الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخمس - الشيخ مرتضى الحائري

الخمس

الشيخ مرتضى الحائري


[ 1 ]

كتاب الخمس للفقيه المحقق آية الله العظمى الحاج الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره) المتوفى سنة 1406 ه‍ - * * * - مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

كتاب الخمس تأليف: آية الله العظمى الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره) تحقيق: حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمد حسين أمر اللهي الموضوع: فقه عدد الصفحات: 972 طبع ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي المطبعة: الاولى المطبوع: 1000 نسخة التاريخ: 1418 ه‍ الثمن: 2000 تومان مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته وسيد رسله محمد صلى الله عليه وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وبعد، فغير خفي على ذوي البصيرة ما لعلم الفقه من المكانة السامية بين مختلف العلوم، لأن موضوعه بيان الأحكام والقوانين الألهية التي تربط العبد بربه عزوجل، ويولي اهتماما كبيرا بتنظيم شؤون الحياة الأنسانية بجميع أبعادها الاجتماعية المختلفة، فردية كانت أو جماعية. وقد سطعت في سماء هذا العلم أنجم عرفوا بالعلم والفضل والتحقيق مر العصور، فمن هذه الأنجم سماحة آية الله الشيخ مرتضى الحائري، الولد الأرشد لمؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المشرفة سماحة آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري قدس الله سرهما، والذي عرف بين أقرانه ومعاصريه بدقة البحث، وعمق النظر، والفضل الواسع، فكانت حصيلة نتاجه العلمي مجموعة من الأبحاث الفقهية القيمة، منها الكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ الكريم والذي سوف يتضح لك من خلال مطالعته متانة البحث وقوة الاستدلال. وقد وفق الله سبحانه وتعالى سماحة حجة الاسلام والمسلمين الحاج الشيخ

[ 4 ]

محمد حسين أمراللهي حفظه الله تعالى بتصحيح وتحقيق هذا الكتاب والأشراف على طبعه أداء لحق استاذه رضوان الله تعالى عليه بعد أن أذن له إذنا خاصا قبل وفاته بالأشراف على طبع سائر كتبه، وقد روعيت في طبع هذا السفر الجليل الدقة التامة في ضبط العبارات وإرجاع الأقوال الى قائليها بالقدر الممكن. وشعورا منا بالأهمية العلمية لهذا الكتاب، ووفاء للعهد الذي اتخذته هذه المؤسسة على عاتقها في إحياء علوم أهل البيت عليهم السلام تلقت مشروع طبعه ونشر بالقبول، سائلين المولى عز شأنه أن يتغمد المؤلف بالرحمة والرضوان، وأن يوفق العاملين على نشر وإحياء هذه العلوم لما فيه صلاح الدارين إنه ولي التوفيق. مؤسسة النشر الأسلامي التابعه لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إن من أجل النعم، وأوفر القسم، وأولى ما انفقت في تحصيله كنوز الأعمال، هو العلم بالأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية، فإنه المطلب الذي يظفر بالنجاح طالبه، والمغنم الذي يبشر بالأرباح كاسبه، والعلم الذي يعرج بحامله إلى الذروة العليا. بل ليس في العلوم بعد معرفة الله أشرف من علم الفقه، إذ به تعرف أوامر الله تعالى فتمتثل، ونواهيه فتجتنب، ولأن معلومه أعني أحكام الله تعالى أشرف المعلومات بعد ما ذكر، ومع ذلك فهو الناظم لامور المعاش، وبه يتم كمال نوع الأنسان. وغاية الفقه - كما قال في المدارك: - حفظ الشريعة وتصحيح الأعمال وإقامة الوظائف الشرعية، والأرشاد إلى المصالح الدينية والدنيوية، والارتقاء من حضيض الجهل وربقة التقليد، ومرجعها إلى تكميل القوى النفسانية، واستجلاب المراحم الربانية. فقد روى في الكافي عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن ابن علي الوشاء عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين) (1).


(1) الكافي: ج 1 ص 32 ح 3.

[ 6 ]

ومن ثم توجهت إليه همم فطاحل الأسلام ورجال الفضل والدين، ركبوا مطايا المشاق، وألقوا العزم قدامهم، وبذلوا ما كانت لهم من المساعي في تحقيق مباحثه جهدهم، وأكثروا في تنقيح مسائله كدهم، فكم فتحوا فيه مقفلا ببنان أفكارهم، وكم شرحوا منه مجملا ببيان آثارهم، وكم ألفوا وصنفوا فيه من كتاب يهدي في ظلم الجهالة إلى سنن الصواب، فمنهم من استقل، ومنهم من استكثر - فلله درهم وعليه تعالى أجرهم - لقد أجادوا في ما أفادوا وأتوا هنالك بما فوق ما كان يؤمل ويراد، فشكر الباري سبحانه تلك المجاهدات الشاقة منهم، وأنالهم الأجر شفعا ووترا، وأسال عليهم من رحمته، آمين. وممن فاز بالسبق الأعلى وسبق الأقران في التناول من هذا البحر العظيم، وجاء بعد الغوص فيه بالدرر واللالئ المكنونة التي فاتت من غيره ولم يظفروا به، هو المرحوم آية الله الحاج الشيخ مرتضى الحائري قدس سره وقد كان شديد الحب بل الشغف بالمباحث العلمية، والتحقيقات الاصولية والفقهية، مولعا بحل المسائل المشكلة بسرد الاحتمالات المتصورة فيها، وتبيين الغث عن السمين، والحق عن الباطل. وقد كان قدس سره يكرر أن مقصودنا، وما هو على عاتقنا أن نتقدم في المسائل الفقهية والاصولية إلى القدام، ولا نقنع بما أورثه السلف الصالح فحسب، ولذلك كان يصعب على غير واحد من شركاء بحثه الشاردين التلقي التام، والضبط الكامل، معتذرا بثقل البيان تارة وفقد النظم الصناعي اخرى، ولكن السر هو ما مر، وأما من جدواجتهد وتدبر ولم يأل جهدا في تلقي ماكان يمليه، فقد ارتقى مرتقى عاليا. ولا بأس بالأشارة إلى نبذة مختصرة من حياته قدس سره ملخصا مما ذكرناه في مقدمة رسالته الشريفة (صلاة الجمعة) المطبوعة في مؤسستنا عام 1409 ه‍. فإنه قدس سره الولد الأرشد لمشيد الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة المرحوم آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي. فتح هذا الفقيد السعيد عينه على الحياة في اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة الحرام عام ألف وثلاثمائة وأربع وثلاثين هجرية قمرية، في مدينة أراك،

[ 7 ]

في بيئة علمية فاضلة، وهكذا قرت عيون اسرة المرحوم الحائري بأول نجل وشبل. كان المرحوم الحائري الكبير قد ألقى رحل إقامته منذ عام 1332 هجرية قمرية بمدينة أراك لتأسيس الحوزة العلمية فيها، وفي أيام النوروز المصادف لشهر رجب من عام 1340 هجرية قمرية (1301 هجرية شمسية) تشرف بزيارة المرقد الطاهر للسيدة فاطمة المعصومة عليها السلام بمدينة قم المقدسة، وعلى أثر الطلب الأكيد من قبل علماء وجماهير المؤمنين من أهالي هذه المدينة، صمم على السكنى بها، وتأسيس الحوزة العلمية فيها. ولهذا دعا أهله للحوق به، وكذلك غادر أراك إلى قم طلابه وتلامذته. وبصحبة والده العظيم أقام الفقيد السعيد بمدينة قم المقدسة، وبدأ بدراسة العلوم العربية والاصول والفقه... حتى درس كتاب (فرائد الاصول) للشيخ الأعظم الأنصاري لدى آية الله السيد الگلپايگاني قدس سره وكتاب (المكاسب) لدى المرحوم آية الله السيد محمد تقي الخوانساري، وكتاب (كفاية الاصول) لدى المرحوم آية الله المحقق الداماد ثم حضر حوزة دروس (الخارج) الفقه والاصول لدى والده المعظم وأفاد من بيدر علوم ذلك الرجل الألهي الذي تأسست هذه الحوزة المباركة على يديه الكريمتين. وبعد ارتحال آية الله المؤسس في سنة 1355 هجرية قمرية حضر دروس الفقيه الكبير المرحوم آية الله السيد محمد الحجة الكوهكمري - والذي كان قد حظى بفخر مصاهرته من قبل - وأفاد من دروسه في الفقه والاصول (الخارج) كثيرا. وفي عام 1364 هجرية قمرية - وبناء على طلب أفاضل الحوزة العلمية بقم المقدسة - ألقى رحل الأقامة فيها المرحوم آية الله البروجردي قدس سره فأوجد بها تموجا جديدا في العلوم الأسلامية لا سيما الفقه والرجال. فحضر لديه المرحوم آية الله الحائري في دروس الفقه والاصول وأفاد من ذلك الفقيه العظيم. تدريساته: كان المرحوم آية الله الحاج الشيخ مرتضى الحائري أحد الأساتذة البارزين

[ 8 ]

في الحوزة، من الذين لمع اسمهم في تدريس (السطوح) العالية في الفقه والاصول، وفي حوالي سن الثلاثين بدأ بتدريس (الخارج) وأفاد من بيدر علمه جماعة من الأفاضل الذين هم اليوم من علماء الحوزة أو من المسؤولين في الجمهورية الأسلامية. وكان معروفا بين ذوي المقامات العالية من أساتذة الحوزة بالدقة وعمق النظر. استمر أكثر من ثلاثين عاما مستندا مسند تدريس (الخارج) وأفاض من علومه على تلامذته، ولم تنقطع أواصر علاقاته الدراسية بتلامذته حتى اشتد عليه مرضه. وإلى جانب التزاماته بالتدريس والتأليف، وإرشاد الناس وهدايتهم، لم يكن ليغفل عن تفقد الأيتام والفقراء. وكان في الزهد وقلة الرغبة في ما ينال من المال، وفي الوقار والتواضع، والتنزه عن الهوى صورة ذات شعاع عن حياة المرسلين والأولياء المقربين. وكان يلمس هذه الحقيقة من كان يأنس بقربه بصورة بينة محسوسة. وفاته: وأخيرا... وبعد عمر كثير الثمار والبركات لبى داعي الحق بعد داء ممتد نسبيا، ليلة الخميس الرابع والعشرين من شهر جمادى الثانية من سنة 1406 هجرية قمرية المصادف للخامس عشر من شهر اسفند من سنة 1364 هجرية شمسية. تأليفاته: أثمرت أبحاثه وتدريساته سلسلة من آثار ثمينة طبع بعضها، وبقي أكثرها مخطوطا، ولتسجيل التاريخ نأتي نحن هنا بأسماء العمدة منها: 1 - ابتغاء الفضيلة: دورة فقهية استدلالية حول المكاسب المحرمة والبيع والخيارات، قد طبع مجلد واحد منها ونشر. 2 - رسالة في الطهارة. 3 - رسالة في صلاة المسافر.

[ 9 ]

4 - رسالة في صلاة الجمعة. 5 - رسالة الخلل الواقع في الصلاة. 6 - رسالة في الخمس. 7 - دورة في اصول الفقه. هذا الكتاب: ومما أفاده وألقاه في مجالس درسه على طلاب العلم، ورواد الفضيلة، هو مباحث الخمس والأنفال، وقد ابتدأ في إلقائه يوم السبت تاسع جمادى الاولى عام 1394 وفرغ منه يوم الأربعاء ثالث عشر من صفر عام 1400 أوان نجاح الثورة الأسلامية على ما ضبطه بعض تلامذته، ويساعده ما أرخه قدس سره في بعض مواضع الكتاب كما ذكر في ص 550 أنه كان ذلك في 18 ج 2 من سنة 1396 وفي ص 822 أنه في أواخر ذي الحجة 1397. وقد كانت الشهور والأيام مقارنة لالتهاب لهيب الثورة الأسلامية، والضيق والحرج الشديد من جانب الحكومة الطاغوتية على العلماء والمراجع والطلاب والحوزات العلمية، بل وعموم المؤمنين، وهو قدس سره كان ملجأ بين الناس، ويراع إليه في ما يرد عليهم من المصائب والمشكلات، وقد كان قدس سره شديد التأثر من ذلك، ولأجله طالت سنوات البحث، حيث تخللتها فترات طويلة عطل فيها البحث والتدريس، وذلك للاعتصابات والتظاهرات إضافة إلى تعطيلات الحوزة السنوية. ومع ذلك كله لا يفوته استمرار البحث والتدريس والكتابة، وكان يكتب ما ألقاه بعد البحث والمذاكرة حتى حصل منه هذا السفر القيم الذي بين يديك، وهو مركب من متن وشرح، كلاهما بقلمه الشريف، والمتن مؤلف مما في العروة والوسيلة وما في القواعد والشرائع واللمعة وغيرها، بل ضم ما تعرض له صاحب الجواهر قدس سره أثناء كلامه وما كان يخطر بباله من الفروع، لكي يصير المجموع كتابا وافيا بحل الفروع التي يكثر فيها الابتلاء. وبعد بيان ذلك تعرض لشرحه وتوضيح مستنده فقهيا على نحو الاختصار، خاليا عن الأيجاز والأطناب.

[ 11 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الخمس وهو من الفرائض وقد جعلها الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وذريته وآله إذا كانوا منسوبين إلى هاشم من طرف الاباء. ومن كان مستحلا لأصل الخمس كان من الكافرين. وأما إنكار الخمس في غير غنائم الحرب فلا يكون كفرا بل إنكار لما هو الضروري من المذهب. وأما الاستحلال في زمن الغيبة لأجل أخبار التحليل فلا يكون خلاف الضروري من المذهب أيضا. ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين - خلفاء الله تعالى في أرضه وحججه على بريته - لا سيما سيدنا ومولانا صاحب هذا العصر، ورحمته وبركاته [ عليهم ] دائما سرمدا. * وجوب الخمس في الجملة من الضروريات المتسالم عليه عند الفريقين،

[ 12 ]

[... ] والاختلاف بين أصحابنا الأمامية رضوان الله تعالى عليهم والعامة في موضعين: أحدهما: في المتعلق، فإنهم قصروا متعلقه بغنائم الحرب (1) والركاز (2) والمعادن (3) على اختلاف فيها عندهم، وهذا بخلاف الأصحاب كما يأتي إن شاء الله تعالى. ثانيهما: في المصرف، فإن المصرف عند الخاصة: الأمام عليه السلام والمنسوبون إلى هاشم، وأما العامة فالمنقول عنهم أقوال أربعة (4): الأول: تقسيمه إلى ستة أقسام على طبق الاية الشريفة (5)، ويعطى سهم رسول الله صلى الله عليه وآله للأمام. الثاني: تقسيمه إلى خمسة أقسام، نقله في التذكرة عن الشافعي. الثالث: تقسيمه إلى ثلاثة أقسام أي يعطى للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، معللا بأن سهم النبي وذي القربى سقطا بموت النبي صلى الله عليه وآله. الرابع: أنه بمنزلة الفئ يعطى منه الغني والفقير، نقله في بداية المجتهد عن المالك وعامة الفقهاء. * * * ثم إنه يمكن أن تنقدح في بعض النفوس بملاحظة فتاوى الأصحاب رضوان الله عليهم في الخمس (من حيث سعة المتعلق وكيفية التقسيم) شبهات غير مربوطة بالفقه - من جهة تمامية المدارك الفقهية الواصلة إلينا من أئمة الهدى - لكن لابد من


(1) الخلاف: ج 4 ص 181 كتاب الفئ وقسمة الغنائم، المسألة 1. (2) الخلاف: ج 2 ص 121 كتاب الزكاة، المسألة 146. (3) المصدر: ص 116 المسألة 138. (4) منقول عن التذكرة: ج 5 ص 431 وبداية المجتهد: ج 1 ص 390. (5) سورة الانفال: 41.

[ 13 ]

[... ] إيرادها وتوضيح دفعها، فإن ذلك ربما كان أولى وألزم، لاسيما في العصر الحاضر، فإنه ربما يسمع ذلك حتى من المنخرطين في سلك العلماء والمحصلين، وربما تسري الشبهات المشار إليها إلى الفقه أيضا. فنقول ومنه التوفيق والهداية: منها: أنه يمكن أن يقال: إن خمس أرباح المكاسب الذي أفتى به الأصحاب لو كان من الأحكام الأسلامية لكان لذلك أثر في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وعصر الخلفاء الأربعة، مع أنه ليس في التاريخ والأخبار عين ولا أثر بالنسبة إلى ذلك وما كان المعمول في عصر الرسول صلى الله عليه وآله هو إعطاء خمس غنائم الحرب. وهذا إشكال يتوجه إما ممن لا يرى حجية أقوال الأئمة من أهل البيت، فيجعل ذلك دليلا - والعياذ بالله تعالى - على عدم حجية أقوالهم، وإما من الشيعة الأمامية، فيجعل ذلك دليلا على عدم صدور الأخبار التي يستفاد منها وجوب الخمس في مطلق الفوائد، أو على كون المقصود بها الاستحباب كما ثبت بالنسبة إلى بعض موارد الزكاة. وتوضيح دفع ذلك يحصل بالتوجه إلى امور: الأول: أن آية الخمس إنما نزلت في وقعة بدر، في رمضان السنة الثانية من الهجرة - على ما هو مسطور في الكتب - وقد أجاب صلى الله عليه وآله دعوة ربه فشهر صفر من السنة الحادية عشر. وهذا بخلاف مثل الصلاة. الثاني: عدم وجود ما يفضل عن المؤونة مع فقر المهاجرين وإيثار الأنصار في تلك السنين، وعدم وجود مغنم يعتد به إلا ما كان يؤخذ من أيدي الخصماء. الثالث: المستفاد من أخبار الخمس أنه موكول إلى ما يراه الأمام عليه السلام

[ 14 ]

[... ] مصلحة، ولذا نقل عن الصادق عليه السلام أنه قال: (ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم) (1). وقال عليه السلام: (ان أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل) (2). فمن الممكن أنه لم يكن الرسول صلى الله عليه وآله يرى المصلحة في ذلك، خصوصا مع علمه برجوع الأمر بعده إلى غير المستحق. الرابع: قد ورد في كتاب البخاري عن ابن عباس أنه: قدم وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله إنا هذا الحي من ربيعة، بيننا وبينك كفار مضر، فلسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فمرنا بأمر نأخذ منه وندعو إليه من ورائنا. قال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الأيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله) وعقد بيده (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم...) (3). فإن عدم الأمر بالجهاد - ولو من جهة أنه موكول إلى الأمام أو نائبه - مع كون الغنائم الحربية تحت يد ولي الحرب المنصوب من قبله، إن لم يكن موجبا لانصراف (ما غنمتم) إلى غير الغنائم الحربية فلا ريب في كونه قرينة على العموم.


(1) الوسائل: ج 6 ص 380 ح 6 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ح 8. (3) صحيح البخاري: ج 13 ص 81 وج 7 ص 150 وج 16 ص 189.

[ 15 ]

[ ولا يخفى أن الأموال - من الأراضي وغيرها - كلها للأمام عليه السلام * إلا أنه ليس بنحو يوجب سلب مالكية من بيده المال. وكيف كان، ففي الخمس فصلان: ] هذا، مضافا إلى عموم لفظ (ما غنمتم)، والانصراف في الغنيمة لا يلازم انصراف (ما غنمتم). الخامس: ما ورد في سورة الحشر من أن: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى (1). والظاهر أنه من الخمس، لقوله تعالى: وءات ذا القربى حقه (2)، ولا حق لذوي القربى غير الخمس على الظاهر ومورد الاية الشريفة ليس من الغنائم بل هو من الفئ، فيثبت الخمس في غير الغنائم الحربية. وربما يؤيد ذلك بما رواه العامة والخاصة من ثبوت الخمس في الركاز، ففي البخاري في حديث أنه: قد قال النبي صلى الله عليه وآله: (وفي الركاز الخمس) (3). والمقصود من التطويل رفع شبهة ربما تقع في الأذهان، والله الهادي. * كما يدل على ذلك قوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (4). وخطبة الغدير صريحة في إعطاء ذلك إلى الوصي من بعده. وليس مقتضى كونه للأمام سلب مالكية الغير كما أن الله تعالى مالك وليس مقتضى ذلك سلب مالكية الغير. ولازم ذلك: جواز التصرف لولي المسلمين المصون عن العصيان والخطأ في أموال المسلمين إذا رأى المصلحة في ذلك


(1) سورة الحشر: 7. (2) سورة الأسراء: 26. (3) صحيح البخاري: ج 8 ص 43 (كتاب الزكاة). (4) سورة الأحزاب: 6.

[ 16 ]

[ الفصل الأول في ما يجب فيه الخمس، وهو سبعة الأول: غنائم دار الحرب *. ] كتوسيع الشوارع، أو الصرف في المصالح العامة للمسلمين كما في الحكومات العرفية، بل هو مقتضى حق الحكومة. ومن هنا ينقدح احتمال أن يكون ذلك الحق للفقيه أيضا إما بناء على وجود الدليل على عموم النيابة، وهو مشكل - كما تكلمنا على ذلك في رسالة صلاة الجمعة - أو بناء على كون ذلك من شؤون الحكومة الشرعية، وهي ثابتة - كما يدل عليه معتبر عمر بن حنظلة (1) - لكنه لا يخلو عن تأمل أيضا. وكيف ما كان، فبما ذكرناه في ملكية الأمام عليه السلام يرتفع النزاع الواقع بين ابن أبي عمير وأبي مالك الحضرمي - المنجر إلى حكمية هشام بن الحكم وانقطاع ابن أبي عمير عن الهشام لذلك (2) - فإن الأخبار الكثيرة الدالة على أن الدنيا وما عليها للأمام أو أن الأرض كلها له - كما اشير إليها في الجواهر (3) - لا تكون أقوى دلالة من الاية الشريفة (4)، وليس مفاد ذلك سلب مالكية من انتقل إليه المال بسبب شرعي، والتضاد في الملكية إنما هو إذا كانتا في رتبة واحدة كما هو واضح، فإن الله تعالى مالك لجميع الموجودات من دون سلب المالكية الاعتبارية عن غيره. * والخمس ثابت فيها باتفاق المسلمين كما في بداية المجتهد (5)، كما أن


(1) الوسائل: ج 18 ص 98 ح 1 من ب 11 من أبواب صفات القاضي. (2) الكافي: ج 1 ص 409 ح 8 من باب أن الأرض كلها للأمام. (3) ج 16 ص 3 و 4. (4) سورة الأحزاب: 6. (5) ج 1 ص 390.

[ 17 ]

[... ] الظاهر منها هو الاتفاق على أن المراد من ذي القربى في آية الخمس هو قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله. والأصل في ذلك قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير) (1). والظاهر أن (يوم) متعلق ب‍ (ما أنزلنا) - أي ما أنزلناه على عبدنا في ذلك اليوم من الايات الباهرة: من نزول الملائكة، ورمي التراب بيد رسول الله صلى الله عليه وآله ووصوله إلى أعين المشركين كما ورد، والنصر الواضح، وهزيمة جمع كثير بيد عدة قليلة من المسلمين - وذلك لكونه أقرب من غيره من الجمل، لا أن يكون متعلقا بقوله تعالى غنمتم من شئ ولا بقوله لله خمسه (أي ثابت لله خمسه يوم الفرقان) لأنه خلاف الظاهر قطعا. مع أن قوله تعالى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان لا يناسب لأن يكون متعلقا ب‍ ما غنمتم أو بالمقدر في لله خمسه لأن المناسب له حينئذ أن يقال: يوم الحرب أو يوم بدر، وأما الوصفان المذكوران - (الفرقان) و (التقى الجمعان) - فيناسبان نزول الايات التي بها يفرق بين الحق والباطل عند التقاء الجمعين. فافهم وتأمل. والظاهر بعد أن يكون المقصود من ما أنزل الله على عبده يوم الفرقان هو خصوص يسئلونك عن الاءنفال قل الاءنفال لله والرسول (2)، فيكون المعنى:


(1) سورة الأنفال: 41. (2) سورة الانفال: 1.

[ 18 ]

[... ] أنكم إن كنتم آمنتم بأن الغنائم كلها للرسول لأنه من الأنفال فكونوا راضين بإعطاء الخمس وقد وضع عنكم إعطاء جميعه، كما هو المستفاد من كتاب بعض المفسرين من أهل العصر (1) - كان الله تعالى له - لأن الأنفال في غير واحد من الروايات (2) وعبارات علمائنا الأبرار غير الغنائم والأراضي المفتوحة عنوة، مع أن المناسب له حينئذ أن يقال: (إن كنتم آمنتم بأن المال كله للرسول صلى الله عليه وآله فأعطوا خمسه إليه) لا (أن الخمس ثابت في المال) المشعر بعدم مالكيته صلى الله عليه وآله للباقي، مع أنه ليس الخمس له بل له وللمصارف الاخر المذكورة في الاية الشريفة. كما يحتمل بعيدا أن يكون المقصود نفس تلك الاية الشريفة. والأقرب ما ذكرناه، وهو العالم. ويدل على ذلك أيضا عدة من الأخبار: كخبر المقنع، ففي الوسائل عنه، قال: روى محمد بن أبي عمير أن: (الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة) ونسي ابن أبي عمير الخامسة (3). وما في مرسل حماد عن العبد الصالح: (الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم) الحديث (4). وخبر أبي بصير: (كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فإن لنا خمسه ولا يحل


(1) الميزان: ج 9 ص 90. (2) الوسائل: ج 6 ص 364 الباب 1 من أبواب الأنفال. (3) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 2 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) المصدر: ح 4.

[ 19 ]

[... ] لأحد أن يشتري من الخمس شئ...) (1). وخبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في الغنيمة، قال: (يخرج منه الخمس ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولي ذلك) (2). وفي مرسل أحمد بن محمد: (الخمس من خمسة أشياء) إلى أن قال: (والمغنم الذي يقاتل عليه) (3). وفي المنقول عن تفسير النعماني: (والخمس يخرح من أربعة وجوه: من الغنائم التي يصيبها المسلمون...) (4). ويدل على المقصود أيضا معتبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: (ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة) (5). وقريب منه مرسل سماعة (6). لكن ظاهرهما يخالف أكثر الروايات بل لعل الضرورة من مذهب الشيعة من ثبوت الخمس في غير الغنائم، بل هو مخالف لما تقدم (7) من البخاري أيضا من رواية ثبوت الخمس في الركاز أيضا، فلابد أن يكون المقصود من الغنائم مطلق الفوائد، فيمكن أن يكون في مقام أن ثبوت الخمس في جميع الموارد من باب أنه


(1) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 5 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 341 ح 10 من ب 2 من أبواب ما يحب فيه الخمس. (3 و 4) الوسائل: ج 6 ص 341 ح 11 و 12 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) المصدر: ص 338 ح 1. (6) المصدر: ص 342 ح 15. (7): في ص 15.

[ 20 ]

[ ولا فرق بين ما حواه العسكر وغيره *. ] من الغنائم، فالموضوع للخمس أمر واحد يختلف مصداقه، أو يكون في مقام بيان أنه ليس الخمس مثل الزكاة بأن يكون في مال خاص ولو لم يصدق عليه الغنيمة، لأن صدق الغنيمة على ما لابد للأنسان من المصارف مشكل ولعله كالعدم في نظر العرف، إذ لا فرق بحسب النتيجة بين عدم الفائدة أو وجودها ولزوم الصرف. والله أعلم. ومنه يعلم أنه يمكن أن لا يكون استثناء المؤونة استثناء حقيقة، بل من باب عدم صدق الغنيمة. ويدل عليه أيضا ما يدل على أن الخمس في جميع الفوائد: كمصحح علي بن مهزيار، ففيه: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول... (1). فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء...) (2). إلى غير ذلك مما يأتي بعضه (3) إن شاء الله تعالى. فلا إشكال في ثبوت الخمس في ذلك نصا وفتوى. * في الجواهر: لا أعرف فيه خلافا، بل هو من معقد إجماع المدارك (4).


(1) سورة الأنفال: 41. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) في ص 144 وما بعدها. (4) الجواهر: ج 16 ص 6.

[ 21 ]

أقول: لا إشكال في إطلاق ما دل - من الاية والروايات - على ثبوت الخمس في الغنيمة بالنسبة إلى كل ما يتملكه ويغنمه العسكر لصدق الغنيمة عليه حينئذ، ومورد الأشكال إنما هو جواز اغتنام غير ما حواه العسكر. ويدل على الجواز الأطلاق المذكور، لكونه منزلا على ما هو المتعارف من اغتنام الغنائم في الحروب، فتكون الاية ظاهرة في جواز الاغتنام، وليس معناها أن في الغنائم خمسا على تقدير جوازه أو بالنسبة إلى ما جاز. ورواية أبي بصير المتقدمة (1) أظهر من الباقي من جهة اشتمالها على أداة العموم ومن جهة عدم تضمنها للفظ (الغنيمة) بل عنوانها ما قوتل على الشهادتين. نعم، ربما يمكن أن يتوهم أن ذلك مخالف لمعتبر حماد وفيه: (وليس لمن قاتل شئ من الأرضين ولا ما غلبوا عليه إلا ما احتوى عليه العسكر) (2). ولكن الأنصاف أنه ليس ظاهرا في عدم استحقاق العسكر للغنائم إلا ما احتوى عليه، لاحتمال أن يكون المقصود أنه ليس لهم شئ من الأرضين التي تحصل بيد الأمام ولو بعد الحرب صلحا - ولو كان للحرب دخل في ذلك ولو بواسطة إلقاء الرعب في قلوبهم - ولا ما غلبوا عليه أي من الأرضين إلا ما احتوى عليه العسكر، فإن السكونة فيها حق لهم ولو من باب كون ذلك من مصالح المسلمين، ففي خبر عبد الله بن سليمان: (إن دار الشرك يحل ما فيها، وإن دار الأسلام لا يحل ما فيها) (3). والقدر المتيقن حلية ما فيها للمجاهدين. فافهم وتأمل.


(1) في ص 18. (2) الوسائل: ج 11 ص 84 ح 2 من ب 41 من أبواب جهاد العدو. (3) الوسائل: ج 11 ص 58 ح 6 من ب 25 من أبواب جهاد العدو.

[ 22 ]

[ ولا بين المنقول وغيره *. ] * وهو المطابق لأطلاق فتوى الأصحاب كما يظهر من الجواهر (2)، لكن في الحدائق ما ملخصه: ولا أعرف دليلا على التعميم سوى ظاهر الاية، والظاهر من الروايات اختصاصه بالمنقول، من حيث إن مفاده أخذ صفو المال وأخذ الخمس منه ثم إعطاء ما بقي للناس، ومن المعلوم أن ذلك بالنسبة إلى المنقول، فإن غير المنقول لا يقسم بين المقاتلين بالضرورة. قال قدس سره: وقد تتبعت ما حضرني من كتب الأخبار كالوافي و الوسائل... فلم أقف على ما يدل على دخول الأرض ونحوها من ما قدمناه في الغنيمة التي يتعلق بها الخمس... حتى الأخبار الواردة في تفسير الاية المشار إليها...، فيمكن تخصيص الاية بما دلت عليه هذه الأخبار، مع أن الأخبار الواردة في الأراضي ونحوها بالنسبة إلى المفتوح عنوة إنما دلت على أنها فئ للمسلمين... وأن أمرها إلى الأمام يقبلها أو يعمرها ويصرف حاصلها في مصالح المسلمين (2). أقول: وهنا وجوه اخر: منها: ما في الجواهر من السيرة القطعية على عدم إخراج الخمس من هذه


(1) الجواهر: ج 16 ص 6. (2) الحدائق: ج 12 ص 324 - 325.

[ 23 ]

[... ] الأراضي، لكن ادعى أن فيها الخمس إلا أنه مما ورد فيه التحليل (1). ومنها: أنها بحكم الوقف، فكما أنه لا خمس في الموقوفات العامة كذلك في الأراضي التي هي ملك للمسلمين، فلابد أن تصرف في مصالحهم. ومنها: ما في خبر حماد المتقدم بعض جملاته (2)، ففيه: (وليس لمن قاتل شئ من الأرضين). إلى أن قال: (والأرضون التي اخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها). إلى أن قال بعد الحكم بإخراج الزكاة: (ويؤخذ بعد ما بقي من العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض). إلى أن قال: (فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الأسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير، وله بعد الخمس الأنفال) (3). فالوجوه حينئذ خمسة، والكل مدفوع:


(1) الجواهر: ج 16 ص 7. (2) في ص 21. (3) الوسائل: ج 11 ص 84 ح 2 من ب 41 من أبواب جهاد العدو وج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 24 ]

[... ] أما الأول فلأن أخبار القسمة راجعة إلى المنقول، والحكم بالخمس فيه لا يدل على عدم الخمس في غيره، والسكوت عنه لعله من باب أن متولي الخمس والمكلف بإعطائه إلى غيره من سائر مستحقيه هو الأمام، فخمس الأراضي غير مربوط بالمقاتلين حتى يبين لهم، فإنهم لا يملكون إلا المنقول. وأما الثاني فهو الذي أشكل الأمر على صاحب المستمسك قدس سره وشارح المختصر النافع دام ظله، فجعل الأول دليل الأراضي مخصصا لدليل الخمس (1)، والثاني أوقع بين الدليلين التعارض بنحو العموم من وجه وقال: إن مقتضى القاعدة هو الرجوع إلى البراءة (2). لكن الظاهر أن دليل الخمس حاكم على دليل تملك الغنيمة والفائدة، فإن المفروض في دليل الخمس هو حصول الملك لهم وإلا لم يكن غنيمة لهم، وكما أن مقتضى دليل تملك المنافع أو المعادن لا ينافي لزوم الخمس كذلك ما دل على كون الأراضي ملكا للمسلمين لا ينافي ثبوت الخمس عليهم، كما أن الأمر بالنسبة إلى الزكاة كذلك على ما صرح في خبر حماد المتقدم بعضه. ثم إنه على تقدير عدم الحكومة فلا وجه لملاحظة العموم المطلق كما يظهر من المستمسك (3)، فإن الأرض المفتوحة عنوة لا تنافي دليل الخمس في غير خمسها فكيف تكون المعارضة بالعموم المطلق! وأما الثالث فحيث إن إعطاء ملك الخمس مربوط بالأمام فلا حجية في سيرة خلفاء الجور. وأما النبي صلى الله عليه وآله وخليفته أمير المؤمنين فلعلهما كانا يؤديان الخمس من


(1) المستمسك: ج 9 ص 444. (2) جامع المدارك: ج 2 ص 103. (3) ج 9 ص 444.

[ 25 ]

[... ] ارتفاع الأرض أو من الوجوه الاخر أو كانت الوجوه الاخر كافية في سد حوائج غيرهم من فقراء بني هاشم مع قلة عددهم والباقي كان للأمام. مع أن في النص والاجتهاد عن البخاري وكتاب مسلم: أن فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر (1). وهو دليل على أنه صلى الله عليه وآله كان يعطي خمس الأرض المفتوحة عنوة. مع أنه لو فرض عدم أخذ الخمس فلا يدل على عدم ثبوته، بل يمكن أن يكون من باب التحليل كما اختاره في الجواهر (2). وأما الرابع فإن كان من جهة عدم صدق الغنيمة فالأمر كما ذكر، وأما إن كان من جهة قيام السيرة القطعية على عدم إخراج الخمس في الأوقاف العامة فالفارق ما ذكر. وأما الخامس فحيث إن صدر الخبر الطويل المتقدم (3) صرح بإخراج الخمس من الغنائم الشامل للأرضين وحكم بتقسيم أربعة أخماس بين من قاتل عليه فيمكن أن يكون قوله (وأما الأرضون) بمنزلة الاستثناء عن الحكم بتقسيم أربعة أخماس، لا بمنزلة الاستثناء عن أصل تعلق الخمس بالغنائم، ويكون قوله في الذيل: (ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير) بمعنى أنه ليس من ذلك الخراج الذي يكون لأربعة أخماس الباقي للأمام شئ. ويؤيد ذلك أن قوله عليه السلام بعد ذلك: (وله


(1) النص والاجتهاد ص 51 عن صحيح البخاري ج 16 ص 111 أواخر باب غزوة خيبر، وعن صحيح مسلم ج 3 ص 1380 باب (لا نورث، ما تركناه فهو صدقة). (2) ج 16 ص 7. (3) في ص 23.

[ 26 ]

[ ويستثنى من ذلك صفايا الأمام من فرس وجارية، بل وقطائع ] بعد الخمس الأنفال) يبعد أن يكون المقصود منه خمس غير الأراضي، فإن قبل ذلك مربوط بالأراضي وبعده أيضا مربوط بالأراضي في أكثر مصاديقه فيبعد أن يكون المقصود من الخمس: خمس غير الأراضي. فالظاهر صحة ما عليه المشهور من ثبوت الخمس في الأراضي المفتوحة عنوة. والله العالم. * أي من تعلق الخمس بعنوان الغنيمة. أما وجوب الخمس على الأمام عليه السلام بالنسبة إلى باقي السهام فهو أمر لا جدوى للبحث عنه، والمقصود تعلقه به من جهة مطلق الفائدة الملحوظ فيه خروج مؤونة السنة. * * كما في صحيح ربعي عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس). إلى أن قال: (وكذلك الأمام أخذ كما أخذ الرسول صلى الله عليه وآله) (1). وفي خبر حماد الطويل: (وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأن الغصب كله مردود) (2). وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) الوسائل: ج 6 ص 356 ح 3 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 27 ]

[... ] سألته عن صفو المال، قال: (الأمام يأخذ الجارية الروقة والمركب الفاره والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال) (1). وفي مضمر سماعة: (كل أرض خربة أو شئ يكون للملوك فهو خالص للأمام وليس للناس فيها سهم) (2). وفي خبر داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام: (قطائع الملوك كلها للأمام) (3). وفي موثق إسحاق عنه عليه السلام: (وما كان للملوك فهو للأمام) (4). وفي المنقول عن المقنعة عنه عليه السلام: (ولنا صفو المال) يعنى يصفوها ما أحب الأمام من الغنائم واصطفاه لنفسه قبل القسمة (5). قوله (يعني) من كلام المفيد، كما يظهر من ذيل الخبر: (على ما جاء به الأثر عن السادة عليهم السلام) (6). وخبر الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام: (ما كان للملوك فهو للأمام) (7).


(1) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 15 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 367 ح 8. (3) المصدر: ص 366 ح 6. (4) المصدر: ص 371 ح 20. (5 و 6) الوسائل: ج 6 ص 371 ح 21 من ب 1 من أبواب الأنفال. (7) الوسائل: ج 6 ص 372 ح 31 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 28 ]

[... ] إذا عرفت ذلك فمقتضاه امور: الأول: أن متعلق حق الأمام صفو المال ولو لم يكن للملوك، وأموال الملوك غير المغصوبة وإن لم تكن صفوا - من غير فرق في الثاني بين المنقول وغير المنقول - بل القطائع وهي غير المنقول من أمواله، كما في مجمع البحرين. وما تقدم (1) في خبر حماد من التقييد بالصوافي فلعله مبني على الغالب أو أنه مملوك من حيث إنه من الصوافي، فلا يستلزم صرف الأمام نظره عن أموال الملوك أن يصرف أيضا عن صوافي أمواله. الثاني: أن المقصود من الصفو - كما هو الظاهر من كلمة (صفو المال) وهو المستشعر من الأمثلة الواردة في خبر أبي بصير المتقدم (2) - هو ما يصدق عليه الصفو في نفسه، لا مطلق ما يصطفيه الأمام وليس بصفو عرفا، فما تقدم (3) في خبر المقنعة عن المفيد لا يخلو عن التسامح، وكذا ما نقلناه في المتن الذي هو عبارة الجواهر (4). الثالث: أن مقتضى صريح صحيح ربعي (5) استثناء صفو المال عن تعلق القسمة به وعن تعلق الخمس من حيث الغنيمة، وهو الظاهر من غيره من حيث إن ما للأمام هو الخمس وأموال الملوك، فليس ما يؤخذ من أموال الملوك هو الخمس، كما هو واضح. الرابع: قد عرفت أن (القطائع) هي الأملاك الخالصة للملوك. وأما (الجارية الروقة) فهي الحسان، تطلق على المذكر والمؤنث والجمع


(1) في ص 26. (2) في ص 27. (3) في ص 27. (4) الجواهر: ج 16 ص 9. (5) المتقدم في ص 26.

[ 29 ]

[ الملوك، بل ما كان للملوك من الأموال *. ويستثنى من ذلك المؤونة التي انفقت على الغنيمة بعد تحصيلها - بحفظ وحمل ورعي - ونحوها قبله * *. ] والمفرد. وأما (المركب الفاره) فهو النشيط من ذلك. وأما (الدرع) فالمقصود منه ما كان صفوا من المال لا مطلق الدرع. والأطلاق في خبر أبي بصير (1) غير منعقد أصلا بقرينة كونه واردا في تفسير الصفو من المال، فإطلاق بعض عبائر الأصحاب بالنسبة إلى الدرع ممنوع. * أما القطائع فق دصرح به في الجواهر (2). ويستدل عليه بخبر داود بن فرقد المتقدم (3). وأما مطلق أموال الملوك الوارد في موثق إسحاق بن عمار (4) فلم أقف على ذكره في كلمات الأصحاب وإن كان هو مقتضى المرسل (5). * * كما في الجواهر، ونقل عن جهاد الشرائع واللمعة والروضة، قال: وهو الأقوى في النظر (6). وعمدة ما يدل على ذلك أمران: أحدهما: ما دل على أن الخمس بعد المؤونة كصحيح البزنطي، قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: الخمس اخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب: " بعد المؤونة " (7)


(1) المتقدم في ص 27. (2) الجواهر: ج 16 ص 9. (3) في ص 27. (4) المتقدم في ص 27. (5) المتقدم في ص 27. (6) الجواهر: ج 16 ص 9. (7) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 30 ]

[... ] وما رواه إبراهيم: إن في توقيعات الرضا عليه السلام إليه: أن (الخمس بعد المؤونة) (1). وفي الوسائل عن الفقيه: وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يأخذ منه هؤلاء زكاة ماله أو خمس غنيمته أو خمس ما يخرج له من المعادن أيحسب ذلك له في زكاته وخمسه؟ فقال: (نعم) (2). وخبر الأشعري، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: (الخمس بعد المؤونة) (3). وإن كان يمكن المناقشة في الأول بأن مورد السؤال هو البزنطي نفسه، ولعله كان معلوما أنه ليس عليه خمس الغنائم. وفي الثاني بعدم وضوح السند. وفي الثالث بعدم دلالته على المطلوب، بل لعل مفاده احتساب ما يأخذ


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 2 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 3 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 1 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 31 ]

[ وكذا ما يجعله الأمام على فعل مصلحة من مصالح المسلمين *. وكذا ما يعطي كذلك كما في إعطاء المؤلفة قلوبهم * *، بل لا يبعد ] الجائر بعنوان الخمس والزكاة خمسا وزكاة حقيقة، امتنانا على العباد كما في إمضاء تصرفاتهم في الخراج في الجملة على ما هو المعروف عندهم. وفي الرابع بعدم وضوح السند أيضا للأرسال (1). لكن لا يبعد انجبار الدال منها بعمل الأصحاب رضوان الله عليهم. ثانيهما: معتبر حماد، وفيه: (وله أن يسد بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك مما ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شئ أخرج الخمس منه) (2). ولا يخفى أن الأمر الأول أظهر في المؤونة التى تصرف في تحصيل الغنيمة، بل صدق الغنيمة مشكوك بما عرض في قبالها المؤونة، والأمر الثاني أظهر بالنسبة إلى ما بعد تحصيل الغنيمة وإن كان يشمل الأمر الأول أيضا من حيث إن الأمام إذا تحمل بعض المؤونة قرضا فالأخذ منها لأداء قرضه مما يصدق عليه أن سد لما ينوبه، فالظاهر وفاء الدليل بإخراج المؤونة سواء كان صرفها قبل حصول الغنيمة أو بعده. وهو العالم. * كما في الجواهر عن جهاد الشرائع والروضة. قال: وهو قوي أيضا (3). انتهى. ويدل عليه معتبر حماد المتقدم آنفا. * * كما في المعتبر المتقدم المنقول عن حماد، فالتقييد بالجعل لفعل مصلحة


(1) وهو غير معلوم لان المستفاد منه رؤية كتابه الشريف (منه قدس سره). (2) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) الجواهر: ج 16 ص 10.

[ 32 ]

[ عدم وجوبه على المجعول له من باب الغنيمة *، وإن تعلق به من حيث الاكتساب * *. وكذا السلب * * *. ] من المصالح لا وجه له ولعله ليس بمقصود. هذا. مع أنه لا يصدق الغنيمة بالنسبة إلى المقاتلين حتى يجب عليهم الخمس. * كما في الجواهر (1)، فإنه ليس غنيمة الحرب بالنسبة إلى المجعول له. * * كما في الجواهر (2) أيضا، لأطلاق دليله، فلابد من ملاحظة مؤونة السنة فيها. * * * في الجواهر عن الشيخ قدس سره والمحقق في الشرائع في كتاب الجهاد (3). ويدل عليه ما تقدم من معتبر حماد، لأن السلب مما يكون له بشرط الأمام، وإلا لم يكن القاتل مستحقا له بناء على ما هو المعروف عندهم، فيشمله المعتبر المتقدم، فإنه من الامور التي رأى الأمام المصلحة في ذلك فسد بذلك ما نابه من ملاحظة المصلحة في ذلك. ومعارضة ذلك ب‍ (إطلاق ما دل على ثبوت الخمس في الغنيمة لصدق الغنيمة على السلب للقاتل، لأنه ملك من حيث قتاله، فلابد له من أداء خمسه وإن لم يدخل في الغنائم من حيث القسمة، ولا في حسابه في ضمن جميع الغنائم من حيث تعلق الخمس) مدفوعة بأن قوله في معتبر حماد: (وله أن يسد بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك مما ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شئ أخرج الخمس منه) (4).


(1 و 2 و 3) الجواهر: ج 16 ص 10. (4) تقدم في الصفحة السابقة.

[ 33 ]

[ والرضائخ للنساء والعبيد وغيرهم ممن لا حق لهم في الغنيمة، ] حاكم على دليل الخمس، لأن المفروض فيه ثبوت وجوب الخمس في الجملة وكونه بعد ذلك. وعلى فرض التعارض فالنسبة بين ذلك وبين ثبوت الخمس في مطلق الغنيمة هي العموم من وجه، فيفترقان في غير جعائل الأمام للمصالح وفي الجعائل لغير القاتلين من حيث عدم صدق غنيمة الحرب عليها بالنسبة إلى المجعول له كما عرفت، ومورد الاجتماع: جعل ما يتسلط عليه القاتل للقاتل بالخصوص، فيرجع إلى أصالة البراءة عن وجوب الخمس من حيث الغنيمة. هذا. مع أن خروج ذلك عن أخذ الخمس قبل القسمة معلوم، لعدم مدخلية القسمة في هذا الموضوع قطعا، فلا وجه لملاحظه (المؤونة إلى حال أخذ الخمس) بالنسبة إلى (مجموع الغنائم). نعم، ما يدل على ملاحظة مؤونة السنة يشمله أيضا، فتأمل. هذا. مضافا إلى ما في الجواهر عن التذكرة الاستدلال بأنه عليه السلام قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب. قال بعد ذلك: وهو لا يخلو من بحث (1). أقول: قد عرفت أن مقتضى الدليل عدم وجوب الخمس على القاتل من حيث غنيمة دار الحرب فلابد من ملاحظة مؤونة السنة، والله هو العالم. * الرضائخ: جمع رضيخة وهي العطية، والرضخ: هو العطاء اليسير المشروط من الوالي لنحو الراعي والحافظ، كما في مجمع البحرين. وهو أيضا مما يخرج من المال قبل التقسيم ولا يؤخذ خمسه، ففي الجواهر عن جهاد الشرائع والشيخ تقديم ذلك (2).


(1) الجواهر ج 16 ص 10. (2) الجواهر ج 16 ص 10.

[ 34 ]

[ بل النفل وهو العطاء للغانمين *. ويشترط في الغنيمة التي يؤخذ منها الخمس أن تكون بإذن الأمام، وإلا كان كل ما يغنمه للأمام عليه السلام * *. ] ويدل على ذلك كله ما تقدم نقله من معتبر حماد (1). * كما في الجواهر عن ابن الجنيد (2)، لدخوله في ما تقدم (3) من المنقول عن معتبر حماد. وملخص الكلام استثناء ما يجعله الأمام أو يعطيه قليلا أو كثيرا للغانمين ولغيرهم عوضا للقتل والجهاد، أو لمصلحة راجعة إلى ذلك الجهاد والخروج والعود مما يتعلق بذاك القيام، أو كان مربوطا بمصلحة اخرى غير مربوطة بذلك القيام، كانت عامة أو خاصة بنفسه الشريفة وإن كانت راجعة إلى العامة أو شخص من المسلمين. كل ذلك للأطلاق المشار إليه وإن كان بعض فروعه لا يخلو عن خفاء وإشكال، مثل ما كان لمصلحة شخصية غير مربوطة بذاك القيام، فلابد من التأمل. ولا أثر لتلك الأبحاث في عصر الغيبة إلا إذا فرض كون الفقيه بمنزلة الأمام العادل عليه الصلاة والسلام، أو فرض قيام الجائر بمنزلة العادل في ما له، وكلاهما مورد للأشكال، بل المنع في الأخير لعله من الواضحات. * * كما في الجواهر (4). وهو ينحل إلى مسألتين: الاولى: عدم تعلق الخمس به من حيث الغنيمة. الثانية: كون جميع المال للأمام. والمشهور فيهما ما ذكر، لكن عن المنتهى والمدارك أنه بحكم المأذون (5)،


(1) في ص 31. (2) الجواهر ج 16 ص 10. (3) في ص 31. (4) الجواهر ج 16 ص 11. (5) الجواهر: ج 16 ص 11 - 12.

[ 35 ]

[... ] وعن الحدائق التفصيل بين ما إذا كان الحرب للدعاء إلى الأسلام فالغنيمة كلها للأمام وما إذا كان للقهر والغلبة ففيه الخمس (1)، ويظهر من العروة التفصيل بين إمكان الاستيذان من الأمام مع فرض عدم الأذن فالغنيمة كلها للأمام، وأما في زمان الغيبة فيجب إعطاء الخمس على الأحوط (2). ويمكن الاستدلال للمشهور بمرسل الوراق عن الصادق عليه السلام قال: (إذا غزا قوم بغير إذن الأمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للأمام، وإذا غزوا بأمر الأمام فغنموا كان للأمام الخمس) (3). وضعف الخبر منجبر بعمل الأصحاب - رضوان الله عليهم - لكنه مخصص بصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة، قال: (يؤدي خمسا ويطيب له) (4). وحمل الخبر على صورة الأذن من الأمام بالخصوص خلاف الظاهر قطعا، والنسبة بين الدليلين هي العموم المطلق، فإن مقتضى الأول أن القوم المحاربين إذا غزوا بإذن الأمام فللأمام الخمس، وإن لم يكن بإذن الأمام فالمال كله له عليه السلام، فاستيذان شخص بالخصوص لا يخرجه عن كون الغزو بغير إذن الأمام، فإن مجموع القتال كان بغير إذن الأمام، ومقتضى ذلك أن الغزو إن كان بإذن الأمام أو كان تحت لواء خلفاء الجور الذين يحكمون على المملكة الأسلامية بعنوان


(1) الجواهر: ج 16 ص 12. (2) العروة الوثقى: كتاب الخمس، الفصل الأول. (3) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 16 من ب 1 من أبواب الأنفال. (4) المصدر: ص 340 ح 8 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 36 ]

[... ] الخلافة الأسلامية فالخمس للأمام وباقي الغنيمة لمن قاتل، على التقسيم الذي ولاه الأمام الجائر أو نائبه، وأما إذا لم يكن الغزو كذلك فالمال للأمام بمقتضى مرسل الوراق (1) المفتى به عند المشهور بين الأصحاب رضوان الله عليهم. ويمكن الاستشهاد للحوق الغزو الواقع تحت لواء خلفاء الجور بالغزو الواقع عن إذن الأمام عليه السلام بأمرين آخرين: أحدهما: بعض أخبار التحليل، كالمنقول عن تفسير الأمام العسكري سلام الله عليه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه: قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: (قد علمت يا رسول الله إنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولي على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه، فلا يحل لمشتريه، لأن نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شئ...) (2). وفي الخبر وإن كان ضعف من حيث السند إلا أنه مؤيد ببعض أخبار اخرى (3) يدل على تحليل الخمس لطيب المولد، والقدر المسلم منه هو سبايا الحرب. فتأمل. ثانيهما: أنه قد مر في أول مسألة ثبوت الخمس في الغنيمة روايات كثيرة دالة على ثبوت الخمس في الغنائم، والقدر المسلم منها هو المصداق الموجود حال صدور الروايات، والغزوات التي كانت في ذلك العصر لم تكن بإذن الأمام،


(1) المتقدم في الصفحة السابقة. (2) الوسائل: ج 6 ص 385 ح 20 من ب 4 من أبواب الأنفال. (3) الوسائل: ج 6 ص 378 الباب 4 من أبواب الأنفال.

[ 37 ]

[ وأن يكون الأخذ بالمقاتلة، وما يؤخذ من أموالهم بغيرها فليس فيه الخمس من جهة غنائم الحرب *. ] فمقتضى الدليل التفصيل في الغزو بغير إذن الأمام بين ما إذا كان تحت لواء خلفاء الجور فيكون بحكمه في كون الغنيمة للمقاتلين والخمس يعطى للأمام عليه السلام، وما إذا لم يكن كذلك فالكل للأمام بمقتضى مرسل الوراق (1) المنجبر بعمل الأصحاب رضوان الله عليهم. * كما هو واضح، لعدم صدق غنائم الحرب عليه، مضافا إلى التقييد بالقتال في بعض الروايات كما في خبر أبي بصير: (كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن لنا خمسه) (2). ومرسل أحمد بن محمد وفيه: (والمغنم الذي يقاتل عليه) (3). لكن مقتضى إطلاق الاية (4) والروايات (5) هو وجوب الخمس من جهة مطلق الفائدة كما أفاده في الروضة على ما في الجواهر، واستجوده في الجواهر إذا كان ذلك للاخذ كما إذا كان الأخذ بغير إذن الأمام (6)، وأما إذا كان من جهة بعث الامام وبإذنه كان الكل للأمام كما يظهر من صحيح معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله: السرية يبعثها الأمام فيصيبون غنائم كيف يقسم؟


(1) المتقدم في ص 35. (2) تقدم في ص 18. (3) تقدم في ص 19. (4) سورة الأنفال: 41. (5) الوسائل: ج 6 ص 348 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (6) الجواهر: ج 16 ص 11.

[ 38 ]

[... ] قال: (إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الأمام عليهم اخرج منها الخمس لله وللرسول، وقسم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للأمام يجعله حيث أحب) (1). ثم إنه لا إشكال في جواز أخذ مال الكفار عند قيام الحرب، سواء كان الحرب معهم بإذن الأمام أو بغير إذنه إذا كان في لواء خلفاء الجور، لما تقدم (2) مما دل على وجوب الخمس فيه، وهو يدل على جواز الأخذ قطعا بحسب الظهور العرفي. وكذا إذا كان الجهاد صحيحا بأن كان من باب الدفاع عن الأسلام، لدلالة خبر الوراق المتقدم (3) على الجواز وإن كان مقتضى إطلاقه كون الجميع للأمام. وأما إذا فرض عدم قيام الحرب أصلا ففي السرقة والغيلة منهم إشكال، لعدم وضوح الدليل على الأخذ بدون القتال. وأما القتال فهو مشروط بإذن الأمام عليه السلام كما يدل عليه أخبار الباب الثاني عشر من أبواب الجهاد (4). وأما الاسترقاق منهم فمقتضى بعض الروايات الواردة في بيع الحيوان هو الجواز (5)، لكن مقتضى التعليل الوارد في بعض الروايات (6) المذكورة هو اختصاصه بما إذا كانوا ممن يؤتى بهم إلى دار الأسلام، ومقتضى البعض الاخر (7)


(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 3 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) في ص 35. (3) في ص 35. (4) الوسائل: ج 11 ص 32. (5) الوسائل: ج 13 ص 27 الباب 2 من أبواب بيع الحيوان وج 11 ص 99 الباب 50 من أبواب جهاد العدو. (6) الوسائل: ج 13 ص 27 ح 1 من ب 2 من أبواب بيع الحيوان. (7) المصدر: ح 3.

[ 39 ]

[... ] تقييده بما إذا أقروا بالرقية، والقدر المتيقن: مجموع الأمرين. وعلى فرض جواز قتل غير المعاهد وأخذ ماله وسبي نسائه أو نفسه فلا إشكال في عدم الجواز في المعاهد كما في بعض عبارات الفقهاء، والمستأمن كما في بعضها الاخر. ولا يبعد صدق الاستيمان إذا كان ذلك من جانب الحكومة الأسلامية، سواء كان الكافر في بلاد المسلمين أو في بلادهم، بل ولو كان من جانب آحاد المسلمين، كما صرح بذلك في الدروس في كتاب الجهاد حيث قال قدس سره: و [ يحرم ] القتال بعد الأمان ولو كان من آحاد المسلمين لاحاد الكفار (1). وعدم جواز الاستيمان لأقليم إنما هو في حال قيام الحرب الصحيح، لأنه يلزم أن لا يتحقق الحرب اللازم بأمان أحد من المسلمين، وأما في غير حال الحرب فالظاهر بحسب الدليل جواز الاستيمان، لا سيما إذا كان ذلك من جانب ذي الشوكة من المسلمين، كما اشير إليه في ما تقدم حكايته من الدروس. وأما ما دل على جواز أخذ مال الناصب مطلقا وإعطاء الخمس (2) فلا يبعد أن يكون المراد من نصب الحرب للأمام العادل، كما ربما يومئ إلى ذلك ما عن الفقيه: قال النبي صلى الله عليه وآله: (صنفان من امتي لا نصيب لهم في الأسلام: الناصب لأهل بيتي حربا...) (3). وعلى فرض كون المقصود هو الناصب بالمعنى المعروف فلا يدل على حكم الكافر الذي لا عداوة له بالنسبة إلى الأسلام ولا بالنسبة إلى أهل البيت عليهم السلام.


(1) الدروس: ج 2 ص 33. (2) الوسائل: ج 6 ص 340 ح 6 و 7 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوافي: ج 2 ص 229 ح 1 من ب 23.

[ 40 ]

[ الثاني: المعادن *. ] * وجوب الخمس فيها إجماعي، ففي الجواهر: يكون إجماعا محصلا، ومنقولا صريحا في الخلاف والسرائر والمنتهى والتذكرة والمدارك وغيرها، وظاهرا في كنز العرفان وعن مجمع البحرين والبيان، بل في ظاهر الغنية نفي الخلاف بين المسلمين عن معدن الذهب والفضة (1). وفي الحدائق: هو مما وقع عليه الاتفاق نصا وفتوى (2). وفي خمس الشيخ الأنصاري قدس سره: أن حكاية الأجماع عليه مستفيضة (3). ويستدل على ذلك بالاية الشريفة: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه (4). بناء على كون المراد بالغنيمة مطلق الفائدة كما هو الظاهر منها ويستفاد من بعض الأخبار، كمكاتبة علي بن مهزيار، فإن فيها بعد ذكر الاية الشريفة: (فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الأنسان للأنسان التي لها خطر) (5).


(1) الجواهر: ج 16 ص 13 و 14. (2) الحدائق: ج 12 ص 328. (3) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري قدس سره: ص 122. (4) سورة الأنفال: 41. (5) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 41 ]

[... ] وخبر حكيم، قال: قلت له: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول (1) قال: (هي والله الأفادة يوما بيوم) (2). ولا فرق في الاستدلال على وجوب الخمس في المعادن بين الاية الشريفة والأدلة الخاصة الواردة في خصوص المعادن، لا من حيث ثبوت أصل الخمس، ولا من حيث اعتبار المؤونة، لأن ما دل على استثنائها إن كان شاملا للمعدن حتى بالنسبة إلى مؤونة الشخص وعائلته فيدل على ذلك بالنسبة إلى الأدلة الخاصة أيضا ولا يلاحظ النسبة، لأن المفروض في الاستثناء وجوب الخمس في الجملة، فيكون حاكما على إطلاق دليل الخمس بالنسبة إلى المعادن، ولا من حيث لزوم مراعاة النصاب في المعدن، كما لا يخفى. ويدل عليه عدة من الأخبار: منها: صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص، فقال: (عليها الخمس جميعا) (3). وصحيح الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه؟ قال: (الخمس).


(1) سورة الأنفال: 41. (2) الوسائل: ج 6 ص 380 ح 8 من ب 4 من أبواب الأنفال. (3) الوسائل: ج 6 ص 342 ح 1 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 42 ]

[... ] وعن المعادن كم فيها؟ قال: (الخمس). وعن الرصاص والصفر والحديد وما كان من المعادن كم فيها؟ قال: (يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب والفضة) (1). أقول: لعل الوجه في تكرار السؤال استيضاح أنه هل لا يكون فرق بين معادن الذهب والفضة وغيرها أو يكون بينهما فرق؟ ولعل الوجه في احتمال الفرق ما تقدم (2) نقله عن الغنية من اختصاص الخمس عند العامة بمعدن الذهب والفضة. ويومئ إلى ما احتملناه قوله عليه السلام في الجواب: (كما يؤخذ من معادن الذهب والفضة). وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: (كل ما كان ركازا ففيه الخمس). وقال: (ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس) (3). أقول: ربما يمكن أن يشكل في ظهور الجواب في خمس المعادن من حيث إن الركاز عند أهل الحجاز هو الكنوز المدفونة كما في الجواهر عن ابن الأثير (4) ولكنه واضح الاندفاع من جهة لزوم الأعراض عن الجواب عن السؤال من دون وجه، وهو مما يقطع بعدمه، فإنه ليس طريق المحاورة الأعراض عن السؤال في مقام الجواب والجواب عن شئ آخر غير مسؤول عنه من دون جهة - من تقية


(1) الوسائل: ج 6 ص 342 ح 2 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) في ص 40. (3) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 3 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) الجواهر: ج 16 ص 14.

[ 43 ]

[... ] أو غيرها - ولا يناسب الذيل الذي هو ظاهر في خصوص المعدن من جهة أن المعدن يحتاج استخراجه نوعا إلى صرف المال، ومن جهة أنه الذى يستخرج من الحجارة. فالظاهر أنه لا ينبغي الأشكال في أن المقصود خصوص المعدن (فتكلم عليه السلام بلغة السائل الذي هو عراقي، فإنه مقتضي حكمة الانبياء والاولياء عليهم السلاهم ولطفهم بالنسبة إلى العباد) أو الأعم. والأخير هو الأقوى، من جهة قوله (كل ما كان ركازا)، فإن الظاهر أنه بصدد إعطاء قاعدة تشمل المعدن أيضا، لا بيان خصوص المعدن. ومنه يظهر وجه ثالث لعدم كون المقصود خصوص الكنز، لأنه لا يناسب كلمة (كل). هذا كله، مع أنه لا يبعد أن يكون الاختلاف بين العراق والحجاز من حيث المصداق لا من حيث المفهوم، فإن أكثر جدة الحجازيين كان من قبيل الكنوز، لقلة المعادن في بلادهم وهذا بخلاف العراق، فتأمل. وأما قوله في الذيل (مصفى)، فيحتمل أن يكون المقصود أنه يجب بعد إخراج المؤونة كما في الوافي (1)، ويحتمل أن يكون المقصود أنه لا يكفي المخلوط في مقام إعطاء الخمس، لعدم العلم بأداء خمسه. وصحيح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاحة، فقال: (وما الملاحة؟) فقال (فقلت): أرض سبخة مالحة يجتمع فيه الماء فيصير (ويصير) ملحا، فقال: (هذا المعدن فيه


(1) ج 10 ص 313.

[ 44 ]

[ والظاهر أنها كل ما خرج من الأرض ويخلق فيها من غيرها مما له قيمة *. ] الخمس). فقلت: والكبريت والنفط يخرج من الأرض؟ فقال: (هذا وأشباهه فيه الخمس). قال صاحب الوسائل قدس سره: ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم إلا أن فيه: فقال: (مثل المعدن فيه الخمس) (1). أقول: طريق الصدوق إلى محمد بن مسلم غير الطريق المذكور، فالخبر معتبر جدا ويدل على عدم اعتبار خصوصية الذهب والفضه - كما يظهر من الأخبار المتقدمة أيضا - وعلى عدم اعتبار كونه منبت الجواهر بالمعنى المتعارف ولا بما في المستمسك (2) عن القاموس من أن (المعدن: منبت الجواهر، والجوهر: كل حجر يستخرج منه شئ ينتفع به) وعلى عدم اعتبار كونه جامدا، وعلى عدم اعتبار كونه مركوزا ومدفونا في الأرض كما ربما يوهمه ما تقدم من صحيح زرارة (3). وأما دلالته على عدم كون الملح معدنا بناء على نقل الصدوق قدس سره فيجئ الكلام فيه (4) إن شاء الله تعالى. * كما في الجواهر عن ابن الأثير، وعن التذكرة أيضا من غير فرق بين المنطبع وغيره والمائع وغيره عند علمائنا أجمع (5). وفي قبال ذلك احتمالان آخران:


(1) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 4 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) ج 9 ص 455. (3) في ص 42. (4) في الصفحة الاتية. (5) الجواهر: ج 16 ص 15.

[ 45 ]

[... ] الاحتمال الأول: أن يكون المعدن في العرف واللغة هو منبت الجواهر من الذهب والفضة ونحوها، كما في الجواهر عن الرياض مدعيا أنه المتبادر عرفا (1) وهو الذي يظهر مما عن القاموس والمغرب، فعن الأول أنه منبت الجواهر من ذهب ونحوه - كما في المستمسك (2)، ويظهر من الجواهر أيضا (3) - مع تفسير الجوهر ب‍ (كل حجر يستخرج منه شئ ينتفع به). وعن المغرب أنه معدن الذهب والفضة (4)، بل هو الذي يظهر من صحيح محمد بن مسلم المتقدم بناء على نقل الصدوق قدس سره فإن مثل الشئ غير الشئ. وهو مدفوع بأن الجمع بين التفسيرين يقتضي حمل ما عن المغرب والقاموس على المثال، كيف؟ ولازم ما عن المغرب اختصاص المعدن بخصوص الذهب والفضة، وهو خلاف المقطوع به عند العرف، وبأن إجماع الأصحاب على ما ذكر يكشف عن كونه كذلك في اللغة، مضافا إلى دلالة الصحيح المتقدم (5) على كون مثل الملح من المعدن مع أنه ليس من الجواهر بالمعنى المذكور في القاموس. هذا بناء على رواية الشيخ قدس سره وأما بناء على رواية الصدوق قدس سره فالظاهر أن قوله: (مثل المعدن فيه الخمس) على وزان قوله تعالى: ليس كمثله شئ (6) وقوله تعالى: بقادر على أن يخلق مثلهم، (7) فالمقصود بحسب الظاهر: ما كان فيه الصفات الموجودة في المعدن - الشامل ذلك لنفس المعدن أيضا - يكون فيه الخمس، كما يقال: المثل فلان يقال كذا، ومثل فلان يتهم بكذا! ولعله واضح بعد التأمل والدقة، وعلى هذا فهو ظاهر في كون الملح من المعدن، فهو على خلاف المطلوب أدل.


(1 و 3) الجواهر: ج 16 ص 15. (2) ج 9 ص 455. (4) المستمسك: ج 9 ص 455. (5) في ص 43. (6) سورة الشورى: 11. (7) سورة يس: 81.

[ 46 ]

[ وهنا مسائل المسألة الاولى: الظاهر اعتبار النصاب في المعدن وهو عشرون دينارا *. ] الاحتمال الثاني: ما في الجواهر عن الشهيد الثاني في الروضة والمسالك من أن: المعدن: ما استخرج من الأرض مما كانت أصله، ثم اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع به. وذكر في ضمن الأمثلة حجارة الرحى وطين الغسل والجص (1). ومقتضى ذلك عدم أخذ قيد الخروج عن الحقيقة الأرضية فيه عرفا. وهو أيضا غير واضح، فإن صرف الامتياز ككون التراب أحمر مثلا أو أبيض لا يوجب صدق عنوان المعدن عليه، فصدق المعدن عليه معلوم العدم أو مشكوك، فيرجع إلى ما يقتضيه الدليل في مطلق الفائدة. * كما عن الشيخ قدس سره في نهايته ومبسوطه وعن ابن حمزة في الوسيلة، ووافقهما جماعة من المتأخرين (2). بل في الجواهر: أن في المدارك نسبته إلى عامة المتأخرين وأن في الرياض أنها كادت تكون إجماعا، بل لعلها إجماع حقيقة. خلافا لما عن الشيخ في صريح الخلاف والسرائر وظاهر غيرهما - بل في الدروس نسبته إلى الأكثر - من عدم اعتبار النصاب في المعدن أصلا، بل في ظاهر الأول أو صريححه كصريح الثاني الأجماع عليه،


(1) الجواهر: ج 16 ص 16. (2) الجواهر: ج 16 ص 18.

[ 47 ]

[... ] وخلافا لما عن أبي الصلاح الحلبي والفقيه والمقنع من جهة نقل رواية نصاب الدينار من كون نصابه دينارا، كل ذلك على ما في الجواهر (1). فالأقوال ثلاثة: عدم اعتبار النصاب أصلا، اعتبار عشرين دينارا، اعتبار بلوغه دينارا. والأقوى اعتبار نصاب عشرين دينارا، لصحيح البزنطي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عما أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ؟ قال: (ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا) (2). بناء على كون فاعل (يبلغ) هو الضمير المستتر والمفعول هو لفظة (ما) في (ما يكون في مثله الزكاة) أي المقدار الذي يكون في مثل ذلك المقدار الزكاة، ويكون قوله (عشرين دينارا) بدلا عن المفعول. واحتمال أن يكون (ما يكون في مثله) هو الفاعل و (عشرين دينارا) هو المفعول مدفوع بوجوه: منها: أن لازمه أنه إن بلغ الذهب والفضة إلى عشرين دينارا كان الخمس في سائر المعادن، وإن لم يبلغ لم يكن خمس فيها. ومنها: أن السائل سأل عن تعلق الشئ بالمعادن فلا يحسن الجواب بأن ما فيه الزكاة إن بلغ إلى عشرين دينارا فيه شئ، فإن الجواب حينئذ أن ما فيه الشئ يكون فيه الشئ إذا بلغ عشرين دينارا. ومنها: أن لازمه عدم تعلق الخمس ولو بمعادن


(1) ج 16 ص 18 - 19. (2) الوسائل: ج 6 ص 344 الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 48 ]

[... ] الذهب والفضة إلا إذا صارا مسكوكين، فدلالته على المطلوب قطعي. وليس في البين ما يعارضه إلا أمران: الأول: الأجماع الذي تقدم نقله عن الشيخ قدس سره (1) في الخلاف المؤيد بما تقدم (2) من الدروس من نسبته إلى الأكثر. وهو موهون بامور: منها: اختيار ناقله الشيخ قدس سره خلافه في ما نسب إلى نهايته ومبسوطه. ومنها: عدم صراحة كلامه في الأجماع، كما في الجواهر (3). ومنها: أن المظنون أن منشأ النسبة إلى الأصحاب: عدم ذكرهم النصاب لا التصريح بعدمه، كما يشعر بذلك جعل أحد الأقوال في المسألة استثناء المؤونة أي استثنوا المؤونة من دون ذكر اعتبار النصاب. ومنها: أنه على فرض إجماع القدماء فليس ذلك على الظاهر من باب الأعراض عن صحيح البزنطي، بل من باب عدم العثور عليه، ولذا لم يذكره الصدوق والكليني وقد عثر عليه الشيخ قدس سره وأفتى به بعد ذلك. الثاني: خبر محمد بن علي عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: (إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس) (4). والتمسك به أيضا موهون بامور:


(1 و 2) في ص 46 و 47. (3) ج 16 ص 19. (4) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 5 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 49 ]

[... ] الأول: عدم الأفتاء على طبقه من المتقدمين والمتأخرين سوى أبي الصلاح على ما تقدم (1). وأما الصدوق فقد نقل الخبر مرسلا خاليا عن سؤال المعادن (2)، وأما روايته في الفقيه فلا يدل على تمامية دلالته عنده على نحو يفتي بأن نصاب المعدن دينار. الثاني: أنه لم يصرح بوثاقة الراوي ولم تقم قرينة عليه، فإن المستفاد من جامع الرواة: عدم الرواية عنه كثيرا، فإنه نقل عنه خبران أحدهما ذلك والاخر خبر آخر نقله عنه ابن الأسباط. ونقل البزنطي عنه مرة واحدة لا يدل على كونه ثقة عنده، فلعله كان يثق بتلك الرواية بالخصوص لقرائن قامت عنده. الثالث: عدم نقل الصدوق ما يتعلق بالمعادن في المقنع. الرابع: الاختلاف في المسؤول عنه، فإن الظاهر أن المسؤول عنه في (ما يخرج من البحر) هو حكمه، وفي (المعادن) أنه هل فيه الزكاة أم لا، فهذا يشعر بأنه سؤال آخر لعله وقع في زمان آخر أدرجه السائل ضمنا في ذلك. الخامس: أن جواب الأمام عليه السلام يشعر أيضا بأنه جواب عن الغوص، وذلك لتذكير الضمير، فهذا أيضا يؤيد تعدد السؤال وعدم ذكره الجواب عن المعادن، أو أعرض عنه الأمام عليه السلام لبعض المصالح. السادس: أنه على فرض كون الجواب عن جميع ما ذكر في السؤال فلا ريب أن مقتضى الجمع العرفي هو الحمل على الاستحباب. واحتمال التقييد - بأن يكون النصاب في خصوص معدن الذهب والفضة


(1) في ص 47. (2) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 5 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 50 ]

[ المسألة الثانية: الظاهر أنه لا يعتبر في النصاب المذكور أن يكون ما يخرج من المعادن دفعة واحدة بالغا حده، فلو أخر أياما بل شهرا أو شهورا ثم استخرج منها وكان المجموع بالغا حد النصاب ففيه الخمس وإن أعرض عن ذلك وأهمل. المسألة الثالثة: الظاهر أنه لا خمس إذا بلغ مجموع ما خرج من المعدن عشرين دينارا مع تعدد المستخرج بقصد التملك أو بدون قصد ] دينارا - مدفوع أولا بأنه خلاف الأجماع. وثانيا بأن التصرف بالحمل على الاستحباب أهون عند العرف من التقييد كما قررنا ذلك مرارا. وثالثا بأن إخراج معادن الذهب والفضة مع كثرة الابتلاء في عصر الصدور من قبيل التخصيص المستهجن، فالمسألة بحمده تعالى واضحة جدا. * قال قدس سره في الجواهر ما خلاصته: لا يعتبر في النصاب المذكور الأخراج دفعة، وفاقا لظاهر جماعة وصريح آخرين، بل لا فرق بين الأعراض في البين وعدمه كما هو مقتضى كلام الشهيدين والمدارك وغيرها، وخلافا للمنتهى فاعتبر عدم الأهمال. والوجه في ما قلناه إطلاق الدليل (1). أقول: الوحدة الحقيقية في المقام غير معتبرة قطعا، وذلك لأن مقتضاها عدم تعلق الخمس ببعض المعادن أصلا كالملح، فإنه لا يستخرج منه دفعة ما يبلغ عشرين دينارا. وأما الوحدة الاعتبارية من باب الاستخراج بعزم واحد وإرادة واحدة - كما يومئ إليه ما تقدم نقله عن العلامة قدس سره - أو من باب اعتبار الموالاة بمعنى دم الفصل الطويل - كما يظهر من بعض علماء العصر في التعليق على العروة - فلا


(1) الجواهر: ج 16 ص 19 - 20.

[ 51 ]

[ ذلك أو بالاختلاف أو بخروج بعض ذلك بنفسه. ] نعرف لها أيضا وجها يعتد به. فمقتضى إطلاق قوله (ما أخرج المعدن) الوارد في السؤال: ثبوت الخمس في الأخراجات المتعددة إذا كان المجموع بالغا إلى النصاب، فإن شك في ذلك فمقتضى الأطلاق وجوب الخمس. * قال قدس سره في الجواهر: قد يدعى ظهور صحيح البزنطي (1) في عدم اعتبار ذلك [ أي بلوغ نصيب كل واحد إلى النصاب وكفاية بلوغ المجموع النصاب المذكور ] في المتعددين غير الشركاء أيضا، وإن كان بعيدا جدا إن لم يكن ممتنعا (2). أقول: قد يمكن أن يقال: إن الموضوع في الصحيح المذكور (ما أخرج المعدن)، والظاهر صدق ذلك على المجموع في جميع الصور المذكورة في المتن فيجب الخمس، وإن شك في ذلك فمقتضى إطلاق باقي أدلة ثبوت الخمس في المعدن هو الخمس أيضا، والقدر المتيقن الخارج من الأدلة المذكورة ما إذا لم يكن المجموع بالغا حد النصاب فيؤخذ بدليل الخمس في غيره. وقد يرد ذلك بانصراف الصحيح (3) إلى بلوغ ما يملكه المستخرج حد النصاب. ووجه الانصراف أمران: أحدهما: أن موضوع الخمس هو فائدة كل شخص بحسب الدليل وبحسب الاعتبار، والظاهر أن موضوع الخمس هو بعينه موضوع النصاب، والاختلاف بين الموضوعين خلاف ما هو الظاهر جدا، فيصير معنى الصحيح (4) أن في كل ما ملكه


(1 و 3 و 4) المتقدم في ص 47. (4) الجواهر: ج 16 ص 20.

[ 52 ]

[... ] الشخص بالاستخراج من المعدن إذا بلغ عشرين دينارا الخمس. ثانيهما: أن قوله (ما يكون في مثله الزكاة) يدل على مالكية النصاب، لأن الذي في مثله الزكاة هو مالكية عشرين دينارا، لا صرف وجود عشرين في الخارج ولو لم يكن ملكا له. لكن الأنصاف أن ثبوت الانصراف - بحد الظهور في ما ذكر - غير واضح، لأمكان أن يكون المقصود أن الخارج من المعدن إذا بلغ خروجه عنه إلى حد بلوغ الذهب في ملك المالك إلى النصاب إذا صار ملكا للمستخرج ففي ما ملكه الخمس، فيكون الخروج إلى الحد المذكور مأخوذا في الحكمين - أي النصاب والخمس - مع اختصاص الخمس بقيد زائد هو الاستخراج بعنوان التملك، ويكون بلوغ الخارج حد النصاب بمنزلة بلوغ الملك إلى حد النصاب، لا أن يكون وصف المملوكية مأخوذا في النصاب في المقامين. نعم، لا ظهور للصحيح (1) في الأطلاق فيرجع إلى إطلاق دليل الخمس في المعدن (2). لكن التحقيق أن يقال - وهو العالم -: إن الأخذ بإطلاق صحيح البزنطي (3) من حيث إطلاق المعدن وإطلاق الأخراجات وإطلاق المخرج المالك من حيث الوحدة والتعدد - أي الأخذ بالأطلاق في جميع ذلك - مقطوع العدم، إذ مقتضى ذلك: لغوية النصاب المذكور، فإن الخارج من جنس المعدن الصادق على المتعدد أيضا بالغ في دار الوجود حد النصاب، فلابد من اعتبار وحدة إما في المعدن أو في الأخراجات أو في المخرج، فنقول: يمكن أن يدعى - بعد اعتبار الوحدة - أنها معتبرة في جانب المالك، لما تقدم من الأمرين، فإن إنكار الظهور في


(1 و 3) المتقدم في ص 47. (2) الوسائل: ج 6 ص 342 الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 53 ]

[... ] ذلك بدوا لا ينافي الظهور في ذلك بعد لزوم اعتبار الوحدة في الجملة. وإن أبيت عن ذلك فلا شبهة - كما تقدم - في عدم الظهور في الأطلاق من حيث المالك المخرج للمعدن، لما تقدم من الأمرين، فمقتضى القاعدة: حفظ إطلاق المعدن بعد وضوح عدم ملاحظة الوحدة في الاخراجات، للزوم عدم تعلق الخمس بمثل الملح من المعادن الرخيصة أصلا، فمقتضى الأطلاق من حيث المعدن ومن حيث الاخراجات وعدم ظهور في الأطلاق في ناحية المتملك للمعدن بالأخراج: تعين أن يكون الوحدة من تلك الجهة، حفظا لأطلاق المعدن غير المعارض لأطلاق المخرج. وإن أبيت عن ذلك أيضا فلا مانع من الرجوع إلى البراءة لمن أخرج من المعدن أقل من النصاب وكان ما أخرجه مع انضمامه إلى غيره بالغا حد النصاب، وذلك لعدم ظهور في إطلاق الخمس بعد فرض لزوم التخصيص بصحيح البزنطي ولزوم اعتبار الوحدة. نعم، لو كان هذا الشخص مخرجا من معدنين بمقدار النصاب يحصل له العلم الأجمالي بلزوم الخمس عليه، فإنه إن كانت الوحدة المعتبرة هي المعتبرة من حيث المعدن وجب عليه الخمس بالاعتبار الأول، وإن كانت هي المعتبرة من حيث المالك وجب عليه الخمس بالاعتبار الثاني. هذا في الفرض الثالث المذكور بقولنا: (وإن أبيت عن ذلك أيضا...)، وإلا فالمسألة واضحة بحمده تعالى، ومقتضى ذلك عدم لزوم الخمس في ما ذكر في المتن. وأما صورة الشركة فالظاهر كفاية بلوغ مجموع السهام كما يجئ إن شاء الله.

[ 54 ]

[ وأما إذا اشترك جماعة في استخراج المعدن فالظاهر كفاية بلوغ مجموع السهام حد النصاب *. المسألة الرابعة: إذا استخرج بحد النصاب من معدنين أو أزيد فالظاهر وجوب الخمس * *. وأولى بذلك ما استخرج من معدن واحد وكان نوعين * * *. ] * كما في الجواهر: هو أحوط إن لم يكن أولى (1). وهو الذي اختاره قدس سره في العروة الوثقى (2). وفي مصباح الفقيه نقل استظهاره من الصحيح المذكور (3) عن الشيخ الأنصاري قدس سره (4). والوجه في ذلك بناء على التحقيق المتقدم أن الوحدة المالكية الأعم من الشخصية والاشتراكية هي القدر المتيقن، وفي غيره يرجع إلى إطلاق الصحيح وإطلاق دليل الخمس. فافهم وتأمل فإنه لا يخلو عن الدقه. * * كما في الجواهر عن الاستاذ في كشفه تبعا للشهيد في المسالك وسبطه في المدارك قدس الله أسرارهم (5). وذلك لما تقدم من أن موضوع الصحيح (6) هو جنس المعدن، فيصدق على ما استخرج من معادن متعددة بحد النصاب أنه بلغ عشرين دينارا، والانصراف إلى المعدن الواحد خلاف الأطلاق، وقد عرفت أن اعتبار الوحدة في المخرج كاف في رفع غائلة الأطلاق من جميع الجهات. * * * قال في الجواهر: إنه لا إشكال في ذلك وإنه يكفي بلوغ المجموع حد النصاب كما صرح بذلك في المنتهى (7).


(1 و 5) الجواهر: ج 16 ص 20. (2) في كتاب الخمس، الفصل الأول (3 و 6) المتقدم في ص 47. (4) مصباح الفقيه: ج 3 ص 113. (7) الجواهر: ج 16 ص 20

[ 55 ]

[ المسألة الخامسة: الظاهر كفاية بلوغ كل معدن عشرين دينارا من حيث القيمة. من غير فرق بين الذهب والفضة وغيرهما، ومن ] ووجهه واضح. وخلافه منسوب إلى بعض الجمهور (1). ولعل الوجه في ذلك أن المعدن يطلق على الحال نوعا وإن كان اسما في الأصل للمحل، مع دعوى الانصراف إلى الوحدة في الموضوع. والانصاف أنه غير واضح في مثل قوله في صحيح البزنطي (2): (سألته عما أخرج المعدن)، بل استعماله فيه في المحل أوضح، مع أنه قد عرفت ما في حديث الوحدة من حل ذلك بحمده تعالى. * لظاهر الصحيح المذكور (3) من جهة أن قوله (عشرين دينارا) يكون بدلا عن قوله: (ما يكون في مثله الزكاة)، فهو عرفا بمنزلة التفسير وليس من باب المثال، وإلا لصار من المجملات، كيف؟ ونصاب الفضة مائتا درهم ونصاب الغلات ما يزيد على مائتي من فيصير نصاب الملح مجهولا وأنه هل هو بمقدار نصاب الغلات؟ ولنصاب الأنعام أيضا حد آخر قابل للملاحظة من حيث القيمة مثلا، ولعله واضح بعد التأمل. والداعي إلى التعرض ما ذكره بعض علماء العصر قدس سره - في تعليقه على العروة - من أن الأحوط رعاية كل من نصابي الذهب والفضة في معدنهما، ورعاية أقل القيمتين في غيرهما من سائر المعادن. مع ما فيه أولا من أنه لا وجه لمراعاة نصاب الفضة في الفضة والذهب في الذهب، بل لابد من مراعاة أقل القيمتين على الاحتياط المشار إليه.


(1) الجواهر: ج 16 ص 20. (2 و 3) المتقدم في ص 47.

[ 56 ]

[ المعلوم أنه بعد إحراز النصاب المزبور يجب الخمس فيه وفي ما زاد وإن قل *. المسألة السادسة: لا يجزي في الخمس إخراج تراب المعدن لجواز نقصانه في الجوهر، أما لو علم بالاشتمال عليه فالظاهر إجزاؤه * *. ] وثانيا أنه في غيرهما وفيهما يتمشى احتمال ملاحظة نصاب سائر الأجناس الزكوية. والحل ما ذكر، والله الموفق. * كما في الجواهر بعين الألفاظ المذكورة في المتن (1)، إذ ليس الموضوع للخمس خصوص ما كانت قيمته عشرين دينارا، بل الموضوع: البالغ للقيمة المذكورة، فإنه لو كان الموضوع كل عشرين دينارا فالموضوع عام أفراده المبلغ المذكور بحده من غير زيادة ولا نقيصة، وأما إذا كان لسان الدليل المال البالغ لذلك فهو ظاهر أو صريح في أن الملاك هو الوصول إلى الحد المذكور، وليس لعدم التجاوز عنه دخل في الحكم، بل وكذا لو كان مفاده وجوب الخمس في ما يكون عشرين دينارا، فإن الظاهر منه أن المقصود أنه كان كذلك بحسب الحد الأقل، بخلاف ما إذا كان لسان الدليل وجوب الخمس في كل عشرين دينارا. نعم، لفظ البلوغ أظهر في أن الملاك هو الوصول إلى العشرين وليس الشرط عدم الزيادة عليها. * * كما في الجواهر عن المسالك والمدارك، لكن قد أشكل في ذلك ثم أمر بالتأمل (2). ولعل التحقيق أن يقال: إن هنا وجوها ومسألتين: فإنه قد يمكن أن يقال بصدق المعدن على الخليط، لأن الخليط ذو قيمة (كما


(1 و 2) الجواهر: ج 16 ص 21.

[ 57 ]

[... ] في الحنطة المخلوطة أو الخل المخلوط) وأن المعدن - كما تقدم -: (1) (كل ما خرج من الأرض وله قيمة) ويصدق ذلك على الخليط، وأما قيد (أن لا يكون من الأرض) فهو غير واضح كما مر، مع أن الخليط بما هو خليط غيرها. ومقتضى ذلك تعلق الخمس بالخليط إذا بلغ قيمته النصاب، وجواز إخراج الخمس من الخليط وإن احتمل عدم الاشتمال على الجوهر. لكنه مقطوع العدم (وإن كان يظهر احتمال ذلك عن بعض محشي العروة، لأنه جعل عدم كفاية إعطاء الخمس من التراب مع عدم العلم بالتساوي موردا للاحتياط ولم يحكم بعدم الأجزاء)، وذلك لأن (التراب) من الأرض أولا، وثانيا أنه ليس له قيمة مستقرة، بل قيمتها من جهة الخلط بالجوهر، فصار موجبا لنقصان قيمته، وإذا امتاز عنه لا يكون له قيمة، فلا شبهة في عدم صدق المعدن أو الجوهر على التراب المخلوط. وقد يمكن أن يقال - كما قيل - بأن مقتضى خبر زرارة المتقدم (2) (ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس): اشتراط التصفية في التعلق. ومقتضى ذلك عدم تعلق الخمس بالخارج من تراب المعدن بلغ قيمته ما بلغ، فلا يجزي إعطاء المخلوط من باب عدم تعلق الخمس. ولو فرض التصفية بمقدار النصاب فجواز الأعطاء من المخلوط مبني على جواز إعطاء جنس آخر بدلا عن الخمس وعدم جوازه، وعليه بنى بعض آخر من المحشين الأشكال في جواز ذلك إلا مع التصالح للحاكم الشرعي بذلك.


(1) في ص 44. (2) في ص 42.

[ 58 ]

[... ] ويمكن الاستدلال لهذا الوجه - مضافا إلى الصحيح المذكور (1) - بعدم صدق الأخراج، فإن الجواهر بعد في محله الذي هو التراب، فإن المقصود بالأخراج ليس الأخراج من تحت الأرض، وإلا لم يصدق الأخراج على الملح أصلا، بل المقصود هو الأخراج من محله، ومحل الذهب مثلا هو التراب المخلوط به، فبعد لم يخرج من محله. فمستند ذلك الوجه أمران: أحدهما: الصحيح، (2) وثانيهما: عدم صدق الأخراج. وكلاهما مردودان: أما الأول فلأن فيه ثلاثة وجوه: الأول: أن يكون المقصود أن الخمس بعد المؤونة والمصارف - كما نقلناه سابقا (3) عن الوافي - وهو بعيد جدا، إذ لم يعهد استعمال مادة التصفية في استثناء المؤونة. الثاني: ما يكون مبنى الوجه المتقدم، وهو أيضا بعيد، لقوة احتمال أن يكون كلمة (مصفى) بيان لقوله (من حجارته)، مع أن دخالة التصفية في التعلق من دون تأثير في حقيقة الجوهر بعيد بحسب الاعتبار، مع أن مقتضى ذلك إلغاء الخمس في جل المعادن، فإنه يبيعه المستخرج وليس عليه الخمس، والمشتري ليس عليه الخمس أيضا، لعدم تملكه بالاستخراج - كما في مصباح الفقيه (4) - وإن كان في ذلك تأمل. الثالث: أن يكون المقصود تعلق الخمس بالذهب مثلا خالصا وعدم تعلقه بالتراب. وأما الثاني وهو عدم صدق الأخراج فممنوع، فإنه قداخرج من محله الأصلي،


(1 و 2) في ص 42. (3) في ص 43. (4) ج 3 ص 113 - 114.

[ 59 ]

[ ولو جعل الجوهر قبل تعلق الخمس حليا أو دراهم - مثلا - مما يزيد في قيمته * أو بيع قبل ذلك فربح أو تصرف فيه بذلك - مثلا - أو بالبيع بعد تعلق الخمس فحيث إن كل تلك الفروع الأربعة من كليات باب الخمس يذكر ذلك إن شاء الله في المسائل المشتركة بين أقسام الخمس، وهو الموفق. ] وأما الأخراج من التراب فلا دليل عليه، وعلى فرض الشك يرجع إلى إطلاق ما دل على ثبوت الخمس في المعدن. بل يمكن أن يقال: إن الأخراج ليس شرطا في تعلق الخمس، فإن الخمس متعلق بالمعدن بشرط إخراج عشرين دينارا منه، فإذا أخرج عشرين دينارا خالصا ومصفى فالخمس في الكل فيجوز الأعطاء من غير المصفى. بل يمكن أن يقال: إن الخمس متعلق بالمعدن من غير اشتراط، والاشتراط بالأخراج والنصاب من حيث وجوب الأداء على المستخرج. فافهم وتأمل. وقد تحقق من ذلك قرب ما في المتن الذي هو موافق للعروة الوثقى أيضا. * في الجواهر كما في المدارك: ولو لم يخرج الجوهر من المعدن حتى عمله دراهم أو دنانير أو حليا أو نحو ذلك من الالات فزادت قيمته اعتبر في الأصل - الذي هو المادة - الخمس (1). انتهى. وفي المثال مناقشة جدا، فإن الخروج عن محله للاستفادة منه بجعله دراهم وحليا كاف في صدق الخروج والأخراج، إذ ليس المقصود هو الأخراج من تحت الأرض، وإن شك في ذلك فيكفي الأطلاق في تعلق الخمس، والمقصود هو


(1) الجواهر: ج 16 ص 21.

[ 60 ]

[ المسألة السابعة: لو وجد شئ من المعدنيات مطروحا في الصحراء ولم يتصرف فيه فلا شئ عليه مطلقا. ولو أخذه وكان قاطعا بالأباحة ولو من باب القطع بالأعراض، أو كان مسبوقا بالأباحة وشك في طرو الملكية والحيازة وقصد بذلك التملك فلا إشكال في وجوب الخمس إذا كان بالغا حد النصاب * *. ] إيجاد صفة في الجوهر قبل تعلق الخمس. والأولى ما ذكرناه في المتن. * أي سواء علم بكونه مملوكا لأنسان أخرج خمسه أو لم يخرج خمسه، أو شك في ذلك، أو علم بأنه ليس ذلك بفعل الأنسان، أو شك في كون الأخراج بفعل الأنسان أو غيره، لأنه على فرض صدق الغنيمة في صورة القطع بعدم كون ذلك من فعل الأنسان أو في صورة الشك في ذلك أو في صورة القطع بذلك مع الشك في قصد التملك والحيازة فلا دليل على وجوب الخمس على من اغتنم مالا من دون أن يتصرف فيه أصلا، ومقتضى الدليل هو وجود الخمس فيه، لا وجوب الخمس على المغتنم. ومما ذكرنا يظهر أنه لو كان المعدن في ملك مالك فأخرجه غاصب ولم يجعله تحت تسلط المالك فلا خمس عليه وإن كان ملكا له، بل هو أولى بعدم وجوب الخمس عليه، لأن صدق الغنيمة في المقام لعله أقرب، بل لو صدقت الغنيمة قطعا بأن أخرجه الغاصب مثلا وأودعه في محل لا يمكن للمالك التصرف فيه إلا بعد مضي حول أو أحوال فالدليل لا يقتضي وجوب الخمس عليه، فإن وجوب الخمس في الغنيمة غير وجوبه على المغتنم، فليتأمل. * * إذ لاوجه لصرف النظر عن إطلاق كون الخمس في المعدن، أوفي ما أخرج المعدن - كما في السؤال الوارد في صحيح البزنطي: سألت أبا الحسن عليه السلام عما

[ 61 ]

[ وكذا إن لم يقصد التملك بل قصد التصرف فيه واقتناءه والاستفادة منه *. وأما لو أخذه لا بقصد التملك ولا بقصد الاقتناء والتصرف فيه وجعله تحت يده - كما لو كان بقصد الرؤية - ثم وضعه في محله مثلا ] أخرج المعدن من قليل أو كثير... - (1) إلا قوله عليه السلام في خبر عمار: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (في ما يخرج من المعادن...) (2). والأخراج ظاهر في الاستناد إلى الفاعل المختار، وأما الخروج بواسطة الزلزلة أو السيل بل بواسطة الحيوان فلا يطلق عليه الأخراج. وهو مدفوع أولا بصدق الأخراج ولو لم يكن مستندا إلى ذي شعور واختيار، كما تقدم في صحيح البزنطي المتقدم (3). وثانيا يحتمل أن يكون الرواية بصيغة المعلوم الثلاثي اللازم، المنطبق على المورد. وثالثا أن ذلك من باب الغالب، وليس في مقام المفهوم من جميع الجهات أي من حيث دخالة عنوان الخروج ومن حيث دخالة كون الخروج مستندا إلى شئ، لا بنفسه - كفوران النفط مثلا - ومن حيث استناد الأخراج إلى الفاعل المختار، بحيث يكون ذلك بمنزلة ثلاث قضايا شرطية ذات مفهوم، كما لا يخفى، فالمسألة واضحة بحمده تعالى. * وذلك لصدق الغنيمة عليه، وإطلاق الخمس في ما خرج من المعدن ولو لم يتملك أصلا، كما يأتي إن شاء الله (4) وقد مرت الأشارة إليه.


(1 و 3) المتقدم في ص 47. (2) الوسائل: ج 6 ص 344 ح 6 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) في الصفحة الاتية.

[ 62 ]

[ ففي وجوب الخمس عليه إشكال وإن كان مقتضى الدليل وجوبه. وإذا أخذه وكان قاطعا بكونه ملكا للغير أو كانت ملكيته له ] * أما الأشكال فلعدم صدق الغنيمة بصرف الأخذ مع اشتراط صدق الغنيمة في الخمس. والظاهر هو الوجوب كما في المتن، لأطلاق وجود الخمس في ما أخرج المعدن، ولوجوب أداء مال الغير إليه، فإنه (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (1). لا يقال لا تصدق الغنيمة على ذلك. فإنه يقال أولا: نمنع عدم صدق الغنيمة عليه. وثانيا: إن الخمس لا يحتاج إلى صدق الغنيمة، فإن الاية تدل على وجود الخمس في الغنائم، لا على الانحصار بذلك. وأما خبر عبد الله بن سنان: (ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة) (2) وقريب منه ما عن العياشي عن سماعة (3)، فإما محمول على التقية بكون المراد به غنائم دار الحرب فيكون موافقا للمشهور بين العامة، أو يكون المقصود أن الخمس ليس مثل الزكاة حتى يكون في ما يحتاج إليه الأنسان في ضرورة معاشه فيكون الحصر إضافيا، أو يحمل على ما يكون غنيمة بالذات. وثالثا: إن احتمال صدق الغنيمة كاف في عدم اقتضاء الأطلاق خلاف ما يقتضيه إطلاق تعلق الخمس بالمعدن الخارج عن تحت الأرض الثابت في اليد. وفي الفرضين مخير بين أداء العين أو القيمة، لأنه أول من وجب عليه الخمس وهو مخير بين الأمرين. فتأمل.


(1) المستدرك: ج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب كتاب (2) الوسائل ج 6 ص 338 ح 1 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) المصدر: ص 342 ح 15.

[ 63 ]

[ مستصحبا وكان متعلقا للخمس فعلا أو كان مسبوقا بذلك وشك في الأداء ولم يصدر من المالك الأول عمل يحمل على أدائه، فالظاهر وجوب الخمس عليه. وإن أخذه في الفرض المتقدم ولكن لا يعلم بتعلق الخمس بذلك بحيث يجب إخراج خمس ذلك المطروح - بأن يكون تعلق الخمس بنحو الكلي في المعين وليس جميع ما تعلق به مطروحا فعلا - فلعل الظاهر عدم الوجوب * *. ] * وذلك لوجود الخمس فيه، ومقتضى وجوب أداء مال الغير: رده إلى صاحب الخمس. لا يقال: حيث كان المالك مخيرا بين العين والقيمة، ومقتضى تعذر أحد فردي التخيير تعين الاخر فالمتعين عليه القيمة، وتعين القيمة عليه ينافي لزوم الخمس على من بيده المال. فإنه يقال: التعين عليه من حيث التكليف المتوجه إليه، فلا يتخير هو بين العين والقيمة، وأما من حيث جري اليد الثانية على المال يصير الوجوب كفائيا فيجب إما على المالك القيمة وإما على من بيده المال أداء الخمس عينا أو قيمة على إشكال من حيث التخيير بين العين والقيمة، لعدم الدليل الواضح على التخيير بالنسبة إلى اليد الثانية، ولا ولاية لمن بيده المال على الأفراز من العين حتى يؤدي عينه، فمقتضى الاحتياط: المعاملة مع صاحب الخمس أو الأفراز بإذن الحاكم. * * لأنه على فرض كون ما خرج مثلا بمقدار النصاب فكون ذلك المطروح متعلقا للخمس - بمعنى ثبوت حق مردد بين تعلقه بذلك أو بما بقي بعد ذلك - لا يثبت تعلق الخمس بذلك المطروح، فمقتضى الأصل: عدم وجوب إخراج خمس هذا الموجود، هذا إذا لم يكن عليه أثر المعاملة. وأما إذا كان المعلوم أن صاحب المعدن باعه من غيره - كالخاتم المحكوك المعلوم أن حكه ليس من فعل صاحب

[ 64 ]

[ المسألة الثامنة: الظاهر أن ما يعد من أجزاء الأرض ولا يكون نادر الوجود وكثير القيمة جدا كالمرمر لا يكون متعلقا للخمس. ] المعدن - فلا ريب أن مقتضى أصالة الصحة في المعاملة وأمارية اليد هو الملكية الطلقية للثاني، وإذا كان الاشتراء من الذي لا يعتقد الخمس فهو القدر المتيقن من أخبار التحليل. وخلاصة الكلام أن هنا امورا: الأول: عدم وجوب الخمس إذا لم يأخذه أصلا. الثاني: عدمه أيضا إذا لم يعلم بتعلق الخمس بهذا المطروح بنحو الأشاعة أو بنحو الكلي في المعين في ذاك المطروح، إلا أن الأحوط المصالحة مع ولي الخمس بشئ، ومعاملة المجهول مالكه بالنسبة إلى الباقي خصوصا إذا لم يكن الاشتراء من صاحب المعدن معلوما. الثالث: وجوب الخمس إذا كان مباحا أو محكوما بها شرعا وأخذ بقصد التملك أو الاستفادة أو بدون ذلك، على الأقرب. الرابع: وجوبه أيضا إذا علم بتعلقه بذلك، لكن الأحوط أن يكون إخراج الخمس بإذن الحاكم الشرعي أو بالمصالحة مع صاحب الخمس من دون التصرف في المال، ومعاملة المجهول مالكه مع الباقي. كل ذلك في فرض العلم بالخروج عن المعدن بمقدار النصاب. * لما تقدم (1) من تعريف المعدن ب‍ (- ما يخرج من الأرض مما له قيمة وكان غيرها). وإن كان المعدن مطلق ما له قيمة ممتازة عن سائر تراب الأرض لكان حجارة الرحى والتراب الأحمر والجص والنورة وطين الغسل بل وما يؤخذ ويجعل ظروفا وأواني بل والتربة الحسينية من المعادن، وذلك مما لا يساعده العرف.


(1) في ص 44.

[ 65 ]

[ وأما الفيروزج فالظاهر صدق المعدن عليه *. ولا فرق بين القليل والكثير. المسألة التاسعة: الظاهر أن القليل من المعدن المنقطع بعد الأخراج بمقدار النصاب متعلق للخمس أيضا * * *. المسألة العاشرة: لا فرق بين المسلم والكافر إذا كان المعدن مستخرجا من الأرض المملوكة لهما * * * *. ] * فإنه وإن كان مثل المرمر لأنه حجر ممتاز، لكنه لشدة ظرافته وعلو قيمته يعد من جنس الفلزات أو البلور عرفا. * * وإن نقل قدس سره في الجواهر عن استاذه الأشكال في القليل المستنبط بمقدار النصاب، المنقطع بعد ذلك (1) ولكن الأقوى وجوبه، للأطلاق كما في الجواهر (2). والانصراف ممنوع، مع إمكان أن يقال: إنه داخل في إطلاق الغنيمة، واستثناء مؤونة الشخص وعياله مخصوص بأرباح المكاسب. وللكلام محل آخر ربما يأتي تنقيح الحق فيه بعونه تعالى إن شاء الله. * * * لما تقدم في التعليق السابق. * * * * وذلك لأطلاق أداء الخمس في المعادن. وما يمكن أن يتوهم وجها لعدم الخمس عليه امور كلها مدفوعة: منها: عدم تكليف الكفار بالفروع كما عن صاحب الحدائق والمحدث الكاشاني وعن الأستر آبادي، خلافا لغيرهم من علماء الخاصة والعامة إلا أبي حنيفة كما في مصباح الفقيه (3) وغيره. وفيه أولا: أن مقتضى كثير من الأطلاقات هو العموم. وما فيه التقييد بالمؤمن فلا يكون مقيدا، لظهور الفائدة في القيد، لأنه الذي يصلح أن ينبعث نحو الفعل.


(1 و 2) الجواهر: ج 16 ص 23. (3) ج 1 (الطهارة) ص 227.

[ 66 ]

[... ] وثانيا: أنه قدورد في خصوص الزكاة قوله تعالى: وويل للمشركين z الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم كافرون، (1) ولا فرق بين الخمس والزكاة قطعا. وثالثا: أن مقتضى غير واحد من الأطلاقات: ثبوت الحق، وهو غير التكليف، وأثره جواز التقاص عنهم لصاحب الخمس مثلا. ومنها: عدم تملك الكافر للمعدن من جهة احتمال كون المعدن بنفسه من الموات التي تكون للأمام عليه السلام، كما قال في الجواهر في آخر كلامه: ولعله لأنه بنفسه في حكم الموات وإن كان في أرض معمورة (2). ولعل ذلك هو الوجه لما في الجواهر عن الشيخ قدس سره وعن ظاهر البيان: من عدم جواز التصرف في المعدن للكافر (3). وفيه أولا: وضوح عدم صدق المعمورة والموات إلا باعتبار سطح الأرض وإلا كان جوف جميع الأرضين مواتا متعلقا بالأمام، وهو ضروري البطلان. وثانيا: أن المستفاد من مجموع الروايات أن الملاك لملكية الأمام عليه السلام: عدم الرب للأرض، والمعدن الواقع في المملوكة له رب بتبعية الأرض. ومنها: أن المعادن من الأنفال، ولعل ذلك مراد صاحب الجواهر من أنها بحكم الموات. ويستدل على ذلك بخبر إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأنفال، فقال: (هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله


(1) سورة فصلت: 6 - 7. (2) الجواهر: ج 16 ص 24. (3) الجواهر: ج 16 ص 23.

[ 67 ]

[... ] وللرسول. وما كان للملوك فهو للأمام. وما كان من الأرض بخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وكل أرض لا رب لها والمعادن منها. ومن مات وليس له مولى فماله من الأنفال) (1). وخبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام: قال: (لنا الأنفال). قلت: وما الأنفال؟ قال: (منها المعادن والاجام. وكل أرض لا رب لها...) (2). وخبر داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت: وما الأنفال؟ قال: (بطون الأودية ورؤوس الجبال والاجام والمعادن...) (3). والجواب عن ذلك بوجوه: الأول: ضعف السند بالأرسال في الخبرين الأخيرين، وضعف الدلالة في الأول، لاحتمال رجوع الضمير إلى الأرض التي لا رب لها، ونقل أن في بعض النسخ (فيها) بدل (منها). الثاني: عدم ظهورها في المطلوب بقرينة ذكره في طي الاجام ورؤوس الجبال، فإن المقصود منها: ما ليس لها رب، فإن ماله رب من رؤوس الجبال وبطون الأودية والاجام لا يكون من الأنفال عندهم قطعا. الثالث: أنه لو فرض الظهور في ذلك فلا ريب أنه معارض بما ورد في بيان


(1) الوسائل: ج 6 ص 371 ح 20 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 372 ح 28 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: ح 32.

[ 68 ]

[... ] تعداد الأنفال بنحو الضابطة الكلية، كخبر حماد الطويل: (والأنفال كل أرض خربة باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحا وأعطوا بأيديهم على غير قتال، وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والاجام وكل أرض ميتة لا رب لها) إلى قوله: (وهو وارث من لا وارث له) (1). الرابع: أنه على فرض كونها من الأنفال فلا ريب في أن ما ثبت به الأذن في الاستخراج للمسلم - من دليل ثبوت الخمس، الظاهر أو الصريح في أن غيره للمخرج - يشمل الكافر أيضا، والقدر المتيقن من إطلاقه: الأرض المملوكة. ومنها: عدم معهودية أخذ الخمس والزكاة من الكفار في بلد الأسلام. وفيه: أن ذلك لعله من باب عدم معهوديه أخذ الخمس في عصري الرسول والولي من أرباح التجارات والزراعات، من باب أن أمر ذلك إلى الوالي، وليس الخمس والزكاة كالصلاة التي لا يتغير وجوبها بالنسبة إلى الحالات والطوائف، أو من باب عدم لزوم ذلك على الوالي، أو من باب عدم جوازه له كما نبين وجهه، وهذا غير عدم ثبوت الخمس في مالهم، كما أنه لا يجب على الوالي أو لا يجوز له إجبارهم على التحرز عن شرب الخمر ولحم الخنزير، وهذا غير حرمة ذلك عليهم. ومنها: مفروغية ثبوت العبادية للخمس ولزوم وقوعه في الخارج على وجه العبادة، وعدم تمكن الكافر من ذلك، والأجبار لا يصححه، لعدم وقوعه على وجه يصح أن يقع عبادة عنه - ولو بقصد النيابة عنه كما في الممتنع المسلم - وأخذ ولي الخمس منه مع هذا الوصف غير جائز. فهو في حكم عدم لزوم الخمس عليه، لأنه


(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 69 ]

[ لكن الظاهر أنه ليس للحاكم إجبار الذمي بل ولا المعاهد على أدائه *. ] لا أثر له إلا ثبوت العقوبة، بل لعل لازم ذلك عدم الوجوب عليه من باب أنه لا يصح منه حال الكفر، وإن أسلم لا يجب عليه، فإن الأسلام يجب ما قبله، لكن ذلك مدفوع بأن الجب عنه مع وجود عينه ممنوع، بل لعله لا تأثير للتلف أيضا، لثبوت التخيير بين العين والقيمة من أول الأمر، فلم يفت عنه إلا لزوم التعجيل. والجواب عن ذلك عدم الدليل على عبادية الزكاة - كما اعترفوا به - إلا المصرح باعتبارها فيه (1) كما في الجواهر (2). والأطلاقات المذكورة مخدوشة - كما ذكرناه في كتاب مباني الأحكام - وإلا لزم التخصيص الكثير المستهجن، وهي معارضة بإطلاق نفس أدلة الباب. والأجماع المذكور غير ثابت في الخمس، بل لعل السكوت دليل على عدم اللزوم، بل لعل حرمة التصدق على بني هاشم تدل على عدم اعتبار قصد التقرب، لأنه ليست الصدقة عرفا إلا الأنفاق بقصد التقرب، وعلى فرض عبادية الخمس فلا دليل على عباديته في ما على الكافر، كيف؟! وقد صرحوا كما في الجواهر عن البيان في الخمس في أرض الذمي بعدم لزوم النية فيه، قال: ولا يشترط فيها النصاب ولا الحول ولا النية (3). وحينئذ فمقتضى الأطلاق وجوب الخمس على الكافر في المعدن المستخرج من ملكه. * وقد صرح بذلك السيد الطباطبائي البروجردي قدس سره في تعليقه لكن بالنسبة


(1) الوسائل: ج 1 ص 34 ح 7 و 10 من ب 5 من أبواب مقدمة العبادات. (2) قد رأيت في كشف الغطاء - ص 363 - التعرض له والحكم بوجوب النية - القربة - في الخمس (منه قدس سره). (3) ج 15 ص 472. (4) الجواهر: ج 16 ص 69.

[ 70 ]

[ وأما الحربي فالظاهر وجوب الخمس عليه ووجوب أخذ الحاكم منه على فرض الامتناع إن تمكن من ذلك ولم يكن فيه مفسدة، على ] إلى الذمي، فعلق على العروة حيث قال قدس سره في العروة: (ويجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر على دفع الخمس مما أخرجه) (1) بقوله: (غير الذمي الملتزم بشروط الذمة). أقول: في المسألة وجوه: الأول: أنه يجب عليه الأجبار في صورة الامتناع، من باب الولاية على أرباب الخمس، وإلا فذلك يعد خيانة بالنسبة إليهم، كمتولي الوقف المسامح في الأخذ والصرف في المصرف. الثاني: أنه يجوز له الأجبار، من باب أنه إن أخذ منهم فقد أخذ ما هو حقه، وإلا فلم يفعل حراما، لضرورة عدم لزوم إجبار أهل الذمة بالشهادتين فكيف بالخمس! فليس الخمس أهم من الشهادتين. الثالث: عدم الجواز وإن كان يجب الخمس عليهم، لأنه لولا ذلك لم يكن فرق بين الحربي والذمي، فإن مقتضى قبول الذمة منهم وتخييرهم بين الأسلام والذمة: عدم حق للحاكم في إجبارهم وإلا قام الحرب، فإن جواز الأجبار هو عبارة اخرى عن جواز التخيير بين الأمرين إما الحرب وإما الأسلام. ومن ذلك يظهر الكلام في المعاهد وأن مقتضى قبول الكافر من دون الأجبار على الأسلام: أنه مأمون من الأجبار على الأسلام، ولازم ذلك: عدم حق الأجبار على الأسلام الذى من فروعه الخمس، كما أنه ليس له إجبارهم على ترك لحم الخنزير مثلا وإن كان تكليفهم التجنب، ولازم ذلك: جواز التقاص منهم وجواز الأخذ منهم بعنوان الخمس.


(1) العروة الوثقى: كتاب الخمس، الفصل الأول.

[ 71 ]

[ الأحوط *. المسألة الحادية عشر: الظاهر جواز إخراج المعدن للمسلم من الموات وعليه الخمس، من غير فرق بين المعادن الظاهرة والباطنة * *. ] * لما تقدم - في الوجه الأول من الوجوه المذكورة في الفرع السابق - من أن ذلك مقتضى الولاية على الخمس وحفظ منافع من له الولاية عليه. * * أما المعادن الظاهرة فلما في الجواهر من أن: المشهور نقلا وتحصيلا على أن الناس فيها شرع سواء، بل قيل: إنه يلوح من محكي المبسوط نفي الخلاف فيه، مضافا إلى السيرة المستمرة في سائر الأعصار والأمصار - حتى في زمان تسلطهم عليهم السلام - على الأخذ منها بلا إذن، حتى في الموات والمفتوحة عنوة، ولقوله تعالى خلق لكم ما في الاءرض جميعا (1)، ولشدة حاجة الناس إلى بعضها المتوقف عليه معاشهم، وفي خبر أبي البختري: (لا يحل منع الملح والنار (2) (3). انتهى ملخصا. ولا يخفى أن موضوع كلام صاحب الجواهر: المعادن الظاهرة، لأنه يقول بعد عشر ونيف سطرا: (هذا كله في المعادن الظاهرة). ولكن يظهر من مطاوي كلماته في بعض الفروع الاخر أن مقصوده مطلق المعادن. ولكن الأنصاف أن السيرة ليست مستقرة على ذلك في المعادن الباطنة ولا


(1) سورة البقرة: 29. (2) الوسائل: ج 17 ص 331 ح 2 من ب 5 من أبواب إحياء الموات. (3) الجواهر: ج 38 ص 108 - 109.

[ 72 ]

[... ] في المعادن الظاهرة التي تكون في الأملاك الشخصية وتكون ذات قيمة. وأما الملح فمن باب عدم الاعتناء بشأنه أو كونه في أراضي الموات أو المفتوحة عنوة. وكيف كان، فالظاهر أنه لا إشكال في المعادن الظاهرة التي هي في أرض الموات، لما ذكر، خصوصا إذا أحيا الأرض بالغرس أو البناء أو غيرهما. وأما المعادن الباطنة التي فيها فيصدق على الوصول إلى نيلها الأحياء. قال قدس سره في الشرائع: (فهي تملك بالأحياء) (1). وقال بعد ذلك: (وحقيقة إحيائها أن يبلغ نيلها) (2). وقال قدس سره في الجواهر بعد العبارة الاولى: بلا خلاف أجده بين من تعرض له، كالشيخ وابني البراج وإدريس والفاضل والشهيدين والكركي...، بل عن ظاهر المبسوط والمهذب والسرائر: الأجماع على ذلك، بل الظاهر أن الحكم كذلك. وقال قدس سره بعد العبارة الثانية: بلا خلاف أجده (3). انتهى. فلا إشكال في صدق الأحياء، فما في مصباح الفقيه من أن: عموم قوله صلى الله عليه وآله: (من أحيا أرضا ميتة فهي له) (4) إنما يجدي في ما لو أحيا أرضا مشتملة على معدن يتبعها في الملكية (5).


(1 و 2) الشرائع: ج 4 ص 796. (3) الجواهر: ج 38 ص 10 - 112. (4) الوسائل: ج 17 ص 327 ح 5 و 6 من ب 1 من أبواب إحياء الموات، وص 328 الباب 2 من أبواب إحياء الموات. (5) مصباح الفقيه: ج 3 ص 114.

[ 73 ]

[... ] مما لا يوافقه كلام الأصحاب الموافق للعرف، فإن نفس حفر المعدن من مصاديق الأحياء، كما في جل الروايات أو كلها الواردة في الأحياء (1) وفي بعض الروايات: (وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض أو عملوه) (2)، وفي بعضها (أو عمروها) (3)، وفي خبر السكوني: (أو حفر واديا بديا لم يسبقه إليه أحد) (4)، فلا إشكال في صدق الأحياء والعمل والعمران على ذلك ويتبعه ملكية المعدن. إنما الأشكال في أن مقتضى بعض الروايات: عدم كون الأحياء مملكا، بل الأحياء مجوز للتصرف بمقدار ما يؤكل ويصرف في المؤونة، كمصحح أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (وجدنا في كتاب علي عليه السلام إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين (5) أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا. فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي وله ما أكل منها، فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها فليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها حتى


(1) الوسائل: ج 17 ص 326، الباب 1 من أبواب إحياء الموات. (2 و 3) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 1 و 3 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (4) المصدر: ص 328، الباب 2. (5) سورة الأعراف: 128.

[ 74 ]

[... ] يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله صلى الله عليه وآله ومنعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا، فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم) (1). وجه المنافاة أن مقتضى ذلك إعطاء جميع منافعها للأمام إلا ما أكل منها، فما يخرج من المعادن لا يملكه إلا بمقدار ما يحتاج إليه والباقي للأمام، ولازم ذلك: ثبوت الخمس عليه في مقدار ما يحتاج إلى الصرف. لكن حيث إنه مخالف لصريح ما استفاض أو تواتر من دليل الأحياء فلابد من حمله على ما لا ينافيه، بل لا يكون ظاهره مخالفا لما هو مبنى المسألة من كون جميع المنافع لمن أحيا الأرض، وذلك لاحتمال أن يكون المراد من الخراج: الضريبة التي تجعل من طرف الأمام على الأرض من باب الزكاة والصدقات، وهو أحد معني الخراج كما في مجمع البحرين، وبهذا المعنى يقال: خراج العراقين، وهو الذي يستفاد من صحيح مسمع بن عبد الملك: (فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم)، (2) فإن الطسق هو الوظيفة من خراج الأرض المقدرة عليها، كما في مجمع البحرين عن الجوهري وكذا في الوافي (3). ومقتضى بعضها الاخر عدم كون الأحياء موجبا لتملك المنافع بالنسبة إلى غير الشيعة من المسلمين، كخبر مسمع بن عبد الملك، قال: قلت لأبي عبد الله: إني كنت وليت البحرين الغوص (كما في أكثر النسخ) إلى أن قال:


(1) الوسائل: ج 17 ص 329 ح 2 من ب 3 من أبواب إحياء الموات. (2) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 12 من ب 4 من أبواب الأنفال. (3) ج 10 ص 287.

[ 75 ]

[... ] (إن الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا) إلى أن قال: (وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم (أيدي سواهم) فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة) (1). وهذا الخبر غير مضر بالمبحوث عنه في هذا المقام إذا كان المحيي من الشيعة، وذلك لأن عدم مالكيتهم للأرض غير عدم مالكيتهم لمنفعة الأرض كالمنافع الاخر المستفادة منها، بل ظاهر الحلية جواز جميع التصرفات المتوقفة على الملك في ما يستخرج من الأرض، وأما إذا كان المحيي من غيرهم فمقتضى إطلاق ذلك: عدم تملك المعدن حتى يجب عليه فيه الخمس، بناء على اشتراط تعلق الخمس بصدق الغنيمة. وحيث إن الخبر المزبور بظاهره مخالف لغير واحد من الروايات الدالة على أن الأرض لمن أحياها، وعلى أن الكافر أحق بالأرض إذا أحياها، وعلى أن المحيي من المسلمين أحق بها حتى يظهر القائم فيأخذ الأرض من أيديهم، وعلى أن هلاك القوم من جهة التصرف في الخمس الدال على حصول باقي المال لهم حتى كان عليهم الخمس والدال على أنه ليس عليهم بأس من جهة الباقي - فراجع روايات الباب الرابع من الأنفال (1) - فلابد من توجيه الخبر المزبور إما بما أشار إليه في الوسائل بأن يكون المقصود من الأرض هو أرض البحرين، وهو بعيد


(1) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 12 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 378.

[ 76 ]

[ وأما إخراج المعادن من الأراضي المفتوحة عنوة التي تكون رقبتها للمسلمين فلا إشكال في الظاهرة منها على الظاهر إذا كان المخرج مسلما * ]. جدا من سوق الرواية الواردة في مقام بيان مطلب كلي مستمر إلى قيام القائم، وإما بغير ذلك. والذي أظن في توجيه الخبر الشريف أن المقصود من أن (الأرض كلها للأمام) هو الملكية الولائية، ويكون حرمة ذلك من حيث عدم كونه بإذن ولي الأمر. ونظير ذلك لتوضيح المرام تصرف الابن في مال نفسه مع نهي الوالد عن التصرف الخاص، فإنه لا يكون حراما من حيث التصرف في مال الغير بل يكون حراما - بناء على وجوب إطاعته وحرمة مخالفته أو في ما كان عقوقا - من جهة ذلك، بخلاف من يتصرف في مال أبيه من دون رضاه في التصرف في المال أو من دون رضاه في ذلك التصرف. وأما إخراجهم فذلك كإخراج الكفار لا يدل على عدم تملكهم قبل قيام القائم، بل المستفاد من بعض الروايات أنه يمكن أخذ الأرض من الشيعة أيضا، ففي خبر عمر بن يزيد: (من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الأمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم عليه السلام فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه) (1). وملخص الكلام أن من أحيا أرضا من المسلمين بإخراج المعادن الباطنة فعليه الخمس ولو على القول بتوقف الخمس على ملكية ما يخرج من المعدن، وهو العالم. * لما تقدم (2) مما نقلناه عن الجواهر من قيام السيرة القطعية على كون الناس


(1) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 13 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) في ص 71.

[ 77 ]

[ وأما إخراج المعادن الباطنة منها فلا إشكال للمسلم إذا كان بإذن الحاكم الشرعي والسلطان المتولي للخراج معا إذا كان موجودا، وإلا فبإذن الحاكم الشرعي، وليس للحاكم الأذن في ذلك إلا في ما يرى فيه مصلحة المسلمين بإيجاد المعدن وصرف عوضه في المنافع العامة لهم، وفي غير ذلك إشكال * ] فيها شرع سواء. * وجه عدم الجواز أمران: أحدهما: دعوى كون المعدن جزء للأرض أو بحكمه، لأنه من غير المنقول، وكل ذلك للمسلمين، وما يمكن أن يتصرف فيه ويتملك منها هو المنافع، كأن يغرس فيها الأشجار أو يزرع الأرض ويتملك غلتها، فهو بعينه للمسلمين. ثانيهما: أنه على فرض كونه بحكم المنافع فهو أيضا غير واضح في عصر الغيبة، فإن الشيخ الأنصاري قدس سره ذكر في مكاسبه وجوها خمسة: الأول: عدم جواز التصرف إلا بإذن السلطان الذي يحل منه أخذ الخراج والمقاسمة. الثاني: جوازه مطلقا، نظرا إلى ما دل على تحليل الأرض مطلقا للشيعة. الثالث: عدم الجواز إلا بإذن الحاكم الشرعي الذي هو نائب الأمام عليه السلام. الرابع: الجواز لمن يحل له أخذ الخراج وعدم الجواز لغيره. الخامس: التفصيل بين ما عرض له الموت فيجوز التصرف فيها بالأحياء - لأطلاق دليل الأحياء - وبين

[ 78 ]

[... ] ما بقي على عمارتها من حين الفتح فلا يجوز التصرف فيها. قال بعد ذلك: أوفقها بالقواعد: الاحتمال الثالث ثم الرابع ثم الخامس (1). أقول أولا: إنه قد ظهر مما في المتن وجه آخر، وهو عدم الجواز إلا بالاستيجار من الحاكم والسلطان معا. وثانيا: إن تحليل الأرض للشيعة لا يدل على الجواز المطلق بل الجواز للشيعة. وثالثا: إن هنا وجوها اخر تستفاد مما ذكر، وهي الجواز بإذن الحاكم والسلطان معا، أو كفاية أحدهما، أو كفاية أحد الثلاثة من حلية الخراج له أو إذن الحاكم أو إذن السلطان، أو غير ذلك. والظاهر عدم وجه لجواز التصرف فيه بغير الاستيجار من الحاكم الشرعي والسلطان المتولي للخراج إلا بعض روايات التحليل، كخبر مسمع بن عبد الملك المتقدم (2) وخبر عبد الله بن سنان (3)، والمنساق من مثل ذلك هو الحلية بالنحو المتعارف المعمول بأن يعطي الخراج المضروب عليها لمن يتولى الخراج إن كان متوليا للأمر، وإلا فبإذن الحاكم الشرعي الذي لا يمكن له الأذن إلا بالاستيجار، لعدم مصلحة للمسلمين في غير ذلك. وأثر التحليل جواز التصرف في الأرض مع مراعاة الجهات المتعارفة بحيث لا يحتاج إلى إثبات الولاية للحاكم الشرعي، فلا يحتاج إلى أدلة النيابة وإثبات عمومها.


(1) المكاسب: ص 163. (3) في ص 75. (3) الوسائل: ج 11 ص 121 ح 3 من ب 72 من أبواب جهاد العدو.

[ 79 ]

[ ومن ذلك يظهر عدم جواز إخراج المعادن الباطنة من الأرض المفتوحة عنوة للكافر بالأولوية إلا بالأيجار المأذون من قبل من له التصرف فيها. ومقتضى الاحتياط بالنسبة إلى المعادن الظاهرة أيضا كذلك بالنسبة إلى غير الذمي. وأما الذمي بل المعاهد فالظاهر أنه بحكم المسلم في ما تقدم *. وأما إخراج الكافر المعادن الباطنة من الموات ففيه إشكال * *. ] * لعموم السيرة المتقدمة (1) المدعاة. * * وجه الأشكال أن تملك المعدن له إنما هو من باب الأحياء، وكون إحياء الكافر مملكا له محل إشكال عندهم. فإن المستفاد من الجواهر أن: في التذكرة وجامع المقاصد دعوى الأجماع على الاشتراط المذكور (2). وجعل في الجواهر مورد الأجماع أن حصول الأذن من الأمام في الأحياء لا يكفي في تملك الكافر بخلاف المسلم. لكن مع ذلك قال: التحقيق خلافه، لظهور النص والفتوى في كون الأحياء سببا شرعيا لحصول الملك. وأما الأجماع المزبور فلم نتحققه، بل لعل المحقق خلافه، فإن المحكي صريحا عن المبسوط والخلاف والسرائر و جامع الشرائع وظاهر المهذب واللمعة والنافع: عدم


(1) في ص 71. (2) الجواهر: ج 38 ص 11 و 12.

[ 80 ]

[... ] اعتبار الأسلام، بل في الخلاف نسبة الخلاف في ذلك إلى الشافعي وأنه الذي قال: لا يجوز للأمام أن يأذن للكافر فيه، وإن أذن فأحيا الأرض لم يملكها. إلى أن قال: إن جامع المقاصد (المدعي للأجماع على اعتبار إسلام المحيي) قال: وهل يملك الكافر بالأحياء في حال الغيبة؟ وجدت في بعض حواشي الشهيد على القواعد أنه يملك به. إلى أن قال صاحب الجواهر قدس سره: فالمتجه: الملك بالأحياء مطلقا ولو لحصول الأذن منهم عليهم السلام في ذلك - قال: - ولافرق في ذلك بين الموات في أرض الأسلام وغيرها خلافا لما يظهر من بعض، ولا بين الذمي وغيره من أقسام الكفار وإن كان لنا تملك ما يحييه الحربي كباقي أمواله (1). انتهى ملخصا. والمقصود من ذلك كله: إيضاح كلام الأصحاب رضي الله عنهم في هذا المقام وبيان أنه ليس في البين إجماع يعتمد عليه على اشتراط كون المحيي مسلما، بل مظنة الأجماع على خلافه، فالمتبع هو الدليل. فنقول: مقتضى إطلاق غير واحد من الأخبار: عدم الفرق بين المسلم والكافر، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: قال: (أيما قوم أحيوا شئ من الأرض أو عمروها فهم أحق بها) (2).


(1) الجواهر: ج 38 ص 13 - 17. (2) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 3 من ب 1 من أبواب إحياء الموات.

[ 81 ]

[... ] ونحوه ما رواه محمد بن حمران في الصحيح أو الحسن بزيادة (وهي لهم) (1). وفي الصحيح أو الحسن بإبراهيم عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وفضيل وبكير وحمران وعبد الرحمان، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قالا (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحيا أرضا مواتا فهي له) (2). إلى غير ذلك (3). ويدل على كفاية إحياء الكافر بالخصوص صحيح محمد بن مسلم، قال: سألته عن الشراء من أرض اليهود والنصارى. فقال: (ليس به بأس قد ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الأرض في أيديهم يعملونها ويعمرونها فلا أرى بها بأسا لو أنك اشتريت منها شئ. وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض وعملوها فهم أحق بها وهي لهم) (4). والظاهر أن المقصود من قوله (خارجهم) أي صالحهم بجعل خراج وضريبة عليهم، كما يستفاد من بعض كتب اللغة. وما عن الصدوق في الفقيه:


(1) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 4 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (2) المصدر: ص 327 ح 5. (3) المصدر: ص 326 الباب 1 وص 328، الباب 2. (1) الوسائل: ج 11 ص 118 ح 2 من ب 71 من أبواب جهاد العدو.

[ 82 ]

[... ] (قد ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله على خيبر فخارجهم على أن يكون الأرض في أيديهم يعملون فيها ويعمرونها، وما بأس لو اشتريت منها شئ. وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض فعمروه فهم أحق به وهو لهم) (1). وصحيح أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء الأرضين من أهل الذمة. فقال: (لا بأس أن يشتريها منهم إذا عملوها وأحيوها فهي لهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله حين ظهر على خيبر وفيها اليهود خارجهم على أن يترك الأرض في أيديهم يعملونها ويعمرونها) (2). وما ذكر صريح في أهل الذمة، ومقتضى الأطلاق عدم الفرق بينهم وبين سائر الكفار. وليس في البين ما ينافي ذلك إلا صحيح الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام: قال: (وجدنا في كتاب علي عليه السلام إن الاءرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين (3) أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتقون،


(1) الوسائل: ج 17 ص 327 ح 7 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (2) الوسائل: ج 17 ص 330 ح 1 من ب 4 من أبواب إحياء الموات. (3) سورة الأعراف: 128.

[ 83 ]

[... ] والأرض كلها لنا. فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي وله ما أكل منها. فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها). إلى أن قال: (كما حواها رسول الله صلى الله عليه وآله ومنعها...) (1). وجه المنافاة هو التقييد بالمسلمين الظاهر في اشتراط كون المحيي مسلما. ولا ريب أن ما تقدم (2) صريح في كفاية الأحياء من أهل الذمة فهو مقدم عليه، مضافا إلى إمكان منع الظهور في التقييد المتقدم للمفهوم المخالف، لأن المفهوم يؤخذ إذا لم يكن نكتة في التقييد، ويمكن أن يكون المقصود عدم الاختصاص بالشيعة في قبال الذيل الدال على أن القائم عليه السلام يرجح الشيعة على غيرهم، لعل المقصود بذلك: التعميم. وعدم ذكر العموم في هذا المقام إما لعدم الابتلاء ببلاد الحرب وكون أهل الذمة بحكم المسلمين في جميع الامور، فإن مقتضى أخذ الجزية عنهم ومقتضى قبولهم في اجتماع المسلمين: ذلك عرفا، وإما لأن المقصود من التقييد هو بيان من يؤخذ منه الخراج، وهم يعطون الجزية لا الخراج الذي من قبيل الزكاة. والذي يسقطه عن الظهور ذيله المستشهد بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد تقدم أن


(1) الوسائل: ج 17 ص 329 ح 2 من ب 3 من أبواب إحياء الموات. (2) في ص 81 و 82.

[ 84 ]

[ المسألة الثانية عشر: يجوز استيجار الغير لأخراج المعدن في المعادن الظاهرة التي تملك بالحيازة والباطنة التي تملك بالوصول إلى نيلها، فيصدق الأحياء فيملكه المستأجر بفعل الأجير، هذا إذا كان مورد الأجارة هو الأخراج في المعادن الباطنة أو الحيازة في الظاهرة بنحو الأطلاق *. ] فعل رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان إبقاء الأرض في أيدي الكفار من غير فر بين الموات والمحياة. ومن ذلك يظهر الجواب عما في المستدرك عن عوالي اللالئ عنه صلى الله عليه وآله: (عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني...) (1). وما في الجواهر عنه صلى الله عليه وآله أيضا: (موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون) (2). فإن الظاهر أنه ليس بصدد التقييد، بل من باب أن محل الابتلاء هم المسلمون لا غيرهم. ومن هذين الخبرين يظهر ما تقدم سابقا (3) من ملكية الأمام للأرض وأنه من قبيل ملكيته تعالى، فإنه جعل ملكيته صلى الله عليه وآله في سياق ملكيته تعالى. فافهم وتأمل. * على ما صرح به قدس سره في العروة الوثقى (4). وذلك لأن مورد الأجارة إن كان مطلق الأخراج الموجب للتملك فيملك المستأجر ذلك، ومالكية ذلك لا معنى له


(1) المستدرك: ج 17 ص 112 ح 5 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (2) الجواهر: ج 38 ص 8. (3) في ص 15. (4) في المسألة العاشرة من الفصل الأول من كتاب الخمس.

[ 85 ]

[ وأما لو كان متعلق الأجارة النيابة في الأخراج في الباطنة أو الحيازة في الظاهرة - بأن كان الأجير مكلفا بالأخراج بقصد أن يتملكه المستأجر - فالظاهر عدم الوقوع له بذلك إلا إذا قصد بذلك تملكه *. ] إلا مالكية أثره، وهو ملكية المعدن للمستأجر. ومعنى الأطلاق أنه من غير فرق بين أن يقصد الأجير تملك نفسه أو تملك الغير أو لم يقصد تملكا لنفسه ولغيره أصلا، فإنه ملك المستأجر عمل الأجير، وعمله عمل المستأجر في اعتبار العرف بلا إشكال ونوى بذلك التملك إن قلنا إنه يحتاج إلى ذلك أيضا، ويكون نية الأجير لغوا مع فرض عدم كونه مالكا للعمل، إذ صرف النية لا يكون مملكا، وإلا يكفي ذلك في ما أخرج أحد معدنا ونوى شخص آخر تملكه من دون استناد الأخراج إليه مباشرة أو تسبيبا، وهو باطل بالضرورة خصوصا إذا نوى المباشر التملك، فلا يتعارض القصدان. * فيكون مملوك المستأجر حينئذ هو الأخراج على وجه النيابة وبقصد حصول التملك للمستأجر، لا مطلق الأخراج، فالظاهر حينئذ وقوع الأخراج لنفسه إذا قصد ذلك لكن عصى باعتبار عدم أداء ما جعله المستأجر على ذمته، وكذا إذا قصد لغيره ولغير المستأجر بإجازته أو فضولة إذا جرت الفضولية في ذلك، بل لازم ذلك أنه لو لم يقصد بذلك تملك أحد لم يملكه المستأجر بذلك، فلابد لتملكه من الحيازة، وحينئذ يصير كالعبادات الاستيجارية، كما لا يخفى. وبذلك يظهر ما في إطلاق العروة (1) وما في تعليق بعض الأعلام عليه من (اشتراط قصد الأجير التملك للمستأجر مطلقا) وما في تعليق البعض الاخر من (التفصيل بين كون مورد الأجارة هو المنفعة الشخصية فيصح ويقع للمستأجر بخلاف ما إذا كان متعلق الأجارة هو الذمة)، بل لم نفهم محصلا للأخير، فإن العمل


(1) في المسألة العاشرة من الفصل الأول من كتاب الخمس.

[ 86 ]

[ المسألة الثالثة عشر: الخمس يجب بعد إخراج المؤونة التي يفتقر إليها المعدن من آلات وحفر وسبك وغيره * لكن في بعضه إشكال يتضح بعد ذلك إن شاء الله. ] غير الموجود في الخارج حين الأجارة كيف يصير شخصيا! بل مورد الأجارة هو الذمة مطلقا، إلا أنه قد يكون مطلق الأخراج وقد يكون الأخراج على وجه النيابة عن المستأجر. وما ذكرناه في المسألة جار في جميع موارد حيازة المباحات من الغوص والصيد والاحتطاب وإحياء أراضي الموات بغرس الأشجار وحفر القنوات وغير ذلك، ومقتضى القاعدة ما ذكرناه. وهو العالم بالحقائق. * كما في الجواهر والشرائع (1)، قال صاحب الجواهر قدس سره: بلا خلاف أجده كما اعترف به في المفاتيح، بل في المدارك نسبة ما في الشرائع إلى القطع به في كلام الأصحاب، كما أنه في الخلاف الأجماع عليه، بل يمكن تحصيله في الجميع وإن مر الخلاف فيه في الغنيمة (2). انتهى ملخصا. أقول: ويدل عليه صحيح البزنطي، قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: الخمس اخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب: (بعد المؤونة) (3). وما عن الفقيه بإسناده عن إبراهيم: إن في توقيعات الرضا عليه السلام إليه: (أن الخمس بعد


(1) شرائع الأسلام: ج 1 ص 133. (2) الجواهر: ج 16 ص 82. (3) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 87 ]

[... ] المؤونة) (1). وخبر الأشعري، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: (الخمس بعد المؤونة) (2). والأشكال في السند من جهة الأشعري والأرسال مدفوع: أما الأول فالظاهر الوثوق به كما أوضحه المحدث المحقق النوري في خاتمة المستدرك (3)، والعمدة في ذلك نقل عدة من الثقات عنه فيهم أحمد بن محمد بن عيسى المعروف بالدقة في نقل الحديث من جهة الراوي. وأما الثاني فلأن ظاهر الحديث الجزم بصدور كتاب الأمام عليه السلام وأنه رآه في ما كتبه عليه السلام إلى بعض الأصحاب أو كان قاطعا بذلك. ومعتبر أبي علي بن راشد: قلت له [ عليه السلام ]: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأي شئ حقه؟ فلم أدر ما اجيبه. فقال: (يجب عليهم الخمس). فقلت: ففي أي شئ؟ فقال: (في أمتعتهم وصنائعهم (ضياعهم). قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: (إذا


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 2 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 1 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) ج 3 من الطبعة الحجرية ص 841 (الفائدة العاشرة).

[ 88 ]

[ المسألة الرابعة عشر: هل يعتبر النصاب قبل المؤونة أو بعدها؟ الظاهر هو الأول * ] أمكنهم بعد مؤونتهم) (1). والظاهر رجوع الضمير إلى جميع ما ذكر، الذي منه (الأمتعة) الشاملة للمعادن أيضا، فهذا في الجملة مما لا إشكال فيه نصا وفتوى. * كما نقله الشيخ المؤسس الأنصاري قدس سره عن المدارك وبعض مشايخه المعاصرين له، خلافا لصريح جماعة، بل في المسالك أنه صرح بالثاني الأصحاب، وعن الرياض نفي وجدان الخلاف وظهور الأجماع (2). انتهى. وفي الجواهر: نقل الثاني - أي كون النصاب بعد المؤونة - عن المنتهى والتذكرة والبيان والدروس، بل ظاهر الأولين كونه مجمعا عليه بيننا حيث نسب الخلاف فيه فيهما إلى الشافعي وأحمد (3). واستدل الشيخ قدس سره بأن: الظاهر من صحيح البزنطي (4) وجوب الخمس في نفس العشرين، ولو اعتبر النصاب قبل المؤونة كان متعلق الخمس أقل من العشرين، وهو خلاف مفاد الصحيح (5).


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 127. (3) الجواهر: ج 16 ص 83. (4) المتقدم في ص 47. (5) كتاب الخمس للشيخ الانصاري: ص 127.

[ 89 ]

[... ] واستدل في الجواهر بالأصل، وظاهر المنساق من الأدلة (1). وفي الكل نظر وإشكال: أما الأول وهو العمدة، ففيه أولا أن الموضوع لتعلق الخمس ما أخرج المعدن، فإن ادعي أن الشرط فيه بلوغ العشرين قبل المؤونة فالموضوع مع الشرط يصير (ما أخرج بشرط أن يكون عشرين دينارا قبل إخراج المؤونة)، وليس المفروض في الصحيح أنه لابد أن يكون الموضوع للخمس ما هو العشرون، نعم، قد ينطبق عليه وقد ينطبق على الأقل. والحاصل أنه ليس المستفاد من الصحيح إلا شرطية العشرين في التعلق، وكون الشرط هو العشرين قبل المؤونة أو بعدها أول الكلام. وثانيا على فرض كون المتعلق هو العشرين فلا ريب أن ذلك هو الموصوف بكونه قبل استثناء المؤونة، وهذا الظهور لم يبق على حجيته على كل حال، فالأمر يدور حينئذ بعد استثناء المؤونة بين عدم تعلق الخمس أصلا بذلك الباقي - الذي هو أقل من العشرين - وتعلقه بالباقي، فيرجع إلى إطلاق دليل الخمس. وثالثا لو فرض كون متعلق الخمس هو العشرين فإذا خرج بعض العشرين عن الحكم بالخمس بالنسبة إلى الأرادة الجدية فاللازم الأخذ بالباقي، كما لو قيل: (إذا بلغ من في المسجد إلى عشرين فأعط كل واحد منهم دينارا مثلا) ثم دل الدليل على عدم إعطاء بعض ذلك فلا ريب أن مقتضى أصالة تطابق الجد والاستعمال وعدم تعلق التخصيص بدائرة الاستعمال هو الحجية بالنسبة إلى الباقي، من غير فرق بين صورة الاتصال والانفصال، فكما لا يشك أحد في المثال المذكور في صورة الاتصال - بأن يقول: إذا بلغ من في المسجد إلى عشرين فأعطهم دينارا إلا


(1) الجواهر: ج 16 ص 83.

[ 90 ]

[ المسألة الخامسة عشر: مقتضى صريح الشرائع والعروة أن مؤونة التصفية كمؤونة الأخراج تستثنى من الخمس *. ] من كان منهم فاسقا مثلا - كذلك في صورة الانفصال الذي يكون المقام منه، فإن المؤونة استثنيت من وجوب الخمس لا من بلوغ النصاب. ورابعا على فرض كون موضوع الخمس هو العشرين من دون زيادة ونقيصة فلا ريب أن العام المذكور لا يكون حجة بالنسبة إلى المورد، لأنه إما لا خمس فيه أصلا فلم يخصص العام ويحفظ على عنوان موضوعه الذي هو العشرون، وإما فيه الخمس بالنسبة إلى غير العشرين - وهو الباقي - فالعام سقط عن الحجية بالنسبة إلى المورد، فلا وجه لرفع اليد عن إطلاق دليل بلوغ النصاب الذي مقتضاه عدم الفرق بين إخراج المؤونة وعدمه. وخامسا على فرض دوران الأمر بين التحفظ على موضوع الخمس بحفظ عنوان العشرين فيه أو التحفظ على إطلاق شرطية البلوغ فلا ريب أنه يرجع إلى إطلاق سائر الأدلة. ومن ذلك يظهر الجواب عن الأصل وما ذكره من أنه الظاهر المنساق من الأدلة على ما نقلناه عن الجواهر، إذ لا منشأ للظهور المشار إليه إلا ما نقلناه ع‍ الشيخ المؤسس الأنصاري قدس سره. فقد تحصل وجه قوة ما ذكرناه في المتن. وهو العالم بالحقائق. * فقال في الشرائع: الخمس يجب بعد المؤونة التي يفتقر إليها إخراج الكنز والمعدن من حفر وسبك وغيره (1). انتهى. فإن السبك هو الذي يحصل به التصفية.


(1) الشرائع: ج 1 ص 135.

[ 91 ]

[ ولكن فيه إشكال، والأحوط إن لم يكن أقوى: عدم استثناء مؤونة التصفية *. المسألة السادسة عشر: المتسالم عندهم عدم استثناء مؤونة الشخص وعياله. وفيه إشكال * *. ] وفي العروة قد صرح بأن النصاب بعد مؤونة الأخراج والتصفية (1). والوجه في ذلك لعله عدم صدق الأخراج حقيقة إلا بعد التصفية، أو شمول إطلاق ما دل على (استثناء المؤونة) لما يحتاج إليه المال كي يستفاد منه حتى بعد التعلق. والأول ممنوع كما تقدم (2)، والثاني غير واضح. * وذلك لأطلاق دليل الخمس بعد عدم وضوح الأطلاق في دليل الاستثناء. وتظهر الثمرة في ما إذا كان الذهب المخلوط مثلا بالغا قيمة الخالص منه في حال الخلط أربعين دينارا وكانت مؤونة التصفية دينارين، فإذا بنى على استثناء مؤونة التصفية ولو لم تحصل بعد فاللازم خمس ثمان وثلاثين دينارا، وأما إذا لم يبن على ذلك فاللازم خمس تمام الأربعين، وإذا بنى على استثناء مؤونة التصفية إذا حصلت فصفاه وكانت مؤونة التصفية ما ذكر وكان قيمة الذهب بعد التصفية أحدا وأربعين دينارا فاللازم إعطاء خمس تسع وثلاثين دينارا، وأما على عدم الاستثناء فاللازم خمس أربعين - بناء على أن السبك هيئة حاصلة له، لأنه حصل بفعله - أو خمس أحد وأربعين. والأحوط هو الأخير. * * وجه الأشكال: 1 - إطلاق مثل رواية ابن راشد المتقدم (3)، فإن الأمتعة تشمل المعدن. 2 - قوله عليه السلام في كتاب إبراهيم:


(1) العروة الوثقى: كتاب الخمس، الفصل الأول. (2) في ص 58. (3) في ص 87.

[ 92 ]

[... ] (الخمس بعد المؤونة ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان) (1). مع أنه ليس السابق عليه في ما كتبه عليه السلام إلا نصف السدس الذي هو بعض الخمس، فالعهد بعيد جدا. 3 - قوله عليه السلام في مكاتبة علي بن مهزيار: (ولم اوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلا في ضيعة سافسر لك أمرها، تخفيفا مني عن موالي ومنا مني عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم) (2). فإن مقتضى التعليل: التحليل إذا احتاجوا إلى المال في معيشتهم ولم يكن زائدا على المؤونة، لكن ليس مفاده إخراج مؤونه السنة، بل مفاده عدم اللزوم إذا احتاج مخرج المعدن في معيشته إلى جميع ما يخرجه بحيث يصير فقيرا بعد ذلك. 4 - خبر الأشعري المتقدم (3)، من جهة عدم مصداق للمؤونة في بعض ما تقدم في الصدر إلا مؤونة نفسه وعياله، فإن الأجير الذي يستفيد من عمله ليس عليه مؤونة تحصيل الربح، وقوله (الخمس بعد المؤونة) يشمل جميع ذلك. ويؤيد ما ذكرناه في وجه الأشكال الاعتبار وإلقاء الخصوصية خصوصا بالنسبة إلى من لا يحصل له غنيمة إلا من استخراج المعدن بحيث إذا أدى خمس


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) في ص 87.

[ 93 ]

[... ] ما يستخرجه يصير فقيرا محتاجا، بل الظاهر أن ذلك مما لا ينبغي الأشكال فيه وإن لم يكن مستفادا من كلمات الفقهاء، بل يمكن أن يقال: إن المقصود باستثناء المؤونة في أرباح المكاسب أيضا ذلك، فمن يملك مؤونة جميع عمره ويستفيد فائدة فمقتضى الأطلاق وجوب الخمس، فليكن على ذكرك حتى نبحث عن ذلك في باب أرباح المكاسب. والحاصل أن الفرق بين المعدن وسائر أنواع المكاسب - خصوصا مع شمولها لحيازة المباحات وإحياء الموات وغير ذلك، وكون المعدن أيضا داخلا في المكاسب - مشكل جدا. ولعل وجه اختصاص الفقهاء استثناء المؤونة بأرباح المكاسب: تعدد العناوين وجعل المعدن مثلا عنوانا مستقلا للخمس في الروايات المتعددة (1). ويمكن الجواب عن ذلك بوجوه: منها: أنه يكفي في ذلك وجود بعض الخصوصيات في المعدن والكنز والغوص مثلا، وهو النصاب الخاص الوارد في الروايات. ومنها: كون المعدن متعلقا للخمس مستقلا، فلو لم يصرفه في المؤونة وكانت مؤونته من أمر آخر كان الخمس في تمامه - بخلاف مثل الحنطة والشعير والماش والعدس الموجود في دكة البائع، فإن المجموع يعد بمنزلة مال واحد، ولا زمه عدم إعطاء خمس المجموع من مال آخر إذا لم نقل بجواز إعطاء خمس مال من مال آخر - وهذا بخلاف فوائد الربح، فإن الكل أمر واحد. ومنها: أن يقال: إنه يمكن أن يكون التحليل المتحقق في زمن النبي والوصي وغيرهما - في الجملة - بالنسبة إلى غير المعدن والغنيمة والكنز مثلا، كما قد


(1) الوسائل: ج 6 ص 338 الباب 2 وص 342 الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس .

[ 94 ]

[ المسألة السابعة عشر: إذا شك في بلوغ النصاب فالأحوط الاختبار *. ] يستفاد من تضاعيف الأخبار. والمقصود من ذلك التنبيه على الشبهة حتى يحدث الله بعد ذلك أمرا إن شاء الله تعالى، فإن الجمود على الشهرة والأجماع - كما هو دأب بعض الأصحاب - خلاف ما يستفاد من اصول الشيعة الأمامية من عدم حجية الأجماع بما هو إجماع، وخلاف سيرة غير واحد من محققيهم على ما هو المعروف من العلامة قدس سره ف‍ فإن عدم حجية الأجماع والشهرة مع احتمال الاستناد إلى أمر غير حجة واضحة، فكيف مع وضوح المدرك وعدم سداد مداركهم. نعم، ما حصل لي هو وجود الحق نوعا مع مشهور الأمامية، ولعله بل المظنون أنه عناية من الأمام الحي خليفة الله في أرضه عليه السلام لكنه ليس ذلك على النحو الكلي. والمقصود من ذلك إرشاد من يرى تلك السطور إلى امور: منها: عدم الجمود على المشهور مع احتمال المدرك غير السديد فكيف مع وضوحه! ومنها: وجود السيرة على ذلك، وكان فقه الأمامية في سير علمي عند المحققين قدس الله أسرارهم. ومنها: إلقاء التعصب لأحد الجانبين وكشف ما هو الحق. ومنها: التوجه إليه تعالى والاستشفاع بوليه وخليفته. ومنها: عدم التبرع إلى الفتوى ورعاية الاحتياط، فإن الفتوى على خلاف المشهور مشكل جدا إلا مع القطع بالحكم أو الحجة. والله الهادي. * كما في العروة (1). وفي الجواهر في كتاب الزكاة في مسألة الدراهم المغشوشة أنه:


(1) في المسألة 13 من الفصل الأول من كتاب الخمس.

[ 95 ]

[... ] يعتبر العلم ببلوغ حاصلها النصاب، بل المعروف عدم وجوب التصفية ونحوها للاختبار، بل عن المسالك لا قائل بالوجوب. ووجهه أن مقدمة الوجوب لا يجب تعرفها. لكن قد يناقش بضرورة معلومية الوجوب من مذاق الشرع، وليس المراد هو الوجوب إذا اتفق حصول العلم بوجود الشرط، فلا يجب الحج على ظان الاستطاعة ولا على من علق نذره على شئ، وفي ذلك إسقاط لكثير من الواجبات، ولعله لذلك قال بعض المحققين بالوجوب، وهو قوي جدا إن لم يكن إجماع على خلافه (1). انتهى ملخصا. أقول: فيه أولا: أن مقتضى ذلك: الفحص عن جميع الشبهات الموضوعية حتى الطهارة والنجاسة، وهو خلاف الضرورة المستفادة من الأدلة الكثيرة. وثانيا: أنه مخالف لصريح صحيح زرارة - في باب الاستصحاب - الذي يكون بصدد إعطاء القاعدة الكلية، وفيه بعد السؤال عن النظر إلى الثوب الذي هو من أسهل الامور قال: (لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك) (2). وثالثا: أن إسقاط كثير من الواجبات الواقعية بالنسبة إلى جميع الناس في العصور والدهور من لوازم جعل الاصول النافية للتكليف والأمارات التي قد تخالف الواقع وقد توافق، ولو كان ذلك محذورا للزم الحكم بوجوب الاحتياط،


(1) الجواهر: ج 15 ص 196. (2) الوسائل: ج 2 ص 1053 ح 1 من ب 37 من أبواب النجاسات.

[ 96 ]

[... ] وهو حرج ليس فوقه حرج، وهو خلاف ضرورة الشريعة السهلة السمحة، مع أنه لا محذور فيه إذا لم يلزم مخالفة للعلم الأجمالي لمكلف واحد، فإن المعروف بينهم الحكم بعدم وجوب الغسل على واجدي المني في ثوب واحد، مع إسقاط ذلك بالنسبة إلى أحدهما، ولا محذور. نعم، هنا وجهان آخران: أحدهما: خبر زيد الصائغ الوارد في الدراهم المغشوشة، وفيه: فإن أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتى حال عليها الحول ازكيها؟ قال: (إن كنت تعرف أن فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة فزك ما كان لك فيها من الفضة الخالصة من فضة ودع ما سوى ذلك من الخبيث. قلت: وإن كنت لا أعلم أن ما فيها من الفضة الخالصة إلا أني أعلم أن فيها ما يجب فيه الزكاة؟ قال: (فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثم تزكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة) (1). وفيه أولا: ضعف السند، للجهل بحال زيد ومحمد بن عبد الله بن هلال. وثانيا: ضعف دلالة الذيل على الوجوب المولوي، بل لعله إرشاد إلى التصفية والسبك حتى يعلم مقدار الزكاة ويسقط عنه الزكاة في السنوات الاتية، لخروجها عن كونها مسكوكة. وثالثا: أن الظاهر من الصدر عدم وجوب الاختبار عن ذلك في أصل تعلق


(1) الوسائل: ج 6 ص 104 الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة.

[ 97 ]

الزكاة، والمبحوث عنه من هذا القبيل. ورابعا: أنه لا وجه لقياس الخمس بالزكاة مع ما فيه من التسهيل - المستفاد من أخبار التحليل (1) - واستثناء مؤونة الشخص والعيال. ثانيهما: وجود غير واحد من الاطلاقات الدالة على وجود الخمس في المعدن، ومقتضاه وجوده فيه قبل الأخراج أيضا، فسقط الخمس في ما أخرجه إلا أن يكون بحد النصاب، فمقتضى الاستصحاب في صورة الشك: وجود الخمس فيه. والجواب عنه أن مقتضى كون جميع الأراضي للأمام وكون المعادن تابعة للأراضي: عدم الخمس في المعادن ومالكية المحيي للأرض بالأخراج أو بجهة اخرى أو بالحيازة كما في مثل الملح من المعادن الظاهرة. وأما ما اشير إليه من الأطلاق فمردود بعدم الأطلاق على الظاهر، لأن ما فيه السؤال فقرينة السؤال موجبة للاختصاص بصورة الأخراج، لعدم الابتلاء بالمعادن غير المستخرجة، وما يكون بصدد التعداد فهو يصلح أن يكون قرينة على الأهمال. هذا، مع أن صحيح زرارة في مقام إعطاء الضابطة يعني قوله عليه السلام: (ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس) (2). وأوضح من جميع الفروض: ما إذا كان الخارج غير بالغ حد النصاب قطعا ثم احتمل البلوغ لا رتفاع القيمة السوقية أو لاحتمال ارتفاعها، فإن مقتضى الاستصحاب: عدم بلوغ النصاب. هذا إذا كان الشك في أصل تعلق الخمس من جهة بلوغ النصاب.


(1) الوسائل: ج 6 ص 378 الباب 4 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 3 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 98 ]

[ الثالث: الكنز *. ] وأما إذا علم بالتعلق وشك في المقدار فهو من المسائل الكلية التي لابد من ذكرها بعد أقسام الخمس إن شاء الله. وهو الموفق الهادي. * في الجواهر: بلا خلاف فيه في الحدائق والخلاف وظاهر الغنية أو صريحها، وفي المنتهى أنه بلا خلاف بين أهل العلم، بل إجماعا في الخلاف والتذكرة وظاهر الانتصار أو صريحه، بل في المدارك: أجمع العلماء كافة على وجوب الخمس فيه (1). انتهى مع تغيير ما في العبارة. أقول: ويدل عليه جملة من الأخبار: منها: صحيح الحلبي المروي عن الفقيه بإسناده الصحيح الواصل إلى ابن أبي عمير عن حماد عنه بطريقين، ورواه الشيخ بإسناده الصحيح عن علي بن مهزيار عن ابن أبي عمير، وعن الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير، فالخبر مقطوع الصدور، وفيه: سأل أبا عبد الله عن الكنز كم فيه؟ فقال: (الخمس) (2). ومنها: صحيح البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: (ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس) (3).


(1) الجواهر ج 16 ص 24. (2) الوسائل: ج 6 ص 345 ح 1 من ب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 345 ح 2 من ب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 99 ]

[... ] ومنها: ما عن المقنعة، قال: سئل الرضا عليه السلام عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس. فقال: (ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعينه ففيه الخمس، وما لم يبلغ حد ما تجب فيه الزكاة فلا خمس فيه) (1). ولعل مرجعهما إلى رواية واحدة، لوحدة المسؤول عليه السلام ووحدة الموضوع تقريبا. ومنها: معتبر العيون عن ابن فضال عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديث: (كان لعبد المطلب خمس من السنن أجراها الله له في الأسلام). وفيه: (ووجد كنزا فأخرج منه الخمس) (1). وهو الوارد في وصية النبي لعلي عليه السلام في الفقيه، وفيه: (ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدق به، فأنزل الله واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) الاية (3). ومنها: صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: (كل ما كان ركازا ففيه الخمس) (4) الحديث. وفي الوافي عن ابن الأثير في حديث الصدقة:


(1) الوسائل: ج 6 ص 346 ح 6 من ب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 345 ح 4 من ب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) المصدر: ح 3. (4) المصدر: ص 343 ح 3 من ب 3.

[ 100 ]

[ وهو كل مال مذخور تحت الأرض قصدا * أو الجدار أو الشجر * *، بل الظاهر صدقه على المال المذخور ولو كان استتاره من جهة الزلزلة والخراب * * *، ويحتمل صدقه على ما كان ذخره أيضا من جهة الخراب ونحوه * * * *. هذا من جهة صدق الكنز وترتيب أثر الكنز عليه ] (وفي الركاز الخمس). الركاز عند أهل الحجاز: كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق: المعادن، والقولان تحتملهما اللغة، لأن كلا منهما مركوز في الأرض أي ثابت، يقال ركزه... إذا دفنه (1). وقد تقدم (2) عن البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن في الركاز الخمس ويدل عليه روايات (3). * كما في الشرائع (4)، وفي الجواهر عن التنقيح والتذكرة والمنتهى والبيان والروضة والمسالك (5). * * كما في العروة (6)، لأن صدقه على ذلك عرفا لا ينبغي أن لا يكون موضع تأمل كما في المستمسك (7). والظاهر من التقيد بالأرض في كلام الأصحاب وفي كلام أهل اللغة هو إرادة المثال، لأنها الفرد الغالب المعد للدفن فيها. * * * كما يظهر مما نقله في الجواهر عن استاذه (8). * * * * كما يظهر مما ذكر، لكنه غير واضح وإن كان يصدق على المال الذي


(1) الوافي ج 10 ص 312. (2) في ص 15. (3) مثل ما في الوسائل: ج 6 ص 339 ح 2 و 4 وص 340 ح 9 وص 341 ح 11 و 12 من ب 2 وص 344 ح 6 و 7 من ب 3 وص 346 ح 1 من ب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) ج 1 ص 133. (5 و 8) الجواهر: ج 16 ص 25. (6) كتاب الخمس، الفصل الأول. (7) المستمسك: ج 9 ص 468.

[ 101 ]

[ من حيث النصاب مثلا، وأما من حيث تعلق الخمس به فلا يتوقف على ذلك، بل الظاهر تعلقه بكل ما كان ركازا وواقعا تحت الأرض *. ] في الوعاء ونحوه في الأرض الخربة مما كان مشكوكا أنه كان بقصد ذلك أم لا: أنه يكون من مصاديق الكنز، فإن القطع بأن دفنه تحت الأرض كان عن قصد غير حاصل في الغالب. * كما يدل عليه صحيح زرارة المتقدم (1)، فيشمل جميع الأموال الموجودة تحت الأرض حتى ما لم يكن له قيمة سابقا ويكون عند الحفر ذا قيمة أغلى من الجواهر - كالأشياء العتيقة - لصدق الركاز عليه. ولا يعارضه صحيح البزنطي المتقدم (2): سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: (ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس). الموجب للاختصاص بالنقدين - حتى لا يشمل سبائك الذهب - كما في الجواهر عن استاذه، خلافا لما عن التذكرة والمنتهى والدروس والبيان، بل قال: إن عبارة الأولين تشعر بالأجماع عندنا (3). وجه عدم المعارضة لما ذكر امور: منها: أن كون الخمس من حيث الكنز مختصا بالنقدين لا يدل على أن الخمس من حيث الركاز أيضا كذلك، فتأمل. ومنها: احتمال كون (من) في قوله (من الكنز) تبعيضية، أي السؤال عن البعض من كل كنز يجب فيه الخمس، فإن السؤال عن بعض أفراد الكنز بحيث يحتمل أن لا يكون لبعض أفراد الكنز خمس أصلا مما لا ينقدح في ذهن السائل بعد وجود الاطلاقات المتعددة، بل المظنون أن البزنطي حيث كان في ذهنه أن


(1) في ص 99. (2) في ص 98. (3) الجواهر: ج 16 ص 25.

[ 102 ]

[ مسألة: لا إشكال عندهم في اعتبار النصاب في الكنز *. ] المعدن له نصاب فقد سأل عن مثل ذلك في الكنز أيضا. ومنها: أن المظنون كون صحيح البزنطي متحدا مع رواية المقنعة المتقدمة (1)، لوحدة المسؤول عليه السلام، وهي صريحة في السؤال عن المقدار، وبعد ذلك لا يكون بناء العقلاء على تعدد الرواية والحكم بصدور كلا الكلامين عن الأمام عليه السلام، واحتمال النقص مقدم عندهم على احتمال الزيادة، إلا أن يقال: إن الحجية ليست محدودة ببناء العقلاء - وإن كان ذلك حكمة لها، كما حررناه في الاصول - فمقتضى إطلاق دليل الحجية: صدور الكلامين. ومنها: أن تقييد دليل الركاز الشامل لكل مال مدفون تحت الأرض أو تقييد الكنز بذلك موجب لأخراج غير واحد من أفراد الكنز. ومنها: أن كلمة (مثله) صالح للقرينية على أن مورد الخمس يكون مماثلا لمورد الزكاة، ويكفي في ذلك المماثلة في المقدار، ولو كان المقصود بذلك النقدي لم يكن موقع لكلمة (مثله)، فإنه في نفس النقدين تكون الزكاة لا في مثلهما، فالظاهر عدم الاختصاص بالنقدين ووجود الخمس في كل ما صدق عليه الركاز، سواء كان مصداقا للكنز أم لا، أو شك في صدقه من حيث اعتبار قصد الذخر أو قصد الدفن أو محل الدفن أو كون الدافن إنسانا أو كون المال من الذهب والفضة أو الجواهر أو يعم ما يستخرج بالحفر من العتائق ذات القيمة. * بلا خلاف أجده فيه على ما في الجواهر، قال: وإن أطلق بعض القدماء، بل في الخلاف والغنية والسرائر وظاهر التذكرة والمنتهى والمدارك: الأجماع عليه (2).


(1) في ص 99. (2) الجواهر: ج 16 ص 26.

[ 103 ]

[ إنما الأشكال في أن النصاب فيه كنصاب المعدن عشرون دينارا أو يكون ذلك إذا كان ذهبا ويكون مائتي درهم إذا كان فضة وإذا كان غيرهما فيكفي أحد الأمرين في تعلق الخمس أو يكفي أحدهما مطلقا، فيه وجوه *. ] أقول: ويدل على ذلك ما تقدم (1) من خبر المقنعة الرافع لأجمال صحيح البزنطي المتقدم (2) إن كان له إجمال. * ففي الجواهر: أن الأول معقد إجماع السرائر والتذكرة والمنتهى والمدارك، وأن صريح المنتهى وغيره هو الثاني، وأن عبارة البيان والمسالك توهم الثالث (3). وهنا وجه رابع نقله في الجواهر عن الغنية من أن: النصاب فيه: بلوغ قيمته دينارا بدليل الأجماع - قال في الجواهر: - وهو غريب، ودعوى الأجماع أغرب (4). أقول: يمكن توجيه الوجه الأول بأن المستفاد من صحيح زرارة المتقدم (5): أن الملاك في وجوب الخمس في الكنز هو كونه ركازا، فهو بمنزلة التعليل، كأنه قال: في المعدن الخمس لكونه ركازا، ومن المعلوم: أن نصاب المعدن مطلقا بلوغ عشرين دينارا. لكن فيه: ما ذكرناه سابقا من أن التعليل معمم لا مخصص، فيمكن أن يكون في الركاز الخمس ويكون في المعدن بما أنه معدن ولو لم يكن ركازا الخمس أيضا، كما في الملح الوارد فيه أنه معدن، وإنما النصاب في ما هو معدن، فتأمل.


(1) في ص 99. (2) في ص 98. (3 و 4) الجواهر: ج 16 ص 26 - 27. (5) في ص 99.

[ 104 ]

[ والأخير هو الأحوط إن لم يكن أقوى *. مسألة: الظاهر أنه ليس في الكنز إلا نصاب واحد، فإذا بلغ إلى ما تقدم في المسألة السابقة يجب الخمس في المجموع وإن كان زائدا على النصاب، لا أنه معفو عنه كالزكاة حتى تزيد عليه أربعة دنانير * *. ] ويمكن توجيه الثاني بأن صدق المماثلة في المقدار مع جميع الخصوصيات حتى الأضافة إلى النوع إنما هو في الذهب عشرون دينارا وفي الفضة مائتا درهم وفي غيرهما أحد الأمرين، والسر في ذلك حفظ المماثلة في المقدار حتى من حيث الأضافة إلى النوع الخاص أي من حيث الخصوصية المقدارية الحاصلة من الأضافة إلى النوع بقدر الأمكان، ومقتضاه ما ذكر. وأما الوجه الثالث فلعله أوضح، فإنه بعد فرض عدم المماثلة في النوع - لأن المفروض في المقام: تعلق الخمس بكل ما يصدق عليه الكنز - ليس المقصود بالمماثلة إلا المماثلة في المقدار من دون خصوصيه النوع، والمماثلة في المقدار من حيث الأضافة إلى النوع لعلها خلاف ما يتفاهم منه عرفا، ومع الشك يرجع إلى إطلاق وجود الخمس في الكنوز، فالظاهر أن الوجه الثالث إن لم يكن أقوى فهو أحوط. * كما ظهر وجه ذلك مما ذكر في بيان مدارك الوجوه الأربعة. والله المتعالي هو العالم. * * كما في الجواهر ونقله عن صريح العلامة والشهيد وغيرهما، ولكن قال: إن في المدارك أنه يشكل بأن مقتضى الصحيح السابق (1): مساواة الخمس للزكاة في اعتبار النصاب الثاني كالأول (2). وحل ذلك أن يقال: إنه بعد حمل المماثلة على المماثلة في المقدار فمفادها


(1) الوسائل: ج 6 ص 344 الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الجواهر: ج 16 ص 27.

[ 105 ]

مسألة: لا إشكال في عدم اعتبار الحول *. عرفا بلوغ النصاب، والبلوغ يصدق بالنصاب الأول. وعلى فرض عدم كون مفاده ذلك بل كون مفاده أنه إذا كان الكنز الموجود بمقدار النصاب ففي مجموعه الخمس، فيصدق ذلك أيضا على صرف وجود النصاب. وعلى فرض كون مفاد الدليل أن نصاب الخمس كنصاب الزكاة في ما يمكن، فمع وجود دليل تعلق الخمس بالبالغ إلى حد النصاب الأول - كثلاثة وعشرين - الحاكم بتعلق الخمس بمجموع ذلك لا يبقي مجالا للنصاب الثاني، فإن النصاب الثاني في فرض عدم وجوب الزكاة في ما بين النصابين، وهذا الفرض غير متحقق في المقام بدليل تعلق الخمس. والحاصل أن الدليل من حيث شموله للنصاب الأول الحاكم بتعلق الخمس بمجموع المال لا يبقي مجالا لشموله للنصاب الثاني إن كان مفاد النصاب الثاني في الفرض عدم الزكاة في ما زاد على العشرين وأنه تجب إذا بلغ أربعة وعشرين، وإن كان مفاده عدم الزكاة قبل ذلك أصلا وتعلقها بعد البلوغ إلى أربعة وعشرين فيحصل التعارض بين الاقتضاءين. ولكن الأنصاف أنه لو فرض المماثلة في النصاب مطلقا فالظاهر منه عرفا: المماثلة في جميع ما هو من لوازم النصاب من نفي الخمس قبل ذلك والخمس بعد ذلك، والجواب الثالث صرف الفرض، ومع الشك يرجع إلى دليل الخمس. * قال قدس سره في الجواهر: قطعا كما صرح به غير واحد (1). أقول: كل ذلك لما تقدم (2) من عدم اعتبار المماثلة بين الكنز ومتعلق الزكاة من جميع الجهات، بل الظاهر منه أن المقصود هو اعتبارها من حيث المقدار كما تقدم.


(1) الجواهر: ج 16 ص 28. (2 و 3) في الصفحة السابقة.

[ 106 ]

[ مسألة: إذا وجد الكنز في أرض دار الحرب أو دار الأسلام وليس عليه أثره وجب فيه الخمس * ] هذا. مع أن القدر المتيقن من الأدلة بحسب مقام التخاطب هو ابتداء وجدان الكنز، فتقييد إطلاق سائر الروايات مشكل جدا، فإذا قال: (إذا وجدت عالما فيجب عليك إكرامه) فإخراج حول منه مشكل جدا. * كما في الشرائع (1). وقال قدس سره في الجواهر: إنه إن وجد في أرض الحرب ولو كانت ملكا لواحد بالخصوص، بل وفي دار الأسلام إذا كانت مباحة أو لم تكن ملكا لواحد من المسلمين بالخصوص، كالمعمور من المفتوح عنوة ولم يكن عليه أثر الأسلام - من سكة ونحوها - فلا خلاف أجده في وجوب الخمس على واجده وملكية الباقي لواجده، المنفي عنها الخلاف في الحدائق على البت في الأول والظهور في الثاني (2). انتهى ملخصا. أقول: الوجه في ذلك امور: الأمر الأول: إطلاق أدلة الكنوز الظاهر في كون الباقي للواجد بلا إشكال. وتقريب الأطلاق بوجهين: أحدهما: أنه ليس المفروض في دليل الكنوز خصوص ما فرض ملكيته للواجد من جهة اخرى، فإن الكنز الذي كنزه بنفسه مثلا وأدى خمسه قبل ذلك أو لم يكن فيه خمس - بأن كان من قبيل الميراث - لا خمس فيه بحسب الظاهر، وليس ذلك من جملة الغنائم، وذلك خارج عن منصرف دليل الكنوز، فمقتضى ذلك أن الكنوز غير المعلوم مالكها ليس فيها إلا الخمس، ولو كان الواجب على


(1) ج 1 ص 133 - 134. (2) الجواهر: ج 16 ص 28.

[ 107 ]

[... ] الواجد لمثل ذلك إعطاء الكل لما كان عليه الخمس الذي هو الكسر المشترك، بل كان عليه الجميع لكن كان مصرفه مختلفا، وهذا هو الأطلاق اللفظي الثابت للفظ الخمس الذي هو الكسر المشترك. ثانيهما: الأطلاق المقامي، فلو فرض كون الخمس ظاهرا في خصوص المصطلح الفقهي - أي ما يتعلق به حق السادة والأمام عليه السلام - فلا ريب أنه كان ينبغي بيان حكم باقي المال في هذا المقام، فالحكم بإعطاء الخمس وعدم التنبيه على لزوم التصدق بباقي المال دليل عرفا على عدم لزوم ذلك وعلى كونه لواجده. الأمر الثاني: أصالة عدم تعلق يد المسلم على المال، والذي يكون موضوعا للاحترام ما جرت عليه يد المسلم أو من بحكم المسلم - وهو الذمي - بعنوان التملك. إن قلت: مقتضى التوقيع الوارد من الحجة عليه آلاف التحية والثناء (لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه) (1): عدم جواز التصرف في مال الغير وقد خرج عنه الكافر الحربي، ومقتضى الأصل: عدم تملك الكافر الحربي له، فهو مال لغيره بقرينة الدفن للذخر، وليس ملكا للكافر الحربي بالأصل، فلا يجوز التصرف فيه. قلت: قال قدس سره في الجواب عن ذلك في المستمسك: أولا بأنه يرجع إلى أصالة الأباحة. وثانيا بأن الظاهر أن التقابل بين الكفر والأسلام هو تقابل العدم والملكة، وحينئذ يكون موضوع التوقيع مال المسلم لا مال من ليس بكافر، وحينئذ


(1) الوسائل: ج 17 ص 309 ح 4 من ب 1 من أبواب الغصب.

[ 108 ]

[... ] يمكن الرجوع إلى أصالة عدم الأسلام. وإن شئت قلت: المستفاد مما ورد في الأسلام و أحكامه: انحصار عصمة المال بالأسلام والذمام، فأصالة عدمهما تقتضي عدم العصمة وجواز التملك (1). هذا. ولكن فيه مواقع للمناقشة: الأول: في التمسك بأصاله الأباحة مع أن مقتضى الأصل مع قطع النظر عن الأصل الاتي: عدم حصول الملكية له، لأنه إن كان للكافر الحربي يجوز تملكه وإلا فلا يجوز، فالأصل عدم حصول الملكية له حتى يجوز له التصرف، فتأمل. الثاني: أنه بعد فرض كون الكفر هو عدم الأسلام لا يصير موضوع التوقيع الشريف في مقام الحجية ما ذكر، بل يصير موضوعه عدم جواز التصرف في مال من لا يكون غير مسلم، فالخارج من العام مال الغير المضاف إلى الكافر الذي هو غير مسلم بالفرض، والمال المضاف إلى من ليس بمسلم أمر وجودي، والأصل عدم إضافة من ليس بمسلم إلى المال، فمقتضى الأصل بضم الوجدان: عدم الجواز، إذ كون المال مال الغير معلوم، وكون المال ملكا لشخص يكون كافرا - أي لا مسلما - غير معلوم مسبوق بالعدم. الثالث: أن ما ذكره من أن مقتضى الأصل عدم الأسلام لا ينطبق على ما ذكره في بيان موضوع التوقيع، فإن الأصل عدم كون المال مالا للمسلم، لا أصالة عدم إسلام من كان مالكا للمال، لأن الموضوع للأثر على ما فرضه: عدم كون المال للمسلم، لا كون المال لغير المسلم. والأصل المذكور يناسب ما قررناه في موضوع التوقيع بأن يكون موضوع (1) المستمسك: ج 9 ص 470.

[ 109 ]

[... ] الجواز هو المال المضاف إلى من ليس بمسلم، فيقال: إن الأصل عدم إسلام من كان مالكا للمال. وهو مورد للمناقشة، من جهة أنه ليس له حالة سابقة مع وجود الشخص، إذ لعل صاحب الكنز كان من أول تكونه مسلما بالتبعية. ودعوى (أن الأسلام بالتبعية قد زالت بالبلوغ، والأسلام بالشهادتين مشكوك الوجود، فالأصل عدمه) مدفوعة بأنه يكفي التبعية في الحكم بالأسلام حتى بعد البلوغ، وإلا لم يجز معاملة الأسلام مع أطفال المسلمين بعد البلوغ إلا بعد سماع الشهادتين منهم بعد ذلك، وهو خلاف السيرة القطعية الأسلامية. واحتمال (جريان أصالة عدم الأسلام من باب جريان استصحاب العدم الأزلي) مدفوع أيضا بامور: منها: أن الظاهر عدم الجريان في جميع الموارد. وعمدة الأشكال أن العدم بعدم الموضوع غير العدم مع فرض وجود الموضوع عرفا، فاتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة ليس محرزا. ومنها: أنه مع الغض عن ذلك نقول في المقام: إن العدم في المقام إنما هو العدم الذي من شأنه الوجود، فإذا لم يكن في الدنيا شخص أصلا يقال: إنه ليس في العالم إسلام لكن لا يقال: إن الكفر محيط بالعالم، فالكفر هو عدم الأسلام الذي يكون من شأنه الوجود. ومنها: أن الخارج من الدليل المذكور ملك الكافر، والكافر هو المتصف بذلك العدم وليس صرف عدم الاتصاف، والاتصاف بالعدم محتاج إلى الموضوع، فلا حالة سابقة له. ومنها: معارضة الاستصحاب المذكور - على فرض جريانه - باستصحاب عدم كون هذا المال لمن لا يكون مسلما.

[ 110 ]

[... ] لكن يمكن دفع إشكال المعارضة بحكومة استصحاب بقاء القيد بضم قيام الوجدان على استصحاب عدم القيد، فيقال: إن إضافة هذا المال إلى الغير معلوم، والأصل عدم كون ذلك الغير مسلما، فيحكم بأن هذا ملك لغير المسلم، فلا شك في أنه ليس عدم كون ذلك المال لغير المسلم صادقا، لصدق نقيضه. والدليل على تلك الحكومة صحيحا زرارة (1) الواردان في الاستصحاب، فإن استصحاب بقاء الوضوء أو الطهارة من الخبث معارض لاستصحاب عدم تحقق الصلاة المقرونة بالطهارة. فيستخرج من ذلك ما يتلى عليك من القواعد: الاولى: تقدم الأصل السببي على المسببي. الثانية: عدم كون الملاك في التسبب إلا رفع الشك حكما من جانب أحد الأصلين دون العكس، لا كون أحد الأصلين جاريا في الموضوع والاخر في الحكم كما ربما يخطر بالأذهان. الثالثة: عدم حجية الأصل المثبت، وإلا كان أصل عدم تحقق الصلاة المقيدة بالطهارة حاكما بعدم الطهارة ورافعا للشك. الرابعة: كون استصحاب بقاء القيد مقدما في جميع الموارد على استصحاب عدم المقيد بما هو مقيد إذا كان منشأ الشك بقاء القيد. الخامسة: أن الاستصحاب المحرز للقيد والمحرز للمقيد في عرض واحد، وهو كذلك عقلا، فإن استصحاب مجموع القيد والمقيد متضمن لأثبات القيد من دون اللزوم العقلي، كما أن استصحاب القيد أيضا كذلك.


(1) الوسائل: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء وج 2 ص 1053 ح 1 من ب 37 من أبواب النجاسات.

[ 111 ]

[... ] والوجه في استفادة ذلك من الصحيحين (1) الاستناد إلى اليقين بالوضوء في الأول واليقين بالطهارة في الثاني من دون الاستناد إلى اليقين بعدم الحدث أو عدم وصول النجاسة، والاستناد إليه لأنه عين الموضوع، ولا وجه للاستناد إلى استصحاب جزء الموضوع، فإن الاستناد إلى ما هو عين الموضوع في الكلام أقرب في مقام المحاورة، ولذا لا يدل على عدم صحة استصحاب عدم الحدث. ومن ذلك يظهر الأشكال في تقدم قاعدة التجاوز على الفراغ في المتوافقين على شئ واحد - كما كنا نصير إليه سابقا - إذا كان مفاد قاعدة الفراغ تحقق المجموع، لا الصحة بمعنى سقوط الأمر. وقد خرجنا عن البحث الفقهي لتوضيح مسائل اصولية تستفاد من صحيحي زرارة من دون الاحتياج إلى التجشم، وقد أشرنا إلى بعض ذلك في الاصول وقد سنح بعضه الاخر للخاطر القاصر بعون الملك القادر وإلهامه في طي ذلك. ومما ذكر يظهر دفع إشكال أن صحيح زرارة دال على عدم تقدم الأصل السببي على المسببي كما قرره بعض علماء خراسان - رحمه الله تعالى - من جهة عدم الاستناد إلى أصالة عدم الحدث في الصحيح. ووجه الدفع عدم التسبب بينهما، بل كل منهما صالح لرفع الشك عن الاخر. والاستفادات المذكورة المطابقة للاجتهاد الدقيق من الصحيح المذكور شبه المعجزة للأمام عليه وعلى آبائه وأبنائه الصلاة والسلام. الرابع: أن ما ذكره في المستمسك من انحصار العصمة بالأسلام والذمام لا يقتضي كون الملاك لجواز التصرف عدم كون ذلك المال للمسلم، بل يحتمل


(1) الوسائل: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء وج 2 ص 1053 ح 1 من ب 37 من أبواب النجاسات.

[ 112 ]

[... ] أن يكون الملاك كون ذلك المال للكافر، فإن ما ذكره ليس إلا مقتضى عدم جواز 0 لتصرف في مال المسلم والذمي، وجوازه في مال الكافر الذي يكون غيرهما إما لكون الملاك لجواز التصرف هو الكفر أو عدم كون المال للمسلم. مع أن في الانحصار المذكور إشكال - قد تقدم في بحث الغنائم (1) - من جهة أن ما ذكروه أو يكون ظاهر كلامهم - من كون كل غير ذمي وغير معاهد كافرا حربيا - غير معلوم، فإن عد بلاد الكفر التي لم تقع من جانب السلطان العادل أو من ينوب منابه موردا للدعوة إلى الأسلام والتخيير بين الحرب أو الأسلام أو الجزية من أرض الحرب من جميع الجهات حتى يقال: (إنه يصح السرقة من البلاد المذكورة) غير واضح بالنسبة إلى الأموال، وإن كان يمكن القول به بالنسبة إلى استرقاق الأشخاص وحملهم إلى بلاد المسلمين، فراجع ما تقدم في الغنائم (2). هذا. مع أنه على الفرض المذكور فمقتضى الاعتبار مانعية الكفر عن تأثير الأسباب المشروعة العقلائية في صيرورة المال ملكا طلقا للكافر الحربي، لا شرطية الأسلام، فإن الحيازة والأحياء والبيع والشراء في الأسباب العقلائية مقتضية لعدم جواز تصرف الغير فيه إلا بإذنه، فالكفر مانع بحسب الأدلة، فإن الاعتبار العقلائي بمنزلة المقتضي بل هو المقتضي بعد عدم الردع من الشارع، والردع في الكافر مانع لا أن الأسلام شرط ودخيل في حصول المقتضي. فافهم وتأمل. وعلى فرض الشك في أن الأصل الجاري هل هو عدم كون هذا المال للمسلم أو عدم كون هذا المال للكافر فيرجع إلى أصالة عدم حصول الملكية. إن قلت: يشكل جريان الأصل المذكور إذا وجد الكنز في بلاد الأسلام أو


(1 و 2) في ص 38.

[ 113 ]

[... ] كان عليه أثر الأسلام، فإن الظاهر أن يكون الدفينة للمسلم، كما يومئ إلى الأول ما ورد من حلية الجلود المتخذة من بلاد كان الغالب عليها المسلمين (1)، فكأنه لحجية الغلبة المذكورة، ويدل على الثاني أن الأثر دليل على وقوع يد المسلم عليه. قلت: إنما قام الدليل على حجيه الغلبة في الجلود التي كانت موردا لابتلاء المسلمين والمظنون أنه وقع عليه يد المسلم وأحرز تذكيته، بخلاف الكنوز المظنون كونها قبل ذلك في العصور الاولى، وأما الأثر في الدراهم السابقة فلم يكن طبعه بحيث يكون دليلا قطعيا على جري يد المسلم عليه. الأمر الثالث الذي استدل به على المدعى: صحيحا محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (2) ففي الأول - الذي هو أقرب الى الصحة بحسب المتن - قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: (إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به). وفيه: أن الظاهر منه غير المدفون تحت الأرض، وإلا لذكره، لاحتمال دخالته في الحكم، ولقوله: (إن كانت معمورة فيها أهلها)، فإنه لا يمكن العثور على الكنز في الدار المعمورة التي فيها أهلها إلا أن يكون حافرا للبئر مثلا، وهو من الأفراد النادرة، ولعدم الأشارة إلى وجوب الخمس. وقد يرد ذلك بمعارضته لموثق محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قضى علي عليه السلام في رجل وجد ورقا في خربة (قضى علي عليه السلام في رجل وجد ورقا في خربة أن يعرفها، فإن وجد من يعرفها، وإلا تمتع بها) (3).


(1) الوسائل: ج 2 ص 1072 ح 5 من ب 50 من أبواب النجاسات. (2) الوسائل: ج 17 ص 354 ح 1 و 2 من ب 5 من أبواب اللقطة. (3) الوسائل: ج 17 ص 355 ح 5 من ب 5 من أبواب اللقطة.

[ 114 ]

[... ] والظاهر منه أنه ليس من الكنز، فالخبران خارجان عن محل البحث. وعلى فرض كون الأول أعم من الكنز فلا ريب أن مورد الثاني هو غير الكنز، لأن الورق إن كان هو الدرهم فالظاهر أنه وجد درهما واحدا، لكن مقتضى اللغة أنه الدراهم، والتنكير دليل على وجدان دراهم معدودة، وهي ليست كنزا قطعا. وعلى فرض التعارض المتراءى - سواء كانا شاملين للكنز أو غير شاملين له أو كان الأول شاملا دون الأخير - فالجمع بينهما عرفا بحمل الثاني على إمكان إيصال المال إلى صاحبه، لأن التعريف طريق إلى الأيصال، وهو لا يمكن إلا في فرض احتمال العثور على صاحبه، وبذلك يقيد الأول إن كان مطلقا، فإنه يمكن منع الأطلاق لظهور قوله (قد جلا عنها أهلها) في اليأس عن العثور على مالك الدارهم. فحمل الأول على غير ما يوجد في أرض الأسلام وكان عليه أثر الأسلام والثاني على الجامع للأمرين - كما يظهر من الجواهر احتمال ذلك وجها للتفصيل الاتي - لا شاهد له كما فيها، بل الظاهر أن الشاهد على خلافه، فإن في الأول يكون السائل محمد بن مسلم وهو لا يسأل عمن يسافر إلى بلاد الكفر، فالقدر المتيقن من سؤاله ما كان في بلاد الأسلام وعليه أثر الأسلام، كما أن الظاهر من خبر محمد بن قيس: عدم أثر الأسلام عليه، لأنه لم يكن في عصر الأمير عليه السلام سكة كما أن الجمع بينهما كما في الجواهر (1) (بحمل الثاني على ما لو كان الخربة لمالك معروف أو على ما إذا كان الورق غير مكنوز وحمل الصحيح على المكنوز) مما لاوجه له أصلا، إذ - مضافا إلى أنه بلا شاهد مع وجود الجمع العرفي - قد


(1) ج 16 ص 30.

[ 115 ]

[ إذا كان في الأراضي الموات أو في المحياة بإحياء الواجد *. وكذا في الأراضي المفتوحة عنوة التي ليست ملكا لواحد من المسلمين * * ولكن لا يخلو ذلك من إشكال، والأحوط عدم التصرف ] ذكرنا أن كلا الخبرين ظاهران في غير المكنوز، ولو كان للخربة مالك معروف لكان الأولى الحكم بالرجوع إليه وتعريفه إياه أولا. والحاصل أن العمدة في المقام هو إطلاق دليل الكنوز المؤيد بأخبار اللقطة الدالة على جواز التملك إذا حصل اليأس عن العثور على صاحبه (1)، ومن المعلوم أن المنصرف إليه في الكنوز أيضا هو صورة حصول اليأس عن صاحبه. هذا. مضافا إلى ما تقدم (2) من ظهور الأجماع على الصورة التي تقدمت في المتن. * كما صرحوا بذلك، ووجهه واضح. * * على ما تقدم في صدر المسألة (3) في معقد نفي خلاف صاحب الجواهر. لكن يشكل في ما إذا علم أنه كان الكنز موجودا تحت الأرض قبل الفتح، للعلم بعدم كونه ملكا للواجد، فإنه إن كان من قبيل المنقول كان للغانمين وإن كان من قبيل غير المنقول كان للمسلمين. ويمكن الجواب بأنه ليس مما يغتنم، وأن (كل ما ينقل ولكن ليس مما يصلح للاغتنام يكون ملكا للغانمين) غير واضح. وأما ملك المسلمين فإنما هو الأرض وما هو تابع لها وكذا البناء، ولا دليل على غير ذلك. ويمكن دفع الأشكال أيضا بأن مالكية المسلمين مدفوعة بإطلاق دليل الخمس.


(1) الوسائل: ج 17 ص 349 الباب 2 من أبواب اللقطة. (2 و 3) في ص 106.

[ 116 ]

[ فيه *. والظاهر أنه لا فرق في ما ذكر بين ما تقدم وما كان في أرض الأسلام وكان عليه أثره * *، بل ولو علم أنه فعلا يكون لمسلم مجهول ] ولكنه يشكل بانصراف دليل الكنز إلى ما ليس له مالك معلوم، والمفروض أن يد المسلمين على الأرض، وهي تدل على الملكية. وأما ما ذكرناه من عدم الدليل فهو غير واضح. وأشكل منه ما إذا كانت الأرض موردا لأجارة الغير واحتمل كون الكنز له، من حيث استقرار يد المستأجر عليها، فالمسأله مشكلة عندي، والأحوط عدم التصرف فيه. * لما عرفت في التعليق المتقدم. * * وفاقا للخلاف والسرائر والمدارك وظاهر إطلاق المفيد والمرتضى، وخلافا لما عن الفاضلين والمبسوط فإنه لقطة، بل في التنقيح أن عليه الفتوى. هذا كله على ما في الجواهر وقد قواه أيضا (1). وهو الأقوى بحسب الظاهر، لأطلاق دليل الخمس الظاهر في كون الباقي لواجده. ووجوب الأيصال إلى صاحبه غير فعلي عند اليأس عن ذلك ولو كان مثل اللقطة، بناء على ما أفتوا به من جواز التملك عند اليأس ودل عليه بعض الروايات الواردة في الباب الأول من أبواب اللقطة في الوسائل (2)، ولا يعارضه ما تقدم (3) من موثق محمد بن قيس الدال على وجوب التعريف، لما تقدم (4).


(1) الجواهر: ج 16 ص 29. (2) ج 17 ص 347. (3) في ص 113. (4) في ص 114.

[ 117 ]

[ لا يتمكن من الأيصال إليه من جهة الجهل به *. ] * وفاقا لما قواه في الجواهر في آخر كلامه، وبعد ما استظهر في أول كلامه اتفاق الأصحاب على إرادة غير المعلوم كونه للمسلم، كما يومئ إليه التفصيل بأثر الأسلام وعدمه، قال: وإن لم نجنح إلى ذلك التفصيل لأعمية الأثر من ذلك (1). وظهر في طي كلامه وجوه اخر، منها كونه من اللقطة. ومنها رجوع أمره إلى الحاكم. ومنها كونه من مجهول المالك فيتصدق به (2). أقول: فهنا وجوه أربعة: أما الأول فلأطلاق أدلة الكنوز. وأما الثاني فلشمول أخبار اللقطة له من حيث إن موضوعها مطلق المال المجهول مالكه ولو بإلقاء خصوصية الضياع. ويرده عدم الدليل على إلقاء خصوصيه الضياع المأخوذ في موضوع اللقطة عرفا. لكن الظاهر إلقاء الخصوصية وإنما يجب التعريف في فرض إمكان العثور على صاحبه، ومنصرف الكنز غير ذلك المورد، وأما وجوب التصدق بعد اليأس فليس متعينا في اللقطة، بل يدل بعض الأخبار (3) على جواز التملك، فيمكن أن يكون الحكم في مقام الثبوت أنه في اللقطة يتخير بين الامور الثلاثة من دون إعطاء الخمس، وفي الكنز يملك ويؤدي خمسه، فلا يمكن الحكم بالتخيير من جهة إلقاء الخصوصية.


(1 و 2) الجواهر: ج 16 ص 30. (3) الوسائل: ج 17 ص 349 الباب 2 من أبواب اللقطة.

[ 118 ]

[... ] وأما الثالث فلعله من باب أنه ملحق بمال من لا وارث له، فهو للأمام عليه السلام فيرجع إلى نائبه، أو يحتمل أن يكون كذلك فيرجع إليه أيضا، أو يكون ذلك مقتضى عدم وارث لمن دفن المال غير أبويه وأجداده وقد علم بموتهم، فهو محكوم بأنه مال من لا وارث له. وهو أيضا مردود بإطلاق دليل الكنوز، كما لا يخفى. وأما الأخير فمدفوع أيضا بعدم وضوح إطلاق يدل على التصدق في جميع ما يصدق عليه أنه مجهول المالك، وعلى فرض وجوده فلا ريب أن إطلاق دليل الكنوز مخصص له، لأن جميع الكنوز مجهول مالكه، فالأول هو الأصح، وهو العالم. وأما موثق إسحاق الاتي (1) في الذي يوجد في بيوت مكة مما يحتمل أن يكون قابلا للفحص عن اليد السابقة عليه والحكم بالتصدق بعد عدم معرفة صاحب اليد الاولى، فهو أجنبي عن المورد. مع أنه في بيوت مكة، ويمكن الفرق بين الذي يوجد في الحرم والحل كما ورد الفرق في لقطته (2). مع أنه في الأرض المفتوحة عنوة التي قد عرفت الأشكال فيها (3). وأما احتمال (انصراف الكنوز إلى ما يحتمل عدم جري يد المسلم عليه، لكون الروايات وردت في صدر الأسلام، والاحتمال كان في العصر المذكور قويا) فيدفعه أن القضايا كادت أن تكون صريحة في القضايا الحقيقية، دون الخارجية.


(1) في ص 120. (2) الوسائل: ج 17 ص 368 ح 2 من ب 17 من أبواب اللقطة. (3) في ص 115.

[ 119 ]

[ المسألة 1: لو وجده في ملك مبتاع ويعلم بجري يده عليه ولا يكون متأخرا عنه عرفه البائع بلا إشكال *. هذا إذا جرت يد المشتري على الكنز. ] * بل ولا خلاف في ما إذا كان عليه أثر الأسلام، وظاهر المشهور عدم الفرق بينه وبين ما إذا لم يكن عليه أثر الأسلام. وفي التذكرة والمنتهى اختصاص التعريف بالأول، وأما الثاني فهو لواجده أو لقطة كما في الجواهر (1). والظاهر عدم الفرق، كما هو المنسوب إلى المشهور. ويستدل على ذلك بامور: منها: اليد. وسقوط ظهورها من باب الأقدام على البيع الدال على عدم الاطلاع لا يسقطها عن الحجية، لا حتمال النسيان أو كون الدفن من أبيه له أو من زوجته المتوفاة الراجع إليه. وكون الحكمة في حجية اليد هي الظهور لا يوجب أن تكون الحجية دائرة مدار الظهور، كيف! وقد ورد حجية اليد ولو كانت البينة على خلافها وكانت متعارضة لبينة اخرى (2)، وقد ورد أيضا في المعتبر جواز اشتراء من يدعي أنه حر إذا كان بيد من يدعي ملكيته (3)، ويشترون العقلاء من اللص ماله إذا احتمل كونه مالا له ولم يكن في البين علم إجمالي في محل الابتلاء. ومنها: موثق إسحاق بن عمار، قال:


(1) الجواهر: ج 16 ص 31 - 32. (2) الوسائل: ج 18 ص 182 ح 2 و 3 من ب 12 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى. (3) الوسائل: ج 13 ص 30 الباب 5 من أبواب بيع الحيوان.

[ 120 ]

[... ] سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: (يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها). قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: (يتصدق بها) (1). بناء على أنه من الكنز وإن اشكل فيه كما تقدم (2). ولعل الأصح أنه إن كان نحوا من سبعين درهما يجب فيه تعريف أهل المنزل الذي لا خصوصية لهم إلا كون المال في منزلهم، فالكنز الذي هو أكثر أولى بلزوم التعريف. نعم، فيه إشكال من جهة أنه في مورد الرواية لم تقع قرينة قبل التعريف على عدم اطلاع ذي اليد، وفي مورد البحث يكون بيع صاحب اليد قرينة على عدم الاطلاع. ويمكن الاستدلال بقوله (لعلهم يعرفونها) فإنه بمنزلة التعليل وإنه إذا احتمل العثور على صاحب المال فلابد من التعريف، وهذا التقريب لا يخلو عن وجه. ومنها: صحيحا محمد بن مسلم المتقدمان (3) الدالان على إعطاء الورق إلى أهل الدار وأنه لهم. لكن الاستدلال بذلك خال عن السداد، لورودهما في غير الكنز كما تقدم (4)، واليد الواقعة على المال الخارجي الموجود في الدار أقوى من اليد على تحت الأرض، مضافا إلى عدم قرينة على عدم اطلاع أهل الدار، بخلاف المقام. ومنها: صحيح عبد الله بن جعفر، قال:


(1) الوسائل: ج 17 ص 355 ح 3 من ب 5 من أبواب اللقطة. (2) في ص 114. (3 و 4) في ص 113.

[ 121 ]

[ وأما إذا لم يتصرف فيه مع وجدانه له فلا دليل على وجوب التعريف، كما في اللقطة التي لا يتصرف فيها *. ] كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقع عليه السلام: (عرفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك الله إياه) (1). ولا يبعد صحة الاستدلال به بإلقاء الخصوصية، من جهة اشتراكه للمبحوث عنه من جهة قيام القرينة القطعية على عدم اطلاع البائع ومن جهة عدم قوة اليد عليه، بل عدم جعل الصرة في بطن البقرة هنا من طرف البائع معلوم، بخلاف مورد البحث، إذ من الممكن أن ادخاره كان من البائع ثم عرض له النسيان. ومنها: ما دل على وجوب التعريف في اللقطة (2) - التي هي أقل من الكنز بحسب الأغلب - في موارد احتمال العثور على صاحبها، ولا ريب أنه لا مورد أقرب احتمالا للعثور على صاحبه من البائع، إذ من المحتمل عرفان ذلك بعد التعريف، لوجود علامة في الكنز يدل على كونه لمورثه أو لمن أوصى له أو كان المدخر له هو بنفسه فنسي من جهة طول الزمان أو هو ينفي عن نفسه ويعرف من اشترى منه أو من انتقل منه إليه بدون الاشتراء، فوجوب تعريف البائع إن تصرف فيه المشتري وجرت يده عليه مما لا إشكال فيه. * لعدم لزوم أداء مال ليس في يده إلى الغير، وقد ورد في اللقطة النهي عن التعرض لها (3) مع أن احتمال الضياع عن صاحبه قوي.


(1) الوسائل: ج 17 ص 358 ح 1 من ب 9 من أبواب اللقطة. (2) الوسائل: ج 17 ص 349 الباب 2 من أبواب اللقطة. (3) الوسائل: ج 17 ص 347 الباب 1 وص 349 الباب 2 من أبواب اللقطة.

[ 122 ]

[ المسألة 2: لو احتمل عدم جري يد البائع عليه - بأن احتمل أن ادخاره كان بعد الاشتراء منه - فالظاهر أيضا وجوب تعريف البائع *، وكذا لو وصل في من انتقل منهم الدار إلى من يحتمل عدم جري يده عليه * *. ] واحتمال (لزوم التصرف في الكنز لأداء خمسه إلى صاحبه) مدفوع بدليل النصاب الظاهر أو الصريح في عدم الوجوب إلا إذا اخرج منه بمقدار النصاب، وليس المقصود بلوغ الكنز بحد النصاب، فإن بلوغ الكنز إلى المبلغ المذكور مأخوذ في الكنز عرفا، فالاشتراط المذكور كاللغو، مع أنه لو فرض كون الخمس فيه قبل التصرف فلا دليل على وجوبه على الواجد غير المتصرف. * خلافا لصاحب المدارك (1)، لعدم معلومية جري اليد السابقة عليه. لكن الظاهر وجوب تعريف البائع من باب احتمال أن يكون له أو يعرف المالك. ويدل على ذلك عموم (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (2)، وما ورد في اللقطة من وجوب التعريف (3)، والكنز أولى بذلك، لكونه مالا كثيرا، وأخبار الكنز منصرفة قطعا إلى مالا يمكن العثور على مالكه عادة، كما لا يخفى. ولا يخفى اختصاص ذلك أيضا بمن تصرف في الكنز، كما تقدم في المسألة المتقدمة. * * لما تقدم في التعليق السابق من الوجه.


(1) الجواهر: ج 16 ص 34. (2) المستدرك: ج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب الوديعة. (3) الوسائل: ج 17 ص 349 الباب 2 من أبواب اللقطة.

[ 123 ]

[ المسألة 3: في صورة القطع بجري يد البائع عليه فهل يؤدي إليه إلا إذا نفاه عن نفسه أو إذا ادعاه أو إذا عرفه أو إذا لم ينكره بالنفي أو الترديد؟ وجوه، لعل الأظهر هو الأخير *. ] * أما الأول فهو الذي قال قدس سره في الجواهر إنه: (قد يدعى أنه محكوم بملكيته له ما لم ينفه عن نفسه) (1) من غير رد عليه. والوجه في ذلك إطلاق دليل حجية اليد. وقد يستدل بما تقدم (2) من صحيح محمد بن مسلم، لقوله عليه السلام: (فهي لهم). وأما الثاني فهو الذي يظهر من صاحب مصباح الفقيه اختياره (3)، وهو معقد إجماع المنتهى أيضا على ما في الجواهر (4)، بمعنى أن كونه له مع دعواه إجماعي، بخلاف غير صورة الدعوى، فإنه لا يكون موردا للأجماع وإن لم يكن إجماع على خلافه أيضا. والوجه في ذلك أمران: أحدهما: دعوى أن اليد المقرونة بالبيع الذي هو قرينة على عدم الاطلاع لا تكون لها ظهور إلا بضم الدعوى، كما في المصباح (5). وفيه ما مر (6) في صدر المسألة الاولى من إطلاق حجية اليد وعدم دورانه مدار الظهور الفعلي. ثانيهما: ما دل على حجية قول المدعي الذي لا معارض له، كما في معتبر منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:


(1) الجواهر: ج 16 ص 31. (2) في ص 113. (3) مصباح الفقيه: ج 3 ص 120. (4) الجواهر: ج 16 ص 31. (5) ج 3 ص 120. (6) في ص 119.

[ 124 ]

[... ] قلت: عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، وقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال: (للذي ادعاه) (1). وهذا أيضا وارد في غير مورد مسألتنا، فإنه ورد في فرض عدم تعلق يد به حتى تضمن وصوله إلى صاحب المال، والحكم بأنه للمدعي الذي ليس له معارض مطلقا - حتى مع فرض جعل اليد عليه - مناف لما هو الثابت في أدلة اللقطة، ولما هو السيرة الأسلامية العقلائية: من عدم إعطاء اللقطة لمن يدعيها من دون التعريف ومن غير الوثوق به، ومورد البحث - كما تقدم - هو ما إذا تصرف المشتري في الكنز ولابد من رده إلى صاحب المال. وأما الثالث فلعدم حجية اليد في المقام حتى مع ضم الدعوى، لأنها كالعدم بعد البيع الذي هو قرينة على عدم الاطلاع، وقد مر عدم حجية صرف الدعوى في المقام، فلابد من معرفة المال بحيث تطمئن النفس بكون المال له، كما يومئ إلى ذلك ما تقدم (2) من خبر الحميري الوارد في الصرة الموجودة في بطن البقرة. لكن فيه: ما عرفت (3) من أن حجية اليد لا تدور مدار الظهور الفعلي. وأما الرابع فلما تقدم من حجية اليد من دون الاحتياج إلى ضم الدعوى. لكن الظاهر أن الترديد موجب لعدم حجية اليد في حقه، إلا إذا كان في البين قرينة موجبة للظن النوعي بكونه ملكا له. والدليل على عدم حجية اليد في فرض كون صاحب اليد بنفسه مرددا هو صحيح جميل، قال:


(1) الوسائل: ج 18 ص 200، الباب 17 من أبواب كيفية الحكم. (2) في ص 121. (3) في ص 119.

[ 125 ]

[ والمقصود إظهار الترديد من دون وجود قرينة توجب الظن النوعي *. المسألة 4: في صورة القطع بعدم الادخار من غير المالكين في مدة كون البيت بيدهم فالظاهر ما عليه الأصحاب - على ما هو المشهور عندهم - * * من الرجوع إلى المالك الذي قبله إن لم يعرفه البائع ] قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل وجد في منزله دينارا؟ قال: (يدخل منزله غيره؟) قلت: نعم، كثير. قال: (هذا لقطة). قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال: (يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شئ؟) قلت: لا. قال: (فهو له) (1). فإن دخول غيره كثيرا في المنزل لا يوجب القطع ولا الظن بكونه من غيره، كما أن فرض دخول يد غيره في الصندوق - المحكوم فيه بعدم كونه له بالمفهوم، وكونه بمنزلة الفرض الأول المحكوم بكونه لقطة - ليس مستلزما للعلم بكونه لغيره. نعم، الفارق هو وجود الظن النوعي وعدمه مع فرض اليد. فراجع ملحقات العروة (2) حتى يتضح لك عدم صحة استدلال صاحب المستند لعدم حجية اليد مع ترديد صاحبها (3)، وعدم صحة جواب السيد قدس سره بالحجية مطلقا وحمل الخبر على صورة العلم بكون المال لغيره، بل الظاهر: التفصيل في صورة الجهل والترديد. * كما يظهر وجهه مما تقدم في التعليق المتقدم. * * بل في الجواهر أنه (لا أجد فيه خلافا بيننا) (4).


(1) الوسائل: ج 17 ص 353 الباب 3 من أبواب اللقطة. (2) ج 3 ص 120. (3) مستند الشيعة: ج 2 ص 577. (4) الجواهر: ج 16 ص 31.

[ 126 ]

[ وهكذا *. المسألة 5: على جميع الفروض لو وصل إلى حد اليأس عن وصوله إلى صاحبه الواقعي أو إلى من هو محكوم بأنه مالك من باب جري يده عليه فالظاهر كون الكنز لواجده وعليه الخمس بالشرط المتقدم وهو ] * وذلك من غير فرق بين ما إذا احتمل أن يكون الادخار من الذي يرجع إليه أو علم جري اليد السابق عليه: أما في الصورة الاولى فلم يحرز يد أصلا بالنسبة إلى الأسبق ما لم ينكره السابق، فلا وجه للرجوع إلى الأسبق، لعدم وجود ملاك الحجية أصلا إلا بعد إنكار السابق. وأما في الصورة الثانية فاليد الاولى ليست بفعلية إلا بعد إنكار السابق، بمقتضى أمارية اليد وتقدمها على استصحاب كون الكنز ملكا للسابق المحرز أيضا باليد السابقة في الفرض. فلا موقع لأشكال صاحب الجواهر قدس سره أصلا من: تساوي الجميع في عدم اليد لهم وقت التعريف، وقرب زمان أحدهم من يد المعرف لا يقتضي ترجيحه على غيره (1). وذلك لما عرفت من عدم اليد الفعلي للأسبق. كما أنه لا أثر ليد من يعلم أنه ليس مالكه في الفرض، كالمشتري أو البائع إذا أنكره ونفى عن نفسه، فاليد السابقة على يد البائع غير محرزة التحقق أو محكومة بأمارية اليد التي بعدها، كما لا يخفى. كما أن جواب صاحب المصباح ب‍ (انقطاع يد الأسبق بأمارية اليد التي


(1) الجواهر: ج 16 ص 32.

[ 127 ]

[ التصرف والبلوغ إلى النصاب *، إلا إذا انتهى إلى الأرض المفتوحة عنوة * * فالأحوط عدم التصرف فيه * * *. المسألة 6: في ما يحتمل عدم جري اليد عليه أو في ما وصل إلى ذلك - أي إلى ما يحتمل عدم جري اليد عليه - فالظاهر هو الرجوع إلى من كان البيت بيده بالترتيب المذكور في الصورة السابقة * * * *. ] بعدها) (1) ليس بسديد على إطلاقه، لعدم الاستصحاب إلا في صورة القطع بجري اليد السابقة على البائع على المال، وإلا فلا حالة سابقة للاستصحاب. * كما عليه بنى قدس سره في الجواهر وقال: بل صرح بعضهم بصيرورته حينئذ كالموجود في أرض المسلمين يجري فيه الخلاف السابق (2) [ وهو التفصيل بين ما إذا كان عليه أثر الأسلام أم لا ]. وقد مر عدم استقامة ذلك، بل الظاهر من إطلاق أدلة الكنوز: ما ذكر، حتى في ما إذا علم بأن المدخر له كان مسلما. * * فإن فيه الأشكال المتقدم (3). * * * كما مر وجهه فيها (4). وإن تصرف فيه فالأحوط إعطاؤه للفقيه الجامع للشرائط وهو يعطي خمسه، والأحوط صرف الباقي في سبيل الله، فإنه إن كان بحكم مجهول المالك فحكمه التصدق ومن مصارفه سبيل الله، وإن كان للمسلمين من باب أنه بحكم غير المنقول فقد صرف في مصرفه. وهو العالم. * * * * أي صورة العلم بجري يد المالكين عليه، وذلك من باب أن الأول


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 119. (2) الجواهر: ج 16 ص 32. (3 و 4) في ص 115.

[ 128 ]

[ المسألة 7: إذا احتمل عدم جري يد البائع على الكنز أو وصل إلى ذلك الحد فقد مر وجوب التعريف إلى الأقرب فالأقرب أيضا، لكن لا يكفي في تلك الصورة صرف عدم النفي عن نفسه وعدم إظهار الجهل بذلك، بل لابد من أن يعرفه *. المسألة 8: إنما يتصور التداعي في ما جرت يد كل من المتداعين على المال مع إقرار الكل بعدم انتقال الكنز إليهم * * بعنوان التملك، أو لم ] أقرب من يحتمل أن يكون مالكه واقعا أو ظاهرا، أو يرشد إلى ذلك، وبعده الثاني وبعده الثالث إلى أن يصل إلى حد لا مالك له أو لا يمكن العثور على مالكه، فإنه على فرض عدم الادخار من غير المالكين أو قبل أن يملك الأرض فجري يد الأخير أقوى احتمالا ثم الثاني ثم الثالث، لأنه إن جرت يد عشرة عليها في الفرض المذكور فجري يد العاشر مسلم وكذا التسعة إلى أن يصل إلى العاشر، فالتفصيل المذكور في كلام القوم متين جدا، ولا يرد بصحيح الحميري المتقدم (1)، لما يأتي في التعليق الاتي. * وذلك لعدم إحراز اليد عليه فلابد من حصول الوثوق بكون الكنز له، كما ربما يومئ إلى ذلك صحيح الحميري المتقدم (2) من جهة عدم اعتبار اليد على الصرة التي في بطن البقرة عرفا، فالبائع هو الذي يرجع إليه لأنه من موارد التعريف، وعدم الأرجاع إلى المالك الأسبق فللعلم العادي بعدم بقاء الصرة من العصر السابق في بطن البقرة أو الجزور، فتأمل. * * فإن كلا من الأيادي مشتركة في الأقرار بعدم حصول اليد على الكنز بعنوان التملك حتى الأول مثلا، فإنه يدعي أن الكنز مثلا ملكه الذي ادخره أبوه له قبل أن يملك الأرض، فملك الأرض من دون أن يقصد به تملك الكنز، وكذا


(1 و 2) في ص 121.

[ 129 ]

[ يحرز إجراء يد أحد منهم على المال لكن يدعي كل منهم أنه له *. المسألة 9: إذا لم يتصرف في الكنز فوجد صاحبه كان له * *. وأما إذا تصرف فيه وتملكه من دون إعطاء خمسه وإتلافه فالظاهر أيضا أنه كسابقه * * *. ] وأما إذا أدى خمسه وأتلف الكنز فهل هو ضامن للمال وضامن للخمس أيضا ثم يرجع إلى صاحب الخمس فيستقر الضمان عليه أم لا، أو يكون الخمس بمنزلة التصدق فلا يضمن صاحب الخمس بل يخير المالك بين الأجر والغرم، أو لا ضمان أصلا لأن الأتلاف وقع بإذن الله تعالى فهو أولى من إذن صاحب المال؟ وجوه * * * *. ] الأيادي المتأخرة، فالظاهر عدم حجية تلك الأيادي من حيث اليد، لأن كلا من صاحبي تلك الأيادي متفقون على أن الملكية ليست من حيث وقوع اليد على المال، كمن كان مال في يده ويقر بأنه أخذ من غيره غفلة أو سرقة ثم تبين أنه ماله. * كما هو واضح في تلك الصورة، وأما في صورة جري يد الكل على الكنز مع احتمال شراء الكنز أو جري يد الأقرب مع عدم إحراز جري اليد السابقة عليه فلا معنى للتداعي، فإن ذا اليد منكر وغيره مدع، كما لا يخفى. * * كما هو واضح، لأن صرف الحكم بجواز التملك وأداء الخمس لا يدل على الخروج عن ملكية المالك. * * * من جهة عدم ثبوت كون الأذن في التملك والتصرف حكما واقعيا فيخرج المال عن مال صاحبه واقعا، فيستصحب بقاء ملكية صاحب المال واقعا. وظهور الحكم في كونه واقعيا غير ظاهر في مثل المورد المفروض فيه الجهل بمالكه على فرض وجود المالك له. * * * * أما وجه الضمان فلأتلاف مال الغير من دون إذنه.

[ 130 ]

[ لو اشترى دابة ووجد في جوفها شئ له قيمة عرفه البائع *، فإن ] وأما وجه التفصيل بين الخمس وغيره فلأن الخمس بمنزلة تصدق مجهول المالك أو هو مصداقه بعينه، لأنه إعطاء المال في سبيل الله تعالى. وأما وجه عدم الضمان فلأن الأذن منه تعالى - ولو كان الحكم ظاهريا - بمنزلة إذن صاحب المال، فإن الأذن واقعي، وحيث إن الموضوع نادر الوقوع لا يهمنا إشباع الكلام فيه. * الظاهر أنه لا خلاف في ذلك، فإنه مقتضى القاعدة في الشئ المجهول مالكه إذا كان العثور عليه محتملا بحسب المتعارف، وأقرب موارد التعريف هو الرجوع إلى البائع، والظاهر أنه ليس الرجوع إليه من باب أمارية اليد على مالكيته، كما يومئ إلى ذلك الحكم بالتعريف وتعليق كونه له على صورة عرفانه للمال. والوجه في ذلك أن اليد كناية عن الوقوع تحت السلطة، وليس المال الموجود في جوف الدابة من موارد وقوع السلطة عليه بحيث يكون وضع ذلك المال في جوف الدابة من الموارد التي يضع أصحاب الأموال أموالهم فيها، وهذا بخلاف الكنز الموجود في الأرض المشتراة. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك - مصحح عبد الله بن جعفر قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام: أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقع عليه السلام: (عرفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك الله إياه) (1).


(1) الوسائل: ج 17 ص 358 ح 1 من ب 9 من أبواب اللقطة.

[ 131 ]

[ عرفه فهو له *، وإلا فهو للمشتري * * إذا كان العثور على صاحبه متعذرا أو متعسرا. والأحوط التملك ثم إعطاء الخمس * * *. ] * الظاهر من المعتبر المتقدم: اعتبار معرفة المال، فلا يعطى بصرف ادعاء كون المال له، وهذا بخلاف ما تقدم (1) من الكنز الذي يوجد في البيت المشترى، والفرق بينهما تحقق اليد بالنسبة إليه دونه. * * مقتضى إطلاق بعض الكلمات عدم لزوم التعريف بعد أن لم يعرف البائع، لا بالنسبة إلى من انتقل منه إلى البائع الأول ولا بالنسبة إلى غيره، لكن مقتضى ما دل من التعريف في اللقطة: اختصاص ذلك بصورة اليأس عن صاحبه أو العسر في التعريف. وأما المعتبر المتقدم فهو وارد بالنسبة إلى ما كان يقع في الخارج في عصر الصدور، وليس من القضايا الحقيقية التي تكون في مقام بيان الحكم الكلي بالنسبة إلى الموضوع الأعم من الموجود والمقدر، والتقيد بالقيد الحاصل غالبا في القضايا الخارجية قبيح عرفا، فيمكن أن يكون بيع البقر والغنم وأمثالهما في العصر المذكور من أهل القرى والبوادي، ولم يكن موردا لتوارد الأيادي المتعددة كما في عصرنا الحاضر حتى يحكم بالرجوع إلى البائع الثاني، والتعريف بالرجوع إلى البلاد الاخر كان معسورا جدا. والحاصل أنه لا يمكن الحكم بالأطلاق وجواز التملك حتى مع احتمال العثور على صاحبه وتيسر ذلك - خصوصا مع الظن بذلك - للمعتبر المتقدم. * * * أما وجوب الخمس فيه فعن المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب بذلك،


(1) في ص 119.

[ 132 ]

[ والأولى التصدق بالجميع وإعطاء الخمس من مال آخر *. ولو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شئ أخرج خمسه وكان له الباقي ولا يعرف * *. ] وعن ظاهر الكفاية والحدائق الاتفاق عليه (1). أقول وجه الخمس في كلامهم امور: أحدها: الأجماع المشار إليه. ثانيها: دخوله في مفهوم الكنز أو إلحاقه به. ثالثها: دخوله في مطلق الفوائد والغنائم. ونحن نذكر وجها رابعا لعله أسد مما ذكر، وهو صحيح علي بن مهزيار المعروف، وفيه في طي ذكر الغنائم: (ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب) (2). فالحكم بوجوب الخمس للخبر المذكور متعين. نعم، لعله لابد من أن يكون فاضلا من مؤونة السنة ويجئ الكلام في ذلك إن شاء الله. وأما كون الأحوط التملك ثم الخمس، فلأن مقتضى عموم أخبار التصدق (3): جواز التصدق عن صاحبه، ومعه لا يصدق الفائدة أو يكون مشكوكا. وأما التصدق بدون الخمس فلا يخلو عن إشكال، لاحتمال صدق الغنيمة ولأطلاق الصحيح المتقدم. * للعمل بأخبار التصدق (4) وخبر لزوم الخمس في مجهول المالك (5) وعدم منافاته في العمل بمعتبر الحميري المتقدم (6). * * كما في الشرائع (7)، وهو الذي حكى في الجواهر عن الشيخ الطوسي قدس سره


(1) الجواهر: ج 16 ص 36. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3 و 4) الوسائل: ج 17 ص 349 الباب 2 وص 357 الباب 7 من أبواب اللقطة. (5) الوسائل: ج 6 ص 344 ح 6 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (6) في ص 130. (7) الشرائع: ج 1 ص 134. (8) الجواهر: ج 16 ص 36.

[ 133 ]

[............... ] غير الحكم بالخمس (1). أقول: أما عدم لزوم تعريف البائع فلأنه ليس مما ثبتت يده على ما في الجوف، لما عرفت في المسألة المتقدمة من كون اليد كناية عن كون المال في ما يوضع فيه من جانب صاحبه فكأنما يكون في يده، وليست فيه خصوصية تقتضي التعريف، لقضاوة العادة قطعا بأنه لم يدخل المال في جوف السمكة في حال كونها ملكا له، فيكون احتمال معرفة المال فيه أقوى من غيره. وأما عدم لزوم التعريف بنحو الأطلاق: فإن لم يكن فيه أثر الملكية - كالدراهم والدنانير - بأن يكون محتملا لكونه من المباحات الأصلية فإن مقتضى الأصل الأباحة. إن قلت كما عن التذكرة: إن حيازة السمكة حيازة لجميع ما في جوفها (2)، ومقتضى ذلك كون الصياد مالكا له، فلابد من إعطائه الصياد عرفه أم لم يعرفه. قلت: الظاهر أن حصول ملكية المباح بصرف الوقوع في ملكه (كالماء الذي يجري قهرا من الشطوط والأنهار الكبيرة في ملك بعض المالكين أو يطير طير في الفضاء فيقف في بعض البيوت) خلاف بناء العقلاء، بل لابد من قصد الحيازة وجعله تحت اختياره، ومن المعلوم أنه لم يقصد حيازة الدرة والجوهرة التي في جوف السمكة، والقصد الأجمالي الضمني إنما هو بما يشتمل عليه السمك من أجزائه الأصلية، كيف! ولو كان القصد إلى الحيازة حاصلا بنحو الأجمال كان حاصلا في البيع الأول والبيع الثاني، فهو للمشترى، ومقتضاه عدم التعريف أيضا. هذا. مضافا إلى أنه إذا دل المعتبر المتقدم (3) على عدم لزوم تعريف غير البائع في ما يوجد في جوف الدابة من الصرة ونحوها فهو أولى بعدم لزوم التعريف،


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 122. (2) في ص 130. (3) مصباح الفقيه: ج 3 ص 121.

[ 134 ]

[... ] لاحتمال عدم حصول الملكية أصلا، وهو الذي تمسك به في المصباح (1). لكن لا يخلو عن إشكال، من جهة وجود إشكال في المقام - غير ما في المسألة المتقدمة - وهو احتمال كون المال ملكا للصياد للحيازة. وإن كان فيه أثر الملكية، فيدل عليه معتبر الحميري المتقدم (2) بالأولوية والفحوى، من جهة عدم احتمال وقوعه في جوفها في حال كونها مملوكة لبعض المالكين، بخلاف مثل مورد معتبر الحميري (3). لكن قد عرفت أن القدر المسلم من مورد دلالته هو صورة اليأس عرفا أو العسر في التعريف، وهو حاصل غالبا بل دائما بحسب العادة في مورد المثال - وهو السمكة - بحسب الأدراكات المتعارفة. وأما كون المال له في الصورة الاولى فقد اتضح مما ذكر، لأنه على فرض عدم وجود أثر الملكية فمقتضى الأصل: الأباحة وجواز التملك، وأما في الصورة الثانية - وهي ما إذا كان فيه أثر الملكية - فلمعتبر الحميري المتقدم (4) بالأولويه. وأما لزوم الخمس فلاحتمال دخوله في ما يلحق بالكنز عرفا من حيث لزوم الخمس، أو كونه مشمولا لعموم الفوائد والغنائم، أو يقال بدلالة مكاتبة علي بن مهزيار الصحيحة (5) عليه من حيث كونه من مصاديق الغنائم بالتفسير المذكور في الرواية المنطبق على الأموال غير المترقبة كالأرث من حيث لا يحتسب، بل على فرض وجود أثر الملكية فيه فهو داخل في الجملة المتقدمة المنقولة (6). ولا يخفى أن الاحتياط المذكور - من التملك ابتداء ثم التخميس، ومن كون الأولى التصدق بالجميع والتخميس من مال آخر - جار هنا في ما فيه أثر الملكية،


(1) مصباح الفقيه: 3 ص 121. (2 و 3 و 4) المتقدم في ص 130 (5) الوسائل: ج 6 ص 349 ح د من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (6) في ص 132.

[ 135 ]

[ ونحوها إذا فرض اصطياد حيوان كالغزال ونحوه وعلم تقدم ما وجد في جوفه على يد البائع *. الرابع: كل ما يخرج من البحر بالغوص، كالجواهر والدرر * *. ] بل في ما ليس فيه أثر الملكية إذا احتمل مملوكيته احتمالا عقلائيا. وهو العالم بالحقائق. ثم إن ظاهر المعتبر المتقدم (1) وخبري أبي حمزة وحفص بن الغياث (2) المنقولين في الجواهر (3): عدم لزوم الخمس. لكن الظاهر عدم منافاته للخمس بعد ما فضل عن مؤونة سنته، وهو مما يمكن أن يكون دليلا على استثناء مؤونة السنة في الغنائم بالمعنى المذكور في مكاتبة ابن مهزيار. وهو العالم. * كما في الجواهر (4). أقول: بل علم تقدمه على وقوع يد الصياد عليه، فإنه يجري فيه ما يجري في السمكة من الامور الثلاثة أي عدم التعريف وكون الخمس فيه وكون الباقي له بالتفصيل المتقدم. * * كما في الشرائع (5). وفي الجواهر: بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الحدائق، بل في ظاهر الانتصار وصريح الغنية والمنتهى: الأجماع عليه، وهو الظاهر من التذكرة (6). أقول: ويدل عليه صحيح الحلبي - كما في الجواهر - (7) قال:


(1) في ص 130. (2) الوسائل: ج 17 ص 359 و 360 ح 1 و 2 من ب 10 من أبواب اللقطة. (3) ج 16 ص 38. (4) ج 16 ص 37 - 38. (5) ج 1 ص 34 (6) الجواهر: ج 16 ص 39 (7) ج 16 ص 39.

[ 136 ]

[... ] سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العنبر وغوص اللؤلؤ، فقال: (عليه الخمس) (1). وما عن الفقيه قال: سئل أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: (إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس) (2). وعن المقنع سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام وذكر مثله وترك ذكر المعادن (3). وعنه قال روى ابن أبي عمير: أن (الخمس على خمسة أشياء) وعد منها (الغوص) (4). ومعتبر حماد عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام قال: (الخمس من خمسة أشياء) وعدمنها (الغوص) (5). وقريب منه ما رواه حماد عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح أبي الحسن الأول (6). أقول: الظاهر كونهما رواية واحدة. وقريب منهما خبر أحمد بن محمد عن بعض أصحابنا رفع الحديث، قال: (الخمس من خمسة أشياء) وعدمنها (الغوص) (7).


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 6 ص 347 ح 1 و 2 من ب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) المصدر: ص 339 ح 2 من ب 2. (5) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 4 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (6) الوسائل: ج 6 ص 340 ح 9 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (7) الوسائل: ج 6 ص 341 ح 11 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 137 ]

[... ] وما عن المرتضى، عن علي عليه السلام وفيه: (والخمس يخرج من أربعة وجوه) وعد منها (الغوص) (1). وما عن البزنطي عن محمد بن علي بن أبي عبد الله عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: (إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس). قال قدس سره في الوسائل: ورواه المفيد في المقنعة مرسلا عن الصادق عليه السلام نحوه، ورواه الكليني عن محمد بن يحيى بالطريق المتقدم، ورواه الصدوق مرسلا، ورواه في المقنع أيضا مرسلا وترك ذكر المعادن (2). وخبر عمار بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام: (في ما يخرج من المعادن والبحر) إلى أن قال: (الخمس) (3). وفي خبر مسمع بن عبد الملك، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم - إلى أن قال: - فقال لي: (يا أبا سيار


(1) الوسائل: ج 6 ص 341 ح 12 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 5 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 344 ح 6 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 138 ]

[ وهنا مسائل الاولى: لا يختص الخمس من حيث الغوص باللؤلؤ *. ] قد طيبناه لك) (1). ويمكن الاستدلال - كما في الجواهر - (2) بالاية الشريفة من حيث صدق الغنيمة عليه. أقول: في الاستدلال بالاية الشريفة إشكال من حيث إن مقتضى مكاتبة ابن مهزيار (3) أن المراد بالغنائم: الفوائد التي لا تقصد، كالأرث من حيث لا يحتسب والجوائز الخطيرة. فالاستدلال بما دل على أن الخمس في مطلق الفائدة (4) أولى من الروايات الاتية (5) - إن شاء الله تعالى - في ما يفضل عن مؤونة السنة من الأرباح. وللاستدلال بصحيح زرارة (كل ما كان ركازا ففيه الخمس) (6) وجه، بناء على أن المقصود هو الذي يكون مستورا، من غير فرق بين أن يكون تحت الأرض أو في البحر. لكن إطلاق الكلمة في عرف العرب غير واضح، لا سيما مع احتمال إشراب خصوصية الثبات والمركزية التي ربما لا يصدق على ما في الماء. وهو العالم. * خلافا لما يظهر من صاحب المدارك من الاقتصار على ذكر صحيح الحلبي المشتمل على خصوص اللؤلؤ (7).


(1) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 12 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) ج 16 ص 39. (3) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) مثل ما في الوسائل: ج 6 ص 350 ح 6 و 7 وص 351 ح 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) في ص 144 وما بعدها. (6) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 3 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (7) الجواهر: ج 16 ص 40.

[ 139 ]

[ الثانية: لو اخذ شئ من غير غوص لم يجب الخمس فيه *. ] ولعل منشأ الأعراض عن الأخبار الاخر: عدم استقامتها من حيث السند. وفيه أولا: أنها منجبر بعمل الأصحاب والفتوى على طبقها. إن قلت: لعل الاستناد إلى صحيح الحلبي والحكم في الباقي من باب إلقاء الخصوصية عرفا، إذ لا فرق في نظر العرف بين اللؤلؤ والياقوت مثلا. قلت: لو كان كذلك لم يكن وجه للحكم بالنصاب وكونه دينارا، فقد عمل قطعا برواية الدينار الدال على الخمس في ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد (1). وثانيا: أن الخبر المذكور منقول عن أبي الحسن موسى وأبي الحسن الرضا والصادق عليهم السلام بطرق متعددة (2). وثالثا: أن في الناقلين للأخبار المطلقة أصحاب الأجماع مثل البزنطي وابن أبي عمير وحماد ومن يكون بحكمهم كأحمد بن محمد بن عيسى. ورابعا: أن المرسل مثل الصدوق قدس سره في الفقيه وفي المقنع الذي أفتى على طبقه والمفيد في المقنعة، فلا شبهة في الأطلاق. * كما في الشرائع (3)، ومال إليه في الجواهر أيضا، لكن أوضحه بأن: المقصود عدم الخمس من حيث الغوص وإن كان فيه الخمس من حيث انطباق الفاضل عن المؤونة عليه (4). وعمدة الوجه في ذلك أن مثل خبر ابن أبي عمير وغيره من أخبار العدد (5)


(1) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 5 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) راجع المصدر: ص 343 ح 5 من ب 3 وص 347 ح 2 من ب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) ج 1 ص 134. (4) الجواهر: ج 16 ص 41 - 42. (5) الوسائل: ج 6 ص 338 الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 140 ]

[... ] دال بالمفهوم على عدم الخمس في غير ما يخرج بالغوص، لان أحد الخمسة فيها هو الغوص لا مطلق ما يخرج من الماء بنفسه أو بغير الغوص. وأما خبرا الدينار (1) وابن مروان (2) فالمنصرف إليه هو الخارج بالغوص. وعمدة الوجه في الانصراف: أما في الأول فلوقوع العنوان في سؤال السائل، وهو يسأل عمايقع في الخارج في عصر السؤال، ولعله لم يكن استخراج مثل الياقوت وغيره من البحر بالالات. وأما في الثاني فلكون الموصول في المعادن والبحر واحدا وهو موجب للانصراف إلى الجواهر وأمثال ما يخرج من المعادن، والمعمول في مثله الاستخراج بالغوص. لكن يمكن أن يقال: إن خبر ابن مروان عام، وهو في كلام الأمام عليه السلام بنحو القضية الحقيقية، ولا يضر بإطلاقها غلبة الأفراد. وأما أخبار العدد فغير ظاهرة في خصوص حصول الغوص، فإن الغوص فيها بمعنى ما يخرج بالغوص لا نفس العمل، وهو يصدق على ما اخرج بالالة، لأنه مما يخرج بالغوص نوعا. مع أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون الخمس في نفس تلك الأشياء المكونة في البحر من الجواهر، وهو مناسب لكون الغوص ملحوظا بنحو الطريقية إلى الوصول إلى الغنيمة البحرية. مع أن لازم ذلك إسقاط موضوع الغوص في مثل عصورنا الحاضرة مما يتوصل لأخذ الفوائد والمنتوجات بالالات، وهو مما يأباه الارتكاز العرفي. هذا. مضافا إلى ما يجئ من وجود الخمس في العنبر غير المحتاج إلى (1 و 2) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 5 وص 344 ح 6 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 141 ]

[ ولكن فيه إشكال، فالأحوط بل الأظهر تعلق الخمس بمطلق ما يخرج من البحر من غير الحيوان * والأحوط عدم ملاحظة النصاب إلا ما كان مثل الجواهر واخرج بالغوص * *، كما أن الأحوط عدم استثناء ] الغوص على ما يجئ إن شاء الله في تعريفه، ولعل العرف يلقي الخصوصية حينئذ. مع أنه إذا كان المستخرج بالغوص فيه الخمس فما اخذ بالالة أولى بتعلق الخمس به، لأنه أسهل استخراجا. مضافا إلى صدق الفائدة عليه. واستثناء المؤونة غير مرتبط بوروده تحت أخبار الغوص أو خروجه عنها، بل هو متوقف على شمول دليل استثناء مؤونة السنة لمثل تلك الامور الخارجة عن التجارات والزراعات والصناعات. وأما اشتراط النصاب فهو وارد في ما يدل على الأطلاق من حيث كون الأخراج بالغوص أو غيره مع قطع النظر عن الانصراف المتقدم. ومن ذلك يظهر الكلام في ما يظهر في الساحل لمد الماء وجزره، فإن الأحوط بل الأظهر تحقق الخمس فيه. والأحوط عدم مراعاة النصاب من باب رواية ابن مروان وإطلاق دليل خمس الفوائد، كما أن الأحوط عدم مراعاة مؤونة السنة في ذلك. * لأن الأخبار المشتملة على الغوص لا تشمل الحيوان، لأنه ليس الطريق إلى اصطياده الغوص غالبا. وأما خبر الدينار فظهوره في الجواهر مما لا ينبغي إنكاره، وقد تقدم (1) أن خبر ابن مروان منصرف إلى مثل ما يخرج من المعادن. * * لما تقدم (2) من أن رواية الدينار في موضوع الجواهر، والمنصرف إليه في


(1 و 2) في الصفحة السابق .

[ 142 ]

[ مؤونة السنة *. الخامس: ما يفضل عن مؤونة السنة له ولعياله من أرباح التجارات والصناعات والزراعات * *. ] السؤال هو ما يخرج بالغوص. * لما تقدم (1) من احتمال اختصاص ذلك بأرباح التجارات والصناعات والزراعات، وإن كان الأرجح اسثناء المؤونة من الجميع بحسب الملاك والمناسبات إلا غنائم دار الحرب وما لا يتخذ في العرف مكسبا، كأخذ اللقطة بناء على وجوب الخمس فيها، كما في مكاتبة ابن مهزيار (2) في المال المجهول مالكه. ثم الظاهر أنه لا فرق بين ما يخرج من البحر وما يخرج من الشطوط والأنهار الكبيرة، لأن أكثر أخبار الغوص خال عن ذكر البحر (3). * * كما في الشرائع (4). وفي الجواهر: بلا خلاف معتد به أجده، بل في الخلاف والغنية وظاهر الانتصار والسرائر أو صريحهما والتذكرة والمنتهى: الأجماع عليه. وفي الأخيرين دعوى تواتر الأخبار به، وأرسله في الرياض عن الشهيد الثاني أيضا. وعليه استقرت السيرة التي يمكن دعوى اتصالها بزمان أهل العصمة. فما عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل - من عدمه أو العفو عنه أو التوقف في العفو وعدمه - مما لا يعتد


(1) في ص 91 وما بعدها. (2) المتقدمة في ص 132. (3) راجع الوسائل: ج 6 ص 338 الباب 2 وص 347 الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) ج 1 ص 134.

[ 143 ]

[... ] به (1). انتهى ملخصا. أقول: الكلام في مقامين: المقام الأول في أنه هل جعل الخمس في مطلق الأرباح المذكورة بحسب أصل الأنشاء أم لا؟ ومن المعلوم أنه بعد ملاحظة ما يجئ (2) إن شاء الله تعالى من الأخبار الصحيحة الصريحة لا شبهة في ذلك. وأما صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: (ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة) (3). فبعد احتمال اتحاده مع مرسل العياشي عن أحدهما (4) وكونهما رواية واحدة قد ذكر مفادها أبو عبد الله عليه السلام في المجلس الذي كان فيه جمع منهم ابن سنان ومنهم سماعة، مع كونه خاليا عن لفظ (خاصة) الوارد في الصحيح - وترجيح الزيادة على النقيصة لا يتأتى في ما يمكن أن يكون زيادته لأجل التأكيد كما في المورد - وبعد ضرورة ورود الأخبار الكثيرة الصريحة في ثبوت الخمس في مطلق الأرباح (5)، بل ورودها بالنسبة إلى غير غنائم دار الحرب متواترة، فإن أخبار الكنز (6) والغوص (7) والمعدن (8) وما ورد في خصوص الأرباح (9) وما ورد


(1) الجواهر: ج 16 ص 45 - 46. (2) في ص 144 وما بعدها. (3) الوسائل: ج 6 ص 348، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) المصدر: ص 342 ح 15. (5) الوسائل: ج 6 ص 348 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (6) المصدر: ص 338 الباب 2 وص 345 الباب 5. (7) المصدر: ص 338 الباب 2 وص 347 الباب 7. (8) المصدر: ص 342 الباب 3. (9) المصدر: ص 348 الباب 8.

[ 144 ]

[... ] من أخبار التحليل (1) كل ذلك دال على ثبوت الخمس في غير غنائم دار الحرب أيضا، فلابد إما من حمل الصحيح على التقية حيث قد عرفت مظنونية صدوره في المجلس العام الذي لا يخلو عن الأغيار نوعا، وإما أن يكون المقصود أن جميع ما فيه الخمس يكون مصداقا للغنائم، كما ورد في خبر حكيم في تفسير قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ (2) الاية، قال: (هي والله الأفادة يوما بيوم...) (3). وليس في العرف واللغة شاهد على الاختصاص بغنائم دار الحرب، وإما أن يكون المقصود تحليل غير الغنائم فيكون مفاده مفاد أخبار التحليل الذي يأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. أما الدليل على أصل ثبوت الخمس في الأرباح فهو أخبار كثيرة: منها: خبر الأشعري، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: (الخمس بعد المؤونة) (4). والأشكال فيه بعدم توثيق الأشعري صريحا أولا والأرسال ثانيا مدفوعان:


(1) الوسائل: ج 6 ص 378 الباب 4 من أبواب الأنفال. (2) سورة الأنفال: 41. (3) الوسائل: ج 6 ص 380 ح 8 من ب 4 من أبواب الأنفال. (4) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 1 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 145 ]

[... ] أما الأول فبما في خاتمة المستدرك (1) من ذكر القرائن على الوثوق به. وأما الثاني فلأن الظاهر من الخبر أنه يروي ما كتبه بعض الأصحاب وما كتبه الأمام عليه السلام بخطه ولا يروي ذلك عن بعض الأصحاب، فعدم الأرسال واضح واعتباره مظنون قويا. ومنها: خبر علي بن محمد كما في جامع الرواة (2) عن الاستبصار - ويظهر رجحانه من بعض كتب الرجال - أو محمد بن علي كما فيه عن التهذيب، وكيف كان، فوصفه بالصحة - كما في الجواهر (3) - غير ظاهر، لعدم توثيقه، وليس صريحا ولا ظاهرا في أن علي بن مهزيار رأى بنفسه التوقيع الشريف، وفيه أنه: سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر - إلى أن قال: - وبقي في يده ستون كرا ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شئ؟ فوقع: (لي منه الخمس مما يفضل من مؤونته) (4). ومنها: صحيح أبي علي بن راشد، قال: قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأي شئ حقه؟ فلم أدر ما اجيبه. فقال: (يجب عليهم الخمس). فقلت: ففي أي شئ؟ فقال: (في أمتعتهم وصنائعهم (ضياعهم) قلت: والتاجر


(1) ج 3 من الطبعة الحجرية ص 841 (الفائدة العاشرة). (2) ج 1 ص 598. (3) ج 16 ص 47. (4) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 2 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 146 ]

[... ] عليه والصانع بيده؟ فقال: (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (1). ومنها: صحيح علي بن مهزيار أيضا، قال: كتب إليه إبراهيم بن محمد الهمداني: أقرأني علي كتاب أبيك في ما أوجبه على أصحاب الضياع أنه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة، وأنه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤونته نصف السدس ولا غير ذلك، فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤونة، مؤونة الضيعة وخراجها لا مؤونة الرجل وعياله. فكتب - وقرأه علي بن مهزيار -: (عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان) (2). بيان: قوله (وقرأه علي بن مهزيار) هذا مقول للناقل عن علي بن مهزيار وهو العباس بن معروف على الظاهر. والظاهر أن المقصود بالكتاب: ما هو الاتي، الذي نقله ابن مهزيار عن أبي جعفر الجواد عليه السلام، فالمضمر عنه هو أبو الحسن الثا ث الهادي عليه الصلاة والسلام. والخبر مضافا إلى اعتباره في نفسه جدا منقول أيضا بطريق آخر عن إبراهيم عن أبي الحسن عليه السلام، فهو في غاية الاعتبار. ومنها: صحيح علي بن مهزيار (3) الدال على امور: منها: وجوب الخمس في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول، والمتاع، والانية، والدواب، والخدم، وأرباح التجارات، والضيعة، والغنائم التي م‍


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 147 ]

[... ] قبيل الجائزة التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب، وما يكون من سنخ غنائم الحرب من المأخوذ من الخرمية الفسقة. ومنها: وقوع مثل الربح في التجارة موردا للتحليل. ومنها: أنه يمكن الاستدلال به على عدم وجوب الخمس في زماننا هذا في ما يغتاله السلطان من أموالهم في ما ينوبهم في ذاتهم، ومن ذلك رأس المال المحتاج إليه في المعيشة. ومنها: أن المستفاد منه أن الغنائم الواردة في الاية الشريفة وإن كان أعم من غنائم دار الحرب إلا أنه ليس مطلق الفائدة، ففيه: (وأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ... (1) فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء...). فإن المستفاد منه أن المقصود من الغنائم في الاية الشريفة: ما يحصل للأنسان من دون تحمل تعب في ذلك ولا يكون مترقبا بحسب النوع، كالأرث من الذي يحتسبه، وانطباقه على غنائم الحرب من باب أنه ليس تعب الجهاد لتحصيل الغنيمة، بل لدفع الفساد والفتنة وبسط الأسلام. ومنها: وجوب الخمس في ما يلتقط بعد اليأس عن صاحبه. وأما قوله: (ولا ربح ربحه في تجارة) فيحتمل أن يكون فعلا، ويحتمل أن يكون اسما بالتنوين فيكون مبينا للنوع، أي الربح الحاصل من التجارة لا من الضيعة مثلا، أو المقصود من التنكير: الربح القليل. وقوله (سافسر لك بعضه) الظاهر أن المقصود منه: ما أفاده من التطهير.


(1) سورة الأنفال: 41.

[ 148 ]

[... ] وقوله عليه السلام (في متاع) يحتمل أن يكون رأس المال، ويحتمل أن يكون أثاث البيت بقرينة الانية والخدم، فيدل على أن ما يصرف في المؤونة فيه الخمس أيضا إلا أنه محلل فيه، ويحتمل أن يكون التحليل من جهة الأخذ ممن لا يؤدي الخمس. ومنها: موثق سماعة الذي هو بحكم الصحيح، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: (في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير) (1). والمستفاد من القاموس أن كلمة (أفاد) من الأضداد، فقد يكون بمعنى الأفعال، وقد يكون بمعنى الاستفعال، وحينئذ يمكن أن يكون المقصود: كل ما استفاده الناس، فيكون الناس فاعلا، ويحتمل أن يكون المراد أن في كل ماله فائدة للناس وكان مما ينتفع به في المأكل والمشرب وغير ذلك ففيه الخمس. ولعل الثاني أقرب وإن جزم بالأول في الوافي (2). والله العالم. ومنها: خبر يزيد على ما في الوافي (3)، وفي الوسائل (4) (ابن) في الهلالين، ولعل القوى: كونه يزيد بن إسحاق بقرينة رواية أحمد عنه، وقد وثقه العلامة، فالخبر لا يخلو عن الاعتماد، بل ربما يعتمد عليه وإن لم يعرف الراوي، لنقل أحمد عنه مع معروفيته بالدقة في المنقول عنه. قال: كتبت: جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها؟ رأيك أبقاك الله أن تمن علي ببيان ذلك لكي لا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم. فكتب: (الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من


(1) الوسائل: ج 6 ص 350 ح 6 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2 و 3) ج 10 ص 309. (4) الوسائل: ج 6 ص 350.

[ 149 ]

[... ] ربحها، وحرث بعد الغرام، أو جائزة) (1). أقول: فادت الفائدة أي حصلت - على ما في الوافي (2) - وقوله عليه السلام (بعد الغرام) يحتمل أن يكون راجعا إلى الجملتين، والأقرب هو الرجوع إلى الأخير. وهو العالم. وأما رواية عبد الله بن سنان (3) فهي ضعيفة، لكون الناقل عنه هو الحضرمي، وقال النجاشي: إنه كذاب غال يروي عن الغلاة. ولا يعارض ذلك بنقل ابن أبي عمير عنه رواية واحدة، لأنه لا يدل إلا على الوثوق بتلك الرواية بالخصوص وصحتها عنده ولو بالقرائن الخارجية، وعلى فرض الدلالة على التوثيق فيعارض بالشهادة بالكذابية من الخبرة في الفن، إن لم نقل بترجيح الجرح على التعديل. مضافا إلى وجود جهات في المتن يسلب الاطمينان بصدوره عن المعصوم عليه السلام: منها: قوله (الخمس مما أصاب لفاطمة عليها السلام) وهو مخالف لضرورة كون نصف الخمس للأمام والباقي لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله التي تكون فاطمة عليها السلام من أظهر المصاديق، فليس الخمس لها كلا كما هو الظاهر، ولا بعضا من باب أنها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا من باب عصمتها، بل من باب القرابة. ومنها: قوله (من أحللناه) وهو استعمال غير مأنوس، فإن المأنوس: من أحللنا له أو من جعلناه في حل. ومنها: الحكم بأن عدم أداء الخمس موجب لوقوع الزنا، والظاهر تطبيقه على


(1) الوسائل: ج 6 ص 350 ح 7 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) ج 10 ص 310. (3) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 8 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 150 ]

[... ] مورد المثال وهو ما يحصل للخياط مع أنه لا يتحقق بذلك الزنا كما هو واضح، وعدم التطبيق على المثال المذكور خلاف الظاهر جدا. والمستفاد من بعض الأخبار (1) أن الزنا من جهة اشتراء الجواري التي فيها الخمس من حيث كونها من الغنائم أو من جهة كونها من التجارات التي فيها الربح للبائع. ومنها: قوله (يا رب سل هؤلاء بما ابيحوا) وفي الوافي (بما نكحوا) (2) ولعله من غلط النسخة، والصحيح ما في الوافي. ومنها: حسن الريان أو الصحيح، قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام: ما الذي يجب علي يا مولاي في غلة رحى أرض في قطيعة لي وفي ثمن سمك وبردي وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب: (يجب عليك فيه الخمس إن شاء الله تعالى) (3). بيان: القطيعة: ما يقطع من أرض الخراج. والبردي: ما يقال بالفارسية (يونجه) على ما في تعليق الوافي (4)، أو نبات كالقصب كان قدماء المصريين يستعملون قشره في الكتابة كما في المنجد، والثاني أنسب. ومنها: خبر أبي بصير، ولا إشكال في سنده إلا من جهة أحمد بن هلال الذي كان غاليا متهما في دينه (الفهرست) وورد فيه ذموم عن سيدنا أبي محمد عليه السلام (نقله النجاشي والعلامة - في الخلاصة - والكشي) ولكن عن الغضائري المعروف


(1) الوسائل: ج 6 ص 385 ح 20 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) الوافي: ج 10 ص 311 ح 7. (3) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 9 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) المجلد الثاني من الطبعة الحجرية: ج 6 ص 42.

[ 151 ]

[... ] بالتضعيف أنه قال: يتوقف في حديثه إلا ما يرويه عن الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة وعن محمد بن أبي عمير من نوادره، وقد سمع هذين الكتابين جل أصحاب الحديث (1). أقول: ويحتمل أن يكون ذلك منه لنقله عن ابن أبي عمير وإن لم يعلم أنه نقل عن نوادره. عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب عليه السلام: (الخمس في ذلك). وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمائة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس؟ فكتب: (أما ما أكل فلا، وأما البيع فنعم، هو كسائر الضياع) (2). ومنها: خبر أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قرأت عليه آية الخمس، فقال: (ما كان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله فهو لنا) ثم قال: (والله لقد يسر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا


(1) جامع الرواة: ج 1 ص 74 (أحمد بن هلال). (2) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 10 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 152 ]

[... ] لربهم واحدا وأكلوا أربعة أحلاء) (1). ومنها: خبر تحف العقول عن الرضا عليه السلام، قال: (والخمس من جميع المال مرة واحدة) (2). ومنها: ما رواه في الوسائل عن الكافي عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن علي بن الحسين بن عبد ربه، قال: سرح الرضا عليه السلام بصلة إلى أبي، فكتب إليه أبي: هل علي في ما سرحت إلي خمس؟ فكتب إليه: (لا خمس في ما سرح به صاحب الخمس) (3). ومنها: ماعن علي بن موسى بن طاووس في كتاب الطرف بإسناده عن عيسى بن المستفاد عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيه في مقام تعداد الفرائض: (وإخراج الخمس من كل ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى ولي المؤمنين وأميرهم ومن بعده من الأئمة من ولده، فمن عجز ولم يقدر إلا على اليسير من المال فليدفع ذلك إلى الضعفاء من أهل بيتي من ولد الأئمة، فمن لم يقدر على ذلك فلشيعتهم ممن لا يأكل بهم الناس ولا يريد بهم إلا الله...) (4). إذا عرفت ذلك فلا شبهة في المقام الأول أصلا.


(1) الوسائل: ج 6 ص 338 ح 6 من ب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 341 ح 13 من ب 2. (3) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 2 من ب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) الوسائل: ج 6 ص 386 ح 21 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 153 ]

[... ] المقام الثان‍ ي في شبهة التحليل المستندة إلى الروايات الكثيرة المنقولة في الوسائل (1). وهي مندفعة بملاحظة امور: الأمر الأول: ورود الروايات المعتبرة بل المتواترة على أخذ الخمس من الرضا وأبي جعفر الجواد وأبي الحسن الثالث وأبي محمد العسكري - عليهم الصلاة والسلام والتحية - ومن الحجة المولى وخليفة الله في أرضه في عصرنا عليه السلام: فالأول: خبر محمد بن زيد الطبري في من كتب إليه عليه السلام يسأله الأذن في الخمس وقد كتب عليه السلام وفيه: (لا يحل مال إلا من وجه أحله الله، إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا وعلى موالينا، وما نبذله ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا...) (2). وفي خبر آخر في جواب قوم قدموا من خراسان على أبي الحسن الرضا عليه السلام فس (لا نجعل لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حل (3). والخبر الأول منقول في كتاب الشيخ قدس سره عن إبراهيم بن هاشم. وأما الثاني فما تقدم (4) من صحيح علي بن مهزيار وغيره. وأما الثالث فصحيحه الاخر المتقدم (5).


(1) ج 6 ص 378 الباب 4 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 375 ح 2 من ب 3 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: ص 376 ح 3. (4) في ص 147. (5) في ص 146.

[ 154 ]

[... ] وأما الرابع فمعتبر ريان بن الصلت (1). وأما الخامس فغير واحد مما ورد في أخبار الناحية المقدسة الراجعة إلى إرسال الأموال إلى الناحية المقدسة وتعيين الوكلاء منها لذلك. وفي بعض ما يتعلق به عجل الله فرجه وسهل مخرجه وجعلنا من أعوانه تصريح بخصوص الخمس، كخبر ناصر الدولة عن عمه الحسين: أنه رآه وتحته عليه السلام بغلة شهباء وهو متعمم بعمامة خضراء، يرى منه سواد عينيه، وفي رجله خفان حمراوان، فقال: (يا حسين كم ترزا على الناحية ولم تمنع أصحابي عن خمس مالك)، ثم قال: (إذا مضيت إلى الموضع الذي تريده تدخله عفوا وكسبت ما كسبت تحمل خمسه إلى مستحقه). قال، فقلت: السمع والطاعة. ثم ذكر في آخره أن العمري أتاه وأخذ خمس ماله بعد ما أخبره بما كان (2). الأمر الثاني: أن أخبار التحليل ظاهرة أو صريحة في مالا ينافي ثبوت الخمس في عصرنا أو محمولة على ما لا ينافي ذلك: فإن بعضها ظاهر في التحليل في زمان خاص، كقول الصادق عليه السلام على ما في خبر يونس بن يعقوب: (ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم (3). وبعضها ظاهر في صورة عدم التمكن من الأداء، كقول أبي جعفر عليه السلام على ما في صحيح ابن مهزيار:


(1) المتقدم في ص 150. (2) الوسائل: ج 6 ص 377 ح 8 من ب 3 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: ص 380 ح 6 من ب 4.

[ 155 ]

[... ] (من أعوزه شئ من حقي فهو في حل) (1). وبعضها محمول على التقية وعدم كونه صادرا لبيان الواقع، كما يشهد بذلك حسن إبراهيم بن هاشم، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل وكان يتولى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حل فإني قد أنفقتها. فقال له: (أنت في حل) فلما خرج صالح فقال أبو جعفر عليه السلام: (أحدهم يثب على أموال آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم فيأخذه ثم يجئ فيقول: اجعلني في حل، أتراه ظن أني أقول: لا أفعل، والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا (2). فإن الذيل بقرينة الأيتام والمساكين وأبناء السبيل لعله ظاهر في الخمس. وكونه متوليا لوقفه بقم لا يدل على أن ما أنفقه كان من غلة الوقف، مع أنه لا فرق بينه وبين غلة الوقف في القول بالحلية ظاهرا وعدم الرضا باطنا، بل التظاهر بالحرمة وعدم الرضا في الوقف أسهل وأبعد عن التقية، كما لا يخفى. وبعضها ظاهر في أن موردها ما يقع في اليد من الذي لم يخرج خمسه، كمعتبر أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج، ففزع أبو عبد الله عليه السلام. فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق،


(1) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 2 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 375 ح 1 من ب 3 من أبواب الأنفال.

[ 156 ]

[... ] إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شئ اعطيه. فقال: (هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب والميت والحي وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال...) (1). فإن مورد ذلك ما يصرف في المؤونة كالمصروف في المرأة يتزوجها، أو ما يصل إليه من الغير كقوله (أو شئ اعطيه) ولا يخفى أن ذلك يدل على تحليل الخمس في المال الذي يصل إليه من غير من يعطي الخمس. ومقتضى الأطلاق: عدم الفرق بين كون المأخوذ منه ممن يعتقد الخمس أو غيره، خصوصا قوله (أو ميراثا يصيبه) فإن الأكثر اتفاق مذهب الوارث والمورث، والحمل على صورة الاختلاف حمل على أفراد غير كثيرة. وأما اعتبار الخبر فلأن المراد من أبي جعفر هو أحمد بن محمد بن عيسى بقرينة الراوي عنه وهو سعد والمروي عنه وهو الحسن بن علي بن زياد الوشاء. وأما أبو خديجة فهو (ثقة ثقة) (جش) (صالح) في جواب من سأل عن وثاقته (كش) وهو ظاهر في الترقي عن صرف وثوقه. وأما تضعيف الشيخ فمورده سالم بن مكرم أبي سلمة بأن يكون أبو سلمة كنية مكرم، ومورد ذلك شخص لا وجود له في الرجال، والمظنون اشتباه ذلك بسالم بن أبي سلمة الذي ليس اسم أبي سلمة مكرما، وهو ضعيف ضعفه النجاشي أيضا. وبعضها الاخر محمول على التحليل بالنسبة إلى العصر الخاص بقرينة ما تقدم ذكره، وبقرينة صحيح ابن مهزيار (2) الناقل لكتاب أبي جعفر المتقدم الدال صريحا


(1) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 4 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) المتقدم في ص 92.

[ 157 ]

[... ] على أن الخمس ليس‍ من الأحكام الشرعية غير القابلة للتغير، بل أمره إلى ولي الأمر فربما يحلل شئ منه ولا يحلل غيره، وبقرينة أن التحليل بحسب العنوان الأولي ليس إلا حقا لخليفة الله في وقته، وأما زمان ولي الأمر التالي فالأمر موكول إليه أيضا. وإن كان دالا على الدوام فيكشف عن علمه بأن ولي الأمر التالي أيضا يرى المصلحة في تحليله - فتأمل - وبقرينة أن أخذ الخمس مطلقا - في كل حال - كان موجبا للخطر للأمام عليه السلام وأصحابه قطعا، لأنه كان موردا لاتهام الخروج على سلطان الوقت كما لا يخفى، وبقرينة ما تقدم في الأمر الأول: من الروايات الصريحة في عدم التحليل الواردة بعد روايات التحليل. نعم، يبقى في البين توقيع إسحاق بن يعقوب عن صاحب الزمان سلام الله عليه وعجل فرجه، وفيه: وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شئ فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد ابيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث) (1). حيث إنه من جانب الحجة عليه السلام وجعل أمد الحلية ظهور الأمر. والجواب عنه بوجوه: الأول: عدم وضوح السند، لكن ذكرنا قرائن على صحته في ما كتبناه في ولاية الفقيه. الثاني: احتفاف الجواب بالسؤال غير المذكور تمامه في الجواب، فلعل السؤال كان عن الذي يؤخذ من الغير مما فيه الخمس.


(1) الوسائل: ج 6 ص 383 ح 16 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 158 ]

[ والظاهر أن متعلق الخمس كل فائدة تحصل للأنسان، سواء كان من قبيل ما ذكر، أو كان من قبيل حيازة المباحات، أو كان مما يتحقق في ما يملكه مما يوجب مزيد مالية - كالنماء ات المنفصلة أو المتصلة - أو كان وصفا حادثا في المال بالاختيار أو بدون الاختيار، أو كان صرف ارتفاع القيمة السوقية، كان الاسترباح بذلك مقصودا بالأصالة أو ] الثالث: احتفاف الكلام بقوله: (وأما المتلبسون بأموالنا) وأظهر مصاديقها الخمس، فلا بد أن يكون المقصود ما ذكر أو غيره من بعض موارد الخمس كالجواري مثلا، لا مطلق الخمس. الرابع: اشتماله على التعليل بطيب الولادة الدال على كون مورد السؤال هو الجواري. الخامس: على فرض الغض عما ذكر وفرض الأطلاق في الصدر لكن التعليل بطيب الولادة يخصصه بما إذا كان طيب الولادة متوقفا عليه. وإن أبيت على فرض الأطلاق عن ذلك من جهة أن مخصصية التعليل توجب حمل الأطلاق على الأفراد غير الكثيرة، فلا بد أن يكون المقصود بطيب الولادة أعم من حيث عدم لزوم الوطء المحرم وعدم كون النطفة منعقدة من المال المحرم، وحينئذ فلابد من الحمل على ماكان عدم التحليل منجرا إلى ذلك - بأن لم يعط الخمس إلى أن صلح المأكول لا نعقاد النطفة - وهذا لا يقتضي التحليل قبل ذلك. السادس: معارضته بما تقدم من تظافر الأخبار على إيصال المال إلى الناحية المقدسة، وهذا مناف لذلك، لعدم الفرق بين موقع سؤال إسحاق وغيره (1)، فإن المستفاد منه أن ملاك التحليل عدم ظهور الأمر. نعم، لو كان ذلك في التوقيع الاخر


(1) وهو ما ورد على محمد بن عثمان العمري النائب الثاني، راجع الوسائل: ج 6 ص 376 ح 6 من ب 3 من أبواب الأنفال.

[ 159 ]

[ مقصودا بالتبع أولم يكن مقصودا أصلا. * ] الذي كان موقع صدوره ابتداء الغيبة الكبرى كان للاستدلال بذلك وجه. فشبهة التحليل مندفعة بحمده تعالى بحيث لا يبقى في النفس ريب بمشيئته تعالى. * ما يتحقق في المال أو بسبب المال مما يوجب ارتفاع القيمة على أربعة أقسام: الأول: النماء المنفصل، كنتاج البقر والغنم. الثاني: النماء المتصل، كنمو الأشجار وسمن الغنم. الثالث: وجود وصف في المال، كصلاحية الأرض للزراعة الحاصلة برفع الأحجار عنها وبالأعمال الموجبة لقابليتها للاستقاء والحرث والغرس أو تحقق استحكام في الشجر مثلا. الرابع: ارتفاع القيمة السوقية من دون زيادة متصلة أو منفصلة عليه أو حكمية في أصل الملك. وجميع الأقسام الأربعة قد يكون مقصودا بالاسترباح به أصالة، فيشتري الغنم للاسترباح والانتفاع بنتاجه، أو يشتري الأشجار للانتفاع بنمائها، أو يشتري الأرض لأن يهيئها للزراعة والغرس فيبيعها من جهة ايجاد ذلك الوصف فيها، أو يشتري الأرض لأن يحصل فيها ارتفاع القيمة السوقية، وقد لا يكون مقصودا بذلك إلا تبعا، فيريد حصول النماء للاسترباح بما يحصل منه لا بنفس النماء - وهذا يتمشى في القيمة السوقية أيضا، فيريد مثلا أن ترتفع القيمة السوقية للدار المشتراة للانتفاع باجرتها، فإنه كلما ارتفعت القيمة السوقية للدار ارتفعت إجارتها مثلا - وقد لا يكون مقصودا أصلا، لا بالذات ولا مقدمة لفائدة اخرى. وما قصد به الاسترباح قد يكون الاشتراء لذلك وقد يكون أصل المال ميراثا

[ 160 ]

[... ] مثلا فيقصد الاسترباح به. والظاهر أن جميع ذلك مورد لتعلق الخمس، لأطلاق غير واحد من الروايات المتقدمة، كمعتبر سماعة وصحيح أبي علي بن راشد (1) واحتمال عدم كون الفائدة الحاصلة من دون الاختيار حين حصولها متعلقة للخمس من جهة عدم صدق الفائدة المكتسبة، أو لزوم كون الفائدة مطلوبة بالأصالة من ابتداء تملك ما فيه الفائدة من جهة دخالة عنوان الاستفادة أو الأعم من الابتداء والاستدامة لكن لابد أن تكون مطلوبة بالأصالة لا مقدمة لفائدة اخرى - لما ذكر - أو لزوم أن تكون مطلوبة ولو مقدمة، أو عدم صدق الفائدة إلا على الزيادة العينية الموجبة للزيادة المالية، فلا تدخل زيادة القيمة السوقية في الفائدة إلا إذا صارت موجبة للزيادة العينية في المال الموجبة للزيادة المالية، كل ذلك مردود، بإطلاق الدليل وصدق الفائدة على جميع ذلك في العرف. وبعض موارد المسألة واضحة جدا، مثل النماء المنفصل المقصود به الانتفاع أو الاسترباح، فإن روايات الضيعة والبستان موردها ذلك، ولا فرق بينها وبين مثل الغنم والبقر لنتاجهما، ومثل ارتفاع القيمة السوقية في مال التجارة بعد البيع بجنس الثمن بل ولو بغير جنس الثمن، لأنه الفرد الشائع من الربح في التجارة، فإن منشأ الربح في التجارات في الغالب هو ارتفاع القيمة السوقية باعتبار اختلاف الزمان أو المكان، ومثل عدم الفرق بين تحصيل رأس المال بالاشتراء أو حصوله بالأرث، لأطلاق روايات الضيعة والتجارة للمال الموروث وغيره. وحمل جميع ذلك على غير الموروث مثلا ملحق بالحمل على الفرد النادر، خصوصا بالنسبة إلى الضياع والبستان.


(1) المتقدمين في ص 148 و 145.

[ 161 ]

[... ] وفي غير ذلك منشأ الشبهة امور كلها مردودة: منها: احتمال لزوم صدق الاكتساب. وهو مردود بعدم الدليل. ومنها: احتمال لزوم صدق الاستفادة المأخوذ فيها الطلب. - وما في بعض الروايات من عنوان الأفادة فلعل المراد منها الاستفادة، إذ الأفادة من الألفاظ الدالة على الضدين كما في القاموس - وهو مردود، لو جود بعض الروايات التي لا يمكن حملها على الاستفادة، كخبر أحمد بن محمد بن عيسى عن يزيد، وفيه في مقام بيان متعلق الخمس وحد الفائدة: (الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، وحرث بعد الغرام، أو جائزة) (1). وخبر ابن راشد، قوله (في أمتعتهم) (2). هذا، مضافا إلى أن باب الاستفعال إما بمعنى الطلب من دون اعتبار حصول المبدأ كالاستغفار والاسترحام والاستعلام، وهذا لا يكون مرادا في المقام بالضرورة، لعدم تصور تعلق الخمس بصرف طلب الفائدة، وإما بمعنى المطاوعة وحصول المبدأ في الفاعل كالاستطاعة والاستراحة، وأما كونه بمعنى المطاوعة والطلب فلم يعهد في العرف واللغة. فقوله: (أعلى جميع ما يستفيد الرجل) كما في خبر الأشعري (3) وكل ما فيه مادة (أفاد) المحتمل كونها بمعنى الاستفادة ليس إلا بمعنى حصول المبدأ في الفاعل. ومنها: احتمال أن يكون صدق الفائدة مشروطا بزيادة عينية في المال فيشترط البيع في ارتفاع القيمة. وفيه: وضوح عدم الشرط المذكور، فإنه لا فرق عرفا بين الأرض التي ارتفعت قيمتها السوقية ولم يبعها وبين بيعها بمثلها من الأرض، فالفرق بين الصورتين - كما في العروة وغيرها - مما يأباه العرف قطعا.


(1) تقدم في ص 148. (2) المتقدم في ص 145. (3) المتقدم في ص 144.

[ 162 ]

[ نعم، يستثنى من ذلك النماء المتصل أو ارتفاع القيمة السوقية أو ارتفاع القيمة لأجل حدوث وصف في المال إذا كان ذلك مقدمة لربح آخر مقصود ولم يكن الاسترباح بما ذكر من النمو أو ارتفاع القيمة للسوق أو الوصف مقصودا بالأصالة، فلا خمس في نمو الأشجار المقصود بها أثمارها ولافي ارتفاع قيمة تلك الأشجار سوقيا أو من جهة الوصف *. ] * والوجه في ذلك كله: عدم الأشارة في أخبار الضياع والبستان، كخبر النيشابوري (1) وخبر الهمداني (2) ومكاتبة علي بن مهزيار (3) وخبر السرائر (4) بل ومعتبر الريان بن الصلت (5) مع غفلة السائلين عن نمو أشجار البستان وترقي قيمة الأرض بالزراعة فيها وارتفاع قيمة الرحى الذي ربما يحصل من جهة رواجه ومراجعة الناس إليه، بل إذا ثبت عدم الخمس في نمو الأشجار بما ورد في الضياع فعدمه في ارتفاع القيمة الذي ليس مقرونا بالزيادة العينية أولى، والسكوت في مقام بيانه عرفا - وهو مقام التعرض لخمس الثمار والأكرار من الحنطة - دليل على عدم الخمس في ذلك، لاسيما مع غفلة العرف بحسب الارتكاز عن ذلك. نعم، لو باع ذلك فالظاهر صدق الفائدة إذا باعها بالثمن الذي يعد مالية محضة، كالنقود. والظاهر أنه كذلك إذا باعها وجعل ثمنها موردا للاسترباح بالتجارة، وأما إذا باعها بما يكون مثل المبيع كأن تبدل بستانه ببستان آخر فالظاهر أنه بحكم الأصل. وهو العالم.


(1) المتقدم في ص 145. (2) المتقدم في ص 146. (3) المتقدم في ص 92. (4) المتقدم في ص 151. (5) المتقدم في ص 150.

[ 163 ]

[ وهنا مسائل المسألة الاولى: لو كان ارتفاع القيمة السوقية بالنسبة إلى ما يعد من الأثمان فقط - كالاسكناس - وأما بالنسبة إلى سائر الأموال التي تكون موردا للاحتياج فلم ترتفع قيمته ففي وجوب الخمس في ذلك حتى بعد البيع وأخذ الثمن إشكال. * ] بل لعل الظاهر عدمه * *. * فلو كان رأس مال شخص مائة عدل من الأرز وكان يعادل في أول عامه مائتي من من الحنطة وثلاثمائة من من الشعير وعشرين منا من السمن، وكان بينه وبين نوع الأشياء المورد للاحتياج نسبة خاصة، وكان بعد مضي الحول كذلك أيضا، وكان رأس ماله المذكور موجودا وكانت نسبته مع سائر الأمتعة كنسبته معها في أول الحول، ولكن كانت قيمته في أول الحول مثلا عشرة آلاف وبعد مضي الحول صارت عشرين ألفا، وكان ارتفاع القيمة بالنسبة إلى نوع الأجناس التي تكون موردا للابتلاء، ففي لزوم الخمس عليه فيلزم عليه إعطاء ألفين خمسا إشكال، بل لعل الظاهر عدمه، من جهة عدم صدق الغنيمة، فإن مثل النقود والاسكناس لا يلاحظ إلا للوصول إلى ما يحتاج إليه من المأكول والملبوس والمسكن وأمثال ذلك، وبملاحظة ما هو الأصل في ما يحتاج إليه لم يحصل الغنيمة، ولو فرض أن العرف الساذج يطلق على ذلك الغنيمة فهو من باب عدم التوجه والالتفات إلى علة الارتفاع، وبعد الالتفات لا يطلق عليه ذلك، والحكم البدوي المبني على عدم الاطلاع ليس ملاكا للأحكام الشرعية، كيف؟ فلو حكم على مائع بأنه ليس بخمر من باب فاقديته للونه ورائحته وكان سلب الخمرية منه بالالات المتداولة في ذاك العصر، وكان خمرا ومسكرا في الواقع بحيث يحكم بخمريته بعد الشرب، لا يمكن الحكم بعدم حرمة ذلك الشئ. * * لما عرفت من عدم صدق الغنيمة، مع أن الشك كاف في ذلك.

[ 164 ]

وإذا كان منشأ الربح مركبا من الأمرين فلعل الملاك في تشخيص الربح الحقيقي قدرة الأعاشة *. والأحوط إعطاء ما يحتمل أن لا يكون ارتفاع قيمته من جهة تنزل النقود، كما أن مقتضى الاحتياط للاخذ: الاستيهاب في مورد الشك * *. المسألة الثانية: الاكتساب بالاستيجار للأعمال العبادية موجب لتعلق الخمس أيضا إذا كان زائدا على مؤونة السنة. * * * * فلو كان أول شروعه في التكسب قادرا على مؤونة سنة واحدة من دون التكسب وبعد مضي الحول يكون كذلك أيضا فلا خمس، لعدم حصول الربح له حقيقة. وأما إذا كان قادرا على مؤونة سنتين مثلا فاللازم إعطاء خمس ما يصرف في مؤونة سنة واحدة، فلو كان ابتداء شروعه في الكسب مالكا لخمسة آلاف مثلا وكان مؤونته في السنة ذلك المقدار وبعد مضي الحول يملك عشرة آلاف ويكون مؤونة سنته من دون أن تزيد عائلته ذلك المقدار - أي عشرة آلاف - فلا خمس عليه، وإن كان يقدر على عشرين ألفا فلا بد من إعطاء خمس العشرة لا إعطاء خمس خمسة عشر ألفا، كما هو واضح. * * ووجهه واضح. * * * من غير خلاف يعرف كما في الجواهر، (1) لكن الظاهر من الوسائل - حيث قال: باب أنه لا يجب الخمس في ما يأخذه الأجير من اجرة الحج (2) - هو الأفتاء بعدم الخمس في اجرة خصوص الحج. وكيف كان، فلا ريب أن مقتضى إطلاق ما تقدم من الروايات - في أول مسألة الأرباح - هو وجوب الخمس. ولا وجه لتوهم عدم وجوبه في مطلق العبادات أو في خصوص الحج إلا خبر


(1) ج 16 ص 56. (2) الوسائل: ج 6 ص 354.

[ 165 ]

[ المسألة الثالثة: الظاهر أنه لا خمس في الميراث * ] علي بن مهزيار، قال: كتبت إليه يا سيدي رجل دفع إليه مال يحج به هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس أو على ما فضل في يده بعد الحج؟ فكتب عليه السلام: (ليس عليه الخمس) (1). والجواب عنه بوجوه: منها: عدم وضوح صحة السند، من جهة سهل بن زياد. ومنها: ظهوره في البذل للحج، من جهة أنه لو كان على وجه النيابة لكان المناسب أن يقال: يحج به عنه أو عن أبيه مثلا. ومنها: أن مورد السؤال وجوب الخمس حين المصير إلى الحج، وأما أصل وجوب الخمس فالظاهر أنه مفروض، فالجواب يحتمل أن يكون راجعا إلى الأول. فتأمل، فإن الظهور في المفروغية عن أصل الخمس غير واضح. ومنها: الحمل على التقية في المكاتبة فلا تعارض ما يدل على وجوب الخمس في اجور الأعمال الذي ليست فيه التقية قطعا، كما هو واضح. ومنها: احتمال أن يكون مورد السؤال ما فضل في يده بعد الحج قبل المراجعة إلى الوطن. ومنها: احتمال التحليل في ذلك المقدار، فإطلاق مادل على تعلق الخمس باجور الأعمال محكم. * في الجواهر: أن ظاهر الأصحاب عدمه، وعن أبي الصلاح


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 من ب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 166 ]

[... ] تعلقه بالهبة والهدية والميراث والصدقة. وأنكره عليه ابن إدريس فقال: لم يذكره أحد من أصحابنا ولو كان فيه الخمس لنقل أمثاله متواترا، لكن لا يخفى قوته من جهة الأدلة، بل مال إليه في اللمعة، فالاحتياط لا ينبغي أن يترك (1). انتهى ملخصا. أقول: لا شبهة في صدق الفائدة عليه عرفا وإن كان الظاهر من مكاتبة ابن مهزيار (2): عدم صدق الفوائد إلا على ما لا يحتسب من الأرث، ولعله لأن ملك المورث نوعا مما يحتاج إليه الوارث وهو ما إذا كان في نفقته. ويدل على عدمه امور: الأول: أنه لو كان الأرث متعلقا للخمس لصار واضحا بين المسلمين - كوضوحه بالنسبة إلى غنائم الحرب - لابتلاء العامة بذلك، مع أن الأصحاب لم يذكروه أصلا وليس في الأخبار إشارة إليه. الثاني: معتبر أبي خديجة، وفيه: إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شئ اعطيه. فقال: (هذا لشيعتنا حلال - الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحي - إلى يوم القيامة...) (3). تقريب الاستدلال أنه إما أن يكون السؤال من جهة وصول الميراث إلى يده فيكون الخمس عليه من باب حصول الفائدة في يده فدلالته واضحة، وإما من جهة وجود الخمس فيه قبل أن يصل إلى يده - كما هو الظاهر بقرينة قوله: (خادما


(1) الجواهر: ج 16 ص 56. (1) المتقدمة في ص 146 - 147. (3) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 4 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 167 ]

[ إلا في غير المحتسب منه *. المسألة الرابعة: الظاهر أنه لا خمس في الصداق. * * ] يشتريها... أو تجارة) مع عدم فرض الربح فيها - فدلالته من جهة الأطلاق المقامي وقد مر تقريبه. وملخصه تلازم ذلك لوجوب الخمس من جهة حصول المال في يده إن كان واجبا، فلا بد من التنبيه عليه فإنه مقام ذكره. الثالث: مكاتبة علي بن مهزيار (1) من حيث الدلالة على عدم الخمس في غير المحتسب من الأرث، واحتمال كونه من باب التحليل غير ضائر، لأنه بعد ثبوت التحليل يستصحب ذلك، ويأتي إن شاء الله (2) تقريب الاستصحاب وعدم منافاته لعموم تعلق الخمس لكل فائدة، فالظاهر عدم ثبوت الخمس في الميراث إلا غير المحتسب منه كما في المكاتبة (3). وعدم ذكر الأصحاب تعلقه بغير المحتسب لا يدل على الأعراض عن المكاتبة. * لتصريح مكاتبة علي بن مهزيار (4) بأن فيه الخمس في كل عام ولا يكون موردا للتحليل أصلا. * * في المدارك: المشهور بين الأصحاب وجوب الخمس في جميع أنواع التكسب... عدا الميراث والصداق والهبة... وقال أبو الصلاح: يجب في الميراث والهبة والهدية أيضا (5). وتبعه في الحدائق، وفيها اختيار قول أبي الصلاح في الهبة لكن قال في الصداق:


(1 و 3 و 4) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) في ص 175. (5) مدارك الأحكام: ج 5 ص 384.

[ 168 ]

[... ] بعدم الوقوف على من قال بالخمس فيه، فإن أبا الصلاح قال به في الهبة والميراث ولم يذكر الصداق أصلا (1). ويمكن أن يستدل على عدم الخمس فيه بمجموع: عدم فتوى من الفقهاء بذلك وعدم الأشارة إلى ذلك في شئ من الأخبار حتى في أخبار التحليل (2) التي جعل فيها عناوين متعددة موردا للتحليل - كمكاتبة علي بن مهزيار - والسيرة المحققة بين المسلمين، مع عدم الأشارة في شئ من الأدلة الدالة على إعطاء الصداق للنساء من القرآن (3) والحديث (4) من وجوب الخمس عليهن مع كون الغالب خروجه عن المؤونة، لأن مؤونة الزوجة على الزوج، مضافا إلى التحليل الثابت في المكاتبة المستصحب إلى الان. ويدل على ذلك أيضا عدم صدق الغنيمة عليه، لأنه ليس المهر - عرفا وشرعا - بلا عوض ليكون نظير الهبة التي يجئ أن فيها الخمس. وليس النكاح كالأجارة والجعالة حتى يصير نفس ما يعطى من قبل الزوجة مالا لها وينتقل منها إلى الزوج، بخلاف إجارة الأعمال، فإن الأعمال مال ينتقل إلى المستأجر ويترتب عليها آثار الملكية. وليس كالبيع فيلاحظ فيه الربح فيكون ذلك ملاكا لصدق الغنيمة. فتعليل صاحب الحدائق بأنه بحكم عوض البضع (5) لا يخلو عن قوة بضم أنه ليس من الأموال حتى يرى العرف صدق الفائدة من جهة الربح.


(1) الحدائق: ج 12 ص 352 - 353. (2) الوسائل: ج 6 ص 378 الباب 4 من أبواب الأنفال. (3) سورة النساء: 4. (4) الوسائل: ج 15 ص 21 الباب 11 من أبواب المهور. (5) الحدائق: ج 12 ص 353.

[ 169 ]

[ لكن الأحوط هو الخمس، لا سيما إذا كان زائدا على مهر المثل بحيث لو كان البضع مالا لعد الزائد ربحا، بل لا يترك في الأخير *. ومن ذلك يظهر الكلام في جميع موارد إعطاء الحقوق غير المالية بالعوض، كعوض الطلاق وكالمعاوضة على إسقاط حقوق الزوجية مثلا. * * وأما الهبة والصدقة * * *. ففيهما خلاف، فقد ينسب إلى المشهور عدم الخمس فيهما * * * *، وينقل عن بعض الأصحاب ثبوت الخمس فيهما مطلقا. ] * لاحتمال صدق الفائدة من حيث ملاحظة البضع بحكم المال. ويلاحظ الزيادة بالنسبة إلى الأقران والأمثال. * * ومن ذلك يظهر أن المعاملة على الأموال وعلى غيرها من الحقوق غير المالية تتصور على قسمين، فإنه قد يجعل العوض على إسقاط شئ أو إتلافه وقد يجعل العوض على الأعطاء والانتقال. والظاهر المستفاد مما تقدم: عدم تعلق الخمس بما يتلف أو يعطى من الحقوق غير المالية، فالأول كالمهر في الدائم والاجرة في النكاح المنقطع، والثاني كعوض الطلاق، فإنه يؤخذ العوض في قبال إتلاف حقوقه غير المالية بالطلاق وما يؤخذ في قبال إسقاط حقوق الزوجية مثلا، وأما الماليات حقا أو عينا أو منفعة فلا فرق في صدق الربح في زيادته بين الأعطاء أو الأسقاط والأتلاف، فالأول كإعطاء حق خياره بالنسبة إلى البيع الخاص إلى من عليه الخيار بعوض، والثاني كإسقاط خياره بالنسبة إلى من عليه الخيار وأخذ العوض عن ذلك. * * * كأقسام الجوائز أو الهدايا أو ما يعطى بعنوان قصد التقرب، فالمقصود من الصدقة في المقام: غير نفس الخمس والزكاة الذي ربما يجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. * * * * أقول: إن الشهرة غير ثابتة، فإن الأكثر لم يذكروهما ولم يصرحوا


(1) الحدائق: ج 12 ص 353.

[ 170 ]

[... ] بوجوب الخمس فيهما، وحكي عن أبي الصلاح تعلقه بهما، ومال إليه في اللمعة، وهو الظاهر من الروضة كما في الجواهر (1)، وقواه في الحدائق (2). ويمكن أن يستدل عليه بامور: منها: مكاتبة يزيد، قال: كتبت: جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها؟ رأيك أبقاك الله أن تمن علي ببيان ذلك لكي لا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم. فكتب: (الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، وحرث بعد الغرام، أو جائزة) (3). والأيراد على سنده - كما في تقرير الفقيه البروجردي قدس سره - بأن يزيد مجهول ولم يروأحمد بن محمد بن عيسى عنه إلا تلك الرواية (4)، مندفع بما في جامع الرواة من نقل أحمد بن محمد بن عيسى عن يزيد بن إسحاق في باب فضل التجارة (5)، فحينئذ لا يبعد أن يكون هو ذلك الموثق في لسان العلامة قدس سره في الخلاصة المروي عنه روايات كثيرة، مع أن نقل مثل أبي جعفر أحمد عنه - مع دقته المعروفة في نقل الحديث وفي من يروي عنه - لا أقل يكون دليلا على حسن ظاهره. فلا يبعد اعتبار السند - وهو العالم - خصوصا مع كون المتن دليلا على تورعه. ومنها: خبر أبي بصير، قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر هل عليه فيها


(1) ج 16 ص 56. (2) ج 12 ص 352. (3) الوسائل: ج 6 ص 350 ح 7 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) زبدة المقال: ص 83. (5) جامع الرواة: ج 2 ص 342.

[ 171 ]

[... ] الخمس؟ فكتب عليه السلام: (الخمس في ذلك). وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمائة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس؟ فكتب: (أما ما أكل فلا، وأما البيع فنعم، هو كسائر الضياع) (1). وقد تقدم (2) عدم البعد في اعتبار سنده، مضافا إلى أن أحمد بن هلال من جملة مشيخة الفقيه. وأما الأشكال فيه من حيث إن قوله (الخمس في ذلك) ظاهر في انحصار الخمس بذلك، وهو مورد للأعراض مخالف للأخبار الكثيرة، كما في التقرير المتقدم (3)، فمدفوع: أولا بأن صريح الذيل عدم الانحصار، فلابد من رفع اليد عن ظهور الصدر - لو كان له ظهور - إن كان ذلك في مكاتبة واحدة. وثانيا بعدم وضوح الظهور المذكور، لأن تقديم المبتدأ على الخبر مطابق للجري الأولي، وفي مثل الظرف يغتفر تقدم الخبر ولا يتعين حتى يكون تقديم المبتدأ من قبيل تقديم ما هو حقه التأخير. وثالثا بأنه يمكن أن تكون النكتة هي الحصر من جهة الهدية وأن الخمس يكون بالخصوص في تلك الهدية الخطيرة لا مطلق الهدايا، فيكون نظير المكاتبة الاتية (4) الامرة بالخمس في الجائزة الخطيرة. ورابعا بأنه يمكن أن يقال: إن المقصود أن فيه الخمس منحصرا، دون حق آخر من الزكاة والصدقات.


(1) تقدم في ص 151. (2) في ص 150 - 151. (3) زبدة المقال: ص 83. (4) في الصفحة الاتية.

[ 172 ]

[... ] وخام‍ سا بأنه يستدل به بعد الجمع العرفي بينها وبين سائر الروايات برفع اليد عن الظهور في الاختصاص بصريح الأدلة الاخر الدالة على ثبوت الخمس في غير ذلك، المعلوم بالضرورة، بل ضرورة كونه في غيره كالقرينة المتصلة المانعة عن انعقاد ظهوره في الحصر بالمعنى المخالف لها. وسادسا باحتمال أن يكون الحصر بلحاظ التحليل في الفوائد المكتسبة بالتجارات، كما يظهر من مكاتبة علي بن مهزيار (1). ومنها: خبر علي بن الحسين، قال: سرح الرضا عليه السلام بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي: هل علي في ما سرحت إلي خمس؟ فكتب إليه: (لا خمس عليك في ما سرح به صاحب الخمس) (2). فإنه لو كان أصل الهدية والصلة غير متعلق للخمس كان التقييد ب‍ (ما سر ح به صاحب الخمس) خاليا عن الفائدة الفعلية، إلا أن السند غير واضح. ويدل على ذلك أيضا خبر الأشعري (3) وموثق سماعة (4) وخبر الحضرمي (5) - مع قطع النظر عن السند - والاية الشريفة، (6) بناء على ضرورة عدم اختصاص الغنائم بغنيمة دار الحرب. ويدل على الخمس في الجائزة الخطيرة بالخصوص مكاتبة علي بن مهزيار: (والجائزة من الأنسان للأنسان التي لها خطر) (7).


(1 و 7) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 2 من ب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) المصدر: ص 348 ح 1 من ب 8. (4) المصدر: ص 350 ح 6 من ب 8. (5) المصدر: ص 351 ح 8 من ب 8. (6) سورة الأنفال: 41.

[ 173 ]

[ ولعل الأصح أن يفصل بين الخطيرة فيجب وغيرها فلا يجب. * ] ولا يبعد صحة الفتوى على طبقه. * لما عرفت من مكاتبة علي بن مهزيار. ولامانع من الحكم على طبقها إلا امور: الأول: ما يظهر عن مصباح الفقيه من أن قيام الشهرة على خلافه دليل على عدم ثبوت الخمس فيه في الأسلام، وإلا لم تقم عليه الشهرة (1). وفيه: أنه لم تثبت شهرة على عدم تعلقه بهما، فإن السكوت لا يدل على ذلك، فإن الهبات الخطيرة لم تكن في كثرة الابتلاء كأرباح التجارات والصناعات والزراعات. مع أنها ليست حجة إذا كانت مستندة إلى اجتهاد يقتضي ذلك، ولعل المنشأ هو أخبار الحصر في الخمس التي يأتي الكلام فيها إن شاء الله (2). الثاني: أن كون الخمس في مطلق الفوائد مناف لأخبار الحصر في الخمس (3) ومناف لما دل من المعتبر على أنه (ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة) (4). والجواب عن ذلك بوجوه: منها: أن ذلك يحمل على التقية، خصوصا في رواية عبد الله بن سنان المشتملة على كلمة (خاصة) الظاهرة في خصوص غنائم دار الحرب، لا مطلق الفوائد المكتسبة. ومنها: الحمل على تحليل غير الغنائم أو غير الخمسة، كما يظهر من الأخبار الحاكية عن رويتهم عليهم السلام بالنسبة إلى الخمس حتى في عصر الصادقين عليهما السلام (5).


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 129. (2) في ص 186. (3) الوسائل: ج 6 ص 338 الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) الوسائل: ج 6 ص 338 ح 1 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) راجع الوسائل: ج 6 ص 378 الباب 4 من أبواب الأنفال.

[ 174 ]

[... ] ومنها: الحمل على خصوص الفوائد التي تحصل بالاكتساب فيدخل فيها الهبة ويخرج منها الأرث ومثل المهر، فإنه بعد إخراج الصداق والأرث لا تأثير لدخول الهبة في الغنائم وعدم دخولها. ومنها: أن يكون المقصود من الغنائم مطلق الفوائد، والمقصود من الحصر أنه ليس مثل الزكاة وأن مورده ما يزيد على مؤونة السنة. الثالث: أن مادل من ثبوت الخمس في الهبة معارض بما دل على عدم الخمس بما يعطى في الحج ويزيد عنه، فعن علي بن مهزيار: كتبت إليه: يا سيدي رجل دفع إليه مال يحج به هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس أو على ما فضل في يده بعد الحج؟ فكتب عليه السلام: (ليس عليه الخمس) (1). والجواب عنه بوجوه: منها: ضعف السند بسهل. ومنها: أن ما فضل عنه بعد الحج غير ما فضل عنه بعد المراجعة عن سفر الحج، فإن الأول مما يحتاج إليه. ومنها: أن ما يفضل في يده ليس خطيرا حتى يجب عليه فيه الخمس، فيكون على طبق المكاتبة. ومنها: أنه داخل في مثل المهر، لأنه وجب عليه بإعطاء المال للحج وأخذه عمل من دون أن يكون مالا لمن أعطى ذلك، فلا خمس في عوضه. ومنها: أن يكون على نحو النيابة فخرج عن مورد البحث.


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 من ب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 175 ]

[... ] ومنها: أن يكون المقصود أنه ليس عليه الخمس حين يصير إلى الحج، فإن أصل الخمس مفروض في كلام السائل. وفيه تأمل وإن كان يظهر من الجواهر (1). الرابع: أن ما ذكر معارض بمعتبر أبي خديجة المتقدم (2) وفيه (أو شئ اعطيه) وقد حلله الصادق عليه السلام لجميع الشيعة إلى يوم القيامة على ما فيه، وقد مر سابقا أن الظاهر منه - بقرينة ذكر الخادم والتجارة من دون فرض الربح والميراث - هو ما يصل إليه ممن لم يعط خمسه، وهو الظاهر من وقوع السائل في الضيق - الظاهر من سؤاله - وهذا غير وجود الخمس من حيث إنه فائدة حصلت في يده، والأطلاق المقامي لا يقتضي عدم الخمس في الهبة مطلقا. الخامس: أن التفصيل بين الخطير وغيره مخالف للمشهور، بل لم يعرف قائل به، ومناف لما يظهر منه الخمس في مطلق الفوائد، ولا يدل المكاتبة على عدم تعلق الخمس بغير الخطير أصلا، فلعله كان موردا للتحليل. والجواب أن من قال بالخمس في الهبة حمل (التفصيل بين الخطير وغيره) على الصرف في المؤونة وعدمه، كما يظهر من كلام الشيخ الأنصاري قدس سره (3)، فلم يعرضوا عنها. وأما كون مفاده التحليل فالجواب عنه أنه كاف في الحكم بالتفصيل ثبوت التحليل فيستصحب. وتقريب الاستصحاب بوجوه: إما استصحاب رضاية ولي الأمر، وإما استصحاب رضاية حجة العصر عليه السلام، لكونه موجودا في عصر الجواد عليه السلام في الواقع على ما يظهر من بعض الأخبار، وإما استصحاب رضايته عليه السلام بعد ولاية


(1) ج 16 ص 55. (2) في ص 166. (3) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري قدس سره: ص 194.

[ 176 ]

[ المسألة الخامسة: لا شبهة عندهم في أن الخمس الذي يتعلق بالفوائد إنما هو بعد إخراج مؤونة حصول الربح *. ولا شبهة أيضا في صدق ذلك على ما يصرف في تحصيله * *. والظاهر أن من ذلك ما ينقص من ماله ولو من حيث القيمة في ] أمره في تلك الأشياء، فإنه راض بفعل أبي جعفر عليه السلام قطعا، وإما استصحاب حلية غير الخطير للشيعة. وأما عمومات الفوائد فلا حجية لها مع استصحاب الحلية، إذ لا منافاة بين تعلق الخمس بالذات وحليته من جانب صاحب الخمس. * ويدل على ذلك صحيح البزنطي، قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: الخمس اخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب: (بعد المؤونة) (1). وحسن إبراهيم أو الصحيح، إن في توقيعات الرضا عليه السلام إليه: (أن الخمس بعد المؤونة) (2). والقدر المتيقن منه مؤونة الربح، لأنه إما أن يكون هو المقصود وإما أن يكون المقصود مؤونة الشخص فيشمل مؤونة الربح. مع أن الأضافة إلى نفس الربح الملحوظ من جهة الخمس متيقن، وأما من حيث إضافة الربح إلى الشخص فهو غير متيقن، لأنه غير ملحوظ في الخبر الثاني، والموضوع في الأول يكون هو خمس الربح، والأضافة إلى نفسه لقوله (اخرجه) ورد من جهة السؤال عن تكليفه، لا من جهة احتمال إضافة المؤونة إليه. هذا، مع أنه لا يصدق عنوان الغنيمة إلا بعد إخراج مؤونة تحصيل الربح. * * كاجرة محل الكسب والخادم والدلال والحمال.


(1 و 2) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 و 2 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 177 ]

[ تحصيله، كالسيارة والمعامل بعد الاستعمال *. وأما اشتراء المحل مثلا للتجارة أو المعامل أو آلات العمل ففي استثنائه من مؤونة الربح أو من مؤونة الشخص مما يستثنى تلك منه ففيه إشكال * *، والأظهر - وهو العالم - عدم الاستثناء * * *. ] * وذلك لصدق الصرف في مؤونة الربح بل لا يصدق الفائدة عرفا إلا بعد استثناء ذلك. * * وجه الأشكال أن صدق المؤونة متوقف على الصرف، ومن اشترى المحل فلم يصرف ذلك في الربح ولا لنفسه، ومقتضى ذلك: عدم الاستثناء أصلا لا من مؤونة الربح ولا من مؤونة الشخص، لكن يبقى سؤال الفرق بينه وبين البيت المشترى للسكنى أو الفروش والأثاث وأمثال ذلك، فإنه لم يصرف أيضا بل ربما يزيد بقاؤه في ماليته، فيقال: ما الفرق بين محل الكسب وآلاته وبيت السكنى حيث إن بيت السكنى يعد من مؤونة الشخص ولا يعد ذلك من مؤونة الربح ولا من مؤونة الشخص. * * * وذلك لصدق الصرف على بيت السكنى من جهة الاحتياج إليها إلى آخر عمره، فلا يمكن بحسب المتعارف صرفه في مصارف معيشته. وكذا اللباس والفروش، فإنه يشتري بداعي البقاء إلى آخر العمر ويصرف النظر عن صرفه في معيشته، وهذا بخلاف محل التجارة كالدكان والخان، فإنه لا يحتاج إليه إلى آخر العمر، بل الاحتياج إليه مادام الكسب، وبعده يصرف في المؤونة من دون حرج، فإن محل الكسب في فرض عدم الاحتياج - الذي يحصل لكل شخص قطعا ولو في شهرين من آخر عمره - يكون كسائر أمواله ومستغلاته من غير فرق أصلا، فلا يصدق عليه مؤونة الكسب ولا مؤونة الشخص، لعدم الصرف أصلا.

[ 178 ]

[ ومن ذلك يظهر الكلام في رأس المال * وأنه لا يستثنى من الخمس، لكن قد يقال بكون رأس المال المحتاج إليه في مؤونة سنته يستثنى من الربح، وقد يقال: إنه يستثنى إذا لم يزد على مؤونة السنة، وقد يقال: إنه إذا كان أداء الخمس موجبا لكسر رأس ماله المحتاج إليه في مؤونة سنته المطابق لشأنه فلا يجب أداؤه حينئذ * *. ] * وذلك لوجوده وعدم الصرف في الربح، وصرف الاحتياج إليه من دون الصرف لا يوجب أن يصدق عليه عنوان المؤونة، بل هو أولى من الدكان والخان، فإن عدم الصرف في رأس المال الذي هو من النقود أو الذي جعل للتبديل بها أوضح. * * والمراد من مؤونة السنة في القولين الأولين إما خصوص مؤونة سنة الربح، أو الأعم منها ومن مؤونة السنوات الاتية، وأما في القول الثالث فلا يتصور إلا أن يكون المراد بمؤونة السنة مؤونة السنوات الاتية، فإن أداء الخمس إنما يكون بعد مضي حول سنة الربح، لكن يتصور فيه أن يكون المقصود أنه إذا كان أداء مجموع الخمس موجبا للتنزل إلى رأس مال لا يفي بمؤونته فلا يجب، وإن كان أداء بعضه لا يوجب ذلك فلا يجب أداء البعض أيضا. ويمكن أن يكون المقصود أنه يجب أداء كل بعض من أبعاض الخمس إلا البعض الذي يوجب المحذور المتقدم. فالوجوه الجارية في رأس المال بحسب ما يستفاد من كلمات أصحابنا المتأخرين ثمانية: الأول: أن يكون رأس المال الذي يكون موردا للاحتياج - ولو بالنسبة إلى السنوات المتأخرة عن الربح - من المؤونة، وحينئذ لو استقرض ثلاثين ألفا فربح ثلاثين ألفا وأدى دينه وكان محتاجا في إعاشة سنواته إلى أربع وعشرين ألفا من

[ 179 ]

[... ] جهة رأس المال فمورد الخمس هو خصوص ستة آلاف، فلا بد من إعطاء خمس ستة آلاف وهو ألف ومأتان. الثاني: أن يلاحظ خصوص سنة الربح، فحينئذ لو كان محتاجا في بقية سنته إلى ذلك من جهة الاسترباح فهو كالفرض المتقدم فيعطي ألفا ومأتين خمسا، وأما لو لم يكن محتاجا في مؤونة سنته إلى ذلك أصلا - بأن يكون مؤونته واصلة إليه من جانب أبيه مثلا - فلا بد من إعطاء خمس الثلاثين وهو ستة آلاف. الثالث: أن يستثنى رأس المال بمقدار مؤونة سنة ربحه، فلو كان في الفرض المذكور لا بد له إما من صرف جميع الثلاثين في مؤونة سنة ربحه أو التجارة به والأعاشة بربحه فلا خمس عليه، لكن لو لم يكن محتاجا في مؤونة سنة ربحه إلا إلى عشرة آلاف منها فالمستثنى من الخمس ذلك المقدار وفي الباقي الخمس. الرابع: أن يكون المستثنى من رأس المال ما يكون مؤونة لكل سنة من سنواته الاتية لا خصوص سنة الربح. وحكمه يظهر مما ذكر. الخامس: أن يكون المستثنى هو رأس المال الذي إن أعطى خمسه لا يفي بمؤونة سنواته الاتية. ومقتضى ذلك في المثال المذكور: إعطاء جميع خمس الثلاثين، فإن المفروض أنه تكفي أربعة وعشرون للاسترباح بها، وفي الفرض المذكور لو كان الكافي لمؤونة سنواته الاتية خمسا وعشرين فلا خمس عليه أصلا. السادس: أن يكون عليه بعض الخمس بمقدار لا يضر بما يحتاج إليه من رأس المال في سنواته الاتية، فلا بد في المثال المتقدم - المفروض أن ما يكفي هو خمس وعشرون ألفا - أن يعطي خمسة آلاف. السابع: الاحتياط بعدم الاستثناء أصلا، كما في العروة الوثقى (1).


(1) في المسألة 59 من الفصل الاول من كتاب الخمس.

[ 180 ]

[... ] الثامن - وهو الأصح -: هو الحكم بعدم الاستثناء كما أفتى بذلك بعض علماء العصر. والوجه فيه: ما تقدم من عدم الصرف. وهنا وجه تاسع ينشأ من احتمال استثناء رأس المال من باب مؤونة الربح، فيقال: إن من له ثلاثون تومانا فأحدث محلا آخر وجعل رأس مال له من ربحه بعد إعطاء خمسه فربح بمقدار رأس المال الجديد فلا خمس، لأنه من مؤونة الربح. وعاشر وهو التفصيل بين الالات والدكان مما لا يكون موردا للنقل والانتقال فيحكم بالاستثناء، بخلاف رأس المال الذي يوضع للتجارة به. وأما مدارك الوجوه المذكورة: فمدرك الأولين دعوى صدق مؤونة الشخص بذلك. كما أن مدرك الاحتمال الأخير غير المذكور في كلامهم: دعوى صدق مؤونة الربح على ذلك. ومدرك الثالث هو الجزم بصدق المؤونة في ما إذا احتاج إلى مقدار من المال في تلك السنة إما لصرف نفس المال في مصارفه وإما للتجارة والاسترباح به. وأما الرابع فلا وجه ظاهرا له، من جهة أن مبنى عدم زيادة رأس المال على مقدار المؤونة هو ملاحظة عدم مؤونة السنوات الاتية، وإلا كان اللازم اشتراط عدم كون رأس المال زائدا على مؤونة مدة العمر، فتأمل. وأما الخامس فيمكن أن يكون الوجه فيه أن المقصود من استثناء المؤونة أنه لا يصرف مقدار المؤونة في الخمس، فرأس المال المحتاج إلى مجموعه لا خمس فيه، لأنه لا بد من إعطاء الخمس من المؤونة، وأما الذي لا يكون مجموعه موردا للاحتياج لكن إخراج الخمس منه يكون موجبا لنقص رأس المال فلا يتعلق به الخمس، لأن إخراج جميع الخمس موجب لأخراج المؤونة وقد فرض عدم الأخراج منه، وإخراج العشر - مثلا أو أقل - من الخمس لا يكون مفادا لدليل

[ 181 ]

[... ] الخمس، فالمفروض فيه أن رأس المال من المؤونة، لكن ليس مفاد استثناء المؤونة عدم حساب المؤونة أصلا في مقام التخميس، فهو مركب من مقدمات: الاولى أن رأس المال من المؤونة. الثانية أن ما يحتاج إليه في مؤونة سنواته الاتية من رأس المال من المؤونة، ولا يختص بخصوص سنة الربح. الثالثة أن مفاد استثناء المؤونة عدم ورود النقص عليه، لا عدم حسابه أصلا في مقام تعلق الخمس. وأما السادس فالوجه فيه ما تقدم لكن مع فرض دعوى (أن دليل الخمس يحكم بإعطاء جميع الفاضل بنحو العام الاستغراقي) أو دعوى (أن مقتضى المخصص في مثل العشرة أيضا هو حجية الدليل بالنسبة إلى الباقي) أو يقال: (إن ما يدل على حلية من أعوزه من حقه عليه السلام (1) شامل لذلك، للاحتياج إليه في مؤونته في السنة الاتية). ويتوجه على غير الأخير ما تقدم من أن الكل متوقف على صدق المؤونة، وهو ممنوع لعدم الصرف، بل على الأخير أيضا، بناء على الوجه الأول في بيان المدرك، وأما الوجه الثاني فلا يقتضي أزيد من عدم الوجوب في صورة الأعسار - كما في الديون الاخر - فحينئذ لو تمكن من أداء تمام الخمس بالأقساط الممتدة فليس عنوان الأعواز صادقا عليه أو يكون مشكوك الصدق. إن قلت: التعرض لرأس المال في غير واحد من روايات باب الأرباح - كرواية الأكرار (2) ومكاتبة علي بن مهزيار (3) ورواية يزيد (4) - وعدم التنبيه على الخمس إلا في الربح في التجارة أو الضيعة دليل على عدم الخمس في رأس المال أصلا، فالسكوت في مقام البيان دليل على عدم الخمس فيه، إذ يشمل صورة غير


(1) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 2 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) المتقدمة في ص 145. (3) المتقدمة في ص 92. (4) المتقدمة في ص 170.

[ 182 ]

[... ] الأرث والصداق وم‍ ا أدى خمسه قبل ذلك وغيرها مما حصل له بالاسترباح وجعل رأس المال. قلت: هذا نظير من يأتي عند المجتهد ويذكر ربحه في السنة، فالمفروض كون رأس المال ملكا له بتمامه، والأطلاق المقامي إنما هو في فرض عدم فرد آخر لا يتعلق به الخمس أو ندرة ذلك، لا مثل المقام الذي يمكن أداء خمسه قبلا من باب وصول أخبار تعلق الخمس بالأرباح حتى الخياط (1). إلا أن يقال: إن التحليل بالنسبة إلى رأس المال المحتاج إليه مستفاد من عموم التحليل إلا بالنسبة إلى الموارد الثلاثة - من الذهب والفضة والضيعة التي تفي بمؤونة صاحبها - والفوائد والغنائم بالمعنى المذكور منها في المكاتبة (2)، فيستصحب بالتقريب المتقدم سابقا (3). إلا أن يقال في جوابه: إن المستفاد من المكاتبة هو التحليل الموقت وهو في عام مأتين وعشر، وهو بنفسه يدل عرفا على الاحتياج إلى المراجعة في العام القابل، كما في تحليل منافع الدار من جانب المالك لشخص إلى سنة واحدة. لكن الأنصاف عدم اطمينان النفس بتعلق الخمس برأس المال مطلقا، وذلك لما تقدم من السكوت في غير واحد من الأخبار، وللتحليل المستفاد من المكاتبة، ولقوله فيها (لما ينوبهم) ورأس المال مما يحتاج إليه. ويمكن الجواب عن الأول - الذي هو العمدة - بأن السكوت في بعض الروايات لعله من باب التحليل، وإطلاق ما في معتبر أبي علي بن راشد (4) الوارد في مقام أخذ الحقوق وأن الخمس في أمتعتهم محكم، والسكوت في بعضها كخبر


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) في ص 175. (4) المتقدم في ص 145.

[ 183 ]

[ ومع ذلك فالاحتياط لا يترك في الاستيهاب من أرباب الأموال *. المسألة السادسة: لو صرف مالا في سبيل استرباح سنين عديدة لكن في السنة الاولى مثلا أعطى إجارة الدكان للسنوات الاتية فهل يحسب ذلك من مؤونة الربح في السنة الاولى أو من مؤونة الشخص أو فيه تفصيل؟ وجوه * *. والظاهر احتساب ما يصرف في ما يتعلق بالكسب المحتاج إليه في مؤونة سنواته في مؤونة سنته فيستثنى من الخمس، وأما غير ذلك مما يصرف في الكسب المقصود به ازدياد الثروة فالأحوط استثناؤه من مؤونة مجموع الربح. ] ريان بن الصلت (1) لعله كان من أجل أن السائل معلوم الحال عند أبي محمد عليه اسلام قدس سره صلى الله عليه وسلم (من إعطاء خمس ما جعله رأس ماله أو كان ذلك إرثا من أبيه مثلا. وأما قوله (لما ينوبهم) (2) فلعل المستفاد منه هو العوارض التي تعرض الشخص الموجبة لصرف المال، مع أن المستفاد منه أن العلة لذلك مجموع التفضل منه عليه السلام و * لما ذكر في التعليق المتقدم أخيرا. * * الظاهر وضوح عدم احتسابه من مؤونة الربح في السنة الاولى، فإن الربح لا يقدر بالسنة، والربح الموجود لم يصرف فيها في المثال أكثر مما أعطى لاجرة السنة الاولى. وأما الاحتساب من مؤونة الشخص فلا إشكال فيه إذا كان الاكتساب المفروض موردا لاحتياجه في مؤونته، وأما إن كان لازدياد الثروة فاحتسابه من مؤونة سنة الشخص لا يخلو عن إشكال.


(1) المتقدم في ص 150. (2) المتقدم في ص 92.

[ 184 ]

[ ويترتب على ذلك أيضا عدم احتسابه من مؤونة السنة في ما لا يخرج منه ذلك، كالمعدن ولو كان المعدن موردا لاحتياجه. المسألة السابعة: لا إشكال أيضا في استثناء مؤونة الرجل وعياله عما يتعلق به الخمس في الجملة *، وإنما الأشكال في مواضع: ] واحتساب ذلك من مؤونة مجموع الربح خال عن الأشكال ظاهرا. ويدل على استثناء ذلك من ربح السنة التي صرف فيها ذلك ما تقدم من رواية الأكرار (1) وفيه: (وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا) وقال عليه السلام بعد ذلك: (لي منه الخمس مما يفضل من مؤونته)، مع احتمال أن يكون عمارة الضيعة بعد ظهور الربح كما قد يكون إصلاح الأنهار والقنوات في حال الفراغ عن وضع المحصول. والظاهر دلالة رواية إبراهيم المعتبرة على ذلك أيضا حيث قال: فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة وخراجها لا مؤونة الرجل وعياله، فكتب - وقرأه علي بن مهزيار -: (عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان) (2). * كما يدل عليه غير واحد من الروايات: فمنها: ما تقدم آنفا من صحيح إبراهيم. ومنها: ما تقدم من خبر الأكرار (3) المروي عن النيشابوري. ومنها: صحيح ابن راشد، وفيه: فقلت: في أي شئ؟ فقال: (في أمتعتهم


(1 و 3) في ص 145. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 185 ]

[ منها: أنه هل يختص استثناء المؤونة بأرباح المكاسب ولا يستثنى مؤونة الرجل ممن شغله استخراج المعدن مثلا؟ مقتضى ظاهر كلمات الأصحاب - رضوان الله عليهم - ذلك *. ] وصنائعهم) (ضياعهم) قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (1). وربما يدل عليه ما تقدم (2). * من حيث التصريح بإخراج مؤونة الربح في مثل المعدن والكنز والغوص، والاختلاف في إخراجها منه في غنيمة دار الحرب، والسكوت عن إخراج مؤونة الرجل وعياله، والتصريح بإخراج مؤونة الربح والشخص في أرباح المكاسب، الظاهر في أن عدم إخراج مؤونة الشخص من مثل المعدن كان مسلما عندهم ومفروغا عنه. ولعل الوجه في اختصاص ذلك بأرباح المكاسب - حتى جعلوا الموضوع في بحث الأرباح ما يفضل عن مؤونة سنته - امور نذكرها إن شاء الله تعالى: الأول: أخبار العدد المشتمل على الغنائم أيضا، كخبر حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الأول: (الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم ومن الغوص والكنوز ومن المعادن والملاحة) (3). وخبر ابن أبي عمير: (الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة) ونسي ابن أبي عمير الخامسة (4).


(1) تقدم في ص 145. (2) مثل ما في ص 144. (3) الوسائل: ج 6 ص 340 ح 9 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 2 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 186 ]

[... ] بيان الاستدلال أنه إن كان المراد بالغنيمة: خصوص غنيمة دار الحرب كان مخالفا لما هو الثابت قطعا بالأخبار الكثيرة من أن الخمس في جميع الفوائد (1) وأن المراد بالغنيمة هو الفائدة يوما بيوم (2)، فلا بد أن يكون المراد منها مطلق الفوائد، وحينئذ لا يبقى حسن للتعداد بل الخمس إنما هو في شئ واحد هو الفوائد مطلقا، إلا أن يكون بين الامور المعدودة فرق من حيث الموضوع، وليس الفرق إلا بأن يكون موضوع الغنائم - التي هي غير غنائم دار الحرب - ما يفضل عن مؤونة السنة كما هو المعنون أيضا في مقام تعداد موارد الخمس في كلمات الأصحاب رضوان الله عليهم. وفيه: أن الظاهر أن صرف الاختلاف في بعض القيود لا يحسن التعداد عرفا، كيف؟ ولو كان كذلك لكفى اشتراط النصاب في المعدن والكنز والغوص دون سائر الفوائد، فالأشكال في روايات العدد مشترك الورود لابد من الجواب عنه بعد فرض كون الخمس في مطلق الفوائد من أجل الأخبار الكثيرة المتقدمة في أول بحث الأرباح (3). والجواب عنه: إما بالحمل على التقية وصدور روايات العدد على نحو يناسب مذاق فقهاء العامة من حيث ورود الدليل عندهم على تعلق الخمس بالركاز، كما تقدم في أول هذا الكتاب (4)، وإما بالحمل على أن غير الخمسة من سائر الفوائد مورد للتحليل، كما ينبئ عن ذلك غير واحد من الأخبار المتقدمة من كون خمس الأرباح كان موردا للتحليل إلى عصر أبي الحسن الرضا عليه السلام أو إلى عصر


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 380 ح 8 من ب 4 من أبواب الأنفال. (3) في ص 144 وما بعدها. (4) في ص 15.

[ 187 ]

[... ] أبي الحسن الأول عليه السلام وأن الذي لا بد منه أداء الخمس تلك الخمسة. والجوابان كلاهما مبنيان على كون المراد بالغنائم غنائم دار الحرب. ويمكن أن يكون المراد بالغنائم ما يستفاد من مكاتبة علي بن مهزيار (1) وأن المقصود بها هو الفوائد غير المترقبة التي لا يبنى عليها أساس المعيشة في العرف وأن يكون الاقتصار على الخمسة من حيث التحليل - كما هو المستفاد من المكاتبة صريحا - وأن الغنائم بالمعنى المذكور لا يكون موردا للتحليل أصلا (فهي واجبة عليهم في كل عام). الثاني: مادل على وجود الخمس في خصوص العناوين المذكورة كالمعدن والكنز والغوص. والاستدلال بذلك على مسلك المشهور يتم بضم إحدى المقدمتين: إما بأن يقال: إن دليل استثناء المؤونة من مطلق الفائدة منصرف إلى ما ثبت فيه الخمس بعنوان أنه فائدة لا بعنوان أنه كنز أو معدن مثلا. وفيه: منع الانصراف كما هو واضح. أو يقال: إنه بعد الظهور في الخصوصية لا بد من عدم استثناء مؤونة الشخص، وإلا كان عاريا عن الخصوصية بعد وضوح عدم تعلق خمسين بالمعدن من دون أن يحصل فيه ربح زائد على ما حصل بالاستخراج. والجواب عن ذلك ما تقدم في مقام الجواب عن أخبار العدد من أنه يكفي في الخصوصية عدم كون مثل المعدن والكنز موردا للتحليل بخلاف الأرباح. مع أنه يكفي في الخصوصية تعلق الخمس بنفس مثل المعدن فلا يجبر خسران فائدة اخرى بربح المعدن كما لا يجبر خسرانه بربح مكسب آخر، وعلى


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 188 ]

[... ] فرض لزوم أداء العين أو القيمة - لا جنس آخر - لا يكفي إعطاء الخمس من مكسب آخر، بخلاف ماكان يدخل في مطلق الفائدة، فإن العين المتعلق بها الخمس حينئذ مطلق ذلك، فيكفي لمن كان - مثلا - معيشته من البستان المشتمل على فواكه مختلفة أن يعطي الخمس المتعلق بالرمان والتين من أحدهما بالخصوص، لأن الموضوع مطلق الفائدة. مع أن الظهور في الخصوصية بعد ورود الدليل العام غير معتبر عند العقلاء، فلو ورد دليل على أن (الخمر حرام) ودليل آخر على أن (كل مسكر حرام) فليس للأول ظهور في حرمة اخرى بحيث كان الخمر متعلقا للحرمتين الموجبتين للتأكد. الثالث: أن يقال: إن أدلة النصاب في المعدن والكنز والغوص تعارض أدلة استثناء المؤونة، فإن مقتضى الاولى: عدم الخمس قبل البلوغ إلى حد النصاب سواء كان زائدا عن المؤونة أم لا، وإذا بلغ حد النصاب ففيه الخمس من دون استثناء المؤونة، ومقتضى دليل الاستثناء أن الخمس يكون في الامور المذكورة إذا كان زائدا عن المؤونة، وليس فيها الخمس إذا لم يكن كذلك، بلغ حد النصاب أم لا. والجمع بين الطائفتين إما بأخذ القيدين في الخمس فيؤخذ بالعقد السلبي في كلا الدليلين، فإذا لم يبلغ النصاب أو لم يكن زائدا على المؤونة ولو بلغ النصاب فلا خمس، ويقيد العقد إلايجابي في كلا الدليلين بالعقد السلبي فيهما، وإما يؤخذ بالعقد الأيجابي في كلا الدليلين فإذا بلغ النصاب ففيه الخمس، كما أنه إذا زاد عن المؤونة ففيه الخمس، وإما أن يلقى دليل استثناء المؤونة بالنسبة إلى ما فيه النصاب، ومقتضى الرجوع إلى أصل دليل الخمس في الامور المذكورة: عدم استثناء المؤونة فيها إذا بلغت حد النصاب. والجواب عن ذلك أن أخبار النصاب لا دلالة فيها على العقد الأيجابي بنحو الأطلاق، بحيث يكون مقتضاها وجوب الخمس إذا بلغ حد النصاب ولو لم يكن

[ 189 ]

[... ] زائدا على المؤونة، فإنها بين ما ليس إلا بصدد نفي الخمس في غير البالغ حد النصاب، كرواية البزنطي عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: (ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس) (1). فإن أصل وجوب الخمس في الكنز مفروض في السؤال الملازم للعلم بوجوب الخمس في الزائد عن الحد والسؤال عن الحد وأن ما لا يجب فيه الخمس من الكنز إلى أي مقدار أو أي فرد منه مثلا؟ وبين ما هو بصدد العقد الأيجابي لكن لا بنحو الأطلاق بل بالشرائط المقررة له، كما في رواية الصدوق، قال: سئل أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: (إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس) (2). فإن الخمس ليس مفروضا فيه، فهو بصدد بيان الخمس بشرائطه المقررة، كما أن السؤال عن الزكاة ليس على وجه الأطلاق بل بشرائطها المقررة، وحينئذ ليس لأخبار النصاب دلالة على العقد الأيجابي بنحو الأطلاق، وأما روايات المؤونة فالظاهر أن رواية الأشعري دالة على السلب والأيجاب على وجه الأطلاق - من جهة المقدار ومن جهة الأفراد - لمكان السؤال، وفيه: قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع؟ وكيف


(1) الوسائل: ج 6 ص 345 ح 2 من ب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 347 ح 2 من ب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 190 ]

[... ] ذلك؟ فكتب بخطه: (الخمس بعد المؤونة) (1). وحينئذ لا تعارض بين العقد السلبي من رواية الأشعري مع الأيجابي من دليل النصاب، إذ فرضنا عدم الدلالة له على العقد الأيجابي أصلا أو على وجه الأطلاق. وأما تعارض العقد الأيجابي من رواية الأشعري مع العقد السلبي من دليل النصاب فحيث إن العقد السلبي من دليل النصاب صريح في عدم الخمس في ما إذا لم يبلغ حد النصاب، بعد عدم الدلالة فيه على العقد الأيجابي وشمول إطلاقات استثناء المؤونة من دون معارض (لأنه لولا الأطلاق في العقد السلبي وكان عدم الخمس في فرض عدم بلوغ النصاب دائرا مدار المؤونة لكان النصاب لغوا) فخبر الأشعري المتضمن للعقدين إن كان شاملا لموارد النصاب فاللازم تقديم العقد السلبي من أخبار النصاب، وإن لم يكن شاملا لها فالعقد السلبي في أخبار النصاب أيضا بلا مقيد - وفرض تقيد العقد السلبي في أخبار المؤونة بالعقد الأيجابي في أخبار النصاب قد عرفت بطلانه، لعدم وجود الدليل المطلق في أخبار النصاب بالنسبة إلى العقد الأيجابي - ومقتضى ذلك هو عدم الخمس في غير البالغ حد النصاب ولو كان زائدا على المؤونة، وفي البالغ حد النصاب تراعى المؤونة، وهو المطلوب، فافهم وتأمل. الرابع: عدم الدليل على استثناء مؤونة السنة في مثل المعدن والكنز والغوص. والجواب عن ذلك أن رواية الأشعري ظاهرة في أن المراد بالمؤونة ليس خصوص مؤونة الربح، إذ المفروض فيه: جميع أفراد الفائدة وجميع مقاديرها من القليل والكثير، وقليل الفائدة لا مؤونة له نوعا، خصوصا لو كانت العبارة (وعلى الصناع) فإنه لا مؤونة لما يربحه الصانع كالخياط وأمثاله.


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 1 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 191 ]

[... ] مع أن الذي يكون على كل حال هو مؤونة الشخص، فالأعراض عن حكمه والتعرض لمؤونة الربح التي ربما كان أغلب المكاسب في العصور الساذجة غير محتاجة إليها أصلا - حتى في مثل البيع والشراء - بعيد جدا. ومن ذلك يظهر جواز التمسك بما تقدم من إطلاق أن الخمس بعد المؤونة، (1) فإنه لا بد أن يكون المراد إما خصوص مؤونة الشخص أو الأعم، فإخراج مؤونة الشخص كإخراج القدر المتيقن في مقام الأرادة الاستعمالية، وإن كان مؤونة الربح هي القدر المتيقن في مقام الانطباق بناء على أن يكون مؤونة الربح هي مؤونة الشخص أيضا، لكنه مشكل أيضا في التجارات التي يكون المقصود فيها ازدياد الثروة، كيف؟ وإطلاق خبر الأشعري (2) والمعتبرين المتقدمين (3) لا يخلو عن دلالة بعد فرض كون المقصود إخراج المؤونة بوجودها السعي لا صرف الوجود، كما هو واضح. ويدل عليه أيضا صحيح أبي علي بن راشد، ففيه: فقال: (في أمتعتهم وصنائعهم) قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (4). فإن المعدن متاع عرفا، والتاجر في المتاع - المذكور في الرواية - يصدق على من يستخرج المعدن ويبيعه. مع أنه لو اقتصر في استثناء المؤونة بربح التجارات والصناعات والضيعات لخرج مثل الاصطياد وحيازة المباحات وجميع الفوائد الخارجة عن العناوين المتقدمة التي منها اجور الأعمال غير الصناعية، فلو القيت الخصوصية في ذلك


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 و 2 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المتقدم في ص 189. (3) في ص 184. (4) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 192 ]

[ ولنا في ذلك إشكال، إلا أنه لا يترك الاحتياط بأداء الخمس من دون استثناء نفسه وعياله *. ثم إنه على المشهور بين الأصحاب لو استخرج المعدن مثلا وكانت قيمته أربعين دينارا مثلا فأعطى خمسه أو لم يعطه ثم ارتفعت قيمته فباعه فربح فيه كان الربح متعلقا لخمس الأرباح بشرائطه بل وإن لم يبعه. * * ] فكذلك في مثل المعدن والغوص. فمقتضى الدليل استثناء مؤونة السنة من المعدن والكنز والغوص إلا أن الأصحاب - رضوان الله عليهم - لم يذكروه، فلابد من الاحتياط الذي هو طريق النجاة. * وذلك لكونه خلاف المشهور بين الأصحاب حتى أنهم لم ينبهوا على خلاف في ذلك. * * وذلك لأن إعطاء خمس المعدن لا يجزئ عن خمس الربح الذي حصل له بعد الاستخراج، فهو داخل في الأرباح وقد تقدم أن زيادة القيمة من دون البيع أيضا فائدة، ففيها الخمس بالشرط المذكور في المؤونة من كونه زائدا على مؤونة السنة. وهو الذي تعرض له قدس سره في كشف الغطاء (1). وأما ما في العروة من قوله: لو جعل الغوص أو المعدن مكسبا له كفاه إخراج خمسهما أولا، ولا يجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد إخراج مؤونة سنته (2).


(1) ص 360. (2) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 82.

[ 193 ]

[... ] وكذا ما في كتاب الشيخ الأنصاري قدس سره: لو جعل الغوص أو استخراج الكنوز أو المعادن مكسبا فهل يتعلق خمس آخر بها بعد إخراج مؤونة الحول أولا؟ وجهان (1). فلا يخلو عن الأبهام، لأنه إن كان المقصود من التقسيم أنه إما أن يستخرج المعدن لا للانتفاع والتملك - بل لأن يستفيد منه الناس مثلا - وإما أن يقصد بذلك التملك. ففيه أولا: أن ذلك لا مصداق له بحسب المتعارف. وثانيا: أنه لا خمس عليه ظاهرا - لا من جهة استخراج المعدن ولا من جهة الاسترباح - في صورة عدم جعله مكسبا، كما هو واضح. وثالثا: أن مقتضى القاعدة عدم الخمس عليه في صورة جعله مكسبا إلا من جهة المعدنية إذا كان المستخرج باقيا على قيمته، وأما إذا أعطى خمسه بعد الاستخراج ثم ارتفعت قيمته فهو كسائر الأرباح فيه الخمس. وإن كان المقصود - كما هو ظاهر الكلامين - أنه قد يجعل استخراج المعدن مكسبا له دائما - في سنة - ولا ينحصر بواقعة واحدة في شهر من الشهور، وقد لا يكون كذلك. ففيه أولا: أنه لا أثر لهذا التقسيم من حيث دخوله في المكاسب التي فيها الخمس، فإن التقسيم المذكور آت في جميع المكاسب، مثلا إذا كان شغل أحد التكسب بالزراعة والانتفاع بالضيعة فاشترى مثلا ثوبا وباعه فربح فيه فهل في ذلك تفصيل؟! فكما لا تفصيل في ذلك كذلك في مثل المعدن مثلا. وثانيا: أن مقتضى القاعدة الحكم بتعلق الخمس من حيث الربح بشرائطه في


(1) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري قدس سره: ص 226.

[ 194 ]

[ لكن لا يخفى أن مؤونة الشخص لا تستثنى من خمس المال المختلط بالحرام، ولا من خمس الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، ولا من غنائم دار الحرب *. ] الصورتين إذا ربح بعد استخراج المعدن وإعطاء خمسه، وعدم كونه متعلق الخمس من حيث الربح إذا لم يستربح فيه ولم يكن له فائدة إلا من حيث الاستخراج من المعدن، لا من حيث ارتفاع القيمة السوقية أو الانتقال من بلد إلى بلد للانتفاع بربحه الزائد. * أما الأول فلأن استثناء المؤونة إنما يكون مما يصرف عرفا فيها، وأما ما لا يصرف فيها بحسب المتعارف - ولو لم يكن دليل على وجوب الخمس فيه - فالدليل منصرف عنه قطعا، ومن المعلوم أن المال المختلط بالحرام لا يجوز أن يتصرف فيه مع قطع النظر عن الخمس ويصرف في المؤونة، حتى يكون مقتضى الدليل استثناء المؤونة، مع أن جواز التصرف يتوقف على إعطاء الخمس فلو كان الخمس متوقفا على استثناء المؤونة وإخراجها منه لزم الدور، مع أنه يجب أداء خمس المال المختلط بالحرام فورا بمحض تحقق الموضوع، للزوم رد الأموال إلى أهلها وحرمة التصرف في المال من دون إعطاء الخمس، فلا أمد بعد تحقق الموضوع حتى يستثنى منه مؤونة الشخص في ذلك الأمد. ومن بعض ما ذكرناه يظهر الكلام في الثاني أيضا، فإنه ليس اشتراء الأرض بالربح للصرف في المؤونة، لعدم فرض الربح وعدم تعلق الخمس بخصوص الربح، بل بجميع الأرض، مضافا إلى أن الظاهر من الدليل أنه بصدد بيان ما يؤخذ من المسلمين لا ما يؤخذ من خصوص الكفار. وأما الثالث فلأن من المعلوم من السيرة ومن خبر حماد الطويل (قوله:

[ 195 ]

[ المسألة السابعة: الظاهر أن المستثنى هو مؤونة سنته فقط، مطلقا من غير فرق بين أن يكون له شغل أو رأس مال يكفي لمؤونة سنواته الاتية أم لا *. ويترتب على ذلك أنه لو كان الزائد على مؤونة سنة ربحه ألفا مثلا لكن لا يفي كسبه بمؤونته في السنوات الاتية بل لابد من ضم الألف إلى ] (ويقسم الأربعة الأخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك) (1) وكذا قوله في الذيل: (فإن بقي بعد ذلك شئ أخرج الخمس منه فقسمه في أهله، وقسم الباقي على من ولي ذلك) (2) أنه كان يؤخذ منهم الخمس بعد القتال من دون انتظار السنة حتى يخرج منه مؤونتها. * في المسألة وجوه: منها: ما ذكرناه في المتن، المطابق لظاهر كلمات الأصحاب. ومنها: أن يكون متعلق الخمس ما يزيد عن مؤونة جميع سنواته بحسب ما يملكه من رأس المال أو بحسب شغله، فالمستثنى من الخمس: مؤونة جميع سنواته، والزائد إنما يكون فيه الخمس إذا كانت مؤونة جميع سنواته مؤمنة ولو بملاك الشغل ورأس المال، فلو لم يكن كذلك ومع ذلك زاد على مؤونة سنة ربحه اتفاقا للتقتير على نفسه أو استيهاب أو نحو ذلك لم يتعلق به الخمس، بخلاف الوجه الثالث الاتي. وهو الذي يلوح من كلام صاحب مصباح الفقيه (3)، وربما يستفاد من مكاتبة علي بن مهزيار، قوله عليه السلام: (فأما الذي اوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته،


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) مصباح الفقيه: ج 3 ص 130.

[ 196 ]

[ ربح كسبه في ما يأتي فعليه الخمس في تلك السنة، من غير فرق بين أن يكون ذلك للتقتير على نفسه أو لكونه منفردا وصار متأهلا أو كان ذلك من جهة كون ربح تلك السنة مما يستفاد منه لسنتين، كأن يكون له أرض يزرع فيها سنة ويعطل اخرى فيؤخذ ربحها لسنتين *. ] ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك) (1). ومنها: أن يكون المتعلق ما يزيد عن مؤونته الخارجية - ولو اتفاقا - في السنة التي يعطي فيها الخمس وعن مؤونته بحسب ما يظن من وجود رأس المال مثلا بحسب المتعارف بالنسبة إلى السنوات الاتية. والدليل عليه أنه مقتضى المكاتبة ومفاد سائر الأخبار بضم وجوب الخمس في كل عام كما يظهر من المكاتبة صدرا وذيلا. والأول أظهر من جهة أنه مقتضى إطلاق أن (الخمس بعد المؤونة) منضما إلى وجوبه في كل عام، فهو بمنزلة أن يقال: يجب الخمس في كل عام بعد المؤونة، ومقتضى العام الاستغراقي لحاظ كل عام من دون دخالة عام في وجوب الخمس في العام الاخر، ومقتضى الاشتراط للعام الاستغراقي: اشتراط كل فرد من العام بالشرط المذكور من دون لحاظ السنوات الاخر. وأما المكاتبة فحيث إن مقتضاها وجوب نصف السدس في كل عام فيحتمل قويا أن يكون الوفاء بمؤونته بقول مطلق شرطا لوجوب نصف السدس في كل عام، فيكون الشرط في كل فرد من أفراد العام وفاء ضيعته بمؤونته في ذلك العام، فلا ينافي مقتضى باقي الأدلة. * وإن كان يحتمل فيه بالخصوص ملاحظة السنتين، لاحتمال ملاحظة


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 197 ]

[ وكذا لو لم يكن له كسب يفي بمؤونته لكن وهبه واهب مالا بمقدار يزيد عن مؤونة سنته، * فكيف من كان له شغل يفي بمؤونته مطلقا وحصلت له الهبة المذكورة * *. المسألة الثامنة: المال الذي ليس بحسب نوعه مما يفي بمؤونة سنة واحدة فكيف بمؤونة سنين (كاللقطة التي لا يوجد صاحبها على القول بثبوت الخمس فيها على تقدير التملك، كما هو مقتضى القاعدة وظاهر المكاتبة) يكون داخلا في ما يستثنى منه المؤونة في سنة الربح * * *. المسألة التاسعة: ظاهر كلمات الأصحاب - رضوان الله عليهم - أن ] المؤونة بالنسبة إلى الربح بحسب ما يراد صرفه فيه من مؤونته، لكنه خلاف مقتضى الدليل، كما تقدم في التعليق المتقدم. * إذ مر أنه لا يشترط في متعلق الخمس أن يكون زائدا على مؤونة سنته في كل عام بحسب شغله أو رأس ماله. * * فإنه - مضافا إلى ما تقدم من أن الموضوع ما يزيد عن مؤونة سنة الربح لا كل عام - لو كان الموضوع ما يزيد عن مؤونة سنة الربح وعن مؤونة سنته مطلقا فهو حاصل بالنسبة إلى مطلق الفائدة، فإن فو ائده تكون كذلك وإن كانت مصاديقها - كالهبة - ليست كذلك. * * * وذلك لأنه وإن لم يكن بنفسه مما يصدق أنه يفي بمؤونة السنة أو السنين على القول بلزوم ذلك إلا أنه يصدق أن فائدته تزيد عن مؤونة السنة أو السنين، كما في بعض المكاسب الجزئية التي لا تفي بنفسها بمؤونة السنة أو السنين، كتنظيف السطح من الثلج في الشتاء. وفي كل ذلك إشارة إلى ما في مصباح الفقيه من الشبهة والأشكال في مثل

[ 198 ]

[ متعلق الخمس ما يزاد على المؤونة، فلا يكون مطلق الأرباح متعلق الخمس بشرط أن يكون (نفس ما يعطى خمسا) زائدا على المؤونة. ويحتمل الثاني، وإن كان الصحيح ما هو ظاهر كلماتهم رضوان الله عليهم *. ] الهبة والأرث وفي مثل الأرض التي يزرع فيها سنة ويعطل اخرى (1). * أما وجه الاحتمال الثاني - الذي لم يتفوه به أحد من الأصحاب في ما أعلم - فامور: الأول: إطلاق مثل موثق سماعة، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: (في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير) (2) وغيره (3)، وإجمال ما دل على أن (الخمس بعد المؤونة) (4) لاحتمال أن لا يكون كلمة (بعد) متعلقة بالكسر المشترك، بل تكون متعلقة بالملكية وأن ملكية الخمس بعد المؤونة بمعنى أن لا يوجب الخمس حصول كسر في المؤونة، كما يقال في الوصية: إنه يصرف في الحج وبعد ذلك في الصلاة وبعد ذلك في الخمس. والأجمال المذكور متحقق حتى في رواية النيشابوري: فوقع (لي منه الخمس مما يفضل من مؤونته) (5) أي يحتمل أن يكون المقصود أنه يتعلق بما يفضل من مؤونته، لا أن الخمس يلاحظ من ما يفضل من مؤونته، وحتى في خبر أبي بصير، قوله: وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 129 - 130. (2) الوسائل: ج 6 ص 350 ح 6 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) مثل ما في المصدر: ص 349 ح 5. (4) المصدر: ص 348 الباب 8 وص 354 الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) المصدر: ص 348 ح 2 من ب 8.

[ 199 ]

[... ] يأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمائة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس؟ فكتب: (أما ما أكل فلا، وأما البيع فنعم) (1). فإنه ربما يمكن أن يتوهم أنه ظاهر في أنه ليس (ما أكل) موضوعا لتعلق الخمس به، وليس دعوى الظهور من جهة كلمة (بعد) حتى يقال: إنها مجملة من حيث ما يتعلق به، بل من جهة كونه في مقام بيان ما هو الموضوع لتعلق الخمس، وهو ظاهر في عدم كون (ما يصرف في المؤونة) موضوعا له، لكنه غير واضح أيضا، فإنه بناء على ما نحتمله لا يتعلق الخمس بما أكل - لاعينا ولا قيمة - بل يتعلق الخمس بغير ما أكل، وهذا غير عدم احتساب ما أكل في التخميس. إن قلت: ليس التردد بين فتوى الأصحاب والاحتمال المذكور من قبيل الأقل والأكثر في مقام التخصيص حتى يؤخذ بالمتيقن ويتمسك في الباقي بدليل وجوب الخمس في كل فائدة، فإنه بناء عليه يكون مقتضاه عدم الخمس في ما إذا كان ما زاد عن مؤونته أقل من الخمس، فإن الواجب هو خمس الأرباح بشرط أن يكون زائدا عن المؤونة، ولا مصداق له في المفروض، فمن كان ربحه ثلاثين ومؤونته خمسا وعشرين لا يجب عليه الخمس أصلا بناء على ذلك الاحتمال المخالف لهم، كما أنه لا يجب الخمس على المشهور في الفرض المذكور إذا كانت مؤونته أربعا وعشرين إلا في الستة فيجب خمس الستة، بخلاف الاحتمال الاخر فيجب إعطاء تمام الستة، فكما أن مقتضى المشهور: وجوب الخمس في بعض الموارد وعدمه في بعضها الاخر كذلك على الاحتمال المقابل له، فيصير العام مجملا في مقام الحجية فيرجع إلى البراءة بالنسبة إلى من لا يحصل له العلم


(1) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 10 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 200 ]

[... ] الأجمالي بعدم إعطاء الخمس، بأن يكون في المثال المفروض مؤونته في سنته خمسا وعشرين فأخذ بذلك ولم يعط الخمس وكانت في السنة الاخرى أربعا وعشرين فأخذ بالمشهور وأعطى خمس الستة لا جميعها. قلت: على الاحتمال الثاني يمكن أن يقال: إنه لا بد من إعطاء ما يكون من الخمس زائدا عن المؤونة كان تمام الخمس أو بعضه، كما يمكن أن يقال: إنه إذا لم يكن جميع الربح متعلقا للخمس فلا مانع من كون بعض الربح متعلقا له، فعلى الأول يجب في المثال إعطاء جميع ما زاد عن المؤونة وإن كان أقل من الخمس، وعلى الثاني يجب إعطاء خمس الخمسة، فيشترك في النتيجة مع المشهور، وعلى فرض رفض ذلك فإن كان العلم الأجمالي حاصلا ومنجزا فلا يرجع إلى البراءة، وإن لم يكن كذلك فيرجع إلى العام، بل يمكن أن يقال: إن الرجوع إلى العام كالرجوع إلى الاصول المثبتة للتكليف خال عن الأشكال إذا لم يكن مستلزما للمخالفة العملية. الثاني: مكاتبة ابن مهزيار، وفيه: (فأما الذي اوجب من الضياع في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته) (1). فإن معناه أن من كانت ضيعته تقوم بمؤونته من حيث الربح ولو أدى خمس ماله أو أدى نصف السدس فاللازم هو أداؤه. الثالث: خبر عبد الله بن سنان، وفيه: (حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق (2).


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 351 ح 8.

[ 201 ]

[... ] [ فإنه كاد أن يكون صريحا في تعلق الخمس بجميع الربح، ولا يأبى عن التخصيص بأنه إذا أمكن له أداؤه بعد المؤونة كما في خبر ابن راشد (1). الرابع: خبر عمران بن موسى عن موسى بن جعفر عليهما السلام، قال: قرأت عليه آية الخمس، فقال: (ماكان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله فهو لنا) ثم قال: (والله لقد يسر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحدا وأكلوا أربعة أحلاء...) (2). فإن المتيقن من عنوان (الأرزاق) و (ما أكلوا) هو ما يصرف في المؤونة، فهو مورد لتعلق الخمس لكن لا بد من إعطاء الخمس مما زاد على ما أكلوا. هذا بيان الاحتمال الثاني. لكن يدفعه التوجه إلى امور: منها: أنه لو كان مورد الخمس مطلق الأرباح لكن بشرط الزيادة عن المؤونة لكانت السيرة قائمة على ذلك. وإن أبيت عن قيام السيرة فلا أقل كان في الأصحاب من يفتي بذلك أو يحتمله، خصوصا مثل الخمس الذي متقوم بالأخذ من ناحية الأمام عليه السلام، خصوصا مع طول مدة الغيبة الصغرى وأخذ الخمس من الناحية المقدسة بواسطة وكلاء الناحية كما يظهر من الأخبار (3). ومنها: إمكان الجواب عن الأخبار الخاصة: أما المكاتبة فلأن المستفاد من صحيح إبراهيم (4) سقوط كلمة (بعد المؤونة)


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 338 ح 6 من ب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) راجع الوسائل: ج 6 ص 375 الباب 3 من أبواب الأنفال. (4) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 202 ]

[... ] من ناقل المكاتبة الذي قرأها في طريق مكة، وليس فيه إيماء إلى النقل من المكتوب الشريف بالمشاهدة حيث إنه في الصحيح الذي هو مكاتبة: (أقرأني علي كتاب أبيك في ما أوجبه على أصحاب الضياع أنه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة) فالاجمال في المكاتبة حينئذ ثابت كالأجمال في ما يشتمل على أن (الخمس بعد المؤونة). وأما خبر ابن سنان، فقد تقدم توضيح ضعفه لجهات. ويزيد ضعفه وضوحا اشتماله على تلك الجملة (حتى الخياط...) فإن مفادها: عدم اشتراط الزيادة على المؤونة، بل كاد أن يكون صريحا في ذلك، حيث إن قوله (حتى الخياط) في مقام بيان حد أقل الربح مع فقد رأس المال بتا، فمعناه أن الخمس في ذلك، لا ما إذا كان زائدا عن المؤونة، فدفع ذلك مشترك بين الاحتمالين. واحتمال عدم دخالة المؤونة بأحد الوجهين مما لا يمكن إبداؤه، لكونه خلاف الأخبار المتظافرة والتسلم بل الضرورة. ويمكن أن يحمل على أنه كذلك في مقام الجعل، وإن لم يكن موردا للعمل بل جعل موردا للتحليل. لكنه بعيد جدا، لكونه عسرا على المكلفين فينا في الشريعة السهلة السمحة، إلا أن يكون الجعل مع التحليل الذي قد يمكن رفعه، وأخذ الخمس حتى من مثل الخياط المذكور لبعض الحوائج الاجتماعية، كالدفاع عن العدو وحفظ كيان الأسلام. وكيف كان، فهو مردود بما ذكر من الوجهين. وأما خبر عمران فالجواب عنه بوجوه: الأول: ضعف السند، لأن عمران محتمل للانطباق على ثلاثة رجال أحدهم موثق.

[ 203 ]

[... ] مضافا إلى نقله بسندين: أحدهما ما تقدم عن موسى بن جعفر عليهما السلام. ثانيهما بالطريق المتصل إلى أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام، والمتن واحد كما يظهر من الوسائل، وهو بعيد، فراجع وتأمل. مع أن التعبير عن الأمام عليه السلام في (أبي الحسن الأول) باسمه الشريف لا يخلو عن غرابة، من جهة أن الأكثر: الأشارة إليه عليه السلام بالعبد الصالح أو الرجل أو أبي الحسن الأول أو أبي إبراهيم، وذلك لكثرة التقية في عصره عليه السلام. الثاني: أن المحتمل أن يكون الموضوع للكلام في تيسير الأرزاق هو الغنائم، والغنائم كما في المكاتبة - ولعله يومئ إلى ذلك قوله عليه السلام في خبر أبي بصير: (الخمس في ذلك) (1) - ليست مطلق الفائدة، بل التي تكون زائدة عن المؤونة من غير الأرباح أو الأعم منها ومن الأرباح، فالمقصود من الأرزاق هي التي ترتزق من الغنائم المذكورة ويتوسع بها الرزق والمعيشة. الثالث: أن يكون المقصود أن جعل الخمس في مورده - وبماله من الموضوع - لله تعالى (لاجعل الكل ولا أكثر من الخمس) موجب للتيسير على العباد في أرزاقهم، والشاهد على ذلك أنه ليس جعل الكل له تعالى موجبا للعسر على العباد، بل موجب لهلاكهم، فتأمل. الرابع: ما تقدم من احتمال أن يكون ذلك بأصل الجعل المورد للتحليل دائما إلا ما شذ وندر. ومنها: إمكان الجواب عن الدليل الأول بامور: الأول: أن مؤونة الربح أيضا مشمولة لدليل المخصص، لبعد الأعراض عنها، لعدم وضوح خروجها، ومن المعلوم أن مورد الخمس بالنسبة إليها ما زاد بعد


(1) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 10 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 204 ]

[... ] مؤونته، لعدم صدق الغنيمة على غير ما يزيد عن الربح. وكون مفاد المستثنى بالنسبة إليه تعلق الخمس بما زاد وبالنسبة إلى مؤونة السنة تعلقه بجميع الأرباح خلاف الظاهر جدا، فهو قرينة على كون المتعلق للخمس بتمامه هو الفاضل عن المؤونة بالنسبة إلى الربح والشخص. الثاني: احتمال انصراف (الفائدة) عن ما يصرف في المؤونة ولو بمناسبة الحكم والموضوع، وكذا (الغنيمة). ويومئ إلى ذلك المكاتبة، قوله: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام) (1) وقد مثل لها بما هو خارج عن المؤونة نوعا، ولعله يومئ إلى ذلك ما تقدم من خبر أبي بصير (2). الثالث: أن سيرة أخذ الحقوق من الرعية - كانت الحكومة حقا أو باطلة - لم تكن على أخذ أرزاق الناس، فإن في ذلك هدم الاجتماع، فهو قرينة متصلة بالكلام بحيث يعلم من المطلق الذي يحكم بأن الخمس في كل ما أفاد أنه بعد المؤونة في الجملة، فالاجمال للعام ثابت مطلقا فيرجع إلى البراءة. الرابع: أن الظاهر من المطلق أن الموضوع هو الفائدة الموجودة، وبعد صرف المؤونة لا تكون الفائدة موجودة إلا ما زاد عن المؤونة، وحين وجودها لم يكن متعلقا للخمس، باعتبار أن الخمس يجب بعد مضي العام ولا يجب قبله أصلا - كما هو أحد القولين - أو يجوز التأخير، والتصرف في المال وأخذ المؤونة منه بلا إشكال، ولا يبعد أن يكون مقتضى ذلك أنه يجب في كل فائدة تحصل ولو في أثناء السنة بشرط وجودها إلى آخر السنة وعدم صرفها في المؤونة. وتمام الكلام في تحقيق تلك الجهة موكول إلى ما يأتي إن شاء الله تعالى. ومنه يظهر قوة ما ذهب إليه الأصحاب رضوان الله عليهم، وهو العالم بالحقائق.


(1) تقدم في ص 147. (2) في ص 198.

[ 205 ]

[ المسألة العاشرة: الظاهر أن المراد بالمؤونة: ما يصرف فعلا إذا لم يكن إسرافا عرفيا ولا شرعيا بأن يبذل في الحرام *. ] * المحتملات في المؤونة خمسة: الأول: أن يكون المقصود ما يكون مما يصرف في سنته بحسب المتعارف - صرف أم لا - فلو صرف أكثر من المتعارف لم يحسب منها، ولو قتر على نفسه يحسب منها ويستثنى من الخمس، وهو الذي يظهر من بعض كلمات الأصحاب على ما في الجواهر (1). الثاني: ما قواه - لولا الأجماع - في مصباح الفقيه (2) من أن الظاهر ما يصرف خارجا ولو كان إسرافا عرفا أو شرعا. الثالث: ما تقدم لكن بشرط عدم الأسراف العرفي. وأما الصرف في الحرام مما لا يعد تضييعا للمال عرفا فيعد منها، وهو الذي احتمله الشيخ الأنصاري قدس سره وإن قوى خلافه في آخر كلامه (3). الرابع: ما اختاره في الجواهر في أول كلامه (4)، وهو أن يكون المراد بها ما يصرف خارجا لكن بمقدار المتعارف، فلو زاد على المتعارف ولو لم يكن إسرافا لم يحسب منها، ولو كان بحد المتعارف يحسب منها ولو زاد على ما يسمى تقتيرا، ولو قتر على نفسه لا يحسب منها لعدم الصرف، فيعتبر في صدقها بحسب ذلك أمران: أحدهما الصرف الخارجي، وثانيهما كون ما يصرف بمقدار المتعارف. الخامس: ما ذكرناه في المتن وهو الذي ربما يستظهر من المشهور بين الأصحاب حيث أخرجوا الأسراف بالأجماع. ويحتمل أن يكون التقييد بالاقتصاد تحرزا عن الأسراف.


(1) ج 16 ص 62. (2) ج 3 ص 131. (3) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري قدس سره: ص 201. (4) ج 16 ص 45.

[ 206 ]

[ المسألة الحادية عشر: الظاهر أن ما يزيد من ربح سنته ولا يصرفه في مؤونة تلك السنة لا يعد منها وإن كان موردا للاحتياج في سنواته الاتية وأخرجه من رأس ماله وكان واجبا عليه صرفه فيها *. ] والظاهر أن المراد بالأسراف ليس خصوص العرفي منه، بل الأعم منه ومن الشرعي وهو الذي يبذل في الحرام. والدليل على ذلك مجموع الأمرين: أحدهما: ظهور الدليل في ما يصرف خارجا، فإن المؤونة الفرضية خلاف ظاهر لفظ (المؤونة) وظاهر كلمة (بعد) فإنه أيضا ظاهر في البعدية الحقيقية لا الرتبية. ثانيهما: انصرافه إلى غير الحرام، من الأسراف وما يبذل بإزاء الحرام كما يصرف في شراء الخمر. والوجه في الانصراف ظهور الاستثناء في الامتنان، ولا امتنان في الصرف في الحرام. ومن ذلك يظهر ضعف باقي الوجوه، وهو العالم. * أي في السنوات الاتية. وشرح الكلام أن ما يزيد من الربح ويدخر في السنوات الاتية إما أن يكون موردا للاحتياج إليه في سنة الربح ولكن يقتر على نفسه، وإما أن لا يكون محتاجا إليه فيها، وعلى التقديرين إما أن يحتاج إليه في السنوات الاتية بحيث لا يمكن له التحصيل فيها فلا بد له من التحصيل في تلك السنة، وعلى جميع التقادير إما أن يقصد بذلك - أي بإبقاء الربح - صرفه في السنوات الاتية في ما يحتاج إليه من مؤونته والاستفادة منه فيها، وإما أن لا يقصد ذلك، وعلى جميع التقادير إما أخرجه من رأس ماله - بأن اشترى مثلا دارا للسكنى أو للتوريث منه - أو يكون

[ 207 ]

[ لكن يمكن القول بالاستثناء في ما إذا كان محتاجا إليه في سنواته الاتية ولم يكن متمكنا من التحصيل في ما يأتي *. والظاهر أن تحصيل جهاز العروس منها إذا كان نفس وجوده في ملكها أو ملك أبيها متعارفا قبل التزويج، ولا ينبغي الأشكال في ما إذا ] الربح من الثمن أو ما يكون من جنس رأس المال موجودا، وعلى تقدير الاحتياج إليه في السنوات الاتية إما أن يكون الصرف فيها واجبا عليه - كإسكان الزوجة مثلا - أم لا. فمجمع القيود أن يشتري من ربح سنته دارا للسكنى مع الاحتياج إليها حتى في سنة الربح، لكن لا يسكن فيها تقتيرا على نفسه، وكان واجبا عليه إسكان زوجته في السنة الاتية ولم يكن متمكنا من اشتراء الدار في السنة الاتية، فزاد الربح من دون الصرف في المؤونة تقتيرا أولا، وأخرج الربح من رأس المال بحيث يصدق الصرف ثانيا، فإنه اشترى دارا في الفرض وكان المقصود هو الاستفادة منها والسكونة فيها في السنة الاتية ثالثا، ولا يتمكن من تحصيل الدار بعد ذلك رابعا، والصرف في المؤونة واجب عليه خامسا. ومع ذلك كله فالظاهر عدم صدق المؤونة، لعدم الصرف في المعيشة فعلا، فليس ذلك مؤونة تلك السنة فعلا، فالاحتياج غير الصرف في ما يحتاج إليه، فهو كأن يشتري الحنطة لسنته الاتية ولم يكن متمكنا من تحصيل ذلك فيها، فإن عدم صدق الصرف في المعيشة الذي هو ملاك صدق المؤونة ظاهر جدا. * لا من باب صدق المؤونة، بل للقطع بالاستثناء من جهة الأولوية، فلأنه لو كان مؤونة السعة - مثل المسافرة مع العائلة إلى البلاد البعيدة للسياحة والتفريح من دون أي ضرورة - غير مورد لتعلق الخمس على ما تقدم من استثناء جميع ما يصرف إلا الحرام الذي يندرج في الأسراف، فتأمين قوته أو مسكنه الضروري لنفسه أو لعياله أولى بالاستثناء.

[ 208 ]

[ كان التزويج محتملا *. المسألة الثانية عشر: الظاهر استثناء ما يأخذه الجائر من السلطان وغيره بعنوان الضريبة على العوائد والأرباح، وكذا ما يكره عليه فيعطي لحفظ النفس عن الضرر المخوف على النفس أو من يهمه أمره أو للحفظ عن توجه الضرر إلى العوائد والأرباح * *. ] إن قلت: ليس مقتضى الأولوية المذكورة لزوم التسوية بين الموردين، فكما يمكن أن يستكشف من ذلك تقيد دليل الخمس يمكن تقيد دليل المؤونة بالاقتصار على الاقتصاد بمقدار المتعارف ولا يستثنى مؤونة السعة. قلت: إن بعض المصارف المتعارفة لا يكون ضروريا أيضا، فالاولوية باقية بحالها، وحينئذ لا دخل لتقيد المؤونة بالاقتصاد في ذلك وإن كان الأمر معه أوضح، مع أن تقيد دليل الخمس أهون، لأوسعية دائرته من دليل المؤونة المستثناة من دليل الخمس، مع أن الدوران يكفي في الحكم بعدم تعلق الخمس للبراءة بعد سقوط العام عن الحجية. * فإنه من قبيل تحصيل الأثاث للضيف المحتمل وروده، أو تحصيل الكتاب المحتمل لكونه موردا لاستفادته في طي السنة، وهو العالم بالحقائق. * * قال قدس سره في الجواهر: لو اتفق أنه ظلم أو غصب منه شئ - إلى أن قال - فإن احتساب ذلك كله من المؤونة وإن لم يكن من مال التجارة لا يخلو من إشكال أو منع. - وفي آخر كلامه - أن إطلاق بعض الأصحاب عد ما يأخذه الظالم قهرا أو مصانعة منها قد ينزل على ما هو المتعارف والمعتاد من الظلم - كالخراج ونحوه - لا الاتفاقي (1).


(1) الجواهر: ج 16 ص 60 - 61.

[ 209 ]

[... ] والمستفاد من مجموع كلامه أن المعتاد من الظلم مسلم الدخول في المؤونة، وإشكاله أو منعه في غير المعتاد منه. أقول: يمكن أن يقال: إن المال المغصوب ونحوه من حيث الاستثناء من متعلق الخمس على أقسام، لأنه: إما أن يكون الغصب المذكور من حيث حصول الفائدة لصاحب المال - كالضرائب على العوائد، وما يؤخذ منه مصانعة لعدم أخذ الضريبة على العوائد، وما يعطي من حيث الخوف على العوائد - وإما أن يكون لحفظ نفسه أو عرضه أو من يهمه أمره، وإما أن لا يكون لهذا ولا لذاك، كالمسروق منه، أو المفقود منه فإنه بحكمه، أو ما يؤخذ منه خدعة بعنوان القرض بقصد عدم الأعطاء، فتلك أقسام ثلاثة: أما الأولان فالظاهر هو الاستثناء بعنوان المؤونة، كما تعرضنا لهما في المتن المتقدم. أما الأول منهما فيمكن الاستدلال على استثنائه بامور: الأول: أنه مما صرف في تحصيل الربح، إذ لا فرق بينه وبين ما يأخذه الحمال زائدا على اجرة المثل، فلا يصدق الغنيمة على الربح إلا مع فرض استثناء ذلك، مع أن الشك في الصدق كاف في الحكم بعدم تعلق الخمس، لأصالة البراءة أو أصالة عدم تعلق الخمس. وملخص ذلك عدم صدق الغنيمة إلا على المستثنى منه ذلك أو الشك في الصدق. الثاني: أنه داخل في مؤونة الشخص أيضا، فإنها المخارج التي قد صرفت ولم تكن إسرافا ولا حراما من جهة اخرى، كما تقدم. الثالث: تصريح صحيح إبراهيم بن محمد (1) باستثناء الخراج.


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 210 ]

[... ] والظاهر أنه لا فرق من جهة صدق الاسم بين المعتاد وغيره، فلو ضرب السلطان مالا لجهة عارضة لسنة بالخصوص يصدق عليه اسم الخراج. ولا فرق أيضا بين السلطان وغيره عرفا قطعا. والظاهر من الصحيح أن استثناء الخراج من جهة صدق المؤونة عليه، لأن المفروض في السؤال أن المتيقن المستفاد من لفظ المؤونة هو مؤونة الضيعة والخراج. لكن الأنصاف أن الاستدلال بذلك لا يخلو عن إشكال، لاحتمال أن يكون المراد من الخراج في عصر الصدور: ما يأخذه السلطان من باب حق الأرض من الأراضي المفتوحة عنوة، ولعل المستفاد من الروايات إمضاء ذلك من طرف أولياء الأمر عليهم السلام، فيكون ما يأخذه السلطان حقا، فلا يكون مربوطا بما يبحث عنه. الرابع: قوله عليه السلام في مكاتبة ابن مهزيار: (لما يغتال السلطان من أموالهم) (1) بتقريب أن يقال: إنه علل التحليل باغتيال السلطان من أموالهم، لا اغتيال جميع أموالهم، فإنه لو كان المقصود أن جميع أموالهم بين ما ينوبهم لذاتهم وبين ما يغتال. لم يكن مناسبا للمن والتخفيف، فمحل التحليل هو وجود مال آخر لهم وقع التحليل بالنسبة إليه فلا يخمس لا بنفسه ولا بملاحظة المجموع. ووضوح عدم التحليل بالنسبة إلى الأول لا يوجب رفع اليد عن مفاده بالنسبة إلى ملاحظة المجموع. ومقتضى التعليل إسراء الحكم بالنسبة إلى جميع موارد الاغتيال والحكم بالتحليل بالنسبة إلى المجموع وعدم حساب ما يغتال، مضافا إلى استصحاب التحليل بالنسبة إلى ذلك الثابت في عصر أبي جعفر عليه السلام. لكن الظاهر عدم استقامة الدليل المذكور بكلا التقريبين.


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 211 ]

[ والظاهر أنه لا فرق في ما ذكر بين المعتاد وغيره *. وأما مثل السرقة والفقدان وتخريب البيت وغير ذلك مما ليس مصروفا في دفع ضر أو جلب نفع ففيه وجوه * *. ] أما التعليل فلأن مقتضى لزوم كونه بالأمر الارتكازي وعدم كفاية اغتيال بعض المال لعدم الخمس في الباقي حتى مع عدم حساب ما غصب منه: أن التعليل المذكور ليس في مقام بيان ما هو العلة التامة للتحليل، بل ربما كانت في المقام جهات اخر: من قلة الأموال وعدم بسط يد الأمام عليه السلام بحيث يصرفه في موارده، لعدم كون الحكومة بيده ولوجود التقية من بسط المال بين موارد الاستحقاق، فما ذكر قرينة على عدم كون العلة المذكورة علة تامة يؤخذ بها ويسري بها التحليل. وأما الاستصحاب فلما ذكره الوالد الاستاد العلامة - قدس الله نفسه الشريفة - من أن دخالة القيود في الموضوعات الكلية غير المنطبقة على الخارج حتى تحصل الوحدة الخارجية مغيرة للموضوع، واحتمال الدخالة مساوق لاحتمال تغير الموضوع وعدم إحراز وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة. هذا بالنسبة إلى القسم الأول. وأما القسم الثاني فقد ظهر وجهه مما ذكر في الأول من أنه داخل في مؤونة الشخص، فإنها - على ما مر - جميع ما يصرفه لغرض عقلائي شرعي، ولا غرض أهم من حفظ النفس والعرض. * خلافا لما يظهر من الجواهر كما مر (1). والوجه في الأطلاق: إطلاق مقتضى ما تقدم من الدليل. * * 1 - منها: الحكم بعدم الاستثناء أصلا، من باب أنه ليس من المؤونة كما


(1) في ص 208.

[ 212 ]

[... ] هو واضح، فإنها ليست مطلق ما يتلف، بل ما يصرف في غرض عقلائي محلل كما تقدم (1)، ولا وجه لاستثنائه من ما يتعلق به الخمس. 2 - ومنها: الحكم بالاستثناء مطلقا - كما يظهر الميل إليه من صاحب المستمسك قدس سره (2) - من باب عدم صدق الفائدة، أو الشك في ذلك، فيكفي ذلك في الحكم بعدم الخمس. 3 - ومنها: التفصيل بين رأس المال والأرباح وغير ذلك مما ليس منهما، فيستثنى من الأول دون الثاني. 4 - ومنها: التفصيل بين نوع واحد من الاكتساب فيتدارك التلف بالربح كالتجارة بأنواعها، وما إذا كان نوعين كالتجارة والزراعة فلا يتدارك، وهو الذي أفتى به صاحب العروة قدس سره فيها (3). 5 - ومنها: التفصيل بين نوع واحد من التجارة مثلا وغيره، فيتدارك في الأول دون الثاني. 6 - ومنها: التفصيل بين تجارة واحدة بأن اشترى عدلا من الألبسة فربح في بعضها وتلف بعضها الاخر فيتدارك، وغيرها فلا. 7 - ومنها: التفصيل بين الاستقلال في الكسب - بأن يكون له إدارة واحدة وحساب واحد - فيتدارك، كما في المتاجر المعمولة في العصر فيجعل محلا لبيع ما يحتاج إليه الناس سواء فيه اللحم أو اللبن مثلا أو الكتاب، وعدم الاستقلال فلا يتدارك ولو كان كل منهما من نوع واحد، وهو الذي مال إليه بعض أساتيد العصر كان الله له في تحريره.


(1) في ص 211 و 205. (2) المستمسك: ج 9 ص 553. (3) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 74.

[ 213 ]

[ ولعل الأقرب هو الاحتساب والتدارك إذا كان التلف واردا على رأس المال بمعنى التدارك بالربح أو على الربح بمعنى عدم الاحتساب في مقام تعلق الخمس *. ] 8 - ومنها: التفصيل بين وقوع التلف بعد الربح فيتدارك، بخلاف العكس فلا يتدارك، وهو الذي يظهر من الجواهر (1) أن له وجها وإن لم يختره. 9 - ومنها: التفصيل بين وقوع التلف على الربح فلا يحسب، أو وقوعه على غيره من رأس المال - كأن يتلف بعض آلات كسبه - فلا يتدارك بالربح. 10 - ومنها: التفصيل بين كون التلف في سنة الربح وما كان بعد السنة، فيتدارك في الأول دون الثاني. 11 - ومنها: التفصيل بين وقوع التلف على ما يعد من مؤونته - كالبيت المعدة للسكنى - وغير ذلك ولو لم يكن من رأس ماله، كالمال الموروث المنقطع عن الاستفادة. وما ذكرناه من الوجوه يكون على طبق الأقوال أو الجهات المشار إليها في كلامهم أو ما يكون له وجه وإن لم يشيروا إليها. والوجوه المذكورة هي اصول الجهات الملحوظة في مقام التفصيل، وأما بملاحظة الاختلاط مع سائر الجهات تزيد على ذلك، كالقول باعتبار وحدة التجارة مثلا شخصا، وباعتبار كون التلف بعد الربح، وباعتبار وقوع التلف في سنته، ووقوعه على نفس الربح، إلى غير ذلك. * والوجه في ذلك أنه لا يمكن القول بعدم احتساب التلف أصلا، وإلا فلو فرض وقوع التلف على جميع رأس المال بعد حصول الربح ولو بارتفاع السعر


(1) ج 16 ص 61.

[ 214 ]

[ وأما التلف الطارئ على غير رأس المال فالظاهر عدم الاحتساب *، خصوصا إذا كان واردا على ما يعد من مؤونته * *. ] كان اللازم إعطاء الخمس، ولا يمكن الالتزام به بحسب الارتكاز، فالظاهر بعد ذلك أنه إن اسند الربح إلى نوع من رأس المال فالتلف منه أو من ربحه محسوب في مقام الاستناد، وكذا لو اسند الربح إلى الشخص، فلو قيل إن تجارة السمن في تلك السنة كانت فائدته ذلك المقدار من الربح فيلاحظ تلف السمن أو ربحه، وإذا اسند إلى تجارة خاصة شخصية فيلاحظ التلف بالنسبة إليها أيضا وليس عند العرف مشكوكا، وليس ما لدى العرف أيضا مشكوكا، بل الأمر واضح عندهم، فإن احتساب التلف في مقام استناد الربح تابع لما يضاف إليه، وحينئذ إن اسند الربح إلى السنة - كما هو الظاهر من أدلة الخمس - فلا ريب أن الظاهر منه هو الذي يصل إلى صاحبه بعد استثناء الخسارات من تلف الربح ورأس المال من جميع أنواع اكتساباته، من غير فرق بين الاختلاف في النوع أو الاختلاف في غيره، فلا يقال: إن عوائد سنته بمقدار خاص إلا بعد إخراج ما غصب أو سرق أو انهدم من جميع أنواع رأس ماله ولو كان اختلافه نظير اختلاف التجارة والزراعة. * فإن التلف المستثنى من الربح هو الوارد على مامن شأنه الأفادة أو كان بنفسه الفائدة، فلو انهدم جدار داره أو فقد نعاله فلا يحتسب في مقام فوائد سنته، وكذا لو لم يكن مما يعد من مؤونته، فإن غير رأس المال ليس مما يحتسب النفع والضر بالنسبة إليه. * * كانهدام جدار داره التي هي مسكنه. وجه الخصوصية أن المفروض فيه: الصرف والاستثناء من الخمس من أول الأمر فلا وجه لاستثنائه ثانيا، فوجه الخصوصية أمران: أحدهما الصرف الذي هو بحكم الأتلاف بالنسبة إلى ما جعل لأن يكون رأس ماله أو جعل لأن يصرف

[ 215 ]

[ هذا كله بالنسبة إلى التلف الواقع في سنة الربح. وأما التلف الواقع بعد ذلك فلعل الظاهر عدم الاحتساب فلا يجبر بالربح في السنة إذا كان التالف رأس المال ويكون متعلقا للخمس المستقر فيه بعد تمامية السنة * ] في مخارج سنته، كالمال الموروث من أبيه وإن لم يكن من رأس ماله. ثانيهما الاستثناء منه قبل ذلك من متعلق الخمس، فتأمل. ثم إنه لاستثناء تلف الربح وجهان آخران - غير ما تقدم من عدم صدق الربح إلا على الباقي -: أحدهما: انصراف الربح إلى المستقر منه إلى آخر السنة، ولذا قالوا بعدم تعلق الخمس بالبيع الخياري الذي فيه الربح إذا فسخ بالخيار. ثانيهما: أن تلف الربح موجب لتلف الخمس، بناء على تعلق الخمس من أول ظهور الربح - لا في آخر السنة - وبناء على كون التعلق على النحو المشاع وتعلق الربح بالنسبة إلى رأس المال أيضا كذلك. وكيف كان، فقد ظهر أن تلف الربح أو رأس المال - من غير فرق بين أنواعه - بحكم المؤونة وإن لم يكن منها حقيقة، لعدم صدق الغنيمة أو الشك في ذلك، بخلاف تلف غيرهما، وهو العالم. لقد يسر الله تعالى لي كتابة ذلك عند مدفن مولانا أبي الحسن الرضا عليه وعلى آبائه وأبنائه التحية والثناء، في السفرة الواقعة في سنة ثلاثمائة وخمس وتسعين بعد الألف من الهجرة النبوية عليه آلاف السلام والتحية، وهي السفرة الثانية والثلاثون، وهو الموفق وعليه المعول في الشدة والرخاء وله الحمد في الاخرة والاولى. * وذلك لما تقدم من أن موضوع الخمس هو فوائد السنة وهي حاصلة،

[ 216 ]

[... ] والتلف بعد السنة غير مضر بصدق فوائد السنة بالنسبة إلى التالف جبرا ومن حيث تعلق الخمس. وربما يدل على ذلك السيرة القطعية من جهة عدم معهودية استرداد الخمس بين المسلمين إذا وقع التلف على الربح أو على رأس المال بعد تمامية السنة، خصوصا بعد مضي سنين متوالية من ذلك، ولا فرق من حيث الملاك بين سنة واحدة وسنين متوالية. إن قلت: إذا تلف بعض رأس المال من تجارة واحدة فلا يصدق الفائدة بالنسبة إلى تلك التجارة إلا بعد استثناء التالف منه فكيف يصدق فائدة مطلق التجارة أو مطلق الاكتساب؟! وإذا لم يصدق الفائدة على مقدار التالف إذا اضيفت إلى أصل الاكتساب أو إلى مطلق التجارة أو إلى تجارة خاصة فكيف يصدق إذا اضيفت إلى السنة؟! قلت: الوجه في الصدق هو صدق الفائدة على مجموع الربح من دون استثناء التالف إذا اضيفت إلى بعض رأس المال. وبالجملة، فالملاك صدق فائدة السنة ولو من حيث صدق الفائدة على مجموع الربح إذا اضيفت إلى بعض رأس المال. إن قلت: هذا بالنسبة إلى تلف رأس المال، وأما بالنسبة إلى تلف الربح فمشكل من جهة اخرى وهي انصراف الربح إلى الربح المستقر، ولذا قالوا بعدم الخمس إذا اشترى ما فيه الربح وكان الخيار للبائع ففسخه، من جهة عدم استقرار الربح. قلت: الانصراف إلى الربح المستقر من حيث الوجود بحيث لا يشمل الربح التالف ولو بعد السنة ممنوع جدا، والانصراف إلى الربح المستقر من حيث الملكية

[ 217 ]

[ إذا كان التالف هو الربح، إلا أن يكون التلف باسترداد المال ممن انتقل عنه إلى المالك للربح *. وإذا تمت السنة واستقر الخمس واستجاز المالك من ولي الخمس أن يؤخر أداءه إلى مدة فتلف بعض المال فيها ففيه وجوه * *. ] - قبالا للملكية المتزلزلة - أو إلى الربح غير المسترد من جانب من انتقل عنه المال غير الانصراف إلى المستقر من جميع الجهات، ولذا يمكن أن يقال باستثناء ما يسترد من الأموال من الذي حصل له الربح، من جهة الأخذ من يده. فلو اغتنم المسلمون مالا من الكفار فاستولى الكفار عليهم ثانيا وأخذوا الأموال فالظاهر مساعدة العرف على عدم صدق الغنيمة. * لما تقدم من الانصراف الذي يساعده العرف جدا، فإن الاسترداد بمنزلة عدم التحقق، وربما يجئ الكلام في ما يناسبه في مسألة الأقالة والفسخ (1). * * منها: وقوع التلف على الخمس أيضا، وعدم الضمان بنسبة الخمس إلى الربح ونسبة الربح إلى رأس المال. وذلك مبني على إشاعة الخمس في الربح وإشاعة الربح من حيث الأضافة إلى رأس المال. ومنها: ما في قباله من عدم توجه التلف إلى الخمس أصلا. والوجه فيه: أن متعلق الخمس أحد الأمرين من العين أو القيمة، فإذا تعذر العين يتعين الأداء من القيمة، فالحق المردد في مقام التعلق بين العين أو القيمة لم يتلف حتى يصير ساقطا من جهة كون اليد أمانية. ومنها: أن يقال بعدم ورود التلف على الخمس ما دام مقدار الربح باقيا في المال، وإذا تلف جميع رأس المال وتلف بعض الربح فقد تلف من الخمس ما


(1) في ص 226.

[ 218 ]

[ ثم إن ما ذكر من عدم استثناء التلف إنما هو بالنسبة إلى سنة الربح، وأما السنة اللاحقة فإن كان التالف رأس المال أو جعل الربح رأسا للمال في السنة اللاحقة فيجبر بربحها، وأما إذا لم يكن الربح التالف من رأس المال فلا يستثنى كما تقدم وجهه. ] يكون خمسا لبعض الربح التالف. والوجه في ذلك أن يكون إضافة الربح إلى رأس المال على نحو الكلي في المعين، وتعلق الخمس بالربح على نحو الأشاعة. ومنها: عدم تعلق التلف بالخمس ما دام مقدار الخمس باقيا في مجموع الأموال. والوجه في ذلك أن تكون إضافة الربح إلى المال على نحو الكلي في المعين، وتعلق الخمس بالمال أيضا كذلك. ومنها: وقوع التلف على الخمس إذا تلف مقدار الربح جميعا، وإذا تلف بعضه فبالنسبة. وهو مبني على كون إضافة رأس المال إلى مجموع المال على نحو الكلي في المعين، فالتلف واقع على الربح، وتعلق الخمس بالربح على نحو الأشاعة. ومنها: وقوع التلف على الخمس إذا تلف تمام الربح، وأما إذا بقي رأس المال وبقي الربح بمقدار الخمس فهو الخمس. وهذا مبني على كون تعلق الخمس بالربح على نحو الكلي في المعين وإضافة رأس المال إلى المال أيضا على نحو الكلي في المعين. وتعين إحدى الوجوه متوقفة على البحث عن مسألة كيفية تعلق الخمس، ويجئ الكلام في ذلك (1) إن شاء الله تعالى.


(1) في ص 878 وما بعدها.

[ 219 ]

[ وأما الأتلاف * فهو على أقسام: فإن كان من دون التعمد فالظاهر أنه بحكم التلف في ما مر * *. وإن كان على وجه التعمد لغرض عقلائي - كإلقاء الأثقال في البحر لنجاة المسافرين أو إحراق بعض الكتب للتقية - ففيه وجهان * * *. ] * بأن يتلف الرابح رأس المال أو الربح بنفسه كأن يكسر شئ في النوم أو في اليقظة. والحاصل أن المراد من الأتلاف: ما لا يكون صرفا في مصرفه المعتاد له، فيخرج ما إذا كان صرفه بإتلافه في ما يستفاد منه، كصرف النفط لتوليد الحرارة. * * إذ لا فرق في نظر العرف - من حيث عدم صدق الفائدة بالنسبة إلى التالف بالاشتباه - بينه وبين التالف بفعل غيره، فلو كسر شئ من ماله يكون كما كسر الغير بلا إشكال عند العرف. ويمكن الاستدلال لا ستثناء التلف والأتلاف غير العمدي بالأولوية، من جهة كونهما أولى من المؤونة التي استفاد منها الرابح. لكنها غير واضحة، إذ يمكن أن يكون ذلك ملاكا للاستثناء، فإنه ولو لم يصرف في مصرف الخمس فقد صرف في مصرف المؤمن المعطي للخمس المتولي للأولياء عليهم السلام، وهذا بخلاف صورة التلف أو الأتلاف غير العمدي. وأما استثناء ما يعطي مصانعة لدفع الظلم، فلا يدل على استثناء ذلك الذي لم يدفع به ظلم أصلا. * * * فإنه يمكن القول بالاسثتناء من جهة أنه يعد من المؤونة، للصرف في مصالحه، لكن الصرف في المصالح واستعماله في ما يتعارف في الأموال - من الأكل أو الشرب أو الأعطاء والتمليك - غير الأتلاف في المصالح، ولعل صدق المؤونة متوقف على صدق الصرف في المصالح في الجملة، أو من جهة الأولوية المتقدمة في التعليق المتقدم، لكنها أيضا غير واضحة، من جهة احتمال دخالة

[ 220 ]

[ وإن كان عمدا من دون الغرض العقلائي كالمتلف غضبا فالظاهر عدم الاستثناء *. وأما تنزل القيمة فالظاهر أنه بحكم التلف، فلو تنزل قيمة رأس المال في تجارة في السنة فالظاهر هو الجبران بربح اكتساب آخر من ] الصرف في الاستثناء، فلا يستثنى المتلف، أو من جهة عدم صدق الغنيمة أو الشك فيها، وهذا هو الأقرب. وفي قباله الحكم بعدم الاستثناء من جهة الألحاق بالعمدي الذي لا غرض فيه عند العقلاء. * لعدم كونه من المؤونة قطعا، لما تقدم (1) من خروج الأسراف عنها وعدم منافاته لصدق الربح، فكما أنه لو ربح فأفناه في الهدية إلى الغير أو بناء المسجد يصدق الربح كذلك في المقام. والوجه في صدقه في المقامين أن الأتلاف وقع عن عمده واختياره، لا أن صرف في مصالحه، فتأمل. فلا وجه لاستثنائه إلا أن يقال في الربح المتلف في وسط السنة: إن الغنيمة لا تكون موجودة، ومتعلق الحكم هو الغنائم الموجودة في آخر السنة. وهو مردود بكونه خلاف ظاهر الاية والروايات الدالة على تعلق الخمس بصرف صدق الغنيمة. مع أن الالتزام بذلك موجب لسد باب الخمس، فإنه يمكن للرابح إخراج المال عن ماله ونقله إلى ابنه - مثلا - إلى ما بعد السنة ثم الا سترداد منه برضاه، وهو أيضا يملك ماله أبوه في رأس سنته المختصة به ثم يسترد بعد السنة.


(1) في ص 205.

[ 221 ]

[ التجارة أو الزراعة *. والتنزل الموجب لفقدان الربح أو قلته بحكم عدم تحقق الربح بالنسبة إلى سنة الربح * *. وأما بعد تمام السنة فالظاهر عدم الأشكال في عدم جبران خسارته من حيث التنزل بالربح الحاصل في السنة * * *. ] * وذلك لما تقدم في التلف: من عدم صدق الغنيمة والفائدة بالنسبة إلى السنة إلابعد ملاحظة الخسران، بل مقتضى عبارة العروة أن الحكم في الخسران أوضح، (1) وهو كذلك بالنسبة إلى التجارة لوحدة المنشأ، فإن الربح حاصل من جهة تغير السعر إلى جانب الارتفاع، والخسران أيضا حاصل من تغيره إلى جانب التنزل. ومن ذلك يظهر أن في مثل الزراعات والأشجار المثمرة يكون التلف أولى بالجبران من تغير السعر، فإن منشأ الربح فيها وجود الثمرات ونمو الأشجار، فالتلف أقرب إلى منشأ الربح فيها. * * لعدم صدق الربح المضاف إلى السنة، فإن الربح يحسب في العرف بالنسبة إلى مجموع السنة. ويمكن أن يوجه ذلك بوجه آخر، وهو عدم صدق الربح والغنيمة عليه أصلا، ومقتضى ذلك هو عدم تعلق الخمس ولو كان التنزل بعد تمام السنة، ويجئ الكلام فيه (2) إن شاء الله. * * * فإن الربح المضاف إلى السنة قد استقر في الفرض من دون العود إلى التنزل، وأما الخسران من جهة نقصان رأس المال بعد السنة فهو غير مضر عرفا - قطعا - لصدق الغنيمة على ما حصل من الربح في السنة، كما مر في التلف بعد السنة. فلو تنزل مثلا قيمة آلات الكسب بعد السنة من دون تنزل في الربح فلا


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 74. (2) في الصفحة الاتية.

[ 222 ]

وأما تنزل الربح بعد السنة فهل يوجب سقوط الخمس أم لا أم فيه تفصيل؟ فيه وجوه *. ] يستثنى ذلك من الربح، كما أن الأمر في الخسران في السنة غير المجبور بربح السنة كذلك أي لا ينجبر بربح السنة اللاحقة. * أما وجه سقوط الخمس - بمعنى الكشف عن عدم الثبوت - فهو عدم صدق الغنيمة على الربح غير المستقر أو يكون الصدق مشكوكا. وهو الذي يظهر من بعض التعاليق على العروة الوثقى. وأما وجه الثبوت فهو منع الانصراف وثبوت الخمس بظهور الربح المضاف إلى السنة. ويمكن التفصيل بين صورة عدم التمكن من البيع وإخراج الربح من التزلزل، من جهة عدم العثور على المشتري أو من جهة الغفلة عن ذلك فلا خمس، وغيرها فالحكم بالخمس وضمانه، وهو الظاهر من عبارة العروة حيث قال قدس سره: نعم، لو لم يبعها عمدا بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه (1). من حيث التقييد بالعمد الموجب لخروج صورتي الغفلة وعدم التمكن. أو يفصل بين ما إذا لم يبعها لعذر عقلائي فلا خمس، وما إذا كان ذلك مسامحة ففيه الخمس. وهو الذي يظهر من بعض التعاليق على العروة. ولعل الأقرب بالنظر تفصيل ثالث - وهو الوجه الخامس - وهو الحكم بثبوت الخمس إلا إذا لم يتمكن من البيع وأخذ الثمن، وأما إذا كان متمكنا في الواقع ولم يبعه طلبا للزيادة أو للقطع بعدم التنزل بل ولو كان غفلة، ففيه الخمس. أما عدم ثبوت الخمس في صورة عدم التمكن من البيع من دون الاستناد إلى


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 54.

[ 223 ]

[ لعل الظاهر هو التفصيل بين عدم التمكن الواقعي من البيع فلا خمس، وغيره ففيه الخمس وإن كان ترك البيع من جهة الغفلة أو النسيان، وإن كان الاحتياط لا يترك في تلك الصورة بالاستيهاب *. ] الغفلة، فلعدم تحقق مال في الخارج عنده، فإن صرف ارتفاع القيمة من دون زيادة عينية ومن دون الارتفاع القابل للحصول في اليد لا يعد غنيمة، فإنه صرف اعتبار لا أثر له في الخارج فكيف يصدق عليه الغنيمة؟! مع أن الشك في الصدق يكفي في عدم ثبوت الخمس. وأما ثبوته في صورة التمكن فلصدق عنوان الغنيمة والفائدة فيه مسلما ولو مع الغفلة، كما يظهر بالمقايسة إلى شركة الربح في باب المضاربة، فإنه لو أخذ العامل ربحه وانفسخت المضاربة أو تمت مدته المضروبة لها فلا يرجع إليه بعد الأخذ والقسمة، ولا فرق قطعا بين صورة الأخذ والقسمة وعدمهما عرفا. كما أن ذلك واضح لو كان تنزل السعر الموجب لنقصان الربح بعد مدة مديدة من الزمان، فإذا تحقق ذلك وصدق عنوان الغنيمة عليه في صورة التمكن فالظاهر أن التمكن الواقعي كاف في ذلك، والغفلة بالنسبة إليه كالغفلة بالنسبة إلى سائر الموضوعات ليست دخيلة في تغير عنوان الموضوع. والاحتياط في صورة الغفلة هو الاستيهاب من صاحب المال أيضا. * كما تبين وجه ذلك في التعليق المتقدم وتحصل أن الوجوه خمسة. ومما ذكرنا يظهر مواقع الأيراد في ما ذكر قدس سره في كتاب العروة، قال قدس سره: إذا اشترى عينا للتكسب بها فزادت قيمته السوقية ولم يبعها غفلة أو طلبا للزيادة ثم رجعت قيمتها إلى رأس المال أو أقل قبل تمام السنة لم يضمن خمس تلك الزيادة، لعدم تحققها في الخارج. نعم، لو لم يبعها عمدا

[ 224 ]

بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه (1). ففيه أولا: عدم الملاك للتقيد بالغفلة أو طلب الزيادة في ما إذا تغير السعر في السنة، بل ولو كان من باب المسامحة أو كان قاطعا بالتنزل فلم يبعها من باب الاحتياج إلى السفر وكان السفر مخالفا لرفاهه فالظاهر عدم وجوب الخمس، لعدم الربح المضاف إلى السنة، فهو في حكم التلف في السنة المتقدم حكمه. وثانيا: أن الرجوع إلى رأس المال أو الأقل ليس دخيلا في المسألة، بل لو قل الربح من جهة تنزل السعر كان حكمه ذلك بالنسبة إلى المقدار النازل، والظاهر أنه من باب المثال، إلا أنه لا بد في كتب الفتوى من الدقة في الأطلاق والتقييد. وثالثا: أن التعليل بعدم تحقق الربح في الخارج لا يخلو عن ضعف، فإن الربح قد تحقق في الخارج، فإن مقابل ارتفاع القيمة السوقية من المال الموجود هو الربح الخارجي، إلا أن صدقه على ذلك متزلزل. مع أنه ليس الملاك التحقق الخارجي، بل الملاك صدق الغنيمة المضافة إلى السنة ولو لم يتحقق في الخارج، كالاشتراء المتعلق بالكلي الذي فيه الربح. مع أنه لو كان الملاك ذلك لم يكن فرق بين ما في السنة وما بعدها. مع أنه لو كان المراد أن الملاك صرف التحقق في الخارج - ولو لم يكن فائدة مضافة إلى السنة - لكان اللازم الحكم بالخمس في الثمرات الحاصلة في السنة التالفة قبل البيع، لتحققها خارجا، لكنها ليست من الغنيمة المضافة إلى السنة، لتلفها قبل انقضاء السنة. فالتعليل مورد للأيراد من وجوه أربعة، فليتأمل. ورابعا: قوله (لو لم يبعها عمدا بعد تمام السنة) فيه تسامح، والصحيح: (لو لم يبعها عمدا حتى تمت السنة)، إذ لا تأثير لعدم البيع بعد تمام السنة في استقرار وجوب الخمس.


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 54.

[ 225 ]

[ ثم إن المضمون خمس نفس ما صدق عليه الربح في الخارج، ولا يضمن خمس ارتفاع القيمة النازلة بالفرض بعد السنة *. وأما الفسخ والأقالة فتارة يكون بالنسبة إلى الربح واخرى يكون بالنسبة إلى رأس المال، وعلى التقديرين إما أن يكون ذلك في سنة الربح أو بعد انقضائها. ] ومن ذلك يظهر التسامح في ما في تعليق الطباطبائي الحكيم قدس سره على ذلك من قوله (أو في أثنائها)، فإن الصحيح (بل في أثنائها). وخامسا: أن الظاهر منه أنه لو لم يبعها غفلة ليس الحكم فيه هو الضمان، مع أنك قد عرفت أن الظاهر هو الضمان، بل لعل الظاهر - من جهة التقابل بينه وبين قوله: ولم يبعها غفلة أو طلبا للزيادة -: أن المقصود من العمد غير ما كان طلبا للزيادة أيضا، وهو مشكل، لوضوح الضمان في الصورة المذكورة. * كما أشار إليه بعض أعلام العصر في تعليقه، فلو كان رأس ماله عشرة آلاف تومان فاشترى بها ألف ذرع من الأرض للتجارة بها، ثم باع واشترى حتى صار رأس ماله في السنة ألفا وخمسمائة ذرع منها وكان قيمة ذلك خمسة عشر ألفا، ثم تنزل السعر فصار بعد السنة قيمة الأرض التي مساحتها ألف وخمسمائة ذرع عشرة آلاف فتنزل إلى رأس المال، فإن الذي يجب عليه من الخمس هو مائة ذرع من الأرض التي هي خمس خمسمائة الربح أو قيمة ذلك التي هي خمس ثلث عشرة ألف تومان، لا خمس خمسة آلاف. والوجه في ذلك هو تعلق الخمس بالعين ولو كان التعلق بها تخييريا، فإن العدل الاخر هو قيمة العين فيجب على المكلف إما أداء العين أو قيمتها، لكنه وإن كان الواجب عليه حين كون القيمة مرتفعة في المثال أداء مائة ذرع من الأرض أو قيمتها التي هي ألف تومان بعد التنزل يجب عليه على فرض التخيير أداء

[ 226 ]

[ أما الأول - وهو الفسخ والأقالة بالنسبة إلى الربح في سنته - فالظاهر هو الاحتساب وعدم تعلق الخمس *. ] المائة أو قيمتها التي هي أقل من الألف بالثلث، فإن متعلق التخيير هو العين أو قيمة العين لا خصوص قيمة الارتفاع، كما هو الحال في جميع موارد كون مال الغير بيد الغاصب مثلا أو غيره. * هذا من غير فرق بين كون الفسخ من جانب البائع أو من جانب المشتري أو كان على وجه الأقالة، ومن غير فرق بين كون الأقالة من شأن المشتري أم لا. والوجه الذي يمكن الاستدلال به لمورد المسألة على وجه الأطلاق أمران: أحدهما: أن رد المعاملة في نظر العرف بمنزلة عدم تحقق المعاملة، سواء قلنا بالكشف الحقيقي أو الحكمي أو الانقلابي أو النقل المحض، إذ على الأخير مقتضاه الحكم بعدم العقد وعدم آثاره العرفية من حين الرد، وذلك موجب لانصراف موضوع الخمس وهو (الغنيمة المضافة) إلى الحول، ولا أقل من الشك في الظهور. الثاني: أن مقتضى الرد عرفا ذلك، ومقتضى صحته شرعا هو الحكم بترتيب آثار الرد من حين تحققه ولو لم يكن انصراف في دليل الربح والغنيمة. وهنا وجوه اخر تأتي في بعض موارد المسألة: منها: انصراف الربح إلى ما يملكه الرابح بالملكية اللازمة، ومقتضى ذلك عدم صدق الغنيمة على صورة وجود الخيار للبائع. ومنها: أن الملاك هو الغنيمة المضافة إلى السنة، فالفسخ من قبل البائع يكون بحكم التلف. لكن الوجهين لا ينطبقان على مورد الأقالة والفسخ من قبل المشتري، لما تقدم من أن الأتلاف العمدي لا ينافي صدق الربح المضاف إلى الحول الواحد، ولعدم تزلزل الملك له. ومنها: أن يكون الأقالة مما يعد من مؤونته بحيث كانت من شأنه، كهباته وصدقاته.

[ 227 ]

[ وأما الثاني - وهو الفسخ أو الأقالة بالنسبة إلى رأس المال في سنة الربح - فالظاهر عدم الاحتساب *. وأما الثالث - أي الفسخ والأقالة بعد انقضاء السنة بالنسبة إلى الربح - فالظاهر عدم الاحتساب إلا إذا كان الفسخ من جانب البائع أي غير الرابح * *، إلا إذا كان مقصود الفاسخ هو الرد من حين العقد على إشكال في ذلك. وأما رد رأس المال بعد السنة فعدم احتسابه واضح * * *. ] فالوجوه التي يمكن ذكرها في المسألة لجميع مواردها أو بعضها خمسة، والذي يتمشى في الكل هو الوجهان الأولان. * لأن مقتضى الرد عرفا أنه كالعدم وبمنزلة عدم وصول ذلك إلى اليد وأن ما وصل إليه من الربح كان من دون وجود رأس المال، وذلك كأن وهب بعض الأصدقاء للرابح مالا للتكسب به فكسب وربح واستنمى من ذلك ثم رأى أن يرده إلى صاحبه، فالظاهر أنه ليس في نظر العرف بمنزلة تلف رأس المال فيجبر بالربح كما تقدم، والسر في ذلك أن الرد في العرف بمنزلة عدم التحقق. * * أما عدم احتساب غير الفسخ من جانب البائع فلأن الرد يكون من الحين - على المشهور المنصور - ففائدة السنة قد استقرت فلا بد من الخمس. وأما الفسخ من جانب البائع فالظاهر أنه يكشف عن عدم تعلق الخمس، من جهة انصراف الغنيمة إلى الملكية اللازمة، وأما المتزلزلة التي غير قابلة للوثوق بالحصول في اليد حتى بالبيع في زمن الخيار - بناء على جوازه - لأنه إن فسخ البائع يرجع إلى البدل من المثل أو القيمة، فالانصراف قوي، مع أن الاحتمال كاف في عدم انعقاد الظهور بحيث يشمل المورد. * * * فإنه إذا لم يستثن من الربح إن كان في السنة، فعدم استثنائه من بعد انقضاء ربح السنة أولى.

[ 228 ]

[ وأما استرداد المال من غير حق من جانب من انتقل منه المال - كأن يأخذ الكفار الغنائم من المسلمين بعد أخذها منهم - فلعل الظاهر أنه بحكم الفسخ من قبله *. ] ومن ذلك يظهر النظر في ما في العروة، قال قدس سره: لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازما فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس، إلا إذا كان من شأنه أن يقيله، كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا رد مثل الثمن (1). انتهى. أقول فيه أولا: ما تقدم من أن الظاهر سقوط الخمس بالأقالة في السنة مطلقا، وليس من جهة صدق المؤونة حتى يشترط كونها من شأنه. وثانيا: لا تأثير لكون الأقالة من شأنه إذا وقعت بعد سنة الربح. ويمكن أن يوجه سقوط الخمس مطلقا بالرد (ولو كان بعد السنة من جانب الرابح) بأن الرد وإن كان هو الفسخ من حينه - لا من حين العقد - بحسب المتعارف المعمول بين العقلاء، ولكن بعد فرض تصوير الكشف الانقلابي فلا مانع من قصد الفاسخ بفسخه فسخ العقد من حين العقد، بمعنى أن الفاسخ يملك بفسخه بملكية فعلية المملوك السابق. هذا، مع ضم اشتراط صدق الغنيمة بأن لا يملكه مالك بعد ذلك بالنسبة إلى هذا الزمان. وهذا الكلام جار بعينه في الأجازة وإن لم يقل به أحد من الأصحاب، فيكون الكشف والنقل في الأجازة والفسخ تابعين لقصد من بيده الأمر. * وملخص الصور المذكورة في المسألة: أنه قد يؤخذ المال من صاحبه إكراها، وقد يتلف أو يسرق من دون اطلاعه، وقد يتلف عمدا أو خطأ، ورابعة يحصل تنزل في ماله من ناحية السعر، وخامسة يحصل الفسخ أو الأقالة، وسادسة


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 58.

[ 229 ]

[ المسألة الثالثة عشر: الظاهر أن الدين بنفسه من المؤونة إذا صرف ما استدانه في مؤونته *. ] يسترد المال من صاحبه الأولي غصبا. وعلى جميع التقادير قد يحصل ذلك بالنسبة إلى الربح، واخرى بالنسبة إلى رأس المال، وثالثة بالنسبة إلى غيرهما من سائر أمواله مما يكون من مؤونته أو غير ذلك. وعلى جميع التقادير قد يكون ذلك في سنة الربح وقد يكون بعد انقضاء السنة، فتلك ستة وثلاثون فرعا قد ذكرنا حكم كل منها مع دليله بقدر ما وصل إليه النظر. وملخص الحكم في ذلك أنه لا يستثنى النقصان الوارد على غير رأس المال والربح مطلقا إلا في ما عد من المؤونة، ويستثنى النقصان الوارد على رأس المال والربح مطلقا إذا كان ذلك في سنة الربح، إلا إذا كان ذلك برد المعاملة أو ما بحكم الرد وهو الغصب من جانب من كان بيده المال، ولا يستثنى النقصان الواقع بعد السنة إلا إذا كان بالفسخ من الناقل أو الغصب منه أو كان المقصود بالرد هو الرد من حين العقد على إشكال في ذلك، والله المستعان وهو العالم. * فإنه لو استدان الرابح مالا فصرفه في مؤونة سنته فالاستثناء مما لا ينبغي الأشكال فيه. والأشكال ب‍ (أن المستثنى هو المؤونة المخرجة من الربح لا مطلق المؤونة، ولذا لا يستثنى من الربح إذا تبرع متبرع بمؤونته) مندفع قطعا بأن الظاهر أن المستثنى ما يصرفه من ماله لنفسه فلا يشمل التبرع، وأما الاختصاص بخصوص ما يصرف من الربح فهو مخالف لصريح الأدلة، فإن اللازم عدم استثناء ما يصرفه في أول السنة قبل الاسترباح، مضافا إلى أن الغالب صرف الربح في أداء دين ما يصرفه في المؤونة، إلا أن يقال: إن ذلك من باب كون الأداء من المؤونة، وليس نفس الصرف منها، وهو تكلف قطعا.

[ 230 ]

[ ويترتب على ذلك فروع: منها: أنه لو استدان فاشترى شئ فتلف قبل الصرف في المؤونة لم يكن الدين من المؤونة، إلا إذا أداه فيكون الأداء منها. وكذا تلف البعض أو التنزل. ومنها: أنه لو استدان فاشترى ما يمون به مما يصرف عينه كالحبوبات أو يبقى عينه - كالمسكن - وكان الدين مؤجلا بأجل يحل بعد السنة، فالظاهر هو الاستثناء وإن لم يحل أجله *. ولو زاد الدين المذكور عن الربح فالباقي يستثنى من ربح اللاحقة أداء في الأول * *. وأما في الثاني فالظاهر هو استثناء الباقي بنفس وجود الدين * * * ] * فلو اشترى مثلا حنطة من المال الذي استدانه فصرفها في مؤونة سنة الربح والدين وكان أجل الدين - كلا أو بعضه - بعد السنة، فالدين جميعه يستثنى من المؤونة، لأنه قد صرف في المؤونة، والخمس يكون بعدها، ولا يستثنى من المؤونة من حيث الأداء، لأن مقابله وهو الربح في سنته موجود. نعم، إذا لم يف ربح السنة بالدين المصروف في مؤونة سنة الربح كان الأداء من مؤونة السنة اللاحقة بالنسبة إلى المقدار الناقص، هذا إذا كانت المؤونة مما يصرف عينه. * * أي في ما يصرف عينه كالمأكولات، لأنه ليس من مؤونة السنة اللاحقة حتى يحسب بصرف الصرف، فإنه لم يصرف في السنة اللاحقة، لكن نفس أداء الدين الذي ليس مقابله باقيا يكون من مؤونة السنة اللاحقة. * * * فلو استدان ستين فاشترى به دارا وكان ربحه في السنة عشرين وكان الدين عليه في كل سنة عشرة بحسب الأجل المقرر له فلا خمس عليه - بناء على ما ذكر - في ثلاث سنين، وعليه الخمس في تمام الربح من دون استثناء ما يؤديه

[ 231 ]

[ وإن كان الأحوط في الثاني أيضا عدم الاستثناء في السنين اللاحقة إلا من حيث الأداء *. ومنها: أنه لا فرق بين كون الاستدانة في سنة الربح أو قبلها لمؤونة سنة الربح * * أو كانت الاستدانة بالنسبة إلى ما بعد سنة الربح فاستدان للصرف في سنة الربح * * *. ] من الدين في الثلاثة الباقية. والوجه في ذلك مجموع الأمرين: أحدهما كون ما يصرف في المؤونة مستثنى من الربح من حيث تعلق الخمس. ثانيهما كون ما صرف في مؤونة المسكن وأمثاله مؤونة لجميع السنين التي يستفاد منه فيها. * والوجه فيه: احتمال تقوم صدق المؤونة على (الصرف، والأخراج من رأس المال والربح وجعله لنفسه مدة بقائه وبقاء المال) وحصل ذلك في السنة الاولى. لكن الظاهر أنه ليس صرف الأخراج من رأس المال وجعله لنفسه ملاكا لصدق المؤونة، وإلا لم يكن في ما بقي من الحبوب والفحم المتخذ للمؤونة خمس، فالمسكن وأمثاله مؤونة لجميع السنين، فدينه يكون مؤونة له أيضا. * * فإن الملاك هو الصرف في المؤونة، والمفروض أن الصرف وقع في سنة الربح. * * * أما تصوير ذلك فبأنه لا يكون الدائن مالكا لما في ذمة المديون إلا بالنسبة إلى ما بعد السنة. والفرق بينه وبين كون ما في الذمة بالفعل مملوكا مع فرض الأجل: أن الأجل يكون لحق المطالبة، فلا يستحق المطالبة إلا بعد حصول الأجل، ولكن يجوز للمديون أداء دينه قبله وينطبق عليه ما في الذمة فيبرأ، وليس للدائن الامتناع عن الأخذ، وهذا بخلاف المقام فلا يستحق المديون أداءه بالفعل، بل لا ينطبق على

[ 232 ]

[ هذا بالنسبة إلى أصل الدين، وأما أداؤه فهو أيضا من المؤونة. وملاك ذلك عدم ما يقابله في الخارج - بحيث يكون أداؤه موجبا لنقص في ماله - وصدق صرف بعض أمواله في ما يحتاج إليه، من غير فرق بين الصرف في مؤونة سنة الربح أو الصرف في مؤونة السنة السابقة أو عدم صرف أصلا - كأن تلف ما استدانه - أو كان الدين من جهة جناية أو إتلاف لمال الغير أو كفارة أو حق شرعي عليه *. وأما الدين الذي يكون ما يقابله موجودا فأداؤه ليس من المؤونة * *. كما أنه من الواضح أنه لا خمس في ما قابل الدين من المال الموجود، فلو كان رأس ماله خمسة آلاف واستدان خمسة آلاف ] الدين ولو مع التراضي، فلا بد من التراضي على أخذ ذلك والأبراء. * وذلك لصدق المؤونة على الأداء بالقيد المذكور، وحينئذ قد يصدق الأمران، كما في أداء دين مؤونة سنة الربح، فإنه يستثنى من حيث الدين ومن حيث الأداء، وقد يكون الاستثناء من حيث الدين دون الأداء، كما لو استدان وصرف في مؤونة سنة الربح ولكن لم يؤد دينه فيها، وقد يكون من حيث الأداء فقط، كأداء الكفارات والديون المصروفة مقابلها في مؤونة السنة السابقة. * * كأن استدان لزيادة رأس المال، وهو موجود فيؤدي ذلك الدين، فإن أداءه ليس من المؤونة بناء على عدم كون تكثير رأس المال من المؤونة، كما تقدم تحقيقه (1). والوجه في ذلك أنه لم يصرف شئ من ماله بأدائه الدين، فإنه قد تملك مالا وأدى مقابله كأن اشترى شئ وأدى ثمنه. وملاك المؤونة - كما تقدم - هو صدق الصرف من ماله لبعض مصالحه.


(1) في ص 178 وما بعدها.

[ 233 ]

[ اخرى فربح خمسة آلاف فأدى دينه لا يمكن أن يقال: إنه ليس عليه الخمس من باب أن أداء الدين من المؤونة، أو يقال: إن خمسه ألفان، فإن ما استدانه ليس من الأرباح، بل خمسه في المثال يكون ألفا *. ويترتب على ما ذكر أنه لو استدان الخمس من وليه - بأن قبضه بعنوان الخمس ورده إلى من عليه الخمس قرضا فأداه في السنة اللاحقة - لم يكن أداؤه من مؤونة تلك السنة، من غير فرق بين صرف المال في مؤونة السنة اللاحقة أو عدم صرف مال أصلا بعد الاستدانة في مؤونته - بأن تبرع بذلك متبرع مثلا - ومن غير فرق أيضا بين تلف ما يقابل الدين في السنة اللاحقة - إذا ربح فيها أيضا بمقدار التلف - وعدم تلفه * *. ] * والوجه في الكل واضح، أما عدم الخمس في ما يقابل فلأنه ليس من الأرباح، وأما عدم استثناء أداء الدين فمن جهة أنه ليس من المؤونة، فإنه لم يصرف مقدار الدين في حوائجه ولم يتلف، بل يكون موجودا فليس أداؤه صرفا لبعض أمواله، فحكمه حكم من اتجر برأس ماله من دون الاستدانة فربح خمسة آلاف في المثال، فيبقى كون الخمس في خصوص الربح من دون استثناء أداء الدين منه. * * والوجه في الكل أن أداءه في السنة اللاحقة ليس من مؤونتها حتى يستثنى من ربحها، وذلك لبقاء ما يقابل الدين في جميع الفروض، أما الأول فواضح، وأما الثاني والثالث فلأن الصرف أو التلف يستثنى من ربح اللاحقة، فربح السابقة باق على حاله، فمقابل الدين موجود، وذلك لأن الصرف والتلف متقدمان على الأداء بالفرض، وهما علتان لاستثناء التالف والمصروف من ربح السنة اللاحقة، فربح السنة السابقة باق على حاله، فالأداء ليس من مؤونة السنة اللاحقة.

[ 234 ]

[ وأما إذا لم يكن له في السنة اللاحقة ربح في فرض الصرف أو التلف فحينئذ وإن كان أداؤه يعد من مؤونة السنة اللاحقة إلا أنه لا أثر لذلك. وكذا الحكم إذا لم يؤد الخمس في سنة الربح عصيانا وأدى من ربح السنة اللاحقة *. ] * لوحدة الملاك، كما لا يخفى. ومما ذكرناه في الدين يظهر النظر في كثير من كلمات الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - في المقام: ففي الجواهر: اشتراط مقارنة الدين لسنة الربح مع الحاجة أو سبقه ولو مع عدم الحاجة، فإنه لو كان الدين مقارنا لسنة الربح من دون الحاجة إليه فتلف ما يقابله فأداؤه حينئذ من المؤونة (1). وقال في العروة: أداء الدين من المؤونة إذا كان في عام حصول الربح أو كان سابقا ولكن لم يتمكن من أدائه إلى عام حصول الربح، وإذا لم يؤد دينه حتى انقضى العام فالاحوط إخراج الخمس أولا، وأداء الدين مما بقي (2). فإن فيه أولا: أن أداءه من المؤونة إذا لم يكن ما يقابله موجودا، فمن استدان ألفا وهو موجود بنفسه أو ببدله ودفع الألف من باب أداء الدين لم يصرف مالا حتى يصدق عليه المؤونة، فالحكم بأن أداء الدين من المؤونة إذا كان في عام حصول الربح أو مطلقا مورد للمناقشة من جهة الأطلاق.


(1) الجواهر: ج 16 ص 62. (2) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 71.

[ 235 ]

ولو لم يؤد دينه المصروف في مؤونة سنة الربح في تلك السنة وأداه في السنة اللاحقة فأداؤه ليس محسوبا من مؤونة اللاحقة *. وثانيا: أنه مع التقييد المذكور لا فرق بين كون الاستدانة في عام حصول المسألة الرابعة عشر: إذا استطاع من جهة المال أو تمت استطاعته في سنة من سنوات استرباحه وحج في تلك السنة بحيث وقع جميع سفره ذهابا وإيابا فيها، فلا شبهة ولا كلام في استثناء ذلك من مؤونة ] الربح أو قبل ذلك ولو مع التمكن من أدائه قبله، فإن أداء الدين الذي ليس له مقابل في الخارج - كالكفارات وقيم المتلفات وما استدان فتلف أو استدان وصرف في مؤونته - مؤونة عرفا، فإنه لا فرق في العد من المؤونة بين أداء الحج الذي هو دين الله تعالى أو أداء دين الناس، وقد تقدم عنه في مسألة الحج أن مصارف الحج من المؤونة، وأنه لو تمكن وعصى حتى انقضى الحول فهو أيضا من مؤونة سنة الأداء على الأحوط (1). فراجع وتأمل. وثالثا: أن الحكم بالاحتياط بالنسبة إلى أصل الدين من غير أن يؤديه مخدوش، لأن الدين إن صرف في مؤونة عام الربح فقد تقدم أن الظاهر هو الاستثناء، وأما إذا لم يصرف فيها فلا إشكال في أنه لا بد من أداء الخمس من جميع المال من دون استثناء الدين، من غير فرق بين كون مقابله موجودا أم لا، والفرق بينهما إنما هو في احتساب الأداء من الخمس من حيث موضوعه الذي هو الربح بالنسبة إلى سنة الأداء، فإنه يستثنى من الربح في سنته في فرض عدم وجود مقابله ولا يستثنى أبدا في فرض وجود ما يقابله. * لاستثناء ذلك قهرا في السنة السابقة، فمقابل الدين - وهو ربح السنة السابقة - موجود، وليس أداؤه نقصا في المال حتى يعد من المؤونة بالنسبة إلى اللاحقة، فتأمل.


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 70

[ 236 ]

[ سنته ولو كان بحيث لو أدى خمس ربحه لم يكن مستطيعا *. ولو استطاع من جهة المال في السنة التي تكون للخمس - جعلا أو من جهة تطبيق الدليل - ولم يتمكن من المسير فيها، فلا شبهة في عدم احتساب مؤونته من تلك السنة * *. ولو كانت استطاعته المالية في سنة الربح مع عدم التمكن من المسير، بمقدار لو أدى خمس ربحه لم يكن متمكنا من الحج في العام القابل فالظاهر عدم وجوب الحج عليه * * *. ] * وذلك لأن الصرف في سفر الحج يعد من المؤونة ولو لم يكن واجبا، فلا يرد شبهة الدور بأن يقال: (إن وجوب الحج عليه متوقف على جواز صرف جميع الربح في سفر الحج، وهو يتوقف على كون صرفه في الحج من المؤونة، وهو يتوقف على وجوبه)، فإنه قد علم أن كون صرف الربح في الحج من المؤونة لا يتوقف على وجوبه، بل لا يتوقف على الاستحباب أيضا، بل يكفي كونه عقلائيا كسائر الأسفار المباحة. * * لعدم صدق الموؤنة قطعا بصرف تحقق شرط من شروط وجوب الحج الذي هو الاستطاعة المالية، من غير فرق بين التمكن في ما بعد ذلك والمسير إليه أو عدمه أو عدم المسير أصلا، وإن كان عدم الاحتساب مع عدم المسير أوضح، وأوضح منه عدمه مع عدم التمكن بعد ذلك، لكن الحكم المذكور شامل لجميع الصور الثلاثة في ما بعد سنة الربح: من التمكن والمسير، وعدم التمكن أصلا، أو عدم المسير. * * * فإنه في ظرف تحقق الاستطاعة المالية لم يكن متمكنا من جهة الرفقة والطريق، وفي ظرف التمكن من جهة الطريق فاقد للتمكن المالي، لكون الخمس لصاحبه، وعدم استثناء مصارف الحج في العام اللاحق من ربح العام السابق.

[ 237 ]

[ ولو كان ولي الخمس راضيا بالأقراض بعد انقضاء العام وتنجز الخمس فهل يجب عليه الاستدانة أم لا؟ وجهان *. الظاهر هو الثاني، وإن كان الأحوط هو الأول * *، بل لا يترك وجوبا * * *. ] * وجه الوجوب: صدق الاستطاعة الواردة في الاية الشريفة (1) بالتمكن من الاستدانة وأداء الدين بسهولة، وصدق بعض العناوين الواردة في الروايات (على ما هو المنقول في تعليق بعض علماء العصر - مد الله أعمارهم - على العروة الوثقى (2) وهو مثل (إذا قدر الرجل على ما يحج به) (3)، فإنه قادر على ما يحج به وإن لم يكن مالكا له. وأما وجه عدم الوجوب - الذي هو مختار صاحب العروة قدس سره - فهو أن الاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحج هي الاستطاعة الفعلية العرفية التي لا تصدق إلا بمالكية الزاد والراحلة أو ما يصلح أن يحصلا به، كيف؟ ولو كان الشرط هو الاستطاعة بمعنى القدرة العقلية التي هي شرط في التكاليف لكان الكسب واجبا، ولا فرق بين الاستدانة وتحصيل المال بالتكسب أو بالعمل. * * وملخص وجهه أن الاستطاعة - التي تكون شرطا - هي واجدية المال الذي يقدر به على الحج، ولو كان الاستدانة واجبة لكان العمل والتكسب لحصول الاستطاعة واجبا أيضا، وهو خلاف الضرورة. وأما وجه الاحتياط فلاحتمال الفرق بين المقدمات البعيدة والقريبة، ولذا يمكن القول بلزوم قبول البذل للحج إن لم يكن حرجيا. * * * لما عرفت من القياس بالبذل، والفرق بين أن يكون تحصيل الاستطاعة


(1) سورة آل عمران: 97. (2) كتاب الحج: الفصل 2، المسألة 15 من الشرط الثالث (الاستطاعة). (3) الوسائل: ج 8 ص 17 ح 3 من ب 6 من أبواب وجوب الحج.

[ 238 ]

[ ولو استدان فهل يجب عليه الحج بعد ذلك أم لا؟ الظاهر هو الأول، فيكون حجة الأسلام *. ولو تمكن في عام الربح من الشروع في المسافرة إلى الحج فهل يكون جميع مصارف السفر من مؤونة عامه * * أو ما يصرفه في ذلك فيه - كإعطاء اجرة المركب ذهابا وإيابا - دون ما لم يصرفه فيه في ذلك العام، سواء كان نقدا موجودا أو اشترى به المأكولات لكنه لم يصرف بعد؟ الظاهر هو الثاني * * *. وقد يقال: إن شراء الأعيان اللازمة في سفر الحج مثلا من المؤونة المصروفة فعلا، فلو اشترى سيارة في عام الربح للحج فهي محسوبة من مؤونة ذلك العام * * * *، وإن صالح ] حرجيا أو غير حرجي وبين أن يكون له مقدمات بعيدة أو قريبة. وتمام الكلام موكول إلى باب الحج، وهو الموفق. * وذلك لصدق العناوين المنقولة - في التعليق المتقدم - عن الأخبار على ذلك (1)، مثل (إذا قدر الرجل على ما يحج به) و (إذا هو يجد ما يحج به) و (من قدر على ما يحج به). وعلى فرض الشك يرجع إلى الاية الشريفة (2) الظاهر صدقها على المورد. * * كما أفتى بذلك في العروة فقال: الظاهر أن المدار على وقت إنشاء السفر (3). * * * وفاقا لغير واحد من المحشين على الكتاب، لعدم صدق المؤونة بصرف إنشاء السفر وعدم صرف المال فيه، والمال الموجود الذي من شأنه الصرف - كالنقود وعين ما يحتاج إليه من المأكولات - لا يعد من المؤونة. * * * * كما هو المستفاد من تعليق الطباطبائي الحكيم قدس سره وبعض علماء


(1) الوسائل: ج 8 ص 16 الباب 6 من أبواب وجوب الحج وص 21 الباب 8 من تلك الأبواب. (2) سورة آل عمران: 97. (3) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 81.

[ 239 ]

[ شخصا باعطاء مال فعلا له وكون الزاد والراحلة والمسكن عليه فلا إشكال في الاحتساب *. ولو استطاع في عام الربح مالا وسيرا فعصى فالظاهر عدم استثناء مؤونة الحج على تقدير الاتيان به من ربحه * *. ] العصر - مد الله في أعمارهم - على العروة، لكنه لا يخلو عن إشكال، من جهة أنه قد تقدم أن الوجه في كون مثل البيت المعد للسكنى من المؤونة: صدق الصرف، وصدق الصرف متوقف على صرف النظر عنه إلى الأبد، فيكون مثل ما يؤكل ويشرب. واشتراء بعض اللوازم للحج مع وجود عينه والعزم على بيعها بعد الحج لا يعد من مؤونة الحج. ومن ذلك يظهر الأشكال في البيت المسكوني الذي كان مالكه عازما على بيعه والاتجار به في ضمن السكونة، فإنه لا يعد من المؤونة. * لأن إعطاء مال المصالحة صرف فعلا فيعد من المؤونة، كأن يعطي اجرة الدار المستأجرة للسنين اللاحقة في السنة الاولى. * * كما قواه قدس سره في الجواهر وبنى ذلك على مسألة كلية في الخمس (1) - وقد تقدم ذلك -: (2) من أن المراد بالمؤونة المستثناة هو الخارجية أو ما يحتاج إليه ولو لم يصرف في الخارج حتى لا يكون في ما زاد عن ربحه بواسطة التقتير خمس، لاستثناء المؤونة. والظاهر من الدليل هو الأول، وفاقا لما نقله في الجواهر عن استاده في كشف الغطاء (3) وخلافا لما نقله في الجواهر عن البيان والمسالك والروضة والمدارك و الكفاية والتذكرة من النظر في الاحتساب في المسألة المبحوث عنها في


(1) الجواهر: ج 16 ص 62. (2) في ص 205 - 206. (3) الجواهر: ج 16 ص 63. (4) ج 16 ص 63.

[ 240 ]

[ المسألة الخامسة عشر: لو فضل من مؤونته بسبب التقتير مما لم يتخذ للقنية - كالحبوب - وجب الخمس فيه، وأولى منه: الفاضل لا للتقتير - كما في الجواهر (1) - ولكن لا يخلو عن إشكال *. فالظاهر أنه يلاحظ مع مجموع المال، فإن لم يكن له ربح في تلك السنة أصلا فهو من رأس المال، وكذا إن كان بعد ملاحظة المجموع لا يكون الربح زائدا على المؤونة، فلا خمس فيه أصلا، لعدم الفاضل عن ] المقام (2)، ولعله لا خصوصية لها. ويمكن الفرق بين مطلق موارد فرض التقتير فيقال بالاحتساب، بخلاف مثل الحج الذي يكون تقتيره بترك الواجب، من جهة أن الاحتساب من المؤونة والاستثناء من باب الامتنان، ولا امتنان في الاستثناء في صورة التقتير بترك الواجب. والعجب من صاحب العروة قدس سره حيث احتاط هنا بعدم الاستثناء (3) مع أنه قوى عدم الاستثناء في مطلق موارد التقتير (4)، مع أنك قد عرفت أن المسألة من مصاديق المسألة المذكورة وإن احتملت فيه خصوصية، فهي مؤيدة لعدم الاستثناء، فهي أولى بعدم الاستثناء، كما ربما يمكن أن يكون تلك الخصوصية موجبة للحكم بعدم الاستثناء في خصوص مسألة الحج المنقول عن التذكرة. وكيف كان، فالظاهر أن الحكم معلوم بناء على كون المستثناة المؤونة الخارجية لا الشأنية، والخارجية منها هو الظاهر من الدليل إذا لم يصل إلى حد الأسراف أو إلى الصرف في الحرام، كما تقدم (5). * وفي العروة:


(1) المصدر: ص 62. (2) المصدر: ص 63. (3) العروة الوثقى: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 70. (4) المصدر: المسألة 65. (5) في ص 205.

[ 241 ]

[... ] لو زاد ما اشتراه وادخره للمؤونة من مثل الحنطة والشعير والفحم ونحوها مما يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول (1). وفي المستمسك: بلا خلاف ظاهر، لعدم كونه من المؤونة (1). لكن لا يخلو إطلاق ذلك عن إشكال، فإن ما يدخر في البيت ليس هو الربح الخالص، بل إن كان ذلك مجلوبا إلى المنزل من دكانه فهو مخلوط من الربح ورأس المال، وإن كان مشترى فالاشتراء بالنقد المخلوط من الربح ورأس المال، فإنه ليس للربح بما هو ربح صندوق خاص، فالحكم بالخمس في ذلك على وجه الأطلاق ممنوع، وعلى فرض كون ذلك من الربح - بأن يكون صاحبه فاقدا لرأس المال بل هو عامل يأخذ الاجرة على عمله ويصرفه في مخارجه - فكل ما في البيت يكون من الأرباح، لكن صرف ذلك أيضا غير كاف في الحكم بوجوب الخمس على وجه الأطلاق، فإنه قد يكون ما في يده من النقود المشترى بها المؤونة المذكورة مخلوطا من الربح السابق والفعلي، وعلى فرض القطع بأن ما في البيت يكون من ربح ذلك العام فعلى فرض كون مؤونة حول الربح محتسبة من ربح ذلك الحول ولو كان صرفها من محل آخر - كما يجئ تحقيقه إن شاء الله تعالى - ففيه أيضا إشكال، مع أنه لو كان الخمس في ذلك لكان الخمس واجبا على كل أحد، إذ ما من صاحب بيت إلا وفي بيته شئ آخر السنة ولو كان شئ من النفط أو الفحم أو ورقا من الكاغذ، وكان على مقامات التشريع التنبيه ولو بالنسبة إلى بعض الأفراد، لعدم كفاية الأطلاق في ذلك.


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 67. (2) المستمسك: ج 9 ص 542.

[ 242 ]

[ المؤونة في الصورتين، وإن كان الربح زائدا على المؤونة فربما يكون المدخر من الربح وربما لا يكون وإن كان الربح الفاضل بذلك المقدار أيضا، فلا ينحصر في ما في البيت بل لا بد له من أداء خمس مجموع الربح *. المسألة السادسة عشر: لو وهب المال أو اشترى بغبن في أثناء الحول حيلة ففي الجواهر (1): إنه لا يسقط الخمس * *. والظاهر أنه لو كان الانتقال جائزا وكان بداعي الرجوع بعد انقضاء الحول أو كان لازما ولكن كان العهد الخارجي على ذلك فلا يعد من ] * فما في بعض التعاليق على العروة - كتعليق السيد الاستاذ الحجة الكوه كمري قدس سره - من تقييد ما في العروة (1) بالأرباح غير رافع لجميع الأشكالات وإن كان تقل به الأشكالات، بل لا بد من التقييد بكونه من أرباح تلك السنة بعد وضع المؤونة، فتأمل. ثم لا يخفى أن ذلك الفرض بالخصوص ليس موردا لتعرض الأصحاب غالبا، والتعرض له في الجواهر (3) ليس المقصود به وجوب الخمس في ذلك مطلقا، بل المقصود بحسب الظاهر: عدم عد (ما يصرف عينه) من المؤونة بصرف البيع والادخار، وهو كذلك بلا إشكال، فعدم الخلاف الذي في المستمسك (4) ناظر إلى ذلك، ولعل تطبيق عدم كونه من المؤونة على إطلاق الحكم بأداء الخمس غفلة منه قدس سره أو كان الأطلاق غير مقصود، فتأمل. * * وكذا في العروة (5).


(1) ج 16 ص 63. (2) كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 67. (3) ج 16 ص 63. (4) ج 9 ص 542. (5) كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 72.

[ 243 ]

[ المؤونة *. وأما لو كان بداعي عدم الرجوع ولم يكن إسرافا في العرف فالظاهر عده من المؤونة. ولا دخل لقصد الحيلة في عدم كونها منها، فلو كانت الحيلة في الفرار عن الخمس دخيلة في ذلك أو كانت تامة الدخالة فلا إشكال في سقوط الخمس * *. ] * لعدم الصرف أو لانصراف المؤونة عن ذلك الصرف الصوري الذي يرجع إليه بعد ذلك، مع أن الشك في الصدق كاف في ثبوت الخمس، إذ موضوعه حدوث الربح وقد حدث ذلك، مع أن مقتضى الاستصحاب المعلق بحلول الحول هو وجوب الخمس، بل هو مقتضى الاستصحاب الفعلي أيضا بناء على ثبوت الخمس في مطلق الربح - حتى في ما يقابل المؤونة أو ما يصرف بنفسه فيها - وبالصرف في المؤونة يسقط الخمس، وربما يجئ الكلام في ذلك وأنه هل الخمس في الربح الحادث بعد انقضاء العام - كما عن بعض قدماء الأصحاب - أو يتعلق به في أول العام لكن بالنسبة إلى ما لا يصرف في المؤونة بنحو الشرط المتأخر، أو يتعلق به فعلا مطلقا ويسقط بالصرف فيها؟ فيه وجوه. * * فإن قصد الفرار عن الحرام إلى الحلال ليس مما يكون في نفسه مضرا بالمقصود وموجبا لأن لا يكون صحيحا بعد ورود ذلك في الزكاة وفتوى المشهور به، مع أنه في الزكاة يكون فراره سهلا جدا وميسورا للكل وموجبا لفرار الكل مثلا عن إعطاء زكاة النقدين بالتبديل، فإذا كان الفرار جائزا في مثل الزكاة ففي مورد البحث مع قيد عدم الأسراف وصدق المؤونة والأعطاء الجزمي من دون قصد الرجوع يكون أولى. فمن وهب ماله الذي فيه الربح لابنه فرارا عن الخمس - بمعنى أنه لو لم يكن ذلك كان يترك له حتى يرثه - فالظاهر هو السقوط. ومثل ذلك ما لو اشترى فرشا لذلك ولولا الفرار من الخمس كان يدع النقد بحاله. وأولى بذلك ما لو كان الفرار والحيلة دخيلا في المعاملة المحاباتية.

[ 244 ]

[ المسألة السابعة عشر: لو كان عنده مال آخر غير الربح ففي إخراج المؤونة منه أو من الربح أو منهما بالنسبة، وجوه *. ] * في الجواهر: أحوطها الأول وأقواها الثاني وأعدلها الأخير (1). فلو كان ربحه مأتي دينار وكان المال الاخر الموروث مثلا ثلاثمائة وكانت المؤونة مائة، فعلى الأول لا بد من إعطاء خمس تمام الربح وهو مأتان فيكون خمسه أربعين، وعلى الثاني يكون الخمس الواجب عليه عشرين، لأن الربح المستثنى منه المؤونة مائة، وعلى الثالث يرد الكسر على مجموع المال، ونسبة الكسر إلى المجموع نسبة الخمس، فالخمس يكسر من مجموع المال فيكسر من ثلاثمائة ستون ومن المأتين أربعون، فيكون متعلق الخمس من الربح مائة وستين فيكون الخمس اثنين وثلاثين. ولا يخفى أن الثاني هو الذي قواه في الجواهر ونقله عن الكفاية والحدائق وظاهر الروضة (2). وفي المستمسك أنه: حكي عن المحقق الثاني [ كما في المستند ] والمدارك والكفاية والذخيرة وشارح المفاتيح، وجعله أصح الأقوال في كشف الغطاء، وقواه الشيخ الأنصاري قدس سره (3). وهو الظاهر من روايات استثناء المؤونة، إذ قول أبي جعفر عليه السلام في مثل صحيح البزنطي - حيث كتب إليه الخمس اخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ -: (بعد المؤونة) (4) لا يكون متعلقا بالربح حتى يكون متعلق الخمس هو الربح الباقي


(1) الجواهر: ج 16 ص 63. (2) الجواهر: ج 16 ص 63. (3) المستمسك: ج 9 ص 540. (4) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 245 ]

[ أقواها الاستثناء من الربح بالخصوص *. ] بعد صرف المؤونة، المستلزم لوجود الخمس في جميع الربح إذا صرف مؤونته من مال آخر أو من مجموع رأس المال والربح ولكن كان الباقي بمقدار الربح، إذ هو خلاف الظاهر قطعا، إذ من المعلوم: أن الظاهر تعلق كل ظرف وقيد بالنسبة، لا بالموضوع أو المحمول، خصوصا مع عدم التصريح بالموضوع في القضية. مضافا إلى عدم إمكان ذلك بالنسبة إلى مثل الرواية الصحيحة لإبراهيم بن محمد الواردة في ربح الضيعة (1)، فإن بقاء مقدار الربح بعد المؤونة بالنسبة إلى أرباب الضيا واضح، وكذا بالنسبة إلى رواية النيشابوري الواردة في الأكرار من الحنطة العائدة من الضيعة (2). ولا يناسب ذلك إطلاق المؤونة بالنسبة إلى مؤونة الربح، فإنه يستثنى منه ولو كان من مال آخر قطعا، لعدم صدق الربح، واللفظ أو السياق واحد. ومن ذلك كله يظهر أنه ليست البعدية هي البعدية الزمانية من دون الاستثناء أصلا، إذ لازمه تعلق الخمس بجميع الربح ولو كان جميعه مصروفا في المؤونة، مع أنه لا تناسب بين تعلق الخمس وكونه بعد صرف المؤونة خارجا من دون دخالة الصرف المذكور في كيفية تعلق الخمس كما هو واضح، فلم يبق إلا كون المراد من البعدية هو الاستثناء في مقام تعلق الخمس، وليس المستثنى منه شئ غير الربح، إذ ليس ما هو المتصور في تلك القضية التي موضوعها الربح ومحمولها الخمس إلا الربح، وملاحظة متعلق الربح من الضيعة وغيرها غير مضر قطعا، لوضوح عدم تعلق الاستثناء بمتعلق الموضوع لا بنفس الموضوع مع كون الخمس متعلقا بالربح لا بالضيعة، فبناء على ذلك تعلق الاستثناء بالربح واضح جدا. * كما تقدم (3) أنه الذي قواه في الجواهر وفي رسالة الشيخ الأنصاري،


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 348 ح 2. (3) في الصفحة السابقة.

[ 246 ]

[ ثم إنه هل الاستثناء من الربح بمعنى الصرف منه، فللمالك أن يصرف الربح في المؤونة فإن صرفه فيها فبقي شئ من الربح يتعلق به الخمس، أو بمعنى أن له حق الاحتساب منه، أو تستثنى المؤونة ولو صرفت من مال آخر من الربح قهرا فيتعلق الخمس بغير ما صرف من المال في المؤونة، سواء كان من الربح أو غيره؟ وجوه *. ] ونقل عن غير واحد من الأصحاب قدس سرهم، بل في الجواهر: إنه الظاهر من معاقد الأجماعات (1). وفي المستند: إن عدم الاستثناء مما ليس من شأنه أن يوضع منه المؤونة إجماعي، كالضياع وآلات الصناعة ورأس المال (2). فمحل الكلام - بناء على ذلك - مثل الأرث والربح الباقي من السنة السابقة الذي لم يتخذه لرأس المال، وقد عرفت أنه المشهور عند من تعرض للمسألة. والوجه فيه: ما تقدم في التعليق المتقدم، وهو الظهور القطعي في دليل استثناء المؤونة على كون الاستثناء مما فيه الخمس، وهو الربح بلا إشكال. * فالأول هو الذي يظهر من الشيخ الأنصاري قدس سره في رسالته في الخمس، قال قدس سره: ولو تبرع متبرع بمؤونته فالظاهر عدم وضع مقدار المؤونة من الربح - إلى أن قال: - وكذا لو اختار المؤونة من مال آخر فليس له الأندار من الربح، وما تقدم ليس إلا بمعنى جواز الأخراج من الربح، لا استثناء مقابل


(1) المصدر: ص 348 ح 2. (2) في الصفحة السابقة.

[ 247 ]

[ أقواها الأخير *. ] المؤونة منه وإن أخرجها من غيره (1). انتهى ملخصا. وفي تعليق بعض علماء العصر على العروة التصريح بالصرف وأن المقصود من الأخراج من الربح هو الصرف منه. وأما الثاني فهو الذي يظهر من الجواهر (2) حيث عبر في أثناء كلامه بالاحتساب وحيث علل عدم الاحتساب - في الفروع الاتية المفروض فيها عدم الصرف من الربح - بعدم صدق المؤونة من باب عدم الاحتياج، الظاهر في أنه لو صدق عنوان المؤونة لكانت مخرجة من الربح. وعبارته في نجاة العباد صريحة في ذلك، قال قدس سره: ولا بأس باحتساب مقدار ما وقع منه من المؤون قبل حصول الربح منه بعد حصوله (3). وتبعه صاحب العروة حيث قال: إذا استقرض من ابتداء سنته لمؤونته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره من الربح (4). وأما الثالث فهو الذي يستفاد من تعليق السيد الفقيه البروجردي قدس سره على العروة (5). * والوجه فيه - بعد تحقيق أن المؤونة المستثناة هي أعم مما يصرف من الربح أو غيره - هو الأطلاق من حيث الاحتساب وعدمه. نعم، يمكن أن يقال: إن


(1) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 206 - 207. (2) ج 16 ص 64. (3) نجاة العباد: ج 2 ص 90. (4) العروة: كتاب الخمس، الفصل الاول، المسألة 66. (5) في المسألة 71 من الفصل الأول من كتاب الخمس.

[ 248 ]

[ المسألة الثامنة عشر: يمكن أن يقال بعدم استثناء المؤونة التي لم يصرفها من ماله، كالذي يتبرع به له، أو ينفق عليه للوجوب على المنفق - كالزوج بالنسبة إلى الزوجة - والدار التي يرثها من مورثه *. ] الاستثناء تحليل، فحينئذ يمكن الأداء من باب الخمس ولو بعد الاحتساب. وهو أيضا خلاف الأطلاق، لأن مقتضى إطلاق كون الخمس بعد المؤونة مطلقا وإلى الأبد: عدم احتياج ذلك إلى التحليل. * قال قدس سره في الجواهر: إنه لا يستثنى من الربح ما كان عنده من دار أو عبد أو غيرهما مما ليس فيه الخمس، لظهور المؤونة في الاحتياج، فمع فرض الاستثناء والاكتفاء به لا يحتسب من المؤونة حتى يستثنى من الربح، بل يتجه ذلك في ما يتبرع به وما ينفق لوجوبه، كما أن المتجه ذلك بالنسبة إلى ما أخذه للقنية في السنة الماضية وبقي إلى السنة اللاحقة فلا يستثنى من مؤونة السنة اللاحقة (1) انتهى محررا وملخصا. أقول: في ما ذكره قدس سره نظر من وجوه: الأول: أن التعليل بعدم الاحتياج ضعيف، لأن الاحتياج غير دخيل في المؤونة، بل الملاك هو الصرف غير المحرم الذي لا يكون إسرافا. الثاني: أنه على فرض دخالة الاحتياج في صدق المؤونة فالاحتياج إلى الدار المبحوث كونها من المؤونة حاصل مع قطع النظر عن التحقق، وبعد فرض الحصول فوصف عدم الاحتياج ثابت في أكثر المؤونات.


(1) الجواهر: ج 16 ص 64.

[ 249 ]

[ المسألة التاسعة عشر: لو اشترى في سنة ما يتخذ للقنية - كالدار 4 والفرش - واستثنى من ربحها فبقي إلى السنة الاخرى فلا يستثنى من ربحها *. وأما إذا لم يكن له ربح في السنة الاولى فاشتراه من إرث أبيه أو من رأس ماله وحصل له الربح في السنة اللاحقة فهل له الاحتساب والاستثناء من ربحها أم لا؟ فيه وجهان، لعل الثاني منهما أرجح * *. ] الثالث: أنه لا فرق في ما ذكره بين كون مثل العبد والدار عنده أو واصلا إليه في سنة الربح. الرابع: أنه لا دخالة لوصف عدم الخمس. فالأولى التعليل بظهور المؤونة في الصرف من كيسه، وبذلك يخرج التبرع والأنفاق من عنوان المؤونة. فالوجه في المسألة: توقف صدق المؤونة على أن يخرج ما يصرف في المؤونة من ملك الرابح، فافهم وتأمل. * فإنه بعد الاستثناء من الربح لا يستثنى ثانيا من الربح، فإن المؤونة المستثناة من الربح هي التي لم تخرج منه، مضافا إلى أن الاستثناء من الربح بحكم تأمين المؤونة عرفا، فلو فرض أنه من مؤونة السنة اللاحقة أيضا لكنه قد تدوركت بالاستثناء من الربح السابق فهو بمنزلة التبرع بربحه. * * وجه الاحتساب أن مثل الدار بتمامه مؤونة لجميع السنين فكما أنها بتمامها مؤونة للسنة السابقة فهي أيضا مؤونة بتمامها للسنة اللاحقة، للاحتياج إليه والصرف، فإنه صرف في مورد الاحتياج بالنسبة الى السنتين. ولو كان الاشتراء في السنة السابقة موجبا لكونه من مؤونتها دون مؤونة السنة اللاحقة فلا بد أن يكون كذلك بالنسبة إلى مثل المأكولات مع أن ما بقي من المأكول يعد من مؤونة

[ 250 ]

[ نعم، لو تلف ذلك فاشترى بدله يستثنى ذلك من ربح تلك السنة *. ] السنة اللاحقة من دون شبهة على ما يظهر من كلماتهم. وكذلك لا بد أن يكون من السابقة في ما لو اشترى الدار للسنة اللاحقة - بأن لم يكن محتاجا إليها في السنة الاولى - مع أنه لا شبهة أنه من مؤونة السنة اللاحقة. وقد مر ترجيح ذلك الوجه (1). وأما وجه عدم الاحتساب فمن جهة قوة دخالة الأخراج من رأس المال والصرف في حوائجه في المؤونة، ومجموع الأمرين متحقق في السنة الاولى، وأما الثانية فلم يحصل الأخراج والصرف فيها، وإنما الحاصل فيها بقاء الصرف، فلو كان البقاء في الصرف ملاكا لصدق المؤونة لزم الحكم بعدم تعلق الخمس في سنين متمادية بأرباح من اشترى ما يحتاج إليه من الدار والفرش والخادم والمركب من إرث أبيه، وهو مما يأبى عنه العرف جدا. والفرق بينه وبين بقاء المأكولات: عدم الصرف فيها إلا بالنسبة إلى ما سبق، وأما بالنسبة إلى الدار فالسكنى في البيت مثلا أمر واحد مستمر عند العرف قد حصل في السنة الاولى، فالدار بتمامها مصروفة في السنة الاولى، وهي باقية على حالها الاولى في السنين اللاحقة، كما أن الفرق بينه وبين اشتراء الدار من دون الصرف في حاجته واضح أيضا، فإن الملاك في المؤونة ليس صرف إخراج المال من رأس ماله وجعله لمصرفه، بل لا بد من الصرف في مصرفه لا محالة، ومن هنا يتضح قوة الوجه الثاني، فلا بد من القول في مسألة الدين المتقدمة بكون الأداء من المؤونة، لا نفس الدين. * كما في الجواهر (2)، وهو واضح بناء على أن ما يتخذ للاقتناء يعد من المؤونة كما هو المفروض، فإن المفروض أن مبدله كان من المؤونة.


(1) في ص 230 - 231. (2) ج 16 ص 64.

[ 251 ]

[ وأما لو بدله بشئ آخر من دون واسطة أو مع الواسطة ففي الجواهر (1) أن المتجه هو الاحتساب من المؤونة. وفي إطلاقه إشكال *، بل يمكن أن يقال بعدم الاحتساب * *. ] وفي ذلك إشكال اشير إليه في الجواهر (2) يأتي بيانه وبيان ما يمكن به حله إن شاء الله تعالى. ولا فرق في ذلك بين كون التالف من الربح أو من رأس المال أو من الأرث مثلا كما هو واضح. * وذلك لأن المفروض صرف ثمن ما كان مؤونة في المؤونة أيضا وليس بصرف جديد، لا سيما إذا بدل مثلا فرشه بثمن ثم ابتاعه ثانيا بذلك أو بدل فرشه بفرش آخر مثله، لا سيما إذا كان ذلك مستثنى من الربح في السنة المتقدمة أو كان من ربحها. والظاهر أنه كذلك أيضا إذا بدل فرشه بالبيت أو بالعكس للخروج من الربح أو لغرض آخر. وأما لو باع فرشه الموروث مثلا أو غير المستثنى من الربح واشترى بذلك دارا للاحتياج - لا لغرض الأخراج من الربح - فيمكن القول بأنه صرف في المؤونة فيستثنى من ربح تلك السنة. لكن الأنصاف أنه مشكل أيضا بمقتضى إطلاق الخمس والشك في صدق المؤونة من جهة الشك في أنه إخراج جديد، بل لعل الأصح عدم صدق تعلق مؤونة جديدة في تلك السنة بالنسبة إليه. * * لأنه ليس إخراجا جديدا حتى يصدق عليه أنه مؤونة تلك السنة. وفي بعض مصاديق المسألة وجه آخر يوجب وضوح عدم الاحتساب من


(1 و 2) ج 16 ص 64.

[ 252 ]

[ المسألة العشرون: لو باع داره التي اشتراها في السنين السابقة وقبض ثمنها فلم يشتربه دارا أو مؤونة اخرى في سنة البيع وكان ذلك من ربحه ففي تعلق الخمس به وعدمه وجهان *. ] الربح فيه، وهو ما إذا كان الأصل من الربح أو مستثنى من الربح، فمقتضى الاحتساب من الربح ثانيا هو الاستثناء من الربح مكررا، ومقتضى ذلك: الفرار من الخمس بتا، فإن من له ربح في كل سنة زائدا عن مؤونته بمقدار ألف فاشترى فرشا في السنة الاولى بذلك المقدار ثم باعه في السنة ثانيا فاشتراه أيضا بألف وكذا في السنين التالية فلا خمس عليه مع أنه استربح في كل سنة ألفا ولم يصرف في المؤونة في جميع السنين إلا ألفا. * أما وجه تعلق الخمس فمن جهة أنه ربح وليس مصروفا في المؤونة فعلا، وأولى بذلك ما إذا كان ذلك في السنة الاولى، فإنه ربح غير مصروف فعلا في مؤونة السنة. ورد ذلك بأن الاستثناء من المؤونة في السنة الاولى من دليل الخمس كاف في الأخراج من عموم الخمس، بناء على ما حققه الشيخ الأنصاري قدس سره من أن إخراج فرد من العام في زمان موجب للخروج من العام إلا إذا كان العموم أزمانيا، كما في أكرم العلماء كل يوم. لكنه مدفوع أولا: بعدم صحة المبنى، من جهة أنه مبني على الخلط بين مقام الجد والاستعمال، فإنه لا فرق في بقاء الظهور والتصرف في الجد في جميع الموارد بين العموم الأفرادي والعموم الأزماني والأطلاق الأزماني الثابت بمقدمات الحكمة أو بمفاد الأطلاق أو الدوام في إخراج المتيقن من دائرة الحجية والحكم بالتطابق بين الجد والاستعمال بالنسبة إلى المشكوك. وثانيا: على فرض صحة المبنى لا ينطبق على ما نحن فيه، لوجود العموم

[ 253 ]

[... ] الأزماني وهو ما ورد في مكاتبة علي بن مهزيار المعتبرة: (وأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام) (1)، فإذا خرج في عام من دليل الخمس فلا وجه للخروج منه في عام آخر. وثالثا: لا يستقيم في سنة الربح، فلا يصح القول بعدم الخمس مطلقا ولو خرج من المؤونة في عام حصول الربح، وذلك لعدم وقوع التخصيص أصلا، من جهة أن الخارج هو مؤونة السنة، وهي التي جعلها لمصارفه إلى آخر السنة وهي التي تزاحم الخمس فتكون موردا للاستثناء. ورابعا: يمكن القول بأنه بعد البيع يكشف عن عدم كون مبدله مؤونة من أول الأمر، لأن صدقها بملاك الصرف فيكون بمنزلة الأكل والشرب في المأكول والمشروب، وذلك غير معلوم الصدق إلا بالنسبة إلى من يجعل لمصارفه إلى أن يتلف أو يهلك هو بنفسه بحسب عزمه وبحسب الخارج، فإذا لم يكن عزمه ذلك - كمن يشتري الدار للسكنى والتكسب بربحها أيضا بالبيع والشراء - أو كان عزمه السكونة الدائمية إلا أنه باعها بعد ذلك فصدق المؤونة من أول الأمر مشكوك، فالاستثناء من دليل الخمس غير معلوم من أول الأمر. وأما وجه عدم تعلق الخمس فهو أن يقال: إن الموضوع في الاستثناء هو أعم مما هو مؤونة بالفعل أو ما مضى كونه مؤونة، كيف؟ ولولا ذلك لكان اللازم عدم الاستثناء في السنة الاولى حتى بالنسبة إلى مثل المأكول، فإنه بعد الصرف والأكل ليس هو بمؤونة بالفعل، إذ لا يحتاج إليه فعلا بل كان موردا للاحتياج وقد صرف في مورده، فلا بد من أداء خمسه، وليس الموضوع للخمس الربح الموجود فعلا، ولذا لا يسقط الخمس بالأتلاف كما سبق، فلو كان مورد الاستثناء ما هو مؤونة


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 254 ]

[ ويمكن أن يقال: إن الأحوط الأقوى هو الأول *. ومثله ما إذا لم يكن من الربح بأن كان ذلك في السنة الاولى من الأرث ] بالفعل في ما حدث من الربح فاللازم أداء خمسه، وهو مخالف للدليل قطعا، فالموضوع ما يكون مؤونة أو صرف فيها ومضى ولو لم يكن متصفا بكونه مؤونة بالفعل، فإن فرض كون الدار مؤونة له في العام الماضي ففي العام اللاحق يصدق أنها كانت مؤونة سابقا، وهي داخلة في مورد الاستثناء. فلم يبق إلا إشكال عدم كون مثلها مؤونة حتى في العام الماضي، من جهة أن الاستغناء عنه بتبديله بشئ آخر من النقود وغيرها - كما في محل البحث - أو الاستغناء عن عينه (كما في مثل حلي النسوان بعد البلوغ إلى سن الكهولة) يكشف عن عدم الصرف المقوم لصدق المؤونة. ويمكن الجواب عنه بأنه بعد كون حكم الخمس هو الوجوب في كل عام - كما في مكاتبة ابن مهزيار - ففي كل عام كأنه لم يجعل الخمس إلا بالنسبة الى ذلك العام، فالمؤونة الملحوظة في كل سنة إنما يلاحظ صدقها بالنسبة إلى تلك السنة، فلا بد أن يقال بأنه صرف وأغمض عنه في تلك السنة، وهو كاف في صدق مؤونة تلك السنة وبلحاظ الأضافة إلى ذلك، وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى في الفرع الاتي. هذا، لكن مع ذلك فيه إشكال يأتي في التعليق الاتي. * من جهة أنه وإن كان الموضوع هو الأعم من المؤونة الفعلية وما مضى عنه الصرف إلا أن الظاهر تقومه بالصرف أو مضيه ولو في السنة السابقة بقول مطلق، لا ما يشمل ما صدق عليه الصرف إذا لوحظ بالنسبة إلى السنة الاولى مثلا، والصرف في الماضي غير عدم صدق الصرف إلا إذا لوحظ بالنسبة إلى ما مضى، فالظاهر تعلق الخمس ولو كان الاستغناء حاصلا في السنة اللاحقة.

[ 255 ]

[ أو من رأس المال، بأن كان قبل حصول الربح ولكن استثنى من الربح فيها بعد حصوله فباعه في السنة اللاحقة فإنه عليه الخمس *، إلا أن الخمس في الأول متعلق بنفس ذلك المال لأنه ربح، وبالنسبة إلى الثاني متعلق بالربح لا بذلك، ولا فرق بينهما في مقام إعطاء القيمة، والفرق يظهر في جواز التصرف فيجوز التصرف فيه في الثاني دون الأول * *. وأما إذا لم يكن ما ابتاعه - من مثل الدار - من الربح ولا مستثنى منه (كأن لم يكن له ربح في سنة الابتياع أو كان ولكن كانت بمقداره مؤونة ] * لوحدة الملاك، وهو أن الموضوع هو الربح الحادث ولو لم يكن موجودا بالفعل إذا لم يكن بنفسه أو ببدله مصروفا فعلا أو في ما مضى في المؤونة، فلا بد من إعطاء خمس ذلك إذا كان من الربح وإعطاء خمس الربح في تلك الصورة، والظاهر عدم الفرق بينهما في مقام إعطاء القيمة بعدما كان ارتفاع القيمة محسوبا من الربح وتنزله موجبا لسقوط الخمس كما تقدم في مسألة تلف الربح أو رأس المال، فتأمل. * * لأنه نفس المال الذي يكون المفروض كونه ربحا ولو كان بدلا عنه ولا يخرج عن كونه ربحا بالتبديل بمال آخر، فإن عنوانه متقوم بأصل المالية لا بالشخص، والمفروض عدم كون مصداق الربح في السنة الماضية متعلقا للخمس، لصرفه في مؤونة سنته، فكان الأصل ربحا. هذا في الأول. وأما في الثاني فالمفروض أنه غير الربح، وصرف استثناء الربح من الخمس بمقدار ذلك المصروف لا يوجب أن يكون ربحا. والفرق بين الاعتبارين يظهر في جواز التصرف في تمام المال، فإنه لا يجوز التصرف فيه في الأول إلا على النحو الذي يجئ إن شاء الله تعالى، ويجوز التصرف في الصورة الثانية في جميع المال المورد للبحث، فإن الواجب إعطاء خمس الربح فإن كان موجودا تعلق به وإن كان تالفا تعلق بالذمة.

[ 256 ]

[ مصروفة من المأكولات وغيرها) فلا خمس فيه *. وأما لو كان مخلوطا منهما فيلحق كل منهما حكمه * *. ثم إن المقصود من تعلق الخمس في الصور الثلاثة من كون الجميع من الربح أو مستثنى منه أو مخلوطا: احتسابه من ربح تلك السنة، فيتعلق به الخمس على فرض الزيادة من مؤونة السنة * * *. ومما ذكرنا يظهر حكم ما خرج من كونه مؤونة مع بقاء عينه، كحلي النسوان بعد البلوغ إلى الكهولة * * * *. ] * لعدم كونه من الربح ولا مستثنى منه حتى يكون الاستثناء موقتا وكان بالنسبة إلى السنة الاولى، فلا وجه لتعلق الخمس به. هذا في ما إذا لم يكن له ربح أصلا، وأما إذا كان ربحه بمقدار قوته مثلا ففي السنة اللاحقة ليس له ربح لم يصرف معادله في المؤونة، كما هو واضح. * * فلو ربح عشرة مثلا فابتاع الدار بعشرين، فالمستثنى من الربح نصف الدار ففيه الخمس في السنة اللاحقة، بخلاف النصف الاخر ففي ثمنه الخمس على ما عرفت تفصيله. * * * وذلك لما قلنا من أن الدار كانت مؤونة للسنة الماضية فتستثني من ربحه، لكنه لا تستثنى من ربح السنة اللاحقة، لعدم كونها مصروفة في مؤونته ولعدم مضي الصرف المطلق - كما مر بيانه - فهي كسائر الأرباح الموجودة في السنة اللاحقة، فلا يتعلق بها الخمس إلا إذا كانت زائدة عن مؤونة تلك السنة، لا أنه يتعلق بها الخمس على كل تقدير، ولا بمعنى كون الخمس في الربح السابق فيستثنى مؤونة السنة الماضية، لأنه مبني على عدم صدق الصرف بالنسبة إلى السنة الماضية، وقد مر أن الأصح هو صدقه إذا لوحظ بالنسبة إلى ذلك، كما أنه مقتضى العام الاستغراقي المنحل إلى أفراد مستقلة. * * * * إذ لا فرق على الظاهر في الخروج من المؤونة بين أن يكون ذلك

[ 257 ]

[ ويظهر أيضا حكم ما خرج منه ثم صار مؤونة في السنة اللاحقة وأنه لا خمس فيه على الظاهر *. المسألة الحادية والعشرون: الظاهر أنه لا يشترط في صدق المؤونة الصرف بمعنى الأكل، فاشتراء الدار والفروش للاقتناء يعد من المؤونة * *. ] بالتبديل بالثمن - كما هو مفروض المسألة - أو كانت العين باقية وحصل الاستغناء عنه. * وهذا مبني على صدق المؤونة بلحاظ تحقق الصرف في المؤونة إذا لوحظ بالنسبة إلى كل من العامين، وأما إذا بني على أنه لا يصدق الصرف أصلا بالنسبة إلى ما تبقى عينه - كما يجئ إن شاء الله بيانه - أو لا يصدق إذا خرج بعد ذلك من المؤونة ولو كان عازما على الاستعمال فيها أبدا أو إذا لم يكن عازما عليه فيشكل الحكم، لكن الظاهر هو الصدق العرفي، وهو العالم ويجئ إن شاء الله. * * وهو الذي قواه في العروة (1) والتعاليق الستة عشر التي عندنا عليه، وقواه في نجاة العباد (2)، وحكى في المستمسك (3) عن المستند وعنه عن بعض معاصريه، وفي الجواهر - في أوائل بحث المؤونة - عن المسالك والروضة والمدارك والرياض وكشف الغطاء عدهم من المؤونة الدابة والأمة والثوب ونحوها، وفي بعضها التصريح بدار السكنى والكتب والظروف والأسباب والغلمان وغير ذلك (4). ومن ذلك كله يظهر أن ذلك كالمتسالم عندهم، إلا أن في الجواهر في آخر


(1) في المسألة 67 من الفصل الأول من كتاب الخمس. (3) ج 2 ص 87. (3) ج 9 ص 543. (4) الجواهر: ج 16 ص 59 - 60.

[ 258 ]

[... ] بحث المؤونة ما هذا لفظه: قد يقال: إن ظاهر تقييد المؤونة في السنة يقتضي وجوب إخراج خمس ما زاد منها عليها، من غير فرق بين المأكل وغيره من ملبس أو فرش أو أواني أو غير ذلك إلا المناكح والمساكن... - كما ستسمع الكلام فيهما - دون غيرهما، لأطلاق أدلة الخمس المقتصر في تقييدها على المتيقن، وهو مؤونة السنة (1). انتهى ملخصا. أقول: منشأ الأشكال هو عدم صدق المؤونة بصرف الاحتياج والتصرف وإلا كان رأس المال منها، بل احتمال أن يكون الملاك فيه هو الصرف - وهو الأعدام لأجل نفسه - ولو بالأخراج من ملكه، والفرش الذي اشتراه للجلوس عليه موجود بعد السنة وغير مصروف فيه. وربما يومئ إلى ذلك ما في خبر النيشابوري من قوله عليه السلام: (لي منه الخمس مما يفضل من مؤونته) (2) فالملاك أن يفضل من مؤونته، فمتعلق الخمس: الفاضل من مؤونته، والمستثنى منه هو غير الفاضل منها، وهذا داخل في الأول دون الثاني. ومنه يعلم أن ما في كلام الجواهر من أن (منشأ الأشكال تقييد المؤونة بالسنة) لا يخلو عن خلط، فإن منشأه كون المستثنى ما لا يفضل من المؤونة ولو لم يكن مقيدا بالسنة، فلو كان متعلق الخمس الفاضل من مؤونة العمر لكان مقتضى الأشكال المذكور وجوب الخمس في ما يفضل منه. نعم، مقتضى التقييد بمؤونة


(1) الجواهر: ج 16 ص 64. (2) الوسائل ج 6 ص 348 ح 2 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 259 ]

[... ] السنة: عدم جواز التأخير عنها. وعمدة الوجه في الجواب: دعوى صدق الصرف باعتبار الغض عنه للصرف في مصارفه وعدم جعله موردا للاسترباح ولو في سنته، فهو كالمأكول. والذي يمكن أن يوضح ذلك امور: منها: أن الظاهر أن مؤونة الشخص على وزان مؤونة الضيعة، ولا ريب أن تخصيص مؤونة الضيعة بما لا يبقى منه بعد السنة أو بعد ذلك بعيد، فإن مثل غرس الأشجار وتعمير القنوات واشتراء المسحاة والبقر كل ذلك مما يبقى بعد استيفاء الربح. وإخراج ذلك من مؤونة الضيعة الوارد في مكاتبة إبراهيم (1) ومن قوله (بسبب عمارة الضيعة) الوارد في خبر النيشابوري (2) - خصوصا الثاني من جهة لفظ (العمارة) التي هي أعم من المؤونة من جهة - بعيد جدا بل غير ممكن، لأخراج كثير من الأفراد. وعدم صدق المؤونة بعيد جدا، وعدم صدق تعمير الضيعة أبعد منه. ومنها: صدق المؤونة من دون شبهة على مثل اللباس والنعال، فلا يحتمل أحد بحسب الارتكاز العرفي من قوله عليه السلام في صحيح ابن راشد (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (3) أن ما بقي على جسده من الألبسة العتيقة لا بد من التقويم وأداء الخمس، ولا فرق في الملاك بينه وبين الفرش والدار والأواني. ومنها: استصحاب التحليل الثابت في زمان أمير المؤمنين بل الثابت إلى زمان الصادقين عليهم السلام غير المنافي للأطلاق، لأن إطلاق المالكية لا ينافي التحليل من صاحب الحق، وقد صرح بالتحليل في مكاتبة علي بن مهزيار بالنسبة إلى مورد


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 2 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 260 ]

[... ] البحث بقوله عليه السلام: (ولم اوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة) الحديث (1). ومنها: ما أشرنا إليه سابقا من عدم وضوح إطلاق يقتضي الخمس مطلقا من دون استثناء المؤونة أصلا، لظهور كون تعلقه على حسب الخراجات المأخوذة من الرعية في جميع الحكومات الحقة أو الباطلة، وللزوم الحرج الذي هو بحسب الارتكاز كان مقرونا بسماع الأدلة من معادن الوحي والتشريع، فشمول الأطلاق من أول الأمر غير واضح. وأما قوله عليه السلام (ما يفضل من مؤونته) فجوابه واضح بعد صدق المؤونة، لأن المقصود حينئذ ما يكون فاضلا عما يصدق عليه المؤونة، وما في الخارج وإن كان فاضلا عما صرفه وأخرجه من ملكه لكنه ليس فاضلا من مؤونته. ومما ذكر كله يظهر خلط واضح وقع في بيان الأشكال في المستمسك حيث جعل الأشكال هو الخروج من صدق المؤونة بعد فرض الصدق، وأجاب أولا بأن صدق المؤونة في أول الأمر كاف في عدم شمول العموم له بعد ذلك، وعليه بنى عدم الخمس في صورة طرو الاستغناء في السنة اللاحقة، وثانيا بأن الموضوع للخمس في كل سنة ربح تلك السنة، وذلك لا يكون ربحا للسنة اللاحقة (2). بيان الخلط: أما في الأشكال فلما عرفت من أن الأشكال في الصدق، وأما بعد الصدق والصرف المطلق فالأشكال في الاستثناء من الربح في سنته وبعدها بالنسبة إليه هو الأشكال في المأكول، وقد تقدم تحقيقة، وأما في الجواب الأول فلعدم صحة المبنى، وأما في الثاني فلعدم كون الموضوع في خمس كل


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المستمسك: ج 9 ص 543 - 544.

[ 261 ]

[ المسألة الثانية والعشرون: الظاهر تعلق الخمس أيضا في صورة اشتراء دار السكنى للتكسب بربحه *. السادس: إذا اشترى الذمي أرضا من مسلم وجب فيها الخمس * *. ] سنة ربح سنته. * وذلك لصدق الفائدة وعدم صدق الصرف في المؤونة، فإن المفروض: جعله مكسبا أو الشك ووجود الأطلاق بالنسبة إليه. * * كما في الشرائع (1). وفي الجواهر: عن الغنية الأجماع عليه، وفي المنتهى والتذكرة نسبته إلى علمائنا، وفي الروضة نسبته إلى الشيخ والمتأخرين أجمع، وهو الذي قال به ابنا حمزة وزهرة وأكثر المتأخرين، وعن الشهيد الثاني في فوائد القواعد الميل إلى عدم الخمس مستضعفا لما دل على وجوب الخمس (2). انتهى ملخصا ومحررا. وقال في مصباح الفقيه: وفي المدارك (بعد نقل الخمس بالمعنى المعهود عن الشيخ وأتباعه) قال: وحكى العلامة في المختلف عن كثير من المتقدمين - كابن الجنيد والمفيد وابن أبي عقيل وسلار وأبي الصلاح - أنهم لم يذكروا هذا القسم، وظاهرهم سقوط الخمس، ومال إليه جدي قدس سره، واستضعف الخبر في فوائده، وذكر في الروضة أنه


(1) ج 1 ص 135. (2) الجواهر: ج 16 ص 65.

[ 262 ]

[... ] موثق، وهو غير جيد، فإن سنده في أعلى مراتب الصحة. فالعمل به متعين، لكنه خال عن ذكر متعلق الخمس ومصرفه. وقال بعض العامة: إذا اشترى الذمي من المسلم أرضا وكانت عشرية ضوعف عليه العشر واخذ منه الخمس، ولعل ذلك هو المراد من النص. ثم قال الفقيه الهمداني قدس سره: والأنصاف أن هذا الاحتمال (من جهة عدم الاندراج في الغنائم، واختصاصه بشراء الأرض دون غيرها من الأموال، وكون الحكم مربوطا بالحاكم الاخذ للعشر والخراج) في غاية القوة، وحينئذ يمكن أن يكون الخبر ناظرا إلى ذلك وكانت معروفية الفتوى في عصر الصدور بين العامة مغنية عن إقامة القرينة اللفظية وصارفة للظهور المتراءى فعلا في الصحيح، لكن صرف قوة الاحتمال لجهات خارجية مع عدم العلم باكتناف الكلام بما يصلح للقرينية لا يخرج الكلام عن الحجية، فالحجة قائمة على ما هو المتراءى من ظاهره. (1) انتهى كلامه ملخصا ومحررا. وفي الحدائق ما يظهر منه الميل إلى ذلك، لما نقله عن صاحب المنتقى من


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 132.

[ 263 ]

[... ] معروفية فتوى لزوم الضعف في الأراضي العشرية من مالك في عصر أبي جعفر الباقر عليه السلام، ولأنه مخالف لما دل على أن متعلق الخمس هو الغنائم خاصة لما دل على حصر الخمس في خمسة أشياء (1). ويظهر من تقرير السيد الفقيه البروجردي قدس سره: أن للعامة في ذلك أقوالا، أحدها: ما ذكر من انقلاب العشر إلى عشرين، وهو فتوى أبي يوسف. ثانيها: انقلاب الأرض العشرية إلى الخراجية، وهو فتوى أبي حنيفة. ثالثها: لزوم العشر على الذمي كما كان على المسلم. رابعها: عدم لزوم شئ عليه، وبه قال الشافعي (2). أقول: الأصل في ذلك ما في الوسائل عن الشيخ قدس سره بإسناده عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس) (3). وقال: ورواه الصدوق بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء، ورواه المحقق في المعتبر عن الحسن بن محبوب. وفي المقنعة عن الصادق عليه السلام: قال: (الذمي إذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس) (4).


(1) الحدائق: ج 12 ص 360 - 361. (2) زبدة المقال: ص 59. (3) الوسائل: ج 6 ص 352 ح 1 من ب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) المصدر: ح 2.

[ 264 ]

[... ] وقد عرفت أن في الحديث من حيث السند أقوالا، منها: الاستضعاف كما عن الشهيد قدس سره في فوائده. ومنها: الصحة، وهو المشهور بين المتعرضين له. ومنها أنه في أعلى مراتب الصحة، وهو الذي تقدم نقله عن صاحب المدارك قدس سره. ولعل وجه الاستضعاف: احتمال تعدد إبراهيم، فإن الموثوق في لسان النجاشي: إبراهيم بن عيسى وقيل ابن عثمان أبو أيوب، وفي لسان الكشي: أبو أيوب إبراهيم بن عيسى، وبعضهم قال إبراهيم بن زياد، والموثوق في لسان الشيخ قدس سره: إبراهيم بن عثمان أبو أيوب (1). وحينئذ فيحتمل أن يكون الموثوق الجليل القدر هو إبراهيم بن عيسى، والشيخ قدس سره إنما وثق ما كان مسمى بإبراهيم بن عيسى واقعا وتخيل أنه إبراهيم بن عثمان، ولكن روى عن إبراهيم بن عثمان الذي هو غيره الذي لم يوثق أصلا. ولكنه مردود جدا أولا بما في جامع الرواة عن الشهيد الثاني قدس سره من استظهار وحدة الشخص وكون المسمى بإبراهيم والمكنى بأبي أيوب الخزاز شخصا واحدا (2)، وإنما الاختلاف من حيث الجد أو من حيث الانتساب إلى الأب والجد. وثانيا بأنه يبعد جدا أن يكون إبراهيم المكنى بأبي أيوب الخزاز متعددا. وثالثا بأن المستفاد من عبارة النجاشي: الشهادة بوحدة الرجل وأن إبراهيم بن عيسى هو الذي يقال إبراهيم بن عثمان. ورابعا بأنه على فرض التعدد فقد ورد التوثيق بعنوان إبراهيم بن عثمان في لسان الشيخ والمفيد، فراجع جامع الرواة (3) وغيره. واحتمال الاشتباه كاحتمال الاشتباه في الموارد الاخر. ومنه يظهر صحة السند قطعا. وأما كونه في أعلى مراتب الصحة فلوجوه، منها: كون الناقل هو الحسن بن


(1) جامع الرواة: ج 1 ص 26. (2 و 3) جامع الرواة: ج 1 ص 26.

[ 265 ]

[... ] محبوب. ومنها: كون الناقل عنه أحمد بن محمد الذي هو ابن عيسى على الظاهر. ومنها: اتكاء الشيخ قدس سره ومن بعده عليه وعدم إعراض أحد عنه، فإن عدم ذكر الخمس المذكور لعدم العثور على الصحيح على الظاهر أو للحمل على أنه تقية، أو أنه هو الحكم المطابق لبعض العامة وأنه زكاة تؤخذ من الذمي ويكون قائما مقام العشر المأخوذ من المسلم. ومنها: نقل الصدوق أيضا في الفقيه فهو حجة بينه وبين الله تعالى. فظهر أن ما في المدارك من كونه في أعلى مراتب الصحة لا يخلو من الوجه، فلا إشكال من حيث السند. نعم، يبقى الأشكال من جهة صحة الاستدلال به على الخمس المصطلح، فإن فيه إشكالا من وجهين: أحدهما: وجود بعض الأطلاقات الدالة على أنه لا خمس إلا في الغنائم، كصحيح عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة) (1)، وقريب منه خبر سماعة (2)، وغير واحد من الروايات الدالة على أن الخمس من خمسة أشياء، كخبر حماد: (الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم ومن الغوص والكنوز ومن المعادن والملاحة) (3). وغيره (4)، وفي بعضها (يخرج من أربعة وجوه) (5) بإدخال الملاحة في المعدن على الظاهر، وحينئذ يتعارض الظهوران، ولعل الترجيح لظهور الحصر


(1) الوسائل: ج 6 ص 338 ح 1 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 342 ح 15. (3) المصدر: ص 340 ح 9. (4) المصدر: ص 339 ح 2 و 4، وص 341 ح 11. (5) المصدر: ص 341 ح 12.

[ 266 ]

[... ] بعدما عرفت من وجود القرينة الخارجية على كون المراد من الخمس هو الزكاة وأنه ضعف العشر. وعلى فرض التكافؤ فلا دليل على لزوم الخمس على من يأخذ الأرض منه من المسلمين، فإنه الذي يكون موردا للابتلاء. ويحتمل الحمل على التقية، فلا يكون في البين تكليف أصلا، لا بالنسبة إلى الخمس بالمعنى المصطلح ولا بالنسبة إلى الخمس بمعنى الزكاة. ثانيهما: أنه لم يعين في الدليل مصرف الخمس، ولو كان مجهولا لدى المخاطب لكان يسأل عنه، فهو دليل على معهودية المصرف في مقام التخاطب بين الطرفين، فهو مكتنف بما يدل على المصرف ولو لمناسبات خارجية، والمعهود يدور أمره بين المصرف المعين لخمس الغنائم - لكون الخمس واردا فيها في الاية الشريفة - وبين ما هو ضعف الزكاة لمعهودية الفتوى بذلك من فقهاء العامة في عصر الصدور، كما تقدم. والانصراف إلى خصوص الخمس بالمعنى المعهود ممنوع في غير الغنائم، وليس الخمس كالزكاة من حيث ثبوت الحقيقة الشرعية أو المتشرعية لها، فإنه من الواضح عدم استعمال الزكاة في النمو، وأما الخمس فقد استعمل في معناه الخاص اللغوي من دون تغيير في المستعمل فيه لكن له أحكام وشرائط، وهو غير استعمال كلمة الخمس في غير الخمس اللغوي. هذا، مضافا إلى معهودية أخذ العشر واستعمال العشار وعشر المال وعشر القوم كما في المنجد. فكون الخمس إشارة إلى ما فيه العشر بقرينة الفتوى وبقرينة تناسب الأرض لذلك وبقرينة كون أخذ العشر معهودا متعارفا غير بعيد. والمقصود بيان تكافؤ الاحتمالين مع اتصال الكلام بما يصلح للاحتمالين، فيسقط عن الحجية بالنسبة إلى خصوص أحدهما.

[ 267 ]

[... ] ثم لا يخفى أن مقتضى كل واحد من الوجهين عدم ثبوت الخمس بالمعنى المصطلح، فيجوز للمسلم التصرف في الأرض واشتراء الأرض من الذمي بعد اشترائه من المسلم من باب استصحاب عدم تعلق الخمس برقبة الأرض، إذ بناء على كونه من باب تضعيف الزكاة فلا شبهة في تعلقه بالغلات المستخرجة من الأرض، ولا يعارض باستصحاب عدم تعلقه بالنماء إذا لم يكن ذلك موردا لابتلائه، كما أنه لو كان مورد ابتلاء بعض المسلمين أخذ الغلات والمنافع من دون ابتلاء بالنسبة إلى الأرض كان الحكم كذلك. ومقتضى مجموع الوجهين - أي إجمال الدليل وعموم أدلة حصر الخمس وأنه لا خمس إلا في الغنائم - هو تعين كونه ضعف الزكاة إن لم يحمل على التقية، كما أنه كذلك إذ لا وجه للحمل على التقية بعد عدم التعارض. وصرف الموافقة للعامة لا يوجب الحمل عليها، خصوصا مع أنه أحد الأقوال الأربعة للعامة - كما ذكره في تقرير الفقيه البروجردي قدس سره (1) - فكيف يتقى من بعض ولا يتقى من الاخر، مع أن الظاهر هو الابتداء بالكلام، وهو أيضا يبعد التقية خصوصا إذا كان المخاطب من الشيعة، فلا وجه بحسب الظاهر للحمل على التقية، بل المظنون قويا عدم صدوره تقية، فالأمر يدور بين الخمس بالمعنى المصطلح وبمعنى تضعيف الزكاة. ويمكن دفع الأشكالين والجزم بالخمس بالمعنى المعروف: أما إشكال تعارض دليله لدليل حصر الخمس في الغنائم أو في الخمسة فبأن الظاهر من الغنائم في أصل صدور الروايات خصوصا مع تضمن الصحيح لكلمة (خاصة) وجعلها قسيما لباقي المنافع كالمعدن والكنز والغوص هو غنائم دار


(1) تقدم في ص 263.

[ 268 ]

[... ] الحرب، ولا إشكال عند أئمة الشيعة صلوات الله عليهم أجمعين في عدم الحصر بذلك، فحينئذ لا بد على كل حال من التصرف في ما ذكر بأحد الوجوه: إما بالحمل على التقية، وإما بكونه في مقام بيان عدم تطرق التحليل بالنسبة إلى الغنائم كما يومئ إلى ذلك المكاتبة (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام) (1) الواردة في التحليل بالنسبة إلى بعض موارد الخمس والأيجاب المشروط بالنسبة إلى البعض الاخر، وإما بأن يكون المقصود - ولو على فرض كون المقصود بالغنائم مطلق الفوائد - هو بيان الخمس الواجب على المسلمين، لا ما هو الواجب على الكافر الذي لا فائدة في هذا الحكم بالنسبة إليه، ولا ينبعث حكام الجور من هذا الحكم الذي ذكره في الصحيح لأمثال ابن أبي عمير وعبد الله بن سنان، فالجواب عن المعارض سهل جدا. وأما إشكال الأجمال في نفسه من حيث المصرف فيمكن دفعه بمجموع امور: منها: عدم معهودية استعمال الخمس في ضعفي الزكاة حتى في لسان العامة المشهور أنهم أفتوا بذلك. ومنها: أن الخمس ليس ضعف الزكاة إلا إذا كان هي العشر، وقد يكون نصف العشر، فالضعف حينئذ هو العشر، والاختصاص بما يكون الحق فيه هو العشر لا وجه له بحسب الارتكاز. ومنها: أن منشأ الانصراف أو الاحتمال الموجب للأجمال ليس إلا دعوى اشتهار فتوى مالك - فقيه المدينة - في عصر أبي جعفر عليه السلام، مع أن مقتضى ما في وفيات الأعيان: أن مالكا كان سنه عند وفاته عليه السلام تسعة عشر أو أربعا وعشرين (2)،


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) وفيات الأعيان: ج 3 ص 284 (مالك بن أنس). وهذا مقتضى المقايسة بين سنة ولادة مالك - وهي خمس وتسعون للهجرة أو تسعون - وسنة ارتحال أبي جعفر عليه السلام، وهي أربع عشرة ومائة للهجرة.

[ 269 ]

[ مسألة: هل يختص الحكم بالشراء، أو يشمل مطلق انتقال الأرض بنحو المعاوضة ولو كان بعنوان الصلح، أو مطلق الانتقال الذي له العوض ولو بالاشتراط - فيشملها والهبة المعوضة - أو يشمل مطلق الانتقال ولو بنحو المحاباة والمجانية؟ وجوه *. ] وماله والفتوى في السن المذكور؟! فكيف بالاشتهار! فالظاهر أن احتمال الانصراف من تلك الجهة ضعيف في الغاية، خصوصا مع أن الظاهر أنه ليس أبو عبيدة من الفقهاء المشهورين بين الأصحاب كأمثال زرارة ومحمد بن مسلم، فالمظنون عدم اطلاعه على الفتوى المذكور على تقدير صدورها. ومنها: اشتهار الخمس بالمعنى المذكور بين المسلمين، كيف؟ وقد ورد في القرآن الكريم وفي حديث الفريقين وكان متداولا بينهم في غنائم دار الحرب والركاز - كما في البخاري على ما تقدم في أوائل هذا الكتاب - وهو المستفاد من خبر الأزدي في رجل وجد ركازا في عهد أمير المؤمنين عليه السلام (1)، فإنه وإن لم يكن للخمس حقيقة شرعية كالزكاة إلا أنه مثله في أن المتبادر منه هو ما ورد في الموارد المعينة، والشاهد على ذلك ورود الخمس في موارد عديدة في الأخبار المتعددة المتقدمة أكثرها من دون السؤال عن المصرف ولا التنبيه عليه، وهذا دليل قطعي على التبادر المذكور، فالظهور منعقد قطعا، وليس احتمال الانصراف إلى ضعف الزكاة لقرينة خارجية إلا من مصاديق احتمال وجود القرينة، فليس المقام من احتمال قرينية الموجود قطعا، فله الحمد المتتالي على حل تلك العويصة الفقهية بعونه ومنه وتوفيقه. * أما وجه الأول فهو الجمود على ظاهر لفظ الخبرين المتقدمين (2) المأخوذ


(1) الوسائل: ج 6 ص 346 الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) في ص 263.

[ 270 ]

[... ] فيهما عنوان الاشتراء، فكما لا يجري مثلا خيار المجلس في مطلق معاوضة العين بالمال كذلك هذا الحكم التعبدي الخارج عن عنوان الخمس في الغنائم والأرباح وعن الزكاة وعن الجزية المضروبة على أهل الذمة. وأما وجه التعدي إلى مطلق المعاوضة أمران، أحدهما: إلقاء الخصوصية عند العرف في مقام جعل مال على الذمي إما من جهة التشديد عليه، أو من جهة أخذ المال عنه - كالجزية في قبال تكفل مصالحه - وإما من جهة امتناع المسلمين أن يبيعوا أراضيهم من الذميين، فإن العرف بحسب الارتكاز لا يرى وجها إلا ذلك، ومقتضى جميع ذلك: إلقاء الخصوصية. ثانيهما: دعوى صدق الاشتراء على مطلق تملك المال بالعوض، فإن معنى (اشتريت) في العرف ليس إلا تملكت ذلك بالعوض، ولذا يصح بلفظ التملك، وكون الأنشاء بنفس ذلك المفهوم دخيلا في المعنى خلاف الظاهر قطعا، فليس معنى (اشتريت) أو (تملكت): أوجدت الملكية بالمفهوم، فليس الأيجاد بالمفهوم قيدا للمستعمل فيه. لكنه غير واضح، لاحتمال كون المنشأ - وهو الملكية بنفس العنوان المذكور - دخيلا في الوضع والاستعمال على نحو الحقيقة وإن لم يكن دخيلا في المستعمل فيه، فالعمدة في المقام هو (إلقاء الخصوصية) المورد لاعتبار غير واحد من الأصحاب في هذا الباب، كما في الجواهر عن اللمعة والروضة والبيان وكاشف الغطاء قدس سره، واختاره أيضا بل قال: مقتضى المنقول عنهم غير كاشف الغطاء هو التعدي إلى مطلق الانتقال، لكن أشكل في ذلك (1). ومن ذلك يظهر وجه الثالث أيضا، فإنه بعد إلقاء الخصوصية لا فرق على الظاهر بين جعل شئ عوضا أو كان من قبيل الالتزام في الالتزام المسمى بالهبة


(1) الجواهر: ج 16 ص 66.

[ 271 ]

[ ولعل الأظهر الثالث *. والأحوط هو اشتراط المسلم عليه أداء خمسه * * في عقد المعاوضة وفي ضمن العقد الخارج اللازم في الهبة * * *. مسألة: هل يختص الحكم بأرض المزرع، أو يشمل مطلق ما كان المبيع هو الأرض بعنوانها، أو يشمل مطلق ما كان الأرض هو المبيع ولو ضمنا؟ * * * * ] المعوضة إذا تسلم العوض بل وإذا لم يتسلم، للزوم المعاملة من قبل المسلم. وأما الرابع - وهو التعدي إلى مطلق الانتقال - فوجهه الأولوية، لأنه لو لم يرفق على الكافر مع أدائه العوض فعدم الأرفاق في فرض الانتقال المجاني أولى. لكن فيه: عدم معلومية الملاك فلعله لعدم الأرفاق من جانب المسلم دخل في ذلك، فإنه ربما يمكن تصور عدم المناسبة في عدم إرفاق الشارع في فرض إرفاق صاحب المال، فهو يكون بحكم التصدق مثلا من حيث عدم الرجوع إليها. مع أن ندرة الهبة كافية في الفرق، فإن نوع المعاملات التي يمكن وقوعها بحسب الطبع بين المسلم والذمي هي المعاوضات منها، كما لا يخفى. * لما عرفت من إلقاء الخصوصية التي مر شرحها في التعليق المتقدم. * * وذلك ليحصل بذلك العلم بتأمين غرض المولى على كل حال. * * * يعني إذا كان الانتقال بعنوان الهبة فالأحوط إيجاد عقد آخر مستقل لازم واشتراط الخمس في ضمن ذلك. * * * * في الجواهر عن المعتبر: اختصاصه بأرض المزرع، لكن قال: وفيه تأمل، خصوصا إن أراد إخراج الأرض المتخذة للمسكن أيضا، لظاهر النص والفتوى بل

[ 272 ]

[ ولعل الظاهر هو الأخير *، فلو اشترى الذمي دارا من المسلم لا بد من أداء خمس أرضه. ] صريح جماعة حيث إنهم صرحوا بعدم الفرق (1). انتهى. * وتفصيل الكلام أن تعلق الشراء بالأرض على أنحاء: الأول: أن يكون المتعلق هو أرض الزراعة فيشتري لها. الثاني: أن يكون المتعلق أرضا خالية عن الزرع ولكن يشتريها للزرع. الثالث: أن يكون أرضا مشغولة به ولكن يشتريها لبناء المسكن مثلا. الرابع: أن يكون متعلقه أرضا خالية عنه وعن كل شئ، يشتريها لغير الزرع. الخامس: أن يكون أرضا مشغولة بالبناء ولكن يشتري أرضه ولا يشتري بناءه. السادس: أن يشتري البناء والأرض على نحو التفصيل. السابع: أن يشتري الدار أو الحمام مثلا المشتملتين على البناء والأرض. الثامن: أن يشتري الأرض وشئ آخر منضما إليه في مقام البيع. كل ذلك داخل في إطلاق الحديث ولا وجه لدعوى الانصراف، واختلاف التعبير في العرف بين الأرض والدار إنما هو من جهة الاختلاف بين البعض والمجموع والأجمال والتفصيل، وهذا غير مضر بإطلاق أنه اشترى الأرض. ولا ينبغي الأشكال في صورة تعلق الشراء بنفس الأرض مستقلا أو منضما إلى غيره بنحو التفصيل. والاختصاص بخصوص أرض الزرع - بحيث لا يشمل شراء الأرض البائرة للزراعة أو للمسكن - لا وجه له أصلا، ولعل المقصود إخراج شراء الأرض في ضمن شراء الدار مثلا، حيث إنه ليس مستقلا أولا، وملحوظ بنحو الأجمال


(1) الجواهر: ج 16 ص 66.

[ 273 ]

[ نعم، لعل الظاهر عدم تعلق الخمس بما ينتقل إلى المشتري تبعا من دون كونه متعلقا للبيع، كأمثال الطريق والحريم *. مسألة: إذا اشترى مسلم شئ من الأراضي المفتوحة عنوة أو كان لبعض أصحاب الخمس من جهة تعلق الخمس بها من جهة الغنائم أو قلنا بأن من بيده من المسلمين يملك الأرض تبعا للاثار، ثم اشتراها الذمي من المسلم، فلعل الظاهر ثبوت الخمس في جميع ذلك * *. ] ثانيا، وله صورة وحدانية في الخارج ثالثا، فيدعى أن مجموع ذلك موجب للانصراف. وهو ممنوع جدا. * لعدم صدق الاشتراء بالنسبة إلى مثل ذلك، وإن لم نجد التصريح بذلك في كلمات الأصحاب رضوان الله عليهم. * * والوجه فيه هو الأطلاق. والأشكال فيه بإخراج خمس الأرض قبل ذلك من جهة كونها من الغنائم فلا يتكرر الخمس كما عن الأردبيلي - ولعل وجهه ما ورد في خبر تحف العقول: (والخمس من جميع المال مرة واحدة) (1) - مدفوع بأن المنساق منه أنه ليس مثل الزكاة حتى يكون في كل عام في الربح غير المصروف في المؤونة أو في الغنائم الخمس، وأما إذا تعددت الجهة كالمستخرج من المعدن إذا اتخذه متجرا فربح فيه فالظاهر عموم الدليل، مع أن أخذ الخمس من الغانمين غير أخذ الخمس من الذمي المشتري للأرض، فإن المعدن إذا اخذ خمسه واشتراه الغير وكان ربحا في ماله فعليه الخمس، وهذا مما لا إشكال فيه. كما أن احتمال الانصراف في الملكية الموقتة التابعة للاثار مدفوع أيضا، خصوصا مع عدم تزلزلها من قبل المشتري، فإن له إبقاء الاثار في تلك الأرض


(1) الوسائل: ج 6 ص 341 ح 13 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 274 ]

[ وأما إذا باعها منه ولي المسلمين لبعض مصالحهم ففي تعلق الخمس إشكال *. ومنه يشكل في اشتراء الأرض الموقوفة من متولي الوقف إذا جاز بيعها لبعض المجوزات في الوقف العام * *. ويشكل أيضا تعلق الخمس في ما إذا اشترى الذمي لبعض المصالح العامة التي في نظره، كالأرض المشتراة لبناء السفارات في عصرنا * * *. ] حتى تكون ملكا له دائما. * وجه الأشكال أن الولي لا يبيع من قبل نفسه ولا من قبل جميع المسلمين، بل من قبل المصرف الذي هو مصالح المسلمين - من جهاد الأعداء وتعمير البلدان وتأمين الطرق والمواصلات وغير ذلك - وبهذا الاعتبار لا يصدق أن الذمي اشترى الأرض من مسلم، خلافا لما في الجواهر (1) وظاهر العروة من الجزم بالخمس فيها (2). * * لأنه لم يشترها من المسلم بل اشتراها من مصلحة من المصالح العامة، وأما الوقف الخاص فيصدق فيه الاشتراء من المسلم على ما هو المعروف بينهم من أنه ملك للموقوف عليهم. * * * فإن المشتري من المسلم ليس مما يصدق عليه الذمي الذي هو إنسان كتابي في ذمة الأسلام، بل هو جهة من جهات مصالح الذميين أو مطلق الكفار أو مطلق أهل مملكة واحدة من الكفار والمسلمين، وذلك أيضا غير معنون عندهم على ما وقع عليه النظر.


(1) ج 16 ص 66. (2) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 40.

[ 275 ]

[ ولعل الظاهر عدم تعلق الخمس إذا باعها المسلم من الذمي ولم نقل بمالكيته للأرض أصلا ولو تبعا للاثار *. مسألة: لو باعها الذمي من غيره - ذميا كان أو مسلما - لم يسقط الخمس * *. وحينئذ فهل يرجع ولي الخمس إلى البائع مطلقا، أو يتخير مطلقا بين الرجوع إلى البائع أو المشتري، أو يفصل بين ما إذا كان المشتري مسلما إماميا فلا يرجع إليه - بل يرجع إلى البائع - وغيره فيتخير في الرجوع؟ وجوه * * *. ] * وذلك لعدم صدق الاشتراء الذي هو تملك الأرض، ولعل المنشأ: إطلاق لفظ البيع على بيع الأراضي الخراجية من قبل من بيده الأرض في بعض الأخبار (1) كما في أول كتاب البيع للمحقق الأنصاري قدس سره (2)، أو دعوى كون البيع عبارة عن انتقال اعتبار مالي متعلق بالعين ولو لم يكن ذلك هو الملكية. وكلاهما ممنوعان، فتأمل. * * إذ لا وجه لسقوط الخمس بعد تحقق الموضوع، وهو الاشتراء على وجه اللزوم مع فرض الاستقرار، إذ البيع من الغير ليس فسخا، بل هو مبني على البيع السابق ومن آثاره. * * * وجه الأطلاق أن المشتري لما كان مخيرا بين الأداء من العين أو القيمة فمقتضى عموم وجوب الوفاء بالعقود: تعين القيمة، كما هو الشأن في كل واجب تخييري إذا كان أحد عدليه واجدا للمحذور الشرعي. وأما وجه التخيير مطلقا فهو أنه ليس جواز الأعطاء من القيمة بمعنى مالكية صاحب الخمس لما هو الكلي المتعلق بمجموع العين والقيمة، بل بمعنى أنه يملك


(2) الوسائل: ج 11 ص 118 الباب 71 من أبواب جهاد العدو. (2) المكاسب: ص 79.

[ 276 ]

[ ولعل التفصيل هو الأقرب *. وفي فرض التخيير لو رجع إلى البائع فيمكن أن يقال: إنه يتعين عليه أداء القيمة * *. ] خمس العين لكن للمالك ولاية التبديل بالقيمة، ولا يكون ذلك موجبا لسلب ملكيته للمال الخاص على سبيل التعيين، فحينئذ يجوز الرجوع إلى البائع والمشتري ولو كان المشتري إماميا، بناء على عدم شمول أخبار التحليل لذلك الخمس الذي ليس من الغنائم. وأما وجه التفصيل فلما ذكر في وجه التخيير بالنسبة إلى صورة كون المشتري هو الذمي، وأما إخراج الأمامي فلعموم أخبار التحليل لذلك الخمس، ويكفي في ذلك متنا وسندا ما تقدم من خبر أبي خديجة، وفيه (أو تجارة أو شئ اعطيه) (1) المحكوم بأن ذلك حلال للشيعة إلى يوم القيامة. * لما مر في التعليق السابق. وملخصه ثبوت التخيير في مالو كان المشتري غير الأمامي، لبقاء الخمس في العين، وولاية المالك على التبديل لا يكون موجبا لسلب الملكية عن العين فله الرجوع إلى من يكون عينه بيده، كما أن له الرجوع إلى البائع من باب كون المال في يده قبل ذلك فهو أيضا يضمن الأداء، وأما في فرض كون المشتري هو الأمامي فلا شئ عليه، لأخبار التحليل الذي اشير إلى بعضها في التعليق المتقدم وربما يجئ توضيح الكلام في ذلك في ما يأتي إن شاء الله تعالى. * * وذلك لعموم وجوب الوفاء بالعقد، فإنه قد تعهد بأن يكون جميع المال للمشتري فيجب عليه ذلك، ومن تلك الجهة يمكن القول بوجوب ابتياع العين التي


(1) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 4 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 277 ]

[ وإن رجع إلى المشتري فيمكن أن يقال: إنه يتعين عليه أداء الخمس من العين، وأداء القيمة من باب المصالحة والتراضي مع صاحب الخمس *، ويرجع هو إلى البائع بما قابل الخمس من الثمن، سواء أدى الخمس من العين أو من القيمة * *، وله فسخ أصل البيع - لتبعض الصفقة - إذا أداه من العين، وفي حق الفسخ إذا أدى القيمة إشكال * * *. ولو رجع إلى خمس الثمن ولم يختر الفسخ ففي ثبوت خيار التبعض للبائع وجه * * * *. ] باعها فضولة لنفسه. * وذلك لأن القدر المتيقن من ثبوت ولاية التبديل بالقيمة هو من وجب عليه أداء الخمس أولا، فلا يشمل من انتقل إليه المال الذي فيه الخمس، ولتحقيق الحق فيه محل آخر يأتي إن شاء الله تعالى. * * لكون المعاملة بالنسبة إلى الخمس فضوليا رد من قبل مالكه وهو صاحب الخمس. * * * وجه الأشكال أن المفروض: عدم تبعض ما بيده من المال، لتحصيله وتلقيه من صاحب الخمس، فيمكن القول بعدم الخيار حينئذ، ويمكن القول بثبوت الخيار إما من باب أن التبعض السابق قبل أن يصالح مع صاحب الخمس كاف في ثبوت الخيار من باب توجه الضرر إليه من جانب البائع، ورفعه من قبل نفسه لا يوجب رفع الحكم الأولي الذي ثبت من جهة الأضرار من ناحية البائع، أو من باب عدم عمله بمقتضى تعهده، فخيار التبعض يرجع إلى خيار تخلف الشرط - كما في أكثر الخيارات على ما بينه بعض أساتيد عصرنا قدس الله أسراره - أو يستصحب الخيار المتحقق قبل المصالحة مع صاحب الخمس. * * * * لحصول التبعض وعدم كون الأقدام على بيع حصته من الغير حتى مع العلم ببطلان المعاملة إقداما على الضرر.

[ 278 ]

[ هذا كله في فرض عدم إمضاء البيع أورده من قبل صاحب الخمس، وأما إذا أمضاه فيرجع إلى المشتري إن لم يقبض الثمن *. وكذا إن قبضه البائع وكان كليا * *، إلا إذا أمضى قبضه أيضا * * * فلعله يرجع إلى البائع فقط، كما أن الأمر لعله كذلك إذا كان الثمن شخصيا وأمضى قبض البائع له * * * *، وأما إذا كان شخصيا ولم يمض القبض فلعل الظاهر هو التخيير * * * * *. مسألة: لو انفسخ البيع بالأقالة أو الفسخ بخيار المشتري لم يسقط ] والظاهر أنه لا فرق في إيجاب التبعض الخيار بين كون الثمن أو المبيع شخصيا أو كليا. ولتمام الكلام محل آخر، وهو الموفق للصواب. * لأنه لا حق له في ذمة البائع حتى من جهة جريان يده على الخمس، لأن إمضاء البيع في حكم حصول أدائه من قبله، كما هو واضح. * * لأن الكلي الذي في ذمة المشتري لصاحب الخمس لا يتعين بقبض البائع فيبقى المال على ذمته. * * * من جهة أن صحة قبض الفضولي - ولو كان بقصد أن يكون له إذا أجازه صاحب الحق - تكون عرفا كصحة سائر المعاملات، إذ تعين الذمة في الخارج بنفسه نقل وانتقال اعتباري حاصل بالقصد والأنشاء. * * * * لأنه بالأجازة يصير الأقباض إلى البائع بمنزلة الأقباض إلى وكيل صاحب الخمس فيحصل الأداء، فلا وجه حينئذ للرجوع إلى المشتري. * * * * * لأجراء يد كل منهما على المال، فكل منهما مأمور بالأداء، فإنه (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (1).


(1) المستدرك: ج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب الوديعة.

[ 279 ]

[ الخمس *، بل ولو كان الفسخ بالخيار للبائع * *. ] * على ما في الجواهر (1). والوجه فيه: تحقق الموضوع قطعا وهو اشتراء الذمي من المسلم بالفرض. وما يمكن توهم كونه مانعا عن اقتضاء دليل الخمس هو مقتضى الفسخ المفروض صحته، فإن مقتضاه كون البيع الواقع بمنزلة عدم التحقق، وهو واضح بناء على كون الفسخ كاشفا عن بطلان البيع، أو موجبا للانقلاب إلى البطلان في جميع الاثار، أو موجبا للحكم بعدم وقوع البيع من حين الفسخ بمعنى الحكم بارتفاع جميع آثار صحة البيع من حين الفسخ، وأما إذا كان مقتضاها البطلان من حين الفسخ فيكون بمنزلة النقل الجديد، فلا يقتضي عدم الخمس. والأقوى عند المتأخرين هو الأخير، وهو القدر المتيقن من مقتضى الفسخ عند العقلاء، ومن هنا لا يحكم ببطلان البيع الواقع في زمن الخيار بل يرجع إلى القيمة. وأما احتمال (انصراف الدليل المقتضي للخمس في المقام إلى الاشتراء المستقر أثره) فمدفوع بالأطلاق. * * كما اختاره في العروة (2)، وهو خلاف ما يظهر من الجواهر من الاختصاص بالأقالة والفسخ بالخيار للمشتري (3). والوجه فيه هو إطلاق دليل الخمس. ووجه ما يظهر من الجواهر هو الانصراف إلى الاشتراء اللازم من جانب غير المشتري، والمفروض في المقام هو التزلزل، والانصراف ممنوع. والفرق بينه وبين الأرباح أن الخمس فيها من باب


(2) ج 16 ص 67. (3) في المسألة 41 من الفصل الأول من كتاب الخمس. (4) الجواهر: ج 16 ص 67.

[ 280 ]

[ ولعل الأقرب أن لصاحب الخمس الرجوع إلى كل منهما *. ] الغنيمة ولا تصدق في مورد التزلزل، وفي المقام تعبدي محض. * أما الرجوع إلى المشتري فلأنه الذي يجب عليه الخمس، وهو الذي جرت يده أيضا عليه، فعليه أن يؤديه إلى مالكه، وأما الرجوع إلى البائع فلما مر من عدم سلب مالكية صاحب الخمس عن العين بصرف جواز أداء المشتري قيمة الخمس، فالخمس ثابت في العين وهو بيد البائع. هذا، ولكن قال قدس سره في الجواهر: لكن عليه يكون هو المستقر في ذمته الخمس، بل قد يكون ليس له الرد بدون رضى الناقل بناء على تعلق الخمس بالعين ولم نكتف بضمانه، للزوم تبعض الصفقة عليه حينئذ (1). انتهى. أقول فيه أولا: أن ما ذكره من تعين الخمس على المشتري المستلزم لعدم جواز رجوع صاحب الخمس إلى البائع مناف لما تقدم منه من تخيير صاحب الخمس بين الرجوع إلى البائع أو إلى المشتري في مسألة النقل إلى الاخر من الذمي أو المسلم. وثانيا: أن الظاهر عدم سلب مالكية صاحب الخمس بالنسبة إلى العين بصرف ولاية التبديل إلى القيمة، كما مر. وثالثا: أن مقتضى قوله (ولم نكتف بضمانه) أن يكون المستقر على ذمته الخمس في فرض الضمان، وهو مناف لأطلاق صدر كلامه. فتحصل أن في مسألة بقاء الخمس في العين وانتقاله إلى الذمة وجوها ثلاثة: الأول - وهو المبنى للمسألة المتقدمة -: بقاؤه في العين مطلقا. الثاني: انتقاله إلى


(1) الجواهر: ج 16 ص 67.

[ 281 ]

[ فإن رجع إلى المشتري فليس له إلا أداء القيمة * إلا إذا رضي البائع برد العين فله أن يؤدي الخمس من العين * *، وإن رجع إلى البائع فيمكن أن يقال: إن البائع يرجع إلى المشتري ويأخذ القيمة له منه أو يعطي من العين * * *، وإن لم يتمكن من ذلك فلعل الظاهر وجوب الأداء من العين، ولزوم الضرر عليه من جهة ذلك غير موجب لسقوط التكليف بالخمس * * * *. ] الذمة إذا نقله إلى الغير. الثالث: انتقاله إليها بالضمان، فمقتضى التخيير في ا مسألة الاولى: بقاؤه في العين، ومقتضى صدر كلامه في المقام هو الانتقال إلى الذمة بمحض النقل إلى الغير، ومقتضى قوله (ولم نكتف بضمانه) هو الانتقال إليها على فرض التضمين، نقله أو لم ينقله. وتأتي المسألة إن شاء الله تعالى (1). * لأن أخذ خمس العين من البائع من دون رضاه تصرف في ماله بدون إذنه، والمفروض أداء تكليفه بأداء القيمة - فتأمل - ولأنه موجب لتبعض الصفقة على البائع من دون أن يجبر بالفسخ، لأنه ملك بالفسخ لا بالمعاملة، ولا فسخ بالنسبة إلى الفسخ. * * فإن المشتري مخير بين أداء العين أو القيمة، وفي الفرض الأول كان تبعض الصفقة أو عدم رضايته مانعا، وحينئذ فقد المانع وليس لصاحب الخمس إلزامه على أداء العين. * * * فإن أخذ القيمة من المشتري وأداءها عين متعلق حقه، كما أن أداء العين كذلك. * * * * لأن صاحب الخمس مالك للخمس فهو كسائر الشركاء في مال الغير، وليس الألزام بالأداء ضررا على البائع، لأنه لا يملك من المال إلا أربعة أخماس


(1) في ص 446 - 447.

[ 282 ]

[ مسألة: لعل الظاهر أو المتيقن من ظهور الدليل: كون المراد بالذمي من انعقد بينه وبين المسلمين عقد الذمة *. ] ولا يملك الخمس الاخر، فتأمل. * فإنه ليس المراد من الكلمة المذكورة في الخبرين (1) هو معناه اللغوي، وإلا لم يكن قسيما للمسلم، فلا يطلق على الحربي قطعا، ولا على المعاهد الذي له عقد المعاهدة مع بعض المسلمين أو مع الحكومة الموجودة في بلاد الأسلام المتشكلة من المسلمين ولو لم تكن مبنية على القانون الأسلامي، ولا على المعاهد الذي له عهد مع الحكومة الأسلامية، كما ينبئ عن وجود ذلك في الجملة - مضافا إلى غير واحد من الروايات المذكورة في كتاب الجهاد - قوله تعالى: إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (2). وقوله تعالى أيضا: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (3). بل لعل مفاد آخر الايتين (إن الله يحب المتقين) أن حفظ العهد مع المشركين من شؤون التقوى. والمقصود وجود قسم ثالث من الكفار غير الحربيين وغير الذميين، وهم المعاهدون، ومن المعلوم عدم إطلاق أهل الذمة عليهم باعتبار المعاهدة المذكورة، ولا أقل من الشك فلا يشملهم الدليل، فعلى هذا لا أثر لهذا البحث في زماننا، لأن


(1) المتقدمين في ص 263. (2) سورة التوبة: 4. (3) سورة التوبة: 7.

[ 283 ]

[ السابع مما فيه الخمس: الحلال إذا اختلط بالحرام ولا يتميز *. ] الكفار الموجودين في بلادنا لا يكونون ذميين، من غير فرق بين غير أهل الملك أو من كان منهم من أهل ممالك الأسلام كالارامنة والمجوس واليهود الساكنين في إيران والعراق ومصر، وإلقاء الخصوصية غير واضح، لاحتمال دخالة وجود المعاهدة الخاصة التي لها شرائط مذكورة في كتاب الجهاد، التي لا يمكن أن تكون موقتة بل لا بد للحكومة الأسلامية من إدامتها في قبال أخذ الجزية والشرائط الستة المعلومة في محله، ولعله ملحق بذلك أيضا أخذ الخمس من الأراضي، وأما الكافر الحربي فيجوز أخذ جميع ماله ولا ينحصر بالخمس، وأما المعاهد فبعد تمامية العهد يصير بحكم غيره، فلا دليل على التعدي. ومن ذلك وما تقدم يظهر أن المسلم الأمامي إذا اشترى من أهل الكتاب أرضه التي اشتراها من المسلم فلا خمس عليه فيها، ويجوز له التصرف في الأرض المزبورة قبل الاشتراء من دون الضمان، لوجهين: أحدهما عدم الدليل على الخمس حتى بالنسبة إليه أصلا، والثاني أنه على فرض تعلق الخمس فالتصرف فيه حلال للشيعة بمقتضى ما تقدم من الدليل. وأما شراء أراضي السفارة والتصرف فيها فوجه الحلية - مضافا إلى الأمرين المتقدمين - أن المشتري هو المصرف الكلي لا الكافر حتى يتعلق بها الخمس. * كما في الشرائع (1). وفي الجواهر: عن النهاية والوسيلة والسرائر والنافع والقواعد والتذكرة والأرشاد والتحرير واللمعة والبيان وغيرها، وفي الغنية دعوى الأجماع، وفي المنتهى نسبته إلى


(1) ج 1 ص 135.

[ 284 ]

[... ] أكثر علمائنا، والمفاتيح إلى المشهور (1). انتهى. ويستدل على ذلك بجملة من الروايات: منها: ما في الوسائل عن الخصال عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (في ما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس) (2). أقول: لا يخفى أولا: أنه في الجواهر (3) نقله عن أبي الحسن عليه السلام، والظاهر أنه اشتباه إذ لم يسند غيره إليه عليه السلام، ولم يقل أحد بأن عمارا من أصحاب أبي الحسن عليه السلام، بل ذكر الكل - في ما أعلم - أنه من أصحاب الصادق عليه السلام. وثانيا: أن في نسختين من الخصال الذي عندنا: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، وحينئذ فالسند أوضح صحة. وثالثا: أن في بعض نسخ الخصال - وهو المطبوع ثانيا بطهران - ليس فيه (الحلال المختلط بالحرام). وفي المطبوع بقم (4) ذكر في تعليقه أن النسخة المطبوعة بطهران (وتلك على الظاهر هي النسخة الاولى المطبوع فيها التي ذكر في بعض حواشيها أنها مكتوبة من نسخة خطية هي بخط المصنف قدس سره) ليس ذلك فيها أيضا. ويظهر من المستند عدم وجوده في نسخته أيضا. لكن المظنون وجوده، وذلك لأن عنوان الباب هو الخمسة، فلا معنى لذكر أقل


(1) الجواهر: ج 16 ص 69 - 70. (2) الوسائل: ج 6 ص 344 ح 6 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) ج 16 ص 71. (4) ج 1 ص 236.

[ 285 ]

[... ] منها مع عدم ذكر رواية تدل على الخمسة إلا الرواية التي نسي ابن أبي عمير عن الخامسة، وذكر الصدوق رحمه الله أن المظنون أن الذي نسيه ابن أبي عمير هو المال الموروث المختلط بالحرام، مضافا إلى أن الظاهر أن الوجه في ظن الصدوق هو وجوده في خبر عمار. لكن مع ذلك كله الظن لا يغني من الحق شئ، إلا أن يقال بأنا نقطع عدم تعمد النساخ في الكذب من الزيادة أو النقيصة، فيكون كاختلاف العدول في النقل، ولا ريب أن أصالة عدم الزيادة متقدمة في العرف على أصالة عدم النقيصة بحسب سيرة العقلاء، لأن السهو بالزيادة في قبال قيام الحجة على النقيصة مما لا يعتنى به عند العقلاء، فالظاهر صحة الاستناد إلى الرواية، وهو العالم. ومنها: خبر الحسن بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن رجلا أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فإن الله عزوجل قد رضي من ذلك المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يعلم) (1). وفي التهذيب المطبوع بالنجف الأشرف (يعمل) (2)، كما في الوافي عنه قائلا: هكذا في النسخ التي رأيناها، والأظهر (يعلم) بدل (يعمل) كما يوجد في حواشي بعضها (3). وقريب من ذلك ما في تعليق التهذيب (4) المذكور.


(1) الوسائل: ج 6 ص 352 ح 1 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2 و 4) التهذيب: ج 4 ص 124 ح 358. (3) الوافي: ج 10 ص 315.

[ 286 ]

[... ] أقول: ربما يؤيد نسخة (يعمل) بما ورد في بعض الروايات الواردة في الربا وفيه: (وإن كان مختلطا فكله هنيئا، فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه) (1). لكن الأظهر هو الأول، لوجوه: منها: عدم فرض كون الاختلاط قبل أن يصل بيده وكونه بواسطة عدم تجنب صاحبه عن الحرام. ومنها: عدم دخالة الاجتناب عن الحرام بعد ذلك في حلية المال فعلا، فتأمل. ومنها: أن الظاهر أن ما وقع في عصر أميرنا عليه السلام قضية واحدة، وما يأتي مما يحكي عن القضية المذكورة لا يناسب فرض الأخذ ممن لا يبالي، فراجع وتأمل. ومنها: أن التقييد المذكور مربوط بهذا الحكم ولذا قيد أيضا في ما مر من مصحح عمار. والقياس برواية الربا الواردة في المال المختلط بالربا - المفروض فيه تحقق الاختلاط قبل ذلك، الموجب لتوهم ان يكون الاختلاط به أيضا موجبا للحلية - قياس مع الفارق الجلي. ومما ذكر يظهر دفع ما في مصباح الفقيه: من أن الذيل شاهد على كون المال واصلا إليه ممن لم يكن مباليا بالاجتناب عن الحرام، فيكون حلالا من جهة عدم العلم بوجود الحرام في المال الذي وصل إليه أو من جهة أن الاختلاط بالربا - ولو مع العلم بوجود الحرام فيه - إذا كان ذلك من غير


(1) الوسائل: ج 12 ص 431 ح 3 من ب 5 من أبواب الربا.

[ 287 ]

[... ] ناحية من وصل المال إليه غير موجب لوجوب الاجتناب، كما في بعض الروايات التي يأتي بعضها إن شاء الله تعالى، فيكون المال حلالا له فيجب عليه الخمس من حيث الغنيمة، لا من حيث الاختلاط بالحرام (1). وجه الدفع أن الفرض المبني عليه الأيراد أن يكون الذيل (يعمل) بدل (يعلم) وقد عرفت أن الظاهر خلافه، مع أن الظاهر من قوله (لا أعرف حلاله من حرامه) وجود الحرام والحلال في المال الذي بيد السائل فعلا وأن الاختلاط صار منشأ للسؤال وأن الخمس إنما هو لدفع الأشكال الذي تعرض له في السؤال ولو كان ذلك من جهة وقوع الخلط فيه قبل ذلك، إذ لا فرق بعد العلم بالاختلاط بين وقوع الاختلاط بيده أو بيد غيره إلا في الربا على ما في بعض الأخبار. وحمل الخبر على خصوص الربا حمل المطلق على فرد واحد من المحرم وهو غير جائز قطعا، فالأصح تمامية دلالة الخبر إلا أن سنده لا يخلو عن وهن وإن كان مورد الاستدلال مجموع الروايات الثلاثة الحاكية لما عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، وبعضها معتبر من حيث السند، والمجموع موجب للاطمينان. ومنها: ما عن الفقيه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال: ايتني خمسه) فأتاه بخمسه، فقال: (هو لك، إن الرجل إذا تاب تاب ماله معه) (2).


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 134 - 135. (2) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 3 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 288 ]

[... ] وهو ب‍ نفسه لا يخلو عن الاعتبار من جهة نقل الصدوق عن الأمام عليه السلام بنحو الجزم والاكتفاء به في الحكم المذكور، فراجع (1). ومنها: معتبر السكوني (الذي أوضح المحدث النوري اعتباره في خاتمة المستدرك (2)، مضافا إلى أن كتابه من الاصول التي ينقل عنها الصدوق في الفقيه، وهو كاف في الاعتبار) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أتى رجل أمير المؤمنين فقال: إني كسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا وحراما، وقد أردت التوبة ولا أدري الحلال منه والحرام وقد اختلط علي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تصدق بخمس مالك، فإن الله (قد) رضي من الأشياء بالخمس، وسائر المال لك حلال) (3). وقد يستدل أيضا بموثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: إنه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: (لا، إلا أن لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت) (4). ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون


(1) الفقيه: ج 2 ص 43 ح 12 من باب الخمس. (2) المستدرك: ج 3 من الطبعة الحجرية ص 575 (لز) في ترجمة اسماعيل بن مسلم السكوني. (3) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 2 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 289 ]

[... ] معهم فيصيب غنيمة، قال: (يؤدي خمسا ويطيب له) (5). وفي الجواهر: لكنهما كما ترى وإن كانا لا يخلوان من نوع تأييد، خصوصا بعد انجبارهما كقصور غيرهما سندا ودلالة بما عرفت (1). أقول: الظاهر عدم صحة الاستدلال بهما، لعدم فرض الاختلاط فيهما، بل الظاهر أن الحكم ببعث الخمس من حيث صرف الأخذ في مقابل العمل للسلطان، الذي يكون الغالب في كل ما يأخذ عدم العلم بالاختلاط، فيكون حلالا فيكون الخمس من باب الغنيمة، والعلم بأخذ الحرام منهم في مدة من الزمان يوجب العلم باشتغال الذمة للمالك المجهول مع الشك في حلية ما بيده، مضافا إلى أن قوله (فصار في يده شئ) ربما يكون منصرفا إلى الزائد عن المؤونة، وهذا يؤيد أن الخمس فيها من باب الغنيمة، مع أن الخبر الثاني ظاهر في أخذ غنائم دار الحرب بقرينة (اللواء) و (الغنيمة) فهو أجنبي عن المال المختلط بالحرام، فإن ما يؤخذ من الحربي إما حلال له محضا وإما حرام له كذلك. وأما الانجبار بفتوى الأصحاب كما في الجواهر، ففيه أولا أن اعتبار ضعف الدلالة بالفتوى غير واضح. وثانيا أن الاستناد إلى الخبرين حتى يكون منجبرا غير واضح إن لم يكن عدمه واضحا. وأما قصور غيرهما سندا فهو أيضا غير واضح، لما تقدم من صحة سند بعض الروايات المتقدمة - كخبر عمار - واعتبار ما في الفقيه واعتبار خبر السكوني، والظاهر استناد الأصحاب إلى ذلك، لا إلى خبر عمار الموثق ولا إلى مصحح الحلبي ولا إلى خبر ابن زياد الضعيف بنفسه.


(1) الوسائل: ج 6 ص 340 ح 8 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الجواهر: ج 16 ص 71.

[ 290 ]

وكيف كان، فالظاهر وفاء الدليل بذلك، إلا أنه ربما يمكن أن يقال: إنه معارض بطوائف من الأخبار: الاولى: ما ورد في حكم مجهول المالك: من تعين التصدق به، خصوصا ما ورد منه في خصوص المختلط، كخبر علي بن أبي حمزة من أنه استأذن لصديق له كان من كتاب بني امية، فدخل على أبي عبد الله عليه السلام وقال: جعلت فداك إني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، وأغمضت في مطالبه - إلى أن قال: - فهل لي مخرج منه؟ قال: (فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا أضمن لك على الله عزوجل الجنة...) (1). فإن من المعلوم عدم كون جميع ماله الموجود حراما، للاشتراء بالذمة في غالب ما اشتراه من الدار والعقار وغيرهما، فالحكم بالتصدق لا ينحصر بالمتميز كونه حراما. والجواب أن الظاهر عدم التنافي بين أن يكون حلية المال المختلط له مشروطا بأداء الخمس على نحو التعين - فلو أدى خمس ماله كان جميع المال على فرض الاختلاط حلالا له - وبين أن يكون الواجب عليه أداء جميع المال، لاشتغال الذمة بالحرام بمقدار المال الموجود بل أزيد، لأنه أعاش مدة مديدة ومع ذلك كسب أموالا كثيرة. ومن ذلك يظهر الجواب عن غيره مما دل على وجوب التصدق بالمجهول


(1) الوسائل: ج 12 ص 144 الباب 47 من أبواب ما يكتسب به.

[ 291 ]

[... ] مالكه، فإنه لا تنافي بين تعين اشتراط حلية المال له في المختلط بأداء الخمس وتعين وجوب الأداء ما دام الاختلاط، الراجع إلى التخيير بين أداء جميع المال أو الأفراز بالخمس، فافهم وتأمل. الثانية: ما دل على حلية المال المختلط بالربا من دون الاحتياج إلى أداء الخمس، كمعتبر الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أتى رجل أبي عليه السلام فقال: إني ورثت مالا وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي وقد عرف أن فيه ربا واستيقن ذلك وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه - إلى أن قال: - فقال أبو جعفر عليه السلام: إن كنت تعلم بأن فيه مالا معروفا ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك، وإن كان مختلطا فكله هنيئا، فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي...) (1). إلى غير ذلك من الروايات. والمستفاد منها: أن في خصوص الربا يغضى عنه موارد ثلاثة، الأول: ما أكله بجهالة ثم عرف وتاب. الثاني: ما استفاد مالا كثيرا فيه الربا بجهالة ثم تاب، فإن له ما أخذ إلا ما إذا كان مالا معزولا بالخصوص يكون ربا فليأخذ رأس المال وليرد الزيادة إلى صاحبه. الثالث: المال المختلط الموروث من غيره. والمستفاد منها أن كل ذلك لقوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى


(1) الوسائل: ج 12 ص 431 ح 3 من ب 5 من أبواب الربا.

[ 292 ]

[... ] فله ما سلف (1). فالاكل بجهالة ومن جمع المال وكان مختلطا بجهالة ثم تاب داخل في مفاد الاية الشريفة. ومن انتقل إليه من مال فيه الربا من غيره فهو ملحق بذلك، بل لعله أولى، لعدم ارتكابه الحرام أصلا من أول الأمر. ومن ذلك يظهر الجواب وأنه لو قيل في الربا بذلك بملاك ما ورد في الاية الشريفة فهو حكم مختص ببابه وليس في مطلق الحرام المختلط، كما هو واضح. الثالثة: ما يدل على حلية مطلق المال المختلط بالحرام، كخبر سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب مالا من عمل بني امية - إلى أن قال عليه السلام: - (إن كان خلط الحرام حلالا فاختلطا جميعا فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس) (2). وخبر أبي بصير، قال: سألت عن أحدهما عليهما السلام عن شراء الخيانة والسرقة، قال: (لا، إلا أن يكون قد اختلط معه غيره...) (3). والجواب عن ذلك (بعد وضوح أن اختلاط المال المسروق لا يصيره حلالا بحسب ارتكاز العرف والمتشرعة، ولا يفهم ذلك من الخبرين أصلا، وإلا كانت السرقة والغصب سهل الدفع بالاختلاط بالحلال فيصير حلالا) أن الظاهر أن المقصود من الخبر الأول أحد الأمرين: إما أن يكون الضمير المستتر في (كان) راجعا إلى (المال) الذي أصابه منهم، وقرء (خلط) مجهولا، فيصير مفاده أن المال


(1) سورة البقرة: 275. (2) الوسائل: ج 12 ص 59 ح 2 من ب 4 من أبواب ما يكتسب به. (3) المصدر: ص 60 ح 6.

[ 293 ]

[ ومصرف هذا الخمس مصرف سائر أقسام الخمس *. ] الذي أصابه إن كان خلط في يد من اصيب منه المال بالحرام فلا بأس، وإما أن يكون المقصود أنه خلط من أول الأمر الحرام بالحلال فأكل بعض ذلك المال وتلف بعضه الاخر وعوض عن الثالث بأموال اشتراها بالذمة فلا يعلم بالاختلاط في المال الموجود، فعلى الفرضين يخرج من موضوع المسألة، وهو وجود الحرام في المال الموجود فعلا، وأما الخبر الثاني فالظاهر منه صورة الاختلاط في اليد الاولى - بأن كان المال المشترى من السارق يحتمل أن يكون حلالا جميعه - كما هو واضح. ومنه يظهر جواز أخذ المال الذي يحتمل أن يكون حلالا بالاشتراء وغيره من أسباب الانتقال، وذلك إما لقاعدة اليد غير المعارضة باليد بالنسبة إلى سائر الأموال، لخروجها عن محل الابتلاء، وإما لتعارض اليدين والرجوع إلى أصالة الصحة في البيع، وقد أوضحنا ذلك في كتاب ابتغاء الفضيلة. والجواب عن مثل خبر سماعة وغيره بتقيد الحلية بدليل الخمس مما يأباه الذوق السليم، فإن إخراج أول زمان الحكم من المطلق بعيد جدا، مع أن معنى الحلية: عدم الاحتياج إلى الأفراز والصلح مع صاحب المال، ومفاد الخمس: لزوم الأفراز، فهما متعارضان، كما أن القول بأن مال الكافر الحربي حلال والقول باحتياج التصرف فيه إلى إذن صاحبه متنافيان ولا يمكن أن يقال بالتقييد كذلك في الخمس الذي هو بمنزلة الأفراز من قبل صاحب المال، فافهم وتأمل. فظهر بحمد الله تعالى وفاء الدليل بثبوت الخمس في المال المختلط وعدم المعارض لذلك، وهو العالم. * قال قدس سره في الجواهر: إن لفظ الخمس في النصوص والفتاوى ظاهر في

[ 294 ]

[... ] ذلك، بل لعله حقيقة شرعية فيه، بل ينبغي القطع بالمتشرعية التي تحمل عليها الفتاوى وبعض النصوص، واعترف في البيان أن ظاهر الأصحاب ذلك (1)، انتهى. وفي المستمسك عن رسالة الشيخ الأنصاري قدس سره نسبته إلى المشهور (2). وفي الحدائق: نسبته إلى جمهور الأصحاب، وعن جمع من متأخري المتأخرين أن مصرفه الفقراء، ونقل عن البيان التردد في ذلك (3). وفي مصباح الفقيه نفى البعد عن التخيير، لأنه مقتضى الجمع بين ما ظاهره الخمس بالمعنى المعروف وما ظاهره الأمر بالتصدق لولا الأجماع على خلافه (4). أقول: ففي المسألة وجوه، الأول: أن مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس. الثاني: أن مصرفه الفقراء. الثالث: التخيير. ومقتضى الدليل هو الأول - الذي هو ظاهر كلمات الأصحاب - وذلك لأنه مقتضى مصحح ابن مروان المتقدم (5)، من جهة ذكر الخمس وعدم بيان المصرف - الذي لا شبهة في الانصراف إلى الخمس المعهود، كما في الزكاة - ولكونه بالنسبة إلى غيره من المعدن والغوص والكنز دالا على ثبوت الخمس بلفظ واحد، والتفكيك في المعنى مشكل عرفا. وهو الظاهر أيضا من قوله: (إن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) فإنه ليس بالنسبة إلى خصوص المختلط كما لا يخفى، فوجود الدليل الحجة على ذلك واضح. ولا ينافيه إلا توهم امور مدفوعة:


(1) الجواهر: ج 16 ص 72. (2) المستمسك: ج 9 ص 490. (3) الحدائق: ج 12 ص 366 - 367. (4) مصباح الفقيه: ج 3 ص 136. (5) في ص 284.

[ 295 ]

[... ] منها: قوله عليه السلام في معتبر السكوني (تصدق بخمس مالك) (1)، فإن الظاهر من التصدق في مصطلح الشارع والمتشرعة هو الأعطاء للفقير، خصوصا مع ما ورد من حرمة الصدقة على بني هاشم (2). ومن هنا قد يقال بتقديم ظهور ذلك على مثل مصحح ابن مروان الساكت عن المصرف، فإن ظهور الخمس في كون المصرف ذوي القربى من جهة السكوت عن ذكر المتعلق، فهو من هذه الجهة بمنزلة الظهور الأطلاقي وخبر السكوني بمنزلة التقييد، أو يقال بحفظ الظهورين من جهة المادة والتصرف في الهيأة بالحمل على كفاية كل من المصرفين. ودفع ذلك من وجوه: منها: إطلاق الصدقة على الخمس أيضا، كما يستفاد من ذكر أبي جعفر عليه السلام آية الصدقات (3) مقدمة لاخذا لخمس من الضيعات (4). ومنها: أنه على فرض ظهور التصدق في ما يقابل الخمس فالظاهر عدم انعقاد الظهور المذكور في الرواية، لتعارضه بظهور قوله: (فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) الظاهر في مطلق أقسام الخمس، فلا ينعقد الظهور المذكور. ومنها: أن الظاهر كون ما في خبر السكوني متحدا - من حيث الواقع - لما في خبر ابن زياد وخبر الفقيه، وكلاهما خاليان عن عنوان التصدق، فلعل الصادر من أمير المؤمنين عليه السلام كان (ايتني بخمس مالك) أو (أخرج الخمس) ووقع عنوان التصدق في خبر السكوني نقلا بالمعنى في عبارة الراوي أو في عبارة الصادق عليه السلام من دون العناية بكون المقصود بيان المصرف.


(1) تقدم في ص 288. (2) الوسائل: ج 6 ص 355 الباب 1 من أبواب قسمة الخمس. (3) سورة التوبة: 103 - 105. (4) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 296 ]

[... ] ومنها: أن ظهور التصدق في ما كان مصرفه الفقراء هو في ما إذا لم يكن المصرف معلوما، والمستفاد من الروايات الحاكية للقصة أن المصرف كان الأيصال إلى الأمام. ومنها: أنه على فرض الظهور فيه مطلقا فظهور الخمس من دون ذكر المتعلق أقوى من ظهور التصدق من دون ذكر المتعلق، لتكرر ذكر الخمس من دون ذكر المتعلق في الروايات، الدال على كونه معلوما عند المتشرعة. ومنها: أنه على فرض تكافؤ الظهورين ذاتا فظهور قوله في الذيل (فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) مقدم على ظهور الصدر، لما اشتهر من حكومة ظهور ما وقع في حيز التعليل على ظهور ما يكون بصدد بيان أصل الحكم. ومنها: أن الظهور الثانوي الذي يفرض للتصدق ليس إلا بمعنى ما جعل لكسب المثوبة، لا ما جعل إكراما. وبهذا المعنى منطبق على الخمس الذي يعطى لذوي القربى، إذ ليس المحرم عليهم مطلق ما جعل للمثوبة، كما صرح بذلك في غير واحد من الروايات (1)، ويشهده الضرورة القائمة بحلية الأوقاف لهم مع أنها من الصدقات الجارية الباقية، كما اشير إلى ذلك فيها أيضا (2). والمقصود حسم مادة الأشكال وقد اتضح بحمده تعالى ذلك. ومن الامور الموجبة للتوهم المذكور - كما قيل -: حكمه عليه السلام بحمل الخمس إليه كما في خبر الصدوق (3) قدس سره. وهو واضح الدفع، إذ الخمس بالمعنى المعروف يعطى إليه حتى يأخذ سهمه


(1) راجع الوسائل: ج 6 ص 188 و 189 الباب 31 و 32 من أبواب المستحقين للزكاة، وج 13 ص 311 الباب 10 وص 322 الباب 16 من أبواب الوقوف والصدقات. (2) راجع الوسائل: ج 13 ص 311 و 322 الباب 10 و 16 من أبواب الوقوف والصدقات. (3) المتقدم في ص 287.

[ 297 ]

[ والمال المختلط على أقسام: الأول: أن يعلم مقدار المال المختلط ويعلم صاحبه بالخصوص، ولا إشكال في عدم كونه متعلقا للخمس *. ] ويعطي سهم السادات من الفقراء بمقدار حاجتهم. ومنها: أن الظاهر بمناسبة الحكم والموضوع أن الخمس إفراز لمال المالك المجهول، فمصرفه مصرف مجهول المالك لا بد من الأيصال إليه، وحيث لا يمكن الأيصال يعطى إلى الفقراء، فإنه نوع من الأيصال. والجواب أن ذلك أيضا نوع من الأيصال إلى صاحبه، فإن الأعطاء للفقير غير الهاشمي والأعطاء للأمام عليه السلام وللهاشمي مشتركان في عدم وصول المال حقيقة إلى صاحبه ومشتركان أيضا في وصول ثوابه إليه. نعم، الأحوط أن لا يقصد كون ذلك من جانبه بل يقصد كما يقصد في التصدق على الفقراء من الأعطاء بقصد حصول ما هو المحبوب عند الشارع. والظاهر عدم وجه معتد به للاحتياط في مقام الأعطاء من حيث قصد الخمس أو الصدقة، لأن الصدقة ليست في مقام عمل المكلف إلا إعطاء المال بقصد التقرب، والاختلاف بينهما من حيث الجعل الألهي - من جهة كون الخمس إكراما، والصدقة لأجل المثوبة - غير ما وقع حيز الأمر، فافهم وتأمل. * وذلك لقيام الضرورة على ذلك، ولعدم العموم لروايات الباب: أما خبر عمار المتقدم (1) فلما فيه من التقييد صريحا بعدم معلومية صاحبه، وظاهره بيان الحكم الوضعي وتقييد الوضع أي يكون الخمس في المال بالقيد المذكور، كما أن ظاهر باقي الأخبار أيضا بيان الحكم الوضعي، فالجمع العرفي ينحصر في أن يكون مقيدا لغيره من أخبار الباب ولا يمكن الحمل على التخيير.


(1) في ص 284.

[ 298 ]

[... ] وبذلك ي‍ ظهر عدم عموم جميع الأخبار، لوجود القيد الصريح في معتبر عمار، مضافا إلى عدم العموم في الباقي في نفسه بوجهين، الأول: الانصراف عما علم المقدار. ووجه الانصراف أمران، أحدهما: ظهور الجملة المكررة في الروايات الواردة (فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) - بحسب الجري على ما هو المتعارف في أمثال المقام - في وقوع المصالحة، والمصالحة بحسب الارتكاز العرفي تقع عند الجهل بالمقدار، وأما مع العلم بالمقدار فلا داعي على المصالحة في نظر العرف، والكلام محمول على ما هو المرتكز عند العرف في مقام المصالحة. ثانيهما: أن الحكم بالخمس في ما كان أقل من الخمس غير مراد قطعا، إذ لا معنى لقوله (إن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) الوارد في مقام الامتنان في المورد المذكور، وهذا يصلح لأن يكون قرينة على صورة عدم العلم بالمقدار. الثاني: الانصراف عما علم صاحبه. والوجه فيه: ظهور السؤال في أنه لا يدري طريق التخلص والتوبة، ولو كان صاحبه معلوما فطريق التخلص معلوم أيضا بحسب ارتكاز العرف والمتشرعة، مضافا إلى ما عرفت: من تصريح خبر عمار بالقيد، ووجود القيد في خبر حسن بن زياد (1) الناقل لقصة أمير المؤمنين، المظنون أو المعلوم كونها والمنقول عن الفقيه (2) - مرسلا ومسندا - قصة واحدة، فالأخبار الثلاثة بمنزلة خبر واحد مشتمل على القيد المذكور في خبر حسن بن زياد وهو قوله عليه السلام: (واجتنب ما كان صاحبه يعلم)، وهذا مضر بالأطلاق ولو على فرض الدوران بين كون الصادر منه عليه السلام ما ذكر أو ما تقدم من كون الصادر (يعمل) لاكتناف الكلام بما يصلح للقرينية، فتأمل. هذا. مضافا إلى أنه على فرض الشمول فلا ريب أنه يعارض لما دل على


(1) المتقدم في ص 285. (2) المتقدم في ص 287.

[ 299 ]

[ وحينئذ فهل يحكم بحصول الشركة قهرا * ] وجوب رد مال الناس إلى صاحبه من حديث اليد (1) وما هو المعروف من أن المغصوب مردود وغير ذلك مما هو معلوم، فلا إشكال في عدم شمول أخبار الخمس لذلك. * فقد قال الشيخ الأنصاري قدس سره: وحكمه الشركة في العين بنسبة المالين، إلا أن يكون الخليط مما يستهلك بالاختلاط بحيث لا يعد في حال الاختلاط مالا فيجب القيمة على من اختلط، سواء كانا متجانسين أو متغايرين، وسواء كان الاختلاط بالامتزاج أو بالاشتباه، وسواء كان الامتزاج بالاختيار أو بدونه (2). انتهى. قوله (سواء كانا) متعلق بالمستثنى منه لا المستثنى، ومفاده أن حكمه الشركة في العين مطلقا. وفي الجواهر - بعد أن قال قدس سره في الشرائع: (وكل مالين مزج أحدهما بالاخر بحيث لا يتميزان تحققت فيهما الشركة، اختيارا كان المزج أو اتفاقا) - (3) قال: مقصودا به الشركة أولا، بلا خلاف أجده فيه، بل لعل الأجماع بقسميه عليه، لكن فرق بين الاختياري المقصود به الشركة وغيره في أن الأول شركة واقعية والثاني ظاهرية، فلو اتفق العلم بنقصه لأحدهما لم


(1) المستدرك: ج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب الوديعة. (2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري قدس سره: ص 241. (3) الشرائع: ج 2 ص 374.

[ 300 ]

[... ] يكن للاخر شركة فيه. إلى أن قال الماتن قدس سره: (يثبت ذلك في المالين المتماثلين في الجنس والصفة، سواء كانا أثمانا أو عروضا. أما ما لا مثل له كالثوب والخشب والعبد فلا تتحقق فيه بالمزج (1) (2). انتهى مع تلخيص ما. وقال السيد الطباطبائي قدس سره في تعليقه على المكاسب عند قول المصنف قدس سره: (فالقدر والمالك إما معلومان أو مجهولان أو مختلفان، وعلى الأول فلا إشكال) (5): ما ملخصه أن: حكمه الشركة الظاهرية، إلا إذا كان الامتزاج بالاستهلاك الموجب لانعدام المالية فلا شركة في العين، بل تستقر القيمة على من استهلكه، لأنه أتلفه، وأما في غيره (بأن لم يكن الامتزاج موجبا لذلك أو كان موجبا له لكن يتحقق بذلك وصف في المستهلك فيه يوجب حصول المالية فيه، ككف من السكر في كأس من الماء) فالظاهر ثبوت الشركة في العين بنسبة المالية، ويحتمل الرجوع إلى القيمة ولو لم يكن من بيده متلفا له. انتهى ملخصا. أقول: يمكن أن يستدل على الشركة بامور، منها: الأجماع المشار إليه في الجواهر (4). ومنها: بناء العقلاء على ذلك. ومنها: أنها أقرب من حيث وصول


(1) الشرائع: ج 2 ص 374 - 375. (2) الجواهر: ج 26 ص 291. (3) المكاسب: ص 71. (4) الجواهر: ج 26 ص 291.

[ 301 ]

[ أم لا؟ فيه وجهان *. والظاهر عدم حصول الشركة، والأحوط المصالحة على ما هو حقه بما يأخذه إن رضي بذلك، وإن امتنع ورجع الأمر إلى الحاكم فالأحوط له أن يستقرع فيختار إذا لم يكن ظن، وإلا ] نصف ماله الواقعي إليه، فيقع في يده في ضمن جميع المال أو يصالح بشئ آخر في مقام القسمة برضاه أو رضا وليه الحاكم الشرعي، لكن ذلك صحيح في قبال استقلال ذي اليد وكون الاختيار بيده، وأما في قبال جعل الاختيار بيد ذي اليد في انطباق حق المستحق على المال من دون لزوم ضرر فلا ملزم للشركة، لأن المال الذي يصل إليه إما ماله الأصلي وإما يكون عوضا عن ماله الأصلي برضاه أو برضا الحاكم على فرض الامتناع، والاحتياج إلى ذلك المقدار ضروري على الفرضين فلا ملزم للشركة الموجبة للتصرف في مال الطرفين ونفسهما بإخراج نصف ماله عن ملكه وإدخال نصف مال الغير في ملكه من دون قبوله، ومن هنا يشكل الجزم بوجود الأجماع وبناء العقلاء في مطلق الاختلاط ولو كان بالاشتباه، والقدر المتيقن صورة الامتزاج الخارجي في المتماثلين - كامتزاج حنطة بحنطة مثلها - ولا يبعد وجود بناء العقلاء على الشركة فيه، بل لا يبعد أن يكون المقصود من الشركة الظاهرية المصرحة بها في الجواهر (1) هو معاملة الشركة مع المالين: من الاحتياج إلى الأفراز وإجبار الحاكم وتقسيم الثمن على حسب المقدار وتقسيم المنافع كذلك، ولذا خصه المحقق في الشرائع بالمتماثلين (2)، ولعل الظاهر صورة الامتزاج الخارجي لا الاشتباه حتى يشمل صورة بيع نصف من البعض الموجود قبل القسمة فيرتب عليه جميع أحكام الشركة. * قدمروجه الشركة. وملخصه نقل الأجماع، لكن القدر المتيقن منه هو الظاهرية منها في خصوص مزج المتماثلين الذي مرجعه إلى عدم الشركة، وكذا بناء العقلاء.


(1) الجواهر: ج 26 ص 291. (2) الشرائع: ج 2 ص 374.

[ 302 ]

[ ففيه وجهان وإن كان الأرجح تقدم القرعة *. والظاهر لزوم إيكال الأمر إليه أو إلى وليه إذا لم يستلزم الضرر * *. ] * وذلك لأن حجية الظن كشفا أو حكومة في فرض عدم وجود طريق شرعي أو أصل كذلك من باب التبعيض في الاحتياط، والقرعة أصل شرعي فهي متقدمة عليها. وبتقريب آخر: احتمال عدم الحجية في الظن من باب تعارضه للقرعة مساوق لعدم حجيته، بخلاف احتمال عدم الحجية في القرعة فإن الظهور ينفيه. * * وذلك لمراعاة العلم الأجمالي بقدر الأمكان، هذا على طبق الاحتياط. وقد يحتمل أن يكون الاختيار بيد ذي اليد - كما هو الظاهر من العروة - لدلالة بعض الروايات على ذلك التي منها ما يأتي (1) إن شاء الله تعالى من خبر علي بن أبي حمزة وقد حكم فيه عليه السلام برد ما يعلم صاحبه إليه مع أنه من البعيد كون المال موجودا في الخارج متميزا عما عداه، لكن الظاهر حمله على الغالب من الرضا بالمقدار، فتأمل. ثم لا يخفى أنه لا إشكال في أن الظاهر هو القيمة في صورة الاستهلاك غير الموجب لزيادة المالية، وأما الموجب لها ففيه وجوه، الأول: هو الرجوع إلى القيمة وأخذها من المتلف بالاستهلاك لحصول التلف. الثاني: حصول الشركة - بنسبة ما للوصف الحاصل - من القيمة. الثالث: أخذ قيمة المالية الموجودة مخيرا بين أن يأخذه من المستهلك أو ممن بيده المال. الرابع: مالكية نفس الوصف، ولعل الأخير هو الأقرب في صورة استهلاك أحد الممتزجين دون الاخر، كما في الدبس في الدهن أو السكر في الخبز، وأما في مثل السكنجبين فلعل الأظهر هو الشركة بنسبة المالية، وهو العالم.


(3) في ص 305.

[ 303 ]

[ الثاني: أن يعلم مقدار الحرام مع فرض الاختلاط وكان مالكه مجهولا مرددا بين المحصور، وفيه وجوه *. ] * الأول: أن يقال بكونه متعلقا للخمس، لشمول مثل معتبر عمار بن مروان المتقدم (1) بل والأخبار الاخر، من جهة صدق قوله: (ولا أدري الحلال منه والحرام) (2). لكنه مردود بعدم الشمول، لوجوه: الأول: كون رواية عمار في مقام الأهمال والأجمال، وذلك بقرينة ذكر المعادن والبحر والغنيمة والكنوز، فإن لكل من ذلك شرائط، فكونه في مقام بيان عدم اشتراط شئ إلا صدق العناوين المذكورة موجب لتقييد الأطلاق من جهات كثيرة، فلا بد أن يحمل على الأهمال والأجمال. واشتراط المختلط بعدم معرفة صاحبه ليس إلا توضيحا لما ينصرف إليه اللفظ، لا تقييدا للأطلاق الظاهر في الشمول لولاه، كما لا يخفى، وأما الحاكي لقصة أمير المؤمنين عليه السلام فهو يشتمل على ما يكون بمنزلة بيان الملاك، وهو قوله (فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) أو ما يقرب من ذلك، وهو لا يشمل صورة كون المقدار أقل من الخمس قطعا، لأنه في مقام الامتنان، وليس الرضا بالخمس بالنسبة إلى الأقل منه امتنانا كما لا يخفى، فهو أيضا قرينة على أن موضوعه ليس مطلق المختلط حتى مع العلم بالمقدار. الثاني: أن الاختلاط مع العلم بالمقدار لا يكون معضلة غالبا بنظر العرف حتى يحتاج إلى الحل بالخمس. والأعضال في مورد البحث من جهة الجهل بالصاحب، ولا دخالة للاختلاط في الأعضال، فإن الأغراض متعلقة غالبا بأصل


(1) في ص 284. (2) تقدم في ص 288.

[ 304 ]

[... ] المالية، وبه يمكن تحصيل ما تعلق به الغرض من الأعيان الخاصة لاسيما مع التماثل، كما لا يخفى. ويؤكد ذلك غير خبر عمار من جهة وقوعه في حيز السؤال وإرادة التوبة (1) الظاهر في الأعضال الذي لا يجد لحله سبيلا. ويؤكده أيضا - مضافا إلى ذلك - ما يكون مشتملا على الأقرار بالأغماض (2)، فإن من يغمض في مقام جمع المال ولا يبالي بالحرام والحلال لا يثبت المقدار قهرا، كل ذلك ملاك للانصراف عن صورة العلم بالمقدار. الثالث: أن حل الأعضال المذكور - على فرض كونه إعضالا بنظر العرف - ليس في نظره بإعطاء الخمس في الأقل من الخمس قطعا أو الأكثر منه كذلك، كما لا يخفى. الرابع: أن الخمس - الذي هو الكسر المشاع الذي هو أيضا مختلط - لا يصلح أن يكون حلا للاختلاط مع العلم بالمقدار، لبقاء الاختلاط بعد ذلك أيضا، فلا بد لحله من التمسك بجهات اخر وأدلة غير نفس روايات الباب، كما لا يخفى. الخامس: أنه يبعد جدا مع حصر صاحبه بين اثنين أو ثلاثة - مثلا - أن يعطى الخمس إلى غيرهم، كما لا يخفى. السادس: تقيد خبر عمار يمكن أن يكون مخرجا لذلك، لأنه يعرف صاحبه ولو بالأجمال بناء على التقيد، كما مر أنه الظاهر في الوضعيات. الثاني: أن يكون من أفراد المجهول مالكه فيتصدق عن صاحبه الواقعي، ونسب ذلك إلى صاحب المستند قدس سره.


(1) الوسائل: ج 6 ص 352 الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 3 و 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 305 ]

[... ]... والو جه في ذلك عموم بعض أخبارها بعدما تقدم من عدم شمول أخبار الخمس، كخبر علي بن أبي حمزة، وفيه: (فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به) (1) المؤيد إطلاق الجملة الثانية بظهور الجملة الاولى في من يعرفه بشخصه، لأن الرد إليه مستلزم للتشخص. لكن الأنصاف أنه محمول على ما هو المرتكز من أداء الحقوق إلى صاحبه بحد الأمكان، وأن التصدق في صورة الجهل بالمالك من جهة عدم إمكان الأيصال إلى صاحبه، ولا يدل قطعا على وجوب التصدق في ما يرضى كلاهما مثلا بالتنصيف، كما لا يدل أيضا بلا إشكال على وجوب التصدق بصرف عدم معرفة صاحبه فعلا، المحتاج إلى فحص قليل مثلا. وعلى فرض الأطلاق في مثله فالظاهر هو الحمل على صورة عدم التمكن من الأيصال إلى صاحبه، بقرينة خبر حفص بن غياث (الثابت اعتباره لمجموع وجوه، منها: نقل المشايخ الثلاثة قدس سرهم له في كتبهم المعروفة. ومنها: كون سليمان بن داود من مشيخة الفقيه. ومنها: أن الصدوق قدس سره نقله في المقنع في مقام الأفتاء. ومنها: شهادتهم بأن كتاب حفص معروف معتمد عليه، فراجع خاتمة المستدرك في شرح مشيخة الفقيه) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا واللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: (لا يرده، فإن أمكنه أن يرده على أصحابه فعل، وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها


(1) الوسائل: ج 12 ص 144 الباب 47 من أبواب ما يكتسب به.

[ 306 ]

[... ] حولا، فإن أصاب صاحبها ردها عليه، وإلا تصدق بها...) (1). فإن المفروض هو الجهل بصاحبه في جملة (وإلا كان الخ) بقرينة (فيعرفها حولا) ومع الفرض المفروض أخذ عدم التمكن ملاكا للحكم ودخيلا في الموضوع، فهو إما مستقل في كون الحكم هو التصدق - كما عن بعض الأصحاب - وإما دخيل في ذلك، وكيف كان، فيدل على أن صرف الجهل ولو مع التمكن من الأيصال إلى صاحبه ليس موجبا لوجوب التصدق. ويمكن أن يقال: إن ما يجئ بعد ذلك إن شاء الله تعالى (2) من أخبار التوزيع والقرعة واردة في المجهول مالكه فيرفع اليد عن إطلاقه إن كان، فتأمل. كما يمكن أن يقال: إن ما يدل على التوزيع أو القرعة يخرج الموضوع عن المجهول مالكه ولو في الظاهر، فتأمل. ويمكن أن يقال أيضا: إن في المحصور لا يصدق عدم معرفة المالك، لأن المالك معلوم ولو بالأجمال، كما تقدم في رد الوجه الأول. الثالث: أن يوزع عليهم بالسوية كما أفتى به في العروة (3)، ونقل قدس سره في الجواهر عن المدارك والروضة في الجملة (4). والوجه في ذلك إلقاء الخصوصية بالنسبة إلى بعض موارد الأخبار الواردة التي: منها: مرسل عبد الله بن مغيرة (الذي هو أقوى من المسند الصحيح لوجوه، منها: كونه من أصحاب الأجماع. ومنها: نقله عن غير واحد من أصحابنا. ومنها:


(1) الوسائل: ج 17 ص 368 الباب 18 من أبواب اللقطة. (2) في ص 307 وما بعدها. (3) في المسألة 30 من الفصل الاول من كتاب الخمس. (4) الجواهر: ج 16 ص 73.

[ 307 ]

[... ] نقل غيره عن أبي عبد الله عليه السلام ذلك من دون زيادة ونقيصة. ومنها: كون ناقل الثاني ابن أبي عمير عن محمد بن أبي حمزة عمن ذكره عنه عليه السلام، فالخبر في غاية الاعتبار): في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الاخر: هما بيني وبينك. فقال: (أما الذي قال هما بيني وبينك، فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له وأنه لصاحبه، ويقسم الاخر بينهما) (1). لكن الأنصاف عدم دليل على إلقاء الخصوصية، فإنه ليس في مورد الرواية فرض الاختلاط وكون أحدهما معترفا بأن المال إما لفلان أو لفلان، فإن كلا منهما يدعي كون الدرهم له، وليس في البين من يعترف بالغصب ويريد الاستخلاص من محذور الحرام، بل مورد الرواية مورد الدعوى التي لا بد من القضاوة بينهما بما لا يتوجه ظلم على أحد. ثم إنه يظهر من الرواية حكم آخر، وهو أنه لو أقر أحد بأن المال بينهما يحمل على النصف. وحيث إنه عليه السلام في مقام الاستدلال فيستفاد من الرواية قاعدة كلية، وهي أن الوصية والوقف المضافين إلى فردين أو أفراد متعددة يحملان على التسوية بينهم، كما لا يخفى. ومنها: خبر تميم بن طرفة: إن رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل منهما بينة فجعله علي عليه السلام بينهما (2).


(1) الوسائل: ج 13 ص 169 ح 1 من ب 9 من أبواب الصلح. (2) الوسائل: ج 13 ص 170 الباب 10 من أبواب الصلح.

[ 308 ]

[... ] وقد مر الكلام في مثله استدلالا وجوابا، مضافا إلى أمرين آخرين: أحدهما ضعف السند، والاخر احتمال أن يكون أمير المؤمنين أرضاهما بالصلح بينهما. ومنها: خبر السكوني عن الصادق عن أبيه عليهما السلام: في رجل استودع رجلا دينارين فاستودعه آخر دينارا، فضاع دينار منها، قال: (يعطى صاحب الدينارين دينارا، ويقسم الاخر بينهما نصفين) (1). وعن الشيخ قدس سره: ويقسمان الدينار الباقي بينهما نصفين. وعنه بسند آخر عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام: فقضى أن لصاحب الدينارين دينارا. والجواب عنه يظهر مما تقدم، لأن المفروض أن اليد الواقعة على الدنانير ودعية، والمفروض في المبحوث عنه أن اليد غصبية، وليس المفروض في مورد الرواية وجود إعضال لصاحب اليد، لأن النزاع إن كان فهو بين صاحبي المالين، لعدم توجه تقصير إلى المستودع، فكيف يسري الحكم من مورد الخبر إلى مورد البحث؟ مضافا إلى احتمال أن يكون الصحيح ما نقل بالسند الأخير وكان المقصود أن أمير المؤمنين قضى بذلك الصلح وأرشدهم إلى الرضا بذلك، وإلا لم يكن المال يصل إلى أحد منهما. ومضافا إلى إمكان أن يكون الحكم المذكور من باب الولاية العامة للأمام غير الثابتة للفقيه. ومضافا إلى ما يرد على الكل: من أنه لو كان الحكم هو التوزيع في كل مال مردد بين الشخصين لم يكن وجه لما في خبر إسحاق بن عمار، قال:


(2) الوسائل: ج 13 ص 171 الباب 12 من أبواب الصلح.

[ 309 ]

[... ] قال أبو عبد الله عليه السلام في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما في ثوب وآخر عشرين درهما في ثوب، فبعث الثوبين ولم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه، قال: (يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، والاخر خمسي الثمن) (1) الحديث. فإن اللازم على الأول توزيع كل من الثوبين، وهو مستلزم للضرر على صاحب الثلاثين، فتأمل. ثم لا يخفى أن المستفاد من خبر السكوني عدم حصول الشركة في المختلط ولو كان من جنس واحد، إذ الأغلب في الدنانير الثلاثة هو الاختلاط، ومقتضى ذلك حصول الشركة قبل الغصب أو الضياع، ومقتضى ورود الضياع على المشاع أن يكون الباقي أثلاثا بينهما، فيكون لصاحب الدينار الواحد ثلثا الدينار لا نصفه، فافهم وتأمل. الرابع: أن يحكم بوجوب الاحتياط ولو كان مستلزما للضرر على ذي اليد. ويستدل على ذلك بأمرين: أحدهما: العلم الأجمالي الموجب للتنجز بالنسبة إلى جميع الأفراد. ولا مانع منه إلا لزوم الضرر على ذي اليد بإعطاء كل من يحتمل أن يكون صاحب المال. والجواب عن الضرر بوجوه: الأول: أنه أقدم - بجمعه للمال الحرام - على الضرر. وهو واضح الدفع، وذلك لعدم الأقدام قطعا، فإن من يحرز مال الحرام لا يقدم


(1) الوسائل: ج 13 ص 170 الباب 11 من أبواب الصلح. [... ]

[ 310 ]

على الضرر، بل يكون مقصوده الأضرار على الغير بجمع المال لنفسه. الثاني: أن الغاصب يؤخذ بأشد الأحوال - ولذا لو بنى بناء على الحجر الغصبي يجوز لصاحب الحجر أن يحكم بخرابه وأخذ الحجر - كما في الجواهر (1) بلا خلاف بين الأصحاب. وفيه: أن القدر المتيقن منه مورد عدم مالكية أن يكون بناؤه في المغصوب أو عليه، فلا ضرر عليه، لعدم مالكيته ذلك، بل هو توهم للمالكية. وإن منع ذلك وقيل بأنه يصدق الضرر في مورد الأجماع نقول بأن الحكم بخراب البناء في المورد المذكور وحق قلع الشجر مثلا عن الأرض المغصوبة - كما في بعض روايات باب الغصب (2) - إنما هو في ما إذا كان منشأ حصول المالكية أمرا غير ملكه، وحينئذ فيمكن أن يكون لصاحب الملك إيراد الضرر عليه، بخلاف المقام الذي ليس مالكيته لغيره من أمواله مستندا إلى ملك غيره ومبنيا عليه. والحاصل أنه لا يكون صرف الغصب مخصصا لكل ضرر يرد على الغاصب من ناحية الرد إلى المالك ولو من باب الجهل بصاحبه. الثالث: أن ضرر ذي اليد معارض بضرر صاحب المال، ومقتضى الاستصحاب بعد أداء المال إلى بعض الأطراف: عدم وصول المال إلى صاحبه الواقعي الذي هو عين توجه الضرر إليه، فتحقق التعارض. والجواب عن ذلك بوجوه: الأول: ما في المستمسك من أنه من قبيل استصحاب الفرد المردد بين مقطوعي البقاء والارتفاع (3).


(1) الجواهر: ج 37 ص 78. (2) الوسائل: ج 17 ص 310 ح 2 من ب 2 من أبواب الغصب. (3) المستمسك: ج 9 ص 497.

[ 311 ]

[... ] وفيه: أنه يستصحب الكلي الذي هو من قبيل القسم الثاني. الثاني: أنه مثبت، من باب أن لزوم الضرر غير الاستناد إلى حكم الشارع الذي هو موضوع للرفع. الثالث: أن التعارض لا يثبت في الأصل حكما شرعيا إلا سقوط نفسه وغيره عن الاعتبار، بخلاف جانب الأمارة، فإنها لا تقتضي إلا سقوط معارضه وثبوت نفسه، فيؤخذ به، فتأمل. الرابع: أن الأصل المذكور معارض بأصل عدم كون كل من الأطراف صاحب المال واقعا، الحاكم بعدم الرد إلى واحد منها. الخامس: أن الحق هو أن يكون باب دوران الأمر بين الضررين من قبيل التزاحم لا التعارض، فيؤخذ بأقل الضررين. فقد تحصل أنه لا راد لحديث الضرر بحسب الظاهر. ويمكن رفع العلم الأجمالي أيضا بدليل القرعة، لأن وزانها وزان الاصول العملية الموجبة لانحلال العلم الأجمالي، فحينئذ إن كان موضوعها المجهول - كما في موضوع سائر الاصول - فينحل به العلم الأجمالي، وإن كان موضوعها المجهول من جميع الجهات فكل من القرعة والعلم الأجمالي صالحان للورود فلا يحكم العقل بالتنجز أيضا، فتأمل. ثانيهما: هو استصحاب وجوب رد المال إلى صاحبه، واستصحاب عدم وصول المال إلى صاحبه إن سلم من التعارض المشار إليه. وقد تقدم أن (لا ضرر) بعد عدم التعارض كما يرد العلم الأجمالي يرد الاستصحاب المذكور أيضا، فقد انقدح من ذلك عدم صحة الوجوه الأربعة المتقدمة. ولعل الأصح أن يقال: إن مقتضى قاعدة العلم الأجمالي والاستصحاب

[ 312 ]

[ مقتضى القاعدة: وجوب التخلص عن الكل إن لم يكن مستلزما للضرر، وإلا فيقرع بينهما. والأحوط أن يكون القرعة موكولا إلى الحاكم الشرعي *. ] المذكور هو وجوب الاحتياط بالصلح والأرضاء إن لم يكن مستلزما للضرر، وإن استلزم الضرر فالظاهر هو القرعة، لما ورد في المعتبر: (كل مجهول ففيه القرعة) (1) وفي الصحيح: (فأي قضية أعدل من القرعة إذا فوضوا أمرهم إلى الله عزوجل، أليس الله يقول: فساهم فكان من المدحضين) (2). * أما وجوب التخلص إن لم يكن مستلزما للضرر فلما مر من العلم الأجمالي واستصحاب عدم وصول المال إلى صاحبه، ومع فرض عدم جريانه للمعارضة فيرجع إلى استصحاب وجوب الرد. وأما القرعة إذا كان مستلزما للضرر فلأن الضرر يحكم بعدم وجوب الاحتياط وعدم العمل بالاستصحاب - على ما مر تفصيله - فموضوع القرعة الذي يكون المتيقن منه المجهول من جميع الجهات متحقق فيرجع إليها. وأما كون الاحتياط أن يكون المتصدي لها الحاكم الشرعي فلمرسل حماد المعتبر عن أحدهما عليهما السلام، قال: (القرعة لا تكون إلا للأمام) (3). واحتمال (الاختصاص بالمعصوم من جهة عدم الدليل على عموم النيابة للفقيه) مدفوع بأنها من شؤون القضاوة عرفا، والقضاء موكول من جانبهم عليهم السلام


(1) الوسائل: ج 18 ص 191 ح 18 من ب 13 من أبواب كيفية الحكم. (2) المصدر: ح 17. (3) الوسائل: ج 18 ص 189 ح 9 من ب 13 من أبواب كيفية الحكم.

[ 313 ]

[ هذا إذا لم يكن بعض الأطراف مظنونا كونه صاحب المال، وإلا فالأحوط الجمع بين القرعة والعمل بالظن *. والأحوط هو التخلص بإرضاء الكل أو الأعطاء - وإن كان مستلزما للضرر - والرجوع إلى القرعة على النحو المتقدم إذا كان ذلك حرجيا * *. ] إلى الفقيه، فلا إشكال من تلك الجهة. * بمعنى أنه يستقرع، فإن وافق الظن فلا إشكال، وإن خالفه فيخلص عنهما. والوجه في ذلك احتمال أن يكون موضوع القرعة هو المجهول من جميع الجهات - أي من جهة الحكم الواقعي والظاهري الشرعي والعقلي - وحجية الظن ليست إلا من باب مقدمات الانسداد الصغير في خصوص أطراف العلم الأجمالي الخاص الذي موضوعها الانسداد من جميع الوجوه، فلا ترجيح لأحدهما على الاخر. كما يمكن أن يقال بترجيح القرعة من باب أن صرف الاحتمال في ناحية حكم العقل بحجية الظن كشفا أو حكومة كاف في عدم الحكم، فلا حجة في البين قطعا من ناحية الظن، بخلاف القرعة، فإن احتمال عدم الحجية مدفوع بحجية ظهور اللفظ في قبال اللاحجة. ويمكن أن يقال بترجيح الظن من باب أن الكبرى الواقعة في الصحيح المتقدم موقع العلة غير صادقة في المقام، لأن ملاحظة المظنون أعدل، فإن المستفاد منه أن القرعة تكون في مورد لا يكون قضاء آخر أعدل منه، فلعل الأقرب ترجيح الظن، وإن كان الأحوط الذي لا يترك هو الجمع بين مقتضى الأمرين من الظن والقرعة. * * وذلك لاحتمال إلقاء حديث نفي الضرر في ما إذا كان المال بيد الغير من دون إذن واستيمان وإن لم يكن استقرار اليد عليه بالعدوان، لما مر من حق التخريب بالنسبة إلى البيت المبني على الحجر المغصوب ولو لم يكن الغاصب

[ 314 ]

[ وأحوط منه هو التخلص مطلقا - ولو كان حرجيا - إذا كان ذو اليد غاصبا *، وأما إذا لم يكن استقرار اليد على المال المردد بنحو العدوان وكان الاحتياط حرجيا فلا مناص * * إلا عن القرعة على النحو المتقدم * * *. ] صاحب الدار، كأن اشتراه من دون العلم بذلك أو ورثه من مورثه. وأما الرجوع إلى القرعة في صورة الحرج فلأنه لا مخصص لدليل نفي الحرج، بل يمكن القول بذلك في البناء المبني على المغصوب أيضا، بأن يقال: إنه إذا أدى خراب داره إلى الوقوع في الحرج الشديد فدليل نفي الحرج كما يكون حاكما على سائر الأحكام يكون حاكما أيضا على خصوص هذا الحكم الوارد في الشرع، وليس الحكم مجعولا في مورد الحرج، إذ ليس تخريب البناء المبني على الحجر المغصوب موجبا لتوجه الحرج إلى صاحب البناء مطلقا. * لما تقدم من احتمال إلقاء حكم الحرج كالضرر في حق الغاصب، لكن قد مر جوابه في التعليق السابق. * * لأنه إذا لم يكن ذواليد مقصرا في استقرار اليد على مال الغير بل هو بصدد التخلص والرد من أول ما استقرت يده عليه وكان التخلص بالأعطاء حرجيا فالحكم بذلك كاد أن يكون ظلما موضوعا لاستقلال العقل بعدم لزوم تحمله. * * * أي ملاحظة الظن أيضا والجمع بينهما وبين القرعة، إلا إذا كان ذلك حرجيا أيضا فالظاهر حينئذ تقديم الرجوع إلى الظن كما تقدم وجهه في التعليق على قولنا (فالأحوط الجمع بين القرعة والظن)، والله المتعالي هو العالم بالحقائق وله الشكر المتواصل. ثم إنه في المسألة وجوه ظهر بعضها مما تقدم، الأول: الخمس. الثاني: أن يجري عليه حكم مجهول المالك. الثالث: التوزيع. الرابع: الاحتياط مطلقا.

[ 315 ]

[ الثالث: أن يعلم المقدار ويجهل صاحبه وكان مرددا بين غير المحصور ففيه وجوه *. ] الخامس: الاحتياط إلا إذا كان مستلزما للضرر فالقرعة. السادس: الاحتياط إلا إذا كان حرجيا فالقرعة. السابع: التفصيل بين الغاصب وغيره، فيجب على الغاصب الاحتياط مطلقا دون غيره. الثامن: إعطاؤه للحاكم الشرعي، كما عن الشيخ الأنصاري قدس سره. التاسع: التخيير في الدفع. العاشر: الرجوع إلى الظن، وإلا فالقرعة أو الاحتياط أو التوزيع. الحادي عشر: الرجوع إلى القرعة مطلقا. ثم إنه لا يخفى أن مركز تلك الوجوه هو ما إذا لم يتشخص المالك بموازين الدعوى من البينة والحلف وغيرهما، وإلا فالأمر واضح، كما لا يخفى. * المستفاد من الجواهر وجوه أربعة: الأول - وهو الذي نسب إلى المشهور كما في المستمسك (1) -: أن يتصدق به، فيكون من أفراد المجهول مالكه. الثاني: هو التخميس وإعطاء الخمس إلى مصرف سائر أقسام الخمس، كما عن الحدائق. الثالث: هو التفصيل بين ما إذا كان بقدر الخمس أو أقل فيخمس ويصرف في مصرف سائر أقسام الخمس، وأما إذا كان زائدا عنه فيعطى خمسه إليهم والزائد يتصدق به، فيكون مصرف الزائد مصرف سائر الصدقات، وهو الذي نقله في المدارك عن التذكرة وجماعة كما في الجواهر (2). الرابع: إعطاء المقدار المعلوم كائنا ما كان إلى مورد الخمس من الأمام عليه السلام والهاشميين، وهو الذي يحتمل إرادته في عبارة التذكرة ونقل في الجواهر عن الكفاية عن بعضهم احتماله، وإن كان لا دليل عليه حينئذ (3).


(1) المستمسك: ج 9 ص 491. (2) ج 16 ص 73. (3) الجواهر: ج 16 ص 73 - 74.

[ 316 ]

والأوفق بالدليل هو التصدق *. وهنا وجه خامس - لعله أقرب من بعض الوجوه المتقدمة - وهو التخيير بين الخمس وصرفه في مصرفه من الهاشميين أو التصدق به على الفقراء. والوجه في ذلك: الأخذ بالدليلين وإلقاء خصوصية التعين، المؤيد ذلك بقوله عليه السلام: (فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) الظاهر في الترخيص ويكون حاكما على ما يدل على التصدق بجميع المقدار من باب أن المفروض فيه أنه لولا رضا الله تعالى بذلك لكان الحكم أشق من ذلك من باب لزوم إعطاء جميع المال مثلا حتى يستخلص لولا الضرر، أو جميع المقدار في ما إذا كان زائدا على الخمس. هذا بيان الوجوه بنحو الأجمال. * كما نسب إلى المشهور. ووجهه مركب من أمرين: أحدهما شمول أخبار التصدق، والثاني عدم شمول أخبار الخمس. أما الأول فيدل عليه خبر علي بن أبي حمزة (1) الشامل لصورة عدم تميز المال قطعا، إذ المفروض أنه كان ممن لا يبالي وكان ممن يغمض في مطالبه، وحينئذ كيف يحمل على خصوص ما كان شخص مال الحرام معلوما عنده، إلا أن يكون مثل بعض البيوت والفروش والأبسطة، لكن لا معنى لحمله على خصوص ذلك، بل لا بد من حمله على الأعم منه ومن غير المتميز ومما استقر في ذمته من أموال الناس، وحكم عليه السلام في الكل بالتصدق إذا لم يعرف صاحبه بقوله المبارك: (ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا أضمن لك على الله عزوجل الجنة) (2). واحتمال الأذن مدفوع بإطلاق كلامه عليه السلام بالنسبة إلى عصره وعصر الخليفة بعده.


(1 و 2) الوسائل: ج 12 ص 144 الباب 47 من أبواب ما يكتسب به.

[ 317 ]

[... ] وتضعيف سنده بإبراهيم بن إسحاق مدفوع بامور، منها: أن الظاهر وثوقه أو حسن حاله، لنقل عدة من المشايخ عنه، منهم أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ومنهم سعد بن عبد الله الأشعري وغيرهم، فراجع خاتمة المستدرك (1). ومنها: أنه ممن نقل عنه هو محمد بن أحمد بن يحيى ولم يقع مورد الاستثناء محمد بن الحسن بن الوليد. ومنها: أن عبد الله بن حماد صاحب كتاب ينقل عنه، وكذا البطائني، والغالب هو النقل عن الكتاب المعتبر، والطريق نوع تبرك أو دقة في التصحيح. وأما البطائني فهو غير متهم بالجعل وإن انحرف عن الحق في آخر عمره حرصا على الدنيا. والقول بأنه لا يطمئن حينئذ بشخص منحرف عن الحق في آخر عمره، للاستبداد بمال موسى بن جعفر عليهما السلام، مدفوع بأنه غير مضر بعدالته وحسن ظاهره قبل ذلك، ولذا كان مرجعا للوجوه ووكيلا على الظاهر من جانب الناحية المقدسة، فالظاهر اعتبار الخبر وقوة الدلالة على المطلوب. وكذا يدل على عدم اشتراط التميز خبر يونس المحكوم بصحته عند الأكثر، قال: سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام وأنا حاضر - إلى أن قال: - فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأي شئ نصنع به؟ قال: (تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة). قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟


(1) المستدرك: ج 3 من الطبعة الحجرية ص 778.

[ 318 ]

[... ] قال: (إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه...) (1). ودلالته على عدم اشتراط التميز لوجهين، أحدهما: ترك الاستفصال - بعد السؤال عن كون بعض متاعه معهم - عن التميز وعدمه، مع إمكان الثاني كالأواني والأبسطة المتحدة في الشكل. ثانيهما: حكمه عليه السلام بالبيع والتصدق بالثمن الدال على جواز التبديل بإعطاء المقدار من باب أنه ماله أو بدل ماله، إذ لا فرق بين ذلك وبين البيع. ومن ذلك يظهر جواز الاستدلال للمطلوب - مع الغض عن ضعف السند - بخبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (جاء رجل من المدينة فسألني عن رجل أصاب شاة، فأمرته أن يحبسها عنده ثلاثة أيام ويسأل عن صاحبها، فإن جاء صاحبها، وإلا باعها وتصدق بثمنها) (2). الدال على ولاية من بيده المال على التبديل، والأفراز نوع من التبديل. ويمكن الاستدلال أيضا على عدم اشتراط التميز بمعتبر الصائغ، قال: سألته عن تراب الصواغين وإنا نبيعه. قال: (أما تستطيع أن تستحله من صاحبه؟) قال، قلت: لا إذا أخبرته اتهمني. قال: (بعه). قلت: بأي شئ نبيعه؟ قال: (بطعام) قلت: فأي شئ أصنع به؟ قال: (تصدق به، إما لك وإما لأهله) (3).


(1) الوسائل: ج 17 ص 357 ح 2 من ب 7 من أبواب اللقطة. (2) الوسائل: ج 17 ص 365 ح 6 من ب 13 من أبواب اللقطة. (3) الوسائل: ج 12 ص 485 ح 2 من ب 16 من أبواب الصرف.

[ 319 ]

[... ] وقريب منه خبره الاخر المنقول عن أبي عبد الله عليه السلام (3). والظاهر كون الرواية واحدة. ودلالة ذلك على عدم اشتراط التميز في المتصدق به واضح، إذ المعلوم فيه عدم التميز وعدم العلم بالمقدار وحصر صاحب المال، إلا أن الرجوع إليه مستلزم للمحذور، ودلالته على عدم اشتراط التميز في المعلوم مقداره غير المعلوم صاحبه بالأولوية. إن قلت: إن ما ذكر في المال المختلط وحكمه الخمس فهو يدل على جواز التصدق، فيمكن أن يكون الحكم في مجهول المقدار والمالك الخمس وجواز التصدق، فلا يدل إلا على جواز التصدق بالأولوية في ما يكون مقداره معلوما، لا على وجوبه. قلت: إن إطلاقه شامل لصورة عدم العلم بالاختلاط لماله، وحكمه بحسب الدليل المتقدم هو وجوب التصدق، ويخرج عن الوجوب بالنسبة إلى صورة العلم بالاختلاط لماله ويحكم بالوجوب في المحتمل، وبالأولوية في معلوم المقدار. مع أنه لو فرض جواز التصدق وفرض عدم كونه مشمولا لأخبار الخمس فلازمه الوجوب، إذ لا بد من التخلص عن مال الغير بالأيصال إلى صاحبه أو مراعاة ما هو بحكم الأيصال. إن قلت: إن ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى غير الغاصب، وقياس الغاصب التائب به - كما هو مورد البحث في المقام - قياس مع الفارق. قلت: ذلك مدفوع أولا بأنه إذا فرض أنه لا فرق بين الغصب وغيره من حيث وجوب التصدق، لدلالة خبر حفص بن غياث المتقدم (2) الوارد في من


(1) الوسائل: ج 12 ص 484 ح 1 من ب 16 من أبواب الصرف. (2) في ص 305.

[ 320 ]

[... ] (أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا) الشامل لصورة أخذ المال بقصد الرد إلى اللصوص الذي هو من أفراد الغصب، ولا فرق أيضا بين المتميز وغيره لما تقدم من الأدلة، فالمجموع من غير المتميز والمغصوب ليس فيه إشكال بنظر العرف، فتلقى الخصوصية. وثانيا بأنه يشمل مورد السؤال صورة وجود المغصوب في تراب الصواغين، فإن عدم المبالاة - بأن لا يراقب الصائغ عدم التفريط كالخياط - كثير، خصوصا مع كون المسؤول عنه تراب الصواغين، لا خصوص تراب دكته الخاصة به حتى يقال: إنه كان معلوما من حاله عدم التفريط، فعدم استفصال الأمام عليه السلام دليل على الأطلاق. وثالثا بأنه إذا كان حكم غير المتميز المجهول المقدار هو التصدق بل دل الدليل على جواز التبديل في المتميز المجهول مالكه فلا فرق بين المغصوب وغيره في التصدق، لأن احتمال تعين الخمس في ذلك مشترك مع التصدق في ثبوت ولاية الغاصب على مال المالك - على إشكال في ذلك، لاحتمال أن لا يجوز التصدق إلا بإذن الحاكم - ويمتاز عنه بعدم لزوم إعطاء الزائد إذا كان المقدار المعلوم زائدا عليه، وبأنه يعطى لمستحق الخمس من دون الضمان لصاحبه وتخييره بين الأجر والغرم على فرض العثور عليه، وعلى فرض كونه أقل فلا يعطى الزائد عنه إلى مقدار الخمس المالك بل يعطى إلى مصرف الخمس ولم يبين أن الزائد يقع للمالك، بل مقتضى ما تقدم من خبر الصائغ: وقوعه للمالك، وهو مقتضى القاعدة، وما ذكر دليل على أن العرف يلقي خصوصية عدم الغصبية. ورابعا بأنه يكفي في الاستدلال على المشهور خبر البطائني المتقدم (1)


(1) في ص 290.

[ 321 ]

[... ] الوارد في الغاصب التائب. وخامسا بأن مقتضى خبر حفص المتقدم (1) أنه بمنزلة اللقطة، ولا ريب أن اللقطة حكمها التصدق إذا كانت مخلوطة، كما تقدم. وسادسا بأنا نقول - على ما سنبين وتقدم - بعدم شمول أخبار الخمس للمورد، فبعد الرجوع إلى الحاكم الذي هو ولي الغائب كيف لا يكون وليه وهو وليه في أمر زوجته حيث يطلق ويأمرها بالعدة؟! وبعد الرجوع يتميز ويصير واردا في عنوان المتميز الذي لا شبهة في أن حكمه التصدق. هذا من حيث شمول أخبار التصدق. وأما الثاني - وهو عدم شمول أخبار الخمس - فلوجوه متقدمة خلاصتها في المقام امور: الأول: عدم كون عدم التميز من حيث الشخص والخصوصية معضلة عند العرف مع فرض العلم بالمقدار. الثاني: أنه على فرض كونه معضلة فليس حلها بالخمس الذي لا يوجب التميز. الثالث: أن رفع الأعضال بالخمس - الذي هو مقدار غير متميز من المال - يناسب أن يكون حلا للمقدار لا للشخص. الرابع: أن إعطاء الأقل من حق المالك في ما إذا كان زائدا على مقدار الخمس والزائد في ما إذا كان أقل خلاف ارتكاز العقلاء في مقام أداء الحقوق. الخامس: أن قوله عليه السلام: (إن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) لا يشمل الزائد عن الخمس والخمس قطعا، لكونه في مقام الامتنان من حيث المقدار، فالظاهر


(1) في ص 305.

[ 322 ]

[ لكن الأحوط إعطاء الخمس، وما يكون زائدا عليه لمستحق الخمس، بإعطاء النصف لبني هاشم وإعطاء النصف الاخر لمن يستحق السهم المبارك بقصد ما هو المحبوب عنده تعالى. هذا بناء على عدم حرمة الصدقة غير الزكاة على بني هاشم *، فنذكر حكم الصدقة استطرادا، فنقول: لا إشكال في حرمة الزكاة الواجبة عليهم * *. ] تمامية ما نسب إلى المشهور من حيث الدليل. * وجه الاحتياط واضح. والمقصود من قولنا (ما هو المحبوب عند الله) أي يقصد وقوعه من حيث المستحق وأنه هل هو الهاشمي مثلا من حيث هو أو من حيث كونه فقيرا، ومن حيث من له التصدق وأنه هل هو المالك الأصلي أو المعطي أم ليس الواجب إلا التصدق من دون وقوع ذلك للمالك ولا للمعطي، ومن حيث الضمان وأنه هل الصدقة على وجه الضمان أو غيرها، كل ذلك على النحو المحبوب عند الله تعالى. وهذا احتياط في احتياط، إذ مقتضى الدليل: عدم لزوم قصد العنوان الواقعي الذي تعلق به التكليف ولو كان العمل عباديا. * * قال قدس سره في الجواهر: بلا خلاف أجده بين المسلمين، بل الأجماع بقسميه عليه، بل المحكي من الفريقين متواتر كالنصوص، من غير فرق بين أهل العصمة منهم وبين غيرهم. وخبر أبي خديجة (أعطوا من الزكاة بني هاشم من أرادها منهم، وإنما تحرم على النبي صلى الله عليه وآله والأمام الذي يكون بعده والأئمة عليهم السلام) (1) بعد الغض عما في


(1) الوسائل: ج 6 ص 186 ح 5 من ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، مع اختلاف يسير.

[ 323 ]

[ وأما باقي الصدقات الواجبة ففيها وجوه *. ] سنده مطروح أو محمول على حال الضرورة (1). أقول: لا إشكال في أصل الحكم، وأما الخبر فالظاهر عدم إشكال في سنده، لأن أبا خديجة ثقة كما تقدم (2)، وأما طريق الصدوق إليه وإن كان ضعيفا في الاصطلاح إلا أن كون أبي خديجة من مشيخة الفقيه كاف في اعتبار ما يرويه عنه بالسند المذكور وفي كونه معتبرا عنده، فراجع (شسح) من خاتمة المستدرك في ما كتبه قدس سره في شرح مشيخة الفقيه (3)، مع رواية المقنع في مقام الأفتاء ورواية الكليني والشيخ بطريقين آخرين، فالخبر في غاية الاعتبار من حيث السند، ويحمل على ظاهره أو على القدر المتيقن من ظهوره، وهو حال عدم وفاء الخمس بمؤونته وكونه فقيرا - كما هو المفتى به عند جماعة من الأصحاب - فإن قوله عليه السلام " من أرادها منهم " لعله إشارة إلى الاحتياج، فجعل الارادة طريقا إلى احتياجهم، أو الاحتياج، أو يكون المقصود منه الاحتياج فجعل الأرادة طريقا إلى احتياجهم، أو يكون المقصود هو الاحتياج، وفيه تأمل لكنه الظاهر من قوله تعالى: فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض (4). * قال قدس سره في الجواهر ما ملخصه أنه: يظهرمن عدة من الأصحاب إلحاق جميع الصدقات الواجبة - كالكفارة ونحوها - بالزكاة، بل ربما يظهر من الانتصار والخلاف والمعتبر الأجماع عليه، بل صرح بعضهم بأن منها المنذور والموصى


(1) الجواهر: ج 15 ص 406. (2) في ص 156. (3) المستدرك: ج 3 من الطبعة الحجرية ص 705. (4) سورة الكهف: 77.

[ 324 ]

[... ] بها، وربما كان مقتضى ذلك حرمة رد المظالم الواجب عليهم، لكن الأجماع المتقدم غير متحقق من حيث الأطلاق، لاحتمال إرادة خصوص الزكاة من الصدقة الواجبة، وعلى تقدير تحققه موهون بمصير جماعة من المتأخرين - كالفاضل والمقداد والكركي والشهيد الثاني وسبطه - إلى خلافه (1). انتهى. أقول: في المسألة وجوه وبعضها قول: الأول: هو الحكم بالتحريم في مطلق الصدقات الواجبة ولو كان وجوبها بالعرض أو كان واجبا بالنسبة إلى شخص ومستحبا بالنسبة إلى الاخر، وهو مقتضى إطلاق القول بتحريم الصدقات الواجبة. الثاني: اختصاص التحريم بالزكاة المفروضة. الثالث: التفصيل بين الواجب بالذات فالتحريم، والواجب بالعرض فعدمه. الرابع: التفصيل بين الواجب الفعلي ولو كان بالعرض وما يكون واجبا من جهة ومستحبا من جهة اخرى، كما لو كان الأجير وكيلا من قبل شخص استأجره لأعطاء الصدقات، فإن ذلك واجب من حيث كونه عمل الأجير بالمباشرة ويستحب فعلا بحيث له أن ينصرف عن ذلك من حيث الاستناد إلى الموكل. ولعل رد المظالم من هذا القبيل، فإنه صدقة مستحبة من حيث وقوعها عن المالك، وواجبة من حيث نسبتها إلى ذي اليد، لوجوب إيصال المال إلى مالكه. وكيف كان، فالعمدة هو الأطلاقات الدالة على تحريم الصدقة على بني هاشم: فمنها: صحيح عيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:


(1) الجواهر: ج 15 ص 411 - 412.

[ 325 ]

[... ] إن اناسا من بني هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعل الله عزوجل للعاملين عليها فنحن أولى به. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا بني عبد المطلب (هاشم) إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكني قد وعدت الشفاعة...) (1). ويمكن المناقشة في إطلاق ذلك، لخصوص أن الموضوع هو الزكاة، فيمكن أن يكون اللام في (إن الصدقة) للعهد. ومنه يظهر الأيراد على حسن الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام الى واحدة. لكن خبر عبد الله بن سنان (لا تحل الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم) (1) خال عن المناقشة، إلا أن يقال: إنه بصدد عموم التحريم لبني العباس وليس في مقام الأطلاق من حيث الصدقة. ومما يستفاد منه الأطلاق معتبر زرارة وفيه: (ولا تحل لهم صدقات إنسان غريب) (2) وغير ذلك. ويدفع الأطلاق المذكور بامور:


(1) الوسائل: ج 6 ص 185 ح 1 من ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المصدر: ص 186 ح 2. (3) الوسائل: ج 6 ص 186 ح 3 من ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة. (4) المصدر: ص 190 ح 6 من ب 32.

[ 326 ]

[... ] منها: انصراف الصدقة بقول مطلق عن كل مال يستحب أداؤه أو يجب من باب الكفارة أو غير ذلك، بل المنصرف من قوله عليه السلام مثلا: (أصلة أم زكاة أم صدقة) (1) أو قولهم: (يجب أن يأكل من يذبح الهدي نفسه ويهدي ببعضه ويتصدق ببعض) هو ما جعل للتطهير من حيث المال أو النفس أو يقصد بذلك التطهير والتمحيص، وإلا كان إنفاق بعض الناس بعضا بقصد التقرب به إلى الله وضيافتهم - مثلا - من الصدقات، وهو مما يأبى عنه العرف، فالظاهر عدم انسياق الأطلاق إلا للصدقات المجعولة لتطهير المال أو تطهير النفس أو المقصودة منها ذلك، لا مطلق ما يعطى متقربا به إلى الله تعالى. ومنها: أن المقصود بالمطلقات إن كان مطلق الصدقات فإخراج الصدقات المندوبة - كما عليه الأجماع المتحقق، كما تعرض له في الجواهر (2) - وإخراج صدقات بعضهم على بعض وإخراج الأوقاف بل الأوقاف التي تجعل من الزكاة من سهم سبيل الله وصدقات بعضهم على بعض إخراج كثير، وعند دوران الأمر بينه وبين الكشف عن الانصراف لا يمكن المصير إلى ترجيح الأول. ومنها: ما اشير إليه في الجواهر (2) من أن النسبة بين دليل حرمة الصدقة وما يدل على إيجاب الصدقة الخاصة - كالكفارة ورد المظالم مثلا - هي العموم من وجه، فلا يمكن الحكم بالتحريم. وفيه أولا: أن دليل تحريم الصدقة حاكم على دليل وجوب الأعطاء، لأن المستفاد من عنوان الصدقة ما يكون إخراجها مطلوبا شرعا، وجوبا أو استحبابا، فوجود الدليل على وجوب الأخراج - بحيث لولا دليل تحريم الصدقة على بني هاشم لكان مقتضاه إجزاء الأعطاء لهم أيضا - مفروض في دليل حرمة الصدقة،


(1) نهج البلاغة (فيض الأسلام): الخطبة 215. (2 و 3) ج 15 ص 413.

[ 327 ]

وهو معنى الحكومة على ما بيناه في الاصول. وثانيا: أنه لو كان في البين عامان مثلا كأكرم الفقهاء وأكرم المتكلمين وخاص واحد بالنسبة إلى كلا العامين كقوله (لا تكرم الفساق من العلماء) فنسبة كل من العامين مع (لا تكرم الفساق) نسبة العموم من وجه، لكن لا شبهة في أن العرف يلاحظ النسبة مع المجموع - للزوم اللغوية - كما في الخاص الواحد بالنسبة إلى العام الواحد، والقدر المتيقن بحسب الخارج لا يغير حكم العرف بأن ذلك بحكم العام والخاص المطلقين، كما في (لا ضرر ولا ضرار) و (لا حرج في الدين) وبتيقن الضرر النفساني من الخارج أو الحرج الشديد لا تتغير النسبة الملحوظة بحسب مفاد الدليل بين الخاص الواحد والعامين أو العمومات. وفي المقام وإن كانت النسبة بين دليل تحريم الصدقة على بني هاشم ودليل لزوم إعطاء الكفارة للمساكين هي العموم من وجه، إلا أن مثل تلك النسبة موجودة بينه وبين دليل وجوب الزكاة أيضا، ولو بني على التعارض لزم لغوية دليل حرمة التصدق، فافهم وتأمل. ومنها: دلالة بعض الروايات المعتبرة على جواز إعطاء الزكاة لبني هاشم، وهو خبر أبي خديجة سالم بن مكرم (1). وقد تقدم الجواب عنه (2)، مضافا إلى إباء روايات تحريم الصدقة للحمل على الكراهة، لأنه كيف يتبدل إلى الخمس بصرف الكراهة، أو كيف يقال ذلك حتى بالنسبة إلى بني العباس، أو كيف يصير موجبا لعدم استطاعة الحج على فرض عموم التحريم!! مع أن الحرمة غير صرف النهي. ومنها - وهو العمدة -: وجود مقيدات في الأخبار:


(1) المتقدم في ص 322. (2) في ص 323.

[ 328 ]

[... ] منها: صحيح عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (لو حرمت علينا الصدقة لم يحل لنا أن نخرج إلى مكة، لأن كل ماء بين مكة والمدينة فهو صدقة) (1). ومنها: صحيح الهاشمي عنه عليه السلام قال: قلت له: أتحل الصدقة لبني هاشم؟ قال: (إنما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا، فأما غير ذلك فليس به بأس، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكة، هذه المياه عامتها صدقة) (2). والظاهر أن المراد بالصدقة الواجبة هي الزكاة، لقوله (تلك) كما في الجواهر (3)، وإلا فلا معنى للأشارة بعد عدم كونه خبر اللمبتدأ، ولقوله (الواجبة على الناس) وإلا فلا معنى لقوله (على الناس) كما في المستمسك (4)، وللاحتراز بذلك عن بعض أفراد الصدقة الواجبة بالعرض، وإلا لم يحسن الاحتراز، فدلالته كسنده واضحة بحمده تعالى، وملخص مضمونه أن المقصود بالتحريم هو الزكاة الواجبة. ومنها: معتبر إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: (هي الزكاة...) (5). ولا إشكال في دلالته. أما من حيث السند فالأشكال من حيث قاسم بن محمد، والشيخ وثقه وإن لم يؤيد بتوثيق غيره، مضافا إلى نقل عدة من المشايخ


(1) الوسائل: ج 6 ص 188 ح 1 من ب 31 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الوسائل: ج 6 ص 189 ح 3 من ب 31 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) ج 15 ص 412. (4) ج 9 ص 308. (5) الوسائل: ج 6 ص 190 ح 5 من ب 32 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 329 ]

[... ] عنه، منه‍ م أصحاب الأجماع - كابن أبي عمير وصفوان بن يحيى وحماد بن عيسى - وغيرهم كأحمد بن محمد بن عيسى المعروف فراجع (شح) من خاتمة المستدرك (1)، مضافا إلى نقل ذلك في المقنع المكتوب للفتوى، هذا كله، مع أن سند الكليني معتبر من جهة أن من لم يذكر في سنده هو (غير واحد عن أبان) والمذكورون فيه مصرح بتوثيقهم. ومنها: خبر زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم، فقال: (هي الزكاة المفروضة ولم يحرم علينا صدقة بعضنا على بعض) (2). والسند بحسب الظاهر ضعيف بمفضل بن صالح الذي نقل عن النجاشي أنه قال: روى عنه - أي عن جابر بن يزيد - جماعة غمز فيهم وضعفوا، منهم مفضل بن صالح، وهذا يدل على أنه ممن ضعفه جماعة من الأصحاب أو غيرهم. وعن ابن الغضائري - بعد تضعيفه والشهادة بكذابيته - نقل مسندا عن معاذ بن حكيم يقول: (سمعت أبا جميلة يقول: أنا وضعت رسالة معاوية إلى محمد بن أبي بكر). لكن الظاهر مع ذلك: اعتبار الخبر، فإن الظاهر أن الخبر منقول عن كتاب زيد الشحام، وهو من الكتب المعتبرة الواصلة إلى أصحابنا بطرق غير ذلك صحيحة، أما كون الخبر منقولا عن الكتاب المذكور فلما عن فهرست الشيخ قدس سره: له - أي لزيد - كتاب أخبرنا به ابن أبي جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد، وعدة من أصحابنا عن


(1) ج 3 من الطبعة الحجرية ص 674. (2) الوسائل: ج 6 ص 190 ح 4 من ب 32 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 330 ]

[... ] محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الحميد عن أبي جميلة عن زيد الشحام. والسند بعينه هو السند الذي ذكره في الوسائل للخبر المذكور، إلا أنه أسقط الشيخ قدس سره موسى بن الحسن في الفهرست. وأما كثرة الطرق إلى كتاب زيد فلقول النجاشي قدس سره في ما ينقل عنه: إن له - أي لزيد - كتاب يرويه عنه جماعة ويذكر طريقه الذي هو غير طريق الشيخ يتصل بصفوان بن يحيى. وفي جامع الرواة بعد أن ينقل طريق الشيخ قدس سره إلى زيد ويحكم بضعفه ينقل عنه سندا آخر غير ضعيف (1). والحاصل أن الظاهر أن الخبر منقول عن كتاب زيد، وهو معتمد معروف معلوم الانتساب إلى زيد الشحام الموثق الجليل. ومما ذكرنا يظهر أن نقل مثل صفوان وغيره من المشايخ لا يدل على كون مفضل موثقا، لأن النقل كثيرا ما يكون عن كتاب زيد - وهو معتمد - ولذا ترى في سنده محمد بن الحسن بن الوليد الدقيق في الرجال المستثني لعدة من رجال نوادر الحكمة، فتوثيق المحدث المحقق النوري - مع تصريح مثل النجاشي بضعفه، مضافا إلى ابن الغضائري والعلامة، مع نقل المسند اعترافه بالوضع - محل إشكال، كما لا يخفى. وكيف كان، فقد ظهر وجود الدليل المعتبر على الاختصاص بالزكاة الواجبة،


(1) جامع الرواة: ج 2 ص 494.

[ 331 ]

[... ] لكن يبقى في البين ما يمكن أن يعارض ما أسلفناه، وهو صحيح قرب الأسناد عن البزنطي عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الصدقة هل تحل لبني هاشم؟ فقال: (لا، ولكن صدقات بعضهم على بعض تحل لهم). فقلت: جعلت فداك إذا خرجت إلى مكة كيف تصنع بهذه المياه المتصلة بين مكة والمدينة وعامتها صدقة؟ قال: (سم فيها شئ) قلت: عين ابن بزيع وغيره، قال: (وهذه لهم) (1). فإنه لو لم يكن مطلق الصدقة حراما وكانت الحرمة منحصرة بالزكاة لكان يقول عليه السلام: إن المقصود بها هو الزكاة، لا الصدقات بمعنى الخيرات. والجواب عنه أنه يحتمل أن يكون المقصود بقوله (وهذه لهم) أن هذا القسم من الصدقات جائز لهم. إن قلت: فلم يكن محتاجا إلى قوله عليه السلام: (سم فيها شئ). قلت: لعل بعض العيون كان من الزكاة، لا وقفا من قبل الأشخاص ولا من قبل الزكاة من باب سهم سبيل الله، فإن الظاهر أنه جائز لهم، فإن الضرورة قائمة على جواز تصرف بني هاشم في المسجد المبني من سهم سبيل الله وكذا الجادة المعمورة منه. وكيف كان، فلا يقاوم ذلك الأشعار أو الظهور ما تقدم من التصريح بعدم البأس بالنسبة إلى خصوص المياه التي بين مكة والمدينة وهي صدقة. ثم لا يخفى أنه لو قلنا بحرمة إعطاء مطلق الصدقة الواجبة فلا يشمل رد


(1) الوسائل: ج 6 ص 190 ح 8 من ب 32 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 332 ]

[ الرابع: أن يجهل المقدار وكان صاحبه مجهولا غير محصور ولكن يعلم بزيادته عن الخمس أو نقيصته عنه، وفيه وجوه *. ] المظالم، من باب أنه ليس واجبا بالذات كالكفارة والهدي ونحوهما، بل صار واجبا من باب لزوم الاستخلاص من مال الغير، وعلى فرض العموم من تلك الجهة أيضا فلا يشمله لجهة اخرى، وهي كونه مستحبة من جانب مالكه وإن كان واجبا من جهة الانتساب إلى ذي اليد، وإن اغمض عن ذلك فقد تقدم عدم وضوح صدق الصدقة إلا على ما جعل لأجل تطهير المال أو تطهير النفس أو كون المقصود به ذلك، وليس رد المظالم من هذا القبيل. هذا تمام الكلام في تلك المسألة، ونحمده على حسن الختام. * الأول: أن حكمه الخمس، وهو الذي نقله في مصباح الفقيه (1) عن المناهل واختاره السيد الفقيه الطباطبائي قدس سره في العروة (2) وبعض علماء العصر. والوجه فيه: إطلاق أخبار الخمس، للجهل بالمقدار والجهل بالصاحب ومنع الانصراف إلى صورة احتمال الزيادة أو احتمال النقصان. الثاني: أن يحكم بالتصدق، وهو الذي يظهر من صاحب الجواهر (3) والشيخ الأنصاري - على ما حكي عنه (4) - وصريح مصباح الفقيه (5). والوجه فيه: شمول أخبار التصدق من خبر الصائغ وخبر البطائني المتقدمين (6)، وعدم شمول أخبار الخمس: أما من حيث النقصان فلعدم صدق قوله عليه السلام: (إن الله قد رضي من الأشياء


(1) ج 3 ص 139. (2) في المسألة 29 من الفصل الأول من كتاب الخمس. (3) الجواهر: ج 16 ص 73. (4) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري ص 264 - 265. (5) ج 3 ص 139. (6) في ص 290 و 318.

[ 333 ]

[... ] بالخمس)، فإن ذلك لا يقال قطعا إلا في ما يحتمل الزيادة أو يعلم، ولا يقال قطعا في ما ينقص عنه بالقطع واليقين، إذ لا معنى للرضاية إلا في صورة ثبوت وزر أو احتماله قطعا، وليس ذلك من باب التعين، لأن صرف الرضا بالخمس لا يجعله معينا. وأما صورة الزيادة فلوجوه: منها: أن الكبرى المذكورة لا تشمل النقصان، فهي قرينة على ملاحظة قيد في مقام الاستعمال، والقيد الملحوظ إما أن يكون هو قيد عدم العلم بالنقصان أو الزيادة وإما أن يكون خصوص عدم العلم بالنقصان، فالقيد الملحوظ في الكلام غير معلوم، فلا يمكن التمسك بإطلاق مثل الكبرى المذكورة لصورة العلم بالزيادة أيضا، وأما خبر عمار فقد تقدم (1) عدم الأطلاق فيه. ومنها: أن إعطاء الزائد عما يجب على ذي اليد - خصوصا في صورة عدم الغصب - وكذا عدم إعطاء ما يزيد مما يستحقه المالك المجهول - لا سيما في صورة الغصب - خلاف ارتكاز العقلاء في مقام أداء الحقوق، وكذا المتشرعة. ومنها: أنه لو كان ذلك المعلوم أنه أقل من الخمس أو اكثر معلوما من حيث الشخص لم يكن غائلة بالنسبة إلى المقدار المعلوم، وبالنسبة إلى المقدار المشكوك لا ترتفع غائلته بالخمس، وقد مر أن الجهل بالشخص لا يكون غائلة عند العرف بعد سهولة اليقين، فتأمل. وهو الاظهر، خصوصا بعد ملاحظة أن أخبار التصدق تشمل صورة الاختلاط الذي هو المتيقن من شمول أخبار الخمس، وأخبار الخمس لا تدل على تعين الخمس في مقام التحليل، وسيجئ إن شاء الله تعالى لذلك مزيد توضيح.


(1) في ص 303.

[ 334 ]

[... ] الثالث: التفصيل بين صورة العلم بالنقصان فيحكم بالتصدق، لعدم شمول أخبار الخمس لذلك قطعا، والحكم بالخمس في صورة العلم بالزيادة، لشمول التعليل. وفيه: ما عرفت من الوجوه الثلاثة المتقدمة، لكنه أقرب من الأول، كما لا يخفى. الرابع: ما اختاره بعض علماء العصر من الاقتصار على الأقل في صورة العلم بالنقصان، وفي صورة العلم بالزيادة فيعطى الخمس لمصرفه ويعطى الزائد صدقة. ولعل الوجه فيه: أما في صورة العلم بالنقصان فلما تقدم من عدم شمول أخبار الخمس لها فيحكم بالتصدق، وأما في صورة العلم بالزيادة فلأن ذلك جمع بين أخبار الخمس والتصدق. وفيه: أنه لو اخذ بإطلاق أخبار الخمس لدل على أنه تعالى قد رضي من الأشياء بالخمس فلا يجب الزائد، وإن لم يدل عليه فلا وجه لأداء الخمس إلى مصرفه. الخامس: إعطاء الزائد والناقص خمسا أي إعطاؤه لمصرف الخمس، كما هو محتمل كلام العلامة في صورة الزيادة. وفي الجواهر: إنه قد أوجب في الروضة دفع ما يتيقن البراءة به خمسا في وجه، وإن كان استظهر قبل ذلك كونه صدقة (1). وقيل: إنه لا وجه لذلك، ولعل وجهه هو ادعاء أن المستفاد من أخبار الخمس أمران بنحو تعدد المطلوب، أحدهما: أن تحليل المال المختلط بأن يصرف في مصرف الخمس. ثانيهما: المصالحة بالخمس في صورة احتمال الزيادة، وحيث لا يمكن الأخذ بالأخير فلا مانع من الأخذ بالأول. وهو ممنوع، كما لا يخفى.


(1) الجواهر: ج 16 ص 74.

[ 335 ]

[... ] وهنا وجه سادس، وهو التخيير بين إعطاء الصدقة - كان أقل من الخمس أو أكثر - وإعمال عمل في المال يوجب دخوله في منصرف أخبار الخمس: فإن كان زائدا عن الخمس وأعطى الزائد المتيقن من مال آخر يصير المال الذي بيده مصداقا لما يحتمل فيه الخمس أو الزيادة ويكفي فيه الخمس، فلو علم في العشرة أن حرامها ثلاثة واحتمل كونه أزيد فأعطى واحدا منها - الذي هو الزائد عن الخمس قطعا في المثال المفروض - من مال آخر، فالمال الذي بيده مردد بين أن يكون حرامه اثنين - وهو الخمس - أو أزيد، فيرضى تعالى عنه بالخمس. وإن اشكل في ذلك - من باب عدم الولاية على التبديل، مع أنه قد تقدم الدليل على ذلك - فيمكن أداء الزائد من عين المال في المثال مضافا إلى ثلاث أعشار من عشر المال فيعطي واحدا وثلاث أعشار من الواحد فيصير الحرام مرددا بين الأقل من الخمس والأكثر، لأن الحرام المسلم الباقي في المثال واحد وسبع أعشار الواحد، لأنه خمس ثمان وخمس أعشار مع كون المال ثماني وسبع أعشار كما لا يخفى، وفي المثال لا يعطي حينئذ إلا المتيقن ولا يقع في إشكال محتمل الحرام. كما أنه في مورد العلم بالنقصان يفرز من ماله بقدر ما يصير الحرام المحتمل مرددا بين الخمس والزائد فيعطي الخمس، ففي المثال - أي كون المال المحتمل اشتماله على الحرام عشرة - لو علم بأن الحرام واحد واحتمل كونه أزيد عنه بنصف واحد فأفرز لنفسه من ماله خمسه فالحرام يكون حينئذ مرددا بين الخمس والزائد فيعطي الخمس، وبذلك لا يعطي إلا المقدار المتيقن. هذا بحسب الصغرى.

[ 336 ]

[ والأقرب هو التصدق. ويحتمل جواز إعطاء الزائد المتيقن من عين المال أو من مال آخر، بمقدار ينطبق على دليل الخمس بحيث يكون الحرام الموجود في المال بمقدار الخمس أو أقل ويصير الزيادة عن الخمس محتملة فيعطي الخمس، ولا يجب عليه شئ في ما يحتمل من الحرام المختلط. وإذا تصدق بجميع المتيقن ففي الزيادة المحتملة وجوه *. ] وأما بحسب الكبرى وشمول أخبار الخمس فقد يخدش في ذلك من حيث الظهور في المال المختلط غير المعلوم من حيث المقدار والمالك وغير المعلوم كونه زائدا عن الخمس أو ناقصا عنه بنفسه لا بالعلاج. والجواب عن ذلك بمجموع وجوه، منها: منع الانصراف إلى ذلك، فإنه يكفي الجهل والاختلاط من أول الأمر أي من دون علاج، ولا ينصرف عما يصير واجدا للشرط الأخير بالعلاج. ومنها: أن قوله (إن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) ظاهر في الكبرى الكلية، وحمله على المورد - من جميع الجهات والخصوصيات - تكرار لما قبله من دون نكتة تقتضي ذلك، فافهم وتأمل. ومنها: أن شموله لحصول الاختلاط الخاص بواسطة التصرف غير الجائز واضح، فشموله للمورد أولى، كما لا يخفى. * منها: التنصيف، لدوران الزائد بين المال المجهول مالكه أو مصرف التصدق وبين صاحب المال. وفيه: ظهور عدم شمول الأخبار للمورد، من جهة عدم التداعي وكون مورد الأخبار تردده بين مالكين معلومين. ومنها: إعطاء خمس ذلك، من جهة دعوى أن مورد الأخبار هو الاختلاط بمعنى الاشتباه الشامل لاحتمال كون المال جميعه حراما أو جميعه حلالا.

[ 337 ]

[ ومقتضى الاحتياط إخراج المحتمل أيضا بإذن الحاكم *. والأحوط إعطاء الكل لمصرف الخمس بقصد ما هو المحبوب عند الله * *. الخامس: أن يعلم المالك ويجهل المقدار * * *. ] ومنها: جواز التصرف في الكل، لاستصحاب عدم مالكية أحد للمال إلا من وصل المال منه إلى يده على النحو الصحيح، وكون الملاك لحرمة التصرف كون المال ملكا لغيره، وهو غير ثابت بل مقتضى الاستصحاب عدم التحقق. ومنها: لزوم إعطاء المحتمل حتى تثبت البراءة اليقينية، لاستصحاب بقاء الحرام في المال الحاكم بالاحتياط، وسيجئ لذلك إن شاء الله تعالى مزيد تحقيق. * لقد عرفت الوجه في ذلك في التعليق المتقدم. * * بناء على جواز إعطاء الصدقة لبني هاشم أو الأمام عليه السلام إذا لم تكن من الزكاة، كما تقدم ذلك مفصلا. * * * وهو على قسمين: أحدهما: أن تكون الزيادة عن الخمس محتملة فيه. قد يقال - كما في الجواهر عن العلامة - بأن المالك إذا لم يرض بالصلح وأبى عنه يعطى الخمس، لأن الله جعل الخمس مطهرا للمال (1). وفيه أولا - كما في الجواهر (2) -: أن مقتضى معتبر عمار المتقدم (3) هو التقيد بعدم معلومية المالك، ولا محيص في الوضعيات عن التقييد، بخلاف الحكم التكليفي الذي له مراتب، فإن الأقرب فيه التوفيق بحمل المقيد على بعض المراتب والأخذ بالأطلاق، وهذا لا يجري في الوضعيات. وثانيا: وضوح انصراف باقي أدلة الخمس عن صورة العلم بالمالك التي


(1 و 2) الجواهر: ج 16 ص 75. (3) في ص 284.

[ 338 ]

[ وحكمه في المتيقن حكم القسم الأول من الشركة *، ] ليست هي معضلة عرفية حتى يرجع إلى الأمام في علاج ذلك، كما تقدم. وثالثا: خبر علي بن أبي حمزة (1) يحكم بإعطاء ما يعلم مالكه إليه، من غير فرق بين العلم بالمقدار أو الجهل به. ورابعا: أن المصرف فيه - كما تقدم (2) - هو المصرف في سائر أقسام الخمس، ففي تلك الصورة إن قيل بأنه يصرف الخمس في غير المالك مع معلوميته فهو أمر مستنكر في العرف، وإن قيل إنه يعطى المالك - كما في كلام العلامة - فيلزم التفكيك في المصرف في أدلة الخمس، وهو مما يأباه العرف. وخامسا: إن كان المورد مشمولا لأخبار الخمس فلا وجه للتقيد بصورة الأباء عن الصلح، وإلا فلا وجه للخمس مع فرض الأباء عن الصلح، إلا أن يكون نظره إلى صورة الأعضال كما قدمناه في الأيراد الثاني. وكيف كان، فلا شبهة في عدم شمول أخبار الخمس للمورد. ثانيهما: ما يكون أقل من الخمس أو أكثر قطعا، وفي هذا القسم لا يتأتى الشبهة المتقدمة. * ومن العجب عدم تفوه الأصحاب بالشركة في هذا القسم بالنسبة إلى المتيقن مع أنه لا فرق أصلا وقد عرفت عدم الدليل على الشركة، بل خبر السكوني المتقدم (3) يدل على عدمها - كما تقدم (4) - فإن مقتضاها كون الدينارين الباقيين بينهما أثلاثا، وبعد فرض الحكم بكون أحدهما لصاحب الدينارين لا بد أن يكون الباقي بينهما أثلاثا، فكان لصاحب الواحد ثلثان كما تقدم.


(1) المتقدم في ص 290. (2) في ص 293. (2) في ص 308. (2) في ص 309.

[ 339 ]

[ أو عدمها والصلح ثم القرعة بتصدي الحاكم، وأما المقدار المجهول ففيه وجهان في كلام الأصحاب، أحدهما: عدم لزوم إعطائه، لليد أو البراءة. ثانيهما: لزومه، كما اختاره في الجواهر (1). وهنا وجوه اخر * أقواها التفصيل بين كون المحتمل طرفا للعلم الأجمالي فلا بد من الاحتياط وإن كان حين الاستيلاء عليه مشكوكا من دون الأخذ من اليد الحجة، كما أخذ المال المشترك بينه وبين صاحبه من الغاصب وكان مال صاحبه من أول الأمر مرددا بين القليل والكثير من دون أن يكون موردا للعلم الأجمالي، كأن علم مثلا أن دينارا من الدينارين ملك له وشك في الاخر وكان الاحتمال المذكور الخارج عن طرفي العلم الأجمالي حادثا في يده أو في يد غيره، فيمكن الحكم بجواز الاكتفاء بالأقل. ] * من التفصيل بين ما انتقل إليه من يد الغير - كالمورث والبائع ونحوه - فلا يجب عليه التفريغ عن المحتمل، لليد الحجة عليه بلا إشكال، وما كان محتملا في يده فيجب التفريغ، لعدم حجية اليد بالنسبة إلى نفسه، لعدم وضوح دليله، وسنبينه إن شاء الله تعالى. أو التفصيل بين ما إذا انتقل المحتمل عن يد الغير أو صار محتملا - بعد ما كان غافلا عنه - في يده بأن احتمل أن يكون حين الاستيلاء عالما ومحرزا أن المحتمل ماله فيحكم باليد، وما إذا كان من أول ما وقع في يده محتملا (كأن أخذ مجموع المال المشتمل على ماله ومال غيره من الغاصب وكان بعض المال من أول الأمر محتملا لأن يكون له ولغيره) فلا تكون اليد حينئذ حجة كما نشير إلى


(1) ج 16 ص 73.

[ 340 ]

[... ] ذلك إن شاء الله تعالى في بيان دليل حجية اليد بالنسبة إلى نفس المالك. أو التفصيل بين كون المحتمل طرفا للعلم الأجمالي، بأن يعلم إما أن هذا الكتاب الذي قيمته خمسمائة لزيد أو ذاك الكتاب الذي قيمته ألف، أو يعلم بأن هذا الدينار بالخصوص له أو ذينك الدينارين اللذين هما غير الدينار الأول، فبعد إفراز المقدار المتيقن - كما هو المفروض - يصير الباقي محتملا وقد كان طرفا للعلم الأجمالي، فيجب التخلص عنه بالصلح أو الأعطاء وإن كان مأخوذا من يد الغير الذي كانت يده حجة، لأسقاط اليد عن الحجية بالنسبة إلى ما كان طرفا للعلم، وبين ما إذا لم يكن طرفا للعلم، كما لو كان في المثال دينار من الدينارين معلوما كونه من الغير وكان الدينار الاخر مشكوكا، فإن لم يكن هذا الدينار الواقع في اليسار ملكا له يكون أحد الدينارين الواقعين في اليمين ملكا له لا كلاهما ويكون الاخر محتملا، فبعد إفراز المتيقن في الواحد يبقى الاخر مشكوكا فيحكم بكونه له إذا انتقل إليه من غيره أو قلنا بحجية اليد لنفسه أو قلنا بجريان أصالة البراءة عن حرمة التصرف وعن وجوب الرد بالنسبة إلى الذي ليس طرفا للعلم الأجمالي. أو يفصل بين العلم الأجمالي وغيره، ففي الأول يحكم بالأعطاء، وفي الثاني يحكم بعدم لزومه إذا كان منتقلا من غيره أو كان في يده ولم يكن احتمال كونه لغيره منقدحا من أول الأمر، وأما إذا كان منقدحا من أول الأمر فالظاهر لزوم الأعطاء. أما لزوم الأعطاء في صورة العلم الأجمالي فقد اتضح ذلك. إن قلت: إن العلم الأجمالي بلزوم إعطاء الدينار أو الدينارين الاخرين لا يكون منجزا، للزوم الضرر، فلا أثر له.

[ 341 ]

[... ] قلت: لا يكون منجزا إذا استلزم الضرر، وأما إذا رضي في المتيقن بالصلح والأفراز في خصوص مال خاص أو عين ذلك بالقرعة وطلب المحتمل فلا يكون ضررا قطعيا، والضرر المحتمل غير مشمول لدليل نفي الضرر، فتأمل. وأما الثاني فلدليل حجية يد الغير إذا كان منتقلا إليه من غيره، وأما إذا كان عند نفسه محتملا ولم يكن الاستيلاء عليه من أول الأمر على وجه الاحتمال، فلحجية اليد بالنسبة إلى نفسه، كما يظهر من صحيح جميل، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل وجد في منزله دينارا؟ قال: (يدخل منزله غيره؟) قلت: نعم، كثير. قال: (هذا لقطة). قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال: (يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شئ؟) قلت: لا. قال: (فهو له) (1). فإنه يشمل صورة كون الدينار الذي وجده محتملا لأن يكون من بقية مال كان في الصندوق لغيره أو كان في يده لغيره وصورة العلم الأجمالي، فإن إطلاقه يحكم بكونه له إذا صار موردا للعلم الأجمالي ثم صولح عليه بدينار خارج مع احتمال كونه لغيره، ذاك الغير أو غيره، مع أن المسبوقية بالعلم التفصيلي - كما في جميع الأموال - غير مضر بحجية اليد فكيف بالمسبوقية بالعلم الأجمالي. وأما خصوصية انقداح الاحتمال بعد الوجود الظاهرة من قوله (فوجد دينارا في صندوقه) فلعله من باب بيان وجه الشك وأن الشك من هذه الجهة، فإنه لو كان عالما بالدينار من أول ما يجعله في الصندوق لكان عالما بكونه له أو 0


(1) الوسائل: ج 17 ص 353 الباب 3 من أبواب اللقطة.

[ 342 ]

[... ] لغيره، أو لبيان أنه لم يكن من أول وضعه في الصندوق ومن ابتداء استيلاء اليد عليه شاكا في ذلك حتى لا تكون اليد حجة، فيحتمل أن يكون وضعه فيه من باب إحراز أنه من ماله. وأما السؤال عنه بأنه هل يدخل أحد يده فيه، فلا يدل على أن المقصود بيان الاطمينان بكونه له لا من باب حجية اليد، فإن الاطمينان المذكور غير حاصل قطعا مع تعارف وضع الأشياء الأمانية في صناديق التجار بيدهم لا بيد غيرهم، مع أنه لو كان كذلك فليس هذا مما يسأل عنه، فإن الناس يعرفون موارد اطمينان كون المال لهم دون غيرهم. إن قلت: قوله (أو يضع فيه شئ) بعد قوله (يدخل أحد يده في صندوقه غيره) لعله ظاهر في الامانات التي توضع في الصناديق بيد التجار ولكن ينسب إلى صاحب الامانات ويقال: إن فلانا وضع ماله في صندوق فلان، فهو كناية عن وضع مال الغير بيد صاحب الصندوق، كما أن الأول عبارة عن وضع شخص ماله بنفسه في صندوق غيره، وبعد فرض عدم ذلك فلا محالة يكون المال لصاحب الصندوق. قلت: هذا غير مراد قطعا، لأنه بعد فرض ذلك فلا يبقى شبهة حتى تحتاج إلى الجواب، بل يعد جواب ذلك مع الفرض المذكور من المضحكات فكيف يصدر عن الأمام المعصوم عليه السلام؟! فلعل المقصود من الأول - (يدخل أحد يده) - المعبر عنه بالفعل المضارع هو الدوام والملكة، بأن يكون الصندوق مشتركا من حيث اليد، ومن الثاني بقرينة مادة (الوضع) المناسب للدوام - لا الوضع والرفع - وقوله (شئ) المشعر بأنه من باب الاتفاق هو وضع شخص ماله بيده بحسب الاتفاق. فنقول: إنه يشترط في حجية اليد لنفسه أن يكون حدوث الاستيلاء بيده قطعا لا

[ 343 ]

[... ] بيد غيره، ولذا نقول: إنه لا تنافي بين صدر الرواية - قوله عليه السلام (رجل وجد في منزله دينارا) وذيلها، مع أنه لعدم التنافي جواب آخر، وهو عدم صدق كون الشئ بيده بصرف كونه في منزله، فإن اليد على النقود بكونها في الموضع المعد لجعل النقود فيه، فلا يحكم بكونه له مثلا إذا وجد في أراضيها المتسعة. ويمكن أن يكون المقصود من الأول إحراز إدخال اليد دون الوضع، ومن الثاني إحراز الوضع. ويمكن أن يكون الثاني - كما اشير إليه في الاعتراض - كناية عن الأمانة، لا عن كل إدخال مال الغير في صندوقه ولو على النحو المحرم، فعلى الأخير أيضا غير مضر بالاستدلال في ما نحن فيه المفروض أنه ليس على وجه الأمانة بل يكون على الوجه المحرم. فالاستدلال بالصحيح للمورد وجيه، والاعتراض عليه بمنافاته للصدر وبأن مقتضى السؤال هو أن المقصود بيان حصول الاطمينان وعدم إطلاقه لمورد البحث، كل ذلك مدفوع ومردود. نعم، قد يقال: إنه معارض بمعتبر إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: (يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها). قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: (يتصدق بها) (1). فإن المنساق منه معلومية أن الدراهم ليست لهم ولا لابائهم، بل للمسافرين


(1) الوسائل: ج 17 ص 355 ح 3 من ب 5 من أبواب اللقطة.

[ 344 ]

الداخلين في المنزل، فإنه لو كان كنزا من آبائهم فلا يجعلونها في محل يعرفها المسافرون، مع أن سبعين درهما لا يدفن كنزا، مع أن حفر المنزل في فرض سكونة أهل المنزل - كما هو الظاهر - مما لا وجه للمسافرين، مع أنه مع فرض الاحتمال المذكور لا بد من إعطائهم من دون السؤال عن التعريف كانت يده حجة عليهم أم لا، مع أن قوله عليه السلام (لعلهم يعرفونها) غير السؤال عن كون المال مالهم، فهو يناسب المفروغية عن عدم كون المال مالهم لكنهم يمكن أن يعرفوا أن ذلك لأي قافلة من القوافل الواردة في منزلهم، فالظاهر أنه كان لبعض المسافرين ودفن، بأن كان تحت لبنة أو آجر لعدم الصندوق المعتبر. وأما احتمال كون الأموال لصاحبي المنزل من دون أن يكون لابائهم فهو أبعد، لبعض الوجوه المتقدمة، ولأن الساكن الذي هو أهل البلد لا محالة يكون له صندوق ومحل للمال وتكون عدة منهم في المنزل دائما بحسب النوع. هذا مع أنه لو احتمل ذلك يكون كصدر الرواية. والحاصل أن اليد حجة لنفسه إذا لم يكن حدوث الاستيلاء عليه محتملا كونه من غيره، وفي غيره يكون كالفرض الثالث، مع أنه لو كان لهم يعرفونها بحسب العادة. وفيه إشعار إلى حجية يدهم إذا ادعوا أنها لهم ويعرفونها. وأما لزوم الاحتياط في ما إذا كان المال من ابتداء الاستيلاء عليه محتملا كونه لغيره - كما في أخذ المال المشترك من الغاصب - فلوضوح عدم حجية اليد، لوضوح عدم تأثير اليد في كون الاستيلاء على وجه الاستحقاق، ومن المعلوم: عدم شمول الصحيح المتقدم (1) لذلك، لقوله في السؤال (وجد... دينارا)، فلا يبقى إلا أصالة الحلية في المال المحتمل كونه حلالا - كما أفتوا به في ما يؤخذ من أموال


(1) في ص 341.

[ 345 ]

[ لكن الأصح التنصيف فيه وفي مورد العلم الأجمالي الخارج عن استقرار اليد *. ] السلطان وبينا الدليل عليه في ابتغاء الفضيلة - فتدل الأخبار الكثيرة على حليته. مضافا إلى أن مقتضى أصالة الحلية: جواز التصرف في المال المشكوك أنه له أو لغيره. والأجماع المشهور لعل مورده هو المال الذي علم كونه مال الغير لكن لا يعلم طيب نفسه، أو كان مالا للغير بالخصوص فيشك في الانتقال إليه. فيمكن أن يقال: إنه لا مانع من أصالة الأباحة في المقام، ولكن الأخبار المشار إليها واردة في الأخذ من الغير الذي ماله مخلوط بالحرام (بمعنى كون الحرام فيه) فيحتمل أن يكون ذلك - الذي وقع فيه الأباحة أو النقل - من أمواله المباحة، فيحكم بذلك، وهو على طبق القاعدة من باب اليد غير المعارض بيده في سائر أمواله للخروج عن محل الابتلاء، أو من جهة التعارض بين مقتضى الأيادي والرجوع إلى أصالة الصحة في البيع، كما هو المعروف في باب الملاقي والملاقى. وأما أصالة الأباحة فمدفوعة بصحيح جميل، بل بذيله، بل بمعارضه في وجه. مضافا إلى معارضة استصحاب كون المال للغير لاستصحاب عدم كون الشخص المورد للبحث مالكا، فيرجع إلى استصحاب عدم جواز التصرف. لكن الظاهر حكومة استصحاب عدم الفرد على بقاء الكلي في ما إذا كان للفرد أثر، لكن الحكم بكونه لقطة أو عدم الحكم بجواز التصرف لا يثبت إلا وجوب الفحص، لا الأعطاء بعد الفحص والتردد، فالظاهر أن أصالة الحلية خالية عن هذا الأشكال. * لأن دليل التنصيف شامل لصورة عدم اليد الحجة بكلا شقيها، فإن خبر السكوني (1) وارد في مورد عدم استقرار اليد من أحدهما، ولا فرق بين الغاصب


(1) المتقدم في ص 308.

[ 346 ]

[ ومن ذلك يظهر حكم ما لم يكن في يدهما أصلا، كأن كان بيد الغاصب أو كانت اليد على المال على وجه الاشتراك. ثم إنه في مورد لزوم الاحتياط - من جهة طرفية المحتمل للعلم الأجمالي مع فرض اليد الحجة الساقطة بالعلم وعدم الاكتفاء بالأقل - فهل يجب إعطاء الزائد ويجب عليه الرضا حتى يجوز للمالك التصرف فيه أو يجوز إرجاع الأمر إلى الحاكم ومطالبته أن يستقرع بينهما؟ فيه إشكال *، والأحوط إعطاؤه تماما، وقيل بالتنصيف * *. ] والودعي وبين ما كان المال في الصندوق المشترك أولا، وحيث إن خبر السكوني وارد في مورد وجود العلم الأجمالي لأحدهما دون الاخر فيحكم بالتنصيف في مورد التساوي - من جهة طرفية المحتمل للعلم الأجمالي وعدمها بالنسبة إلى الطرفين - بالاولوية القطعية، فلعل الظاهر هو التنصيف في مطلق ما ليس لأحدهما يد على المال. * وجه الأشكال: احتمال أن يكون مورد القرعة هو الأمر المشتبه فيقدم على العلم الأجمالي، واحتمال أن يكون موردها ذلك في كل مورد تكون القرعة أعدل من العلم الأجمالي، كما في الصحيح من أن (أي قضية أعدل من القرعة إذا فوضوا أمرهم إلى الله عزوجل) (1)، واحتمال أن يكون بينهما التوارد، فإن القرعة كما ترفع موضوع التنجز وهو العلم الأجمالي كذا العلم الأجمالي يرفع موضوع القرعة وهو المشكل، فيدور الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الحكم الظاهري. * * كما أفتى به غير واحد من علماء العصر استنادا إلى ما تقدم من أخبار التنصيف. وهو غير واضح، إذ جميع تلك الأخبار واردة في مورد التداعي وعدم استقرار اليد من أحدهما دون الاخر ولو كان تلك اليد طرفا للعلم الأجمالي، فإسراء الحكم إلى المورد غير واضح، فإن يده حجة في مقام الدعوى، والمقصود


(1) الوسائل: ج 18 ص 191 ح 17 من ب 13 من أبواب كيفية الحكم.

[ 347 ]

[ هذا كله في فرض كون طرفه أيضا شاكا في ذاك المحتمل، وأما إذا كان عالما بكون المال له أو مدعيا لذلك وكان الواجب على الاخر الأعطاء من باب كون الزائد المحتمل طرفا للعلم الأجمالي، فلا إشكال في المسألة. وكذا لو كانت الحجة - من يد الغير أو يد نفسه - قائمة على كونه ملكا له، فإنه يجب عليه الأعطاء ويجوز له الأخذ في الفرض الأول، ولا أثر لدعواه في الفرض الثاني، لأن توهم حجية الدعوى التي لا معارض لها مختص بعدم وجود حجة لطرفه. إنما الأشكال في فرض عدم لزوم إعطاء المحتمل تماما والحكم بالتنصيف. وجه الأشكال أن علمه ودعواه أن المال بتمامه له لا معارض له، ومن احتمال شمول دليل التنصيف. والأصح هو الأول *. ] العمل بتكليفه في ما بينه وبين الله، بخلاف مورد عدم اليد الحجة، فإن المورد مورد الدعوى وإن لم تتحقق في الخارج. هذا كله في ما إذا كان من يحتمل أن يكون المال له شاكا أيضا، وأما إذا لم يكن كذلك بأن كان عالما بأن المال له أو كان عالما بأن المال ليس له، فيختلف تكليف من بيده المال على ما سيجئ شرحه إن شاء الله تعالى. * قال الطباطبائي قدس سره في ملحقات عروته ما ملخصه أنه: نسبت حجية الدعوى المذكورة إلى الأصحاب، بل نقل الاستدلال عليها بالأجماع وبموثق منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت: عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس؟ فقالوا

[ 348 ]

[... ] كلهم: لا، وقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال: (للذي ادعاه) (1). وبصحيح البزنطي، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يصيد الطير الذي يسوي دراهم كثيرة وهو مستوي الجناحين وهو يعرف صاحبه أيحل له إمساكه؟ فقال: (إذا عرف صاحبه رده عليه، وإن لم يكن يعرفه وملك جناحه فهو له، وإن جائك طالب لا تتهمه رده عليه (2) (3). أقول: الظاهر أن المقصود من السؤال الأول أنه بعد عدم قرينة على التصرف فيه مع العلم بالمالك هل يجوز التصرف أم لا؟ فكأنه احتمل أن يكون شرط مالكية الطير المباح التصرف فيه ولا يملكه بصرف الحيازة واستقرار اليد عليه، كما يقال بالنسبة إلى الأراضي الموات التي ليس لها رب: إنه لا بد من التحجير ولا


(1) الوسائل: ج 18 ص 200، الباب 17 من أبواب كيفية الحكم. أقول: في الوسائل - بعد نقله عن الكافي في الصحيح عن إبراهيم بن هاشم عن بعض أصحابه عنه -: ورواه الشيخ قدس سره بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن الوليد عن يونس عنه، ورواه في النهاية عن يونس بن عبد الرحمان عنه. انتهى. ولا يخفى أن سند الشيخ قدس سره إلى محمد صحيح - كما ذكروه - وكون الخبر موثقا باعتبار محمد بن الوليد، وفي المستدرك - ج 17 ص 381، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم نقل ملخص مضمونه عن الصدوق قدس سره في المقنع. فالخبر في غاية الاعتبار، بل لا يبعد الحكم بكونه صحيحا أو حسنا بإبراهيم، من جهة أن بعض أصحاب إبراهيم مقطوع أنه من أهل الصلاح والسداد أو مورد للوثوق (منه قدس سره). (2) الوسائل: ج 17 ص 366 ح 1 من ب 15 من أبواب اللقطة. (3) ملحقات العروة: ج 2 ص 138، المسألة 14.

[ 349 ]

[... ] يكفي صرف الحيازة وجعلها تحت اليدكما أن الظاهر أن المقصود من قوله عليه السلام " وإن لم يكن يعرفه وملك جناحه فهو له " أن استواء الجناح ومالكية الطير له إذا لم يعرف صاحبه ملاك لجواز التصرف ما دام لم يعرف له صاحب، فاستواء الجناح أمارة على عدم المالكية، لا أنه ملاك واقعا. قال قدس سره - بعد نقل الاستدلال المذكور -: ولكن المتيقن من الدليل عدم جواز معارضته ومزاحمته، لا الحكم بالملكية بمجرد الدعوى، خصوصا قبل إثبات اليد عليه: أما الأجماع فلأنه القدر المتيقن منه. وأما الموثق ففيه أولا: أن الظاهر أن مورده فرض العلم بعدم الخروج عن العشرة، وحينئذ ينحصر في العاشر فيقطع بذلك. وثانيا: على فرض عدم القطع يكون موردا لاستقرار يد الكل، فإذا نفوا إلا واحد منهم انحصر اليد فيه، فهو له من باب استقرار اليد الاختصاصي. وأما الصحيح ففيه أولا: أن الحكم بالرد مقيد بعدم اتهامه، وهو ظاهر في عدم تجويز الكذب عليه، فيقطع بكونه له حينئذ. وثانيا: أن في المورد لا بد من العلم أو الاطمينان، لوقوعه في يد من يجب عليه الرد إلى صاحبه كاللقطة، ومورد الدعوى بلا معارض: ما ليس لأحد يد عليه تكون دليلا على مالكيته أو يد مكلفة بالدفع إلى

[ 350 ]

[... ] صاحبه، ضرورة أنه لا يمكن الحكم بحسب الأجماع والأخبار بإعطاء اللقطة لمن يدعيها من دون بيان علامتها، فهو دليل على الحمل على صورة العلم بعدم الكذب (1). انتهى ملخصا مع إسقاط بعض أدلته من أصالة الصحة وغيرها. أقول أولا: إنه ليس مراد الأصحاب قطعا أنه لا يجوز معارضته إلا أنه بعد الأخذ لا يحكم بملكيته ويحرم التصرف فيه ولا يجوز الشراء منه ولا غير ذلك، فإن تحقق هذا الموضوع العجيب مما لم يعهد في العرف والشرع، فإن كان إجماع على حجية الدعوى فلا محالة يكون المقصود هو الحكم بملكيته لو لم يقم دليل على خلافه. وثانيا: إن الحكم بالملكية بعد استقرار اليد واضح غير محتاج إلى الدليل الخاص، لعدم الفرق بينه وبين غيره من الأيادي، فإنه ليس في الأيادي الاخر إلا استقرار اليد مع احتمال أن يكون على الوجه المشروع، وفي المقام حاصل، فلا وجه لعدم الحكم بالملكية حتى في صورة استقرار اليد، بل هنا أولى، لأن المفروض أنه مدع للملكية فاستقر يده عليه بعنوان الملكية، وفي الموارد الاخر يحتمل أن لا يكون كذلك وإذا سئل عنه يقول: لا أدري أن المال لي وإني أحكم بالملكية لأجل يدي أو يد غيري. وثالثا: إن ما ذكره من الحمل على صورة القطع لا معنى له، إذ لو كان المقصود هو الأرشاد إلى حجية القطع أو كان المقصود هو الأرشاد إلى أنه في مورد انحصار الأمر في العشرة يقطع بكون المال للعاشر إذا لم يكن لغيره، كل ذلك من


(1) ملحقات العروة: ج 2 ص 138، المسألة 14.

[ 351 ]

[... ] الواضحات وخارج عن شأن الأمام وشأن السائل. ورابعا: إنه لا وجه لظهور معلومية الانحصار فيهم، إذ لو كان مثلا في طريق الحج أو في المسجد فيخرج بعضهم ويدخل وكان غيرهم في ذلك المكان أيضا فلا يعلم الانحصار. وخامسا: إن سؤال بعضهم عن بعض والجواب بالنفي الصرف المشعر بعدم علمه إلا بعدم كونه له دليل على احتمال أن يكون المال لشخص خارج، إذ لو كان لأحد العشرة الجلوس وكان كلهم عارفا بذلك لكان عارفا بشخصه أيضا بحسب العادة. وسادسا: إن ظاهر السؤال والجواب أن لدعوى ذلك خصوصية في تملك المال، وبناء على ما ذكره قدس سره لا خصوصية ولا دخالة للدعوى في ذلك، بل يحصل القطع، ادعى أم لا. وسابعا: نمنع كون المال في وسطهم مصداقا لليد، وإلا لكان الكل ضامنين إذا كان مال غيرهم وكان المال لقطة. وثامنا: إن كانت اليد صادقة فهي اليد على وجه الشركة، لا اليد الاختصاصي قطعا، فإن المحل المذكور لم يكن محل المال الاختصاصي لواحد منهم. وتاسعا: إن ما ذكره (من أن المقصود بعدم الاتهام: عدم تجويز الكذب) لا يوافق العرف واللغة، ففي اللغة اتهمه بكذا: ظنه به، والمستفاد من موارد الاستعمال من هذه المادة: ذلك، مثل قوله: (فإن ذهب وهمه إلى الأربع أو الثلاث) مثلا، أو غير ذلك. وظني أنه ليس الوهم مرادفا للظن، لكن في مورد يتساوى الأمران مع قطع النظر عن القرائن الخارجية يكون المقصود هو الظن، من جهة ذهاب الذهن إلى أحد الطرفين ويخرج بذلك عن التساوي. وعاشرا: إن ما ذكره (من كون مورده غير مورد حجية الدعوى من دون

[ 352 ]

[... ] المعارض) مدفوع بأن مورد عدم جواز الأعطاء: ما يعلم أنه لو لم يكن للمدعي لكان لغيره - كما في اللقطة - وأما في المورد فليس كذلك، فإنه لو لم يكن للمدعي لكان مباحا يصح تملكه، أو محكوما بذلك لأصالة البقاء على الأباحة، فإن مورده الطير المباح الأصل على ما هو الظاهر من مساق الرواية من تقسيمهما إلى مالك جناحيه وغيره. وفي الحادي عشر يقال: إنه لو اختص الدليلان بصورة القطع فلا دليل على عدم جواز معارضته في صورة عدم القطع إلا الأجماع، ولا منشأ له إلا الأخبار وغير ذلك ولم يثبت كونه إجماعا تعبديا، وأما أصالة الصحة في الدعوى فلم يقم دليل على اعتبارها، وأصالة الصحة في اليد إن أثبتت لازمها فتثبت الملكية، وإلا لا يثبت عدم جواز المعارضة والمزاحمة. وفي الثاني عشر يقال: إنه لا فرق في نظر العقلاء بين نفس اليد وبين دعوى المالكية ليثبت بعد ذلك عليه اليد، فإنه إن كان منشأ الاعتبار باليد عدم الاعتبار باحتمال الانحراف عن المشروع - فإن بناء نوع الناس على عدم السرقة والخيانة، والسارق والخائن قليل نوعا - فلا فرق بين اليد والدعوى لأن يثبت عليه اليد، إلا أن يقال: إن العمدة في الاعتبار باليد حفظ نظام المعاملات - لا الظن النوعي - فليست المصلحة فيها طريقية صرفة والوصول إلى الواقع، بل الملاك في نفس الجعل، وهو خلاف ما هو المعروف بينهم من كون اليد أمارة. وكيف كان، فالظاهر عدم الخفاء في الحكم من حيث الدليل ودلالة الدليلين على حجية الدعوى من غير المعارض في صورة عدم وجود اليد الحجة. إن قلت: إن دليل التنصيف (1) يحكم فيه بالتنصيف فيعارض دليل حجية


(1) المتقدم في ص 307 وما بعدها.

[ 353 ]

[... ] الدعوى من غير المعارض. قلت أولا: لا يشمل دليل التنصيف لتلك الصورة، فإن مورده إما صورة تحقق الدعوى من الطرفين كما في مورد الأبل (1) وإما صورة الجهل من الطرفين كما في مورد خبر السكوني المتقدم (2). وثانيا: إن نفس حكم التنصيف ظاهر في صورة عدم الحجة في المقام على كون المال كله لأحد الطرفين، وإلا لكان الدليل معارضا للبينة واليد وغير ذلك من الاصول والأمارات، وهو واضح. إن قلت: إن صحيح البزنطي قيد الرد بعدم الاتهام، وذلك مما لا يقول به الأصحاب، فالخبر معرض عنه من حيث الفتوى، من جهة عدم تقييدهم بذلك. قلت: إن منطوق الخبر لا يخالف المشهور - وهو وجوب الرد في صورة عدم الاتهام - وأما المفهوم فلا يدل عليه إلا بنحو الأجمال والقضية الجزئية، ويمكن أن يكون ذلك باعتبار تحقق كون الدعوى بلا معارض، فيكون المفهوم أنه لو كان متهما فلا بد من الفحص والتثبت حتى يعلم أو يطمئن بعدم مدع آخر لذلك، وهو الذي أفتى به الأصحاب، فراجع ملحقات العروة (3)، فإن من فروع الباب هو تحقق موضوع عدم المعارض بالفحص والتأمل والتثبت عن حال المدعي.


(1) المتقدم في ص 307. (2) في ص 308. (3) ج 2 ص 138، المسألة 14.

[ 354 ]

[ فرع ما ذكر إنما هو بيان تكليف من بيده المال بالنسبة إلى الزائد على القدر المتيقن، وأما تكليف من يحتمل كون المال له: فإن علم أنه له فلا إشكال، وإن علم أنه ليس له ولم يكن أداء المحتمل واجبا على ذي اليد من جهة يده أو يد من أخذ منه المال أو من جهة أصالة الحلية في المفروض - وهو كون صاحبه عالما بأنه غير مالك للمحتمل - فلا إشكال أيضا *. وحينئذ إن كان واجبا على ذي اليد أداء المال من باب طرفيته للعلم الأجمالي فهل يجب على صاحبه الرضا بتملك ذي اليد للمال حتى يخلص عن الحرام المنجز عليه وعلى فرض الامتناع يرجع إلى الحاكم فيتولى ذلك من جانبه، أو لا يجب عليه بل يجب على الحاكم بملاحظة مصلحة صاحب اليد، أو لا يجب عليهما أصلا بل يجب على صاحب اليد تمليك صاحبه أو الرضا بالتصرف فيه حتى يحصل الرد؟ وجوه. مقتضى القاعدة هو الأخير * *. وكذا لو كان العلم الأجمالي من الطرفين إذا كان لمن بيده المال يد حجة على غيره وإن لم تكن حجة لنفسه، لطرفيته للعلم الأجمالي * * *. وأما إذا كان العلم الأجمالي من الطرفين ولم يكن لأحدهما يد ] * لاختصاص دليل التنصيف بغير صورة كون أحدهما عالما بأن المال لا يكون له، فلا مانع من أصالة الحلية. * * لأنه مقتضى منجزية العلم الأجمالي من دون القطع بالضرر. * * * فإنه لا يجري في المقام دليل التنصيف، لأنه ليس موردا للدعوى، فإن لصاحب اليد ادعاء المالكية وأخذ جميع المال.

[ 355 ]

[ حجة * فالتنصيف تكليف بالنسبة إليهما على ما تقدم. السادس: إذا كان محتملا لكونه حراما أو حلالا بأن كان احتمال حلية جميع المال وحرمته كذلك متحققا سواء كان احتمال الاختلاط أيضا منقدحا أم لا فهل يكون إخراج خمسه محللا مطلقا أم لا يكون محللا كذلك، أو يفصل بين صورة كون المال طرفا للعلم الأجمالي - بأن علم إما باشتغال الذمة وإما بوجود الحرام في المال أو بأن جميعه حرام - وبين غيره، أو يفصل بين صورة احتمال الاختلاط وغيره ويحكم بأنه في فرض احتمال الاختلاط محلل للمال بالنسبة إلى الفرض المزبور؟ وجوه، يمكن القول بكون الخمس محللا مطلقا * *. ] * كالشريكين اللذين كان يدهما على نحو الاشتراك وبقي دينار مرددا بينهما بأن يعلم كل منهما إما هذا الدينار الواحد لصاحبه أو الديناران. * * أقول: ذكر الشيخ الأنصاري قدس سره في ما لو كانت الجائزة المأخوذة من السلطان الجائر أو بعض عماله من المال الذي فيه الحرام قطعا لكنه خارج عن محل الابتلاء أو كانت الشبهة غير محصورة: أنه حلال ومكروه وأن جماعة من الأصحاب حكموا برفع الكراهة بامور، وعد منها الخمس، كما حكي عن المنتهى والمحقق الأردبيلي، وظاهر الرياض هنا عدم الخلاف - إلى أن قال: - يمكن أن يستأنس أو يستدل على استحباب الخمس (بعد فتوى النهاية التي هي كالرواية، وكذلك فتوى السرائر مع عدم العمل فيها إلا بالقطعيات) بالموثق المسؤول فيه عن عمل السلطان (1). انتهى ملخصا.


(1) المكاسب للشيخ الأنصاري قدس سره: ص 67 - 68.

[ 356 ]

[... ] أقول: هو موثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: إنه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: (لا، إلا أن لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت) (1). وقد اورد على الاستدلال به بإمكان حمله على وجوبه من باب وجوب الخمس في أرباح المكاسب، كما في تعليق الميرزا محمد تقي الشيرازي (2) قدس سره. وقد اجيب عن ذلك بأن ذلك مندفع بالأطلاق لولا المعارضة بظهور الأمر في الوجوب، كما في تعليق تلميذه الشيخ محمد كاظم الشيرازي (3) قدس سره. وقد تبعه بعض مقرري بحث بعض علماء العصر (4) كان الله لهم. أقول: في الأيراد والجواب والمعارضة بظهور الأمر في الوجوب نظر: أما الأول فلأن قوله (فإن فعل) ظاهر جدا في أن بعث الخمس بمنزلة الكفارة لذلك العمل، فإن السؤال والجواب بصدد حكم ذلك العمل من حيث الحلية والحرمة ومن حيث ما يصل إليه من العوض، والحكم بوجوب الخمس من حيث الفائدة أجنبي عن ذلك، ولذا لم يعهد ذلك في جميع الأدلة المتعرضة للنهي عن المعاملة. ثم الأجازة فيها على وجه الكراهة أو الاضطرار كأن يقال مثلا: (لا تجعل شغلك الحياكة ولكن إن فعلت فأعط خمسه) فإن ذلك إن كان من باب مطلق


(1) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 2 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) حاشية المكاسب: ص 164. (3) بلغة الطالب: ج 1 ص 226. (4) مصباح الفقاهة:: ج 1 ص 500

[ 357 ]

[... ] الفائدة لا من باب رفع الكراهة لا يخلو عن حزازة لا تليق بكلام أبي عبد الله عليه السلام. وأما الثاني - وهو الجواب عنه بالأطلاق - فهو غير واضح، لأن قوله عليه السلام " فصار في يده شئ " ظاهر أو مشعر بالزيادة على المؤونة في الجملة، فيمكن أن يكون المقصود من قوله (يخرج): يسافر في عمل السلطان فيصير في يده شئ بعد مؤونة السفر، أو يكون المقصود أنه يخرج من وطنه ويصير عاملا للسلطان على وجه الدوام في بلد آخر، فيكون المقصود حصول مال من ذلك زائدا على مؤونته السنوية، وكيف كان، فلا إطلاق له. وحينئذ يتوجه إيرادان: أحدهما: أن الخمس المحلل ليس بعد المؤونة. والجواب عنه أن مسألة الخمس بالخصوص من الامور المفوضة إلى الأمام عليه السلام فيمكن صرف النظر عما صرفه في المؤونة. ثانيهما: أنه إذا كان الخمس هو المحلل فلا بد من خمس آخر من جهة أرباح المكاسب بالنسبة إلى الباقي بعد الخمس. والجواب أولا: أن تعدد الخمس غير واضح، ويأتي الكلام فيه (1) إن شاء الله تعالى. وثانيا: أن المستفاد من الأخبار من سيرة أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهم لا يأخذون خمس الأرباح وكانوا يحللونه لشيعتهم. وأما الثالث - وهو المعارضة بظهور الأمر في الوجوب - فهو إيراد آخر على الاستدلال الذي ذكره الطباطبائي قدس سره في تعليقه من ظهور الأمر في الوجوب، مع أن الخمس المحلل في ما يؤخذ من السلطان لرفع الكراهة، وهو


في ص 408.

[ 358 ]

[... ] مستحب، فهو دليل على كون الخمس من حيث الأرباح. والجواب عنه بوجهين: أحدهما: عدم معلومية الاستحباب في مورد الرواية مما لم يقع معاملة صحيحة - كالهبة والبيع وغير ذلك - وإنما جعل مال في قبال العمل الذي هو إعانة للظالم، فلا محل لأصالة الصحة في العمل، ومقتضى الأصل: عدم حصول الملكية للعامل، وحينئذ يجب الخمس، لاحتمال الحلية من باب كونه من الخراج والمقاسمة فيحل ذلك للشيعة المحتاج إلى ذلك كما هو الظاهر من صدر الرواية. ثانيهما: أن الظاهر أن الأمر إرشاد إلى ما هو الشرط في حصول الحلية، فإن كان التحليل واجبا من جهة القطع بوجود الحرام كان الخمس واجبا، وإن كان التحليل حسنا للخروج عن احتمال الحرمة كان الخمس مستحبا، فهو كأوامر الاحتياط والأمر بالسورة في الصلاة أو الأمر بالأجزاء الاخر فيها، فإن كل ذلك إرشاد إلى الشرطية، ووجوب الشرط أو استحبابه تابع لوجوب المشروط أو استحبابه، كما لا يخفى. وهنا إشكال آخر في الرواية من حيث إنه يعلم في المقام بحرمة جميع المال من حيث إنه إن لم يكن الاجرة من أموال حلال السلطان فحرام وإن كان من أمواله الشخصية فحيث إنه واقع في قبال الحرام فهو أيضا حرام. والجواب أنه إن كان من أموال الخراج والمقاسمة وكان العمل مشروعا مع قطع النظر عن الأعانة فظاهر الأخبار والفتاوى حلها للشيعة فيحتمل قويا أن يكون من ذلك الأموال، فالظاهر أن الاستدلال به لا يخلو عن وجه. وهو العالم. ويستدل على ذلك أيضا بمرسل الفقيه، قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال:

[ 359 ]

[... ] (ايتني خمسه) فأتاه بخمسه. فقال: (هو لك، إن الرجل إذا تاب تاب ماله معه) (1). والسند مع إرساله معتبر، لأمرين: أحدهما: نقله في الفقيه بنحو الجزم وإسناده إلى الأمام عليه السلام جزما. ثانيهما: الاكتفاء في حكم الخمس المختلط بهذا الحديث، وهذا هو المتيقن مما ذكره في ديباجة الفقيه من أن ما ينقله حجة في ما بينه وبين الله تعالى، كما أن عمومه للمورد واضح. والأشكال فيه عندي ينحصر في أن قضية المراجعة إليه عليه السلام منقولة في الأول (2) والرابع (3) أيضا، واحتمال تعدد القضية وإن كان متحققا إلا أنه يبعد عدم الأشارة في تلك الروايات المتعرضة للرجوع إليه عليه السلام إلى التعدد، ومعه لا يرى العرف حجية لظهور أحدها مستقلا عن الاخر، فكلها عند العرف بمنزلة رواية واحدة. وهو العالم. ويمكن الاستدلال أيضا بخبر السكوني المتقدم (4) المبين هناك اعتباره من حيث السند، ونزيد هنا أنه منقول في كتب المشايخ الثلاثة والمقنعة والمحاسن، كما في الوسائل (5). وتقريب الاستدلال به (بعد وضوح أن مثل تلك القضايا الشخصية التي تشبه القضايا الخارجية محمولة على ما هو المتعارف في الخارج، ومن المعلوم أن من لا يبالي بالحرام والحلال لا يدخر المال المأخوذ بالجملة بل يشتري به الأشياء المطلوبة له، مع كون المعلوم اشتراء عمدة الأشياء بالذمة، فليس الاختلاط في الخارج متيقنا في جميع الصور بل لعل الأغلب عدم العلم باشتمال المال الموجود


(1) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 3 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2 و 3) الوسائل: ج 6 ص 352 و 353 ح 1 و 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) في ص 388. (5) ج 6 ص 353.

[ 360 ]

[... ] على الحرام) أنه يحتمل أن يكون الضمير في قوله (ولا أدري الحلال منه والحرام) راجعا إلى المال المكتسب الأعم من التالف والموجود الذي أغمض عن مطالبه، أو يقال: على فرض انصراف قوله (إني كسبت مالا) إلى أن المال موجود بالفعل كما هو الظاهر، فليس ظاهرا - خصوصا بعد وضوح عدم وجود جميع المال المكتسب بعينه نوعا - في أن جميع المكتسب موجود، فالمال المكتسب هو الذي يكون عمدته موجودا بسنخه - لا بشخصه - فيكون المكتسب هو الأعم من الموجود والتالف مع الانصراف إلى وجود عمدة المال على النحو المذكور، أو يقال: إن المرجع هو ما أغمض فيه وهو المطالب، أي لا أدري الحلال من مطالب المال وحرامها، والأمر في الضمير سهل بعد وجود نكتة خارجية وكذا نكتة اخرى في الرواية - وهي مناسبة الحكم والموضوع - تقتضيان أن يكون مورد الأغماض هو بعينه مورد الجهل من حيث الحلية والحرمة، أو يقال باحتمال ذلك واحتمال الرجوع إلى المال الموجود، وعلى الجميع يصح الاستدلال، إذ لم يستفصل الأمام عليه السلام عن ذلك وأن المقصود أنه لا يدري الحلال من المال من الحرام أو الحلال مما اكتسب من الحرام منه ولو كان تالفا؟ والذي يؤيده - مضافا إلى ما ذكر - أنه من البعيد جدا عدم التصرف في المال الحرام المأخوذ من ممره، وعدم السؤال عنه، وعدم تنبيه الأمير عليه السلام على ذلك، فالظاهر أن المسؤول عنه هو تكليفه في ما اكتسبه، أعم من الموجود والتالف، فيحكم بمحللية الخمس في المال الذي لا يعلم بوجود الحرام فيه في صورة وجود العلم الأجمالي إما بوجود الحرام في المال وإما باشتغال الذمة بذلك، وكذا في ما إذا كان الاشتغال بالحرام من حيث الذمة معلوما. وأما اشتمال المال على الحرام فغير معلوم، من جهة أن يكون الشراء بالذمة غالبا، وإذا كان التخميس في المال الذي يكون الحرام المحتمل فيه طرفا للعلم الأجمالي محللا له ورافعا للاشتغال يكون محللا للمحتمل بالاولوية.

[ 361 ]

[ وذلك من غير فرق بين كون الحرام المحتمل في المال طرفا للعلم الأجمالي بحرمته أو باشتغال الذمة بمال آخر وبين كون احتمال الحرمة بدويا. ولافرق أيضا في محللية الخمس بين أن يكون المال المعين محتملا لكونه حراما أو حلالا أو يكون المحتمل مرددا بين أموال، فإن في كل ذلك يكفي الخمس في الحكم بالحلية على ما هو المستفاد من الدليل *. مسائل الاولى: لو تبين المالك بعد إخراج الخمس ففي الضمان وعدمه وجهان بل قولان * *. ولعل الأظهر عدم الضمان * * *. ] * كل ذلك مستفاد من خبر السكوني والفقيه على ما شرحناه في التعليق المتقدم، فراجع. * * كما في الجواهر (1). أما وجه الضمان فلأطلاق دليل اليد والأتلاف، والحكم بوجوب الخمس غير مناف لأن يكون ذلك على وجه الضمان، كما يجئ من نقل عدم الخلاف في الضمان في مورد اللقطة، وأما وجه عدمه فنذكره في التعليق الاتي. * * * وعليه أكثر محشي العروة في تلك الصور، لأن مقتضى مثل معتبر السكوني المتقدم (2) (وسائر المال لك حلال) هو الحلية الواقعية من دون اشتغال الذمة، وإطلاقه يشمل صورة تبين المالك. إن قلت: يعارض ذلك إطلاق دليل الضمان.


(1) ج 16 ص 75. (2) في ص 288.

[ 362 ]

[... ] قلت: يجاب عنه أولا بأن مقتضى دليل الضمان ووجوب رده أو بدله إلى صاحبه هو عدم التصالح بالخمس في حال عدم تبين المالك وفي حال التبين، فالدليل الشامل لكلا الحالين نسبته إلى دليل الضمان الذي مقتضاه وجوب أداء العين وعدم إتلافه والتصدق وغيره هي العموم المطلق، كما لا يخفى. وثانيا بأن الظاهر حكومة دليل الخمس على دليل وجوب أداء العين وبدله، فإن كون مقتضى الدليل لولا دليل الخمس هو لزوم الخروج عن عهدة المالك مفروض في دليل الخمس، ودليل الخمس متكفل لعلاج ذلك المشكل، فالخمس بدل اضطراري عن الأداء فالأداء متحقق ببدله الاضطراري، وهذا من صغريات إجزاء الأمر الاضطراري عن الواقعي الأول، والعمدة في وجه الأجزاء هو الحكومة بتوسعة دائرة الامتثال، فافهم وتأمل. وثالثا على فرض المعارضة يرجع إلى استصحاب الحلية وعدم الضمان. إن قلت: يعارضه استصحاب لزوم التدارك لو كان تبينه قبل أداء الخمس بل يقدم عليه، لتقدم الاستصحاب التعليقي على الفعلي، كما شرحناه وكتبناه في الاصول. قلت: فعلية وجوب الأداء عينا أو بدلا قبل الخمس على تقدير التبين عقلي لا شرعي، فتأمل. وعلى فرض الجريان فالظاهر هو التعارض في المقام لا الحكومة، لأن ملاك حكومة التعليقي على الفعلي هو كون التعليقي مشتملا على الحكم مع زيادة، وهي الاستناد إلى المعلق عليه، بخلاف الفعلي، ونتيجة ذلك كون التعليقي رافعا للشك بالنسبة إلى الفعلي دون العكس. وهذا الوجه غير جار في المقام، لأن الفعلي أيضا هو الحلية المستندة إلى الخمس وكون الخمس محللا، فلا وجه لتقدم أحدهما على الاخر. وهذه من الفوائد الاصولية التي لم تذكر في الاصول.

[ 363 ]

[ وأما اللقطة فلعل الظاهر هو الضمان *. وأما سائر الأموال المجهول مالكها ففي الضمان إشكال، ولعل الظاهر هو الضمان أيضا * *. ] * ففي مكاسب الشيخ الأنصاري قدس سره: إنه لا خلاف في الضمان (1). ويدل عليه غير واحد من الأخبار، منها: معتبر علي بن جعفر عن أخيه عليهما السلام، قال: وسألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرفها سنة ثم يتصدق بها فيأتي صاحبها ما حال الذي تصدق بها؟ ولمن الأجر؟ هل عليه أن يرد على صاحبها أو قيمتها؟ قال: (هو ضامن لها والأجر له، إلا أن يرضى صاحبها فيدعها والأجر له) (2). والمستفاد منه امور، أحدها: الضمان. ثانيها: كون الأجر لصاحب المال إن رضي بذلك، وللمتصدق إن لم يرض بذلك واغترم بل وإن لم يغترم. ثالثها: عدم ضمان الفقير أصلا حتى في صورة بقاء عين المال. ويلحق بذلك عدم ضمان الفقيه الاخذ لها من جانب الفقير في الصورتين. * * وذلك لرواية حفص بن غياث، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا واللص مسلم هل يرد عليه؟


(1) المكاسب للشيخ الأنصاري: ص 71. (2) الوسائل: ج 17 ص 352 ح 14 من ب 2 من أبواب اللقطة

[ 364 ]

[... ] فقال: (لا يرده، فإن أمكنه أن يرده على أصحابه فعل، وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولا، فإن أصاب صاحبها ردها عليه وإلا تصدق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر، وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له) (1). والغمض في السند بالقاسم بن محمد الذي عن النجاشي (إنه لم يكن بالمرضي) وعن ابن الغضائري (إنه غال في مذهبه) يمكن دفعه بمجموع امور يورث الاطمينان النوعي الحجة عند العقلاء بالصدور: منها: وجوده في كتب المشايخ الثلاثة ومنها الفقيه. ومنها: روايته في المقنع المعد للفتوى عن حفص. ومنها: تصحيح العلامة - كما في جامع الرواة - سند الصدوق قدس سره إلى سليمان بن داود المنقري وفيه القاسم بن محمد. ومنها: كونه واقعا في طريق الصدوق المذكور في المشيخة التي أعدها للفقيه الذي ذكر في مقدمته ما ذكر. ومنها: أنهم صرحوا بأن لحفص بن غياث كتابا معتمدا، والمظنون المجزوم به عند بعض الخبرة من المحدثين أن ما نقله الفقيه عن حفص ينقله من كتابه المعتمد، وذكر الطريق ليس إلا من باب اتصال السند لا من باب الاعتماد على الواسطة. ومنها: أن في مكاسب الشيخ الأنصاري قدس سره: أن المشهور - كما في جامع المقاصد - على أنه إذا أودع الغاصب مال الغصب لم يجز الرد إليه بل


(1) الوسائل: ج 17 ص 368 الباب 18 من أبواب اللقطة.

[ 365 ]

[ الثانية: لو كان الحلال المختلط بالحرام موردا لتعلق الخمس من جهة اخرى فيجب خمس آخر ولا يكفي خمس التطهير *. ] يجب رده إلى مالكه، فإن جهل عرف سنة ثم يتصدق به عنه مع الضمان، وبه رواية حفص (1). ومنه يستفاد اعتماد المشهور على خبر حفص وكفى بذلك دليلا على الاعتبار. ومنها: أن المستفاد من تضعيف ابن الغضائري أن الوجه في ذلك: نقل أحاديث يكون فيها الغلو والارتفاع، لا مشاهدة فسق أو كذب صريح منه. وهذا يمكن أن يكون من باب الاعتماد على الناقل ويمكن أن لا يكون ارتفاعا ولكن كان ارتفاعا بنظره. وكيف كان، فالظاهر هو الاعتماد عليه من حيث السند. وأما دلالته على حكم مجهول المالك بنحو الأطلاق فمن جهة أن مورده يمكن أن يكون أخذ المال من الغاصب للرد عليه فيكون يده يد ضمان، كما أنه يمكن أن يكون الأخذ عنه من باب أن يراعي فيه تكليفه كائنا ما كان، والظاهر أنه بعد ما لم يردعه عن الأخذ منهم بهذا النحو فالمستفاد منه عدم تبعة عليه لو أخذه من باب الأحسان والرد إلى أصحاب المال ثم التصدق عنهم إن كان يمكنه ذلك. والحاصل أنه يشمل اليد العدوانية واليد الأحسانية الأمانية، فحينئذ يحكم بالضمان مطلقا على طبق الرواية المتقدمة. ومنه يستفاد حكم اللقطة أيضا، كما لا يخفى. * كما في الجواهر، وفيها أنه: صرح به بعضهم، لتعدد الأسباب المقتضي لتعدد المسببات، فما في الحواشي البخارية من الاكتفاء به ضعيف جدا كدليله من الأطلاق الذي لم يسق لبيان


(1) المكاسب للشيخ الأنصاري: ص 70.

[ 366 ]

[... ] ذلك (1). انتهى. أقول أولا: إن الاستناد إلى قاعدة أن (تعدد الأسباب يقتضي تعدد المسببات) لا يخلو عن ضعف، فإن القاعدة تكون في فرض وحدة المسبب، وفي المقام يكون المسبب متعددا، إذ متعلق خمس التطهير هو مجموع المال المشتمل على الحرام والحلال ومتعلق خمس الأرباح مثلا هو خصوص الحلال منه، والخمس في المختلط واجب بالوجوب الشرطي بخلاف خمس الأرباح، فإن المعروف بينهم هو مالكية المال بنحو الأشاعة أو الكلي في المعين أو بنحو حق الرهانة، فظاهر الدليل هو التعدد ولو لم نقل بأن السبب مقتض للتعدد، كما لا نقول به كما كتبناه وشرحناه في الاصول. وثانيا: إن ما ذكره من الأشكال في الأطلاق - من عدم سوقه إلا لبيان الخمس الواجب من جهة التخلص عن الحرام، ولذا لا يدل على عدم وجوب الزكاة لو كان في المال نصاب - إنما هو بالنسبة إلى الأطلاق اللفظي، وأما الأطلاق المقامي فيمكن دعواه في المقام، فإن من لا يبالي بالحرام والحلال مع فرض جمع المال واكتسابه الذي هو مصداق للأرباح - خصوصا مع عدم تعارف إعطاء خمس الأرباح في عصر الأمير عليه السلام من جهة التحليل - فالظاهر أنه لا يعطي خمسه ولن يعطي بعد ذلك، فمحل التنبيه عليه يكون عرفا في هذا المقام، وحيث لم ينبه في تلك الأخبار الناقلة للرجوع إليه عليه الصلاة والسلام لامنه ولا من الأمام الناقل له فهو دليل على عدم لزوم الخمس. فالأولى: الجواب عنه بما اشير إليه - في ضمن بيان الأطلاق المقامي - من أن ذلك لعله من باب التحليل في عصره عليه السلام وعصر أبي عبد الله عليه السلام، فلا يدل على


(1) الجواهر: ج 16 ص 76.

[ 367 ]

[ وكيفيته أداء خمس التطهير من مجموع المال ثم أداء الخمس الاخر من الباقي *. ] العدم بعدما ورد بعد ذلك من الأخبار الرافعة للتحليل السابق، فافهم وتأمل. ومن هنا يظهر أن الأقرب هو لزوم الخمسين، وهو العالم بالحقائق. * كما هو الظاهر من عبارة الجواهر حيث قال قدس سره: (فيجب حينئذ بعد إخراج خمس التطهير خمس آخر) (1). والوجه في ذلك أن في مثل عشرة لو فرض أن الواحد منها حرام قطعا واحتمل أن الاثنين أو الثلاثة منها حرام وكان جميع المال إن لم يكن حراما من أرباح المكاسب - مثلا - فكما أن أربعة أخماس من المال مخلوط من الحرام كذلك الخمس، ولا ترجيح لأحد السهمين على الاخر. كما لو فرض وجود مال بين الشركاء بالأشاعة وتلك الشركة قد أغمضت في جمع المال فاختلط حرامه بالحلال، فإن تحليل كل واحد من السهام بإعطاء خمسه، وحينئذ يكون من بيده المال مالكا لأربع سهام من هذا المال وصاحب الخمس لسهم واحد من السهام الخمسة، وكل واحد من السهمين يكون من الحلال المختلط بالحرام، فإعطاء الاثنين في المثال المذكور يكون من باب تطهير العشرة، فيطهر بذلك مال ذي اليد فيملك بذلك أربعة أخماس من الثمانية ويملك صاحب الخمس من حيث الأرباح الخمس الباقي من الثمانية، فالمعطى لصاحب الخمس من باب التطهير - وهو الاثنان - ينقسم إلى سهام خمسة فيكون أربع منها لذي اليد وموجبا لتطهير سهمه والواحد منه من طرف صاحب الخمس من حيث الأرباح فيعطى من باب تملكه لخمس الباقي من حيث الأرباح.


(1) الجواهر: ج 16 ص 76.

[ 368 ]

[ ومن ذلك يظهر حكم المال المشترك المختلط بالحرام *. ] ومن ذلك يظهر النظر في ما افيد من إخراج خمس التطهير من مجموع الحلال والحرام بعد استثناء خمس الأرباح مثلا، إذ ليس على صاحب المال إلا تخميس ماله المشتبه بينه وبين المجهول مالكه، والثمانية من تلك المال في المثال فيه الحرام من المجهول والحلال له والمحتمل كونه له أو للمجهول، وأما الاثنان فبعضه لصاحب الخمس قطعا وبعضه الاخر للمالك المجهول والقسم الثالث مردد بين صاحب الخمس والمالك المجهول، فلا بد أن يعطي ذو اليد ستة عشر ريالا مثلا لتحليل ماله والأربعة الاخرى لتحليل الخمس من حيث الأرباح فيملك صاحب الأرباح بعد ذلك ستة عشر ريالا في المثال، ثم إنه يصير الثمانية الباقية بعد التطهير خمسها لصاحب الخمس وأربعة أخماسها لذي اليد. وكذلك ما افيد أيضا من الترديد في إعطاء الخمس الاخر من الأقل أو الأكثر أو تنصيف المحتمل، فإن مقتضى ما ذكر: إعطاء خمس الباقي بعد التطهير من دون إشكال الموافق للتنصيف في المثال، وأما في مثل ما إذا كان المتيقن كونه حراما هو الخمس واحتمل الزائد فعلى ما ذكرناه في مثال عشرة توامين يصير خمس الأرباح ستة عشر ريالا، وأما على التنصيف فلا بد من إعطاء خمسة عشر ريالا لصاحب الخمس، فافهم وتأمل فإنه حقيق بذلك. * فانه يجب على كل من الشريكين خمس سهمه بالنسبة، كما تقدم في التعليق المتقدم. واحتمال اختصاص مثل خبر السكوني (1) بغير مورد الشركة مدفوع بأن الحكم بإعطاء الخمس يشمل ما إذا وهب بعض ماله بنحو الأشاعة لبعض ولده، فإن المستفاد منه عرفا أن التخميس طريق لتطهير المال من دون دخالة للشخص،


(1) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 369 ]

[ الثالثة: لو تبين بعد أداء الخمس أن المال الحرام أكثر من الخمس أو تبين أنه أقل منه ففيه وجوه: من الاكتفاء به في صورة الزيادة وعدم استرداد الزائد في صورة النقصان، أو التفصيل بين الجهل بالمقدار وبين العلم به، أو الحكم بعدم استرداد الزائد في فرض النقصان ووجوب التصدق بالزائد، أو الحكم بجواز الاسترداد في فرض النقصان ووجوب التصدق بالزائد. الظاهر هو الأول *. ] مضافا إلى ما سيجئ إن شاء الله تعالى، خلافا لما تقدم (1) سابقا من أنه لعل الاظهر جواز التمسك بخبر عمار بن مروان (2). * أما وجه الاكتفاء فلأن الظاهر من خبر السكوني هو أن سائر المال حلال لذي اليد واقعا، ولو فرض تبين ذلك بعد الأداء فهو كالصلح الواقع بين اثنين في المحتمل. والقول ب‍ (احتمال كون الحكم بالتصدق بالخمس وحلية المال ظاهريا) من جهة إطلاق دليل التصدق بمجهول المالك إذا كان أزيد من الخمس أو أقل مع عدم وجوب الزائد في ما إذا كان أقل، مدفوع بتقدم إطلاق دليل الخمس على دليل مجهول المالك من جهة الحكومة، لأن المفروض فيه وجوب رد المال الواقعي بعنوان التصدق واقعا، وأن الخمس إنما جعل للاستخلاص من احتمال الزيادة عن الخمس الواجب إيصاله إلى صاحبه إن كان معلوما أو ما بحكم الأيصال إليه من التصدق الذي هو نوع إيصال إليه في حال الاضطرار. وأما وجه التفصيل الأول فمن جهة أن الموضوع لمحللية الخمس باق حينئذ بعد الأداء، فإنه في مورد الجهل بالمالك والجهل بالمقدار ولو كان أقل من الخمس


(1) في ص 358. (2) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 2 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 370 ]

[ الرابعة: لو كان بيده مالان مختلطان بالحرام - كأن كان وليا على أحد المالين ومالكا للاخر - فعلم إجمالا بزيادة الحرام في أحد المالين عن الخمس فالظاهر كفاية إعطاء الخمس في الحلية. وكذا إذا عثر على مال مختلط بعد أن كان مالا مختلطا له وعلم بالزيادة في أحد المالين *. ] أو أكثر. وقد تقدم بطلان ذلك. وأما وجه التفصيل الثاني فهو أن الظاهر كون التصدق الواقعي موجبا لحلية المال ظاهرا، فالتصدق واقعي يوجب خروج المال عن ملك المالك المجهول أو عن ملك ذي اليد قطعا فلا وجه لاسترداد الزائد. وأما في صورة الزيادة فعدم لزوم التصدق بالزائد حكم ظاهري ما دام الجهل بذلك. وفيه: أن الظاهر أن التصدق واقعي والحلية أيضا واقعية، خصوصا بلحاظ كون المستفاد من الدليل بمناسبة الحكم والموضوع أنه بمنزلة الصلح المتعارف بين الناس، ولا سيما بملاحظة قوله عليه السلام: (إن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) (1) بناء على بعض محتملاته، لكن لو لم نقل بالاكتفاء فهو أقرب من باقي الوجوه، إذ لا وجه لحمل التصدق بالخمس على التصدق الظاهري. ومما ذكر يظهر الوجه في الاحتمال الأخير، ومبناه على كون التصدق والحلية الحاصلة منه ظاهريين. وقد عرفت ضعفه. فالظاهر عدم استرداد الزائد وعدم وجوب التصدق بالزائد. وهو العالم بالحقائق. * والوجه في ذلك ما تقدم من حصول الحلية الواقعية والبراءة الواقعية عن


(1) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 371 ]

[ الخامسة: لو علم صاحب الخمس بنقصان أحد المالين عن الخمس فلا إشكال أيضا في أخذ الخمسين *. السادسة: لو احتمل الزيادة عن الخمس فالأحوط إعطاء الخمس فورا من دون انتظار الفحص، ثم الفحص والتصدق بالزائد * *. ولو بقي بعد الفحص على الجهل بالمقدار فيحتمل كفاية ما أعطاه خمسا للتحليل وإن كان الأحوط إجراء ما تقدم في محتمل الزيادة. ومقتضى الاحتياط أن يقصد حين أداء الخمس في الفرض المزبور ما هو المحبوب عنده تعالى من التصدق أو الخمس أو القرض واحتسابه خمسا بعد الفحص وبقاء الجهل * * *. ] الزائد، فلا يعلم بمخالفة التكليف الواقعي. * وذلك لما تقدم من كون التصدق واقعيا بلا إشكال، فلا يعلم من يأخذ الخمس بأخذ الزائد عما يستحقه قطعا. * * لأن لزوم التخلص من الحرام فوري. * * * فإنه يحتمل أن يتبين بعد ذلك أنه أزيد عن الخمس فيكون حكمه التصدق على ما مر، ويحتمل أن يبقى الجهل بالمقدار بعد الفحص ويكفي الخمس حتى من أول الأمر، لشمول الأدلة لصورة وجود المشكل واقعا - ولو لم يحصل له العلم بأنه مشكل - ويشمله إطلاق خبر عمار المعتبر المتقدم (1)، ويحتمل أن يكون التكليف هو الخمس بعد الفحص وبقاء الجهل، فيقصد الخمس من الحال. إن قلت: إنه لا بد من الأعطاء ولا يكفي الاحتساب. قلت: إن إعطاء الخمس كإعطاء سائر الحقوق العرفية، فكما يكفي الاحتساب في سائر الحقوق العرفية كذلك في المقام، ولكن لا بد من البحث عن المسألة بعد


(1) في ص 284.

[ 372 ]

[ والأحوط هو التمليك بعد ذلك من باب الخمس والقبول من صاحب الخمس. وأحوط من كل ذلك حصول القبض والأقباض، وإن كان ضعيفا *. السابعة: لو كان الحرام المجهول مالكه مشخصا مع فرض الجهل بمقداره فخلطه لأن يحصل به موضوع المال المختلط بالحرام فيتخلص منه بالخمس * * فهل يجزئه دفع الخمس ويحل بذلك المال، أو يجب التصدق بمقدار يتيقن معه بالبراءة، أو يكون حكمه حكم المختلط الذي لا يشمله أخبار الخمس فيكون الواجب عليه إعطاء المتيقن وفي الزائد المحتمل يجري ما تقدم (1)؟ وجوه * * *. ] ذلك، فإنه مورد للابتلاء. * فإن صدق إعطاء الخمس بصرف الأبراء غير واضح. نعم، الظاهر صدقه بالتمليك والقبول كما ذكرناه في المتن. * * من غير فرق بين أن يكون مقصوده من الخلط هو عدم بذل الزائد - كما لو علم بأن الحرام ليس أقل من الخمس ويحتمل الزيادة - أو كان احتمال الزيادة عنده أحرى بالمراعاة احتمالا أو محتملا، أو كان المقصود بذلك جهات اخر - كإعطاء المال بعنوان السهم المبارك - فمقصوده من الخلط: الدخول في عنوان الخمس. * * * أما وجه إجزاء الخمس فلشمول الدليل. ودعوى (الانصراف في رواية عمار المتقدمة (2) المعتبرة) ممنوعة، إذ ليس الحكم بذلك إلا كالحكم بترك الصيام ووجوب القصر في السفر أو اشتراط الحج بالاستطاعة وغير ذلك مما لا إشكال في شمول الدليل له ولو كان إيجاد الموضوع من باب تعلق الحكم به.


(1) في الصفحة السابقة. (2) في ص 284

[ 373 ]

[... ] وأما ما ذكرناه سابقا من الأهمال - من جهة ذكر سائر موارد الخمس المعلوم أن له شرائط - فمردود بأن الحمل على الأهمال موجب لألقاء الكلام عن الفائدة في العمل في أكثر الموارد، فإنه إذا احتمل مثلا وجود نصاب في المال المختلط أو احتمل استثناء المؤونة أو احتمل اشتراط احتمال النقصان أو احتمل اشتراط كون استقرار اليد من أول الأمر على النحو الحرام - لا على نحو الأحسان - أو احتمل أن يجب الصبر إلى حلول الحول بعد اليأس عن صاحبه أو غير ذلك فلا يكون حجة للمكلف، وهذا مما يقطع بعدم صحته، فالحمل على الأطلاق لبيان القاعدة أولى حتى بالنسبة إلى الموارد المذكورة، خصوصا مع التقييد ب‍ (ما إذا لم يعرف صاحبه) كما في أوفوا بالعقود (1) فإن ورود التخصيص لا يوجب الحمل على الأهمال، فالظاهر جواز التمسك به. فالأطلاق على أقسام: الأول أن يكون ملقى على وجه لا يكون قابلا للتقييد. الثاني أن يكون ملقى لأعطاء القاعدة فيخرج منه ما يخرج. الثالث أن يكون ظاهرا في إرادة الأطلاق بحسب الواقع، فيعلم بعد التقييد أنه لم يكن كذلك بحسب الواقع. والأطلاق المذكور أحد القسمين الأخيرين، فتأمل. هذا بالنسبة إلى معتبر عمار. وأما خبر السكوني فحيث إنه ورد بالنسبة إلى ما وقع من الخارج فلا إطلاق له لصورة كون الاختلاط بداعي الدخول في دليل الخمس، إذ من المعلوم عدم علم من راجع الأمير عليه السلام بالخمس كما هو واضح، ولكن لا إشكال في شموله لصورة كون المال متميزا بوصف الحرمة من أول الأمر ثم صار مخلوطا، بل الغالب في كسب من يبالي بالحرام والحلال ذلك، ومقتضى ترك الاستفصال: عدم الفرق بين كون المتميز قبل الاختلاط معلوم المالك أو مجهول المالك فيشمل الموردين،


(1) سورة المائدة: 1.

[ 374 ]

[... ] فإذا كان شاملا للمسبوق بالتميز بلا إشكال فلا فرق بين أن يكون الاختلاط بماله الحلال من جهة عدم المبالاة أو من جهة العمل بالحكم الشرعي، بل الثاني أولى بالحكم، فإنه لو حكم بكفاية الخمس لمن يختلط الحرام بالحلال حتى يتصرف في الكل فكفايته في من يخلط للعمل بالحكم الشرعي أولى في نظر العرف. هذا هو الدليل للوجه الأول، وقد ظهر أنه أقرب. وأما وجه عدم كفاية الخمس ولزوم إعطاء ما تيقن معه بالبراءة فلأن الاختلاط كان عصيانا فهو غصب زائد على تصرفاته السابقة فيؤخذ بأشق الأحوال، كما في الجواهر (1). وهو كما ترى، إذ ليس معنى ما ذكر أنه يؤخذ منه شئ زائد على مقتضى الدليل ويؤدى إلى المغصوب منه، بل معناه أنه يؤخذ منه ولو كان ذو عسرة وليس كالمديون الذي ينظر إلى حال اليسر مثلا، كما هو واضح. وأما وجه الاحتمال الأخير المختار لصاحب الجواهر قدس سره في آخر كلامه (2) والطباطبائي قدس سره في العروة (3) وأكثر المحشين فامور كلها مخدوشة: منها: أنه من قبيل الخلط بالمعلوم مالكه، فإن مالكه معلوم وهو الفقراء. ومنها: أنه كمعلوم المالك، حيث إنه يجب صرفه قبل الخلط في الفقراء. والوجهان مستفادان من العروة حيث قال قدس سره في مقام التعليل على أنه باق على حكم مجهول المالك: (لأنه كمعلوم المالك حيث إن مالكه الفقراء قبل التخليط) فمقتضى الجملة الاولى (أنه كمعلوم المالك) ومقتضى قوله (حيث إن مالكه الفقراء) أنه مصداق لمعلوم المالك حقيقة.


(1) ج 16 ص 76. (2) الجواهر: ج 16 ص 77. (3) في المسألة 35 من الفصل الأول من كتاب الخمس.

[ 375 ]

[ ولعل الأقرب أنه متعلق للخمس *. ولا إشكال في كونها عاصيا بذلك * * إن لم يطمئن برضا صاحب المال في ذلك ولم يكن ذلك بإذن الحاكم، وأما لو اطمأن بذلك * * * فلا ] وفي الوجهين ما لا يخفى، فإن كون المال معلوم المالك أو كمعلوم المالك قبل الخلط لا أثر له من حيث ارتفاع دليل الخمس، لأن موضوع دليل الخمس (المال المختلط المجهول مالكه) وبعد الخلط يكون كذلك. وكون حكمه معلوما قبل الخلط لا ربط له بما بعد الخلط. وبعده لا فرق بينه وبين غيره في كونه مجهول المالك بحسب الجعل الأولي ومعلوم المالك بحسب دليل التصدق إن كان شاملا لغير المتميز، وعدم كون ذلك مانعا من إجراء دليل الخمس فيجوز التصدق والخمس أو يخصص دليل التصدق بدليل الخمس - على اختلاف الوجهين المتقدمين - وعدم كونه معلوما مالكه حتى بحسب دليل التصدق إن لم يكن شاملا لغير المتميز. ويختص الوجه الأول بإيراد آخر وهو عدم كون مالكه معلوما، إذ الحكم بوجوب صرفه إلى الفقراء لا يوجب أن يكونوا مالكين، خصوصا بعد وضوح أن ذلك من باب الأيصال إلى مالكه الواقعي كما هو واضح. ومنها: الانصراف. وعمدة الوجه فيه أن الحكم بالتحليل بالخمس يشمل المختلط مع قطع النظر عن الحكم. وفيه منع بالنسبة إلى القضية الكلية الشاملة لما بعد الحكم كما في خبر عمار، وأما خبر السكوني فتقدم تقريب شموله بالفحوى وإن لم يشمله بالأطلاق. * كما يظهر وجهه من التعليق المتقدم فراجع. * * كما في الجواهر (1) على وجه الأطلاق. * * * كما لو كان احتمال كونه أكثر من الخمس مرجوحا أو كان المحتمل


(1) ج 16 ص 76.

[ 376 ]

[ عصيان. وأما كفاية إذن الحاكم ففيه إشكال *. الثامنة: لو تصرف في المختلط بالمعاوضة ففيه وجوه * *. ] قليلا بالنسبة إلى الطرف الأقل، فإنه يقطع أو يطمئن برضا صاحب المال بذلك. * من جهة أنه ولي الغائب مطلقا - كما هو المعروف بينهم - ومن عدم وضوح قيام دليل على ولايته في ما كان الحكم معلوما، فإن حكمه التصدق، فولايته على الأذن في الاختلاط حتى يصير متعلقا للخمس غير واضحة، فلا بد من التأمل في دليل ولايته، وهو موكول إلى بابه. * * 1 - القول ببطلان المعاملة بالنسبة إلى مقدار الحرام، فكما أن المختلط مردد بين أقل من الخمس أو الأكثر - مثلا - كذلك البدل مردد كالمبدل، إلا أن صاحب الأول مجهول وصاحب الثاني هو المنقول إليه. والوجه في ذلك مجموع أمرين: بطلان المعاوضة بالنسبة إلى مقدار الحرام، وعدم التعين بالخمس، لأن التعين بالأداء، ولا يتبدل المخلوط بنفسه بالخمس، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، فالمبدل باق على الاختلاط بمعنى الاشتباه فكذا البدل. 2 - القول بالبطلان وكون الحرام في البدل هو الخمس، كما هو الظاهر من الجواهر (1). والوجه في ذلك تبدل الحرام المخلوط بنفسه بالخمس. وسيجئ وجه ذلك والأيراد عليه. 3 - القول بالصحة مطلقا وانتقال الخمس إلى البدل. والوجه في ذلك ولاية من بيده المال على تبديل مجهول المالك والتصدق ببدله، كما يظهر من خبر يونس عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في بعض متاع رفيق


(1) ج 16 ص 76.

[ 377 ]

[... ] مكة الذي لا يعرف بلده ولا شخصه، قال: (إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه...) (1)، وما في خبر ابن أبي يعفور في الرجل الذي أصاب شاة أنه يبيعها ويتصدق بثمنها (2)، ومما في تراب الصياغة في خبر الصائغ (بعه... بطعام... تصدق بثمنه) (3). والأيراد على ذلك تارة بأن الحكم وارد في ما حكمه التصدق على الفقراء لا في ما حكمه الخمس، واخرى بأنه وارد في غير اليد العادية كاللقطة وما يكون أصحابه راضين بذلك بحسب المتعارف - كما في تراب الصياغة - مدفوع: أما الأول فلأنه ليس شرط صحة البيع هو التصدق وإلا لزم الدور، فالحكم هو جواز البيع مقدمة للتصدق، فجواز البيع ثابت مع قطع النظر عن التصدق، مع أن الخمس تصدق أيضا، كما ورد في خبر السكوني (4)، مع أنه لو جاز البيع في ما لابد من إعطاء جميعه وكان المال جميعا للمالك المجهول فله الولاية في ما يكون بعض المال له، وله المصالحة بالخمس أيضا بولايته وهو أولى بالولاية بحسب الظاهر. وأما الثاني فدفعه بخبر حفص بن غياث المتقدم (5) الوارد في رجل أودعه بعض اللصوص دراهم أو متاعا وفيه (كان في يده بمنزلة اللقطة) فجعل المأخوذ على وجه العدوان (أي بقصد الرد على اللص، لشموله لتلك الصورة قطعا) بمنزلة اللقطة. وحكم اللقطة هو الولاية على البيع والتصدق بالثمن كما مر. وقوله عليه السلام بعد ذلك (فيعرفها حولا) غير ضائر بالأطلاق، بل يؤيد إطلاقه، لأنه لو كان المقصود


(1) الوسائل: ج 17 ص 357 ح 2 من ب 7 من أبواب اللقطة. (2) المصدر: ص 365 ح 6 من ب 13 من أبواب اللقطة. (3) الوسائل: ج 12 ص 485 ح 2 من ب 16 من أبواب الصرف. (4) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) في ص 363.

[ 378 ]

[ والأصح التفصيل بين المعاوضة التي روعيت فيها مصلحة المالك المجهول فيحكم بالصحة وانتقال الخمس إلى الثمن، وغيرها - كأن يعاوض مع ابنه مثلا مبنيا على المحاباة - فلا يصح *. ] خصوص الحكم المذكور بعد ذلك لما كان وجه لذكر الكلي المذكور، فهو بمنزلة التعليل، خصوصا إذا كان ما بعده مقرونا بالفاء الذي للتفريع، إذ لا فرق عرفا بين أن يقال (الخمر حرام، لأنه مسكر) أو يقال (الخمر مسكر فلا تشربه) فافهم وتأمل. 4 - القول بالصحة وتعين الخمس في القيمة. وتوجيه ذلك أن مقتضى ما يجئ - إن شاء الله تعالى - هو تخير من بيده المال بين أداء الخمس من العين أو من القيمة، فإذا ملكه الغير فمقتضى تعين أحد عدلي التخيير بعد محذور العمل بالاخر شرعا من باب وجوب الوفاء بالعقد هو تعين القيمة وصحة المعاملة من دون الانتقال إلى البدل. وهذا الوجه مردود بأن القيمة بعنوان المال المختلط بالحرام، وعلى فرض الصحة لا يكون في الخارج مال مخلوط بالحرام، وعلى فرض كون مقتضى وجوب الوفاء تصحيح المعاملة بأداء القيمة وإن كان المال المخلوط بالحرام موجودا في الخارج، إلا أنه ليس ماله الحلال مخلوطا بالحرام، بل المال الحلال المنقول إليه مخلوط بالحرام ولا يشمله دليل الخمس من حيث أداء القيمة. 5 - التفصيل بين المعاوضة المبنية على مراعاة مصلحة المالك المجهول فتصح، والأحوط الاستجازة من الحاكم. والوجه فيه ما تقدم (1) من الدليل الوارد في اللقطة بضم ما ورد في خبر حفص من كون المال المأخوذ على وجه العدوان (بمنزلة اللقطة). وبين ما لا يكون كذلك - كالمعاوضة المبنية على المحاباة - فيبطل. والوجه فيه هو الخروج عن منصرف دليل البيع والتصدق بالثمن قطعا. * والوجه في ذلك ما تقدم تفصيله (2). وإجماله أن ما تقدم من الدليل الوارد


(1) في ص 317 و 318. (2) في ص 376 و 377.

[ 379 ]

[ والأحوط في صورة الحكم بالصحة الاستجازة من الحاكم الشرعي أيضا. وأحوط منه إعطاء الخمس مع الاستيذان عن المنقول إليه بقصد ما هو المحبوب عند الله تعالى: من كونه خمسا محللا لماله أو محللا للمال المنقول إليه إن كان خمس البدل بمقدار خمس المبدل أو أزيد. ولو كان خمس المبدل أزيد فمقتضى الاحتياط أن يؤديه المنقول إليه ويعرض عما يحتمل كونه زائدا عن الخمس. وكذا الناقل بالنسبة ] في اللقطة وتراب الصياغة بضم ما دل على أن المال الذي يودعه اللص (بمنزلة اللقطة) يدل على ولاية من بيده المال على المعاملة التي روعيت فيها مصلحة المالك المجهول. فهذا وجه صحة المعاملة التي روعي فيها المصلحة له. وأما وجه البطلان في غيرها فلعدم الدليل على الولاية، ومقتضى ذلك هو البطلان بالنسبة إلى مقدار الحرام. ثم إنه في صورة البطلان يجئ الوجهان المتقدمان من أن مقتضاه استحقاق المشتري من البائع مثلا خمس الثمن أو يكون مرددا كما كان المبيع مرددا قبل ذلك، فالوجوه ستة: البطلان مطلقا واستحقاق المشتري ما هو المردد بين ما يملكه المالك المجهول مع قطع النظر عن الخمس في المال المبدل. البطلان مع استحقاقه الخمس. الصحة وتعلق الخمس بالثمن. الصحة ولزوم القيمة على الناقل. التفصيل بين المعاوضة التي فيها المصلحة والبطلان في غيرها، باستحقاق المنقول إليه الخمس أو باستحقاقه المردد كما اشير إليه، وظهر أن الصحيح هو التفصيل، والأظهر هو الوجه الأول من وجهي التفصيل كما يظهر إن شاء الله تعالى.

[ 380 ]

[ إلى ما يحتمل أن يكون أقل منه وأعطاه من قبل المشتري *. وأما في فرض البطلان فلا إشكال في جواز رجوع صاحب الخمس إلى المنقول إليه * *. وأما المنقول إليه فيرجع إلى الناقل فيأخذ الأقل ويتصالح معه على المحتمل زيادته * * * على الأحوط وإن كان لأخذ الخمس منه وعدم ] * أما إجازة الحاكم فلاحتمال كونه ولي الغائب. وعدم تعينه يكون من باب ما تقدم من قيام الدليل على ولاية من بيده المال على البيع في الصورة المفروضة. وأما الاستيذان من المنقول إليه فلاحتمال البطلان وعدم ولاية الحاكم في ما يكون حكمه معلوما ولم يعمل بذلك وعدم ولاية الناقل أيضا، فيكون مقابل الحرام المجهول للمنقول إليه فيستأذن منه أن يكون من قبله إن كان ما يقابل الحرام ملكا له وكان بقدر الخمس أو زائدا عليه، وأما إن كان أقل منه فلا بد من تمليكه له وقبوله من جانبه ثم الأعطاء بالعنوان المذكور. وأما إعراض المنقول إليه فلاحتمال أن يكون الحرام زائدا عن الخمس فيستحق الزائد من البدل الذي عند الناقل بالفرض. وأما إعراض الناقل فلاحتمال أن يكون أقل وأعطى الخمس من جانبه مع تمليكه وقبوله فلا بد أن يكون ذلك بنحو الهبة. لكن كل ذلك احتياط لا يوافقه الدليل، فإن مقتضى الدليل على ما عرفت هو الصحة وانتقال الخمس إلى البدل. والله المتعالي هو العالم. * * لأن المنقول إليه صاحب الحلال المختلط بالحرام المجهول صاحبه، فيجب عليه الخمس، فيجوز لولي الخمس الرجوع إليه. * * * وذلك لما يجئ إن شاء الله تعالى من عدم تبدل المختلط بالخمس قهرا، فالمال الذي جعل موردا للمعاوضة كان ملكا للناقل والمالك المجهول على

[ 381 ]

[ أخذ الزائد عليه وجه *. والظاهر جواز رجوع صاحب الخمس إلى الناقل أيضا * *، لكن ما يؤديه الناقل في هذا الفرض - أي فرض البطلان - ليس الخمس بنفسه، لأنه ليس للناقل مال حلال مخلوط بالحرام، بل هو بدل الحيلولة، وحينئذ فهل يملك الناقل أن يأخذ الخمس من المنقول إليه أو يجوز ] الوجه المجهول، ولازمه كون البدل للمشتري على طبق المبدل، فتملك على طبق ملك المجهول مالكه، من غير فرق بين أداء الخمس إلى صاحبه وعدم أدائه، إذ على الفرض الأول وقع الصلح مع صاحب الخمس بالنسبة إلى ماله ومال غيره، فإن كان الحرام زائدا على الخمس تملكه من صاحب الخمس وإن كان أقل منه فقد أعطاه من ماله وليس مربوطا بالبائع. * أما أخذ الخمس فلأن مقتضى استصحاب عدم حصول الملكية للناقل بالنسبة إلى البدل بمقدار الخمس: جواز أخذه منه بهذا المقدار، وليس مقتضى اليد ملكية المبدل له بعد حكم الشارع بوجوب الخمس حتى يحكم بأنه يملك البدل بالنسبة إلى الزائد عن القدر المتيقن. وأما عدم أخذ الزائد فلأن مقتضى اليد ملكية الباقي، فافهم وتأمل. * * فإنه جرت يده على مال المالك المجهول، ومقتضى قاعدة (على اليد) هو كون المال على عهدته كما كان في يده، فإنه إذا كان في يده كان يجب عليه الخمس، فإن ولي الخمس بمنزلة وكيل المالك المجهول، فتأديته إليه بمنزلة تأديته إلى المالك، فلا بد من أدائه إليه، فيجوز لولي الخمس أخذه منه كما لا يخفى. وحينئذ لا وقع لأشكال بعض علماء العصر في تعليقته على العروة من عدم ولاية صاحب الخمس على الأخذ فإن المال للمالك المجهول، فإن الجواب عنه أن صاحب الخمس بمنزلة الوكيل أو الولي للصاحب المجهول.

[ 382 ]

[ لولي الخمس الرجوع إليه ورد ما أخذه من الناقل؟ وجهان *. والأحوط أن يحيل صاحب الخمس إليه فيأخذ منه الخمس * *. التاسعة: لو تصرف في المختلط بالأعطاء إلى غيره من دون العوض - بأن وهبه أو صالحه بنحو المحاباة - فلصاحب الخمس الرجوع إليهما، وما يعطيه الناقل لا يكون خمسا، بل بدلا عنه كما تقدم. وحكم رجوع صاحب الخمس إلى المنقول إليه بعد الأخذ من الناقل ورجوع الناقل إليه بأخذ الخمس منه مطلقا أو مع حوالة صاحب الخمس هو ما مر في المسألة المتقدمة. العاشرة: لو غصب منه ورجع صاحب الخمس إليه فيعطي القيمة * * *. ] * مبنيان على أن الضامن هل يملك العين بعد أداء البدل فيملك حينئذ مال المجهول، لأداء بدله، أم لا بل هو باق على ملك المالك الأول؟ وقد فصل السيد الطباطبائي قدس سره - صاحب العروة في تعليقه على المكاسب - تفصيلا متضحا، ورجح التبديل وكون العين ملكا للضامن (1)، ولعله الأصح، فإن بناء العرف على ذلك. * * فصاحب الخمس يأخذ البدل ويعوض عنه بتحويل الخمس إليه، فإنه لا إشكال في تلك الصورة في رجوع الناقل إلى المنقول إليه في أن يأخذ الخمس عنه ويحل بذلك ماله. * * * على ما هو المعروف ويأتي تحقيقه بتوفيقه تعالى من أن من عليه الخمس مخير بين أداء الخمس من عين المال ومن القيمة، فلو تعذر عليه الأداء من العين لفرض الغصب فلا بد من أداء القيمة، وليس وجوب الخمس وجوبا شرطيا محضا حتى يقال: (إنه لا فائدة له في أداء الخمس ليحل بذلك ماله الذي بيد الغاصب) بل هو أداء لمال الغير ويحل بذلك باقي المال، كما في التوبة فإنها واجبة


(1) تعليقة السيد على المكاسب: ص 39.

[ 383 ]

[ الحادية عشر: لو تلف المختلط ففيه وجهان *: كون ما في الذمة بحكم المظالم المرددة بين الأقل والأكثر، وكونه متعلقا للخمس. ولعل ] وموجبة لغفران الذنوب، فتأمل. * الأول أن يقال بأنه كالمال المشخص المجهول المقدار، وليس حكمه الخمس، بل هو صدقة - وهو الذي نقل التصريح به في مصباح الفقيه (2) عن الشيخ الأنصاري قدس سره - ولعل مقتضى ذلك هو الاقتصار على المتيقن، لأن اشتغال الذمة به معلوم، وفي الباقي تجري البراءة. وهو الذي اختاره غير واحد من علماء العصر الذين علقوا على العروة. والدليل على ذلك مركب من أمرين: أحدهما عدم تبدل الحرام المجهول مقداره بالخمس قهرا من دون الأداء، كما مر مرارا، وسيجئ وجهه إن شاء الله تعالى. ثانيهما عدم الدليل على كون الحكم بالنسبة إلى ما في الذمة هو أداء الخمس. والجواب أن مقتضى دليل الضمان هو أداء العين التالفة ببدلها، وأداؤه كان بأداء الخمس، فإنه لو كان الحرام زائدا عن الخمس فقد عفي عنه بشرط أداء الخمس وإن كان أقل منه، فمقتضى دليل الخمس ثبوت الحق لصاحب الخمس بأخذ الباقي إلى مقدار الخمس. وهذا كما لو كان مال بين شخصين وكان أحدهما مالكا لمقدار غير معلوم مردد - مثلا - بين الخمس وأقل منه وأكثر فتعهدا على إعطاء الخمس والعفو عن الزائد بشرط الأعطاء وتمليك الباقي إن كان أقل من الخمس واقعا فتلف ذلك المال، فالظاهر أن مقتضى دليل (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (2) ودليل الضمان هو وجوب الأداء على نحو كان العين موجودة،


(1) ج 3 ص 140. (2) المستدرك: ج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب الوديعة.

[ 384 ]

[ الأصح هو الثاني، وهو العالم *. ومقتضى الأول جواز الاقتصار على المتيقن وإعطاؤه للفقير غير الهاشمي. والثاني أيضا مطابق للاحتياط * *. الثانية عشر: الظاهر أن المال المخلوط لا يتبدل بالخمس قبل الأداء * * *. ] وأداؤه بأداء خمسه. ومن ذلك يظهر قوة الوجه الثاني. * كما ظهر وجهه من التعليق المتقدم. * * بناء على جواز التصدق على بني هاشم إذا لم يكن زكاة، كما تقدم تفصيله. * * * كما صرح بذلك في مصباح الفقيه (1)، فإن ظاهر خبر السكوني وفيه قوله عليه السلام (تصدق بخمس مالك) (2) أن التطهير يحصل بالتصدق ولا يحصل بنفس ذاته. وأما خبر عمار الحاكم بأن في المال المختلط الخمس الظاهر في كون الخمس بالفعل في المال المختلط - خصوصا مع ذكر سائر موارد الخمس - فظهور اللفظ والسياق يقتضي تحقق الخمس فعلا في نفس المال المختلط، فمدفوع: أولا بإنكار ظهور لفظة (في) في الملكية بالفعل، فيكفي في الصدق لزوم الأداء بالخمس وعدم كفاية الأقل، وهذا غير ظهور اللام في الملكية في آية الخمس. وثانيا بأنه على فرض الظهور في مالكية الخمس بالفعل فهو معارض بظهور (الاختلاط) - الذي هو بمعنى الاشتباه - في بقاء الموضوع وإلا لم يكن مشتبها


(1) ج 3 ص 136 و 140. (2) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 385 ]

[ الثالثة عشر: لو أتلف المال المخلوط بالحرام الذي فيه الخمس ولم يعرف مقداره حتى يؤدي خمسه ففيه وجوه *. ] بعد ذلك. وكونه مشتبها مع قطع النظر عن دليل الخمس خلاف الظاهر لا يصار إليه. وثالثا بأنه محمول بحسب ارتكاز العقلاء على مقام الأداء، فإن الأعضال إنما هو في التبري عن الحقوق وإيصالها إلى أصحابه، فالحل راجع إلى الأعضال في تلك المرحلة. ورابعا بأن تعليل مرسل الفقيه - المتقدم بيان اعتباره (1) - من (أن الرجل إذا تاب تاب ماله معه) (2) يقتضي التقيد بحصول التوبة بالأعطاء، ومن المعلوم عدم حصولها بصرف الاختلاط. ويترتب على ذلك مسائل: منها ما تقدم في طي المسألة الثامنة من أنه في فرض بطلان المعاوضة يستحق المنقول إليه على الناقل مالا مرددا على نحو تردد المال المنقول إليه. ومنها جواز هبة غير الخمس أو انتقاله إلى الغير. ومنها ثبوت الأرث في غيره. ومنها أنه لو فرض بطلان المعاملة وجهل المشتري كان حكمه إعطاء الخمس. ومنها لزوم الأعطاء لمالكه لو تبين قبل الأعطاء، كما هو واضح. ومنها لزوم إعطاء الزائد لو تبين المقدار بعد حين أو لم يتبين ولكن كان أكثر من الخمس. ومنها عدم لزوم الخمس لو تبين كونه أقل منه. كل ذلك متفرع على عدم التبديل بصرف الاختلاط. * ذكر قدس سره في الجواهر وجوها أربعة: الأول: إعطاء ما يحصل به اليقين بالبراءة. الثاني: الاكتفاء بالمتيقن. الثالث: الصلح مع الأمام عليه السلام أو من يقوم مقامه.


(1 و 2) في ص 359.

[ 386 ]

[... ] الرا بع: الصلح بما يرضى به ما لم يعلم زيادته على ما اشتغلت ذمته به (1). ولعل المقصود بما يرضى به من حيث خصوصية الأموال. وهنا وجه خامس ذكره السيد الفقيه البروجردي والشيخ الجليل كاشف الغطاء الشيخ محمد حسين وهو التنصيف في المحتمل وأفتيا بذلك. ولعل الأصح هو الوجه الثاني كما في العروة (2) ولم يعلق عليه أكثر المحشين كان الله لهم. والوجه فيه أنه من قبيل الأقل والأكثر فيجري فيه البراءة. والأفتاء بالتنصيف منهما لا يخلو عن غرابة، فإن دليل التنصيف - كما مر (3) -: رواية عبد الله بن مغيرة الواردة في رجلين كان معهما درهمان، ورواية تميم بن طرفة في رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل منهما بينة، ورواية السكوني في دينار ودينارين لرجلين وكانا مستودعين عند رجل فضاع أحدها. ولا يمكن إلقاء الخصوصية للمبحوث عنه لوجوه: منها كون الكل واردا في العين لا في الذمة. ومنها كون الكل واردا في ما يكون صاحب المال مرددا بين الاثنين، وفي المقام صاحب المال مجهول مردد بين غير المحصور. ومنها ورودها في مورد التداعي الذي لا يكون لأحد الطرفين دليل ليس للاخر، بخلاف المورد، فإن مقتضى البراءة هو عدم الاشتغال بالمقدار الزائد عن القدر المتيقن، وليس في المقام دليل يقتضي كون المحتمل للمالك المجهول، كما لا يخفى. ولو بني على التنصيف في جميع الأموال المرددة بين الشخصين لانهدم


(1) الجواهر: ج 16 ص 76. (2) في المسألة 38 من الفصل الأول من كتاب الخمس. (3) في ص 307 و 308.

[ 387 ]

[... ] بناء القضاء الشرعي المبني على الأقرار واليد والبينة والاصول والأمارات، ولذا كان الأفتاء المذكور بالتنصيف في المقام من الغرائب. وأما شبهة الاشتغال فلا تخلو عن إعضال، وذلك من جهة مجموع أمرين: أحدهما أن الحكم في العين في ما إذا كان مرددا بين أن يكون لذي اليد أو يكون للمالك المجهول هو أداء الخمس. والاقتصار على القدر المتيقن مخالف لصريح أخبار الخمس، فإنه لو اقتصر في العين على القدر المتيقن لزم عدم وجوب الخمس إلا في موارد لا يحتمل فيها النقصان عن الخمس، فأداء المحتمل منجز على المكلف بمقدار الخمس في العين. ثانيهما: ما تقدم في المسألة السابقة من أن البدل يقوم مقام العين في كون أداء مال الغير بالخمس، فلا تنقلب بعد الانتقال إلى الذمة إلى حكم مجهول المالك، ومقتضى ذلك هو وجوب الاحتياط، لأن المحتمل كونه للغير منجز عليه فلا بد من أدائه بالخمس، ولا يعلم ذلك إلا بإعطاء الأكثر، كما هو واضح. ومن ذلك يظهر امور: الأول: عدم ابتناء كون ما في الذمة هو الخمس في التالف المعلوم من حيث المقدار - أي مقدار التالف لا مقدار مال الغير، فإن المفروض أنه مجهول - على تبديل المختلط بنفسه إلى الخمس، بل الظاهر وجوب الخمس في التالف المعلوم أيضا حتى على فرض عدم التبديل كما هو الصحيح، وذلك من جهة دليل الضمان وتبعية البدل للمبدل، كما مر (1). الثاني: أن مقتضى صحة الشبهة المذكورة - أي الحكم بالاشتغال في ما في الذمة بالأكثر - هو الحكم به في المال غير المعلوم من حيث المقدار بالأولوية.


(1) في ص 383.

[ 388 ]

[... ] وجه الأولوية: عدم الاحتياج إلى الأمرين المتقدمين بل يكفي فيه الأمر الأول، وهو أن المحتمل منجز على عهدة المكلف لا يرتفع إلا بالخمس، مضافا إلى عدم وضوح جريان أصالة البراءة في العين وعدم وضوح حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد نفسه. الثالث: أن الاشتغال إنما هو على فرض سراية تنجز المحتمل من العين إلى الذمة، فيحكم فيها بالخمس أيضا، كما هو الصحيح المطابق لمسلك المشايخ العظام وصاحب العروة، المخالف لمسلك غير واحد من المحققين من المحشين. وأما على فرض كون ما في الذمة للمالك المجهول - ولا يجب أداؤه إلا كأداء المجهول مالكه إذا لم يكن موردا لدليل الخمس - فلا وجه للاشتغال أصلا، لأن منشأ الاشتغال تنجز المحتمل الذي يكون ذلك من باب إسراء دليل الخمس من العين إلى الذمة بمقتضى مفاد الضمان. والجواب عن الشبهة المذكورة أن المحتمل المنجز هو المحتمل من جهة كون حق الغير أقل من الخمس أو الأزيد لا مطلق احتمال كون المال للغير، ولذا لا إشكال في أنه لو علم أن متعلق حق الغير إنما هو مقدار الخمس ولكن تردد في مال أنه ماله أو للغير - من جهة عدم معلومية مقدار مجموع المال - لا يكون ذلك الاحتمال منجزا عليه. والذي يوضح ذلك أنه ليس المحتمل المنجز أولى بالاجتناب بالنسبة إلى العنوان المقطوع، فلو كان خمس المال مثلا لشخص خاص قطعا وتردد بعد التلف والنقل إلى الذمة بين الأقل والأكثر فلا إشكال في البراءة. فثبت أن الحكم بالبراءة واضح بحمده تعالى، لكن بناء على كون التكليف بالنسبة إلى ما في الذمة إعطاء الخمس فلا بد من أخذ المتيقن من الخمسين، وبناء

[ 389 ]

[... ] على أن ما في الذمة بدل عن الملك المجهول صاحبه فلا بد من أخذ المتيقن بالنسبة إلى أصل المال، والفرق بينهما غير خفي. قال قدس سره في الجواهر بعد ذكر المحتملات التي مر نقلها في صدر المسألة، معللا للصلح بكون صاحبه معلوما أو كالمعلوم حيث إنه الأمام عليه السلام: بل قد يقال: إن عليه الصلح بما يرضى به ما لم يعلم زيادته على ما اشتغلت ذمته به، كما عرفته سابقا في نظيره، لكن قد يفرق بينهما بوجود الأعيان هناك دونه هنا، فالوجه حينئذ الصلح مع إمكانه، وإلا فدفع ما يحصل به اليقين بالبراءة، أو إعطاء الأقل في وجه قوي (1). انتهى ملخصا. أقول: فيه أولا: أن التعليل للصلح ب‍ (أن صاحبه معلوم) غير واضح، لأن مقتضى القاعدة عدم وجوب الصلح حتى في ما إذا كان صاحبه معلوما، كما هو واضح بحسب الدليل. وثانيا: أنه لا معنى لاحتمال تعين وجوب الصلح، بل إن كان مقتضى القاعدة هو الاحتياط فيكون المديون مخيرا بين الصلح وإعطاء الأكثر. وثالثا: أنه لا معنى لاحتمال تعين الأكثر، بل له أن يصالح الحاكم الشرعي في ذلك كما في الملك المعلوم مالكه. نعم، على فرض وجوب إعطاء الأكثر فجواز الصلح بغيره له غير معلوم، ولكن هذا لا ينافي تخير من بيده المال بحيث لو رأى الحاكم المصلحة في الصلح بالأقل ولو من باب ملاحظة المديون صالحه به. ورابعا: أن ما ذكره أخيرا بقوله (فالوجه حينئذ الصلح) مورد للمناقشة أيضا،


(1) الجواهر: ج 16 ص 76 - 77.

[ 390 ]

[ ولعل الأظهر هو الاقتصار على المتيقن من محتملات الخمس. الرابعة عشر: هل يجب الفحص عن مقدار الدين أم لا؟ فيه وجهان *. ] لما عرفت أن الوجه هو الاكتفاء بالأقل. وخامسا: أنه على فرض إعطاء الأكثر فلا معنى لتعين الصلح أولا، بل لا بد من التخيير. وسادسا: أنه إذا وجب الصلح أولا فلا معنى لاختيار البراءة عند عدم إمكانه، بل لا بد من إعطاء الأكثر. * إن مسألة الفحص عن المقدار المشكوك في العين أو الدين في الخمس والزكاة والكفارات واستطاعة الحج والديون غير الشرعية سيالة غير محررة على ما تفحصت تفحصا ناقصا وتكون موردا للابتلاء جدا. فهل يحكم بوجوب الفحص مطلقا - كما أفتى به بعض أعلام العصر في تعليقه على العروة (1) - من باب قيام السيرة القطعية عليه، فإن العرف يراجعون إلى الدفاتر في مقام الاطلاع على الديون والحقوق. والاكتفاء بالمتيقن والاعتذار عن الرجوع إلى الدفاتر بعدم وجوب ذلك وجريان البراءة مورد للملامة قطعا عند العرف والعقلاء، والأحكام الشرعية واردة على طبق الارتكازات العرفية، أو يفصل بين العين والدين، أو يفصل بين كون أصل الحق معلوما وكان الشك في مقداره فيحتاط أو يتفحص، أو يفصل بين ما إذا كان متعلقه العين وكان أصل تعلق الحق معلوما فيحكم بالتفحص أو الاحتياط - فيكون الشرط في الفحص أمرين - ولا يتفحص في غير ذلك، أو يختص ذلك بالدراهم المغشوشة الوارد فيها خبر زيد الصائغ، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني كنت في قرية من


(1) في المسألة 21 من الشرط الثالث من شرائط وجوب الحج.

[ 391 ]

[... ] قرى خراسان يقال لها (بخارى) فرأيت فيها دراهم تعمل ثلث فضة، وثلث مسا، وثلث رصاصا (1)، وكانت تجوز عندهم وكنت أعملها وانفقها؟ قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: (لا بأس بذلك إذا كان تجوز عندهم). فقلت: أرأيت إن حال عليه الحول وهي عندي وفيها ما يجب علي فيه الزكاة ازكيها؟ قال: (نعم، إنما هو مالك). قلت: فإن أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتى حال عليها الحول ازكيها؟ قال: (إن كنت تعرف أن فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة فزك ما كان لك فيها من الفضة الخالصة من فضة ودع ما سوى ذلك من الخبيث). قلت: وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلا أني أعلم أن فيها ما يجب فيه الزكاة؟ قال: (فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثم تزكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة) (1). هذا، ولكن مقتضى القاعدة عدم وجوب الفحص: أما الخبر فاعتباره غير ثابت، من جهة مجهولية زيد ومحمد بن عبد الله بن هلال، والاستناد في وثاقتهما إلى نقل محمد بن الحسين الثقة عن الثاني والعلاء


(1) الوسائل: ج 6 ص 104 الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة. (2) السرب أو القلع.

[ 392 ]

[... ] عن الأول ولو نادرا - كما في المستدرك - ضعيف، لأنه لا يحرم نقل محتمل الصدق حتى يتحرز عنه العادل بل هو حسن، لأنه قد يحصل بضم غيره الاستفاضة أو التواتر أو ما يطمئن النفس بصدور المضمون عنهم عليهم السلام، وقد يكون موجبا للاحتياط أو يؤيد به القواعد وغير ذلك. وإثبات اعتباره بالانجبار بالعمل مشكل أيضا، فإنه لم أر الاستناد إليه في المسألة في عدة من كتب الأصحاب كالمدارك والجواهر والمسالك والمصباح، بل الظاهر من نقل المدارك: استناد الشيخ قدس سره للزوم الاختبار بقاعدة الاشتغال الدال على عدم الاستناد إليه. ونقلهم الخبر في البحث عن صدق الدراهم على المغشوشة لا يدل على حجيته، لأن إطلاق الدارهم عليها لا يتوقف على صدور الكلام عنه عليه السلام. مع أن دلالته على المقصود لا تخلو عن المناقشة، وذلك لمجموع وجوه: الأول: حكمه في الصدر بوجوب الزكاة بشرط المعرفة بكونه على حد النصاب، ولا فرق بحسب القاعدة بين الموردين. الثاني: عدم الحكم بالتخيير في الذيل بين إعطاء الأكثر أو السبك. الثالث: قوله عليه السلام (لسنة واحدة) المشعر بأن المقصود من ذلك هو الأرشاد إلى صيرورة الدراهم فضة مسبوكة حتى لا يتعلق بها الزكاة في كل سنة، فهو احتياط وموجب لرفع التكليف بالنسبة إلى السنين اللاحقة. مع أنه لو دل على ذلك فلا يمكن الأسراء إلى مطلق موارد الشك في ثبوت الحق، بل لا بد من الاقتصار على مورده - من الدراهم المغشوشة - فإن احتمال الخصوصية من حيث كون الحق هو الزكاة وهو متعلق لحق العموم والمصارف المتعددة، ومن حيث كون موضوعه الدراهم التي تبقى تحت الأيادي طول السنين، وهذا غير الحنطة أو العنب الذي يؤكل ويتلف في السنة الاولى غالبا. نعم، على فرض

[ 393 ]

[ ولا فرق بين سبق العلم أو احتمال السبق وعدمهما *. الخامسة عشر: إذا علم أن بعض ما هو له وتحت اختياره من الذمم والديون يكون لغيره وكان مرددا بين الأقل من الخمس والأكثر فالظاهر وجوب الخمس عليه وحلية باقي المال بذلك * * بل ولو لم تكن الذمم ] تمامية السند والدلالة بالنسبة إلى مورده يمكن التعدي إلى الدنانير المغشوشة أيضا. وأما السيرة، ففيها أولا أنها لعله من جهة حصول العلم بعد ذلك بالمراجعة إلى الدفاتر لجهات اخر راجع نفعها إلى صاحبها، فعدم الرجوع عند مطالبة الدائن كاللغو. وثانيا أن السيرة مردوعة بدليل الأصل الشرعي، كما بينا ذلك في الاصول من أن العموم الرادع مقدم على السيرة قطعا. وثالثا على فرض عدم الترجيح بين الأخذ بالعموم أو السيرة فيحكم بتعارض ذلك بالنسبة إلى الاستصحاب فيرجع إلى عموم (مالا يعلمون) (1). * فإن العلم السابق لا يكون حجة على وجوب الأداء في حال الجهل، وأما الفورية فلا ترتفع عقوبتها - إن كان العلم حاصلا بالأكثر - بأدائه فعلا، فالتكاليف على أقسام ثلاثة: الأول: التكليف الموقت الذي ليس له قضاء أصلا. والثاني: التكليف الموسع الذي لا يجب المسارعة إليه، فلا يمكن العقوبة على الترك في زمان العلم، لكون التكليف موسعا وبعده تكون العقوبة من غير بيان. والثالث: أن يكون موردا للتكليفين على نحو تعدد المطلوب، فبالنسبة إلى الموسع كالثاني وبالنسبة إلى الفورية لا تأثير للأداء، والعلم السابق بالنسبة إلى التكليف اللاحق لا يكون حجة بعد زواله، لعدم الدليل، بل مقتضى أدلة الاصول خلافه. * * لأطلاق معتبر عمار (2) بعد وضوح كون المقصود من الاختلاط هو الاشتباه


(1) الوسائل: ج 11 ص 295 الباب 56 من أبواب جهاد النفس. (2) الوسائل: ج 6 ص 344 ح 6 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 394 ]

في يده وتحت اختياره، بأن أتلف الغاصب مالا بعضه له وبعضه للمالك المجهول وكان مرددا عنده بين الأقل من الخمس والأكثر *. وكذلك في الأعيان الموجودة التي تكون بيد الغاصب * *. وتكليف الغاصب إعطاء الخمس لوليه بإذن صاحب باقي المال إذا كانت الأموال أعيانا * * * لا الاختلاط الخارجي غير الصادق على الذمم، فإن الاختلاط الخارجي بما هو مع عدم الاشتباه ليس مما يصلح لجعل الخمس. ويمكن التمسك له أيضا بخبر السكوني (1)، من حيث صدقه على ما لو كان المجموع الذي اكتسبه مما يكون بعضه في ذمم الأشخاص مشتملا على الحرام. نعم، الظاهر عدم شموله للصورة المبحوث عنها - وهي أن يكون جميع المال المشتمل على الحرام في ذمم الأشخاص - لندرة ذلك، وقد مر غير مرة أن الغلبة معتبرة في القضايا الخارجية، والموضوع في خبر السكوني قضية خارجية فيسري الحكم إلى مورد البحث من باب إلقاء الخصوصية، بل لعل الظاهر شمول الخبر لصورة كون بعض ما في الذمة مشتملا على الحرام أيضا بأن يكون المكتسب من موارد الحلال والحرام بعضها في الذمة وبعضها في الخارج وكان كل منهما بنفسه معلوم الاختلاط. وكيف كان، فالظاهر أنه لا إشكال من حيث الدليل ولم أر التعرض له في كلمات الأصحاب. * لأنه لا فرق من حيث صدق عنوان الاختلاط بين ما كان الدين تحت اختيار مالك باقي الديون وبين ما لم يكن كذلك. * * لما ذكر في الديون، من غير فرق بينهما بل فيه أولى. * * * سواء بذل من العين أو من القيمة، لأن الخمس تكليفه، واختيار التبديل

[ 395 ]

[ على الأحوط * إن كان المال عنده مختلطا أيضا، وإلا فإن أعطى أكثر ما يحتمل فيه بإذنه فلا إشكال * *. وإن أعطى الأقل من الخمس مع احتمال الزيادة على الخمس فالواجب على صاحب المال إعطاء الباقي حتى يتيقن بالبراءة أو إعطاء الخمس حتى يحل باقي المال له * * *. السادسة عشر: قد مر أنه لو أتلف المال المختلط الذي فيه الخمس يجب أن يعطي الخمس إن كان معلوما، وإن كان الخمس مجهولا - من باب أن مقدار المال يكون غير معلوم - يكفي الأقل، ولا فرق في ذلك بين كون العين قيميا أو مثليا من جنس واحد أو من أجناس مختلفة أو كان مشتملا على القيمي والمثلي * * * *. ] إلى القيمة - بحسب ظاهر الأخبار - إلى من يخمس لتحليل المال وتخليصه. * لاحتمال كون الخمس تكليف من يكون المال بيده وإن كان أثره - وهو الحلية - ظاهرا لصاحب باقي المال. نعم، لا بد من إذنه إذا أراد البذل من عين المال من جهة الاختلاط. * * بناء على ما تقدم من عدم كون مقتضى دليل الخمس: انحصار التخلص بذلك من حيث الأكثر بأن لا يكفي الأكثر، بل مقتضاه الامتنان وأنه تعالى قد رضي من الأشياء بالخمس، وبعد ذلك لا يكون المال مختلطا حتى يجب فيه الخمس لأجل الاختلاط. * * * وذلك لأن المحتمل لا يحل له التصرف إلا بإعطاء الخمس أو إعطاء الكل حتى يحصل له البراءة القطعية، كما لا يخفى. * * * * وذلك لأن المكلف بالخمس - كما يجئ - مخير بين أداء الخمس من عين المال أو قيمته وإن كان مثليا، فلو كان المال الذي يكون متعلقا للخمس وقد أتلفه مرددا بين كونه خمسا من الحنطة أو خمسا من الأرز فقيمة خمس الحنطة

[ 396 ]

[ السابعة عشر: لو أتلف الحرام ثم عرض له الاشتباه فإن كان مثليا من جنس واحد أو قيميا يجوز الاكتفاء بالمتيقن *. أما إذا كان مثليا من جنسين أو مرددا بين المثلي والقيمي ففيه إشكال: من لزوم الاحتياط بأداء المالين * *، أو الرجوع إلى ] متيقن ويجري في الباقي البراءة، كما لا يخفى. * وإن كان الحرام المحتمل مرددا بين الخمس والأكثر، وذلك لخروجه عن دليل وجوب الخمس في المختلط، لعدم الاختلاط حين وجود العين، وبالنسبة إلى الذمة لا يكون إلا المال الحرام كما هو واضح، وحينئذ إن كان الحرام مرددا بين من من الحنطة مثلا أو منين فمقتضى القاعدة هو الأخذ بالمتيقن وإجراء البراءة في الأكثر. وكذا في ما إذا كان التالف من أجناس مختلفة ولكن كان كلها قيميا، لأن ما يستقر في الذمة هو القيمة المرددة بين الأقل والأكثر، فلو تردد التالف بين كونه حمارا أو فرسا فالقدر المتيقن قيمة الحمار. إن قلت: هذا بناء على كون ما في الذمة منحصرا في القيمة، وأما إذا كان الثابت في الذمة عهدة العين فيحصل له العلم الأجمالي بأنه إما على عهدته عين الحمار أو عين الفرس، ولا يحصل اليقين بالبراءة عن العهدة المعلومة بالأجمال إلا بإعطاء أكثر القيمتين، ولا يكتفي بالأقل. قلت: أولا ليست العهدة حقيقة اعتبارية كالزوجية والملكية في قبال ملكية ما في الذمة، بل هي عبارة اخرى عن اشتغال الذمة بالأقرب إلى التالف الذي هو المثل في المثلي والقيمة في القيمي على ما يقال. وثانيا على فرض كونها اعتبارا خاصا فكون العلم الأجمالي به منجزا غير واضح. * * كما أفتى به بعض علماء العصر قدس سره (1) في تعليقه الشريف لولا الأجماع،


(1) هو مولانا وصديقنا العلامة البجنوردي. منه قدس سره.

[ 397 ]

[... ] ومال إليه السيد الطباطبائي اليزدي قدس سره في تعليقه الشريف على مكاسب الشيخ الأنصاري. ووجهه أن ذلك مقتضى تنجز العلم الأجمالي. والأيراد عليه ب‍ (أنه مرفوع بحديث نفي الضرر) مندفع بأن أداء الحقوق حكم ثبت بالنصوص حتى في مورد الضرر، فقد ورد: (الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها) (1). وعن الدراوردي في من أخذ أرضا بغير حقها وبنى فيها، قال عليه السلام: (يرفع بناؤه وتسلم التربة إلى صاحبها، ليس لعرق ظالم حق) (2). وفي خبر محمد بن مسلم في الدار المستأجرة: (وله الزرع والغرس ويقلعه ويذهب به حيث شاء) (3). إذا كان بدون الاستيمار عن صاحب الأرض. وقد حكم الأصحاب بذلك كله وبأنه لو دخلت دابة في دار أحد بتسبب صاحب الدار وتوقف الرد على هدم الجدار يهدم الجدار من دون ضمان على صاحب الدابة - فراجع الشرائع (4) كتاب الغصب - فبناء عليه حديث نفي الضرر ملقى في مقام أداء الحقوق. إن قلت: إن الاحتياط غير ممكن، من جهة أن الدائن لا يتمكن شرعا من أخذ المالين - كما في بعض تعاليق العروة (1) - فلا بد له من إلقاء خصوصية المثلية،


(1) الوسائل: ج 17 ص 309 ح 5 من ب 1 من أبواب الغصب. (2) المصدر: ص 311 ح 1 من ب 3 من أبواب الغصب. (3) الوسائل: ج 17 ص 310 ح 2 من ب 2 من أبواب الغصب. (4) ج 4 ص 774. (5) في المسألة 31 من الفصل الأول من كتاب الخمس.

[ 398 ]

[ القرعة *، أو الحكم بالتنصيف في القيمة في الزائد على المقدار المعلوم * *، أو الحكم به إما في الزائد على المقدار المعلوم في القيمة أو في نفس المال * * *، أو التفصيل بين المردد بين المثلي والقيمي بنحو الشبهة المفهومية * * * * ] فيتردد بين الأقل والأكثر، فيجري البراءة بالنسبة إلى الأكثر بعد ذلك. قلت: كما على المديون الأداء وتحمل الضرر في مقام الأداء كذا يجب عليه الرضا بأخذ المالين ليرتفع المنع ويتحقق الأخذ، فإن الممنوع شرعا كالممتنع الخارجي، فكما عليه رفع المنع الخارجي كذلك عليه رفع المنع الشرعي. * كما أفتى به السيد الفقيه الحكيم قدس سره في مستمسكه (1). ومنشأه عدم جريان الاحتياط، لبعض ما ذكر ويجئ في الوجه المنصور وهو البراءة وعدم جريان البراءة في المتباينين كما لا يخفى، وعدم جواز الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، لأن مقتضى الأصل بقاء الاشتغال وعدم جواز أخذ المالك ما يؤديه، لاحتمال عدم كونه ماله، فهو مشكل يرجع فيه إلى القرعة. * * كما في تعليق السيد الفقيه البروجردي قدس سره في المسألة المذكورة، للانتقال إلى القيمة من باب تعذر الاحتياط، والزائد على المقدار المعلوم مردد بين كونه للمديون أو الدائن فتجري فيه قاعدة التنصيف. وفيه: ما لا يخفى من الضعف، ويظهر ذلك إن شاء الله عند ذكر وجه المختار. * * * بأن ينصف المن من الأرز والمن من الحنطة مثلا إذا كان التالف المجهول مالكه مرددا بين الجنسين المذكورين، والتخيير المذكور مفتى به في كلام بعض علماء العصر كان الله له، وهو أضعف من الوجه المتقدم، فتأمل. * * * * كالثوب المصنوع بالمكينة التي تعطلت، فيقل له المثل وإن كان


(1) ج 9 ص 501

[ 399 ]

[ فيحكم بالمثل * والمردد بينهما بنحو الشبهة المصداقية فالاحتياط أو القرعة أو التنصيف على أحد الوجهين أو البراءة أو بالعكس * *، أو الحكم بالبراءة في المقدار الزائد مطلقا، ولعله الأقرب * * *. ] موجودا ميسورا. * والوجه في ذلك أن مقتضى إطلاق (على اليد) (1) هو المثل مطلقا، خرج ما لا يوجد له مثل إلا شاذا فيعسر تحصيله، وبقي الباقي تحت الدليل. * * والوجه فيه أن مقتضى دليل الضمان الذي منه حديث (على اليد) (2) هو التدارك من حيث المالية، ومقتضاه كفاية القيمة حتى في المثليات، فخرج منه ما هو من المثليات المتيقنة وبقي الباقي تحت الأطلاق. * * * وذلك لأمرين تتحصل من مجموعهما صحة القول بالبراءة: أحدهما: عدم منجزية العلم الأجمالي في المقام، لقاعدة الضرر. ثانيهما: عدم الدليل على لزوم المثل في مورد يكون مقتضاه الاحتياط الموجب للضرر. أما الأمر الأول فللعموم المذكور. والمخصص من النصوص المتقدمة وفتوى الأصحاب مختص بصورة كون ملك الغاصب مبنيا على ملك المغصوب منه، كالشجر والبناء. وفيه: أنه لا يملك الغاصب ما يتضرر من جهة القلع أو خراب البناء، بل لا يكون ضررا حقيقة، لأنه نقص في ما يملك أو كان البعد الحاصل بين العين ومالكه حاصلا بفعل الغاصب - كما في مورد فتوى الشرائع - فمنجزية العلم الأجمالي حتى في مورد وجود العين بحيث يلزم الاحتياط ممنوع، فكيف بالدين! وعلى فرض المنجزية بالنسبة إلى العين فاقتضاء البدلية انتقال الحكم


(1 و 2) المستدرك: ج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب الوديعة.

[ 400 ]

[... ] المذكور - الذي مف‍ اده وجوب أداء البدل، وغيره - ممنوع. وعلى فرض ذلك فمفروض الكلام حصول الاشتباه بعد الأتلاف، فالحكم بوجوب أداء المالين لم يكن متحققا في ظرف وجود العين، والمنتقل إلى البدل هو الحكم الفعلي الموجود حين وجود العين، والحكم الفعلي لم يكن إلا وجوب أداء مال واحد، لا مالين مختلفين. وعلى فرض انتقال الحكم التعليقي إلى البدل - بأن يقال: إن العين كان بحيث إذا تردد بين المالين كان يجب أداؤهما احتياطا والحكم في البدل مثله - نقول: ليس إسراء الحكم من المبدل إلى البدل إلا بعموم البدلية، والعموم المذكور محكوم بنفسه بحديث نفي الضرر (1). فالجواب عن وجوب الاحتياط يلخص في أربعة: الأول: عدم لزومه في العين. الثاني: عدم تحققه خارجا في العين حتى ينتقل إلى البدل. الثالث: عدم اقتضاء البدلية ذلك على فرض التحقق أو إسراء الحكم التعليقي. الرابع: محكومية دليل البدلية بحديث نفي الضرر (2) بنفسه. هذا كله بيان للأمر الأول. وأما الأمر الثاني فلعدم الدليل على إطلاق ضمان المثلي بالمثل إلا الأجماع والسيرة، والقدر المتيقن منهما غير صورة اقتضاء الضمان بالنحو المذكور إعطاء المالين: فإن حديث اليد غير ظاهر بالنسبة إلى صورة التلف بقرينة (حتى تؤدي) ولأن الظاهر أن العين بخصوصيتها على العهدة، ومقتضى ذلك: الاقتصار على صورة وجود العين. وأما آية الاعتداء (3) فهي غير دالة، لأن المنع عن الخصوصية النوعية مع


(1 و 2) الوسائل: ج 17 ص 340 الباب 12 من أبواب إحياء الموات. (3) سورة البقرة: 194.

[ 401 ]

[ والأحوط التصالح مع الحاكم وله التصالح بقيمة الأكثر *. الثامنة عشر: لو علم إجمالا أن الملك المزروع الموروث عن أبيه الذي قيمته عشرة - مثلا - مختلط بالحرام أو دار سكناه التي بتلك ] إعطاء المال المعادل للقيمة وتدارك التالف لا يكون اعتداء عرفا، وكذلك أخذها. مع أنه لو دل على وجوب مراعاة المماثل من باب اشتماله على الجهات النوعية فلا ريب أن البغل - الذي هو بمقدار قيمة البغل التالف - أقرب من القيمة مع أن مقتضى صحيح أبي ولاد (1) المعروف هو الضمان بالقيمة، وفي رواية محمد بن مسلم الواردة في مورد الأجارة وأن المستأجر غرس فيه النخيل والفواكه: إنه يعطي القيمة إذا كان ذلك بالاستيمار من المالك (2) مع أن مثل التمر مثلي. ويمكن أن يقال بعدم الاحتياج إلى الأمر الأول، من جهة عدم الدليل على لزوم المثل في المثلي في مورد الاشتباه، سواء كان مقتضاه الاحتياط أو الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، فلعل البراءة قوي حينئذ، فلا يرجع إلى القرعة، لعدم الاشتباه. وقد مر أن التنصيف لا دليل عليه بالنسبة إلى ما في الذمة وإلى ما إذا كان مقتضى الأصل أو الأمارة تعيين أحد الطرفين. والأحوط الصلح مع الحاكم بإعطاء قيمة الأكثر، وللحاكم أن يصالح بذلك، لكونه على وفق مصلحة المالك المجهول، كما لا يخفى. * لكونه على وفق المصلحة، لأنه لا دليل على مراعاة الأصلح فالأصلح حتى لا يجوز له المصالحة إلا بإعطاء المالين، وإلا لكان الواجب عليه وقف المجهول - كما لا يخفى - مع أن مصرفه الفقراء وقد يصل إليهم ما يستحقونه بالفرض المذكور يقينا.


(1) الوسائل: ج 17 ص 313، الباب 7 من أبواب الغصب. (2) الوسائل: ج 17 ص 310 ح 2 من ب 2 من أبواب الغصب.

[ 402 ]

[ القيمة، وكان الحرام المحتمل في كل واحد منهما الواحد أو الاثنان أو الخمسة فبالنسبة إلى المجموع يحتمل أن يكون زائدا على الخمس، فهل يكفي إعطاء اثنين بعنوان القيمة أو لا بد من إعطاء خمس المجموع الذي هو الأربعة؟ وجهان *. ولعل الأرجح هو الأول وإن كان الأحوط هو الثاني * *. ] * وجه الأول أن إعطاءه بعنوان قيمة ما هو الخمس موجب لرفع الاختلاط فيقطع بحلية جميع المال. وأما الثاني فلأن مقتضى كون المجموع مختلطا ومقتضى ظهور دليل الخمس في انحصار الحلية في المال المختلط بأداء الخمس: عدم حصول الحلية إلا بأداء خمس المجموع بمعنى عدم كفاية الأقل من ذلك، وأما من حيث الأكثر فلا يقتضي الانحصار، فمقتضى الشمول للمجموع: عدم حصول الحلية بأداء خمس كل واحد على تقدير كونه مختلطا، لكونه أقل من خمس المجموع. * * وذلك بالجواب عن المعارضة بذلك من وجوه: منها: أن مثل رواية السكوني لا إطلاق لها بالنسبة إلى ذلك، لحملها على الغالب في القضايا الخارجية. وأما خبر عمار فمقتضاه الانحصار في أداء ما يصدق عليه الخمس بالنسبة إلى مجموع ذلك المال، وله فردان: أحدهما خمس المجموع. ثانيهما الخمس المضاف إلى كل واحد من الطرفين. ومنها: أن الحصر في ذلك إنما هو ما دام كون الحرام محتملا فيه، فلا يجزي الاكتفاء بالأقل وإجراء الأصل والأمارة النافيين للتكليف بالأداء، ومقتضى شمول دليل المختلط لكل واحد من الطرفين على تقدير عدم كون الاخر كذلك هو الخروج عن الموضوع، كما لا يخفى. ومنها: أنه على فرض الظهور في الحصر فمقتضى الأمرين هو التصرف في

[ 403 ]

[ التاسعة عشر: لو علم إجمالا أنه إما يكون الملك المزروع المساوي قيمته عشرين فيه الخمس أو الدار التي يسكنها مثلا المساوي قيمتها للعشرة فيها الخمس فبناء على ما تقدم في المسألة المتقدمة من عدم لزوم خمس المجموع فهل يكفي الاكتفاء بالأقل بأداء الاثنين في المثال * أو الأكثر بأداء الأربعة؟ وجهان، ولعل الثاني أقرب * *. ] ظهور الدليل في الحصر بكفاية أحد الأمرين. ومنها: أنه على فرض التعارض يرجع في مقدار الزائد إلى البراءة. * من باب أنه يجب إما أداء خمس العشرة وهو الاثنان وإما أداء خمس العشرين وهو الأربعة، فالاثنان متيقن والباقي يكون مجرى البراءة. * * من باب أن المال الواقعي الذي يكون في أحد المالين ويكون للمالك المجهول لا يحل التصرف فيه إلا بإعطاء الخمس. فهنا تكليفان: أحدهما أداء الخمس وثانيهما إحراز حلية أحد المالين المعلوم وجود الحرام فيه المنجز على المكلف بالعلم الأجمالي، فالشك في لزوم الاثنين الاخرين من قبيل الشك في ما يحصل به الحرام المنجز عليه. والفرق بينه وبين ما تقدم في السابقة من جريان البراءة على تقدير دوران الأمر بين وجوب خمس المجموع أو خمس واحد مما هو المختلط في البين: عدم تنجز الزائد على المقدار المعلوم، لأن منجز الزائد على المقدار المعلوم هو دليل الخمس غير الواضح في مقام الدلالة، بخلاف المقام فإن المفروض أنه أوجب الخمس إما في هذا المال ليحل به المحتمل الواقعي أو في ذاك المال كذلك، فلا بد من تحصيل ذلك، فالشك في الزائد هو الشك في المحصل من باب أن الواجب هو الاجتناب عن الحرام الواقعي المردد بين المالين إلا بعد أداء الخمس أو شك في الرافع من باب حرمة التصرف في الحرام الواقعي الموجود في المالين، ورافع ذلك هو الخمس المنطبق على كلا التقديرين، فتأمل.

[ 404 ]

[ العشرون: لو كان المحتمل في كلا الطرفين موردا لحكم التصدق، بأن كان معلوما، بأن دار الأمر بين كون الحرام في أحد المالين النصف منه الذي هو ربع المجموع في فرض كون المالين متساويين في القيمة وفي الاخر الخمس منه، فبالنسبة إلى المجموع يصير موردا للمختلط فيكفي إعطاء خمس المجموع، وإن أعطى الربع صدقة فلا إشكال أيضا في ذلك *. الحادية والعشرون: في ما يساوي كل من المالين العشرة لو كان الحرام المحتمل في أحد المالين العشر وفي الاخر الخمس أو النصف فالظاهر لزوم إعطاء خمس المجموع أو إعطاء الأكثر وهو الربع، أما إعطاء العشر من الكل ففيه إشكال بل الظاهر عدم الاكتفاء * *. ] * فإنه في مثال كون كل واحد من المالين مساويا للعشرة فبالنسبة إلى المجموع في ما إذا كان المحتمل في أحدهما النصف وفي الاخر الخمس يتردد الحرام الموجود فيه بين الربع والعشر فيحكم بالخمس الذي هو الأربعة في المثال. ولو أعطى الفقير خمسة بعنوان القيمة لكفى وليس مخالفا لظهور دليل الخمس في حصر الحلية بالخمس، لأنه في مقام عدم جواز الأقل لا في مقام إعطاء ما يعلم به البراءة بإعطاء محتمل الحرمة، فالحرام المحتمل لا يحل إلا بالخمس، ولا مضايقة في إعطاء جميع ما يحتمل. * * أما إعطاء خمس المجموع فمن جهة أن الحرام المردد بالنسبة إلى المجموع مردد بين نصف العشر والعشر والربع فيكون مصداقا للمختلط. وأما كفاية إعطاء الأكثر فلما مر من عدم دلالة أخبار الخمس على عدم الاكتفاء بالأكثر، بل الحكم من تلك الجهة وارد مورد الامتنان. وأما وجه الاكتفاء بالأقل فلأن الحكم بالنسبة إلى كل من المالين هو التصدق فيكفي إعطاء العشر من النصف

[ 405 ]

[ الثانية والعشرون: في ما إذا كان الحرام المردد في المالين إذا لوحظ بالنسبة إلى أحدهما كان موردا للتصدق بالمعلوم مقدارا وبالنسبة إلى الاخر كان مصداقا للمختلط وبالنسبة إلى المجموع كان مصداقا للمختلط فالظاهر أنه لا إشكال في كفاية خمس المجموع مطلقا *. ] على تقدير وإعطاء الخمس منه على التقدير الاخر ويجري في الباقي ما يدل على ملكية المال لصاحبه من يده أو يد غيره، لكن أخبار الخمس مخصصة لذلك. وأما احتمال كفاية نصف العشر قيمة من باب أنه المتيقن فلا وجه له بعد فرض وجود المال، للعلم الأجمالي إما بحرمة عشر هذا المال أو بحرمة خمس ذلك، والواجب: التخلص منه، ولا يحصل العلم به إلا بإعطاء الأكثر منهما، فالشك إنما هو في المحصل بتقريب وفي الرافع بتقريب آخر قد مر في المسألة التاسعة عشر. * من غير فرق بين كون جانب رد المظالم المعلوم قدرا أقل من الخمس أو كان هو الخمس أو كان أزيد من الخمس - بأن كان الربع مثلا - ففي مثال المالين المتساويين من حيث القيمة - بأن يكون كل واحد منهما مساويا للعشرة - إن كان المحتمل في أحد الطرفين أقل من الخمس أو الخمس أو النصف وفي الاخر كان المحتمل ربعه الذي هو ثمن المجموع أو كان المحتمل في الاخر هو خمسه أو أقل منه ففي جميع ذلك يكفي إعطاء الأربعة التي هي خمس المجموع، ولا يجب إعطاء ربع المجموع المحتمل كونه حراما بلا إشكال. نعم، يمكن أن يقال بجواز إعطاء قيمة الربع في الفرض الأول وقيمة الخمس في الفرض الثاني احتياطا بالنسبة إلى أحد المالين وإعطاء الخمس بالنسبة إلى المال الاخر على وجه التفريق، بأن يعطي الحد الأكثر في جانب رد المظالم للفقير غير الهاشمي صدقة أو هبة ويعطي الخمس بالنسبة إلى المال الاخر لمصرفه، أو يدغم ذلك فيعطي في الأول ربع النصف قيمة لمصرف الخمس من باب الخمس أو الصدقة وفي الثاني

[ 406 ]

[ وفي كفاية إعطاء ما يحتمل أن يكون رد المظالم بالنسبة إلى أحد المالين وإعطاء الخمس بالنسبة إلى الاخر على وجه التفريق أو الأدغام إشكال *. ] خمس النصف قيمة بقصد ما هو المحبوب عنده تعالى، لأنه يحصل العلم بحلية ذلك، ومنشأ العلم هو دليل الخمس الجاري في أحد الطرفين على تقدير وجود الحرام ودليل الصدقة بالنسبة إلى الحد الأكثر الذي لا يعارضه دليل الخمس. * قد مر وجه الكفاية في التعليق المتقدم. وأما وجه الأشكال فهو من جهة أن مقتضى دليل الخمس في المجموع: انحصار المحلل من جهة حد الأقل بذلك، فلا بد إما من خمس المجموع أو الخمس المضاف إلى كل واحد من المالين. والحكم بإعطاء رد المظالم الذي هو الأكثر إنما هو في مورد يكون أكثر من خمس المجموع بحيث يقطع بإعطاء ما يحتمل كونه ملكا للغير في المالين، الذي في المثال هو ربع المجموع، الذي هو أكثر بالضرورة من خمس المجموع. إن قلت: إذا أعطى المحتملين على وجه التفريق فأعطى ربع النصف إلى الفقير غير الهاشمي من باب الصدقة احتياطا وأعطى الخمس لمصرفه فقد أعطى أكثر من الخمسين، ولا يدل دليل الخمس على عدم الاكتفاء. قلت: ما أعطاه على وجه الصدقة المحضة أو على وجه الخمس لا يزيد عن ربع النصف، والباقي هبة، فلا فرق بين الهبة والأدغام في عدم إعطاء جميع ما في المال من الحرام على وجه القطع واليقين. وأما قياس المقام بما تقدم في المسألة الثامنة عشر من كفاية قيمة خمس أحد الطرفين، فمردود بأن المستفاد من الدليل أن المحلل منحصر في الخمس، وقد حصل في المسألة المذكورة دون المقام. ومع ذلك فالمسألة لا تخلو عن شوب الأشكال، لكن لا إشكال في كفاية إعطاء خمس المجموع.

[ 407 ]

[ الثالثة والعشرون: إذا اكتسب مالا من الحرام والحلال ولو لم يكن جميع المال الموجود مخلوطا بالحرام بل كان أعم من الموجود ومما بدله به بالبيع والشراء كذلك يمكن أن يقال إنه يخرج خمس الموجود *. وعلى ما ذكر يجب إخراج الخمس الموجود وإن لم يكن بانفراده مصداقا للمختلط أو كان مختلطا ولكن لم يكن واجدا لشرائطه * * ولكن كان مع ملاحظة ما في ذمته كذلك، ويكفي ذلك في براءة الذمة * * * ] والقول الكلي في جميع الموارد من حيث الاحتياط هو إعطاء أكثر الأمرين من مقتضى كل واحد من الطرفين ومقتضى المجموع لمصرف الخمس والصدقة، بإعطاء النصف في مورد الهاشمي الفقير والنصف الاخر في مورد السهم المبارك الذي تنطبق عليه الصدقة، ولا فرق في هذا الاحتياط بين كون كلا الطرفين موجودين بعينهما أو تلفا أو تلف أحدهما، والله العالم. * وذلك لخبر السكوني المتقدم، فإن من لا مبالاة له في الحرام يأكل من المختلط ويعامل معه ويجمع بعضه، فالحمل على خصوص العلم بوجود الحرام في المال الموجود وعدم العلم بما أتلفه أو بدله حمل على الفرد غير الغالب مع صدق الاكتساب من المختلط إذا كان أعم من التبديل ووجود نفس الحرام. وملخص الوجه في استفادة ذلك مجموع امور: منها: صدق الاكتساب من الحرام على ذلك. ومنها: كون ذلك غالبيا بالنسبة إلى مورد الرواية من كون السائل ممن أغمض في مطالب ما اكتسبه حلالا وحراما. ومنها: كون نوع المعاملات متعلقا بالذمة فيكون المال حلالا وإن كان مديونا بالنسبة إلى طرف المعاملة. * * بأن كان أقل من الخمس قطعا أو كان أكثر منه قطعا. * * * وذلك لوجهين: الأول: السكوت عن ذلك. الثاني: كون خمس الموجود مع عدم كونه مختلطا أو عدم كونه واجدا لشرائط الاختلاط بلحاظ

[ 408 ]

[ وليس عليه الاسترضاء ممن عامل معه بالمختلط *، لكن لا يترك الاحتياط بإعطاء الأكثر * *. الرابعة والعشرون: إذا كان في المختلط (الذي يحتمل أن يكون الحرام فيه زائدا على الخمس) خمس لسبب آخر - كالأرباح والمعادن - فالمشهور بينهم عدم الاكتفاء بإخراج الخمس * * *. ] اختلاط المجموع بالحرام، فهو صلح عن الجميع. * وذلك لوجهين أيضا: أحدهما السكوت عن ذلك. وفيه تأمل. ثانيهما أن الخمس محلل لجميع ما صرفه، فيكون معاملاته من قبيل من باع شئ ثم ملكه. * * في جميع الصور التي ليس الاختلاط بشرائطه منحصرا في المال الموجود، بأن يكون مجموع المكتسب مختلطا أو كل واحد من الموجود والتالف كذلك واجدين لشرائط الاختلاط أم لا، ولكن على التقدير الثاني إذا كان المجموع واجدا له فإن الاحتياط المزبور مبرئ للذمة إن شاء الله تعالى. * * * المقصود من الشهرة هي الشهرة بين علماء العصر ومن قارب عصرنا، كصاحب العروة والمحشين وصاحب الجواهر قدس سرهم حيث قوى كونه من أفراد معلوم المالك (1)، ونفى عنه الأشكال الشيخ الأنصاري قدس سره في رسالته في الخمس (2). نعم، الظاهر من عبارة كشف الغطاء (3) الاكتفاء بالخمس من حيث المختلط. والأنصاف أن له وجه قوي من جهة أن صدر خبر السكوني قابل للانطباق عليه أيضا، وهو قوله (إني كسبت مالا أغمضت في مطالبه) (4) وكذا صدر مرسل


(1) الجواهر: ج 16 ص 76. (2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 263. (3) ص 361. (4) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 409 ]

[... ] الفقيه الذي تقدم وجه اعتباره، وهو قوله: (أصبت مالا أغمضت فيه) (1). ويمكن التمسك أيضا بالتعليل الوارد في خبر السكوني، وهو قوله: (فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس) (2) بناء على أن المقصود أنه إذا كان الطرف في المال المشتبه هو الحق المتعالي فإنه ليس كسائر الناس بل هو يرضى بالخمس، وهذا التعليل بهذا المعنى صادق على الخمس المردد بين الأقل والأكثر، فإن جميع ما يعطى بقصد التقرب يكون الطرف هو الله تعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات (3). فدلالة الخبر الأول من وجه والثاني من وجهين. إلا أنه يشكل الوجه الأول بأنه لو بني على إطلاق خبر السكوني لشمل المالك المعلوم الشخصي، ومن المعلوم عدم شموله، من جهة أنه في صورة العلم بالمالك لا يكون في البين معضلة يرجع فيها إلى الأمام عليه السلام. لكن هذا في غير مثل الخمس الذي لا بد فيه من الرجوع إلى الأمام في صورة الاختلاط والدوران بين القليل والكثير، فاندفع الأشكال بذلك عن الوجه الأول. وقد يشكل الوجه الثاني بعدم وضوح كون مفاد التعليل ذلك، لأنه لا بد من حمل (الأشياء) على الأشياء المجهولة، فيكون اللام للعهد وهو خلاف الظاهر، بل يحتمل أن يكون المقصود جميع المنافع وكان المقصود بيان أنه كان المقتضي للحكم بصرف جميع المنافع بعد المؤونة على وجه الاقتصاد في سبيل الله تعالى موجودا فقد عفا عن ذلك ورضي من الأشياء بالخمس. ويؤيد كون المقتضي هو


(1) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 3 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ح 4. (3) سورة التوبة: 104.

[ 410 ]

[... ] الأنفاق بالنسبة إلى جميع المنافع قوله تعالى: ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو (1) الظاهر - بحسب ما يستفاد - أن المقصود بذل الزائد عما يحتاج إليه في سبيله تعالى والله تعالى قد رضي في جميع المنافع بالخمس. وقياس مال الغير بالمنافع ليس مما يلقى إلى المخاطب لبيان ما هو الموضوع للحكم واقعا، كما في (الخمر حرام لأنه مسكر). وقد يشكل الاستدلال بالمجموع من مرسل الفقيه وصدر خبر السكوني وذيله - مع قطع النظر عن الأيراد المتقدم - بالمعارضة بمفهوم خبر عمار أي قوله: (والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه) (2) الدال بالمفهوم على أنه إذا عرف صاحبه فلا خمس فيه. ويدفع ذلك أولا باحتمال أن يكون المنصرف إليه هو الصاحب المشخص للمال القابل للصلح معه، لا المصرف المنطبق على الملأين من الفقراء من السادات مثلا. وثانيا بأنه ليس مفهوم السالبة الكلية إلا الموجبة الجزئية كما بينا في الاصول، وفاقا للمرحوم الاستاذ الوالد العلامة تغمده الله برحمته وغفرانه وللشيخ محمد تقي صاحب الحاشية وخلافا للشيخ الأنصاري قدس سرهم. وثالثا بأنه على فرض تمامية الاستدلال بذيل خبر السكوني من حيث التعليل فلا ريب أن التعليل حاكم على المفهوم المستفاد من العلية المنحصرة المستفادة من المفهوم، إذ به يتبين أن التقييد بعدم الصاحب المعلوم من باب أن صاحبه الحق المتعالي فينطبق على الخمس أيضا.


(1) سورة البقرة: 219. (2) الوسائل: ج 6 ص 344 ح 6 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 411 ]

[ لكن في الاكتفاء به وجه *، بل يمكن القول بالاكتفاء به في الأوقاف العامة المقصود بها أن تصرف منافعه في سبيل الله تعالى * *. وأما الزكاة وإن كان للاكتفاء بالخمس في المختلط منها وجه أيضا * * * إلا أن فيها إشكال * * * *. ] * كما فصلناه ونقلنا القول به من الفقيه المعروف كاشف الغطاء قدس سره. * * لما تقدم في التعليق السابق حرفا بحرف. * * * وهو الاستدلال بصدر خبر السكوني ومرسل الفقيه. * * * * وقال في الجواهر: ينبغي القطع فيها بعدم الاندراج في دليل الخمس المقصود به الصرف في الذرية (1). انتهى. والوجه في الأشكال فيها بالخصوص أن مقتضى حرمة الزكاة على الهاشمي عدم الجواز، فعلى فرض دلالة الدليل على الاكتفاء بالخمس يعارض بما دل على عدم جواز إعطائها لهم. ويمكن دفع الأشكال عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ما هو الظاهر في أن مصرف المختلط هو مصرف باقي الأنواع هو رواية عمار التي لا يستدل بها للمقام. وأما خبرا السكوني والفقيه فلا ظهور لهما في ذلك، بل من حيث إضافة كلمة (الخمس) فيهما إلى المال لعل الأظهر أن يكون المقصود هو الكسر المشترك لا الخمس المعهود المعلوم مصرفه، ومن حيث الظن باتحاد القضية فالظاهر أنه قد أمر الأمير عليه السلام بإعطاء الخمس إليه عليه السلام. ويمكن أن يقال: إن الأمام عليه السلام يملك الأموال العمومي الذي يلاحظ فيها المصلحة العامة من


(1) الجواهر: ج 16 ص 77.

[ 412 ]

[ ولو كان الحرام المخلوط مشتبها بين الزكاة والخمس والأوقاف التي مصرفها التصدق على وجه التقرب أو بين الخمس والزكاة أو بين الخمس والأوقاف المذكورة أو بين الزكاة والأوقاف أو بين بعض مصارف الأوقاف والبعض الاخر أو بين سهم السادة والأمام عليه السلام أو بين الخمس ومجهول المالك أو غير ذلك ففي جميع ذلك وإن كان في الاكتفاء بالخمس وجه ربما يكون أقوى من صورة الاختلاط بخصوص أحد العناوين المتقدمة *، إلا أن الاحتياط لا يترك. ] غير فرق بين الخمس والزكاة، ويقضي بها حاجة السادات والفقراء ثم يصرف الباقي في مصالح المسلمين، وليس عليه عليه السلام أن يشخص كل مال بعينه حتى لا يجوز الأعطاء للسادة الفقراء من عين مال الزكاة إذا كان يعطي من الخمس عوضا عن ذلك للفقراء من غيرهم، فتأمل. ومقتضى ذلك أن الخمس من الزكاة المختلط إذا اعطي إلى غير الأمام عليه السلام فلا بد أن يعطى لمستحق الزكاة. ثانيهما: أنه على فرض الظهور في الخمس المعلوم مصرفه فكما أن دليل الخمس يبدل المال من الصدقة على مطلق الفقراء إلى التصدق في خصوص مصرف الخمس كذلك بالنسبة إلى الزكاة فيبدل الموضوع من الزكاة إلى الخمس. والمقصود بيان وجه الاكتفاء بالخمس في المسائل الثلاثة، وأما الأفتاء بذلك فمشكل. * وذلك لعدم معارضة مدلول مرسل الفقيه وخبر السكوني بخبر عمار، لعدم معرفة الصاحب، بل يمكن التمسك بإطلاقه، لأنه يصدق عدم معرفة صاحبه. وعدم الشمول لصورة المحصور إذا كان المالك هو الأشخاص فلأنه خلاف الارتكاز العقلائي بل المتشرعي، فإنه إذا كان المال مرددا بين الشخصين مثلا فمن المعلوم أنه لا يؤدى ذلك إلى غيرهما، وهذا بخلاف الأموال العمومي، خصوصا

[ 413 ]

[ وطريق الاحتياط إما بإعطاء حد الأكثر إلى المصرفين أو المصارف الثلاثة أو بأن يعطى قيمة الأكثر لوكيل المصرفين أو الحاكم الشرعي. وتكليف الحاكم هو التصالح بين المصرفين ولو بإعطاء النصف مثلا إلى أحد المصرفين وإعطاء النصف الاخر إلى الاخر مع فرض قبول كل منهما للمال وإعطائه الطرف الاخر بشرط المصالحة على النصف، وإن لم يمكن فالقرعة *. ] إذا كان مرددا بين الخمس والصدقة أو كان مرددا بين الخمس والزكاة، بأن كان أحد طرفي الاحتمال هو الخمس. * ومبنى الاحتياط المذكور على مجموع امور: منها: احتمال ان يكون التكليف هو الخمس من باب المختلط. ومنها: أن إعطاء حد الأكثر لا ينافي اندراجه في دليل الخمس فإعطاؤه لا ينافي دليل الخمس كما تقدم ذلك. ومنها: أنه لا يحتمل التنصيف في الأموال العمومي، لعدم الدليل إلا في الأموال الخصوصية التي هي مثار الدعوى، بخلاف الأموال التي مصرفها العموم من الفقراء أو السادة، فإنه ليس لها مدع بالخصوص، فلا يمكن إسراء الحكم مما ورد في الأموال التي للمالكين المعلومين بالخصوص إلى غيرها بل إسراؤه إلى مطلق المردد حتى المردد بين الخمسين مشكل جدا. ومنها: أن القرعة وإن كانت لكل أمر مشكل من جميع الجهات، لكن حيث إن موضوعها المشكل فلا يصار إليها إلا إذا لم يمكن تحصيل براءة الذمة عن التكليف بغيرها. ومنها: أن مقتضى القرعة ودليل التنصيف وقاعدة لا ضرر وظاهر كلمات

[ 414 ]

[ الخامسة والعشرون: الظاهر أنه لا يشترط في تعلق الخمس بالمختلط شرائط التكليف من البلوغ والعقل وإن قلنا بعدم التعلق بسائر أنواع مال غير المكلف *. ] الأصحاب: عدم لزوم تحمل الضرر بإعطاء المالين للمصرفين. وبعد ذلك فإن احتاط بذلك وإن لم يكن واجبا فلا بأس عليه، ولكن لا يصار إلى القرعة ما دام المال في يد صاحبه، لاحتمال كون الحكم هو أداء الخمس ولأنه لم يشكل عليه الأمر ما دام يمكن أداؤه إلى ولي الطرفين أو وكيلهما، لكن بعد الوصول إلى الحاكم أو وكيلهما فلا إشكال من جهة دليل الخمس، لعدم المال المختلط فعلا بعد أداء قيمة حد الأكثر للحاكم، فإن أمكن التصالح والاسترضاء على الوجه المشروع لهما وهو التنصيف فلا تصل النوبة إلى القرعة، وإلا فيرجع إلى القرعة. وأما كون الاحتياط هو التصالح بالتنصيف فمن جهة شبهة تضييع مال السادة مثلا أو الفقير من غيرهم، وأما التنصيف فلا يصدق عليه التضييع عرفا، بل هو مما يختاره العرف في موارد الدوران، كما لا يخفى. * كما صرح بذلك الشيخ الأنصاري قدس سره في كتابه خلافا لصاحب المناهل (1). والوجه في ذلك يلخص في امور ثلاثة: الأول: أنه يمكن أن يقال بالاختصاص بالمكلف في الأنواع الاخر، من باب الظهور في التكليف أو الوضع الملازم للتكليف، والتكليف مختص بالمكلف، وهذا الوجه غير جار في المقام، لأن الحكم بالخمس ولو كان تكليفا في المقام لكن هو من باب كون مال الغير في ماله، فحق الغير (وهو أنه من باب الاختلاط يستحق


(1) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 270.

[ 415 ]

[... ] إخراج الخمس ليصل ثوابه إليه) يكون في ماله فلا بد لوليه من أدائه. الثاني: أنه لو قلنا بالاختصاص من باب أن سلب مالكية الصغير مثلا وجعل خمس ماله للهاشمي خلاف الامتنان فهو موضوع عنه فلا يجري في المورد أيضا، لأن الموضوع عنه هو خصوص قلم المؤاخذة، وإذا كان الحرام المختلط مرددا بين الخمس والزائد فلم يخرج من ماله إلا مال غيره، وأما إذا كان الواقع أقل من الخمس فاستحقاقه للخمس ليس من باب إخراج مال الصغير، بل من باب المصالحة للأكثر، وهذا لا يعد قلما موضوعا على الصغير ولا يكون سلبا لمالكية الصغير، مع أنه يتبدل احتمال الأقل من الخمس باحتمال الأكثر، وهو ليس خلاف الامتنان على الصغير كما في سائر مبادلاته، ولا يمكن أن يقال: إنه لا يصح المبادلة من الصغير مثلا، لأنه خلاف الامتنان، مع أنه لو بني على الأقل لكان خلافا للامتنان على المالك المجهول، وهو الوجه في ضمان الصغير لما يتلفه من الأموال مثلا. الثالث: أن يكون الوجه في عدم الخمس في سائر الأنواع حسن محمد بن مسلم وزرارة عنهما عليهما السلام: (ليس على مال اليتيم في الدين والمال الصامت شئ...) (1). ومن المعلوم أن المقصود أنه لا يتعلق بماله شئ، وهذا الخمس ليس متعلقا بماله، بل هو مال الغير الذي يكون في ماله وله تبديل المحتمل بالمحتمل، ويكون وزانه وزان المعاملات الواقعة على مال غير المكلف، فالظاهر وضوح تعلق


(1) الوسائل: ج 6 ص 54 ح 2 من ب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

[ 416 ]

[ السادسة والعشرون: لعل الظاهر عدم اشتراط البلوغ والعقل في غير المختلط بالحرام من سائر موارد الخمس أيضا *، فيجوز بل يجب على الولي إخراجه من مالهما. ] الخمس من حيث المختلط بمال الصغير وإن لم نقل بذلك في سائر أنواع الخمس. * في المسألة بحسب الدليل وجوه: الف - عدم ثبوت الخمس، وذلك: لأن مقتضى بعض الأدلة هو التكليف، كما في خبر أبي علي بن راشد (يجب عليهم الخمس) (1) وخبر الهمداني (أنه أوجب عليهم نصف السدس) (2) ومكاتبة علي بن مهزيار (3)، ويحمل ما بقي مما له الظهور في أن الخمس لمصرفه (كالاية الشريفة (4) وموثق سماعة (5) والأخبار الاخر الواردة في الوسائل في الباب الثاني من أبواب ما يجب فيه الخمس (6) وغير ذلك مما لا يخفى على المراجع إلى الأخبار) على أنه لبيان التكليف. أو لأنه يقال: إن مقتضى ما ورد في باب الزكاة عدم الزكاة في مال الطفل ولا في مال المجنون إلا في بعض الصور المستحبة، كصورة الاتجار (7)، والظاهر أنه من باب عدم كونه مكلفا، والملاك موجود في المقام. أو لأنه يقال: إنه بضم ما ورد من أن الخمس عوض عن الصدقات المجعولة


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 349 ح 4. (3) المصدر: ص 349 ح 5. (4) سورة الأنفال: 41. (5) الوسائل: ج 6 ص 350 ح 6 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (6) الوسائل: ج 6 ص 338. (7) راجع الوسائل: ج 6 ص 54 الباب 1 وص 57 الباب 2 وص 59 الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

[ 417 ]

[... ] لسائر الناس كما في خبر حماد (1) وغيره (2) فالظاهر أنه بحكمه في جميع الجهات إلا من جهة المصرف. أو لأنه يقال: إن مقتضى إطلاق خبر زرارة ومحمد بن مسلم عنهما عليهما السلام: (ليس على مال اليتيم في الدين والمال الصامت شئ...) (3) عدم ثبوت الخمس أيضا. أو لأنه يقال: إن مقتضى حديث رفع القلم عن الصبي والمجنون (4): عدم ثبوت الخمس ولو كان مفاد الدليل هو الوضع، لأن القلم كناية عن الجعل الموجب لضيق عليهما من غير فرق بين الوضع والتكليف. ولا ريب أن جعل الخمس في مال الصغير موجب لحصول النقص في ماله، ورفعه موافق للامتنان من دون أن يوجب ذلك ضررا على غيره، إذ عدم جعل الخمس لمصرفه ليس ضررا عليه، كما في عدم جعل أموال اخر له أو لغيره، بل يكون ذلك صرف عدم النفع، وهذا بخلاف عدم الضمان على الصغير إذا أتلف مال الغير، فإن عدم ضمانه وإن كان على وفق الامتنان بالنسبة إلى الصغير لكنه ضرر على غيره. ولعل هذا هو الوجه في فتوى بعض أعاظم العصر حيث أفتى بعدم ثبوت الخمس في مال الصغير مطلقا. لكن الأنصاف أنه إن تم فلا وجه له بالنسبة إلى الحلال المختلط بالحرام، لأنه من قبيل وجود حق الغير في مال الصغير. وفي الكل نظر وإيراد: أما الأول فلأن عدم شمول ما اشتمل على التكليف لا يصير قرينة على تقييد


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) مثل ما في المصدر: ص 359 ح 9. (3) المصدر: ص 54 ح 2 من ب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة. (4) الوسائل: ج 1 ص 32 ح 11 من ب 4 من أبواب مقدمة العبادات.

[ 418 ]

[... ] ما ليس مشتملا عليه، بل الظاهر شموله أيضا للصغير والمجنون، فإذا رفع التكليف فلا وجه لرفع ما يدل على الوضع. وأما الثاني فلم يعلم مناط الحكم فيه وأنه من باب رفع القلم حتى يقال بذلك في الخمس، مع أن مقتضى الخبر المتقدم عدم وجوب الزكاة في المال الصامت والدين ووجوبها في الغلات. وأما الثالث فلأن مفاده البدلية في الجعل، لا المماثلة في المجموع في جميع الأحكام والشرائط، كما هو واضح. وأما الرابع فمن الواضح أن المراد من الشئ هو الزكاة بقرينة ذكر (الدين والمال الصامت) في مقابل ما يدل عليه الأخبار الكثيرة من الزكاة في المال الصغير إذا اتجر به (1) وبقرينة قولهما عليهما السلام بعد ما نقلناه: (فأما الغلات فعليها الصدقة واجبة) (2). وأما الخامس ففيه: أن المستفاد من غير واحد من روايات باب اشتراط البلوغ في التكليف (كخبر طلحة بن زيد، وفيه: (فإذا بلغوا اثنتي عشرة سنة كتبت لهم الحسنات، فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات) (3) وخبر ابن سنان، وفيه قال (إذا بلغ ثلاث عشرة سنة كتب له الحسن وكتب عليه السيئ) (4) وقريب منه خبره الاخر (5) وخبره الثالث (6) وخبره الرابع (7) وما ورد في الايات الكثير من


(1) الوسائل: ج 6 ص 54 الباب 1 وص 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة (2) المصدر: ص 54 ح 2 من ب 1. (3) الوسائل: ج 1 ص 30 ح 1 من ب 4 من أبواب مقدمة العبادات. (4) المستدرك: ج 14 ص 123 ح 2 من ب 37 من أبواب الوصايا. (5) الوسائل: ج 13 ص 430 ح 8 من ب 44 من كتاب الوصايا. (6 و 7) المصدر: ص 431 ح 11 و 12.

[ 419 ]

[... ] قوله تعالى: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها (1) وقوله تعالى: ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (2) وإن كتاب الفجار لفى سجين (3) وكتاب مرقوم (4) وإن كتاب الاءبرار لفى عليين * وما أدريك ما عليون * كتاب مرقوم (5) وقوله تعالى: فمن أوتي كتابه بيمينه فأوليائك يقرءون كتابهم (6) وقوله تعالى: وأما من أوتى كتابه بشماله (7) وقوله تعالى: كراما كاتبين (8) وما ورد في تضاعيف الروايات من أنه لا يكتب قصد السيئة ويكتب قصد الحسنة (9)، وغير ذلك مما ورد في كتابة الحسنات والسيئات: أن المقصود من رفع القلم في المقام ليس قلم الجعل، بل هو قلم ما بعد الجعل، بل استعمال الكتاب والقلم وما يتعلق بذلك في قلم الجعل قليل جدا، فإن الكتاب في اصطلاح القرآن والحديث في أكثر استعمالاته إما ما تقدم وإما الكتاب النازل من جانبه تعالى - كالقرآن والتوراة - وإما كتاب التقدير، بل لعله لم يستعمل في الجعل أصلا حتى في مثل كتب عليكم الصيام (10) فإنه يحتمل أن يكون من قبيل ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر (11) فيكون بعناية ضبط ذلك في الكتاب المنزل من جانب الله تعالى، فحينئذ يبعد إرادة رفع قلم الجعل، بل الظاهر أن المقصود رفع قلم السيئة المكتوب بأيدي الكرام الكاتبين، وهو المناسب للوضع والرفع والجري، وأما قلم الجعل فقد وضع من أول الأمر بالنسبة إلى موضوعه من


(1) سورة الكهف: 49. (2) سورة المؤمنون: 62. (3 و 4) سورة المطففين: 7 و 9. (5) سورة المطففين: 18 - 20. (6) سورة الأسراء: 71. (7) سورة الحاقة: 25. (8) سورة الانفطار: 11. (9) الوسائل: ج 1 ص 35، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات. (10) سورة البقرة: 183. (11) سورة الأنبياء: 105.

[ 420 ]

[... ] البالغ العاقل، والجري إنما هو في مقام الانطباق لا في مقام الجعل. هذا. مضافا إلى ضعف رواية ابن ظبيان المشتملة على رفع القلم (1) وكذا خبر أبي البختري (2) الذي قيل إنه من أكذب البرية (3). وأما خبر عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: (إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم. والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم) (4). ففيه إشكال من وجوه: منها: كونه معرضا عنه بين الأصحاب، من حيث إن بلوغ الغلام يحصل بثلاث عشرة سنة وكذلك بلوغ الجارية. ومنها: أنه غير ظاهر - مع قطع النظر عما تقدم - في قلم الجعل، بقرينة ذكر قلم الجعل قبل ذلك وهو وجوب الصلاة، ومن المعلوم أنه لم يكن إيجاب امور اخر غير الصلاة محتاجا إلى التوضيح، لوضوح ذلك عند المسلمين، فإنه إن كان مكلفا يجب عليه جميع التكاليف وإلا لم تجب عليها الصلاة، فالمتراءى أن المقصود هو قلم المؤاخذة الذي في الرتبة المتأخرة عن الجعل.


(1) الوسائل: ج 1 ص 32 ح 11 من ب 4 من أبواب مقدمة العبادات. (2) الوسائل: ج 19 ص 66 ح 2 من ب 36 من أبواب القصاص في النفس. (3) رجال الكشي: ج 2 ص 597. (4) الوسائل: ج 1 ص 32 ح 12 من ب 4 من أبواب مقدمة العبادات.

[ 421 ]

[... ] ومنها: أنه على فرض الظهور فلا شبهة في أنه من قبيل ذكر العام بعد الخاص، فيكون المقصود أن المجعول هو وجوب الصلاة وجميع أقلام الجعل، فلا يكون مفهومه إلا عدم ذلك قبل البلوغ على نحو القضية المهملة فلا ينافي ثبوت الخمس. فالمحصل في الجواب عن عموم رفع القلم لمثل جعل الخمس وجوه، الأول: الانصراف إلى قلم الكاتبين، من جهة اعتبار ذلك في نفس الباب، فيكون من قبيل المجمل والمبين. الثاني: الانصراف إلى ذلك، من جهة أن كتابة السيئات مما تكررت كثيرا في الكتاب والسنة. الثالث: الانصراف إليه، من باب أنه القلم الذي يجري في الخارج ويوضع، بخلاف قلم التكليف. الرابع: عدم دليل معتبر على عنوان رفع القلم. ب - ومن ذلك يظهر أن الأظهر ثبوت الخمس حين الصغر. ج - وهنا وجه ثالث أقرب من الأول، وهو ثبوت الخمس بعد التكليف بالنسبة إلى ما قبله. ووجهه مركب من أمرين: أحدهما عموم رفع القلم لقلم الوضع. ثانيهما أن الموضوع للخمس هو حدوث الغنيمة، فمن حدث الغنيمة بالنسبة إليه يجب عليه الخمس، وبعد التكليف يكون الصغير البالغ موضوعا لذلك فلا مانع من تعلق التكليف به. ويترتب على هذا الوجه امور: الأول: عدم وجود الخمس في ماله حال الصغر فلا يجب على الولي بل لا يجوز له الأداء من ماله. الثاني: حساب المؤونة بالنسبة إلى مجموع سنوات صغره التي حصلت له فيها الغنيمة، فلو جمع أرباح جميع سنوات صغره واشتري له دار آخر أعوام صغره لم يكن فيها الخمس.

[ 422 ]

[ ولعل الاحتياط أن يصالح الولي بشئ من ماله للمولى عليه بشرط أن يؤدي الخمس من جانبه ويجعل اختيار فسخها لنفسه بعد البلوغ أو رفع الجنون *. السابعة والعشرون: المشهور بين الأصحاب رضوان الله عليهم عدم اشتراط الحول في أصل وجوب الخمس، لكن يكون وجوبه موسعا إلى آخر الحول - وإلى إخراج المؤونة - بالنسبة إلى أرباح المكاسب، * * ] الثالث: عدم الخمس لو مات الصغير، لا عليه كما تقدم، ولا على الوارث، لعدم الخمس في الأرث. الرابع: جواز معاملاته في حال الصغر ولو بعد مضي سنة الربح كما هو ظاهر. لكن الأصح ما تقدم من ثبوت الخمس ولزوم ذلك على الولي، من باب وجوب أداء الحق على من بيده الحق، كما في سائر ديون الصغير أو أماناته التي تكون عنده. * أما المصالحة فلأن القرض فيه شبهة الربا من حيث الشرط الراجع نفعه إلى الولي أيضا، من باب أداء تكليفه المحتمل، وأما الشرط فلأنه معه ليس التصرف في مال الصغير إلا من باب حق الولي الذي شرط على المولى عليه. * * كما في الجواهر، فإنه قال قدس سره: وكذا لا اعتبار للحول في الأرباح أيضا على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عن ابن إدريس، وعبارته ليست بتلك الصراحة بل ولا ذلك الظهور - إلى أن قال: - ولكن يؤخر جوازا في الأرباح احتياطا للمكتسب (1).


(1) الجواهر: ج 16 ص 79.

[ 423 ]

[... ] انتهى ملخصا. أقول: فالمسألة بالنسبة إلى غير الأرباح إجماعية من حيث عدم اعتبار الحول، وأما في الأرباح فمظنة الخلاف من ابن إدريس حيث يقال: إن ظاهره عدم الخمس إلا بعد حلول الحول. وهنا وجه ثالث وهو أن يكون وجوب الخمس مضيقا من ابتداء حدوث الغنيمة لكن يستثنى من ابتداء الأمر مقدار المؤونة فلا يجب إلا في ما عدا مقدار المؤونة. ولعل الأظهر ما هو المشهور بين الأصحاب رضوان الله عليهم لكن بالنسبة إلى الأرباح. والوجه في ذلك أمران: أحدهما: ما دل على استثناء المؤونة. وتقريب الاستدلال بذلك يتم في طي ثلاث امور: الأول: أن الظاهر من المؤونة هو مؤونة السنة، لا مؤونة العمر ولا مؤونة اليوم كما هو واضح، فإنه المتفاهم عرفا من استثناء المؤونة. مع أنه لو كان المستثنى مؤونة العمر فعلى ما نذكره في الأمر الثاني من أن المراد بالمؤونة هو المؤونة الخارجية لم يجب الخمس إلا بعد مضي العمر ولم يكن محل للاستثناء في رواية النيشابوري مع وقوع السؤال فيها عما يجب في ستين كرا من الحنطة (1). ومن المعلوم أنه ليس المراد من قوله عليه السلام في المكاتبة (ممن كانت ضيعته تقون بمؤونته) (2) هو القيام بمؤونة يوم واحد كما لا يخفى.


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 2 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 424 ]

[... ] الثاني: أن الظاهر من المؤونة هو المؤونة الخارجية، لانها المصداق الحقيقي منها، وأما مقدار المؤونة فليس بمؤونة حقيقة، مع أنه لو كان المقصود منها هي بمقدارها لكان في جميع الموارد مشكوكا فلابد من وقوع السؤال عن حكم الشك أو الأرشاد إلى حكم المشكوك مع عدم وضوح حكم الشك للعلماء - كما نبين ذلك إن شاء الله - فكيف بغيرهم. الثالث: أن القدر المتيقن من السؤال والجواب في استثناء المؤونة هو الوجوب المضيق (بقرينة أن الذي يكون موردا للملاحظة والمراقبة عند العقلاء في مقام الديون هو فرض التضيق) لا سيما مثل صحيح البزنطي وفيه: (الخمس اخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟) (1) المشعر بوجود الخمس في المال وإنما السؤال وقع عن وجوب الأخراج، وكذا خبر النيشابوري الذي تقدم الأيماء إليه (2)، وفيه: (ما الذي يجب لك من ذلك؟) فإن السؤال عن الوجوب والاستثناء متعلق بالوجوب، والوجوب المنصرف إليه في الديون هو الوجوب المضيق. الرابع: أن مقتضى إطلاق مثل الاية الشريفة (3) أن الخمس يكون في المال من أول الأمر، ومقتضى كونه في المال: جواز الرد إلى مصرف الخمس من أول الأمر. مضافا إلى الروايات الاخر الواردة في باب المصرف، كخبر الجعفي (4) وغيره (5) فمقتضى تلك الروايات أن يكون ملكية الخمس لمصرفه من أول الأمر ووجوبه أيضا كذلك، لكن لا يتضيق ذلك إلا بحلول الحول أي بعد إخراج المؤونة


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 1 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) في الصفحة السابقة. (3) سورة الأنفال: 41. (4) الوسائل: ج 6 ص 355 ح 1 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (5) المصدر: الباب.

[ 425 ]

[... ] الخارجية التي يحتاج إليها في السنة، لكن مقتضى ذلك في بعض المقامات وجوب التعجيل، كما إذا قطع بعدم تجدد مؤونة بعد ذلك، بل لو لم يكن له مؤونة من أول الأمر، كأن تكفل لمؤونته متبرع. ثانيهما: مكاتبة علي بن مهزيار، وفيها: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام) (1) فإنه ظاهر في الوجوب الموسع وعدم لزوم أدائه عند حصول الغنيمة، مضافا إلى أن قوله عليه السلام: (الذي أوجبت في سنتي هذه) وقوله عليه السلام: (ولم اوجب عليهم ذلك في كل عام) وكذا قوله: (وإنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول) وكذلك قوله: (فأما الذي اوجب من الضياع والغلات في كل عام) يكون ظاهرا في الاعتبار بالسنة في الجملة، كما لا يخفى. هذا وجه كلام المشهور. وأما وجه ما نسب إلى ابن إدريس - من عدم وجوب الخمس حتى بنحو السعة إلا بعد حلول الحول - فيمكن أن يكون امورا تقدم بعضها في مقام الاستدلال للمشهور: منها: كون المؤونة هي مؤونة السنة. ومنها: كون المستثنى هو المؤونة الخارجية. ومنها: أن الظاهر أنها مستثناة من أصل الخمس، لا عن وجوبه المضيق، ولا ريب أن مقتضى ذلك هو أن لا يكون الخمس إلا بعد حلول الحول وإخراج مؤونة السنة بوجوده الواقعي. وأما المكاتبة فيمكن فيها دعوى الانصراف إلى رأس العام، كما في الخراجات المعمولة بين الحكومات والرعية.


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 426 ]

[ بل التوسعة إلى آخر العام ليست مختصة بمن يتجدد له بعد ذلك مؤونة إلى حلول الحول *. ] وفيه: منع أن المؤونة مستثناة من أصل الخمس - كما تقدم ذلك - بل تكون مستثناة من وجوبه المضيق، واحتمال ذلك بحسب مقام الظهور والأثبات كاف لصحة ما عليه المشهور، ومنع الانصراف في المكاتبة، ومنع عدم اعتبار الخراج في الحكومات من أول السنة بحيث لو أدى أحد خراجه قبل حلول الحول لكان قرضا. وأما وجه الاحتمال الثالث فهو أن تكون المؤونة المستثناة هي مقدارها - لا نفسها بخارجيتها - وما في المكاتبة يكون من حيث التحليل من جانب الأمام كما أنه لم يوجب في الضياع إلا نصف السدس. والأول خلاف الظاهر قطعا، وكذا الثاني من جهة أن الظاهر منها أن جملة (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ...) في مقام بيان أصل الحكم، من جهة عدم الاستناد إلى نفسه الشريف ومن جهة الاستدلال بالاية الشريفة، بخلاف سائر مقامات الأيجاب الذي فيه التحليل، مثل قوله عليه السلام: (فأما الذي اوجب من الضياع) وقوله عليه السلام: (إن الذي أوجبت في سنتي هذه)، مع أن وجوب الخمس في كل غنيمة بصرف حصولها يكاد يكون حرجا شديدا على أرباب الحرف والصناعات بل على أرباب الضياع والبساتين، فإن بعض الثمار يكون وقت اقتطافها أقرب من البعض الاخر، بل يختلف الأشجار أيضا، فهو مردود قطعا، مضافا إلى أنه لم يقل به أحد على الظاهر. * وذلك لأطلاق المكاتبة الدالة على التوسعة. فما في الشرائع من قوله (احتياطا للمكتسب) لعله لبيان حكمة الجعل، وهو خارج عن وظيفة الفقيه، مع أن الانحصار بذلك غير معلوم، كما في توسعة وقت

[ 427 ]

[... ] الصلاة، فإن التوسعة في التكليف بنفسها امتنان وتسهيل على المكلفين، وربما يكون في البين مصالح اخر، كالعثور على الأشد استحقاقا من حيث ضيق المعيشة أو من حيث الجهات الاخر كالرحمية والتقوى والعلم وغير ذلك. والحاصل أنه إن اريد بذلك التقييد فهو محجوج عليه بالمكاتبة الظاهرة في التوسعة مطلقا، وإن اريد بذلك بيان الحكمة فهو مع كونه غير معلوم خارج عن وظيفة الفقيه. ومن ذلك يظهر الأيراد على عبارة العروة الوثقى حيث قال: متى حصل الربح وكان زائدا على مؤونة السنة تعلق به الخمس وإن جاز له التأخير في الأداء إلى آخر السنة، فليس تمام الحول شرطا في وجوبه، وإنما هو إرفاق بالمالك، لاحتمال تجدد مؤونة اخرى زائدا على ما ظنه، فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس (1). إذ فيه أولا: أن مقتضى ذلك وجوب التعجيل لمن يقطع بعدم المؤونة له إلى آخر السنة، والظاهر أنهم لا يقولون به، وهو أيضا خلاف المستفاد من المكاتبة. وثانيا: أن مقتضى قوله (فلو أسرف...) أن عدم سقوط الخمس مبني على ذلك مع أنه لا يكون مبنيا عليه، فإنه لو قيل بمقالة ابن إدريس - من عدم وجوب الخمس فعلا حتى بنحو الموسع - لم يسقط الخمس، لأن الموضوع حدوث الغنيمة وعدم الصرف في المؤونة، وهو محقق عليه أيضا.


(1) العروة الوثقى: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 72.

[ 428 ]

[ الثامنة والعشرون: لو تعجل في الأداء فبان كون المؤونة أكثر مما ظنه فلعل الظاهر جواز الاسترداد مع وجود العين، والضمان مع التلف أو الأتلاف في صورة العلم بالحال، وأنه خمس على وجه الاستعجال. وكذا في صورة الاحتمال بأن احتمل كونه كذلك. أما مع تخيل الخلاف بأن تخيل كونه غير الخمس أو كونه خمسا بعد حلول الحول فلعل الظاهر أيضا الضمان إذا صرفه وانتفع به. وأما مع الفرض المذكور والتلف من غير انتفاع ففي الضمان إشكال، والأحوط التصالح *. ] * أما استرداد العين والضمان مع التلف في الصورة المذكورة فلأنه مع تجدد المؤونة يكشف عن عدم كون ما أعطاه خمسا، فهو كالمقبوض بالعقد الفاسد، فإنه وإن لم يكن غصبا إلا أنه يد الاخذ ليست بأمانية، فإن مقتضى دليل اليد هو الضمان، خرج منه ما استقرت عليه اليد على وجه الأذن، لا على وجه تخيل الاستحقاق، لوضوح أنه لو أعطى لشخص مالا من باب تخيل أنه له لا من باب التمليك فتبين العدم فإنه ضامن من دون شبهة، والمسألة من مصاديق الكلي المزبور. إن قلت: إن كشف تجدد المؤونة عن عدم كون المعطى خمسا ممنوع، لما تقدم من أن استثناء المؤونة إنما هو بالنسبة إلى تضيق وجوب الخمس، لا بالنسبة إلى نفس كون الخمس للمصارف المعهودة ووجوب إعطائه وصرفه في المصارف المعهودة على وجه الوجوب الموسع. وإعطاؤه بتخيل أنه الذي يجب عليه بعد التضيق لا يوجب التقييد بحسب البرهان، فإن التقييد إنما هو بالتخيل لا بالواقع، وإلا لم يصدر منه الأعطاء على وجه الخمس على نحو الأطلاق، فإن إعطاءه على وجه الأطلاق يتوقف على الرضا بذلك على وجه الأطلاق، وإلا لزم وجود المعلول من دون وجود ما فرض دخالته في العلية، وليس مثل الأوصاف

[ 429 ]

[... ] المذكورة دخيلة في العنوان حتى يكون الاختلاف في المتعلق، فمثل وصف كونه هو الواجب المضيق عليه - فعلا أو بعد ذلك - من الجهات التعليلية التي ترجع إلى علية الصورة التخيلية، لا من الجهات التقييدية التي هي موضوع في مقام الأعطاء، فلا يجب رده بل لا يجوز استرداده مع بقاء العين فكيف بالضمان في صورة التلف أو الأتلاف، من غير فرق بين الاستعجال أو أن أعطى الربح خمسا بعد حلول الحول وزاد على ما صرف في المؤونة اشتباها أو نسيانا. قلت: الأنصاف أن المستفاد عرفا من استثناء المؤونة: عدم مالكية المصرف لمقدار المؤونة من الربح. والوجه في ذلك أن جواز التصرف في ملك الغير حتى التصرفات المتوقفة على الملك - كالهبة والوقف وجعل المهر، الذي كل ذلك من المؤونة - مستنكر عرفا، مع أنه على فرض عدم المالكية لا شبهة في أن جواز التصرف حق مالي في مال الغير مستلزم لاسترداد العين حتى يصرفه في ماله الحق في ذلك، فالاستثناء وإن كان بالنسبة إلى تضيق الوجوب إلا أن لازمه العرفي عدم كون ما يصرف في المؤونة خمسا، وحينئذ يتجه ما عليه الأصحاب في ظاهر كلماتهم من التوسع في الوجوب والحكم بالضمان. كيف! ولولا ذلك لكان مقتضى مالكية المصرف للخمس بقاءه في مال المالك حتى بعد أداء الخمس واستثناء المؤونة، فإن صرف الاستثناء من الوجوب لا ينتج إلا عدم الوجوب، ولازم ذلك جواز أن يتملك المصرف بالمصالحة مع شخص آخر، فحينئذ يصير لازم الأداء، لأنه ملك لغيره وليس بخمس، وهو خلاف الضرورة. هذا كله في وجوب الرد مع بقاء العين. وأما الضمان في صورة التلف في الجملة فلأنه مقتضى عموم دليل الضمان من

[ 430 ]

[... ] حديث اليد وغيره، والخارج منه اليد الأماني المأذون فيه بالعنوان المنطبق عليه. وأما الضمان في صورة الجهل البسيط واحتمال عدم كونه خمسا أو عدم كونه كذلك بعد استثناء المؤونة الواقعية، فللعموم المذكور وعدم صدق الغرور. وأما الضمان في صورة الجهل المركب وفرض الانتفاع به بصرفه في مصارفه، فلعدم صدقه أيضا من جهة عدم الضرر. وأما الأشكال في صورة الجهل المركب وفرض عدم الاستفادة - كالتلف والأتلاف في غير المصرف من غير عمد - فمن جهة صدق الغرور وشمول قاعدته، كما اشير إليه في تعليق بعض الأعاظم قدس الله أسرارهم على العروة (1) لكنه لا يخلو عن إشكال من جهة أن مورد قاعدة الغرور هو الرجوع إلى الغار بأخذ ما تضرر منه، والمقصود هنا هو الحكم بعدم الضمان، فرجوع المغرور إلى الغار غير عدم رجوع الغار إلى المغرور. ويمكن تقريب الأشكال بوجه عقلي، وهو أن الحكم بعدم ضمان المغرور شئ للمالك مستندا إلى القاعدة مستلزم لعدم صدق الغرور، إذ صدقه متوقف على الضرر، فلا يشمله القاعدة فلا مانع من دليل الضمان، فالحكم بعدم الضمان يستلزم الحكم بالضمان، كما أن الحكم به يستلزم عدمه، وليس ذلك إلا من جهة فرض شمول القاعدة للمورد. ويمكن الجواب عن الأشكال العقلي بأنه يحكم بالضمان للمالك بقاعدة اليد ويحكم بضمان المالك لما ضمنه المغرور بقاعدة الغرور، فيحكم بعدم ضمان المغرور لتساوي الدينين وحصول التهاتر القهري، فلا يحكم بعدم الضمان أصلا لقاعدة الغرور حتى يتوجه الأشكال العقلي، بل يحكم به فيصدق توجه الضرر إلى


(1) في كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 79.

[ 431 ]

[ ولعل الأقرب عدم الضمان في الفرض المذكور *. التاسعة والعشرون: يمكن أن يقال بجواز نقل الخمس بالبيع أو الصلح أو الحوالة من جانب مستحقه ولو لم يكن وليا على الخمس - بأن يكون مثلا هاشميا مستحقا له - من غير فرق بين الحول وبعده * *، ] المغرور فيتدارك ذلك بضمان المالك، فالضرر قد توجه إلى المغرور وصار متداركا بضمان الغار المالك - كما في سائر موارد الغرور - ولا يحكم بعدم توجه الضرر أصلا، لكن إشكال خروجه عن ظاهر القاعدة (الحاكمة برجوع المغرور إلى الغار وأخذ ما تضرر منه خارجا، لا صرف الاعتبار الذي لا فرق بينه وبين عدم الضمان من رأس عرفا) باق بحاله. * لأن الأظهر هو الشمول، من جهة أن الرجوع إلى الغار ليس المقصود به إلا الضمان، لا الرجوع الخارجي. كيف! ولو كان ذلك ملاكا لصدق القاعدة لم يحكم بها في ما إذا كان الغار غير المالك وكان مالكا لما في ذمة المغرور ما يعادل بدل التالف الذي غرمه لمالكه، وذلك لأنه لا نتيجة في ذلك الرجوع الخارجي، بل يحكم بفراغ ذمة المغرور، للتهاتر القهري. * * لم أر التعرض لتلك المسألة في كلامهم رضوان الله عليهم لكنه مقتضى قاعدة تسلط الناس على أموالهم أو حقوقهم، من غير فرق بين كون الخمس ملكا لمصرفه بالأشاعة أو بنحو الكلي في المعين. نعم، لو كان وجوب الخمس تكليفا صرفا لا وجه لذلك. إن قلت: يشترط على المشهور أن يكون إعطاء الخمس بقصد القربة من المالك، والمفروض أنه لا إعطاء حينئذ حتى يقصد به القربة. قلت: المتيقن من لزوم قصد التقرب هو ما إذا كان الأعطاء من جانب المالك، لا مطلقا.

[ 432 ]

[ ولكن لا يخلو عن الأشكال *. الثلاثون: الأحوط لمن ليست له مؤونة بعد ذلك: عدم التأخير بعد الدخول في الشهر الثاني عشر * *. ] إن قلت: إن النقل يتوقف على عدم كونه مخالفا لحق المالك، والمالك له حق التعيين من حيث المصرف وحق التبديل بالقيمة وحق التأخير إلى الحول. قلت: أما حق التعيين من حيث المصرف فهو من باب عدم اقتضاء ما يعينه في شخص خاص، وأما الحقان الاخران فهما ثابتان أيضا في بدل الخمس، فله حق التأخير والتبديل كما كان له في أصل الخمس. * من جهة أن المالك هو المصرف بنحو الكلي. ومعنى الكلي أن المالك متعهد وفي عهدته وضمانه أن يعطي الخمس إلى فرد من الأفراد من غير أن يملك ذلك الفرد شئ في الخارج، كما في الكلي في الذمة بالنسبة إلى المملوك، فكما أن تعيين المصداق في الذمة بعهدته كذلك تعيين مصداق المالك بعهدته أيضا، فالفرد الخاص لا يملك حتى يصالح أو يبيع الخمس، كما أن مالك الذمة ليس له أن يبيع مصداق ما ينطبق على ما يملكه في ذمة صاحبه. * * كما في الزكاة، لا من باب القياس عليها، بل من باب أن الدليل على التأخير إما استثناء المؤونة الخارجية المفروض عدمه، وإما المكاتبة الظاهرة في أن مورد الوجوب هو العام، والعام صادق على الشهر الثاني عشر، ففيه إشكال من جهة قوله عليه السلام: (ولم اوجب عليهم ذلك في كل عام ولا اوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها الله عليهم) (1). والعام الملحوظ في الزكاة يتم بالورود في الثاني عشر، والسياق واحد،


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 433 ]

[ وإن تأخر عن ذلك فلا يتأخر عن العام *. الحادية والثلاثون: في الأرباح المتدرجة هل يلاحظ لكل ربح سنة (فيختص الربح الأول بإخراج المؤونة منه ويوزع في المشترك من دون ملاحظة النسبة أو بملاحظة النسبة بالنسبة إلى أصل الربح أو بملاحظتها بالنسبة إلى ما بقي بعد المؤونة أو يتخير في التوزيع وعدمه * *) ] وهذا يصلح للقرينية على كون المراد بالعام في قوله عليه السلام (فهي واجبة عليهم في كل عام) (1) هو العام الزكاتي، فلا ظهور له في الأطلاق حينئذ، فيرجع إلى ما دل على وجوب رد مال الغير إلى صاحبه فورا، فيجب. * لظهور قوله عليه السلام المتقدم (فهي واجبة عليهم في كل عام) في لزوم أن يكون في العام، فلا يتأخر عن العام كما هو المعمول خارجا. * * كما عن المسالك والروضة وكشف الغطاء بالنسبة إلى أصل كون السنة لكل ربح وأصل التوزيع في المشترك مع السكوت عن كيفية التوزيع في المشترك، (2) لكن في الجواهر الترديد في كون التوزيع بالنسبة أو غيرها مع السكوت عن كيفية النسبة (3) وفي المستمسك: الترديد في المشترك بين التوزيع والتخيير (4). فالوجوه في الربح المشترك من حيث استثناء المؤونة أربعة. فمن استفاد ربحا في أول محرم الحرام بمقدار ستة آلاف وفي أول رجب بمقدار ثمانية آلاف وفي أول ذي الحجة بمقدار ألفين وبقي له في أول المحرم الثاني ألف من المجموع (بأن صرف بعض الربح الأول في الأشهر الستة الاولى وصرف الباقي والربح الثاني في الأشهر الخمسة الأخيرة وكانت مؤونته في الشهر الثاني عشر من الربح الثالث وبقي منه ألف) فيكون مؤونته في الستة الاولى


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس (2 و 3) الجواهر: ج 16 ص 80 و 81. (3) المستمسك: ج 9 ص 531.

[ 434 ]

[... ] مستثناة من ستة آلاف، وفي الخمسة التي بعد الستة يوزع أو يتخير - على ما يجئ شرحه - وفي الشهر الأخير يختص الربح الأخير باستثناء المؤونة. والتوزيع في المشترك إما بالمناصفة من دون ملاحظة النسبة، فينصف ما بقي من الربح الأول وما حصل له من الربح الثاني إلى أن ينفد الربح الأول، أو بالنسبة إلى أصل الربح، ففي المثال يقسم المؤونة أربعة عشر قسما، فيستثني ستة منها من الربح الأول وثمانية منها من الربح الثاني، أو يلاحظ بالنسبة إلى الربح الثاني وما بقي من الربح الأول، فلو بقي من الربح الأول ألفان يقسم المؤونة خمسة أقسام فيخرج من الأول خمسة ومن الربح الثاني الباقي. وأما التخيير فظاهره التخيير بين التوزيع بالمناصفة، أو بالنسبة إلى أصل الربح، أو بالنسبة إلى الربح الثاني وما بقي من الربح الأول، أو استثناء جميع المؤونة من الربح الأول حتى ينفد، أو استثناء جميعه من الربح الثاني. لكن هذا المبنى - أي ملاحظة السنة لكل ربح - مورد للأيراد من وجوه: منها: أن لازمه عدم تعلق الخمس بمن يزيد ربحه عن مجموع مؤونته من أول حصول أول الأرباح - كالتاجر قليل المال أو الصانع بيده في أغلب مصاديقه - إلا بعد ما حصل له من أرباح السنين المتعددة ما يزيد على مؤونته في السنة التي مبدأها من أول مالكيته للأرباح الزائدة مجموعها على مؤونته. وجه الاستلزام أن الربح الأول لا يفي بمؤونته من أوله إلى رأس سنته وباقي الأرباح لم تتم سنته. وهو كاد أن يكون مخالفا لصريح مكاتبة علي بن مهزيار الحاكمة بإعطاء نصف السدس لمن يقوم ضيعته بمؤونته في كل عام، فإنه بعد أن حصل له الشعير ثم حصلت له الحنطة بعد شهرين ثم حصلت له الأثمار ثم حصلت له الشتويات - كالشلغم والطماطة - وصرف جميع ذلك في مؤونته وزاد عنها في موقع حصول أول الربح وهو الشعير فلابد له من أداء نصف السدس من الكل من باب الخمس،

[ 435 ]

[... ] وإلا لم يكن أداء نصف السدس في كل عام بالنسبة إلى مجموع الغلات، بل لابد له من الصبر حتى يصير مجموع غلاته الموجودة فعلا زائدا عن مؤونة سنته. وكذا كاد أن يكون مخالفا صريحا لرواية أبي علي بن راشد، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (1) كما لا يخفى، فإن الصانع بيده متى يحصل في يده أرباح سنين متعددة بمقدار يزيد عن مؤونة سنته؟ مع أن الحكم بنصف السدس في مجموع الغلات في كل عام لا ينطبق إلا على إعطاء نصف السدس بعد تمامية العام من أول حصول الربح أو أول الاكتساب على الخلاف الاتي، فلو وجب عليه نصف السدس إذا تمت السنة من أول حصول ربح الشعير من الشعير بعد إخراج المؤونة ووجب في الحنطة والأثمار وغير ذلك نصف السدس إذا مضت السنة من ظهور هذه الأرباح لم يكن وجوب نصف السدس في مجموع الغلات الحاصلة في كل عام بل في العام الأول يكون في العام وشهور بعده. ومنها: أن جعل السنة لكل ربح بالنحو المذكور في أول البحث موجب للحرج على من يعطي الخمس ومن يأخذ الخمس. ومنها: أنه لو كان كذلك لوقع حكم الحساب في القطعات المشتركة بين الأرباح والمختصة بالأول أو الاخر موردا للسؤال والجواب من جهة التخيير في المشترك أو التوزيع بالمناصفة أو بالنسبة إلى أصل الربح أو بالنسبة إلى ما بقي من الربح بعد استثناء المؤونة منه، والأخبار خالية عن ذلك كله، كما لا يخفى. ومنها: السيرة المستمرة بين الشيعة الممتدة قطعا إلى عصر الأئمة عليهم السلام على أداء الخمس من مجموع ربح السنة الواحدة، من دون جعل السنة لكل ربح.


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 436 ]

[ أو يكون لمجموع الأرباح سنة واحدة يجب خمس ما زاد على المؤونة بالنسبة إلى المجموع دفعة واحدة؟ ولعل الأصح هو الثاني *. وهذا من غير فرق بين وجود أنواع مختلفة للتكسب وعدمه، ولا بين اختلاف مبدأ كل نوع من التكسبات وعدمه، ولا بين كون بعض الفوائد حاصلا بالتكسب وبعضها حاصلا قهرا أو كون جميع فوائده حاصلا قهرا * *. ] ومنها: عدم مناسبة استثناء المؤونة من كل ربح، بل المناسب استثناؤه من مجموع الأرباح، لعدم وفاء كل ربح في الغالب لمؤونة السنة. ومنها: أنه لو فرض الشك في ذلك فبعد حلول الحول بالنسبة إلى الربح الأول يشك في وجوب الخمس فورا، ومقتضى الدليل لولا استثناء المؤونة وجوبه فورا، والقدر المتيقن استثناء المؤونة من مجموع الربح، فيكون الربح الباقي زائدا على مؤونة السنة، فيجب الخمس بعد حلول الحول من أول الربح الأول على الأصح - كما يأتي - أو من أول الشروع في الاكتساب كما عن بعض الأصحاب. * كما تقدم في التعليق السابق وظهر من مجموع ما أوردناه على الوجه الأول من الوجوه الستة. * * وذلك لبعض الوجوه المتقدمة: من السيرة، ومكاتبة علي بن مهزيار - المعتبرة - حيث إنه جعل موضوع الخمس في كل عام مجموع الغلات التي قد عرفت وضوح الاختلاف في أنواعها والاختلاف في مبدأ حصولها، ومن المعلوم أن فوائد الغلات منها ما يحصل قهرا من دون التكسب - كالمراتع والأحطاب والكتيرا وغير ذلك - ولا فرق بينه وبين غيره عرفا، مضافا إلى أنه مع فرض الشك يجب الخمس فورا، كما تقدم في التعليق الأسبق، مع أن كلمة (التاجر) بل (الصانع) تشمل من كان له أنواع من التجارات أو أنواع من الصناعات، بل تشمل

[ 437 ]

[ فلو أداه في رأس العام على النحو المتقدم من التقديم على الرأس فلا إشكال فيه، وأما لو لم يؤده فلوجوب أداء المجموع في رأس السنة من ابتداء الربح الثاني وجه *. لكن الظاهر عدم كونه موجها ولا يجب عليه إلى السنة الاتية أن ] من كان له شغلان: التجارة والصناعة. إن قلت: إن مقتضى ظاهر قوله عليه السلام في المكاتبة: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام) - الظاهر منها هو الفوائد الحاصلة من غير ترقب - أنه في تلك الفوائد عام برأسه. قلت: ظهوره كظهور رواية النيشابوري في استثناء المؤونة من ستين كرا، المستلزم لجواز التأخير إلى رأس السنة من ابتداء هذا الربح الخاص، ومقتضى تطبيق الاية الشريفة عليها أن الحكم المذكور من حيث الغنيمة من دون خصوصية للربح الخاص، كما أن الجمع بين خبر النيشابوري وذيل المكاتبة - الظاهر في كون الموضوع للخمس مجموع الغلات - أيضا ذلك. * وذلك من جهة أنه يصدق من ابتداء الربح الثاني مجموع الربح من السنة التي لم يؤد خمسه، فيجب أيضا خمس المجموع ولا يجوز له التأخير بالنسبة إلى ما بعد تمام السنة من الربح الأول إلى السنة الاتية. لكن يرده مجموع امور: الأول: لزوم سنين متعددة لمن له ربح في كل يوم إذا لم يؤد ذلك حين انقضاء الحول الأول، فلا بد من حساب المؤونة من ابتداء الربح الأول إلى الثاني من السنة الاولى، وفي المشترك يجئ إشكال أنه من الربح الأول أو من الربح الثاني أو التوزيع وطريقته. وهذا مقطوع العدم. الثاني: أن مقتضى الاعتبار بالسنتين: جواز التأخير بالنسبة إلى الربح الثاني

[ 438 ]

[ يؤدي خمسا إلا ما وجب عليه من رأس السنة من أول الربح *. الثانية والثلاثون: مبدأ الحول هل هو ظهور أول الربح أو من حين الاكتساب أو يفصل بين التدريجيات والدفعيات أو بين ما يقرب من أوان الاكتساب وغيره؟ وجوه * *. ] إلى رأس سنته. وهو خلاف أدلة وجوب الخمس في الغنائم، الخارج منه مؤونة السنة، الصادق على السنة الاولى بالفرض، مع أنه لو شك في ذلك - أي في الاعتبار بالسنة الثانية أيضا في جواز التأخير - فمقتضى إطلاق وجوب الخمس هو الفورية، كما هو مقتضى إثبات كل حق لمن له الحق. الثالث: أنه في مورد مكاتبة علي بن مهزيار لو لم يؤد نصف السدس في آخر السنة من الربح الأول وأداه في ابتداء الربح الثاني من غلات الضيعة مما يحصل في الخريف ثم أدى نصف السدس من العام الثاني في آخر ذلك العام يصدق أنه قد أدى نصف السدس في ذلك العام، ولا يكون إلا من جهة واحدة، وهي عدم أدائه في رأس العام الأول، فإذا أدى مثلا نصف السدس من العام السابق في العام الثاني ونصف سدس غلات العام الثاني فيه أيضا فلا يكون عاصيا من حيث أداء ذلك بالنسبة إلى العام الثاني في آخر العام، كما هو واضح. مضافا إلى أن السيرة المستمرة المستقرة على الخمس من عصر أهل البيت عليهم السلام ليس على ثبوت الحول بعد حول بالنسبة إلى كل ربح، كما لا يخفي * كما أوضحناه في التعليق السابق بالوجوه الثلاثة. * * قد اختار الأول في الجواهر تبعا لما نقله عن المدارك من قوله: ولو قيل باعتبار الحول من حين ظهور شئ من الربح ثم احتساب الأرباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام السنة وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤونة ذلك

[ 439 ]

[... ] الحول كان حسنا (1). انتهى. وعلل ذلك في الجواهر بأن أول حصول الربح أول توجه الخطاب بالخمس (2). وأما الثاني فهو ظاهر ما عن الدروس والحدائق من قولهما: ولا يعتبر الحول في كل تكسب، بل يبتدئ الحول من حين الشروع في التكسب (3). وأما الثالث فقد اختاره بعض علماء العصر في تعليقه على العروة. وأما الرابع فاختاره بعضهم الاخر في التعليق عليها. واختار الشيخ المرتضى قدس سره الثاني، واستدل له بأن: المراد بالعام هو العام الذي يضاف إليه الربح ويلاحظ المؤونة بالنسبة إليه. ومبدأ حول المؤونة في ما يحصل بالاكتساب هو زمان الشروع في التكسب، لأن المتعارف وضع مؤونة زمان الشروع في الاكتساب من الربح، وأما في مالا يحصل بالاكتساب فمبدأ سنته زمان حصوله، لأن نسبة الأزمنة السابقة إليه على السواء، فلا وجه لعد بعضها من سنته، بل السنة من حين ظهوره (4). انتهى ملخصا. أقول: في ما ذكره وحققه وتبعه جماعة من الأصحاب منهم صاحب العروة (5) وغير واحد ممن علق عليها إيراد من وجوه:


(1 و 2) الجواهر: ج 16 ص 82. (3) الجواهر: ج 16 ص 81. (4) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري قدس سره: ص 215. (5) في العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 60.

[ 440 ]

[... ] الأول: منع تعارف وضع مؤونة الشخص وعياله حين اكتساب الربح من الربح الذي يأتي بعد ذلك. نعم، نفس مؤونة اكتساب الربح مستثناة من الربح من باب عدم صدق الربح والغنيمة إلا على الخالص من الفوائد بعد وضع المخارج والمصارف، وليس ذلك مربوطا بالسنة حتى يكون ذلك ملاكا لابتداء السنة، وليست المستثناة مؤونة زمان الاكتساب، بل لو كان الاكتساب في سنة متوقفا على مؤونة - من بذل مال لمحل الكسب قبلها بسنتين - لكان ذلك محسوبا ومستثني من الربح، لعدم صدق الربح بدون ذلك. وما ذكرناه من منع استثناء مؤونته حال الاكتساب من الربح الذي يأتي بعد ذلك يتضح جدا في مالا يصرف المكتسب نفسه في ذلك وليس له مصارف، وإن كان فهو خارج من باب مؤونة الربح - كأن يخابر مثلا لأرسال متاع من الخارج بعد شهرين - فكيف يحكم العرف باستثناء مؤونة نفسه وعياله بمالها من السعة من دخول الصدقات والأوقاف والهبات من ذلك، فصرف زمان الاكتساب ليس إلا كزمان العزم على الاكتساب، فكما أنه في زمان الاكتساب يرجو تأمين مؤونته من الربح الحاصل بعد ذلك في كثير من الأوقات كذلك في زمان العزم أيضا يكون كذلك، وصرف ذلك ليس موجبا لأضافته إلى الربح، كما لا يخفى. الثاني: ما هو المستفاد من مصباح الفقيه (1) الظاهر منه أنه سلم الصغرى وأن المتعارف وضع مؤونة زمان الاكتساب من الربح المكتسب بعد ذلك، وقد عرفت منع ذلك. وبعد ذلك أورد عليه بعدم استقامة الكبرى، فإن الظاهر من المؤونة المستثناة من الغنيمة هي التي تخرج خارجا من الربح أو تصلح لذلك، لا الأعم منه ومما تعارف وضع مقداره منه، كما لا يخفى.


(1) ج 3 ص 142.

[ 441 ]

[... ] الثالث: أن دليل استثناء المؤونة الذي يستفاد منه السنة إنما هو بعد فرض دليل الخمس، فإنه مخصص لدليل الخمس، فلا يشمل المؤونة قبل دليل الخمس، كما في سائر العمومات والمخصصات. الرابع: أنه لو شك في استثناء مطلق المؤونة أو خصوص ما يكون بعد الربح فالقدر المتيقن مؤونة ما بعد الربح، فيستدل بإطلاق وجوب الخمس في جميع ما يصدق عليه الغنيمة. إن قلت: بعد حلول الحول من مبدأ الاكتساب وعدم حلوله من مبدأ حصول الربح يشك في وجوب الخمس فورا، ومقتضى إطلاق الدليل وجوبه فورا، لأنه من الحقوق، لا من باب دلالة الأمر على الفور، ومقتضى ذلك أن الأطلاقين بالنسبة إلى تعيين مبدأ الحول متعارضان. قلت: الأطلاق الأول وارد على الثاني، لأن الثاني قد قيد بمؤونة السنة وحكم بجواز التأخير إلى تمامية مؤونة السنة، فهو بعد التقييد من حيث الفورية وجواز التأخير تابع لمقدار ما يستثنى من الربح من مؤونة السنة، فإذا حكم بمقتضى الأطلاق الأول أن سنة المؤونة من ابتداء حصول الربح فجواز التأخير يكون إلى آخر تلك السنة، من دون تخصيص زائد على ما خصص على النحو الكلي، وهو جواز التأخير إلى آخر سنة المؤونة إرفاقا، فافهم وتأمل. الخامس: أن ما ذكره بالنسبة إلى الفائدة الحاصلة من غير اكتساب - من كون المبدأ هو حصول الفائدة، لأن سائر الأزمنة بالنسبة إليه يكون على وجه التساوي - جار بعينه بالنسبة إلى الحاصل بالاكتساب بنوع آخر بعد الاكتساب بالنوع الأول، فإنه لابد أن يلتزم بأن لكل اكتساب سنة جديدة، لأن نسبة سائر الأزمنة إلى الاكتساب الثاني متساوية، والاكتساب الأول غير مربوط بالاكتساب الثاني.

[ 442 ]

[ ولعل الأصح هو الأول، والمقصود أن ظهور أول الربح أول السنة، من غير فرق بين أرباح النوع الأول من الاكتساب وغيره، وبين كون الأول حصول الفائدة قهرا والثاني كان بالاكتساب أو بالعكس *. الثالثة والثلاثون: المتداول بين الأمامية رضوان الله عليهم الاعتبار بالسنة الجعلية. ويمكن القول بحصولها بأداء الخمس في وسط السنة، وحينئذ يجوز ] وهذا غير موافق للمكاتبة الحاكمة بنصف السدس في مجموع غلات الضيعة في كل عام مع التوجه إلى أن اكتساب الحبوب مبدأها قبل اكتساب الزراعات الشتوية. وهذا أيضا دليل على أن الملاك هو حصول الفائدة، وحصولها بالاكتساب أو بغيره لا دخل له في الحكم أصلا، وحينئذ مبدأ حصول الربح بما هو ربح مبدأ السنة بالنسبة إلى كل ربح يحصل له في السنة. هذا. مع أن في مورد المكاتبة قد يحصل لصاحب الضيعة فوائد غير مكتسبة من ضيعته، كالأحطاب والمراتع والنباتات الخارجة بنفسها من غير قصد المستخرج منها الكتيرا والكز. وصرف وجود الجامع القريب لكل ذلك من باب أنه محصول الضيعة لا يوجب بنظر العرف فرقا، فإن من يكون كاتبا في شركة تجارية ويتجر هو بنفسه يكون أيضا موضوعا لجامع قريب، وهو أن مجموع فوائده من المحل الخاص، خصوصا إذا كان له فوائد غير مقصودة، كأن يعطي بعض المشترين إنعاما له في تلك الموارد. * لما تقدم في التعليق السابق من الأيرادات الخمسة على مسلك الشيخ قدس سره. ونزيد ذلك وضوحا للاندماج وكثرة الابتلاء أن ما ذكرناه مطابق لظاهر المكاتبة في قوله عليه السلام: (فأما الذي اوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو

[ 443 ]

[... ] نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته) بعد التوجه إلى ما قدمناه من اختلاف محصول الضيعة من حيث مبدأ الاكتساب وظهور الربح ومن حيث الحصول بالاكتساب وغيره، فإنه يصدق قطعا في العرف إذا اخرجت مؤونته بعد ظهور أول المحصول إلى رأس السنة وأدى نصف السدس أنه امتثل إيجاب الأمام عليه السلام، ويستفاد منه قطعا أنه ليس لكل نوع من الاكتساب أو للفائدة الحاصلة قهرا سنة مستقلة. وهو الذي يستفاد من عموم وجوب الخمس في كل ما استفاد من قليل أو كثير (1) أو في الغنائم (2) بعد التقيد بالمؤونة الظاهرة في السنة، فإن الموضوع عرفا حينئذ مجموع ربح السنة، فإنه الذي يستثنى منه مؤونة السنة، وهو يتحقق بأول مصداق الربح إن لم يزد عليه، وإن زاد عليه فالمفهوم باق بحاله وإنما الزيادة في المصداق، فافهم وتأمل. وهو المستفاد مما ورد في التاجر والصانع (3)، كما لا يخفى. وهنا توجيهات اخر للاعتبار بأول الاكتساب نذكرها ونذكر ما فيها: منها: أن ذلك من جهة أن مؤونة الربح تستثنى منه. وفيه: ما عرفت من أنه غير مربوط بالسنة حتى يكون ذلك ملاكا لمبدئها. ومنها: أن الظاهر استثناء مؤونة الربح، وهي من أول الشروع في الاكتساب، فإن السنة من أول الشروع في اكتساب الربح يكون سنة الربح، ومقتضى الدليل استثناء مؤونة سنة الربح. وفيه أولا: أن إطلاق سنة الربح عليه بصرف الشروع في مقدماته غير واضح. وثانيا: أن الظاهر أن الخارج هو المؤونة بعد الربح وتعلق الخمس إلى السنة.


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 338 الباب 2. (3) مثل ما في المصدر: ص 348 ح 3 من ب 8.

[ 444 ]

[ له تأخير خمس باقى الربح إلى رأس السنة الجديدة *، فهل تستثنى منه ] وثالثا: أنه لو كان مبدأ السنة من حين الاكتساب فلا يقتضي أن تكون المؤونة من حينه إذا كان ظاهرا في استثناء مؤونة ما بعد الربح إلى آخر سنة الربح فاللازم هو الاعتبار بسنة الاكتساب في عدم جواز التأخير من دون احتساب مؤونة حال الاكتساب، وذلك وجه آخر في المسألة لم يقل به أحد، وهو مخالف لما دل على أن الخمس بعد المؤونة (1)، كما لا يخفى. ومنها: أن يقال إنه الظاهر من قوله: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال عليه السلام (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (3) حيث إن المنصرف إليه بعد مؤونتهم من حين التجارة والصناعة. وفيه: منع الظهور أصلا، إذ الظاهر من الكلام صدرا وذيلا أن الخمس في كل ما استفيد من قليل أو كثير، فالمقصود من التاجر: الذي يستفيد المال في التجارة، ومن الصانع: الذي يستفيده بالصناعة، وأنه لا ينحصر بغنائم دار الحرب أو بالجوائز الخطيرة مثلا. * وذلك لأن مبدأ السنة جاء من قبل المؤونة، والمؤونة مستثناة مع فرض اقتضاء دليل الخمس للوجوب، وبعد الأداء لا يكون الربح السابق متعلقا للخمس حتى يستثنى منه المؤونة وحتى لا يجوز التأخير من ابتداء ذلك، فإعطاء خمس الربح السابق في حكم عدم الربح أو وجود الربح غير المتعلق للخمس، ولا فرق بينه وبينهما في عدم كون السابق متعلقا للخمس. إن قلت: قبل الأداء قد تعلق به الخمس مع استثناء مجموع المؤونة من مجموع الربح من أول الربح، فسقوط الخمس بالنسبة إلى ما أداه لا يقتضي سقوط


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 348 ح 3 من ب 8.

[ 445 ]

[ المؤونة التي حصلت في الخارج - قليلا كان أو كثيرا - أو تستثنى المؤونة الخارجية إذا كانت بقدر المجموع أو أقل دون الكثيرة الخارجة عن مقدار المجموع، أو يستثنى مطلقا مقدار المجموع، أو لا تستثنى المؤونة أصلا؟ وجوه، الأحوط هو الأخير *. ومن مصاديق الأداء أن يأخذ المستحق تملكا ويقرضه على المالك * *. ] السنة عن الاعتبار بالنسبة إلى حساب المؤونة بالنسبة إلى مجموع السنة من أول الربح، المستلزم لجواز التأخير إلى تمام الحول الأول. قلت: إن كان المستثنى منه هو الربح الذي تعلق به الخمس فعلا أو يتعلق به بعد ذلك بحسب الجعل الأول ولو لم يكن واجبا فعلا فالأمر كما ذكر، لكن القدر المتيقن من الاستثناء إنما هو بالنسبة إلى ما هو واجب فعلا أو يجب بعد ذلك، لا ما كان واجبا وقد سقط وجوبه، فالحكم بحساب المؤونة من المجموع الشامل للربح الأول إنما هو ما دام كون وصف الوجوب باقيا، فعلى هذا فالمؤونة تستثنى وتقدر بعد الأداء من حين الربح الجديد. * أما كون ذلك على وفق الاحتياط فواضح، وأما لزوم ذلك الاحتياط فلأنه بعد فرض انصراف المؤونة إلى مجموع مؤونة السنة بشرط البقاء على وصف الوجوب أو حدوث الوجوب بعد ذلك لا دليل على استثناء المؤونة مما أداه وسقط به وجوبه، ووجود إطلاق يدل على استثناء المؤونة بحيث يقتضي مؤونة السنة لمن لم يؤد خمسه إلى آخر السنة ومؤونة الشخص في غير ذلك إلى زمان الأداء غير واضح، مع أن الحكم بأن مؤونة ذلك الربح بخارجيته مستثناة على تقدير الأداء في ذلك الوقت والمجموع مستثنى منه بالنسبة على تقدير عدم الأداء لا يخلو عما يستحيل، لأن الكسر عن المجموع إن أداه خمسا كان خمسا، فتأمل. * * من غير فرق بين النصف الذي للهاشمي والنصف الذي للأمام عليه السلام، بناء

[ 446 ]

[ وهل تحصل السنة الجعلية بالمصالحة مع الحاكم الشرعي؟ * لا يبعد ذلك إذا اطمأن الحاكم بجواز ذلك له من باب رضا الأمام عليه السلام، فإنه ولي السهمين، وكان جائزا للمالك الأخذ بما يطمئن به الحاكم. وأما بالقبض والأقباض من الحاكم الشرعي بعنوان الخمس - بأن يأخذ من باب الخمس ويقرضه أيضا بعنوان أن يكون الخمس على ذمته - فحصول السنة الجعلية محل إشكال * *. ] على حصول الملكية للمستحق بالأخذ بعنوان التملك أو بالأخذ بعنوان الصرف في مصارفه المتوقفة على التصرفات المتوقفة على الملكية. * كما يظهر من المنهاج للسيد الفقيه الحكيم قدس سره في المسألة 34. ولكن لابد من تقييد ما ذكر بأمرين: أحدهما الاطمينان برضاه عليه السلام للحاكم بذلك، وذلك لا يحصل لا سيما بالنسبة إلى سهم السادة الفقراء إلا بجعل شئ على المالك لهم. ثانيهما حجية نظره للحاكم بالنسبة إلى تكليف المالك. والعجب إطلاقه الحكم في ذلك وحكمه في المسألة 73 بأن الأحوط لزوما مراجعة المرجع العام المطلع على الجهات العامة. وهو أيضا محل إشكال، إذ من يجوز تقليده نظره حجة على المالك وإن لم يكن مرجعا عاما، فإنه مع فرض العدالة وحجية نظره يراعي ذلك أيضا إن رأى دخالته في رضا الأمام عليه السلام. * * وجه الأشكال أن فيه وجهان، من جهة انقطاع دليل الخمس بالنسبة إلى الأرباح الخارجية المحددة بالسنة واستثناء المؤونة، فالأرباح الحاصلة بعد ذلك مبدأ لشمول دليل الخمس، فالسنة تلاحظ منه، ومن جهة أن الدليل وإن فرض قطعه إلا أن إعطاءه بعنوان الخمس بعد ذلك بمنزلة إدخاله في دليل الخمس، كما في سائر الأحكام بالنسبة إلى الخمس وسائر الأحكام بالنسبة إلى الحقوق الاخر،

[ 447 ]

[ وكذا إذا صالح الحاكم على انتقال الخمس من العين إلى الذمة *. ومن ذلك يظهر أن نقل الخمس من العين إلى ذمة المالك لا يتوقف على القبض والأقباض، بل يحصل بالمصالحة مع الحاكم فيصير الخمس على ذمة المالك. كما أنه يمكن القول بجواز تمليك شخص من يستحق التملك من الهاشمي الفقير من دون القبض والأقباض ثم المصالحة معه بالذمة بعد قبوله فيصير ما في ذمة المالك للشخص المذكور. وكذا مستحق التمليك من السهم المبارك * *. وهنا قسم ثالث وهو المصالحة أو القبض والأقباض القرضي بعنوان فمقتضاه كونه كما في الخارج. ] * لعين ما ذكر، بل هو أقل إشكالا من جهة قطع البدلية في جميع الأحكام في الأول عند إعطائه للحاكم، إذ لا معنى لاستثناء المؤونة وجواز التأخير ووجوب الأداء بالنسبة إليه، وإن أمكن الجواب عنه بأنه حين الأعطاء إلى المالك بعنوان الخمس يعود الأحكام بعنوان المعاملة، كما لا يخفى. وهذا الأشكال غير جار في الصورة الثانية. * * وحينئذ لا يتوقف النقل إلى الذمة - على وجه الخمس أو على وجه الملكية للشخص - على القبض والأقباض المعمولين في زماننا، فإن الحاكم إن كان مستحقا للأخذ فله حق أن يصالح من دون القبض والأقباض. وما في بعض الأدلة من عنوان الأعطاء فليس إلا من باب لزوم إعطاء الحق على الظاهر، وليس للأعطاء موضوعية. وإن شك في ذلك ففي إطلاق باقي أدلة الخمس التي منها الاية الشريفة كفاية في إلقاء خصوصية الأعطاء.

[ 448 ]

[ ملكية المصرف *. والظاهر حصول السنة الجعلية بذلك أيضا * *. الرابعة والثلاثون: المدار في الحول هل هو القمرية مطلقا * * * أو الشمسية كذلك (أي من غير فرق على كلا الوجهين بين الأداء في رأس السنة الشمسية أيضا فلا تنقلب إليها على الأول، أو الأداء في رأس السنة القمرية التي قبل الشمسية فلا تنقلب إلى القمرية بذلك، ومن غير ] * من عموم السادات والأمام عليه السلام من دون أن يكون بعنوان الخمس حتى يجري عليه أحكام الخمس: من إخراج المؤونة منه، وجواز التأخير إلى آخر السنة، ووجوب الأداء بعدها، ولزوم قصد التقرب في الأداء. * * وذلك لانقطاع دليل الخمس وانقطاع ما يحكم بكونه بحكم الخمس الموجود في الخارج - من دليل البدلية وصحة المعاملة - فدليل الخمس مبدأه من حين الربح الجديد أو من السنة الجديدة. * * * كما قيل: إنه الظاهر من الأصحاب، كما في جامع المدارك (1) للفقيه الخوانساري دام ظله. وفي السرائر التصريح بأن الخمس بعد إخراج مؤونة السنة الهلالية (2). وفي جامع الفروع - المطابق لفتاوى الفقيه الطباطبائي البروجردي قدس سره - ما ترجمته: إنه لا يبعد أن يكون المعتبر في باب الخمس السنة الشمسية (3). وربما يدل على الأول وضوح أن السنة والعام في عصر صدور الروايات لم يكن يعرف إلا السنة القمرية، فإن جميع كتب التواريخ والسير والقرآن الكريم - المشير إلى الأشهر الحرم وشهر رمضان وأشهر الحج - والأدعية والزيارات والصيام المستحبة شاهدة على ذلك. ومن ذلك الشواهد الكثيرة ما في هذا الباب من مكاتبة علي بن مهزيار، وفيها:


(1) ج 2 ص 119. (2) السرائر: ج 1 ص 489. (3) جامع الفروع: كتاب الخمس، المسألة 10 من الفصل الثاني من الباب الأول.

[ 449 ]

[ فرق بين أنحاء الربح مما يكون مداره على البروج الشمسية - كالزراعات - وغير ذلك) * أو يفصل بين ما إذا كان الربح الحاصل له ] (إن الذي أوجبت في سنتي هذه وهذه سنة عشرين ومائتين) (1). وهو بنفسه موجب لانصراف العام والحول - المكرر في تلك المكاتبة الشريفة - إلى القمرية، ولعله لشدة وضوحه لم يتعرض له الأصحاب، ومن تعرض له - كما في السرائر - لم يشر إلى احتمال غيره. * والوجه في ذلك أولا: أنه الظاهر من جميع ما يدل على استثناء المؤونة الشامل لمؤونة العيال كصحيح البزنطي على ما بيناه، فإن من حصل له زرعه في أول محرم الحرام وكان أول الخريف مثلا فمحرم الحرام الاتي الذي هو قبل حصول زرعه بعشرة أيام لم تتم مؤونة سنته أي المؤونة التي يتحصل الربح لأجل الصرف فيها. وثانيا: أن ما ورد في خصوص الزرع ظاهر في المؤونة المنطبقة على سنته الزراعية بلا إشكال، كخبر النيشابوري الوارد في ستين كرا من الحنطة (2). وثالثا: أنه لو كانت أرباحه الزراعية زائدة على مؤونته - في المثال المتقدم - من أول المحرم إلى ذلك الوقت ولم تكن كافية لها إلى أول حصول الزراعة فهذا ممن لا تقوم ضيعته بمؤونته مع أن مقتضى كون السنة قمرية وجوب الخمس. ورابعا: لو بني على السنة القمرية وكان ابتداء الخمس في السنة الاتية من ظهور الربح إلى سنة قمرية اخرى فاللازم تغير السنة القمرية في كل سنة مثل


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 2 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 450 ]

[... ] الزرع، وهو خلاف المقطوع من السيرة بين الأمامية، ولو بني على الاستقرار في وقت واحد فقد يفترق بين مبدأ الربح والسنة القمرية بأشهر كثيرة - كالسبعة والثمانية بل أزيد - وحينئذ لازمه وجوب الخمس في السنة التي كان الفرق بينهما كذلك على من تفي ضيعته من ابتداء ظهور الربح إلى السنة القمرية وكانت له زيادة مع عدم وفائها بباقي مؤونته إلى ظهور الربح - وهو الأشهر السبعة أو الثمانية - وهو مستنكر جدا. وليس في البين ما يوجب جعل السنة هي القمرية إلا مكاتبة علي بن مهزيار (1). والأنصاف أنه لا ظهور لها في ذلك، من جهة أن العام المذكور في قوله عليه السلام (فهي واجبة عليهم في كل عام) وفي قوله: (فأما الذي اوجب من الضياع والغلات في كل عام) وفي قوله: (وإنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول) كل ذلك في قبال ما نبه عليه السلام عليه في الصدر بقوله: (إن الذي أوجبت في سنتي هذه وهذه سنة عشرين ومائتين)، فالعام بحسب الظاهر هو العام القمري الذي في قبال العام المذكور في الصدر أي في كل من السنين الاخر التي تكون من هذا القبيل الذي أوله محرم الحرام وآخره ذو الحجة أي لا يكون جميع السنين ظرفا للتحليل بالنسبة إلى جميع الفوائد الاخر غير ما ذكره عليه السلام، وليس العام ظرفا للتحليل بالنسبة إلى الذهب والفضة التي حال عليهما الحول، وهذا غير مربوط بالسنة القمرية التي تكون لأصحاب الأرباح أو الشمسية التي تكون لهم، فإنه ليس المقصود أن كل من يعطي الخمس لابد أن تكون سنته من ابتداء محرم الحرام ولو كان ربحه أول ذي الحجة مثلا، كما هو واضح. ويوضح ذلك أيضا قوله عليه السلام:


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 451 ]

[ على الحساب الشمسي وبين ما إذا كان على الحساب القمري، فالأول كالزراعات وما يعطى من الاجرة على حساب البروج الشمسية، ] (وإنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول). فإنه ليس الحول هو عين السنة التي ذكره عليه السلام في الصدر، وإلا لم يحل عليه الحول، لأن المفروض أن سنة عشرين ومائتين لم تتم بعد. نعم، يبقى الكلام بالنسبة إلى قوله عليه السلام (قد حال عليهما الحول) الظاهر في القمري قطعا، فإن المستفاد منه لزوم مضي الحول القمري. والجواب عنه بوجوه: الأول: أنه طريق إلى الشمسي المجهول تحققه عند العامة، فإن حلول الحول القمري إذا صار متيقنا مع أن من الواضح عدم كتابة تاريخ لذلك ملازم لحلول الحول الشمسي، كما أن جعل اثنى عشر من الدور القمري سنة بلحاظ أنه سنة شمسية تقريبية، وإلا لا وجه لذلك. الثاني: أن يقال: إن مقتضى الجمع بينه وبين أدلة استثناء المؤونة أن الحول لاستثناء المؤونة، فهي بمنزلة التعليل لاشتراط الحول، فحيث إن ظهور التعليل حاكم بالنسبة إلى المعلل له يحكم بأن المقصود هو الحول الشمسي، فتأمل. الثالث: أن يقال: إن مضي الحول القمري لا ينافي كون الاعتبار بالشمسي من حيث المؤونة، ففي الخمس شرطان: أحدهما مضي الحول القمري. الثاني استثناء المؤونة المنطبقة على السنة الشمسية، وليس أحد الشرطين مغنيا عن الاخر، فإنه قد لا يكون له مؤونة أصلا حتى تستثنى، فله التأخير إلى حلول الحول القمري، بناء على إلقاء الخصوصية عن الذهب والفضة وإسراء الحكم إلى كل ربح مضى عليه حول ولم يصرف في المؤونة.

[ 452 ]

[ والثاني كمن يؤجر دارا على حساب الأشهر القمرية *، أو يقال بكفاية التقدير بكل من السنتين؟ * * وجوه، ولعل الأقرب هو الأخير، وهو العالم. ] * وذلك من باب أن يقال: إن المؤونة المستثناة من الربح هي التي يستربح لها، فعلى هذا فالزارع يزرع لصرف محصولها في مؤونته إلى حصول الربح، وأما من يؤجر داره أو يكون أجيرا بحساب الأشهر القمرية فليس الربح الذي يستربح في السنة القمرية للصرف في مؤونته بعد انقضائها، فإن له ربحا آخر يصرف في مؤونته، وفي حكم ذلك من كان أجيرا لكل يوم أو التاجر الذي هو بحكم من يكون أجيرا يوما فيوما. لكن مقتضى ذلك مع قطع النظر عن المكاتبة الظاهرة في عدم وجوب الخمس كل يوم أو كل شهر: وجوب الخمس في كل يوم لمن يأخذ الاجرة كذلك وفي كل شهر قمري لمن يأخذ الاجرة في كل شهر، ولو كان ذلك مفهوما من أخبار المؤونة لفزعوا منه ولكثر السؤال عنه. فهذا دليل على أنه ليست المؤونة المستثناة هي المقدرة بالأضافة إلى الربح المقصود به الصرف في المؤونة، بل المراد بالمؤونة هي ما يحتاج إليها بحسب الفصول الأربعة من وسائل الدفاع عن البرد في الشتاء والدفاع عن الحر في الصيف والاحتياج إلى الفواكه في الربيع والصيف وغير ذلك، وذلك لا ينطبق إلا على السنة الشمسية، فلا ريب أن مقتضى ظاهر الدليل من حيث تقدير المؤونة هي السنة الشمسية. * * أما الشمسية فلأنها مقتضى ظواهر استثناء المؤونة التي أساسها ما يحتاج إليها بحسب اختلاف الفصول التي لا دخالة للشهور القمرية في ذلك. وأما القمرية فلأنها هي التي قد قامت عليها السيرة القطعية المستمرة إلى عصر الأئمة المعصومين عليهم السلام بلا إشكال، مع كون الشهور القمرية وأيامها معروفة عند الناس بواسطة رمضان وأشهر الحج والأيام المتبركة التي لها مراسم في عرف المتشرعة

[ 453 ]

[ الخامسة والثلاثون: من كان استرباحه في سنة وصرف ما استفاده في سنتين فقد يشكل في كون حوله سنة واحدة قمرية أو شمسية *، ولعل الظاهر هو وجوب الخمس في رأس السنة من دون انتظار الربح الجديد لكن بشرط أن يكون شغله وافيا بمؤونته في السنين الاتية، ] المأخوذة من مصادر التشريع - كالغدير والمولود والمبعث والعاشوراء وغير ذلك من الوفيات والأعياد وما ورد فيه العبادات من رجب وشعبان وغيرهما - وكون ذلك مفروغا عنه في كلامهم بحيث لم يتعرضوا لذلك، مع كون الدورات الاثنى عشرية القمرية مطابقة تقريبا للدور الواحد الشمسي، فهي وافية بالمسامحة بالمؤونة المحتاجة إليها بحسب الفصول، مع أنه لو كان الملاك هي الشمسية بالخصوص لم يكن عند العامة في الأعصار القديمة مبانا بالخصوص، فوقت ظهور الحنطة مثلا أو الشعير ليس وقتا معينا ويوما معينا بالخصوص، فالتسامح فيه واقع لا محالة، ومع جعل السنة قمرية لا تتخلف عن الشمسية إلا بأيام قلائل لابد من التسامح فيها على كل حال. * كما في مصباح الفقيه، فإنه قال ما ملخصه أنه: يشكل في ما لو كان له ضيعة تفيده في سنة دون سنة فيزرع سنة ويعطل سنة لأن يكمل استعدادها، فإنه لو قيل إنها تفي بمؤونته لا يراد منه مؤونة السنة بل سنتين، فإن معنى وفائها بمؤونته: استغناؤه بفائدتها في معاشه على الأطلاق (1). انتهى. أقول: ومثله التاجر الذي يسافر في طريق الاسترباح في سنة ولا يقدر على المسافرة في كل سنة، وذلك أيضا قد يفي ربحه المستفاد من سنة واحدة مثلا


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 130 .

[ 454 ]

[... ] لسنتين وقد لا يفي لذلك، وعلى كل حال قد يكون الوصف المذكور من طبيعة شغله - كأن تكون ضيعته لا تستقيم إلا بذلك - وقد لا يكون كذلك، بل الاكتفاء بسنة واحدة لسنتين مثلا من باب كفاية ذلك لمؤونته في طولهما أو مع عدم الكفاية وتتميم المؤونة من غير شغله، كالأخذ من أبيه أو التعيش من تركة أبيه أو من ماله الذي كان له قبل ذلك. وعلى الأخير قد يكون فقيرا في السنة التالية - فيحتاج إلى الصدقات أو إنفاق من يجب عليه نفقته بشرط الفقر - أو لا. وفي جميع ذلك قد يمكن أن يقال: إن المؤونة المستثناة هي المقدرة بالربح الذي يستفاد ويستخرج عرفا لتلك المؤونة، ففي مثل الضيعة المذكورة يستربح في سنة لمؤونة سنتين، والسنة ليست في أكثر الروايات، بل هي مستخرجة من استثناء المؤونة، فهي تتقدر بمقدار استثنائها، فإذا فرض أن المؤونة المستثناة هي الربح الذي يستفاد لتلك المؤونة فلابد من جواز تأخير الخمس إلى آن حصول الربح الذي هو في الفرض في السنة الثانية إذا كان زائدا على مؤونة سنتين، وعدم وجوب الخمس أصلا إذا لم يف بها. ولكن فيه: أنه ليس هذا مفاد الدليل، إذ لو كان ذلك مفاده لوجب الخمس في كل يوم لمن يستربح في كل يوم لمؤونة ذلك اليوم، وفي كل شهر لمن كان ربحه في كل شهر من اجرة بيته أو اجرة شغله كما هو المتعارف في هذه العصور في الأدارات والشركات والمؤسسات. وهذا مما يقطع بخلافه. ويمكن أن يقال - أيضا - بما هو ظاهر إطلاق كلمات الأصحاب من حساب الربح إذا تمت السنة وإعطاء خمسه بعد استثناء مؤونة سنته مطلقا ولو كان ما بقي من ربحه غير واف بمؤونة سنته الثانية. والوجه في ذلك أن مثل قوله عليه السلام (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) لا يراد به مؤونة اليوم ولا الشهر ولا العمر بالضرورة ولا المؤونة من الربح إلى الربح، فلابد أن

[ 455 ]

[... ] يكون المقصود مؤونة السنة، فالواجب هو الخمس بعد ذلك، من غير تأثير لمؤونة السنة اللاحقة في ذلك. وهذا أيضا مشكل جدا لأمرين: أحدهما: أنه مخالف لظاهر مكاتبة علي بن مهزيار من إيجابه نصف السدس الذي هو المحلل من الخمس بلا إشكال، كما هو صريح معتبر الهمداني أقرأني علي كتاب أبيك إلى قوله عليه السلام: (عليه الخمس بعد مؤونته ومؤنة عياله) (1) في تلك المكاتبة أن الذي يجب عليه الخمس من يقوم ضيعته بمؤونته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف السدس ولا غير ذلك. ثانيهما: انصراف مثل خبر أبي علي بن راشد في (والتاجر عليه والصانع بيده) (2) إلى ما يزيد عن مؤونة سنته إذا كان له شغل أو ضيعة تقوم بمؤونة سنواته اللاحقة. والوجه في الانصراف المذكور أن الانصراف إلى السنة من باب تشابه السنين نوعا من حيث الاحتياجات الصيفية والشتائية ومن حيث الاسترباحات التي ربما تدور مدار ذلك، فاستثناء مؤونة السنة طريق عرفا إلى وفاء شغله أو ضيعته أو تجارته بمؤونة سنواته اللاحقة ما دام له هذا الشغل، ولا داعي له إلى ترك شغله إذا كان كذلك إلا إلى شغل يكون أوفى بمعيشته من ذلك الشغل، فالمظنون وفاء شغله بمؤونة سنواته الاتية، فلا يحكم بوجوب الخمس إذا كان عالما بأنه يتم شغله في تلك السنة وليس له شغل في السنين الاتية، ولا يقاس تلك السنة بالسنة اللاحقة من حيث الشغل أو من حيث المؤونة.


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 4 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 348 ح 3.

[ 456 ]

[ أو كانت مؤونته موجودة من ماله السابق من إرث أو كسب *. ] ويمكن تقريب ذلك بوجه آخر، وهو الأولوية، فإنه إذا فرض استثناء المؤونة الخارجية للسنة الاولى من الربح مع كون الربح الحاصل فيها كافيا لمؤونة سنين متمادية أو كان له مال كثير مع قطع النظر عن الربح الحاصل له فعدم وجوب الخمس إذا كان بحيث إذا أدى الخمس يصير محتاجا إلى الاستعطاء أولى من دون شبهة، فما عن ظاهر إطلاق الأصحاب لا يوافق الأدلة، وكأنهم لا يقصدون بذلك الأطلاق حتى في المورد المذكور. ويمكن أن يقال أيضا بالتقسيط، بأن يقسط الربح على السنتين في المثال ويعطي خمس ما يقع في قبال السنة الاولى في رأس السنة وخمس الباقي بعد تمامية السنة الاخرى. والوجه في ذلك تقدير المؤونة بالربح الذي يستفاد لهما في سنة، فيقدر المؤونة بأمرين: أحدهما الربح والاخر السنة. والأنصاف أن استفادة القيدين في المؤونة المستثناة مشكل جدا وخلاف إطلاق مثل المكاتبة. * وهو الوجه الرابع، لا الوجوه المتقدمة في التعليق السابق: من وجوب أداء الخمس بالنسبة إلى جميع الربح حين حلول الحول مطلقا، أو تأخير الخمس إلى السنة الثانية، أو التقسيط. وقد ظهر مما مر وجه ذلك، وعمدته الأمران: أحدهما أن مقتضى إطلاق المكاتبة اشتراط أن تكون له مؤونة بالنسبة إلى سنواته الاتية. ثانيهما انصراف باقي أدلة استثناء المؤونة إلى ذلك، وقد مر تقريبه في التعليق المتقدم، وقد عرفت له وجها ثالثا وهو الأولوية. إن قلت: مقتضى وجوب الخمس - بحسب المكاتبة - في الذهب والفضة التي

[ 457 ]

[ السادسة والثلاثون: لو أدى خمسه في رأس السنة وتأخر الاسترباح عنها فالسنة الجديدة هل هي من انقضاء السنة الاولى أو من أول الربح؟ وجهان *. ] حال عليهما الحول وإلقاء الخصوصية عن ذلك: لزوم خمس مجموع الربح بصرف حلول الحول. قلت: المكاتبة لا تدل إلا على اشتراط الحول في الوجوب الفوري، ولا تدل على عدم شرط آخر، وهو استثناء المؤونة الخارجية منهما إن كانا من ربح تلك السنة، واشتراط وجود المؤونة له بعد ذلك إذا أدى الخمس كما هو الغالب في من يكنز الذهب والفضة. * أما وجه كونه من أول الربح فلأنه بعد الأداء ليس في البين دليل الخمس حتى يحكم بأنه بعد المؤونة السنوية، فإذا تعلق الخمس - وزمانه حين ظهور الربح - فلا محالة يحكم بإخراجه من الربح الموجود إلى آخر السنة من حين التعلق أي من حين ظهور الربح، ولازمه عدم حساب المؤونة المتخللة بين آخر السنة الاولى وأول الربح من السنة الثانية، وجواز تأخير أداء خمس السنة الثانية إلى مضي السنة على حصول الربح منها، ووجوب أداء خمس الربح المتخلل بين آخر السنة المنقضية على السنة الاولى وبين مضي سنة على ظهور الربح من السنة الثانية في آخر السنة الثانية المنقضية على ظهور الربح في السنة الثانية. وأما وجه كونه من أول السنة الثانية قبل ظهور الربح فلأنه مقتضى الجمع بين دليل وجوب الخمس الحاكم بوجوبه في كل ربح وما دل على استثناء مؤونة السنة الحاكم بأن الخمس في مجموع الربح الحاصل في كل سنة، فمجموع الربح الحاصل في السنة الاولى فرد من دليل الخمس، ومجموع الربح الحاصل في السنة الثانية فرد آخر منه. وفيه: أنه لا إشكال في ذلك، إلا أن الكلام في أن ابتداء السنة لمجموع الربح

[ 458 ]

[ ولعل الأوجه هو الأول *، لكن إذا كان شغله واحدا بحسب العرف، ] هل يكون بعد ظهور أول الربح أو من أول السنة المفروضة؟ فإن كان الأول فلابد أن يكون المجموع من حين ظهور الربح مصداقا لما يجب فيه الخمس. وإن كان المقصود مجموع الربح في السنة التي يشمله دليل الخمس ولو بنحو التعليق فاللازم أيضا وجوب الخمس في السنة الاولى من أول البلوغ أو أول الميلاد على الاختلاف في اشتراط البلوغ في الخمس وعدمه. 7 ويمكن أن يوجه ذلك - أي كونه من رأس السنة الاولى - بأن مقتضى مثل خبر أبي علي بن راشد: قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (1) أن المؤونة تحتسب في مقام تعلق الخمس، وحيث إنه لا تستثنى من ربح السنة الاولى لعدم خارجية المؤونة، والمؤونة المستثناة هي المؤونة الخارجية، فلابد من الاستثناء من ربح السنة الثانية. ويزيد ذلك وضوحا بناء على وضوح الاكتفاء بالسنة القمرية المستقرة، وقد يختلف ذلك مع الربح بأحد عشر شهرا أو أكثر، وبعد وضوح عدم استثناء المؤونة من ربح السنة السابقة - لعدم خارجيتها - فلابد من الحكم باستثنائه من السنة الثانية، وإلا كان في حكم عدم استثناء المؤونة أصلا، لأن استثناء مؤونة شهر أو أقل لا يصدق عليه أن الخمس بعد المؤونة، والظاهر أن ذلك ما دام تاجرا أو صانعا، فالابتداء من حين الشروع في الاستفادة بالتجارة أو الصناعة، فربح كل سنة من سنوات تجارته أو صناعته إذا كان زائدا على مؤونته الخارجية يجب فيها الخمس. * كما تقدم في بيان الوجهين واتضح وجهه.


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 459 ]

[ وأما لو أعرض عن شغله فلعل الظاهر أنه من حصول الربح الحاصل له من شغله الجديد *. ولكن لا يترك الاحتياط بعدم حساب المؤونة المتخللة بين رأس السنة التي أدى خمسها وبين الاسترباح أصلا وأداء الخمس في السنة الثانية بعد حلول الحول من حين أدائه في السنة الاولى وأداء خمس الربح المتخلل بين آخر السنة المنقضية على السنة الاولى وبين مضي سنة على أول حصول الربح من السنة الثانية. وحينئذ فيصير سنته من حين ظهور الربح في أول الثانية. السابعة والثلاثون: لا شبهة في التسامح في السنة في الجملة * *. ولكن لا يترك الاحتياط بعدم التأخير. ] * وذلك لأن القدر المتيقن من الدليل ما دام بقاء الشغل الأول، وبعد الأعراض عن الشغل السابق فلا حول له ولا يشمله مثل خبر أبي علي بن راشد، فافهم وتأمل فإنه لا يخلو عن دقة وغموض. * * وذلك لامور: منها: أنه ليست السنة موردا للاعتبار في الأخبار إلا في قوله عليه السلام في المكاتبة بالنسبة إلى الذهب والفضة الصريح في أن الشرط فيهما حلول الحول، فهي من باب أنها مورد للانصراف، والمنصرف إليها هي الأعم من السنة التسامحية والدقية. ومنها: أن ذلك ظاهر جدا بل يكون قريبا من الصراحة بالنسبة إلى ما ورد في الزراعة من المكاتبة وخبر النيشابوري، لوضوح أن سنتهم لم تكن بالدفتر وأمثاله، بل كان ذلك بحساب حصول الربح، ومن المعلوم اختلاف ظهور الربح في السنين بحسب المتعارف. ومنها: أن عدم التنبيه على لزوم الدقة في السنة - بجعلها أول رمضان أو عيد الفطر أو الأضحى أو أمثال ذلك - دليل قطعي على عدم لزوم الدقة.

[ 461 ]

[ الفصل الثاني في مصرف الخمس المشهور * أن الخمس يقسم ستة أقسام: ثلاثة للنبي صلى الله عليه وآله، وهي سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى - وهو صلى الله عليه وآله الأمام - وبعده للأمام القائم مقامه، وثلاثة للأيتام والمساكين وأبناء السبيل من أقاربه صلى الله عليه وآله * *. ] * في الجواهر: إنه المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في صريح الانتصار وظاهر الغنية وكشف الرموز أو صريحهما (1). * * في الجواهر: كتابا، وسنة مستفيضة جدا بل متواترة، وإجماعا بقسميه عليه، بل وعلى أن المراد بهم أقارب النبي صلى الله عليه وآله، لا مطلقا (1).


(1) الجواهر: ج 16 ص 84. (1) الجواهر: ج 16 ص 88.

[ 462 ]

[... ] أقول: فما حكم به المشهور ينحل إلى امور: الأول: تقسيم الخمس إلى ستة أقسام. الثاني: كون سهم الله لرسوله صلى الله عليه وآله، وكذا سهم ذي القربى حال حياته الثالث: كون السهام الثلاثة للأمام القائم مقامه صلى الله عليه وآله. الرابع: كون الثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أهل البيت. وما يمكن أن يستدل به للمشهور عدة من الأخبار: منها: موثق ابن بكير عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام في قول الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (1) قال: (خمس الله للأمام، وخمس الرسول للأمام، وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول: الأمام، واليتامى يتامى الرسول، والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم) (2). بيان دلالته على المشهور أن في قوله (واليتامى) احتمالين بحسب بادئ النظر: الأول - وهو الظاهر، بل لا يحتمل غيره بعد الدقة، ولا يلزم ما يلزم على الفرض الاخر - أن يكون (واليتامى) جملة مستقلة جيئت لتفسير باقي الاية الشريفة. الثاني أن يكون عطفا على الأمام، فيكون المقصود أن خمس ذوي القربى لقرابة الرسول صلى الله عليه وآله: الأمام واليتامى، أي يكون اليتامى من قرابة الرسول، ويكون خمس ذوي القربى للأمام واليتامى والمساكين وأبناء السبيل منهم.


(1) سورة الأنفال: 41. (2) الوسائل: ج 6 ص 356 ح 2 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 463 ]

[... ] وهذا مردود من وجوه: الأول: عدم نكتة لقوله (واليتامى يتامى الرسول)، فإن الأولى أن يقول: للأمام ويتامى آل الرسول والمساكين منهم وأبناء السبيل منهم، فلا وجه لتكرار كلمة (يتامى) ولا نكتة لقوله (والمساكين منهم). وهذا بخلاف الوجه الأول، فإنه مبني على تفسير ألفاظ الاية الشريفة، فيكون المعنى أن المقصود ب‍ (اليتامى) يتامى الرسول الخ. الثاني: أنه لو كان كل ذلك تفسيرا ل‍ (ذوي القربى) وبيانا لمصرف خمس ذوي القربى فلم يفسر باقي الاية وأنه ما المراد بالمساكين وأبناء السبيل واليتامى مع احتياج ذلك إلى التفسير، ولم يسأل الراوي عن ذلك، فمن المعلوم أن المستفاد أنه تفسير لباقي الاية. الثالث: أنه لو كان المراد بيان خمس ذوي القربى فعدم خروج خمس ذوي القربى إلى غيرهم ضروري مطابق لظاهر الاية بل نصها، فلم يكن محتاجا إلى التوضيح بقوله: (فلا يخرج منهم إلى غيرهم). الرابع: أن جعل بعض خمس ذوي القربى للأيتام والمساكين وأبناء السبيل من آل الرسول لا يسد خلتهم وليس مما يمن به من جانب الله عليهم بالاختصاص بهم، فإنه بعض السدس مع حرمانهم عن الزكاة. فكل ذلك موجب للاطمينان أو القطع بكون الجملة مستأنفة، وحينئذ يدل على مسلك المشهور: من تقسيم الخمس إلى ستة أقسام، وكون الثلاثة من الستة للأمام عليه السلام، وكون المراد بالأيتام والمساكين وأبناء السبيل الفرق الثلاثة من آل محمد عليهم السلام. نعم، لا يفي بأن السهام الثلاثة كانت للنبي صلى الله عليه وآله في عصره. هذا بحسب الدلالة.

[ 464 ]

[... ] وأما بحسب السند فحيث إن ابن بكير مورد لنقل إجماع الكشي وما ارسل عنه عنونه ببعض أصحابه المشتمل على المدح فلا يخلو عن الاعتبار. ومنها: مرسل حماد الطويل الذي أيضا يكون بحكم الصحيح أو الحسن، لكون المرسل مثل حماد بن عيسى الذي هو من أصحاب الأجماع، وله خصوصية في الدقة مذكورة في الكتب، فإنه نقل النجاشي عنه أنه قال: (سمعت من أبي عبد الله عليه السلام سبعين حديثا فلم أزل ادخل الشك على نفسي حتى اقتصرت على هذه العشرين) (1). هذا، مع توصيفه الواسطة ببعض أصحابنا، وفيه: (ويقسم بينهم (2) الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسول الله صلى الله عليه وآله، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فسهم الله وسهم رسول الله لاولي الأمر من بعد رسول الله وراثة، وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، وله نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم) (3). وهو كالأول في الدلالة على الجهات المتقدمة في كلام المشهور: من التقسيم إلى الستة، وكون السهام الثلاثة للأمام، وكون المراد باليتامى والمساكين وأبناء


(1) رجال النجاشي: ص 142 تحت الرقم 370. (2) أي (بين من جعله الله له تعالى) على ما يستفاد من الصدر. منه قدس سره. (3) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 465 ]

السبيل خصوص قرابة الرسول صلى الله عليه وآله. ومثله ساكت عن سهم ذي القربى في زمان الرسول صلى الله عليه وآله إلا أنه أصرح - كما لا يخفى - في الجهات الثلاثة المذكورة. ولا يخفى أن كون سهم الله تعالى للأمام وراثة مشعر أو ظاهر في أن الأمام عليه السلام لا يتلقى سهم الله منه تعالى، بل يتلقى من النبي صلى الله عليه وآله، وهو منه تعالى. ومنها: مرفوع أحمد بن محمد. والظاهر أنه ابن محمد بن عيسى الأشعري الدقيق في النقل، وذلك لأن سند الشيخ قدس سره إلى الأشعري يكون بتوسيط محمد بن الحسن الصفار، وأما سنده إلى أحمد بن محمد بن خالد فليس بتوسيط الصفار، وحيث إن الخبر عن الشيخ قدس سره بإسناده عن الصفار عنه فهو الأشعري بحسب الظاهر، وحينئذ فلا يبعد اعتباره أيضا ولو كان مرسلا مرفوعا، كما لا يخفى على من له اطلاع على سيرة الأشعري في دقته في الصدق ونهيه عن شيوع الأكاذيب. وفيه: (فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول صلى الله عليه وآله، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فالذي لله فلرسول الله، فرسول الله أحق به فهو له خاصة، والذي للرسول هو لذي القربى والحجة في زمانه، فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد عليهم السلام الذي لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس) (1). ودلالته على الجهات الثلاثة واضحة، بل يمكن الاستدلال به على أن السهمين الاخرين كانا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وهما لذي القربى، فالنصف لحجة في


(1) الوسائل: ج 6 ص 359 ح 9 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 466 ]

[... ] زمانه من باب أن ما لرسول الله صلى الله عليه وآله فهو للحجة في زمانه. وفي قومه (والحجة في زمانه) ربما يكون إشعار بأن ذي القربى مالك للسهم من باب أنه الحجة في زمانه. وبذلك يستدل على ما حكم به المشهور في ظاهر كلامهم من أن سهم ذي القربى كان للرسول صلى الله عليه وآله أيضا في عصره من باب أنه للحجة، وهو صلى الله عليه وآله الحجة في زمانه. ومنها: ما من علي عليه السلام - وسنده غير ثابت الاعتبار ولابد من التتبع في ذلك - وفيه: (ويجري هذا الخمس على ستة أجزاء، فيأخذ الأمام منها سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى، ثم يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد صلى الله عليه وآله و وهذا ظاهر في الجهات الثلاثة المتقدمة التي يقتضيها كلام المشهور. لكن قد يخالف ذلك بعض الأخبار، كخبر زكريا بن مالك الجعفي الذي يمكن الحكم باعتباره من وجوه، أحدها: نقل صفوان بن يحيى عن عبد الله بن مسكان عنه، وهما من أصحاب الأجماع. ثانيها: كون زكريا ممن يروي عنه في الفقيه وذكر سنده في المشيخة، فهو ممن يصل إليه السند، وليس في الطريق الذي ربما لا يكون دليلا على الوثوق به، لأن الكتاب كان معلوم الانتساب إلى صاحبه. ثالثها: رواية أبان عنه، وهو أيضا من أصحاب الأجماع، بناء على اتحاد زكريا بن مالك الجعفي لزكريا النقاض كما صرح بذلك الصدوق قدس سره في المشيخة، فراجع تنقيح المقال في ترجمة (زكريا بن مالك الجعفي). قال: إنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل:


() الوسائل: ج 6 ص 360 ح 12 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 467 ]

[... ] واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (1) فقال: (أما خمس الله عزوجل فللرسول يضعه في سبيل الله، وأما خمس الرسول فلأقاربه، وخمس ذوي القربى فهم أقرباؤه وحدها، واليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة أسهم فيهم، وأما المساكين وابن السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة ولا تحل لنا، فهي للمساكين وأبناء السبيل) (2). فإنه وإن كان موافقا للمشهور في التقسيم إلى الأقسام الستة إلا أنه يخالفه في أمرين: أحدهما: جعل خمس الرسول - الذي هو يشتمل على خمس الله تعالى لقوله بعد ذلك: (فجعل هذه الأربعة أسهم فيهم) - لمطلق أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وخص اليتامى بسهم فقط وخص اليتامى بيتامى الرسول صلى الله عليه وآله. ثانيهما: من حيث ظهوره في كون المساكين وأبناء السبيل غيرهم. ووجه الظهور في ذلك امور: منها: قوله (فجعل هذه الأربعة أسهم فيهم) أي في أقرباء الرسول الذي فيهم الأيتام، الظاهر في أن الباقي ليس فيهم. ومنها: عدم التقييد بمساكين آل الرسول وأبناء سبيلهم.


(1) سورة الأنفال: 41. (2) الوسائل: ج 6 ص 355 ح 1 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 468 ]

[... ] ومنها: التعليل بقوله (أنا لا نأكل الصدقة). وكل ذلك إما موجب للظهور في كونهما من غيرهم أو لا يكون مقيدا بهم. لكن الأنصاف أنه ليست المخالفة بمثابة لا يمكن الجمع العرفي بينه وبين ما تقدم. أما الأول فلأمكان أن يقال: إنه ليس المراد بالأقرباء مطلق من له نسبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا كان شاملا لطائفة قريش جميعا، مضافا إلى أن فاده أن سهم الله - وهو الذي يضعه الرسول في سبيل الله - ينتقل إليهم، وهذا لا يناسب مطلق الأقارب، مع أنه لو كان كذلك فما تقدم من أن ذوي القربى هم الأئمة عليهم السلام حاكم على ذلك. وأما الثاني فلأن التعليل المذكور واقع في غير واحد من الروايات موقع العلة لكون الخمس مختصا بأبناء سبيلهم ومساكينهم، فبقرينة ذلك ووقوع التعليل المذكور في الكلام ربما يختل الظهور في الاختصاص بغيرهم أو في كون من له الخمس مطلق الفريقين، فيصير قرينة على كون المقصود أنه حيث إنهم لا يأكلون الصدقة فالخمس لأبناء السبيل منهم ولمساكينهم، فيكون اللام في (للمساكين) للعهد لا للجنس، والمقصود من قوله (فيهم) أي في الأقرباء واليتامى من آل الرسول، والقسمة الباقية للمساكين وأبناء السبيل منهم، فلا مخالفة لا يمكن الجمع بينه وبين دليل المشهور. ومن الأخبار التي ربما تخالف المشهور صحيح ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم قسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس،

[ 469 ]

[... ] يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه، ثم يقسم الأربعة الأخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل، يعطي كل واحد منهم جميعا (1)، وكذلك الأمام يأخذ كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله) (2). وقد حمل الشيخ قدس سره - وتبعه العلامة - على أن العمل لا يخالف ما تقدم في الروايات، فإنه قد قنع بما دون حقه ليتوفر على المستحقين (3). أقول: ليس منشأ الأشكال صرف العمل حتى يجاب بما تقدم، بل الأشكال لأمرين آخرين: أحدهما: ظهور الصحيح في مداومة الرسول صلى الله عليه وآله على ذلك ومداومة الأمام عليه السلام واحدا بعد واحد، المشعر أو الظاهر في كونه مبنيا على كون الحكم كذلك، خصوصا مع أن شأنهم عليهم السلام بيان الحكم للراوي حتى يعمل به، لا صرف نقل التاريخ الذي ليس موردا لعمله. والجواب عن ذلك أن المداومة في العمل وإن كان دالا على حكم شرعي لكن يكفي في ذلك الاستحباب ولا يدل على الأيجاب. وأما ما ذكر من كون شأن الأمام عليه السلام بيان الحكم لا نقل التاريخ، فإنه مدفوع بأن خروج الموضوع عن مورد عمل ربعي قرينة على أنه ليس بصدد بيان عمله، فإنه ظاهر أو صريح في غنائم دار الحرب، فلعله لبيان سيرة الأمام العادل والطعن على سلاطين الجور وأن الفصل بين السيرتين كثير، فالنافع للراوي هو الاعتقاد والتوجه إلى أئمة


(1) في الوسائل (حقا) بدل (جميعا). (2) هكذا في الوافي: ج 10 ص 326 ح 7 من ب 38 والتهذيب: ج 4 ص 128 ح 1 من ب 37، لكن في الوسائل: ج 6 ص 356 ح 3 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس: (أخذ كما أخذ الرسول صلى الله عليه وآله). والأصح هو الأول كما لا يخفى. منه قدس سره. (4) الوسائل: ج 6 ص 356.

[ 470 ]

[... ] العدل والتبري عن خلفاء الجور. ثانيهما - وهو أشكل من المتقدمين - أن ما يأخذه هو خمس الله، لقوله: (يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه، ثم يقسم الأربعة الأخماس...)، مع أن مقتضى ما تقدم أن ما لله تعالى هو السدس، كما لعله الظاهر من الاية الشريفة. ويمكن الجواب عن ذلك بأن كلمة القسمة الواحدة من الأقسام الخمسة أو الخمس إذا نسبت إلى الغير المنقسم في الخارج فلا ريب في الظهور في السهام المتساوية، وأما إذا كان بلحاظ الخارج (بأن جعل قسما واحدا في الخارج لنفسه صلى الله عليه وآله وجعل الباقي أربعة أقسام في الخارج يعطي كل واحد من المستحقين حقا) فالظاهر أنه يصدق على غير المتساوي، ولا أقل من الحمل على ذلك في مقام الجمع من باب حمله على النص أو الأظهر، خصوصا مع أن المعهود أن خمس الله هو السدس - أي سهمه تعالى من الخمس - وتسمية السدس الذي له تعالى خمسا - كما في خبر زكريا المتقدم (1) - وأن ما يعطي لباقي الأربعة يكون حقا الظاهر في غير المتساوي، فافهم وتأمل. فهذان الأمران مما يؤيدان كون المراد من أربعة أخماس هو الأعم من المتساوي وغيره وأن المراد بخمس الله هو السدس، وهو العالم. ثم إنه ربما يمكن أن تختلج بالبال إيرادات على المشهور: منها: أن حمل ذي القربى على خصوص الأئمة الاثنى عشر عليهم السلام موجب لعدم مورد لسهم ذي القربى في عصر النبي صلى الله عليه وآله، لعدم وجودهم في الخارج أو عدم اتصافهم بالأمامة. والجواب أن المستفاد من مرفوع أحمد عن بعض أصحابنا أن مورد الخمس


(1) في ص 467.

[ 471 ]

[... ] الأمام المنطبق على ذوي القربى بعد الرسول وعليه صلى الله عليه وآله في حال حياته، فإن فيه: (والذي للرسول هو لذي القربى والحجة في زمانه) (1)، فإن الظاهر أن الثاني من قبيل العطف التفسيري بالنسبة إلى الأول، وهو منطبق على الرسول صلى الله عليه وآله في زمانه. ومنها: أن تخصيص ذي القربى بهم تخصيص بالنادر. والجواب أنه لم ينعقد له عموم ولا إطلاق من أول الأمر، إذ من المعلوم الذي هو بمنزلة المتصل أنه ليس مطلق أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله الذي هو مطلق قبائل قريش بل مطلق ولد إسماعيل عليه السلام، فحينئذ يكون له لا محالة حد مذكور في ما مر من الدليل، كما في إطلاق المسافر المحدود بالحد الخاص والبعد عن الوطن المحدود بحد الترخص، مع أن إطلاق ذي القربى أو العترة عليهم عليهم السلام كأنه كان شائعا في لسان الكتاب والسنة، كقوله تعالى: لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (2) مع ضم قل ما سألتكم من أجر فهو لكم (3) وقوله صلى الله عليه وآله إني تارك فيكم الثقلين... كتاب الله وعترتي (4)، ومن يستحب أو يجب الصلاة عليه بعنوان الال ليس بحسب الظاهر مطلق المنسوب إليه صلى الله عليه وآله. ومنها: أن مقتضى بعض الأخبار - كصحيح ربعي المتقدم (4) - أن رسول الله صلى الله عليه وآله قدس سرهم صلى الله عليه وسلم (كان يعطي لذوي القربى سهما، وأن أبا بكر منعهم عن الخمس ولم يعط ذوي القربى شئ، وأن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان يقول ما معناه: لولا خوف التفرق لأعطيت ذوي القربى حقهم (6)، كل ذلك يدل على أن سهم ذوي القربى غير سهم


(1) الوسائل: ج 6 ص 359 ح 9 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) سورة الشورى: 23. (3) سورة سبأ: 47. (4) الوسائل: ج 18 ص 19 ح 9 من ب 5 من أبواب صفات القاضي. (5) في ص 468. (6) المستدرك: ج 7 ص 289 ح 6 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 472 ]

[... ] النبي والأمام عليهما السلام والصلاة. والجواب أن إعطاء الرسول صلى الله عليه وآله سهما لذي القربى غير أن المراد من ذي القربى في الاية الشريفة غير الأمام، والأشكال على أبي بكر تركه لسيرة الرسول وظاهر القرآن الذي أقرب إلى الواقع من الألقاء، وأما إعطاء علي عليه السلام فهو كإعطاء رسول الله صلى الله عليه وآله. ومنها: أن الوارد في غير واحد من الروايات أنه لما نزل قوله تعالى: وءات ذا القربى حقه (1) أوحى الله بإعطاء فدك لفاطمة عليها السلام (2). والجواب أن الظاهر أنه لم يكن من الخمس، بل كان من الفئ. ومنها: أن فاطمة عليها السلام نازع أبا بكر في ما بقي من خمس خيبر، فالظاهر أنه كان من باب سهم ذوي القربى. والجواب أنه لعله كان من باب سهم الفقراء، أو كان عطية رسول الله صلى الله عليه وآله من الخمس الذي كان حقه أو من جميع الخمس، لأن اختياره بيد الأمام عليه السلام. ومنها: أن حمل المساكين واليتامى وابن السبيل على خصوص من كان من أهل البيت حمل على الفرد النادر. والجواب أن ذلك على فرض انعقاد عموم أو إطلاق لذلك، وبعد ما كان الموضوع هو الرسول وذو القربى فيمكن أن يكون المقصود يتاماهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، كما في ذي القربى، فإنه لو كان مورد الحكم كل واحد من المكلفين فالظاهر منه ذو قرباته، كما في قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والاءحسان وإيتآ ذى القربى (3). وأما لو كان مورده الرسول صلى الله عليه وآله فالظاهر قرابته، كما في قوله (1) سورة الأسراء: 26. (2) مثل ما في الوسائل: ج 6 ص 366 ح 5 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) سورة النحل: 90.

[ 473 ]

[ مسألة: الظاهر عندهم أن المقبوض من سهم الأمام ينتقل إلى وارثه عليه السلام، بخلاف غير المقبوض ولو كان منطبقا عليه في زمان حياته *. ] تعالى وءات ذا القربى حقه (1) أو قوله: لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (2)، فنقول: إن الاية إما ظاهرة في الاختصاص بهم وإما لا ينعقد له ظهور في الأطلاق، لاكتناف الكلام بما يصلح للقرينية على التقييد، فالمسألة بحمده تعالى خالية عن الأشكال، خصوصا مع السيرة القطعية بين الأمامية والشهرة القريبة بالأجماع بين الأصحاب، فلا ينبغي الشبهة في ذلك لتوهم إطلاق الاية الشريفة أو بعض الروايات المتقدم بعضها. * كما في الشرائع (3) وجرى على منواله في الجواهر (4) وغيرها من دون الأشارة إلى شبهة وإشكال. لكن يمكن المناقشة في ذلك من وجوه: الأول: أنه لا فرق بين المقبوض وغير المقبوض المنطبق عليه، حيث إن كل ذلك ملك له، ومقتضى أدلة الأرث هو الانتقال إلى الوارث وإن قيل بعدم الانتقال إليهم لخبر ابن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث عليه السلام: إنا نؤتى بالشئ فيقال: هذا كان لأبي جعفر عندنا فكيف نصنع به؟ فقال: (ما كان لأبي عليه السلام بسبب الأمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه) (5). فلا فرق أيضا بين المقبوض وغيره.


(1) سورة الأسراء: 26. (2) سورة الشورى: 23. (3) ج 1 ص 135. (4) ج 16 ص 87. (5) الوسائل: ج 6 ص 374 ح 6 من ب 2 من أبواب الأنفال.

[ 474 ]

[... ] الثاني: أنه على فرض الفرق فالتساوي في المقبوض بين السهمين وسهم سبيل الله غير واضح، فإن حصول الملكية له صلى الله عليه وآله قهرا بالنسبة إليه غير واضح، فإن مقتضى قوله في خبر زكريا المتقدم (1): (أما خمس الله عزوجل فللرسول يضعه في سبيل الله) أن له حق أن يتملك لنفسه، لا أنه يملكه حتى يرثه الوارث. الثالث: ما اشير إليه من الخبر المتقدم (2)، فإنه ظاهر - بحسب ما يتراءى في بادئ النظر - في عدم التوريث بالنسبة إلى سهم الأمام مطلقا، لأنه الذي كان للأمام السابق بسبب الأمامة، من غير فرق بين المقبوض وغيره. ويمكن الجواب عن الكل: أما الأول فلأن مقتضى القاعدة وإن كان ذلك إلا أن مقتضى صريح مثل مرسل حماد المعتبر (3) أن سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى لاولي الأمر من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله (سهمان وراثة وسهم مقسوم له من الله وله نصف الخمس كملا) وهو لا يشمل المقبوض قطعا، لقوله عليه السلام في الصدر: (يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس) وبعد ذلك قال: (ويقسم الأربعة الأخماس بين من قاتل)، ومقتضى إطلاقه الشمول للمنطبق على الرسول صلى الله عليه وآله وعلى الأمام الذي قبل الأمام الحي. إن قلت: دليل الأرث لا يشمل غير المنطبق على ولي الأمر الذي ارتحل، لعدم كونه مالكا له، كما أن مثل المرسل المتقدم لا يشمل المقبوض، فيتعارض الدليلان في مورد الاجتماع - وهو المنطبق غير المقبوض - فلابد من التصالح أو استصحاب بقاء ملكية الميت إلى حين موته، فينتقل إلى وراثه، فتأمل. قلت: مقتضى دليل الأرث بالنسبة إلى سهم الله وسهم رسوله على فرض كون


(1) في ص 467. (2) في الصفحة السابقة. (3) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 475 ]

[... ] الأول كالثاني هو الانتقال إلى الوارث بعد ذلك أيضا فيشمل غير المنطبق أيضا المنطبق عليه بعد ذلك، إلا أن مثل خبر حماد يدل على أن وارثه صلى الله عليه وآله في ذلك الأمام ثم الأمام واحدا بعد واحد، وهو بنفسه يدل على كون غير المنطبق سهما لرسول الله صلى الله عليه وآله وأن الانتقال إلى الأمام من باب الوراثة وأن السهمين المذكورين - كالحبوة المنتقلة إلى الابن الأكبر - ينتقلان بالوراثة إلى الأمام واحدا بعد واحد فبين الدليلين من حيث سهم الله وسهم رسوله العموم والخصوص المطلقان. هذا بالنسبة إلى السهمين. وأما بالنسبة إلى سهم ذي القربى فمقتضى المرسل عدم مالكية الرسول له حتى بعد موته ليرث منه الوارث، فهو كملكية الطبقات في الوقف، فلا يشمله دليل الأرث أصلا، إذ موضوع الأرث ما تركه الميت، وهو ما كان للميت حتى بعد موته بحسب المقتضي والسبب الموجب للملكية. فتلخص أن المقدم على دليل الأرث هو مثل المرسل لكن بملاكين، فتقدمه بالنسبة إلى ما للرسول صلى الله عليه وآله من باب كونه أخص من دليل الأرث، وبالنسبة إلى سهم ذي القربى من باب خروج المورد بذلك عن مورد دليل الأرث الذي موضوعه ما يكون باقيا على ملك الميت لولا حكم الأرث. فهذا هو وجه الفرق بين المقبوض وغيره. وأما المناقشة الثانية فهي مدفوعة بأنه على فرض عدم كون المقبوض ملكا له لكنه لا شبهة أن له حق التملك، فهذا الحق ينتقل إلى وراثه، فتأمل. وأما الثالثة فظاهر الخبر أن موضوعه غير المقبوض، لأن أبا علي بن راشد كان على الظاهر وكيلا للناحية المقدسة، كما يدل عليه خبر علي بن مهزيار عنه، قال: قلت له: (أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك) الخبر (1). فيسأل في هذا الخبر عن


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 476 ]

[ مسألة: الأشهر * أنه يعتبر في الطوائف الثلاثة انتسابهم إلى عبد المطلب بالابوة، فلو انتسبوا بالام خاصة لم يعطوا شئ من الخمس * *. ] قبض ما انطبق عليه ولم يقبض لا بنفسه عليه السلام ولا بوكيله، مع أن قوله عليه السلام (بسبب الأمامة) ليس بحسب الظاهر ما يكون أصل حدوث ملكيته له بحسب الأمامة (لوضوح أنه لو نذر أحد لأبي جعفر عليه السلام شئ من باب أنه إمام وأقبضه يكون ملكا له ويرثه وارثه، وكذا لو وهبه وكان وصف الأمامة من الجهات التعليلية) بل لعل الظاهر ما كان عنوان الأمام حدوثا وبقاء موضوعا للملكية، وذلك لا ينطبق على المقبوض أو يكون مشكوك الانطباق، فلا يشمله الدليل، مع أنه لعله من الواضحات، إذ لم يعهد من الأمام الذي بعد الماضي أخذ الأموال من الوراث، كما لا يخفى. هذا كله بالنسبة إلى الأمام عليه السلام، ولا جدوى فيه بالنسبة إلى أعمال المكلفين في هذا العصر إلا من باب قياس الفقيه بالأمام عليه السلام، ولعل ذلك يكون مفيدا في ما يرجع إلى الفقيه ويأتي إن شاء الله تعالى وبعونه عزوجل. * كما في الجواهر (1). * * قال قدس سره في الجواهر إنه عليه عامة الأصحاب كما في الرياض، عدا المرتضى، ونسب إلى ابن حمزة لكن هو في وسيلته موافق للمشهور، وتبعه صاحب الحدائق ولقد أطال الكلام في إثبات أن النسبة من ناحية الام كافية في جواز أخذ الخمس وحرمة الزكاة (2).


(1) الجواهر: ج 16 ص 90. (2) الجواهر: ج 16 ص 90 - 91.

[ 477 ]

[... ] أقول: يمكن أن يستدل للمشهور بامور: الأول: صحيح حماد المروي عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح، وفيه: (ومن كانت امه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحل له وليس له من الخمس شئ، لأن الله تعالى يقول: ادعوهم لآبائهم) (1). وقد ذكر في الجواهر قرائن تدل على اعتباره من حيث السند: منها اتفاق المحمدين الثلاث على نقله. ومنها اشتماله على الأحكام المخالفة للعامة. ومنها عمل الأصحاب بذلك عدا المرتضى (2). أقول: ومنها أن الناقل من أصحاب الأجماع، وله خصوصية مر شرحها. ومنها اتصافه المروي عنه بأنه من أصحابنا. ومنها أن الواسطة واحد يروي عنه حماد من دون واسطة شخص آخر. ومنها إسناد عبارة الرواية في التذكرة بنحو الجزم إلى الكاظم عليه السلام. ودلالته على مطلوب المشهور واضحة، إلا أن فيها إشكال من وجوه: الأول: أن التعليل والاستدلال بقوله تعالى: ادعوهم لآبائهم غير مستقيم، من جهة عدم ربطه بالمقام، قال تعالى: وما جعل أدعياءكم أبنائكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ءابآءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم الاية (3). فإنه وارد في مورد التبني وجعله كالولد الحقيقي في سائر الأحكام حتى


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الجواهر: ج 16 ص 91. (3) سورة الأحزاب: 4 - 5.

[ 478 ]

[... ] أنهم أعابوا على النبي صلى الله عليه وآله لما تزوج بزينب زوجة زيد، فالمقصود النهي عن إسناد الولد الجعلي إلى أبيه كذلك والأمر بإسناده إلى والده الحقيقي، وبعد عدم استقامة التعليل يشكل الاستدلال بالخبر الثابت سنده بالقرائن الموجبة للاطمينان بالصدور، وليس مصداقا لدليل الحجية حتى لا يتوقف على ثبوت الاطمينان - كما ذكرناه سابقا في الفقه والاصول - فإن ما ذكرناه إنما هو بالنسبة إلى ما يكون مشمولا لدليل الحجية، فإنه وإن كانت الحكمة هي الاطمينان النوعي لكن لا يدور مداره، وأما ما يكون ملاك حجيته حصول الاطمينان بالصدور فيدور الأمر مداره، وبعد ورود التعليل غير المستقيم الذي لا يكون من الأمام عليه السلام على الفرض - لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - يكشف عن وجود خلل في الرواية واختلاطها بغير كلامه، وحينئذ فيبعد أن يكون المخلوط بكلامه خصوص ذلك التعليل. هذا، خصوصا مع طول الخبر وعدم الأشارة بالاستكتاب عن العبد الصالح عليه السلام. هذا. ولكن يمكن رفع ذلك الأشكال بأن في المقام نهيا وأمرا، أما النهي فهو مخصوص بالمورد الذي هو التبني، وأما الأمر فلا خصوصية للمورد، فالظاهر أن الدعوة للاباء أمر مطلوب مرغوب فيه، وإن كان المقصود هو النهي عن الانتساب إلى الاباء الجعلية لكفى ما تقدم من الاية ولم يكن الكلام محتاجا إلى قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم. الثاني: أن عدم كون الجد الامي أبا أول الكلام في تلك المسألة، فليس مفروضا حتى يستدل بالاية الشريفة، فالتعليل غير مستقيم من جهة الاستدلال بما هو مورد الأشكال في نفس المسألة. والجواب أن الظاهر من الاية الشريفة - بقرينة المقايسة بالاباء الجعلية وكون

[ 479 ]

[... ] الكلام في الأدعياء - هو الاباء في مقابل الأجداد والامهات، لا الاباء في قبال الامهات، فإن المتعارف في التبني اتخاذ شخص ولدا، لا اتخاذ شخص حفيدا، فالظاهر أن المقصود بالاباء هو الاباء بلا واسطة المقابل للأجداد والامهات. الثالث: أن ترتيب الأثر على الانتساب من جانب الاباء مخالف لأحكام كثيرة عرفية وشرعية اشير إليها في الروايات الواردة في مقام المحاجة مع الخلفاء ومن كان يحذو حذوهم، فإنه لا شبهة في أن الولد ولد الام أيضا وترث منه امه ويرث منها ويحرم عليه نكاحها، وكذا بالنسبة إلى أولاد البنت، فإنه يحرم بنت البنت على الجد وبنت ابن البنت عليه، وكذا بالنسبة إلى حلائل الأبناء، وكذا بالنسبة إلى الميراث والأنفاق، فالاسناد إلى الام وإلى الأب من ناحية الام من الضروريات في الأسلام، بل لعله كذلك في جميع الأقوام والملل. والجواب أنه ليس المقصود ترتيب الأثر من حيث الانتساب إلى الاباء فقط، بل المقصود النسبة إلى الاباء في مقام التمييز، أي تمييز شخص عن شخص أو تمييز قبيلة عن قبيلة. وهذا من الامور المتداولة في الامم خصوصا في الملل العربية، ومن المعلوم أنه في مقام تمييز المسمى بحسن مثلا عن مسمى بحسن آخر إذا دار الأمر بين التمييز بواسطة الام أو الأب فلا شك في أن مقتضى الجهات الأخلاقية والاجتماعية هو التمييز بواسطة الأب، لا بواسطة الام ولا بواسطة شخص أجنبي يتكفله بعض التكفل، فإنه تضييع لحق الابوة الحقيقية. وكذا بالنسبة إلى القبائل، فإن تمييز قبيلة عن قبيلة اخرى لابد إما أن يكون من جانب الاباء بلا دخالة الامهات وإما من جانب الامهات بلا دخالة الاباء، ومن المعلوم أن ترجيح جانب الامهات بطنا من بطن وإلقاء الاباء ترجيح المرجوح على الراجح، خصوصا بالنسبة إلى الملل العربية والأسلامية المبنية على الستر والعفاف وعدم المعروفية

[ 480 ]

[... ] وكون الانتساب من الجانبين أي من جانب الأب إلى أبيه ومن جانبه إلى امه ومن جانب الام إلى أبيه ومن جانبها إلى امه موجب لعدم التميز، فيكون شخص هاشميا وأمويا وتيميا وطائيا إلى غير ذلك، وهذا خلف قصد التمييز، فلا ريب أن الأقسط هو الانتساب إلى الاباء صلبا بعد صلب، فالاية بحسب الظاهر في مقام بيان التكليف من تلك الجهة أي جهة التمييز من حيث القبيلة أو من حيث الشخص، فلا يقال لزيد: زيد بن محمد صلى الله عليه وآله، ولا يقال له: إنه من بني هاشم، بل يقال له: زيد بن حارثة ويقال: إنه من طائفته، وهذا لا خصوصية له بالنسبة إلى مورد التبني وليس المقصود ترتيب الأثر. الرابع: تعارض مفاد التعليل للأخبار الواردة في أن الحسنين عليهما وعلى آبائهما الصلاة والسلام أبناء الرسول، والظاهر بل المقطوع أن ذلك يصح في مقام التميز والدعاء، وإلا لم يكن إجمال في ترتيب سائر آثار الولادة. والجواب أن الأمر بذلك في الاية الشريفة إنما هو من باب كونه أقسط عند الله، فالأمر ورد بالتمييز بما هو أقسط عند الله من جهة حفظ الحقوق ومن الجهات الصالحة للتمييز، وحينئذ لا إشكال في أن ولد فاطمة عليها السلام أبناء رسول الله قيقة، وأما الانتساب في مقام تشكيل القبائل وامتياز قبيلة عن قبيلة فلا ريب في أنه لا يحسن العدول في مقام الانتساب عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي طالب أ إلى علي أمير المؤمنين، وذلك لوضوح امتياز الرسول صلى الله عليه وآله من وجوه كثيرة حتى بالنسبة إلى المعروفية الاجتماعية، مضافا إلى عدم ذرية اخرى له غير ماله من فاطمة عليها السلام، فالانتساب إليه حقيقي، وحسن الانتساب إليه في مقام تمييز القبيلة التي مبدأها الرسول صلى الله عليه وآله واضح للامور المذكورة التي خلاصتها: كونه أحق من غيره أولا، وكونه ممتازا عن غيره ثانيا، وكونه فاقدا للذرية من ناحية فاطمة عليها السلام

[ 481 ]

[... ] ثالثا، فجعل ولد فاطمة مبدأ قبيلتهم غير رسول الله صلى الله عليه وآله من أمير المؤمنين أو أبي طالب لا يخلو عن حزازة، بل هو غير صحيح عرفا، وهذا غير القبيلة المنسوبة إلى هاشم، فإنها على وزان سائر القبائل من غير فرق أصلا. نعم، بالنسبة إلى ما بعد الحسنين عليهما السلام يكون الانتساب إلى الاباء على حاله، فلا يعد ابن بنتهما إن كان أبوهما من الطوائف الاخر ابنا لرسول الله صلى الله عليه وآله بحسب الانتساب في مقام تمييز القبائل، فتأمل. ومن ذلك يظهر أن كلام المشهور مستدل جدا لامور: الأول: صحيح حماد عن بعض أصحابنا. الثاني: نفس الاية الشريفة ببركة ما استفدناه من الخبر في تفسير الاية الشريفة. الثالث: وضوح عدم صدق بني هاشم على بني امية وبني عدي وتيم وغير ذلك إذا كان الانتساب من جانب الام، وهذا مع الالتزام بصدق الانتساب بعنوان الولدية، وهذا غير ما يكون الموضوع قبيلة بني هاشم، ومع الالتزام بأن ولد فاطمة عليها السلام ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، ويصح أن يقال في امتياز قبيلة عن اخرى: إنهم آل الرسول أو بنو الرسول أو غير ذلك مع الالتزام بعدم صحة انتساب أولاد بنات ولد فاطمة عليها السلام إليه صلى الله عليه وآله بل ولا إلى فاطمة عليها السلام. الرابع: السيرة القطعية المؤيدة بالشهرة القريبة بالأجماع، بل ولو كان ملاك جواز أخذ الخمس وحرمة أخذ الصدقة هو الانتساب إلى هاشم ولو من ناحية الام لاشتهر ذلك حتى كان يخرق الأسماع على ما عبر في الجواهر (1)، فعدم شهرة ذلك كاف فكيف بتحقق الشهرة المعتبرة والسيرة المستمرة على خلافه.


(1) الجواهر: ج 16 ص 92.

[ 482 ]

[ الخامس: أنه لو كان أحد الانتسابين كافيا يحصل العلم الأجمالي إما بحرمة مسألة: المعروف من مذهب الأصحاب أنه لا يجب استيعاب أشخاص كل طائفة من الطوائف الثلاثة، بل لو اقتصر من كل طائفة على واحد جاز *. ] الخمس أو حرمة الزكاة في كثير من الموارد إذا فرض عدم جريان أصالة عدم الانتساب إلى هاشم أبا واما من أجل أن المتيقن هو العدم من باب عدم الموضوع، والمقصود ترتيب الأثر عليه مع فرض الموضوع، وهما متغايران عرفا، وهو المسمى عند المتأخرين باستصحاب العدم الأزلي، ولعله المشهور بينهم وإن كان عندنا موردا للمناقشة. نعم، إن جرى الاستصحاب المذكور ينحل العلم الأجمالي حكما، ولا يعارض بأصالة عدم الانتساب إلى القبائل الاخر، من جهة أن مورد الأثر للخمس وحرمة الصدقة: الانتساب إلى هاشم، وموضوعه في حرمة الخمس وجواز الصدقة: عدم الانتساب إلى هاشم، لا الانتساب إلى قبيلة اخرى غير قبيلة هاشم، فالمخلوق بدون الأب والام يحرم عليه الخمس ويجوز له الصدقة. * كما في الجواهر. وفيها حكاية نفي الخلاف عن بعض، بل قد يفهم من المنتهى الأجماع عليه (1). أقول: في مسألة البسط والاستيعاب وجوه واحتمالات: الأول: أن يقال: إنه يكفي إعطاؤه لواحد من الطوائف الثلاثة، فلا يجب الاستيعاب على الطوائف بالنسبة إلى الأشخاص ولا البسط عليها في الجملة. الثاني: وجوب البسط على الطوائف في الجملة، من دون لزوم الاستيعاب بالنسبة إلى كل طائفة.


(1) الجواهر: ج 16 ص 101.

[ 483 ]

[... ] الثالث: وجوب البسط عليها كذلك، مع لزوم الاستيعاب بمقدار ما جعل لها. الرابع: وجوب البسط على الطوائف بنحو التساوي، من دون لزوم الاستيعاب في الأفراد. الخامس: وجوب البسط عليها بنحو التساوي مع لزوم الاستيعاب في الأفراد بنحو التساوي. السادس: كذلك، ولكن لا بنحو التساوي، بل بنسبة الاحتياج. السابع: عدم وجوب البسط على الطوائف، ولكن اللازم الاستيعاب بالنسبة إلى من اختار من الطوائف، وهو لا يخلو عن بعد من جهة الدليل. ومما ذكرناه يظهر اختلال ما في عبارة العروة الوثقى حيث قال قدس سره: لا يجب البسط على الأصناف، بل يجوز دفع تمامه إلى أحدهم، وكذا لا يجب استيعاب أفراد كل صنف (1). فإنه بعد فرض عدم وجوب البسط على كل صنف فعدم وجوب استيعاب أفراد كل صنف واضح، إذ لا يمكن الجمع بين جواز الاقتصار على صنف من الأصناف وبين وجوب استيعاب كل طائفة، فالأصح ما في الشرائع من الحكم بعدم وجوب الاستيعاب أولا وذكر البسط على الأصناف في المسألة الثانية (2). والأولى البحث عن جواز الاقتصار على واحد من إحدى الطوائف كما هو المشهور - على ما يستفاد من الجواهر في المسألتين المتضمنتين لعدم وجوب الاستيعاب (3) ولا البسط (4) - وعدمه، فإن ثبت جواز ذلك لم يحتج إلى بحث آخر


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الثاني، المسألة 2. (2) الشرائع: ج 1 ص 136. (3) الجواهر: ج 16 ص 101. (4) المصدر: ص 108.

[ 484 ]

[... ] ويمكن أن يستدل للمشهور بامور: الأول: صحيح البزنطي المزيد في اعتباره بواسطة نقل الحميري عن أحمد بن محمد بن عيسى عنه، فإنه يدل على أن أحمد الذي في سند الكافي هو ابن عيسى المتقن في النقل، لا ابن خالد الموثق الراوي عن الضعفاء، وبواسطة نقل الشيخ قدس سره عنه بسند آخر عن الرضا عليه السلام، قال: سئل عن قول الله عزوجل: واعلموا أنما غنيتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ فقال: (لرسول الله صلى الله عليه وآله، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله فهو للأمام) فقيل له: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل ما يصنع به؟ قال: (ذاك إلى الأمام، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله كيف يصنع أليس إنما كان يعطي على ما يرى؟ كذلك الأمام) (1). بتقريب أنه لو كان له حد محدود من جانبه تعالى لم يصلح الجواب إلا بالحد الخاص، كما أنه لو سئل عن الأرث لا يصلح الجواب بأن ذلك إلى الأمام وبأن يكون المقصود أن الأمام يقسم بالحد المخصوص للذكر مثل حظ الأنثيين (2) فإن الظاهر أن الحكم في الواقع أن يكون اختياره بيد الحجة في الوقت من الرسول أو الأمام عليهم السلام، لا سيما مع فرض الدوام المستفاد من الخبر. لكن فيه أولا: أن مقتضى السؤال في الصدر أنه مع فرض البسط فهل يكون على نحو التساوي مع فرض قلة أفراد بعض الأصناف وكثرة أفراد الاخر؟


(1) الوسائل: ج 6 ص 362 ح 1 من ب 2 من أبواب قسمة الخمس. (2) سورة النساء: 11.

[ 485 ]

[... ] فمقتضى كون ذلك للأمام في ذلك المورد الخاص: عدم لزوم التساوي بالنسبة إلى الأصناف. وثانيا: أن ذلك إنما يكون مع فرض اختلاف أفراد الأصناف في القلة والكثرة، فلا يدل على عدم لزوم التساوي في صورة تساوي الأفراد. وثالثا: أن كون ذلك للأمام لا يستفاد منه ثبوت الاختيار لغيره ممن يكون الخمس له أو يكون عنده الخمس: من الوكيل أو الفقيه، مع فرض وجود جهات في الأمام لا يكون في غيره يمكن أن يخص من أجلها بذلك الاختيار، فمنها: كون الخمس مفوضا إليه من حيث التحليل والأخذ، فإذا كان مختارا في التحليل فاختياره في عدم البسط يكون بالأولوية، بل هو دليل على الاختيار من غير احتياج إلى الصحيح المذكور، فكما أن التحليل غير جائز لغيره فكذا الاختيار في البسط وعدمه والتساوي وعدمه غير واضح الثبوت لغيره. ومنها: كون التتميم في صورة النقص عليه كما أن الزيادة له، فلا يلزم من عدم التساوي حرمان بالنسبة إلى فرد من الأصناف. ومنها: كون الخمس مجتمعا عنده، فإن لم يقسط على بعض الطوائف من خمس يعطي من خمس آخر. ومنها: أن كون الاختيار إلى الأمام العارف بالمصالح مع قطع النظر عن الجهات المذكورة لا يقتضي أن يكون لغيره ممن ليس له ذاك الدرك والعلم بل وما دونه بمراتب عديدة. ورابعا: أن مقتضى القياس أنه كما أن الأمام عليه السلام يعطي على ما يرى كذلك غيره، والظاهر من ذلك هو الأعطاء على ما يرى من المصلحة، والمدعى أعم من ذلك، فإن المقصود جواز إعطاء شخص جميع خمسه للهاشمي الفقير ولو كان الأصلح أن يعطيه غيره ويرى هو ذلك لكن يرجح الأول لجهات من الملاحظات مع مراعاة قصد القربة في أصل أداء الخمس.

[ 486 ]

[... ] الثاني: أنه مقتضى التعليل بالاحتياج وحصول الغنى بذلك من أن يصيروا في موضع الذل والمسكنة كما في المرسل المعتبر: (فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة) (1). وفيه: أنه فرق بين أن يقال: لا تشرب الخمر لأنه مسكر أو يقال: إن الله جعل الخمر حراما لأسكاره، فإن الأول بمنزلة (لا تشرب المسكر) والثاني ظاهر في أن الأسكار ملحوظ في مقام الجعل ولم يلاحظ في الألقاء على المكلف أن يجعل تكليفه على طبقه، لا سيما إذا كان مقتضى الظهور أنه ليس ذكر الجهة المذكورة لانطباق العمل عليه، بل كان لدفع بعض ما ربما يتوهم من أنه لم خص الله تعالى طائفة خاصة بالخمس، فلا يمكن الأخذ بإطلاق التعليل الظاهر في أنه حكمة للجعل. الثالث: كون الظاهر من مرسل حماد (2) وغيره - كمرفوع أحمد بن محمد (3) - أنه عوض عن الزكاة. والجواب نظير ما تقدم من أن الظاهر أن المعاوضة ملحوظة في مقام الجعل، ولم يلق الكلام لتطبيق عمل المكلف عليه، كما في قوله عليه السلام: (التيمم أحد الطهورين) (4) و (يكفيك الصعيد عشر سنين) (5). ومما ذكرنا يظهر الأشكال في مسألة غير محررة في كتب الأصحاب، وهي


(1 و 2) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (3) المصدر: ص 359 ح 9. (4) الوسائل: ج 2 ص 991 ح 1 من ب 21 من أبواب التيمم. (5) المصدر: ح 7 من ب 20.

[ 487 ]

[... ] أداء الخمس في الغارمين مثلا مع فرض عدم الفقر، فإنه لو كانت المعاوضة في الزكاة حكما مجعولا لأن يكون بيد المكلف، كأن يقال: أجعل الخمس بالنسبة إلى الهاشميين مقام الزكاة بالنسبة إلى غيرهم، فيمكن أن يقال حينئذ بجوازه خمسا وإلا يشكل الأمر. وكيف كان، ففيه وجوه ربما يأتي التكلم فيها: الأول: إعطاء الغارم من الزكاة، لأن أداء الدين ليس صدقة معطاة للهاشمي. الثاني: إعطاؤه من الخمس، لحرمة الصدقة حتى بهذا النحو وكون الخمس بدلا عن الزكاة. الثالث: عدم الأعطاء لا من الخمس ولا من الزكاة، أما الأول فلعدم الدليل بعد كون الخمس لليتامى والمساكين وأبناء السبيل، وأما الثاني فلرجوع ذلك عرفا إلى الهاشمي، والصدقة محرمة عليه. الرابع: جواز الأعطاء من الموردين، أما الزكاة فلأنه ليس مما يعطى الهاشمي، وأما الخمس فلكونه فقيرا أو محتاجا. والمسألة موكولة إلى محل آخر. الرابع: أن تحمل الاية الشريفة على بيان مصرفية الأصناف الثلاثة ومصرفية كل فرد منها. وذلك لقرائن: منها: عدم قابلية أكثر الأخماس للتقسيم على جميع المصارف على وجه الاستيعاب وهي الموجبة لحمل (الوصية على فقراء البلد) على المصرف. ومنها: ثبوت الحرج في ذلك على فرض القابلية للتقسيم. ومنها: عدم وجود ابن السبيل في كثير من الموارد مع عدم بيان من ينوب منابه على فرض عدم وجدانه، بل قد لا يكون في ما يعلم يتيم محتاج إلى المساعدة مع عدم تعيين بدله.

[ 488 ]

[... ] ومنها: كون آية الزكاة باللسان الوارد في الخمس مع وضوح كونه لبيان المصرف. ومنها: عوضية الخمس عن الزكاة. ومنها: أن التقسيم بالسوية بين الأصناف ثم بين أفراد كل صنف مناف لما هو واضح من الاشتراط بالاحتياج ولو من جهة البعد عن الوطن، وأما إعطاء كل واحد من أفراد الأصناف ما يحتاج إليه فقد يقصر الخمس عن ذلك، وأما التقسيم بنسبة الاحتياج فهو بعيد عن درك المكلفين. ومنها: أن الملكية الأشاعية - بأن يكون المالك لدرهم واحد ملأين من الأشخاص والأصناف - غير معهودة عند العرف والعقلاء. ومنها: أن مقتضى المناسبة العرفية أن مستحق الأسهم الثلاثة صنف واحد وهم المحتاجون. وكل ذلك إن لم يكن موجبا للظهور في المصرفية فلا أقل من عدم انعقاد ظهور لها في البسط والاستيعاب، والقدر المتيقن هو الصرف في الطبقات الثلاثة في الجملة، والتقييد بالبسط والاستيعاب غير معلوم مرفوع بالبراءة، فإن أصل الاختصاص ولو بنحو المصرفية وتخير الأعطاء إليه أو غيره - ممن لا يكون خارجا عن الطبقات الثلاثة - مسلم، وكونه بنحو التعين والبسط والاستيعاب مشكوك مرفوع بالبراءة الشرعية والعقلية. وهنا إيرادات ربما تختلج بالبال: منها: أن ذلك مناف لظاهر خبر حماد، وفيه: (فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة (الكفاف

[ 489 ]

[... ] والسعة) (1). ولما في خبر النعماني: (ثم يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم) (2). فإن ذلك كالصريح في التقسيم بين الأصناف. والجواب عن ذلك بوجوه على سبيل منع الخلو: إما الحمل على المصرفية، فسهم لمساكينهم أي يكون المساكين مصرفا، والمقصود من القسمة: عدم الاختصاص بصنف خاص، فالقسمة بالنسبة إلى مجموع الخمس المصروف فيهم. والذي يوجب سقوط الظهور في المرسل اشتمال صدره على التسهيم في باب الزكاة مع وضوح كون ذلك للمصرف، وهو قوله عليه السلام: (فوجهه في الجهة التي وجها الله على ثمانية أسهم للفقراء والمساكين) - إلى أن قال -: (ثمانية أسهم، يقسم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم بلا ضيق) (3). وتقيد التقسيم بينهم بالكتاب والسنة على نسخة، وإما الحمل على أن التقسيم حاصل قهرا عند فرض جمع الخمس عند الأمام أو الرسول عليهما الصلاة والسلام، وإما على استحباب التقسيم في الصورة المذكورة، وإما على وجوب التقسيم في الصورة المذكورة بمقدار لا يلزم منه الحرج. وجميع ذلك خارج عن


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 360 ح 12 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 184 ح 3 من ب 28 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 490 ]

[... ] فرض عدم اجتماعه عنده عليه السلام. ومنها: أن عمدة الأشكالات المذكورة في الاستدلال إنما هي في فرض عدم كون الحكم هو الاجتماع عند الحجة، وإلا فالخمس قابل للتقسيم ولا حرج في ذلك، ويسهل العثور على ابن السبيل لمثل السلطان العادل، وليس البسط بالتساوي أو بنسبة الاحتياج بل بمقدار الاحتياج، والباقي عليه صلوات الله وسلامه عليه، والمستفاد من مجموع الروايات الواردة في الخمس - من التي وردت في الغنائم وفي عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وما وردت في عصور الأئمة من ولده عليهم السلام - أن الخمس كان يجتمع عند الحجة، وهو الذي كان عليه الأتمام من عنده لو لم يكفهم كما أنه إن فضل شئ فهو له. والجواب عن ذلك أولا أنه لا يستفاد مما تقدمت الأشارة إليه اشتراط صحة الأداء بذلك بحيث يسقط الخمس عن العهدة مع عدم إمكان الجمع عنده، فما ذكر من القرائن موجود عند فقد ذلك. وثانيا أنه لم يكن في عصر الأئمة من ولد الرضا عليه السلام سلطان ظاهري لهم، والظاهر عدم اجتماع خمس كثير عندهم، خصوصا مع اشتهار التحليل قبل ذلك واقتصار أبي جعفر الثاني عليه السلام على نصف السدس بالنسبة إلى من تفي ضيعته بمؤونته، ولم يعهد منهم جعل قيم بأمر السادات يتعهد أيتامهم وأبناء سبيلهم، فالاستيعاب في عصرهم غير ممكن عملا وكان البسط حرجيا على الظاهر. ومنها: أنه كيف؟ يمكن حمل الاختصاص المستفاد من اللام على الاختصاص الحقيقي التعييني بالنسبة إلى السهام الثلاثة التي للأمام عليه السلام وعلى الاختصاص النسبي التخييري بالنسبة إلى الطبقات الثلاثة مع كون اليتامى والمساكين وابن السبيل عطفا على ذي القربى وليس له لام بالخصوص.

[ 491 ]

[... ] والجواب عنه أن ذلك نظير أن يوصي بقسمة من ثلث ماله لابنه الكبير المشخص ويجعل الباقي للفقراء أو لفقراء البلد، فإنه لا شبهة عند العرف في أن الأول مالك لذلك، وأما بالنسبة إلى الثاني فيكون بالنسبة إلى أفراده بنحو التخبير لا البسط والاستيعاب، والسر في ذلك أن مقتضى الاختصاص التعييني والاستغراق: اختصاص كل واحد من فقراء البلد بهذا السهم، وهو محال، فيحمل العرف على التخيير والاختصاص النسبي أي عدم خروج المال عن الفقراء إلى غيرهم. ومنها: أنه لا شبهة عند العرف في ما لو أوصى بثلث ثلثه لزيد مثلا وثلثه للفقراء وثلثه الاخر للعلماء أنه لابد من البسط بالنسبة إلى الأصناف الثلاثة، لكن بالنسبة إلى زيد على نحو التعين، وأما بالنسبة إلى الفقراء وأفرادهم على نحو المصرفية، لكن لا يجوز التخيير في المصرف بين الفقراء والعلماء بل لابد من التساوي بحسب الظاهر. والجواب عن ذلك أن مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع أن موضوع السهام الثلاثة صنف واحد هم المحتاجون ولو لم يكن من باب الفقر الأصلي كابن السبيل، ولا فرق بين ما في الاية وأن يقال: للمحتاجين من اليتامى والمساكين وابناء السبيل، ولعله تعالى ترك ذكر اللام بالنسبة إليهم. إن قلت: فما معنى لذكر اليتامى بعد فرض عدم وجوب البسط. قلت: لعله للاهتمام، أو لبيان أنهم ممن يحرم عليهم الصدقة، لأنه محل توهم جواز الصدقة عليهم من باب عدم جعل التكليف لهم بل هو مقتضى القاعدة، أو لبيان أنه ولو لم يحرم عليهم الصدقة لكن يكونون مصرفا للخمس، أو كان موردا لتوهم أنهم ليس لهم كرامة الكبار من بني هاشم حتى يحرم عليهم الصدقة

[ 492 ]

[ مسألة: مستحق الخمس من انتسب إلى هاشم، وذريته محصورة في من ولده عبد المطلب، وهم بنو أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب *. ] فيصيرون مصرفا للخمس. ومحصل الكلام في تقريب الدلالة: عدم انعقاد الظهور لأدلة التسهيم في البسط والاستيعاب، فيرجع في دوران الأمر بين المطلق والمقيد إلى البراءة. الخامس: السيرة والشهرة، فإنه لو كان الواجب البسط على الأصناف والاستيعاب على الأفراد لشاع واشتهر، فما ذكرناه كاف في قوة المشهور، وله الحمد وهو العالم بجميع الحقائق. * كما في الجواهر والشرائع (1)، وقال في الأول: إن الأجماع المحصل والمنقول على استحقاقهم الخمس (2). ويدل على ذلك معتبر حماد، وفيه: (وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صلى الله عليه وآله الذين ذكرهم الله، فقال وأنذر عشيرتك الاءقربين (3)، وهم بنو عبد المطلب أنفسهم، الذكر منهم والانثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد). إلى أن قال عليه السلام: (ومن كانت امه من بني هاشم وأبوه من سائر


(1) ج 1 ص 136. (2) الجواهر: ج 16 ص 104. (3) سورة الشعراء: 214.

[ 493 ]

[... ] قريش فإن الصدقات تحل له) (1). ودلالته واضحة. وقد مر اعتبار سنده بما لا مزيد عليه ظاهرا. ويدل عليه أيضا ما يستفاد من غير واحد من الروايات من أن الخمس عوض الزكاة (2) بضم ما ورد في الزكاة من قوله صلى الله عليه وآله: (يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم) (3). وفي صحيح عبد الله بن سنان: (لا تحل الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم) (4). نعم، ربما يخالفه إطلاق بعض الروايات المستفاد منها أنها لقرابة الرسول (5) أو أنها لال محمد صلى الله عليه وآله (6) بناء على كونها أعم من الذرية. والجواب أن مرسل حماد صريح في عدم استحقاق غير بني هاشم - من سائر طوائف قريش - الخمس، وأنه ليس المستحق له مطلق قرابة الرسول، وإلا فقريش قرابة الرسول صلى الله عليه وآله، بل هو حاكم على ما ورد فيه عنوان القرابة، فر جع وتأمل. وربما يخالفه أيضا ما دل على أنه لولد فاطمة عليها السلام - كرواية الدوانيق (7)


(1) الوسائل: ج 6 ص 359 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 359 ح 9 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس وص 337 ح 2 من ب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس وص 187 ح 7 من ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) الوسائل: ج 6 ص 185 ح 1 من ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة. (4) الوسائل: ج 6 ص 186 ح 3 من ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة. (5 و 6) المصدر: ص 355 الباب 1 من أبواب قسمة الخمس. (7) المصدر: ص 351 ح 8 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 494 ]

[ مسألة: قيل إنه يصدق مدعي النسب *. ] ولولد الأئمة عليهم السلام (1)، وموثق ابن بكير وفيه: (واليتامى يتامى الرسول) (2). والجواب أن الأول صريح في الأعم، لأنه يدل على أن مستحق الخمس من كان في الدار ولم يكن اليوم على الظاهر من ذريته صلى الله عليه وآله أحد في الدار، وما ذكر ليس صريحا في ذلك بل ولا ظاهرا، لأن الأولين بالنسبة إلى أصل الخمس الذي فيه سهم الأمام عليه السلام، ولا ريب أنه لولد فاطمة عليها السلام الحجج على الناس، كما ورد في الخبر، وكذا الثاني فراجع. وأما الموثق فلعل الأظهر أن يكون المقصود من يتامى الرسول يتامى آله وعشيرته بقرينة (والمساكين منهم) فإن ضمير الجمع دليل على ملاحظة الجمع كالال والعشيرة، فيكون من قبيل القسم الأول الذي هو محكوم بالمرسل المتقدم. هذا، مع أن الظاهر من مرفوع أحمد (3) أن الملاك عدم حلية الصدقة لهم، فالتعليل أيضا حاكم على ما يوهم الخصوصية أو ظاهر فيها. ولو كان المقصود من آل محمد هو الأعم ممن تحل لهم الصدقة وتحرم فهو أيضا دليل على الأطلاق، وهذا مما لا إشكال فيه بحمده تعالى. * كما في الجواهر (4) عن كشف الاستاذ. والوجوه المستفادة من الجواهر (5) للحكم المذكور امور: منها: أنه دعوى بلا معارض، وحجيتها ثابتة بما تقدم (6) من خبري منصور بن حازم المعتبر والبزنطي الصحيح، ولكن إسراء الحكم من موردهما الذي هو الحقوق الشخصية (لا النوعية التي لها موارد محققة يرتفع شغل الذمة بها قطعا) إلى


(1) الوسائل: ج 6 ص 386 ح 21 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 356 ح 2 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 359 ح 9 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (4 و 5) الجواهر: ج 16 ص 105. (6) في ص 347 و 348.

[ 495 ]

الأمانات أو ما بحكمها التي لابد من الفحص في اعتبار العقلاء خال عن الوجه، لأنه من القياس مع الفارق. ومنها: أصالة الصحة في عمله، فإن أخذه المحتمل للصحة محمول عليها فيحكم بأنه خمس، كما بالنسبة إلى الشخص الثالث من دون شبهة. وما في الجواهر من أن: أصالة صحة دعوى المسلم في مالا يعارضه فيها أحد لا تكفي قطعا في فراغ ذمة الدافع، بل أقصاها عدم الحكم بفسق الاخذ لو اتفق (1). لا يخلو عن الخلط والأيراد: أما الخلط فلأن أصالة الصحة في العمل غير حجية الدعوى بلا معارض، وأما الثاني فلأن مقتضى أصالة الصحة على فرض الجريان في الأعمال - من العقود والأيقاعات، والعبادات، والأعمال التي لها أثر كالقبض وغيره - هو الصحة الواقعية، لا صرف عدم الحكم بالفسق، كيف؟ فإنه يكفي في ذلك الشك في صدور الفسق. ولكن يرده أن صحة الأخذ لا تثبت صحة الأقباض، وليس أثر صحة الأول صحة الثاني، بل هما متلازمان بواسطة الاشتراك في العلة وهي صحة النسب. ومنها: أن ملاك حجية اليد - الذي هو عدم الانحراف نوعا عن الكسب المشروع في نظرهم - موجود في دعوى النسب. وفيه: أن كون ذلك ملاكا غير معلوم، بل لعله في بناء السوق وامور الناس عليها دخل في ذلك، مضافا إلى أن حجية اليد بالنسبة إلى ما بعد وقوع اليد عليها مبني على عدم الانحراف في الأخذ والأعطاء كليهما. (1) الجواهر: ج 16 ص 105.

[ 496 ]

[... ] ومنها: أنه بعد الأخذ واستقرار اليد عليه تكون اليد حجة، ولازمها صحة الأعطاء. وفيه: أن حجية اليد بالنسبة إلى المعطي غير معلوم عند العقلاء والشرع، وإلا لجاز إعطاء اللقطة لكل من يدعي أنها له، وجاز إعطاء الأمانة لكل من يدعي أنها له من باب كونه وارثا لصاحبها أو لجهات اخر، ولعل كل ذلك معلوم العدم. وفي الجواهر: إنه يمكن الاحتيال بالدفع إليه وتوكيله في الأيصال إلى مستحق الخمس ولو كان المستحق هو بنفسه، إذا فرض عدالته أو قلنا بعدم اشتراطها (1). وتبعه على ذلك في العروة الوثقى (2) مع اشتراط العدالة. لكن قال في الأول: الأنصاف أنه لا يخلو من تأمل. وقال في الثاني: لكن الأولى بل الأحوط عدم الاحتيال المذكور. أقول: الوجه في صحته واضح، فإن القبض والأقباض كلاهما في الفرض المذكور يكون بيد الوكيل، ومقتضى أصالة الصحة في أعمال المسلمين هو الحمل على الصحة، وإلا لاشكل في جميع معاملات الوكيل، ومقتضى ذلك عدم اشتراط العدالة، إذ لم يقل أحد باشتراط العدالة في أصالة الصحة إذا تمت أركانها، فالصحيح أن يقال بعدم اشتراطها بعد فرض العلم بالقبض والأقباض على وجه الخمس وكان الشك في الصحة، والعدالة معتبرة في أصل تحقق الموضوع، ومن ذلك يظهر الخلط في كلامهما. لكن مقتضى ذلك جريانها في أداء الأمانة وما يشبه ذلك من الموقوفات المجهول مصرفها، ولا يصح الالتزام به عند المتشرعة والعقلاء.


(1) الجواهر: ج 16 ص 106. (2) كتاب الخمس، الفصل الثاني، المسألة 4.

[ 497 ]

[... ] ومن ذلك تحصل معضلة في المقام، فإن مقتضى أصالة الصحة هو الحكم بها وببراءة الذمة، ومقتضى عدم جواز أداء الأمانة بصرف الدعوى والتوكيل في الأعطاء إلى مستحقها ولو كان المستحق هو بنفسه: عدم جريانه من دون وجه يصح الاعتماد عليه. ويمكن أن يقال: إن الواجب في مثل الخمس وأداء الأمانة كون المال لدى المستحق، والأعطاء والأخذ مقدمتان لذلك، فالواجب هو كون المال لدى المستحق، وهو مردد بين الوجود والعدم، والعمل ليس بواجب بالذات حتى يصير اتصافه بالصحيح والفاسد موجبا للحكم بالصحة، فافهم وتأمل فإنه لا يخلو عن دقة وجودة، وبه ينحل الأعضال، والحمد لله المنعم المتعالي. ويمكن الاستدلال للاعتبار بذلك بوجوه اخر: منها: ما ورد في سماع دعوى الفقر، ففي خبر عامر وسعدان المروي عن حسن بن محبوب الذي هو من أصحاب الأجماع أنه: جاء رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا أبا عبد الله قرض إلى ميسرة، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (إلى غلة تدرك؟)، فقال الرجل: لا والله، قال: (فإلى تجارة تؤوب؟) قال: لا والله، قال: (فإلى عقدة تباع؟)، فقال: لا والله، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (فأنت ممن جعل الله له في أموالنا حقا) ثم دعا بكيس فيه دراهم فأخذ يده فيه فناوله قبضة ثم قال: (اتق الله ولا تسرف ولا تقتر ولكن بين ذلك قواما، إن التبذير من الأسراف، قال الله

[ 498 ]

[... ] عزوجل: ولا تبذر تبذيرا) (1). بيان: (تؤوب) يحتمل أن يكون مضارع (آب) أي تجارة ترجع إلى وطنك، من باب أن المعمول في السابق هو التجارة في الأسفار، ويحتمل أن يكون مضارع أب إذا قصد أي تجارة تقصدها أي تريد الاشتغال بها. وقوله (عقدة تباع) في الوافي: العقدة - بالضم -: الضيعة والعقار (2). وقوله عليه السلام: (إن التبذير من الأسراف) لعل المقصود منه أن التبذير في الأنفاق - بإعطاء المال المحتاج إليه في نفقته ونفقة عياله لغيره في مقام المفاخرة والصرف في ضيافة الموسرين - من الأسراف، كما أن الظاهر أن الاية الشريفة واردة في ذلك أيضا، قال تعالى: وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (3). والمظنون أنه في مقام نصح المستقرض وأنه لابد من تقدير المعيشة حتى يكون لك شغل من تجارة أو زراعة أو غير ذلك. وأما تقريب الاستدلال فلأن المستفاد منه أن الوجه والعلة في السؤال هو أن إعطاء شئ من المال يتوقف على إحراز الفقر، ولا خصوصية لما يشترط بالفقر وكأنه قال: لابد من السؤال، فإن إعطاء الحق المعلوم أو الصدقة يتوقف على إحراز الفقر، ومقتضى ذلك كفاية السؤال في إحراز الفقر. واحتمال (حصول العلم في المورد من القرائن الخارجية) يدفعه أن الظاهر من السؤال عدم معرفة الأمام عليه السلام بحاله، وإلا لكان يعرف أن له تجارة أم لا أو أنه لا عقار له ولا ينتظر حصول غلة، وليس البناء في تلك الامور على الاتكاء بما يعلم الأمام عليه السلام من


(1) الوسائل: ج 6 ص 27 ح 1 من ب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. (2) الوافي: ج 10 ص 379. (3) سورة الأسراء: 26.

[ 499 ]

[... ] غيب الأحوال. نعم، الظاهر أنه ليس في ظاهر حاله ما يوجب الاتهام، وحينئذ كان الفقر مما يثبت بذلك مع أن دعوى الفقر من دون وجود الحقيقة وتطابقها للواقع كثيرة جدا، ومنشأ ذلك خوف الفقر. وهذا بخلاف دعوى النسب، فإنه لم يعهد لنا الكذب حتى في مورد واحد، فحجية قول مدعي النسب ثابتة بالأولوية. وخلاصة التقريب بإثبات أمرين: أحدهما: دلالة الرواية على حجية دعوى الفقر في إعطاء الحق المشترط بالفقر، فيسري إلى الزكاة والخمس إن لم يكن المورد منهما. ثانيهما: ثبوت دعوى النسب بالأولوية. ومن ذلك يظهر وجه التمسك بخبر العرزمي عنه عليه السلام، قال: (جاء رجل إلى الحسن والحسين عليهما السلام وهما جالسان على الصفا فسألهما فقالا: إن الصدقة لا تحل إلا في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، ففيك شئ من هذا؟ قال: نعم، فأعطياه، وقد كان الرجل سأل عبد الله بن عمر وعبد الرحمان بن أبي بكر فأعطياه ولم يسألاه عن شئ، فرجع إليهما فقال: مالكما لم تسألاني عما سألني عنه الحسن والحسين؟ وأخبرهما بما قالا، فقالا: إنهما غذيا بالعلم غذاء) (1). بيان: في النهاية، فيه - أي في الحديث -: (لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع). الفظيع: الشديد الشنيع.


(1) الكافي: ج 4 ص 47 ح 7.

[ 500 ]

[... ] وفي المجمع في الحديث: (لا تحل الصدقة إلا في دين موجع أو فقر مدقع) أي المفضي صاحبه إلى الدقعاء - على وزن حمراء - أي التراب. فلعل المقصود أن الصدقة لا تحل إلا للمحتاج الذي هو فقير بالذات وبحسب عادة حياته ومعيشته، أو الذي ليس كذلك لكن عرض له عارض من دين لا يتمكن من أدائه أو ورود غرامة عليه ولو كان هي الدين الذي مات المديون أو لا يقدر على أدائه، فالغرامة المذكورة صارت سببا لاختلال معيشته ونقص رأس ماله مثلا. وتحصل مما نقلناه عن النهاية والمجمع اعتبار السند في الجملة وكون الحديث معروفا في اللغة في الجملة. وأما تقريب الاستدلال فهو كما مر، فلا نعيده. ويمكن أن يقال بكفاية الظن بالنسب من باب الانسداد، وهو إما من باب الحرج لو اكتفي بالمتيقن، وإما من جهة الحرج على المحتاج، فإنه لا يجوز التصدق عليه بالزكاة على وفق إقراره، ولو لم يجز إعطاؤه الخمس لزم وقوعه في الحرج، فلابد من حجية الظن بالنسب. ويمكن الحكم بالنسب من جهة حصول اليد على الخمس من جهته أو من جهة آبائه وأجداده، كما في اليد على الموقوفة التي بيد المتولي ولابد له من إعطائها إلى ولد الواقف مع عدم وجود الشاهد ولا العلم، فسبق أخذ الخمس بنفسه أو أبا وجدا على فرض الفقر نحو يد على المال، فهو لهم. ويمكن أن يقال أيضا بأنه لو حلف على ذلك يقبل قوله، لما دل على أن الحلف بالله حجة مطلقا، ففي الوسائل عن الفقيه:

[ 501 ]

[... ] قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من حلف لكم على حق فصدقوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدعي ولا دعوى له) (1). والأيراد عليه بالأرسال أولا، وبعدم دلالته على وجوب العمل ثانيا من جهة كونه في سياق (ومن سألكم بالله فأعطوه)، وبكون الذيل قرينة على عدم الأطلاق، وكون ذلك واردا في مورد اليمين المردودة من المدعي إذا لم يقم على دعواه شاهدا وأنه يذهب بدعوى المدعي ولا يجديه بعد ذلك إقامة الشهود ثالثا، كل ذلك مندفع: أما الأول فلأسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بنحو الجزم، وهو يدل على الشهادة باعتبار السند، مضافا إلى أن المفيد للأطلاق ليس غير هذا الخبر، ومقتضى ما تقدم منا مرارا شمول الشهادة التي في أول كتابه للفتوى على كل ما ليس متعددا في بابه، فتأمل. وأما الثاني فمندفع بالذيل الصريح في الحجية وذهابه بدعوى المدعي. وأما الثالث فلأن حمل الأطلاق في الصدر على ما ذكر في الذيل تخصيص بالفرد النادر، فهو إما حكم آخر ذكره وإما يكون بمنزلة التعليل للأطلاق الذي هو الأولوية، فإنه لو كان الحلف ذاهبا بدعوى المدعي ولو كان مقرونا بالقسامة - كما ورد في الخبر (2) - ففي غيره أولى. وليكن ذلك هو الوجه الثاني للأطلاق. ويمكن أن يستدل على ذلك بخبر ضمرة - الذي يمكن الاتكاء على سنده، من جهة كون ما في الخصال مرويا بسند صحيح عن البزنطي - عن أمير


(1) الوسائل: ج 18 ص 179 ح 2 من ب 9 من أبواب كيفية الحكم. (2) الوسائل: ج 18 ص 178 ح 1 من ب 9 من أبواب كيفية الحكم.

[ 502 ]

[... ] المؤمنين عليه السلام، قال: (جميع أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى (أو سنة جارية مع أئمة الهدى) (1). والظاهر أنه ليس المراد بالأحكام هي الأحكام الألهية التي توجهت إلى المسلمين، وإلا لم يكن للأعراض عن النبي صلى الله عليه وآله والقرآن في ذلك وجه بل لعل المقصود هو الأحكام الصادرة من المسلمين، وليست هي إلا الأحكام بالنسبة إلى الموضوعات، ومن المعلوم أنه ليس الحكم دخيلا في الحجية، بل الحجية دخيلة في الحكم. ومما ذكرنا يظهر جواز التمسك لحجية الحلف مطلقا بما ورد على حجيتها في مقام الدعوى، إذ كون الدعوى دخيلة في الحجية خلاف ارتكاز العقلاء، بل لما كان الحلف حجة جعل الاتكاء عليه في مقام الدعوى كالبينة واليد والأقرار. فتحصل من ذلك وجوه للاتكاء على قول مدعي النسب وعدم الاقتصار على الشياع المفيد للعلم أو البينة، منها: حجية الظن من باب الانسداد. ومنها: حجية ظهور حاله الذي يحصل بصرف عدم وجود قرينة في حاله يوجب سوء الظن نوعا بما يدعيه، للخبرين المتقدمين. ومنها: حجية يده على الخمس. ومنها: كفاية الحلف في ذلك. فما في العروة من الانحصار في الشياع المفيد للعلم وقوله بعد ذلك: (ويكفي


(1) الخصال: باب الثلاثة ح 195 والوسائل: ج 18 ص 168 ح 6 من ب 1 من أبواب كيفية الحكم.

[ 503 ]

[ وهو لا يخلو عن وجه إذا لم يكن مقرونا بما يوجب التهمة، والأحوط مع ذلك اعتبار الظن الفعلي، وأحوط منهما مع ذين الأمرين المسبوقية في أخذ الخمس، وأحوط من الكل اقتران ما ذكر بالحلف. والظاهر اعتبار دعوى الفقر في الخمس والزكاة على طبق ما مر *، لكن الأحوط الذي لا يترك في المسبوق بالغنى هو الوثوق أو الحلف * *. ] الشياع والاشتهار في بلده) (1) لا يخلو عن الأيراد والاختلال، فإنك قد عرفت عدم الانحصار بذلك، مضافا إلى أنه لا وجه لخصوصية الشياع بل لولا الوجوه المتقدمة لابد من العلم أو البينة. وأما قوله بكفاية الاشتهار في بلده فلعل الظاهر أنه يكفي في حصول العلم الاطميناني الشياع الذي في البلد، لا في أخذ الخمس حتى يقال: إنه إن كان مراده كفاية مطلق الشياع في البلد فهو ينافي ما تقدم من اشتراط كون الشياع مفيدا للعلم، وإن كان المراد أنه يكفي إذا كان مفيدا للعلم فهو واضح فإنه لا يحتمل أن لا يكون الشياع في بلد مدعي النسب المفيد للعلم ملاكا لأخذ الخمس، فإن الظاهر أنه يكفي ذلك في حصول العلم، فلا يرد ما في تعليق بعض علماء العصر رحمهم الله على العروة. نعم، يرد عليه أنه خارج عن وظيفة الفقيه، كما أن أصل اعتبار الشياع بما هو كذلك لا وجه له إلا الأرشاد إلى بعض ما يفيد العلم. ومن ذلك كله يظهر اعتبار قول مدعي النسب إذا لم يكن متهما، وهو الذي يكون موجبا للظن المعتبر عند العرف في الموضوعات العرفية. والأحوط حصول الظن الفعلي، وأحوط منهما اشتراط المسبوقية بالأخذ الموجبة لصدق اليد، وأحوط من الكل اقترانه بالحلف. * لما مر من الخبرين وغير ذلك من الوجوه المشتركة لدعوى النسب. * * لأن عدم الاستحقاق مقتضى الاستصحاب، والخبران واردان في غير (1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الثاني، المسألة 4.

[ 504 ]

[ مسألة: الظاهر اختصاص نصف الخمس ببني هاشم، ولا يشترك فيه بنو مطلب *، ] المعروف بذلك، كما لا يخفى. * كما هو المشهور بين الأصحاب، بل هو ظاهر معقد إجماع الانتصار وغيره، بل لم يعرف خلاف إلا ما حكي عن الأسكافي والمفيد في الغرية كما في الجواهر (1). وعمدة وجه الاشتراك بين الطائفتين موثق زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: (إنه لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، إن الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم). ثم قال: (إن الرجل إذا لم يجد شئ حلت له الميتة، والصدقة لا تحل لأحد منهم إلا أن لا يجد شئ ويكون ممن يحل له الميتة) (2). والجواب عنه تارة بالحمل على التقية، واخرى بالحمل على العطف التفسيري - الذي مفاده أن الهاشمي الذي هو المطلبي والمقصود منه عبد المطلبي، وحذف العبد في النسبة لا بأس به في اصطلاح العرب، والمقصود بيان أن الهاشمي منحصر في بني عبد المطلب - مدفوع: أما الأول فلأن أصل الخبر وارد في الطعن على خلفاء الجور، لقوله (لو كان العدل)، وإعطاء الخمس لبني هاشم خلاف ما هم عليه من منع ذي القربى سهمهم


(1) ج 16 ص 107. (2) الوسائل: ج 6 ص 191 الباب 33 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 505 ]

فكيف بضم بني مطلب، مع أن ذلك خلاف مقتضى الدليل، إذ لا فرق من جهة [... ] القرابة بين مطلب وسائر إخوة هاشم كعبد شمس والنوفل، فلابد من شركة بني امية في الخمس أيضا، فالتقية مقطوع العدم. وأما الثاني فلأن مقتضى العطف التفسيري هو عدم تكرار (لا) النافية، إذ لا وجه لتكرار ذلك كما لا يخفى. ومعارضته بما هو ظاهر في الاختصاص ببني هاشم وعدم استحقاق سائر بيوتات قريش تكون بنحو العموم والخصوص المطلق، إذ ليس مفاده إلا عدم استحقاق سائر البيوتات إما منطوقا - كخبر حماد المتقدم - أو مفهوما وهو مخصص بني المطلب. ورده بعدم خصوصية له، إذ لا فرق بينه وبين سائر إخوة هاشم من حيث القرابة، مدفوع أيضا بإمكان ملاحظة جهة في المطلب غير القرابة، وهو كفالة مطلب ابن أخيه عبد المطلب بن هاشم - كما هو معروف في التاريخ - فالمجئ به بنفسه من المدينة إلى مكة. وحينئذ يكون مدرك غير المشهور لا يخلو عن القوة لولا جهتان اخريان: إحداهما: إعراض المشهور عنه المؤيد بوجود خلل في الحديث، فإن صدره هكذا: قال: (مواليهم منهم، ولا تحل الصدقة من الغريب لمواليهم، ولا بأس بصدقات مواليهم عليهم) (1). فإن الخلل ثابت فيه من جهتين، إحداهما: وضوح سقوط صدر الكلام، ولعله كان في الصدر ما كان يوضح المقصود من الذيل. ثانيتهما: دلالة غير واحد من


(1) الوسائل: ج 6 ص 193 ح 5 من ب 34 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 506 ]

[ خلافا لما يحكى عن بعض الأصحاب *. مسألة: يجب إعطاء الخمس للأمام عليه السلام في عصر الحضور * *. ] الروايات على حلية الصدقة لموالي بني هاشم (1)، فيحمل (لا تحل) على الكراهة الشديدة. ويمكن حينئذ حمل (لا تحل) بالنسبة إلى بني المطلب على ذلك. ثانيتهما: احتمال أن يكون بنو مطلب ممن لهم سهم مما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، ولعله شامل لنصف الخمس أيضا، فلو كان العدل لكان الأمام يعطي بني المطلب من سهمه من الفئ ونصف الخمس فلم يكن يحتاج بنو مطلب كبني هاشم إلى الزكاة وكانت الزكاة محرمة عليهم بواسطة الفئ، وكان الموالي أيضا كذلك، فلو كان العدل لأعطى الأمام مواليهم من الفئ أو من سهمه من نصف الخمس فلم يكونوا محتاجين إلى الصدقات، فحرمة الصدقات على بني هاشم قبل إيجاب الخمس، فحيث حرمه الصدقات عليهم وجب إعطاء الخمس إليهم، وأما حرمة الصدقات على بني مطلب والموالي بعد فرض وجوب إعطاء الفئ للأمام وكذا إعطاء نصف الخمس إليه، وبعد ذلك كان يعطي الموالي وبني المطلب فتحرم عليهم الصدقة، فافهم وتأمل. وربما يظهر منه حكم آخر، وهو جواز إعطاء سهم من الفئ إلى بني مطلب وموالي بني هاشم، ولعله يجوز أيضا من سهم الأمام عليه السلام، بناء على كونه منه لغة أو حكما، فالمسألة بحمد الله اتضحت على طبق فتوى المشهور، والله المستعان. * كابن الجنيد الأسكافي والمفيد على ما تقدم نقله (2) عن الجواهر. * * كما في الجواهر، وفيها: إنه (المفهوم من النصوص والفتاوى) (3).


(1) الوسائل: ج 6 ص 192 الباب 34. (2) في ص 504. (3) الجواهر: ج 16 ص 109.

[ 507 ]

[... ] أقول: وهو الظاهر من خبر النيشابوري: فوقع (لي منه الخمس) (1)، وخبر أبي علي بن راشد، وفيه: وأي شئ حقه؟ فقال: (يجب عليهم الخمس) (2). والمكاتبة: (فمن كان عنده شئ من ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد لايصاله ولو بعد حين) (3). وخبر ابن سنان: (ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس) (4). ومرسل الصدوق الوارد في المال المختلط (ايتني خمسه)، (5) وصحيح ربعي، وفيه: (ويأخذ خمسه) إلى أن قال: (وكذلك الأمام أخذ كما أخذ الرسول صلى الله عليه وآله) (6). وفي مرسل حماد المعتبر: (يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعله الله له) (7). وفي صحيح البزنطي قال:


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 2 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ح 3. (3) المصدر: ص 349 ح 5. (4) المصدر: ص 351 ح 8. (5) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 3 من ب 10. (6) المصدر: ص 356 ح 3 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (7) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 508 ]

[... ] (ذاك إلى الأمام، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله كيف يصنع؟ أليس إنما كان يعطي على ما يرى؟ كذلك الأمام) (1). وفي المرسل المتقدم: (فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده) (2). وفي المرفوع: (فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فإن فضل شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده) (3). وهذا مما لا شبهة فيه. إنما الكلام في أنه هل الوجوب المذكور شرط في صحة الخمس، أو وجوب تكليفي محض، أوله حق الأخذ؟ وعلى الأخيرين هل هما باقيان بعد الأداء، فيجب على من يأخذه مراجعة الأمام عليه السلام؟ وعلى جميع الفروض فهل ذلك مقيد بالتمكن والحضور أم يكون مطلقا أم يكون مرجع الوجوه المذكورة أخذ الجميع والجمع عنده؟ فالشرط هو الجمع عنده والصرف بنظره الشريف، والأخذ مقدمة له، فهو حينئذ شرط أو حق أو صرف الوجوب التكليفي أو الشرط هو الاجتماع في محل واحد أو يكون ذلك واجبا ويكون الواجب أن يكون ذلك بيد الأمام عليه السلام بنحو تعدد المطلوب؟ والعمدة هي بيان مقتضى الدليل حتى يعلم حال زمان الغيبة، فنقول: الظاهر


(1) الوسائل: 6 ص 362 ح 1 من ب 2 من أبواب قسمة الخمس. (2) المصدر: ص 363 ح 1 من ب 3. (3) المصدر: ص 364 ح 2 من ب 3 .

[ 509 ]

[ والظاهر عدم لزوم الاستيذان من الفقيه في عصر الغيبة * بالنسبة إلى النصف من الخمس الذي هو سهم السادة، ] أنه لا ينبغي الأشكال في أنه لا يحتاج إلى إذن الفقيه، وسنوضح الحال إن شاء الله في التعليق الاتي. * وفي العروة الوثقى: يجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه، لكن الأحوط فيه أيضا الدفع إلى المجتهد أو بإذنه، لأنه أعرف بمواقعه والمرجحات التي ينبغي ملاحظتها (1). وفي المستمسك حكى في ذلك أقوالا: الأول: السقوط وإباحته للشيعة، لأن تقسيمه منصب الأمام، ولا دليل على ثبوت ولاية ذلك لغيره. الثاني: وجوب الدفن. الثالث: وجوب الوصية به، كما عن التهذيب. الرابع: التخيير بين الأعطاء والعزل والحفظ والوصية أو بين ذلك والدفن. الخامس: وجوب الأعطاء لكن بإذن الفقيه، وحكي عن زاد المعاد للمجلسي نسبته إلى المشهور، لأنه من وظيفة الأمام فيكون وظيفة نائبه. وقال السيد الحكيم قدس سره: وهو غير ظاهر. نعم، هو مقتضى قاعدة الاشتغال، للشك في ولايته على التعيين، ولا إطلاق واضح يقتضي ذلك، فتأمل جيدا. السادس: هو الأعطاء من دون الاحتياج إلى الأذن، ثم قال في المستمسك:


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الثاني، المسألة 7.

[ 510 ]

[... ] اختاره جماعة (1). انتهى. وهو المختار عندي. ويدل على ذلك امور: الأول: أن ما دل من الأخبار من وجوب الأيصال إلى الأمام كله راجع إلى عصر الحضور، فإنه على طوائف ثلاث، منها: مثل خبر النيشابوري (2) وأبي علي بن راشد (3) مما هو متعرض لقضايا شخصية راجعة إلى زمان الهادي أو العسكري أو إلى زمان أبي جعفر عليهم السلام، كالمكاتبة الامرة بالأيصال إلى وكيله (4). ومنها: ما دل على أن عمل رسول الله صلى الله عليه وآله كان كذا وعمل الأمام يكون كذا (5)، فهي أيضا راجعة إلى زمان تحقق العمل، فالمستفاد منها وإن كان أن حكمه كذلك، إلا أنه لا مطلقا، كما لا يخفى. ومنها: ما يدل على أنه يقسم ويعطي، المفروض فيه جمع الخمس عنده من دون تعرض لوجوب الجمع عنده، كما في مرفوع أحمد بن محمد عن بعض أصحابنا (6). وترى أن جميع ذلك غير راجع إلى عصر الغيبة الكبرى حتى يكون الفقيه نائبا عنه في ذلك، فيرجع إلى إطلاق الاية الشريفة غير المشترطة للأذن أو الأيصال. الثاني: عدم دليل مطلق يقتضي النيابة المطلقة في كل ما للأمام عليه السلام. الثالث: على فرض ذلك فيمكن أن يكون وجوب الأيصال إلى الأمام عليه السلام مضافا إلى إمامته - التي هي الرئاسة العامة في الدين والدنيا - من باب كونه رئيس الطائفة وأقرب الأشخاص إلى الرسول صلى الله عليه وآله أي من يكون جامعا بين صفة القرابة الماسة وكونه رئيس الطائفة وكونه إماما، والحكم الذي يكون من هذا القبيل ثبوته


(1) المستمسك: ج 9 ص 585 - 586. (2 و 3) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 2 و 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) كما في المصدر: ص 356 ح 3 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (6) الوسائل: ج 6 ص 359 ح 9 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 511 ]

[... ] للفقيه مقطوع العدم وإن كان الدليل وافيا بالأطلاق. الرابع: مع الغض عما ذكر لا دليل على وجوب الأيصال إلى الأمام عليه السلام أو الاستيذان منه من دون مراقبة المورد، بأن يكون ذلك من قبيل التشريفات، كما هو الظاهر من تعليق صاحب المستمسك على العروة حيث استشكل صاحب العروة في جواز دفع المالك الخمس إلى الأصناف الثلاثة بنفسه، ولكن أذن هو قدس سره للجميع (1)، فإن الاذن المذكور غير المقرون بالمراقبة الموجبة لاخذ الزائد ودفع الناقص عن السهم المبارك لا وجه له وليس بمعلوم الثبوت للأمام عليه السلام حتى ينوب عنه المجتهد. الخامس: أنه يمكن أن يقال: إن الأذن حتى مع المراقبة لم يثبت للأمام، بل المستفاد من الأخبار هو وجوب الأيصال خارجا والأخذ من يد الأمام عليه السلام، ولعل السر في ذلك حفظ كرامة السادة وعدم رجوعهم إلى المالكين، بل كان مرجعهم شخصا واحدا هو الأمام عليه السلام. وكون تأمينهم عليه غير مربوط بوصول الخمس إليه وعدمه وكفايته لحوائجهم وعدمها، فهو يعطي من أسهمهم أو من سهمه ما يغنيهم بذلك، كما يأتي إن شاء الله تعالى. السادس: أنه على فرض الغض عن جميع ذلك فلا دليل على الاشتراط، بل مقتضى الجمع بين إطلاق مثل الاية الشريفة (2) وما ورد في بيان معناها (3) وما ورد من وجوب الأيصال إلى الأمام عليه السلام (1): كون الواجب هو الأيصال إليه أو كون


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الثاني، المسألة 7. (2) سورة الأنفال: 41. (3) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، وص 355 الباب 1 من أبواب قسمة الخمس. (1) الوسائل: ج 6 ص 375 الباب 3 من أبواب قسمة الخمس.

[ 512 ]

[ بل الاحتياط بالاستيذان لعله خلاف الاحتياط *. نعم، الأولى والأحوط تكفل تلك المصلحة من قبل فقيه عادل مجتنب للهوى مطيع لأمر المولى بحيث يحفظ إكرامهم * *. مسألة: لعل الظاهر جواز إعطاء الخمس للهاشمي إذا كان محترفا أوذا ضيعة أو دار ولا تكفي منافعه لمؤونة سنته وإن كان المال بنفسه ] الأيصال إليه حقا له، لا أن يكون ذلك شرطا في الخمس بحيث لا يقع ما يعطى للسادة خمسا. ومقتضى ذلك الوجه: صحة المعطى خمسا وإن كان اخل بالواجب، على فرض كون الواجب حتى في زمان الغيبة الرجوع إلى الأمام عليه السلام وكون الفقيه نائبا في ذلك. السابع: أنه على فرض الغض عن جميع ذلك فلا دليل على أنه كان واجبا على الأمام ذلك حتى يكون واجبا على الفقيه ذلك. نعم، لو طالب الأمام عليه السلام لكان الواجب الايصال إليه، فلا دليل حينئذ على الفتوى بلزوم الارجاع إلى الفقيه إيصالا أو إذنا على جميع التقادير. * وذلك من باب قوة احتمال أن يكون لزوم الأيصال إلى الأمام عليه السلام الذي هو كما هو والذي له الرئاسة العامة والرئاسة في القبيلة والطائفة والذي عليه إتمام ما نقص عن معيشتهم نوع إكرام لهم، فلا يحتاجون إلى اللئام من الخلق أو غيرهم ممن يفتخرون بذلك أو يمنون أو يوهنون أو لا يدركون مالهم من العزة أو لا يراقبون مصالحهم بل يراقبون مصالح أنفسهم، وأين ذلك من الرجوع إلى الفقيه والرجوع إلى المالكين؟ فليس هذا إلا عكس المقصود، أم كيف ينطبق الاستغناء عن أوساخ ما في أيدي الناس على ذلك؟! المستلزم للرجوع إلى الناس والرجوع إلى الفقيه معا. * * وذلك لاحتمال درك بعض مصلحة قيام الأمام عليه السلام بذلك وصرف الزائد

[ 513 ]

[ كافيا لذلك *. ] في السهم المبارك وإتمام ما نقص عنهم من سهمه المبارك. * في الجواهر في كتاب الزكاة: إن الفقير الذي يحل له الصدقة هو الذي لا يملك قوت سنته بالفعل أو بالقوة، وإنه المشهور بين المتأخرين، بل هو المشهور من غير تقييد، بل الخلاف نادر (1). ونقل بعد ذلك قولين آخرين: أحدهما أنه من لا يجب في ماله الزكاة. الثاني أنه الذي لا يملك قوت عمره، نسب ذلك في المفاتيح إلى الشيخ قدس سره في المبسوط (2). أقول: لعل المراد بقوت سنته مالكية ذلك بحسب الملكة أي في كل سنة، بأن يكون له ضيعة تفي بمؤونة سنته أو يكون له شغل أو صنعة أو رأس مال كذلك، الذي هو عبارة اخرى عن القول الثالث. والذي يؤديه دقيق النظر في الخمس أن الملاك هو الاستغناء عن الناس في مدة عمره بحسب المتعارف إما بما ذكر، أو بالمالكية الفعلية لقوت عمره وهو في ما لا يقدر على العمل ولا على جعل بعضه رأس المال بشراء دار أو عقار أو بالمضاربة مع غيره، فيجوز للأخير أخذ ما يكفيه لعمره، وكونه خلاف المشهور غير مسلم، لأن كلامهم مبني على المتعارف بحصول الغنى بإعطاء رأس المال بحيث يكون منافعه كافية لجميع سنواته بحسب القاعدة ما دام لم تحدث حادثة من حرب أو زلزلة أو غير ذلك.


(1 و 2) الجواهر: ج 15 ص 304 - 307

[ 514 ]

[... ] ويدل على ما قلناه امور: الأول: الاية الشريفة (1). ويتم تقريب الاستدلال بها في طي امور: الأول أن المراد بالمساكين هم الفقراء أو يشمل الفقراء قطعا، وذلك للأجماع المحكي في الجواهر عن المسالك أي دعوى نفي الخلاف في أن المسكين إذا افترق عن الفقير فهو شامل له (2). الثاني أن الظاهر هو جواز أداء الخمس إليه ما دام هذا الوصف ثابتا له. الثالث أن الظاهر عند العرف صدق الفقير على من لا يملك قوت سنواته الاتية لا بالقوة ولا بالفعل، وإلا كان غنيا، إذ لا واسطة في العرف بين الفقير والغني الثاني: معتبر حماد الطويل، وفيه: (يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به) (3). فإن مقتضى الذيل أي قوله (نقص عن استغنائهم) وقوله (بقدر ما يستغنون به) هو أن الملاك مطلق الاستغناء. وأما الصدر فندعي أن الظاهر منه هو الاستغناء في سنتهم بالقول المطلق أي في كل سنة من سنوات عمرهم في قبال إعطاء رأس ماله يستغني به في نصف السنة في كل سنته، فهذا كما يقال: إن لزيد ملكا يفي بمؤونة سنته. وإن أبيت عن ذلك فيحمل عليه من باب كونه في مساق التعليل وبمنزلة أن يقال: (يعطي من الخمس لكي يستغنوا في سنتهم)، وظهور التعليل يأبى عن التعبد.


(1) سورة الأنفال: 41. (2) الجواهر: ج 15 ص 297. (3) الوسائل: ج 6 ص 363 ح 1 من ب 3 من أبواب قسمة الخمس.

[ 515 ]

والتحديد بالسنة الواحدة مع فرض الفقر المدقع بعد ذلك - دون أقل من ذلك ولا أكثر - تعبد محض لا يناسب مقام التعليل. وإن أبيت عن ذلك فيحمل المجمل في الصدر على المبين. هذا. خصوصا مع أنه ليس المفروض إعطاء الخمس في السنة الواحدة، فافهم وتأمل. الثالث: مرفوع أحمد بن محمد، وفيه: (فهو يعطيهم على قدر كفايتهم) (1). والاستدلال به ظاهر، فإنه لا وجه لحمل الكفاية المطلقة في العرف على السنة الواحدة، إذ لو فرض التقييد لا فرق بينه وبين كفاية الشهر أو اليوم واليومين، ولا ريب أن الكفاية المطلقة هي الكفاية الدائمة الحاصلة غالبا بكون ما بيده رأس مال يكفي ربحه أو غلته لسنته في جميع سنوات عمره. الرابع: ما ورد في باب الزكاة، مثل موثق سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ قال: (نعم، إلا أن تكون داره دار غلة فخرج له من غلتها دراهم ما يكفي به لنفسه وعياله، فإن لم يكن الغلة تكفيه لنفسه ولعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلت له الزكاة، فإن كانت غلتها تكفيهم فلا) (2). وغير ذلك من الروايات الناصة في استثناء رأس المال ولو كان بنفسه أزيد


(1) الوسائل: ج 6 ص 364 ح 2 من ب 3 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 161 ح 1 من ب 9 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 516 ]

[... ] من قوت سنة واحدة (1)، فإن حمل مثل الموثق على ما لو لم يكن دار غلته - ولو باعها - كافية لمؤونة سنته حمل على الفرد النادر، واستثناء ذلك لا وجه له إلا من جهة أن المطلوب وفاء رأس ماله بقوت سنته وأنه يحل له الزكاة إذا لم يكن كذلك، وإلا فلا فرق في نظر العرف بين أن يكون ما يكفي لقوت سنته ولا يكفي ربحه لقوت سنته، دارا أو نقودا، جعلها قبل ذلك رأس ماله أو يريد أن يجعله رأس ماله. ويدل على المطلوب أي استثناء رأس المال مطلقا في باب الزكاة: صحيح معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها أيكب فيأكلها ولا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة؟ قال: (لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة ويتصرف بهذه لا ينفقها) (2). فإن مقتضى الأطلاق أنه يأخذ من الزكاة وإن كان رأس ماله كافيا لقوته في سنته، بل ربما يشعر بالتعرض لخصوص صورة كفايته لسنته قوله (ولا يأخذ الزكاة) إذ لو كان غير كاف بذلك كان محتاجا إلى الزكاة أيضا، كما لا يخفى. ومعتبر أبي بصير - من جهة عدم قدح في السند إلا من جهة كون الراوي عنه علي بن أبي حمزة، وهو إن كان قادحا في الموارد الاخر لكن لا يكون قادحا في المقام، لأن الراوي عنه ابن أبي عمير، فراجع مشيخة الفقيه - قال:


(1) الوسائل: ج 6 ص 158 الباب 8 وص 161 الباب 9 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الوسائل: ج 6 ص 164 ح 1 من ب 12 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 517 ]

[... ] سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال كثير أله أن يأخذ من الزكاة؟ فقال: (يا أبا محمد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل)؟ قال: نعم. قال: (كم يفضل)؟ قال: لا أدري. قال: (إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، وإن كان أقل من نصف القوت أخذ الزكاة) قال: قلت: فعليه في ماله زكاة تلزمه؟ قال: (بلى). قال: قلت: كيف يصنع؟ قال: (يوسع بها على عياله في طعامهم وكسوتهم ويبقي منها شئ يناوله غيرهم، وما أخذ من الزكاة فضه على عياله حتى يلحقهم بالناس) (1). ولعل اشتراط زيادة نصف القوت للمخارج الاخر من الكسوة والمداواة والضيافة والمسافرة وغير ذلك، كما أن الحكم بوجود الزكاة في ماله محمول على الاستحباب على ما هو المذهب في مال التجارة ومقتضى الأطلاق جواز الأخذ ولو كان رأس ماله كافيا لقوت سنته. ويؤيد ذلك أيضا خبر عبد العزيز - غير المعتبر، اللائح من متنه آثار الصدق - قال: دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد الله عليه السلام فقال له أبو بصير: إن لنا صديقا - إلى أن قال: - وله دار تسوي أربعة آلاف درهم، وله جارية وله غلام يستقي


(1) الوسائل: ج 6 ص 159 ح 4 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 518 ]

[... ] على الجمل كل يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال أله أن يأخذ من الزكاة؟ قال: (نعم). قال: وله هذه العروض؟ فقال: (يا أبا محمد فتأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزه ومسقط رأسه أو ببيع خادمه الذي يقيه الحر والبرد ويصون وجهه ووجه عياله؟ أو آمره أن يبيع غلامه وجمله وهو معيشته وقوته؟ بل يأخذ الزكاة فهي له حلال، ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله) (1). ودلالته على ذلك تكون من حيث إطلاق الحكم ومن حيث التعليل الحاكم بأنه لا يباع ما هو معيشته. ولا يعارضه صحيح أبي بصير أو حسنه، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره). قلت: فإن صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة. قال: (زكاته صدقة على عياله، ولا يأخذها إلا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفذها في أقل من سنة فهذا يأخذها ولا تحل له الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة) (2).


(1) الوسائل: ج 6 ص 162 ح 3 من ب 9 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الوسائل: ج 6 ص 158 ح 1 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 519 ]

[... ] أما بيان التعارض فهو أن مقتضى إطلاقه أنه لو كان سبعمائة كافيا لقوت سنته لا يجوز له أخذ الزكاة ولو كان المقدار المذكور رأس ماله ولم يكن ربحه كافيا لمؤونة سنته. وأما دفعه فهو بأن يقال: إن قوله (ولا تحل له الزكاة لمن كان محترفا) موجب لألقاء ظهور ما قبله في الأطلاق، بل هو مشعر بأن الموضوع لعدم جواز أخذ الزكاة وجوازه في صورتي الكفاية وعدمها إنما هو بالنسبة إلى غير المحترف. فالظاهر أن جواز أخذ الزكاة للمحترف إذا كان رأس ماله ناقصا بالنسبة إلى مؤونة سنته من حيث العوائد مما لا إشكال فيه نصا وفتوى - كما أفتى به في العروة (1) - من غير فرق بين كون رأس ماله من قبيل الدار والضيعة وكان من الأعيان الثابتة أو غير ذلك، كما في الجواهر عن المدارك عن الشيخ والمحقق والعلامة وغيرهم، وعن المحكي عن الأردبيلي نسبته إلى صريح الأصحاب (2). لكن الأمر في مثل الدار والضيعة أوضح، لخلو ما يقتضي فيه جواز أخذ الزكاة عن شبهة التعارض. ولا فرق أيضا بين رأس المال أو غيره بأن يكون فقير أو هاشمي فقير لا يقدر على الاستفادة من رأس المال - لا بالمباشرة ولا بالتسبيب - فاستغناؤه منوط بأخذ الخمس أو الزكاة دفعة واحدة، فمقتضى القاعدة هو جواز الأخذ في البابين إلا أنه يحتاج ذلك في باب الزكاة إلى التأمل والتتبع، لكن مقتضى الدليل في باب الخمس ذلك بلا إشكال ظاهر ولو لم نقل بذلك في باب الزكاة، لما عرفت. والله المتعالي هو العالم.


(1) في الفصل السادس من كتاب الزكاة، المسألة 1. (2) الجواهر: ج 15 ص 308 - 309.

[ 520 ]

[ لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان رأس ماله كافيا لقوت عمره المتعارف *، بل الأحوط بل لعل الظاهر استثناء ما إذا كان قابلا للتبديل بما يفي ربحه بمؤونة سنته إذا لم يكن التبديل حرجيا * *. ] فإذا ثبت ذلك في الزكاة ثبت في الخمس أيضا، لأنه في كل ما يستحق الزكاة على تقدير عدم كون المستحق هاشميا يستحق الخمس في ذلك المورد. وهذا ما يستفاد من أخبار التعويض (1) وإن لم يكن ذلك دليلا على العكس، فيمكن أن يكون باب الخمس أوسع، كرامة لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله. * كما في الأراضي الملصقة بالمدن الكبار في عصرنا، فإن منافعها من حيث الزرع يمكن أن لا تكون وافية بمؤونة السنة ولكنها بنفسها كافية لمؤونة جميع عمره، وذلك لعدم صدق الفقير عليه قطعا. وفي الجواهر: (إن حل الزكاة لأمثالهم كما ترى)، (2) وكأنه بصدد الأيراد على الأصحاب من إطلاقهم الحكم بجواز أخذ الزكاة مع عدم وفاء الربح بمؤونة سنته. والعجب من صاحب العروة ومن علق عليها ممن عثرنا على تعاليقهم من الأطلاق وعدم استثناء ذلك (3). * * في الجواهر: إنه قد يتوقف في حل أخذ الزكاة في مثل ذلك، بل يمكن دعوى عدم شمول النصوص لذلك، حملا لها على المتعارف (4). أقول: ليس فيها ما قيدنا به الحكم في المتن من عدم الحرج، والظاهر دخالته


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 وص 359 ح 9 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الجواهر: ج 15 ص 311. (3) العروة: كتاب الزكاة، الفصل السادس، المسألة 1. (4) الجواهر: ج 15 ص 311

[ 521 ]

[ ولعل الظاهر إلحاق من يريد الاحتراف بمن هو محترف فعلا في جميع ما ذكر *. ] في الحكم المذكور. والدليل على ما ذكر: عدم صدق عنوان الفقير والمسكين في الزكاة والخمس. وأما دعوى إطلاق مثل موثق سماعة المتقدم (1)، فيمكن دفعه بما اشير إليه في الجواهر من الانصراف إلى المتعارف (2). وتوضيحه أن يقال: إنه لا وجه للانصراف إلى المتعارف في الأحكام الكلية المتعلقة بنفس موضوعاتها، لأنها من قبيل القضايا الحقيقية التي موضوعها تقدير الوجود، لا الموجود الفعلي، ولا يفرض الغلبة في التقدير المساوق للقضية الشرطية، بخلاف ما إذا كان الموضوع هو الخارج أو ما يحصل في الخارج بحسب النوع، فالحكم الكلي الذي مفاده مثلا وراثة الطبقة الاولى عن الميت لا يحمل على الغالب، وأما السؤال عما وقع في الخارج يحمل على الغالب، وليس له إطلاق بحيث يشمل فرض كون الابن أو البنت قاتلين لأبيهما، وكذا لو صار الابن موضوعا من باب المثال للموضوع الكلي فقيل: (إن دين الميت على ابنه) وكان ذلك من باب المثال للوارث فلا يشمل صورة عدم كونه وارثا. وفي ما نحن فيه لا يكون الدار الموضوع في موثق سماعة موضوعا حقيقيا للحكم بل هو من باب المثال، ومورد المثال هو الموضوعات الخارجية أو ما يحصل في الخارج بحسب النوع، وهو محمول على الغالب، فافهم وتأمل. ولا يخفى أن شبهة الأطلاق جائية في الفرع المتقدم مع جوابها، فالظاهر عدم جواز الأخذ. * والدليل عليه أمران: أحدهما إلقاء الخصوصية مما ورد في المحترف بنظر


(2) في ص 515. (1) الجواهر: ج 15 ص 311.

[ 522 ]

[ وأما من لا يقدر على الاحتراف أصلا وهو مالك لقوت سنته أو يكون محترفا وهو مالك لقوت سنته بالاحتراف ولكن يحتاج إلى الزكاة أو الخمس في السنين الاتية فهل يجوز له أخذهما مطلقا، أو يفصل بين اليأس من أخذهما بعد ذلك وغيره، أو يفصل بين الخمس والزكاة؟ وجوه. الأحوط ترك الأخذ لمن يطمئن بالعثور عليهما بعد ذلك وجواز الأخذ خصوصا في الخمس للايس عن ذلك بحسب العادة *. ] العرف قطعا في الزكاة، وقد تقدم أنه إذا حل أخذ الزكاة حل أخذ الخمس. ثانيهما أن الحكم بذلك من باب صدق الفقر بل لعله أولى من المحترف بالمراعاة، لأن المحترف مالك للمنافع أو في حكمه بخلاف غير المحترف وأولى بصدق عنوان الفقير عليه، مع أن الظاهر صدق عنوان الفقير عليه عرفا، فإنه محتاج إلى رأس ماله للسنين الاتية، فلا فرق بين رأس المال والدار التي اتخذها مسكنا لنفسه، كما أن الحكم أيضا واضح لمن يكفي أمواله لقوت عمره وأنه ليس بفقير عرفا فلا يشمله دليل الزكاة والخمس. * فيمكن أن يقال: إنه لا يحل له الزكاة، وذلك لمعتبر أبي بصير المتقدم (1). ويمكن التمسك بخبر الدغشي الذي لا يبعد اعتباره من جهة نقل صفوان ومن جهة كونه الميثمي، لأن الطريق هو بعينه طريق الصدوق رحمه الله إلى الميثمي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن السائل وعنده قوت يوم أيحل له أن يسأل؟ وإن اعطي شئ من قبل أن يسأل يحل له أن يقبله؟ قال: (يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة، لأنها إنما هي من سنة إلى سنة) (2).


(1) في ص 517. (2) الوسائل: ج 6 ص 160 ح 7 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 523 ]

[... ] وجه الاستدلال أن يقال: إنه لا وجه للاكتفاء بقوت السنة إلا من جهة عدم جواز أخذ الزكاة إذا ملك قوت سنته، فافهم. ولا يعارض ذلك بإطلاق ما دل على أن الصدقات للفقراء لوجوه: منها: التخصيص إن لم نقل إن المعتبر حاكم عليه، من جهة كونه بصدد بيان ما هو المقصود من الفقر عرفا. ومنها: عدم شمول الاية له، إذ لا وجه للشمول إلا من جهة كون المورد فقيرا بالنسبة إلى جميع آنات حياته وإن لم يكن فقيرا بالفعل، وهو يحتاج إلى لحاظ جميع حالات عمره وملاحظة المجموع أمرا واحدا، وهو عناية زائدة، فالظاهر هو الفقير الفعلي في الحول، والحول مستفاد من أخذ الحول في الزكاة، كما ربما يشير إليه التعليل المتقدم في خبر الدغشي. ومنها: أنه على فرض التعارض يرجع إلى أصالة عدم استحقاقه لمال كان يملكه صاحبه قبل النصاب وقبل حلول الحول. إن قلت: إن الأولوية المشار إليها في الفرع المتقدم جارية في المقام، فإن من يملك قوت سنته ولا يحترف ولا يقدر على الاحتراف أولى بالمراعاة وأولى بصدق عنوان الفقير عليه من المحترف، فإنهما يشتركان في مقدار المال بالفرض والمحترف يقدر على الوصول إلى العوائد التي تقابل أصل رأس المال بأضعاف مضاعفة. قلت أولا: إنه لعله لوحظ مراعاة الفقراء أيضا، فإنه لافرق بالنسبة إليه من أخذ الزكاة في تلك السنة أو بعد ذلك، ولا فرق بالنسبة إلى الفقراء أيضا من حيث كمية المال المأخوذ من الزكاة ولكن لوحظ باقي الفقراء من حيث إعطاء ما كان يعطى إليهم في تلك السنة، وأما بالنسبة إلى المحترف فإنه لو كان مأمورا بالارتزاق

[ 524 ]

[... ] من رأس ماله فإنه يتم رأس ماله حينئذ ويكون كلا على الزكاة جميع سنوات عمره ولوحظ أيضا نفسه فهو أولى بالمراعاة، من جهة أنه إن كان مأمورا بإتلاف رأس ماله فقد أتلف مالا كثيرا، بخلاف من لا يحترف، فإن ماله هو الذي يأكله، وأما الفقر فإن كان الفقر ملحوظا بالنسبة إلى جميع العمر فهو أفقر ممن له رأس المال، وإن كان الفقر ملحوظا بالنسبة إلى تلك السنة - كما هو محتمل التعليل الوارد في خبر الدغشي المتقدم (1)، وله وجه قوي بالنسبة إلى مثل الاية الشريفة (2)، من جهة أن الصدقة هي المأخوذة فيها الحول - فالفقير فقير الحول، فهو ليس بفقير، بخلاف المحترف فإنه فقير في تلك السنة، فإن رأس ماله مما يحتاج إليه في السنين الاتية، فهو فقير في أن يأخذ من الزكاة فعلا. فلعل الحكم واضح إن شاء الله تعالى إذا فرض القدرة على أخذ الزكاة في السنة القادمة، وأما إذا فرض عدم القدرة على الأخذ إلا في تلك السنة فهو ليس بذلك الوضوح، وذلك من باب أنه وإن كان مشمولا لأطلاق صحيح أبي بصير أو الحسن المتقدم (3) إلا أنه يمكن أن يكون مصداقا للفقير، لأنه فقير في الأخذ وإ لم يكن فقيرا في الصرف، فيمكن أن يدعى أنه مشمول لأطلاق مثل الاية الشريفة (4). ويمكن الاستدلال بالتعليل في خبر الدغشي المتقدم (5)، بناء على كون المقصود أنه حيث يكون الزكاة من سنة إلى سنة فلا يقدر الفقير نوعا على أخذ الزكاة في طول السنة فلابد أن يأخذ مقدار قوت سنته. لكن التعليل محتمل لوجه آخر تقدم الأيماء إليه من كون الحكم العام الذي


(1 و 5) في ص 522. (2 و 4) سورة التوبة: 60. (3) في ص 518.

[ 525 ]

[... ] موضوعه الفقراء هو الحكم في الحول، فهو موجب لانصراف الفقير إلى فقير الحول فلا يمكن الاعتماد عليه. وأما الاية الشريفة فالأطلاق من حيث الفقر في المصرف بعد ذلك تقدم أنه يحتاج إلى عناية زائدة، وأما من حيث الفقر إلى الأخذ فخلاف المنصرف إليه. وإن أبيت عن ذلك فنقول: إن متعلق الفقر غير مذكور في الدليل ومحول إلى ما هو المنصرف إليه، وهو مردد بين الفقير إلى الصرف أو الفقير إلى المال ولو من حيث الأخذ، وحيث لا يكون في الكلام فليس في المتن عنوان يتمسك بإطلاقه، فالقدر المتيقن هو الفقير في الصرف في الحول، الملازم لكونه فقيرا إلى الأخذ كذلك. وثانيا: على فرض الأطلاق له من حيث لحاظ المصرف بالنسبة إلى مجموع العمر حيث ورد التخصيص من تلك الجهة ولم يكن له إطلاق من جهة الفقر في الأخذ فلا إطلاق حجة في البين. وثالثا: يكون المعتبر حاكما كما عرفت وجهه. ورابعا: يكون مخصصا. هذا إذا كان صاحب مال بالفعل بالنسبة إلى قوت سنته، وأما إذا كان محترفا في تلك السنة فيملك قوت سنته بالاحتراف لكن لا يقدر بعد ذلك عليه، فالظاهر أنه بكلا شقيه ملحق بالأول - أي من غير فرق بين كونه فقيرا في الأخذ في تلك السنة أو غير فقير من تلك الجهة - وذلك لعدم الدليل. هذا بالنسبة إلى الزكاة. هذا، لكن في ما ذكر إشكال. وجه الأشكال: إطلاق الاية الشريفة. وتقريبه أنه ليس المقصود بالاية الشريفة (1) مع قطع النظر عن الأدلة الاخر هو الفقر


(1) سورة التوبة: 60.

[ 526 ]

[... ] الفعلي، فإنه ليس بناء العقلاء بالنسبة إلى مساعدة فقرائهم ذلك، خصوصا مع كون الحد الذي يمكن إعطاء الزكاة هو الغنى، فإن ذلك موجب للحرج العظيم فلابد أن يؤتى لكل فقير قوت يومه وبعد اليوم قوت ليلته، فالمجموع ملحوظ في جري عنوان الفقراء، فالأمر يدور بين التحديد بالسنة وعدمه، ومقتضى الأطلاق عدم التحديد. وكون الزكاة مشروطا بالحول لا يقتضي كون الفقر محدودا به، خصوصا مع عدم اشتراط الغلات بالحول، والحول المشروط به الزكاة في ما فيه الحول هو الحول من حين الوجوب إلى الوجوب، والحول المدعى في المقام هو الحول من حين الأداء، فلا وجه للتقييد بالسنة من حيث الفقر. هذا. مضافا إلى الروايات الحاكمة بإعطاء الزكاة حتى يغني (1)، الصريحة في غير الغنى الفعلي - أي الغنى اليومي الحاصل بإعطاء قليل من الزكاة -، ومضافا إلى أن في بعضها السؤال عن إعطاء ثمانين ومائة، قال: (نعم، وأغنه إن قدرت أن تغنيه) (2)، وبعضها حسن وصحيح. ومن المعلوم أنه لا وجه للحمل على خصوص الأعطاء الدفعي، إذ لا يدفع الزكاة - خصوصا مثل المواشي - دفعة، كما أن النقود القديمة لا تدفع دفعة، فهذا يدل على جواز إعطاء المالك لقوت سنته بمقدار يستغني عن الناس بتملك رأس مال يكفيه وإذا لم يقدر على ذلك يجوز أن يتملك ما يقوت به عمره، فيحمل ما يدل على الاكتفاء بقوت السنة إما على جواز ذلك - كما هو المستفاد من خبر بشر (3) وخبر ابن الحجاج (4) - أو على الاستحباب. وما في خبر ابن الحجاج - المتقدم إليه الأيماء - من الكي بين عينيه فلعل المنساق منه الادخار وعدم الصرف والصرف من الزكاة أو الصدقات مع أنه من ادخار الصدقات.


(1) الوسائل: ج 6 ص 178 الباب 24 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المصدر: ص 179 ح 3 من ب 24. (3 و 4) الوسائل: ج 6 ص 180 ح 8 و 9 من ب 24 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 527 ]

[... ] إن قلت: يمكن العكس، بأن يحمل ما تقدم - من المستفيضة الدالة على الأعطاء إلى حد الغنى - على قوت السنة. قلت: بعد كون الملحوظ فيها من حيث الغنى مجموع الانات المستقبلة - لوضوح أنه ليس المراد به الغنى الفعلي الذي يحصل بدرهم أو أنقص - فحملها على خصوص السنة الواحدة حمل المطلق على الفرد النادر. هذا، مع أنه إذا فرض الاحتياج فتأمين ذلك دفعة واحدة أولى بحفظ شرف الأنسان المؤمن مع عدم الفرق من حيث الجهات الاخر، مضافا إلى أن عدم جواز الأخذ في اليوم الأول من السنة وجوازه في اليوم الثاني دفعة واحدة بمقدار قوت السنين المتعددة - على ما هو المشهور بينهم - خلاف المرتكز العقلائي. ويدل في الخمس على جواز الأخذ في الشق الثاني من شقي الفرع المبحوث عنه - وهو عدم العثور على ما يستحقه بعد تلك السنة - قوله عليه السلام في معتبر حماد: (فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة) (1). وهو كالصريح في الجواز، إذ تقييد الجملة المنقولة عنه بالسنة الواحدة مما يستقل العقل بقبحه. ويدل عليه بالنسبة إلى الزكاة والخمس قوله فيه: (فلم يبق فقير من فقراء الناس ولم يبق فقير من فقراء قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله إلا وقد استغنى) (2). فإن الظاهر منه أن عدم الفقر هو المقصود الأصلي من جعل الخمس والزكاة،


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) المصدر.

[ 528 ]

[... ] والمفروض أنه إن لم يأخذهما لابد من السؤال عن الناس مثلا في السنة اللاحقة. وأما ما تقدم من المعارض لذلك من معتبر أبي بصير المتقدم (1)، فهو غير صريح في التعارض، لأمكان أن يكون لفظة (أنفذها) في قوله: (إذا اعتمد على السبعمائة أنفذها في أقل من سنة) بالذال المعجمة - كما في الوسائل التي عندنا وهي طبعة طهران - والمقصود حينئذ أنه يجريها في الاستنماء وتحصيل الفوائد في أقل من سنة، فيكون المقصود من الصدر والذيل هو المحترف الذي له رأس مال بمقدار سبعمائة - وغير المحترف خارج عن مصب الرواية - أو الأعم من المحترف والقادر عليه، فإن غير القادر على الاستنماء من سبعمائة نادر خارج عن مورد الرواية الذي هو المثال، وقد مر أن المثال محمول على الغالب، أو يقال: إنها بالدال المهملة لكن الغالب هو العثور على أخذ الزكاة في السنوات الاتية، وعدم القدرة عليه نادر نوعا، خصوصا إذا فرض أنه مع عدم القدرة قادر على التكسب في السنوات الاتية، فلا يدل على عدم حلية الزكاة بالنسبة إلى صورة اليأس عن القدرة على أخذ الزكاة أو الكسب وكان أمره منحصرا بالسؤال والتكدي. وأما رواية الدغشي المتقدم (2) فهي غير صريحة ولا ظاهرة في عدم جواز أخذ الأكثر من قوت سنته، فإنها واردة لبيان جواز الأخذ بمقدار قوت السنة وإن كان واجدا بمقدار قوت شهر، وعلى فرض الدلالة تحمل على الاستحباب كما تقدم (3). فالظاهر أن الأصح جواز أخذ الزكاة وإن كان الاحتياط لا يترك لمن يقدر على أخذ الزكاة أو الخمس في السنين القادمة، وأما بالنسبة إلى من لا يقدر على ذلك فالاحتياط ضعيف لا سيما في الخمس، لصراحة خبر حماد في جواز الأخذ لأن لا يصير في موضع الذل والمسكنة.


(1) في ص 518. (2) في ص 522. (3) في ص 526.

[ 529 ]

[ مسألة: هل يجوز أخذ الزكاة والخمس للقادر على الاحتراف من الصنائع والأعمال البدنية أو لا يجوز ذلك؟ فيه خلاف بينهم *. ] * في الجواهر عن المدارك: نسبة عدم الجواز إلى المشهور. وفيها عن مفتاح الكرامة: إنه مما لا خلاف فيه كما في تخليص التلخيص، إلا ما حكاه في الخلاف وهو نادر. لكن اختار قدس سره بنفسه جواز الأخذ بعد أن أشكل في ذلك وجعل منشأ الأشكال اختلاف عبارات الأصحاب في المقام فنقل عن نهاية الشيخ قدس سره والتحرير والدروس والبيان أن المعتبر هو الاحتراف الفعلي وأنه الذي لا يحل له الزكاة، ونقل عن المفيد قدس سره وعن الغنية مع الاستدلال بالأجماع، وعن السرائر والمدارك ومفتاح الكرامة والقواعد ما يكون ظاهرا أو صريحا في عدم حلية أخذ الزكاة للقادر على التكسب والاحتراف، وهو صريح عبارة الشرائع، ثم اختار بعد ذلك الجواز (1). ونحن نذكر الأخبار الواردة حتى يتضح أن الحق ما نسب إلى المشهور والمجمع عليه بين الأصحاب المنقول في الغنية والتخليص، فنقول: يدل على المشهور المنصور امور: منها: صحيح زرارة أو حسنه - بإبراهيم - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: (إن الصدقة لا تحل لمحترف، ولا لذي مرة سوي قوي فتنزهوا عنها) (2). وفي الوسائل: إنه رواه المفيد في المقنعة. بيان: (ذو مرة) إما بمعنى ذي العقل الصحيح - كما في اللغة - فيكون المراد من يكون سالما من حيث العقل وسويا من حيث الأعضاء البدنية وقويا له القدرة


(1) الجواهر: ج 15 ص 312 - 314. (2) الوسائل: ج 6 ص 159 ح 2 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 530 ]

[... ] على العمل، وإما بمعنى الاستحكام في الخلق - كما في الحبل الذي هو ذو مرة - الذي لازمه القوة والقدرة على الأعمال الصعبة. ومنها: صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي، ولا لمحترف، ولا لقوي) قلنا: ما معنى هذا؟ قال: (لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر أن يكف نفسه عنها) (1). بيان: يحتمل أن يكون (مرة) في هذا الحديث الشريف هي العقل السالم، لذكر القوي بعد ذلك. ومنها: خبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام: أنه كان يقول: (لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي) (2). ولا يخفى أن السند صحيح إلى أبي البختري - وهو وهب بن وهب - وقد حقق المحدث النوري في خاتمة المستدرك في رمز (شله) أن كتابه معتبر لامور: منها: كونه مذكورا في مشايخ الصدوق، ونقله في الفقيه عنه روايات كثيرة مع أنه قال قدس سره في أول الفقيه ما هو معروف. ومنها: نقل عدة من الثقات عنه عدها فيها. ومنها: نقل الحميري الجليل ما يزيد على مائة حديث بنسق واحد عن السندي بن محمد الموثق عنه، فكتابه معتبر (3). ولكن عندي فيه نظر، فإنه يظهر من مراجعة ترجمته أنه كان لا يبالي في


(1) الوسائل: ج 6 ص 160 ح 8 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة عن معاني الأخبار: ص 262. (2) الوسائل: ج 6 ص 161 ح 11 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) المستدرك: ج 3 من الطبعة الحجرية ص 692 (الفائدة الخامسة).

[ 531 ]

[... ] جعل الحديث وقيل فيه: (إنه كذاب) و (إنه من أكذب البرية) و (إنه نقض الأمان)، وكأنه كان بحسب الظاهر يميل إلى الرشيد وأفتى بقتل من كان الرشيد يميل إلى قتله فوهبه منصب القضاء ووصله بمال كثير، وحينئذ كيف يمكن أن يكون كتابه معتبرا بمعنى أنه تنزه عن الكذب في خصوص ذلك الكتاب؟!، ولذا نقل عن الغضائري أنه روى عن جعفر بن محمد عليهما السلام أحاديث كلها لا يوثق به. ونقل الفقيه وكذا قرب الأسناد وغير ذلك لا يدل على الاعتبار، لعدم معلومية الاستناد إليه منفردا في موضع من المواضع. ونقله إذا كان موافقا للأخبار المعتبرة الاخر لا يدل على الاعتماد بكتابه حتى يستند إليه في موضع الانفراد، فغاية الأمر أن حديثه مؤيد للحديثين المعتبرين السابقين. والله المتعالي هو العالم بالحقائق. ومن أدلة المشهور: عدم صدق الفقير والمسكين عليه، لعدم فقره إلى أخذ الزكاة والخمس. ومنها: أنه على فرض الشك لا يمكن الأداء إليه، لأن مقتضى الاستصحاب عدم مالكيته لذلك، وليس المقام مقام البراءة عن القيد المشكوك (بأن يقال: إن المسلم أصل فقد المال، وأما الاشتراط بعدم القدرة على التحصيل فمقتضى حديث الرفع مثلا إلقاء قيديته، وهو مقدم على الاستصحاب) وذلك لأنه ليس في المقام حكم تكليفي محض مردد بين المطلق والمقيد، بل جعل الله تعالى الزكاة ملكا لعدة عناوين، والواجب التكليفي هو إيصال الحق إلى صاحبه، وموضوع ذلك التكليف معلوم بحسب المفهوم غير مردد بين الأقل والأكثر، وعند تردد الأمر في مقام الامتثال بينهما يرجع إلى البراءة. وتردد موضوع الوضع بين المطلق والمقيد والرجوع إلى رفع القيد بإطلاق حديث الرفع لا يثبت الأطلاق الذي به يثبت كونه ذا حق يجوز أداء الزكاة إليه. وهذا بخلاف التكليف، فإن عدم التكليف

[ 532 ]

[... ] بالقيد كاف في رفع العقوبة ولا يدور الأثر مدار ثبوت التكليف بالمطلق على وجه الأطلاق، فتدبر. وهذا المعنى جار في الوصايا والأوقاف. فما نسب إلى المشهور في الزكاة - والظاهر إلحاق الخمس به - هو الأصح لا سيما في الزكاة. ولا يعارض ذلك بصحيح معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يروون عن النبي صلى الله عليه وآله أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (لا تصلح لغني) (1). ومرسل الصدوق عن الفقيه: وقيل للصادق عليه السلام: إن الناس يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي) فقال: (قد قال: لغني ولم يقل لذي مرة سوي) (2). ومرسله الاخر عن معاني الأخبار عن الصادق عليه السلام أنه قال: (قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الصدقة لا تحل لغني، ولم يقل: ولا لذي مرة سوي) (1). بيان عدم المعارضة: أما الصحيح فلعدم ظهوره أصلا في الأنكار، بل لعل المقصود بيان كلام النبي صلى الله عليه وآله بأنه لا تصلح الصدقة للغني الذي يكون ذو مرة سوي من أفراده، فهو تأييد مشتمل على ما يوافق الارتكاز وأن العلة فيه هو الغنى، وهو المناسب


(1) الوسائل: ج 6 ص 159 ح 3 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الوسائل: ج 6 ص 159 ح 5 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) المصدر: ص 160 ح 9.

[ 533 ]

[... ] لقوله عليه السلام (لا تصلح) الذي مفاده أنه مما يدركه الذوق وأنه مما لا يصلح الذكاة له لانه غني. وعلى فرض الظهور في الأنكار فيرفع اليد عنه من جهة الجمع بينه وبين صحيح معاني الأخبار - الصريح في أنه صلى الله عليه وآله قال ذلك - وأن الجامع بين الغني والمحترف والقوي وذي المرة هو عدم الاحتياج الذي هو عين الغنى. وأما المرسلان فالظاهر كونهما واحدا ذكره تارة في الفقيه واخرى في معاني الأخبار، وكلاهما مفاد صحيح معاوية بن وهب، ولذا اعترف بذلك في الجواهر مع ذهابه إلى خلاف المشهور، فقال قدس سره: وكأنه إليه أشار الصدوق في الفقيه بقوله: قيل للصادق عليه السلام... (1). فحينئذ إما أن الصدوق فهم من ذلك الأنكار فنقل ذلك بالمعنى وإما لم يفهم هو أيضا ذلك، بأن يكون قوله: (ولم يقل ولا لذي مرة سوي) مقولا لقول الصدوق أي لم يقل الصادق عليه السلام: (إن رسول الله قال: ولا لذي مرة سوي)، فالمعتبران المتقدمان فارغان عن المعارض. فلا محيص عن المشهور الذي لم يعلم خلاف معتد به إلا من صاحب الجواهر، وذلك من العجائب، فإنه قدس سره مع ندرة مخالفته المشهور خالفهم في هذا المقام مع ضعف المستند، فإنه قد فرض أولا اختلاف عبارات الأصحاب في اعتبار الاحتراف الفعلي في عدم حلية الزكاة أو الأعم منه والقدرة عليه، واستدل بعد ذلك على الجواز أولا بما تقدم في حسن زرارة أو صحيحه من قوله عليه السلام فتنزهوا عنها " الظاهر في الكراهة، وبذلك يتصرف في ظهور " لا تحل " فيحمل على الكراهة، وثانيا بإنكار أبي عبد الله عليه السلام في صحيح معاوية بن وهب أن


(1) الجواهر: ج 15 ص 313.

[ 534 ]

[... ] رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (ولا لذي مرة سوي)، والأنكار ظاهر في جواز أخذها له، وثالثا بإطلاق الدليل، ورابعا بالسيرة المستمرة على إعطائها للأقوياء القابلين للاكتساب، وأيده بما عساه يظهر من بعضهم من الأجماع على جواز إعطاء ذي الصنعة إذا أعرض عنها وترك التكسب بها (1). وفي ما ذكره قدس سره مواقع للنظر: الأول: أنه لا اختلاف في ما نقله من عبارات الأصحاب بوجه من الوجوه، فإن مفاد العبارات التي ذكرها بعنوان أنهم يعتبرون الاحتراف الفعلي ليس مفادها إلا التعرض للمحترف الفعلي من حيث وفاء عوائده بمؤونته وأنه يأخذ الزكاة ولو كان له سبعمائة الوافي بمؤونة سنته وأنه لا يأخذ الزكاة إذا وفى ولو كان مالكا لخمسين درهما، كما في عبارة الشيخ، بل في عبارة الشيخ (يقدر أن يتعيش بها) الشامل لغير المحترف. الثاني: أنه لا ظهور لمادة التنزه في الكراهة أصلا، بل هي ظاهرة في الحرمة قطعا، وذلك من باب الخلط بين الاصطلاح المتداول عند الفقهاء - من إطلاق النهي التنزيهي على المكروهات والتحريمي على المحرمات - واللغة، وإلا ففي اللغة لا شاهد على ذلك أصلا، فإنا إذا قلنا: (إن الله تعالى منزه عن القبائح) هل معناه أن الأصلح أن لا يرتكب القبيح؟! بل معناه أنه لا يجوز له ذلك، كما أن المكروه كذلك، فإن قوله تعالى: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (2) بعد قوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق (3) وقوله تعالى ولا تقربوا الزنى (4) وقوله عز من قائل ولا تقتلوا النفس التى حرم الله (5) لا يراد به إلا


(1) الجواهر: ج 15 ص 312 - 314. (2) سورة الأسراء: 38. (3) سورة الأسراء: 31. (4) سورة الأسراء: 32. (5) سورة الأسراء: 33.

[ 535 ]

[... ] الحرمة الشديدة، كما لا يخفى. الثالث: أنه على فرض الظهور فلا وجه للجزم بالتصرف في ظهور (لا تحل) بذلك، فلم لم يكن بالعكس كما في المستمسك (1)؟! (وإن كان فيه إشكال ولعله أيضا ناش من الخلط بين الحلية الاصطلاحية في الفقه التي في قبال الحرام والعرفية اللغوية التي يمكن التطبيق على المكروه أيضا، فإنه ليس الطريق إلى المكروه مفتوحا وليست العقدة منحلة من جميع الجهات وإن كان ظاهرا في الحرمة). نعم، لو كان الدال على الحرمة هي النهي، كأن يقال: (لا يأخذ الزكاة) كان ما دل بمادته على الكراهة مقدما عليه على مبنى عدم ظهور البعث والزجر في الوجوب والحرمة، بل هما ظاهران في البعث والزجر، وهما حجتان على الوجوب والتحريم إذا لم يقم دليل على الأذن في الخلاف، وفي المقام يكون دلالة عدم الحلية على التحريم بالمادة ودلالة (تنزهوا عنها) على الكراهة - على المفروض الممنوع - بالمادة أيضا، فلا ترجيح لأحدهما على الاخر. الرابع: أنه لا دلالة لصحيح معاوية بن عمار على الأنكار - كما مر وجهه - بل هو ظاهر عندي في مقام بيان التعليل المحمول على الارتكاز بقرينة (لا تصلح) فكأنه قال: نعم، فإنه لا ينبغي للغني أن يأخذ الزكاة ولا يصلح له ذلك. الخامس: أنه على فرض الدلالة على الأنكار لا يدل على جواز الأخذ كما هو ظاهر، فلعل وجهه كفاية (غني) لذلك. السادس: أنه على فرض دلالة الأنكار على الجواز يعارض ذلك بصريح خبر معاني الأخبار المتقدم (2) الدال على أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك، فيجمع بينهما عرفا بأن الصحيح (3) الخالي عن ذكر (ذي مرة) بصدد بيان المعنى، كما أنه


(1) ج 9 ص 220. (2 و 3) في ص 532

[ 536 ]

[ والأقوى عدم الجواز * ] كذلك في صحيح معاني الأخبار (1). السابع: أنه على فرض عدم الجمع العرفي يرجع إلى المرجح، ولا ريب أن الترجيح من حيث الشهرة الروائية والفتوائية في دليل المنع، وكذا من حيث الأعدلية والافقهية، لأن الراوي زرارة بن أعين في المعتبرين (2) المؤيدين بخبر أبي البختري (3)، لا سيما مع عدم وجه للحمل على التقية في المورد بالنسبة إلى خبر معاني الأخبار، لأن ظاهره أن أبا جعفر عليه السلام بنفسه روى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا تقية في ذلك أصلا إلا بوجه بعيد كثير البعد لا يعبأ به في مقام الترجيح المحول على الجهات العرفية. الثامن: أنه على فرض التكافؤ يرجع إلى العموم الدال على الانحصار في الفقراء والمساكين. التاسع: أنه على فرض الشك في العموم فقد عرفت أن مقتضى الأصل هو عدم مالكية ذلك القوي القادر للزكاة والخمس. العاشر: ما ذكره من السيرة ممنوعة جدا، فإنه لم يعهد استقرار السيرة على إعطاء الزكاة إلى القوي السوي - الذي لا عذر له في ترك الاشتغال - في حال عدم العجزكي يحتاج إلى التوجيه بأنه لعله من باب طرو العجز كما في الجواهر (4)، وكأنه خلط بين إعطاء السائل من باب عدم نهره أو إعطاء الزكاة من باب براءة الذمة. * وقد ظهر وجهه نصا وفتوى من التعليق السابق، بل لعل إيجاد الخلاف من


(1) المتقدم في ص 530. (2) المتقدمين في ص 529 - 530. (3) المتقدم في ص 530. (4) ج 15 ص 314.

[ 537 ]

[ إلا بعد طرو العجز ولو بسوء الاختيار *. ] صاحب الجواهر قدس سره الذي أودع الأشكال (1) فاحتاط صاحب العروة (2) مع أن عدم الجواز ظاهر جدا. * والوجه في ذلك صدق الفقير عليه فعلا فيشمله العموم. والذي يوضح ذلك أن عدم الصدق إن كان من باب القدرة السابقة فلابد من حرمان العاجز الذي كان قادرا سابقا على الاكتساب فعرض له العجز بسوء الاختيار، وإن كان من باب طرو الاختيار بعد ذلك فمقتضاه الحرمان للعاجز غير المسبوق بالقدرة، من جهة أنه يقدر بعد ذلك، وكلاهما خلاف المقطوع، والمجموع من الأمرين - كالبناء الذي ترك العمل في الصيف تكاسلا وفي الشتاء لا يقدر أيضا ويعلم بطر والقدرة بعد ذلك - ليس شئ آخر غير نفس الأمرين من دون الاجتماع. وفي مصباح الفقيه عن الشيخ العلامة الأنصاري قدس سره: لو ترك المحترف حرفته فاحتاج في زمان لا يقدر عليها - كما لو ترك البناء عمله في الصيف فاحتاج في الشتاء - فيه إشكال: من صدق الفقير عليه، ومن صدق المحترف وذي المرة السوي فيشمله دليل المنع، وعدم معلومية صدق الفقير عليه وإلا لصدق على المحبوس الغني، ولم يجعل ابن السبيل قسيما للفقير في الدليل. نعم، لا بأس بالأعطاء من سهم سبيل الله (3). انتهى ملخصا.


(1) الجواهر: ج 15 ص 312 - 314. (2) في العروة، كتاب الزكاة، أوائل الفصل السادس. (3) مصباح الفقيه: ج 3 ص 88.

[ 538 ]

[... ] ورده بأنه: لا عبرة بصدق المحترف وذي المرة بعد ورود تفسيرهما في خبر زرارة المتقدم، فإن ظهور الحاكم مقدم عرفا - من دون إشكال - على ظهور المحكوم إن كان له ظهور (1). انتهى ملخصا. أقول: في ما ذكره الشيخ والفقيه الهمداني إشكال من وجوه: أما ما ذكره الشيخ، ففيه أولا: أن الظاهر عدم صدق المحترف، لأنه ظاهر في المحترف الفعلي لا في من له ملكة الاحتراف من دون الاشتغال الفعلي، فالمحترف عبارة اخرى عن المشتغل. وثانيا: غاية ما في الباب الشك، فلا دليل على المنع. وثالثا: أن ذي المرة السوي طريق عرفا إلى القدرة على الكسب، وليس في العرف موضوعية لذي المرة السوي، وإلا لم يجز له الأخذ إذا كان في المثال قويا ذامرة وقادرا في الشتاء مع عدم قدرته على ذلك في الصيف، ولا يلتزم به أحد. ورابعا: على فرض عدم القطع بعدم الصدق فلا أقل من الشك. وخامسا: يرد عليه ما في مصباح الفقيه من تقدم ظهور الحاكم على المحكوم. وسادسا: نلتزم بصدق الفقير على الغني المحبوس، إذ ليس الفقير لغة هو المعدم للمال وليس الغني صاحب المال، بل الأول هو المحتاج والثاني غير المحتاج، وهما من لوازم عدم وجدان المال ووجد انه، فوقع الخلط بين اللازم والملزوم، فصدق الفقير على صاحب المال المحبوس مسلم كصدقه على صاحب القدرة التي هي بمنزلة المال الذي لا يقدر على الاستفادة منه إلا في الشتاء.


(1) مصباح الفقيه: ج 3 ص 88 - 89.

[ 539 ]

[... ] وسابعا: أن التقابل لا يقتضي حمل الفقير على مالا يشمل ابن السبيل، الملازم لعدم شموله لمن يقدر على التكسب بعد ذلك، فإنه يكفي في التقابل الاختلاف في العموم والخصوص إذا كانت في البين نكتة في ذلك، كما أن (اليتامى) جعلت في قبال (المساكين) في آية الخمس، وجعل (المؤلفة قلوبهم) في قبال (سبيل الله) مع أنها من مصاديق الصرف في سبيل الله ولو لدفع الموانع عن رواج الدين. وثامنا: أنه لو فرض الأشكال في الاية للتقابل فلا مانع من التمسك ببعض الروايات الخالية عن التقابل المذكور، كخبر زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن الله عزوجل فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم...) (1). وتاسعا: أنه لو فرض الأشكال من جهة التقابل في إطلاق الفقير لكان مقتضى ذلك: الأشكال في سهم سبيل الله، فلابد أن يكون أمرا آخر غير ما ينطبق على صرف الأعطاء إلى الفقير. وعاشرا: على فرض الغض عن التقابل فالاعطاء من سهم سبيل الله من دون أن يكون ذلك لحصول عبادة للاخذ - بل كان التعبد من طرف المعطي كافيا في ذلك - مشكل جدا بل عدمه مقطوع، فإن مقتضاه جواز الصرف في نفسه أو في الأغنياء بالضيافة إذا قصد التقرب، فالظاهر أن المقصود أن يحصل به قرب غير القرب الحاصل لنفس المعطي الموجود في جميع موارد إعطاء الزكاة، فإعطاؤه من سهم سبيل الله من دون أن يكون ذلك في قبال عمل قربي مشكل جدا. وأما النظر في كلام صاحب المصباح، فلأنه لم يدفع إلا إشكال المحترف


(1) الوسائل: ج 6 ص 3 ح 2 من ب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

[ 540 ]

[ مسألة: من يشتغل بمقدمات علم أو صنعة وليس له منافع يتعيش بها فهل يجوز له أخذ الزكاة أم لا؟ فيه تفصيل، فإنه إن لم يكن قادرا على الاكتساب غير ما اشتغل بمقدماته فيجوز له الأخذ منها ومن الخمس. وأما إذا كان التكسب حرجيا ففيه إشكال وإن كان الأقرب هو الجواز *. ] وذي المرة دون إشكال عدم صدق الفقر للوجهين. ومما ذكرنا يظهر الكلام في الخمس، لصدق الفقير وإطلاق ما في خبر حماد المتقدم (1) من قوله عليه السلام: (فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة). * وجه الأشكال: التردد في صدق ما جعل في صحيح معاني الأخبار (2) ملاكا لعدم حلية أخذ الزكاة من قوله (لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر أن يكف نفسه عنها)، واحتمال عدم صدق الفقير عليه، لأنه يقدر على التكسب ولو بالحرج والمشقة. لكنه مدفوع بما يستفاد من غير واحد من الأخبار: من عدم لزوم تحمل الحرج لعدم أخذ الزكاة، وعدم لزوم بيع الدار والخادم والاستغناء بذلك عن الزكاة (3)، وبما ورد من جواز أخذ الزكاة للتوسعة، كما في صحيح ابن الحجاج عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو أخوه يكفيه مؤونته، أيأخذ الزكاة فيوسع به إن كانوا لا


(1) في ص 527. (2) المتقدم في ص 530. (3) الوسائل: ج 6 ص 161 الباب 9 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 541 ]

[... ] يوسعون في كل ما يحتاج إليه؟ فقال: (لا بأس) (1). وفي خبر أبي بصير المعتبر: (وما أخذ من الزكاة فضه على عياله حتى يلحقهم بالناس) (2). وفي المستمسك في ذيل ما في العروة - من جواز أخذ الزكاة لمن يقدر على التكسب بالعسر والمشقة شأنا أو حالا (3) - قال: بلا خلاف ظاهر، ويستفاد من نصوص استثناء العبد والخادم (4). إن قلت: المفروض في الروايات جواز التوسعة وعدم لزوم بيع الدار والخادم في فرض أخذ الزكاة الذي لعله يتوقف على عدم التمكن الحقيقي من التكسب للمقدار الوافي بقوت سنته، فمن لا يقدر على ذلك لا يجب عليه تحمل الحرج، وهذا غير من يقدر عليه لكن مع الحرج والمشقة. قلت: فرض عدم القدرة في الروايات المتقدمة ممنوع، بل مورد السؤال: من كان له دار وخادم مثلا، فيمكن أن يكون قادرا ببيع ذلك على تحصيل قوت سنته بنحو الحرج والمشقة، بل في خبر ابن الحجاج فرض مالكية قوت سنته بنحو الحرج والمشقة بإعطاء أبيه نفقته، فمن ليس مالكا له بالفعل ولكن يقدر التكسب على نحو الحرج والمشقة أولى بذلك. هذا، مع أنه لا فرق عرفا بين من يقدر على التقليل في أخذ الزكاة ولكن يقع في الحرج ومن يقدر على عدم أخذ أصل الزكاة كذلك. ويمكن دعوى صدق الفقر


(1) الوسائل: 6 ص 163 ح 1 من ب 11 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المصدر: ص 159 ح 4 من ب 8. (3) العروة: كتاب الزكاة، الفصل السادس، المسألة 4. (4) المستمسك: ج 9 ص 225.

[ 542 ]

[... ] عرفا إذا كان تحصيل المال له حرجيا. ويمكن الاستدلال أيضا بعموم دليل نفي الحرج مع فرض الشك في الفقر، لا مع فرض القطع بعدم صدق الفقر: أما عدم جواز التمسك على الفرض الثاني، فلتزاحمه لدليل نفي الضرر، فإن المال للفقراء وسائر المصارف، فيرجع بعد التزاحم أو التعارض - على اختلاف المسلكين - إلى عموم عدم جواز التصرف في حق الغير وإن كان الحق هو التزاحم. ولا فرق بينه وبين التعارض إلا في ما احرز أهمية ملاحظة الحرج من الضرر ومن ملاك عدم جواز التصرف في مال الغير، فإنه على التعارض يكون الواجد للملاك أحدهما فلا يفرض الأهمية، وأما على فرض التزاحم فيرجع إلى الأطلاق إلا إذا قطع بعدم الأطلاق من حيث أهمية مخالف الأطلاق، فافهم وتأمل. وأما جواز التمسك بدليل نفي الحرج على الأول، فلعدم التعارض أو التزاحم لدليل نفي الضرر وعدم وجود إطلاق يحكم بعدم الجواز لفرض احتمال كونه مصداقا للعام، ولا يتوقف شمول دليل نفي الحرج على ثبوت حكم حرجي يرتفع ذلك بدليل نفي الحرج، بل مقتضاه عدم جعل الحكم الحرجي في الشريعة الغراء، ولازمه تقيد الأطلاق إن كان وعدم الجعل إن لم يكن، ويكفي في الحكومة نظره إلى مجموع الأحكام المجعولة في الشريعة وأنه ليس في الأحكام المجعولة في الشرع حكم يلزم منه الحرج، ولازم ذلك اقتضاؤه لتقييد الأطلاق إن كان مقتضى الأطلاق شموله لمورد البحث من باب صدق الفقير، وكذا إن كان مقتضى الأطلاق عدم الشمول من باب عدم صدقه لفرض الشك وعدم فعلية الحكم حتى يتعارض لدليل نفي الحرج. ومن ذلك يظهر الكلام في الخمس، فإنه يمكن الاستدلال له بامور: منها

[ 543 ]

[ وأما إذا لم يكن التكسب حرجيا لا شأنا ولا حالا فلجواز أخذ الزكاة وكذا الخمس للمشتغل بمقدمات علم أو صنعة يترقب منه زيادة العوائد بحيث يقدم على ذلك العقلاء وجه *. ويمكن الاحتيال لأخذهما بالنذر على الاشتغال بالمقدمات المنظور منها العلم أو الصنعة، ] دعوى صدق الفقر. ومنها أن الخمس عوض عن الزكاة بحسب الدليل. ومنها الاستدلال بدليل نفي الحرج. * الوجه في ذلك عدم الأشارة في الأخبار المتعرضة لوجود رأس المال من الدار التي لها غلة أو الدراهم أو الغلام الذي يستقي له إلى أن ذلك إذا لم يمكن تبديل ذلك برأس مال يمكن أن يفي بجميع مؤونته كما أن ذلك في الدار كثير الاتفاق، أو مع ضم ذلك بالمشاغل البدنية حتى يفي المجموع بمؤونته، فالمستفاد من ذلك أن عدم الوفاء بالمؤونة مع عدم الخروج عما عليه نوع العقلاء من الاشتغال بشغل لأعاشته كاف في صدق الفقر، فإذا لم يجب التبديل مع التمكن من ذلك من دون الحرج مع وجود بعض مؤونة السنة وجاز له أخذ الزكاة فمن كان مشتغلا بمقدمات علم - كالطب أو الهندسة أو الصنائع الموجبة لازدياد المال - أولى بذلك لا يقال: هذا مخالف لما تقدم (1) في حديث معاني الأخبار من أن الملاك عدم القدرة على كف النفس عنها. فإنه يقال: يمكن حمله على القدرة مع الوضع الفعلي الذي اتخذه لنفسه ويكون مما يقدم عليه العقلاء، للانصراف إلى عدم القدرة مع فرض ملاحظة الجهات العقلائية، وخروج القدرة بواسطة التبديل عن منصرف الدليل، وللزوم حمل تلك الأخبار على الموارد غير الكثيرة وإخراج موارد كثيرة عنها.


(1) في ص 530.

[ 544 ]

[ أو الحلف مع وجود شرائط انعقادهما *. مسألة: هل يجوز للمشتغل بالعلوم الدينية من المعارف والفقه والتفسير والحديث ومقدمات ذلك من الأدبيات والاصول أن يأخذ من الزكاة أو الخمس أم لا * *؟ فيه وجوه، ومقتضى الاحتياط الأخذ من السهم المبارك بالاستيجار مع القطع بالرضا وعدم الأخذ منه مع الشك فيه ولكن يحلف على التفقه وعلى عدم أخذ السهم المبارك حتى يقطع بجواز الأخذ من الزكاة أو الخمس. وهو العالم. ] * فإنه يشترط في متعلق النذر الرجحان الشرعي، فيمكن تعلق النذر بتحصيل علم الطب مثلا لأن يخدم به الناس، كما أنه على ما ذكره الفقهاء يشترط في اليمين أن يكون له رجحان ولو كان من الجهات الدنيوية، فيحلف على أن يتعلم مثلا سياقة السيارة لأن يخلص بذلك عن حمل الأمتعة للناس ببدنه، ولا ريب أنه عقلائي فالحلف عليه جائز نافذ، ومقتضاه صدق الفقر بعد ذلك، لأن عدم القدرة المأخوذة في الحلية إن كانت هي الأعم من الشرعية والخارجية فمعلوم، وأما إن كان المقصود بها القدرة الخارجية فلا ريب في عدمها في فرض العمل بالواجب، والعمل به واجب في الشرع خارج عن دائرة القدرة، ولقد شرحنا ذلك في الاصول، مع أن لازم الاقتصار على القدرة الخارجية عدم جواز أخذ الزكاة إذا كان قادرا على كف النفس عنها بسرقة أموال الناس، وهو معلوم البطلان. * * ففي الجواهر عن التحرير: لو كان كسبه يمنعه من التفقه في الدين فالأقرب عندي جواز أخذها (أي الزكاة). وعن البيان: ويعطى ذو الحرفة والصنعة إذا قصرتا عن حاجته أو شغلاه عن طلب العلم. وعن محكي النهاية والمنتهى والتحرير

[ 545 ]

[... ] وغيرها: لو كان التكسب يمنعه عن التفقه جاز أخذها، لأنه مأمور به. وعن الأخير: وأما ما زاد على الواجب على التفقه فإن كان طالبا لدرجة الاجتهاد أو قد بلغها ويحتاج الناس إلى التعلم منه جاز له ترك التكسب، وإن كان يعلم أنه لا يبلغ درجة الاجتهاد وكان في ازدياد ويعلم حاجة الناس إلى القدر الذي عنده جاز له الاشتغال بالتعلم والتعليم عن التكسب، وإلا فلا (1). وفي المستمسك في التعليق على العروة حيث قال الماتن بجواز أخذ الطالب للعلم مع قدرته على الاكتساب للزكاة (2)، قال: إن في ذلك أقوالا ثلاثة: الأول هو الجواز مطلقا. الثاني وهو عن بعض: إطلاق المنع. الثالث: التفصيل بين الذي يجب عليه الاشتغال فيجوز ومن لا يجب عليه فلا يجوز. وهذا هو الأظهر (3). انتهى ملخصا. أقول: يمكن أن يقال بعدم جواز الأخذ حتى في فرض الوجوب العيني بالذات أو بالحلف أو النذر، وذلك لجواز الأخذ من السهم المبارك فهو حينئذ غني، فلا يجوز للهاشمي أخذ الخمس ولا لغيره أخذ الزكاة، لغناه بواسطة الاشتغال والعلم أو الاطمينان برضا الأمام عليه السلام في التصرف في السهم المبارك. ويمكن دفع ذلك بأنه ليس المقصود من الفقر هو الفقر إلى خصوص الزكاة عرفا وبالضرورة، لأنه لو كان المقصود ذلك لم يجز أخذ الزكاة إلا لمن لا يقدر


(1) الجواهر: ج 15 ص 312 - 315. (2) العروة: كتاب الزكاة الفصل السادس، المسألة 8. (3) المستمسك: ج 9 ص 226 - 227.

[ 546 ]

[... ] على غير ذلك من غير حرج، فجواز الأخذ من مال الأمام عليه السلام للعلم برضاه بذلك لا يخرجه من الفقر. ومن ذلك يظهر الوجه في عدم وجوب الاستدانة. إن قلت: فعلى هذا يجوز إعطاء الزكاة والخمس لولد الأغنياء من الصغار والكبار. قلت: وجوب النفقة عليهم بمنزلة الاستحقاق من مالهم عرفا. إن قلت: يمكن القطع بوجوب ذلك على الأمام عليه السلام، لأنه أي مصرف أبر وأوفى وأحسن من الصرف في العلوم الأسلامية وترويج مذهب الحق وهداية الناس. قلت: وجوب حصول ذلك لا يقتضي إلا الصرف إليه، ووجوب الصرف إما من الزكاة أو من السهم المبارك أو من غير ذلك من الأوقاف ومنافع الأراضي الخراجية، ولا يعين ذلك في السهم المبارك حتى يستكشف بذلك وجوب الأذن من الأمام عليه السلام. ويمكن أن يشكل في ذلك بأنه إذا فرض رضى الأمام عليه السلام بالتصرف في السهم المبارك فرضاه بالاستيجار أيضا حاصل بالأولوية، لأنه حينئذ يجب عليه التحصيل بعد الأجارة. ودعوى لزوم الأذن في صحة الأجارة غير معلوم، لعدم الدليل إلا على مدخلية الرضا، وأما دخالة الزيادة عليه خصوصا في الصحة محل منع مناف للأطلاق، فإذا صح ذلك فهو داخل في من يقدر على الاحتراف بصيرورته أجيرا فلا يصح له أخذ الزكاة أو الخمس. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن مقتضى إطلاق غير واحد من الروايات (كموثق سماعة (1) الوارد في الدار التي غلتها لا تفي بمؤونته مع ترك الاستفصال


(1) الوسائل: ج 6 ص 161 ح 1 من ب 9 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 547 ]

[... ] عن إمكان الاحتراف وعدمه وإمكان ضم الحرفة إلى الغلة أو تبديل الدار بسهولة بالأرض الزراعية أو غير ذلك من التبديل بالنقود التي ربما يكفي خمسون درهما لرأس ماله في العمر - كما هو وارد في بعض الروايات (1) - وغير ذلك) كفاية الفقر الفعلي مع فرض اتخاذ طريقة يتخذها العقلاء في امورهم، وبذلك يخرج عن ذي مرة سوي وارد في الروايات، والتبديل وإن كان أيضا عقلائيا لكنه لا يخلو عن إشكال ولو من جهة كون ذلك خلاف عادته المعتادة عليها أو من جهة صعوبته وإن لم تلحق بالحرج، ولا ريب أن التحصيل مع عدم الاستيجار عقلائي خوفا من عدم وفائه كاملا بمقتضى الأجارة، أو احتمال كون ذلك أقرب إليه تعالى، أو احتمال عدم جواز الاجرة على الواجبات، أو احتمال تنافي الاجرة للعبادية، إلى غير ذلك من الجهات العقلائية، فيرتفع الأشكال من تلك الجهة أيضا في ما يكون التفقه واجبا عينيا بالذات - كالتفقه في العقائد الحقة بالدليل، وفي الواجبات العملية ولو بتعلم مسائل من يصلح الرجوع إليه - أو من باب قيام من به الكفاية به لعدم إقدام نوع الناس بذلك وحصول الخلل بتركه التفقه في الدين، أو من باب النذر أو الحلف على ذلك، بل إذا كان واجبا كفائيا (كما إذا لزم نفر عشرة من المستعدين من بلد إلى مركز التفقه مثلا ويكون ثلاثون نفرا طالبين لذلك فيختار ذلك لنفسه بحيث لو لم ينفر لنفر غيره) أو كان مستحبا صرفا، لكون ذلك من الامور العقلائية التي يقدم عليها العقلاء ومع ذلك يكونون فقراء بالفعل. ومقتضى الاحتياط في ما ليس بواجب بالذات أن يوجبه على نفسه بالحلف أو النذر وأن يحلف على عدم أخذ السهم المبارك مع الترديد في رضى الأمام عليه اسلام بوجه من الوجوه حتى يقطع بالفقر في تلك الصورة ويأخذ من السهم المبارك


(1) الوسائل: ج 6 ص 160 ح 6 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 548 ]

[ مسألة: الظاهر أن ما يزيد عن الطوائف الثلاثة من نصف الخمس فهو للأمام عليه السلام، وعلى فرض النقصان كان عليه أن يمونهم *. ] بالاستيجار لنفسه إن كان يقطع برضاه بذلك، وهو العالم بالحقائق. وأما الأخذ من الزكاة من سهم سبيل الله فلا يحصل به الاحتياط خصوصا في الهاشمي، لاحتمال اشتراط الفقر وعدم كون الاخذ هاشميا. * في الجواهر: على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، بل في المسالك نسبته إلى أجلاء الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا صريحا إلا من الحلي. وتوقف فيه في المختلف والمنتهى (1). انتهى. أقول: ويدل على ذلك في الجملة: مرسل حماد المعتبر، وفيه: (فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم لأن له ما فضل عنهم) (2). ومرفوع أحمد بن محمد، وفيه: (فإن فضل شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان) (3).


(1) الجواهر: ج 16 ص 109. (2) الوسائل: ج 6 ص 363 ح 1 من ب 3 من أبواب قسمة الخمس. (3) المصدر: ص 364 ح 2.

[ 549 ]

[ والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين عصر الحضور والغيبة *. فرع: هل المقصود بالأعواز والفضل هو بعد فرض العمل بالجعل الألهي في باب الخمس، أو بعد ملاحظة جميع ما يعطي من الخمس إلى ] ويمكن الاستدلال بالاية الشريفة (1) لكلا الأمرين: أما كون الفضل للأمام عليه السلام فلظهور الاية في التقسيم بالسوية في فرض وجود الصنف الاخر، والصنف الاخر هم المحتاجون من آل بيت هاشم، فكأنه قال تعالى: فإن الخمس للأمام وللمحتاج من قرابة الرسول على فرض وجودهم، أو قال: إن الخمس كله للأمام إلا في صورة وجود المحتاج من قرابته صلى الله عليه وآله فهو لهما. وأما كون النقص في سهم الأمام عليه السلام فلأن مقتضى التقسيم كون الخمس الموجود كائنا ما كان لهما، فلو لم يف النصف لهم فما حصل لهما، وأدلة التنصيف تكون في مورد عدم الأعواز، كما لا يخفى. * وهو المستفاد من الجواهر ناقلا عن المحقق الثاني وعن الرياض عن الفاضل - في بعض كتبه - وصاحب الذخيرة (2). ويدل على التعميم ما تقدم في التعليق السابق: من الخبرين المتقدمين. إن قلت: الحكم بتعميم الذيل للعصرين مناف لما تقدم من اختصاص الجمع عند الأمام عليه السلام بعصر الحضور. قلت: ذيلهما ظاهر في التعليل، فلو كان الصدر نصا في عصر الحضور كان غير مضر بعموم الذيل، لمكان التعليل بقوله (لأن له ما فضل عنهم)، وقريب منه المرفوع، فافهم وتأمل وتبصر. ومقتضى الاية هو التعميم، كما لا يخفى. وإن أبيت عن ذلك كله فثبوت الحقين مقتضى الاستصحاب، كما لا يخفى على اولي الألباب. فمقتضى ما تقدم هو التنصيف في كل خمس يتعلق بالمال، فللمكلف ثواب


(1) سورة الأنفال: 41. (2) الجواهر ج 16 ص 111.

[ 550 ]

[ وقت الملاحظة، أو بالنسبة إلى ما بيد كل من يعطي الخمس من المالك أو وكيله أو المجتهد الذي يعطي الخمس، أو يلاحظ الحرج والسهولة؟ لعل الأقرب هو الأخير *. مسألة: لعل الظاهر جواز أن يأخذ الهاشمي من الخمس بمقدار ] صلة الأمام عليه السلام وصلة المحتاجين من قرابة الرسول إلى حد الأعواز أو الفضل عن المحتاجين. والحمد لله الملك الوهاب على التوفيق للألقاء والاكتتاب، وكان ذلك في 18 ج 2 من السنة 1396 حامدا شاكرا لأنعمه التي لا تحصى، ذاكرا لالائه التي ليس لها منتهى، مصليا على النبي الأكرم وآله المعصومين ومستشفعا بهم، لا سيما بخليفة الله تعالى في أرضه في عصرنا عصر الفنون والصنائع وكثرة أفراد البشر الموجبة لهيجان الشهوات والميل إلى الماديات، ونسأله المتعالي التوفيق لما يحب ويرضى والاستعداد للموت قبل حلول الفوت. * فإن الأول خلاف صريح معتبر حماد من أنه لو عمل بتكليف الخمس لم يبق فقير من قرابة الرسول صلى الله عليه وآله، والثاني غير معلوم حتى في عصر الحضور، فإنه لم يكن يجتمع جميع الخمس عند الأمام عليه السلام مع عسر المواصلات والتقية الشديدة، بل كان عند الوكلاء وليس في الأخبار إشارة إلى أن كل وكيل يسأل الوكيل الاخر ويكاتبه في الزيادة والنقصان ولم يسأل عن ذلك، وأما الثالث فهو خلاف إطلاق التتميم والفضل، فالأوفق أن لا يكون السؤال للهاشمي ولا للمعطي حرجيا بل يمكن أن يسأل بسهولة عن سهم السادة، فإن كان عند رفيقه أو كان عند أقرباء الهاشمي مثلا يتمكن من السؤال بسهولة فلا يصدق العجز عرفا الوارد في معتبر حماد المتقدم.

[ 551 ]

[ الاستغناء *، ] * لما تقدم (1) من أن الغنى والفقر يلاحظ بالنسبة إلى مجموع الحياة والعمر بحسب المتعارف، فإن كان ما يأخذ من الخمس زائدا على مؤونة سنة واحدة لا يوجب ذلك الغنى حتى يشكل أو يمنع عليه أخذه أو يقيد بالأخذ دفعة. ويؤيد ذلك بما ورد في باب الزكاة من أن مالك دار الغلة التي غلتها لا تفي بمؤونة سنته يجوز له أخذ الزكاة (2). وجه التأييد بل الاستدلال يتم بعد ملاحظة امور: منها: أنه لا يمكن حمل مثله على عدم كفاية نفس الدار لمؤونة سنة واحدة، لأن ذلك تخصيص بالفرد غير الغالب لو لم يكن هو النادر، مع أنه لولا ذلك لا داعي إلى التقييد. ومنها: أنه لا فرق في نظر العرف قطعا بين من كان كذلك وبين من ليس له شئ ويريد أن يأخذ الزكاة أزيد من مؤونة سنته ويجعله دار غلة غير كافية بمؤونة سنته، بل الثاني أولى من حيث صدق الفقر. ومنها: أنه لا فرق بين الخمس والزكاة، إما من باب أن المقصود بذلك صدق الفقير على ذلك وليس تعبدا خاصا بخصوص باب الزكاة، وإما من حيث ما دل على أن الخمس لقرابة الرسول صلى الله عليه وآله بدل عن الزكاة (3)، وكونهم محرومين من الزكاة لكونهم هاشميين ومحرومين من الخمس لعدم شمول الدليل خلاف المستفاد من دليل المعاوضة عرفا قطعا. نعم، لا يدل ذلك على جواز الأخذ بمقدار الاستغناء، بل يدل على جواز الزائد عن مؤونة السنة، ولا قائل بالتفصيل ولا


(1) في ص 513. (2) الوسائل: ج 6 ص 161 ح 1 من ب 9 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) مثل ما في الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 552 ]

[... ] تفصيل في البين أصلا ولا وجه لذلك، كما يظهر بالتأمل. وبما دل في باب الزكاة من جواز إعطاء الزكاة إلى حد حصول الغنى، كما ورد في غير واحد من الروايات (1) المعتبرة بعضها جدا المفتى به عند الأصحاب، ففي الجواهر عن المنتهى: يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه وما يزيده على غناه، وهو قول علمائنا أجمع (2). لا يقال: ذلك معارض بما يدل على جواز الأخذ المحدود بمقدار سنة إلى سنة، كخبر الدغشي المتقدم (3) وما فيه من الكي بين العينين المتقدم إليه الأيماء (4)، فيحمل ذلك على الغنى بمقدار قوت السنة. قلت: قد مر أن الحمل على ذلك مما لا يحتمل في أخبار الأعطاء إلى حصول الغنى، لعدم مناسبة إعطاء عشرة آلاف درهم في عصر كان الخمسون كافيا لأن يكون رأس مال يعيش به أحد في بعض الشرائط والأحيان لأن يحمل على قوت السنة، مع أنه بعد فرض عدم كون المراد بها الغنى الفعلي الصادق على يوم واحد فالتخصيص بخصوص السنة الواحدة تخصيص بالفرد النادر بالنسبة إلى باقي السنين، فيحمل مثل الدليل المشار إليه (خصوصا بقرينة التعليل الذي ليس مفاده تقييد الفقر بذلك قطعا، إذ لا فرق في ذلك بين إعطاء الزكاة من سنة إلى سنة أو عدم الأعطاء بعد ذلك أصلا، ومقتضاه جواز الأخذ - أي أخذ قوت سنتين - لمن لا يقدر على أخذ الزكاة إلا بعد سنتين وعدم الجواز لمن يقدر عليها بعد ستة أشهر أي عدم


(1) الوسائل: ج 6 ص 178 الباب 24 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الجواهر: ج 15 ص 318. (3) في ص 522. (4) في ص 526.

[ 553 ]

[... ] جواز أخذ أكثر من قوت ذلك) على أحد المحامل التي تذكر: من الحمل على الاستحباب مطلقا، أو الحمل على الاستحباب في خصوص عدم الداعي للأخذ إلا الحرص وسوء الظن بالله تعالى كما ورد في مورد خبر الكي بين عينيه، أو الحمل على عدم الجواز في خصوص ذلك كما هو المستفاد من مورد خبر الدغشي - الوارد في السائل - وخبر الكي، فإن مورد السؤال غير مذكور فيه فيحتمل أن يكون مثل الأول، وهو المناسب لقصة ذاخر الدينارين، فتأمل. أو يحمل على صورة جمع الخمس والزكاة في محل واحد غير الواصل نوعا إلى حد رافع لاستحقاق الكل، لأن جمع المال ملازم لجمع المستحقين، كما في خبر حماد، مع أنه في خبر حماد يحتمل أن يكون ذلك من باب مصلحة الأمام عليه السلام، من باب وصول الحق إلى الكل فلعله يبقى شئ منه فيصرف في موارد السهم المبارك، وإلا ففيه أنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقات البوادي في البوادي، وصدقات أهل الحضر في أهل الحضر) إلى أن قال عليه السلام: (ولكن يقسمها على قدر من يحضره من أصناف الثمانية على قدر ما يقيم (يغني) كل صنف منهم بقدر سنته، ليس في ذلك شئ موقوت ولا مسمى ولا مؤلف، إنما يصنع ذلك على قدر ما يرى وما يحضره حتى يسد كل فاقة كل قوم منهم) (1). فإنه ظاهر في أن ملاحظة السنة في الزكاة بملاحظة سد فاقة كل قوم ليس من جهة التعبد والتوقيت، أو يحمل على جواز الأخذ حتى قوت السنة وعدم لزوم


(1) الوسائل: ج 6 ص 184 ح 3 من ب 28 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 554 ]

[ ولو قلنا بأن ملاك الفقر أن لا يكون مالكا لقوت سنته *. ] الاقتصار على قوت الشهر الواحد أو اليوم مع السكوت عن عدم الجواز بالنسبة إلى ما بعد ذلك. أو يحمل في بعض موارد ورود السنة على كل سنة بقرينة الاستغناء كما تقدم. هذا، مع أن التقييد بالسنة الواحدة من حين أداء الخمس مما لا وجه له عند الاعتبار العرفي، فإن الخمس ليس كالزكاة، فإنهم يعطونه في كل شهر من شهور السنة، لأن سنة كل شخص يختلف باختلاف الشروع في الكسب والأداء. مع أنه في خبر حماد ينظر إلى غنائم الحرب، ولا وجه لاعتبار السنة في ذلك عرفا، مع أنه يبعد أن لا يجوز في ذلك اليوم أن يأخذ الزائد ويجوز في اليوم البعد أن يأخذ بمقدار كسر اليوم، لأنه فقير لا يملك مؤونة سنته ويجوز له الأخذ بمقدار المؤونة. هذا كله، مع أنه ليس في باب الخمس ما يتوهم منه لزوم الأداء بمقدار السنة إلا خبر حماد (يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم) (1)، وهو مضافا إلى المحامل المتقدمة معارض لظهور الذيل في أن تشريع الخمس لأن لا يبقى فقير من فقراء قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله (2)، وليس المقصود منه النوعية، بل عدم وجود فقير أصلا ولو واحدا منهم، وهذا لا يجتمع مع لزوم الكف عن استغنائهم - ولو لم يكن معارضا بما هو أهم منه - وأن يجعل ذلك سهما للأمام ويصرف في المصارف الاخر ويبقى ذلك فقيرا فيحتاج إلى الخمس في السنة الاتية. * وذلك للأخبار المتقدم إليها الأيماء (3)، فيحمل ما دل على أن حد الفقر أن لا


(1) الوسائل: ج 6 ص 363 ح 1 من ب 3 من أبواب قسمة الخمس. (2) المصدر: ص 358 ح 8 من ب 1. (3) الوسائل: ج 6 ص 178 الباب 24 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 555 ]

[ ثم إن أخذ الخمس لجعله رأس مال لا يكفي عوائده لقوت سنته ثم الأخذ لجعله كذلك حتى يكفي عوائده لقوت سنته في كل سنة إذا كان فقيرا غير مالك لقوت سنته واضح جدا. وأخفى من الكل أن يأخذ للأعاشة من ليس له القدرة على جعله رأس المال ولكن يكون ذلك لداع عقلائي غير الحرص وجمع المال *، وأما الأخذ حرصا ولجمع المال ففيه إشكال * * في باب الزكاة، وإن كان الأقرب هو الأعطاء في باب الخمس إلا أن يكون في البين من هو أحق بالخمس * * *. ] يملك قوت سنته (1) - إن دل - على عدم المالكية مع قطع النظر عن الزكاة، فلا ينافي الغنى بالنظر إلى أخذ الزكاة ولو تدريجا. وحمل الأخبار المتقدمة على خصوص الأعطاء دفعة - كما في الجواهر الجزم بذلك (2) وكأنه حمل كلام الأصحاب أيضا على ذلك - مردود قطعا، إذ كيف يمكن الحمل على الأعطاء الدفعي في الدراهم التي لابد من عدها وتحويلها وفي المواشي والأنعام التي يدخل واحد منها بعد واحد. ولا فرق في التدريج بين قلة تخلل الزمان وكثرته مع أنه خلاف إطلاق الأخبار بالنسبة إلى التدريج مع الفصل بيوم أو شهر. * فالظاهر أن الكل مشمول لأطلاق الفقراء والمساكين، وما دل في الزكاة يجئ في الخمس بالتقريبين المتقدمين (3): من بيان الموضوع ومن دليل التعويض. * * من جهة أنه القدر المتيقن من خبري الدغشي وابن الحجاج المتقدمين (4)، الوارد ثانيهما في قصة الكي. * * * لعدم الدليل في الخمس على المنع إلا ما تقدم (5) وتقدم الجواب عنه (6).


(1) الوسائل: ج 6 ص 158 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الجواهر: ج 15 ص 318. (3) في ص 551. (4) في ص 552 و 526. (5 و 6) في الصفحة السابقة

[ 556 ]

[ ثم إنه لا يجوز له الأخذ زائدا على مقدار الاستغناء ولو بعوائده ولو دفعة *. ] وليس مقتضى الاحتياط الاقتصار في مقام الأعطاء على مؤونة السنة كما في العروة (1)، ولم يعلق عليه في ما رأيت إلا من قال: (بل الأظهر عدم الأعطاء، والاقتصار على مؤونة السنة). وقد ظهر ما في الأخير. وأما كونه أحوط بنحو الأطلاق ففيه إشكال، فإنه قد لا يكون في المحل مستحق إلا الهاشمي المستحق لجعل الخمس رأس المال لمجموع معيشته فمقتضى ذلك نقل الخمس من المحل المزبور إلى غيره، وهو خلاف الاحتياط، وقد لا يكون مستحق آخر أيضا لا يملك قوت سنته ولو برأس ماله فلابد أن يجعل ذلك في مصرف سهم الأمام عليه السلام، وهو خلاف الاحتياط أيضا، مع أن ذلك مخالف لما تقدم من التشريع. وما ذكرناه لا شبهة أنه أقرب إلى الغرض من الجعل من الاقتصار على مؤونة السنة الواحدة وإبقاء قرابة الرسول فقيرا إلى آخر عمره، مع أن ذلك أيضا أصرف بالنسبة إلى حقوق قرابة الرسول صلى الله عليه وآله، فإن الغالب - الذي يكون خلافه نادرا - أخذ الزائد عن مقدار قوت سنة واحدة للاسترباح والاستنماء، كي لا يحتاج بعد ذلك إلى أخذ الخمس بل يعطي الخمس بنفسه. وأما النادر الذي لا يقدر على التكسب فيعطى بمقدار قوت عمره إذا لم يكن غيره أهم منه، لحفظ عفته وعدم احتياجه كل سنة إلى أن يموت فيرجع ما بقي إلى مصرف الخمس، فإعطاؤه لا يوجب تضييعا للخمس أصلا، فإن المقدار المذكور يصرف إليه على كل حال، ولا فرق بين الدفعة والتدريج إلا حفظ كرامة قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وعدمه.


(1) كتاب الزكاة، الفصل السادس، المسألة 2.

[ 557 ]

[ * إذ لا فرق عرفا وعقلا بين الدفعة والتدريج، فإعطاء أزيد مما يحتاج إليه مسألة: هل يجوز للهاشمي الفقير أخذ الخمس بمقدار ما يجوز له ثم إعطاؤه لغير المستحق ممن أخذ عنه أو غيره أو لا يجوز ذلك أو فيه تفصيل؟ ولعل الظاهر هو الجواز إذا علم عدم محرومية مستحق آخر من الأخذ الثاني بعد الأخذ الأول والأعطاء *. ] في دفعة واحدة كإعطائه دفعة واحدة خمسا وهبة تكفيه لمعيشته، فإنه في حال تملك الخمس يملك الزائد فيصير غنيا فلا يجوز له أخذ الخمس، ولا أثر للفقر القبلي من حيث الزمان في الخمس، كما أنه لا وجه لعدم مانعية الغنى الحاصل في آن تملك الخمس لتملكه، وكون الفقر موضوعا لا يقتضي التقدم الزماني، بل يقتضي التقدم الرتبي الذي ليس إلا بمعنى احتياج صحة الخمس إليه من غير احتياجه إليها، وهو واضح وإن غفل عنه مثل صاحب الجواهر ويرى الفرق بين الدفعة والتدريج (1). * فإن وجه الأشكال امور كلها مندفعة: الأول: أن مقتضى معتبر حماد (2): (ولم يبق فقير من فقراء قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله إلا وقد استغنى). أن المقصود من الخمس حصول الغنى لهم، والأخذ ثم الأعطاء والبقاء على الفقر مخالف لذلك الغرض الذي ورد التصريح به في المعتبر. وفيه: أن الظاهر هو الامتنان عليهم من جانب الله تعالى بحيث لا يكونون مجبورين على البقاء على الفقر، وهو الذي يكون مترتبا على جعل الخمس، وأما الفقر الاختياري الحاصل بسوء الاختيار عمدا بالأخذ والبذل أو الأخذ والأتلاف فلا يمكن ترتب عدمه على جعل الخمس.


(1) الجواهر: ج 15 ص 318. (2) المتقدم في ص 527.

[ 558 ]

[... ] والوجه في هذا الظهور - مضافا إلى انصرافه في نفسه إلى المجبورية على الفقر - وروده في مقام الامتنان الذي لا ينافي الاختيار وترتب ذلك على الجعل من دون دخالة الامور الخارجية التي منها الكف عن الهبات والعطايا. الثاني: أن الجملة المذكورة ظاهرة في أن جعل الخمس على نحو لو عمل به لم يبق مجبور على الفقر بحيث لا يكون لقرابة الرسول صلى الله عليه وآله مفر من لفقر، ومن المعلوم أنه لو جاز الأعطاء على الوجه المطلق بحيث يكون في كل بلد وقرية هاشمي يأخذ ويعطي لصار بعض الهاشميين مجبورا على الفقر والفاقة فالقضية التعليقية الموجودة في معتبر حماد لا تكون مطابقة للواقع. والجواب عنه أنه لا يقتضي إلا عدم جواز الأعطاء على الوجه المطلق بحيث يعلم أنه يصير كذلك أو يحتمل، من باب أنه حينئذ يكون مخصصا لعموم كون الخمس للمساكين الشامل لهذا المسكين الباذل، فالتمسك بعموم المساكين في مورد الشبهة يكون من باب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، وأما إذا لم يحتمل ذلك كما في عصرنا هذا - لا سيما مع كون الكفار مكلفين بالفروع - وذلك لكثرة المنافع، فيقطع بعدم نقصان الخمس بحسب الجعل عن حوائج السادات المستحقين. الثالث: أن مقتضى معتبر حماد (يقسم بينهم على الكتاب والسنة (الكفاف والسعة) ما يستغنون به في سنتهم) (1) عدم جواز أخذ الزائد عن مقدار الاستغناء بعد حصوله وإن لم يبق ذلك، كما أنه لو جعل لمن خدم شركة أو مؤسسة أن يعطى مصارف سنته في حال انقطاعه عن الشغل بواسطة المرض أو كبر السن، فإنه إذا أخذ ذلك ووهب لا يكون مستحقا للاستغناء الجديد.


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 559 ]

[... ] وفيه أولا: أن مقتضى ذلك عدم الاستحقاق بعد حصول الاستغناء لو تلف المال من دون اختيار. وثانيا: أن الاستغناء المقدر ليس إلا من باب تحقق الموضوع وأنه لا يبقى موضوع بعد حصول الاستغناء، وليس وراء ذلك تحديد، والمفروض حصول الفقر، وكل فقير له أن يأخذ بقدر الاستغناء في سنته، وعلى فرض الشك يؤخذ بإطلاق الدليل، بل لعله مقتضى إطلاق المعتبر، فإنه يستحق أن يأخذ ما يستغني به في سنته، والحكم في مورد النقض والمقايسة إنما هو بحسب القرائن الخارجية. الرابع: ما في العروة من أنه حيلة لتفويت حق الفقراء (1). والظاهر أن مقصوده أنه يعلم أن الشارع لا يرضى بذلك. وفيه: أنه بعد فرض كفاية الخمس بحسب الجعل لجميع المستحقين - كما تقدم - وعدم مستحق محروم معلوم بالفعل (كما نفرضه أيضا في الأشكال المذكور بعد ذلك) واستحقاقه في الأخذ وكونه بعد الأخذ ملكا لشخص هذا الفقير - لا ملكا لكلي الفقراء - فمن أين يعلم عدم رضا الشارع بذلك إذا كان إعطاؤه لأمر عقلائي يقدمون العقلاء أيضا في أموالهم، ولم يكن ذلك من باب عدم فرضه مالا لنفسه وكان الأعطاء بطيب نفسه، فليس تفويتا لحق الفقراء بل تفويت لمال نفسه، إلا من حيث الأخذ الثاني وهو أيضا ليس تفويتا بل وقع في محله، ولم يعلم بعدم رضا الشارع بذلك، لان رضاه يعلم بعموم دليله إذا لم يكن مخالفا لما يستقبل به العقل القطعي. القطعي. الخامس: أن المستفاد من مثل العبارة المتقدمة من معتبر حماد (2) أن عدم


(1) في ص 557. (2) العروة: كتاب الزكاة، المسألة السادسة عشرة من الختام.

[ 560 ]

[... ] الأجبار على الفقر مرغوب ومطلوب، فيكون عدم اضطرار قرابة الرسول صلى الله عليه وآله إلى أن يكون فقيرا مرادا ومطلوبا لزوميا عند الله تعالى، فيكون أخذ الخمس ثم الرد ثم الأخذ إذا كان موجبا لذلك قطعا غير مشمول لدليل الخمس، وفي صورة الاحتمال حيث خصص دليله يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بالنسبة إلى المخصص. والجواب أن المستفاد منه عدم الاضطرار من ناحية جعل الشارع، لا رفع الاضطرار بالجعل ولو كان ذلك من جهة عدم أداء الناس حقوقهم، بأن يرفع صحة الهبة وتسلط الناس على أموالهم أو يرفع جواز أخذ الخمس ثانيا عن الهاشمي الاخذ أولا الواهب لغيره. السادس: أن جواز أخذ الخمس كذلك إذا كان سببا لمحرومية مستحق آخر ووقوعه في الحرج والمشقة فجوازه مرفوع فيكون محرما عليه وضعا، وأما الحرمة التكليفية من دون الوضع فهو مما يأبى عنه العرف، وذلك صحيح بحسب الظاهر بالنسبة إلى صورة القطع، وأما بالنسبة إلى صورة الشك فلا يبعد التمسك بعموم جواز أخذ الخمس للمستحقين الذين يكون الاخذ ثم الواهب من جملتهم. والأشكال في ذلك ب‍ (أنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص) مدفوع بأنه على فرض تسليمه فهو في ما لم يكن التخصيص من باب التزاحم وتقدم ملاك رفع الحرج بملاك وصول الحكم إلى المستحق من غير فرق بين مستحق ومستحق آخر، وأما إذا كان التخصيص من باب التزاحم فلا تزاحم في فرض عدم فعلية حكم المخصص من باب الشك في ذلك. إن قلت: من أين يحكم أنه من باب التزاحم؟ قلت: ذلك لوجهين: أحدهما فهم العرف، فإنه لو فرض نفي الحرج والضرر بالنسبة إلى التكاليف التي بين الموالي والعبيد فلا يفهم أحد من العرف رفع الملاك

[ 561 ]

[... ] فلو أمر المولى خادمه بأن يسقي البستان في الليل إذا لم يكن حرجا عليه أو على الجيران فسقى البستان وتحمل الحرج ووصل حرجه إلى الجيران فلا شبهة عندهم في الامتثال وحصول الملاك والغرض، ولا يحتمل لزوم السقي الاخر بدلا عن السقي في زمان الحرج. ثانيهما أنه مع الشك في ذلك فمقتضى الأطلاق في حال الشك هو الحمل على التزاحم، فافهم وتأمل فإنه من الفوائد الاصولية. ومقتضى جميع ذلك جواز الأخذ والرد إذا لم يعلم كونه موجبا لمحرومية مستحق آخر عن الخمس. ثم إنه يرد على ما في العروة وجوه من الأيراد ظهر بعضها مما تقدم: منها: ما تقدم أنه لا دليل على عدم جواز ذلك. ومنها: أنه على فرض عدم الجواز فلا وجه لعدم الجواز في صورة الأخذ والرد من دون أن يأخذ الخمس ثانيا بل كان يستوهب من أخيه أو بعض أصدقائه وكان بحيث إذا لم يرد على المالك كان يصرف الخمس في مصارفه، فلم يحصل تفويت بالنسبة إلى مال الفقراء، لعدم توجه ضرر إلى مال الفقراء أصلا. ومنها: أنه على فرض الأخذ والرد ثم الأخذ فلا وجه لحرمة الرد، بل الحرام على فرض كونه تفويتا هو الأخذ الثاني، إلا أن يكون مقصوده أن وقوع مال الفقراء في كيس غير المستحق ولو بالواسطة إتلاف لمال الفقراء ولو لم يلزم من ذلك ضرر عليهم - بحيث لو لم يرده السيد الفقير عليه لكان يصرفه في مصرفه ولو رده لا يأخذ مال الخمس أصلا - وهو ممنوع جدا. ومنها: أنه ذكر قدس سره أنه ليس للحاكم أيضا ذلك، لأنه حيلة لأتلاف مال الفقراء (1)، مع أنه ليس للحاكم ولاية على مال الفقراء بالأخذ والرد بصرف كون


(1) العروة: كتاب الزكاة، المسألة السادسة عشرة من الختام.

[ 562 ]

[... ] الرد عقلائيا، لأنه ليس على طبق مصلحة الفقراء، فليس لفعل الحاكم صورة شرعية أصلا تسمى حيلة. ومنها: ما ذكره قدس سره في الاستثناء من أنه يمكن تفريغ الذمة بالرد إلى المالك أو المصالحة معه بشئ يسير أو قبول شئ منه بأزيد من قيمته الواقعية (1)، الظاهر في أن للحاكم ذلك أيضا، مع أن في ولاية الحاكم على ذلك إشكال، من جهة أن القدر المسلم من ولايته: الامور التي يعلم إنها مطلوبة للشارع المقدس. وأمر من يتصدى ذلك مردد بين الموثق والعادل والفقيه الموثق العادل، والثالث هو المتيقن وفي المقام لا يكون مطلوبية ذلك محرزا، لأنه في الفرض المذكور إن تاب بالنسبة إلى ما سبق ولا يقدر بالنسبة إلى اللاحق ولا يكون لذلك أثر في الاخرة من باب التوبة وعدم القدرة فلا أثر لهذا الأخذ والرد، وأما إن كان ممن يقدر بعد ذلك في الدنيا ولابد من تأمين طلب السادات من حسناته في الاخرة وإن لم يكن له عقوبة للتوبة والعجز فهو إتلاف لمال الفقراء وحقوقهم إما في الدارين وإما في دار الاخرة إذا لم يعرض له التمكن بعد ذلك، فمطلوبية ذلك غير معلوم، وعلى فرض مطلوبيته فلا يتردد الأمر بين ما ذكر من الامور، بل متصديه بحسب العنوان الأولي هو السيد الفقير، فما دام يمكن أن يتصدى مالكه الحقيقي لا تصل النوبة إلى الموثق أو العادل أو الفقيه حتى يكون الثالث متيقنا. ومنها: أنه من ذلك يظهر الأيراد في الفقير على فرض كون الأخذ والرد إتلافا لحق الفقراء، فإن ذلك الأخذ والرد إما لغو صرف وإما تفويت لمال الفقراء وحقوقهم بالنسبة إلى الدنيا أو الاخرة. ومنها: ما يظهر من غير واحد من المحشين من عدم جواز مصالحة الفقير للزكاة والخمس بالشئ اليسير. وصورة الأشكال أنه:


(1) العروة: كتاب الزكاة، المسألة السادسة عشرة من الختام.

[ 563 ]

[... ] إن كانت تلك المصالحة من جانب الفقراء بحيث يكون الشئ اليسير لهم فلا ولاية له عليهم، كما في المستمسك (1). وإن كانت لنفسه ففيه إشكال من جهات: الاولى: أن ذلك موجب لأتلاف مال الغير ووقوع مال الفقراء في كيس غير المستحق. والجواب عنها أن ذلك مفروض الاندفاع في فرض صحة الأخذ والرد، والأشكال في المصالحة. الثانية: أن ذلك إتلاف لمال الفقراء من دون واسطة وحيلة، بخلاف الأخذ والرد، فإنه إتلاف لمال نفسه. الثالثة: من حيث إن مصالحة المال المشترك من جانب الشريك ولو كان له حق الأفراز تتوقف على التملك والأخذ أولا ثم المصالحة فتندرج في الأخذ والرد، وأما المصالحة من دون ذلك فلا تصح، لعدم حصول الملكية له حتى يصالح بشئ آخر. والأشكال الثالث يسري إلى المصالحة بالمساوي أيضا. الرابعة: من جهة عدم الولاية على تمليك مال الغير وإن كان له حق التملك لنفسه ثم التمليك. الخامسة: من جهة عدم الولاية على تمليك مال الغير بالعوض اليسير ولو فرض له الولاية على المبادلة بالمساوي أو الكثير. ويمكن دفع الأشكالات الثلاثة الأخيرة بأن الصلح الواقع لنفسه تملك لنفسه بنفس الصلح وتمليك للغير بإنشاء واحد، فيحصل التملك والتمليك في آن واحد. إن قلت: التملك لنفسه وحصول التمليك للغير في آن واحد محال، إذ لازم


(1) ج 9 ص 368.

[ 564 ]

[... ] تمليك الغير حصول الملكية له وعدم مالكية نفسه، وهو ينافي تملك نفسه. قلت: يكفي في صحة الصلح مالكية المصالح للمال مع قطع النظر عن الصلح الموجب لمالكية المتصالح، بل لا أثر لمالكية المصالح مورد الصلح قبله أصلا، فإن ما ينتقل إلى المتصالح عين ما يملكه المصالح، فبالصلح يصدق الأخذ لنفسه، فيصير مالكا من غير جهة الصلح ومنتقلا إلى المتصالح من جهة الصلح. إن قلت: ما ذكر صحيح لو حصلت ملكية المصالح في آن تملك المتصالح من غير ناحية الصلح الصحيح، والمفروض أن ملكيته تحصل في المقام بالصلح الصحيح، فملكية المصالح تتوقف على الصلح الصحيح، والصلح الصحيح يتوقف على الملكية. قلت: ملكية المصالح تتوقف على الصلح الذي لو تحقق وتحققت به ملكيته لصار صحيحا، وهو لا يتوقف على ملكية المصالح، بل صحة الصلح فعلا تتوقف على ملكية المصالح، فالصلح يقع من دون فرض حصول وصف الصحة ويصدق بذلك الأخذ للتملك، فيصير المال ملكا للمصالح فيصير الصلح صحيحا فعليا. وعلى ما بينا يظهر امور: منها: عدم لزوم فرض الملكية في آن ما في بيع العبد على من ينعتق عليه، بل لا تأثير للملكية قبل العتق، فإن العتق يتوقف على الملكية بنحو الترتب لا بنحو التقدم الزماني، وما يعتق إنما هو ما كان ملكا للمعتق عليه لولا العتق، لا ما كان ملكا له قبل العتق، وعدم دلالة (بع ما لي لنفسك) على تملكه قبل ذلك زمانا. ومنها: صحة بيع من فوض إليه الأفراز من الشريكين النصف المعين بقصد الأفراز لنفسه، ولا يلزم الأفراز أولا ثم البيع. ومنها: صحة المصالحة في الزكاة والخمس لأحد المستحقين بالمساوي أو الأكثر بلا إشكال.

[ 565 ]

[ مسألة: لا إشكال في عدم كفاية العزم على السفر إذا كان لضرورة - كالمعالجة ونحوها - في صدق ابن السبيل وجواز الأخذ من الخمس من باب انطباق ذلك العنوان *. مسألة: إذا خرج المسافر عن وطنه ويريد البعد عنه والخروج لمقصد ضروري - كالمعالجة أو وجدان الضال - وليست له نفقة الذهاب ففي الاستحقاق من سهم ابن السبيل إشكال * *. نعم، الظاهر أنه يجوز دفع الخمس إليه للفقر، فإنه حينئذ فقير إلى ذلك، كما أن الظاهر ] ومنها: أن المصالحة مع الشئ اليسير بحكم الأخذ والرد. والله العالم بحقائق الامور. * كما في الجواهر (1) وظاهر المشهور، خلافا لما فيها عن الأسكافي والشهيد في الدروس واللمعة (2)، فإن ابن السبيل على ما في عدة من كتب اللغة - كالمفردات والمنجد - هو المسافر (وهو الذي فسره به في الجواهر (3) وفي لسان العرب هو كثير السفر. وكيف كان، فلا ينطبق على هذا قطعا. وأما وجه الألحاق فهو أنه بعد الخروج والعبور عن حد الترخص يصير مسافرا فيصدق عليه ابن السبيل فيجوز إعطاؤه الخمس مثلا، ولا فرق بين الوطن والعبور عن حد الترخص في نظر العرف قطعا، إذ يرى العرف الملازمة العرفية بينهما. والجواب أن الحكم في المقيس عليه غير معلوم كما نبينه، مع أن القياس باطل إلا أن يكون مقطوعا، وهو غير واضح. * * من عموم الدليل - فإنه المسافر المنقطع عن السير، لعدم وفاء نفقته - ومن وجود امور تمنع عن ذلك:


(1 و 2) الجواهر: ج 15 ص 373. (3) ج 16 ص 112.

[ 566 ]

[... ] منها: عدم تجدد ذهاب النفقة، بل قصور النفقة كان من أول الأمر. والجواب أنه لا دليل على اشتراط ذلك، كما في الجواهر (1) واشير إليه في العروة (2). ومنها: أن في معتبر علي بن إبراهيم - الذي روي عنه بسند معتبر جدا، وهو نسبه بنحو الجزم إلى العالم عليه السلام -: (وابن السبيل: أبناء الطريق، الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم فعلى الأمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات) (3). فإن فيه في مقام التفسير أن الحكم هو الرد إلى الأوطان، لا إعطاء المصرف للبعد عن الأوطان للقيام بالضرورات. ويمكن الجواب عن ذلك بأنه بعد تفسير ابن السبيل بما يعم المطلوب فقوله عليه السلام: (فعلى الأمام أن يردهم إلى أوطانهم) لا يكون ظاهرا في التقييد والاشتراط، بل غايته أنه عليه السلام في ذلك بصدد بيان حكم البعيد عن الوطن القاصد للرجوع إليه فيتمسك بالأطلاق. ومنها: - وهو العمدة - انصراف ابن السبيل في مقام استحقاق الخمس والزكاة إلى استحقاق أحدهما للرجوع إلى الوطن. ووجه الانصراف امور: منها: أنه من المحتمل قريبا أن يكون البعد عن الوطن مأخوذا فيه من جهة كلمة (ابن) بالمقايسة إلى أمثاله - كابن الدنيا وابن البطن - فإن المزاولة مأخوذة


(1) ج 15 ص 373. (2) كتاب الزكاة، الفصل السادس، (الثامن). (3) الوسائل: ج 6 ص 145 ح 7 من ب 1 من أبواب المتسحقين للزكاة.

[ 567 ]

[ جواز الأعطاء من سهم ابن السبيل للمراجعة إلى وطنه *. مسألة: الظاهر عدم اعتبار كونه فقيرا في بلده * *. ولا فرق في ذلك بين كونه في بلده معدما لمخارج سفره أو كان واجدا له ولكن لا طريق ] فيه ولذا فسره في لسان العرب بكثير السفر، فلعل المقصود من بعد عن وطنه بحيث لابد له من السير الكثير حتى يصير إلى وطنه، فلا يشمل القريب إلى الوطن القاصد للبعد عنه. ومنها: أن الظاهر بحسب مناسبة الحكم والموضوع أن المقصود بالزكاة وكذا الخمس: علاج داء الاستحقاق وعلاج داء كونه ابن السبيل برفع ذلك، وليس ذلك إلا بالأيصال إلى وطنه. ومنها: أنه لو شرع الخمس أو الزكاة للمسافرة الضرورية لم يكن وجه لاشتراط وصف السفر، فمقتضى ذلك أن السفر صار موجبا للحاجة لا أن الحاجة أوجبت السفر، وجميع ذلك - المؤيد بما تقدم - موجب للانصراف إلى المسافر البعيد عن الوطن، فيعطى من السهم المزبور حتى يصل إلى وطنه. * لكونه ابن السبيل من دون إشكال إلا إشكال احتمال تجدد ما يوجب ذهاب النفقة، وقد تقدم عدم الدليل عليه. * * في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل في المنتهى: الأجماع عليه (1). ودليله واضح، فإنه لا نكتة ظاهرة في عد ابن السبيل في قبال المساكين إلا المسكنة في حال السفر، فلو كان مسكينا في بلده ومسكينا في حال السفر فهو أولى بالمراعاة وإعطاء الخمس والزكاة، فهو كالصريح في ذلك، لأن ذكره لولا ذلك ملحق باللغو، تعالى كلامه عن ذلك علوا كبيرا.


(1) الجواهر: ج 16 ص 112.

[ 568 ]

[... ] والنقض باليتامى مردود: أولا باحتمال عدم اعتبار الفقر فيهم أيضا، وهو محل اختلاف، كما ربما يجئ إن شاء الله تعالى. وثانيا بأن في ذلك نكات: منها بقاء أموال من آبائهم لا تكفي لغناهم، فربما يكون ذلك مانعا من إعطائهم الخمس. ومنها توقع الاشتغال بالمشاغل غير المناسبة لهم من سنوات السبع إلى خمس عشر، وكان ذلك دفعا لذلك. ومنها عدم من يتصدى لهم وربما يصيرون منسيين، وهذا بخلاف ابن السبيل الذي جاء من بلده مع قلة الاستعداد المالي مثلا وعدم ملاحظة عن الناس لغربته في السفر، فالدليل المذكور متقن جدا. ولا ينافيه ما ورد في معتبر حماد: (وجعل للفقراء قرابة الرسول صلى الله عليه وآله نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات الناس) (1). ولا ما ورد في الزكاة من أنها لا تحل لغني (2). وذلك لما تقدم من أنه ليس الغني واجد المال والفقير فاقده، بل الأول هو غير المحتاج ولو لم يكن له مال والثاني هو المحتاج، وابن السبيل محتاج، مضافا إلى أنه ليس الأول صريحا في أن نصف الخمس جميعه للفقراء، بل المقصود أن سهم الفقراء بحيث يستغنون به في نصف الخمس، وذلك بقرينة ما قبله بالنسبة إلى الزكاة، وهو قوله: (لأن فقراء الناس جعل أرزاقهم في أموال الناس على ثمانية أسهم، فلم يبق منهم أحد...) (3).


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 158 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 569 ]

[ للوصول إليه *. مسألة: قد اشترط غير واحد من الأصحاب - بل الخلاف غير معلوم - عدم التمكن من الاعتياض ببيع أو استدانة * *، ولكن لعل الظاهر التفصيل بين ما كان عوض الدين والمبيع مملوكا له زائدا على مؤونته فالاشتراط واضح إذا لم يكن فيه حرج، وإلا كان ] مع أن المؤلفة قلوبهم والعاملين منهم، ولا معنى لاشتراط الفقر في بعض موارد سهم سبيل الله، لأنه يصرف في مثل المساجد والأبنية الخيرية. وأما الثاني فهو مربوط بالزكاة وغير مربوط بالخمس، فالمسألة بحمد الله واضحة نصا وفتوى. * للأطلاق وإن لم نجد من يصرح بذلك. * * كما في الجواهر (1) والعروة (2). والوجه في ذلك عدم صدق المحتاج حينئذ بعد فرض اشتراط الاحتياج، وما تقدم (3) من خبر علي بن إبراهيم (فيقطع عليهم) الظاهر في عدم تمكنهم من السير ولو بالاستدانة أو الاعتياض ببيع ما في وطنه وأخذ ثمنه من دون حرج ومشقة. وفيه أولا: النقض بالاستيهاب، فإنه مع التمكن من الاستيهاب من دون الحرج والمذلة يتمكن من السير من دون أن يأخذ الزكاة أو الخمس. وثانيا: النقض أيضا بالاستدانة بالنسبة إلى غير ابن السبيل من المساكين الذين يرجى لهم الوصول إلى المال ويمكن لهم الاستدانة، ولا أظن منهم الالتزام بذلك. وثالثا: أن الظاهر أن الاستدانة والاعتياض على قسمين: فتارة يكون ذلك في قبال ما يملكه زائدا على مؤونته، فالظاهر أنه لا ينبغي الأشكال في عدم الفقر وعدم الانقطاع بذهاب مالهم، فإنه بمنزلة تبديل بعض الأثمان بالبعض الاخر،


(1) ج 15 ص 373. (2) كتاب الزكاة، الفصل السادس، (الثامن). (3) في ص 566.

[ 570 ]

[ الأقرب عدم الاشتراط. وأما الاستيهاب فالظاهر عدم لزومه ولو لم يكن حرجيا *. مسألة: ذهب الأصحاب إلى اشتراط أن لا يكون السفر في معصية الله * *. ] واخرى يكون في قبال منزله المسكوني أو فروشه ولوازمه أو يكون الاستدانة برجاء أن يرجع ويزيد على شغله ويعطي دينه، فالظاهر أنه ممن قطع به السير، لأن الظاهر أن المقصود من القطع ليس عدم التمكن المطلق من جميع الجهات، وإلا لم يكن وقع لقوله بعد ذلك (ويذهب مالهم) بل المقصود قطع السير بذهاب المال، فيكون الجملة الثانية مفسرة للجملة الاولى بالعطف التفسيري، والله العالم ويشمله إطلاق (ابن السبيل) ولو مع إضافة المحتاج، لأنه إن كان في بلده كان محتاجا أيضا ولم يكن ما يملكه من المؤونة شئ لرفع الاحتياج، فالظاهر - وهو العالم - أنه ابن السبيل خصوصا في باب الخمس، وأما الاستيهاب فالظاهر عدم اللزوم أصلا، لأن الفقير هو الفقير إلى مال الغير، لا الفقير إلى خصوص الزكاة، فربما يستحيل جعل الزكاة للفقير من حيث الزكاة، كما لا يخفى. * كما ظهر في التعليق المتقدم. * * في الجواهر: بلا خلاف كما اعترف به بعضهم، بل نفاه في المدارك بين العلماء، بل يمكن تحصيل الأجماع عليه (1). واستدل له بأمرين: أحدهما ما تقدم (2) من معتبر علي بن إبراهيم، وفيه (الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله). ثانيهما أن إعطاءه للعاصي إعانة على


(1) الجواهر: ج 15 ص 376. (2) في ص 566.

[ 571 ]

[... ] الأثم والعدوان (1). هذا كله في الزكاة، والظاهر حوالة الخمس إلى باب الزكاة كما صرح به في الجواهر (2). ثم إنه نقل عن بعض الأصحاب اعتبار كون السفر في الأطاعة فلا اعتبار بالسفر في المباح، وعن بعض آخر جوابه بصدق الأطاعة على المباح أيضا (3). أقول أولا: إن قياس الخمس على باب الزكاة يتوقف - بعد تمامية دلالة الرواية - على كونها بصدد بيان لغة ابن السبيل، أو بصدد بيان ما يكون ابن السبيل في الشرع حقيقة فيه، أو قيام دليل على الملازمة بين الخمس والزكاة في الثبوت والنفي. والكل ممنوع، كما لا يخفى. وثانيا: إن دلالة الرواية على مسلك المشهور غير واضح، لأن الظاهر أن كلمة (في) متعلقة ب‍ (يكونون) لا ب‍ (الأسفار) - كما هو واضح - فالظاهر أن الشرط هو أن يكونوا في حال سفرهم في طاعة الله تعالى من التروك والأفعال، لا أن يكون خصوص سفرهم في طاعة الله، وخصوصية السفر لعلها من باب أن السفر قد يوجب ترك بعض الواجبات للتعب وقد يقتضي فعل بعض المحرمات - كالدخول في الأراضي المغصوبة - فالمقصود كونهم عدولا بحيث لا يتخطون في حال السفر أيضا عن الطريقة الحقة، وحيث إن اشتراط ذلك خلاف الأجماع والضرورة وموجب للتخصيص الكثير بالنسبة إلى إطلاق ابن السبيل (لأنه راجع إلى العدالة التي لابد في إحرازها في مقام إعطاء المال الذي للمصرف الكلي، ويشكل ذلك غالبا في ابن السبيل الغريب المسافر) فيحمل على التأكيد. وربما يمكن تأييد ذلك بما فيه بالنسبة إلى سهم الغارمين من قوله عليه السلام:


(1) الجواهر: ج 15 ص 376. (2) الجواهر: ج 16 ص 113.

[ 572 ]

[... ] (والغارمين: قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف) (1). فإن تخصيص الغارم بذلك أيضا لعله خلاف ما هو المسلم بينهم، فلابد من الحمل على التأكيد، أي خصوصا بالنسبة إلى من استدان لذلك ومن كان في سفره في طاعة الله. لكن الأنصاف أن ما ذكر خلاف المتفاهم عرفا من الجملة الشريفة المتقدمة، بل لعل الأظهر كون المراد لا يكونون في حال السفر على خلاف إطاعة الله بالنسبة إلى ترك الواجبات أو فعل المحرمات التي ترتكب في السفر - كقطع الطريق وإيذاء الناس وترك الصلوات الواجبة - سواء كان السفر لذلك أم لا، فلو سافر أحد لغير الحرام فارتكب المحرمات التي يقصدها الفساق من السفر - كقطع الطريق والاجحاف على الناس وسرقة أموال الناس وغير ذلك - فالظاهر خروجه عن العنوان الذي جعل في الخبر شرطا لاستحقاق الزكاة. وثالثا: إن الاستدلال بدليل الأعانة غير واضح في ما كانت الأقامة في بلاد الغربة موجبة لصدور معاص كثيرة أكثر مما يصدر منه في السفر. ورابعا: لا يصح بالنسبة إلى المراجعة إلى الوطن إذا كان قد ارتكب ما قصده من المعصية وإن لم يتب. وخامسا: إذا تاب جدا فالظاهر صدق كون السفر بعد ذلك في طاعة الله، فلا إشكال لا من جهة دليل الأعانة ولا من جهة الرواية. وسادسا: إن فرض الصدق فالظاهر حكومة دليل التوبة على ما يقتضيه الدليل الاخر مما يتبع الذنوب من دون شبهة، فإن التوبة من الشرك يجب ما قبله ويوجب


(1) الوسائل: ج 6 ص 145 ح 7 من ب 1 من أبواب المستحقين للزكاة

[ 573 ]

[ مسألة: يدفع إلى ابن السبيل من الخمس بالمقدار اللائق بحاله. وإذا كان ذلك مرددا بين الأقل والأكثر فالظاهر هو الاقتصار على الأقل *. ولو اعطي الأكثر مشروطا بصرفه في الأكثر اجرة ففيه إشكال * *. ] الحكم بالأسلام وترتيب آثار الأسلام فكيف! لا يقتضي دليل التوبة رفع آثار سفر المعصية. وسابعا: إن ما نسب إلى بعض الأصحاب من اعتباره كون السفر في الطاعة قد مر أنه لا دليل عليه. وثامنا: إن الجواب بصدق الطاعة على المباح غير واضح. وكيف كان، فقد ظهر أن مقتضى القاعدة: استحقاق الأخذ من الخمس من باب سهم ابن السبيل إذا تاب عن معصيته في المراجعة إلى الوطن. والأحوط إن لم يكن أقوى: عدم جواز الأعطاء لمن كان في السفر مشغولا بالمعاصي التي يؤتى بها في السفر، أو تمت معصيته من دون أن يتوب عن ذلك، والله العالم. * فلو كان الركوب مع السيارة الصغيرة لائقا بشأنه وكان السير مع الكبيرة المشتملة على كثير من المسافرين أيضا لائقا بحاله فإعطاء اجرة الصغيرة التي هي أكثر مع إرجاع الأمر إليه لا يجوز بحسب الظاهر، لأنه يصير بأخذ الأقل غنيا، فلا يجوز أخذ المقدار الزائد. وكذا إعطاء مقدار ثمن المركوب مع إرجاع الأمر إليه. وكذا إعطاء عين المركوب مقرونا بإعطاء المنافع مستقلا. * * وجه الأشكال أن الشرط على تقدير لزوم الوفاء به في إعطاء الخمس كما هو مقتضى إطلاق (المؤمنون عند شروطهم) (1) إنما هو في فرض كون


(1) الوسائل: ج 15 ص 30 ح 4 من ب 20 من أبواب المهور.

[ 574 ]

[ وأما إذا اعطي عين المركوب أو استوجر له أكثر اجرة وكان ذلك متعارفا فالظاهر أنه خال عن الأشكال *. مسألة: لعل الظاهر جواز أن يقرض ابن السبيل ما أخذه ثم الأخذ عنه وصرفه في مصارف الطريق * *. ] المجموع خمسا، وكون المجموع خمسا يتوقف على لزوم الوفاء بالشرط، فلا يشمله دليل وجوب الوفاء بالشرط، ولعل الظاهر صحة الخمس بالنسبة إلى الأقل، ولا دليل على الفسخ خصوصا في باب الخمس وخصوصا في الشرط الباطل. * فإن سد خلته بأحد الأمرين، ولا معين لخصوص الأقل بعد كون الأكثر متعارفا أيضا ولم يوجب الشارع في باب الخمس والزكاة أن يلاحظ الأهم فالأهم الموجب للعسر النوعي والاقتصار على أقل ما يدفع به البلاء بإعطاء القوت المانع عن الموت مثلا. * * لأنه إن كان يملك ما يقبضه بملكية لازمة - كما يجئ نقله عن الشيخ قدس سره - أو بملكية متزلزلة فلا إشكال في ذلك، لأن (الناس مسلطون على أموالهم) (1) بل لا يلزم عليه أخذه وصرفه في مصارف الطريق، لكن بناء على الأول يكون ذمة المديون بعد الوصول إلى وطنه مشغولة له، وأما على الفرض الثاني ينتقل إلى المالك أو الحاكم على ما يجئ بعد ذلك إن شاء الله تعالى، وأما على فرض عدم كونه مالكا فهو يتصور أيضا على وجهين، فإن المالك إما أن يكون بنوة السبيل على الوجه الكلي وإما أن يكون المالك خصوص تلك المسافرة، فهو أيضا ولي ذلك فله التصرف فيه ما دام لم يكن موجبا لبعده عن الوطن بل ولو كان لكن لا يوجب أن يحتاج إلى غيره بالتكدي وأمثاله المرغوب عنه شرعا. وأما الدليل على الولاية للمصرف فللأمر بالأعطاء إليه وعدم الشرط عليه بأن لا يصرفه إلا


(1) البحار: ج 2 ص 272 ح 7 من ب 33 من كتاب العلم.

[ 575 ]

[ مسألة: لا ينبغي الأشكال في عدم جواز إعطاء مخارج ما يصرفه في مالا يتوقف الرجوع إلى وطنه إليه ولا يكون العود إلى الوطن بعد ذلك مستلزما للمحذور أيضا، كأن يقيم مدة لاشتراء الكتب مثلا، فليس ثمن الكتب ولا مدة إقامته لاشتراء الكتب محسوبا من مصرف ابن السبيل *. وأما إذا كان ما يصرفه مما يكون دخيلا في الرجوع إلى الوطن لكن لا يكون مما يتوقف عليه الرجوع بل كان دخله من جهة الوقوع في المحذور على تقدير الرجوع ولا يكون إلزامه بالبعد من باب الفقر بل لابد له من البعد ولو لم يكن فقيرا - كالمريض الذي ينحصر علاجه بالبقاء في بلد غير وطنه - ففيه إشكال، إلا أن الظاهر عدم الاحتساب ] في العود إلى الوطن أو في التبديل المتوقف على الصرف بحيث لا يشمل التبديل غير المتوقف على الصرف، ولعله يجئ لذلك مزيد توضيح إن شاء الله تعالى. * وذلك لأن المأخوذ في ابن السبيل امور ثلاثة: الأول كونه ملزما بالسفر، وذلك مستفاد من كلمة (ابن) الدال على اللزوم بقرينة سائر موارد استعمال الابن المضاف إلى الطريق أو العلم أو البطن أو الدنيا، فراجع لسان العرب. الثاني كون منشأ لزوم السفر عليه هو الفقر والاحتياج إلى المال، وهو المستفاد من مناسبة الحكم والموضوع، فإنه لو كان المنشأ مثلا وجود المانع في الطريق من تسلط القطاع أو الحرب أو غير ذلك من البرد الشديد أو الحر فلا يدفع ذلك بإعطاء الصدقات أو الخمس. الثالث أن يصرف ذلك في دفع ذلك البلاء - وهو البعد من جهة الفقر - بأن يحصل به الوصول إلى الوطن ويصرف في ذلك المصرف المخصوص، ومن المعلوم أن - في المثال - مدة إقامته لشراء الكتاب ليست من البعد اللازم وليس ذلك من جهة الفقر وليس ما يصرف فيه صرفا في الرجوع إلى

[ 576 ]

[ من ابن السبيل *. وكذا إذا كان البقاء من جهة الفقر ولكن ليس تأمين ذلك من مقدمات الرجوع بل يكون البقاء من جهة توجه المحذور بعد الرجوع، كالذي فر من ديونه الكثيرة من وطنه * *. والظاهر أنه لا ينبغي الأشكال في أن ما يتوقف عليه الرجوع إلى وطنه (من صرف مال في شئ، أو في مدة لتحصيله، كتحصيل التذكرة أو الأجازة للخروج عن مملكته إلى اخرى) يصرف فيه من ابن السبيل * * *. ثم الظاهر جواز إعطاء المحتاج إلى الامور المذكورة (من المعالجة ] الوطن. ومن الملاك المذكور يعرف الوجه في الفروع الاتية. والوجه في القيد الثالث أن الظاهر أن ما لابد من صرفه فيه هو رفع عنوان ابن السبيل عنه لا ما هو خارج عنه. * وذلك لوجهين: أحدهما عدم صرف ما يصرفه في العلاج في الرجوع إلى وطنه أو مقدماته، فإن المفروض هو التمكن من الرجوع إلى وطنه وإنما المحذور أنه بعد الرجوع يكون مبتلى بالمرض الذي ربما ينجر إلى هلاكه مثلا. ثانيهما أن إلزامه بالبعد ليس من جهة الفقر بل من جهة المرض، فإنه لو كان متمولا في مثل المثال لكان عليه البقاء والبعد عن الوطن للعلاج. * * فإنه وإن كان ملزما بالبعد عن وطنه ويكون منشأ إلزامه الفقر الممكن رفعه بالصدقات لكنه ليس مما يصرف في نفس عنوان الوصول إلى الوطن أو مقدماته، بل هو لا يتوقف على ذلك والمحذور يكون بعد الوصول. * * * وذلك للأطلاق الذي لا وجه للانصراف عنه، من غير فرق بين كون المالك نفس ابن السبيل أو مسافرته إلى الوطن. فالمسألة ذات فروع أربعة: الأول أن يكون الأقامة والحاجة لمثل شراء

[ 577 ]

[ وأداء الدين وأمثال ذلك وما يصرف في مدة إقامته لذلك) من سهم الفقراء *. مسألة: الذي يجوز الأخذ لابن السبيل هو مقدار الكفاية إما للوصول إلى الوطن أو إلى المكان الذي يمكن له الاعتياض بمال يكفيه أو الاستدانة بالشرط المتقدم * *. مسألة: لو فضل شئ مما أخذه ابن السبيل مما ينفد في السفر - كالنقود والمأكولات - أو لا ينفد بل يبقى عينه (كالدابة أو المركب المتعارف تملكه للسير أو غير ذلك من الثياب والفروش) فالمشهور أنه ] الكتب. الثاني أن يكون ذلك لمثل أخذ التذكرة للعبور عن الثغور والوصول إلى الوطن. والأول لا إشكال في عدم صرفه من ابن السبيل، وفي الثاني لا إشكال في صرفه منه. الثالث أن يكون ذلك لقضاء الوطر، ومدة قضائه لم يكن مما يتوقف عليه الرجوع ولكنه فيه محذور بعد الرجوع، وليس منشأ لزوم قضائه والبعد عن الوطن لذلك هو الفقر بل لابد له من ذلك ولو لم يكن فقيرا. الرابع أن يكون منشأ ذلك هو الفقر، كالفار من الديون مع الاشتغال بكسب يفي بديونه أم لا. والأعطاء من ابن السبيل في ذين الموردين مشكل، بل الظاهر عدم جوازه. * فإنا قد ذكرنا مرارا أن الفقير ليس مرادفا لمعدم المال كما أن الغني ليس من يكون ذا مال، بل الفقير هو المحتاج إلى مال الغير، فهو حينئذ فقير يشمله ما دل على أن الخمس للفقراء، فكونه ابن السبيل لا يتبع ثمرة إلا إذا قلنا بلزوم البسط، أو قلنا بأن الفقير هو معدم المال، أو في الوصية والوقف على ابن السبيل الذي هو مورد الزكاة كما أنه مورد للابتلاء في زماننا، فافهم وتبصر. * * وهو أن يكون عوضه موجودا في وطنه زائدا على مؤونته أو بحكم الموجود، بإمكان التحصيل من دون حرج ومشقة. والوجه في ذلك - بناء على التحقيق المتقدم - أن أخذ ما يوصله إلى المكان

[ 578 ]

[ يرد *، ] المفروض موجب لغناه فلا يكون بالنسبة إلى الباقي مصداقا لابن السبيل، وأما على مسلك الأصحاب فللانصراف القطعي إلى مقدار الكفاية، وإلا لجاز الأخذ زائدا على ما يوصله إلى وطنه أيضا، فعدم جواز الزائد عن المكان المفروض في المتن كعدم جواز الزائد عن مصارف الرجوع إلى الوطن، من حيث الدليل ووضوح عدم الجواز. * كما في الجواهر، فقال بعد قول المحقق (ولو فضل منه شئ أعاده): وفاقا للأكثر بل المشهور (1). وفيها أنه: قال الشيخ قدس سره في الخلاف: لا يعيد، وفي المسالك عن نهاية الفاضل وعن بعض الحواشي أنه لا يرد الدابة والثياب والالات (2). ففي المسألة أقوال ثلاثة، والمشهور هو الرد. أقول: مبنى المسألة على أن المالك لسهم ابن السبيل هل هو الجهة أي المسافرة والمراجعة إلى الوطن، فمن كان يملك قد انعدم فيرجع إلى الزكاة أو إلى ملك المالك أو إلى ابن سبيل غيره (على ما يأتي تحقيقه في المسألة الاتية إن شاء الله تعالى) أو الشخص لخصوص الجهة الخاصة فيكون كالأول، أو الشخص لرفع احتياجه والتمكن من المراجعة وخروجه عن كونه ابن السبيل بذلك فأخذ قدر الكفاية وخرج عن كونه ابن السبيل، أي الذي يكون ملزما بالغربة لعدم المال فملك ذلك. لكن الظاهر من آية الخمس هو الثالث، فيملك قدر الكفاية ويخرج عن ملك المالك وعن كونه زكاة.


(1) الجواهر: ج 15 ص 376. (2) الجواهر: ج 15 ص 377.

[ 579 ]

[... ] إن قلت: مقتضى ذلك جواز الصرف في غير مصارف المراجعة وصيرورته ابن السبيل بعد ذلك، فهلم جرا. قلت أولا: نظير هذا الأشكال وارد في الفقير أيضا، كما لا يخفى. وثانيا: إنه قد تقدم منا أن ابن السبيل هو الملزم بالمسافرة من جهة فقد المال، وهو الذي إن أخذ المال رجع إلى وطنه، فإن أخذ ولم يرجع إلى وطنه فهو ليس بابن السبيل. إن قلت: مقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو الصرف في رفع بلية بنوة السبيل كما تقدم. قلت: دفع ذلك تارة بتبديل السفر بالحضر، فيخرج عن كونه ابن السبيل بالوصول إلى وطنه، كأن يتكفل صاحبه في السفر لأعطاء مصارفه من الزكاة إلى الوصول إلى الوطن، ففي كل آن ملزم بالسفر ومحتاج إلى المال لذلك، واخرى يحصل دفعة، بأن لا يكون ملزما بالبقاء في الغربة من جهة فقد المال، فهو أيضا مناسب للحكم. هذا، مضافا إلى أنه لم يسمع في طيلة عصر الأسلام رد مال اعطي بعنوان الزكاة أو الخمس أو شرط على ابن السبيل الرد عند الوصول إلى الوطن أو سئل مصادر التشريع عن ذلك، بل ربما يستفاد من الأطلاقات المقامية (الواردة في ابن السبيل في باب الزكاة والخمس، المقرونة بغلبة زيادة شئ من زاد السفر - نقدا أو جنسا - والسكوت عن الرد إلى الحاكم أو الفقير أو المالك) عدم لزوم الرد، كما لا يخفى. إن قلت: مقتضى خبر العالم المعتبر، وفيه: (وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في

[ 580 ]

[ ومقتضى الدليل عدم لزوم الرد في الخمس، وإن كان الأحوط الرد خصوصا في مثل الدابة التي تكفي منفعتها للوصول إلى الوطن. ثم إنه على تقدير الرد لزوما أو من باب الاحتياط فالمستفاد من الجواهر أن في المسألة قولين: أحدهما الرد إلى المالك أو وكيله، فإن تعذر فإلى الحاكم. ثانيهما تعين الرد إلى الحاكم *. ولعل الظاهر جواز الرد إلى المستحق منه أو الحاكم إن لم يستلزم التأخير في الأداء. وعلى هذا الفرض هل يجوز الصرف في مصرف الزكاة على وجه الأطلاق أو لابد من الصرف في خصوص ] الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم فعلى الأمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات) (1). أن ابن السبيل يملك الرد إلى الوطن ولا يملك غير ذلك، فمورد حقه الرد إلى الوطن من الزكاة. والظاهر كونه في مقام بيان المراد من (ابن السبيل) ففي الخمس يكون كذلك أيضا. قلت: الظاهر أن قوله عليه السلام (فعلى الأمام) ليس تفسيرا لابن السبيل وبيانا لما يستحقه، بل هو تفريع على بيان ابن السبيل وشروع في بيان الاثار من دون أن يكون بصدد تفسير ما هو الأثر له بنحو الجامعية والمانعية، بل يكون بصدد ذكر ما هو الغالب الظاهر من آثاره. كيف؟! وليس ذلك مختصا بالأمام بحيث لا يجب على غير الأمام ذلك فيسقط بغيبته أو يتوقف على عموم النيابة للفقيه، بل الظاهر منه من حيث الأطلاق المقامي عدم لزوم رد ما يبقى غالبا من زاد المسافرين. فمقتضى الدليل ما ذهب إليه الشيخ من عدم الرد إذا أخذ بمقدار الكفاية. * ففي الجواهر نقل الأول عن الروضة واختار الثاني لنفسه (2).


(1) الوسائل: ج 6 ص 145 ح 7 من ب 1 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الجواهر: ج 15 ص 377.

[ 581 ]

[... ] وهنا وجه ثالث - لم أر ذكره في زبر الأصحاب - وهو الرد إلى الفقير أو إلى ابن سبيل آخر، بمعنى جواز الرد إلى الفقير بنفسه من دون مراجعة الحاكم. ثم إنه على تقدير فرض المقسم للوجوه عدم بقائه على ملك ابن السبيل المراجع إلى وطنه فهنا وجه رابع، وهو كون ذلك المال بمنزلة المباحات، لأعراض صاحبه عنه بجعله زكاة، والمفروض خروج المال عن ملكية مصرف الزكاة، والزكاة التي جعل المال في مصرفها قد اديت بإعطائها إلى ابن السبيل المخصوص. وكيف كان، فنقول: مقتضى الدليل هو الوجه الثالث: فإن الرجوع إلى المالك إن كان بنحو المالكية من باب أنه جعله زكاة على النحو الخاص (بأن يكون مصروفا في خصوص الرجوع إلى الوطن بالنسبة إلى الشخص الخاص) فإذا انعدم المالك الثاني بالفرض - وهو السفر المخصوص - يرجع إلى المالك فيكون ملكا له (كما في الفسخ وما يزيد عن مورد الوصية والوقف المنقطع الاخر) فهو مردود أولا بأن ارتكاز المتشرعة مستقر على أن ما يجعل زكاة يجعل زكاة بنحو الأطلاق، لا أنه يجعل زكاة بنحو التقييد. وثانيا بأن جعله زكاة بنحو التقييد محال، فإن صيرورته ملكا لابن السبيل الخاص لجهة خاصة متوقف على كون المال زكاة، لأن السهم المذكور من السهام التي جعلت للزكاة والصدقات، فلو فرض توقف زكاتيته على كونه ملكا لابن السبيل على النحو الخاص لزم الدور. وثالثا بأن بناء الفقهاء المتخذ من العرف على أن جميع الشروط المذكورة في المعاملات من قبيل الالتزام في الالتزام، لا من قبيل التقييد. وأما إن كان الرجوع إليه من باب كونه وليا على المصرف وولايته موكولة إليه، ولو شك في ذلك يستصحب ولايته عليه فيرجع إليه زكاة (وبعد الرجوع إليه ففيه وجهان: صرفه في أصل الزكاة أو صرفه في خصوص ابن السبيل) ففيه: أنه

[ 582 ]

[ سهم ابن السبيل؟ وجهان، الأحوط إن لم يكن الأظهر هو الثاني *. والأحوط كونه بإذن الحاكم والمالك أيضا، والله العالم. مسألة: في الغارمين من الهاشميين وجوه: الأول: جواز الصرف في أداء دينهم من الزكاة والخمس، وتمليك الخمس لهم في أداء الدين. الثاني: عدم جواز ذلك كله. وهو ضعيف جدا. الثالث: عدم جواز الصرف من الزكاة، وجواز الأمرين من الخمس. الرابع: جواز إعطائهم من الخمس لأداء الدين، وعدم جواز أداء دينهم من الخمس من دون تمليكهم ومن دون رضا المديون بذلك. ] بعد الخروج عن ملكه وصيرورته زكاة فلا يحل لأحد التصرف في مال غيره بغير إذنه، فالاستصحاب منقطع بعموم عدم جواز التصرف في مال الغير. وأما الرجوع إلى الحاكم بنحو التعين فيتوقف على ولاية الحاكم على الأموال العمومية - من الخمس والزكاة - وعدم ولاية لغيره من مصاديق المستحقين، وهو خال عن الدليل. فالوجه الثالث وهو جواز الرجوع إلى الفقير - لأنه مصداق المستحق بعد فرض كونه زكاة - مطابق للدليل. ويجوز الأداء إلى الحاكم أيضا من باب أنه يصرفه في الزكاة ويعطيه الفقراء. * وذلك لأنه قد تشخص في خصوص ابن السبيل، وهو مردد في أول الأمر بين أن يكون من طرف المالك لأصل ابن السبيل، وتشخصه في خصوص الخاص من باب قبض ذلك الخاص، وبين أن يكون خصوص الخاص المنفي بالرجوع إلى الوطن، فيستصحب الكلي المردد بين الباقي والزائل، فلابد من الصرف في ابن السبيل.

[ 583 ]

[ الخامس: جواز تمليكهم الخمس للأداء وجواز أداء الدين من الخمس مع رضا المديون بذلك. ولعل الأظهر هو الثالث، * لكن الأحوط التمليك بشرط أن يؤدي به الدين، ولا يعطى بعد ذلك إن لم يف المديون بالشرط ولم يكن له عذر شرعي في ذلك. ] وكذلك في مسألة البدل للحج من باب سهم سبيل الله لشخص خاص إذا تعذر عليه وفرض عدم إمكان الاستيذان من المالك أو قلنا بعدم ولايته بقاء بعد تعينه في خصوص الحج بالأعطاء والأخذ، من باب أنه أحد المصاديق. وكذا في غير ذلك من الوصية والوقف، فافهم وتأمل. * الوجه في جواز الأعطاء من باب الخمس لأداء الدين أن المديون فقير ومحتاج إلى مال الغير، من دون فرق بين مطالبة الدائن وإعساره وعدمهما أو عدم أحدهما أو كونه مطالبا على تقدير جواز أخذ الخمس له من غير جهة المطالبة أو مع فرض المطالبة، فإن الفرض - كما هو واضح - في جميع الغارمين فرض عدم القدرة على أداء الدين، فهو محتاج إلى مال الغير ولو كان ذلك المال هو الدين الذي للدائن في ذمته، فهو كالمسكن المحتاج إليه ويكون لغيره ولا يطالبه التخلية ولا الاجرة، فلا شبهة عندي في فقره في جميع تلك الصور، وليس الفقير معدم المال كما مر ذلك كرارا، بل الفقير هو المحتاج والمسكين، باعتبار عدم جريان معيشته بحيث يتمكن من تأمين جميع حوائجه. وأما الوجه في جواز إعطاء الدين من باب الخمس فلأنه نوع من الأعطاء عرفا. إن قلت: فيجوز إعطاء مال الغير لدينه من دون إذنه وإحراز رضاه. قلت: الأعطاء الذي لا يرضى به المالك غير جائز، فلا يتحقق به أداء الدين،

[ 584 ]

[... ] فلا يتحقق به الأعطاء، بخلاف مال الخمس الذي مقتضى الأطلاق أن إعطاءه بيد المالك، فيصدق الأعطاء ولو من دون رضا مالكه على فرض حصول الأداء، فلا مانع من الأداء. وإن أبيت عن ذلك فيكفي رضا المديون بذلك بل رضا غيره من السادات الفقراء، فيتجه الوجه الخامس بل أعم منه. ثم إن هنا فروعا: الأول: لو أخذ المديون الخمس من دون اشتراط أن يصرفه في دينه وإن كان بذاك الداعي هل يجوز صرفه في غيره؟ مقتضى القاعدة هو الجواز، إذ صار مالكا بملاك الفقر الذي ملاكه الدين وإن لم يصرف فيه. نعم، لو طالبه الدائن يجب صرفه في الدين من باب وجوب أداء الدين، لا من باب كون الخمس لذلك. الثاني: لو صرفه في غيره هل يجوز له أخذ الخمس ثانيا بذلك الملاك؟ الظاهر بمقتضى القاعدة هو الجواز إن لم يوجب الضرر على مستحق آخر، كما تقدم في مسألة أخذ الخمس وهبته من المالك. الثالث: لو شرط المالك المؤدي للخمس أن يصرفه في أداء الدين فهل يجب على مستحق الخمس ذلك؟ الظاهر هو الوجوب، فإن المؤمنين عند شروطهم (1)، وليس ذلك شرطا ابتدائيا بل يكون في ضمن الأعطاء التمليكي الخمسي. الرابع: هل يوجب عدم الوفاء بالشرط اختيار الفسخ؟ فيه إشكال. الخامس: هل يجوز للمعطي شرط الخيار على تقدير عدم أداء الدين به؟ مقتضى عموم (المؤمنون عند شروطهم) (2) هو الجواز وثبوت خيار الفسخ. السادس: هل يجوز اشتراط أن يكون الخمس بعد ملكيته له ملكا للدائن بنحو شرط النتيجة مع قبول الدائن أيضا؟ مقتضى عموم دليل وجوب الوفاء


(1 و 2) الوسائل: ج 15 ص 30 ح 4 من ب 20 من أبواب المهور.

[ 585 ]

[ مسألة: هل يجوز نقل سهم السادة من بلد إلى بلد آخر أم لا؟ الظاهر هو الجواز مع فرض الرضا بذلك من عدة ينطبق المال عليهم، إذا فرض عدم رجحان التقسيم في المحل على النقل ولو من حيث وجود الخمس في المحل *. ] بالشروط لشرط النتيجة هو الجواز. السابع: هل يجوز اشتراط جواز أخذ الخمس للدائن من باب أداء دينه؟ مقتضى القاعدة هو الجواز، من دون الحاجة إلى قبول الدائن - كجعل الخيار للأجنبي في البيع - فإن الحق ثابت للمعطي، فتأمل. الثامن: هل يمكن قبول الخمس من جانب الهاشمي المديون، ثم أداء الدين منه، ثم الاستجازة منه، فيكون فضوليا، أم لا؟ فيه إشكال، فلابد من التأمل. التاسع: الظاهر أنه لا إشكال في أخذ الوكالة عن الهاشمي في قبول الخمس له، ثم أداء دينه منه. العاشر: الظاهر جواز ما ذكر من الشرط في الخمس في ضمن عقد خارج لازم، بالطريق الأولى. * بأن يكون في قبال مصلحة الأعطاء في المحل من جهة الجيران والرفقاء ومن تحمل مشقة الانتفاع بالمال مصلحة اخرى في الحمل، فيكون التقسيم في المحل والنقل من حيث المجموع متساويين، وذلك لعدم الدليل على عدم جواز الحمل من حيث هو مع قطع النظر عن طرو عنوان إمساك مال الغير بدون الرضا ومع قطع النظر عن كون الحمل على خلاف المصلحة، وذلك لأنه لا دليل عليه إلا ما ورد في باب الزكاة في مصحح عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، وفيه: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر،

[ 586 ]

[... ] ولا يقسمها بينهم بالسوية، وإنما يقسمها على قدر ما يحضرها منهم وما يرى، ليس عليه في ذلك شئ موقت موظف، وإنما يصنع ذلك بما يرى على قدر من يحضرها منهم) (1). وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا تحل صدقة المهاجرين للأعراب، ولا صدقة الأعراب في المهاجرين) (2). قال في الوسائل: ورواه المفيد في المقنعة كما مر، والذي قبله مرسلا، إلا أن في نسخة (لا تصلح) (3). وفيه أولا: عدم صحة الاستدلال بهما في الزكاة، لمكان الروايات الاخر الصريحة في جواز النقل في الجملة (4). وثانيا: عدم وضوح دلالتهما في نفسهما: أما الأول فلأن الظاهر أن المقصود جواز الاقتصار على الحاضر ولا يجب الجمع والتقسيم بالسوية، بقرينة قوله: (ليس عليه في ذلك شئ موقت موظف) وأنه خلاصة ما هو بصدد بيانه. وأما الثاني فلأن مقتضى ظهوره جواز النقل من بلد هجرة إلى بلد هجرة اخرى ومن أعراب محل إلى محل أعراب آخر، فلعل المقصود هو الأرشاد إلى التناسب من حيث الاحتياج، فإن الأعراب متاعهم الأبل مثلا فالمناسب أن


(1) الوسائل: ج 6 ص 183 ح 1 من ب 28 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المصدر: ص 197 ح 1 من ب 38. (2) المصدر: ص 195 الباب 37 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 587 ]

[... ] يجعلوا زكاة الأبل في الأعراب المحتاجين إليها، وأما أهل البلاد فهم محتاجون إلى الغلات وتلك متاعهم أيضا، فلعل الأنسب ما في نسخة اخرى تكون فيها (لا تصلح) بدلا عن كلمة (لا تحل)، وحيث إن المنقول مردد بين (لا تصلح) و (لا تحل) فلا يصح الاستدلال المبني على (لا تحل). وأما إذا لم يكن في ذلك صلاح بل كانت المصلحة في التقسيم في المحل فهل يجوز النقل مع فرض الرضا من عدة من المستحقين أم لا؟ فيه إشكال. والأحوط مراعاة المصلحة، لا سيما إذا كانت لازمة عرفا، كما إذا لزم من تركها الحرج أو الضرر على بعض المستحقين. وجه الجواز أن التصرف في المال يكون برضا رب المال. ووجه عدم الجواز أن مقتضى صحيح البزنطي أن الأمام له الولاية في الخمس بحسب ما يرى من المصلحة، ومن المقطوع أنه ليس ولاية صاحب المال بأوسع من ولاية الأمام عليه السلام، ففيه عن الرضا عليه السلام: فقيل له: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل ما يصنع به؟ قال: (ذاك إلى الأمام، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله كيف يصنع أليس إنما يعطي على ما يرى؟ كذلك الأمام) (1). إن قلت: إن ذلك في كيفية التقسيم من حيث أقلية بعض الأصناف وأكثرية البعض الاخر. قلت: الظاهر بحسب متعارف الصرف عدم الفرق في ذلك. إن قلت: صدر الخبر ظاهر في الأرجاع إلى الأمام عليه السلام، والذيل ليس بظاهر


(3) الوسائل: ج 6 ص 362 ح 1 من ب 2 من أبواب قسمة الخمس.

[ 588 ]

[ وأما إذا كان مراعاتها لازمة شرعا فلا إشكال في لزومها، كما إذا خيف من تركها تلف النفس *. وإن كان النقل على وفق المصلحة وكان أرجح ولكن كان مخالفا لرضا مستحقي البلد وخارجه فالظاهر عدم الجواز * *. ] في التقييد بالرأي والمصلحة، بل يكون من باب أن الأمام إذا اختار لا يختار إلا ما يراه مصلحة، لا أنه يختار - نعوذ به تعالى - على طبق هواه خلاف ما يراه من المصلحة. قلت: الذيل علة لبيان اختيار الأمام عليه السلام، وظهور العلة مقدم على المعلل له وعدم ظهور الذيل في الأرجاع إلى رأي الأمام عليه السلام ممنوع. لكن لقائل أن يقول: إن ظهور الذيل في الجهة الاثباتية غير معلوم، بل لعل المقصود بيان عدم حد مقرر وموظف من الله تعالى في ذلك، كما يومئ إلى ذلك ما تقدم (1) في مصحح عبد الكريم: من قوله: (على قدر ما يحضرها منهم وما يرى، ليس عليه في ذلك شئ موقت موظف). مع أن كون الذيل علة إنما هو بحسب الاستدلال، وأما بحسب مقام الثبوت فرجوع الأمر إلى الأمام عليه السلام لاختيار الأمام ما يراه من المصلحة. * فالنقل إن كان موافقا للمصلحة والرضا على حسب ما عرفت فالظاهر عدم الأشكال فيه، وإن كان مخالفا لهما فالظاهر عدم الأشكال في عدم الجواز، وإن كان على خلاف المصلحة وموافقا للرضا فالأحوط مراعاة المصلحة. * * وهذا هو القسم الرابع. ووجه عدم الجواز أن النقل تصرف في مال الغير من دون الرضا، وجواز مراعاة المصلحة أو لزومها بالنسبة إلى الأمام عليه السلام - كما هو


(1) في ص 586.

[ 589 ]

[ ولا يخفى أن الأقسام الأربعة جائية في التأخير، فإنه قد يكون مقرونا بالمصلحة والرضا، وقد يكون فاقدا للمصلحة والرضا، وثالثة يكون فاقدا للرضا وواجدا للمصلحة، فالظاهر أنه جائز في الأول وغير جائز في الأخيرين. وقد يكون واجدا للرضا وفاقدا للمصلحة، فالأحوط فيه ترك التأخير، كما مر في النقل *. مسألة: الظاهر أنه لا إشكال في الضمان إذا تلف الخمس في يده ولم يكن تأخيره جائزا له، بأن كان المستحق موجودا أو غير راض ببقائه عنده أو لم يحرز ذلك * *. والظاهر عدم الضمان إذا كان التأخير واجبا عليه * * *. ] المستفاد من الصحيح المتقدم (1) - لا يستلزم ذلك بالنسبة إلى غيره، كما لا يخفى. * والوجه فيه هو الوجه في النقل. * * وذلك لأنه غصب فيشمله ما دل على الضمان في المغصوب، ولأنه مشمول لما يأتي من روايات الضمان في باب الزكاة (2)، بل هو المتيقن من دلالته فيحكم في الخمس مثله بإلقاء الخصوصية الظاهر من معتبر محمد بن مسلم الاتي تقريبه في التعليق الاتي، ولأنه مقتضى استصحاب وجوب أداء العين أو البدل ولو من باب حق التبديل - كما يأتي تقريبه إن شاء الله في التعليق الاتي - فالدليل عليه امور ثلاثة. * * * وذلك لوجوه: منها: ما دل على عدم الضمان في الوديعة، كالصحيح أو الحسن - بإبراهيم - عن زرارة، قال:


(1) في ص 587. (2) الوسائل: ج 6 ص 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 590 ]

[... ] سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وديعة الذهب والفضة، قال: فقال: (كل ما كان من وديعة ولم تكن مضمونة لا تلزم) (1). بدعوى أن الوديعة هي ما جعل أمانة في يد غير المالك ولو كان ذلك من قبل الله تعالى، والانصراف إلى الوديعة من قبل الناس بالخصوص بدوي ليس منشأه اللفظ بل منشأه كثرة الوجود والابتلاء في الخارج. ومنها: ما دل على عدم الضمان معللا بأن من بيده المال أمين، كموثق غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن أمير المؤمنين عليه السلام اتي بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمنه، وقال: إنما هو أمين) (2). بتقريب أنه إما أن يكون المقصود عدم الضمان ثبوتا في فرض عدم التعدي والتفريط معللا بأنه مورد للأمانة، فينطبق على المورد، أو بتقريب أن عدم الضمان ثبوتا في الصورة المذكورة مفروض بحسب الارتكاز، ويكون المقصود عدم الضمان في صورة احتمال التعدي وأنه محكوم بعدم التعدي، لأنه مورد للأمانة، فيصدق أيضا على مورد البحث. ومثله ما إذا كان المقصود بقوله (إنما هو أمين) أنه يعلم أنه لا يخون، لمعرفته بحال صاحب الحمام بالخصوص، فافهم وتأمل. ومنها: ما دل على عدم الضمان صريحا في باب الزكاة إما على وجه الأطلاق وإما في صورة عدم وجود المستحق، فراجع روايات الباب التاسع والثلاثين من


(1) الوسائل: ج 13 ص 228 ح 4 من ب 4 من أبواب الوديعة. (2) الوسائل: ج 13 ص 270 ح 1 من ب 28 من أبواب الوديعة.

[ 591 ]

[... ] أبواب المستحقين للزكاة التي منها الصحيح أو الحسن - بإبراهيم - عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: (إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنها قد خرجت من يده. وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي امر بدفعه إليه، فإن لم يجد فليس عليه ضمان) (1). ودلالته بالنسبة إلى الزكاة كادت أن تكون صريحة. وأما بالنسبة إلى الخمس فيمكن الاستدلال به من باب إلقاء الخصوصية، بل هو ظاهر نفس الخبر، من جهة ذكر الوصية المشعر بأنه بصدد بيان الكلي لا خصوص مورد الزكاة. مضافا إلى التعليل، فإنه ليس المقصود من التعليل خروجه من يد شخصه ووقوعه بيد وكيله، لأن يده يد نفسه عرفا وشرعا، مع أنه لا ينطبق على مورد الوصية، وليس المقصود ظاهرا أنه صار مشخصا وخارجا عن كونها في المال بنحو الكلي في المعين، كما ربما يظهر من خبر عبيد بن زرارة عنه عليه السلام: (إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمها لأحد


(1) الوسائل: ج 6 ص 298 ح 1 من ب 39 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 592 ]

[ لكن الأحوط هو الاستيذان من بعض المستحقين في التأخير. وأحوط منه الاستيذان منه ومن الحاكم الشرعي. وأحوط منهما أخذ الوكالة عن بعض المستحقين في النقل إليه من باب الخمس، ثم التأخير إلى أن يوصله إليه أو إلى مستحق آخر *. وأحوط من الكل أن يكون ] فقد برء منها) (1). فإنه لا ينطبق على مورد الوصية. مضافا إلى دلالته أيضا على المقصود حيث جعل عدم الضمان من باب تلف مال الغير في تلك الصورة مبنيا على الارتكاز الموجود في المبحوث عنه، فالظاهر هو الخروج عن اختياره شرعا، فلابد من التأخير في البلد انتظارا للمستحق أو النقل إلى بلد آخر للأيصال إلى المستحق، والعلة المذكورة موجودة في باب الخمس أيضا. ومنها: عدم الدليل على الضمان في تلك الصورة، لمنع دلالته على اليد، للأشكال فيه سندا وعدم وضوح استناد الأصحاب إليه بالخصوص في الضمان، ولأن الغاية ظاهرة في صورة إمكان أداء العين فلا يشمل فرض التلف. والتعليق منتزع من الحكم في فرض التلف وليس بغصب حتى يشمله دليل ضمان المغصوب. لكن يمكن رد هذا الدليل باستصحاب وجوب أداء أحد الأمرين: من العين أو البدل ولو من باب حق المالك للتبديل، واختصاصه بصورة وجود العين مرفوع بالاستصحاب. * أما الأول فلصيرورته بذلك أمانة مالكية، فيتضح دخوله في مصداق الوديعة والأمانة ويتضح صدق عنوان الأمين عليه. وأما الثاني فلاحتمال عدم ولاية كل واحد من المستحقين إلا في الأخذ من


(1) الوسائل: ج 6 ص 199 ح 4 من ب 39 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 593 ]

[ ذلك أيضا بإذن الحاكم * على نحو لا يكون مخالفا لحرمة المستحق. وأما إذا وجد المستحق وأخر أداءه لبعض المصالح وكان ذلك بإحراز الرضا من عدة من المستحقين فكان جائزا، ففي الضمان وعدمه إشكال * *. ] باب الانطباق، وعدم ولا يتهم على الأذن من دون أن يكونوا مالكين بالفعل، ويكون ولاية جميع ذلك راجعة إلى الحاكم الشرعي. وأما الثالث فمنشأه عدم ولاية الشخص ولا الحاكم، وكانت ولاية الشخص على الأخذ فيصير ملكا له. * بناء على ما تقدم من احتمال كون ولاية سهم السادات موكولة إلى الحاكم من باب النيابة عن الامام عليه السلام. لكن قد تقدم دفع ذلك وأن ملاحظة هذا الاحتياط خلاف الاحتياط، من جهة ملاحظة حرمة آل الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان احتياطا من حيث القطع ببراءة الذمة. * * من دلالة غير واحد من الروايات التي منها ما تقدم (1) - من معتبر محمد بن مسلم - على الضمان، وفيه: " إذا وجد لها موضعها فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن " - فإذا قلنا بذلك في الزكاة فيقاس الخمس عليها، خصوصا في مرحلة ا لزيادة، كما اشير إليه من أنه يمكن أن يكون الخمس أشمل من الزكاة، لكن النقيصة منه ربما تكون مخالفة لدليل المعاوضة، فيحكم في الخمس بالضمان أيضا. فهذا الدليل مركب من أمرين: أحدهما الضمان في الزكاة لمثل الدليل المذكور، وثنيهما قياس الخمس بها لدليل المعاوضة. ويمكن أن يستدل للضمان باستصحاب وجوب أداء العين أو البدل في باب


(1) في ص 591.

[ 594 ]

[... ] الخمس والزكاة ولو من باب حق المالك للتبديل، فإنه كان ذلك متيقنا عند وجود العين فيستصحب ذلك بعد التلف أيضا، ومقتضى ذلك هو الضمان في الجملة، لا بأن يكون ضامنا في المثلي بالمثل وفي القيمي بالقيمة. هذا تفصيل وجه الضمان. وأما وجه عدم الضمان فلمنع ذلك في المقيس عليه وهو الزكاة، وذلك لأن مقتضى إطلاق بعض الروايات (1) عدم الضمان، ففي معتبر بكير بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يبعث بزكاته فتسرق أو تضيع، قال: (ليس عليه شئ) (2). فحكم فيه بعدم الضمان، من غير فرق بين وجود المستحق في المحل وعدمه. وعلى مبنى الوالد قدس سره من (تقدم التصرف في الهيأة - بالحمل على الاستحباب - على التصرف في المطلقات) يحمل ما يدل على الضمان على الاستحباب. وربما يؤيد ذلك الجمع في خصوص مورد البحث بأمرين: أحدهما بعد عدم المستحق في المحل بحيث يحتاج إلى الحمل والبعث من بلد إلى بلد، فالحمل على صورة عدم وجود المستحق حمل على الفرد البعيد. ثانيهما خبر وهب بن حفص عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: - جعلت فداك - الرجل يبعث بزكاة ماله من أرض إلى أرض فيقطع عليه الطريق، فقال: (قد أجزأته عنه، ولو كنت أنا لأعدتها) (3).


(1) مثل ما في الوسائل: ج 6 ص 198 و 199 من خبر 3 و 4 و 5 و 6 من ب 39 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المصدر: ص 199 ح 5. (2) الوسائل: ج 6 ص 199 ح 6 من ب 39 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 595 ]

[ ولعل الأظهر هو الضمان. وطريق التخلص عن الضمان في تلك الصورة هو الاستيذان عن المستحق. والأحوط الجمع بينه وبين الاستيذان من الحاكم. وأحوط منهما أخذ الوكالة عن المستحق لنقل الخمس إليه بإذن الحاكم، كما تقدم في فرض الحكم بعدم الضمان. ] الدال على الاستحباب. فالجمع بالحمل على الاستحباب قوي في خصوص المورد. وعلى فرض الضمان في مورد الزكاة فقياس الخمس عليه غير واضح، لأمرين: أحدهما أن عدم نقصان الخمس عن الزكاة في مقام الجعل لا ينافي النقصان في مقام السقوط وعدم الضمان، فتأمل فإنه لافرق بين عدم الجعل أو الجعل والسقوط، في النتيجة. ثانيهما أن معاوضة الخمس عن الزكاة ليست إلا بمعنى عدم احتياج الهاشميين من الفقراء إلى الزكاة وإلى الناس مع فرض إعطائهم الخمس، ولا يقتضي جعل الخمس في جميع موارد جعل الزكاة، بل لابد أن يكون الخمس كافيا لهم ولو من باب قلة عددهم بالنسبة إلى مساكين الناس، ولعله لذا قد حلل الخمس إلى زمان الكاظم عليه السلام كما يستفاد من الأخبار، فهذا يقوي عدم الضمان. لكن مقتضى الاستصحاب المتقدم (1): الضمان، ومقتضى معتبر محمد بن مسلم (2) (الظاهر أنه في مقام بيان الحكم الكلي، بقرينة ذكر مورد الوصية) أيضا ذلك، فالضمان لا يخلو عن وجه قوي مع أنه أحوط. * لما تقدم من معتبر محمد بن مسلم (3) - الظاهر في عدم الخصوصية، بقرينة ذكر مورد الوصية - وللاستصحاب.


(1) في ص 592. (2، 3) المتقدم في ص 591.

[ 596 ]

[ مسألة: قال في الشرائع: الأيمان معتبر في المستحق على تردد (1) * *. ] * * في الجواهر ما ملخصه أنه: صرح جماعة باعتباره (بل لا أجد فيه خلافا محققا - كما اعترف به بعضهم - بل في الغنية: الأجماع عليه) للشغل، وكون الخمس كرامة ومودة لا يستحقهما غير المؤمن، ولأنه عوض عن الزكاة المعتبر فيها ذلك إجماعا كما في المدارك وغيرها. وأما منشأ تردد المحقق في الشرائع والنافع فهو إطلاق الكتاب والسنة (2). والجواب عنه أولا بعدم كونه في مقام بيان جميع الشرائط. وثانيا بالانصراف. وثالثا بالخروج عنه بما تقدم: من المعاوضة، وكون الخمس كرامة، والأجماع المنقول. أقول: وقد يستدل لاعتبار الأيمان - كما في المستمسك (3) - بخبر إبراهيم الأوسي الوارد في كتاب الزكاة، وفيه بعد فرض عدم معرفة المستحق من الشيعة: (فانتظر بها سنة) قال: فإن لم اصب لها أحدا؟ قال: (انتظر بها سنتين) حتى بلغ أربع سنين، ثم قال له: (إن لم تصب بها أحدا فصرها صررا واطرحها في البحر، فإن الله عزوجل حرم أموالنا وأموال شيعتنا على عدونا) (4). وقد يستدل عليه بما في مرسل حماد المعتبر من قوله:


(1) الشرائع: ج 1 ص 136. (2) الجواهر: ج 16 ص 115. (3) الوسائل: ج 6 ح 8 من ب 6 5 ح 8 من ب 5 ابواب المستحقين للزكاة. (4) الوسائل: ج 6 ص 153 ح 8 من ب 5 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 597 ]

[... ] (وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس، تنزيها من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وآله وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس " (1). فإن من المعلوم أن اللائق بكرامة الله تعالى هو المؤمن، دون غيره من الكافر أو غير العارف بما فرضه الله تعالى من ولاية الأولياء عليهم السلام. أقول: وهنا احتمال ثالث لم يذكره الأصحاب رضوان الله عليهم، وهو أن يكون المستحق هو المؤمن، فإذا لم يوجد فيعطى إلى غيره بشرط عدم النصب. ينشأ ذلك الاحتمال من خبر يعقوب بن شعيب عن العبد الصالح، وفيه: (فإن لم يجد من يحملها إليهم؟ قال: (يدفعها إلى من لا ينصب) (2). وربما يومئ إلى ذلك الحسن أو الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم، وفيه: أكل هؤلاء يعطى وإن كان لا يعرف؟ فقال: (إن الأمام يعطي جميعا، لأنهم يقرون بالطاعة). قال زرارة: قلت: فإن كانوا لا يعرفون؟ فقال: (يا زرارة لو كان يعطى من يعرف دون من لا يعرف لم يوجد لها موضع، وإنما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فأما اليوم فلا تعطها أنت وأصحابك إلا من يعرف) (3).


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 153 ح 8 من ب 5 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) الوسائل: ج 6 ص 153 ح 7 من ب 5 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 598 ]

[... ] فإن المستفاد منه أنه لو فرض عدم موضع للزكاة بالنسبة إلى من يعرف لابد من إعطائها من لا يعرف ليرغب في الدين ويثبت عليه، فتأمل. هذا بيان ما يمكن أن يستدل به للوجوه الثلاثة من الاعتبار وعدمه والتفصيل. ولا يخفى أن مجئ التفصيل في الخمس على القول به في الزكاة لابد أن يكون بضم قاعدة مقايسة الخمس على الزكاة. وبعد ذلك نقول: العمدة في عدم الاستحقاق في باب الخمس أن إطلاق الخمس نظير إطلاق دليل الرفع مسوق للامتنان والأكرام بالنسبة إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ومن كان خارجا عن طريقته ومعرضا عن قوله ولو في أمر لولاية فاستحقاقه له لا يناسب مقام الأكرام والامتنان، إذ لو لم يكن ذلك شرطا فيستحق الخمس مثلا أمثال رئيس الفرقة البابية والكسروي ووو، ومن المعلوم عدم شمول الأطلاق لمثلهما، وإذا كان كذلك فلا فرق بينهما وبين غيرهما من المنحرفين عن الحق إلا بالشدة والضعف، فالظاهر عدم انعقاد الأطلاق في هذا الباب، خصوصا بالنسبة إلى المقصر، مضافا إلى التصريح بأنه من باب الكرامة في مرسل حماد المعتبر، وفيه: (وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم، عوضا لهم من صدقات الناس، تنزيها من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وآله، وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس) (1). ولعل الفرق بين الخمس والزكاة استثناء المؤونة على وجه التوسعة في الأول دون الثاني، فتأمل.


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 599 ]

[... ] هذا هو عمدة ما يمكن الاستدلال به. وأما الاستدلال بقاعدة الشغل، والعوضية عن الزكاة، والاستدلال بالكرامة - تخصيصا للأطلاقات - وخبر إبراهيم الأوسي فكل ذلك مردود: أما الأول فلأنه لا يقاوم الأطلاق. وأما الثاني فلأنه لو كانت العوضية علة - لا حكمة لجعل الخمس - فلا تقتضي إلا وجود الحكم في تمام موارد جعل الزكاة بالنسبة إلى فقراء السادات، ولا تقتضي عدم الخمس في فرض عدم جعل الزكاة، لأمكان وجود علة اخرى غير العوضية، كعدم اختلاف عشيرة واحدة في الاستحقاق وعدم حصول النصب لهم بالنسبة إلى أهل البيت مثلا، فإنه في مثال (الخمر حرام لأنه مسكر) لا تقتضي العلية إلا حرمة كل مسكر، لا عدم حرمة الخمر لعلة اخرى، كالنجاسة والغصبية إذا لم يكن مسكرا. وأما الثالث فكون الأكرام دليلا بنفسه يقطع بدوران الحكم مداره وجودا وعدما غير معلوم. وما في المرسل المتقدم لا يدل إلا على أنه علة لذلك - لو لم يكن على وجه الحكمة - ولا يدل على الانحصار، كما تقدم بيانه في العوضية. وأما خبر إبراهيم الأوسي فلابد من شرح الكلام فيه حتى يتضح ضعفه، فإن فيه ضعفا من وجوه: الأول من حيث الأرسال حيث إنه في الوسائل عن الشيخ بإسناده عن سعد عن بعض أصحابنا عن محمد بن جمهور عن إبراهيم الأوسي. الثاني أن سند الشيخ إلى خمسة من المسمين بسعد ضعيف وإلى سعد بن عبد الله صحيح، والمذكور في السند غير معلوم أنه سعد بن عبد الله. الثالث أن محمد بن جمهور غال ضعيف في الحديث فاسد المذهب، وقيل فيه


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 600 ]

[... ] أشياء الله أعلم بها من عظمها (1). الرابع أن إبراهيم الأوسي مجهول الحال لم يصرح أحد بوثوقه ولم يرو عنه خبر، كما يظهر من جامع الرواة ورجال الخوئي مد ظله ولم يذكره في تنقيح المقال أصلا. الخامس أن نقل الرضا عليه السلام عن أبيه عن جده أمرا خلاف التقية من دون سؤال أحد عنه بعيد، فإن الأكثر وقوع الأحكام بعد السؤال، وفيه عن الرضا عليه السلام قال: السادس أنه لو كان إبراهيم الأوسي من المقربين وأصحاب السر لشاع بين الشيعة، وإلا فلا وجه لذكر أمر يخالف التقية ويورث النصب لشخص مجهول غير معروف. السابع أنه يظهر من قوله: إلى من أدفعها؟ فقال: (إلينا)، فقال: أليس الصدقة محرمة عليكم؟ فقال: (بلى إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا) (2). أن المقصود هو الدفع إلى الشيعة، فلو قال من أول الأمر ذلك لكان أسهل وأخصر، غاية ما في الباب أنه يقول بعد ذلك: إنه كالدفع إلينا. الثامن أنه كان الأولى أن يقول في جواب إيراده: (إنا نأخذ ونعطي المستحقين ولا نتصرف فيه)، فهو أقرب إلى ظاهر الكلام الأول وأقرب من حيث التطبيق على الواقع، لأنه أعرف بموارده. التاسع أنه فرض عدم المستحق في أربع سنين، وهو بعيد جدا.


(1) رجال النجاشي: ص 337 تحت الرقم 901. (2) الوسائل: ج 6 ص 153 ح 8 من ب 5 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 601 ]

[ ولعل الظاهر اعتباره *. مسألة: لا يعتبر العدالة في مستحق الزكاة والخمس * *. ] العاشر أنه لا إشكال في الصرف في سبيل الله: من المساجد والقناطر وغيرها. الحادي عشر أنه بعد فرض وجوب الأعراض عنها وإلقائها في البحر لا وجه لجعلها صررا. الثاني عشر أن الألقاء في البحر مع عدم وجود المستحق وعدم مصرف آخر للزكاة تبذير للمال، فالصرف لنفسه أو للتوسعة على غير الفقراء من المؤمنين متعين، إذ لا وجه للتبذير. فإن جميع ما ذكر في متن الحديث مما يورث الاطمينان بل القطع بعدم صدوره عن الرضا عليه السلام. وتطويل الكلام في ذلك من باب تحرز الأصحاب عن ذكر مثل تلك الروايات التي ضعفها واضح ولا تناسب شأن الأئمة الذين هم امناء الله على وحيه وحججه على بريته. وهنا إشكال آخر، وهو قوله بعد ذلك: (فإن الله حرم أموالنا وأموال شيعتنا على عدونا) فإنه مصادرة بحسب الظاهر، فإن البحث في أن الزكاة هل تكون لخصوص الشيعة أو لمطلق المسكين مثلا، فلم يفرض أنها مال الشيعة حتى يعلل بذلك، ولو فرض أنها للشيعة فمقتضى ذلك: عدم جواز أن يعطي الأمام أو أحد من الشيعة من ماله غيرهم. فذلك الأيراد الثالث عشر. وأعوذ به تعالى من العجب والبطر، ونسأله الهداية إلى الحق في كل مسألة تقع مورد النظر، والغفران والرحمة في القبر والحشر. * لما تقدم من عدم شمول الأطلاق المسوق للأكرام - بالنسبة إلى خير الأنام صلى الله عليه وآله - لغير المؤمن. * * وهو في الخمس أظهر، إذ لم ينسب اعتبارها إلى أحد. وفي الجواهر: إنه

[ 602 ]

[... ] يمكن نسبته إلى المرتضى رحمه الله للفتوى به في باب الزكاة مستندا إلى تعليلات آتية في الخمس أيضا، مضافا إلى قاعدة مقايسة الخمس على الزكاة (1). وأما في الزكاة ففي الشرائع: وقد اعتبرها كثير، واعتبر آخرون مجانبة الكبائر... والأول أحوط (2). وفي الجواهر عن الشيخ رحمه الله في الخلاف: الظاهر من أصحابنا أن زكاة الأموال لا تعطى إلا العدول، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وبه قال قوم من أصحابنا. وفي الغنية: الأجماع على اعتبار العدالة. وفي الانتصار: الأجماع على عدم إعطائها الفساق. وفي الرياض: نسبته إلى الشهرة العظيمة بين القدماء، بل لم نر منهم مخالفا. وعدم ذكر بعضهم في مقام تعداد الشرائط - كالصدوقين والديلمي - ليس صريحا في عدم الاعتبار، مع أنه يمكن الاكتفاء عنه بذكر الأيمان، لكن أكثر المتأخرين على عدم الاعتبار (3). أقول: أما الأجماعان المنقولان المتقدمان فهما موهونان قطعا بشهادة الشيخ رحمه الله بذهاب قوم من أصحابنا إلى عدم الاعتبار، وبالشهرة العظيمة التي ادعاها في الرياض، فلعلها تابعة لكلام الشيخ - في الخلاف - الظاهر في ذلك ظهورا قويا، لكن المستفاد من كلام الشيخ أن ظاهر الأصحاب ذلك، ولعله اجتهاد منه، من باب ذكر الأيمان الذي ورد في بعض الأخبار أنه يشمل العمل بالأركان


(1) الجواهر: ج 16 ص 115. (2) الشرائع: ج 1 ص 123. (3) الجواهر: ج 15 ص 388 - 389.

[ 603 ]

[... ] أيضا، ومن باب التلعيل بالكرامة والأكرام غير المنطبق على الفاسق، فالشهرة بين القدماء غير معلومة أيضا. هذا بحسب الأقوال. وأما بحسب الدليل فقد يستدل بخبر أبي خديجة، وفيه: (وإن لم يكن له عيال وكان وحده فليقسمها في قوم ليس بهم بأس، أعفاء عن المسألة، لا يسألون أحدا شئ) (1). وفيه أولا: ضعف السند من حيث سند الشيخ إلى ابن فضال، فراجع. وثانيا: ضعف الدلالة من جهة عدم عطف لفظة (أعفاء...) بالواو، المشعر بأنه بدل من قوله عليه السلام (ليس بهم بأس) فيكون المقصود كونهم أعفاء. وثالثا: أن الصدر ظاهر في عدم ما يعطى زكاة واجبة، وإلا لا يجوز صرفه في إنفاق العيال، بل من المحتمل - الذي لا يأبى ظهوره - كونه واردا في زكاة مال التجارة المستحبة، فراجع وتأمل. وبخبر داود الصيرفي كما في الجواهر (2)، أو الصرمي كما في غيرها وهو الصحيح، قال: سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شئ؟ قال: (لا) (3). ورميه بضعف السند - كما في المستمسك (4) - غير واضح، فإن سنده إلى


(1) الوسائل: ج 6 ص 168 ح 6 من ب 14 من أبواب المسحقين للزكاة. (2) ج 15 ص 390. (3) الوسائل: ج 6 ص 171 ح 1 من ب 17 من أبواب المستحقين للزكاة. (4) ج 9 ص 284.

[ 604 ]

[... ] محمد بن عيسى اليقطيني صحيح في الفهرست، والظاهر وثاقته - كما بين في محله - بشهادة النجاشي وابن شاذان بوثاقته وأنه ليس في أقرانه مثله. واستثناء ابن الوليد ما رواه عن يونس لا يدل على عدم الوثاقة، بل لعله لضعف في خصوص رواياته عنه، ولعله كان بالواسطة ولم يذكر الواسطة. والصرمي من مشيخة الفقيه. وتردد غيره في اليقطيني أو الرمي بالضعف ليس له منشأ إلا ما ذكر من الاستثناء. لكن في دلالته على اعتبار العدالة مناقشة من وجوه: الأول: أن الظاهر منه حرمة إعطاء الزكاة لمدمن الخمر والمعتاد له - نعوذ به تعالى منه - ومن يكون كذلك لا يكون فقيرا إن لم يصرف مبلغا معتدا به من نفقته في شرب الخمر بحسب النوع، أو لا يعلم فقره نوعا مع قطع النظر عن ذاك القبيح، أو جعل ذلك أمارة على عدم فقره. الثاني: أنه على فرض الأطلاق وشموله لمن يعلم بفقره ولو مع تركه لشرب الخمر فلا دليل على إلقاء الخصوصية لكل معصية بعد وضوح الخصوصية في الخمر حتى ورد أنه: (لعن رسول الله صلى الله عليه وآله في الخمر عشرة: غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها) (1). الثالث: أنه على فرض إلقاء الخصوصية يحكم بعدم إعطائها لكل من يدمن ارتكاب كبيرة من الكبائر، فلا دليل من النص والأجماع على اعتبار العدالة، بل الظاهر أنه يمكن الجزم بعدم اعتبار العدالة لأمرين: أحدهما أنه لو كانت العدالة


(1) الوسائل: ج 17 ص 300 من ب 34 من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 605 ]

[ وأما اشتراط عدم كون الاخذ معلوم الفسق أو عدم كونه متجاهرا بالفسق فلعل الأحوط في بعض الموارد اعتباره وإن كان الأصح عدم الاعتبار في الزكاة والخمس *. نعم، الأحوط عدم إعطاء الزكاة لشارب الخمر، القدر المتيقن منه مدمنه * *. وأما إذا صدق على الأعطاء في البابين عنوان الأعانة على الأثم أو كان عدم الأعطاء مصداقا للنهي عن المنكر فلا يجوز الأعطاء * * *. ] معتبرة في الصدقات والخمس - كما أنها معتبرة في الطلاق وإمام الجماعة والمرجع - لبان واشتهر في مثل ذلك الحكم المورد للعمل من صدر الأسلام. ثانيهما أن اعتبار ذلك موجب للتخصيص الكثير في الأطلاقات، خصوصا مع لزوم الأحراز وعدم إحرازها بالأصل، بل مقتضى الأصل عدم حصول الملكية، خصوصا مع تقارن المساكين باليتامى في آية الخمس. * وذلك للأطلاق وعدم الدليل. * * لرواية الصرمي المتقدم (1)، وإن عرفت الأشكال في دلالته حتى بالنسبة إلى شارب الخمر، لاحتمال أن يكون ذلك من جهة عدم الفقر أو عدم العلم به. * * * لأطلاق الدليلين. والظاهر عدم انحصار دليل النهي عن المنكر بالنهي اللفظي بل ما يحتمل أن يكون زاجرا عن وقوع المنكر المشغول به أو العازم عليه. إن قلت: إن كان العنوانان موجبين للحرمة فلابد من جواز عدم أداء الدين إذا كان في ذلك إعانة على الأثم أو كان عدم أدائه محتملا للتأثير في النهي عن المنكر، ولا أظن الالتزام به. قلت: إذا كان الأثم والمنكر أهم من أداء الدين - كقتل النفوس وأمثال ذلك -


(1) في ص 603.

[ 606 ]

[ لكن صدق الأعانة في ما يعلم بصدور الأثم منه على كل حال ولو مع العلم بصرف ما يأخذه في ذلك مشكل *، لكن الظاهر صدقها في صورة العلم بحصول الأثم بذلك وإن كان لا يريده فعلا * *. ولا دليل على الحرمة في صورة الشك. وأما في النهي عن المنكر فبعد العلم بالمنكر أو العزم عليه لابد من النهي، بترك الأعطاء ولو مع احتمال التأثير * * *. والظاهر عدم الصحة أيضا لو كان المعطي متوجها إلى ذلك * * * *. والحرمة بالنسبة إلى صورة انطباق النهي عن المنكر في ما إذا كان ] فلا ريب في الالتزام بعدم جواز أداء الدين، وأما في صورة العكس فالأمر واضح، وأما في صورة التساوي في الملاكين أو كون كل واحد من الطرفين محتمل الأهمية فالظاهر تقديم وجوب أداء الدين، لرفع حرمة الأعانة والنهي عن المنكر بحديث نفي الضرر والضرار، وإن كان في ذلك تأمل في خصوص النهي عن المنكر، فيبقى وجوب أداء الدين على فعليته من دون تزاحم. * لعدم صدق الأعانة، أو الشك في ذلك. * * خلافا للمستمسك (1)، وذلك للأطلاق. * * * لكفاية احتمال التأثير في الوجوب. * * * * وذلك لكون الخمس والزكاة من العبادات المحتاجة إلى كونها مقربة وقاصدا بها القربة، ولذا لابد من الحكم بالصحة الواقعية في مورد الشك في صدق الأعانة - حكما أو مصداقا - وكذا في صورة الغفلة عن ذلك وإن صار بعد ذلك معلوما أنه كان إعانة أو حراما.


(1) ج 9 ص 284.

[ 607 ]

[ الكف عن الأداء مصداقا منحصرا لذلك *. ] * وأما لو كان النهي عن المنكر يحصل بأحد امور: إما الكف عن الأعطاء وإما ترك المراودة وإما النهي اللفظي والزجر اللساني، فلا يكون ذلك حراما، فيتعين الوجوب بالنسبة إلى مصداقه الاخر. فكيف كان، فقد ظهر عدم اعتبار العدالة وعدم مانعية الفسق المعلوم ولا التجاهر به عن ذلك، إلا بالنسبة إلى شارب الخمر في مسألة إعطاء الزكاة. ويمكن الاستدلال على جواز الأعطاء - مضافا الى ما تقدم - بخبر الحلبي (الذي حكم بأنه حسن في بعض مؤلفات الأصحاب) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسأله إنسان فقال: إني كنت انيل البهمية (1) من زكاة مالي حتى سمعتك تقول فيهم فاعطيهم أم أكف؟ قال: (بل أعطهم، فإن الله حرم أهل هذا الأمر على النار) (2). الظاهر في أن المستحق للخمس من يكون أهل هذا الأمر - وإن كان منحرفا من بعض الجهات - من باب حرمة أبدانهم على النار، ولعله لحصول التوفيق للتوبة والأنابة كما يساعده الاعتبار ومشاهد في كثير من الموارد، فإن من اهتدى حقيقة إلى الأسلام وإلى مذهب الحق - وهو الاعتقاد بالأئمة الاثنى عشر من عترته - فلا محالة يتوجه إلى ترك الذنوب بعد زوال منابع الشهوات. وبخبر بشر عن أبي الحسن عليه السلام: ما حد المؤمن الذي يعطى من الزكاة؟


(1) ولعله البهشمية، القائلون بأن كلامه تعالى مخلوق... (2) الوسائل: ج 6 ص 155 ح 16 من ب 5 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 608 ]

[ مسألة: يشترط في مستحق الزكاة أن لا يكون ممن يجب إنفاقه على المالك، فلا يجوز له أن يعطي زكاته لمن يجب عليه نفقته إما بأن يكون مقصوده امتثال الأمر بالزكاة والأنفاق بإعطاء واحد أو كان المقصود إعطاءه زكاة لئلا يحتاج إلى النفقة *. ] قال: (يعطى المؤمن ثلاثة آلاف) ثم قال: (أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدر، لأن المؤمن ينفقها في طاعة الله والفاجر في معصية الله) (1). والحمل على التقية من باب عدم تحديد المؤمن بالشيعة بعيد، لحصولها بالكلام الأول، فلا يحتاج إلى قوله (ويعطى الفاجر بقدر). وأما من باب ما ذكر ومن جهة ملاحظة فتاوى علماء العامة من عدم الفرق بين العادل والفاجر، فلا يناسب التعليل الموجب لبيان حقيقة الحكم، الموجب لجواز إعطاء الفاجر في ما يصرف في غير معصية الله. وأما ما استند به صاحب الجواهر قدس سره للحمل عليها من عدم تناسب السؤال للجواب فإن السؤال عن حد المؤمن والجواب عن حد الأعطاء (2)، فيمكن دفعه بأن ذلك إذا كان الجار متعلقا بكلمة (يعطى)، وأما إذا كان متعلقا بلفظة (حد) فيصير مفاده: ما حد المؤمن من حيث إعطاء الزكاة؟ فينطبق الجواب على السؤال، وهو العالم. * في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه مع القدرة عليها والبذل لها،


(1) الوسائل: ج 6 ص 171 ح 2 من ب 17 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الجواهر: ج 15 ص 391 - 392.

[ 609 ]

[... ] كما اعترف به في السرائر، والأجماع عليه منقول عن التذكرة والتحرير وفوائد الشرائع وغير ذلك، بل يمكن تحصيل الأجماع عليه (1). انتهى ملخصا. ويدل عليه غير واحد من النصوص التي منها: صحيح ابن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (خمسة لا يعطون من الزكاة شئ: الأب والام والولد والمملوك والمرأة، وذلك إنهم عياله لازمون له) (2). المؤيد ذلك بمرفوع العدة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (خمسة لا يعطون من الزكاة: الولد والوالدان والمرأة والمملوك، لأنه يجبر على نفقتهم) (3). ودلالة ذلك الصحيح كسنده واضحة، إنما الأشكال في مفاد التعليل ففيه وجوه: الأول: أن يكون المقصود أنهم لا يكونون فقراء، لتأمين معاشهم بواسطة إنفاق المنفق. لكن هذا خلاف الظاهر قطعا، من جهة أن صرف اللزوم والأنفاق لا يوجب في كثير من الموارد رفع الفقر، فإنه قد يكون المالك بنفسه فقيرا غير قادر على نفقة عياله بتمامها وقد يكون للعيال من يجب نفقته عليهم - كالوالدين للمرأة وكالزوجة


(1) الجواهر: ج 15 ص 395. (2) الوسائل: ج 6 ص 165 ح من ب 13 من ابواب المستحقين للزكاة. (3) المصدر: ص 166 ح 4.

[ 610 ]

[ ولو لم يكن قادرا على الأنفاق فالظاهر جواز إعطاء الزكاة *. ] أو الزوجات للأولاد - فهذا مخالف لأطلاق التعليل قطعا، مع أنه ليس بنفسه علة بل هو حينئذ علة لما هو العلة. وأما ما في المستمسك من الأيراد على ذلك بعدم رفع الفقر بصرف اللزوم وبالاحتياج إلى مقدمة اخرى - وهي عدم جواز إعطاء الزكاة للغني - (1) فمدفوع بأن العلة الخارجة عن التعبد هي التي يساعد عليها العرف في مقام الاعتبار، لا ما يحكم العقل بذلك حكما قطعيا من دون الاحتياج إلى الشرع، كما في (الخمر حرام لأنه مسكر) و (فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك) (2). ولولا ما ذكرناه من الأشكال لكان مما يساعد عليه الاعتبار، مع أن عدم جواز أخذ الزكاة للغني معلوم للمسلمين بعد ورود الاية والروايات الكثيرة وعمل رؤساء الأسلام. الثاني: أن يكون المقصود عدم الجمع في الامتثال، بأن يعطي مالا واحدا بعنوان الزكاة والأنفاق. وهو أيضا كسر للأطلاق المنعقد في الصدر، لأنه حينئذ يجوز إعطاء الزكاة للخمسة المذكورة على غير النحو المذكور. الثالث: أن يكون مفاد العلة هو اللزوم، وكان ذلك علة اتكى عليها الشارع لعدم جواز أداء الزكاة بعنوان الأنفاق، ولا بعنوان الزكاة حتى لا يحتاج إلى الأنفاق. وهو الظاهر الصحيح. * لأنه في فرض عدم القدرة لا يكون الأنفاق لازما، واللزوم بالذات خلاف الظاهر، وعلى فرض الاحتمال يرجع إلى إطلاق دليل الصدقات.


(1) المستمسك: ج 9 ص 289. (2) الوسائل: ج 2 ص 1061 ح 1 من ب 41 من أبواب النجاسات.

[ 611 ]

[... ] لكن ظاهر إطلاق كلمات غير واحد من الأصحاب هو عدم الجواز، ولم أجد من صرح بذلك إلا الطباطبائي الفقيه في عروته (1)، وظاهره أو صريحه عدم الجواز ولو بعنوان الزكاة من دون قصد عنوان الأنفاق، بل من باب رفع وجوب الأنفاق المتوجه إليه بالذات. وما يمكن أن يستند إليه هو إطلاق خبر زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (في الزكاة يعطى منها الأخ والاخت والعم والعمة والخال والخالة، ولا يعطى الجد ولا الجدة) (2). فإن الجد والجدة مذكوران من باب المثال أي لا يعطى من يجب عليه نفقته، وهو مخصص لدليل كون الزكاة للمساكين. وأما التعليل الوارد في الصحيح (وذلك إنهم عياله لازمون له) الموهم لاعتبار (اللزوم) المفقود في المقام من جهة فرض عدم القدرة، فيمكن دفعه بامور: منها: إمكان القول بأن المقصود ملازمتهم له وكونهم بمنزلته، فيكون إعطاء الزكاة إليهم كصرفه لنفسه إن كان فقيرا، فكما لا يجوز لنفسه مطلقا كذلك لا يجوز صرفها في من هو بمنزلته، فلا ينافي الأطلاق. لكن يجاب عن ذلك أولا بأن إرادة ذلك من كلمة (لازمون) بعيد عرفا. وثانيا بأنه لو كان المقصود أنه من قبيل الصرف في نفسه كان المناسب أن يقول: (إنهم بمنزلة نفسه) حتى ينطبق عليه الكبرى، لا الملازم الذي لا يكون متحدا مع ملازمه عقلا وعرفا.


(1) العروة: كتاب الزكاة، الفصل السابع، المسألة 19. (2) الوسائل: ج 6 ص 166 ح 3 من ب 13 من أبواب المستحقين للزكاة .

[ 612 ]

[... ] وثالثا بأن مقتضى ذلك أن لا يجوز له صرف الزكاة في من لزمه قهرا: من إخوانه وأخواته الصغار الذين هم ألزم وألصق به من الجد والجدة والأولاد الكبار الذين هم ذوو الأولاد، ولا يلتزم بذلك أحد. ورابعا بأنه لا يناسب ما في خبر إسحاق بن عمار المعتبر (فمن ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي) (1)، فإنه صريح في السؤال عن اللزوم الشرعي الذي ليس إلا وجوب النفقة، وكذا لا يناسب التعليل الواقع في المرفوع (لأنه يجبر على النفقة عليهم). وخامسا بأن غاية ما يمكن أن يقال: احتمال ذلك، فلا دليل على الأطلاق في التعليل، ولا إطلاق لخبر زيد الشحام، من جهة أن الاقتصار على الجد والجدة موجب للظهور في أنه عليه السلام ليس بصدد بيان عدم جواز إعطاء الزكاة لواجب النفقة، بل يكون بصدد بيان الموضوع للحكم المفروض عند السائل والواضح لديه، ولعلهم كانوا يعلمون إطلاقه أو تقييده، مضافا إلى ضعف الخبر جدا بأبي جميلة - مفضل بن صالح - الذي عن الخلاصة: إنه كان يضع الحديث. ومنها: إمكان القول بأن اللزوم شامل للزوم الذاتي فيرجع إلى إطلاق خبر الشحام. وفيه: أن الظاهر من اللزوم هو الفعلي، ومع الشك لا إطلاق له كما عرفت. ومنها: أنه على فرض ظهور التعليل في اللزوم الفعلي لا يقتضي التعليل إلا العموم في غير مورد الخمسة المذكورة في الخبر ولا يدل على المفهوم، فيرجع إلى الأطلاق المذكور. والجواب ما تقدم من عدم إطلاق يرجع إليه فيرجع إلى إطلاق الكتاب والسنة.


(1) الوسائل: ج 6 ص 165 ح 2 من ب 13 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 613 ]

[... ] هذا، مضافا إلى ما ورد من إعطاء الزكاة الواجبة لواجب النفقة من جهة التوسعة عليهم من حيث الأدام، كموثق سماعة: سألته عن الرجل يكون له ألف درهم يعمل بها وقد وجب عليه فيها الزكاة ويكون فضله الذي يكسب بماله كفاف عياله لطعامهم وكسوتهم ولا يسعه لادمهم وإنما هو ما يقوتهم في الطعام والكسوة. قال: (فلينظر إلى زكاة ماله ذلك فليخرج منها شئ قل أو كثر فيعطيه بعض من تحل له الزكاة، وليعد بما بقي من الزكاة على عياله فليشتر بذلك إدامهم...) (1). وهم قد صرحوا بان الأدام جزء من النفقة الواجبة في الزوجة، كما في الشرائع في باب النفقات من النكاح (2). وكخبر أبي خديجة الذي في صدره (لا تعط من الزكاة شئ ممن تعول) وفيه: (ليس عليه زكاة ينفقها على عياله) (3). لكن في ذلك إشكال يأتي في مسألة التوسعة، فراجع وتأمل. ويمكن التمسك للمقام بإطلاق ما دل على جواز إعطاء الزكاة لقرابتهم، فراجع (4). فالمحصل هو الاستدلال لذلك (مضافا إلى ما مر من إطلاق الفقير والمسكين عليه وعدم مخصص لذلك) بامور ثلاثة:


(1) الوسائل: ج 6 ص 167 ح 2 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الشرائع: ج 2 ص 570. (3) الوسائل: ج 6 ص 168 ح 6 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة. (4) الوسائل: ج 6 ج 169 الباب 15 من ابواب المستحقين للزكاة

[ 614 ]

[ ومن ذلك يظهر جواز إعطاء الخمس في الصورة المذكورة أي فرض عدم القدرة على الأنفاق *. والأحوط - لا سيما في الزكاة - عدم الأعطاء أو يعطى فقيرا آخر فيعطي له. ] الأول: الأولوية العرفية بالنسبة إلى جواز التوسعة. الثاني: خصوص موثق سماعة الوارد في النفقة الواجبة. الثالث: إطلاق جواز إعطاء الزكاة لذي القربى. * وذلك لعدم ما يمكن أن يوهم عدم الجواز في باب الزكاة، فإطلاق اليتامى والمساكين باق على حاله يتمسك به. والأنصاف: أنه بحسب الاعتبار العقلي إذا فرض عدم القدرة على الأنفاق فوجوب إعطاء خمسه إلى الغير وترك زوجته بلا إنفاق - خصوصا مع عدم القدرة على أخذ الخمس لنفسه أو لزوجته - بعيد جدا، كما أن جواز الأنفاق على وجه التوسعة وعدم جواز الأنفاق بمقدار القوت من الخمس أيضا بعيد عقلا. والعجب من صاحب المستمسك قدس سره حيث أفتى بجواز إعطاء الزكاة لغير الهاشمي في مفروض المسألة وأنه لا يبعد الجواز فيه (1) ومع ذلك وافق السيد قدس سره قدس سره صلى الله عليه وسلم (في باب الخمس قائلا بأن الأشكال فيه قوي (2)، مع أنه في صورة عدم القدرة على الأنفاق إذا لم يكن فيه إشكال في باب الزكاة فالخمس أولى بعدم الأشكال فيه، إلا أن يقال: إن المقصود في مسألة الخمس: من يجب عليه نفقته فعلا فلا يشمل غير القادر. وكيف كان، فقد ظهر ما في العروة (3) من عدم وجه للأشكال في فرض عدم


(1) تعليقه العروة الوثقى: المسالة 19 من فصل اوصاف المستحقين للزكاة. (2) المصدر: المسألة 5 من الفصل الثاني من كتاب الخمس. (3) كتاب الزكاة، الفصل السابع، المسالة 19.

[ 615 ]

[ وأما إذا كان من يجب عليه الأنفاق قادرا عليه وباذلا له فالظاهر أنه لا ينبغي الأشكال في عدم الجواز بالنسبة إلى الزوجة الدائمة *، ولعل الظاهر عدم صحة الخمس بأن يقصد الأنفاق والخمس معا بإعطاء واحد ولو بالنسبة إلى غير الزوجة ممن يجب نفقته على فرض الفقر * *. وأما إذا كان المقصود به الخمس وكان المنفق عليه ممن يجب نفقته على تقدير الفقر ففيه إشكال * * *. ] القدرة على الأنفاق. * وذلك لعدم صدق المسكين عليها قطعا، إذ هي مالكة على الزوج نفقتها من دون الاشتراط بالفقر، ولا فرق بينها وبين من يكون مالكا على ذمة شخص ما يكفي مؤونة عمره، ولا بينهما وبين من يملك دارا أو عقارا يكفي منافعها لمؤونة سنته. فما في العروة الوثقى من الأشكال في إعطاء الخمس إلى واجب النفقة - خصوصا الزوجة - فالأحوط عدم الدفع (1) مورد للأيراد، فلابد أن يقال بعدم الجواز قطعا بالنسبة إلى الزوجة في صورة القدرة والبذل على تقدير عدم إعطاء الخمس. * * كالوالد وإن علا والولد وإن نزل، لوضوح بناء العقلاء على عدم التداخل في الديون والأموال، وإلا جاز إعطاء شئ كفارة وزكاة ونذرا ودينا، وهو واضح البطلان، وحيث لا ترجيح لأحد الأمرين ولم يتضح دليل على كفاية الوقوع بنحو الترديد فالظاهر المطابق للاستصحاب هو بقاء المال على ملك مالكه، فلا يقع خمسا ولا إنفاقا. * * * ففي خمس الشيخ المعظم الأنصاري قدس سره ما ملخصه أنه:


(1) العروة: كتاب الخمس، الفصل الثاني، المسألة 5.

[ 616 ]

[... ] لا يخفى اعتبار عدم كونه ممن يجب إنفاقه، للبدلية عن الزكاة، ولحصول الغنى بذلك، ولأشعار التعليلات الواردة في باب الزكاة (1). من (إنهم عياله لازمون له) كما في الصحيح (2)، أو (يجبر على النفقة عليهم) كما في المرفوع (3)، أو (من ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي) كما في موثق إسحاق بن عمار (4)، المتقدم جميعها. لكن في ذلك كله إشكال: أما الأول فلما فيه: أولا من أنه على فرض جواز إعطائه الزكاة من جانب غير المنفق فالبدلية حاصلة في المقام، فإنه جعل له الخمس - سواء كان المعطي هو المنفق أو غير المنفق - عوضا عن الزكاة إن لم يكن هاشميا، فإنه يصح من غير المنفق كما عليه غير واحد من الأصحاب - من صاحب المدارك وصاحب الجواهر وغيرهم من المتأخرين - وليس مقتضى البدلية والعوضية عرفا المساواة في جميع الجهات، فإنه يجعل في مقام المعاملة مالا مشخصا معينا بدلا عن الكلي القابل للانطباق على أفراد كثيرة في الذمة أو في المعين، فالخمس الواحد الذي يصح من غير المنفق والمنفق يكون بدلا عن الزكاة التي يصح إعطاؤها من غير المنفق بالخصوص. وثانيا أن مقتضى قوله عليه السلام في المرسل المعتبر:


(1) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 317 - 318. (2) الوسائل: ج 6 ص 165 ح 1 من ب 13 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) المصدر: ص 166 ح 4. (4) الوسائل: ج 6 ص 165 ح 2 من ب 13 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 617 ]

[... ] (وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس، تنزيها من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وآله، وكرامة لهم من الله عن أوساخ الناس، فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة) (1). أن منشأ العوضية عدم الاحتياج إلى الأموال التي تعطى للفقراء، ولا ريب أن المفروض أن النفقة في المقام إنما هي من حيث الفقر. وثالثا أن استفادة العلية من قوله عليه السلام (عوضا) (حتى يستفاد منها الكلية في مقام صدق العوضية والبدلية، كما في الغرماء من السادات إن لم يصيروا فقراء بذلك، وعدم جواز الأعطاء من الخمس في فرض عدم جواز إعطائهم الزكاة إن لم يكونوا هاشميين) غير واضحة، فإنه في مقام الجعل، فلا يدل إلا على ملاحظة العوضية في مقام الجعل فيحتمل أن يكون حكمة للجعل. ورابعا على فرض العلية لا يدل على المفهوم، بل يدل على عدم كفاية نفس عنوان اليتيم والمسكين في جعل الخمس، فلابد من علة اخرى، فيحتمل قيام علة أو علل اخرى شاملة لجميع أفراد الموضوع، ولو كانت العلة الاخرى في طول علة التعويض والبدلية (كعدم اختلاف عشيرة واحدة في الحكم أو تتميم الأكرام أو غير ذلك) فيتمسك بإطلاق دليل الخمس. إن قلت: الظاهر من الموضوع المأخوذ في الأطلاقات - مثل قوله (الخمر حرام) - كفاية الموضوع لمعروضيته للحكم (كان متصفا بوصف لازم أو مفارق أم


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 618 ]

[... ] لا) وبعد ورود التعليل ينهدم هذا الظهور، فلا يبقى إطلاق في البين. قلت: لا إطلاق لجميع الأطلاقات من حيث واجديته لملاك الحكم، لوضوح تقيد الحكم بوجود الملاك، لكن مقتضى الأطلاق أنه مبني على الفحص عن ذلك وأنه واجد للملاك إما بنفسه أو بعلة أو علل ملازمة للموضوع، فليس مفاد (الخمر حرام) أنه حرام سواء كان واجدا للملاك أم لا، بل مفاده بضم المخصص اللبي امور ثلاثة: الأول أن مطلق الخمر حرام. الثاني إلا إذا لم يكن فيه الملاك. الثالث أن الملاك موجود في الجميع، وحينئذ يتمسك بالأطلاق. إن قلت: فلا مفهوم للتعليل أصلا ولو بنحو القضية المهملة. قلت: إذا كان المتكلم في مقام بيان الحكم للعمل على طبقه ولم يكن بصدد إفادة اخرى ولم يكن للتعليل أثر في مقام العمل فالظاهر أنه للمفهوم ولدخالة العلة في مقام العمل، كما يقال: (يجب احترام المسلم) وورد دليل آخر بوجوب احترام المسلم لأنه اثنى عشري، فلو كان احترام المسلم واجبا مطلقا ولو بعلل مختلفة لم يكن للتعليل في مقام العمل أثر أصلا، وكذا في (الخمر حرام) و (الخمر حرام لأنه مسكر) بضم كونه في مقام الزجر عن حرمة الخمر حتى يجتنب عنه وليس بصدد بيان حكم كل مسكر، فلو كان الخمر مطلقا حراما لم يكن للتعليل أثر في مقام العمل على طبق تحريم الخمر. وأما في المقام فليس مقتضى مرسل حماد أنه في مقام العمل على طبق وجوب الخمس، بل التعليل للاعتذار عن عدم جعل الخمس لمطلق المساكين واليتامى وأبناء السبيل، ففيه: (وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات

[ 619 ]

[ والاحوط عدم الاعطاء من الخمس وان لم يقم على ذلك دليل واضح ] وأما الثاني فلأن المفروض أن الأنفاق واجب عليه أيضا على تقدير الفقر، فالفقر الموضوع لهما إن كان الفقر إلى مال الغير ولو لم يكن فقيرا إلى خصوص الزكاة فالفقر موجود بالنسبة إلى كلا الأمرين - من الأنفاق والزكاة - فيجوز إعطاؤها، وإن كان الموضوع في كل منهما الفقر إلى خصوص الزكاة وخصوص الأنفاق لزم المحال، فإنه يلزم من عدم جواز إعطائهما جوازه ومن جوازه عدمه، وهو محال، فلابد أن يكون الموضوع هو الفقر إلى مال الغير من دون أن يكون له حق المطالبة إلا بشرط الفقر، ولا وجه لأن يكون تعين الحق في جانب الأنفاق وعدم التعين في جانب الزكاة فارقا، فتأمل. وأما الثالث - أي إشعار التعليلات - فلأن التعليل رافع للخصوصية بالنسبة إلى من ينطبق عليه وهو المعطي والمعطى له، فلا خصوصية للخمسة المذكورة في الخبر المتقدم (1)، بل كل من وجب نفقته ولو بالنذر والشرط مشمول لعموم التعليل ولا خصوصية أيضا للمنفق، بأن يكون زوجا أو والدا أو مالكا، وأما بالنسبة إلى ما يعطى ويجب إعطاؤه - الذي هو الزكاة - فالتعليل غير منطبق عليه، فهذا كأن يقال: (شرب الخمر مانع عن صحة الصلاة لأنه مسكر) فليس مقتضاه إلا غ‌انعية كل مسكر عن الصلاة، لا مانعيته عن كل عبادة حتى السعي والوقوف بالعرفات مثلا. نعم، لو كان التعليل هكذا، بأن يقال: (إنه لا يجزي ما هو لازم عليه عن لازم آخر ولو برفع ملاكه) لكان ينطبق عليه، كما لا يخفى.


(1) الوسائل: ج 6 ح 8 من ب 1 من ابواب قسمة الخمس. (2) في ص 609.

[ 620 ]

[ في باب الخمس *. والظاهر إلحاق كل من يجب نفقته عليه بالشرط أو بالنذر والحلف - بنحو الأطلاق أو على تقدير الفقر - بالزكاة في عدم جواز إعطائه الزكاة * *. ] * كما يظهر من التعليق المتقدم، فراجع وتأمل. إن قلت: مقتضى ما تقدم من أن (الخمس بعد المؤونة) (1) أن ما يكون مصداقا للخمس لا يكون مصداقا للمؤونة. قلت: المؤونة ما يصرفه من ماله، لا من مال المنفق عليه. إن قلت: ذلك ضرر على المحتاجين من الهاشميين الذين ليس لهم من يعولهم. قلت: الضرر هو إيراد النقص على مال شخص أو غيره مما يهمه، وليس الخمس مالا لهم بالخصوص حتى يصدق الضرر. إن قلت: الأصلح إعطاؤه لغيره. قلت: قد تقدم عدم لزوم ملاحظة الأصلح لغير الأمام عليه السلام. إن قلت: السيرة على خلافه. قلت: السيرة التي هي حجة للفقيه هي العمل بين المسلمين بحيث لا يحتملون الخلاف بحسب الطبع. وهذا ممنوع أولا، بل ربما يسألون وربما لا يسألون لاشتهار الفتوى أو مراعاة الاحتياط. وثانيا إن الاستمرار إلى زمان الحضور ممنوع جدا، إذ كان الخمس يعطى له عليه السلام تماما. * * كالزوجة المنقطعة المشروط إنفاقها، وكالأخ والعم أو غيرهما إذا شرط لهم الأنفاق في ضمن عقد لازم أو نذر أو حلف، سواء كان ذلك على وجه الأطلاق


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 621 ]

[ ولو لم يكن باذلا للنفقة على كل تقدير فهل يجزي الأعطاء من الزكاة؟ فيه إشكال سيما في غير الزوجة *. هذا في الزكاة، وأما في الخمس فمقتضى الأطلاق هو الكفاية * *. ] أو كان على تقدير الفقر، فإنه لا يجوز له الأعطاء من الزكاة إذا كان موسرا وباذلا لنفقتهم على تقدير عدم إعطائهم الزكاة، والملخص أنه ملحق بالزكاة أيضا ويأتي بعد ذلك بعض أحكامه الاخر. أما صورة الأطلاق فلعدم الفقر عرفا، وأما صورة كون الشرط أو أخواته على تقدير الفقر فلعموم التعليل الوارد في أخبار المنع عن إعطاء الزكاة لواجب النفقة، وهو الذي اختاره في العروة في بعض فروعه (1) وأفتى به في نجاة العباد (2) لكن لم يتضح أن مقصوده الوجوب على نحو الأطلاق أو الأعم منه ومن الوجوب على تقدير الفقر. * وذلك لأطلاق التعليل، وقلة المناسبة عرفا في المثال لا توجب عدم الأخذ بالأطلاق، فإن مناسبته في المقام رفع العصيان في حقه بقاء بإعطائه الزكاة في غير الزوجة، وفي الزوجة حصول رضايتها بذلك في كثير من الأوقات، وهذا المقدار كاف في مناسبة التعليل للأطلاق. * * حتى في الزوجة، لأن واجب النفقة فقير حينئذ، ولا دليل على مقايسة الخمس بالزكاة في جانب التوسعة، فيمكن أن يكون الأمر في الخمس أوسع، وقد مر أن التعليلات لا توجب إلقاء خصوصية الزكاتية. والأشكال ب‍ (أن الصرف في واجب النفقة ليس إعطاء للفقير فهو كصرف الخمس في نفسه) مدفوع بأن الدفع إلى الغير غير واضح وجوبه، فإن مقتضى الاية الشريفة أن الخمس للسهام الستة.


(2) العروة: كتاب الزكاة، الفصل السابع، المسألة 12. (2) ج 2 ص 69 (الوصف الثالث من أوصاف المستحقين).

[ 622 ]

[ ومن ذلك يظهر جواز إعطاء المديون الزكاة وكذا الخمس إلى الدائن إذا كان مديونا بمقدار لو أدى دينه لصار الدائن غنيا *. ولو كان من عليه الخمس مستحقا له فلعل الظاهر جواز الأخذ لنفسه * *. مسألة: هل يجوز إعطاء الزكاة لواجب النفقة إذا كان فقيرا من جهة عياله الواجبة نفقتها عليه أو دين لازم أو غير ذلك مما ليس داخلا في عنوان التوسعة ويكون مصداقا للفقير قطعا أم لا يجوز؟ فيه إشكال * * *. ] ومنه يظهر فرع آخر وهو جواز أخذ خمسه لنفسه إن كان منطبقا عليه من حيث الفقر. * لأنه فقير، وقد عرفت أن التعليل لا يوجب إلقاء خصوصية كون المعطى زكاة. * * وهذا بناء على مسلك المشهور واضح تصويره، فإنه ربما يزاد عن مؤونة سنته، كأن يكون منفردا ويتزوج بعد حلول الحول والخمس باق في ماله فيأخذ لنفسه، وأما بناء على ما احتملناه (من أن الملاك مؤونة جميع السنين، بأن يقال: متعلق الخمس هو ما يزيد عن مؤونة جميع سنواته، والسنة الواحدة من باب تشابه السنين للتاجر على الأموال والصانع بيده، ومتعلقه ما زاد عن المؤونة الخارجية بالنسبة إلى سنة الخمس وما زاد عن مؤونته المتعارفة بالنسبة إلى السنين الاتية) فيفرض في ما إذا عرضته مؤونة غير متعارفة من جهة مرض أو غيره والخمس باق في ماله وهو محتاج إليه فله أن يأخذ خمس نفسه لنفسه. هذا بحسب ما وصل إليه النظر ولم أر التعرض لذلك في كتب الأصحاب رضوان الله عليهم، وأما الدليل على ذلك فإطلاق كون الخمس للسهام المذكورة في الاية الشريفة من دون اعتبار عنوان الأعطاء. * * * وجه الأشكال أن مقتضى أدلة الزكاة وأنها للفقراء: جواز الأعطاء، ولا

[ 623 ]

[... ] مانع منه إلا أدلة عدم جواز إعطاء الزكاة لواجب النفقة، والظاهر منها بمقتضى التعليل أنه لا يجوز إعطاؤها في مورد النفقة الواجبة - لا في ما يستحب الأنفاق فيه - كما في الجواهر (1). وعلى فرض عدم ظهور التعليل وفرض الأجمال فيه يرجع إلى إطلاق دليل جواز الأعطاء للفقراء. مضافا إلى ما ورد من جواز إعطاء الزكاة لواجب النفقة من باب التوسعة عليهم. فالوجوه المقتضية للجواز امور: الأول: الأطلاق مع ظهور التعليل في أن موضوع عدم الجواز هو النفقة الواجبة. الثاني: الأطلاق مع فرض إجمال الدليل. الثالث: أخبار التوسعة إما بالعموم، أو بالأولوية، فإنه إذا جاز لهم الزكاة من باب التوسعة في المأكول والمسكن والخادم جاز بالنسبة إلى عيلولة واجب النفقة بمقدار القوت الواجب بالأولوية. هذا غاية بيان وجه الجواز الذي لعله لم يعلم له مخالف، وقد صرح في الجواهر بذلك ونقل عن تصريح المدارك وغيرها (2)، وهو الذي أفتى به في العروة (3) من دون تعليق من المحشين في ما تفحصت. وأما وجه عدم الجواز فإطلاق التعليل ووجود المناسبة أيضا بالنسبة إلى النفقة غير الواجبة من جهة اللزوم، فإن مقتضى اللزوم إعطاء واجب النفقة من ماله وبذل شطر من أمواله في ذلك، فيتناسب أن لا يجوز له إعطاء زكاته له الذي بمنزلة


(1) ج 15 ص 399 و 401. (2) الجواهر: ج 15 ص 399. (3) في كتاب الزكاة، الفصل 7 (الثالث من أوصاف المستحقين) وفي المسألة 18 من لك الفصل.

[ 624 ]

[... ] الصرف في نفسه، وقلة المناسبة في بعض صور التعليل بالنسبة إلى بعضها الاخر لا توجب التقييد أو الأجمال فيه. فلو فرض في المثال المعروف للتعليل أن يقال (الخمر حرام، لأنه مسكر نوعا) فصلاحيته من حيث المناسبة العرفية - وهو زوال العقل - بالنسبة إلى صورة اقترانه بالأسكار الفعلي لا توجب تقييد التعليل (من حيث إن العرف يرى الأسكار الفعلي أنسب بالحرمة مما كان مسكرا بالنوع ولكن كان فعليا بالنسبة إلى شخص لجهة من الجهات) مع أن كون الشئ مسكرا نوعا بوجه الأطلاق قابل للعلية مع حفظ المناسبة والاعتبار العرفي، فبالتعليل - الظاهر في الخروج عن التعبد - والأيكال إلى اعتبار يساعده العرف يؤخذ في ما يساعده الاعتبار العرفي ولو كان في بعض الأفراد أقرب بنظر العرف وفي بعضها أبعد، كما أوضحناه في المثال المذكور. فالتعليل بكون الخمسة المذكورة - في الصحيح والمرفوع - واجب النفقة صادق على المورد، والمناسبة العرفية في ما يقصد بإعطاء واحد النفقة والزكاة في النفقة الواجبة أوضح، لوجود جهات من المناسبة، كعدم التداخل في الماليات والديون بنظر العرف قطعا، وكونه مصرفا لنفسه - لأنه مما يجب عليه، فلم يصرف في غيره - وإبطال حق واحد إلهي بالأخذ بالحق الاخر، وأما في صورة الأعطاء بعنوان الزكاة أولا فلا يكون بعض المناسبات المذكورة لكنه يناسب بحسب الاعتبار منع صحته زكاة، لأنه صرف في نفسه نتيجة وموجب لأسقاط حق إلهي آخر، وفي الصورة وإن لم يكن كذلك إلا أنه مرتبة من مراتب الصرف في نفسه. والأولى بنظر العرف أن لا يصرف جميع إنفاقاته في من يجب نفقته ويجعل الباقي محروما. وعلى هذا يبتني - على الظاهر - ما أفتى صاحب المستمسك قدس سره في

[ 625 ]

[... ] منهاجه من وجوب التمام على من شغله السفر كالمكاري إذا سافر في غير شغله - كالزيارة - فإن التعليل الوارد في صحيح زرارة (لأنه عملهم) (1) صادق عليه، فإن السفر عملهم وشغلهم وحرفتهم ولو في هذا الحال. وتحقيق الكلام في مسألة كثير السفر موكول إلى محله، والمقصود توضيح قاعدة اصولية، وملخصها الأخذ بعموم التعليل مطلقا إذا لم يكن خاليا عن المناسبات العرفية وإن كانت ضعيفة ولم تكن مثل بعض الأفراد الاخر. وبهذا البيان يسقط الوجهان الأولان (من ظهور التعليل في الاختصاص بالنفقة الواجبة أو إجماله) عن الاعتبار. ويبقى الكلام في الوجه الثالث وهو التمسك بما ورد من جواز صرف الزكاة في التوسعة على واجب النفقة: فمنها خبر إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل له ثمانمائة درهم ولابن له مائتا درهم، وله عشر من العيال وهو يقوتهم فيها قوتا شديدا وليس له حرفة بيده إنما يستبضعها فتغيب عنه الأشهر ثم يأكل من فضلها، أترى له إذا حضرت الزكاة أن يخرجها من ماله فيعود بها على عياله يتسع عليهم بها النفقة؟ قال: (نعم، ولكن يخرج منها الشئ الدرهم) (2). ومنها خبر سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:


(1) الوسائل: ج 6 ص 166 ح 1 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الوسائل: ج 6 ص 167 ح 2 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 626 ]

[... ] سألته عن الرجل يكون له ألف درهم يعمل بها وقد وجب عليه فيها الزكاة ويكون فضله الذي يكسب بماله كفاف عياله لطعامهم وكسوتهم ولا يسعه لادمهم وإنما هو ما يقوتهم في الطعام والكسوة. قال: (فلينظر إلى زكاة ماله ذلك فليخرج منها شئ قل أو كثر فيعطيه بعض من تحل له الزكاة، وليعد بما بقي من الزكاة على عياله فليشتر بذلك إدامهم وما يصلحهم من طعامهم في غير إسراف ولا يأكل هو منه، فإنه رب فقير هو أسرف من غني). فقلت: كيف يكون الفقير أسرف من الغني؟ فقال: (إن الغني ينفق مما اوتي، والفقير ينفق في غير ما اوتي) (1). ومنها رواية أبي خديجة، وفيها: (الزكاة تحل لصاحب الدار والخادم ومن كان له خمسمائة درهم بعد أن يكون له عيال، ويجعل زكاة الخمسمائة زيادة في نفقة عياله يوسع عليهم) (2). ومنها خبر أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال كثير أله أن يأخذ من الزكاة؟


(1) الوسائل: ج 6 ص 167 ح 2 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المصدر: ص 168 ح 6.

[ 627 ]

[... ] فقال: (يا أبا محمد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل)؟ قال: نعم - إلى أن قال -: قلت: فعليه في ماله زكاة تلزمه؟ قال: (بلى) قال: قلت: كيف يصنع به؟ قال: (يوسع بها على عياله...) (1). ولا يخفى أن ما ذكر من الأخبار ظاهر أو صريح في زكاة رأس المال المقصود به التجارة الذي لا يبقى الدراهم من أول السنة إلى آخرها في يده، أما الأول فلقوله: (وليس له حرفة بيده إنما يستبضعها) أي يجعل الدراهم موردا للمعاملة (فتغيب عنه الأشهر) أي يأخذ متاعا للانتفاع ببيعه ثانيا، وكذا خبر سماعة، لقوله: (يعمل بها... ويكون فضله الذي يكسب بماله كفاف عياله). وكذا الرابع، لقوله: (يا أبا محمد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله). وكذا الثالث بقرينة الصدر أي قوله: (إذا كان لرجل خمسمائة درهم وكان عياله كثيرا، قال: ليس عليه زكاة ينفقها على عياله يزيدها في نفقتهم). والمفروض أن الحكم يكون في مورد عدم وجوب الزكاة عليه، بل الظاهر من نفس القضية أنه يعمل بذلك لأنفاق عائلته، وأما لو كان له عمل واف - مثلا - [... ]


(1) الوسائل: ج 6 ص 159 ح 4 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 628 ]

[... ] لمصارف عياله ولو بنحو السعة لم يكن وجه لجعله موردا للزكاة، فالظاهر أنه معيشته بذلك وإلا فصرف كون العيال له وكون ماله خمسمائة درهم لا يوجب حلية الزكاة له، مع أنه يمكن أن ما سمعه من أبي عبد الله عليه السلام بالنسبة إلى الخمسمائة - من الأنفاق على عياله للتوسعة - كان في مجلس واحد وقد نقل مثلا لعبد الرحمان بالصورة المذكورة في الصدر ونقل في مجلس آخر بالصورة المذكورة في الذيل فجمعهما عبد الرحمان في رواية واحدة، فافهم وتأمل. فإذا كان ذلك في خصوص مال التجارة فنقول: المشهور بين الأصحاب كما في الجواهر نقلا وتحصيلا هو الاستحباب (1)، والقول بالوجوب منسوب إلى قوم من الأصحاب - كما في الخلاف (2) - وإلى المشهور بين العامة، بل في الجواهر عن الانتصار نسبته إلى الأمامية كما هو الظاهر من الغنية (3). وحينئذ جواز التوسعة في المستحب لا يدل على جوازه في الزكاة الواجبة. إن قلت: مقتضى خبري سماعة وأبي بصير أنها لازمة واجبة. قلت: أما خبر سماعة فليس إلا في كلام السائل، فيمكن أن يحمل على الثبوت من حيث حلول الحول والنصاب أي صار واجدا لشرائط تعلق الزكاة، ويمكن الحمل على تأكد الاستحباب، ويمكن أن يحمل على الوجوب الاصطلاحي وكان مبنيا على تخيل الوجوب مطابقا للمشهور بين العامة، ولم يردع عنه الأمام عليه السلام لمحذور التقية، خصوصا في خصوص المورد الموجب للرد على الأئمة عليهم السلام بإسقاط حقوق الفقراء مثلا وتشنيعهم، مع أنه لا يوجب مخالية عملية للواقع، كما لا يخفى، مع أن قوله عليه السلام في الذيل: (إن الغني ينفق مما أوتي والفقير ينفق من غير ما اوتي) إشارة إلى الرد وأنه لا يجب عليه إخراج ما لم يعط


(1 و 3) الجواهر: ج 15 ص 73. (2) ج 2 ص 92، كتاب الزكاة، المسألة 106.

[ 629 ]

[... ] إليه من جانب الله تعالى. فالأدلة المذكورة واردة في الزكاة المربوطة بمال التجارة التي هي مستحبة عند المشهور بين الأصحاب، مضافا إلى أنه على فرض الوجوب لا يدل على جواز ذلك في مطلق موارد الزكاة، مضافا إلى أنه على الفرضين لا يدل على كفايته زكاة إذا كان المنفق قادرا على التوسعة من غير الزكاة. هذا، مع أن صدر خبر أبي خديجة وهو قوله: (ليس عليه زكاة ينفقها على عياله) مشعر بأن الوجه في جواز التوسعة عدم كون الزكاة عليه. وأما خبر عمران: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام: إن لي ولدا رجالا ونساء أفيجوز أن اعطيهم من الزكاة شئ؟ فكتب عليه السلام: (إن ذلك جائز لك) (1). ففيه أولا: ضعف السند بجهالة عمران، ولا يتعين (أحمد) في ابن عيسى حتى يكون قرينة على وثوقه، لأن محمد بن يحيى ينقل عنه وعن أحمد بن محمد بن خالد. وثانيا: ضعف الدلالة من جهة أن ما في مكاتبته عليه السلام (جائز لك) ظاهر في وجود خصوصية له، ولعله لم يكن قادرا على الأنفاق الواجب فلم يكن الأنفاق واجبا عليه. وربما يؤيد ذلك بأن الولد المفروض ظاهر في كونهم كبارا، لصدق الرجال والنساء عليهم، وعدم القدرة على نفقة الكبار نوعي، لأن المتعارف أن الكبار يكفي مؤونتهم لأنفسهم وأن كل شخص متكفل لمن في بيته من الزوجة والصغار من البنين والبنات، مع أن المفروض في السؤال إعطاء شئ من الزكاة


(1) الوسائل: ج 6 ص 167 ح 3 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 630 ]

[... ] المنطبق على نفقة أنفسهم لا نفقة عيالهم. ويحتمل أن يكون الخصوصية من باب كون الزكاة الواجبة عليه من باب التجارة. إن قلت: قوله عليه السلام في خبر أبي بصير: (وهو رجل خفاف) مشعر بأن معيشته تحصل بعمل الخف، فالزكاة بالنسبة إلى ثمانمائة لازمة كما في الذيل. قلت: ينافيه صريحا قوله عليه السلام: (أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله؟)، فإنه أيضا صريح في مال التجارة. و (الخفاف) يحتمل أن يكون - بالكسر - بمعنى خفيف القلب وفاقد شرح الصدر، ويحتمل أن يكون - بالفتح وتشديد الفاء - صيغة المبالغة بمعنى بياع الخف، ويحتمل أن يكون بمعنى العامل والبياع معا كما أنه لعله كان متعارفا في العصور القديمة عصر السذاجة والبساطة، وأما الصانع محضا فهو مناف لما سبق، ولعله لم يكن متعارفا أصلا، وأما فرض اللزوم فقد مر جوابه عند الجواب عن خبر سماعة فيجري فيه بعض ما يجري فيه، فراجع وتأمل. وأما خبر محمد بن جزك، قال: سألت الصادق عليه السلام أدفع عشر مالي إلى ولد ابنتي؟ قال: (نعم، لا بأس) (1). ففيه - مضافا إلى ضعف السند بالأرسال - عدم الظهور في الزكاة أصلا، لأن العشر ليس مقدار الزكاة إلا في الغلات إذا سقيت سيحا، مع أن الزكاة في عرف المتشرعة تسمى باسمها لا بالعشر. فلعل المقصود بالسؤال رفع توهم عدم الجواز من باب الأضرار إلى الأولاد المتقربين به بلا واسطة، كما لا يخفى.


(1) الوسائل: ج 6 ص 167 ح 3 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 631 ]

[ ولعل الظاهر عدم الجواز فيه فكيف بصورة التوسعة التي لا يكون صدق الفقر من تلك الجهة معلومة! *. وأما الخمس فالظاهر هو الجواز في الصورة الاولى، وأما في مطلق التوسعة فيأتي الكلام فيه إن شاء الله بعد الكلام في الزكاة * *. ] وأما خبر علي بن يقطين (1) فغير مربوط بالمقال، لأن السؤال فيه يكون بالنسبة إلى ما بعد الموت، وليس ولده بعده ممن يجب نفقتهم عليه، كما لا يخفى. وأما التمسك بخبر ابن الحجاج عن أبي الحسن الأول عليه السلام - كما في المستمسك (2) - قال: سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو أخوه يكفيه مؤونته أيأخذ من الزكاة فيوسع به إن كانوا لا يوسعون عليه في كل ما يحتاج إليه؟ قال: (لا بأس) (3). من حيث الأطلاق ممن يأخذ منه الزكاة، فمدفوع بأنه ليس إلا في مقام بيان عدم المانعية من حيث تكفل المؤونة من جانبهم، لا من حيث جواز الأخذ من كل من يعطي الزكاة، فهو كأخبار الباب التاسع (4) وكأن يقال: يجوز الصلاة في ما يؤخذ من الجلود من يد المسلمين، فإن كل ذلك في مقام بيان عدم المانعية، ولا يدل على جواز الصلاة فيه ولو كان متخذا من غير المأكول أو كان متنجسا أو غصبا مثلا. * كما ظهر وجهه من التعليق المتقدم، فراجع وتأمل. * * فإن العمدة في عدم الجواز في الزكاة: عموم التعليل الذي لا يتمشى في


(1) الوسائل: ج 6 ص 168 ح 4 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المستمسك: ج 9 ص 291. (3) الوسائل: ج 6 ص 163 الباب 11 من أبواب المستحقين للزكاة. (4) الوسائل: ج 6 ص 166.

[ 632 ]

[ مسألة: لعل الظاهر أنه لو كان الشخص مالكا لما يحتاج إليه من غير القوت والكسوة - من الدار والخادم وغيرهما - وكان ذلك يكفي للقوت والكسوة يجوز له أخذ الزكاة *. ] الخمس، كما تقدم مرارا من عدم إلقاء الخصوصية بالنسبة إلى الزكاة، فلا يجري في الخمس، فمقتضى إطلاق دليل الخمس هو الجواز، وأما التوسعة بنحو الأطلاق من جانب واجب النفقة في الخمس فلابد من التكلم فيه بعد التكلم في الزكاة بالنسبة إلى جواز الزكاة من جانب غير واجب النفقة للتوسعة، والله الموفق. * قال قدس سره في الشرائع: ويعطى الفقير ولو كان له دار يسكنها أو خادم يخدمه إذا كان لا غنى له عنهما (1). وقال في الجواهر: ولو لشرفه، بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الأجماع عليه. وفي المدارك تعليقه بالحاجة (2). وفي الجواهر جعل المدار الحاجة أو العادة أو الحاجة بحيث تعم العادة (3). وفي العروة جعل العنوان الحاجة (4). أقول: ويدل على ذلك: ما رواه ابن اذينة في الصحيح عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنها: سئلا عن الرجل له دار وخادم أو عبد أيقبل


(1) الشرائع: ج 1 ص 120. (2) الجواهر: ج 15 ص 320. (3) الجواهر: ج 15 ص 318 و 319. (4) العروة: كتاب الزكاة، الفصل السادس، المسألة 3.

[ 633 ]

[... ] الزكاة؟ قالا: (نعم، إن الدار والخادم ليسا بمال) (1). وخبر ابن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (تحل الزكاة لصاحب الدار والخادم) لأن أبا عبد الله عليه السلام لم يكن يرى الدار والخادم شئ (2). وخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الزكاة أيعطاها من له الدابة؟ قال: (نعم، ومن له الدار والعبد) قال: الدار ليس يعدها مالا (3). وموثق سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال: (نعم، إلا أن تكون داره دار غلة فخرج له من غلتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم يكن الغلة تكفيه لنفسه ولعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلت له الزكاة...) (4). وغير ذلك (5)، فراجع. ومقتضى التعليل في غير واحد من الروايات المتقدمة (من أن الدار والخادم


(1) الوسائل: ج 6 ص 162 ح 2 من ب 9 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) المصدر: ص 4. (3) الوسائل: ج 6 ص 162 ح 5 من ب 9 من أبواب المستحقين للزكاة. (4) المصدر: ص 161 ح 1. (5) مثل ما في المصدر: ص 162 ح 3.

[ 634 ]

[ ولعل الظاهر أن المدار في الحاجة هو المشقة والكراهة النفسانية عند فقد ما يحتاج إليه مشقة تكون حقا له بحسب النوع ولو من جهة العز والشرف أو من جهة الاعتياد بذلك، ويكون كمشقة الصبر على الخبز بدون الأدام أو الصبر على أكل الطعام في اليوم والليل مرة واحدة، وليس ملاكه العسر الرافع للتكليف، كما أنه ليس الملاك هو الأعم منه ومن الاحتياج للرفاه والتفريح من غير أن يكون إسرافا *. ] ليسا بمال وأنهما ليسا بشئ، مع وضوح كون ذلك مالا يبذل بإزائه المال) أن ذلك مورد للاحتياج، ومقتضى التعميم أن كل ما يحتاج إليه في معيشته بحسب عزه وشرفه أو من جهة الاعتياد بذلك بحيث يشق تركه له ولغيره ممن يكون مثله لا يكون ملاكا للغنى عن الزكاة. ويدل على جواز أخذ الزكاة - مضافا إلى الروايات المتقدمة - قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين (1)، فإن الفقر ليس خصوص الاحتياج إلى القوت وستر العورة، لعموم المتعلق من جهة عدم ذكره. * فالمحتملات في (الحاجة) في بدو الأمر ثلاثة: الأول: أن يكون فقده موجبا للوقوع في العسر والحرج الرافعين للتكليف. وهو مدفوع جدا بما تقدم من الروايات، وبالضرورة القاضية بعدم لزوم الصبر على الطعام من دون الأدام أو الطعام في اليوم والليلة مرة واحدة، وبعدم توقف صدق الفقر على ذلك. الثاني: أن يكون الملاك هو الاحتياج من غير إسراف، كما يومئ إليه ما تقدم من الموثق حيث قال: (من غير إسراف).


(1) سورة التوبة: 60

[ 635 ]

[ ولعل الظاهر أن وجود أثمان ما ذكر أيضا بحكمه *. ] وهذا أيضا مدفوع بالتعليل المتقدم الظاهر في أن الملاك هو الاحتياج بحيث لا يمكن له عرفا أن يصرفه في قوته وكسوته، فالاسراف الذي في الموثق يكون في فرض عدم كفاية غلة الدار لمعيشته، فإن كان عدم كفاية ذلك لا من باب الأسراف يستحق الزكاة وإن كان من باب الأسراف لا يستحق الزكاة. والاسراف الملحوظ في الفرض هو الصرف في غير مورد الاحتياج الضروري الموجب فقده لانقباض النفس عن حق، فافهم وتأمل. الثالث (وهو المتوسط بين الأمرين المشار إليه في المتن وهو ملاك حسن): نقص وفقدان يشمئز منه النفس. ويدل عليه - مضافا إلى التعليل - صدق الفقر ووضوح عدم الفرق بين كون النقص من باب قلة القوت أو اللباس أو من باب كسر الشأن، بل حفظ الشؤون عند نوع الناس أهم من تأمين القوت واللباس فهو أولى بالمراعاة، وكذا ما صار معتادا باستعماله كشرب الدخان أو معتادا أن يكون فراشا له عند النوم بحيث يصعب عليه النوم بدونه. ولقد أطلنا الكلام في ذلك، لعدم وضوح ملاك الحاجة في كلمات الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم. * كما في الجواهر عن المدارك (1). وقال قدس سره في الجواهر: إنه (لا يخلو من وجه) (2). ويدل عليه ما تقدم من التعليل بحسب ما تقدم من البيان: من أن المراد أنه محتاج إليه.


(1 و 2) الجواهر: ج 15 ص 320.

[ 636 ]

[ ولعل الظاهر جواز أخذ الزكاة لما ذكر وإن كان مالكا لغيره من مؤونة قوت السنة *. ] وكذا ثمن التزويج، فكما أنه لا يجب عليه تطليق زوجته لئلا يحتاج إلى الزكاة كذلك يجوز له استثناء ثمن التزويج، كما هو واضح مصرح به في ما حكي عن المدارك في الجواهر (1). * كما أفتى به في العروة (2) من غير تعليق عليه من المحشين حسب ما اطلعنا عليه، وذلك لصدق الفقر، ولدلالة التعليل، بناء على ما مر من كون المراد من عدم كون الدار والخادم مالا أنه محتاج إلى ذلك، والمقصود من الاستدلال بالتعليل ليس كالاستدلال بمثل (الخمر حرام لأنه مسكر) للتعميم لكل مسكر، فإن ذلك يناسب تعميم الحكم لغير الدار والعبد من التزويج والفروش وغير ذلك، بل المقصود ترتب حكم آخر على الموضوع، كأن يقال: (إن الفقاع حرام لأنه مسكر) وكان بصدد أن الأسكار القليل داخل في الأطلاق، وليس ذلك من باب التعبد بل من باب التمسك بإطلاق الدليل، فإن مقتضى ذلك هو الحكم بنجاسته، بناء على نجاسة كل مسكر مائع. وبهذا النحو نقول: إن واجد الدار والخادم محتاج إليهما ففاقدهما محتاج أيضا، إذ لا دخالة للوجود والعدم في الاحتياج، فهو فقير محتاج فالصدقة تحل له، مضافا إلى دلالة صحيح عبد الرحمان بن الحجاج على ذلك عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو أخوه يكفيه مؤونته، أيأخذ من الزكاة فيوسع به إن كانوا لا


(1) ج 15 ص 320. (2) كتاب الزكاة، الفصل السادس، المسألة 3.

[ 637 ]

[ ومن ذلك يظهر الكلام في الفروع الثلاثة في الخمس، فمن كان واجدا لما يحتاج إليه أو لأثمانه يحل له أخذ الخمس لقوته ويحل له أخذ الخمس لشراء ذلك وللتزويج إن لم يكن عنده ما يحتاج إليه من الدار والخادم *. مسألة: الظاهر عدم الدليل على التوسعة بأزيد مما ذكر في المسألة المتقدمة في الزكاة الواجبة * *، ] يوسعون عليه في كل ما يحتاج إليه؟ فقال: (لا بأس) (1). وما أشرنا إليه هو التعليل في مقام الأثبات، إذ من المعلوم أن الصدقة للمحتاج، فالمقصود بيان أن صاحب الدار والخادم محتاج داخل في إطلاق دليل الزكاة. * لصدق الفقر كما عرفت، ولدليل المعاوضة عن الزكاة بالنسبة إلى مرحلة الأثبات كما مر سابقا، ومن حيث صدق التعليل بأن الدار والخادم لا يكونان مالا بالتقريب المتقدم، فلا إشكال في المسألة، وله الحمد. * * فلا يجوز لمن يملك ما يحتاج إليه من حيث القوت والكسوة والعز والشرف والاعتياد أن يأخذ الزكاة للمسافرة للتفرج والتفريح أو للضيافة غير اللازمة وإن لم يكن إسرافا، لعدم صدق الفقر الموضوع للزكاة. ويشير إلى ذلك ما في عدة من الروايات: منها: ما تقدم آنفا من خبر ابن الحجاج، وفيه: (إن كانوا لا يوسعون عليه في كل ما يحتاج إليه) الدال على مفروغية عدم الجواز إن كانوا يوسعون عليه في كل ما يحتاج إليه. ومنها: خبر إسحاق بن عمار، وفيه (بعد السؤال عن إعطاء الزكاة لقرابته) قال: (مستحقون لها؟) قلت: نعم (2). ومنها: خبر أبي بصير، وفيه: (وما أخذ من الزكاة فضه على


(1) الوسائل: ج 6 ص 163 الباب 11 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الوسائل: ج 6 ص 169 ح 2 من 15 من أبواب المستحقين للزكاة. .

[ 638 ]

[ وكذا الخمس *. مسألة: من ليس له مقدار ما يكفي لمؤونته فهل يجوز له أخذ الزكاة أو الخمس ويصرفه في التوسعة غير المحتاج إليها أو لا يصرفه أصلا ويدخره أو يأخذه ويعطيه لغيره - والجامع بين الكل أن لا يصرفه في رفع فقره - أم لا؟ فيه وجهان، لعل الأظهر هو الأول، والأحوط هو الثاني * *. ] عياله حتى يلحقهم بالناس) (1). وما في بعض الأخبار من إطلاق التوسعة، كخبر ابن عمار، وفيه: أترى له إذا حضرت الزكاة أن يخرجها من ماله فيعود بها على عياله يتسع عليهم بها النفقة؟ قال: (نعم، ولكن يخرج منها الشئ الدرهم) (2). فهو في مورد مال التجارة الذي يكون الزكاة فيه مستحبة، كما تقدم. فراجع وتأمل. * لعدم صدق الفقر، كما تقدم. * * وجه الجواز: إطلاق الدليل. ووجه عدم الجواز: انصراف قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين... (3) وأمثاله إلى أن ذلك جعل دواء لداء الفقر، كأن يقال: (يلزم على الأطباء أن يصلوا المرضى) فإن المقصود هو المعالجة والتداوي، لا مطلق الصلة كصلة الأرحام.


(1) الوسائل: ج 6 ص 159 ح 4 من ب 8 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الوسائل: ج 6 ص 166 ح 1 من ب 14 من أبواب المستحقين للزكاة. (3) سورة التوبة: 60.

[ 639 ]

[... ] والذي يؤيد الانصراف أنه لا يحل للغارمين أخذ الزكاة بمجرد صدق الغارم وصرفها في الموارد الاخر، وكذا للعاملين عليها. لكن يمنع الانصراف بأن أخذ الزكاة بنفسه دافع للفقر لا بصرفها، فإنه ليس بفقير إذا أخذ مؤونة سنته وإن لم يصرفها فيها، ويرفع فقره بالنسبة إلى بعض السنة إن أخذ أقل من ذلك، ولو كان مشروطا بالصرف في رفع الفقر لزم الدور، إذ الصرف في الفقر يتوقف على مالكية المال، لأنه لا بيع إلا في ملك، والملكية حسب الفرض متوقفة على الصرف في رفع الفقر. والاشتراط بمعنى الالتزام في الالتزام خارج عن منصرف الدليل. والأشكال ب‍ (أن الأخذ والصرف في غير مصرف رفع الفقر إن عم موجب لأبطال حكمة الزكاة، إذ يمكن أخذ الزكاة مثلا وهبتها لابنه أو لغيره فيتسع الضياع والعقار) منقوض به لزوم ذلك في الحج مثلا بالنذر، بأن نذر أن يزور كل عرفة مثلا فاطمة المعصومة بقم أو عبد العظيم الحسني عليهما السلام بالري، أو يهب ماله قبل خروج الرفقة لابنه فيسترجع منه بعد ذلك، إلى غير ذلك من الحيل، وذلك لا يقتضي إلا عدم جواز ذلك إذا انجر إلى تعطيل الحكم مطلقا أو بالنسبة إلى بعض الأشخاص، ولا يوجب المنع عنه مطلقا. وأما القياس بالغارمين فمدفوع بأنها دواء لرفع عنوان الغارم، والعامل لابد من إعطاء اجرة عمله. وهذا يقتضي أن يكون بالنسبة الى الفقير دواء لرفع فقره، وذلك يحصل بالتملك لا بالصرف. نعم، بعد الصرف يصير فقيرا أيضا. وأما الغارم فلا يجوز له الأخذ من دون أداء دينه، لأنه جعل لرفع غرامته. نعم، يجوز له الاستدانة ثانيا فيصير غريما، كما أن العامل إذا أخذ اجرة عمله للمسافرة لأخذ الزكاة لا يجب - بناء على ما قلنا - أن يرد الزكاة إذا أضافه أحد في السفر، كما في

[ 640 ]

[ مسألة: هل يجوز إعطاء سهم السادة إلى الأيتام منهم مع القطع بالصرف في مصالحهم من دون الرجوع إلى الولي من الجد أو الحاكم أم لابد أن يكون بإذنه أو بقبضه؟ وجهان *. ] سائر الاجراء. فافهم وتأمل. وهو الله المتعالي العالم بالحقائق. والأحوط أن لا يأخذ للصرف في غير مصرف رفع الفقر وأن لا يأخذ الزكاة من كان له دار يحتاج إلى السكنى فيها لكن لا يسكنها أو كان له ثمن ذلك. * وجه عدم الجواز كون اليتيم محجورا عن التصرف، كما ورد في غير واحد من الروايات: من عدم جواز أمر الصبي حتى يحتلم (1) وأن عمده وخطأه واحد (2). والجواب عنه أن مقتضى ولاية صاحب المال على التعيين وعدم اختيار للقابض من حيث تعين كون الخمس مالا له: عدم الاحتياج في حصول الملكية إلى القبول، كما في بيع الصاع من الصبرة بعد حصول المعاملة إذا انحصر في صاع واحد أو اختار البائع صاعا معينا، ولا دخالة لقبض المشتري، لعدم اختيار له في اختيار الصاع، فهو ملك له قبض أو لم يقبض، وهذا كالوقف على المسجد أو المدرسة أو الوقف على الأيتام. مع إمكان أن يقال: إن الصرف في اليتيم مبرئ للذمة، وإيصال لمال الغير إليه. والدليل على التسلط المذكور هو عموم تسلط الناس على أموالهم (3) وعدم دخالة غيره في حصول التعين بالضرورة حتى على فرض الأشاعة، وإلا لانجر الأمر إلى النزاع. والملكية بعنوان السادة متحققة وحاصلة بحكم الشارع، وتعين فرد خاص إنما هو بيده، فلا وجه لدخالة القبض في التملك. نعم، لو لم يقبل السيد المتشخص


(1) الوسائل: ج 1 ص 30 الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات. (2) الوسائل: ج 19 ص 66 ح 2 من ب 36 من أبواب القصاص في النفس. (3) البحار: ج 2 ص 272 ح 7 من ب 32 من كتاب العلم.

[ 641 ]

[ ولعل الأوفق هو الجواز بمعنى صرف نفس الخمس في مصلحته أو توكيل من يتكفل أمره لشراء ما يصرف عينه في أمره من المأكول والمشروب والملبوس، فتأمل. والأحوط هو المراجعة إلى الولي من الجد والقيم والحاكم. في الأنفال * ] بتشخيصه - إذا كان كبيرا مثلا - كان كصورة عدم انفتاح باب المسجد لأن ينتقل المال الموقوف على مسجد خاص إليه، فلابد من الصبر أو الانتقال إلى مسجد آخر إن كان الوقف أعم، امتثالا للأمر، فحصول الملكية لليتيم بالأخذ يكون من باب الانطباق التكويني غير المحتاج إلى الأنشاء، كما في المسجد، ولا دليل على كون اليتيم أخس قدرا من الجماد. وأما أن مال اليتيم لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن الولي - كما في إرثه - فلأن الأقباض غير جائز، لأنه تصرف في مال اليتيم ولا يجوز إلا بإذن الولي، وأما قبض الصغير وصرفه لنفسه فهو كالقبض عن الولي، فإن قبضه ليس بإجازة الولي، بل الأقباض بإجازته، لأنه لكلي السيد وبالقبض ينطبق تكوينا، وقبضه لصرف ماله في نفسه لمصلحة - من دون أن يكون إنشاء - لا دليل على الاحتياج إلى إذن الولي. وأما لزوم الصرف في المصلحة فلا فرق بين صاحب الخمس والولي. ومن ذلك يظهر أن الأوفق هو الجواز. * في الجواهر: إنها جمع (نفل) ساكنا ومحركا، ونقل عن المصباح أنه بمعنى الغنيمة، وعن القاموس: عطف الهبة عليه، وعن الأزهري: ما كان زيادة (1).


(1) الجواهر: ج 16 ص 115

[ 642 ]

[... ] أقول: الظاهر أن النفل في مقابل الفرض واللازم، والأصل فيه هو الزيادة. قال قدس سره بعد ذلك: وهي هنا ما يستحقه الأمام عليه السلام كما يستحقه الرسول صلى الله عليه وآله بالخصوص، سميت بذلك لأنها هبة من الله تعالى زيادة على ما جعل له من الشركة في الخمس (1). أقول: الظاهر أن الأنفال في اصطلاح الفقهاء هي الزائدة على ما يستحقه الناس بحسب العمل أو بحسب الحيازة والأحياء، ولعله الظاهر من قوله تعالى: يسألونك عن الاءنفال (2) لا ما كان مختصا بالرسول، وإلا لم يكن مناسبا للجواب عن ذلك بأنها (لله والرسول)، فإن القضية حينئذ تصير ضرورية، والفقهاء جروا على هذا المنوال، ودخول ما ليس من هذا القبيل - كصفو الغنائم - من باب الاستطراد. فالمقصود بذلك هو ما يستحقه المعصوم عليه السلام غير الخمس. وذلك في الأكثر هو ما يكون زائدا على أموال الناس وعلى محصول عملهم، كالأرض المفتوحة صلحا أو الموات أو سيف البحار أو غير ذلك. والمذكور في الشرائع: خمسة: الأرض التي تملك من غير قتال، والأرضون الموات، وما كان لسلطانهم إذا فتحت دار الحرب: من قطائع وصفايا، وله أن يصطفي من الغنيمة


(1) الجواهر: ج 16 ص 116. (2) سورة الأنفال: 1.

[ 643 ]

[ وهي - كما ذكروه - الأرض التي تملك من غير قتال، سواء انجلى أهلها أو سلموها للمسلمين طوعا *، بعوض أو بنحو الهبة. ] ما شاء ما لم يجحف، وما يغنمه المقاتلون بغير إذنه (1). ويحتمل أن يكون الاجام أحد الخمسة، والاصطفاء من الغنيمة يكون في سهمه من أخذ الغنائم. وفي الجواهر بعد ذلك: كان على المصنف ذكر ميراث من لا وارث له، وذكر حكم المعادن، لكونها موردا للاختلاف. وقد عد في المقنعة منها البحار. وزاد في كشف الاستاذ ما يوضع له من السلاح والجواهر والقناديل والسيوف والدروع، وما يجعل نذرا له عليه السلام (2). * في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل الظاهر أنه إجماع (3). أقول: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى في سورة الحشر: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل شئ قدير * مآ أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاءغنيآء منكم (4).


(1) الشرائع: ج 1 ص 136 - 137. (2) الجواهر: ج 16 ص 128 - 132. (3) المصدر: ص 116. (4) سورة الحشر: 6 - 7.

[ 644 ]

[... ] إلى أن قال عز من قائل: للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم (1). ومورد الاية وإن كان صورة الجلاء عن الوطن للرعب عن المسلمين كما يشهد بذلك قوله تعالى: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب النار (2). إلا أن المستفاد عرفا من قوله تعالى: فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب أن الملاك في ذلك عدم الأخذ عنهم بالحرب. إن قلت: ظاهر الاية الاولى أنها للرسول صلى الله عليه وآله، (لقوله: وما أفاء الله) للسهام الستة، والجمع بينهما بأنها ليست لمن تهيأ للقتال، ولكن اختيارها بيد الرسول صلى الله عليه وآله فيقسمها في الأسهم الستة على ما يرى. قلت: الجواب عنه بوجهين: أحدهما أن ما يكون ملكا للرسول صلى الله عليه وآله يصرفه في ذلك خارجا (لا أنهم يملكون ذلك من ابتداء الأمر، ولا أنه يجب على الرسول صلى الله عليه وآله ذلك أو يقال: إنه يجب عليه ذلك لكنهم يتلقون الملك عن رسول الله صلى الله عليه وآله، كما أنه يجب على ولي البيت نفقة عياله، فإن الملك له وهم يستحقون ذلك على تقدير الفقر أو مطلقا، والثاني أولى بظاهر الاية. وعلى ذلك يستفاد مصرف السهم المبارك أيضا من ذلك، وهو الظاهر من سياق الاية والمناسب للتعليل المستفاد من قوله تعالى: كى


(1) سورة الحشر: 6 - 8. (2) سورة الحشر: 3.

[ 645 ]

[... ] لا يكون دولة بين الاءغنيآء منكم. الثاني أن يقال: إن الذيل مربوط بالغنائم المأخوذة بالقهر والغلبة، وذلك لخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: (الفئ والأنفال: ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء وقوم صولحوا وأعطوا بأيديهم وما كان من أرض خربة أو بطون أودية، فهو كله من الفئ، فهذا لله ولرسوله. فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث شاء، وهو للأمام بعد الرسول). وأما قوله: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب قال: (ألا ترى هو هذا. وأما قوله: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فهذا بمنزلة المغنم، كان أبي يقول ذلك، وليس لنافيه غير سهمين: سهم الرسول وسهم القربى، ثم نحن شركاء الناس في ما بقي) (1). وربما يؤيد ذلك بقوله تعالى في الاية الثانية: من أهل القرى المشعر بعدم الانجلاء والبقاء في أراضيهم وكون أراضيهم بأيديهم، فيكون المقصود من الاية الثانية: الخمس الذي يفئ إلى الرسول صلى الله عليه وآله. ولا ينافي قوله (بمنزلة المغنم)، فإنه بمعنى كونه في درجة المغنم ومصداقا له على الظاهر، لا المنزلة المعروفة في الاصول، كما أنه لا ينافيه قوله: (نحن شركاء الناس في ما بقي)، فإن المقصود من (الناس) على هذا: الناس المذكور سابقا الذين هم أقرباء الرسول صلى الله عليه آله.


(1) الوسائل: ج 6 ص 368 ح 12 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 646 ]

[... ] والمقصود بالشركة: رجوع سهمهم بعد الاستغناء إليهم، كما تقدم. ولا ينافي أيضا ذلك قوله للفقراء المهاجرين، فإن الأغلب لعلهم كانوا من أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله. وربما يؤيد ذلك أيضا بخبر سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام: (نحن والله الذين عنى الله بذي القربى والذين قرنهم بنفسه وبنبيه فقال: مآ أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين (1) منا خاصة، ولم يجعل لنا سهما في الصدقة، أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس) (2). وجه التأييد أنه هو بعينه مصرف الخمس. لكن فيهما ضعف: أما الأول فلأن سند الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال غير معتبر في المشيخة، مضافا إلى الاختلال في المتن الذي يبعد أن يكون من الأمام عليه السلام، ولعل الذيل وارد في آية الخمس واشتبه بعض الرواة، مع أن الظاهر أن الباقي لمطلق الناس، والحمل على العهد خلاف الظاهر جدا، وليس المغنم كله لرسول الله وللسهام المذكورة. وأما الثاني فلأن أبان بن أبي عياش مرمي بالضعف وبجعل كتاب سليم، والله العالم، مضافا إلى أن الخبر الاخر المنقول عن سليم بواسطة إبراهيم بن


(1) سورة الحشر: 7. (2) الوسائل: ج 6 ص 356 ح 4 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 647 ]

[... ] عثمان (1) وارد - بالألفاظ المذكورة في الخبر الأول تقريبا - في آية الخمس، والمظنون اشتباه الايتين، فاشتبه أبان آية الخمس بآية الفئ، والله العالم. ويدل عليه أيضا حسن حفص بن البختري - بإبراهيم - أو صحيحه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الأنفال: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم. وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله، وهو للأمام من بعده يضعه حيث يشاء) (2). أقول: (أو قوم صالحوا) يكون من قبيل عطف الخاص على العام ويشمل صورة عدم التمكين بالصلح إلا بقسمة من الأراضي مثلا. والثالث ظاهر في التمكين من دون الصلح بشئ، فالثالث إعطاء محض. والثاني إما خصوص الصلح مع العوض أو الأعم، ويدل عليه غير واحد مما يأتي ذكره. ودلالته كسنده واضحة. والأشكال في السند من حيث غمز آل أعين حفصا باللعب بالشطرنج، وعدم وضوح توثيق النجاشي لأنه قال بعد ذلك (ذكره أبو العباس) مدفوع: أما الأول فبأن الغمز لا يكون معلوما بأنه من مثل زرارة المجتنب عن إشاعة عيوب المؤمنين، فلعله من غيره من طائفته غير الحجة قولهم، مع أنه لعله لم يكن اللعب به خاليا عن المراهنة والقمار ذنبا عنده كما هو غير واضح في الفقه وإن كان


(1) الوسائل: ج 6 ص 357 ح 7 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 364 ح 1 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 648 ]

[ ولعل الظاهر أن غير الأرض مما يتعلق بها من الأبنية والأشجار أو المنقولة المأخوذة من غير الحرب كذلك *. ] مقتضى الأطلاق الحرمة، المناقش فيه من قبل الشيخ قدس سره بالانصراف إلى اللعب الخاص المقرون بالمراهنة. وأما الثاني فبأن ظاهر عبارة النجاشي هو التوثيق جزما واستدل بذكر أبي العباس، ولعله بعض أدلته، مع أن أبي العباس على ما ذكر المامقاني قدس سره مردد بين ابن نوح وابن عقدة وكلاهما موثقان. * في الجواهر: إن ظاهر الصحيح المتقدم (أي صحيح حفص بن البختري المتقدم في التعليق السابق) أن كل ما لم يوجف عليه من خيل ولاركاب من الأنفال، لا خصوص الأرض منه كما هو ظاهر المصنف وغيره من الأصحاب (1). وفي مصباح الفقيه: نسبه ذلك بعض المتأخرين إلى الأصحاب. ويشهد له صحيح معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: السرية يبعثها الأمام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: (إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الأمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسم بينهم أربعة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للأمام يجعله


(1) الجواهر: ج 16 ص 117.

[ 649 ]

[... ] حيث أحب (1) (2). وفي المستمسك: إن إطلاق خبر حفص يقيد بما هو مقيد بالأرض


(1) الجواهر: ج 16 ص 117. (3) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 3 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) مصباح الفقيه: ج 3 ص 151. الوارد في مقام الحصر والتحديد (3). أقول: وفي الكل نظر: أما ما في الجواهر فلأن قوله (عليه) إن كان بمعنى الاستقلال الخارجي فلا يشمل غير الأرض، وإن كان بمعنى الاستقلال الاعتباري الذي بمعنى العلية للفتح (أي كل ما لم يصر الأيجاف بخيل ولا ركاب علة للأخذ) فيشمله، والاستعمال في المعنيين - الاعتباري والحقيقي - من قبيل الاستعمال في أكثر من معنى واحد الذي هو مستحيل أو مخالف للظاهر قطعا. وأما خبر معاوية الصحيح أو الحسن بإبراهيم فيمكن حمله على التقية، لأن الأمام الذي كان في عصر أبي عبد الله لم يكن هو المعصوم، إلا أن يجاب عن ذلك بعدم الحمل على التقية من دون التعارض، فلعل المقصود بيان الحكم الكلي - كما في خبر حماد - أو كان تصرفات الأمام الجائر كتصرفاته في الأراضي الخراجية موردا للأمضاء بالنسبة إلى ما يصرفه في المصالح العامة، ونتيجة ذلك جواز أخذ الجائزة من الخلفاء من هذا الوجه، فالظاهر صحة الاستدلال. وأما ما في المستمسك فمردود أولا بأنه لا يقيد خبر معاوية، لأن الظاهر من إصابة الغنائم والتقسيم من دون ذكر الأرض أن الموضوع غيرها أو الأعم من الأرض والغنائم المنقولة بحيث يكون الثاني متيقنا عرفا. وثانيا بأن التحديد ليس

(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 3 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) مصباح الفقيه: ج 3 ص 151. (3) المستمسك: ج 9 ص 597.

[ 650 ]

[... ] ظاهرا في نفي ما يتبع الأرض من الأشجار والأبنية، فإنها تابعة للأرض عرفا. وأما المنقولات: فإن كان عدم الأيجاف بالخيل والركاب بالجلاء فهم يحملون معهم بحسب القاعدة، وإن كان بالصلح فهي لهم فلا يكون موردا للابتلاء في مورد الأيجاف بالخيل والركاب فلا يدل على المفهوم، مع أنه لم يذكر في غير واحد من روايات الأنفال جميع ما للرسول والأمام عليهم السلام فهو دليل على أنه كان بصدد بيان معنى الأنفال في الجملة، فراجع وتأمل. ويدل على أصل المطلوب أيضا خبر حماد، وفيه: (وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب و لكن صالحوا صلحا وأعطوا بأيديهم...) (1). ويمكن تقريب شموله للأعم من الجلاء عنها والصلح بكون قوله (ولكن) محمولا على المثال. ولكن فيه إشكال. وخبر زرارة، وفيه: (كل أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل ولارجال ولا ركاب...) (2). بدعوى أن الظاهر منه أن الملاك قوله: (من غير أن يحمل عليها الخ) فهو بمنزلة التعليل الشامل للفردين من الأرض التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وأما ما يستفاد من بعض الروايات من أن الأنفال تقسم بين الناس والرسول صلى الله عليه وآله كخبر حريز عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وسئل عن الأنفال


(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 367 ح 9.

[ 651 ]

[... ] فقال: (كل قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها فهي نفل لله عز وجل، نصفها يقسم بين الناس، ونصفها لرسول الله صلى الله عليه وآله. فما كان لرسول الله فهو للأمام) (1). وقريب منه مرسل العياشي عن حريز (2). ولعله هو بعينه، فهو لا يخلو من الضعف في السند، فإن الأخير مرسل، والأول ضعيف بإسماعيل بن سهل، أو يحمل على أنه يصرفه في الناس بحسب ما يراه من المصلحة بحسب سيرته المطلوبة، واجبة كانت عليها أو مستحبة، كما مر تقريب ذلك في قوله تعالى: مآ أفاء الله على رسوله من أهل القرى. تنبيه وقع في بعض الأخبار إطلاق الفئ والأنفال على شئ واحد، ففي معتبر محمد بن مسلم: (وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كله من الفئ والأنفال لله وللرسول) (3). وفي بعضها الاخر: (الفئ ما كان من أموال لم يكن فيها هراقة دم أو قتل، والأنفال مثل ذلك هو بمنزلته) (3). وفي بعضها الاخر (الفئ والأنفال والخمس) في الجواب عن السؤال عن


(1) الوسائل: ج 6 ص 367 ح 7 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 372 ح 25. (3) الوسائل: ج 6 ص 367 ح 10 من ب 1 من أبواب الأنفال. (4) الوسائل: ج 6 ص 367 ح 11 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 652 ]

[... ] حق الأمام عليه السلام (1). ويظهر من المجموع أن ذلك بالوجوه والاعتبار، فإطلاق الأنفال على الكل باعتبار أنه ليس ملك شخص بالخصوص ولا مما حصل بإتعاب الأنفس وبذل الأموال - كالتجارات والصناعات والغنائم الحاصلة بالحرب - وهو من الفئ، لأن الأموال كلها للأمام، فهو مما يرجع إليه إما بأنه كان ملكا للغير ولو في طول ملك الأمام فصار ملكا له - كالأراضي المأخوذة من الكفار وكالخمس المأخوذ من المسلمين - وإما بأنه كان يصلح أن يصير ملكا للغير فرجع عنه إليه كالموات، فالفئ ككلمة الرجوع، فإن الرجوع قد يطلق على العود إلى الشخص وقد يطلق على التوجه إليه في ما كان في مظان الرجوع إلى الغير أو بعد التوجه إلى الغير، كالرجوع إلى الطبيب والفقيه، والخمس قسم من الفئ باعتبار بعض سهامه، لأن بعضه الاخر لغير الأمام، أو هو قسم من الفئ مطلقا، باعتبار أن أمره راجع إليه عليه السلام، فافهم وتأمل. ثم إن الخبر الأخير لا يخلو عن اضطراب في المتن، فعن تفسير العياشي مرسلا عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير أنهم قالوا له: ما حق الأمام في أموال الناس؟ قال: (الفئ والأنفال والخمس، وكل ما دخل منه فئ أو أنفال أو خمس أو غنيمة فإن لهم خمسه، فإن الله يقول: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين (2) وكل شئ في الدنيا فإن لهم فيه نصيبا، فمن وصلهم بشئ


(1) الوسائل: ج 6 ص 373 ح 33 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) سورة الأنفال: 41.

[ 653 ]

[ ثم إن أرض الصلح على أقسام: الأول أن يكون الصلح مع الأمام بأن يكون له. * الثاني إذا أعرضوا عنها الكفار صلحا وجعلوها باختيار الأمام والمسلمين. والظاهر أنه للأمام أيضا * *. ] فمما يدعون له لا مما يأخذون منه) (1). ففيه الأضمار والأرسال والاضطراب. أما الأضمار فيمكن رفعه برجوعه إلى أبي عبد الله عليه السلام، لأنه روى الخبر السابق عنه عليه السلام. ويمكن أن يكون (وكل مادخل) عطفا على سابقه (لاجملة مستأنفة) أي كل ما دخل منه - أي مما ذكر من أموال الناس - فيه فئ أو أنفال أو خمس أو ما فيه الخمس وهو الغنيمة فهو أيضا حق للأمام، بمعنى الأعم من كونه خالصا له أو يكون شريكا ويكون أمره بيده، كما يومئ إليه الذيل، فالتعليل بقوله: (فإن لهم خمسه، فإن الله يقول...) راجع إلى الأخير وهو الغنيمة. ويمكن أن يكون المقصود أن المخلوط بذلك فيه الخمس من باب المختلط. وهو بعيد من وجوه لا يخفى. والله العالم بحقيقة الحال. * وهذا مما لا إشكال في دخوله في الأخبار المتقدمة، وهو مقتضى صحة الصلح، خصوصا إذا كان طرفه الأمام. * * وذلك لأطلاق ما تقدم من الأخبار في أرض الصلح وما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (2) بل سلط الله رسله على من يشاء، وإطلاق أن (الأرض كلها للأمام) المنعقد لذلك باب في الكافي (3)، ويأتي الأشارة إليها (4) وتقدم في أوائل هذا الكتاب، (5) ولم أر التعرض لذلك في كتب الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم.


(1) الوسائل: ج 6 ص 373 ح 33 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) تقدم في ص 650 وما بعدها. (3) ج 1 ص 407. (4) في ص 658. (5) في ص 15 و 16 .

[ 654 ]

[ الثالث أن يصالحوا معه على أن يكون الأرض لهم. الرابع أن يقع الصلح على أن يكون الأرض للمسلمين *. مقتضى كلام الأصحاب أن الأرض في الثالث لهم حتى الموات إن دخل في عقد الصلح صريحا أو ظاهرا * *. ولو شك في الظهور فهي للأمام * * * وفي الرابع للمسلمين * * * *. ] وما ذكرناه يكون على طبق الأدلة التي وصلت إلينا، من غير تصريح بالخلاف منهم. * في الشرائع في باب الجهاد: وكل أرض فتحت صلحا فهي لأربابها، وعليهم ما صالحهم الأمام... هذا إذا صولحوا على أن الأرض لهم، أما إذا صولحوا على أن الأرض للمسلمين ولهم السكنى وعلى أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة (1). * * كما في الجواهر (2)، وفيه أنه لا فرق في ذلك بين أهل الذمة وغيرهم (3)، كما هو واضح من حيث الدليل. * * * للاستصحاب. * * * * فيكون بحكم الأرض المفتوحة عنوة. إن قلت: إن مقتضى إطلاق ما تقدم - من أن ما اخذ بغير إيجاف خيل ولا ركاب ولا رجال يكون من الأنفال - أنه للأمام عليه السلام فكيف يكون للمسلمين حتى يكون بحكم الأرض المفتوحة عنوة! وكذا إطلاق أرض الصلح شامل لذلك.


(1) الشرائع: ج 1 ص 246. (3) ج 21 ص 171. (3) الجواهر: ج 21 ص 172.

[ 655 ]

[ ومقتضى صحة الصلح وكون المتصالح للمسلمين هو الأمام: كون الموات لهم أيضا على النحو المذكور في القسم الثالث *. ] قلت: لا منافاة بين كونها ملكا للأمام عليه السلام وكونها للمسلمين بعقد الصلح الواقع من الأمام الذي هو مالك لولا عقد الصلح، إذ لا يشترط في الصلح أن يتملك الأمام عليه السلام آناما ثم يصالحها لغيره من المسلمين، بل الشرط هو الملكية حال الصلح. ولم أر التعرض للأيراد والجواب في كلمات الأصحاب رضوان الله عليهم، ولكن كونها للمسلمين مسلم عندهم. * بمعنى أنه إن كان مقتضى الصلح أن الموات أيضا للمسلمين فهي لهم بمقتضى صحة الصلح، والحق لا يعدو عن المصالح والمتصالح بحسب الصراحة أو الظهور، ومع الشك فهي للأمام كما تقدم. ولم أر التعرض لذلك أيضا في زبر الأصحاب وإن لم نبذل الجهد الوافي في ذلك، فلا بد من التتبع التام وهو ولي الأنعام. والمستفاد من الجواهر أن ما يجعل الأمام على القسم الثالث من الأراضي التي للكفار هو الجزية بالنسبة إلى أهلها، فلا يؤخذ منهم جزية على الرؤوس (1). وهو المستفاد من الأخبار (2)، ولذا قالوا بأنه لو باعها من مسلم أو من كافر آخر لا يسقط عنه الحق الذي جعله الأمام عليه السلام، لأنه لا جزية على مسلم ولا جزيتين على الكافر، فالجزية تكون على البائع. فما في المستمسك (3) من نقل خبر إسحاق بن عمار: (وما كان من أرض الجزية لم يوجف عليه بخيل ولاركاب) (4) - أي يكون من الأنفال - لا يخلو عن


(1) راجع الجواهر: ج 21 ص 171 وص 252. (2) الوسائل: ج 11 ص 113 الباب 68 من أبواب جهاد العدو. (3) ج 9: ص 597. (4) الوسائل: ج 6 ص 371 ح 20 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 656 ]

[ والظاهر من كلماتهم أن ما يأخذه الأمام من صاحب الأرض يكون من الجزية، وهي إما على الرؤوس أو على الأرض. وأما مستحق الجزية فيمكن أن يكون هو الأمام فيصرفها في ما يراه من المصالح *. ] اشتباه، فإن الأرض التي عليها الجزية ملك للكفار ويؤخذ الجزية منها، وإلا - بأن كانت للأمام أو للمسلمين - فما يؤخذ منهم هو اجرة الأرض والجزية من حيث الرؤوس، ويمكن أن يجعل على الأرض زيادة على الخراج إلا أنها ليست حينئذ بأرض الجزية، بل تكون أرض الخراج، والجزية من حيث الرؤوس لا من حيث كون الأرض بيدهم. ويمكن أن يكون (بخربة) - كما في الوسائل - أي القرى الخربة والأرض التي بالقرى الخربة فهما للأمام عليه السلام. ويمكن أن يكون (بجزية) أي ما يؤخذ من الأرض بعنوان الجزية فهي للأمام. ومن هنا ينقدح فرع آخر - لم أر التعرض له في كلماتهم - ذكرناها في المتن والتعليق الاتي. * قد مر أنه لم أر التعرض له في كلمات الأصحاب، إلا أنه ذكر في الوسائل في الباب التاسع والستين من جهاد العدو خبرين - ثانيهما معتبر جدا - يدلان على أن مصرف الجزية ليس مصرف الزكاة، بل هي عطاء المهاجرين فراجع (1)، وذكر في الباب السبعين خبرا فيه (ذلك للأمام والمسلمين حلال) (2). ويستشعر منهما أنها للأمام فيضعها حيث يشاء، وإلا فليس المستحق منحصرا بالمهاجرين فربما لا يكون مهاجر في الأسلام مثلا، ويشعر بذلك أيضا كلمة (العطاء).


(1) الوسائل: ج 11 ص 116 الباب 69 من أبواب جهاد العدو. (2) المصدر: ص 118 ح 2 من ب 70.

[ 657 ]

[ ومنها: الموات من الأرضين، سواء لم يجر عليها ملك أحد أو ملكت واعرض عنها بحيث لم يكن لها رب معروف ولا غير معروف. وهذا هو المتيقن *. ] وربما يمكن الاستدلال لذلك بعموم الأنفال، فإنها عرفا مالا يملكه أحد وليس مما حصل بتعب النفوس، والجزية من هذا القبيل. وكون أساس إعطائها الرعب من جيوش المسلمين غير مضر بذلك كما لا يخفى، مع منع ذلك، لأمكان أن ذلك من لوازم التوطن في ملك، فلا بد من الضريبة للحكومة يصلح بها طريقهم ويؤمن ثغورهم، فلا يبعد دخولها في الأنفال فتكون للأمام، ولابد مع ذلك من التتبع والتأمل. والله المتعالي هو الهادي. * قال قدس سره في الجواهر: لأطلاق المستفيضة المعتضدة بظاهر اتفاق الأصحاب (1). أقول: فيدل عليه حديث حفص البختري، وفيه: (وكل أرض خربة وبطون الأودية) (2) ومرسل حماد المعتبر، وفيه: (وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والاجام وكل أرض ميتة لارب لها) (3) وفي خبر سماعة: (كل أرض خربة) (4) وفي معتبر محمد بن مسلم: (وما كان من أرض خربة أو بطون أودية) (5) وفي خبر الحلبي: (ما كان من الأرضين باد أهلها) (6) وفي مرسل أحمد بن محمد:


(1) الجواهر: ج 16 ص 117. (2) الوسائل: ج 6 ص 364 ح 1 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: ص 365 ح 4. (4) المصدر: ص 367 ح 8. (5) المصدر: ص 367 ح 10. (6) الوسائل: ج 6 ص 367 ح 11 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 658 ]

[ وأما ما كان له مالك معروف لكن تركه مواتا فهل هو للأمام، أو له إلا إذا علم الأعراض عنه، أو يفصل بين حصول الملكية بالأحياء وحصولها بالشراء أو الأرث أو الفتح ففي الأول للأمام والثاني لنفسه، أو يقال: إنه إذا تركه حتى مات وخرب فإنه يجوز الأحياء بإذن الأمام فيحكم بكونه للأمام عليه السلام، وإن ادعى بعد ذلك أنه له لم يسمع منه إلا إذا ثبت ذلك وحينئذ يعطى حقه من الأرض؟ وجوه. ولعل الأخير هو الأوفق بالدليل *. ] (والموات كلها هي له) (1). ويدل على ذلك أيضا الروايات الواردة في أن الأرض كلها للأمام عليه السلام، وعقد لذلك بابا في الكافي وفيه تسعة أحاديث (2)، ومقتضاها الأطلاق في المالكية، خرجت المحياة بإذنه من إطلاق مالكيته مع بقاء أصل مالكيته له، فإن له الأخذ عنه أو أخذ خراجها أو بعضها، لكن ما دام تكون في يده بلا شرط عليه تكون منافعها له، يستفيد منها ويؤجرها ويبيعها ويرث منها، كما تقدم سابقا في أوائل هذا الكتاب، الموافق ذلك للاعتبار. * قال في الجواهر: نسب الأول في الحدائق إلى تصريح جملة من الأصحاب (3). أقول: ويدل عليه امور: منها: إطلاق ما تقدم من أن (الأرض كلها للأمام) خرجت المحياة ما دامت باقية على وصف الأحياء وبقي الثاني تحت الأطلاق. قال في الجواهر:


(1) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 17 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) الكافي: ج 1 ص 407 باب أن الأرض كلها للأمام عليه السلام. (3) الجواهر: ج 16 ص 117.

[ 659 ]

[... ] وعليه يبتني أن من ملك موات الأرض المفتوحة عنوة بإذن الأمام بالأحياء ثم عرض عليها الموت يعود إلى الأمام ويزول ملكه عنها (1). ومنها: إطلاق ما تقدم من الأدلة الدالة على أن أرض الموات للأمام، وأن الخربة التي جلا عنها أهلها للأمام، وأن الخربة من الأرض له عليه السلام. ومنها: إطلاق ما دل على أن من أحيا أرضا مواتا كانت له (2)، فيشمل ما عرض عليه الموت، ولازم ذلك كونه للأمام عليه السلام ومشمولا لأذنه، وإلا كان غصبا وملكا للمالك الأول. ولا فرق في ما ذكر من الدليل بين من ملك بالأحياء أو بغيره من الأرث أو الشراء، للأطلاق ولأن الأرث والشراء موجبان لانتقال ماكان للأول من الحق والمالكية، فلو كانت مالكية الأول محدودة بالأحياء فلا تنتقل إلى الثاني إلا ذلك لأن مقتضى النقل بالشراء أو الأرث أو الفتح ليس إلا نقل ما يملكه عرفا وشرعا. فما في الجواهر من التفصيل (3) مدفوع جدا. وأما الثاني ففي الجواهر عن المدارك: إنها ليست من الأنفال، والأنفال هي الموات التي لا مالك لها وأن ماكان له مالك معروف فليس من الأنفال (4). ويمكن الاستدلال لذلك بمرسل حماد المعتبر، أي قوله: (وكل أرض ميتة لا


(1) الجواهر: ج 16 ص 117. (2) الوسائل: ج 17 ص 326 الباب 1 من أبواب إحياء الموات. (3) الجواهر: ج 16 ص 117 - 118. (4) الجواهر: ج 16 ص 117.

[ 660 ]

[... ] رب لها)، (1) إذ لو كان مطلق الأرض الميتة للأمام لم يكن للتقييد وجه وكان التقييد لغوا عرفا، وبما في خبر داود بن فرقد: (وكل أرض ميتة قد جلا أهلها (2)، وبصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه؟ قال: (الصدقة). قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: (فليؤد إليه حقه) (3). وربما يؤيد ذلك بما ذكروه - في باب إحياء الموات - من أنه لا يملك موات الأرض المحياة المفتوحة عنوة بالأحياء، وذلك لوجود المالك المعروف له. لكن مقتضى صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام: (أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرض لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخر بها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض لله ولمن عمرها) (1). هو كون الأرض للمحيي الثاني، المقتضي لكون مواتها للأمام عليه السلام. وكذلك مصحح أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام، قال:


(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 372 ح 32. (3) الوسائل: ج 17 ص 329 ح 3 من ب 3 من أبواب إحياء الموات. (4) الوسائل: ج 17 ص 328 ح 1 من ب 3 من أبواب إحياء الموات.

[ 661 ]

[... ] (وجدنا في كتاب علي أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي وله ما أكل منها، فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق من الذي تركها فليؤد خراجها...) (1). ولكن في صحيح الحلبي المتقدم (2) ما عرفت من أداء حقها إلى صاحبها إن كان يعرف صاحبها، فالخبران محمولان على صورة الأعراض أو الظهور في الأعراض، كما يشعر بذلك قوله: (فإن تركها وأخربها)، فإن ذلك ظاهر في الأعراض عنها، وهو حجة على ذلك، فيجوز الأحياء ظاهرا وإذا عرف صاحبه يؤدي إليه حقه، كما يصرح بذلك ما تقدم من صحيح الحلبي. وأولى بالحمل المذكور قوله: (وتركها فأخر بها) الظاهر في الترك حتى يصير خرابا، وظهوره في الأعراض غير خفي، فالخبران يدلان على حجية ذلك الظهور، ومقتضى ظاهر صحيح الحلبي أنه لا يؤخذ حينئذ من المحيي الثاني بل عليه حق الأرض، ولعل ذلك حكم منه عليه السلام بذلك. وكيف كان، فمقتضى الأطلاق هو العموم المقتضي لكون ذلك حكما شرعيا، لا من باب الأذن من باب الحكومة الشرعية الولائية.


(1) الوسائل: ج 17 ص 329 ح 2 من ب 3 من أبواب إحياء الموات. (2) في الصفحة السابقة.

[ 662 ]

[... ] فما قال قدس سره في الجواهر في المقام وملخصه أن: مقتضى الأطلاق كون الموات للأمام حتى المسبوق بالملك لأحد، لكن إذا كان مالكيته بالأحياء لا ما إذا كانت مالكيته بالأرث أو الشراء. وقال أيضا: إنه لا يعتبر في ماله من الموات بقاؤه على صفة الموت، فلو اتفق إحياؤه كان له عليه السلام من غير فرق بين المسلمين والكفار. وإطلاق ما دل على أن (عامر الأرض المفتوحة للمسلمين) يراد به ما أحياه الكفار من الموات قبل نزول آية الأنفال، وأما بعده فهو له. واحتمال (أنها وإن كانت له ولكن يدخل في ملك المسلمين، لأطلاق ما دل على كون المفتوحة عنوة للمسلمين) مدفوع بقوة عموم أدلة المقام أي كون أرض الموات للأمام عليه السلام حتى بعد الأحياء. نعم، لو ثبت عموم الأذن أمكن القول بانتقالها إلى المسلمين، على أنه قد يناقش في جريان سائر أحكامه (1). انتهى ملخصا. فيه نظر من وجوه: الأول: أنه على فرض إطلاق كون أراضي الموات للأمام حتى المسبوق


(1) الجواهر: ج 16 ص 117 - 119.

[ 663 ]

[... ] بملكية غيره فلا فرق بين التملك بالأحياء أو غيره، مضافا إلى أن الأرث والانتقال لا يوجب حقا جديدا للمنتقل إليه قطعا كما تقدم سابقا، وكذا لو قلنا بالعدم - كما عرفت - فإن مقتضى التقييد ب‍ (لا رب لها) أن ملك الأمام مقيد بعدم المالك لها فالتفصيل المذكور في الجواهر (1) مما لا عين ولا أثر له في الأدلة. الثاني: ما قاله من (أن الموات التي للأمام كانت له حتى بعد الأحياء إلا مع الأذن)، فيه: أن الأذن العمومي للكافر والمسلم ثابت، فراجع الباب الأول من أبواب إحياء الموات من الوسائل، فإن الخبر الأول منه صحيح صريح في خصوص الكفار، وفيه: (وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض أو عملوه فهم أحق بها وهي لهم) (2). الثالث: أن ماقاله من (اختصاص كون الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين بما قبل نزول آية الأنفال) مدفوع جدا بلزوم تخصيص الأكثر بالنسبة إلى دليل ذلك إلى قيام القيامة. الرابع: أن مقتضى الاية أن الأرض لله ولرسوله ولو قبل نزول الاية، فكون الخبر في وقت خاص غير أن يكون المخبر عنه هو الوقت الخاص كما هو واضح، بل لعل مقتضى عموم الاية أنها له تعالى ولمطلق الرسول الذي من أفراده خاتم الرسل صلى الله عليه وآله، بل هو المستفاد من الخبر المنقول عن تفسير النعماني، وفيه: (قال الله تعالى: إنى جاعل في الاءرض خليفة (3) فكانت الأرض بأسرها لادم ثم هي


(1) ج 16 ص 117 - 188. (2) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 1 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (3) سورة البقرة: 30.

[ 664 ]

[ وأما الأرض الموات التي يقطع بكونها لصاحب خاص مجهول فيمكن أن يقال: إنها للأمام، فيشملها عموم الأذن في الأحياء فيملكها المحيي الثاني *. ويمكن أن يقال: إنها لمالكها فيجب التصدق إلا أن ] للمصطفين الذين اصطفاهم الله...) (1). الخامس: أن ما ذكره من (أن محياة الكفار للأمام ولا تنتقل إلى المسلمين، وأن انتقالها إلى المسلمين مناف للدليل) منظور فيه جدا، إذ لا منافاة ما بين الملكية للأمام والانتقال منه إلى المسلمين، فيكون الفتح بأيدي المسلمين بمنزلة الأحياء بإذنه، كما هو واضح. السادس: أن ما ذكره من أنه (نعم لو ثبت عموم الأذن) يقال: قد ثبت ذلك بحمده تعالى. وأما المناقشة في جريان سائر الأحكام فهي مما لم نتحققه. وكيف كان، فلا شبهة بحسب الأدلة أن الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين، من غير فرق بين ما كانت مواتا فصارت محياة قبل نزول الاية أو بعدها. ولا شبهة في عدم بقاء الملكية المطلقة للأمام بعد الأحياء بحيث يكون التصرف فيه منوطا بإذنه وكانت المنافع له ولا يجوز له بيعها. نعم، له الملكية الطولية كملكيته تعالى لجميع الخلائق من حيث الطولية لا بنحو نتيجة الملكية، فللأمام أخذ الأرض منه للمصالح - كالشوارع والمساجد وغير ذلك - إن كان ذلك بنظره الشريف أصلح من كون المال بيده. ولقد مضى بعض القول في ذلك في أوائل هذا الكتاب، والتوفيق لنا من ذلك الجناب. * وهو الذي يظهر من الشرائع أي من قوله: (وإن لم يكن لها مالك معروف معين فهي للأمام عليه السلام)، (2) ولكن يظهر من الجواهر مخالفته وأنها مجهول يحييها فتصير ملكا للثاني *.


(1) الوسائل: ج 6 ص 370 ح 19 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) الشرائع: ج 4 ص 792.

[ 665 ]

[ يحييهات فتصير ملكا للثاني * ] المالك (1). ويمكن الاستدلال لما في الشرائع - الذي نقله في الجواهر عن بعض العبارات أيضا (2) - بامور: منها: إطلاق أن الأرض الخربة والأراضي الموات كلها للأمام. ولا منافاة بينه وبين مرسل حماد الذي فيه (وكل أرض ميتة لا رب لها) (3)، إذ لا معارضة بين المنطوقين، وأما المفهوم فيكفي فيه أن يكون ما كان مالكه معلوما له، لا للأمام. ولا ينافيه (من أحيا أرضا ميتة فهي له) (4) المقتضي لكون الموات لمن أحياها أولا وإن عرضت لها الموت، للانصراف إلى كون ذلك له مادام الأحياء أو هو القدر المتيقن من ظهوره، فيرجع إلى الأطلاق. ومنها: الرجوع إلى إطلاق أن (الأرض كلها للأمام) بضم المقدمة الثانية في الدليل السابق: من الانصراف أو القدر المسلم من الظهور. ومنها: أنه مع فرض التعارض في مادة الاجتماع (وهي الأرض الموات التي سبقها الأحياء المفترق عنها دليل الموات في الأرض المحياة بالفعل والمفترق عنها دليل المحياة في الموات بالأصل) يرجع إلى عموم أن الأرض كلها للأمام. فتأمل. * والوجه فيه أن عمومات مالكية الأمام عليه السلام للأراضي لا تنافي ملكية المالك المجهول أيضا، فكانت أرضا ملكا للأمام من دون أن تكون ملكا لغيره في طوله - كما في الموات التي لارب لها - أو كانت له أيضا، فإنه لا فرق في مالكية


(1 و 2) الجواهر: ج 38 ص 27. (3) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال. (4) الوسائل: ج 17 ص 328 الباب 2 من أبواب إحياء الموات.

[ 666 ]

[ وأما المحياة المجهول مالكها فما دام الأحياء مستندا إليه فلعل الظاهر وجوب التصدق *، وبعد كون الأحياء مستندا إلى الغير يملكه * *. ومقتضى الاحتياط هو التصدق فيكون المتصدق عليه هو المحيي حدوثا أو بقاء. ] الأمام عليه السلام للأراضي بين مالارب لها ومالها رب، كما نبينه (1) إن شاء الله تعالى. ومقتضى (من أحيا أرضا...) ثبوت الملكية ومقتضى الملكية عدم رفعها إلا برافع، بل لا تعارض لدى الدقة بين دليل أرض الموات وظهور (من أحيا أرضا) في ثبوت الملكية للمحيي، فإن ملكية كل أرض للمالك بمعنى أنها له مادام لم تنتقل وليس معناه أن الأمام لا ينقل الأرض الموات إلى غيره أبدا. والفرق بين الموات والمحياة حصول الانتقال في الثاني، بخلاف الأول فإنه يمكن الانتقال ويمكن عدمه، وحينئذ فمقتضى بقاء المال على ملك صاحبه بمقتضى (من أحيا أرضا) الشامل لها أولا: وجوب التصدق، ومقتضى كون اختيار الأرض بيد الأمام وشمول (من أحيا) للثاني: أنه يتملك بالأحياء ولو كان للغير، وليس مقتضى دليل الأحياء الأول أنه مالك حتى بعد دلالة الدليل على الانتقال إلى الغير بإذن المالك الذي يكون المحيي في طول ذلك المالك، ومقتضى ذلك ما ذكر في المتن: من وجوب التصدق أو الأحياء حتى يصير ملكا للمحيي. * لأدلة مجهول المالك التي منها خبر علي بن أبي حمزة الوارد في من جمع مالا أغمض في مطالبه (2)، وقد أوردنا أخبارها في ابتغاء الفضيلة (3). * * لأطلاق بعض أخبار الأحياء غير المشروط فيه الموت، كصحيح محمد


(1) في ص 673. (3) الوسائل: ج 12 ص 144 الباب 47 من أبواب ما يكتسب به. (3) ج 1 ص 237.

[ 667 ]

[ ثم إنه إن جاء صاحبها بعد أن أحياها المحيي فصار ملكا له ولم يتصدق عنه فيمكن أن يقال بأن له حق الأرض *. ] بن مسلم، وفيه: (وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض أو عملوه فهم أحق بها وهي لهم) (1). فيجري في ذلك ما تقدم (2) من تقريب الدليل في الموات المجهول مالكها. * وذلك لصحيح الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه؟ قال: (الصدقة). قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: (فليؤد إليه حقه) (3). فإن مقتضاه أنه (سواء كان يعرف صاحبها من أول الأمر ولكن يقطع بإلاعراض أو يظن به لترك الأرض حتى خربت، أو كان لا يعرف صاحبها من أول الأمر ولكن يعرف صاحبها بعد الأحياء) يؤدي إليه حقه، وهو بنفسه ظاهر أو مشعر بأداء اجرة الأرض، لا رد الأرض واسترداد حق الأحياء منه من باب أنه عمله. والوجه في ذلك أولا أنه يعبر عن إرجاع الأرض بالأرجاع أو الرد، لا أداء الحق. وثانيا أنه موافق لما مر من أداء الصدقة.


(1) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 1 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (2) في ص 665. (3) الوسائل: ج 17 ص 329 ح 3 من ب 3 من أبواب إحياء الموات

[ 668 ]

[... ] وثالثا أنه لو كان المقصود رد الأرض لكان يسأل عن اجرة الأحياء وما عمله في الأرض حتى صارت محياة مزروعة، خصوصا بعد إجراء الأنهار فيها. وإن أبيت عن ذلك فهو وجه الجمع بينه وبين صحيح معاوية بن وهب، وفيه: (فإن كانت أرض لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخر بها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض لله ولمن عمرها) (1). والجمع بينهما بحمل الأول على القطع بأنه صاحبها فعلا من باب القطع بعدم الأعراض وحمل الثاني على القطع بالأعراض، فيكون المطالبة بلا وجه أو من باب أنه يرى نفسه أحق بها من باب سبق مالكيتها أو الأعم منه. واحتمال عدم الأعراض بعيد بل مقطوع العدم، لوجوه: منها: أن الأعراض أو عدمه ليس مطرحا في الروايتين. ومنها: أن المفروض في الخارج هو ترك الأرض حتى خربت، فمن أين يعلم الأعراض في الثاني ويقطع بعدمه أو يشك في الأول مع أن الأعراض مع قطع النظر عما في الخارج أمر قلبي لا يقطع بتحققه في مورد ويشك في مورد آخر؟! إلا مع فرض العدالة القطعية في أحد الموردين وعدمها في الثاني، وذلك أيضا غير مفروض في الخبرين. ومنها: أن حمل الأول على خصوص القطع بالأعراض لا وجه له، لقلة ذلك، فلا بد أن يحمل مع قطع النظر عن الجمع المذكور على الأعم منه ومن صورة الشك في الأعراض، فيكون المقصود أن الترك حجة على الأعراض، وهو لا يناسب التعليل الوارد في الثاني الصريح في أن الأرض تكون للثاني المعمر واقعا. فمورد


(1) الوسائل: ج 17 ص 328 ح 1 من ب 3 من أبواب إحياء الموات.

[ 669 ]

[... ] الخبرين بحسب الظاهر متحد من حيث العموم والخصوص وأن صاحبه الأول معلوم فعلا ويحتمل الأعراض وعدمه أو يقطع بعدم الأعراض، وأما صورة القطع بالأعراض فالظاهر خروجها عن الخبرين، لأنه مع الاعتراف بذلك لا يأخذ الحق ولا يطالب الأرض بحسب الارتكاز. نعم، بينهما فرق من جهة فرض مطالبة الأرض في الثاني دون الأول، فلا محيص إلا عن الجمع بأن الأرض كالأراضي الخراجية خارجا لا بد أن يكون بيد من أحياها ويؤدي اجرة الأرض إلى صاحبها، وهو المطابق للاعتبار العقلائي. وإن قيل: إن الثاني لا يشمل المجهول مالكها وكذا الأول، فإن المستفاد منه أن صاحبها كان من أول الأمر معلوما، فذلك مردود ببعده جدا، بل الجهل بمالكه أو عدم إمكان الوصول إليه لا بد أن يكون مفروضا، وإلا لما كان يقدم المعمر الثاني على التعمير والأحياء من دون الاستيذان منه أو الاشتراء بثمن بخس حين الخراب. وإن فرض عدم الشمول في كل منهما فإن دلالة الثاني على أن الأرض لمن يعمرها في فرض الجهل بالمالك وعدم التمكن من رد الأرض إليه والمراجعة إليه واضحة من باب الأولوية، وقلنا: إن مقتضى الجمع هو الحمل على كون الأرض بيده فيقال بذلك في المجهول مالكها، فتأمل. وإن أبيت عن ذلك كله وفرضت احتمال (أن يكون المقصود من أداء الحق في الأول رد الأرض إليه والمقصود من معلومية صاحبها هو العلم بأنه مالكها من باب القطع بعدم الأعراض للعلم بقوله، وكان المقصود من الثاني خصوص الأعراض أو عدم معلومية الأعراض مع الادعاء الذي هو في قبال الحجة الظاهرية وهي ترك الأرض حتى خربت) فيرجع إلى استصحاب جواز تصرف المحيي الثاني في الأرض والانتفاع بها كما كان له ذلك قبل وجدان صاحبه من

[ 670 ]

[ ومقتضى الاحتياط رد الأرض إلى صاحبها مع مالكيته للأغراس التي غرسها. وكذا البناء، لعدم كونه غاصبا *. ولو تصدق بالأرض لنفسه (بأن كان مستحقا لها أو تصدق واشترى من المتصدق عليه أو كان الاشتراء منه ميسورا فاختار صاحبها الغرم لا الأجر) فلعل الظاهر كفاية أداء العين * *. وما ذكر يجري في بيع المبيع الخياري - بأن باع واشترى أو كان الاشتراء ميسورا - فهل يجب رد العين في جميع الصور * * * أم لا؟ ] باب أن (من أحيا أرضا ميتة فهي له) المتقدم تقريب ذلك (1). والمتيقن من الحق الذي يلزم أداؤه هو ترتيب أثر مالكية الأرض في الجملة ولو بأداء اجرة الأرض وجواز الانتفاع بها. واحتمال (أن يكون المراد أداء قيمتها بحيث لا تحصل براءة الذمة بأداء الأرض) مدفوع قطعا بأن القيمة بدل عن العين، فإن كان المقصود ذلك فهو حق لمن بيده الأرض من باب مالكية الأرض. * فإنه لو كان الواجب أداء الخراج من باب أن الأرض ملك له وبيده فهو حق له. وكذا لو كان الواجب عليه أداء قيمة الأرض، فإن ذلك من باب البدلية عن العين أو المنافع التي تكون أصل الأرض دخيلة في ذلك، فلا يقال مقتضى الاحتياط هو التصالح. * * فإن مقتضى فهم العرف من (حق الغرم) أن القيمة أو المثل من باب البدلية عن العين وأنه أقرب إلى التالف، وأما إذا كان نفس التالف بحسب الاعتبار قابلا لأن يصير موجودا في مقام الاعتبار حتى يؤدى إليه فالظاهر عدم الشبهة في الكفاية. فالضمان هو الأعم من العين والقيمة والمثل، لأن المضمون هو ماكان أقرب إلى التالف، ولا شئ أقرب من الشئ إلى نفسه. * * * من باب أن متعلق الضمان هو العين، ومقتضى (على اليد ما


(1) في ص 659.

[ 671 ]

[ الأحوط إن لم يكن أقوى هو الأول *. ولو عرف صاحبها في الصورتين ولكن لا يمكن الرد إليه ولا إلى وكيله فلعل الظاهر إلحاقها بصورة الجهل، ويمكن القول فيها بوجوب أداء حق الأرض إلى الأمام، لأنه وليه * *، ولعل الظاهر هو الأول. ] أخذت) (1) رد العين. والانتقال إلى البدل في الفسخ وأمثاله طولي، بمعنى أن مقتضى الفسخ مالكية الفاسخ على المفسوخ عليه رد العين، لا نفس العين حتى ينافي ذلك كون العين ملكا لغيره، لفرض صحة المعاملة ولزومها. وعلى تقدير عدم التمكن منه لابد أن يتداركه بالبدل، فإن ذلك مقتضى (على اليد) ومقتضى ضمان الخروج عن عهدة المالك الذي هو الوجه في تقدم المثل في المثلي على القيمة والقيمة في القيمي على عين آخر يعادله في القيمة وليس مالية محضة، فتأمل. * كما ظهر وجهه من التعليق المتقدم. * * أما الأول فلأطلاق ما تقدم (2) من أن (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، وأما وجوب التصدق على تقدير عدم الأحياء فهو الذي يستفاد من الدليل وموكول إلى بابه. وأما وجوب أداء حق الأرض إلى الأمام فلتوهم الأطلاق في صحيح الحلبي (3) وأن المستفاد منه أنه في صورة معلومية الصاحب يكون مستحقا لأخذ حق الأرض فيعطى لوليه. لكن الظاهر هو الأداء إليه أو إلى من يكون بمنزلته من الوكيل أو الولي العرفي، لا الأمام وعدول المؤمنين الذين لا يكونون بمنزلته بل ولايتهم من باب


(1) المستدرك: ج 17 ص 88 ح 4 من ب 1 من أبواب كتاب الغصب وج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب كتاب الوديعة. (2) في ص 665. (3) المتقدم في ص 667.

[ 672 ]

[ ومنها: العامرة بالأصالة أي ما لم تكن بيد معمر *. ] الحسبة وحفظ الحقوق، فلا يعد الأداء إلى ولي الأمر أداء إليه بل لا بد له من الأداء إليه بنحو من الأداء، مع أنه لو كان ذلك كافيا في الأخذ وكان ولي الأمر أو عدول المؤمنين بمنزلة الوكيل فيكون صاحبه معلوما في جميع موارد الجهل بالمالك. * فيشمل ما كان عامرا بالأصالة من يوم خلق الله الأرض، أو كانت عمارتها من باب الخروج عن البحر (كسيف البحار بجزر البحر وكشف بعض الأراضي العامرة في أطرافه أو من باب المد ثم الجزر) أو كان من قبيل الاجام التي ينتفع بها من حيث الأخشاب والفحم والثمار كالانتفاع بالمحياة بالعرض التي احييت بيد المحيي. ويدل على ذلك كلا أو بعضا امور: الأول: ما دل على أن الأرض الموات للأمام - كمرفوع أحمد بن محمد (1) - وما دل على أن الأرض الميتة التي لارب لها للأمام، وهي من الأنفال (2). وهو يدل على بعض المقصود أي على أغلب أفراده، وهي الأرض المسبوقة بالموت فهي كانت ملكا للأمام، ومقتضى الملكية عرفا عدم خروجها عن ملك مالكه إلا بإذنه، وكذلك شرعا، لأنه مقتضى (لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب من نفسه) (3)، والعمارة من غير معمر ليست مما حصل بإذن الأمام أو صارت مملكة لشخص أو أشخاص بإذنه، لوضوح ذلك، كسائر التغيرات الواردة على الملك، بأن كانت الأرض سبخة ثم رفعت عنها تلك وصارت مركزا للسباع مثلا، فلا يحتاج إلى الاستصحاب وإن كان مقتضيا له على فرض الشك.


(1) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 17 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 365 ح 4. (3) عوالي اللالئ: ج 1 ص 222 ح 98.

[ 673 ]

[... ] الثاني: ما دل على أن الأرض التي لارب لها للأمام وهي من الأنفال، كموثق إسحاق بن عمار، وفيه: (وكل أرض لارب لها) (1) والمروي عن العياشي عن أبي بصير، وفيه أيضا: (وكل أرض لا رب لها) (2). الثالث: ما دل على أن الأرض كلها للأمام (3)، ومقتضاه الملكية المطلقة حتى في حال كون الأرض لغيره بإذنه، فيملك الثاني الأرض في طول ملكية الأمام عليه السلام، بمعنى أنه يملك ترتيب آثار الملكية في فرض عدم ترتيب آثار الملكية من جانب الأمام، فمنافعها له إن أعرض الأمام عن الانتفاع به ويجوز له البيع إن لم يمنعه عنه. والملكية المطلقة في صورة عدم الرب عين الملكية المطلقة في صورة وجود الرب لها، لأنه ليس معنى الملكية إلا استحقاق جميع التصرفات فيه، وملكية الثاني في طول الأعراض وصرف النظر عن الاستفادة، وهذا الترتب كالترتب في التكليفيات، فإن الأمر بالمهم مقيد بالأعراض عن الأهم، وإطلاق الأهم محفوظ. فلا يشكل على ذلك بأن الأرض كلها للأمام، وبالنسبة إلى ما يملكه الناس بالأحياء أو بالحيازة هي الملكية الطولية، وبالنسبة إلى الموات ومالارب لها هي الملكية المطلقة العرضية، ولا يمكن استعمال ذلك في المعنيين أو يكون خلاف الظاهر قطعا، فيمكن أن يكون المقصود بها هو الملكية الطولية غير المقتضية لكون مالارب لها للأمام على وجه الأطلاق. وملخص الجواب أن دلالتها على وجه الأطلاق تكون بضم أنه لا مملك


(1) الوسائل: ج 6 ص 371 ح 20 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 372 ح 28. (3) الكافي: ج 1 ص 407 باب أن الأرض كلها للأمام عليه السلام.

[ 674 ]

[... ] لغيره في طوله من الأحياء أو الحيازة كما هو المفروض. ومن ذلك يظهر أنه يمكن التمسك للملكية المطلقة للأمام - في حال ملكية الغير لجميع الأموال - بقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (1) فهو أولى به على أموالهم وأنفسهم من أنفسهم. فإذا تبينت الملكية المطلقة للأمام بالنسبة إلى الأراضي التي لها رب ومالك فملكيته لغيرها أوضح. والفرق بين الأنفال وغيرها إنما هو في مالكية الغير بنحو الطولية في الثاني دون الأول. الرابع: عموم الأنفال، لشمولها لها عرفا، بناء على أن المقصود منها هو ما يكون زائدا في الاعتبارات - المبني عليها الاجتماع - عن الأسباب الموجبة للاختصاص بخصوص أشخاص خاصة أو جهة خاصة، كالأوقاف والمساجد والمدارس والخانات. ويؤيد العموم المذكور خبر أبان عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يموت ولا وارث له ولا مولى، قال: (هو من أهل هذه الاية يسئلونك عن الاءنفال) (2). بناء على ظهور كون ذلك في مقام الاستدلال، ولاوجه لملاك الاستدلال إلا عدم صاحب للمال الذي ترك منه. وما في المستمسك من الأيراد على ذلك بأن مقتضى مرسل حماد المتقدم (3) (وكل أرض ميتة لارب لها) يقيد ما يدل على أن مطلق مالا رب


(1) سورة الأحزاب: 6. (2) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 14 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) في ص 657.

[ 675 ]

[ وفي حكمها الأرض المحياة بإحياء شخص خاص ثم أعرض عنها *. ويمكن أن يقال بتملكها بالحيازة الخارجية من إحاطتها بحائط أو بالتحجير أو غير ذلك مما يعد في العرف أنه استولى عليها خارجا ] لها للأمام عليه السلام (1). ففيه أولا: أنه لا يبقى لهذا القيد ظهور بعد ذكر الاجام التي هي من الأراضي العامرة بالأصالة. وثانيا: أن الميتة واردة مورد الغالب، لأن أكثر مصاديق الأرض التي لارب لها هي الموات منها، فكأنه قال: كل أرض لارب لها كالموات. وثالثا: أنه يكفي في ذلك بعض النكات، فإنه لو قال: (وكل أرض لارب لها) لعله يوهم أن المقصود ما يصلح أن يكون لها رب ولا رب لها، كالأرض التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، الظاهرة في ماكان محلا لأيجاف الخيل والركاب لكن اخذت بغير ذلك، فلا يشمل الموات بالأصالة التي ليست تحت يد أحد حتى يوجف عليها بالخيل والركاب. وعليه فيمكن أن لا يشمل الموات لتلك النكتة أو يتوهم عدم الشمول، وهذا يكفي في صحة الذكر، كما لا يخفى، فذكر الأمرين يدل على المقصود مع بيان العلة، كأنه قال: وكل أرض ميتة، لأنه لا رب لها. وأما ما في الجواهر من تمامية المسألة من حيث الدليل إلا أن الأصحاب لم يتعرضوا لذلك (2)، فهو مناف لما في مكاسب الشيخ الأنصاري من نقل الأجماع من التذكرة وعدم نقل الخلاف من غيره في العامرة من غير معمر (3). * فإنها للأمام عليه السلام، للأدلة الثلاثة المتقدمة: من موثق إسحاق بن عمار وغيره المتقدمين، (4) وأدلة كون الأرض كلها للأمام (5)، وعموم الأنفال.


(1) المستمسك: ج 9 ص 601. (2) الجواهر: ج 16 ص 120. (3) المكاسب: ص 161. (4) في ص 673. (5) الكافي: ج 1 ص 407 باب أن الأرض كلها للأمام عليه السلام.

[ 676 ]

[ بأن عمل فيها عملا يدل على الحيازة *، ] * ويمكن التمسك لذلك بوجوه: منها: ما في المستدرك عن عوالي اللالئ: (من سبق إلى مالا يسبقه إليه المسلم فهو أحق به) (1). وهو الذي استدل به الشيخ الأنصاري قدس سره في مكاسبه (2). وقد اورد عليه بوجوه: الأول: ما في تعليق المحقق الخراساني من أنه سيق لبيان أحقية السابق لا لبيان جواز السبقة (3). وفيه: أن أحقية السابق مع فرض جواز السبق ضروري بحسب ارتكاز العقلاء ومستلزم للتقييد على فرض جواز السبق المجهول، فالظاهر أنه لا شبهة في إطلاقه ودلالته على أن من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم - سواء فرض أصل جواز السبق أم لم يفرض - فهو أحق، فيدل على الجواز وأحقيته به من غيره، سواء أراد الغير حيازته أو التصرف فيه بأنحاء التصرفات. الثاني: أن الأحقية غير الملكية. وفيه: وضوح أن الأحقية المطلقة من جميع الجهات هي ملازمة للملكية، أو هي عين الملكية بناء على إنكار الاعتباريات أي الجعليات الصرفة باعتبار الاثار كما هو الأصح عندنا. هذا، مع أن (الحق) ليس شئ وراء الملكية فإنه مرتبة منها، إلا أن الأكثر استعمال كلمة (الحق) في مالكية الأعمال، كالفسخ والعمل المشترط عليه والعمل المورد للاستيجار، بخلاف كلمة (الملك) فإن الظاهر استعماله في الأعم.


(1) المستدرك: ج 17 ص 111 ح 4 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (2) ص 163. (1) تعليقة المحقق الخراساني على المكاسب: ص 105.

[ 677 ]

[... ] الثالث: أن موضوع الأحقية هو عدم كونه ملكا للغير قبل ذلك، وقد تقدم أن العامرة بالأصالة ملك للأمام عليه السلام. وفيه أولا: أن مقتضى العموم أن السبق إلى ما لم تحصل ملكيته بالسبق إليه من نفسه أو من مورثه موجب للملكية ولو كان ملكا لغيره سابقا. وثانيا: أنه لابد أن يكون المقصود ملكية غير الأمام، وإلا فهو مالك لجميع الأراضي بل لجميع الموجودات الأرضية، لقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (1)، فإذا كان مالكا لأملاك المسلمين ولنفوسهم فهو أولى بمالكيته للموات والعامرة بالأصالة والمياه والأنهار العظيمة، فهو بمنزلة (من أحيا أرضا ميتة فهي له) (2). وثالثا: أن ملكية الناس بالأسباب المختلفة - من الأحياء والحيازة - في طول ملكية الأمام عليه السلام أي في فرض صرف نظره عن التصرف فيه من الانتفاع والبيع والشراء، فملكيته للحائز أو المحيي بمعنى عدم جواز تصرف غيره فيه مع بقاء اختيار الأمام عليه السلام على ما هو عليه قبل ذلك، ولا نعني بالملكية إلا ذلك، واجتماع مالكين على مال واحد بالطولية متصور ولو في غير الأمام، بأن يشتري اثنان شئ بذلك النحو، وهذا كالترتب في التكليفيات، فافهم وتأمل فإنه نافع. وينحل بذلك مادل على أن الأرض كلها للأمام المطابق للاية الشريفه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وقوله صلى الله عليه وآله: (ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا: بلى) (3) والمطابق للعقل والوجدان السليم، فإن الحكومات الألهية كالحكومات


(1) سورة الأحزاب. 6. (2) المستدرك: ج 17 ص 111 ح 1 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (3) البحار: ج 37 ص 118 ح 7 من ب 52 في أخبار الغدير.

[ 678 ]

[... ] المادية محتاجة إلى أخذ أموال الناس للمصالح العامة أو للمصالح الألهية ولو لم يكن نفعها راجعا إلى العموم. هذا. ولكن السند غير واضح وإن نسبه في الجواهر إلى بعض كتب الأصحاب ونقله عن أبي داود - وفي الاسعاد أنه صححه الصابي - إلا أن فيه: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له) (1). ومنها: ما في المستدرك عن سمرة أيضا: (من أحاط حائطا على أرض فهي له) (2). وجه الاستدلال عدم الخصوصية للحائط، بل المقصود إيجادما يكون حيازة عرفا، لكن السند غير واضح. ومنها: خبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (من غرس شجرا أو حفر واديا بديا لم يسبقه إليه أحد أو أحيا أرضا ميتة فهي له...) (3). وظهوره من باب كون الأولين في قبال الأحياء، فالمقصود أنه لو عمل عملا في الأرض العامرة أيضا بزيادة الأحياء فالأرض له، ودلالته على الملكية بالحيازة مبنية على أن ذلك من باب المثال. وقد استدل به في تعليق الأصفهاني قدس سره على الملكية بزيادة الأحياء وأنه لا يدل على مملكية الحيازة (4). والظاهر أن ذلك من باب المثال فيمكن التمسك به لمملكية الحيازة أيضا.


(1) الجواهر: ج 38 ص 57. (2) المستدرك: ج 17 ص 111 ح 3 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (3) الوسائل: ج 17 ص 328 الباب 2 من أبواب إحياء الموات. (4) تعليقة المحقق الأصفهاني: ج 1 ص 243.

[ 679 ]

[... ] لكن فيه: أن رجوع ضمير (هي) إلى الأرض غير معلوم بل الظاهر رجوعه إلى الأعم من الأرض الميتة والشجر المغروس ومجرى القناة، لا الأرض الواقع فيها ذلك. ومنها: ما ورد في الصحيح: (وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض أو عملوه فهم أحق بها) (1). وفي الصحيح الاخر عن أبي جعفر عليه السلام: (أيما قوم أحيوا شئ من الأرض أو عمروها فهم أحق بها) (2). فيدل على أن التعمير في العامرة بالأصالة بزيادة الأحياء وتنظيم الأرض والأشجار أيضا مملك، فلابد من إلقاء الخصوصية وأن المقصود بذلك الحيازة. وهذا بخلاف الصحيح الأول المضمر غير المضر إضماره. ومنها: أن الحيازة الخارجية بقصد التملك من المملكات العقلائية بالنسبة إلى ما ليس ملكا لغيره، والعامرة بالأصالة كالموات - في رتبة صرف النظر عن ملكية الأمام عليه السلام - لا تكون ملكا لغيره، فهي مملكة لم يردع عنها الشارع، بل عدم الردع يكشف عن الأعراض والأذن، فافهم وتأمل في تلك الوجوه الخمسة، والعمدة هي الوجهان الأخيران، والله المتعالي هو العالم. ثم إن الحكم بملكية العامرة بالأصالة بالحيازة التي منها التحجير لا ينافي عدم حصول الملكية بتحجير الموات، المبني على الأجماع - كما نقل في الجواهر (3) -


(1) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 1 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (2) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 3 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (1) ج 38 ص 56.

[ 680 ]

[ بشرط أن لا يكون حريما لملك غيره *. ومنها: الاجام. * * ومن الموات: بطون الأودية ورؤوس الجبال. ] المبني ظاهرا على عدم جواز تعطيل الأرض المستفاد من بعض الأخبار، فإن المفروض في المقام كون الأرض عامرة بالأصالة. ويمكن الاستدلال على عدم حصول الملكية في الموات بالتحجير بما في صحيح ابن وهب: (فإن الأرض لله ولمن عمرها) (1) وبقوله صلى الله عليه وآله: (من أحيا أرضا مواتا فهي له) كما في صحيح زرارة (2) الدال على أن المملك هو الأحياء، لا العمل الذي هو شروع في الأحياء ودليل على نية الأحياء، والتحجير من هذا القبيل، فالجمع بينه وبين أدلة الحيازة هو ثبوت ما أمكن من الحق وهو حق الأولوية، فافهم وتأمل. * فإن الحريم عرفي قد نبه عليه الشارع في موارد عديدة، فهو ليس مما لم يسبق إليه أحد حتى يشمله دليل الحيازة. ومن ذلك أطراف البحر الذي قد صار في حيازة قوم، فيكونون محتاجين إليها للركوب والخروج ومحل الأحمال والأثقال. * * أي من أفراد المحياة بالأصالة غالبا الاجام التي من الأرض الملتفة بالأشجار، سواء كانت قصبا أو غير قصب، فما عن الروضة والرياض: (إنها الأرض المملوة من القصب ونحوه) لا ينافي ما ذكروه في اللغة (كما في لسان العرب وعن المصباح المنير والقاموس)، لأن كلمة (نحوه) يشمل جميع الأشجار


(2) الوسائل: ج 17 ص 328 ح 1 من ب 3 من أبواب إحياء الموات. (3) المصدر: ص 327 ح 6 من ب 1.

[ 681 ]

[ ولعل استقلال تلك الثلاثة بالذكر في كتب الفقهاء تبعا للروايات لبعض النكات *. ] وليس خصوص الأشجار كما أنه ليس خصوص الأرض، فما في بعض كتب اللغة من (أنها الشجر الملتف) وفي بعضها الاخر (إنها منبت الشجر) كل ذلك من باب شرح الاسم وتبديل لفظ بلفظ آخر أوضح، والشاهد على ذلك العلم بترادفها للفظة (جنگل) و (بيشه) بالفارسية كما في بعض كتب الأصحاب، مضافا إلى أن الغابة أيضا مرادفة للأجمة كما في اللغة، فلو كان المقصود خصوص الأرض أو خصوص الأشجار فالمجموع المورد للابتلاء - كما في مثل البساتين والروضات والحدائق - لا اسم له وهو مقطوع العدم، فالمجموع للأمام عليه السلام القابل للتملك بالحيازة بالشرط المتقدم. * أما الاجام فلبيان أنه لا تنحصر الأنفال بالموات بل تشمل العامرة بالأصالة. وأما رؤوس الجبال وبطون الأودية فلدفع توهم الملكية بالتبعية أي توهم أنه لو أحدث مثلا شخص قرية في أطراف الجبل فيملك حتى قلته فلا يجوز لغيره التصرف والبناء. وكذا الكلام في بطون الأودية. ثم إن المقصود من بطون الأودية ليس ما في بطن الأرض من المعادن، لورود اللفظين في خبر داود بن فرقد: قلت: وما الأنفال؟ قال: (بطون الأودية ورؤوس الجبال والاجام والمعادن...) (1). بل الظاهر أن المقصود ما ينتهي إليه الجبل من الجانبين، فعن المصباح المنير هو المنفرج بين الجبال أو الاكام يكون منفذ السيل.


(1) الوسائل: ج 6 ص 372 ح 32 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 682 ]

[ وإذا فتحت دار الحرب فما كان لسلطانهم من قطائع وصفايا فهو للأمام عليه السلام *. ] ويدل على كون ذلك من الأنفال - مضافا إلى ما تقدم من صدق الأنفال عليها وأن الأرض وما فيها للأمام وإنما تملك بالحيازة والأحياء والتعمير - غير واحد من الروايات: ففي مرسل حماد المعتبر: (وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والاجام) (1)، وفي صحيح البختري: (وبطون الأودية) (2)، وفي معتبر محمد بن مسلم: (أو بطون أو دية) (3)، وفي المنقول عن المقنعة عن محمد بن مسلم: (وبطون الأودية ورؤوس الجبال) (4)، وفي خبر أبي بصير: (المعادن والاجام) (5)، وفي خبر داود بن فرقد: (بطون الأودية ورؤوس الجبال والاجام) (6). ولا خلاف في ذلك ظاهرا كما في خمس الشيخ الأنصاري (7)، ولم ينقل عن أحد في أصل ذلك خلافا في الجواهر (8). نعم، وقع بعض الخلاف في بعض الفروع الذي لا يهمنا ذكره، لوضوح ذلك عند من يحيط خبرا بما قدمناه وحررناه بحمده وتوفيقه وعنايته. * في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه (9). وفي خمس المامقاني قدس سره نقل ما في عبارة الجواهر - الذي ذكرناه في المتن - من الشيخين وابن حمزة في الوسيلة وسائر من تأخر، وعن المنتهى


(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 364 ح 1. (3) المصدر: ص 368 ح 12. (4) المصدر: ص 371 ح 22. (5) المصدر: ص 372 ح 28. (6) المصدر: ص 372 ح 32. (7) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 354. (8) ج 16 ص 121. (9) الجواهر: ج 16 ص 123.

[ 683 ]

[... ] الأجماع عليه (1). أقول: ويدل عليه مصحح داود بن فرقد، وفيه: (قطائع الملوك كلها للأمام) (2). وعنه أيضا في المرسل: (وقطائع الملوك) (3) إلا أنه في المرسل جعلها من الأنفال بحسب الظاهر. هذا بالنسبة إلى القطائع. وأما الصفايا ففي مرسل حماد المعتبر: (وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأن الغصب كله مردود) (3). وفي موثق سماعة: (أو شئ يكون للملوك فهو خاص للأمام) (4). وفي موثق إسحاق: (وما كان للملوك فهو للأمام) (6). وعن الثمالي: (ما كان للملوك فهو للأمام) (7). فذلك في الجملة مما لا شبهة فيه. ومحل الأشكال والكلام موارد لم تذكر في كلمات الأصحاب أو لم تحرر: منها: ما في الجواهر وغيرها من أن المراد بالقطائع هو الاراضي التي هي ملك


(1) هداية الأنام في حكم أموال الأمام (خمس المامقاني): ص 35. (2) الوسائل: ج 6 ص 366 ح 6 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: ص 372 ح 32. (4) المصدر: ص 365 ح 4. (5) المصدر: 367 ح 8. (6) المصدر: ص 371 ح 2. (5) المصدر: ص 372 ح 31.

[ 684 ]

[... ] للملوك (1). وهو غير واضح، لأن المستفاد من اللغة أن القطائع جمع قطيعة، والمستفاد من موارد استعمال القطيعة أنها هي الأراضي المشتركة التي يحصل فيها نوع اختصاص بالتعيين من ولي الأمر، ففي القاموس: القطيعة: ما يقطع من أرض الخراج، جمعها: قطائع. وقطيعة بغداد: محلة أقطعها المنصور لاناس من أعيان دولته ليسكنوها. وحينئذ قد يحتمل أن يكون المقصود ما أقطعه السلطان من الأراضي التي يؤخذ منها الخراج لنفسه، وقد يحتمل أن يكون الأضافة إلى السلطان في خبري داود بن فرقد هي الأضافة إلى الفاعل أي القطائع التي أقطعها السلطان لبعض الأشخاص أو لقسمة من الجنود، كما ربما يومئ إلى ذلك خبر الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام: سمعته يقول في الملوك الذين يقطعون الناس، قال: (هو من الفئ والأنفال وأشباه ذلك) (2). والاحتمال الثالث أن يكون أعم، باستعمال الأضافة في الأمرين أو في الأضافة الفاعلية أعم من أن يكون لنفسه أو لغيره، وهو الأوفق بالأطلاق والملاك وهو كون ذلك من الأنفال، إذ لا فرق بين ما يقطعه لنفسه أو لغيره. ومنها: أن صريح الجواهر أن الصفايا والقطائع من الأنفال (3). وهو عندي غير معلوم، لأن المراد من الأنفال بحسب الظاهر ليس جميع


(1) الجواهر: ج 16 ص 123. (2) الوسائل: ج 6 ص 372 ح 30 من ب 1 من أبواب الأنفال. (3) الجواهر: ج 16 ص 123.

[ 685 ]

[... ] أموال الأمام بل ما يكون نفلا في قبال الفرائض، وكاد أن يكون ذلك صريح الاية الشريفة يعني قوله تعالى: يسئلونك عن الاءنفال... (1)، فإنه لو كان الأنفال ما كان لله وللرسول فالقضية ضرورية، إلا أن يكون المقصود هو السؤال عن معنى الأنفال، وهو خلاف الظاهر جدا. وليس في رواية داود بن فرقد الصحيحة أن القطائع من الأنفال، والثاني مرسل، والظاهر وحدة الرواية، إلا أن يقال: إن المراد من القطائع هي الأموال التي أخذها السلطان لنفسه أو لغيره فليس مما يبتني عليه اقتصاد مملكته، لأنه ليست بأيديهم بل يأكل منها السلطان أو أعوانه من دون أن يكون اجرة لأعمالهم بل من باب التسلط. وحينئذ يبقى إشكال عد الصفايا من الأنفال وعد مطلق أرض السلطان منها، بناء على كون القطائع من الأنفال، إذ لا فرق بين ملك الأمام وملك سائر الناس في حصول ذلك بالحرب والتعب. والحاصل أن عد الصفايا ومطلق أراضي الملك من الأنفال محل إشكال، فالأشكال في القطائع على ظاهر الأصحاب من وجهين: أحدهما تفسيرها بمطلق الأراضي. ثانيهما عد مطلق ذلك من الأنفال، والأشكال في الصفايا من وجه واحد وهو عدها من الأنفال. وأما على ما ذكرناه في معنى دليل القطائع - ولعله مراد الأصحاب رضوان الله عليهم - فالظاهر تطابقها للغة وكونها من الأنفال، فإنها من الأموال التي يأكل منها اناس بالتسلط والجبر من دون أن تكون اجرة، ولعمري إن ذلك أيضا يؤيد عدم كون القطائع مطلق أراضي الملك حتى المملوك الموروث من أبيه. ومنها: أنه قد يقال: إن ما للأمام لا يختص بالصوافي كما في الجواهر، بل كل


(1) سورة الأنفال: 1.

[ 686 ]

[ إذا لم تكن مغصوبة من مسلم أو معاهد ممن كان محترم المال *. ] ما كان للملك - كما تقدم في بعض الروايات - مما كان المقصود به الاقتناء، نقل ذلك عن المدارك ولكن اختار نفسه اختصاصه بالصفايا، قال: لأنه المنساق من الأخبار السابقة المعاضدة للأصل (1). أقول: إن اخذ بالأطلاق فلا وجه للتقييد بما كان معتادا للاقتناء كما عن المدارك، وإن قيد الأطلاق بما في مرسل حماد المعتبر من قوله: (وله صوافي الملوك) فلا وجه لذلك بل لابد من القول بمقالة سائر الأصحاب، فما في المدارك غير منطبق على الدليل على كلا الفرضين، وأما ما في الجواهر فلم يعلم وجهه. لكن الذي يصل إليه النظر أن يكون المراد ب‍ (ما للملوك) ما يكون نوعا لنوع الملوك خاصة، فالعام مجموعي بحسب النوع - كأن يقال: ألبسة الرجال للرجال وتحرم على النساء - فينطبق على الصوافي بل كان أضيق منها، فيحكم بمطلق الصوافي لمرسل حماد المعتبر، وإلا فلا وجه لانسياق خصوص الصوافي من جملة (ما للملوك فهو للأمام). * كما في الشرائع (2) والجواهر من غير نقل خلاف في ذلك (3)، وهو الذي نقله المامقاني قدس سره عن الشيخين والفاضلين والشهيدين وسائر من تأخر عنهم، وفي المنتهى الأجماع عليه (4). ويدل على ذلك مرسل حماد المعتبر المتقدم (5) صريحا، وهو الذي يدخل في منصرف (ما كان للملوك) ولو لم تكن تلك الأضافة إضافة مالكية، إلا أن


(1 و 3) الجواهر: ج 16 ص 124. (2) ج 1 ص 137. (4) هداية الأنام في حكم أموال الأمام: ص 35. (5) تقدم في ص 682.

[ 687 ]

[... ] المنصرف إليه المالكية، فتأمل. وهذا مما لا إشكال فيه بالنسبة إلى المغصوب من المحترم ماله، إنما الأشكال في ما إذا كان مغصوبا من غير محترم المال، وهو أيضا لا إشكال فيه من حيث عدم رده إلى صاحبه المفروض عدم احترام ماله، فالأمر يدور بين كونه غنيمة للمسلمين أو كونه للأمام. وجه الأول أنه ليس مملوكا له قطعا بل أخذ على وجه الغصب ولو من كافر حربي آخر. ووجه الثاني إطلاق دليل أن (ما كان للملوك فهو للأمام)، إلا أن يشكل في ذلك، فالأشكال يقوى حينئذ من ناحيتين: من ناحية مرسل حماد المعتبر المقيد بكونه على غير وجه الغصب، ومن ناحية عدم شمول سائر الأدلة، فإنه ليس ملكا للملوك حتى يدخل في ملك الأمام عليه السلام. إن قلت: لا بد من حمل ما تقدم على المغصوب من محترم المال، فإن نوع أموال السلاطين غصب من معلوم أو غير معلوم، فلو حمل ما دل على أن (ما للملوك فهو للأمام) على ما يملكه السلطان على النحو الصحيح المشروع لزم حمل ذلك على الفرد النادر. قلت: تبديل الأموال المغصوبة بالمعاملات الذمية - خصوصا مع طول تاريخ السرير للسلاطين - موجب لرفع ذلك الأشكال، فالظاهر حلية نوع أموالهم، إذ ليس نوعها عين أموال الناس. هذا. ويمكن دفع الأشكال بأن المستفاد من التعليل استثناء المغصوب من باب أنه مردود، فكل ماكان غير مردود مما يكون في يد السلطان فهو للأمام، والمفروض غير مردود إلى صاحبه الحربي، وأما المردودية إلى سائر المسلمين من باب الغنيمة فهي غير مرادة أصلا، لأن ماله الحلال أيضا مردود مع قطع النظر عن هذا الحكم، فالتخصيص يتحقق على كل حال.

[ 688 ]

[ وللأمام أن يصطفي من الغنيمة ما شاء *. ] ثم إنه من الواضح أن صيرورة ذلك ملكا لمسلم أسلم بعد ذلك أو صار معاهدا لا يخرجه عن الحكم، فإن أسلم الملك بعد ذلك أو أسلم من كان المال مغصوبا منه بعد ذلك فلا يخرج بذلك عن ملك الأمام كما في الغنائم، وفيها أيضا لابد من الشرط المذكور، كما لا يخفى. ثم إن فائدة هذه الأبحاث - مضافا إلى تعلم أحكام الأسلام الذي فيه بركة ونورانية - يمكن أن تظهر بناء على عموم نيابة الفقيه عن الأمام، ويبحث بعد ذلك عن أنه هل يختار ذلك لنفسه أو للأمام؟. ويمكن أن تظهر بناء على دلالة أخبار حلية الخراج والجوائز على إمضاء ما يحق لسلاطين العدل بالنسبة إلى سلاطين الجور في مقام ترتيب الأثر عليه من جانب شيعة الأئمة عليهم السلام، فلا تغفل. * في الجواهر: عند علمائنا كما في المنتهى (1). ويدل عليه صحيح ربعي عن أبي عبد الله عليه السلام: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس) الحديث (2). وموثق أبي الصباح الكناني وفيه: (لنا الأنفال ولنا صفو المال) (3). وخبر أبي بصير، قال: سألته عن صفو المال، قال: (الأمام يأخذ الجارية الروقة والمركب الفاره والسيف القاطع والدرع قبل أن


(1) الجواهر: ج 16 ص 124. (2) الوسائل: ج 6 ص 356 ح 3 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 373 ح 2 من ب 2 من أبواب الأنفال.

[ 689 ]

[... ] تقسم الغنيمة فهذا صفو المال) (1). وفي مرسل حماد المعتبر: (وللأمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال، صفوها الجارية الفارهة، والدابة الفارهة، والثوب، والمتاع مما يحب أو يشتهي، فذلك له قبل القسمة) (2). بيان: الفارهة من الجارية: المليحة، ومن الدابة: جيد السير. والروقة: الحسناء، يطلق على المذكر والمؤنث والجمع والمفرد كما في المنجد. وفي تعليق مصباح الفقيه عن منتهى الأرب: إن (الفارهة) تقال للبغال والحمير ولا تقال للفرس بل يقال فرس جواد (3). وكيف كان، فما ذكر لا إشكال فيه نصا وفتوى، إنما الأشكال في مواضع: الأول: أنه هل هو من الأنفال؟ فيقال: إن كان مصطلح الفقهاء أن كل ما للأمام - غير النصف من الخمس - أنفال فلا مشاحة في الاصطلاح، لكن ظاهر الاية والرواية غير ذلك، لأن الأنفال لا تقال لما يكون اجرة عمل الناس ويكون نتيجة سعيهم أو منافع ملكهم، وليس الأنفال ما جعله الله تعالى للأمام والرسول زائدا على الخمس، إذ لا معنى حينئذ لقوله تعالى: يسئلونك عن الاءنفال قل الاءنفال لله والرسول (4) فإنه يصير جملة قل الاءنفال لله والرسول من القضايا الضرورية، إلا أن يكون المقصود بالسؤال هو السؤال عن معنى هذا اللفظ، وهذا بعيد من وجوه: منها: عدم معهودية السؤال


(1) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 15 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ص 365 ح 4 من ب 1. (3) مصباح الفقيه: ج 3 ص 153. (4) سورة الأنفال: 1.

[ 690 ]

[... ] اللغوي عنه صلى الله عليه وآله. ومنها: عدم معهودية أن يكون جواب اللغة من جانب الله تعالى. ومنها: عدم وجود اللفظ المذكور في آية اخرى حتى يتحروا في معناه ويسألوه. ومنها: عدم تناسبه لقوله تعالى بعد ذلك: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. ومنها: عدم استقامة اللفظ المعجز لو كانت القضية لفظية بأن يكون المقصود أن معنى لفظ (الأنفال) ذلك، فإنه ليس معنى لفظ الأنفال (لله والرسول) بل (ما كان لله والرسول) فيحتاج إلى تقدير خال عن النكتة، وهو غير مناسب للكلام الألهي، وعلى هذا فليس صفو المال من الأنفال، لأنه مما حصل بالحرب والتعب وإن كان ملكا للأمام كنصف الخمس. وإن قيل: إن الغنائم كلها من الأنفال - بالمعنى الذي ذكر - لأنها ليست اجرة للعمل بل الجهاد أمر يتسارع إليه لله تعالى، فهو مدفوع بأنه خلاف مرتكز العرف، فإن بناءهم على أن الغنيمة من منافع أعمالهم وإن كانت ملكا له تعالى - كمنافع الدار والبساتين - وهكذا كان بناء عرب الجاهلية، مع أنه لو كان كذلك لكانت الغنائم للأمام جميعا، لأنها من الأنفال. وما ذكرناه مطابق لموثق الكناني المتقدم (1) حيث إنه ظاهر في التغاير، وهو الظاهر من مرسل حماد حيث ذكر أولا صفو المال ثم قال عليه السلام بعد ذلك وبعد فرض القسمة والتخميس: (وله بعد الخمس الأنفال) (2). وأما الثمرة فغير ظاهرة بالنسبة إلى عملنا، لكن يمكن أن يكون حكم الأنفال القسمة على اليتامى والمساكين وذي القربى كما ربما يشير إلى ذلك في سورة


(1) في ص 688. (2) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 691 ]

[ وما يغنمه المقاتلون بغير إذن الأمام فهو له *. ] الحشر (1)، وهذا بخلاف مثل صفو المال. الثاني: يتصور كون صفو المال له عليه السلام على وجوه: الأول أن يكون ذلك غير ما يقدر له من سهم المقاتلين، فإنه مقاتل إما بالتسبيب أو بالمباشرة والتسبيب. الثاني أن يكون ذلك زائدا على سهمه. الثالث أن لا يكون له سهم في ذلك غير أخذ صفو المال، إلا أن يكون مقاتلا بالمباشرة ولم يكن في البين صفو المال. ظاهرهم الثاني لكن يحتمل الثالث أيضا. الثالث: في الجواهر عن المدارك: إنه لو كان جميع الغنيمة من الصفو كان له أخذها (2). وفيه: أن الظاهر أو الصريح من صفو المال صفو أموال الغنيمة، لا صفو مطلق الأموال الموجودة في العالم، وإلا ففي كثير من الأوقات لا يكون فيها صفو بالنسبة إلى مطلق الأموال، وحينئذ لا يمكن أن يكون جميع الغنيمة صفوا. الرابع: الظاهر أن الموضوع صفو جميع المال لا صفو كل نوع، فلو كان بعض الغنيمة مقدارا كثيرا من كرباس وكان بعضه أحسن من بعض آخر والأحسن من الكل الجارية أو الجواد أو الدرع يستحق ذلك. وحينئذ فلو كان كل فرد اغتنم من النوع الواحد يكون صفوا بالنسبة إلى الجميع فله أخذ ذلك، كأن يكون لنوع الجارية أفراد يكون كلها حسنا وصفوا بالنسبة إلى مجموع المال، ومقتضى ذلك أن لا يستحق إن لم يكن صفو في المال أصلا بأن كان جميع المال من غير المرغوب أو كان جميعه مرغوبا وصفوا بالنسبة إلى الأموال على وجه العموم، ولابد من التأمل في جميع ذلك. * في الجواهر:


(1) سورة الحشر: 7. (2) الجواهر: ج 16 ص 125.

[ 692 ]

[... ] على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا. وفي التنقيح: نسبته إلى عمل الأصحاب، وفي الروضة: نفي الخلاف عنه، وفي المسالك: إن المعروف من المذهب مضمون المقطوعة - أي مرسل الوراق الاتي إن شاء الله تعالى - لا نعلم فيه مخالفا، وعن الحلي الأجماع عليه، وهو الحجة. ويظهر من النافع أن المحقق توقف في الحكم، بل في المنتهى: قوة قول الشافعي من مساواة المأذون لغير المأذون في الحكم، بل في المدارك: إنه جيد، لأطلاق الاية الشريفة (1). انتهى ملخصا. لكن في خمس الشيخ الأنصاري قدس سره: إن العلامة رجع عما في الخمس في موضعين من كتاب الجهاد بل نسبه في المنتهى إلى علمائنا أجمع (2). أقول: واستدل لذلك بخبر العباس الوراق عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه السلام قال (إذا غزا قوم بغير إذن الأمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للأمام، وإذا غزوا بأمر الأمام فغنموا كان للأمام الخمس) (3).


(1) الجواهر: ج 16 ص 126 و 127. (2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 363. (3) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 16 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 693 ]

[... ] وإشكال الأرسال في الرواية مندفع بعمل الأصحاب به والفتوى على طبقه، خصوصا في قبال إطلاق الاية الشريفة، ولا سيما مع ما تقدم عن الشهيد قدس سره من أن المعروف بين الأصحاب مضمون المقطوعة، لا سيما مع خفاء دلالة الرواية الاتية جدا، ولابد من تقريب دلالته على وجه دقيق ربما غفل عنه مثل الشيخ الأنصاري قدس سره، وإن كان لا يتم دلالته مع ذلك أيضا كما سنوضحه إن شاء الله، مع أن الأرسال من مثل الوراق الموثق (الذي نقل عنه المشايخ - كابن محبوب وسعد وابن عيسى - عن رجل سماه الدال على معرفته له) لعله غير مضر، إنما الأشكال في باقي السند ولا بد من التأمل فيه، إذ لم يعرف حسن بن أحمد بن يسار أو بشار أو الوشاء وأنه هل هو حسن بن بشار أو حسين بن بشار أو هو شخص بالاسم الأول غيرهما، ولم يعرف يعقوب أيضا. وأوكلنا ذلك إلى الاخرين، وذلك لانجبار الضعف - إن كان - بعمل الأصحاب والفتوى على طبقه من غير إنكار واضح إلا من المدارك، وهو شاذ مسبوق بالأجماع والعمل. واستدل أيضا بحسن معاوية أو صحيحه، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: السرية يبعثها الأمام فيصيبون غنائم كيف يقسم؟ قال: (إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الأمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للأمام يجعله حيث أحب) (1).


(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 3 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 694 ]

[... ] وفيه إشكال من وجوه: الأول: اختلال المتن، لأن الباقي بعد إخراج الخمس يصير أربعة أخماس لا ثلاثة أخماس. والجواب عنه بوجوه: الأول: أن نسخ الكافي مختلفة، ففي الكافي المطبوع أخيرا بطهران: (أربعة أخماس)، وينقل عن الكافي المطبوع قبله أنه كذلك أيضا، وفي الوسائل (1) في الباب الحادي والأربعين من جهاد العدو أيضا كذلك، لكن في الوافي والمنقول عن المرآة: (ثلاثة أخماس) من دون احتمال السهو منهما، فإنه في الأول نقل حديثا آخر ظاهرا في أن الخمسين لله وللرسول وللباقي ثلاثة أقسام، ونقل هذا الخبر أيضا وقال: إنهما من الشواذ، وفي المنقول عن الثاني ما يقرب من ذلك وأنه يحتمل الحمل على التقية (2). الثاني: ما ظهر من الأول من احتمال أن يكون المقصود من قوله: (أخرج منها الخمس) أي خمسا لله وخمسا آخر للرسول فيستقيم اللفظ. لكنه خلاف الضرورة، فيحمل على بعض المحامل أو الاشتباه من الكل في ذلك على فرض اتفاق النسخ. الثالث: أن عدم العمل أو وقوع السهو في بعض الجملات لا يوجب رفع اليد عن الباقي، والظاهر هو الاشتباه في النقل من بعض الكتاب، كما أن المظنون في الخبر الاخر الذي في الوافي، قال: سألته عن الغنيمة، فقال: (يخرج منه خمس لله


(1) ج 11 ص 84 ح 1. (2) الوافي: ج 15 ص 126 ومرآة العقول: ج 18 ص 380.

[ 695 ]

[... ] وخمس للرسول، وما بقط قسم بين من قاتل عليه وولي ذلك) (1). أن بعض الرواة سها، ولعله لزيادة التوضيح كرر المعطوف عليه بتخيل أن مقتضى العطف جواز تكرر المعطوف عليه، مع إمكان التوجيه بأن المقصود هو القسمة من الخمس التي لله ولرسوله. وكيف كان، فلا إشكال في المعتبر من تلك الجهة. الثاني أنه: إن كان الاستدلال به للمطلوب بمنطوق الذيل وهو قوله: (وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للأمام) بدعوى (أن المقصود منه مفهوم الصدر أي لم يقاتلوا المشركين بالكيفية المذكورة - أي مع أمير أمره الأمام - إما بعدم القتال بأن أخذوا الغنائم بالصلح من دون القتال أو مع القتال لكن لا على النحو المذكور في الصدر) فهو مدفوع، لأن المفروض في الشقين أن السرية مبعوثة من جانب الأمام، ولأن عدم القتال صريح أو كاد أن يكون صريحا في عدم وقوع القتال، لا في عدم القتال المقيد. وإن كان بلحاظ الشرط المذكور في الصدر وهو قوله: (إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الأمام) فحيث إن مبعوثيتها من قبل الأمام مفروضة فالاشتراط ليس للتخصيص قطعا، فليس له مفهوم كما في خمس الشيخ الأنصاري قدس سره (2)، وهو أيضا مدفوع بأن التقييد بالشرط مع فرض الشرط في الموضوع يكون أظهر في التقييد، لأنه ليس لبيان تحقق الموضوع، فإن الموضوع مفروض. وما ذكره من أنه (ليس للتخصيص قطعا) مدفوع بأن المدعى التخصيص بالنسبة إلى سنخ


(1) الوافي: ج 15 ص 126 ح 3 من باب كيفية قسمة الغنائم. (2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 362.

[ 696 ]

[... ] الحكم لا شخص الحكم الملحوظ في القضية، كما لا يخفى. الثالث: ما وصل إليه النظر من أن المقصود احتمالا أن يكون بصدد بيان أن السرية المبعوثة على قسمين فقسم يكون تعيين الأمير أيضا من جانب الأمام، وقسم يكون من جانب السرية المبعوثة - فهم الذين يعينون أميرا لأنفسهم بإذن الأمام وتفويض اختيار ذلك إليهم - فإن كان الأول فإخراج الخمس وتقسيم الباقي مفوض إليه، ومقتضى المفهوم أنه لو لم يكن كذلك فليس كذلك، ولعله لابد أن يؤتى بالغنائم عند الأمام فيأخذ الخمس ويقسم الباقي، وأما إذا غنموا بغير القتال فالكل للأمام، لأنها حينئذ من الأنفال كما تقدم، وهو إيراد وجيه على الاستدلال به للمطلوب ولا مدفع له. الرابع: أن السؤال عن السرية التي يبعثها الأمام عليه السلام مع عدم مصداق له في عصر الصادق عليه السلام بعيد جدا، فيحتمل أن يكون المقصود بالأمام هو الأعم من العادل وغيره. وهذا الأشكال متوجه على المرسل المتقدم على نحو أخف، لعدم وجوده في السؤال، وأما وجه التوجه فلأن الظاهر أن الألقاء في كلام الأمام عليه السلام بداعي التفهيم للعمل، لا بيان الحكم الذي لا أثر له في الخارج إلا في زمان ظهور الحق. الخامس: أن اصطلاح الأمام في الروايات لم يثبت أنه غير اصطلاح القرآن الذي أطلق فيه الأمام على الهادي والمضل، فهو يكون كالسلطان، فالمقصود أنه إذا كان الغزو بإذن السلطان ففيه الخمس وإلا فالكل للأمام. وهذا الأشكال أيضا مشترك بين الخبرين. والجواب عن ذلك أن قوله: (أخرج منها الخمس لله وللرسول) وقوله: (كان للأمام الخمس) قرينة قطعية على أن المراد هو المعصوم، وذكر ذلك من باب بيان

[ 697 ]

[... ] الحكم الكلي لتعليم الأحكام كما في خبر حماد أيضا المروي عن العبد الصالح عليه السلام (1)، فالاشكالان الأخيران مدفوعان. السادس: مخالفته للقرآن بحيث يلزم التخصيص الكثير في قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ (2) فكما أن تخصيص كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم (3) بزمان ظهور الأمام المعصوم مما لا يوافق عليه العرف كذلك تخصيص إطلاق آية الخمس بالنسبة إلى الغنائم. وهذا أيضا مدفوع بأن المقصود من الغنائم لغة وبمقتضى الروايات: مطلق الفوائد، وإخراج غنائم الحرب بالخصوص ليس من هذا القبيل بالنسبة إلى كثير من الأزمنة. السابع: مخالفة ذلك لمثل حسن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل من أصحابنا في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة، قال: (يؤدي خمسا ويطيب له) (4). وحمله على كونه مأذونا مع تعريف (الرجل) أو حمله على تحليل الباقي خلاف الظاهر خصوصا الأول، ولو كان تحليل فهو أيضا عمومي بالنسبة إلى جميع الأزمنة، لألقاء الخصوصية. الثامن: مخالفته لمكاتبة علي بن مهزيار، وفيها: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام) إلى أن قال: (فالغنائم والفوائد يرحمك الله) إلى...


(1) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) سورة الأنفال: 41. (3) سورة البقرة: 183. (4) الوسائل: ج 6 ص 340 ح 8 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 698 ]

[... ] أن قال: (ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى موالي من أموال الخرمية (1) فقد علمت أن أموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي) (2). والحمل على المخالف كما عن الحدائق لا يخلو عن العجب بعد وجود قوله: (من أموال الخرمية)، وحصول الأذن مخالف لظاهر قوله (فقد علمت) الدال على عدم كونه عليه السلام مسبوقا بذلك بحسب الظاهر، مع أن قوله (ومثل عدو يصطلم) مطلق. التاسع: مخالفته لبعض الأخبار الناصة على أنه في حروب الملك العضوض الجبر هو حق الأمام في غنائمه، ففي المنقول عن تفسير الأمام عن أمير المؤمنين عليهما السلام أنه. (قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: قد علمت يا رسول الله إنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولي على خمسي من السبي والغنائم...) (3). العاشر: مخالفته لما يستفاد منه الطعن على الخلفاء من منعهم الخمس الذي جعل الله لهم، كخبر أبي جميلة عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام، قال: (فرض الله في الخمس نصيبا لال محمد فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم) (4).


(1) أي أصحاب التناسخ والأباحة، كما في القاموس. منه قدس سره. (2) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 385 ح 20 من ب 4 من أبواب الأنفال. (4) الوسائل: ج 6 ص 361 ح 16 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 699 ]

[... ] وغير ذلك. (1) الحادي عشر: مخالفته لأطلاق بعض ما ورد في خصوص غنائم الحرب الذي ليس كإطلاق الاية، كخبر أبي بصير: (كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فإن لنا خمسه، ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شئ حتى يصل إلينا حقنا) (2). بل ذيله كاد أن يكون صريحا في وقوع المقاتلة من دون المراجعة إلى الأمام عليه السلام وتكفلها بالبعث والتأمير. الثاني عشر: مخالفته للأخبار المستفيضة الواردة في الأراضي الخراجية المصرحة بأنها ملك للمسلمين، ومقتضاه أن الكل ملك للأمام عليه السلام. والجواب عن السابع إلى الأخير - المتوجه على التفصيل بين وقوع القتال بإذنه عليه السلام ومن دون إذنه - أن يقال: إن مقتضى الجمع هو حصول الأذن في الحروب الواقعة مع الكفار الموجبة لبسط الأسلام ولو كان بيد الفاسق، والأذن هو الرضا بذلك وليس للأنشاء خصوصية. لكن ينافي ذلك ما ورد من النصوص الدالة على تحريم الجهاد مع غير الأمام المفترض طاعته، ففي خبر سويد بن مسلم القلاء عن بشير الدهان: (إن القتال مع غير الأمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير) (3).


(1) مثل ما في الوسائل: ج 6 ص 357 ح 7 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 5 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 11 ص 32 ح 1 من ب 12 من أبواب جهاد العدو.

[ 700 ]

[... ] وفي خبر يونس المروي في كتب المشايخ الثلاثة قدس سرهم: أن السبيل مع هؤلاء لا يجوز، ويرد السيف والقوس الذي أخذه لذلك (1). فراجع (2). ويمكن الجواب عن ذلك بامور: منها: أن المستفاد من بعض تلك الأخبار أن الاشتراط هو من باب عدم العمل بما قرره الله تعالى من الأحكام في الجهاد، كما يومئ إلى ذلك خبر أبي بصير: (لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفئ أمر الله عز وجل) (3). وفي خبر السمندري في وجه عدم جواز الخروج معهم: (أرأيتك إن خرجت فأسرت رجلا فأعطيته الأمان وجعلت له من العقد ما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله ما كانوا يفون لي به. قال: (فلا تخرج) (4). لكن بذلك لا ينحل ما تقدم من دلالة الدليل على أن في الغنائم الخارجية التي كانت في عصر الأمام عليه السلام الخمس، مضافا إلى عدم دلالة ما ذكر على العلة المنحصرة، ويفهم من البعض ما ذكره ومن البعض الاخر عدم العلم بالمصلحة (سيما إن كان المراد هو العلم بالواقعيات وملاحظة أصلاب الرجال والعواقب الغائبة عن مبادئ العلوم البشرية المنحصر بالأمام) وهذا كما ربما يومئ إلى ذلك قول الصادق عليه السلام على ما في خبر عبد الملك:


(1) الوسائل: ج 11 ص 19 ح 2 من ب 6 من أبواب جهاد العدو. (2) الوسائل: ج 11 الباب 6 و 12 و 13 من أبواب جهاد العدو. (3) الوسائل: ج 11 ص 34 ح 8 من ب 12 من أبواب جهاد العدو. (4) المصدر: ح 7.

[ 701 ]

[ والحرب التي تكون في زمان الغيبة على وجه الدفاع عن النفس أو عن نفوس المسلمين أو عن بيضة الأسلام مأذون فيها من قبل الأمام عليه السلام ففي غنائمها الخمس على الظاهر *. ] (بلى والله إني لأراه - أي الجهاد - ولكني أكره أن أدع علمي إلى جهلهم) (1). ومن بعضها الأعانة على إبطال حقوق إمام الحق، كما في ذيل ما تقدم من خبر أبي بصير: (فإنه إن مات في ذلك المكان كان معينا لعدونا في حبس حقنا والأشاطة بدمائنا) (2). ومنها: إمكان أن يقال: إن الحرام هو الورود في القتال، وإن القتال غير المطابق للشرع غير مأذون فيه، إلا أنه بعد الورود مورد القتال ربما يجب للدفاع عن النفس وبيضة الأسلام، وإن كان يقع حراما بالنهي السابق الساقط، فهو كالخروج عن الدار المغصوبة المعنون في الاصول، أو يقال: إن الأذن حاصل من باب التقية، وهي على ضربين: تقية الشيعة بحيث يتضح عدم مشاركة الشيعة في الجهاد، وذلك موجب للضرر العظيم عليهم من جهات، والتقية بالنسبة إلى غيرهم، فإن حكومة الحكام على أساس الجنود فلو لم يكن بعض الناس راضيا بذلك يكرهونهم عليه. وبهذا وما قبله ينحل الأشكال، والله المتعالي عالم بحقيقة الحال. * في الشرائع والجواهر: وقد تجب المحاربة على وجه الدفع كأن يكون


(1) الوسائل: ج 11 ص 32 ح 2 من ب 12 من أبواب جهاد العدو. (2) الوسائل: ج 11 ص 34 ح 8 من ب 12 من أبواب جهاد العدو.

[ 702 ]

[... ] بين أهل الحرب ويغشاهم عدو يخشى منه على نفسه فيساعدهم دفعا عن نفسه (1) أو يخشى منه على بيضة الأسلام أو كان العدو بصدد الاستيلاء على بلادهم وأسرهم وأخذ أموالهم (2). واستدل في الجواهر (3) بخبر طلحة بن زيد (والخبر معتبر جدا إلى طلحة، وأما طلحة فلم يصرح بوثوقه، لكن القرائن على ذلك امور: منها كونه من مشيخة الفقيه. ومنها نقل عدة من المشايخ عنه فيهم صفوان. ومنها شهادة الشيخ قدس سره بأن كتابه معتمد، وهو دليل عرفا على الوثوق، فإن من لا يوثق به لا وجه للاعتبار بكتابه) وفيه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل دخل أرض الحرب بأمان فغزا القوم الذين دخل عليهم قوم آخرون، قال: (على المسلم أن يمنع نفسه ويقاتل عن حكم الله وحكم رسوله) (4). وفي خبر يونس المروي عن المشايخ الثلاثة قدس سرهم: (وإن خاف على بيضة الأسلام والمسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان، لأن في دروس الأسلام دروس ذكر محمد صلى الله عليه وآله) (5). وعن بعض المصادر: (دروس دين محمد صلى الله عليه وآله). وفي الصحيح: قال أبو عبد الله عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من


(1) الشرائع: ج 1 ص 232. (2 و 3) الجواهر: ج 21 ص 14. (4) الوسائل: ج 11 ص 20 ح 3 من ب 6 من أبواب جهاد العدو. (5) الوسائل: ج 11 ص 19 ح 2 من ب 6 من أبواب جهاد العدو.

[ 703 ]

[ وأما الحرب مع الكفار في غير صورة الدفاع فمقتضى الاحتياط في الغنائم ملاحظة سهمي الأمام عليه السلام والسادة في العشر وملاحظة كونه مال الأمام في الباقي *. ] قتل دون مظلمته فهو شهيد) (1). فإن الظلم من حيث الضرر على الأسلام أعظم، وهو داخل في المظلمة، فيتمسك بمفاد الصحيح وبالأولوية، وبها يتمسك للخوف على نفوس عدة من المسلمين من القتل والأسر. وكيف كان، فلا إشكال في ذلك، فما يظهر من العروة من الاحتياط في جميع أقسام الغنائم في عصر الغيبة (2) مورد للأيراد بل فيه الخمس، لثبوت الأذن من دون إشكال. * وذلك لاحتمال الأذن ولو بعد الورود في ميدان القتال فيكون موردا للخمس، واحتمال عدم الأذن إلى آخر الأمر فيكون الكل للأمام، ولاحتمال التحليل في الصورتين فيكون الكل له، فما في العروة من أن الأحوط إعطاء الخمس مورد للأيراد من وجهين: أحدهما أنه بناء على عدم شمول أخبار التحليل للخمس فكون العشر مما لا بد من إخراجه لا بنحو الاحتياط، وأما بناء عليه فلا بد من الاحتياط في جميع موارد الخمس، إلا أن يدعى أن أخبار التحليل تشمل الأنفال وخمس الغنائم لا مطلق الخمس، ويأتي بمشيئته تعالى الكلام فيه بعد ذلك. ثانيهما أن مقتضى الاحتياط مراعاة حق الأمام في الكل كما عرفت. هذا بحسب الاحتياط. وأما بحسب مقتضى الدليل فيمكن أن يقال: إن ما علم فيه الأذن من باب


(1) الوسائل: ج 11 ص 92 ح 8 من ب 46 من أبواب جهاد العدو. (2) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول، (الأول: الغنائم...).

[ 704 ]

[ ومن الأنفال: أموال من لا وارث له غير الأمام *. ] العلم بكون ترك القتل موجبا للفساد والهلاك أو من باب الدفاع ولو بعد الورود في ميدان القتال أو من باب العلم بكون القتال في عصر الغيبة كالقتال في عصر خلفاء الجور موردا للخمس - كما تقدم - ولو من باب المأذونية من باب الوقوع فيه أو من باب التقية فيقال في ذلك بأداء الخمس، وأما في ما علم عدم الأذن أو شك في ذلك فمقتضى إطلاق ما تقدم من الدليل الدال على حرمة الجهاد مع غير الأمام المفترض طاعته الوارد في مقام بيان عدم المأذونية هو الحرمة، وإن شك في ذلك بعد ثبوت الحرمة قبل الورود في القتال يستصحب ذلك. * في الجواهر: عند علمائنا أجمع، كما في المنتهى (1). وفي إرث الشرائع: وهو [ أي ضامن الجريرة ] أولى من الأمام ويرث معه الزوج والزوجة نصيبهما الأعلى، فإذا عدم الضامن كان الأمام وارث من لا وارث له... فإن كان موجودا فالمال له يصنع به ما يشاء، وكان علي عليه السلام يعطيه فقراء بلده وضعفاء جيرانه (2). انتهى. وفي الجواهر بعد قوله (فإذا عدم الضامن): أو لم يكن له ضامن ولا زوج أو زوجة بناء على الرد عليهما (3). وفي نجاة العباد: التفصيل بين الزوج فيرد باقي المال إليه فلا يرث الأمام،


(1) الجواهر: ج 16 ص 128. (2) الشرائع: ج 4 ص 839. (3) الجواهر: ج 39 ص 260.

[ 705 ]

[... ] بخلاف الزوجة فلا يرد عليها فينقل إلى الأمام عليه السلام (1). والمتحصل من تلك الجهة وجوه ثلاثة راجعة إلى أنه هل يرد الزائد على النصيب الأعلى إلى الزوج أو الزوجة أو لا يرد إليهما أو يرد إلى الزوج دون الزوجة؟ وتحقيق ذلك موكول إلى باب الأرث، والله الموفق. وأما أصل المسألة فقد مر نقل الأجماع في الجواهر عن المنتهى، وفيها في كتاب الأرث دعوى الأجماع بقسميه على ذلك (2). ويدل عليه غير واحد من الأخبار: منها خبر أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يموت ولا وارث له ولا مولى، قال: (هو من أهل هذه الاية: يسئلونك عن الاءنفال (3). ورواه الكليني عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد، كما في الوسائل (4). ورواه الشيخ قدس سره بإسناده إلى الحسين بن سعيد. والجوهري الموجود في السند وإن لم يوثق إلا أن نقل عدة من المشايخ - فيهم ابن أبي عمير وصفوان وحماد - عنه يدل أو يورث الظن القوي بوثوقه. هذا. مع أن الصدوق رواه - من دون زيادة ونقصان كما هو ظاهر الوسائل - بطريق آخر عن أبان بن تغلب. وقد نقله في الوسائل (5) في كتاب الأرث عن الشيخ قدس سره بإسناده - وهو موثق إلى الحسن بن محمد بن سماعة - عن محمد بن زياد (وهو ابن أبي عمير كما شهد بذلك في جامع الرواة، والحسن موثق في لسان


(1) نجاة العباد: المقصد الثاني في الميراث بالسبب، الفصل الرابع " ولاء الامامة ". (2) الجواهر: ج 39 ص 259. (3 و 4) الوسائل: ج 6 ص 369 ح 14 من ب 1 من أبواب الانفال. (5) ج 17 ص 549 ح 8 من ب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والامامة.

[ 706 ]

[... ] النجاشي وممدوح في كلام الشيخ قدس سرهم) مع تغيير في العبارة غير مضر بشئ من المفاد، فراجع. ورواه العياشي كما في الوسائل (1) عن أبان. فمحصل الكلام امور: الأول: نقل المشايخ الثلاثة في كتبهم. الثاني: كل واحد منهم نقله بطريق غير طريق الاخر. الثالث: عدم الاختلاف في المتن إلا في تبديل لفظ الماضي بالمضارع وغير ذلك مما يشبهه. الرابع: الظاهر اعتبار كل من الطرق الثلاثة في نفسه حتى طريق الصدوق المشتمل على أبي علي صاحب الكلل، لنقل صفوان عن أبي أيوب عنه. الخامس: نقل غيرهم الخبر أي العياشي في تفسيره. فالخبر كاد أن يكون مقطوع الصدور، وذلك يكفي في الاستدلال جدا. مضافا إلى أخبار اخر واردة في المسألة، كخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: (من مات وليس له وارث من قرابته ولا مولى عتاقه قد ضمن جريرته فماله من الأنفال) (2). وخبر الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: يسئلونك عن الاءنفال قال: (من مات وليس له مولى فماله من الأنفال) (3). إلى غير ذلك من الروايات. ولا يعارضه خبر معاوية بن عمار: (من أعتق سائبة فليتوال من شاء، وعلى من والى جريرته وله ميراثه، فإن سكت حتى يموت اخذ ميراثه


(1) ج 17 ص 549 ح 8 من ب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والامامة. (2) الوسائل: ج 17 ص 547 ح 1 من ب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة. (3) المصدر: ص 548 ح 3.

[ 707 ]

[... ] فجعل في بيت مال المسلمين إذا لم يكن له ولي) (1). لأنه لا يدل على عدم كونه إجازة من الأمام عليه السلام في ذلك كما يشعر قوله (اخذ فجعل) ولم يقل (هو للمسلمين)، ولا شبهة أن ذلك مما يمكن أن يجيزه الأمام عليه السلام كما ورد في خراج الأراضي الخراجية، فإنه وإن كان ذلك تقوية للجائر إلا أنه موجب لحفظ الأسلام وإصلاح الطرق وأمن البلاد، فهو في قبال عدم الحكومة أصلا - كما هو مسلك الخوارج - مورد للاهتمام، كما يدل على ذلك مطالبة الخراج وأنه كيف يصنع بخراج المسلمين في أخبار الأراضي الخراجية (2). كما أنه لا يعارضه أيضا خبر أبي بصير عنه عليه السلام أيضا: (السائبة ليس لأحد عليها سبيل، فإن والى أحدا فميراثه له وجريرته عليه، وإن لم يوال أحدا فهو لأقرب الناس لمولاه الذي أعتقه) (3). فإنه يمكن الحمل على إنشاء الأذن كما يقول الأب: إن هذا لابني فلان، لا الأخبار عن حكم الله تعالى، كما يمكن أن يكون في مورد موت المعتق الذي له الولاء وكونه سائبة، وعدم ولاء عليه من جهة موت المولى وعدم إرث الولاء كما في نجاة العباد. (4) وحمله على مورد الموت لقوله: (لأقرب الناس لمولاه) المشعر بأن مولاه قد فات وصار سائبة، ولكن المال إن لم يتصرف فيه بالأتلاف أو


(1) الوسائل: ج 17 ص 549 ح 9 من ب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة. (2) راجع الوسائل: ج 11 ح 2 من ب 41 والباب 68 و 71 و 72 من أبواب جهاد (3) الوسائل: ج 17 ص 550 ح 10 من ب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة. (4) راجع نجاة العباد: الفصل الثاني من المقصد الثاني في الميراث.

[ 708 ]

[ وقد عد بعضهم المعادن من الأنفال *. ] بالأرجاع إلى ضامن الجريرة - كما هو المفروض - ينتقل إلى وارث المعتق المنعم كما يظهر من نجاة العباد، (1) أو يكون قوله (لمولاه الذي أعتقه) بدلا عن قوله (لأقرب الناس) فاللام للملكية، فيكون المقصود أن السائبة التي لاولاء لها من جانب معتقه لا مانع له من التوالي مع شخص آخر يضمن جريرته ويتوارثه، وأما إن لم يفعل وكان مولاه المعتق حيا يرجع أمواله إليه. وهذا مخصص لما دل على أن المال للأمام عليه السلام فيخرج تلك الصورة النادرة ولا يكون مخالفا للأخبار إلا بالتخصيص بالفرد النادر، ولعله لا إطلاق في كلمات الأصحاب أيضا يشمل المورد، والله العالم. * ففي الجواهر: إن الأصحاب اختلفوا في المعادن فبعضهم أطلق كونها للأمام كالمفيد وغيره، وبعضهم أطلق كون الناس فيها شرعا سواء كما في النافع والبيان، وبعضهم فصل بين أرضه عليه السلام فالمعادن له وأرض غيره فليست من الأنفال (2). أقول: أما المعادن التي في الموات فلا ينبغي الأشكال في كونها للأمام، سواء كانت من المعادن الموجودة في باطن الأرض أو الظاهرة فيها. وذلك لوجوه: منها: صدق الأنفال عليها. ومنها: آية النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (3) فهو مالك للنفوس


(1) راجع نجاة العباد: الفصل الثاني من المقصد الثاني في الميراث. (2) الجواهر: ج 16 ص 129. (3) سورة الأحزاب: 6.

[ 709 ]

[... ] وللأموال المملوكة للناس فكيف لا يملك المعادن التي في الموات؟! ومنها: أن الموات ملك له فيملك المعادن إن صدق عليها الأرض فتكون مصداقا للأراضي الموات، والموات صادقة على الباطن أيضا، وإن لم تصدق كانت تابعة له، لكون الباطن ملكا له فيصير المعدن الموجود في الباطن كالموجود في الظاهر ملكا له، وهو ملك لله ولرسوله، ولموثق إسحاق بن عمار [ الدال على أن المعادن من الأرض ] قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأنفال، فقال: (هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للأمام، وما كان من الأرض بخربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى فماله من الأنفال) (1). وفي الجواهر عن بعض النسخ: (والمعادن فيها) (2). وعلى ذلك فمرجع الضمير هو الأرض. وعلى كون الصحيح (منها) فيحتمل أن يكون مرجع الضمير هو الأنفال فيكون خبرا للمعادن، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الأرض أيضا - أي المعادن من الأرض التي لا رب لها - فيكون عطفا على (كل أرض لارب لها) بأن يكون الكل عطفا على (هي القرى التي قد خربت) أو عطفا على (ما كان للملوك) أي يكون للأمام. والأقرب رجوع الضمير إلى الأرض، إذ لو كان المقصود أن المعادن للأمام أو من الأنفال كان ذكر


(1) الوسائل: ج 6 ص 371 ح 20 من ب 1 من أبواب الأنفال. (2) الجواهر: ج 16 ص 130.

[ 710 ]

[ والظاهر كونها كذلك، من غير فرق بين الظاهرة والباطنة *. ] (منها) مستدركا بلا وجه في كلام الفصيح ولم يكن وجه لذكره إلا مزيد الأجمال، فالأقرب أن يكون المقصود اختصاص المعادن التي في الموات في هذا الحكم، لا المعادن التي في الأرض المحياة التي للملاك المخصوصة أو للمسلمين. وكيف كان، فالظاهر أو المتيقن هو الحكم بأن المعادن التي في الموات للأمام عليه السلام، وأما وجه ذكر المعادن بالخصوص فلعدم توهم أنها من المباحات الأصلية فإذنها مربوط بالأمام عليه السلام وليس مملوكا لمن كان ملكه قريبا منه من باب الحريم غير ذلك. * ففي الشرائع والجواهر في كتاب إحياء الموات: من فقهائنا (وهو المفيد وسلار بل حكي عن الكليني وشيخه علي بن إبراهيم وعن الشيخ أيضا) من يخص المعادن بالأمام فهي عنده من الأنفال، وعلى هذا لا يملك ما ظهر منها وما بطن إلا بتمليك منه (1). وفي مفتاح الكرامة عن جامع المقاصد: زعم بعض المتأخرين أن المعادن التي في ملكه لا خلاف في أنها له. قال: وليس كما زعم (2). وفي التذكرة: فالظاهرة عند أكثر علمائنا من الأنفال (3). وأما الباطنة ففي الجواهر: إنه لا خلاف ولا إشكال في أنه يجوز للأمام


(1) الشرائع: ج 4 ص 796 والجواهر: ج 38 ص 108. (2) مفتاح الكرامة: ج 7 ص 30. (3) التذكرة: ج 2 ص 403.

[ 711 ]

[... ] إقطاعها قبل أن تملك (1). والمقصود عدم إجماع في البين على عدم كون الظاهرة للأمام، بل تكون من المباحات الأصلية، لما تقدم من الدلائل. خلافا لصاحب الجواهر فرد الموثق بعدم الجابر بل الموهن متحقق، فإن: المشهور نقلا وتحصيلا على أن الناس فيها شرع سواء، بل قيل قد يلوح من كلام المبسوط والسرائر نفي الخلاف فيه، مضافا إلى السيرة المستمرة في الأعصار والأمصار على الأخذ منها بلا إذن، ولقوله تعالى: خلق لكم ما في الاءرض جميعا (2)، ولشدة حاجة الناس إلى بعضها نحو الماء والنار والكلأ، وفي خبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام: (لا يحل منع الملح والنار) (3)، وغير ذلك مما لا يخفى على السارد لأخبارهم يوجب الخروج عن ذلك. (4) انتهى ملخصا. وفيه مواقع للنظر: الأول: قوله (لاجابر له)، وذلك لا عترافه في كتاب الخمس بأنه موثق فلا يحتاج إلى الجابر. الثاني: ما ذكره من نفي الخلاف، فإنه معارض بمثله - كما تقدم - وموهون بما تقدم، مضافا إلى عدم التنافي بين كونه للأمام وكون الناس فيها شرع سواء من (1) الجواهر: ج 38 ص 111. (2) سورة البقرة: 29. (3) الوسائل: ج 17 ص 331 ح 2 من ب 5 من أبواب إحياء الموات. (4) الجواهر: ج 38 ص 108 و 109.

[ 712 ]

[... ] حيث الأحياء أو الحيازة. الثالث: قوله (مضافا إلى السيرة المستمرة)، فإنه ليست السيرة المستمرة إلا كالسيرة المستمرة على التملك بالأحياء والحيازة، كما تقدم بالنسبة إلى الأراضي الموات والمحياة بالأصالة، فإنه أجاز للكل ذلك، بل قد مر سابقا أن الملكية الطولية - وهي كونها له عند فرض عدم تصرف الأمام عليه السلام والأعراض عنها - لا تحتاج إلى شئ سوى الحيازة أو الأحياء. الرابع: قوله: خلق لكم ما في الاءرض جميعا (1)، فإنه لا يدل على إباحة جميع الأشياء لجميع الناس وإلا كان خلاف ضرورة جميع الأديان، بل الظاهر أن المقصود أن ما في الأرض خلق لانتفاع البشر به بأسبابه المشروعة التي منها إذن الأمام ومنها الولاية الألهية له بالنسبة إلى ملكه للموات بل لجميع الأرض، كما تقدم. الخامس: قوله (لشدة حاجة الناس)، فإن الناس أشد احتياجا إلى الحنطة من الملح، وهذا لا يدل على كونهم شرعا سواء من دون الاحتياج إلى إذن الأمام. السادس: الاستدلال بحديث أبي البختري، فإن النار ليست من المعادن بل مما يملكه الناس أكثر مباديه الذي هو الأشجار، وعدم الحلية لا يدل على عدم الملكية فالمنع غير التملك والبيع وأخذ الثمن، كما في عدم حلية احتكار الطعام في زمان الغلاء. السابع: عد الكلأ والماء أيضا في طي ذلك، مع أنه من المعلوم أن الماء والكلأ في الأرض المملوكة لمالكه، ولا فرق بين كون المالك هو الأمام أو غيره.


(1) سورة البقرة: 29.

[ 713 ]

[ وأما ما كان منها في الأرض المحياة المملوكة بالأحياء ففي كونها للأمام أو لصاحب الملك إشكال *. ] والحاصل أن جميع ذلك يحصل بكون ذلك كله للأمام مع الأذن للأحياء والحيازة والأخذ، ومع كون احتياج الناس إلى الأرضين أشد من الاحتياج إلى القير والكبريت والموميا، كما لا يخفى. * في الشرائع: لو أحيا أرضا فظهر فيها معدن ملكه تبعا لها، لأنه من أجزائها (1). وفي الجواهر: بلا خلاف أجده فيه كما عن المبسوط والسرائر، بل قيل: إن ظاهرهما نفي الخلاف بين المسلمين (2). انتهى. أقول: لم أر لذلك دليلا في الأخبار والروايات، والاستشهاد بالتبعية والجزئية الذي في كلمات الأصحاب من دون تعرض لغير ذلك دليل على عدم دليل لفظي يقتضي ذلك. فلا بد من التأمل والدقة في طريقة العقلاء وبنائهم. فنقول: لا شبهة في تبعية المنافع للعين في الجملة، (فإن مالك العين يملك المنافع التي توجد فيها وتستفاد منها، وإلا فلا يعتبر تملك العين بما هي عين مسلوبة المنافع) إنما الأشكال في المعادن من وجهين: الوجه الأول: أن ما يتحقق من المعدن بعد تملك العين فهو كالنباتات التي توجد بعد ذلك، لكن المعدن كان موجودا من قبل حصول التملك بالأحياء فهو كالأشجار التي كانت في الأرض قبل تملكه الأرض، وهذا بخلاف الأشجار التي تغرس أو توجد بنفسها بعد التملك.


(1) الشرائع: ج 4 ص 797. (2) الجواهر: ج 38 ص 113 و 114.

[ 714 ]

[ وقد عد من الأنفال: المفاوز *. ] والوجه الثاني: أن المعدن الواقع تحت الأرض الخارج عن مورد الأحياء لا دليل على تملكه بالأحياء، لعدم ربطه به، من جهة عدم تملكه بنفسه وعدم تملك الأرض التي فيها إذا كان بعيد الفوز. ويمكن الجواب عن الأول بأن إحياء المعدن أو حيازته من منافع الأرض المتجددة بعد التملك عرفا. وعن الثاني بأنه لا شبهة في تبعية الفوق والتحت في الجملة، وليس ذلك في العرف من باب التعبد الخاص بل من باب اعتبار الملكية باعتبار المنافع المعتدة بها احتمالا ومحتملا، فإن كان المعدن خارجا عن دائرة الأحياء لكن كانت الأرض التي فيها المعدن مما يحتمل فيه ذلك عرفا - كأراضي شمال إيران بالنسبة إلى معدن الفحم الحجري - فالظاهر أن اعتبار الملكية مختلف باختلاف الأمكنة والأزمان، وأما المعادن التي في الأراضي المفتوحة عنوة فمقتضى القاعدة أنها ملك للمسلمين. وهو العالم. * كما في الجواهر عن المقنعة. وأورد عليه بأنه لا دليل عليها إن لم ينطبق عليها العناوين السابقة (1). ويشكل بأن المفاوز هي البر الذي فيه مظان الهلكة كما هو المستفاد من اللغة، فهي من الموات فلا وجه للتكرار ولا وجه للترديد بين أن تكون داخلة في الموات أو خارجة عنها. ولكن يمكن دفع ذلك بأنه يتصور مع عدم الماء وكونها مظان الهلكة أن تكون من المحياة أو متعلقة للحيازة بأن يزرع فيها في وقت نزول الغيث أو يجعل فيها طريقا قابلا للترديد أو يستخرج منها معدنا، وحينئذ فتكون من المحياة ولا دليل


(1) الجواهر: ج 16 ص 131.

[ 715 ]

[ وقد عد من الأنفال: البحار *. ] على كونها من الأنفال بصرف أن تكون من الأراضي التي لا تكون فيها الماء وتكون مظان للهلكة، فافهم وتأمل. * كما في المقنعة (1). ويدل عليه صحيح حفص بن البختري المروي عنه بغير واحد من الطرق عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن جبرئيل كرى برجله خمسة أنهار: لسان الماء (2) يتبعه الفرات، ودجلة، ونيل مصر، ومهران، ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللأمام، والبحر المطيف بالدنيا) (3). ولا إشكال في دلالته، إذ لا خصوصية للبحر المطيف بالدنيا. ويحتمل أن يكون المقصود: كل بحر يكون في الدنيا أي البحار المطيفة بالدنيا في الشرق والغرب. وأما فقه الحديث، فلعل المقصود من أن جبرئيل كرى برجله - أي حفر الأنهار المذكورة - أنه ليس الحفر بإحياء الناس حتى يملكوا النهر وإنما ذلك بالأسباب الألهية غير المربوطة بأيدي الأنسان، والملك يتعلق بكل جسم ويوجد لكل جسم صالح لأدارته فيفعل ما يناسبه بإذنه تعالى. ولعل المقصود من (لسان الماء) أنه أخرج ابتداء الماء ثم حفر نهره من الفرات وغيره، أو حفره ولسان الماء


(1) ص 278. (2) في الوافي (ج 10 ص 288): (ولسان الماء) بزيادة الواو. (3) الوسائل: ج 6 ص 370 ح 18 من ب 1 من أبواب الأنفال. وفي الفقيه - ج 2 ص 45 ح 20 -: (وهو أفسيكون)، فالظاهر أنه تفسير من الصدوق قدس سره.

[ 716 ]

[... ] يتبعه أي يجري الماء عقيب حفره، أو يكون الفرات أوله لسان الماء ثم يكون اسمه الفرات. ويحتمل أن يكون الموصول في قوله (فما سقت أو سقي منها) هو الماء أي الماء الذي سقت الأنهار منه أو سقى منها، وإلا كان مشكلا من باب ثبوت ملكية الغير بالأحياء وحيازة الماء في نهر واستقاء أرض موات به وإن كانت الأرض والماء كلهما للأمام، ولكن الظاهر أن الحديث في مقام بيان ما يختص بالأمام بحيث لا يكون غيره مالكا ولو في الرتبة المتأخرة، كما بيناه مرارا. هذا، مضافا إلى صدق الأنفال وعموم تملك الناس للأرض وما فيها ودلالة الاية الشريفة (1) على أولوية النبي صلى الله عليه وآله بالمؤمنين من أنفسهم. و ينافي ذلك التملك بالحيازة والأحياء في رتبة إعراض الأمام عن التصرف فيها. وأما الاستدلال برواية يونس أو المعلى (2) فضعيف من وجوه، لأن سنده ضعيف من وجوه لا تخفى. وأما الاستدلال برواية مسمع بن عبد الملك، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك، وأعرض لها وهي حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال: (ومالنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس؟! يا أبا سيار، الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا) قال:


(1) سورة الأحزاب: 6. (2) الوسائل: ج 6 ص 384 ح 17 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 717 ]

[... ] قلت له: أنا أحمل إليك المال كله؟ فقال لي: (يا أبا سيار قد طيبناه لك وحللناك منه فضم إليك مالك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة) (1). وفي المتن إشكال من وجوه: منها: ظهوره في تحليل الخمس للشيعة إلى قيام القائم، وهو مخالف لأخبار كثيرة ربما بلغت حد التواتر بضم روايات أخذ الخمس من الناحية المقدسة (2). ومنها: ظهوره في كون كسب غير الشيعة في الأرض حراما، وهو مخالف لما ورد في خصوص الكفار من أن من أحيا أرضا ميتة فهي له (3). ومنها: أنه مخالف لوجوب الخمس على الذمي إذا اشترى أرضا من المسلم الظاهر في حلية الباقي له، فيحتمل كون اللام في الأرض هو العهد أي أرض البحرين، كما يظهر مما رواه الكليني من قوله: (إني كنت وليت البحرين الغوص) (4). وأرض البحرين من الأنفال على ما صرح به الموثق، وفيه: (ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب) (5).


(1) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 12 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) راجع الوسائل: ج 6 ص 375 الباب 3 من أبواب الأنفال. (3) راجع الوسائل: ج 17 ص 330 ح 1 من ب 4 من أبواب إحياء الموات. (4) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 12 من ب 4 من أبواب الأنفال. (5) المصدر: ص 367 ح 8 من ب 1.

[ 718 ]

[ مسألة: لو جعل شئ للمشاهد المقدسة للتزين - كالسلاح والجواهر - فالظاهر أنه وقف عليها، ويحصل ذلك بوضعه فيها، ولا يحتاج إلى قبول الحاكم ولا المتولي ] مع أنه لو كان مطلق الأرض حراما على غير الشيعة فلا فائدة في الأخراج من تلك الأرض، لأنهم لا بد من أن ينتفعوا من الأرض بالسكونة وغيرها، فتأمل. هذا. مع عدم اعتبار السند، لأن عمر بن يزيد مشترك بين الموثق وغيره، ولم يثبت كون حسن بن محبوب من أصحاب الأجماع، لأن الحسن مردد بينه وبين ابن فضال، وقيل مكانهما فضالة بن أيوب، لكن أصل المسألة خال عن الأشكال أي كون البحار للأمام عليه السلام وإن لم يذكرها الأكثر. * كما صرح بذلك في المنهاجين. والمسألة مبنية على فروع ثلاثة: الأول: عدم احتياج أصل الوقف إلى القبول، وقد صرح بذلك الفقيه الطباطبائي في ملحقاته، واختار أن الوقف مطلقا لا يحتاج إلى القبول، لأطلاق أدلة الوقف، ولخلو الروايات المبينة لوقف الأئمة عليهم السلام عن ذلك، ولأنه لو احتاج إلى القبول لما كان وجه لصحة الوقف على الطبقات المعدومة بالفعل (1). أقول: على فرض الأشكال في الوقوف المشتملة على التمليك أو لجعل الحق على الأشخاص فعدم الاحتياج إلى القبول في المبحوث عنه الذي ليس تصرفا في سلطنة شخص بل يجعل زينة واعتبارا للمشهد الشريف لعله واضح، لما ذكر، ولعدم توهم منافاته لتسلط الناس على أموالهم وأنفسهم، بل مقتضى الأطلاق جوازه للمالك. الثاني: صحة الوقف المعاطاتي، وهي أيضا في مثل المساجد والمشاهد وما يتعلق بها واضحة، لقيام السيرة، مضافا إلى أنها على طبق القاعدة، وقد ذكر ذلك


(1) ملحقات العروة: ج 1 ص 185، المسألة 2.

[ 719 ]

[ وأما المشكوك ففيه إشكال وإن كان لا يبعد الجواز في صورة عدم المزاحمة *. ] أيضا في الملحقات (1). الثالث: حصول القبض بالجعل والوضع في الموضع المعد له، وهو أيضا صحيح، لأن العناوين الموجودة في الأخبار كالتسليم والحيازة وأمثالهما تحصل بذلك إن فرض اشتراط القبض في الوقف على العناوين العامة - وإن أشكل فيه صاحب العروة قدس سره في ملحقاته (2) - فالظاهر أن حصول الوقف وتنجزه بذلك لا إشكال فيه. * أي الشك في الأطلاق والتقييد وأنه هل ذلك وقف لمطلق البيوتات المتعلقة بالمرقد الشريف أو البيت الذي فيه المرقد بنحو الأطلاق والتقييد أو بنحو العام والخاص؟ وأنه هل هو وقف على الحرم الشريف أو على كل مكان متعلق بالمدفن المبارك؟ المشهور بين من تعرض للمسألة - كصاحب العروة والمنهاجين والتحرير - هو الاقتصار على القدر المتيقن. وفي الملحقات عن المحقق القمي قدس سره: إجراء أصالة الحل. ورده بأن الأصل في الأموال هو الحرمة (3). أقول: العمدة في المقام استصحاب عدم وجود الوقف الشامل للمورد المشكوك. ولا يعارض باستصحاب عدم تحقق الوقف المتعلق بالمقيد، لأنه لا يثبت تعلقه بنحو يشمل المشكوك حتى يتعارض الأصل المذكور. وليس المستصحب عدم شمول الوقف المتحقق المفروض للمشكوك حتى يقال: إنه ليس له حالة سابقة إلا بعدم الموضوع، لأن الأثر مترتب على وجود الوقف الشامل


(1) ج 1 ص 185، المسألة 1. (2) ج 1 ص 190، المسألة 8. (3) ملحقات العروة: ج 1 ص 272، المسألة 66.

[ 720 ]

[... ] وعدم وجوده، ولا دخالة لكيفية الوقف المتحقق في ذلك، وهو وإن لم يكف بنفسه لعدم جواز التصرف - إذ المال المعرض عنه مما لم يتحقق بالنسبة إليه الوقف الشامل - إلا أنه بضم العلم بالوقفية يثبت عدم الجواز، فالموضوع لعدم الجواز: الوقف الذي لم يتعلق به الوقف الشامل للمشكوك. ويمكن الجواب عن ذلك بأن عدم الوقف الشامل لا يدل على عدم الجواز، فإن عدم الشمول لا يقتضي إلا عدم جعل الجواز للمشكوك وجعل الجواز للمتيقن، فلا ينافي الجواز للمشكوك، فيشك في ذلك من جهة التقييد وشرط الاختصاص وعدم جواز تصرف الغير، وفي مثل ذلك تجري أصالة الأباحة فيحكم بجواز تبديل فرش الحرم المقدس بالرواق، لعدم الدليل على عدم الجواز. نعم، لو كان المتولي للحرم غير المتولي للرواق ومتولي الحرم الشريف لا يجيز تبديل الفرش لا يجوز ذلك. ويمكن أن يقال أيضا في صورة دوران الأمر بين المطلق والمقيد - لا العام والخاص -: إن استصحاب عدم القيد إلى حال الأنشاء بضم بناء العقلاء على كونه في مقام البيان يحرز موضوع الحجة وأن متعلق الوقف مطلق، وهو حجة على الأطلاق، فالأثر الشرعي المثبت في الاستصحاب في المفروض هو الحجة التي تكون من المجعولات التي تصل إليها يد الجعل وضعا ورفعا، وأما في مورد العام والخاص فيجري الجواب الأول كما لا يخفى، فيرجع إلى أصالة الحلية. إن قلت: إن أصالة الحلية محكومة باستصحاب عدم الجواز حين كونه ملكا للواقف. قلت: المجعول الشرعي المتيقن في السابق هو اشتراط التصرف بإحراز رضا المالك، والمنتزع منه قضية فعلية وهي عدم الجواز من دون إحراز الرضا من

[ 721 ]

[ مسألة: لو جعل ملك وقفا على أن يصرف منافعه في رضا الأمام عليه السلام فالظاهر صحته وعدم احتياجه إلى القبول وحصول قبضه ] جانب المالك، فإن كان المستصحب هو اشتراط الجواز بالأحراز (وهو له فردان: أحدهما مقطوع الانتفاء وهو اشتراط الجواز بإحراز رضا المالك، ومشكوك الحدوث وهو الاشتراط بإحراز التعميم) فهو من قبيل الاستصحاب القسم الثالث من الكلي، ومقتضى استصحاب عدم الفرد المشكوك: عدم الكلي، وإن كان المستصحب هو عدم جواز التصرف خارجا فعدم جواز التصرف من باب الاشتراط بإحراز رضا المالك غير عدم الجواز من باب الاشتراط بإحراز التعميم، لأن نسبة عدم الجواز إلى التصرف الخارجي في المتيقن من باب تعلق الحرمة بصورة ذهنية غير الصورة الذهنية في عدم الجواز في القضية المشكوكة، فهو أيضا من باب القسم الثالث من الكلي. وإن أبيت عن ذلك وكان عدم الجواز المتيقن والمشكوك فردا واحدا فيقال: إن قسمة المعلول بلزوم إحراز التعميم من ناحية الوقف مشكوكة ومقتضى الاستصحاب: العدم، وله أثر شرعي، أي خصوصية كونه من باب عدم إحراز كيفية الوقف، لأن رفعه بإحراز كيفية الوقف. وإن أبيت عن ذلك فإن الأصل عدم الشرطية الاخرى، أي لا يكون الجواز في الوقف متوقفا على إحراز التعميم في الوقف بل يكفي الشك، لأن المتيقن من بناء العقلاء هو صورة كون الملك لمالك خاص وشك في الرضا. هذا كله في صورة كون مفاد الوقف هو صرف التصرف ولم يكن يد تقتضي الاختصاص، فلو كان مفاد الوقف هو الصرف والتمليك، كما أنه جعل منافع ملك إما للعلماء الفقهاء أو لمطلق علماء المذهب فالأصل عدم حصول الملكية للمشكوك، كما أنه لو كان في يد المتيقن لا يجوز الصرف في غيره، كما في التربة التي تجعل لمسجد من المساجد فلا تنقل إلى المسجد الاخر، كما لا يخفى.

[ 722 ]

[ بالصرف فيه ولو مرة واحدة *. ولكن الأحوط جعل التولية لنفسه أو للغير وقبول المتولي وقبضه. والأحوط أن يكون تشخيص رضا الأمام عليه السلام بالمراجعة إلى الحاكم الشرعي * *. ولو جعل وقفا لما يرجع مصلحته إليه عليه السلام فالأحوط كما في سابقه قبض المتولي، لكن لا يرجع إلى الفقيه بل يصرف في رضاه أو في الصدقات عنه عليه السلام أو في النيابات عنه * * *. ولو جعل وقفا على أن يكون منافعه ملكا له عليه السلام ففي صحته من دون الاحتياج إلى قبوله إشكال * * * *. ] * لما تقدم من عدم قيام دليل على الاحتياج إلى القبول في ما لا يتضمن التمليك أصلا، وأما حصول القبض بالصرف فيه ولو مرة واحدة فلصدق التسليم بذلك، كما في المسجد والمقابر. * * لأنه يمكن أن يكون ذلك من الموضوعات المستنبطة فيكون فتواه حجة عليه ولو لم يقطع بذلك ولا يكتفي بظنه. * * * وذلك لوضوح المصرف وأن الصدقة عنه عليه السلام أو الصرف في النيابة عنه في العبادات من الحج والزيارات يرجع نفعه إليه، ولا يلزم ملاحظة الأهم فالأهم. * * * * وجه الأشكال أن حصول الملكية لشخص من دون إعمال سلطنة منه خلاف قاعدة التسلط على الأنفس، ومن جهة عدم الدليل على صحة الوقف بتلك الكيفية. وذلك مدفوع بإطلاق (الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها) (1) كما لا يخفى. وأما مخالفته لقاعدة السلطنة فمدفوعة بأنه إذا كانت الملكية قابلة


(1) الوسائل: ج 13 ص 295 ح 1 من ب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات

[ 723 ]

[ ولو جعل على أن يملكه منافعه فأشكل *. ويمكن القول بالجواز في الكل، لكن الأحوط أن يكون على الوجه الثالث، وأحوط منه أن يجعل على الوجه الثاني مع جعل التولية وقبول المتولي * *. مسألة: الأموال التي تجعل للصرف في جهة من الجهات - كالصرف في المشاهد المشرفة وتأمين ما تحتاج إليه أو الصرف في تعميرها أو بناء المساجد أو تعميرها - أو تجعل للصرف في مصرف شخص فقير أو عالم أو صغير لله تعالى وابتغاء لمرضاة الله وتعطى لمتولي الصرف كالمتولي المشروع للمسجد أو المشهد أو المتولي لأمر اليتيم - كالجد أو القيم الشرعي - فالظاهر صحته * * * ] للأعراض عنها حدوثا وبقاء فلا ينافي السلطنة، كما في جعل الخيار في البيع لثالث من دون اطلاعه. * من حيث عدم إمكان العمل بالوقف، لعدم دليل على نيابة الفقيه عنه في القبول إذا ملكه شخص مالا، إلا أن يقال بكفاية القبول من جانبه مع العلم بالرضا في التمليك المحاباتي، لصدق الهبة وعدم منافاته للسلطنة على النفس، كما تقدم. * * وقد ظهر وجه الاحتياط. * * * أما الصحة فلأنها مقتضى قاعدة السلطنة التي عليها بناء العقلاء في أموالهم، فإن مقتضى الملكية نفوذ جميع تصرفاته الاعتبارية ما لم يزاحمها سلطنة اخرى. ويدل عليه (الناس مسلطون على أموالهم) المروي في البحار عن عوالي اللالئ (1)، وعموم وجوب الوفاء بالعقود (2)، وما ورد من أن (الصلح جائز بين


(1) البحار: ج 2 ص 272 ح 7 من ب 32 من أبواب كتاب العلم عن عوالي اللالئ: ج 1 ص 222 ح 99 من الفصل التاسع وص 457 ح 198 من المسلك الثالث. (2) سورة المائدة: 1.

[ 724 ]

[... ] الناس) الوارد في صحيح البختري (1)، وما ورد من لزوم الصدقة وصحتها، مثل صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (لا يرجع في الصدقة إذا ابتغي بها وجه الله عز وجل) (2). وغير ذلك من الروايات (3)، لصدق الصدقة على ذلك، سواء كان مفادها الأعراض والجعل في المصرف الخاص أو كان مفادها تمليكا للمصرف. وعلى فرض عدم صدق الصدقة يمكن التمسك بالتعليل الشامل لغير صورة التمليك أيضا، كخبر حكم - الذي هو ابن أبي عقيل على الظاهر - وفيه: (إنما الصدقة لله عز وجل، فما جعل لله عز وجل فلا رجعة له فيه) (4). فإن الظاهر أن الجملة الثانية بمنزلة الكبرى للاولى، وهي بمنزلة التعليل، ومفادها الأعم من التمليك، لأن مفادها الجعل لله تعالى، وكذا الصحيح عن طلحة الذي له كتاب معتمد، وهو يدل على الاعتماد عليه، وفيه: (من تصدق بصدقة ثم ردت عليه فلا يأكلها، لأنه لا شريك لله عز وجل في شئ مما جعل له إنما هو بمنزلة العتاقة) (5). (1) الوسائل: ج 13 ص 164 ح 1 من ب 3 من أبواب أحكام الصلح. (2) المصدر: ص 317 ح 7 من ب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات. (3) المصدر: ص 315 الباب 11. (4) المصدر: ص 316 ح 1 من ب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات. (5) الوسائل: ج 13 ص 316 ح 3 من ب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات.

[ 725 ]

[ ولزومه *. وأما إذا لم يقصد بذلك القربة إليه تعالى ففي جواز الرجوع وعدمه وجهان * *، ] والحاصل أن أخبار الصدقة شاملة للأعراض لله تعالى بلا شبهة، والشاهد على ذلك أن إطلاق الصدقة على الوقف في الأخبار الواردة في أوقاف الأئمة عليهم السلام كثير جدا بل لم أجد فيها كلمة الوقف على ما هو بالبال، مع أنه يمكن أن يكون ذلك تمليكا، إذ لا حقيقة للتمليك إلا الجعل للمالك، مع أنه لولا التمليك ولا صدق عنوان الصدقة يمكن الحكم بالصحة واللزوم من حيث التعليل المتقدم. * فإن وجوب الوفاء بالعقود ودليل لزوم الصدقة عنوانا وتعليلا واستصحاب بقاء الاعتبار الحادث وعدم رجوعه إلى المالك الأول بالفسخ كل ذلك دال على اللزوم. * * وجه الجواز صدق الهبة والنحلة عليه، وقد ورد أنه يجوز الرجوع إليها في غير المعوضة وغير ذي الرحم، ففي الصحيح المعتبر جدا: (الهبة والنحلة يرجع فيها صاحبها إن شاء، حيزت أو لم تحز، إلا لذي رحم فإنه لا يرجع فيها) (1). فإنه يقال أولا: إنه هبة. وثانيا: على فرض الشك في صدق الهبة على الأعراض للصرف أو التمليك للصرف فإذا جاز الرجوع في الهبة التي يكون لها مالك شخصي فما ليس له مالك شخصي أولى بالجواز. ووجه عدم الجواز: عدم صدق الهبة عليه أو الترديد في ذلك، ومنع الأولوية، من جهة أن التمليك على الصرف إقدام على الأتلاف فكأنه لا يريد الرجوع، بخلاف تمليك العين الموجودة، فإن الأعراض عنه أضعف.


(2) الوسائل: ج 13 ص 338 ح 2 من ب 6 من أبواب الهبات.

[ 726 ]

[ والأحوط عدم الرجوع. هذا مادام الحياة، وأما بعدها فلا رجوع، لأنه لا يورث ذلك *. هذا كله في صورة القبض والقبول. وهل يشترط في الصدقة والهبة - مطلقا - وفي مورد الكلام الأيجاب والقبول اللفظيان أم لا؟ الظاهر العدم، بل هو مقطوع في الصدقة * *. ] والأنصاف عدم الاطمينان بأحد الطرفين. * كما ظهر وجهه في آخر التعليق المتقدم. * * قال قدس سره في الجواهر في باب الصدقة بعد قول المحقق قدس سره (وأما الصدقة فهي عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول) (1): بلا خلاف أجده، بل عن بعض الكتب الأجماع عليه، لكن في الرياض: كفاية الفعل وفاقا لبعض أصحابنا خلافا لجماعة - إلى أن قال في الجواهر: - يحتمل دعوى أعمية الصدقة من العقد، ضرورة صدقها على الأبراء المتقرب به إليه تعالى وعلى بذل الطعام والماء ونحوهما للفقراء، ولقد كان علي بن الحسين عليهما السلام يتصدق على الفقراء في السر (2) على وجه لا يحصل فيه معنى العقدية التي هي الارتباط (3). وقال السيد الطباطبائي قدس سره في ملحقات العروة: لا إشارة في شئ من الأخبار على اعتبار اللفظ فيها، فما أدري من أين اشترطوا فيها الأيجاب والقبول؟ (4). انتهى ملخصا.


(1) الشرائع: ج 2 ص 454. (2) الوسائل: ج 6 ص 276 ح 8 من ب 13 من أبواب الصدقة. (3) الجواهر: ج 28 ص 124 و 125. (4) ملحقات العروة: ج 1 ص 274.

[ 727 ]

[ بقي الكلام في اعتبار القبول والقبض، أما الأول فهو صريح عبائر الأصحاب *. ويمكن أن يقال: يكفي في الصدقة والهبة أحد الأمرين من القبض أو القبول اللفظي * *. ] أقول: أما عدم اشتراط اللفظ فبعد التدبر لعله من الضروريات، وذلك للسيرة القطعية بين المسلمين في إعطاء الخبز والطعام وغير ذلك، ولا يخطر ببال أحد أنه لا بد من الأيجاب والقبول، ولخلو الأخبار الكثيرة الواردة في إنفاقات المعصومين عليهم السلام من النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام الذي تصدق بخاتمه في الركوع، ومن المعلوم عدم اشتماله على الأيجاب والقبول اللفظيين، كما هو واضح لا يعتريه شك. لكن الأنصاف أن كلمات الأصحاب ليست صريحة في ذلك، بل لعل المقصود هو الاحتياج إليهما على النحو الأعم من اللفظي والفعلي. * كما تقدم، ولعل الوجه فيه أن لزوم الصدقة أو صحتها وكذا الهبة من دون القبول خلاف تسلط المتهب على نفسه، والناس مسلطون على أموالهم فكيف بأنفسهم، وأنفسهم أموالهم أيضا. والجواب عنه بوجهين: أحدهما أنه إذا تمكن المتهب - من الشخص أو متولي المصرف - من الأعراض عن ذلك حدوثا وبقاء فلا ينافي التسلط. ثانيهما أن الأعراض والجعل للمصرف أو تمليك المصرف لا ينافي تسلط الشخص وليس تصرفا في سلطان الشخص، ولذا صرح صاحب العروة قدس سره في ملحقاته بعدم احتياج الصدقة إلى القبول (1). * * أما الاولى فلأن الأخبار مختلفة، فبعضها دال على صحة الصدقة في


(1) ملحقات العروة: ج 1 ص 274.

[ 728 ]

[... ] فرض عدم القبض، وهو صحيح علي بن جعفر: وسألته عن الرجل يتصدق على الرجل بجارية هل يحل فرجها ما لم يدفعها إلى الذي تصدق بها عليه؟ قال: (إذا تصدق بها حرمت عليه) (1). وبعضها دال على البطلان في صورة عدم القبض، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: أنه قال في الرجل يتصدق على ولده وقد أدركوا: (إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز، لأن والده هو الذي يلي أمره...) (2). ولا يخفى أن مثل الصحيح الأول صريح في الصحة في صورة عدم القبض مع وقوع القبول، لأنه القدر المتيقن من دلالته، مضافا إلى أن الحكم بالحرمة على فرض وقوع التصدق في غير الوقف غير المحتاج إلى القبول غير معلوم الصدق، لأنه غير معلوم أنه تصدق بها عليه من دون إعطاء ولا قبول. ومثل الصحيح الثاني صريح في صورة عدم القبض والقبول، فنحكم بالصحة في صورة القبول وعدم القبض، للصحيح الأول، ونحكم بالبطلان في صورة عدم القبض وعدم القبول اللفظي، فلا بد أن يقال بأن القبض من دون القبول اللفظي كاف، إذ لو كان القبول من دون القبض كافيا - لصحيح علي بن جعفر - والخالي عن القبض والقبول باطلا والخالي عن القبول أيضا باطلا كان الاعتبار بالقبض لغوا صرفا، فمقتضى الجمع


(1) الوسائل: ج 13 ص 320 ح 2 من ب 14 من أبواب الوقوف والصدقات. (2) الوسائل: ج 13 ص 297 ح 1 من ب 4 من أبواب الوقوف والصدقات.

[ 729 ]

[... ] كفاية أحد الأمرين. والانصاف أن ذلك لا يوجب خلاف ظاهر معتد به في مثل صحيح محمد بن مسلم، إذ الغالب في الخارج وقوع التصدق من دون القبول اللفظي، والقبول اللفظي ليس متعارفا، مضافا إلى عدم ذكره في مقام السؤال وعدم أخذه في موضوع الحكم، خصوصا بملاحظة أن القبض في العرف يعتبر من باب أنه قبول عرفي واعتباره تعبدا خلاف الارتكاز العرفي، وعلى فرض الشك يقال بأن مقتضى صحة العقود ولزوم الوفاء به هو صحة العقد المركب من الأيجاب والقبول الأعم من الفعليين أو القوليين. هذا بالنسبة إلى الصدقة، وبالنسبة إلى الهبة فالأخبار مختلفة، فبعضها يدل على اعتبار القبض، كموثق داود بن حصين: (الهبة والنحلة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها - قال: - هي ميراث...) (1). وبعضها يدل على صحة الهبة بدون القبض، قال أبو عبد الله عليه السلام: (الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض، قسمت أو لم تقسم، والنحل لا يجوز حتى تقبض) (2). وكذا رواية أبي مريم: (إذا تصدق الرجل بصدقة أو هبة قبضها صاحبها أو لم يقبضها علمت أو لم تعلم فهي جائزة) (3). والتقريب ما تقدم في الصدقة. والمقصود من (علمت أو لم تعلم) الظاهر أنه أشهدت على ذلك أو لم تشهد على ذلك، وعلى فرض الشك فمقتضى عموم صحة


(1) الوسائل: ج 13 ص 335 ح 5 من ب 4 من أبواب الهبات. (2) المصدر: ح 4. (3) المصدر: ح 2.

[ 730 ]

[ مسألة: المال المعطى للصرف في وجوه الخير إن تعذر صرفه فيه فمقتضى القاعدة هو الصرف في غيره من سبل الخير *. وإن شك بعد الوقوع في يد المصرف يمكن أن يقال: إنه يحكم أنه له * *. مسألة: لعل الظاهر أن الأحياء والحيازة يوجبان الملكية لمن ] المعاملة التامة بالأيجاب والقبول الفعليين أو اللفظيين هو الصحة. والله العالم * لأنه إن كان من باب الأعراض فليس الأعراض مشروطا بالصرف بالشرط المقارن - لأنه لا محل للأعراض بعد الصرف - ولا بالشرط المتأخر، فإن الأعراض للصرف، وليس الصرف دخيلا في الأعراض عرفا، مضافا إلى أن الشرط المتأخر خلاف الارتكاز العرفي، فالظاهر بل المقطوع أن الأعراض له تعالى وقع مطلقا بداعي الصرف في المصرف المعين، ولا يمكن الرجوع عن هذا الأعراض أو حيازته، لأن الأعراض وقع له تعالى فلا يمكن الرجوع فيه بمقتضى ما تقدم من الأخبار، وإن كان من باب التمليك للمصرف فالتمليك قد وقع، ولا دليل للرجوع إلى المالك الأول، بل الدليل يدل على عدم الرجوع في ما اعطي له تعالى (1). * * لقاعدة اليد، فإن موثق يونس بن يعقوب: في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة، قال: (ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له) (2).


مع أن كثيرا من مختصات النساء منتقلة إليهن من الرجال، فافهم وتأمل. (1) الوسائل: ج 13 ص 334 ح 1 من ب 3 من أبواب الهبات. (2) الوسائل: ج 17 ص 525 ح 3 من ب 8 من أبواب ميراث الأزواج.

[ 731 ]

[ يقصد بهما ذلك مطلقا *. ] * قال قدس سره في الجواهر: المتجه الحكم بالأحياء مطلقا...، ولا فرق في ما ذكرنا بين موات أرض الأسلام وموات غيرها، ولا بين الذمي وغيره وإن كان لنا تملك ما يحييه الحربي (1). وقال الشيخ الأنصاري قدس سره: إنه الظاهر من عموم قوله عليه السلام: (من أحيا أرضا) وإن كان في بعض الأخبار ما يخالفه (2). أقول: قد تقدم الأطلاقات التي منها صحيح محمد بن مسلم، قال: سألته عن الشراء من أرض اليهود والنصارى، قال: (ليس به بأس) إلى أن قال: (وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض أو عملوه فهم أحق بها وهي لهم) (3). ومنها عن الصدوق أنه قال: (قد ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله على خيبر فخارجهم على أن يكون الأرض في أيديهم يعملون فيها ويعمرونها وما بأس لو اشتريت منها شئ، وأيما قوم أحيوا شئ من الأرض فعمروه فهم أحق به وهو لهم) (4). ودلالة المعتبرين صريحة، لأن إطلاق التملك بالأحياء وارد في مورد الكفار. نعم، في شموله لغير الذمي يكون دلالته بالأطلاق، ولا ينافي ذلك كون الموات


(1) الجواهر: ج 38 ص 16 و 17. (2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 351. (3) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 1 من ب 1 من أبواب إحياء الموات. (4) المصدر: ص 327 ح 7.

[ 732 ]

[... ] للأمام وكون التملك موقوفا على إذنه عليه السلام، لأن الأطلاق كاشف عن ثبوت الاذن. وكذا الكلام بالنسبة إلى دليل الحيازة وإن كان دليله أخفى، مع أن قوله عليه السلام في الصحيح (أو عملوه) دال عليه كما تقدم. إنما الأشكال في دلالة بعض الأخبار على أن التملك بالأحياء خاص بالشيعة، كخبر أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي وله ما أكل منها، فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها فليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي وله ما أكل منها حتى يظهر القائم عليه السلام من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله صلى الله عليه وآله صلى الله عليه وآله و ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم) (1). وتقريب المعارضة أن الظاهر عدم تملك غير الشيعة بالأحياء فلا بد أن يؤدي خراجها إلى الأمام من أهل البيت، والخراج ظاهر في جميع المنافع، خصوصا مع استثناء ما أكل منها.


(1) الوسائل: ج 17 ص 329 ح 2 من ب 3 من أبواب إحياء الموات.

[ 733 ]

[ وأما غير ذلك من الأنفال، فغير إرث من لا وارث له (من الغنائم ] والجواب عنه بوجوه: الأول: عدم وضوح السند، من جهة تردد أبي خالد الكابلي - الذي اسمه وردان - بين الأكبر الموثق والأصغر غير الموثق. الثاني: أن مقتضى ظاهره عدم تملك الشيعة أيضا بالأحياء، وأن الخراج لا بد أن يؤدي إلى الأمام وله ما أكل منها، والفرق بين الشيعة وغيرهم إنما يظهر عند خروج القائم عليه السلام، ولم يقل به أحد على الظاهر، فالظاهر أن المراد بالخراج هو ما يجب أن يخرج من الأرض ويؤتى للسلطان لاما يخرج منها خارجا، ويكون المراد بقوله (وله ما أكل منها) ما تصرف منها واحد لنفسه، مثل قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (1). وفي المنجد جعل من معاني (الخراج) المال المضروب على الأرض، فراجع. الثالث: أن قوله: (وليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي) مشعر بأن ظرف هذا الحكم عصر تكون الحكومة بيد الأمام من أهل بيت أمير المؤمنين عليه السلام غير القائم المأمور بالسيف، فلا ينطبق على عصرنا وعصر حضور الأئمة عليهم السلام من غير أن تكون لهم الحكومة. الرابع: أن في متنه ما يشعر بالضعف، وهو قوله (كما حواها ومنعها)، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمنع أهل خيبر - كما تقدم - وأبقى الأراضي في أيديهم، فلا بد من التوجيه بأنه يمكن أن يمنع كما منع الرسول صلى الله عليه وآله في الجملة، بخلاف الشيعة، فإنه لا يمنع أحد منهم عن الأرض. وما تقدم من خبر مسمع بن عبد الملك (2) تقدم الجواب عنه (3)، وقد تقدم أن


(1) سورة البقرة: 188. (2) في ص 716. (3) في ص 717.

[ 734 ]

[ المأخوذة من الكفار بغير إذن الأمام، وأرض الصلح، وصفايا الغنائم، وقطائع الملوك) لعل الظاهر أنه حلال للشيعة *. ] خبر يونس بن ظبيان أو المعلى ضعيف جدا (1). ومما يوضح أنه ليس جميع الأراضي غصبا إلا بالنسبة إلى الشيعة ما ورد من أن منشأ التحريم والغصب هو الخمس، فراجع (2). * لمثل صحيح الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل) (3). وغير ذلك فراجع (4). ولا ينافيه ما عن عوالي اللالئ: (سئل الصادق عليه السلام، فقيل له: يا ابن رسول الله ما حال شيعتكم في ما خصكم الله به إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم؟ فقال عليه السلام: (ما أنصفناهم إن واخذناهم، ولا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم المساكن لتصح عبادتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكو أموالهم) (5). فإن المتاجر تشمل جميع ما يكون رأس مالهم من مال التجارة أو الأراضي


(1) تقدم في ص 716. (2) الوسائل: ج 6 ص 375 و 378 الباب 3 و 4 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: ص 378 ح 1 من ب 4. (4) المصدر: ص 378، الباب 4. (5) المستدرك: ج 7 ص 303 ح 3 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 735 ]

[ وأما مال من لا وارث له ففي الشرائع أنه (إن كان عليه السلام غائبا قسم في الفقراء والمساكين) (1) *. ] والعقار، وذلك للتعليل بطهارة الأموال، فمن المحتمل القريب أن يكون الخبر بصدد التعميم لا التخصيص بالموارد الثلاثة بحيث يفرض فرد يكون خارجا من تلك الأفراد. * وفي الجواهر: إنه المشهور، وعن اللمعة: إنه يقسم بين فقراء بلد الميت ومساكينه، وعن الشيخ في المبسوط: إنه يدفن أو يوصى به كسائر حقوقه، بل ظاهر الخلاف الأجماع عليه، ويحتمل كون ذلك حلالا للشيعة، لأطلاق أدلة التحليل (2). انتهى ما في الجواهر من الوجوه الأربعة. أقول: وهنا احتمال خامس وهو أن يجعل في بيت مال المسلمين ويصرف في المصالح العامة لهم، وسادس وهو أن يعطى لأقرب الناس إليه، وسابع وهو أن يكون ميراثه لعامة المسلمين، ولعله على وجه الأباحة - أي يباح لكل مسلم أخذه فيصير ملكا له -، وثامن وهو أن يكون حكمه حكم سهم الأمام عليه السلام من نصف الخمس فلا بد أن يصرف في ما يقطع أو يطمأن برضا الأمام عليه السلام. ويشهد للأول ما في مرسل حماد المعتبر: (وهو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له) (3). وللثاني أن جميع ما ورد من الصرف في الفقراء أو فقراء البلد أو غير ذلك من


(1) الشرائع: ج 4 ص 839. (2) الجواهر: ج 39 ص 262. (3) الوسائل: ج 6 ص 365 ح 4 من ب 1 من أبواب الأنفال.

[ 736 ]

[... ] باب أنه ملكه عليه السلام، وفي غيبته لا يرجع إلى ما كان يعمل في حال حياته بل يرجع إلى العموم الوارد بالنسبة إلى أموال الغير، فيجب الرد إلى صاحبه والأيصال إليه عليه السلام بالدفن والأيصاء. وللثالث ما ورد في غير واحد من الروايات من الدفع إلى همشاريجه (أي همشهرى هاي ميت) كخبر ابن أبي عمير عن الخلاد السندي - أو السري أو السدي - البزاز (أو البزار) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان علي يقول في الرجل يموت ويترك مالا وليس له أحد: أعط المال همشاريجه) (1). وقريب منه ما يتلوه (2). وفي ثالث إنه: (دفع أمير المؤمنين عليه السلام ميراثه إلى همشهريجه) (3). وللرابع ما دل على حل جميع حقوقهم لشيعتهم، كما يظهر من إطلاق صحيح الفضلاء المتقدم (4). وللخامس خبر معاوية بن عمار، وفيه: (فإن سكت) أي المعتق الذي لم يوال أحدا (حتى يموت اخذ ميراثه فجعل في بيت مال المسلمين) (5).


(1) الوسائل: ج 17 ص 551 ح 1 من ب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة. (2) المصدر: ص 552 ح 2. (3) المصدر: ص 552 ح 3. (4) في ص 734. (5) الوسائل: ج 17 ص 549 ح 9 من ب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة.

[ 737 ]

[... ] وقريب منه خبر سليمان بن خالد (1). وللسادس خبر أبي بصير، وفيه: (وإن لم يوال أحدا فهو لأقرب الناس لمولاه الذي أعتقه) (2). فإنه إما أن يكون المقصود أنه لأقرب الناس إليه - وهو المولى الذي أعتقه - أو لأقرب الناس إلى المولى الذي أعتقه، وهذا من باب أنه أقرب الناس إليه. وعن الصدوق قدس سره قال: روي في خبر آخر أن: (من مات وليس له وارث فميراثه له مشاريجه) يعني أهل بلده (3). قال الصدوق رحمه الله: متى كان الأمام ظاهرا فماله للأمام، ومتى كان الأمام غائبا فماله لأهل بلده متى لم يكن له وارث ولا قرابة أقرب إليه منهم بالبلد به (4). وللسابع خبر أبي البختري: (أن عليا عليه السلام أعتق عبدا نصرانيا ثم قال: ميراثه بين المسلمين عامة إن لم يكن له ولي) (5). وللثامن أن كل ذلك من باب الأذن، وإلا فالمال للأمام عليه السلام لابد أن يرد إليه أو يصرف في ما يقطع أو يطمأن برضاه. ومقتضى الجمع بين الروايات أنه حلال


(1) الوسائل: ج 17 ص 553 ح 8 من ب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة. (2) الوسائل: ج 17 ص 552 ح 6 من ب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة. (3) المصدر: ح 4. (4) الوسائل: ج 17 ص 552. (5) الوسائل: ج 17 ص 553 ح 9 من ب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والأمامة.

[ 738 ]

[ ولعل الأحوط في الجملة أن يصرف في ما يطمئن برضا الأمام عليه السلام بإذن المجتهد الجامع للشرائط فيلاحظ فقراء بلده، فإن أعطى لمحصلي العلوم الدينية العدول من أهل بلده كان موافقا للاحتياط في الجملة *. مسألة: قال في الشرائع: (1) إن في مصرف السهم المبارك في زمان غيبته عليه السلام أقوالا، فقيل يكون مباحا * *. ] للشيعة لأطلاق مثل صحيح الفضلاء، وأنه يجوز صرفه في فقراء بلده وفي الفقراء التي لا حيلة لهم وفي مصالح المسلمين ولأقرب الناس إليهم ولأحد من المسلمين. * فإنه إن كان مصرفه مصرف السهم المبارك أو كان مصرفه المصالح العامة أو كان مصرفه عامة المسلمين أو الشيعة أو كان مصرفه الهمشهريجة فقد عمل بالجميع. نعم، إن كان مصرفه قرابة الميت لم يلاحظ ذلك، وهو ليس إلا بالنسبة إلى العبد المعتق، كما تقدم دليله. والله المتعالي هو المستعان. * * ما ذكرناه هو النقل بالمعنى. والقائل هو الديلمي، وتبعه صاحب الذخيرة، ولا ثالث لهما إلا ما حكاه في المقنعة والنهاية عن القائل المجهول وفي الحدائق عن جملة من معاصريه بل قال: إنه مشهور بينهم. هذا كله على ما في الجواهر (2). أقول: قد تقدم سابقا روايات الحل (3) وقد جمعها في الوسائل في الباب الرابع من الأنفال (4). والجواب عن ذلك بوجوه على سبيل منع الخلو: الأول: عدم دلالة بعضها على التعميم بالنسبة إلى كل زمان، كخبر علي بن مهزيار: (من أعوزه شئ من حقي فهو في حل)، (5) وخبر يونس: (ما أنصفناكم إن


(1) ج 1 ص 138. (2) ج 16 ص 156. (3) في ص 154 وما بعدها. (4) الوسائل: ج 6 ص 378. (5) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 2 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 739 ]

[... ] كلفناكم ذلك اليوم) (1)، بل فيه إشعار أو ظهور في أن التحليلات من باب عروض أحوال خاصة موجبة لكون الأخذ منهم خلاف الأنصاف والتسهيل، فهو من باب الحرج على الشيعة. وخبر حكيم في قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول قال: (هي والله الأفادة يوما بيوم إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا) (2). لاحتمال أن يكون المقصود حلية التأخير إلى السنة وعدم وجوب الأداء فورا، أو يكون من باب استثناء مؤونة العام لا مؤونة اليوم. وخبر عبد العزيز بن نافع، وفيه: (أنت في حل مما كان من ذلك، وكل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك) (3). فإنه لا يشمل من لا يكون في مثل حاله بعد ذلك، ولا يشمل من لا يكون أباه من سبايا بني امية. الثاني: أن مفاد بعضها أنه حلال للشيعة لا لمن وجب عليه الخمس، كخبر عيسى بن المستفاد، وفيه: (فمن عجز ولم يقدر إلا على اليسير من المال فليدفع ذلك إلى الضعفاء من أهل بيتي من ولد الأئمة، فمن لم يقدر على ذلك فلشيعتهم ممن لا يأكل بهم


(1) الوسائل: ج 6 ص 380 ح 6 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) المصدر: ح 8. (3) المصدر: ص 384 ح 18.

[ 740 ]

[... ] الناس ولا يريد بهم إلا الله) (1). الثالث: أن يكون موضوع التحليل حقهم الأعم من الأنفال والخمس الذي يصل إلى يد من لم يتوجه إليه تكليف الخمس من حيث إنه استفاد بنفسه، سواء كان واصلا إليه ممن لا يعتقد الخمس أو ممن يعتقده، ولا يشمل الغنيمة الحاصلة لنفسه، كخبر أبي خديجة، وفيه: إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شئ اعطيه، فقال: (هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة...) (2). فإنه من الواضح أنه ليس السؤال عن الحق الحادث في ماله بسبب الغنيمة الحاصلة له، بقرينة الخادم والمرأة والميراث الذي فيه الخمس، فإن التجارة والهبة في السياق المذكور، فالمقصود مال التجارة الذي يصل إلى يده ممن لا يخمس ولا يلاحظ حقوق الأئمة عليهم السلام ولا حقوق السادات. وخبر الفضيل، وفيه: (إنا أحللنا امهات شيعتنا لابائهم ليطيبوا) (3). ومن المعلوم أن ذلك من المؤونة، وليس فيها الخمس من حيث فوائد نفسه، بل من جهة أنها من الغنائم التي لم يعط خمسها أو يكون كلها للأمام عليه السلام باعتبار عدم الأذن. وخبر التفسير عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: (فقد وهبت نصيبي منه [ أي من السبي والغنائم ] لكل من ملك شئ من ذلك من شيعتي) بعد قوله:


(1) المصدر: ص 379 ح 4. (2) المصدر: ص 381 ح 10. (3) الوسائل: ج 6 ص 385 ح 20 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 741 ]

[... ] (ويبيعونه فلا يحل لمشتريه) (1). فلا يشمل من كان في الحرب واغتنم بنفسه. الرابع: ضعف إسناد بعضها، كخبر محمد بن مسلم (2)، لصباح الأزرق، وخبر يونس (3)، لاحتمال كون الراوي عنه محمد بن سالم المحتمل كونه هو الضعيف أو المجهول، وخبر الرقي (4)، للسندي ويحيى المهملين في الرجال، وخبر حكيم (5)، فإنه مجهول، وخبر معاذ، (6) لحماد بن طلحة فإنه مهمل، وخبر أبي سيار (7)، لعمر بن يزيد المشترك بين الثقة وغيره، وخبر النصري، (8) لجعفر بن محمد بن حكيم الذي هو ليس بشئ على المنقول عن الكشي عمن نسي اسمه، وخبر إسحاق (9)، له ولعدم نقله الكليني في الكافي وإن كان في ذلك تأملا، وخبر يونس أو المعلى، (10) ليونس المعروف بالكذب كما قالوا، وخبر عبد العزيز بن نافع (11)، له، وخبر أبي حمزة (12)، لحسن بن عبد الرحمان، وعلي بن العباس رمي بالغلو والضعف والخبث وتهالك مذهبه (صه)، وخبر التفسير (13)، للأرسال، وخبر عيسى بن المستفاد (14)، له، وخبر العياشي (15)، للأرسال. الخامس: ورود التحليل بالعنوان الأعم من المال الذي فيه حق من الخمس أو غيره والخمس الذي يحصل في منافع نفس من ورد التحليل بالنسبة إليه.


(1) الوسائل: ج 6 ص 386 ح 20 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2 و 3 و 4 و 5) الوسائل: ج 6 ص 380 ح 5 و 6 و 7 و 8 من ب 4 من أبواب الأنفال. (6) المصدر: ص 381 ح 11. (7) المصدر: ص 382 ح 12. (8 و 9) المصدر: ص 383 ح 14 و 16. (10) المصدر: ص 384 ح 17. (11) المصدر: ص 384 ح 18. (12 و 13) الوسائل: ج 6 ص 385 ح 19 و 20 من ب 4 من أبواب الأنفال. (14) المصدر: ص 386 ح 21. (15) الوسائل: ج 6 ص 386 ح 22 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 742 ]

[... ] وهو مخصص بما ورد من أنه يجب الخمس في ما أفاد حتى في عصر أبي جعفر الباقر، كخبر أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: (من اشترى شئ من الخمس لم يعذره الله، اشترى مالا يحل له) (1). وخبر عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال: (إني لاخذ من أحدكم الدرهم وإني لمن أكثر أهل المدينة مالا، ما اريد بذلك إلا أن تطهروا) (2). السادس: أنه على فرض التعميم حتى من حيث الغنيمة الحاصلة للشخص فالتحريم من عصر موسى بن جعفر عليهما السلام ثابت، فراجع الروايات الواردة في الباب الثامن من أبواب ما يجب فيه الخمس (3): من خبر أبي جعفر الثاني (4) وأبي الحسن الثالث عليهما السلام (5)، وخبر أبي علي بن راشد المأمور بالقيام بأمره وأخذ حقه (6)، وخبر الهمداني عن أبي الحسن عليه السلام (7)، ومكاتبة علي بن مهزيار (8) والأخبار الواردة في الباب الثالث من أبواب الأنفال (9). وقصة الواقفية المستبدين بمال موسى بن جعفر عليهما السلام معروفة، وأخذ الخمس سنين عديدة من الناس من جانب الناحية المقدسة أيضا واضحة. وأخبار قسمة الخمس وعدم وجوب الاستيعاب وأنه يقسم ستة أقسام (10) وحكم أن الخمس بعد المؤونة (11)، وغير


(1) الوسائل: ج 6 ص 376 ح 5 من ب 3 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 337 ح 3 من ب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 348. (4 و 5 و 6) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 1 و 2 و 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس (7 و 8) المصدر: ص 349 ح 4 و 5. (9) الوسائل: ج 6 ص 375. (10) الوسائل: ج 6 ص 355 الباب 1 وص 362 الباب 2 من أبواب قسمة الخمس. (11) الوسائل: ج 6 ص 354، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 743 ]

[ واختار صرف السهم المبارك في الطوائف الثلاثة المستحقين لنصف الخمس *. ] ذلك من الأخبار - الواردة في أبواب ما يجب فيه الخمس - كل ذلك مخالف قطعي للتحليل المطلق، فلا بد من حمل التحليل على بعض المواقع أو بالنسبة إلى ما يؤخذ من يد الغير، سواء كان معتقدا بوجوب الخمس أم لا. السابع: أن التعليل بطيب الولادة - الظاهر في أنه من جهة الأعم من النطفة والمهر الحلال ونفس امهات الأولاد التي هي سبايا وكلها للأمام أو الخمس منها له عليه السلام - ظاهر في انحصار الطريق في ذلك، وهو في مورد ثبوت الحرج في أداء الخمس وهو أداء خمس مال الغير، وأما أداء خمس فوائده الشخصية بعد إخراج المؤونة على نحو السعة فلا حرج فيه ولا يحسن التعليل بطيب الولادة، فإن أداءه من أسهل الامور. الثامن: أن عمومات التحليل على نحو الأطلاق مخالف للتعليل الوارد في خبر حماد المعتبر، وهو قوله: (فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة) (1). والتعليل حاكم على العموم كما هو المعروف. ومن ذلك كله يظهر الجواب عن التوقيع (2) وقد مر (3). وفيه - مضافا إلى ما مر -: ثبوت أخذ الخمس بعد ذلك، فإن التوقيع كان بوسيلة محمد بن عثمان النائب الثاني، والحسين بن الروح والسمري كانا بعد ذلك. * قال قدس سره في الجواهر:


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 383 ح 16 من ب 4 من أبواب الأنفال. (3) في ص 157 وما بعدها.

[ 744 ]

وفاقا للتحرير وظاهر المحكي عن غرية المفيد وزاد المعاد للمجلسي وكشف الغطاء والمنقول في الرياض عن الديلمي وجمع من متأخري المتأخرين (1). أقول: وعمدة الدليل لذلك القول مرسل حماد، وفيه: (فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم لأن له ما فضل عنهم) (2). وما عن أحمد بن محمد عن بعض أصحابنا رفعه: (فإن فضل شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان) (3). وقد أورد عليه في الجواهر. بما يرجع خلاصته إلى امور: الأول: الأرسال وعدم ثبوت الانجبار، قال: واحتمال عدم احتياج العمل بهما بالنسبة إلى ذلك إلى الجابر (إذ مدلولهما قسمة الأمام عليه السلام الخمس بينهم قدر الكفاية، فإن أعوز كان عليه، وإن زاد كان له الذي قد عرفت انجباره بعمل الأصحاب هناك، بل لا خلاف


(1) الجواهر: ج 16 ص 170. (2) الوسائل: ج 6 ص 363 ح 1 من ب 3 من أبواب قسمة الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 364 ح 2 من ب 3 من أبواب قسمة الخمس.

[ 745 ]

إلا من الحلي) يدفعه أن العمل بهما هناك لا يكفي للمسألة التي يكون المبحوث عنها حال غيبة الأمام (1). وفيه أولا: أن حماد بن عيسى من أصحاب الأجماع، وليس المقصود من ذلك بحسب الظاهر أن الأجماع على الوثوق بهم، لأنه لا يعبر عن ذلك إلا بكونهم ثقات بالأجماع، ومورد الأجماع تصحيح ما يصح عنهم، فالقدر المتيقن هو الذي يروي عنه، لا سيما مثل حماد بن عيسى الدقيق في النقل كما يظهر من حاله، خصوصا بعد كونه في الكافي والتهذيب، لا سيما مع توصيفه ببعض أصحابنا الذي لا يكون متجاهرا بالفسق، مع أن المتن مما صدر عن الفقيه وهو ليس بجاعل قطعا، لا سيما المتن المفصل المشتمل على مسائل عديدة. وثانيا: أن الانجبار إذا ثبت في أصل الحكم فالحكم بعدم الفرق بين عصر الحضور والغيبة ليس مستفادا من جملة اخرى حتى يحتاج إلى الانجبار، مع وضوح أن الانجبار يقتضي تصحيح الرواية وجعلها بحكم الصحيح، والانجبار بالعمل غير الاستناد إلى الأجماع. الثاني: أنهما ظاهران في كيفية قسمة تمام ما شرعه الله تعالى من الخمس حال ان بساطيد الأمام عليه السلام وظهور سلطانه وتساوي القريب والبعيد، المقتضي لجلب تمام ما يحصل من الخمس فيقسمه تلك القسمة (2). وفيه أولا: أن مقتضى التعليل في معتبر حماد - المتقدم المؤيد بالمرفوع - أن علة كون مؤونتهم عليه كون ما فضل عنهم له عليه السلام، وليس فيه فرض زمان الحضور ولا بسط اليد، وليس فيه فرض جمع المال عند الأمام عليه السلام، بل الجملة المذكورة صادقة على الخمس المجموع عند أحد أو في مكان بل على مجموع الخمس


(1) الجواهر: ج 16 ص 171. (2) الجواهر: ج 16 ص 171.

[ 746 ]

[... ] الحاصل واقعا، فإن ما فضل عن الخمس للأمام عليه السلام والنقص على الأمام، كان الأمام غائبا أو حاضرا، مبسوط اليد أو غير مبسوط اليد، فلو كان ذلك لا يمكن إلا في فرض الجمع فلا يدل ذلك على عدم سقوط هذا الحكم، بل لا بد من الجمع في محل واحد عند الموثقين أو العدول أو الفقيه، والفقيه هو المتيقن. وثانيا: نمنع ظهوره في الجمع كما تقدم سابقا، بل هو في كل خمس يكون قابلا للوصول إليه من نفسه أو رفقائه، فإنه لم يسمع ولم يثبت في كتب التاريخ والروايات أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يجمع خمس جميع غنائم الحروب المتقاربة أو يجمع خمس غنائم الحرب والكنز والمعدن ثم يقسم على ما ذكر، ولم يكن ذلك مسموعا أو مكتوبا بالنسبة إلى وكلاء الأئمة عليهم السلام بأن يلاحظوا مقادير الخمس ثم يفحصوا عن الها شميين في جميع أقطار المسلمين. وكون ذلك منحصرا بعصر سلطنة القائم عليه السلام فيخرج عنه عصر الرسول والأمير وأبي محمد الحسن عليهم الصلاة والسلام كما ترى إخراج للقدر المتيقن من مفاده، وليس الحكم المذكور إلا حكما لم يعمل به قط ولا يعمل به بعد ذلك. إن قلت: موضوع الكلام في معتبر حماد هو الوالي، وهو ظاهر في الفعلي، وهو الذي يكون مأخوذا في حيز التعليل، لرجوع الضمير إليه، ولا يمكن إلقاء الخصوصية، لاحتمال دخالة الخصوصية، فلا يكون الفضل للأمام غير الوالي ولا يكون النقص عليه. قلت: المقصود من الوالي هو ولي الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وآله، فإن في صدر الحديث: (فسهم الله وسهم رسول الله لاولي الأمر من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة).

[ 747 ]

[... ] إلى أن قال: (وله نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته) (1). إلى أن قال: (فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستفنون به، وإنما صار...) (2). ومن المعلوم أن نصف الخمس ليس للأمام بشرط السلطنة الظاهرية، فإنه خلاف الضرورة، فالمقصود من الوالي من له حق الولاية، وليس المقصود أن الزائد يعطى للوالي بمعنى السلطان ولو كان جائرا، لأنه مع معلوميته في نفسه يدل على عدمه قوله: (وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة) (3) فتأمل. فالمقصود من الوالي هو الأمام من دون شبهة، والشبهة جارية في لفظ الأمام، والدفع في الكل واضح، فإن الأمام والوالي واولي الأمر بعد الرسول واضح المراد عند الشيعة، وإلا فلا بد من التطبيق على الجائر وهو واضح البطلان ثبوتا وإثباتا. الثالث: خلو الأخبار عن إعطاء النصف المختص بالأمام للسادة الفقراء (4). وفيه: أن ما ظفرنا عليه من الأخبار خال عن إعطاء نصفهم إليهم، بل الظاهر من الأخبار والسيرة حمل الخمس بنصفيه إليهم، وذلك لا يدل على عدم استحقاقهم لنصفه، كيف؟ والأشكال مشترك الورود، إذ مر منه أن كون الفضل له


(1) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (2) المصدر: ص 363 ح 1 من ب 3. (3) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (4) الجواهر: ج 16 ص 172.

[ 748 ]

[... ] والنقصان عليه مسلم عند الحضور وقد أفتوا بذلك. الرابع: أنه لو بني على العمل بخبر حماد دل على أن الوالي يمون الأصناف الثمانية التي تكون مصرفا للزكاة، فإن فيه بعد تعيين مصرف الزكاة: (فإن فضل من ذلك شئ رد إلى الوالي، وإن نقص من ذلك الشئ ولم يكتفوا به كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا) (1). فلا بد من الحمل على بسط السلطنة للأمام ولا يشمل هذا الزمان (2). وفيه: أنا نلتزم به في هذا الزمان أيضا، لكن الواجب أولا تأمين السادات الفقراء ثم الأعطاء من السهم المبارك للأسهم الثمانية. وتقريب ذلك من وجوه: أحدها: ما تقدم من معتبر حماد في الفقراء وباقي موارد السهام الثمانية بالنسبة إليهم، وذيل خبر حماد المتقدم بالنسبة إلى السادات. وأما الترتيب فيجي الكلام فيه بعد ذلك. ثانيها: آية الفئ وهي قوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الاية (3). فإن مقتضى إطلاقه الشمول للسهم المبارك، فإنه مما أفاء الله على رسوله. والظاهر من تلك الاية كون ذي القربى مصرفا للسهم المبارك، واليتامى


(1) الوسائل: ج 6 ص 184 ح 3 من ب 28 من أبواب المستحقين للزكاة. (2) الجواهر: ج 16 ص 172. (3) سورة الحشر: 7.

[ 749 ]

[... ] والمساكين وابن السبيل مصرفا أيضا من غير ذي القربى. ويدل على التعميم قوله تعالى: كى لا يكون دولة بين الاءغنيآء منكم (1) وقوله تعالى بعد تمامية الاية: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم (2). لكن الأنصاف أنه فيه إشكال من وجوه: الأول: أن الظاهر أن ما يكون داخلا فيها ليس ملكا للأمام عليه السلام بل يكون تحت سلطنته، ومقتضى آية الخمس والأخبار أن النصف ملك له، فلو كان المقصود من (ما أفاء الله) ما كان ملكا له فيصير معنى الاية أن ماكان ملكا للرسول فهو ملك للرسول ولغيره، فهو قضية ضرورية أو خلف. الثاني: أن ما يصير ملكا له أيضا يجري فيه التقسيم المذكور إلى غير النهاية، فلا بد أن يقال: إن ما أفاء الله - أي ما جعل الله تعالى تحت سلطنة رسوله صلى الله عليه وآله - ينقسم إلى الأقسام المذكورة، فيقال: إن أرض الصلح ليست ملكا له صلى الله عليه وآله بل تكون تحت اختياره، أو يقال: إن ما أفاء الله هو الأعم من الملك وغيره ويكون السهام المذكورة بيانا للمصرف فيشمل السهم المبارك أيضا، لكنه خلاف ظاهر الاية، إذ لم يفرض الملكية في الموضوع، وظاهر اللام هو الملكية. الثالث: أن قوله تعالى قبل ذلك: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب (3). يوجب الظهور أو الأشعار في أن قوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله التي هي مورد الآية خصوصا مع قرينة من أهل القرى، (4) فإنه لا يفهم من الاية


(1 و 2) سورة الحشر: 7 و 8. (3 و 4) سورة الحشر: 6 و 7.

[ 750 ]

[... ] الشريفة الأطلاق للخمس أو السهم المبارك، كما لا يخفى. ثالثها: آية الخمس الشاملة للنصف الاخر بالنسبة إلى الطوائف الثلاثة من قرابة الرسول. ودليل التنصيف مورده القابلية لذلك، أما بعد عدم النصف وكون الطوائف الثلاثة موجودة فلا يقتضي التنصيف الموجب لعدم استحقاقهم للنصف الاخر، فاستحقاقهم للنصف الأول مشروط بالفقر واستحقاقهم للنصف الثاني أيضا مشروط بالفقر حتى من جهة النصف الأول، مضافا إلى أنه لا دليل على التنصيف إلا المرسلان الحاكمان بأن الباقي للأمام عليه السلام وعلى الأمام أن يمونهم عند النقص أو العجز. ويدل على جواز إعطاء السهم المبارك لغير السادة إذا كان المورد مصداقا لسبيل الله نفس آية الخمس، فإن فيها فأن لله خمسه (1). ويوضح ذلك خبر زكريا بن مالك الجعفي، وفيه: (أما خمس الله عز وجل فللرسول يضعه في سبيل الله) (2). والظاهر اعتبار الخبر من حيث السند، لأن الناقل عنه عبد الله بن مسكان الذي هو من أصحاب الأجماع، والناقل عن عبد الله هو صفوان بن يحيى الذي نقل الشيخ في العدة الأجماع على أنه ممن لا يرسل ولا يروي إلا عن الثقة (3)، وليس المقصود بحسب الظاهر المروي عنه المتصل، لأنه لا فائدة في ذلك، مع أن زكريا المذكور من مشيخة الفقيه، مع أنهم ذكروا أنه له كتاب معتمد. وهو دليل عرفا على الاعتماد عليه، لأن من لا يتحرز عن الكذب لا يؤلف كتابا تمامه


(1) سورة الأنفال: 41. (2) الوسائل: ج 6 ص 355 ح 1 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (3) مقباس الهداية للمامقاني: ج 2 ص 263 (المقام الثاني في سائر أسباب المدح)

[ 751 ]

[... ] الصدق، كما هو واضح. والأشكال في المتن قد تقدم تقريبه ودفعه (1). ثم إنه هل يجب مراعاة الترتيب فيعطى السهم المبارك للفقراء من السادات عند إعواز النصف الذي لهم ثم من الأسهم الثمانية للزكاة عند الأعواز أم لا؟ وجه الأول حكم معتبر حماد بالتتميم من عنده (2) الظاهر في أن موضوعه الخمس فعليه أن يعطيهم من الخمس، فهو الظاهر في الكلي في المعين، وعند الانحصار يتعين أن يكون ملكا للسادات. وفيه: أنه لا ظهور في أن الواجب عليه الأعطاء من الخمس، بل مما عنده الأعم من الخمس وغيره، وهو الذي يقتضيه الاعتبار، إذ لا معنى لأبقاء السادات على فقرهم مع وجود غير الخمس من أموال أراضي الصلح أو ميراث من لا وارث له أو غير ذلك. وله وجه آخر وهو حكم الاية الشريفة بالملكية على وجه المصرف والتخيير بمعنى عدم اقتضاء التعين، ومعتبر حماد يحكم بأن عليه الأتمام، فأصل المصرفية يستفاد من الاية الشريفة والتعين من خبر حماد. وفيه: أن التعين على الأمام عليه السلام لا يوجب صيرورة مصرف الخمس تعيينا، فالاية الشريفة باقية على ظهورها من أن السادات مصرف والأمام عليه السلام مصرف فإن أطبق الأمام عليه السلام عليهم لا يبقى شئ لغيرهم من الفقراء في المفروض الذي هو صورة الدوران، وإن أطبق على نفسه فإن أداه إلى السادات لا يبقى عنده شئ وإن أداه إلى المصارف الثمانية عند الأعواز لا يبقى عنده شئ، فلا تعين حنيئذ ولا ترتيب في البين.


(1) في ص 467 و 468. (2) الوسائل: ج 6 ص 363 ح 1 من ب 3 من أبواب قسمة الخمس.

[ 752 ]

[... ] فالمحصل أن السادات من الفقراء مصرف للسهم المبارك، والسهام الثمانية أيضا كذلك عند إعواز الصدقات، خصوصا سهم سبيل الله المشمول لاية الخمس أيضا، ولا ترتيب بحسب الظاهر. إن قلت: وإن اتضح عدم خصوصية للجمع ولا لكون الوالي سلطانا بالفعل لكن القدر المتيقن من ظهور معتبر حماد: اعتبار مباشرة الأمام عليه السلام بذلك أو وكيله الخاص فلا يشمل حال الغيبة. قلت: الجواب عنه امور على سبيل منع الخلو: الأول: أن المرتكز في العرف أن الحقوق التي تضاف إلى غير الحاضر لا تسقط بعدم إمكان العثور على الغائب ولا تبطل بالموت فكيف بالغيبة؟ فلو جعل حق طريق على شخص في بيته لا يسقط بموته أو غيبته بل لا بد أن يوصل الحق إلى مستحقه. الثاني: أنه لو فرض الشك في السقوط فالثبوت مقتضى الاستصحاب. الثالث: أنه قد تقدم أن آية الخمس شاملة لصورة إعواز النصف ولا دليل على الاستثناء حتى في صورة الأعواز، وكذلك بالنسبة إلى غير السادات من سهم سبيل الله، وقد تقدم تقريبه. الرابع: أن التعليل الوارد في خبر حماد المقتضي لكون التتميم على الأمام عليه السلام من من باب أن الفضل له عام لعصر الغيبة، لان كون الفضل له لا يتوقف على الحضور فلا إشكال بحسب الظاهر في كونهم مستحقين للسهم المبارك في الجملة. إنما الأشكال في أنه هل لابد من المراجعة إلى الفقيه أم لا؟ وجه الأول امور: الأول: نيابة الفقيه عن الأمام وكونه بمنزلته، فيملك كما يملك الأمام عليه السلام

[ 753 ]

[... ] ويعطي كما يعطي عليه السلام. وفيه: أن النيابة بذلك المعنى المثبت للملكية بعيدة عن متفاهم العرف في جميع أقسام النيابة والوكالة، ولا دليل عليه. الثاني: النيابة في الأخذ عنه، فيصير متعينا في السهم المبارك ويصرف عن قبله. وعمدة ما يستفاد هذا منه هو التوقيع أي قوله عليه السلام: (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (1). وفيه: أن الحجة لا تثبت الموضوعية، فإنها مرادفة للدليل، فلو لم يكن في البين دلالة على شئ مجهول فلا يشمله ذلك قطعا، كما لا يخفى. الثالث: ثبوت ولايته من باب الولاية على مال الغائب، كما يشعر به كلام الشرائع في الباب (2). والوجه في ذلك أن الولاية على مال الغائب ثابتة للفقيه من باب أنها من لوازم الحكومة خارجا، حقا كان أو باطلا. فإذا جعل حق الحكومة لشخص فلازمه الولاية على مال الغائب إذا كان ذلك غير مناف لمصلحة الغائب ولو لم يكن واجبا، كما في دائن الغائب الذي لا يطالب المال، فإن مقتضى الولاية الأعطاء من مال الغائب له. وفيه: أن ولايته في المقام ممنوعة، إذ بالنسبة إلى أصل الصرف في الموارد الأربعة المتقدمة - من الطوائف الثلاثة من السادات، وسهم سبيل الله من السهام الثمانية - فمقتضى الاية الشريفة أنهم ما لكون لذلك، فيعطى صاحب المال ولا يحتاج إلى ولاية الفقيه، كما في الغائب الذي قد أحال ماله على شخص ليعطيه شخصا آخر، فإن ولاية الفقيه في مثل ذلك الموضوع المبين ليست من لوازم


(1) الوسائل: ج 18 ص 101 ح 9 من ب 11 من أبواب صفات القاضي. (2) راجع الشرائع: ج 1 ص 138.

[ 754 ]

[... ] الحكومة قطعا، وأما بالنسبة إلى ترجيح بعض الموارد على الاخر حتى يحرز رضا الأمام عليه السلام فإن احرز رضاه في ذلك فلا يحتاج إلى الفقيه، وإن لم يحرز رضاه عليه السلام فلم يحرز المصلحة فلا ولاية للحاكم أيضا، وأما الاحتياج إلى الفقيه من الجهة المذكورة في تعيين المال في مصرف السهم وتعيين المصرف بعد التعيين الأول فالظاهر أنه يكفي القطع بالرضا، وإلا فلا يحصل ذلك بالولاية، فإن الولاية عرفا غير النيابة والوكالة. الرابع: الرجوع إليه من باب الامور الحسبية، وهي في الامور التي ثبت لزومها فورا وليس التصدي لها مطابقا للقواعد الأولية الشرعية من عدم التصرف في مال الغير إلا برضاه أو جهة اخرى، وقد مر أنه مع انحصار المصرف أو كفاية المال للجميع ليس أداء السهم المبارك إلى المصارف الأربعة المتقدمة مخالفا للدليل، لكون ذلك واردا في إطلاق الاية الشريفة وموردا لتصرف الأمام عليه السلام وأما في فرض الدوران بين الموارد المشكوكة فإن قطع بالمصلحة قطع بالرضا فلا يكون التصرف أيضا مخالفا لدليل التصرف في مال الغير، وإن لم يقطع بذلك لا يقطع بالمصلحة أيضا فلا يكون من الامور الحسبية التي يجب التصرف فيها قطعا. الخامس: أن الرجوع إلى الفقيه من باب أن المستفاد من الأدلة المتقدمة أن الخمس الشامل للنصفين يؤدى إلى الأمام عليه السلام، والمستفاد من ذلك عرفا مدخلية تشخيصه ورضاه في ذلك لتأمين مصلحة المصرف، أو من باب إكرامه يكون رضاه معتبرا في براءة ذمة صاحب المال، أو يكون ذلك من باب واجب في واجب آخر من دون التقييد. وعلى كل حال فمراعاة رضاه عليه السلام واجب في كيفية الصرف إذا دار الأمر في المصرف بين شخص وشخص آخر أو نوع من سبيل الله ونوع آخر منه، ولا ريب أن تشخيص رضاه تابع لتشخيص المصلحة الألهية، وتشخيص المصالح الألهية من الموضوعات المستنبطة التي لابد فيها من التقليد، ومقتضى

[ 755 ]

[ ختام فيه مسائل متفرقة قال قدس سره في العروة: (1) الخمس بجميع أقسامه متعلق بالعين *. ] ذلك: الرجوع في تشخيص رضا الأمام إلى المقلد أي الذي يصح تقليده، إلا أن يقطع هو بنفسه برضاه عليه السلام، فقطع الفقيه بما هو فقيه مرجع للفتوى حجة في الكليات، وأما الصغريات فربما يكون صاحب المال أبصر فيها. * قال الشيخ الأنصاري قدس سره ما ملخصه: أن الظاهر تعلق الخمس بالعين في غير أرباح المكاسب، والمظنون عدم الخلاف في ذلك، وأما فيها فالظاهر أنها كذلك أيضا، لأنه الظاهر من أدلتها، سيما الاية (2) التي استدل بها كثير من الأصحاب (3). انتهى. أقول: الظاهر أن المقصود من قوله (كذلك) أنها مثل ما تقدم في الأمرين أي كون الخمس فيها متعلقا بالعين وكون المظنون عدم الخلاف في ذلك، للأطلاق ولقوله: (سيما الاية التي استدل بها كثير من الأصحاب). وأما أن الظاهر من الأدلة ذلك، فلأن مقتضى الطوائف الستة من الأدلة تعلق الخمس بالعين: الاولى: ما دل على أن للمصارف الستة خمسه أي خمس المغنم، كالاية الشريفة (4) وخبر أبي بصير، وفيه: (فإن لنا خمسه) (5). الثانية: ما دل على أن الخمس على موارد عدها وعبر ب‍ (على)، كخبر ابن أبي


(1) كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 75. (2 و 4) سورة الأنفال: 41. (3) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 278. (5) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 5 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 756 ]

[... ] عمير عن غير واحد: (الخمس على خمسة أشياء) (1) وغير ذلك (2). الثالثة: ما عبر فيه ب‍ (من)، كمرسل حماد المعتبر، وفيه: (الخمس من خمسة أشياء) (3). الرابعة: ما دل على وجوب إخراج الخمس، كخبر الحسن بن زياد، وفيه: (أخرج الخمس من ذلك المال) (4). ومن ذلك يعرف أن التعلق بالعين لا ينافي القول بأن الخمس ليس إلا موردا للحكم التكليفي كما يستفاد أو ربما يستفاد من تعليق الفقيه الاصفهاني على العروة (5) أنه حق مالي يشبه منذور التصدق. الخامسة: ما دل على أنه (يؤدي خمسا) من دون أداة التعدية ومن دون الأضافة إلى المال، كخبر عبد الله بن مسكان، (6) فإن الخمس لا يصدق على المعادل، لأنه ليس خمسا لذلك. السادسة: مادل على أنه فيه الخمس، كخبر زرارة، وفيه: (كل ما كان ركازا ففيه الخمس) (7) وغير ذلك (8). وما في المستمسك من أن: جعله مظروفا للعين يناسب جدا - بقرينة ظهور تباين الظرف والمظروف - أن يكون المراد منه مقدارا


(1) الوسائل: ج 6 ص 344 ح 7 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 342 ح 1. (3) المصدر: ص 339 ح 4 من ب 2. (4) المصدر: ص 352 ح 1 من ب 10. (5) في كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 76. (6) الوسائل: ج 6 ص 340 ح 8 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (7) الوسائل: ج 6 ص 343 ح 3 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (8) مثل ما في المصدر: ح 4 و 5، وص 344 ح 6.

[ 757 ]

[... ] من المال يساوي الخمس (1). مردود بأنه لا ظهور قطعا في تباين الظرف والمظروف، بل يكفي الاختلاف بينهما من حيث المجموع فيكون الظرف هو المجموع ويكون البعض هو المظروف، فيقال: يكون في العلماء عدول أو سادات. وفي المنجد: جاء زيد في القوم، وفي القرآن الكريم: وعندهم التوراة فيها حكم الله (2) وقوله تعالى: وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن (3) وإنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون (4) ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (5)، وقد ورد في الحديث مالا يعد ولا يحصى، فحسبك من ذلك باب القراءة، فراجع أبواب القراءة في الصلاة (6). وهذا مما لا ينبغي الأشكال فيه، فلا إشكال في ظهور الطوائف الستة في تعلق الخمس بالعين. إلا أنه ربما يمكن أن يشكل بما ربما يستدل به على (التخيير في الأداء بين العين والقيمة أو جنس آخر) من الأخبار، كخبر الحرث بن الحرث الأزدي عن الحرث الأزدي، قال: وجد رجل ركازا على عهد أمير المؤمنين عليه السلام قدس سره فلامته امي وقالت: أخذت هذه بثلاثمائة شاة أولادها مائة، وأنفسها مائة، وما في بطونها مائة؟! قال: فندم أبي فانطلق ليستقيله فأبى عليه الرجل، فقال: خذ


(1) المستمسك: ج 9 ص 559. (2) سورة المائدة: 43. (3) سورة التوبة: 111. (4) سورة الواقعة: 77 و 78. (5) سورة الأنعام: 59. (6) الوسائل: ج 4.

[ 758 ]

[... ] مني عشر شياه، خذ مني عشرين شاة، فأعياه، فأخذ أبي الركاز وأخرج منه قيمة ألف شاة، فأتاه الاخر فقال: خذ غنمك وآتني، فأبى فعالجه فأعياه، فقال: لأضرن بك، فاستعدى أمير المؤمنين عليه السلام على أبي فلما قص أبي على أمير المؤمنين عليه السلام أمره قال لصاحب الركاز: (أد خمس ما أخذت، فإن الخمس عليك، فإنك أنت الذي وجدت الركاز وليس على الاخر شئ، لأنه إنما أخذ ثمن غنمه) (1). وإشكال الاضطراب في المتن بأن (البائع مغبون وكان بصدد الفسخ فلا بد أن يحكم فيه عليه السلام بأن الركاز يعود إليه) مدفوع بأن القيمة السوقية في مثل الركاز - غير المعلوم حاله من جهة رغبة الناس إليه - لعله كانت في ابتداء وجدانه ما باعه به، والظاهر أنه تفحص عن ذلك حين البيع ولم تكن قيمته أغلى من ذلك ولذا كان يدعي المشتري وامرأته الغبن له، فلا إشكال من تلك الجهة، وإن شك في ذلك فمقتضى الاستصحاب عدم الخيار. لكنه غير واضح السند كما لا يخفى، ولم يحرز العمل على ذلك. والحسن أو الصحيح عن ريان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام: ما الذي يجب علي يا مولاي في غلة رحى أرض في قطيعة لي وفي ثمن سمك وبردي وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب: (يجب عليك فيه الخمس إن شاء الله تعالى) (2).


(1) الوسائل: ج 6 ص 346 الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 9 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 759 ]

[... ] وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه، والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب عليه السلام: (الخمس في ذلك). وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمائة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس؟ فكتب: (أما ما أكل فلا، وأما البيع فنعم هو كسائر الضياع) (1). لكنه غير واضح من حيث السند، لضعف أحمد بن هلال الصوفي المتصنع كما ورد في ذمه (2). لكن ابن الغضائري المسرع في التضعيف استثنى من رواياته ما ينقله عن نوادر ابن أبي عمير، وفي المقام وإن كان رواه عن أبن أبي عمير إلا أن نقله من نوادره غير معلوم. لكن المظنون اعتباره وإن كان الظن لا يغني من الحق شئ، فإن المتن مستقيم جدا بالنسبة إلى الهبة وبالنسبة إلى التفصيل بين ما يؤكل وما يباع، فيشبه أن يكون كلام الأمام عليه السلام، مع أن الناقل ابن محبوب الذي هو من الثقات، مع أنه لعله كان معلوما عندهم أن ما ينقله عن ابن أبي عمير ينقله عن نوادره لا عن شخصه بغير واسطة أو مع الواسطة، وإلا لم يكن وجه للاستثناء المذكور، لأنه إن كان معلوما أنه من نوادر ابن أبي عمير فلا تأثير لأحمد، وإن لم يكن معلوما فلا يكون حجة، فالمقصود كل ما يروي عن ابن أبي عمير، فافهم وتأمل.


(1) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 10 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) راجع اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج 2 ح 1020.

[ 760 ]

[... ] وكيف كان، قد يورد على الاستدلال بالخبرين لجواز الأعطاء من القيمة بأمرين، كما في المستمسك: الأول: أنه لا إطلاق للخبرين يشمل الانتقال إلى البدل بعد الحول، لعدم كونهما في مقام البيان من تلك الجهة، اللهم إلا أن يتعدى باستصحاب الولاية إلى ما بعد الحول (1). أقول: المفروض وقوع المعاملات على ما فيه الربح بالبيع ونحوه وقد صرح في خبر ريان بأن الخمس فيه - أي في ثمن السمك والبردي والقصب وغلة الرحى - من غير فرق بين أن يكون بيعه في السنة أو بعد السنة، والظاهر أنه حكم وليس إذنا في البيوع السابقة. وفرض الصحة في المعاملة ليس من جهة الخمس ليختص بما في الحول، فإنه ليس معلوما في هذا العصر فكيف بذاك العصر الذي لم يكن أصل الحق معلوما وأنه الخمس أو أقل منه، مع أن البيع بعد السنة من حيث الشروع في الاكتساب أو من حيث ظهور الربح غالبي، فالظاهر من الأطلاق هو صحة البيع قبل السنة وبعد السنة وتعلق الخمس بالبدل، وأما الاستصحاب فلا يصار إليه مع عموم عدم جواز التصرف في مال الغير. الثاني: أن مفاد الخبرين جواز إيقاع المعاملة على المال الذي فيه الخمس فينتقل إلى الثمن، ولا يدل على جواز دفع القيمة إلا أن يكون نوعا من المعاوضة، ولا يخلو عن تأمل (2). انتهى. أقول: لا تأمل في أن دفع القيمة بدلا عن العين نوع معاوضة، لكن ذلك لا


(1) المستمسك: ج 9 ص 556. (2) المستمسك: ج 9 ص 555.

[ 761 ]

[... ] يدفع الأشكال - وهو أن المعاوضة التي دل على صحتها الدليل هي الواقعة على المال الذي فيه الخمس لا على نفس الخمس - فلا بد من دفع الأشكال بإلقاء الخصوصية، فإنه إذا صح تبديل الخمس بالثمن في ضمن المال صح تبديله مستقلا، إذ لا فرق بين الصورتين، وصرف ضم ماله إليه لا تأثير له في الصحة. لكن يشكل بأن مقتضى ارتكاز العرف مع كون الخمس في الفائدة أنه إذا انتقلت الفائدة إلى مال آخر فهي الفائدة، والخمس يتعلق بها لا من باب التبديل بل من باب انتقال موضوع الخمس من المثمن إلى الثمن، فإذا باع السمك الذي هو المال الذي فيه الخمس ينتقل أصل المال غير الخمس إلى المشتري وليس ذلك فائدة حتى يكون فيه الخمس، فلا يكون خمسه خمسا مملوكا لولي الخمس فيملكه البائع فينتقل إلى المشتري ويتعلق الخمس بما يملكه البائع بعد ذلك. وهذا المعنى لعله يكون موجبا لنقل الخمس إلى البدل، لا أن يكون نفس الخمس مما يصح تبديله، بل يمكن أن يقال: إن تعلق الخمس بأرباح المكاسب مع التوجه إلى أن بناءها على التبدل في كل يوم وشهر يكون بحسب الدليل الأولي على هذا النحو، وهو مطابق للقاعدة، وهذا غير إعطاء الخمس من الأرث - مثلا - الذي لا يكون من الأرباح ولا من أعواضها. واستدل الشيخ قدس سره أيضا بخبر مسمع بن عبد الملك، فإنه ولى الغوص فأصاب أربعمائة ألف درهم وقد جاء بخمسها ثمانين ألف درهم إلى أبي عبد الله عليه السلام الخارجة من الماء بالضرورة.


(1) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 12 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 762 ]

[... ] والأشكال المتقدم في الخبرين غير وارد هنا، لأن المستفاد منه بمناسبة الارتكازات العرفية شمول قوله: (وقد جئت بخمسها ثمانين) لصورة كون تمام الخمس أو بعضه من مال آخر غير ما هو بدل للذي خرج بالغوص، لكن الأشكال في أنه حيث كان الأمام عليه السلام في مقام التحليل لم يكن وقع للاستفصال، لأنه على كل حال كان حلالا له. فالتحقيق أنه لا دليل على التخيير وولاية المالك على أداء بدل الخمس من مال آخر غير ما يكون ربحا أو بدلا عن الربح، والمقصود من نقل تلك الروايات بيان الأشكال على تعلق الخمس بالعين. لكن في المقام طائفة ثالثة من الروايات تدل على عدم جواز التصرف في الخمس، الظاهرة في الأطلاق من حيث التصرف في مجموع ما فيه الخمس أو خصوص الخمس، بل لعل الأول هو الأظهر، كخبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شئ حتى يصل إلينا حقنا) (1). وهو مؤيد بما عن المفيد في المقنعة، وفيه: (ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شئ حتى يصل إلينا نصيبنا) (1). والظاهر وحدة الخبر، لكون كليهما عن أبي بصير عن أبي جعفر، وعدم الاختلاف في المفهوم صدرا وذيلا إلا في بعض الألفاظ، فراجع وتأمل.


(1) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 5 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المقنعة: ص 280 والوسائل: ج 6 ص 378 ح 9 من ب 3 من أبواب الأنفال.

[ 763 ]

[... ] ومرسل العياشي: (لا يعذر عبد اشترى من الخمس شئ أن يقول: يا رب اشتريته بمالي حتى يأذن له أهل الخمس) (2). وصحيح الفضلاء عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين عليهما السلام، وفيه: (هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل) (3). إلى غير ذلك مما يشبهه (4). والجمع بينها وبين ما تقدم هو تخصيص ذلك بما يستفاد من خبر ريان بن الصلت المعتبر (5)، فإنها عام لمن يعتقد ومن لا يعتقد ولمن كان بناؤه على أداء الخمس أو على عدمه أو كان مرددا في ذلك، وخبر ريان بقرينة المورد والسؤال مورده البناء على أداء ما يجب عليه في المال وسأل أبا محمد عليه السلام عن مقدار ذلك، ولعل السؤال والجهل من باب تحليل مقدار من الخمس في عصر أبي جعفر الثاني كما يظهر من مكاتبة علي بن مهزيار (1)، ومن المعلوم أن بناءه على أداء حق الأمام عليه السلام قدس سرهم صلى الله عليه وسلم (بلغ ما بلغ وإن كان زائدا من الخمس، فإنه من الأجلاء الثقات، فالجمع على هذا المنوال ليس من الجموع التبرعية، بل من باب العام والخاص، فهو جمع عرفي.


(1) الوسائل: ج 6 ص 378 ح 10 من ب 3 من أبواب الأنفال. (2) الوسائل: ج 6 ص 378 ح 1 من ب 4 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: ص 375 الباب 3 وص 378 الباب 4 من أبواب الأنفال. (4) المصدر: ص 351 ح 9 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) المصدر: ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 764 ]

[ ويتخير المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقدا أو جنسا * على ما في العروة. (2) وفيه إشكال، ] فالمحصل أن الخمس متعلق بالعين، وأثره عدم جواز التصرف فيه لمن ليس بناؤه على أداء الخمس ويجوز له التصرف بتبديل المجموع إذا كان بانيا على ذلك. * كما استظهره الشيخ الأنصاري قدس سره ونقل عن حاشية المدقق الخوانساري نسبته إلى مذهب الأصحاب واستدل بما تقدم نقله من خبر الأزدي وحسن ريان ابن الصلت أو الصحيح وخبر أبي بصير وخبر مسمع بن عبد الملك (3) المتقدم كل ذلك في التعليق السابق. وقد مر الأشكال فيه وعدم الدلالة على جواز التبديل، والدليل يدل على جواز تبديل المال الذي فيه الخمس لا على تبديل نفس الخمس بالبدل الواقعي من المثل أو القيمة أو بالقيمة مطلقا أو بما يعادله من مال آخر كما في المتن. ويمكن الاستدلال لذلك بما ورد في باب الزكاة، كقول أبي جعفر الثاني عليه السلام المعتبر في مورد السؤال عن شراء الثياب والطعام لهم فقال: (لا بأس) (4) بضم مادل على أن الخمس عوض عن الزكاة (5). ولا يخفى ما فيه من الضعف لان العوضية غير المماثلة في جميع الجهات.


(1) كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 75. (2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 278. (3) الوسائل: ج 6 ص 114 ح 1 من ب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضة. (4) المصدر: ح 4. (5) الوسائل: ج 6 ص 358 و 359 ح 8 و 9 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس.

[ 765 ]

[... ] كما لا يخفى. وأقوى من ذلك: الاستدلال له بخبر إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في الفطرة يجوز أن اؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميتها؟ قال: (نعم، إن ذلك أنفع له، يشتري ما يريد) (1). وفيه إشكال من وجوه: الأول: عدم وضوح السند، من حيث استثناء ابن الوليد ما يرويه محمد بن عيسى عن يونس من رجال نوادر الحكمة، والخبر من هذا القبيل. الثاني: عدم صراحته في التعليل ولا ظهور فيه. نعم، هو غير الحكم، فيمكن أن يكون حكمة للحكم - أي ذكر بعض جهاته - فيمكن أن يكون كونه صدقة دخيلة في ثبوت الولاية للمعطي مستقلا، بخلاف الخمس الذي هو كرامة. الثالث: أنه يمكن أن يكون في مقام بيان الاستحباب مع بيان جواز أصل التبديل بقوله (نعم)، فكأنه قال: يجوز، بل يكون أرجح، لأن ذلك أنفع. الرابع: أنه على فرض كونه علة يمكن أن يكون علة في مقام الأثبات فيكون المقصود أن أنفعية القيمة دليل على رضاه بالتبديل، لا أن يكون علة للولاية على وجه الاستقلال. الخامس: أن كونه علة في مقام الثبوت مستلزم للالتزام بما لا يلتزمون به من سراية الحكم إلى الكفارات وكل ما يتلف وكل ما يضمن، فليس في المثلي المثل، بل لا بد أن يقال في الكل بالقيمة وتقييد الحكم بما إذا كانت القيمة أنفع، فلو كان


(1) الوسائل: ج 6 ص 241 ح 6 من ب 9 من أبواب زكاة الفطرة.

[ 766 ]

[ فالأحوط بل لعله الأقرب أن يرضى مستحق الخمس بالمبادلة. ولعله يكفي في ذلك رضاه بأخذه من باب الخمس * وإن كان رضاه من باب تخيل أنه من عين الربح أو يعلم أنه ليس عينه ولكن يتخيل أن له حق التبديل * *، لكن الأحوط الرضا بعنوان التبديل أو إطلاق الرضا بالنسبة إلى صورة التبديل وعدمه. وأحوط منه الرضا بعنوان الولاية وأن التبديل لابد أن يكون برضاه أيضا، بأن يعطيه بعنوان كونه بدلا عن الخمس ويأخذ بذاك العنوان أو يكون راضيا حين الأخذ على كل حال. وعلى ما قلنا لو لم يرض بذلك وطالب المالك بعين ما فيه الخمس - الذي في الأرباح وهو الأعم من الربح الأول وبدله - لم يكن للمالك أن يعطيه من غيره. مسألة: الظاهر جواز التصرف في الربح قبل حلول الحول بالصرف في المؤونة. ولعل الظاهر عدم الفرق بين الناوي لأداء الخمس أو غيره * * *. مسألة: لعل الظاهر جواز الاتجار بالربح في أرباح المكاسب في ] في وقت ضيق الطعام يكون نفس الطعام أنفع، وربما كان بعض الأطعمة أولى من نفس القيمة وأنفع، وكذلك بعض الثياب، فلا يمكن الاستدلال بذلك ولا بغيره مما تقدم في جواز الأبدال بالقيمة فكيف بغيرها من سائر الأموال! * فإنه حصل الرضا من كل من المالك والمستحق، والحق لا يعدوهما. * * لحصول الرضا فعلا ولو كان مقيدا، وكان حصوله من باب تخيل وجود القيد كما هو مبنى بناء العرف والشرع في المعاوضات والهبات والصدقات حتى مع الشرط، فإنه يصح المعاملة إلا أنه له الفسخ في بعض الموارد. * * * لأن الخمس بعد المؤونة، فما يصرفه ليس فيه الخمس، والخمس في غيره.

[ 767 ]

[ الحول ولا يجب عزل مقدار الخمس والاتجار بالباقي *. مسألة: لعل الظاهر عدم الاشتراك على فرض الخسران، فلو ربح في مكاسبه خمسين وكان رأس ماله مائة ثم خسر فيها في معاملات اخر ذلك الخمسين فلا خمس عليه ولا يشرك في المائة صاحب الخمس * *. ] * جواز الاتجار من الضروريات، وإلا لزم التعطيل بمجرد ظهور أول الربح. وأما عزل مقدار الخمس من الربح فقال الشيخ الأنصاري قدس سره في رسالته في الخمس: إنه لم يلتزم به أحد لا فتوى ولا عملا (1). وفي كلام صاحب الجواهر: جواز الاتجار من دون العزل مفروض (2). وهو أيضا مفروض في خبر ريان بن الصلت (3) والمكاتبة (4) الظاهرة القريبة بالصريح في الاتجار والتبديل من دون العزل، كما نوضحه إن شاء الله تعالى. * * خلافا لما نسبه الشيخ الأنصاري قدس سره إلى بعض مشايخه (1). والوجه في ذلك أن الظاهر من المكاتبة - المصرحة بأن الخمس يؤخذ في كل سنة بعد المؤونة (2) - أن الربح يلاحظ بالنسبة الى مجموع السنة وليس كل ربح موضوعا مستقلا للخمس، وكذا ما ليس فيه عنوان السنة بل فيه استثناء مؤونة الشخص أو الشخص وعائلته، كخبر أبي علي بن راشد، (3) فإن المقصود بحسب


(1) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 281. (2) الجواهر: ج 16 ص 55. (4) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 9 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) المصدر: ص 349 ح 5. (5) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 282. (6) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (7) المصدر: ص 348 ح 3.

[ 768 ]

[ ولعل الظاهر أيضا عدم الاشتراك في الربح الحاصل في أثناء السنة، فلو ربح ستمائة وكانت مؤونته مائة وقد أخذها واتجر بالباقي من غير فصل معتد به فربح خمسمائة كان الخمس مائتين، لا مائتين وثمانين *. ] متفاهم العرف مؤونة سنته مع كفاية رأس ماله بمؤونة كل سنة كما يظهر من المكاتبة (4)، وسنوضحه إن شاء الله في الفرع الاتي. * كما في الجواهر في مبحث أرباح المكاسب، نظرا إلى أن الخمس في الخمسمائة الاولى هي المائة ويتبعها نماؤها وهو المائة أيضا، فيكون الباقي من الربح الثاني الذي للمالك أربعمائة وخمسها ثمانون (5). وجه عدم صحته ظهور ما اشير إليه من الأخبار - في التعليق المتقدم - في ملاحظة نسبة الربح إلى مجموع السنة مضافا إلى مالك المال الذي له رأس المال أو يعمل بيده، فالموضوع للخمس هو الربح الحاصل من عمله مع قطع النظر عن تعلق الخمس أو ولو مع تعلق الخمس لكن كان الصادق عليه أنه ربح ماله ولو بالواسطة، ولا ريب أن ربح ماله ولو بواسطة الربح الأول الذي فيه الخمس يكون في المثال ألفا وخمسه مائتان. لكن الأنصاف أن هذا التقريب غير واضح، فإن الربح المضاف إلى السنة: إن فرض أنه هو ماكان ربحا لمال المالك ولو مع الخروج عن ماله - بأن وهب بعض ربحه إلى غيره واتجر بالمجموع بإذنه - فهو غير صحيح، بل لا بد أن يكون مالكا للربح حتى يتعلق به الخمس. وإن فرض أن الموضوع للخمس هو ماكان ربحا للسنة بشرط عدم حصول شركة في الأثناء ولو من ناحية الخمس فالربح الذي حصل له في السنة من دون


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الجواهر: ج 16 ص 55.

[ 769 ]

[... ] الشركة هو الخمسمائة الاولى وخمسها مائة والأربعمائة الثانية وخمسها ثمانون. وإن فرض أن الموضوع للخمس هو الربح الحاصل للمالك وكونه ملكا للمالك مع قطع النظر عن تعلق الخمس فيتم الدليل، إلا أنه يعارض دليل تبعية الربح للأصل. ويمكن الجواب عن التعارض بوجوه: منها الرجوع إلى الاستصحاب بعد التعارض. ومنها أنه إذا كان مقتضى الدليل عدم تبعية النماء للأصل في المقام نقول به من باب فرض جواز التصرف، ولا فرق في ذلك بين التصرف بنحو الشركة أو التصرف بأن يجعل ما يعادل قيمة الخمس له، لأن كليهما مشتركان في كونهما على خلاف قاعدة عدم التصرف في المال إلا بإذن صاحبه، والمرجح هو الأخذ بدليل الخمس من غير تعارض، إلا أن الفرض خلاف الظاهر، إذ الظاهر أن الخمس متعلق بربح مال المالك، لا بالأعم منه ومال شريكه ولو بالنظر إلى دليل الخمس، فالدليل غير واضح. ويمكن الاستدلال على ذلك بأن الموضوع للخمس هو الغنيمة الباقية من أول السنة إلى آخرها، وبعد النقل لا يكون الخمسمائة غنيمة باقية بل الغنيمة الباقية بدلها، فالخمس ينتقل من المبدل إلى البدل ويملك المالك جميع الخمسمائة وينتقل إلى المشتري من ملك المالك بعد ارتفاع عنوان الخمس منها، فيكون الخمس في المثال مائتين. ويدل على ذلك من دون شبهة مكاتبة علي بن مهزيار (1) المستفاد منها تعلق الخمس بالبدل وأن الضياع بما لها من الحبوب والفواكه ليس فيها نصف السدس


(1) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 770 ]

[ ولا فرق بين الباني على إعطاء الخمس وغيره من حيث جواز الاتجار أولا، وعدم الاشتراك في الخسران ثانيا، وعدم الاشتراك في ] وأن الذي لا يأخذ خمسه منا منه عليهم ليس نفس الخادم والأناء وغير ذلك مما في المكاتبة، وربما يكون المبدل في أول ظهور الربح بل بعد حصاده قيمته ستمائة فيأخذ المؤونة وترتفع قيمته السوقية فيبيع الخمسمائة الباقية ألفا، والظاهر القريب بالصريح أن إرسال نصف السدس من القيمة التي هي الألف بلا إشكال. وخبر ريان بن الصلت أظهر من ذلك، بل لو كان ربح التجارة الواحدة موردا للاسترباح وموجبا للشركة فإذا فرض النقل والانتقال في كل يوم وحصول الربح بمئات من التجارات فلا يمكن عادة حساب الشركة، لأن كل تجارة ربح وفيه خمس وفي خمسه ربح، وكذا في النماءات الخارجية، فإن القصب إذا صار بمقدار ذراع كان ربحا مثلا فخمسه لولي الخمس، فالذراع الثاني مشترك بينه وبين صاحب الخمس يتبعه خمس الذراع الثاني وربحه أربع أجزائه الاخر، بل في كل شبر يكون ذلك الحساب، وكذا بالنسبة إلى ارتفاع القيمة السوقية. ولا فرق في تبعية النماء بين الفروض المذكورة، وذلك مما يقطع بخلافه، فإن حساب ذلك في النماءات التدريجية والتجارات التدريجية والارتفاعات التدريجية غير ممكن عادة ولم يقع في سؤال أحد ذلك وينافي الشريعة السهلة السمحة، وهذا أصعب جدا من إعطاء خمس الربح في كل تجارة من دون التأخير. فالمسألة بحمد الله تعالى وحسن توفيقه واضحة جدا، فإنه مقتضى أدلة الخمس الظاهرة في الأبدال أو الصريحة في ذلك، خصوصا ماكان الموضوع فيه التجارة، كخبر أبي علي (1) وما في المكاتبة من تحليل الخمس في التجارات (2).


(1) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 349 ح 5.

[ 771 ]

[ الربح ثالثا *. هذا كله بالنسبة إلى أرباح المكاسب في الحول، وأما بالنسبة إلى ما بعد الحول فيها فيمكن القول بذلك أيضا مع البناء على إعطاء الخمس ووجود العذر الشرعي في التأخير * *، وكذا بالنسبة إلى مثل الكنز والمعدن * * *. ] * فإن خبر ريان (3) وإن كان غير شامل لصورة عدم البناء على أداء الخمس لأنه في مورد خاص، لكن ظهور المكاتبة (4) وما دل على أن الخمس بعد المؤونة (5) الظاهرة في المؤونة السنوية بضم ما تقدم من المحذورات والأشكالات كاف في القطع بعدم كون الحكم الشرعي ذلك. * * لأطلاق مورد خبر ريان بن الصلت (6) الحاكم بأن الخمس في ثمن البيع. * * * لألقاء الخصوصية قطعا، فإن المعدن والكنز والغوص من الغنائم، بل هي أشبه بالموارد المذكورة بالنسبة إلى أرباح التجارات الحاصلة بالنقل والانتقال في كل يوم أو اسبوع، لأن مورد خبر ريان بن الصلت (1) هو القصب والبردي الذي يشبه معدن الملح من حيث كونه أمرا ثابتا، وربما كان مالكيته له بالحيازة كالمعادن الظاهرة. وغلة الرحى أمر ثابت، بل قد مر منا سابقا أن عدم استثناء مؤونة السنة من ذلك غير واضح. والكنز والغوص والمعدن داخل في المكاسب، ويدل عليه ما تقدم من الخبر من أنه لا خمس إلا في الغنائم (2)، وأن ما ذكر


(1 و 4 و 5) الوسائل: ج 6 ص 351 ح 9 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 349 ح 5. (3) المصدر: ص 348 الباب 8 وص 354 الباب 12. (6) تقدم في ص 143.

[ 772 ]

[ وأما المختلط بالحرام فالظاهر عدم حلية التصرف في الحول فكيف بما بعده *، وإن اتجر كانت المعاملة فضولية بالنسبة إلى المقدار الحرام المجهول، فإن أجازها الحاكم يتبعه الربح بالنسبة إلى ذلك * *. ولا فرق في ذلك بين أن يصرف في المؤونة أو غيرها * * *. الظاهر عدم جواز الاتجار بالخسران حتى في الحول عمدا إذا لم يكن ذلك من مؤونته عرفا * * * *. ] في الروايات من باب كونه من مصاديق الغنيمة (3). * لأنه لا يمكن الحكم بذلك من باب خبر ريان بن الصلت والمكاتبة الواردة في الضياع والأرباح تحليلا وإيجابا، المنصرف عن المال المختلط بالحرام - بمعنى عدم التعرض له أصلا - فمقتضى العلم الأجمالي بوجود الحرام عدم جواز التصرف لا بالاتجار ولا بالتصرف. * * لعدم كون الخمس فيه، بل يكون إعطاء الخمس محللا لما فيه من الحرام، فالوجه في فضولية المعاملة عدم دلالة الدليل على جواز التصرف بالاتجار، والوجه في الشركة في الربح تحقق الشركة في المال، والربح يتبعه، من دون دلالة دليل على خلاف القاعدة المذكورة. وربما يأتي الكلام في الفضولية بعد ذلك. * * * لعدم استثناء المؤونة منه، فإن المستثنى منه هو الخمس، وليس فيه الخمس قبل الأعطاء بل الأعطاء محلل له. * * * * كأن كانت المعاملة الخسرانية لتأمين معيشة من يهم أمره أو مساعدته كأخيه واخته، فحينئذ يكون ذلك من مؤونته عرفا كالهبة لولده أو أقربائه. والوجه لعدم الجواز في غير فرض المستثنى أنه تصرف في مال الغير من


(1) تقدم في ص 144.

[ 773 ]

[ فإذا اتجربه تكون المعاملة فضولية ويجوز للحاكم إجازتها بشرط أخذ الباقي منه * أو جعله عليه وقبوله. وأما الخسران من دون التقصير فلا يوجب شئ عليه، لأنه لا يصدق الغنيمة بالنسبة إلى الحول. ومنه يظهر حكم التلف أو الأتلاف غير العمدي، من جهة عدم الضمان وأن الأتلاف العمدي غير جائز من جهتين: الأسراف والتصرف في مال الغير * *. مسألة: الظاهر أنه لا يجوز التصرف في الخمس بعد الحول إذا لم يكن له عذر في التأخير أو كان ولم يكن بانيا على الأداء، ] دون الأذن، لأن الأذن الثابت في الاتجار من خبر ريان والمكاتبة وغيرهما محمول على النقل والانتقالات المقصود بها المعاملة، وفي المفروض تكون المعاملة صورية، والمقصود الأصلي هو المحاباة، فالمعاملة حينئذ تصير فضولية إذا وقعت على عين المال الذي فيه الخمس. * فإن مقدارا من الربح الذي في البدل موضوع للغنيمة المتبدلة من حيث الأفراد، والباقي يتلف بالبيع والأجازة فيضمنه البائع، والأتلاف وإن كان مستندا إليهما إلا أنه جعل الحاكم الضمان عليه في ضمن الأجازة وأنه قبل ذلك. * * فالتصرف المضر بالخمس إما بنحو الاتجار بالخسران وإما بنحو الأتلاف، وكل منهما إما أن يكون عن قصور وإما أن يكون بنحو العمد إلى ذلك، والعمد إما أن يكون بنحو يكون ذلك الخسران والضرر مما يصرف في المؤونة وإما لا يكون كذلك، فتلك صور ستة. وعدم الجواز والضمان منحصران بالاتجار مع الخسران والأتلاف العمدي غير المصروف في المؤونة. إن قلت: الموضوع للخمس إما أن يكون هو الغنيمة الباقية إلى آخر الحول أو الغنيمة الحاصلة في الحول، فإن كان الأول فلا خمس في صورتي الأتلاف

[ 774 ]

[ من غير فرق بين أن يصرفه في مؤونته أم لا *. ] والخسران العمديين، لعدم بقاء الغنيمة، وإن كان الثاني فلا بد من الحكم بالخمس حتى في صورة القصور وغير العمد. قلت: الموضوع هو الغنيمة الحادثة في السنة المستقرة في اليد بحيث لا تخرج عن يده إلا بالعمد والاختيار، فيرتفع الأشكال. والمقصود من الغنيمة الحادثة هي كلي الغنيمة الصادقة على الأفراد المتبادلة في التحقق لكن بشرط الاستقرار في اليد، فلا يخرج عن يده بالفسخ من طرفه أو بالغفلة. وأما العمد فلا ينافي الاستقرار. والله العالم. * أما عدم جواز التصرف فيه في غير المؤونة من الاتجار وغيره فهو مقتضى عموم أدلة عدم جواز التصرف المتقدمة (1) ومقتضى عموم دليل عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه (2). وأما عدم الجواز في صورة الصرف في المؤونة فلأن الجواز مبني إما على كون الموضوع للخمس ربح العمر والمستثنى منه مؤونة العمر، وهذا خلاف الضرورة، لأن مقتضاه جواز التأخير إلى آخر العمر إذا كان بانيا على الصرف في المؤونة بتوسعة الدار والمتاع والشروع في الأسفار والسياحات، وخلاف صريح قوله عليه السلام في المكاتبة: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام)، (1) وإما على كون المستثنى من الربح في كل سنة في مقام تعلق الخمس هو الربح الذي لا يصرف في المؤونة في السنة أو في ما بعد السنة، وذلك لعدم تحديد المؤونة المستثناة لمؤونة السنة. وهو مردود أيضا بوجوه:


(1) في ص 762 و 763. (2) مثل ما في الوسائل: ج 17 ص 309 ح 4 من ب 1 من أبواب الغصب. (3) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 775 ]

[ فروع في التلف والأتلاف من حيث الضمان الأول: لو أتلف المالك الخمس بعد الاستقرار - بحلول الحول في الأرباح ومن دون اشتراط في غيرها على المشهور بينهم - فلا إشكال في الضمان مطلقا *، إنما الأشكال في أن ضمانه هل يكون كضمان سائر المتلفات فيكون مضمونا بالمثل في المثلي والقيمة في القيمي أو يكفي ] منها: أنه يلزم أن لا يجب الخمس في كل عام إذا كان بناؤه على صرف ربح السنة الاولى في مؤونة السنة الثانية. وهو خلاف الضرورة أيضا. ومنها: أن مقتضى العام الاستغراقي وجوب الخمس في كل سنة، وبقاء الوجوب في السنة التالية من باب أن مقتضى بناء العقلاء على بقاء الحق ما لم يوف به، ومقتضى الاستثناء هو الاستثناء بالنسبة إلى المجعول من دون نظر إلى السنوات الاخر، ومقتضاه استثناء مؤونة سنة الربح لا مطلق السنين. ومنها: منافاته للمكاتبة الدالة على وجوب الخمس في كل عام، فافهم وتأمل. ومنها: أنه على فرض كون المستثنى هو مؤونة العمر فليس المقصود هو إخراج المؤونة من نفس ربح السنة الاولى، فإن المؤونة المستثناة هي المصارف التي تصرف في معيشته كانت من الربح أو من غيره، فإذا فرض أن له ربح في السنة الثانية كافية بمؤونة السنة فالربح فيه الخمس، لأنه فاضل عن مؤونته. نعم يبقى الأشكال في مسألة من لا يفي ضيعته مثلا بمؤونته وتقدم الكلام فيه وربما يأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه، وله وجه قوي في عدم وجوب الخمس كما تقدم، وهو غير الفرض، فالمسألة واضحة بحمده تعالى. * أي من غير فرق بين الصرف في المؤونة وغير ذلك ومن غير فرق بين أن

[ 776 ]

[ أداء مال آخر غيرهما؟ * ] يكون الأتلاف عمديا أو غيره، فإنه مقتضى حكم المغصوب الواضح الوارد في الأدلة الكثيرة التي منها صحيح أبي ولاد المعروف (1). والمشهور بينهم التمسك بعموم (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (2) من حيث إن الحكم بالضمان على فرض التلف داخل في إطلاقه. وهو مشكل بملاحظة الغاية الظاهرة في صورة الوجود. ويمكن تقريب دلالته بأنه بعد فرض دلالته على ضمان المنافع غير المستوفاة فضمان العين لا سيما في صورة الأتلاف أولى من حيث الضمان، كما هو واضح. هذا، مضافا إلى (قاعدة من أتلف) المستخرجة من الأخبار الكثيرة. وهذا لا إشكال فيه. * الظاهر أنه على المعروف بين المتأخرين من (جواز الأداء من مال آخر في صورة وجود العين) يجوز أيضا في صورة تلفه. والوجه فيه أمران: أحدهما: الأولوية، فإنه إذا كان أداء المال الاخر الذي ليس بدلا واقعيا للخمس مجزيا في صورة وجود العين وإمكان أداء نفس الحق ففي صورة الأتلاف أولى بالأجزاء. ثانيهما: أن ذلك مقتضى البدلية، فإن المالك كان له حق التبديل بالنسبة إلى العين فمقتضى البدلية ثبوت ذلك الحق له، كما أنه لو أتلفه الغير كان


(1) الوسائل: ج 17 ص 313 الباب 7 من أبواب الغصب. (2) المستدرك: ج 14 ص 7 ح 12 من ب 1 من أبواب كتاب الوديعة.

[ 777 ]

[ ولعل الظاهر لزوم أداء المثل في المثلي والقيمة في القيمي *. ويجوز أداء غيرهما برضا صاحب الخمس كما تقدم في صورة وجود العين. الثاني: الأتلاف العمدي غير المصروف في المؤونة والفاضل عن المؤونة قبل استقرار الخمس بحكم الأتلاف بعد الاستقرار * *. الثالث: التلف القهري في الحول غير موجب للضمان * * *. الرابع: التلف بعد استقرار الخمس إذا لم يكن معذورا في التأخير موجب للضمان * * * *. ] مقتضى البدلية ذلك. هذا على المشهور، وأما بناء على ما استفدنا من الأدلة من (عدم ثبوت التخيير في التبديل في صورة وجود العين إلا في ضمن الربح) فيكون الغنيمة هي البدل فلا وجه لأجزاء غير المثل والقيمة. * كما تقدم في التعليق السابق، فإن التخيير مع وجود العين غير ثابت إلا بتبديل الغنيمة بغنيمة اخرى، ومع فرض إتلاف المالك لا غنيمة في البين حتى ينتقل الخمس إليها، كما لا يخفى. * * لأن الغنيمة متعلقة للخمس في أثناء الحول بشرط كونها فاضلة عن مؤونة السنة وبشرط بقاء صدق الغنيمة على ما أفاد، ولذا يشترط فيها الشرطان، فإنه إن كان الأتلاف بنحو الخطأ فهو بحكم التلف والخسران فلا يصدق عليه غنيمة السنة بنحو الاستقرار، وإن كان بنحو العمد وكان مصروفا في المؤونة فلا يتعلق به الخمس. * * * قد ظهر وجهه مما علق على الفرع السابق، فإن التلف القهري بحكم الخسران فلا يكون موردا للخمس، لعدم صدق غنيمة السنة الملحوظة بالنسبة إلى مجموع ما حصل في السنة، فهو كفسخ البيع الخياري. * * * * لكونه غصبا والمغصوب مضمون، لدلالة غير واحد من الأدلة على

[ 778 ]

[ الخامس: هل التلف بعد استقرار الخمس إذا كان المالك معذورا في التأخير لا يوجب الضمان مطلقا، أو يوجبه مطلقا، أو يفصل بين صورة الأذن في التصرف والاتجار وغيرها، أو يفصل بين كون الأذن من جانب الله فقط أو كان من جانب ولي الخمس، أو يفصل بين كون الأذن المفروض في التأخير لمصلحة المالك أو لمصلحة صاحب الخمس؟ وجوه *. ] ذلك التي منها صحيح أبي ولاد (1)، إذ لا خصوصية للدابة والشخص الخاص. ومنها حديث (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (2) بتقريب دلالته على ضمان المنافع حتى غير المستوفاة، فيدل على ضمان العين بالأولوية، كما تقدم في الفرع الأول من تلك الفروع. ومنها ما دل على الضمان في الأمانات إذا تخلف أمر صاحب المال فتلف (3). إلى غير ذلك (4). فلا إشكال في هذا الفرع أصلا. * فيمكن أن يقال بعدم الضمان مطلقا حتى في فرض عدم جواز التصرف، بأن لا يكون بانيا على أداء الخمس أولا، وعدم الأذن المالكي من طرف صاحب الخمس أو وليه - أي الحاكم الشرعي على فرض ولايته بالنسبة إلى الخمس - ثانيا، وعدم تحقق الأذن الألهي الشرعي من باب ملاحظة مصلحة المالك - كدفع الضرر والحرج عنه - ثالثا. والوجه في ذلك مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان). وقال: (ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن) (1).


(1) الوسائل: ج 17 ص 313 الباب 7 من أبواب الغصب. (2) عوالي اللالئ: ج 2 ص 345 ح 10 من باب القضاء. (3) راجع الوسائل: ج 13 ص 229 الباب 5 من أبواب الوديعة. (4) راجع المصدر: ص 271 الباب 29 من أبواب الاجارة. (5) الوسائل: ج 13 ص 237 ح 6 من ب 1 من أبواب العارية.

[ 779 ]

[ فروع في التلف والأتلاف الأول: الأتلاف قبل استقرار الخمس في غير المؤونة إذا كان عن عمد وبعد استقرار الخمس مطلقا موجب للضمان. الثاني: التلف بعد الاستقرار في فرض عدم الأذن في التأخير موجب له أيضا، لأنه غصب. الثالث: التلف في فرض الأذن في التأخير لمصلحة المالك من باب العسر أو الضرر مع فرض عدم جواز التصرف هل يوجب الضمان أم لا؟ فيه وجهان، لعل الأظهر عدم الضمان *، ] * يمكن الاستدلال على عدم الضمان بما استدل به في المستمسك (2) - في باب الأجارة بعد تمامية مدتها والتخلية بين العين والموجر - الدال عرفا على الاستيمان، من صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان). وقال: (ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والبضاعة مؤتمن) (3). والاستدلال بذلك يتم بامور: منها: كون المأذونية أعم من مصلحة صاحب المال أو من بيده المال، وهذا حاصل في المقام قطعا، فإن المستعير مأذون لمصلحة نفسه والمستودع مأذون لمصلحة صاحب المال. ومنها: كون الايتمان أعم من المالكي والشرعي، وهو مقتضى الأطلاق.


(1) ج 12 ص 69. (2) الوسائل: ج 13 ص 237 ح 6 من ب 1 من أبواب العارية.

[ 780 ]

[... ] ومنها: أن يكون قوله: (وصاحب العارية والبضاعة مؤتمن) بمنزلة التعليل لعدم الضمان واقعا في صورة التلف. ومنها: كون المقصود بالايتمان هو التسليط مع الرضا ولو لم يكن موردا للأمن، كالعارية لرحمه القريب الذي يظن به السوء، أو الوديعة عند من لا مفر من التوديع إلا إليه، كما إذا كان صاحب المال في حال الموت فيدور الأمر بين تلف المال أو الأيصال إلى ورثته بوسيلة من يتحمل ذلك ولا يعتمد عليه، وهو الذي يظهر من تعليق الأصفهاني قدس سره (1) على المكاسب، أو كون المقصود هو الايتمان بحسب النوع ولو لم يكن في نفس المورد مؤتمن. لكن الأنصاف أن الأمر الثالث - وهو التعليل في الرواية - غير ظاهر، بل ظاهر العطف بالواو: عدم التعليل وكونه في مقام بيان حكم آخر. والأظهر أن يكون المقصود بالجملة التي قبله عدم الضمان الواقعي عند التلف، لأن الظاهر من عدم الضمان هو عدمه واقعا، ومن الجملة الثانية المعطوفة بالواو هو عدم الضمان في مرحلة الظاهر بأن يكون التعدي أو التفريط محتملا في حقه، فإنه مقتضى بعض الروايات، كخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام (ليس لك أن تتهم من ائتمنته) (2). والأصحاب بين من أفتوا بقبول قوله من دون يمين مطلقا - كالشيخ والصدوق وابن حمزة - وبين من يقول بأنه مقبول القول باليمين مطلقا وبين من فصل بين صورة التهمة وعدمها على ما في الجواهر (3). والظاهر من الايتمان هو المأمونية لا مطلق التسليط مع الرضا، لكن لا يبعد


(1) ج 1 ص 85 (في المقبوض بالعقد الفاسد). (2) الوسائل: ج 13 ص 233 ح 1 من ب 9 من أبواب الوديعة. (3) ج 27 ص 147 و 148.

[ 781 ]

[... ] أن يقال بكفاية الايتمان النوعي ولو لم يكن في شخص المورد، وإلا يشكل العارية بالنسبة إلى غير المأمون إذا قطع بعدم الخيانة، وكذا الوديعة. والأولى الاستدلال لذلك بما رواه في الوافي عن التهذيب عن الحسين عن الثلاثة وعن الصدوق - وسنده معتبر - بإسناده عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرق، قال: (هو مؤتمن) (1). فإن المفروض هو فرض السرقة وعدم خيانته، واحتمال الأهمال في الحفظ مدفوع بالأطلاق. وظهوره في بيان الصغرى لدخوله في كبرى (كل مؤتمن غير ضامن) واضح. نعم، يبقى إشكال ظهوره في الايتمان الفعلي ولو بنحو الظن لاعدم الاطمينان أصلا، ويمكن منع ذلك. ويمكن أن يقال: إن الحكم بالضمان في صورة التلف القهري مع فرض الأذن من صاحبه ضرر على الضامن مدفوع بحديث نفي الضرر، ولا يتعارض الضرران، لعدم توجه الضرر إلى الضامن بل إلى صاحب المال، ولا فرق عرفا وعقلا بين تلف المال عند نفسه وبين تلفه عند المأذون من دون تقصير منه. مع أن حديث (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (2) لا يدل على ضمان العين، لوجود الغاية الظاهرة في فرض وجود العين، ودلالتها على ضمان المنافع مطلقا حتى غير المستوفاة لا يلازم ضمان العين، فالأصل براءة الذمة عن الضمان في صورة الأذن.


(1) الوافي: ج 18 ص 877 ح 8 من ب 143. (2) المستدرك: ج 17 ص 88 ح 4 من ب 1 من أبواب الغصب.

[ 782 ]

[ ولكن الأحوط هو الضمان. وأما مع فرض سبق الرضا واستصحابه فالظاهر هو الضمان *. ومن ذلك يظهر وجه عدم الضمان في فرض الأذن في التصرف مع الأذن في التأخير سواء كان لمصلحة المالك أو لمصلحة ولي الخمس، وكذا صورة عدم الأذن في التصرف وكان الأذن في التأخير لمصلحة ولي الخمس، وصورة الأذن من ولي الخمس من الحاكم الشرعي أو الهاشميين، فإن كل ذلك أولى بعدم الضمان * *. ] * وذلك لوجهين: الأول: بناء العقلاء على عدم الاكتفاء بالاستصحاب، بل لا بد من الأذن أو تحصيل العلم بالرضا ولو من باب السكوت، وإلا لم يكن فرق بين استصحاب الرضا وأصالة الحلية في صورة الشك في الرضا. ثانيهما: صحيح أبي ولاد (1) المعلوم احتمال رضا صاحب البغل بالتعدي عن مورد الأجارة مع أداء الاجرة أو شموله لذلك قطعا، ولا يمكن حمل ذلك على صورة القطع بعدم الرضا، لأنه فرد نادر بالنسبة إلى من يكتري البغل الذي لا يريد إلا كراء بغله نوعا، وعدم الرضا بالتأخير من باب توليد احتمال الهلاك لا ينافي الرضا بالتصرف على تقدير الوجود وإعطاء كراء بغله. * * نعم، قد يعارض صورة الأذن الشرعي بما رواه في الوسائل بالسند الصحيح عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عن جعفر عن أبيه عليهم السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول في الضالة يجدها الرجل فينوي أن يأخذ لها جعلا فتنفق، قال: (هو ضامن، فإن لم ينو أن يأخذ لها جعلا ونفقت فلا


(1) الوسائل: ج 17 ص 313 الباب 7 من أبواب الغصب.

[ 783 ]

[... ] ضمان عليه) (1). ومقتضى ذلك بعد إلقاء الخصوصية أن الأذن الشرعي رافع للضمان إذا كان ذلك لمصلحة خصوص صاحب المال لا لمصلحة نفسه فقط أو للأعم. لكن ذلك مردود من وجوه: منها: عدم العثور على العامل به. ومنها: أن الغالب في من يأخذ الضالة لأن يردها إلى صاحبها مع الجعل أو بلا جعل إنما هو العثور عليها في العمران، ومقتضى النص والفتوى عدم جواز أخذ الضالة في العمران - إلا إذا أراد الأحسان كما إذا كان الحيوان في معرض الخطر لمرض ونحوه أو كان قاطعا برضا صاحبه - فلم يكن مأذونا من قبل الشارع ولم يحرز رضاية المالك أيضا حيث يتخذها لنفسه. هذا. مع أن السند لا يخلو عن إشكال، لحسين بن زيد، فإنه قد تعرض له مثل الشيخ والنجاشي ولم يصرحوا بوثوقه مع أنه حارب مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن مع ورود الأمر بالسكون والاتقاء ما سكنت الأرض والسماء من الصادق عليه السلام على ما نقل (2)، مع أن المتن لا يخلو عن خلاف الأدب، فإن أصحاب أبي عبد الله لا ينقلون عنه على ما هو ببالي بلفظ (جعفر) بل الجابر الجعفي يقول حد ثني وارث علوم الأنبياء على ما هو ببالي. وأما ما جعله المحدث النوري دالا على وثاقته فليس إلا نقل ابن أبي عمير ويونس وأبان عنه، ونزيد أنه من مشايخ الفقيه، مع أن المتن لا يخلو عن اضطراب، لقوله: (كان... يقول) وقوله (قال)، فلعل أمير المؤمنين قاله في مورد خاص غير مؤتمن.


(1) الوسائل: ج 17 ص 369 الباب 19 من أبواب اللقطة. (2) البحار: ج 47 ص 273 ح 13 وج 52 ص 188 و 189 ح 16 و 17.

[ 784 ]

[ مسألة: قد يقال بتعلق الخمس بالمال على نحو الأشاعة *. ] * كما عن غير واحد من علماء العصر ومن قارب عصرنا، وهو الذي يظهر من الجواهر في ذيل مسألة خمس أرباح المكاسب، فإن فيه: ضروره اشتراك ذوي الخمس معه وإن كان له تأخير الأداء (1). وهو الذي استظهره في المدارك عن عبارة الأصحاب في الزكاة على ما في مصباح الفقيه (2). وقد احتمل صاحب المصباح في تعلق الزكاة وجوها: الأول: ما ذكر من الشركة الأشاعية الحقيقية. ثانيها: الكلي في المعين. ثالثها: أن يكون كحق غرماء الميت بالتركة، فإنه مورد لهذا الحق لا يجوز النقل والانتقال والتقسيم حتى يؤدى حقه ولو من غير هذا المال، سواء كان المؤدي هو المالك أو غيره، وليس الدين متعلقا بذمة الورثة، بل لا يقسم المال حتى يؤدى الدين من التركة أو غيرها. رابعها: أن يكون كحق الرهانة، فهو متعلق بالذمة والعين مرهونة لها. خامسها: أن يكون من قبيل حق الجناية. وقيل في الفرق بينهما بأن الأول مانع عن النقل والانتقال دون الثاني. سادسها: أن يكون من قبيل منذور التصدق (3). انتهى.


(1) الجواهر: ج 16 ص 55. (2) ج 3 ص 43. (3) مصباح الفقيه: ج 3 ص 42.

[ 785 ]

[... ] والظاهر قياسهم باب الخمس بالزكاة، لكن القياس ممنوع، إذ لا وجه لذلك، فلا بد من ملاحظة دليل الخمس، وفي الخمس بحسب الأدلة وجهان: أحدهما الأشاعة، والثاني الكلي في المعين. وجه الأول دعوى ظهور الاية الشريفة في ذلك، وهي قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه... (1). فإن ظهور اللام في مالكية الخمس لا ينكر، وظهور الخمس في المشاع أيضا كذلك، وأما ما في غير واحد من الروايات من التعدية بلفظة (في) (2) والتعدية بلفظة (على) المتعلق بالمال، الظاهر مع قطع النظر عن كلمة (الخمس) في الكلي في المعين كما في خبر جميل (3) وخبر ابن أبي عمير (4) والتعدي بلفظة (من) كما في خبر حماد (5) وغير واحد من الأخبار الاخر (6) فلا ينافي الأشاعة. لكن فيه: أن في المنجد ولسان العرب أن الخمس جزء من خمسة أجزاء، وفي المجمع: (الأخماس: الأصابع الخمس)، فهي جمع الخمس الذي ليس فيه الأشاعة، وفي القاموس كما في لسان العرب، وفيه وفي غيره: (خمستهم أخمسهم: أخذت خمس أموالهم)، ومن المعلوم أنه ليس بعد الأخذ مشاعا. وفي القرآن: قم الليل إلا قليلا * نصفه (7) وليس المقصود هو النصف المشاع، فالظهور في الكسر المشاع ممنوع جدا، وهو من باب اشتباه المصداق بالمفهوم، فإن المقصود


(1) الأنفال: 41. (2) مثل ما في الوسائل: ج 6 ص 338 ح 1 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 342 ح 1 من ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) المصدر: ص 339 ح 2 من ب 2 وص 344 ح 7 من ب 3. (5) الوسائل: ج 6 ص 340 ح 9 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (6) المصدر: ص 338 الباب 2. (7) سورة المزمل: 2 - 3.

[ 786 ]

[ والظاهر أنه على نحو الكلي في المعين *. وسواء كان التعلق على ] به في الأراضي والدور هو الكسر المشاع، إذ لا معنى للبيت الذي في أحد طرفيه العمارة العالية وفي أحد طرفيه المزبلة هو الحكم بأن النصف لفلان وكان المقصود هو الكلي في المعين، بخلاف المال والغنيمة بما هو مال وغنيمة، كما أنه لو لم يكن انتقال الخمس والسدس من أحد إلى الاخر وكان المالك لتلك الأجزاء على التسوية فالظاهر هو الكسر المشاع، كما في ورثة الميت والثلث الذي يجعل موردا لوصيته، فإن الكل في عرض واحد. هذا، مع أن ظهور (على هذا المال الخمس) في الكسر المشاع ممنوع، بل الظاهر هو الكلي في المعين فيتعارض ظهوره مع ظهور مثل الاية الشريفة، مع أن مقتضى الكسر المشاع أن يكون الأفراز بيد الطرفين فيكون من عليه الخمس في كل سنة كمن مات أبوه، فيحضر صاحب الخمس ويقرع في الخمسة أو يرضى هو وصاحب الخمس على القسمة، وهو خلاف ضرورة المسلمين. * لو جوه: الأول: أن الشياع والسريان في كل جزء من أجزاء المال خلاف إطلاق لفظ الخمس. الثاني: أن تحديد مالكية من ملك المال بالتجارة أو بسائر أسباب الملك من الحيازة والاستخراج خلاف دليل المالكية. الثالث: أن تعلقه بالمال معلوم، وكونه على وجه السريان قيد غير معلوم مرفوع بحديث الرفع، ولا نحتاج إلى ثبوت الأطلاق وأن متعلق الحق مطلق المال، فإن إعطاء المالك لا يوجب مخالفة للشرع، لأنه إما أن يكون ماله وإما أن يكون مال ولي الخمس، وكذا لا إشكال لصاحب الخمس في الرضا بذلك، بخلاف اشتراط العربية أو الماضوية أو أصل اللفظ في المعاملات، فإن أخذ المشتري والبائع للمال غير جائز إلا بإثبات الأطلاق، فافهم وتأمل.

[ 787 ]

[ نحو الأشاعة أو على نحو الكلي في المعين فالموضوع هو المال الموجود للمالك، لا خصوص الغنيمة الحاصلة أولا ولا الأعم منها ومن بدلها كما ذكرناه ثانيا، بل الموضوع للخمس مقدار الغنيمة التي في المال ولو كان المال إرثا من مورثه *. ] * والوجه في ذلك امور: منها: أن العرف يرى الموضوع الذي هو معنون بعنوان (الفائدة) المالية الزائدة في المال، فمن كان له مركز للتجارة يبيع فيه أنواع المأكولات من الحبوب والبقول واللحوم والفواكه - كما في عصرنا الحاضر - فبعضها إرث وبعضها من السنوات الماضية وبعضها من السنوات الحالية، فلا يلاحظ كل غنيمة موجودا مستقلا، فإذا ورد أن (في كل ما أفاد من قليل أو كثير الخمس) يفهم أن في الألف الحاصل في تلك السنة المنتشر في الالاف الموجودة التي لاميز لها الخمس. ومنها: أن ذلك هو المستفاد من الروايات الكثيرة: منها قوله عليه السلام على ما في خبر ابن بكير: (إني لاخذ من أحدكم الدرهم وإني لمن أكثر أهل المدينة مالا) (1). وقوله عليه السلام على ما في خبر عمران بن موسى: (والله لقد يسر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحدا وأكلوا أربعة أحلاء) (2). فجعل الموضوع للخمس ونفسه الدراهم مع أن أموال الناس مختلفة، وقد جعل في الأول المأخوذ هو الدرهم مع أنه قد يكون التمر مثلا، فالمقصود من الكل هو المالية. ومنها خبر الأزدي، وفيه:


(1) الوسائل: ج 6 ص 337 ح 3 من ب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 338 ح 6.

[ 788 ]

[... ] (فإن الخمس عليك، فإنك أنت الذي وجدت الركاز) (3). وفي المكاتبة: (ولم اوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم) (1). المعلوم أنه لو كان واجبا كان الواجب أداء مالية ذلك ولو من مال آخر، لا أداء نفس الانية أو الدواب أو الخادم، وفي خبر أبي بصير: (هل عليه الخمس) (2) الصادق على أداء الخمس من غير نفس الغنيمة أو بدلها، وفي خبر أبي عبيدة: (فإن عليه الخمس) (3) أي على الذمي وليس المقصود خمس الأرض، وفي خبر حماد جعل علة الجعل هي الاستغناء (4)، وهو حاصل بإعطاء المال، وكل ذلك يؤيد كون الحق في المال لا في الغنيمة أو بدلها، ويعطي المال من باب الولاية على التبديل. في الختام / تعلق الخمس بالمالية في الكنز والغوص والمعدن... ومنها: أن التعلق بالمال معلوم، وكون المتعلق خصوص الغنيمة أو بدلها غير معلوم مرفوع بحديث الرفع (5)، ولا يتوقف على إثبات الأطلاق، لأنه إذا أدى المالك ورضي صاحب الخمس بذلك فلا إشكال لهما، واحتمال عدم العمل بالتكليف مشترك في جميع موارد دوران الأمر بين المطلق والمقيد. ومنها: أن بناء العقلاء على عدم الخصوصية في الأموال إذا كان المقصود جهة المالية، ولذا لا يحتمل العقلاء في مرسلاتهم بتوسيط التجار أو المراكز الاخر تعلق الغرض بخصوص إسكناس مخصوص ونوت خاص إلا أن لا يكون الغرض


(1) الوسائل: ج 6 ص 346 الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 349 ح 5 من ب 8. (3) المصدر: ص 351 ح 10 من ب 8. (4) الوسائل: ج 6 ص 352 ح 1 من ب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) الوسائل: ج 6 ص 358 ح 8 من ب 1 من أبواب قسمة الخمس. (6) الوسائل: ج 5 ص 345 ح 2 من ب 30 من أبواب الخلل.

[ 789 ]

[ ولا يبعد أن يكون تعلق الخمس بالكنز والغوص والمعدن من باب الغنيمة، فيتعلق بالمالية *. فروع ألف: على فرض الأشاعة في مقدار مالية خاصة فالمقدار المذكور بالنسبة إلى أصل المال من قبيل الكلي في المعين * *. ] والمقصود هو المالية، والظاهر من الخمس أن الشرط هو حصول المال وأن الواجب أداء المال لا المال الخاص. * كما سبق في خبر الأزدي بالنسبة إلى الركاز، (1) وهو المستفاد مما ورد أنه (ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة) (2)، وفي موثق سماعة بعد السؤال عن الخمس: (في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير) (3)، فهو شامل للمعادن وجميع موارد الخمس إلا المختلط والأرض المشتراة من المسلم ودال على أن ذلك من حيث الفائدة، وذكر في المكاتبة: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام) ثم ذكر الاية الشريفة وذكر كل فائدة والجائزة وما يؤخذ من العدو وغير ذلك (4)، فراجع وتأمل، مضافا إلى روايات التقسيم المستدل فيها بالاية الشريفة (في جميع موارد الخمس، ورواية مسمع: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم (6). * * فلو كان مالكا لأربعين ألفا مخمسا وملك بعد ذلك عشرة آلاف فالخمس


(1) تقدم في ص 757 و 758. (2) الوسائل: ج 6 ص 338 ح 1 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) الوسائل: ج 6 ص 350 ح 6 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (4) الوسائل: ج 6 ص 349 ح 5 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (5) الوسائل: ج 6 ص 355 الباب 1 من أبواب قسمة الخمس. (6) الوسائل: ج 6 ص 382 ح 12 من ب 4 من أبواب الأنفال.

[ 790 ]

[ ب: على فرض الكلي في المعين فالظاهر أن للمالك العزل الحقيقي أو العزل النسبي بجعل ملك الخمس في قسمة من المال *. والظاهر لزومه وعدم جواز التبديل إلى ملك آخر * *. ج: ما ذكرناه من تعلق الخمس بالمال المتبدل بتبديله مسألة كلية تجري في المعاملات، فيمكن أن يجعل مهر الزوجة هو النصف من الدار أو بدله فملكية الزوجة للنصف إنما هي في فرض ملكية الزوج للنصف الاخر بالنسبة إليه أو بدله * * *. ] ألفان من عشرة آلاف التي في المال على نحو الكلي في المعين، ولا دليل على الأشاعة بالنسبة إلى جميع المال، لعدم صدق الخمس بالأضافة إلى الجميع وعدم كون الجميع غنيمة. * لأن ولاية المالك على ذلك باقية لا دليل على ارتفاعها بعد عدم منافاتها لما لكية صاحب الخمس للخمس على نحو الكلي في المعين. * * لدخوله في ملك ولي الخمس ولا دليل على خروجه منه. * * * فإذا باع الدار يملك المشتري نصفها لعدم المانع، ونصفها الاخر لأن الزوجة لا تملكها، إذ المفروض أن ملكيتها في فرض ملكية الزوج فيملك الزوج النصف الاخر فينتقل كل ذلك إلى المشتري في آن واحد من دون التقدم الزماني. وكذا الحال في ما إذا شرط الزوج مثلا للزوجة أنها تملك نصف الدار بمحض الشراء من مالكها، فإنها تملك من حين العقد ولا يحتاج إلى الملكية آناما، فإن الموضوع لتملك الزوجة تملك الزوج من جميع الجهات إلا من ناحية الشرط للزوجة. وكذا الكلام في شراء من ينعتق عليه، فإن الملكية آنا ما بعد العقد لا تأثير لها بالنسبة إلى ما بعد هذا الان. فهذا الخلط من باب الخلط بين التقدم الرتبي والخارجي، ومعنى التقدم الرتبي ليس إلا الاحتياج إلى المتقدم دون المتأخر.

[ 791 ]

[ د: ما قلنا من أن تعلق الخمس على نحو الكلي في المعين إنما هو في غير المختلط بالحرام، وأما المختلط فهو مخلوط بالحرام على ما هو عليه من الواقع *. ه‍: لعل الظاهر جواز نقل الغنيمة التي فيها الخمس إلى البدل، وتعلق الخمس بالبدل * * حتى بعد السنة * * *. و: لو انحصر المال الموجود بالخمس فلا يجوز نقله ولو مع البدل، ] * وذلك لأن الوارد في الخبر الأول: (أخرج الخمس من ذلك المال) (1) وفي الثاني: (فليبعث بخمسه) (2) وفي الثالث: (ايتني خمسه) (3) وفي الرابع: (تصدق بخمس مالك) (4)، ومقتضى قاعدة الملك والاستصحاب ذلك وعدم حصول المصالحة القهرية من دون الأداء، مضافا إلى أنه الظاهر من قوله: (فإن الله عز وجل قد رضي من ذلك المال بالخمس)، فإنه من باب الولاية على المالك يرضى بذلك، ومن المعلوم أن المالك لا يرضى بحصول المصالحة قهرا مع عدم إعطاء الخمس أصلا، وهو الظاهر من قوله عليه السلام على ما في الثالث: (إن الرجل إذا تاب تاب ماله معه)، فإن التوبة بالأعطاء والتصدق، وحصول المصالحة القهرية لا يحتاج إلى التوبة. * * والوجه في ذلك أن متعلق الخمس ليس خصوص المال الموجود بل هو مقدار الغنيمة الموجودة في المال، فإذا انتقل المال إلى الغير فليس موضوع الغنيمة، بل موضوع الغنيمة هو البدل فينتقل الخمس إليه فينتقل بتمامه إلى المشتري، فافهم وتأمل. * * * لأنه ليس منافيا لثبوت الخمس في المال الأعم من العين والبدل ومال آخر لا يكون من العين والبدل.


(1) الوسائل: ج 6 ص 352 ح 1 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3 و 3 و 4) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 2 و 3 و 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 792 ]

[ فإن نقل يجئ فيه ما سيأتي من فروع الفضولية *. ويظهر منه مسألة كلية وهي تصوير الملكية المقيدة من حيث الحدوث والبقاء، كما لو جعل شئ مهرا لزوجته على تقدير كونه مالكا له لولا مالكيتها وإلا انتقل ذلك إلى بدله، * * أو لا يكون مشروطا بذلك أصلا فيزول مهرها بتا. ز: مقتضى الكلي في المعين هو الملكية على وجه الترديد - كالواجب التخييري والواجب الكفائي - فيتعلق بالخارج * * *. ] * لأنه وإن أمكن أن يكون كونه خمسا على فرض كونه غنيمة له وملكا لمالكه على تقدير عدم كونه خمسا، فيكون ملكية صاحب الخمس مشروطا حدوثا وبقاء بكون المال ملكا لصاحب المال لو لا تعلق الخمس، لكن ظاهر دليل الخمس هو الملكية المطلقة من حيث البقاء فلا يجوز التبديل. * * فإن مقتضى البيع أو المصالحة انتقال الملكية لولا ملكية الزوجة في المثال إلى المشتري، فتزول ملكية الزوجة عن المبيع وتنتقل إلى البدل فيملك المشتري المال، كل ذلك في الرتبة من غير أن يكون ذلك موجبا لأشكال الزمان كما تقدم آنفا، لكن الخمس ليس كذلك. * * * خلافا لصاحب التعليق المحقق الأصفهاني، فإنه أنكر أن يكون المملوك في الصاع من الصبرة خارجيا، لا ستحالة الفرد المردد ذهنا وخارجا، والأمر الاعتباري لابد أن يتعلق بما هو موجود في وعاء من الأوعية، والوجود مساوق للتشخص، وليس فرد موجود في الخارج أو الذهن مرددا بين نفسه وغيره، فالكلي في المعين هو بمعنى استحقاق الاستيفاء على وجه تقوم الكلي به لا على وجه الاشتراط - بمعنى الالتزام في الالتزام -، ولا يتعلق بالخارج أصلا (1). أقول: فيه أولا: أنه لا يمكن أن ينكر تعلق العلم الأجمالي بأحد الشيئين من


(1) تعليقة المحقق الأصفهاني على المكاسب: ج 1 ص 313.

[ 793 ]

[... ] دون وجود جامع، وكذا تحقق الوجوب التخييري، وتعلق الأرادة التخييرية بأحد الشيئين أو بصرف الوجود المردد في الانطباق، كما أراد إطفاء العطش وكان بين يديه إناءان متساويان من جميع الجهات، وقد قال قدس سره في أثناء كلامه - ونعم ما قال -: إنه لا فرق في استحالة الفرد المردد بين التردد في أصل الحصص أو المفردات، فلا بد من علاج الأشكال المتقدم. وثانيا: حل ذلك أن الترديد في التعلق لا في المتعلق. بيان ذلك أنه في الخارج قد يكون الأمر بنحو يكون شئ متعلقا لأمر في وقت ومتعلقا لضده في وقت آخر كما في الأرض بالنسبة إلى النور والظلمة، وقد يكون متعلقا لأضافة شئ إليه إذا لم يكن متعلقا لأضافة شئ آخر، كما في الأرادة التكوينية المتعلقة بأحد الشيئين مثلا، فإنها مضافة إلى الخارج ولذا تؤثر في التحريك نحو الخارج، ولكن تلك الأضافة من قبيل إضافة العلة إلى المعلول لا من إضافة العرض إلى المعروض، فإنه في فرض عدم تعلق الأرادة بمجموع الأمرين وعدم خلو المجموع عن الأرادة تتعلق الأرادة بشرب الأناء الواقع في اليمين إذا فرض عدم تعلق الأرادة بالأناء الواقع في اليسار، وكذا العكس، وكذا إذا فرض تعلقها باليمين لا تعلق لها باليسار، فإرادة أحد الشيئين منحلة إلى أربع قضايا تعليقية في الفرض المزبور، فلا يرد أنه يلزم من تعلق الأرادة بكل واحد من الأناءين عدم تعلقها بهما، فإن فرض عدم التعلق خارج عن موضوع القضايا التعليقية، وكذا الأيراد بأنه يلزم من عدم تعلق الأرادة كذلك بكل واحد منهما التعلق بهما، فإنه أيضا خارج عن الموضوع. هذا بالنسبة إلى الخارج. وأما بالنسبة إلى الذهن فهو أيضا كالخارج في المثالين، فإنه قد يحصل العلم لشخص بفقر شخص آخر وقد يحصل بعدمه في الوقتين المتعددين، وكذلك تعرض إرادته في الذهن إلى الأناء الذي في اليمين على فرض عدم تعلقها بالأناء الواقع في اليسار على ما عرفت تفصيله بالنسبة إلى الخارج.

[ 794 ]

[ ومقتضى ذلك أن يكون اختيار الأخراج عن طرفية ملكية الخمس وإدخاله بيده *، فلو أخرج من المال قسمة لنفسه أو جعل قسمة من ] والفرق بينهما أن تعلق الأرادة بالخارج من باب الأضافة إليه وتعلقها بالذهن الحاكي عن الخارج تعلق عروضي، وفي الذهن مضافا إلى المثالين المتقدمين ينتزع من التفصيل المذكور المنحل إلى القضايا التعليقية عنوان أحدهما، وعنوان أحدهما إجمال لذلك التفصيل، وهو بالحمل الأولي يكون عنوان أحدهما وبالحمل الشائع موجودا واحدا وفردا متميزا، فهو لا ينقص عن مفهوم العدم ومفهوم شريك الباري ومفهوم المتناقضين، فما بالحمل الأولي مردد بالحمل الشائع موجود غير مردد. فما بحمل الأولي شريك حق عد بحمل شائع مما خلق وهذا ملخص حل ذلك، فافهم وتأمل. وثالثا: هو خلاف الظاهر في الصاع من الصبرة، فإن الظاهر عند العرف تعلق الملكية بالخارج كتعلقها بجميع الصبرة، فلا بد أن يقال بالبطلان على فرض عدم التصوير العقلي حتى في الاعتباريات كما صرح بذلك. ورابعا: لو لم تتعلق الملكية بالخارج فكيف يحكم بالملكية عند الانحصار في الصاع الواحد، فلولم يكن مفاده إلاحق الاستيفاء فعند الانحصار أيضا ليس إلا ذلك. وخامسا: أن مقتضى ذلك عدم مالكية النماء أصلا ولا أظن الالتزام به. وسادسا: أن حق الاستيفاء لابد أن يتعلق بالخارج فيعود إشكال الفرد المردد. هذا. وإن كان يمكن أن يقال: إن القدر المتيقن في باب الخمس هو حق الاستيفاء، لكن الأنصاف أنه خلاف ظاهر قوله تعالى: (فأن لله خمسه)، ولا ينافيه غيره مما دل على أن (فيه الخمس) أو (منه الخمس) أو (عليه الخمس)، فالكلي في المعين على نحو تعلق الملكية بالخارج قوي. والله العالم. * إذ ليس مقتضى ملكية صاحب الخمس إلا مالكية الخمس من المال (لا

[ 795 ]

[ المال للخمس أو جعل قسمة الخمس في مال آخر يجوز له التصرف *. والظاهر أنه لا يشترط نية الأداء من مال آخر، بل لو عين بأحد الأنحاء المذكورة وكان بانيا على عدم أدائه فمقتضى القاعدة جواز التصرف في الباقي * *. ولو وهب المال لغيره كان من مصاديق الأخراج. ولو أخرج قسمة من المال وكان الباقي بمقدار الخمس أو أزيد فصرف في مؤونته فلا إشكال، لكن لو صرفها فيها من دون ذلك أو صلى فيه أو تصرف تصرفا آخر كان حراما * * *. ] من عين خاص) وهي على نحو القضية التعليقية بمعنى أنه لو لم يملك هذا الطرف يملك الطرف الاخر وبالعكس، وحصول المعلق عليه يكون بيد المالك وتحت اختياره. * لأنه مقتضى الولاية على التعيين. ولا فرق في ذلك بين الأخراج من طرفية ملكه والأدخال في طرفيته، ولا بين الأخراج بقدر سهمه والأدخال بقدر سهم صاحب الخمس وإخراج قسمة من الباقي زائدا على سهمه - أي الخمس - أو جعل ماله في قسمة خاصة. * * لأنه مقتضى الولاية على الأخراج والأدخال، فلو كان التعيين بيده فلا فرق بين قبض صاحب الخمس وعدم قبضه، إذ لا مدخلية لذلك، فكما أنه لو أقبضه المالك وقبضه صاحب الخمس ثم جعل عنده أمانة يجوز له التصرف في البقية وإن كان بانيا على عدم أداء الأمانة كذلك الصورة المذكورة في المتن، من غير فرق بين الصورتين. * * * وما يتحقق به الحرمة هو كون جميع المال بيده وتحت تصرفه إمساكا أو تصرفا، فالمجموع حرام، وهو حاصل، إلا أن يقال: إن ما يصرف في المؤونة لا يكون متعلقا للخمس فالصرف في المؤونة بمنزلة الأخراج عن طرفية الخمس.

[ 796 ]

[ مسألة: ما تقدم من تخيير صاحب الخمس في الأرباح بل في ] وهذا لا ينافي ما أوضحناه سابقا من عدم استثناء مؤونة السنة اللاحقة عن الخمس، بل هذا مبني على أن يكون دليل أن (الخمس بعد المؤونة) مضافا إلى دلالته على استثناء المؤونة أن يدل على أن ما يصرف في المؤونة لا يكون فيه الخمس ولو لم يخرج منه، فنقول: تارة يكون مفاد قوله عليه السلام (الخمس بعد المؤونة) (1) بعد ضمه إلى دليل وجوب الخمس في كل عام: أن المستثنى هو مؤونة العام الحاصل فيه الربح فيدل على البعدية في التعلق أيضا بالنسبة إلى ذلك العام واخرى يكون مفاده أن الخمس في كل عام بعد مؤونة العمر، وبعديته بالنسبة إلى مؤونة السنة بخارجيته وصرفه، وأما بعديته بالنسبة إلى ما بقي من العمر فهي بوجود ما يكفي لمؤونته من ضيعة أو علم أو صنعة أو رأس مال يكتسب به في سنوات عديدة، ويكفيه بالظنون العقلائية لما يستقبله من الأيام، كما لا يبعد أن يكون هو المستفاد من قوله عليه السلام: (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) (2) وقوله عليه السلام: (من كانت ضيعته تقوم بمؤونته) (3). فالبعدية ليست إلا بالنسبة إلى ما صرف في المؤونة وما يكون رأس ماله للسنين الاتية، فلا يدل على عدم كون مؤونة السنة اللاحقة غير متعلق للخمس الثابت في السنة الاولى. وأما احتمال استثناء المؤونة الخارجية مدة العمر وكون وجود رأس المال طريقا إليه الموجب لرجوعه - لو تلف بعد ذلك رأس ماله أو جن جنونا لا يمكن له الاسترباح من علمه بالطبابة أو الكتابة - إلى صاحب الخمس واسترجاع ما أخذه من الخمس، فهو خلاف الضرورة الثابتة من السيرة.


(1) الوسائل: ج 6 ص 354 ح 2 من ب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 348 ح 3 من ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3) المصدر: ص 350 ح 5.

[ 797 ]

[ الغنائم مطلقا لا يتمشى في الحلال المختلط بالحرام *، فالأحوط بل لعل الأظهر لزوم الأداء من العين * *. وكذا في الأرض التي يشتريها الذمي ] وأوضح بطلانا من الثالث استثناء المؤونة الخارجية المستلزمة لجواز تأخير الخمس إلى آخر العمر كما في السنة الاولى، فحينئذ لا دليل على أن ما يصرف في المؤونة في السنة اللاحقة مع فرض عدم الأخراج منه ليس فيه الخمس فتأمل، وربما تقدم فيه الكلام ويجئ بإذنه تعالى إن شاء الله. * فإنه في الخبر الأول: أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: (أخرج الخمس من ذلك المال، فإن الله عز وجل قد رضي من ذلك المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يعلم) (1). فإن إعطاء مال آخر غير مربوط بالمختلط ليس أداء لذلك أولا. وقال: (من ذلك المال) مرتين ثانيا. وثالثا قال: (واجتنب ما كان صاحبه يعلم)، فإنه من ذلك المال، لا مقداره من مال آخر. مضافا إلى كلمة (الخمس) الذي لا يكون مضافا إلى نفس المال، فإن كان المقصود هو الأعم من خمس العين ومعادله فالخمس ليس إلا باعتبار شخص المال فلا بد من تقدير المعادل على وجه التخيير وهو خلاف الظاهر. وفي الخبر الثاني: (فليبعث بخمسه إلى أهل البيت) (2) وفي الثالث: (ايتني خمسه) (3) وفي الرابع (تصدق بخمس مالك) (4). * * وجه الاحتياط وعدم الجزم هو عدم العلم بمساعدة كلمات الأصحاب


(1) الوسائل: ج 6 ص 352 ح 1 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2 و 3 و 4) الوسائل: ج 6 ص 353 ح 2 و 3 و 4 من ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 798 ]

[ من المسلم *. ] على ذلك، مضافا إلى احتمال دلالة بعض الأخبار على جواز أداء القيمة في اللقطة فيقال لا فرق بينها وبين المقام. * ففي ما عن الصادق عليه السلام: (فعليه فيها الخمس) (1) وظهوره في تعلقه بالأرض غير قابل للأنكار، لقوله عليه السلام - على ما فيه -: (فيها). وفي ما عن أبي جعفر عليه السلام: (فإن عليه الخمس) (2)، ولا شبهة أن الخمس إنما هو باعتبار الارض وإلا فليس متعلقا بمال آخر بعنوان الخمس كما هو واضح، فعلى فرض التخيير لابد من تقدير (أو معادله)، وهو خلاف الظاهر قطعا. إن قلت: كما تقدم سابقا (3) أن مصرف الخمسين - أي المتعلق بالمختلط وبالأرض المشتراة من المسلم - هو مصرف سائر أقسام الخمس مع عدم التصريح بذلك في نفس روايات البابين وتقدم (4) أن الوجه فيه ظهور الروايات في كون الخمس حكمه واحد بالنسبة إلى الجهات التي لم تذكر في بعض أفراده، كذلك يقال في المقام، فإنه إذا ثبت التخيير في الغنائم ثبت في غيرها أيضا بنفس التقريب المذكور. قلت: ما تقدم إنما هو بالنسبة إلى الجهات غير المذكورة، وأما في الموردين فالدليل ظاهر في تعلقه بالعين. هذا، مع أنه لم يحصل الافتراق من حيث الحكم عند الدقة والتأمل، فإن الموضوع في خمس الأرباح هو الفوائد والغنائم المكتسبة مثلا والموضوع فيهما الأرض وشخص المال المختلط بالحرام، فالافتراق إنما هو من جهة الموضوع لا من جهة الحكم. ثم إنه قد ذكر في الجواهر أنه:


(1) الوسائل: ج 6 ص 352 ح 2 من ب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) الوسائل: ج 6 ص 352 ح 1 من ب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (3 و 4) في ص 266 و 294.

[ 799 ]

[... ] يتخير من إليه أمر الخمس بين أخذ رقبة الأرض وبين ارتفاعها كما صرح به غير واحد، وفي الحدائق: إن الأقرب التخيير إذا لم تكن الأرض مشغولة بغرس أو بناء، وإلا تعين أخذ الارتفاع، وقال في البيان: ويجوز الأخذ من الرقبة ومن الارتفاع، وفي المسالك: يتخير الأمام أو الحاكم بين أخذ خمس العين أو خمس الأرتفاع، وقال الشهيد قدس سره في المنسوب إليه من حواشي القواعد: ويتخير الأمام عليه السلام بين خمس أصلها وحاصلها، وقال صاحب الجواهر قدس سره في ضمن كلامه: وله أخذ القيمة لو بذلت (1). انتهى ملخصا. والعجب من العروة وما رأينا من التعليقات عليها من غفلتهم عن ذلك وحكمهم بتخيير الذمي (2). إن قلت: بعد ما ثبت التخيير في الأقسام الاخر يمكن الحكم فيهما بإلقاء الخصوصية. قلت: احتمال الخصوصية فيهما واضح، فإن الحرام المختلط هو شخص المال، وفي الأرض المشتراة يحتمل أن يكون المقصود عدم اجتماع الكفار في أراضي الأسلام فيفسدون الأمر، كما وقع ذلك في عصرنا بالنسبة إلى فلسطين وقد قامت الحرب بين اليهود والمسلمين وهي بعد باقية. والله المرتجى وإليه المشتكى وعليه المعول في الشدة والرخاء.


(1) الجواهر: ج 16 ص 68. (2) العروة: كتاب الخمس، الفصل الأول (السادس).

[ 800 ]

[ فروع في بيع الخمس فضولة الأول: أنه بناء على ما ذكره الأصحاب من تعلق الخمس بالعين فقد مر أن الظاهر كونه على نحو الكلي في المعين وأنه يجوز تبديله فيتعلق الخمس بالبدل ولو بعد السنة، وحينئذ فلا يفرض الفضولية إلا على القول بعدم جواز التبديل - كما لعله ظاهر الأصحاب - أو في ما أتلف الغنيمة كلها إلا بمقدار الخمس وانحصر المال الموجود بالخمس *. الثاني: أنه لو باع عين الخمس فضولة ممن يحل له الخمس - كما قلنا ونقول إن شاء الله تعالى بأن الخمس الذي يصل إلى الشيعة حلال لهم - فلعل الظاهر صحة المعاملة وعدم الاحتياج إلى الأجازة * *، لكن مقتضى الاحتياط هو الأداء برضى صاحب الخمس بالأعم من عين ] * لما مر من أن مقتضى فهم العرف أن موضوع الخمس في الأرباح هو المالية المتبدلة بالنقل والانتقال، لا العين، بل لا يبعد أن يكون في غير الأرباح أيضا كذلك إلا المختلط، فإن كل ذلك من باب الغنائم، فتأمل. وحينئذ إنما يتصور الفضولية بالنسبة إلى الخمس بصرف الغنيمة كلها غير الخمس بحيث لم يبق إلا مقدار الخمس، فلا يجوز له حينئذ نقله وتبديله وإن نقل كان من باب الفضولية. * * لأنه المستفاد من التحليل عرفا فيكون ملكا للمشتري، والظاهر أنه ليس الثمن ملكا له أيضا فيجوز للبائع مطالبة الثمن منه، لأنه ينجر إلى تعطيل الخمس فإن كل من يجب عليه الخمس يبيع خمسه من بعض الشيعة ويهب الثمن له، فالظاهر أنه إمضاء للمعاملة فينتقل إلى البدل، وإن أبيت فهو إتلاف، مضافا إلى أنه مقتضى استصحاب وجوب الخمس على الأول إما بعينه أو ببدله، ومقتضى الاستصحاب هو الوجوب.

[ 801 ]

[ حقه أو بدله *. الثالث: أنه لو باع الخمس من غير من يحل له فأجاز ولي الخمس ينتقل ذلك إلى بدله. وأما الأداء من مال آخر فهل يوجب صحة المعاملة أم لا؟ فيه وجوه * *. والأحوط المصالحة بالنسبة إلى الخمس بأن يكون له بعد الأداء وأن يكون بدله بعد ذلك * * *. الرابع: أنه تارة يكون القبض فضوليا بأن أجازه ولي الخمس في البيع ولم يجزه في القبض، فالظاهر أن المال الخارجي بعد البيع لا ولاية للبائع عليه، فليس من أفراد الفضولي حتى يكون قبضه فضوليا. ] * لأنه إن كان مقتضى التحليل هو الأمضاء فحق صاحب الخمس بدل المعاملة، وإن لم يكن إمضاء في البين وقد أتلف الخمس فمقتضى القاعدة هو الرجوع إلى بدله الواقعي من المثل أو القيمة. * * منها الصحة ووجوب الأداء، لأن ذلك مقتضى وجوب الوفاء بالعقد، لكنه مخالف لأخبار عدم صحة بيع ما عنده (1). ومنها الصحة لو أدى الخمس من دون الأجازة. ومنها الصحة مع الأجازة. ومنها البطلان حتى مع الأداء والتملك والأجازة، وهو بعيد جدا. ومقتضى معتبر يحيى بن الحجاج (2): منع إيجاب البيع بحيث يكون واجبا عليه، فلا يشمل صورة التملك بالاختيار بالأداء في المقام ثم الأجازة. * * * حتى لا يكون مشمولا للأخبار المتقدمة ولو مع فرض الأطلاق لصورة الأجازة، لأن كل ذلك راجع إلى البيع لا المصالحة.


(1) مثل ما في الوسائل: ج 12 ص 252 الباب 2 من أبواب عقد البيع وص 374 و 375 ح 2 و 5 من ب 7 من أبواب أحكام العقود. (2) الوسائل: ج 12 ص 378 ح 13 من ب 8 من أبواب أحكام العقود.

[ 802 ]

[ الخامس: أنه إذا كان القبض شرطا في حصول المعاملة * فالظاهر صحته بالأجازة * *، لكن لا تصحح القبض السابق على إشكال. وأولى بعدم التصحيح: التقابض في المجلس أو القبض فيه * * *. السادس: إذا لم يكن أصل المعاملة فضوليا بل كانت الفضولية في الأبراء - بأن أدى الخمس بعنوان أداء ما في الذمة - فهو نوع معاملة بين عين الخمس وما يملكه طرف المعاملة على المالك الذي بيده الخمس، فلولي الخمس إجازة ذلك فيملك على المالك ذمته، ولو أدى ما يقابله لصاحب الخمس فلعل الظاهر صحته * * * *. ] * كأن وقف الخمس بإذن وليه أو وهبه الشخص بإذنه لكن لم يجزه في القبض فقبضه فضولة للموقوف عليهم أو للموهوب له. * * وإن لم يجز الفضولية في القبض، لأن القبض اللازم هو المقبوضية وكونه بيد الموهوب له أو الموقوف عليهم، ولا يشترط القبض الحدوثي بحيث لو كان المال عندهما يجب الأخذ ثم الأقباض، والمقبوضية حاصلة مع الرضا بذلك فيصح من حين الرضا، لحصول المقبوضية مع فرض الأجازة. وفي تصوير الكشف الانقلابي في المقام إشكال، لأن المقبوضية المقرونة بالرضا أمر تكويني لم يحصل قبل، والمقبوضية المتعقبة بالرضا لم يدل عليها دليل، والرضا بحصول الملكية من حين حدوث القبض كالرضا بحصول الملكية بالايجاب فقط. * * * بعد حصول المقبوضية المقرونة بالرضا في المجلس في بيع الصرف والسلم. * * * * وذلك لكونه على طبق القاعدة، فالأضافة حاصلة والملكية حاصلة بعد ذلك بالأداء إلى صاحب الخمس والتبديل معه على اختلاف المسلكين كما مر، ولا يشمله أخبار بيع ما ليس عنده، لأن الدفع بعنوان الأبراء ليس بيعا عرفا بل هو تطبيق.

[ 803 ]

[ ولو ضمن الخمس ثم أبرأ ذمته بالخمس فالواقع في الخارج معاملتان فيمكن إجازة ضمانه فيملك ما ضمنه ويمكن إجازة إبرائه فيملك ما كان يملكه المالك على طرفه، ولو أداه فلعل الظاهر صحة المعاملتين، وهو العالم *. مسألة: إذا علم أن مورثه لم يؤد خمس ما تركه وكان عين الخمس موجودا في ماله فقيل بلزوم الأداء * *. ولكن عندي في ذلك إشكال * * *. ] * لنحو ما ذكر في التعليق السابق، فإن التضمين أيضا تملك لمال الغير على وجه الضمان فعرض التلف ببيعه للغير وضمن وجهه، وإن كان الاحتياط فيه هو معاملة البيع بالأجازة بعد الأداء والمصالحة مع طرفه على أن يكون المال له وأن يكون ذمته بريئة، والله العالم. * * كما في العروة الوثقى (1)، ولم يعلق عليه أكثر المحشين بل جميع ما ظفرت عليه إلا بعض علماء العصر كان الله له فاحتاط بذلك. * * * وجه الأشكال أمران: أحدهما: إطلاق أخبار التحليل مثل معتبر الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل) (2). وغير ذلك (3)، خرج منه الخمس المتعلق بفوائد صاحب المال نفسه على ما بيناه سابقا وبقي الباقي.


(1) كتاب الخمس، الفصل الأول، المسألة 50. (2) الوسائل: ج 6 ص 378 ح 1 من ب 4 من أبواب الأنفال. (3) المصدر: الباب.

[ 804 ]

[... ] ثانيهما: خصوص خبر أبي خديجة (4) الذي أوضحنا اعتباره في ما تقدم (5)، وملخصه أن النجاشي قال: إنه ثقة ثقة، ونقل الكشي عن محمد بن مسعود العياشي قال: سألت أبا الحسن علي بن الحسن - وهو ابن فضال المعتبر جدا - عن اسم أبي خديجة، قال: سالم بن مكرم، فقلت له: ثقة؟ فقال: صالح (1). وأما تضعيف الشيخ فمورده سالم بن مكرم، ومكرم يكون مكنى بأبي سلمة، مع أن أبي سلمة كنية اخرى لأبي خديجة وليس كنية لمكرم، فيحتمل أنه تخيل أنه سالم بن أبي سلمة الضعيف مع أنه وثقه في موضع آخر على ما نقله العلامة في الخلاصة. فإن كان توثيقه بعد تضعيفه فلا أثر للتضعيف، لأن مفاده الاشتباه في ذلك، وإن شك في ذلك فلا دليل على التضعيف حتى يعارض التوثيقان. هذا، مع أن التضعيف ليس جرحا وتفسيقا حتى يعارض التوثيق، بل غاية ما يستفاد منه وجود جهة في الرجل يوجب سوء الظن به، مضافا إلى أنه يومئ إلى وثاقته امور: منها نقل الثقات عنه مثل ابن أبي عمير، فراجع خاتمة المستدرك. ومنها كون أبي خديجة من مشايخ كتاب الفقيه. ومنها نقل مثل أبي جعفر - وهو أحمد بن محمد بن عيسى - هذا الخبر عنه، الذي هو معروف بالدقة في نقل الأخبار. ومنها نقله المفيد في المقنعة، فالخبر معتبر جدا، وفيه: قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج، ففزع أبو عبد الله عليه السلام، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شئ اعطيه. فقال: (هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة،


(1) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 4 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) في ص 156. (3) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 2 ص 641 ح 661.

[ 805 ]

[... ] فهو لهم حلال...) (2). والمقصود هو الاستدلال بخصوص قوله: (أو ميراثا يصيبه)، فإنه ليس المراد منه السؤال عن نفس الأرث من باب أنه فائدة، فإن المسلم من الدليل والسيرة عدم الخمس في الأرث إلا الأرث ممن لا يحتسب، فليس موردا للتحليل بالنسبة إلى الشيعة والتحريم بالنسبة إلى غيرهم كما ورد في ذيل المعتبر، مع أن سياقه سياق التجارة التي ليس في التجارة بما هي تجارة الخمس. وكذا شراء الخادم من حيث هو، فإنه من المؤونة ولا يكون من باب التحليل، مع أنه لو كان ناظرا إلى ذلك فلا يمنع أن يكون ناظرا إلى وجود الخمس فيه قبلا، وظاهر السؤال هو الأطلاق وأنه يستدعي التحليل في الميراث من حيث هو ومن حيث وجود الخمس فيه قبلا فيدل أيضا على المدعى. والغرض أن الظاهر أنه ليس من باب أن الميراث بنفسه لا يكون فيه الخمس، ولا يمكن حمله على خصوص الميراث ممن لا يعتقد الخمس، لأن الغالب في الوارث والمورث اتحاد المذهب، وحمله على الاختلاف في المذهب بعيد جدا بل لا يحتمل في مقام الأطلاق. ولا يمكن حمله على غير الخمس من الأموال المتعلقة بالأمام كالسبايا - كما في تقرير الفقيه البروجردي (1) - فإن الخمس هو عمدة مال الأمام، مع أن السبايا فيها الخمس كما تقدم، مع أنه لو ثبت التحليل في ما يكون جميعه للأمام عليه السلام الأطلاق، مع أن قوله: (خادما يشتريها) راجع إلى السبايا فلا معنى للتكرار. وأما قوله في الصدر: (حلل لي الفروج) فالظاهر أنه كان في مقام جلب عاطفة الأمام وشدة احتياجه إلى تحليله وأنه لولا عنايته لم تحل له الفروج أيضا


(1) الوسائل: ج 6 ص 379 ح 4 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) زبدة المقال في خمس الرسول والال: ص 107.

[ 806 ]

[... ] وهو مما لا بد منه، بخلاف الأموال فإنه يمكن فيها التجنب في الجملة، مع أن أثره الوضعي والتكليفي أسهل، لعدم إيجابه للحد ولا لتوليد ولد الزنا وغير ذلك، فإنه ليس أثره إلا الضمان القابل للتدارك أو الاسترضاء بسهولة بالنسبة إلى الفروج. إن قلت: مقتضى كون الأرث بعد الدين تعلق الخمس بتركته. قلت: مقتضى التحليل هو عدم التعلق إما من باب أنه لا يكون دينا باقيا على ذمة المورث وإما من باب عدم تعلقه بتركته لصريح خبر أبي خديجة، مع أن الأشكال مشترك الورود، فإنه لو حمل على غير المعتقد لزم ذلك، والجواب الجواب. ولا يخفى أن في رسالة الشيخ الأنصاري قدس سره أن: صريح الروضة وظاهر السرائر في شراء الخمس أنه لا فرق في التحليل بين من يعتقد الخمس ومن لا يعتقده (1). وعبارة السرائر منقولة في الجواهر (2)، ومقتضاها الأطلاق، كما أن مقتضى عبارة العروة الوثقى أنه لا فرق بين الأرث وغيره لكن بالنسبة إلى المال المنتقل ممن لا يعتقد (3). ولم نظفر على مصرح بعدم الخمس في الأرث الذي يصيب ممن لا يخمس ولو كان معتقدا، فلا بد من الاحتياط، لكن الشيخ المعظم قدس سره اختار الاختصاص بمن لا يعتقد بالنسبة إلى المتاجر وادعى ظهور أخبار التحليل في ذلك واستدل بعموم حرمة شراء الخمس (4). أقول: أما أخبار التحليل فقد ظهر أنها ظاهرة في الأطلاق، وأما عموم حرمة شراء الخمس فلم نظفر به إلا ما يذكر من خبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام:


(1 و 4) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 384. (2) الجواهر: ج 16 ص 147. (3) العروة الوثقى: آخر كتاب الخمس، المسألة 19.

[ 807 ]

[... ] (لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شئ حتى يصل إلينا حقنا) (1). وما عنه أيضا عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: (من اشترى شئ من الخمس لم يعذره الله، اشترى مالا يحل له) (2). وعنه عنه عليه السلام أيضا بالسند الأول، قال: (كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فإن لنا خمسه، ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شئ حتى يصل إلينا حقنا) (3). ولا يخفى اتحاد الرواية الثالثة مع الاولى، لكون السند واحدا. والكل محتمل جدا لأن يكون المراد منه أن يشتري من الخمس شئ بأن يجعل الخمس بدل الاشتراء لا أن يكون هو المشترى، والذي يؤيد ذلك قوله عليه السلام: (حتى يصل إلينا حقنا) فالظاهر أن المكلف بالخمس هو المشتري وهو الذي لا بد أن يصل إلى صاحب الخمس حقه. و (وصل) استعمل متعديا. وأما قوله عليه السلام في الخبر الثاني: (اشترى ما لا يحل له) فالجواب عنه بوجوه الأول: أن المفروض بناء على ما ذكرناه هو الاشتراء لعين الخمس، وهو الذي يصدق عليه الاشتراء من مال الخمس شئ وإلا لم يكن الثمن إلا ما في الذمة القابل للانطباق خارجا على الخمس وعلى غيره، فحينئذ يكون الثمن مما لا يحل له، لأنه بدل الخمس.


(1) الوسائل: ج 6 ص 337 ح 4 من ب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس. (2) المصدر: ص 338 ح 5. (3) الوسائل: ج 6 ص 339 ح 5 من ب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 808 ]

[... ] الثاني: أن من المحتمل أن يكون أصل الخبر واحدا نقل بالمعنى، لاتحاد الراوي والمروي عنه، فالجميع عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام. الثالث: أنه لو فرض الاشتراء بالذمة والأعطاء من الخمس فالظاهر أنه لا يحل له أيضا، لأنه لم يقبض الثمن واقعا فليس له حق قبض المثمن، فقبض المبيع من دون إقباض الثمن تصرف في حق الغير عدوانا فلا يحل له. وقد ذكر الشيخ الأنصاري قدس سره أنه: صرح بعض بعدم الخلاف في جواز الحبس لامتناع الاخر عن التسليم، وقد ذكر في وجهه أن العقد مبني على التقابض (1). أقول: فهو بمنزلة الشرط الضمني بل هو أصل المقصود المقوم للمعاملة، لأن المقصود بالمعاملة التقابض. ثم قال: إن مقتضى ما ذكر عدم صحة قبض الممتنع بدون رضا صاحبه (2). إن قلت: في المقام قد رضي بالقبض. قلت: إن الرضا متقيد بتخيل القبض، فالتقابض بمنزلة المعاملة بعد المعاملة الاولى، فافهم وتأمل. ومما يؤيد ما ذكرناه خبر العياشي عن أبي عبد الله عليه السلام: (لا يعذر عبد اشترى من الخمس شئ أن يقول: يا رب اشتريته بمالي) (3).


(1 و 2) المكاسب: ص 312. (3) الوسائل: ج 6 ص 378 ح 10 من ب 3 من أبواب الأنفال.

[ 809 ]

[ ولا فرق في ما ذكرناه بين كون عين الخمس موجودا في المال أو كان الموجود بدله * ] فإن الظاهر من الذيل أن المنكر هو الاشتراء بمال الغير بدعوى أنه ماله، فلو كان الاشتراء بماله وكان المشترى هو الخمس كان دعواه صحيحة ولا يصحح المعاملة. هذا، مع إمكان أن يقال: إن أخبار التحليل حاكمة على عدم الجواز من حيث الخمس، لا سيما في عصر أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام الذي من الظاهر أنهما لا يأخذان الخمس من صاحب الغنيمة أيضا، فالمقصود هو الاعتراض على العامة، فيمكن أن يكون شراء العامة من أنفسهم حراما، فان التحليل ثبت للشيعة. ثم إنه يمكن أن يكون اشتراء الخمس حراما ولكن لم يكن في الأرث خمس، لخصوص خبر أبي خديجة المتقدم (1). * أما بناء على المعروف من تعلق الخمس بالغنيمة الأولية فالتبديل الصحيح إنما هو بالتجارة في أثناء السنة أو بالتجارة بعد السنة بأذن ولي الخمس، وأما بناء على ما قدمناه من تعلقه بالغنيمة من دون خصوصية لمال خاص فيفرض في السنة إذا فرض إتلاف تمام الغنيمة وصرفها في غير المؤونة ولم يبق سوى الخمس، وكذا يفرض بعد السنة إذا فرض الصرف ولو في المؤونة ولم يبق سوى الخمس فبدله فأجاز ولي الخمس، فلا وقع لما في المستمسك من عدم الفرض لبطلان المعاملة (2)، كما هو واضح. هذا بالنسبة إلى إمكان الفرض. وأما وجه الحكم بعدم الفرق فلأنه ليس في ما ذكرناه من دليل التحليل عموما وخصوصا عنوان الخمس، بل الظاهر منه هو مطلق ما كان من حقوق الأمام عليه السلام


(1) في ص 805. (2) المستمسك: ج 9 ص 525.

[ 810 ]

[ أو كان الخمس على ذمة الميت *. نعم، لو كان إمضاء المعاملة الفضولية من مستحق الخمس بعنوان التملك لشخصه - لا بعنوان كون البدل للمصرف الكلي القابل للانطباق على المستحقين - لا يشمله الدليل فلا بد من أدائه * *. ] أو ما كان أمره بيده بحسب الجعل الأولي لا بحسب الولاية العامة. * بأن أتلف الغنيمة الأولية على مسلك أو أتلف جميع ماله إلا مؤونته على ما سلكناه فالخمس تعلق بذمته ثم حصل مالا جديدا فمات. والدليل عليه ما تقدم في التعليق المتقدم. * * لأنه حينئذ ليس حقا للأمام ولا بيده واختياره بحسب الولاية الأولية، بل ملك شخص خاص فلا يشمله ما تقدم من الدليل، كما لا يخفى. فقد تحصل أن مقتضى الدليل عدم الخمس في الأرث، لكن في تقرير الفقيه الطباطبائي البروجردي حمل مثل رواية أبي خديجة على غير الخمس من أموال الأمام من السبايا (1). وهو منه غريب في خبر أبي خديجة، فإن في ما ذكره نظرا من وجوه: الأول: أنه ذكر الخادم الذي يشتريها، ولا يمكن حمل الميراث والتجارة والشئ الذي يعطاه على السبايا، فإنه مما يقطع بخلافه. الثاني: أنه قد تقدم منا أن السبايا فيها الخمس أيضا وأنها من الأموال المتعلق بها الخمس. الثالث: أن الخمس هو الحق الواضح والفرد الشاخص منه للأمام، وإخراج ذلك من الأطلاق إخراج للفرد الكثير، فإنه لا يبقى له إلا الأوقاف والسبايا مع قطع


(1) زبدة المقال في خمس الرسول والال: ص 107.

[ 811 ]

[ لكن الاحتياط لا يترك في جميع الفروع الثلاثة: من فرض وجود العين، وفرض وجود البدل الذي هو حق للمصرف، وفرض اشتغال ذمة الميت *. ] النظر عما تقدم، وأما أراضي الموات فقد تقدم أنه اجيزت لمن أحياها. الرابع: أنه إذا حلل جميع ماله فالخمس أولى بالتحليل من جهة أنه خمس ومن جهة أنه نتيجة عمل العامل. الخامس: أنه لو اغمض عن جميع ذلك فما وجه التقييد في الأطلاق المستفاد من ترك الاستفصال في معتبر أبي خديجة ومن عدم التقييد في غيره من أخبار التحليل؟! لكن ما ذكرناه بحسب الدليل، وحيث لم نظفر على فتوى أحد من الأصحاب في الأرث بالتحليل فاللازم هو الاحتياط الذي هو طريق النجاة. نعم، في رسالة الخمس للشيخ المؤسس الأنصاري تصريح الشهيد قدس سره - في متاجر الروضة - بعدم الفرق من حيث الحلية بين الأخذ ممن لا يعتقد أو يعتقد ولا يخمس (1). وفي العروة: إنه لا خمس في ما ينتقل ممن لا يعتقد (2). ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين التجارة والأرث، فقد ظفرنا في التجارة بالفتوى بعدم الفرق بين من يعتقد ومن لا يعتقد، وظفرنا بالنسبة إلى من لا يعتقد بعدم الفرق بين الاشتراء والأرث، لكن لم نظفر بالفتوى بالحلية بالنسبة إلى الأرث ممن يعتقد ولا يخمس فالاحتياط لا يترك. * وذلك لما عرفت في التعليق المتقدم من عدم الظفر بالفتوى من الأصحاب


(1) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص 384. (2) العروة الوثقى: آخر كتاب الخمس، المسألة 19.

[ 812 ]

[ مسألة: إذا علم أن الميت كان مكلفا بأداء مال من زكاة أو خمس - على فرض عدم التحليل - أو كفارة أو حق لشخص خاص وشك في أنه أداه أم لا ففيه فروع: الأول: لو فرض كون التكليف متعلقا بالعين وقد تلف العين مع فرض العلم بأن يده عليه كانت بنحو العدوان فهل الواجب على الوراث أداء دينه؟ * الظاهر وجوب الأداء إلا في الحقوق الشخصية مع عدم المطالبة الظاهر في الأداء أو الأبراء. ] رضوان الله عليهم، لكن احتاط بعض علماء العصر في تعليقه على العروة وهو في محله. * قد يقال: إن ذلك واجب، لاستصحاب بقاء تكليف الميت بالأداء إلى حال الموت فيجب الأداء من تركته. وقد يشكل ذلك بأن استصحاب بقاء تكليف الميت متفرع على يقين الميت وشكه، وهما ليسا بمحرزين حتى يستصحب بقاء تكليف الميت. وقد يبدل الأصل المذكور باستصحاب عدم الأداء إلى أن تلف المال فهو موجب للضمان. والأولان مستفادان من العروة في المسألة الخامسة من ختام كتاب الزكاة، والثالث مستفاد من المستمسك (1). وفي الكل نظر: أما استصحاب بقاء التكليف حتى يثبت به اشتغال الذمة ففيه إشكال من وجوه: الأول: أنه من قبيل القسم الثالث من الكلي، فإنه كان موجودا منطبقا على أداء الزكاة من العين أو بدله، والان إن كان باقيا لا يكون متعلقا إلا بتفريغ الذمة.


(1) ج 9 ص 359.

[ 813 ]

[... ] الثاني: أنه معارض باستصحاب عدم الفرد الثاني وهو اشتغال الذمة. الثالث: أن بقاء التكليف لا يترتب عليه التعلق بتركة الميت، وما هو الموضوع لذلك هو اشتغال الذمة بالمال، لا صرف الوجوب التكليفي، لكن نقطع في المقام بأنه إن كان الوجوب التكليفي باقيا فهو من باب اشتغال الذمة، فإثبات اشتغال الذمة بذلك من الاصول المثبتة الواضحة. وأما ما أورده في العروة فهو لا يخلو عن غرابة، لأن المستصحب هو الوارث، ولا يريد الوارث أن يجري الاستصحاب للميت ويحكم بأن كان للميت الاستصحاب، بل بنفسه واجد لليقين بتكليف الميت وشاك في بقاء التكليف على الميت، والشك المزبور موجود مهما كانت الحالة للميت في حال حياته - من القطع ببقاء التكليف أو القطع بالعدم أو الشك - فيحكم ببقاء التكليف للميت، أثره التعلق بتركته لولا الأشكالات الثلاثة المتقدمة. وأما ما في المستمسك فالظاهر أنه مثبت، لأن عدم الأداء ليس موضوعا للضمان، بل الضمان متفرع على كون المال في يد الميت مع عدم كونه أمانة شرعية أو مالكية حين وقوع التلف عليه، مع أنه قد لا يكون ملازما عقليا أيضا للضمان، إذ عدم الأداء يجتمع مع اليد الأماني الشرعي أو المالكي. فالأحسن أن يقال في مقام الاستدلال على الضمان في هذا