورد الاشتباه جعل أمارات

[ 50 ]

له أو لعدمه، فكون الدم أقل من ثلاثة أو أكثر من عشرة أو قبل البلوغ وبعد اليأس محكوم بعدم الحيضية ظاهرا، فلو علمت بحيضية ما خرج قبل البلوغ أو بعدا ليأس يجب عليها التحيض والعمل بالوظائف لكونها حائضا، وهي موضوع للاحكام؟ قد يقال بالاخير جمعا بين أدلة أحكام الحيض الظاهرة في كون الحكم لنفس مهية الدم وبين موثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين، قال: إن كان الدم عبيطا فلاتصل ذينك اليومين وإن كان صفرة فلتغسل عند كل صلوة. وكذا موثقة سماعة الظاهرة في وجوب الجلوس إذا رأت الدم يومين، قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين و في الشهر ثلاثة أيام، يختلف عليها، لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء. قال فلها أن تجلس وتدع الصلوة مادامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق الشهران عدة أيام سواء فتلك أيامها. (1) بدعوى أن الروايتين محمولتان على صورة عدم الشبهة والعلم بكون الدم حيضا، وسائر الروايات محمولة على صورة الشبهة. وأنت خبير بأن ذلك مضافا إلى مخالفته للاجماع ليس من الجمع المقبول، فإن الظاهر من الروايتين صورة الاشتباه وعدم العلم، ولهذا أرجعها إلى الامارة وكونه عبيطا أو صفرة. ودعوى كون الرواية بصدد رفع الاشتباه والتنبيه على عدم كون المورد من موارد الاشتباه لا لجعل الامارة لدى الشبهة كما ترى. كما أن رواية سماعة لاتدل على ما ذكر إلا من حيث تقرير الامام قعودها في الشهر يومين، وهو لا يقاوم الادلة الناصة بأن أقل الحيض ثلاثة أيام، مع ما في ذيلها من أنه إذا اتفق الشهران عدة أيام سواء فتلك أيامها، من ظهوره في أكثر من يومين. وأما قوله " فلها أن تجلس وتدع الصلوة " فحكم ظاهري لمن رأت الدم، كما في رؤية الدم في أيام العادة. وإن أبيت عن جميع ذلك فلابد من رد علمهما إلى قائلهما مع إعراض الاصحاب عنهما، فالاحتمال الاخير أضعف الاحتمالات. ولا يبعد أن يكون أقربها ثانيها، لما مر من بعد كونها تحديدا للواقع،


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 14، ح 1.

[ 51 ]

فإن الحيض أي الدم المعهود قد يكون أكثر من عشرة أو أقل من ثلاثة، ولا يمكن الالتزام بأن الدم إلى الساعة الاخيرة من اليوم العاشر حيض تكوينا وله مجرى، و إذا بلغ آخر العشرة انسد الطريق المخصوص بالحيض وانفتح طريق آخر، وإن كان ظاهر بعض الروايات تحديد الواقع كمرسلة يونس القصيرة وغيرها، لكن ورود التحديد في لسان الشارع محمول على التحديد التعبدي لا التكويني، لعدم اهتمام الشارع في مقام بيان الاحكام وموضوعاتها ببيان حال التكوين، بل همه بيان موضوع أحكامه. الجهة الثانية هل يشترط التوالي في رؤية الدم ثلاثة أيام فلا يحكم بحيضية ما تراه ثلاثة متفرقة ولو بين العشرة، أو يكفي كونها في جملة العشرة، أو يكفي كونها متفرقة بحيث لا يتخلل بين أبعاضها عشرة أيام، أو يفصل بين الحامل وغيرها؟ والمشهور هو الاول كما في المسالك والحدائق والجواهر وطهارة الشيخ الاعظم وعن الذكرى وشرح المفاتيح، وتدل عليه قبل الاصول التي يأتي البحث عنها الاخبار الكثيرة الدالة على أن أقل الحيض ثلاثة أيام. ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام، وأكثر ما يكون عشرة أيام. (1) ومثلها أو قريب منها غيرها. تقريب الاستدلال بها أن الحيض إما الدم المعهود أو سيلانه أو أمر معنوي محصل به، وعلى أي حال لا يصدق كون أقله ثلاثة أيام إلا مع الاستمرار، فإن الدم إذا جرى يوما وانقطع يوما ثم جرى يوما وانقطع يوما ثم جرى يوما وقلنا بأن هذه الدماء حيض يكون أقل الحيض يوما واحدا، ضرورة أن الدم في اليوم الاول بعد تعقبه بالثاني والثالث يكون دما مستقلا منقطعا عن الدمين المتأخرين، وهو حيض حسب الفرض، فيكون أقل الحيض يوما واحدا لا ثلاثة أيام، إلا بتأويل وتوجيه يأتي الكلام فيه. وبعبارة اخرى: إن الدم وكذا كل أمر تدريجي الوجود مادام كونه سائلا يعد مصداقا واحدا للطبيعة، وإذا انقطع وتخلل بينه وبين قطعة اخرى نقاء أو طهر


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 10، ح 1.

[ 52 ]

تكون القطعتان مصداقين للطبيعة لا مصداقا واحدا، فالدماء المتفرقة في عشرة أيام إذا كان عدد مجموعها ثلاثة أيام تكون مصاديق متعددة مستقلة الدم ولسيلانه أيضا وجدانا، ومع كونها حيضا تكون ثلاثة مصاديق لدم الحيض، فيكون أقل دم الحيض يوما واحدا وكذا أقل سيلانه إلا بالتأويل وارتكاب التجوز. وهكذا لو قلنا بأن الحيض عبارة عن أمر معنوي حاصل بالدم إذا بلغ ثلاثة أيام في العشرة، فإن هذا الامر المعنوي يحصل بالدم المتعقب بثلاثة أيام، فإذا قيل بكفاية التفرق لا يمكن أن يكون الاقل ثلاثة، لانه إذا قلنا بأن الفترات طهر يكون الحيض في زمان جريان الدم مصداقا مستقلا، ومع تخلل الطهر بينه وبين مصداق آخر يمكن أن يكون المصداقان واحدا إلا بالتأول والتجوز والاعتبار، فيكون أقل الحيض يوما لا ثلاثة أيام. ولو قلنا بأن الفترات أيضا حيض يكون أقل الحيض في الفرض أكثر من ثلاثة أيام، لانه إذا فرض جريان الدم يومين ثم انقطع يوما وجرى يوما يكون الحيض أي الامر المعنوي أربعة أيام، فكون أقل الحيض ثلاثة أيام حقيقة لا يمكن إلا بتوالي الايام الثلاثة على جميع الاحتمالات. وبما ذكرنا يظهر أنه لاوقع للاعتراض عليه تارة بمقايسة المقام بنذر الصوم و هو واضح، واخرى بالنقض بالعشرة المقابلة للثلاثة لقيام الاجماع على عدم لزوم التوالي. فإن كون أكثر الحيض - بمعنى الدم أو سيلانه أو الامر المعنوي - عشرة أيام لا ينافي الاجماع المذكور، ضرورة أنه مع هذا الاجماع تكون العشرة مع تفرق أيام الدم بعد توالي ثلاثة أيام حيضا لا دم الحيض وسيلانه، فإذا كان المراد من الحيض في الروايات دم الحيض أو سيلانه يكون أكثر الحيض عشرة أيام متوالية، وتكون العشرة المذكورة حيضا حكما لاحقيقة. بل لنا أن نقول: إن الدم الذي بعد النقاء الحاصل بعد الثلاثة المتوالية حيض حكما لدلالة الادلة على أن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام، ولو كان الدم المرئي يوما حيضا لكان منافيا للروايات المتقدمة، تأمل. ولو قلنا بأن الحيض أمر معنوي يكون أكثر الحيض عشرة أيام، سواء استمر الدم في العشرة أو رأت الدم بعد

[ 53 ]

الثلاثة متفرقا إلى العاشرة، فلا يرد النقض أصلا. بل لو قلنا ذلك لم يرد علينا النقض بأن رؤية الدم يوما واحدا بعد الثلاثة المتوالية قبل تمام العشرة مصداق من الدم وهو حيض، فيكون الحيض أقل من ثلاثة أيام، ضرورة أن الحيض على هذا الفرض أكثر من ثلاثة أيام، لان أيام النقاء ايضا حيض كما يأتي الكلام فيه. نعم، بناء على كون النقاء طهرا كما يراه صاحب الحدائق يرد هذا النقض، لكن المبنى غير تام. ثم إن في مقابل هذه الروايات روايات عمدتها مرسلة يونس القصيرة التي رواها في الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن بعض رجاله، قال: أدنى الطهر عشرة أيام، (1) وذلك أن المرأة أول ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم، فيكون حيضها عشرة أيام، فلا تزال كلما كبرت نقصت حتى ترجع إلى ثلاثة أيام، فإذا رجعت إلى ثلاثة أيام ارتفع حيضها، ولايكون أقل من ثلاثة أيام، فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلوة، فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض، وإن انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت و انتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام، فإن رأت في تلك العشرة أيام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة أيام فذلك الذي رأته في أول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في عشرة فهو من الحيض، وإن مر بها من يوم رأت الدم عشرة أيام ولم تر الدم فذلك اليوم واليومان الذي رأته لم يكن من الحيض، إنما كان من علة: إما قرحة في جوفها، وإما من الجوف، فعليها أن تعيد الصلوة تلك اليومين التي تركتها، لانها لم تكن حائضا فيجب أن تقضي ما تركت من الصلوة في اليوم و اليومين، وإن تم لها ثلاثة أيام فهو من الحيض وهو أدنى الحيض، ولم يجب عليها القضاء، ولايكون الطهر أقل من عشرة أيام، وإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت، فإن رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض تدع الصلوة، وإن رأت الدم من أول ما رأت


(1) روى هذه الرواية في الوسائل مقطعة، وهذه الفقرة في ابواب الحيض، ب 11، ح 2.

[ 54 ]

الثاني الذي رأته تمام العشرة أيام ودام عليها عدت من أول ما رأت الدم الاول والثاني، عشرة أيام، ثم هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة. وقال: كل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، وكل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض. وهذه المرسلة كما ترى تدل على أن الثلاثة لا يلزم أن تكون متصلة متوالية، فتفسر ما في الروايات من أن الدم لا يكون أقل من ثلاثة أيام، فلولا الاشكالات الآتية لكان الجمع بينها وبين تلك الروايات عقلائيا لحكومتها عليها، ويكون نتيجته هو القول المخالف للمشهور، ولكن العمل بمثل تلك المرسلة في غاية الاشكال لالكون الحكم على خلاف المشهور وإن كان له وجه وجيه. واحتمال تخلل الاجتهاد في البين أو عمل المعارضة وترجيح الروايات المقابلة لا الاعراض عنها بعيد بل فاسد مع ما ترى من الجمع الوجيه العقلائي بين الطائفتين بحيث لا يبقى معه شبهة المعارضة، فكيف يمكن نسبة عدم فهم هذا النحو من الجمع المقبول العرفي إلى مشهور العلماء وأرباب اللسان؟ بل لان في المرسلة اضطرابات ومناقضات ومخالفات للمشهور ربما تبلغ المناقشات فيها إلى عشر أو أكثر، مع الغض عن التأمل في سندها بإسماعيل بن مرار الذي لم يرد فيه توثيق، وأكثر ما ورد فيه عدم استثناء " ابن الوليد " إياه عن رجال يونس، وفي كفايته تأمل وإن كانت غير بعيدة خصوصا مع قول الصدوق في شأن " ابن الوليد "، وعن إرسالها وإن كان المرسل يونس، لعدم ثبوت كون مرسلاته حجة، بل عدم ثبوت ذلك في سائر أصحاب الاجماع أيضا، لان استفادة ذلك من إجماع الكشي وعباراته الواردة في شأن الطوائف الثلاث محل إشكال، والشهرة المتأخرة عنه غير معتمدة مع قرب احتمال كون الاشتهار - على فرض ثبوته - من فهم تلك العبارة الواردة من الكشي فراجع عباراته. فمن الاضطرابات فيها هو التعليل الواقع فيها لكون أدنى الطهر عشرة أيام، لعدم التناسب بينهما، فإن كون المرأة في أول حيضها كثيرة الدم في بعض الاحيان ليس

[ 55 ]

علة لكون أقل الطهر عشرة ولا مناسبا له أصلا. (1) والتوجيه بأن المناسبة المصححة للعلية هي معلومية عدم تحيض النساء عادة في شهر إلا مرة وإن كان ربما يعجل بها الوقت بيوم أو يومين لكن ليس التحيض في شهر مرتين تامتين عادة لهن، فإذا كان المتعارف بينهن ذلك فيحسن التعليل، لانه إذا كان حيض كثيرة الدم عشرة أيام ولم يتعد عنها فكيف يكون الطهر أقل من عشرة مع أنها لا تحيض إلا مرة واحدة في كل شهر؟ غير وجيه، لانه إذا كان المتكلم بصدد بيان عادة نوع النساء فمع هذا التوجيه لابد وأن يقول: لا يكون أقل من عشرين، لا عشرة. وذكر العشرة إنما يحسن إذا عللها بأن المرأة لا تحيض زائدا عن مرتين في الشهر كل مرة عشرة أيام، ومعه يكون أقل الطهر عشرة أيام، فتعليل كون أقل الطهر عشرة أيام و عدم كونه أقل من ذلك بزيادة دم النساء في أول الحيض لا يكون له وجه صحة فضلا عن حسن. ومنها قوله " اغتسلت " مع أن الغسل مع الشك في الحيض بل في الاستحاضة و احتمال دم ثالث كما أبداه في نفس الرواية حيث قال مع عدم رؤية اليوم الثالث إنه ليس بحيض بل من قرحة في الجوف أو من الجوف، ليس له وجه مع جريان الاستصحاب وأنه لا ينبغي لها أن تنقض اليقين بالشك، وإيجاب الاحتياط عليها كما هو ظاهر الرواية لا يناسب الاحتياط الغير اللازم، بل لا يبعد دعوى عدم ملاءمة أدلة الاستصاب لحسن الاحتياط بالعمل على خلافها. ومنها الامر بالانتظار إلى عشرة أيام من يوم رأت الدم، مع أن الانتظار إلى العشرة إنما يجب في بعض الاحيان لا مطلقا، فإنها إذا رأت يوما وانقطع ولم تر إلى اليوم التاسع انقطع انتظارها، فإن رؤيته في أثناء اليوم التاسع يوجب أن لا تكون الثلاثة في أثناء العشرة، ومعه لا يكون الدم حيضا بحكم المرسلة، وإنما دم الحيض ما إذا تمت الثلاثة في العشرة، وكذا سائر الفروض المشابهة لما ذكرنا. ومنها أن صريحها في الموضعين منها أن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام،


(1) سيأتي في باب النفاس ما يمكن أن يكون وجه التناسب (منه مد ظله).

[ 56 ]

وظاهر بعض فقراتها أن الطهر أقل من عشرة كما اتكل عليه صاحب الحدائق وحمل الاول على مابين الحيضتين المستقلتين والآخر على مابين الحيض الواحد، وهو كما ترى خروج عن طريق المحاورة، مع أن المناسب على زعم صاحب الحدائق أن يذكر في الرواية الطهر بين الحيضة الواحدة ويقول: إن الطهر قد يكون أقل من عشرة، لا أن يقول: إن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام، ثم يردفه بما يثبت الاقلية، ثم يعقب ذلك بأن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام، فإن كل ذلك اضطراب واغتشاش. ومنها جعل حساب العشرة تارة من أول ما رأت الدم الاول، واخرى من أول يوم طهرت، فالدم في ما بعد العشرة من أول رؤية الدم ليس بحيض على الحساب الاول وحيض على الحساب الثاني. ولو كان بدل طهرت " طمثت " كما نقل عن نسخة مصححة مقروة علي الشيخ العاملي فهو اغتشاش واضطراب آخر. ومنها جعل ميزان الحساب ثالثا نفس الدم الاول والثاني، وجعل الاستحاضة بعد العشرة من الدمين، فلو فرض أنها رأت الدم خمسة أيام ورأت الطهر ثلاثة أيام ثم الدم عشرة أيام فالدم في اليوم الحادي عشر من مبدأ اليوم الاول ليس بحيض بناء على مفاد أول الرواية، وحيض بناء على الثاني والثالث، وأما الدم في الخامسة عشر فليس بحيض بناء على الاول والثاني دون الثالث. ومنها الحكم بحيضية الدم المتجاوز عن العشرة في ذات العدة كما هو ظاهرها، إلى غير ذلك. والانصاف أن مثل تلك المرسلة مع هذا التشويش ومخالفات الشهرة بل الاجماع في بعضها والوهن في بعض تعابيرها غير صالحة للاتكال عليها والاحتجاج بها، مع ما مر من أن العمل بالروايات ليس لتعبد صرف، بل العمدة هو بناء العقلاء وعدم الردع أو الامضاء، وهم لا يعملون بمثل تلك الروايات مع ما عرفت. وقد يستدل لعدم اشتراط التوالي بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: وإذا رأت المرأة الدم قبل عشرة فهو من الحيضة الاولى، وإن كان بعد العشرة فهو من

[ 57 ]

الحيضة المستقبلة. (1) وروايته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أقل ما يكون الحيض ثلاثة، وإذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، وإذا رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة اخرى مستقبلة. (2) بدعوى إطلاقهما لرؤية الدم أولا يوما أو يومين. قال في الحدائق: التقريب فيهما أنهما ظاهرتان في أنه إذا رأت المرأة الدم بعد ما رأته أولا سواء كان يوما أو أزيد، فإن كان بعد توسط عشرة أيام خالية من الدم كان الدم الثاني حيضة مستقلة، وإن كان قبل ذلك كان من الحيضة الاولى. وأنت خبير بما فيها، فإن الرواية الاولى مع إجمال صدرها أعني قوله " إذا رأت الدم قبل عشرة " لا يفهم منها شئ، فلا محالة إما أنها كانت مسبوقة بكلام آخر أسقطه الرواة لبعض الدواعي، أو كان المعهود أمرا رافعا للاجمال، وإلا فلايفهم من عشرة مبهمة شئ ولا يعلم ماكان معهود اذهنا أو ذكرا، فكيف يستدل بها، وبأي إطلاق يكون الاستدلال؟ مع إمكان أن يستكشف المعهود من نفس الرواية، أي قوله " من الحيضة الاولى " فكأن الكلام بتلك القرينة كان مسبوقا بأنه إذا حاضت المرأة وانقطع حيضها ورأت الدم قبل عشرة فهو كذلك، فكأنه قال: إذ رأت المرأة الدم بعد حيضها قبل عشرة أيام - إلخ - والدليل عليه أن الحيضة كانت مفروضة الوجود بل الدم الثاني أيضا كان مفروض الحيضية ووقع الكلام في إلحاق الحيض المفروض بالحيض المفروض المتقدم أولا أو كونه بنفسه حيضا مستقلا، وهذا هو المتفاهم منها، ومعه لا دلالة لها على دعوى صاحب الحدائق، بل لها إشعار أو دلالة على خلافها. ومنه يظهر الكلام في الرواية الثانية، بل هي أظهر في ما ذكرنا لكونها مسبوقة بقوله " أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام " مما يفهم منه الاستمرار بالتبادر أو بما قررناه سابقا، ومتعقبة بقوله " وإذا رأت الدم قبل عشرة أيام - إلخ - " وظاهرها أن المرأة بعد أن تحيضت بثلاثة أيام إذا طهرت ورأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيض المفروض التحقق بتحقق ثلاثة أيام متوالية، فتدل على خلاف مقصود صاحب الحدائق.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 11، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 11، ح 5.

[ 58 ]

وإن تنزلنا عن ذلك نقول: إن الروايتين ليستا في مقام بيان كون الدم حيضا حتى يتمسك بإطلاقها، بل في مقام بيان أمر آخر وهو استقلال الحيض وعدمه. ومنه يظهر الكلام في رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله المنقولة في أبواب العدد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تكون أملك بنفسها؟ قال: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة هي أملك بنفسها، قلت: فإن عجل الدم عليها قبل أيام قرئها؟ فقال: إذا كان الدم قبل عشرة أيام فهو أملك بها وهو من الحيضة التي طهرت منها، وإن كان الدم بعد العشرة أيام فهو من الحيضة الثالثة وهي أملك بنفسها. (1) ضرورة أن المفروض رؤيتها الحيضتين ووقع الكلام في الدم الذي عجل بها، وكانت الشبهة لاجل التعجل بعد فرض حيضية الثاني بل حيضية الدم الذي رأته بعد الثانية، و إنما شبهته كانت في أن الدم إذا عجل عليها هل يوجب الخروج عن العدة أم لا؟ فأجاب بما أجاب، ففرض الحيضة الثانية مما لا إشكال فيه، فلا وجه للتمسك بإطلاقها لمدعاه كما مر الوجه فيه، هذا. وأما التمسك بقاعدة الامكان وأدلة الاوصاف فضعيف لما مر من عدم الدليل على القاعدة، وعلى فرض تمامها لاترفع بها الشبهة الحكمية بل مصبها الشبهة الموضوعية، كما أن مصب الارجاع بالاوصاف عند الدوران بين الحيض والاستحاضة هو الشبهة الموضوعية لا الحكمية. ثم إن ههنا اصولا موضوعية وحكمية مع الغض عن الادلة كأصالة عدم كون المرأة حائضا، وأصالة عدم تحقق حيضها، وأصالة عدم كون الدم حيضا، و أصالة عدم حيضية الدم، والفرق بينها لا يكاد يخفى على المتأمل، فإن القضية المتيقنة في الاولى أن المرأة ليست بحائض بنحو الليس الرابط، فيتحقق بها موضوع الادلة الاجتهادية التي رتب الحكم بها على من لم تكن حائضا، فمن لم تكن حائضا يجب عليها الصلوة، ويجوز لها اللبث في المسجد إلى غير ذلك، والاستصحاب محقق موضوعها، وفي الثانية تكون القضية المتيقنة عدم تحقق حيضها وعدم كون حيضها موجودا بنحو العدم المحمولي، ولا يترتب على هذا الاستصحاب ما تقدم من الآثار إلا على الاصل


(1) الوسائل: ابواب العدد، ب 17، ح 1.

[ 59 ]

المثبت، فان عدم كونها حائضا من لوازم عدم تحقق حيضها، نعم لو كان لعدم تحقق الحيض أثر لترتب عليه بالاصل المذكور، وفي الثالثة تكون القضية المتيقنة أن الدم ليس بحيض بنحو الليس الناقص، وبالاستصحاب يترتب عليه حكم عدم كون الدم حيضا إذا كان له حكم شرعي، وأما الاحكام السابقة فلاتترتب عليه إلاعلى الاصل المثبت، فإن عدم كون المرأة حائضا لازم عدم كونه الدم حيضا، كما لا يترتب عليه حكم عدم حيضتها، وفي الرابعة تكون القضية عدم تحقق حيضية الدم بنحو الليس التام، ولا يترتب عليه شئ من الاحكام المتقدمة المترتبة على موضوعات سائر القضايا لعين ما ذكرنا من المثبتية. ولا يتوهم أن ما ذكرنا مخالف لصحيحتي زرارة، حيث قال في الاولى: فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، وفي الثانية: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت. وظاهرهما جريان الاصل في الوجود المحمولي وترتب أثر الرابط. فإنه مدفوع بمنع الظهور، بل الظاهر منهما الكون الرابط، فإن المتفاهم العرفي من قوله " إنك كنت على يقين من طهارتك " بإضافتها إلى الضمير أنك كنت على يقين من كونك طاهرا، أو كونك على وضوء، على نحو ربط الصفة بموصوفها. ثم إن جريان أصالة عدم كون الدم حيضا موقوف على أحد الامرين: إما كون الدم في الباطن غير حيض وتكون الحيضية من صفات الدم الخارج، وإما جريان الاصل في الاعدام الازلية، وكلاهما ممنوعان. ضرورة أن دم الحيض هو الدم المعهود المختزن في الرحم المقذوف في أوقات معينة - كما يظهر من روايات باب اجتماع الحمل والحيض - نعم، لا يترتب عليه حكم إلا بعد القذف وتحقق سائر شرائطه، ولو كان الحيض عبارة عن سيلان الدم لم يجر الاصل أيضا، وقد فرغنا عن عدم جريان الاصل في الاعدام الازلية كأصالة عدم القرشية في الاصول، فلا نطيل بالبحث حولها. وبما ذكرنا ظهر النظر في كلام الشيخ الاعظم خصوصا في إجراء أصالة عدم كون الدم حيضا لاثبات كون المرأة مستحاضة، حيث قال: إن قلنا بعدم الواسطة

[ 60 ]

بينهما - أي بين دم الحيض ودم الاستحاضة - أي في دم لم يعلم أنه نفاس أو قرحة أو عذرة فأصالة عدم الحيض حاكمة على أصالة عدم الاستحاضة أيضا، لان المستفاد من الفتاوى بل النصوص أن كل دم لم يحكم عليه بالحيضية شرعا ولم يعلم أنه لقرحة أو عذرة أو نفاس فهو محكوم عليه بأحكام الاستحاضة. وحينئذ فإذا انتفى كونه حيضا بحكم الاصل تعين كونه استحاضة، فتأمل (انتهى) وسيأتي الكلام إن شاء الله في النص والفتوى المدعيين، ومع تسليم ما ذكر لا يجري استصحاب عدم كون الدم حيضا كما مر، ومع الجريان لا يترتب على المرأة أحكام المستحاضة بمجرد جريان أصالة عدم كون الدم حيضا كما يظهر منه ذلك، إلا أن يدعى كشف التلازم الشرعي ببركة النص والفتوى بين عدم كون الدم حيضا وكون المرأة مستحاضة، وعلى المدعي إثبات ذلك. ثم على فرض عدم جريان الاصول الموضوعية تجري الحكمية، وهي مختلقة، ولا داعي إلى البحث عنها بعد قلة الجدوى. وهل المراد من التوالي هو توالي الايام وإن لم يستمر الدم فيها بأن ترى في كل يوم في الجملة لكن تكون أيام الرؤية متواليات، فيحمل عليه قوله في الفقه الرضوي " فإن رأت الدم يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر الدم ثلاثة أيام متواليات " لصدق رؤية الدم في كل يوم من الثلاثة المتواليات على ما لو رأت في كل يوم منها في الجملة، خصوصا إذا كان مقدارا معتدا به. وعليه تحمل الروايات الكثيرة الدالة على أن أدنى الحيض ثلاثة، أو أدنى ما يكون من الحيض ثلاثة، أو أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام - على اختلاف التعابير - فإن الثلاثة لا يمكن أن تكون محمولة حقيقة على الحيض وأدناه وأقله، بل تكون ظرفا له ذكر حرف الجر أولم يذكر، فيكون المراد أن أدنى تحقق الدم في ثلاثة أيام، وهو يصدق مع رؤيتها فيها في الجملة. وتشهد له موثقة سماعة. قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض، فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيام، يختلف عليها، لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء، قال: فلها أن تجلس وتدع الصلوة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق الشهران عدة أيام

[ 61 ]

سواء فتلك أيامها. (1) حملا للقعود يومين على يومين تامين مع رؤية الدم في ثلاثة أيام غير مستمر إلى تمام الثلاثة، بل لو سلم دلالة الروايات المتقدمة على الثلاثة المستمرة تكون هذه الرواية شاهدة على عدم لزوم استمراره إلى آخر اليوم، فيكون لها نحو حكومة وتفسير لثلاثة أيام في تلك الروايات. بل لا يبعد ظهور مرسلة يونس المتقدمة في رؤية الدم في الثلاثة في الجملة. أو المراد استمرار الدم في الثلاثة بحيث متى وضعت الكرسفة تلوثت به كما نسب إلى المشهور، وعن جامع المقاصد أن المتبادر إلى الافهام من كون الدم ثلاثة أيام حصوله فيها على الاتصال، بحيث متى وضعت الكرسفت تلوث به. وقد يوجد في بعض الحواشي الاكتفاء بحصوله فيها في الجملة، وهو رجوع إلى ما ليس له مرجع. واستجوده الجواهر جدا، ويظهر منه ندرة القائل بخلافه. وعن الجامع: لو رأت يومين ونصفا وانقطع لم يكن حيضا لانه لم يستمر بلا خلاف من أصحابنا. ويظهر منه أن اعتبار الاستمرار غير مختلف فيه لدى الاصحاب. وعن التذكرة أن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها بلا خلاف بين فقهاء أهل البيت، وظاهره الاستمرار وإن لم يخل به بعض الفترات. وكيف كان فهذا هو الاقوى، لما ذكرنا سابقا من أن الظاهر من روايات أقل الدم أن ثلاثة أيام أقل مصداق يتحقق لدم الحيض، وهو لا يمكن إلا باستمراره، وإلا فلو رأت في يوم ساعة وانقطع بحصول النقاء ورأت في اليوم الثاني ساعة اخرى و انقطع ورأت في الثالثة فهذه الدماء في الساعات المزبورة كما مر لا تكون مصداقا واحدا لدم الحيض عرفا وعقلا بل ثلاثة مصاديق، ضرورة أن استقلال كل مصداق حتى في نظر العرف عن مصداق آخر إنما هو بتخلل الطهر. وإذا كانت هذه الدماء حيضا لا يكون أقل دم الحيض ثلاثة أيام بل أقله ساعة، فإن كل ساعة دم حيض مستقل في التحقق والوجود. ولو فرض كون الحيض أمرا معنويا محصلا من الدم لم يكن الاقل ثلاثة أيام أيضا، سواء جعل النقاء في البين طهرا - وهو ظاهر - أولا، فإنها


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 14، ح 1.

[ 62 ]

لو رأت الدم في اليوم الثالث في أول النهار وطهرت ولم تر الدم إلى عشرة أيام كان هذا النقاء من أوله طهرا فيكون أقل الحيض يومين وساعة. إلا أن يحمل قوله " أقل الحيض ثلاثة أيام " على التسامح حتى يصدق على الثلاثة الناقصة، وهو كما ترى. كما أن حمل الروايات على كونه أمرا معنويا أيضا بعيد مع ظهورها في كونه نفس الدم أو سيلانه. وكيف كان فحملها على عدم الاستمرار والرؤية في الجملة يحتاج إلى تكلف واعتبار وارتكاب تجوز محتاج إلى القرينة. ولا يرد على ما ذكرنا من التقريب ما يرد على دعوى التبادر العرفي، وهو أن يقال: إن قوله " أقل الحيض ثلاثة ايام " غير ممكن الحمل على ظاهره، فلابد وأن تكون " الثلاثة " ظرفا، فهي إن كانت ظرفا لاصل تحقق الدم فلا يدل على الاستمرار، وإن كانت ظرفا لاستمراره وسيلانه لا يبعد ظهوره في الاستمرار في تمام اليوم، ولم يعلم أنه اريد به في الروايات نفسه أو سيلانه واستمراره، وحذف حرف الجر لا يفيد شيئا، ضرورة أن الظرفية باقية معه على حالها. ولو قيل إنه مع حذفه يكون الحمل لتأول، ومع الاستمرار يكون التأويل أقرب بخلافه مع عدمه، فيه أنه مع تسليمه لا يوجب ظهورا حجة يتمسك به لدى الشك مع إمكان التأويل بغير ذلك، خصوصا إذا كان الدم في كل يوم مقدارا معتدا به أو أكثر من النقاء فالعمدة ما ذكرناه، ومعه لا مجال للتمسك بموثقة سماعة، مع أن الظاهر منها أن القعود في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة كناية عن رؤية الدم يومين وثلاثة، كما يشهد به قوله " يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء " فلا دلالة فيها على ما ادعي حتى نحتاج إلى جواب الشيخ الاعظم مما لا يخلو عن تكلف، فلابد من حمل الرواية على لزوم ترك الصلوة إذا رأت الدم استظهارا حتى يتضح حالها، أورد علمها إلى أهله مع مخالفتها للاخبار والاجماع، ومرسلة يونس مع ما عرفت حالها لاتدل على ما ادعي لو لم تدل على خلافه. ومما ذكرنا يظهر حال الاحتمال الثالث مما نفى البعد عنه شيخنا البهائي

[ 63 ]

على ما نقل عنه ونسب إلى بعض معاصري شيخنا الشهيد الثاني من اشتراط رؤيته أول الاول وآخر الثالث وأي وقت من الثاني. نعم، لو بنينا على أن الحيض أمر معنوي يكون هذا القول أسلم من الاشكال من القول الاول. ثم لا يبعد عدم مضرية الفترات اليسيرة المعهودة للنساء إذا كانت بحيث لا تضر بالاستمرار العرفي ورؤية الدم ثلاثة أيام، كما نقل عن العلامة دعوى الاجماع عليه، ولعل مراد القائلين بالاستمرار ليس إلا هذا النحو، فقول جامع المقاصد (متى وضعت الكرسف تلوث به) لعله لا ينافي ذلك، فتأمل. وهذا لا يخلو من قوة إذا ثبتت المعهودية، وإلا فمحل إشكال وتأمل. وهل المراد من الثلاثة أيام هي مع لياليها، أو هي مع الليلتين المتوسطتين، أو نفس الايام بلا ليالها، أو تختلف بحسب الموارد: فإن رأت في أول الليل لابد من دخول الليالي الثلاث وكذا لو رأت وسط النهار، بخلاف ما لو رأت أول النهار فلا يدخل فيها الليلة الاخيرة، أو يختلف الامر بحسب المبنى المشهور فيدخل فيها الليلتان المتوسطتان في بعض الفروض والليالي الثلاث في آخر، وبحسب مبنى صاحب الحدائق فلا تدخل فيها الليالي مطلقا؟ يمكن أن يبتني الحكم على أن المراد من قوله " لا يكون الحيض أقل من ثلاثة أيام) أو (أدنى الحيض ثلاثة) هل هو نفس الثلاثة بحيث يكون النهار دخيلا في الموضوع ومقوما له كتقوم الصوم بالنهار والصلوة بالاوقات المخصوصة، أو أن ذكر ثلاثة أيام لمجرد التقدير، فتكون آلة محضا لتقدير مقدار الدم وأنه إذا سال بهذا المقدار يكون حيضا. ويأتي هذا الكلام في كثير من المواضع كالنزح يوما إلى الليل متراوحا لموت الكلب مع غلبة الماء. لا إشكال في أنه قد يفهم العرف والعقلاء بمناسبات مغروسة في أذهانهم أن ذكر الايام وأمثالها لمجرد التقدير من غير مدخل لذات اليوم في الموضوع والحكم، مثل أن يؤمر بوضع شئ في الماء يوما، أو وضع المشمع على الجرح يوما، فإن العرف لا يفهم منه إلا وضعهما مقدار يوم، ولايرى ذكر اليوم إلا لمحض التقدير، فإذا وضعهما

[ 64 ]

بمقدار يوم في الليل أو ملفقا يرى نفسه عاملا بالخطا ب، وقد يرى لليوم دخلا تقويميا للحكم وموضوعه. ولا يبعد أن يكون النزح متراوحا من قبيل الاول، فإن العرف يرى أن تمام الموضوع لتطهير البئر أو تنظيفه هو إخراج الماء بهذا المقدار من الزمان تراوحا، ولايرى لليوم دخلا في الحكم، بل يكون ذكره لمجرد التقدير، فالنزح في الليل بمقدار يوم إلى الليل عمل بالنص عرفا. فحينئذ يقع الكلام في أن المقام من قبيل ذلك وإنما جئ بثلاثة أيام لمجرد تقدير مقدار خروج الدم من غير مدخل لليوم فيه بحيث لو رأت مقدار ثلاثة أيام أي ست وثلاثين ساعة من أول الليل مثلا إلى مضي هذا المقدار مستمرا كان ذلك كافيا في جعله حيضا، وكذا لو كانت المرأة في أقطار تكون لياليها شهرين وأيامها كذلك أو أكثر فرأت بمقدار ذلك كان حيضا ووجب عليها التحيض، وبعبارة اخرى: إن العرف لا يرى لطلوع الشمس وغروبها دخلا في حيضية الدم كما لا يرى لهما تأثيرا في تطهير البئر بالنزح، ووضع المشمع على الجرح وأمثالها، أو يكون المقام من قبيل الاول بأن يكون للايام الثلاثة دخل في الموضوع، فليس الموضوع إلا رؤية الدم واستمراره ثلاثة أيام، ومع رؤية يوم وليلتين أو بالعكس لا يصدق أنها رأت ثلاثة أيام، وليس للمقدار اسم ولفظ حتى يستفاد منه ذلك، وإلغاء خصوصية الثلاثة غير ممكن، لانه لابد فيه من حكم العرف بذلك وهو غير معلوم، لكن الانصاف أنه لولا مخالفة ما ذكرنا للقوم حيث لم أر احتماله في كلام أحد لكان للذهاب إليه وجه، فتأمل. لكن الا وجه هو اعتبار الليالي، لان الظاهر من الادلة هو اعتبار الاستمرار وأن المراد من قوله " لا يكون دم الحيض أقل من ثلاثة أيام " من حين رؤيته، فيفهم منه الاستمرار ومن الاستمرار دخول الليالي، فكأنه قال: إذا رأت الدم من حين ما رأت ثلاثة أيام يكون حيضا، ففهم دخول الليالي لذلك لا لدخل بياض النهار فيه. وفي مثل التراوح أيضا يفهم ذلك إذا قال " يتراوح ثلاثة أيام " لا لفهم تأثير اليوم فيه ولذا نقول بالتلفيق، بل لفهم الاستمرار من الترواح من حين الاشتغال، ويفهم دخول الليالى

[ 65 ]

لفهم الاستمرار. فالاقوى هو الجمود على مقتضى النصوص، مؤيدا بما قلنا سابقا من أن التحديدات الشرعية الواردة لدم الحيض ليست تحديدات للحيض الواقعي - أي للدم المعهود المقذوف من الرحم في أوقات خاصة - بل هي لمعرفية الموضوع الذي هو صنف من الدم المعهود، فلهذا لو علمنا بأن الدم الاقل من ثلاثة أيام هو الدم المعهود لم نحكم عليها بالتحيض ولا تكون حائضا محكوما عليها بالاحكام الخاصة، ومعه لا مجال للعرف لالغاء الخصوصية، وليس حال ثلاثة أيام الحيض حال التراوح مما يمكن فيه إلغاء الخصوصية عرفا، مع أنك قد عرفت في التراوح ما عرفت. نعم، لو كان التحديد لواقع دم الحيض لكان لما ذكر وجه، لكنه ضعيف مخالف للاعتبار والوجدان، فلا يمكن رفع اليد عن ظواهر الادلة المتظافرة الدالة على كون أقل الحيض ثلاثة. وعلى ما ذكرنا يرفع الاستبعاد من اختلاف أقل الحيض قلة وكثرة بحسب وقت الرؤية من أول الليل أو أول النهار. ثم إنه على ما ذكرنا لا إشكال في دخول الليلتين المتوسطتين إذا رأت في أول النهار، والليلة الاولى أيضا إذا رأت أول الليل، والتلفيق إذا رأت بين النهار بحكم العرف وفهمه من قوله " لا يكون الدم أقل من ثلاثة أيام " فإنها إذا رأت أول الزوال إلى أول زوال اليوم الرابع يصدق عرفا أنها رأت ثلاثة أيام، كما أن الامر كذلك في أشباهه ونظائره. نعم، بناء على مذهب صاحب الحدائق فالظاهر عدم دخول الليل مطلقا، لان عمدة مستنده المرسلة، وظاهرها أنها لو رأت يوما ثم رأت بعد الانقطاع ما يتم به ثلاثة أيام يكون الدمان حيضا، ولا شبهة في صدق ثلاثة أيام متفرقة بين العشرة على الايام بغير لياليها. ودعوى إطلاق اليوم على اليوم والليلة ضعيفة مخالفة للعرف واللغة، وإنما فهمنا دخول الليالى من ظهور الادلة في الاستمرار أو من الوجه الذي سبق، كما أنه على فرض كون المراد من ثلاثة أيام مقدارها يكون المقدار المفروض هو مقدار بياض الايام، لانه اليوم عرفا ولغة. نعم، قد يطلق على مطلق الوقت، لكن إطلاقه على اليوم والليلة ليس على نحو الحقيقة، ومع التسليم

[ 66 ]

لاريب في انصرافه إلى بياض النهار فقط. وهذا أيضا أحد وجوه المناقشة على مرسلة يونس القصيرة. ثم إن التلفيق من الساعات خلاف ظواهر الادلة ولو على مبنى صاحب الحدائق كما يظهر بالنظر إلى المرسلة. (الامر الرابع) لا إشكال في كون أكثر الحيض عشرة أيام، وعن الامالي: هذا من دين الامامية الذي يجب الاقرار به، وعن المعتبر: هو مذهب فقهاء أهل البيت، ونقل الاجماع عليه متكرر كنقل عدم الخلاف، والنصوص به مستفيضة. نعم، في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: إن أكثر ما يكون من الحيض ثمان، وأدنى ما يكون منه ثلاثة. (1) وهي مع ما فيها من احتمال وقوع السهو لاجل تذكير لفظة " ثمان " كما في النسخ التي عندنا أو التقدير الموجب للاجمال شاذة. وعن الشيخ أن الطائفة أجمعت على خلاف ما تضمنه هذا الحديث، أو محمولة على بعض المحامل. وإنما الاشكال والكلام في اعتبار التوالي فيها كما عن ظاهر المشهور بل عن ظاهر النهاية عدم القائل بالخلاف، وعدمه كما قال به صاحب الحدائق، وهو خالف المشهور في توالي الثلاثة وتوالي العشرة وأقل الطهر، وقد مر التقريب في دلالة ما دل على أن أدنى الحيض ثلاثة أيام على التوالي، ويمكن تقريبها في العشرة أيضا، لكن لا يمكن إلزام صاحب الحائق بذلك إلا بعد إثبات عدم كون الطهر مطلقا أقل من عشرة أيام، وإلا فله أن يقول: إن كون أكثر الحيض عشرة أيام متوالية لا ينافي تفرق الايام على تسعين يوما، ومع ذلك لا تكون الايام المتفرقة أكثر أيام الحيض، لان الاكثرية بأكثرية الدم المستمر. لكنه لا يلتزم بذلك، بل يدعي أن الاكثر يمكن أن يكون متفرقا، وعليه يكون التقريب المتقدم حجة عليه وملزما له. والانصاف أن ظهور الروايات المحددة لاقل الحيض وأكثره في التوالي


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 10، ح 14.

[ 67 ]

مطلقا مما لا ينكر، وكذا لزوم التوالي في كل مصداق واحد من الحيض كان الاقل أو الاكثر أو الاوسط، بالتقريب المتقدم. فلابد لرفع اليد عن هذا الظهور المستقر والدليل المتبع من دليل، وإلا كان هو المتبع. واستند صاحب الحدائق لمقالته بروايات منها ذيل مرسلة يونس القصيرة، و هو قوله (فإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيام ثم أنقطع الدم اغتسلت وصلت، فإن رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض تدع الصلوة، وإن رأت الدم من أول ما رأت الثاني الذي رأته تمام العشرة أيام ودام عليها عدت من أول ما رأت الدم الاول والثاني، عشرة أيام، ثم هي مستحاضة) (1) والتقريب فيها من وجهين: أحدهما قوله " فإن رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض " حيث جعل مبدأ الحساب من الطهر، فإذا رأت خمسة وطهرت خمسة ثم رأت خمسة، فالخمستان الحاشيتان من الحيض لرؤيتها قبل مضي عشرة أيام من الطهر، ولا يتم ذلك إلا بعدم اعتبار التوالي. وثانيهما قوله " وإن رأت الدم من أول ما رأت الثاني - إلخ - " حيث جعل عد الدمين ميزانا للعشرة لا من مبدأ الدم الاول إلى عشرة أيام حتى يكون النقاء داخلا في الحساب، وهو لايتم إلا بعدم اعتبار التوالي. وفي الوجهين نظر، حاصله أن صدر المرسلة ظاهر بل صريح في أن مبدأ حساب عشرة أيام من أول رؤية الدم يوما أو يومين، وأن كل دم رأت في العشرة التي مبدأها ذلك هو من الحيض، ومع عدم الرؤية فيها ليس اليوم واليومان من الحيض، بل إما من قرحة أو غيرها، ويجب عليها قضاء الصلوة، فيكون مبدأ الحساب بحسب الصدر هو أول رؤية الدم، فحينئذ يكون قوله (إذا رأت خمسة أيام) إما من أمثلة ما ذكر في الصدر وإنما أعاد مثالا آخر للتوضيح، أو فرضا آخر حكمه غير الفرض الاول فيستفاد منها التفصيل بين رؤية الدم يوما أو يومين وبين خمسة أيام مثلا، أو كان الفرض الاول لغير ذات العادة بخلاف الثاني، وهذان التفصيلان مما لا قائل بهما


الوسائل: ابواب الحيض، ب 12، ح 2.

[ 68 ]

ظاهرا وإن لم يبعد التزام صاحب الحدائق بهما. ولا يبعد دعوى كون المثال للتوضيح لا لبيان مطلب مستقل ولو لما ذكرنا من عدم القائل بهما، فيتعين الاحتمال الاول، ومعه يكون الصدر رافعا لاجمال الذيل، فان قوله (من يوم طهرت) في الجملة الاولى التي استند إليها يمكن أن يكون متعلقا ب‍ " لم يتم " وأن يكون متعلقا بعشرة أيام، ولا ترجيح لاحدهما ابتداء، لكن مع ملاحظة الصدر الصريح في كون مبدأ الحساب هو أول رؤية الدم يرتفع هذا الاجمال ويتعين تعلقه بقوله " لم يتم " ويكون المعنى: إذا رأت الدم مع عدم تمام العشرة المتقدمة التي مبدأها من رؤية الدم.. فتكون أيام الطهر متممة للعشرة لا مبدأها، وبعبارة اخرى: إذا لم يأت عليها من الطهر متمم للعشرة ورأت الدم يكون حيضا، فصارت هذه الجملة مطابقة للجملة السابقة وللشهرة بل الاجماع. هذا مع الغض عما قال الشيخ الاعظم ان في نسخة مصححة مقروه على الشيخ الحر بدل طهرت (طمثت) ومما ذكرنا يظهر حال الجملة الثانية مع إجمالها واضطرابها، فإن المراد منها بعد ضم الصدر إليها أنه إن رأت من أول ما رأت الثاني الذي رأته متمما للعشرة المتقدمة التي مبدأها من رؤية الدم الاول... فتكون رؤية الدم في العشرة التي مبدأها مصرح به في الصدر، فتكون هذه الجملة أيضا مطابقة للصدر والقول المشهور، وإلا فلو اريد من قوله " تمام العشرة " العشرة التامة من رؤية الدم الثاني تكون هذه الجملة لغوا محضا، فإن رؤية العشرة التامة من مبدأ الدم الثاني لا دخل لها في الحكم المترتب عليه أصلا، ولا في مدعي صاحب الحدائق رأسا، فان الحكم إنما يكون على الدم المتجاوز عن عشرة أيام بعد حساب الدمين مجتمعا، فمع رؤية خمسة أيام كما هي مفروضة الرواية إن طهرت يوما مثلا ورأت ستة أيام يكون اليوم السادس منها استحاضة على قول صاحب الحدائق، ولا دخل لرؤية العشرة الكاملة لترتب هذا الحكم عليه. هذا كله مع الغض عما تقدم في المسألة السابقة. والانصاف أن هذه المرسلة مع هذه التكلفات في توجيهها وتأويلها والاجمالات الكثيرة فيها لا يمكن الاتكال عليها لاثبات حكم شرعى.

[ 69 ]

ومما استدل به لمذهب صاحب الحدائق رواية محمد بن مسلم المتقدمة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أقل ما يكون من الحيض ثلاثة، وإذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، وإذا رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة اخرى مستقبلة. (1) و قريب منها روايته الصحيحة الاخرى ورواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله المتقدمتان. والتقريب فيها أن الظاهر منها أن العشرة المذكورة فيها عشرة واحدة جعل لرؤية الدم قبلها وبعدها حكم، ولا إشكال في أن مبدأ العشرة في الفقرة الثانية هو أول الطهر وإلا لزم كون الدم حيضة مستقبلة قبل عشرة الطهر وهو خلاف الاجماع والنص، فلا محالة يكون مبدأ العشرة في الاولى أيضا هو الطهر، فحينئذ إن جعل النقاء المتخلل حيضا يصير أكثر الحيض أكثر من عشرة أيام، وهو أيضا خلاف الاجماع والنص، فلابد من جعله طهرا، وبه يتم المطلوب وهو عدم توالي عشرة أيام الحيض، بل وتتم دعوى اخرى، وهى كون الطهر أقل من العشرة إذا كان في خلال الحيضة الواحدة. وفيه أنه لا إشكال في لزوم ارتكاب خلاف ظاهر في المقام، فلابد من عرض الاخبار الواردة على العرف حتى نرى أن ارتكاب أي خلاف ظاهر أوهن، وتوضيحه أن ههنا طوائف من الروايات: إحديها الروايات الكثيرة القائلة بأن أقل ما يكون الحيض ثلاثة وأكثره عشرة الظاهرة في التوالي، وهذه الروايات بإطلاقها تدل على أن العشرة حد للاكثر سواء استمر الدم أو تخلل نقاء في البين، ولازمه كون النقاء حيضا، والطائفة الثانية مادلت على أن أقل الطهر عشرة أيام كمرسلة يونس وغيرها، والطائفة الثالثة تلك الروايات المتقدمة الظاهرة في كون العشرة واحدة، واستفاد صاحب الحدائق منها أن النقاء المتخلل طهر ولا يشترط التوالى في العشرة جمعا بينها. ولنا أن نقول مع قطع النظر عن فتاوي الاصحاب وعدم الاعتناء بالشهرة و


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 10، ح 11.

[ 70 ]

الاجماع كما هو دأب صاحب الحدائق: إن الجمع بينها لا ينحصر في ما ذكر، بل يمكن الجمع بوجه آخر، وهو رفع اليد عن إطلاق مادل على أن أكثر الحيض عشرة أيام، فإن مقتضى إطلاقها أن الاكثر عشرة، سواء كان الدم سائلا أو تخلل النقاء في البين، فمع رفع اليد عن إطلاقها واختصاصها بما إذا رات الدم في جميع العشرة يجمع بين الروايات أيضا، فيكون مبدأ العشرتين من حين رؤية الدم كما هو الظاهر منها، ومع حفظ ظهور الروايات الدالة على أن أقل الطهر عشرة أيام نحكم بحيضية النقاء المتخلل، وتكون النتيجة أن الحيض الحكمي يكون أكثره أكثر من عشرة أيام. وهذا الجمع أقرب مما ذكره صاحب الحدائق: لان الحيض عبارة عن الدم أو سيلانه لغة، فما دل على أن أكثر الحيض عشرة أيام يمكن دعوى ظهورها في أن أكثر جريان الدم الذي هو حيض عشرة أيام ولايكون متعرضة للحيض الحكمي، فيجمع حينئذ بين الروايات من غير ارتكاب خلاف ظاهر أصلا. ولو قيل بالاطلاق كان هذا الجمع أيضا أقرب، لما ذكر أو لاحتماله وضعف الاطلاق، ولا أقل من كون الجمعين متساويين من غير ترجيح، بل بناء على هذا الجمع يكون التصرف في الادلة أقل مما ارتكبه صاحب الحدائق. بيانه أن الجمع بينها على مسلكه يوجب التصرف في جميع الطوائف الثلاث، أما في مادلت على أن أقل الطهر عشرة فبتقييد إطلاقها بما بين الحيضتين المستقلتين، وأما في مادلت على أن أكثر الحيض عشرة أيام فبرفع اليد عن ظهورها في العشرة المتوالية، وأما في الطائفة الثالثة فبرفع اليد عن ظهورها في أن مبدأ العشرة هو الدم، ضرورة أن قوله في رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أقل ما يكون الحيض ثلاثة، وإذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى - إلخ - ظاهر في أن مبدأ العشرة هو مبدأ الثلاثة المذكورة، وليس من الطهر ذكر حتى تحمل العشرة على العشرة من الطهر، وأما بناء على ما ذكرنا من حمل الروايات الدالة على أكثر الحيض على عشرة الدم لا يكون التصرف إلا فيها - على فرض تسليم إطلاقها وعدم

[ 71 ]

انصرافها إلى وجدان الدم - وفي الطائفة الثانية برفع اليد عن ظهورها في كون العشرة واحدة ومبدأ الثاني هو مبدأ الاولى، فيكون هذا التصرف أقل مما سلكه صاحب الحدائق وأهون. لكن مع ذلك ومع الغض عن كونه خلاف الاجماع يكون الجمع بينها بما يوافق قول المشهور أهون وأقل محذورا منه، فضلا عن الجمع على مسلك الحدائق، فإنه لو سلم كون الطائفة الثالثة مطلقة وفي مقام البيان كان التصرف مختصا بها على مذهب المشهور وتكون مادلت على أكثر الحيض وأقل الطهر محفوظة عن التصرف، وأما التصرف في هذه الطائفة فإما بجعل العشرة الاولى غير الثانية كما قد يؤيده تنكير الثانية على بعض النسخ، أو حفظ هذا الظهور وتقييد الفقرة الثانية بمضي أقل الطهر وهو عشرة أيام طاهرة، وهذا تصرف واحد أهون من تصرفين أو تصرفات في جميع الادلة. هذا مع التسليم، وإلا فالحق أن هذه الراويات ليست في مقام البيان من هذه الجهة بلا إشكال كما تقدم، ويظهر بالمراجعة إليها، فإن قوله في رواية ابن مسلم " أقل ما يكون الحيض ثلاثة، وإذا رأت الدم قبل عشرة - إلخ - " ظاهر في أن الحيض في مبدأ العشرة كان مفروض الوجود، وكذا الدم المتأخر كان مفروض الحيضية، وإنما الكلام في استقلاله وعدمه وأنه من الحيضة الاولى أو حيضة مستقبلة، وليست بصدد بيان أن الدم كذا حتى يتمسك بإطلاقه. ولهذا لا ينقدح في الذهن تعارض بين صدرها حيث حكم بأن أقل الحيض ثلاثة وبين ذيلها، ولو كان للذيل إطلاق لكان متعارضا مع الصدر. وكذا لا ينقدح التعارض بينه وبين مادل على اعتبار شرائط في الحيض، وذلك آية عدم الاطلاق كما ينادي به نفس الراوية. ومثلها رواية عبد الرحمان المتقدمة، فإن الظاهر منها أن حيضية الدم المتقدم والمتأخر مفروضة، وتكون الرواية في مقام بيان أنه ملحق بالثانية أو حيضة مستقلة، فحينئذ لا يكون الجمع بين تلك الطوائف بما يوافق المشهور موجبا لتصرف فيها. نعم هنا روايات اخر يتمسك بها لعدم اعتبار التوالي، ولكون أقل الطهر بين

[ 72 ]

الحيضة الواحدة أقل من عشرة أيام، وأن مادلت على أن أدنى الطهر عشرة مختصة بما بين الحيضتين. منها موضعان من مرسلة يونس: أحدهما قوله " وإن انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت " حيث إن الامر بالاغتسال إنما يكون للحيض المحتمل والامر بالصلوة لكونها طاهرة. وفيه أنه كما يحتمل أن يكون ذلك لاجل احتمال الحيض يمكن أن يكون لاجل احتمال الاستحاضة. ويمكن أن يقال: إن الثاني موافق للاصل بناء على أن هذه المرأة إذا لم تكن حائضا فهي مستحاضة شرعا، وإحراز عدم كونها حائضا بالاصل، ولو اغمض عن ذلك أو استشكل فيه فلا ظهور للرواية في تعيين شئ من الاحتمالين. كما أن الامر بالصلوة يمكن أن يكون للتكليف الظاهري واستصحاب عدم كونها حائضا فلا ظهور لها في ما ادعى صاحب الحدائق وثانيهما قوله (فذلك الذي رأته في أول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض) حيث حكم بحيضية الدمين، ولو كان النقاء حيضا كان عليه بيان حيضية المجموع. وفيه أن الظاهر من قوله " فذلك الذي رأته في أول الامر " إلى قوله " من الحيض " حيث أتى بلفظة " من " الظاهرة في التبعيض أن مجموع الدم الاول والثاني بعض الحيض، وهو لايتم إلا بكون النقاء حيضا، وإلا كان تخلل " من " التبعيضية غير مناسب، بل كان عليه أن يقول: هو الحيض، لاهو من الحيض. نعم، لو كان الضمير راجعا إلى بعض الدم كان تخللها صحيحا، لكن لا إشكال في رجوعه إلى كله وهو لا يستقيم إلا بما ذكرنا. هذا، مضافا إلى أن كون الوسط طهرا موجب لاستقالال الدمين في الوجود، فجعلهما واحدا ومن حيضة واحدة لا يستقيم إلا بتأول وتجوز واعتبار وحدة. مع أن تصريحه في موضعين منها بأن الطهر لا يكون أقل من عشرة لا يناسب بيان أقليته منها، فمن يريد أن يبين أن الطهر يمكن أن يكون أقل من عشرة أيام لا يقول بقول مطلق إن أدنى الطهر عشرة أيام، ولا يذيل كلامه بأن الطهر لا يكون أقل من عشرة. وأضعف مما ذكر الاستدلال بآخر المرسلة حيث قال " عدت من أول ما رأت الدم الاول والثانى عشرة أيام " وقد مر الكلام في الجمل الاخيرة منها.

[ 73 ]

ومنها روايات محمد بن مسلم المتقدمتان حيث جعل فيهما الدم بعد الانقطاع من الحيضة الاولى إذا رأت قبل عشرة أيام، فتدلان على أن النقاء ليس بحيض. ومثلهما رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله. والجواب عنهما بما تقدم من أن الظاهر من قوله " من الحيضة الاولى " أن الحيضة مستمرة من مبدأ الدم الاول إلى الدم الثاني وإلا كان حيضا مستقلا، فلا يصدق كونه من الاولى بلا تجوز واعتبار وحدة تأولا إلا ببقاء الاولى واستمراره، فيكون النقاء وجودا بقائيا لها فيكون حيضا. مضافا إلى أن تلك الروايات كما تقدم إنما تكون بصدد بيان أمر آخر، ولا تكون بصدد بيان حال الطهر فلا دلالة لها على مذهب صاحب الحدائق. هذا مع الغض عن سند رواية عبد الرحمان وإحدى روايتي ابن مسلم وإجمال الاخرى. ومنها رواية داود مولى أبي المغرا عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: قلت له: المرأة يكون حيضها سبعة أيام أو ثمانية أيام، حيضها دائم مستقيم، ثم تحيض ثلاثة أيام، ثم ينقطع عنها الدم وترى البياض لا صفرة ولا دما، قال: تغتسل وتصلي، قلت، تغتسل وتصلي وتصوم ثم يعود الدم، قال: إذا رأت الدم أمسكت عن الصلوة والصيام، قلت: فإنها ترى الدم يوما وتطهر يوما، قال: فقال: إذا رأت الدم أمسكت وإذا رأت الطهر صلت، فإذا مضت أيام حيضها واستمر بها الطهر صلت، فإذا رأت الدم فهي مستحاضة، قد انتظمت لك أمرها كله. (1) حيث أمرها بالغسل والصلوة والصيام في أيام النقاء فتكون طهرا حقيقة، وأيضا لم يأمرها بقضاء الصوم، مع أن قضاءه لازم على الحائض، فتدل على أن النقاء طهر. وفيه أن عدم الامر بقضاء الصوم إنما هو لعدم كونه في مقام بيانه، ولا يجب بيان جميع الاحكام المرتبطة بالحيض في رواية واحدة، وأما الامر بالصلوة والصيام فيمكن أن يكون احتياطا واستظهارا كما هو متكرر في أبواب الدماء من الامر بالترك أو الفعل للاستظهار حتى مع وجود الاصل المنقح، فلا تدل على تحقق الطهر الحقيقي ولا كون الدم حيضا. كما لا محيص عن حمل صحيحتي يونس بن يعقوب وأبي


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 6، ح 1.

[ 74 ]

بصير على ذلك، ففي الاولى: قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام، قال: تدع الصلوة، قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تصلي، قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلوة تصنع ما بينها وبين شهر، فإن انقطع عنها الدم وإلا فهي بمنزلة المستحاضة. (1) ضرورة أن الحمل على الحيض والطهر في جميع الايام إلى شهر مما لا يمكن، للزوم كون الطهر بين الحيضتين المستقلتين أقل من عشرة إذا كان كل دم حيضا مستقلا، و كون الحيض الواحد أكثر من عشرة إذا كانت الدماء حيضة واحدة، فلا محالة تحمل على الامر بالاحتياط وترجيح جانب الحيض في أيام الدم وجانب الطهر في أيام النقاء كما صنع العلمان الشيخ والمحقق، وعليه يحمل فتوى من أفتى بمضمونهما. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يكون القرء في أقل من عشرة أيام فما زاد، وأقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى أن ترى الدم (2). فقد يتمسك بها للفريقين بدعوى أن القرء هو الطهر بين الحيضتين المستقلتين كما تدل عليه صحيحتا زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: القرء ما بين الحيضتين. (3) فاختصاص القرء بالذكر لكون الطهر أعم، وهو لا يكون عشرة أيام، مع ظهور قوله " أقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى أن ترى الدم " في طهرها من الحيض إلى رؤية الدم من الحيضة المستقبلة. وفيه ما لا يخفى، فإن القرء على ما صرح به أئمة اللغة هو الطهر ضد الحيض ولم أر في ما عندي من كتب اللغة وكلام شراح الحديث والمفسرين التفسير بما بين الحيضتين إلا عبارة من الصدوق في الفقيه وما في الصحاح عن الاخفش عن بعضهم، وإلا فكلماتهم متطابقة على أن القرء هو الطهر والحيض وهو من " الاضداد " وعن الاخفش أنه انقضاء الحيض. والظاهر أن كلام الصدوق تبع للرواية لانقل للغة. وأما الروايات


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 6، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 11، ح 1. (3) الوسائل: ابواب العدد، ب 14، ح 1 - 2.

[ 75 ]

الواردة في باب العدد فهي في مقام بيان الحكم الشرعي لاذكر المعنى اللغوي، لوقوع الخلاف بين الخاصة وبعض العامة كأبي حنيفة في المراد من القرء في آية التربص: هل هو الطهر كما عليه أصحابنا، أو الحيض كما عليه أبو حنيفة وبعض آخر منهم، فتلك الروايات واردة في بيان المراد من القرء في آية التربص، وأن القرء ليس بمعنى الحيض فيها بل هو الطهر بين الحيضتين، فلا يستفاد منها شئ من المذهبين في المقام. مع أنه على فرض تفسير القرء بما بين الحيضتين يمكن الاستدلال بها للمشهور بضميمة مادل على أن الاقراء هي الاطهار كصحيحة زرارة في باب العدد، والظاهر من تخلل ضمير الفصل هو كون القرء والطهر واحدا، فما لم يكن قرء لا يكون طهرا، فإذا كان النقاء أقل من عشرة لا يكون قرء ولاطهرا فيكون حيضا. والانصاف أن رواية باب العدد أجنبية عما نحن بصدده. وأما صحيحة محمد بن مسلم فحاكمة بأن القرء لا يكون أقل من عشرة أيام، وهو لغة الطهر، فلا يكون الطهر أقل منها، والجملة التالية أعني قوله " وأقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى أن ترى الدم " تفسير للسابقة، ومعناها أن الطهر إذا عقبه الدم ليس بقرء ولاطهر إلا إذا كان بينهما عشرة أيام، فدلالتها على القول المشهور ظاهرة، مع إمكان أن يقال: إن عمل المشهور على رواية يونس في تلك الفقرة التي لا إجمال فيها يكفي في جبران ضعفها سندا، والتشويش المتنى ليس في هذه الفقرة، فالحق ما عليه المشهور في المسائل الثلاث، وطريق الاحتياط معلوم وهو سبيل النجاة. المطلب الثالث (في أقسام الحائض وأحكامها) الحائض إما ذات عادة أولا، فالاولى إما وقتية وعددية، أو وقتية فقط، أو عددية كذلك، والثانية إما مبتدئة وهي التي لم تر الدم سابقا وكان ما رأت أول دمها، وإما مضطربة وهي التي لم تستقر لها عادة وإن رأت الدم كرارا كمن رأت

[ 76 ]

ثلاثة في أول شهر وخمسة في وسط شهر آخر وسبعة في آخر شهر ثالث وأربعة في شهر آخر في غير الايام المتقدمة وهكذا، وإما ناسية وهي التي كانت لها عادة فنسيتها و يقال لها المتحيرة. وقد تطلق المبتدئة على الاعم ممن تقدمت ومن لم تستقر لها عادة، كما تطلق المضطربة على الناسية، والامر سهل. والاولى صرف الكلام إلى أحكام الاقسام في ضمن مسائل: الاولى لا إشكال في حصول العادة برؤية الدم مرتين في الجملة دون مرة واحدة نصا وفتوى، وخلاف بعض العامة كنقل موافقة بعض أصحابنا معه - مع عدم ثبوته - لا يعتنى به، وإنما الاشكال - مع قطع النظر عن الاجماع أو الشهرة - في استفادة حصول العادة بمرتين في اصول أقسام ذات العادة التي تقدمت من الادلة كمرسلة يونس الطويلة وغيرها، وكذا في استفادة حصولها بهما في سائر الاقسام المتكثرة المذكورة في كتب المحقق والعلامة والشهيد - على ما حكيت - وأشار إلى بعضها الشيخ الاعظم وغيره. فنقول: لا إشكال في استفادة حصولها بمرتين في ذات العادة الوقتية والعددية من مرسلة يونس، وادعى بعضهم استفادة العددية فقط أيضا منها أي شمول ظهورها اللفظي لهما دون الوقتية فقط. لكن الظاهر منها بعد التأمل التام في جميع فقراتها هو تعرضها لذات العادة العددية والوقتية دون غيرها، بل شمولها لذات العادة الوقتية أقرب من العددية، فالاولى ذكر بعض فقراتها حتى يتضح الحال. قال بعد كلام: أما إحدى السنن فالحائض التي لها أيام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها ثم استحاضت واستمر بها الدم وهي في ذلك تعرف أيامها ومبلغ عددها - إلخ - (1) لا إشكال في أن ما ذكر لا ينطبق إلا على ذات العادة العددية والوقتية مع كونها ذاكرة لعددها ووقتها، وأما لو كان لها عدد معلوم لكن كان مختلطا في ثلاثين يوما فلا تكون لها أيام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها، وأي اختلاط أكثر من اختلاط ثلاثة في ثلاثين مثلا؟ وأوضح من ذلك قوله) تعرف أيامها ومبلغ


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 5، ح 1.

[ 77 ]

عددها " فعرفان الايام غير عرفان مبلغ العدد، فلا إشكال في أن موضع السنة الاولى هو ما ذكر. وأما قوله بعد ذلك حاكيا عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تكليف هذه المرأة " تدع الصلوة قدر أقرائها أو قدر حيضها " وإن كان في نفسه مع قطع النظر عن الصدر والذيل للعددية فقط لكن مع لحاظ أن ذلك بيان حكم الموضوع المتقدم لا يبقى ريب في أن المراد قدر أقرائها التي تعرفها ذاتا ومبلغا، ولهذا قال بلا فصل " هذه سنة النبي صلى الله عليه وآله في التي تعرف أيام أقرائها لم تختلط عليها " ومعرفة أيام الاقراء غير معرفة العدد و المبلغ، ضرورة أن نفس اليوم هو العلم بشخصه وأنه في أي موضع من الشهر، ومع الجهل بذلك تكون ممن تختلط عليها أيامها ولم تعرفها. فقوله بلا فصل " ألا ترى أنه لم يسألها كم يوم هي؟ " لا يدل على شموله لذات العادة العددية، ضرورة أنه بصدد بيان حال من تقدم ذكرها، ولذا قال بلا فصل " وإنما سن لها أياما معلومة ما كانت من قليل أو كثير بعد أن تعرفها " ومعلومية نفس الايام ومعروفيتها لا تصدقان إلا بما تقدم. ويزيده وضوحا قوله بعد ذلك في بيان تكليفها " فلتدع الصلوة أيام أقرائها " ضرورة أن مثل ذلك لا يقال لمن لاتعلم أيامها ولا تعرفها بشخصها، للفرق الواضح بين أن يقول " فلتدع الصلوة مقدار أيام أقرائها " وبين ما ذكر. فقوله بعد ذلك " فهذه سنة التي تعرف أيامها لا وقت لها إلا أيامها قلت أو كثرت " مما يؤكد المطلوب. كما يؤكده ويوضحه قوله " وأما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى أغفلت عددها وموضعها من الشهر فإن سنتها غيرذلك " إلى غير ذلك مما يؤكد المطلوب. فلا ريب في أن المرسلة متعرضة لذات العادة العددية والوقتية، فحينئذ يكون ذيلها أيضا بيان تقسيم الصدر لاشيئا آخر. فقوله " فإن انقطع الدم في أقل من سبع أو أكثر من سبع فإنها تغتسل ساعة ترى الطهر وتصلي، فلا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني، فإن انقطع الدم لوقته من الشهر الاول سواء، حتى توالى عليها حيضتان - إلخ - " متعرض لما تقدم، فقوله " لوقته من الشهر الاول " أي يكون الانقطاع

[ 78 ]

وقت الشهر الاول، وقوله " سواء " أي عددا بقرينة الصدر والذيل، فلا إشكال في تعرضها لذات العادة العددية والوقتية. فحينئذ يقع الاشكال في المرسلة بأن صريحها أن سن السنن الثلاث لرفع كل مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لا يدع لاحد مقالا فيه بالرأي، وأن جميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث لاتكاد أبدا تخلو عن واحدة منهن، مع أن كثيرا من حالات المستحاضة وأقسامها غير مذكورة فيها كالعددية المحضة والوقتية كذلك والصور الكثيرة التي تعرض لها المحققون. ويمكن دفع الاشكال عنها بوجهين: أحدهما أن يقال: إن النسة الاولى أي الرجوع إلى خلقها ووقتها إنما هي لمن لها خلق معروف معلوم، ويكون وجه الارجاع إلى خلقها هو معروفية الخلق ومعلومية الايام وذلك تمام الموضوع للارجاع، ويكون المثال المذكور أوضح المصاديق من غير أن يكون الحكم منحصرا به، بدعوى أن العرف بمناسبات الحكم والموضوع وإلغاء الخصوصية يفهم منها أن الخلق المعروف والعدد المعلوم يكون مرجعا لاجل أقوائية أماريته من حالات الدم، والرجوع إلى صفات الدم إنما هو مع فقد الامارة الاقوى. فإذا كانت المرأة - حسب ما رأت متكررا في الزمان الطويل - ذات خلق معروف عددا ووقتا أو عددا فقط أو وقتا فقط يكون هو المرجع لاجل معروفية الخلق ومعلومية العادة. وبالجملة العادة الحاصلة من تكرر الدم أقوى الامارات، فذاك الخلق مرجعها لاجل كونه عادة وخلقا، فالمرأة التي ترى الدم في أول الشهر لا تتخلف عادتها منه في الازمنة المتطاولة وإن اختلف عددها يكون لها خلق معروف معلوم بحسب الوقت وهو أقوى الامارات، وكذا في العددية المحضة، كما يشهد به قوله في مقابل السنة الاولى " وأما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى أغفلت عددها وموضعها من الشهر... " مع أن مقابل ما ذكره في السنة الاولى هو إغفال أحدهما لا إغفالهما معا، فذكر إغفالهما دليل على أن الصدر بصدد بيان أمر أوسع مما مثل به، فيشمل الذاكرة ولو عددا فقط أو وقتا. كذلك، فحينئذ يدخل جميع الصور التي تتصور للخلق المعروف والعادة المعروفة ولو بنحو التركيب وغيره في السنة الاولى، ومع فقد الخلق والعادة

[ 79 ]

يكون المرجع هو الامارة الاخرى أي اختلاف ألوان الدم وتغير حالاته، ومع فقدها يكون المرجع السبع والثلاث والعشرين، فهذه جميع حالات المستحاضة تقريبا أو تحقيقا. وثانيهما أن يقال: إن السنة الاولى لذات العادة الوقتية والعددية معا، و السنة الثانية لغيرها سواء لم تكن لها عادة أصلا، أو كانت وأغفلها مطلقا، أو أغفل إحديهما، فيدخل فيها جميع الاقسام ما عدا الاول، آوإنما اختص بالذكر قسم منها هو أحد مصاديق المفهوم. فقوله إن كانت لها أيام معلومة فكذا، أو قوله فالحائض التي لها إيام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها كذا يكون بالمفهوم شاملا لجميع أقسام المستحاضة غير ما في المنطوق، فكأنه قال: المستحاضة إما ذات عادة وقتية وعددية أولا، فالاولى حكمها الرجوع إلى خلقها، والثانية إما أن يكون لدمها اختلاف لون وتغير حال أولا، فالاولى حكمها الرجوع إلى الصفات، والثانية الرجوع إلى السبع والثلاث والعشرين. وذكر من كل مفهوم مصداقا، فذكر من مفهوم الجملة الاولى التي أغفلت مطلقا، ومن مفهوم الجملة الثانية المبتدئة فقط من باب المثال لا من باب كونهما تمام الموضوع للحكم، فحينئذ تحيط السنن الثلاث بجميع حالات المستحاضة إلا بعض النوادر. وهذان الوجهان وإن كان يدفع بكل منهما الاشكال عن المرسلة لكن الرجحان للوجه الاول، لمساعدة الارتكازات العرفية عليه، ومعها لا يبقى للوجه الثاني محل، ولموافقته لفتوى الاصحاب ودعاوي الشهرة والاجماع بإلحاق العددية المحضة و الوقتية المحضة بالسنة الاولى. مضافا إلى خصوصيات في المرسلة تؤيد ذلك أو تدل عليه، كقوله في ذيل السنة الثانية " فهذا يبين أن هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها ولا وقتها - إلى أن قال - فلهذا احتاجت إلى أن تعرف إقبال الدم - إلخ " فجعل وجه الاحتياج إلى الرجوع إلى الصفات عدم معرفة العدد ولا الوقت معا فيفهم منه أنها لو عرفت وقتها لا تحتاج إلى معرفة لون الدم وكذا لو عرفت العدد، فمورد الاحتياج فقدان الامارة التي هي أقوى، وهي الخلق المعروف والعادة المعلومة، ويؤكده قوله

[ 80 ]

" فإذا جهلت الايام وعددها احتاجت إلى النظر حينئذ إلى إقبال الدم وإدباره وتغير لونه " إلى غير ذلك من الخصوصيات. فتحصل مما ذكرنا أن من لها خلق معروف سواء كان خلقها العدد والوقت أو أحدهما أو كان مركبا في الوقت أو في العدد أو في كليهما وكذا سائر أقسام الخلق فسنتها الرجوع إلى خلقها المعروف وعادتها المعلومة لا سنة لها غيرها، ولا إشكال في تلك الكبرى الكلية واستفادتها من الرواية بعد النظر التام في فقراتها والتأمل في خصوصياتها، كما قال الامام عليه السلام في صدرها " بين كل مشكل لمن سمعها وفمهمها ". فحينئذ يقع الكلام في أنه هل يستفاد من ذيل المرسلة أن الحيضتين مطلقا وفي جميع الفروع وصغريات الكبرى الكلية موجبتان لتحقق العادة، أو يختص ذلك بموضع ومحل خاص ولا يتجاوز منه؟ ووجه الاختصاص هو أخذ خصوصيات في المرسلة في الموضوع منها كون الحيضتين من المرأة المبتدئة لا غيرها، فإن قوله " فإن انقطع الدم في أقل من سبع " راجع إلى من استمر بها الدم أول ما رأت وهي قسم من المبتدئة، فالعادة تحصل بالحيضتين بالنسبة إليها خاصة. ومنها تحققهما في شهرين هلاليين لا غيرهما كما هو ظاهر الشهر في لسان الشرع. ومنها استواؤهما أخذا وانقطاعا، لقوله " فإن انقطع الدم لوقته من الشهر الاول سواء " فالوقت إشارة إلى المحل من الشهر، والسواء إلى العدد، فلابد من اختصاص الحيضتين لتحصيل العادة الشرعية التعبدية بالموضوع الذي دلت عليه المرسلة، وفي ما سواه ترجع إلى العادة العرفية ومع عدمها إلى الصفات. لكن الانصاف أن المرسلة آبية عن دخل تلك الخصوصيات في موضوع حصول العادة، لان الامام عليه السلام بين لنا طريق استفادة كفاية الحيضتين في حصول العادة والوقت والخلق المعروف حيث قال بعد قوله " فقد علم الآن أن ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا تعمل عليه وتدع ما سواه " بهذه العبارة: " وإنما جعل الوقت إن توالى عليه حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله صلى الله عليه واله للتي تعرف أيامها: دعي الصلوة أيام أقرائك،

[ 81 ]

فعلمنا أنه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول لها: دعي الصلوة أيام قرئك، و لكن سن لها الاقراء وأدناه حيضتان فصاعدا - إلخ - " فيظهر منه أن الحيضتين بما هما أقل الاقراء الواردة في قول رسول الله صلى الله عليه واله موضوع السنة الاولى ولا دخل لشئ آخر فيه، فكل من كان لها أيام معلومة وأقراء معروفة لابد لها من الرجوع إلى أيامها وأقرائها كائنة من كانت، وتحصل الاقراء بأدني مراتبها وهو حيضتان، فكونهما موضوع السنة الاولى لدخولهما في قول رسول الله صلى الله عليه واله ليس إلا. فلو كان لما ذكر من الخصوصيات دخل لما تم ما ذكره ولما أفادنا طريق الاستفادة والاجتهاد كذلك. فذيل المرسلة حاكم على صدرها بتحصيل موضوع ذات العادة تعبدا، وبيان له، فكأنه قال: كل ذات عادة وخلق سنتها الرجوع إليهما، ويحصل الخلق و العادة بحيضتين. وأما ما يقال من أن العادة العرفية تحصل بمرتين لخصوصية في عادات النساء من حيث إن الرحم بالطبع تقذف الدم بنظام معين نوعا، فإذا قذفت مرتين على نسق واحد حصلت العادة، وأن الرواية بصدد بيان حد المعنى العرفي كتعيين ثلاث في باب كثير السهو إلى غير ذلك مما أفاد المشايخ فلا يخلو من الاشكال، خصوصا بالنسبة إلى بعض الموارد، بل ظاهر الرواية يأبى عن ذلك. الثانية هل تثبت العددية الناقصة برؤية مرتين مختلفتين عددا بحيث يلزم الاخذ بالقدر المتيقن سواء كانت ذات عادة وقتية أولا، فإذا رأت أربعة أيام في أول شهر وستة في أول شهر آخر أو أربعة في أول شهر وستة في وسط شهر آخر تصير الاربعة عادة ناقصة لها، وكذا في جانب الاكثر فيكون الخارج عنهما غير أيام حيضها، أولا، أو يفصل بين ذات العادة الوقتية فتأخذ بالقدر المتيقن من العدد فتثبت لها العددية الناقصة وبين غيرها فلا تثبت؟ وجوه: فعن العلامة والشهيد ثبوتها واختاره بعض المحققين، وعن جامع الماقصد والروض عدمه واختاره صاحب الجواهر والشيخ الاعظم والمحقق الخراساني. واستدل على عدمه بظهور مضمرة سماعة والمرسلة في اعتبار التساوي في العدد

[ 82 ]

وبأن أقل ما يحصل به العادة حيضتان، ومن رأت في شهر أربعة وفي شهر ستة فكما أن الاخذ بالستة أخذ بقرء واحد كذلك الاخذ بالاربعة، لان الاربعة في ضمن الستة لا تكون قرء مستقلا، والقرء الواحد لا يكون عادة بنص المرسلة. ويمكن أن يقال: إن المضمرة لا تدفع العددية الناقصة، فإن قوله " فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها " إما أن يدعى دلالته على النفي بمفهوم الشرط فلا مفهوم له في المقام ظاهرا لو سلم مفهوم الشرط في غيره، فإن المفهوم فيه: إذا لم يتفق شهران كذلك فليس تلك أيامها، أي ليس الايام المتقدمة المتساوية في صورة الاختلاف أيامها، وهذا نفي بنفي الموضوع لا لاجل المفهوم، وإما بمفهوم القيد، بأن يقال: إذا اتفق شهر ان عدة أيام غير سواء فليس تلك أيامها، ومعناه حينئذ أن الايام التي هي غير سواء ليس أيامها، وهو مع الغض عن عدم المفهوم لا ينفي إلا عدم جميع الايام التي هي غير سواء وهو مسلم، وأما الاقل فلا ينفيه، تأمل. وبمثله يجاب عن المرسلة أيضا. وأما كون الناقص قرء واحدا فمسلم لكن يمكن دعوى استفادة ذلك من المرسلة بإلغاء الخصوصية عرفا، بأن يقال، إن العرف يفهم منها أن تكرر الدم على نحو واحد يوجب الخلق، وإن شئت قلت، لاريب في شمول قول رسول الله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " لمن كانت له عادة ناقصة عددا مع كونها ذات العادة المستقرة وقتا، فمن رأت سنين متمادية أول الشهر حيضا مع اختلاف العدد زيادة ونقيصة تكون لها أيام معلومة هي القدر المتيقن كأول الشهر إلى اليوم الرابع مثلا، فيشملها قول رسول الله صلى الله على واله وزيادة العدد ونقصه لاتوجبان عدم الشمول بالنسبة إلى القدر المتيقن. والمرسلة دلت على أن الرؤية مرتين موجبة للخلق المعلوم حيث قال لمن توالى عليها حيضتان " فقد علم الآن أن ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا تعمل عليه وتدع ما سواه " نعم، ظاهرها حيضتان تامتان، كما أن الظاهر حصولهما في شهرين، فكما أن العرف يفهم منها أن خصوصية الشهر غير دخيلة يفهم أن العدد الزائد على الاربعة في المثال لا دخل له.

[ 83 ]

وأما قولهم إن ذلك هو الاخذ بقرء واحد وقد صرح المرسلة بعدم صيرورتها ذات عادة بقرء واحد، ففيه أنه فرق بين الاخذ بالاربعة بحدها وجعل الاربعة وقتها وبين الاخذ بالجامع بين الناقص والزائد والقدر المتيقن منهما، ففي الصورة الثانية لا تكون آخذة بالناقص بل به وبما يشاركه وهو القرء الثاني، فهي آخذة بهما وإن لم تأخذ بجميعهما. وقد يقال: إن ما ذكر مناف لقوله في المرسلة " وإن اختلط عليها أيامها و زادت ونقصت حتى لا يقف منها على حد ولا من الدم على لون عملت بإقبال الدم و إدباره، ليس لها سنة غير هذا ". وفيه أن ذلك مسلم في العددية الناقصة غير الوقتية مما ذكرنا في صدر المبحث لا في ذات العادة الوقتية مع العددية الناقصة، ونحن نلتزم به ونفصل بينهما، وذلك لانه في المرسلة - كما يعلم بالنظر في صدرها وذيلها - جعل التمييز مرجعا لمن لا تكون لها أيام معلومة لا من حيث العدد ولا الوقت كما صرح به في موارد منها كقوله " وأما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى أغفلت عددها وموضعها من الشهر - إلخ - " وما في ذيلها هو السنة الثانية التي في صدرها، وموضوعها هي التي اختلط عليها أيامها من حيث موضع الشهر وزادت ونقصت عددا، ولا إشكال بحسب مفاد المرسلة في أن مرجعها إلى التمييز. وأما من عرفت موضعها من الشهر ولم تحص عددها فهي غير داخلة في السنة الثانية بل داخلة في السنة الاولى كما مر. كما أن من أحصت عددها ولم تعرف موضعها لا يكون مرجعها في العدد إلى التمييز، فهذه الفقرة الاخيرة غير شاملة لذات العادة الوقتية المحضة، وهو ظاهر لمن سمع المرسلة وفهمها. وأما ما أفاده بعض المحققين في جواب هذا الاشكال فهو كما ترى. فتحصل من جميع ما ذكرنا أن الاقوى هو التفصيل بين ذات العادة الوقتية المحضة فتأخذ بالقدر المتيقن من العدد ويصير ذلك عادة لها بمرتين، وبين ذات العددية الناقصة مع عدم الوقتية لها فمرجعها التمييز، وليس لها سنة مع التمييز غيره.

[ 84 ]

الثالثة أن حصول المرتين قد يكون بالاخذ والانقطاع مع كون الدم حيضا وجدانا، وقد يكون بقيام أمارة معتبرة على الحيضية، كمن كانت مبتدئة واستمر بها الدم فرأت في أول شهرين متصلين عددا معينا بصفات الحيض، و قد يكون الحكم بحصول الحيض بقاعدة الامكان، كمن رأت في أول شهرين متصلين عددا معينا محكوما بالحيضية بقاعدة الامكان، وقد يكون ذلك بالاقتداء بعادة نسائها، كمن كانت عادة نسائها خمسة في أول كل شهر فاقتدت بهن مرتين، وقد يكون بشهادة القوابل بناء على قبولها، وقد يكون بالاستصحاب، كما لو فرض العلم بحيضية ثلاثة أيام من أول شهرين والشك في بقائها إلى الخامس وقلنا بجريان الاستصحاب فيه، وقد يكون بالتحيض سبعة أيام من شهرين في وقت معين عملا بالرواية. لا إشكال في حصول العادة في الفرض الاول كما لا إشكال في عدم حصولها في الاخير، أما الاول فواضح، وأما الاخير فلان السبعة ليست بحيض وجدانا ولا تعبدا، بل المرأة تعمل فيها عمل الحائض كما قال في المرسلة، تمسكا بقول رسول الله صلى الله عليه واله " تحيضي " وليس يكون التحيض إلا للمرأة التي تريد تكلف ما تعمل الحائض. و أما الاقسام الاخرى فالظاهر تحققها بها، أما في ما قامت الامارة على الحيضية فلان الامارة كاشفة عن الحيض الواقعي، فمع قيامها عليه وتكررها مرتين ينقح بها موضوع قول رسول الله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " مفسرا بكلام أبي عبد الله عليه السلام " وأدناه حيضتان ". وترجيح بعض المحققين العدم بدعوى خروج الفروض عن مورد الروايتين و عدم الوثوق بكون واجد الصفات حيضا لا غير، وأن الاوصاف أمارات ظنية اعتبرها الشارع في الجملة كعادة نسائها التي ترجع إليها في بعض الصور، فلا تكون موجبة للوثوق بمعرفة أيام أقرائها حتى ترجع إليها، لا يخلو من غرابة، ضرورة أنه مع قيام الامارة المعتبرة على الحيضية تصير الحيضية الواقعية ثابتة ولو تعبدا، ومع تحققها وتكررها مرتين وجدانا يتحقق موضوع مادل على أن أدنى ما يتحقق به

[ 85 ]

العادة حيضتان، ولو فرض عدم الوثوق بالحيضية لم يضر ذلك بلزوم ترتيب الاحكام عليها، لانسلاكها تحت الدليل الشرعي، فأي فرق بين المقام وسائر الموارد مما يكون الحكم مترتبا على العناوين الواقعية مع إحرازها بالامارات الشرعية. كما أن ما في الجواهر من عدم تناول الخبرين - أي المرسلة والمضمرة - له مع ظهور غيرهما في عدمه كالاخبار الآمرة بالرجوع إ لى الصفات إذ هي متناولة بإطلاقها ما تكرر الجامع مثلا مرتين ثم اختلف محله أو في الدور الثالث فإنه يجب اتباع الاوصاف أينما كانت تكررت أولا، أيضا لا يخلو من غرابة، ضرورة أن الرجوع إلى التمييز إنما يكون بعد فقد العادة، وإلا فهي المرجع لا غير، وبعد ثبوت الحيضتين الواقعيتين بالصفات يندرج الموضوع تحت قوله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " مفسرا بقول أبي عبد الله عليه السلام " أدناه حيضتان " فالحيضتان الواقعيتان محققتان للعادة، ومع تحققها تكون هي المرجع دون التمييز. بل لو فرض أن الموضوع لحصول العادة هو الحيض المعلوم والايام المعروفة لقلنا بثبوتها في المقام بالحيضتين، لقوله عليه السلام في المرسلة بعد فرض تكرر الحيضتين " فقد علم الآن أن ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا " متمسكا بقول رسول الله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " وان أدناه حيضتان، فالحيضتان محققتان للخلق المعروف والعادة المعلومة التي هي موضوع الحكم، فتدبر. وأما ما يمكن أن يقال: ان التمسك بدليل التمييز لمنع الرجوع إلى التمييز يلزم منه كون الدليل رافعا لنفسه أو لعلته، وأيضا يلزم منه حكومته على نفسه، فمما لا يصغي إليه بعد التأمل في ما تقدم، ولا مانع من أن يحصل العادة بمصداقين من التمييز ولاجله يرتفع موضوع الرجوع إلى التمييز في ما بعد، كما في الاصل السببي والمسببي بل ما نحن فيه أولى منه كما يظهر بالتأمل. ثم إنه لو فرض أن ثبوت الحيض بقاعدة الامكان أو بالاقتداء بأقراء نسائها من قبيل الثبوت بالامارة فالكلام فيها هو الكلام، وأما لو فرض كون القاعدة أصلا وكذا الاقتداء بعادة النساء فكذلك إن كانا أصلين محرزين، بدعوى أن معقد

[ 86 ]

الاجماع القائم على فرضه لو لم يكن مفاده التحقق الواقعي فلا أقل من ظهوره في التعبد بتحققه، فإن معقده أن كل دم أمكن أن يكون حيضا فهو حيض، فهو إما بصدد بيان أن أسباب الحيضية وعللها متحققة لولا الامتناع، والامكان مساوق للتحقق الواقعي فتكون أمارة للواقع، أو بصدد بيان التعبد بوجودها عند إمكانها فلا محالة يكون أصلا محرزا. ومع التعبد بوجودها مرتين تنسلك في موضوع مادل على أن العادة تحصل بأدنى الاقراء وهو حيضتان، كما ينقح موضوع الادلة الاجتهادية بالاصول المحرزة في غير المقام. ومن هذا يظهر حال الاقتداء بالاقراء لو أخذنا برواية سماعة، فإن قوله " أقراؤها مثل أقراء نسائها " (1) إما أمارة بقرينة أن مماثلة حالات النساء في طائفة أمارة على كشف حال مورد الشك، ولو اغمض النظر عنه فلا أقل من أن لسانها لسان التعبد بأن أقراءها مثل أقرائهن، فإذا كانت أقراؤهن خمسة في أول الشهور يكون قرؤها كذلك، فمع الاقتداء بهن مرتين ينقح الموضوع كما مر، ويأتي هذا الكلام في الاستصحاب أيضا على ما حققنا في محله أن الاستصحاب في الموضوعات منقح لنفس موضوع الادلة الاجتهادية، فتبصر. ومما ذكرنا يظهر حال غيرها من الفروع كما لو ثبتت الحيضتان بأمارتين مختلفتين، كأن يكون أحد الدمين واجدا لبعض صفات الحيض والآخر لبعض آخر بعد فرض كون كل صفة أمارة مستقلة. وأما التفصيل بين جامع الصفات وغيره لحصول الظن القوي في الاول دون الثاني ففي غير محله بعد فرض أمارية كل صفة، فقوة لظن كأصل حصوله كالحجر جنب الانسان. فلا إشكال في تحقق العادة بالمرتين مطلقا حتى لو ثبتت إحدى الحيضتين بالتمييز والاخرى بالقاعدة، أو إحديهما بالقاعدة والاخرى بالرجوع إلى الاقران وهكذا. وعليك بالتأمل في ما مر واستخراج كل فرع يرد عليك. الرابعة هل تحصل العادة بالمرتين مع حصول النقاء في البين أولا؟ وعلى الاول هل العبرة بالدمين مطلقا، سواء كانت الرؤية في وقت واحد


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 2.

[ 87 ]

أو عدد معين فتصير ذات عادة وقتية في الاول وعددية في الثاني، وسواء كان النقاءان متساويين في المرتين أولا، وسواء كان النقاء في كلتا المرتين أو في مرة دون اخرى، أو يفصل في المقامات، أو العبرة بالدم المستمر أولا، أو بالدمين وإلغاء النقاء؟ وجوه أوجهها الاول، أي حصول العادة بالمرتين واحتساب النقاء والدمين مطلقا. وذلك لان الظاهر من المرسلة الطويلة أن الميزان في حصول العادة المعلومة والخلق المعروف هو حصول القرئين عدة أيام سواء لقول رسول الله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " مفسرا بقول أبي عبد الله عليه السلام أن أدناه حيضتان، فيكون الذيل قاعدة كلية يندرج فيها جميع أفراد القرء، سواء كانت المرأة في أيام القرء مستمرة الدم أولا، بشرط صدق أيام القرء عليها، وإنما ذكر فيها الدم واستمراره مثالا للمقام. فقوله " فإن انقطع الدم في أقل من سبع - الخ " وإن كان ظاهرا في استمرار الدم عدة أيام سواء مع حصول الانقطاع في وقت معين من الشهر لكن استدلال أبي عبد الله عليه السلام بكلام رسول الله صلى الله عليه واله وتحديده الجمع بحيضتين فصاعدا حاكم على هذا الظهور ومبين للمراد وأن تمام الملاك هو تكرر أيام القرء مرتين فصاعدا، فإذا ضم إلى هذه الكلية كون أيام النقاء قرء وحيضا تم المطلوب وتمت الحكومة. ويدل على ذلك - مضافا إلى دعوى عدم وجدان الخلاف كما في الجواهر، وعن شرح المفاتيح أنه لم ينقل في ذلك خلاف، بل ادعى الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة على كون الكل حيضا - مادل على أن أقل الطهر عشرة أيام وعدم الواسطة بين الطهر والحيض، فالنقاء في البين إن لم يكن طهرا فهو حيض. ويدل عليه أيضا رواية يونس القصيرة، حيث قال فيها " فذلك الذي رأته في أول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في عشرة فهو من الحيض " بالتقريب الذي مر في بعض المسائل السابقة، وكذا روايتا محمد بن مسلم حيث قال فيهما " إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى " بالتقريب المتقدم. ويؤيده أن كون النقاء طهرا في الواقع مع وجوب ترك الصلوة عليها فيه بعيد جدا، وهذا أبعد مما استبعده أبو عبد الله عليه السلام في مرسلة يونس الطويلة حيث قال

[ 88 ]

في السنة الثالثة: ألا ترى أن أيامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمسا أو أقل من ذلك ما قال لها تحيض سبعا؟ فيكون قد أمرها بترك الصلوة أياما وهي مستحاضة غير حائض! - الخ فإذا لم يأمر رسول الله صلى الله عليه واله المستحاضة غير الحائض بترك الصلوة لم يأمر قطعا الطاهرة غير الحائض بتركها، فلابد إما من التزام مقالة صاحب الحدائق وهو خلاف الاجماع والادلة، أو البناء على كون النقاء حيضا وجميع الايام قرء وهو المتعين، فحينئذ يثبت المطلوب، وهو أن القرئين سواء كانا مع استمرار الدم أو مع تخلل النقاء مطلقا موجب لحصول الخلق المعروف. وبما ذكرنا يظهر النظر في سائر الوجوه والاقوال. وقد يقال: إن مقتضى المرسلة ومضمرة سماعة اعتبار تساوي عدد أيام الدم في الحيضتين في حصول العادة العددية، ومقتضى صدق أيامها على أيام الدم والنقاء في الوقتية هو التفصيل بينهما بأن يقال: إن الاعتبار بالدمين في العددية وبالدمين و النقاء في الوقتية. وفيه ما لا يخفى، لما عرفت من حال المرسلة، وأما المضمرة فلابد من نقلها وبيان الوجوه فيها حتى يظهر الامر. قال سماعة: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض، فتقعد في شهر يومين وفي شهر ثلاثة أيام يختلف عليها، لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء. قال: فلها أن تجلس وتدع الصلوة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها. (1) لاريب في أن السائل بصدد رفع شبهته في اختلاف أيام الطمث، وأنه إذا لم يكن طمثها عدة أيام سواء فما تكليفها؟ من غير نظر إلى أن الطمث ما هو، وهل هو نفس الدم أو هو مع النقاء المتخلل؟ وكذا الجواب إنما هو عن ذلك، وأنه مع عدم تجاوز الدم عشرة أيام تجلس وتدع الصلوة. وقوله " فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء... " يحتمل فيه اتفاق أيام القعود، واتفاق أيام الطمث، واتفاق أيام الدم المستمر المعهود في الكلام، واتفاق مطلق الدم. ولازم الاحتمال الاول أن يكون أيام النقاء محسوبة من العادة ولو لم تكن حيضا، إلا أن يكون أيام القعود كناية عن الطمث، ولازم الثاني أن يكون


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 14، ح 1.

[ 89 ]

أيام النقاء على فرض كونها من أيام الطمث محسوبة منها، ولازم الثالث أن يكون الدم الاول المستمر محسوبا لا غير، ولازم الرابع أن يكون الدمان محسوبين دون النقاء. ولا ترجيح لاحدها لو لم نقل إنه لما كان السؤال عن الطمث يكون المراد من الجواب اتفاق أيامه، ولو فرض الظن بترجيح اتفاق أيام الدم المذكور في الكلام أخيرا فاعتبار مثل هذا الظن الغير المستند إلى الظهور مشكل بل ممنوع، مع أن لازمه كون العبرة بالدم الاول المستمر لا الدمين. والانصاف أن الرواية لا تقاوم ما استظهرناه من المرسلة وسائر الادلة لو لم نقل بظهورها في تأسيس الكبرى الكلية التي في المرسلة، بل لا يبعد تحكيم المرسلة عليها على نحو ما مر من تحكيم بعض فقرات المرسلة على بعض. فلاريب في أن الاظهر هو احتساب النقاء والدمين. ويظهر حال الفروع الكثيرة في المقام من التأمل في ما ذكرنا واستقذنا من الادلة. الخامسة كما تحصل العادة العددية بتكرر العدد في شهرين أو أقل أو أزيد هل تحصل الوقتية بتكرر الحيض مطلقا، أو يعتبر في حصولها تخلل طهرين متساويين مطلقا، أولا يعتبر ذلك في شهرين هلاليين مع حفظ الوقت كما لو رأت شهرين أو وسطهما مثلا، وأما لو رأت في شهر مرتين أو رأت مرتين في أزيد من شهر كما لو رأت خمسة وطهرت خمسة وخمسين فرأت خمسة لا تحصل العادة إلا برؤية طهر آخر خمسة وخمسين، وكذا في الناقص عن الشهر؟ الاقوى هو التفصيل، لان الملاك في حصولها بعد الرجوع إلى الارتكاز العرفي وإلغاء الخصوصيات بالتقريب المتقدم هو تكرر العدد في حصول العددية وتكرر الوقت في الوقتية، فمع رؤية الطمث في أول شهرين هلاليين مثلا يحصل التكرر المحصل للعادة بالنسبة إلى الوقت، لتكرر الحيض في أول الشهر كما هو المصرح به في مرسلة يونس، وأما إذا رأت في شهر مرتين مع فصل أقل الطهر أو أزيد، فمع تساوي العدد لا إشكال في حصول العادة العددية لتكرر العدد، وأما الوقت فلم يتكرر، لان وسط الشهر ليس عودا لاوله كما هو واضح، فالحيضتان مكررتان من حيث الذات والعدد

[ 90 ]

دون الوقت، فلا يحصل العادة الوقتية لها إلا بتخلل طهر مساو للاول، فحينئذ يصدق أن وقتها بعد كل عشرة مثلا، وكذا في ما إذا رأت في أكثر من شهرين. وعلى ما ذكرنا لايرد الاشكال بأن ظاهر النص حصول العادة بالحيضتين، ومع اعتبار الطهرين لا يحصل إلا بثلاث حيضات، فإن الثلاث ليس لاجل حصول العادة بها بل لاجل تكرر الوقت، وهو موقوف على ذلك. وبالجملة، الوقت لا ينضبط إلا بتخلل طهرين، إلا إذا انضبط بالشهر كما مر. السادسة لا إشكال في عدم زوال العادة عرفية كانت أو تعبدية بمرة واحدة بخلافها، خلافا لابي يوسف على ما حكي عنه، وكذا لا إشكال في زوالها بطرو عادة اخرى عرفية، فهل تزول بعادة شرعية مطلقا، أو لاتزول كذلك، أو تزول الشرعية دون العرفية؟ الاقرب هو الاول لما مر من الصغرى و الكبرى المستفادتين من مرسلة يونس، وأن قول رسول الله صلى الله عليه واله إذا انطبق على كل موضوع عرفي تقوم المرتان مقامه. ولا إشكال في أن العادة الثانية إذا كانت عرفية مستقرة تصير ناسخة للاولى، لكونها العادة الفعلية، فقوله " دعي الصلوة أيام أقرائك " وقوله " ليس لها سنة إلا أيامها " لا ينطبقان إلا على الثانية، فإذا كان حال العرفية كذلك فالمرتان تقومان مقامها لتفسير الصادق عليه السلام قوله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " بحيضتين فصاعدا. وبهذا التقريب يدفع ما يمكن أن يقال ان المرسلة وكذا المضمرة واردتان في المبتدئة، ولها خصوصية عرفا لا يمكن إلغاؤها وإسراء الحكم منها إلى من لها عادة مستمرة سنين عديدة، وكذا إلى من لم يستقر لها عادة مع رؤيتها الدم في سنين عديدة لان طبيعة المبتدئة المخلاة عن عادة مستمرة أو اعوجاج مستمر إذا قذفت مرتين بمنوال واحد يمكن أن يكشف ذلك عن خلقها وعادتها، لان انتطام الدم نوعي للنساء، فمع حصول المرتين لا يبعد تحقق النظم حتى بنظر العرف، ولهذا يمكن أن يقال: ليس قول الصادق عليه السلام بأن أدناه حيضتان لاجل كون أقل الجمع كذلك، بل لكون الموضوع ذا خصوصية بها صار التكرر كاشفا عن الخلق المعهود، وقوله " فقد

[ 91 ]

علم الآن أن ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا " مما يؤيد ما ذكرنا، لان التكرر المطلق لا يوجب العلم بالخلق المعروف إلا بقرائن وخصوصيات مقرونة به، وهي موجودة بالنسبة إلى المبتدئة، وأما من كانت لها عادة مستمرة أو انحراف مستمر فالخروج عن عادتها وانحرافها لا يحصل بدفعتين أو ثلاث، فإذا فرق بين المبتدئة الواردة فيها الروايتان وذات العادة العرفية أو الانحراف العادي المستمر، فلا يمكن إلغاء الخصوصية من الروايتين، فلابد في زوال العادة من الرجوع إلى العرف بحصول كرات ومرات. قلت: هذا غاية ما يمكن أن يقال لمنع إلغاء الخصوصية، ولو كان الدعوى إسراء الحكم لمحض ارتكاز العرف وإلغاء الخصوصية كان لما ذكر وجه وجيه، بل لو كان المستند هو الفهم العرفي كما استندوا إليه كان رفع اليد عن الشهرين الهلاليين و إسراء الحكم إلى الشهر الحيضي أو أكثر من الشهرين في غاية الاشكال، لان للشهرين المتصلين أيضا خصوصية ليست لغيرهما من الاقل والاكثر، ضرورة أن نوعية عادات النساء إنما هي الرؤية في كل شهر مرة لا مرتين ولا التأخير عن الشهر، فإذا للرؤية مرتين في شهرين على النظم خصوصية وهي الغلبة والعادة، والخروج عنها نوع انحراف عن الطبيعة، ولذا تكون المرتان من الطبيعة السليمة الغير المنحرفة كاشفتين عن الخلق والعادة دون المرتين من غيرها. لكن العمدة هو تمسك أبي عبد الله عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " وقوله عليه السلام " أدناه حيضتان " والظاهر منه أن لا خصوصية للموضوع إلا ذلك، وأن الحيضتين تمام الموضوع، ولو كانت الخصوصيات الاخر دخيلة في الحكم كان عليه بيانها، خصوصا في المورد مما يغفل العامة عن الخصوصيات الخفية المربوطة بما في الارحام. فقوله عليه السلام " وإنما جعل الوقت إن توالى عليه حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله صلى الله عليه واله - الخ - " يدل على أن الوجه هو قوله صلى الله عليه واله من غير مدخل لشئ آخر خصوصا بناء على دلالة كلمة " إنما " على الحصر ومع إنكارها يكفي الاطلاق في مقام البيان، ولا مجال للتشكيكات العلمية الخارجة عن أفهام العامة، وإلا لانسد باب التمسك بالاطلاق في كثير من الموارد.

[ 92 ]

فتحصل منه أن الاقرب زوال العادة العرفية بالرؤية على خلافها مرتين منتظمتين، وأما مع رؤيتها مرتين غير منتظمتين فلاينبغي الاشكال في عدم نسخ العادة العرفية بها، لعدم مساعدة العرف عليه، وعدم دليل شرعي، فلابد لزوالها من تكررها مرارا حتى بحكم العرف بنسخ عادتها. ومما ذكرنا يظهر الكلام في العادة الحاصلة بمرتين متماثلتين بعين ما مر، بل هي أولى بذلك من العادة العرفية. وهل تزول بمرتين غير متماثلتين؟ فيه تردد، لعدم جريان ما تقدم فيه، ولاحتمال انصراف دليل العادة عما تكرر على خلافها كذلك. وظاهر المحكي عن العلامة عدم الزوال، حيث قال في رد أبي يوسف القائل بزوال العادة بمرة: إن العادة المتقدمة دليل على أيامها التي عادت، فلا يبطل حكم هذدا الدليل إلا بدليل مثله، وهي العادة بخلافه. وقد نفى الريب عن الزوال المحقق الخراساني، وأول كلام العلامة بما هو بعيد عن ظاهره، والمسألة محل إشكال في غير ما تكرر بحيث يحكم العرف بزواله. نعم، هنا بعض اصول حكمية بل موضوعية على تأمل في هذه. السابعة ذات العادت الوقتيه سواء كانت عددية أو لا إما أن ترى الدم في أيام عادتها أو لا، وعلى الثاني إما أن ترى قبلها أو بعدها، و على الفرضين إما أن تكون القبلية والبعدية قريبة من أيامها كاليوم واليومين أو لا، وعلى الفروض إما أن يكون ما رأت واجدا لصفات الحيض كالحمرة والحرارة، أو لصفات الاستحاضة كالصفرة والبرودة، أو لبعض من كل منهما كأن رأت حمرة باردة. وذات العادة العددية المحضة تارة ترى ما هو جامع لصفات الحيض، واخرى لصفات الاستحاضة، وثالثة لصفتهما. فهذه عمد الوجوه التي لابد من البحث عنها. ويتم الكلام فيها في ضمن جهات: اوليها لا إشكال في أن ذات العادة الوقتيه مطلقا تتحيض برؤية الدم في أيامها مطلقا، كان واجدا لصفات الحيض أو صفات الاستحاضة أو صفتهما، وحكي الاجماع عليه من المعتبر والتذكرة والمنتهى وغيرها. وتدل عليه بعده روايات كثيرة

[ 93 ]

يدعى تواترها دلت على أن الصفرة في أيام الحيض حيض. وتنظر في دلالة هذه الروايات بعض المحققين بأن مفادها ليس إلا أن ما تراه من صفرة أو كدرة في أيامها فهو من الحيض، وقد ثبت بالنص والاجماع تقييدها بما إذا لم يكن أقل من ثلاثة أيام، فالحكم بتحيضها برؤية الدم مع عدم العلم بأنه يستمر ثلاثة أيام يحتاج إلى دليل آخر. وهو لا يخلو من غرابة، لان مادل على أن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام إنما هو في مقام تحديد حدود الحيض، وهو لا ينافي لزوم التحيض مع قيام الامارة على الحيضية بمجرد الرؤية. نعم، لو كانت الامارة متقيدة بذلك كان لما ذكره وجه، لكنه ضعيف مخالف للادلة. هذا، مع إمكان التشبث بالاصل لبقاء الدم ثلاثة أيام. فالتحقيق أن الصفرة والكدرة في أيام العادة بما أنها طريق شرعي إلى حيضية ما وقع فيها محكومة بالحيضية ما لم يعلم الخلاف، ولا يتوقف الحكم بحيضية ما وقع فيها على إحراز سائر شرائط الحيض وعدم موانعه، ولا إحراز القيود المعتبرة فيه كما هو الشأن في كل أمارة قائمة على موضوع. نعم، بعد انقطاع الدم قبل تمام الثلاثة يعلم بعدم الحيضية فتسقط الامارة، وهو واضح. ويدل على المقصود مضافا إليها صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، فقال: لا تصلي حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت. (1) ورواية إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا رأت المرأة الصفرة قبل انقضاء أيام عادتها لم تصل، وإن كانت صفرة بعد انقضاء أيام قرئها صلت. (2) ومرسلة يونس القصيرة، قال: فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلوة، فان استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض. (3) ثم إنه لا فرق في التحيض بمجرد الرؤية في الوقت بين ذات العادة الوقتية مع العددية التامة أو الناقصة في المورد المتيقن من العدد لاطلاق الادلة وكون الايام أيامها.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 4. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 12، ح 2.

[ 94 ]

ثانيتها إذا رأت الدم أو الصفرة قبل أيام الحيض قليلا كيوم أو يومين أو رأت بعد تمام أيام الحيض كذلك فهل يحكم بحيضيتهما مطلقا، أو يفصل بين ما رأت قبلها أو بعدها فيحكم بالتحيض في الاول دون الثاني، أو العكس؟ وجوه لا يبعد دعوى أقربية الاول. أما في ما رأت قبل وقتها قليلا فلامكان دعوى دلالة العمومات عليه، مثل قوله صلى الله عليه واله " دعي الصلوة أيام أقرائك " وقوله عليه السلام " الصفرة في أيام العادة حيض " بتقريب أن عادات النساء غالبا ليست منضبطة دقيقا على وجه لا تتخلف بمثل يوم أو يومين، فغالب النسوة تختلف عليها بمثل ذلك، ولا أظن الانضباط الدقيق في مرأة، ولو فرض فهي نادره. فحينئد لو قيل لامرأة: دعي الصلوة أيام أقرائك، أو: إن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، لم ينقدح في ذهنها إلا الايام التي قد تتقدم بمثل نصف يوم أو يومين، فإذا رأت الصفرة قبيل الوقت تكون حيضا بمقتضى فهم العروف من الروايات. وبعبارة اخرى: فرق بين جعل الموضوع لحكم أمرا منضبطا محدودا بحدين دقيقين كاليوم من طلوع الشمس إلى الغروب، وبين الموضوع الغير المنضبط كذلك كأيام العادة مما تتقدم عادة ونوعا بيوم أو يومين. وهذا غير بعيد بالنظر إلى عادات النساء وأحكام العرف ومرتكزاته. نعم، هو غير تام بالنسبة إلى تأخر الدم عن تمام العادة، فإن التأخر بمثله غير عادي ولا غالبي بل الامر بالعكس، هذا. ويدل على المطلوب روايات خاصة، منها: موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في المرأة ترى الصفرة، فقال: إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، وإن كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض. (1) ومضمرة معاوية بن حكيم قال: قال: الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض وبعد أيام الحيض فليس من الحيض، وهي في أيام الحيض حيض. (2) ولا يضر الا ضمار بعد كون المضمر مثل معاوية الذي لا يضمر إلا من المعصوم. وصحيحة الصحاف وموثقة سماعة، إلا أن المذكور فيهما الدم بدل


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 6.

[ 95 ]

الصفرة، ففي الاولى: وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة (1) - الخ - وفي الثانية: إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلوة، فإنه ربما تعجل بها الوقت. (2) والظاهر منها ولو بقرينة بعضها أن المراد من جميعها حدوث الرؤية قبل أيام الحيض، أي قبل أيام عادتها، وفي مقابله حدوثه بعد أيام العادة. واحتمال كون المراد قبل نفس الحيض وبعدها في موثقة أبي بصير بعيد محتاج إلى التأويل والتوجيه، بأن يقال: إن الصفرة التي هي من صفات الاستحاضة إذا وقعت قبل الدم الذي قامت الامارة - أي الوقت - على حيضيته حيض، وهذا التوجيه وإن أخرج الكلام عن الاختلال لكن لا يوجب الاجمال، أو الظهور في ذاك الاحتمال، فإن الظاهر العرفي منها هو قبل وقت الحيض وبعده - كما صرح به في سائر الروايات - والاطمئنان حاصل بأن مفادها من هذه الجهة ليس مغائرا لسائر الروايات. وحينئذ يستدل بها لحدوث الصفرة بعد أيام الحيض أقل من يومين للتحديد الواقع فيها بيومين. وحمل ما بعدها على غير ما قبلها خلاف الظاهر جدا، وخلاف المتبادر من مقابلته بما قبلها. نعم، على الاحتمال المتقدم يكون مقابل الرؤية قبل وجود الحيض الرؤية بعد وجوده فتكون في أيام العادة، فتخرج عما نحن بصدده، لكن قد عرفت بعده وبطلانه. وبشهد لما قلنا من ترجيح الاحتمال الاول مضافا إلى ما ذكر أن قوله " إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض " ليس إخبارا عن واقع لغرض كشف واقعيته، بل لغرض تحيضها في وقت رؤية الصفرة، فلابد من حمل الحيض على أيامه لكون الوقت مضبوطا والايام معلومة ولو تقريبا بحسب النوع، فتعلم المرأة تكليفها عند رؤية الصفرة قبل وقته. وأما إذا كان المراد نفس الدم المحكوم بالحيضية بواسطة التمييز أو الوقت فلاتعلم وقت حدوثه حتى تعلم أن الصفرة قبله بيومين، وفرض العلم على تسليم واقعيته نادر جدا، فلا محيص إلا عن حمل الرواية على ما ذكرنا. هذا


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 3، وب 15، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 15، ح 2.

[ 96 ]

مضافا إلى أن كون الصفرة قبل أيام الحيض من الحيض إنما هو لاجل خصوصية في أيام العادة دون نفس الدم، فإن العاة كما أنها كاشفة عن كون الصفرة الواقعة في نفسها حيضا لا يبعد كاشفيتها بالنسبة إلى ما حصل قبل وقتها قليلا كيوم أو يومين، خصوصا مع ما عرفت من عدم انضباطها نوعا على الوجه الدقيق، فحينئذ تكون للعادة خصوصية لاجلها حكم بحيضية الصفرة فيها وفي ما قبلها بقليل، كما يشهد به أو يدل عليه قوله في موثقة سماعة " ربما تعجل بها الوقت ". وبالجملة يحصل من جميع ما ذكرنا الاطمئنان بأن المراد من الموثقة هو رؤية الصفرة قبل أيام الحيض، وحينئذ لاريب في أن المراد من الجملة المقابلة للاولى هو أيام الحيض، والتفكيك بينهما في غاية الفساد، فتمت الدلالة على أنه إذا حدثت الصفرة بعد أيام الحيض بأقل من يومين فهي من الحيض، فلابد من التحيض بمجرد رؤيتها. نعم، إذا لم تستمر إلى ثلاثة أيام تعلم بعدم حيضيتها كما في سائر الموارد. هذا مضافا إلى دعوى عدم القول بالفصل بين المتقدم والمتأخر. وأما التمسك بقاعدة الامكان وبزيادة الانبعاث ففيه ما لا يخفى. ثالثتها إذا رأت قبل أيام العادة أو بعدها بما لا تشمله الادلة المتقدمة فهل تتحيض بمجرد الرؤية مطلقا، أو تستظهر إلى ثلاثة أيام مطلقا، أو يفصل بين المتصف بصفات الحيض وغيره، أو يفصل بين ما قبل الايام وما بعدها، فتتحيض في الثاني مطلقا وفي الاول بشرط الاتصاف؟ وجوه وأقوال، والاظهر هو التفصيل بين الجامع للصفة وغيره مطلقا سواء كان قبل الايام أو بعدها. أما في الجامع فلاحبار الصفات، و قد مر في أوائل هذا المختصر ما يمكن أن يقرر به وجه استفادة أمارية الصفات للحيض في ما دار الامر بينه وبين الاستحاضة مطلقا وعدم اختصاص ذلك بمستمرة الدم، فهي أمارة للحيضية في ذات العادة والمبتدئة والمضطربة في ما دار الامر بين الدمين، فراجع. وتدل عليه أيضا صحيحة عبد الله بن المغيرة، عن أبي الحسن الاول في امرأة نفست فتركت الصلوة ثلاثين يوما، ثم طهرت ثم رأت الدم بعد ذلك، قال: تدع

[ 97 ]

الصلوة، لان أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس. (1) فتدل بإطلاقها على لزوم تحيض ذات العادة وغيرها كانت الرؤية بعد أيام العادة أو قبلها بقليل أو كثير. و إطلاقها وإن يقتضي شمول الصفرة أيضا على إشكال ناش من احتمال كون الدم مقابل الصفرة كما في بعض الروايات كصحيحة ابن الحجاج الآتية لكنه متقيد بما يأتي. وتوهم كون تلك الصحيحة واردة مورد التقية لتقرير الامام ترك الصلوة ثلاثين يوما، و هو موافق لمذهب العامة القائلين بأن أكثر النفاس أربعون أو ستون يوما، مدفوع بأن قوله " إن أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس " ردع لتركها الصلوة، ضرورة أن أيام النفاس ليست عين أيام الطهر، فمعنى مضي أيام الطهر مع أيام النفاس هو أن الثلاثين ليس جميعها أيام النفاس، بل بعضها أيام النفاس وبعضها أيام الطهر وإن استمر بها الدم، فبين الحكم الواقعي بنحو لا يتنبه له الغالب. وتدل على المطلوب أيضا صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا إبراهيم عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو أكثر، ثم طهرت وصلت، ثم رأت دما أو صفرة. قال: إن كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة. (2) وفي رواية الشيخ: وإن كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلوة أيام قرئها ثم لتغتسل و لتصل. وإنما تدل على المطلوب مفهوما على رواية الكليني، ومنطوقا على رواية الشيخ، وقوله " فلتمسك عن الصلوة أيام قرئها " محمول على مقدار أيام قرئها، أو أيام إمكان قرئها. ولا يمكن إبقاؤه على ظاهره، للزوم كون الصفرة في، أيام القرء محكومة بعدم الحيضية بقرينة المقابلة وهو مقطوع البطلان، والتفكيك بين الفقرتين بعيد جدا. نعم هنا روايات ربما يتوهم دلالتها على عدم التحيض، كمرسلة يونس القصيرة " قال: وكل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، وكل


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 5، ح 1. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 5، ح 2.

[ 98 ]

ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض " (1) ومفهوم موثقة سماعة، قال: سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها، فقال: إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلوة فإنه ربما تعجل بها الوقت. (2) وصحيحة الصحاف في الحامل. (3) لكن المرسلة - مضافا إلى ما تقدم من ضعفها سندا واضطرابها متنا - لا يبعد بملاحظة ما قبل هذه الفقرة أن يكون موردها ما إذا تجاوز الدم عشرة أيام، فراجع. ولا مفهوم لموثقة سماعة، لان الشرط فيها سيق لتحقق الموضوع، ولا مفهوم للقيد فإنه من مفهوم اللقب. وأما صحيحة الصحاف فراجعة إلى الحامل، وبإزائها روايات لابد من إفراز البحث عنها، وسيأتي في محله فالحكم في واجد الصفات خال من الاشكال. وأما مع اتصاف الدم بصفات الاستحاضة كالصفرة والبرودة فهل تتحيض بمجرد رؤيتها مطلقا، أو لاتتحيض مطلقا، أو يفصل بين قبل العادة وبعدها فيقال بالتحيض في الثاني دون الاول؟ وجوه أقربها العدم مطلقا. وتدل عليه أدلة التمييز حيث إن الظاهر منها أن الاوصاف كالحرارة والحمرة والدفع وغيرها كما تكون أمارة الحيض كذلك مقابلاتها أي الصفرة والبرودة و الفساد والفتور أمارات الاستحاضة، ولا وجه للتفكيك بينهما مع كون لسان الدليل واحد. وفائدة جعل الامارتين ظاهرة، ضرورة أنه مع أمارية صفات الحيض فقط لا يحكم على الدم الخالي منها بكونه استحاضة، مع تمامية قاعدة الامكان يحكم بالحيضية، ومع عدم تماميتها لابد من الاحتياط والعمل بالعلم الاجمالي، بخالاف ما كانت الصفات المقابلة أمارات الاستحاضة فلا تجري القاعدة لحكومة أدلة الامارات عليها وإخراج موضوعها عن تحت القاعدة. بل يمكن أن يقال: إن جعل أوصاف الاستحاضة أمارة عليها أقرب من جعل


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 15، ح 2. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 15، ح 1، وب 30، ح 3.

[ 99 ]

أوصاف الحيض أمارة عليه، لان صفات الحيض نوعا صفات مشتركة بينه وبين سائر الدماء، بخلاف صفات الاستحاضة فإنها صفات مختصة بها نوعا، وكون الصفات المختصة أمارة على ما تختص به أقرب من أمارية الصفات المشتركة ولو في فرض الدوران بينهما. والانصاف ظهور الروايات في أمارية كل من القبيلين، فحينئذ يحكم بكون الصفرة استحاضة مطلقا إلا ما خرج بالدليل، ككونها في أيام العادة أو قبلها أو بعدها بقليل كما مر وتدل على المطلوب أيضا روايات، كصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، فقال: لا تصلي حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت. (1) ظاهرها حدوث الرؤية في العادة أو بعدها، ولو انكر الظهور فيه فلا أقل من الاطلاق. والعجب أن الشيخ الاعظم تمسك بها لعدم التحيض بما رأت قبل أيام العادة ولم يتمسك بها لما بعدها وأفتى بالتحيض برؤية الصفرة لوجوه ضعيفة. وكموثقة أبي بصير المتقدمة بالتقريب المتقدم دلت على أن الصفرة قبل أيام الحيض بأكثر من يومين وبعدها بيومين وصاعدا ليست بحيض. وكذا الروايات الدالة على أنه إذا رأت الصفرة قبل انقضاء أيام عادتها لم تصل، وإن رأت بعدها صلت. فإن إطلاقها يقتضي أن لا تكون الصفرة وإن حدثت بعد العادة حيضا، سواء رأت الدم في العادة فطهرت ثم رأت صفرة، أو لم تر في العادة ورأت بعدها، وتخصيصها بما إذا استمر دمها إلى ما بعد العادة لا وجه له. وكصريح صحيحة ابن الحجاج المتقدمة، إلى غير ذلك من الروايات. وليس في مقابلها إلا قاعدة الامكان، وقد مر عدم الدليل عليها، ومع تسليم تماميتها تكون الادلة المتقدمة حاكمة أو واردة عليها، ضرورة أن موضوعها ما يمكن أن يكون حيضا، وقد مر أن معناه ما لم يدل دليل على عدم حيضيته، فبقيام الامارة على الاستحاضة وما تقدم من الادلة على عدم الحيضية ينتفي موضوعها.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 1.

[ 100 ]

وقد أورد الشيخ الاعظم على القاعدة بأن موضوعها الامكان المستقر، ولا يمكن إحرازه بالاصل لمنع جريان أصالة البقاء في مثل المقام، بل الاصل عدم حدوث الزائد على ما حدث، ولو سلم جريانها لكنه لا يجدي في إثبات الامكان المستقر ليدخل تحت معاقد إجماعات القاعدة، لان مراد المجمعين من الاستقرار هو الواقعي المتيقن، وبعبارة اخرى: الدم الموجود في ثلاثة أيام، وليس لفظ الامكان المستقر واردا في نص شرعي حتى يترتب على الثابت منه بالاستصحاب ما يترتب على المستقر الواقعي فافهم (انتهى). وفيه أن عدم جريان الاصل لو كان لاجل عدم جريانه في المتصرمات لعدم البقاء لها، لان كل قطعة منها غير الآخر، فالدم في اليوم الثاني غير ما في اليوم الاول فلا يجري فيها الاصل إلا على القول بالجريان في القسم الثالث من الكلي، فلا محيص إلا من إجراء أصل عدم الحدوث بالنسبة إلى غير الموجود، ففيه أنه قد حقق في محله جريان الاصل فيها، وأن هذه المتصرمات ليست مركبة من قطعات متكثرة، لا عقلا وإلا لزم مفاسد الجزء الذي لا يتجزى، ولا عرفا لان العرف يرى الماء الجاري والحركة شيئا واحدا له البقاء وإن كانت وحدته وبقاؤه بنحو التصرم والتغير، فالدم الجاري المتصل من أول وجوده إلى زمان انقطاعه شئ واحد متصل متصرم باق دائم، لا امور متكثرة ومصاديق متعددة متلاصقه، فمع العلم بوجوده والشك في انقطاعه تكون القضية المتيقنة والمشكوك فيها واحدة، ويصدق عدم نقض اليقين بالشك بلا ريب، فحينئذ يكون المستصحب شخصيا لا كليا. مضافا إلى أن التحقيق جريان الاصل في القسم الثالث من الكلي في مثل الدم السائل، وأصالة عدم حدوث الزائد لا تنفي الكلي إلا بالاصل المثبت. وأما ما ذكره ثانيا من عدم إجداء الاصل في إثبات الامكان المستقر الظاهر منه الفرق بين كون الدليل عليه الاجماع والدليل اللفظي، ففيه أنه إن كان المدعى أن الاجماع قائم على الدم المتيقن في ثلاثة أيام بحيث كان اليقين جزء للموضوع فلا يخفى ما فيه، ضرورة أن ما ادعي الاجماع عليه على فرض صحته هو أن كل دم يمكن أن

[ 101 ]

يكون حيضا فهو حيض. وأن كان المراد أن الحكم وإن ثبت للدم الواقعي المستمر إلى ثلاثة لكن القدر المتيقن من الاجماع هو الدم الثابت باليقين، ففيه أن الثبوت باليقين إن كان قيدا للموضوع فيرجع إلى الوجه الاول، وإن كان الحكم ثابتا للموضوع الواقعي فالاصل محرز له. نعم لو كان موضوع القاعدة هو عنوان الامكان لم يمكن إحرازه بأصالة بقاء الدم إلى ثلاثة أيام إلا بالاصل المثبت، لكن الظاهر كما مر سابقا أن موضوع القاعدة ليس هذا العنوان، إذ ليس المراد بالامكان ما هو المصطلح عند المنطقيين بل المراد ما لم يقم دليل شرعي على عدم حيضيته، فكل دم لم يقم دليل من عقل أو شرع على عدم حيضيته فهو حيض، فالدم الموجود مما لم يقم دليل على عدم حيضيته من غيرناحية عدم الاستمرار إلى ثلاثة أيام بالوجدان ومن ناحيته بالاصل، فيحرز الموضوع بهما لان الموضوع مركب لا مقيد. رابعتها ذات العادة العددية المحضة إن رأت بصفة الحيض تتحيض بمجرد الرؤية لما مر من أخبار الصفات، وقد مر عدم اختصاصها بمستمرة الدم، وسيأتي إن شاء الله في الاستحاضة تتمة البحث فيها. وإن رأت بصفات الاستحاضة يحكم بها بناء على أمارية الاوصاف لها. وقد يقال بتحيضها مطلقا، واستأنس له صاحب الجواهر - بعد الاجماع المدعى على ذات العادة وصدق اسم ذات العادة عليها - بما دل على التحيض بمجرد الرؤية في معتادة الوقت لو رأت قبل وقتها، كخبر علي بن أبي حمزة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن المرأة ترى الصفرة، فقال: ما كان قبل الحيض فهو من الحيض، وما كان بعد الحيض فليس منه. (1) ومضمر معاوية بن حكيم قال: قال: الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، وبعد أيام الحيض فليس من الحيض. (2) وخبر سماعة (1) أنه ربما تعجل بها الوقت، بتقريب أن يقال: إنه لو كان مدار التحيض بالرؤية على الوقت لما حكم في هذه الاخبار بذلك وإن لم تره فيه.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 5. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 6.

[ 102 ]

وفيه ما لا يخفى، أما الاجماع فلعدم ثبوته، بل الظاهر اختصاص معقد الاجماع بذات العادة الوقتية، فعن المعتبر: تترك ذات العادة الصلوة والصوم برؤية الدم، وهو مذهب أهل العلم لان المعتاد كالمتيقن، ولما رواه يونس عن بعض رجاله عن الصادق عليه السلام قال: إذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلوة. وهو كما ترى مختص بذات العادة الوقتية، ضرورة أن ذات العادة العديدة ليست بالنسبة إلى الوقت معتادة، وليس لها أيام معلومة حتى ترجع إليها. وأصرح منه عبارة المنتهى، قال: وتترك ذات العادة الصلوة والصوم برؤية الدم في وقت عادتها، وهو قول كل من يحفظ عنه العلم، لان العادة كالمتيقن. وروى الجمهور عن النبي صلى الله عليه واله وسلم " دعي الصلوة أيام أقرائك ". وهي كما ترى صريحة في ذات العادة الوقتية، وحينئذ لا يبقى وثوق بإطلاق الشرائع، ولا يحضرني التذكرة. وأما الروايات فالاستئناس بها بعيد بل غير ممكن، لان لتقدم الوقت وتأخره خصوصية كما تقدم، فلا يمكن إلغاؤها ورفع اليد عن أدلة التمييز بهذا الوجه المخالف للاعتبار ودلالة الاخبار، فعدم التحيض بمجرد الرؤية مع فقد صفات الحيض أشبه بالقواعد والاصول. ثم إنه بما مر من الادلة ظهر حال المبتدئة والمضطربة بل الناسية أيضا، فإن الدليل فيها هو تلك الادلة، ويأتي فيها التفصيل المتقدم. نعم، قد يتوهم في المبتدئة دلالة بعض الاخبار بتحيضها بمجرد الرؤية مطلقا، كرواية " ابن بكير " في الجارية أول ما تحيض يدفع عنها الدم فتكون مستحاضة، أنها تنتظر بالصلوة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض (2) - الحديث - وكموثقته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلوة عشرة أيام - الخ - ومضمرة سماعة، قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيام، يختلف عليها، لا يكون طمثها في


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 5.

[ 103 ]

الشهر عدة أيام سواء، قال: فلها أن تجلس وتدع الصلوة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة. (1) وفيه - مضافا إلى احتمال انصراف الدم إلى المتصف بصفات الحيض أي الحمرة كما جعل مقابل الصفرة - أن تلك الروايات في مقام بيان حكم آخر، فلا يمكن التمسك بإطلاقها لما نحن بصدده، وهو واضح، وسيأتي الكلام في حال موثقتي ابن بكير في باب الاستحاضة. بقى من الفروع المتقدمة ما إذا تعارضت الامارتان، كما إذا رأت حمرة باردة أو صفرة بدفع وحرارة، فمقتضى العلم الاجمالي هو الجمع بين الوظيفتين، وهذا واضح لو قلنا بعدم حرمة العبادة عليها حرمة ذاتية. ويمكن أن يقال: إنه كذلك لو قلنا بها أيضا، لان العلم الاجمالي بالنسبة إلى العبادات وإن كان غير مؤثر للدوران بين المحذورين لكن هنا علم إجمالي آخر، وهو العلم بوجوب العبادة عليها أو حرمة مس الكتاب واللبث في المسجد وغيرهما من المحرمات على الحائض، فمقتضى القاعدة هو التخيير بين الترك والفعل في العبادة ولزوم الترك في غيرها من تروك الحائض لكن تنجيز العلم الاجمالي الذي لا يؤثر في بعض أطرافه محل إشكال بل منع، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. الثامنة لو رأت الدم ثلاثة أيام وانقطع فلا يخلو إما أن تكون ذات عادة أو لا، وعلى التقديرين إما أن ترى الدم بصفات الحيض أولا، و على التقادير إما أن ترى الدم بعد الانقطاع قبل عشرة أيام من أول الرؤية وينقطع على العشرة، أو على الاقل، أو ترى بعد عشرة أيام وبعد مضي أقل الطهر، أو قبله، أو ترى قبل العشرة ويتجاوز عنها، والدم الثاني في التقادير إما بصفة الحيض أولا. هذه عمد صور المسألة. وأما حكمها فلا إشكال في أن الدم الاول إذا كان بصفة الحيض أو في أيام العادة حيض، لادلة الصفات، ولما دل على أن كل ما رأت في أيام العادة من صفرة أو حمرة حيض. وأما إذا لم يكن بصفته ولا في أيام العادة فلا دليل على


(1) قد تكرر هذه الرواية مرارا.

[ 104 ]

الحيضية إلا قاعدة الامكان والاجماع المدعى في خصوص الفرع، المعتضد بدعوى الشهرة وعدم الخلاف. والظاهر أن المسألة من المسلمات، والقاعدة في المورد مسلمة عندهم، ومع المناقشة في إجماعية القاعدة فالمسألة الفرعية مسلمة مجمع عليها ظاهرا، فلا إشكال فيها. وأما التمسك بصحيحة يونس بن يعقوب " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلوة، قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تصلي، قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلوة، تصنع ما بينها وبين شهر، فإن انقطع عنها الدم وإلا فهي بمنزلة المستحاضة " (1) وبصحيحة أبي بصير (2) القريبة منها، ففي غير محله، لانه لا يمكن الالتزام بهما لما مر، فلابد من حملهما على ما لا يخالف الاجماع مثل ما حملهما الشيخ والمحقق عليه من اختلاط حيضها أو غير ذلك. وأما الدم الثاني فإن كان بصفة الحيض أو في وقت العادة فحيض بلا إشكال، و كذا النقاء بينهما لما مر من أن النقاء المتخلل حيض. وأما مع عدم الامرين فالحكم بالحيضية إما لقاعدة الامكان - على فرض ثبوتها - أو للاجماع في خصوص هذا الفرع. وأما التمسك بالاخبار الدالة على أن ما رأت المرأة من الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى فمشكل، لما مر من أن تلك الروايات لا إطلاق لها، فإنها بصدد بيان حكم آخر بعد فرض حيضية الدمين، لا بصدد بيان حال الدم حتى يتمسك بإطلاقها، مع احتمال كون الدم هو الاحمر انصرافا في مقابل الاصفر على إشكال فيه، مع معارضتها بالنسبة إلى ذات العادة إذا رأت بعد عادتها بيومين أو أزيد بالمستفيضة الدالة على أن الصفرة بعد العادة ليس بحيض. والجمع بينهما بأحد الوجوه: إما بحمل أخبار الصفرة على مورد استمرار الدم إلى بعد العادة، أو حملها على مورد رؤية الدم بعد الايام من غير رؤيته في الايام، أو حمل الروايات المقابلة لها على غير الصفرة. وهذا


(1) الوسائل: ابواب الحيض،، ب 6، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 6، ح 3.

[ 105 ]

الوجه على فرض إطلاقها أقرب الوجوه، لكن مع ذلك لا يمكن الالتزام به للشهرات والاجماعات المنقولة وعدم وجدان التفصيل بين الدم والصفرة في خصوص المسألة، فتتقيد بها أخبار الصفرة بمثل الفرض. هذا إن رأت قبل تمام العشرة وانقطع عليها، وإن رأت بعد العشرة وبعد تخلل أقل الطهر، فإن كان الدمان على صفة الحيض أو في العادة أو كان أحدهما في العادة والآخر مع الصفة فلا إشكال، وأما مع فقد الامرين فالدليل عليه هو قاعدة الامكان لو تمت أو الاجاع على أن الدم المستمر إلى ثلاثة أيام حيض. وأما الحكم بالحيضية بمجرد الرؤية فموقوف على الاتصاف أو الوقوع في العادة، ومع عدمهما فلا يحكم بها بل يحكم بالاستحاضة مع صفاتها لا دلتها. اللهم إلا أن يقال: بعد قيام الاجماع على أن الدم المستمر ثلاثة أيام حيض ينقح الموضوع بالاستصحاب، لكن الشأن في ثبوت الاجماع في الفرع. ولو رأت بعد العشرة وقبل مضي أقل الطهر فإن كان الحكم بحيضية الدم الاول بقاعدة الامكان أو الاجماع لفقد الصفات وكان الدم الثاني أيضا فاقدا لها فانطباق القاعدة على الدم الاول يخرج الدم الثاني عن موضوع القاعدة، لان الدم الاول في زمان تحققه كان ممكن الحيضية فهو حيض، ومع حيضيته لا يمكن أن يكون الدم الثاني حيضا للزوم كون أقل الطهر أقل من عشرة أو كون الحيض أكثر منها. والقول بعدم الترجيح بين انطباق القاعدة في الموردين غير تام، لان الدم الاول ممكن بلا معارض فتنطبق عليه القاعدة، ومعه يخرج الثاني عن الامكان ولا وجه لعدم جريانها مع تحقق موضوعها بلا معارض، تأمل فإن فيه إشكالا ربما يأتي التعرض له. وأما لو كان الدم الثاني بصفة الحيض ففيه وجهان: أحدهما ما تقدم، ومع خروج الثاني عن الامكان لا اعتبار بالصفات، والثاني تحكيم أدلة الصفات على القاعدة لكون الصفات أمارة وهي قاعدة معتبرة حيث لاأمارة، وهو الاظهر. هذا بحسب القاعدة، لكن نسب إلى الاصحاب كون الثاني استحاضة ولو كان بصفة الحيض وما رأته أولا بصفة الاستحاضة. واستدل عليه - مضافا إلى إطلاق الاصحاب في

[ 106 ]

فتاويهم ومعاقد إجماعاتهم المنقولة - بصحيحة صفوان بن يحيى - على الاصح من كون محمد بن إسماعيل النيشابوري ثقة - عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهرا رأت الدم بعد ذلك أتمسك عن الصلوة؟ قال: لا، هذه مستحاضة. (1) على تأمل في دلالتها على الصفرة وان كانت أقوى لانها دم، ومقابلتها في بعض الروايات بالدم لا توجب الانصراف. وأما إذا تجاوز الدم عن العشرة فسيأتي الكلام فيه. التاسعة إذا انقطع الدم في الظاهر واحتمل بقاؤه في الباطن مع احتمال الحيضية بأن كان الانقطاع قبل عشرة أيام فمقتضى الاصل عدم وجوب الاختبار والفحص على المرأة، لاطلاق أدلة الاستصحاب. واحتمال وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إذا كان رفع الشهبة سهلا كالنظر والاختبار أو كان الموضوع مما يترتب عليه أمر مهم مثل ترك الصلوة أو لزم من الرجوع إلى الاصل الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا، مدفوع بإطلاق الادلة، بل في صحيحة زرارة الواردة في باب الاستصحاب " قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصاب شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك " مع أن الشك كان يرفع بمجرد النظر بسهولة. ثم إنه مع جريان الاستصحاب في المقام على ما هو التحقيق في جريانه في مثل الامور التدريجية والقول بحرمة الغسل عليها ذاتا لا إشكال في عدم إمكان التقرب به مع التفاتها حكما وموضوعا، وأما لو اغتسلت عن غفلة بقصد التقرب فصادف الطهر صح، كما أنه يصح إن قلنا بعدم حرمته ذاتا فأتت به رجاء وصادف الطهر. فالحكم بوجوب الفحص وعدم صحة الغسل قبله مطلقا يحتاج إلى الدليل. واستدل على وجوب الاستبراء بروايات: منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة، فإن خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل، وإن لم تر شيئا فلتغتسل، وإن رأت بعد ذلك صفرة


(1) الوسائل: أبواب الاستحاضة، ب 1، ح 3.

[ 107 ]

فلتتوضأ. (1) وفيها احتمالات كاحتمال الوجوب التعبدي الشرعي، واحتمال الوجوب الشرطي بمعنى كون الاختبار شرطا لصحة الغسل، واحتمال عدم الوجوب بل الامر به لمجرد الارشاد إلى حسن الاحتياط لئلا يقع غسله لغوا وعمله باطلا، واحتمال الوجوب الطريقي بمعنى وجوب الاختبار لاجل الاطلاع على الواقع بحيث لو تركته فكان مخالفا للواقع عوقبت على مخالفته لا على ترك الاختبار، ولو اغتسلت وصلت وصادف غسلها الطهر صح غسلها وصلوتها وإن كانت متجرية في ترك التكليف الطريقي، أقربها الاخير وأبعدها الاول، وأما الاحتمال الثاني فبعيد أيضا. والقول بظهور أمثال ذلك في الوضع، كقوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم - الخ - " وقوله عليه السلام " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " مما هي ظاهرة في الشرطية والمانعية، فوزان قوله " إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة " وزان قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا - الخ - " فيستفاد منه الوجوب الشرطي غير وجيه والقياس مع الفارق، ضرورة أن الاختبار في المقام ليس له نفسية بل طريق إلى العلم بالواقع، ومعه لا يستفاد منه شرطية نفس الاختبار، لعدم كونه ملحوظا بذاته، بل هو ملحوظ لمحض إراءة الواقع، والمنظور إليه نفس الواقع، ومعه لا يبقي له ظهور في الشرطية ويتضح الفارق بينه وبين المثالين. وأما الاحتمال الثالث وإن لم يكن بذلك البعد لكن رفع اليد عن الامر بلا حجة غير جائز، فالاظهر هو الوجوب الطريقي عند إرادة الغسل، لكن هذا لا يثبت وجوب الاختبار عند الانقطاع، بل يجب عند إرادة الغسل، فيمكن الاتكال على استصحاب عدم وجوب التكاليف عليها لو قلنا بسقوط الاستصحاب الموضوعي، فيحكم بعدم وجوب الغسل عليها لكن عند إرادة الغسل يجب عليها الاختبار. نعم، لو قلنا بسقوط الاستصحاب في المقام مطلقا ولزوم العمل على طبق العلم الاجمالي بالجمع بين ما على الطاهرة وما على الحائض فلا محيص إلا من الغسل، ومعه يجب الاختبار. لكن يمكن أن يقال: إن الصحيحة دلت على الوجوب عند الانقطاع وحضور


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 17، ح 1. وفى نسخة الوسائل [ فلتتوض ولتصل ]

[ 108 ]

وقت الصلوة، بدعوى أن قوله " إذا أرادت الحائض أن تغتسل... " ليس بصدد إيكال الامر إلى إرادتها، بل بصدد بيان أنها إذا احتاجت إلى الغسل بحضور وقت العبادة المشروطة به وأرادته بحسب طبع التكليف، وبعبارة اخرى: إذا احتاجت إليه وكان في الخروج عن التكليف لابد منه فعليها الاختبار، فوجوب الغسل ولزوم إرادته مفروض الوجود، وإنما أوجب عليها الاختبار عنده. وهذا وإن كان بعيدا عن ظاهر اللفظ لكنه غير بعيد بالنظر إلى أن إيكال الامر على إرادته أبعد منه جدا. ومنها مرسلة يونس (1) ورواية " شرحبيل الكندي " (2) وهما مع ضعفهما سندا لا تدلان على وجوب الاختبار، بل ظاهرتان في كيفية معرفة المرأة بطمثها و طهرها عند الشك فيهما. ومثلهما موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: المرأة ترى الطهر وترى الصفرة أو الشئ فلا تدري أطهرت أم لا، قال: فإذا كان كذلك فلتقم فلتلصق بطنها إلى حائط وترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد أن يبول، ثم تستدخل الكرسف، فإذا كان ثمة من الدم مثل رأس الذباب خرج، فإن خرج دم فلم تطهر وإن لم تخرج فقد طهرت. (3) وسؤاله وإن احتمل فيه أمران: أحدهما السؤال عن الوظيفة الشرعية، والثاني عن كيفية معرفتها بالطمث كما في رواية الكندي، بل الاحتمال الاول أقربهما، لكن يظهر من الجواب أن مقصوده كان معرفة الطمث، فإن قوله " فإذا كان ثمة من الدم مثل رأس الذباب خرج " هو الجواب عن سؤاله، وهو مناسب للاحتمال الثاني. وبالجملة إن جوابه إنما يكون عن أمر تكويني، إلا أن يقال إنه مقدمة للامر الشرعي و الوظيفة وهو كما ترى، فلا تدل الموثقة على المطلوب بوجه. ومنه يظهر الحال في دلالة ما عن الفقه الرضوي مع الغض عن سنده، فالعمدة هي صحيحة ابن مسلم مع تأيدها بدعوى الشهرة وعدم الخلاف


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 17، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 1 7، ح 3. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 17، ح 4.

[ 109 ]

ثم لا إشكال في أن الوجوب الطريقي مقدمة لوضوح حالها لاجل العبادات لان الغسل ليس بواجب نفسي، فالوجوب ههنا لاجل تحصيل الواجب الشرطي للعبادات التي هي واجبات نفسيه وهل يجب الاختبار ثانيا وثالثا إذا اختبرت ورأت الدم أو لا يجب إلا دفعة واحدة؟ وجهان: من أن القطع عن الظاهر يوجب الظن نوعا بالقطع عن الداخل، فيمكن أن يكون ذلك منشأ إلغاء الاستصحاب وإيجاب الفحص، وأما لو اختبرت ورأت الدم في الداخل فيجري الاستحصاب، فتترك العبادة اتكالا عليه إلى العلم بالنقاء أو تجاوز العشرة، ومن أن الظاهر من صحيحة ابن مسلم بالتقريب المتقدم أنها كلما احتاجت إلى الغسل حسب احتياج سائر المكلفين يجب عليها الاختبار. والفرق المذكور بين موردي الاستصحاب بعيد. مضافا إلى العلم الاجمالي بوجوب العبادات أو حرمة ما على الحائض كالدخول في المسجدين واللبث في سائر المساجد، فمع عدم الحرمة الذاتية في العبادات يجب عليها الاتيان بها بمقتضى العلم الاجمالي فيجب الغسل بحكم العقل، فإذا أرادت الغسل يجب عليها الاختبار بحكم صحيحة ابن مسلم. وإن قلنا بالحرمة الذاتية كان من قبيل الدوران بين المحذورين، فمع عدم جريان الاستصحاب يجب الاختبار بحكم العقل لاتضاح الحال. ولا يبعد ترجيح الوجه الثاني. ثم على القول بشرطية الاختبار للغسل لا يصح بدونه ولو صادف الطهر، وهل يصح مع فرض وقوعه على وجه تعذر فيه كنسيان الاستبراء ونحوه؟ قطع بذلك صاحب الجواهر، وفيه تأمل وإشكال، لانه على فرض الشرطية يكون الشرط هو واقع الاختبار من غير دخل لعذر المكلف فيه. نعم، لو قلنا بأن الوضع ينتزع من التكليف، ولايجوز تكليف المعذور فلا منشأ لانتزاع الوضع كان له وجه، لكن المبنى صغرى و كبرى محل إشكال، ضرورة أن الظاهر من مثل قوله " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " بحسب فهم العرف في أمثال المقام أن النهي إرشاد إلى عدم تحقق الصلوة مع الوبر، فالنهي لاجل عدم إمكان الوجود، فيستفاد منه مانعية ما لا يؤكل للصلوة مطلقا، و

[ 110 ]

كذا سائر المقامات التي تكون مثل ذلك ومنها ما نحن بصدده، مع أن في عدم تعلق التكليف بالمعذور كلاما وإشكال قد تعرضنا له في محله، نعم في خصوص النسيان لا يبعد التمسك بحديث الرفع على ما قوينا شموله لمثل المقام. وهل يسقط على فرض الشرطية مع التعذر كالعمى والظلمة وضيق المجرى؟ وجهان: من دعوى قصور الادلة لقطع الاستصحاب في مثله، لكونها واردة في غير المعذورة، والمعذورة لها الاتكال على الاستصحاب وترك العبادات إلى القطع بالنقاء أو تجاوز العشرة، ومن احتمال قطع الاستصحاب في المقام وكذا الشرطية لتعذره فلابد من الاحتياط. ويمكن أن يقال: إن الشرطية لا تنافي التعذر، وورود الروايات كذلك لا ينافي انفهام الشرطية منها مطلقا، ومعها لا يصح غسلها إلا بعد العلم بالنقاء أو تجاوز العشرة. ثم إنه لا إشكال في عدم تعين كيفية خاصة في الاستبراء، لاطلاق صحيحة محمد بن مسلم وعدم استفادة التعيين من سائر الروايات بعد اختلافها ومعلومية ورودها للارشاد إلى ما هو الاسهل، ومعلومية عدم دخل بعض الخصوصيات كالادخال بيدها اليمنى، فالمقصود هو حصول الاستبراء بأي وجه كان، إلا أن الاحوط العمل عليها، و أما ترجيح رفع اليسرى كما صنع الشيخ الاعظم بدعوى تعدد مادل عليه وقوة سنده فغير معلوم، لان سند مادل على رفع اليمنى أرجح، فإن مرسلة يونس أرجح من رواية الكندي والفقه الرضوي. ولما كان الاستبراء والفحص لا يحصل غالبا إلا بالمكث ولو قليلا لا يبعد لزومه، كما ورد مثله في رواية خلف بن حماد الواردة في اشتباه دم العذرة بالحيض، فالاحوط اعتباره لو لم يكن أقوى العاشرة المرأة إما مبتدئة أو مضطربة لم تستقر لها عادة أو ذات عادة، و على أي تقدير إما أن تخرج القطنة بعد الاستبراء نقية أو ملوثة بالدم أو بالصفرة، وذات العادة إما ذات عادة عرفية بحصول العادة في أزمنة كثيرة أو ذات عادة بحكم الشرع بالمرتين أو ثلاث مرات، فههنا صور لابد من البحث عنها:

[ 111 ]

الاولى: إذا كانت مبتدئة أو مضطربة وخرجت القطنة نقية فلا إشكال في أنها طاهرة يجب عليها الغسل شرطا عند وجوب مشروطه، ولا يجب عليها الاستظهار بل لا يجوز، لاصالة عدم حدوث الدم وأصالة بقاء الطهر ولاخبار الاستبراء المتقدمة ولو ظنت العود، لعدم اعتباره ولا يرفع اليد عن الدليل به. وقد يقال بالاستظهار مستظهرا بدليل الحرج، وهو كما ترى لمنع الحرج. وأما ذات العادة فإن كانت لها عادة عرفية توجب الاطمئنان بنظامها وكانت عادتها انقطاع الدم وعوده فلا إشكال في عدم الاستبراء لها ولزوم ترك العبادة لقوله صلى الله عليه وآله " دعي الصلوة أيام أقرائك " والنقاء المتخلل من أيام الاقراء، وكذا لو كانت العادة غير موجبة للاطمئنان كالعادة الشرعية فالظاهر عدم لزوم الاستبراء ولزوم ترك العبادة، لا لما قيل من لزوم الحرج لما مر من عدم الحرج، مع أن الحرج لا يوجب التفصيل بين الظن الحاصل من العادة وغيره كما نسب إلى جمع، بل لحكومة مرسلة يونس الطويلة على أدلة الاستبراء، فإن تلك الادلة موضوعها من لم تدر أطهرت أم لا، والمرسلة بالتقريب الذي تقدم تدل على أن العادة الحاصلة بالمرتين توجب الخلق المعروف والايام المعلومة، وقد مر عدم اختصاصها بمستمرة الدم، فإذا رأت خمسة أيام دما ويومين نقاء ويومين دما في شهرين بهذا النظام تصير تلك الايام عادتها وخلقها المعروف ولا تكون ممن لم تدر أطهرت أم لا، بل تكون عالمة بعدم طهرها لقيام الامارة عليها، فتكون مشمولة لقوله " دعي الصلوة أيام أقرائك " فتخرج بالمرسلة عن موضوع تلك الادلة. ثم اعلم أن ترك العبادة في هذا المورد ليس لاجل الاستظهار، بل لاجل الدليل على الحيضية، ولهذا لو قلنا باستحباب الاستظهار وجواز العبادة لم نقل به في المقام. وبالجملة إن الاستظهار للمرددة وهذه ليست كذلك. الثانية: إذا رأت المبتدئة أو المضطربة حمرة بالاستبراء أي خرجت القطنة ملوثة بالحمرة فلا إشكال في لزوم التحيض وترك العبادة للاصل ودلالة جملة من الاخبار:

[ 112 ]

منها أخبار الاستبراء، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة، فإن خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل - الحديث - (1) وفي موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام... فإذا كان ثمة من الدم مثل رأس الذباب خرج، فإن خرج دم فلم تطهر (2) ومنها رواية خلف بن حماد (3) الواردة في اشتباه الحيض بدم العذرة، الدالة على لزوم ترك العبادة لمن استمر بها الدم إلى عشرة أيام إذا خرجت القطنة مستنقعة. ومنها روايتان محمد بن مسلم (4) الدالتان على أنه إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى. ومثلهما ما ورد في باب العدد على تأمل فيها. ومنها ما ورد في خصوص المبتدئة أو خصوص المضطربة، كموثقة ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلوة عشرة أيام، ثم تصلي عشرين يوما. (5) وقريب منها روايته الاخرى. وفي موثقة سماعة قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض تقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء، قال: فلها أن تجلس وتدع الصلوة مادامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق الشهران عدة أيام سواء فتلك أيامها. (6) فلا إشكال في المسألة، إنما الاشكال في ما إذا خرجت ملوثة بالصفرة هل هو كالتلوث بالحمرة فتمكث إلى حصول النقاء أو مضي عشرة أيام أو يجب عليها العبادات


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 17، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 17، 4. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 2، ح 3. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 10، ح 11. وب 12، ح 1. (5) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 6. (6) الوسائل: ابواب الحيض، ب 7، ح 1.

[ 113 ]

وعمل المستحاضة؟ مقتضى الاستصحاب هو الاول، كإطلاق الادلة المتقدمة الواردة في الجارية البكر وغيرها، وإن لم يخل من تأمل، لاحتمال كون المراد من الدم هو غير الصفرة، وإن كان الاقرب شمولها لها، ومجرد جعله في بعض الروايات في مقابلها لا يوجب صرف المطلقات عنها مع دخولها في عنوان الدم. نعم، إذا قوبلت به يكون المراد منه صنفا خاصا وهو الاحمر. وأما صحيحة سعيد بن يسار - بناء على وثاقة الرواسي كما لا يبعد - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تحيض ثم تطهر وربما رأت بعد ذلك الشئ من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها، فقال: تستظهر بعد أيامها بيومين أو ثلاثة ثم تصلي. (1) فهي في غير ما نحن فيه، لان كلامنا في من انقطع الدم عن ظاهرها دون الباطن، و ظاهر الصحيحة هو تطهرها واغتسالها منه ثم رؤية الدم الرقيق، وهو موضوع آخر، مع ظهورها في ذات العادة بمقتضى كون مصب أخبار الاستظهار هو هي، وظهور قوله " بعد أيامها " في من لها أيام وعادة. وأبعد منه التمسك بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال: وإن لم تر شيئا فلتغتسل، وإن رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ ولتصل. (2) لتعليق الاغتسال على عدم رؤية شئ، ففيه أن هذه الجملة ملحوقة بقوله " فإن خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل " ومعه لا إطلاق فيها كما لا يخفى. وأما ذيلها فلا يخالف مسألتنا، لا لما في الجواهر من حمله على العلم بعدم الحيضية، لانه غير وجيه ولا شاهد عليه، بل لما أشرنا إليه آنفا من أن كلامنا في من استمر دمها في الباطن لامن انقطع دمها عن الظاهر والباطن وصارت طاهرة ثم رأت بعد اغتسالها. نعم، هي تنافي صحيحة سعيد بن يسار، فلابد من الجمع بينهما إما بحمل الدم الرقيق على الاحمر الرقيق، أو حمل صحيحة ابن مسلم على ما بعد أيام الاستظهار أو بعد عشرة أيام، والاول أقرب لولا مخافة مخالفته للاجماع أو الشهرة كما أن الرجوع إلى الاوصاف وأمارية الصفرة للاستحاضة اقرب بحسب الادلة في


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 8. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 17، ح 1.

[ 114 ]

ما نحن فيه، وبه يقطع الاستصحاب ويرفع اليد عن إطلاق الروايات - على فرض ثبوته - لولا تلك المخافة. الثالثة إذا رأت ذات العادة بعد أيامها صفرة فهل يجب عليها أو يستحب الاستظهار بمقتضى مادل عليه، أو تعمل عمل المستحاضة بمقتضى ما دل على أن الصفرة بعد الحيض أو بعد أيام الحيض ليست بحيض؟ فعن الرياض أن تلك الاخبار مخالفة للاجماع بسيطا أو مركبا ولاخبار الاستظهار، ولهذا حملها في الجواهر على ما بعد الحيض والاستظهار، وهو المتجة لو كانت مخالفة للاجماع، وإلا فالجمع العقلائي بينها وبين أدلة الاستظهار يقتضي تحكيمها عليها، لان موضوع أدلة الاستظهار هو من لم تعلم أن الدم حيض أو لا، ولهذا عبر في بعضها بأنها تحتاط، بل نفس الاستظهار يدل على ذلك، بل المورد مورد الشبهة والتحير، لان الدم إذا انقطع على العشرة يكون جميعه حيضا بمقتضى الادلة، وإذا تجاوز عنها تكون أيام العادة كذلك، فتكون شاكة في حيضية ما تجاوز عن العادة لاجل الشك في تجاوزه عن العشرة. والاخبار الدالة على أن الصفرة بعد أيام العادة ليست بحيض حاكمة على أدلة الاستظهار ونافية لموضوعها، سواء كان بينها وبين أدلة الاستظهار عموم مطلقا وذلك إذا حملت تلك الاخبار على من استمر بها الدم كما احتمله أو قربه الشيخ الاعظم، أو عموم من وجه بناء على إطلاقها كما هو الاقرب. هذا إذا حملنا موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في المرأة ترى الصفرة فقال: إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، وإن كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض (1) على ما حدث بعد الايام، كما لا يعبد بلحاظ قوله " ترى الصفرة " وإلا فالوجه حمل مطلقات تلك الاخبار عليها في من استمر بها الدم أي تجاوز عن عادتها، فحينئذ يمكن القول بأن المراد من قوله " وإن كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض " هو أيام الاستظهار، فتكون مطابقة لما دل على أنه إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة، فيحمل عدم الحيضية على التكليف


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 2.

[ 115 ]

الظاهري ككونها مستحاضة لاعلى عدم الحيضية الواقعية. وهذا الوجه أقرب إلى جمع الاخبار وكلمات الاصحاب وإن لم يخل عن إشكال. الرابعة إذ اخرجت القطنة بعد أيام عادتها ملوثة بالدم بل بالصفرة بناء على ما تقدم آنفا ففيه جهات من البحث. وقبل الورود فيها لا بأس بذكر ما تقتضي القاعدة فنقول: لو قلنا بجريان الاستصحاب في المقام فالظاهر جريان استصحاب استمرار الدم إلى ما بعد العشرة، فيترتب عليه كون العادة أيامها ولا سنة لها غيرها، ولو قلنا بعدم جريانه إما لعدم الجريان في التدريجات أو لقطع الاستصحاب في المقام فمقتضى القاعدة الجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة للعلم الاجمالي بكونها حائضا أو مستحاضة. هذا إذا قلنا بالحرمة التشريعية في العبادات، وما قيل من أنه لا يجب عليها للاصيل، لان الشك بالنسبة إليها مرجعه إلى الشك في أصل التكليف والمرجع فيه البراءة، في غير محله بعد العلم الاجمالي. وأما إن قلنا بالحرمة الذاتية ففي العبادات يدور الامر بين المحذورين فتتخير مع عدم الترجيح محتملا واحتمالا، وإلا فتأخذ بأرجحهما، وأما بالنسبة إلى محرمات الحائض كمس الكتابة وغيره فقد يقال بلزوم تركها لكونها طرفا للعلم الاجمالي وإن كان أحد الطرفين من قبيل الدور ان بين المحذورين، لكن الظاهر عدم لزومه، لان العلم ليس منجزا بالنسبة إلى أحد الطرفين - أي العبادت التي دار أمرها بين المحذورين - ومعه يكون الآخر في حكم الشبهة البدوية، لان من شروط تنجيز العلم تعلقه بتكليف منجز به على كل تقدير. ثم إن الخيير العقلي في المقام استمراري لا بدوي، فهي مختارة في كل واقعة في الاخذ بأي طرف شاءت، إلا أن يلزم منه محذور كحصول العلم التفصيلي ببطلان عملها في بعض الصور، كما لو تركت الظهر وأتت بالعصر فتعلم تفصيلا ببطلانها لفقد الترتيب أو الطهور. الجهة الاولى: لا إشكال في أن مصب أخبار الاستظهار هو الامرأة المتحيرة،

[ 116 ]

أي التي تتحير في أنها حائض أو مستحاضة، ومنشأ هذا الشك هو الشك في تجاوز دمها عن العشرة حتى لا تكون لها سنة إلا أيامها كما سيأتي وعدمه حتى يكون المجموع حيضا كما مر، وذلك لظهور عنوان الاستظهار والاحتياط في ذلك، وأخبار الباب تدور على هذين العنوانين، فمن علمت أو اطمأنت بعدم تجاوز دمها عن العشرة أو تجاوزه فهي خارجة عن مصبها، فمثل المرأة التي يستمر بها الدم شهورا أو أقل خارجة عن مصبها كما يظهر بالتأمل فيها، فإنه مضافا إلى اقتضاء العنوانين ذلك قد وردت الروايات في موردين: أحدهما - وهو ما ورد فيه غالب الروايات حتى أن غيره بالنسبة إليه قليل - هو من رأت الدم وقت حيضها أو قبله وجاز أيامها، ومما ورد في ذلك موثقتا سماعة، ورواية إسحاق بن جرير، ومرسلة داود مولى أبي المغرا، و صحيحتا سعيد بن يسار وابن أبي نصر، ورواية محمد بن عمر وعبد الله بن المغيرة ويونس بن يعقوب وأبي بصير وغيرها. وهذا الطائفة لا إشكال فيها من حيث كون مصبها ما ذكرنا. وثانيهما ما وردت في المستحاضة كرواية إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: المستاحضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين، فإن هي رأت طهرا اغتسلت (1) ورواية زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم (2) ورواية اخرى لزرارة عنه عليه السلام قال: المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين (3) ورواية فضيل وزرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: المستحاضة تكف عن الصلوة أيام قرئها وتحتاط بيوم أو اثنين ثم تغتسل - الخ - (4) ورواية عبد الرحمان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المستحاضة أيطأوها زوجها، وهل تطوف بالبيت؟ قال: تقعد قرؤها الذي


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 7. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 5. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 14. (4) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 12.

[ 117 ]

كانت تحيض فيه، فإن كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل - الخ - (1) والمستحاضة وإن كانت أعم ممن يستمر بها الدم شهرا أو أزيد وممن تجاوز دمها عن أيام عادتها لكن لابد من حملها في تلك الروايات على الثانية بقرينة قوله " تستظهر " و " تحتاط " فإن العنوانين لا ينطبقان إلا عليها، وأما من استمر بها الدم فلا يكون لها احتياط لكون عادتها هي الحيض والزائد عليها استحاضة كما صرح به في المرسلة الطويلة من غير ريب وشائبة إشكال. ودعوى الشيخ الاعظم ظهور بعض فقراتها في غير مستمرة الدم غير وجيهة كما يظهر للمتأمل، وما ذكرنا هو الظاهر من روايات اخر كصحيحة معاوية بن عمار والحلبي وعبد الله بن سنان وغيرها، فلا إشكال في هذا الحمل في الروايات سوى موثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله حيث فصل فيها بين استقامة القروء وغيرها، والظاهر كون المراد فيها مستمرة الدم، وهي لا تنافي الروايات، لان صدرها موافق لمرسلة يونس وما هو بمضومنها، وذيلها فرض آخر غير المفروض في سائر الروايات، ولا بأس بالحكم بالاحتياط في مستمرة الدم مع الخلاف في عادتها كما تدل عليه الرواية. فتحصل مما ذكرنا أن مستمرة الدم لاسنة لها إلا أيامها إذا كانت لها أيام معلومة غير مختلفة، ومع الاختلاف تحتاط بيوم أو يومين كما في موثقة البصري، و أن الحائض والنفساء إذا جاوز دمهما عن عادتهما شرع في حقهما الاستظهار. ويشهد للجمع موثقة إسحاق بن جرير حيث فصل فيها بين من تحيض وجازت أيام حيضها فأمرها بالاستظهار، وبين من استمر بها الشهر والشهرين والثلاثة فأمرها بالجلوس أيام حيضها ثم الاغتسال للصلوة. الجهة الثانية: قد اختلفت الروايات في هذه المسألة غاية الاختلاف، وهي على اختلافها على طوائف: منها ما هي ظاهرة في مستمرة الدم كالمرسلة وأشباهها مما قد مر الكلام فيها. ومنها ما هي ظاهرة أو صريحة في غير المستمرة، وقد حكم


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 1.

[ 118 ]

فيها بالاستظهار إما مطلقا أو بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام إلى غير ذلك. ومنها ما هي محمولة على الثانية لبعض القرائن الداخلية والخارجية، وهي الروايات الواردة في أن المستحاضة تستظهر كما مر الكلام فيها. ومنها ما وردت في غير مستمرة الدم وامر فيها بالاغتسال والصلوة بعد عادتها كصحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: النفساء تكف عن الصلوة أيامها التي كانت تمكث فيها ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة. (1) وكحسنة عبد - الرحمان بن أعين، قال: قلت له: إن امرأة عبد الملك ولدت فعدلها أيام حيضها، ثم أمرها فاغتسلت واحتشت، وأمرها أن تلبس ثوبين نظيفين وأمر بالصلوة، فقالت له: لاتطيب نفسي أن أدخل المسجد فدعني أقوم خارجا عنه وأسجد فيه، فقال: قد أمر بذا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: فانقطع الدم عن المرأة ورأت الطهر، وأمر علي عليه السلام بهذا قبلكم فانقطع الدم عن المرأة ورأت الطهر، فما فعلت صاحبتكم؟ قلت: ما أدري (2) حيث تدل على أنه أمرها بعد عادتها وعدول الدم عنها بالاغتسال والصلوة؟ فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام أمرا بذلك وكمرسلة داود مولى أبي المغرا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: المرأة يكون حيضها سبعة أيام أو ثمانية أيام حيضها دائم مستقيم ثم تحيض ثلاثة أيام ثم ينقطع عنها الدم وترى البياض لا صفرة ولا دما، قال: تغتسل وتصلي، قلت: تغتسل وتصلي وتصوم ثم يعود الدم، قال: إذا رأت الدم أمسكت وإذا رأت الطهر صلت، فإذا مضت أيام حيضها واستمر بها الطهر صلت، فإذا رأت الدم فهي مستحاضة، قد انتظمت لك أمرها كله. (3) وكصحيحة الصحاف على بعض الوجوه والاحتمالات. واختلاف هذه الاخبار صار سببا لاختلاف الانظار في الجمع بينها في موضوع الاستظهار والاقتصار وفي حكم الاستظهار ومقداره. وقد مر في الجهة الاولى أن مصب


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 1. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 9. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 6، ح 1.

[ 119 ]

أخبار الاستظهار هو ذات العادة التي تجاوز دمها عن عادتها وصارت متحيرة لاجله، وأن مصب طائفة من روايات الاقتصار هو مستمرة الدم، فموضوع كل غير الآخر، ولا اختلاف في الاخبار من هذه الجهة. وأما الروايات الواردة في استظهار المستحاضة فهي ظاهرة في الطائفة الاولى - أي من تجاوز دمها عن عادتها - بمقتضى عنوان الاستظهار ومقتضى رواية الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: المستحاضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين، فإذا هي رأت طهرا اغتسلت، وإن هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت (1) أو محمولة عليها بمقتضى مرسلة يونس التي نصت على أن مستمرة الدم إذا كانت لها عادة لا وقت لها ولا سنة إلا أيامها وهي على أيامها. وأما الروايات الواردة في الاقتصار فما هي ظاهرة في مستمرة الدم كمرسلة يونس وصحيحة معاوية والحلبي وعبد الله بن سنان فلا إشكال فيها، وما هي مطلقة يحفظ ظهورها في الوجوب بالنسبة إلى مستمرة الدم، ويرفع اليد عن وجوب الاقتصار بالنسبة إلى ذات العادة التي جازت أيامها، فتصير كالطائفة التي دلت على الاقتصار ذات العادة التي جازت أيامها، فحينئذ يقع التعارض ظاهرا بين روايات الاستظهار وهذه الطائفة من أدلة الاقتصار مما تكون ظاهرة في ذات العادة التي جازت في أيامها بالاطلاق أو بالورود في هذا المورد كصحيحة زرارة، فلابد من الجمع بينهما، والاقرب في النظر حمل جميع الروايات على الارشاد إلى حكم العقل، وقد مر أن العقل في المقام يحكم بالتخيير ما دام لم يتضح حالها ودار الامر بين المحذورين بناء على حرمة العبادات ذاتا كما هو الاقوى وسيأتي الكلام فيه، فإذا حكم العقل بعد مضي أيام العادة وتحير المرأة بين انقطاع الدم على العشرة وعدمه بتخييرها بين الفعل والترك لم يبق ظهور في الروايات في إعمال التعبد، فلايفهم منها إلا ما هو حكم العقل. وتوهم دلالة هذه الاخبار الكثيرة على وجوب الاستظهار بيوم واحد، فإن


الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 10.

[ 120 ]

الاستظهار بالاقل هو القدر المتيقن الثابت بجميع الروايات، فلابد من الاخذ به وحمل سائر المراتب على التخيير أو الاستحباب مدفوع بما دل على الاقتصار في اليوم الاول في الموضوع الذي دلت الروايات على الاستظهار كصحيحة زرارة وموثقة عبد الرحمان بن أعين وغيرهما، ومعها لابد من رفع اليد عن ظهور الروايات في الوجوب لو سلم ظهورها، مع أنه غير مسلم اولا لما مر من ورودها في مورد حكم العقل، وفي مثله لا يسلم الظهور في التعبد، وثانيا مع هذا الاختلاف الفاحش فيها لا يبقى ظهور لها في الوجوب فضلا عن التعييني، فضلا عنه في اليوم الواحد. لا يقال: لا يمكن رفع اليد عن الاوامر الكثيرة الواردة في الاستظهار والاحتياط ولو سلم عدم بقاء ظهورها في الوجوب فلا محيص عن الحكم بالرجحان، لا رجحان نفس الاستظهار والاحتياط، بل يفهم منها ترجيح الشارع جانب الحرمة على جانب الوجوب، فالرجحان بهذا المعنى مما لا مناص عنه فإنه يقال: هذا صحيح لو كانت أخبار الاستظهار خالية عن المعارض، لكن الامر ليس كذلك، فإنه في كل مورد من اليوم الاول إلى العاشر مما وردت رواية أو روايات على الامر بالاستظهار وردت رواية أو روايات اخر على الامر بالاغتسال والصلوة وعمل الاستحاضة. ففي اليوم الاول أي بعد مضي أيام العادة كما وردت روايات بالاستظهار وردت روايات بالاغتسال والصلوة وعمل المستحاضة كما مر، وفي اليوم الثاني أيضا وردت روايات بالاستظهار مثل مادل عليه بيوم أو يومين، ووردت روايات على أنها مستحاضة، وهي روايات الاقتصار، والروايات التي دلت على لزوم الاستظهار بيوم واحد ثم الحكم بأنها مستحاضة، وفي اليوم الثالث دلت الطوائف الثلاث على كونها مستحاضة وطائفة اخرى على لزوم الاستظهار، وهكذا. ففي كل مورد تعارضت الروايات، فلا يبقى مجال للحمل على الرجحان في جانب منها، ولا يخفى على المتأمل في جميع الروايات مع التوجه إلى حكم العقل وتخالف الروايات هذا التخالف الفاحش أن ما ذكرنا أولى مما ذكره المحققون: كالحمل على الوجوب التخييري، فإنه الاشكال في أصل التخيير كذلك يرد عليه أن الروايات كما عرفت

[ 121 ]

متعارضة في كل يوم فكما ورد الامر بالاستظهار يوما أو يومين أو ثلاثة إلى عشرة كذلك وردت الروايات الآمرة بعمل الاستحاضة في كل يوم إلى العاشر، فلابد من حمل هذه الطائفة أيضا على الوجوب التخييري، فتتخير بعد العادة بين الاستظهار بيوم أو يومين إلى العاشر بمقتضى أدلة الاستظهار على ما تقدم، وتتخير في عمل الاستحاضة بين يوم أو يومين إلى العاشر، وهل هذا إلا حكم العقل بالتخيير؟ نعم لو قلنا بأن حكم العقل بالتخيير إنما هو مع تساوي الاحتمالين، وأما مع كون أحد احتمالي الحيض والاستحاضة أقوى يتعين الاخذ بالاقوى، وقلنا بإطلاق الروايات بالنسبة إلى قوة الاحتمال وعدمها كان لحمل الروايات على التخيير إلى اليوم العاشر وجه، وعليه كان التخيير شرعيا لا عقليا وتوهم عدم جواز التخيير بين فعل الواجب وتركه لا إلى بدل فاسد لان العبادات في أيام الحيض حرام ذاتي، فيكون التخيير بين الحرام والواجب، ومن قبيل الدوران بين المحذورين وإن كان الموضوع في الاخبار أعم من الموضوع العقلي. وكالحمل على الاستحباب، وهو أسوء من الاول، لعدم رجحان في حمل أخبار الاستظهار على الاستحباب دون الاخبار الآمرة بالاغتسال وعمل الاستحاضة. وأبعد منهما ما صنعه صاحب الجواهر والشيخ الاعظم من حمل الروايات على التنويع، تارة بحمل مادل على استظهار يوم على من كانت عادتها تسعة أيام، وما دل على يومين على من كانت عادتها ثمانية، وهكذا، واخرى بحمل مادل على يوم على من تظهر حالها بيوم، وما دل على يومين على من. تظهر حالها بعد يومين، وهكذا. ولعمري إن الطرح أولى من مثل هذا الحمل الغريب البعيد عن الاذهان، المستحيل ورود مثله من متكلم يريد إفهام الحكم. وأغرب منه ما أيد به كلام صاحب الجواهر من أن كلام المعصومين ككلام واحد من متكلم واحد، وهو كما ترى لا يمكن الالتزام به، ولا معنى له، مع أنه مستلزم لمفاسد يختل بها الفقه، على أنه لا يصلح الحمل المذكور أيضا. كما أن الاستدلال بالاستصحاب وقاعدة الامكان وما دل على أن ما رأت المرأة قبل عشرة أيام من الحيضة الاولى في غير محله، ضرورة أن الاستصحاب قد انقطع

[ 122 ]

بالروايات، وكذا قاعدة الامكان، والروايات الاخيرة لابد وأن يكون موضوعها غير موضوع هذه الروايات، وإلا فمع فرض الاستصحاب والقاعدة والروايات المذكورة لا يبقى مجال للاحتياط والاستظهار كما هو واضح. ثم إن موضوع الاستظهار كما قلنا هو المرأة المتحيرة لاجل الشك في قطع الدم على العشرة وعدمه، فمع فرض العلم أو الاطمئنان بأحد الطرفين تخرج عن موضوع الاستظهار، وهذا لا ينافي ما تقدم منا آنفا من الاشكال على ما صنعه المحققان: صاحب الجواهر، والشيخ الاعظم. وبما ذكرنا ظهر ما هو الحق في < < الجهة الثالثة > > وهى مقدار الاستظهار، وهو تابع لبقاء موضوعه. (تتميم) لو انقطع الدم على العشرة فهل المجموع حيض، أو أيام العادة، أو هي مع أيام الاستظهار دون ما بعدها؟ وهذه المسألة غير ما سبقت من الرؤية ثلاثة أيام مثلا و انقطاع الدم ثم الرؤية ثانيا والانقطاع قبل عشرة ايام وإن اشتركتا في بعض الادلة. وكيف كان فالاقوى كون الجميع حيضا كما هو المشهور على ما في طهارة شيخنا الاعظم، بل نسب إلى الاصحاب، بل ادعي الاجماع عليه كما عن الخلاف والمعتبر و التذكرة والمنتهى والنهاية. ويدل عليه بعد ذلك مادل على حيضية الجمع في المسألة المتقدمة المشار إليها آنفا، كروايتي محمد بن مسلم أن ما رأت المرأة قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى - على تأمل فيه - وقاعدة الامكان في خصوص مثل المسألة مضافا إلى الاستصحاب - تأمل - وأخبار الاستبراء الدالة على أن القطنة إذا خرجت ملوثة لم تطهر. وليس في مقابلها إلا توهم دلالة أدلة الاستظهار على أن ما بعد أيامه مستحاضة وهو كما ترى، ضرروة أن هذه الروايات بنفسها تدل على أن الحكم بالاستحاضة ظاهري لا واقعي فإن جملة منها تدل على أنها في اليوم الثاني بعد الاستظهار مستحاضة وجملة منها تدل على أنها في اليوم الثاني مستظهرة، وكذا في اليوم الثالث تدل جملة

[ 123 ]

على أنها مستحاضة وجملة على الترخيص في الاستظهار، ومعه كيف يمكن القول بالاستحاضة الواقعية؟ إلا أن يقال بالتنويع، وقد مر تضيعفه. هذا مضافا إلى ما ورد من أنها تعمل كما تعمل المستحاضة، كموثقة سماعة (1) ورواية يعقوب الاحمر عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في النفساء (2) وأوضح منهما رواية حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام، ففيها: " قلت: فما حد النفساء؟ قال: تقعد أيامها التى كانت تطمث فيهن أيام قرئها، فإن هي طهرت، وإلا استظهرت بيومين أو ثلاثة أيام، ثم اغتسلت واحتشت، فإن كان انقطع الدم فقد طهرت، وإن لم ينقطع الدم فهي بمنزلة المستحاضة " (3) فيحمل مادلت على أنها مستحاضة على أنها بمنزلة المستحاضة و تصنع كما تصنع المستحاضة، وكذا يحمل على ذلك مادلت على أن الصفرة بعد أيام الحيض بيومين ليس من الحيض، كما سبقت الاشارة إليه. وكيف كان فلا إشكال في هذه المسألة، ولاجل ذلك يرفع الشك عن مسألة اخرى وهي كون أيام العادة حيضا دون غيرها إذا تجاوز الدم عن العشرة، ضرورة أنه لو كان جميع العشرة حيضا سواء انقطع الدم عليها أو تجاوز عنها لم يبق للمرأة شك في حيضية ما بعد العادة ووقع جميع أخبار الاستظهار والاحتياط بلا مورد، ولزم منه الحكم بالعبادة وعمل الاستحاضة في زمان الحيض المعلوم، وهو واضح الفساد، وسيأتي في الاستحاضة تحقيق المقام. ثم إنه إذا انقطع على العشرة هل يجب قضاء ما صامت بعد أيام العادة لتبين فساده، أو الامر بالصيام موجب للاجزاء لو قلنا بأن التخيير شرعي والحكم بالاستحاضة وعمل ما تعمله المستحاضة تعبدي ظاهري، فإن الامر الظاهري بالصيام موجب للاجزاء وإلغاء اعتبار من الحيض في الصيام؟ ولولا كون العبادة في أيام الحيض محرمة ذاتية عليها لم يكن الحكم بالاجزاء بعيدا كما رجحنا في أمثال


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 1. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 5، ح 20. (3) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 11.

[ 124 ]

المقام. لكن مع كونها محرمة ذاتية وكون الامر بالاستحاضة لاجل الدوران بين ترك الواجب وفعل الحرام كالدوران بين المحذورين عقلا لا مجال للاجزاء، ففي مثله لا يستفاد من الامر بالصيام إلغاء اعتبار الطهور أو إلغاء مانعية الحيض. هذا مضافا إلى الاشكال في أصل المبنى أي كون التخيير شرعيا، فعليها قضاء ما فعلته، كما ادعي عدم الخلاف بل الاجمال عليه. وأما مع تجاوز الدم وكشف كون جميع ما بعد العادة استحاضة فلا إشكال في صحة ما فعلت بعد أيام الاستظهار وكذا قضاء ما تركت في أيامه. ودعوى عدم وجوب القضاء لعدم وجوب الاداء وكون القضاء تابعا له بل كون الاداء حراما على فرض وجوب الاستظهار كما ترى، ضرورة أن المستفاد من الاخبار أن الاستظهار والاحتياط بترك العبادة كعمل المستحاضة حكم ظاهري كحكم العقل بالتخيير في الدوران بين المحذورين، فيكون الحكم الواقعي محفوظا فيجب قضاء ما تركت لدى انكشاف الخلاف، كما أن دعوى استفادة عدم القضاء من الاخبار الكثيرة الساكتة عنه في غير محلها، ضرورة أن الاخبار تكون في مقام بيان حكم آخر، كدعوى فهم إلحاق أيام الاستظهار بالحيض حكما في جميع الآثار، وكيف كان فلا إشكال في الحكم كما هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل لعله لا خلاف فيه سوى ما عسى أن يظهر من المنقول عن العلامة كما في الجواهر. المطلب الرابع في بعض مهمات أحكام الحيض والحائض. ولما كان كثير من أحكامها واضح المأخذ اقتصرنا على المهم منها، وهو امور: الامر الاول لا إشكال في حرمة وطئها في القبل حتى تطهر كتابا وسنة وإجماعا، بل في المدارك: أجمع علماء الاسلام على تحريم وطئ الحائض قبلا، بل صرح جمع من الاصحاب بكفر مستحله ما لم يدع شبهة محتملة، لانكاره ما علم من الدين ضرورة، ولاريب في فسق الواطئ بذلك ووجوب تعزيره بما يراه الحاكم

[ 125 ]

مع علمه بالحيض وحكمه (انتهى). اقول: أما كون حرمة الوطئ من ضروريات الاسلام ففي محل المنع، فإن معنى كون الشئ ضروريا عقلا أنه واضح لا يحتاج إلى الدليل لدى العقول، ككون الواحد نصف الاثنين، وكون الكل أعظم من جزئه، وأما كون شئ ضروريا واضحا لقيام الادلة الواضحة عليه لدى طائفة خاصة دون اخرى لا يوجب ضروريته لا في الامور العقلية ولا في الامور الشرعية، فإن كثيرا من الاحكام الشرعية ضرورية لا في الامور العقلية ولا في الامور الشرعية، فإن كثيرا من الاحكام الشرعية ضرورية واضحة لدى الفقهاء، أو صارت ضرورية لدى المتعبدين، أو في بلدة غلب فيها العلماء مع أنها ليست ضرورية واضحة عند جميع المسلمين كمطهرية المطر و الشمس، وما نحن فيه من هذا القبيل. ثم إن إنكار الضروري لا يكون بنفسه موجبا للكفر، بل إنما يوجبه إذا كان مستلزما لانكار الالوهية أو التوحيد أو النبوة كما حقق في محله، وأما فسق الواطئ فمبتن على أن يكون الفسق عبارة عن مطلق الخروج عن طاعة الله، وأما لو قلنا بأنه عبارة عن ارتكاب الكبيرة أو الاصرار على الصغيرة فلا، لعدم ثبوت كون الوطئ حال الحيض كبيرة، وتحقيق المسألة موكول إلى محله. ثم لا إشكال في الحرمة ظاهرا مع قيام أمارة على الحيضية، ككون الدم في أيام العادة، أو متصفا بالصفات في مورد أماريتها، كما أنه لو تمت قاعدة الامكان وجب ترتيب أحكام الحيضية للتعبد بوجود الحيض مع إمكان كون الدم حيضا إن قلنا بأن التعبد بحيضية الدم مستلزم عرفا للتعبد بحائضية المرأة. كما أن الظاهر أن ما اختارت المتحيرة من أيام الشهر للحيض يترتب عليه أحكام الحيض، لا لكون اختيارها طريقا تعبديا شرعا للحيضية، ضرورة أنه ليست لاختيارها طريقية عقلائية أمضاها الشارع ولادل دليل على طريقيته التعبدية، بل لظهور قوله في المرسلة " تحيضي في كل شهر في علم الله سبعة أيام... " في أن اختيارها موجب للزوم ترتب جميع أحكام الحيض على المختار، فيجب معاملة الحيضية على ما اختارته، فمعنى التحيض جعل نفسها حائضا في سبعة أيام، ومع جعلها تصير

[ 126 ]

حائضا تعبدا بحسب الاحكام. واللهم إلا أن يقال: معنى " تحيضي " تكلفي أعمال الحائض، كما فسره به أبو عبد الله عليه السلام وحينئذ لا يدل على الحيضية التعبدية. نعم، لا يبعد استفادتها من قوله " فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون " فإن الوقت المقابل للطهر هو الحيض، و في قوله " فسنتها السبع والثلاث والعشرون " اشعار بها. هذا مضافا إلى أن مقتضى العلم الاجمالي بحيضها في الشهر أياما مع عدم العلم بالتعيين لزوم الاحتياط في جميع الشهر للزوج، لكن بعد اختيارها الطهر، السبع للحيض والثلاث والعشرين للطهر رخص الشارع في وطيها أيام اختيارها الطهر، لقوله " طهرها ثلاث وعشرون " و لقوله في بعض الروايات " كل شئ استحلت به الصلوة فليأتها زوجها ". وأما أيام الاستظهار فهل تلحق بالحيض ويترتب عليها جميع أحكامه فلا يجوز للزوج وطؤها؟ فيه اشكال ينشأ من أن مقتضى استصحاب بقاء الدم إلى بعد عشرة أيام هو كون أيام ما بعد العادة استحاضة، فإن كون أيام العادة حيضا و ما بعدها استحاضة من الاحكام الشرعية المترتبة على من استمر بها الدم، وباستصحاب بقاء الدم واستمراره بها يثبت الموضوع ويترتب عليه الاحكام، فيكون حاكما على استصحاب الحرمة الثابتة في أيام الحيض، كما أنه حاكم على استصحاب بقاء الحيض أيضا، لان الشك في بقاء الحيضية وكون ما بعد الايام حيضا ناش عن الشك في استمرار الدم وبقائه إلى بعد العشرة، وباستصحاب بقائه إلى ما بعدها يرفع هذا الشك بالدليل الاجتهادي المنقح موضوعه بالاستصحاب على ما حققنا في محله من سر تقدم الاصل السببي على المسببي. هذا إذا لم نقل بعدم كون الاستصحاب في المقام معولا عليه، وإلا فإن قلنا بأن الارجاع إلى الاستظهار والاحتياط دليل على عدم كون الاصل مرجعا في المقام، فمقتضى أصل البراءة مع الشك في انقطاع الدم على العشرة وعدمه هو جواز الوطئ. هذا حال الاصل، وأما حال أدلة الاستظهار فلايفهم منها على كثرتها أن أيام الاستظهار حيض أو يترتب عليها جميع أحكام الحيض حتى بالنسبة إلى الزوج، ضرورة أن

[ 127 ]

مفادها الاحتياط والاستظهار، ولو قلنا بوجوب الاستظهار لم يفهم منها إلا وجوب الاحتياط على المرأة، وأما على الزوج فلايفهم من مجرد الامر بالاستظهار ووجوب الاحتياط على المرأة وجوبه عليه، لاختصاص الادلة بها، وللفرق بينهما، فإن المرأة تعلم إجمالا اما بحرمة الصلوة عليها أو وجوبها، فيكون المورد من دوران الامر بين المحذورين بعد القول بالحرمة الذاتية - كما هو الاظهر - فرجح الشارع جانب الحرمة، وأما الزوج فمقتضى الاصول جواز الوطئ له فلا يقاس حاله بحالها. نعم، هنا روايات يمكن استفادة الحرمة منها، لكن بناء على وجوب الاحتياط والاستظهار دون استحبابه. منها رواية الفضيل وزرارة عن أحدهما عليهما السلام و لا يبعد كونها موثقة للكلام المتقدم في الزبيري ولتوثيق جمع محمد بن عبد الله بن زرارة، قال: المستحاضة تكف عن الصلوة أيام أقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين ثم تغتسل كل يوم وليلة ثلاث مرات، وتحتشي لصلوة الغداة وتغتسل، وتجمع بين الظهر والعصر بغسل، وتجمع بين المغرب والعشاء بغسل، فإذا حلت لها الصلوة حل لزوجها أن يغشاها. (1) فإنها تدل على أن حلية الغشيان ملازمة لحلية الصلوة أو مترتبة عليها، فإن وجب عليها الاستظهار كان الحلية بعده، وأما مع الاستحباب فيكون الحل بعد أيام الاقراء، ومجرد اختيار الاستظهار لا يوجب حرمة الصلوة عليها، لعدم الدليل على صيرورتها حائضا أو بحكم الحائض بالاختيار، ففي اليوم الاول لها الاحتياط بترك العبادات ولها إتيانها، وبالاختيار لا تصير حراما عليها، ويمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى ترتب جواز الوطئ على الحلية الفعلية التي هي أعم من الذاتية والتشريعية، ويكون المراد ترتب الحلية على الغسل أو عليه مع سائر أعمال المستحاضة، فتكون خارجة عما نحن فيه. نعم، بناء على حرمة الصلوة ظاهرا ووجوب الاحتياط عليها تستفاد حرمة الوطئ منها. وفيها احتمال آخر، وهو كونها مربوطة بالمستحاضة المستمرة الدم أي في غير الدورة الاولى، فالحكم فيه وجوب الاستظهار بعد أيام العادة يوما أو يومين،


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 12.

[ 128 ]

لكن بعد تقييدها بموثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله حيث فصلت بين كون قرئها مستقيما فلتأخذ به وبين كونه غير مستقيم فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين، وقد قلنا سابقا إنه لا بأس بالعمل بتلك الموثقة. ومنها صحيحة محمد بن مسلم المروية عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن أبي جعفر عليه السلام في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها التي كانت ترى الدم فيها فلتقعد عن الصلوة يوما أو يومين، ثم تمسك قطنة، فإن صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلوتين بغسل، ويصيب منها زوجها إن أحب، وحلت لها الصلوة. (1) هذه الرواية راجعة إلى الدورة الاولى، لكن دلالتها على حرمة الوطئ في أيام الاستظهار وعلى وجوب الاستظهار أضعف من الاولى. ومنها رواية مالك بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال: نعم، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها، ثم تستظهر بيوم، فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها، يأمرها فتغتسل ثم يغشاها إن أحب. (2) وهي تدل على ثبوت البأس قبل الاستظهار بيوم و هو أعم من الحرمة، مع أنها ظاهرة في لزوم الاستظهار وقد فرغنا عن عدم لزومه. و الانصاف انه لا دليل على حرمة الوطئ في أيام الاستظهار لو قلنا بعدم وجوبه. و أما توقف الحلية على الغسل فمسألة اخرى سيأتي - إن شاء الله - التعرض لها. الامر الثاني لا إشكال في جواز استمتاع الزوج من زوجتها الحائض بما فوق السرة ودون الركبة، بل الظاهر أن الحكم مسلم بين الفريقين، فما في بعض الروايات من عدم جواز مطلق الاستمتاع شاذ مطروح أو مؤول. وأما الاستمتاع بما بينهما ففيه خلاف بين الفريقين، فعن الحنفية والشافعية حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة بغير حائل وجوازه بحائل، وأما الوطئ فغير جائز مطلقا ولو بحائل، وعن المالكية عدم جواز التمتع بما بينهما بوطئ، وأما


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 15، وب 1 من ابواب الاستحاضة، ح 14. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 4، وب 7، ح 1.

[ 129 ]

الاستمتاع بغيره ففيه قولان والمشهور بينهم عدم الجواز ولو بحائل، وعن بعضهم الجواز بغير حائل، وعن الحنابلة حرمة الوطئ فقط وأما الاستمتاع بما بينهما بغير حائل فجائز عندهم، والمشهور بين أصحابنا بل ادعى الشيخ في الخلاف الاجماع عليه جواز الاستمتاع بما بينهما مطلقا حتى الوطئ في الدبر، وعن ظاهر التبيان والمجمع أيضا الاجماع عليه، خلافا لما نقل عن السيد في شرح الرسالة من تحريم الوطئ في الدبر بل مطلق الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وعن الاردبيلي الميل إليه. والاولى بيان ما يستفاد من الآية الكريمة ثم النظر إلى الاخبار قال تعالى: " يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله " لا إشكال بين المسلمين في جواز معاشرة النساء بغير الاستمتاعات في أيام الحيض، فلا يمكن الاخذ بالمعنى اللغوي للاعتزال والقرب، فلابد من أن تكون الجملتان كناية، ولا يمكن جعلهما كناية عن مطلق الاستمتاعات ولو بمثل القبلة ولمس فوق السرة والاخذ بالساق لاجماع الفريقين على جوازه. فلابد من جعلهما كناية عن أحد امور: إما الدخول في القبل، وإما الاعم منه ومن الدبر، وإما هما مع الاستمتاع بما بين السرة والركبة. والارجع هو الاول، لان التكنية عنه مناسبة لقوله " قل هو أذى " ومعلوم أن الاذى على ما هو المتفاهم العرفي هو القذارة التي ابتلي بها الفرج خاصة في زمان الحيض، و لقوله " حتى يطهرن " فإن الطهر على ما مر سابقا هو النقاء عن الدم، فمناسبة الحكم والموضوع قرينة على المعنى المكني عنه. وأما التكنية عن حد خاص مثل الاستمتاع بما بين السرة والركبة بلا حائل كما قال المخالفون، أو عن الوطئ في الدبر والقبل، أو عنهما وعن التفخيذ مثلا من غير قيام شاهد وقرينة وتناسب تدل عليها فغير صحيح، وبعيد عن الكلام المتعارف فضلا عن القرآن الكريم. وبالجملة بعد رفع اليد عن المعنى اللغوي والحقيقي وعن الكناية عن مطلق الاستمتاع المتعارف بين الرجال والنساء لا يمكن التكنية عن غير إتيان الفرج والقبل لعدم التناسب وعدم القرينة، وأما هو فموافق للفهم العرفي ومناسب لكون المحيض

[ 130 ]

أذى ولسائر الجمل التي في الآية صدرا وذيلا، لو لم نقل إن الاعتزال عن النساء وعدم القرب بنفسهما كناية عرفا عن الدخول المتعارف، ولم نقل إن المحيض عبارة عن مكان الحيض كما قال الشيخ الطوسي - رحمه الله -. وتدل على المقصود روايات: منها حسنة عبد الملك بن عمرو، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال: كل شئ ما عدا القبل منها بعينه (1) ومنها مرسلة ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم. (2) ومنها موثقة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يأتي المرأة في ما دون الفرج وهي حائض، قال: لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع. (3) ولا إشكال في أن المراد بذلك الموضع هو موضع الدم، وبها تفسر ما في رواية عبد الله بن سنان (4) وموثقة معاوية بن عمار (5) مما دلت على حلية ما دون الفرج، واحتمل فيه أن المراد منه ما دون مقابل ما فوق، وإن كان فيه ما فيه. ومنها رواية اخرى لعبد الملك بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: ما يحل للرجل من المرأة وهي حائض؟ قال: كل شئ غير الفرج، قال: ثم قال: إنما المرأة لعبة الرجل. (6) ولا يبعد أن تكون إحدى الروايتين نقلا بالمعنى عن الآخر، لبعد سؤاله عن أبي عبد الله عليه السلام هذه المسألة مرتين، فحينئذ تدل تلك الرواية على أن الفرج هو القبل ولو انصرافا في تلك الازمنة أيضا، فدلالة تلك الروايات المتقدمة على المقصود واضحة. ولا يعارضها مادل على أن الاستمتاع مقصور على ما بين الفخذين أو بين الاليتين،


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 2 5، ح 5. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 6. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 3. (5) الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 2. (6) الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 4.

[ 131 ]

كرواية عمر بن حنظلة وصحيحة عمرو بن يزيد، ففي الاولى: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين الفخذين. (1) وفي الثانية: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما للرجل من الحائض؟ قال: مابين أليتيها ولايوقب. (2) وكذا مادل على لزوم الاتزار كصحيحة الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: تتزر بإزار إلى الركبتين وتخرج سرتها، ثم له ما فوق الازار. وقريب منها غيرها، من وجوه: منها الجمع العقلائي بينها، لصراحة الاخبار المتقدمة بعدم البأس بما عدا القبل بعينه وظهور هذه في الحرمة، والجمع بينهما بحملها على الكراهة. ومنها موافقة مضومنها خصوصا صحيحة الحلبي ونحوها لمذهب أبي حنيفة والشافعي ومنها مخالفتها للمشهور بين الاصحاب، ولاطلاق الكتاب، ولهذا يكشل القول بالكراهة بواسطة تلك الروايات، لكن لا يبعد القول بها لغيرها مما يحكي فعل النبي صلى الله عليه وآله مع أن كراهة الاتيان في القبل كراهة شديدة ثابتة، فالمسألة بلا إشكال، والاحتياط حسن على كل حال. الامر الثالث إن وطأها الزوج قبلا في أيام الحيض وجبت عليه الكفارة دونها وإن كانت مطاوعة، كما هو خيرة قدماء أصحابنا، بل هو المجمع عليه كما في الانتصار والخلاف والغنية، وعن السرائر أنه الاظهر في المذهب، وعن الدروس وكشف اللثام أنه المشهور، وعن التذكرة والذكرى و جامع المقاصد وشرح الجعفرية أنه مذهب الاكثر، وفي مفتاح الكرامة أن اتفاق قدماء الاصحاب عليه. وقيل لا تجب، وهو مذهب أكثر المتأخرين كما عن شرح المفاتيح، وهو خيرة النهاية ومحكي المبسوط والمعتبر والنافع، وخيرة الشرائع بناء على أن مراده من الاحوط هو الاستحباب كما عن تلميذه، وفيه إشكال.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 7. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 8. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 26، ح 1.

[ 132 ]

وتدل على الاول رواية داود بن فرقد التي فيها إرسال وضعف عن أبي عبد الله عليه السلام في كفارة الطمث أن يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي وسطه نصف دينار، وفي آخره ربع دينار. قلت: فإن لم يكن عنده ما يكفر؟ قال: فليتصدق على مسكين واحد، وإلا استغفر الله ولا يعود، فإن الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة. (1) وعن الفقه الرضوي: ومتى ما جامعتها وهى حائض فعليك أن تتصدق بدينار، وإن جامعت أمتك وهي حائض فعليك أن تتصدق بثلاثة أمداد من الطعام. وإن جامعت امرأتك في أول الحيض تصدقت بدينار، وإن كان في وسطه فنصف دينار، وإن كان في آخره فربع دينار. (2) وفي المقنع: وروي: إن جامعها في أول الحيض فعليه أن يتصدق بدينار - إلى آخر التفصيل - (3) وعن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل أتى المرأة وهي حائض، قال: يجب عليه في استقبال الحيض بدينار وفي وسطه نصف دينار. وهذه الروايات تدل على ما هو المشهور بين القدماء. نعم، ربما يحتمل في رواية داود بن فرقد كونها بصدد بيان مقدار الكفارة بعد فرض ثبوتها فلا تدل على الوجوب لكنه ضعيف لعدم مسبوقيتها بالسؤال، بل الظاهر منها أن البيان ابتدائي وهو ظاهر في الوجوب، خصوصا قوله في ذيلها " فليتصدق على مسكين " مما هو ظاهر في الوجوب بلا إشكال ويرفع الاحتمال المتقدم على ضعفه، ضرورة أن وجوب البدل دليل على وجوب المبدل منه. نعم بإزاء هذه الروايات روايات اخر إما دالة على وجوب الكفارة لكن لا يمكن جمعها معها، أو معارضة معها في وجوبها. فمن الاولى رواية محمد بن مسلم التي لا يبعد أن تكون صحيحة، قال: سألته عمن أتى امرأته وهي طامث، قال: يتصدق


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 28، ح 1. (2) مستدرك الوسائل: ابواب الحيض، ب 23، ح 1. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 28، ح 7.

[ 133 ]

بدينار ويستغفر الله. (1) وموثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أتى حائضا فعليه نصف دينار ويتصدق به. (2) وفي موثقة الحلبي التصدق على مسكين بقدر شبعه (3) وفي مرسلة علي بن إبراهيم التصدق بدينار في أول الحيض وبنصف دينار في آخره. (4) ومن الثانية صحيحة عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع امرأته وهي طامث، قال: لا يلتمس فعل ذلك ونهى الله أن يقربها، قلت: فإن فعل أعليه كفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئا. (5) وفي موثقة زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الحائض يأتيها زوجها، قال: ليس عليه شئ، يستغفر الله ولا يعود (6) وفي رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وقوع الرجل على امرأته و هي طامث خطأ، قال: ليس عليه شئ وقد عصى ربه. (7) بناء على كون المراد من الخطاء هو العصيان. وهذه الروايات كما ترى لا يمكن الجمع بينهما، لا بين الروايات الدالة على مقدار الكفارة، ضرورة أن حمل الدينار بقول مطلق في رواية محمد بن مسلم ونصف دينار كذلك في رواية أبي بصير والتصدق على مسكين كذلك في رواية الحلبي على التفصيل في رواية داود ليس جمعا عقلائيا مقبولا، ولهذا قد يقال: إن هذه الاختلافات في نفس تلك الروايات شاهدة على أن الحكم ليس بالزامي بل حكم استحبابي ولو مع الغض عن الروايات المعارضة لها، ولا بين الطائفة الاخيرة مع الروايات الدالة على


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 28، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 28، ح 4. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 28، ح 5. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 28، ح 6. (5) الوسائل: ابواب الحيض، ب 29، ح 1. (6) الوسائل: ابواب الحيض، ب 29، ح 2. (7) الوسائل: ابواب الحيض، ب 29، ح 3.

[ 134 ]

لزوم الكفارة، ضرورة معارضة قوله " لا أعلم فيه شيئا " في جواب قوله " أعليه كفارة؟ " مع قوله " عليه أن يتصدق " وقوله " يجب عليه في استقبال الحيض دينار ". ولو حاول أحد الجمع بينهما بحمل " لا أعلم فيه شيئا " على عدم العلم بثبوت شئ على نحو الوجوب، وقوله عليه كذا أو يجب عليه على ثبوته استحبابا لما بقي مورد للتعارض بين الاخبار، مع أن ميزان الجمع وعدم التعارض هو نظر العرف، ولا إشكال في معارضة هذه الاخبار بنظر العرف، إذ ليس بينها جمع مقبول عقلائي، ولولا الجهات الخارجية لكان المتعين عمل باب التعارض والعلاج، لكن الظاهر عدم وصول النوبة إلى ذلك، ضرورة أن إعراض قدماء أصحابنا من مثل صحيحة عيص و موثقة زرارة مما هي معتبرة الاسناد صريحة الدلالة، والعمل بمثل روايه داود بن فرقد مما هي مرسلة ضعيفة غير صريحة في المفاد يوجب الوثوق بثبوت الحكم يدا بيد و جيلا قبل جيل إلى عصر المعصوم عليه السلام خصوصا بالنظر إلى أن العامل بها أو بمضمونها و المدعي للاجماع أو الاظهرية في المذهب من يكون طريقته العمل بالقطعيات. وإن شئت قلت: إن الدليل على العمل بالخبر الواحد ليس إلا طريقة العقلاء، وما ورد من الشارع في هذا الباب ليس إلا الانفاذ لما عليه العقلاء، ولا تأسيس ولا تعبد للشارع في العمل به، وليس بناء العقلاء على العمل بمثل تلك الروايات التي خرجت عن تحت نظر كبراء الاصحاب وفقهاء المذهب مع تمامية السند والدلالة ولم يعملوا بها مع كونها موافقة للاصل والقاعدة، وإنما عملوا على رواية مرسلة ضعيفة. و الانصاف أن الاعراض والجبر لو كان لهما محل فهذا هو محلهما. وأضعف شئ في المقام هو حمل الروايات الاخيرة على نفي الوجوب والاولة على الاستحباب، مع أن التعارض وعدم الجمع العقلائي بينهما كالنار على المنار، فلا بد لهم من طرح تلك الروايات المعمول بها والعمل بما هي معرض عنها بين الاصحاب وإلا فلا مجال للجمع، ولكن مع ذلك إن المسألة مشكلة لابد من أخذ طريق الاحتياط فيها. ثم إنه لا إشكال في تكرر الكفارة مع تكرر الوطئ منه في أول الحيض و

[ 135 ]

وسطه وآخره، بمعنى كون التكرار مع اختلاف الزمان، وأما إذا تكرر في وقت واحد كالثلث الاول فهل تتكرر مطلقا، أو لا كذلك، أو يفصل بين ما إذا تخلل التكفير فتتكرر وما لم يتخلل فلا؟ وجوه، وقبل النظر في مقام الاثبات لا بأس بذكر ما يتصور ثبوتا ولوازمه، فنقول: يمكن أن يكون السبب للكفارة صرف وجود الوطئ، ومعناه هو أخذ الطبيعة بقيود لا تنطبق إلا على أول الوجود، ولازم ذلك عدم تكرر السبب بتكرر أفراد الطبيعة، لان تكررها لا يوجب تكرره، فوجود الثاني وجود للطبيعة وفرد لها لا لما اخذ سببا، لعدم انطباق السبب إلا على أول الوجودات، ومع عدم تكرر السبب لا وجه لتكرر الكفارة. ويمكن أن يكون السبب أفراد الطبيعة، سواء كانت الافراد هي الافراد الذاتية بنفسها، أو مع الخصوصيات الفردية المقارنة أو المتحدة معها خارجا، و الفرق بينهما أن المأخوذ سببا في الاول هو نفس ما ينطبق عليه العنوان ذاتا، وتكون الخصوصيات اللاحقة للافراد في الخارج غير دخيلة في موضوع الحكم، مثلا إذا قال " أكرم كل عالم " فتارة يكون الموضوع للحكم بوجوب الاكرام هو ما ينطبق عليه عنوان العالم بالذات وهو الفرد بما أنه عالم، فتكون حيثية العدالة والرومية و الزنجية وأمثالها خارجة عن الموضوع، فيكون تمام الموضوع هو العالم بما أنه عالم، وتارة يكون الموضوع هو الهوية الخارجية مع جميع خصوصياتها ومتحداتها فيكون الفرد بجميع خصوصياته موضوعا للحكم وحيثية العالم جزء موضوع له. ولازم أخذ الموضوع أفراد الطبيعة بكلتا الصورتين هو استقلال كل فرد بالسببية وجد قبله مصداق آخر أو لا، لكن تكرر المسبب يحتاج إلى جهات اخر كإمكان تكرره وعدم التداخل في الامتثال وغير ذلك مما يأتي الاشارة إليه. ويمكن أن يكون السبب هو نفس الطبيعة بلانظر إلى أفرادها ولا أخذها مع قيد لا تنطبق معه إلا على أول الوجودات، فهل لازم ذلك تكرر السبب بتكرر وجود الطبيعة أو لا؟ قولان مبنيان على أن الطبيعة في الخارج متكثرة، أو واحدة

[ 136 ]

وإنما التكثر لافرادها لا لنفسها، وعلى الاول يتكرر السبب بتكرر المصاديق دون الثاني. والتحقيق هو الاول، أما عقلا فواضح لدى أهله، وأما عرفا فلان العرف أيضا يرى أن كل فرد من أفراد الانسان إنسان وكذا سائر الطبائع، ويرى تكرر الانسان وسائر الطبائع بتكرر الافراد، فزيد عند العرف إنسان وعمرو إنسان آخر وبكر كذلك، فإذا كان الموضوع لحكم كالحلية طبيعة البيع فكل فرد وجد في الخارج يحكم العرف بحليته لكونه بيعا وليس معنى " أحل الله البيع " أحل الله أفراد البيع لما حقق في محله من أن الطبائع لا يمكن أن تكون مرائي لخصوصيات الافراد، بل المتفاهم العرفي من قوله " أحل الله البيع " هو كون البيع بنفسه موضوعا، فإذا وجد في الخارج مصداق وجد به طبيعة البيع التي هي الموضوع، وبمصداق آخر أيضا توجد الطبيعة فتصير محكومة بالحلية، وهكذا. فإذا كانت طبيعة المجامعة موضوعة لحكم التكفير وسببا له فكل مجامعة في الخارج عين الطبيعة وتتكرر الطبيعة بتكرره، فيقال: وجدت مجامعات كثيرة. والشيخ الاعظم قد أصاب الحق في أول كلامه وحق له أن يصيب، لكنه رجع في آخر كلامه إلى غير ما هو التحقيق، وتبعه المحقق صاحب المصباح في ذلك، فقال: إن تعليق الجزاء على طبيعة الشرط لا يقتضي إلا سببية مهية الشرط من حيث هي بلحاظ تحققها في الخارج مطلقا في الجزاء، من دون أن يكون لافرادها من حيث خصوصياتها الشخصية مدخلية في الحكم، ومن المعلوم أن الطبيعة من حيث هي لاتقبل التكرار، وإنما المتكرر أفرادها التي لا مدخلية لخصوصياتها في ثبوت الجزاء، فيكون تحقق الطبيعة في ضمن الفرد الثاني من الافراد المتعاقبة بمنزلة تحققها في ضمن الفرد الاول بعد حصول المسمى، فكما أنه لا أثر لتحقق الطبيعة في ضمن الفرد الاول بعد حصول المسمى عند استدامته إلى الزمان الثاني كذا لا أثر لتحققها في ضمن الفرد الثاني بعد كونه مسبوقا بتحققها في ضمن الفرد الاول - إلى أن قال - والانصاف أن هذا الكلام قوي جدا.

[ 137 ]

أقول: بل الانصاف أن هذا الكلام بمكان من الضعف، ولا يساعده العقل ولا العرف، فإن تكرر الطبائع بتكرر الافراد من المرتكزات العرفية التي تساعدها العقول، ألا ترى أن علامة التثنية والجمع الداخلة على الطبائع إنما هي لتكثير مدخولها، وليس في نظر العرف العام وأهل اللغات في مثلها مسامحة وتجوز، وليس ذلك إلا لما ارتكز في أذهانهم من قبول الطبائع الكثرة. وما قرع الاسماع من أن المهية من حيث هي ليست إلا هي أمر غير مربوط بالمقام وليس المراد منه أنها لاتقبل الكثرة كما أشار إليه في صدر كلامه بقوله " إن الطبيعة من حيث هي لاتقبل التكرار " ولهذا قال بعض أئمة الفن: إن المهية لما لم تكن كثيرة ولا واحدة كثيرة وواحدة. وما أفاد وفصل هذا المحقق الهمداني هو ما ذهب إليه الرجل الهمداني الذي صادف الشيخ أبا علي بمدينة " همدان " ونحن لسنا بصدد إثبات المطلوب بالوجوه العقلية البعيدة عن هذا المضمار، لكن المدعى أن العرف أيضا مساعد لما عليه العقل في هذا المقام. فتحصل مما ذكر أن في إثبات استقلال كل مصداق للطبيعة بالسببية لا نحتاج إلى إثبات جعل السببية للافراد، بل جعل السببية لنفس الطبيعة بلا قيد يثبت المطلوب، فما في تقريرات بعض أعاظم فن الاصول من إتعاب النفس لارجاع القضايا الشرطية إلى القضايا الحقيقية وإثبات أن كل فرد سبب مستقل، غير محتاج إليه. مع أن أصل الدعوى غير تام كما حقق في محله. هذا كله حال السبب. وأما المسبب في المقام فتارة يكون حكما تكليفيا مثل قوله " يجب عليه في استقبال الحيض دينار " أو قوله " يتصدق بدينار " أو " عليه أن يتصدق " مما هو بمنزلة إيجاب التصدق، واخرى يكون حكما وضعيا كقوله في رواية أبي بصير " من أتى حائضا فعليه نصف دينار ويتصدق به " فإن كان الجزاء على النحو الثاني مما هو ظاهر في الوضع ويستفاد منه العهدة والضمان لنفس الدينار يقع التعارض بين إطلاق الجزاء وإطلاق الشرط، ولازم إطلاق الشرط هو سببية الطبيعة مطلقا للضمان، ولازم إطلاق الجزاء هو كون الجزاء نفس الطبيعة، وليس الضمان لنفس طبيعة الدينار

[ 138 ]

متكثرا إلا بعلة توجب العهدة للطبيعة بوجود آخر، فلابد من تقييد الدينار بدينار آخر، وإلا فالدينار لا يمكن أن يقع في العهدة مرتين إلا بتبع وجود آخر، وهو ينافي الاطلاق، وما ذكرنا ههنا لا ينافي ما تقدم منا آنفا من كون الطبيعة قابلة للتكرار، تأمل تعرف. واما إذا كان الجزاء من قبيل الحكم التكليفي أي إيجاب التصدق فلاحد أن يقول أن لا معارضة بين الجزاء والشرط، لان كل فرد من الطبيعة علة لايجاب نفس الدينار، وتصير النتيجة التأكيد في الحكم، ولايكون التأكيد خلاف الظاهر، لان الهيئة تستعمل في باب التأكيد في معناها المستعمل فيه أو لا أي معناها الحقيقي، و هو البعث الصادر عن الارادة الاكيدة، وليس معنى التأكيد استعمال الهيئة في هذا المعنى الاسمي، بل هو أمر انتزاعي من استعمال الهيئة مرة ثانية في ما استعملت أو لا فيه متعلقة بما تعلقت به في الاول، فلا يكون خلاف ظاهر إلا لما قيل من أن التأسيس أولى من التأكيد، وهذا على فرض كونه ظهورا سياقيا لا يقاوم ظهور الاطلاق، هذا. لكن الانصاف أن العرف بمساعدة الامور المرتكزة في ذهنه إذا رأى دلالة الصدر على سببية الطبيعة لجميع مصاديقها لا ينقدح في ذهنه أن في تكرر المسبب خلاف ظاهر، من غير فرق بين كون المسبب أمرا وضعيا أو تكليفيا ولا يحمل الامر على التأكيد، ويكون الصدر عند العرف قرينة على الذيل. ولعل سره هو الارتكاز الذي حصل في ذهنه من العلل الطبيعية كما احتملناه في الاصول وحققنا المسألة بجميع شؤونها فيه. هذا حال مقام الثبوت. واما حال الادلة ومقام الاثبات فالظاهر أن مستند المشهور في أصل الحكم هو رواية داود بن فرقد كما تمسك بها شيخ الطائفة، ولا يبعد أن تكون مرسلة المقنع أيضا إشارة إليها وإن كان يحتمل كونها مرسلة اخرى مستقلة. وكيف كان فالظاهر المتفاهم عرفا منها أن الاتيان في حال الطمث موضوع لحكم الكفارة، وتكون الرواية من هذه الجهة في مقام البيان، ولا يضر عدم ذكر اسم " كان " بالمقصود بعد القطع بأن

[ 139 ]

اسمه الجماع أو الاتيان أو نحو ذلك، كما أن لمرسلة المقنع إطلاقا في مقام البيان، ومفاده أن المجامعة تمام الموضوع لوجوب الكفارة كإطلاق معاقد الاجماعات. فدعوى صاحب الجواهر أنها في مقام الاهمال في غير محلها، مع أنه على فرض الاهمال لا وجه للفرق بين تخلل الكفارة وعدمه. وتشبثه بوجود المقتضي وعدم المانع مما لا مجال له، لعدم ثبوت المقتضي بعد فرض إهمال الادلة وكون مفادها أن الوطئ في الجملة سبب. والانصاف أنه لا إهمال في الروايات، نعم لو قيل بعدم ثبوت كون مستند المشهور هو رواية داود ومرسلة المقنع والقدر المتيقن من الاجماع هو ثبوت السببية في الجملة لكان للقول بعدم التكرر مطلقا حتى مع التخلل مجال، لكن الاحتمال ضعيف لحصول الوثوق بكون مستندهم هو رواية داود أو هي مع مرسلة المقنع وفقه الرضا خصوصا بعد تمسك الشيخ بها. ومع إطلاقها لا يبعد إلحاق الزنا والشبهة في وجوب الكفارة، ودعوى الانصراف في غير محلها بعد تعليق الحكم على الطمث، ولا ينافي أن يكون للوقاع في حال الطمث كفارة وللزنا حد من غير كفارة ومع اجتماع العنوانين في محل يرتب الحكمان عليه، فلا تكون الكفارة للزنا حتى يقال إن الزنا أعظم من ذلك، كما أن دعوى الاولوية في غير محلها. والانصاف أن الوسوسة في الاطلاق أو تخيل الانصراف غير وجيهن. ثم إن الدينار هو الشرعي المسكوك المتداول في عصر صدور الروايات، لكن لما كان الرائج في تلك الاعصار هو الدرهم والدينار وكانا ثمنين متداولين بين الناس لا يفهم من الادلة خصوصية لعين الدينار، فيجوز قيمته بالاثمان لا بالعروض، وكذا في كل مورد حكم بالدينار. نعم، لو كان عصر الصدور كعصرنا في كون الدينار أي الذهب المسكوك غير رائج في المعاملات وكون حكمه حكم العروض لكان لاحتمال الخصوصية وجه، لكن من المعلوم خلافه، فلاينبغي الاشكال في كفاية الثمن الرائج، كما لا ينبغي الاشكال في اعتبار القيمة يوم الاداء، لان التكليف متعلق بتصدق الدينار فيجب تصدق الدينار وقت الاداء.

[ 140 ]

ثم إنه لا إشكال في أن لكل حيض أولا ووسطا وآخرا، ولولا تسلم الحكم بين الاصحاب وادعاء السيد الاجماع على أن في الثلث الاول دينارا وفي الثلث الوسط نصفا وفي الثلث الآخر ربعا لكان للاشكال في تعيينها مجال، فإن أول الحيض و وسطه وآخره كأول الشهر ووسطه وآخره، فكما أن المتفاهم من الثاني اليوم الاول والوسط والآخر فكذا في الاول. ولو قيل إن الحيض أمر ممتد إلى ستة أيام مثلا لكان الاول منه والوسط والآخر غير الثلث الاول والوسط والآخر عرفا، خصوصا على نسخة الوسائل حيث نقل فيها مرسلة المقنع مكان الوسط النصف، ولكن الظاهر خطأ النسخة، لان ما في المقنع هو الوسط كما في سائر الروايات. لكن بعد تسلم كون ما بين اليوم الاول والوسط وكذا ما بين الوسط والآخر غير خال عن الكفارة لا يبعد دعوى فهم العرف التثليث. واما احتمال كون الوسط بين اليوم الاول والآخر أي مقدار كان فضعيف، لان الوسط نسب إلى الحيض لا إلى الاول والآخر. نعم، لو كان اللفظ الاول والآخر وما بينهما لكان ظاهرا في ذلك، لكن أول الحيض ووسطه وآخره ظاهر في الاحتمال الاول، وبعد ثبوت الكفارة في جميع أيامه لا محيص من التثليث. ثم إن إلحاق النفاس بالحيض في ذلك مما لا دليل عليه، ودعوى الاجماع المتكررة على أن النفاس في جميع الاحكام كالحيض بعد استثناء موارد كثيرة واختلافهما في الاحكام العديدة لا يمكن الاتكال عليها، مع إمكان أن يكون الاشتراك المدعى في التكليفيات. الامر الرابع إذا طهرت الحائض جاز لزوجها وطؤها قبلا قبل الغسل ولا يجب عليها الغسل للوطئ كما هو المشهور نقلا عن التذكرة و المختلف والمنتهى وجامع المقاصد، وعن الخلاف والانتصار والغنية وظاهر التبيان و المجمع والسرائر والروض وأحكام الراوندي دعوى الاجماع عليه، وعن الصدوق عدم الجواز قبل اغتسالها، لكنه قال في آخر كلامه: إنه إن كان زوجها شبقا أو مستعجلا وأراد وطاها قبل الغسل أمرها أن تغسل فرجها ثم يجامعها. وهذا كما ترى خصوصا

[ 141 ]

بملاحظة عطف الاستعجال على الشبق يدل على أن مراده الكراهة الشديدة لا الحرمة. وكيف كان فيدل على المشهور الآية الشريفة، وهي قوله - عزوعلا - " يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويجب المتطهرين " سواء في ذلك قراءة التخفيف والتضعيف، أما الاولى فظاهر، ضرورة أن صدر الآية يدل على أن وجوب الاعتزال متفرع على الاذى، وأن المحيض بما أنه أذى صار سببا لايجابه، وقوله " ولا تقربوهن " ظاهر في كونه بيانا لقوله " اعتزلوا النساء " لا لامر آخر غير مربوط بالحيض والاذى، فكأنه قال: إن المحيض لما كان أذى فاعتزلوهن ولا تقربوهن حتى يرتفع الاذى ويطهرن من الطمث. وقوله " فإذا تطهرن " تفريع على ذلك، وليس مطلبا مستأنفا مستقلا بشهادة فاء التفريع والفهم العرفي، فيكون معناه إذا صرن طاهرات، على أحد معاني باب التفعيل. والحمل على الاغتسال أو الوضوء أو غسل الفرج يدفعه السياق والتفريع، و ينافي صدر الآية الذي هو ظاهر في علية نفس المحيض الذي هو أذى في وجوب الاعتزال وحرمة القربان. وما قيل من أن التطهر فعل اختياري، ويشهد به ذيل الآية، لان تعلق الحب إنما هو على فعل اختياري، في غير محله إن اريد ظهوره في ذلك، ضرورة أن لصيغة التفعل معاني وموارد للاستعمال بعضها مشهور وبعضها غير مشهور كالمجئ للصيرورة، نحو " تأيمت المرأة " أي صارت أيما، وللانتساب، نحو " تبدى " أي انتسب إلي البادية. والظاهر في المقام بمناسبة التفريع على ما سبق وبما أن الظاهر من الآية أن المحيض هو تمام الموضوع للحكم بالاعتزال وعدم القربان هو كونه بمعنى الصيرورة. ودعوى عدم تعلق الحب إلا بالفعل الاختياري غير وجيهة، كما ورد " إن الله جميل و يحب الجمال " ولا إشكال في تعلق الحب على امور غير اختيارية إلى ما شاء الله. واغرب من ذلك دعوى كون الطهر حقيقة شرعية للطهارات الثلاث،

[ 142 ]

ضرورة أن استعمال الطهر في المقابل للطمث شائع لغة وعرفا وفي الاخبار المتظافرة، فاختصاصه بها على فرض تسليم الحقيقة الشرعية ممنوع، كما أن حصول الحقيقة الشرعية عند نزول الآية ممنوع، وتقدم الحقيقة الشرعية على العرفية واللغوية لا يخلو من منع. وبالجملة من تأمل الآية الكريمة وخصوصياتها صدرا وذيلا لا يشك في أن المراد من الطهر والتطهر هو زوال الاذى الذي هو المحيض. ومما ذكرنا يظهر تقريب الدلالة على قراءة الضعيف، فإن صدر الآية كما عرفت ظاهر في أن المحيض الذي هو أذى موجب لوجوب الاعتزال، ومعه تكون الغاية لرفعه هو ارتفاع الاذى، فيصير ذلك قرينة على تعيين أحد المعاني لباب التفعل وهو الصيرورة، وليس في هذا ارتكاب خلاف ظاهر بوجه، ولا يمكن العكس بحمل التطهر على الاغتسال ورفع اليد عن ظهور الصدر، لان حمله عليه بلا قرينة بل مع القرينة على ضده غير جائز، ويلزم منه حمل صدر الآية على خلاف ظاهره، ضرورة أنه مع كون غاية الحرمة هي الاغتسال لا يكون المحيض الذي هو أذى سببا لوجوب الاعتزال، بل لابد وأن يكون حدث الحيض مما هو باق بعد رفعه سببا له، مع أنه خلاف ظاهر بارد بلا قرينة وشاهد، وبالجملة دار الامر بين حفظ ظهور الصدر وقرينيته لتعيين أحد المعاني للفظ المشترك، وبين حمل اللفظ المشترك على بعض معانيه بلا قرينة ورفع اليد عن ظاهر آخر بلا وجه. فتحصل مما ذكرنا أن ما عليه أصحابنا هو الظاهر من الآية الشريفة بعد ملاحظة الصدر والذيل وقرينية بعض الكلام المبارك لبعض، وعليه فلا مجال للدعاوي التي في الباب خصوصا ما فصل شيخنا الشهيد في الروضة من الوجوه الكثيرة، وتبعه في بعضها الشيخ الاعظم مع إضافات غير وجيهة. هذا مع أن ترجيح قراءة التخفيف على التضعيف كالنار على المنار عند اولى الابصار، ضرورة أن ما هو الآن بين أيدينا من الكتاب العزيز متواتر فوق حد التواتر بالالوف والآلاف، فإن كل طبقة من المسلمين وغيرهم ممن يبلغ الملايين أخذوا هذا القرآن بهذه المادة والهيئة عن طبقة سابقة مثلهم في العدد، وهكذا إلى صدر الاسلام

[ 143 ]

وقلما يكون شئ في العالم كذلك، وهذه القراءات السبع أو العشر لم تمس كرامة القرآن رأسا، ولم يعتن المسلمون بها وبقرائها، فسورة الحمد هذه مما يقرأها الملايين من المسلمين في الصلوات آناء الليل وأطراف النهار، وقرأها كل جيل على جيل، وأخذ كل طائفة قراءة وسماعا من طائفة قبلها إلى زمان الوحي ترى أن القراء تلاعبوا بها بما شاؤوا، ومع ذلك بقيت على سيطرتها، ولم يمس كرامتها هذا التلاعب الفضيح، وهذا الدس القبيح، وهو أدل دليل على عدم الاساس لتواتر القراءات إن كان المراد تواترها عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله مؤيدا بحديث وضعه بعض أهل الضلال و الجهل، وقد كذبه أولياء العصمة وأهل بيت الوحي قائلا: إن القرآن واحد من عند واحد. هذا مع أن كلا من القراء على ما حكي عنهم استبد برأيه بترجيحات أدبية وكلما دخلت أمة لعنت اختها! وظني أن سوق القراءة لما كان رائجا في تلك الاعصار فتح كل دكة لترويج مطاعه والله تعالى برئ من المشركين ورسوله صلى الله عليه وآله. نعم ما هو المتواتر هو القرآن الكريم الموجود بين أيدي المسلمين وغيرهم، و أما غيره من القراءات والدعاوي فخرافات فوق خرافات، ظلمات بعضها فوق بعض! وهو تعالى نزل الذكر وحفظه أي حفظ، فإنك لو ترى القرأن في أقصى بلاد الكفر لتراه كما تراه في مركز الاسلام وأيدي المسلمين، وأي حفظ أعظم من ذلك؟! ثم إنه لو فرضنا تواتر القراءات والاجماع على وجوب العمل بكل قراءة وقع التعارض ظاهرا بين القراءتين، ولكن التأمل في ما أسلفناه يقضي بالجمع العقلائي بينهما بحمل التطهر على الطهر بعد الحيض، فإن رفع اليد عن ظهور التطهر في الفعل الاختياري على فرض تسليمه وحفظ ظهور الصدر الدال على أن المحيض بما هو أذى علة أو موضوع لحرمة الوطئ ووجوب الاعتزال أهون من رفع اليد عن الظهور السياقي للطهر في كونه مقابل الحيض، وعن الظهور القوي للصدر المشعر بالعلية أو الظاهر فيها، فإن الغاية إذا كانت هي الاغتسال فلابد أن تكون العلة أو الموضوع حدث الحيض، لا الحيض الذي اخذ في الآية موضوعا، بل لابد وأن يحمل الاذى على التعبدي لا العرفي المعلوم للعقلاء، وكل ذلك خلاف الظاهر، وارتكابه بعيد. و

[ 144 ]

أما حمل التطهر على صيرورتها طاهرا فغير بعيد بعد قضاء مناسبة الحكم والموضوع له، فترجيح الشيخ الاعظم كأنه وقع في غير محله. ثم مع الغض عن دلالة الآية الشريفة فمقتضى عموم الكتاب والسنة أو إطلاقهما هو جواز إتيان النساء في كل زمان، خرج منه أيام المحيض وبقي الباقي تحت العموم أو إلاطلاق. ولا مجال للتمسك باستصحاب حكم المخصص كما حقق في محله. خصوصا إذا قلنا إن قوله تعالى " فأتوا حرثكم أنى شئتم " بمعنى متى شئتم. واما الاشكال في أصل جريان الاستصحاب بدعوى أن الحرمة منوطة بأيام الحيض أو الحائض وقد أرتفع المناط على كل تقدير بعد الطهر من الحيض فغير وجيه، أما أولا فلان الموضوع لوجوب الاعتزال وحرمة القربان هو النساء بعلية الحيض، ومع الشك في كون العلة واسطة في الثبوت أو العروض لا إشكال في جريان الاستصحاب، وأما ثانيا فلانه لو فرضنا أن الحكم تعلق بعنوان الحائض لكن بعد انطباق العنوان على الخارج تكون المرأة الحائض موضوعة له، وبعد ارتفاع صفتها بقي موضوع الاستصحاب وإن لم يبق موضوع الدليل. فمناقشة الشيخ الاعظم في الاستصحاب و تمسكه بأصل الاباحة كأنها على خلاف مبناه في الاصول هذا كله مع قطع النظر عن الاخبار، وأما بالنظر إليها فالحكم أوضح، لدلالة روايات ابن بكير وابن يقطين وابن المغيرة على الجواز صراحة، ففي الاولى التي لا يبعد كونها موثقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء. (1) وفي الثانية التي سندها كذلك عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن الحائض ترى الطهر، يقع بها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا بأس، وبعد الغسل أحب إلي. (2) وفي الثالثة التي فيها إرسال عن العبد الصالح في المرأة إذا طهرت من الحيض ولم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل، وإن فعل فلا بأس به. و


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 27، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 27، ح 5.

[ 145 ]

قال: تمس الماء أحب إلي. (1) ولا يعارضها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن امرأة كانت طامثا فرأت الطهر أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا، حتى تغتسل. قال: و سألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوما واثنين، أيحل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ قال: لا يصلح حتى تغتسل. (2) ورواية سعيد بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: المرأة تحرم عليها الصلوة ثم تطهر فتوضأ من غير أن تغتسل، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا، حتى تغتسل. (3) وصحيحة أبي عبيدة - على الاصح - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام - إلى أن قال - فيأتيها زوجها في تلك الحال؟ قال: نعم، إذا غسلت فرجها وتيممت فلا بأس. (4) وموثقة عبد - الرحمان بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة حاضت ثم طهرت في سفر، فلم تجد الماء يومين أو ثلاثا، هل لزوجها أن يقع عليها؟ قال: لا يصلح لزوجها أن يقع عليها حتى تغتسل. (5) من وجوه، أقربها وجود الجمع العقلائي المقبول بينها، بل في روايات المنع إشعار أو دلالة على الكراهة، هذا مع موافقتها للعامة ومخالفتها للكتاب والشهرة، فلا إشكال في الحكم من هذه الجهة. واما صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة ينقطع عنها الدم دم الحيض في آخر أيامها، قال: إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء قبل أن تغتسل. (6) فغير صالحة للشهادة بالجمع بين الاخبار والتفصيل بين الشبق وغيره كما عن الصدوق، ضرورة أن نفس تلك الصحيحة بتعليق الحكم على الشبق


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 27، ح 4. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 27، ح 6. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 27، ح 7. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 21، ح 1. (5) الوسائل: ابواب الحيض، ب 21، ح 3. (6) الوسائل: ابواب الحيض، ب 2 7، ح 1.

[ 146 ]

دالة على أن الحكم على سبيل الكراهة لا الحرمة، وإلا فلم يكن يعلقه على شدة الميل والشبق. ثم إن ظاهر الصحيحة هو كون الانقطاع في آخر أيام الحيض لا بعد أيامه - كما هو ظاهر " آخر أيامها " - بل يشعر به قوله " ينقطع عنها الدم " فما في الروض من أن الدليل والفتوى شامل للانقطاع قبل انقطاع العادة وجيه لما ذكرنا ولاطلاق بعض الادلة، فمار بما يستشكل من جهة احتمال معاودة الدم لان عوده في العادة من الامور الجبلية بخلافه بعدها في غير محله. نعم، لو كانت عادتها الرجوع بعد الانقطاع ولو بالعادة الشرعية لكان الاشكال في محله، بل الظاهر خروج مثله عن موضوع أدلة الجواز ودخوله في أيام العادة كما مر الكلام فيه. ثم إن ظاهر صحيحة محمد بن مسلم وجوب غسل الفرج شرطا لجواز إتيان الزوج كما عن ظاهر الاكثر وصريح الغنية، وفي المجمع وعن ظاهر التبيان وأحكام الراوندي توقفه على أحد الامرين: غسل الفرج، أو الوضوء ولم يتضح دليل الثاني. وعن الحلي والمحقق في المعتبر والشهيد الندب، وهو الاقوى، لقوة ظهور الآية الشريفة في عدم دخل شئ غير ارتفاع الحيض وحصول الطهر من وجوه: كالتعليل المستفاد من تفريع الاعتزال على الاذى الذي هو المحيض، ومن جعل الغاية لحرمة القربان الطهر منه، ومن تفريع التطهر عليه - وقد مر ترجيح حمله على حصول الطهر - ومن ظهور الآية في علية التطهر الذي هو حصول الطهر لجواز الاتيان، و لعموم آية حرثية النساء أو إطلاقها، وإطلاقات الروايات التي في مقام البيان، و من جعل غسل الفرج قرينا للتيمم في صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، ولا إشكال في عدم شرطية التيمم وجوبا، لانه بدل الغسل الذي قد عرفت عدم شرطيته للجواز، فنفس هذا الاقتران يشعر بل يدل على كون الغسل من قبيل التيمم، كما أن جعل الجزاء عدم البأس مشعر أو دال على الكراهة مع فقدانهما أو فقدان أحدهما. ومن جميع ذلك يعلم تعين حمل صحيحة ابن مسلم على الرجحان أو رفع الكراهة فيستفاد من مجموع الروايات كون الكراهة ذات مراتب، يرفع جميعها بالغسل، و

[ 147 ]

بعضها بالتيمم وغسل الفرج، ثم بالتيمم فقط أو غسل الفرج فقط. وأما الوضوء و إن لم نعثر على دليله، لكن لا بأس باستحبابه بعد ظهور فتوى الشيخ في التبيان و أحكام الراوندي على ما حكي، وبعد نسبة الطبرسي ذلك إلى مذهبنا، والاولى الاتيان به رجاء ثم إن الظاهر من أدلة بدلية التيمم للغسل والتراب للماء وكونه أحد الطهورين وربه ورب الماء واحد هو قيامه مقامه في زوال المنع على القول به وفي زوال الكراهة على المشهور لولا بعض الاخبار الدالة على بقاء الكراهة بمرتبة، وما يقال ان بدليته له إنما هي في ما يشترط بالطهر دون مطلق الاغسال ففيه أن ما نحن فيه أيضا كذلك، لان الظاهر من الادلة هو اشتراط الجواز على فرضه وزوال الكراهة بالطهور الذي هو شرط الصلوة. وقد يقال ان أثر التيمم يزول بالجماع ومعه لا معنى له، وفيه - على ما سيأتي في محله - منع زوال أثره أي رفع حدث الحيض عن موضوع الفاقد كسائر الاحداث وأن التيمم رافع لا مبيح، هذا مع أن صحيحة أبي عبيدة و رواية الساباطي تدلان على المقصود، والمناقشة في سند الاولى في غير محله، فإن " سهل بن زياد " وإن ضعف لكن المتتبع في رواياته يطمئن بوثاقته من كثرة رواياته و إتقانها واعتناء المشايخ بها فوق ما يطمئن من توثيق أصحاب الرجال، كما رجحنا بذلك وثاقة إبراهيم بن هاشم القمي ومحمد بن إسماعيل النيشابوري رواية الفضل بن شاذان وغيرهما، ولا أستبعد كون الزبيري أيضا من هذا القبيل. الامر الخامس إذا طهرت وجب عليها الغسل للغايات المشروطة بالطهارة وجوبا شرطيا، وهو غير الوجوب المقدمي لما قد ذكرنا في محله من عدم وجوب المقدمة شرعا، بل أثبتنا عدم تعقل وجوبها الشرعي. وأما الوجوب الشرطي للطهور سواء كان بمعنى نفس الاغسال والوضوء أو أمر حاصل منها فلا مانع منه، لكونه إرشادا إلى الحكم الوضعي، لا بمعنى استعمال الهيئات الموضوعة للبعث والاغراء في المعنى الوضعي، بل بمعنى استعمالها في معانيها لغرض إفهام التوقف والحكم الوضعي، فقوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا

[ 148 ]

وجوهكم - الخ - " بعث وإغراء إلى الغسل والمسح لكن لغرض إفهام اشتراط الصلوة بهما أو بما يحصل منهما، وبهذا المعنى يقال للوضوء إنه فريضة، وكذا للغسل. ويمكن أن يقال: إن المراد بالفريضة المستعملة في الروايات على الوضوء و الغسل هو الفريضة في الصلوة، أي ما هو لازم للصلوة، كما يشهد بذلك صحيحة زرارة في باب الوضوء، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الفرض في الصلوة، فقال: الوقت، و الطهور، والقبلة، والتوجه، والركوع، والسجود، والدعاء. (1) فمقارنة الوقت سائر المذكورات دليل على أن الفرض فيها كالفرض فيه، ومعلوم أن المراد بكون الوقت فرضا في الصلوة ليس إلا كون الوقت شرطا فيها أو كون الصلوة المقيدة به واجبة، لا أن الوقت واجب نفسي أو غيري، وحال سائر المذكورات كحاله، فلا يكون الوضوء والغسل فريضة نفسية أو غيرية، بل هما مستحبان عباديان وجعلا شرطا للصلوة بما هما كذلك، ولهذا لا يقعان بلا قصد التقرب، ولا يمكن أن يكون ذلك لاجل الامر الغيري المقدمي لو فرض إمكان هذا الامر وتحققه، ضرورة أن الأمر الغيري لا يتعلق إلا بما هو موقوف عليه وبه يتوصل إلى ذي المقدمة، فلو توقفت الصلوة على الغسل مطلقا لم يدع الامر إلا إليه، ولازمه صحته ولو بلا قصد التقرب كسائر الشرائط، ولو توقفت على الغسل العبادي فلابد من تقدم عباديته على الامر الغيري ولا يعقل أن يكون الامر الغيري مصححا لعباديته، والتفصيل موكول إلى محله. وكيف كان فالتحقيق عدم وقوع الطهارات إلا مستحبة نفسية، ولا تخرج بواسطة وقوعها مقدمة للواجب عما هي عليها، كما لا يوجب تعلق النذر والعهد بها انقلابها عما هي عليها، ضرورة أن متعلق وجوب النذر هو عنوان الوفاء لا عنوان الوضوء والغسل وإن اتحد العنوانان في الخارج، والاتحاد في ظرف العين لا يمكن أن يكون موجبا لسراية الوجوب عن عنوان إلى آخر. فالواجب المقدمي الغيري على فرض التسليم ليس إلا حيثية ما يتوصل به إلى ذي المقدمة، لاذات المقدمة على ما هو التحقيق من وجوب المقدمة الموصلة بما أنها موصلة على فرض وجوبها، وهي متحدة


(1) الوسائل: ابواب الوضوء، ب 1، ح 3.

[ 149 ]

في الخارج مع ذات المقدمة، ولا يسري الوجوب من موضوعه إلى موضوع آخر ولو اتحد العنوانان في الخارج كما حقق في محله. فلا يكون الغسل واجبا غيريا كما لا يكون واجبا نفسيا. ولا يمكن استفادة الوجوب النفسي من الاوامر المتعلقة به، ضرورة ظهورها في الارشاد بالمعنى المتقدم في أمثال المقام، فما عن المدارك من تقوية الوجوب لذاته في غير محله. ثم إن المشهور عدم إجزاء الغسل غير الجنابة عن الوضوء للصلوة وغيرها مما هي مشروطة بالطهور، بل عن الصدوق أن لزوم الوضوء معه من دين الامامية، ولم ينقل الخلاف من المتقدمين إلا عن السيد وأبي على. والاقوى ما هو المشهور حتى مع قطع النظر عن الشهرة التي هي في مثل تلك المسألة حجة برأسها، للعمومات الدالة على لزوم الوضوء عند عروض أسبابه، ولا يمكن تخلفه في ما نحن فيه حتى نحتاج إلى عدم القول بالفصل مع عدم تمامية أدلة الخصم، لابد من بيان حال الروايات حتى يتضح الحال، فنقول: إن الاخبار على طوائف: منها ما يدل على أن الغسل يجزي عن الوضوء من غير قيد، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: الغسل يجزي عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل؟ (1) ومرسلة الكليني، قال روي: أي وضوء أطهر من الغسل؟ (2) وصحيحة حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة - إلى أن قال - قلت: إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلوة قبل الغسل، فضحك وقال: وأي وضوء أنقى من الغسل وأبلغ؟ (3) بناء على كون الذيل بصدد بيان المهية لا غسل الجنابة. ومنها مادل على أن الوضوء معه بدعة، كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام قال: الوضوء بعد الغسل بدعة. (4) ورواية عبد الله بن سليمان، قال: سمعت


(1) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 32، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الجنابة ب 32، ح 8. (3) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 33، ح 4. (4) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 32، ح 9.

[ 150 ]

أبا عبد الله عليه السلام يقول: الوضوء بعد الغسل بدعة. (1) ومنها ما ورد في خصوص غسل الجنابة، كصحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام ذكر فيها كيفية غسل الجنابة فقال: ليس قبله ولا بعده وضوء. (2) ورواية محمد بن مسلم، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن أهل الكوفة يروون عن علي أنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة، فقال: كذبوا على علي، ما وجدوا ذلك في كتاب علي، قال الله تعالى " وإن كنتم جنبا فاطهروا " (3) وصحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام قال بعد ذكر كيفية غسل الجنابة وآدابه: ولا وضوء فيه. (4) ومنها ما فصل بين غسل الجنابة وغيره كمرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة. (5) وروايته الاخرى الصحيحة إليه عن حماد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في كل غسل وضوء إلا الجنابة. (6) وهذه الروايات كما ترى قابلة للجمع العقلائي بحمل الروايات المطلقة على غسل الجنابة بشهادة الطوائف الاخر، ولا يبعد هذا الجمع بعد كون غسل الجنابة هو الغسل المتداول الاكثري المحتاج إليه جميع طوائف المكلفين، بخلاف سائر الاغسال كالحيض والنفاس مما يحتاج إليهما طائفة منهم في بعض أوقاتها، وكغسل الاستحاضة الذي يكون الاحتياج إليه نادرا لبعض المكلفين، وكغسل الجمعة وغيره مما لا يكون إلا في بعض الاحيان ولبعض المكلفين، فلا يكون الحمل المذكور موجبا لحمل المطلق على الفرد النادر البشيع.


(1) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 32، ح 6. (2) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 25، ح 5. (3) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 33، ب 5. (4) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 25، ح 6. وب 33، ح 3. (5 و 6) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 34، ح 1.

[ 151 ]

هذا مضافا إلى أن الظاهر من صحيحة حكم بن حكيم حيث قال فيها " إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلوة قبل الغسل - الخ - " ورواية محمد بن مسلم حيث قال فيها " إن أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام - الخ - " أن كون الوضوء قبل غسل الجنابة كان موردا للبحث بين الناس، حتى كذبوا على علي بأنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة، وهو يوجب قرب الحمل المذكور وقرب احتمال أن يكون تلك الروايات القائلة بأن الوضوء قبل الغسل أو بعده بدعة، وأن الغسل يجزي من الوضوء، وأن أي وضوء أطهر من الغسل؟ ناظرة إلى الكذب المذكور أو الخلاف المعهود، مع أن أحد قول الشافعي أيضا وجوب الوضوء قبل الغسل من الجنابة أو بعده، وكيف كان فلا أرى بأسا بهذا الجمع بعد التنبه إلى ما ذكرنا. نعم هنا طائفة اخرى من الروايات متعرضة للاغسال الاخرى أما ضعيفة سندا وإن كانت تامة الدلالة أو معتبرة سندا ضعيفة دلالة لابد من التعرض لها. فمن الاولى رواية إبراهيم بن محمد أن محمد بن عبد الرحمان الهمداني كتب إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام يسأله عن الوضوء للصلوة في غسل الجمعة، فكتب: لا وضوء للصلوة في غسل يوم الجمعة وغيره. (1) وهذه الرواية وإن كانت صريحة الدلالة إلا أن ضعف سندها مانع عن العمل بها، كمرسلة حماد بن عثمان الضيعفة زائدا على الارسال عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك، أيجزيه من الوضوء؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: وأي وضوء أطهر من الغسل؟ (2) ومن الثانية موثقة عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل إذا اغتسل من جنابة أو يوم الجمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال: لا، ليس عليه قبل ولا بعد، قد أجزأه الغسل، والمرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس. عليها الوضوء لا قبل ولا بعد، قد أجزأه الغسل. (3) وهذه الرواية و


(1) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 32، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 32، ح 4. (3) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 32.

[ 152 ]

إن كانت معتبرة سندا لكن في دلالتها ضعف ومناقشة، لقرب احتمال كون المراد منها أن الاغسال جنابة كانت أو جمعة أو غيرها لا يشترط فيها الوضوء لا قبل ولا بعد، فليست الرواية بصدد بيان حكم الصلوة، بل بصدد بيان حكم الغسل، وأن الغسل هل يتم بلا وضوء، ويجزي غسل الجنابة عن رفع الحدث وكذا غسل الحيض، ويجزي غسل الجمعة عن الوظيفة المستحبة أو يحتاج إلى ضم وضوء قبله أو بعده؟ والشاهد على قرب هذا الاحتمال ذكر قبل وبعد مما يشعر بارتباط بين الوضوء والغسل، وإلا فوضوء الصلوة غير مرتبط بالغسل، فكان على السائل أن يسأل أن الغسل مجز عن الوضوء للصلوة؟ كما في مكاتبة الهمداني، وعليه يمكن حمل الروايات الواردة في أن الوضوء قبل الغسل أو بعده بدعة على هذا المعنى، أي على أن الوضوء لاجل تتميم الغسل قبله أو بعده بدعة. وهو كذلك في جميع الاغسال من غير فرق بين غسل الجنابة و غيره، وهو غير مربوط بإجزاء الغسل عن الوضوء للصلوة. ويشهد لما ذكرنا ملاحظة سائر الروايات الواردة في هذا المضمار، كصحيحة يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا في ما نزل به جبرئيل؟ قال الجنب يغستل، يبدأ فيغسل يديه إلى المرفقين قبل أن يغمسهما في الماء، ثم يغسل ما أصابه من أذى، ثم يصب على رأسه وعلى وجه وعلى جسده كله، ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه. (1) حيث إن الظاهر من سؤاله أن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا؟ وأن جبرئيل كيف بين مهية غسل الجنابة وشرح كيفيته؟ أن ما نزل به جبرئيل هل هو مع الوضوء بحيث يكون الوضوء شرطا له أم لا؟ ويشهد لذلك كيفية الجواب، حيث شرع في بيان كيفية الغسل وقال بعد تمام الكيفية " ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه " أي تم الغسل من غير مدخل للوضوء في تحققه وتماميته، وهو أمر آخر غير إجزاء الغسل عن الوضوء للصلوة، ولو كان السؤال عنه لما كان بهذه العبارة كما أن الجواب لا يناسب ذلك ومثلها صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة فقال: تبدأ


(1) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 33.

[ 153 ]

فتغسل كفيك، ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك، ثم تمضمض واستنشق، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك، ليس قبله ولا بعده وضوء، و كل شئ أمسته الماء فقد أنقيته، ولو أن رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده. (1) فإن زرارة سأله عن كيفية غسل الجنابة، و هو عليه السلام بصدد بيانها، وذكر عدم الوضوء قبله وبعده خصوصا في خلال بيان الكيفية وبالاخص مع تعقيبه بقوله " وكل شئ امسسته الماء فقد أنقيته " مما يوجب الظهور في أن المراد عدم دخل الوضوء في كيفية الغسل وتحققه ورفع الجنابة، وهو أمر غير احتياج الصلوة إلى الوضوء وعدمه بعد رفع الجنابة. ومثلهما بل أوضح منهما صحيحة حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة، قال: افض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها - وذكر كيفية الغسل إلى أن قال - قلت إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلوة قبل الغسل، فضحك وقال: وأي وضوء أنقى من الغسل وأبلغ؟ (2) حيث إن السائل سأل عن الكيفية وبعد ما رأى عدم ذكر من الوضوء في كيفية الغسل قال إن الناس يقولون - الخ - ومراده ظاهرا أن الناس يزعمون في كيفية الغسل أن للغسل وضوء كوضوء الصلوة، فكما أن الصلوة لا تصح بلا وضوء كذلك الغسل وهذا كالصريح في ما ذكرنا من عدم كون السائل والمجيب في مقام بيان إجزاء الغسل عن الوضوء، بل بصدد السؤال والجواب عن دخله في تحقق الغسل و صحته، ويؤيده قوله " أي وضوء أنقى من الغسل وأبلغ " أي لا دخل له في النقاء، و الغسل أبلغ في حصول الطهارة والرافعية من الوضوء. ومما ذكرنا يظهر حال سائر الروايات حتى أن رواية أبي بكر الحضرمي الذي تخالف تلك الروايات تشهد بما ذكرنا، قال: سألته، قلت: كيف أصنع إذا اجنبت؟ قال: اغسل كفك وفرجك وتوضأ وضوء الصلوة ثم اغتسل. (3) لان الظاهر منها أن هذا الامر كان معهودا في تلك الاعصار، وأن اشتراط تحقق الغسل


(1) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 2 5، ح 5. (2) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 33، ح 4. (3) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 33 ح 6.

[ 154 ]

بالوضوء كان مورد البحث والكلام، فورود تلك الروايات لرفع الشبهة المذكورة. وحينئذ لا يبعد أن تكون مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة (1) ومرسلته الاخرى أو صحيحته عنه قال: في كل غسل وضوء إلا الجنابة (2) أيضا من هذا الوادي، ولا تكون ناظرة إلى إجزائه عنه للصلوة، فتبقى صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، قال: الغسل يجزي عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل (3) بلا معارض، إلا أن يقال: إنه بعد كون جميع الروايات - إلا رواية واحدة هي مكاتبة الهمداني - مربوطة بتلك المسألة أي بدخل الوضوء في تحقق الغسل وأن تلك المسألة كانت مطرحا في ذلك العصر لم يبق ظهور للصحيحة في إجزاء الغسل عن الوضوء للصلوة، بل من المحتمل قويا كونها بصدد بيان ما تكون سائر الروايات بصدده من إجزاء كل غسل وكفايته عن الوضوء في رفع الجنابة أو حدث الحيض أو حصول وظيفة الجمعة والعيد، خصوصا مع ورود نظير قوله " أي وضوء أطهر من الغسل؟ " في صحيحة حكم بن حكيم التي عرفت ظهورها في عدم شرطية الوضوء للغسل، فحينئذ يبقى إجزاء غسل الجنابة عن الوضوء للصلوة بلا دليل إلا قوله تعالى " وإن كنتم جنبا فاطهروا " على تأمل في دلالته، لكن الحكم واضح لا يحتاج إلى إقامة دليل. واما سائر الاغسال فمقتضى القاعدة والعمومات عدم كفايتها للصلوة مع الابتلاء بالحدث الاصغر، وفي غير مورده يتم بعدم القول بالفصل، ويدل على المقصود في خصوص ما نحن فيه بل في أعم منه ومن غسل الاستحاضة بعض الروايات كمرسلة يونس الطويلة، وفيها في السنة الاولى من السنن الثلاث: وسئل عن المستحاضة فقال: إنما هو عرق غامد أو ركضة من الشيطان، فلتدع الصلوة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة. قيل: وإن سال مثل الشعب. (4) فإن الظاهر


(1 و 2) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 34، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 32، ح 1. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 5، ح 1.

[ 155 ]

أن الغسل هو غسل الحيض وقد أمرها بالوضوء لكل صلوة، تأمل. وقد يستدل لعدم الاحتياج إلى الوضوء بإطلاق الاوامر الواردة في الاغسال من غير ذكر وضوء، و هو محل المنع. نعم، وردت روايات في باب الاستحاضة لا يبعد إطلاقها، وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله. هذا كله مع قطع النظر عن اشتهار الحكم بين الاصحاب مما يشرف المنصف بالنظر إليه بالقطع بكون الحكم معروفا من الصدر الاول ومأخوذا من الطبقات المتقدمة على زمن المعصومين عليهم السلام وخلاف ابن الجنيد غير معتد به، وخلاف السيد لا يضر بعد عدم موافق له من المتقدمين، كخلاف الاردبيلي وأتباعه ممن لا يعتنون بالشهرات والاجماعات. ومما ذكرنا يظهر الحال في خلاف آخر، وهو وجوب تقديم الوضوء على الغسل وجوبا شرطيا في خصوص الاغسال الواجبة، أو فيها وفي المستحبة، أو وجوب التقديم شرعيا لا شرطيا كما عن المولى البهبهاني. ووجه اللزوم شرطيا هو الاستظهار من مرسلتي ابن أبي عمير وحمل المطلق على المقيد أي إحدى المرسلتين على الاخرى، فمع دعوى اختصاصهما بالواجبات تكونان مبنى الاول، ومع التعميم مؤيدا برواية علي بن يقطين عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل (1) تكونان مبنى الثاني، ومع إنكار الظهور في الشرطية مبنى الثالث. لكن قد عرفت كون جميع روايات الباب تقريبا من واد واحد هو إثبات الشرطية ونفيها فحينئذ يقع التعارض بين ما تقدم وبين موثقة عمار الساباطي حيث صرح فيها بعدم الوضوء قبل غسل الجنابة والجمعة والعيد والحيض وبعدها، فلابد من حمل المرسلتين ورواية ابن يقطين على الاستحباب جمعا وإن كان القول بالاستحباب أيضا لا يخلو من مناقشة، لما دل على أن الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة، ولعدم ذكر عن الوضوء في شئ من الروايات الواردة في باب الاغسال الواجبة والمستحبة مع كثرتها جدا وكون كثير منها في مقام بيان الآداب، وبعد عدم التنبيه على


(1) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 34، ح 2.

[ 156 ]

هذا الادب الذي لو كان مستحبا لكان أهم من سائر الآداب، وإنما ذكر ذلك في رواية واحدة هي رواية ابن يقطين ومرسلة يمكن أن تكون عين تلك الرواية، مع ظهورها في الشرطية التى قد عرفت حالها. وكيف كان فمما يوجب الجزم بعدم شرطية الوضوء للاغسال الواجبة و المستحبة هو تلك الروايات الكثيرة الواردة في مقام بيان كيفية الغسل، كروايات غسل الميت وغسل المس وما ورد في الاغسال المستحبة على كثرتها، فإن عدم ذكر منه فيها دليل قطعي على عدم اشتراطها به وعدم وجوبه قبلها. بقى الكلام في شئ تعرض له صاحب الجواهر، وهو أن الغسل والوضوء هل هما مشتركان في رفع الحدثين، أو هما رافعان على التوزيع: فالغسل للاكبر، والوضوء للاصغر؟ وتفصيل الكلام بحسب مقام التصور أنه قد يقع الكلام في ما إذا وجد سبب الاصغر والاكبر وتقدم أحدهما على الآخر أو تأخر أو تقارنا، وقد يقع في ما إذا وجد سبب الاكبر فقط، فعلى الاول يمكن أن يكون الحدثان مهيتين متبائنتين فيؤثر الاصغر في مهية، والاكبر في مهية مبائنة لها، ويمكن أن يؤثر كل في مهية متخالفة مع الاخرى قابلة للانطباق على وجود خارجي في القدر المشترك، فيكون الحدث الاصغر عنوانا منطبقا على مرتبة من الحدث الاكبر، ويكون الاكبر ذا مراتب: مرتبة غير منطبق عليها عنوان الاصغر، ومرتبة منطبق عليها عنوانه، ويمكن أن يكون المقدار المشترك وجودا شخصيا إن قدم سبب الاصغر في إيجاده يكون سبب الاكبر مؤثرا في مرتبة اخرى، وإن قدم سبب الاكبر لا يؤثر الاصغر، فيكون السببان بالنسبة إلى المرتبة المشتركة كالاسباب المتعاقبة للحدث الاصغر. ثم إن مقتضى الاحتمال الاول والثاني هو فعلية سببية كل موجب في مسببه الخاص، ورافعية الوضوء للحدث الاصغر والغسل للاكبر، فمع الغسل ترفع المهية الآتية من سبب الاكبر وتبقى المهية الآتية من سبب الاصغر، وأما احتمال اشتراكهما في رفع المجموع فضعيف جدا، ولازم الثالث هو رفع الغسل ما يأتي من قبل سبب الاكبر، وعدم الاحتياج إلى الوضوء إن كان الغسل رافعا لتمام ما

[ 157 ]

يجئ من سبب الاكبر، وبمقدار الاختصاص لو قلنا بأن ما يجئ من سبب الاكبر لا يرتفع تمامه به، فيكون الرافع للبقية هو الوضوء. وأما احتمال كونهما مشتركين في أصل الرفع بمعنى عدم تأثير الغسل مطلقا إلا بضم الوضوء فقد دفعناه في المسألة السابقة، كما أن احتمال كون الغسل رافعا لتمام ما يأتي من سبب الاكبر في الفرض الثالث مما يلزم منه عدم الاحتياج إلى الوضوء تدفعه الشهرة السابقة مع عمومات أسباب الوضوء كما مر. فاحتمال الاشتراك بهذا المعنى ضعيف مدفوع بما سلف. وأما على سائر الاحتمالات فلا يكون الاشتراك إلا بوجه لا ينافي الاختصاص، فحينئذ يكون الوضوء على جميع الاحتمالات المعتبرة رافعا لما يأتي من سبب الاصغر، والغسل لما يأتي من سبب الاكبر على بعض الاحتمالات المتقدمة، وعلى بعض الاحتمالات يكون الوضوء رافعا لبعض لما يأتي من سبب الاكبر والغسل لبعض آخر فيكون كل منهما رافعا. فما عن السرائر من كون الوضوء غير رافع بل مبيح تقدم أو تأخر، والغسل رافع كذلك غير وجيه. هذا كله مع تحقق السببين، وأما مع تحقق سبب الاكبر دون الاصغر فمع القول بلزوم الوضوء للصلوة لابد وأن يكون سبب الاكبر موجبا لشئ لا يرتفع بالغسل، فحينئذ إن قام الدليل على جواز دخول المرأة في المسجدين واللبث في المساجد مثلا مع الغسل فقط يكون هو مع مادل على لزوم الوضوء للصلوة دالين بالاقتضاء على التوزيع في التأثير، فيكون الوضوء رافعا لمرتبة مما يأتي بسبب الحيض والغسل لمرتبة اخرى. وأما احتمال كون الوضوء مبيحا غير رافع فضعيف. وكيف كان فالقول بالتوزيع هو الاقوى، مع كون الحكم موافقا لارتكاز المتشرعة، والظاهر استفادته من مجموع الادلة، فتدبر. الامر السادس إذا دخل وقت الصلوة فحاضت، فتارة تدرك طاهرة من الوقت بمقدار أداء الصلوة وفعل الطهارة وتحصيل سائر الشرائط بحسب حالها وتكليفها الفعلى من القصر والاتمام والوضوء والغسل و التيمم وغيرها من شرائط مطلقة كانت أو غيرها، وأخرى لا تكون سعة الوقت بهذا

[ 158 ]

المقدار سواء كانت بمقدار أداء الصلوة فقط أو أدائها مع الطهارة المائية أو الترابية فقط دون سائر الشرائط، وثالثة لا تكون السعة بمقدار صلوة المضطر. والاولى البحث أولا عن مقتضى القواعد الاولية أي أدلة القضاء وأدلة عدم القضاء على الحائض ثم النظر إلى الادلة الخاصة، فنقول: إن أدلة القضاء على طائفتين: إحديهما ما يظهر منها أن القضاء تابع لعنوان الفوت كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلوة فاتتك، فمتى ذكرتها أديتها - الحديث - (1) وغيرها مما هي قريبة منها. وهذه الطائفة وإن كانت في الغالب بصدد بيان حكم آخر، لكن يستفاد منها مفروغية لزوم قضاء ما فات من الصلوة. وهذا مما لا إشكال فيه، لكن الاشكال في أن الفوت عبارة عن نفس عدم الاتيان مطلقا ولو مع عدم مجعولية الصلوة في حق المكلف بل مع حرمتها عليه كصلوة الحائض أو هو عنوان أخص منه؟ الظاهر هو الثاني، ضرورة أن المتفاهم عرفا من هذا العنوان هو ذهاب شئ مرغوب فيه عن يد المكلف ولو من قبيل طاعة المولى أو الوالدين مما هل مستحسن عقلا سواء كان لازما أو راجحا، فإذا نام عن صلوة الليل يقال فاتته، أما لاجل فوت المثوبة المترتبة عليها، أو لاجل ترك نفس أمر المولى الراجح عقلا، وأما إذا كان الفعل ذا مفسدة أو غير راجح عقلا وشرعا فتركه العبد لا يقال فاته ذلك، فعنوان الفوت ليس نفس ترك الفعل ولو لم يكن فيه رجحان أو في تركه منقصة، وهذا واضح عند مراجعة موارد استعمال اللفظ عرفا و في الاخبار الواردة فيها هذه اللفظة. فدعوى كونه عبارة عن عدم إتيان الصلوة في وقتها ولو كانت غير مطلوبة وراجحة بل ولو كانت محرمة غير وجيهة. ولا يرد النقض على ذلك بمثل ترك النائم والساهي، ولا بمثل من أكره على ترك الصلوة بحيث صار اللازم على المكلف تركها، ضرورة أن النائم والساهي فاتتهما الصلوة لاجل ذهاب مثوبتها ومصلحتها من يدهما بل لاجل ترك أمر المولى بلا اختيار على ما حققنا في محله من أن الاوامر فعلية بالنسبة إليهما وإن كانا معذورين في تركها


(1) الوسائل: ابواب قضاء الصلوات، ب 2، ح 1.

[ 159 ]

وأما المكره فهو أيضا كذلك ولا تصير الصلوة بالاكراه على الترك حراما بعنوانها، بل ما هو المحرم إيقاع المكلف نفسها في التهلكة ونحوها، وهو لا يوجب حرمة الصلوة بعنوانها وإن اتحد العنوانان في الخارج. ودعوى صدق الفوت بمجرد الشأنية أو بملاحظة نوع المكلفين غير وجيهة، فإن ميزان وجوب القضاء هو الفوت من كل مكلف بحسب حال نفسه، وهو لا يصدق بالنسبة إلى الشخص الذي لم تجعل الصلوة له أو حرمت عليه كالحائض، والشأنية لا محصل لها إلا معنى تعليقي لا يوجب صدق الفوت فعلا. واعجب من ذلك ما قد يقال: إن المستفاد من الامر بالقضاء أن الاوامر المتعلقة بالصلوة من قبيل تعدد المطلوب، فكونها في الوقت مطلوب لكن بفوات الوقت لا تفوت المطلوبية مطلقا، فإن ذلك على فرض تسليمه - كما لا يبعد - أدل دليل على خلاف مطلوبه، لان استفادة تعدد المطلوب فرع وجود الطلب والمطلوب في الوقت، ومع حرمة الصلوة على الحائض في الوقت أين الطلب والمطلوب حتى يستفاد منه تعدده؟! فتحصل مما ذكرنا أن القاعدة في باب القضاء على فرض أخذ عنوان الفوت في موضوعه هو وجوب القضاء في كل مورد يكونا الاداء مطلوبا أو راجحا ذاتا ولو فرض سقوط الطلب لاجل بعض المحاذير على فرض صحة ذلك المبنى، وأما مع عدم الرجحان والمطلوبية الذاتية فلا، فضلا عن الحرمة الذاتية. فالحائض إذا أدركت من الوقت بمقدار تعلق الطلب يجب عليها القضاء مع تركها، ومع عدم توجه الطلب أو توجه النهي إليها لا يجب عليها القضاء بحسب القاعدة، بل الظاهر أن الامر كذلك لو تمكن من الصلوة الاضطرارية، فلو قلنا بأنها لو علمت مفاجأة الطمث عليها بعد مقدار من الزمان يتمكن فيه من إتيان صلوة مع الطهارة الترابية وفقدان بعض الشرائط الاختيارية تجب عليها الصلوة كذلك فالقاعدة تقتضي القضاء مع تركها لاجل الجهل بالواقعة، لتوجه أمر الصلوة إليها وفوتها منها. بل الامر كذلك لو تمسكنا في وجوب القضاء بالطائفة الثانية من أخبار القضاء،

[ 160 ]

رهي ما لم يؤخذ فيها عنوان الفوت، لان مساقها فيما إذا ترك المكلف الصلوة التى كانت مكتوبة عليه في الوقت، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها، أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها. (1) إلى غير ذلك من الروايات، وليس فيها ما يدل على وجوب القضاء على من ترك الصلوة التي هي غير مشروعة له فضلا عما كانت محرمة عليه. بل الظاهر أن نفس عنوان القضاء أيضا يدل على المطلوب، لانه بحسب المتفاهم العرفي عبارة عن جبران ما شرع في الوقت إيجابا أو استحبابا خارج الوقت، وأما إذا لم يشرع في الوقت أو كان حراما عليه فلا يصدق على إتيانه خارج الوقت عنوان القضاء، فتبعية القضاء للاداء على ما ذكرنا موافقة للقاعدة. فتحصل من جميع ما ذكرنا أن كل مورد لو اطلع المكلف على الواقعة كان واجبا عليه إتيان الصلوة ولو بنحو الاضطرار يجب عليها القضاء لو تركها لصدق الفوت، فإذا وسع الوقت بحسب الواقع بمقدار صلوة اضطرارية بل بمقدار نفس الصلوة فقط فطمثت وجب عليها بمقتضى أدلة القضاء إتيانها بعد الطهر قضاء. وما يتوهم من عدم الامر بالمقدمات قبل الوقت قد فرغنا عن ضعفه وذكرنا في محله أن مناط عبادية الطهارات ليس هو الاوامر الغيرية، بل الامر النفسي المتعلق بها، وذكرنا في محله حال التيمم أيضا. هذا، ولكن في مقابل أدلة القضاء مادل على أن الحائض لا تقضي الصلوة، ففي صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قضاء الحائض الصلوة ثم تقضي الصيام، قال: ليس عليها أن تقضي الصلوة، وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان. ثم أقبل علي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بذلك فاطمة، وكانت تأمر المؤمنات. (2) و رواية الحسن بن راشد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الحائض تقضي الصلوة؟ قال: لا، قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم، قلت: من أين جاء هذا؟ قال: أول من قاس إبليس -


(1) الوسائل: ابواب قضاء الصلوة، ب 1، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 41، ح 2.

[ 161 ]

الحديث - (1) إلى غير ذلك. ويقع الكلام فيها بعد القطع بلزوم استناد الترك في عدم وجوب القضاء إلى الحيض في الجملة في أنه هل المتفاهم منها أن الصلوة إذا كان تركها مستندا إلى الحيض في الجملة ولو في بعض الوقت لا تقضى، حتى يكون لازمه عدم القضاء ولو حاضت قبل تمام الوقت بمقدار يسع الصلوة، لان تركها وإن كان غير مستند إلى الحيض فقط لكنه مستند إليه في الجملة، أو أن المراد هو الاستناد إليه فقط، فإذا تركها في بعض الوقت بتخيل سعته فأدركها الطمث وجب عليها القضاء، لعدم كون الترك مستندا إلى الحيض فقط، بل كان الاستناد في بعض الوقت إلى غيره؟ الظاهر هو الثاني، لظهور الادلة في أن ترك الطبيعة إذا كان مستندا إلى الحيض لا يجب القضاء، وهو لا يصدق إلا على الوجه الثاني بحسب نظر العرف المتبع في مثل المقام، وهذا ظاهر، لكن الاشكال في أن الظاهر من الادلة هل هو ترك الصلوة المتعارفة لها مع قطع النظر عن عروض الحيض، أي إذا استند ترك صلوتها إليه بحسب حالها المتعارف من القصر والاتمام والطول والقصر والاشتمال على المستحبات المتداولة لا يجب عليها القضاء، إذا كان مستندا إليه مع أقل الواجب، أو إذا كان مستندا إليه حتى بمصداقها الاضطراري من الطهور وغيره حتى مثل ترك بعض الواجبات كالسورة مثلا، وبعبارة اخرى: ترك الصلوة التي لو علمت بالواقعة وجب عليها إتيانها إذا كان مستندا إلى الحيض لا يجب عليها قضاؤها، فيجب عليها القضاء إذا وسع الوقت لنفس الصلوة بمصداقها الاضطراري مع فقد جميع المستحبات وبعض الواجبات إذا قلنا بسقوطه عند الاضطرار والضيق؟ الاقوى هو الاول، لا بمعنى ملاحظة حالها الشخصي ولو كان غير متعارف كقراءة السور الطوال والاذكار الكثيرة الغير المعمولة، بل بمعنى المصداق المتعارف عند نوع المكلفين، أي المشتمل على الواجبات والمستحبات المتداولة والواجد للشرائط بحسب تكليفها الفعلى من القصر والاتمام ووجدان الماء وفقدانه وواجديتها


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 41، ح 3.

[ 162 ]

للمقدمات وعدمها، إلى غير ذلك. ضرورة أن العرف لا ينقدح في ذهنه عند سماع تلك الروايات وعرضها عليه إلا ذلك، وغيره يحتاج إلى تقدير الحائض على غير ما هي عليه، وهو خلاف الارتكاز العرفي والتفاهم العقلائي من الروايات. فهل ترى من نفسك أن المرأة إذا سمعت فقيها يقول: إذا تركت صلوتك لاجل عروض الحيض ليس عليك قضاء، فاشتغلت في أول الوقت بالطهور والصلوة فعرض لها الطمث في الركعة الثالثة تشك في كونها مشمولة للفتوى باحتمال لزوم تقدير نفسها مقام المضطر الفاقد للماء المضيق عليها الوقت، أم لا ينقدح في ذهنها إلا صلوتها المتعرفة بحسب حالها مع قطع النظر عن عروض الحيض؟ ولعمري إن هذا التنزيل والتقدير مما لا ينقدح إلا في ذهن الاوحدي من الناس أي أهل العلم فقط لا نوع العقلاء والعرف ممن يكون فهمهم معيارا لتعيين مفاهيم الاخبار. ثم إن ما ذكرنا إنما هو بالنسبة إلى الشرائط التي يتعارف تحصيلها في الوقت كالوضوء والغسل مثلا - على تأمل في الثاني - وأما الشرائط الحاصلة لنوع المكلفين قبل الوقت كالستر والعلم بالقبلة فلا يلاحظ مقدار تحصيلها لو اتفق عدم حصولها، فالفاقدة للساتر والجاهلة للقبلة إذا كانتا بصدد تحصيلهما وطال الوقت حتى عرض لهما الطمث يجب عليهما قضاء صلوتهما، لاطلاق أدلة الفوت وعدم وجود مقيد لها، لخروج هذه الفروض النادرة عن مثل قوله " الحائض لا تقضي الصلوة " لان ترك الصلوة بحسب المتعارف غير مستند إلى الحيض فقط. وكذا من كان تكليفها التيمم لكن أخرت الصلوة إلى آخر الوقت فطمثت يجب عليها القضاء، لعدم الاستناد بحسب التعارف إلى الحيض. وبالجملة لابد من لحاظ حال المرأة وحال الشرائط و تعارفها وتكليف المرأة بالفعل وحالاتها الاختيارية، إلا أن يكون الاضطرار من غير جهة الحيض. هذا كله بحسب القواعد الاولية، وأما الاخبار الخاصة ففي موثقة يونس بن يعقوب - بناء على وثاقة الزبيري - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في امرأة دخل عليها وقت الصلوة وهي طاهرة، فأخرت الصلوة حتى حاضت، قال: تقضي إذا طهرت.

[ 163 ]

(1) وليست هذه مخالفة للقاعدة المتقدمة، لظهورها في سعة الوقت وتأخيرها حتى طمثت. نعم، يخالفها إطلاق رواية عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر، هل عليها قضاء تلك الصلوة؟ قال: نعم (2) وإطلاقها يشمل ما إذا ضاق الوقت عن إدراك الصلوة، وليس لها ظهور في سعة الوقت للصلوة لو لم نقل إن السؤال منحصر بما إذا زالت الشمس وطمثت ولم يمهلها أن تصلي، فكأنه قال: لو طمثت بعد زوال الشمس بلا مهلة وقبل صلوتها هل عليها القضاء أو لابد من مضي زمان تدرك الصلوة؟ ولو لم يسلم ذلك فلا أقل من الاطلاق ودعوى أن الظاهر أن السلب بسلب المحمول لا الموضوع كأنها في غير موقعها، ولولا ضعف سندها بشاذان بن الخليل أو عدم ثبوت اعتبارها لاجل عدم ثبوت وثاقته، ومخالفتها لفتاوي الاصحاب لكان العمل بها متعينا ولاتنافيها الاخبار المتقدمة، لكنهما مانعان عن العمل بها. واما موثقة سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة صلت من الظهر ركعتين ثم إنها طمثت وهي جالسة، فقال: تقوم عن مكانها ولا تقضي الركعتين (3) فلابد من حملها على النهي عن إتيان بقية الصلوة لو لم نقل بظهورها فيه بملاحظة قوله " تقوم عن مكانها " فكأنه قال: تقوم عن مكانها ولا تأتي بالركعتين الاخيرتين، وحمل القضاء على المعنى اللغوي غير بعيد كحمل الركعتين على الاخيرتين، وإلا فلابد من رد علمها إلى أهله، فإن الحمل على أول الوقت حمل على النادر. والظاهر منها عدم قضاء الركعتين الاولتين لو حمل القضاء على الاصطلاحي منه، وفي مقام التحديد والبيان يفهم منها عدم لزوم قضاء الاولتين ولزوم قضاء البقية، وهو كما ترى لا يمكن الالتزام به، فمصيرها حينئذ مصير ضعيفة أبي الورد، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرأة التي تكون في صلوة الظهر وقد صلت ركعتين ثم ترى الدم، قال: تقوم


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 48، ح 4. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 48، ح 5. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4 8، ح 6.

[ 164 ]

من مسجدها ولا تقضي الركعتين، وإن كانت رأت الدم وهي في صلوة المغرب وقد صلت ركعتين فلتقم من مسجدها، فإذا تطهرت فلتقض الركعة التى فاتتها من المغرب (1) فلابد من توجيهها كما وجهها العلامة في المختلف أورد علمها إلى أهله. كما أن موثقة الفضل بن يونس (2) مما هي دالة على خروج وقت الظهر بعد أربعة أقدام في سلك الروايات الواردة في تحديد الوقت على خلاف الاجماع بل الضرورة والروايات الكثيرة المعمول بها، فهي أيضا مطروحة أو مؤولة. الامر السابع إن طهرت الحائض في آخر الوقت فإن أدركت جميع الصلوة بشرائطها الاختيارية فلا إشكال في وجوبها عليها. ومع تركها في وجوب القضاء بحسب القواعد والنصوص الخاصة، وعليه الفتوى. و كذا لو أدركت ركعة من وقت العصر والعشاء والصبح مع جميع الشرائط الاختيارية بلا وجدان خلاف كما في الجواهر، وعن المنتهى نفي الخلاف بين أهل العلم، وفي الخلاف والمدارك الاجماع عليه. ويدل عليه النبوي المشهور " من أدرك ركعة من الصلوة فقد أدرك الصلوة " (3) والعلوي " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " ورواية أصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة. (5) وضعف إسنادها منجبر بالعمل بها قديما وحديثا، فقد تمسك بها الشيخ في الخلاف وادعى إجماع الامة على ذلك، وقال في الصبي والمجنون والحائض والنفساء والكافر: إنه لا خلاف بين أهل العلم في أن واحدا من هؤلاء الذين ذكرناهم إذا أدرك قبل غروب الشمس بركعة انه يلزمه العصر، وكذلك إذا أدرك قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة انه يلزمه


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 48، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 48، ح 1. (3) الوسائل: ابواب المواقيت، ب 31، ح 4. (4) الوسائل: ابواب المواقيت، ب 31، ح 5. (5) الوسائل: ابواب المواقيت، ب 31، ح 2.

[ 165 ]

العشاء، وقبل طلوع الشمس بركعة يلزمه الصبح، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وكذلك روي عن أئمتنا. وفي المدارك بعد ذكر الروايات: وهذه الروايات وإن ضعف سندها إلا أن عمل الطائفة عليها، ولا معارض لها، فيتعين العمل بها. والانصاف أن فتوى الاصحاب على طبقها وتمسك أرباب الاستدلال بها في مثل تلك المسألة المخالفة للقواعد موجب لانجبار سندها، فلا إشكال من هذه الحيثية. وإنما الاشكال في دلالتها وحدود مفادها، فقد يستشكل في النبوي الذي هو أوسع دلالة باحتمال أن إدراك ركعة مع الامام بمنزلة إدراك جميع الصلوة، وفيه - مع أنه مخالف لظاهره، فإن الظاهر إدراك نفس الصلوة لا إدراك الجماعة أو فضيلتها وهو لا ينطبق إلا على إدراك الوقت - أن ورود سائر الروايات في الغداة والعصر بهذا المضمون يوجب الاطمئنان بأن النبوي وسائر ما يشابهه مضمونا وعبارة من واد واحد، فيرفع الاحتمال أو الاجمال منه على فرضه بغيره، مع أن فهم الاصحاب بل سائر العلماء قديما وحديثا يوجب الوثوق بمفاده، فلا إشكال من هذه الجهة أيضا. وقد يستشكل فيها بأن مفاد ها هو مضي الركعة خارجا لا جواز الدخول في الصلوة من أول الامر لمن علم إدراك ركعة من الوقت، فمعنى " من أدرك ركعة... " من دخل في الصلوة غافلا أو باعتقاد سعة الوقت ثم أدرك ركعة منها فقد أدرك الوقت. وهذا نظير إدراك أول الوقت إذا دخل في الصلوة قبل الوقت فوقع بعضها فيه. وفيه: أن المتفاهم من هذه العبارة هو توسعة الوقت للمدرك ركعة، فكأنه قال: إدراك ركعة من الوقت إدراك لجميع الوقت، وبعبارة اخرى: لا يفهم العرف خصوصية للدخول في الصلوة، بل ما يفهم منه أن لادراك بعض الوقت خصوصية، و قياس آخر الوقت بأوله في غير محله بعد كون لسان الدليلين مختلفين، والشاهد على هذا الفهم العرفي فهم علماء الفريقين، وليس شئ في الباب غير تلك الروايات، مع عدم بعد استفادة المعنى الاستقبالي منه، فقوله (من أدرك ركعة...) معناه من يدرك، فحينئذ لا قصور في دلالة اللفظ أيضا.

[ 166 ]

ثم إن المتفاهم منها أن المدرك لركعة من الصلوة التي هي تكليفها فعلا بشرائطها الاختيارية من الطهور وغيره بمنزلة مدرك الوقت، فلا تعم ما إذا أدركها بمصداقها الاضطراري، فإدراك ركعة مع الطهارة الترابية لمن كان تكليفها الطهارة المائية غير مشمول لها كإدراكها مع فقد سائر الشرائط. وبعبارة اخرى: إن الظاهر منها أن الصلوة المكتوبة على الشخص الذي تكون وظيفته الاتيان بها إذا أدرك ركعة منها في الوقت فقد أدرك الوقت. نعم لا إشكال في خروج الآداب والمستحبات، فمن أدركها بواجباتها وشرائطها فقد أدرك، وإن كان الوقت مضيقا عن إتيان المستحبات. هذا كله في إدراك العشاء والعصر والصبح مما لا مزاحم لها، وأما بالنسبة إلى صلوة المغرب والظهر فهو أيضا كذلك، كما هو المشهور نقلا وتحصيلا على ما في الجواهر، وادعى في الخلاف عدم الخلاف فيه، وعن طهارة المبسوط وعن بعض آخر الاستحباب، وعن بعض استحباب فعل الظهرين بإدراك خمس قبل الغروب، و العشاءين بإدراك أربع قبل الفجر، وعن الفقيه: إن بقي من النهار بمقدار ست ركعات بدأ بالظهر. ويدل على ما ذكرنا النبوي المتقدم وقد يقال: إن " من أدرك... " لا يقتضي مزاحمة الظهر مثلا للوقت الاختياري من العصر، وإن مقتضى أدلة الاختصاص عدم وقوع الظهر في الوقت الاختصاصي، بل الظاهر قصور دليل " من أدرك... " عن تجويز تأخير العصر اختيارا إلى إدراك ركعة منه، كما لا يستفاد منه جواز تأخير الصلوة في سعة الوقت إلى زمان إدراك الركعة. وفيه: أنه إن كان المانع من التمسك به هو أدلة الاختصاص فلا تكون مزاحمة له، فإن مفادها هو لزوم العصر إذا بقي من الوقت أربع ركعات، ففي صحيحة إسماعيل بن همام - على الاصح - عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال في الرجل يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر: إنه يبدأ بالعصر ثم يصلي الظهر. (1) وفي صحيحة الحلبي قال: سألته عن رجل نسي الاولى والعصر جمعيا ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس،


الوسائل: ابواب المواقيت، ب 4، ح 17.

[ 167 ]

فقال: إن كان في وقت لا يخاف فوت إحديهما فليصل الظهر ثم يصلي العصر، وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فتفوته، فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلي العصر في ما قد بقي في وقتها ثم ليصل الاولى بعد ذلك على أثرها. (1) إلى غير ذلك وظاهر الاولى هو أنه إذا دخل وقت العصر أي الوقت الاختصاصي يجب البدء به، وهو الظاهر من الثانية أيضا، وحينئذ تكون تلك الروايات مشعرة بأن الظهر لا يزاحم العصر في جميع وقتها لا في بعضه، وإلا كان الحق أن يقول: إذا بقي من الوقت سبع ركعات يصلي العصر، فهذه إن لم تكن مؤيده لانطباق حديث " من أدرك... " على الظهر لم تكن مخالفة له أيضا. وإن كان المانع هو الادلة العامة لجعل الاوقات فلا إشكال في حكومته عليها، وإن كان المانع هو عدم انطباقه على العصر الذي يمكن إدراكه بجميع وقته فلا يجوز تأخير العصر اختيارا إلى ضيق الوقت بمقدار إدراك ركعة، ففيه أن انطباقه على الظهر موجب لحصول الموضوع للعصر، ضرورة أن ترك العصر حينئذ ليس باختيار المكلف بل بحكم الشارع، وبعبارة اخرى: إنه لا إشكال على فرض اختصاص الوقت بالعصر في أنه إن بقي من الوقت خمس ركعات يكون الظهر مشمولا للنبوي، ومع شموله له يجب بحكمه إتيان الظهر المدرك لوقته التنزيلي، ومع لزوم إتيانه يبقى للعصر ركعة فيشمله النبوي، وليس هذا تأخير العصر اختيارا حتى يقال لا يجوز للتأخير إلى زمان إدراك الركعة، بل هو تأخير بحكم الشرع. هذا كله حال إدراك ركعة جامعه للشرائط، وأما لو لم تدرك ركعة بل أدركت أقل منها فمقتضى القواعد الاولية والثانوية فوتها، أما الاولية فواضح، وأما الثانوية فكذلك أيضا، لان الظاهر منها أن إدراك الركعة غاية ما يمكن الادراك معه، ولو كانت تدرك الصلوة بأقل منها لما جاز التحديد بالركعة، نعم هنا روايات سيأتي التكلم عليها.


(1) الوسائل: ابواب المواقيت، ب 4، ح 18.

[ 168 ]

ثم لو أمكن لها إدراك تمام الصلوة في الوقت لكن لا الاختياري منها بل الاضطراري كالصلوة مع التيمم أو بلا ستر أو مع نجاسة البدن أو غير ذلك، فهل القواعد مع قطع النظر عن النصوص الخاصة تقتضي لزوم الاتيان وعلى فرض الترك القضاء؟ قد يقال: إن الاصل في كل شرط انتفاء المشروط بانتفائه، مع الشك في شمول مادل على سقوطه عند الاضطرار لمثل المقام الذي هو ابتداء التكليف. لكن الانصاف أن ملاحظة الموارد الكثيرة التي رجح الشارع فيها جانب الوقت على سائر الشرائط كترجيحه على الطهارة المائية وعلى الستر وطهارة البدن، بل ترجيحه على الركوع والسجود الاختياريين إلى غير ذلك من الموارد توجب القطع بأن للوقت خصوصية ليست لسائر الشرائط، وأن المكلف إذا أمكنه إتيان الصلوة بأي نحو في الوقت يلزم عليه الاتيان. ويدل عليه قوله " إن الصلوة لا تترك بحال " فمع النظر إلى هذا وإلى تلك الموارد الكثيرة يشرف الفقيه بالقطع بأن المكلف إذا أمكنه إدراك الصلوة في الوقت ولو بفردها الاضطراري يجب عليه الاتيان، ومع الترك يجب القضاء للفوت، من غير فرق بين التكليف الابتدائي وغيره. هذا كله بحسب القواعد، وأما الروايات الخاصة فهي على طوائف: منها مادلت على أنها إن طهرت قبل غروب الشمس أو قبل الفجر صلت، كرواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر. (1) ومثلها موثقة ابن سنان ورواية الدجاجي ورواية عمر بن حنظلة، والظاهر أنها مستند المحقق في إيجابه الصلوة عليها مع تمكنها من الطهارة والشروع في الصلوة كما هو المحكي عن المعتبر، لكن الظاهر منها مع قطع النظر عن سائر الروايات هو حصول الطهر قبل خروج الوقت بمقدار يمكنها إدراك الصلوة أداء، فإنها ظاهرة في كون الصلوة أداء لاقضاء، فهي متعرضة لوجوب الصلوة عليها إذا طهرت قبل غروب الشمس وأدركت ما هو تكليفها الفعلي، وعن فرض الاخذ بإطلاقها والجمود عليها


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 49، ح 7.

[ 169 ]

يكون مفادها بالاطلاق أوسع مما ذكره المحقق، فلا يلزم في وجوبها عليها إدراك الطهور وبعض الصلوة في الوقت، ضرورة صدق الطهر قبل أن تطلع الفجر على الطهر قبله بهنيئة لا يمكنها فيها التطهر وإدراك بعض الصلوة، مع أنه لا يلزم به، و بعده لا وجه لما ذكره، بل الوجه هو إدراك الصلوة أداء على ما هو وظيفتها. نعم، لا فرق ظاهرا بين إدراكها مع الطهارة المائية أو الترابية أو مع إدراك سائر الشرائط الاختيارية وعدمه، فلا تنافي تلك الروايات القاعدة المؤسسة المتقدمة بل تعاضدها فتجب عليها الصلوة إذا أدركت ثماني ركعات مع الطهارة الترابية وفقد الشرائط الاختيارية، كما يجب عليها مع إدراك ركعة بشرائطها الاختيارية حسبما فصلناه آنفا. ومنها ما فصلت بين حصول الطهر قبل العصر وغيره كرواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا طهرت الحائض قبل العصر صلت الظهر والعصر، فإن طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر. والظاهر أن المراد بقبل العصر قبل الوقت المختص و بآخر الوقت هو المختص، وهي شارحة لمفاد الروايات المتقدمة أو مقيدة لها على فرض إطلاقها، لكن المستفاد منها أنها إن طهرت في آخر وقت العصر أي الوقت المختص به تجب عليها الصلوة. ومعلوم أن نوع النساء لا يمكنهن إدراك الطهارة المائية إذا طهرن آخر وقت العصر، فإيجاب الصلوة عليهن لا يكون إلا مع الطهارة الترابية، وحملها على آخر الوقت الاضافي أي أواخر الوقت بحيث يمكنهن الطهارة وإدراك الصلوة ولو ركعة في غاية البعد، خصوصا مع السبق بالجملة المتقدمة. وأما صحيحة إسماعيل بن همام عن أبي الحسن عليه السلام في الحائض إذا اغتسلت في وقت العصر تصلي العصر ثم تصلي الظهر (1) فقد حملها الشيخ على أنها طهرت وقت الظهر وأخرت الغسل حتى ضاق الوقت، ولا بأس به جمعا بينها وبين سائر الروايات، مع أن التعبير " اغتسلت في قت العصر " دون " طهرت " لا يخلو من إشعار بذلك.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 49، ح 14.

[ 170 ]

ومنها ما تعرضت للقضاء واستدلوا بها للزوم سعة الوقت في الاداء والقضاء بمقدار الطهارة المائية وعدم كفاية الترابية، كصحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: أيما امرأة رأت الطهرة وهي قادرة على أن تغتسل في وقت الصلوة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلوة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلوة التى فرطت فيها. وإن رأت الطهر في وقت صلوة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلوة ودخل وقت صلوة اخرى فليس عليها قضاء، وتصلي الصلوة التي دخل وقتها. (1) وموثقة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في المرأة تقوم في وقت الصلوة فلا تقضي طهرها حتى تفوتها الصلوة ويخرج الوقت، أتقضي الصلوة التي فاتتها؟ قال: إن كانت توانت قضتها، وإن كانت دائبة في غسلها فلا تقضي. (2) وموثقة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر، قال: تصلى العصر وحدها، فإن ضيعت فعليها صلوتان. (3) وادعى الاعلام استفادة اشتراط سعة الوقت للطهارة المائية منها، وفي الجواهر أنه مجمع عليه هنا بحسب الظاهر. كلمات الاصحاب وإن كانت مقصورة على ذكر الطهارة بلا قيد المائية لكن الظاهر أن مرادهم المائية، لان الترابية ليست عندهم طهارة بل مبيحة على المشهور نقلا وتحصيلا بل كاد أن يكون إجماعا كما في الجواهر، ولولا اشتهار الحكم بين الاصحاب على الظاهر لكان للخدشة فيه مجال، فإن الروايات كلها بصدد بيان حكم القضاء، وأن المرأة إذا طهرة ففرطت يجب عليها القضاء، وإن طهرة فقامت في تهيئة الغسل والعمل بالوظيفة فجاز الوقت ليس عليها القضاء. ولا يبعد أن يكون المتفاهم منها ولو بحسب القرائن الخارجية أن المرأة إذا طهرت فقامت لاتيان الغسل وتهيئة أسبابه فجاز الوقت فجأة مع غفلتها عن أن الاشتغال بشأنها يوجب فوت الوقت ليس عليها قضاء، وهذا لا يدل على عدم


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 49، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 49، ح 8. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 49، ح 5.

[ 171 ]

وجوب الاداء عليها مع الطهارة الترابية لو علمت بضيق الوقت. وبالجملة إن الروايات متعرضة لحكم آخر وهو حكم القضاء على فرض عدم تقصيرها وتفريطها وأما تكليفها في الوقت ماذا؟ وأنه مع ضيق الوقت عن الطهارة المائية ليس عليها الاداء أو عليها ذلك؟ فليست ناظرة إليها، فرفع اليد عن إطلاق مادلت على وجوب الصلوة عليها لو طهرت قبل الغروب أو اخر وقت العصر مشكل. هذا إذا كان المراد منها ما إذا اشتغلت المرأة بشأنها حتى جاز الوقت فجأة كما لا يبعد من سوق الروايات، وأما إذا كان لها إطلاق من حيث العمد وعدمه و أنها مع الالتفات إلى ضيق الوقت وعدم الفرصة لتحصيل الطهارة المائية اشتغلت بتهيئة الغسل حتى جاز الوقت، فالظاهر دلالتها على مقصودهم بملاحظة استفادة ذلك من الدلالة على عدم تفريطها والعمل بوظيفتها، وبملاحظة أن القضاء تابع للاداء، والحكم بعدم القضاء عليها يكشف عن عدم الاداء عليها. والانصاف أن الاطلاق وإن كان مشكلا أو ممنوعا في بعض الروايات لكن الظاهر إطلاق بعض منها، فالوجه ما عليه الاصحاب واشتهر بينهم وادعي الاجماع عليه، فلابد من تقييد المطلقات. وأما رواية منصور بن حازم المتقدمة ففيها ضعف بمحمد بن الربيع المجهول، بل المطلقات المتقدمة أيضا ضعيفة، أما رواية أبي الصباح فلاشتراك محمد بن الفضيل بين الثقة وغيره، ورواية عمر بن حنظلة بأبي جميلة مفضل بن صالح الضعيف. نعم، رواية عبد الله بن سنان لا يبعد أن تكون موثقة وإن كان في سندها الزبيري، لكن يمكن إنكار الاطلاق فيها بدعوى أنه بعد عدم إمكان الاخذ بهذا الظاهر أي مجرد الطهر قبل الفجر والغروب فلا محالة يكون المراد منها وقتا تدرك فيه الصلوة، ولم يعلم مقدار هذا الوقت، ولعل المقدار المقدر هو بمقدار الطهارة المائية، فليتأمل. ثم إن ههنا فروعا اخرى تنقيح بعضها مربوط بغير هذا المقام، وبعضها واضح مدركا وقولا تركناه مخافة التطويل، ونتعرض لبعضها في المقصد الثاني إن شاء الله تعالى، والحمد لله أولا وآخرا.

[ 172 ]

المقصد الثاني في الاستحاضة وقد اختلفت كلمات اللغويين فيها، ففي الصحاح: استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة. وقريب منه عن نهاية ابن الاثير. ويشعر ذلك بعدم الاستعمال المعلوم فيها مع استعمالها كرارا في مرسلة يونس الطويلة. وفي القاموس: والمستحاضة من يسيل دمها لا من الحيض بل من عرق العاذل. وقال أيضا: العاذل عرق يخرج منه دم الاستحاضة. وبه قال الجوهري أيضا. ونقل عن ابن عباس أنه قال حيث سئل عن دم الاستحاضة: ذاك العاذل. وعن المغرب: استحيضت - بضم التاء - استمر بها الدم. وفي المجمع: إذا سال الدم من غير عرق الحيض فهي مستحاضة. ولم يذكر في المنجد الاستحاضة ولا عرق العاذل. وعن الزمخشري: الاستحاضة تخرج من عرق يقال له العاذل. وعن الفائق: كان تسمية ذلك العرق بالعاذل لانه سبب لعذل المرأة أي ملامتها عند زوجها. والمظنون أن اللغة في المقام لا تخلو عن شوب بما عن الشرع، ولعل قول ابن عباس في بعض الروايات كبعض فقرات مرسلة يونس على بعض النسخ صار منشأ لذلك، وعدم ذكر المنجد ما ذكره غيره غير خال عن التأييد لما ذكرنا، وإلا فمن المستبعد جدا بل كاد أن يكون ممتنعا أن تكون الاستحاضة بتلك الحدود التي لها في الشرع أو أفتى بها الفقهاء منطبقة على ما ذكره الجماعة من خروجها من عرق العاذل وكون مجريها غير مجرى الحيض، فيكون الدم إلى آخر دقائق اليوم العاشر مثلا خارجا من عرق الحيض، وبعد ذلك ينسد ذلك العرق وينفتح عرق العاذل لدفع الاستحاضة.

[ 173 ]

والناظر في مثل المرسلة لا ينبغي أن يشك في أن التعبيرات التي فيها تعبدية خارجة عن فهم العرف واهل اللغة، كقوله " إنما هو عزف " بالزاي المعجمة والفاء على ما في أكثر النسخ كما قال المجلسي، أو قوله " عزف عامر " أو " ركضة من الشيطان " قال في الوافي بعد نقله عن نهاية ابن الاثير أن العزف بمعنى اللعب بالمعازف أي الدفوف وغيرها: أقول: كأن المراد أنه لعب الشيطان بها في عبادتها، كما يدل عليه قول الباقر عيله السلام " عزف عامر " فإن " عامر " اسم الشيطان (انتهى). نعم في بعض النسخ بدل " عزف " إنما هو عرق، وبدل قوله " عزف عامر " عرق غامد، وعن بعض روايات العامة " عرق عائد " وكيف كان فلا يمكن لنا استفادة موضوع الاستحاضة من اللغة بحيث يخرج عن الابهام. وما ذكره الجوهري مع إمكان أخذه من الروايات ومخالفته لمقتضى الاشتقاق لا يمكن الركون إليه والوثوق به. والاخبار الواردة في الاستحاضة وإن وردت غالبا في من استمر بها الدم بعد العادة إلا أنها ليست على وجه يستفاد منها انحصار الاستحاضة بالدم المستمر بعد العادة وإن كان بعضها لا يخلو من إشعار بذلك، وسيأتي دلالة بعضها على كونها أعم من ذلك. وليس للاستحاضة معنى عرفي لدى العرف العام يمكن تطبيقه على الحدود التي وردت لها في الشرع، بل لا يرى العرف الاستحاضة والحيض دمين، بل قد يرى دم الحيض قليلا محدودا وقد يراه كثيرا مستمرا، ويقال: صارت فلانة دائمة الحيض، كما هو ظاهر الاشتقاق على وجه. وفي مرسلة يونس أن حمنة بنت جحش قالت لرسول الله صلى الله عليه واله: إني استحضت حيضة شديدة، وفيها أيضا أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي صلى الله عليه واله فقالت: إني استحاض فلا أطهر، فقال النبي صلى الله عليه واله: ليس ذلك بحيض، إنما هو عزف. فأرادت بقوله " إنى استحاض فلا أطهر " صرت حائضا حيضا دائما، ولذا نفى حيضيته وقال إنه عزف، أي لعب الشيطان كما مر. نعم هنا كلام قد مر في أول بحث الحيض، ومجمله أن الحيض هو الدم الطبيعي المقذوف من أرحام النساء، ولما كانت الارحام السليمة عن الآفات والصحيحة عن

[ 174 ]

الامراض لا تقذف بحسب النوع أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة أيام وقذف الاقل والاكثر منهما بحسب الطبع نادر جدا وكذا الحال بالنسبة إلى ما قبل البلوغ وبعد اليأس حدد الشارع لدم الحيض حدودا، فجعل أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة وعلق أحكاما على الدم المقذوف من الثلاثة إلى العشرة، بحيث لو علمنا أن الاقل أو الاكثر هو الدم المعهود المقذوف وكذا لو قذفت قبل البلوغ وبعد اليأس و علمنا أنه هو المعهود المقذوف بحسب طبيعتها الشخصية لم نحكم بحيضيته ولم نرتب عليه أحكامها، لتحديد الشارع موضوع حكمه، فلا يكون الدم الطبيعي مطلقا موضوعا لحكمه، بل ألغى النادر عن الحساب وحكم عليه بغير حكم الحيض، فالاقل من الثلاثة ليس من الحيض كالاكثر من العشرة، وكالمرئي في حال الصغر واليأس وغير ذلك مما حدده الشارع. ثم إذا اختل الرحم وخرج عن السلامة والصحة و الاعتدال التي لنوع الارحام قذفت الاقل أو الاكثر، فاستمرار الدم لعارض، وعدم الرؤية على طبق عادات النوع أيضا لعارض وخلل، ولذا يحتاج كل ذلك إلى العلاج واسترجاع الصحة والسلامة. ولما كانت الارحام في غير أحوالها الطبيعية وفي حال اختلالها وخروجها عن الاعتدال لا تقذف نوعا الدم الصالح الطبيعي بل يكون غالبا فاسدا كدرا له فتور مما هي لازمة لضعف المزاج وخروجه عن الاعتدال جعل الشارع المقدس الصفات الغالبية أمارة على الاستحاضة أي الدم المقذوف حال خروج المزاج والرحم عن الاعتدال نوعا. فالصفات أمارات غالبية يرجع إليها لدى الشك، إلا إذا قام الدليل على خلافها. إذا عرفت ذلك فالكلام يقع في مقامات: المقام الاول: في الاوصاف التي جعلت بحسب الروايات أمارة، وهي كثيرة مستفادة منها إما لذكرها فيها أو لذكر مقابلها للحيض مع الدوران بينهما. ففي صحيحة معاوية بن عمار ذكر البرودة صفة للاستحاضة مقابل الحرارة للحيض، و في موثقة إسحاق بن جرير جعل الفساد والبرودة صفة الاستحاضة، والحرقة والحرارة

[ 175 ]

صفة الحيض، وفي صحيحة حفص بن البختري أن دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد. (1) ومنها يستفاد أن لدم الاستحاضة كدرة وفتورا أو فسادا وفتورا، فإن العبيط هو الطري الصالح، وفي مرسلة يونس جعل إقبال الدم علامة الحيض وإدباره علامة الاستحاضة، والادبار هو الضعف والفتور والقلة مقابل الكثرة والدفع والقوة، وفيها أيضا وصف دم الحيض بالبحراني، و قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما سماه أبي بحرانيا لكثرته ولونه. ومقابله القلة وضعف اللون، وهو الاصفر كما في غيرها، وفي صحيحة أبي المغرا في باب اجتماع الحيض و الحمل جعل القلة موضوعا لوجوب الغسل عند كل صلوتين، وفي موثقة إسحاق بن عمار جعل الصفرة موضوعا، وفي رواية محمد بن مسلم جعل القلة والصفرة موضوعا لوجوب الوضوء، كصحيحته الاخرى وروايتي على بن جعفر عن أخيه عليه السلام. وفي صحيحة علي بن يقطين ذكر الرقة صفة للاستحاضة. وعن دعائم الاسلام: روينا عنهم عليهم السلام أن دم الحيض كدر غليط منتن، ودم الاستحاضة دم رقيق. (2) و عن فقه الرضا أن دمها يكون رقيقا تعلوه صفرة. (3) وفي مرسلة يونس: تكون الصفرة والكدرة في أيام الحيض إذا عرفت حيضا كله. (4) ويعلم منها كون الكدرة من صفات الاستحاضة، إلى غير ذلك. لكن الفقهاء لم يذكروا غالبا في صفة الاستحاضة غير الصفرة والبرودة والرقة والفتور على اختلاف منهم في ذكر الاربعة والاقتصار على بعضها. وعن المقنعة أنه دم رقيق بارد صاف. فذكر الصفاء وترك الصفرة والفتور، ولا يبعد أن يكون بعض تلك الصفات ملازما لبعض، ويرجع اصولها إلى أربع أو أقل منها، وبه يجمع بين الكلمات بل الاخبار، لا بأن تكون خاصة مركبة كما مر في باب الحيض دفع القول


(1) قد مرت الروايات في أوائل المقصد الاول. (2) مستدرك الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 2. (3) مستدرك الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 3. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 4.

[ 176 ]

به، بل كل صفة من الاصول مستقلة في الا مارية، لكن بعضها لا ينفك من بعض الصفات، ولا يبعد أن تكون الصفرة غير منفكة عن الفتور والرقة غالبا، والكدرة عن الفساد والبرودة عن الفتور، وقد مر في باب الحيض ما يفيد في المقام، فراجع. ثم إنه لا إشكال في حصول التمييز بالاوصاف المنصوصة في الحيض والاستحاضة، وأما غيرها كالغلظة والنتن وغيرهما فالاقرب عدم الاعتداد بها، لعدم دليل معتبر عليها. نعم، ورد في الدعائم - كما تقدم - الكدر والغليظ والمنتن، وفي دم الاستحاضة الرقيق، لكن الاعتماد على مثل تلك المرسلة غير جائز. وما يقال من أن المستفاد من الادلة كقوله في المرسلة الطويلة " إذا أقبلت الحيضية فدعي الصلوة، وإذا أدبرت فاغسلي - الخ - " وقوله " دم الحيض أسود يعرف " وقوله " دم الحيض ليس به خفاء " أن العبرة بمطلق الامارات المختصة بالحيض غالبا الكاشفة عنه ظنا، من إيكاله إلى الوضوح مع أنه لا يتضح عند العرف إلا بالقوة و الضعف مطلقا لا خصوص ما نص عليه، هو ما ذكرنا. ففيه ما لا يخفى، فإن قوله " إذا أقبلت الحيصة... " يراد به الكثرة والدفع الواردان في الامارات، ولا يفهم منه اعتبار مطلق الظن الحاصل بكل وصف، وقوله " أسود يعرف " أو " ليس به خفاء " لاتسلم دلالتهما على ما ذكر بعد عدم إرادة حصول العلم من الاوصاف كما يدل عليه تأخير ذكرها عن العادة، بل لا يبعد أن يكون المراد منهما أن له أمارات شرعية ليس به لاجلها خفاء، ضرورة أن هذه الاوصاف ليست أمارة ولو ظنية عند العقلاء في من استمر بها الدم، فإن الدم المستمر عندهم ليس طبائع مختلفة كما مر مرارا. نعم، قد يكون بعض الامارات والقرائن في غير من استمر يها الدم موجبا لحصول العلم أو الاطمئنان، وقلما يتفق ذلك في مستمرة الدم التي هي موضوع البحث ههنا. فالتجاوز عن الاوصاف المنصوصة مما لا يمكن الالتزام به. المقام الثاني في بيان حدود دلالة الروايات الدالة على أمارية الصفات على الاستحاضة، وأنه هل يكون فيها ما يدل على كون الصفات أمارة مطلقا حتى بالنسبة

[ 177 ]

إلى ما قبل البلوغ وبعد اليأس، وبالنسبة إلى الاقل من الثلاثة؟ وبالجملة هل تدل على ثبوت الكلية المذكورة في كلام المحقق ومن بعده، وهي أن كل دم تراه المرأة ولم يكن حيضا ولا دم قرح ولا جرح فهو استحاضة، وكذا ما يزيد عن العادة ويتجاوز العشرة أو يزيد عن أيام النفاس وما تراه بعد اليأس أو قبل البلوغ أو مع الحمل بناء على عدم اجتماع الحمل والحيض، وبعبارة اخرى: كل دم ليس بحيض ولا قرح ولا جرح هو استحاضة مع الاتصاف بصفاتها؟ أو يمكن إثبات أن كل دم ليس بحيض و لا نفاس ولم يعلم كونه استحاضة أو قرحا أو جرحا فهو استحاضة مع الاتصاف بصفاتها؟ فلابد من ذكر ما يمكن أن يستدل به للمطلوب أو بعضه وحدود دلالته حتى يتضح الحال، فنقول وعلى الله الاتكال: منها صحيحة معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن دم الاستحاضة والحيض ليس يخرجان من مكان واحد، إن دم الاستحاضة بارد، وإن دم الحيض حار. (1) وهي لاتدل إلا على أن الفرق ب ينهما ذلك، وفي دوران الامر بينهما يمتاز أحدهما عن الآخر بما ذكر، وأما أن كل بارد استحاضة أو كل حار حيض فلا يستفاد منها. نعم، إذا كان الاحتمال ثلاثيا أو أكثر وكان الدم باردا يحكم بعدم الحيضية، وإن كان حارا يحكم بعدم كونه استحاضة، لظهورها في أن ما كان باردا ليس بحيض فإن صفته هي الحرارة، وما كان حارا ليس باستحاضة. وكذا إذا كان الدوران بين الاستحاضة والجرح مثلا وكان الدم حارا يحكم بعدم كونه استحاضة، ولا يبعد إثبات مقابلها بلازمه. ومنها صحيحة حفص بن البختري، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: إن دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع وحرارة، ودم الاستحاصة بارد - الخ -. (2) تقريب الاستدلال بها على جعل الامارة مطلقا سواء كان الاحتمال ثنائيا أو أكثر أنها سألت عمن استمر بها الدم مطلقا، فلا يختص سؤالها بذات العادة أو غيرها، فيشمل جميع


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 2.

[ 178 ]

النسوة، وأيضا فرضت استمرار الدم من غير سبقه بالحيض، فلا يكون مفروضها استمرار الدم بعد الحيض، وأيضا قالت " فلا تدري حيض هو أو غيره " ولم تقل: أو استحاضة، ومع ذلك أجاب الامام عليه السلام بما أجاب بلا اعتناء بسائر الاحتمالات، فكان احتمال كون الدم من قرح أو جرح أو مبدأ آخر غير ذلك غير معتنى به، فتكون الاوصاف الاولى أمارة أو أمارات على الحيضية، والاخرى على كونه استحاضة وإن شئت قلت: إن الحرارة مثلا أمارة الحيض مطلقا احتمل معه الاستحاضة أو القرح والجرح أو غيرها، وكذا البرودة أمارة الاستحاضة مطلقا، بل بمناسبة الارجاع إلى الصفات بعد كون الرجوع إليها متأخرا عن الرجوع إلى العادة يعلم أن المرأة التي كانت غير ذات العادة تكليفها الرجوع إلى صفة الحيض وصفة الاستحاضة، فيعلم منها أن الاستحاضة لا تنحصر بما يخرج بعد العادة كما زعم صاحب الصحاح و نقل عن النهاية، بل الدم المستمر ولو من غير ذات العادة مبتدئة كانت أو مضطربة إذا كان بصفة الاستحاضة استحاضة، فما في بعض كلمات أهل التحقيق من أن الاستحاضة لم تستعمل في الاخبار إلا في ما استمر الدم وتجاوز عن أيام الحيض كما قال الجوهري ليس على ما ينبغي، وستعرف استعمالها في غيره في بعض الروايات الاخر، مع أن في ما ذكر كفاية، هذا. ولكن يمكن أن يقال - مضافا إلى قصور الرواية عن إثبات عموم المدعي أي الكلية المتقدمة - إن معهودية دم النساء في الدمين أو الدماء الثلاثة وكون احتمال القرح والجرح مما لا ينقدح في الذهن غالبا لندرتهما توجب أن تكون الرواية سؤالا وجوابا منصرفة عن سائر الدماء غير الدمين، فكان السؤال عن الدم المعهود منهن الدائر أمره بين الحيض والاستحاضة، وقولها " أو غيره " ليس المراد منه إبداء احتمال غير الاستحاضة والحيض، فكأنها قالت: حيض أولا، ولهذا أجاب عليه السلام عن الحيض والاستحاضة فقط، فحينئذ لا يستفاد منها أمارية الصفات في غير مورد الدوران. نعم، يستفاد منها أن الاستحاضة لا تنحصر بالدم المستمر بعد أيام العادة، كما أنه مستفاد من مرسلة يونس، فإن تقسيم حالات المستحاضة إلى الاقسام الثلاثة وجعل

[ 179 ]

السنة الثالثة للمستحاضة التي لم تر الدم قط، ورأت أول ما أدركت، واستحاضت أول ما رأت، وغيرها من التعبيرات دليل على عدم الانحصار بما ذكره الجوهري وابن الاثير. نعم، لاتدل هي ولا الصحيحة على إطلاقها على غير استمرار الدم، ولا على الاستمرار مطلقا كالاستمرار قبل البلوغ وبعد اليأس ومنها صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، فقال: لا تصلي حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت. (1) والظاهر من رؤية الصفرة في غير أيامها حدوثها في غير أيامها سواء كان قبلها أو بعدها. وأما احتمال كون المراد استمرار الصفرة إلى ما بعد أيامها ففاسد، كما أن قوله " توضأت وصلت " ظاهر في أن الصفرة موجبة للوضوء، لا أن ذكر الوضوء إنما هو لكونه شرطا للصلوة، ضرورة أن ظاهر الشرطية دخل الشرط في ترتب الجزاء، مع أن اختصاص الوضوء بالذكر من بين سائر الشرائط يبقى بلا وجه. وكيف كان فلا إشكال في ظهورها في أن الصفرة مطلقا في غير أيام العادة موجبة للوضوء، وتكون حدثا بصرف وجودها استمرت أو لا، يخرج منها المستمرة إلى ثلاثة أيام مع عدم التجاوز عن العشرة للاجماعات المتقدمة ويبقى الباقي. ولعل ذكر الوضوء دون الغسل مع أن المتوسطة والكثيرة توجبانه لكون الصفرة غالبا غير منفكة عن القلة كما تشهد له بل تدل عليه صحيحة يونس في أبواب النفاس، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر مما كانت ترى، قال: فلتقعد أيام قرئها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيام، فإن رأت دما صبيبا فلتغتسل عند وقت كل صلوة، وإن رأت صفرة فتتوضأ ثم لتصل. (2) حيث جعل الصفرة في مقابل الصبيب أي المنحدر الكثير، مع أنه إطلاق قابل للتقييد. ثم إن دلالتها على أن الصفرة في غير أيامها أمارة الاستحاضة لا ينبغي أن


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 1. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 3.

[ 180 ]

تنكر، لان ما يوجب الوضوء من الدماء ليس إلا الاستحاضة، فيكشف الامر بالوضوء عن كونها استحاضة. واحتمال كون الامر بالوضوء للزوم عمل الاستحاضة عليها ولا يلزم أن تكون مستحاضة والدم استحاضة، بعيد عن فهم العرف والصواب. والانصاف أن العرف بعد ما يرى أن الصفرة جعلت علامة للاستحاضة في الجملة ويرى أن حكم الاستحاضة الوضوء دون سائر الدماء ثم يسمع هذا الحديث لا تنقدح في ذهنه هذه الوساوس، ويفهم من الرواية أن الصفرة أمارة الاستحاضة. نعم، لو ثبت كون الاستحاضة لغة وعرفا هي ما قال الجوهري لم يكن بد عن الالتزام بلزوم ترتيب أحكامها من غير أن يكون الدم استحاضة والمرأة مستحاضة، بل مع احتمال ذلك أيضا يشكل الحكم بهما، لكن معهودية انحصار دم النساء بالثلاثة توجب الكشف المشار إليه آنفا. ومنها رواية قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن المرأة ترى الصفرة أيام طمثها كيف تصنع؟ قال: تترك لذلك الصلوة بعدد أيامها التي كانت تقعد في طمثها ثم تغتسل وتصلي، فإن رأت صفرة بعد غسلها فلا غسل عليها يجزيها الوضوء عند كل صلوة وتصلي. (1) ودلالتها واضحة، لان الوضوء عند كل صلوة حكم الاستحاضة. ومنها روايته الاخرى عنه عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن المرأة ترى الدم في غير أيام طمثها، فتراها اليوم واليومين، والساعة والساعتين، ويذهب مثل ذلك. كيف تصنع؟ قال: تترك الصلوة إذا كانت تلك حالها ما دام الدم، وتغتسل كلما انقطع عنها. قلت: كيف تصنع؟ قال: ما دامت ترى الصفرة فتتوضأ من الصفرة و تصلي، ولا غسل عليها من صفرة تريها إلا في أيام طمثها - الخ - (2) والظاهر سقوط شئ أو تقديم وتأخير في الرواية، ولعل الصحيح: قلت: كيف تصنع إذا رأت صفرة؟ قال - الخ - أو: قلت: كيف تصنع ما دامت ترى الصفرة؟ قال: فلتتوضأ من


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 7. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 4، ح 8.

[ 181 ]

الصفرة. وكيف كان فهي ناصة في أن الوضوء من الصفرة وأنها حدث، ويدفع به الاحتمال عن صحيحة محمد بن مسلم على فرضه، وتقريب الدلالة كما تقدم، ولابد من توجيه صدرها، ولعله حكم ظاهري عند رؤية الدم والطهر. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام وفيها: وإن لم تر شيئا (أي بعد الاستبراء) فلتغتسل، وإن رأت بعد ذلك صفرة فلتوضأ ولتصل. (1) ومنها روايات في باب اجتماع الحيض والحمل، كصحيحة أبي المغرا، وفيها إن كان دما كثيرا فلا تصلين، وإن كان قليلا فلتغتسل عند كل صلوتين. (2) وكموثقة إسحاق بن عمار عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين، قال: إن كان دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلوتين. (3) بعد توجيه صدرها، وكرواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: إن كان دما أحمر كثيرا فلا تصلي، وإن كان قليلا أصفر فليس عليها إلا الوضوء. (4) وغاية ما يستفاد من مجموع الروايات أمارية الصفات للاستحاضة في ما دار الامر بينها وبين الحيض ولو في غير مستمرة الدم، أو في أعم منه ومما احتمل فيه شئ آخر من قرح أو جرح بشرط عدم تحقق مبدئهما، على تأمل فيه كما مر. وأما استفاده حكم دم الصغيرة و اليائسة فلا، لعدم عموم أو إطلاق يرجع إليهما، ولعدم إمكان تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية عرفا. ومنه يظهر الكلام في " المقام الثالث " أي ان كل ما يمتنع أن يكون حيضا فهو استحاضة ولو لم يتصف بصفاتها، حيث إن الروايات التي استدل بها أو يمكن أن يستدل بها لذلك مثل مادلت على أنها مستحاضة بعد الاستظهار، ومثل صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 17، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 5. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 6. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 15.

[ 182 ]

الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك أتمسك عن الصلوة؟ قال: لا، هذه مستحاضة تغتسل وتستدخل قطنة - الخ - (1) وكصحيحة الصحاف الواردة في الحامل (2)، لا يمكن استفادة تلك الكلية منها. نعم قد يقال: إن المستفاد من موارد الدماء الممتنعة كونها حيضا التي تعرض لها الشارع ابتداء وفي جواب السؤال وحكم بكونها استحاضة حقيقية أو حكمية أو كون صاحبها مستحاضة مع احتمال وجود دم آخر في الجوف غير الحيض والاستحاضة عدم الاعتناء بهذا الاحتمال في كل ما امتنع كونه حيضا وإن لم يتعرض له في الاخبار، فيحصل حدس قطعي للفقيه بأنه لو تعرض الامام عليه السلام للدم الخارج عن اليائسة الفاقدة لصفات الاستحاضة لحكم بكونها استحاضة. مع إمكان أن يقال: إنه إذا حكم على الصفرة مطلقا بكونها حدثا - كما تقدم استفادة ذلك من بعض الاخبار - فيكون الحمرة الممتنعة كونها حيضا كذلك بطريق أولى، فتأمل (انتهى). وفيه مع ممنوعية الحدس القطعي وكون العهدة على مدعيه - أنه على فرض تسليمه غير مفيد، بل القطع بكون ما تقذفه بعد اليأس أو قبل البلوغ هو الدم الطبيعي الذي تقذقه الرحم في أيام إمكان الحيض، بل القطع بكونه استحاضة غير مفيد ما لم يدل دليل على أن كل استحاضة أو مستحاضة محكومة بتلك الاحكام، وإلا فقد أوضحنا سابقا أن الدم المقذوف من الرحم يعده العرف مع قطع النظر عن حكم الشارع حيضا، كان مستمرا بعد العادة أو لا، كان أقل من ثلاثة أيام أو لا، أكثر من عشرة أيام أو لا، بعد اليأس أو قبله. لكن الشارع جعل لقسم منه أحكاما ولقسم آخر أحكاما اخرى وسمى الثاني استحاضة، فما جعله الشارع موضوعا لحكمه الاول ليس مهية مبائنة لما جعله موضوعا لحكمه الثاني، فحينئذ بعد العلم بكون الدم حيضا أو استحاضة لابد من التماس الدليل على موضوعيته للحكم، فالدم


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 3.

[ 183 ]

المقذوف قبل البلوغ أو بعد اليأس ليسا حيضا حكما بلا إشكال وكلام وإن ثبت كونهما حيضا موضوعا، أي ثبت كونهما الدم المعهود المقذوف بحسب العادة الطبيعية، فلابد في ثبوت حكم الاستحاضة لهما من قيام دليل على أن كل دم لم يكن حيضا ولو حكما فهو استحاضة حكما، أو إثبات الحكم لكل مستحاضة. والاخبار الواردة في أبواب الحيض والاستحاضة ليس فيها ما يدل على ذلك غير موثقة سماعة، قال: قال: المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلوتين. (1) ثم ذكر فيها أقسام الاستحاضة وأحكامها، لكن استفادة الاطلاق منها مشكلة حيث إنها في مقام بيان أقسام الاستحاضة والمستحاضة، فكأنه قال: المستحاضة على أنواع: منها كذا، ومنها كذا... فاستفادة ثبوت الاحكام لكل مستحاضة حتى في حال الصغر ممنوعة لعدم كون الاحكام للصغيرة، وكذلك بعد الكبر. وغير رواية العيون عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون: والمستحاضة تغتسل وتحتشي وتصلي، والحائض تترك الصلوة ولا تقضي، وتترك الصوم وتقضي. (2) وهي أيضا في مقام بيان حكم آخر، فإن جعل المستحاضة في مقابل الحائض وأنها كذا وهي كذا يمنع عن الاطلاق، وأما سائر الاخبار فكلها على الظاهر واردة في التي تحيض كأخبار الاستحاضة وأخبار النفاس وأخبار الاستظهار. لكن يمكن أن يقال: إن الشك في ثبوت أحكام المستحاضة لما بعد اليأس وقبل البلوغ إما لاجل احتمال كون الدم بعد اليأس وقبل البلوغ مهية غير مهية دم الحيض والاستحاضة ويكون مجراه غير مجريهما ولا تكون حقيقته هي الدم الطبيعي المقذوف من الارحام كسائر الدماء المقذوفة منها، فهو مقطوع الفساد ومخالف للوجدان في بعض مصاديقها، كما لو استمر دم المرأة من ما قبل يأسها إلى ما بعده، فهل يحتمل كونه إلى آن ما قبل اليأس من مجرى مستقل، مقذوفا من الرحم معهودا من النساء، فلما انقضى ذلك الآن تغير المجرى وخرج من مجرى آخر غير السابق


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 41، ح 9.

[ 184 ]

ولايكون الدم المقذوف المعهود؟! وكذا الحال في ما قبل البلوغ، فإذا فرض رؤية الدم على النهج المألوف في سنة قبل بلوغها واستمر في شهر قبل البلوغ حتى بلغت، فهل يجوز احتمال اختلاف طبيعته ومجراه ساعة ما قبل البلوغ و ما بعده؟! والانصاف أن الشك من جهة الموضوع في مثل ما ذكر في غاية الوهن، ويعد من الوسوسة ومخالفا للعرف واللغة. وبعد رفع الشك من هذه الجهة يبقى الشك من جهة اخرى، وهي احتمال أن يكون الدم المحكوم بكونه استحاضة شرعا هو ما ترى في زمان البلوغ إلى حد اليأس. وهذا الشك مدفوع أما بالنسبة إلى اليائسة فبإطلاق الادلة في بعض الموارد كما إذا رأت دما عشرة أيام مثلا وطهرا ثلاثة أيام وتكون هذه الايام قبل اليأس ثم رأت دما بعده، فهذا مشمول إطلاق صحيحة صفوان بن يحيى المتقدمة، وكون ما ذكر فردا نادرا لا يوجب الانصراف وعدم الاطلاق، فهل ترى عدم إطلاقها بالنسبة إلى ما قبل الياس بشهر مثلا؟ مع عدم الفرق بينه و بين ما ذكرنا في ذلك. وكذا يشمل بعض الفروض إطلاق مرسلة يونس الطويلة، كما إذا استمر دم ذات العادة إلى ما بعد اليأس، ويكون آخر عادتها متصلا بيأسها، فتكون مشمولة لقوله " فلتدع الصلوة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة " وكذا يشمل بعض فقراتها بعض الفروض الاخرى، فحينئذ تثبت لليائسة أحكام الاستحاضة في بعض الفروض بالادلة وفي بعضها بالاستصحاب أيضا، ويتم في ما عداها بالقطع بعدم الفرق، وبعدم القول بالفصل قطعا، بل لا يبعد إطلاق مثل موثقة سماعة ورواية العيون. والمناقشة المتقدمة لعلها في غير محلها بعد فرض تحقق الموضوع عرفا و لغة، بل يمكن أن يقال: إن الاحكام المترتبة على المستحاضة مترتبة ظاهر ا على نفس الطبيعة وإن كان مورد كثير منها ذات العادة أو من تحيض، لكن لا يفهم منها الخصوصية، بل كثير منها يشمل بعض الفروض المتقدمة، هذا كله حال اليائسة. وأما الصغيرة فبعد فرض تحقق الموضوع أي كون الدم المستمر منها

[ 185 ]

استحاضة يمكن استفادة حكمها من بعض الادلة في الجملة، فإن الظاهر من مثل قوله " وإذا رأت الصفرة في غير أيامها توضأت " وقوله " ما دامت ترى الصفرة فلتتوضأ من الصفرة " أن لها سببية للوضوء، وأن دم الاستحاضة حدث يوجب الوضوء وضعا، فيكون المقام نظير ما ورد في سببية النوم والبول للوضوء مما يعلم منه كونهما سببين من غير فرق بين صدورهما من الصغير والكبير والمجنون وغيرهم، فقوله " فلتتوضأ من الصفرة " ظاهر في سببية طبيعتها للوضوء، ويكون إيجاب الوضوء إرشادا إلى السببية، فيفهم العرف أن نفس الطبيعة سبب وضعا للوضوء وإن كان التكليف لا يتعلق بالصغيرة في حال صغرها. والانصاف أن الحكم ثابت بعد تحقق الموضوع، نعم مع الشك في تحققه كما لو رأت الصغيرة الدم في أوائل سني ولادتها لا يمكن إثبات الحكم. والظاهر أن مثلها خارج عن نظر الفقهاء رضوان الله عليهم. (فرع) كان مقتضى الترتيب ذكر جواز اجتماع الحمل والحيض في باب الحيض، لكن لما كان بحثنا على ترتيب الشرائع وقع في بعض المباحث خلاف ترتيب، و الامر سهل. وقد اختلفت كلمات الاصحاب اختلافا كثيرا في هذا الفرع، فقيل باجتماعهما مطلقا كما عن المبسوط في العدد، والفقيه والمقنع والناصريات، وعن كثير من كتب العلامة وعن الشهيد والمحقق الثاني وغيرهم. وعن المدارك أنه مذهب الاكثر، وعن جامع المقاصد أنه مذهب المشهور، بل عن الناصريات الاجماع عليه، وفي الجواهر أنه المشهور نقلا وتحصيلا. وقيل بعدمه مطلقا كما عن الكاتب والمفيد والحلى والعجلي، وهو مختار الشرائع، وعن النافع أنه أشهر الروايات، وعن شرح المفاتيح، وادعى تواتر الاخبار في ذلك، ولعل المراد بأشهر الروايات أو الروايات المتواترة الروايات الواردة في الابواب المتفرقة، كما وردت في استبراء الجواري والسبايا وما وردت في جواز طلاق الحامل على كل حال وغيرها مما سيأتي الكلام فيها. وقيل بالتفصيل

[ 186 ]

بين استبانة الحمل وعدمها، فلا تحيض في الاول كما عن النهاية والتهذيب و الاستبصار، وعن المحقق في المعتبر الميل إليه، وعن المدارك تقويته. وقيل إنه إن رأت في أيام عادتها واستمرت ثلاثة أيام فهو حيض. وقيل بحيضية ما ترى في العادة وما تقدمها وما ترى جامعا للصفات، وبعدم الحيضية في غيرهما إلى غير ذلك. فالمسألة ليست من المسائل التي يمكن فيها التمسك بالشهرة والاجماع، فلابد من النظر في أدلة القوم. فتدل على الاول أي الاجتماع مطلقا - بعد الاصل في بعض الفروع والعمومات الدالة على أن ما رأت في أيام العادة حيض وأدلة الصفات - الاخبار المستفيضة المعتبرة الاسناد والواضحة الدلالة، مثل صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلوة؟ فقال: نعم، إن الحبلى ربما قذفت بالدم. (1) وصحيحة صفوان، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام، تصلي؟ قال: تمسك عن الصلوة. (2) وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الحبلى ترى الدم كما كانت ترى أيام حيضها مستقيما في كل شهر، قال: تمسك عن الصلوة كما كانت تصنع في حيضها، فإذا طهرت صلت. (3) وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الحبلى، ترى الدم؟ قال: نعم، إنه ربما قذفت المرأة الدم وهي حبلى. (4) وصحيحة سليمان بن خالد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الحبلى ربما طمثت؟ قال: نعم، وذلك أن الولد في بطن امه غذاؤه الدم، فربما كثر ففضل عنه، فإذا فضل دفقته، فإذا دفقته حرمت عليها الصلوة. (5) إلى غير ذلك.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 4. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 7. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 10. (5) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 1 4.

[ 187 ]

مما لا شبهة في دلالتها. وتدل على الاچتماع في الجملة جملة كثيرة من الروايات الاخر كصحيحة ابن الحجاج (1) والحسين بن نعيم الصحاف (2) وأبي المغرا حميد بن المثنى (3) وموثقة إسحاق بن عمار (4) مما صرحت بالجمع مع قيود سيأتي الكلام فيها. واستدل على النفي مطلقا بطوائف من الروايات: منها ما في هذا الباب، عمدتها قوية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل. يعني إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصلوة، إلا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلوة. (5) وليعلم أن التفسير لابي عبد الله عليه السالم أو للسكوني، ومع الاحتمال وعدم الدليل على كونه للامام عليه السلام لا يمكن التمسك بالتفسير. ومع قطع النظر عنه يمكن الخدشة في ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله أما أولا فلان هذا التعبير مما يستشم منه الطفرة عن بيان الحكم، فإن لمثل هذا التعبير مقاما خاصا ولا يناسب عدم اجتماع الحمل والحيض فإن قوله " ما كان الله ليغفل كذا.. " يناسب موردا يكون صدور الفعل خلاف شأن الفاعل أو المفعول به، كقوله تعالى " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ليعذبهم وهم يستغفرون " وقوله " وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن يجتبي من رسله من يشاء " إلى غير ذلك مما هو على هذا الاسلوب، ومعلوم أن اجتماع الحيض والحمل ليس كذلك لا تكوينا ولا تشريعا، والظاهر أن الرواية بصدد بيان التشريع، وإلا فلا شبهة بحسب التكوين في اجتماع الدم المعهود قذفه من طبيعة الارحام في بعض الاوقات مع الحمل كما أشار إليه بعض الروايات المتقدمة، فحينئذ أي محذور في جعل الحكم على الدم المقذوف


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 3. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 5. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 6. (5) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 12.

[ 188 ]

في حال الحمل حتى يستحق هذا التعبير؟ تأمل. وأما ثانيا فلامكان أن يقال: إن المراد من قوله هذا هو نفي التلازم بين حيض وحمل فقوله " ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل " أي ما كان الله ليجعل المعية والملازمة بينهما بل قد يفترقاق وقد يجتمعان، وهذا التوجيه وإن كان مخالفا لفهم العرف بدء لكن في مقام الجمع بينها وبين ما صرح بالقذف في بعض الاحيان لا يكون بذلك البعد. وإن أبيت عنه فلا محيص عن رد علمها إلى أهله بعد عدم مقاومتها سندا ودلالة لما تقدم وبعد كونها موافقة لاشهر فتاوى العامة وكون الراوي عاميا، وسيأتي بعض الكلام في الرواية في باب النفاس. واما صحيحة حميد بن المثنى قال: سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن الحبلى ترى الدفقة والدفقتين من الدم في الايام وفي الشهر والشهرين، فقال: تلك الهراقة، لبس تمسك هذه عن الصلوة. (1) فلا ربط لها بالمقام، فإن عدم الامساك عنها لاجل عدم حصول شرط الحيض، فغير الحبلى أيضا كذلك، لكن السائل لما سأل عن الحبلى أجاب عنها، ولو سأله عن غيرها أيضا كان الحكم عدم الامساك وكذا رواية مقرن الفتياني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل سلمان عليا عليه السلام عن رزق الولد في بطن امه، فقال: إن الله تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن امه. (2) فإنها لاتدل على عدم الاجتماع، بل هو إخبار عن الواقع، ويكفي في صحته احتباسها نوعا أو احتباس مقدار منها كما في بعض ما تقدم. وأما التمسك بروايات صحة طلاق الحبلى مع الاجماع على عدم صحة طلاق الحائض ففيه أن الاجماع في الحامل ممنوع، فلا تدل تلك الروايات على عدم الاجتماع، كما أن في تلك الروايات صحة طلاق الغائب وغير المدخول بها، فتكون تلك الروايات مخصصة لادلة اعتبار الطهر في الطلاق، بل حاكمة عليها. واما روايات الاستبراء بحيضة فهي أيضا غير دالة على عدم الاجتماع مطلقا،


الوسائل: ابواب الحيض ب 3، ح 8. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 13.

[ 189 ]

فإن الاجتماع إنما يكون في بعض الاحيان كما أشار إليه بعض الروايات المتقدمة بقوله " ربما قذفت بالدم " أو " فربما فضل عنه - أي عن غذاء الطفل - فدفقته " إلى غير ذلك، فحينئذ يكون الاستبراء بحيضة أمارة على عدم الحيض لندرة الاجتماع، بل جعل العدة لاجل استبراء الارحام ثلاث حيض أو حيضتين دليل على جواز الاجتماع. نعم هناك روايات اخر ربما تشعر بعدم الاجتماع، منها رواية محمد بن حكيم المنقولة في أبواب العدد عن العبد الصالح عليه السلام قال: قلت له: المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع طمثها، ما عدتها؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فإنها تزوجت بعد ثلاثة أشهر، فتبين بها بعد ما دخلت على زوجها أنها حامل! قال: هيهات من ذلك يا ابن حكيم! رفع الطمث ضربان: إما فساد من حيضة فقد حل لها الازواج وليس بحامل، وإما حامل فهو يستبين في ثلاثة أشهر. (1) ومنها روايته الاخرى عن أبي عبد الله أو أبي الحسن عليهما السلام قال: قلت له: رجل طلق امرأته، فلما مضت ثلاثة أشهر ادعت حبلا - إلى أن قال - هيهات! هيهات! إنما يرتفع الطمث من ضربين: إما حبل بين، وإما فساد من الطمث. (2) وفي رواية رفاعة المنقولة في أبواب نكاح العبيد والاماء قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام - إلى أن قال - فقال: إن الطمث تحبسه الريح من غير حبل. (3) وفي رواية عبد الله بن محمد قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: اشتريت جارية - إلى أن قال - ثم أقبل علي فقال: إن الرجل يأتي جاريته فتعلق منه، ثم ترى الدم وهي حبلى، فترى أن ذلك طمث، فما احب للرجل المسلم أن يأتي الجارية حبلى. (4) إلى غير ذلك وهذه الروايات وإن كانت تشعر أو يدل بعضها على عدم الاجتماع، لكن الجمع بينها وبين الروايات المتقدمة الصريحة في اجتماعهما يقتضي حمل هذه على رفع


(1) الوسائل: ابواب العدد، ب 25، ح 4. (2) الوسائل: ابواب العدد، ب 25، ح 5. (3) الوسائل: ابواب نكاح العبيد والاماء، ب 3، ح 1. (4) الوسائل: ابواب نكاح العبيد والاماء، ب 4، ح 1.

[ 190 ]

الحيض بالحمل نوعا، وأن وقوعه في أيام الحيض نادر، فيصح أن يقال يرتفع طمثها وان ارتفاعه قد يكون بالحمل، إلى غير ذلك من التعبيرات، فلا ينافي ذلك قذف الرحم في بعض الاحيان كما في الروايات المتقدمة من أنه ربما قذفت، أو ربما كثر ففضل عنه، فإذا فضل دفقته. وهذا جمع عقلائي بين الطائفتين، ولا إشكال فيه. ثم إنه بعد ما قلنا بالجمع في الجملة فالارجح في الجمع بين روايات الباب مع قطع النظر عن صحيحة الصحاف هو الحكم بالتحيض إذا رأت في أيام العادة، دما كان أو صفرة أو كدرة، والتحيض بالصفات في غيرها، والحكم بالاستحاضة مع الاتصاف بصفاتها، وذلك لان الروايات على طوائف: منها مادلت على وجوب ترك الحبلى الصلوة إذا رأت الدم كصحيحة عبد الله بن سنان وصحيحة صفوان ومرسلة حريز وصحيحتي أبي بصير وسليمان بن خالد ورواية زريق بن الزبير. وغالب هذه الروايات ليس في مقام بيان أن الدم في زمان الحبل حيض، بل لها إهمال من هذه الجهة، وإنما هي بصدد بيان أن الحبل يجتمع مع الحيض، ولما كان القول بامتناع الاجتماع معروفا وموافقا لفتوى أكثر فقهاء العامة وأشهر مذاهبهم على ما حكي كانت الاسئلة والاجوبة في مقام التعرف لهم والرد عليهم وبيان نكتة قذف الحبلى الدم كقوله " ربما كثر ففضل عنه - أي عن غذاء الولد فدفقته " وكقوله في صحيحة أبي بصير قال: سألته عن الحبلى ترى الدم؟ قال: نعم، إنه ربما قذفت المرأة الدم وهي حبلى. فلا يمكن مع ذلك استفادة الاطلاق من غيرها أيضا كصحيحة صفوان مما يوهم الاطلاق، ولو فرض إطلاق فيها أو في بعض آخر، فلا إشكال في عدم الاطلاق في غالبها، والاطلاق في البعض على فرض التسليم ضعيف يرفع اليد عنه بما دلت على الرجوع إلى الصفات، فيقيد إطلاقها بما دل على أنه إن كان دما كثيرا فلا تصلي، وإن كان قليلا فلتغتسل عند كل صلوتين، وقوله " إن كان دما أحمر كثيرا فلا تصلي، وإن كان قليلا أصفر فليس عليها إلا الوضوء " وهذه هي الطائفة الثانية المقيدة للاولى على فرض إطلاقها.

[ 191 ]

والطائفة الثالثة ما تعرضت لايام العادة كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الحبلى ترى الدم وهي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر، هل تترك الصلوة؟ قال: تترك الصلوة إذا دام. (1) والظاهر منها هو السؤال عن ذات العادة، وإن كان لاحتمال الاعم أيضا وجه، وقوله " تترك الصلوة إذا دام " ليس المراد منه إلا الدوام إلى زمان حضور الصلوة في مقابل الدفقة والدفقين لا الدوام إلى ثلاثة أيام كما قد يتوهم. وكصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الحبلى ترى الدم كما كانت ترى أيام حيضها مستقيما في كل شهر، قال: تمسك عن الصلوة كما كانت تصنع في حيضها، فإذا طهرت صلت. (2) وهي تدل على أن الحبلى إذا رأت الدم في أيام حيضها فسبيلها سبيل غيرها، وغاية ترك الصلوة هي الطهر. وموثقة سماعة قال: سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل، قال: تقعد أيامها التي كانت تحيض، فإذا زاد الدم على الايام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة أيام ثم هي مستحاضة. (3) ورواية الصحاف الآتية، وفيها: وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة، فلتمسك عن الصلوة. والظاهر منها عدم التفصيل في التحيض في العادة بين كون الدم موصوفا بصفات الحيض أو غيرها. وإطلاق أدلة الصفات وإن اقتضى التفصيل لكن قوة ظهور صحيحة محمد بن مسلم في عدم الافتراق بين الحامل وغيرها في ما إذا رأت في أيام الحيض المؤيدة بما دلت على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وما دلت على تقديم العادة على الاوصاف، وقوة الظن الحاصل من العادات توجب تقديم تلك الاخبار على أخبار الاوصاف، وحمل أخبارها على غير ذات العادة والرؤية في غير العادة.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 7. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 11. (4) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 3.

[ 192 ]

فتحصل من جميع ما ذكر بعد رد المطلقات إلى المقيدات وتقديم ما حقه التقديم أن الحبلى إذا رأت في أيام عادتها تتحيض مطلقا، وإذا رأت في غيرها إما لاجل عدم كونها ذات العادة أو لاجل رؤيتها في غيرها يجب عليها التحيض مع اتصاف الدم بصفة الحيض من الحمرة أو الكثرة التي تلازم الدفع أو غيرها من الاوصاف، و إذا رأت بصفة الاستحاضة تجعله استحاضة وتعمل عملها. بقى الكلام في صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن ام ولدي ترى الدم وهي حامل، كيف تصنع بالصلوة؟ قال: فقال لي: إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث، فلتتوضأ وتحتشي بالكرسف وتصلي، وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة، فلتمسك عن الصلوة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها - الحديث - (1). وهي تدل على ثبوت التحيص برؤية الدم في أيام العادة وقبلها بقليل، وعلى عدم حيضية ما رأت بعد عشرين يوما، وعن الشيخ في النهاية والتهذيب الفتوى بمضمونها، وعن المحقق في المعتبر الميل إليه، وفي المدارك أنه يتعين العمل بها، و هو لا يخلو من قوة لصحة سندها ووضوح دلالتها وحكومتها على أدلة الصفات الواردة في الحبلى، فإن مدلول أدلة الصفات أن الحبلى إذا رأت دما كثيرا أو دما أحمر كثيرا أو دما عبيطا فلا تصلي، فهي تدل على ثبوت الحكم، والصحيحة تدل على نفي الموضوع بقوله " فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث " وهذا لسان الحكومة، ويقدم عرفا على ما كان لسانه ثبوت الحكم. نعم بين الصحيحة وأدلة الاوصاف من غير الباب كصحيحة معاوية بن عمار و حفص بن البختري وما يحذو حذوهما معارضة العموم من وجه، لكن قوة ظهور الصحيحة في مضمونها وبعد حملها على الدم الفاقد للصفات - مع أن الفاقد غير


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 3.

[ 193 ]

محكوم بالحيضية كان قبل عشرين أو بعدها، ولا وجه لاختصاص هذا المصداق القليل الوجود بالذكر - يوجب تقديمها على أدلة الاوصاف. وأنت إذا راجعت وجدانك ونظرت إلى الصحيحة وروايات الاوصاف وعرضتهما على الفهم العرفي الخالي عن الدقائق العقلية ترى أن ذهن العرف لا يتوجه إلى كون نسبة الصحيحة مع مقابلاتها عموما من وجه، ولا ينقدح في ذهنك التعارض، بل ترى أن الصحيحة مقيدة عرفا لادلة الصفات، وهذا هو الميزان لتقديم دليل على غيره، كان بينهما عموم من وجه أو لا، ولهذا يقدم الحاكم على المحكوم ولا يلاحظ النسبة لحكومة العرف بذلك، فميزان تشخيص التعارض والتقديم والجمع هو فهم العرف العام لا الدقة العقلية. واما رد الصحيحة بدعوى إعراض معظم الاصحاب عنها وعدم إمكان التأويل في الروايات الكثيرة مع قبولها للتوجيه القريب فلا يبعد أن يكون في غير محله، فإن الاعراض غير ثابت، لان المحتمل قريبا بل الظاهر من بعض الكلمات أن الاصحاب إنما كانوا بصدد بيان اجتماع الحمل والحيض في الجملة في مقابل أكثر العامة القائلين بعدم الاجتماع مطلقا من غير تعرض لهذه المسألة التي هي من فروع الاجتماع، و المتأخرون لم يردوها لشذوذها وعدم العمل بها بل جمعوا بينها وبين غيرها ورجحوا غيرها وبعضهم عملوا بها، نعم بعض المتأخرين رماها بالوحدة وعدم اشتهار القول بها بل وإعراض الاصحاب عنها، وهو غير ظاهر من المتقدمين الذين إعراضهم مناط الوهن. وأما عدم إمكان التأويل في الروايات الكثيرة فقد مر عدم إطلاق أكثر الروايات، وما هو مطلق قليل ضعيف الاطلاق، وما هو متعرض للصفات وإن كان مطلقا لكن رواية محمد بن مسلم مرسلة ورواية إسحاق بن عمار مطروحة لعدم العمل بها فلا يبقى إلا صحيحة أبي المغرا، ولا مانع من التصرف فيها خصوصا بعد ما عرفت من الحكومة. وأما القبول للتوجيه فقد عرفت ما فيه بعدما ظهر من مساعدة العرف على الجمع المتقدم. لكن مع ذلك كله لا تخلو المسألة من إشكال منشأه احتمال الاعراض مع شهادة

[ 194 ]

مثل السيد في الرياض وصاحب الجواهر وغيرهما - على تأمل في استفادة الاعراض من كلام الاول - فلابد من الاحتياط إلى ما بعد الفحص الكامل حتى يتضح الحال. ثم ان ههنا مطالب: المطلب الاول إذا تجاوز الدم عن أكثر الحيض ممن تحيض فلا يخلو إما أن تكون المرأة ممن لم تر الدم قبل ذلك أو لا، والثانية إما ذات عادة مستقرة أو لا، والاولى منهما إما أن تكون ذاكرة لعادتها أو لا، فالاولى من الاقسام هي المبتدئة، وقد تطلق على الثالثة أي من لم تستقر لها عادة، وقد تطلق عليها المضطربة كما تطلق على الناسية، فالمبتدئة كالمضطربة لها إطلاق: عام، وخاص، والامر سهل، والمتبع في الاحكام هو الدليل، فلابد في بيان الاقسام وأحكامها من ذكر مسائل: المسألة الاولى المبتدئة بالمعنى الاعم أي من لم تستقر لها عادة إما لعدم سبق الدم أو لعدم استقرار العادة لها ترجع أو لا إلى التمييز فتجعل ما شابه دم الحيض حيضا وما شابه الاستحاضة استحاضة، وهو مذهب فقهاء أهل البيت كما عن المعتبر، ومذهب علمائنا كما عن المنتهى، وعن الخلاف و التذكرة الاجماع في المبتدئة، وعن المدارك فيها أن هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب وعن المعتبر أن جماعة من الاصحاب لم يتعرضوا للتمييز في ما أجد كالصدوقين والمفيد و أبي المكارم وسلار، وأما أبو الصلاح فقد قال: إن المضطربة ترجع إلى نسائها، وإن فقدت فإلى التمييز، واقتصر للمبتدئة على الرجوع إلى نسائها إلى أن يستقر لها عادة، ونص في الغنية على أن عمل المبتدئة والمضطربة على أصل أقل الطهر وأكثر الحيض - الخ - وعن المبسوط ما يلوح منه عدم اعتبار التمييز. وكيف كان فتدل على اعتبار التمييز في المبتدئة بالمعنى الاعم إطلاقات أدلة التمييز، كصحيحة معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن دم الاستحاضة و الحيض ليس يخرجان من مكان واحد، إن دم الاستحاضة بارد، وإن دم الحيض

[ 195 ]

حار. (1) وظاهرها أن الصفة لمهية الدمين، وأن التمييز حاصل بهما عند الاشتباه و الاختلاط بينهما مطلقا من غير فرق بين أقسام الاستحاضة والمستحاضة. وصحيحة حفص بن البخترى، وفيها أن دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلوة. (2) وإطلاق هذه الرواية قوي جدا، والسؤال إنما هو عن مستمرة الدم مطلقا، والجواب بيان الامارات لمهية الدمين، استمر الدم أو لا، كانت المرأة مبتدئة أو غيرها. و عدم الاكتفاء بذكر الامارات فقط وتعقيبه بقوله " فإذا كان للدم حرارة... الخ - " تحكيم للاطلاق. والاطلاق في الصحيحتين وغيرهما متبع لا يرفع اليد عنه إلا بدليل ومقيد كما ورد في ذات العادة. ففي موثقة إسحاق بن جرير قال: سألتني امرأة منا أن ادخلها على أبي عبد الله عليه السلام فاستأذنت لها فأذن لها فدخلت - إلى أن قال - فقالت له: ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ قال: إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة، قالت: فإن الدم يستمر بها الشهر والشهرين و الثلاثة، كيف تصنع بالصلوة؟ قال: تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلوتين. قالت: إن أيام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة و يتأخر مثل ذلك، فما علمها به؟ قال: دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد. (3) فأرجعها إلى الصفات بعد اختلاف العادة - كما سيأتي الكلام فيه - وإطلاقها لما نحن بصدده لا يقصر عن المتقدمين. نعم هنا روايات اخر تمسك بها صاحب الحدائق ردا على الاصحاب زاعما أن الحكم في المبتدئة وسنتها الرجوع إلى التمييز مطلقا، منها مرسلة يونس الطويلة،


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 2. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 3، ح 3.

[ 196 ]

ولما كان فيها أحكام كثيرة تدور عليها سنن الاستحاضة والمستحاضة لابد من التيمن بنقلها على طولها وبيان بعض فقراتها: روى الشيخ الكليني عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى العبيدي - وهو ثقة على الاصح - عن يونس بن عبد الرحمان، عن غير واحد، سألوا أبا عبد الله عليه السلام عن الحيض والسنة في وقته، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله سن في الحيض ثلاث سنن، بين فيها كل مشكل لمن سمعها وفهمها، حتى لم يدع لاحد مقالا فيه بالرأي، أما إحدى السنن فالحائض التي لها أيام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها ثم استحاضت واستمر بها الدم وهي في ذلك تعرف أيامها ومبلغ عددها، فإن امرأة يقال لها " فاطمة بنت أبي حبيش " استحاضت فأتت أم سلمة، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: تدع الصلوة قدر أقرائها - أو قدر حيضها - وقال: إنما هو عزف، وأمرها أن تغتسل وتستثفر بثوب وتصلي. قال أبو عبد الله عليه السلام: هذه سنة النبي صلى الله عليه وآله في التي تعرف أيام أقرائها لم تختلط عليها، ألا ترى أنه لم يسألها كم يوم هي، ولم يقل إذا زادت على كذا يوما فأنت مستحاضة؟ وإنما سن لها أياما معلومة ما كانت من قليل أو كثير بعد أن تعرفها. وكذلك أفتى أبي عليه السلام وسئل عن المستحاضة فقال: إنما ذلك عزف عامر (1) أو ركضة من الشيطان، فلتدع الصلوة أيام أقرائها ثم تغتسل و تتوضأ لكل صلوة. قيل: وإن سال؟ قال: وإن سال مثل المثعب. قال أبو عبد الله عليه السلام: هذا تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وهو موافق له، فهذه سنة التي تعرف أيام أقرائها لا وقت لها إلا أيامها، قلت أو كثرت. وأما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى أغفلت عددها وموضعها من الشهر فإن سنتها غير ذلك، وذلك أن " فاطمة بنت أبي حبيش " أتت النبي صلى الله عليه وآله فقالت: إني استحاض فلا أطهر، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ليس ذلك بحيض، إنما هو عزف، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي. وكانت تغتسل في كل صلوة، وكانت تجلس في مركن لاختها، وكانت صفرة الدم تعلو الماء. قال أبو عبد الله عليه السلام: أما تسمع

[ 197 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله أمر به تلك؟ ألا تراه لم يقل لها: دعي الصلوة أيام أقرائك، ولكن قال لها: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة وإذا أدبرت فاغتسلي و صلى؟ فهذا يبين أن هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها ولا وقتها، ألا تسمعها تقول: إني استحاض فلا أطهر؟ وكان أبي يقول: إنها استحيضت سبع سنين، ففي أقل من هذا تكون الريبة والاختلاط، فلهذا احتاجت إلى أن تعرف إقبال الدم من إدباره وتغير لونه من السواد إلى غيره. وذلك أن دم الحيض أسود يعرف، ولو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم، لان السنة في الحيض أن يكون الصفرة والكدرة فما فوقها في أيام الحيض - إذا عرفت - حيضا كله، إن كان الدم أسود أو غير ذلك، فهذا يبين لك أن قليل الدم وكثيره أيام الحيض حيض كله إذا كانت الايام معلومة، فإذا جهلت الايام وعددها احتاجت إلى النظر حينئذ إلى إقبال الدم وإدباره وتغير لونه ثم تدع الصلوة على قدر ذلك ولا أرى النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لها: اجلسي كذا وكذا يوما فما زادت فأنت مستحاضة كما لم يأمر الاولى بذلك، وكذلك أبي أفتى في مثل هذا، وذلك أن امرأة من أهلنا استحاضت فسألت أبي عن ذلك، فقال: إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلوة، و إذا رأيت الطهر ولو ساعة من نهار فاغتسلي وصلي. وأرى جواب أبي ههنا غير جوابه في المستحاضة الاولى، ألا ترى أنه قال: تدع الصلوة أيام أقرائها؟ لانه نظر إلى عدد الايام، وقال ههنا: إذا رأت الدم البحراني فلتدع الصلوة، وأمرها ههنا أن تنظر إلى الدم إذا أقبل وأدبر وتغير. وقوله " البحراني " شبه قول النبي صلى الله عليه وآله " إن دم الحيض أسود يعرف " وإنما سماه أبي بحرانيا لكثرته ولونه، فهذه سنة النبي صلى الله عليه وآله في التي اختلط عليها أيامها حتى لا تعرفها وإنما تعرفها بالدم ما كان من قليل الايام وكثيره. قال: وأما السنة الثالثة ففي التي ليس لها أيام متقدمة ولم تر الدم قط و رأت أول ما أدركت واستمر بها، فإن سنة هذه غير سنة الاولى والثانية. وذلك أن امرأة يقال لها " حمنة بنت جحش " أتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إني استحضت

[ 198 ]

حيضة شديدة، فقال: احتشي كرسفا، فقالت: إنه أشد من ذلك، إني أثجة ثجا. فقال: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين، واغتسلي للفجر غسلا، وأخري الظهر وعجلي العصر واغتسلي غسلا، وأخري المغرب وعجلي العشاء و اغتسلي غسلا. قال أبو عبد الله عليه السلام: فأراه قد سن في هذه غير ما سن في الاولى والثانية، و ذلك لان أمرها مخالف لامرتينك، ألا ترى أن أيامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمسا أو أقل من ذلك ما قال لها " تحيضي سبعا " فيكون قد أمرها بترك الصلوة أياما وهي مستحاضة غير حائض؟ وكذلك لو كان حيضها أكثر من سبع وكان أيامها عشرة أو أكثر لم يأمرها بالصلوة وهي حائض ثم مما يزيد هذا بيانا قوله " تحيضي " وليس يكون التحيض إلا للمرأة التي تريد أن تكلف ما تعمل الحائض، ألا تراه لم يقل لها: أياما معلومة تحيضي أيام حيضك؟ ومما يبين هذا قوله " في علم الله " لانه قد كان لها وإن كانت الاشياء كلها في علم الله. فهذا بين واضح أن هذه لم تكن لها أيام قبل ذلك قط، وهذه سنة التي استمر بها الدم أول ما تراه، أقصى وقتها سبع، وأقصى طهرها ثلاث وعشرون، حتى تصير لها أيام معلومة فتنتقل إليها. فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث، لاتكاد أبدا تخلو من واحدة منهن: إن كانت لها أيام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيامها وخلقها الذي جرت عليه، ليس فيه عدد معلوم موقت غير أيامها، وإن اختلطت الايام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم ألوانا فسنتها إقبال الدم وإدباره وتغير حالاته، وإن لم تكن لها أيام قبل ذلك واستحاضت أول ما رأت فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون، وإن استمر بها الدم أشهرا فعلت في كل شهر كما قال لها، فإن انقطع الدم في أقل من سبع أو أكثر من سبع فإنها تغتسل ساعة ترى الطهر وتصلي فلا تزال كذلك حتى تنظر إلى ما يكون في الشهر الثاني، فإن انقطع الدم لوقته من الشهر الاول سواء حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن أن ذلك قد صار

[ 199 ]

لها وقتا وخلقا معروفا تعمل عليه وتدع ما سواه، وتكون سنتها في ما يستقبل إن استحاضت قد صارت سنة إلى أن تجلس أقراءها، وإنما جعل الوقت إن توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله صلى الله عليه وآله للتي تعرف أيامها " دعي الصلوة أيام أقرائك) فعلمنا أنه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول لها: دعي الصلوة أيام قرئك، ولكن سن لها الاقراء وأدناه حيضتان فصاعدا. وإن اختلط عليها أيامها وزادت ونقصت حتى لا تقف فيها على حد ولا من الدم على لون عملت بإقبال الدم وإدباره، ليس لها سنة غير هذا لقوله عليه السام " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة، وإذا أدبرت فاغتسلي " و لقوله " إن دم الحيض أسود يعرف " كقول أبي " إذا رأيت الدم البحراني... " وإن لم يكن الامر كذلك ولكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون، لان قصتها قصة " حمنة " حين قالت " إنى أثجة ثجا ". (انتهى الحديث المبارك). وقد استدل به صاحب الحدائق على أن المبتدئة ليس لها سنة إلا الرجوع إلى الايام وإنما التمييز سنة المضطربة خاصة، وما ذكره وإن كان يوهمه بعض فقرات المرسلة لكن التأمل الصادق في مجموعها يدفع ذلك، فلا بأس ببيان بعض فقرات الحديث حتى يتضح الحال: فنقول أولا على نحو الاجمال. إن الظاهر منها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أجاب عن ثلاث وقائع شخصية، وردت اثنتان منها عليه لفاطمة بنت أبي حبيش - إن كانت الواقعتان لمرأة واحدة في حالتين مختلفتين - ويحتمل أن تكون فاطمة بنت أبي حبيش اثنتين كما ربما يشعر به بعض فقرات المرسلة كقوله " أما تسمع رسول الله صلى الله عليه وآله أمر هذه بغير ما أمر به تلك " وقوله " فهذا يبين أن هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها " والواقعة الثالثة هي واقعة " حمنة بنت حجش " لكن الصادق عليه السلام قال: إنه صلى الله عليه وآله بين في هذه السنن كل مشكل لمن سمعها وفهمها ولم يدع لاحد مقالا فيه بالرأي والاجتهادات الظنية الخارجة عن طريق فهم السنة، وهذا يبين أن فهم القواعد الكلية من بعض القضايا الشخصية بإلغاء الخصوصيات عرفا ليس من الاجتهاد الممنوع والمقال بالرأي كما أفاد أبو

[ 200 ]

عبد الله عليه السلام طريقه في هذه الرواية، ونبة على طريق الاستفادة واستنباط الاحكام الكلية من السنة، كما هو الطريق المألوف. ثم إن الظاهر من قول السائل عن الحيض والسنة في وقته هو أن السؤال إنما كان عن السنة في تعيين وقت الحيض لا عن موضوعه ولا عن حكمه، وإنما يصح هذا السؤال في ما إذا اختلط الحيض بغيره ولم يعلم أن الدم الخارج أي مقدار منه حيض وأي الايام أيامه ووقته، فأجاب بما هو مناسب لشبهته ببيان السنن الثلاث، فهذه السنن كفيلة لرفع الشبهة الواقعة في وقت الحيض في ما إذا اختلط الحيض بالاستحاضة، فبمقتضى سوق الرواية والحصر في السنن الثلاث لابد من دخول سنن جميع أقسام المستحاضة في الرواية الشريفة، واستفادة حكم جميع حالات المستحاضة منها. ثم إن الظاهر منها في السنن الثلاث أن إرجاع كل منهن إلى سنة ليس لاجل اختصاص السنة بها، بل لاجل اختصاص مرجعها بها، مثلا إن الرجوع إلى العادة ليس مختصا بذات العادة التي استمر بها الدم مع علمها بعادتها، بل ذات العادة الكذائية لا مرجع لها إلا عادتها كما نص عليه في الرواية، وكذا الحال في السنتين الاخريين، فلا يكون الرجوع إلى التمييز مختصا بالتي اختلط عليها أيامها، بل التي اختلط عليها أيامها ولايكون دمها على لون واحد وحالة واحدة لا مرجع لها إلا الرجوع إلى التمييز، وكذا الحال في المبتدئة التي سيأتي الكلام فيها في ذيل الحديث. ثم لا إشكال في أن ذات العادة مع إحصائها أيام حيضها وعدم اختلاط فيها وعلمها بها مرجعها إلى عادتها، ويأتي الكلام فيها في محله، ونحن الآن بصدد بيان السنة الثانية والثالثة. فقوله " وأما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى أغفلت عددها وموضها من الشهر... " ففيه احتمالان: أحدهما أن المراد مما ذكر هي الناسية، فإن طول زمان استمرار الدم صار سببا لغفلتها عن عددها وموضعها من الشهر بعد كون العدد والموضع معلومين لها، و

[ 201 ]

يؤيد ذلك - إذا استظهر من الرواية كون " فاطمة بنت أبي حبيش " امرأة واحدة - أنها أتت مرة أم سلمة في زمان كانت ذاكرة لعدد أيامها ووقتها من الشهر، و اخرى أتت النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد طول مدة الدم ونسيانها لهما، كما يشهد به قوله " و كان أبي يقول: إنها استحيضت سبع سنين " وثانيهما أن المراد منه هي التي كانت لها أولا أيام مضبوطة وكانت ذات عادة مستقرة عددا ووقتا، ثم اختلط الايام وتقدمت وتأخرت وزادت ونقصت ثم استمر عليها الدم، ويشهد لهذا الاحتمال - بعد منع كون فاطمة امرأة واحدة طرأت عليها الحالتان، لما تقدم من ظهور الرواية في كون ما ذكرت فيها مرأتين مسميتين بفاطمة وأن أباهما كان مكنى بأبي حبيش - قوله " زادت ونقصت " فإن الظاهر منه أن الزيادة والنقص إنما عرضتا للايام المتقدمة، فكانت الايام أولا مضبوطة غير مختلفة، ثم صارت مختلفة ناقصة تارة وزائدة اخرى، وهذا المعنى لا يتصور في مستمرة الدم. ويؤيده قوله في ما بعد " وإن اختلطت الايام عليها وتقدمت و تأخرت " فإن التقدم والتأخر المنسوبين إلى الايام لا يتصوران إلا قبل استمرار الدم. ويشهد بذلك قوله " أغفلت " بصيغة إفعال، فإن معنى " أغفل الشئ " أهمله وتركه، على ما في المنجد، وفي الصحاح: أغفلت الشئ إذا تركته على ذكر منك. فالعدول عن " غفلت عن عددها " إلى " أغفلت عددها " لاجل أن أيامها كانت مضبوطة و كانت آخذة بعددها وموضعها من الشهر، ثم اختلطت فزادت ونقصت وتقدمت و تأخرت، حتى تركت الايام المضبوطة وأهملها، فحينئذ تكون الرواية متعرضة لقسم من المضطربة. ولا ينافي ما ذكرناه بعض فقراتها كقوله " إن هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها ولا وقتها " لان مختلطة الايام بما ذكرنا أيضا لا تعرف عددها لان أيامها زادت ونقصت، ولا وقتها لتقدمها وتأخرها، ولا يبعد أن يكون أرجح الاحتمالين هو الثاني كما استظهر المحقق الخونساري ظاهرا وإن ضعفه شيخنا الاعظم قائلا: إن عدة مواضع من الرواية تأبى عن ذلك، ولم يتضح

[ 202 ]

موارد الاباء. نعم ربما يأباه قوله " ثم اختلط عليها من طول الدم " فإن الظاهر منه أن طول الدم واستمراره صار سببا للاختلاط، وهو لا ينطبق إلا على النسيان. ويمكن أن يقال: إن المراد من طول الدم ليس طول استمراره بل المراد أن طول سني رؤيته أوجب الاختلاط، لان في أوائل الامر لما كان الرحم معتدلة سليمة كانت تقذف مضبوطا عددا ووقتا، ثم بعد طول الزمان صارت ضعيفة فخرج قذفها عن الاعتدال والانضباط. و هذا التوجيه وإن كان لا يخلو من خلاف ظاهر لكنه أهون من رفع اليد عن قوله " زادت ونقصت تقدمت وتأخرت " أو توجيهه بوجه بعيد، بل لا يبعد أن يكون التعبير بطول الدم دون استمراره لافادة ذلك. وكيف كان فيظهر من التأمل في فقرات الرواية أن أبا عبد الله الصادق عليه السلام استشهد على حكم من كان لها أيام متقدمة ثم اختلطت عليها كما هو مفروض كلامه بالسنة التي سن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في واقعة فاطمة باعتبار عدم إرجاعها إلى العادة وإرجاعها إلى التمييز، فاستفاد من ذلك أن هذه امرأة اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها ولا وقتها مما هي معتبرة في الرجوع إلى العادة، فعدم الارجاع إليها شاهد على اختلاط الايام وعدم معرفتها بها، وإن لم يكن شاهدا على كون الاختلاط بعد ما كانت لها أيام مضبوطة متقدمة أو لا. ففتوى الصادق عليه السلام في الامرأة التي كانت لها أيام متقدمة ثم اختلطت لم يكن لاجل معلومية أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت كذلك بل لاجل معلومية اختلاط أيامها وعدم معرفتها بها وكون دمها ذا تميز و إن لم يعلم أنها كانت ذات عادة منضبطة ثم اختلطت أيامها، كما يظهر من قوله " فهذا يبين أن هذه امرأة قد اختلط - الخ - ". فمن أجل ذلك يستفاد أن تمام الموضوع للرجوع إلى الصفات هو الاختلاط و عدم المعرفة مع كون الدم ذا تميز، بل يظهر من التعبيرات المختلفة في الرواية تارة بالتي كانت لها أيام مقتدمة ثم اختلط عليها، واخرى بأن هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها، من غير ذكر للايام المتقدمة، وثالثة بقوله: إذا جهلت الايام و

[ 203 ]

عددها احتاجت - الخ - إلى غير ذلك أنه لا يعتبر في الرجوع إلى التمييز إلا عدم إمكان الرجوع إلى العادة، سواء كان لفقدانها أو اختلاطها أو نسيانها أو غير ذلك. ومما يبين ذلك التأمل الصادق في قوله " فلهذا احتاجت إلى أن تعرف - إلى قوله - ولو كانت تعرف أيامها ما احتاجت - الخ - " فإن المتفاهم عرفا منه أن الاحتياج إلى معرفة لون الدم إنما هو في ما قصرت يدها عن الامارة التي هي أقوى منها عرفا وشرعا، وأن الرجوع إلى التمييز لاجل أن دم الحيض أسود يعرف، فأمارية الصفات أوجبت الارجاع إليها عند فقد الامارة المتقدمة عليها قوة وكشفا من غير دخل لتقدم الايام وعدمه أو اختلاطها وعدمه في ذلك. فموضوع الارجاع عرفا هو وجدان هذه الامارة وفقدان ما هي أقوى منها، ولو فرض كون المرأة مبتدئة ذات تمييز يفهم من التأمل في الفقرات أن تكليفها الرجوع إلى التمييز، وعند فقدانه يكون تكليفها غير ذلك واما السنة الثالثة فإن كان يوهم بعض فقرات الرواية كونها للمبتدئة، كانت ذات تمييز أو لا، لكن التأمل في جميع فقراتها يدفع هذا الوهم، فإن الظاهر منها كما تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله سن في ثلاث وقائع شخصية ثلاث سنن يفهم منها جميع حالات المستحاضة، فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن لا أن المستحاضة تنحصر في الموارد الثلاثة التي وردت على النبي صلى الله عليه وآله وبين أحكامها. نعم، وردت السنة الثالثة بحسب الواقعة الشخصية في من لم تر الدم ورأت أول ما أدركت و استمر بها، وكانت كثيرة الدم، وكان دمها ذا دفع وشدة، وعلى لون واحد وحالة واحدة، كما يستفاد من قوله " أثجه ثجا " وقد صرح به في آخر الرواية، فالمستفاد من جميع المرسلة أن السنة الثالثة وإن وردت في من رأت الدم اول ما أدركت و استمر بها على لون واحد بحسب الواقعة الشخصية والقضية الخارجية لكنها سنة لكل من لم تكن لها عادة ولا تمييز، كما ينادي به قوله في آخر الرواية " وإن لم يكن الامر كذلك ولكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون، لان قصتها قصة حمنة

[ 204 ]

حين قالت: أثجة ثجا " فيستفاد منه أن كل من كانت قصتها كقصة حمنة من هذه الحيثية أي إطباق الدم وكونه على لون واحد وحالة واحدة المستفادة من قوله " أثجه ثجا " تكون سنتها كسنتها، ولا تكون السنة التي وردت لها مختصة بها وبمن رأت الدم أول ما أدركت، بل الميزان في قصتها هو الاستمرار وعدم تغيره. فتحصل من جميع ذلك أن المستحاضة لا تخلو إما أن تكون ذات عادة معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها أو لا، فالاولى مرجعها إلى العادة لاغيرها، والثانية إما أن تكون ذات تميز وتغير في لون الدم وحالاته أو لا، فالاولى مرجعها إلى التمييز، والثانية إلى السبع والثلاث والعشرين، ولا تخلو مستحاضة من تلك الحالات، و يستفاد جميع سنن المستحاضة وحالاتها من السنن الثلاث بعد التأمل التام والتدبر الصادق في فقراتها، كما قال في أول الرواية: بين كل مشكل لمن سمعها وفهمها، ثم أفاد عليه السلام طريق الاستفادة من قول رسول الله صلى الله عليه وآله. ولا يخفى أن أبا عبد الله عليه السلام إنما أرشد السائلين إلى طريق الاستفادة من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي جعفر عليه السلام لفتح باب الاجتهاد عليهم، لا أن طريق علمه بالاحكام هو هذا النحو من الاجتهادات الظنية والاستظهارات العرفية، كما هو مقتضى اصول المذهب. ومما تمسك به صاحب الحدائق لمذهبه رواية سماعة، قال: سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر وهي لا تعرف أيام أقرائها، فقال: أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام. (1) وموثقة عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المرأة إذا رأت الدم أول حيضها فاستمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلوة عشرة أيام ثم تصلي عشرين يوما، فإن استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلوة ثلاثة أيام وصلت سبعا وعشرين يوما. (2) وفيه أن لادلة الاوصاف نحو حكومة عليهما، أما على الاولى فظاهر، لان


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 6.

[ 205 ]

السؤال عما لا تعرف أيام أقرائها، ولسان روايات الاوصاف مثل قوله " إن دم الحيض أسود يعرف " وقوله " إن دم الحيض ليس به خفاء " هو أنه مع الاوصاف تخرج المرأة عن موضوع عدم المعرفة. وأما على الثانية فلان الظاهر منها أن ترك الصلوة عشرة أيام في الدورة الاولى وثلاثة أيام في ما بعدها ليس لاجل كونها حيضا، بل هو حكم تعبدي لدى التحير عن معرفة أيامها، ويشهد له قول ابن بكير في روايته الاخرى التي لا يبعد أن تكون عين الاولى ويكون الاختلاف في النقل، فتارة نقلها بجميع ألفاظها وتارة اقتصر على جوهر القضية حيث قال " فإذا مضى ذلك وهو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة " وقال في ذيلها " وجعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر وتركها للصلوة أقل ما يكون من الحيض " ومعلوم أن ظاهر هذه الفقرات هو أن الحيض والاستحاضة لما لم يكونا معلومين وكانا مختلطين وجب عليها التحيض في أيام والصلوة في اخرى، وهذا نظير قوله في مرسلة يونس المتقدمة " تحيضي في علم الله... " فلسان الروايتين لسان الاصل، ولسان أدلة الاوصاف لسان الامارة فتكون حاكمة عليها. وينبغي التنبيه على امور: (الامر الاول) يشترط في الرجوع إلى التمييز امور: منها أن لا ينقص ما شابه دم الحيض عن ثلاثة أيام. ومنها أن لا يزيد على عشرة أيام. ومنها عدم نقصان ما شابه الاستحاضة عن عشرة أيام. وهذه الشروط أي عدم جواز جعل ما شابه الحيض حيضا إذا نقص عن ثلاثة أيام أو زاد عن عشرة وعدم جواز جعل الطهر بين الحيضتين أقل من عشرة أيام مما لا ينبغي الاشكال فيه، لما دل من المستفيضة على أن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة أيام وما دل على أن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام. وهذه الادلة حاكمة على أدلة الاوصاف، لان جعل الامارة إنما هو بعد الفراغ عن إمكان الحيض الواقعي واحتمال وجوده، وهذه الادلة تحديد لواقع

[ 206 ]

الحيض، وليست الامارة إلا كاشفة عما يمكن أن يكون حيضا ويحتمل تحققه، و هذه الروايات ترفع الموضوع وتخرجه عما يمكن فيه ذلك، فهي بلسانها مقدمة على لسان الامارت عرفا. فما ذهب إليه صاحب الحدائق من أنها تتحيض بالاقل و الاكثر زاعما أن ذلك مقتضى إطلاق الروايات بل مقتضى قوله في مرسلة يونس " ما كان من قليل الايام وكثيره " مردود، ضرورة أن أدلة التحديد الحاكمة على أدلة الصفات توجب تحديد القليل والكثير بأيام إمكان الحيض. ومما ذكرنا ظهر حال ما تمسك به لرد الشرط الثالث وهو بلوغ الدم الضعيف وحده أو مع النقاء عشرة أيام، قائلا ان ذلك لا دليل عليه، بل ظاهر الاخبار يرده: كموثقة أبي بصير، قال: سألت الصادق عليه السلام عن المرأة ترى الدم خمسة أيام والطهر خمسة أيام، وترى الدم أربعة أيام والطهر ستة أيام. فقال: إن رأت الدم لم تصل، وإن رأت الطهر صلت ما بينها وبين ثلاثين يوما، فإذا مضت ثلاثون يوما - الخ - (1) وقريب منها موثقة يونس بن يعقوب (2). والروايتان صحيحتان، وتوصيفهما بالموثقة كأنه في غير محله، وكيف كان فأما قوله " لا دليل عليه " فقد مر الدليل عليه، وأما تمسكه بالروايتين ففيه أولا أن موردهما غير ما نحن فيه، لظهورهما في حصول النقاء لافي استمرار الدم واختلاف الالوان، وثانيا قد مر في محله ما هو مفادهما، وقد حملهما الشيخ على محمل صحيح و بين المحقق ما هو المحمل فيهما فلا نعيد. (الامر الثاني) إذا فقد الشرط الاول أي كان ما رأت بصفة الحيض أقل من ثلاثة أيام، فهل هي فاقدة التمييز ولا بد لها من الرجوع إلى الامارت أو الروايات لو قلنا برجوع الفاقدة إليهما مطلقا، أو هي واجدة له في الجملة؟ قد يقال بالاول لان أمارة الحيض في اليومين


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 6، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 6، ح 2.

[ 207 ]

مثلا، التى يلزم منها كون الثالث حيضا لما دل على عدم كون الحيض أقل من ثلاثة أيام، معارضة لامارة الاستحاضة في اليوم الثالث، التي يلزم منها كون اليومين أيضا استحاضة، فتتساقط الامارتان، فهي فاقدة التمييز. وقد يجاب عنه بأن سوق الاخبار يشهد بورودها لتمييز الحيض عما ليس بحيض الذي هو الاستحاضة، وإنما ذكر أوصاف الاستحاضة استطرادا لبيان أنه ليس بحيض، فإذا تبين كون بعض ما رأته بصفة الاستحاضة حيضا باعتبار كونه مكملا لما علم حيضيته بالاوصاف التي اعتبرها الشارع لا ينافيه هذه الادلة (انتهى). وفيه أنه لم يتضح معنى الاستطراد، فإن كان المراد أن ذكر أوصاف الاستحاضة وقع بعد أوصاف الحيض تبعا له، فهو مع تماميته في جميع الروايات - فإن في صحيحة معاوية بن عمار قدم ذكر الاستحاضة وصفتها على الحيض وصفته - لا يوجب عدم كون الصفات أمارة أو رفع اليد عن أماريتها لدى التعارض. وإن كان المراد أن الامام عليه السلام ليس بصدد بيان أمارية اوصاف الاستحاضة بل يكون بصدد أمارية الحيض فقط، وذكر الاوصاف المقابلة ليس لاجل أماريتها بل لبيان فقد أمارية الحيض كما يظهر من القائل في خلال كلامه، فهو غير وجيه، ضرورة ظهور الادلة في أمارية كل من الطائفتين، ولا يمكن الالتزام بذلك خصوصا في صحيحة معاوية، بل كأنه أشرنا سابقا إلى أولوية أمارية صفات الاستحاضة من صفات الحيض. وكيف كان فلا وجه لرفع اليد عن ظهور الروايات في أمارية صفاتهما. ويمكن أن يقال في جواب الاشكال المتقدم: إن أمارة الاستحاضة في ما نحن فيه لا يمكن أن تعارض أمارة الحيض، للعلم بكذب مفادها، فإن المفروض أن غير اليومين من أيام الدم يكون بصفة الاستحاضة، فالاخذ بدليل صفات الاستحاضة اللازم منه جعل اليومين أيضا استحاضة مما لا يمكن، للعلم بكون بعض الايام حيضا، ضرورة اتفاق النص والفتوى على حيضية بعض الدم المستمر، فحينئذ تكون الامارة الدالة على كون الجميع استحاضة، مخالفة للواقع، فلا يمكن الاخذ بها، فتبقى أمارة الحيض في اليومين بلا معارض، ولازمها تتميم ما نقص.

[ 208 ]

نعم يبقى الكلام في كيفية التتميم، فقد يقال بالرجوع إلى عادات النساء أو الروايات، فإنه لم يعرف من أخبار التمييز إلا كون الدمين مثلا حيضا في الجملة، وهذا المقدار من المعرفة لا يوجب خروجها من موضوع مادل على الرجوع إلى عادات النساء أو الاخبار، وعلى تقدير انصراف الاخبار يفهم حكمه منها عرفا، لان هذه الاخبار ليست تعبدية محضة، بل مناطها امور مغروسة في الاذهان. وفيه أن إطلاق أدلة التمييز يحكم بأن اليومين حيض، ولو لم يكن دليل تحديد الحيض بثلاثة أيام لقلنا بمفادها بمقتضى إطلاقها، ودعوى عدم الاطلاق في الروايات وخروج الفرض وأمثاله منها في غاية السقوط، ضرورة أن الروايات في مقام البيان بلا إشكال، وإطلاقها محكم، وإنما يخرج منه بقدر ما ورد من التقييد، ولا ينافيها أدلة تحديد الحيض بثلاثة أيام، لعدم المنافاة بين كون اليومين حيضا مع كون اليوم الثالث أيضا حيضا، لان وجدان الصفة أمارة على الحيضية وأما فقدانها فليس أمارة على شئ. نعم وجدان صفات الاستحاضة أمارة عليها ولازمها عدم الحيضية، لكن قد عرفت عدم إمكان الاخذ بها، فحينئذ يؤخذ بأمارة الحيض في اليومين ويترك أمارة الاستحاضة بمقدار تتميم أقل الحيض، لما دل على عدم كون الحيض أقل من ثلاثة، وتبقى أمارية صفات الاستحاضة في اليوم الرابع وما زاد بلا معارض، فيؤخذ بها. ومع قيام الامارة على الاستحاضة في الايام الزائدة وقيام الامارة أيضا على حيضية ثلاثة أيام لا وجه للرجوع إلى عادات النساء مما ثبت نصا وفتوى تأخر أماريتها عن أمارية التمييز. وأو ضح منه عدم الرجوع إلى الروايات، الذي هو تكليف فاقدة التمييز والامارة، فرفع اليد عن أدلة التمييز إما لدعوى قصور أدلتها عن شمول هذه الفروض، فهي مدفوعة بما تقدم من إطلاق الادلة، ويظهر إطلاقها من الرجوع إليها والتأمل في مفادها، ولعمري إن الناظر فيها لا يشك في شمولها لجميع الفروض مع قطع النظر عن روايات التحديد. وإما لدعوى دخول الفروض في أدلة الرجوع إلى النساء و الاخبار، ففيها أنه مع شمول إطلاقات أدلة التمييز له لا معنى للرجوع إليها، لحكومة

[ 209 ]

أدلة التمييز عليهما على فرض شمولها له، فالتتميم بالرجوع إلى العادات والاخبار مما لا أرى له وجهها وجيها. ثم إنه على فرض خروج هذه الفروض عن مفاد الادلة وانصرافها عنها لا وجه لفهم أحكامها بالرجوع إلى العرف بدعوى ارتكازية المناط. اللهم إلا أن يدعى أن الارتكاز والمغروسية في أذهان العرف يوجب عدم الانصراف بل إلغاء الخصوصيات عرفا، فله وجه لكنه يرجع إلى دلالة الادلة لا إلى حكم العرف، فإنه لا معنى للرجوع إليه إلا في فهم مفادها. (الامر الثالث) إذا فقد الشرط الثاني بأن ترى زائدا على العشرة بصفة الحيض، فهل هي فاقدة التمييز مطلقا أولا؟ وعلى الثاني هل يجب عليها التحيض من أول الرؤية إلى عشرة أيام، أو التحيض من أول الرؤية وتتميمه بمقدار عادات النساء أو الاخبار، أو يجب عليها الرجوع إلى عادات النساء أو الاخبار في أيام رؤية الدم بصفة الحيض مخيرة بينها، أو يفصل بين ما إذا كانت للامارات جهة مشتركة أو لا كما تأتي الاشارة إليه؟ وجوه، مقتضى القواعد هو التفصيل الاخير. أما القول بكونها فاقدة التمييز مطلقا فضعيف، لان رفع اليد عن أمارة الاستحاضة في أيام رأت بصفتها مما لا وجه له بعد ما عرفت من إطلاق الادلة، كما أن لازم الامارات المتعارضة في صورة التعارض بينها هو عدم حيضية الضعيف في الجملة، فأمارات الحيضية المتعارضة لاجل أدلة تحديد الحيض بالعشرة، متفقة في عدم حيضية الضعيف وإن تعارضت في محل الحيض من الايام، ولازم الامارات المتعارضة مع اتفاقها فيه حجة، فلا إشكال في التمييز في الجملة، لا لفهم العرف بعد انصراف الادلة كما قيل، بل لما ذكرنا من إطلاق أدلة أمارات الاستحاضة، ولازم أمارات الحيض في فرض التعارض. وأما التحيض في أول الرؤية بعشرة أيام كما عن شيخ الطائفة أو بالتتميم بالعادات أو الاخبار فغير تام، لعدم الترجيح بين الايام في بعض الصور، بل الترجيح

[ 210 ]

لغير الاول في بعضها كما يأتي. والتمسك بقاعدة الامكان مع ما تقدم من عدم الدليل عليها لا وجه له ههنا ولو فرض الدليل عليها، لعدم الرجحان بين الايام بعد قيام الامارة على جميعها وتساوي جريان القاعدة فيها. ودعوى ظهور الادلة في التحيض أول ما رأت كقوله في صحيحة حفص بن البختري " فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلوة " وقوله في مرسلة يونس " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة " غير وجيهة، لان الادلة إنما هي بصدد بيان أمارية الاوصاف مطلقا لا في أول الحدوث، فمعنى قوله " إذا كان للدم حرارة - الخ " أنه كلما كان للدم حرارة كان حيضا، ولهذا لو لم تكن أدلة التحديد لقلنا بحيضية جميع الايام، ومع تلك الادلة يقع التعارض في الايام بين الامارات من غير ترجيح. والترجيح بتقدم الزمان بدعوى خروج الزمان المتأخر عن إمكان الحيضية بعد انطباق الادلة بلا مانع على الايام الاولى مما لا وجه له، لان التقدم الزماني لا يوجب الترجيح، والتطبيق على الاولى ورفع اليد عن الادلة في الايام الاخرى من غير مرجح لا وجه له. والاقوى بحسب القواعد هو التفصيل بين ما إذا كانت للامارة جهة مشتركة كما إذا رأت خمسة عشر يوما، فإن اليوم السادس إلى العاشر مورد اتفاق الامارات على حيضيتها بعد الاخذ بإطلاق أدلتها وتحديد الحيض بما دل على أنه لا يزيد عن عشرة أيام، فحينئذ يقع التعارض بين الامارات من أول رؤية الدم بصفة الحيض إلى الخامس ومن اليوم الحادي عشر إلى الخامس عشر، وتتفق في المفاد من اليوم السادس إلى العاشر، فتكون المرأة ذات تمييز وقتا وعددا، فلا ترجع إلى عادات نسائها والاخبار مطلقا لتقدم التمييز عليهما. وأما إذا وقع التعارض بينها من غير اتفاق كما لو رأت عشرين يوما بصفة الحيض فتتعارض الامارات في جميع الايام، فتكون من جهة الوقت ذات تمييز في الجملة ومن جهة العدد غير ذات التمييز، فترجع إلى التمييز في الوقت في الجملة، بمعنى أنه لو كانت عادة النساء في آخر الشهر خمسة أيام ورأت متصفا بصفات الحيض من أول الشهر إلى العشرين تتحيض في أيام التمييز فتقدم أدلة التمييز على أدلة عادات النساء بالنسبة إلى الوقت، و

[ 211 ]

أما بالنسبة إلى العدد فلا مزاحم لاطلاق أدلة الرجوع إلى عادات النساء، لان رفع اليد عنها بعد إطلاقها إنما هو لفهم تقدم أدلة التمييز عليها وكون التمييز أمارة أقوى من أمارة العادات كما تشهد به رواية سماعة، بل يمكن الاستدلال عليه بمرسلة يونس، ومع التعارض بين أمارات التمييز تصير فاقدة بالنسبة إلى العدد، هذا. مع إمكان أن يقال: إن التعارض بين الامارات إنما وقع في محل التحيض لا في عدد الايام، فهي ذات أمارة وتمييز بالنسبة إلى العشرة وغير ذات تمييز بالنسبة إلى المحل الخاص، فتتخير بين جعل العشرة في أي من اليوم الاول إلى العشرين إلا إذا عينت عادات النساء وقت حيضها، كما لو فرض كون العادات من أول الشهر إلى خمسة أيام فيجب عليها الاخذ بالعشرة من أول الشهر، لانها بالنسبة إلى الوقت غير ذات تمييز، فلابد من رجوعها إلى الامارة المتأخرة عن التمييز. ثم إن ما ذكرنا من لزوم الاخذ بعشرة أيام جار في الفرع المتقدم أي ما إذا كانت للامارات جهة مشتركة لعدم ما يدفع لزوم الاخذ بعشرة أيام، فإن عادات نسائها أمارة متأخرة عن أمارة التمييز على عشرة أيام، فتدبر. ولو فقدت النساء وقلنا بأنها غير ذات تمييز بالنسبة إلى العدد، فلا يبعد الرجوع إلى الاخبار، بدعوى فهم ذلك من رواية يونس حيث قال في ذيلها عند بيان القاعدة الكلية بعد بيان السنتين الاولتين " فإن لم يكن الامر كذلك ولكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد - الخ - " بأن يقال: إن قوله " فإن لم يكن الامر كذلك " له مصاديق، ويكون جميع مصاديقها موضوعا للحكم المترتب عليه أي السبع والثلاث والعشرين، وإنما ذكر بعض مصاديقه الواضحة من غير أن يكون الحكم منحصرا في هذا المصداق، فمع فقدان التمييز الذي يمكن الرجوع إليه يكون تكليفها الرجوع إلى الروايات لصدق قوله " لم يكن الامر كذلك " وبعبارة أخرى: إن الارجاع إلى التمييز في السنة الثانية إنما يكون في ما يمكن الارجاع إليه، وهو كون التمييز بلا مزاحم، فموضوع الحكم في التمييز هو التمييز القابل للارجاع إليه، وفي مقابله المعبر عنه بقوله " فإن لم يكن الامر

[ 212 ]

كذلك " هو مطلق ما لا يكون التمييز مرجعا لها، سواء فقد التمييز وهو المصداق الواضح المذكور في المرسلة، أو كان تمييز لكن لم يمكن الرجوع إليه كما في ما نحن فيه، فتدبر جيدا. لكن قد عرفت أنها بالنسبة إلى العدد ذات تمييز، فلا يجوز لها الرجوع إلى عادات النساء في العدد فضلا عن الرجوع إلى الروايات، نعم لو كان بالنسبة إلى الوقت غير ذات تمييز كما لو رأت عشرين يوما ترجع إلى عادات النساء في تعيين الوقت، و إلا فتتخير. وأما لو كانت ذات تمييز بالنسبة إليه أيضا كما لو رأت خمسة عشر يوما كانت بالنسبة إلى اليوم السادس إلى العاشر ذات تمييز وقتا فتأخذ به، لكن لو كانت عادة النساء في أول الشهر مثلا لا يبعد تقدم الاخذ بالعشرة من أول الشهر إلى العاشر على الاخذ من السادس إلى العاشر، وفي العكس تقدم العكس. (الامر الرابع) إذا فقد الشرط الثالث بأن ترى بين الدمين المتصفين بصفة الحيض الصالح كل منهما في نفسه أن يكون حيضا، دما بصفة الاستحاضة أقل من عشرة أيام، فتارة يكون مجموع الطرفين والوسط عشرة أيام أو أقل، واخرى يكون متجاوزا عنها، وحينئذ تارة يكون بعض الدم الثالث متمما للعشرة، واخرى يكون الدم المتوسط متمما لها، فعلى الاول هل يحكم بكون الطرفين حيضا ويتبعهما الوسط، إما بدعوى أولوية جعل الدم المتوسط حيضا من جعل النقاء حيضا كما مر سابقا، أو بدعوى أن أوصاف الاستحاضة ليست أمارات لها بل الا مارية مختصة بأوصاف الحيض وإنما ذكر أوصافها استطرادا ولبيان فقدان أوصاف الحيض لا لوجدان أوصاف الاستحاضة، فحينئذ يكون الامارة القائمة على حيضية الطرفين بلا مانع، فتأخذ بها وتجعل الوسط حيضا تبعا، لكون أقل الطهر عشرة أيام؟ ولا يخفى ما في الدعويين، لما مر من ظهور الادلة في أمارية الوصفين، ولا دليل على كون صفة الاستحاضة مذكورة استطرادا، فحينئذ لا يكون جعل الدم

[ 213 ]

الموصوف بصفات الاستحاضة حيضا أولى من جعل النقاء كذلك، لقيام الامارة ههنا على الاستحاضة وعدم الحيضية بخلاف هناك. ثم على فرض أمارية أوصاف الاستحاضة كما هو التحقيق فهل تصير المرأة فاقدة التمييز، أو يحكم بكون الدم المتقدم حيضا والمتوسط استحاضة ويتبعها المتأخر، أو يعكس الامر فيحكم بكون الدم المتقدم والمتوسط استحاضة دون المتأخر؟ وجوه أوجهها الاول، لمعارضة الامارات في الاطراف، فالاخذ بأمارة الطرفين تعارضه أمارة الوسط، والاخذ بالوسط وإتباع الاول أو الثاني تعارضه أمارة الحيضية ومع عدم رجحان شئ منها لا يمكن الاخذ بواحدة منها، فتصير فاقدة التمييز من هذه الجهة وإن كانت واجدة من بعض الجهات، فإن أمارة الحيض في الطرفين توجب انحصار الحيض في أحدهما كما أن أمارة الاستحاضة في ما بعد الايام تدفع حيضيته. وقد يقال: إن المتجه في هذه الصورة الحكم بكون الوسط استحاضة وكون الاسود اللاحق تابعا له، لاطلاق أدلة الاوصاف المقيدة بالامكان، فحينئذ يكون الاصفر موجودا في زمان إمكان الاستحاضة بخلاف الاسود اللاحق، فإنه وجد في زمان امتناع الحيضية إلا على فرض كون الاصفر حيضا، وحيث إن الاصفر طهر بمقتضى إطلاق الادلة فالاسود اللاحق ليس بحيض. وببيان آخر: اعتبار وصف الدم اللاحق موقوف على عدم اعتبار صفة الدم السابق، فلو كان عدم اعتبار صفة السابق موقوفا على اعتبار صفة اللاحق لزم الدور. وفيه أن ترجيح أمارية صفة السابق على صفة اللاحق إن كان لتقدمها الزماني فلا وجه له، ضرورة أن مجرد القبلية في التحقق لا يوجب الترجيح عقلا ولا نقلا، وإن كان لاجل امتناع الاخذ بالثاني لكونه موجودا في زمان يمتنع أن يكون حيضا ففيه أنه مستلزم للدور، لان الامتناع يتوقف على الترجيح، ولو كان الترجيح متوقفا على الامتناع لزم الدور. وأما الدور المدعى ففيه ما لا يخفى، ضرورة أنه لاتوقف لاحد الطرفين على الاخر، ولا تقدم ولا تأخر لاحدهما حتى بتحقق التوقف. مع أنه يمكن المعارضة بأن اعتبار وصف الدم السابق موقوف على عدم اعتبار صفة

[ 214 ]

اللاحق، ولو كان عدم اعتبار صفة اللاحق موقوفا على اعتبار صفة السابق لزم الدور. والحق أنه لا توقف ولا دور، ولا وجه لترجيح إحدى الامارات على الاخرى. ومنه يظهر الحال في الصورتين الاخيرتين، فإن التحقيق فيهما أيضا كونها فاقدة التمييز، لتعارض الامارات وعدم رجحان شئ منها. ثم إنه مع إمكان التمييز من بعض الجهات دون بعض يجب عليها تقديم التمييز، فيما يمكن والاخذ بعادة النساء أو الاخبار في ما لا يمكن، ويظهر الحال مما مر. (الامر الخامس) إن فقدت المبتدئة التمييز بأن ترى على لون واحد وحالة واحدة أو كان التمييز بحيث لا يجوز الرجوع إليه كما في تعارض الامارات في ما لا يجوز الاتكال عليها مطلقا فالمشهور كما عن جماعة الرجوع إلى عادة نسائها، بل عن جماعة دعوى الاجماع والاتفاق عليه، وهذا على الاجماع مما لا إشكال فيه، لكن الكلام يقع في جهات. منها بيان كيفية الجمع بين روايات التمييز وروايات العدد وروايات الرجوع إلى عادة النساء، فنقول: إن الظاهر من روايات التمييز أن أمارية ألوان الدم وحالاته قوية كاملة بحيث تستحق أن يطلق عليها أن دم الحيض ليس به خفاء، وأنه أسود يعرف، وإن كانت أماريته متأخرة عن العادة نصا وفتوى. وأما لسان روايات الرجوع إلى العدد والاخبار فلسان أصل عملي كما يظهر بالنظر إلى مرسلة يونس حيث قال فيها " تحيضي في علم الله... " وفسره الامام عليه السلام بتكلف عمل الحائض، وكذا الحال في رواية عبد الله بن بكير حيث قال فيها " جعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر وتركها للصلوة أقل ما يكون من الحيض " فالظاهر من روايات العدد هو كون مفادها تكليف من لا طريق لها إلى حيضها وتكون متحيرة فيه، ولهذا أرجعها في مضمرة سماعة إلى العدد بعد اختلاف عادات النساء، فلا إشكال في تأخر الرجوع إلى العدد من الرجوع إلى عادات النساء والتمييز. واما حال التمييز مع عادات النساء فالظاهر من أدلتهما تقدم التمييز على

[ 215 ]

العادات، لان ما وردت في الرجوع إلى العادات منها موثقة سماعة على رواية الشيخ، وقد حكم فيها بالرجوع إلى عادة النساء في من لم تعرف أيام أقرائها، ومنها رواية أبي بصير وفيها: وإن كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست بمثل أيام امها أو اختها أو خالتها - الخ - بناء على كون النفاس بحكم الحيض على ما قبل وإن كان للاشكال فيه مجال. وكيف كان فأدلة التمييز حاكمة عليهما، لان لسان تلك الادلة هو معروفية الحيض بالامارة، وهما حكما بالرجوع إلى النساء مع عدم المعرفة واما رواية زرارة ومحمد بن مسلم الموثقة على الاقرب عن أبي جعفر عليه السلام قال: يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها، ثم تستظهر على ذلك بيوم (1) فهي وإن لم تكن مثلهما لكن الظاهر حكومة مثل قوله " إن كانت لها أيام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيامها وخلقها الذي جرت عليه، ليس فيها عدد معلوم موقت غير أيامها " وقوله في ذات التمييز " إنما تعرفها - أي تعرف أيامها - بالدم " وقوله " وذلك أن دم الحيض أسود يعرف " إلى غير ذلك على مثل قوله " يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها " فإنه لا معنى للاقتداء بالغير مع معلومية العدد والايام، وإنما الاقتداء بالنساء والاقارب لاجل الكشف الظني عن أيامها، ومع كون الطريق لنفسها وفي دمها لا مجال للرجوع إلى عادة الغير، وهذا بوجه نظير ظن المأموم مع اعتباره إذا عارض ظن الامام، حيث إن الظاهر تقدم ظنه على ظن الامام، بل ما نحن فيه أولى منه بوجوه. وبالجملة بعد النظر إلى الروايات لا يبقى شك في تقدم أدلة التمييز على الرجوع إلى عادات النساء، كتقدم عادتهن على العدد والاخبار، هذا. مع أن في موثقة محمد بن مسلم وجوها من الخدشة توهن متنها بحيث الاشكال في الاتكال عليها، كورود التخصيص الكثير المستهجن عليها، فإن إطلاقها يشمل جميع أقسام المستحاضة، ذات عادة كانت أو مميزة أو مبتدئة أو غيرها، ولا فرق في الاستهجان بين


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 1، ح 1.

[ 216 ]

التقييد والتخصيص الاصطلاحي. ودعوى الانصراف في غاية الوهن، ألا ترى أنه لو لم يكن عندنا إلا هي لما توقفنا ولاتوقف أحد في كون حكم المستحاضة الاقتداء ببعض نسائها، كانت الاستحاضة ما كانت والمستحاضة من كانت؟ وميزان الانصراف هو النظر إلى نفس الرواية دون معارضاتها ومقيداتها، فلا إشكال في إطلاقها. مع أن ذات العادة سواء كانت حافظة لعادتها أو ناسية لها، وذات التمييز سواء كانت مبتدئة أو غيرها خارجة منها نصا وفتوى، وإجماعا في بعضها، فلا تبقى منها إلا المبتدئة بلا تمييز وغير مستقرة العادة مع عدم التمييز - على إشكال في الثانية - ولا إشكال في ندرة غير ذات العادة والتمييز، فذكر هذا المطلق في مقام البيان لافادة حكم أفراد قليلة غير صحيح، فيوهن ذلك جواز التمسك بها. وكالارجاع إلى بعض نسائها، وهو مخالف للنص والفتوى، والعذر بأن عادة بعض نسائها أمارة على عادة سائرهن غير موجه، أما أولا فلعدم أمارية عادة فرد واحد من طائفة على عادة جميعها لا عقلا ولا عرفا، ولا يحصل منها الظن بها بلا شبهة وريب، وأما ثانيا فلان ظاهرها أن الاقتداء ببعض النسوة هو تكليفها الاولى لا لاجل كشف عادتها عن عادات الطائفة، ولا إشكال في أن العرف يرى التعارض بينها وبين موثقة سماعة التي تلقاها الاصحاب بالقبول. وكالامر بالاستظهار الذي لم يعهد القول به، فالظاهر إعراض الاصحاب عن مضمونها، فلا يمكن الاتكال عليها، كعدم إمكان الاتكال على موثقة أبي بصير التي هي كالنص في تخييرها بين الرجوع إلى امها أو اختها أو خالتها، مع فرض اختلافهن في العادة. ومنها أنه لا إشكال نصا وفتوى في رجوع المبتدئة بالمعني الاخص إلى عادة نسائها، فهل هو مختص بها، أو يعم من لم تستقر لها عادة ولو رأت مرارا؟ يمكن أن يقال بالتعميم، بدعوى استفادة حكمها من مضمرة سماعة، فإن الحكم بكون الاقراء أقراء نسائها وإن كان في مورد الجارية التي حاضت أول حيضها واستمر بها الدم و هي لا تعرف أيام أقرائها لكن العرف لا يرى لابتداء الدم خصوصية، لان الارجاع

[ 217 ]

إلى الاقارب حكم موافق لارتكاز العقلاء، لارتكازية كون عادات نساء طائفة إذا كانت متوافقة كاشفة عن حال المجهولة، ولحوق مجهولة الحال بهن. ولاريب في أن أمارية عادتهن إنما هي لقرب أمزجتهن، وعادة النساء أمارة لمن لم تكن لها أمارة من نفسها كعادتها الشخصية أو تميز دمها، فإذا لم تعرف عادتها بالامارات التي عندها تكون عادات الطائفة والارحام نحو طريق إلى عادتها. وهذا أمر ارتكازي عقلائي وإن لم يصل إلى حد يعتني به العقلاء بترتيب الآثار. لكن إذا ورد من الشارع على هذا الموضوع حكم الاقتداء بنسائها وأن أقراءها أقراؤهن لا ينقدح في ذهن العقلاء إلا ما هو المغروس في أذهانهم من كون عادات الطائفة متشابهة، وما هو المغروس في الاذهان ليس إلا ذلك من غير دخل لابتدائية الدم وعدمها، فإذا ضم هذا الارتكاز إلى موثقة سماعة تلغى خصوصية كون الجارية في أول ما حاضت، ويرى العقلاء أن تمام الموضوع للارجاع هو عدم معرفتها بأيامها ولو بالطرق الخاصة التي عندها، وكون عادات الطائفة شبيهة. هذا غاية التقريب لاستفادة حكم غير مستقرة العادة من موثقة سماعة، وفيه أن ذلك إنما يتم لو لم تكن للمبتدئة خصوصية لدى العرف، ولا لغير مستقرة الدم خصوصية مخالفة لخصوصية المبتدئة بحيث تكون تلك الخصوصية موجبة لقرب احتمال الافتراق بينهما في الحكم، لكن فرق بين المبتدئة وغير مستقرة الدم، فإن الثانية مخالفة في رؤية الدم لنسائها، فإنها ترى في كل شهر بعدد ووقت مغائر لما ترى في الشهر الآخر في حين تكون عادة نسائها على الفرض منتظمة متوافقة في العدد أو مع الوقت أيضا، فلا يمكن مع هذا الاختلاف بينها وبين الطائفة أن تكون عادة الطائفة لدى استمرار دمها كاشفة ولو ظنا عن عادتها بل الظن حاصل ببقاء الاختلاف، وهذا بخلاف المبتدئة التي لم تر الدم قط ولم تخالف نساءها في العادة بعد، فتكون عاداتهن كاشفة ظنا عند العقلاء عن عادتها، فهذا الفرق لا يدع مجالا لالغاء الخصوصية المأخوذة في موضوع الحكم ولو كانت في سؤال السائل. والعجب من صاحب الجواهر حيث قال في الرد على أن ثبوت اختلافها مع نسائها

[ 218 ]

يمنع من الرجوع إلى عادتهن عند الاشتباه: إن ذلك مجرد اعتبار لا يصلح مدركا للاحكام الشرعية. فإن هذا الاعتبار والاحتمال يمنع عن إثبات الحكم الشرعي لها لا أن مجرده مدرك للحكم الشرعي، وبينهما فرق واضح. نعم، مع التقريب المتقدم لا يبعد إلحاق من رأت مرة واحدة كعادة نسائها ثم استمر بها الدم بها، وهذا لا يوجب إلحاق المخالفة لهن بهن، كما يمكن دعوى إلحاق بعض ناسيات العادة بالمبتدئة، وهي من تكون ناسية لعادتها ولم تعلم إجمالا مخالفتها لعادات نسائها، لكن المحكي عدم التزامهم بذلك. وقد يتمسك لاثبات الحكم في غير المستقرة بموثقة محمد بن مسلم المتقدمة، وقد مر أنها بما لها من الظاهر غير معمول بها، بل بما قيل في تأويلها من كون الرجوع إلى بعض النساء أمارة على عادة الكل أيضا غير معمول بها. بل قد عرفت وهن إطلاقها لورود التقييد الكثير عليه، فيكشف ذلك عن خلل فيها، ولعله كان فيها قيد لم يصل إلينا، مع أن فيها حكمين غير معمول بهما لاغير، ولا يمكن أن يقال إن المراد ببعض النساء هي التي تكون معتدا بها بمقدار تكشف من عادتها عادة سائر النساء، أو المراد الحد الذي يكون غيره بالنسبة إليه نادرا بحكم العدم، فإن مثل ذلك التصرف غير مرضي عند العقلاء. والانصاف أن تلك الرواية موهونة المتن، مغشوشة الظاهر، ولهذا خص الشيخ - على ما حكي عنه - رواية سماعة بكونها متلقاة بالقبول بين الاصحاب. ومنها أن المعتبر في الرجوع إلى الاقارب هل هو اتفاق جميع نسائها وأقاربها من الابوين أو أحدهما حيا وميتا وقريبا وبعيدا كائنة من كانت، أو يكفي اتفاق الغالب مع الجهل بحال البقية، أو مع العلم بالمخالفة أيضا، أو يكفي الغالب إذا كانت المخالفة معهن كالمعدوم، أو إذا لم يعلم حال النادر كذلك، أو يكفي موافقة بعضهن مع الجهل بحال البقية؟ وهل يعتبر التساوي أو التقارب في السن معهن، أو يعتبر اتحاد البلد أو قربه من حيث الآفاق، أو لا؟ احتمالات ووجوه. لا يبعد القول بأن المتفاهم عرفا من موثقة سماعة ولو بضميمة ارتكاز العقلاء - من

[ 219 ]

أن الارجاع إليهن ليس لمحض التعبد الصرف بل لاجل أمارية خلق الطائفة لخلقها لتشابه أفراد طائفة في الامزجة وغيرها - أن اتفاق النوع بمثابة تكون من تخالف معهن نادرة يكفي في الا مارية، لان مثل تلك المخالفة لا يصدق عليها قوله فإن كانت نساؤها مختلفات، ولا انهن غير متفقات، بل تكون عادة تلك المرأة النادرة المخالفة لنوع الطائفة عند العقلاء معلولة بعلة، فيقال: إن الطائفة متفقه وإنما تخلفت عنها تلك النادرة، وهذا لا يعد اختلاف الطائفة، ولا يضر بأمارية حال النوع على مجهولة الحال ارتكازا. وبالجملة بعد ارتكازية الحكم يفهم العرف من رواية سماعة أن الشارع جعل موافقة أمزجة الطائفة كاشفة عن عادة المبتدئة المستمرة الدم على وزان الارتكاز العقلائي، وهو عدم إضرار التخلف النادر بها، وأولى بذلك ما إذا جهل حال بعضهن إذا كانت البقية بحيث يقال إن الطائفة خلقها كذا. ثم إن ما هو المتفاهم من الموثقة بضميمة الارتكاز المشار إليه أن عدد النساء لو كان قليلا جدا كالاثنتين والثلاث مثلا لا يجوز الاقتداء بعادتهن إلا إذا علم حال الاموات منهن بحيث يصدق على اتفاقهن أن نساء الطائفة كانت عادتهن كذلك، وبالجملة الميزان في الرجوع إلى نسائها هو ما ذكرنا. ومن هنا يظهر أن الارجاع إلى عادة النساء من الفروض النادرة التحقق بحيث لا ينافي الحصر المستفاد من المرسلة، فإن السكوت عنه فيها كالسكوت عن مصداق غير مبتلى به، وأما التعرض له في المرسلة فلا مانع منه، لان التعرض بالخصوص لفرد نادر غير عزيز. ثم إن الظاهر من الموثقة هو كون موضوع الارجاع إلى النساء متقيدا بأمر وجودي وهو كون النساء متماثلة الاقراء، وأما الارجاع إلى العدد فلا يتوقف إلا على فقد هذا المرجع. وبعبارة اخرى: إن الاختلاف المفروض ليس موضوعا للحكم بالرجوع إلى العدد، بل عدم الموافقة موضوع له، فحينئذ لو قلنا بجريان أصالة عدم الموافقة على نحو أصل العدم الازلي يحرز موضوع الرجوع إلى الروايات مع

[ 220 ]

الشك في الموافقة والمخالفة، وهذا بخلاف ما لو كانت المخالفة أيضا مأخوذة في موضوع العدد، لكونها أمرا وجوديا غير مسبوق بالعلم، لكن في أصل جريان تلك الاصول العدمية إشكال ومنع، وقد فرغنا عن عدم جريانها في محله، فلا يبقى لذلك النزاع ثمرة. ثم إن نساءها قد يتفق في العدد والوقت وقد يتفقن في واحد منهما دون الآخر، فهل المستفاد من الموثقة هو كون النساء مرجعا لها عند اتفاقهن فيهما، و مع الاختلاف ولو في واحد منهما لا ترجع إليهن بل ترجع إلى العدد؟ وبعبارة اخرى: هل يكون الاختلاف أو عدم الاتفاق في الجملة موضوعا للرجوع إلى العدد، أو يكون الاتفاق في الجملة موضوعا للرجوع إلى النساء، وعدم الاتفاق مطلقا والاختلاف فيهما موضوعا للرجوع إلى العدد؟ قد يقال: إن ظاهر ذيل الموثقة حيث تعرض للعدد هو الارجاع إليهن مع اتفاقهن في العدد ولاتعرض لها للوقت، مع أنه لو توقف الرجوع إلى النساء على اتفاقهن عددا ووقتا يلزم منه أن يكون الرجوع إليهن فرضا في غاية القلة. وفيه أن التعرض للعدد في الذيل لا يدل على كون فرض الصدر كذلك، لامكان أن يكون الاتفاق عدد أو وقتا أمارة على عادتها، ومع الاختلاف في الجملة تكون فاقدة الامارة وحكمها الرجوع إلى العدد والاختيار في الوقت، مع إمكان أن يقال: إن الرواية لا تكون بصدد التعرض للعدد والارجاع إليه، بل تكون بصدد بيان أنه مع اختلافهن تكون غاية جلوسها من طرف الزيادة هي العشر ومن طرف النقيصة هي الثلاث مخيرة بين الحدين، فتكون في العدد والوقت مخيرة، وسيأتي بيان ذيل الرواية عن قريب. وأما صيرورة الفرد نادر فلا محذور فيه، بل هي مؤيدة لحصر رواية يونس، وموجبة لتوافق الروايات. لكن التحقيق شمول الموثقة لاتفاقهن عددا فقط ووقتا كذلك، فإن الظاهر من صدرها حيث جعل أقراءها أقراء نسائها أنه إذا كان للنساء أقراء يكون أقراؤها مثلها ومع اتفاق النساء في العدد لاشبهة في صدق كونهن ذوات الاقراء، بل وكذلك إذا اتفقن في الوقت يصدق أن لهن أقراء، فيجب عليها بحسب إطلاق الرواية الرجوع

[ 221 ]

إليهن في أقرائهن. واما ذيل الرواية أي قوله " فإن كانت نساؤها مختلفات " فقد عرفت أن الاختلاف ليس موضوعا للحكم، بل ما يتفاهم عرفا من الرواية أن الذيل في مقام بيان مقابل ما يفهم من الصدر، فكأنه قال: إذا لم يكن لهن أقراء... وعدم الاقراء عرفا بعدم جميع المصاديق، كما أن تحققها بتحقق فرد ما. هذا مع موافقة الارتكاز العرفي لذلك، وقد عرفت أن الظاهر أن الرواية وردت موافقة له لا للتعبد المحض، مع أنه لو قلنا بأن الرواية تعرضت للعدد فقط يجب أن يلتزم بأنه إذا اتفقن في العدد والوقت جاز لها تخلفهن في الوقت دون العدد، مع أنه مخالف لفهم العرف من الرواية كما لا يخفى. ومنها أنه نسب إلى المشهورة تارة أنها ترجع إلى عادة أقرانها مع فقد نسائها أو اختلافهن، واخرى إلى مذهب الاكثر، وثالثة إلى ظاهر كلام المتأخرين، و استظهر بعضهم دعوى الاجماع عليه من عبارة السرائر، وهو في محل المنع كما يظهر وجهه من الرجوع إليها، مع ضعف دعواه بعد أن القول بعدم اعتبار الرجوع إليهن محكي عن جمع من الاصحاب كالصدوق والمرتضى والشيخ في الخلاف والنهاية والمحقق والعلامة وغيرهم. فلا تكون المسألة إجماعية ولا مشهورة بحيث يمكن الاتكال عليها، ولا دليل عليها إلا بعض وجوه ضعيفة، كحصول الظن من موافقة الاقران وهو على فرض حصوله لا يعتمد عليه ولا دليل على اعتباره. وكالتشبث بمرسلة يونس القصيرة حيث اعتبرت فيها مراتب السنين في القلة والكثرة في الحيض، وفيه أنها - مع ضعفها سندا ووهنها متنا كما تقدم - لاتدل على المقصود، غاية الامر أن فيها إشعارا لا يصل إلى حد الدلالة. وكدعوى شمول " نسائها " لاقرانها خصوصا إذا كن في بلدها، وفيه مع منع ذلك أن لازمه اشتراك الاقرباء والاقران في جواز الرجوع إليهن، وهو ليس بمراد قطعا ولم يقل به أحد، والاتكال في الترتيب بينهما على فهم العرف في غير محله، لمنع ذلك، فالاقوى هو عدم اعتبار الاقران، ومعه لا داعي إلى تعيين الموضوع.

[ 222 ]

(الامر السادس) إذا لم يكن لها الرجوع إلى نسائها إما لاجل اختلافهن أو فقدان عدة يمكن الرجوع إليهن - بناء على ما تقدم من أن الميزان في الرجوع إمكان كشف حال النوع منهن بأن تكون عدتهن بمقدار يقال عند اتفاقهن إن الطائفة عادتها ذلك - فأقوال الاصحاب فيه مختلفة جدا لا يمكن الاتكال على دعوى الشهرة أو الاتفاق فيه فلابد من النظر إلى روايات الباب ليتضح الحال. فتقول: إن الروايات مختلفة بحيث لا يكون بينهما جمع عقلائي مقبول يمكن الاتكال عليه، وقيل في وجه الجمع بينها غير مرضي، ففي موثقة سماعة بطريق الشيخ: فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام وأقلة ثلاثة أيام (1) وفي رواية الخزاز التي لا يبعد أن تكون موثقة عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة؟ وكم تدع الصلوة؟ فقال: أقل الحيض ثلاثة، وأكثره عشرة، وتجمع بين الصلوتين. (2) وقد يجمع بينهما وبين سائر الروايات كموثقتي ابن بكير ومرسلة يونس الطويلة بحملهما على التخيير بين الثلاثة إلى عشرة أيام وحمل رواية يونس وابن بكير على مراتب الفضل. وفيه أولا أن موثقة سماعة لاتدل على التخيير بين الثلاثة إلى العشرة، بل يحتمل أن يكون المراد التخيير بين خصوص الحدين، تأمل. و الاظهر أنها ليست في مقام بيان كيفية جلوس عشرة أيام وثلاثة، بل من هذه الجهة مهملة أو مجملة ترفع إجمالها رواية ابن بكير الظاهرة في أن العشرة إنما تكون في الدورة الاولى، والثلاثة في بقية الدورات، فالجمع بينهما عقلائي وأما حمل روايتي ابن بكير على أحد طرفي التخيير لاجل كونه أفضل الافراد فهو فرع كون دلالة موثقة سماعة على التخيير أقوى من دلالتهما على التعيين، وهو في محل


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 8، ح 4.

[ 223 ]

المنع، بل التصرف في موثقة سماعة بقرينية الموثقتين أهون، لو لم نقل بأنه ليس تصرفا فيها بل من قبيل تفصيل ما أجمل فيها وتوضيح ما ابهم، كما لا يخفى وجهه على الناظر فيهما. ومنه يظهر الحال في رواية الخزاز حرفا بحرف مع الغض عن الوهن الذي في متنها من حيث ورود التقييد الكثير عليها، فإن موضوعها المستحاضة مع أن الحكم لقليل من أفرادها. إلا أن يقال: إن المراد بقوله: إذا رأت الدم... وإذا رأت الصفرة... هو رؤية الدم محضا بلا تغير حال، أو رؤية الصفرة كذلك، فلا إشكال من هذه الجهة. ومن حيث إن ظاهرها أن مقدار تركها الصلوة أقل الحيض وأكثره أي مجموعهما، و من حيث إن قولة " وتجمع بين الصلوتين " وقع في غير محله، فلا يخلو متنها من التشويش والاضطراب. وثانيا إن فقرات مرسلة يونس آبية عن هذا الجمع كالانحصار المستفاد منها، وكقوله ان التحيض بالستة أو السبعة إنما هو في علم الله، وكقوله: أقصى وقتها سبع وأقصى طهرها ثلاث وعشرون، وكقوله: فسنتها السبع والثلاث والعشرون، مما هي آبية عن الحمل على الافضلية، ولايكون الجمع المذكور بينها وبين تلك الروايات مقبولا عقلائيا. والذي يمكن أن يقال في المقام أن الجمع بين موثقتي ابن بكير وموثقة سماعة بما تقدم جمع عقلائي فتحمل الموثقة على الموثقتين حملا للمجمل على المفصل والمبين، فيقع التعارض بينها وبين مرسلة يونس من غير إمكان الجمع بينهما، لكن لا إشكال في أن المشهور اتكلوا على المرسلة، ولاريب في أن مبنى أحد طرفي التخيير سواء كان سبعا أو كانت مخيرة بين السبع والست إنما هو المرسلة، وأما الطرف الآخر للتخيير بالمعنى الذي ادعي الشهرة والاتفاق عليه - وهو ثلاثة من شهر وعشرة من شهر كما نسب إلى أشهر الروايات تارة وإلى المشهور اخرى، أو الثلاثة في الاول و العشرة في الثاني كما ادعي الاجماع عليه، أو أن المضطربة مخيرة بين الستة والسبعة في شهر والثلاثة والعشرة في شهر آخر كما قيل ان هذا الحكم هو المعروف بين

[ 224 ]

الاصحاب - فلا يمكن أن تكون الروايات الواردة في الباب مستنده له، ضرورة عدم دلالة شئ منها عليه لا فردا ولاج معا، فإن الموثقتين ظاهرتان ظهورا قويا في التفصيل بين الدور الاول فثلاثة، وسائر الادوار فعشرة، ولو نوقش في دلالتهما على التفصيل المذكور فلا شبهة في عدم شائبة دلالة لهما على فتوى المشهور، خصوصا إذا قيل بتقدم الثلاثة على العشرة فإنه على عكس مفاد الروايتين، كما أن موثقة سماعة أيضا لا يمكن أن تكون مستندة لفتوى المشهور، سواء قلنا بظهورها في التخيير بين الثلاثة إلى العشرة أو في التخيير بين خصوص الحدين، أو قلنا بإجمالها من هذه الجهة. والجمع بينهما أيضا لا يقتضي ذلك. وتوهم غفلة المشهور عن ظاهر الموثقتين أو عدم دلالة موثقة سماعة في غاية السقوط، فهذه الروايات مما لا يمكن الاتكال عليها بعد شذوذها وعدم نقل العمل بها إلا عن الاسكافي وبعض متأخري المتأخرين، ولايجوز رفع اليد عن ظهور مرسلة يونس التي لا إشكال في كونها مورد اعتماد الاصحاب بمثل تلك الروايات، وليست الشهرة في المسألة الفرعية بحيث يمكن الاتكال عليها ويثبت الحكم بها بعد كون المسألة ذات أقول كثيرة. وبعبارة اخرى: إن الاصحاب على اختلافهم في الفتوي متفقون تقريبا على العمل بمرسلة يونس وعلى ترك العمل بالموثقات، ومعه لا يبقى مجال للعمل بها، ولكن لا يوجب ذلك جواز الاتكال على نقل الشهرة في المسألة الفرعية، لعدم قيام الشهرة المعتبرة بحيث يمكن كشف دليل معتبر، فتبقى مرسلة يونس بلا معارض. نعم، تختلف فقرات المرسلة في التخيير بين الستة والسبعة المستفاد من قوله صلى الله عليه وآله " تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام " وتعيين خصوص السبعة المستفاد من جملة من فقراتها، كقول أبي عبد الله عليه السلام " ألا ترى أن أيامها لو كانت اقل من سبع وكانت خمسا أو أقل من ذلك ما قال لها تحيضي سبعا " وقوله " لو كان حيضها أكثر من سبع - الخ - " وقوله " أقصى وقتها سبع وأقصى طهرها ثلاث و عشرون " وقوله " فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون " وقوله " فسنتها السبع و الثلاث والعشرون ".

[ 225 ]

والجمع بينهما بحمل ما عدا الفقرة الاولى على الاجمال في البيان والاشارة إلى تكليفها التخييري الذي سبق الكلام فيه وحمل قوله " أقصى طهرها - الخ - " على الاقصى مع الاخذ بالسبع في غاية البعد، خصوصا الحمل الاخير، ضرورة أن الاخذ بالسبع لا يوجب صيرورة الثلاث والعشرين أقل الطهر. وما قيل ان الثلاث و العشرين أقصاه على تقدير اختيار السبع حيث إنه ربما يكون على هذا التقدير طهرها أقل من ذلك إذا كان الشهر ناقصا، مبني على كون المراد بالشهر هو الشهر الهلالي، وسيأتي الاشكال فيه. أو ان المقصود في ما إذا اتفق سيلان الدم في أول الشهر الهلالي وقلنا في مثل الفرض بأن الميزان هو الشهر الهلالي ولو كان ناقصا، فيكون الاقصى إضافيا في بعض الفروض النادرة، فهو كما ترى مخالف للفهم العرفي. فلا إشكال في تعارض الفقرات، فإن قوله وقتها السبع، أو سنتها السبع، أو أقصى طهرها ثلاث وعشرون، لا يجتمع مع التخيير، كما أن القول بسهو الراوي مخالف للاصل، بل بعيد جدا في المقام، خصوصا مع تكرار الترديد بقوله " صومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين " وخصوصا مع الجزم في سائر الفقرات. لكن مع ذلك لزوم الاخذ بالسبعة لا يخلو من قوة، إما لاجل الدوران بين التعيين والتخيير ولزوم الاخذ بالتعيين، وإما لان أصالة عدم الخطأ أصل عقلائي يشكل جريانها في مثل المقام الذي كانت الفقرات المتأخرة كلها شاهدة عليه، و ليس الكلام ظاهرا في التخيير، بل وقوع التعارض إنما هو لاجل جريان الاصل العقلائي، وهو محل إشكال، فالاخذ بالسبع لو لم يكن أقوى فهو أحوط. ثم إن الظاهر عدم اختصاص لزوم الاخذ بالسبع - بعد ما رجحنا العمل بالمرسلة - بالمبتدئة بالمعنى الاخص، لما تقدم من استفادة حكم من لم تستقر لها عادة من ذيل المرسلة. نعم، لا إشكال في اختصاص الموثقات بالمبتدئة بالمعنى الاخص، فلو رجحناها على المرسلة أو قلنا بالتخيير بين المضمونين لما جاز إسراء الحكم إلى غيرها. والقول بأن اختصاص مورد تلك الموثقات بالمبتدئة مثل اختصاص مورد المرسلة بها والمناط في الجميع سواء، كما ترى. فإن مورد ما سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وآله في المرسلة

[ 226 ]

وإن كان المبتدئة لكن الذيل ظاهر في أعمية الحكم، مضافا إلى حصر السنن، ولولا ذلك لما تعدينا عن مفاد الصدر. وهذا بخلاف الموثقات، فإنها واردة في المبتدئة من غير دليل على التعدي، ودعوى وحدة المناط في غير محلها: كما أن دعوى استفادة ذلك من قوله في ذيل المرسلة عند بيان من لم تستقر لها عادة " ان سنتها السبع والثلاث والعشرون لان قصتها قصة حمنة " بعد أن مثل للمبتدئة بالمعنى الاخص بحمنة وعلم من سائر الروايات أن لها الخيار، في غير محلها، لان كون قصتها قصة حمنة في الاخذ بالسبع لا يوجب أن يكون حكمها حكم حمنة مطلقا، وبعبارة اخرى: يستفاد من التعليل أن من كانت قصتها قصة حمنة تكون سنتها السبع والثلاث والعشرين، لا أن كل ما لحمنة يكون لها، فالتخيير المستفاد من جمع الروايتين على فرض صحته أو من الفتوى بالتخيير على فرضه لا يشمل غير المبتدئة بالمعنى الاخص. (تنبيه) هل تتخير في وضع العدد في ما تشاء من الشهر، أو يتعين عليها جعله في أول الشهر الهلالي، أو يتعين جعله في أول رؤية الدم؟ نسب صاحب الحدائق إلى الاصحاب تخيرها، وعن المعتبر والمنتهي وجامع المقاصد والمسالك والمدارك وغيرها اختيارها وكذا عن ظاهر المبسوط. وعن التذكرة وكشف اللثام أنه يتعين عليها وضع ما تختاره من العدد أول ما ترى الدم، وهو الاقوى، لظهور مرسلة يونس فيه، حيث قال فيها " تحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين، واغتسلي للفجر غسلا - الخ - " و الشهر في غير المورد وإن كان ظاهر في الهلالي، لكن حمله في المورد على الهلالي في غاية البعد، بل فاسد، لان لازمه عدم التعرض لحكمها من حين الرؤية إلى أول الشهر الهلالي أو عدم حكم لها إذا رأت الدم في ما بين الشهر، وكلاهما فاسدان، مضافا إلى أن الظاهر من المرسلة أن السبع وكذا الثلاث والعشرون يجب أن تكون

[ 227 ]

متصلة لا متفرقة، ومع حساب الشهر من أول الهلالي يلزم إما زيادة الطهر على الثلاث والعشرين أو التفرق بين أجزائها، وهما خلاف المتفاهم من الرواية. وبالجملة الظاهر منها أنه من حين رؤية الدم يحسب الشهر، ولا تكون بقية الشهر من حين الرؤية ساقطة عن الحكم، فحينئذ يكون ظاهرها أنه من حين الرؤية تجعل الست أو السبع حيضا ثم تجعل ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين طهرا، ولا إشكال في أن الظاهر منها مع العطف ب‍ " ثم " هو تقديم الحيض على الطهر. وبعد كون الظاهر منها أن الحساب من حين الرؤية وأن أيام الحيض والطهر لابد وأن تكون متصلة لا متفرقة كما هو المتفاهم من المرسلة لا يبقى ريب في ما تقدم ذكره. وتوهم عدم كون المرسلة في مقام البيان فاسد جدا، فإن عدم البيان المدعى إن كان في نقل أبي عبد الله عليه السلام قصة حمنة فظاهر المرسلة أنه عليه السلام ذكر جميع الخصوصيات حتى ما لا تكون دخيلة في الحكم، وإن كان في بيان رسول الله صلى الله عليه وآله فهو مع فساده عقلا - لان حمنة سألته عن تكليفها الفعلي فلا يعقل الاهمال في الجواب - خلاف ظاهر الرواية بعد بيان خصوصيات تكليفها من الغسل وتأخير الظهر والمغرب وتقديم العصر والعشاء إلى غير ذلك، فلا إشكال في كونه صلى الله عليه وآله في مقام البيان وكون أبي عبد الله عليه السلام في مقام نقل خصوصيات القضية، فلابد من الاخذ بجميع الخصوصيات التي يستفاد منها الحكم، ومنها تخلل " ثم " المستفاد منه تأخر ثلاثة وعشرين عن السبعة. وعدم الاخذ ببعض مفاد القضية لخلل لا يوجب عدم الاخذ بالخصوصية التي لا خلل فيها، فإذا ضم إليه ما قلنا من كون مبدأ الشهر أول الرؤية يستفاد المقصود منها. واما موثقة ابن بكير فقد عرفت أنها ليست مستندة للحكم، كما أن التشبث بمرسلة يونس القصيرة غير محتاج إليه، مع أن موردها غير ما نحن فيه، مضافا إلى ورود الاشكالات المتقدمة عليها. واما تقريب كون المعيار من أول الرؤية بأنه ربما يمنع جعل الابتداء من أول الشهر الهلالي، كما لو كان ابتداء رؤيتها في أواخر الشهر بحيث لا يتخلل بين

[ 228 ]

أقل الحيض منه وبين أول الشهر الثاني أقل الطهر، فإن الاظهر بل المعلوم أنه يجب عليها في أول الرؤية أن تتحيض إلى العاشر، كما يدل عليه مضافا إلى الاجماع وقاعدة الامكان النصوص الكثيرة التي منها موثقتا ابن بكير، ومع التجاوز عن العشرة و عدم التصادف للعادة والتمييز فلا مقتضي لرفع اليد عما ثبت عليها بمقتضى تكليفها الظاهري، ولا دليل على عدم كونه حيضا. فغير وجيه فإن لزوم التحيض في أول الرؤية لا يوجب كونه حيضا، نعم لو انقطع على العاشر أو قبله يكون المجموع حيضا وهو القدر المتيقن من الاجماع المدعى على قاعدة الامكان كما تقدم، وأما مع التجاوز فلا إشكال في عدم الدليل على الحيضية فضلا عن قيام النصوص الكثيرة. وموثقتا ابن بكير ظاهرتان في أن تكليف مستمرة الدم هو العدد، لكن في الدورة الاولى يكون عددها عشرة، وفي سائر الدورات ثلاثة، ولا دلالة فيهما ولا في غيرهما على أن العشرة الاولى حيض واقعا حتى يمتنع جعل أول الهلالي المفروض حيضا. ومنه يظهر أن القول بأن الاخذ بالعدد مطلقا إنما هو بعد العشرة الاولى، و أما قبل تمامها فليست مستحاضة، غير تام، لان ظاهر المرسلة والموثقات هو أن تكليف مستمرة الدم مطلقا هو الاخذ بالعدد، وعدم علمها بكونها مستمرة الدم لا يوجب عدم محكوميتها بحكمها. وكيف كان فالمعول عليه في المقام هو المرسلة، وقد عرفت ظهورها في لزوم التحيض من حين رؤيتها في كل شهر سبعا، وبعده محل طهرها. ثم الظاهر أنه لو صادف أول الرؤية أول الشهر الهلالي يجب عليها في السبع الاول منه التحيض وفي بقية الشهر الصلوة وإن كان ناقصا، وذكر الثلاث والعشرين إنما هو لاجل كون الوقوع في أول الهلالي نادرا، خصوصا في صورة نقصان الشهر، والغالب وقوعه بين الهلالين، فيجب عليها التلفيق والاخذ بالثلاث والعشرين. المسألة الثانية لا إشكال في أن ذات العادة تجعل عادتها حيضا مع استمرار دمها وتجاوزها عن العشرة، وما سواها استحاضة، مع عدم معارضتها لتمييز، وأما مع اجتماع العادة والتمييز والتعارض بينهما كأن لا

[ 229 ]

ينفصل بينهما أقل الطهر من الدم الغير المتميز، فهل تعمل على العادة كما عن المشهور، أو على التمييز كما عن الظاهر الخلاف والمبسوط، أو تتخير بينهما كما عن الوسيلة؟ لا ريب في أن العادة مقدمة لما يظهر من مرسلة يونس وموثقة إسحاق بن جرير أن ذات العادة لا وقت لها إلا أيامها المعلومة، وأن الرجوع إلى التمييز متأخر عن الرجوع إلى العادة التي هي أقوى الامارات، وأن الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض، فلا إشكال في المسألة، بل الظاهر أن ذات العادة الوقتية فقط ترجع في وقتها إلى عادتها، وترجع إلى غيرها من التمييز وغيره في عددها، وكذا ذات العددية ترجع في العدد إلى العادة وفي الوقت إلى غيرها، كما يظهر ذلك كله من المرسلة، وتقدم بعض الكلام فيها. المسألة الثالثة في الناسية، وفيها جهات من البحث. الجهة الاولى: الناسية إما ناسية للعادة وقتا وعددا، أو وقتا فقط مع ذكر عددها، أو عددا مع ذكر وقتها، وأيضا قد تكون ناسية للوقت والعدد مطلقا، وقد تكون ذاكرة في الجملة لهما وناسية كذلك، كما إذا علمت أنها في أول الشهر كانت حائضا ولم تعلم أن أول الشهر أول حيضها أو آخره أو وسطه، هذا بالنسبة إلى الوقت، وأما في العدد فكما إذا علمت أنه لم يكن أقل من خمسة أيام ونسيت الزيادة أنها يوم واحد أو أكثر، وقد تكون ذاكرة في الجملة لاحدهما و ناسية للآخر مطلقا، وأيضا قد تكون ذاكرة لكون حيضها في النصف الاول من الشهر مثلا وناسية لمحله من النصف، وحينئذ قد يكون تمييزها في هذا النصف من الشهر، وقد يكون في النصف الآخر، وأيضا قد تعلم أن عادتها في كل شهر مرة واحدة وقد تنسى ذلك، وأيضا قد يكون تمييزها بمقدار عددها، وقد يكون أقل، وقد يكون أكثر. والحاصل أن الناسية قد تكون غير ذاكرة بقول مطلق لا تكون لها جهة ذكر مطلقا، وقد تكون ذاكرة لجهة من الجهات، وعلى أي تقدير قد تكون ذات تمييز وقد لا تكون كذلك الجهة الثانية: لا ينبغي الاشكال في رجوع الناسية ذات التمييز إلى التمييز

[ 230 ]

في الجملة، وذلك لا لكونها القدر المتيقن من مرسلة يونس كما قيل، لما تقدم من أن فيها احتمالين وأرجحهما أن المراد من مختلطة الايام هي التي كانت لها أيام منضبطة ثم اختلطت بالنقص والزيادة والتقدم والتأخر حتى أهملت وتركت أيامها، بل لاستفادة حكمها من المرسلة بعد التأمل في مفادها، حيث إن أبا عبد الله عليه السلام وإن بين أولا في السنة الثانية سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلطت عليها لكن تمسك في ذيلها بقول النبي صلى الله عليه واله وسلم وقال: وذلك أن فاطمة بنت أبي حبيش - إلى أن قال - أما تسمع رسول الله صلى الله عليه وآله أمر هذه بغير ما أمر به تلك؟ ألا ترى أنه لم يقل لها: دعي الصلوة أيام أقرائك، ولكن قال لها: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلوة؟ فطريق استفادة حكم مختلطة الايام بناء على إرشاد أبي عبد الله عليه السلام هو أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لم يأمر ها بترك الصلوة أيام الاقراء وأمرها بتركها إذا أقبلت الحيضة، فدل ذلك على أن هذه امرأة لم تكن عارفة بوقتها ولم تكن أيامها معلومة قد أحصتها كما في السنة الاولى. فمنه تعلم قاعدة كلية هي أن كل امرأة لم تعلم عددها ولا وقتها لابد لها من الرجوع إلى التمييز، ويستفاد من تلك القاعدة حال مختلطة الايام بالمعنى المتقدم التي هي إحدى المصاديق لمطلق الجاهلة بالايام و التي لم تعرف أيامها. فقوله عليه السلام " فهذه يبين أن هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها ولا وقتها " ليس المراد منه المختلطة بالمعنى المتقدم، ضرورة أن مجرد إرجاع النبي صلى الله عليه وآله إياها إلى التمييز وعدم إرجاعها إلى العادة لا يبين ذلك، بل يبين الاختلاط بمعنى أعم منه، فيكون المراد من الاختلاط في هذه الفقرة هو عدم المعرفة بالعدد والوقت مطلقا، ولهذا جعل عدم معرفتها موضحا للاختلاط. ومما يبين ذلك قوله عليه السلام " فهذا يبين لك أن قليل الدم وكثيره أيام الحيض حيض كله إذا كانت الايام معلومة، فإذا جهلت الايام وعددها احتاجت إلى النظر حينئذ إلى إقبال الدم وإدباره " حيث جعل الجهل بالايام مطلقا مقابل العلم بها موضوعا لاحتياجها إلى التمييز. و بالجملة إن التأمل في فقرات الرواية يدفع الريب في دلالتها على حكم الناسية، وهذا

[ 231 ]

في الجملة مما لا إشكال فيه. كما أن الاظهر اعتبار العادة وتقدمها على التمييز إذا أمكن التشخيص بها و لو في الجملة، فإذا ذكرت عادتها من حيث الوقت في الجملة ونسيت العدد وجب عليها التحيض في الوقت على حسب ذكرها، وفي العدد الرجوع إلى المرتبة المتأخرة وكذا مع ذكر العدد ونسيان الوقت لابد لها من أخذ العدد حسب عادتها والعمل بالتمييز لتشخيص وقتها بمقدار الامكان، حتى أنه لا يبعد ذلك لو كانت عالمة إجمالا بأن وقتها لا يكون خارجا عن النصف الاول، فلا يبعد تقديم العادة في هذه الصورة على التمييز الحاصل في النصف الآخر، ومع عدم التمييز في الاول ترجع إلى المرتبة المتأخرة. كما أنه لا يبعد عدم الاعتبار بالتمييز إذا كان في الشهر أزيد من مرة واحدة مع علمها بعدم زيادة عادتها في كل شهر على مرة واحدة. وبالجملة لا يبعد أن يكون المتفاهم من الرواية والحصر المصرح به وغير ذلك من الفقرات أن الدم في العادة لما كان أمارة قوية على الحيض تكون تلك الامارة مقدمة على التمييز الذي هو أيضا أمارة بعدها، وكلما يمكن كشف الحيض بالامارة القوية لا تصل النوبة إلى الامارة المتأخرة سواء كانت كاشفة عن الوقت والعدد مطلقا أو عن واحد منهما أو عنهما في الجملة، فيجب عليها الرجوع إلى العادة حتى الامكان، ومع عدمه ترجع إلى التمييز، كما يشعر به بل يدل عليه في الجملة قوله " حتى أغفلت عددها وموضعها من الشهر " فعلق الحكم بالرجوع إلى التمييز على إغفال العدد والموضع من الشهر، فيستفاد منه أنه مع عدم إغفال أحدهما لا يجوز الرجوع إلى التمييز في مورده، فيعلم من ذلك حال جميع الصور المتقدمة في الجهة الاولى وغيرها. ثم إن المتحيرة التي كان تكليفها الرجوع إلى التمييز يجب عليها التحيض عند وجود التمييز، ولا تنتظر استقرار حيضها بمضي ثلاثة أيام مثلا، لادلة التمييز كصحيحة معاوية بن عمار ومرسلة يونس وغيرهما. الجهة الثالثة: إذا فقدت الناسية التمييز بأن استمر عليها الدم على نهج واحد

[ 232 ]

أو اختلف لكن لا على وجه يمكن الرجوع إليه، فإما أن تكون ذاكرة العدد ناسية الوقت، أو العكس، أو ناسيتهما، فيقع الكلام في ثلاثة مواضع: الموضع الاول: لو ذكرت العدد دون الوقت بأن تكون ناسية للوقت مطلقا بحيث لاتذكر منه شيئا لا تفصيلا ولا إجمالا بأن كان العدد المحفوظ في ضمن عدد لا يزيد عن نصف ما وقع الظلال فيه كالخمسة والاربعة في العشرة لا كالستة فيها. فعن المبسوط وجوب الاحتياط عليها بأن تعمل في الزمان الذي وقع الظلال فيه عمل المستحاضة وتترك ما يحرم على الحائض وتغتسل للحيض في كل وقت تحتمل انقطاع دم الحيض فيه و تقتضي صوم عادتها قضاء للعلم الاجمالي. ونوقش فيه بأن الاحتياط مستلزم للحرج والضرر المنفيين في الشريعة. و فيه أن دليل نفي الحرج ظاهر في أن الله تعالى لم يجعل في الدين الحرج كالغسل و الوضوء الحرجيين بواسطة شدة البرد والمرض وغيرهما، وفي ما نحن فيه لا يكون المجعول الشرعي أو موضوعه حرجيا، وإنما الحرج من قبل الجمع بين المحتملات اللازم عقلا، وهو أمر غير مجعول، لعدم كون الاحتياط واجبا شرعيا حتى يرفع بدليل الحرج، ولا دليل على أن كل تكليف يستلزم الحرج مطلقا مرفوع، وما ورد من الآيات والاخبار في هذا المضمار إنما يدل على عدم جعل الشارع العسر والحرج في الدين. إلا أن يقال: إن قوله تعالى " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " دال على أن الجمع بين المحتملات اللازم منه العسر خلاف إرادة الله ورضاه، لكن الظاهر أن سوق الآية من قوله " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر يريد الله بكم اليسر - الخ " أن أحكام الله تعالى لا تكون حرجية، ولا يريد في أحكامه الحرج على العبيد. وهو نظير قوله في ذيل آية الوضوء " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم " هذا، ولكن الظاهر منهم عدم الفرق بين الحرج الذي في أصل التكليف أو موضوعه والذي يلزم منه ولو بواسطة جهات خارجية، و المسألة تحتاج إلى زيادة تأمل. هذا مضافا إلى أن الحرج إنما ينفي مثل الغسل و الوضوء على الفرض بعد تسليم حصول الحرج بمثل هذا الاحتياط دون مثل حرمة

[ 233 ]

اللبث في المسجد ومس الكتاب وقراءة العزائم وأمثالها، مع أن الموارد مختلفة، و الاشخاص متفاوتة، فلا يفي دليل الحرج بجميع الموارد. وقد يرد دليل الاحتياط بعدم تنجيز العلم الاجمالي في التدريجات، وهو ضعيف لما حقق في محله من عدم الفرق بين الدفعيات والتدريجيات في تنجيز العلم. لكن التنجيز في المقام إنما هو إذا قلنا في العبادات بالحرمة التشريعية، وهو خلاف ظاهر الادلة، وأما إذا قلنا بالحرمة الذاتية فمحل إشكال كما سبقت الاشارة إليه من أن أمر العبادات حينئذ دائر بين المحذورين، فلا يكون العلم في مورد الدوران منجزا، ومع عدم التنجيز في أحد الاطراف تبقى بقية الاطراف بلا منجز، فالقاعدة تقتضي جواز ترك الصلوة وارتكاب محرمات الحائض، إلا أنه قام الاجماع على عدم جواز ترك الصلوة في جميع الايام، هذا. ولكن الذي يسهل الخطب أن استفادة حكم الواقعة من الادلة كمرسلة يونس لا يدع مجالا للعلم الاجمالي والاحتياط، فإن الظاهر منها أن دلت العادة لا وقت لها إلا عادتها وقد مر أن المتفاهم منها بعد التأمل في فقراتها أن الدم في العادة أمارة قوية لا تصل النوبة معها إلى التمييز الذي هو أيضا أمارة عليه، فضلا عما إذا لم يكن لها تمييز. ففي المرسلة في ضمن بيان السنة الثالثة: ألا ترى أن أيامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمسا أو أقل من ذلك ما قال لها تحيضي سبعا، فيكون قد أمرها بترك الصلوة وهي مستحاضة غير حائض؟ وكذا لو كان حيضها أكثر من سبع وكانت أيامها عشرا أو أكثر لم يأمرها بالصلوة وهي حائض. وهذا صريح في أن ذات العادة أيامها حيض والزائد عليها استحاضة، ومع كون أيامها عددا معينا يكون هذا العدد بخصوصه حيضها، ولايجوز لها التحيض زائدا عنه ولا ناقصا. ويدل على المقصود أيضا قوله " مما يزيد هذا بيانا قوله لها تحيضي، وليس يكون التحيض إلا للمرأة التي تريد أن تكلف ما تعمل الحائض، ألا تراه لم يقل لها أياما معلومة تحيضي أيام حيضك؟ " فإن الظاهر منه أن من كانت لها أيام معلومة تكون أيامها أيام الحيض، لا أن عليها التحيض والتكلف، وإنما يقال

[ 234 ]

تحيضي وتكلفي عمل الحائض لمن لم تكن لها أيام. ويدل عليه أيضا قوله " إن كانت لها أيام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيامها وخلقها... " إلى غير ذلك من فقراتها. ثم أن تلك الناسية هل هي مختارة في جعل عددها في الشهر حيث شاءت أو يتعين عليها جعله في ما يظن كونه وقتا لحيضها، أو يتعين جعله في أول الدورة إذا علمت أولها، وفي سائر الدورات على هذا النسق؟ فلو كان مبدأ دورتها أول الشهر يجب عليها التحيض في أول كل شهر، أو يتعين جعله في أول الدورة الاولى وتختار في سائر الدورات، أو يجب عليها التحيض في الوقت المظنون كونه وقتا لها في غير الدورة الاولى؟ قد يقال بوجوب جعله في أول الدورة، فإن الاخبار وإن كانت منصرفة عن الناسية لكن لما كان المتعين عليها التحيض في ابتداء رؤية الدم إلى العشرة يتعين عليها جعل حيضها في جملة العشرة، إذ لا دليل على جواز تحيضها ثانيا بعد انكشاف أمرها وصيرورتها مستحاضة، بل الادلة قاضية بخلافه كما أشرنا إليه في المبتدئة. و إذا تعين عليها ذلك في الدور الاول يتبعه سائر الادوار، لما يستفاد من جملة من الاخبار من وجوب جعل المستحاضة حيضها قبل طهرها " انتهى ". وفيه أنه بعد الانصراف لا وجه لذلك، لعدم الدليل على وجوب تحيضها في ابتداء رؤية الدم مطلقا، لعدم تمامية قاعدة الامكان خصوصا في مثل ناسية الوقت، وليس في المقام إجماع أو نص، فإن موثقتي ابن بكير مع ما تقدم من الاشكال فيهما مختصان بالمبتدئة. نعم، لو رأت بصفة الحيض أول ما رأت يجب عليها العمل بالامارة لكن بعد بقاء الدم على صفة واحدة إلى تجاوزه عن العشرة تتعارض الامارتان، و يكشف ذلك عن خطأها. والقول بأن المتعين هو الاخذ بالامارة المتقدمة زمانا لامكان كون الدم حيضا في الزمان الاول وتحقق موضوع الامارة، وبعد ذلك يخرج الدم في الزمان المتأخر عن الامكان، فلا تكون الامارة حجة، قد سبق الاشكال فيه بأن التقدم الزماني ليس مناطا لتقدم الامارة، فراجع. مع أنه لو سلم الامر في

[ 235 ]

الدورة الاولى فلا دليل على تبعية سائر الدورات لها، وما دل على أن المستحاضة تجعل حيضها قبل طهرها على فرض ارتباطه بالمقام إنما يدل على التقديم في الدورة الاولى من غير تعرض له لسائر الدورات كما يأتي الكلام فيه. واما الاستدلال على وجوب الجعل في أول الدورة الاولى وعلى نسقه في سائر الدورات بدوران الامر بين التعيين والتخيير والاصل فيه الاشتغال، ففيه أنه على فرض الدوران بينهما فالاشتغال في مثل هذا الدوران غير مسلم، بل المسلم في الاشتغال هو في مورد يعلم بتعلق تكليف بمعين ويشك في أن له طرفا يسقط التكليف بإتيانه أولا، وأما إذا كان الدوران من أول الامر فلا، والمسألة تحتاج إلى زيادة بحث و تحقيق لا يسعها المجال. وقد يقال بلزوم التحيض في أول الدورة لظهور بعض الاخبار في وجوب عمل المستحاضة بعد التحيض بمقدار العادة والاستظهار، وفي مقابله احتمال إطلاق بعض الادلة على أخذ المستحاضة مقدار عادتها، ومقتضى الاطلاق تخييرها في وضعه حيث شاءت وكما أنها بإطلاقها تنفي تعين التحيص في أول الدورة الاولى وعلى نسقه في سائر الدورات كذلك تنفي تعين جعل العدد في الوقت المظنون، فإن تعينه إنما يكون في ما إذا كان الحاكم بالتخيير العقل، بأن يقال: إنما يحكم العقل بالتخيير مع تساوي الازمنة، وأما مع ترجيح بعضها ولو ظنا يرتفع موضوع حكمه، وأما إذا استفيد حكم التخيير من إطلاق الدليل فلا يبقى للترجيح بالظن مجال. ولا بأس بذكر بعض الروايات التي يمكن دعوى إطلاقها أو دلالتها على التعيين حتى يتضح الحال. فمنها رواية محمد بن عمرو بن سعيد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الطامث وقدر جلوسها، فقال: تنتظر عدة ما كانت تحيض، ثم تستظهر بثلاثة أيام، ثم هي مستحاضة. (1) بدعوى أن المراد من الطامث وقدر جلوسها هي من استمر بها الدم ولو بقرينة الجواب، وإطلاقها يقتضي كونها مخيرة في وضع عدة أيام


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 10.

[ 236 ]

حيضها حيث شاءت. وفيه أنها بصدد بيان مقدار الجلوس سؤالا وجوابا، فلا إطلاق لها من جهة محل الجلوس لو لم نقل بانصرافها إلى الجلوس في أول الرؤية. نعم هي تدل بإطلاقها على أن مقدار جلوس ذاكرة العدد ولو كانت ناسية للوقت هو عدة أيام العادة. ومنها رواية يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: امرأة رأت الدم في حيضها حتى تجاوز وقتها، متى ينبغي لها أن تصلي؟ قال: تنتظر عدتها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيام - الخ - (1) بدعوى إطلاق الجواب وإن كان السؤال عن ذاكرة الوقت، وفيه ما لا يخفى. ومنها رواية عبد الله بن المغيرة عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام في المرأة التي ترى الدم، فقال: إن كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة، وإن كانت أيامها عشرة لم تستظهر. (2) وهي أيضا لا إطلاق فيها لكونها في مقام بيان حكم الاستظهار. واما ما يمكن أن يستدل به على لزوم التحيض في أول الرؤية فمنها رواية عبد الله بن المغيرة المتقدمة، بدعوى أن المنصرف منها أنها تنتظر من أول الرؤية إلى العشرة، ولا يبعد ذلك لولا ضعف سندها، وقد يحتمل هذا الانصراف في رواية محمد بن عمرو المتقدمة، لكنه بعيد بل ممنوع. ومنها صحيحة زرارة، قال قلت له: النفساء متى تصلي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين، فإن انقطع الدم و إلا اغتسلت - إلى أن قال - قلت: والحائض؟ قال: مثل ذلك سواء. (3) بدعوى أنه لا إشكال في أن الواجب على النفساء الجلوس أول ما رأت الدم، فعموم التسوية بينها وبين الحائض يدل على المطلوب، وهو تحيضها في أول الدورة، لكنه لا يخلو من إشكال لاحتمال انصراف ا لتسوية إلى مقدار التحيض والاستطهار وسائر الاحكام المذكورة دون مبدأ التحيض.


(1) الوسائل: ابواب الحيض، باب 13، ح 12. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 13، ح 11. (3) الوسائل: ابواب الحيض، ب 1، ح 5.

[ 237 ]

ثم لو سلم دلالة الادلة على لزوم التحيض في أول الدورة الاولى فلا دليل على تبعية سائر الدورات لها إلا بعض امور اعتبارية لا يصلح للاستناد إليه، وإن كان الاحوط ذلك. ولو قلنا بدلالة الادلة على تعين التحيض في مبدأ الدورة الاولى وأن المتفاهم منها النظم على نهج واحد لا وجه لتقدم العمل بالظن عليها، بل المتعين تقدم العمل بها على الظن كما هو واضح. الموضع الثاني: لو ذكرت الوقت في الجملة ونسيت العدد فإما ذاكرة لاول حيضها، أو لآخره، أو لوسطه الحقيقي، أو لوسطه الغير الحقيقي، أو ذاكرة لكون اليوم الكذائي بين أيام الحيض أي بين المبد أو المنتهي، أو عالمة بكون اليوم الفلاني من أيام الحيض في الجملة. وههنا صور كثيرة يعلم حكمها من ذكر حكم بعضها. وعلى أي حال قد تعلم أن عددها كان مخالفا لما في الروايات وقد لاتعلم ذلك. فإن كانت ذاكرة لاول حيضها ولم تعلم مخالفة عددها للروايات فلا إشكال في لزوم إكماله ثلاثة أيام إذا لم تعلم زيادة عددها عليها، وإلا فبمقدار العلم بالزيادة، لما دل على أن الصفرة والكدرة وما فوقها في أيام الحيض حيض، وأن قليل الدم وكثيره أيام الحيض حيض كله إذا كانت الايام معلومة. والتقييد بالعلم بالايام ليس إلا لطريقيته إلى الواقع لا لتقييد واقع الحيض به، فمع العلم بكون اليوم الفلاني أول حيضها يكون الدم فيه دم الحيض بمقتضى إطلاق الادلة، وأقل الحيض وهو ثلاثة أيام متيقن الحيضية، فيجب عليها إكماله بالثلاثة أو بما فوقها مما تعلم عدم نقصان حيضها منه، وهذا لا إشكال فيه. إنما الاشكال في ما زاد على العشرة مما تحتمل كونه من عادتها، فقد يقال: إن مقتضى العلم الاجمالي هو الجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة وغسل الحيض في وقت تحتمل انقطاعه وقضاء صوم عشرة أيام، وهو الذي اختاره المحقق - رحمه الله -. وفيه أولا ما مر مرارا من عدم منجزية هذا العلم الاجمالي بناء على الحرمة الذاتية في العبادات كما هي ظاهر الادلة، وثانيا على فرض منجزيته ينحل بالاستصحاب، ولا إشكال في جريان استصحاب الحيضية. وما أفاد الشيخ الاعظم

[ 238 ]

في المقام من عدم جريانه في الامور التدريجية، بل يجري استصحاب عدم الحيضية بالنسبة إلى الايام المشكوك فيها، فيجب عليها أن تعمل عمل المستحاضة بعد ثلاثة أيام، فغير وجيه، لما حقق في محله من جريانه فيها، فلا يبقى مجال للاحتياط و الاشتغال ولا للزوم عمل المستحاضة، هذا. لكن التحقيق استفادة حكم المسألة من مرسلة يونس، فإن المتأمل في جميع فقراتها لا يكاد يشك في أن التي ليس مرجعها العادة ولا التمييز مرجعها السبع و الثلاث والعشرون، خصوصا فقراتها الاخيرة من قوله " فجميع حالات المستحاضة " إلى آخر الرواية. فقوله " وإن اختلط عليها أيامها وزادت ونقصت حتى لا يقف منها على حد ولا من الدم على لون عملت بإقبال الدم... " شامل لذاكرة الوقت في الجملة فحينئذ قوله " وإن لم يكن الامر كذلك - الخ - " دال على المقصود. والانصاف أن المتأمل في المرسلة والحصر المستفاد منها والقواعد المستنبطة من السنن الثلاث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاث قضايا شخصية لا ينبغي أن يرتاب في أن السنن المذكورة مرجع المستحاضة على الترتيب الذي فيها، ولا تكاد تكون امرأة خارجة عنها، وأنها مع الامكان ترجع إلى العادة ولو في الجملة، ومع التمييز وعدم إمكان الرجوع إلى العادة ترجع إليه ولو في الجملة ومع فقدانهما ترجع إلى العدد، ومع إمكان الرجوع إلى إحدى المتقدمتين لا ترجع إلى الاخيرة. وأما الرجوع إلى الاقارب فقد عرفت أنه لشدة ندرته لا يكون مضرا بالحصر. ومما ذكرنا يظهر حال سائر الصور، فلا تحتاج إلى التطويل، وقد مر أن الرجوع إلى خصوص السبع من بين الروايات لو لم يكن أقوى فهو أحوط. نعم، لو بنينا على العمل بالاصل وأغمضنا عن الروايات يكون حال الاصل بالنسبة إلى الصور المتقدمة مختلفة كما هو واضح. وأما " الموضع الثالث " وهو ما إذا نسيت الوقت والعدد جميعا ولم تحفظ شيئا منهما فقد ظهر مما مر أن سنتها السبع والثلاث والعشرون على الاحوط بل الاقرب، لما مر من المناقشة في سائر الروايات، وفي الست الواردة في المرسلة.

[ 239 ]

المطلب الثاني في أقسام الاستحاضة المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا شهرة كادت أن تكون إجماعا كما في الجواهر أن للاستحاضة أقساما ثلاثة: القليلة، والكثيرة، والمتوسطة. خلافا للمحكي عن ابن أبي عقيل، فأنكر القسم الاول، وعن ابن الجنيد وابن أبي عقيل أيضا و الفاضلين في المعتبر والمنتهى إدخال الثانية في الثالثة، فأوجبوا الاغسال الثلاثة فيها، والمحقق الخراساني فصل بين الدم والصفرة، وقسم الدم قسمين: الاول أن يثقب الكرسف فأوجب فيه الاغسال الثلاثة، والثاني أن لا يثقب فأوجب الغسل في كل يوم مرة واحدة والوضوء لكل صلوة. وقسم الصفرة أيضا على قسمين: القليلة، فأوجب فيها الوضوء لكل صلوة ولم يوجب الغسل، والكثيرة فأوجب فيها الاغسال الثلاثة، وادعى أن ذلك مقتضى الجمع بين الاخبار، بحمل مطلقها على مقيدها و تقديم نصها على ظاهرها. والحق هو القول المشهور، لا لصريح الفقه الرضوي الموافق لفتوى الصدوق و إن لم يخل من وجه، لتطابق الفتاوي على وفقه بعد كون الاختلاف بينهما في اللفظ دون المعنى، بل لان تثليت الاقسام في الجملة مقتضى الجمع بين الروايات. ففي رواية معاوية بن عمار الصحيحة على الاصح عن أبي عبد الله عليه السلام: فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر - إلى أن قال - وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلوة بوضوء. (1) فأوجب الاغسال الثلاثة للثاقب الاعم من السائل وغيره، والمتجاوز عن الكرسف وغيره، ولغير الثاقب لم يوجب إلا الوضوء وفي صحيحة زرارة في النفساء: فإن انقطع الدم، وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت، وإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1 ح 1.

[ 240 ]

الغداة بغسل، والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وإن لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد. قلت: والحائض؟ قال: مثل ذلك سواء. (1) والجمع بينها وبين الصحيحة المتقدمة بتثليث الاقسام، فإن إطلاق صدر صحيحة معاوية يقيد بقوله في صحيحة زرارة " وإن لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد " فإن الثاقب أعم من المتجاوز، والتجاوز عرفا عبارة عن عبور الدم عن القطنة إلى غيرها، وهو موافق للسيلان، والجمع العرفي بين الفقرتين يقتضي حمل الثقب على الثقب المتجاوز، ولا يبعد أن يكون الثاقب نوعا متجاوزا وسائلا، فلا يكون تقييده تقييدا بعيدا. وتقيد الفقرة الثانية من صحيحة زرارة وهي قوله " وإن لم يجز الدم الكرسف. " بالفقرة الثانية من صحيحة معاوية، وهى قوله " وإن كان الدم لا يثقب الكرسف... " فإن غير المتجاوز أعم من الثاقب وغيره، وغير الثاقب أخص منه مطلقا. فإن شئت قلت: إنه بعد تقييد الفقرة الثانية من صحيحة زرارة بالفقرة الثانية من صحيحة معاوية تصير أخص مطلقا من الفقرة الاولى من صحيحة زرارة، ونتيجة التقييدين تثليث الاقسام. وإن شئت قلت: إن الجمع العقلائي بين فقرات الصحيحتين هو تثليث الاقسام وإن كان بين بعض الفقرات عموم من وجه. وتشهد لما ذكرنا من حمل الثاقب في صحيحة معاوية على الثاقب المتجاوز المنطبق على الكثير موثقة سماعة، قال: قال: المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلوتين وللفجر غسلا، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة. (1) حيث قابل فيها بين الثقب وعدم التجاوز، فيعلم أن مراده بالثقب هو التجاوز، كما أنه يقيد قوله " وإن لم يجز الدم الكرسف.. " بالفقرة الثانية من صحيحة معاويه. وأما قوله في الموثقة " وإن كان صفرة فعليها الوضوء " فمحمول على القليلة


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 5. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 6.

[ 241 ]

لنوعية كون الصفرة قليلة كما قيل. بل ربما يشهد له قوله في رواية محمد بن مسلم في باب اجتماع الحيض والحمل " إن كان دما أحمر كثيرا فلا تصلى، وإن كان قليلا أصفر فليس عليها إلا الوضوء " وتشهد لتثليث الاقسام صحيحة عبد الرحمان، قال فيها: " وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل، ولتستدخل كرسفا، فإن ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تصنع كرسفا آخر ثم تصلى، فإذا كان سائلا فلتؤخر الصلوة إلى الصلوة، ثم تصلي صلوتين بغسل واحد. (1) فإنها متعرضة للمتوسطة والكثيرة، فأوجبت الغسل الواحد إن ظهر على الكرسف، والاغسال الثلاثة إن سال الدم. فهي بضميمة روايات اخر تفيد الاقسام الثلاثة، كموثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ففيها: ثم هي مستحاضة فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل صلوة بوضوء ما لم ينفذ الدم فإذا نفذ اغتسلت وصلت. (3) وعليها تحمل صحيحة الصحاف، حيث يظهر منها التثليث، لكن قد يتراءى منها خلاف ما تقدم في الجملة حيث قال فيها بعد الاستظهار بيوم أو يومين: فلتغتسل، ثم تحتشي وتستذفر وتصلي الظهر والعصر، ثم لتنظر، فإن كان الدم في ما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلوة ما لم تطرح الكرسف عنها، فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل، وإن طرحت الكرسف ولم يسل فلتتوضأ ولتصل ولا غسل عليها. قال: وإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقأ فإن عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات. (3) فإنها أيضا بعد تقييد قوله " لا يسيل - الخ - " ببعض الروايات المتقدمة وحمل قوله " فسال الدم وجب عليها الغسل " على سيلانه بلا مانع بحيث إن وضعت الكرسف ثقبه ولم يسل منه، بقرينة قوله " وإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف - الخ - " تفيد الاقسام الثلاثة، فإن قوله


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة ب 1 ح 8. (2) ابواب الاستحاضة ب 1 ح 9. (3) الوسائل: ابواب الاستحاضة ب 1 ح 7.

[ 242 ]

" فإن طرحت الكرسف - الخ - " صريح في أن أحد الاقسام الثلاثة عدم السيلان بعد طرح الكرسف، وهو لا ينطبق إلا على القليلة، ثانيهما سيلانه بعد طرحه، فإنه بملاحظة مقابلته مع الثالث أي ما إذا أمسكت الكرسف سال من خلفه، لا ينطبق إلا على المتوسطة، فإن الدم إذا كان سائلا مع طرح الكرسف وليس سيلانه بحيث إذا أمسكت الكرسف سال من خلفه لا محالة يكون ثاقبا ونافذا، وثالثها ما أفاد بقوله " إذا أمسكت الكرسف يسيل... " فلا إشكال في إفادتها الاقسام الثلاثة موافقا للمشهور. فتحصل أن تثليث الاقسام - مضافا إلى كونه مشهورا شهرة كادت أن تكون إجماعا كما مر - هو مقتضى جمع الروايات وحمل بعضها على بعض، ومقتضى ظهور بعض الروايات أيضا. ثم إن الدم في مثل صحيحة الصحاف لا ينصرف إلى الحمرة مقابل الصفرة لو قلنا بانصرافه في بعض الروايات، فإن الصفرة في دم الاستحاضة لعلها غالبة نوعية ولهذا جعلت علامة لها وأمارة عليها، بل الانصراف مطلقا محل منع. نعم، إذا ذكرت الصفرة مقابل الدم يكون ذلك قرينة على إرادة الحمرة من الدم المقابل لها، وهذا نظير ما إذا قيل الماء لا ينفعل وإذا كان قليلا ينفعل. حيث يفهم من المقابلة أن الماء في الصدر هو الكثير، وهذا لا يوجب الانصراف إذا لم يكن مقابلا له. فحينئذ يستفاد من الصحيحة وغيرها أن الدم مطلقا ثلاثي الاقسام، ويحمل عليها ما ورد من أن في الصفرة الوضوء خاصة كموثقة سماعة وروايتي قرب الاسناد وصحيحة يونس بن يعقوب، وما ورد من أن فيها الغسل عند كل صلوة، فتحمل الروايات الاولى على القليلة، بل في بعضها إشعار بقلة الدم، والثانية على الكثيرة، فتثليث الاقسام مطلقا كما عليه المشهور مما لا إشكال فيه. ثم إن عبارات الاصحاب مختلفة في ضابطة الاقسام، فعن جملة منهم التعبير بغير الثاقب في القليلة، وبالثاقب غير السائل في المتوسطة، وبالسائل في الكثيرة، وعن جملة التعبير بغير الراشح، والراشح غير السائل، والسائل، وعن بعضهم بغير الظاهر على الكرسف، والظاهر غير السائل، والسائل، وعن جملة من كتب العلامة

[ 243 ]

بعدم غمس القطنة، وغمسها من غير سيل، ومع السيل، وبعضهم حمل سائر العبارات على ما يوافق عبارات العلامة، وبعضهم عكس الامر. والحق أنه لا وجه لارجاع عبارات القوم إلى فتوى العلامة، ولا يمكن إرجاع بعض عباراته مثل ما في القواعد على عبارات القوم، فإن قوله فيه " إن ظهر على القطنة ولم يغمسها وجب عليها تجديد الوضوء - إلخ - " ظاهر لو لم يكن نصا في أن الثقب والظهور على الكرسف لا يخرج الدم عن القلة ما لم يغمس القطنة. وكيف كان فالمتبع هو الادلة، وقد وردت فيها عناوين كالثقب والنفوذ والظهور على القطنة. والثقب وإن كان أعم ظاهرا من النفوذ لكن لا إشكال في كون المراد من العناوين شيئا واحدا هو الثاقب النافذ والظاهر على القطنة سواء غمسها أو لا، فلو نفذ من القطنة ولم يغمسها كانت الاستحاضة متوسطة. وما قيل ان الدم بنفسه لا يكون بمقتضى العادة ثاقبا إلا بعد إحاطته بأطراف القطنة الملاصقة للباطن، فينفذ فيها شيئا فشيئا إلى أن ترتوي القطنة، فيظهر الدم على الجانب الآخر الملاصق للخرقة، فيكون الثقب ملازما للغمس فيه ما لا يخفى، ضرورة أن القطنة الموضوعة على المحل تكون نقطتها المحاذية لمخرج الدم أسرع انفعالا من سائر أطرافها، ويكون الدم بمقتضى طبعه - خصوصا في المحل مما يكون فيه حرارة الدم محفوظة - نافذا في وسط القطنة وثاقبا لقطرها قبل غمسها و ارتوائها. وتوصيف دم الاستحاضة بالبرودة إنما هو في مقابل الحرقة والحرارة القوية في دم الحيض، وإلا فلا شبهة في عدم كونه كالماء البارد حتى لا يكون نافذا في مثل القطنة. وكيف كان فملاك القلة عدم الثقب النافذ، والتوسط الثقب النافذ غير السائل، والكثرة الثاقب السائل.

[ 244 ]

المطلب الثالث في بيان أحكام الاقسام الثلاثة اما القسم الاول أي القليلة فحكمه تغيير القطنة وتجديد الوضوء عند كل صلوة. أما الاول فإجماعا كما عن ظاهر الناصريات والغنية وجامع المقاصد، وهو مذهب علمائنا كما عن التذكرة، ولا خلاف فيه عندنا كما عن المنتهى، وهو المشهور كما عن كاشف الالتباس والكفاية وظاهر الذكرى، وبه قطع أكثر الاصحاب كما عن كشف اللثام، وعن الكفاية التأمل في الاجماع، وعن كشف اللثام أنه لم يذكره الصدوقان ولا القاضي. وفي الجواهر: لزوم التغيير مشهور نقلا وتحصيلا، ونقل عن مجمع البرهان أن لزومه كأنه إجماعي. والعمدة في المقام هي هذه الشهرة المسلمة مع أن الادلة بظاهرها أو إطلاقها تدل على عدم لزوم التغيير. وهما بمثابة لا يمكن أن يقال إن الشهرة لعلها لتخلل الاجتهاد، أو لتحكيم إجماع الغنية ونفي خلاف السرائر المحكيين على إلحاق دم الاستحاضة بالحيض في عدم العفو على هذه الادلة، أو تحكيم مادل في الكثيرة والمتوسطة على لزوم التغيير مع عدم تعقل الفرق أو عدم القائل به، أو تحكيم الاجماع المركب - كما عن الرياض - على هذه الادلة. فإن تلك الادلة ظاهرة الدلالة على عدم لزوم التبديل، ففي صحيحة الحلبي عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن المرأة تستحاض، فأمرها أن تمكث أيام حيضها لا تصلي فيها، ثم تغتسل وتستدخل قطنة وتستثفر بثوب، ثم تصلى حتى يخرج الدم من وراء الثوب. (1) وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: فإن انقطع الدم، وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت، فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت. (2) وفي صحيحة الصحاف عن أبي عبد الله عليه السلام: وإن لم ينقطع الدم عنها إلا بعد ما تمضي الايام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشى و


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 2. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 5.

[ 245 ]

تستذفر وتصلي الظهر والعصر، ثم لتنظر فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلوة ما لم تطرح الكرسف عنها. (1) وفي موثقة عبد الرحمان عن أبي عبد الله عليه السلام: وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل ولتستدخل كرسفا، فإن ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر. (2) وفي موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: ثم هي مستحاضة فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلى كل صلوة بوضوء ما لم ينفذ الدم. (3) وفي رواية الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام: وإن لم تر طهر اغتسلت واحتشت، ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف. (4) إلى غير ذلك من الروايات التي لا مجال للشهبة فيها وفي دلالتها حتى يتوهم تخلل الاجتهاد فيها. كما أنه لا وجه لتخيل تحكيم إجماع الغنية أو التحكيم المذكور بعده على تلك الادلة، ضرورة أن إجماع الغنية على فرض صحته لا إطلاق فيه بالنسبة إلى البواطن، بل العفو عنها مما لا إشكال فيه، كما أن دعوى عدم تعقل الفرق بين القليلة وغيرها في محل المنع بعد اختلاف أحكام الثلاثة، وعدم طريق للعقول إلى الواقع في التعبديات، مع أن في دلالة الخبرين في موردهما إشكالا. وكيف كان فلا يمكن رفع اليد عن الشهرة الثابتة والاجماع المحكي لاجل تلك الادلة المعرض عنها مع كونها بمنظر منهم، فالاحوط لو لم يكن أقوى لزوم تغيير الكرسف. وأما الخرقة فمع تلوثها يجب تبديلها مطلقا إن قلنا بعدم العفو في دم الاستحاضة، وإلا ففي المقدار المعفو عنه. مع إمكان أن يقال: إن الشهرة على وجوب


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 7. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 8. (3) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 9. (4) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 10.

[ 246 ]

التبديل في القطنة تدل على مانعية دم الاستحاضة ولو كان قليلا، ومنه يظهر مانعيته إذا كان في الخرقة، بل مانعيته فيها أولى، وكذا الحال في ظاهر الفرج، وهو - على ما قالوا - ما يبدو منه عند الجلوس على القدمين، وهو الاحوط وأما تجديد الوضوء لكل صلوة فهو إجماعي في الجملة كما عن الخلاف وجامع المقاصد وظاهر الناصريات والغنية، وعن التذكرة أنه مذهب علمائنا، وهو المشهور كما عن جملة من الاعلام، وهو مذهب الخمسة وأتباعهم كما عن المعتبر، خلافا للمحكي عن ابن عقيل، فلم يوجب في القليلة غسلا ولا وضوء، وللمحكي عن ابن الجنيد، فأوجب فيه غسلا واحدا في كل يوم وليلة. وقد تقدم نقل ذهاب المحقق الخراساني أيضا إلى إيجاب الغسل الواحد عليها والوضوء لكل صلوة والاقوى ما عليه المشهور، ويدل عليه - مضافا إلى ما تقدم من عدم نقل خلاف إلا ممن تقدم - صحيحة معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلوة بوضوء. (1) وهو في مقابل الصدر حيث أوجب الغسل عليها إذا ثقبه كالصريح في عدم وجوب الغسل عليها. وأوضح منها موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الطامث تقعد بعدد أيامها، كيف تصنع؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة، فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل صلوة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فإذا نفذ اغتسلت وصلت. (2) ولا إشكال في ظهورها في المقصود، ومعهما لا مجال للتمسك بإطلاق بعض الادلة أو عدم ذكر الوضوء في آخر، مثل صحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام وفيها: قال: لا، هذه مستحاضة، تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة، وتجمع بين صلوتين بغسل. (3) وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام وفيها: فإن انقطع الدم، وإلا اغتسلت


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 9. (3) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 3.

[ 247 ]

واحتشت واشتثفرت وصلت، فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت. (1) و صحيحة الصحاف حيث أمر فيها بالاحتشاء وصلوة الظهر والعصر، ومع عدم السيلان بالوضوء عند وقت كل صلوة، فأوجب الوضوء للصلوتين لا لكل صلوة، بمناسبة ذكر الوقت فيها، إلى غير ذلك مما يكون الجمع العرفي بينها وبين الروايتين بتقييد إطلاقها، لان السكوت في مقام البيان لا يقاوم ما هو ظاهر في وجوب الوضوء لكل صلوة. بل يدل على المقصود إطلاق موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: غسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف وجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلوتين وللفجر غسل، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة و الوضوء لكل صلوة. (2) وعدم تجاوز الدم أعم من كونه ثاقبا وغيره، فيقيد إطلاق وجوب الغسل بما دل على عدم وجوبه لغير الثاقب، ويبقى إطلاق وجوب الوضوء لكل صلوة للثاقب وغيره. وكون الغسل على المستحاضة الوسطى دون الصغرى لا يوجب أن يكون قوله " لم يجز الدم " مختصا بالوسطى حتى في الوضوء، فإن تقييد الاطلاق بالنسبة إلى حكم بدليل لا يوجب تقييده بالنسبة إلى حكم آخر لم يقم دليل على تقييده. وأولى من ذلك الاستدلال عليه بمرسلة يونس الطويلة، قال فيها: وسئل عن المستحاضة فقال: إنما ذلك عزف عامر أو ركضة من الشيطان، فلتدع الصلوة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة. قيل: وإن سال؟ قال: وإن سال مثل المثعب. فإن إطلاقها يقتضى وجوب الوضوء لكل صلوة، سال الدم أو لا، كان سيلانه كثيرا مثل المثعب أو لا. بل لا ييعد التمسك بموثقة سماعة المضمرة، وفيها: وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلوة، وإن أراد زوجها أن يأتيها فحين


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 5. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 3.

[ 248 ]

تغتسل. هذا إذا كان دمها عبيطا وإن كان صفرة فعليها الوضوء. (1) إما باطلاق قوله وإن لم يجز... " بالتقريب المتقدم، وإما بحمل الصفرة على القليلة والوضوء على المعهود في الصدر، أي يكون عليها الوضوء المذكور لزومه لكل صلوة، وليس عليها الغسل، بل لا منافاة بين التمسكين كما يظهر بالتأمل. وعلى تلك الروايات يحمل ما ورد في صحيح الصحاف من إيجاب الوضوء عند وقت كل صلوة، خصوصا مع تعارف التفريق بين الصلوات في تلك الازمنة بحيث كانت الاوقات الخمسة معروفة بين المسلمين. وأما قوله " تحتشي وتصلي الظهر و العصر ثم لتنظر " فلا يقاوم ظهور تلك الادلة، خصوصا مع تذييله بقوله " فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلوة " بالتقريب المذكور. وبالجملة مقتضى الجمع بين الادلة وجوب الوضوء لكل صلوة في القليلة وعدم الغسل. ثم إن مقتضى عموم تلك الادلة وإطلاقها عدم الفرق بين الفريضة والنافلة، كانت النافلة من الرواتب أو لا، خصوصا مع تعارف الاتيان بالنوافل في الصدر الاول بل تعارف إتيان صلوة التحية ونحوها. فحينئذ لا وجه لدعوى انصراف الادلة إلى الفرائض. وأما قضية حرجية ذلك وبناء الشريعة السهلة على التسامح و التساهل فهي غير جارية في النوافل التي لا إلزام في إتيانها، فإن أرادت الوصول إلى الثواب الجزيل تأتي بها مع ما فيها من المشقة فتنال فضيلة أحمز الاعمال. بل يمكن الاستدلال على المطلوب بأن المتفاهم من الادلة حدثيه دم الاستحاضة في الجملة، فحينئذ نقول: إما أن يكون حدثا ولو اقتضاء بأول حدوثه دون استمراره، أو يكون بوجوده المستمر إلى آخره حدثا بحيث لاتتحقق الحدثية إلا بعد تمام الاستمرار، أو يكون حدثا بحدوثه واستمراره أي يكون كل قطعة و قطرة منه حدثا. لا سبيل إلى الاولين، ضرورة مخالفتهما لما دل على لزوم الوضوء لكل صلوة كما يظهر بأدنى تأمل، فلا محالة يكون حدثا على النحو الثالث، فحينئذ لا محيص عن القول بأن مادل على العفو أو سلب الحدثية إنما هو بالنسبة إلى القطرات


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 6.

[ 249 ]

التي تخرج بعد الوضوء أو بينه إلى آخر الصلوة التي صلت به، ولم يثبت العفو عن غيرها، وكذا سلب الحدثية. وبما ذكرنا يدفع ما قيل من عدم ثبوت حدثيته ومنع كون طبيعته حدثا، فتدبر هذا مضافا إلى بعد الالتزام بأن الدم الخارج بعد الفريضة حدث دون غيره لو لم نقل بأنه مقطوع الخلاف إلا أن يلتزم الخصم بأن الفريضة حدث! وهو كما ترى. وأما التفصيل بين الرواتب وغيرها فغير وجيه كما لا يخفى واما القسم الثاني أي المتوسطة فيجب فيه تبديل القطنة بلا خلاف صريح أجده فيه كما في الجواهر، وعن شرح الارشاد لفخر الاسلام إجماع المسلمين عليه. و تدل عليه الشهرة القطعية الكاشفة عن معروفية الحكم من لدن زمن الائمة عليهم السلام في الاستحاضة القليلة وفهم الحكم عنها عرفا بالاولوية القطعية في ا لمتوسطة والكثيرة، ضرورة أن العرف والعقلاء إذا سمعوا أن من الاحكام تبديل الكرسف إذا تلوث بدم الاستحاضة في الجملة ولا تصح صلوة المستحاضة القليلة بلا تبديله يفهمون منه أن دم الاستحاضة قليله وكثيره مانع عن الصلوة، ويجب على المرأة تبديل الكرسف مطلقا بلا التماس دليل بالنسبة إلى المتوسطة و الكثيرة. فالخدشة في دلالة الاخبار على جميع المقصود في غير محلها، وعلى فرض الصحة لا توجب الخدشة في أصل الحكم، كما أن الخدشة في الشهرة أو الاجماع في المقام لاحتمال تخلل الاجتهاد وفهم الاصحاب الحكم من الاخبار الواردة فيها لا توجب الخدشة في الحكم، لما عرفت من أن الشهرة في المسألة السابقة من الشهرات التي انسد فيها باب الاجتهاد مع ورود أخبار دالة على الخلاف، فهي حجة فيها، ومنها يتضح الحكم في القسمين الآخرين أيضا. مع إمكان الاستدلال على لزوم التبديل بموثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله، قال فيها: وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل ولتستدخل كرسفا، فإن ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي، فإذا كان الدم سائلا -

[ 250 ]

الخ - (1) ولا إشكال في ظهوره في تبديل الكرسف، فإن القطنة التي ظهر الدم عليها تخرج حين الغسل، فإذا قيل بعد فرض إخراجها " تضع كرسفا آخر " يفهم منه تبديلها، ولا يحتمل وضع كرسف على كرسفها، فحينئذ لا إشكال في ظهوره في مانعية الدم الذي ظهر على الكرسف عن الصلوة، ولا وجه لحمل ذلك على الجري مجرى العادة، لان العناية بوضع كرسف آخر في مقام التعبد وبيان التكليف دليل على دخله في الحكم، فلا حجة لرفع اليد عن الظهور باحتمال الجري مجرى العادة. وبعد فهم المانعية عن الصلوة لا ينقدح في الذهن أن المانعية منحصرة في صلوة، فاحتمال كون التبديل مختصا بما بعد الغسل فقط مخالف لفهم العرف من قوله " تضع كرسفا آخر ثم تصلي " أن الكرسف الكذائي مانع عن طبيعة الصلوة لا عن مصداق منها. ومنها يظهر وجه الاستدلال عليه برواية الجعفي، فإن قوله " فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف " ظاهر في التبديل لا إعادة الكرسف المتلوث. وأما قوله في رواية ابن أبي يعفور " فإن ظهر على الكرسف زادت كرسفها " (2) فيحتمل فيه إرادة زيادة كرسف على كرسفها، ويحتمل إرادة وضع كرسف زائد على الكرسف الاول حجما على المحل، أي تبديل كرسفها بكرسف آخر زائد عليه. ولا ترجيح لاحدهما، فيرفع هذا الاجمال بالروايتين السابقتين، مع أن الظهور على الكرسف موجب للغسل بحسب دلالة الروايتين، وحين الغسل لا يمكن إبقاء الكرسف، فحينئذ يمكن ترجيح الاحتمال الثاني. وكيف كان فلا إشكال في المسألة. كما لا إشكال في لزوم تبديل الخرقة على فرض التلوث، لاستفادة مانعية الدم ولو كان قليلا من الشهرة في المسألة السابقة على ما مر. هذا إذا قلنا بالعفو عن دم الاستحاضة، وإلا فالامر أوضح.


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 8. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 13.

[ 251 ]

وكذا يجب عليها الوضوء لكل صلوة حتى صلوة الغداة التي اغتسلت قبلها، لعدم الخلاف في غير الغداة كما احتمله في الجواهر، بل قد يدعى تناول إجماع الناصريات والغنية لغيرها، بل احتمل في الجواهر كون المسألة مطلقا غير خلافية لحمل غير بعيد لعبارات بعض الاصحاب مما احتمل الخلاف منهم. وتدل على المطلوب موثقتا سماعة الصريحتان في وجوب الوضوء لكل صلوة، ومرسلة يونس حيث قال فيها: وسئل عن المستحاضة فقال: إنما ذلك عزف عامر أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلوة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة. قيل: وإن سال؟ قال: وإن سال مثل المثعب. حيث دلت على وجوب الوضوء لكل صلوة، سال الدم أو لم يسل، كان سيلانه قليلا أو كثيرا. ورواية ابن أبي يعفور، وفيها: وتنظر، فإن ظهر على الكرسف زادت كرسفها وتوضأت وصلت. فهي ظاهرة في أن الظهور على الكرسف موجب للوضوء، فبضميمة مادلت على أن الظهور عليه موجب للغسل وإعادة الكرسف دلت على المدعى. وبعبارة اخرى: الظاهر من رواية ابن أبي يعفور ورواية الجعفي وموثقة عبد الرحمان أن الظهور على الكرسف سبب لامور ثلاثة: الاغتسال، والتبديل، و الوضوء. فيفهم منها أن الغسل لا يجزي عن الوضوء. وتدل على المطلوب أيضا صحيحة الصحاف، وليس في مقابلها إلا توهم إطلاق بعض الروايات والسكوت عنه في مقام البيان في بعضها. ولا يخفى ما فيهما، أما الاطلاق فيجب تقييده، وأما السكوت فعلى فرض كونه في مقام البيان لا يقاوم الادلة المصرحة. مع إمكان أن يقال: إن غالب الادلة ليس في مقام البيان كصحيحة زرارة في النفساء، لامكان كونها بصدد بيان مورد لزوم الغسل الواحد والمتعدد لا في مقام بيان جميع الاحكام، ولهذا لم يذكر فيها الوضوء للقليلة أيضا. ومثلها موثقة عبد الرحمان، فالمسألة خالية عن الاشكال بحمد الله. وكذا يجب عليها الغسل، وهو في الجملة مما لا إشكال فيه نصا وفتوى، وعن الناصريات والخلاف وظاهر الغنية الاجماع عليه، وإنما الاشكال والخلاف في أنه

[ 252 ]

هل يجب عليها مضافا إلى غسل للغداة غسلان آخران للظهرين والعشاءين أو لا؟ فعن المشهور عدم وجوب غير ما للغداة عليها، وفي الجواهر: ظاهر الجميع بل صريحهم عدم وجوب غيره، وعن ابني عقيل والجنيد والمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى وبعضهم متأخري المتأخرين إدخال هذا القسم في الثالثة، فأوجبوا الاغسال الثلاثة عليها. وظاهر بعض المحققين لزوم الغسل عليها كلما ظهر الدم على الكرسف، و إذا كان سائلا يتعذر عليها أو يتعسر استمساكه بالكرسف لكونه صبيبا لا يرقأ فعليها الاغسال الثلاثة. ولازمه وجوب خمسة أغسال عليها في اليوم والليلة في بعض الاحيان فتكون أسوأ حالا من الكثيرة! ومنشأ الاختلاف اختلاف أنظارهم في الجمع بين شتات الروايات، وقد تقدم بعض الكلام في استفادة الاقسام الثلاثة من الروايات في أول البحث، ومحصله أن التحقيق في جمع الروايات هو تثليث الاقسام وعدم وجوب الغسل على الصغرى، و وجوب غسل واحد على الوسطى، وثلاثة أغسال على الكبرى. ففي موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام: وغسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف وجاز الدم الكرسف، فعليها الغسل لكل صلوتين وللفجر غسل، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلوة. (1) وقريب منها موثقته الاخرى، قال: قال: المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلوتين وللفجر غسلا وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلوة، وإن أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل. هذا إذا كان دمها عبيطا، و إن كان صفرة فعليها الوضوء. (2) والمراد بثقب الدم في هذه التجاوز بقرينة تقابله بعدم التجاوز، وبقرينة موثقته السابقة، وبقرينة أن الثقب ملازم للتجاوز بحسب الغالب. ولا إشكال في أن معنى التجاوز عرفا ولغة غير الثقب والظهور على الكرسف والنفوذ، بل هو عبارة عن العبور على الكرسف والسراية إلى شئ آخر،


(1) الوسائل: ابواب الجنابة، ب 1، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 6.

[ 253 ]

وهو عبارة اخرى عن السيلان الذي في الروايات الاخر. وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: فإن جاز الدم الكرسف تعصبت و اغتسلت ثم صلت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل، وإن لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد. قلت: والحائض؟ قال: مثل ذلك سواء. (1) ولا إشكال في أن ظاهرها أن الدم المتجاوز يوجب الاغسال الثلاثة، وغير المتجاوز لا يوجب إلا غسلا واحدا. نعم، غير المتجاوز بإطلاقه شامل للثاقب وغيره، لكن يتقيد بموثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين، ثم هي مستحاضة، فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل صلوة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فإذا نفذ اغتسلت وصلت. (2) و مقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم هو تثليث الاقسام بلا إشكال. ومما ذكرنا ظهر حال صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها، فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه، وللمغرب و العشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه، وتغتسل للصبح، وتحتشي وتستثفر وتحشي وتضم فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارجا، ولا يأتيها بعلها أيام قرئها، وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلوة بوضوء، وهذه يأتيها بعلها إلا في أيام حيضها. (3) فإن صدرها إما مطلق يجب تقييده قوله " إن لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد " أو يكون ظاهرا في الكثيرة بمقتضى قوله " وتحتشي وتستثفر و تحشي وتضم فخذيها في المسجد " الوارد للتحفظ عن السيلان وتلويث أثوابها. قال صاحب الوافي: " تحشي " مضبوط في بعض النسخ المعتمد عليها بالحاء المهملة و


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 5. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 9. (3) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 1.

[ 254 ]

الشين المعجمة، وفسر بربط خرقة محشوة بالقطن يقال لها المحشي على عجيزتها للتحفظ من تعدي الدم حال القعود. وفي الصحاح: المحشي العظامة تعظم بها المرأة عجيزتها. وفي بعض النسخ " تحتبي " بالتاء المثناة من فوق والباء الموحدة من الاحتباء، وهو جمع الساقين والفخذين إلى الظهر بعمامة ونحوها، ليكون ذلك موجبا لزيادة تحفظها من تعدي الدم (انتهى). وعلى النسختين يكون الاحتشاء والاستثفار والربط بالخرقة المحشوة أو الاحتباء لكثرة التحفظ، ومعلوم أن هذه المبالغة إنما هي في الكثيرة لاغيرها. نعم بناء عليه يكون عدم الثقب المقابل له مساوقا لغير المتجاوز، فيكون أعم من المتوسطة والقليلة، فيقيد بما دل على عدم الغسل مع عدم النفوذ والثقب، فتصير النتيجة تثليث الاقسام. وتدل على تثليثها صحيحة الصحاف أيضا، فإن الظاهر منها بعد رد الصدر على الذيل والاجمال فيه على التفصيل في ذيلها أن الدم إما أن يكون غير سائل مطلقا وضع الكرسف أو لا، أو سائل مطلقا وضع الكرسف أو لا، أو سائل بلا وضعه وغير سائل معه، ففي الاول ليس عليها إلا الوضوء، وفي الثاني عليها ثلاثة أغسال، وفي الثالث عليها طبيعة الغسل لا أغسال ثلاثة. ومعلوم أن الدم إذا لم يكن سائلا حتى مع عدم الكرسف لا يكون إلا قليلا، وإذا كان سائلا مع الكرسف يكون كثيرا، و المتوسط بينهما أي السائل بلا مانع لا ينطبق إلا على المتوسطة. وما احتمله فيها الشيخ الاعظم خلاف المتفاهم منه عرفا، فحينئذ لا مخالفة بينها وبين الجمع المتقدم في سائر الروايات، بل هي شاهدة للجمع المذكور. بقيت روايات: منها موثقة عبد الرحمان، وفيها: وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين، ولتغتسل ولتستدخل كرسفا، فإن ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي، فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلوة إلى الصلوة، ثم تصلي صلوتين بغسل واحد. (1)


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 8.

[ 255 ]

والظاهر المتفاهم منها عرفا بعد ارتكازية كون الدم الكثير أسوأ حالا من المتوسط أن الغسل في مقابل ثلاثة أغسال هو نفس الطبيعة التي يسقط الامر بها بأول الوجود، ولو سلم كون الظهور الاولي منه هو سببية الظهور بجميع وجوداته للغسل فيجب عليها كلما ظهر على الكرسف، يجب رفع اليد عنه بما صرح بأن الدم الغير المتجاوز لا يكون سببا إلا لغسل واحد في كل يوم. ولا إشكال في أظهرية ذلك من الموثقة على فرض تسليم الظهور المتقدم. وبه يظهر الكلام في رواية إسماعيل بن جابر، قال: وإن هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت، ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف. (1) فإن الظاهر منها أن الغسل الاول فيها غسل الحيض، وظاهرها أن غسل الحيض يكفيها ولا يلزم عليها غسل إلا عند الظهور، فإذا ظهر أعادت الغسل ولا تكتفي بغسل الحيض، وهذا لا يدل على لزوم الغسل عند كل ظهور، ولو سلم ظهورها يرفع اليد عنه بنص موثقتي سماعة، مع أنها ضعيفة السند بالقاسم بن محمد الجوهري. والانصاف أن الناظر في مجموع الروايات بعد رد ظاهرها على نصها ومطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها لا ينبغي أن يرتاب في تثليث الاقسام على ما هو المشهور بين الاصحاب. وأما ما يقال من أن تقييد الموثقتين أي قوله " إن لم يجز الدم الكرسف " بالثقب الغير المتجاوز تقييد بالفرد النادر، بل ارتكاب التقييد في الموثقة المضمرة ولو مع قطع النظر عن ذلك متعذر، لما في صدرها من التنصيص على أن المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلوتين وللفجر غسلا، وعدم التجاوز نقيض ما في الصدر، فيكون المراد منه عدم الثقب، والتعبير ب‍ " لم يجز " للجري مجرى الغالب، وادعاء العكس لا يجدي، وإن أمكن أن يكون المراد من قوله " إذا ثقب " إذا جاز، اعتمادا على الغلبة لكن التعبير به عنوانا للموضوع ولو بملاحظة الغلبة مانع عن أن يكون


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 10.

[ 256 ]

المقصود من قوله " إن لم يجز " خصوص الثاقب الغير المتجاوز، خصوصا مع ما في ذيلها من تأكيد مضمون الجملة ببيان مورد الحكم حيث قال " هذا إذا كان دما عبيط ا " فالانصاف أن الاخذ بظاهر هذه الروايات غير ممكن لمخالفته للنصوص والفتاوى (انتهى ملخصا). وفيه ما لا يخفى، أما لزوم التقييد بالفرد النادر ففيه أن المضمرة تعرضت للاقسام الثلاثة، فأراد بالثاقب المتجاوز، لملازمة الثقب التجاوز نوعا، ويؤيده موثقته الاخرى حيث قابل فيها بين المتجاوز وغير المتجاوز، وصحيحة معاوية حيث عبر فيها بالثقب، وذكر بعده امورا كانت قرينة على كثرة الدم وكونها من الكثيرة، والظاهر إرادة القليلة من الصفرة، لكونها نوعا قليلة غير نافذة، فيبقى غير المتجاوز المقابل لهما، وهو لا ينطبق إلا على المتوسطة. هذا مضافا إلى أن الندرة لو سلمت فإنما هي مقابلة الثاقب المتجاوز لا مقابلة عدم الثاقب، ومع التعرض للثاقب المتجاوز بقرينة ما ذكرنا لا يبقى مجال لاحتمال كون التقييد بشيعا. وبما ذكرنا ينحل الاشكال الثاني، لما عرفت من لزوم حمل الثاقب على المتجاوز للقرائن المتقدمة. فتحصل من جميع ذلك أن الجمع بين شتات الروايات لا يمكن إلا بما ذهب إليه المشهور، ولا يلزم منه شئ مخالف لارتكاز العقلاء في الجمع بينها. ثم إنه بحسب الاحتمال العقلي يحتمل أن يكون الغسل واجبا نفسيا، و يحتمل أن يكون واجبا شرطيا لصلوة الغداة، فلو صارت متوسطة بعد صلوة الفجر لم يجب عليها الغسل لسائر الصلوات وإن وجب لصلوة الغداة المستقبلة، ويحتمل أن يكون شرطا للصلوات إذا حصل الدم وقت صلوة الغداة، بمعنى أن ظهور الدم في ذلك الوقت حدث أكبر ولو حدث بعد صلوة الغداة، ويحتمل أن يكون واجبا شرطيا لجميع الصلوات، لكن لا بمعنى وجوب إيجاده قبلها بل بمعنى وجوب إيجاده في اليوم والليلة مرة، فيكون شرطا متقدما للصلوة المتأخرة، ومتأخرا للصلوة المتقدمة، ويحتمل أن يكون شرطا متقدما لجميع الصلوات، بمعنى أنه إذا حدث الدم قبل صلوة الفجر يجب الغسل قبلها ويكون شرطا لسائر الصلوات

[ 257 ]

أيضا، فلو تركته بطل جميع صلواتها، ولو حدث بعد صلوة الغداة يجب عليها الغسل لسائر الصلوات إلى غير ذلك من الاحتمالات. لا إشكال في أن الظاهر من الادلة هو الاحتمال الاخير، فإن قوله في صحيحة زرارة " فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت، ثم صلت الغداة بغسل، والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وإن لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد " ظاهر في الوجوب الشرطي، وأن تلك الصلوات التي تصلي المستحاضة الكبرى بالاغسال الثلاثة وتكون الاغسال شرطا لها تصليها الوسطى بغسل واحد، ويكون هو شرطا لها. فقوله " صلت " أي صلت الصبح والظهرين والعشاءين، ولا معنى لاختصاصه بالغداة، ولا وجه لاحتمال كون الحدث إذا وجد في وقت الصبح كان أكبر. وبالجملة لا شبهة في فهم العرف من مقابلة قوله " صلت بغسل واحد " بقوله " صلت الغداة بغسل - الخ - " أنها تصلي تلك الصلوات بغسل واحد، ويكون الغسل الواحد من الصلوات بمنزلة الاغسال الثلاثة منها. واحتمال أن يكون شرطا لمجموعها من حيث المجموع بحيث لو حدث الدم بعد الغداة لم يكن حدثا ولا الغسل شرطا، بعيد جدا بل مقطوع الخلاف بعد كون كل صلوة مستقلة في الوجوب والشرائط والموانع. ومن ذلك يظهر الكلام في موثقتي سماعة، فإن قوله " المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلوتين وللفجر غسلا، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلوة " ظاهر في أن الغسل الواحد للوسطى كالاغسال الثلاثة إنما يكون بملاحظة الصلوات وشرطا فيها. وقوله " لكل يوم " في مقابل الاغسال ظاهر في أن الغسل الواحد في كل يوم مرة إنما هو للصلوات اليومية لا لنفس اليوم. ولا إشكال في فهم العرف منهما ومن صحيحة زرارة الشرط المتقدم لكل صلوة، لان الشرط المتأخر مع كونه خلاف ارتكاز العقلاء مخالف للمتفاهم من مثل قوله " صلت بغسل واحد ".

[ 258 ]

وعلى أي حال لا إشكال في فهم العرف من تلك الروايات اشتراط جميع الصلوات اليومية بالغسل، وأما مخالفة ذلك لفتاوى الاصحاب كما قيل فلقد أجاب عنها الشيخ الاعظم وأجاد، ولو فرض عدم الوثوق بمراد القوم مما أفاد - رحمه الله - فلا أقل من احتماله احتمالا معتدا به، ومعه لا يجوز رفع اليد عن ظواهر الادلة. واما القسم الثالث أي الكثيرة فيجب فيه تبديل القطنة والخرقة وكل ما تلوث بالدم بلا إشكال، لما ذكرنا في المتوسطة من فهم العرف من ثبوت الحكم للقليلة ثبوته لها، وكذا الحال في الكثيرة. ضرورة أن وجوب تبديل القطنة التي تلوث شئ منها دليل على مانعية هذا الدم عن الصلوة ولو كان قليلا وفي الباطن فضلا عما كان كثيرا وفي الظاهر. ومنه يعلم لزوم تبديل الخرقة وكل ما تلوث بالدم، كل ذلك لفهم العرف من حكم القليلة مانعية هذا الدم مطلقا. هذا، مضافا إلى الادلة الدالة على لزوم تبديل الكرسف إذا ظهر الدم عليه، فإن الظاهر منها أن ظهوره عليه مانع عن الصلوة، ويصدق في الكثيرة أن الدم ظهر على الكرسف. ولو فرض اختصاص الادلة بالمتوسطة فلا إشكال في فهم العرف منها حكم الكثيرة أيضا بإلغاء الخصوصية، كما يفهم منها مانعيته مطلقا، سواء كان في الكرسف أو في غيره. واما الوضوء فهل يجب لكل صلوة كما عن الخلاف دعوى الاجماع عليه، وعن المختلف دعوى الشهرة، وهو المنقول عن السرائر والنافع وكتب العلامة والشهيدين والمحقق الثاني، وهو مختار الشرايع، وعن المدارك أن عليه عامة المتأخرين، و عن الكفاية عليه جمهور المتأخرين، أو لا يجب مطلقا وتكفي الاغسال عنه كما عن ظاهر الصدوقين وعن السيد في الناصريات والشيخ وابني زهرة وحمزة والحلبي و القاضي وسلار، أو يجب مع كل غسل كما عن المقنعة والجمل والمعتبر وابن طاوس و شارح المفاتيح والسيد في الرياض؟ وعن المعتبر دعوى عدم ذهاب أحد من طائفتنا إلى وجوب الوضوء لكل صلوة ونسبة من ذهب إلى ذلك إلى الغلط. وهذا منه غريب بعد ذهاب من عرفت إليه وقد اختاره في الشرائع ومحكي النافع. وإلى القول الاخير ذهب شيخنا الاعظم قائلا انه لا دليل على وجوبه لكل صلوة، وقد حقق في محله عدم إجزاء

[ 259 ]

غسل عن الوضوء إلا غسل الجنابة. ووجه عدم وجوبه مطلقا دعوى ورود الادلة الكثيرة المطلقة في مقام البيان مع السكوت عن الوضوء والاخذ بها أولى من الاخذ بظاهر مثل رواية يونس على فرض تسليم ظهورها، وقد أنكر الشيخ الاعظم ظهورها بدعوى أن قوله " فلتدع الصلوة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة. قيل: وإن سال؟ قال: وإن سال مثل المثعب " مما يتوهم كونه بملاحظة ذيله نصا في أن الوضوء لكل صلوة حتى في الكثيرة لا يدل على الوجوب، لان الغسل فيه هو غسل الاستحاضة، وإلا لزم إهمال ما هو الاهم، ويكون الظرف متعلقا بمجموع الجملتين، فحينئذ لا محيص عن الحمل على الاستحباب، لعدم وجوب الغسل لكل صلوة إجماعا. ولا يخفى ما فيه، فإن الظاهر أن الغسل الوارد في تلك الرواية كسائر الروايات هو غسل الحيض، وأنت إذا تفحصت الروايات الواردة في باب المستحاضة لا يبقى لك ريب في أن الاغتسال الوارد في المرسلة هو الاغتسال من الحيض، وترك بيان غسل الحيض ليس بأهون من ترك بيان غسل الاستحاضة. ثم إن تعلق الظرف بالجملتين محل إشكال، ودعوى الظهور في محل المنع، بل المتيقن - لو لم نقل إنه الظاهر - تعلقه بالجملة الاخيرة، ولو سلم ظهور تعلقه بهما فقيام الدليل الخارجي على عدم وجوب الغسل لكل صلوة لا يوجب عدم ظهور ذلك في لزوم الوضوء لكل صلوة. هذا كله مع أنه لو سلم جميع ما أفاد لا يصير مدعاه ثابتا إلا بتقديم مادل على عدم إجزاء غير غسل الجنابة عن الوضوء على الاطلاقات الواردة في مقام البيان، وهو محل تأمل. وقد اختار بعض أهل التحقيق عدم الوضوء عليها مطلقا، وأجاب عن المرسلة بأن المراد من الامر بالغسل فيها هو غسل الحيض، والمراد من تعميم الحكم إنما هو في أنها تصلي في مقابل أيام قرئها، لا أنها تصلي بعد غسل الحيض بالوضوء مطلقا، وليس الكلام في هذا ا لمقام لبيان تكليف المستحاضة إلا في الجملة، فلا ينافيه الاهمال.

[ 260 ]

وأنت خبير بأن ظاهر المرسلة هو رجوع التعميم إلى الوضوء لكل صلوة، فإن وجوب أصل الصلوة ليس مورد العناية في الكلام، بل ما هو مورد البيان والعناية هو الاغتسال والوضوء لكل صلوة، وإنما يفهم لزوم الصلوة عليها بالتبع، ورجوع التعميم إلى ما هو مورد البيان أولى أو المتعين. نعم، لو كان الاستبعاد بالنسبة إلى الوضوء لكل صلوة في غير محله وإلى أصل الصلوة في محله لم يكن بد من رفع اليد عن الظهور، لكن استبعاد الوضوء في صورة سيلان الدم الذي هو حدث في محله، بل أولى من استبعاد أصل الصلوة، فإن الوضوء بحسب الادلة وارتكاز المتشرعة إنما هو لرفع الحدث، وبعد كون الحدث سائلا دائما يكون إيجاد الرافع في نظر السائل أمرا غريبا مستبعدا، فسأل عنه وأجاب بأنها تتوضأ وإن سال مثل المثعب. والانصاف أن ظهور المرسلة في وجوب الوضوء لكل صلوة مما لا ينبغي إنكاره. نعم، يبقى الكلام في أن حمل هذا الظاهر على الاستحباب أولى أو تقييد الاطلاقات الواردة في مقام البيان؟ وقد يدعى ورود الاخبار المستفيضة التي كادت أن تكون متواترة في مقام بيان تكليف المستحاضة ساكتة عن الوضوء، والالتزام بإهمال هذه الروايات من هذه الجهة في غاية الاشكال، ورفع اليد عن ظهور المرسلة متعين. اقول: أما كون الالتزام بإهمال الروايات بأسرها في غاية الاشكال فحق، لكن لا يلزم من ذلك كون جميع الروايات التي يدعى استفاضتها في مقام البيان حتى نستوحش من ورود الروايات المستفيضة في مقام البيان مع عدم ذكر عن الوضوء لكل صلوة، بل الناظر في الروايات والمتأمل فيها لا يرى فيها ما في مقام البيان من هذه الجهة إلا موثقة سماعة السالمة عن المناقشة، حيث ذكر فيها الغسل الواحد والوضوء لكل صلوة في المتوسطة، والوضوء فقط للصفرة المحمولة على القليلة، وفي مقابلهما ذكر الكثيرة وأوجب فيها الغسل لكل صلوتين وللفجر، ولو كانت من جهة الوضوء في مقام الاهمال لما ذكره في المتوسطة. والانصاف أن إنكار كونها مطلقة في مقام البيان في غير محله، وقريب منها موثقته الاخرى، وأما سائر الروايات فلا تخلو عن مناقشة في سندها أو إطلاقها. ورفع اليد عن إطلاق رواية أو روايتين بظهور رواية اخرى

[ 261 ]

ليس بعزيز، بل مبنى فقه الاسلام على تقييد الاطلاقات وتخصيص العمومات. وليعلم أن المطلقات على ضربين: أحدهما المطلقات الملقاة على أصحاب الكتب والاصول، وهي كثيرة وعليها مدار الفقه، وثانيهما ما يلقى على غيرهم ممن كان محتاجا في مقام العمل. ولا إشكال في أن رفع اليد عن الضرب الثاني بورود أمر أو نهي أو مثلهما غير ممكن للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، بخلاف الضرب الاول فإن إلقاء الاطلاقات والعمومات على أصحاب الكتب والاصول إلى ما شاء الله مع بيان مقيداتها ومخصصاتها منفصلة ببيان مستقل لاغراض ومصالح منها فتح باب الاجتهاد والدراسة، وفيهما من البركات وتشييد مباني الدين إلى ما شاء الله. ففيها يكون تقييد المطلق وتخصيص العام رائجا هينا، عليه بناء فقه الاسلام، ورفع اليد عنه مستلزم لتأسيس فقه جديد كما لا يخفى على المتتبع، بل لا نستبعد فيها تقييد مطلقات كثيرة بمقيد واحد، وههنا كلام آخر في باب المطلقات الكثيرة نطوي عنه كشحا حذرا من التطويل. نعم لو كان ذيل مرسلة يونس أي قوله " وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة - إلى أن قال - واغتسلي للفجر غسلا - الخ - " مطلقا في مقام البيان لكان رفع اليد عنه مشكلا، بل كان حمل الامر على الاستحباب متعينا، لكن الشأن في إطلاقه، فإن الظاهر من صدر المرسلة إلى ذيلها أن عناية أبي عبد الله عليه السلام في نقل كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي جعفر عليه السلام إنما هي الاستشهاد بهما للسنن الثلاث، و أن ذات الاقراء سنتها الرجوع إلى أقرائها، وذات التمييز إلى التمييز، وغيرهما إلى السبع والثلاث والعشرين، من غير أن يكون نظره إلى بيان تكليف المستحاضة و إنما ذكر بعض تكاليفها ضمنا واستطرادا، كما أن نقل مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله في القضايا الثلاث إنما هو بداعي الاستشهاد للمقصود المتقدم، فلم يكن أبو عبد الله عليه السلام بحسب سوق الرواية في مقام بيان جميع خصوصيات قصتي فاطمة وحمنة إلا ما له دخل في مقصوده، فذكر الاغسال الثلاثة لا يدل على كونه بصدد بيان جميع الخصوصيات فحينئذ يمكن أن حمنة كانت عالمة بتكليف الوضوء للاستحاضة الكثيرة وإنما

[ 262 ]

راجعت رسول الله صلى الله عليه وآله لبيان حالها من شدة الاستحاضة كما يظهر من قصتها. وبالجملة لم يظهر من المرسلة كون أبي عبد الله عليه السلام في مقام بيان القصة بخصوصياتها، ولا كون رسول الله صلى الله عليه وآله في مقام بيان جميع تكاليفها، فإنها قضية شخصية يمكن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله عالما بحال حمنة وبعلمها بلزوم الوضوء، خصوصا بالنظر إلى كونها اخت زينب بنت جحش زوجته صلى الله عليه وآله. فتحصل من جميع ذلك لزوم الوضوء عليها مع كل صلوة. وينبغى مراعاة الاحتياط بإتيان الوضوء في خلال الاقامة. وينبغى التنبيه على امور (الامر الاول) يحتمل بحسب التصور أن يكون صرف وجود الدم الكثير مطلقا أو في وقت صلوة موجبا للاغسال الثلاثة ولو فرض حدوثه في أول الفجر وانقطاعه أو قبل الزوال كذلك، وفي مقابل هذا الاحتمال احتمال كون الموجب لها هو الدم المستمر في الاوقات الثلاثة بحيث لو انقطع في وقت العشاء كشف عن عدم لزوم الغسل للصبح والظهرين، ويحتمل أن يكون كل قطعة من الدم المستمر إلى الاوقات الثلاثة في وقت كل فريضة سببا بحيث تكون القطعة الموجودة في الصبح من الدم المستمر إلى العشاء سببا لوجوب الغسل للصبح، والقطعة الموجودة في الظهر منه سببا للغسل للظهرين، وهكذا في العشاءين، ويحتمل أن يكون الدم المستمر إلى كل وقت سببا لفريضته لا الحادث ولو في الوقت، ويحتمل أن يكون الدم الحادث في كل وقت أو المستمر إلى كل وقت سببا للغسل لفريضة ذلك الوقت، فإن حدث في الصبح كان سببا للغسل لفريضته، وكذا إن حدث في الزوال أو استمر إليه، وكذا في المغرب فلو حدث قبل الزوال وانقطع ولم يحدث في الزوال ولم يستمر إليه لم يكن سببا، و كذا قبل الغروب للعشاءين، ويحتمل أن يكون صرف وجوده سببا كلما وجد لصرف وجود الغسل، فإذا اغتسل ارتفع حكمه، فلو حدث قبل الزوال وانقطع

[ 263 ]

وجب عليها الغسل للظهرين، ولو اغتسلت ارتفع حكمه ولم يجب للعشاءين إلا إذا حدث بعد الظهرين أو استمر إلى ما بعدهما. وسيأتي الكلام في الحدوث بين الغسل أو بعده وقبل الفريضة وبينها. ثم إن لكل من الاحتمالات المتقدمة وجها، ولبعض منها قائلا يزعم استفادة ما ذهب إليه من أخبار الباب. وربما يقال: إن مقتضى إطلاق الادلة هو الوجه الاول، بل مال إليه في الجواهر لولا مخافة مخالفة الاجماع. وقال الشيخ الاعظم: إن هذا القول لا يرجع إلى محصل. ويمكن أن يستدل عليه بصحيحة يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: امرأة رأت الدم في حيضها حتى تجاوز وقتها، متى ينبغي لها أن تصلى؟ قال: تنتظر عدتها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيام، فإن رأت دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلوة. (1) حيث دلت بإطلاقها على أن مجرد رؤية الدم الصبيب موجب للاغسال، فلو رأت دما صبيبا قبل الفجر وجب عليها الاغتسال في وقت الصلوات، بدعوى أن سائر الروايات لا ينافيها، فإن كون موردها الدم الجاري في الاوقات لا يوجب تقييدها. وفيه أن ما ذكر على فرض الاطلاق - كما لا يبعد - إنما هو في غير صحيحة الصحاف، وأما هي فمقيدة لها، ففيها: وإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقأ فإن عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات، و تحتشي وتصلي وتغتسل للفجر، وتغتسل للظهر والعصر، وتغتسل للمغرب والعشاء الآخرة. قال: وكذلك تفعل المستحاضة، فإنها إذا فعلت ذلك أذهب الله بالدم عنها. (2) فالتقييد بعدم السكون والانقطاع الذي يراد منه الاستمرار في الاوقات كما يظهر من الرواية إلى آخرها دليل على أن موضوع الحكم ليس مجرد كونه صبيبا، بل الصبيب الذي لا يرقأ ولا يسكن، كما تشعر أو تدل عليه صحيحة محمد بن


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 11. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 7.

[ 264 ]

مسلم عن أبي جعفر عليه السلام وفيها: فإن صبغ القطنة دم لا ينقطع فليجمع بين كل صلوتين بغسل - الخ - (1) هذا مع أن الالتزام بلوازم هذا الاحتمال مشكل بل ممتنع، لان صرف وجود الدم إذا كان حدثا موجبا للاغسال الثلاثة فلابد إما من الالتزام بكون الغسل للصبح مثلا رافعا للحدث وان الغسلين الآخرين واجب تعبدي لا يرفع حدثا، أو كون نفس الغسل بلا رافعيته للحدث شرطا للصلوة، وهو بشقيه فاسد لا أظن أن يلتزم به فقيه، وإما من الالتزام بكون الحدث ذا مراتب يرفع كل مرتبة منه بغسل فتكون مانعية الحدث مختلفة بالنسبة إلى الصلوات، فمرتبة منه مانعة من صلوة الفجر مثلا وترتفع بغسلها، ومرتبة اخرى لصلوة الظهرين وترتفع بغسلهما و هكذا، فهو ايضا فاسد مخالف للادلة ومذاق الشرع والمتشرعة. وأما الاحتمال الثاني والثالث اللذان يلزم منهما كون الحدث المتأخر سببا أو شرطا للسبب بالنسبة إلى الغسل المتقدم فهما أردأ من الاحتمال الاول ومخالفان للمتفاهم العرفي من الروايات، ولو سلم إمكان سببية الامر المتأخر للمتقدم أو شرطيته له فهو تصوير عقلي لا يذهب إليه إلا بورود نص غير ممكن التأويل، ولا تحمل الادلة عليه إلا بعد ضيق الخناق. واما احتمال كون الدم المستمر إلى كل وقت سببا للغسل لفريضته لا الحادث في الوقت ولا غير المستمر إليه، ففيه أن لازمه التفكيك بين الصلوات في مانعية الدم، وفي الاغسال في سببيته لها، بأن يقال: إن السبب أو المانع بالنسبة إلى الصلوة الاولى هو الدم الحادث حدوثا أوليا، وأما بالنسبة إلى سائر الصلوات فهو استمرار الدم لا الحدوث، فأن الحدوث الثانوي أي الحدوث بعد الحدوث ليس سببا ولا مانعا! واما الالتزام بأن السبب هو الدم المستمر من وقت إلى وقت آخر أو من قبل الوقت إلى الوقت، وأما الحادث في الوقت حتى بالنسبة إلى الصلوة الاولى أيضا فليس مانعا ولا سببا للغسل، فإذا رأت الكثرة في وقت فريضة الصبح لا يجب


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 14.

[ 265 ]

عليها الغسل لعدم كونه دما مستمرا إلى وقتها. وهو كما ترى بكلا شقيه مخالف الادلة ومذاق الفقه. فبقي الاحتمالان الاخيران، وقد ذهب إلى كل عدة من المحققين، واختار ثاني الاحتمالين الشيخ الاعظم، ونسبه إلى العلامة والشهيدين وجامع المقاصد و جماعة اخرى من متأخري المتأخرين، ونسب أولهما إلى صريح الدروس و ظاهر الذكرى، وإلى المنقول عن الموجز وكشف الالتباس وحاشية الروضة لجمال الدين، وادعى ظهور الروايات في ما اختاره. وقد تسمك صاحب الجواهر له بإطلاق النص والفتوى، وقال: وما يقال ان ظاهر الاخبار الاستمرار قد يمنع إن أراد به الاشتراط، نعم قد يشعر به ما في بعضها لكن لاظهور فيها بالاشتراط، أي اشتراط وجوب الاغسال بالاستمرار المتقدم حتى تصلح لتقييد غيرها، سيما مفهوم قوله عليه السلام في خبر الصحاف " فإن كان الدم في ما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتوضأ ولتصل عند وقت كل صلوة (انتهى). اقول: أما إطلاق الادلة فعلى فرضه - كما لا يبعد في بعضها - مقيد بذيل صحيحة الصحاف الدال على أن الدم إذا كان صبيبا لا يرقأ يوجب الاغسال، ويفهم من قوله " لا يرقأ " ومن ذيلها أن المراد هو عدم الانقطاع في الاوقات الثلاثة، وإنما يرفع اليد عنه بالنسبة إلى الحادث في الاوقات بما تقدم، فتصير نتيجة رد المطلق إلى المقيد مع الوجه المتقدم في إلحاق الحادث في كل زمان بالمستمر إليه هو أول الاحتمالين. وأما مفهوم صدر الصحيحة فعلى فرضه مطلق قابل للتقييد، مع أن الظاهر عدم إرادة المفهوم منه بعد تعرض المتكلم فيها لاقسام الدم والمستحاضة. واما استبعاد عدم كون الدم قبل الوقت حدثا ومخالفة هذا الدم لسائر الاحداث التى يكون وجودها مطلقا سببا، لعله في غير محله بعد اقتضاء الدليل، مع رفع الاستبعاد بعد عدم ترتب الاثر عفوا أو رفعا للسببية عن هذا الدم إذا سال في أثناء الغسل أو بينه وبين الصلوة أو في أثناء الصلوة، فأي مانع من العفو أو الرفع بالنسبة إلى

[ 266 ]

غير أوقات الصلوة. والقياس بسائر الاحداث كما ترى. وبالجملة لا دليل على حدثية مطلق هذا الدم لو لم نقل بقيام الدليل على الخلاف كما عرفت ومن ذلك يظهر النظر في ما قيل ان العفو في الدم الحاصل بين الغسل والصلوة إنما هو بالنسبة إلى تلك الصلوة والغسل لا للصلوات الاخر، لان ذلك فرع الاطلاق المفقود في المقام، وعلى فرض الاطلاق في بعض الروايات كما ليس ببعيد يكون مقيدا بصحيحة الصحاف وابن مسلم، هذا. لكن الاقوى في النظر هو كون نفس الدم الكثير بذاتها موجبة للغسل، وان المستفاد من الروايات أن دم الاستحاضة المتوسطة والكثيرة لا يفترقان إلا بسببية الاول لغسل واحد والثاني للاغسال، وان الحكم في المتوسطة كما هو مرتب على ظهور الدم على الكرسف كذلك الحكم في الكثيرة مرتب على التجاوز والسيلان والالتزام بالفرق بين أقسام الاستحاضة في أصل السببية بأن الكثيرة لا تكون بنفسها سببا مشكل مخالف لارتكاز المتشرعة، مع أن العكس أولى. بل الالتزام بأن لدلوك الشمس أو ذهاب الحمرة أو تبين الخيط الاسود من الخيط الابيض من الفجر دخلا في حدثية الدم وأن الدم المتقيد بتلك العناوين أو في تلك الظروف حدث في خصوص الكثيرة وتفرد هذا الدم من بين جميع الاحداث بهذه الخصوصية مشكل بل مخالف لارتكاز عرف المتشرعة. مع أن لازم الجمود على مفاد الروايات هو عدم حدثية الدم المستمر إلى الوقت أو الحادث فيه في الجملة، بل الحدث هو الدم المستمر في جميع الوقت أو في زمان الاشتغال بالصلوة، لان سياقها هو فرض ابتلائها بالكثرة في حال اشتغالها بها، ولهذا أمرها بتعجيل العصر وتأخير الظهر، وكذا في العاشاءين، وبالاحتشاء وإمساك الكرسف. ولهذا كله لا يبقى وثوق بل ظهور لكون المراد من كونه صبيبا لا يرقأ في صحيحة الصحاف هو الاستمرار في الاوقات الثلاثة بحيث يكون للوقت دخل و موضوعية فيؤخذ بإطلاق بعض الادلة كصحيحة يونس بن يعقوب، وبعد رفع اليد عن إطلاقها في سببية الدم في الجملة للاغسال الثلاثة بالاجماع المدعى أو بالوجوه

[ 267 ]

المتقدمة يكون موافقا لمختار الاعاظم كالشيخ الاعظم وغيره. ثم إن ظاهر الادلة هو سببية الدم الفعلي للاغسال لا الاعم منه وما هو بالقوة فلو رأت الدم السائل واغتسلت منه بعد انقطاعه وعلمت بعوده لا يوجب ذلك غسلا عند حضور وقت الصلوة. هذا على المختار، وكذا على القول بلزوم الاستمرار في الوقت لو رأت مستمرا إلى ما قبل الوقت وانقطع وعلمت بعوده لا يوجب ذلك غسلا عند وقت الصلوة ما لم تر الدم الفعلي الكثير، وذلك لتعليق وجوب الغسل على تجاوز الدم وسيلانه وكونه صبيبا مما هو ظاهر في ما ذكرنا. وما يقال ان الحكم مترتب على المرأة الدمية في صحيحة الحلبي وعلى المستحاضة في صحيحة صفوان وعبد الله بن سنان وغيرهما، ولا إشكال في صدق المرأة الدمية والمستحاضة على التي انقطع دمها انقطاع فترة وعود منظور فيه أما أولا فلان ظاهر تلك الروايات هو ابتلاء المرأة بالدم وسيلانه في أوقات الصلوة، فإن الامر باستدخال قطنة بعد قطنة والجمع بين الصلوتين ليس تعبديا بل لحفظ الدم وتقليل الابتلاء حتى الامكان. هذا مع الغض عن الاشكال بل الاشكالات الواردة على صحيحة الحلبي مما تقدمت الاشارة إلى بعضها. وأما ثانيا فلانها على فرض الاطلاق فيها تتقيد بما دل على تعليق الحكم بسيلان الدم وتجاوزه. هذا مضافا إلى أن تعليق الحكم على عنوانين بينهما تقدم وتأخر وسببية ومسببية يوجب الظهور في أن يكون الحكم للمتقدم بحسب العقل بل العرف، ولما كان حصول الدم مقدما على حصول عنوان المستحاضة وقد علق الحكم عليهما يكون التعليق الثاني عرفا وعقلا فرعا على الاول لا مستقلا في السببية، فما يكون سببا هو الدم لا عنوان المستحاضة المسبب منه. (الامرالثا ني) إذا انقطع دم الاستحاضة فإما أن يكون لبرء أو لفترة أو لاتعلم بأحدهما، وإن كان لفترة فإما أن تعلم بسعتها للطهارة والصلوة أو لاحدهما أو لاتعلم، وعلى أي حال فإما أن يكون الانقطاع بعد الصلوة أو في أثنائها أو بينها وبين فعل الطهارة

[ 268 ]

أو قبله، وعلى أي تقدير قد يلاحظ حال الانقطاع بالنسبة إلى الاعمال المستقبلة و قد تلاحظ بالنسبة إلى الماضية أو الحاضرة. ونحن نتعرض لمهماتها حتى يتضح حال البقية. فنقول: إن انقطع للبرء أو الفترة فالتكليف بالنسبة إلى الاعمال المستقبلة يتفرع على المسألة السابقة، فإن قلنا بأن نفس طبيعة الدم الفعلي حدث وسبب للغسل أو الوضوء كما قويناه أخيرا وأن خروجه في أثناء الصلوة والطهارة معفو عنه فلا إشكال في لزوم الغسل والوضوء بالنسبة إلى الاعمال اللاحقة ولو خرج الدم في أثناء الاعمال لتحقق السبب وعدم الدليل على العفو، وإن قلنا بأن استمرار الدم إلى أوقات الصلوات فعلا أو حدوثه فيها سبب لهما، فلا يجب الغسل والوضوء لو انقطع قبل تحقق الوقت ولو كان مستمرا إلى ما قبل الاوقات، وإن قلنا بأن الاستمرار الاعم من الفعلي سبب فلابد من التفصيل بين الانقطاع للبرء والانقطاع للعود، ويمكن أن يفصل بين الوضوء والغسل ويلتزم بعدم وجوب الغسل دون الوضوء تمسكا في وجوب الوضوء بإطلاق مرسلة يونس، وفيها " وسئل عن المستحاضة فقال: إنما هو عزف عامر أو ركضة من الشيطان، فلتدع الصلوة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة، قيل: وإن سال؟ قال: وإن سال مثل المثعب " حيث أمر بالوضوء لكل صلوة سال الدم أو لم يسل، ومقتضى إطلاقه وجوب الوضوء بمجرد تحقق الدم، و بمقتضى المناسبات المرتكزة في أذهان المتشرعة والعرف يعلم أن دم الاستحاضة حدث يوجب الوضوء، ولو تحقق السبب لزم المسبب، ولا يرتفع بانقطاع الدم. وأما عدم وجوب الغسل فبما تقدم من إنكار الاطلاق أو لزوم التقييد على فرضه، فلا يكون دليل على سببية الدم للغسل إلا إذا كان مستمرا كما تقدم الكلام فيه، فحينئذ يكون للتفصيل وجه. وإنكار الشيخ الاعظم الفرق بين الوضوء والغسل ومطالبة الدليل على التفرقة مبني على ما تقدم منه من إنكار دلالة مرسلة يونس، وقد مر الجواب عنه، فالوجه للتفصيل هو ما ذكرنا، وإن كان الا وجه وجوب الغسل والوضوء لما تقدم من تقوية

[ 269 ]

سببية صرف وجود الدم لهما. ثم لا يخفى أن في تعبير بعضهم بأن انقطاع الدم موجب للوضوء أو الغسل أو غير موجب مسامحة، لما مرت الاشارة إلى أن مبنى الخلاف هو الخلاف في كون السبب ماذا، فوجوب الغسل والوضوء على القول به إنما هو لسببية الدم لا لسببية الانقطاع، و عدم وجوب الغسل ووجوب الوضوء أيضا للالتزام بسببية نفس الطبيعة للوضوء و عدم سببيتها للغسل إلا إذا كان مستمرا، والامر سهل. هذا كله بالنسبة إلى الاعمال المستقبلة، وأما بالنسبة إلى الاعمال الماضية فإن انقطع بعد الصلوة فلا ينبغي الاشكال في عدم لزوم الاعادة وصحة صلوتها لاطلاق الادلة، سواء احتملت الانقطاع حين العمل أو قبله أو كانت قاطعة بعدم الانقطاع أو ظانة به بل ولو كانت ظانة بالانقطاع، ودعوى الانصراف عما إذا انقطع في الوقت مطلقا أو إذا كانت ظانة في غير محله، خصوصا في غير الظانة. نعم لو كانت قاطعة بالانقطاع للبرء أو الفترة الواسعة فالظاهر لزوم الانتظار وعدم جواز البدار، لقصور الادلة عن إثبات جواز البدار وعدم إطلاقها من هذه الجهة، بل تكون منصرفة عن الفرض. وأما إذا انقطع في الاثناء فالظاهر لزوم الاعادة إذا كان الانقطاع لبرء أو فترة واسعة، وفي غير الواسعة تأمل، أما الاعادة فيهما فلما مر من استفادة سببية مطلق الدم، ولم يثبت العفو في غير ما هو مستمر إلى آخر العمل، فيبقى مقتضى السببية على حاله، ولا إطلاق على الظاهر للادلة بالنسبة إلى هذه الصورة حتى يقال لاجله بالعفو وصحة الاعمال. هذا بحسب الثبوت والواقع، وأما تكليفها في الظاهر فقد يتشبث باستصحاب بقاء الفترة إلى زمان يسع العمل بشرائطه إذا كانت شاكة في كون الانقطاع للبرء أو الفترة مع الشك في سعتها، أو كانت عالمة بالثانية وشاكة في سعتها. وفيه أن هذا الاستصحاب مع كونه مثبتا لا أصل له، لعدم كون المستصحب موضوعا لاثر شرعي، بل بعد العلم بوجوب الصلوة واشتراطها بالطهور وكون الدم سببا بذاته وعدم إطلاق في الادلة يحكم العقل بلزوم التأخير إلى زمان الفترة الواسعة، ولا تكون

[ 270 ]

الفترة الواسعة موضوعا لحكم شرعي. كما أن التشبث باستصحاب الصحة أو الطهارة وأمثالهما في غير محله، بعد ثبوت حدثية الدم وعدم الدليل على العفو و اشتراط الصلوة بالطهور، فيكون الاستصحاب محكوما لتلك الادلة على فرض الجريان. نعم، لو أنكرنا سببية مطلق الدم للغسل كان له مجال، ومع عدمه تكفي أصالة البراءة، لكن ما مر هو الاقوى. ومما ذكرنا يظهر حال بقية الصور، فتدبر. (الامر الثالث) الظاهر جواز تفريق الصلوات والغسل لكل صلوة، لعدم استفادة كون الجمع بين كل صلوتين عزيمة بعد ظهور كون ذلك لمراعاة حال النساء. وقد حكي عن المحقق الثاني وصاحب المدارك القطع بالجواز، وتبعهما كثير من متأخري المتأخرين. ويمكن أن يستدل عليه بجملة من الروايات، كصحيحة يونس بن يعقوب، وفيها " وإن رأت دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلوة " لان وقت الصلوة في تلك الازمنة كان هو الاوقات المعهودة التي كان المسلمون يجتمعون فيها لاقامة الصلوات حتى اشتهرت الاوقات الخمسة وصارت معهودة بحيث ينصرف إليها اللفظ. بل يمكن استفادة الاستحباب من مثلها بعد كون الظاهر أن الامر بالجمع وتعجيل العصر والعشاء وتأخير الظهر والمغرب لمحض الترخيص وملاحظة حالهن. ويمكن أن يستدل عليه بوجه آخر، وهو أنها لو فرقت بين الصلوتين عمدا أو نسيانا فصلت الظهر بغسل وتركت العصر، فلا يخلو إما أن يجب عليها إعادة الظهر والجمع بينهما بغسل، أو لا يجب عليها العصر أيضا، أو يجب عليها العصر بلا غسل ويجوز لها الاكتفاء بغسلها للظهر، أو يجب عليها الغسل للعصر. لا سبيل إلى شئ من الاحتمالات إلا الاخير منها، ضرورة أنه لا وجه لاعادة الظهر لعدم مغايرة تكليفها في صلوة الظهر لسائر المكلفين، تأمل، وبداهة وجوب العصر عليها وعدم سقوطها عنها، والاكتفاء بالغسل المتقدم مخالف لظواهر الادلة، ولما مر من كون الدم بذاته حدثا مع عدم ثبوت العفو مع التفريق، فيبقى الاحتمال الاخير. ولاريب

[ 271 ]

في عدم كون الجمع واجبا تعبديا نفسيا غير ملحوظ فيه حال الصلوة واشتراطها بالطهور، ولا التفريق حراما كذلك. فتلخص بعد بطلان جميع المحتملات عقلا و شرعا أن التفريق التفريق جائز ومعه يجب الغسل، لان الدم الحاصل بعد الصلوة إلى زمان إتيان الصلوة الاخرى حدث موجب للغسل، فلابد منه. هذا كله مع تفريق الصلوات. وهل يجوز لها بعد صلوة الظهر والمغرب بلا فصل الاغتسال للعصر والعشاء بأن يقال بمثل ما قيل في الفرض المتقدم من عدم استفادة العزيمة من الادلة لورودها في مقام توهم وجوب الاغسال الخمسة؟ فيه تأمل و إشكال، لان عدم دلالة الادلة على العزيمة لا يوجب دلالتها على جواز الغسل، وبعد عدم دليل على مشروعيته فلاحد أن يقول: إن مقتضى الادلة حدثية ذات الدم و ناقضيته للغسل والوضوء، خرج منها عفوا أو إسقاطا للسببية الدم السائل في حال الاشتغال بالغسل للصلوتين إلى آخر الصلوة الثانية مع عدم الفصل بينهما بمقدار غير متعارف وعدم الفصل بأجنبي، وبقي الباقي، فعليه لا دليل على العفو في الدم السائل بين الغسل الثاني أو بعده بل وبين صلوة العصر مع التفريق بالاجنبي. ولا يمكن أن يكون الغسل الثاني رافعا لما حصل بينه أو بعده، فلابد حينئذ من غسل آخر لصلوة العصر بعد حصول هذا التفريق بالاجنبي بالبيان المتقدم، فالاحوط لو لم نقل الاقوى هو الجمع بين الصلوتين بغسل واحد، وإن جاز لها التفريق والاغسال الخمسة، بل الاولى والاحوط الجمع وعدم التفريق. (الامر الرابع) الظاهر وجوب معاقبة الصلوة للغسل، وفي الجواهر: لم أعرف مخالفا فيه. و في طهارة شيخنا الاعظم: المشهور بين الاصحاب وجوبها، بل قد يظهر نفي الخلاف فيه. وعن كاشف اللثام والعلامة الطباطبائي - رحمه الله - جواز الفصل، واختاره الشيخ الاعظم تمسكا بالاطلاقات الواردة في مقام البيان، واستظهارا لما دل على وجوب الغسل عند كل صلوة في إضافته إلى الوقت أي زمان حضور وقت كل صلوة لا

[ 272 ]

حضور فعلها، واستشهادا بقوله في رواية ابن سنان " ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء، ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر " وفيه: - مضافا إلى عدم إطلاق يمكن الاتكال عليه والوثوق به في المقام، فضلا عن إطلاقات واردة في مقام البيان كما ادعاها، فإن الروايات في مقام بيان وجوب ثلاثة أغسال في مقابل غسل واحد كصحيحتي زرارة والصحاف - أن الاطلاقات على فرضها مقيدة بما دل على لزوم إيقاعها عند الصلوة، والاحتمال الذي أبداه خلاف الظاهر حتى في رواية ابن سنان، فإن قوله " المستحاضة تغتسل عند صلوة الظهر وتصلي الظهر والعصر " ظاهر بلا تأمل في كونه عند نفس صلوة الظهر لا وقتها فحينئذ يكون قوله بعده " ثم تغتسل عند المغرب " ظاهرا في صلوته بعد شيوع إطلاق المغرب على صلوته في الروايات، وبعد القطع بعدم كون المراد قبل وقت المغرب، مع أن لازم إضافة الظرف إلى الوقت كون وقت إيقاع الغسل قبل وقت الصلوة، لظهور لفظة " عند " في ذلك. ويؤيد ما ذكرنا الامر بالجمع بين الصلوتين، ولبعد الالتزام بالتفرقة بين صلوة الظهر والعصر بجواز الفصل بين الغسل والصلوتين وعدم جواز التفرقة بين صلوة الظهر والعصر. والانصاف أن الناظر في الروايات لا يكاد يشك في أن الامر بالجمع والتقديم والتأخير إنما هو بملاحظة حال الصلوة وعدم الابتلاء بالدم حتى الامكان، ومعه لا مجال لاحتمال جواز الفصل. هذا كله مع أن المختار كما تقدم هو ناقضية الدم و كونه حدثا بذاته موجبا للغسل إلا ما عفي عنه، وبعد قصور الاطلاقات لا دليل على العفو مع الفصل. وبهذا يظهر الحال في الوضوء في الاقسام الثلاثة، مع إمكان الاستدلال له بقوله في رواية قرب الاسناد " فإن رأت صفرة بعد غسلها فلا غسل عليها، يجزيها الوضوء عند كل صلوة وتصلي " وبها يقيد الاطلاق على فرض وجوده. هذا مضافا إلى أن الامر بالوضوء لكل صلوة دليل على أن الدم السائل بين الوضوء والصلوة أو بعدهما ولو بلا فصل حدث أصغر غير معفو عنه، فلا مجال للارتياب في لزوم معاقبة

[ 273 ]

الصلوة للوضوء. نعم لا إشكال في أن المبادرة إلى الصلوة بعد الغسل والوضوء ليست على النحو الدقيق العقلي بل العرفي مع الاتيان بما تحتاج إليه للصلوة عادة كالتستر ولبس الثوب وما هو المتعارف بحسب حالها، لا غير المتعارف كشراء الستر. ويجوز لها الاذان و الاقامة للصلوتين، بل والتعقيب بالمقدار المتعارف، وانتظار الجماعة كذلك، وإن كان الاحوط في بعضها خلافه. واما الاستدلال لجواز تأخير الصلوة عن الوضوء إما مطلقا أو بمقدار غير معتد به بقوله في صحيحة معاوية " وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلوة بوضوء " ففيه أولا أن الوضوء لعله لدخول المسجد، ويشهد له تصريحه بعده بأنها صلت كل صلوة بوضوء، وثانيا أن قوله " ودخلت المسجد " يمكن أن يكون بيانا لجواز دخولها المسجد، أي يجوز لها الدخول في المسجد، و يجوز لبعلها إتيانها كما في ذيل الصحيحة، فحينئذ لا يكون قوله " دخلت المسجد " لبيان إيقاع الصلوة فيه. (الامر الخامس) هل يجب عليها الفحص والاعتبار لتشخيص كونها من أي الثلاثة مطلقا، أو لا مطلقا، أو يفصل بين ما إذا كان متعذرا وغيره، أو بين ما إذا كان كثير المؤونة و المقدمات وغيره؟ قد يقال بوجوبه مطلقا، إما لانه من الموضوعات التي لا يمكن معرفتها إلا بالاختبار، فلو رجعت إلى الاصل لزم منه الوقوع في محذور مخالفة التكليف غالبا، كما لو رجع الشاك في الاستطاعة والنصاب والدين إلى الاصل قبل الفحص. وفيه مع منع الصغرى - أي لزوم الوقوع في المخالفة غالبا - أنه لا محذور فيه بعد إطلاق أدلة الاصول، ودعوى انصرافها في محل المنع. وإما للعلم. الاجمالي بوجوب الوضوء أو الغسل عليها، وفيه أن الاستصحاب الموضوعي أو الحكمي الجاري في جميع الموارد أو غالبها يوجب عدم تأثير العلم و

[ 274 ]

انحلاله، مضافا إلى ما تقدم من وجوب الوضوء لكل صلوة في الاقسام الثلاثة، فيكون من قبيل الاقل والاكثر. وإما لاطلاق بعض الاخبار الدالة على وجوب الاعتبار كموثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها " وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل ولتستدخل كرسفا، فإن ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي، فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلوة إلى الصلوة " (1) بدعوى ظهورها في أن استدخال الكرسف لاجل اختبار أنه هل يظهر على الكرسف أو يسيل من ورائه أو لا. وفيه منع الظهور في ذلك، بل الظاهر أن المراد منها أنها تغتسل بعد الاستظهار بيوم أو يومين وتستدخل كرسفا وتصلي بلا غسل وتغيير قطنة حتى يظهر الدم على الكرسف، فعند ذلك تعيد الكرسف، وهذه نظيرة رواية الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام وفيها " وإن لم تر طهرا اغتسلت واحتشت، ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الكرسف " (2) وقريب منها صحيحة الصحاف وموثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام. ومنه يظهر الحال في صحيحة محمد بن مسلم المروية عن مشيخة ابن محبوب عن أبي جعفر عليه السلام وفيها " ثم تمسك قطنة، فإن صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلوتين بغسل " فإن الظاهر أن المراد منها هو ما في الروايات السابقة، أي: فلتمسك قطنة فتصلي، فإن صبغ القطنة دم لا ينقطع وصار كثيرا فلتجمع بين الصلوتين بغسل. ولا أقل من الاحتمال المساوي لاحتمال كون الامساك للاختبار، و يرجح ما ذكرنا بقرينة سائر الروايات. ويمكن الاستدلال للاختبار برواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله قال: المستحاضة إذا مضت أيام قرئها اغتسلت واحتشت كرسفها، وتنظر فإن ظهر على الكرسف زادت كرسفها وتوضأت وصلت. (3) بدعوى أن قوله " تنظر " ظاهر في


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 8. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 10. (3) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 13.

[ 275 ]

وجوب النظر لتشخيص الحال. وفيه منع الظهور في ذلك، بل الظاهر أنها تمكث وتمهل حتى يظهر الدم على الكرسف، خصوصا بملاحظة قوله " زادت كرسفها " بل يحتمل أن يكون " تنظر " من باب الافعال، وعلى أي تقدير تكون هذه الرواية أيضا موافقة لسائر الروايات. والانصاف أن التمسك بمثل تلك الروايات لذلك في غير محله كما يظهر بالتأمل فيها. نعم يمكن أن يقال: إن الاختبار لو كان سهلا لا يحتاج إلا إلى وضع القطنة و إخراجها كان واجبا، لانصراف أدلة الاصول استصحابا أو غيره عما إذا كان العلم بالموضوع لا يحتاج إلى الفحص والتفتيش بل يحتاج إلى مجرد النظر والاختبار. إلا أن يقال: إن عدم وجوب ذلك وجريان الاصل في مثله يستفاد من مضمرة زرارة الدالة على حجية الاستصحاب، وفيها " قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك - الخ - " ولكن لم يظهر منها أن ذلك للاتكال على الاستصحاب حتى نقول بجريانه في أمثاله من غير خصوصية في الموضوع، فمن المحتمل أن في باب النجاسات مساهلات ليست في غيره، كما يظهر من روايات اخر، فالتفصيل بين ما كان التشخيص محتاجا إلى فحص ومقدمات وبين غيره لا يخلو من وجه. ومن ذلك يظهر أن التشخيص إن كان متعذرا أو متعسرا تعمل على الاصول الموضوعية لو كانت أو الحكمية. ثم لا إشكال في أن وجوب الاختبار على فرض ثبوته ليس نفسيا ولا شرطيا، فلو لم تختبر وصلت مع حصول قصد القربة ومطابقة الواقع أو احتاطت بالاخذ بأسوأ الاحوال فلا ريب في صحة عباداته وعدم كونها عاصية. نعم، تكون في بعض الصور متجرية. ولو صلت وخالفت الواقع وقلنا بوجوب الاختبار استحقت العقوبة لمخالفة الواقع لا لترك الفحص.

[ 276 ]

(الامر السادس) يجب على المستحاضة الاستظهار في منع خروج الدم حتى الامكان إذا لم يتضرر بحبسه، وفي الجواهر: لم أجد فيه خلافا، بل لعله مما يقضي به بعض الاجماعات. و هذا في الجملة مما لا ينبغي الاشكال فيه. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك، وإلى اشتراط طهارة البدن واللباس عن الدم ووجوب تقليله على الظاهر، وإلى حدثية دم الاستحاضة كما مر، ولزوم الاقتصار على القدر المتيقن في العفو أو إلغاء السببية، وأنه لو خرج مع التقصير يكون حدثا غير معفو عنه، ويجب عليها إعادة الوضوء أو الغسل على الاحوط لو لم يكن أقوى مع التسامح في الاحتشاء والاستثفار ونحوهما، أو مع الصلوة لو صلت بعد الخروج كذلك - الاخبار المتظافرة الآمرة بالاستظهار. إنما الكلام في أنه قبل الوضوء أو الغسل، أو بعدهما، أو قبل الوضوء وبعد الغسل. الاقوى عدم وجوب كونه قبلهما ولا بعدهما، أما الوضوء فلاطلاق مادل على التوضوء لكل صلوة من غير إشعار فيها بتقديم الاستظهار عليه أو تأخيره، وبه يرفع اليد عما دل على حدثيته، مع إمكان إنكارها في مثل المقام. وأما الغسل فلان الاخبار وإن كانت ظاهرة في تقديم الغسل على الاستظهار إما لاجل العطف ب‍ " ثم " في بعضها، وإما بدعوى كون مساقها والمتفاهم مما عطف فيها بالواو أيضا هو ما يتعارف عادة من تقديم الغسل على الاحتشاء وهو على الاستثفار. نعم، لا إشكال في عدم فهم شرطية ذلك في صحيحة الصلوة أو الغسل بحيث لو أمكن لها الغسل مع الاستثفار وقع غسلها وصلوتها باطلين، ضرورة عدم فهم التعبد من مثلها، بل الظاهر منها أن ذلك لاجل العادة والتعارف وعدم تيسر الاستثفار نوعا ما بين الغسل، فلا ينبغي الاشكال في جواز الاستثفار والاحتشاء قبل الغسل، بل أولوية التقديم مع الامكان. نعم، الظاهر أنه مع إمكانه لا يجب، ولايكون التحفظ بذلك الحد من الضيق وإلا لتعرض له في تلك الاخبار الكثيرة. والانصاف أن دعوى القطع بعدم شرطية التأخير وعدم وجوبه التعبدي وكذا دعوى القطع بعدم لزومه مع الامكان في محلهما.

[ 277 ]

ومما ذكرنا من عدم تعبدية الاحتشاء والاستثفار وكونهما لاجل التحفظ عن الدم يعلم أنه لا كيفية خاصة لهما، فلو أمكنها التحفظ بكيفية اخرى مثلها فلا إشكال في كفايتها، فلا داعي إلى تحصيل معنى الاستثفار والاستذفار والتحشي والاحتشاء، كما أن الاستذفار إن كان بمعنى التطيب والاستجمار بالدخنة وغير ذلك لا يكون واجبا بلا إشكال، بل لا يبعد أن يكون الاستذفار بمعنى الاستثفار، ويكون التفسير بالتدختين من الشيخ الكليني كما احتمله في الوافي (الامر السابع) قال المحقق: وإذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهر. وقال العلامة في القواعد: ومع الافعال تصير بحكم الطاهر. وفي مفتاح الكرامة: إجماعا كما في الغنية و المعتبر والتذكرة ومجمع البرهان وشرح الجعفرية وكشف الالتباس، وفي المنتهى: أنه مذهب علمائنا، وفي المدارك: لا خلاف فيه بين العلماء (انتهى). ومنطوق هذه القضية على إجماله مما لا إشكال فيه، لكن يحتمل أن يكون المراد منه أنها بحكم الطاهر، لا أنها طاهرة، فلا يجري عليها حكما الطاهر الحقيقي، بل التنزيلي بمقدار دلالة دليل التنزيل، فحينئذ يكون المقصود أنه لا يترتب عليها جميع أحكام الطاهر مثل مس الكتاب وغيره، لكن الظاهر أن هذا الاحتمال كاحتمال كون المقصود تبيين ما تقدم من الاحكام غير وجيه، ولهذا استثنى الشيخ وابن حمزة دخول الكعبة منه لمرسلة يونس، وقد عدوا الشيخ مخالفا لهذا الحكم، ويحتمل أن يكون المراد أنها بحكم الطاهر إلى الاتيان بما فعلت لاجله، فيكون إيجاد الغاية التي اغتسلت لاجلها نهاية للحكم، بمعنى أن العفو لا يكون إلا إلى تمام العمل الذي اغتسلت له، ويحتمل أن يكون بحكمه إلى خروج الوقت أو إلى دخول وقت خطاب آخر، أو إلى زمان الاشتغال بغسل آخر، أو تكون بحكمه في جميع الآثار، فلها مس الكتاب وغيره، أو أنها بحكم الطاهر في ما تضطر إلى إتيانه كالطواف الواجب وركعتيه، لا كمس الكتاب والاتيان بالصلوات المستحبة.

[ 278 ]

ثم إنه بعد قيام الدليل على كون الدم حدثا وكون الخروج إنما هو في بعض الاحيان عفوا أو إسقاطا للسببية لابد من قيام الدليل عليهما، والقدر المتيقن من الاجماع المدعي أو عدم الخلاف هو أنها بحكم الطاهر إلى زمان إتيان ما فعلت لاحله، فلو اغتسلت لصلوة الصبح فما لم تأت بها تكون بحكم الطاهر، وأما بعد الاتيان بها فلا دليل على العفو وكونها بحكمه وإن قال شيخنا الاعظم ويمكن دعوى الاجماع على كونها كذلك مادام وقت الصلوة باقيا، فلو ثبت وإلا فالتحقيق ما عرفت، و مراعاة الاحتياط طريق النجاة. ثم إن الظاهر جواز الاتيان بالوضوء والغسل للغايات الاضطرارية كالطواف و صلوته إذا ضاق وقتهما، أو مطلقا بدعوى فهمه من الادلة بالغاء الخصوصية بعد كون الامر بالوضوء والغسل لتحصيل مرتبة من الطهارة بحسب ارتكاز المتشرعة و فهم العرف، وأما ما لا يجب عليها ولا تضطر إليه فلا دليل على العفو ولا يمكن فهمه من الادلة. نعم، دلت رواية إسماعيل بن عبد الخالق على تقديم ركعتين قبل الغداة ثم إتيان الغداة بغسل واحد، لكنها مع ضعف السند لا تثبت إلا نافلة الفجر، ولها خصوصية لمكان أفضليتها من سائر الرواتب وكون تمام الوظيفة ركعتين، فلا يمكن التعدي إلى غيرها، إلا أن يتشبث بالاجماع المنقول عن الغنية والمعتبر والمنتهى و التذكرة وكشف الالتباس وشرح الجعفرية على أنها إذا فعلت ما تفعله المستحاضة كانت بحكم الطاهر، وهو لا يخلو من تأمل وإن لم يخل من وجه، والظاهر تسالمهم على جواز إتيان النوافل هذا كله في منطوق القضية المتقدمة، وأما مفهومها فلا يبعد أن يكون غير مراد، ولو كان مرادا فليس مفهومها إلا أنها مع عدم الاتيان بذلك ليست بحكم الطاهر، ولا يفهم منه إلا عدم كونها كذلك في الجملة. وأما كونها بحكم الحائض فلا، وإن كان يشعر به بعض العبارات بل بعض معاقد الاجماعات، لكنها ليسا بنحو يمكن الاعتماد عليهما في الخروج عن متقضى القواعد، بل ظاهر العبارة المحكية عن المعتبر يرفع الاجمال عن سائر العبارات ويبين المراد من المفهوم حيث قال: إن

[ 279 ]

مذهب علمائنا أجمع أن الاستحاضة حدث تبطل الطهارة بوجوده، فمع الاتيان بما ذكر من الوضوء إن كان قليلا والاغسال إن كان كثيرا يخرج عن حكم الحدث لا محالة وتستبيح كل ما تستبيحه الطاهر من الصلوة والطواف ودخول المساجد وحل وطئها وإن لم تفعل كان حدثها باقيا ولم يجز أن تستبيح شيئا مما يشترط فيه الطهارة. (انتهى) وعن التذكرة قريب منها، والمستفاد منهما أنها مع عدم الاتيان تكون محدثة، و هذا هو الذي دلت عليه الادلة، ضرورة أن الامر بالوضوء والغسل لصلوتها لكون الدم حدثا، وهما رافعان له حكما. فتحصل أن الظاهر من الادلة بل الاجماع هو عدم جواز ما يشترط فيه الطهارة إلا بالاتيان بالوظائف، وأما ما لا يكون مشروطا بها كدخول المسجدين والمكث في سائر المساجد وقراءة العزائم فلا يستفاد منها تحريمه عليها، ولا قام الاجماع أو الشهرة على التحريم بعد كون المسألة محل خلاف قديما وحديثا. نعم قد وردت في خصوص الوطئ روايات لابد من البحث عنها مستقلا فنقول: قد اختلفت الآراء في جواز وطئ المستحاضة، فقيل بالاباحة مطلقا من دون توقفه على شئ كما عن البيان والمدارك والكفاية والتحرير والموجز ومجمع البرهان، وقيل بالكراهة كما عن المعتبر والتذكرة والدروس والروض وكشف الالتباس و الذخيرة وجامع المقاصد وشرحي الجعفرية، وقيل بتوقفه على جميع ما عليها من، الافعال كما نسب إلى ظاهر المقنعة والاقتصاد والجمل والعقود والكافي والاصباح و السرائر، بل عن المعتبر والتذكرة والذكرى نسبته إلى ظاهر الاصحاب، وقيل بتوقفه على الغسل والوضوء كما عن ظاهر المبسوط، وقيل بتوقفه على الغسل خاصة كما عن الصدوقين، بل ربما احتمل تنزيل كلمات كثير منهم على هذا القول واستدل للجواز بعد الاصل وعمومات حل الازواج وخصوص قوله " حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن " بإطلاقات روايات: منها صحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك

[ 280 ]

أتمسك عن الصلوة؟ قال: لا، هذه مستحاضة، تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة و تجمع بين صلوتين بغسل، ويأتيها زوجها إن أراد. (1) والظاهر منها أن جواز الاتيان حكم فعلي من أحكام المستحاضة، كما أن الجمع بين الصلوتين بغسل و استدخال القطنة أيضا من أحكامها، وإطلاقها يقتضي الجواز بلا شرط. ومثلها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المستحاضة تغتسل عند صلوة الظهر، وتصلي الظهر والعصر - إلى أن قال - ولا بأس بأن يأتيها بعلها إذا شاء إلا أيام حيضها " والظاهر منها بقرينة الاستثناء أن جواز الاتيان من أحكام المستحاضة لا من أحكام التي فعلت الافعال المذكورة، لبطلان الاستثناء لو اريد ذلك، مع أن جواز الوطئ لا يكون معلقا على جميع الاغسال الثلاثة بلا إشكال ومنه يظهر الحال في صحيحة معاوية " وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلوة بوضوء، وهذه يأتيها بعلها إلا في أيام حيضها " (3) فإن الاستثناء قرينة على أن المشار إليها بهذه هي نفس المستحاضة القليلة لا من توضأت لكل صلوة، وبهذا التقريب يقوى الاطلاق، واحتمال كون الحكم حيثيا بعيد عن ظاهر الرواية ومساقها. وقريب منها صحيحة محمد بن مسلم المروية عن مشيخة ابن محبوب، وموثقة حفص بن غياث. ويمكن أن يستدل له بموثقة فضيل وزرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: المستحاضة تكف عن الصلوة أيام أقرائها - إلى أن قال - وتجمع بين المغرب والعشاء بغسل، فإذا حلت لها الصلوة حل لزوجها أن يغشاها. (4) فإن المراد بحلية الصلوة هي المقابلة للحرمة الثابتة في أيام أقرائها، فيكون المراد أن حلية الوطئ ملازمة لحلية الصلوة، ولا إشكال في أنه بعد أيام


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 3. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب ض، ح 4. (3) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 1. (4) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 12.

[ 281 ]

الاقراء تحل لها الصلوة فعلا، ولا ينافي حليتها اشتراط تحققها بأمور، فإن تلك الامور ليست من شرائط الحلية بل هي من شرائط تحقق الصلوة، فالمرأة إذا خرجت من أيامها صارت الصلوة واجبة عليها بالضرورة من غير توقف على شئ، والصلوة الواجبة لا يمكن أن تكون محرمة عليها، بل محللة وإن كانت مشروطة بالاغسال و الوضوءات وغير ذلك. ومنها يظهر الحال في موثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله، وفيها: فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلوة إلى الصلوة ثم تصلي صلوتين بغسل واحد. وكل شئ استحلت به الصلوة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت. (1) فإن الظاهر منها أن كل ما يستحل به الصلوة أي نفس الطبيعة يستحل به الوطئ، ولا إشكال في أن الاغسال غير دخيلة في استحلال الصلوة حتى الاستحلال الفعلي للطبيعة، كما أن الستر والقبلة وغيرهما لا دخل لهما فيه، بل هي شرائط لتحققها. ولو انكر ظهورها في ما ذكر فلا أقل من الاحتمال المسقط لاستدلال الخصم. وفي قبال تلك الروايات روايات: منها رواية إسماعيل بن عبد الخالق، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المستحاضة كيف تصنع؟ - إلى أن قال - فإذا تصلي ركعتين قبل الغداة، ثم تصلي الغداة: يواقعها زوجها؟ قال: إذا طال بها ذلك فلتغتسل ولتتوضأ ثم يواقعها إن أراد. (2) ولعلها مستند الشيخ في ظاهر المبسوط، لكنها مع ضعف سندها بالطيالسى ووهن متنها من حيث انفزادها في امور - منها الامر بصلوة ركعتين قبل الغداة، ومنها تعليق جواز الوطئ بطول المدة مما لم يقل به أحد، ومنها الامر بالتوضؤ - لا يمكن الاتكال عليها في تقييد المطلقات. ومنها رواية مالك بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عن المستحاضة كيف


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 8. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 15.

[ 282 ]

يغشاها زوجها؟ قال: تنظر الايام التي كانت تحيض فيها وحيضتها مستقيمة، فلا يقربها في عدة تلك الايام من ذلك الشهر، ويغشاها في ما سوى ذلك من الايام، ولا يغشاها حتى يأمرها فتغتسل ثم يغشاها إن أراد. (1) وهي أيضا مخدوشة السند بمالك، وتصحيح العلامة والشهيد حديثا هو في سنده أعم من توثيق الرجل، و الروايات التي تدل على حسنه كلها تنتهي إليه، وكيف يمكن الوثوق بحال الرجل من قول نفسه ونقله؟ وتوصيف الرواية بالصحة كما وقع من بعض متأخري المتأخرين غير وجيه ولو قلنا بوثاقة " الجهني " لان في سندها " الزبيري " وهو لا يخلو من كلام وإن كان الاصح وثاقته ووثاقة على بن الحسن بن فضال، فالرواية موثقة مع الغض عن الجهني وضعيفة مع النظر إليه، ومخدوشة الدلالة باحتمال كون الغسل المأمور به هو غسل الحيض. وما يقال إن حمل الغسل على غسل الحيض بعيد، لان ظاهرها توقف الوطئ مطلقا في غير تلك الايام على الغسل غير تام لمنع ظهورها في توقف كل وطئ على غسل، بل من المحتمل قريبا أن يكون مفادها أن الوطئ مطلقا في ما سوى الايام متوقف على صرف وجود الغسل، وهو غسل الحيض الذي يجب عليها بعد أيامها. وتؤيد هذا الاحتمال روايته الاخرى بعين هذا السند، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال: نعم، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها، يأمرها فتغتسل ثم يغشاها إن أحب. (2) وهي ظاهرة في غسل النفاس، و وجه التأييد أن من المحتمل كونهما رواية واحدة سأل عن المستحاضة والنفساء، و حينئذ يكون الجواب في النفساء رافعا لابهام الجواب عن المستحاضة على فرض إبهامه، تأمل. وكيف كان فلا يمكن تقييد المطلقات بمثل هذه الرواية. بقيت موثقة سماعة، قال: قال: المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف - إلى


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 3، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 3، ح 4.

[ 283 ]

أن قال - وإن أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل. (1) والتمسك بها إما بمفهوم الشرط، ولا مفهوم له في المقام على فرض تسليمه في غيره، لان مفهومه: إن لم يرد زوجها... ولا إشكال في عدم إثباته المطلوب. وإما بمفهوم القيد، بأن يقال: إن جواز الاتيان حين الغسل، وفي غير حينه لا يجوز. وهو كما ترى، حيث إن القيد لا مفهوم له أولا، ولا يعلم أن المقدر ماذا ثانيا، أي: إن أراد أن يأتيها فحين تغتسل يأتيها، أو حين تغتسل لا بأس بأن يأتيها. والظاهر وإن كان الاول لكن لا يدل على حرمة الاتيان، لان الامر بالاتيان حين تغتسل، المستفاد من الجملة الخبرية يحتمل أن يكون للاستحباب، فيدل على نفيه عند انتفاء القيد. والانصاف أن رفع اليد عن الاطلاقات المتقدمة بمثلها غير ممكن، بل لو قلنا بدلالة جميع الروايات على ما يدعى من اعتبار القيود المأخوذة فيها فكان قوله " كل شئ استحلت به الصلوة فليأتها زوجها " دالا على التعليق على جميع الاعمال، وكذا قوله " إذا حلت لها الصلوة حل لزوجها أن يغشاها " ورواية إسماعيل دالة على اعتبار الغسل والوضوء، ورواية مالك وسماعة دالتين على الغسل فقط، ورواية الرضوي على الغسل وتنظيف المحل كان الارجح هو حملها على مراتب الكراهة أو الاستحباب لا التقييد بالاخص مضمونا، فإن الحمل الاول أوفق بنظر العرف والعقلاء، فتدبر. (الامر الثامن) قالوا: إن اخلت بالاغسال التي عليها لم يصح صومها. وفي الجواهر: من غير خلاف أجده فيه. وعن جامع المقاصد والروض: الاجماع عليه، وعن المبسوط: هو الذي رواه أصحابنا، وعن المدارك والذخيرة وشرح المفاتيح: هو مذهب الاصحاب والاصل فيه على الظاهر صحيحة علي بن مهزيار، قال كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت فصلت و صامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل كما تعمله المستحاضة من الغسل لكل


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 6.

[ 284 ]

صلوتين، هل يجوز صومها وصلوتها أم لا؟ فكتب: تقضي صومها ولا تقضي صلوتها، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك. وفي رواية الكليني والشيخ. كان يأمر فاطمة والمؤمنات... والاشكال فيها بالاضمار في غير محله، بعد كون المكاتب مثل ابن مهزيار، كالاشكال باشتمالها على رؤية الصديقة الطاهرة ما تراه النساء، مع أنه مخالف للاخبار. لعدم معلومية كونها الصديقة ولعلها فاطمة بنت أبي حبيش، وعلى فرض كونها الصديقة الطاهرة لعله كان يأمرها لتأمر النساء كما في بعض روايات الحيض، مع أن رواية الصدوق لا تشتمل على ذلك. كالاشكال باشتمالها على ما هو خلاف مذهب الاصحاب من عدم قضاء الصلوة، و لهذا ربما يقال: لا ينبغي الارتياب في أن ما كتبه الامام في الجواب إنما هو لبيان حكم الحائض، كما يدل عليه قوله " ولا تقضي الصلوة " وقوله " لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر - الخ - " فإنه كان يأمر بذلك بالنسبة إلى الحيض كما في أخباره. مع أنه قضية فرضية لا يبعد عدم تحققه في الخارج، والحمل على القضية التقديرية بعيد. وما يقال إن كون بعض فقرات الرواية مطروحة لا يخرجها عن الحجية في ما عداها، جمود في مثل المورد، إذ لانقول بحجية الاخبار من باب السببية المحضة تعبدا من حيث السند أو الدلالة حيث نلتزم بمثل هذه التفكيكات، وإنما نلتزم بعدم خروج بعض الفقرات من الحجية بخروج بعض آخر إذا تطرق احتمال خلل في الفقرة المطروحة يخصها من نحو السقط والتحريف والتقية، وأما مثل هذه الرواية التي يشهد سوقها وتعليلها ومخالفة مدلولها للعامة باشتراك الفقرتين في الاحتمالات المتطرقة وعدم اختصاص ثانيتهما باحتمال يعتد به فالتفكيك في غاية الاشكال (انتهى). وفيه أن نفي الارتياب عن كون الجواب عن الحيض في مكاتبة لا يكون المسؤول عنه إلا تكليف قضاء المستحاضة والنفساء صومهما وصلوتهما مع عدم الاتيان بالاغسال التي عليهما، في غاية الغرابة. وأغرب منه الاستدلال عليه بأن هذا تكليف الحائض وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحسب رواية أمر المؤمنات الحائضات بذلك،

[ 285 ]

فإن ما ذكر لا يدل على أن الامام عليه السلام أجاب عن الحيض في جواب السؤال عن الاستحاضة، بل كون الحكم بالنسبة إلى الصلوة خلاف الواقع دليل على وجود خلل في الرواية، ولا يبعد أن يكون الخلل زيادة لفظة " لا " قبل " تقضي صلوتها " و أن يكون الصواب " تقضي صومها وتقضي صلوتها " ولما كان المعروف الوارد في روايات كثيرة أن الحائض تقضي صومها ولا تقضي صلوتها صار هذا الارتكاز والمعروفية سببا للاشتباه، فزاد بعض الرواة أو بعض النساخ ذلك. وهذا الخلل الجزئي في فقرة من الرواية لا يوجب رفع اليد عن الفقرة الاخرى المفتى بها، ولاريب أن منشأ فتويهم هو هذه الصحيحة. وأما ما استشهد به لمدعاه من أنه قضية فرضية لا يبعد عدم تحققها في الخارج، فلم يظهر وجهه، فإن النسيان والجهل بالحكم خصوصا في النساء ليس أمرا حادثا في الازمنة المتأخرة ولا أمرا عزيزا. وأما ما ذكره أخيرا من أن التفكيك بين الفقرتين في مثل تلك الرواية في غاية الاشكال، فلم يتضح وجهه، مع أن زيادة لفظه " لا " فيها خطاء واشتباها غير بعيد مع الارتكاز المشار إليه آنفا، وما ذكره دليلا على عدم إمكان التفكيك أوهن من أصل الدعوى. والانصاف أن رفع اليد عن رواية صحيحة واضحة الدلالة في فقرة منها لاجل خلل في فقرتها الاخرى مع اتكال الاصحاب عليها قديما وحديثا غير ممكن. وأما الاحتمالات التي ذكرت في الرواية مما ينبو عنها الطبع السليم فلا ينبغي التعرض لها، فالحكم على إجماله مما لا إشكال فيه نصا وفتوى. وإنما الكلام في أن صحة صومها هل تتوقف على جميع الاغسال حتى غسل الليلة المستقبلة، أو تتوقف على غير غسل الليلة المستقبلة، أو على الاغسال النهارية فقط، أو على غسل الليلة الماضية فقط، أو على غسل من الاغسال في الجملة؟ احتمالات ولبعضها وجه وقول. ولا يظهر من النص إلا أن تركها للجميع موجب للقضاء، و أما أن السبب ترك المجموع أو الجميع أو غير ذلك فلا يعلم منه، كما أن ما في المتون مثل قوله في الشرائع " وإن أخلت بالاغسال لم يصح صومها " ومثله ما في القواعد لم

[ 286 ]

يظهر منه أن الاخلال بالمجموع أو الجميع يوجب ذلك. ويحتمل أن يكون مرادهم أن الاخلال بشئ منها يوجبه، وإن يبعده اختيار العلامة - على ما عن التذكرة و المنتهى - والشهيد - كما عن البيان والذكرى - وبعض آخر التوقف على الاغسال النهارية والتردد في غسل الليلة الماضية بعد الحكم بعدم التوقف على غسل الليلة المستقبلة ثم إن ما ذكر بالنسبة إلى الليلة المستقبلة وجيه لعدم انقداح مؤثرية الامر المتأخر في المتقدم في ذهن العرف من النص ومعقد الاجماع المدعى، فالنص والفتوى منصرفان عنه، ولولا تسلمهم على توقفه على النهارية وترديدهم في غسل الليلة الماضية حيث يظهر منهم أن القدر المتيقن هو النهارية لكان للاشكال في النهارية مجال وللذهاب إلى توقفه على الغسل للعشاءين وجه. لكن الا وجه هو التوقف على النهارية لكونها المتيقنة ظاهرا، ويمكن أن يوجه ذلك بأن المستفاد من النص و الفتوى حدثية الاستحاضة الكبرى ومنافاتها للصوم إجمالا، واحتمال التعبد في غاية البعد وخلاف المتفاهم من النص، فحينئذ مع عدم الغسل يكون الخروج اختياريا بلا عفو، ومع الغسل يكون معفوا عنه، فلا محيص عن الاغسال النهارية لصحته، كما يمكن الاستدلال لغسل الليلة الماضية بذلك. وكيف كان فلو تركت غسل العشاءين فالاحوط غسل لصلوة الفجر قبله أو للصوم قبله. ثم إن ظاهر النص والفتوى اختصاص الحكم بالكثيرة، ولهذا نقل عن ظاهر كثير من الفقهاء اختصاصه بها، فالمتوسطة تحتاج إلى دليل. ويمكن التقريب المتقدم فيها بعد البناء على كونها حدثا أكبر، بدعوى كون الحكم للحدث الاكبر وإن لم يخل عن تأمل وإشكال. والحمد لله تعالى

[ 287 ]

المقصد الثالث في النفاس والظاهر أنه لا ثمرة معتدا بها في تحصيل معناه اللغوي أو العرفي، لعدم تعليق حكم في النصوص على هذا العنوان بنحو الاطلاق حتى يكون العرف واللغة مرجعا لتحصيله. بل الروايات الواردة في هذا الباب ظاهرة في ترتب الاحكام على دم الولادة لا على نفسها، مضافا إلى بعد كون الولد بنفسه حدثا. بل الظاهر من روايات الباب وارتكاز المتشرعة أن الدم هو الحدث كما في دم الحيض والاستحاضة. و بالجملة لو سلم كون النفاس صادقا على نفس الولادة فلا دليل على كون مطلق النفاس موضوعا لحكم شرعي. فكما ذكرنا في باب الحيض أن الشارع المقدس جعل صنفا خاصا من دم الحيض موضوعا لحكمه وحدده بحدود لا يتجاوز عنها ولو علمنا بأن الخارج عنها يكون حيضا أيضا، فكذلك نقول في المقام إن المستفاد من النصوص والفتاوى أن دم الولادة موضوع للاحكام الشرعية، فلو كان عنوان النفاس أعم منه فلا محالة يكون حاله حال الحيض أو شبيها به. كما أن الامر كذلك في جانب الاكثر، فإن دم النفاس لو صدق على الاكثر من العشرة أو ثمانية عشر كما هو الظاهر فلا إشكال في أن الحكم مترتب على حد خاص هو العشرة أو ثمانية عشر على اختلاف فيه. فالزائد عن الحد وإن صدق عليه عنوان النفاس ودم الولادة لكن الاحكام لاتترتب إلا على المحدود بالحد الشرعي.

[ 288 ]

والحاصل أنه لا دليل على ثبوت حكم لمطلق عنوان النفاس حتى يلزم الفحص والتحقيق لعنوانه لغة وعرفا. قوله " وغسل النفاس واجب " لا إطلاق فيه كما لا يخفى. واحتمال إطلاقها من حيث التعرض في غسل الاستحاضة لخصوصيات الكثيرة غير معتنى به بعد كونها في جميع الفقرات بصدد بيان أصل الوجوب. هذا مع أن تعليق الحكم في جميع الروايات على دم الولادة يوجب رفع اليد عن إطلاق في رواية واحدة على فرض تسليمه. ولكن الاشبه بنظر العرف أن النفاس هو دم الولادة من النفس بمعنى الدم، و لو أطلق على نفس الولادة كما اطلق " المنفوس " في بعض الروايات على المولود فلا يبعد أن يكون بضرب من التأول باعتبار خروج الدم معها، وكذا على تنفس الرحم ولهذا نقل عن المطرزي أن اشتقاقه من تنفس الرحم أو خروج النفس بمعنى الولد فليس بذلك. ومما ذكرنا يظهر أنه لو خرج الطفل تاما ولم يخرج الدم لم يكن لها نفاس. فما عن الشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى الروايتين من ثبوت الحكم لها ليس بشئ. نعم ربما يتوهم من بعض الروايات أن الولادة موضوع الحكم، كموثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما، قال: تصلي ما لم تلد - الخ - (1) ومثلها موثقته الاخرى. والظاهر أنهما واحدة، وجه التوهم أن المفهوم منها أنها إذا ولدت لم تصل، فتكون الولادة تمام الموضوع لحرمة الصلوة. وفيه ما لا يخفى فإن الظاهر منها أن رؤية الصفرة والدم قبل الولادة لا توجب حرمة الصلوة دون بعدها، فحينئذ تدل الموثقة على ما هو المشهور من أن الدم موضوع الحكم لا الولادة. ويشهد له خبر زريق بن الزبير الخلقاني عن أبي عبد الله عليه السلام ان رجلا سأله عن امرأة حامل رأت الدم، فقال: تدع الصلوة، قال: فإنها رأت الدم


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 4، ح 1.

[ 289 ]

وقد أصابها الطلق فرأته وهي تمخض، قال: تصلى حتى يخرج رأس الصبي، فإذا خرج رأسه لم يجب عليها الصلوة - إلى أن قال - ما الفرق بين دم الحامل ودم المخاض؟ قال: إن الحامل قذفت بدم الحيض، وهذه قذفت بدم المخاض إلى أن يخرج بعض الولد، فعند ذلك يصير دم النفاس، فيجب أن تدع في النفاس والحيض، فأما ما لم يكن حيضا أو نفاسا فإنما ذلك من فتق الرحم. (1) حيث علق الحكم على الدم الخارج مع خروج رأس الطفل، فيظهر منها أن الموضوع للحكم هو الدم لا خروج رأس الولد، كما يتضح ذلك بالتأمل فيها. فلا إشكال في المسألة من هذه الجهة. و كيف كان فيتم المقصد بذكر مسائل: المسألة الاولى لو رأت دما قبل الاخذ في الولادة وظهور شئ من الولد لم يكن نفاسا وإن كان بعد الطلق بلا خلاف، كما عن الخلاف وكشف الرموز والتنقيح وجامع المقاصد وشرحي الجعفرية وغيرها، بل عن المختلف والتذكرة والمدارك وحاشية الارشاد الاجماع عليه. وتدل عليه أيضا موثقة عمار بن موسى ورواية رزيق الخلقاني المتقدمتان، فلا إشكال في ذلك. إنما الاشكال في أنه على تقدير جامعيته لشرائط الحيض من غير تحقق فصل أقل الطهر بينه وبين دم النفاس يحكم بحيضيته بدعوى عدم اعتبار أقل الطهر بينه وبين النفاس المتأخر، أولا باعتبار اشتراط ذلك؟ ومورد الكلام ما إذا لم يكن مانع من جعله حيضا إلا عدم فصل أقل الطهر، كأن رأت ثلاثة أيام في أيام العادة أو جامعا للصفات أو في زمان إمكانه، ورأت الطهر تسعة أيام فرأت دم الولادة، فبعد قيام النص والاجماع على كون دم الولادة نفاسا دار الامر بين حيضية الدم السابق وكونه استحاضة بعد البناء على اجتماع الحيض والحمل كما هو الاقوى، فدعوى وفاق الخلاف المبتنية على عدم اجتماعهما ليست وجيهة في رد ما نحن فيه. وكيف كان فلابد في المقام من بسط الكلام في أمرين: أحدهما في ما يتشبث به للزوم الفصل بأقل الطهر، وثانيهما بعد الفراغ فرضا عن عدم الدليل على الاشتراط


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 17.

[ 290 ]

في أنه هل يكفي ذلك في الحكم بالحيضية بواسطة قاعدة الامكان لو تممت أو أمارات الحيض، أو لابد فيه من إحراز عدم الاشتراط؟ فنقول: استدل على الاشتراط بإطلاق مرسلة يونس القصيرة وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يكون القرء في أقل من عشرة أيام فما زاد، وأقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى أن ترى الدم. (1) وفيهما إشكال: أما لمرسلة ففيه مضافا إلى الاشكالات المتقدمة في محلها عليها أن سوقها يشهد بأن الطهر الذي فيه هو الذي يكون لاختزان الدم لاجل القذف في وقته، فإن قوله " أدنى الطهر عشرة أيام " لا يناسب قوله " وذلك أن المرأة أول ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم - الخ - " إلا باعتبار أن أدنى ما يمكن اختزان الدم فيه بحسب النوع وبحسب الامزجة المتعارفة هو عشرة أيام، ففي تلك العشرة يجتمع الدم في الرحم فتقذفه عشرة أيام في أوائل الامر وكثرة الدم، وأقل منها كلما كبرت إلى ثلاثة أيام. وبالجملة إنما يكون أدنى الطهر عشرة أيام لانها أقل زمان يمكن فيه اختزان الدم للقذف عشرة أيام أو أقل بحسب اختلاف سني العمر، فلا يكون فيه إطلاق لمطلق الطهر سواء كان بين الحيضين أو لا، بل ولا لمطلق الحيضين أيضا إلا ما يكون الطهر طهر الاختزان والادخار. ومنه يظهر أنه لا إطلاق في قوله في ذيلها " ولا يكون الطهر أقل من عشرة أيام " ضرورة أنه لا يزيد على ما في الصدر، مع أن كون المرسلة صدرا وذيلا في مقام بيان الحيض يمنع عن استفادة الاطلاق، كما يظهر بالتأمل فيها. واما صحيحة ابن مسلم فلان كون القرء بمعنى مطلق الطهر غير ثابت وإن ورد في كتب اللغة أنه من الاضداد فيطلق على الطهر والحيض، فإن الظاهر أنه لا إطلاق لكلام أهل اللغة حتى يستفاد منه إطلاق على مطلق الطهر، بل من المحتمل أن يكون إطلاق القرء على الطهر لاجل اجتماع الدم واختزانه في تلك الايام للقذف في وقته، وأما إذا كان الاختزان بسبب آخر ككونه لاجل رزق الولد فلا تدل عليه،


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 11، ح 1.

[ 291 ]

ولا يستفاد حكمه منها. وبالجملة القدر المتيقن من القرء هو الطهر الخاص لا مطلقا، ولا دليل على إطلاقه على مطلق الطهر، فلا يمكن التشبث بها لذلك. ويشعر بذلك قوله " لا يكون القرء في أقل من عشرة " بتخلل لفظة " في " ولو كان القرء هو الطهر كان حق العبارة أن يقال: لا يكون القرء أقل... بخلاف ما إذا كان بمعنى جمع الدم، فإن المناسب هو تخللها كما لا يخفى، تأمل. وإن قيل: إن الادلة قد دلت على أن النفاس حيض محتبس، وأن النفساء كالحائض، فيتحقق موضوع مادل على أن الطهر بين الحيضتين لا يكون أقل من عشرة لو سلم اختصاصها بذلك. يجاب عنه بمنع الصغرى أو لا لعدم ما يدل على أنه حيض محتبس، نعم في رواية مقرن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل سلمان - رحمه الله - عليا عليه السلام عن رزق الولد في بطن امه، فقال: إن الله تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن امه. (1) وفي صحيحة سليمان بن خالد: قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الحبلى ربما طمثت؟ قال: نعم، وذلك أن الولد في بطن امه غذاؤه الدم، فربما كثر ففضل عنه، فإذا فضل دفقته، فإذا دفقته حرمت عليها الصلوة. (2) وهما كما ترى لا تدلان على أن النفاس حيض محتبس، بل الاولى تدل على أن الحيض محتبس لاجل رزق الولد من غير تعرض للنفاس وأنه حيض محتبس، ولم لا يجوز أن يكون النفاس دما غير الحيض موضوعا أو حكما، وأن الرحم بابتلائها بالولد وخروجه عنها تقذف دما غيره؟ كما هو الظاهر من مقابلته بدم الحيض في النص و الفتوى، ولا أقل من كون حكمه غير حكم الحيض. ومجرد اشتراكهما في بعض الاحكام لا يوجب وحدتهما ذاتا، لو لم نقل بأن اختلافهما في بعض الاحكام دليل على اختلافهما في الموضوع، كما أن الجنابة أيضا مشتركة معه في كثير من الاحكام. و


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 13. (2) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 14.

[ 292 ]

أهون منها دلالة الرواية الثانية، فإن مفادها فضول دم الحيض عن غذاء الولد وقذفه في زمان الحمل، فلا ربط له بما نحن فيه. كما أن مادل على لزوم قعود النساء بمقدار أيام العادة لاتدل على كون دم النفاس عين دم الحيض، لو لم يدل على خلافه بأن يقال: إنه لو كان دم الحيض كان عليهما القعود أيام العادة لا بعد رؤية الدم بمقدارها كما هو مفاد الروايات، تأمل. وبمنع الكبرى ثانيا، بدعوى أنه بعد تسليم كون النفاس حيضا محتبسا لكن لا دليل على أن الطهر بين الحيضين مطلقا لا يكون أقل من عشرة أيام، بل المتيقن من الروايتين بالبيان المتقدم أن الطهر الذي يكون منشأ لاختزان الدم واجتماعه لا يكون أقل، وعدم أقليته لاجل كون ذلك المقدار من الزمان صالحا لجمعه و اختزانه، وأما إذا كان الاختزان بسبب آخر فلا، فتدبر. واما قضية أن النفساء كالحائض في جميع الاحكام، فإن استدل عليه بصحيحة زرارة " قال: قلت له: النفساء متى تصلي؟ - إلى أن قال - قلت: والحائض؟ قال: مثل ذلك سواء، فان انقطع عنها الدم فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء " (1) ففيه أنها بصدد بيان كون الحائض كالنفساء في الحكم المذكور فيها لا في جميع الاحكام. وإن استدل عليه بالاجماع أو بعدم الخلاف فنفس هذه المسألة خلافية، وقد مر حال دعوى الخلاف نفي الخلاف فيها. مضافا إلى احتمال استفادة المجمعين من الادلة التسوية، وهي غير تامة الدلالة عندنا. واما الاستدلال على المسألة بإطلاق موثقة عمار ورواية رزيق ففيه ما لا يخفى فإن في موثقة عمار الاولى قد فرع رؤية الصفرة أو الدم على الطلق فقال: " فرأت صفرة أو دما " ويظهر منه أن رؤيتهما من حصول الطلق، بل يمكن أن يقال: إن رؤية الدم بعد الطلق أمارة عقلائية على كونها منه لا من شئ آخر، ولهذا قال في رواية الخلقاني بعد قوله " ما الفرق بين دم الحامل ودم المخاض؟ ": " إن الحامل قذفت بدم الحيض وهذه قذفت بدم المخاض " مع عدم دليل على كونه منه إلا رؤيتها بعده،


(1) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 5.

[ 293 ]

فالجزم بكونه منه دليل على الا مارية. ومنه يظهر حال موثقة عمار الثانية. بل هما رواية واحدة نقلها الشيخان مع اختلاف يسير. كما ان الاستدلال بصحيحة عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الاول عليه السلام في امرأة نفست فتركت الصلوة ثلاثين يوما ثم طهرت ثم رأت الدم بعد ذلك، قال: تدع الصلوة لان أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس. (1) بدعوى إلغاء الخصوصية بين النفاس المتقدم والمتأخر أو الاجماع على عدم الفصل أو كان ذلك قرينة على إطلاق مرسلة يونس وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمتين غير وجيه لان الخصوصية بينهما غير ممكنة الالغاء، للفرق بين المتقدم والمتأخر، فإن في النفاس المتقدم يكون مرور الايام موجبا لاختزان الدم للقذف المتأخر، بخلاف المتأخر، فإن الاختزان بسبب الولد، ويكون خروجه بعد رفعه للولد، تأمل. ولا إجماع على عدم الفصل بعد كون الفرق بينهما مفتى به، ولا قرينية لذلك على إطلاق الروايتين بعد ما مر من عدم إطلاقهما. ثم إن ما مر من الادلة قاصرة عن إثبات اشتراط الفصل، وأما عدم الاشتراط فليس في شئ فحينئذ يمكن أن يقال: كما لا دليل على الاشتراط لا دليل على نفيه، فتكون الشبهة حكمية، ولا يمكن التمسك في رفعها بأدلة أمارات الحيض ولا إطلاق أدلة الاحكام، أما الاولى فلان سوق أدلة الامارات عادة كانت أو صفة إنما هو في الشبهة الموضوعية، ولا تدفع بها الشبهة الحكمية. وأما التمسك بإطلاق أدلة الاحكام فهو تمسك به في الشبهة المصداقية للشك في كون الدم حيضا. نعم، يمكن أن تدفع الشبهة الحكمية بأصالة عدم الاشتراط المعلوم قبل جعل الشرع، ولا يلزم فيها الاثر بعد كونه حكما شرعيا، فحينئذ تندفع الشبهة الحكمية وتبقى الشبهة الموضوعية، فيرجع إلى الامارات في إثبات الحيضية. وأما قاعدة الامكان فقد مر ما فيها. هذا كله في الدم المتقدم على الولادة، وأما الدم عقيب تمام الولادة فلا إشكال


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 5، ح 1.

[ 294 ]

في كونه نفاسا نصا وفتوى. إنما الكلام في الدم المقارن لها، فعن المشهور كونه نفاسا، ففي الجواهر: المشهور نقلا وتحصيلا أنه كذلك، وعن الخلاف أن ما يخرج مع الولد عندنا يكون نفاسا، واختلف أصحاب الشافعي. وهو يشعر بعدم الخلاف في المسألة، ولهذا حملت العبارات الموهمة للخلاف كما عن ظاهر السيد وجمل الشيخ و الغنية والكافي والوسيلة والجامع على ما لا ينافي ذلك. وتدل عليه رواية الخلقاني، قال فيها، إن الحامل قذفت بدم الحيض وهذه قذفت بدم المخاض إلى أن يخرج بعض الولد، فعند ذلك يصير دم النفاس. ورواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل. يعني إذا رأت المرأة الدم وهي حامل لا تدع الصلوة، إلا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلوة. (1) ولا إشكال فيها من حيث السند على الاصح. واحتمال كون التفسير من السكوني بعيد بل فاسد، فإن ما ذكر ليس تفسير العبارة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله لان الاستثناء فيه أمر زائد عليها ولايكون تفسيرها فهو إما من اجتهاده، وهو مع غاية بعده مخالف لقوله " يعني " وإما من أبي عبد الله أو أبي جعفر عليهما السلام وهو غير بعيد منهما لاطلاعهما على الاحكام وعلى تفسير ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله زائدا على الافهام العامة كما ورد منهما نظائره. ويشهد لما ذكرنا ورود هذه الرواية بعينها مع اختلاف يسير في الالفاظ بدون كلمة " يعني " في الجعفريات عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان الله عزوجل ليجعل حيضها مع حمل، فإذا رأت المرأة الدم وهي حبلى فلا تدع الصلوة، إلا أن ترى الدم على رأس ولادتها، إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلوة. (2) وهي كما ترى عين تلك الرواية، والظاهر أن قوله " رأس ولادتها " من أغلاط النسخ، و الصحيح: على رأس ولدها، أو وليدتها. وهذه الرواية توجب الوثوق بأن التفسير


(1) الوسائل: ابواب الحيض، ب 30، ح 12. (2) مستدرك الوسائل: ابواب الحيض، ب 25، ح 7.

[ 295 ]

في رواية السكوني ليس منه، فتصير معتبرة، مع احتمال اعتبار الجعفريات في نفسها، ويطول الكلام بذكر سندها والبحث عن رجاله. وأما مطروحية صدرهما فلا تضر بالعمل بذيلهما، خصوصا مع كون الاستثناء الواقع في الذيل زائدا على أصل الحكم ويكون حكما مستقلا. هذا مع قوة احتمال صدق النفاس على الدم المقارن للولادة، بل يمكن أن يقال بصدقه على ما حصل قبل الولادة إذا كان من مقدماتها، لان دم الولادة على فرض كونه نفاسا لغة يصدق على كل دم يرتبط بالولادة، سواء كان قبلها ومن مقدماتها أو معها أو بعدها، وإنما خرجنا عما قبل الولادة لقيام الدليل، فلو نوقش في المتقدم فلا ينبغي المناقشة في المصاحب، بل لعل صدقه عليه أولى منه على المتأخر، تأمل. وكيف كان فيظهر من مجموع ما ذكر أن الدم المصاحب نفاس، فيجب التصرف في موثقة عمار، وإن كان الظاهر منها أن الغاية لوجوب الصلوة عليها حصول الولادة باعتبار تصدير المضارع بلفظة " لم " الموجب لنقل المعنى إلى المضي، لكن التصرف فيها أوهن من رفع اليد عن جميع ما تقدم كما لا يخفى على المنصف. ثم إن مقتضى الجمود على عبارة اللغويين وعلى الروايات في الباب هو عدم الحكم بنفاسية الدم الخارج مع المضغة فضلا عن الخارج مع العلقة أو النطفة المستقرة لعدم صدق الولادة إلا مع صدق الولد على الخارج، فالولادة والولد والمولود من المتضائفات التي لا يصدق واحد منها على موضوعه إلا مع صدق غيره على موضوعه. لكنه جمود غير وجيه لدى العرف، فإن الظاهر أن نظر أهل اللغة من كون النفاس دم الولادة ليس إلى ما ذكر بحيث يكون دم النفاس دائرا مدار صدق عنوان الولد حتى يكون الدم الخارج مع المضغة التي تصير متشكلة بصورة آدمي بعد يومين غير دم النفاس ثم يصير بعد اليومين دمه. والظاهر أن الروايات المشعرة بكون النفاس دم الولادة أيضا لا يستفاد منها اعتبار صدق الولادة بالمعنى المتقدم، ولهذا ترى تسالم الفقهاء على نفاسية ما خرج

[ 296 ]

عقيب ما كان منشأ آدمي، فعن التذكرة وشرح الجعفرية الاجماع على نفاسية الدم إذا ولدت علقة أو مضغة بعد شهادة القوابل بذلك أو العلم به، وعلله في التذكرة بأنه دم جاء عقيب حمل. وإنكار بعضهم ذلك معللا بعدم العلم بكونه مبدأ نشوء آدمي يدل على أن الانكار لاجل الشك في الموضوع، ولهذا حكي عن المنتهى: لو وضعت شيئا تبين فيه خلق الانسان فرأت الدم فهو نفاس إجماعا. والظاهر أن مراده من تبين خلق الانسان فيه أنه علم كونه مبدأ خلقه، لا أنه ظهر فيه خلقه بحصول الصورة الانسانية فيه، بقرينة دعواه الاجماع على العلقة والمضغة، ولانه ليس الانسان بعد تمامية خلقه موضوعا للبحث والجدال، فإنكار بعض المتأخرين نفاسية ذلك كأنه ليس في محله. بل الظاهر نفاسية ما خرج مع النطفة إذا علم أنها كانت مستقرة في الرحم لنشوء آدمي، لعدم الفرق بينها وبين العلقة بل المضغة في الابرام والانكار. المسألة الثانية لاحد لاقل النفاس إجماعا عن الخلاف والغنية والمعتبر والمنتهى والتذكرة والذكرى وكشف الالتباس، وعن جامع المقاصد وشرحي الجعفرية: لا خلاف فيه بين أحد من الاصحاب، وعن المدارك وشرح المفاتيح: هو مذهب علمائنا وأكثر العامة. ويدل عليه بعد ذلك خبر رزيق (1) بن الزبير المتقدم، لاطلاق قوله " فإذا خرج رأسه تجب عليها الصلوة " الظاهر في أنها إذا رأت الدم بعد خروج رأسه... بمناسبة صدره وذيله، وإطلاقه يقتضي عدم وجوبها عليها ولو رأت لحظة، ولقوله " وهذه قذفت بدم المخاض إلى أن يخرج بعض الولد، فعند ذلك يصير دم النفاس، فيجب أن تدع في النفاس والحيض. فإن قوله " يصير دم النفاس " ظاهر في أن الدم المرئي بعد ظهور الولد نفاس، وهو بمنزلة الصغرى لقوله " فيجب أن تدع في النفاس والحيض " فعلق الحكم على عنوان النفاس وعين الصغرى بقوله " يصير دم


(1) بتقديم المهملة على المعجمة، وعن نسخة صحيحة من الكافي بتقديم المعجمة وبين أصحاب الرجال في ضبطه خلاف.

[ 297 ]

النفاس " فيظهر منه أن دم النفاس مطلقا موجب لعدم وجوب الصلوة عليها، وهو المطلوب، وليس في الروايات ما علق الحكم على دم النفاس إلا ذلك. وهو وإن كان ضعيف السند لكن لا يبعد أن يكون مستند الاصحاب فيجبر سنده وإن لم يخل عن التأمل. ويدل عليه إطلاق قوية السكوني، وقد تقدم الكلام فيها، وإن أمكن المناقشة في إطلاقها. واما الاستدلال بموثقة عمار بن موسى أبي عبد الله عليه السلام في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما، قال: تصلي ما لم تلد - الخ - بدعوى أن جعل الغاية للصلوة عدم الولادة يدل على أن الولادة مع رؤية الدم أو الصفرة مطلقا موضوع لقطع وجوب الصلوة، أو بدعوى أن إطلاق المفهوم يقتضي ذلك. ففيه ما لا يخفى، ضرورة أن الظاهر منها أنه بصدد بيان المغيى وأنه تجب عليها الصلوة قبل الولادة ولايكون في مقام بيان حكم المفهوم حتى يؤخذ بإطلاقه فتدل الرواية على ثبوت الصلوة مطلقا ما لم تلد لا على سقوطها مطلقا لدى الولادة، ولعله مشروط بشرط آخر. كما ان الاستدلال بصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن النفساء وكم يجب عليها ترك الصلوة؟ قال: تدع الصلوة ما دامت ترى الدم العبيط إلى ثلاثين يوما - الخ - (1) بدعوى تعليق الحكم على رؤية الدم العبيط، فإطلاقه يقتضي نفاسية الدم ولو لحظة في غير محله ضرورة أن السؤال والجواب إنما هو عن جانب الاكثر، فهي بصدد بيان حده في ذاك الطرف لا في طرف القلة، مع وهنها بموافقة العامة ومخالفة الشهرة. ومنها يظهر الحال في رواية ليث المرادي مع ضعف سندها، فعمدة المستند الاجماع ورواية الخلقاني. وقد يستدل عليه بإناطة الاحكام بالمسمى الصادق على


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 16.

[ 298 ]

القليل والكثير، وفيه أنه ليس في الاخبار على كثرتها ما انيط فيه حكم بالمسمى بنحو الاطلاق غير رواية الخلقاني المتقدمة، وقد ذكرنا إهمال قوله " غسل النفساء واجب ". المسألة الثالثة لا إشكال في أن للنفاس في جانب الكثرة حدا، فما في رواية المرادي من نفي الحد له الظاهر في نفيه في الجانب الاكثر - مع ضعف سندها بأبي جميله الضعيف الذي قالوا فيه إنه كذاب يضع الحديث، وبمجمولية أحمد بن عبدوس - مطروح أو مؤول، كمرسلة المقنع. وقد وقع الخلاف في حد الاكثر، فعن المشهور أن أكثره عشرة، وقد حكيت الشهرة عن التذكرة و الذكرى وكشف الالتباس وجامع المقاصد وفوائد الشرائع وشرح الجعفرية و الروضة، وعن الجعفرية أنه الاشهر، وعن المبسوط وكشف اللثام أنه مذهب الاكثر، وعن موضع من الذكرى أنه مذهب الاصحاب، وعن كشف الرموز أنه الاظهر بين الاصحاب، وعن الخلاف والغنية الاجماع عليه. ولا يبعد أن يكون مراد المشهور أن العشرة حد قعود النساء في النفاس مطلقا بل مرادهم أنه لا يتجاوز نفاس عن عشرة أيام، كما أن قولهم في الحيض أن أكثره عشرة أيام هو ذلك، ولا ينافي ذلك وجوب رجوع بعض النفساوات إلى غير العشرة كذات العادة مع تجاوز دمها عنها، فإن الرجوع إلى العادة حكم ظاهري ولا تكون أيام العادة حدا للنفاس، ولا يبعد أن يكون مرادهم من أن الحد له عشرة أيام هو الحد للنفاس واقعا، واتكلوا في حكم ذات العادة على ما قالوا من أن حكم النفساء حكم الحائض مطلقا إلا ما استثني، وإطلاق كلام بعضهم أن النفساء تقعد عشرة أيام إلا أن تطهر قبل ذلك لا ينافي رجوع ذات العادة إلى عادتها مع التجاوز، لامكان كون المراد أنها تقعد إلى عشرة أيام استظهارا. وبالجملة كون الحد الواقعي عشرة أيام لا ينافي رجوع ذات العادة مع استمرار دمها وتجاوز عن العشرة إلى عادتها، فإنه حكم ظاهري لاحد واقعي، فما عن الشهيد في الذكرى أن الاخبار الصحيحة المشهورة تشهد برجوعها إلى عادتها

[ 299 ]

في الحيض والاصحاب يفتون بالعشرة وبينهما تناف ظاهر، ليس بوجيه. وعن المحقق في المعتبر اختيار عشرة أيام مطلقا حتى في ذات العادة؟ قال: لا ترجع النفساء مع تجاوز الدم إلى عادتها في النفاس، ولا إلى عادتها في الحيض، ولا إلى عادة نسائها، بل تجعل عشرة نفاسا وما زاد استحاضة حتى تستوفي عشرة أيام، وهي أقل الطهر (انتهى) ولا يخفى أن قوله ليس مخالفا للقوم في حد النفاس، بل مخالف لهم في رجوع ذات العادة إلى عادتها. وعن جملة من كتب الاصحاب ثمانية عشر مطلقا كالفقيه والانتصار قائلا: ومما انفردت به الامامية القول بأن أكثر النفاس مع الاستظهار التام ثمانية عشر يوما. و الظاهر أنه ليس اختيار ثمانية عشر يوما، لان أيام الاستظهار ليس أيام النفاس بيقين، نعم يظهر منه إمكانه إلى ثمانية عشر يوما. وعن المراسم والمختلف وظاهر الهداية، وعن أبي علي والامالي وجمل السيد. وحكي تقريبه إلى الصواب عن المنتهى، واستحسانه عن التنقيح، ونفي البعد عنه مجمع الفائدة والبرهان. وعن العلامة في المختلف التفصيل بين ذات العادة وغيرها وأنها ترجع إلى عادتها في الحيض إن كانت ذات عادة في الحيض، وإن كانت مبتدئة صبرت ثمانية عشر يوما. والظاهر أن غير مستقرة العادة حكمها عنده كالمبتدئة كما يظهر بالتأمل في عبارة المختلف، وصرح بالتسوية في القواعد، وعن المقداد استحسانه، ونقل ميل بعض متأخرى المتأخرين إليه. ويظهر مما مر آنفا أن هذا ليس تفصيلا في المسألة، فإن رجوع ذات العادة إلى عادتها حكم ظاهري، ولا قولا مخالفا للمشهور كما نفينا عند البعد. وعن العماني أن أكثره أحد وعشرون يوما، والظاهر منه أنه حد إمكانه، وعن المفيد أنه أحد عشر يوما. وعن الفقه الرضوي: النفساء تدع الصلوة أكثره مثل أيام حيضة، وهي عشرة أيام، وتستظهر بثلاثة أيام ثم تغتسل، فإذا رأت الدم عملت كما تعمل المستحاضة. وقد روي ثمانية عشر يوما، وروي ثلاث وعشرين (1) يوما، وبأي هذه الاحاديث


(1) وعشرون (ظ).

[ 300 ]

اخذ من جهة التسليم جاز (1) (انتهى) وأمثال هذه العبارة من فقه الرضا شاهدة على أن هذا الكتاب من تصنيف بعض العلماء لا كتاب مولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام. وكيف كان فمنشأ اختلاف الآراء هو اختلاف الاخبار واختلاف أنظارهم في فهمها والجمع بين شتاتها، لان الاخبار على طوائف: منها ما وردت في ذات العادة فأرجعتها إلى عادتها والاستظهار بعدها بيوم أو يومين أو زائدا، وهي أسد الروايات سندا وأوضحها دلالة. كصحيحة زرارة قال: قلت له: النفساء متى تصلي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين، فإذا انقطع الدم وإلا فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء - الخ - (2). وهذه الصحيحة وإن لم يستفد منها أن النفساء في جميع الاحكام كما مر لكن يستفاد منها سواء يتمها في هذا الحكم المذكور فيها من القعود بقدر أيام الحيض والاستظهار ثم عمل المستحاضة، وقد تقدم في الحيض عدم كونه أكثر من عشرة، وإنما الاستظهار إلى العشرة لاجل احتمال الانقطاع إليها وكون المجموع حيضا والتجاوز عنها وكون الزائد على أيام العادة استحاضة، ولما لم يكن الامر معلوما امرت بالاستظهار تغليبا لجانب الحيض. وكيف كان فيتضح من الصحيحة سوائية الحائض والنفساء في الرجوع إلى العادة والاستظهار وعمل الاستحاضة، وكما أن في الحيض يحكم بعدم تجاوزه عن العشرة فكذلك في النفاس، لما ذكر ولما يفهم من شدة المناسبة بينهما من الصحيحة وغيرها مما يأتي. وكصحيحة اخرى له عن أحدهما عليه السلام قال: النفساء تكف عن الصلوة أيامها التي تمكث فيها، ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة. (3) وصحيحة يونس


(1) مستدرك الوسائل: ابواب النفاس، ب 1، ح 1. (2) الوسائل: ابواب الاستحاضة، ب 1، ح 5. (3) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 1.

[ 301 ]

بن يعقوب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر مما كانت ترى، قال: فلتقعد أيام قرئها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيام. (1) والمراد بعشرة أيام من يوم رأت الدم، أي إلى عشرة من أول أيام القعود بقرينة سائر الروايات وورود مثلها بعين السند في الحيض أيضا. والحمل على عشرة من بعد أيام العادة في التي عادتها ثمانية مع فساده في نفسه لا ينطبق على رأي من قال بكون النفاس ثمانية عشر يوما، لان الاستظهار ينافي الجزم بكون الدم نفاسا. والمراد من القعود أيام العادة هو بقدر أيام العادة من حين وضعت في الدورة الاولى بشهادة حسنة مالك بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال نعم، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها، ثم تستظهر بيوم، فلا بأس بعد أن يغشاها - الخ - (2) إلى غير ذلك وهذه الطائفة المشتملة على الصحاح مما استدل به لمذهب المشهور بدعوى استفادة شدة المناسبة بين النفاس والحيض بحيث يفهم منها أنها بعد الاستظهار إلى عشرة أيام مستحاضة كما قلنا في الحيض، فيستفاد منه أن أكثره كأكثر الحيض عشرة أيام. وفيه أن تلك الروايات كروايات الاستظهار في باب الحيض لا يستفاد منها إلا الرجوع اإلى العادة والاستظهار ثم العمل بما تعمل المستحاضة. من غير تعرض فيها لحد الحيض والنفاس بحسب الواقع. بل المستفاد من تلك الروايات إمكان كون النفاس أكثر من عشرة أيام، لان إطلاق مادل على الاستظهار بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام شامل لمن كانت عادتها عشرة أيام أو تسعة أو ثمانية، ومن كانت عادتها عشرة أيام يكون حكمها الاستظهار بيوم إلى ثلاثة أيام، فيثبت به أن النفاس ممكن إلى ثلاثة عشر يوما.


الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 3. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 7، ح 1.

[ 302 ]

وكذا إطلاق موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام الحاكمة بالاستظهار بمثل ثلثي أيامها شاهد على إمكانه إلى سبعة عشر يوما تقريبا كما أن ظاهر صحيحة يونس بن يعقوب الحاكمة بالاستظهار بعشرة أيام هو إمكانه إلى عشرين يوما. و إنما خرجنا عن إطلاق أدلة الاستظهار في الحيض لاجل ورود نصوص مستفيضة مفتى بها بين الاصحاب بأن أكثر الحيض عشرة أيام، ولو لم ترد تلك النصوص فيه لم تدل أدلة الاستظهار على أن حده عشرة أيام، بل مقتضى إطلاقها وشمولها للمعتادة عشرة أيام، إمكان استمرار الحيض إلى ثلاثة عشر يوما، بل مقتضى ظهور رواية يونس بن يعقوب الواردة في الحيض بعين السند في النفاس الحاكمة بالاستظهار بعشرة أيام، إمكانه إلى عشرين يوما. وإنما قلنا برفع الاستظهار بعد العشرة من أول العادة وعدم الاستظهار في من كانت عادتها عشرة أيام وعدم الاستظهار بيومين في من كانت عادتها تسعة أيام وهكذا للادلة الدالة على تحديد أكثر الحيض. والانصاف أنه لو لم يكن في المقام دليل على تحديد النفاس لكانت تلك الادلة الواردة في الاستظهار فيه من أقوى الشواهد على عدم تحديده بعشرة أيام، بل من الادلة الدالة على ثمانية عشر بعد تقييد مادل على الزائد عليها بالاجماع على عدم الزيادة عليها. فلابد من التماس دليل على التحديد حتى نرفع اليد عن إطلاق تلك الادلة. ومن ذلك يعرف أن استناد المشهور لاثبات التحديد بالعشرة لا يمكن أن يكون إلى تلك الروايات، وإن قول المفيد أو الشيخ بمجئ روايات معتمدة دالة عليه لا يكون ناظرا إليها. إلا أن نقول بخطأ المفيد وغيره من الفقهاء و هو كما ترى. ومنها ما وردت في قضية أسماء بنت عميس، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين أرادت الاحرام من " ذي الحليفة " أن تحتشي بالكرسف والخرق وتهل بالحج، فلما قدموا مكة وقد نسكوا المناسك وقد أتى ثمانية عشر يوما فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 303 ]

أن تطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم، ففعلت ذلك. (1) وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء كم تعقد؟ فقال: إن أسماء بنت عميس أمرها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن تغتسل لثمان عشر، ولا بأس أن تستظهر بيوم أو يومين. (2) ومرسلة الصدوق، قال: إن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر في حجة الوداع، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تقعد ثمانية عشر يوما. (3) وهذه الطائفة لا تنافي الطائفة الاولى بل توافقها وتؤيدها، بل صحيحة محمد والمرسلة تدلان على أن أكثر النفاس ثمانية عشر يوما، نعم لابد من رفع اليد عن استظهار يومين في صحيحة ابن مسلم، لعدم الاستظهار بعد قعودها ثمانية عشر يوما لعدم احتمال النفاس بعدها إجماعا. وأما الاستظهار بيوم بعد ظهور الصحيحة بمقتضى تذكير العدد في ثمان عشرة ليلة فلا بأس به إلا في بعض الصور، فيرفع اليد عنه فيه. وكذا لا تنافيها مرفوعة إبراهيم بن هاشم، قال: سألت امرأة أبا عبد الله عليه السلام فقالت: إنى كنت أقعد في نفاسي عشرين يوما حتى أفتوني بثمانية عشر يوما، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ولم أفتوك بثمانية عشر يوما؟ فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لاسماء بنت عميس حيث نفست بمحمد بن أبي بكر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن أسماء سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد أتى لها ثمانية عشر يوما، و لو سألته قبل ذلك لامرها أن تغتسل وتفعل ما تفعل المستحاضة. (4) لانه عليه السلام لم ينف كون حد النفاس ثمانية عشر يوما بل نفى لزوم قعودها ثمانية عشر يوما مستندا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: إنها لو سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبل ذلك لامرها بما أمرها بعد ثمانية عشر، فيمكن أن يكون الحد الواقعي للنفاس ثمانية عشر يوما لكن


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 6. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 15. (3) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 21. (4) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 7.

[ 304 ]

يجب لذات العادة القعود أيام العادة ثم الاستظهار بيوم أو يومين أو ثلاثة ثم عمل المستحاضة. وظاهر المرفوعة وإن كان عدم جواز القعود ثمانية عشر يوما كما هو ظاهر بعض الروايات الواردة في الاستظهار لكن مقتضى الصناعة رفع اليد عن هذا الظاهر بما دل على جواز القعود إلى ثمانية عشر يوما كالروايات الآتية وبعض ما تقدمت، وحمل المرفوعة على استحباب عمل المستحاضة قبل ثمانية عشر يوما، إلا إذا كانت أيامها قريبة من أيام العادة كاليوم واليومين وثلاثة أيام بل إلى عشرة أيام فيستحب الاستظهار. ومما ذكرنا يظهر الحال في رواية حمران بن أعين المنقولة عن كتاب الاغسال لاحمد بن محمد بن عياش الجوهري (1) وقوله فيها " قلت: فما حد النفساء؟ قال: تقعد أيامها " محمول على الحكم، ومعناه: فما تكليفها؟ بل المتفاهم من العبارة هو السؤال عنه لا عن حد النفاس، وإلا لقال: فما حد النفاس؟ ولهذا أجاب عن تكليفها في الظاهر بالقعود أيام الطمث والاستظهار، وهو لا يناسب السؤال عن الحد الواقعي للنفاس. كما أنه بما ذكرنا يظهر حال طائفة اخرى من الروايات كصحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كم تقعد النفساء حتى تصلي، قال: ثمان عشرة، سبع عشرة، ثم تغتسل وتحتشي وتصلي. (2) وصحيحة ابن سنان - بناء على كونه عبد الله كما هو الظاهر - قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تقعد النفساء سبع عشرة ليلة، فإن رأت دما صنعت كما تصنع المستحاضة. (3) ورواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون، قال: والنفساء لا تقعد عن الصلوة أكثر من ثمانية عشر يوما، فإن طهرت قبل ذلك صلت، وإن لم تطهر حتى تجاوز ثمانية عشر يوما


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 11. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 12. (3) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 14.

[ 305 ]

اغتسلت وصلت وعملت بما تعمل المستحاضة. (1) فمقتضى الجمع بينها أن لذات العادة القعود إلى ثمانية عشر يوما، أيام عادتها نفاسا والزائد استظهارا، فيكون جميع الطوائف شاهدة على إمكان كون النفاس أكثر من عشرة أيام بل إلى ثمانية عشر يوما، فتكون مؤيده للطائفة الاخرى المتعرضة لحد النفاس بحسب الواقع كمرسلة الصدوق ورواية حنان بن سدير، قال: قلت: لاي علة أعطيت النفساء ثمانية عشر يوما؟ قال: لان أقل أيام الحيض ثلاثة أيام وأكثرها عشرة أيام وأوسطها خمسة أيام، فجعل الله عزوجل للنفساء أقل الحيض وأوسطه وأكثره. (2) فتحصل من جميع ذلك أن مقتضى الجمع بين جميع الطوائف هو كون حد النفاس واقعا ثمانية عشر يوما مطلقا، وذات العادة إنما ترجع إلى عادتها بحسب تكليفها الظاهري وتستظهر جوازا إلى ثمانية عشر يوما، وإن كان المستحب لها أن تعمل عمل المستحاضة بعد الاستظهار بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام، ويحمل اختلاف الروايات في الاستظهار على اختلاف مراتب الفضل أو على ما ذكرنا في الحيض. ويظهر مما مر أن مستند فتوى المشهور وكذا الروايات التي ادعى المفيد أو الشيخ ورودها بعيد غايته أن تكون تلك الروايات الدالة على خلاف مذهب المشهور مما هي بين صريح فيه أو ظاهر. وعثور المفيد - رحمه الله - على بعض الروايات أو الاصول التي لم تصل إلينا ليس كثير البعد، كما لم تصل إلينا مرسلته المنقولة عن السرائر، وهي أن المفيد سئل: كم قدر ما تقعد النفساء عن الصلوة؟ وكم مبلغ أيام ذلك؟ فقد رأيت في كتاب أحكام النساء أحد عشر يوما، وفي رسالة المقنعة ثمانية عشر يوما وفي كتاب الاعلام أحد وعشرين، فعلى أيها العمل دون صاحبه؟ فأجابه بأن قال: الواجب على النفساء أن تقعد عشرة أيام، وإنما ذكرت في كتبي ما روي من قعودها ثمانية عشر يوما وما روي في النوادر استظهارا بأحد وعشرين يوما، وعملي في ذلك


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 23. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 2 2.

[ 306 ]

على عشرة أيام لقول الصادق عليه السلام " لا يكون دم نفاس لزمانه أكثر من زمان الحيض " (انتهى). فكما لم تصل إلينا تلك المرسلة الصريحة التي عمل مثل المفيد على طبقها وترك الروايات الصحيحة الصريحة في القعود ثمانية عشر، أو سبع عشرة، ثمان عشرة، كصحيحتي محمد بن مسلم وابن سنان مع كون الروايات بمنظر منه، كذلك يمكن وصول روايات اخر مثل المرسلة. كما لا يمكن أن يقال: إن اتكال المشهور في كون النفاس عشرة أيام على تلك الروايات التي بين صريح في زيادة الحد على العشرة وكونه ثمانية عشر يوما وظاهر فيه. فحينئذ تكون تلك الشهرة المعرضة عن الروايات الصريحة الصحيحة المخالفة للاصول والقواعد - لما عرفت سابقا جريان الاصل الموضوعي في التدريجيات والحكمي في مثل المقام - معتمدة معتبرة كاشفة عن مسلمية الحكم من زمان الائمة عليهم السلام إلى زمان أصحاب الفتوى كما أن قول المفيد بمجئ أخبار معتمدة في أن أقصى مدة النفاس مدة الحيض وهي عشرة أيام، حجة معتبرة اخرى، ضرورة أنه مع وجود روايات صحيحة صريحة في زيادة الايام على العشرة لا يمكن أن يكون مقصوده هو ما احتملوا من روايات الرجوع إلى العادة والاستظهار، مع أن الظاهر من تلك العبارة هو مجئ الروايات بهذا العنوان والمضمون، وفي روايات الرجوع ليست رواية كذلك، بل لو فرض دلالتها بنحو من اللزوم بل والاجتهاد لم يكن لمثل المفيد أن يقول: جاء أخبار في أن أقصى مدة النفاس كذا، الظاهر في ورود الرواية بهذا المضمون، فإن ذلك نحو تدليس في النقل والرواية، وأصحابنا - رضوان الله عليهم - بريئون منه. كما أن مرسلته الاخرى المتقدمة حجة معتبرة اخرى، فإن مثل المفيد لا يقول " لقول الصادق عليه السلام " بنحو الجزم إلا مع كون الرواية معتمدة معتبرة. ولا يمكن منه تقديم رواية مرسلة على روايات صحاح إلا مع كون الحكم قطعا والرواية قطعية الصدور والدلالة وراجحة على سائر الروايات وكون البقية معلولة بحيث لا يمكن الاتكال عليها، فالمسألة خالية عن الاشكال بحمدالله تعالى. وإن كان الاحتياط

[ 307 ]

حسنا على كل حال. وبما ذكرنا يظهر النظر في التفصيل الذي تقدم نقله عن العلامة - لو كان تفصيلا في المسألة - وقد بالغ الشيخ الاعظم في تقريبه وتقويته حتى قال: فالانصاف أن هذا القول لا يقصر في القوة عن القول المشهور. ومحصل نظره هو الجمع بين الروايات، لاختصاص روايات الاستظهار بذات العادة، ومنها يستفاد كون الحد عشرة أيام فتختص العشرة بذات العادة، وصرف رواية العلل والعيون إلى غير ذات العادة، وتضعيف مرسلة المفيد أو حملها على الافراد الغالبة وهي ذات العادة. وانت خبير بما فيه بعد التأمل في ما تقدم، لما عرفت من أن أخبار الاستظهار لا يستفاد منها كون الحد عشرة، بل إلى ثمانية عشر يوما، فمقتضى الجمع بينها وبين سائر الروايات هو كون الحد ثمانية عشر، فلا مجال للتفصيل بحسب الروايات مع ورود بعض إشكالات اخرى عليه تركناه مخافة التطويل. وأما تضعيف مرسلة المفيد ففي غير محله لما عرفت آنفا، وحملها على ذات العادة بعيد جدا، بل المرسلة بحسب نحو مضمونها آبية عنه. فتحصل من جميع ما ذكرنا أن الحد مطلقا لذات العادة وغيرها عشرة أيام إلا أن تكليف ذات العادة الرجوع إلى عادتها ثم الاستظهار إلى عشرة أيام ثم عمل المستحاضة، وغير ذات العادة تقعد عشرة أيام وهي أقصى الايام. واما الرجوع إلى الصفات أو عادات النساء فلا دليل عليه، لاختصاص أدلة الصفات كما تقدم بالدوران بين الحيض والاستحاضة. وأما موثقة أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام الدالة على رجوعها إلى أيام امها أو اختها أو خالتها مع عدم معرفة أيام نفاسها فيها وجوه من الخلل لا يمكن لاجلها الاتكال عليها، كالحكم بقعودها بقدر. أيام نفاسها مع أن النص والفتوى على خلافه، وكالامر بالاستظهار بمثل ثلثي أيامها مما لا يجوز إلا في بعض الافراد النادرة، وكالحكم بتخييرها بين الرجوع إلى امها أو اختها أو خالتها الظاهر في التخيير مع اختلافهن وهو أيضا غير معتنى به.


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 20.

[ 308 ]

نعم، لو ثبت الاجماع على كون النفساء كالحائض في جميع الامور والاحكام إلا ما استثني لكان الوجه ما ذكر. المسألة الرابعة لو كانت حاملا باثنين فإن ولدتهما معا بحيث عدت ولادة واحدة عرفا يكون لها نفاس واحد، وسيأتي حال مبدأ حساب العشرة، وإن تأخرت ولادة أحدهما عن الآخر مع رؤية الدم فيهما فلا يخلو أن تكون الولادة الثانية قبل تمام عشرة أيام من الاولى أو بعد تمامها بلا فصل أو معه، وعلى أي حال إما أن يكون الدم مستمرا إلى الولادة الثانية أو نقت قبلها ورأت بعدها. فهل يكون كل من الدمين بعد الولادتين نفاسا مستقلا، أو هما نفاس واحد إذا استمر الدم ورأت الثاني قبل تجاوز العشرة، أو لا يكون الدم بعد الولادة الاولى نفاسا، أو لا يكون بعد الثانية نفاسا؟ الاقوى هو الاول. ومحصل الكلام فيه أنه بحسب التصور يحتمل أن يكون النفاس هو الدم المسبب عن الولادة، بحيث يكون سببية الولادة للدم دخيلة في الموضوع كما يظهر من صاحب الجواهر ناسبا إلى نص غير واحد من الاصحاب، و لازمه لزوم إحراز سببيتها له في ترتيب الاحكام على النفساء، سواء في التوأمين و غيرهما، فلو سال الدم منها قبل الولادة فخرجت علقة أو مضغة أو خرج طفل في غاية الصغر مع سيلانه بحيث يعلم أو يحتمل عدم استناد الدم إلى خروج الحمل لم يحكم بنفاسية ولايكون المرأة نفساء، وكذا لو خرج الطفل الاول في التوأمين وسال الدم وخرج الثاني مع الجزم بعدم سببيته أو احتمال ذلك لم يحكم بها. ويحتمل أن يكون الدم الخارج عقيب الولادة نفاسا، كانت الولادة سببا له أو لا، لكن لا مطلقا بل الدم الذي له نحو انتساب وارتباط بالولادة وإن لم يكن الارتباط بالسببية والمسببية، ولعل مراد القوم بل صاحب الجواهر ذلك وإن لم يناسب ظاهر كلامه، ومع استمرار الدم يكون منتسبا إلى الولادتين، لان اختزانه كان لارتزاقهما، بل يمكن أن يقال: إنه مع استمراره يكون دم كل ولادة بحسب الواقع غير الآخر وإن لم يمكن امتيازهما خارجا، لعدم استهلاك أحد المتماثلين في

[ 309 ]

الآخر. ولازم هذا الاحتمال كون الدم عقيب كل ولادة مع كونه الدم الطبيعي نفاسا وموضوعا للحكم، وتكون النفساء هي التي ولدت وخرج الدم عقيب ولادتها أو معها، فيكون الدم الخارج عقيب الولادة الثانية قبل تمام العشرة نفاسين مستقلين فيصدق عليه عنوانان: أحدهما الدم الذي عقيب الولادة الاولى، والثاني الدم الذي عقيب الولادة الثانية، ولكل عنوان حكمه مع الانفراد، ومع اجتماعهما تتداخل الاحكام. ويحتمل أن يكون النفاس هو الحدث الحاصل من الدم المسبب عن الولادة أو الدم الذي عقيبها. ولازمه عدم إمكان تكرر الحدث الحادث برؤية الدم بعد الولادة الاولى للزوم اجتماع المثلين. وهذا ظاهر المحقق الخراساني، فيكون النفاس الواحد مستمرا بتعدد سببيه إلى عشرين يوما أو أكثر، ولايكون للمرأة نفاسان. والاقوى هو ثاني الاحتمالات، لمساعدة العرف واللغة على أن الدم عقيب الولادة نفاس ولا يتوقف أحد في أن الدم إذا خرج عقيب الولادة يكون نفاسا ويقال للمرأة نفساء، مع أنه لو كان عبارة عن الدم المسبب عنها لم يكن بد في ترتيب الاحكام من إحراز الموضوع، ومع الشك كان يرجع إلى الاصول، ولم ينقل من فقيه احتمال ذلك أو العمل على الاصول، وليس ذلك إلا لما ذكر، تأمل. قال السيد في الناصريات لا يختلف أهل اللغة في أن المرأة إذا ولدت وخرج الدم عقيب الولادة فإنه يقال: قد تنفست، ولا يعتبرون بقاء ولد في بطنها، ويسمون الولد منفوسا (انتهى). و هو وإن كان في مقام الرد على من ذهب إلى أن النفاس من مولد الثاني لكن ظاهره اتفاق أهل اللغة على هذا العنوان، أي كون الدم عقيب الولادة نفاسا، وهو حجة معتبرة، بل نفس قول مثل السيد البارع في اللغة والادب حجة معتبرة مثبتة للغة. ويؤيده قول شيخ الطائفة عند الاستدلال على أنه إذا ولدت ولدين ورأت عقيبهما اعتبرت النفاس من الاول وآخره يكون من الثاني " دليلنا أن كل واحد من الدمين يستحق الاسم بأنه نفاس، فينبغي أن يتناوله اللفظ " بل ادعى عدم الخلاف في أن ما

[ 310 ]

يخرج بعد الولد يكون نفاسا، والظاهر أن المراد من الدم عقيب الولادة ما له نحو انتساب وارتباط لها لا مطلقا. بل يمكن الاستئناس أو الاستدلال لاستقلال كل من النفاسين ببعض الروايات كحسنة مالك بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال: نعم، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم، فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها - الخ - (1) حيث تدل على حرمة الغشيان قبل مضي مقدار أيامها من يوم وضعت من غير تفصيل بين الوضع الاول و الثاني. وإن أمكن الخدشة فيها تارة بأنها في مقام بيان حكم آخر، واخرى بأن مفروض السائل كونها في نفاسها من الدم. وكصحيحة يونس بن يعقوب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر مما كانت ترى، قال: فلتقعد أيام قرئها الذي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيام (2) حيث لم يفصل بين الاولى والثانية، فمن ولدت ورأت الدم أكثر مما كانت ترى تكون موضوعة للحكم بوجوب القعود، ففي الولادة الثانية إذا رأت الدم أكثر مما كانت ترى يصدق أنها ولدت ورأت الدم... فيكون الولادة ورؤية الدم تمام الموضوع للحكم، تأمل. وكرواية الخلقاني المتقدمة، حيث قال فيها: تصلى حتى يخرج رأس الصبي، فإذا خرج رأسه لم يجب عليها الصلوة. (3) فإن الظاهر منها أن السبب لوجوب تركها هو خروج رأس الصبي مطلقا. نعم، يقيد ذلك بذيلها الدال على لزوم رؤية الدم عند خروج بعض الولد، فيكون الموضوع هو خروج بعض الولد مع رؤية الدم أو رؤية عند ظهور رأس الولد. فتدل على موضوعية كل دم عند كل ولادة لحرمة الصلوة، أو موضوعية كل ولادة مع رؤية الدم لها، وهذا معنى الاستقلال. ولو نوقش في دلالة الروايات فلا مجال للمناقشة في الصدق العرفي.


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 4. (2) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 3. (3) الوسائل: ابواب النفاس، ب 30، ح 17.

[ 311 ]

واما احتمال كون النفاس عبارة عن حدث معنوي، فإن كان المراد منه حدث النفاس كحدث الحيض والجنابة فالضرورة قاضية بمخالفته لنفسه، فإن المرأة بعد عشرة أيام أو ثمانية عشر ليست بنفساء بلا إشكال وإن كانت محدثة بحدث النفاس، فحدثه غير نفسه، كحدث الحيض فإنه غير الحيض، وإن كان المراد أن هنا أمرا معنويا آخر هو حدث النفاس فلا دليل عليه، بل الادلة قاطبة على خلافه. ويظهر مما مر حال احتمال عدم نفاسية الاول كما احتمله المحقق في محكي المعتبر بدعوى عدم اجتماع النفاس كالحيض مع الحمل. وفيه منع عدم اجتماع الحيض معه كما تقدم، وعلى فرض تسليمه منع كون النفاس كالحيض في ذلك. بقي شئ وهو أنه لو وضعت الولد الواحد قطعة قطعة فهل يكون لكل قطعة نفاس مستقل مطلقا، أو لا يكون للجميع إلا نفاس، أو يفصل بين كون القطعة معتدا بها بحيث يكون خروجها بمنزلة ولادة وبين غيره، أو يفصل بين وقوع الفصل بأقل الطهر بين خروج القطعة الاولى والثانية وعدمه؟ وجوه، والاقرب في غير الفصل بأقل الطهر كونه نفاسا واحدا لكون الولادة واحدة عرفا ولغة وإن خرج المولود قطعة قطعة، والنفاس واحد مع استمرار الدم، بل مع الفصل بالاقل من أقل الطهر إذا قلنا بأنه نفاس. بل مع الفصل بأقل الطهر يمكن أن يقال أيضا إنه نفاس واحد وإن فصل بين أجزائه طهر، فإن العرف كما يرى الولادة واحدة والمولود واحدا يرى الدم دم الولادة الواحدة ومن تتمة النفاس لا نفاسا مستقلا، ولا مانع من الفصل بين أجزائه بأجنبي. ولا ثمرة ظاهرا في خصوص الفرع إن قلنا بأن النفاس من خروج الدم وحساب العدد من وضع القطعة الاخيرة، كما يأتي الكلام فيه قريبا. وكيف كان ففي خروج القطعات هل يكون مبدأ النفاس من بعد المجموع كما احتمله صاحب الجواهر حيث قال: ويحتمل هنا توقف النفاس على خروج المجموع وإن اكتفينا ببروز الجزء مع الاتصال للفرق بينه وبين الانفصال (انتهى) ولم يذكر وجه الفرق، فكأنه دعوى قصور الدليل عن شمول المنفصل، وفيه ما لا يخفى، ضرورة صدق دم الولادة مع الخروج مقارنا للجزء كما مر، بل احتملنا أولوية

[ 312 ]

الصدق من الدم بعد الولادة، ولا فرق بنظر العرف في دمها بين كون الرأس منفصلا عن الجسد أو متصلا به، كما لاريب في شمول الادلة كخبر الخلقاني للمنفصل أيضا، ودعوى الانصراف غير مسموعة، فالفرق بينهما غير وجيه. أو يكون مبدأ النفاس و الحساب من أول خروج القطعة الاولى لمرسلة المفيد بل لمرسلاته، ولظهور أدلة الامر بالقعود مقدار أيام عادتها في كون المبدأ أول ما صدق عليها النفساء، أو يكون مبدأ النفاس خروج الدم مع بروز أول الجزء، ومبدأ حساب أيام القعود وحساب عشرة أيام من زمان تمام الوضع؟ الاقوى هو الاخير، لان روايات الباب على طوائف: منها ما تدل على لزوم ترك الصلوة إذا رأت على رأس الولد دما، كرواية الخلقاني والسكوني والجعفريات المتقدمات، وهذه الطائفة لم تتعرض لمقدار القعود ولا لمبدئه. ومنها ما تدل على أن النفاس لا يكون أكثر من عشرة أيام كمرسلات المفيد ومرسلة الشيخ عن ابن سنان. ومنها ما تدل على أن النفساء تقعد بمقدار أيام عادتها وتستظهر. وهاتان الطائفتان ظاهرتان ولو بالاطلاق في كون المبدأ هو مبدأ تحقق النفاس وإن لم تتعرض لخصوص المبدأ، لكن حسنة مالك بن أعين المتقدمة حاكمة على الروايات ومبينة لحدودها، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال: نعم، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها، ثم تستظهر بيوم، فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها. (1) وهي كما ترى لا تنافي الروايات الدالة على لزوم ترك الصلوة من أول بروز الدم، وهو ظاهر، ولا مادلت على القعود بمقدار أيام العادة، لعدم تعرضها لمبدأ القعود، وإنما يفهم منها ذلك بالاطلاق والسكوت في مقام البيان، وهو لا يقاوم ما تعرض لمبدأ الحساب وأنه منذ يوم وضعت. بل هي حاكمة على مثل المرسلات، فإنها تدل على عدم زيادة عددها على الحيض، وهي تدل على أن عدم الزيادة يحسب من أول يوم وضعت، فلها حكومة عليها عرفا. نعم لاحد أن يقول: إن مقتضى الادلة هو التفصيل بين ذات العادة وغيرها،


(1) الوسائل: ابواب النفاس، ب 3، ح 4.

[ 313 ]

والاخذ في غيرها بإطلاق مادل على عدم الزيادة من حين الرؤية. لكنه تفصيل لم يلتزم به أحد ظاهرا ولم أر احتماله من أحد، بل الظاهر أن حد النفاس في جميع النسوة بحسب الواقع واحد ولا يزيد على عشرة أيام من يوم الوضع. ثم إنه حكي عن الروض أنه يترتب الثمرة على تعدد النفاسين ما لو ولدت فرأت الدم وانقطع فولدت الثاني، فرأت قبل مضي عشرة أيام من الولادة الاولى فإنه على التعدد لا يحكم بنفاسية النقاء المتخلل، وعلى الوحدة يحكم بها. وفيه أن هذه الثمرة ليست من ثمرات القول بالتعدد والوحدة، لعدم إبطال الولادة الثانية نفاسية الاولى فيكون النقاء بين نفاس واحد، فهو محكوم بالنفاسية بناء على ما يأتي من نفاسية النقاء المتخلل بين النفاس الواحد، وكون الدم معنونا بعنوان آخر وهو نفاس آخر لا يوجب إبطال حكم النفاس الواحد. بل هي من ثمرات القول بلزوم الارتباط بنحو السببية أو غيرها بين الولادة والدم الخارج عقيبها و وعدمه، فعلى الثاني يكون الدم الخارج عقيب الثانية نفاسين وباعتبار كونه من تتمة النفاس الاول يكون النقاء المتخلل بينه نفاسا، وعلى الاول لا يكون ما رأت عقيب الثانية مع النقاء بعد الولادة الاولى خصوصا إذا كان معتدا به نفاسين، بل هو نفاس واحد مربوط بالولادة الثانية، وقد تقدم ترجيح ذلك، فيحنئذ لا يكون النقاء المتخلل بحكم النفاس، لكن الاحتياط لا ينبغي تركه. المسألة الخامسة لو لم تر دما أو لا ثم رأت فإما أن يكون بعد عشرة أيام من يوم الولادة، أو بين العشرة قبل مضي مقدار عادتها، كما لو كان مقدار عادتها ستة ورأت في اليوم الرابع، أو بعد مضي مقدارها، كما لو رأت في الفرض في اليوم السابع أو العاشر، وعلى أي تقدير فإما أن ينقطع إلى عشرة من يوم الولادة، أو يتجاوز عنها. فيقع الكلام في الفروض تارة في نفاسية الدم، واخرى في قعودها، وثالثة في حال ذات العادة وغيرها. فنقول: قد يقال بانصراف الادلة عن صورة تخلف الدم عن حال الولادة خصوصا إذا كان الفصل طويلا كتسعة أيام أو عشرة، فيعمل في الدم على القواعد فيحكم بنفاسيته لصدق

[ 314 ]

كونه نفاسا، ولقاعدة الامكان مع الشك في الصدق. وفيه أنه مع فرض الانصراف لا دليل على ترتب الاحكام حتى مع العلم بكونه نفاسا وكون المرأة نفساء. لان وجه الانصراف ندرة تخلف الدم عن الولادة، فيكون هذا الوجه موجودا في جميع أدلة الباب. ودعوى امتناع تخلف الاحكام مع كون المرأة نفساء، مدفوعة بأن الاحكام يمكن أن تكون مترتبة على قسم من النفاس والنفساء كما ذكرنا في الحيض، ألا ترى أن النفساء صادقة على من ترى الدم إلى الحادي عشر بلا ريب، ضرورة أن الدم الجاري إلى الساعة الاخيرة من اليوم العاشر نفاس في غير ذات العادة وبعدها ليس بنفاس حكما، ولا يمكن أن يقال ان الدم بحسب التكوين إلى هذه الساعة نفاس دون بعدها أو بحسب العرف والعادة كذلك. فلا محالة يكون التصرف في الموضوع من الشارع. فجعل دم النفاس في مقدار معين أو وقت معين موضوع حكمه دون غيره مع كونه نفاسا واقعا. فحينئذ نقول بعد قصور الادلة عن إثبات الحكم لمن لم تر دما مع الولادة أو قريبا منها للانصراف حسب الفرض يكون مقتضي الاصول والقواعد عدم محكومية المرأة بأحكام النفساء، فلا يجب التنفس عليها إذا لم تر الدم ثم رأت بعد فصل. وأما قاعدة الامكان فلا أصل لها في الحيض كما عرفت فضلا عن الاستحاضة، بل لو قلنا بأن دليل القاعدة هو الاصل العقلائي كما قيل في باب الحيض وثبت بها كون الدم نفاسا و المرأة نفساء لا يفيد في المقام مع عدم دليل على ترتب الاحكام على النفساء مطلقا كما تقدم. لكن الانصاف أن دعوى الانصراف في الادلة مطلقا سواء في مادلت على أن النفساء تقعد أيامها أو قدر عادتها أو مادلت على جواز الغشيان إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها أو مادلت على أن دم النفاس لا يكون أكثر من عشرة أيام، غير وجيهة، فإن ندرة الوجود وإن كانت موجبة لعدم انتقال الذهن إلى الفرد النادر لكن لا توجب الانصراف وخروج العنوان المأخوذ في الادلة عن كونه تمام الموضوع للحكم، خصوصا في مثل المقام الذي كان موضوع الحكم النفساء، وتقتضي المناسبة بين الحكم والموضوع أن يكون الموضوع هو نفس العنوان من غير دخل

[ 315 ]

للامور الخارجة فيها، ولايرى العرف للظرف والوقت موضوعية للاحكام، وهذا نظير قوله " / الماء يطهر " حيث يكون بعض مصاديقه نادر الوجود جدا بحيث ينصرف الذهن عنه، لكن المناسبة بين الحكم والموضوع توجب دفع الانصراف، لان المطهرية بنظر العرف لا تكون إلا لنفس طبيعة الماء من غير دخل لشئ آخر فيها، بل العرف قد يلغي بعض القيود لاجل بعض المناسبات، وكيف كان فلا مجال لدعوى الانصراف. وأوهن منها دعوى الانصراف في بعض الادلة كحسنة مالك بن أعين دون بعض، ضرورة أنه لا وجه للتفصيل بعد كون وجه الانصراف ما تقدم، ولايكون قوله " و هي في نفاسها من الدم " موجبا للانصراف إلا للوجه المتقدم. ثم إنه بعد البناء على إنكار الانصراف في الادلة لابد من بيان مفادها ووجه الجمع بينها فنقول: مقتضى إطلاق مادلت على أن النفساء تقعد قدر حيضها وتستظهر يوما أو يومين إلى عشرة أيام أن كل ما صدق عليها عنوان النفساء يجب عليها القعود قدر حيضها والاستظهار بعده، كان الدم متصلا بالوضع أو منفصلا، قبل مضي مقدار العادة من يوم الوضع أو بعده، بل قبل عشرة أيام أو بعدها، مع صدق دم الولادة وعنوان النفساء. ولا منافاة بين هذه الطائفة وبين مادلت على أن دم النفاس لا يكون أكثر من عشرة أيام كما هو واضح. بقيت رواية مالك بن أعين حيث دلت على أن مقدار أيام العادة إنما هو من يوم وضعت، وإطلاقها يقتضي أن يكون حساب الايام من يوم الوضع، سواء رأت الدم من حال الوضع أو لا، ومقتضي تحكيمها على سائر الادلة أن ذات العادة تقعد مع رؤية الدم مقدار أيام عادتها من زمان الوضع، فيكون ظرف القعود مقدار أيام العادة من أول الوضع لكن مع رؤية الدم، وأما مع عدم الرؤية رأسا فلا قعود لها، لما دل على أن النفاس هو دم الولادة، ولمثل قوية السكوني ورواية الجعفريات والخلقاني حيث علق الحكم فيها على الدم المرئي على رأس الطفل، فالقعود يتوقف على رؤية الدم وكون ظرف الرؤية أيام العادة من يوم الوضع، فالمرأة التي لم تر دما أول الوضع ليست موضوعة للحكم لفقدان قيد هو

[ 316 ]

رؤية الدم، وبعد مضي مقدار العادة من زمن الوضع أيضا لا تكون موضوعة له، لفقدان قيد آخر هو عدم المضي من يوم الوضع بمقدار العادة، ومع رؤيتها في زمان العادة ولو بعضها تكون موضوعة له، لتحقق جميع قيود الموضوع فهي امرأة وضعت ورأت الدم قبل مضي مقدار عادتها في الحيض منذ يوم وضعت. فمحصل مفاد الادلة بعد تحكيم بعضها على بعض ورد بعضها إلى بعض أن المرأة ذات العادة إذا رأت الدم من أول الوضع يجب عليها القعود مقدار أيام عادتها وتستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة إلى عشرة أيام من يوم الوضع، ولا يجب الاستظهار كما مر في الحيض. وإن رأت بعد عدم رؤيتها أول الوضع قبل مضي مقدار عادتها يجب عليها التنفس تتمة مقدار العادة، وتستظهر بعدها إلى العشرة. وإن رأت بعد مضي مقدار العادة فلا يجب عليها القعود والتنفس، فهل لها الاستظهار إلى العشرة أو لا؟ لا يبعد مشروعيته، لان الظاهر أن الاستظهار إنما هو لطلب ظهور حالها في زمان يمكن تحقق النفاس فيه، وبعد العادة إلى العشرة يمكن تحققه، لان الدم المرئي بعد العادة إذا انقطع على العشرة فهو نفاس للصدق العرفي، ومع التجاوز عنها لا يكون نفاسا لخروج ما بعد العشرة من يوم الوضع و عدم الدليل على نفاسيته بعد العادة مع التجاوز، تأمل. بل يمكن الاستدلال على عدم كونه نفاسا بأدلة الاستظهار بعد أيام العادة، فإن أيام العادة أيام النفاس ظاهرا بحسب تلك الادلة، وأيام الاستظهار أيام يمكن أن يكون الدم فيها نفاسا وغير نفاس، فيحتمل بدء أن تكون النفاسية مع التجاوز وعدمها مع عدمه، وبالعكس بأن تكون النفاسية مع عدم التجاوز وعدمها معه. ولاريب في تعين الثاني بعد كون الاستظهار ههنا كالاستظهار في الحيض. وبالجملة لا يكون الاستظهار ملازما للقعود ومن توابعه، بل هو حكم مستقل شرع لاجل الاستظهار والاحتياط، قعدت وتنفست أو لا. وأما غير ذات العادة التي عادتها عشرة أيام فتجعل ما رأت بين العشرة نفاسا وما بعدها استحاضة. لان النفاس لا يكون أكثر من عشرة أيام من حين الوضع.

[ 317 ]

هذا حال من انقطع دمها في العشر، وأما إن تجاوز عنها فإن رأت في بعض أيام العادة واستمر وتجاوز كمن كانت عادتها سبعة فرأت في الخامس مثلا و تجاوز عن العشرة فيحتمل شمول الادلة لها، فيجب عليها القعود بقية عادتها، ولها الاستظهار بيوم إلى تمام العشرة من يوم الوضع، وبعدها مستحاضة. ويحتمل أن تكون بقية أيام العادة أيام نفاسها ثم هي مستحاضة، ولا يبعد أقربية ذلك، لاستفادته من أدلة الاستظهار، فإنه لطلب ظهور الحال كما مر، ولايكون ذلك إلا على احتمال التجاوز وعدم نفاسية غير أيام العادة وعدم التجاوز ونفاسية الجميع، فإذا رأت في العادة وتجاوز تكون بقية الايام أيام نفاسها والزائد عليها استحاضة. وإن رأت بعدها كمن كانت عادتها سبعة فرأت في الثامن وتجاوز عن العاشر ففي شمول الروايات لها إشكال بل منع، لعدم أيام القعود لها حتى تؤمر به فيها، وليس لها أيام الاستظهار، لان الاستظهار إنما هو في ما إذا رأت الدم في العادة وتجاوز عنها فاحتملت الانقطاع على العشرة فيكون تمام الدم نفاسا، وتجاوزه عنها فتكون أيام عادتها فقط نفاسا، ومع هذه الشبهة وهذا الاحتمال يتحقق موضوع الاستظهار وطلب ظهور حالها. وأما إذا لم يكن تكليفها الرجوع إلى أيام عادتها مع التجاوز فلا تكون مشتبهة في حالها موضوعا ولا مشمولة لادلة ذات العادة، فالايام التي بعد العادة إلى العشرة إما نفاس مطلقا تجاوز الدم عن العشرة أو لا، أو ليس بنفاس كذلك فلا تكون موضوعة للاستظهار. والظاهر تسالمهم على أن النفساء قبل تمام عشرة أيام إذا لم تكن مشمولة لادلة العادة موضوعة للاحكام ويجب عليها التنفس وإن أمكن المناقشة في دلالة الادلة. ولا ينبغي ترك الاحتياط إلى العاشر بالجمع بين الوظيفتين بل لا يترك. المسألة السادسة لو رأت في الاول ونقت ثم رأت، فإما أن ترى الدم الثاني في بعض أيام العادة أولا، وعلى أي حال فإما أن يتجاوز الدم عن العشرة أو لا، فإن رأت في أيام العادة فلا إشكال في كون الحاشيتين نفاسا، والظاهر شمول أدلة القعود أيام العادة والاستظهار لها، كما أن

[ 318 ]

الظاهر أن الدمين نفاس مع الانقطاع على العشرة مطلقا للصدق العرفي وموضوعية النفساء قبل تجاوز دمها عن عشرة أيام للحكم. ومع التجاوز لا إشكال ظاهرا في ذات عادة عشرة أيام، وفي غير ذات العادة في كون الحاشيتين نفاسا. وأما ذات العادة إذا كانت عادتها أقل منها فإن قلنا بشمول أدلة الرجوع إلى العادة لها لاجل إمكان القعود في أيام عادتها في الجملة فلا يكون الدم الثاني نفاسا، وإن قلنا بعدم شمولها لها فلا يبعد الحكم بنفاسية الطرفين ولو قلنا بكون النقاء في البين في حكم النفاس. وما قيل من أن كون الدم الثاني نفاسا ممتنع لانه يلزم من وجوده عدمه، حيث إن نفاسيته سبب لاندراج المرأة في موضوع الاخبار الدالة على أنها لا تقعد أزيد من أيامها وأن ما تراه استحاضة مدفوع بأن الظاهر من الادلة كون الدم من أيام العادة مستمرا إلى ما بعد العشرة، وشمولها لما الحق به حكما محل إشكال بل منع. وكيف كان فيقع الكلام في أن الطهر المتخلل بين النفاس الواحد نفاس أو لا، الظاهر نفاسيته، لاطلاق صحيحة محمد بن مسلم " لا يكون القرء في أقل من عشرة أيام " وخروج الطهر بين النفاسين من مفادها بالتقريب المتقدم لا يلزم منه خروج الطهر بين النفاس الواحد، فإن القرء في النفاسين لا يكون للاختزان، بل جمع الدم إنما هو لاجل الولد بخلاف المقام. وبالجملة لا مانع من الاخذ بإطلاق الصحيحة. نعم يشكل التمسك بمرسلة يونس بما مر، والظاهر أن الحكم متسالم عليه بينهم. وأما الاستدلال على المطلوب بصدق النفساء على المرأة في أيام النقاء، إذ لا يعتبر في مثل هذا المشتق تلبس الذات بالمبدأ على الدوام، فيشمله حينئذ كل ما دل على أن النفساء تكف عن الصلوة أيام قرئها كما أفاد الشيخ الاعظم فغير تام، ضرورة أنه لو سلم الصدق في الفترات القليلة لم يسلم في مثل المفروض مما كان أيام النقاء ثمانية مثلا وأيام التلبس يوما أو يومين من الحاشيتين بعد فرض كون المبدأ هو الدم. نعم لو فرض أن المبدأ هو حال معنوي محفوظ أو استعداد لقذف الدم كان حاصلا والمشتق صادقا، لكنه ممنوع مخالف للادلة كما لا يخفى.

[ 319 ]

المسألة السابعة النفساء كالحائض في جميع الاحكام إلا ما استثني و تقدم بعضها، إجماعا كما عن الغنية وشرح المفاتيح، وهو قول الاصحاب كما عن المسالك والكفاية، لا نعرف فيه خلافا بين أهل العلم كما عن المعتبر والمنتهى والتذكرة وهو الحجة بعد ظهور التسالم بينهم. واما الاستدلال عليه بأن النفاس هو الحيض المحتبس فقد مر عدم الدليل عليه وبعد الاجماع على مشاركتهما في الحكم لا وقع لدعوى الاجماع على أنه حيض محتبس فإنه يرجع إلى مشاركتهما حكما، وهو عين الاجماع المتقدم. وأما وحدة الموضوع تكوينا فالاتكال على الاجماع لاثباتها مشكل. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا قد وقع الفراغ من هذه الوجيزة يوم السبت 22 من شهر ربيع الاول من سنة 1376 حاصلا والمشتق صادقا، لكنه ممنوع مخالف للادلة كما لا يخفى.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية