الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




خلل الصلاة وأحكامها - الشيخ مرتضى الحائري

خلل الصلاة وأحكامها

الشيخ مرتضى الحائري


[ 1 ]

خلل الصلاة وأحكامه للفقيه المحقق آية الله العظمى الحاج الشيخ مرتضى الحائري المتوفى سنة 1406 ه‍. تحقيق الشيخ محمد حسين أمر اللهي * * * مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

خلل الصلاة وأحكامه تأليف: آية الله العظمى الشيخ مرتضى الحائري قدس سره تحقيق: حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمد حسين أمر اللهي الموضوع: فقه عدد الصفحات: 836 طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي المطبوع: الأولى التاريخ: 1420 ه‍. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نحمده في جميع اموره ونستعينه على رعاية حقوقه، ونصلي ونسلم على من أرسله بأمره صادعا وبذكره ناطقا، وعلى آله وأهل بيته الذين بهم يستعطى الهدى ويستجلى العمى. وبعد، فإن التفقه في الدين لا يستغنى عنها مهما طال به الزمن وتقلبت الأحوال الاجتماعية، لأنه مسلك العبودية وأساس تنظيم شؤون الحياة الإنسانية في جميع أبعادها الفردية والاجتماعية، بل ما دام يتعاقب الجديدان تشتد عليه حاجة الإنسان بما هو إنسان، ولذا خاطبنا ربنا الرحمن في كتابه القرآن وقال - عز من قائل -: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * وحثنا على ذلك النبي الكريم وأوصياؤه الهادون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فامتثالا لما ندب إليه لسان الوحي بدأ منذ عصر النبي دراسة الفقه وتدوينه، وكان نصيب الإمامية المتمسكين بحبل آل الرسول - صلوات الله عليهم - في هذا المضمار هو قصب السبق في جميع جوانبه، وفاقت مدرستهم على سائر المدارس إتقانا وتدقيقا وتعميقا، لعكوفهم على أهل بيت نبيهم (عليهم السلام) والأجيال على ذلك متسلسلة والقرون متتابعة، وسطع في سماء الفقاهة في كل قرن نجوم مضيئة ينفون بنور علمهم عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ومن هذه الأنجم: العالم العامل الكامل الحاوي لأشتات الفضائل سماحة آية الله العظمى الحاج الشيخ مرتضى نجل استاذ الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى في الأرضين مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري (قدس سرهما) والذي تربى في بيت الفقاهة وعرف بين أقرانه ومعاصريه بدقة النظر وجزالة النبالة، فلذا أصبح مجلس درسه مجمعا للفضلاء من الطالبين ومعهدا للأذكياء من المشتغلين. فكانت حصيلة جهوده العلمية ودراساته مجموعة من الأبحاث الاصولية والفقهية التي خطتها بأنامله الشريفة، ومنها الكتاب الماثل بين يديكم. وقد وفق الله سبحانه وتعالى سماحة حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ محمد حسين أمراللهي - دامت إفاضاته - بتصحيح وتحقيق هذه الأبحاث أداء لحق استاذه (قدس سره) بعد أن أذن له إذنا خاصا قبل ارتحاله بالإشراف على طبع كتبه ونشر آثاره. وهذا هو السفر الثالث من تلك الأسفار المنيفة التي أتاح له التوفيق أن يقوم بتحقيقه وتنميقه ووفقنا لطبعه ونشره، آملين أن يستفيد منه حق الاستفادة الطالبون الباحثون، وأن يكون للمؤلف (رحمه الله) وللمحقق ولنا ذخرا يوم لا ينفع مال ولا بنون. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 4 ]

صورة إجازة آية الله العظمى الحاج لاسيد أحمد الخوانساري للمؤلف قدس سرهما

[ 5 ]

صورة الصفحة الأولى من نسخة الأصل

[ 6 ]

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة الأصل

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا خاتم النبيين، وعلى آله الأئمة الميامين - لاسيما ابن عمه ووصيه وخليفته ومولانا الحي صاحب العصر وحسنة الدهر وخليفة الله تعالى في الأرض - ورحمة الله وبركاته.

[ 8 ]

[ قال قدس الله نفسه في الشرائع: الفصل الأول في الخلل الواقع في الصلاة * وهو إما عن عمد أو سهو * * أو شك (1). * * * ] * لا يخفى أن " الخلل " بالفتح هو الفساد في اللغة، وهو المصطلح عليه في هذا الباب، إلا أن المقصود عروض الفساد بمقتضى الدليل الدال على الأجزاء والشرائط فيبحث عن حكمه بالنظر إلى ما يمكن أن يكون حاكما أو واردا أو مخصصا له. * * المقصود بالسهو في المقام ما يشمل النسيان وسبق اللسان، لعدم ذكرهما، ويمكن إدراجهما فيه عرفا، فإنه عزوب المعنى عن القلب بعد خطوره بالبال، إلا أن النسيان أبعد عن الارتكاز ثم بعده السهو ثم بعده سبق اللسان، والأمر سهل بعد وضوح المراد. * * * قال (قدس سره) في الجواهر: والمراد به تردد الذهن من غير ترجيح (2). أقول: يعني إن ذلك اصطلاح الفقهاء في المقام بقرينة المسائل التي تذكر للشكوك، وإلا ففي اللغة هو خلاف اليقين فيشمل الظن أيضا. وكيف كان، فيمكن أن يقال: إن ما ذكره (قدس سره) ليس وافيا بجميع أسباب الخلل، فإنه لم يذكر الجهل بالموضوع، وأما الجهل بالحكم فقد ألحقه بالعمد على ما سيجئ إن شاء الله تعالى، ولم يذكر الخلل الناشئ من الظن بالركعات أو الأفعال ولم يذكر الخلل الحاصل من الاضطرار.


(1) الشرائع: ج 1 ص 86. (2) الجواهر: ج 12 ص 228.

[ 9 ]

[ قال (قدس سره): أما العمد فمن أخل بشئ من واجبات الصلاة عامدا فقد أبطل صلاته (1). * ] وقد ذكر في العروة ما يحصل من الاضطرار والإكراه (2). وهو لا يخلو عن إيراد أيضا، لأنه إن كان الإكراه داخلا في العمد فلا وجه لذكره بعد ذكر العمد، وإن لم يكن داخلا فيه فلابد من إضافة الخوف والتقية والإلجاء أيضا، فإنه نظير الإكراه. فالأولى أن يقال: إن الخلل إما أن يكون عن عمد وعلم من دون طرو عنوان عليه يرفع التكليف، وإما أن يكون عن عمد مع كونه مقرونا بعنوان رافع للتكليف كالإكراه والإلجاء والحرج أو خوف الضرر أو التقية، وإما أن يكون عن جهل بالحكم أو الموضوع، وإما أن يكون عن السهو الشامل للنسيان وسبق اللسان، وإما أن يكون عن الشك، وإما أن يكون عن الظن حتى يكون مستوفيا لجميع الأقسام. * في الجواهر: ان الحكم إجماعي على الظاهر، وعن نهاية الإحكام أنه لا خلاف فيه (3). أقول: الدليل على ذلك هو ما دل من الدليل على جزئية الأجزاء وشرطية الشروط، وهو يقتضي البطلان، لأن الصحة خلف فرض الشرطية والجزئية بالنسبة إلى أصل الصلاة، ومقتضى إطلاق وجوب الإتيان بالمركب الصلاتي بعد الإتيان بها فاقدة لبعض الشرائط أو الأجزاء وجوب الإعادة، فالبطلان والإعادة مستفادتان من إطلاق دليل الأجزاء والشرائط المقتضي للدخالة في أصل المركب لا في مرتبة منه، وهو واضح.


(1) الشرائع: ج 1 ص 86. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 50 في الخلل، المسألة 1. (3) الجواهر: ج 12 ص 228.

[ 10 ]

[... ] والعجب من صاحب الجواهر حيث استدل على بعض موارد الإخلال العمدي بأن مقتضى النهي هو الفساد، فالنهي عن التكلم موجب للفساد (1). وفيه: أنه إن كان النهي عن التكلم تكليفا محضا فليس تركه شرطا في الصلاة فلا يكون تركه إخلالا بالصلاة حتى يكون موجبا لبطلانه، وإن كان وضعيا فهو صغرى لما ذكرنا من الدليل وذكره أيضا من انعدام المشروط بانعدام شرطه (2)، وكيف كان، فلا ريب في دلالة الدليل على البطلان ووجوب الإعادة. إنما الإشكال في أنه قد يمكن أن يقال: إن صحيح " لا تعاد الصلاة... " يقتضي عدم وجوب الإعادة حتى في صورة الإخلال العمدي المبحوث عنه، ففي الوسائل عن الفقيه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود " ثم قال: " القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة " (3). ونقله عنه وعن الشيخ في باب الركوع (4). ولا يتوهم أن إطلاقه ينافي الشرطية والجزئية الثابتة بالأدلة، لإمكان التحفظ على ذلك: بأن يكون ما وقع الخلل من ناحية غير الخمسة المذكورة شرطا للمركب الصلاتي بما أنها واجدة للملاك الأقوى، والغرض منه إنما يستوفى في ضمن استيفاء الغرض الأدنى المتقوم بالخمسة، ومع استيفاء الغرض الأدنى لا يمكن استيفاء الأعلى، وحينئذ فقد عصى المكلف بالإخلال العمدي لعصيانه الأمر


(1 و 2) الجواهر: ج 12 ص 228. (3) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، وص 1241 ح 4 من ب 1 من أبواب قواطع الصلاة. (4) المصدر: ص 934 ح 5 من ب 10 من أبواب الركوع.

[ 11 ]

[... ] بالمركب المشتمل عليه وعلى غيره لكن قد امتثل الأمر بالمشتمل على الخمسة، أو يقال: إن المطلوب واحد متقوم بعدم الإتيان بالفاقد، فالإتيان بالفاقد موجب لعدم إمكان استيفاء الغرض، فعلى الأول حصل عصيان وامتثال وعلى الثاني لا يكون في البين إلا العصيان، وكلاهما مشتركان في عدم وجوب الإعادة، فلقائل أن يقول: إن مقتضى الحديث عدم الإعادة مطلقا إلا في فرض الإخلال بالخمسة الواردة في حيز الاستثناء. لكن يرده أمران: أحدهما: أن مقتضى بعض الروايات المعتبرة أن الحكم بعدم الإعادة لا يكون في صورة العمد: ففي صحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " إن الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي فلا شئ عليه " (1). وفي موثق منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، فقال: " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " قلت: بلى، قال: " قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا " (2). فإن المستفاد من الصحيح أن الملاك في الحكم بعدم الإعادة في صورة النسيان والإعادة في فرض العمد إنما هو كون النقص من حيث ما ثبت دخالته بالسنة من دون أن يكون فرضا من قبله تعالى، والمستفاد من صحيح " لا تعاد "


(1) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 1 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) الوسائل: ج 4 ص 769 ح 2 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 12 ]

[... ] أيضا أن الملاك لعدم وجوب الإعادة هو كون المتروك من السنة، ولا يمكن أن يكون أمر واحد ملاكا للمطلق والمقيد فلابد من تقييد المطلق لا محالة، والمستفاد من الموثق عدم خصوصية للقراءة وإنما الملاك هو تمامية الركوع والسجود، فإن قوله (عليه السلام): " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " في حكم التعليل، ومقتضى ذلك إلقاء خصوصية ترك القراءة، بل الملاك ترك كل جزء يكون غير الركوع والسجود، فالتقيد في الذيل بالنسيان راجع إلى كل ما كان من غير الركوع والسجود من الأجزاء. واحتمال عدم التقييد بالصحيح والموثق من جهة احتمال حمل الأول على استحباب الإعادة في صورة العمد ولو من باب الجمع مع الإطلاق المستفاد من صحيح " لا تعاد "، واحتمال كون المقصود من الثاني تمامية الصلاة في صورة النسيان، ومفهومه عدم التمامية في غيرها، ولا ينافي الصحة من جهة عدم إمكان استيفاء الغرض الفائت، مدفوع: أما الأول فلأن المقصود من " لا شئ عليه " في صورة النسيان عدم اللزوم في مقابل لزوم الإعادة في فرض كون المتروك هو الفريضة، فلابد أن يكون المقصود من قوله " أعاد الصلاة " هو لزوم الإعادة، ولو فرض الدوران في مقام الجمع بين الأخذ بالإطلاق والحمل على الاستحباب أو التقييد فيرجع إلى إطلاق دليل الشرائط والأجزاء المقتضي للإعادة. وأما الثاني فبأنه ليس بصدد الفرق بين النسيان وغيره بما لا يرجع إلى أمر عملي أصلا، فإنه لو لم يكن الفرق بين النسيان وغيره إلا بالتمامية في النسيان وعدمها مع عدم إمكان الاستيفاء في غيره - من دون فرق بينهما من الإعادة وعدمها - لم يكن ذلك مما يتعلق به غرض في مقام العمل، فهو دليل قطعي على أن المراد به الصحة وعدم الإعادة بملاك صحة الصلاة في الجملة.

[ 13 ]

[... ] هذا، مضافا إلى أن قوله (عليه السلام) في صحيح " لا تعاد " في مقام التعليل: " ولا تنقض السنة الفريضة " كاد أن يكون صريحا في وحدة الملاك في جميع أفراد ما يراد من الدليل وأن الملاك عدم سراية بطلان السنة إلى الفريضة، فالفريضة قد اتيت بها صحيحة، والنقصان الموجود من جهة ترك السنة غير مضر بها، والمستفاد منه عرفا تحقق النقصان في الصلاة حتى في صورة السهو لكن لا يعتنى به في مقام العمل، فافهم وتأمل. هذا كله بيان الأمر الأول. ثانيهما: أنه يمكن دعوى انصراف الحديث بنفسه عن صورة العمد، من جهة عدم تحقق الداعي العمدي في الخارج لمن يكون بصدد أداء التكليف، فإن من ليس بصدد أداء التكليف لا يصلي أصلا ومن يكون بصدد أدائه لا يترك الجزء عالما عامدا، نعم، يمكن أن يتركه من باب الجهل ولو بسيطا من باب عدم المبالاة، وإن فرض تركه فلا ينقدح في نفسه الإعادة إلا بعد التوبة، أو من جهة أن كلمة " لا تعاد " ظاهرة في أن المضي دخيل في الحكم بعدم الوجوب، فلو كان شاملا لصورة العمد لكان مقتضاه الحكم بالصحة من أول الأمر ولو كان عاصيا بالنسبة إلى ترك المطلوب الأعلى بعد ما تقدم أن مقتضى الذيل هو الإتيان ببعض المطلوب ولا يكون باطلا رأسا، بل يقال: إن الظاهر من مادة العود أن تحقق الحكم المذكور في ظرف تحقق الخلل ولا يقتضي حكما بالنسبة إلى ما قبل الخلل بتجويزه أو الحكم بعدم إيجاب تركه الإعادة، ومقتضى ذلك التخصيص بغير صورة العمد، أو من جهة أنه في مقام أن الأعذار الارتكازية ليست ممضاة في الخمسة، فهو في مورد ثبوت العذر وأنه لا يعتنى به في الخمسة. والوجوه المذكورة صالحة للانصراف بلا إشكال. مع أن الحكم واضح بضرورة المسلمين، فإنه لم يعهد ترك جزء من أجزاء الصلاة عمدا مستندا إلى حديث " لا تعاد "، فإنه يعد من المنكرات من دون ريب

[ 14 ]

[ قال (قدس سره): وكذا * لو فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله جهلا بوجوبه (1). * * ] ولا شبهة، فالمسألة بحمدالله واضحة مع أنه مما ادعي عليها الإجماع. * أي تبطل صلاته (2). * * قال (قدس سره) في الجواهر: فيكون كالعامد، وعن الدرة الإجماع عليه، وعن شرح الألفية للكركي أن جاهل الحكم عامد عند عامة الأصحاب في جميع المنافيات، مضافا إلى قول الصادق (عليه السلام) في خبر مسعدة بن زياد في قوله تعالى * (فلله الحجة البالغة) * (3): " إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالما؟ فإن قال: نعم قال له: أفلا عملت بعلمك؟ وإن قال: كنت جاهلا قال: أفلا تعلمت حتى تعمل، فيخصمه (4)، فتلك الحجة البالغة " (5) انتهى (6). أقول: أما الإجماع فالمحصل منه غير حاصل، وعلى فرض حصوله فكشفه عن رأي الحجة (عليه السلام) في تلك المسألة التي ذكروا فيها للبطلان وجوها - وإن كانت غير قابلة للاعتماد - غير معلوم، مع أن الإلحاق بالعامد في معقد الإجماع ربما يمكن أن يكون قرينة على أن المقصود هو الجاهل المقصر، فإن عدم إلحاق القاصر به في استحقاق العقوبة واضح جدا. وأما الخبر ففيه أولا: أنه يدل على المؤاخذة ولا يدل على وجوب الإعادة حتى في المقصر، فيمكن أن يكون المقصر مؤاخذا ولا تجب الإعادة من باب تقبل


(1) الشرائع: ج 1 ص 86. (2) الجواهر: ج 12 ص 229. (3) سورة الأنعام: 149. (4) أي يغلبه بتلقين الحجة كما عن " المنجد ". (5) أمالي المفيد، المجلس 35. (6) الجواهر: ج 12 ص 229 - 230.

[ 15 ]

[... ] الناقص عن التام بملاك استيفاء الغرض الأدنى وفوت الأعلى أو بملاك البطلان المحض وعدم إمكان التدارك. وثانيا: على فرض دلالته على البطلان فإنما هو في مورد الجاهل المقصر، لوضوح عدم الحجة البالغة بالنسبة إلى القاصر. وثالثا: على فرض الدلالة عليه والإطلاق فلا ريب أنه في مورد لا يكون دليل مخصص أو حاكم أو وارد بالنسبة إليه، والمدعى أن حديث " لا تعاد الصلاة " كذلك. ولو بدل استدلاله المذكور بالاستدلال بأن البطلان ووجوب الإعادة هو مقتضى القاعدة - لعين ما ذكر في العمد: من جهة دلالة الإطلاقات على الجزئية والشرطية وبقائهما إلى ما بعد الإتيان بها ناقصة - لكان أسلم من الإشكال، إذ لا يرد عليه إلا محكوميته بصحيح " لا تعاد "، فالعمدة هو البحث عنه. فنقول: مقتضى إطلاق الحديث هو الصحة في مطلق الجهل الذي يرى الجاهل نفسه معذورا في الترك عند العمل ولو كان مقصرا، فلا يشمل العامد - كما مر - ولا الجاهل المقصر البسيط، لما مر من أن " لا تعاد " ناظر إلى من عمل بتكليفه ومضى، وأما بالنسبة إلى غيرهما فمقتضى الإطلاق هو الصحة كما أفتى به السيد الطباطبائي (قدس سره) في العروة (1) وقد أمضاه عدة من الفحول. وعمدة الشبهة في ذلك أمران: أحدهما: أن مقتضى ما مر من صحيح زرارة وموثق منصور (2) هو تقيد صحيح " لا تعاد " بصورة النسيان: أما الصحيح فقد يقال: إن قوله " فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة " يشمل


(1) كتاب الصلاة: الفصل 50 في الخلل، المسألة 3. (2) في ص 11.

[ 16 ]

[... ] صورة الجهل بالحكم، لأنه متعمد في ترك الموضوع ويترك القراءة عن عمد. وفيه: أن الشائع في العرف أن المتعمد هو العالم المتذكر كما ورد في رواية الجهر في مورد الإخفات، فإنه جعل في قبال السهو والنسيان وعدم العلم، وفي عرف الفقهاء أيضا كذلك، والظاهر أنه متخذ من العرف وليس لهم وضع جديد في ذلك، مع أن الظاهر أن المقصود هو التعمد في ترك القراءة المجعولة جزء، وهو لا ينطبق على صورة الجهل بالحكم، مع أن ترك القراءة في صورة الجهل لا يكون متعمدا، وذلك لتسرع الذهول على الجاهل بالحكم. وقد يقال: إن المقصود من ترك القراءة تعمدا أي من دون أن يكون من جهة النسيان بقرينة الذيل. وفيه: أنه ليس أولى من العكس بل العكس أولى كما قيل، لأن الظاهر أن الصدر هو المخصوص بالبيان والذيل يكون متفرعا عليه ومن تبعاته. وأما الموثق فالجواب عنه أن دلالته على وجوب الإعادة في غير الناسي مطلقا مبنية على الإطلاق في المفهوم وقد بينا مرارا عدم الإطلاق للمفهوم، مع أن احتمال شمول النسيان لمطلق الذهول عن الواقع الذي هو نتيجة النسيان غير بعيد، فالظاهر أنه لا مقيد لإطلاق " لا تعاد " من جهة المعتبرين. ثانيهما: أن الحكم بعدم الإعادة في صورة الجهل مطلقا - حكما أو موضوعا، نسيانا أو غفلة - موجب لتقيد جزئية الأجزاء وشرطية الشرائط بالعلم، وهو محال. والجواب عنه بوجوه: الأول: أنه لو كان صحة الصلاة في حال الجهل بملاك تقبل الناقص (من جهة تعدد المطلوب وتقوم المطلوب الأعلى بجميع الأجزاء والشرائط، والأدنى بالمشتمل على الركوع والسجود وباقي الخمسة وكان استيفاء الأعلى مشروطا بكونه في ضمن استيفاء الغرض الأدنى) لم يتوجه الإشكال المذكور، إذ مقتضى

[ 17 ]

[... ] ذلك إطلاق الجزئية والشرطية على كل حال للعالم والجاهل ويكون العلم بأصل الجزئية دخيلا في كيفيتها، وهي دخالتها في أصل المطلوب، بخلاف حال الجهل فيكون دخيلا في حال الجهل في مرتبة من المطلوب، ولا إشكال في ذلك أصلا، بل هو المستفاد من ذيل صحيح " لا تعاد " من عدم بطلان الفريضة بالسنة، فإنه مشعر أو ظاهر في حصول النقص لكن حيث أتى بما هو الفرض يكتفي بذلك في حال الجهل، ولعل عدم الاكتفاء به في حال العلم من باب عدم حصول قصد التقرب بالإتيان بما هو مفوت لغرض المولى، فتأمل. الثاني أن يقال: إن التكليف مقيد بعدم تركه في محله على وجه يرى نفسه معذورا ولا يكون مقيدا بالعلم، بل التكليف يكون في حال التردد - قبل الفحص الذي لا يكون المكلف معذورا ولا يرى نفسه معذورا - أيضا موجودا، وذلك لحصول الانصراف - كما يأتي إن شاء الله - عن صورة العمد والجهل التقصيري من الملتفت، ووجه الانصراف أن مصبه في فرض المضي على النحو المشروع كما لا يخفى، ويجئ إن شاء الله بعض البيان في ذلك. الثالث: أن تقيد التكليف بالعلم بالتكليف على تقدير العلم بالتكليف الفعلي خال عن المحذور، بمعنى أن إرادة الشارع تعلقت بإيجاد شئ على تقدير حصول العلم بتلك الإرادة إما من باب الاتفاق لا من الدليل الدال على ذلك، وإما من الأعم منه ومن ذلك الدليل، أو من خصوص ذلك الدليل، فإن حصول العلم من ذاك الدليل وإن كان مستحيلا لتوقف العلم بالتكليف الفعلي على العلم بذلك لكن استحالة الشرط لا تقتضي استحالة المشروط، وكذا لو تعلقت بإيجاده على تقدير العلم بحصول تلك الملازمة، وهذا لا إشكال فيه. فقد تلخص مما ذكرنا أن مقتضى إطلاق حديث " لا تعاد " هو عدم وجوب

[ 18 ]

[... ] الإعادة إلا في صورة ترك بعض الأجزاء أو الشرائط عالما وعامدا أو في فرض وقوعه في حال الجهل عن تقصير مع التردد وعدم تخيل عذر لنفسه، ولكن لا يخفى أنه يختلف الحكم المذكور وضوحا وخفاء، فإن عدم الإعادة في الجاهل القاصر أوضح، وذلك لعدم إطلاق لمعقد الإجماع المتقدم نقله عن الجواهر من جهة تنزيله فيه منزلة العامد، وذلك لوضوح أن القاصر ليس منزلا منزلة العامد، لعدم استحقاقه العقوبة بالإخلال، فلعل كلام الجواهر أيضا منصرف إلى المقصر، لذلك. وأوضح منه القاصر الذي كان ذاهلا عن الواقع، فحقيقة النسيان متحققة في نفسه وإن لم يكن مسبوقا بالعلم ولا بالخطور الذهني. وأوضح منه ما إذا كان متوجها إليه ومرددا فيه ثم عرض له النسيان من جهة جهله أو لجهة اخرى. وأوضح من الكل بل لا ينبغي الشبهة فيه أصلا ما إذا كان الترك مستندا إلى النسيان، بأن كان جاهلا مترددا وكان يأتي بالمشكوك احتياطا فنسي في صلاته، وذلك لوضوح أن الجهل لا يقتضي البطلان بل غايته عدم كونه معذرا فلا ينافي معذرية النسيان. ثم إن المستفاد من العروة أن الخلل بالقبلة إذا لم يكن على وجه الاستدبار ولا إلى جانبي اليمين واليسار - ولو كان من جهة الجهل بالحكم - ملحق بالسهو (1). لكن فيه إشكال كما نبه عليه بعض من علق عليه. وجه الإشكال أن الخلل من جهة القبلة داخل في المستثنى في حديث


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 50 في الخلل، المسألة 3.

[ 19 ]

[... ] " لا تعاد الصلاة "، وما دل على توسعة القبلة فبين ما هو صريح في الجهل بالموضوع وبين ما هو غير ظاهر في الإطلاق بالنسبة إلى صورة الجهل بالحكم. إن قلت: مقتضى إطلاق صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " لا صلاة إلا إلى القبلة " قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال: " مابين المشرق والمغرب قبلة كله " قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: " يعيد " (1). وكذا خبر معاوية بن عمار أنه سأل الصادق (عليه السلام): عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا، فقال له: " قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة " (2) أنه لا إعادة على الجاهل بالحكم أيضا. قلت: بعد ما هو المحقق أنه ليس الإمام (عليه السلام) بصدد بيان توسعة القبلة حتى للعالم بها وبحكمها، لأنه خلاف الضرورة وخلاف ما تدل عليه الآية الشريفة (3) - فإن التوجه إلى مابين المشرق والمغرب مع العلم بعدم كونه إلى الكعبة ليس إلا كالتوجه إلى ما يستدبرها عرفا في أنه ليس من التوجه شطر المسجد الحرام - فالأمر يدور بين كون المقصود غير العالم بالحكم والموضوع أو بيان الحد للمجموع وأن الحد الثاني الذي لا بد منه في جميع الحالات هو مابين المشرق والمغرب، وليس الأول أولى من الثاني إن لم يكن العكس هو الأولى، فإنه إذا كان للشئ حدان يصح أن يقال بالنسبة إلى كل منهما: إنه حده ولو كان كل واحد منهما حدا بالنسبة إلى بعض الأفراد دون البعض الآخر، هذا بالنسبة إلى صحيح زرارة، وأما بالنسبة إلى خبر عمار فحيث إن المورد هو الجهل بالموضوع فليس للذيل


(1) الوسائل: ج 3 ص 227 ح 2 من ب 9 من أبواب القبلة. (2) الوسائل: ج 3 ص 228 ح 1 من ب 10 من أبواب القبلة. (3) سورة البقرة: 145.

[ 20 ]

[... ] إطلاق من أول الأمر، فعلى فرض إمكانه ذاتا فبعد عدم إرادة الإطلاق فالحمل على أنه قبلة في المورد أقرب أو متساو للإطلاق بالنسبة إلى غير ما هو معلوم الخروج. مع أن الصحيح محتمل لأن يكون التحديد فيه بالنسبة إلى القبلة التي لا صلاة بدونها، لا حد مطلق القبلة. مع أنه ليس المراد من القبلة هو الكعبة قطعا، فالمراد أنه أيضا مما يستقبل، وكونه مما يستقبل في بعض الأوقات يكفي في صدق أنه قبلة، كما يقال: إن تلك الغرفة مسكونة أي صالحة للسكونة وليس مقتضاه أنها صالحة لسكونة جميع الأفراد في جميع الحالات، فعلى ذلك لا إطلاق لمثله. مع أنه على فرض الإطلاق يمكن أن يقال: إنه معارض بمثل خبر عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في رجل صلى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: " إن كان متوجها في مابين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم... " (1). فإنه يشمل صورة الجهل بالحكم، والانصراف من حيث ظهور البعث في العلم ممنوع، إذ هو متمش في جميع الأوامر مع أنها ليست مقيدة بالعلم، فحينئذ يرجع إلى إطلاق الآية الشريفة بضم الاستثناء الوارد في صحيح " لا تعاد ". فتحصل أن الأقرب عدم العفو عنه إذا كان الجهل بالحكم منشأ للخلل، والله العالم الملهم.


(1) الوسائل: ج 3 ص 229 ح 4 من ب 10 من أبواب القبلة.

[ 21 ]

[ قال (قدس سره): ولو جهل غصبية الثوب الذي يصلي فيه أو المكان أو نجاسة الثوب أو البدن أو موضع السجود فلا إعادة (1). * ] ثم إن الظاهر عدم شمول الحديث للمتذكر المتنبه المقصر، لأن المستفاد منه أنه متعرض للحكم بعد المضي من دون أن يستلزم حكما بالنسبة إلى ما قبل المضي، ومقتضى ذلك أنه لا بد أن يكون المضي على الوجه الشرعي ولو بتخيل المكلف، وهو العالم. * قال (قدس سره) في الجواهر: بلا خلاف أجده (2). أقول: ينبغي تعميم البحث لجميع مصاديق الجهل بالموضوع، فنقول: إنه على أقسام: فمنها ما كان دخالته في الصلاة من جهة الحكم التكليفي، كالاحتراز عن المكان واللباس المغصوبين. وفي ذلك يذكر امور: الأول: أن المعروف في كلماتهم في هذا القسم ما كان موجبا لدخالة شئ في الصلاة بنحو المانعية، كالغصب وتشبه الرجال بالنساء وبالعكس ولبس الحرير والذهب للرجال إن كان منشأ ذلك الحرمة. وأما ما كان دخالته في الصلاة بنحو الجزئية والشرطية فهل يتصور أن يكون ذلك من جهة الحكم التكليفي؟ فنقول: يمكن تصويره، فإنه لو نذر الجهر بالبسملة في صلاته الصحيحة ولم يأت بالجهر وقرأ فعلى فرض كون تطبيق الحرام على الشئ موجبا لبطلانه فلابد أن يقال ببطلان القراءة، لكونه مفوتا للواجب وليس تفويته بالترك المحض،


(1) الشرائع: ج 1 ص 86. (2) الجواهر: ج 12 ص 231.

[ 22 ]

[... ] فإنه لو ترك الجهر بترك القراءة والصلاة لم يكن حانثا لنذره. وما قرع الأسماع بأن الأمر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده ليس مقتضاه إلا أن نفس المضادة لا تقتضي النهي، وأما إذا اخذ معروض أحد الضدين اللذين لا ثالث لهما في الواجب فأتى بالمعروض فارغا عن الواجب فقد فوت الواجب بذلك. إن قلت: تفويت القراءة للواجب موقوف على صحتها، ومع عدمها لا يفوت بها الواجب ولا يكون حراما فلا يكون باطلا. قلت: يكفي في الحكم بالبطلان هو كون الصحة موجبة للبطلان، فإنه لا يمكن الحكم بالصحة لأنه يلزم من صحتها العدم. إن قلت: لا يمكن الحكم بالبطلان أيضا، لأنه يلزم منه عدم الحرمة ويلزم منه عدم البطلان. قلت: يكفي في الحكم بالبطلان كون المأتي به مخالفا للمأمور به أو كونه بحيث لو فرضت صحته لابد من الحكم ببطلانه أو لم يحكم بصحته من جهة عدم الدليل على ذلك، بخلاف الصحة فإنه لا يكفي فيها كونه بحيث لو فرض عدم صحته لابد من الحكم بها، فإن صرف تلك الملازمة لا يكفي في الصحة، وليس البطلان كذلك، فافهم وتأمل، فإنه لا يخلو عن الدقة. وكذا يتصور الشرطية من حيث الحكم التكليفي في ما إذا فرض توقف ترك الواجب الأهم - كالإزالة - على فعل المهم - كالصلاة - بحيث لا يقدر المكلف على ترك الواجب إلا بتلك الوسيلة، وقد تقدم وحررنا في الاصول أن توقف الفعل على الترك في بعض الموارد لا يوجب استحالة توقف الترك على الفعل في مورد آخر ولا يوجب التوقف في أحد الطرفين في بعض الموارد حفظ رتبته في جميع الموارد، فإن التقدم الرتبي ليس إلا احتياج الشئ إلى المقدم من دون احتياجه إليه، وتمام الكلام موكول إلى الاصول.

[ 23 ]

[... ] الثاني: بيان وجه الحكم بالبطلان في صورة العلم. فنقول: الوجه في ذلك على ما هو المعروف أمران: أحدهما: أنه يشترط في العبادة عدم كونه مبغوضا بالفعل، إذ المبغوضية الفعلية لا تمكن إلا بمغلوبية ملاك الأمر، إما من باب كون ملاك النهي أقوى كالغصب بالنسبة إلى الصلاة الاستحبابية، وإما من جهة وجود المندوحة لمتعلق الأمر، وبعد فرض المغلوبية فلا يصلح أن يكون مقربا للعبد فلا يصلح أن يكون عبادة، فهو أولى بالفساد وعدم كونه عبادة مع كونه من المباحات الصرفة والمكروهات كذلك. وعليه يبتني بطلان الصلاة في المغصوب إذا كانت عن الجهل غير المعذور فيه، كالجهل بالحكم الحاصل من جهة ترك التعلم أو الجهل الحاصل للغاصب أو النسيان الحاصل له من باب عدم المبالاة. لكن فيه إشكال، إذ لا دليل على أزيد من وجود الصورة وقصد القربة، ولا دليل على لزوم أن يكون ما يتعبد به محبوبا فعلا كما في ما يتوصل به إلى الغرض، ولا فرق بينهما إلا في قصد القربة الموجود في المفروض. إن قلت: لابد من وجود الملاك، ومع فرض المبغوضية الفعلية والنهي الفعلي - كما هو المفروض - لا أمر بناء على الامتناع فكيف يكشف الملاك! قلت: الجواب عنه أولا أن مقتضى كون الشارع في إلقائه الخطاب بصدد إلقاء تمام ما هو له دخل في ملاك حكمه هو تمامية الحكم من قبل الشارع من حيث وجود الملاك في جميع موارد فقدان الشرائط العقلية من القدرة والعلم وعدم التزاحم للضد أو عدم التزاحم للعنوان المبغوض، وهذا هو المراد من إطلاق المادة المصطلح عليه في لسان الاستاذ الوالد قدس الله روحه ورضي الله عنه وأرضاه. وثانيا: أنه توجد في كثير من العبادات إطلاقات متكفلة لبيان الملاك من دون

[ 24 ]

[... ] تضمنها للأمر حتى لا تشمل المورد، مثل " الصوم جنة من النار " (1) و * (إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر) * (2) وقوله تعالى: * (أقم الصلوة لذكرى) * (3) الدال على أن الملاك فيها ذكره تعالى الذي به تطمئن القلوب. وكذا توجد إطلاقات متضمنة للإخبار عن اللزوم المجامع لثبوت الإرادة اللزومية من دون أن يكون مدلولها المطابقي هو البعث بداعي الانبعاث، كقوله تعالى: * (إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) * (4) وقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) * (5) فإذا لم تشمل البعث الذي هو لازم للإخبار للمورد فلا مانع من شمول نفس الإخبار بماله من المعنى المطابقي لمثل المورد. وثالثا: أن تعلق البعث بنفس الطبيعة الكلية وإطلاقه من جهة البعث لا مانع منه، وإنما الذي لا يحسن عند العقل هو مقرونية البعث بداعي الانبعاث بالنسبة إلى جميع الحالات والأفراد، وأما لو بعث المولى مثلا إلى الظهرين من أول الزوال إلى الغروب بداعي انبعاث العبد نحوهما متى قدر وشاء فهو حسن بلا ريب، كيف! وهو ليس بداعي الانبعاث عنه في جميع الوقت، إذ ليس هو بمطلوب له، فكما أن المقصود هو البعث بداعي الانبعاث عنه في بعض الأوقات إذا شاء ولا مانع منه كذلك لا مانع من التقييد بالقدرة بالنسبة إلى الانبعاث، وهو لا يستلزم تقيد البعث، فالبعث حاصل نحو الطبيعة على وجه الإطلاق بداعي الانبعاث عنه عند الاقتضاء، وإطلاق البعث دال على إطلاق الملاك.


(1) الوسائل: ج 7 ص 290 ح 8 من ب 1 من أبواب الصوم المندوب. (2) سورة العنكبوت: 45. (3) سورة طه: 14. (4) سورة النساء: 103. (5) سورة البقرة: 183.

[ 25 ]

[... ] ورابعا: أن دخل عدم المبغوضية في العبادة غير معلوم، فالعقاب عليه عقاب بلا بيان، لأنه وإن كان متعلق الأمر غير مبغوض لكن يحتمل أن يكون متعلق ما هو المراد هو الأعم، فيكون باقي الشرائط والأجزاء متعلقا للإرادة اللبية، ودخالة عدم المبغوضية فيها مشكوكة فيجري فيها البراءة العقلية بل والشرعية، وليس مقتضى العلم بمتعلق الأمر هو القطع بدخالة عدم المبغوضية في الملاك، إذ تعلق الأمر به بغير المبغوض لم يعلم كونه على وجه التعيين، إذ المعلوم تعلق الأمر به على تقدير عدم الإتيان بالطبيعة في المبغوض لا مطلقا. وخامسا: يمكن أن يقال بوجود الأمر الترتبي، فإن الترتب كما يصح في الضدين كذا يصح في النقيضين، فإن من كان عاصيا على كل حال أو كان مرتكبا للحرام من الغصب أو غيره صلى أو لم يصل فلا مانع من توجه الأمر إليه، فإن الاستحالة في مقام الانبعاث ومنه يسري إلى مقام الأمر. بل يمكن أن يقال بالأمر الترتبي بوجه ثالث، وهو الترتب على عدم صلاحية النهي للتأثير - كما في الجاهل المركب المقصر - ولو لم يكن المكلف عاصيا على كل حال بل كان عاصيا لأجل الصلاة، فإنه في فرض عدم صلاحية النهي للانزجار عنه يمكن أن يقال: إنه لا مانع من الأمر. لكن فيه إشكال من جهة أن المفروض عدم العصيان إلا العصيان الصلاتي، وحينئذ لو فرض صرف عدم الانزجار من ناحية النهي المجامع لترك عصيان الصلاة فلا أمر حينئذ على وجه الإطلاق أي ولو في مورد فرض العصيان الصلاتي، لعدم اقتضاء غرض المولى ذلك وإن فرض العصيان الصلاتي، فلا يمكن الأمر في فرض حصول العصيان الصلاتي، لأنه أمر بشئ في فرض حصوله، وكيف كان، فلا إشكال في كشف الملاك.

[ 26 ]

[... ] هذا، مع أنه يمكن أن يقال في مقام دفع أصل الإشكال بوجود القرب النسبي، فإن من يعصي ويصلي هو أقرب إليه تعالى ممن يعصي ولا يصلي، ومن لا يعصي إلا على فرض الإتيان بالصلاة هو أقرب إليه تعالى ممن لا يصلي حتى بالعصيان، لأن درك مصلحة الصلاة أهم بالذات من ملاك الغصب. إن قلت: ليس هو من القرب بل هو البعد، فمن لا يصلي ويغصب فهو أبعد ممن يصلي ويغصب. قلت: قلة البعد عنه تعالى مما يتقرب به ويصلح أن يصير عبادة، فإن من يترك الكبيرة لله تعالى فقد عبده، لأن المعروف المبرهن عليه أن كل توصلي فهو عبادة إذا صار مقرونا بقصد التقرب. ثانيهما - أي الثاني من وجهي البطلان -: فقد قصد التقرب، ولعله ظهر مما ذكرنا إمكان حصوله، فإن من يعصي على كل حال يقصد التقرب بالصلاة، لأن المفروض صحة الصلاة لو لا فقد قصد التقرب، فإن ذلك في فرض العصيان متعلق لغرض المولى ولو لم يتعلق به الأمر الترتبي، كيف وقد مر صحة التعلق به! وكذا من لا يعصي إلا بقصد الصلاة ولكن يترك الصلاة إذا لم يأت في الفرد الذي يعصي فيه فيترك لذلك الغرض الأهم أو يأتي به في الفرد المحرم فيحصل به غرض المولى. نعم، لو فرض عدم كونه عاصيا على كل حال ولم يكن الواجب أو المأمور به أهم ملاكا من ملاك الحرام - كالصلاة المستحبة إذا يعصي لتلك مع أن فعلها ليس أحسن من تركها بل تركها أحسن وأحب من فعلها - فلا يتمشى منه قصد التقرب وكونه له تعالى، فإن حصول الفرد المخصوص إنما يكون اختياريا ويكون بداع من الدواعي، والمفروض أنه ليس له في البين داع إلى خصوص الغصب، فالمجموع لم يحصل بداعي التقرب، وحصول طبيعة الصلاة بالإرادة بدون

[ 27 ]

[... ] تعلق إرادة نحو الخصوصية ولو من باب أحد الأفراد محال، لعدم إمكان حصول خصوصية وجودية من دون العلة، وحصول المجموع بداعي التقرب أيضا محال، لعدم قرب له من حيث المجموع كما هو المفروض. هذا من جهة الدليل العقلي على البطلان. وقد يتمسك لذلك ببعض الأخبار: منها: معتبر إسماعيل بن جابر - من جهة الوثوق بمحمد بن سنان، أو من جهة نقله في الفقيه بنحو الجزم كما في الجواهر (1) - عن الصادق (عليه السلام): " لو أن الناس أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه في ما نهاهم عنه ما قبله منهم، ولو أخذوا ما نهاهم الله عنه فأنفقوه في ما أمرهم الله به ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق وينفقوه في حق " (2). والاستدلال به متوقف على أمرين: أحدهما أن يكون المقصود من عدم القبول عدم الصحة. ثانيهما كون الإنفاق شاملا للمورد، فإن الصلاة في المغصوب إنفاق للمنافع المحرمة في سبيل الله تعالى فلا يكون مقبولا. وفيه: أنه بعد ورود القبول وعدم القبول بالمعنى الخاص في موارد من القرآن الكريم: مثل قوله تعالى: * (فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) * (3) وقوله تعالى: * (إنما يتقبل الله من المتقين) * (4) ومثل قوله تعالى: * (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) * (5) وقوله تعالى: * (فتقبلها ربها بقبول


(1) الجواهر: ج 8 ص 142. (2) الوسائل: ج 3 ص 423 ح 1 من ب 2 من أبواب مكان المصلي. (3) سورة المائدة: 27. (4) سورة المائدة: 27. (5) سورة البقرة: 127.

[ 28 ]

[... ] حسن) * (1) وفي بعض الروايات: " إن قبلت قبل ما سواها " (2) لا يبقى وثوق بالدلالة اللغوية، مع أن عدم قبول الإنفاق من حيث هو إنفاق - أي صرف في المصارف التي صرفها - غير عدم صحة العمل، وكذا المنطبق على كيفية الصرف، كيف! ولو كان المقصود عدم صحة ما ينطبق عليه لم يكن فرق بين التعبدي والتوصلي فاللازم عدم صحة التوصلي أيضا، فتأمل. ومنها: ما في الجواهر عن تحف العقول مرسلا ورواه المحدث النوري في دار السلام مسندا عن بعض كتب الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " يا كميل انظر فيم تصلي وعلى م تصلي؟ إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول " (3). وفيه - بعد ضعف السند وما تقدم من الإشكال في دلالة مادة القبول على الصحة -: أن كون المقصود نهي الكميل عن الصلاة في المغصوب بعيد جدا، بل يقرب أن يكون المقصود هو الاحتياط في المشتبه كما يستفاد من حكمه " انظر "، فالمقصود عدم الغفلة والنسيان أو عدم الاعتماد على بعض الاصول أو الأمارات مع ظن الخلاف. ومنها: ما في المستدرك عن عوالي اللآلئ: سئل الصادق (عليه السلام) فقيل له: يا ابن رسول الله ما حال شيعتكم في ما خصكم الله به إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم؟ فقال (عليه السلام): " ما أنصفناهم إن واخذناهم، ولا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم


(1) سورة آل عمران: 37. (2) لم نعثر في المصادر الروائية على رواية بهذه اللفظة وإن ورد مضمونها في بعض الروايات. راجع الوسائل: ج 3 ب 8 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، وجامع أحاديث الشيعة: ج 4 باب فضل الصلاة وأنها أفضل الأعمال بعد المعرفة. (3) الجواهر: ج 8 ص 143، ودار السلام: ج 2 ص 32.

[ 29 ]

[... ] المساكن لتصح عبادتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكو أموالهم " (1). وفيه: ضعف السند وقصور الدلالة من جهة عدم كونه في مقام بيان بطلان العبادة بذلك، بل في مقام تعليل التحليل بصحة العبادة في ما يحتاج صحته إلى العبادة ويكفي في ذلك دخله في الجملة، وقد تقدم ويجئ أيضا بطلان العبادة في الجملة، كيف! ولو كان إطلاقه مقتضيا للبطلان مطلقا فلابد من الحكم ببطلان الصوم وغير ذلك، وخروجه بالتخصيص كما ترى، مع أن التعليل بصحة العبادات غير مشار إليه إلا في هذا الخبر، وذلك مشعر بعدم الدخالة. وأما الإجماع فموهون بالاستناد إلى الوجوه العقلية، وبذهاب فضل بن شاذان - على ما هو المعروف - إلى خلافه، وتبعه جمع من متأخري المتأخرين كما في الجواهر (2). الثالث: بيان صورة الجهل والنسيان في فرض كون معلومه باطلا من جهة عدم الترتب وعدم وجود المصلحة الأقوى في العبادة، كالصلاة المستحبة في المحل الذي لا يريد غصبه إلا بداعي أن يصلي فيه. فنقول: بناء على ما ذكرناه - من أن الملاك في الحكم بالفساد هو فقد قصد القربة - فلا إشكال في الجهل المركب والغفلة والنسيان ولو فرض كون ذلك منجزا عليه غير معذور في ارتكاب الحرام (كما قيل بالنسبة إلى الغاصب مطلقا إذا سها عن الغصب أو كان سهوه من باب عدم المبالاة) لتحقق قصد التقرب. وكذا لا إشكال في القصوري إذا فرض كون ملاك العبادة أهم عند التزاحم


(1) المستدرك: ج 7 ص 303 ح 3 من ب 4 من أبواب الأنفال. (2) الجواهر: ج 8 ص 142.

[ 30 ]

[... ] فحينئذ يصح الإتيان بها في الفرد المزاحم دركا للملاك الأهم ولو كان الجهل بسيطا، وذلك لأن الحرام الواقعي صار بمنزلة المكروه، لتزاحم ملاكه لملاك الترخيص والمعذورية، فرجحه الشارع عليه لعدم جعل الاحتياط والترخيص في الارتكاب، فيصح قصد التقرب بالإتيان بالفرد المكروه للحصول إلى الواجب ولو من باب عدم الإتيان به في الفرد الخالي عن تلك المنقصة. وهذا لا إشكال فيه بناء على ذاك المبنى. لكن يبقى الإشكال في موردين: أحدهما: الجهل التقصيري البسيط، من جهة عدم تأتي قصد التقرب. ثانيهما: الجهل البسيط القصوري إذا كانت العبادة غير أهم، كما لو كان مستحبا، فإن الإتيان بما هو مكروه قطعا ويحسن الاجتناب عنه من جهة احتمال كونه حراما واقعا - ومن أجل ذلك لا يحصل له قرب إلى المولى ولو من باب الانقياد، لأجل درك المستحب الذي لم يكن حسب الفرض أهم من الاجتناب لأجل ترك المحتمل أو لأجل الانقياد - لا يمكن أن يكون بداعي التقرب. إن قلت: مقتضى أمارية مثل اليد والاستصحاب في بعض الموارد عدم ملاك للكراهة أصلا وأن المورد خاص بالمستحب. قلت: التجنب عن محتمل الحرام مورد للحسن العقلي والمثوبة القطعية للانقياد ولو مع فرض الشك، فإنها لا تترتب على وجود الملاك واقعا حتى يقتضي الأمارة أو الأصل المحرز عدم تحقق الملاك، بل الانقياد حاصل والثواب عليه متحقق ولو لم يكن في الواقع ملاك للمبغوضية الذاتية. ومن ذلك يظهر وجه الإشكال في تكرار السلام الثاني لو شك في الإتيان به أو شك في صحة ما أتى به وكان الشك في الإتيان به في المحل، فإن مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان بالسلام الصحيح إلا أنه حيث إن أمر السلام الثاني دائر

[ 31 ]

[... ] بين الحرام الذاتي والمستحب فلا يتمكن المصلي من قصد التقرب. ويظهر أيضا اندفاع الإشكال على فرض احتمال الوجوب، للتمكن من قصد القربة، لأن درك المصلحة الملزمة أولى من التجنب عن المفسدة المغلوبة بالأصل الجاعل للعذر، وعلى فرض عدم الاحتمال فلا يأتي، فليس ذلك عويصة للمصلي. ثم لا يخفى أنه يترتب على كون الدخالة بتوسيط الحكم التكليفي أمران: أحدهما أن صحة العبادة في صورة تأتي قصد القربة من حيث الترتب أو من حيث الجهل لا تتوقف على الدخول في الركن الآخر، أو على صدق الإعادة لأنه ليس بملاك حديث " لا تعاد " بل بملاك تأمين ما هو الشرط الذي هو قصد التقرب، كما لا يخفى. ثانيهما أنه لا فرق في الإخلال بها بين الركن وغيره في مورد الحكم بالصحة، فلو توضأ جهلا بالماء المغصوب صح الوضوء والصلاة، وهذا بخلاف الإخلال بغير ذلك من الشرائط كشرطية الترتيب بين الأجزاء، فإن مقتضى الشرطية المطلقة عدم تحقق الطهارة فيدخل في المستثنى الوارد في حديث " لا تعاد " وإن كان في ذلك إشكال يأتي إن شاء الله تعالى، والمقصود أنه لا يجري في ذلك القسم من الامور الدخيلة في المركب الإشكال الذي ربما يورد في غيره. ولا يخفى أيضا أنه لا فرق في الأقسام الأربعة بين الحكم والموضوع، فالجهل المركب بالحكم أو السهو عنه موجب لصحة العبادة، لتمشي قصد التقرب، كما أن الجهل المعذر أيضا كذلك بالنسبة إلى العبادة الواجبة، وكذا في الإشكال في القسمين الآخرين. وإشكال تقيد الحكم بالعلم الوارد في الشرائط الاخر المتقدم مع جوابه غير جار في المقام، لأن مقتضى التقيد بالعلم ليس دخالة العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، بل العلم بالحرمة موضوع للمانعية مثلا ولا إشكال في ذلك أصلا.

[ 32 ]

[ قال (قدس سره): وأما السهو فإن أخل بركن أعاد، كمن أخل بالقيام حتى نوى (1)، * ] هذا كله في الخلل العمدي وما يلحق به من الجهل. وأما الخلل السهوي فقد قال في الشرائع: وأما السهو... * ومقتضى ذلك أن القيام في حال النية ركن فلو أخل به سهوا يحكم ببطلان الصلاة. والكلام فيه يقع في أمرين: أحدهما بيان مقصود المصنف (قدس سره)، فنقول: المقصود بالنية إنما هي التي تكون شرطا أو جزء للصلاة، ومن المعلوم أن ما هو الشرط فيها هي النية المقارنة لأول جزء من التكبير، والمقصود أيضا هو أول ما هو دخيل فيها أي في حدوثها، فالمدعى بحسب الظاهر أنه يشترط القيام في أول جزء من النية الدخيلة في الصلاة شرطا أو شطرا على وجه الركنية، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النية الدخيلة فيها بمعنى الداعي أو بمعنى الخطور بالذهن، كما لا يخفى. ثانيهما في ما يمكن الاستدلال به للمطلوب، فنقول: قد استدل له بإطلاق معاقد الإجماعات المنقولة مستفيضة أو متواترة كما في الجواهر على أن القيام ركن (2)، والظاهر منه أن القيام الواجب في الصلاة ركن من غير فرق بين حال النية أو بقية الحالات. وفيه: أن الإجماع المذكور موهون بامور: منها: تسالمهم على ما يظهر من الجواهر والحدائق على أنه لو أخل بالقيام في حال القراءة سهوا بترك القراءة كذلك أو بأن قرأ جالسا لا يوجب البطلان وكذا لو زاد القيام سهوا (3)، فهذا دليل على عدم الإطلاق، إذ لو كان المقصود هو الإطلاق


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 9 ص 238. (3) الجواهر: ج 9 ص 241، والحدائق: ج 8 ص 60.

[ 33 ]

[... ] وكان القيام في غير حال النية والتكبيرة خارجا عنه تخصيصا لزم التخصيص الأكثر المستهجن، فالأصوب أن يقال: إنهم ليسوا بصدد بيان الإطلاق وأن المقصود أن ترك أصل القيام سهوا مضر بالصلاة. ومنها: ما عن الشهيد (قدس سره) في بعض فوائده أنه قال: إن القيام بالنسبة إلى الصلاة على أنحاء: فالقيام في النية شرط كالنية، والقيام في التكبير تابع له في الركنية، والقيام في القراءة واجب غير ركن، والقيام المتصل بالركوع ركن... (1). ومنها: نفس ما تقدم نقله من عبارة الشرائع، فإنه مشعر أو ظاهر في عدم ركنية القيام على وجه الإطلاق، ولذا قال (قدس سره) في الجواهر في باب القيام: ان المراد بقولنا " القيام ركن " نحو قولهم " السجود ركن والركوع ركن " أي إذا فقدت الركعة القيام أصلا... بطلت الصلاة، وهو كذلك هنا إجماعا محصلا ومنقولا، إذ من سها وركع من جلوس بلا قيام أصلا بطلت صلاته عمدا أو سهوا (2). فقد تحصل أنه ليس في المقام نص ولا إجماع يدل على أن القيام مطلقا ركن إلا ما خرج بالدليل. نعم، لا بد من الكلام في موارد ثلاثة بالخصوص: الأول القيام حال النية، والثاني القيام حال التكبير، والثالث القيام المتصل بالركوع. أما الأول فهو الذي يظهر من المتن اعتباره وركنيته وإن كان المحتمل أن يكون المقصود اعتباره حال الافتتاح، والتعبير بذلك من جهة عدم لزوم بقاء القيام في حال السهو إلى آخر التكبير.


(1) الحدائق: ج 8 ص 57. (2) الجواهر: ج 9 ص 241.

[ 34 ]

[... ] ويمكن أن يستدل له بموثق عمار، وهو كما في الوافي عن التهذيب، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة، قال: " يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح "، وعن رجل وجبت عليه صلاة من قعود، فنسي حتى قام وافتتح الصلاة وهو قائم ثم ذكر، قال: " يقعد ويفتتح الصلاة وهو قاعد، ولا يعتد بافتتاحه الصلاة وهو قائم، وكذلك إن وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة وهو قاعد فعليه أن يقطع صلاته ويقوم فيفتتح الصلاة وهو قائم، ولا يقتدي (ولا يعتدي) بافتتاحه وهو قاعد ". وفي الوافي: " ولا يعتد بافتتاحه وهو قاعد " (1). ولا يخفى أنه الصحيح، إذ لا معنى ل‍ " لا يعتدي "، و " لا يقتدي " بعيد أيضا عن مساق الخبر، لأنه ليس صدر هذا الكلام مربوطا بالاقتداء، وحكم الاقتداء قد وقع في صدر الخبر ثم ذكر حكم القاعد ثم ذكر حكم القائم من دون إشارة فيه إلى الجماعة، كما هو واضح، مع أن الاقتداء هو الافتتاح بالجماعة، وحينئذ لا معنى للاقتداء بالافتتاح، هذا، مع أنه لو كان راجعا إلى الاقتداء لا يمنع عن الاستدلال بقوله في ما قبله، كما لا يخفى. وبعد ذلك نقول: الاستدلال عليه مبني على أمرين: أحدهما: أن يكون النية جزء للصلاة فيكون أولها النية والتكبيرة. وهو ممنوع، إذ لا دليل معتمد على الجزئية. ثانيهما: أن يكون المقصود اشتراط كل ما يفتتح به الصلاة بالقيام بنحو الاستغراق، لا أن يكون القيام شرطا للافتتاح في الجملة ولو من جهة كونه شرطا


(1) الوسائل: ج 4 ص 704، الباب 13، والوافي: ج 8 ص 914 ح 7385.

[ 35 ]

[... ] للتكبير أو كونه شرطا للمجموع، ولعله الظاهر منه، إذ الأصل في المحمول هو الاستغراق كما هو المعروف الظاهر عرفا. لكن يكفي عدم ثبوت جزئية النية للإيراد على الاستدلال. ويمكن الاستدلال له أيضا بأن النية ركن، والقيام شرط في النية، وشرط الركن يكون ركنا: أما الأول فلما يجئ إن شاء الله من إثبات كونها ركنا مع أنه لا شبهة فيه بين الأصحاب بل بين كافة العلماء. وأما الثاني فيكفي فيه عموم لزوم القيام في الصلاة. وأما الثالث فلأن مقتضى الاشتراط عدم الإتيان بالركن صحيحا، فهو داخل في المستثنى من حديث " لا تعاد " ولو بالدليل المنفصل، فإن المفروض خروجه من عموم الحديث الإخلال بالنية، والمقصود بحسب الظاهر هو الصحيح منها، وبعد اشتراط النية بالقيام لم تقع النية صحيحة، فالإخلال وقع في الصلاة من حيث فقد النية الصحيحة. وفيه أولا: أنه مبني على جزئية النية للصلاة، وإلا لم يدل دليل شرطية القيام في الصلاة على شرطيته بالنسبة إلى النية. وثانيا: أن مقتضى " لا تعاد الصلاة " إلقاء الشرطية، فالركن الذي هو النية وقع صحيحا. مع أن كون المقصود من ركنية النية المستفادة من الدليل الآتي إن شاء الله تعالى هو النية الصحيحة غير معلوم. فإذا ليس في البين دليل يقتضي ركنية القيام بالنسبة إلى النية بما هي نية مع قطع النظر عن تقارنها للتكبير وكون القيام شرطا على وجه الركنية بالنسبة إليه،

[ 36 ]

[... ] إذ خلاصة ما مر امور: منها: الإجماع على أصالة ركنية القيام، وقد عرفت ما فيه. ومنها: موثق عمار. ومنها: شرطية القيام للنية التي هي ركن وأن شرط الركن ركن، وقد مر النظر في جميع ذلك. ومنها: أن يقال: إن المستفاد من الآية الشريفة أن القيام ركن مطلقا فيؤخذ بذلك إلا ما خرج، وهي قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين * فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) * (1). وتقريب الاستدلال به أن الظاهر منه وجوب القيام في الصلاة لا سيما بقرينة قوله: * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) *، والتقيد بالقنوت - الذي هو التواضع والذل بالنسبة إلى المعبود بالحق جل شأنه - الذي هو من الامور المندوبة لا ينافي دلالته على الوجوب بالنسبة إلى أصل القيام، فإن البعث حجة على الوجوب فيخرج ما ورد فيه الترخيص، مع أن أصل التواضع لله والذل له الذي أقل مراتبه الانقياد لأمره واجب وركن، فإذا ثبت وجوبه بالكتاب فيكون من الفرائض فلا يشمله حديث " لا تعاد الصلاة " الذي ورد في ذيله ما يبين أن الموضوع لعدم وجوب الإعادة هو ما ثبت بالسنة فهو خارج من مدلول " لا تعاد ". وفيه أولا: أنه قد ورد في اللغة في معنى " القانت ": القائم بالطاعة الدائم عليها، وعلى هذا فالأقرب في معنى الآية الشريفة هو القيام بطاعة الله تعالى دائمين على ذلك أي لا تغفلوا عن القيام بطاعة الرحمان حتى في أوان إيقاد


(1) سورة البقرة: 238 - 239.

[ 37 ]

[... ] الحرب. والذي ربما يومئ إلى ذلك هو التفريع عليه بقوله: * (فإن خفتم فرجالا) *، فعلى ذلك يكون المقصود هو لزوم القيام بطاعة الحق سبحانه في جميع الحالات ولو كان ذلك رجالا أو ركبانا، ومع ذلك فعدم كون المقصود به هو خصوص القيام الصلاتي واضح. وثانيا: على فرض كون المقصود هو القيام الصلاتي فليس بصدد تشريع القيام، لأن ورودها بعد فرض الصلاة والإتيان بها قائما، بل هي في مقام المراقبة على الصلوات وخصوص الصلاة الوسطى والإتيان بالقيام قانتا لله تعالى، فليس الفرض من جانبه تعالى بل غاية ما يستفاد من الآية الإمضاء للسنة، وهو غير كونه فرضا من الله تعالى. إن قلت: على فرض الدلالة على الوجوب فلا دلالة على الركنية إلا من باب عدم شمول " لا تعاد "، وهو ممنوع، إذ الذيل الوارد في صحيح زرارة المتقدم (1) لا يدل إلا على كون الجزء أو الشرط سنة علة لعدم وجوب الإعادة، فلا ينافي وجود علة اخرى لعدم وجوبها فيتمسك بإطلاق الصدر، مع أن مقتضى حديث رفع النسيان والسهو هو تقيد إطلاق مثل الآية الشريفة. قلت: أما الأول فلأن الذيل وإن لم يدل على انحصار العلة في ذلك لكن يخل بظهور الصدر في كون موضوع عدم وجوب الإعادة مطلق غير الخمسة بما هو غير الخمسة، بل يكون الموضوع ذلك بما أن المنطبق عليه عنوان السنة، فلا يمكن التمسك بالصدر ولا بما انفصل عنه مما يدل على عدم إعادة الصلاة من الأجزاء غير الخمسة غير المذيل بالذيل المذكور. وذلك كلام كلي في مطلق التعليلات والمعللات، وخلاصته قواعد ثلاثة فاضبطها:


(1) في ص 11.

[ 38 ]

[... ] منها: عدم دلالة التعليل على الانحصار، فلا يكون للتعليل مفهوم بنحو الإطلاق. ومنها: عدم جواز التمسك بإطلاق الدليل المشتمل على التعليل ولا ما يكون غير مشتمل عليه ويكون متحد المفاد معه. ومنها: حجية التعليل عرفا بالنسبة إلى المنطوق فيتمسك بعموم التعليل، ففي مثل " الخمر حرام لأنه مسكر " لا يتمسك بالصدر لحرمة مطلق الخمر ولو لم يكن غير مسكر ولا بدليل آخر يدل على حرمة الخمر مطلقا، لأن التعليل مفسر للحرمة المتعلقة بالخمر في أي دليل ورد، ويتمسك به لحرمة مطلق المسكر ولو لم يكن خمرا، ولا تنافي بينه وبين ما يدل على حرمة بعض أفراد الخمر غير المسكر، لعدم دلالة التعليل على الانحصار. وأما ما ذكر من التمسك به من حديث رفع السهو والنسيان فصدقه يتوقف على سهو طبيعة ذلك الواجب وهو بالسهو في جميع الوقت، مع أن عدم المؤاخذة غير رفع الجزئية والشرطية واقعا أو فعلا مع بقاء جزئية سائر أجزاء المركب، وتمام الكلام موكول إلى الاصول. فملخص الكلام عدم الدليل على ركنية القيام بالنسبة إلى خصوص النية. وأما الثاني - أي القيام بالنسبة إلى التكبير - فقد قال (قدس سره) في الجواهر في باب القيام في حال التكبير - في مسألة وجوب أن يكون قائما -: مقتضى إطلاق النصوص وأكثر الفتاوى أنه لا فرق في ذلك بين العمد والنسيان ولابين المنفرد والمأموم، بل لا خلاف أجده فيه (1). انتهى.


(1) الجواهر: ج 9 ص 224.

[ 39 ]

[... ] وفي مفتاح الكرامة - بعد نقل كلام الشهيد المشتمل على الإفتاء بركنية القيام في حال التكبير والقيام المتصل بالركوع - قال: وبذلك كله صرح في المهذب البارع وغاية المرام وروض الجنان وشرح الشيخ نجيب الدين وجامع المقاصد، وفي حاشية المدارك أن ما ذكره الشهيد (قدس سره) هو مراد الفقهاء، وفي المفاتيح نفي الخلاف عن ذلك، وظاهر مجمع البرهان نسبته إلى الأصحاب، كما أنه يظهر من كشف اللثام دعوى الإجماع عليه (1). انتهى. أقول: لا يبعد أن يكون إسناد الإجماع إليهم من جهة الإطلاق كما اشير إليه في الجواهر (2)، وهو لا يكون حجة بعد ما تقدم من قيام القرائن على عدم كون المقصود هو الإطلاق فراجع صدر المسألة المتقدمة، فالمقصود هو ركنية القيام في الجملة فلا يتعين أن يكون في حال التكبيرة، إذ يكفي في ذلك القيام المتصل بالركوع. نعم، يمكن أن يوجه الاستدلال بالإجماع بأنه بعد قيام الإجماعات المستفيضة أو المتواترة على ركنية القيام في الجملة يدور الأمر بين القيام في حال التكبير والمتصل بالركوع، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، فيجب القيام فيهما حتى في حال السهو، للعلم الإجمالي بركنية القيام في أحد الموضعين. لكن ذلك لا يثبت لزوم القيام ركنا في تمام التكبيرة بل يكفي القيام أولها. وعمدة ما يستدل به لذلك ما تقدم من موثق عمار (3)، ودلالته على ركنية القيام


(1) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 304. (2) الجواهر: ج 9 ص 224. (3) في ص 34.

[ 40 ]

[... ] بالنسبة إلى التكبير واضحة، إلا أنه لا يدل عليها إلا بالنسبة إلى أول التكبير الذي به يحصل الافتتاح، فلا دليل عليها بالنسبة إلى تمام التكبير. إن قلت: إنه وإن كان كذلك إلا أن مقتضى " لا تعاد الصلاة " هو الحكم بالصحة في حال السهو فيمكن حمل ما ورد في الموثق على الاستحباب جمعا. قلت: إنه قد يقال: إن مقتضى الحديث عدم العود، وهو في مورد دخل في العمل دخولا صحيحا فلا يشمله الحديث، لكن فيه تأمل لا يخفى، خصوصا مع فرض كون الطهارة والاستقبال داخلين في عداد المستثنيات. ويمكن أن يقال: إن الحكم بقطع الصلاة في الموثق مع كونه حراما بالذات إذا كانت الصلاة صحيحة ربما يكون مانعا عن الحمل على الاستحباب، فإنه وإن أمكن ثبوتا تقيد حرمة القطع بغير المورد مع كون الإعادة مستحبا إلا أن حرمته الذاتية وقيام الارتكاز على حرمة القطع وأنه لا يرفع عنها اليد لإدراك أمر استحبابي مانعة عن الحمل على الاستحباب، فالتخصيص أولى بنظر العرف، وإن منع ذلك فلا ريب في عدم الترجيح، فيرجع إلى دليل شرطية القيام في الصلاة مطلقا. ويستدل عليه أيضا بأن القيام شرط في التكبير، لإطلاق اشتراط القيام في الصلاة التي منها التكبير، والتكبير ركن كما ورد في الأخبار المعتبرة ويجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى، فإذا فقد شرط الركن انعدم الركن الصحيح فيدخل في كبرى ترك التكبير الصحيح الذي يدل ما يجئ إن شاء الله تعالى من الدليل على إخلاله بالصلاة ولو سهوا. لكن فيه: أن مقتضى " لا تعاد الصلاة " عدم اشتراط التكبير في هذا الحال

[ 41 ]

[... ] بالقيام، فلا يكون الإخلال بالركن الصحيح، فلا يكون داخلا في المستثنى من حديث " لا تعاد ". إن قلت: حجية حديث " لا تعاد " بالنسبة إلى المورد وإلقاؤه شرطية القيام بالنسبة إلى التكبيرة تتوقف على عدم دخوله في المستثنى، وعدم دخوله في المستثنى يتوقف عليها، إذ لو لا العموم المذكور كان الإخلال بالقيام موجبا للإخلال بالتكبير الصحيح. قلت: نمنع التوقف الأول، فإن حجيته تتوقف على عدم دخوله في المستثنى على تقدير الشمول بحيث لا يكون تعارض بين العام والمستثنى حتى يتقدم عليه المستثنى، وهذا الكلام سار في جميع موارد يكون أحد الدليلين رافعا لموضوع الآخر على تقدير حجيته، بخلاف العكس، فإنه على تقدير تقدمه عليه من باب التعارض وترجيح النص على الظاهر أو الأظهر عليه، فافهم وتأمل فإنه حقيق به. وبه يندفع إشكال الدور في غير واحد من الموارد التي منها مسألة رادعية الآيات وحجية السيرة المعنونة في الكفاية (1). هذا، مضافا إلى أن مفاد استثناء التكبير هو التكبير الصحيح الشرعي غير واضح، بل الظاهر هو أصل ما يصدق عليه التكبير ولو فاسدا. فتحصل أن الدليل ينحصر في الموثق ومقتضاه ركنية القيام بالنسبة إلى أول التكبير، وهو العالم المعلم الملهم. وأما الثالث - وهو القيام المتصل بالركوع - فيمكن أن يستدل عليه بامور كلها مخدوش: الأول: الإجماع على ركنية القيام - كما تقدم - وخرج ما خرج وبقي الباقي.


(1) كفاية الاصول: ص 348.

[ 42 ]

[... ] الثاني: أن أصالة ركنية القيام مستفادة من قوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) *. وقد تقدم جوابهما. الثالث: الإجماع على ركنية خصوص القيام المتصل بالركوع، ففي الجواهر عن الرياض اتفاقهم على ركنيته وركنية القيام في التكبيرة الافتتاحية (1)، وقد تقدم (2) الإيماء إلى كلام الشهيد (قدس سره) وما علقوه عليه المستفاد منه أن ما ذكره هو مراد الفقهاء وأنه مما ذهب إليه الأصحاب. لكن نقل الإجماع المذكور موهون بامور: منها عدم نقل ذلك عن كتب القدماء من الأصحاب. ومنها إهمال الشيخ (قدس سره) ذلك في نهايته المعدة لذكر متون الأخبار وكذا ابن زهرة. ومنها تعليل غير واحد من الأصحاب كما في مفتاح الكرامة وعن المستند بدخول ذلك في مفهوم الركوع (3)، ولذا يكون المستفاد من كلام صاحب الجواهر أن الذي هو ركن ليس خصوص المتصل بل الركن هو قيام ما (4). الرابع: الإجماع على دخالته في مفهوم الركوع من جهة الإجماع على لزوم الانحناء في الركوع: قالا في الشرائع والجواهر في واجبات الركوع: الأول أن ينحني بمقدار ما يمكن وضع يديه على ركبتيه، إجماعا كما في جامع المقاصد والمفاتيح، وفي المنتهى: بحيث تبلغ يداه ركبتيه، وهو قول أهل العلم كافة إلا أبا حنيفة فإنه أوجب مطلق الانحناء (5). انتهى.


(1) الجواهر: ج 9 ص 245. (2) في ص 33. (3) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 302، والمستمسك: ج 6 ص 92 عن المستند: ج 5 ص 38. (4) الجواهر: ج 9 ص 244. (5) الجواهر: ج 10 ص 69 - 70.

[ 43 ]

[ قال (قدس سره): أو بالنية حتى كبر (1)، * ] أقول: ليس معقد الإجماع المذكور صريحا بل ولا ظاهرا في لزوم الانحناء من حالة القيام، بل المقصود بيان لزوم الحالة التقوسية وأنه هل يكفي مطلق حصول الانحناء ولو لم يكن عن قيام كما عن أبي حنيفة أو لابد من الحد المذكور، كيف! وقد أفتى الطباطبائي (قدس سره) في منظومته على ما في الجواهر بأن الهوي مقدمة للركوع كما أنها مقدمة للسجود (2)، وقد جزم في ما حكى في الجواهر عن الرياض بتحقق الركوع إذا أتى به من جلوس وأن البطلان من جهة فقد القيام المتصل بالركوع لا الركوع (3). الخامس: دخالته في مفهوم الركوع، وهو ممنوع. السادس: دخالته في مفهوم الركوع الخضوعي ولعله واضح عند العرف، لكن اعتبار ذلك من جانب الشارع على وجه يدور مداره غير معلوم، بل لعل تحقق الخضوع حكمة في الأمر به، وعدم الإطلاق لغيره لا يمنع من جريان أصالة البراءة في القيد. هذا تمام الكلام في القيام. فالمحصل بحسب الدليل ركنيته بالنسبة إلى ابتداء التكبير، وعدم وضوح ركنيته بالنسبة إلى النية ولا بالنسبة إلى جميع التكبير ولا في خصوص المتصل بالركوع، والله الهادي. * وقال في النية: " وهي ركن في الصلاة ". قال في الجواهر: إجماعا منا محصلا ومنقولا مستفيضا أو متواترا، بل من العلماء كافة في المحكي عن المنتهى والتذكرة، بل عن التنقيح: لم يقل أحد بأنها ليست بركن (4).


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 10 ص 77. (3) الجواهر: ج 9 ص 244 - 245. (4) الجواهر: ج 9 ص 154.

[ 44 ]

[... ] وفي المفتاح - بعد ذكر ما حكيناه عن الجواهر، والظاهر أن مستنده ما ذكره (قدس سره) -: نقل الإجماع على ركنيتها عن التذكرة ونهاية الإحكام والذكرى وقواعد الشهيد والتنقيح وفوائد الشرائع وغيرها وهو كثير (1). انتهى. ومن ذلك يظهر وضوح الإجماع على ركنيتها. ويمكن أن يستدل على ذلك بما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالعبادة التي يكون القدر المتيقن منها بحسب الظاهر هو الصلاة الفريضة كقوله تعالى: * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * (2) وقوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم) * (3) وقوله تعالى: * (إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين) * (4) وقوله تعالى: * (وأقم الصلوة لذكرى) * (5). فالعبادة المتقومة بداعي الأمر الإلهي أو ما يقوم مقامه هي من الفرائض لا من السنن، فلا تكون مشمولة لحديث " لا تعاد الصلاة ". مع أن كون الصلاة الفاقدة لنية التقرب مشمولة لحديث " لا تعاد " مخدوش من غير الجهة المذكورة أيضا، لأنه إن كان فقدها من جهة عدم الالتفات إلى عنوان الصلاة فلا يصدق على المأتي به عنوانه حتى في العرف، وإن كان من جهة فقد الداعي الإلهي مع التوجه إلى عنوان الصلاة فلا يتصور إلا الرياء المتقوم بالتوجه إلى لزوم قصد التقرب وأنه محبوب فيرائي بذلك، وإلا لم ينقدح الرياء في النفس أعاذنا الله تعالى منه. وقد يقرب خروج المورد عن عموم " لا تعاد " من جهة أن اعتبار النية ليس في الواجب شرطا ولا شطرا، وعموم الحديث المذكور ناظر إلى ما هو دخيل في الواجب لا للأعم منه ومن الدخيل في الغرض.


(1) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 319. (2) سورة الذاريات: 56. (3) سورة البقرة: 21. (4) سورة الأنعام: 162. (5) سورة طه: 14.

[ 45 ]

[ أو بالتكبير حتى قرأ (1)، * ] وفيه أولا: وضوح عمومية " لا تعاد "، فإن الموضوع هو الصلاة وأنها لا تعاد من الخلل الوارد فيها مطلقا، كان ذلك من جهة ترك شرط الواجب أو ترك ما هو دخيل في الغرض. وثانيا: أنه لا مانع من دخل قصد التقرب في العبادة، فإن الواجب هو الإتيان بالفعل بداعي الأمر به، وإتيان داعي الأمر به بداعي الأمر المتوجه إلى نفسه لا إلى الفعل، فيؤتى داعي الأمر بالفعل بداعي الأمر بهذا الداعي، فلم يؤت داعي الأمر بالفعل بداعي الأمر بالفعل حتى يلزم توقف الشئ على نفسه، ولقد بينا ذلك في كتاب مباني الأحكام. ثم إنه يظهر مما ذكرناه عدم وضوح ركنية نية الظهرية والعصرية والأدائية والقضائية وغير ذلك، بل الثابت ركنيتها هو نية التقرب التي بها تصدق العبادة، فحينئذ لو أتى بالعصر سهوا فكونه عصرا غير واضح، إذ يحتمل أن يكون ظهرا والإخلال بنية الظهرية ملقى بعموم " لا تعاد " كما أنه يحتمل أن يكون الملقى هو الترتيب، فلا يتعين أن يكون الملقى هو الترتيب، والكلام فيه موكول إلى محله والمقصود هو الإشارة إلى أن المتيقن من الركنية هو نية التقرب، بل لو قلنا بلزوم إخلاص زائد على مقدار دخالته في صدق العبادة وغفل عن ذلك لم يكن مخلا بصحة الصلاة المأتي بها، والله العالم. * وقال (قدس سره) في تكبيرة الإحرام: وهي ركن، ولا تصح الصلاة من دونها ولو أخل بها نسيانا (2). وقال في الجواهر: إجماعا محصلا ومنقولا مستفيضا كالنصوص (3).


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الشرائع: ج 1 ص 62. (3) الجواهر: ج 9 ص 201.

[ 46 ]

[... ] وقال السيد (قدس سره) في مفتاح الكرامة بعد قول العلامة " وهي ركن تبطل الصلاة بتركها عمدا وسهوا ": بإجماع الأصحاب وإجماع الامة إلا شاذا كما في الذكرى وجامع المقاصد والمدارك، وبإجماع علماء الإسلام عدا الزهري والأوزاعي كما في المعتبر، وهو مذهب عامة العلماء كما في التذكرة، إلى غير ذلك (1). أقول: ويدل عليه عدة من الأخبار: منها: ما رواه في الوسائل عن الشيخ والكليني بطرق معتبرة كلها عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: " يعيد " (2). ومنها: معتبر عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أقام الصلاة فنسي أن يكبر حتى افتتح الصلاة، قال: " يعيد الصلاة " (3). ويحتمل أن يكون المقصود نسيان تكبير الإقامة بقرينة قوله " أقام " وقوله " افتتح الصلاة " الظاهر في الشروع فيها بالإتيان بالتكبير فيدل على جواز القطع لدرك الإقامة كما أفتوا به في الجملة، فعليه فلا يدل على المقصود، فتأمل. ومنها: صحيح ذريح عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:


(1) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 336. (2) الوسائل: ج 4 ص 715 ح 1 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام. (3) المصدر: ص 716 ح 3.

[ 47 ]

[... ] سألته عن الرجل ينسى أن يكبر حتى قرأ، قال: " يكبر " (1). ولا يخفى صراحته في لزوم التكبير، ولا دلالة فيه على بطلان الصلاة ولزوم إعادتها، إلا أن يستظهر ذلك من وحدة متعلق الأمر والمنسي، فالظاهر هو تدارك التكبير بقصد الافتتاح، ولازم ذلك هو إعادة باقي أجزاء الصلاة أيضا، لكن فيه تأمل. ومنها: صحيح ابن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلاة حتى يركع، قال: " يعيد الصلاة " (2). ومنها: موثق عمار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة، قال: " يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح " (3). ومنها: خبر الفضل أو ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزئه تكبيرة الركوع؟ قال: " لا، بل يعيد صلاته إذا حفظ أنه لم يكبر " (4). ومنها: صحيح العلاء عن محمد عن أحدهما (عليهما السلام): في الذي يذكر أنه لم يكبر في أول صلاته، فقال: " إذا استيقن أنه لم يكبر فليعد ولكن كيف يستيقن؟! " (5). ودلالة ذلك على المدعى غير قابلة للإنكار، إلا أن موقع الإشكال في المسألة


(1) الوسائل: ج 4 ص 716 ح 4 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام. (2) المصدر: ح 5. (3) المصدر: ح 7. (4) الوسائل: ج 4 ص 718 ح 1 من ب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام. (5) الوسائل: ج 4 ص 716 ح 2 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

[ 48 ]

[... ] إنما هو في التعارض بينها وبين بعض الأخبار الاخرى وكذا التعارض بينها وبين " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة " (1): أما الأول - أي بالنسبة إلى المعارضة لبعض الأخبار الاخرى - فقد روي عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح، فقال: " إن ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع، وإن ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة وبعد القراءة " قلت: فإن ذكرها بعد الصلاة؟ قال: " فليقضها ولا شئ عليه " (2). وفيه: أنه ليس ظاهرا في كون " من " في قوله " من الافتتاح " بيانية، بل يحتمل أن يكون تبعيضية فالمقصود أول تكبير من التكبيرات الافتتاحية، فيكون التدارك قبل الركوع بإعادة القراءة مستحبا، ولا يحتاج الحمل على الاستحباب إلى ما يقتضي ذلك من نص دال على عدم لزومه، إذ يكفي قرينة لذلك كون أصل الإتيان بالتكبير الأول الافتتاحي مستحبا، وهو الذي اختاره في الجواهر في مقام الحمل (3) تبعا لما في الوسائل (4)، وهو جيد بحسب الظاهر. ويحتمل بعيدا ما عن الشيخ (قدس سره) من كون المقصود من قوله " فليقضها " هو قضاء الصلاة المأتي بها من دون التكبير (5)، والإيراد عليه بعدم تناسبه لقوله " ولا شئ عليه " إذ أي شئ أشد من إعادة الصلاة، وعدم تناسبه لقوله " وإن ذكرها في الصلاة كبرها " إذ لابد من الحكم بالبطلان حينئذ لا الاكتفاء بالتكبير في حال


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة. (2) المصدر: ص 717 ح 8 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام. (3) الجواهر: ج 9 ص 205. (4 و 5) الوسائل: ج 4 ص 717.

[ 49 ]

[... ] القيام بعد القراءة أو قبلها مدفوع، أما الأول فلأنه لعل المقصود أنه ليس شئ عليه وراء الإعادة من سجدتي السهو أو قضاء نفس التكبير مضافا إليها، وأما الثاني فلاحتمال أن يكون مرجع الضمير في قوله " كبرها " هو الصلاة أي يأتي بها واجدة للتكبير وليكن ذلك في موضوعه وهو أول الصلاة، من غير فرق بين أن يكون ذلك قبل الشروع في القراءة أو بعدها، فيكون الجملة الثانية أعم من الاولى. وفي الصحيح عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة، فقال: " أليس كان من نيته أن يكبر؟ " قلت: نعم، قال: " فليمض في صلاته " (1). وقد حمله في الوسائل وغيرها على التقية، لأنه رأي بعض العامة. وفيه: منع واضح بعد ما تقدم من إجماع علماء الامة - إلا الشاذ - على الركنية، بل حمل ما يدل على الركنية على التقية أولى. لكن يمكن أن يقال: إن المقصود هو النسيان عن التكبير حتى دخل في الصلاة ولو كان النسيان المذكور في الآن قبل التذكر، وهو يجتمع مع احتمال الإتيان بها ثم عروض النسيان والذهول، فأجاب (عليه السلام) بأنه قد أتى به بحسب نيته، أو يقال: إن المقصود هو الإرشاد إلى عدم العلم بالنسيان، بأن يكون العلم بتركه نسيانا صوري يرتفع بعد التوجه إلى أنه كان من نيته أن يكبر، فيكون المقصود أنه لم يعلم نسيانه فكأنه قال - بعد قوله " أليس كان من نيته أن يكبر " وقول السائل " نعم " -: فلم يعلم أنه نسي أو قد أتى به فليمض في صلاته، والذي ربما يدل عليه إشعار الاستدلال والتعليل، ولابد من موافقته للارتكاز، والذي يوافقه عدم العلم


(1) الوسائل: ج 4 ص 717 ح 9 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

[ 50 ]

[... ] بالنسيان لا كفاية النية عن الإتيان بالعمل، فإنه ربما يكون مما هو بطلانه واضح عند العرف، لأن كفاية النية عن العمل موجب لتعطيل جميع الخيرات، فإن الأثر مترتب على العمل، والنية شرط فيه في العبادات، كما أنه ربما يؤيد ذلك بما تقدم (1) من ذيل خبر محمد أي قوله (عليه السلام): " كيف يستيقن؟ " وبما روى الصدوق عن الصادق (عليه السلام) مرسلا أنه قال: " الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح " (2)، فإن الغالب عروض النسيان في الأثناء لا في ابتداء العمل مع فرض الشروع فيه، وإلى الآن لم نسمع من أحد أنه نسي التكبير الذي هو أول الصلاة لا سيما في الفرادى التي يكون بناء المصلي على الإتيان بجميع أجزائها بالمباشرة، والمفروض في الصحيح على الظاهر هو الفرادى وإلا لكان عليه ذكر غيرها، لاحتمال المدخلية في الحكم عرفا. وفي الموثق عن أبى بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة فنسي أن يكبر فبدأ بالقراءة، فقال: " إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبر، وإن ركع فليمض في صلاته " (3). ولا يخفى عدم الوجه للحمل على التقية، ولا على ما حمل عليه الصحيح المتقدم من الاعتبار بالنية فيه الدال على حجيتها على الإتيان أو استلزامها لعدم القطع بالترك دون ذاك الموثق، ولقوله " إن ذكرها وهو قائم " فيه الذي كاد أن يكون صريحا في تذكر تركه، ولأن المضي مع الشك لا فرق بين الدخول في


(1) في ص 47. (2) الوسائل: ج 4 ص 717 ح 11 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام. (3) الوسائل: ج 4 ص 717 ح 10 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

[ 51 ]

[... ] الركوع وعدمه، فلابد إما من رفع اليد عن مبنى الأصحاب والقول بعدم حجية إجماعهم والاجتراء على خرقه بالحمل على ما يحمله العرف في مقام الجمع من جواز الأمرين - أي الإعادة والمضي - أو حمل ما دل على الإعادة على التقية لأنه مذهب أكثر العامة، أو يقال بأنه بعد الركوع لقد أتى بتكبير الركوع وأن تكبير الركوع مجز عن تكبيرة الإحرام في حال السهو، لأن الواجب هو التكبير أول الصلاة فكأنه قد كبر للافتتاح ثم ركع، وإطلاقه من حيث الإتيان بالتكبير للركوع وعدمه محمول على الغالب أو الدائم في عصر الصدور من الإتيان بتكبير الركوع أو يقيد بصحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام)، قال: قلت له: رجل نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع، فقال: " أجزأه " (1). الدال على عدم الإجزاء من دون أن يكبر للركوع. ولا يعارض ذلك بما تقدم (2) من خبر الفضل أو غيره من عدم إجزاء تكبيرة الركوع، لأن الثاني - أي صحيح البزنطي - وارد في من نسي حتى كبر والأول - أي خبر الفضل - هو السؤال عن إجزاء تكبيرة الركوع بما هي كذلك فيشمل حال القيام ويقيد بذلك، فيصير المحصل من الأخبار الثلاثة هو إجزاء تكبيرة الركوع لمن نسي حتى كبر للركوع وركع، وهو على طبق القاعدة بناء على عدم لزوم قصد عنوان تكبيرة الافتتاح أو الإحرام بل اللازم هو التكبير أول الصلاة، ومقتضى ذلك أنه لو كبر للركوع فتذكر نسيان تكبير الافتتاح ولم يركع قط يجوز الاكتفاء به ثم يعيد القراءة لحفظ الترتيب كما أشار إلى ذلك صاحب كشف اللثام في المحكي عنه في الجواهر


(1) الوسائل: ج 4 ص 718 ح 2 من ب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام. (2) في ص 47.

[ 52 ]

[... ] مستظهرا من الصحيح المتقدم احتمالا ثم قال: " إذ ليس عليه أن ينوي بالتكبير أنه تكبير افتتاح - كما في التذكرة والذكرى ونهاية الإحكام - للأصل " (1). وهو جيد عندي وإن أورد عليه صاحب الجواهر بما لا مزيد عليه (2)، لكنه غير وارد، لعدم الدليل على لزوم قصد الافتتاح كما عرفت نقله عن عدة من الأصحاب، وعلى مانعية قصد الخلاف أيضا فمقتضى الإطلاق وأصل البراءة في الأقل والأكثر هو الاكتفاء، وأما تعارضه لصحيح الفضل أو ابن أبي يعفور (3) كما في الجواهر (4) فقد عرفت أنه أخص منه، لأن الاكتفاء مطلقا غير الاكتفاء به في صورة النسيان حتى كبر للركوع، فالأحوط في صورة النسيان حتى أن كبر وركع إتمام الصلاة والإعادة وإن لم يكن لازما، لما تقدم من صحيح ابن يقطين الوارد في النسيان حتى أن ركع فحكم فيه بالإعادة. فالملخص جواز القطع والإعادة عملا بالطائفة الاولى وإن كان يحتمل الاكتفاء بها بعد الركوع أو بعد تكبير الركوع أو إذا كان من نيته الإتيان بها ولا سيما إذا كبر للركوع. هذا بالنسبة إلى إشكال المعارضة للأخبار الخاصة. وأما الثاني - أي بالنسبة إلى المعارضة لعموم " لا تعاد الصلاة " بأن يحكم بالصحة كما أنه يحكم بجواز القطع والإعادة بل استحباب ذلك - فيمكن أن يجاب بأن قيام ارتكاز المتشرعة على حرمة القطع في الجملة بالنسبة إلى الصلاة الصحيحة مانع عن الحمل على الاستحباب، فهو مقدم على ظهور " لا تعاد "


(1 و 2) الجواهر: ج 9 ص 202. (3) الوسائل: ج 4 ص 718 ح 1 من ب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام. (4) الجواهر: ج 9 ص 204.

[ 53 ]

[ قال (قدس سره): أو بالركوع حتى سجد (1)، * ] أو يساويه، فيرجع إلى إطلاق لزوم التكبير المقتضي لركنيته، أو يقال بأن في موثق عمار المتقدم (2) أنه " لا صلاة بغير افتتاح " وهو حاكم على قوله " لا تعاد الصلاة " بعدم موضوعيتها لأحكام الصلاة التي منها الحكم المستفاد من عموم " لا تعاد "، أو يقال: إن كلا من الدليلين صالح للحكومة على الآخر فلا تقدم لقاعدة " لا تعاد " فيرجع إلى أصالة الركنية المستفادة من الإطلاق. لكن دقيق النظر يقتضي حكومة " لا تعاد " عليه، من جهة أن المفروض في " لا تعاد " من جهة الفرق بين السنة والفريضة وجود الدليل على الاعتبار والجزئية حتى في حال السهو، لكن ليس المستفاد من قوله " لاصلاة بغير افتتاح " مفروضية الحكم بصحة الصلاة الفاقدة للافتتاح بل هو بعناية صحة الصلاة في الجملة لا بعناية صحة الصلاة في خصوص المورد، فالدليل على الاشتراط في خصوص المورد ولو بالإطلاق مفروض في حديث " لا تعاد " بخلاف الدليل على الصحة في خصوص المورد في مثل " لاصلاة بغير افتتاح "، فافهم وتأمل فإنه دقيق ولعله يكون نافعا لغير المقام والله ولي الإلهام وبيده الإنعام، وهو المأمول في الافتتاح والاختتام، وكان ذلك في 10 / ج 1 / 1391، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وجنبنا عما لا ترضى لنا، بفضلك وكرمك وجودك. * أقول: لا إشكال ولا كلام في عدم جواز عدم الاعتناء بالسهو عن الركوع، إنما الإشكال في أنه لو سها عن الركوع حتى سجد هل يكون محكوما بالبطلان من غير فرق بين الإتيان بسجدة واحدة أو سجدتين، كما هو المشهور بين الأصحاب وحكي عن المفيد والمرتضى وسلار وابني إدريس والبراج وأبي الصلاح وابن أبي عقيل كما في الجواهر (3)، أو يحكم بالصحة والتلفيق مطلقا،


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) في ص 47. (3) الجواهر: ج 12 ص 243.

[ 54 ]

[... ] من غير فرق بين الإتيان بالسجدة أو السجدتين، ومن غير فرق بين الاوليين والمغرب والأخيرتين من الرباعية ولا غير ذلك من التفصيلات التي يومأ إليها إن شاء الله تعالى، وذلك بمعنى إلقاء السجدتين اللتين لا ركوع لهما والإتيان بالركوع والسجدتين، وهو الذي نقل عن المبسوط أنه قال: " وفي أصحابنا من قال: يسقط السجود ويعيد الركوع ثم يعيد السجود، والأول أحوط، لأن هذا الحكم يختص بالأخيرتين " (1)، أو يفصل بين الإتيان بسجدة واحدة فالتلفيق، والسجدتين فالبطلان، وهو الذي نقله في المستمسك عن الحدائق وعنها عن المدارك وأفتى به بنفسه (2) تبعا للعروة (3) وأمضاه أكثر المحشين عليه على ما أعلم، نعم، أفتى السيد الفقيه المعاصر البروجردي (قدس سره) بالبطلان مطلقا واحتاط الوالد الاستاذ (قدس سره) في تعليقه على العروة وعلماء العصر أكثرهم غير مفتين بالبطلان، أو يفصل بين الاوليين والمغرب وبين الأخيرتين فالبطلان في الأول والصحة بالتلفيق في الثاني، وهو الذي نقله في مفتاح الكرامة والجواهر عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط (4)، أو يفصل بين الدخول في الركعة التالية فالصحة والتلفيق وعدمه فالبطلان كما عن الشيخ (قدس سره) في نهايته (5)، أو يفصل بين الركعة الاولى فالبطلان والثانية فالتلفيق. نقله (قدس سره) في الجواهر عن ابني جنيد وبابويه (قدس سرهما) (6) واستظهر أن المقصود جعل الثالثة ثانية بالإتيان بالقراءة وغيرها أيضا لاصرف التلفيق بالإتيان بالركوع والسجدتين (7). أقول: وكأنه مبني على أن نسيان الركوع حتى يسجد دخيل في بطلان الركعة


(1) الجواهر: ج 12 ص 246. (2) المستمسك: ج 7 ص 397. (3) كتاب الصلاة، الفصل 50 في الخلل، المسألة 14. (4) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 414، والجواهر: ج 12 ص 246. (5) الجواهر: ج 12 ص 246. (6) الجواهر: ج 12 ص 245 - 246. (7) الجواهر: ج 12 ص 246.

[ 55 ]

[... ] لا أصل الصلاة. والوجه في ذلك ما يجئ إن شاء الله من الفقه الرضوي. ويستدل للمشهور بامور: منها: صحيح رفاعة عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل ينسى أن يركع حتى يسجد ويقوم، قال: " يستقبل " (1). وفيه: عدم وضوح ظهور لفظة " يستقبل " في الاستيناف، بل دلالته على الاستيناف من جهة عدم ما يصلح لأن يكون قرينة على حد الاستقبال، وفي المقام ثبوت الخلل في الصلاة من ناحية ترك الركوع يصلح لذلك. ومنها: موثق إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يركع، قال: " يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه " (2). وفيه: ما مر، بل يمكن أن يدعى ظهوره في التلفيق، لمكان العلة الظاهرة في أن المقصود من الاستقبال أن يحصل به الترتيب المفقود بواسطة نسيان الركوع، ولو كان المقصود الاستيناف من جهة بطلان الصلاة لكان الأولى التعليل بالإتيان بالصلاة الصحيحة، لبطلان التي كانت بيده. ومنها: صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة " (3).


(1) الوسائل: ج 4 ص 933 ح 1 من ب 10 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 933 ح 2 من ب 10 من أبواب الركوع. (3) المصدر: ح 3.

[ 56 ]

[... ] وتقريب الاستدلال به أن يقال: إن قوله (عليه السلام): " وقد سجد سجدتين... " عطف بيان ل‍ " ترك ركعة " أي يكون المقصود من ترك الركعة ترك الركوع، أو يقال: إن الواو بمعنى " أو " كما في الجواهر (1) فيكون المقصود أنه لو ترك تمام الركعة أو ترك الركوع فقط وقد سجد سجدتين، أو يكون الواو بمعنى " أو " ويكون المراد بالركعة هو الركوع أي إذا نسي الركوع من دون الإتيان بالسجدتين أو نسيه مع فرض الإتيان بهما فلابد من استيناف الصلاة. وفيه أولا: أن الظاهر أن الشرط مجموع الأمرين، وهو ترك ركعة وترك ركوع بأن كان في التشهد مثلا فذكر أنه ترك الركعة الاولى وأتى بالسجدتين من الثانية أو كان في آخر الصلاة بأن سلم مثلا وعلم بترك ركعة وترك ركوع، فلابد من الاستيناف مطلقا حتى في صورة عدم المانع من التلفيق إلا السجدتين، وذلك لا يدل على عدم كفاية التلفيق في صورة كون المنسي هو الركوع فقط. وثانيا: على فرض كون الواو بمعنى " أو " بالمعنى الأول منهما فترك الركعة المحكومة بالاستيناف ليس إلا بعد الصلاة والإتيان بالمنافي، وأما في أثناء الصلاة فلا يصدق تركها، فهو قرينة على أن المفروض حصول التذكر بعد الصلاة فلا يدل على المطلوب، ويكفي صلاحية ذلك للقرينية على التقييد بالنسبة إلى الجملة الثانية. لكن الإنصاف أن المعنى الأول أبعد عن التكلف، وعليه فيدل على مدعى المشهور، إلا أن ظهوره فيه غير معلوم. ومنها: خبر أبي بصير، قال:


(1) الجواهر: ج 12 ص 245.

[ 57 ]

[... ] سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي أن يركع، قال: " عليه الإعادة " (1). وفيه: ضعف السند بمحمد بن سنان، وانجباره غير معلوم، إذ الاستناد إليه في الفتوى غير واضح. ومنها: صحيح " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة... " (2) ومنها الركوع. وفيه أولا: أنه إذا فرض دلالة الدليل على جواز التدارك فلم يحصل الإخلال حتى يحكم بالإعادة، وليس ظاهر قوله " إلا من خمسة " هو الإعادة بصرف السهو عنها ولو مع بقاء محل التدارك، وكذا إذا احتمل ذلك لا يمكن التمسك بالحديث لرفع ذاك الاحتمال. وثانيا: أن دلالته على وجوب الإعادة بالمفهوم، وقد أثبتنا في الاصول أن مفهوم السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية، فإن المفهوم هو نقيض المنطوق ونقيض السلب الكلي هو الإيجاب الجزئي. ومنها: ما يدل على أن زيادة السجدتين مبطلة للصلاة، فالتلفيق موجب لزيادتهما وعدمه موجب لترك الركوع وكلاهما موجب للبطلان. وفيه: أن صدق الزيادة غير واضح على السجدتين اللتين لا ركوع لهما، لأنه لا يصح أن تكون جزء من الصلاة مع قطع النظر عن تطبيق عنوان الزيادة وقد تسالموا على أن مفهوم الزيادة متقوم بكونها من جنس المزيد عليه، ويجئ الكلام في ذلك بمشيئة الله تعالى في مبحث الزيادة. ومنها: الإجماع المنقول عن النجيبية، ففي الجواهر والمفتاح عنها:


(1) الوسائل: ج 4 ص 933 ح 4 من ب 10 من أبواب الركوع. (2) المصدر: ص 934 ح 5.

[ 58 ]

[... ] من سها عن ركن من الأركان الخمسة أعاد إجماعا (1). وفيه: أن المظنون أنه في قبال غير الأركان الذي لا يعتنى به إذا ورد في الركن، بخلاف الأركان، لا أنه يعاد بمحض السهو، لوضوح أنه لا تبطل بالسهو عن السجدتين إذا دخل في التشهد أو القيام أو بالسهو عن الركوع إذا وصل إلى الهوي السجودي ولم يسجد، وليس كل ذلك تخصيصا في الإجماع المذكور. هذا كله أدلة المشهور. لكن الإنصاف أن صحيح رفاعة لا يخلو عن الظهور، إذ الاستقبال المطلق من غير التحديد بالحد المعين ظاهر بإطلاقه في الاستيناف، كما ربما يشهد به سائر موارد استعمال الكلمة فراجع الروايات، وكذا صحيح أبي بصير، من جهة أن الواو بمعنى " أو " خلاف الظاهر، والتعرض لنسيان الركعة والركوع معا من دون التعرض لنسيان الركوع فقط أو الركعة فقط بعيد ثبوتا، مع أنه على فرض كونه متعرضا لذلك فلا يخفى أن المانع ليس إلا زيادة السجدتين وليس لنسيان الركعة مدخلية في ما هو موجب للإشكال. واحتمال أن يكون ذلك من جهة طول النسيان من دون إشكال في المنسي بعيد قل ما يرى نظيره في الأحكام الشرعية، فتأمل. فالأقرب أن يكون قوله " وقد سجد سجدتين وترك الركوع " بيانا لما قبله، وليس فيه خلاف للظاهر أصلا. هذا كله بالنسبة إلى مقالة المشهور. وأما التلفيق الذي ذهب إليه غير واحد من الأصحاب مطلقا أو على وجه التفصيل فيستدل عليه بخبر علاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، وهو على ما رواه في الوسائل عن الشيخ:


(1) الجواهر: ج 12 ص 244، ومفتاح الكرامة: ج 2 ص 414.

[ 59 ]

[... ] في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، قال: " فإن استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبني على صلاته على التمام، وإن كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ وانصرف فليقم فليصل ركعة وسجدتين ولا شئ عليه " (1). وعلى ما رواه في الفقيه في الصحيح عنه (عليه السلام): في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، فقال: " يمضي في صلاته حتى يستيقن أنه لم يركع، فإن استيقن أنه لم يركع فليلق السجدتين اللتين لا ركوع لهماو يبني على صلاته التي على التمام، وإن (فإن خ ل) كان لم يستيقن إلا من بعد ما فرغ وانصرف فليقم وليصل ركعة وسجدتين ولا شئ عليه " (2). وفي ما استطرفه ابن ادريس عن مشيخة الحسن بن محبوب أنه روى علاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، فقال: " يمضي على شكه حتى يستيقن ولا شئ عليه " قال: " فإن استيقن لم يعتد بالسجدتين اللتين لا ركعة معهما ويتم ما بقي عليه من صلاته ولا سهو عليه " (3). وقد ترى الاختلاف في النقل والاضطراب الدال على إسقاط شئ منه في الأول واشتمال الأولين على مالا يقال به، إلا أن يحمل على ما بعد الصلاة من دون صدور المنافي منه، وهو بعيد جدا مع وجود كلمة " فرغ " و " انصرف "، ومع ذلك فالكل متفق على إلقاء السجدتين والبناء على الصلاة الظاهر في التلفيق مطلقا.


(1) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 2 من ب 11 من أبواب الركوع. (2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ح 1007. (3) السرائر: ج 3 ص 592.

[ 60 ]

[... ] ويستدل أيضا بصحيح العيص، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع، قال: " يقوم فيركع ويسجد سجدتي السهو " (1). لكن ظاهره مطابق لما سيجئ من الطائفة الثالثة من الاكتفاء بالركوع المحض حتى بعد الصلاة عند نسيان الركوع، وأما احتمال كون المراد نسيان الركعة الاصطلاحية فهو ينافي قوله " ذكر أنه لم يركع "، وحمل الركوع على الركعة خلاف الظاهر بخلاف حمل الركعة على الركوع، لأن معنى الركعة حقيقة هو الركوع الواحد كما في اللغة فالحمل على الركوع حمل على معناه الحقيقي. وهنا طائفة ثالثة من الأخبار تدل على الاكتفاء بالركوع من دون لزوم الاستيناف أو التلفيق: منها ما تقدم من صحيح العيص على ما عرفت. ومنها صحيح عبد الله بن سنان: " إذا نسيت شئ من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء (سهوا) (2). وخبر حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: أيعيد الصلاة؟ قال: " لا " (3).


(1) الوسائل: ج 4 ص 935 ح 3 من ب 11 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 1 من ب 26 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع.

[ 61 ]

[... ] وفي المستدرك عن الفقه المنسوب إلى مولينا الرضا (عليه السلام): " وإن فاتك شئ من صلاتك، مثل الركوع والسجود والتكبير، ثم ذكرت ذلك فاقض الذي فاتك " (1). إذا عرفت شرح أدلة الباب فنقول: يقع الكلام في مقامين: أحدهما: أن الظاهر عدم قيام الدليل على وجوب الاستيناف في صورة تذكر النسيان بعد السجدة الواحدة، فإن صحيح رفاعة وارد في حال القيام بعد السجدة، وموثق إسحاق لا يدل على الاستيناف بل هو أظهر في التلفيق كما مر، وخبر أبي بصير الذي رواه محمد بن سنان غير واضح الحجية، لابن سنان، مضافا إلى أن في متنه أمرين مانعين عن الإطلاق، وهو قوله " عليه الإعادة " الظاهر في تمامية الصلاة، وظهور السؤال في وقوع الأمر وتركه الركوع فلو كان الرجل آتيا بالركوع بعد السجدة الاولى لذكره، مع أنه لو فرض في البين إطلاق يقتضي ذلك فمقتضى صحيح أبي بصير المشتمل على قوله " وقد سجد سجدتين " هو التقيد، وإلا كان التقييد المذكور بلا وجه ظاهر، مع أنه القدر المتيقن من دلالة الطائفة الثالثة من الروايات، وحينئذ لا إشكال ظاهرا في جواز التلفيق والإتيان بالسجدتين بعد ذلك كما هو مقتضى قاعدة عدم مانعية زيادة السجدة الواحدة. ثانيهما: أنه بعد ما علم ذلك فلو لا إعراض الكل عن العمل بظاهر الطائفة الثالثة وإعراض المشهور عن العمل بظاهر الثانية لكان المتعين هو الحكم بالتخيير وجواز العلاج بالطرق الثلاثة إما مع استحباب الاستيناف ثم التلفيق ثم الإتيان بالركوع فقط - من باب أن الأول أشد مؤونة من الثاني والثاني من الثالث - أو بدون ذلك، لعدم كون الفرق بين الطرق الثلاثة من قبيل الأقل والأكثر كما لا يخفى.


(1) المستدرك: ج 6 ص 417 ح 2 من ب 20 من أبواب الخلل.

[ 62 ]

[... ] وهذا مع فر ض تكافؤ الظهورات في الطوائف الثلاثة من حيث المادة ظاهر، مع إمكان أن يقال: إن مقتضى كون الظهور في التعين في مورد الأمر الإرشادي إلى التصحيح لا من باب كون اللفظ مستعملا في ذلك ولا من باب كون ذلك مقتضى الإطلاق اللفظي بل من باب الحجة العقلائية عند عدم الحجة على الخلاف هو عدم التعارض أصلا حتى يقدم الأظهر على الظاهر أو النص عليه، بل لو كان أحد الدليلين نصا من حيث المادة وكان الآخر ظاهرا من جهتها كان مقتضى عدم التعارض بينهما من حيث الهيئة هو التخيير. لكن حيث فرض الإعراض فلابد من الحمل على خلاف الظاهر فيحمل صحيح العلاء عن محمد بن مسلم على كون المقصود من البناء على التمام هو إيجاد الصلاة التامة، ومن إلقاء السجدتين إلقاء الصلاة المشتملة عليها، من جهة أنه إذا انعدم الجزء انعدم الكل ومن جهة كون جميع طرقه راجعا إلى نقل واحد عن أبي جعفر (عليه السلام)، ولعله كان الصادر عنه هو ما في الفقيه لا ما في السرائر الصريح في التلفيق، فتأمل. وأما الطائفة الثالثة فبحمل صحيح العيص على ترك الركعة المصطلحة من دون الإتيان بالمنافي، والرضوي وخبر حكم ضعيفان، وأما صحيح عبد الله بن سنان فيحمل على الإتيان بما فات ذاتا ووصفا فينطبق على التلفيق ويحمل على ما بعد السجدة الاولى، وليس ذلك من قبيل تخصيص الأكثر، من جهة أن نسيان مثل الركوع لا يستمر نوعا فكثيرا يحصل الذكر قبل السجدة الاولى أو بعدها أو بعد السجدتين أو بعد القيام، فإخراج صورة الإتيان بالسجدتين مع التوجه إلى ما ذكرناه من النكتة ليس من قبيل التخصيص أو التقييد بالفرد النادر أو بالقيد كذلك. ومن ذلك كله تعرف أن الأحوط في صورة الإتيان بالسجدتين هو

[ 63 ]

[ قال (قدس سره): أو بالسجدتين حتى ركع في ما بعد (1). * ] الاستيناف، لأنه يصح مطلقا، سواء فرض الإعراض أو فرض صدور جميع الطوائف الثلاثة، فإنه على الثاني مقتضى الجمع هو التخيير وكفاية الاستيناف مع استحبابه أو بدونه. وأحوط منه هو قطع الصلاة ثم الاستيناف بناء على عدم الدليل على حرمة قطع الفريضة في صورة احتمال البطلان بنحو الشبهة الحكمية أو مطلقا. وأحوط من الكل هو الجمع بين التلفيق والاستيناف، فإنه حينئذ يقطع بالإتيان بالصلاة الصحيحة، لكن يحتمل تعين الاكتفاء بالركوع فيكون الإتيان بالسجدتين قاطعا للصلاة الصحيحة فيكون حراما، وهذا مما لا حيلة لتأمينه على الظاهر، فتأمل. * قال (قدس سره): في الجواهر: إنه المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل عن النجيبية أنه لا خلاف فيه، وفي المنقول عن الغنية الإجماع عليه أيضا، وقد عرفت كلام من تقدم في الركوع - أي الحكم بالتلفيق مطلقا أو التفصيل - إلا أن الظاهر من المبسوط عدم الفرق بينهما في القول بالتلفيق مطلقا أو على وجه التفصيل بين الأولتين والأخيرتين (2). أقول: وهو صريح المتن أيضا. ويمكن الاستدلال للمشهور بأن يقال: إن الاحتمالات في المسألة خمسة: البطلان وهو المشهور المنصور، والإهمال، والتلفيق، والإتيان بهما قضاء بعد الصلاة، والإتيان بهما بعد الركوع من دون إعادة الركوع، وجميع تلك الاحتمالات باطلة إلا احتمال البطلان فتعين:


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 12 ص 249.

[ 64 ]

[... ] أما الإهمال - بأن يكون نسيان السجدتين معا كنسيان القراءة غير موجب للبطلان ولا القضاء أصلا - فهو خلاف الضرورة وخلاف صريح الأخبار الحاكمة بالفرق بين القراءة والتشهد والركوع والسجود، مثل صحيح زرارة: " إن الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي فلا شئ عليه " (1). ومعتبر منصور بن حازم، وفيه: إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، فقال (عليه السلام): " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " قلت: بلى، قال: " قد تمت صلاتك... " (2). وأما التلفيق بإعادة الركوع ثم السجدتين فهو مدفوع بما يجئ إن شاء الله تعالى من أن زيادة الركوع مبطلة للصلاة ولو كان أحد الركوعين قبل الإتيان بالسجدتين. وأما قضاؤهما بعد الصلاة كالسجدة الواحدة فهو مدفوع بصحيح " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة " فإن مقتضاه عدم إعادة الصلاة أصلا لترك السجدتين. إن قلت: مقتضى صحيح عبد الله بن سنان الآتي إن شاء الله تعالى هو القضاء ولو كان المستثنى هو السجدتين فيحمل الصحيح على الاستحباب. قلت: يحمل ذلك على السجدة الواحدة، لما نشير إليه بعد ذلك ولأن ذيل الصحيح صريح في أن المقصود من عدم الإعادة هو الصحة والمقصود من الإعادة هو البطلان، وفيه قال:


(1) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 1 من ب 27 من أبواب القراءة. (2) الوسائل: ج 4 ص 769 ح 2 من ب 29 من أبواب القراءة.

[ 65 ]

[... ] " القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة " (1). فالجمع العرفي هو حمل صحيح عبد الله بن سنان على السجدة الواحدة إن فرض له ظهور في السجدتين، ويجئ إن شاء الله تعالى منع ذلك. وأما الإتيان بهما بعد الركوع من دون إعادته فيمكن الاستدلال على عدم جوازه بما دل على عدم جواز الإتيان بالسجدة الواحدة إذا نسيها وتذكرها بعد الركوع بل تقضيها بعد الصلاة، كمعتبر إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام. إلى أن قال: " فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها، فإنها قضاء " (2). فإن مقتضى التعليل أنه فات محل السجدتين أيضا، لأن إطلاق القضاء على السجدة الواحدة إن كان من باب فوات وقتها فهو مشترك مع السجدتين أيضا. لكن الإنصاف عدم ظهور الذيل في التعليل بالقضاء بالمعنى المذكور، فلعل المقصود تعليل صحة الإتيان بعد الصلاة بذلك بمعنى أن ذلك أيضا وفاء وامتثال للتكليف وإن كان ناقصا، إذ لم يثبت الحقيقة اللغوية للقضاء بالاصطلاح الفقهي، فإن القيت الخصوصية أو قيل إن عدم جواز الإتيان بهما أولى من باب أنه لو بني على فوات وقت السجدة الواحدة لاشتراطها بالترتيب فالسجدتان أولى بمراعاة ذلك. لكنه أيضا غير واضح، لأنه يمكن أن يكون عدم جواز الإتيان بالسجدة


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة. (2) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 66 ]

[ قال (قدس سره): وكذا لو زاد في الصلاة ركعة أو ركوعا أو سجدتين (1). * ] الواحدة من باب فقد الترتيب مع فرض الإتيان بالركن وهو أصل السجدة في مورد الرواية، بخلاف المبحوث عنه فيمكن أن يكون الحكم فيه هو الإتيان بأصل السجود لئلا تخلو الصلاة منه، والإتيان بهما لكون المصلحة هي جواز الإتيان بالثانية إذا جازت الاولى. ويمكن دفع هذا الاحتمال بأن الإتيان بهما من دون الإتيان بالركوع خلاف الدليل الأولي الدال على الترتيب وعلى كون السجدتين قبل الركوع والركوع بعدهما، وهذا يكفي في الحكم بالبطلان، وصحيح " لا تعاد " لا يقتضي إلقاء الترتيب أو يكون مقتضى الإلقاء عدم وجوب الإعادة وجواز الإتيان به بعد الصلاة أيضا، فتأمل. ولا يقتضي صحيح عبد الله بن سنان صحتها بالإتيان بالسجدتين بعد الركوع، فإنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا نسيت شئ من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء " (2). وظاهره البعض بقيد الوحدة، إذ لو كان البعض لا بشرط عن الوحدة لشمل جميع الصلاة بشمولات مختلفة، فالمفروض فيه هو الإتيان بالصلاة ونسيان شئ واحد منه، فتأمل. * أقول: يدل على جميع ما ذكره صحيح أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (3).


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 12 من أبواب الركوع. (3) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 2 من ب 19 من أبواب الخلل.

[ 67 ]

[... ] والإيراد على إطلاقه بأن " الزيادة لابد أن تكون من جنس المزيد عليه، فلابد من إطلاق لفظ الصلاة على الزائد مستقلا، فلا ينطبق إلا على زيادة الركعة " مندفع بمنع ذلك، فإن الزيادة في الكتاب والزيادة في البيت والزيادة في العمر صادق على شئ لو كان مستقلا لم يصدق عليه ما ذكر بلا إشكال، مع أنه اطلق الزيادة على السجدة الواحدة لسور العزائم في رواية زرارة (1) ورواية علي بن جعفر (2)، وفي رواية سفيان بن السمط " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة " (3) مع أنه من المعلوم أنه ليس بزيادة الركعة، فالإنصاف أن القطع حاصل بعدم الانصراف إلى زيادة الركعة. كما أن الإيراد بتخصيص الكثير غير واضح أيضا، فإن الخارج منه الزيادة السهوية في غير الأركان بحديث " لا تعاد " وهو ليس بأكثر، لا سيما مع ملاحظة ما أشار إليه الوالد الاستاذ تغمده الله برحمته وغفرانه من أن الزيادة في الأذكار والقرآن تكون جزء للصلاة ولا تكون زائدة. كما أن الإيراد على إطلاقه " بأنه مقيد بما دل على أن الصلاة تعاد من ركعة لا من سجدة " (4) مندفع أيضا بعدم معلومية كون المقصود هو الركعة الاصطلاحية، بل الأقرب أن يكون بمعنى الركوع الواحد، لأنه المعنى اللغوي للفظ المذكور. وكذلك الإيراد على إطلاقه بالنسبة إلى السجدتين " من جهة ما اشير إليه من قوله: لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة (5)، فإن الظاهر أن السجدتين


(1) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة. (2) المصدر: ص 780 ح 4. (3) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 4 ص 938، الباب 14 من أبواب الركوع. (5) المصدر: ح 3.

[ 68 ]

[... ] ليستا مما يعاد منه الصلاة، وإلا لم يقتصر في الإعادة بإخلال الركعة التي هي الركوع أو الركعة الاصطلاحية " فإنه يمكن دفعه بأن الحصر لعله إضافي فيكون المقصود أن الشئ الواحد الذي تعاد منه الصلاة هو الركوع الواحد لا السجود الواحد، فإطلاقه محكم من دون قيام دليل على التقييد. ويمكن أن يستدل على ذلك - أي على أصالة مبطلية الزيادة - بمعتبر زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (1). فإنه لا إشكال في سنده إلا من جهة القاسم بن عروة، والظاهر اعتباره لأنه لم يغمز أحد عليه، مع رواية جملة من الأجلاء عنه الذي منهم ابن أبي عمير - في غير واحد من الموارد - والبزنطي، ودلالته ظاهرة بناء على صدق الزيادة عرفا على سجدة التلاوة كما لا يبعد، وأما بناء على عدم صدق ذلك فالكبرى وهي البطلان بالزيادة مورد للاستدلال، وذلك لا ينافي الادعاء في الصغرى، لكن الاستدلال به مبني على الحكم بالبطلان بذلك، وأما لو قلنا بالكراهة كما عن بعض الأصحاب أو التحريم كما عن بعضهم الآخر فلا يدل عليه. ويؤيد الإطلاق المزبور أيضا بامور: منها: حسن زرارة وبكير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " إذ استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها... ". على ما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (2) والاستبصار (3) عن الكليني وعلى


(1) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) التهذيب: ج 2 ص 194 ح 763. (3) الاستبصار: ج 1 ص 376 ح 1428.

[ 69 ]

[... ] ما رواه في الوافي (1) والحدائق (2) وغيرهما، وكذلك في الكافي في باب من سها في الأربع والخمس (3) وإن كان في الوسائل مرويا بزيادة لفظة " ركعة " (4) وكذا في الكافي في باب السهو في الركوع (5). ومنها: خبر الأعمش (سليمان بن مهران) المروي عن الخصال عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، وفيه: " ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته، لأنه قد زاد في فرض الله عزوجل " (6). إلا أن سنده لا يخلو عن الضعف. ومنها: المرسل الصحيح إلى ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن سفيان بن السمط عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (7). فإنه يمكن تقريب دلالته على مبطلية الزيادة مطلقا ولو سهوا بأن الحكم بسجدتي السهو حاك عن نقص في الصلاة مطلقا فكأنه بمنزلة النهي عن الزيادة فيها، والنهي عن إتيان شئ في المركب ظاهر في الوضع كما لا يخفى، فيدل على مانعية الزيادة مطلقا، والحكم بسجدتي السهو ليس من باب التدارك حتى يدل على الصحة في مورد السهو فلا ينا في البطلان، كما لا ينا في دلالة دليل - كحديث


(1) الوافي: ج 8 ص 964. (2) الحدائق: ج 9 ص 113. (3) الكافي: ج 3 ص 354. (4) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 1 من ب 19 من أبواب الخلل. (5) الكافي: ج 3 ص 348. (6) الوسائل: ج 5 ص 532 ح 8 من ب 17 من أبواب صلاة المسافر. (7) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 70 ]

[... ] لا تعاد - على عدم المانعية في حال السهو كما لا يخفى. ويمكن أن يقال بدلالته على مانعية الزيادة في حال العمد وعدم مانعيتها في حال السهو، بناء على دلالته - من حيث عدم ذكر شئ غير السجدة - على الصحة. والوجه في ذلك أن الحكم بسجدتي السهو يدل على نقصان في الصلاة في حال السهو والعمد لكن تصح الصلاة في حال السهو من دون دلالته على الصحة في حال العمد. ويمكن أن يقال: إنه ليس راجعا إلى الأركان، من جهة أن نقصان الركن وزيادته سهوا لا يوجبان سجدتي السهو، فيدل على مبطلية الزيادة العمدية في غير الأركان بالتقريب المتقدم، ويدل على ذلك في الأركان أيضا بالأولوية وبأن عدم سجدتي السهو في الأركان من جهة فرض البطلان في السهو فكيف بحال العمد؟! فإن لم يشمل الأركان يدل على البطلان وإن شملها يدل أيضا بالتقريب المتقدم. وقد يقال في المرسل قول رابع وهو عدم دلالته على البطلان ولا على سجدتي السهو في الزيادة بالمعنى المعروف بين الأصحاب، من جهة أنه لا يشمل الأركان كما تقدم، ولا مصداق له في غيرها، من جهة كون الباقي هو القرآن والذكر إما له تعالى أو للنبي كما في السلام عليه، فتحمل الزيادة على ما اشترط عدمه في الصلاة كالبكاء والقهقهة والحدث، وهو المستفاد من صلاة الوالد الاستاذ تغمده الله برحمته وغفرانه. لكن الإنصاف أن العرف لا يطلق لفظ الزيادة على ذلك، فإنه لا معنى في " زاد الله في عمرك أو في علمك أو في نعمتك " بهذا الاعتبار، ولا يقال عرفا لمن ضحك في صلاته أنه زاد فيها، مع أن مصداق الزيادة غير الأركان ليس بذلك القلة الملحقة بالنادر، فإن زيادة السجدة وزيادة السلام وزيادة القيام وزيادة السورة

[ 71 ]

[... ] وزيادة القعود كل ذلك داخل في مدلوله، مع أنك قد عرفت أنه لا مانع من شموله أيضا للأركان بحسب ظاهر اللفظ. إن قلت: الظاهر من بين ما ذكر هو الشمول لمطلق الزيادة - ركنا أو غيره - والحكم بالبطلان في العمد منها مطلقا والصحة في السهو منها، فيكون المرسل مخصصا لصحيح أبي بصير الدال على بطلان الصلاة بالزيادة مطلقا فيحكم بالاكتفاء بسجدتي السهو في زيادة الأركان سهوا. قلت: قد تقدم عدم دلالة المرسل على الصحة من حيث دلالته على لزوم سجدتي السهو، وعلى فرض دلالته عليها ليس ذلك من باب كون سجدتي السهو تداركا حتى يكون صريحا في ذلك، بل دلالته من جهة الاقتصار على سجدتي السهو فإذا دل دليل آخر على الإعادة في الأركان فهو مقدم، إلا أن يقال: إن دلالة الصحيح على البطلان مطلقا في الأركان إنما هو أيضا بالإطلاق ودلالة المرسل على الصحة أيضا بالإطلاق ولا مرجح للأخذ بأحدهما دون الآخر، والرجوع إلى المستثنى في " لا تعاد " والحكم بالإعادة في الأركان غير واضح، لعدم وضوح شموله للزيادة فالأصل هو البراءة، لكن كل ذلك صرف الفرض، فإن دلالته على الصحة ممنوعة، وبعد تسليم ذلك فدلالته على الصحة إن كانت فهي من جهة السكوت في مقام البيان، والإطلاق اللفظي بيان على ذلك، فافهم وتأمل. فتحصل من جميع ما ذكر: وجود الدليل على مبطلية الزيادة العمدية مطلقا وعلى مبطلية مطلق الزيادة في الأركان، من غير فرق في زيادة الركن بين أن يكون بعد الإتيان بالرابعة في الرباعية والجلوس بمقدار التشهد أو في غير ذلك. لكن قال (قدس سره) في الجواهر: إن المنقول عن ابن الجنيد والشيخ في التهذيب والمصنف في المعتبر بل نسب إلى جملة من المتأخرين عدم البطلان في زيادة

[ 72 ]

[... ] الركعة إذا جلس بمقدار التشهد، وقد صرح العلامة بذلك في التحرير والمختلف والقواعد، وهو ظاهر المنتهى، وهو الذي ذهب إليه الشهيد (قدس سره) في الألفية، لكن صريح كثير منهم التخصيص بالرباعية وإن كان الظاهر من بعض أدلة بعضهم هو التعميم (1). انتهى. ويمكن أن يستدل لهم بامور: الأول: أن مقتضى القاعدة هو عدم البطلان بزيادة الركعة سواء جلس بمقدار التشهد أم لا، لأن الزيادة كسائر الموانع - كالاستدبار وغيره - موجبة للخروج عن الصلاة فلا تكون الزيادة إلا بعد الصلاة، وترك التشهد والتسليم غير مضر إذا وقع لا عن عمد، لدلالة " لا تعاد الصلاة " على ذلك. لكن فيه: أن صحيح أبي بصير يشمل المقام، ومقتضى شموله للمقام اشتراط صحة الأجزاء الماضية بأن لا يزيد عليها، وليست الزيادة مانعة بالنسبة إلى اللاحقة فقط حتى يقال: إن مقتضى حديث " لا تعاد " عدم دخالتها في هذا الحال، مع أن بعض الروايات صريح في زيادة الركعة وهو معتبر زيد الشحام، قال: سألته عن الرجل يصلي العصر ست ركعات أو خمس ركعات، قال: " إن استيقن أنه صلى خمسا أو ستا فليعد... " (2). والإشكال في السند من جهة أبي جميلة - مفضل بن صالح - بما عن الخلاصة: " إنه ضعيف كذاب يضع الحديث " مندفع بما عن تعليق البهبهاني (قدس سره) من نقل كثير من المشايخ عنه وفيهم سبعة من أصحاب الإجماع وفيهم ابن أبي عمير وصفوان


(1) الجواهر: ج 12 ص 252 - 253. (2) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 3 من ب 19 من أبواب الخلل.

[ 73 ]

[... ] والبزنطي، وفي المشايخ مثل حسن بن علي بن فضال الذي قد امرنا بالأخذ بما رواه، مع أنه لم يضعفه الشيخ والنجاشي والكشي، مع أنه ممن روى عنه في الفقيه وذكره في مشيخته، وبعد ذلك لا وقع لتضعيف العلامة - التابع لابن الغضائري - المبتني على الحدس من جهة نقل أخبار في شأن الإمام ربما توهم الغلو بنظرهم. الثاني: صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل صلى خمسا، قال: " إن كان قد جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته " (1). الثالث: صحيح جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: في رجل صلى خمسا: " إنه إن كان جلس في الرابعة بقدر التشهد فعبادته جائزة " (2). الرابع: خبر محمد بن مسلم الذي يمكن الاعتماد عليه من جهة نقله الصدوق (قدس سره) في المقنع الذي قال في أوله: " إذ كان ما ابينه فيه في الكتب الاصولية موجودا مبينا عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات " (3) وفيه: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل استيقن بعد ما صلى الظهر أنه صلى خمسا، قال: " وكيف استيقن؟ " قلت: علم، قال: " إن كان علم أنه كان جلس في الرابعة فصلاة الظهر تامة فليقم فليضف إلى الركعة الخامسة ركعة وسجدتين فتكونان ركعتين نافلة ولا شئ عليه " (4).


(1) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 4 من ب 19 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 333 ح 6. (3) المقنع: ص 5. (4) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 5 من ب 19 من أبواب الخلل.

[ 74 ]

[... ] وما فيه من الإطلاق من حيث كون الجلوس بمقدار التشهد مقيد بما سبق، أو يكون المقصود منه من أول الأمر بحسب الظهور هو الجلوس المعهود الذي هو بمقدار التشهد. الخامس: صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل صلى الظهر خمسا، قال: " إن كان لا يدري جلس في الرابعة أم لم يجلس فليجعل أربع ركعات منها الظهر ويجلس ويتشهد ثم يصلي وهو جالس ركعتين وأربع سجدات ويضيفها إلى الخامسة فتكون نافلة " (1). ومقتضى الجمع بين تلك الروايات هو الصحة في صورتين: إحداهما صورة العلم بالجلوس بمقدار التشهد وثانيتهما صورة الشك، إلا أنه ليس في صورة العلم قضاء التشهد بخلاف صورة الشك، فالعلم المقيد به في بعض الأخبار دخيل في تمامية الصلاة وعدم شئ عليه، فلا ينافي الصحة مع قضاء التشهد في صورة الشك. لكن أكثر أصحابنا أعرضوا عنها ولم يفتوا على طبقها، والمستفاد من عبارة الخلاف أن الوجه في الإعراض عنها هو وجود قرينة فيها على صدور الحكم تقية، لأنه قال (قدس سره) في الخلاف - بعد نقل ما يدل على وجوب الإعادة مطلقا ونقل ما يدل على التفصيل -: وإنما قوينا الطريقة الاولى لما محصله أصالة الاشتغال، إلى أن قال: وأيضا الأخبار المذكورة تضمنت الجلوس مقدار التشهد من غير ذكر التشهد، وعندنا أنه لابد من التشهد، وإنما يعتبر ذلك أبو حنيفة فلأجل ذلك تركناها (2)، انتهى.


(1) الوسائل: ج 5 ص 333 ح 7 من ب 19 من أبواب الخلل. (2) الخلاف: ج 1، كتاب الصلاة، مسألة 196.

[ 75 ]

[... ] أقول: توضيح ذلك أن مبنى أبي حنيفة وبعض من سبق عليه على الظاهر في الحكم بالصحة في ما إذا جلس بمقدار التشهد هو عدم لزوم التشهد في الثانية وكفاية الجلوس بمقداره حينئذ، فإذا جلس في الثانية فقد أتى بالصلاة، فالحكم في هذه المسألة مبنية على المسألة المذكورة، والأخبار المزبورة موافقة لأبي حنيفة في المبني والمبني عليه، مضافا إلى أن العدول إلى النافلة وضم ركعة اخرى أيضا من فتواه، وتلك الموافقة لأبي حنيفة في المواقع الثلاثة (مع وضوح أنه لا اعتبار بالجلوس بمقدار التشهد من دون التشهد عن أئمة الشيعة (عليهم السلام) الموافق للذوق السليم، فإنه لا معنى لاعتبار الجلوس بمقداره من دون لزوم نفس التشهد) قرينة على الحمل على التقية وعدم حجيتها ولو مع قطع النظر عن المعارض. وهنا وجه آخر للحمل عليها وهو أن عدم البطلان في تلك الصورة المفروضة في الأخبار أي صورة الجلوس بمقدار التشهد كأنه إجماعي بين العامة، إذ هم - على ما في الخلاف ومصباح الفقيه عن البحار عن شرح السنة - بين الحاكم بالصحة مطلقا وهم الأكثر وبين القائل بالتفصيل وهو المنقول عن أبي حنيفة والثوري (1)، فلعل صدور الأخبار المذكورة بداعي الاقتصار على أقل ما يتأتى به التقية، فإن الحكم بالبطلان مطلقا مخالف لما يظهر منهم من الإجماع، خصوصا مع الاستناد إلى ما رووه عن النبي (صلى الله عليه وآله) من السهو وزيادة الركعة الخامسة، والحكم بالصحة مطلقا وإن كان مخالفا للأكثر إلا أنه مخالف للواقع من دون إلزام التقية لذلك، فانحصر في ما ورد من الروايات. لكن الإنصاف أن التعرض لصورة الشك كما في الصحيح الأخير لمحمد بن


(1) الخلاف: ج 1 كتاب الصلاة مسألة 196، ومصباح الفقيه: ج 2 ص 536.

[ 76 ]

[... ] مسلم ليس مما تقتضيه التقية، إذ له عدم التعرض لصورة الشك في الجلوس، وعلى تقديره لكان له أن يقول بالبطلان محتجا بعدم إحراز القعود. مع أن التقية كانت تتأدى بالحكم بالإعادة على وجه الإطلاق، لإمكان التنزيل على صورة عدم القعود بمقدار التشهد كما هو الغالب، إذ مع التوجه إلى التشهد يتوجه غالبا إلى لزوم السلام إلا أن يشتبه بالركعة الثانية، وسهو الرابعة بالثانية قليل بخلاف سهوها بالثالثة، وأما في العمل فلا يكاد يعلم القعود وعدمه غالبا. مع أنه لا وجه للحكم بالعدول إلى النافلة تقية، إذ لا تقية في ذلك ولم يعلم أن أبا حنيفة أفتى بذلك على وجه الوجوب، بل الظاهر هو الاستحباب، إذ النافلة مستحبة، فالعدول إليه مستحب قهرا، إلا أن يكون في البين قرينة على الخلاف. وحيث إنه لا وجه لإعراضهم إلا ما ذكرناه فمقتضى القاعدة جواز العمل بها والحكم بجواز ذلك واستحباب الإعادة، لكن الأحوط الذي لا يترك هو الإعادة، وأحوط منه إضافة ركعة اخرى ثم الإعادة في صورة العلم بالجلوس، وفي صورة الشك الإتيان بالتشهد وإضافة ركعتين من جلوس ثم الإعادة. ثم إنه لا يبعد أن يكون المقصود من القيد المذكور في الروايات أنه مع العلم قد أتى بالتشهد قطعا أو اطمينانا أو ظنا، أو يكون الشك غير مورد للاعتناء به حينئذ، لتجاوز محله الذي هو القعود بعد السجدتين، بخلاف صورة الشك في القعود، فإن مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان، فلا يكون ما صدر منهم بحسب الأخبار الصحيحة موافقا لأبي حنيفة ومبنيا على مبناه الفاسد من عدم وجوب التشهد والقعود بمقداره، كيف! ولو كان ذلك مبنى للمسألة عندهم (عليهم السلام) تقية لما

[ 77 ]

[ قال (قدس سره): وقيل: لو شك في الركوع فركع ثم ذكر أنه كان قد ركع أرسل نفسه، ذكره الشيخ وعلم الهدى (قدس سرهما) *، والأشبه البطلان (1). ] حكم أبو عبد الله (عليه السلام) - بناء على ما في صحيح محمد بن مسلم الأخير - بالتشهد الظاهر أو الصريح في أنه لما فات عنه من التشهد على وجه الاحتمال الذي لا مؤمن له، فافهم وتأمل. * قال (قدس سره) في الجواهر: وثقة الإسلام والحلي وابنا حمزة وزهرة، بل عن الأخير الإجماع عليه، وقواه بعض المتأخرين (2). أقول: ذكره الكليني في ذيل باب من شك في صلاته كلها بعد ذكر الروايات وبعد عد سبعة عشر موردا للسهو الذي ورد فيه الأثر قال بعد ذلك: وأما الذي يشك في تكبيرة الافتتاح إلى أن قال: فإن شك وهو قائم فلم يدر أركع أم لم يركع فليركع حتى يكون على يقين من ركوعه، فإن ركع ثم ذكر أنه قد كان ركع فليرسل نفسه إلى السجود من غير أن يرفع رأسه من الركوع، فإن مضى ورفع رأسه من الركوع ثم ذكر أنه قد كان ركع فعليه أن يعيد الصلاة، لأنه قد زاد في صلاته ركعة (3). انتهى. وأما البطلان فهو الذي اختاره المصنف كما تقدم، وفي الجواهر: كما في النافع والتحرير...، بل ربما نسب إلى أكثرهم، بل في التنقيح أن عليه الفتوى (4). انتهى. وقال أيضا في مقام الاستدلال:


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 12 ص 260. (3) الكافي: ج 3 ص 360. (4) الجواهر: ج 12 ص 260.

[ 78 ]

[... ] ان مستند المتقدمين لا يخلو من أمرين: إما الوقوف على رواية تدل على ذلك كما يقضي بذلك إيراده في مثل النهاية التي هي متون الأخبار، أو أن هذا ليس ركوعا، لأنه مأخوذ فيه رفع الرأس، أما الأول فلا يجوز الإفتاء به بمجرد الاحتمال، والثاني واضح الفساد، لعدم مدخلية رفع الرأس في ماهية الركوع بالضرورة، ولذا لو سها عنه لا تبطل صلاته ولو زاد ذلك عمدا بطلت صلاته (1). انتهى ملخصا. أقول: ما ذكره من الوجه الأول لا يدفع بما ذكره، إذ مع فرض كون النهاية هي متون الأخبار بشهادة الشيخ (قدس سره) فليس ما فيها إلا متن الخبر فلا يكون مبنيا على الاحتمال، فلابد من إنكار ذلك من جهة أن المنشأ لذلك هو شهادته في أول مبسوطه بذلك، قال: " وذكرت فيه [ أي في النهاية ] جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصلوها من المسائل وفرقوه في كتبهم " إلى أن قال: " بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة "، وهو لا يكون ظاهرا في الانحصار بل يكون مبنى كتابه على ذلك، فلا ينافي الاستطراد بذكر بعض المسائل، مضافا إلى أن قوله " وأصلوها " لا يكون صريحا في المجموع أي المذكور في الكتاب هو الذي يكون مرويا وأصلا فيكون كلاهما أمرا واحدا، بل المقصود أن المودع في النهاية: الروايات والمسائل الاصولية أي اصول المسائل الفقهية التي ذكروها في الكتب، والمظنون أخذه من الكافي كما ربما يؤيد ذلك بكون عبارته قريبة مما ذكر فيه، فإنه ذكر بعد ذلك ما في الكافي من أنه لو تذكر بعد رفع الرأس تكون باطلة (2). وأما الثاني فهو صحيح، لصدق زيادة الركوع.


(1) الجواهر: ج 12 ص 261. (2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 321.

[ 79 ]

[... ] لكن يمكن أن يقال: إن المبطل هو الزيادة في الصلاة إن كانت هي بزيادة الركوع، لا زيادة الركوع من دون زيادة في الصلاة، فإن مقتضى الدليل أن من زاد في صلاته فعليه الإعادة، ومن هوى بقصد الركوع من جهة الشك ثم تذكر أنه ركع قبل رفع رأسه لم يزد في صلاته، لأن الهوي إلى السجود متقوم بذلك، فهو وإن كان زيادة في الركوع إلا أنه ليس زيادة في الصلاة، ومقسم الإبطال أو السجود للسهو في الزيادة السهوية هو الزيادة في الصلاة. إن قلت: مقتضى ذلك عدم بطلان الصلاة بالسهو في ذلك بل بالعمد من باب الجهل بالمسألة. قلت: لا بأس بالالتزام بذلك. إن قلت: إذا رفع رأسه لا يكون رفع الرأس زيادة الركوع، وإن كان زيادة فلا يكون مبطلا. قلت: إذا رفع رأسه فقد زاد في صلاته، والزيادة ركوع، لأن الهوي والانحناء بعد رفع الرأس لم يصرف في الهوي إلى السجود، فقد زاد في الصلاة بالركوع الزائد فهو مبطل. إن قلت: الوقوف والطمأنينة يعد زيادة ولم يصرف في الهوي إلى السجود، لعدم احتياج الهوي إلى ذلك. قلت: نفس الانحناء الركوعي مما يصرف في الهوي فلا يكون زيادة، والوقوف ليس إلا بقاء الانحناء وليس فعلا زائدا كالقعود القليل والكثير، فمن جلس بعد تمام تشهده بما لا يكون ماحيا لصورة الصلاة لا يعد ذلك زيادة، مع أنه يمكن أن يقال: إن ما يكون زائدا ليس إلا الوقوف في انحناء، وهو ليس بركوع

[ 80 ]

[ قال (قدس سره): في الجواهر: أو تكبيرا (1). * وقال (قدس سره) في الشرائع في بحث التكبير: ولو كبر ونوى الافتتاح ثم كبر ونوى الافتتاح بطلت صلاته (2). * * ] أو لا يعلم كونه ركوعا صلاتيا، فإن صرف بقاء الانحناء من دون دخالة ابتدائه ولا رفع الرأس لا يعلم كونه ركوعا يتحقق به الزيادة في الصلاة وكونها ركوعا. ويمكن أن يوجه كلامهم بتوجيه آخر وهو أن مقتضى الشك: عدم قصده بالانحناء أنه ركوع بنحو الجزم، إذ ليس الركوع مطلق الانحناء ولا مطلق الانحناء العبادي ولو كان ذلك من جهة قصد الأمر المقدمي للهوي إلى السجود، بل الركوع هو الانحناء الخاص بقصد الأمر النفسي وهو غير معلوم، فالركوع غير معلوم في حال الشك وبعد العلم بالركوع يعلم أنه لم يكن ركوعا، وهذا غير منقوض بالعمد والسهو. لكن الإنصاف صدق الركوع عرفا بقصد احتمال الأمر النفسي أو بقصد الأمر القطعي الظاهري المحتمل انطباقه على الأمر النفسي، لكن الوجه الأول وجيه لاسيما في الانحناء الخالي عن الوقوف، فتدبر. * أي تبطل الصلاة أيضا بزيادة التكبير الافتتاحي عمدا وسهوا. * * قال (قدس سره) في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه بين القدماء والمتأخرين كما اعترف به بعضهم صريحا وآخر ظاهرا - إلى أن قال: - لكن تأمل بعض متأخري المتأخرين في ذلك، وهو لا يخلو من وجه لو لا اتفاق الأصحاب هنا ظاهرا على البطلان (3). أقول: يمكن الاستدلال له بما تقدم (4) في صحيح أبى بصير " من زاد في


(1) الجواهر: ج 12 ص 250. (2) الشرائع: ج 1 ص 63. (3) الجواهر: ج 9 ص 220. (4) في ص 66.

[ 81 ]

[... ] صلاته فعليه الإعادة " فيدل على قدحها في صورة العمد ولو من باب الجهل بالمسألة. ويمكن المناقشة في ذلك بعدم كون التكبير زيادة في الصلاة، إذ قد ورد في غير واحد من الروايات فيها الصحيح أن " كل ما ذكرت الله عزوجل به " أو " كل شئ يناجي به ربه " أو " كل ما كلمت الله به " " فهو من الصلاة " أو " لا بأس " أو ما يقرب من ذلك (1)، وأما قصد الافتتاح فلا يكون من أجزاء الصلاة أو لم يعلم ذلك حتى يصدق على زيادة القصد الزيادة في الصلاة، كما هو واضح. إن قلت: الظاهر أن المقصود بالذكر الوارد في ما اشير إليه هو الذي أتى به بقصد التقرب، وما أتى به بقصد الافتتاح لم يقع على الوجه القربي، لأنه مقيد بالافتتاح، وهو غير واقع. قلت: قد ذكرنا بحمده تعالى في كتاب الوضوء صحة الوضوء المقيد بحسب القصد بما لا يكون واقعا، لحصول قصد التقرب، إذ على فرض التقيد بالافتتاح لا يكون القصد مقيدا بالواقع بل بزعمه، وهو حاصل كما هو واضح، فقد أتى بالذكر بقصد التقرب بتخيل كونه افتتاحا للصلاة، ولا إشكال في ذلك أصلا. إن قلت: إذا كبر وقرأ ثم أعرض عن صلاته في نيته وكبر ثانيا ثم شرع في القراءة فإن الجاهل بالحكم يقصد الصلاة من أول التكبير الثاني، والذي وقع هو الصلاة من أول التكبير الأول، فما قصده من كون أول صلاته من التكبير الثاني لم يقع وما وقع لم يقصد. قلت: ما وقع من كون صلاته من أول التكبير الأول قد قصد أولا، وما قصد قد وقع، وأما القصد الثاني من كون أول الصلاة من التكبير الثاني فلم يقع، وهذا غير


(1) الوسائل: ج 4 ص 1262، الباب 13 من أبواب قواطع الصلاة.

[ 82 ]

[... ] مانع عن صحة الصلاة، فإن الصلاة قد أتى بها من أولها إلى آخرها بقصد الصلاة، وقد وقعت في الخارج كذلك. نعم، لم يقع ما قصده في قصده الثاني بعنوان الأولية. نعم، مقتضى القاعدة هو بطلان الصلاة بزيادة التكبير الافتتاحي تشريعا، سواء سرت الحرمة التشريعية إلى الخارج أم لا، أما على الأول فلكون التكبير الثاني حينئذ حراما، والكلام المحرم ليس من الصلاة، فيصدق عليه الزيادة، وأما على الأول فلأن نفس عدم التقرب بالتكبير كاف في عدم صحة كونه جزء للصلاة العبادية فيكون زائدا. فقد تحصل مما ذكرناه عدم الدليل على مبطلية زيادة التكبيرة الافتتاحية ولو عمدا إلا في صورة التشريع فكيف بحال سهوه! إلا الإجماع المذكور المنقول عن الجواهر، وهو مما يمكن أن يناقش فيه على فرض حجية الإجماع مطلقا أو في المقام بأنه لا يبعد أن يكون الإجماع المذكور من مصاديق ما ادعي من كون المعروف أن الركن ما يبطل زيادته ونقصانه: ففي الجواهر في باب القيام ما ملخصه أن: المعروف في معنى الركن ما يبطل زيادته ونقصانه عمدا وسهوا، لكن ظاهر المتن وغيره الاكتفاء في إطلاق الركن بالثاني [ أي ما يبطل نقصه عمدا وسهوا ] بل عن جامع المقاصد والروض نسبته إلى أصحابنا (1). انتهى. وحينئذ يكون الإجماع المذكور في محل البحث معارضا لما نقله عن جامع المقاصد والروض في معنى الركن في الاصطلاح، إلا أن الاحتياط لا يترك.


(1) الجواهر: ج 9 ص 239.

[ 83 ]

[ قال (قدس سره) في الشرائع بعد ما نقلناه منه: وإن كبر ثالثة ونوى الافتتاح انعقدت الصلاة أخيرا (1). * ] وكيف كان، فلا معنى لما صار مسلما عند علماء عصرنا أو من قاربهم من عدم جواز إعادة التكبير الافتتاحي على وجه الاحتياط ثانيا: قال الفقيه الطباطبائي (قدس سره) في العروة: وإن شك بعد إتمامها أنه أتى بها صحيحة أو لا بنى على العدم، لكن الأحوط إبطالها بأحد المنافيات ثم استينافها (2). ولم أر في المتجاوز عن عشرة من تعاليقها من خالفه في ما يدل عليه كلامه من " عدم جواز الاحتياط بالتكرار " مع أنه لا أرى إشكالا في جواز الإتيان بالتكبير الافتتاحي بقصد مطلق الذكر إن كان الأول صحيحا وبقصد الافتتاح إن لم يكن كذلك وإن اشكل في ذلك من باب الترديد في النية الخالي من الدليل على البطلان، فله أن ينوي التكبير الذي يصلح أن يكون جزء للصلاة فينطبق على الافتتاح على فرض بطلان الأول بلا إشكال عندي. والأحوط أن ينوي الافتتاح على تقدير انطباق المنوي تفصيلا، وبعد ذلك لا يحتاج إلى الإبطال ولا إلى ما ذكره جماعة من الأعلام منهم الوالد العلامة - قدس الله روحه - من الإتمام ثم الإعادة. * لا يخفى أن ذلك صريح في أن التكبير الثاني مفسد للأول وفاسد في نفسه، فلا يقع جزء للصلاة الثانية فلابد من الثالثة. وفي العروة: وهكذا تبطل بالشفع وتصح بالوتر (3).


(1) الشرائع: ج 1 ص 63. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 22 في تكبيرة الإحرام، المسألة 16. (3) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 22 في تكبيرة الإحرام.

[ 84 ]

[... ] قال (قدس سره) في الجواهر: وكأنه مفروغ عنه عندهم ولم يتوقف فيه أحد منهم، وهو كذلك حيث يكون منهيا عنه، وأما مع عدم النهي كما في حال السهو فقد يشكل بأنه لا مانع من حصول الأمرين به من الإبطال والصحة، ويدفع بأن بطلان التكبير الثاني لوقوعه في حال لا يصلح للعقد، لأنه متوقف على فساد الصلاة، وهو يتحقق بآخر جزء منه فلا يتصور العقد والإحرام به، كما هو واضح (1). انتهى ملخصا ومحررا. أقول: ويمكن المناقشة فيه أولا بأنه لا يطرد في ما لو زاد فيه عمدا وكان جاهلا بحرمة القطع جهلا يعذر فيه، فإنه تبطل الصلاة بأول جزء منه للزيادة العمدية في الصلاة، وتصح الصلاة الثانية بأول جزء منه أيضا. وثانيا بأن الاشتراط المذكور إن كان من جهة عدم تحقق الافتتاح به إلا بعد فساد الصلاة المفتتح بها بالتكبير الأول ففيه أن الصلاة الاولى ليست صحيحة فعلا في علمه تعالى، لعروض البطلان عليها، والمجموع المركب لا يتصف بالصحة إلا بعد وجود جميع الأجزاء أو في فرض وجود جميع الأجزاء ولو في ظرفه، فالصلاة الاولى المفروض بطلانها بالزيادة وعدم سلامتها عن المانع وعدم التعقب بالأجزاء والشرائط باطلة فعلا، والصحة بمعنى الصلاحية للحوق الأجزاء غير المأتية بها لا تنافي البطلان الفعلي وصحة الافتتاح، وإن كان من جهة أنه ليس التكبير الثاني مطلوبا بعنوان الافتتاح لأن الغرض المترقب منه حاصل بالتكبير الأول ففيه أنه مطلوب في فرض كون الأول مما يعرضه البطلان، كما هو واضح بالوجدان. نعم، مع فرض العلم بكون التكبير الثاني قاطعا وكون القطع حراما يكون فاسدا ومفسدا،


(1) الجواهر: ج 9 ص 222.

[ 85 ]

[ قال (قدس سره): وإن نقص ركعة فإن ذكر قبل فعل ما يبطل الصلاة أتم ولو كانت ثنائية (1). * ] بناء على المشهور من عدم صلاحية الامتثال بالمحرم، فتأمل. فالأحوط في صورة الإتيان به سهوا هو الإتيان بالثالث بعنوان الترديد في المنوي، أي يأتي به بعنوان التكبير الذي يصلح أن يكون جزء للصلاة واجبا أو مستحبا. * قال (قدس سره) في الجواهر عند قوله " وإن نقص ركعة ": فما زاد، ثم بعد نقل تتمة ما ذكر قال: بلا خلاف أجده فيه على الظاهر كما اعترف به في المدارك، بل الظاهر أنه متفق عليه، إلا على القول بأن الأولتين لا يتعلق بهما سهو أبدا، لكنه في غاية الضعف بل لا ينبغي الالتفات إليه (2). انتهى. أقول: أما أصل المسألة في الجملة فهو مما لا ينبغي الإشكال فيه، إذ يدل عليه امور: منها: أن صحتها مقتضى القاعدة، فإنه لم يصدر منه إلا التشهد والتسليم أو التسليم فقط بتخيل تمامية الصلاة، ومقتضى " لا تعاد الصلاة " عدم قدح ذلك في صحة الصلاة. ومنها: ما يدل على صحتها في مورد البحث بالخصوص بحيث لا يكون ظاهرا في شموله لغيره، كصحيح العيص، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع، قال: " يقوم فيركع ويسجد سجدتين " (3).


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 12 ص 264. (3) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 8 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 86 ]

[... ] فإنه يمكن أن يقال: إن الظاهر منه أن منتهى نسيانه الفراغ من الصلاة ومع ذلك يكون ظاهرا في فرض عدم التكلم، مع أنه لو كان المفروض هو التكلم لكان يذكر السائل، لأنه يحتمل عنده الدخالة في الحكم. ومنها: ما يكون ظاهرا في الإطلاق فيشمل صورة صدور المنافي السهوي والعمدي والفصل الطويل، كخبر حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ينسى من صلاته ركعة، أو سجدة، أو الشئ منها، ثم يذكر بعد ذلك، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: أيعيد الصلاة؟ فقال: " لا " (1). ومنها: ما يكون صريحا في شموله لصورة صدور التكلم، وهو كل ما اشير فيه إلى قصة ذي الشمالين، لا سيما ما تضمن منها تكلم النبي (صلى الله عليه وآله) (2). ومنها: ما يكون في مورد فرض التكلم، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى أنه قد أتم الصلاة وتكلم ثم ذكر أنه لم يصل غير ركعتين، فقال: " يتم ما بقي من صلاته ولا شئ عليه " (3). ومنها: ما يكون صريحا في الإطلاق حتى بالنسبة إلى صدور المنافي العمدي والسهوي كالحدث، كموثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: والرجل يذكر بعد ما قام وتكلم ومضى في حوائجه أنه إنما صلى ركعتين في الظهر والعصر والعتمة والمغرب، قال: " يبني على


(1) الوسائل: ج 5 ص 308 ح 6 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 307 - 311 ح 2 و 4 و 7 و 10 و 11 و 16 و 17 من ب 3 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 9 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 87 ]

[... ] صلاته فيتمها - ولو بلغ الصين - ولا يعيد الصلاة " (1). ومنها: ما ورد في خصوص صدور المنافي العمدي والسهوي، كصحيح زرارة، قال: سألته عن رجل صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر وهو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أنه صلى ركعتين، قال: " يصلي ركعتين " (2). وتقريب الاستدلال بالكل واضح إلا بالأخيرين، من جهة لزوم حمل مثل ذلك على عدم صدوره لبيان الحكم الواقعي فيختلج في الذهن عدم صحة الاستدلال به للمورد. ولكن يمكن أن يقال: إنه إذا فرض صدور بعض الكلام لجهات اخر لا يوجب إسقاط الباقي عن الحجية بالنسبة إلى ما يقتضيه، وكون الساقط عن الحجية أكثر في هذا المقام غير مضر بالأخذ بالباقي، وهذا بخلاف العام المخصص. هذا بالنسبة إلى الأول منهما، وأما بالنسبة إلى الأخير فلأن دلالته بالالتزام والأولوية على المورد ظاهرة، ولا يضر بحجيته بالنسبة إلى اللازم عدم حجيته بالنسبة إلى الملزوم، لإمكان أن يقال: إن التبعية في الدلالة لا تقتضي التبعية في الحجية، فتأمل. وكيف كان، فأصل المسألة بحمده تعالى واضح جدا، والإطالة في مقام الاستدلال من باب إيضاح طرق الاستدلال لكي ينتفع بذلك الفقيه في سائر مسائل الحرام والحلال، وإنما الإشكال فيها في مواضع: الموضع الأول: ما اشير إليه في صدر المسألة من احتمال الفرق بين الأخيرتين والاوليين، فإن عندي في ما ذكروه من الإطلاق إشكالا، وليس ذلك


(1) الوسائل: ج 5 ص 312 ح 20 من 3 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ح 19.

[ 88 ]

[... ] من جهة الأخبار العامة الواردة فيهما حتى لا يلتفت إليه من جهة ظهورها في غير مورد البحث، فإن في صحيح زرارة " وليس فيهن وهم " أي في الركعات العشرة التي هي مفروضات من جانب الله، إلى أن قال: " فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين " (1) وفي خبر أبي بصير " إذا سهوت في الأولتين فأعدهما حتى تثبتهما " (2) فإن المستفاد منهما أن المطلوب في الأولتين اليقين بحصولهما خاليا عن النقص، والإتيان بإحداهما قبل المنافي لا يكون منافيا لذلك بعد رفع مانعية الزيادة ب‍ " لا تعاد الصلاة " وبإطلاق الأخبار المتقدمة. وإنما وجه الإشكال خصوص ما ورد في المقام من معتبر سماعة، وفيه: قلت: أرأيت من صلى ركعتين وظن أنها أربع فسلم وانصرف ثم ذكر بعد ما ذهب أنه إنما صلى ركعتين؟ قال: " يستقبل الصلاة من أولها " قال: قلت: فما بال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستقبل الصلاة وإنما أتم بهم ما بقي من صلاته؟ فقال: " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لن يبرح من مجلسه، فإن كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الأولتين " (3). وحمل الحفظ على غير النقص المبحوث عنه في المقام وفي الحديث كاد أن يكون خلاف صريحه. ورد ذلك بما ورد في صلاة الصبح (4) مدفوع بظهورها في الابتلاء بالمنافي العمدي والسهوي - من الفصل الطويل، أو الذهاب في الحاجة، أو الخروج مع


(1) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 302 ح 15. (3) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 11 من ب 3 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 315، الباب 6 من أبواب الخلل.

[ 89 ]

[... ] الناس كما في رواية محمد بن مسلم (1) وعدم معلومية كون ذيل رواية ابن مسلم من كلامه (عليه السلام) وحينئذ يكون داخلا في الأخبار المعرض عنها، وعلى فرض الغض عن ذلك - كما لا يبعد، من جهة خلو خبر الحسين بن أبي العلاء (2) عن ذلك - فإن كون الفصل الطويل منافيا حتى في حال السهو غير واضح، وعلى فرضه فالمفروض كونه في حال الذكر فهو قد كان في الصلاة من حيث لا يشعر، فيمكن أن يقال: إنه لا يقاس الركعتان الأولتان من الرباعية بركعتي الصبح، فالأحوط إن لم يكن أقوى هو الإعادة في الأولتين، وأحوط منه الإتمام ثم الإعادة، وهو العالم. الموضع الثاني: أنه هل يكون الإتمام على وجه العزيمة فلا يجوز له الإعادة إلا بعد إلقاء ما بيده من صلاحية الإتمام، وذلك لظهور الدليل في أنه الوظيفة المعينة والمطلوب فعلا فلا تكون الإعادة مطلوبة فلا تكون عبادة فلا تكون صلاة، وهو الذي تقتضيه القاعدة، فإنه مع الحكم بعدم قدح زيادة السلام والتشهد يكون بحكم من يستأنف الصلاة في حال الصلاة أم لا؟ بل يتخير بين الإتمام والإعادة - كما في الحدائق (3) عن صاحب الوافي - والوجه فيه ظهور غير واحد من الأخبار في صحة الإعادة أيضا، كصحيح النضري وفيه: " ولم أعدتم... ألا أتممتم؟! " (4) من دون التنبيه على وجوب إعادة الصلاة حينئذ مع أنه لو كانت واجبة كان مورد التنبيه عليها ما تعرضه من الكلام، وكذا الكلام بالنسبة إلى خبر الحضرمي، وفيه: فقال: " لعلك أعدت؟ " فقلت: نعم، فضحك ثم قال: " إنما كان يجزيك أن تقوم فتركع ركعة " (5)، وفي صحيح الرازي " أنت كنت أصوب " (6) المشعر أو الدال على


(1) الوسائل: ج 5 ص 315 ح 2 من ب 6 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ح 1. (3) الحدائق: ج 9 ص 126. (4) الوسائل: ج 5 ص 307 ح 2 من ب 3 من أبواب الخلل. (5) المصدر: ص 308 ح 4. (6) المصدر: ص 307 ح 3.

[ 90 ]

[... ] كون من أعادها مصابا أيضا ولكنه كان أصوب، هذا، مع أن ما تقدم وجها للاحتمال الأول من ظهور الأخبار في التعين ممنوع، إذ يحتمل أن يكون في مقام توهم البطلان ووجوب الإعادة، أو يفصل بين الجهل وإعادة الصلاة من جهة الجهل بالحكم فتصح وبين فرض العلم بصحة الصلاة المسهو فيها فلا تجوز الإعادة من جهة كونها مستلزمة لقطع الفريضة بزيادة التكبيرة أو الأركان الاخر فتبطل، بخلاف صورة الجهل فإنه معذور في ارتكاب حرمة القطع ولعله يكفي في صحته صرف الجهل ولو لم يكن عن قصور، بناء على كفاية قصد التقرب في صحة الصلاة كما هو الأصح خلافا للمعروف بينهم، وهو الأقوى كما لا يخفى، فإن ذلك هو مقتضى القاعدة والأخبار الخاصة المشار إليها. ومما ذكرنا يظهر أنه لا يضر بلزوم الإتمام عدم ظهور الأوامر في التعين، إذ يكفي في لزومه صحة الصلاة وحرمة قطعها كما لا يخفى. الموضع الثالث: أن الأقرب عدم لزوم سجدتي السهو لما زاد في صلاته من التشهد والتسليم، وذلك لصحيح العيص المتقدم (1) من جهة خلوه عن الأمر بهما، وصحيح محمد بن مسلم المتقدم (2) لقوله " ولا شئ عليه " وخبر سعيد الأعرج لقوله: " وسجد سجدتين لمكان الكلام " (3) الدال على عدم اقتضاء زيادة التشهد والسلام ذلك، وحينئذ يحمل مثل رواية عمار: " ويسجد سجدتي السهو، وقد جازت صلاته " (4) على الاستحباب، إلا أن الأحوط ذلك، وينبغي عدم قصد خصوص السلام، لاحتمال أن يكون لمجموع التشهد والسلام، والله العالم.


(1) في ص 85. (2) في ص 86. (3) الوسائل: ج 5 ص 311 ح 16 من ب 3 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ص 310 ح 14.

[ 91 ]

[ قال (قدس سره): وإن ذكر [ النقص ] بعد أن فعل ما يبطلها عمدا أو سهوا أعاد (1). * ] * قال (قدس سره) في الجواهر: بلا خلاف أجده إلا ما يحكى عن الصدوق في المقنع، قال: " فإن صليت ركعتين ثم قمت فذهبت إلى حاجة فأضف إلى صلاتك ما نقص منها ولو بلغت الصين ولا تعد الصلاة، فإن إعادة الصلاة في هذه المسألة مذهب يونس بن عبد الرحمان " (2). وقد نقل في الجواهر: عن كشف اللثام والمجلسي ومفتاح الكرامة أن في المقنع: " وإن صليت ركعتين ثم قمت فذهبت في حاجة لك فأعد الصلاة، ولا تبن على ركعتين " (3). أقول: وهو الذي في المقنع الذي عندنا، فلم يتحقق الخلاف من الصدوق. وفي الحدائق عن الكليني أنه: عد من مبطلات الصلاة عمدا وسهوا الانصراف عنها بكليته قبل أن يتمها. وقال بعد ذلك: في المدارك أنه جمع بين الأخبار بحمل ما تضمن الاستيناف على الاستحباب والآخر على الجواز، واقتفاه جملة ممن تأخر عنه من الأصحاب (4).


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 12 ص 264. (3) الجواهر: ج 12 ص 264. (4) الحدائق: ج 9 ص 129 - 130.

[ 92 ]

[... ] أقول: يدل على المشهور صحيح جميل، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين ثم قام، قال: " يستقبل " قلت: فما يروي الناس؟ فذكر حديث ذي الشمالين فقال: " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لن يبرح من مكانه، ولو برح استقبل " (1). وقريب منه موثق أبي بصير عنه (عليه السلام) (2). ودلالة ذلك على المشهور من وجوه: منها: قوله " يستقبل " الظاهر في تعين ذلك. ومنها: الإخبار عن استقبال الرسول (صلى الله عليه وآله) لو برح من مكانه مع أنه لو كان الاستقبال جائزا والإتمام أيضا جائزا أو كان الأول مستحبا لم يصح الإخبار عنه جزما بنحو الإطلاق، إذ ربما لم يكن يستقبل مع كونه مستحبا، للاشتغال بأمر أهم منه من الامور المربوطة بحفظ مصالح المسلمين أو قضاء حوائجهم أو غير ذلك. ومنها: دفع اعتراض التنافي بالفرق بين الموضوعين الظاهر في وروده لو لا ذلك، مع أنه لو كان الأمران جائزين لأجاب بجواز الأمرين واختار رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحدهما لبعض المصالح الكثيرة الاتفاق. ويقرب منهما ما في ذيل موثق سماعة: قال: قلت: أرأيت من صلى ركعتين وظن أنها أربع فسلم وانصرف ثم ذكر بعد ما ذهب أنه إنما صلى ركعتين؟ قال: " يستقبل الصلاة من أولها " قال: قلت: فما بال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستقبل الصلاة وإنما أتم بهم ما بقي من صلاته؟ فقال: " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) الوسائل: ج 5 ص 308 ح 7 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 309 ح 10.

[ 93 ]

[... ] لن يبرح من مجلسه " (1). إلا أن في المقام أخبار اخر ربما تعارض ما تقدم: فمنها: صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر وهو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أنه صلى ركعتين، قال: " يصلي ركعتين " (2). ويمكن المناقشة فيه بأنه وإن لم يذكر فيه أنه نقص من الصلاة المكتوبة الواجبة عليها أربع ركعات بمقدار ركعتين لكن يستفاد من مساق السؤال نحو ارتباط بين المتروك والمأتي به، فيمكن أن يكون ذلك بالترتب بين الصلاتين بأن يكون المأتي به الظهر والمتروك هو العصر، ولعل كونه في طي السفر قرينة على ذلك، وليس بينا ولا مبينا أن وطنه كان بالكوفة. ومنها: صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته وقد سبقه بركعة، فلما فرغ الإمام خرج مع الناس، ثم ذكر بعد ذلك أنه فاتته ركعة، فقال: " يعيدها ركعة واحدة " (3). ويمكن المناقشة فيه بأنه بحسب الظاهر متحد مع ماروي عن يونس عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، للاتحاد في جميع الألفاظ إلا أن في آخره " يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة، فإذا حول وجهه فعليه أن


(1) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 11 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 312 ح 19 من ب 3 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 310 ح 12 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 94 ]

[... ] يستقبل الصلاة استقبالا " (1) ولا شبهة في أنه مع هذا الذيل لابد من أن يكون المقصود من قوله " خرج مع الناس " هو الخروج من الصلاة لا الخروج من المسجد، بل يمكن أن ينكر ظهوره في الخروج عن المسجد، إذ هو غير مذكور في سابقه، فحينئذ لا يصح الاستدلال به ولو كان الذيل من الشيخ (قدس سره) أو غيره من الفقهاء الرواة كما هو المظنون. ومنها: خبر عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعة من الغداة ثم انصرف وخرج في حوائجه ثم ذكر أنه صلى ركعة، قال: " فليتم (يتم) ما بقي " (2). ويمكن الجواب عنه بأن الظاهر اتحاده مع ما روي عن ابن أبى عمير عن عبد الله بن بكير عنه (3) وما روي عن الحجال عن عبد الله عنه، وفي الأخير: في رجل صلى الفجر ركعة ثم ذهب وجاء بعد ما أصبح وذكر أنه صلى ركعة، قال: " يضيف إليها ركعة " (4). ولا ريب في ظهوره في نافلة الفجر، لقوله " جاء بعد ما أصبح " فيقرب في الذهن الاشتباه في النقل، والله العالم. ومنها: خبر القماط، قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول وهو في صلاة المكتوبة في الركعة الاولى


(1) الوسائل: ج 5 ص 315 ح 2 من ب 6 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 315 ح 3 من ب 6 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 316 ح 4 من ب 6 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ص 311 ح 18 من ب 3.

[ 95 ]

[... ] أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فقال: " إذا أصاب شئ من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بالكلام " قال: قلت: وإن التفت يمينا أو شمالا أو ولى عن القبلة؟ قال: " نعم، كل ذلك واسع، إنما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاثة من المكتوبة، فإنما عليه أن يبني على صلاته " ثم ذكر سهو النبي (صلى الله عليه وآله) (1). وفيه أولا: ضعف سنده بخالد بن سعيد - أبى سعيد القماط - لعدم توثيقه في كتب الرجال وعدم وجود قرائن توجب الاطمينان بوثوقه، وبمحمد بن سنان الناقل لكتابه الذي اختلف فيه الكلمات، بل في موسى بن عمر بن يزيد تأمل أيضا. وثانيا: أنه مشتمل على الاستدلال بالقياس الممنوع عند أهل الحق. وثالثا: أن الاستدلال بما اشتهر من سهو النبي (صلى الله عليه وآله) قرينة على أن المقصود أصل ذلك في الجملة لا ما في الصدر من الإطلاق، أي أصل تصحيح الصلاة بمنزلة ذلك، وليس المقصود بحسب الظاهر أنه واسع كما أن الأمر في مورد سهو النبي (صلى الله عليه وآله) واسع أيضا، وذلك لورود المستفيض على أنه (صلى الله عليه وآله) لن يبرح من مكانه، وكيف كان، فلا شبهة بحسب الظهور أن قوله " إنما هو بمنزلة رجل سها " هو عين ما ذكره من مورد سهو النبي (صلى الله عليه وآله)، فلو فرض الاستدلال لسعته بذلك فهو داخل في الدليل، لا أن الدليل هو ما ذكره من سهو النبي (صلى الله عليه وآله)، فتأمل. ورابعا: أن صدره غير معمول به أيضا. فالإنصاف عدم حجية ما ذكر دليلا لخلاف المشهور مما مر مع قطع النظر عن


(1) الوسائل: ج 4 ص 1243 ح 11 من ب 1 من أبواب القواطع.

[ 96 ]

[... ] معارضته بأدلة المشهور فكيف مع فرض المعارضة وإعراض الأصحاب. ومنها: وهو العمدة موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إن نسي الرجل التشهد في الصلاة فذكر أنه قال: بسم الله فقط فقد جازت صلاته، وإن لم يذكر شئ من التشهد أعاد الصلاة " والرجل يذكر بعد ما قام وتكلم ومضى في حوائجه أنه إنما صلى ركعتين في الظهر والعصر والعتمة والمغرب، قال: " يبني على صلاته فيتمها ولو بلغ الصين، ولا يعيد الصلاة " (1). وهو صريح في خلاف المشهور لا يقبل المحامل المتقدمة، والحمل على التقية أيضا مشكل، فإن المستفاد من التذكرة أن العامة مجمعون على بطلان الصلاة إذا أحدث وكذا إذا استدبر، خلافا للشافعي في الأخير، بل نقل عن أبي حنيفة البطلان في صورة التكلم السهوي أي الصادر بتخيل تمامية الصلاة فكيف يحمل على التقية من باب أنه موافق للعامة كما في الجواهر (2). نعم، يمكن الحمل على التقية بناء على ما أسسه صاحب الحدائق في أول كتابه من أن نفس إلقاء الاختلاف ولو لم يكن موافقا للعامة قد يكون من باب التقية وحفظ كيان الشيعة ودمائهم (3). ويمكن أن يقال: إنه معارض لبعض ما تقدم كما في مصباح الفقيه (4)، فإن ما تقدم من ذيل خبر محمد بن مسلم من قوله: " يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة " معارض للحكم بالجواز في نظر العرف فيرجع إلى المرجحات، والمشهور


(1) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 7 من ب 7 من أبواب التشهد وج 5 ص 312 ح 20 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) الجواهر: ج 12 ص 266. (3) الحدائق: ج 1، المقدمة الاولى. (4) مصباح الفقيه: ج 2 ص 541.

[ 97 ]

[... ] موافق للطائفة الاولى، وعلى فرض التعادل والتساقط يرجع إلى إطلاق قاطعية القواطع مثل الحدث والاستدبار. لكن فيه أولا: أن كون الذيل من الإمام غير واضح بعد نقله بدون الذيل المذكور بالسند الصحيح كما تقدم (1)، والجمع العرفي مع غيره من الروايات ظاهر. وثانيا: أنه بناء على ما ذكره " من التعارض بين جميع ما تقدم للمشهور ولغير المشهور وعدم الذهاب إلى ما ذكرناه من المحامل وحصر الدليل في موثق عمار " لا تكون الشهرة الروائية لمدرك المشهور، والحق أن المرجح هو الشهرة الروائية. وثالثا: أنه بعد التعادل لعل الأوجه هو التخيير لا الرجوع إلى العام الفوق. ورابعا: أنه بعد فرض التساقط لم لا يرجع إلى مثل إطلاق صحيح حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها، ثم يذكر بعد ذلك، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: أيعيد الصلاة؟ فقال: " لا " (2)، فتأمل. فالتحقيق أن يقال: - بعد فرض انحصار ما يمكن أن يستدل على خلاف المشهور بموثق عمار - بأنه لا يمكن الفتوى على طبقه، للإعراض القطعي عنه الكاشف عن كون عمل فقهاء الشيعة المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) والمقاربين لعصرهم على خلافه، وبعد ذلك لا بد إما من الحمل على التقية على وفق مبنى صاحب الحدائق من عدم توقف الحمل عليها على وجود قول من العامة بذلك وإما من الحمل على اشتباه في النقل عن عمار وأمثاله، خصوصا بعد كونه فطحي المذهب الدال على قلة إدراكه مع مشاهدة بعض المعجزات عن الأئمة (عليهم السلام)، وعدم نقل


(1) في ص 93. (2) الوسائل: ج 5 ص 308 ح 6 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 98 ]

[ قال (قدس سره): وإن كان يبطلها عمدا لاسهوا - كالكلام - فيه تردد، والأشبه الصحة (1). * ] الرجوع عن ذلك بعد وصوله إلى خدمة الإمام بعد وفاة عبد الله الأفطح، وقد حكي عن الشيخ في الاستبصار في باب السهو في صلاة المغرب أنه فاسد المذهب ضعيف لا يعمل على ما يختص بروايته (2). وكيف كان، فقد ظهر أن ما ذهب إليه المشهور إن لم يكن أصح فهو أحوط، لدلالة الروايات المعتبرة على الإعادة، وعلى فرض صدور رواية عمار عن الإمام (عليه السلام) بداعي بيان الحكم الواقعي فمقتضاها صحة الإتمام أيضا، لوجود الجمع العرفي كما تقدم، فالإعادة مبرئة للذمة إن شاء الله تعالى. * قال (قدس سره) في الجواهر: وفاقا للمشهور نقلا وتحصيلا، بل لعل عليه عامة المتأخرين، خلافا للمحكي عن النهاية والجمل والعقود والوسيلة والاقتصاد والمهذب والغنية فيعيد الصلاة، بل في الأخير الإجماع عليه، وعن المبسوط عن بعض أصحابنا التفصيل بين الرباعيات وغيرها (3). وفي آخر كلامه (قدس سره): أن الأردبيلي نفى البعد عن التخيير بين الإتمام والإعادة (4). أقول: يدل على المشهور امور: منها: حديث " لا تعاد الصلاة " فإنه لم يصدر منه إلا التشهد والسلام والكلام الذي منشأه تخيل إتمام الصلاة، وذلك كله مشمول للحديث المذكور. ومنها: أنه بعد فرض صحة الصلاة من ناحية زيادة التشهد والتسليم - كما بين


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) تنقيح المقال: ج 2 ص 319. (3) الجواهر: ج 12 ص 265 - 266. (4) الجواهر: ج 12 ص 267.

[ 99 ]

[... ] في الصورة الاولى من الصور الثلاث - فالتكلم بعد الصلاة كالتكلم في الأثناء بل هو بعينه التكلم في الأثناء، فيكفي لتصحيح تلك المسألة نفي مانعيته بالحديث المذكور. ويدل عليه ما ورد مما يدل على عدم البأس على التكلم السهوي في أثناء الصلاة، لأن زيادة السلام والتشهد ليست إلا كزيادة السجدة الواحدة مثلا، كصحيح عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم، فقال: " يتم صلاته، ثم يسجد سجدتين... " (1) وغيره (2). و " حمل السهو على خصوص السهو في الكلام وعدم التوجه إلى أنه كلام " غير محتمل، لأنه من الأفراد النادرة، فالمقصود هو السهو الموجب لذلك أعم من أن يكون متعلقا بنفس الكلام أو بقاطعيته للصلاة أو بالصلاة، والأخير هو الغالب، من جهة أن غالب أوقاته الخروج عنها فينسى الدخول فيها. ومنها: المستفيض الوارد في نقل سهو النبي (صلى الله عليه وآله)، فإنه وإن لم يعمل بظاهره من سهوه (صلى الله عليه وآله) إلا أنه عمل بالحكم المستفاد منه كما حكي عن الشيخ (قدس سره)، فإنه صريح في عدم إضرار الكلام المبني على تخيل إتمام الصلاة، بل يدل على عدمه إذا صدر في حال الشك في ذلك حيث سأل (صلى الله عليه وآله) فقال: " أتقولون مثل قوله؟ " فقالوا: نعم، كما في موثق سماعة، فيدل على عدم إضرار ذلك كله بالصلاة، فراجع الوسائل (3).


(1) الوسائل: ج 5 ص 313 ح 1 من ب 4 من أبواب الخلل. (2) المصدر: الباب 4. (3) الوسائل: ج 5 ص 307 ح 2 وص 308 ح 4 وص 309 ح 11 وص 311 ح 16 و 17 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 100 ]

[... ] ومنها: - وهو أقوى وأصرح من كل ما تقدم - ما يدل على خصوص المسألة من دون الإشارة إلى قصة ذي الشمالين، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى أنه قد أتم الصلاة وتكلم ثم ذكر أنه لم يصل غير ركعتين، فقال: " يتم ما بقي من صلاته ولا شئ عليه " (1). فإنه صريح في خصوص الصلاة وكون التكلم في حال عدم ذكر كونه في الصلاة، ويشمل الثلاثية أيضا، وصريح في الفريضة. نعم، لا يشمل صلاة الصبح. وصحيح الرازي: قال: كنت مع أصحاب لي في سفر وأنا إمامهم فصليت بهم المغرب فسلمت في الركعتين الأولتين، فقال أصحابي: إنما صليت بنا ركعتين، فكلمتهم وكلموني، فقالوا: أما نحن فنعيد، فقلت: لكني لا اعيد واتم بركعة، فأتممت بركعة، ثم صرنا فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت له الذي كان من أمرنا، فقال لي: " أنت كنت أصوب منهم فعلا، إنما يعيد من لا يدري ما صلى " (2). فإنه صريح في المطلوب وفي غير الرباعية. وما فيه من قوله " فقلت لا اعيد " محمول إما على السهو عن مانعية الكلام في هذا الحال في كونه في الصلاة وإما على حديث النفس كما في الجواهر (3)، أو يقال: لا إشكال في ذلك في حال الجهل بالحكم، وبهذا يصح ما يظهر من الصحيح من صحة الإتمام للمأمومين أيضا مع صدور كلمات منهم، فتأمل.


(1) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 9 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 307 ح 3 من ب 3 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 267.

[ 101 ]

[... ] وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم، فقال: " يتم ما بقي من صلاته - تكلم أو لم يتكلم - ولا شئ عليه " (1). بناء على كون المقصود السهو عن الركعتين لا السهو في أثناء الصلاة، وإلا لم يكن لذكر الركعتين مناسبة إلا باحتمال بعيد جدا ولم يكن لقوله " أو لم يتكلم " وقع أصلا، لوضوح صحة الصلاة التامة الخالية عن الكلام، فظهوره غير خفي لدى التأمل. هذا، مضافا إلى إطلاق غير واحد من روايات الباب الثالث والسادس من الخلل (2)، فالمسألة خالية عن الاشكال. إلا أن هنا فرعان ذكرهما صاحب الجواهر (قدس سره) في طي كلماته: أحدهما: أن الفصل الطويل هل هو من المبطلات حتى في حال السهو كما هو المحكي عن الشافعي ومالك وأحمد، ومال إليه أو قال به في التذكرة كما عن المحقق الثاني في حاشية النافع كما في الجواهر (3) أم لا؟ بل هو ملحق بالكلام كما عن التذكرة نسبته إلى ظاهر علمائنا وعن الرياض إرسال الإجماع عليه (4)، وجهان. الأقوى هو الثاني، وذلك لامور: منها: إطلاق غير واحد من الأخبار المتقدمة، كصحيح حكم بن حكيم (5) وصحيح محمد بن مسلم (6) وغير ذلك (7).


(1) الوسائل: ج 5 ص 308 ح 5 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 307 و 315. (3) الجواهر: ج 12 ص 268. (4) الجواهر: ج 12 ص 267. (5) المتقدم في ص 97. (6) المتقدم في ص 86 و 100. (7) المتقدم في ص 86 و 87.

[ 102 ]

[... ] ومنها: أن محو الفصل الطويل إنما هو من جهة ارتكاز المتشرعة على ذلك، فهو إما لا يكشف إلا عن مانعيته عنها في حال العمد لا مطلقا أو يكشف عن وجود إطلاق في البين محكوم بصحيح " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة " (1). نعم، لو فرضنا قطع العرف وجزمه ببطلان الصلاة أو عدم صدقها بصرف الفصل الطويل فهو مخصص لجميع الأدلة لكن أنى له بذلك. ومنها: ما أشار إليه في الجواهر (2) وقال: إنه صريح الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت: أجئ إلى الإمام وقد سبقني بركعة في الفجر، فلما سلم وقع في قلبي أني قد أتممت، فلم أزل ذاكرا لله حتى طلعت الشمس، فلما طلعت نهضت فذكرت أن الإمام قد كان سبقني بركعة، قال: " فإن كنت في مقامك فأتم بركعة، وإن كنت قد انصرفت فعليك الإعادة " (3). لكن فيه: أنه قد ثبت في المعتبر أن كل ما يذكر به الله تعالى فهو من الصلاة - كما يجئ إن شاء الله تعالى - وحينئذ لم يقع الفصل الطويل، وكيف كان، فالمسألة واضحة بحمد الله تعالى. ثانيهما: أنه لو شرع في صلاة اخرى فهل يحكم ببطلانهما كما في الجواهر (4)، أو يحكم بصحتهما كما عن بعض الأصحاب، أو يحكم ببطلان الثانية وصحة الاولى، أو بالعكس فيعدل إلى الاولى إن كان بينهما ترتيب، وعلى فرض صحتهما


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، وج 4 ص 1241 ح 4 من ب 1 من أبواب قواطع الصلاة. (2) الجواهر: ج 12 ص 267. (3) الوسائل: ج 5 ص 315 ح 1 من ب 6 من أبواب الخلل. (4) الجواهر: ج 12 ص 268.

[ 103 ]

[... ] فيحتمل الإتيان بالسابقة ثم إتمام اللاحقة في ما كان بينهما ترتيب والتخيير في ما لم يكن ترتيب في البين، ويحتمل العكس مطلقا، من باب إلقاء الترتيب ولزوم حفظ الموالاة في اللاحقة، ولا يعارض بذلك لزومها في السابقة، لفوات ذلك قهرا، أو يقال على الفرض المذكور باحتساب ما أتى به للسابقة فيعدل إلى السابقة في ما بقي - كما يظهر من المكاتبة الآتية - وجوه اشير إلى بعضها في الجواهر (1) ومصباح الفقيه (2)، فاختار صاحب الجواهر (قدس سره) بطلانهما (3)، واختار صاحب المصباح (قدس سره) صحة الاولى إن كان بينهما ترتيب وصحة أحدهما على وجه التخيير إن لم يكن كذلك، بأن يكون المصلي مختارا في العدول إلى السابقة والسلام لها حتى تبطل الثانية أو العكس (4)، وحيث إن البحث يطول بذكر جميع وجوه المحتملات نقتصر على ما هو الحق لدى القاصر ونستعين به تعالى في تحقيقه. فنقول: في المسألة تفصيل: فإنه إذا تذكر سهوه بعد الإتيان بما هو زائد في الاولى، كأن دخل في ركوع الركعة الثانية من اللاحقة وتذكر بعد ذلك نقص صلاته السابقة بركعة فيحكم ببطلان الاولى، للزيادة فيها بالركوع الذي هو ركن مطلقا، من غير فرق بين المترتبتين وغيرهما. والدليل عليه هو ما دل على مبطلية زيادة الركن المتقدم في المسائل السابقة، ولكن توضيحه متوقف على بيان أمرين في خصوص المسألة حتى يثبت المدعى الذي هو بطلان الاولى وصحة الثانية: أحدهما: ما اختاره في الجواهر وبنى عليه بطلان الاولى من عدم توقف صدق الزيادة على قصد الجزئية للصلاة الخاصة (5).


(1) الجواهر: ج 12 ص 269. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 543 - 544. (3 و 5) الجواهر: ج 12 ص 268. (4) مصباح الفقيه: ج 2 ص 543.

[ 104 ]

[... ] والدليل عليه معتبر زرارة المتقدم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (1). واحتمال التعبد في مورد الدليل باشتراط عدمها في الصلاة فيصير زيادة أو بحكم الزيادة تعبدا خارج عما يقتضيه الظهور في مقام العلية للحكم، فإن التعبد ينافي التعليل، فلا محالة لابد أن يقال: إن كون السجود زيادة فيها ليس لتعبد في خصوص السجود، فهو إما مما يحكم العرف بأنها زيادة فيدخل في ما اشتهر ودل عليه الدليل من مبطلية الزيادة في الصلاة، وإما يشك في ذلك فيرفع الشك بذلك، وإما يفرض قطع العرف بعدم صدق الزيادة فالظاهر أيضا عدم تعبد في خصوص السجود لمنافاته للتعليل، فالحمل على كونه في مقام أن الزيادة في الشرع أوسع مما يحكم به العرف أقرب إلى المتفاهم العرفي من الالتزام بالتعبد في خصوص السجود، ألا ترى أنه لو قال: " لا تشرب الفقاع فإنه مسكر " أو " خمر استصغره الناس " يستفاد منه شمول الحكم لكل ما كان إسكاره قليلا لا يعتنى به عند العرف. والحاصل أنه إن كان صدق الزيادة على مثل السجود والركوع مثلا في مورد البحث معلوما عند العرف فلا إشكال، وكذا إذا كان مجهولا، فإن التعليل دليل على الصدق، وكذا إذا كان معلوم العدم، فإن التعليل دليل على أن الموضوع في الحكم الشرعي أوسع، بل يمكن أن يقال: إنه لو لم يكن مساق المعتبر مساق التعليل لدل على المبطلية في المقام بالأولوية، لقصد الصلاتية في المقام دون مورد الرواية. ثم لا يخفى أنه مما ذكرنا من الاتكاء على ظهور التعليل في عدم التعبد في إطلاق الزيادة على خصوص السجود يظهر صحة الاستدلال ولو لم يكن النهي في المعتبر إرشادا إلى البطلان بل كان للتحريم أو للكراهة كما ذهب إليه بعض الأصحاب، فإن الصغرى التي هي صدق الزيادة مستفادة من التعليل الظاهر في


(1) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 105 ]

[... ] الخلو عن التعبد، والكبرى وهي مبطلية زيادة الركوع واضحة غير محتاجة إلى المعتبر، فافهم وتدبر. وفي الجواهر (1) الاستدلال للإبطال بما عن أبي جعفر (عليه السلام): " لا قران بين صومين، ولا قران بين صلاتين، ولا قران بين فريضة ونافلة " (2). بناء على شموله لما نحن فيه. لكن الجمود على لفظ " القران " آب عن الشمول، لصدق التأخر بالنسبة إلى اللاحقة والتقدم بالنسبة إلى السابقة فكيف يصدق التقارن! فالظاهر شموله للتقارن من حيث النية. والمقارنة من البدو إلى الختم في الصلاة بأن يفتتح للصلاتين ويسلم لهما لكن يأتي بأفعال كل منهما أو يكبر لإحداهما من دون تعيين وللاخرى كذلك ثم يسلم كذلك أيضا المتأخر إحداهما عن الاخرى من الابتداء، وكذلك من حيث الاختتام. مع أنه لو فرض الإطلاق يمكن رفع مانعيته في حال السهو والاضطرار بصحيح " لا تعاد "، فتأمل. واستدل (قدس سره) أيضا بما عن علي بن جعفر عن أخيه عن علي بن الحسين (عليهم السلام) أنه قال: " وضع الرجل إحدى يديه على الاخرى في الصلاة عمل، وليس في الصلاة عمل " (3). لكن أورد على نفسه بإمكان دعوى ظهوره في عدم مشروعية عمل في


(1) الجواهر: ج 12 ص 268. (2) الوسائل: ج 4 ص 713 ح 2 من ب 3 من أبواب النية. (3) الوسائل: ج 4 ص 1264 ح 4 من ب 15 من أبواب قواطع الصلاة.

[ 106 ]

[... ] الصلاة على أن يكون منها من دون توقيف من الشارع، وإلا فلا بأس بنية الصوم وإيتاء الزكاة ولا غير ذلك في أثنائها، بل لا بأس بالمعاملة ولا بالإيقاع في أثنائها بتخيل الفراغ (1). أقول: قد يمكن الإيراد عليه بأن الحمل على المذكور يوجب أن تكون القضية ضرورية، فإن ملخص مفاده أن العمل الذي لم يجعل جزء من جانب الشارع لا يكون جزء في الصلاة، فلابد من تتميم ذلك بأن الظاهر أن المقصود أن العمل الخارجي الذي لا يكون جزء للصلاة بالعنوان الأولي وبخصوصه لا يصير جزء إذا أتى به، وهذا بخلاف الذكر فإنه وإن لم يكن جزء مقوما للصلاة لكنه إذا أتى به يصير جزء كما ورد المعتبر على طبق ذلك (2)، فليس الأعمال كالذكر والقرآن بأن تصلح أن تصير جزء بالإتيان بها لكونها مستحبة في الصلاة. ثم إنه ليس ذلك حملا تبرعيا، بل من جهة أن قوله " وليس في الصلاة عمل " لا يأبى ظهوره عن نفي الجزئية، فإن الأمر يدور بين أن يكون بمعنى النهي كقوله تعالى: * (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) * (3) ويكون إرشادا إلى البطلان بأن يكون بيانا للمانعية، أو يكون المقصود نفي الجزئية، والثاني إن لم يكن أقرب ظهورا من الأول فلا ريب من التساوي. والمقصود من هذا التطويل بيان ما يكون مورد الاختلاف بين الأعلام من اشتراط صدق الزيادة بقصد الجزئية وعدم الاشتراط، وبيان وجوه ذلك، وأن الأقوى هو عدم الاشتراط، والمعتمد معتبر زرارة المتقدم (4).


(1) الجواهر: ج 12 ص 268 - 269. (2) الوسائل: ج 4 ص 1262 ح 2 من ب 13 من أبواب القواطع. (3) سورة البقرة: 197. (4) في ص 68 و 104.

[ 107 ]

[... ] ثانيهما: أنه إذا بطلت الاولى بزيادة الثانية فلا موجب لبطلان الثانية، فإنه لم تحصل الزيادة فيها، فإنه قصد الصلاة من أول التكبير للثانية ولم يزد فيها أصلا، فحينئذ إن قلنا بأن الزيادة في التكبير مبطلة للاولى - كما هو المنسوب إلى المشهور وبنى عليه في الجواهر (1) - فلابد من الحكم بالبطلان من أول الأمر وصحة الثانية من أول الأمر من دون لزوم كون التذكر في المثال بعد الدخول في ركوع الركعة الثانية. وما في الجواهر " من بطلان الثانية أيضا على المبنى المذكور المختار عنده حيث إن صحة الثانية تتوقف على بطلان الاولى وهو يحصل بتمام التكبير " (2) مدفوع بعدم توقف صحة الثانية على بطلان الاولى، إذ لا ملاك له، فتصح الاولى من أول الأمر وتبطل الثانية بعد تمامية التكبيرة، وأما بناء على ما ذهبنا إليه من عدم مانعية زيادة التكبيرة فزيادة الركوع مبطلة للاولى وجزء للثانية، وعلى تقدير التوقف لا إشكال في الركوع أصلا، لأنه بأول جزء يصدق عليه الركوع يتحقق بطلان الاولى فتصح الثانية على نحو الترتب الطولي وإن لم يكن بينهما فصل في الزمان. هذا بالنسبة إلى تلك الصورة. وأما إذا تذكر قبل أن يركع حتى في الركعة الاولى بحيث إذا رجع إلى الاولى لم يلزم منه زيادة ركن - بناء على عدم كون زيادة التكبيرة مانعة عن صحة الاولى كما هو الحق - فالظاهر وجوب الرجوع إلى الاولى في ما إذا كان بينهما ترتيب، للزوم مراعاة الترتيب في بقية الأجزاء. وسقوطه بالنسبة إلى ما وقع حال السهو لا يستلزم سقوطه في غيره من الأجزاء وليس مضطرا حتى يسقط، إذ مع قطع النظر عن الترتيب تكون الصلاتان


(1) الجواهر: ج 12 ص 250. (2) الجواهر: ج 12 ص 269.

[ 108 ]

[... ] صحيحتين فعلا لكن لا يمكن أن تبقى كل واحدة منهما على وصف الصحة، للزوم الزيادة إما في الاولى بالإتيان بالثانية وإما في الثانية بالإتيان بالاولى بعد الشروع في الثانية، فهو مختار في الصلاتين فيجب عليه حفظ الترتيب بالإتيان بالاولى صحيحة وإيقاع النقص والبطلان بالنسبة إلى الثانية. وبعبارة اخرى: الصلاة الثانية باطلة مع قطع النظر عن إيقاع الزيادة فيها، لفقد الترتيب فلا يمكن إتمامها صحيحة فلا بد من الرجوع إلى الاولى بإتمامها صحيحة. هذا إذا كان بينهما ترتيب، وأما إذا لم يكن بينهما ترتيب فالظاهر هو التخيير في الرجوع إلى السابقة وبالعكس وإن كان الثاني أولى وأحوط، لعدم أي زيادة فيها، بخلاف الاولى فإن المفروض زيادة التكبير والحمد والسورة - مثلا - والقيام للصلاة الثانية وإن كان كل ذلك لم يكن بعمد لكن الاحتياط لوجهين: أحدهما ذهاب المشهور إلى كون التكبير الزائد ولو سهوا مبطل للاولى، وثانيهما احتمال صدق العمد على ذلك، فإنه بالرجوع إلى السابقة تصدق الزيادة ولا عكس. وأما إذا تذكر بعد الدخول في ركوع الركعة الاولى بحيث لو لم يحتسب من الاولى لكان زيادة فيها وإن احتسب لا يكون زيادة فيها فيمكن أن يقال: إن مقتضى حديث " لا تعاد الصلاة " إلقاء شرطية قصد الصلاة الخاصة في الاولى والاحتساب منها، إذ لو لم يحتسب منها لكانت باطلة من جهة زيادة الركن في الاولى، ولم يكن منشأ البطلان هو ذلك حتى لا يشمله المستثنى منه بل يكون داخلا في المستثنى، بل للزوم قصد الصلاة الخاصة وعدم تعين ما أتى به للاولى دخل في الإعادة فيحكم بمقتضى صحيح " لا تعاد " بإلقاء شرطية القصد بقاء في حال النسيان واحتساب ما أتى به من الاولى، بل يكفي في المترتبتين إلقاء القصد

[ 109 ]

[... ] بقاء، لأنه تنطبق الاولى عليه بعد الإلقاء، ولا يمكن تطبيق الثانية عليه للزوم الترتيب، فلا تنعقد الثانية حتى يحكم " لا تعاد الصلاة " بالنسبة إلى الثانية بالاحتساب لها، فإن مقتضى جريان " لا تعاد " في الاولى والحكم بالاحتساب لها مستلزم لعدم انعقاد الثانية حتى يكون موضوعا لصحيح " لا تعاد ". ومن هنا يظهر أن ما في مكاتبة الحميري عن مولانا الحجة عليه آلاف الثناء والتحية يكون على طبق القاعدة - خلافا لجل الأصحاب - ففي الوسائل عن الاحتجاج للطبرسي عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) أنه كتب إليه: يسأله عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر، فلما صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع؟ فأجاب: " إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر وصلى العصر بعد ذلك " (1). بناء على كون المقصود من الركعتين الأخيرتين ما أتى به بعنوان العصر لا ما بقي من العصر حتى يكون دليلا على عدم مبطلية ما وقع من صلاة العصر في مابين الأولتين من الظهر والأخيرتين، وهو الأقرب لأن الظاهر من قوله " جعل الركعتين " هو جعل ما فرض وجوده ظهرا، لا إيجاد الركعتين بعنوان الظهر، والله العالم بحقائق الأحكام، وهو المستعان في المبدأ والختام.


(1) الوسائل: ج 5 ص 325، الباب 12 من أبواب الخلل.

[ 110 ]

[ قال (قدس سره): وكذا لو ترك التسليم ثم ذكر (1). * ] * أي إذا تركه نسيانا: فإن كان قبل الا تيان بالمنافي مطلقا فلا شبهة في صحته، وإن كان بعد الإتيان بما ينافي الصلاة سهوا لا عمدا - كالكلام - فالأقرب الصحة، وإن كان بعد الإتيان بما ينافيها مطلقا - كالحدث والاستدبار - فلا شبهة في البطلان. أقول: مقتضى الإلحاق لزوم التسليم في الشق الثاني والحكم بصحة الصلاة، وذلك للحكم بعدم مانعية الكلام الذي نشأ من السهو في ترك السلام من جهة " لا تعاد الصلاة " فلا وجه لترك السلام بعد ذلك. لكن يمكن أن يقال: إن الإخلال من جهة الكلام قبل السلام فيمكن رفع جزئية السلام ب‍ " لا تعاد الصلاة " فلا يكون الكلام واقعا في أثناء الصلاة. وكيف كان، فالأحوط هو الإتيان بالسلام ثم الإتيان بسجدتي السهو للكلام أو غيره من الامور المنافية في حال العمد، بل يجئ إن شاء الله ما يتضح به أن الإخلال من جهة الكلام في مثل المسألة قطعي، فلا وجه لرفع جزئية السلام، لأنه إخلال آخر. هذا في الشق الثاني، والأمر فيه سهل. إنما الإشكال في الشق الثالث، فقد يقال - كما في الجواهر (2) وغيرها (3) -: إن مقتضى القاعدة صحة الصلاة وكذا مقتضى غير واحد من الروايات: أما الأول فأحسن من قرب صحتها بعض أعلام العصر أيده الله تعالى في تعليقه على العروة الوثقى. قال (قدس سره) في العروة: لو أحدث أو أتى ببعض المنافيات الآخر قبل السلام بطلت الصلاة.


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 12 ص 270 - 271. (3) كمصباح الفقيه: ج 2 ص 544.

[ 111 ]

[... ] نعم، لو كان ذلك بعد نسيانه بأن اعتقد خروجه من الصلاة لم تبطل، والفرق أن مع الأول يصدق الحدث في الأثناء، ومع الثاني لا يصدق، لأن المفروض أنه ترك نسيانا جزء غير ركني، فيكون الحدث خارج الصلاة (1). وقال أيده الله تعالى في التعليق: يريد بذلك أن شمول حديث " لا تعاد " بالإضافة إلى السلام المنسي يخرج الحدث عن كونه حدثا في الصلاة، ولا مانع من شموله إلا الحكم بالبطلان من ناحية وقوع الحدث في الصلاة، إلا أنه غير ممكن لتوقفه على عدم شمول الحديث للسلام المنسي، فلو كان عدم الشمول مستندا إليه لزم الدور. وأما دعوى " توقف شمول الحديث على إحراز صحة الصلاة من بقية الجهات، ولا يمكن ذلك من غير جهة الشمول في المقام " فمدفوعة بعدم الدليل عليه إلا من ناحية اللغوية، ومن الضروري أنها ترتفع بالحكم بصحة الصلاة فعلا ولو كان ذلك من ناحية نفس الحديث، إلى آخره. أقول: فيه نظر من وجوه: الأول: أنه يمكن دعوى استناد الخلل في المبحوث عنه إلى خصوص المنافي - كالحدث أو الاستدبار - الداخل في المستثنى في حديث " لا تعاد " لأنه إذا فرض استناد الخلل في عام إلى بعض الأجزاء وإلى بعض الشرائط وبيان حكم لكل منهما فلا ريب أن المقصود من الأجزاء هو الذوات، فلو جعل أحد على نفسه بنذر أو يمين إعطاء عالم هاشمي مبلغا من المال في اليوم المعين وجعل على نفسه


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 32، المسألة 1.

[ 112 ]

[... ] على تقدير الحنث وعلى تقدير ترك الإعطاء مبلغا من المال كفارة، وعلى تقدير ترك الإعطاء إلى الهاشمي العالم مبلغا آخر، فترك الإعطاء إلى العالم الهاشمي وأعطى المبلغ المزبور للعالم غير الهاشمي فلا شبهة أنه ليس عليه كفارتان، وفي المقام إن الحدث والاستدبار مانعان - أي عدمهما شرط للسلام - فذات السلام غير متروك، لإمكان الإتيان به بعد الحدث، فالخلل ليس من ذات الصلاة من أولها إلى آخرها بل من جهة فقد الشرط. الثاني: أنه على فرض الاستناد إلى الصلاة فلا ريب أنه ليس الموجب للخلل ترك السلام المطلق بل ترك السلام قبل الحدث مثلا، فالخلل جاء من المجموع لا من خصوص السلام فكيف ترتفع جزئية السلام؟! إلا أن يقال: يكفي في رفع جزئيته دخالته في توجه الخلل إلى الصلاة، وهو غير معلوم. الثالث: أن الظاهر من الحديث هو الخلل بالنسبة إلى الصلاة المجعولة بالجعل الأولي، فمع فرض رفع جزئية السلام كان المفروض أيضا وقوع الخلل من ناحية السلام، وإلا لزم من الحكم بالصحة عدمها، لعدم الخلل، والموضوع وجود الخلل، ولا ريب أن الخلل الموجود مع قطع النظر عن " لا تعاد الصلاة " هو ترك السلام قبل الحدث، ومن المعلوم أنه من ناحية فقد الطهارة أيضا. وبالجملة، لا يشك العرف ظاهرا في أن الخلل الوارد على تلك الصلاة من ناحية الحدث مستقلا أو دخالة، فعلى فرض جريان الحديث بالنسبة إلى المستنثى والمستثنى منه فلا تمانع بينهما، إذ لا تمانع بين اقتضاء استناد الخلل إلى فقد الطهور الإعادة وعدم اقتضاء الاستناد إلى ترك السلام الإعادة، فيحكم بالبطلان من باب عدم التعارض بين المقتضي للبطلان وما لا يقتضيه، والأثر للمقتضي كما هو واضح.

[ 113 ]

[... ] الرابع: أنه على فرض الجريان لا وجه للتفصيل الذي في متن العروة الواقع موقع تصحيح المحشي أدام الله أيامه، إذ لا فرق في تمشي البرهان المذكور - مع قطع النظر عما أوردناه - بين أن يكون المسهو بالذات هو السلام أو يكون المسهو بالذات هو الحدث فيترك السلام من غير عمد إلى تركه قبل الحدث كما هو واضح أيضا. الخامس: أن ما ذكره من الدور غير واضح، إذ لا مانع من شمول الحديث للصلاة الباطلة فعلا، ولا وجه للالتزام بثبوت الأثر للحكم الحيثي في جميع مصاديقه، كما في الحكم بحلية لحم الغنم الذي لا أثر له فعلا بالنسبة إلى المغصوب، فنلتزم بأن الصلاة الباطلة بالفعل إذا ترك حمدها نسيانا فمقتضى الحديث عدم بطلانها من ناحية ترك الحمد، والعموم المذكور منتج في ما إذا احرز صحتها من الجهات الاخر، وحينئذ لا يكون عدم الشمول دوريا، إذ هو غير متوقف على البطلان، بل الحق هو الشمول ولو مع فرض البطلان. السادس: أنه مع قطع النظر عما تقدم وتسليم ما ذكره في الذيل الذي يكون مبناه على كون شمول الحديث متوقفا على صحة الصلاة من الجهة الاخرى نقول لا دور أيضا، فإن مقتضى ذلك كون عدم الشمول متوقفا على البطلان حتى مع فرض الشمول، وهو لا يتوقف على عدم الشمول، بل المتوقف على عدم الشمول هو البطلان الفعلي لا البطلان على فرض الشمول، فتأمل. هذا بحسب القاعدة. وأما بحسب الروايات فمقتضى غير واحد من الروايات صحتها: فمنها: صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة وقبل أن

[ 114 ]

[... ] يتشهد، قال: " ينصرف فيتوضأ، فإن شاء رجع إلى المسجد وإن شاء ففي بيته وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته " (1). ومحل الاستشهاد قوله " وإن كان الحدث إلى آخره ". وأما الاستشهاد بالصدر فيجئ تقريبه وما فيه. ومنها: ما في الخصال في حديث الأربعمائة، قال: " إذا قال العبد في التشهد الأخير وهو جالس: أشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له... وأن الله يبعث من في القبور ثم أحدث حدثا فقد تمت صلاته " (2). ومنها: خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا نسي الرجل أن يسلم فإذا ولى وجهه إلى القبلة وقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد فرغ من صلاته " (3). ومنها: صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): سألته عن الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل أن يسلم، قال: " تمت صلاته... " (4). ومنها: خبر الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا نسي أن يسلم خلف الإمام أجزأه تسليم الإمام " (5). ومنها: حسن الحلبي عنه (عليه السلام):


(1) الوسائل: ج 4 ص 1001 ح 1 من ب 13 من أبواب التشهد. (2) الوسائل: ج 4 ص 1002 ح 5 من ب 13 من أبواب التشهد. (3) الوسائل: ج 4 ص 1010 ح 1 من ب 3 من أبواب التسليم. (4) المصدر: ص 1011 ح 2. (5) المصدر: ص 1011 ح 3.

[ 115 ]

[... ] " إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا، وإن كنت قد تشهدت فلا تعد " (1). ومنها: خبر غالب عنه (عليه السلام): في الرجل ينام بعد التشهد وقبل السلام، قال: " تمت صلاته... " (2). ومنها: قوي الحسن بن الجهم - كما في الجواهر (3) - قال: سألته - يعني أبا الحسن (عليه السلام) - عن رجل صلى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة، قال: " إن كان قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلا يعد، وإن كان لم يتشهد قبل أن يحدث فليعد " (4). وقد يستدل - كما في مصباح الفقيه (5) - بما ورد من عدم الإعادة بالحدث بعد السجدة الأخيرة، كما في غير واحد من نصوص الباب الثالث عشر من أبواب التشهد (6)، وقد مر في صدر خبر زرارة المنقول في أول الروايات بتقريب الأولوية، وهي ممنوعة، إذ التشهد يقضى فيقضى معه السلام، وليس السلام منفردا كذلك أو يحتمل أن لا يكون كذلك، فيمكن أن لا يكون معفوا. وكيف كان، فدلالة الروايات واضحة، والحمل على التقية مع الاختلاف بين العامة في قاطعية الحدث والتفصيل بين التشهد وغيره والسلام وغيره كما يظهر من المراجعة إلى كتاب التذكرة غير واضح جدا، خصوصا في مثل رواية الخصال عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، والإعراض غير ثابت مع فتوى غير واحد باستحباب التسليم،


(1) الوسائل: ج 4 ص 1011 ح 4 من ب 3 من أبواب التسليم. (2) المصدر: ص 1012 ح 6. (3) الجواهر: ج 11 ص 5. (4) الوسائل: ج 4 ص 1241 ح 6 من ب 1 من أبواب قواطع الصلاة. (5) مصباح الفقيه: ج 2 ص 544. (6) الوسائل: ج 4 ص 1001.

[ 116 ]

[ قال (قدس سره): ولو ترك سجدتين ولم يدر أهما من ركعتين أو ركعة؟ رجحنا جانب الاحتياط. (1) * ] وحمل الروايات على نسيان السلام لا نسيان الحدث الدال على عدم إبائهم عن الفتوى بها بالنسبة إلى صورة كون المسهو هو السلام غير واضح، فالعمل بها لا يخلو عن وجه وإن كان الاحتياط لا يترك جدا، والله العالم. * في الجواهر: كما في التذكرة والبيان والمنتهى وعن نهاية الإحكام والتحرير والروض، فيعيد كما صرح به جماعة بل في الكفاية أنه المشهور على تأمل في دليله، وعن بعض قضاء السجدتين، وقد يقال بعدم الإعادة ولا قضاء السجدتين، وهو ظاهر من حكم بالصحة من دون الإيماء إلى قضاء السجدتين (2)، واستغربه في الجواهر بل احتمل وجوب قضاء السجدتين ثم الإعادة، قال (قدس سره): وإن لم أجده لأحد، للعلم بوجوب أحد الأمرين (3). انتهى ملخصا. أقول: قبل الورود في أصل المسألة لابد من ذكر مقدمة يذكر فيها صورها، فإن العلم المفروض تارة يكون ثلاثي الأطراف كما لو علم بأنه إما تركهما من الركعة السابقة أو من اللاحقة أو إحداهما من السابقة والاخرى من اللاحقة، واخرى يكون ذا طرفين كأن يعلم أنه إما تركهما جميعا من السابقة أو ترك إحداهما منها والاخرى من اللاحقة أو بالعكس بأن يعلم أنه إما تركهما جميعا من اللاحقة أو إحداهما منها والاخرى من السابقة، فتلك ثلاث صور. والعلم المذكور تارة يتفق حصوله في الأثناء إما قبل التجاوز عن المحل الشكي أو بعد التجاوز عنه وقبل التجاوز عن المحل الذكري أي قبل الركوع من الركعة الثالثة أو بعده أيضا، واخرى يتفق حصوله بعد الفراغ إما أن يكون ذلك


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2 و 3) الجواهر: ج 12 ص 273.

[ 117 ]

[... ] في الركعتين اللتين صلاهما قبل الأخيرة أو تكون إحدى الركعتين التي تكون طرفا لعلمه هي الأخيرة، وعلى الثاني إما أن صدر منه المنافي أم لا، فهذه ستة فروض، ومقتضى ضرب الستة في الثلاثة أن الأقسام والصور ثمانية عشر. ومما ذكر يظهر الخلل في شرح الصور في المستمسك، فإنه جعل ذا الطرفين من صورة العلم هو ما لا يدري أن تركهما جميعا هل هو من السابقة أو من اللاحقة مع أنه خارج عن فرض ما في الشرائع والعروة، ثم أهمل ما يمكن أن يختلف حكمه من الأقسام بعد الفراغ، فجعل الصور ثمانية ثم ألحق بها ثماني صور اخرى. إذا عرفت ذلك فنقول: الصورة الاولى: أن تكون أطراف العلم ثلاثة وكان حصوله قبل التجاوز عن المحل الشكي كما أنه كان جالسا وقبل أن يتشهد يحصل له العلم بذلك، ففيها لا شبهة في وجوب الإتيان بالسجدتين في المحل والحكم بصحة الصلاة بالحكم بإتيان السجدتين من الركعة السابقة. والوجه في لزوم الإتيان بالسجدة الثانية من الثانية أمران: أحدهما: ما هو المعروف من أنه مقتضى قاعدة الشك في المحل، إما من باب أنه بنفسه قاعدة تستفاد من مفهوم ما دل على حكم التجاوز، أو من جهة استصحاب عدم الإتيان بها، أو استصحاب وجوبها في الركعة اللاحقة، أو قاعدة الاشتغال للعلم بكون ذمته مشغولة بالإتيان بها في الركعة اللاحقة. ثانيهما: ما أفاده المحقق صاحب المقالات في رسالته المؤلفة في المسائل المربوطة بالعلم الإجمالي من القطع التفصيلي بعدم الإتيان بالسجدة الثانية على وفق أمرها (1) إما لتركها بالخصوص أو مع الاولى منهما، أو لبطلانها من جهة بطلان


(1) روائع الأمالي: الفرع 18.

[ 118 ]

[... ] الصلاة بالترك في الاولى، فيعلم بأنه يجب عليه إتيان السجدة الثانية إما في تلك الركعة وإما في ضمن إعادة الصلاة ثانية على تقدير بطلانها، وحيث يحكم قاعدة التجاوز بصحة الركعة السابقة من حيث الإتيان بالسجدتين بل يكفي الحكم بالإتيان بواحدة منها فيتعين الإتيان بالسجدة الثانية من الثانية في تلك الركعة التي يكون فيها، فالحكم بوجوب الإتيان بها في اللاحقة لمجموع أمرين: أحدهما العلم بالوجوب والثاني صحة الصلاة، وترتب وجوب الإتيان بها في تلك الركعة على صحة الصلاة شرعي، فإنه من جهة حرمة القطع ولزوم الترتيب والموالاة، وكل ذلك واجب شرعا في الصلاة الصحيحة كما لا يخفى. هذا حكم السجدة الثانية من الثانية. وأما الاولى منها فيحكم بوجوب الإتيان بها من جهة كون الشك في المحل ويجري التجاوز بالنسبة إلى الركعة السابقة ويحكم بالإتيان بكلتا السجدتين منها فيها. الصورة الثانية: حصول العلم بترك السجدتين إما كلتاهما من الركعة التي بيده أو إحداهما من السابقة والاخرى من اللاحقة مع فرض كون الشك قبل تجاوز المحل بالنسبة إلى اللاحقة، وحينئذ يقطع بصحة الصلاة، إذ هو قاطع بعدم تركهما من السابقة فيعلم بإتيان إحداهما في السابقة لكن يعلم إجمالا إما بوجوب قضاء سجدة واحدة بعد الصلاة وإما بوجوب إتيانهما في اللاحقة ويعلم تفصيلا بترك إحداهما في اللاحقة، فمورد العلم الاجمالي الثانية من الاولى وإحدى السجدتين من اللاحقة، ومقتضى قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الثانية من الاولى عدم وجوب القضاء ومقتضى كون الشك في المحل بالنسبة إلى اللاحقة هو الإتيان بالاخرى فيأتي بهما في اللاحقة.

[ 119 ]

[... ] إن قلت: كيف يمكن قصد التقرب بالإتيان بالثانية من الثانية مع دوران أمرها بين الوجوب إن كان المتروك كلتا السجدتين والحرمة للزيادة إن كان المتروك إحداهما؟ قلت: يكفي في المقام لعدم قدح ذلك مفهوم قاعدة التجاوز، إذ هو صريح في عدم القدح، مع أن مقتضى استصحاب تركهما من الأخيرة من دون جريان الاستصحاب في الثانية من الاولى للتجاوز عدم العقوبة على الزيادة وعدم العقوبة على الترك للنقصان، وهذا المقدار كاف في تمشي قصد التقرب. الصورة الثالثة: حصول العلم الثنائي في المحل لكن كان الترك مرددا بين كون كلتيهما في السابقة أو إحداهما فيها والاخرى في اللاحقة، وحينئذ يقطع بإتيان إحدى السجدتين في اللاحقة كما أنه يعلم بترك الثانية من الاولى، فمورد العلم الإجمالي ترك الاولى من الاولى والثانية من الثانية فيعلم إما بوجوب الإعادة أو بالإتيان بسجدة واحدة في الثانية وقضاء السجدة المتروكة في السابقة، ومقتضى الشك في المحل وما تقدم من العلم بعدم الإتيان بالثانية من الثانية بوصف الصحة إما من جهة كونها المتروكة وإما من جهة بطلان الصلاة بتركهما في الاولى هو وجوب الإتيان بالسجدة الثانية منها قطعا، ومقتضى قاعدة التجاوز المثبتة لصحة الاولى هو الإتيان بها في تلك الركعة، وقد تقدم بيانه في الصورة الاولى، وقضاء السجدة المتروكة قطعا في السابقة المحكومة بالإتيان بالاخرى لقاعدة التجاوز الفارغة عن المعارض. إن قلت: القضاء مترتب على ترك السجدة الواحدة، والعلم بترك إحدى السجدتين في الاولى والحكم بالإتيان بالاخرى بقاعدة التجاوز لا يثبت الوحدة.

[ 120 ]

[... ] قلت أولا: يمكن أن يقال: إنها ليست إلا الإتيان بإحداهما وترك الاخرى، وهما ثابتان بمجموع الأصل والوجدان، كما أشار إلى ذلك الوالد العلامة الاستاذ في كتاب صلاته (1). وثانيا: على فرض كون الوحدة عبارة عن ترك السجدة المقرونة بالإتيان بالاخرى على وجه التقيد فلا ريب في ثبوت ذلك بالاستصحاب كما يظهر من موارده، وإلا لم يكن تثبت باستصحاب الطهارة الصلاة المقيدة بالطهارة الحدثية كما في الصحيح الأول لزرارة (2)، وبالطهارة الخبثية كما في الصحيح الثاني له (3)، ولا وجوب الصوم ولا الإفطار بالاستصحاب في يوم الشك. وثالثا: إن المستفاد من صحيح عبد الله بن سنان " إذا نسيت شئ من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاقض الذي فاتك سهوا " (4) أن الموضوع هو ترك جنس السجود لا هو مع قيد الوحدة. نعم، موضوعه الصلاة الصحيحة، كيف! ولو كان الشرط هو الوحدة لم يجب القضاء لو ترك سجدتين من ركعتين، فعنوان الوحدة ليس في الدليل بل هو في لسان الفقهاء، وذلك من جهة أنه مع فرض التعدد يحكم بالبطلان، فالشرط في القضاء هو ترك السجود في الصلاة الصحيحة. الصورة الرابعة: صورة العلم بتركهما من ركعة واحدة وهي مرددة بين السابقة واللاحقة التي يكون محلها باقيا مع فرض عدم التجاوز، وهي وإن كانت خارجة


(1) في ص 425. (2) الوسائل: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء. (3) الوسائل: ج 2 ص 1061 ح 1 من ب 41 من أبواب النجاسات. (4) الوسائل: ج 5 ص 337 ح 7 من ب 23 من أبواب الخلل.

[ 121 ]

[... ] من العنوان كما اشير إليه في صدر المسألة لكن نذكرها تبعا للمستمسك، وحكمها واضح بعد ما مر، لأن قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السابقة جارية من دون الابتلاء بالمعارض، فيأتي بالسجدتين في تلك الركعة، لكون الشك في المحل، لمفهوم قاعدة التجاوز، ولاستصحاب الترك، وللاشتغال، وللعلم بعدم الإتيان بهما على الوجه المطلوب، فإنهما إما تركهما وإما أتى بهما - في فرض تركهما في الاولى - باطلتين. ثم إنه فيها وفي كل مورد يكون المحتمل نقصانهما وزيادتهما فعلى فرض الزيادة تكون واقعة في صلاة باطلة، ولا يتمشى ما تقدم من الإيراد مع جوابه في الصورة الثانية، لأن السجدتين فيها اللتين يؤتى بهما بعد الشك إما لا تكونان من الزيادة وإما تكونان منها، وعلى فرض الزيادة تكون صلاته باطلة من جهة الترك في الاولى، وكذا في الصورة المتقدمة، فإن السجدة الواحدة التي يؤتى بها إما لا تكون زائدة وعلى فرضها فترك السجدتين يكون من الاولى فالصلاة باطلة، فيقطع في الصورتين بعدم كون الزيادة قاطعة للصلاة. الصورة الخامسة: صورة الشك بعد تجاوز المحل، بأن يكون في التشهد ويشك في أن المتروك كلتا السجدتين من الركعة التي بيده أو إحداهما من السابقة والاخرى من اللاحقة، والظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في كونها بمنزلة الشك قبل تجاوز المحل، بل هي بعينه، لأن التشهد الذي يقطع بلغويته ووجوب رفع اليد عنه والعود إلى السجدة قطعا - للعلم بتركها في الجملة - ليس محققا للتجاوز، خلافا لما ظهر من العروة - في المسألة السابعة عشرة من الختام - وبعض المحشين، ووفاقا لأكثر المحققين من المحشين من الأحياء والأموات

[ 122 ]

[... ] - تابع الله بيننا وبينهم بالخيرات - ولصاحب العروة (قدس سره) في المسألة الخامسة والأربعين منه. والوجه في ذلك أن المستفاد من القاعدة أن الملاك هو التجاوز عن المحل لا الدخول في الغير، ومن المعلوم أنه لم يتجاوز محل السجدة الاولى لا محله الوجوبي ولا محله الاستحبابي، فإن محله قبل التشهد الصحيح الذي هو جزء من الصلاة مع قطع النظر عن المشكوك، لا التشهد الباطل مع قطع النظر عنه، فلا فرق بينه وبين أن يقال " أسهد " بالسين ثم شك، ولا فرق بينه وبين عمل خارجي آخر، وعلى فرض كون الملاك هو الدخول في الغير فمن المعلوم أنه ليس مطلق الغير ولو لم يكن من أجزاء الصلاة، وعلى فرض الشك في الشمول فمقتضى الاستصحاب هو الإتيان به، فعلى هذا يأتي بالسجدتين في تلك الركعة وليس عليه الإعادة ولا قضاء السجدتين، لجريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الاولى والحكم بتحقق السجدتين معا، وإن فرض صدق التجاوز فلابد أن يؤتى مع ذلك بقضاء السجدة الواحدة، لتعارض القاعدتين، ومقتضى الاستصحاب ترك إحداهما في الاولى والاخرى في الثانية. ويمكن أن يقال - وإن لم أره في كلمات الأصحاب رضوان الله عليهم - بكفاية الإتيان بسجدة اخرى غير ما يقطع بتركها بعنوان ما في الذمة، من باب أنه إن كان المتروك كلتا السجدتين من تلك الركعة فالسجدة وقعت تتميما للنقص، وإن كان المتروك من كل من الركعتين سجدة واحدة فالسجدة الثانية المأتي بها بعد الشك تكون زيادة بالنسبة إلى تلك الركعة لكنها غير مبطلة، لما تقدم، فيقصد بها كونها قضاء لما فات من السابقة فلا يحتاج إلى القضاء بعد الصلاة، وذلك مبني على

[ 123 ]

[... ] عدم لزوم كون الإتيان بها قضاء بعد الصلاة، وذلك لإطلاق صحيح عبد الله بن سنان: " إذا نسيت شئ من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاقض الذي فاتك سهوا " (1) وقريب منه صحيح حكم بن حكيم (2)، لاسيما بعد الاشتمال على الركوع الذي لابد من الحمل على صورة التذكر قبل الدخول في الركن الآخر، لغيره من الأدلة وللضرورة. وما في صحيح ابن جابر: في رجل نسي أن يسجد الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد، قال (عليه السلام): " فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها، فإنها قضاء " (3). فهو وارد في صورة النقص القطعي الموجب للإتيان بالزيادة العمدية، وهي مبطلة في الصلاة فلابد أن يؤتى بها بعد الصلاة. وهذا من غير فرق بين أن يكون المراد من القضاء هو الامتثال وهو المطابق للغة الموجب للحمل عليه، أو يكون المراد منه القضاء الاصطلاحي، وذلك لأنه عليه قد قضى محله فيصدق القضاء الاصطلاحي أيضا. الصورة السادسة: فرض وقوع الشك بعد تجاوز المحل الشكي وكون المشكوك مرددا بين أمرين: أحدهما كون تركهما من كل من الركعتين، ثانيهما


(1) الوسائل: ج 5 ص 337 ح 7 من ب 23 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 308 ح 6 من ب 3، وج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (3) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 124 ]

[... ] كون ترك كل منهما من السابقة، فلا ريب حينئذ في تحقق العلم الإجمالي إما بوجوب الإعادة إن كان الثاني، وإما بوجوب الإتيان بإحدى السجدتين في الثانية وقضاء ما فات من السابقة إن كان الأول، فيمكن الحكم بانحلال العلم الإجمالي. وتوضيحه أن العلم بترك إحداهما في السابقة والإتيان بإحداهما في اللاحقة مسلم، فطرف العلم هي الاولى من السابقة والثانية من اللاحقة، فيمكن أن يقال: إن قاعدة التجاوز لا تجري بالنسبة إلى الثانية من اللاحقة: إما من جهة العلم بعدم الإتيان بها بوصف الصحة، لأنها إما تركت وإما اتيت بها مع فرض الترك من السابقة، فالتعبد بالإتيان بها صحيحة مما يقطع بخلافه. وفيه: أن المستفاد عرفا من القاعدة هو الحكم بالإتيان بها صحيحة بالنظر إلى نفسها والشرائط الراجعة إلى نفس السجدة من دون تعرض للحكم بالإتيان بها صحيحة حتى من جهة الأجزاء السابقة عليها أو اللاحقة بها، كيف! واللاحقة بعد غير معلوم اللحوق، مع وضوح أنه لو شك في الركوع وفي إحدى السجدتين بعد القيام يكون الشكان مصداقين للقاعدة مع أنه لو كان مفادها هو الصحة الفعلية من جميع الجهات لكان الجريان في السجدة كافيا في المقصود، فتأمل. وإما من جهة أن جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدة الثانية إنما هو على فرض صحة الصلاة، ونقطع بعدم جريانها على فرض الصحة من باب القطع بالترك حينئذ. وفيه: أنه ليس متوقفا على عدم البطلان، وإلا لاستحال جريانها إذا شك في ركوعين بعد القيام في الثالثة مثلا، لأن جريانها بالنسبة إلى كل من الركوعين

[ 125 ]

[... ] متوقف على الصحة مع قطع النظر عنه، وهو متوقف على جريانها في الآخر فجريانها بالنسبة إلى كل من الركوعين متوقف على جريانها في الآخر فجريان كل منهما مستلزم للدور. وإما من جهة العلم بلغوية هذا التشهد إما من باب بطلان الصلاة وإما من باب ترك الثانية. وفيه: أنه لو فرض كون مفاد قاعدة التجاوز حكما حيثيا وأنه الحكم بالإتيان بالسجدة في تلك الصلاة صحيحة مع قطع النظر عن الأجزاء الاخر فلا يكون التشهد مما يجب أن يؤتى به بالنظر إلى عدم إتيان جزء بينهما حتى يصدق عدم التجاوز عن المحل، فافهم. وهنا وجهان آخران لعدم جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إليها لا يخلوان عن الاعتبار: أحدهما: أن قاعدة التجاوز وإن لم تكن في فرض الصحة لكن لابد من الصحة ولو حصلت تلك بنفس القاعدة، وإلا لم يكن أثر لها، فلا معنى للتعبد حتى بالنسبة إلى الأثر الحيثي وهو عدم لزوم الإتيان به في تلك الصلاة، لأنه على فرض البطلان لا فرق بين الفعل والترك في عدم لزوم الإتيان به في تلك الصلاة، وفي فرض الصحة يقطع بتركها. لكن الإنصاف أن ذلك أيضا لا يخلو عن خفاء، من جهة أنه يمكن أن يقال: إن أثرها في فرض البطلان عدم استناد الإعادة إليها وأن الإعادة من جهة اخرى، واللغوية في ذلك المورد غير مضرة بالإطلاق، كما في جميع الأحكام الحيثية، فتأمل.

[ 126 ]

[... ] ثانيهما: أن يقال: إن قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الاولى من الاولى حاكمة عليها بالنسبة إلى الثانية من الثانية، لأن مقتضاها الصحة، وهي بضم العلم بترك السجدة الصحيحة من الثانية تحكم بتركها من الصلاة الصحيحة فترفع الشك عن ذلك ولا عكس. لكن يمكن المناقشة فيه أيضا بأن مفاد قاعدة التجاوز في الثانية من الثانية هو الحكم بالإتيان بالسجدة الصحيحة من حيث نفسها، والقاعدة الجارية في الاولى من الاولى لا ترفع الشك المذكور. ومع ذلك فيمكن أن يصحح الوجه الأول من الوجهين بأنه وإن كانت القاعدة جارية على فرض البطلان أيضا ومفادها عدم استناد وجوب الإعادة إليها إلا أنه لا ترفع تكليفا فعليا إلزاميا حتى ينافي جريان القاعدة في الاولى من الاولى. لكن فيه أيضا أن الشك متحقق والحكم أيضا متحقق، ومقتضاه عدم استناد الإعادة إليها على تقدير البطلان وعدم لزوم الإتيان بها على تقدير الصحة، فيقع التعارض. إلا أن يقال: إن لزوم الإتيان بها على فرض الصحة قطعي فلا يمكن رفعه في هذا الفرض، فإن الشك في الموضوع غير كاف لجعل الحكم الظاهري، فإنه لا يمكن جعل على خلاف الواقع المعلوم. الصورة السابعة: هي صورة الشك الثلاثي بعد تجاوز المحل، وبعد ما تقدم من عدم جريان قاعدة التجاوز في الثانية من الثانية - لما مر في السابقة من العلم بتركها صحيحة - وبعد ما مر أيضا من عدم صدق التجاوز إذا فرض الخلل بين المشكوك وبين ما يتحقق به التجاوز وهو التشهد فالمسألة واضحة، لعدم جريان القاعدة أيضا بالنسبة إلى الاولى من الثانية، فيرجع ويأتي بهما وتجري القاعدة

[ 127 ]

[... ] في السابقة من دون مزاحم فلا تجب الإعادة ولا القضاء. وأما التعليل ل‍ " عدم جريانها في الاولى من الثانية والثانية من الاولى حتى تجري في الاولى من الاولى من دون المعارض " بما في المستمسك (1) من تقدم الأصل المصحح على المتمم، من باب أن العلم الإجمالي الموجود بعد الإتيان بإحدى السجدتين من الاولى دائر بين تركهما من الركعة الاولى أو ترك واحدة منها، وهي مرددة بين الاولى وبين الثانية، فالعلم مع قطع النظر عن التوجه إلى كون أحد الأطراف ترك الركن ثلاثي الأطراف، لكن بعد التوجه إلى ذلك وأن مقتضاه هو العلم بترك إحدى السجدتين إما من الاولى أو من الثانية ذاتا أو بوصف الصحة، لأنه لو ترك كلتيهما من الاولى يكون ما أتى به أيضا باطلا، وإن ترك إحداهما من الاولى فالترك حاصل، وإن كان المتروك من الثانية بتركهما من أول الأمر من الثانية فأتى بإحداهما فالترك أيضا حاصل، فترك إحدى السجدتين إما في الاولى وإما في الثانية معلوم، فالقاعدة تتعارض بالنسبة إليهما وتبقى قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الاولى من الاولى من دون معارض. ففيه وجوه من الإيراد: الأول: أن العلم الإجمالي الذي يوجب التعارض وإلقاء الاصول المرخصة هو العلم بالتكليف، ولا ريب أن المعلوم بالإجمال من حيث التكليف كان من أول الأمر ثنائيا، لأن الأمر دائر بين الإعادة على فرض البطلان وأحد الأمرين من الإتيان بالسجدة في الثانية أو قضاء السجدة المتروكة في الاولى، وبعد فرض العلم بترك إحدى السجدتين على وصف الصحة أيضا كذلك، لأن ترك السجدة المفروضة بوصف الصحة إن كان بترك الذات يجب إما الإتيان وإما القضاء


(1) ج 7 ص 614 - 615.

[ 128 ]

[... ] وإن كان بترك وصف الصحة يجب الإعادة، فأين الانحلال؟! وثانيا: أنه لا تتعارض القاعدتان، من جهة أن مقتضاهما عدم وجوب أحد الأمرين من الإتيان والقضاء، ولا الإعادة من ناحية ترك السجدة الصحيحة، وهذا لا ينافي الإعادة من حيث ترك السجدتين، فالتعارض إنما يحصل بعد جريان قاعدة التجاوز في الركن أيضا وهو السجدة الاولى من الاولى. وثالثا: على فرض تعدد التكليف - بأن يكون وجوب الإعادة الآتي من قبل بطلان السجدة الواحدة وجوبا آخر غير وجوب الإعادة الآتي من قبل ترك السجدتين من الاولى - فلا يكون أيضا في البين انحلال وإن كان تعارض الأصلين بالنسبة إلى السجدة الواحدة المرددة بين الركعتين محققا حينئذ لكن من دون الانحلال ومن دون أن يكون التعارض المذكور بينهما متأخرا عن التعارض لقاعدة التجاوز بالنسبة إلى الركن، فعلى هذا يعلم إجمالا إما بوجوب الإعادة من قبل ترك السجدتين وإما بوجوب القضاء أو الإتيان من قبل ترك إحداهما في الصلاة الصحيحة، كما أنه يعلم إجمالا إما بوجوب الإعادة من قبل ترك السجود الصحيح في الصلاة الباطلة أو وجوب القضاء أو الإتيان من قبل ترك السجود في الصلاة الصحيحة. إن قلت: نفس كون القاعدة بالنسبة إلى مورد مصححا وبالنسبة إلى الآخر متمما موجب لتقدم الاولى على الثانية، من جهة أنه لا أثر للمتمم إلا بعد فرض المصحح، فلا يكون للمتمم اقتضاء في ظرف جريان المصحح. قلت: المصحح وإن لم يكن في ظرف جريان المتمم إلا أنه باق في ظرف جريانه، فالمصحح يحكم بعدم وجوب الإعادة والمتمم يحكم بعدم لزوم حكم

[ 129 ]

[... ] ترك المتمم، والعلم الإجمالي حاصل بخلافه. إن قلت: إذا فرض التعارض بين أصلي المتمم ولو على فرض الصحة - والتعارض واضح، إذ على فرض الصحة يكون المتروك بعد الإتيان بسجدة من الثانية مرددا بين كونه من الاولى أو من الثانية - فمقتضى القاعدة فيهما عدم وجوب القضاء وعدم وجوب الإتيان، وهو مقطوع الخلاف على تقدير الصحة، فحينئذ يبقى الأصل الحاكم بالإتيان بالاولى من الاولى الموجب للتصحيح بلا معارض. قلت: لا برهان على التأخر كما اشير إلى ذلك قبلا، ففي رتبة تعارض الأصلين بالنسبة إلى أنفسهما يتعارضان أيضا لقاعدة التجاوز بالنسبة إلى أصل الصحة، فإن المجموع معارض للأصل المصحح، فإنه لو لم يكن تعارض بين أنفسهما كان مقتضاهما عدم لزوم ملاحظة حكم السجدة الواحدة، وكان مقتضى الأصل المصحح عدم لزوم الإعادة فيتعارضان، فهما متعارضان له ومتعارضان في أنفسهما، وجميع ذلك في رتبة واحدة بلا ملاك لتقدم أحد الأمرين على الآخر. الصورة الثامنة: هي صورة الشك الثنائي المردد بين كونهما من اللاحقة أو السابقة، وهو واضح الحكم بعد ما تقدم، فإن سجدتي الثانية إما متروكة أو باطلة فاللازم هو الإتيان بهما، لما مر من عدم جريان قاعدة التجاوز. لكن في مثل ذلك إشكال آخر سيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. الصورة التاسعة: هي صورة الشك الثنائي الذي هو كالسابقة، وفرض كون الشك بعد الدخول في الركعة الثالثة وبطلان الصلاة واضح في تلك الصورة. الصورة العاشرة: هي صورة الشك الثلاثي الأطراف الحاصل بعد الدخول في الركعة الثالثة، فحينئذ يعلم بترك كل واحدة من سجدتي الاولى والثانية

[ 130 ]

[... ] بوصف الصحة، للبطلان أو لأن المتروك يكون من كل من الركعتين فلا تجري قاعدة التجاوز فيهما، ويحكم بالإتيان بسجدة واحدة من كل من الركعتين بقاعدة التجاوز الخالية عن المعارض على ما مر تفصيل ذلك في السادسة. وبعد ذلك فالحكم المذكور أي الصحة وعدم وجوب الإعادة وقضاء السجدتين يوجه بوجوه: منها: أنه بعد عدم جريان القاعدة في الثانية من كل منهما وجريانها في الاولى في كل منهما ينحل العلم الإجمالي بوجوب الإعادة أو قضاء السجدتين، فإن قاعدة التجاوز الجارية في الاولى منهما تحكم بصحة الصلاة، وهي بضم العلم بترك السجدة من كل واحدة من الركعتين بوصف الصحة تحكم بوجوب القضاء، لأن موضوع القضاء هو ترك السجدة الصحيحة في الصلاة الصحيحة، فالترك محرز بالوجدان وكونه في الصلاة الصحيحة بالأصل أي قاعدة التجاوز. لكن الإنصاف أنه غير واضح، لاحتمال كون الموضوع لوجوب القضاء ترك السجدة ذاتا أو الإخلال بوصف صحتها من جهة الشرائط الراجعة إلى نفس السجدة مع قطع النظر عن صحة الصلاة وبطلانها بلحاظ غيرها من الأجزاء اللاحقة أو السابقة، كل ذلك إذا كان في الصلاة الصحيحة. وترك الصحيح من السجدة إذا كان في صلاة صحيحة وإن كان ملازما لما ذكر من كون الترك لذاتها أو لشرائطها ذاتا لكنه ليس المستصحب نفس ما هو موضوع الأثر، وحينئذ فلا يحرز بذلك وجوب قضاء السجدتين، فمقتضى الاستصحاب عدم وجوب القضاء، فيتعارض لقاعدة التجاوز الحاكمة بعدم وجوب الإعادة. ومنها: أن مقتضى استصحاب ترك كل واحدة من السجدتين في كل واحدة

[ 131 ]

[... ] من الركعتين بعد فرض عدم جريان قاعدة التجاوز ذلك - أي وجوب القضاء - فينحل العلم الإجمالي. وتوهم " أن الموضوع للقضاء هو الترك نسيانا واستصحاب الترك لا يثبت الترك النسياني " مدفوع بوضوح عدم دخالة النسيان إلا من باب أن الترك العمدي موجب للبطلان. وأما إذا فرض الترك مع فرض صحة الصلاة من ناحية احتمال ترك الركن من جهة حاكمية قاعدة التجاوز فلا إشكال في تحقق الموضوع، مضافا إلى أن مقتضى صحيح البزنطي (1) أن الموضوع هو ترك السجدة مع حفظ الركوع وأن الملاك هو الترك مع فرض الصحة، فراجع فيه وتأمل. وهذا الوجه لا يخلو عن جودة. ومنها: أن يقال: إنه مع الغض عن ذلك ينحل العلم الإجمالي بنفسه، للقطع بالإتيان بالسجدتين ولو في ضمن إعادة الصلاة بناء على عدم الدليل على الاتصال والانفراد وقصد القضاء، فلا تجري الاصول المثبتة لعدم وجوب السجدتين، فيحكم بعدم وجوب الإعادة لأنها مشكوكة، وعلى فرض الغض عن ذلك كله ينحل العلم الإجمالي باستصحاب الترك من كل واحدة من الركعتين الحاكم بوجوب الإعادة وعدم وجوب القضاء، فالاحتياط ضعيف بل إما يجب القضاء فقط وإما تجب الإعادة فقط، فتأمل في أطراف ما ذكرناه جيدا. الصورة الحادية عشرة والثانية عشرة: صورتا الثنائية بأن يعلم بأنهما إما تركتا من ركعة واحدة أو إحداهما من اللاحقة والاخرى من السابقة، والركعة المحتملة لترك كل واحد منهما إما أن تكون هي اللاحقة أو تكون هي السابقة، ولا فرق


(1) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 3 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 132 ]

[... ] بينهما في هذا الفرض أي فرض الدخول في الركعة الثالثة. والظاهر بناء على ما تقدم في الفروع المتقدمة هو الصحة ووجوب قضاء السجدتين، لانحلال " العلم الإجمالي بوجوبهما أو الإعادة " بقاعدة التجاوز الجارية في السجدة الاولى من الركعة المحتملة لتركهما جميعا غير المعارضة لها بالنسبة إلى باقي السجدات، للعلم بعدم جريانها في الثلاثة الباقية، لأن ترك الثانية من الركعة المحتملة لتركهما قطعي، والإتيان بالاولى من الركعة الاخرى أيضا قطعي، وترك الثانية منها بوصف الصحة إما من جهة تركها وإما من جهة بطلانها لملازمتها لترك الكل في المحتملة لتركهما قطعي أيضا فلا تجري القاعدة فيها أصلا، والقاعدة في الاولى من الركعة المحتملة لتركهما جميعا جارية حاكمة بالصحة، وعدم وجوب الإعادة ووجوب قضاء السجدتين أيضا ثابت، فإن ترك إحدى السجدتين نسيانا وجداني وصحة الصلاة من ناحية غيرها تعبدي فلا إشكال، وترك الاخرى تجري فيه الشبهات المتقدمة في بعض الصور السابقة وقد عرفت دفع بعضها، فهو أيضا محكوم بوجوب القضاء مع فرض صحة الصلاة من أجل جريان قاعدة التجاوز في الاولى من الركعة المحتملة لتركهما جميعا، والله العالم، وهو الملهم الذي منه عظيم. هذا كله صور حصول الشك في أثناء الصلاة. فلنشرع بعونه تعالى في الشك بعد السلام: فنقول: تارة يفرض ذلك في غير الركعة الأخيرة مع عدم وقوع المنافي، والظاهر أن حكم جميع صوره الأربعة من الثنائيات والثلاثية حكم ما مضى من البطلان في الصور الإلحاقية، للعلم بالبطلان بنقص السجدتين والصحة في الباقي

[ 133 ]

[... ] وقضاء السجدتين وسجدتي السهو على ما يأتي حكمه إن شاء الله. نعم، يؤكد توجيه الصحة في الصور الثلاثة بوجه آخر غير ما تقدم، وهو أنه لو فرضنا تعارض قاعدتي التجاوز بالنسبة إلى المصحح والمتمم فيرجع إلى قاعدة الفراغ واستصحاب وجوب الإتيان بالسجدة الجامع بين الأداء والقضاء، وذلك مبني على امور: أحدها تقدم قاعدة التجاوز على قاعدة الفراغ وكونها حاكمة عليها، وثانيها جريان استصحاب القسم الثالث من الكلي، وثالثها جريان استصحاب عدم الفرد وكونه حاكما على استصحاب الكلي، فيرجع بعد التعارض إلى المحكوم، فتأمل في جميع ذلك فإنه يحتاج إلى ذلك. وأما مع فرض وقوع المنافي، فإن قلنا بأن الفصل بالمنافي مانع عن القضاء فلابد من الحكم بالبطلان في جميع الصور الأربعة، أما الصور الإلحاقية فواضح، وأما الثلاثة الاخرى فبعد فرض مقدمتين: إحداهما أن الصلاة مشروطة بقضاء السجدة وأن الأمر بقضائها وقضاء التشهد يكون إرشادا إلى الشرطية وليس أمرا نفسيا، وظهوره في المركبات وإن كان كذلك لكن في الظهور المفروض بعد فرض تمامية المركب تأمل فتأمل، ثانيتهما عدم اقتضاء " لا تعاد الصلاة " نفي الشرطية في صورة الفصل بالمنافي، وذلك لدخوله في المستثنى، فإنه إما فقد طهور وإما استدبار. وبعد فرض المقدمتين نقول: الصلاة في جميع الصور الثلاثة حينئذ مقطوعة البطلان، لأنه إما ترك منها سجدتين من ركعة واحدة وإما لا يمكن قضاء ما هو شرط في صحتها. لكن الاشتراط المذكور ممنوع جدا، ففي موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) بعد السؤال عن نسيان السجدة وتذكرها بعد ما ركع: قلت: وإن لم يذكر إلا بعد ذلك،

[ 134 ]

[... ] قال: " يقضي ما فاته " (1)، فإن " بعد ذلك " ظاهر أو صريح في ما بعد الصلاة، فحينئذ فالحمل على عدم حصول الاستدبار تخصيص بالنادر. وفي صحيح محمد بن مسلم في من نسي التشهد حتى ينصرف أنه " إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه " وقال: " إنما التشهد سنة في الصلاة " (2). وهو صريح في خصوص التشهد ويظهر من الذيل عدم خصوصية للتشهد. وحينئذ فالقول ب‍ " أن مقتضى كونه قضاء - كما في خبر ابن جابر - أنها جزء من الصلاة فالحدث واقع في الأثناء، أو أنه وإن سلمنا عدم استفادة ذلك من عنوان القضاء لكن الظاهر أنه لابد في القضاء من مراعاة جميع ما يمكن من شرائط الأداء ومنها عدم الفصل بالحدث " من الاجتهاد في مقابل النص، مع أنهما ممنوعان في نفسه، أما الأول فلعدم استفادة ما ذكر من عنوان القضاء، لأنه إن كان بمعنى التدارك لما فات فليس مقتضاه الجزئية بل المفروض فوت الجزء وما يأتي به إنما هو بدل الجزء الفائت، وإن كان بمعنى الامتثال - كما هو الأظهر - فليس المراد أن الإتيان بهما بعد ذلك امتثال تام بل الظاهر أنه امتثال ناقص، فيصدق ذلك بعد الفصل بالمنافي أيضا، وأما الثاني فلأن المانع هو الحدث في الأثناء، وبعد تمامية الصلاة بالسلام لا يكون الحدث في الأثناء حتى يكون مانعا، فتأمل جيدا. فعلى هذا لا فرق بين الفصل بالمنافي وعدمه في الحكم بالبطلان في الصور الإلحاقية منها والصحة والإتيان بقضاء السجدتين في الباقي، فقد تم بذلك


(1) الوسائل: ج 5 ص 342 ح 4 من ب 26 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 2 من ب 7 من أبواب التشهد.

[ 135 ]

[ قال (قدس سره): ولو كانتا من ركعتين ولم يدر أيتهما هي؟ قيل: يعيد، لأنه لم تسلم له الاوليان يقينا، والأظهر أنه لا إعادة (1)، * ] عشرون صورة، وبقي الكلام في ثمانية اخرى يتم بها المسألة إن شاء الله تعالى وبعونه المنان: وهي ما إذا كان أحد طرفي الترديد هو الركعة التي سلم فيها: فنقول تارة يفرض وقوع المنافي بعد السلام ففيها لابد من القول بكون جميع ذلك بحكم ما إذا تذكر بعد الدخول في الركعة الثالثة بعد ما تقدم من عدم مانعية المنافي عن قضاء السجدتين، وأما إذا كان قبل الإتيان بالمنافي فإن قلنا بعدم مخرجية السلام لو وقع سهوا في غير محله فالظاهر أنها بحكم أن يكون في حال التشهد من الرجوع والإتيان بالسجدتين في ما احتمل تركهما في الأخيرة أو علم بترك إحداهما فيها، وعدم شئ عليه والرجوع والإتيان بواحدة وقضاء الاخرى بعد ذلك في غير ما ذكر، فتأمل. ثم لا يخفى أن الاحتياط في الجميع هو الإعادة وقضاء سجدة واحدة أو سجدتين، ولكن تقدم أنه يمكن دعوى كفاية أن يأتي ببعض سجدات الصلاة المعادة بعنوان ما في الذمة القابل للانطباق على القضاء، كما يمكن دعوى كفاية الإتيان بالبعض الواجد للتشهد بعنوان سجدتي السهو مع مراعاة الشرائط وإن لم أر ذلك في كلمات الأصحاب. هذا تمام الكلام في المقام، وهو ولي الإنعام والإلهام وبه الاعتصام. * نسب في الجواهر الأول إلى ما عن الشيخ وجماعة (2)، وسيأتي - بعونه تعالى ومشيته - الكلام في أن محافظة الاوليين مرعية في خصوص العدد


(1) الشرائع: ج 1 ص 87. (2) الجواهر: ج 12 ص 273.

[ 136 ]

[ وعليه سجدتا السهو (1). * قال (قدس سره): وإن أخل بواجب غير ركن فمنه ما يتم معه الصلاة من غير تدارك، ومنه ما يتدارك من غير سجود، ومنه ما يتدارك مع سجدتي السهو. فالأول: من نسي القراءة (2) * * ] أو في جميع ما يوجب الخلل فيه. * قال في الجواهر: لنسيان السجدة إجماعا (3). أقول: يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في القسم الثالث الذي يذكره المصنف بعد ذلك لترك الواجب غير الركني. ثم إن في ما أفاده خلل من وجهين: أحدهما ما أشار إليه في الجواهر من أن الواجب تكرار سجدتي السهو لترك سجدتين من ركعتين، ثانيهما أن ظاهره أن تكليفه ذلك مع أن عليه قضاء السجدتين أيضا. * * أي تصح الصلاة إذا نسي القراءة حتى ركع من غير تدارك ولا سجود سهو. قال (قدس سره) في الجواهر بعد ذلك: كما في النافع والقواعد والإرشاد وغيرها، بل لا أجد خلافا فيه، بل نفى الخلاف صاحب المدارك فيها، كما عن صريح جامع المقاصد كالرياض إلا من ابن حمزة القائل بركنيتها، وهو شاذ، بل في المدارك الإجماع عليه (4). انتهى. أقول: أما الصحة وعدم الإعادة فيدل عليها امور:


(1 و 2) الشرائع: ج 1 ص 88. (3) الجواهر: ج 12 ص 273. (4) الجواهر: ج 12 ص 274.

[ 137 ]

[... ] منها: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة " (1). ومنها: الأخبار المستفيضة، كصحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " إن الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي فلا شئ عليه " (2). ومثله صحيح محمد بن مسلم إلا أن فيه: " ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته ولا شئ عليه " (3). وخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليهم السلام)، قال: سألته عمن ترك قراءة القرآن ما حاله؟ قال: " إن كان متعمدا فلا صلاة له، وإن كان نسي فلا بأس " (4). وخبر منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله: إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، فقال: " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " قلت: بلى، قال: " قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا " (5). وخبر أبي بصير عنه (عليه السلام)، قال: " إن نسي أن يقرأ في الاولى والثانية أجزأه تسبيح الركوع والسجود، وإن كانت الغداة فنسي أن يقرأ فيها فليمض في صلاته " (6).


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 1 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (3) الوسائل: ج 4 ص 767 ح 2 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (4) المصدر: ح 5. (5) المصدر: ص 769 ح 2 من ب 29. (6) المصدر: ص 769 ح 3 من ب 29.

[ 138 ]

[... ] إلى غير ذلك مما قد يأتي بعضها إن شاء الله تعالى، فلا إشكال في المسألة من حيث عدم وجوب الإعادة. ولعل وجه القول بركنية القراءة من جهة الاشتمال على فاتحة الكتاب، ومقتضى غير واحد من الروايات أنه لا صلاة إلا بها، كصحيح محمد بن مسلم، قال: سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته، قال: " لا صلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات " (1). وحكومة حديث " لا تعاد " عليها غير معلومة، لصلاحيتها للحكومة عليه، من جهة نفي الصلاة بلحاظ نفي جميع أحكامها التي منها ما ورد في الحديث من التصحيح إذا كان الخلل من ناحية غير الخمسة والإبطال إذا كان منها، فيرجع حينئذ إلى غيره من الأدلة الدالة على وجوب القراءة في الصلاة. وفيه أولا: ما تقدم من عدم انحصار الدليل في حديث " لا تعاد " بل الأخبار مستفيضة كما في الجواهر (2). وثانيا: أن نفس المفاد المذكور مقيد في معتبر سماعة بما قبل الركوع، قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب - إلى أن قال: - " ثم ليقرأها مادام لم يركع، فإنه لا صلاة له حتى يقرأ بها في جهر أو إخفات، فإنه إذا ركع أجزأه إن شاء الله " (3). وقريب منه خبر آخر لسماعة.


(1) الوسائل: ج 4 ص 767 ح 4 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) الجواهر: ج 12 ص 274. (3) الوسائل: ج 4 ص 768 ح 2 من ب 28 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 139 ]

[... ] وثالثا: أنه إن كان لفظ الصلاة موضوعا للصحيح أو كان في مثل الصحيح المتقدم منصرفا إلى الصحيح - من جهة أنه في بيان ما يكون دخيلا في المطلوب لا ما يكون دخيلا في التسمية - أو قلنا بأن المنفي أصل حقيقة الصلاة ادعاء لكن يكفي في النفي الادعائي نفي الأثر الظاهر ولا أثر أظهر من الصحة - كما أن بعض ذلك حق - فليس متعلق النفي إلا الصحة لا كل حكم للصلاة، ومن المعلوم أنه ليس الموضوع في حديث " لا تعاد " هو الصلاة الصحيحة لا في المستثنى ولا في المستثنى منه، لعدم صحة الحكم بالبطلان مع فرض الصحة كما أنه لا معنى للحكم بالصحة مع فرض الصحة، فالحكومة من جانب حديث " لا تعاد " واضحة بخلاف الحكومة من جانب مفاد مثل صحيح محمد بن مسلم، فافهم وتأمل. وأما عدم لزوم سجدتي السهو فلأنه مقتضى إطلاق مثل صحيح زرارة ومحمد بن مسلم أي قوله " فلا شئ عليه " أو " ولا شئ عليه " لا سيما الثاني، من جهة أن الحكم بعدم شئ عليه بعد الحكم بتمامية الصلاة، فلا يبقى إلا أن يكون المراد عدم وجوب سجدتي السهو وعدم القضاء أو خصوص الأول، بناء على أن المقصود بالتمامية هو الأخص من الصحة بأن يكون المقصود تمامية الصلاة من جهة الأجزاء والشرائط كلا، وقد اشير إلى ذلك في الجواهر (1). لكنه غير واضح، من جهة مظنونية كون الروايتين واحدة، ومن جهة عدم إباء ظهوره من أن يكون قوله " ولا شئ عليه " بيانا لما تقدم من الحكم بالتمامية كما يقال: إنه تصح تلك الصلاة ولا إعادة، فذكر اللازم بعد الملزوم وتنبيه المخاطب


(1) الجواهر: ج 12 ص 274.

[ 140 ]

[... ] على ذلك مما هو متعارف في المحاورات. وكيف كان، فدلالة إطلاقه على عدم لزوم سجدتي السهو واضح، سواء لم يفرض الانصراف إلى خصوص نفي الإعادة - كما هو الظاهر - فالإطلاق لفظي، أو فرض الانصراف إلى الإعادة فالإطلاق مقامي حيث لم يذكر في المقام إلا عدم لزوم الإعادة مع أن التنبيه على وجوب سجدتي السهو إن كان واجبا ينبغي أن يكون في هذا المقام، والإطلاق المقامي الذي حقيقته السكوت في مقام البيان يدل على عدم الوجوب. ومن ذلك يظهر جواز التمسك بخبر منصور بن حازم، وفيه قوله " قد تمت صلاتك " (1)، وحينئذ يحمل الأمر الوارد في مرسل سفيان بن السمط " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (2) على أصل المطلوبية الجامعة بين الوجوب والاستحباب، وهو أهون في مقام الجمع من تقييد الإطلاق المذكور عرفا، وإن فرض التكافؤ فمقتضى الاستصحاب والبراءة عدم الوجوب، والله العالم. ومنه يظهر الكلام في القضاء، فإن مقتضى إطلاق صحيح زرارة: عدم شئ عليه من الإعادة والقضاء، بل يدل على عدم وجوبه في الأخيرتين صحيح معاوية الوارد في من سها عنها في الأولتين فيذكر في الأخيرتين، قال (عليه السلام): " أتم الركوع والسجود؟ " قلت: نعم، قال: " إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها " (3)، ويدل على عدم وجوبه بعد الصلاة معتبر الحسين بن حماد الوارد في من سها عن القراءة


(1) الوسائل: ج 4 ص 769 ح 2 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 1 من ب 30 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 141 ]

[ أو الجهر أو الإخفات في مواضعهما (1) * ] في صلاته كلها، قال: " إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك " (2) في قبال الأمر بالقراءة في الثانية والثالثة فراجع وتأمل. ويدل على مشروعية قضاء القراءة في الجملة صحيح معاوية بن وهب - الوارد في من لا يمهله الإمام أن يقرأ فيقضي القراءة في آخر الصلاة (3) - وغير ذلك (4). ويكفي في مشروعية القضاء مطلقا إطلاق صحيح حكم (5). * قال (قدس سره) في الجواهر: وفي المدارك نفي الخلاف عنه، بل الإجماع عليه أيضا (6). أقول: لا إشكال فيه نصا وفتوى في الجملة أي إذا تذكر بعد الدخول في الركوع. ومقتضى إطلاق النص الآتي عدم البأس به إذا تذكر بعد تمامية الكلمة، لكن الظاهر من عبارة المصنف اختصاص ذلك بما بعد الدخول في الركوع - فراجع - كما أنه نسب إلى صريح جماعة، والعمدة في المقام صحيح زرارة المروي عن الصدوق والشيخ (قدس سرهما) عن أبي جعفر (عليه السلام) وهو كما عن الأول: في رجل جهر في ما لا ينبغي الإجهار فيه وأخفى في ما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: " أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته " (7).


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الوسائل: ج 4 ص 771 ح 3 من ب 30 من أبواب القراءة في الصلاة. (3) المصدر: ص 771 ح 5. (4) راجع الوسائل: ج 4 ص 770 الباب 30 من أبواب القراءة في الصلاة. (5) الوسائل: ج 5 ص 308 ح 6 من ب 3 من أبواب الخلل. (6) الجواهر: ج 12 ص 275. (7) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 1 من ب 26 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 142 ]

[... ] ودلالته بالنسبة إلى ما بعد الركوع واضحة كسنده. وأما بالنسبة إلى ما قبل ذلك فقد يشكل بوجهين: أحدهما: احتمال أن يكون المقصود من " لا شئ عليه " عدم إعادة الصلاة، لأنه وقع في قبال الحكم بالإعادة في صورة التعمد فهو يصلح لأن يكون قرينة للانصراف إلى ذلك فلا ينعقد الإطلاق. ويمكن الجواب عنه بأن الإعادة كما هو ظاهر الصحيح من باب نقض الصلاة أو نقصها، وعدم شئ عليه من باب تمامية الصلاة، مع أن عدم التنبيه على وجوب التلافي لو كان قبل الركوع كاف في دلالته على عدم شئ عليه، فإن السكوت في مقام البيان دليل على عدم لزوم شئ عليه، مع أن مقتضى إطلاق عدم الإعادة عليه حتى لو ركع بعد ذلك دليل على عدم وجوب التلافي، مع أن ما ذكر من وجود ما يحتمل قرينيته ليس في ما نقله الشيخ (قدس سره) بسند آخر (1)، فإنه وإن كان الظاهر وحدة الحديث إلا أن الراوي لم يفهم كون الحكم بالإعادة قرينة على التقييد في قوله " فلا شئ عليه " وإلا لنقله تحفظا على المراد، وإلا لغفل عن ذلك والأصل عدمه. ثانيهما: من جهة أن النسيان عن الشئ - كما ربما تقدم ويجئ - ظاهر في الترك في محله من جهة النسيان لا أصل عروض صفة النسيان، ومضي محل الجهر والإخفات قبل الركوع أول الكلام. وفيه: أنه ليس لسان الصحيح نسيان الجهر أو الإخفات، بل الجهر في ما لا ينبغي والإخفات في ما لا ينبغي، وهما صادقان من دون شبهة وريب،


(1) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 2 من ب 26 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 143 ]

[... ] مع أنه على فرض كونهما شرطا للصلاة من دون اشتراط القراءة بذلك فقد فات محلهما فلا يمكن التدارك إلا بالإعادة فيشمله " لا تعاد " ويصدق النسيان الموجب للترك، ويكفي إطلاق دليل القراءة لنفي شرطية القراءة بهما، ومع الشك يرجع إلى حديث " رفع ما لا يعلمون " فإن اشتراط الصلاة بهما ولو بتوسيط القراءة معلوم وأما اشتراط القراءة فهو غير معلوم يرفع بالحديث، مع أن الشك كاف في جريان البراءة عن التلافي، والاستصحاب غير جار، لعدم إحراز الموضوع في الامور الكلية غير الموجودة في الخارج. هذا كله، مع أن شرطية القراءة بالجهر أو الإخفات غير منافية لصدق النسيان المنجر إلى الترك، فإنهما قد تركا، وما بقي محله فهو المشروط كما في شرائط الصلاة، فإنه يصدق بعد الصلاة أن الشرط قد سهي عنه مع أن وقت الصلاة باق، فتأمل. والمقصود رفع الشبهة الباقية في عصرنا الحاضر أيضا، لا سيما مع تخصيص أثناء القراءة بالاحتياط بالخصوص، فإنه لا وجه له أصلا، لأن منشأ الاحتياط احتمال أن يكون الجهر والإخفات شرطين للقراءة، فحينئذ يجب قبل الركوع مطلقا، وإلا لا يجب في الأثناء أيضا، فتأمل. وأما سجدتا السهو فغير مذكورة في الجواهر، وفي العروة: عدم وجوبهما إلا لنقصان الأجزاء (1)، وفي المستمسك علله بظهور النقصان الوارد في مرسل ابن أبي عمير عن سفيان (2) في نقصان الأجزاء (3). أقول: هو غير واضح، بل يمكن دعوى الإطلاق لصدق النقصان، لكن


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 50، المسألة 18. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل. (3) المستمسك: ج 7 ص 417.

[ 144 ]

[... ] عدم وجوبهما لإطلاق " لا شئ عليه " وللحكم بتمامية الصلاة، فيحمل الأمر في المرسل على أصل المطلوبية، وحينئذ لا يبعد الاستحباب بل لا ينبغي ترك الاحتياط بالإتيان بهما رجاء للمحبوبية، ويأتي الكلام إن شاء الله في خاتمة الخلل. وأما قضاء القراءة بعد ذلك بالصفة الفائتة فغير واجب مطلقا، لأنها إن كانت شرطا للقراءة ومع ذلك حكم بعدم وجوب الإعادة فمعنى ذلك إلقاء الشرطية فلم يفت شئ من الصلاة حتى يجب قضاؤه، وإن كانت شرطا للصلاة فلا يمكن أن تقضى بعينها، لأن ما هو الشرط هو الجهر في القراءة لا مطلق الجهر ولو في مورد عبارة أو شعر فلا يشمله مثل صحيح حكم بن حكيم (1). قال (قدس سره) في الجواهر: والظاهر أنه كنسيان القراءة نسيان الإعراب أو الترتيب بين الآيات. قال (قدس سره): ويدل عليه الإجماع المدعى في الدرة السنية في شرح الألفية: قال (قدس سره) نقلا عنها: إنه قال - بعد ذكر جملة مما ذكره المصنف (قدس سره) كنسيان القراءة أو أبعاضها أو صفاتها والذكر في الركوع وعربيته وموالاته والطمأنينة فيه... والطمأنينة في الرفع من الاولى -: لأنه إن دخل في ركن فلا يغتفر زيادته، وإلا فقد أجمعوا على عدم التدارك (2). وفحوى ما تقدم في نسيان القراءة وما تقدم (3) من صحيح زرارة (الظاهر


(1) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (2) الجواهر: ج 12 ص 275 و 278. (3) في ص 137.

[ 145 ]

[ أو قراءة الحمد أو قراءة السورة حتى ركع (1). * ] في أن ترك السنة نسيانا لا يوجب شئ من الإعادة والقضاء وسجدتي السهو) ومقتضى حديث " لا تعاد " بضم أصالة البراءة عن القضاء وسجدتي السهو ذلك أيضا، إلا أنه لو لا إطلاق " لا شئ عليه " كان إطلاق وجوب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة وإطلاق وجوب القضاء لكل ما ترك نسيانا من الصلاة من مرسل سفيان (2) وصحيح حكم (3) محكما لكن يحمل على الاستحباب جمعا، وعلى فرض عدم مساعدة العرف على الجمع المشار إليه يرجع إلى البراءة عن وجوبها بعد عدم وجوب الإعادة قطعا لحديث " لا تعاد "، بل لعل الترتيب بين الحمد والسورة من شرائط الصلاة لا من شرائط القراءة، ومعه فهو غير ممكن القضاء بعينه كما في الجهر والإخفات. نعم، لا بأس بذلك رجاء. * أقول: أو أبعاض أحدهما، فإن مقتضى الأولوية وحديث " لا تعاد " وحديث زرارة (4) - الدال على أن كل ما هو نسيان للسنة لا شئ عليه - الصحة وعدم وجوب شئ عليه من القضاء وسجدتي السهو، لكن مقتضى إطلاق دليلي سجدتي السهو والقضاء لكل شئ ترك من الصلاة نسيانا: استحباب القضاء وسجدتي السهو. وقضاء البعض في الصلاة هو مقتضى خبر عمار أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل ينسى حرفا من القرآن فيذكر وهو راكع هل يجوز له أن يقرأه؟ قال: " لا ولكن إذا سجد فليقرأه " (5).


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (4) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 1 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (5) الوسائل: ج 4 ص 771 ح 4 من ب 30 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 146 ]

[ قال (قدس سره): في الجواهر: ومثل القراءة التسبيح في الركعتين الأخيرتين (1). * قال (قدس سره): أو الذكر في الركوع (2) * * ] * أقول: هو كذلك بحسب القاعدة من حيث الصحة وعدم وجوب سجدتي السهو وعدم وجوب القضاء واستحبابهما، لكن لا في جميع الخصوصيات التي منها ما تقدم في خبر عمار (3) ومنها كراهة قراءة الحمد والسورة في الأخيرتين قضاء كما تقدم، فتأمل. * * قال (قدس سره) في الجواهر: كما في النافع والقواعد والمنتهى وغيرها، وفي المدارك والرياض وعن الذخيرة أنه لا خلاف فيه (4). أقول: ويستدل على ذلك بخبر عبد الله بن القداح عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): أن عليا (عليه السلام) سئل عن رجل ركع ولم يسبح ناسيا، قال: " تمت صلاته " (5). وفيه: ضعف من جهة جعفر بن محمد بن مالك. وبصحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن الأول (عليه السلام): عن رجل نسي تسبيحه في ركوعه وسجوده، قال: " لا بأس بذلك " (6). وفيه: احتمال أن يكون العبارة " تسبيحة " بالتاء فيكون المقصود ترك تسبيحة


(1) الجواهر: ج 12 ص 275. (2) الشرائع: ج 1 ص 88. (3) في ص 145. (4) الجواهر: ج 12 ص 275. (5) الوسائل: ج 4 ص 938 ح 1 من ب 15 من أبواب الركوع. (6) الوسائل: ج 4 ص 939 ح 2 من ب 15 من أبواب الركوع.

[ 147 ]

[... ] واحدة من الستبيحات الثلاثة الواجبة في الركوع أو المستحبة فيها مؤكدة، مع إمكان أن يقال: إن مقتضى أخبار الذكر في الركوع أن الظرف شرط للذكر أي يجب في الصلاة ذكر خاص أو مطلق في حال الركوع، ولا يجب الركوع الذي يذكر فيه، إذ ليس في ما عثرنا عليه من الأخبار أمر بالركوع المقرون بالذكر، بل يكون الأمر بالعكس مثل قوله (عليه السلام): " سبح في الركوع ثلاث مرات " (1) ومثل قوله في رواية هشام بن سالم " تقول في الركوع سبحان ربي العظيم " فراجع (2)، فالركوع لا شرط له، وحينئذ فقد أتى بالركوع الصحيح، ولا يمكن تدارك الذكر، لفواته بفوات محله، مع أنه لو شك فيه يكفي في ذلك إطلاقات الركوع، ولا إطلاق في جانب الذكر كما هو واضح، مع أنه على فرض عدم الإطلاق والشك في كون الركوع مشروطا به حتى يجب الرجوع أم لا حتى لا يجب - لأنه إن كان شرطا في الصلاة فقد القيت شرطيته في حال النسيان - فيشك فيها فتجري البراءة. والتمسك بدليل اشتراط الصلاة بالذكر في الجملة تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنه إن كان شرطا في الصلاة فقد خصص ب‍ " لا تعاد "، وإن كان شرطا في الركوع يكون داخلا في المستثنى الوارد في حديث " لا تعاد "، واستصحاب وجوب الذكر في الركوع محكوم بالبراءة، فإن استصحاب وجوب ذات المقيد جار في جميع موارد الشك في القيد ومسبب عن التقييد، فإذا جرت البراءة في الشك في القيد وأن الصلاة هي التي لا تكون مقيدة بالذكر في الركوع فلاتجب إعادة المقيد، فافهم وتأمل.


(1) الوسائل: ج 4 ص 939 ح 3 من ب 15 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 923 ح 1 من ب 4 من أبواب الركوع.

[ 148 ]

[ أو الطمأنينة فيه * ] هذا كله، مع أنه لو فرض القطع بدخالته في الركوع وكونه قيدا له فحيث تحقق الخلل في الصلاة إما من ناحية نسيان الذكر وإما من ناحية زيادة الركوع العاري عن القيد يكون مقتضى إلقاء شرطية الذكر ب‍ " لا تعاد الصلاة " هو صحة الركوع وعدم الزيادة، فإن استناد الخلل إلى ترك الذكر تنجيزي سواء القيت مانعية الزيادة أو القيت شرطية الذكر، فإن تحقق موضوع الزيادة ليس إلا من جهة فقد الذكر، فالأمر لا يدور بين أن يكون مفاد " لا تعاد الصلاة " إلقاء شرطية الذكر أو إلقاء مانعية الزيادة، لأن الموضوع بالنسبة إلى الأول متحقق على كل حال فيشمله، ومقتضى شموله عدم تحقق الخلل من ناحية الزيادة (1) أو صحة الركوع، وقد أثبتنا عدم لزوم إعادة الصلاة في المقام ولا إعادة الركوع على جميع التقادير - أي سواء كان الذكر في الركوع شرطا في الصلاة أو كان الركوع مقيدا به أو شك في ذلك مع وجود الإطلاق أو مع عدم وجوده - بمقتضى الأصل العملي لكي يكون ذلك قاعدة بالنسبة إلى الفروع الآتية المربوطة بما هو شرط له أو للسجود، ولعله يأتي إن شاء الله مزيد تحقيق وتوضيح، وهو الموفق. وأما عدم لزوم القضاء فقد ظهر مما ذكر في الجهر والإخفات، وأما عدم لزوم سجدتي السهو فقد ظهر أيضا مما ذكر وإن كان لا يبعد استحبابهما كما تقدم. ومما ذكرنا يظهر عدم وجوب الإعادة ولا التدارك قبل السجدة فكيف بما إذا استمر النسيان إلى أن يسجد! * قد مر - في التعليق المتقدم - الوجه في صحة الصلاة وعدم إعادة الركوع وعدم القضاء وعدم لزوم سجدتي السهو.


(1) ولكن فيه نظر يأتي وجهه في القسم الثاني. منه (قدس سره).

[ 149 ]

[ أو رفع الرأس أو الطمأنينة فيه حتى سجد، * أو الذكر في السجود (1) * * ] وقد يزاد هنا بعدم دليل على إطلاق شرطية الطمأنينة بحيث يشمل حال النسيان. وقد يشكل بإطلاق مرسل الذكرى وفيه " ثم اركع حتى تطمئن راكعا " (2) وإرساله منجبر بالعمل. * أما الأول فواضح، لأن مقتضى لزوم تداركه بطلان الصلاة حتى يتمكن من رفع الرأس من الركوع الصحيح ومقتضى " لا تعاد " صحتها ففات محله. وأما الثاني فكذلك لو كانت شرطا في الانتصاب عن الركوع الصحيح، ومقتضى ذلك فوت محلها وإن لم يسجد، وأما لو كان الواجب بعد الركوع قياما فيه الاطمينان أو كان ذلك شرطا في القيام قبل السجود فالوجه في ما أفتى به المصنف أن مقتضى الحكم بالتلافي بعد السجدة الواحدة بطلانها، وهي فريضة أيضا، والفريضة لا تبطل بواسطة السنة، إلا أن يشكل في كونها فريضة وأن الفريضة أصل طبيعة السجود. ويمكن أن يكون الوجه في ذلك أن الطمأنينة شرط في القيام الذي يسجد عنه، وبعد السجود فات محله، وليس كذلك قبله. * * قال (قدس سره) في الجواهر (3): كما في النافع والقواعد والمنتهى وغيرها وعن المبسوط والجمل والعقود، للخبر: عن رجل نسي تسبيحه في ركوعه وسجوده، قال: " لا بأس " (4). أقول: هو صحيح علي بن يقطين الذي مر، وقد مر الإيراد على دلالته من


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) ذكرى الشيعة: ج 3 ص 363. (3) الجواهر: ج 12 ص 276. (4) الوسائل: ج 4 ص 939 ح 2 من ب 15 من أبواب الركوع.

[ 150 ]

[ أو السجود على الأعضاء السبعة (1) * ] حيث احتمال كون اللفظ " تسبيحة " بالتاء (2)، فالأولى الاستدلال له بفوات محله إلا ببطلان السجود الذي انعقد صحيحا، وهو ليس من حيث نفسه، لعدم اشتراط السجود بالذكر، فإن مقتضى الدليل أن الذكر المخصوص لا بد أن يكون فيه، فلو كانت صحة السجود متوقفة عليه لزم الدور، فهو أي الذكر المشروط بكونه فيه شرط للصلاة، فلابد من الحكم ببطلانها حتى يصح الذكر في السجود الصحيح، ومقتضى " لا تعاد الصلاة " صحتها. إن قلت: الخلل نشأ من عدم الإتيان بالذكر في محله فيمكن أن يقال: إن مقتضى " لا تعاد " إلقاء شرطية كون الذكر في المحل. قلت: بعد فرض إلقاء ذلك لا دليل على لزوم الذكر في الخارج، إذ دليل القضاء يدل على إعادة ذلك بعينه، والذكر في غير محله ليس إعادته بعينه، مع أنه إذا كان الذكر سنة فلا شئ عليه بمقتضى صحيح زرارة المتقدم (3). * قال (قدس سره) في الجواهر: كما في النافع والمنتهى، بل قيل: لا خلاف فيه في ما عدا الجبهة (4). ويمكن الاستدلال عليه بأن السهو المذكور إن استمر إلى ما بعد الركوع فهو مرفوع، من جهة أن مقتضى " لا تعاد " عدم اشتراط السجود بذلك، ومقتضى ذلك كون ترك وضع الأعضاء مع صدق السجود عرفا وشرعا سنة، ومقتضى أن " السنة لا تنقض الفريضة " عدم نقضه للسجود الذي هو فرض بمقتضى حديث " لا تعاد "، فإن الظاهر أن السجود المشروع في الصلاة فريضة، وكذا غيره من الأخبار الذي يدل على حفظ الركوع والسجود، وما يدل على عدم بطلان الصلاة بنسيان سجدة


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) قد مر الصحيح والإيراد على دلالته في ص 146. (3) في ص 137. (4) الجواهر: ج 12 ص 276.

[ 151 ]

[ أو الطمأنينة فيه حتى رفع رأسه (1)، * ] واحدة يكون مخصصا أو حاكما على ما دل على وجوب حفظ الركوع من باب الحكم بالقضاء، فتأمل. ويمكن أن يقال: إن الفريضة في الصلاة هي السجود المأتي به من الواحدة أو الاثنتين، فإن الثانية على فرض تحققها مصداق للفريضة. لكن الأحوط إعادة الصلاة إذا كان التذكر قبل الدخول في الركوع، خصوصا إذا كان نسيان ذلك في إحدى السجدتين، ولا سيما إذا كان في السجدة الثانية من حيث تحقق الفرض بالاولى، فتأمل فإن المسألة بعد غير خالية عن شوب الإشكال، والموفق الملهم هو الله المتعالي، وهو المأمول في المبدأ والمال. وأما صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): السجود على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، والإبهامين من الرجلين، وترغم بأنفك إرغاما، أما الفرض فهذه السبعة وأما الإرغام بالأنف فسنة من النبي (صلى الله عليه وآله) " (2) فغير واضح الدلالة على أن المقصود من الفرض أنه من فرائض الله، فلعله الأعم منه ومن فرض النبي في قبال ما كان هو من عمله (صلى الله عليه وآله) من دون أن يفرضه على نفسه أو على العباد بإذنه تعالى. * قال (قدس سره) في الجواهر: كما صرح به جماعة، بل في الرياض لا خلاف فيه (3). أقول: الحكم فيه أوضح دليلا مما سبقه، فإنه يحتمل كون الطمأنينة شرطا


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الوسائل: ج 4 ص 954 ح 2 من ب 4 من أبواب السجود. (3) الجواهر: ج 12 ص 277.

[ 152 ]

[ أو رفع رأسه من السجود (1) * ] للذكر ويحتمل كونها واجبة في حال السجود - كالذكر - وشرطا للصلاة، ومع الاحتمال يرجع إلى إطلاق شرطية السجود أو يرجع إلى البراءة، وقد تقدم تقريب ذلك في بحث نسيان الذكر في الركوع وبحث نسيان طمأنينة الركوع. * بأن لم يكمل ذلك نسيانا كما في الجواهر (2) أو خرب ما يسجد عليه ولم يرفع أصلا نسيانا ثم وضع جبهته على الأرض فحصل التعدد من دون تحقق الرفع أصلا. والوجه فيه فوت محله، لأن الواجب رفع الرأس من السجود، وكذا لو كان الواجب هو السجود عن جلوس بالنسبة إلى السجدة الثانية، فإنه يتحقق السجود من دون ذلك ولا ينقض السجود، لأن غير الفرض لا ينقض الفرض، ولا شئ على ترك السنة كما في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أحدهما (3) وصحيح زرارة الآخر الوارد في عدم إعادة الصلاة إلا من خمس (4). هذا تمام الكلام في هذا القسم وهو الذي تصح الصلاة ولا تحتاج إلى التدارك ولا سجدتي السهو. ومحصل الملاك أن يكون التذكر بعد الدخول في ركن آخر بأن كان التلافي مستلزما لإعادة الصلاة أو بطلان الركن المفروض تحققه، فإنه لا تعاد الصلاة ولا تنقض السنة الفريضة، والتدارك من دون مراعاة الترتيب خارج عن مفاد الدليل مع أن مقتضى رواية زرارة المتقدمة عدم شئ في نسيان السنة، فيحمل ما دل على قضاء كل ما ينسى من الصلاة على أصل المطلوبية أو على ما إذا


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الجواهر: ج 12 ص 277. (3) الوسائل: ج 4 ص 766 و 767 ح 1 و 2 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (4) المصدر: ص 770 ح 5 من ب 29.

[ 153 ]

[ قال (قدس سره): الثاني * من نسي قراءة الحمد حتى قرأ سورة استأنف الحمد وسورة (1). * * ] لم يكن واجبا في محله الذي مضى على وجه الصحة كالذكر في الركوع والسجود والجهر في القراءة، فإنه لا دليل على القضاء في الصلاة ولا خارجها حينئذ، لأنه إنما يدل على قضائه بعينه، ولا يمكن ذلك، أو يحمل على ما إذا لم يكن كذلك ولم يكن عدم التلافي موجبا لنقص الفريضة ولو لم يتحقق الركن أيضا، كما تقدم في نسيان وضع بعض المساجد السبعة في السجدة الاولى أو الثانية. * أي ما يتدارك من غير سجود السهو. * * أما استيناف الحمد فقد قال في الجواهر إنه: كما في المبسوط والسرائر والنافع والقواعد والإرشاد والمنتهى وغيرها، بل عن ظاهر الغنية الإجماع عليه، بل في الرياض بلا خلاف يظهر، بل بالإجماع صرح بعض من تأخر (2). أقول: ويدل عليه أنه مقتضى القاعدة، من جهة عدم محذور في الاستيناف مع فرض الدليل على وجوب الحمد في الركعتين الأولتين. وتوهم " أنه مستلزم لزيادة السورة وكون ما أتى به قبل ذلك زائدا، ومقتضى بطلان الصلاة بالزيادة العمدية بطلان الصلاة، وحيث دل حديث " لا تعاد " على الصحة فالأمر دائر بين إلقاء الحمد عن الجزئية، أو إلقاء الترتيب فيجب الحمد من دون إعادة السورة، أو عدم مانعية الزيادة، ولا ترجيح للأخير " مدفوع بأن الدليل الدال على مانعية الزيادة غير حجة في المقام، لأنه إما أن لا تكون زيادة في المقام، من جهة إلقاء جزئية الحمد أو شرطية الترتيب، وإن كانت فغير مانعة قطعا، لحديث " لا تعاد " ولا يقتضي الدليل المزبور أن لا يصدق موضوع الزيادة لكي


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الجواهر: ج 12 ص 278.

[ 154 ]

[... ] لا يخصص ب‍ " لا تعاد "، وهذا بخلاف دليل الترتيب والإتيان بالحمد، فإن مقتضى " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " ودليل الترتيب هو الجزئية والشرطية، فرفعهما ب‍ " لا تعاد " تخصيص بلا مخصص، إذ لا وجه له إلا حفظ عموم دليل مانعية الزيادة، وهو غير حجة في المقام قطعا. ومن ذلك يظهر أن مقتضى القاعدة إعادة السورة بعد الحمد. هذا، مضافا إلى أنه في خصوص المقام ليس ما أتى به زائدا، لأنه قرآن وكل ما قرئ من القرآن فهو من الصلاة كما يدل عليه غير واحد من أخبار الباب الحادي عشر من أبواب قراءة القرآن (1) أو لا يكون زائدا فيها قطعا، وأما القيام فهو تابع للقراءة، كما لا يخفى. هذا بحسب القاعدة. ويدل عليه أيضا بعض الأخبار، كموثق سماعة، قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال: " فليقل أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، ثم ليقرأها ما دام لم يركع... " (2). وقريب منه خبر أبي بصير (3). ولا يعارضه خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل افتتح الصلاة فقرأ سورة قبل فاتحة الكتاب ثم ذكر بعد ما فرغ من السورة، قال: " يمضي في صلاته ويقرأ فاتحة الكتاب في ما يستقبل " (4).


(1) الوسائل: ج 4 ص 839. (2) الوسائل: ج 4 ص 768 ح 2 من ب 28 من أبواب القراءة في الصلاة. (3) المصدر: ح 1. (4) المصدر: ح 4.

[ 155 ]

[... ] لاحتمال أن يكون المقصود قراءة سورة قبل الفاتحة ثم قراءة الفاتحة ثم قراءة السورة، قال: يمضي في صلاته ويقرأ بعد ذلك فاتحة الكتاب في أول الركعة، أو يحمل على أنه تذكر بعد الدخول في الركوع كما في الجواهر (1). هذا، لكن الإنصاف أن الظاهر من الخبرين هو الاكتفاء بالحمد من دون إعادة السورة - والله العالم ويأتي لذلك إن شاء الله تعالى مزيد بيان - لكن ادعى في الجواهر عدم وجدان الخلاف في وجوب إعادة السورة (2)، لكن لا تجب إلا طبيعة السورة لا خصوص ما قرأ منها أولا قبل الحمد. أقول: قد ذكرنا أن مقتضى القاعدة هو إعادة السورة مع قطع النظر عن النص الخاص الظاهر في عدم إعادتها من جهة السكوت في مقام البيان، لكن على كل حال لا يلزم إعادة خصوص السورة المقروة كما هو ظاهر عبارة المصنف بل صريحها، وذلك لأن مقتضى الدليل هو طبيعة السورة، فلا تصل النوبة إلى استصحاب بقاء التخيير كما في الجواهر، لكن فيها عن المبسوط والإرشاد وجوب إعادتها بعينها، ولعله للرضوي (3): " وإن نسيت الحمد حتى قرأت السورة ثم ذكرت قبل أن تركع فاقرأ الحمد وأعد السورة " (4). ولا يخفى أنه لا ظهور له في إعادة نفس السورة المقروة، لعدم ظهور في كون اللام للعهد، بل مقتضى السياق هو الجنس، فإن قوله " حتى قرأت السورة " يقصد به الجنس بلا إشكال، ولفظ الإعادة أيضا صادق بعناية الجنس وأصل الطبيعة، فلا بعد في ذلك أصلا، خلافا لما في الجواهر حيث حكم ببعد ذلك (5).


(1) الجواهر: ج 12 ص 279. (2) الجواهر: ج 12 ص 279. (3) المستدرك: ج 4 ص 195، الباب 23 من أبواب القراءة في الصلاة. (4) الجواهر: ج 12 ص 279. (5) الجواهر: ج 12 ص 279.

[ 156 ]

[ قال (قدس سره): لو نسي الركوع وذكر قبل أن يسجد قام فركع ثم سجد (1). * ] * أقول: هنا مسائل: المسألة الاولى: صحة الصلاة - في الفرض المذكور - وتدارك الركوع، ففي الجواهر عن المدارك ومحكي المعتبر والمفاتيح والمصابيح الإجماع عليه، واستدل فيها بامور: (2) منها: أن مقتضى إطلاق الأمر بالركوع هو الإتيان، فالإتيان به هو مقتضي القاعدة. إن قلت: إن القيام للركوع وكذا ما صدر منه من القعود بلا ركوع زيادة، ومقتضى عموم مبطلية الزيادة هو بطلان الصلاة. قلت: ليس القيام ولا القعود من أفعال الصلاة، ولم يؤت بهما بقصد كونهما جزء للصلاة، فلا يصدق عليهما عنوان الزيادة، مضافا إلى أن الزيادة الاولى لم تكن عمدا، وهي حاصلة ولا تعاد الصلاة منها. ومنها: صحيح عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا نسيت شئ من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء " (3). وكذا في ما رواه في الوسائل عن الشيخ والفقيه (4)، لكن في ما رواه في موضع آخر: " فاقض الذي فاتك سهوا " (5). ومقتضاهما وإن كان جواز الإتيان بالركوع ولو بعد السجدتين بل وبعد الصلاة أيضا إلا أنه لوضوح الضرورة على خلافه يخصص بما قبل السجدة


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الجواهر: ج 12 ص 280. (3) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 12 من أبواب الركوع. (4) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 1 من ب 26 من أبواب الخلل. (5) المصدر: ص 337 ح 7 من ب 23.

[ 157 ]

[... ] أو السجدتين فيؤخذ به، ولا إشكال من حيث كون المنقول في الأخير " فاقض "، لأنه لا يكون المراد به هو القضاء الاصطلاحي بل الإتيان بالشئ، كقضاء الدين أو كقولهم " يستحب أن يكون المؤمن سهل القضاء والاقتضاء " وغير ذلك. لكن قد يمكن الإيراد عليه بأن الحمل على ظاهره وارتكاب التخصيص والأخذ بغيره مستلزم للتخصيص الأكثر المستهجن فلابد من رد علمه إلى أهله كما في المصباح (1). ويمكن الجواب عنه بأنه بعد ذلك يحمل على ما هو الظاهر فيه بعد رفع اليد عن الإطلاق، بأن يقال: إنه ليس في مقام بيان الإطلاق بل في مقام كون القضاء والإتيان الثاني مطابقا ومساويا للأول في الكم والكيف، وحينئذ يصح الاستدلال به للمطلوب بأنه إن كان نسيان الركوع موجبا لوجوب التدارك في الجملة فليس له فرد في الخارج إلا المبحوث عنه. ومنها: صحيح أبي بصير المرادي والحلبي جميعا: في الرجل لا يدري أركع أم لم يركع؟ قال: " يركع " (2). فإنه إذا دل على وجوب الركوع في صورة الشك فوجوبه في صورة القطع بالفوت أولى. لكن فيه أولا: أن المظنون أنه إجمال من المروي عن الحلبي (3) والمروي عن ابن مسكان عن أبي بصير (4)، لاتحاد الراوي في ذلك، وفيهما " الرجل يشك وهو قائم - أو (شك وهو قائم) - فلا يدري أركع أم لم يركع " فتأمل.


(1) مصباح الفقيه: ج 2 ص 547. (2) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 4 من ب 12 من أبواب الركوع. (3 و 4) المصدر: ص 935 ح 1 و 2.

[ 158 ]

[... ] وثانيا: على فرض الاستقلال خال عن الإطلاق، للزوم التقييد الكثير المستهجن، فلابد من الحمل على أنه في مقام بيان حكم الشك في ما يكون حكمه معلوما وأنه لا يترك الركوع من حيث الشك، وكون حكم العلم في المقام هو الرجوع إلى الركوع هو المبحوث عنه. وثالثا: على فرض الاستقلال والإطلاق لابد من التقييد بما دل على أنه لا يرجع إذا كان الشك بعد تجاوز المحل، كخبر إسماعيل بن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " (1). بناء على كونه نصا في خصوص الركوع، وظاهرا في عدم لزوم أن يكون " بعد ما سجد " لبيان الكلية في الذيل، وأنه من باب أن الغالب كونه بعد ما سجد، فيكون النسبة هي العموم المطلق. وإن أبيت عن ذلك فمطلقات قاعدة التجاوز كافية في المعارضة والسقوط عن الحجية. ويمكن الاستدلال له بما هو أوضح مما مر، وهو أمران: أحدهما: صحيح أبي بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة " (2). ودلالته واضحة من حيث أخذ الإتيان بالسجدتين في موضوع استيناف الصلاة وتعليقه عليه.


(1) الوسائل: ج 4 ص 937 ح 4 من ب 13 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 933 ح 3 من ب 10 من أبواب الركوع.

[ 159 ]

[... ] والإشكال فيها كما في المستمسك (1) بأن الظاهر منه أن الشرط ترك مجموع الركعة التي فيها الركوع وليس الشرط خصوص ترك الركوع، ومقتضى ثبوت المفهوم له عدم لزوم الاستيناف لو كان المتروك هو الركوع فقط مع أنه خلاف الضرورة، فهذا قرينة على عدم المفهوم وأنه (عليه السلام) بصدد بيان الحكم بالبطلان واستيناف الصلاة في ما ذكره من ترك الركعة والركوع جميعا مع الإتيان بالسجدتين فلا ينافي ثبوت الاستيناف أيضا في صورة عدم الإتيان بالسجدة أصلا، مدفوع: أولا: بأنه بعد أن ذكر ترك الركعة الذي لا يصدق أصلا إلا بترك الركوع - بل هو أساس صدق الركعة على المجموع - لا معنى لذكر ترك الركوع إلا لبيان أن الملاك هو ترك الركوع، بل يمكن أن يكون المقصود من الركعة في الصدر هو الركوع الواحد ويكون الذيل بيانا لما أمكن أن يكون مجملا، وحينئذ يكون الشرط في الحقيقة ترك الركوع مع الإتيان بالسجدتين فلا مانع من الأخذ بالمفهوم. وثانيا: بأنه مع فرض كون الشرط هو المجموع فالظاهر هو الأخذ بالمفهوم وإخراج صورة نسيان الركوع فقط من المفهوم الدال على عدم الاستيناف لو ترك الركعة قبل الإتيان بالسجدتين - بأن كبر مثلا أو قام وجلس من غير الإتيان بالركعة أصلا - فيدل على عدم الاستيناف بالأولوية إذا لم يترك منها إلا الركوع بل هو مقتضى إطلاق المفهوم. وثالثا: بأنه قد أثبتنا في الاصول أن المفهوم خال عن الإطلاق، فيكفي في التقييد أن يكون الثابت نقيض المنطوق في فرض انتفاء الشرط في الجملة، فيكون مفاده عدم ثبوت استيناف الصلاة إذا لم يأت بالسجدتين


(1) المستمسك: ج 7 ص 398.

[ 160 ]

[... ] في الجملة، وهو كاف في المطلوب. والحاصل أنه لا يشك العرف في أنه ليس قوله (عليه السلام) " وقد سجد سجدتين " ابتداء من غير أن يكون ذلك في طي السؤال لغوا، إذ لا نكتة فيه إلا الدخالة فدلالته كالصريح، والله العالم. ثانيهما: صحيح حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: أيعيد الصلاة؟ قال: " لا " (1). وله مزية على ما تقدم الاستدلال به من صحيح عبد الله بن سنان من وجوه: منها عدم الاشتمال على الركوع والسجدتين اللذين ليس في سهوهما القضاء، بخلاف الأول كما تقدم. ومنها أنه صريح في صحة الصلاة وعدم وجوب الإعادة، بخلافه كما تقدم. ومنها عدم اشتمال ذلك على لفظ " الفوت " المشعر بكونه بعد التجاوز عن المحل الأدائي، وأما مادة القضاء فليس صريحا ولا ظاهرا في حصول الفوت، بل الظاهر أنه بمعنى الامتثال والوفاء بما يجب على المكلف أو بما في ذمته. هذا بيان أدلة المطلوب. وليس في البين ما ينافيه في ما أعلم إلا إطلاق خبر أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي أن يركع، قال: " عليه الإعادة " (2). وفيه أولا: أنه غير خال عن المناقشة في السند، لمحمد بن سنان.


(1) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 933 ح 4 من ب 10 من أبواب الركوع.

[ 161 ]

[... ] وثانيا: أنه مقيد بالتعليل الوارد في موثق إسحاق عن أبي إبراهيم (عليه السلام): في الرجل ينسى أن يركع، قال: " يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه " (1). فإن المستفاد منه أن الإعادة من جهة وقوع كل شئ في موقعه، وفي المقام يقع كل شئ في موقعه من دون إعادة، فلا يجب الاستيناف بل يكفي الرجوع. وثالثا: هو مقيد بمفهوم ما تقدم من صحيح أبي بصير. ورابعا: أن الظاهر منه عرفا هو السهو المنجر إلى الترك، فكما لا يشمل الذهول عنه في آن من الآنات قبل التجاوز عن محله الشكي كذا لا يصدق عليه السهو المنصرف إلى ما ينجر إلى الترك على من التفت وأتى به. والذي ربما يؤيده أن المحتمل هو السؤال عما وقع في الخارج وأن رجلا نسي أن يركع، والظاهر منه أن النسيان المنجر إلى الترك باق إلى آخر الصلاة فيحكم عليه بالإعادة وعدم الاكتفاء بما مضى ولا بقضاء الركوع منفردا، فالمسألة بحمده تعالى خالية عن الإشكال. المسألة الثانية: أن مقتضى ما تقدم من عبارة المصنف أنه لابد من القيام ثم الركوع في مورد السهو عن الركوع. وهنا مقدمة وهي أن يقال: إن السهو عن الركوع تارة بأن جلس من حال القيام من دون الانحناء الذي يمكن أن يكون جزء أو مقدمة للركوع، واخرى بأن جلس من دون أن ينحني إلى حد الركوع فلم يأت بصورة الانحناء الركوعي في الصورتين، وثالثة بالسهو عن قصد الركوع مع فرض الانحناء الركوعي، بناء على لزوم القصد في تحقق الركوع وعدم كونه مطلق الانحناء ولو بقصد التقرب


(1) الوسائل: ج 4 ص 933 ح 2 من ب 10 من أبواب الركوع.

[ 162 ]

[... ] - كالانحناء لمساعدة والده تقربا إليه تعالى أو لقتل الموذي لدفع شره عن نفسه أو عن المؤمنين قربة إليه تعالى - كما هو المسلم في مرتكز المتشرعة، وأن الذي يكون عبادة في عرفهم بل في عرف سائر العقلاء هو الذي يقصد به الخضوع والتعظيم، أو من جهة فقد قصد التقرب في الخصوصية وإن تقرب إليه تعالى في الهوي إلى السجود لكنه غير قصد التقرب في الهوي بخصوصية الانحناء الركوعي، ورابعة بالسهو عن الانتهاء، بناء على لزوم الانتهاء إلى حد بالوقوف عند حد الركوع أو برفع الرأس وإن لم يحصل الوقوف والطمأنينة، وهذا مما صرح غير واحد من الأصحاب بدخالته في صدق الركوع، ولا يبعد ذلك. إذا عرفت ذلك فنقول - ومنه التوفيق -: يمكن القول بلزوم القيام والركوع عن القيام في جميع الصور المتقدمة، لأن المفروض في الكل هو السهو عن الركوع الذي هو ركن في الصلاة، والمفروض قيام الدليل على وجوب التدارك وكفايته في صحة الصلاة، وقد دل الدليل على دخالة القيام في الركوع للقادر على القيام إما من جهة أن الركوع له هو الذي يبدأ من القيام إلى الانحناء الركوعي فيكون الحركة نصف القوس جزء للركوع، وإما من جهة دخالة ذلك في الركوع التعظيمي جزء أيضا، وإما من جهة أن الركوع العرفي أو التعظيمي هو ما كان عن قيام فيكون القيام شرطا له بأحد النحوين، وإما من جهة دخالة ذلك حسب ما هو المستفاد من الدليل والأمر بالركوع للقائم ولو في مقام التعظيم، كما يمكن الذهاب إلى عكسه وإن كان ضعيفا، بأن يقال: إن اللازم هو الحالة التقوسية وليس للقيام دخل في صدقه شرعا أو عرفا بأحد الوجوه الخمسة المتقدمة، فاللازم هو إيجاد تلك الحالة فيمكن القيام كما يمكن إيجاد الانحناء بالقيام منحنيا، كما يمكن أن يقال: إن ذلك لازم من جهة أن القيام الانتصابي ثم الركوع منه مع عدم لزومه موجب للزيادة العمدية المبطلة للصلاة مطلقا.

[ 163 ]

[... ] وهنا وجه رابع وخامس، وهما أن يقال بالتفصيل بين ما إذا تحقق منه بعض الانحناء الركوعي لكن لم يصل إلى حد الركوع أو وصل ولكن لم يتحقق الانتهاء الذي قد مر عدم البعد في دخالته في صدق الركوع فيجوز أو يلزم الرجوع إلى الحد الذي عرض عليه السهو وإلا فيجب عليه القيام. ولا يبعد أن يقال: إن القيام والركوع منه أحوط بشرط أن لا يقصد في الهوي إلى الركوع في بعض الصور إلا التقرب المطلق على النحو المحبوب عند الله تعالى، فإنه لو لم يجب الركوع عن القيام لكن ليس القيام والهوي منه بقصد القربة زيادة في الصلاة لأنها من المقدمات، إلا على بعض الاحتمالات وهو كفاية ما تحقق منه من الانحناء للركوع فيكون الثاني زائدا في المكتوبة، ولذا يقصد بذلك التقرب المطلق وأنه إن كان المحبوب صيرورته جزء من الركوع فليكن كذلك وإلا كان مقدمة للوصول إلى الحد المخصوص، فلا زيادة في البين، فالركوع عن القيام إن لم يكن أقوى فلا ريب أنه أحوط، للجزم بعدم لزوم الزيادة بناء على ما تقدم من عدم صدق الزيادة على تكرار المقدمات التي ليست من جنس الصلاة ولم يقصد بها جزئيتها لها. والله العالم وهو المرتجى لكل خير. المسألة الثالثة: قال (قدس سره) في الجواهر: لا تجب الطمأنينة في القيام... واحتمال وجوب الركوع عن قيام فيه طمأنينة ممنوع (1). أقول: المسألة كلية وهي أنه هل تجب في القيام الذي يجب أن يكون منه الركوع الطمأنينة؟ فهي جارية في مورد السهو وغير مورد السهو، بل في القيام الذي هو شرط للركوع مسائل ثلاث نجمعها إن شاء الله تعالى في تلك المسألة:


(1) الجواهر: ج 12 ص 281.

[ 164 ]

[... ] منها: ما أشار إليه (قدس سره)، فنقول: الأمر كما ذكره (قدس سره)، لعدم الدليل على لزوم الطمأنينة في القيام مطلقا، فإن دليلها امور كلها خال عن الإطلاق: فمنها: خبر سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " لا يقيم أحدكم الصلاة وهو ماش ولا راكب " إلى أن قال: " وليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة " (1). فإنه في دلالته إشكال، من جهة أن الظاهر منه لزوم كون المصلي في مكان واحد، وهو لا يدل على لزوم الطمأنينة إلا في الجملة، وعلى فرض دلالته لا يدل على لزوم التمكن في الصلاة مطلقا، لأنه في مقام بيان حكم الإقامة، وحكم الصلاة مفروض في مقام الجواب، فلا إطلاق بالنسبة إليه. ومنها: خبر الغنوي الوارد في الصلاة في السفينة عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إن كانت محملة ثقيلة إذا قمت فيها لم تتحرك فصل قائما، وإن كانت خفيفة تكفأ فصل قاعدا " (2). وفيه - مضافا إلى عدم دلالته على لزوم الطمأنينة، من جهة أن المستفاد منه أنه إذا كانت السفينة بحيث تكون موجبة للانقلاب الذي هو ملازم لعدم حصول أصل القيام فلا يجوز الصلاة قائما -: أنه يكفي في ذلك لزومها في القيام في حال القراءة والذكر كما هو واضح، مع أن خبر السكوني صريح في عدم لزوم الاستقرار في حال عدم الاشتغال بالذكر، ففيه أنه: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل يصلي في موضع ثم يريد أن يتقدم قال: " يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم إلى الموضع


(1) الوسائل: ج 4 ص 636 ح 12 من ب 13 من أبواب الأذان والإقامة. (2) الوسائل: ج 4 ص 705 ح 2 من ب 14 من أبواب القيام.

[ 165 ]

[... ] الذي يريد ثم يقرأ " (1). وغير ذلك مما يقف عليه الفقيه. ومنها - أي الثانية من المسائل التي لابد من ذكرها هناك -: عدم لزوم الانتصاب في القيام للركوع، فإن عمدة الدليل على الانتصاب مثل صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: " وقم منتصبا، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له " (2). وقريب من ذيله ما عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (3). لكن في أصل دلالته على الاعتدال بقول مطلق تأمل وكذا في شموله للقيام المتصل بالركوع: أما الأول فلأن العمدة هو الذيل، لأنه وقع الاستدلال به، ويحتمل أن يكون معناه جعل الصلب قائما أي في حال القيام، ومقتضاه إقامة الصلب في حال الجلوس أيضا، فيكون الشرط في الصلاة جعل الصلب قائما في ما يمكن فيه ذلك من حال الجلوس والقيام، ويحتمل أن يكون من إقامة المعوج بمعنى الاعتدال فيدل على لزوم اعتدال الصلب ولو لم يعتدل اعتدال القيام. وأما الثاني فلأن المستفاد منه أنه شرط في الصلاة فالفاقد لإقامة الصلب بأي معنى كان لا يحسب من الصلاة، لا أنه يكون تركها قاطعا للصلاة، فهو نظير " لاصلاة إلا بطهور " (4) بالنسبة إلى الطهارة من الخبث، ومن المعلوم أنه ليس القيام الذي لابد وأن يكون الركوع منه جزء للصلاة فهو لا يكون من الصلاة سواء


(1) الوسائل: ج 4 ص 775، الباب 34 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) الوسائل: ج 4 ص 694 ح 1 من ب 2 من أبواب القيام. (3) المصدر: ح 2. (4) الوسائل: ج 1 ص 256، الباب 1 من أبواب الوضوء.

[ 166 ]

[ قال (قدس سره): وكذا من ترك السجدتين (1) * ] كان المصلي منتصبا أو غير منتصب. ومنه يظهر الكلام في المسألة الثالثة من مسائل تلك المسألة وهو عدم لزوم الاستقلال فيه أيضا، فإن دليله مثل صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " لا تمسك بخمرك وأنت تصلي، ولا تستند إلى جدار وأنت تصلي إلا أن تكون مريضا " (2). فإن مفاده اشتراط الاستقلال في القيام أو مطلقا في الصلاة، والقيام من حيث إنه مقدمة للركوع لا يكون من الصلاة. فملخص الكلام أنه لا يشترط في القيام الذي هو مقدمة للركوع الاستقرار والانتصاب والاستقلال، والله العالم. * أي يتداركهما قبل أن يركع. وفي الجواهر: عن مفتاح الكرامة نسبته إلى الشرائع وما تأخر عنها، وفي المدارك نسبته إلى الأكثر، وعن الذخيرة نسبته إلى المتأخرين، وهو المنقول عن ابن حمزة، خلافا لما عن أبي الصلاح والمقنعة والسرائر، وكلام الشيخ (قدس سره) مضطرب وكذا السيد وسلار (3). انتهى ملخصا. أقول: لعل الوجه في ذلك لزوم الزيادة واستناد ذلك إلى ترك السجدتين، فيحكم بالبطلان من جهة الحكم بالإعادة في الخلل الحاصل من ترك السجدتين


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الوسائل: ج 4 ص 702 ح 2 من ب 10 من أبواب القيام. (3) الجواهر: ج 12 ص 282.

[ 167 ]

[ أو إحداهما (1) * ] ولو من باب دخالته في كون الانتصاب إلى القيام، والقيام زيادة، وصدق عنوانها عليه وعدم البأس من جهة أن استناد الخلل إلى عنوان الزيادة ليس إلا من باب عدم الاقتضاء، وهو لا ينافي اقتضاء الاستناد إلى ترك السجدتين لبطلان الصلاة. والجواب عنه أن جريان المستثنى منه بالنسبة إلى الزيادة وأنه من جهة الاستناد إليها لا يكون مانعا عن الصلاة موجب لعدم كون ترك السجدتين موجبا للخلل، إذ لو لا مانعية الزيادة لم يحصل الخلل قط من ناحية تركهما، لإمكان الإتيان بهما من دون إيجاب خلل أو وجوده، فتأمل، مع أن تحقق الخلل إنما حصل من ناحية الزيادة أي حصل حين تحققها لا حين ترك السجدتين. وبهذا يفرق بينه وبين ما تقدم من الحدث قبل السلام نسيانا، فتأمل. فتحصل أن مقتضى القاعدة هو الصحة، ويدل عليه خبر حكم بن حكيم المتقدم (2). والله العالم. * قال (قدس سره) في الجواهر ما خلاصته: وهو مما لا خلاف فيه كما في المنتهى والرياض، وصرح جماعة بالإجماع كما في الثاني، وعن المصابيح الإجماع عليه، وهو موضع وفاق كما في المدارك، وعن التذكرة نسبته إلى العلماء (3). انتهى. ويدل على ذلك - مضافا إلى ما مر في المسألة المتقدمة من أنه مقتضى القاعدة - عدة من الأخبار: منها: الحسن أو الصحيح بإسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد، قال: " فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) في ص 160. (3) الجواهر: ج 12 ص 284.

[ 168 ]

[... ] أنه لم يسجد فليمض على صلاته... " (1). ومنها: حسن أبي بصير بطريق الصدوق - المؤيد بنقله الشيخ بطريق آخر - أو الصحيح، قال: سألته (أي أبا عبد الله (عليه السلام) كما نقل الصدوق) عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم، قال: " يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع... " (2). ومنها: صحيح جعفر بن بشير، قال: سئل أحدهم عن رجل ذكر أنه لم يسجد في الركعتين الأولتين إلا سجدة وهو في التشهد الأول، قال: " فليسجدها ثم لينهض، وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم فليسجدها ثم يسلم... " (3). بناء على كون المقصود أن محل التوجه إلى ترك السجدة إنما هو واقع في الأولتين في التشهد الأول، فيكون قوله " وهو في التشهد الأول " بيانا أو تقييدا لما تقدم، لا أن المتروك جميع السجدات في الركعتين الأولتين إلا واحدة وجميع السجدات منهما أو جميع ركعات صلاته إلا واحدة في الشق الثاني، لوضوح بعد ذلك وعدم تطبيقه على القاعدة وعدم تناسبه لقوله " فليسجدها " بل اللازم هو الأمر بالسجدتين لا الواحدة، ولعل ذكر الأولتين مع كفاية التشهد الأول من جهة الإشارة إلى وجه الشبهة وأنها من جهة وقوع السهو في الأولتين، ولعله ظاهر بعد التأمل فيكون دليلا ثالثا على المطلوب.


(1) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود. (2) المصدر: ص 969 ح 4. (3) المصدر: ص 970 ح 7.

[ 169 ]

[... ] ويدل عليه أيضا خبر معلى (1)، ولعله معلى بن محمد دون ابن خنيس كما لا يخفى، إلا أنه غير واضح السند، والمسألة بحمده تعالى واضحة خالية عن الإشكال والخلاف. لكن هنا فروع: الأول: أنه لو أتى بالجلوس بقصد الوجوب بعد السجدة الاولى فهل يكفي ذلك في الجلوس الواجب بين السجدتين أو لابد من إعادته؟ وجهان، أقواهما كفايته، لإتيانه بما هو واجب عليه. واحتمال اشتراط الجلوس الواجب بكونه منتهيا إلى السجدة الثانية بدون الفصل، أو احتمال أن يكون الجلوس شرطا للثانية فيجب أن تكون الثانية عن جلوس كما في الركوع الواجب كونه عن قيام، مدفوع بأصالة البراءة عن القيد الزائد. وبهذا يجاب عن استصحاب وجوب الجلوس للشك في بقائه، من جهة أنه مسبب عن قيدية شئ للجلوس أو قيديته للسجدة الثانية، وكلاهما مدفوع بأصالة البراءة. الثاني: لو أتى بالجلوس بعنوان الندب بتخيل أنه بعد الثانية فتجب جلسة الاستراحة فالظاهر كفايته وعدم وجوب إعادته للإتيان بالجلوس بين السجدتين بقصد التقرب. وما يتوهم أن يكون مانعا عن ذلك امور: منها: لزوم قصد الوجه. وفيه: أنه تقرر في محله عدم لزومه.


(1) الوسائل: ج 4 ص 969 ح 5 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 170 ]

[... ] ومنها: أن ما قصده من الأمر الندبي المتعلق بجلسة الاستراحة لم يكن متعلقا بما صدر منه، وما كان من الأمر بالجلسة الواجبة لم يقصد. وفيه أولا: أن ذلك إذا لم يقصد الأمر الفعلي المتعلق بالجلوس فعلا وكان التطبيق على الأمر الندبي على وجه الخطأ. وثانيا: أنه يكفي في العبادة قصد التقرب ولو بالأمر التخيلي، لعدم الدليل على لزوم أزيد من ذلك. ومنها: لزوم قصد العنوان ولم يقصد عنوان الجلسة بين السجدتين. وفيه: عدم الدليل على ذلك بحيث كان لازما ولو تحقق قصد التقرب بدون ذلك. ومنها: أنه لا يصح إذا كان قصد الأمر على وجه التقييد بكونه ندبا أو بكونه متعلقا بجلسة الاستراحة بعد السجدتين، لعدم قصد الأمر حينئذ أصلا، لعدم القيد. وفيه: ما أوضحناه في باب الوضوء من أن التقييد لبا إنما هو بالعلم بالقيد لا بنفس القيد، لاستحالة تقيد القصد الذي هو من الوجودات النفسية بالخارج مع وضوح وجود الإرادة على كل حال أي سواء كان القيد موجودا في الواقع أم لا. هذا كله، مضافا إلى ما في الجواهر من أنه: لو وجب الجلوس ثانيا لوجب على من سجد مثلا بنية أنه في الركعة الثالثة والفرض أنه في الثانية الإعادة، ولوجب على القائم بنية أنه للرابعة مع أنه في الثالثة القيام ثم القعود، إلى غير ذلك مما لا معنى له، على أن ما نواه لم يقع، لكونه في غير محله، فهو بمنزلة من لم ينو، وتكفي النية الاولى الإجمالية الواقعة في الابتداء، وربما يؤيده الأخبار الدالة على أنه لو دخل في الصلاة بنية الفريضة

[ 171 ]

[... ] ثم سها ونوى الندب لا يضره ذلك، وكذلك العكس (1). انتهى ملخصا (2). أقول: لقد أجاد في بعض ما أفاده - لله دره وعليه تعالى أجره - إلا أن فيه مع ذلك مواقع للنظر: منها: أنه ليس هنا بمنزلة من لم ينو، فإن من لم ينو أصلا لابد من الإعادة بلا إشكال. ومنها: أنه لا تكفي النية الإجمالية الأولية، لأن جميع الصلاة لابد أن يؤتى بالنية إلا أنه يكفي الداعي المحرك الموجود في النفس من غير فرق بين الأول والآخر. ومنها: أن الأخبار المشار إليها ظاهرة في الصحة في فرض وجود الأمر السابق في النفس وأنه يأتي بالصلاة بالأمر الذي قصده في الابتداء لكن سها عن ذلك وأطبقه على الاستحبابي خطأ، وهذا لا ينطبق على المورد، من جهة عدم وجود الأمر الفعلي في النفس أي هذا غير مفروض في المقام وإن كان يمكن ذلك، لكن المدعى هو التشبث بها للمطلوب مطلقا، والأمر بالصلاة ليس إلا الأمر بالأجزاء الذي لم يقصد في المبحوث عنه إلا ما تعلق منه بجلسة الاستراحة، فتأمل. الثالث: لو سها عن الجلوس رأسا فهل يجب تداركه من جهة تركه وبقاء محله فيجب كسائر الأجزاء والشرائط غير الركنية التي لم يفت محلها أو لا يجب؟ وجهان.


(1) الوسائل: ج 4 ص 711، الباب 2 من أبواب النية. (2) الجواهر: ج 12 ص 284 - 285.

[ 172 ]

[... ] ووجه عدم الوجوب امور: منها: دعوى أن الواجب هو رفع الرأس عن السجدة الاولى رفعا تاما، ويكفي في ذلك القيام أيضا. وفيه: أن مقتضى دليل الوجوب من خبر أبي بصير وخبر المعراج هو وجوب القعود: ففي الأول: " وإذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتى ترجع مفاصلك، وإذا سجدت فاقعد مثل ذلك " (1). وفي الثاني: " فالهمت أن قلت: سبحان ربي الأعلى وبحمده، لعلو ما رأيت، فقلتها سبعا فرجعت إلى نفسي، وكلما قلت واحدة منها تجلى الغشى، فقعدت فصار السجود فيه سبحان ربي الأعلى وبحمده، وصارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشى وعلو ما رأيت " (2). مع أن المناسب للاستراحة هو القعود بالخصوص لا مطلق الرفع التام. ومنها: ظهور الدليلين في الجلسة المتصلة برفع الرأس من السجود الأول، لقوله (عليه السلام) على ما في الأول " فاقعد " فإن الفاء للترتيب بالاتصال وكذا قوله (صلى الله عليه وآله) على ما في الثاني " فقعدت "، ولقوله " مثل ذلك " بعد وضوح أن القيام بعد الركوع متصل به، ولأنه المتعارف إذ لا داعي إلى القيام ثم القعود غالبا. لكن فيه: أيضا منع الظهور في التقييد، لأن الفاء لا يدل على أكثر من الموالاة


(1) الوسائل: ج 4 ص 678 ح 9 من ب 1 من أفعال الصلاة. (2) الوسائل: ج 4 ص 679 ح 10 من ب 1 من أفعال الصلاة.

[ 173 ]

[... ] العرفية وعدم فصل جزء آخر صلاتي بينه وبين الجلوس، والعمل لا يدل على الوجوب بالنسبة إلى الثاني، والتعارف لا يدل على التقييد. لكن الإنصاف أنه ليس فيهما إطلاق يدل على جواز القيام اختيارا ثم القعود. ومنها: أن عدم الإطلاق كاف في عدم وجوب الجلوس بعد احتمال كونه قيدا لرفع الرأس من السجود أو مقيدا بالاتصال، لعدم العلم ببقاء الأمر الأول، ورفع التقييد بأصالة البراءة غير واضح في المقام، إذ لازمه ثبوت التكليف، واستصحاب بقاء الوجوب أيضا غير واضح، لعدم إحراز الموضوع، فلعل متعلق الوجوب الجلسة المتصلة وهو غير مطلق الجلسة، وهما مفهومان متغايران فلا يقاس بالموجود الخارجي الذي يكون الوجود حافظا للوحدة عقلا وعرفا، فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الجلوس. وفيه: أن رفع التقيد في حال العمد امتناني، ومقتضاه ثبوت التكليف حال عدم التمكن من القيد، وهذا جار في جميع موارد الشك في القيد، مضافا إلى أن حكم العقل بعدم العقوبة من جهة التقييد غير مربوط بالامتنان وغيره كما ذكرناه في الاصول، فمقتضى رفع التقييد وجوب الجلوس. ومنها: أن مقتضى الروايات المتقدمه الآمرة بالسجدة هو الاكتفاء بها من جهة السكوت في مقام البيان، ولو كان الجلوس واجبا لنبه عليه. وفيه: أن كونها في مقام بيان غير السجدة مما قد يؤتى به قبلها وقد يترك ممنوع حتى يدل السكوت على عدم الوجوب، كيف! ولو دل على حكم شئ آخر غيرها لكان بيان الخلل المترتب على تركها أولى مع أن المشهور بينهم هو الإتيان بما يترتب عليها، وصحيح جعفر المتقدم (1) المتعرض لترك السجدة


(1) في ص 168.

[ 174 ]

[... ] والتذكر في التشهد الأول أو الثاني يحكم بالسجود في الأول قبل النهوض وبه في الثاني قبل التسليم من دون التعرض لأداء باقي التشهد فإنه واجب قطعا، وهذا دليل أيضا على كون الأخبار المذكورة ناظرة إلى حكم نسيان السجدة بما هو من دون التعرض لحكم الخلل المترتب عليه فكيف! بما قد يقارنه وقد يتخلف عنه كالجلوس فإنه ليس إلا كالسجدة الاولى، فالظاهر وجوب الإتيان بالجلوس، وهو العالم. ثم إن الأحوط عدم قصد الجزئية في الجلوس بل يؤتى برجاء كونه جزء ومحبوبا في الصلاة للاحتراز عن احتمال الزيادة، فإنه لا إشكال حينئذ أصلا. ودعوى " عدم العمل بالاحتياط من جهة احتمال الزيادة من جهة عدم كونه واجبا بعد التجاوز عن محله لبعض الوجوه المتقدمة " ممنوعة بالقطع بعدم صدقها، بناء على تقومها بقصد الجزئية بل ولو بناء على عدمه وكفاية المشاكلة للأجزاء الصلاتية من جهة أن الجزء الصلاتي إما يكون هو الجلوس المبدو به من رفع الرأس عن السجدة الاولى والمنتهى به إلى الهوي إلى الثانية، فلا يكون هذا الجلوس شبيها به وإلا فهو واجب بعينه فلا يكون زائدا. الرابع: في وجوب الجلوس المنسي عند قضاء السجدة خارج الصلاة من جهة ظهور رواية حكم بن حكيم المتقدمة (1) - وفيها " ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر، فقال: يقضي ذلك بعينه " - في وجوبه أم عدم وجوبه من جهة كون ذلك خلاف ما لعله المشهور بينهم من اختصاص القضاء بالتشهد والسجدة فلا بد من الحمل على مطلق الرجحان؟ وجهان، الأحوط هو الأول،


(1) في ص 160.

[ 175 ]

[... ] وتمام الكلام موكول إلى ما يأتي من حكم قضاء الأجزاء المنسية، وهو الموفق إن شاء الله. الخامس: لو شك في الإتيان بالجلوس فالظاهر وجوب الإتيان به، إذ لا وجه لعدم وجوبه إلا توهم جريان قاعدة التجاوز، ولعل منشأ ذلك أحد امور كلها مدفوعة: منها: أن الدخول في الغير صادق في المقام. وفيه: أن الظاهر أن الملاك هو صدق التجاوز كما يظهر من التعليل بالأذكرية حين العمل في موثق بكير (1) وقوله في موثق ابن أبى يعفور: " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (2). ومنها: صدق التجاوز، من جهة أن محل القيام بعد السجدتين والجلوس الواجب بينهما. وفيه: أن القيام الذي يتحقق به التجاوز هو القيام الصادر بعد السجدتين، وأما القيام اللغو الذي لابد من كسره وليس له أي فرق مع القيام الصادر لأمر آخر غير الصلاة لا يكون محققا للتجاوز، فالمقام كمن قام بعد السجدة الاولى لأمر آخر ثم شك في الجلوس بعد السجدة الاولى. ومنها: صدق مفاد التعليل كما في الجواهر (3)، ولعله من جهة أن ترك الجلوس في أول الأمر إنما كان على فرضه من أجل عدم الذكر حين العمل، والتعليل يحكم بأنه ذاكر حينئذ. وفيه: نظر واضح، إذ قبل السجدة الثانية كله حين العمل والفرض أنه ذكره،


(1) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 7 من ب 42 من أبواب الوضوء. (2) المصدر: ص 330 ح 2. (3) الجواهر: ج 12 ص 286.

[ 176 ]

[... ] فلا يدل التعليل على عدم الإتيان به كما هو واضح. نعم، بناء على كون مفاده الحكم بالذكر في جميع آنات وقت العمل أو كان مفاده الاعتبار بالمحل العادي لكان ما افيد متينا، لكنه ليس كذلك. ثم إنه على فرض صدق التجاوز فليس ذلك إلا حدوثا وقد رجع إلى محله، وكفاية حدوثه في الحكم بالبقاء غير واضح بل الظاهر من العنوان المأخوذ في الموضوع كونه موضوعا حدوثا وبقاء، وظهور اللفظ في الحدوث لعله من جهة أنه يحكم بالتجاوز بمحض الحدوث وليست له حالة منتظرة، لا كفايته أيضا في البقاء، والشك كاف في جميع ما ذكرناه في الرجوع إلى استصحاب بقاء التكليف بالمشكوك، وهو العالم. وقد مضى بعض الكلام في طي مسألة ترك السجدتين المردد بين الركعة والركعتين. السادس: الظاهر عدم لزوم إعادة الجلوس لدرك الطمأنينة المنسية، وذلك لعدم الدليل على تقيد القعود بالطمأنينة على ما وصل إليه النظر إلا خبر أبي بصير المعتبر، وفيه: " إذا سجدت فاقعد مثل ذلك " بعد الأمر بالقيام بعد الركوع حتى ترجع مفاصله (1)، بأن يقال كما في الجواهر (2): إن رجوع المفاصل ملازم للاستقرار، لأنه عبارة عن رجوع كل عضو إلى مستقره. لكن فيه: أن الاعتدال ثم العود كاف في صدق رجوع كل عضو إلى مستقره، ولا يستلزم الطمأنينة، فلابد من التأمل والتتبع، وعلى فرض عدم الدليل غير الإجماع فلا يعلم تقيد القعود بها حتى يجب تداركه مقيدا بها، ولا تقيد الطمأنينة بالقعود حتى يجب الإتيان بالمقيد مع قيده ثانيا، بل القدر المتيقن هو وجوب الطمأنينة


(1) الوسائل: ج 4 ص 678 ح 9 من ب 1 من أبواب أفعال الصلاة. (2) الجواهر: ج 10 ص 86.

[ 177 ]

[ قال (قدس سره): أو التشهد وذكر قبل أن يركع رجع فتلافاه (1) * ] حال القعود، فلا يعلم بقاء محلها حتى يجب التدارك مع محلها، ومقتضى الأصل هو البراءة. والاستصحاب لا يجري، لعدم إحراز موضوع المستصحب، فتأمل. والمسألة بعد محتاجة إلى التأمل، والاحتياط لا يترك بإعادة القعود مع الطمأنينة. * قال (قدس سره) في الجواهر: بلا خلاف كما في الرياض، بل في الخلاف والمدارك وعن الغنية الإجماع عليه (2). انتهى. ويدل عليه أولا: أنه مقتضى القاعدة، من جهة إطلاق دليل وجوب التشهد في الصلاة إذا لم يلزم منه محذور، والمفروض تذكره قبل الدخول في الركوع. إن قلت: وجوب التشهد غير معلوم في المقام، من جهة ثبوت الخلل في الصلاة مع قطع النظر عن قاعدة " لا تعاد الصلاة "، وهو قد تحقق بترك التشهد في محله والإتيان بما بعده في غير محله، وحيث إنه ليس في البين خلل من ناحية الخمسة فالحكم بصحة الصلاة قطعي لكن الأمر يدور بين رفع اليد عن مانعية الزيادة أو جزئية التشهد أو إلقاء الترتيب، ولا دليل في البين يعين الأول حتى يجب التشهد والترتيب. قلت: المعين لذلك أن دليل مانعية الزيادة مقطوع السقوط، من جهة أن الأمر يدور بين إلقاء التشهد أو الترتيب فلا زيادة حينئذ حتى يشملها دليلها، وإلا فهو مخصص بحديث " لا تعاد " قطعا، وهذا بخلاف دليل وجوب التشهد والترتيب، فافهم وتأمل. وثانيا: عدة من الأخبار:


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الجواهر: ج 12 ص 286.

[ 178 ]

[... ] منها: صحيح سليمان بن خالد أو بحكمه، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين، فقال: " إن ذكر قبل أن يركع فليجلس... " (1). ومنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن ابن أبي يعفور، وفيه في فرض نسيان التشهد: " إن ذكر وهو قائم في الثالثة فليجلس " (2). ومنها: صحيح فضيل عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يصلي الركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما، قال: " فليجلس ما لم يركع... " (3). ومنها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس وتشهد وقم فأتم صلاتك... " (4). إلى غير ذلك، فالمسألة بحمده تعالى واضحة نصا وفتوى، وهو العالم. ولا ينافي ما ذكر قطعا مثل خبر أبي بصير، قال: سألته عن الرجل ينسى أن يتشهد، قال: " يسجد سجدتين يتشهد فيهما " (5). لأن الظاهر منه هو النسيان المنتهي إلى الترك في محله، وبعد قيام الدليل


(1) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 3 من ب 7 من أبواب التشهد. (2) المصدر: ح 4. (3) الوسائل: ج 4 ص 997 ح 1 من ب 9 من أبواب التشهد. (4) المصدر: ص 998 ح 3 من ب 9. (5) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 6 من ب 7 من أبواب التشهد.

[ 179 ]

[... ] المزبور محله باق بعد، مع أنه على فرض الإطلاق مقيد بما تقدم مما إذا كان بعد الدخول في الركوع، مع أن قوله (عليه السلام) " يسجد " يصلح أن يكون قرينة على كون المنظور بيان حكم ما بعد الصلاة وأن المورد هو تذكر تركه بعدها، هذا مع ما فيه من الإضمار. ثم إن هنا مسائل: منها: أنه لو نسي السجدة في الركعة الأخيرة قبل السلام فلا ينبغي الإشكال في وجوب التدارك، لأنه مقتضى القاعدة كما تقدم نظيره، بل هنا أولى من جهة أن زيادة التشهد غير مضرة، من جهة كونه ذكرا له تعالى وذكرا لرسوله فهو من الصلاة كما ورد في المعتبر (1). ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما تقدم من صحيح جعفر، وفيه: " وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم فليسجدها ثم يسلم " (2) وكذا بما مر مرارا من صحيح حكم بن حكيم المتقدم (3). وهذا من غير فرق بين أن يتذكر ذلك في أثناء التشهد أو بعده وقبل السلام، ومن غير فرق بين القول بجزئية السلام للصلاة على وجه الإيجاب أو على وجه الاستحباب أو كونه شرطا خارجا من الصلاة بنحو الإيجاب أو الاستحباب، وذلك لأنه على جميع الفروض يمكن تلافي السجدة فلا تصل النوبة إلى القضاء، فإنه في فرض الفوت في الصلاة. والإتيان بما هو الجزء الأخير في الصلاة وهو التشهد بناء على استحباب السلام لا يقتضي عدم جواز التلافي، فحينئذ لم يأت بما هو


(1) الوسائل: ج 4 ص 944 ح 4 من ب 20 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 7 من ب 14 من أبواب السجود. (3) في ص 160.

[ 180 ]

[... ] الجزء الأخير في الصلاة، لأنه واقع في غير المحل. هذا، مضافا إلى أن التلافي هو ظاهر صحيح جعفر بن بشير المتقدم (1)، وفيه: " وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم فليسجدها ثم يسلم "، ولعله مقتضى إطلاق صحيح حكم المتقدم (2)، بناء على عدم كون المراد من القضاء هو القضاء الاصطلاحي. ومنها: أنه لو نسي السجدتين فالظاهر أنه بحكم نسيان السجدة الواحدة في لزوم التدارك إذا تذكر ذلك قبل السلام ولو على القول بعدم جزئية السلام أو كونه جزء مستحبا. ودعوى " أنه إذا كان الجزء الأخير هو التشهد فقد فرغ من الصلاة وقد أخل بالسجدتين فالصلاة خالية عن السجدتين فتبطل " ممنوعة جدا، لأن الملاك في الحكم بالبطلان بحديث " لا تعاد الصلاة إلا من خمس " هو عروض النقصان الفعلي في الصلاة، ومقتضى التكليف بالسجدتين وعدم المانع من حيث زيادة التشهد هو لزوم الإتيان بهما وعدم توجه النقص إلى الصلاة من حيث السجدتين حتى يكون داخلا في المستثنى. ومنها: نسيان التشهد وتذكر ذلك في أثناء التسليم قبل الإتيان بالواجب منه. وحكمه التلافي أيضا كما ظهر وجهه. وأما بعد التسليم وقبل المنافي وكذا بعده وبعد المنافي فيجئ إن شاء الله تعالى عند تعرض المصنف لقضاء السجدة وكذا حكم السجدة الواحدة بعد التسليم. ومنها: نسيان السجدتين وعدم تذكره إلا بعد السلام وقبل الحدث.


(1) في ص 168. (2) في ص 160.

[ 181 ]

[... ] والظاهر أيضا عدم البطلان، خلافا لصاحب العروة والسيد صاحب المستمسك (قدس سرهما) وغيرهما كصاحب المستند - على ما في المستمسك - ونسب إلى جماعة (1)، ووفاقا لما في الجواهر (2). والوجه في ذلك أمران: أحدهما: فحوى ما ورد في نقصان الركعة، وقد تقدم ذلك مفصلا (3)، فإنه لو كانت الركعة المنسية التي فيها الركوع والسجدتان قابلة للتدارك فالسجدتان أولى بذلك، والإنصاف أنه مما يكون حجة عند العرف مثل إلقاء الخصوصيات الشخصية، وليس ذلك من القياس حتى يقال كما في المستمسك: لا قطع بعدم الفرق بين المسألتين (4). هذا، مضافا إلى إمكان الاستدلال بإطلاق بعض الروايات المشار إليها، ففي ذيل موثق سماعة: " فإن كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الأولتين " (5). ثانيهما: أنه مقتضى حديث " لا تعاد "، من جهة أن الخلل الحاصل في الصلاة من ناحية الإتيان بالسلام في غير محله. وكونه مخرجا بحسب إطلاق الدليل الذي ليس مفاده إلا عدم إمكان لحوق الأجزاء اللاحقة إلى السابقة فيشترط في الصلاة عدمه فهو كسائر الموانع غير الحدث مرتفع بحديث " لا تعاد الصلاة "، بل لو لم يجر " لا تعاد " في المقام فلا ريب أن مقتضى غير واحد من النصوص اغتفار كلام الآدمي الصادر عن سهو (6)، ويظهر من بعض


(1) المستمسك: ج 7 ص 402. (2) الجواهر: ج 12 ص 287. (3) في ص 86. (4) المستمسك: ج 7 ص 403. (5) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 11 من ب 3 من أبواب الخلل. (6) راجع الوسائل: ج 5، الباب 3 و 4 من أبواب الخلل.

[ 182 ]

[... ] النصوص كخبر العلل (1) أن مخرجية السلام من باب كونه من كلام الآدميين. فما في المستمسك " من عدم جريان لا تعاد في المخرجية بل جريانه في الأجزاء والشرائط الوجودية والعدمية " مدفوع بأن مقتضى المخرجية كونه من الشرائط العدمية أي يكون عدمه شرطا لباقي أجزاء الصلاة، مع أنه منقوض بكلام الآدمي المخرج، مع أنك قد عرفت أن مخرجية السلام من باب كونه من أفراد كلام الآدمي على ما في بعض الروايات. إن قلت: إطلاق ما دل على مخرجية السلام وإن كان محكوما بحديث " لا تعاد " إلا أن مقتضى ما دل على قضاء التشهد المنسي والسجدة المنسية هو مخرجية السلام في حال السهو، وإلا كان المنافي الذي بعده القضاء - من الحدث أو الاستدبار - واقعا في الأثناء ومبطلا للصلاة مع أن دليل القضاء صريح في صحة الصلاة المأتي بها. قلت: والجواب عنه أن مقتضى النص والفتوى أن الحدث الصادر سهوا قبل السلام لا يكون مبطلا للصلاة، مع أنه على فرض مخرجية السلام أيضا وقع الحدث في الأثناء فلا ينحل الإعضال بالالتزام بمخرجية السلام، ففي صحيح زرارة المروي بطرق عديدة ربما يقطع بصدوره عن أبي جعفر (عليه السلام) - بل هو حاصل في الجملة -: في الرجل يحدث بعد أن يرفع في السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهد، قال: " ينصرف فيتوضأ، فإن شاء رجع إلى المسجد، وإن شاء ففي بيته، وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم... " (2).


(1) الوسائل: ج 4 ص 1005 ح 10 من ب 1 من أبواب التسليم. (2) الوسائل: ج 4 ص 1001 ح 1 من ب 13 من أبواب التشهد.

[ 183 ]

[... ] وفي معتبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في من رفع رأسه من السجدة الثانية من الرابعة فأحدث: فقال: " أما صلاته فقد مضت وبقي التشهد، وإنما التشهد سنة في الصلاة فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد " (1). فإنه لو كان الحدث الواقع في الأثناء مبطلا بالمعنى الذي يتوجه الإعضال لكانت الصلاة في موارد الروايات باطلة. وحينئذ نقول: المستفاد من أدلة القواطع وغيرها أن الحدث لا يكون مبطلا بمعنى كونه موجبا لفساد ما تقدم من أجزاء الصلاة، بل بمعنى عدم صلاحية الأجزاء اللاحقة للحوق بالسابقة، والمبطلية بهذا المعنى لا تنافي صحة الصلاة، إذ ليس مقتضاها إلا عدم لحوق التشهد بالصلاة، ومقتضاها في مورد النقض عدم لحوق السجدة الواحدة والتشهد بعد السلام بلا محل والحدث بالصلاة لا بطلان الصلاة. ولا يخفى أن المستفاد من ذيل رواية عبيد أن الحكم المذكور فيها إنما هو مقتضى القاعدة، وهو كذلك، إذ لا يدور أمر الصلاة بين دخولها في المستثنى أو المستثنى منه، فإنها داخلة في كليهما، فإنها لا تعاد من ناحية ترك التشهد والتسليم ولا يحكم بصحة الأجزاء اللاحقة بعد الحدث، فمانعية الحدث وقاطعيته باقية على حالها غير مرتفعة بحديث " لا تعاد " فافهم وتأمل. ومما ذكرنا يظهر النظر في ما ذكرناه سابقا من أنه لو أحدث قبل السلام فمقتضى القاعدة البطلان إلا أن الصحة هي مقتضى الروايات، فإن الظاهر أنها مقتضى القاعدة أيضا، وذلك بمقتضى الإشارة التي وردت من قبل أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل: ج 4 ص 1002 ح 4 من ب 13 من أبواب التشهد.

[ 184 ]

[ ثم قام فأتى بما يلزم من قراءة أو تسبيح ثم ركع (1). * ] في ذيل حديث عبيد، من جهة أنه بعد الحدث ليس الباقي إلا التشهد، وهو سنة، بل يظهر من الذيل أن الحكم في السنة مطلقا ذلك ولو لم يشملها حديث " لا تعاد "، فالسلام فقط أو ترك السجدة الواحدة فقط كان كذلك لو لا دليل القضاء. وكيف كان، فقد ظهر أن مقتضى القاعدة في المبحوث عنه - وهو ترك السجدتين إلى أن يسلم من دون ايجاد المنافي - هو التلافي والحكم بصحة الصلاة، وفاقا لأكثر علماء العصر أيدهم الله تعالى في تأييد الدين. ثم إن المصنف (قدس سره) قال بعد ذلك - أي بعد أن حكم بالإتيان بالتشهد إذا ذكر قبل أن يركع -: ثم قام فأتى بما يلزم من قراءة أو تسبيح ثم ركع. * وقال مثل ذلك أيضا في نسيان الحمد حتى قرأ السورة، فقال: " استأنف الحمد وسورة " (2)، وكان ذلك مسلما بينهم. ولكن لا يخلو عن إشكال، من جهة خلو ما رأينا من الأخبار الخاصة في المسألة من التنبيه على ذلك، فراجع الوسائل، الباب 28 من أبواب القراءة في الصلاة (3)، ففي خبر أبي بصير في ناسي ام القرآن قال: " إن كان لم يركع فليعد ام القرآن " (4) وغير ذلك، وكذا صحيح حكم وفيه: " يقضي ذلك بعينه " (5)، وراجع أيضا الباب 14 من أبواب السجود (6)، خصوصا مثل حسن إسماعيل بن جابر وما يشبهه، وفيه: " فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها، فإنها قضاء " (7) من جهة أن ما يحكم


(1 و 2) الشرائع: ج 1 ص 88. (3) الوسائل: ج 4 ص 768. (4) الوسائل: ج 4 ص 768 ح 1 من ب 28 من أبواب القراءة في الصلاة. (5) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (6) الوسائل: ج 4 ص 968. (7) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 185 ]

[... ] بالتلافي هو عين ما يحكم بإتيانه قضاء بحسب الظاهر، ومن المعلوم أنه ليس الإتيان بما ترتب عليه شروعا في القضاء، وراجع أيضا الباب 9 من أبواب التشهد (1) ترى كل ذلك خاليا عن التنبيه على الإتيان بما أخل فيه بالترتيب، ومقتضى السكوت في مقام البيان هو عدم اللزوم، إلا أن يقال بعدم معلومية كونهم (عليهم السلام) في مقام البيان إلا من حيث نفس المنسي من السجدة أو التشهد أو غيرهما، لكن يجاب بأنه إذا فرض الملازمة بين ما تعرض له وموضوع آخر ولم يكن حكمه واضحا فمقتضى ديدن أبناء المحاورة أنهم في مقام البيان، فإنهم يحكمون بحلية الدم المتخلف في الذبيحة من باب الكون في مقام بيان الملازم وعدم التنبيه، إلا أن يقال: إن حكمهم بها من جهة الظهور اللفظي، فإن حلية الذبيحة بعد التذكية ظاهرة في الفعلية لا من حيث عدم كون المذبوح ميتة فقط. وكيف كان، فمقتضى الاحتياط أن لا يقصد الجزئية في الأفعال بل يؤتى باحتمال كونه جزء رجاء لدرك محبوب المولى، وفي الأقوال التي هي قرآن أو ذكر يقصد أصل التقرب القابل للانطباق على الجزئية الأولية أو من باب مطلق الذكر والقرآن. والوجه في ذلك أمران: أحدهما عدم ثبوت الجزئية، ثانيهما احتمال الزيادة في غير الذكر والقرآن، فلو اتي برجاء الجزئية لم يكن ما اتي به زيادة، بناء على اشتراط صدق الزيادة بأن يؤتى به بقصد الجزئية، فإنه لابد أن يكون الزائد من جنس المزيد عليه عرفا. وما ورد في ذيل خبر زرارة من أن سجود التلاوة زيادة في المكتوبة (2) فمحمول إما على النهي عنها بهذا العنوان، لاحتمال أن يكون


(1) الوسائل: ج 4 ص 997. (2) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 186 ]

[ قال (قدس سره): الثالث: * من ترك سجدة أو التشهد ولم يذكر حتى ركع قضاهما أحدهما (1). * * ] إتيانهم بها بذلك القصد من جهة تخيل أن السجدة ليست إلا مثل الذكر والدعاء والقرآن فكلما زاد فهو من الصلاة، فنهاهم الإمام (عليه السلام) عن ذلك ونبههم على أنها ليست بحكم ما ذكر وأنها شئ زائد في المكتوبة فمبطلة من جهة قصد الجزئية ولو بالاعتبار الثاني وعلى تقدير الإتيان، أو يكون المقصود أنها شئ يكون علاوة على الأجزاء الصلاتية وليست كالذكر والدعاء فيكون إطلاق الزيادة عليها على وجه التسامح، والمقصود أنها عمل زائد وليس كالذكر وأخويه حتى يصير جزء من الصلاة قهرا، وهو مكروه فيكون النهي محمولا على الكراهة، كما مال بل قال بها بعض الأصحاب جمعا بينه وبين الروايات الاخر، أو إطلاق الزيادة عليها باعتبار اشتراط عدمها في الصلاة، كما وجهه الاستاذ الوالد (قدس سره) في كتاب صلاته (2). ثم إن المصنف تعرض بعد ذلك لعدم وجوب سجود السهو في القسمين ويأتي إن شاء الله في خاتمة الخلل وترك الصلوات وكذا يأتي إن شاء الله تعالى في مسألة قضاء التشهد، وهو الموفق. * أي ما يتدارك مع سجدتي السهو. * * أما السجدة ففي الجواهر أنه: قد صرح بذلك في المبسوط والخلاف والنافع والقواعد والإرشاد والمنتهى والألفية إلى أن قال: بل هو المشهور نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل عن الغنية والمقاصد العلية الإجماع عليه، كما أنه عن التذكرة والذكرى الإجماع على عدم بطلان الصلاة بالإخلال بواحدة سهوا (3). انتهى.


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) في ص 313. (3) الجواهر: ج 12 ص 292 - 293.

[ 187 ]

[... ] أقول: ويدل عليه صحيح حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: أيعيد الصلاة؟ قال: " لا " (1). وحسن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: " فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها، فإنها قضاء " (2). وموثق عمار عنه (عليه السلام): في من نسي سجدة فذكرها بعد ما قام وركع قال: " يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلم، فإذا سلم سجد مثل ما فاته ". قلت: فإن لم يذكر إلا بعد ذلك؟ فقال: " يقضي ما فاته إذا ذكره " (3). وحسن أبي بصير بطريق الصدوق المؤيد بنقل الشيخ (قدس سره) بطريق آخر عن ابن مسكان عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: " فإن كان قد ركع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو " (4) وخبر علي بن جعفر عن أخيه (عليهم السلام)، قال: سألته عن الرجل يذكر أن عليه السجدة يريد أن يقضيها وهو راكع في بعض صلاته كيف يصنع؟ قال: " يمضي في صلاته،


(1) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود. (3) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 2 من ب 14 من أبواب السجود. (4) المصدر: ص 969 ح 4.

[ 188 ]

[... ] فإذا فرغ سجدها " (1). إلى غير ذلك، فراجع (2). وهو الذي يقتضيه ما تقدم من صحيح حكم. هذا هو فتوى المشهور بين الأصحاب وأدلتهم القوية، وفي قباله قولان شاذان: أحدهما ما في الجواهر عن العماني وثقة الإسلام من الفتوى بفساد الصلاة. ثانيهما التفصيل بين الأولتين والأخيرتين (3). أما الأول فقد احتمل كما في الجواهر (4) أن يكون نظرهم إلى خبر معلى بن خنيس، قال: سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته، قال: " إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة... " (5). لكن فيه (مع ضعف السند بالإرسال وبأن معلى بن خنيس مات في حياة الصادق (عليه السلام) ويقال: إنه لم يدرك أبا الحسن الماضي (عليه السلام) إلا في سن الخمسة أو الستة مع أنه يقول: " سألت أبا الحسن الماضي " الظاهر في أن روى بعد وفاته (عليه السلام) - وإن كان يمكن رفع إشكال ذلك بقوة احتمال كونه معلى بن محمد بقرينة الراوي والمروي عنه، فراجع كتب الرجال -): أن دلالته غير ظاهرة أصلا، لأن المحتمل أن يكون لفظ السجدة - بالكسر - وهو اسم جنس فيكون الظاهر منه حينئذ أنه ترك السجدتين معا، وعلى فرض دلالته لا يقاوم صراحة الأخبار الماضية فيحمل


(1) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 8 من ب 14 من أبواب السجود. (2) الوسائل: ج 4 ص 968، الباب 14. (3 و 4) الجواهر: ج 12 ص 293 - 294. (5) الوسائل: ج 4 ص 969 ح 5 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 189 ]

[... ] على الاستحباب وأن الإعادة أفضل الأفراد، فكون مدركهم ذلك بعيد. والاستدلال لهم بحديث " لا تعاد " (1) أبعد عن الإشكال، لأن الظاهر منه هو وجوب الإعادة بالإخلال بالسجدة ولو بواحدة منها، وإن كان جوابه أيضا بالروايات المتقدمة الصريحة في عدم الإعادة بسجدة واحدة الواردة في خصوص المسألة وورود قضاء السجدة بالخصوص والحكم بعدم الإعادة بالصراحة في صحيح حكم بن حكيم المتقدم (2) واضح أيضا، مضافا إلى أنه بعد الحكم بالتدارك ولو قضاء يخرج عن موضوع " لا تعاد "، لعدم النقصان ورودا أو حكومة، فتأمل. وأما الثاني - وهو التفصيل بين الأولتين والأخيرتين - فهو الذي نسبه في الجواهر إلى ما عن المفيد والشيخ (قدس سرهما) (3)، ودليلهم صحيح البزنطي، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل يصلي ركعتين ثم ذكر في الثانية وهو راكع أنه ترك السجدة في الاولى، قال: كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول: " إذا ترك السجدة في الركعة الاولى فلم يدر واحدة أو ثنتين استقبلت الصلاة حتى يصح لك ثنتان، وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود " (4). والمروي في الجواهر عن الكافي: " إذا تركت السجدة في الركعة الاولى ولم تدر ". قال (قدس سره): وفي التهذيب تبديل الواو بالفاء وإسقاط لفظ الصلاة (5). ومن قوله: " وإذا كان في الثالثة والرابعة... " منقول في الوسائل والجواهر (6)


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) في ص 187. (3) الجواهر: ج 12 ص 294. (4) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 3 من ب 14 من أبواب السجود. (5 و 6) الجواهر: ج 12 ص 294.

[ 190 ]

[... ] والوافي (1) عن التهذيب. وفي الوافي نقل القسمة المشتركة منهما بعبارة واحدة أي مع الواو " إذا تركت السجدة في الركعة بالاولى ولم تدر " وزيادة لفظ " الصلاة ". تقريب الاستدلال بذلك لهما (قدس سرهما) أن يقال: إنه لا شبهة في السند ولا في دلالة الجواب على أنه لو قطع بترك سجدة واحدة يجب عليه استقبال الصلاة بالنسبة إلى الركعة الاولى، إذ ليس المقصود من قوله (عليه السلام) " إذا ترك السجدة " هو الجنس فيكون ظاهرا في ترك السجدتين، لمنافاته لقوله: " فلم يدر واحدة أو ثنتين " إلا إذا كان لفظه " ولم يدر " وكان الواو بمعنى " أو "، ومعه أيضا لا يناسب الذيل أي قوله: " وإذا كان في الثالثة "، وحينئذ إما أن يكون المقصود هو القطع بترك السجدة في الجملة فيشمل صورة ترك الواحدة وترك السجدتين أو يكون المقصود خصوص القطع بترك السجدة الواحدة، مضافا إلى كفاية مفهوم الذيل في عدم تساوي الأولتين والأخيرتين في الحكم حيث إنه صريح في ثبوت خصوصية في الركعتين الأخيرتين والفرق بينهما والأولتين في الحكم بإعادة السجود، وليس الفرق إلا إعادة الصلاة كما هو واضح. إنما الإشكال في مقامات: أحدها: وجود الاختلال في المتن الدال على سقوط شئ منه فيسقط عن الحجية، ووجه الاختلال عدم المطابقة بين السؤال والجواب، فإن المسؤول عنه صورة القطع بترك السجدة والجواب راجع إلى صورة الشك. ثانيها: معارضته للروايات المتقدمة. ثالثها: إعراض المشهور عن العمل به. ويمكن الجواب عن الكل:


(1) الوافي: ج 8 ص 931.

[ 191 ]

[... ] أما الأول فلأنه لو كان لفظ الخبر " ولم يدر " لا يكون تعدد الموضوع خلاف الظاهر فيكون بمنزلة أن يقال: " إذا ترك السجدة وإذا لم يدر " فيفيد فائدة " أو " ولا يكون بمعنى " أو " كما في قوله: " وإذا كان في الثالثة والرابعة " فحينئذ يدل على جميع مورد السؤال وأنه إذا ترك السجدتين أو السجدة الواحدة أو قطع بترك إحداهما وشك في الاخرى فلابد من الاستيناف في جميع الموارد المذكورة. ولقد أجاب عنه الوالد الاستاذ تغمده الله برحمته أيضا بأن جواب الكل قوله " حتى يصح لك ثنتان " فاستدل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) بما ورد عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) بالنسبة إلى صورة القطع بترك أحدهما والشك في ترك الآخر من الحكم بالاستقبال وجعل غاية ذلك القطع بحصول الثنتين (1). وهو جيد أيضا، فلا اختلال من حيث عدم تطابق السؤال للجواب. وأما الثاني فمقتضى الجمع العرفي هو الحمل على الاستحباب، من جهة صراحة ما تقدم في عدم الفرق بين الأولتين والأخيرتين، من باب أن مورد أكثر الأخبار المزبورة هو ترك السجدة في غير الركعة الأخيرة بقرينة قوله: " فذكرها بعد ما قام وركع " الوارد في موثق عمار (2)، وقريب منه حسن أو صحيح إسماعيل بن جابر (3) وحسن أبي بصير أو صحيحه (4)، فلو خرجت الأولتان لا يبقى مورد للأخبار إلا ترك السجدة من الركعة الثالثة من الصلوات الرباعية، وذلك مستلزم لتخصيص الأكثر، ولا ريب أن الحمل على الاستحباب لا إشكال فيه. إن قلت: صحيح البزنطي يحكم بالإعادة في الاولى فقط فبقيت الثانية والثالثة تحت الأخبار السابقة.


(1) كتاب الصلاة للحائري المؤسس (قدس سره): ص 395. (2 و 3 و 4) الوسائل: ج 4 ص 968 و 969 ح 2 و 1 و 4 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 192 ]

[... ] قلت: مقتضى الذيل - الظاهر في كون الموجب لإعادة السجود فقط - هو ترك السجدة في الثالثة والرابعة ومقتضى لسان باقي الروايات الواردة الحاكمة بالفرق بين الأولتين والأخيرتين يوجب الاطمينان بأن المقصود هو حفظ الأولتين عن النقصان، والفرق بين الاولى والثانية غير معهود إلى الآن في لسان الروايات وبين الأصحاب رضوان الله عليهم بل هو مستنكر بحسب الارتكاز المتخذ من الشرع، مضافا إلى نصوصية رواية محمد بن منصور (1) في الثانية وإن كان فيه ضعف من حيث السند من جهته، فإنه مجهول سواء كان الأشعري أو الأشعثي. وأما الثالث فالإعراض لا يكشف عن وجود خلل في الصحيح غير ما تعرضنا له وأجبنا عنه، فلعلهم يرون الاختلال أو المعارضة فيأخذون بالمشهور ويدعون الشاذ النادر، مع أن عدم حكمهم باستحباب الإعادة غير واضح، لعدم تعرضهم إلا بما هو مجز وإن كان ظاهرا في التعين، ونتيجة ذلك جواز قطع الصلاة في الركعتين الأولتين واستينافها، وهذا بخلاف الأخيرتين. ومن ذلك يظهر أن الأصح - والله العالم - هو جواز الاكتفاء بالقضاء من غير تفصيل واستحباب الإعادة من دون القضاء في الأولتين، لكن الأحوط خصوصا في الاولى منهما هو الإتمام وقضاء السجدة ثم الإعادة، وهو العالم المعلم الملهم، ومنه التوفيق وهو خير رفيق. مسائل المسألة الاولى: المشهور بينهم كما في الجواهر أن محل قضاء السجدة بعد التسليم ولم ينقل الخلاف فيه إلا عن المفيد (قدس سره) فقال في الرسالة الغرية: " إذا ذكر


(1) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 6 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 193 ]

[... ] بعد الركوع فليسجد في الثانية ثلاث سجدات، واحدة منها قضاء " وعلي بن بابويه (قدس سره) حيث ذكر في رسالته إلى ولده (قدس سره): " وسجود الثانية إذا ذكرت بعد ركوع الثالثة تقضى في الركعة الرابعة، وسجود الثالثة يقضى بعد التسليم " والإسكافي فقال: " سجدها قبل سلامه، والاحتياط إن كانت في الأولتين الإعادة إن كان في وقت " (1). أقول: ويدل على المشهور الأخبار المتقدمة المستفيضة فالعمل بها مجز قطعا إن شاء الله. وأما الفتاوى الثلاثة: فأما الاولى - أي فتوى المفيد - فقد اعترف غير واحد بعدم العثور على دليل يدل عليها. ويمكن أن يكون مدركها إطلاق مثل صحيح حكم وصحيح البزنطي المتقدمين (2). وكان مقصوده جواز ذلك لا تعينه. ويمكن أن يكون مدركها صحيح جعفر بن بشير، وفيه: عن رجل ذكر أنه لم يسجد في الركعتين الأولتين إلا سجدة وهو في التشهد الأول، قال: " فليسجدها ثم لينهض... " (3). بناء على أن يكون المقصود العلم بترك ثلاث سجدات من مجموع الركعتين المستلزم للقطع بترك إحداها في الاولى من دون أن يكون له إطلاق يشمل صورة القطع بكون تركهما من الاولى. ويمكن أن يكون تعويله على خبر لم نعثر عليه، كما نبه على ذلك الشهيد


(1) الجواهر: ج 12 ص 296 - 297. (2) في ص 187 و 189. (3) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 7 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 194 ]

[... ] في المحكي عن ذكراه (1). وأما الثانية - أي المنقول عن ابن بابويه - فلم يوجد لها مدرك إلا الفقه الرضوي، وفيه: " فإن ذكرتها بعد ما ركعت فاقضها في الركعة الثالثة " إلى أن قال بالنسبة إلى المتروكة في الثانية: " فإن ذكرتها بعد الركوع فاقضها في الركعة الرابعة " (2)، وهو غير قابل للاعتماد على ما هو المشهور، واعتماد ابن بابويه عليه لا يخرجه عن الشذوذ بعد عدم اعتماد ابنه الصدوق (قدس سره) عليه على ما يظهر من الفقيه حيث ذكر ما يدل على أن محل قضائه بعد السلام ولم يشر إلى ذلك. وبعد ذلك نقول: لو فرض مدرك معتبر سندا ودلالة فكونه صريحا بحيث يقاوم صراحة الأخبار المتقدمة غير معلوم، وعلى فرض الصراحة فالجمع العرفي جواز الأمرين فيجوز العمل بالروايات المعتبرة المستفيضة الصريحة، وعلى فرض التعارض فالمشهور رواية وفتوى هو ما عليه المشهور، وعلى فرض التكافؤ فمقتضى الأصل عدم الوجوب في الصلاة، ومقتضى ذلك كون ما يؤتى به زيادة عمدية مبطلة للصلاة، فالعمل على المشهور متعين، والله العالم. وأما الثالثة - أي المنقول عن الإسكافي - فمدركها صحيح ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا نسي الرجل سجدة وأيقن أنه قد تركها فليسجدها بعد ما يقعد قبل أن يسلم " (3) وهو صحيح السند ظاهر الدلالة، ولعل الإعراض عنه من باب فرض


(1) المستدرك: ج 4 ص 461 عن الذكرى: ج 4 ص 50. (2) المستدرك: ج 4 ص 461 ح 1 من ب 12 من أبواب السجود. (3) الوسائل: ج 4 ص 972، الباب 16 من أبواب السجود.

[ 195 ]

[... ] التعارض مع الأخبار المستفيضة والأخذ بالمشهور أو الحمل على التقية، مع أن الجمع العرفي يقتضي جواز الأخذ بالكل إلا أن الاحتياط في الأخذ بالمشهور، لكفايته قطعا كما نبهنا عليه. المسألة الثانية: في حكم تذكر نسيانها من الركعة الأخيرة بعد السلام وبعد المنافي، فإن منشأ الإشكال في خصوص ذلك القسم هو اختصاص الأخبار الخاصة الصريحة في القضاء بما إذا تذكر الترك بعد أن ركع، وأكثر ما رأيناه من كلمات الأصحاب كذلك. نعم، يستفاد من مطاوي كلماتهم المفروغية عن التساوي في الحكم فراجع التذكرة في ما لو نسي سجدات أربعة من أربع ركعات (1). ويمكن أن يستدل عليه بامور: منها: إلقاء الخصوصية، بدعوى أنه مما يحكم به العرف وأن المقصود من التذكر بعد الركوع في الأخبار المتقدمة هو التذكر بعد المنافي بحيث لا يمكن التدارك. ومنها: الأولوية، ببيان أن مقتضى إطلاق أكثر الأخبار المتقدمة هو القضاء إذا كان التذكر بعد الركوع وإن أتى بالمنافيات السهوية أو العمدية بعد ذلك، بل موثق عمار - أي قوله: قلت: فإن لم يذكر إلا بعد ذلك؟ قال: " يقضي ما فاته إذا ذكره " (2) - صريح في فرض وقوع المنافي، فتأمل، فحينئذ إن كان ترك السجدة المقرون بعروض منافيات كثيرة - منها الركوع - لا يوجب فساد الصلاة فتركه في فرض عروض مناف واحد أولى بعدم إيجابه الفساد. هذا من حيث الصحة، وأما وجوب القضاء فيمكن التمسك باستصحاب وجوبها بنحو المهملة، فتأمل.


(1) التذكرة: ج 3 ص 336. (2) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 2 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 196 ]

[... ] ومنها: ذيل صحيح البزنطي: " وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود " (1). ومنها: صحيح حكم: عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: أيعيد الصلاة؟ قال: " لا " (2). ومع التوجه إلى أنه ليس المراد من القضاء خصوص الإتيان بعد المحل وعدم البأس باستحباب قضاء مثل القراءة والسلام لا يتوجه إليه إشكال تخصيص الأكثر فلا بأس بالتمسك به. ومنها: حديث " لا تعاد " (3) بناء على كون المستثنى ترك أصل السجود، وإلا لكان على خلافه أدل، فتأمل. المسألة الثالثة: لو نسي السجدة الواحدة من الركعة الأخيرة وتذكر بعد السلام وقبل المنافي فالظاهر بناء على ما تقدم من عدم مخرجية السلام في حال السهو هو الرجوع والتلافي، فهو مقتضى القاعدة. وما يدل على القضاء بالإطلاق - كصحيح البزنطي وصحيح حكم - فهو ساكت عما يترتب عليه، فهو راجع إلى مقتضى القاعدة. إن قلت: إطلاق مخرجية السلام في المقام فارغ عن حكومة " لا تعاد " عليه، من جهة القطع بعدم إيجابها الإعادة، لأنه على تقدير مخرجية السلام لا تجب الإعادة أيضا، من جهة دلالة رواية حكم وصحيح البزنطي.


(1) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 3 من ب 14 من أبواب السجود. (2) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (3) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 197 ]

[... ] قلت: الصحيحان كحديث " لا تعاد " متعرضان لما بعد فرض جعل الشرائط والأجزاء والموانع، فكل ذلك في عرض واحد، فليس ذلك إلا بمنزلة تعدد حديث " لا تعاد ". المسألة الرابعة: قد ذكر (قدس سره) في العروة أنه لا يجب قضاء الذكر المنسي في السجدة (1). وقد اورد عليه بأن قضاء كل شئ مقتضى صحيح حكم، إلا أن يكون إجماع على خلافه. أقول: الذكر الواجب في السجود كالجهر في القراءة، فمضافا إلى الترتيب الملحوظ بين الأجزاء المتقدمة والمتأخرة له محل خاص وحينئذ لا يمكن قضاء ذلك بعينه، والترتيب المحقق بين نفس الأجزاء ملقى بنفس الصحيح، فتأمل. وأما التشهد فقد نقل (قدس سره) في الجواهر: عن الخلاف إجماع الفرقة على قضاء التشهد وسجدتي السهو مطلقا في موضع وفي خصوص نسيان التشهد الأول في موضع آخر، وعن الغنية والمقاصد العلية الإجماع، وعن الدرة وغيرها أنه المشهور، وفي المدارك إنه مذهب الأكثر، لكن عن الفقيه والمقنع: " إذا سلمت سجدت سجدتي السهو وتشهدت فيهما التشهد الذي فاتك " وقد مال إليه بعض المتأخرين، وعن الكاتب إنه يعيد الصلاة (2). انتهى. وفي المستمسك: فالمتحصل من ظاهر مجموع النصوص أنه إن كان المنسي


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 54، المسألة 5. (2) الجواهر: ج 12 ص 297 - 300.

[ 198 ]

[... ] التشهد الأخير رجع إليه فتلافاه، وكذا لو كان الوسط وذكره قبل الركوع، وإن ذكره بعده فليس عليه إلا سجود السهو (1). فالمحصل أن في المسألة أربعة أقوال: القضاء وسجدتا السهو مطلقا، والاكتفاء بسجدتي السهو مع التشهد فيهما، والبطلان، والتفصيل بين التشهد الأول فيكفي سجدتا السهو والأخير فلابد من التلافي. إذا عرفت ذلك نقول: يمكن الاستدلال للمشهور - الحاكمين بوجوب القضاء - بعدة من الأخبار: منها: ما تقدم مرارا من صحيح حكم: عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: أيعيد الصلاة؟ قال: " لا " (2). والإيراد عليه بلزوم تخصيص الأكثر مدفوع بأمرين: أحدهما أنه ليس المراد من القضاء بحسب الظاهر هو ما اصطلح عليه الفقهاء فيكون في قبال الإتيان في الصلاة، بل الظاهر أنه أعم منه. ثانيهما أنه يمكن الالتزام بالاستحباب في غير التشهد والسجدة من السلام والقراءة، لعدم تصريح الأصحاب بخلافه، كما أنه ليس المراد من كلمة " من " في قوله " أو الشئ منها " هو البيان حتى يكون المراد نسيان بعض الصلوات كما ورد في بعض الروايات، وذلك لقوله " أيعيد الصلاة ". وليس المرجع في قوله (عليه السلام) " أو الشئ منها " هو السجدة، لقيام الإجماع أو الضرورة - كما ربما يقال - على عدم قضاء ذكر السجدة أو وضع بعض الأعضاء السبعة غير الجبهة، مع أنه لا يناسب سوق الكلام،


(1) المستمسك: ج 7 ص 413. (2) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع.

[ 199 ]

[... ] إذ الظاهر كونه في مقام بيان ذكر العام بعد الخاص وإعطاء قاعدة كلية تنطبق على ما تقدم في الصدر، فتأمل. ومنها - وهو العمدة -: صحيح محمد عن أحدهما (عليهما السلام): في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف، فقال: " إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه "، وقال: " إنما التشهد سنة في الصلاة " (1). وليس قوله " حتى ينصرف " مما يصلح أن يكون قرينة على كون المسؤول عنه هو التشهد الأخير، لكمال ملائمته مع كون المنسي هو التشهد الأول أيضا، لأنه يحتمل أن يكون للانصراف مدخلية في لزوم القضاء - بلا إعادة أو مع الإعادة -، لأن التشهد سواء كان هو الأول أو الثاني يكون من متعلقات الصلاة في نظر عرف المتشرعة، مع أن الأكثر وقوع النسيان عن التشهد الأول - للاشتباه بالركعة الاولى أو الثالثة - كما نبه على ذلك في مصباح الفقيه (2). هذا، مع أن التعليل الوارد في الذيل الذي موضوعه مطلق التشهد قطعا يؤيد الإطلاق فتأمل، فلا ينبغي المناقشة في الإطلاق. ومنها: خبر علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا قمت في الركعتين الأولتين ولم تتشهد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهد، وإن لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثم تشهد التشهد الذي فاتك " (3).


(1) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 2 من ب 7 من أبواب التشهد. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 551. (3) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 2 من ب 26 من أبواب الخلل.

[ 200 ]

[... ] بناء على ظهور كون المقصود من قوله " ثم تشهد... " هو البعث إلى تشهد آخر غير ما هو لازم في السجدتين بقرينه " ثم " الدالة على التراخي وبقرينة قوله " فاتك "، وضعف السند منجبر بعمل الأصحاب، كما نبه على جميع ذلك في الجواهر (1). ولكن فيه: أن عدم كون المقصود من " ثم " هو التراخي واضح على كلا التقديرين، لأنه على فرض كون المقصود هو التشهد الصلاتي غير السجدتين فلا يلزم أن يكون بينه وبين تمامية السجدتين فصل كما لا يخفى. وأما قوله " فاتك " فيمكن أن يكون المقصود أنه يكفي في تدارك الفائت تشهد السجدتين كما يستفاد من بعض الروايات الآتية إن شاء الله تعالى بل من غير واحد منها، والذي يؤيد أن المقصود هو التشهد في السجدتين: كونه في مقام بيان كيفية سجدتي السهو في الجملة، لقوله (عليه السلام): " سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ". وأما الانجبار بالعمل فهو أيضا غير واضح، لعدم دليل على استناد القوم رضي الله عنهم إلى ذلك حتى ينجبر بعملهم. هذا هو مستند المشهور في القضاء. وأما مستندهم في وجوب سجدتي السهو فعدة كثيرة من الأخبار، منها ما تقدم آنفا من خبر علي بن أبي حمزة - بناء على ما تقدم في ذيله من الإيراد على الاستدلال به - وغيره كمعتبر سليمان بن خالد (2) وصحيح ابن أبي يعفور (3)


(1) الجواهر: ج 12 ص 298. (2) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 3 من ب 7 من أبواب التشهد. (3) المصدر: ح 4.

[ 201 ]

[... ] ومعتبر الحسين بن أبي العلاء (1) وموثق سماعة (2) ومعتبر الصيقل (3) وصحيح الفضيل (4) وصحيح الحلبي (5)، بأن يقيد ما يدل على القضاء بما يدل على وجوب سجدتي السهو وكذا العكس. هذا، ولكن مقتضى هذه الروايات الثمانية من جهة السكوت في مقام البيان: عدم وجوب قضاء التشهد، ورفع اليد عنها غير ممكن عندي، لأن المسؤول عنه في جميع الروايات المتقدمة هو نسيان التشهد، أي سئل عن حكم ذلك، وحينئذ فذكر بعض حكمه والإعراض عن بعض في جميع تلك الروايات ليس له محمل عند العقلاء، خصوصا مع التوجه إلى امور: منها التعرض لكيفية سجدتي السهو في غير واحد منها: من قوله " يسجد وهو جالس قبل أن يتكلم " ومن قوله: " سجدتين لا ركوع فيهما " مع أن ترك التعرض لهما وإيكال الأمر إلى ما ورد في السجدتين من الكيفية أولى من تركه التعرض لحكم تلك المسألة المبحوث عنها. ومنها التعرض للتشهد والحكم بوجوب الإتيان به إذا تذكر تركه قبل الركوع ومع ذلك سكت عنه بالنسبة إلى ما بعد الركوع، وذلك كما في صحيح ابن أبي يعفور على نقل الفقيه ومعتبر الحسين بن أبي العلاء وصحيح الفضيل وغيره. ومنها الحكم في النافلة بالإتيان بالتشهد حتى بعد الركوع وتصريح ذيله بأن النافلة لا تكون مثل الفريضة في معتبر صيقل. ومنها الحكم في بعض الروايات كموثق أبي بصير بأنه " يسجد سجدتين يتشهد فيهما " (6) المشعر بأن التنبيه على التشهد يكون لتدارك


(1 و 2) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 5 و 6 من ب 7 من أبواب التشهد. (3) المصدر: ص 997، الباب 8. (4) المصدر: ص 997 ح 1 من ب 9. (5) الوسائل: ج 4 ص 998 ح 3 من ب 9 من أبواب التشهد. (6) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 6 من ب 7 من أبواب التشهد.

[ 202 ]

[... ] ما فات من التشهد، وهو الذي يومئ إليه ما مر من خبر علي بن أبي حمزة، وحينئذ لا شبهة في أن الروايات المعتبرة المستفيضة المتقدمة كادت أن تكون ناصة في عدم وجوب قضاء التشهد في نسيان التشهد الأول، وموثق أبى بصير دال على عدم وجوبه في مطلق نسيان التشهد. وكذا مقتضى صحيح محمد بن مسلم المتقدم (1) من أجل السكوت في مقام البيان هو عدم وجوب سجدتي السهو، ورفع اليد عنه أيضا مشكل جدا وإن لم يكن بمثابة ما دل على وجوب سجدتي السهو بالنسبة إلى التشهد الأول، لكثرة الروايات وعدم احتمال أن لا تكون واحدة منها في مقام البيان. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الصدوق والمفيد من وجوب سجدتي السهو، الظاهر في تعين ذلك وعدم كفاية القضاء، فإن صحيح محمد بن مسلم كاد أن يكون صريحا في وجوب القضاء وكفايته، من جهة السكوت في مقام البيان. ثم لا يخفى أنه لو فرض القطع بكونه في مقام البيان - كما هو حاصل بالنسبة إلى روايات وجوب سجدتي السهو - فلا ريب حينئذ في دلالته قطعا وصريحا على عدم وجوب القضاء، فهو كالتصريح اللفظي بعدم لزوم قضاء التشهد، وبهذا يفرق بينه وبين ما كان مقتضى كون المتكلم في مقام البيان هو العموم الاستغراقي أو البدلي كما في * (أحل الله البيع) * (2) وأعتق رقبة، فإنه بعد ذلك يكون بمنزلة أن يقال: أحل الله كل بيع وأعتق أي رقبة، فيمكن أن يكون بصدد بيان ما يراد في مقام الإثبات من باب ضرب القاعدة. وأما ما في المستمسك بعد الإشارة إلى أخبار المسألة من قوله: " فالمتحصل


(1) في ص 199. (2) سورة البقرة: 275.

[ 203 ]

[... ] من ظاهر مجموع النصوص أنه إن كان المنسي التشهد الأخير رجع إليه فتلافاه، وكذا لو كان الوسط وذكره قبل الركوع، وإن ذكره بعده فليس عليه إلا سجود السهو " (1) فيمكن توجيهه - وإن لم يكن مفاد كلامه (قدس سره) - بأن يقال: إن صحيح محمد بن مسلم (2) الدال على لزوم قضاء التشهد على وجه الإطلاق وعدم لزوم سجدتي السهو كذلك مخصص بالروايات المستفيضة الواردة في خصوص نسيان التشهد الأول الدال على عدم لزوم قضاء التشهد ولزوم سجدتي السهو، فيختص الصحيح بخصوص التشهد الأخير بعد التخصيص المذكور، فيكون مخصصا لموثق أبي بصير الدال على لزوم سجدتي السهو وعدم لزوم القضاء في مطلق موارد نسيان التشهد، فيخصصه بالتشهد الأول فيحصل من ذلك التفصيل بين التشهدين. لكن فيه: أن ذلك موجب لتخصيصين لا يخلو كل منهما عن الاستهجان، لكثرته، فإن إخراج التشهد الأول من صحيح محمد مع ملاحظة أن الأغلب كونه المنسي إخراج لأكثر أفراده، ولذا وردت الروايات الكثيرة في ذلك من دون تصريح فيها بنسيان التشهد الأخير إلا من حيث وقوع الحدث قبله كما ورد في أخبار الباب الثالث عشر من ابواب التشهد (3)، وكذا إخراج التشهد الأخير من إطلاق موثق أبي بصير مع فرض خروج التشهد الأول أيضا إذا كان تذكره قبل الركوع لا يخلو عن الاستهجان أو الإشكال. فالأصح - والله العالم - أن يقال: إن الحكم بكفاية كل منهما أي القضاء


(1) المستمسك: ج 7 ص 413. (2) تقدم في ص 199. (3) الوسائل: ج 4 ص 1001.

[ 204 ]

[... ] وسجدتي السهو مع استحباب الجمع بينهما عمل بجميع الروايات من دون ارتكاب خلاف الظاهر أصلا، بناء على أن الأمر أو الجملة الخبرية التي في مقام البعث ليس مفاده الوجوب بل مفاده أصل الطلب، وهو حجة على الوجوب في ما لا حجة على خلافه، وقد قامت الحجة على عدم لزوم سجدتي السهو مع القضاء كما أنه قامت على عدم لزوم القضاء مع الإتيان بسجدتي السهو، لكن الاستحباب باق بحاله، وهو القول الفصل لو لم يكن إجماع على خلافه، أو كان ولم يكن حجة من جهة أنه من باب الاجتهاد في الجمع لا من باب الإعراض عن الروايات المتقدمة والإيكال على ما يدل صريحا على وجوب الجمع بينهما. وأما مستند القول الرابع - أي لزوم الإعادة - فهو موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إن نسي الرجل التشهد في الصلاة فذكر أنه قال بسم الله فقط فقد جازت صلاته، وإن لم يذكر شئ من التشهد أعاد الصلاة " (1). وخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليهم السلام)، قال: سألته عن رجل ترك التشهد حتى سلم كيف يصنع؟ قال: " إن ذكر قبل أن يسلم فليتشهد وعليه سجدتا السهو، وإن ذكر أنه قال أشهد أن لا إله إلا الله أو بسم الله أجزأه في صلاته، وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير حتى يسلم أعاد الصلاة " (2). ولكن من المعلوم أن وجوب الإعادة كاد أن يكون خلاف ضرورة الفقه،


(1) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 7 من ب 7 من أبواب التشهد. (2) المصدر: ح 8.

[ 205 ]

[... ] من جهة دلالة جميع روايات الباب - غيرهما - على عدم لزومها، ودلالة ما دل على أن التشهد سنة - الوارد في ذيل حديث " لا تعاد " (1) - ودلالة ما دل على عدم بطلان الصلاة لوقوع الحدث بعد السجدة الثانية من الأخيرة (2)، فلابد إما من الحمل على الاستحباب - كما في الجواهر (3) - وإما أن يحمل على العمد في قبال العامة القائلين كثير منهم بجواز الترك فيكون قوله (عليه السلام) في موثق عمار " وإن لم يذكر شئ " عطفا على قوله (عليه السلام) " إن نسي الرجل " - لا على قوله " فذكر " - ويكون المقصود من عدم ذكره عدم الإتيان به كما هو أقرب في الخبر الثاني أي قوله " وإن لم يتكلم... "، مع ما في الثاني من الاختلال في العبارة الدال على السقوط، من جهة قوله " إن ذكر قبل أن يسلم " فإن السؤال عن بعد السلام مع أنه لا يصدق السهو قبل السلام، لأنه في محله، وحمله على التشهد الأول أيضا بعيد، لأنه لا فرق فيه بين بعد السلام وقبل السلام في حصول المنافي كما هو واضح. وكيف كان، فالأمر سهل بحمده تعالى بعد وضوح أصل المسألة من عدم لزوم الإعادة وأن مقتضى الجمع بين الأخبار هو الاكتفاء بأحد الأمرين، إلا أن الأحوط هو الإتيان بالأمرين فيأتي بالتشهد ثم يسجد سجدتي السهو كما هو مفاد عبارة الشيخ (قدس سره) في الخلاف، ثم يتشهد أيضا كما هو محتمل رواية علي بن أبى حمزة المتقدمة، وهو العالم.


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) المصدر: ص 1001، الباب 13 من أبواب التشهد. (3) الجواهر: ج 12 ص 300.

[ 206 ]

[... ] مسائل المسألة الاولى: لو نسي التشهد وتذكر بعد السلام وقبل الإتيان بالمنافي ففي الجواهر أنه: قال الشهيد (قدس سره) في البيان: ويتلافى التشهد الأول والصلاة على النبي وآله ما لم يركع، والتشهد الأخير ما لم يحدث، فإن أحدث أتى به بنية مستأنفة. - انتهى - فإن مقتضاه وجوب التلافي لا القضاء (1). لكن اختار (قدس سره) بنفسه وجوب الإتيان به قضاء وقال في وجه ذلك: إن التسليم محله بعد تمام الركعة الرابعة، فهو في حال النسيان في محله، فيقتضي الخروج، فيتعين القضاء (2). انتهى. لكن الظاهر هو الأول، والوجه في ذلك أنه لا مانع من الإتيان بالتشهد في محله إلا كون السلام مخرجا ومانعا عن لحوق التشهد بباقي الأجزاء، وحيث إن مقتضى ذلك مع قطع النظر عن الأدلة الثانوية الحاكمة بصحة الصلاة من حيث إن " التشهد سنة " وأنه " لا تعاد الصلاة إلا من خمس " (3) هو البطلان والإعادة فمقتضى الحديث عدم الإعادة وعدم كون السلام مخرجا فيأتي بالتشهد. إن قلت: مقتضى حديث " لا تعاد " هو الصحة، وهي لا تقتضي رفع مخرجية السلام بل يمكن رفع جزئية التشهد للصلاة، فلا يكون السلام واقعا في غير المحل ولا يكون مبطلا للصلاة.


(1 و 2) الجواهر: ج 12 ص 289 و 290. (3) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 207 ]

[... ] قلت: ما يدل على مبطلية السلام الواقع في غير محله غير حجة في المقام قطعا، إما من باب أنه ليس واقعا في غير محله بإلقاء جزئية التشهد، فلا موضوع لما يدل على المبطلية، لأن المبطل هو السلام الذي لا يكون في آخر الصلاة، وعلى فرض كونه واقعا في غير محله فمبطليته مرفوعة بحديث " لا تعاد "، فالأمر يدور بين التخصص والتخصيص، فالدليل المذكور فاقد للحجية، بخلاف دليل وجوب التشهد - فتأمل - وإما من باب أنه كان واقعا في محله (بأن لا يكون السلام مشروطا إلا بوقوعه بعد الركعة الرابعة كما افيد في الجواهر (1)، وكان التشهد مقيدا بوقوعه قبل السلام) فلا خفاء أيضا في رفع مبطلية السلام بحديث " لا تعاد " كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر الإيراد على كلام الجواهر: فإن فيه أولا: أن مقتضى غير واحد من الأخبار كخبر علي بن أسباط، وفيه: " ويختم بالتسليم " (2) وموثق أبي بصير، وفيه: " فإن آخر الصلاة التسليم " (3) وحديث أبي بصير: " إذا ولى وجهه عن القبلة وقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد فرغ من الصلاة " (4) أن السلام الواجب هو الذي يكون في آخر الصلاة فلا يكون قبل التشهد متصفا بكونه من الأجزاء الواجبة في الصلاة، فكونه آخر الأجزاء شرط للسلام، ولم نقف على دليل يقتضي اشتراط السلام بكونه بعد الركعة الرابعة على وجه الإطلاق ولو لم يكن آخر جزء للصلاة.


(1) الجواهر: ج 12 ص 290. (2) الوسائل: ج 4 ص 1003 ح 2 من ب 1 من أبواب التسليم. (3) المصدر: ص 1004 ح 4. (4) الوسائل: ج 4 ص 1013 ح 5 من ب 4 من أبواب التسليم.

[ 208 ]

[... ] وثانيا: سلمنا ذلك، لكن لا مانع من الإتيان بالتشهد وتخصيص مبطلية السلام بغير حال السهو كما تقدم. ثم لا يخفى أن مقتضى التلافي وكون السلام واقعا في غير محله هو الإتيان بالتشهد قبل الإتيان بالمنافي ومن دون الفصل الطويل وبطلان الصلاة بتركه - لأنه ترك للتشهد عمدا - ثم الإتيان بالسلام حتى يقع كل شئ في محله، كما أن مقتضاه مع وقوع السلام في محله هو الإتيان بالتشهد فقط لكن مع الآثار المذكورة، وأما لو كان التشهد قضاء فلا يجب إعادة السلام ومراعاة عدم المنافي الذي ينافيها عمدا وسهوا إذا وقع سهوا - كما هو مفروض في مورد قضاء التشهد - بل لا دليل على مراعاته عمدا أيضا، وأما الفصل ففيه إشكال يجئ حله إن شاء الله في المسألة الآتية. وبطلان الصلاة بتركه غير معلوم أيضا مع أنه لابد من سجدتي السهو بناء على المشهور أو يتخير بينهما وبين التشهد، بخلاف ما إذا قلنا بالتلافي، فإن الظاهر عدم وجوب سجدتي السهو، فإن في موثق سماعة: " من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو " (1). هذا كله من حيث نسيان التشهد، وأما من حيث زيادة السلام فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في خاتمة الخلل، وهو الموفق وهو المستعان. المسألة الثانية: قال (قدس سره) في الجواهر: وكأنه لا إشكال عندهم في أن محل قضائه بعد التسليم، للأدلة المقتضية لذلك من الأخبار وغيرها (2).


(1) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 11 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) الجواهر: ج 12 ص 300.

[ 209 ]

[... ] أقول: يمكن أن يستدل على ذلك بحسن الحلبي أو صحيحه عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس وتشهد وقم فأتم صلاتك، وإن أنت لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك حتى تفرغ، فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو... " (1). ورواية علي بن أبي حمزة المتقدمة (2)، وفيه: " وإن لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثم تشهد التشهد الذي فاتك ". وهي كادت أن تكون صريحة في المطلوب. ونظير الأول في الدلالة حسن الفضيل أو صحيحه (3)، وقريب منه رواية الحسن الصيقل (4) ورواية سليمان بن خالد (5) وغيرها (6). ولا يعارض ذلك إطلاق قوله " يقضي ذلك بعينه " في مثل صحيح حكم (7) من جهة أن مقتضاه جواز الإتيان به في الصلاة، من حيث إنه ليس المقصود من القضاء


(1) الوسائل: ج 4 ص 998 ح 3 من ب 9 من أبواب التشهد. (2) في ص 199. (3) الوسائل: ج 4 ص 997 ح 1 من ب 9 من أبواب التشهد. (4) المصدر: الباب 8 من أبواب التشهد. (5) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 3 من ب 7 من أبواب التشهد. (6) راجع الوسائل: ج 4 ص 995 ح 4 من ب 7 من أبواب التشهد. (7) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع.

[ 210 ]

[... ] هو معناه المصطلح عليه، بل ولو كان المقصود معناه المصطلح عليه، لصدقه بعد مضي المحل، فتأمل. بيان عدم المعارضة أنه لو حمل على الإطلاق من ناحية الوقت توجه إليه التخصيص بالنسبة إلى السجدة والركعة المصرح بهما في الصدر، فالحمل على أنه ليس في مقام الإطلاق من تلك الجهة لعله أهون من الإطلاق والتخصيص. مع أن دلالة الروايات المتقدمة على عدم الإتيان بالتشهد في الصلاة أقوى عند العرف على الظاهر. مع أنه لو شك في ذلك يمكن أن يقال: إنه يصدق الزيادة، وذلك لجواز الإتيان به خارج الصلاة قطعا فيصدق الزيادة، ومقتضى إطلاق مبطلية الزيادة هو البطلان، فتأمل فإنه لا يخلو عن المناقشة. ويمكن أن يقال أيضا في صورة الشك: إن ذمة المكلف مشغولة بالتشهد في المحل، وبراءتها واضحة إذا أتى به خارج الصلاة، بخلاف ما أتى به فيها، فتأمل فإنه تنبيه ربما يفتح به باب جديد في الأحكام المربوطة بالقضاء. المسألة الثالثة: قال (قدس سره) في العروة: وتجب المبادرة إليهما [ أي إلى قضاء التشهد والسجدة ] بعد السلام، ولا يجوز تأخيرهما عن التعقيب ونحوه (1). وفي المستمسك عن الذكرى: الإجماع عليه، وإلا فالأدلة تكون قاصرة (2). انتهى ملخصا.


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 54، المسألة 2. (2) المستمسك: ج 7 ص 525.

[ 211 ]

[... ] ويمكن أن يقال: إن المبادرة بمعنى أنه إن لم يتذكر أو لم يتمكن لا يكون معذورا (فيجب عليه إعادة الصلاة إن كان قضاؤهما شرطا في صحتها، ولا يجب بعد ذلك من دون إعادتها إن لم يكن كذلك) فهي مخالفة لموثق عمار في السجدة، وفيه: قلت: فإن لم يذكر إلا بعد ذلك؟ قال: " يقضي ما فاته إذا ذكره " (1) ولروايات باب التشهد (2)، ففي صحيح زرارة: في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهد، قال: " ينصرف فيتوضأ، فإن شاء رجع إلى المسجد، وإن شاء ففي بيته، وإن شاء حيث شاء قعد... " (3). وأما بمعنى أنه تجب عليه إذا تذكر لكن بعد الصلاة - كما تقدم - فيمكن أن يستدل لذلك في السجدة بما تقدم (4) من موثق عمار، وأما في التشهد فلصحيح محمد المتقدم في نسيان التشهد، وفيه: " إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه " (5) فإنه ظاهر في مراعاة الفورية مطلقا. لكنهما قابلان للمناقشة: أما الأول فلوضوح عدم الدلالة، من جهة أنه في مقام بيان عدم السقوط بترك المبادرة إليه بعد الصلاة من جهة عدم تذكره فيها أو بعدها من دون فصل، وأما الثاني فلمعارضته بما تقدم آنفا من صحيح زرارة الصريح في عدم لزوم المبادرة مطلقا على نحو ذكر في صحيح محمد، وذلك


(1) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 2 من ب 14 من أبواب السجود. (2) الوسائل: ج 4 ص 1001 الباب 13 من أبواب التشهد. (3) الوسائل: ج 4 ص 1001 ح 1 من ب 13 من أبواب التشهد. (4) في ص 187. (5) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 2 من ب 7 من أبواب التشهد.

[ 212 ]

[... ] للحكم بالتخيير من حيث الرجوع إلى المسجد والإتيان به في البيت أو في مكان آخر مع عدم استواء الأمكنة في القرب والبعد بالضرورة. وأما بمعنى وجوب المبادرة إليه إذا تذكر في الصلاة أو بعدها من دون فوت الموالاة وعدم الوجوب بعد ذلك إذا لم يتذكر حتى فاتت الموالاة، فهو الأقرب بحسب الظاهر. المسألة الرابعة: مقتضى ما ذكرناه في المسألة المتقدمة من وجوب المبادرة إذا تذكر بعد الصلاة هو بطلان الصلاة بتركها عمدا اختيارا، لأن مقتضى عنوان القضاء كون الموالاة شرطا في المقضي كما كانت شرطا في المقضي عنه، ومن المعلوم أن شرطيتها بالنسبة إليه كانت على نحو يوجب تركها بطلان الصلاة لا بطلان الجزء، ولا يقتضي حديث " لا تعاد " (1) صحتها إذا أخل بها عمدا كما أوضحناه في أوائل مباحث الخلل، وأما الإخلال بها من باب السهو والغفلة أو الاضطرار فهو لا يوجب الإعادة، لحديث " لا تعاد " ولما تقدم (2) من موثق عمار، وفيه: قلت: فإن لم يذكر إلا بعد ذلك؟ قال: " يقضي ما فاته إذا ذكره ". ويدل على ذلك في التشهد في الجملة صحيح زرارة المتقدم (3) فراجع، وأما بعد فوات الموالاة فالظاهر عدم وجوب المبادرة فتصح الصلاة ظاهرا وإن تعمد التأخير، والله العالم. المسألة الخامسة: قال (قدس سره) في طي القسم الثاني في الشرائع: ولو ترك الصلاة على النبي إلى آخر ما في المتن.


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) في ص 187. (3) في ص 211.

[ 213 ]

[ ولو ترك الصلاة على النبي وعلى آله (صلى الله عليه وآله) حتى سلم قضاهما بعد التسليم (1). * ] * قال (قدس سره) في الجواهر: كما صرح به جماعة، بل هو المشهور نقلا، بل في الخلاف دعوى إجماع الفرقة بعد نقل قضاء الصلاة عن الشافعي، لكن عن ابن إدريس عدم وجوب شئ عليه لا قضاء الصلاة ولا قضاء الصلوات (2). أقول: لا يخفى أن مقتضى ما في الجواهر - بعد تمامية مسألة الصلوات - من أن " أبعاض التشهد تقضى كالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) كما هو مقتضى ظاهر البيان والموجز وكشف الالتباس أو صريحه وصريح الجعفرية وشرحها وتعليق الإرشاد " (3): عدم اختصاص القضاء بخصوص الصلوات وأنه من جهة كونه جزء من أبعاض التشهد، وتخصيص بعضهم كالمصنف بذكر خصوص الصلوات لعله من شدة الاهتمام أو من جهة بيان لزوم وجوب قضائها وإن لم يكن جزء من التشهد أو لبيان أنها يجب قضاؤها من باب أنها جزء منه. وكيف كان، فالعمدة في الدليل على كل حال - أي سواء كان جزء من التشهد أو لم يكن - هو صحيح حكم بن حكيم المتقدم كرارا في هذه الرسالة، وفيه: عن رجل ينسى من صلاته - إلى أن قال: - أو الشئ منها... " يقضي ذلك بعينه " (4) وقد تقدم دفع إشكال ورود التخصيص الكثير عليه. وهو جيد، إلا أنه يمكن أن يعارضه موثق عمار، وفيه: " إن نسي الرجل التشهد في الصلاة فذكر أنه قال بسم الله فقط


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الجواهر: ج 12 ص 291. (3) الجواهر: ج 12 ص 292. (4) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع.

[ 214 ]

[... ] فقد جازت صلاته، وإن لم يذكر شئ من التشهد أعاد الصلاة " (1). وكذا خبر علي بن جعفر عن أخيه (عليهم السلام)، وفيه: " وإن ذكر أنه قال أشهد أن لا إله إلا الله أو بسم الله أجزأه في صلاته، وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير حتى يسلم أعاد الصلاة " (2). لكن يمكن أن يقال: إن المقصود من قوله " جازت صلاته " وقوله " أجزأه في صلاته " هو عدم الإعادة في قبال ما يذكر بعد ذلك من وجوب الإعادة إن لم يتكلم بقليل ولا كثير، وهو محمول على الاستحباب كما تقدم، للروايات الكثيرة الناصة في عدم لزوم الإعادة عند نسيان التشهد. ويمكن أن يعارض أيضا ما يدل على قضاء الصلوات صحيح زرارة، وفيه: " وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته " (3) ولا شبهة أن المراد بالمضي: عدم لزوم القضاء أيضا في قبال ما ذكره قبل ذلك من لزوم قضاء التشهد فراجع. لكن يمكن الجواب عنه أيضا بأن المقصود من الشهادتين هو التشهد بماله من المتعلقات التي منها الصلوات، لكن في رواية الخصال: " إذا قال العبد في التشهد الأخير وهو جالس: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ثم أحدث حدثا فقد تمت صلاته " (4).


(1) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 7 من ب 7 من أبواب التشهد. (2) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 8 من ب 7 من أبواب التشهد. (3) الوسائل: ج 4 ص 1001 ح 1 ب 13 من أبواب التشهد. (4) الوسائل: ج 4 ص 1002 ح 5 من ب 13 من أبواب التشهد.

[ 215 ]

[ قال (قدس سره) - بعد الحكم بقضاء التشهد -: وسجد سجدتي السهو (1). * ] والإنصاف ظهوره في المدعى إلا أن الظاهر منه صورة العمد أيضا، بل شموله لها لا يخلو عن الأولوية، من جهة ذكر بعض المستحبات وهو لا يناسب خصوص صورة السهو، فهو مورد لإعراض الأصحاب، من حيث دلالته على عدم وجوب الصلوات وعلى عدم وجوب السلام أيضا، ولعل منشأ إعراضهم عنه عدم وضوح صحة سنده، من حيث إن الواقع فيه قاسم بن يحيى وهو مضعف في لسان العلامة وابن الغضائري ولم يوثقه الآخرون، والله العالم. فرع الظاهر وجوب إعادة ما يتم به الكلام، فإن نسي ذكر " الآل " لابد من ذكر الصلوات ليصح العطف، وإلا كان غلطا، ولا شبهة أن الظاهر من الأوامر أن متعلقها الألفاظ الصحيحة التي لها المعنى وإن لم يجب قصد المعاني، لكن يفهم العرف أنه لابد أن لا يكون غلطا، ولذا لا يصح قضاء بعض كلمة واحدة إذا نسي البعض وأتى ببعضه في الصلاة. نعم، الظاهر أنه لو كان المذكور مما يتم به المعنى فلابد من ذكره لا بقصد القضاء بل من باب تأمين شرط المقتضي وهو أن يكون له المعنى ولا يكون غلطا، وإن لم يكن المذكور مما يتم به المعنى أيضا - كأن قال: اللهم صل على - فلابد من ذكره بعنوان القضاء مع سجدتي السهو، بناء على لزومهما لكل زيادة ونقيصة، فتأمل. * قال (قدس سره) في الجواهر: لكل من نسيان السجدة والتشهد، أما الأول فهو المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل عليه الإجماع في المنتهى وعن الخلاف


(1) الشرائع: ج 1 ص 88.

[ 216 ]

[... ] والغنية والتذكرة وآراء التلخيص للعلامة. وقال بعد ذلك: وعن ظاهر المنقول عن المفيد وأبي جعفر بن بابويه ووالده عدم الوجوب، بل عن أمالي الأول منهما أنه من دين الإمامية. انتهى (1). وفي المستند نقل عدم الوجوب عن المحكي عنهم وعن العماني وأكثر متأخري المتأخرين (2). أقول: ويستدل للمشهور بامور: منها: عموم مرسل ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن سفيان بن السمط عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (3). ولا يخفى اعتبار الخبر، من جهة صحة سنده إلى ابن أبى عمير، وهو لا يرسل أو لا يروي إلا عن الثقة على ما هو المعروف عندهم، مضافا إلى قوله " بعض أصحابنا " وهو لا يخلو عن نوع تجليل، فما في الجواهر من الانجبار بعمل الأصحاب (4) - المشعر بعدم تماميته في نفسه - لا يخلو عن الإيراد، بل لعل العمل في المقام خال عن الأثر، من جهة أنه لا يبعد أن يكون منشأ العمل ما ذكرناه من وجه الاعتبار. ومنها: صحيح جعفر بن بشير، وفيه: " وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم فليسجدها ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو " (5).


(1) الجواهر: ج 12 ص 300 و 301. (2) المستند: ج 7 ص 119. (3) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل. (4) الجواهر: ج 12 ص 301. (5) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 7 من ب 14 من أبواب السجود.

[ 217 ]

[... ] وكونه واردا في صورة التلافي غير مضر بالمطلوب، لأنه إذا احتاجت الصلاة مع التلافي إلى سجدتي السهو فالاحتياج إليها في صورة عدم التلافي أولى. ومنها: خبر منهال القصاب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسهو في الصلاة وأنا خلف الإمام؟ قال: فقال: " إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب " (1). ومنها: خبر الفضيل بن يسار الذي لا يبعد اعتباره، وفيه: " من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، وإنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " (2). والاستدلال به مبني على أمرين: أحدهما عدم صدق إتمام السهو في المقام، من جهة عدم إتمام الصلاة وكونها ناقصة، وقضاؤها بعد ذلك لا يوجب صدق كون الصلاة تامة أو أنه أتم سهوه، ثانيهما أن لا يكون لقوله " لا يدري أزاد أم نقص " خصوصية، بل المقصود مطلق الزيادة أو النقصان لا خصوص دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة، أو يكون المقصود بيان صورتين أي صورة الشك في الزيادة وصورة الشك في النقيصة، فيكون صورة القطع موجبا لها بالأولوية. وقريب منه خبر سماعة (3). وفي الكل نظر: أما الأول فلأن ما دل على أن السجدة قضاء لما فات - كخبر إسماعيل بن جابر المتقدم (4) - حاكم عليه، لأن مقتضاه ترتيب أثر عدم النقصان، مع أن النسبة


(1) الوسائل: ج 5 ص 339 ح 6 من ب 24 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 337 ح 6 من ب 23 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 337 ح 8 من ب 23 من أبواب الخلل. (4) في ص 187.

[ 218 ]

[... ] بينه وبين ما يأتي من صحيح أبي بصير هي العموم والخصوص المطلق فيخصص. وأما الثاني فهو وارد في صورة التلافي المستلزم لزيادة التشهد، فلا يقاس به صورة القضاء الذي لم يزد التشهد. وأما الثالث فلعدم وضوح كونه في مقام الإطلاق، بل لعل المستفاد منه أنه في مورد سجود السهو لا فرق بين صورة الايتمام والانفراد. وأما الرابع فحمله على صورة العلم الإجمالي بعيد جدا، إذ لا معنى لترك التعرض لجميع الموارد والتعرض لخصوص صورة العلم الإجمالي، فالأقرب هو بيان صورة الشك، ومن المعلوم استحباب ذلك، والأولوية لا تقتضي إلا الاستحباب، وصرف المطلوبية من دون البعث لا تكون حجة على الوجوب. هذا، مضافا إلى ما يدل على عدم وجوبها: منها: صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله، قال: سألته عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم، قال: " يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فإن كان قد ركع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو " (1). ومنها: موثق عمار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السهو ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: " إذا أردت أن تقعد فقمت، أو أردت أن تقوم فقعدت " - إلى أن قال (عليه السلام): - " وليس في شئ مما يتم به الصلاة سهو " - إلى أن قال: - عن رجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة هل عليه سجدتا السهو؟ قال: " لا، قد أتم الصلاة " (2).


(1) الوسائل: ج 4 ص 969 ح 4 من ب 14 من أبواب السجود. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل، وص 337 ح 5 من ب 23 من أبواب الخلل.

[ 219 ]

[... ] وإن كان الأخير لا يخلو عن النظر، من جهة قوله (عليه السلام) " قد أتم الصلاة " وعدم صدقها في صورة النقصان والقضاء إلا بضم دليل القضاء، ويدل عليه الروايات المعتبرة المقتصرة على ذكر قضاء السجدة من دون الإشارة إلى سجدتي السهو مع كونه بحسب الظاهر في مقام بيان حكم نسيان السجدة، كحسن إسماعيل أو صحيحه (1) وموثق عمار الذي سئل فيه " عن رجل نسي سجدة فذكرها بعد ما قام وركع " (2) وصحيح البزنطي (3) وروايتي علي بن جعفر (4). ولا شبهة في دلالة تلك الروايات وأنها كالصريحة في عدم الوجوب، فتوصيف تلك الروايات بالتأييد كما في الجواهر (5) غير جيد. ومن ذلك كله يظهر أن الأصح هو عدم الوجوب بحسب الظاهر، وذلك من جهة صراحة مثل الصحيح أو كونه كالصريح، والجواب عنه بأن " المقصود نفي السهو من جهة لزوم الإعادة " مما يأبى عنه العرف بعد الحكم بقضاء السجدة الذي هو كالصريح في عدم الإعادة فلا يحتاج إلى ذكر ذلك بتلك العبارة المجملة، ومن جهة أن الإعادة ليست حكم السهو بما هو سهو بل هو حكم الإخلال بالمركب فلا وجه لإخراج سجدتي السهو التي هي حكم السهو بما هو كذلك، والتخصيص ينفي الإعادة التي ليست حكما لها، مع أنه لو فرض الغض عن ذلك فلا ريب في الإطلاق فيدور الأمر بين تقييد ذلك أو التصرف في ما يدل على وجوب سجدتي السهو بالحمل على أصل المطلوبية، ولا ريب عرفا وبرهانا في تعين الثاني، وعلى فرض التكافؤ يرجع إلى أصالة البراءة. هذا كله مضافا إلى الإطلاقات الواردة في مقام البيان المستفادة من عدة روايات اشير إليها.


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 و 2 و 3 من ب 14 من أبواب السجود. (4) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 8 و 9 ب 14 من أبواب السجود. (5) الجواهر: ج 12 ص 302.

[ 220 ]

[... ] وأما ما في الجواهر من الإعراض (1) فمردود بعدم ثبوت الإجماع بعد ما تقدم المحكي عن الصدوق من أن عدم وجوبها من دين الإمامية وعن المستند " أن عليه أكثر المتأخرين "، وقابلية الإجماع للتوجيه، من جهة أن الوجه في الاستناد إليهم حكمهم بسجدتي السهو فحملوه على الوجوب مع إمكان أن يكون مقصودهم الاستحباب، وعلى فرض الإجماع فالإعراض عنه غير واضح، من جهة احتمال حملهم الصحيح على ما مر من المحمل أو غيره مما ذكره في الجواهر (2) الذي لا يحتاج إلى إتعاب الرد، أو لم يصل الأكثر إلى سنده الصحيح الذي ذكره الصدوق وظنوا فيه ضعف السند، وعلى فرض الإعراض عنه فالإعراض عن الروايات المتعددة الواردة في قضاء السجدة المقتصرة عليه الدالة على عدم وجوب سجدتي السهو غير حاصل قطعا، للاستناد إليها في وجوب قضاء السجدة والاستدلال بها صريحا في عباراتهم. ولو فرض الإعراض عنها أيضا وكان الحكم بالقضاء من جهة صحيح حكم المتقدم كرارا فلا ريب أنه ظاهر أيضا في عدم وجوب سجدتي السهو، لعدم التنبيه على ذلك، فافهم وتأمل. ولعمري إن المسألة واضحة جدا وإن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه بالإتيان بسجدتي السهو بعد قضاء السجدة، والله العالم بالحقائق. هذا بالنسبة إلى قضاء السجدة، بل يمكن أن يقال: إن الاستحباب غير ثابت، لاحتمال صدق التمام حقيقة أو تنزيلا من باب أن السجدة المأتية بها معنونة بعنوان القضاء، والظاهر أنه واف بجميع آثار الأداء إلا المحل الأولي، فالاحتياط الإتيان بالسجدتين رجاء. وأما الثاني وهو لزوم سجدتي السهو عند نسيان التشهد فقد مر أن الحق الحقيق


(1) الجواهر: ج 12 ص 302. (2) الجواهر: ج 12 ص 302.

[ 221 ]

[ وأما الشك ففيه مسائل: الاولى: من شك في عدد الواجبة الثنائية أعاد، كالصبح وصلاة السفر وصلاة العيدين إذا كانت فريضة والكسوف (1). * ] هو التخيير بين الأمرين من القضاء أو الإتيان بالسجدتين للسهو، والله العالم. هذا كله الكلام في ما يتعلق بفروض السهو الموجب لترك الركن أو غيره. وأما حكم الشك فقد قال المصنف (قدس سره): وأما الشك... * أقول: أما الثنائية فقد قال (قدس سره) في الجواهر بعد العبارة المتقدمة: عند علمائنا كما في التذكرة والمعتبر، وذهب إليه علماؤنا أجمع إلا ابن بابويه، وحكى الطباطبائي (قدس سره) الإجماع في مصابيحه على البطلان في كل صلاة غير الرباعية إلا صلاة الاحتياط من الفرائض، وعن الانتصار والغنية الإجماع في الفجر والسفر، وعن الخلاف أنه من شك في صلاة الغداة أو المغرب فلا يدري كم صلى أعاد - إلى أن قال: - دليلنا إجماع الفرقة، وادعى ذلك في السفر وصلاة الجمعة. وعن المنتهى الإجماع على ذلك إلا من ابن بابويه فإنه جوز البناء على الأقل، والنسبة غير ثابتة (2). انتهى ملخصا. وفي الحدائق: أنه لا أصل له وأنه من أعجب العجاب، ومنشأه التقليد من غير المراجعة، فإنه قد صرح في الفقيه والمقنع في الفجر والمغرب بالبطلان (3). انتهى. أقول: ويستدل على ذلك بعدة من الروايات:


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الجواهر: ج 12 ص 303. (3) الحدائق: ج 9 ص 162.

[ 222 ]

[... ] منها: حسن البختري أو صحيحه " وإذا شككت في الفجر فأعد " (1). ومنها: خبر العلاء، وفيه: سألته عن الرجل يشك في الفجر، قال: " يعيد " قلت: المغرب؟ قال: " نعم، والوتر والجمعة " من غير أن أسأله (2). ومنها: خبره الآخر عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل صلى الفجر فلا يدري صلى ركعة أو ركعتين، فقال: " يعيد ". فقال له بعض أصحابنا وأنا حاضر: والمغرب؟ فقال: " والمغرب ". فقلت له أنا: والوتر؟ قال: " نعم، والوتر والجمعة " (3). ومنها: صحيح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي ولا يدري واحدة صلى أم اثنتين: قال: " يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم، وفي الجمعة وفي المغرب وفي الصلاة في السفر " (4). وغير ذلك مما نقله في الوسائل (5). ومما ذكرنا يظهر أن الشك بين الواحدة والثنتين مورد للنصوص التي ذكرنا بعضها. وأما الشك بين الاثنتين والثلاث فيمكن أن يستدل عليه بامور: منها: إطلاق الحكم بالإعادة في الشك في الفجر، فإن الشك في الاثنتين


(1) الوسائل: ج 5 ص 304 ح 1 من ب 2 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 305 ح 7 من ب 2 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 306 ح 15 من ب 2 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 304 ح 2 من ب 2 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 299، الباب 1 من أبواب الخلل، وص 304، الباب 2 من أبواب الخلل.

[ 223 ]

[... ] والثلاث مصداق ظاهر للشك في الفجر، ولا يقيده غيره، كصحيح محمد بن مسلم (1) وغيره كموثق سماعة (2)، لعدم الإطلاق في المفهوم إن كان له مفهوم. ومنها: صحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا، قال: " يعيد " قلت: أليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه؟ فقال: " إنما ذلك في الثلاث والأربع " (3). ومنها: خبر الهاشمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه: سئل عن رجل لم يدر أواحدة صلى أو اثنتين؟ فقال له: " يعيد الصلاة " فقال له: فأين ما روي أن الفقيه لا يعيد الصلاة؟ قال: " إنما ذلك في الثلاث والأربع " (4). فإنه يمكن أن يقال: إن الظاهر من الذيل أن الأولتين خارجتان عن مورد حكم الشك مطلقا كما تفصح عنه أخبار اخر. ومنها: إطلاق نفي السهو في الأولتين، كما في صحيح زرارة، وفيه: " وليس فيهن وهم يعني سهوا " (5). فإن مقتضى الإطلاق عدم جواز الرجوع في الأولتين إلى حكم الشك من البناء على الأكثر والبناء على الأقل فلابد أن يعيد الصلاة، وهذا واضح بناء على كون المقصود نفي مطلق الشك ولو كان هو الشك بين الاثنتين والثلاث، فإنه شك في الأولتين أيضا، وأما لو قيل باحتمال أن يكون


(1) الوسائل: ج 5 ص 304 ح 2 من ب 2 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 305 ح 8 من ب 2 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 3 من ب 9 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 300 ح 5 من ب 1 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 224 ]

[... ] المقصود هو الشك المستلزم لأن يكون الإتيان بالأولتين مشكوكا فحينئذ يقال: الحكم بالإعادة فيه وعدم الرجوع إلى الاستصحاب ولا أصالة البناء على الأكثر موجب لعدم كفاية ضم ركعة اخرى إليها، وهذا يدل على أن الإتيان بالركعة المرددة حين الإتيان بين الثالثة والثانية غير مبرئ للذمة، وإلا لم يكن حاجة إلى الإعادة في صورة الشك في الأولتين بين الواحدة والاثنتين. ومنها: ما دل على وجوب الإعادة في الشك في الأولتين حتى يحفظ ويكون على يقين، كما في ذيل الصحيح المتقدم، ففيه: " فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين " (1) وفي صحيح ابن مسلم أو حسنه المتقدم (2)، قال: " يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم " فإن الحفظ الذي يكون غاية للإعادة ليس هو الإتيان بالأولتين على نحو اليقين ولو بالإتيان بالركعة المرددة بين الثانية والثالثة، فلا محالة يكون المقصود هو الإتيان بالركعتين بحيث لا تكون تلك الركعتان مأتيا بهما على وجه الترديد. ومنها: الحكم بالإعادة في مورد الشك بين الواحدة والاثنتين، فإنه يدل بالتقريب المتقدم على الإعادة في الشك بين الاثنتين والثلاث، فإنه يدل على عدم كفاية الركعة المرددة في مقام الامتثال وإلا لم يكن وقع للأمر بالإعادة، وقد تقدم تقريبه قبيل ذلك، فلا إشكال من حيث اقتضاء الدليل البطلان في الثنائية، من غير فرق بين الشك بين الواحدة والاثنتين أو الشك بين الاثنتين والثلاث ولا بين الصلوات اليومية وغيرها من الصلوات المفروضة، لصراحة بعض ذلك بالنسبة إلى الجمعة - وقد مر (3) - ولخبر سماعة الموثق، قال:


(1) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل. (2) في ص 222. (3) في ص 222.

[ 225 ]

[... ] سألته عن السهو في صلاة الغداة، فقال: " إذا لم تدر واحدة صليت أم ثنتين فأعد الصلاة من أولها، والجمعة أيضا إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة، لأنها ركعتان... " (1). فإن مقتضى التعليل وجوب الإعادة في مطلق الصلاة التي هي ركعتان في مطلق السهو أو في الشك بين الاولى والثانية. ويدل على البطلان في الشك بين الاثنتين والثلاث مطلقا ما تقدم (2) من صحيح عبيد بن زرارة، فلا إشكال من حيث تمامية المقتضي. لكن قد يناقش في ذلك بمعارضة ما ذكر لموثق عمار الساباطي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يدر صلى الفجر ركعتين أو ركعة، قال: " يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلي ركعة، فإن كان قد صلى ركعتين كانت هذه تطوعا، وإن كان قد صلى ركعة كانت هذه تمام الصلاة " قلت: فصلى المغرب فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا؟ قال: " يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلي ركعة، فإن كان صلى ثلاثا كانت هذه تطوعا، وإن كان صلى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة. وهذا والله مما لا يقضى أبدا " (3). قال في الوسائل: قال الشيخ: يجوز أن يراد به نافلة الفجر والمغرب، ويحتمل أن يكون المراد صورة غلبة الظن بالصحة ويكون إضافة الركعة على وجه الاستحباب.


(1) الوسائل: ج 5 ص 305 ح 8 من ب 2 من أبواب الخلل. (2) في ص 223. (3) الوسائل: ج 5 ص 306 ح 12 من ب 2 من أبواب الخلل.

[ 226 ]

[... ] أقول: الأقرب حمل الحديثين على التقية، لموافقتهما لجميع العامة (1). انتهى. والكل لا يخلو عن غرابة: أما الأول فلأنه كيف يقال بالنسبة إلى نافلة المغرب بأنه " إن كان صلى ثلاثا كانت هذه تطوعا " مع أنه لو صلى ثلاثا كانت باطلة، وكذا قوله " وإن كان صلى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة " مع أنه لو كانت نافلة المغرب اثنتين لم تكن محتاجة إلى التمام حتى تكون الركعة المأتي بها بعد السلام تماما لها. وأما الحمل على صورة الظن بالصحة فهو حمل على الفرد النادر، للزوم إخراج صورة التعديل والظن بالفساد، بل لا يخلو إخراج صورة التعديل بنفسه عن الاستهجان، لأنه أظهر فيه من باب عدم التنبيه على الظن. وأما الحمل على التقية من جهة موافقتها لجميع العامة فهو أغرب من الكل، فإن إجماعهم مستقر - على ما راجعت - على عدم البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط، فإنه على الظاهر من متفردات الإمامية. والأقرب أن يقال: إن القصور من عمار، فإن في الحدائق عن العلامة المجلسي (قدس سره) في البحار: إن عمارا كثير الخلط في ما ينقل (2)، وفي قاموس الرجال إن كثيرا من أخبار كتابه غير معمول به عند الأصحاب، وفيه ما يدل على سوء سليقته فعن محمد بن مسلم أنه قال لأبي عبد الله (عليه السلام): إن عمار الساباطي روى عنك رواية... روى أن السنة فريضة، فقال: " أين يذهب! أين يذهب! " فقال:... - إلى أن قال: - " وإنما امرنا بالسنة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة ". (3)


(1) الوسائل: ج 5 ص 306. (2) الحدائق: ج 9 ص 165. (3) قاموس الرجال: ج 8 ص 19 و 31.

[ 227 ]

[... ] أقول: وفي المقام يكون اختلاف ما نقلناه مع ما قبله أيضا دليلا على عدم ملاحظة عمار أو بعض الرواة الآخر للنقل، فإنه نقل عنه (عليه السلام) أنه قال له: رجل شك في المغرب فلم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا، قال: " يسلم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة " فكم فرق بين النقلين مع وضوح كون المحكي أمرا واحدا فلا يبعد أن أبا عبد الله (عليه السلام) ذكر ذلك في نافلة الفجر ونافلة المغرب وفهم منه أن المقصود فريضتهما فأضاف إلى مقالته صلاة الاحتياط. وقد يناقش أيضا بمعارضة الأخبار الاخر الدالة على البناء على الأقل، كخبر الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري أركعتين صلى أم واحدة، قال: " يتم " (1). وبطريق آخر عنه أيضا مثله إلا أنه قال: " يتم على صلاته " (2). وخبر ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام): في الرجل لا يدري أركعتين صلى أم واحدة، قال: " يتم بركعة " (3). وخبر عبد الرحمان بن الحجاح عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: في الرجل لا يدري أركعة صلى أم ثنتين، قال: " يبني على الركعة " (4). وخبر صفوان عن عنبسة، قال: سألته عن الرجل لا يدري ركعتين ركع أو واحدة أو ثلاثا، قال: " يبني صلاته على ركعة واحدة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب


(1) الوسائل: ج 5 ص 303 ح 20 من ب 1 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ح 21. (3) المصدر: ح 22. (4) المصدر: ح 23.

[ 228 ]

[... ] ويسجد سجدتي السهو " (1). وخبر علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى، واحده أم اثنتين أو ثلاثا؟ قال: " يبني على الجزم ويسجد سجدتي السهو... " (2). والجواب عنها بطرحها من جهة أن أخبار الإعادة أضعاف ذلك، أو الحمل على النوافل - كما عن الشيخ (قدس سره) - أو التقية لأنه الفتوى المشهور بين العامة، أو كونها معرضا عنها فلابد من رد علمها إلى أهله، لا يخلو عن المناقشة: أما الأول فلما فيه أولا من أن المرجح هو الشهرة في قبال الشاذ النادر، والظاهر اشتهار الرواية بالنسبة إلى كلا الطرفين، وليس المرجح هو الأشهرية، لوضوح عدم الترجيح بما ورد فيه مثلا عشرون خبرا على ما ورد فيه خمسة عشر خبرا. وثانيا أن الرجوع إلى المرجح بعد فرض التعارض وعدم الجمع العرفي، وهو غير واضح، بل الظاهر أن العرف يجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير. ومن ذلك يظهر وجه المناقشة في الحمل على التقية وهو الوجه الثالث. وأما الوجه الثاني فهو أيضا غير وجيه، إذ إخراج الفرائض - خصوصا اليومية - من الإطلاق بملاحظة أهميتها وكثرة الابتلاء بها وأكثرية وقوعها في الخارج من النوافل مستهجن جدا. وأما الإعراض فهو غير ثابت بعد ما ترى من حمل الشيخ وغيره رحمهم الله تعالى لها على ما حملوه.


(1) الوسائل: ج 5 ص 303 ح 24 من ب 1 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 328 ح 6 من ب 15 من أبواب الخلل.

[ 229 ]

[... ] وإن أبيت إلا كونها معرضا عنها الكاشف ذلك عن خلل في ذلك فلا محيص إلا عن أحد امور بالنسبة إلى ما تقدم من الروايات على سبيل منع الخلو: إما الحمل على التقية، وذلك غير بعيد في خبر عنبسة، لكونه من القضاة ولكون المسؤول أبا إبراهيم (عليه السلام) وللأمر بسجدتي السهو الموافق لقول كثير من العامة بأن الشك في الركعات أحد موجبات سجدتي السهو، ولعل بعض ذلك جار في خبر علي بن يقطين مع عدم صراحته في خلاف المشهور، إذ الإعادة هو أحرى بأن يصدق عليه الأخذ بالجزم، وفي الاحتمال المذكور دلالة أو إشعار بالتقية، فتأمل. وإما أن يكون المقصود هو الإعادة، كما هو غير بعيد بالنسبة إلى أول خبري ابن أبي العلاء، فيكون المقصود إيجاد الصلاة تامة، والظاهر رجوعهما إلى خبر واحد، وقد مر أنه غير بعيد أيضا بالنسبة إلى خبر ابن يقطين. أو الحمل على أنه لا يقطع الصلاة بل يتمها فلا ينافي وجوب الإعادة. والكل خلاف الظاهر، والأخذ بالمشهور أو المجمع عليه هو الأحوط، لدوران الأمر بين تعينه والتخيير بينه وبين الأخذ بالجزم أو الأخذ برواية عمار، واحتمال وجوب الإتمام منتف قطعا، للروايات الكثيرة الدالة على وجوب الإعادة الظاهرة أو الصريحة في جواز القطع، وإن كان الأحوط هو الإتمام ثم الإعادة، ولكنه ضعيف. لا يقال: ما ذكرت من الجمع العرفي واضح بين ما دل على الأمر بالإعادة والأمر بالإتمام والتكميل لكنه لا يناسب مع ما دل على عدم دخول السهو في الأولتين اللتين هما من الفرائض. قلت: عدم مناسبته ليس إلا من جهة فرض أن المقصود منه عدم العمل بالوهم

[ 230 ]

[... ] أصلا، فلو فرض الأخذ بروايات التكميل وحمل الإعادة على التخيير والأفضل فيحمل ذلك أيضا على أنه لابد من الإتيان بالركعتين قطعا، أي لا يجوز قطع الصلاة بالسلام مع فرض الشك في الإتيان بالثانية في الثنائية ولا البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط بعد الصلاة في الرباعية، بل هو الظاهر منه عرفا مع قطع النظر عن الأمر بالإعادة، فتأمل. هنا فوائد نذكرها تبعا للجواهر: الفائدة الاولى: أن المستفاد من الجواهر مع تحرير منا أن بعض الأصحاب رضوان الله عليهم يرى أن الإعادة في الشك في الثنائية هي مقتضى القاعدة، من باب اشتغال ذمة المكلف بعدم النقيصة وعدم الزيادة، فمع القطع في مورد الشك في الواحدة والثنتين يحتمل النقيصة ومع الإتيان بركعة اخرى يحتمل الزيادة، وفي الشك بين الاثنتين والثلاث يحتمل الزيادة. وقد أجاب عنه بوجهين: أحدهما أن مقتضى الاستصحاب هو الصحة، ثانيهما أنه يؤتى حتى يقطع بعدم النقص، وأما الزيادة فمقتضى الأصل عدم تحققها. إن قلت: عدم إتيان المكلف بالزيادة الثابت بالأصل لا يثبت عدم كون الصلاة مما زيد فيها. قلت: هو أيضا مورد للحالة السابقة، فإنه بعد رفع الرأس من السجدة الثانية من الركعة الثانية يقطع باتصاف صلاته بعدم الزيادة عليها فيستصحب إلى آخر الصلاة الحاصل بالسلام، مع أنه لو اشكل في ذلك لابد أن يشكل في أصالة عدم الزيادة بالنسبة إلى الأفعال مع أن ديدنهم على إجرائها.

[ 231 ]

[... ] إن قلت: إن مقتضى الاستصحاب عدم تحقق الهيئة الصلاتية أي ذلك المركب المأمور به. قلت: هو مسبب عن تحقق الزيادة وعدمه، وبعد فرض الإتيان بالركعتين قطعا وعدم الزيادة بالأصل فالمركب حاصل، لأنه ليس شئ غير ذلك (1). انتهى مع تحرير منا ربما يتوهم غير المتدرب أنه غير ما قصده (قدس سره). وأقول أيضا: إن قلت: إن التشهد والسلام لابد أن يؤتى بهما في الركعة الثانية أو الأخيرة، ولا يثبت باستصحاب عدم الزيادة أن الركعة التي بعده هي الأخيرة. قلت أولا: لا دليل على لزوم كون التشهد في الركعة الأخيرة، بل مقتضى جواز التشهد والسلام لو سها وقام وتذكر قبل الركوع: عدمه، بل اللازم أن يكون بعد الركعتين الأولتين في الثاني أو بعد تمام الركعات في غيرها لا متصلا بها بحيث لا تصح مع الانفصال، بل لنا أن نقول: لو أتى بزيادة الركعة عمدا ثم تشهد وسلم لم تكن صلاته باطلة من حيث ترك التسليم والتشهد بل من حيث الزيادة. وثانيا: ليست حقيقة عنوان الثانية أو الأخيرة إلا الركعة التي تكون بعد الاولى من غير فصل ركعة اخرى، وليست حقيقة وراء ذلك، ودخالة ذلك إما على وجه المركب أو التقيد، وعلى التقديرين يثبت بالاستصحاب، فإن كونها بعد الاولى واضح بالوجدان، وعدم فصل ركعة اخرى ثابت بالأصل. ومن هنا يظهر الجواب عن شبهة اخرى وهي احتمال لزوم كون الركعة الثانية في الثنائية هي المقطوعة عليها. بيانه أن قطع تلك الركعة ثابت بالوجدان، وكونها ثانية ثابتة بالأصل كما عرفت، والله العالم.


(1) الجواهر: ج 12 ص 305.

[ 232 ]

[... ] وأما استصحاب الصحة فالصحة الفعلية مسبوقة بالعدم. وأما الصحة بمعنى الإتيان ببعض الأجزاء بوصف كونه صالحا ليتمه بالبعض الآخر فيحصل به الصحة الفعلية فهي غير مجدية في سقوط الأمر. وأما كون بقاء الصحة التأهلية إلى آخر الصلاة ملازما للصحة الفعلية، وملازمها حجة لأن الصحة التأهلية والفعلية مجعولتان ولو بالتبع، وبذلك يثبت الصحة الفعلية، فهو معارض باستصحاب عدم كون المركب المأتي به صحيحا فعليا، فيرجع إلى أصالة عدم وقوع المركب الصحيح، وعلى فرض ثبوت الملازمات في الحكم الشرعي فكل منهما صالح لرفع الشك عن الآخر، فلا يمكن أن يقال: إن استصحاب الصحة التأهلية إلى آخر الصلاة يرفع الشك عن استصحاب عدم الصحة الفعلية دون العكس، فتأمل. هذا مع قطع النظر عما ورد في خصوص الركعات من الأخبار، وأما بالنظر إليه فقد يمكن أن يقال: إن مقتضى بعض الروايات هو الإعادة، كمعتبر صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: " إن كنت لا تدري كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة " (1). والحمل على خصوص ما إذا لم يكن في البين متيقن أو على صورة كثرة الاحتمالات حمل على الفرد النادر. ولا يرد على الأخذ بإطلاقه أنه يستلزم تخصيص الأكثر أو الكثير، لعدم الإعادة في الشكوك الصحيحة التي يكون الحكم فيها هو البناء على الأكثر، إذ الجمع بالحمل على التخيير بين الأمرين مع استحباب الإعادة أولى، فيكون


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 1 من ب 15 من أبواب الخلل.

[ 233 ]

[... ] مفاده مطلوبية الإعادة مطلقا فيؤخذ به استحبابا في الموارد المذكورة ووجوبا في غيرها فلا يرجع إلى الاستصحاب. لكن يمكن أن يقال - بناء على عدم ظهور البعث في الوجوب إلا بضم عدم الإجازة في المخالفة وبناء على أن الحكم بالإعادة لا يكون واقعيا بل من باب عدم إحراز الواقع -: إن مقتضى الاستصحاب هو جواز البناء على الأقل في موارد عدم المانع من ذلك كالشك بين الثلاث والخمس وفي الثنائية والثلاثية لو لم يكن في البين ما اشير إليه من الروايات الكثيرة. إن قلت: مقتضى الاستصحاب هو وجوب البناء على الأقل وعدم القطع. قلت: رواية صفوان صريحة في جواز القطع، وبعد فرض قيام الحجة على جواز القطع لا مانع من تصحيح الصلاة جوازا بالاستصحاب فتكون الصلاة المأتي بها كأن لم يجعل فيها حرمة القطع. كما أنه يمكن أن يقال: إنه قد ورد الأمر بالإعادة في الأولتين وفي الثنائية والثلاثية فلا مورد للاستصحاب، وورد الأمر بالبناء على الأكثر مطلقا، من غير فرق بين ما يكون مقتضاه صحة الصلاة كما في موارد الشك بين التمام والنقصان أو كان مقتضاه البطلان كما في مورد الشك بين النقصان والزيادة فلا تصل نوبة الاستدلال بدليل الاستصحاب. وفيه: أنه لم نظفر على إطلاق يدل على البناء على الأكثر ولو كان لازمه البطلان، بل الظاهر من مثل موثق عمار أن البناء على الأكثر من باب تصحيح الصلاة على كل حال، ويأتي الإشارة إليه إن شاء الله بعيد ذلك. كما أنه يمكن أن يقال: إن مقتضى موثق عمار هو انحصار حكم السهو في الركعات في البناء على الأكثر، فقد نقل أنه قال له أبو عبد الله (عليه السلام):

[ 234 ]

[... ] " يا عمار أجمع لك السهو كله في كلمتين، متى ما شككت فخذ بالأكثر، فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (1). ببيان أن مقتضى الانحصار أمران: أحدهما أن حكم السهو في الركعات ما ذكره (عليه السلام). ثانيهما عدم حكم آخر وراءه في مورد الشك في الركعات، والأمر الثاني يدل على سقوط الاستصحاب. وفيه: وضوح أن المستفاد منه على تقدير دلالته على الحصر ليس إلا كون الحكم ما ذكره (عليه السلام) متصفا بالحصر، فإذا لم يكن نفس الحكم في مورد فلا حصر حينئذ، وأما الاستقلال في الحكم فلا يستفاد منه قطعا. ويمكن أن يقال - كما أنه مقتضى ما يستفاد من كلام الوالد الاستاذ العلامة (2) تغمده الله برحمته وغفرانه ورضي الله عنه وأرضاه -: إن مقتضى مثل الموثق هو حصر مفهوم السهو في الركعات وماهيته في البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط، بمعنى أن عنوان السهو في الركعات لا يراد منه غير ذلك، فمتى ورد أن فيه السهو يعني به ذلك وما ورد أنه ليس فيه السهو يعني به ذلك أيضا، فيضم إلى ذلك ما ورد في صحيح زرارة من قوله (عليه السلام) " وليس فيهن وهم " يعني سهوا، إلى أن قال (عليه السلام): " فمن شك في الأولتين أعاد " (3) فيكون المقصود من قوله " ليس فيهن وهم " أي ليس فيهن حكم البناء على الأكثر، ومقتضى التفريع بقوله " فمن شك... " أن المتفرع عليه علة لذلك فيصير المحصل من مجموع الدليل أنه لابد في الشك في الأولتين من الإعادة، لأنه ليس فيه حكم البناء على الأكثر، ومقتضى الأخذ بالتعليل هو الحكم بالإعادة في مطلق ما ليس فيه البناء على الأكثر.


(1) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (2) كتاب الصلاة للحائري المؤسس: ص 355. (3) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 235 ]

[... ] لكن الإنصاف أنه غير واضح مع أنه اجتهاد لطيف، من جهة عدم ظهور الحصر في المفهوم، بل الظاهر أن المحصور فيه هو السهو الذي لابد وأن يعمل به، لا مطلق مفهوم السهو حتى في مورد نفي السهو، وعلى فرض الحصر فكون التفريع بمنزلة التعليل غير واضح أيضا، إذ يكفي في حسنه كون المتفرع عليه دخيلا في التفريع، فالظاهر أنه لا مانع من جريان الأصل إن لم يكن في البين مانع من جهة الأخبار الواردة في خصوص المسألة، والله تعالى هو العالم، وهو المعول عليه في جميع العوالم. الفائدة الثانية: بعد فرض البطلان في الثنائية التي هي مفروض المقام فالاحتمالات المتصورة فيه أربعة: الاحتمال الأول: أن يكون الشك قاطعا للصلاة ولو لم يأت المصلي بالأجزاء الصلاتية في حال الشك أصلا. والدليل على ذلك إطلاق مثل معتبر حفص البختري، وفيه: " وإذا شككت في الفجر فأعد " (1) وغيره فراجع (2). الاحتمال الثاني: أن يكون الشك مانعا عن صحة الصلاة فلا يؤتى بها في حال الشك، أو كان اليقين شرطا فيها بمعنى أنه لابد أن يكون كل جزء من أجزاء الصلوات الثنائية مقرونا باليقين، أو يكون الشك المقارن لكل جزء مانعا عن صحته، وفيه وجهان: أحدهما أن لا يكون مفاد الدليل إلا المانعية عن صحة الجزء بلا نظر إلى بطلان الصلاة بذلك أي بالإتيان ببعض الأجزاء باطلا، فيكون ذلك موكولا إلى دليل آخر، ومقتضى ذلك عدم بطلان الصلاة لو أتى بالقراءة مثلا


(1) الوسائل: ج 5 ص 304 ح 1 من ب 2 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 304، الباب 2 من أبواب الخلل.

[ 236 ]

[... ] في حال الشك، وبطلانها إذا أتى بالركوع والسجدتين في تلك الحالة، لاستلزامه زيادة الركن. وثانيهما أن يكون مفاده قطع الصلاة بالإتيان ببعض الأجزاء مقرونا بالمانع أو فاقدا للشرط فيبطل الصلاة حينئذ حتى بإتيان القراءة في حال الشك، فالفرق بينه وبين الاحتمال الأول - بناء على الوجه الثاني بعد الاشتراك في قطع الصلاة - أن القاطع بناء على الأول هو نفس الشك وبناء على الثاني يكون الإتيان بالجزء الصلاتي في حال الشك. الاحتمال الثالث أن يقال: إن المستفاد من الدليل أنه لابد من اليقين بحصول الركعتين من دون الزيادة والنقيصة ولو كان ذلك بعد الصلاة، فالشرط الواقعي للصلاة حصول اليقين بذلك إما في الصلاة أو بعدها، أو يكون المانع عنها استمرار الشك إلى آخر وقت الفوت. الاحتمال الرابع: أن لا يكون الشك قاطعا ولا مانعا بأحد الوجوه المتصورة، بل الفرق بين الثنائية وغيرها عدم معذورية المكلف في الإخلال بها من حيث الزيادة والنقيصة، فاليقين لازم في مقام الإبراء لا في مقام الثبوت، فيكون مفادها عدم علاج للشك في الثنائية بحيث يمكن تصحيحها في الظاهر، فيكون المكلف معذورا في النقيصة كما في الشكوك التي يبني فيها على الأكثر، أو كان معذورا من جهة الزيادة كما في الشكوك التي لابد فيها من البناء على الأقل كالشك في الأربع والخمس، وعدم علاج أيضا للشك في الصلوات الرباعية إذا كان منشأه الشك في الأولتين. وهو الأصح بحسب ما يصل إليه النظر، وهو العالم بالظاهر والمستتر. والوجه في ذلك أن إطلاق الأمر بالإعادة على فرض وجوده وعدم كون المقصود هو تجويز الإعادة ما دام كونه شاكا ورفع ذلك إذا حفظ محكوم بما يظهر من غير واحد من الأخبار من أن المقصود بذلك هو التحفظ على الصلاة كصحيح

[ 237 ]

[... ] زرارة، وفيه: " فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين " (1) وحسن محمد بن مسلم بإبراهيم، وفيه: " يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم " (2) وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا سهوت في الأولتين فأعدهما حتى تثبتهما " (3) وصحيح محمد عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن السهو في المغرب، قال: " يعيد حتى يحفظ... " (4). وتلك الأخبار التي فيها الصحيح والحسن مبينة لوجه الأمر بالإعادة وأنها لحصول التحفظ والاستيقان، فهي حاكمة على مطلقات الأمر بها إن كان لها إطلاق. ثم لا يخفى أن الظاهر عند العرف من وجوب التحفظ هو لزوم القطع بالبراءة، لادخالة وصف التحفظ في صحة الصلاة واقعا، وهو الظاهر من صحيح زرارة المتقدم إليه الإيماء، وفيه بعد قوله: وليس فيهن وهم يعني سهوا: " فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا وفيهن الوهم وليس فيهن قراءة، فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين، ومن شك في الأخيرتين عمل بالوهم ". فإنه لو كان المقصود دخالة الحفظ في صحة الصلاة واقعا لم يصح التفريع على عدم الوهم فيه، بخلاف ما لو كان المقصود هو اليقين بالبراءة، فإنه حيث لا طريق شرعا بحسب الحكم الظاهري فلابد من حصول اليقين. ويحتمل أن يكون التفريع على كون الركعتين فرض الله تعالى، فعدم الوهم


(1) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 30 ح 7. (3) المصدر: ص 302 ح 15. (4) الوسائل: ج 5 ص 304 ح 4 من ب 2 من أبواب الخلل.

[ 238 ]

[... ] ولزوم اليقين متفرعان عليه في عرض واحد. وهو أيضا لا يناسب دخالة وصف اليقين في صحة الصلاة واقعا بل يناسب القطع بالبراءة، مضافا إلى تقابله للشك في الأخيرتين والحكم فيهما بالعمل بالوهم وأن الفارق أنه يعمل في الأخيرتين بالوهم ولا يعمل به في الأولتين. وعلى فرض الشك فليس إلا من مصاديق الشك في شرطية صفة اليقين في صحة الصلاة أو مانعية الشك أو قاطعيته، والمرجع في الكل هو البراءة. ومما يؤيد عدم دخالة وصف اليقين في صحة الصلاة ما يجئ (1) إن شاء الله تعالى من حجية الظن في الأولتين أيضا. وأما ما استدل به على شرطية صفة اليقين فيهما من معتبر ابن أبي يعفور، وفيه: " ولا تمض على الشك " (2) من أجل ظهوره في النهي عن المضي مع فرض الشك بين الثلاث والاثنتين فمدفوع بأن الظاهر منه النهي عن المضي المطلق والاكتفاء بالصلاة من دون التروي حتى يحصل له الجزم بالصحة لا الإعادة فهو على خلاف المطلوب. ويترتب على ما ذكرناه من المبنى أنه لو أتى بصلاتين ثنائيتين - كالصبح الأدائي والقضاء - وشك في كل منهما لكن علم إجمالا بصحة إحداهما لا تجب عليه إلا إعادة واحدة منهما بقصد ما في الذمة، وكذا الحكم بالصحة في ما لو سلم مع الشك وبعد ذلك حصل له اليقين، وغير ذلك. فرعان: الأول: هل تجوز الإعادة بمحض حصول الشك ولا يجب التروي أصلا،


(1) في ص 405 وما بعدها. (2) الوسائل: ج 5 ص 328 ح 2 من ب 15 من أبواب الخلل.

[ 239 ]

[... ] أو يجب بمقدار يستقر الشك - ولعل المقصود من الاستقرار الاطمينان بتحققه مدة قابلة للاعتبار - أو يجب بمقدار تنمحي به صورة الصلاة، أو أحد الأمرين من اليأس عن التبديل بالقطع أو الظن إلى أن تنمحي الصورة أو الصبر إلى تلك المدة؟ وجوه. وما يمكن أن يستدل به لوجوب التروي في الجملة امور: منها: الانصراف، أي انصراف الشك إلى المستقر منه مدة. وفيه: منع الانصراف، إذ لا فرق بينه وبين غيره مما جعل الشك موضوعا للأحكام، كالشك في الطهارة والنجاسة، والشك في مورد الاستصحاب مع التصريح بعدم لزوم الفحص في صحيح زرارة الوارد في باب الاستصحاب (1)، والسؤال دليل على عدم الانصراف، فتأمل. ولا فرق على الظاهر بينه وبين سائر الموضوعات المجعولة قاطعا أو حكم بحرمته، فالحدث قاطع والضحك العمدي قاطع والغصب حرام وشرب الخمر حرام وليس كل ذلك منصرفا إلى المستقر منه بالضرورة، مع أن في بعضها لا يحتمل الاستمرار كالغصب المبني من أول الأمر على الاكتفاء بصرف وجوده. والظاهر أنه ليس المراد من الانصراف المدعى في كلامهم هو انصراف الشك بما هو ولو فرض كونه قاطعا، بل الشك الذي لا يكون مبطلا بمحض التحقق إما من باب الشرطية للصلاة أو مانعية الشك على التفصيل المتقدم، ولعله لأجل وضوح عدم الانصراف للفظ الشك من حيث هو لم يجعل في الجواهر مسألة التروي موردا للبحث إلا على فرض عدم قاطعية الشك، ولو كان الملاك للتروي عندهم هو الانصراف لكان للبحث عنه مع فرض القاطعية أيضا مجال كما لا يخفى.


(1) الوسائل: ج 2 ص 1053 ح 1 من ب 37 من أبواب النجاسات.

[ 240 ]

[... ] ومنها: أنه بعد ما لم يكن الشك قاطعا فلم يتعلق الأمر بالإعادة بمحض تحققه، فالصلاة صحيحة يحرم قطعها فلابد إما من الصبر حتى يبطل الصلاة بالانمحاء أو يحصل اليأس من التبديل على إشكال في الأخير، فالتروي من باب أن إعادة الصلاة موجبة لبطلان الصلاة المتقدمة ويحرم قطعها. ويمكن الجواب عنه بأن مقتضى إطلاق دليل الإعادة جوازها بمحض حصول الشك، ويكفي في صدق كون العلة هو التحفظ على الصلاة القطع بالتحفظ على تقدير الإعادة وعدم معلومية ذلك على تقدير العدم. ومنها: أنه لو فرض الإطلاق أيضا فيتعارض لدليل حرمة القطع فيستصحب حرمة القطع قبل حصول الشك. ويمكن الجواب عنه بعدم دليل على حرمة القطع في تلك الصلاة غير المعلومة أنها قابلة للإتمام صحيحة، فدليل وجوب الإعادة المقتضي لجوازها قبل الصبر إلى الانمحاء أو اليأس محكم. مع إمكان أن يقال: إنه على فرض عدم الدليل على حرمة القطع وعدم الدليل على الإعادة في المقام - الذي لا يعلم انحصار طريق التحفظ بالإعادة وليس ما يوجب حرمة القطع إلا الاستصحاب - أن الشك في حرمة القطع وعدمها مسبب عن بقاء الشك إلى الانمحاء وعدمه، ومقتضى الاستصحاب هو البقاء فلا حرمة للقطع، واحتمال حرمة القطع حتى في الصلاة التي لا يمكن إتمامها صحيحة واقعا بعيد جدا. والعمدة أن إطلاق دليل الإعادة يشمل قبل التروي، ولا دليل على حرمة القطع في تلك الصلاة غير المعلوم حالها، ومع الإطلاق لا مجال لاستصحاب حرمة القطع - والله العالم - وإن كان الأحوط الصبر إلى حصول الانمحاء أو اليأس عن تبديل شكه باليقين أو الظن، وأحوط منه الصبر إلى حصول الانمحاء خارجا،

[ 241 ]

[... ] تجنبا عن احتمال حرمة القطع حتى في الصلاة التي يقطع بأنه لا يمكن إتمامها صحيحة مبرئة للذمة مع فرض عدم عروض البطلان فعلا. ويمكن أن يقال أيضا تأييدا لعدم وجوب التروي بأنه على فرض وجود الإطلاق المقتضي لحرمة القطع وعدم وجود إطلاق يقتضي الإعادة فمقتضى القاعدة جواز الإعادة، لعدم حصول القطع بالصلاة المعادة، لعدم الدليل على مبطلية الزيادة التي لا يؤتى بها بقصد الصلاة المفتتح بها، وتصح الصلاة الثانية وتبطل الاولى، لا من باب القطع، بل من باب حصول الامتثال قبل الإتيان بالاولى، فتأمل. الثاني: الظاهر أنه لا دليل على لزوم إبطال الصلاة الاولى بإيجاد المنافي من إمحاء صورة الصلاة أو غيره وصحة الثانية من دون ذلك، إذ وجه توهم البطلان أمران: أحدهما: حصول القطع بالشروع في الثانية أو بالزيادة في الركن، وهو حرام ومبطل للصلاة الثانية. ثانيهما: عدم الأمر بالأجزاء المأتي بها إلى الآن لفرض الصحة وعدم طرو البطلان عليهما بمحض الشك. وكلاهما مدفوعان: أما الأول فلما عرفت في المسألة المتقدمة من عدم دليل على حرمة القطع، والاستصحاب مقطوع بالإطلاق الدال على الإعادة، ولعدم وضوح حصول القطع بالصلاة الثانية حتى يحرم لذلك، كما أشرنا إليه من عدم وضوح صدق الزيادة على ما أتى به بعنوان الصلاة الثانية وتبديل الامتثال بامتثال آخر. وأما الثاني فلأن الأمر بالأجزاء المأتي بها باق، لعدم الإتيان بقيدها وهو

[ 242 ]

[... ] الأجزاء اللاحقة، والمفروض هو القطع بعدم لحوق الأجزاء اللاحقة بالنسبة إلى الصلاة الاولى، ولا يصلح أن يكون الأجزاء المأتي بها بعنوان اللاحقة أن يصير جزء للاولى، لحصول الزيادة، فالأمر بالنسبة إلى المأتي به من الأجزاء حاصل بالفعل. هذا كله، مضافا إلى أن مقتضى إطلاق الدليل الوارد في الباب هو الإعادة من دون إشارة إلى لزوم إيجاد المنافي، فتأمل. الفائدة الثالثة: قد مر أنه لا فرق في الحكم بالبطلان في الثنائية بين الشك في النقيصة أو الزيادة، قال (قدس سره) في الجواهر: للإطلاق (1). أقول: بل يدل عليه بالخصوص صحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا، قال: " يعيد ". قلت: أليس يقال: لا يعيد الصلاة فقيه؟ فقال: " إنما ذلك في الثلاث والأربع " (2). وتخصيص الصدر - بقرينة الذيل - بالرباعيات قبل إكمال السجدتين من الحمل على الفرد النادر المستهجن. الفائدة الرابعة: قال (قدس سره) في الجواهر: نقل عن جماعة التصريح بأنه لا فرق في هذا الحكم بين الواجبة


(1) الجواهر: ج 12 ص 307. (2) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 3 من ب 9 من أبواب الخلل.

[ 243 ]

[... ] بالأصل والعارض كالمنذورة ونحوها، لإطلاق النصوص والتعليل الوارد في الخبر بأنها ركعتان (1). ومراده من " الخبر ": موثق سماعة، وفيه بعد بيان حكم صلاة الغداة والجمعة أيضا: " إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة، لأنها ركعتان " (2). وقال بعد ذلك: وإن كان لا يخلو من تأمل، للشك في شمول الإطلاق وفي أن لحوق الحكم في النافلة لوصف النفل أو أنه لذاتها (3). وفي مصباح الفقيه: أن الوجوب في المنذورة تعلق بها على حسب مشروعيتها فلا يغير حكمها النذر وشبهه (4). أقول: فالوجوه التي تقتضي عدم مبطلية الشك في الفرض المبحوث عنه ثلاثة: الأول: عدم إطلاق يقتضي البطلان. والوجه في ذلك أن صحيح زرارة ظاهر في أن الملاك في البطلان كون الصلاة من فرائض الله من حيث إنها صلاة، ولذا قال أبو جعفر (عليه السلام) على ما فيه: " كان الذي فرض الله على العباد عشر ركعات، وفيهن القراءة، وليس فيهن وهم " (5). فهو حاكم ومفسر لإطلاق مبطلية الشك في الأولتين وأنه ليس من حيث إنهما ركعتان، بل من حيث إنهما فرض الله تعالى.


(1) الجواهر: ج 12 ص 307. (2) الوسائل: ج 5 ص 305 ح 8 من ب 2 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 307. (4) مصباح الفقيه: ج 2 ص 555. (5) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 244 ]

[... ] إن قلت: لا مانع من كون الموضوع الواقعي للبطلان أمران: أحدهما كون الصلاة مما فرضه الله تعالى بما هي صلاة، ثانيهما كونها ركعتين بشرط أن لا تكون نافلة بالفعل، لدلالة غير واحد من المطلقات على ذلك. قلت: لو كانت الركعتان تمام الموضوع للبطلان فانطباق فرض الله على عشر ركعات التي كلها ركعتان إما من الصلاة الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية غير دخيل في الحكم، وصرف الكفاية في ذلك إذا كان الحيث العام فيه وفي غيره مقتضيا للبطلان غير كاف في ما يقتضيه صحيح زرارة من أن البطلان وعدم السهو من باب أن العشر ركعات فرض الله تعالى. إن قلت: المستفاد من صحيح زرارة أن كون الموضوع مما فرضه الله تعالى تمام الموضوع للبطلان، والعمل بالنذر والعهد مما فرضه الله تعالى. قلت: لا شبهة في أن المستفاد منه أن الملاك للبطلان هو فرض الله من حيث الصلاة، وليس المقصود أنه ليس في مطلق فرض الله سهو فلا يجوز الرجوع إلى الاصول في متعلق النذور بل وغيرها من المعاهدات بين الخلق والخالق بل وبين الخلق بعضهم مع بعض، وكل ذلك لأن الأمر بالوفاء بالعهد و * (ان العهد كان مسئولا) * ورد في القرآن الكريم (1). الثاني: وجود الإطلاق في دليل النافلة من حيث شمولها للنافلة بالذات، خصوصا مع وجود الأمر النفلي الذي لا يوجب تركه العقوبة، فهو أيضا نفل بالفعل من حيث الأمر بالذات. لكن الإنصاف أنه مشكل، لأن كون الفعل نافلة من جهة غير كونه نافلة بقول مطلق، والظاهر هو الثاني وإلا لكان شاملا لصلاة الصبح التي يؤتى بها أيضا


(1) سورة الإسراء: 34.

[ 245 ]

[... ] من حيث انطباق عنوان التحية للمسجد عليه، فإنه نفل من جهة. الثالث: أن وجوب النافلة بالنذر إنما يتعلق بها بما لها من الأجزاء والشرائط والموانع فلا يقتضي تشريع حكم في قبال ما له من الحكم مع قطع النظر عن عروض الوجوب. وفيه أيضا: أن عدم البطلان في النوافل وجواز البناء على الأقل أو الأكثر ليس حكما واقعيا لها على الظاهر بل هو حكم ظاهري، والنافلة الواقعية هي الركعتان من دون زيادة ونقيصة، ولذا امر بإعادة الوتر على ما في رواية العلاء (1)، مع أن الإطلاق وكون الموضوع لعدم شئ على الساهي هو السهو، والشك كاف عرفا في كون الحكم ظاهريا كسائر الأحكام الظاهرية التي موضوعها المستحبات. والحاصل أن النافلة الواقعية هي الركعتان من دون الزيادة والنقصان وهي التي وقعت متعلقة للنذر ولم يعلم بتحققها. ومن ذلك يظهر أن الأصح - والله أعلم - هو عدم البطلان لعدم الإطلاق، وعدم التخيير لعدم اقتضاء لدليل النافلة، فلابد من الرجوع إلى القاعدة من البناء على الأقل. هذا، مع أنه أحوط، وأحوط منه الإعادة بعد البناء على الأقل والإتمام، والله المستعان في المبدأ والختام وبه الاعتصام. الفائدة الخامسة: قال (قدس سره) في الجواهر ما خلاصته: أن مقتضى ما تقدم من حكم جماعة في النافلة المفروضة بالبطلان: الحكم بالصحة في العكس، وهو عروض وصف النفل على الفريضة، كصلاة العيدين والمعادة بقصد الجماعة والتبرع عن الغير


(1) الوسائل: ج 5 ص 331 ح 3 من ب 18 من أبواب الخلل.

[ 246 ]

[... ] والمعادة احتياطا، لكن لا يخلو عن إشكال بل منع، خصوصا في ما كان الحكم فيه معلقا على الاسم كالمغرب ونحوه (1). انتهى. يمكن أن يقال: إن الأوجه إجراء حكم الأصل والحكم بالبطلان بواسطة عروض الشك، وذلك لإطلاق ما دل على مبطلية الشك في الثنائية وفي الأولتين مطلقا. والإشكال في ذلك بأن " مقتضى صحيح زرارة المتقدم (2) أن الملاك هو كون الركعتين فرض الله، ولم يعلم كون الكسوف والعيدين مثلا فرض الله تعالى " مدفوع بكشف كونه من فرض الله تعالى من الإطلاق المزبور، والتمسك بالعام في الشبهة المصداقية إنما لا يجوز في ما إذا لم يكن بيان المصداق محولا إلى الشارع المقدس، فتأمل. كما أن الإشكال في ذلك بأنه " بعد العلم بكونها مصداقا للنفل بالفعل كيف يمكن أن يكون من فرائض الله؟! " مدفوع أيضا بأن الظاهر من صحيح زرارة أن الملاك في عدم تطرق حكم الوهم ما كان فرضا له تعالى بالذات. وأما إطلاق الدليل - كصحيح محمد بن مسلم المتقدم (3) - فيمكن دفعه بأمرين: أحدهما: أن المتيقن من المنصرف إليه فيه هو النافلة بالفعل التي هي بالذات أيضا، لا النفل بالذات المحض ولا النفل بالفعل المحض، ومع الشك في الظهور يرجع إلى الإطلاق. ثانيهما: أنه مع فرض الإطلاق فيمكن أن يقال: إن عدم اقتضاء الشك للبطلان من حيث الاتصاف بالنفل لا ينافي اقتضاء البطلان من حيث الاتصاف بكونه فرضا بالذات، فافهم وتأمل.


(1) الجواهر: ج 12 ص 307 - 308. (2) في ص 243. (3) الوسائل: ج 5 ص 331 ح 1 من ب 18 من أبواب الخلل.

[ 247 ]

[... ] الفائدة السادسة: قال (قدس سره) في الجواهر ما ملخصه أنه: لو شك المسافر في مواضع التخيير بعد إكمال الركعتين - مثلا في الاثنتين والثلاث - فهل يحكم بالبطلان مطلقا أو بالصحة مطلقا أو يفصل بين المسبوق بنية القصر فالبطلان أو المسبوق بنية التمام فالصحة؟ وجوه (1). انتهى. أقول: لم يذكر وجها للبطلان المطلق. ويمكن أن يوجه بأمرين: أحدهما: أن الصحة متوقفة على صدق كون الصلاة رباعية، ولا تصدق الرباعية إلا بعد الدخول في الركعة المرددة بين الثلاث والأربع حتى تخرج الصلاة عن مصداق الثنائية. وأما صرف القصد إلى كونها رباعية فلا دليل على كونه معينا لذلك، ولا يمكن للمكلف إدامة الصلاة بقصد التقرب إلا مع فرض الصحة، فهي تتوقف على صيرورتها متمحضة في الرباعية، وذلك يتوقف على إدامة الصلاة، وهي تتوقف على الصحة، فالصحة متوقفة على الصحة. ويمكن الجواب بأنها لا تتوقف على صيرورتها رباعية بالفعل، بل تتوقف على صيرورتها بعد ذلك رباعية، فالصحة تتوقف على كون الصلاة فعلا مما يدخل في سلك الرباعية ولو بعد ذلك، مع أن عروض وصف الصحة بعد ذلك من حيث الشك كاف في الصحة التأهلية وتوجه الأمر وصلاحية التقرب. ثانيهما: أن الشك الحادث لا يكون شكا في الرباعية فعلا حتى يصح، وبعد الدخول في الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة وإن كان الشك في الرباعية لكنه


(1) الجواهر: ج 12 ص 308.

[ 248 ]

[... ] لا يكون مصداقا للشك بين الاثنتين والثلاث حتى يحكم بالصحة بدليله، ولا مصداقا للشك بين الثلاث والأربع، لعدم حدوثه فيها، ولا يكفي صدق عنوان الشك بين الثلاث والأربع عليه من حيث البقاء. والجواب عن ذلك أنه يمنع اعتبار صدق الحدوث في صدق الشك بين الثلاث والأربع بل هو من باب البناء على الأكثر، والشك في غير الاثنتين فما زاد مما لا يكون زائدا على الأربع، مع إمكان أن يقال بكفاية صدق الشك بين الثلاث والأربع في الصلاة التي تصير رباعية بعد ذلك، والذي لابد من الحكم بالبطلان على المشهور بينهم هو الشك فيه إذا كان في الصلاة الثنائية غير القابلة لصيرورتها رباعية أو القابلة لذلك مع عدم عروض وصف الرباعية عليه بعد ذلك. ومن اندفاع ذلك كله مع عدم الدليل على حصول وصف الثنائية على الصلاة المخيرة فيها بين القصر والإتمام يظهر وجه الصحة على وجه الإطلاق حتى على فرض كون الشك قاطعا للثنائية بمحض حدوثه، إذ مع عدم السلام والإدامة في الصلاة لا تكون ثنائية بل تكون رباعية. هذا وجه الصحة المطلقة ووجه البطلان المطلق، لكن اتضح أن الأصح إذا دار الأمر بينهما هو الأول. وأما وجه التفصيل فامور: منها: تمحض الصلاة في الثنائية والرباعية بالقصد بحيث لا يجوز العدول ولا يتغير بصرف ذلك، وحينئذ يكون الشك واقعا في الثنائية الفعلية غير القابلة للعدول. ومنها: تحصل القصر والإتمام بالقصد لكن بشرط عدم العدول مع بقاء التخيير، وجواز العدول مع فرض كون الشك قاطعا ومبطلا بصرف حدوثه، فحينئذ

[ 249 ]

[... ] تكون الصلاة باطلة بصرف حدوث الشك، ولا يصححها العدول، لاشتراط أن يكون المعدول عنها صحيحة، والمفروض بطلانها جزء، فكيف يصح العدول؟! وهو الذي بنى عليه صاحب العروة الوثقى (قدس سره) في كتابه التفصيل (1)، وهو الذي يظهر من صدر كلام الجواهر (2). ومنها: أنه على فرض تحصلهما بالقصد وجواز العدول من دون اشتراط أن يكون الشك مبطلا بمحض حدوثه، من جهة احتمال البطلان في المعدول عنه، - من جهة احتمال الزيادة - فلا يحرز صحة المعدول عنه. ومنها: أنه على المبنى المذكور لكن من جهة القطع ببطلان الصلاة: إما لبطلان المعدول عنه من جهة الزيادة، وإما من باب النقص في المعدول إليه وعدم تصحيح ذلك بدليل البناء على الأكثر، من جهة أن مصبه هو فرض الصحة على تقدير عدم النقصان، نعم، لو كان مفاده التصحيح الواقعي من حيث النقصان في مورد الشك - ولو مع فرض البطلان على فرض عدم النقصان - لصح هنا وكان الإشكال مندفعا، من جهة تصحيح النقصان واقعا بالقاعدة المزبورة والحكم بصحة الصلاة من جهة احتمال الزيادة باستصحاب عدمها، والمسألة بعد محتاجة إلى التأمل، وحيث إن المبنى مزيف بحسب الظاهر - لأن مقتضى القاعدة عدم دخالة القصد في تحصل القصر والإتمام - فالأمر يدور بين البطلان المطلق والصحة كذلك والأقوى هو الثاني، فلا يهمنا التعرض لتلك الوجوه أكثر مما ذكر، وإلا لأمكن أن يقال أيضا بمنع البطلان فعلا في المعدول عنه من جهة الشك أو من جهة الزيادة إذا كان موردا لانطباق عنوان الصحيح بالعدول أو كون العدول موجبا للانقلاب


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 52، المسألة 25. (2) الجواهر: ج 12 ص 308.

[ 250 ]

[... ] في ما سبق كالإجازة في الفضولي، فتأمل في المقام إن شئت زيادة البصيرة، والله المستعان في كل جزء من الآن. الفائدة السابعة: إذا حصل الشك في صلاة الكسوف فالإشكال بحسب ما يصل إليه النظر في موضعين: أحدهما: أن ظاهر بعض الأدلة أنها سنة سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومقتضى صحيح زرارة أن الملاك في مبطلية الشك كون الصلاة من فرائض الله، ففي رواية العلل: " إنما جعلت للكسوف صلاة لأنه من آيات الله تبارك وتعالى، لا يدرى الرحمة ظهرت أم لعذاب، فأحب النبي أن تفزع امته إلى خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرها ويقيهم مكروهها، كما صرف عن قوم يونس... " (1). وفي رواية علي بن عبد الله: " إنه لما قبض إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جرت فيه ثلاث سنن - إلى أن قال: - ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف " (2). ويمكن حل ذلك بما رواه زرارة في المعتبر الذي لعله أعلى من الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام): " فرض الله الصلاة وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عشرة أوجه: صلاة السفر والحضر،... وصلاة كسوف الشمس والقمر... " (3).


(1) الوسائل: ج 5 ص 142 ح 3 من ب 1 من أبواب صلاة الكسوف. (2) المصدر: ص 143 ح 10. (3) الوسائل: ج 3 ص 3 ح 2 من ب 1 من أبواب أعداد الفرائض.

[ 251 ]

[... ] ولعل المستفاد من المجموع أن الكل فريضة له تعالى، كأن قال الله تعالى: كل صلاة يتحصل سببها في نظرك يا محمد (صلى الله عليه وآله) فهي فريضة وتكون مكتوبة، كما أنه لعله ربما يؤيد ذلك بقوله تعالى: * (إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) * (1) ولا أقل من احتمال ذلك، فيمكن الأخذ بإطلاق مبطلية الشك في الركعتين الأولتين. ثانيهما: هل تكون صلاة الكسوف من حيث موضوعيتها للبطلان - من حيث الشك في الركعتين الأولتين - عشر ركعات فتبطل إذا كان الشك في الأولتين ولا تبطل إذا كان بعد ذلك أو لا تبطل في الشك في الأولتين الخاليتين عن الركوع؟ بل تبطل إذا كان الشك بين الركعة الاولى بركوعاتها الخمسة والركعة الثانية، فتبطل إذا كان الركوع المأتي به مرددا بين السادس والخامس، كما نسب إلى المشهور بين الأصحاب، وهو المعروف بين المتأخرين بل لم أظفر على من احتمل خلاف ذلك، من حيث إن الركعة التي يكون الشك فيها مبطلا إذا كان في الاثنتين هي الركعة الثانية المشتملة على السجدة. لكن الإنصاف أن ذلك عندي لا يخلو عن شوب الإشكال، من جهة أن الركعة في اللغة هي الوحدة في الركوع، وقد كثر استعمالها في الشرع في العدد من الصلاة المشابه كل واحد للآخر بشرط الاشتمال على الركوع. وأما قيد دخالة السجدتين في ذلك فهو غير واضح، فإن علاقة الحال والمحل لا تناسب دخالة السجدتين، بل الذي يناسب التوسع هو استعمال اللفظ المذكور في الواحد المشتمل على الركعة، ألا ترى أنه لا شبهة عندهم على الظاهر في صدق الركعة عند السهو عن السجدة الواحدة لعدم جزئيتها في هذا الحال للصلاة، والظاهر


(1) سورة النساء: 103.

[ 252 ]

[... ] أنه لو فرض إلقاء السجدتين في حال الضرورة مثلا حتى الفرد الاضطراري لا شبهة عند عرف المتشرعة في صدق الركعة، والظاهر أنه لو لم تكن السجدتان مشروعتين في صلاة الكسوف لكان تصدق الركعة على المشتمل على الركوع. هذا كله، مضافا إلى إطلاق الركعة على كل مشتمل على الركوع في غير واحد من الروايات (1)، ومقتضى ذلك هو البطلان في الأولتين والصحة في الباقي بالبناء على الأكثر، لإطلاق ما روي عن عمار في الموثق بطرق متعددة ومتون مختلفة، فراجع (2). والانصراف إلى اليومية ممنوع، وإلا لكان دليل البطلان منصرفا إليه. وما ذكرناه قريب مما في الجواهر عن صاحب البشرى ورده بما هو مورد للمناقشة (3)، فراجع بعد ذلك وتأمل. وإن أبيت عن ذلك فإطلاق الركعة الواحدة على مجموع الخمس غير واضح عند عرف المتشرعة جدا، ولا قصور في إطلاق موثق عمار، لخلوه عن كلمة الركعة، والمنصرف إليه ليس إلا الواحد المشتمل على الركوع، وحينئذ يعيد الصلاة في الشك في الأولتين احتياطا ويبني على الأكثر في الباقي، وإن كان الاحتياط لا يترك مطلقا بالعمل على المشهور والعمل بما قلنا، والله هو المستعان. ثم إن الإشكال على ما قلنا من البناء على الأكثر " من أن مقتضى صلاة الاحتياط هو السجدتان، فهي حينئذ لا تنطبق على الناقص الخالي عن السجدة كما في الجواهر " (4) مدفوع نقضا وحلا: أما الأول فلأن الإشكال مشترك الورود، فإن في الصلوات اليومية أيضا


(1) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 149 و 150 و 151 و 152 ح 1 و 2 و 6 و 7 و 8 و 9 و 11 من ب 7 من أبواب صلاة الكسوف. (2) الوسائل: ج 5 ص 317 و 318 ح 1 و 3 و 4 من ب 8 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 309 - 310. (4) الجواهر: ج 12 ص 310.

[ 253 ]

[ قال (قدس سره): وكذا المغرب (1). * ] تكون صلاة الاحتياط مشتملة على التكبير والتشهد والسلام مع أن الناقص هو الركعة الخالية عن جميع ذلك. وأما الحل فهو أن مقتضى موثق عمار هو الإتيان بعد السلام بما يسمى صلاة، ففيه: " فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت أنك نقصت " (2). والصلاة لابد أن تكون مشتملة على السجود كما في خبر العلل، ففيه: " وإنما جعل فيها [ أي في صلاة الكسوف ] السجود لأنه لا تكون صلاة فيها ركوع إلا وفيها سجود " (3) وغير ذلك، فراجع. * في الجواهر: على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل حكاه جماعة نصا وظاهرا، بل عن الأمالي: إنه من دين الإمامية. ونسبة الخلاف إلى الصدوق ووالده (قدس سرهما) غير ثابت (4). انتهى. ويدل عليه بالنسبة إلى الشك في الأولتين زيادة ونقيصة قبل الإكمال كل ما تقدم مما يدل على مبطلية الشك في الأولتين، فإنه لا فرق من تلك الجهة بين الثنائية والثلاثية والرباعية، فهو واضح جدا ولا ينبغي أن يكون موردا للبحث. إنما الإشكال في موضعين: أحدهما: الشك بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين، فإنه وإن دل على بطلانها به أيضا إطلاق غير واحد من الروايات التي منها الصحيح المروي


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 152 ح 11 من ب 7 من أبواب صلاة الكسوف. (4) الجواهر: ج 12 ص 310.

[ 254 ]

[... ] عن ابن أبي عمير عن حفص البختري وغير واحد كلهم عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا شككت في المغرب فأعد، وإذا شككت في الفجر فأعد " (1). وغيرها من المعتبرات، فراجع (2). ويدل عليه بالخصوص أيضا من حيث كون الشك بين الاثنتين والثلاث صحيح عبيد بن زرارة، قال: سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا، قال: " يعيد... " (3). لكن الإشكال في أنه تعارضه عدة روايات اخر: منها: صحيح زرارة، وفيه: " فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا وفيهن الوهم وليس فيهن قراءة " (4). ومنها: خبر عبد الله بن سليمان، وفيه بعد قوله زاد رسول الله سبع ركعات: " وإنما يجب السهو في ما زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " (5). ومنها: إطلاق بعض الروايات التي منها خبر عامر: " إذا سلمت الركعتان الأولتان سلمت الصلاة " (6). ومفهوم غير واحد منها التي منها معتبر فضل بن عبد الملك: " إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك " (7). ومنها: ما ورد من الحكم بالصحة إذا شك بين الاثنتين والثلاث إذا كان بعد


(1) الوسائل: ج 5 ص 304 ح 5 من ب 2 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 304، الباب 2 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 3 من ب 9 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 300 ح 9 من ب 1 من أبواب الخلل. (6) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 3 من ب 1 من أبواب الخلل. (7) الوسائل: ج 5 ص 301 ح 13 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 255 ]

[... ] إكمال السجدتين، كخبر العلاء في: رجل صلى ركعتين وشك في الثالثة، قال: " يبني على اليقين، فإذا فرغ تشهد، وقام قائما فصلى ركعة بفاتحة القرآن " (1). ومثله أو قريب منه معتبر زرارة (2). وإن أمكن الجواب عن بعض ذلك بما ظاهره الحكومة على ما يدل على حكم السهو، مثل ما عن إبراهيم بن هاشم في نوادره عن الصادق (عليه السلام) في حديث، قال: " وليس في المغرب سهو " (3). وقريب من ذلك حديث الخصال (4)، لكن لا حكومة له بالنسبة إلى صحيح زرارة المتقدم (5) الذي لسانه الحكومة والحكم بوجود حكم السهو في السبع وعدم وجوده في العشر الذي هن من فرائض الله تعالى. وعلى فرض التعارض يرجع إلى عموم مثل موثق عمار الساباطي (6)، مضافا إلى ما تقدم (7) من ورود الموثق له في خصوص صلاة المغرب في مورد الشك بين الاثنتين والثلاث مما لا يمكن حمله على التقية - كما قدمناه - وليس مخالفا لباقي الروايات حتى يحمل على سوء فهم عمار كما تقدم تفصيل ذلك (8). فليس في البين ما يمنع عن ذلك إلا مخالفة الأصحاب، ولعلهم أخذوا بإطلاق ما دل على البطلان في صلاة المغرب وجعلوه حاكما على إطلاق ما دل على حكم


(1) الوسائل: ج 5 ص 319 ح 2 من ب 9 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 319 ح 1 من ب 9 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 306 ح 13 من ب 2 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 306 ح 14 من ب 2 من أبواب الخلل. (5) في ص 243 و 254. (6) الوسائل: ج 5 ص 317 و 318 ح 1 و 3 و 4 من ب 8 من أبواب الخلل. (7) في ص 225. (8) في ص 226 و 227.

[ 256 ]

[ قال (قدس سره): الثانية: إذا شك في شئ من أفعال الصلاة ثم ذكر: فإن كان في موضعه أتى به وأتم، وإن انتقل مضى في صلاته، سواء كان ذلك الفعل ركنا أو غيره وسواء كان في الاوليين أو الاخريين، على الأظهر (1). * ] السهو مما تقدم وغفلوا عن المعارضة بمثل صحيح زرارة وعدم تصوير الحكومة بينهما، ومع ذلك فالاحتياط لا يترك بالبناء على الأكثر ثم الإتيان بصلاة الاحتياط ثم الإعادة. ثانيهما: الشك بين الثلاث والأربع، فإن وجه الإشكال ما تقدم من الإطلاق ومن خبر الفضيل، وفيه: " في صلاة المغرب إذا لم تحفظ مابين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك " (2). فإن الظاهر أنه إذا حفظ إلى الأربع ولو لم يحفظه كان صحيحا. لكن الإنصاف عدم وضوح مفاد الخبر، لاحتمال أن يكون المقصود: إذا لم يحفظ أنه ثلاث وليس بأربع فليعد الصلاة، مع أنه قد روي بهذا الإسناد بنحو آخر ذكره في الوسائل، وهو " إذا جاز الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك " (3). فالحق اندفاع الإشكال الثاني والأخذ بإطلاق البطلان في الشك في المغرب، وهو أخص من الاستصحاب الحاكم بالصحة مطلقا، فلا يعارضه وإن كان كلاهما حكما ظاهريا، فافهم وتأمل. * أقول: لابد من ذكر روايات الباب أولا ثم التكلم بعد ذلك في مواضع بعونه تعالى:


(1) الشرائع: ج 1 ص 88. (2) الوسائل: ج 5 ص 305 ح 9 من ب 2 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 305 ح 10 من ب 2 من أبواب الخلل.

[ 257 ]

[... ] فمنها: خبر الحلبي، قال: قلت: الرجل يشك وهو قائم فلا يدري أركع أم لا، قال: " فليركع " (1). ومنها: خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن رجل شك وهو قائم فلا يدري أركع أم لم يركع، قال: " يركع ويسجد " (2). ومنها: خبر الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها فلم يدر سجدة سجد أم ثنتين، قال: " يسجد اخرى " (3). وقريب منه خبر الشحام (4). ومنها: خبر أبي بصير (5). ومنها: صحيح عبد الرحمان، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل رفع رأسه عن السجود فشك قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد، قال: " يسجد ". قلت: فرجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد، قال: " يسجد " (6).


(1) الوسائل: ج 4 ص 935 ح 1 من ب 12 من أبواب الركوع. (2) المصدر: ح 2. (3) الوسائل: ج 4 ص 971 ح 1 من ب 15 من أبواب السجود. (4) الوسائل: ج 4 ص 971 ح 2 من ب 15 من أبواب السجود. (5) الوسائل: ج 4 ص 971 ح 3 من ب 15 من أبواب السجود. (6) الوسائل: ج 4 ص 972 ح 6 من ب 15 من أبواب السجود.

[ 258 ]

[... ] هذا كله بالنسبة إلى ما قبل التجاوز. ويدل على ذلك أيضا ما يأتي من مفهوم ما يدل على عدم الالتفات إذا كان الشك بعد التجاوز، كصحيح زرارة: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة، قال: " يمضي ". قلت: رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبر، قال: " يمضي ". قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ، قال: " يمضي ". قلت: شك في القراءة وقد ركع، قال: " يمضي ". قلت: شك في الركوع وقد سجد، قال: " يمضي على صلاته ". ثم قال: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " (1). وموثق محمد بن مسلم المروي عن صفوان عن ابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " (2). ومعتبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل ركع وسجد ولم يدر هل كبر أو قال شئ في ركوعه وسجوده هل يعتد بتلك الركعة والسجدة؟ قال: " إذا شك فليمض في صلاته " (3).


(1) الوسائل: ج 5 ص 336 ح 1 من ب 23 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ح 3. (3) الوسائل: ج 5 ص 337 ح 9 من ب 23 من أبواب الخلل.

[ 259 ]

[... ] لعل المقصود هو المضي فيها من دون لزوم سجدتي السهو، وهذا بخلاف صورة القطع بنسيان ما ذكر. وصحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته، قال: فقال: " لا يعيد، ولا شئ عليه " (1). وعنه في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد " (2). وعنه في المعتبر عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدرأ ثلاثا صلى أم أربعا وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك " (3). وصحيح حماد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشك وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا، قال: " امض " (4). وموثق الفضيل: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أستتم قائما فلا أدري ركعت أم لا، قال: " بلى قد ركعت فامض في صلاتك، فإنما ذلك من الشيطان " (5).


(1) الوسائل: ج 5 ص 342 ح 1 من ب 27 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 342 ح 2 من ب 27 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 3 من ب 27 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 1 من ب 13 من أبواب الركوع. (5) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 13 من أبواب الركوع.

[ 260 ]

[... ] ومصحح إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " (1). وصحيح محمد بن مسلم - على احتمال قوي - قال: سألت أحدهما عن رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، قال: " يمضي في صلاته " (2). وصحيح عبد الرحمان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، قال: " قد ركع " (3). وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، فقال: " يمضي في صلاته حتى يستيقن " (4). وصحيح زرارة، وفيه: " إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها


(1) الوسائل: ج 4 ص 937 ح 4 من ب 13 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 937 ح 5 من ب 13 من أبواب الركوع. (3) المصدر: ح 6. (4) المصدر: ح 7.

[ 261 ]

[... ] فشككت في بعض ما سمى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوءه لا شئ عليك فيه " (1). وموثق ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (2). وصحيح محمد بن مسلم: في رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة، قال: " يمضي على صلاته ولا يعيد " (3). وخبره الآخر عن أبي عبد الله (عليه السلام): " كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا إعادة عليك فيه " (4). وموثق بكير، قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ، قال: " هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك " (5). وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " إذا جاء يقين بعد حائل قضاه ومضى على اليقين ويقضي الحائل والشك جميعا، فإن شك في الظهر في ما بينه وبين أن يصلي العصر قضاها، وإن دخله الشك بعد أن يصلي العصر فقد مضت، إلا أن


(1) الوسائل: ج 1 ص 330 ح 1 من ب 42 من أبواب الوضوء. (2) المصدر: ح 2. (3) المصدر: ص 331 ح 5. (4) المصدر: ص 331 ح 6. (5) المصدر: ص 331 ح 7.

[ 262 ]

[... ] يستيقن، لأن العصر حائل في ما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشك إلا بيقين " (1). وفي رواية زرارة والفضيل عنه (عليه السلام): " وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك... " (2). إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في امور: الأول: الظاهر - كما هو الأشهر بل المشهور شهرة كادت تكون إجماعا كما في الجواهر (3) - جريان القاعدة في أجزاء الأولتين من الرباعية والثنائية والثلاثية أيضا، ولا تختص بالركعتين الأخيرتين من الرباعية، خلافا لما ينسب إلى الشيخين (قدس سرهما) من البطلان بصرف الشك - سواء تدارك أم لا - ولابن حمزة، الظاهر في الحكم بالبطلان إذا لم يمكن التدارك، وعن التذكرة الفرق بين الركن وغيره. ويدل على المشهور: إطلاق ما تقدم (4) من مصحح إسماعيل بن جابر وغيره، من جهة أن الحمل على خصوص الأخيرتين من الرباعية حمل على الفرد النادر وموجب لإخراج أكثر الأفراد، فهو من تلك الجهة بحكم النص. وخصوص صحيح زرارة (5) الوارد في الركعة الاولى بقرينة الشك في الأذان والإقامة وقد كبر والشك في التكبير وقد قرأ والشك فيها وقد ركع.


(1) الوسائل: ج 3 ص 205 ح 2 من ب 60 من أبواب المواقيت. (2) المصدر: ح 1. (3) الجواهر: ج 12 ص 312. (4) في ص 260. (5) المتقدم في ص 258.

[ 263 ]

[... ] وخصوص رواية محمد بن منصور في الشك في السجدة الأخيرة من الركعة الثانية، وفيه: " إذا خفت أن لا تكون وضعت وجهك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة وتضع وجهك مرة واحدة، وليس عليك سهو " (1). وبعد ذلك لا يبقى وقع لإطلاق قوله: " إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك " (2) وغير ذلك. مضافا إلى أمرين آخرين: أحدهما الانصراف إلى تمام الركعة لا أجزائها، ثانيهما الحكم في قاعدة التجاوز بعدم تحقق الشك وأن احتمال عدم الإتيان من الشيطان كما تقدم (3) في موثق الفضيل، فتأمل. هذا بالنسبة إلى مورد التجاوز. وأما بالنسبة إلى صورة عدم التجاوز فللقطع بالإتيان، وأما عدم الزيادة فهو ليس شرطا في الركعتين بل هو شرط في الصلاة، فلا مانع من جريان أصالة عدم الزيادة. وكيف كان، فالمسألة واضحة جدا بعد صراحة مثل صحيح زرارة في الشمول للأولتين وصراحتها في الأركان أيضا. الثاني: لا يبعد أن يقال: إن مقتضى إطلاق موثق محمد بن مسلم المتقدم (4) " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " وكذا إطلاق ذيل موثق ابن أبي يعفور " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " وكذا غيره - كصحيح محمد بن مسلم


(1) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 6 من ب 14 من أبواب السجود. (2) الوسائل: ج 5 ص 301 ح 13 من ب 1 من أبواب الخلل. (3) في ص 259. (4) في ص 258.

[ 264 ]

[... ] عن أبي عبد الله وصحيحه عن أبى جعفر (عليهما السلام) وغير ذلك مما قد مر في طي الأخبار المتقدمة (1) -: عدم اعتبار الدخول في الغير إلا من باب حصول عنوان المضي والتجاوز بذلك. إن قلت: هذا الإطلاق مسلم بالنسبة إلى ما إذا كان المشكوك هو الإتيان بجزء من أجزاء المركب بعد الفراغ عنه أو ما إذا كان المشكوك شرطا من شروط الفعل المأتي به ولو كان ذلك جزء من أجزاء المركب، وذلك لأن مثل الموثق المشار إليه يشمله من دون إشكال، فإنه لو كان المراد من قوله " مما قد مضى " مضي نفس المشكوك ومن الشك الذي ورد فيه بقوله " شككت فيه " هو الشك في جهة من جهات ذلك الذي مضى فهو منطبق على ذلك، وإن كان المقصود من الشك فيه هو الشك في وجود شئ ويكون المقصود من قوله " مما قد مضى " مضي محله وزمانه فهو أيضا يشمل ما ذكر، باعتبار أن الجزء مشكوك فيه، والوصف كذلك، وهو مما قد مضى محله، لكن التقريب الأول يقتضي الشمول باعتبار مجموع المركب والتقريب الثاني باعتبار نفس المشكوك. وعلى أي حال لا شبهة في الإطلاق في مورد الشك في الشرط بعد الإتيان بالمشروط والشك في الإتيان بجزء من أجزاء المركب بعد الفراغ عن المركب، وأما الشك في جزء من أجزاء المركب بعد مضي محله وقبل الفراغ فدخوله في مثل الموثق غير واضح، لتردد الأمر بين التصرف في الصدر أي قوله " كل ما شككت فيه " بالحمل على الشك في جهة من الجهات - لا الشك في أصل الوجود - وإبقاء ظهور " ما قد مضى " على حاله حتى لا يشمل ما ذكر، أو العكس حتى يشمله، وحيث لا ترجيح لا يثبت الإطلاق، وما اشير إليه من صحيحي محمد بن مسلم


(1) في ص 261 و 258.

[ 265 ]

[... ] عن أبي عبد الله وأبي جعفر (عليهما السلام) راجع إلى ما بعد الفراغ عن الصلاة. قلت أولا: يمكن أن يقال: إن المضي يصدق عرفا بمضي زمان المشكوك، وليس خلاف ما هو الظاهر عند العرف ولو من باب التسامح، فإنه يقال في العرف " مضى تعب الشتاء " أي محله ولو لم يحصل التعب للقائل، ويقال: " مضى الحج " ولو لم يحج، أي وقته. والشاهد على ذلك استعمال الخروج عنه والتجاوز عنه في ما تقدم (1) - من صحيح زرارة ومصحح إسماعيل بن جابر - مع أن الخروج الحقيقي والتجاوز الحقيقي يقتضي الإتيان، والمفروض أنه مشكوك بلا إشكال. وثانيا: إنه يكفي في ذلك ذيل موثق ابن أبي يعفور " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " ودلالته على الحصر وعدم الاعتناء بالشك عند نقيض ذلك - وهو التجاوز - ظاهرة، إما من باب كون الكلام مسوقا لذلك - أي لعدم الالتفات إلى الشك إلا إذا تجاوز عنه -، وإما من باب تقديم الحكم على الموضوع، وإما من باب ظهور " إنما " في الحصر ولو لم نقل بدلالته على الحصر في ما إذا كان المقصود هو التأكيد في إثبات حكم الشك، فإنه يكفي حينئذ في إشباع ظهور كلمة " إنما " - المشتمل على النفي والإثبات - التأكيد أي يكون الحكم ثابتا لذلك الموضوع ولا يكون غير ذلك، لافي ما ليس إلا في مقام الردع عن ترتيب أثر الشك في صورة التجاوز، فإن النفي والإثبات المستفاد من الكلمة المذكورة ظاهره النظر إلى الموردين، أي يحكم بثبوت الشك في عدم التجاوز وعدم ثبوته في صورة التجاوز. وثالثا: التعليل المتقدم (2) في رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) لعدم الإتيان بالظهر المشكوك بعد العصر بقوله " لأن العصر حائل " مع تطبيق الحائل


(1) في ص 258 و 260. (2) في ص 261.

[ 266 ]

[... ] في الصحيح المنقول قبل ذلك في الوسائل (1) على مضي الوقت دليل على أن الملاك طرو مطلق الحائل الأعم من الغير المترتب على المشكوك كصلاة العصر، أو مضي وقت الظهر كما في مورد الصحيح (2) المتقدم على هذا الصحيح في النقل. ورابعا: إنه يمكن تطبيق مثل موثق محمد بن مسلم على مورد التجاوز ولو على فرض كون المقصود من " ما قد مضى " مضي الشئ بنفسه، فنقول: إن الوقت مما قد مضى، وهو مشكوك فيه باعتبار وقوع المشروط فيه كما أنه يقال: إن المشروط مشكوك فيه من حيث شرطه، فلا فرق في صدق العنوان المذكور بين أن يكون الشرط مشكوكا فيه من جهة اقترانه بالمشروط أو بالعكس، فتأمل. وخامسا: يمكن أن يقال مثلا، بعد رفع الرأس والقيام إذا شك في السجدة الأخيرة: إن الركعة الماضية قد مضت وهي مشكوكة من حيث الاشتمال على الجزء، فوجود الإطلاق الشامل لمورد التجاوز والفراغ غير قابل للإنكار، والإطلاق المذكور مؤيد بل مستدل عليه. وبعد ثبوت الإطلاق فما يتوهم أن يكون مقيدا له امور: منها: ما تقدم (3) من صحيح زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أي قوله: " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " ولو كان الخروج عن الشئ الذي هو عبارة اخرى عن التجاوز كافيا لم يكن وجه معتد به لقوله: " ثم دخلت في غيره "، فظهوره في التقييد لا يكون قابلا للإنكار. ويمكن منع الظهور في ذلك، من جهة أن مقتضى الجمود على الجملة المذكورة أنه لابد من الخروج عن الشئ ثم الدخول في الغير، وهذا العنوان


(1 و 2) الوسائل: ج 3 ص 205 ح 1 من ب 60 من أبواب المواقيت. (3) في ص 258.

[ 267 ]

[... ] غير منطبق على غير واحد من الأمثلة المذكورة في الصدر، فإن الخروج عن الأذان إنما هو بعين الدخول في الإقامة، والخروج عنهما بعين الدخول في التكبير، والخروج عنه بعين الدخول في القراءة، وليس شئ آخر محققا للخروج غير الدخول في الغير، فالمحتمل أو المظنون أن يكون المقصود - والله العالم - أنه إذا رأيت نفسك خارجا عن الشئ ولذا دخلت في غيره، إذ لو لا تخيل الخروج لم يكن يدخل في الغير، فلعل ذلك إشارة إلى أن ملاك الحكم بالتحقق هو تخيل الخروج المستمر إلى الخروج الحقيقي بالتجاوز عن المحل، من غير دخالة للدخول في الغير إلا من باب كونه محققا للخروج الحقيقي المعلول لتخيل الخروج، ولو لا ذلك أو توجيه آخر لم يكن وجه أصلا لذكر الخروج، إذ الدخول في الغير كاف في ذلك، فاعتبار الخروج مع اعتبار الدخول لغو، كما لا يخفى. ومنها: مصحح إسماعيل بن جابر المتقدم (1)، من حيث الصدر حيث قال (عليه السلام): " إن شك في الركوع بعد ما سجد... وإن شك في السجود بعد ما قام " فلم يعتن في مقام التحديد - ولو بإعطاء المثال - بما هو أقرب من السجود في المثال الأول وأقرب من القيام في المثال الثاني، ومن حيث الذيل أي قوله (عليه السلام): " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه ". ويمكن الجواب عن الذيل بإمكان دعوى منع الظهور بعد ما عرفت في ما تقدم أنه لو كان الدخول في الغير شرطا لما كان وقع لذكر التجاوز أصلا، فيحمل على العطف التفسيري وأن المقصود من قوله " ودخل في غيره " بيان ما يتحقق به التجاوز - أي بأن دخل في غيره - والمقصود من ذكر ذلك: التأكيد في معلومية التجاوز على الظاهر وعدم كفاية التجاوز الخيالي - فلابد من تحقق التجاوز


(1) في ص 260.

[ 268 ]

[... ] الخارجي - وكذا عدم كفاية التجاوز بحسب العادة على ما يخطر بالبال. وأما الصدر فهو كما أفتى به الإمام (عليه السلام) ولو قلنا بكفاية التجاوز وعدم لزوم الدخول في الغير، فإن الهوي لا يكون محققا للتجاوز، لعدم الدليل على المنع عن الهوي إلى ما قبل السجود قبل الركوع لغرض من الأغراض، وأما قصد كونه للسجود فلا يكون محققا للتجاوز كما في الإتيان بالسجدة بقصد كونها ثانية، فالهوي بقصد السجود ليس من الامور التي جعلها الشارع المقدس بعد الركوع، ولذا لو تخيل أنه ركع وهوى بقصد السجود ولم يسجد يكون محل الركوع باقيا من دون لزوم زيادة توجب سجدتي السهو، لأن الهوي بقصد السجود ليس من أجزاء الصلاة حتى يصدق الزيادة. نعم، قد تجاوز عن المحل العادي، وهو غير معتبر في صدق التجاوز عن المحل، فتأمل. ومنها: ما تقدم (1) من صحيح زرارة، وفيه: " فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلاة أو غيرها - إلى أن قال: - لا شئ عليك فيه ". والجواب عنه أنه معارض بمفهوم الصدر - قوله " إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر... " - فإن مفهومه عدم وجوب الإعادة بعد القيام عنه ولو لم يدخل في الغير المترتب عليه، فالظاهر أن المقصود من حال اخرى: كل حال غير الوضوء ولو كان حال التعطل المضر بالموالاة وغير ذلك مما يصدق التجاوز. هذا كله، مضافا إلى أنه لو فرض ظهور الدليل في التقيد فلابد من رفع اليد عن الظهور، من جهة موثق ابن أبي يعفور: " إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (2).


(1) في ص 260. (2) الوسائل: ج 1 ص 330 ح 2 من ب 42 من أبواب الوضوء.

[ 269 ]

[... ] من جهة أن الذيل في مقام إعطاء القاعدة، فهو بمنزلة الكبرى للصغرى المذكورة، ولا ريب أن الكبرى ظاهرة في إلقاء الخصوصية الملحوظة في الصغرى وأن الحكم فيها من باب أحد الأفراد، فهو بمنزلة التعليل المقدم على المعلل له. فقد اتضح بحمده تعالى عدم دخالة الدخول في الغير بما هو، بل يكفي صدق التجاوز، فالسكوت الطويل المضر بالقراءة غير المضر بالصلاة محقق له، لعدم جوازه شرعا إلا بعد القراءة خصوصا في أثناء الآيات. ويمكن أن يقال لزيادة التوضيح: إنه على فرض اعتبار الدخول في الغير فالغير هو كل حال وجودي أو عدمي مضاد شرعا للإتيان بالمشكوك، وحينئذ لا فرق بين الاعتبار وعدمه. والحمد لله تعالى على وضوح المسألة وله الشكر على ذلك. ثم إن مقتضى ما ذكرناه: عدم المضي في حال الإتيان بالمقدمات كما تقدم وجه ذلك، وحينئذ ربما ينافيه صحيح عبد الرحمان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، قال: " قد ركع " (1). وإن كان يؤيده ما نقله أيضا عنه (عليه السلام) من الرجوع إذا شك في السجود قبل أن يستوي جالسا أو قبل أن يستوي قائما (2). ويمكن أن يقال: إن الهوي إلى السجود كناية عن السجود فلوحظ طريقا، ولا يمكن الجمع بين اللحاظين كما هو معهود في الاصول، بل يمكن القول بظهور " أهوى إلى السجود " في مضي ذلك، ولا يكون إلا بالوصول إلى الغاية وهو السجود، فالشك إنما حصل بعد مضي الهوي إلى السجود، فلعل المقصود حصول


(1) الوسائل: ج 4 ص 937 ح 6 من ب 13 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 972 ح 6 من ب 15 من أبواب السجود.

[ 270 ]

[... ] الشك بصرف السقوط إليه قبل أن يتلبس بالذكر، فالحكم في الجميع على القاعدة. الثالث: لو شك في حال التشهد مثلا أو القيام حال الاشتغال بالتسبيحات في الإتيان بالركعة الثانية مثلا أو شك في حال التشهد في ركعتي الصبح أو ركعات المغرب فهل يحكم في الجميع بالبطلان من جهة إطلاق غير واحد مما تقدم من الروايات الصحيحة وغيرها من نفي الوهم أو الشك أو السهو في الأولتين وفي صلاة الغداة وفي صلاة المغرب وفي كل ثنائية - من غير فرق بين ما إذا مضى محلها أو كان باقيا - أو يحكم بالصحة من جهة دلالة غير واحد من روايات الباب بأنه قد أتى بالمشكوك؟ ففي صحيح عبد الرحمان المتقدم (1) في الشك في الركوع بعد الهوي إلى السجود قال: " قد ركع " وفي موثق الفضيل في الشك في الركوع بعد القيام: " بلى قد ركعت فامض في صلاتك فإنما ذلك من الشيطان " (2) وفي صحيح زرارة: " فشكك ليس بشئ " (3) وفي موثق ابن أبي يعفور: " فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (4) فحينئذ لا شبهة في حكومة ذلك على كل حكم عقلي وشرعي للشك يقتضي البطلان. إن قلت: كما أن لسان ما تقدم هو الحكومة ودليل على حكم الشك، كذلك مثل صحيح زرارة المتقدم في مسألة الشك في الثنائية وغيرها ظاهر في الحكومة، لقوله: " ليس فيهن وهم " (5).


(1) في ص 269. (2) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 13 من أبواب الركوع. (3) الوسائل: ج 5 ص 336 ح 1 من ب 23 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 1 ص 330 ح 2 من ب 42 من أبواب الوضوء. (5) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 271 ]

[... ] قلت: الظاهر أنه ليس مثل صحيح زرارة بصدد نفي الشك في الأولتين موضوعا، وإلا لزم خلاف المقصود من الحكم بالبطلان في فرض الشك وأنه مبطل لما فرضه الله تعالى وأنه لابد من اليقين. بل الظاهر أن مفاده النهي عن الامتثال الوهمي في الركعات المفروضات وجواز الامتثال الوهمي في غيرها، من دون فرض وجود حكم للامتثال الوهمي مع قطع النظر عن نفس الدليل، بل مثل صحيح زرارة بنفسه ينهى عن الامتثال الوهمي في المفروضات ويجوزه في المسنونات من الركعات، من دون دلالة على فرض وجود حكم للوهم في الجملة، فليس مفاده نفي حكم الوهم بل مفاده النهي عن الامتثال الوهمي كما في قوله تعالى: * (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال) * (1) وليس مفروضا فيه ورود حكم للوهم يقتضي الصحة في الجملة حتى يكون حاكما، فالظاهر أن دليل التجاوز حاكم من دون العكس. ومن ذلك يظهر أن الأقوى هو الحكم بالصحة. والذي يؤيده بل ربما يدل عليه ما ورد في الشك بعد الوقت وأنه لا يعتنى به من حيث وجود الحائل الأعم من الوقت ومن الواجب المترتب على المشكوك - كما تقدم ذلك (2) - مع أن أصل وجود الصلاة مشكوك، فالأولتان أحق بعدم الالتفات، وليس ذلك من جهة خروج الوقت بل من جهة وجود الحائل الذي هو موجود في مفروض البحث أيضا (3).


(1) سورة البقرة: 197. (2) في ص 265 و 266. (3) وبعبارة اخرى: مفاد صحيح زرارة عدم جواز الامتثال الوهمي في الأولتين وجواز الامتثال الوهمي في غيرهما، من دون دلالته على عدم جريان دليل الامتثال الوهمي للركعتين حتى يكون حاكما. ويؤيد ذلك بأمرين آخرين: أحدهما: أنه على فرض الحكومة فالظاهر منه أنه لابد من الامتثال القطعي حين الامتثال وليس =

[ 272 ]

[... ] هذا، ولكن حيث لم أر التعرض للمسألة في كلمات الأصحاب والدليل ليس في الوضوح بمثابة يقطع النفس بوجود الحجة فلا محيص إلا عن الاحتياط بالمضي ثم الإعادة، وهو الموفق. الرابع: لا فرق في الدخول في الغير من جهة صدق التجاوز أو من باب موضوعية الدخول في الغير بين أن يكون ذلك الغير مستحبا أو واجبا كما في الجواهر، وقد نقله عن المدارك والرياض ومجمع البرهان والذخيرة والكفاية في مسألة الشك في القراءة وهو في القنوت (1). ولعله واضح من باب صدق المطلقات المتقدمة. واحتمال " أن يكون المقصود بالتجاوز أو الخروج المضي عن المحل الذي يصح أن يؤتى فيه من دون لزوم محذور - ولو بحسب الجعل الأولي - من الزيادة المبطلة مطلقا بحسب الجعل الأولي " مدفوع بأن الشك في الأذان بعد الدخول في الإقامة ليس من هذا القبيل، وهو من المصاديق المذكورة في صدر صحيح زرارة المنطبق عليه الكبرى المذكورة في الذيل من دون إعمال التعبد في خصوص المثال المذكور، وكذا لا محذور في الإتيان بالظهر إذا شك فيه في أثناء العصر أو بعده، وهو الذي جعل موردا للحكم بعدم الإعادة في صحيح زرارة المتقدم (2) من باب أنه حائل، مع أن العصر حائل بالنسبة إلى الظهر بحسب الجعل الأولي، لإلقاء الترتيب بينهما في حال الغفلة والسهو، فالجزء المستحب حائل بالأولوية، لعدم


= المستفاد منه أنه لابد من القطع به حتى بعد ذلك، فإنه قل ما يتفق بقاء القطع بالإتيان بالأولتين ولو بعد مضي سنة، ومقتضى قاعدة التجاوز الإتيان بها مع وصف اليقين في الامتثال. ثانيهما: أنه لو فرض الحكومة والتقدم فلابد أن يقال بذلك ولو بعد السلام بل ولو مع الاشتغال بالمنافي بل ولو بعد الوقت، والظاهر عدم التزام أحد من الفقهاء بذلك. منه (قدس سره). (1) الجواهر: ج 12 ص 319. (2) في ص 261.

[ 273 ]

[... ] الدليل على سقوط الترتيب بينه والأجزاء المتقدمة، فتأمل. هذا، مع أن مثال الشك في الأذان إذا دخل في الإقامة من مصاديق الجزء المستحب بناء على استحبابهما، وقوله (عليه السلام) في الذيل: " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره " لا ينطبق عليه إلا إذا كانت لفظة " غير " أعم من الواجب والمستحب، والإلقاء بداعي الانطباق على الأمثلة المذكورة وغيرها كاد أن يكون صريح الصحيح. الخامس: قال (قدس سره) في الجواهر: ما ملخصه أن: ظاهر الأخبار أن ترك التلافي قبل التجاوز وكذا التلافي بعد التجاوز موجب للبطلان، خلافا لما نقل في الذكرى عن بعضهم من أن ترك التلافي بعد التجاوز رخصة لا عزيمة فلا يقدح الإتيان به، وهو خلاف ظاهر الأمر بالمضي الظاهر في الوجوب الموجب للنهي عن خلافه الموجب للفساد في العبادات (1). انتهى. أقول: يمكن أن يبحث في ثلاث مقامات: المقام الأول: أنه هل يقتضي الأمر بالتلافي والأمر بالمضي بطلان الصلاة واقعا على تقدير التخلف ولو كان مطابقا للواقع - بأن كانت الصلاة محتاجة إلى التلافي في الثاني وغير محتاجة إليه في الاولى - كما هو المستفاد من ظاهر الجواهر (2) أم لا؟ الظاهر هو الثاني. والوجه فيه أن الأمر بالتلافي والأمر بالمضي ظاهريان، فهو عين الواقع على تقدير التطابق، وصورة مماثلة له على تقدير عدمه، فليس في البين على تقدير التخلف عن الواقع أمر واقعي يقتضي البطلان، ولا يمكن أن


(1) الجواهر: ج 12 ص 322. (2) الجواهر: ج 12 ص 322 - 323.

[ 274 ]

[... ] يكون الأمر بالمضي في صورة التجاوز - الذي هو عذر لما كان يجب على المصلي لولا ما جعله الشارع ومن عليه - إلا رفع الوجوب، ولا يمكن أن يكون في البين أمر ظاهري في مورد رفع الوجوب لا يكون فيه جهة سببية كان مفاده الوجوب، فما في الجواهر من أنه ظاهر في الوجوب (1) وكذا ما في مصباح الفقيه من أنه وارد في مورد توهم الحظر (2) كلاهما خارجان عما هو موضوع ذلك، فإن الظهور في الوجوب وعدم الظهور فيه من باب وروده مورد توهمه كلاهما في الأمر النفسي لا الأمر الظاهري الذي يكون فرض كونه ظاهريا قرينة قطعية على التطابق للواقع - من الوجوب أو نفي الوجوب - وعدم تصور أن يكون فيه دلالة مستقلة وراء الواقع، وإلا كان خلفا أي يصير واقعيا أو مخلوطا من الظاهري والواقعي. المقام الثاني: أنه هل يكون التخلف عن الأمرين من غير جهة اقتضاء الأمر موجبا للبطلان واقعا أم لا؟ الظاهر أنه قد يوجب ذلك، وهو في ما إذا لم يتمكن المصلي من قصد التقرب. ففي صورة عدم التلافي مع كون الشك في المحل فحيث يقطع الصلاة على تقدير النقصان فمن ترك القراءة مع الشك فيها وكونه في المحل بأن ركع يكون الركوع المأتي به قاطعا للصلاة على تقدير الترك، وحرمته منجزة، لأن مقتضى الأصل هو ترك القراءة تعمدا، فالركوع على تقدير النقصان حرام موجب لاستحقاق العقوبة فكيف! يمكن الإتيان به باحتمال المحبوبية الفعلية وقد اقيمت الحجة على خلافه ومن يتقرب إليه تعالى ولو في بعض أوامره لا يعصي لذلك الأمر غير المنجز، وإلا لم يكن عاقلا أو ليس مقصوده إطاعة المولى ولو في بعض أوامره بما هو بعض أوامره، فحينئذ تكون الصلاة باطلة


(1) الجواهر: ج 12 ص 323. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 558.

[ 275 ]

[... ] لفقد الركوع من حيث عدم قصد التقرب ولو كانت كاملة في الواقع. هذا في صورة الشك في المحل الواجب عليه التلافي. وأما في فرض التجاوز المرفوع عنه التلافي ففقد قصد التقرب أيضا متصور بالتقريب المتقدم في صورة كون المشكوك مما يقدح زيادته في الصلاة كالركن أو السجدة الواحدة، فإن مقتضى قاعدة التجاوز كون المأتي به زائدا فهو مبطل وحرام، لقطعه للصلاة على تقدير الإتيان بالمشكوك. نعم، لو لم يثبت ذلك بها وكان مقتضى الاستصحاب عدم تحقق الزيادة أو كان مقتضاه عدم تحقق المشكوك ويترتب عليه الأثر من حيث عدم كون المأتي به زائدا فلا عقوبة، لكن حيث لا عقوبة أيضا على ترك الإتيان به فلا يتصور قصد التقرب أيضا، فتأمل. المقام الثالث: في ما يقتضيه الحكم الظاهري في صورة عدم القطع بالبطلان واقعا، وهو في صورة تحقق قصد التقرب للغفلة عن حرمة ما يحتمل أن يكون قاطعا، وكون مقتضاه البطلان ظاهرا في ما إذا كان الشك في المحل واضح، لاستصحاب عدم الإتيان بالجزء المشكوك فيه مع فرض عدم السهو والغفلة، وأما في ما إذا كان الشك بعد المحل ومع ذلك قد أتى به وكان المأتي به قادحا للصلاة على تقدير كونه زائدا فلأن القاعدة تثبت كون المأتي به زائدا: أما على فرض كونها أمارة فواضح، وأما على فرض كونها أصلا فلأن الزيادة ليست إلا الإتيان بشئ قد أتى مثله في الصلاة، فالأول محرز بالوجدان والثاني بالأصل. وهذا من غير فرق بين أن يكون العنوان المذكور مركبا مما ذكر، أو يكون هو الإيجاد المتصف بإتيان مثله قبل ذلك، أو يكون مفهوما إجماليا لهما كما في الإنسان والحيوان الناطق، أو كان عنوانا اعتباريا مجعولا في مورد ذلك أي الإتيان بالمثل، والإتيان بالمثل بعد ذلك، فإن الظاهر هو الإثبات بالأصل

[ 276 ]

[... ] في جميع ذلك ولا يكون من مصاديق الإثبات الذي لا أصل له، فافهم وتأمل، فإنه نافع جدا في غير واحد من الموارد. فالملخص هو الحكم بالبطلان الواقعي في صورة عدم تحقق قصد التقرب بالنسبة إلى بعض الأجزاء، والصحة الواقعية والظاهرية في صورة تحقق قصد التقرب وعدم كون المأتي به زائدا في الصلاة كما في القراءة المأتي بها بقصد الرجاء، والبطلان الظاهري في غير ذلك المحكوم بالصحة الواقعية في صورة التطابق للواقع. والله المتعالي هو العالم بالمبدأ والمال. السادس: لا ينبغي الإشكال بل لا يكون ظاهرا في جريان القاعدة في صلاة المضطر في الجملة في ما تجاوز عن المشكوك حقيقة وكان المشكوك والمتجاوز عنه مما يصدق عليه الاسم، بل ولو كان المشكوك مما يصدق عليه اسم الأجزاء كالركوع عن جلوس إذا شك فيه بعد السجود الاختياري أو الاضطراري. وذلك لإطلاق مثل صحيح زرارة (1) ومصحح إسماعيل بن جابر (2). ووالانصراف عن صلاة المضطر ممنوع جدا، وإلا لجرى الانصراف في جميع ما يتعلق بالأجزاء الاضطرارية من الذكر والطمأنينة وغير ذلك من الشرائط والأحكام، كالشك في الركعات وغيرها. وإن فرض الانصراف فالظاهر أن دليل البدلية واف بذلك عرفا، فإن الظاهر أن صلاة المضطر - مثلا يكون جالسا - بما لها من الأجزاء والشرائط والأحكام الواقعية والظاهرية وما يتعلق بها من المستحبات حتى التعقيب الوارد بعد الصلوات على نحو الاختصاص أو الاشتراك. والظاهر أنه لا إشكال فيه مع عدم صدق الاسم أيضا إذا كان التجاوز حقيقيا


(1) الوسائل: ج 5 ص 336 ح 1 من ب 23 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 4 ص 937 ح 4 من ب 13 من أبواب الركوع.

[ 277 ]

[... ] بحسب الأفعال، كما لو شك الأخرس في حال الركوع في الإتيان بما هو بدل عن القراءة، لصدق العنوان الذي ذكره أبو عبد الله (عليه السلام) لزرارة في ذيل الصحيح على ما فيه، والانصراف إلى صلاة المختار ممنوع، والصدر قابل للانطباق على صلاة المضطر أيضا، فليس الكلام مسبوقا بما يصلح للقرينية، وعلى فرض الانصراف فلا ريب في شمول إطلاق مثل موثق محمد بن مسلم المتقدم (1). كما أن الظاهر أنه لا إشكال في ما كان المقوم هو القصد، كما لو فرض عدم فرق بين الركوع والسجود في الخارج بأن كان غير قادر إلا على أدنى درجة من غمض العين، فإن المحقق للسجود والركوع هو القصد، فلو كان قاصدا بغمضه السجود فشك في الغمض الركوع بنى على الإتيان به، لصدق التجاوز الحقيقي، فيدل عليه ما مضى من الإطلاق لا سيما موثق محمد بن مسلم المتقدم (2) - من جهة عدم اختصاصه بالصلاة - وصحيح زرارة، من جهة الصراحة في الشك في أصل التحقق. وإنما الإشكال في صلاة المضطر في مثل الجلوس الذي أتى به بعنوان البدلية عن القيام بعزم أن يقرأ فيه، فإن فيه الإشكال من جهتين: إحداهما: أنه بصرف القصد لا يصير الجلوس بدلا عن القيام، كما أن في نفس القيام الذي هو واجب في صلاة المختار لو أتى به بعنوان أنه القيام في الركعة اللاحقة ثم تردد بعد ذلك في أنه هل هو القيام بعد الركوع من السابقة أو هو القيام الأول في اللاحقة فإن صرف قصد كونه أول اللاحقة وأنه القيام للقراءة لا يعينه في ذلك، فلا بد من الإتيان بالسجدتين وتجديد القيام للاحقة. والظاهر أنه


(1 و 2) في ص 258.

[ 278 ]

[... ] لا إشكال في عدم صدق التجاوز، فإنه لو كان جلوسه بقصد القراءة وكونه بدلا عن القيام للقراءة ثم تردد بين أن يكون الجلوس بعد السجدة الاولى وأن يكون بعد الثانية فلابد من الإتيان بالسجدة ثم الجلوس والقراءة. ثانيهما: أنه على فرض التعين فالإشكال في المبدل عنه، من جهة أن القيام الواجب يحتمل أن يكون هو القيام حال القراءة من باب عدم وجوب القيام بنفسه وأنه من باب اشتراط القراءة به، أو وإن كان واجبا بنفسه إلا أن الواجب هو القيام حال القراءة، أو أن الواجب هو القيام الذي يقرأ فيه ولو بعد ذلك فما دام لم يقرأ لم يتحقق التجاوز، والحكم بالمضي في صورة القيام كما في مصحح إسماعيل (1) تعبد، لأنه لا فرق بينه وبين الهوي إلا أن يكون القيام بنفسه من الواجبات، وهو غير معلوم. ويمكن الجواب عن ذلك في القيام بإمكان أن يكون القيام الواجب هو الذي يقرأ فيه، وحينئذ فإن قام بعد الهوي عن القيام الواجب بعد الركوع في الركعة السابقة بقصد كونه جزء من الصلاة من باب العزم على القراءة فيه فإن أتى بما هو الوظيفة من السجدتين فلا يكون القيام زيادة في صلاته، وإلا كان زيادة فيها، وبملاحظة أنه لا يجوز له ذلك إلا بعد الإتيان بما هو وظيفته قبل ذلك - وإلا كان زائدا - يصدق التجاوز عن المحل، فالحكم فيه ليس تعبديا. ومن ذلك يظهر الجواب عن الجلوس، فإن مقتضى ذلك أنه لو كان الجلوس المشكوك فيه بعد الجلوس الصادر عنه بعد السجدة الاولى والمفروض قصد كونه للقراءة فهو مأتي به بقصد الجزئية فيكون زائدا إن لم يسجد، فالشك يكون بعد


(1) الذي تقدم في ص 260.

[ 279 ]

[... ] المحل وإن لم يكن القصد معينا للبدلية. ومن ذلك كله تعرف أنه لا إشكال في الحكم بالمضي في الجلوس إذا اشتغل بالقراءة - كما صرح به في الجواهر (1) - لصدق التجاوز ولو من باب القراءة، ولا إشكال في عدم الحكم به ووجوب الإتيان بالمشكوك في ما إذا تردد أمر الجلوس بين كونه بعد السجدة الاولى أو بعد الثانية للقراءة قبل أن يقرأ، وأما لو كان الجلوس المشكوك فيه بقصد كونه جزء للصلاة وأنه للقراءة وكان هو غير الجلوس الذي كان منه بعد السجدة الاولى فلجريان قاعدة التجاوز وجه، وهو عدم جواز ذلك الجلوس بحسب الذات إلا بعد الإتيان بالسجدتين، وإلا كان زيادة في الصلاة، فلا يترك الاحتياط بالمضي ثم الإعادة. وهو العالم. السابع: قد مر في طي بعض فروع نسيان السجدة وفي مسألة ترك السجدتين عدم تحقق المضي إذا كان ما به تحقق التجاوز وقع سهوا ولابد من تداركه، كما لو شك في حال القيام في الإتيان بالسجدة مثلا وعلم بعدم الإتيان بالتشهد، فإن القيام الواقع في المقام ليس من أجزاء الصلاة، لأن ما هو الجزء له هو القيام بعد التشهد، فلا فرق بينه وبين أمر أجنبي آخر، وعلى فرض الشك في صدق التجاوز حتى يدخل تحت القاعدة أو في عدم التجاوز حتى يحكم بالتلافي يرجع إلى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال. لكن اختار خلافه في الجواهر معللا بالشك في شمول أدلة الشك قبل الدخول في الغير لمثل هذا الفرد، مع عدم ظهور ما دل على عدم الالتفات فيه (2). وفيه - مع ضعف أصل المدعى -: أنه كيف يمكن الشك في ظهور دليل ما قبل


(1) الجواهر: ج 12 ص 324. (2) الجواهر: ج 12 ص 324.

[ 280 ]

[... ] الدخول مع فرض الظهور في دليل ما بعد الدخول؟! فإن فرض الشك فيكون في المقامين، وإلا فلا شك في المقامين لوحدة الدليل نوعا ووحدة الألفاظ سنخا عموما. لكن هنا فرع آخر لهذا الأمر لم أر التعرض له، وهو أنه لو كان الغير الذي دخل فيه واقعا في محله إلا أن تحققه كان سهوا ومن دون كونه من جهة تخيل الخروج، كأن قام فزعا أو قام بتخيل أنه بعد الركعة الاولى مع الغفلة عن الركعة الثانية وأنه هل سجد فيها أم لا فهل يشمله دليل القاعدة من جهة الإطلاق، أو لا يشمله من جهة ما اشير إليه على ما مضى (1) في ذيل صحيح زرارة من قوله (عليه السلام): " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره " من قوة احتمال أن يكون المقصود إذا رأيت نفسك خارجا من شئ ومن أجل ذلك دخلت في غيره، وهو لا ينطبق بهذا المعنى على المورد، وكذا مقتضى ما في ذيل موثق بكير: " هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك " (2) أن يكون محتملا للتذكر حين الإتيان بالعمل. لكن الأصح الأول، لما اشير إليه من الإطلاق الوارد في غير ذلك من مصحح إسماعيل بن جابر (3) وغيره. وما في ذيل الصحيح من الإشارة إلى بعض الحكم والمصالح لا يصلح أن يكون علة للحكم فيدور الحكم مداره إلا أن يكون واقعا في حيز التعليل، وليس كذلك. وما في الموثق لا يكون صريحا ولا ظاهرا في لزوم احتمال التذكر في جميع آنات العمل الذي يمكن أن يقع فيه الشك، كيف!


(1) في ص 267. (2) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 7 من ب 42 من أبواب الوضوء. (3) المتقدم في ص 260.

[ 281 ]

[... ] وفي الشك بعد الوقت لا يعتبر ذلك عندهم ولعله قطعي، ولعل احتمال عدم الغفلة في تمام الوقت غير متحقق في الغالب، وقد عرفت أن المستفاد من دليل الشك بعد الوقت أنه بملاك الحائل الذي هو الأعم من الوقت والمحل المجعول شرعا، فراجع الأمر الثاني من الامور المذكورة في ذيل القاعدة. والحمد لله الذي وفقني لكتابة ما ألقيت من المباحث على بعض الأفاضل في سنة 1392 بعد الهجرة، وله الشكر المتواصل المتواتر، وبه نستعين وبأوليائه الكرام لاسيما سيدنا ومولانا الحجة مولى العصر مخدومنا وولي نعمتنا بعد الحق المتعالي، وبه وبآبائه الطاهرين سيما نبينا وشفيع ذنوبنا محمد (صلى الله عليه وآله) نستشفع عند الله تعالى أن يعطينا من كل خير أعطاه لأوليائه ويجنبنا عن كل سوء جنبهم عنه، وكان ذلك في ج / 1 / 1392. الثامن: قد ذكر (قدس سره) في الجواهر أنه: ربما ظهر من بعضهم أن الشك في الصحة والبطلان - كالشك في صحة التكبير - في حكم الشك في أصل الوقوع، فلو شك قبل القراءة أتى به، ولو شك بعد الدخول فيها مضى، والوجه في ذلك أنه ينحل إلى الشك في فوات شئ فيجري عليه الحكم. ويحتمل العدم، لظهور الأخبار في الشك في أصل الوقوع، لكن يحكم بالصحة في محل المسألة، لأصالتها في كل فعل يقع من المسلم، ولعله الأقوى (1). انتهى ملخصا ومحررا. أقول: الوجه لشمول أخبار الباب للشك في الصحة والبطلان امور:


(1) الجواهر: ج 12 ص 324 - 325.

[ 282 ]

[... ] منها: ما ذكره (قدس سره) - وهو الذي قربه الشيخ المؤسس الأنصاري (قدس سره) في رسائله (1) - وتقريبه أن الشك في " الشئ " الوارد في الدليل ينطبق عليه، فإن المشكوك إن كان ذات وقوع الشئ فهو شئ شك فيه بعد التجاوز عنه، وإن كان المشكوك وجود الشئ الصحيح فالجزء الصحيح شئ شك فيه، فالشئ هو المشكوك فهو كما ينطبق تارة على جميع الأذان والإقامة - مثلا - قد ينطبق على فصل من فصولهما بلا عناية، فالمجموع شئ، وكل فصل منهما شئ، وكل حرف من حروفهما شئ أيضا، ففي المقام يقال: إن الشئ المورد لقاعدة التجاوز هو ما شك فيه، فقد يكون ما شك فيه هو ذات الجزء، وقد لا يكون ذلك مشكوكا بل يكون المشكوك تحقق الجزء المتصف بالصحة، وكلاهما مشمول للأخبار الواردة في الباب. ومنها: ما لعله يستفاد من المصباح (2) من التمسك بصحيح زرارة المتقدم (3)، وفي ذيله: " إذ اخرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ ". وبيانه أن يقال: إن الظاهر من الخروج عن الشئ هو تحقق أصل الشئ، فمقتضى ظهوره الاختصاص بالشك في الشرط مع المفروغية عن وجود المشروط لكن حيث إن صدره كاد أن يكون صريحا في الشك في أصل الأجزاء فلابد من حمل جملة " إذا خرجت من شئ " على ما يشمله، ولعل الأوجه أن يحمل على الخروج عن محل الشئ لكن لا بنحو لا يشمل ما هو ظاهر فيه بالخصوص. ومحصل الكلام أن ظهور الجملة فيه بالخصوص يجعله القدر المتيقن


(1) الرسائل: ص 410. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 559. (3) في ص 258.

[ 283 ]

[... ] من الإطلاق غير الظاهر الذي لابد من المصير إليه بقرينة الصدر الصالح لشموله. ولا يخفى أن مقتضى التقريب المذكور جواز التمسك للمطلوب بمثل مصحح إسماعيل بن جابر (1) أيضا، وفيه: " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " فإن قوله " قد جاوزه " ظاهر في خصوص الشك في الشرط مع التجاوز عن المشروط، وحيث لا يمكن التخصيص بذلك بقرينة صدره فلا محالة يكون أعم، لكنه تصير تلك النكتة موجبة لصيرورة الفرض المذكور هو القدر المتيقن من الإطلاق الصالح لشموله له. ومنها: التمسك بخصوص رواية زرارة ولو كان المقصود هو الشك بعد التجاوز عن المحل، للإطلاق وعدم كون الإطلاق المذكور معارضا بما يقيده بالشك في الوجود. وملاك الاستدلال به قوله " فشكك ليس بشئ "، إذ ليس ظاهرا في الشك في الوجود بخلاف قوله: " كل شئ شك فيه ". ومنها: الأولوية المشار إليها في مصباح الفقيه (2) وأنه إذا قلنا بأنه متى شك في أصل التكبير بعد الدخول في القراءة يحكم بالإتيان، فمع القطع بالإتيان به والشك في بعض حركاته فهو أولى بالحكم بالإتيان على الوجه الصحيح، وهو لا يخلو عن جودة. ومنها: أنه يمكن التمسك بغير صحيح زرارة مما يدل على عدم الاعتبار بالشك في الشئ بعد التجاوز عنه، كمصحح إسماعيل بن جابر وموثق محمد بن مسلم (3)، من جهة أن منشأ الشك في صحة الجزء المأتي به هو الشك في وجود


(1) المتقدم في ص 260. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 559. (3) المتقدمين في ص 260 و 258.

[ 284 ]

[... ] الشرط فيحكم بالمضي عند التجاوز عن محله، ولا وجه لاختصاص القاعدة بالأجزاء بعد التصريح بجريانها في الشك في الأذان والإقامة، وبعد ذلك لا فرق بين الشرائط التي لها وجود مستقل أو ما ليس لها وجود مستقل - كالجهر والإخفات والاستقبال والإعراب وأمثال ذلك - لإطلاق لفظ " الشئ " الوارد في مصحح إسماعيل و " ما " الموصولة الواردة في رواية محمد بن مسلم الموثقة، فيحكم في التكبير المشكوك أنه فتح باءه بأنه فتح باءه، فإن فتح بائه شرط في صحة التكبير وقد تجاوز المكلف عن محله، لأن محله وقت الإتيان به، فيحكم بالإتيان قبل القراءة فكيف ببعدها! لصدق التجاوز إذا كان الشك حادثا بعد تماميته، كما لا يخفى. والظاهر أنه لافرق في صدق " الشئ " و " ما " الموصولة بين الشرط الوجودي والعدمي خصوصا بالنسبة إلى لفظة " ما ". ومنها: أن المستفاد من موثق فضيل أي قوله: " فإنما ذلك من الشيطان " (1) هو أن الملاك حصول التجاوز الموجب لحصول الظن نوعا بالإتيان به في محله وأن الشك الحاصل بعده من حبائل الشيطان، ولا فرق في صدق ذلك بين مورد الموثق ومورد البحث، وهو المؤيد أيضا بمعتبر محمد بن مسلم وفيه: " وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك " (2) الواقع موقع التعليل بحسب متفاهم العرف. ومنها: إمكان التمسك بذيل موثق ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (3).


(1) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 13 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 3 من ب 27 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 1 ص 330 ح 2 من ب 42 من أبواب الوضوء.

[ 285 ]

[... ] فإن إطلاق الذيل الظاهر في الحصر بما إذا لم يجز عنه يقتضي عدم الاعتناء وعدم العمل به بالنسبة إلى الشك في وصف صحة الأجزاء حتى بالنسبة إلى الوضوء، وهو غير واضح، فإن مقتضى صحيح زرارة المتقدم (1) وفيه قوله: " إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله... ". وكذا ظاهر الفتوى هو عدم جريان قاعدة التجاوز في أثناء الوضوء بالنسبة إلى الأفعال التي سماها الله تعالى في كتابه، وأما بالنسبة إلى الشرائط الموجبة للشك في وصف الصحة فهو غير واضح. ومنها: إمكان التمسك بخبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): " كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا إعادة عليك فيه " (2) الظاهر في الشك في الصحة والفساد بقرينة " مضى " وقرينة " ولا إعادة عليك فيه ". وتقريب الاستدلال بذلك أن الاحتمالات المتصورة في بادئ النظر أربعة كلها خلاف الظاهر إلا المطلوب: الأول: أن يكون " من " بيانية ويكون المقصود بيان كل ما مضى من خصوص الصلاة والطهور. وهو مما لا يراد قطعا بحسب الظاهر، لأنه في الاستهجان كالتخصيص بالفرد النادر، كأن يقال جميع أفراد الإنسان أي الإيرانيين الموجودين في هذا العصر.


(1) في ص 260. (2) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 6 من ب 42 من أبواب الوضوء.

[ 286 ]

[... ] الثاني: أن يكون بيانية ولكن كان المقصود بيان المثل أي من مثل الصلاة والطهور. وهو خلاف الظاهر، للزوم أن يكون عناية عنوان المثل أو ما يشابهه. الثالث: أن يكون مفاده التقييد أي كل ما مضى إذا كان الماضي هو الصلاة والطهور. وهو أيضا غير معهود في لفظة " من ". الرابع - وهو المطلوب -: أن يكون تبعيضية أي يحكم بأن كل ما مضى من أجزاء صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فاعمل عمل الماضي صحيحا بأن لا إعادة فيه عليك. ولا إشكال من حيث التطبيق على الوضوء، لما عرفت في الوجه المتقدم من إمكان المصير إلى جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الشرائط في أثناء الوضوء، وما هو المسلم عدم جريانها بالنسبة إلى الأفعال. وهو الذي يظهر من عبارة الشرائع، فراجع وتأمل. التاسع: ربما يشكل جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى النية مطلقا في أثناء الصلاة حتى لو شك بعد الدخول في القراءة أنه هل كبر ناويا للقربة. وذلك لامور: منها: أن الشك في النية مستلزم للشك في أصل انعقاد الصلاة، وقاعدة التجاوز بعد فرض تحققها إن كانت مختصة بالصلاة بل وإن لم تكن مختصة بها وكان الموضوع كل فعل من الأفعال المركبة أو الأعم فلابد أن يفرض الشك بعد فرض تحقق العنوان. وهو الذي جعله صاحب الجواهر (قدس سره) وجها لما نقله عن الذكرى من الإشكال في جريان القاعدة في تحقق النية في حال التكبير (1).


(1) الجواهر: ج 12 ص 325.

[ 287 ]

[... ] ولا ريب في ضعف ذلك، لعدم الدليل على لزوم ذلك، مضافا إلى قيام الدليل على عدمه، وهو قول الصادق (عليه السلام) على ما في صحيح زرارة (1) " يمضي " بعد قول السائل " رجل شك في التكبير وقد قرأ " وقد قال في آخره: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " بداعي التطبيق على ما تقدم وغيره. ومنها: عدم صدق التجاوز عن المحل، من باب أن النية أمر واحد يستمر محلها جميع الصلاة، فلم يتجاوز عن محلها. وفيه: صدق التجاوز بالنسبة إلى التكبير، فإن النية حال التكبير قد تجاوز عنها، وكونها شئ واحدا لا يقتضي عدم صدق التجاوز بالنسبة إلى بعضها كما في القراءة، فإنه لو شك في بعض القراءة وقد دخل في البعض الآخر يصدق التجاوز عن البعض الأول مع كونها شئ واحدا عرفا. ومنها: عدم صدق الدخول في الغير بناء على اعتبار ذلك، فإن القراءة ليست مترتبة على النية التي لابد في التكبيرة بل هي مترتبة على التكبيرة، وأما نية بعض الصلاة فهي غير مترتبة على نية الكل إلا بحكم العقل، فإن نية البعض لابد وأن تكون بعد نية الكل عقلا، والغير الذي لابد من الدخول فيه هو الغير المترتب عليه شرعا على ما هو المعروف بينهم. وفيه: عدم صحة المبنى بل يكفي التجاوز، وعلى فرض لزوم الدخول في الغير فلا ريب أن القراءة هي الغير المترتب على النية الواجبة حين التكبير ولو من باب ترتبها على التكبير، فالترتب شرعي وإن كان بتوسيط ترتب القراءة على


(1) المتقدم في ص 258.

[ 288 ]

[... ] التكبير. ويمكن أن يقال بكفاية الدخول في الغير المترتب على المشكوك عقلا - كما يجئ إن شاء الله تعالى - وإن كان ذلك لا يخلو عن إشكال، كما أنه لو فرض كون النية شرطا للتكبير فلا إشكال في جريان قاعدة التجاوز بعد ما قرأ، بناء على ما تقدم من جريان القاعدة في المشروط. فالظاهر أنه لا إشكال في جريان قاعدة التجاوز في النية حال التكبير بعد الدخول في القراءة، وأما قبل القراءة ففيه إشكال من جهة اشتراط الدخول في الغير وعدم كون نية البعض غيرا مترتبا على نية التكبير شرعا بل ترتبها عليها عقلي، لكن قد مر غير مرة عدم صحة المبنى. العاشر: لا فرق في جريانها بين ما يكون في البين حكم إلزامي يقتضي الإتيان بالمشكوك حال الصلاة كما في الشك في التكبير وقد دخل في القراءة، أو كان له أثر كذلك بالنسبة إلى ما بعدها كما في الشك في التشهد أو السجدة الواحدة بعد الدخول في الركوع، فإن الحكم في الأول هو الإتيان بالتكبيرة وفي الثاني قضاؤهما بعد الصلاة، ومقتضى القاعدة عدم لزوم ذلك، فإن اشتمال بعض أخبارها على الحكم بالمضي في الصلاة كما في صدر صحيح زرارة لا يوجب عدم الأخذ بالإطلاق بالنسبة إلى ذيله من قوله: " فشكك ليس بشئ " وقوله: " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " وقوله: " إنما ذلك من الشيطان " وقوله (عليه السلام) على ما في الموثق: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " المتقدم كل ذلك (1). كما أنه لا فرق بين الشك في الجزء أو ما هو شرط في الجزء - كما تقدم في الأمر الثامن - وبين الشك في ما هو شرط في الصلاة في حال الإتيان بالجزء


(1) في ص 258 و 261 و 259.

[ 289 ]

[... ] الماضي - كما لو شك في الاستقبال حال القراءة والقيام بعد ما دخل في الركوع مثلا - وبين الشك في شئ لا يكون شرطا للصلاة ولا للجزء بل كان الجزء المتقدم محلا لإتيانه، كما لو نذر الدعاء في السجدة الأخيرة أو نذر القنوت في الركعة الثانية بعد القراءة وأنه لو لم يأت بذلك ولو نسيانا تصدق بشئ - مثلا - وشك في ذلك بعد التجاوز عنه، أو نذر التصدق في الركوع وعلى تقدير النسيان التصدق بعد الصلاة وشك في ذلك بعد الركوع، على إشكال في الأخير بناء على اختصاص قاعدة التجاوز بالصلاة، لأن المشكوك في الأخير ليس جزء من الصلاة بخلاف القنوت والدعاء، وإن كان لجريانه بناء عليه أيضا وجه من جهة كون الظرف للمشكوك هو الصلاة. الحادي عشر: إذا كان مقتضى عدم الإتيان بالمشكوك استحباب الإتيان به أو استحباب الإتيان بسجدتي السهو مثلا - كما في الشك في ذكر الركوع بعد ما قام عنه - فهل تجري القاعدة من باب أنه يكفي في المجعولات الشرعية وجود الأثر ولو كان رفع الاستحباب؟ ويشهد لذلك في المورد صدر صحيح زرارة (1) - قوله: " رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة " - ومعتبر علي بن جعفر: في رجل ركع وسجد ولم يدر هل كبر أو قال شئ في ركوعه وسجوده هل يعتد بتلك الركعة والسجدة؟ قال: " إذا شك فليمض في صلاته " (2). ويمكن التمسك بالعموم إما من باب رفع الاستحباب واقعا، ولا إشكال


(1) المتقدم في ص 258. (2) الوسائل: ج 5 ص 337 ح 9 من ب 23 من أبواب الخلل.

[ 290 ]

[... ] في الرفع الواقعي في فرض الشك في الموضوع، وإما من باب الرفع الظاهري. أم لا تجري من جهة أن الرفع الواقعي خلاف ظاهر الدليل، من جهة ابتنائه على ارتكاز العرف الذي لا ريب أنه أمر ظاهري من دون أن يغير مصلحة الواقع، وأن عدم الاعتناء من باب التحقق النوعي وكون الشك وسوسة شيطانية، لا من باب عدم لزوم المشكوك وعدم استحبابه واقعا، وأما الرفع الظاهري فلا معنى له في المستحبات، فإن الإتيان بالمشكوك بداعي احتمال المحبوبية غير قابل للرفع، لأنه قطعي وتابع للواقع المفروض عدم رفعه، والإتيان بالمشكوك بداعي الاستحباب الظاهري غير مستحب، فإن الاستحباب الظاهري المردد بين كونه موردا للإرادة المولوية وكونه صورة حكم بلا إرادة لبية لا يكون مقربا في العبادات، فالاستحباب مورده ليس الواقعي القطعي في صوره القطعي والانقيادي في صوره الاحتمالي، وحينئذ لابد من توجيه معتبر علي بن جعفر بأن المقصود من المضي في المستحب هو عدم وجوب الإعادة وسجدتي السهو واقعا، وهو وإن لم يكن من حيث الشك لكن عموم المضي في الصلاة بحيث يشمل موارد الأثر الإلزامي إنما يكون من حيث الشك، فأخذ الشك إنما هو لصدق العموم، وكذا في الصحيح، فيكون المضي في الإقامة لا من حيث الشك بل من حيث عدم لزومه، لكن الإنصاف أن صحيح زرارة كاد أن يكون صريحا في أن الحكم بالمضي من حيث الشك وكونه من مصاديق ما ذكره (عليه السلام) في الذيل. فيمكن حينئذ توجيه تعميم القاعدة للمستحب أيضا بوجهين: أحدهما: أن الحكم بالمضي باعتبار الشك وإن كان ظاهرا في عدم تغير الواقع ورفع المحبوبية الواقعية وأنه ظاهري إلا أن مقتضى موثق الفضيل (1) أن الاعتناء


(1) المتقدم في ص 259.

[ 291 ]

[... ] من الشيطان، وهو يزاحم ملاك المحبوبية بملاك منفر، وهو الشروع في متابعة الشيطان، فإن رجع في مورد الشك في الأذان وأتى به أتى بما هو محبوب ذاتا لكنه أتى بالمنفور أيضا وهو متابعة الشيطان. ويكفي في سياق كون الحكم ظاهريا بقاء المشكوك على محبوبيته الواقعية، لكن عدم استحباب الأذان فعلا يكون واقعيا وإن كان الأذان باقيا على الاستحباب الذاتي الحيثي. ثانيهما: إمكان دعوى استحباب المشكوك بداعي الأمر الظاهري، فيمكن أن يكون المرفوع هو الإتيان بالأذان بقصد الاستحباب الظاهري. وما تقدم " من عدم مقر بيته على وجه الإطلاق بل في صورة التطابق للواقع ومرجعه إلى الإتيان الانقيادي " يمكن دفعه بأن الإتيان بداعي أمر المولى ولو كان صوريا مستحسن عقلا بل يمكن أن يكون موردا لإرادة المولى بعد الأمر وإن لم يكن الأمر من باب إرادة الفعل، فتأمل. الثاني عشر: لا إشكال في أن المتيقن من مفاد القاعدة هو التجاوز عن محل المشكوك المجعول له شرعا، وأما التعميم للمحل العادي والعقلي من غير فرق فيهما بين العادة الشخصية التي كانت نوعية أيضا والعقلية التي لها دوام واستقرار أو كان التجاوز عنه عاديا، ومن غير فرق في الأخير بين عدم إمكان تدارك المشكوك بعد التجاوز عن محله لعدم إمكان إعادة المحل - كما إذا لم يكن المكلف قادرا على الإتيان بالظهرين بعد مضي ساعتين من الزوال - وبين ما كان ممكن التدارك بإعادة المحل، كما إذا شك بعد الإتيان ب‍ " الله أكبر " إلا الراء منه بعد السكوت والفصل في الإتيان بالراء الساكن على ما مثل به الشيخ المؤسس الأنصاري (1) (قدس سره)، فإن محل الراء الساكن بعد الباء المتحرك، وإلا لاستحال


(1) فرائد الاصول: ص 411.

[ 292 ]

[... ] الابتداء به لاستحالة الابتداء بالساكن، أو التفصيل بين المحل العادي والعقلي فيحكم بإلحاق المحل العقلي بالمحل الشرعي كما يظهر من الشيخ (قدس سره) (1)، أو التفصيل في العقلي بين ما كان من المثال الأول وما كان من الثاني فيحكم بالإلحاق في الأول دون الثاني، أو التفصيل في العادي بين العادة النوعية التي صارت شخصية أيضا - بخلاف مورد العادة الشخصية فقط - وبين النوعية فقط، فلكل وجه ربما يمكن استخراجه مما نذكره: فنقول ومنه الاستعانة: وجه التعميم أمران: أحدهما: عموم القاعدة من حيث صدق التجاوز والمضي، فإن اختصاص الأمثلة الواردة في مثل صحيح زرارة المتقدم (2) وغيره بالتجاوز عن محله الشرعي لا يمنع عن الأخذ بإطلاق ذيله وإطلاق غيره من الروايات، كموثق محمد بن مسلم: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " (3) وغيره. وإن أبيت عن التعميم للعادة الشخصية لعدم صدق التجاوز عنه بحسب طبع العمل على نحو الكلي أو النوعي فلا وجه لدعوى عدم التعميم بالنسبة إلى العادة الشخصية الموافقة للعادة النوعية، وإن اشكل بصدق عدم التجاوز أيضا من جهة بقاء المحل الشرعي اجيب بأن المفهوم لصرف وجود التجاوز هو العدم الصرف المستلزم لعدم جميع أفراده، فإن صدق التجاوز فلا يصدق عدم التجاوز الظاهر في عدم الطبيعة المطلقة. ثانيهما: صدق التعليلات الواردة على طبق الارتكاز النوعي الذي عليه العقلاء في الجملة، فإنه لا فرق في صدق " هو حين العمل أذكر " و " أنه كان حين العمل


(1) فرائد الاصول: ص 411. (2) في ص 258. (3) الوسائل: ج 5 ص 336 ح 3 من ب 23 من أبواب الخلل.

[ 293 ]

[... ] أقرب إلى الحق " وأن احتمال الترك وسوسة شيطانية في التجاوز عن المحل الشرعي وغيره مما هو نظيره في انطباق التعليلات المتقدمة. لكن يمكن المناقشة في الوجه الأول بانصراف كلام من له تشريعات ومركبات عبادية وغيرها إلى المصاديق التي جعلها مصاديق للعنوان المأخوذ في الكلام، فكما أنه بعد تشريع الوضوء للصلوات الفريضة والنافلة وللطواف لو قال: " إذا أردت النوم أو دخول المسجد أو السعي في حاجة لك أو لغيرك مثلا فتوضأ " ينصرف إلى ما هو التوضي في تشريعه لا التوضي اللغوي الذي هو مطلق الغسل ولا الأعم، كذلك في مثل المقام، فإنه لا فرق بين كلمة الوضوء مثلا والتجاوز والفراغ والمضي. وإن قلت: إن الأول من باب ثبوت الحقيقة الشرعية، ومن المعلوم عدم حقيقة شرعية للفظ التجاوز وأمثاله. قلت: ليس منشأ ثبوت الحقيقة الشرعية الثابتة بالوضع التعيني إلا الانصراف المشار إليه. وكذا في الوجه الثاني وهو التعليل، فلأنه ليس المقصود من التعليل هو ثبوت الظن النوعي بالامتثال، فإن لازمه حجية الظن في مقام الامتثال مطلقا، وليس مفاد التعليل ثبوت الارتكاز حتى تكون العلة لذلك هو تحقق الارتكاز فيحكم بالمضي في مورد ثبوت الارتكاز على ذلك، بل الظاهر من التعليلات أن الحكم بالمضي من باب أنه كان أذكر حين العمل وقد أتى به، وهو المستفاد من قوله: " أقرب إلى الحق " وأن " ذلك من الشيطان ". فالمستفاد من المجموع أن العلة لذلك هو التحقق النوعي الواقعي بحيث يكون

[ 294 ]

[... ] النادر كالمعدوم بنظر الشارع. وتحقق ذلك في التجاوز بحسب المحل العادي غير واضح وكذا العقلي، إذ التجاوز عن المحل الشرعي ملازم للتجاوز عن المحل العادي والعقلي قهرا، فتأمل، فكون عدم الإتيان في مورد التجاوز بحكم المعدوم في نظر الشارع لا يقتضي أن يكون التجاوز بأحد الاعتبارين الآخرين كذلك. ويمكن أن يفصل بين التجاوز عن المحل العقلي والعادي فيحكم بالشمول للأول، من باب أنه بالعرض يكون المحل العقلي هو المحل الشرعي، وذلك لإطلاق إرادة المولى للإتيان بالعمل في صور تضيق الوقت عقلا. ويمكن التفصيل أيضا في المحل العقلي بين ما إذا لا يمكن إعادة العمل المشكوك لعدم التمكن من إعادة المحل، كما إذا كان متيقنا من أول الزوال مثلا بعدم القدرة على الظهرين بعد مضي ساعتين من الزوال فيحكم بالشمول، وذلك لأنه إذا حكم بالمضي في مثل الأذان وقد دخل في الإقامة مع إمكان إعادته (بأن يعيد بعده الإقامة، من باب أن الإنسان الذي بصدد أداء تكليف المولى يأتي بجميع أجزائه في محله، والذهول عن ذاك الفرض المهم الذي كان بصدده بعيد لا يعتنى به) فهو أولى بالإتيان وأبعد عن الذهول في مثل الواجب الذي لا يمكن إعادته بعد ذلك، وحصول العادة في المحل الشرعي دون العقلي مدفوع بعدم الكلية لذلك، فإنه ربما يحصل الشك بعد التجاوز عن المحل الشرعي في بدو الإتيان بالصلاة كأول البلوغ أو أول الإسلام أو كان الشك في مناسك الحج بناء على جريان القاعدة فيه فيحكم بالمضي فيه، وبين ما إذا أمكن الامتثال بالعود إلى المحل. فملخص الكلام أنه يحكم بالمضي فيه للأولوية، بخلاف ما إذا كان المكلف قادرا على التدارك بالرجوع إلى محله، كما في مثال الراء الساكن لكلمة " الله أكبر "

[ 295 ]

[... ] المتقدم، وذلك لمجئ الانصراف المذكور في المحل العقلي أيضا، وكذا ما تقدم من عدم معلومية شمول التعليل للمورد. ومقتضى ما تقدم أن الانصراف عن التجاوز عن المحل العادي أوضح من العقلي، لكون التجاوز عن المحل العقلي تجاوز عن المحل الشرعي بالعرض بخلاف التجاوز عن المحل العادي، وأن شمول الإطلاق للتجاوز عن المحل العقلي وعدم الانصراف عنه غير واضح بعد عدم كون المحل مجعولا شرعيا من دون التوسيط، ومع ذلك فيمكن الحكم بالمضي في الفرض الأول - أي ما لا يمكن إعادته أصلا - للأولوية. ثم إن الأولى أن يمثل للتجاوز عن المحل العقلي الذي يمكن العود إليه بإعادة المحل بما إذا كان أداء الزكاة في محل متوقفا على الذهاب إلى بيت فقير لا يقدر على الخروج من البيت فذهب معطي الزكاة لأدائها إلى المحل المذكور ورجع عنه ثم شك في الأداء. وأما مثال الراء الساكن الذي في رسائل الشيخ المؤسس (1) (قدس سره) فلا يبتني المضي فيه بعد السكوت على التجاوز عن المحل العقلي، لأن المحل الشرعي للراء إنما هو بعد الباء المفتوحة ولو لم يكن بساكن، لأن الاتصال بين الحروف في كلمة واحدة شرط لتحقق الكلام عرفا، وإلا كان المنطوق به هو الحروف المقطعة. الثالث عشر: لا إشكال ولا ينبغي أيضا في أن الشك المتحقق في المحل لا يصير محكوما بالمضي فيه بعد بقائه إلى ما بعد المحل بلا كلام، فإنه لو لا ذلك للغت قاعدة الشك في المحل التي وردت فيها أخبار كثيرة التي قد تقدم بعضها (2)، وهو المستفاد من مثل صحيح زرارة ومعتبر إسماعيل بن جابر (3) من حيث المثال


(1) فرائد الاصول: ص 411. (2) في الصفحة 257 وما بعدها. (3) المتقدمين في ص 258 و 260.

[ 296 ]

[... ] ومن حيث قوله: " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله: " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " وقوله: " هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك ". وإنما الإشكال في أنه هل يكون ذلك من باب أن الموضوع للقاعدة هو الشك الحادث، أو من باب أن المحكوم بعدم الاعتناء هو الفعل الذي لم يكن مشكوكا في محله، أو أن المحكوم به هو المردد بين الإتيان والترك للغفلة، ولازمه أن لا يكون مشكوكا قبل ذلك في المحل، أو لا يكون جريان القاعدة من حيث الموضوع والمورد مشروطا بشئ، بل الشك الذي يكون بعد المحل محكوم بعدم الاعتناء به من جهة كونه بعد الوقت فلا عقوبة من تلك الجهة لكن لا يصير عذرا من حيث الشك المتحقق في المحل، ومقتضى ذلك: الحكم بالمضي في ما لو تيقن بالطهارة وشك في الحدث وصلى بالاتكاء على الاستصحاب ثم صار شكه بعد الصلاة شكا ساريا الكاشف عن كون الاستصحاب تخيليا، وذلك لوجود العذر من أول الصلاة إلى ما بعدها، أما الأول فلتخيل الاستصحاب، وأما بعدها فللحكم بالمضي من حيث الشك الموجود بعد العمل؟ وجوه. يمكن أن يقال: إنه لا دليل على تقييد الشك بصفة الحدوث كما أنه لا دليل على تقييد المشكوك بعدم كونه متعلقا للشك في المحل، فالأمر يدور بين الاحتمالين الآخرين، ومبنى ذلك على كون التعليل الذي يستفاد منه أن المورد للقاعدة لابد أن يكون مرددا بين الإتيان به في المحل أو الغفلة عنه فيحكم بعدم الغفلة هل هو علة حقيقة يدور مدارها الحكم أو حكمة؟ ولعله يجئ بعض الكلام في ذلك في بعض الامور الآتية إن شاء الله تعالى.

[ 297 ]

[... ] ثم إن مما يبتني على الوجوه المذكورة ما تعرض له في العروة (1) وكذا الوالد الاستاذ (2) - تغمدهما الله برحمته وغفرانه - من أنه لو شك بعد المحل أنه هل شك في المحل شكا لم يعمل بتكليفه من الاعتناء به أم لا؟ فإنه لا إشكال في عدم الاعتناء والمضي إذا اختير كون القاعدة حكما حيثيا، فإنها تقتضي عدم المؤاخذة من حيث الشك الواقع بعد المحل، وأما الشك في المحل فمقتضى الأصل عدم حصوله، وكذا لو قلنا بأن القاعدة مشروطة بكون موردها غير متعلق للشك في المحل، فإن مقتضى الأصل هو العدم. أما لو كان الشرط إما الإتيان أو استناد الترك إلى الغفلة فلا يثبت ذلك بعدم الشك بل مقتضى الاستصحاب هو الترك غير المستند إلى الغفلة، فتأمل. كما أنه لو كان الشك مشروطا بالاتصاف بصفة الحدوث يشكل ذلك، من باب أن استصحاب عدم الشك في المحل لا يثبت اتصاف الشك بكونه حادثا، وإن كان في ذلك إشكال من جهة دلالة صحيح زرارة الأول على إثبات الصلاة المتصفة بالطهارة. الرابع عشر: اختلف أصحابنا المتأخرون - من الشيخ المؤسس وتلامذته - في أن المستفاد من مجموع الأخبار الواردة في المسألة قاعدتان أو المستفاد منها قاعدة واحدة؟ لا إشكال في الحكم بالصحة بعد الفراغ عن الوضوء والصلاة إذا شك فيهما، سواء كان من جهة الأجزاء أو الشرائط، بل الظاهر أنه بلا إشكال كما يأتي إن شاء الله تعالى في الأمر التالي بالنسبة إلى كل عمل، كما لا إشكال في جريان قاعدة التجاوز أي الحكم بالمضي في الصلاة إذا شك في وجود بعض الأجزاء


(1) كتاب الصلاة، الفصل 51، المسألة 16. (2) كتاب الصلاة للحائري المؤسس: ص 352.

[ 298 ]

[... ] بعد التجاوز عن محله في الجملة. إنما الإشكال في أن ذلك هل هو بملاك واحد وهو التجاوز عن محل الشئ المشكوك وجوده أو بملاكين؟ قد يقال بالأول، من جهة أن قاعدة التجاوز تغني عن جعل قاعدة الفراغ. وذلك يتضح بعد فرض امور: الأول: عموم التجاوز لجميع الموضوعات. الثاني: عموم الشئ المتجاوز محله لكل شئ من الأجزاء والشرائط. الثالث: كون الملاك هو التجاوز من دون لزوم الدخول في الغير تعبدا، بل هو في بعض الموارد من باب أنه لا يتحقق التجاوز عن المحل إلا بذلك. وبعد ذلك فجعل قاعدة الفراغ لغو. ويمكن أن يوجه ذلك بوجه آخر وهو أنه لا دليل على الفراغ في محل الإثبات بحيث يظهر منه أنه قاعدة اخرى، بل الحكم بالمضي بعد الفراغ من باب كونه بعد المحل وأن محل الصحة وتحصيل الشرائط والأجزاء إنما هو في حال الاشتغال بالصلاة، فهو فرد من أفراد قاعدة التجاوز وهو الشك في وجود الشئ بعد تجاوز محله. ويمكن المناقشة في كلا الوجهين: أما الأول فلأن اللغوية إنما هي في مورد تكون حقيقتها اللبية متقومة بالجعل كالملكية، وأما إذا كان المورد مما له واقعية في مقام الثبوت (بأن كان مضي المحل ملاكا للمعذورية ولو لم يكن في البين فراغ - كما في الشك الحادث في أثناء الصلاة بالنسبة إلى التكبير بعد مادخل في القراءة - أو كان الفراغ موضوعا

[ 299 ]

[... ] وكافيا للمعذورية ولو لم يكن التجاوز عذرا كما في الوضوء) فلا لغوية. ومنه يظهر عدم اللغوية أيضا على فرض الجعل، إذ لو شك بعد الفراغ عن الوضوء في غسل الوجه فالحكم بغسل الوجه ليس من باب التجاوز عن المحل، لأنه لا يقتضي التجاوز ذلك، بل من باب الفراغ عن العمل. مضافا إلى أنه لو كان كافيا في ذلك لما كان إظهار أن المضي لجهتين وأمرين لغوا، فإن الواقع تابع للحكم والمصالح، وإظهار الواقع يكفي فيه التأكيد. مع أنه لو فرضنا حكومة قاعدة التجاوز على قاعدة الفراغ لما كان لغوا، إذ لو فرض أن المكلف توضأ وصلى صلاة واجبة ثم توضأ وصلى صلاة اخرى كذلك غير مترتبة على الاولى ثم علم إجمالا إما ببطلان الوضوء من الاولى أو بطلان الثانية لنقصان الركوع - مثلا - فمقتضى القاعدة تعارض قاعدة الفراغ في الوضوء لقاعدة التجاوز في الصلاة الثانية والرجوع إلى قاعدة الفراغ، لكونها محكومة بالفرض، فليست في رتبتها حتى تتعارض لقاعدة الفراغ في الوضوء. لكن الإنصاف أن الحكومة مشكلة، إذ هي مبنية على أن يكون مفاد قاعدة الفراغ هو الحكم بالصحة بمعنى سقوط الأمر أو سقوط الإعادة والقضاء، وهو مشكل بل ممنوع، إذ العمدة فيها كما عرفت موثق بكير المتقدم (1) المشتمل على التعليل، ومقتضاه الحكم بثبوت ما لو كان متذكرا لعمله، ولا ريب أن ذلك هو نفس الجزء والشرط، فمقتضى قاعدة الفراغ هو الإتيان بالركوع في محله في مثل المسألة، لأنه الذي لو كان متذكرا لعمله ليسقط بذلك الأمر، ولو كان إسقاط الأمر مما يصدق عليه ذلك ولو بالواسطة لما كان مانعا عن صدق مفاد التعليل على نفس


(1) في ص 261.

[ 300 ]

[... ] كون الركوع في المحل، فهو صالح لأن يرفع موضوع قاعدة الشك بعد التجاوز عن المحل كما أن العكس كذلك، فلا ترجيح ولا حكومة. نعم، يمكن أن يقال في المسألة المتقدمة لو فرض الاضطرار إلى ترك إحدى الصلاتين مع أن مقتضى العلم الإجمالي هو وجوب الإتيان بكليتهما وقلنا بأن العقل يحكم بالتخيير: إن التخيير في غير هذا المورد، فإنه يتعين عليه ترك قضاء الصلاة الثانية، لأن ملاك المعذورية في ترك الركوع فيها ثابت لوجهين، بخلاف الاولى، فإن ملاكها أمر واحد وهو الفراغ. هذا بالنسبة إلى الأول. وأما الوجه الثاني فيكفي في تعدد الجهة كون الفراغ الذي ليس من التجاوز عن المحل بالذات موضوعا للحكم بالعذر، فيحكم - مثلا - بعد الفراغ إذا شك في التكبيرة الافتتاحية للصلاة بالمضي لوجهين أي للتجاوز عما جعل له محلا بالذات وهو الدخول في القراءة وللفراغ عن العمل. والله العالم بالحقائق. الخامس عشر: قد ذكر (قدس سره) في الجواهر أنه: ربما احتمل اختصاص مورد أخبار التجاوز بالصلاة وهو ضعيف جدا. نعم، هي مخصوصة بالوضوء ولا يبعد إلحاق التيمم به (1). وعن المحقق الخراساني في تعليقه على الرسائل كما في الدرر: اختصاص قاعدة التجاوز بالصلاة وعمومية قاعدة الفراغ لجميع الأبواب (2). أقول: لا يخفى أن الحكم بالصحة بعد مضي العمل بلا إشكال في جميع


(1) الجواهر: ج 2 ص 355. (2) درر الفوائد: ص 589 عن تعليقة المحقق الخراساني: ص 395.

[ 301 ]

[... ] الأعمال المترتبة عليه الآثار الشرعية، سواء أتى بالجزء الأخير الذي هو المحقق لصدق الفراغ الصوري أم لا بل كان صدق المضي باعتبار فوت الموالاة أو الدخول في العمل المترتب عليه ولو لم يقطع بأنه كان بانيا على الفراغ المعبر عنه في الكلمات بالفراغ البنائي. وذلك لإطلاق موثق محمد بن مسلم المتقدم (1) أي قوله (عليه السلام): " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " فإما أن يتصرف في قوله " قد مضى " فيقال: إن المقصود مضي محله بقرينة قوله (عليه السلام): " شككت فيه " الظاهر في الشك في الوجود، أو بالعكس فيتصرف في القول الأول فيقال: إن المقصود الشك المتعلق بشئ من حيث الاتصاف بالصحة والفساد أو الزيادة والنقصان بقرينة القول الثاني الظاهر في مضي نفس المشكوك، أو يقال: إن المقصود من القول الأول هو الأعم أي كون الشئ موردا لتعلق الشك به في الجملة إما بأن يكون الشئ بنفسه مشكوكا أو كونه مشكوكا من حيث الزيادة والنقصان أو الصحة والفساد، فعلى جميع التقادير الثلاثة يدل على صحة العمل الذي مضى عنه المكلف بلا إشكال. ويدل عليه أيضا التعليل الوارد في موثق بكير المتقدم (2) وفيه: " هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك " بعد إلقاء الخصوصية، من باب وقوعها في حيز التعليل بالأمر الارتكازي. فهذا مما لا إشكال فيه. إنما الإشكال في الاستدلال على التعميم لغير الصلاة في ما ليس موردا لقاعدة الفراغ، كالشك في أجزاء الحج أو العمرة. ويستدل على ذلك بامور:


(1) في ص 258. (2) في ص 261.

[ 302 ]

[... ] منها: ذيل صحيح زرارة المتقدم (1)، وفيه بعد الجواب عن موارد متعددة: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " بتقريب أن يقال: إنه في حكم العموم، من جهة ظهوره في إلقاء الذيل لإعطاء القاعدة الكلية لئلا يحتاج زرارة إلى السؤال عن موارد اخر لم يسأل عنها. والقدر المتيقن في مقام التخاطب إن كان بحكم القيد كان مضرا بالأخذ بعموم الذيل، وأما إن كان موجبا للإطلاق فالسياق بالتقريب المتقدم بحكم أداة العموم، فيدل على التوسعة. ومنها: ذيل مصحح إسماعيل بن جابر المتقدم (2) أي قوله (عليه السلام): " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه ". وتقريبه أوضح من سابقه، لوجود لفظ الكل المستلزم للتوسعة ولو كان الملحوظ في المدخول لم يلحظ فيه الإطلاق. لكن الإنصاف عدم تمامية الاستدلال، من حيث احتمال كون الملحوظ في مقام الاستعمال في مقام التلفظ بكلمة " شئ " في المعتبرين هو الشئ من متعلقات الصلاة، ولفظ الكل أو السياق في الصحيح إنما ينفع في قبال الإهمال، فعدم الإهمال فيهما لا يحتاج إلى مقدمات الحكمة، وأما عدم ملاحظة القيد فهو محتاج إليه، وبعد اختصاص الصدر بالصلاة لا يبقى ظهور للذيل في عدم ملاحظة القيد، إذ لم يعلم كونه في مقام بيان تمام حدود مراده، وبناء العقلاء على كونه في مقام البيان إنما هو في قبال الإجمال والإهمال بحيث لا يفهم من الكلام إلا قضية مهملة مجملة، وليس المقام من هذا القبيل، لوجود الإطلاق والكلية بالنسبة إلى أجزاء الصلاة وشرائطها مطلقا.


(1) في ص 258. (2) في ص 260.

[ 303 ]

[... ] ومنها: ما في ذيل موثق ابن أبي يعفور المتقدم (1) أي قوله: " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " وعدم اختصاص الذيل بالوضوء واضح، وذلك للزوم التكرار بعد ذكر جميع ما يتعلق بالوضوء من الشك، فهو كلي في الوضوء وغيره، وبذلك يمتاز عن المعتبرين المتقدمين. وفيه: أن دلالته على عدم الاعتناء بالشك من باب الحصر الدال على المفهوم، والدال عليه إن كان لفظ " إنما " فدلالته على الحصر غير واضح - على ما ذكرناه في الاصول - بل يحتمل قويا أن يكون دالا على التأكيد فيكون المقصود أن الحق ذلك لا غير ذلك، وإن كان من باب السياق وأنه بصدد بيان عدم الاعتناء بالشك فيكفي لذلك الحصر الإضافي، وهو عدم الاعتناء بالشك إذا كان بعد التجاوز عن نفس الشئ لا عن محله، بل يمكن أن يقال: إنه على فرض الدلالة على الحصر بأحد التقريبين فالمستفاد منه أن وجود الشئ مفروض وإنما الحصر بالنسبة إلى الكون في الشئ، فمفهومه التجاوز عن الكون المذكور لا عن محله ولا الأعم، والله أعلم. ومنها: قوله (عليه السلام) في ذيل موثق الفضيل (2): " إنما ذلك من الشيطان ". ومنها: التعليل الوارد في صحيح المستطرفات (3) عن زرارة أي قوله (عليه السلام): " لأن العصر حائل "، والظاهر صحة الاستدلال بالتعليلين - لا سيما الأخير - للتعميم. إن قلت: صحيح المستطرفات غير معمول به في مورده ومعارض بحسن فضيل وزرارة، أما الأول فلما في المستند عن البحار بأنه خلاف فتوى


(1) في ص 261. (2) المتقدم في ص 259. (3) المتقدم في ص 261.

[ 304 ]

[... ] الأصحاب (1)، وأما الثاني فلأن مقتضى الحسن هو الحكم بالإعادة، ففيه عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها أو في وقت فوتها أنك لم تصلها صليتها، وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن " (2). هذا، مضافا إلى ما في صدر صحيح المستطرفات من الاضطراب وهو قوله (عليه السلام): " إذا جاء يقين بعد حائل قضاه ومضى على اليقين ويقضي الحائل والشك جميعا " (3). فإنه لا معنى لقضاء الشك بعد فرض مجئ اليقين بالفوت بعد الحائل، بل هو متيقن الفوت بالفرض. ثم إن الحكم بقضاء الحائل خلاف النص والفتوى في مورد الرواية وهو الظهر والعصر، لوضوح أنه لو تيقن بعدم الإتيان بالظهر ولقد صلى العصر لا يقضي العصر بعد ذلك بل يأتي بالظهر. قلت: أما كونه خلاف فتوى الأصحاب من حيث الحكم بعدم وجوب الإتيان بعد العصر ولو كان الشك في الوقت فهو ممنوع، إذ لم نجد التعرض للفرع في كتب الأصحاب بالخصوص، فلعل المقصود أنه خلاف إطلاق فتاواهم من حيث الحكم بالإتيان مع كون الشك في الوقت، لكن الظاهر أنه من حيث الوقت وأن حكم الإعادة وعدمها من حيث الوقت ذلك، فلا يكون مطلق الشك الواقع


(1) المستند: ج 7 ص 203. (2) الوسائل: ج 3 ص 205 ح 1 من ب 60 من أبواب المواقيت. (3) المصدر: ح 2.

[ 305 ]

[... ] في زمان بعد مضي مقدار من الوقت يصلح للإتيان بالصلاة موضوعا ومقتضيا للحكم بالإعادة، فلا ينافي وجود ملاك آخر لذلك كقيام البينة - مثلا - ومن ذلك كون الشك بعد العمل المترتب عليه. ومن ذلك يظهر الجواب عن التعارض بخبر الفضيل وزرارة، فإن عدم اقتضاء الشك في الوقت للإعادة من حيث هو لا ينافي الاقتضاء من حيث كونه بعد حصول الحائل. مضافا إلى امور اخر تصلح أن تكون جوابا للتعارض: منها: اشتمال الحسن على قوله: " وقد دخل حائل " الظاهر في أن الشك بعد الوقت من حيث كونه بعد الحائل، فالشك في الوقت الذي يكون بعد الإتيان بالمترتب على المشكوك أيضا حائل، فهو مانع عن انعقاد الإطلاق ليقتضي وجوب الإعادة مطلقا في الوقت، لأن عدم وجوب الإعادة بعد الوقت لتحقق الحائل، فمفهومه وجوب الإعادة إذا لم يكن حائل لا مطلقا. ومنها: احتمال أن يكون المقصود من الوقت هو الأعم من الزمان الذي يكون محدودا بالغاية الزمانية كالغروب والزوال، أو الذي يكون محدودا بعمل مترتب عليه، فينطبق الحسن على المورد. ومنها: أنه لا يمكن الأخذ بحسن الفضيل مفهوما ومنطوقا، فإنه خلاف نص دخالة حيلولة العصر في الحكم بعدم الإعادة، ولا يمكن الجمع بين النصين بدخالة الجمع وأن الملاك لعدم الإعادة هو الحيلولتان، للزوم تخصيص الأكثر بالنسبة إلى الشك بعد الوقت، فإن الشك في الإتيان بالعصر والشك في الإتيان بالعشاء والشك في الإتيان بالصبح والشك في الإتيان بالعشاءين والظهرين كثير، بل كاد أن يكون

[ 306 ]

[... ] الصحيح نصا في الشك في الوقت فلابد من إطلاق المنطوقين والتصرف في المفهوم، فعدم التعارض بحمده تعالى صار من الواضحات. وأما اضطراب الصدر فهو غير مضر بدلالة الذيل الصريحة، مع إمكان توجيهه بكون المقصود منه ما كان مشكوكا ثم صار عدم الإتيان به متيقنا فهو بالاعتبار السابق. وأما الحكم بقضاء الحائل فلعله محمول على الاستحباب جمعا بينه وبين مادل على عدم قضاء الحائل. والله العالم. ومن ذلك يظهر عموم القاعدة أيضا لكل فعل مركب أو بسيط بعد الإتيان بما هو مترتب عليه شرعا مطلقا، أي كان اشتراط الترتب بينهما على وجه الإطلاق ولم يكن مختصا بحال الذكر. إن قلت: مقتضى ورود التعليل في مورد صلاة العصر التي يكون الترتب بينها وبين الظهر مختصا بحال الذكر: كفاية الترتب بينهما بحسب أصل طبيعة التكليف. قلت: يمكن أن يكون ترتب العصر على الظهر ولو بنحو تعدد المطلوب على وجه الإطلاق، بحيث يكون الإخلال به نسيانا موجبا لفوات مصلحة ملزمة غير قابلة للتدارك، فيكون العمل صحيحا لفواته بفوات محل دركه، وصدق الحائل على العصر يمكن أن يكون بهذا الاعتبار. ومن هنا يشكل الحكم في ما إذا شك في الظهر في أثناء الصلاة المقصود بها العصر، من جهة عدم عموم لقاعدة التجاوز يشمل المورد، فإن محل الظهر باق على تقدير عدم الإتيان به، لوجوب العدول من دون لزوم إعادة المحل، فلا يصدق التجاوز عن المحل. وكون محل الظهر قبل الإتيان بصلاة ينوى بها العصر

[ 307 ]

[... ] إنما هو مختص بحال الذكر، من باب لزوم الإتيان بالظهر قبل العصر، فلا يمكن التمسك بسائر أخبار التجاوز ولو بناء على دلالته على العموم. وأما رواية الحائل فهي مردودة من جهة ما مر من أن تطبيق الحائل على تمام العصر لعله من جهة فوت مصلحة في الظهر بفوت محله كما في أصل الوقت، فإنه يجب أيضا قضاؤها، وهذا بخلاف المورد الذي لم يفت محل الظهر لوجوب العدول، فالترتيب حاصل. وما في المستمسك من جريان القاعدة في مثل ذلك، من: أن مقتضى تطبيق القاعدة على الشك في القراءة وقد ركع هو الاكتفاء بالترتب الشرعي ولو بالجعل الأولي وإن كان ساقطا فعلا لفرض الغفلة (1). فمدفوع بأنه في مورد التطبيق لم يسقط الترتيب حتى لا يصدق التجاوز بل سقط أصل القراءة بتجاوز محله، فالتجاوز أوضح صدقا مما يجب قضاؤه مثلا بعد الصلاة، كالسجدة والتشهد، وهو غير رافع لإشكال عدم صدق التجاوز لسقوط الترتيب وبقاء المحل، وكان الأولى له (رحمه الله) التمسك بالتعليل الوارد في الشك في الظهر بعد الإتيان بالعصر، لكن قد عرفت الإشكال في التعدي عنه. وملخص الكلام في هذا الأمر عموم القاعدة لجميع المركبات وكذلك لجميع الأفعال المستقلة بعد الإتيان بما هو مترتب عليه مطلقا (2) ذكراو نسيانا ولو بنحو


(1) المستمسك: ج 7 ص 425. (2) والعمدة في المستقلات هو التعليل الوارد في صحيح المستطرفات، وأما التعليل الوارد في قاعدة التجاوز من كون ذلك الشك من الشيطان فهو غير واضح الانطباق، من جهة احتياج كل مركب إلى إرادة مستقلة، وهذا غير مركب واحد يوجد بإرادة واحدة. منه (قدس سره)

[ 308 ]

[... ] تعدد المطلوب، كما في مورد صحيح المستطرفات ولو بنحو الاحتمال. والله المتعالي هو العالم بالحقائق. ثم إن الظاهر جريان القاعدتين في الشك في المانع، لصدق التعليل الوارد في قاعدة الفراغ (1) وكذا الوارد في قاعدة التجاوز من كون ذلك من الشيطان (2)، بل الظاهر صدق قوله: " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره... " (3) من حيث صدق الشئ على العدم الملحوظ شرطا للصلاة ونحوها، وإن شك في الصدق فالشئ يصدق على وجود المانع، فالشك فيه شك في وجود المانع حتى يبطل أو عدمه حتى يصح، وليس الحكم هو التعبد بالتحقق بل هو التعبد بالمضي، كما أن الظاهر عدم صدق التجاوز باعتبار مضي الفورية، كصلاة الزلزلة إذا شك في إتيانها بعد الآن الأول، وإلا لم يكن الدين لازم الأداء إذا شك بعد ذلك في مدة من الزمان للزوم الفورية في أداء الدين، فالظاهر من التجاوز هو أن يكون بحيث كان التخلف عنه موجدا لنقص في المركب ولو لم يكن على وجه يوجب الإعادة كما تقدم. السادس عشر: لا إشكال في أن القدر المتيقن من شمول القاعدة هو الشك الذي يكون مورده مرددا بين الإتيان به في محله أو عدم الإتيان من جهة الغفلة، فهل هي مختصة بذلك كما عليه أكثر من تعرض للمسألة، أو يشمل جميع موارد الشك في الإتيان بما هو وظيفته الشرعية ولو كان منشأ احتمال عدم الإتيان هو التعمد أو يقطع بالغفلة ويحتمل الإتيان به في حال الغفلة كما في صورة القطع


(1) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 7 من ب 42 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 13 من أبواب الركوع. (3) المصدر: ص 937 ح 4.

[ 309 ]

[... ] بعدم المراقبة لأن يجري الماء تحت الخاتم لكن يحتمل جريانه إليه، أو يفصل بين ما إذا كان احتمال الترك مستندا إلى العذر ولو لم يكن ذلك هو الغفلة فيشمله القاعدة أو القاعدتان وإلا فلا؟ وجوه أقواها الأخير. والوجه في ذلك أنه لا وجه لتخصيص موثق محمد بن مسلم وفيه قوله: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " الدال على صحة كل عمل مضى عنه المكلف - كما تقدم (1) - وكذا مقتضى التعليل الوارد في صحيح المستطرفات (2) إلا تعليل مثل موثق بكير (3) أي قوله: " هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك " وغيره مما ورد في سياق التعليل، والحق أن التعليل ظاهر في كفاية العلة للحكم ولا يدل على الانحصار. فنقول أولا: يمكن أن يكون نفس الشك بعد العمل كافيا للحكم بالمضي، وكون الشك بعده المتعلق بمورد تركه مستندا إلى احتمال الغفلة أيضا كاف في ذلك، وكان الاستناد إليه أوضح بنظر العرف وأقرب للارتكاز، وكانت النكتة فيه خروج غير واحد من موارد الحكم عن التعبد، ففي المثال المعروف للتعليل أعني " الخمر حرام لأنه مسكر " لا يدل إلا على كون الإسكار كافيا في الحرمة ولا يدل على عدم كفاية صدق عنوان الخمرية للحرمة، كما أنه ليس كذلك في مورد المثال. وحديث عدم الاستناد إلى العنوان الطارئ مع كفاية الجهة الذاتية إنما هو في ما لم تكن في البين نكتة لذلك، وتكفي لنكتة في المقام امور منها: بيان عدم الاختصاص بالوضوء لكفاية العلة في الحكم، والإشارة إلى الارتكاز وإخراج أكثر موارد القاعدة عن التعبد، وأوضحية ذلك من غيره، وكون الغالب صورة


(1) في ص 301. (2) المتقدم في ص 261. (3) المتقدم في ص 261.

[ 310 ]

[... ] الغفلة، وحينئذ لا مانع من الأخذ بالإطلاق. وثاينا: إن أبيت عن ذلك وقلت بدلالة التعليل على التقييد بمعنى عدم كفاية نفس الشك بعد المحل للحكم بالمضي فيمكن حفظ ذلك الظهور باحتمال أن يكون الملاك هو أن يكون المحتمل هو الترك عن عذر فالإطلاق أيضا محكم. إن قلت: مقتضى الإطلاق المشار إليه هو كفاية مطلق الشك بعد المحل للحكم بالمضي وإن كان المحتمل هو الترك متعمدا. قلت: قد مر سابقا أنه لا شبهة في أن مقتضى قاعدة التجاوز هو الحكم بالعذر والمضي من حيث كون الشك واقعا بعد المحل، وليس متكفلا للعذر من حيث الحالة الموجودة في حال الإتيان بالصلاة، فلو احتمل المكلف ترك جزء من الصلاة مثلا عصيانا من غير عذر فالشك الذي هو بعد المحل لا اعتبار به من حيث ذلك، وأما التعمد حال الصلاة فحكمه بحاله لا يرتفع بذلك كما هو واضح، نعم، إذا احتمل التعمد الذي لا يوجب العقوبة - كما إذا احتمل الانصراف حال الوضوء في الوقت الموسع للإتيان بوضوء آخر أكمل من الوضوء الذي شرع فيه - فلا عقوبة في ذلك، فلا أرى بأسا بإجراء قاعدة الفراغ بعد الورود مثلا أو بعد فوات الموالاة، خلافا لما في العروة (1) ولجل المحشين. واحتمال لزوم الفراغ البنائي فيه مدفوع بما مر من كفاية المضي في الحكم بالتجاوز على ما يستفاد من موثق محمد بن مسلم وتعليل موثق بكير، ولا يشترط فيه الفراغ الصوري بإتيان الجزء الأخير، ولا الفراغ البنائي - بتقدم اليقين بالفراغ - كما في تعليقة الحكيم الطباطبائي (قدس سره) على العروة وتبعه بعض أساتذة العصر - كان الله له - في تعليقه.


(1) فصل في شرائط الوضوء، المسألة 49.

[ 311 ]

[... ] ثم إنه قد يمكن أن يقال بل يستفاد من بعض الكلمات: إنه على تقدير دلالة التعليل على التقيد بمورد احتمال الغفلة لابد من رفع اليد عنه بما ورد في حسن ابن أبي العلاء الذي هو بحكم الصحيح بل أوثق منه - فراجع وتأمل - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت، قال: " حوله من مكانه " وقال في الوضوء: " تديره، فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة " (1). بتقريب أن المراقبة إنما هي بالتحويل والإدارة، فنسيان ذلك عين فرض نسيان المراقبة، فإن كان يحتمل في نفسه أنه راقب جريان الماء تحت الخاتم فيحتمل عدم الاحتياج إلى الإدارة والتحريك من مكانه فيحتمل عدم نسيان ذلك، إذ النسيان ظاهر في أنه لو التفت لكان يأتي بالمنسي. وبعد ذلك فالأمر يدور بين تخصيص مقتضى الحصر المستفاد من التعليل بإخراج الوضوء والغسل مطلقا أو في المورد المخصوص عن مفاده مع ورود التعليل في مورد الوضوء، أو الحمل على الحكمة، ولا ريب أن الثاني أولى، للجهة المذكورة أي كون الخبر واردا في مورد الوضوء. وعلى فرض تكافؤ الاحتمالين فيرجع إلى إطلاق ما يدل على المضي بنحو الإطلاق. وهو لا يخلو عن وجه، إلا أن يناقش بأنه يكفي في صدق مفاد الحسن أنه لو لم يكن غافلا كان يراقب جريان الماء أكثر مما يحتمل أنه راقبه بالتخليل حتى يصل الماء قطعا إلى اصول الشعر، وهذا لا ينافي احتمال المراقبة بحيث يحتمل أنه راقب جريان الماء حتى حصل له الاطمينان بذلك وإن لم يحصل القطع الحقيقي، لكن الإنصاف أن ذلك بعيد عن المتفاهم العرفي.


(1) الوسائل: ج 1 ص 329 ح 2 من ب 41 من أبواب الوضوء.

[ 312 ]

[... ] ثم إنه قد يستدل على تخصيص القاعدة أو القاعدتين بخصوص ما إذا كان الترك لاحتمال الغفلة بالانصراف بتقريبين: أحدهما: غلبة ذلك على نحو القضية الحقيقية أي يكون ملاك الغلبة في كل زمان وعصر، إذ الإتيان مع القطع بالغفلة أو ترك الجزء عمدا مما لا يتفق إلا قليلا. ثانيهما: ورود الأخبار على طبق الارتكاز الذي لا ينطبق إلا على مورد احتمال الغفلة. وكلاهما مردودان: أما الأول فلأن الغلبة الخارجية ولو على نحو القضية الحقيقية لا توجب الانصراف، مع أن الترك المستند إلى العذر كثير، كما لو كان ترك الوضوء لتخيل الاستصحاب فسرى الشك بعد الصلاة إلى الحالة السابقة، وكما لو أخبر العادل بذلك فشك في عدالته بعد ذلك، أو قطع بالشرط ثم سرى الشك. وأما الثاني فلأن الورود على طبق الارتكاز لا يوجب الانحصار بذلك، فإنه ربما يكون الملاك بنظر الشارع المقدس أوسع مما أدى إليه نظر العقلاء، كما في اليد والاستصحاب وحجية الخبر، فإن الأول حجة حتى لو كان من بيده المال من السارقين، والثاني أيضا حجة مع الظن النوعي بالخلاف، والثالث حجة عند التعارض إذا كان رجحان في أحدهما، كموافقة الكتاب أو مخالفة العامة أو كان خلاف ما يحكم به عمدة حكامهم أو غير ذلك. وملخص الكلام هو التعميم إلا إذا احتمل الترك غير المعذور فيه. والله العالم بحقائق أحكامه وله الشكر المتواصل المتواتر المتوافر المتتالي بما أنعم على العبد ما لا يمكن عده وإحصاؤه، الذي منه التوفيق للبحث عن أحكامه تعالى وكتابة ما يلقى على بعض الأفاضل المستعدين، وكان تحرير ذلك في اليوم الثالث من شهر رمضان من سنة 1392 بعد الهجرة.

[ 313 ]

[ قال (قدس سره): إذا تحقق نية الصلاة وشك هل نوى ظهرا أو عصرا - مثلا - أو فرضا أو نفلا استأنف (1). * ] ثم إنه بقي في المقام بعض مباحث اخرى راجعة إلى القاعدة، ككونها من الأمارات أو الاصول، أو كون مفادها بالنسبة إلى ما بعد العمل هو الصحة أو مصداقها أو غير ذلك لم نذكرها خوفا من الإطناب الممل، ولعله يجئ بعد ذلك في بعض المباحث الآتية. وهو الموفق. * أقول: ومن ذلك ما إذا تردد بين كونه أداء أو قضاء عن نفسه أو غيره. ويمكن أن يقال في جميع ما يجب فيه قصد عنوان من العناوين: إنه يصح العمل في جميع موارد الصحة على كل من التقديرين إلى حال الشك على فرض كفاية الإجمال في متعلق القصد وإمكان الإتمام على الوجه الصحيح بوصف الإجمال، كما لو كانت صلاته مرددة بين نافلة الصبح وفريضته فيصح على كل من التقديرين ويمكن له أن يقصد الإتمام على النحو الذي قصده أولا، أو تمت الصلاة وشك في أنه كانت نافلة أو فريضة فيأتي بصلاة اخرى بقصد الأمر الفعلي المتعلق بالصلاة، أو كان الشك بعد الصلاة في أن المأتي به هل قصد به الظهر أو العصر فعلى المشهور من صحتها مطلقا فيأتي بأربعة اخرى بقصد امتثال الأمر الفعلي الوجوبي المتعلق بها أداء في هذا الحال. والدليل على ذلك عدم نقصان في المأتي به إلا الإجمال في المنوي، وهو مما يقطع بعدم الإشكال من ناحيته، كما يدل عليه ما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) بطرق مختلفة في ما إذا نسيت صلاة واحدة من الخمس وأنه حكم (عليه السلام) بالإتيان بركعتين وثلاثة وأربعة (2) وفي بعضها التعليل بأنه " إن كانت الظهر أو العصر


(1) الشرائع: ج 1 ص 89. (2) الوسائل: ج 5 ص 364 الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات.

[ 314 ]

[... ] أو العشاء فقد صلى أربعا " مع أن الأربع المأتي به ليس فيه الجزم ولا التفصيل بل يحتمل أن لا يكون صلاة أصلا، وعلى فرض كونه صلاة فيحتمل كونه عصرا أو ظهرا أو عشاء فيقصد تحققه برجاء الأمر المتعلق بالأربع على ما هو عليه، فالمقام أولى بالصحة، لتحقق الجزم بتحقق الأمر الفعلي، فيقصد في الاستدامة أن يتحقق الصلاة امتثالا للأمر الذي قصد أولا امتثاله، فالجزم حاصل بعنوان ما قصده أولا، والتفصيل على وجه الترديد أيضا حاصل أو ممكن الحصول، بأن يقصد مثلا كونه ظهرا على تقدير كون ما قصده أولا هو الظهر، وعصرا على فرض كون ما قصده أولا هو العصر، فلا وجه لعدم الصحة. ويدل على ذلك أيضا - أي على كفاية القصد الإجمالي - ما يجئ في تلك المسألة من الأخبار الدالة على أن الاعتبار بما قصده في ابتداء الصلاة وإن نسي ذلك فقصد خلافه قطعا فكيف بما لم يقصد الخلاف. فما في الجواهر من الإشكال في ذلك بأنه: لا يجوز الإتمام اتكالا على النية الاولى، ولا يكفي الإجمال وإلا لكفى في الأول أيضا (1). مدفوع بأنه يكفي الإجمال في الأول أيضا، إذ لا دليل على قصد الظهرية والعصرية بتلك العنوان، بل الواجب هو الأعم منه ومن قصد عنوان ينطبق عليه قطعا، بل قد عرفت أن التفصيل على وجه الترديد أيضا حاصل. مع أن المتعارف بين المسلمين هو كفاية الإجمال، إذ قل أن يكون التوجه إلى نفس العنوان من أول العمل إلى آخره لاسيما في مثل الحج والعمرة فيكون النائب مثلا في جميع الحالات متوجها إلى العنوان الذي قصده أولا، بل هو حرجي


(1) الجواهر: ج 12 ص 328.

[ 315 ]

[... ] حتى على وجه الداعي لا الخطور، فإن الموجود في خزانة النفس الإتيان بباقي العمل بالقصد الأول. هذا، مع أن عدم الجزم حاصل على كل حال، فإنه لا يمكن القطع بفساد المأتي به، فالإتيان به ثانيا إنما يكون رجاء وعلى تقدير عدم صحة الاولى، فالجزم غير حاصل، مضافا إلى أن عدم الوصف التفصيلي على وجه الجزم والتفصيل على وجه الترديد حاصل أيضا على الوجه الذي ذكرناه، كما هو واضح بعد ذلك. والحمد لله رب العالمين. وكذا يصح أيضا في ما كان تصحيحه متوقفا على العدول الاحتمالي، كما لو لم يكن صلى الظهر فصلى وشك في أنه صلى الظهر أو العصر فحينئذ لا ينبغي الإشكال عندي في أنه يقصد بما بقي من العمل إيجاده بقصد الظهر، فإنه إن كان السابق عليه هو قصد الظهرية فيكون القصد في الأثناء إدامة للقصد السابق وإلا يكون عدولا إليه. وما في الجواهر من: منع صحة العدول اقتصارا في ما خالف الأصل على المتيقن، بل لعله لا يتصور وقوعه إلا على جهة الترديد، لعدم الجزم بالمعدول عنه (1). مخدوش أولا: بأنه ليس سياق أدلة العدول إلا كسائر الأدلة المتكفلة للأحكام، الظاهرة قطعا في ثبوت الحكم للموضوع الواقعي، وليس الأمر والنهي من حيث إنهما صدرا بداعي الانبعاث والانزجار قرينة على الاختصاص بصورة العلم قطعا، وإلا للغت الاصول الصريحة في الشبهات الموضوعية، إذ لا شبهة


(1) الجواهر: ج 12 ص 327.

[ 316 ]

[... ] في الحكم إذا اشتبه الموضوع، مع أن في خصوص معتبر زرارة الذي هو أقوى من الصحيح الاصطلاحي التعليل لصحة العدول بقوله: " إنما هي أربع مكان أربع " (1) وإن لم يكن التعليل موردا للعمل بإطلاقه لكن العمل به في الجملة مما يجعل المعتبر دالا على الإطلاق وعدم الاختصاص بصورة العلم. وثانيا: بأنه ليس في الأخبار التي تشرفنا بملاحظتها كلمة " العدول " حتى يقال: إنه لا يتصور إلا على نحو الترديد، فيقصد في الفرع المبحوث صلاة الظهر في باقي الأفعال ويكون عدولا بالحمل الشائع على فرض وإدامة للمقصود بالقصد الأول على فرض آخر. وثالثا: على فرض تعلق الأمر بالعدول فلم يعلم لزوم قصد العنوان، وقصد التقرب لا يستلزم قصد العنوان. ورابعا: على فرض تسليم جميع ذلك فالجزم غير واضح اللزوم، بل عدم لزومه بحسب ما تقدم وما تحقق في الشريعة الغراء من إيجاب الاحتياط أو استحبابه في جملة كثيرة من الموارد واضح جدا. وكيف كان، فالظاهر عندي - بحمده تعالى - أنه تصح الصلاة في الموردين، إنما الإشكال في ما إذا كان العمل على تقدير قصد عنوان من العنوانين باطلا وعلى التقدير الآخر صحيحا، كما لو صلى الظهر قبل ذلك فصلى بعده صلاة اخرى فشك بعد الفراغ عنها أو في أثنائها في أنه هل قصد بها الظهر فتبطل على المشهور أو قصد بها العصر فلا تكون باطلة، ومن المعلوم أنه لا يمكن الجزم بالإتيان بها صحيحة على وفق ما تقدم في الفرعين المتقدمين فهل يمكن الحكم بصحة ما مضى ظاهرا أم لا أم فيه تفصيل؟


(1) الوسائل: ج 3 ص 211 ح 1 من ب 63 من أبواب المواقيت.

[ 317 ]

[... ] فيمكن أن يقال: إن لذلك ثلاث صور: الاولى: ما إذا كان الشك المذكور بعد الفراغ. الثانية: ما إذا كان في الأثناء ولكن يرى نفسه حين الشك في الصحيح أي يكون في حال كونه قاصدا لصلاة العصر في المثال. الثالثة: ما إذا كان الشك في الأثناء من دون أن يرى نفسه قاصدا للعصر في المثال، بل يرى نفسه أنه قاصد لما قصده أولا، وهو شاك في أنه الظهر أو العصر. ويشكل الأمر في الكل من وجهين: أحدهما: من حيث عدم إحراز عنوان الموضوع المقوم له من الظهرية والعصرية المتقوم بالقصد إلى ذلك في المثال، وإحراز العنوان بنفس قاعدة الفراغ أو التجاوز موجب للدور، وهو الذي بنى عليه صاحب المستمسك - أعلى الله أجره - في مستمسكه (1)، وتبعه بعض الأحياء - كان الله له - في تعليقه على العروة الوثقى. وفيه: أن اشتراط جريان القاعدة بكون عنوان الموضوع مشخصا خلاف الإطلاق، بل لابد من تحقق عمل قابل للاتصاف بالصحة والفساد والنقيصة والكمال، وهو متحقق، ولا يشترط إحراز العنوان مع قطع النظر عن شمول القاعدة. ثانيهما: أن مفاد القاعدة هو الصحة، ولا يحكم بتحقق خصوص قصد العصرية في المثال وما يكون نظيره، ومع عدم ذلك لا يتحقق القطع بالامتثال وجدانا أو تعبدا، وصرف الحكم بالصحة لا يوجب البراءة، إذ لا بد له من الإتيان بصلاة العصر، والصحة في المورد وإن كان يلازم لكون المقصود به العصر إلا أنه لا يثبت بذلك إلا على القول بحجية المثبت من الأصل أو كون القاعدة من الأمارات، وكلا الأمرين ممنوع.


(1) المستمسك: ج 6 ص 43.

[ 318 ]

[... ] وفيه: أن الظاهر من كثير من أدلة قاعدة التجاوز: تحقق الشئ المشكوك شرطا أو شطرا، بل في بعضها التصريح بذلك، كما تقدم في قوله: " بلى قد ركعت ". وأما قاعدة الفراغ فمقتضى التعليل: الحكم بتحقق كل جزء أو وصف كان يأتي به على فرض التذكر، فكما يحكم بحصول وصف الصحة لأنه إن كان حين العمل متذكرا كان إتيانه متصفا بالصحة كذلك يحكم بالإتيان بالجزء أو الشرط، فيحكم في المثال بتحقق قصد العصر منه فيصح. وتختص الصورة الثانية بشبهة اخرى، وهي عدم التجاوز عن قصد العصرية في المثال، لأنه لم يعلم أن قصد العصرية لكل جزء شرط لذلك الجزء، بل لعله يكون الشرط في صحة مجموع الصلاة قصد العصرية في المجموع. والجواب عنها أنه يكون ذلك حينئذ مثل الأذان والإقامة، فكما أن محلهما الشرعي قبل الصلاة وتجري فيهما القاعدة كذلك في المقام، فإن المحل الشرعي لقصد العصرية بالنسبة إلى ما مضى ما مضى من الوقت، كما هو واضح. وتختص الثالثة بشبهة رابعة، وهي عدم الدخول في الغير. وقد مر عدم لزومه. وبخامسة، وهي عدم التجاوز عنه بالنسبة إلى حال الشك. وفيه: أن عدم قصد العنوان ليس من القواطع - كالاستدبار - حتى يحكم بالبطلان بصرف عدم القصد في آن من الآنات الصلاتية. فالظاهر إمكان تصحيح الصور الثلاثة بقاعدة التجاوز أو الفراغ على سبيل منع الخلو، وإن كانت تختلف في الوضوح والخفاء، فتأمل. هذا كله بالنسبة إلى الشقوق التي تدخل تحت المسألة المذكورة. وهنا فروع اخر مناسبة للمقام نذكرها تتميما للفائدة:

[ 319 ]

[... ] منها: أنه لو علم القصد إلى صلاة خاصة في الابتداء ثم سها عما قصده وقصد خلافه من باب الخطأ في التطبيق فالظاهر أنه يصح ويقع على طبق الأول، فلو قصد العصر في فرض الإتيان بالظهر كما في الفرض المتقدم في أول صلاته ثم سها وتخيل أن ما قصده في أول صلاته هو الظهر فأتى بمقدار من صلاته أو بجميع صلاته بعد ذلك بقصد الظهر تصح صلاته وتقع عصرا، كما أنه لو أتى بنافلة الصبح ثم سها وتخيل أن ما قصده هو فريضته فقصد الفريضة من باب الخطأ في التطبيق تقع نافلة، وكذا العكس. والوجه في ذلك أمران: أحدهما: دلالة الروايات على ذلك: فمنها: حسن حريز أو صحيحه أنه قال: إني نسيت أني في صلاة فريضة (حتى ركعت) وأنا أنويها تطوعا، قال: فقال (عليه السلام): " هي التي قمت فيها إذا كنت قمت وأنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة، وإن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة، وإن كنت دخلت في فريضة ثم ذكرت نافلة كانت عليك مضيت في الفريضة " (1). ومنها: ما عن الشيخ عن العياشي بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (وسند الشيخ إلى العياشي وإن كان ضعيفا إلا أن الكتاب المنقول منه الحديث لعله كان مسلم الاستناد إليه ومتداولا بين الفقهاء، لكن حيث كان العياشي كثير التصنيف لم يحصل اليقين بتداول جميع كتبه ومسلمية الاستناد إليه بالنسبة إلى الجميع حتى أنه قالوا إنه يزيد على المائتين، فالاطمينان غير حاصل) قال:


(1) الوسائل: ج 4 ص 711 ح 1 من ب 2 من أبواب النية.

[ 320 ]

[... ] سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو ينوي أنها نافلة، فقال: " هي التي قمت فيها ولها " وقال: " إذا قمت وأنت تنوي الفريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة على الذي قمت له، وإن كنت دخلت فيها وأنت تنوي نافلة ثم إنك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة، وإنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته " (1). ومنها: ما عنه بالإسناد المشار إليه عن العياشي بسند لا يخلو عن الاعتبار عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن أنها نافلة أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة، قال: " هي على ما افتتح الصلاة عليه " (2). والقدر المتيقن من مدلول الأخبار هو مورد البحث. ثانيهما: أن الصحة على طبق ما قصده أولا على وفق القاعدة، لحصول القصد الإجمالي بالنسبة إليه وقابليته لأن يكون امتثالا للأمر به، بخلاف ما سها له فقصد خلافه، فإنه لا ينطبق عليه المأمور به، لعدم قصده من أول الصلاة لا إجمالا ولا تفصيلا، وفي بعض الفروع لا ينطبق عليه لجهة اخرى أيضا، كما لو صلى الظهر قبل ذلك ثم قصد بالصلاة الثانية العصر ثم سها فقصد الظهر من باب الخطأ في التطبيق، فإن الظهر لا ينطبق عليه، للإتيان به قبل ذلك، مضافا إلى أن القصد إلى عنوان آخر من باب السهو عما قصده أولا، وخطأه في التطبيق يمكن أن يدعى أنه على وجه التقييد ومن باب كونه مصداقا للمقصود الأول، وحيث لا يكون مصداقا له لا يكون


(1) الوسائل: ج 4 ص 712 ح 3 من ب 2 من أبواب النية. (2) الوسائل: ج 4 ص 712 ح 2 من ب 2 من أبواب النية.

[ 321 ]

[... ] مقصودا، وإن كان عندنا في ذلك إشكال ذكرناه في شرح العروة في نية الوضوء وأنه لا معنى لتقيد القصد بالواقع بل هو مقيد بالصورة الذهنية وهي حاصلة. ومن ذلك يظهر صورة الشك في وقوع القصد التطبيقي. ومنها: الشك في العدول عن القصد الأولي لا على وجه التطبيق. والظاهر أن مقتضى الاستصحاب وكذا قاعدة التجاوز: عدم العدول. ويمكن التمسك بالخبرين الأولين فيكون المقصود من قوله (عليه السلام): " إذا كنت قمت " إلى قوله (عليه السلام): " ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة " بيان صورة الشك في العدول، ولا ينافي كون السؤال مربوطا بالسهو دون الشك، لأنه يكفي في الجواب عنه قوله (عليه السلام) " هي التي قمت فيها " فبين بعد ذلك مسألة الشك. وتوهم " أن ذكر مسألة اخرى من دون السؤال بعيد " مندفع بأنه ذكر في الخبر حكم العدول عن الفريضة إلى النافلة عمدا مع أنه لم يسأل عنه. كما أن توهم " أنه بصدد حكم الشك في حصول الانقلاب للسهو على وجه التطبيق " مندفع، إذ لا وقع لذكر صورة الشك بعد الجواب بالصحة في صورة القطع بتحقق الانقلاب السهوي على وجه الخطأ في التطبيق، فلم يبق إلا أن يكون المقصود بيان حكم الشك في العدول لينطبق على المبحوث عنه. لكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال، فإن قوله " إذا كنت قمت " من دون العطف بالواو ظاهر في بيان ما تقدم وليس هو بنفسه حكم آخر، وقوله (عليه السلام) " وإن كنت دخلت في نافلة " صريح في أنه تمام الحكم السابق، فذكر حكم آخر في البين خلاف الظاهر. وليس وجها للحمل على حكم المسألة إلا الإتيان بلفظ الشك مع عدم احتمال أن يكون الشك في حصول السهو على وجه الخطأ في التطبيق.

[ 322 ]

[... ] ويمكن دفع ذلك بأن من معاني الشك الظلع والغمز وهو العيب في المشي من " غمز البعير في مشيه " فراجع لسان العرب، وهو قابل للتطبيق على السهو بعناية حصول العيب في عمله الصلاتي ومشيه فيها. والذي يؤيد ذلك ورود لفظ " الشك " في الخبر الثاني أيضا، وظهوره في السهو مما لا ينكر، فإنه أظهر فيه من الأول، لوجود الذيل الظاهر في الحكم الواقعي لا من حيث الاستصحاب، فتأمل. ومنها: ما لو أخطأ في التطبيق من أول صلاته، بأن قام للظهر مثلا فابتدأ بها وقصد العصر من باب أن ما قام إليه هو العصر. لا إشكال في جميع موارده إن قلنا بأن القصد من باب التطبيق على المقصود السابق وكونه هو القصد الأول مقيد واقعا بالتطبيق عليه واقعا، فلا قصد في صورة عدم التطبيق ينطبق على الأول في جميع الموارد، والثاني كالعدم. لكن الظاهر أنه خلاف التحقيق، فإن تقييد القصد بالأمر الخارجي مستحيل، لعدم السنخية، بل القصد مقيد لبا بتخيل التطبيق فالقصد حاصل لا محالة، ففي مثل المثال قصد الظهر والعصر كلاهما، وبعد ذلك نقول: لا إشكال في صحة وقوعه عصرا إذا كان آتيا بالظهر، وكذا في وقوعه ظهرا إذا كان آتيا بالعصر قبل ذلك بناء على المنسوب إلى المشهور، من غير فرق بين الفرض وعكسه، بأن قام للعصر وقصد الظهر من باب التطبيق على القصد الأول فالقصدان حاصلان. إنما الإشكال في موارد: منها: ما لو لم يأت بالظهر في المثال ولا بالعصر فهل ينطبق على الظهر أو العصر، أو لا ينطبق على شئ منهما، أو يسقط أحدهما فيبقى أحدهما على الذمة من غير تعيين، بناء على عدم اشتراط الترتيب في حال الغفلة من جهة أنه قابل للانطباق على كلتا الصلاتين؟

[ 323 ]

[ قال (قدس سره): إذا شك في أعداد الرباعية فإن كان في الاوليين [ بأن لم يدر ما صلاه ركعة أو ركعتين ] أعاد (1). * ] يمكن أن يقال: إنه ينطبق على الظهر، إذ الدليل على سقوط الترتيب من باب أنه على تقدير الاشتراط لابد من الإعادة، وليس في المقام ذلك، فإنه على تقدير الاشتراط ينطبق على الظهر. ومنها: ما لو كان أحدهما فريضة والآخر نافلة. والظاهر فيه انطباقه على الفريضة، من باب أن أصل المحبوبية متعلقة بالوجودين، ولا تعين من تلك الجهة، لكن الإلزام متعلق بصرف الوجود. ومنها: ما ليس فيه ذلك أيضا، فليس مما يشترط فيه الترتيب كما في الظهر والعصر، وليس أحدهما فرضا والآخر نفلا، كما لو كان أحدهما نافلة ليالي رمضان والآخر نافلة الليل أو كان أحدهما بعنوان القضاء عن الوالد والثاني بعنوان القضاء عن الوالدة مع فرض وجوب ذلك على الولد الأكبر. ويمكن أن يقال فيه بأنه تابع لكفاية الإجمال فيه عمدا، وهو تابع للدليل الوارد في المسألة الخاصة. * في الجواهر: على المشهور نقلا وتحصيلا، وحكى عليه الإجماع في الانتصار والخلاف والغنية والسرائر، وعن الناصرية وإرشاد الجعفرية، بل لم أعرف أحدا نسب الخلاف فيه منا قبل المنتهى، فحكى عليه الإجماع ممن عدا محمد بن بابويه فخير بين الإعادة والبناء على الأقل، وقد أطنب صاحب الحدائق في نفي النسبة عنه وأن محل التوهم هو بعض عبارات الفقيه، وإلا فهو في الأمالي نسبه إلى دين


(1) الشرائع: ج 1 ص 89.

[ 324 ]

[... ] الإمامية، ولم يتعرض له في الهداية، وليس في المقنع إلا قوله: " وروي: ابن على ركعة ". وقبل المختلف حيث حكى الإجماع إلا من علي بن بابويه وأنه فصل بين المرة الاولى فحكم بالإعادة - كما ذهب إليه المشهور - والثانية حيث ذهب إلى أن الحكم فيه البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس، وإذا لم يدر أواحدة صلى أو اثنتين أم ثلاثا أم أربعا صلى ركعة من قيام وركعتين من جلوس (1). انتهى ملخصا. أقول: يدل على المشهور جملة وافية من الأخبار من الباب الأول من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (2)، فلا إشكال في توافر الدليل بل تواتره على مسلك المشهور، إنما مورد الإشكال في المسألة وجود بعض المعارضات وهي على طوائف: الاولى: ما يستفاد منه البناء على الأقل، كخبر ابن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري أركعتين صلى أم واحدة؟ قال: " يتم " (3). وبسند آخر عنه مثله إلا أنه قال: " يتم على صلاته " (4). وخبر عبد الله بن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري أركعتين صلى أم واحدة؟ قال: " يتم بركعة " (5).


(1) الجواهر: ج 12 ص 328 - 330. (2) راجع الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 و 2 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 9 و 10 و 12 و 13 و 14 و 15 و 16 و 17 و 19 من ب 1 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 303 ح 20 من ب 1 من أبواب الخلل. (4 و 5) الوسائل: ج 5 ص 303 ح 21 و 22 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 325 ]

[... ] وخبر ابن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: في الرجل لا يدري أركعة صلى أم ثنتين، قال: " يبني على الركعة " (1). في الوسائل: ورواه الصدوق في المقنع مرسلا. وخبر عنبسة: سألته عن الرجل لا يدري ركعتين ركع أو واحدة أو ثلاثا، قال: " يبني صلاته على ركعة واحدة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ويسجد سجدتي السهو " (2). وخبر علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام): في الرجل لا يدري كم صلى، واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، قال: " يبني على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا " (3). والجواب عن ذلك ب‍ " إعراض المشهور عن ذلك، فلا يشملها دليل الحجية المبني على الاطمينان النوعي العقلائي " مخدوش بعدم ثبوت الإعراض إلا من باب توهم التعارض وترجيح أخبار الإعادة لكثرتها واشتهارها، مع أن كون الإعراض مسقطا لحجية الخبر مما لا يخلو عن مناقشة مذكورة في محلها، وخلاصتها أن دليل حجية الخبر لا يكون محدودا ببناء العقلاء سعة وضيقا، بل في الباب إطلاقات تشمل غير مورد ثبوت بنائهم، ويشهد بذلك عدم رفع اليد عنه حتى في مورد التعارض. كما أن الجواب عنها بالحمل على التقية أيضا غير واضح، من جهة أن الحمل


(1 و 2) الوسائل: ج 5 ص 303 ح 23 و 24 من ب 1 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 328 ح 6 من ب 15 من أبواب الخلل.

[ 326 ]

[... ] على التقية إنما هو في فرض التعارض وعدم الجمع العرفي، مع أنه يمكن دعوى وجود الجمع العرفي بينها وبين ما تقدم بالحمل على التخيير فيجوز في الركعتين الأولتين الإعادة ويجوز فيهما البناء على الأقل، وهو جمع سهل عند العرف ولا يرى التعارض بين الأمر بالإعادة والأمر بالإتمام بالبناء على الركعة، بل هو أولى وأسهل عند العرف من الجمع بين العام والخاص والمطلق والمقيد. لكن يمكن أن يقال أولا: إنه لو كان الحكم الصادر عن الأئمة (عليهم السلام) هو التخيير في تلك المسألة الكثيرة الابتلاء لكان أحد الأقوال المعروفة بينهم، كيف! ولم ينسب إلا إلى الصدوق، وهو غير ثابت، بل الثابت خلافه، كيف! وهو يشهد أن من دين الإمامية هو الإعادة، ومعه تطمئن النفس بوجود خلل في ما يدل على جواز البناء على الأقل. وثانيا: تكون الأخبار المذكورة في نفسها مشتملة على قرائن على التقية: منها وجود الإجمال في رواية علي بن يقطين والاولى من روايتي الحسين بن أبي العلاء، والظاهر كونهما رواية واحدة. ومنها كون المروي عنه في بعضها أبا الحسن (عليه السلام)، وزمانه زمان التقية الشديدة. ومنها كون الراوي في بعضها مثل علي بن يقطين الواقع في محيط التقية، وفي بعضها عنبسة الذي هو من القضاة. ومنها ورود رواية البناء على الأقل في " صحيح مسلم " عن النبي (صلى الله عليه وآله) كما في الحدائق (1). وثالثا: إن صحيح زرارة الذي هو في أول أخبار الباب المومأ إليه متقدما (2) كاد أن يكون صريحا في تعين الإعادة، فإنه لو كان المقصود بالإعادة هو جوازها من دون القصد إلى التعين فمقتضى ذلك جواز البناء على الأقل، لما تقدم،


(1) الحدائق: ج 9 ص 195. (2) الوسائل: ج 5 ص 299، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

[ 327 ]

[... ] وجواز البناء على الأكثر لإطلاق موثق عمار الآتي (1) - إن شاء الله تعالى - المروي بطرق متعددة، فتصير الركعتان الأولتان أسوء حالا من الأخيرتين، فإن الأمر يكون فيهما أوسع، من جهة جواز قطع الصلاة وجواز البناء على الأكثر والبناء على الأقل، مع أن صريحه وجود أهمية زائدة في فرض الله تعالى لا تكون تلك مرعية في فرض الرسول (صلى الله عليه وآله). مع أن قوله (عليه السلام) فيه: " ليس فيهن وهم " غير الأمر بالإعادة بحيث يكون الجمع العرفي بينه وبين البناء على الأقل هو التخيير، فالتعارض حاصل لا محالة، ومن المعلوم أن الترجيح القطعي لأخبار الإعادة، للقطع بصدورها عنهم (عليهم السلام) والقطع بعدم التقية فيها والقطع بدلالتها على التعين، فالترجيح لا يكون تعبديا بل هو عقلي قطعي. والحمد لله على وضوح الدليل. وإن كنت أبيت عن جميع ذلك - ولا أظنك تأبى - فلا ريب أن الإعادة هي أحوط، إذ الأمر دائر بين التعين والتخيير. ومن ذلك يظهر الجواب عن الطائفة الثانية من المعارضات، وهي ما دل على البناء على الأكثر. ومنشأ التوهم هو الجمع بينه وبين دليل الإعادة بالحمل على التخيير وقد عرفت أن بعض أدلته صريحة في التعين، مع أن مقتضى رواية الهاشمي: أن " ما روي أن الفقيه لا يعيد الصلاة إنما ذلك في الثلاث والأربع " (2) وقريب منه رواية عبيد بن زرارة (3)، وهما حاكمان على ما دل على عدم إعادة الصلاة وناظران إلى ما يقتضيه وأنه مخصوص بالثلاث والأربع.


(1) في ص 334. (2) الوسائل: ج 5 ص 300 ح 5 من ب 1 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 3 من ب 9 من أبواب الخلل.

[ 328 ]

[... ] وأما الثالثة فهي منحصرة في الفقه الرضوي، وهو على ما في جامع الأحاديث: " وإن شككت في الركعة الاولى والثانية فأعد صلاتك، وإن شككت مرة اخرى فيهما وكان أكثر وهمك إلى الثانية فابن عليها واجعلها ثانية، فإذا سلمت صليت ركعتين من قعود بام الكتاب، وإن ذهب وهمك إلى الاولى جعلتها الاولى وتشهدت في كل ركعة، وإن استيقنت بعد ما سلمت أن التي بنيت عليها واحدة كانت ثانية وزدت في صلاتك ركعة لم يكن عليك شئ، لأن التشهد حائل بين الرابعة والخامسة، وإن اعتدل وهمك فأنت بالخيار إن شئت صليت ركعة من قيام وإلا ركعتين وأنت جالس... " (1). ولا يخفى أنه مضافا إلى ضعف السند تكون تلك الجملات مشتملة على خلاف قواعد الأصحاب من جهات: منها ظهورها في التفصيل في حجية الظن في الركعات بين المرة الاولى والثانية وأن الحجية مختصة بالثانية مع أنه خلاف دليل حجيته قطعا، فإن القدر المتيقن منها هو الاولى. ومنها الحكم بالإتيان بالتشهد في كل ركعة إذا ذهب الوهم إلى الاولى. ومنها الضعف في التعليل بأن التشهد حائل، إذ لم يرد في نص أن التشهد حائل عن لحوق الزيادة بالصلاة. ومنها الحكم بصلاة الاحتياط في صورة الظن بالزيادة. ومنها الحكم بتعين ركعتين من قعود مع حكمه بالتخيير في صورة اعتدال الوهم. ومنها الحكم بصلاة الاحتياط والبناء على الأكثر في مورد البحث. فتحصل أن ما عليه المشهور أو المجمع عليه هو المتعين وهو الأحوط. وله الحمد في كل حال.


(1) جامع أحاديث الشيعة: ج 6 ص 321 ح 17 من ب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

[ 329 ]

[ قال (قدس سره): وكذا الحال إذا لم يدر كم صلى (1). * ] * لا يخفى أنه تارة يكون المكلف لا يدري كم صلى بمعنى عدم قدر متيقن له من لحاظ عدد ركعات صلاته التي هي ما يقدر به الصلاة، فلا يدري في حال القيام مثلا أنها واحدة أو اثنتان أو لا يدري أنها واحدة أو اثنتان أو ثلاث، وكلا الفرعين مشتركان، فإنه يدري في الجملة ما بقي عليه، وقد يكون لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه، كأن شك في حال القيام بين الواحدة والثنتين والثلاث والأربع. ولا ريب في بطلان الصلاة في جميع ذلك من دون شبهة ولا ريب نصا وفتوى. وذلك لدلالة ما تقدم الإيماء إليه مما يدل على عدم السهو في ما فرض الله تعالى (2)، وكذا ما يدل على الإعادة في الشك بين الاثنتين والاولى (3) بالشمول أو الأولوية أو كليهما، إذ هو شك فيهما مع زيادة الشك في غيرهما. ولا يعارض ذلك أيضا ما تقدم في المسألة المتقدمة، إذ منصرف الفقه الرضوي ومدلول غيره: تيقن الإتيان بالركعة الواحدة، وما ورد في هذا الباب مما يجئ إن شاء الله تعالى وارد أيضا في فرض تيقن الركعة الاولى. ويدل عليه من غير نكير معتبر صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: " إن كنت لا تدري كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة " (4) ومعتبر الرازي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: " إنما يعيد من لا يدري ما صلى " (5).


(1) الشرائع: ج 1 ص 89. (2 و 3) الوسائل: ج 5 ص 299، الباب 1 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 1 من ب 15 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 328 ح 4 من ب 15 من أبواب الخلل.

[ 330 ]

[... ] وتقريب ذلك أن المحتملات في مثل الروايتين في بادئ النظر امور: الأول: أن يكون المقصود مطلق عدم العلم بالمقدار فيشمل مثل الشك بين الثلاث والأربع. وهو خلاف الضرورة الثابتة في أخبار الشيعة الإمامية رضي الله عنهم بحيث يعلم أنه ليس المقصود ذلك حتى يلزم التخصيص الكثير أو الأكثر. الثاني: أن يكون المقصود به كثرة المحتملات. وهو خلاف الظاهر قطعا، ولازم ذلك أن يكون الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع والخمس بعد الإكمال من أفراده، والظاهر أنهم لا يلتزمون بذلك. الثالث - وهو المتعين بعد فرض بطلان الأولين -: أن يكون المقصود عدم العلم المطلق فلا يشمل فرض تيقن الركعة الاولى. ويدل عليه أيضا في الجملة معتبر ابن أبى يعفور - الذي هو أقوى من الصحيح - عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا شككت فلم تدرأفي ثلاث أنت أم في اثنتين أم في واحدة أم في أربع فأعد ولا تمض على الشك " (1). هذا كله بالنسبة إلى تلك الصورة. واخرى يكون المفروض تيقن الركعة الاولى مع احتمال الزيادة على الاثنتين، فإنه بالنسبة إليه وإن كان مقتضى ما تقدم الإيماء إليه من روايات الباب الأول هو البطلان والإعادة إلا أن مقتضى بعض الأخبار الآخر هو الصحة: فمنها ما تقدم (2) من صحيح علي بن يقطين وكذا معتبر عنبسة، ومنها خبر علي بن أبي حمزة


(1) الوسائل: ج 5 ص 328 ح 2 من ب 15 من أبواب الخلل. (2) في ص 325.

[ 331 ]

[... ] عن رجل صالح (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يشك فلا يدري واحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته، قال: " كل ذا؟ " قلت: نعم، قال: " فليمض في صلاته ويتعوذ بالله من الشيطان فإنه يوشك أن يذهب عنه " (1). والنسبة بينه وبين ما يدل على الإعادة في مورد الشك في الأولتين في الجملة هو الأخص المطلق فيمكن أن يقال بالتخصيص. وأما التعارض بين تلك الرواية الظاهرة في المضي من دون البناء على الأقل وبين الخبرين الأولين فيمكن أن يقال بأن إطلاق المضي في تلك قابل للتقيد بهما بالمضي بالبناء على الأقل، كما أنه يمكن أن يقال: إنه لا تعارض بينهما أصلا، فإنهما واردان في صورة عدم احتمال الرابعة، بخلافها فإنها واردة في صورة احتمال الرابعة، فيقال: إن الشك في الأولتين من دون احتمال الزيادة والشك الذي لا متيقن له من حيث كمية الركعات حتى الواحدة مبطل للصلاة، وأما الشك فيهما مع احتمال زيادة الركعة الثالثة وتيقن الاولى فصحيح لابد فيه من البناء على الأقل، ومع احتمال زيادة الرابعة أيضا يمضي من دون البناء على الأقل ومن دون الإتيان بصلاة الاحتياط. لكن الإنصاف - كما تقدم (2) - وجود أمارة التقية في الأولتين وعدم وضوح حجية الرواية الثالثة لعلي بن أبي حمزة، مع أن الظاهر منها عدم خصوصية لتيقن الاولى، لمكان قوله " تلتبس عليه " والأمر بالتعوذ من الشيطان، فيعارض ما تقدم من معتبر ابن أبي يعفور، مع ما في المتن من أن عروض الشك المذكور مرة واحدة لا يوجب الحكم بأنه من الشيطان حتى يتكرر ذلك، فلعل المقصود صورة التكرر أو اسقط من الخبر ما كان يدل عليه، مع أنه لم يفت بذلك أحد من الأصحاب،


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 4 من ب 16 من أبواب الخلل. (2) في ص 326.

[ 332 ]

[ قال (قدس سره): من شك بين الاثنتين والثلاث بنى على الثلاث وأتم وتشهد وسلم ثم استأنف ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس (1). * ] فالعمل على المشهور خال عن الإشكال إن شاء الله تعالى، والاحتياط في صورة تيقن الاولى ودوران الشك بين الواحدة والاثنتين والثلاث هو البناء على الأقل ثم الإعادة، كما أن الاحتياط في صورة احتمال الزيادة على الثلاث في الفرض المذكور هو المضي مع الشك ثم الإعادة. والله المتعالي هو العالم بالبواطن، وهو المستعان. * في تلك المسألة مواضع أربعة للبحث: الأول: في ما عرض الشك المذكور قبل إكمال الركعة كما في حال القيام، والمشهور هو البطلان. ويدل عليه مثل صحيح زرارة المتقدم (2) مما يدل على أنه لابد من حفظ الأولتين عن الشك، فإنه ليس المقصود أنه لابد من امتثاله قطعا، فإنه لا يحتاج إلى الإعادة في شئ من الموارد بل على جميع المعاني المتصورة المتقدمة سابقا لا يجوز الامتثال في حال الشك المستقر إلى ما بعد ذلك ولو أتى بها على وجه الاحتياط. ويدل عليه أيضا ما دل على الإعادة في الشك بين الواحدة والاثنتين، لأنه شاك في أنه هل صلى واحدة تامة أو اثنتين تامتين. ويدل عليه بالخصوص معتبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا، قال: " يعيد " قلت: أليس يقال: لا يعيد الصلاة فقيه؟ فقال: " إنما ذلك في الثلاث والأربع " (3).


(1) الشرائع: ج 1 ص 89. (2) في ص 243. (3) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 3 من ب 9 من أبواب الخلل.

[ 333 ]

[... ] فإنه صريح في المقصود، ببيان أنه إما أن يكون مخصوصا بما بعد الإكمال فيدل على ما قبله بالأولوية، وإما أن يحمل على خصوص ما قبل الإكمال جمعا، وإما أن يكون أعم، إلا أن يقال: إنه مخصوص بما بعد الإمكان لكن لا يصح الاستدلال به للإعراض عنه. لكن الإنصاف أنه لا ظهور له بالنسبة إليه، لقوله: " إنما ذلك في الثلاث والأربع " الشامل للشك بين الاثنتين والثلاث بعد الإكمال وبعد الدخول في الثالثة قطعا. واحتمال الاختصاص بخصوص الآن الذي بعد إكمال السجدتين وقبل الدخول في اللاحقة بعيد جدا. الثاني: إن كان الشك المذكور بعد الإكمال فالمشهور نقلا وتحصيلا صحة الصلاة والبناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط، وفي الجواهر نقل الإجماع على ذلك عن الانتصار والخلاف والغنية والسرائر ومجمع البرهان، وعن الصدوق في الأمالي: إنه من دين الإمامية (1). وليس في البين من يكون كلامه المحكي عنه صريحا في مخالفة المشهور إلا علي بن بابويه (قدس سره) فحكى عنه في الحدائق: " وإن ذهب وهمك إلى الثالثة فأضف إليها رابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، وإن ذهب وهمك إلى الأقل فابن عليه وتشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتين بعد التسليم، فإن اعتدل وهمك فأنت بالخيار إن شئت بنيت على الأقل وتشهدت في كل ركعة وإن شئت بنيت على الأكثر وعملت على ما وصفناه ". ونسب تجويز البناء على الأقل إلى الصدوق والإعادة إليه في المقنع لنقله


(1) الجواهر: ج 12 ص 332.

[ 334 ]

[... ] خبر عبيد فيه مرسلا، والبناء على الأقل متعينا إلى السيد المرتضى (قدس سره) في الناصريات (1). فالأقوال المعلومة أو المحتملة خمسة: الأول: المشهور، وهو البناء على الأكثر. الثاني: ما عن علي بن بابويه من التخيير بين البناء على الأقل والتشهد في كل ركعة والبناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط. الثالث: ما عن الصدوق من تجويز البناء على الأقل في الصلاة مطلقا. الرابع: ما نسب إليه من الإعادة. الخامس: ما نسب إلى السيد من تعين البناء على الأقل. لكن نسبة الأول إلى الصدوق مقطوعة الخلاف عند صاحب الحدائق، والثانية غير واضحة بصرف نقل خبر عبيد في المقنع وقد نسب البناء على الأكثر إلى دين الإمامية في المنقول عن الأمالي، وعبارة السيد (قدس سره) في المنقول عن الناصريات صريحة في أن المقصود هو البناء على الأكثر، فراجع وتأمل. وكيف كان، فيدل على الصحة وعدم وجوب الإعادة امور: الأول: ما تقدم (2) من صحيح زرارة وغيره الصريح في أن حد المراقبة عن الشك إنما هو إلى الاثنتين، وليست الثلاثة داخلة في الحد المذكور، والتحديد صريح في ما يكون بصدده من التحديد، ومقام التحديد غير مقام التقريب. الثاني: إطلاق موثقات عمار (3) التي منها ما في الموثق عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام): " يا عمار أجمع لك السهو في كلمتين، متى شككت فخذ بالأكثر، فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (4).


(1) الحدائق: ج 9 ص 210. (2) في ص 243. (3) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل.

[ 335 ]

[... ] الثالث: معتبر زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): قلت له: رجل لا يدري واحدة صلى أو ثنتين، قال: " يعيد " قلت له: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا، قال: " إن دخل الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى ولا شئ عليه ويسلم " (1). وهو صريح في صحة الصلاة لا سيما بقرينة الصدر الحاكم بالإعادة في الشك المفروض فيه وإن كان فيه إجمال من حيث الكيفية، فإن قوله (عليه السلام) " بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة إلى آخره " يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون المقصود بالثالثة في الفقرتين هي الثالثة الواقعية وبالمضي هو إتمام الصلاة وكون المقصود صحة المضي في الثالثة واقعا، فإن نتيجة ذلك القطع بصحة السلام بعد الركعة التي بيده المحتملة لكونها ثالثة ولكونها رابعة، لأنها إما أن تكون هي الرابعة فصحيحة، لتطابقها للواقع الأولي، وإما أن تكون هي الثالثة واقعا فهي أيضا صحيحة، لتطابقها للحكم الواقعي الثانوي المجعول في مورد الشك في الركعات، ويكون المقصود بقوله " صلى الاخرى " صلاة اخرى بمقدار النقص المحتمل. ثانيها: أن يكون المراد بالثالثة في الفقرة الثانية الحكم بأن الركعة الماضية هي الثالثة، أي مضى في صلاته حال كونه حاكما بأن المشكوك المسؤول عنه هي الثالثة، بقرينة السؤال عن الشك في الاثنتين والثلاث، فيقول - وهو الأعلم - في الجواب: إنه يمضي في صلاته حال كونه حاكما بأن الركعة الماضية


(1) الوسائل: ج 5 ص 300 ح 6 من ب 1 من أبواب الخلل، وص 319 ح 1 من ب 9 من أبواب الخلل.

[ 336 ]

[... ] هي الثالثة وأن تلك الركعة التي بيده رابعة، والمقصود من قوله " صلى الاخرى " هي صلاة الاحتياط. ثالثها: أن يكون المراد من الثالثة هي المحتملة للثالثة والرابعة ومن المضي هو إتمام الصلاة فيها - وهو المستفاد من الجواهر (1) - وكل ذلك مشترك في كون المفاد هو البناء على الأكثر، وأن المقصود من قوله " ثم صلى الاخرى " هو صلاة الاحتياط. ويؤيد ذلك أمران: أحدهما قوله " ثم صلى الاخرى " من حيث العطف ب‍ " ثم " الدال على التراخي والفصل. ثانيهما قوله " ويسلم " خصوصا بعد قوله " ولا شئ عليه " من حيث إن الأمر بالسلام للصلاة لا يحتاج إلى البيان، وما يحتاج إليه هو الأمر بالسلام لصلاة الاحتياط، من حيث إنه ربما يمكن أن يتوهم عدم الاحتياج إلى السلام، من حيث عدم نقصان للصلاة من حيث الإتيان بالسلام، فأكده (عليه السلام) حتى بعد تمامية المطلب بقوله " ولا شئ عليه " بلزوم السلام. رابعها: أن يكون المقصود هو المضي في الصلاة في حال الحكم بأن ما بيده ثالثة فيصلي الاخرى موصولة ويسلم للصلاة، فيكون دالا على البناء على الأقل، فيكون محمولا على التقية. وكيف كان، فالمظنون أن الإجمال للتقية، والمقصود هو البناء على الأكثر. الرابع: خبر العلاء (الذي لا يخلو اعتباره عن وجه، من جهة أن الطيالسي ممن نقل عنه عدة كثيرة من الأجلاء فراجع خاتمة المستدرك. وقال فيها في طي ذلك: ويظهر من جميع ذلك أنه من أجلاء الرواة والثقات الأثبات، ومن العجب عده في الوجيزة من المجاهيل (2). انتهى. أقول: وأعجب منه عدم توثيقه مع التعرض له في اصول كتب الرجال، وهو الذي يوجب الترديد في الرجل) قال:


(1) الجواهر: ج 12 ص 339. (2) المستدرك: ج 3 (المطبوع بالطبعة الحجرية) ص 842.

[ 337 ]

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل صلى ركعتين وشك في الثالثة، قال: " يبني على اليقين، فإذا فرغ تشهد، وقام قائما فصلى ركعة بفاتحة القرآن " (1). ودلالته على البناء على الأكثر واضح. وأما تقريب تطبيق البناء على اليقين على البناء على الأكثر فوجوه: منها أن يكون المقصود هو الامتثال اليقيني الحاصل بالإتيان بصلاة الاحتياط. ومنها البناء على كون المشكوك متيقن التحقق، وهو الذي أشار إليه صاحب المصباح (2). ومنها - وهو الأقوى - أن يكون المقصود البناء في الإتمام على المتيقن، أي لا يدخل المحتمل زيادة في الصلاة، كما ربما يؤيد بمعتبر زرارة أي قوله " ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر " (3) والمعنى الثالث هو المتعين في تلك الرواية، لأن الأول غير منطبق على قوله " يبني على اليقين " من جهة أن اليقين بالامتثال إنما هو بعد الفراغ، والبناء على اليقين في الخبر فرض قبل الفراغ، والثاني خلاف الظاهر قطعا، فيبقى الثالث، من جهة عدم تضمنه للتنزيل. ومنه يظهر المعنى في موثق إسحاق بن عمار: " إذا شككت فابن على اليقين " قال: قلت: هذا أصل؟ قال: " نعم " (4) وأن احتمال كونه بمعنى البناء على الأكثر قوي، وذلك من جهة مقايسته بالخبر المذكور الذي فيه الأمر بالبناء على اليقين مع الصراحة في البناء على الأكثر وأن الأصح فيه أحد المعنيين من اليقين بالامتثال أو البناء على المتيقن من دون إدخال المشكوك في المتيقن، ويمكن أن لا يكون مربوطا بالشك في الركعات بل يكون دالا على الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال أو الأعم منهما ومن البناء على الأكثر الذي هو من مصاديق قاعدة الاشتغال


(1) الوسائل: ج 5 ص 319 ح 2 من ب 9 من أبواب الخلل. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 562. (3) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 3 من ب 10 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 2 من ب 8 من أبواب الخلل.

[ 338 ]

[... ] بعد التعبد الشرعي بجواز الركعة المفصولة أو تعينها في الظاهر. الخامس: مقطوع محمد بن مسلم، وفيه: ومن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا واعتدل شكه، قال: " يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد ويسلم ويصلي ركعتين وأربع سجدات وهو جالس " (1). فإن الحكم بصلاة الاحتياط وقوله " يقوم فيتم " الصريح في بقاء ركعة عليه غير صلاة الاحتياط لا ينطبق إلا على الشك بين الاثنتين والثلاث، فلابد أن يحمل قوله " ثلاثا صلى أم أربعا " على الدخول في الركعة المرددة بين الثلاث والأربع ويكون المراد من قوله " يقوم " يبقى قائما. السادس: حسن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إن استوى وهمه في الثلاث والأربع سلم وصلى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس يقصر في التشهد " (2). كل ذلك يدل على الصحة إما مطلقا كالأول والثاني والرابع وإما بالنسبة إلى خصوص صورة اللحوق في الركعة اللاحقة، وليس في البين ما يعارضه إلا مصحح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا، قال: " يعيد " قلت: أليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه؟ فقال: " إنما ذلك في الثلاث والأربع " (3).


(1) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 4 من ب 10 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ح 6. (3) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 3 من ب 9 من أبواب الخلل.

[ 339 ]

[... ] قال (قدس سره) في الوسائل: ورواه الصدوق في المقنع مرسلا. والجواب عنه بوجوه: منها: أن الأخذ بإطلاق الجملة الاولى مع حفظ ظهورها في كون الشك بعد الإكمال موجب لحمل الجملة الثانية أي قوله " إنما ذلك في الثلاث والأربع " على ما بعد الإكمال، وهو غير جائز، من جهة الحمل على النادر. والعكس - وهو الأخذ بإطلاق الثانية وحمل الاولى على خصوص ما بعد الإكمال وقبل الدخول في اللاحقة - مستلزم لمثل المحذور المتقدم، فلا محيص إلا عن حمل الجملة الاولى على ما قبل الإكمال أو الأعم فيخرج ما بعد الإكمال، وهو هين جدا، من جهة إطلاق لفظة " صلى " وأمثالها على الدخول في الصلاة، فإنه يقال في اليوم الثاني من رمضان: إنه مضى يومان منه، بل لا يقال ذلك في اليوم الثالث. ويشهد بذلك ما تقدم من مقطوع ابن مسلم من إطلاق " ثلاثا صلى أم أربعا " على ما قبل الإكمال، أو حمل الإعادة على الجواز والاستحباب، وإن كان فيه إشكال بقرينة قوله بعد ذلك " أليس يقال: لا يعيد الصلاة فقيه " لقوة ظهوره في عدم احتياج الفقيه لأن يعيدها لا حرمتها عليه. ومنها: أنه على فرض التعارض يحمل على ذلك جمعا. ومنها: أنه على فرض التعارض وعدم الحمل يرجع إلى إطلاق موثقات عمار من الحكم بالصحة والبناء على الأكثر. ومنها: أنه يمكن وقوع الاشتباه من بعض رواة المصحح المذكور، وذلك لرواية عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه سئل عن رجل لم يدر أواحدة صلى أو اثنتين؟ فقال له: " يعيد الصلاة " فقال له: فأين ما روي أن الفقيه لا يعيد الصلاة؟ قال:

[ 340 ]

[... ] " إنما ذلك في الثلاث والأربع " (1). فإنه لا يبعد أن يكون الهاشمي حاضرا عنده (عليه السلام) وقد سأله عبيد عما سأله وأجاب، فوقع الاشتباه في النقل في المصحح دون خبر الهاشمي. وكيف كان، فقد اتضح بحمده تعالى صحة الصلاة إذا كان الشك بعد الإكمال، من غير فرق بين الدخول في اللاحقة وعدمه، إلا أنه في الأول أوضح على ما يظهر وجهه مما تقدم، وأما في الثاني فهو مقتضى دليل تحديد الإعادة بالأولتين - من باب وجوب حفظهما وإثباتهما، كما تقدم الإيماء إليه (2) - وخبر العلاء (الذي تقدم نقله (3) من الوسائل عن قرب الإسناد) ومطلقات موثق عمار. ولو فرض ضعف خبر العلاء والتعارض بين خبر عبيد وإطلاقي دليل التحديد وموثقات عمار فيمكن أن يقال بتقدم إطلاق دليل التحديد، لأظهريته أو لوجود التعليل الحاكم على ما يدل على الإعادة وأن علة الإعادة هي وجوب التحفظ على الأولتين، أو يقال بتعارض مفهوم التحديد - الذي هو أخص من إطلاقات عمار - لرواية عبيد في خصوص بعد الإكمال، فيرجع إلى إطلاق موثقات عمار، من جهة دعوى ظهورها في بيان حكم السهو مطلقا، لا في مقام بيان حكم السهو المفروغ عن مشروعيته، إذ بناء عليه لا يجدي للراوي، إذ لا بد من تشخيص مجئ السهو في الركعات وأن له حكما مصححا للصلاة من الخارج، وهو خلاف الظاهر قطعا. فالمتحصل هو الحكم بصحة الصلاة في الشك المبحوث عنه بعد الإكمال مطلقا. وهو الله العالم الملهم المستعان. وأما أن حكمه هو البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط في الجملة


(1) الوسائل: ج 5 ص 300 ح 5 من ب 1 من أبواب الخلل. (2) في ص 334. (3) في ص 336.

[ 341 ]

[... ] فلعله ظهر مما تقدم، فإنه مقتضى مطلقات موثقات عمار من دون شبهة في ذلك، وليس في البين على ما وصل إليه النظر ما ورد حاكما بالبناء على الأقل في خصوص الشك بين الثلاث والاثنتين بعد الإكمال حتى يكون مخصصا لخبر عمار. وأما ما يقتضي البناء على الأقل مطلقا من غير فرق بين الأولتين والأخيرتين فهو محمول على التقية. ولا يمكن أن يقال: إنه يؤخذ به إلا في الأولتين وفي الشك بين الثلاث والأربع بعد الإكمال والشك بين الاثنتين والأربع بعد الإكمال، لأنه تخصيص مستهجن قطعا، إذ لا يبقى له مورد إلا الشك بين الاثنتين والثلاث بعد الإكمال، فلا محالة لابد من الحمل على التقية. إن قلت: خبر سهل وارد في خصوص الاثنتين والثلاث ويحكم بالبناء على الأقل: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل لا يدري أثلاثا صلى أم اثنتين، قال: " يبني على النقصان ويأخذ بالجزم، ويتشهد بعد انصرافه تشهدا خفيفا كذلك في أول الصلاة وآخرها " (1). قلت: مقتضى ذيله: العموم الذي لا يمكن الأخذ به ولا محيص عنه إلا الحمل على التقية، مع أنه يمكن أن يقال: إن المقصود هو البناء على الأكثر، فيكون معنى " يبني على النقصان ": يبني إتمام صلاته على احتمال النقيصة لا الزيادة، " ويأخذ بالجزم " أي يعمل بالاحتياط، " ويتشهد... " أي في صلاة الاحتياط بعد انصرافه من الصلاة الأصلية، " كذلك في أول الصلاة وآخرها " أي يكون التشهد الواجب في صلاة الاحتياط كالتشهد الواجب في أول الصلاة والتشهد الواجب في آخرها


(1) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 6 من ب 8 من أبواب الخلل.

[ 342 ]

[... ] من حيث الكيفية، إلا أن السنة في التشهد الاحتياطي أن يكون خفيفا. ويؤيد ذلك أولا: تطبيق " البناء على اليقين " على البناء على الأكثر صريحا في خبر العلاء. وثانيا: أنه لا معنى للإصرار على خلاف الواقع بذكر الذيل المخالف للأخبار الكثيرة الدالة على لزوم حفظ الأولتين. وثالثا: لا معنى للتشهد الصرف من دون السجدة والصلاة. فالصحة والبناء على الأكثر في الشك بين الاثنتين والثلاث ثابت بالدليل مطابق للمشهور، وهو المستعان في جميع الامور. الثالث: قد تقدم في عبارة المصنف (قدس سره) أنه " استأنف ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس " فقال (قدس سره) في الجواهر: على المشهور نقلا مستفيضا وتحصيلا، شهرة كادت تكون إجماعا بل حكاه في الخلاف والانتصار والغنية وعن كشف الرموز أنه فتوى الأصحاب لا أعرف فيه مخالفا، ونقل في الذكرى عن الجعفي وابن أبي عقيل الاقتصار على الركعتين من جلوس، والمحكي عن الكاتب والمفيد والقاضي تعين الركعة من قيام في الصورتين أي الشك بين الاثنتين والثلاث، والثلاث والأربع (1). انتهى ملخصا. أقول: ويستدل للمشهور بمرسل جميل عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام): في من لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا ووهمه في ذلك سواء، قال:


(1) الجواهر: ج 12 ص 336.

[ 343 ]

[... ] فقال: " إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار، إن شاء صلى ركعة وهو قائم وإن شاء صلى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس... " (1). قال (قدس سره) في الجواهر: وضعفه منجبر بالعمل، ويتم في المسألة بعدم القول بالفصل بين الصورتين أي الشك بين الثلاث والأربع والاثنتين والثلاث (2). وكلاهما محل نظر: أما الأول فلعدم وضوح الاستناد حتى ينجبر بالعمل، وأما الثاني فلأنه يمكن أن يقال بعدم الاحتياج إليه بالنسبة إلى فرض الدخول في الركعة اللاحقة، لشمول الجواب - أي قوله (عليه السلام) " إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع... " - له، وعلى فرض الاحتياج إليه كما في غيره فلا يفيد، لعدم حجية الإجماع في مثل تلك المسائل التي يقرب إلى الظن أن ما ذهبوا إليه ليس إلا مستندا إلى الأدلة فكيف بعدم القول بالفصل!. ويمكن أن يعتمد على سنده بالالتزام بأن علي بن حديد ثقة كما جزم به المحدث النوري في شرح مشيخة الفقيه، وذلك لرواية عدة كثيرة من الثقات والأجلاء عنه فيهم أحمد بن محمد بن عيسى وابن أبي عمير والحسين بن سعيد وعلي بن الفضال وحسين بن أبي الخطاب. وأما إرسال جميل فغير مضر بعد التصريح بأن الراوي بعض أصحابنا، فإن فيه مدحا يلحقه بالحسان على الظاهر. وأما تضعيف الشيخ (قدس سره) لعلي بن حديد فغير صريح في كون مورده النقل


(1) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 2 من ب 10 من أبواب الخلل. (2) الجواهر: ج 12 ص 336.

[ 344 ]

[... ] والرواية، فلعل المقصود هو التضعيف في عقيدته. لكن في ذلك ما لا يخفى، فإن التضعيف في هذا المقام ظاهر في مقام النقل، مع أن الضعف في العقيدة غير الاختلال فلم يثبت وثاقته ولا جبره بالعمل. مضافا إلى الإشكال في دلالته على المسألة من جهة احتمال أن يكون قوله (عليه السلام) " إذا اعتدل الوهم " في الموضوع المسؤول عنه - وهو من لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا - فيكون مفاده من لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا واعتدل وهمه في الثلاث والأربع فهو بالخيار. ويستدل له أيضا بأنه مقتضى الجمع بين ما دل على خصوص الركعتين من جلوس وما دل على خصوص الركعة قائما: فمن الأول ما تقدم (1) - من مقطوع محمد بن مسلم وخبر الحسين بن أبي العلاء المتقدم (2) - ومرسل الصدوق عن أبي بصير - في المقنع الذي هو بحكم المسند - أنه روى: في من لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا إن كان ذهب وهمك إلى الرابعة فصل ركعتين وأربع سجدات جالسا، فإن كنت صليت ثلاثا كانتا هاتان تمام صلاتك، وإن كنت صليت أربعا كانتا هاتان نافلة لك " (3). من جهة ظهوره في أن الصلاة ركعتان، من جهة كفايته عن النقص الوارد في الصلاة على فرض عدم إضراره بصحتها. لكنه غير واضح، لاحتمال أن يكون كفايته عنه في مورد تشريع الركعتين لا أنه علة للتشريع حتى يسري الحكم إلى غيره.


(1) في ص 338. (2) في ص 338. (3) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 8 من ب 10 من أبواب الخلل.

[ 345 ]

[... ] وخبر أبي بصير، قال: سألته عن رجل صلى فلم يدر أفي الثالثة هو أم في الرابعة، قال: " فما ذهب وهمه إليه إن رأى أنه في الثالثة وفي قلبه من الرابعة شئ سلم بينه وبين نفسه ثم صلى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب " (1). معنى الحديث - والله أعلم - أن قوله " إن رأى " أي احتمل، وقوله " وفي قلبه من الرابعة شئ " أي ترجيح لها على الثالثة، وقوله " سلم ما بينه وبين نفسه " أي لا يأتي بالمنافي من الفصل الطويل وغيره بحيث يعلم أنه سلم. وبعد ذلك نقول: يمكن استظهار كون ذلك علاجا لبعض الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة من دون دخالة لتعلق الظن بأنها رابعة، فإنه يمكن أن يكون دخيلا في البناء على الأكثر عرفا، لكن احتمال دخالته في كيفية الجبران لعله مما لا يعتنى به عرفا، فتأمل. وأما الثاني فهو إطلاق موثقات عمار. وبعد ذلك فنقول: يمكن أن يقال أولا: إن الجمع بين الدليلين بالتخيير أهون في نظر العرف من التصرف في الإطلاق بالتقييد. وثانيا: إنه في خصوص المورد يقطع بكونه في مقام الإطلاق وإعطاء القاعدة وتعليمها لعمار، والتخيير هنا أقوى مما يكون إحراز كونه في مقام البيان ببناء العقلاء. وثالثا: إن التقييد بما تقدم موجب لخروج الشك بين الاثنتين والثلاث بعد


(1) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 7 من ب 10 من أبواب الخلل.

[ 346 ]

[... ] الإكمال والثلاث والأربع، والشك بين الاثنتين والواحدة أو الاثنتين والثلاث قبل الإكمال خارج أيضا من المطلق المزبور، فلا يبقى تحته إلا الموارد النادرة من الشك كالشك بين الاثنتين والأربع بعد الإكمال وغير ذلك من النوادر، وهذا مستهجن قطعا فيتعين التخيير. ورابعا: نمنع ظهور الدليلين في التعين، إذ مقتضى روايات عمار أن الركعة عن قيام من باب تدارك النقص بذلك، ومقتضى ما تقدم من مرسل المقنع أن الركعتين من جلوس أيضا كذلك، فالظاهر أن الأمر بما في رواية عمار الظاهر في القيام والأمر بالركعتين من جلوس كل ذلك إرشاد فيكون وزانه وزان عدم الأمر بتا وبيانا لطريق الجبران، بأن يقال مثلا طريق جبران النقص المحتمل ذلك، فلا ظهور له في التعين أصلا. فالحق ثبوت التخيير في الشك في الاثنتين والثلاث بعد الدخول في اللاحقة، للدليل المذكور، لكن لم يقم دليل يعتمد عليه قبله، فالأحوط الذي لا يترك هو القيام إذا كان الشك قبل الدخول في اللاحقة، وأحوط منه اختيار القيام في مورد البحث مطلقا. وأما الجمع بين الأمرين فاحتياط ضعيف بالنسبة إلى الأقوال، وعلى فرض الجمع فالأحوط تقديم الركعة القيامية من دون شبهة بل لا يترك قطعا في ما كان الشك قبل الدخول في اللاحقة. والله المتعالي هو العالم. ويمكن الاستدلال للتخيير بأن المستفاد من بعض الأخبار بدلية الركعتين جالسا عن ركعة قيامية، وذلك قاعدة كلية في غير الفرائض المسلم فرضها، ففي خبر الحسن بن زياد الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا صلى الرجل جالسا وهو يستطيع القيام فليضعف " (1).


(1) الوسائل: ج 4 ص 697 ح 4 من ب 5 من أبواب القيام.

[ 347 ]

[... ] وخبر الفضل: " صلاة القاعد على نصف صلاة القائم " (1). لكن الإنصاف أن المتبادر هو التضعيف بعد فرض التشريع، والتشريع في المقام مشكوك، فراجع وتأمل. الرابع: في ما يتحقق به إكمال الركعة، ففيه أقوال خمسة ووجوه سبعة: الأول: ما في الجواهر من احتمال كون ظاهر المشهور أنه يتحقق برفع الرأس من السجدة الأخيرة. الثاني: أن تحققه بالركوع، نقله فيها عن المصابيح عن السيد ابن طاووس والمحقق في الفتاوى البغدادية. الثالث: أن ذلك بوضع الجبهة في السجدة الثانية كمامال إليه في ظاهر الذكرى. الرابع: أنه بإكمال الذكر الواجب في السجدة الثانية كما اختاره الشهيد الثاني في الروض والروضة وغيرهما. انتهى ملخصا من الجواهر (2). الخامس: أنه بالسجدة الاولى، نسبه في مصباح الفقيه إلى بعض متأخري المتأخرين (3). السادس: احتمال أن يكون ذلك بالدخول في الركعة اللاحقة، وهو الظاهر من معتبر زرارة المتقدم (4). السابع: احتمال أن يكون بعد تمامية التشهد لاحتمال أن يكون جزء من الركعة الثانية.


(1) الوسائل: ج 4 ص 697 ح 2 من ب 5 من أبواب القيام. (2) الجواهر: ج 12 ص 337 و 339 و 340. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 564. (4) في ص 335.

[ 348 ]

[... ] والأقرب منها ما نسب إلى المشهور. وبيان الدليل على ذلك في طي أمرين إن شاء الله تعالى: الأمر الأول في بيان أنه لا بد من رفع الرأس، والثاني في كفاية ذلك وعدم لزوم أن يكون الشك بعد ذلك. أما الأول فهو مبني على ما هو المستفاد من مثل قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة المتقدم (1): " فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين "، فإن المحتملات فيه في بادئ النظر أربعة: الأول: أن يكون المقصود لزوم الإتيان بالأولتين على وجه القطع ولو مع احتمال حصول الزيادة في الصلاة. وذلك مخالف لصريح ما حكم فيه وفي الأخبار الكثيرة بلزوم الإعادة، إذ يحصل ذلك بالإتيان بركعة اخرى من دون لزوم الإعادة. الثاني: أن يكون الشك قاطعا موجبا لبطلان الصلاة بمحض حدوثه. وهو أيضا مخالف لما هو الظاهر منه أنه المقصود الأصلي وهو التحفظ واليقين بحصول الركعتين تاما، إذ يصدق ذلك بعد رفع الشك وحصول القطع بالإتيان من دون لزوم الزيادة. الثالث: أن يكون الشك مانعا واليقين شرطا - كالنجاسة والطهارة منها - ومقتضى ذلك عدم محسوبية المشكوك للصلاة وعدم البطلان عند تمامية الذكر وعدم الرفع، فيرجع إلى عموم البناء على الأكثر. لكنه أيضا مردود بمثل ما مر من كفاية حصول القطع ولو بعد ذلك في صحة الصلاة.


(1) في ص 237.

[ 349 ]

[... ] الرابع - وهو المتعين -: أن يكون المقصود أن الخلل المتوجه إلى الصلاة من ناحية الشك في الأولتين مبطل له من حيث الزيادة أو النقيصة. وبعد ذلك فيبقى بحث آخر في أن الخلل المتوجه إليها من ناحية الشك في الأولتين هل يشمل المورد من حيث تمامية ما هو دخيل في الماهية وبقاء ما هو جزء للركعة على تقدير وجوده أو لا يشمل؟ مقتضى إطلاق أن الشك المتعلق بالأولتين موجب للبطلان من حيث الخلل المتوجه إلى الصلاة هو الشمول فيحكم بالبطلان قبل رفع الرأس، من جهة الإطلاق المذكور، فتأمل (1). الأمر الثاني: أنه قد يمكن أن يقال: إنه لا يكفي ذلك بل لابد من القطع بالتشهد الأول فيكون الشك بعده لكونه من تتمة الركعة الثانية، أو يحتمل ذلك فلا يحرز الإتيان بالركعتين بتمامهما، والرجوع إلى إطلاق روايات عمار وإن كانت الشبهة مفهومية مشكل، لما اشير إليه من القطع بكون المتكلم (عليه السلام) فيها بصدد البيان فلا يرد عليه التخصيص، فلابد أن يكون المقصود بيان طريقة حكم السهو مع فرض وجوده في الجملة، لكن دعوى القطع بكونها من الثانية مجازفة، لا سيما


(1) وجهه أنه قد يقال: إنه إذا تحققت ماهية السجدة الثانية تمت الركعة. وقد يجاب بأن الدخيل فيها سجدتان أي فردان منها، فما لم يتم الفرد لم تتم الماهية الدخيلة فيها الفرد. وقد يمنع بأنه لا دليل على تحقق فردين محدودين بل لابد من تحقق ماهية السجدة دفعتين، وذلك متحقق بصرف السجدة والذكر الواجب فيها. وقد يجاب أيضا بأنه بناء عليه تكون الماهية الموجودة بالشطر الأول باقية الوجود بينها، فإذا كان الجزء الأول مصداقا للركعة الثانية فالمفروض وحدة الأجزاء اللاحقة إلى حين الرفع لها. مضافا إلى أن صدق كون المكلف في الركعة الثانية واضح عند العرف على الظاهر، فكما يكون المصلي في حال الصلاة ولو مع الإتيان بالسلام الأول وقلنا بكفايته فيها فيكون الحادث قاطعا كذلك المقام. منه عفي عنه.

[ 350 ]

[... ] مع ورود الدليل بأن التشهد سنة (1) وأن الركعتين فريضة (2) وورود رواية العلل بأنه بعد الركعة الثانية وبيان العلة في تشريعه بعدها (3)، فتأمل. وأما الاحتمال المذكور فمندفع بإطلاق أحاديث عمار. وشبهة عدم الإطلاق مندفعة بأنه على فرض أن يكون المقصود بيان كيفية العمل بحكم السهو مع فرض وجود الحكم المصحح له لزم الإجمال وعدم جواز العمل به أصلا إلا بعد الرجوع إلى الدليل الآخر، وهو موجب لإسقاط المطلق عن العمل به بنفسه، وهو مما تطمئن النفس بخلافه، مضافا إلى أنه خلاف الظاهر قطعا مع قطع النظر عن تلك النكتة، فإن قوله: " كلما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الأكثر (4) " و " متى شككت فخذ بالأكثر " (5) ظاهر تام الظهور في أن الموضوع هو الشك بنفسه لا هو مع فرض وجود حكم له يقتضي العمل به صحة الصلاة، كما هو واضح. وكونه في مقام البيان لا يزيد على القطع بتحقق البيان بمثل كل ومتى وكلما، فليس ذلك إلا البيان في مقام الاستعمال ولا ينفي عدم التطابق للجد في بعض الأفراد، والسر في البيان الاستعمالي على نحو الكلية والعموم هو إعطاء القاعدة بحيث لا يبقى أي مكلف متحيرا في الحكم بعد فرض عدم الدليل على التخصيص، فلا إشكال في عدم لزوم أن يكون الشك بعد تمامية التشهد من ناحية شبهة كون التشهد من بقايا الركعة الثانية.


(1) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 1 من ب 7 من أبواب التشهد. (2) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 990 ح 6 من ب 3 من أبواب التشهد. (4) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 4 من ب 8 من أبواب الخلل. (5) المصدر: ص 317 ح 1.

[ 351 ]

[... ] وبقيت شبهة اخرى منشأها معتبر زرارة المتقدم (1) أي قوله (عليه السلام): " إن دخل الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة " إذ مقتضى ظاهر اشتراط المضي في الصلاة وصحتها بدخول الشك بعد الدخول في الثالثة أن يكون حال القيام أو حال الرفع بقصد القيام - لا حال الرفع من السجدة مع عدم علمه بإتيان التشهد - بناء على كون النهوض إلى القيام ملحقا بالركعة التالية ولو مسامحة. ويمكن دفعها بأحد امور: منها: إجمال المعتبر، من جهة احتمال أن يكون المقصود هو البناء على الأقل، ويؤيده قوله (عليه السلام) " ثم صلى الاخرى " من جهة تعريف الاخرى المنطبق على الركعة المعهودة، وتقيد ذلك بالدخول فيها لعله لقلة إلقاء الحكم على طبق التقية التي هي خلاف الواقع. ومنها: احتمال أن يكون المقصود بالدخول في الثالثة رؤية المصلي نفسه في الثالثة من جهة الإتيان بالتشهد الأخير وقراءة التسبيحات الأربعة، فيكون بصدد بيان إجراء قاعدة التجاوز في الركعة الثانية برؤية المصلي نفسه في الركعة الثالثة فيمضي بعنوان كونها في الثالثة ويصلي الرابعة ولا شئ عليه. والإنصاف أنه ليس هذا المعنى من حيث الظهور أضعف من المعاني الأربعة المتقدمة في المسألة السابقة فراجع، فالمحصل وجود احتمالات خمسة في المعتبر. ومنها: أن يكون المقصود أنه بعد الدخول يمضي من دون لزوم شئ. وأما إذا كان الشك قبل الدخول فليس حكمه المضي المطلق بل لابد من الإتيان


(1) في ص 335.

[ 352 ]

[ قال (قدس سره): من شك بين الثلاث والأربع بنى على الأربع وتشهد وسلم واحتاط كالاولى (1). * ] بالتشهد، من حيث عدم مضي محله واحتمال أن يكون الحكم بالأخذ بالأكثر من حيث الركعات لا من حيث ما هو خارج عنها مترتب عليها، مع أن البناء على الثلاث يقتضي الإتيان بما هو من أجزاء الثلاث أو ما يكون الثلاث ظرفا له لا عدم الإتيان بما يكون الثانية ظرفا له، مع أنه على فرض الاقتضاء فتقديم دليل البناء على الأكثر على دليل قاعدة الشك في المحل بعد غير واضح، فتأمل. ومنها: أن يكون المقصود هو دخول الشك مع المصلي في الركعة الثالثة أي استقراره وبقاؤه إلى أن يدخل المصلي في الثالثة، وهو خلاف الظاهر إنصافا. وكيف كان، فمع هذا الإجمال لا يقدر على تقييد مطلقات عمار فيرجع إليها. والله المتعالي هو العالم. * قال (قدس سره) في الجواهر ما خلاصته: أن صحة الصلاة في الشك المذكور مطلقا - أي سواء كان بعد الإكمال أو قبله - بلا إشكال وبلا خلاف أجده، بل نقل عليها الإجماع جماعة وحكي عن اخرى (2). أقول: الأخبار الدالة على الصحة لعلها متواترة، فإنها طوائف: الاولى: ما دل على الفرق بين الاوليين والأخيرتين كصحيح زرارة وغيره (3). الثانية: ما دل على أن الفقيه لا يعيد الصلاة في الثلاث والأربع كخبر عبيد والهاشمي المتقدمين (4).


(1) الشرائع: ج 1 ص 89. (2) الجواهر: ج 12 ص 341 - 342. (3) راجع الوسائل: ج 5 ص 299، الباب 1 من أبواب الخلل. (4) في ص 338 و 339.

[ 353 ]

[... ] الثالثة: إطلاق ما نقل عن عمار - بطرق متعددة - من البناء على الأكثر وأنه قاعدة. الرابعة: ما يدل على البناء على الأقل. الخامسة: الأخبار الخاصة الواردة في خصوص الشك بين الثلاث والأربع التي يجئ نقلها إن شاء الله تعالى. هذا كله بالنسبة إلى صحة الصلاة. وأما البناء على الأربع فقال (قدس سره) في الجواهر ما ملخصه: أنه المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك، وقد حكاه في الخلاف والانتصار والغنية، وهو الظاهر من الأمالي والسرائر والمعتبر والروض. وحكي عن أبي علي وابن بابويه التخيير بين الأقل والأكثر لكن لم تثبت النسبة إلى الثاني (1). أقول: فالبناء على الأربع قطعي إما تعيينا أو تخييرا بحسب الفتاوى، وأما النسبة إلى الصدوق (قدس سره) فقد أثبت في الحدائق وقوع الاشتباه فيها فراجع (2). ويدل على المشهور عدة من الأخبار: منها: صحيح عبد الرحمان وأبي العباس البقباق جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، وإن وقع رأيك على الأربع فسلم وانصرف، وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس " (3). ودلالته كسنده واضحة، ويحتمل الإطلاق لحال القيام أيضا، لاحتمال صدق


(1) الجواهر: ج 12 ص 342. (2) الحدائق: ج 9 ص 228. (3) الوسائل: ج 5 ص 316 ح 1 من ب 7 من أبواب الخلل.

[ 354 ]

[... ] عنوان " ثلاثا صليت أو أربعا " بالدخول فيها، ودلالته على كفاية الركعتين من جلوس واضحة، وهو ظاهر في التعين وصريح في الكفاية. ومنها: حسن الحلبي الذي هو يحكم الصحيح عنه (عليه السلام) في حديث، قال: " إن كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فسلم ثم صل ركعتين وأنت جالس تقرأ فيهما بام الكتاب، وإن ذهب وهمك إلى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، فإن ذهب وهمك إلى الأربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو " (1). وهو كسابقه من حيث ما يدل عليه إلا أنه أبعد عن الإطلاق بالنسبة إلى حال القيام من جهة قوله (عليه السلام) " فقم " الظاهر في فرض الجلوس. ومنها: حسن الحسين بن أبي العلاء - الذي هو بحكم الصحيح لكون الراوي عنه فضالة وهو من أصحاب الإجماع على ما ذكروه - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إن استوى وهمه في الثلاث والأربع سلم وصلى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس يقصر في التشهد " (2). قيل: وفي نسخة " يقصد في التشهد "، وهو ظاهر في الإطلاق وصريح في الركعتين من جلوس. ومنها: ما في المقنع، قال في من لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا: وروى أبو بصير: " إن كان ذهب وهمك إلى الرابعة فصل ركعتين


(1) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 5 من ب 10 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 6 من ب 10 من أبواب الخلل.

[ 355 ]

[... ] وأربع سجدات جالسا، فإن كنت صليت ثلاثا كانتا هاتان تمام الأربع، وإن كنت صليت أربعا كانتا هاتان نافلة، كذلك إن لم تدر زدت أم نقصت " (1). محل الاستشهاد قوله " كذلك إن لم تدر زدت أم نقصت "، فإنه ليس المقصود هو العلم الإجمالي بين الزيادة والنقيصة قطعا، لعدم انطباق العمل عليه، فلابد أن يكون المقصود معنى يشمل صورة الشك بين الثلاث والأربع بأن لا تدري النقيصة عن الصلاة أو الزيادة على ما فرض أنه نقص، والظاهر أنه يشمل الذيل صورة المسألة، فتأمل. ومنها: ما فيه أيضا، قال: وفي روايه محمد بن مسلم: " إن ذهب وهمك إلى الثالثة فصل ركعة واسجد سجدتي السهو بغير قراءة، وإن اعتدل وهمك فأنت بالخيار، إن شئت صليت ركعة من قيام، وإلا ركعتين من جلوس، فإن ذهب وهمك مرة إلى ثلاث ومرة إلى أربع فتشهد وسلم وصل ركعتين وأربع سجدات وأنت قاعد تقرأ فيهما بام القرآن " (2). ولا يخفى أن مقتضى عطف قوله " فإن ذهب وهمك " بالفاء هو أنه بصدد بيان ما في الصدر، وحينئذ يكون عدم ذكر الركعة من القيام للاختصار. ويحتمل أن يكون الذيل في مقام بيان حكم موضوع آخر غير الاعتدال الثابت على عدم ترجيح أحد الطرفين على الآخر، وهو تحقق حالة للنفس قد يترجح أحد الطرفين ثم يترجح بعده الآخر وبالعكس.


(1) المقنع: ص 104. (2) المقنع: ص 104.

[ 356 ]

[... ] وكيف كان، فدلالة الخبرين على المسألة مما لا يخفى، كما أن الظاهر اعتبارهما، من جهة ما ذكره (قدس سره) في أول المقنع من قوله: " إذ كان ما ابينه فيه في الكتب الاصولية موجودا مبينا عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم الله " (1)، ولا سيما الأول منهما، لقوله " وروى أبو بصير ". ومنها: مرسل جميل - الذي مر (2) أن اعتباره لا يخلو عن وجه وإن كان غير واضح - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال في من لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا ووهمه في ذلك سواء، قال: فقال: " إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار، إن شاء صلى ركعة وهو قائم وإن شاء صلى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس... " (3). ودلالته على المسألة واضحة في الجملة، بل مقتضى الجواب هو الإطلاق لما قبل الإكمال أيضا، لكن يمكن الخدشة في إطلاقه بإمكان أن يكون الجواب في موضوع السؤال فيكون محصل الجواب أن من لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا واعتدل وهمه في الثلاث والأربع إلى آخره. ومنها: موثق عمار المروي عن الفقيه بسنده الموثق عن عمار (ورجال السند كلهم مصرحون بتوثيقهم، مضافا إلى أن الصدوق (قدس سره) ينقل عن أبيه عن محمد بن الحسن بن الوليد المعروف بالدقة في النقل، وإلى أنه طريق الفقيه إلى عمار في الكتاب المذكور الذي لا يذكر فيه إلا ما هو حجة بينه وبين ربه على ما ذكره


(1) المقنع: ص 5. (2) في ص 343. (3) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 2 من ب 10 من أبواب الخلل.

[ 357 ]

[... ] في أول الفقيه) (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال له: " يا عمار أجمع لك السهو كله في كلمتين، متى ما شككت فخذ بالأكثر، فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (2). ومنها: موثقه المروي عن الشيخ (قدس سره): " كلما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الأكثر " قال: " فإذا انصرفت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (3). ومنها: خبره الآخر (الذي فيه إشكال من حيث السند، من جهة موسى بن عيسى غير المبين حاله على ما ذكره في جامع الرواة، ولكن يحتمل أن يكون هو اليقطيني الممدوح بالتعديل) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شئ من السهو في الصلاة فقال: " ألا اعلمك شئ إذا فعلته ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ؟ " قلت: بلى. قال: " إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت أنك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شئ، وإن ذكرت أنك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت " (4). وليس في قبال ذلك كله ما يدل على الخلاف إلا ما يوهمه بعض الروايات من الدلالة على البناء على الأقل: كخبر زرارة المعتبر عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 3. (2) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ص 318 ح 4. (4) المصدر: ص 318 ح 3.

[ 358 ]

[... ] إليها اخرى ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر... " (1). الموهم لظهوره في الركعة المتصلة. لكن الإنصاف عدم انعقاد ظهوره فيها، لقوله (عليه السلام): " ولا يخلط أحدهما بالآخر " الظاهر في الانفصال ولا أقل من الاجمال، مضافا إلى أن صاحب الوسائل نقل صدره في باب آخر (2) وكذا نقل بالإسناد السابق في موضوع الصدر - وهو الشك بين الاثنتين والأربع - عنه عن أحدهما (عليهما السلام) التصريح بالانفصال (3)، والمظنون لو لم يكن قطعيا وحدة الخبر، فراجع وتأمل. وكخبر محمد بن مسلم وفيه: " ومن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا واعتدل شكه " قال: " يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد ويسلم ويصلي ركعتين وأربع سجدات وهو جالس " (4). من حيث الظهور في البناء على الأقل، لقوله: " فلم يدر ثلاثا صلى " الظاهر في إكمال الركعة، وقوله: " يقوم " الظاهر في أنه كان جالسا. لكن فيه: أنه لو كان المقصود هو الإتيان بالركعة المرددة بين الرابعة والخامسة فلا وجه لصلاة الاحتياط، وهو خلاف إجماع المسلمين من العامة والخاصة، وخلاف الارتكاز، إذ لا نقص حتى يجبر ولا معنى لجبر الزيادة


(1) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 3 من ب 10 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 3 من ب 11 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ح 4. (4) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 4 من ب 10 من أبواب الخلل.

[ 359 ]

[... ] المحتملة، ولا يمكن حمله على التقية، فلابد إما من الكشف عن عدم كونه صادرا من المعصوم (عليه السلام)، بل لعل محمد بن مسلم لما عثر على ما دل على البناء على اليقين وما دل على صلاة الاحتياط جمع بينهما في مقام الفتوى، للعمل بكلتا الطائفتين. وقوله " قال " لعله من حريز أي قال محمد بن مسلم، أو يقال: إن " صلى " يطلق على الورود مسامحة بلا إشكال، وأما قوله " فيقوم " فيصح إطلاقه على البقاء في حال القيام أي يبقى قائما فلا يهدم قيامه، وليس بعيدا ذلك كل البعد عن ظاهره، وكيف كان، فالمقصود أن الخبر لا يصح الاستدلال به للبناء على الأقل - مع قطع النظر عما يعارضه - قطعا، لكون ظهوره البدوي خلاف الاعتبار والارتكاز فلا ينصرف إليه اللفظ، ولكونه خلاف ما هو المسلم بين جميع فرق الإسلام على الظاهر. وكموثق إسحاق بن عمار عن أبي الحسن الأول (عليه السلام): " إذا شككت فابن على اليقين " قلت: هذا أصل؟ قال: " نعم " (1). فإن فيه وجوها من المحتملات: منها: أن لا يكون مختصا بالشك في الركعات الصلاتية وكان المقصود هو البناء على حصول اليقين بالبراءة في جميع ما يحتمل فيه التكليف، سقوطا أو ثبوتا واجبا كان أو مستحبا، فهو إرشاد إلى امتثال أمر المولى على نحو القطع واليقين، فهو كالأخبار الآمرة بالاحتياط. والظاهر أنه هو الأظهر من الكل، للعموم ولعدم فرض اليقين في الموضوع حتى يكون الحكم هو البناء على اليقين المفروض، وقد ورد في اللغة أن اليقين بمعنى التيقن.


(1) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 2 من ب 8 من أبواب الخلل.

[ 360 ]

[... ] ومنها: أن يكون المقصود هو الاستصحاب في جميع الموارد، وهو أيضا يكون كأدلة الاستصحاب غير مضر بما يستفاد من أخبار البناء على الأكثر في خصوص الصلاة، وقد حقق في محله أن دليل البناء على الأكثر لا يخالف الاستصحاب ولا يوجب تقييدا في أدلتها أيضا. ومنها: أن يكون المقصود خصوص الركعات، وحينئذ لا يبعد أن يكون المراد به ما ينطبق على البناء على الأكثر، فإنه قد اطبق عنوان البناء على اليقين على البناء على الأكثر في خبر العلاء المروي عن قرب الإسناد (1)، إما بأن يكون المقصود البناء على حصول اليقين بالاحتياط على نحو لا يوجب الزيادة في الصلاة ولا النقصان، وإما بأن يكون المراد البناء على الأقل من حيث الإتيان بالركعة المشكوكة منفصلة، أو يكون المراد الإتمام على الأقل بحيث يقطع بعدم الزيادة على الصلاة، أو غير ذلك. * * * وأما التخيير بين الركعة والركعتين فهو المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، ونسب إلى بعض القدماء تعين القيام، كما أنه عن العماني والجعفي تعين الجلوس على ما في الجواهر (2). والدليل على المشهور أمران: أحدهما: التصريح بالتخيير في ما في المقنع من رواية محمد بن مسلم، وفيه: " وإن اعتدل وهمك فأنت بالخيار، إن شئت صليت ركعة من قيام وإلا ركعتين من جلوس " (3).


(1) الوسائل: ج 5 ص 319 ح 2 من ب 9 من أبواب الخلل. (2) الجواهر: ج 12 ص 345. (3) المقنع: ص 104.

[ 361 ]

[... ] ولا ريب أن كون الخبر في المقنع مع ظهور الفتوى به كاف في الحجية بعد ما قال في مقدمة كتابه ما قال (1)، وهو مؤيد بمرسل جميل الذي تقدم (2) أنه لا يخلو اعتباره من وجه، وفيه: " إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار، إن شاء صلى ركعة وهو قائم وإن شاء صلى ركعتين " (3). ثانيهما: أنه مقتضى الجمع بين ما يدل على الركعتين وما يظهر من إطلاق موثقات عمار من القيام، بل لا تخالف حتى يحتاج إلى الجمع، وقد مر تقريب الجمع والحمل على التخيير في المسألة المتقدمة بوجوه، ونزيد هنا أن في مثل تلك المسائل خصوصية ليست في غيرها، وهي أن بدلية الركعتين من الركعة القيامية واستحباب ذلك وارد في الشريعة الإسلامية في الجملة، وقد تقدم بعض الروايات في ذلك في المسألة المتقدمة. لكن لا يخفى أنه قد تحصل وضوح كفاية الركعتين من جلوس إذا كان الشك بعد الإكمال، لدلالة غير واحد من الأخبار فيها الصحيح والحسن، فالاحتياط بضم القيام بعد ذلك ضعيف كما أن الاحتياط على تقدير الضم بتقديم الركعتين من الجلوس قوي، وأما قبل الإكمال فإنه وإن دل عليه حسن الحسين بن أبي العلاء الذي هو بحكم الصحيح لكن الأحوط عدم الاكتفاء به فيأتي بالركعة من القيام ابتداء ثم الركعتين من جلوس، فتأمل.


(1) المقنع: ص 5. (2) في ص 343. (3) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 2 من ب 10 من أبواب الخلل.

[ 362 ]

[ قال (قدس سره): [ الغ‌سألة ] الثالثة: من شك بين الاثنتين والأربع بنى على الأربع وتشهد وسلم ثم أتى بركعتين من قيام (1). * ] * أقول: ما ذكره ينحل إلى مسائل ثلاث: الاولى: أن الحكم هو البناء على الأكثر وجبر النقصان. الثانية: أن جبر النقصان إنما يكون بركعتين من قيام لا غير. الثالثة: أنه لا يلزم عليه سجدتا السهو. أما الاولى فقد قال (قدس سره) في الجواهر: بلا خلاف معتد به أجده، بل في الخلاف وعن الانتصار وظاهر السرائر الإجماع عليه، وفي الرياض عن أمالي الصدوق (قدس سره) أنه من دين الإمامية (2). ويحتمل في ما نقل عن الصدوق في المقنع تعين الإعادة، وعبارته محتملة للتخيير بين الإعادة والبناء على الأكثر بل فيه أظهر (3). والمحكي عن الشهيد في الذكرى ذلك أيضا أي التخيير بين الإعادة والبناء على الأكثر (4). وقد حكى في الجواهر أيضا احتمال التخيير بين الإعادة والبناء على الأكثر والبناء على الأقل عن بعضهم (5). ويدل على المشهور صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " إذا لم تدر اثنتين صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين وأربع سجدات تقرأ فيهما بام الكتاب ثم تشهد وتسلم، فإن كنت إنما صليت ركعتين كانتا هاتان تمام


(1) الشرائع: ج 1 ص 89. (2) الجواهر: ج 12 ص 346. (3) راجع المقنع: ص 102. (4) مصباح الفقيه: ج 2 ص 566. (5) الجواهر: ج 12 ص 347.

[ 363 ]

[... ] الأربع، وإن كنت صليت أربعا كانتا هاتان نافلة " (1). وصحيح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين فلا يدري ركعتين هي أو أربع، قال: " يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين بفاتحة الكتاب ويتشهد وينصرف وليس عليه شئ " (2). وفي المعتبر - الذي هو أقوى من الصحيح - عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: قلت له: من لم يدر في اثنتين هو أم في أربع؟ قال: " يسلم ويقوم فيصلي ركعتين ثم يسلم ولا شئ عليه " (3). وخبر ابن أبي يعفور (الذي لا غمز في سنده إلا من جهة محمد بن عيسى عن يونس بناء على ما نقله الصدوق عن شيخه من استثناء ما رواه عن يونس في رجال نوادر الحكمة، واحتمال أن يكون ذلك مختصا بما رواه عنه وأثبته محمد بن أحمد في نوادره ضعيف لا يعبأ به) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري ركعتين صلى أم أربعا، قال: " يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين وأربع سجدات، يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد ويسلم، فإن كان صلى أربعا كانت هاتان نافلة، وإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة، وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو " (4).


(1) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 1 من ب 11 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 324 ح 6. (3) المصدر: ص 323 ح 4. (4) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 364 ]

[... ] ويدل على ذلك أيضا مطلقات ما نقلوه عن عمار (1)، وتقريبه واضح. لكن ربما يوهم تعارض ذلك كله لطائفتين من الأخبار: الطائفة الاولى: ما يظهر منه البناء على الأقل: كمعتبر زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: قلت له: من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين؟ قال: " يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه " (2). والجواب عنه أن الظاهر أنه بعينه هو الحديث المتقدم (3) وقد سقط منه قوله " ويسلم " سهوا أو تقية وقد ذكر التشهد في ذيل روايات البناء على الأقل التي رواها العامة واستندوا إليها في فتاويهم، مع أن التصريح بعدم شئ عليه يؤيد أنه بصدد بيان البناء على الأكثر، مع أن السؤال المذكور على الظاهر بعد فرض العلم بالشكوك الكثيرة الاتفاق من حيث الحكم وأن الحكم في الكل هو البناء على الأكثر، والمسؤول عنه هو كيفية صلاته، كما لا يخفى. وكمعتبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم واركع ركعتين ثم سلم واسجد سجدتين وأنت جالس ثم سلم بعدهما " (4). وكمعتبر بكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:


(1) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 3 من ب 11 من أبواب الخلل. (3) في الصفحة السابقة. (4) الوسائل: ج 5 ص 324 ح 8 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 365 ]

[... ] قلت: رجل شك فلم يدر أربعا صلى أم اثنتين وهو قاعد، قال: " يركع ركعتين وأربع سجدات ويسلم ثم يسجد سجدتين وهو جالس " (1). ولا يخفى أن ما يمكن أن يقال في مقام الجمع امور: منها: تقييد تلك بالانفصال. ويمكن تقريب ذلك بإمكان دعوى معلومية الانفصال عند السائل، لكون المسؤول عنه هو النادر بالنسبة إلى غيره وقد كان سئل عن غيره وعلم منهم (عليهم السلام) أن المذهب عندهم هو الانفصال، لا سيما إذا كان الراوي مثل أبي بصير وبكير، فالمسؤول عنه هو الركعات وكيفية صلاة الاحتياط. ومنها: أن يكون المقصود فرض كونه بعد الصلاة أو يقيد بذلك، وربما يؤيد ذلك قوله في خبر بكير " وهو قاعد " بناء على كون المقصود بذكر القعود هو بيان عدم الإتيان بالمنافي من الاستدبار وغيره. ومنها: أن يحمل على التقية. والذي يشهد بذلك امور: الأول: كون البناء على الأقل مسلما عند العامة. الثاني: كون مستندهم خبرا صحيحا عندهم رواه في الحدائق عن صحيح مسلم (2). الثالث: حمل غير واحد من روايات البناء على الأقل على التقية، لعدم مناص غير ذلك، كما في ما ورد في الأولتين.


(1) الوسائل: ج 5 ص 324 ح 9 من ب 11 من أبواب الخلل. (2) الحدائق: ج 9 ص 195.

[ 366 ]

[... ] الرابع: وجود الإجمال في الروايات بحيث يمكن حمل غير واحد منها على البناء على الأكثر وكذا على البناء على الأقل، مثل ما ورد من البناء على اليقين (1)، والأخذ بالجزم (2). الخامس: اشتمال الخبرين على التشهد الذي هو أيضا مبنى العامة في المسألة. السادس: إعراض الأصحاب عنه حتى أنه لم ينقل من أحد الفتوى على طبقها تعيينا أو تخييرا. نعم، نقل في الجواهر احتمال التخيير بينه والبناء على الأكثر والإعادة عن بعضهم فرماه باختلال الطريقة (3). ومنها: التخيير بينه وبين البناء على الأكثر والإعادة. ولا يخفى أن الأقوى هو الوجه الثالث، وإن أبيت عن ذلك فمقتضى القاعدة هو التخيير وإن كان في ذلك إشكال أيضا في المقام، لقوة الاحتمال الأول بالتقريب المتقدم (4)، ويؤيده عدم ذكر السلام في رواية ابن أبي عمير الآتية في المسألة الآتية مع أن الأصحاب فهموا منها البناء على الأكثر. وأما الطائفة الثانية فهي منحصرة في الحديث الصحيح لمحمد بن مسلم، قال: سألته عن الرجل لا يدري صلى ركعتين أم أربعا، قال: " يعيد الصلاة " (5). والجواب عنه بكون الحديث معرضا عنه مشكل، إذ ليس كلام الاصحاب


(1) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 318 ح 2 و 5 من ب 8 وص 321 ح 3 من ب 10 وص 325 ح 2 من ب 13 من أبواب الخلل. (2) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 318 ح 5 و 6 من ب 8 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 347. (4) في الصفحة السابقة. (5) الوسائل: ج 5 ص 324 ح 7 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 367 ]

[... ] صريحا في تعين البناء على الأكثر بحيث لا يجوز الإعادة أو الإبطال ثم الإعادة، وإن كان موهما للتعين فإنما هو التعين في مقام طريق تصحيح الصلاة التي بيده، فالتعين وضعي لا تكليفي، والعجب أنه (قدس سره) احتمل في الجواهر حمل الإجماع المدعى في التذكرة والمنتهى والمعتبر على بطلان القول بالإعادة على أن يكون المقصود هو الحكم بتعينها لا جوازها (1). وعلى فرض الإعراض - لثبوت الإجماع على البطلان أو الإعادة من دون البطلان - فليس ذلك كاشفا عن الإعراض عن الرواية لخلل فيها، بل لعلهم فرضوا التعارض بينهما فأخذوا بالاولى لكونها مشهورة من حيث الرواية. وأما ما في الجواهر من أن التخيير بين البطلان والبناء على الأكثر غير متصور، إلا أن يراد التخيير بين البناء على الأكثر والإبطال ثم الإعادة، أو كان المقصود أن بعد تمامية الصلاة يتخير بين صلاة الاحتياط وإعادة الصلاة، وغير ذلك مما لا يخفى ما فيه من التكلف المستبشع (2)، فمدفوع بوجود وجه رابع هو الظاهر، وهو جواز الإعادة من دون تحقق البطلان فعلا ولا لزوم الإبطال قبل أن يفسد الصلاة ولا لزوم الإتمام ثم الإعادة، فإنه يعيد الصلاة من دون لزوم ذلك، فينطبق الامتثال عليها فتسقط الاولى عن صلاحية امتثال الأمر بها، لسقوط الأمر بالإتيان بالصلاة الثانية تامة، وليس في البين ما ينافي ذلك إلا دليل حرمة قطع الصلاة، وإطلاقه بالنسبة إلى المورد الذي لا يمكن القطع بالإتيان بالصلاة الصحيحة بالأمر الأولي غير واضح، وعلى فرض الإطلاق من تلك الجهة فالإطلاق بالنسبة إلى قطع الصلاة بنفس الصلاة غير واضح أيضا، وعلى فرض


(1 و 2) الجواهر: ج 12 ص 347.

[ 368 ]

[... ] الإطلاق من الجهتين فرواية محمد بن مسلم أخص من دليل حرمة القطع، فمقتضى القاعدة التخيير بين الإعادة والاحتياط بالبناء على الأكثر وإن كان الأحوط الذي لا يترك هو الثاني، والله المتعالي هو العالم بالمبدأ والمال. وأما الثانية - وهي أن جبر النقصان إنما هو بركعتين من القيام لا غير ذلك - فلا إشكال فيها نصا وفتوى. واحتمال أن يكون جبرانه بالأعم من الركعتين من قيام أو أربع ركعات من جلوس من باب ما تقدم من الدليل على بدلية الجلوس عن القيام فقد مر ما فيه من أن القدر المتيقن منه ما فرض مشروعية القيام والجلوس، والمقصود حينئذ أنه لابد أو يستحب أن يكون الجلوس ضعف القيام، ومع الشك يرجع إلى إطلاق موثق عمار الظاهر في القيام وأنه لابد أن يكون مماثلا للناقص. وأما الثالثة فلعل الظاهر هو استحباب سجدتي السهو، وذلك لما تقدم (1) من خبري أبي بصير وبكير بن أعين. وكون الصدر محمولا على التقية وكون الذيل موافقا للعامة لا يصلح مانعا عن حجية الظهور في البعث الذي أقل مراتبه الاستحباب، مضافا إلى احتمال تحقق السلام في غير المحل فيستحب لذلك رجاء، وأما الوجوب فلا قطعا، لأن صحيح الحلبي (2) خال عنها مع كونه في مقام البيان، وصحيح محمد بن مسلم ومعتبر زرارة (3) يدلان على عدم شئ عليه، وفي خبر ابن أبي يعفور (4) ما يدل على عدم وجوب سجدتي السهو إلا إذا تكلم، فهو أصرح من الكل في عدم الوجوب إلا أنه قد مر أنه غير نقي السند. ثم لا يخفى أنه لا إشكال في تحقق الإكمال في تلك المسألة برفع الرأس


(1) في ص 364. (2) المتقدم في ص 362. (3) المتقدمان في ص 363. (4) المتقدم في ص 363.

[ 369 ]

[ قال (قدس سره): [ المسألة ] الرابعة: من شك بين الاثنتين والثلاث والأربع بنى على الأربع وتشهد وسلم ثم أتى بركعتين من قيام وركعتين من جلوس (1). * ] عن السجدة الثانية، وذلك لما تقدم (2) من صحيح الحلبي أي قوله " فتشهد وسلم " الدال على أن المفروض عدم وقوع التشهد منه، بل يمكن استفادة تحقق الإكمال عن كل ما يفرض فيه وقوع الشك بين الاثنتين وغيرهما قبل التشهد إما من باب عدم الخصوصية عرفا وإما من باب قوله (عليه السلام) في معتبر زرارة (3) " وقد أحرز الثنتين "، فإن مقتضى الجمع بينه وبين صحيح الحلبي (4) إحراز الثنتين من دون التشهد، لكن في ذلك إشكال من حيث إن عدم كون التشهد مرادا من قوله " وقد أحرز الثنتين " معلوم، وأما كون ذلك على نحو التخصيص أو التخصص فلا يدل عليه الظهور المذكور، لأن القدر المتيقن منه حجية ظهوره في مورد الشك في المراد لا مطلقا. * قال (قدس سره) في الجواهر: على المشهور نقلا وتحصيلا، بل في الانتصار والغنية الإجماع عليه، ولكن عن ابن الجنيد جواز البناء على الأقل في الوقت (5). أقول: هنا مسائل: المسألة الاولى في وجوب البناء على الأكثر وعدم جواز البناء على الأقل. وهو المشهور نقلا وتحصيلا، خلافا لما عن ابن الجنيد من جواز البناء على الأقل. ويدل على المشهور الحسن إلى ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام):


(1) الشرائع: ج 1 ص 89. (2) في ص 362. (3) المتقدم في ص 364. (4) المتقدم في ص 362. (5) الجواهر: ج 12 ص 348 - 349.

[ 370 ]

[... ] في رجل صلى فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا، قال: " يقوم فيصلي ركعتين من قيام ويسلم ثم يصلي ركعتين من جلوس ويسلم، فإن كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة، وإلا تمت الأربع " (1). ولا يناقش فيه بأن ظاهره البناء على الأقل، من جهة عدم الأمر بالتشهد والتسليم قبل قوله (عليه السلام) " يقوم "، فإن الظاهر منه هو الانفصال بقرينة الركعتين من جلوس وبقرينة كون الركعتين نافلة، أو يقال: إن الظاهر من قوله " في رجل صلى " هو مضي الصلاة بالإتيان بالتسليم وتلك الصلاتين على وجه الاستحباب، فيكون الاستدلال مبنيا على أن المستفاد أن التدارك يحصل بذلك، ولعل السر في عدم التصريح بالتسليم هو أن من يسأل عن ذاك الشك النادر بالنسبة إلى الشكوك البسيطة المرددة بين مقدار من الصلاة وزيادة ركعة على المقدار المتيقن فلابد أنه يعلم أن المذهب على الانفصال والمجهول إنما هو كيفية التدارك وأنه هل يحصل بصلاة أو صلاتين قائما أو جالسا. ويدل عليه أيضا مصحح عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا، فقال: " يصلي ركعة (ركعتين) من قيام ثم يسلم ثم يصلي ركعتين وهو جالس " (2). بناء على كون النسخة " ركعتين "، لكنها غير معلومة حتى مع قول الصدوق


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 4 من ب 13 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 325 ح 1 من ب 13 من أبواب الخلل.

[ 371 ]

[... ] في الفقيه - بعد نقله ونقل خبر علي بن أبي حمزة الوارد في من لم يدركم صلى وأنها واحدة أو اثنتان أم ثلاثا أو أربعا (1) ونقل خبر سهل الآتي (2) -: " وروي أنه يصلي ركعة من قيام وركعتين وهو جلوس " (3)، إذ الظاهر أن مورد ذلك هو من لم يدركم صلى، لا موضوع البحث. ويمكن الاستدلال للمشهور بأن الركعة التي فرغ المصلي عنها مرددة بين الثانية والثالثة والرابعة، فعلى فرض عدم كونها ثانية فهي مرددة بين الثالثة والرابعة فيشمله في هذا الفرض دليل حكم الشك بين الثلاث والأربع، وعلى فرض عدم كونها ثالثة فهي مرددة بين الثانية والرابعة فيكون في الفرض المزبور مشمولا لدليل حكم الشك بين الاثنتين والأربع، وعلى فرض عدم كونها رابعة فهي مرددة بين الثالثة والثانية فيشمله دليل الشك بين الثالثة والثانية بعد الإكمال، ومقتضى ذلك أنه لو عمل بحكم أحد الشكوك حتى الشك بين الثالثة والثانية بالإتيان بالركعة المتصلة والإتيان بصلاة الاحتياط ركعة أو ركعتين من جلوس فتبين عدم كون المشكوكة رابعة كانت صلاته تامة صحيحة، فمن حيث كل واحد من تلك الشكوك يشمله دليل الشكوك، لكن لا فعلية لحكم الشك بين الثالثة والثانية، من جهة وجود المانع بلحاظ الشك بين الثلاث والأربع، فإن الحكم بالركعة الموصولة في الشك بين الثانية والثالثة كان من أجل القطع بعدم الزيادة، وهو هنا موجب لإيجاد الخلل في الصلاة من حيث احتمال كونها رابعة فيزيد في الصلاة ركعة، وأما الحكم بركعة واحدة على نحو الانفصال فإنما كان من حيث تقدير


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 350 ح 39 من ب 49. (2) في ص 373. (3) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 351 ح 41 من ب 49.

[ 372 ]

[... ] الاثنتين والإتيان بركعة منها موصولة والمفروض أنه لم يأت بالمتصلة حتى يجزي عن الناقص ركعة من قيام أو بدله فالحكم المذكور لا فعلية له. وأما الحكمان الآخران فهما يحرزان الصلاة على جميع التقادير، فإن الصلاة لا تخلو إما أن يكون نقصها ركعتين أو ركعة واحدة فعلى كل حال يجبر بالركعتين من قيام وركعتين من جلوس، ومقتضى ذلك التخيير في الركعتين الأخيرتين بين الركعة الواحدة قائما وركعتين جالسا. ويمكن الاستدلال له بإطلاق موثق عمار (1) الظاهر في تتميم ما نقص المطابق لما احتمل نقصه كما وكيفا إلا من حيث ما يكون دخيلا في كون الصلاة نافلة على تقدير تمامية الصلاة واقعا، فإنه لو كانت الصلاة المأتي بها ركعتين فلابد من الإتيان بركعتين قائما فلا يجزي ركعة من قيام وركعتان من جلوس أو صلاتان كل منهما بركعة عن قيام، لأنه ليس في الركعتين إلا سلام واحد وتشهد واحد لا سلامان وتشهدان، وإن كان الناقص ركعة واحدة فلا يجزي الركعتان عن قيام، للزيادة، ومقتضى الإطلاق هو الركعات الثلاثة عن قيام بسلامين. هذا كله الاستدلال للمشهور، وبعض ما تقدم قوي من حيث صلاحية الاستناد إلا أنه ليس مقتضى الجميع - كما عرفت - هو تعين الركعتين الأخيرتين من جلوس، ويجئ الكلام إن شاء الله تعالى في ذلك. وأما وجه جواز الاكتفاء بالبناء على الأقل فقد يمكن أن يستدل على ذلك بمعتبر سهل بن اليسع عن الرضا (عليه السلام)، قال في الوسائل نقلا عن الصدوق (رحمه الله) في ذلك: إنه (عليه السلام) قال:


(1) راجع الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل.

[ 373 ]

[... ] " يبني على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم، ويتشهد تشهدا خفيفا " (1). وفيه: ما تقدم من أن الظاهر أن مورد قوله (عليه السلام) في ذلك هو من لا يدري أنه كم صلى، لأنه نقله في الفقيه بعد نقل خبر علي بن أبي حمزة فيه، فليس مربوطا بالمبحوث عنه. وأما عموم البناء على الأقل أو اليقين فقد تقدم ما فيه في المسألة الاولى وغيرها. ويمكن الاستدلال بمصحح عبد الرحمان بن الحجاج، ومرسل ابن أبي عمير بناء على ما مر من ظهوره في الاتصال. وقد مر ما فيه، فهو ضعيف جدا. المسألة الثانية في تعين الركعتين من القيام. وقد تقدم وجهه مفصلا في ضمن الاستدلال للمشهور من حيث البناء على الأكثر. وقد ينسب إلى الصدوقين الاكتفاء بركعة من قيام وركعتين من جلوس، ويستدل لهما بوجوه: منها: مصحح عبد الرحمان بن الحجاج المتقدم (2) بناء على كون الصحيح نسخة " ركعة " لكن المبنى غير معلوم ولا مما قام عليه الدليل. ومنها: الفقه الرضوي، وفي المحكي عنه: " وإن شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا أم أربعا فصل ركعة من قيام، وركعتين من جلوس " (3). وهو غير حجة.


(1) الوسائل: ج 5 ص 325 ح 2 من ب 13 من أبواب الخلل. (2) في ص 370. (3) الحدائق: ج 9 ص 242.

[ 374 ]

[... ] ومنها: ما اشير إليه في الجواهر (1)، وحرره صاحب مصباح الفقيه (2)، ومنشأه ما عن الشهيد في الذكرى من " أنه قوي من حيث الاعتبار " إلا أنه مدفوع من أجل النقل والاشتهار (3). وملخص تحريره يذكر في طي امور: الأول: أن مطلقات عمار تدل على أن ما يؤتى من صلاة الاحتياط يعد جزء حقيقيا من الصلاة على فرض النقصان. الثاني: أن الشك بين الثلاث والأربع يشمل صورة صدق هذا العنوان من حيث الحكم بالبناء على الأكثر، حيث إن القضية حقيقية ليس الملحوظ في موضوعها ما يمكن صدق العنوان عليه مع قطع النظر عن حكم البناء على الأكثر. الثالث: أنه بعد الإتيان بركعة من قيام ينقلب شكه إلى الشك بين الثلاث والأربع، للقطع بالإتيان بالثلاث، لأنه على فرض كونها اثنتين فقد أتى بواحدة، وعلى فرض كونها ثلاثة فقد تمت الأربع، وعلى فرض كونها أربعة ليست الركعة المنفصلة إلا النافلة، فلا يصير الشك من قبيل الشك بين الثلاث والأربع والخمس من باب الإتيان بالركعة المنفصلة، ومع الانقلاب يكفي فيه الركعتان من جلوس أو ركعة من قيام بعد الإتيان بالركعة المفصولة. ولكن فيه أولا: أنه غير خفي أن مقتضى إطلاق رواية عمار لزوم الإتيان بما يطابق الناقص من حيث وجود جميع الأجزاء والشرائط وفقد الموانع، فعلى تقدير كون الناقص منها هي الركعتان فكيف! تقع ركعة واحدة مفصولة مشتملة


(1) الجواهر: ج 12 ص 350. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 567. (3) الحدائق: ج 9 ص 242.

[ 375 ]

[... ] على التكبير للافتتاح والسلام موقع الناقص حتى يصير الشك بعد ذلك من قبيل الشك بين الثلاث والأربع. وثانيا: أنه غير خفي أيضا أن الظاهر من عنوان الشك بين الثلاث والأربع هو الحادث، لا المنقلب إليه بعد الإتيان ببعض الركعات المتصلة فكيف بالمنفصلة! وإلا كان الشك بين الواحدة والاثنتين أو الثلاث والاثنتين قبل الإكمال وبعد الإكمال منقلبا إلى الشك بين الثلاث والأربع بعد الإتيان بركعة أو ركعتين، وهو خلاف المقطوع استفادته من الروايات، لا سيما ما يدل على مبطلية الشك الواقع في الاوليين (1)، وما دل على أن " الفقيه لا يعيد الصلاة " إنما هو في الثلاث والأربع دون الاثنتين والواحدة أو الاثنتين والثلاث، كما في خبري الهاشمي وعبيد بن زرارة المتقدمين (2). ومن ذلك يظهر أنه يمكن الاستدلال للمشهور - من لزوم الركعتين من قيام - بإطلاق روايات عمار، لأنه مماثل لما نقص من الصلاة إن كان الركعتين. نعم، مقتضاها ركعتان من قيام وركعة كذلك، لكن الثاني يرفع عنه اليد بصريح المعتبر المرسل عن ابن أبي عمير (3) وغيره (4) كما يأتي (5) إن شاء الله، والفصل غير مضر بعد دلالة الإطلاق، إذ لا إشكال في ما يستفاد من لوازم الإطلاق. المسألة الثالثة: مقتضى ظاهر فتاوى الأصحاب تعين الركعتين من جلوس بعد الركعتين من قيام، وهو الذي نقل عليه الإجماع كما في الجواهر، وفيها عن


(1) الوسائل: ج 5 ص 299، الباب 1 من أبواب الخلل. (2) في ص 338 و 339. (3) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 4 من ب 13 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ص 325 ح 1. (5) في الصفحة الآتية.

[ 376 ]

[... ] التذكرة والمختلف التخيير بين الركعة قائما وما ذكر، قال: واستحسنه في الروضة. وعن ظاهر المفيد في الغرية والديلمي في المراسم وأبي العباس في الموجز تعين الركعة القيامية (1). أما وجه ما لعله المشهور من تعين الجلوس في الصلاة الثانية فأمران: أحدهما ظاهر مرسل ابن أبي عمير ومصحح عبد الرحمان بن الحجاج المتقدمين (2)، فإنهما صريحان في الاكتفاء بالجلوس وظاهران في التعين، وبذلك يخصص إطلاق روايات عمار (3). ثانيهما أنه على فرض دوران الأمرين التخصيص أو الحمل على التخيير فمقتضى ما هو المحقق في محله من الاحتياط في دوران الأمر بين التعيين والتخيير هو الأول، وكذلك الكلام في دليل الشكوك أي الشك بين الأربع والثلاث وبين الاثنتين والأربع. وأما وجه تعين القيام فهو إطلاق روايات عمار وفرض عدم الحجية لروايات الباب، لإرسال خبر ابن أبي عمير وعدم وضوح صحة خبر عبد الرحمان، لأن في سند الصدوق (رحمه الله) إليه أحمد بن محمد بن يحيى العطار ولم يوثق صريحا كما في جامع الرواة. لكنه مدفوع بحجية مرسل ابن أبي عمير - كما هو المعروف - وتصحيح العلامة وغيره السند الذي فيه أحمد - فراجع (قسط) من خاتمة المستدرك (4) - وعدم انحصار الدليل في ذلك، بل عرفت أنه داخل في الشك بين الثلاث والأربع فيشمله دليل التخيير بالنسبة إليه.


(1) الجواهر: ج 12 ص 350. (2) في ص 370. (3) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (4) المستدرك: ج 3 من الطبعة الحجرية ص 611.

[ 377 ]

[... ] وأما وجه التخيير فهو أنه لا تعارض بين إطلاق موثق عمار وما يدل عليه المرسل والمصحح، لأن لسان كل واحد من الدليلين هو الإرشاد إلى ما تصح معه الصلاة فهما كالإخبار، ومن الواضح أنه لا تعارض بين الإخبارين إذا كان كل منهما يذكر طريقا إلى صحة الصلاة، وعلى فرض الظهور فلا ريب عند العرف أن الحمل على التخيير أهون من تخصيص الإطلاق، خصوصا إطلاق مثل الموثق الذي هو صريح في كونه في مقام إعطاء القاعدة الكلية، مع أنه لو فرض الدوران فالرجوع إلى دليل الشك بين الثلاث والأربع الصريح في التخيير مما لا إشكال فيه، فالتخيير أقرب إلى الصواب بحسب الظاهر وإن كان مقتضى الاحتياط هو الركعتان من جلوس، وهو العالم. المسألة الرابعة: قال (قدس سره) في الجواهر ما ملخصه أن: ظاهر عبارة المصنف وغيره عدم وجوب مراعاة الترتيب بين الصلاتين، وظاهر النافع واللمعة والبيان والمنقول عن المفيد والمرتضى وابن إدريس (قدس سرهم) هو الترتيب، وهو مقتضى المعتبرين المتقدمين، اللهم إلا أن يجعل ترك جل الأصحاب العطف ب‍ " ثم " دليلا على أن المقصود بالعطف بها في الروايتين هو الترتيب الذكري (1). انتهى. أقول: يمكن أن يقال: إنه إن فرض تعين الجلوس في الثانية أو فرض التخيير واختار المكلف الجلوس فاللازم مراعاة الترتيب، للخبرين الظاهرين في ذلك من دون شبهة ولا ريب، والإنصاف أن فتاوى الجل ليست صريحة بل ولا ظاهرة في عدم لزومه، خصوصا مع ذكرهم الركعتين من الجلوس بعد الركعتين من القيام، وأما لو قلنا بالتخيير واختار القيام فمقتضى إطلاق موثق عمار عدم لزوم الترتيب، وهو الذي يقتضيه إطلاق التخيير في الشك بين الثلاث والأربع، فتأمل.


(1) الجواهر: ج 12 ص 351.

[ 378 ]

[... ] وهنا فروع لم يتعرض لها المصنف في الشك في الركعات الفرع الأول في الشك بين الأربع والخمس بعد الإكمال، ففي الجواهر عن المقاصد العلية الإجماع على صحة الصلاة، لكن حكي عن الخلاف البطلان، وهو غير محقق (1). ويدل عليها جملة من الأخبار: منها: خبر عبد الله بن سنان - الذي صححه في الجواهر (2)، وفيه إشكال من حيث كون الناقل محمد بن عيسى عن يونس، وهو الذي استثناه ابن الوليد من رجال نوادر الحكمة - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " (3). ومنها: صحيح أبي بصير - الذي هو يحيى بن القاسم الأسدي - عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وأنت جالس ثم سلم بعدهما " (4).


(1) الجواهر: ج 12 ص 354. (2) الجواهر: ج 12 ص 355. (3) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 1 من ب 14 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ح 3.

[ 379 ]

[... ] ومنها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة فتشهد فيهما تشهدا خفيفا " (1). ومنها: حسن زرارة بإبراهيم، قال: سمعت أبا جعفر يقول: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس، وسماهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين " (2). تقريب الاستدلال به أنه إن كان المقصود بقوله " أم نقص " أي لم يزد - أي نقص بالنسبة إلى فرض الزيادة - أو كان المقصود زاد أم لا أو نقص أم لا فدلالته على المطلوب واضحة بعد فرض الشمول للركعات كما هو مقتضى الإطلاق، بل كون الصلاة موردا للشك أنسب بالركعات من الأجزاء، وإن كان المقصود صورة العلم الإجمالي بحصول الزيادة أو النقيصة أو احتمال كلا الأمرين ولو مع احتمال عدمهما فدلالته على المطلوب بالأولوية، لأنه إن كان احتمال الزيادة المقرون باحتمال النقيصة غير موجب لبطلان الصلاة ويكفي لجبران ذلك سجدتا السهو فصورة احتمال الزيادة محضا أولى بذلك. ومنها: خبر الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، إنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " (3). وقد ظهر من تقريب دلالة المتقدم وجه دلالة ذلك، وربما يجئ بعض الكلام


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 4 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 326 ح 2. (3) الوسائل: ج 5 ص 337 ح 6 من ب 23 من أبواب الخلل.

[ 380 ]

[... ] فيهما إن شاء الله تعالى، فالحكم بصحة الصلاة مما لا إشكال فيه نصا، وهو المشهور أو المجمع عليه من حيث الفتوى، إلا أنه يقع الكلام في امور: الأول: أن مقتضى الأخبار المتقدمة أن الحكم هو الإتيان بسجدتي السهو، وهي صريحة في كفاية ذلك، لكن يحتمل جواز الإتيان بركعتين من جلوس، وهو الذي حكي عن الصدوق (قدس سره) في المقنع، قال (قدس سره) في الحدائق: إنه قال الصدوق في المقنع: " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهد وسلم وصل ركعتين بأربع سجدات وأنت جالس بعد تسليمك ". وفي حديث آخر: " تسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة " (1). لكن في المقنع المطبوع الذي عندي: " إذا لم تدر اثنتين صليت أم خمسا إلى آخره " وهو أنسب بقوله " أو زدت أو نقصت " كما أنه أيضا يكون أنسب بالصلاة، لأنها في سائر الموارد لجبران النقيصة، والإتيان بالصلاة للإرغام كسجدتي السهو غير معهود قط في الشرع. ولا يخفى أنه إن صح ما في المقنع لكان بمنزلة خبر شهد الصدوق (قدس سره) باعتباره ومكافأته لما استند إليه المشهور، بل هو ظاهر أو مشعر برجحانه. ويستدل له أيضا بمضمر الشحام، وفيه: " وإن كان لا يدري أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس، ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد " (2). بناء على كون المقصود أزاد أم لم يزد أو كان المقصود أزاد أم لا أم نقص أم لا،


(1) الحدائق: ج 9 ص 246. (2) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 5 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 381 ]

[... ] وأما إن كان المقصود هو صورة العلم الإجمالي المردد بين الزيادة والنقيصة أو كان المقصود أزاد أو نقص أم لا - أي لا يكون في البين زيادة ونقيصة - فهو غير مربوط بالمسألة، ولزوم الركعتين في الفرضين لا يستلزم لزومهما في صورة احتمال الزيادة محضا. ومن ذلك كله ظهر أن الأصح ما عليه المشهور، لدلالة الروايات المتقدمة، وعدم ثبوت ما حكي عن المقنع، وكون المضمر ضعيف الدلالة - لما مر - وضعيف السند لكون الناقل عنه أبا جميلة مفضل بن صالح المتهم بالكذب والوضع، والله العالم. وكيف كان، فلا شبهة في كفاية سجدتي السهو فالإتيان به أحوط إن لم يكن أقوى، وأحوط منه الإتيان بالأمرين، كما أنه يمكن الإتيان بسجدتي الأخيرة بكيفية سجدتي السهو أيضا، لكنه لا يخلو عن إشكال، لتحقق الفصل. الثاني: قال (قدس سره) في الحدائق: إنه ذهب جملة من الأصحاب منهم المفيد والشيخ والصدوق وسلار وأبو الصلاح إلى عدم وجوب سجدتي السهو وأن ذلك على وجه الاستحباب (1). وفي مصباح الفقيه (2): إنه لعل نظرهم إلى صحيح الحلبي المتقدم (3)، من حيث الأمر فيه بهما في الشك بين الثلاث والأربع وفي الزيادة والنقيصة الثابت فيهما استحبابهما بلفظ واحد، فالأمر في المورد مستعمل في الاستحباب، فهو قرينة على الاستحباب في سائر الموارد.


(1) الحدائق: ج 9 ص 247. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 568. (3) في ص 379.

[ 382 ]

[... ] أقول: الجواب عن ذلك بوجوه: منها: عدم وضوح كون المقصود بالزيادة والنقيصة هو زيادة الأجزاء ونقيصتها، بل لعل الظاهر هو زيادة الركعة ونقصانها بقرينة الصدر، فيكون الذيل بمنزلة الكبرى لما تقدم من الشك بين الأربع والخمس. ومنها: أنه على فرض التسليم لا يكون المستعمل فيه الهيئة وحقيقتها إلا أصل الطلب، وهو حجة على الوجوب في ما لم تقم قرينة على الاستحباب، وعليه فهذا الصحيح بنفسه دليل على الوجوب ولو مع اشتماله على المستحب. ومنها: أنه على فرض كون المعنى الحقيقي للهيئة هو الوجوب فالاشتمال على المستحب لا يدل على استعمال اللفظ في المستحب، بل يجوز استعماله في مطلق الطلب، فلا يكون قرينة على حمل الأمر في سائر الروايات على الاستحباب. ومنها: أنه على فرض عدم الاستعمال في أصل الطلب وكون المعنى الحقيقي هو الوجوب فيمكن حمله عليه في مرحلة الاستعمال، والاستحباب الثابت من الدليل الآخر موجب للتصرف في الإرادة الجدية، فالظاهر هو وجوب سجدتي السهو في المقام كما أفتى به المشهور، والله العالم. الثالث: الظاهر تحقق الإكمال هنا بتمامية الذكر الواجب ولا يحتاج إلى الرفع، لصدق قوله: " إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا " (1)، إذ ليس مفاد الماضي هو المضي كما هو ظاهر من ملاحظة موارد استعماله، بل المستفاد منه أصل التحقق، كما أن احتمال كون التشهد جزء من الركعة مندفع أيضا بما في الصحيح للحلبي


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 1 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 383 ]

[... ] من قوله " فتشهد " (1) الظاهر في عدم الإتيان به. فعلى هذا يمكن الفرق في تحقق الإكمال بين المقام والشك بين الاثنتين والثلاث مثلا، فإن المستفاد من دليله مبطلية الشك الواقع في الاثنتين والمستفاد من دليل المسألة صحة الشك الواقع في حال تحقق الركعة الرابعة، كما أنه من حيث التشهد كانت المسألة غير خالية عن الإجمال فيها بخلاف المقام، وإن كان الحق في كلا المقامين عدم مدخلية التشهد فيهما في الركعة، والله العالم. الفرع الثاني لو كان الشك بين الأربع والخمس بعد الدخول في الركوع وقبل الإكمال فقد ذكر لتصحيح الصلاة وجوه قابلة للمناقشة: منها: كونه مصداقا للعنوان المتقدم في الروايات، كمايقال: مضى يومان من الشهر في اليوم الثاني أو مضى من الهجرة ألف وثلاثمائة وتسعون في نفس السنة. وفيه: أن تلك المسامحة ليست بنحو العموم، فلا يقال " مشيت فرسخين " إذا دخل في الثاني منهما، فالعلم بالصدق في المقام غير حاصل. ومنها: كونه مصداقا لحصول الإكمال حقيقة، من باب إكمال الركعة بالركوع. وفيه: أنه خلاف ما هو المتفاهم من الركعة في عرف المتشرعة، فإن المتبادر عندهم أنها اسم للأبعاض المشتركة من حيث الأجزاء والشرائط المشتمل كل واحد منها على الركوع. ومنها: أنه في هذا الحال مصداق للشاك بين الثلاث والأربع بالنسبة إلى


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 4 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 384 ]

[... ] الركعة التي فرغ عنها، فإنه لا يدري أن الركعة الكاملة التي فرغ عنها هل هي الثالثة أو الرابعة فيعمل به - أي بحكم الشك بين الثلاث والأربع - بالبناء على كونها رابعة فيهدم تلك الركعة ويتشهد ويسلم ويصلي صلاة الاحتياط، ويدفع احتمال زيادة الركوع بالأصل. وفيه: أن البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط وإن كان حكما حيثيا ويكون متكفلا لصحة الصلاة من حيث كونها ناقصة، إلا أن موضوع ذلك هي الصلاة الصحيحة فعلا قبل ورود النقص عليها من ناحية السلام، والتي كانت صحيحة - حتى مع ورود النقص عليها من ناحيته - من جهة اخرى وعلى تقدير عدم النقص، والتي لا تكون باطلة على كل حال قبل صلاة الاحتياط من غير التعبد بعدم مانعية الفصل، والموضوع ليس بموجود. مضافا إلى إمكان أن يقال: إن الصلاة التي يسلم فيها بعد تحقق الركوع وقبل الإتيان بالسجدتين باطلة قطعا، لزيادة الركوع، فإن الركوع الأخير لم يقع جزء من الصلاة على التقديرين، فالركوع زائد لا محالة، مع أن مقتضى البناء على الأكثر هو الحكم بزيادة الركوع فيحكم بالبطلان، فتأمل. ومنها: أنه يمكن له إكمال الركعة فيدخل في عنوان الأخبار المتقدمة. وفيه: أنه لا شبهة أن الموضوع فيها هو الشك الحادث الذي حين حدوثه يكون متصفا بكونه متعلقا بالإتيان بالرابعة الكاملة أو الخامسة، لا أنه يحصل الاتصاف بعد ذلك بالإتيان ببعض الركعة أو تمامها أو الركعتين، وإلا كان جميع الشكوك قابلا لأن يدخل في العنوان المذكور ويسجد سجدتي السهو للكل من دون لزوم صلاة الاحتياط، وهو واضح.

[ 385 ]

[... ] وأما الإيراد عليه بأنه لا يمكن له الإتيان ببقية الركعة بنية القربة الصلاتية فمدفوع بأن السجدتين بعد ذلك لا تكون مبغوضة قطعا، لأنهما إما من الأربعة وإما بعد عروض البطلان على الصلاة من ناحية الركوع، فلا يحتمل فيهما إلا المحبوبية، فيمكن أن يأتي بهما برجاء كونهما جزء للصلاة ويسلم بعد ذلك، ولازمه الصحة لو كشف عدم الزيادة. ومنها: الاستصحاب، وقد تقدم تقريبه مفصلا. والأقوى جريانه ومقتضاه الإتمام وعدم لزوم سجدتي السهو. نعم، الإتيان بهما مقتضى الاحتياط الذي لا يترك، من جهة ورود الأمر به في صورة احتمال الزيادة السهوية، وفي المقام تحققت السهوية على تقدير الخمس والعمدية أيضا، فيمكن أن يكون أولى بلزومهما، لكن يحتمل أن يكون لوقوع تمام الزيادة المحتملة سهوا دخل في لزوم سجدتيه، فالاحتياط هو الإتمام والإتيان بالسجدتين ثم إعادة الصلاة. والله العالم الملهم المستعان في كل آن. الفرع الثالث في وقوع الشك في الأربع والخمس في حال القيام أي قبل تحقق الركوع. قال (قدس سره) في الجواهر: إنه يظهر من جملة من الأصحاب إمكان علاجه بأن يهدم القيام (1). وعن الحدائق نفي الخلاف والإشكال في ذلك (2). أقول: يمكن توجيه صحة الصلاة المفروضة بوجوه:


(1) الجواهر: ج 12 ص 356. (2) الحدائق: ج 9 ص 247.

[ 386 ]

[... ] الأول: أنه في حال القيام وقبل الهدم شاك فعلا بين كون الركعة التامة التي فرغ عنها هل هي الثالثة أو الرابعة، فهو شاك فعلا بين الإتيان بالثالثة التامة أو الرابعة كذلك، فالدخول في عنوان الشاك بين الثالثة والرابعة لا يتوقف على الهدم حتى يقال: إن المتبادر من الأخبار أن الموضوع هو الشك الذي يكون من أول حدوثه معنونا بالعناوين الخاصة من الثلاث والأربع وغيره، لا ما كان ذلك متوقفا على الإتيان بعمل في الصلاة، ولعل نظرما في ظاهر غير واحد من الكلمات - من لزوم الهدم حتى يرجع إلى الشك بين الثلاث والأربع - إلى أن الظاهر من الدليل هو الشك بين الثلاث من غير زيادة شئ من الركعة التالية والأربع، وقبل الهدم ليس كذلك، لكن بعد الهدم وسقوط ما أتى به عن قابلية أن يصير جزء من الركعة الرابعة فيصدق الشك المذكور مع الشرط المتقدم أي عدم الزيادة القابلة لأن تكون جزء من الركعة لكنه خلاف الإطلاق، حتى إذا حدث الشك بعد الإكمال بين الثلاث والأربع فهو مستلزم للشك بين الاثنتين والثلاث بعد الإكمال بالنسبة إلى الركعة المتقدمة، ومقتضى كلا الشكين هو البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط. وإن أبيت عن ذلك فالقدر المتيقن من الانصراف هو الانصراف إلى صورة عدم زيادة الركعة، لا إلى عدم زيادة ما يصلح أن يكون جزء للركعة. الثاني: أنه لو شك في ذلك فمقتضى الاستصحاب التعليقي هو ثبوت حكم الشك بين الثلاث والأربع، فإنه لو شك بعد الإكمال وقبل القيام في الركعة التي فرغ عنها أنها ثالثة أو رابعة كان حكمه التشهد والسلام والإتيان بصلاة الاحتياط، والآن كما كان. الثالث: التمسك بإطلاق خبر عمار من البناء على الأكثر، فإنه يمكن أن يقال:

[ 387 ]

[... ] إنه يبني على كون تلك الركعة هي الخامسة، ولازم البناء على الأكثر هو الجلوس وإتمام الصلاة، والانصراف إلى الأكثر الصحيح ممنوع، بل مورد الانصراف هو الأكثر الذي لم يوجب على فرض صدق الاحتمال بطلان الصلاة، وفي المقام يقطع بصحة الصلاة على كل حال، إذ على تقدير كون القيام هو القيام للخامس لم تكن الصلاة باطلة. ويمكن أن يقال: إنه يبني في الركعة الماضية على الأكثر الصحيح الذي هو الرابعة، والعمل واحد على التقريبين، إذ مقتضى البناء على كون الركعة السابقة هي الرابعة أو كون الركعة التي بيده هي الخامسة هو هدم القيام، والتشهد والسلام. الرابع: استصحاب لزوم البناء على الأكثر، على تقدير حصول هذا الشك قبل القيام، على تقدير الشبهة في الإطلاق. الخامس: ما اشير إليه في الجواهر (1) وحرره في مصباح الفقيه (2) مما ورد في غير واحد من الأخبار " أن الفقيه لا يعيد الصلاة ": ففي خبر حمزة بن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " ما أعاد الصلاة فقيه قط، يحتال لها ويدبرها حتى لا يعيدها " (3). فإن المستفاد من الاحتيال عرفا شموله، للدخول في عنوان يشمله دليل الشك، ولا ينافي ذلك قوله (عليه السلام) في خبر آخر: " إنما ذلك في الثلاث والأربع " (4)، فإن المورد هو الشك بين الثلاث والأربع.


(1) الجواهر: ج 12 ص 357. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 569. (3) الوسائل: ج 5 ص 344 ح 1 من ب 29 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 3 من ب 9 من أبواب الخلل.

[ 388 ]

[... ] لكن الظاهر عدم تمامية الاستدلال بذلك، لأنه إن فرض الصدق قبل الهدم أو بعد الهدم من دون لزوم خلل في الصلاة فلا يحتاج التصحيح إلى ذلك، وأما إن فرض عدم الصدق قبله ولا بعده من جهة الانصراف إلى الشك المعنون بالعنوان الخاص من أول حدوثه فلا ينفع ذلك كما لا يخفى، إذ ليس الدليل المذكور مشرعا بل مقتضاه الإرشاد إلى التمسك بما جعل للشاك من الأحكام المصححة للصلاة. إن قلت: لا شبهة في أن دليل البناء على الأكثر في فرض صحة الصلاة على تقدير النقصان من غير جهة الركعة الناقصة، وإلا كانت صلاة الاحتياط لغوا، لأنه إما أن لا يحتاج إليها وإما أن يكون أصل الصلاة باطلا، وفي المبحوث عنه على فرض كون الركعة التي قام إليها هي الرابعة فلا يكون ما وقع زائدا حتى يكون زيادة سهوية، بل يصير ما وقع بواسطة الهدم زائدا، والهدم عمدي فيحصل الزيادة العمدية على تقدير كونها رابعة فتبطل الصلاة فلا يشمله دليل الجبران. قلت: الجواب عن ذلك أولا: أن ذات الزائد وقع سهوا، والذي وقع عمدا هو وصف الزيادة ويمكن منع إيجاب ذلك للبطلان. ولكن هذا غير واضح، لإطلاق بعض أدلة الزيادة، كقوله (عليه السلام): " فإن السجود زيادة في المكتوبة " (1). وثانيا: أن القيام ليس جزء للصلاة حتى يكون زائدا، إذ لا دليل على ذلك بل لابد أن يكون القراءة والتكبير حال القيام، والقراءة ليست زائدة، لأنها جزء للصلاة كالذكر. وثالثا: الظاهر من دليل البناء على الأكثر هو التعين، فالصلاة المشكوكة


(1) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 389 ]

[... ] ركعاتها لابد أن تؤتى بالناقصة منفصلة، فالقيام زائد قبل الهدم على كل حال، فإنه على تقدير كون القيام هو الرابع لا يجزي الرابع المتصل في صورة الشك، فيكون كما لو كانت الصلاة ثلاثية. ورابعا: على فرض التخيير واقعا في حال الشك بين المتصل والمنفصل إذا تأتى من المصلي قصد التقرب فلا ريب في عدم التمكن من التقرب مع الالتفات، لأن الركوع الذي يأتي به بعد ذلك مردد بين الجزء والقاطع، فلا يتمكن من إدامة الصلاة، فلا يصلح أن يكون القيام السهوي جزء للصلاة على كل تقدير. الفرع الرابع إذا شك في حال القيام بين الخمس والست فهو شاك بالنسبة إلى الركعة الكاملة بين الأربع والخمس، فيشمله ما تقدم من دليل الشك بين الأربع والخمس حتى خبر الحلبي الصحيح، وفيه قوله: " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين... " (1). فإن قوله " فتشهد " لا يدل على كون الشك واقعا في حال الجلوس، بل يدل على أن المفروض عدم الإتيان بالتشهد وفي المقام لم يأت بذلك، أو يدل مع ذلك على عدم شئ عليه وراء التشهد وفي المقام كذلك أيضا، فإن اللازم هو التشهد والسلام ولا شئ عليه، والهدم لازم من باب المقدمة، لأنه يجب أن يكون التشهد حال الجلوس، وإن اشكل في الفرع المتقدم من حيث وقوع الزيادة العمدية من


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 4 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 390 ]

[... ] جهة الهدم فلا إشكال في المقام، لكون القيام المردد بين الخمس والست زائدا على كل حال، كما أنه لو اشكل فيه من حيث احتمال انصراف الدليل بما إذا لم يزد على طرفي الشك المفروض ما يصلح أن يكون جزء للركعة فلا إشكال من تلك الجهة أيضا في المقام، لما قد عرفت. وإن أبيت عن كونه مشمولا للإطلاق فلا أقل من الاستصحاب المتقدم تقريبه. فالمسألة بحمده تعالى خالية عن شوب الإشكال، ومقتضى ذلك لزوم سجدتي السهو لاحتمال زيادة الركعة، وأما زيادة القيام السهوي وما قاله من الأقوال فالسجدة السهوية لهما مبنية على لزومها في كل زيادة ونقيصة، ويأتي الكلام فيه (1). الفرع الخامس إذا شك بعد إكمال الركعة في الأربع والست ففي الجواهر عن ابن أبي عقيل أنه يجري مجرى الشك في الأربع والخمس (2). ونقل عن العلامة في المختلف احتماله وعن الشهيدين وجملة من المتأخرين الميل إليه كما في المصباح (3). ويستدل على ذلك بامور: منها: حسن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس، وسماهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين " (4).


(1) في ص 604 وما بعدها. (2) الجواهر: ج 12 ص 358. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 570. (4) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 2 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 391 ]

[... ] تقريب الاستدلال بذلك أولا: أنه ظاهر في مطلق الشك في الزيادة أو النقيصة، وذلك للتفريع في قوله " فلم يدر زاد أم نقص " على قوله " إذا شك أحدكم في صلاته " وتفريع النادر على الأمر الكلي مستهجن، لأن الظاهر أنه بيان لذلك الكلي وليس مقيدا له، وإلا لقال (صلى الله عليه وآله): ولم يدر، بل لم يكن وجه لذكر " إذا شك أحدكم في صلاته "، فالحمل على العلم الإجمالي بالزيادة أو النقيصة أو ما كان الشك فيه بين الزيادة والنقيصة موجودا ولو لم يكن طرف الشك منحصرا بذلك غير محتمل على الظاهر، فلابد أن يكون المقصود الشك في الزيادة وعدمها والنقيصة وعدمها، وحينئذ يحمل الشك في النقيصة على ما بعد الصلاة مما لم يرد فيه صلاة الاحتياط، لأنه مع الإتيان بصلاة الاحتياط يقطع بعدم النقيصة، وربما يومئ إلى ذلك قوله (عليه السلام) في معتبر الفضيل: " من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، وإنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " (1). فإن احتمال النقيصة إنما هو في تلك الصورة، أو يقال بلزوم سجدتي السهو في النقيصة أيضا من دون الاكتفاء بذلك فيها بخلاف صورة احتمال الزيادة، أو يخرج منه نقص الركعة ويبقى الدليل لاحتمال زيادة الركعة أو الأجزاء أو نقص الأجزاء. وثانيا: يصح الاستدلال به للمطلوب على جميع التقادير والمحتملات، لأنه إما أن يكون المقصود به هو الشك في الزيادة وعدمها فيكون المقصود من قوله " أم نقص " لم يزد فهو عين المدعى بالنسبة إلى الركعات التي هي أظهر مصاديق


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 6 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 392 ]

[... ] الشك في الصلاة، وإما أن يكون المقصود هو الشك في الزيادة وعدمها والنقيصة وعدمها فقد تقدم تقريبه، وإما أن يكون المقصود خصوص صورة العلم الإجمالي فيدل على المقصود بالأولوية، لأنه إذا صحت الصلاة في صورة العلم بالزيادة على الصلاة أو النقيصة فصحتها في صورة احتمال البطلان من ناحية الزيادة أولى، مع أنه قد تقدم سخافة هذا الاحتمال من جهة التفريع. ونزيده في المقام أن المتبادر من الصدر هو الشك في الصلاة مع فرض الصحة أو احتمالها، والاحتمال المذكور مساوق للقطع ببطلان الصلاة من حيث الزيادة أو النقيصة فكيف تكفيه سجدة السهو أو تنفعه!! وكذلك الكلام أي يستدل بالأولوية على الاحتمال الرابع، وهو كون المقصود أعم من العلم الإجمالي بحيث يشمل صورة العلم الإجمالي وصورة احتمال الزيادة والنقيصة واحتمال التمام من دون الزيادة والنقيصة، فإنه لو صحت الصلاة مع وجود احتمال البطلان من جهتين فصحتها من جهة احتمال الزيادة فقط أولى بلا إشكال. ومنها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين... " (1). وتقريب الاستدلال به أنه ليس قوله " أم نقصت " عطفا على مدخول " إذا " أي أم إذا نقصت أو زدت، لأن مقتضى ذلك إما إخراج الركعة وهو خلاف المتيقن من مدلوله، لأن الصدر سيق لبيان الشك في الركعات، وإما شمول القضية لها وهو مما يقطع بخلافه، لأن زيادة الركعة موجبة للبطلان ولا ينفع التشهد والسجدتان لنقصان الركعة، فلا محالة يكون عطفا على " أربعا " أي إذا لم تدر نقصت أم زدت،


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 4 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 393 ]

[... ] أو عطفا على " أم خمسا " أي إذا لم تدر أربعا صليت أم نقصت من ذلك أم زدت، وعلى كل حال يدل على المدعى ولو كان المراد صورة العلم الإجمالي كما عرفت. وعدم الفتوى من أحد من الأصحاب بصحة الصلاة وعدم الاحتياج إلى الجبران مع العلم الإجمالي لا ينافي صحة الاستدلال بالروايتين على جميع التقادير التي منها العلم الإجمالي، إذ لا يدل ذلك على الإعراض فإنه ليس إلا الاحتمال، ولو كان دالا بحسب الظهور على صحتها في صورة الإجمالي لكانوا يقولون به، لدلالة الدليل وعدم المانع. ومنها: معتبر الفضيل بن يسار (إذ علي بن الحسين السعد آبادي الذي يكون في طريق الصدوق (قدس سره) إليه لا يخلو عن الاعتبار فراجع خاتمة المستدرك، فإنه من رجال ابن قولويه في كامل الزيارة مع ذكره في ديباجته ما هو المعروف (1)، مضافا إلى قوة احتمال نقله من كتاب الفضيل) أنه قال أبو عبد الله (عليه السلام): " من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، وإنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " (2). وإخراج الركعة منه خال عن الدليل، والحمل على صورة العلم الاجمالي بعيد جدا، لأنه لا معنى للاقتصار على صورة العلم الإجمالي في بيان إعطاء القاعدة والضابط الكلي على وجه الانحصار، فالمقصود أن السهو على من لم يدر أزاد أم لا، أم نقص أم لا، ويدل على السهو أيضا في صورة القطع بالزيادة أو النقيصة في غير الركعة أو يكون قوله " في صلاته " منصرفا إلى الركعات. فالظاهر أن الصحة في صورة الشك في الزيادة مطلقا والإتيان بسجدتي


(1) المستدرك (الطبعة الحجرية) ج 3 ص 552. (2) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 6 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 394 ]

[... ] السهو مما لا يخلو عن وجه وجيه وإن كان خلاف ما ينسب إلى المشهور، فالأحوط هو الإعادة بعد الإتيان بسجدتي السهو. هذا، مضافا إلى كفاية الاستصحاب في الحكم بعدم الزيادة، فإن الزيادة ليست إلا كأحد الموانع الاخر فكما يرتفع احتمال حدوث الموانع بالأصل كذلك الزيادة. وتوهم أنه لا يثبت كون تلك الركعة هي الرابعة مدفوع بعدم الاحتياج إلى ذلك بعد القطع بالإتيان بالرابعة والقطع بأن السلام والتشهد المأتي بهما إما واقع في محله وإما لا يكون مبطلا للصلاة، لحصول البطلان على الفرض الآخر قبل ذلك. وتوهم " لزوم إحراز الإتيان بالسلام والتشهد في الركعة الرابعة، وليس كون الركعة التي فرغ عنها المصلي برابعة وجدانا ولا بالأصل " مدفوع: أولا: بأن اللازم إحراز التشهد والسلام في الرابعة أو بعد الرابعة على فرض صحة الصلاة، وذلك محرز بالوجدان. وثانيا: على فرض لزوم إحراز ذلك على فرض البطلان فهما محرزان إن كان محلهما بعد الرابعة لا في الرابعة، وإن كان محلهما في الرابعة فقد سقط ذلك بمضي محلهما فلا يجب في الصحيح منها فعلا بعد مضي المحل بالدخول في الركوع مثلا بالنسبة إلى التشهد فكيف بوجوب ذلكما حيثيا في فرض البطلان!! فتأمل فإن ذلك لا يخلو عن الدقة. الفرع السادس لو شك بين الثلاث والأربع والخمس ففي مصباح الفقيه أن المشهور بين من تعرض للمسألة هو إعمال حكم الشكين، بل عن العلامة الطباطبائي دعوى

[ 395 ]

[... ] الإجماع على تبعية الشك المركب للبسيط (1). أقول: دعواه مما لا بد من مراعاته، وليس ذلك كسائر الإجماعات المنقولة، خصوصا في مثل تلك المسألة التي يقطع بعدم تعرض جل القدماء من الأصحاب لها، فتأمل. وكيف كان، فيمكن الاستدلال لها بامور: الأول: الأخذ بإطلاق دليل الشكين أي الشك بين الثلاث والأربع والشك بين الأربع والخمس. ودعوى " انصراف الأول إلى الأربع بشرط عدم الزيادة، والثاني إلى ما كان الأربع متيقنا " مدفوع بأنها مما لا شاهد لها، وكون القضية في كل واحد من الشكين بصدد علاج نفس الشكين من دون زيادة ونقيصة غير الانصراف إلى اشتراط البساطة في العلاج المذكور، ولعل منشأ الدعوى هو الخلط بين الأمرين. والحاصل أنه لا فرق بين الشك وسائر الموضوعات من الاشتراط بعدم الزيادة وقيد آخر غير ما هو مقتضى ماهيته، وبعد ذلك فالانصراف مما لا شاهد له، إذ بعد عدم كونه مقتضى الانس اللفظي فلابد أن يكون ذلك من باب المناسبة بين الحكم والموضوع، ولا شبهة أن المناسبة المذكورة إن لم تقتض الإلحاق (من جهة قوة أن يكون الجبران لاحتمال نقص الركعة، والتشهد لاحتمال زيادة الركعة) فلا تقتضي الانصراف قطعا. والعجب من بعض الأصحاب حيث يذهبون إلى الانصراف ويستندون إلى أن المستفاد منه عرفا أن الموضوع الواقعي هو الأعم، فحينئذ لابد من السؤال عن منشأ الانصراف فهل المنشأ المذكور في نفس اللفظ؟ فيجاب أنه لا فرق بين


(1) مصباح الفقيه: ج 2 ص 570.

[ 396 ]

[... ] لفظ " الشك " أو " لا يدري " مع سائر الألفاظ، أو من جهة الاقتصار في مقام ذكر أطراف الترديد؟ فهو ليس إلا من جهة كونه بصدد علاج ذلك لا غيره، أو من جهة المناسبة بين الحكم والموضوع؟ فهي تقتضي خلافه. الثاني: أن يقال: إن مقتضى قوله (عليه السلام) - على ما في خبر عمار بعد الحكم بالبناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط -: " فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شئ، وإن ذكرت أنك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت " (1) هو أن العلة في ذلك هو تتميم النقص، فهو جار وسار في كل ما يحتمل فيه النقص من غير دخالة لعدم احتمال الزيادة، بضم أن المستفاد من معتبر الفضيل المتقدم (2) أن ملاك سجدتي السهو احتمال الزيادة ولو مع احتمال النقصان. لكن فيهما إشكال: أما في الأول فلأنه لا يمكن أن يكون قوله " كان ما صليت تمام ما نقصت " علة لتشريع الانفصال، إذ هو معلول له فلا يمكن أن يكون ذلك علة له. نعم، يمكن أن يكون صيرورته كذلك على تقدير الجعل علة له، لكنه خارج عن مفاد الدليل، فالظاهر أنه بصدد ما يترتب عليه بعد تشريع الانفصال غير المفروض في مورد البحث. وأما في الثاني فلأن المنساق منه هو التكفل لما يوجب سجدتي السهو بعد الفراغ عن الصحة وليس بصدد ما يصح بالإتيان بسجدتي السهو. الثالث: أن يقال على فرض الانصراف إلى الشك المحدود بالطرفين فهو أيضا صادق في المقام على التقدير، لأنه يصح أن يقال في محل البحث مثلا: إنه على


(1) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (2) في ص 393.

[ 397 ]

[... ] تقدير عدم كون الركعة التي فرغ عنها هي الخامسة فهي مشكوكة أنها ثالثة أو رابعة، وعلى تقدير عدم كونها ثالثة فهي مرددة بين الرابعة والخامسة، كل تينك من غير زيادة ونقصان. والإيراد ب‍ " عدم صدق القضية المذكورة، لأنها على تقدير عدم كونها خامسة واقعا لا تكون مرددة بين الرابعة والثالثة فقط بل هي مرددة بين الرابعة والثالثة والخامسة، فإن القطع بعدم كونها خامسة موجب لانحصار الشك بالطرفين الآخرين لا عدم كونها كذلك واقعا، وكذلك الأمر في فرض عدم كونها ثالثة " مدفوع بصدق القضية المذكورة عرفا على فرض عدم الطرف الثالث، فإنه يصح أن يقال في طرفي العلم الإجمالي عرفا: إن التكليف إن لم يكن في هذا الطرف واقعا فهو في الطرف الآخر قطعا. الرابع: أن يقال: إنه لو كان الشك بين الثلاث والأربع حاصلا له قبل طرو احتمال الزيادة كان حكمه البناء على الأربع والآن كما كان، فإنه لو شك قبل الإتيان بتلك الركعة في الثلاث والأربع لكان حكمه البناء على الأربع والآن كما كان، فحكمه البناء على الأربع، ومقتضى تحقق الأربع تعبدا بالاستصحاب التعليقي لحكم الشاك بين الثلاث والأربع ترتب أثر حكم الأربع والخمس. ومن ذلك يظهر الكلام في فرع آخر وهو أن يشك بين الثلاث والأربع بنحو البساطة ثم يشك بعد ذلك في الإتيان بركعة زائدة بعد الركعة الرابعة البنائية. لكن الحكم غير واضح، إذ دلالة دليل البناء على الأربع على ترتب آثار الرابعة على الركعة المشكوكة من جميع الجهات حتى يشمل حكم سجود السهو المترتب على ما إذا أحرز الأربع وشك في الخامسة غير مبينة، فالفرع الأخير لا يخلو عن إشكال من حيث الحكم بوجوب سجدتي السهو مع قطع النظر عما

[ 398 ]

[... ] تقدم من الوجوه. نعم، يكون أوضح من المبحوث عنه من حيث جريان الشك بين الثلاث والأربع، للاستصحاب الفعلي، فلزوم صلاة الاحتياط فيه مما لا إشكال فيه. الخامس: الاستصحاب المذكور والإتيان بصلاة الاحتياط، وإجراء حكم الشك بين الأربع والخمس من جهة تيقن الأربع ولو من باب الإتيان بصلاة الاحتياط، كما ربما يستفاد ذلك الأخير من صلاة الوالد الاستاذ (1) قدس الله نفسه الشريفة. لكنه محل إشكال أيضا، من حيث إن الشك بين الأربع والخمس على فرض الانصراف إلى تيقن الأربع فلابد أن يكون ذلك صادقا من أول حدوثه كعناوين سائر الشكوك، وليس المقصود هو الأعم منه وما كان مصداقا للعنوان بالإتيان بركعة متصلة أو منفصلة، وإلا كان جميع مصاديق الشك بين الثلاث والأربع قابلا للانقلاب إلى الأربع والخمس. السادس: ما يستفاد منه (قدس سره) أيضا من أن المستفاد عرفا من دليل الشكين أن صلاة الاحتياط إنما تكون لجبران احتمال النقص، وسجدتي السهو لاحتمال زيادة الركعة الواحدة، فاللفظ وإن لم يكن غير شامل لمطلق ذلك لكن العرف يلقي الخصوصية المنصرفة إليها (2)، وهو جيد. لكن الإنصاف أنه مع فرض شدة المناسبة بين الحكم وبين كون الموضوع هو الأعم من البسيط والمركب وكون اللفظ قابلا للانطباق فلا معنى لدعوى الانصراف، إذ هو بلا وجه. ومما ذكرناه في حكم الشكوك يظهر القول الكلي فيها وأن:


(1) ص 365 وص 375 - 376. (2) كتاب الصلاة لآية الله المؤسس الحائري (قدس سره): ص 365.

[ 399 ]

[... ] منها: المنصوصة من دون احتمال انصراف، وهي الشك بين الاثنتين والثلاث بعد الإكمال، والشك بين الثلاث والأربع في كل حال، والشك بين الاثنتين والأربع بعد الإكمال، والشك بين الاثنتين والثلاث والأربع بعد الإكمال، والشك بين الأربع والخمس بعد إكمال الركعة. وأما غيرها فأقسامها أربعة: الأول: الشكوك المركبة، كالشك بين الثلاث والأربع والخمس أو الشك بين الاثنتين والأربع والخمس. الثاني: الشكوك البسيطة الهدمية أي المحتاجة إلى الهدم التي يأتي فيها شبهة احتمال وقوع زيادة القيام عمدا، كالشك بين الأربع والخمس في حال القيام. الثالث: الشكوك البسيطة الهدمية التي ليست الزيادة الواقعية فيها إلا سهويا قطعا، كالشك بين الخمس والست في حال القيام أو بين الخمس والسبع فيه إن قلنا بصحة الصلاة في صورة احتمال الزيادة مع احتمال الكمال مطلقا كما تقدم (1). الرابع: الشك بين الأربع والزائد على الخمس، وقد مر حكمه (2) وقد تقدم الكلام في كل ذلك وأنه لا تبعد الصحة في الكل. لكن مقتضى الاحتياط في جميع الصور غير المنصوصة هو العمل على طبق الشك ثم الإعادة، إلا أن الاحتياط في الشكوك الهدمية لا سيما في القسم الثاني منها أي القسم الثالث من الأقسام الأربعة ضعيف، لما تقدم من الإطلاق، وعلى فرض الشبهة فيه فلا شبهة في الاستصحاب، وبعد ذلك فهو بالنسبة إلى احتمال زيادة غير الركعة ضعيف، لما مر من دلالة الأخبار، مع أنه لو أغمض النظر عنها فمقتضى القاعدة هي الصحة، فإن احتمال زيادة الركعتين ليس إلا كاحتمال


(1 و 2) في ص 390 وما بعدها.

[ 400 ]

[... ] طرو أحد الموانع مدفوع بالأصل الذي لا إشكال في جريانه أصلا حتى من حيث كونه مثبتا بالنسبة إلى اتصاف تلك الركعة التي فرغ عنها هي الرابعة، من حيث لزوم كون السلام والتشهد فيها، وذلك لأن اللازم على المكلف هو الإتيان بأربع ركعات من دون زيادة، والأول حاصل بالوجدان، والثاني حاصل بالأصل. وإحراز اتصاف الركعة التي يتشهد فيها ويسلم غير لازم له. فإنه يقال أولا: بعدم وضوح قيام دليل على لزوم التشهد الأخير والسلام في الركعة الرابعة بل لابد أن يكون ذلك بعدها، وهو قطعي. وثانيا: سلمنا لزوم كونهما في الرابعة لكن لا يضر عدم إحراز ذلك، للقطع بأنه على تقدير كون الصلاة صحيحة وقع ذلك في الرابعة، وعلى تقدير البطلان لا يجب عليه ذلك في تلك الصلاة. وثالثا: إن القطع حاصل بأن ذلك إما وقع في الرابعة وإما ترك من دون استناد فساد الصلاة إلى ترك التشهد والسلام، فإنه قد ترك ذلك في الرابعة سهوا، فتأمل. ثم إن الإتيان بالتشهد والسلام في تلك الركعة إما أن يكون بقصد الجزئية، بناء على إثبات الرابعة أو عدم لزوم كونهما فيها بل بعدها، وإما رجاء، للقطع بعدم المبغوضية، من جهة القطع بعدم تأثيره ذلك في بطلان الصلاة، لأنها على تقدير كونها رابعة فهما مطلوبان وجوبا، وعلى تقدير كونها خامسة أو سادسة فقد بطلت الصلاة بزيادة الركن قبل ذلك. ثم إن هنا قسما آخر من الشكوك المركبة لا ينبغي الإشكال في جريان حكم الشك البسيط عليه، وهو ما إذا عرض عليه التركيب بعد ذلك، وذلك لوضوح الإطلاق ثم الاستصحاب بالنسبة إلى ما تحقق أولا، كما إذا عرض له الشك بين الثلاث والأربع أولا ثم غفل واحتمل الإتيان بركعة اخرى، فإن الحكم بالجبران

[ 401 ]

[ قال (قدس سره): وهنا مسائل: الاولى: لو غلب على ظنه أحد طرفي ما شك فيه بنى على الظن (1). * ] هنا قطعي، واحتمال الزيادة مدفوع بالأصل أو بالدليل، فتأمل. هذا كله حكم الشك في الركعات. والحمد لله كثيرا على نعمائه التي لا تحصى في جميع الحالات، وهو الملجأ والمستعان في السراء والبليات. * أقول: هذا الحكم مسلم نصا وفتوى في الجملة. ويدل عليه كذلك امور: الأول: خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا ذهب وهمك إلى التمام ابدأ في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع، أفهمت؟ " قلت: نعم (2). لكن فيه: ضعف السند بمحمد بن يحيى المعاذي الذي هو من رجال نوادر الحكمة وقد وقع موردا لاستثناء ابن الوليد (قدس سره)، مع أن في متنه ما يوجب بعد صدوره منه (عليه السلام)، وهو قوله " ابدأ في كل صلاة " لأن الفصيح أن يقال: ابدأ بعد كل صلاة. الثاني: خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليهم السلام)، قال: سألته عن الرجل يسهو فيبني على ما ظن كيف يصنع؟ أيفتح الصلاة أم يقوم فيكبر ويقرأ؟ وهل عليه أذان وإقامة؟ وإن كان قدسها في الركعتين الاخراوين وقد فرغ من قراءته هل عليه أن يسبح أو يكبر؟ قال: " يبني على ما كان صلى إن كان فرغ من القراءة، فليس عليه قراءة، وليس عليه أذان ولا إقامة، ولا سهو عليه " (3).


(1) الشرائع: ج 1 ص 89. (2) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 2 من ب 7 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 3 من ب 7 من أبواب الخلل.

[ 402 ]

[... ] لكن فيه: أن في الجامع عن قرب الإسناد عنه عن أخيه (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل سها فبنى على ما صلى كيف يصنع؟ أيفتتح صلاته أم يقوم ويكبر ويقرأ؟ وهل عليه أذان وإقامة؟ نحو ما مر في النقل الأول إلى قوله " ما كان صلى " وبعده " فإن كان " إلى آخر ما مر فيه (1). وقد نقل ذلك في الوسائل (2). ومن المظنون بل المعلوم كون الرواية واحدة، ومتن الثاني أقرب إلى الاعتبار لقوله: " يبني على ما صلى " فإنه مطابق للسؤال على الثاني من دون لزوم التوجيه، بخلاف الأول، وقوله " فإن كان " أبلغ من " إن كان " أيضا، فلا يصح الاستدلال به. الثالث: صحيح صفوان (الذي يزيد في اعتباره نقل عباد بن سليمان عن سعد ذلك الخبر بعينه (3)، فإنه من رجال محمد بن أحمد بن يحيى ولم يستثنه محمد بن الحسن بن الوليد) عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: " إن كنت لا تدري كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة " (4). فإنه بمفهومه يدل على حجية الظن، كما لا يخفى. الرابع: صحيح عبد الرحمان وأبي العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، وإن وقع رأيك على الأربع فابن على الأربع فسلم وانصرف، وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس " (5).


(1) جامع أحاديث الشيعة: ج 6 ص 343 ح 7 من ب 29 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 312 ح 21 من من ب 3 من أبواب الخلل. (3) راجع الوسائل: ج 5 ص 328 ذيل الحديث 2. (4) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 1 من ب 15 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 316 ح 1 من ب 7 من أبواب الخلل.

[ 403 ]

[... ] وغير ذلك من الروايات الواردة في الشك بين الثلاث والأربع وغيره (1) فهو في الجملة مما لا إشكال فيه. إنما الإشكال في مواضع: الموضع الأول في ثبوت الحكم المذكور - أي حجية الظن - في الشك بين الاثنتين والأربع والخمس، فإنه وإن كانت كلماتهم خالية عن الإشكال في ذلك، بل لم أعثر على احتمال خلافه في كلامهم، لكن ليس من حيث الدليل كالشك بين الثلاث والأربع بعد الإكمال، من جهة عدم دليل صريح في ذلك، لكن يمكن للفقيه الاطمينان بحجيته فيه من مجموع امور: منها: ما في الذكرى وغيره عن كتب العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله): " إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليبن عليه " (2). وروي عن سنن البيهقي (3) والنسائي (4) وفي المستند: " إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب " (5). والإشكال في دلالته من جهة احتمال أن يكون لزوم التحري لأن يحصل له اليقين، خلاف ظاهر الخبر الأول. لكن فيه: أن السند غير واضح، والاستناد إلى ذلك غير ثابت بل المقطوع خلافه. ومنها: أنه بعد دلالة الصحيح (6) على حجية الظن في مورد الشك بين الاثنتين


(1) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 322 - 320 ح 2 و 5 و 6 و 7 و 8 من ب 10 من أبواب الخلل، وح 1 من ب 11 من أبواب الخلل. (2) الذكرى: ص 222. (3) ج 2 ص 337. (4) ج 3 ص 28. (5) المستند: ج 7 ص 181. (6) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 1 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 404 ]

[... ] والأربع فحجيته بالنسبة إلى الاثنتين والثلاث أولى، لأن احتمال النقص في المقيس ركعة وفي المقيس عليه ركعتان. ومنها: أنه بعد دلالة صحيح صفوان على حجية الظن في ما فيه الإعادة فحجيته في ما ليس فيه الإعادة أولى. والإيراد عليها ب‍ " أنها لعله من باب عدم وجود طريق التصحيح بخلاف الأخيرتين " مدفوع بأنه لو كان ذلك ملاكا لم يكن الظن حجة في الثلاث والأربع. ومنها: ما في المقنع في الشك بين الثلاث والأربع: وروي عن بعضهم (عليهم السلام): " يبني على الذي ذهب وهمه إليه، ويسجد سجدتي السهو ويتشهد لهما تشهدا خفيفا " (1). وعن الدعائم: " وإن شك ولم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا بنى على اليقين مما يذهب وهمه إليه من الثنتين أو الثلاث " (2). ويأتي إن شاء الله في تقريب الظن في الأفعال الاستدلال بالتعليل الوارد في أخبار قاعدة التجاوز والفراغ. ومنها: ما في صحيح زرارة من أن في الأخيرتين الوهم (3). والظاهر أن حكم الوهم في الأخيرتين واحد، فتأمل. ومن مجموع ذلك يحصل الاطمينان بحجية الظن في الثلاث والاثنتين وفي الأربع والخمس إذا تعلق بالأربع، وأما إذا تعلق بالخمس فهو غير معلوم،


(1) المقنع: ص 102. (2) جامع أحاديث الشيعة: ج 6 ص 341 ح 1 من ب 29 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 405 ]

[... ] فالأحوط هو الإتيان بسجدتي السهو ثم الإعادة، وهو العالم. الموضع الثاني في تعميم الحكم للاوليين، ففي الجواهر بعد ذكر عبارة المصنف ما معناه: من غير فرق بين الأخيرتين والاوليين والثنائية والثلاثية وغيرها وكان كالعلم على المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن ظاهر الخلاف أو صريحه الإجماع عليه، بل في المصابيح وعن الغنية الإجماع عليه، بل في الرياض إنه صرح جماعة به أي بالإجماع، بل لا خلاف معتدا به أجده في ما عدا الأولتين والثنائية والثلاثية (1). أقول: الإشكال في المبحوث عنه أي الأولتين أمران: الأول وجود إطلاق يشملها. والثاني أنه على فرض الإطلاق كيف! يجمع بينه وبين مثل صحيح زرارة المتقدم مرارا المصرح بعدم دخول السهو فيهما. أما الأول فعمدة ما يستند به للإطلاق صحيح صفوان المتقدم (2) بتقريب أن يقال: إن المحتملات في قوله (عليه السلام) " إن كنت لا تدري كم صليت " ثلاثة: الأول: أن يكون المقصود عدم وجود متيقن في البين، فيكون عدم العلم على وجه الإطلاق إلا من حيث الدخول في الصلاة، ولا ريب أنه حينئذ يصير نصا في حجية الظن بالنسبة إلى الاوليين، فإذا ثبت حجيته في صورة الشك في الاوليين من باب عدم وجود القدر المتيقن فهو أولى بالحجية في صورة الشك فيهما مع وجود متيقن في البين، كالشك بين الاثنتين والثلاث قبل إكمال الركعة. الثاني: أن يكون المقصود عدم العلم بمجموع الركعات بحيث يكون مجموعها


(1) الجواهر: ج 12 ص 362. (2) في ص 402.

[ 406 ]

[... ] معلوما فيشمل جميع الشكوك التي ترد في الركعات، لكن لابد من الحكم بكونه مخصصا بالأولتين، للحكم بالإعادة في صورة اعتدال الوهم وهو ليس في الأخيرتين، ولا يمكن حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب بعد إتمام الصلاة، فإنه حاصل في صورة وجود الظن أيضا من باب أن درك الواقع حسن عقلا، وليس المقصود استحباب الإعادة بالإبطال ورفع اليد عن الصلاة المأتية بها في صورة اعتدال الوهم مطلقا، بخلاف صورة الظن فيشمل جميع صور الشك فيقال: إن عدم جواز الإبطال ورفع اليد في جميع الشكوك غير مسلم، فيجوز الإبطال والإعادة مطلقا أو يستحب، وذلك لعدم كون مورد الأمر إلا الإعادة، وليس رفع اليد والإبطال موردا للنظر وليس ملحوظا في الكلام أصلا، فلابد أن يكون الأمر بالإعادة للإرشاد إلى البطلان وعدم الاكتفاء بالصلاة، فلابد من حمل المورد على غير الأخيرتين وحينئذ يصير صريحا أيضا في غيرهما. الثالث: أن يكون المقصود كثرة المحتملات، وعليه أيضا يمكن تقريب الصراحة بأنه لو فرض خروج صورة عدم تيقن الأولتين من الدليل وتخصيصه بكثرة المحتملات مع تيقن الأولتين - كالشك بين الاثنتين والثلاث والأربع والخمس والست بعد إكمال الركعة - فهو من الحمل على الأفراد النادرة، خصوصا مع خروج الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع من مصداق ما كثرت فيه المحتملات بشهادة ورود النص بصحة الصلاة وعدم الإعادة فيه، فلابد أن تكون الكثرة حاصلة بأزيد من الأطراف الثلاثة، فعليه أيضا يكون صريحا في الأولتين، فإذا ثبت في الأولتين يثبت في الأخيرتين بجميع فروعها بالأولوية. لكن مع ذلك كله فيه إشكال، من جهة أنه على الاحتمال الثاني المبني على اختصاص المورد بالشك الذي حكمه الإعادة من جهة بطلان الصلاة ليس شموله

[ 407 ]

[... ] للأولتين إلا بالإطلاق الذي صريح فيه أيضا، لأنه مقصود قطعا، فإن من أفراد ذلك صور الشك في الثنائية والثلاثية بعد تيقن الأولتين، فيحكم بالإعادة في جميع تلك الصور إذا لم يذهب وهم المصلي إلى أحد أطراف الشك، ومفهومه عدم الإعادة عند ذهاب الوهم في الجملة، لما رجحناه من أن المفهوم للقضية الكلية هو المهملة التي في قوة الجزئية، فيصدق المفاد المذكور مفهوما ومنطوقا إذا كان الحكم هو الإعادة مطلقا في صورة عدم اعتدال الوهم، من دون إطلاق له في صورة عدم الاعتدال (1). وأما الثاني أي على فرض وجود الإطلاق ففي الأولتين إشكال قوي، من جهة قول أبي جعفر (عليه السلام) على ما في صحيح زرارة: " وليس فيهن وهم يعني سهوا " إلى أن قال: " فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين " (2). وذلك لا من جهة الظهور في كون اليقين مأخوذا في مقام الامتثال صفة أو طريقا في الموضوع حتى يكون المأتي تاما من دون يقين باطلا واقعا، إذ مر أن ذلك خلاف الظاهر من وجوه: منها أن المناسب لفرض الله هو الإتيان به على كل حال وعدم ورود خلل على الصلاة من ناحيته واقعا، لا دخل صفة اليقين. ومنها أن الأصل الذي جعله أساسا في الصدر - من عدم دخول الوهم والسهو واعتبار اليقين - إنما هو من باب عدم مجئ حكم السهو. ومنها أن اليقين في العرف طريق. بل من جهة الصدر وهو قوله (عليه السلام) " ليس فيهن وهم " فإن حجية الظن من أحكام السهو والذهول عن الواقع، فهو لا يشمل الأولتين بإطلاق ذلك الحاكم على


(1) فيه إشكال، فإن الحكم في صورة عدم الاعتدال بالنسبة إلى مورد الإعادة أيضا ليس معلوما غير محتاج إلى البيان، ومحل بيانه عرفا ذلك المقام، فإن مقتضى الإطلاق المقامي أن يكون في مقام البيان بالنسبة إلى صورة عدم اعتدال الوهم. منه (قدس سره). (2) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 408 ]

[... ] جميع ما شرع من الأحكام بملاحظة الذهول عن الواقع، وليس المرفوع هو حكم السهو بما هو سهو وإلا لم يرتفع الاستصحاب بذلك، لأنه حكم السهو بما أن له حالة سابقة متيقنة، فلا يصح التفريع في الذيل إلا برفع جميع الأحكام التي للسهو دخل فيها، فلا شبهة عندي في دلالة الصحيح على عدم حجية الظن في الأولتين حتى مع وجود الإطلاق القاضي بحجيته حتى في الأولتين، بل الدليل المذكور حاكم على إطلاق حجية الظن كما عرفت تقريبه، فإن المستفاد منه أن وجود حكم للسهو في الركعات مفروض في الجملة فيثبته في الأخيرتين وينفيه عن الأولتين. ولا يمكن تقريب الحكومة في دليل حجية الظن من باب أن مفاده التنزيل منزلة القطع، لأنه لا عين للتنزيل ولا أثر له بل مفاده الحكومة على ما يدل على الثبوت الواقعي كأدلة لزوم أربع ركعات مثلا في الظهر والعصر، فإن دليل الحجية بنحو الإطلاق مفاده التشريع لأجل الواقع تنجيزا أو إعذارا، لا لما يدل على عدم مجئ الحكم الظاهري، فتأمل. فالظاهر - والله العالم - عدم حجية الظن في الأولتين (1) خلافا للمشهور


(1) مع أن مقتضى التعليل في قاعدة التجاوز حجية الظن في الأفعال والأجزاء والركعات. ولو بني على حكومة صحيح زرارة على جميع الطرق المجعولة للصلاة لجرى ذلك في الرجوع إلى الإمام أو المأموم وبعد التجاوز والفراغ وبعد الوقت، فتأمل. وشمول الوهم للحجة المعتبرة التي ليس موضوعها الوهم والترديد - خصوصا بالنسبة إلى توجه الوهم الذي ليس بكشف النفس أحد طرفي الموضوع المجتمع مع اليقين أيضا - محل منع، بل يمكن أن يقال: إن الأمارات ليس موضوعها الشك بل موضوعها الجهة الكاشفة، فهي معارضة لليقين إلا أنه لا شبهة في تقدم اليقين كما في المخصص القطعي والعام. لكن مع ذلك كله لا يترك الاحتياط، إلا أن يقال: إن المقصود من صحيح صفوان ليس هو الاحتمال الثاني، لأن البناء على الاحتمال المزبور موجب لإخراج الصلوات الرباعية بالنسبة إلى الأخيرتين وهو إخراج أفراد كثيرة من العام. منه (قدس سره).

[ 409 ]

[... ] ووفاقا لبعض الأصحاب كابن إدريس وصاحب الحدائق على ما حكي عنهما (1)، والله ولي التوفيق، لكن الاحتياط يقتضي الإتمام بنحو ما يقتضي الظن ثم الإعادة. الموضع الثالث: مقتضى ظاهر كلمات الأصحاب أن الحكم بالعمل بالظن على نحو العزيمة لا الرخصة، ولازمه عدم تخيير المصلي بين العمل به والعمل بحكم الشك. وهو محل إشكال، فإن مقتضى غير واحد من أدلة البناء على الأكثر أو سجود السهو هو جواز العمل بهما في مطلق عدم العلم بالواقع، فإن العنوان المأخوذ في ذلك " لا يدري " (2)، بل هو مقتضى إطلاق جميع الأخبار التي موضوعها الشك أيضا، بناء على كون الشك هو خلاف اليقين كما هو المنقول عن أكثر أهل اللغة، وهو المستشعر من جعله في غير واحد من الأخبار في قبال اليقين كما في صحيح زرارة المتقدم (3) والأخبار الواردة في باب الاستصحاب المؤيد ذلك بامور اخر: منها وجود الظن في روايات عمار (4). ومنها خبرا أبي بصير الوارد فيهما صلاة الاحتياط في صورة الظن بالثلاث أو بالأربع (5). ومنها مضمر محمد بن مسلم الوارد في العمل بالاحتياط في الشك بين الاثنتين والأربع (6). ومنها وجود التعليل في الروايات (7)، فتأمل.


(1) الحاكي عنهما هو المحقق الهمداني في مصباح الفقيه: ج 2 ص 571. (2) راجع الوسائل: ج 5 ص 322، الباب 11 وص 325، الباب 13 وص 326، الباب 14 من أبواب الخلل. (3) في ص 237. (4) الوسائل: ج 5 ص 317 الباب 8 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 7 و 8 من ب 10 من أبواب الخلل. (6) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 4 من ب 10 من أبواب الخلل. (7) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 322 و 323 ح 1 و 2 من ب 11 من أبواب الخلل. (

[ 410 ]

[... ] فالظاهر أنه لا إشكال في ثبوت الإطلاق. وأما تعارضه لإطلاق دليل حجية الظن فمدفوع بامور على سبيل منع الخلو: منها: عدم دلالة أكثر أدلته على الحجية إلا بالمفهوم، ومفهوم تعين البناء على الأكثر عدم التعين، لا تعين العمل بالظن، والباقي يكون سياقه سياق الدال بالمفهوم فهو المفهوم المنطوق به، فراجع وتأمل. ومنها: أن طرق التصحيح ليس الأمر فيها إلا في مقام الإرشاد إلى تصحيح الصلاة بذلك أو تأمين الواقع بذلك ولو من جهة الحكم بالبطلان فهي بمنزلة الإخبار ولا ظهور فيه للتعين. ومنها: أنه على تقدير الظهور فالجمع برفع التعين عن كل واحد من الدليلين أولى بنظر العرف من التقييد من دون شبهة وإشكال وإن حصل الاطمينان بذلك، فيسهل طريق الاحتياط بالعمل بحكم الشك في جميع موارد الشبهة. الموضع الرابع: حكي عن علي بن بابويه في الشك بين الاثنتين والثلاث أنه إن ذهب الوهم إلى الثالثة أتمها بزيادة ركعة اخرى ثم احتاط بركعة، وإن ذهب الوهم إلى الاثنتين بنى عليه وتشهد في كل ركعة ويسجد سجدتي السهو (1). أقول: يمكن أن يكون مستنده في الإتيان بصلاة الاحتياط فيه خبر أبي بصير المتقدم (2) وغيره المستفاد منه مشروعية الإتيان بصلاة الاحتياط في صورة الظن بالزيادة وأنه لا اختصاص بخصوص الشك المذكور، إلا أنه تعرض لذلك في تلك المسألة من باب أنها من مصاديق الظن بالزيادة. ويمكن أن يكون مستنده في الإتيان بالتشهد في كل ركعة مع ظن النقص


(1) حكاه في مصباح الفقاهة: ج 2 ص 561. (2) في ص 354.

[ 411 ]

[... ] هو العلم الإجمالي بلزوم التشهد، فإنه لو كانت الركعة التي فرغ عنها هي الثانية يجب التشهد في تلك الركعة والركعة الرابعة بحسب ظنه، وإن كانت هي الثالثة يجب عليه التشهد في الركعة التي بعدها وهي الثالثة بحسب الظن. وأما سجدتا السهو في صورة الظن بالنقيصة فلاحتمال زيادة الركعة الخامسة التي ورد فيها سجدتا السهو. والجواب عن الكل أنه بعد فرض حجية الظن فلا يجب ذلك كله، لا صلاة الاحتياط للظن بالإتيان، ولا التشهد في الركعة الثالثة ولا سجدتا السهو لأن مقتضى حجية الظن كون الركعة التي يؤتى بها هي الثالثة ولا تشهد فيها، ولم يزد عليها ركعة حتى يحتاج إلى سجدتي السهو، بل يدل صريحا على عدم لزوم ذلك صحيح الحلبي الوارد في من لا يدري ثلاثا صلى أو أربعا قال (عليه السلام): " وإن ذهب وهمك إلى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو " (1). الموضع الخامس: ما عن الصدوق من إيجابه سجدتي السهو على من شك بين الثلاث والأربع وظن الأربع. والظاهر أن مستنده صحيح الحلبي المتقدم، وفيه: " فإن ذهب وهمك إلى الأربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو " (2). والصحيح هو الحمل على الاستحباب، لخلو أخبار الباب عنه مع كونها في مقام البيان، التي منها صحيح عبد الرحمان وأبي العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3). فراجع.


(1 و 2) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 5 من ب 10 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ص 320 ح 1.

[ 412 ]

[... ] الموضع السادس: قال (قدس سره) في الجواهر ما مفاده أن: إلحاق الأفعال الصلاتية بالركعات في حجية الظن ظاهر المصنف والإرشاد والألفية واللمعة وصريح الروضة والدرة والمنقول عن الوسيلة وجمل العلم والذكرى والجعفرية وشرحيها وفوائد الشرائع والمسالك والجمل والعقود، بل عن المحقق الثاني أنه لا خلاف فيه (1). أقول: ما يستدل به على ذلك امور: الأول: إطلاق الخبر العامي المتقدم (2) " إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك للصواب وليبن عليه ". الثاني: أن الأفعال أولى بأن يكون الظن حجة فيها، لأنه إذا فرضت حجية الظن في الركعات المشتملة على الركن وغير ذلك واكتفي بذلك فالاكتفاء بالظن في الأفعال أولى. لكن في الأول ضعف السند من دون ثبوت الانجبار. وأما الثاني فالأولوية في الاكتفاء غير الأولوية في الحجية، فإنه ربما يظن بعدم الإتيان في الركعة فلابد من الإتيان بها، فيمكن أن لا يكون الأفعال كذلك. وثبوت الأولوية في خصوص الظن بالإتيان لا يثبت المطلوب بعد احتمال أن الشارع لم ير الصلاح في التفكيك في مقام الحجية، فأولوية حجية الظن في الأفعال وجودا وعدما بالنسبة إلى الركعات ممنوعة، كذلك بعد عدم التفكيك ولو مع العلم بذلك، مع أنه في خصوص الظن بالإتيان أيضا ممنوع، لإمكان أن يكون ذلك للحرج والمشقة بخلاف الأفعال، فإنه يأتي بالفعل إذا كان في المحل


(1) الجواهر: ج 12 ص 369. (2) في ص 403.

[ 413 ]

[... ] ولا يحتاج إلى الظن إذا خرج محله. الثالث: أن الركعة ليست إلا الأفعال فحجية الظن في الركعة عين حجية الظن في الأفعال. وفيه: أن ثبوت الحكم للمجموع ليس عين ثبوت الحكم لكل جزء منفردا عنه، بل عين الثبوت لكل جزء بشرط الاجتماع. الرابع: أنه إذا ظن بوجود جزء من الركعة مع تيقن سائر أجزائها فيصدق أن وجود مجموع الركعة مظنون، وكذا إذا ظن بعدم جزء كذلك فيصدق أن عدم الإتيان بمجموع الركعة مظنون، فالظن بالفعل وجودا وعدما داخل في ما يدل على حجية الظن بالركعة وجودا وعدما. وفيه: أنه يمكن أن يقال بانصراف دليل الحجية إلى تعلق الظن بمجموع الركعة بحيث يكون كل جزء منها مظنونا، مع أنه قد ورد بعض أدلة حجية الظن في مورد حكم الشك في صورة الاعتدال، والشك إنما هو في ما إذا كان متعلقا بمجموع الركعة، فإنه إذا حصل القطع مثلا بالإتيان بالثالثة وشطر من الرابعة - أي القيام والقراءة والركوع - وشك في الإتيان بالسجدتين فلا يجئ حكم الشك المقتضي للبناء على الإتيان بالرابعة تماما وصلاة الاحتياط، لأن الصلاة إما تامة فلا تحتاج إلى صلاة الاحتياط، وإما تكون باطلة في فرض الإتيان بالركوع لزيادة ركوع لا يمكن أن يكون جزء للصلاة، والظاهر أن صلاة الاحتياط لا تكون جابرة لبعض الركعة حتى لا يصير الركوع المأتي به زائدا بل هو جابر لتمام الركعة، وكيف كان، فالدليل غير ظاهر، والعمدة فيه هو الانصراف المذكور أو عدم الاطمينان بالإطلاق. الخامس: أن المستفاد من قوله (عليه السلام) في موثق بكير: " هو حين يتوضأ أذكر منه

[ 414 ]

[... ] حين يشك " (1) وكذا من قوله (عليه السلام) في معتبر محمد بن مسلم: " وكان حين انصرف أقرب إلى الحق " (2) وما عنه (عليه السلام) في موثق الفضيل في مورد الشك في الركوع بعد الاستتمام قائما: " بلى قد ركعت فامض في صلاتك، فإنما ذلك من الشيطان " (3) هو حجية الظن النوعي في الأفعال والشرائط والموانع من حيث الحكم بوجود الأولين وعدم الثاني، لأنه ليس المقصود بحسب الظاهر التعبد بالعناوين المذكورة وأن المتوضئ محكوم بأنه أذكر حين العمل وأنه أقرب إلى الحق تعبدا والحكم بأن ذلك من الشيطان من باب التعبد بالإتيان، وليس المقصود أيضا صدق هذه العناوين واقعا من باب التعبد بذلك، فلم يبق إلا كونه كذلك ظنا بحسب النوع، كل ذلك لأن مساق ذلك كله مساق التعليل، والتعليل لابد أن يكون على طبق الارتكاز وخارجا عن إعمال التعبد. لكن مقتضى تمامية ذلك امور: الأول: حجية الظن في مقام التصحيح لا في مقام البطلان فلا يعارضه ما في المستمسك (4) من الاستدلال على عدم حجية الظن في الأفعال من صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): في الذي يذكر أنه لم يكبر في أول صلاته، فقال: " إذا استيقن أنه لم يكبر فليعد ولكن كيف يستيقن؟! " (5). فإنه وإن كان صريحا في عدم حجية الظن لأن أدنى مراتب تذكر عدم الإتيان


(1) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 7 من ب 42 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 3 من ب 27 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 13 من أبواب الركوع. (4) المستمسك: ج 7 ص 591. (5) الوسائل: ج 4 ص 716 ح 2 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

[ 415 ]

[... ] هو الظن، إلا أنه ورد في مورد الظن بترك الركن. الثاني: أن المستفاد منه حجية الظن النوعي، فالشخص الحاصل له الظن إن كان يقطع أن النوع أيضا يظن مع وجود السبب الحاصل منه الظن فهو حجة، وكذا لو لم يظن شخصا ولكن يقطع بأن نوع الأفراد يظنون ذلك. الثالث: أن مقتضى التعليل المذكور هو حجية الظن في الشرائط والموانع أيضا في مقام التصحيح على النحو المذكور. ولا يخفى أن التمسك بالتعليل المذكور مما استفدناه من صلاة الوالد الاستاذ - قدس الله نفسه الشريفة - لكن حررناه وأوضحناه بما لعله لا مزيد عليه وهو لا يخلو عن جودة. وقد تمسك (قدس سره) بأمرين آخرين وإن تأمل في الكل بعد سرد الأدلة: الأمر الأول: أنه لو فرض الشك بين الاثنتين والثلاث والظن بالإتيان بالسجدة الأخيرة منها وظن أيضا بأنه على تقدير الإتيان بها تكون الركعة هي الثالثة فيظن بأن الركعة ثالثة لأن الظن بالملزوم والظن بالملازمة مستلزم للظن باللازم، فهل ترى الحكم بحجية الظن الحاصل من الظن بالسجدة وعدم حجية الظن بها في نفسه؟ الأمر الثاني: أنه لو شك بين الثلاث والأربع وظن بالإتيان بالسجدتين من تلك الركعة التي فرغ عنها وقطع بأنه على تقدير الإتيان بهما تكون هي الرابعة فيظن بالرابعة فمقتضى التفكيك في الحجية الإتيان بالسجدتين والبناء على الرابعة مع أنه يعلم بفساد تلك الصلاة حينئذ، لأنه إن كانت هي الرابعة فقد زاد ركنا، ومع التقدير الآخر نقصت صلاته من دون جبران.

[ 416 ]

[ قال (قدس سره): [ المسألة ] الثانية: هل يتعين في الاحتياط الفاتحة أو يكون مخيرا بينها وبين التسبيح *؟ قيل بالأول، لأنها صلاة منفردة، ولا صلاة إلا بها، وقيل: بالثاني، لأنها قائمة مقام ثالثة أو رابعة، فيثبت فيها التخيير كما يثبت في المبدل منه، والأول أشبه (1). ] أقول: يمكن أن يقال: إنه لا يقال بالتفكيك في المقام، لأن الإتيان بالثالثة في الأول والرابعة في الثاني مظنون، ومقتضى حجية الظن بالإتيان في ما إذا كان مجموع الركعة مظنونا هو الإتيان بالركعة بجميع أفعالها التي منها السجدة أو السجدتان. إن قلت: الحكم بإتيان جميع الركعة في الفرضين لا يثبت الإتيان بالسجدة أو السجدتين في تلك الركعة التي فرغ عنها، والظن بأن تلك الركعة هي الثالثة في الفرض الأول والرابعة في الفرض الثاني لا يقتضي الإتيان بالسجدتين. قلت أولا: إن حجية الظن بالإتيان بالركعة تماما تثبت لازمه وهو الإتيان بالسجدتين من تلك الركعة، فإن لوازم الأمارات حجة. وثانيا: إن الحكم بالإتيان بالركعة تماما في الفرض والحكم بأنها الركعة ليس إلا الإتيان بالسجدة أو السجدتين في تلك الركعة، فتأمل. وثالثا: إنه يكفي لإحراز التكليف الحكم بالإتيان بالركعة المشكوكة تامة ولو لم يحرز وضع تلك الركعة الخاصة التي فرغ عنها، فإن ذلك كاف في إحراز التكليف، فتأمل في جميع ما ذكرناه جيدا. * أقول: في صلاة الاحتياط مسائل:


(1) الشرائع: ج 1 ص 89.

[ 417 ]

[... ] المسألة الاولى: في الجواهر عن جماعة أنه لابد في صلاة الاحتياط من النية والتكبيرة للافتتاح، بل لا أجد في ذلك خلافا، بل عن الدرة الإجماع عليه (1). لكن في مصباح الفقيه عن القطب الراوندي (قدس سره) نسبة عدم لزومهما إلى بعض الأصحاب، وفي آخره وقيل بلزوم ذلك. ونقل عن الحدائق تأييده من باب خلو الأخبار الواردة في صلاة الاحتياط عن الأمر بالتكبير أو تجديد النية مع الأمر بالقراءة والتشهد والتسليم مع أن التكبير لعله أولى بالذكر، من جهة أن الاحتياج إلى التشهد والسلام مقتضى كونها جابرة للصلاة الأصلية، فإن الركعة الرابعة الباقية على ذمة المكلف مشتملة على التشهد والتسليم، وفاتحة الكتاب أيضا مما يجب في الأخيرتين ولو تخييرا، وهذا بخلاف تكبيرة الافتتاح وتجديد النية (2). وشرح ذلك صدر من قلم المؤلف وهو الموفق. أقول: أما البحث عن النية فلا معنى له على كل حال، لوضوح لزوم أصل النية، لأن صلاة الاحتياط عمل عبادي لابد فيها من الإخلاص وكفاية استدامة النية بنحو قابل للانطباق على الفرض والنفل أي الإتيان بداعي امتثال الأمر الإلهي على كل حال، إذ على فرض الاستقلال لا دليل على عدم كفاية استدامة تلك النية القابلة للانطباق على صلاة الاحتياط ولا على عدم كفاية نية خصوص الفرض مع العلم بترددها بين النفل والفرض على كل حال، إذ على فرض عدم الاستقلال لا يكون ممحضا في الفريضة أيضا قطعا، والظاهر أن الإتيان بنية الوجوب جزما أو الاستحباب كذلك من باب الاشتباه غير مضر على كل حال، فما في الجواهر من " لزوم تجديد النية من باب الاستقلال " (3) غير واضح.


(1) الجواهر: ج 12 ص 370. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 572. (3) الجواهر: ج 12 ص 370.

[ 418 ]

[... ] وأما لزوم تكبيرة الافتتاح فما يمكن الاستدلال به عليه امور: الأول: قولهم في غير واحد من الأخبار " ثم يقوم فيصلي ركعتين وأربع سجدات " (1) أو " صل ركعتين وأنت جالس " وما أشبه ذلك في الظهور في الاستقلال (2)، لأنه لافرق بين المورد وغيره مما لا يحصى من الأمر بالصلاة عند الإحرام أو بعد زيارة المعصوم، ومنشأ ذلك هو ظهور كون الركعتين مصداقا للصلاة مع قطع النظر عن المجبورة أو من باب لزوم كونها مصداقا للصلاة على كل حال. هذا مع قطع النظر عن التعريض للنفل. لكن فيه: منع الظهور المذكور، بل لابد من صدق الصلاة عليها ولو من باب كونها جزء للصلاة المجبورة وجوبا أو استحبابا، والقياس بغيره من الموارد الاخر التي لا يصلح صدق الصلاة عليها إلا بنحو الاستقلال مع الفارق قطعا. الثاني: قولهم (عليهم السلام) في غير واحد من الأخبار - كخبر أبي بصير (3) وصحيح الحلبي (4) ومرسل ابن أبي عمير (5) -: إنها نافلة على تقدير كون الصلاة تامة. ولا ريب في قوة الظهور في كونها مصداقا للنافلة بما لها من المفهوم المعروف عند المتشرعة ومن دون إعمال تعبد في ذلك، وهي محتاجة إلى التكبيرة. والإيراد على الدليل المزبور كما في المستمسك بأن الظهور في التعريض للنافلة بلا إعمال التعبد معارض بظهور الأخبار المذكورة في التعريض للفريضة


(1) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 320، الباب 10 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 8 من ب 10 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ح 1 من ب 11. (5) المصدر: ص 326 ح 4 من ب 13.

[ 419 ]

[... ] كذلك، المستلزم لبطلانها بزيادة التكبير للافتتاح (1) يمكن دفعه بأن الظهور المذكور مقطوع العدم على كل حال، لأن مقتضى ذلك عدم التشهد والسلام وعدم جواز الركعتين من جلوس والتخيير بين الفاتحة والتسبيحات، فالظهور في التعريض للنافلة غير معارض بذلك فتكون حجة على الاستقلال، والصلاة المستقلة محتاجة إلى التكبيرة. الثالث: الحكم بالانصراف الذي هو عين ختم الصلاة بحسب الظاهر كما في خبر عبد الرحمان وأبي العباس، وفيه: " وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس " (2) فإنه يدل على تمامية الصلاة الأصلية المستلزمة لكون الصلاة المأتي بها بعدها مستقلة محتاجة إلى التكبيرة. الرابع: الحكم بالتسليم ثم الإتيان بصلاة الاحتياط أو الحكم بالبناء على الأكثر ثم الإتيان كما في أخبار عمار (3)، وحسن الحلبي وفيه: " فسلم ثم صل ركعتين " (4) وقريب منه ما بعده في الوسائل (5)، وخبر أبي بصير (6)، وخبر محمد بن مسلم (7). ودلالة ذلك بضم مقدمتين: إحداهما: مادل على أن تحليل الصلاة أو ختمها بالتسليم (8). ثانيهما: مادل على أنه لاصلاة إلا بالتكبيرة (9) وأن أول


(1) المستمسك: ج 7 ص 498. (2) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 1 من ب 10 من أبواب الخلل. (3) المصدر: 317، الباب 8. (4) المصدر: ص 321 ح 5 من ب 10. (5) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 6 من ب 10 من أبواب الخلل. (6) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 8 من ب 10 من أبواب الخلل. (7) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 9 من من ب 10 من أبواب الخلل. (8) الوسائل: ج 4 ص 1003، الباب 1 من أبواب التسليم. (9) الوسائل: ج 4 ص 715، الباب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

[ 420 ]

[... ] كل صلاة هي التكبيرة (1). الخامس: مضمر الشحام، وفيه: " وإن كان لا يدري أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب " (2). وفيه ضعف بأبي جميلة. لكن مع ذلك كله لا تطمئن النفس بوجوبها، وذلك من جهة خلو الأخبار المتعرضة لفاتحة الكتاب وللتشهد والتسليم عن الأمر بالتكبير الافتتاحي، وهذا دليل على كونه في مقام بيان ما يحتاج إليه الصلاة من غير جعل الظهور في الاستقلال بيانا على ذلك، إذ لو كان المتكلم متكيا على ذلك لما كان يذكر الفاتحة والتشهد والتسليم، بل التعرض للتكبير أولى منهما، فإن وجوب الفاتحة ولو بنحو التخيير معلوم بخلاف التكبير، والإتيان بالتشهد والتسليم هو مقتضى الأمرين من الجزئية والاستقلال، لأنهما لابد من الإتيان بهما على تقدير النقصان ولو لم تكن صلاة الاحتياط مستقلة، فالتعرض لهما وترك التكبير دليل على عدم لزومها ولو كانت صلاة مستقلة، فالإطلاق المشار إليه الذي هو من جهة السكوت في مقام البيان يعارض ما دل على أن كل صلاة تحتاج إلى التكبير الافتتاحي، فالأصل هو البراءة عن لزومها. لكنه خلاف المشهور بين الأصحاب فلا يترك الاحتياط بالإتيان بالتكبيرة على النحو المطلوب عنده تعالى بشرط حصول براءة ذمته عما هو لازم عليه في صلاة الاحتياط الدائر أمرها بين كونها افتتاحا واجبا ولو من باب وجوب


(1) الوسائل: ج 4 ص 713، الباب 1 من أبواب تكبيرة الافتتاح. (2) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 5 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 421 ]

[... ] الاحتياط أو مستحبا من باب كونها نافلة على تقدير عدم احتياج الصلاة إلى الجبران أو لا يكون افتتاح في المقام أصلا بل يكون تكبيرا مستحبيا من دون اتصافه بالافتتاح، وهو العالم. المسألة الثانية: في الجواهر: إنه قد صرح في القواعد باعتبار اتحاد جهة القبلة بين الصلاة المجبورة والجابرة، فإنها جابرة لتلك الصلاة، وهي إن لم تكن إلى القبلة فلا تحتاج إلى الجبر، وإن كانت إلى القبلة فلا بد من جبرها بصلاة إلى تلك الجهة التي فرضت كونها قبلة واقعية (1). وذلك واضح. لكن يمكن أن يتوهم لزوم صلوات اخر بعد ذلك إلى الجهات الاخر لأن تكون نافلة قطعا على تقدير عدم احتياج الصلاة إلى الجبران من باب عدم كون المأتي به صلاة واقعية واقعة حيال القبلة، والجابرة لابد أن تكون نافلة على تقدير عدم كونها جابرة. لكنه مدفوع بأن الحكم بكون صلاة الاحتياط جابرة لما أتى به من الصلاة إلى جهة من الجهات على فرض ونافلة على فرض آخر إنما هو في موضوع خاص، وهو فرض كون ما أتى به صلاة وإلا فلا معنى لجبرها، وفي هذا الفرض تكون الصلاة إلى تلك الجهة نافلة قطعا على تقدير تمامية ما أتى به. كيف! ولو لا ذلك لزم أن تكون الصلاة الاخرى المأتي بها نافلة من دون احتمال كونها جابرة قطعا ولم تشرع نافلة لا تكون جابرة في ذلك المقام، فتأمل. المسألة الثالثة: لو كان التكليف هو التخيير بين الجهات الأربعة لضيق الوقت فهل يتعين الإتيان بصلاة الاحتياط إلى الجهة التي صلى فيها الأصلية أم يتخير فيها؟


(1) الجواهر: ج 12 ص 370.

[ 422 ]

[... ] فيه إشكال من جهة الإشكال في كون التخيير ظاهريا أو واقعيا، ومن جهة الإشكال على الفرض الثاني في أن الموضوع للتخيير الواقعي هل هو محتمل القبلة في مجموع صلواته في حال الجهل أو في كل صلاة أو في كل جزء؟ ومن جهة الإشكال في أنه على الفرض الثاني من الفروض الثلاثة الأخيرة هل تكون صلاة الاحتياط مستقلة أو جزء لابد أن يراعى فيها احتمال الجزئية؟ فعلى التخيير الظاهري لا يجوز، للقطع بمخالفة القبلة إما في الجابرة أو المجبورة، وللقطع بلغوية الجابرة وعدم كونها جابرة إما لعدم كونها حيال القبلة وإما لعدم كون المجبورة كذلك. وأما على الثاني (أي التخيير الواقعي كما هو الظاهر في المقام، من جهة أن " الصلاة لا تترك بحال " وقوله تعالى: * (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) * (1)، فليس جعل ذلك بملاك الشك، بل المستفاد من الدليل المذكور حفظ الواقع بمقدار الإمكان، ومقتضى ذلك عرفا الإتيان بنحو لا يوجب مخالفة الواقع قطعا، فالتخيير الواقعي مجعول بذلك المقدار) فلا يجوز الإتيان بها إلى جهة اخرى ولو فرض كونها مستقلة ولم يكن فيها احتمال الجزئية، وعلى الفرض المذكور أي احتمال الجزئية فيزيد الإشكال من جهة القطع بالمخالفة في مركب واحد من دون القطع بالموافقة، فتأمل. ومما ذكر يظهر الفرق بين مورد البحث وبين ما ذكره (قدس سره) في العروة الوثقى: لو كان عليه صلاتان فالأحوط أن تكون الثانية إلى جهات الاولى (2).


(1) سورة النساء: 103. (2) العروة الوثقى: الفصل 5 في القبلة، المسألة 12.

[ 423 ]

[... ] وقد علق عليه بعض أعاظم العصر مد ظله بأنه لا بأس بتركه. ومحصل الفرق أن الدليل على التخيير فيه هو الدليل الخاص الوارد في الصلاة إلى أربع جهات من غير تقييد بتعين كل جهة للصلاة الاخرى بعد الإتيان بالاولى، ولو كان ذلك موجبا للقطع ببطلان الثانية لو فرض اشتراط القبلة الواقعية كما في صلاتي الظهر والعصر فإن العصر باطل قطعا حينئذ إما لفقد الترتيب وإما لفقد القبلة، ونظيره ما إذا اشتبهت القبلة في نفس الجهة الواحدة، كما إذا علم أن القبلة ما بين المشرق والمغرب من دون العلم أو الظن بنقطة خاصة، وهذا بخلاف المقام الذي دليله بحسب الظاهر ما علم من عدم رضاية الشارع بترك الصلاة وتأخيرها عن وقتها وأنه لابد من الإتيان بها بنحو يتمكن من جهة درك الشرائط الأولية، فافهم وتأمل. هذا. والاحتياط ما اختاره (قدس سره) في العروة. المسألة الرابعة: قال (قدس سره) في الشرائع: هل يتعين في الاحتياط الفاتحة أو يكون مخيرا بينها وبين التسبيح؟ قيل بالأول، (في الجواهر: كما هو المشهور نقلا وتحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا...) وقيل بالثاني، (في الجواهر: كما عن المفيد والحلي)، والأول أشبه، (في الجواهر: وأصح، بل لا شبه ولا صحة في غيره، بل لعله اجتهاد في مقابل النص) (1). انتهى. أقول: يستدل على الأول المشهور بما تقدم من الظهور في الاستقلال من الأدلة الأربعة المتقدمة (2) التي منها التعريض للنافلة، وقد تقدم (3) أنه لا يعارضها


(1) الجواهر: ج 12 ص 372. (2) في ص 418 وما بعدها. (3) في ص 418 وما بعدها.

[ 424 ]

[... ] التعريض لإتمام الفريضة، مع أنه يقال في ذلك: إنه مع فرض عدم تمامية الجواب المتقدم لا يقتضي التعريض الثاني إلا عدم اقتضاء تعين الفاتحة والتعريض للنافلة يقتضي ذلك ولا تعارض بينهما. ويدل على ذلك - مضافا إلى ما اشير إليه - غير واحد من الأخبار: منها خبر العلاء وفيه: " فصلى ركعة بفاتحة القرآن " (1)، ومضمر محمد بن مسلم وفيه: " ثم قرأ فاتحة الكتاب " (2)، وحسن الحلبي وفيه: " تقرأ فيهما بام الكتاب " (3)، وحسن الحسين بن أبي العلاء وفيه: " صلى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب " (4)، وخبر أبي بصير وفيه: " يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب " (5)، وصحيح الحلبي وفيه: " تقرأ فيهما بام الكتاب " (6)، وغير ذلك مما ورد في الركعة القيامية أو الركعتين عن قيام أو الركعتين عن جلوس، ولذا قال صاحب الجواهر (قدس سره) ما قال بحيث لم يقم عنده وجه لقول المفيد والحلي (7). لكن الإنصاف أنه يمكن توجيه القول المذكور بإطلاق روايات عمار وأن الجمع بينهما وبين ما تقدم من الأدلة جواز الأمرين، غاية الأمر استحباب قراءة الفاتحة. ويمكن أن يقال: إن مقتضى الأخذ بالكل إما الإتيان بصلاة الاحتياط بنحو يصلح للجزئية بمراعاة الاتصال وعدم الإتيان بالمنافي فلا يجب فيه الفاتحة ويجب فيها القيام والإخفات ولا يجب فيها التكبير للافتتاح، وإما الإتيان بها على نحو الاستقلال بالإتيان بالركعتين عن جلوس أو بركعة قائما بعد الإتيان بالمنافي


(1) الوسائل: ج 5 ص 319 ح 2 من ب 9 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 321 ح 4 من ب 10. (3) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 5 من ب 10 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ح 6. (5) المصدر: ص 322 ح 7. (6) المصدر: ص 322 ح 1 من ب 11. (7) الجواهر: ج 12 ص 372.

[ 425 ]

[... ] ويمكن الجمع بين الأمرين، ووجوب كونها على نحو تصلح للأمرين غير واضح. والقول الكلي في صلاة الاحتياط أن الاحتمالات في الأخبار الواردة في صلاة الاحتياط خمسة: الأول: هو الجمع بين القيود المستفادة من روايات عمار الحاكمة بلزوم الإخفات وعدم الفصل بالمنافي لقوله (عليه السلام): " فأتم ما ظننت أنك نقصت " (1) الظاهر في كون ما يتم به الصلاة هو عين ما نقص، من حيث واجديته لجميع الشرائط الوجودية والعدمية إلا من حيث ما ثبت بنفس الدليل المذكور من التشهد والسلام والقيود المستفادة من الأدلة الاخرى التي عمدتها التعريض لكونها نافلة ولزوم مراعاة الاستقلال فيجب فيها التكبير والفاتحة. نعم، يجوز الركعتان عن جلوس بدل القيام في موارد صراحة الأدلة الخاصة الواردة في الشك بين الثلاث والأربع أو بين الاثنتين والثلاث والأربع. وهذا هو الذي يظهر من العروة الوثقى للسيد الفقيه الطباطبائي (قدس سره) (2). الثاني: وجوب مراعاتها على وجه يصلح أن يقع جزء فيجب فيها الاتصال وعدم الفصل بالمنافي والإخفات، ويجوز ترك التكبير الافتتاحي والفاتحة إلا أن يأتي ركعتين جالسا، فإنها حينئذ لا تصح إلا مع الاستقلال، وحينئذ يجوز الاكتفاء به، لدلالة الأخبار الصريحة في موارده، إلا أن مقتضى ملاحظة الجزئية ملاحظتها من غير ناحية ما ثبت عدم لزوم ذلك، فيجوز أن يأتي بما هو جزء على وجه ينطبق على الصلاة المستقلة بالإتيان بالركعتين جالسا أو الركعة القيامية


(1) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 53، المسألة 2.

[ 426 ]

[... ] مع الإتيان بالتكبير، وحينئذ لابد من الفاتحة لأن تكون نافلة، وإن تركت الفاتحة فلا بأس به أيضا ظاهرا إلا أنه لا تصير نافلة. الثالث: وجوب مراعاتها على نحو تقع مستقلة وتصير الصلاة المستقلة جابرة لنقص الصلاة تعبدا، فيجب فيها التكبير والفاتحة ويجوز الفصل الطويل والإخلال بينها وبين الصلاة الأصلية. والوجه في ذلك تقيد إطلاقات روايات عمار (1) بالأخبار الواردة الحاكمة بالخصوصيات وحمل الاولى على كونها في مقام الإجمال وأنه لابد من الإتيان بما يجبر به النقص في الجملة، كما أن الوجه في الاحتمال الثاني هو الأخذ بجميع ما يستفاد من روايات عمار وحمل الروايات الاخر على أنها لابد من الإتيان بها على وجه يمكن أن تصير مستقلة إن شاءت أن تصير نافلة. الرابع: التخيير المطلق بإلقاء القيود المستفادة من روايات عمار بقرينة الأخبار الاخر وإلقاء القيود المستفادة من الروايات الاخر - من تعين الفاتحة والتكبيرة - بإطلاق روايات عمار، ولازم ذلك جواز الإتيان بركعة قائما بعد الفصل بالمنافي من دون التكبير والفاتحة. الخامس: هو التخيير بين الأخذ بمقتضى روايات عمار بجميع قيودها من تعين الإخفات وعدم الفصل والإتيان بها قائما أو الأخذ بالروايات الاخر فتتعين فيها الفاتحة والتكبير ولا يجوز الفصل الطويل ولا الإتيان بالمنافي، وهو الأقرب والأشبه في مقام الجمع بين الأدلة، والأحوط الجمع بين الأمرين، والله العالم. المسألة الخامسة: لو تذكر نقص الصلاة بعد الإتيان بما هو وظيفة الاحتياط


(1) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل.

[ 427 ]

[... ] فالظاهر عندهم الصحة مطلقا ولو كان المأتي به بعنوان الاحتياط مخالفا لما نقص، كما إذا شك بين الثلاث والأربع فسلم فأتى بركعتين جالسا، خلافا لما حكى في الجواهر عن صاحب الموجز من البطلان من غير أن يعرف له موافق كما فيها (1)، أو فصل بين المجبورة والجابرة بالمنافي إن قلنا بعدم مبطليته لصلاة الاحتياط لو لم يتذكر النقص بعد ذلك أيضا، خلافا لما حكى فيها عن الدروس (2)، أو أتى بالاحتياطين وكان الاحتياط الثاني موافقا للناقص، كما إذا شك بين الاثنتين والثلاث والأربع فأتى بركعتين قائما وركعتين من جلوس وبعد ذلك تذكر نقص صلاته بركعة وإن حكى فيها استشكال بعضهم في ذلك (3). كل ذلك من جهة ظهور أدلة الاحتياط في كون ما أتى به جابرا واقعا للناقص. وتقريب ذلك من وجوه: الأول: خبر مروان بن مسلم عن عمار وفيه: " ألا اعلمك شئ إذا فعلته ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ؟ ". إلى أن قال (عليه السلام): " وإن ذكرت أنك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت " (4). وهو صريح الدلالة بالنسبة إلى موارد شموله التي منها الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع إذا أتى بالاحتياط الثاني بالركعة القيامية. لكن قد مر عدم وضوح سنده.


(1 و 2 و 3) الجواهر: ج 12 ص 373. (4) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل.

[ 428 ]

[... ] الثاني: ما دل على إتمام الصلاة على تقدير النقصان فإنه يناسب الحكم الواقعي، لأن الحكم الظاهري مجعول في فرض الترديد، وأما المجعول في أحد التقديرين فلا يمكن أن يكون حكما ظاهريا، ففي خبر أبي بصير المروي في المقنع: " فإن كنت صليت ثلاثا كانتا هاتان تمام صلاتك " (1)، وفي صحيح الحلبي: " فإن كنت إنما صليت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع " (2)، وقريب منه ما في ما بعده (3)، وفي مرسل ابن أبي عمير: " وإلا تمت الأربع " (4). الثالث: أن الحكم ظاهر في الواقعي، لأن الظاهر منه أن البعث إلى الشئ إنما وقع بداعي الإرادة الجدية، وإنما رفعنا اليد عن ذلك في الشك في الحكم للزوم التصويب الباطل أو المحال ولأنه يلزم من فرض وجود الحكم عدمه، وهذا بخلاف المجعول في صورة الشك في الموضوع، مع أنه لو كان الواقع محفوظا وباقيا بحاله يحصل القطع ببطلان صلاة الاحتياط إما من باب عدم الاحتياج وإما من جهة البطلان بزيادة السلام العمدي، ومشروعية النافلة الخاصة في فرض صلاحيتها للجبران. الرابع: إطلاق الحكم بكفاية ذلك من غير تفصيل بين كشف النقص وعدمه. المسألة السادسة: لو تذكر في الشك بين الأربع والخمس - بعد الإتيان بسجدتي السهو من باب احتمال الزيادة - أنه زاد في صلاته فهل يحكم بصحة الصلاة من باب جريان بعض الوجوه المتقدمة فيه (من الظهور في الحكم الواقعي


(1) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 8 من ب 10 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ح 1 من ب 11. (3) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ص 326 ح 4 من ب 13.

[ 429 ]

[... ] الموجب للحكم بالصحة واقعا) فيكون مخصصا لما دل على بطلانها بزيادة الركعة ومن حيث إطلاق ما دل على الاكتفاء بتلك الصلاة من جهة عدم الأمر بالإعادة عند كشف الخلاف كما هو مقتضى خبر ابن سنان (1) وصحيح أبي بصير (2)، أو يحكم بالبطلان من جهة حسن زرارة وبكير عن أبي جعفر (عليه السلام): " إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا " (3)؟ وجهان، ولعل الأشبه هو الثاني وإن لم أر التعرض لذلك في كلام الأصحاب رضي الله عنهم، وذلك من جهة أن الظهور في الحكم الواقعي لا يقتضي إلا صحتها واقعا مادام الشك فلا ينافي البطلان إذا اتصفت بوصف التيقن كما هو مقتضى الحسن المذكور، وأما إطلاق الاكتفاء بها فهو معارض بإطلاق الحسن بالعموم من وجه فيرجع إلى عموم معتبر أبي بصير: " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (4)، فتأمل. المسألة السابعة: لو تذكر النقص في أثناء صلاة الاحتياط وكانت هي موافقة للناقص من حيث الكم والكيف - كأن شك بين الثلاث والأربع فسلم وأتى بركعة من قيام وتذكر في حال القيام أو بعد الركوع أو بعده وبعد السجود نقصان صلاته بركعة - فيمكن أن يقال بالصحة، لا من باب إجراء دليل الاحتياط بالإطلاق أو بالاستصحاب: فإن الأول مدفوع بظهور الدليل الدال على الإتيان بصلاة الاحتياط في فرض الشك في وجود العنوان حدوثا وبقاء، وكون الموضوع لذلك هو حدوث الشك


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 1 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 3 من ب 14 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ص 332 ح 1 من ب 19. (4) المصدر: ص 332 ح 2 ب 19.

[ 430 ]

[... ] موجب للإتيان بالتشهد والسلام ولو مع القطع بالنقصان بعد عروض الشك، والظاهر أنه لم يقل بذلك أحد من الأصحاب، بل لازم ذلك هو وجوب الإتيان ولو مع القطع بالتمام. وأما الثاني وهو الاستصحاب الذي هو عمدة دليل صاحب الجواهر (1) فيدفع بوجوه: منها: تغير الموضوع، لأن الموضوع هو الشك. وفيه: أن الموضوع باق عرفا. ومنها: أنه ليس له حالة سابقة متيقنة، إذ على فرض كون الموضوع هو الشك الباقي فالموضوع مشكوك من أول الأمر وكذا الحكم، وهو الذي أفاده (قدس سره) في المستمسك (2). وفيه: أن الحكم بلزوم الجري في حال الشك معلوم وإلا لم يكن على أحد ملتفت إلى احتمال زوال الشك العمل على طبق الاحتياط، والحكم المذكور مردد بين كونه واقعيا بأن يكون الموضوع واقعا هو الأعم من الشك الحادث والباقي وبين أن يكون من باب استصحاب بقاء الشك أو حكم ظاهري آخر مرتفع قطعا، فالحكم الفعلي الموجود مردد بين ما هو مقطوع الارتفاع وبين ما هو مقطوع البقاء ويكون مشكوك الحدوث فيستصحب أصل الحكم المردد بينهما فيكون من قبيل القسم الثاني من الكلي، إلا أن يقال: إنه معارض باستصحاب عدم الحكم الواقعي على طبق حدوث الشك، والحكم الظاهري المجعول بلحاظ الشك في بقاء الشك مقطوع الارتفاع، وهو إشكال آخر على الاستصحاب.


(1) راجع الجواهر: ج 12 ص 372. (2) المستمسك: ج 7 ص 511.

[ 431 ]

[... ] ومنها: أن التمسك بالاستصحاب إنما هو في صورة فقد الدليل، ومقتضى الدليل الاجتهادي في المقام هو صحة الصلاة في المقام إن لم يفصل بينها وبين صلاة الاحتياط بالمنافي والبطلان في صورة الفصل، وهو التفصيل الذي نقله (قدس سره) في الجواهر عن بعض الأصحاب رضوان الله عليهم. توضيح ذلك أن يقال: إن في المقام دعويين: إحداهما صحة الصلاة في فرض عدم المنافي. ثانيتهما البطلان في فرض الفصل بالمنافي. والدليل على الاولى انطباق المأمور به الأولي على المأتي به فيصح، لأنه لا مانع منها إلا امور: الأول: التشهد والسلام الواقعان في غير المحل. الثاني: التكبير الزائد للافتتاح. الثالث: عدم قصد عنوان الصلاة الأصلية من الظهر والعصر والعشاء. والكل مدفوع: أما الأول فلأن مقتضى " لا تعاد الصلاة " عدم كون ذلك سببا لبطلان الصلاة إذا وقع بتخيل الأمر الشرعي ولو كان هو الأمر الاحتياطي الحاكم بالبناء على الأكثر، مضافا إلى إمكان التمسك بما ورد في الباب الثالث من أبواب الخلل (1)، من جهة دلالتها عرفا على عدم مانعية السلام بتخيل كونه هو التكليف الفعلي وإن كان واردا في خصوص السلام بتخيل تمامية الصلاة إلا أن المستفاد من الملاك هو كون السلام والتشهد واقعين في غير المحل من غير تعمد ولا جهل بالحكم الذي لا يعذر فيه فراجع وتأمل، بل لعل بعضها لا يخلو عن نوع دلالة.


(1) راجع الوسائل: ج 5 ص 307.

[ 432 ]

[... ] وأما الثاني فلأن مقتضى حديث " لا تعاد " عدم مبطلية زيادة التكبير الافتتاحي، وما ثبت بالإجماع مبطليته هو ما كان المقصود به الافتتاح للصلاة التي افتتح لها قبلا لا لصلاة اخرى، مضافا إلى ما تقدم من أن الأحوط أن يؤتى بتكبير صلاة الاحتياط بقصد ما هو مطلوب واقعا، وقد مر أنه لا يكون افتتاحا حينئذ مطلقا، بل على تقدير عدم كون الركعة الاحتياطية صالحة للجبر بنفسها بأن يكون بنفسها مصداقا للصلاة الواقعية. وأما الثالث فإنه مبني على كونها مستقلة حتى من حيث كونها ظهرا أو عصرا مثلا على فرض النقصان، وهو خلاف ظاهر قوله (عليه السلام) على ما في صحيح الحلبي: " كانتا هاتان تمام الأربع " (1) وكذا قوله (عليه السلام) على ما في مرسل ابن أبي عمير: " وإلا تمت الأربع " (2)، بل ولو فرض عدم القصد فعدم الاشتراط أيضا ثابت بحديث " لا تعاد "، فتصح الصلاة حينئذ بحسب القاعدة. هذا بالنسبة إلى الدعوى الاولى. وأما الثانية - وهي البطلان في صورة الفصل بالمنافي - فهي واضحة، لأنها مقتضى فرض المنافي وعدم مشموليتها لدليل الاحتياط، والله العالم. المسألة الثامنة: إن كان تذكر نقصان الصلاة بعد الاحتياط الأول وقبل الشروع في الثاني وكان ما أتى به موافقا لما نقص كما وكيفا - كما أنه لو شك بين الاثنتين والثلاث والأربع فصلى ركعتين فعلم أن نقص صلاته كان ركعتين - فلا ينبغي الإشكال في الحكم بالصحة. وفي العروة قد نفى البعد عن صحتها (3). ويمكن أن يستدل على ذلك بامور:


(1) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 1 من ب 11 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 326 ح 4 من ب 13. (3) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 53، المسألة 10.

[ 433 ]

[... ] الأول: ما تقدم في المسألة المتقدمة في صورة عدم الإتيان بالمنافي بينها وبين الأصلية. الثاني: أن كل واحد من الشكين مصداق بنفسه لرواية عمار أي قول أبي عبد الله (عليه السلام) على ما فيها: " متى ما شككت فخذ بالأكثر، فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (1) وكذا غيره مما نقل فيه حديث عمار (2)، فإنه قريب مما ذكر، فهو بموضوعه الذي هو الشك وبحكمه الذي هو إتمام ما نقص ظاهر في الانحلال إلى حكمين في مورد الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، مع أنه لو لم يكن قوله (عليه السلام) " متى ما شككت " ظاهرا في الانحلال فلا ريب أن الموضوع في القضية الثانية - وهي الحكم بوجوب إتمام ما ظن أنه ناقص - ظاهر في الانحلال فكل محتمل النقص يؤتى به، وهو ظاهر في بقاء الاحتمال إلى آخر العمل وهو الإتيان بما احتمل نقصه. الثالث: قوله على ما في خبر مروان عن عمار عنه (عليه السلام): " وإن ذكرت أنك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت " (3)، فإنه يصدق على التذكر في أثناء الاحتياطين ويحكم بالجبران. الرابع: قوله (عليه السلام) على ما في معتبر ابن أبي عمير: " وإلا تمت الأربع " (4) الظاهر في أن المقصود تمامية الأربع على تقدير الجبران، ولا ريب أن ذلك حاصل في المورد.


(1) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 318 ح 3 و 4. (3) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ص 326 ح 4 من ب 13.

[ 434 ]

[... ] الخامس: ما تقدم سابقا (1) من شمول دليل الشك بين الاثنتين والأربع والشك بين الثلاث والأربع للمورد. ودعوى " الانصراف إلى الشك المحدود بذلك " ممنوعة كما تقدم (2) وتقدم تأييده بالإجماع المنقول عن كلام العلامة الطباطبائي (3)، ولا ريب أن كل دليل لا يقتضي إلا بقاء الموضوع المفروض فيه، فدليل الشك بين الاثنتين والأربع لا يقتضي إلا بقاء الشك إلى آخر عمل ذلك الشك. السادس: الارتكاز العرفي وأن المناسبة بين الحكم والموضوع تقتضي بقاء كل شك إلى تمامية العمل الذي يكون جبرانا لنقصه. ومن ذلك يظهر قوة الجبران في صورتين اخريين أيضا، وهما ما إذا فصل بين الأصلية والاحتياط بالمنافي وقلنا بعدم إضراره بصلاة الاحتياط، وما إذا كان صلاة الاحتياط مخالفا له في الكم والكيف، فإن مقتضى بعض الوجوه المتقدمة صحة الصلاة من باب صحة الاحتياط وشمول دليله، لا من باب انطباق التكليف الأصلي على المأتي به حتى ينحصر ذلك بصورة عدم تخلل المنافي، لكن الاحتياط لا يترك في الصورتين فكيف بالصورة الثالثة التي يكون فيها احتمال المانع من جهتين: من جهة الفصل بالمنافي ومن جهة كون ما أتى به مخالفا للناقص كما وكيفا، فصور تلك المسألة أربعة: الاولى التي هي واضحة بحسب الحكم بحمده تعالى أن يكون المأتي به موافقا للناقص كما وكيفا من دون فصل المنافي. الثانية أن يكون موافقا كذلك لكن مع فصل المنافي. الثالثة أن يكون


(1) في ص 394 وما بعدها. (2) في ص 394 وما بعدها. (3) تقدم في ص 395.

[ 435 ]

[... ] مخالفا للناقص من دون الفصل به. الرابعة صورة المخالفة والفصل بالمنافي. المسألة التاسعة: لو تذكر النقص في أثناء الاحتياط الثاني وكان هو موافقا للكيف والكم لما تذكر من النقصان ولم يفصل بين الجابرة والمجبورة شئ من المنافيات إلا الاحتياط الأول فهل يكون الاحتياط الأول منافيا أم لا؟ كما إذا شك بين الاثنتين والثلاث والأربع فصلى ركعتين قائما ثم صلى ركعة قائما وتذكر النقص في حال القيام من الاحتياط الثاني مثلا. فبناء على ما ذكرناه من عدم دلالة دليل الاحتياط وعدم جريان الاستصحاب فيمكن أن يصحح الصلاة أيضا من باب أن الخلل المتصور من ناحية السلام والتشهد الواقعين في غير المحل وكذا زيادة التكبير الافتتاحي وكذا عدم القصد إلى العنوان في الصلاة الجابرة فقد مر دفعها في المسألة السابعة. وأما الاحتياط المأتي به في الأثناء غير المحتاج إليه في الواقع الموجب لكونها نافلة فيمكن أن يقال بعدم مانعيته عن اتصال الركعة الجابرة بأصل الصلاة، لأن توهم المانعية: إن كان من باب كونه مصداقا لمثل حسن زرارة وبكير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا " (1) الظاهر في تذكر النقص بعد ما زاد لا الأعم منه ومن صورة تعمد الزيادة من أول الأمر فهو في عرض حديث " لا تعاد "، فلايتوهم حكومة " لا تعاد " عليه، لكون كل واحد منهما متعرضا لصورة فرض وقوع الخلل، فذلك مدفوع بأن الظاهر منه هو الزيادة في الصلاة بعنوان نفس الصلاة المزيد عليها، وذلك من جهة


(1) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 1 من ب 19 من أبواب الخلل.

[ 436 ]

[... ] كلمة " الزيادة " الظاهرة في كون الزائد من جنس المزيد عليه وكلمة " المكتوبة " التي عدم شمولها لما تقع نافلة - كما في المقام - واضح، ومن جهة فرض حصول اليقين بعد ذلك الموجب لكون القدر المتيقن منه صورة عدم الالتفات إلى الزيادة في حال الإتيان بها لا صورة الترديد كما في المقام. وإن كان توهم ذلك من باب إطلاق التعليل الوارد في معتبر زرارة: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (1) الشامل بقرينة المورد لكل عمل كانت صورته موافقة لصورة أجزاء الصلاة، فإن سجدة التلاوة لا يؤتي بها بقصد كونها من الصلاة، فهو مدفوع بإطلاق حديث " لا تعاد الصلاة " (2). إن قلت: يحتمل أن تكون زيادة السجدة والركوع داخلة في المستثنى، لاحتمال أن يكون المقصود إخراج صور الخلل الآتي من قبل الخمسة ولو من حيث مانعية زيادة بعضها. قلت: ما ذكره (عليه السلام) في ذيل الحديث: " القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة " (3) دال على أن الملاك هو الإتيان بما هو الفريضة، والظاهر أن عدم الزيادة ليس من الفرائض، وإن شك في ذلك فمقتضى الاستصحاب عدم كون ذلك فرض الله تعالى، ولعل عدمها كان سنة من النبي (صلى الله عليه وآله) لحفظ التأدب والإشعار بالتسليم لأمره تعالى. مع أنه يمكن الاستدلال للصحة بموثق منصور في مورد نسيان القراءة:


(1) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. (2 و 3) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 437 ]

[... ] " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " قلت: بلى، قال: " قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا " (1). فإنه ظاهر في أن علة تمامية الصلاة في صورة نسيان القراءة هو الإتيان بالركوع والسجود، وهو صادق في المورد فيمكن الحكم بصحة الصلاة وعدم لزوم الإعادة، إلا أن الاحتياط الشديد هو الإعادة. والله المتعالي هو العالم الملهم ومنه التوفيق وعليه التكلان. المسألة العاشرة: لو تذكر النقص بعد الإتيان بالأركان وقبل التشهد والتسليم مثلا فالظاهر أن حكمه حكم تذكره قبل ذلك من جهة البطلان من حيث صلاة الاحتياط. إن قلت: مقتضى جريان حديث " لا تعاد الصلاة " في صلاة الاحتياط هو الصحة وجبران الصلاة بذلك، لإلقاء التشهد والتسليم عن الجزئية بالحديث المذكور، فيكون الشرط حاصلا لصحة الاحتياط، وهو استمرار الشك إلى آخر الأجزاء. وكون مقتضى ظهور دليل صلاة الاحتياط في فرض استمرار الشك إلى آخرها بطلان ذلك لا ينافي الحكم بالصحة من حيث حديث " لا تعاد "، فإن مقتضى أدلة الجزئية والشرطية في جميع موارد جريان حديث " لا تعاد " هو البطلان لو لا الحديث المذكور الحاكم على الأدلة. قلت: الظاهر بل المقطوع عدم جريان حديث " لا تعاد " في المقام لوجوه: منها: أن الحكم بعدم الإعادة ظاهر في موضوع يكون الحكم فيه الإعادة لو لا الحديث المذكور، ومن المعلوم أن صلاة الاحتياط وإن كانت باطلة لو لا الحديث


(1) الوسائل: ج 4 ص 769 ح 2 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 438 ]

[... ] إلا أنه لا يشرع إعادتها لولاه حتى ترتفع بذلك، فإن المفروض ارتفاع الشك، ومع عدم الشك والقطع بالنقصان لا يشرع الاحتياط، فلابد من إعادة الصلاة الأصلية إن وقع في البين مناف كالحدث والاستدبار أو يتممها لنقص الركعة القطعية غير المرتفع بالحدث المذكور. لكن يمكن الذب عن ذلك بإمكان إلقاء الخصوصية المذكورة بما ورد في الذيل من صحيح زرارة، قال: " القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة " (1) فإن الظاهر من الذيل الذي هو في مقام بيان ملاك الحكم بحسب الظاهر أن المجعول صحة المركب إذا اتي فيها بما هو المفروض وكان الخلل في السنة ولو لم يكن الحكم فيه هو الإعادة لو لا الحديث. ومنها: أن ظاهر الصدر والذيل إن لم يكن صريحهما أن المفروض في حديث " لا تعاد " فرض الوجوب وكون بعض الواجب فريضة وبعضها سنة فتصح إذا أتى بالفريضة ووقع الإخلال بالنسبة إلى السنة، ومن المعلوم أنه في المقام بعد عدم استمرار الشك لا تكون صلاة الاحتياط واجبة أصلا، فلا فرض ولا سنة في البين حتى لا تنقض السنة الفريضة، وهو ظاهر. ومنها: أن الخلل ليس من ناحية السنة، فإن بقاء الشك إلى آخر الصلاة لا يكون من السنن ولا من الفرائض، وكذا ترك التشهد في حال الشك ليس تركا للسنة بل هو سنة على تقدير بقاء الشك، ولا يكون الإتيان به في الظرف المذكور من الواجبات السننية حتى يجب عليه التعجيل قبل رفع الشك، فالظاهر أن حكم ذلك حكم باقي موارد رفع الشك في الأثناء من عدم صحة الصلاة من باب الاحتياط، وهو العالم.


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 439 ]

[... ] المسألة الحادية عشرة: لو تذكر نقص غير الركن من صلاة الاحتياط ثم تذكر نقص الصلاة الأصلية بركعة فالظاهر عدم الإشكال في جريان " لا تعاد " في صلاة الاحتياط وجبران الصلاة بذلك، لأن صلاة الاحتياط وقعت صحيحة موردا لانطباق الدليل عليه والنقص مرتفع بإطلاق حديث " لا تعاد ". ومن ذلك يظهر الكلام في عكس ذلك بأن تذكر نقص الصلاة الأصلية بعد صلاة الاحتياط ثم تذكر نقص صلاة الاحتياط بالإخلال بما ليس بركن، إذ لا فرق بين المسألتين في ما تقدم إلا عدم العلم بجريان " لا تعاد " بالنسبة إلى صلاته، لكن الظاهر أن جريان " لا تعاد " وشموله لا يتوقف على تذكر النقص، فالنقص الحاصل السهوي في مورد شمول دليل الاحتياط - وهو الشك المستمر إلى آخر الصلاة - مرتفع ومحكوم بالعدم فيكون جابرا للصلاة الأصلية أيضا. المسألة الثانية عشرة: لو تذكر تمامية الصلاة قبل صلاة الاحتياط فلا يشرع النفل كما هو واضح إلا من باب مطلق الإتيان بالنفل. ولو تذكر بعد تمامية صلاة الاحتياط فمقتضى غير واحد من الأخبار المتقدمة التي منها صحيح الحلبي (1) هو وقوع ما وقع نفلا وإن كانت ركعة واحدة. وأما لو تذكر في الأثناء فإن قلنا بكونه مشمولا لدليل الاحتياط فلازمه وقوعها نفلا ولو كانت ركعة واحدة وعدم إشكال من ناحية التطوع في وقت الفريضة، لأظهرية دليل الاحتياط الشامل للظهر قطعا المستلزم لكون النفل واقعا في وقت الفريضة على تقدير التمام، فتأمل. لكن قد تقدم في مسألة تذكر النقص في الأثناء أن عدم شمول الدليل


(1) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 1 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 440 ]

[ قال (قدس سره): لو فعل ما يبطل الصلاة قبل الاحتياط قيل: تبطل الصلاة ويسقط الاحتياط، لأنها معرضة لأن تكون تماما والحدث يمنع ذلك، وقيل: لا تبطل، لأنها صلاة منفردة، وكونها بدلا لا يوجب مساواتها للمبدل منه في كل حكم (1). * ] للشك غير المستمر إلى آخر العمل واضح، وحينئذ لا دليل على مشروعية تلك النافلة. وحينئذ لا إشكال في سهولة الاحتياط في مثل العصر والعشاء مما لا يكون في وقت الفريضة حتى يشكل من ناحية التطوع في وقت الفريضة، فالاحتياط حينئذ تتميم ذلك بركعتين وإن كانت الصلاة مبنية على ركعة واحدة وقد اتيت بعنوان كون الركعة نافلة بنحو الاستقلال على فرض تمامية الصلاة إذ لا أثر لهذا القصد، وبعد ضم ركعة اخرى إليها تصير الصلاة مصداقا للنوافل الابتدائية، إذ لا قصور في ذلك بعد الإتيان بالصلاة بقصد التقرب إليه تعالى. إنما الإشكال في مثل الظهر، فإن إدامة الصلاة بعنوان النفل موجب للوقوع في شبهة التطوع في وقت الفريضة، والقطع أيضا خلاف الاحتياط، لاحتمال حرمة قطع الصلاة ولو كانت نافلة. ولعل الاحتياط بأن يؤتى بالباقي برجاء كونه صلاة - كالصلاة إلى أربع جهات في صورة اشتباه القبلة - فإنه على تقدير عدم جواز التطوع لم يقصد الصلاتية حتى يصير مصداقا للصلاة المتطوعة في وقت الفريضة، وعلى تقدير جوازه لم يقطع النافلة الصحيحة، وهو العالم بالحقائق. * قال (قدس سره) في الجواهر ما مفاده أن:


(1) الشرائع: ج 1 ص 89 - 90.

[ 441 ]

[... ] القول الأول منسوب إلى الأكثر في المفاتيح، وإلى المشهور كما عن المصابيح، لكن لم أجده إلا للمختلف حاكيا فيه عن الغرية للمفيد ما لعله يظهر منه ذلك، والمحقق الثاني في شرح الألفية غير جازم به بل قال لعله الأقرب، وللذكرى والدرة على ما حكي عنهما كما عن حواشي الشهيد أنه أولى. وليس ذلك في كتب القدماء جميعا إلا ما يظهر من وجوب المبادرة، وهو لا يدل على البطلان بالمنافي الواقع في البين مع حفظ المبادرة. والقول الثاني خيرة الحلي والفاضل في بعض كتبه والشهيدين وجماعة من متأخري المتأخرين (1). انتهى. وفي مصباح الفقيه أنه مختار شيخنا المرتضى (قدس سره) (2)، لكن صاحب الجواهر اختار الأول (3). وكيف كان، حيث لا إجماع في البين يكشف عن وجود الدليل أو يكون موجبا للإعراض عما يدل على عدم البطلان أو البطلان فلابد من البحث والتفحص عن دلالة الأدلة، فنقول ومنه التوفيق: إن ما يمكن الاستدلال به على البطلان يلخص في امور: الأول: ما دل على أن صلاة الاحتياط تكون تمام ما نقص على تقدير النقص، والظاهر أنها تمامها من دون إعمال التعبد، وهو ظهور متبع خرجنا عنه بالنسبة إلى ما ثبت (من تخلل التشهد والسلام والتكبير وصلاة ركعتين جالسا بدلا


(1) الجواهر: ج 12 ص 379 - 382. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 572. (3) الجواهر: ج 12 ص 380.

[ 442 ]

[... ] عن الركعة القيامية) ونأخذ به في غير ذلك من سائر الشرائط والموانع والقواطع، ومقتضى ذلك اعتبار ذلك كله في صلاة الاحتياط واشتراطها بعدم فصل ما هو قاطع للصلاة، فإن كون صلاة الاحتياط تماما للنقصان مقتضى صحيح الحلبي أي قوله " فإن كنت إنما صليت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع " (1) وقريب منه ما بعده من خبر ابن أبي يعفور (2) وقوله في خبر عمار " كان ما صليت تمام ما نقصت " (3). وفيه: أن الظهور المذكور متوقف على كون المتكلم في مثل ما مر بصدد بيان الاستدلال وتطبيق المأتي به على المأمور به الأولي، لكنه غير واضح بل الأظهر أن يكون بصدد بيان الفائدة بعد إعمال التعبد، خصوصا مع كون إعمال التعبد واضحا في جميع ذلك ولو بالنسبة إلى السلام والتشهد الواقعين في غير المحل على تقدير النقصان وفي بعضها الأمر بالجلوس كخبر ابن أبي عمير (4) ومثله خبر أبي بصير (5)، فلا ظهور في أن المقصود به الاستدلال، بل المقصود أنه يتم به النقص في مقام تأمين الغرض لا مع فرض بقاء الأمر بالأربع المتصل. الثاني: قوله (عليه السلام) في خبر عمار: " فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (6) وقريب منه روايتا مروان ومعاذ عن عمار (7)، فإنه أمر بموضوع يراه المكلف أنه تمام ما نقص مع قطع النظر عما قامت القرينة على عدم مراعاته (وهو التشهد


(1) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 1 من ب 11 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 323 ح 2. (3) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 4 من ب 13 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 8 من ب 10 من أبواب الخلل. (6) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (7) المصدر: ص 318 ح 3 و 4.

[ 443 ]

[... ] والسلام) وليس الموضوع ما يكون تمام ما نقص بحسب ما هو مؤمن للغرض والملاك، فحنيئذ يجب أن يأتي المكلف بالناقص مشتملا على جميع الأجزاء والشرائط الوجودية والعدمية التي كانت للناقص. وفيه: أنه لابد أن يؤتى بالناقص كذلك إلا أن الشرط العدمي من حيث المنافي هو أن لا يكون ما يأتي به بعنوان الاحتياط والجبران مسبوقا بتخلل المنافي في أثناء الصلاة. وكون الظرف المبحوث عنه - وهو بعد السلام وقبل الشروع في صلاة الاحتياط - أثناء الصلاة أول الكلام فالاشتراط بذلك مشكوك مدفوع بأصالة البراءة، مع أن مقتضى " فإذا انصرفت " (1) وقوله " فإذا فرغت " (2) وقوله " فإذا فرغ " (3) وقوله " فانصرف " (4) هو الفراغ عن الصلاة وعدم كون المنافي في الأثناء، وكذا مقتضى دليل مخرجية السلام ومحلليته وكون آخر الصلاة التسليم (5) وقوله: " إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف " (6) وقوله " فقد فرغ من الصلاة " (7) ذلك، مع أن نفس روايات البناء على الأكثر ربما يمكن أن يقال: إنه تدل على مخرجية السلام الواقع في الركعة المشكوكة، لأن المستفاد منه أن الوجه في التشريع المذكور عدم لزوم الزيادة، وهو يدل على كون السلام مخرجا وإلا لكانت الركعة التي يحتاط بها زيادة في الصلاة.


(1 و 2) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 4 و 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ص 319 ح 2 من ب 9. (4) المصدر: ص 320 ح 1 من ب 10. (5) الوسائل: ج 4 ص 1003، الباب 1 من أبواب التسليم. (6) الوسائل: ج 4 ص 1012 ح 2 من ب 4 من أبواب التسليم. (7) الوسائل: ج 4 ص 1013 ح 5 من ب 4 من أبواب التسليم.

[ 444 ]

[... ] لكن يمكن منع الأخير، من جهة أنه لا يدل على مخرجية السلام على تقدير كون الصلاة تامة، وهو مسلم ولا يدل على مخرجيته حتى في صورة النقيصة كي يدل على المطلوب. الثالث: ما أصر عليه (قدس سره) في الجواهر من دلالة الإجماع - الآتي نقله - على الفورية ومن الأخبار الدالة عليها لمكان الفاء الدال على الترتيب من غير تراخ، خصوصا إذا كان بعد " إذا " في قوله (عليه السلام): " فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (1) وقوله: " فإذا فرغت وسلمت فقم فصل " (2) وغير ذلك (3). وبعد فرض الدليل على الفورية فدلالتها على مبطلية مطلق المنافي من وجهين: أحدهما أنه لا خصوصية لمبطلية الفصل الطويل وأنها من جهة منافاته للصلاة، فلا فرق بينه وبين سائر المنافيات والقواطع. ثانيهما من جهة تلازم وجود بعض المنافيات للإخلال بالفورية، كالحدث الموجب للغسل أو الوضوء، فيحكم بالإبطال بالباقي لعدم القول بالفصل. وفيه وجوه من النظر: منها: أن دعوى الإجماع موهونة بما يجئ (4) إن شاء الله تعالى من خلو كتب القدماء من ذلك كما في المستمسك (5). ومنها: أن الفاء الذي للعطف يدل على التعقب والاتصال، وأما الفاء الذي يكون مفاده ارتباط الجزاء بالشرط فلا يدل على الارتباط المذكور، والمقصود


(1) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 381. (4) في ص 449. (5) المستمسك: ج 7 ص 502.

[ 445 ]

[... ] في المقام أنه لابد أن يكون صلاة الاحتياط بعد الفراغ وبعد السلام في مقابل فتاوى العامة المنطبقة على الظاهر على الإتيان بالاحتياط متصلا. ومنه يظهر الكلام في كلمة " إذا ". ومنها: أنه مع الغض عن ذلك وفرض دلالة الفاء على الفورية فهي معارضة بالإتيان بكلمة " ثم " في غير واحد من روايات صلاة الاحتياط كما في معتبر زرارة: " ثم صلى الاخرى " (1) بناء على كون المقصود بالصلاة هو الاحتياط - كما تقدم في محله - ومعتبر الحلبي: " ثم صل ركعتين وأنت جالس " (2) وصحيحه: " ثم صل ركعتين " (3) ومعتبر ابن أبي يعفور على ما لعله المشهور: " ثم يقوم فيصلي ركعتين " (4) وصحيح محمد بن مسلم: " ثم يقوم فيصلي ركعتين " (5). ومنها: أنه على فرض قيام الدليل على الفورية فقياس باقي المنافيات بالإخلال بها خال عن الدليل، وأما عدم القول بالفصل فعلى فرض حجيته غير تام في المقام، لأن البطلان على المفروض في مورد استلزام المنافي للإخلال بالفورية ليس مسلما إلا من جهة الإخلال لا من جهة المنافي. نعم، لو ثبت البطلان في مورد الإخلال بالفورية من جهة المنافي أيضا لكان عدم القول بالفصل في محله. الرابع: عدم وجود إطلاق يقتضي صحة صلاة الاحتياط حتى مع الفصل بالمنافي فمقتضى الأصل هو الاشتغال، لأن الشك واقع في مقام الامتثال.


(1) الوسائل: ج 5 ص 319 ح 1 من ب 9 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 321 ح 5 من ب 10. (3) المصدر: ص 322 ح 1 من ب 11. (4) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 324 ح 6 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 446 ]

[... ] وفيه أولا: أن الظاهر ثبوت الإطلاق القوي من جهة وجود المنافي، لأن مقتضى الطبع هو التكلم والانحراف لو لم يكن مانع في البين، والأخبار كلها على ما تفحصنا خالية عن المنع عن ذلك فالإطلاق محكم. وثانيا: على فرض عدم الإطلاق فحيث إنه قد تقدم (1) أن مفاد دليل الاحتياط كون الانفصال في مورد الشك حكما واقعيا فيشك في ثبوت الحكم الواقعي على وجه الانفصال من دون الاشتراط بعدم المنافي أو مع الاشتراط فمقتضى جريان البراءة في الشك في الشرطية هو رفعها، بل مقتضى استصحاب وجوب الاحتياط وجابريته الثابت قبل عروض المنافي هو الجابرية أيضا. لكن يمكن أن يقال: إنه مع فرض عدم الإطلاق لدليل الاحتياط يرجع إلى إطلاق ما يدل على الاتصال. إن قلت: المفروض هو الشك في الإتيان بالأربعة المتصلة فلا يمكن التمسك بالإطلاق، للشك في مصداق المطلق. قلت: وجود الإطلاق على تقدير النقصان كاف لحصول القطع بأن التكليف الواقعي الوجوبي إن كان فهو الركعة المتصلة، فإما لا يكون تكليف وإما يكون على وجه الاتصال فلا يحتمل وجوب الاحتياط حتى يشك في شرطه، ومقتضى ذلك هو الحكم بالبطلان. الخامس: خبر ابن أبي يعفور عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن ابن مسكان عنه، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري ركعتين صلى أم أربعا،


(1) في ص 427 و 428.

[ 447 ]

[... ] قال: " يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين وأربع سجدات، يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد ويسلم، فإن كان صلى أربعا كانت هاتان نافلة، وإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة، وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو " (1). تقريب الاستدلال بالجملة الأخيرة أنه لا خصوصية من بين أقسام الخلل لخصوص الكلام ولا بين موجبات سجدتي السهو لذلك أيضا، فحينئذ تلك قرينة على أن المقصود هو بيان حكم التكلم بين صلاتي الأصلية والاحتياط، حيث يكون مقتضى الطبع هو صدور الكلام لأنه بعد السلام، فيكثر السهو لأنه على مقتضى الطبع، بخلاف الحدث مثلا فإنه ليس محله نوعا بحسب العادة في الظرف المذكور، وكذا الانحراف لمن يريد صلاة الاحتياط. وبالجملة فالظاهر أن المقصود بيان أن التكلم بين الصلاتين سهو موجب لسجدتي السهو، وهو يدل على البطلان إذا وقع عمدا. وفيه: أن مفاد الدليل هو بيان صلاة الاحتياط المفروض فيه جهل السائل بصلاة الاحتياط، ومن البعيد عدم العلم به وعلمه بأن التكلم العمدي بينها وبين الأصلية مبطل حتى تصل النوبة إلى بيان حكم السهو. وتوهم " أن المتكلم الشارع بين حكم العمد بذلك " مدفوع بالقطع بخلافه، إذ ليس ذلك بيانا مألوفا من قبل الشارع في نظرائه بل هو أشبه باللغز، فتلك قرينة على أنه ليس المراد بيان التكلم بين الصلاتين، بل الأظهر أن يكون في مقام بيان موجب سجدتي السهو في الصلاة. ولعل السر في الإشارة إلى الخلل الموجب لسجدتي السهو رد ما بنى عليه


(1) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 448 ]

[... ] العامة ورووا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سجدتي السهو في الشك في الركعات، فقد روى في الحدائق عن صحيح مسلم عن عبد الرحمان بن عوف عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما يدل على وجوب سجدتي السهو في صورة الشك في الركعات (1). والمظنون أنه (عليه السلام) بصدد نفي ذلك وأن الموجب هو التكلم لا صرف الشك، وأما خصوصية التكلم فلعلها من باب أن نسيان السجدة والتشهد يكون موجبا لها وللقضاء، والسلام بلا محل داخل في الكلام، فتأمل. السادس: ما اختاره (قدس سره) في المستمسك من ترجيح أن يكون حكم الاحتياط ظاهريا، من جهة كون موضوعه الشك، وعلى تقدير الشك في ذلك فمقتضى إطلاق أدلة الأربع الاتصالي بقاؤه على ما كان. ومقتضى ذلك بقاء المصلي في حال الصلاة على تقدير نقصان صلاته، فيكون المنافي واقعا في الأثناء فيكون مبطلا، ولا ينافي تسلم الإجزاء على تقدير كشف الخلاف، إذ المسلم عدم اقتضاء الحكم الظاهري الإجزاء، لا استحالة الإجزاء في العمل بالحكم الظاهري (2). انتهى ملخصا ومحررا. أقول: فيه أولا: أن الشك في الموضوع ليس إلا كسائر الموضوعات، ولا وجه للظهور في كون الحكم المجعول على طبقه ظاهريا، وما هو المسلم من كون الحكم ظاهريا هو ما كان الموضوع في حكم هو الشك في الحكم ولو في الموضوعات، فإنه لا يمكن أن يكون واقعيا، لأنه يلزم من وجوده رفع الشك فيلزم منه رفع الحكم الظاهري، فيلزم من وجوده عدمه. وثانيا: أن الحكم بجواز الجلوس بل الحكم بالصلاة المستقلة لا يمكن


(1) الحدائق: ج 9 ص 195 - 196. (2) المستمسك: ج 7 ص 505.

[ 449 ]

[... ] أن يكون ظاهريا، لأنه إن كان الواقع الذي يلزم امتثاله هو الأربعة المتصلة فيقطع بعدم كون ذلك محرزا للواقع كما هو واضح. وثالثا: أن الإجزاء ينافي كون الحكم ظاهريا، من باب أن الإجزاء إما من باب تأمين المصلحة فيلزم أن يكون واقعيا، وإما من باب فوات المصلحة الملزمة، وهو غير متحقق في المقام قطعا، فإن ذلك قد حصل بجعل الشارع، وهو قبيح على الحكيم، فتأمل. ورابعا: أن الحكم الظاهري من حيث الثلاث والأربع لا ينافي الخروج عن الصلاة قطعا من باب أنه مقتضى إطلاق أدلة التحليل بالتسليم والخروج عن الصلاة به، فالظاهر عدم الدليل على إخلال المنافي بين صلاة الاحتياط والأصلية بهما. والله العالم. ولعله من ذلك يظهر الكلام في الفصل الطويل، فإنه من المنافيات. وأما الإجماع المدعى المحكي عن المسالك وعدم الخلاف المحكي عن الروضة والروض والمصابيح وعن الكفاية أنه ظاهر كلام الأصحاب وعن الذكرى أنه ظاهر الفتوى والأخبار، فموهون كما في المستمسك بعدم النقل والتصريح به من أحد من القدماء، واستظهاره من كلامهم غير ظاهر (1). نعم، يمكن أن يكون الوجه فيه هو انصراف الأخبار إلى ذلك بضم عدم جريان أصل البراءة ولا استصحاب صحة الإتيان بصلاة الاحتياط من أجل إطلاق دليل الأربعة الاتصالية. مسألة: قال (قدس سره) في الجواهر: إنه قيل: إن الإبطال في قضاء الأجزاء المنسية بتخلل المنافي بينها


(1) المستمسك: ج 7 ص 502.

[ 450 ]

[... ] وبين الصلاة أولى من المسألة المتقدمة، لكن عدم البطلان خيرة اللمعة والبيان والدروس والروضة والموجز والمدارك وعن الغرية. وقد يظهر من بعضهم التفصيل بين ما إذا وقع المنافي بعد الصلاة قبل تذكر النقص أو كان ذلك بعده. وعن بعضهم الآخر التفصيل بين وقوع المنافي سهوا إما من باب عدم تذكر النقص وإما بعد ذلك وطرو النسيان بعد ذلك أو السهو عن المنافي بنفسه، والأول هو الذي يظهر مما حكى الجواهر عن فخر المحققين على القول بالإبطال، والثاني هو الذي يظهر مما حكى عن محرر أبي العباس (1). انتهى ملخصا. أقول: عمدة وجه البطلان أن يقال: إن مقتضى ما دل في السجدة وغيرها على أنه " يقضي ذلك بعينه " (2) وقوله: " ثم يسجدها فإنها قضاء " (3) وما في موثق عمار: " فإذا سلم سجد مثل ما فاته " (4) وما في خبر علي بن أبي حمزة: " ثم تشهد التشهد الذي فاتك " (5) هو الإتيان بها وبالتشهد بالكيفية التي فاتت، ومن المعلوم أن الواجب في الأصل أن يؤتى به بقصد الصلاتية، ومقتضى ذلك هو الإتيان بهما بقصد الصلاتية، ومن المعلوم أن السجدة الواحدة مثلا لا يمكن أن تكون صلاة مستقلة بنفسها فلابد أن تكون جزء من الصلاة الأصلية، فيكون المكلف قبل الإتيان بها في أثناء الصلاة فالمنافي واقع في الأثناء فتبطل بذلك الصلاة، وهذا بخلاف صلاة الاحتياط فإنه مع فرض لزوم قصد الصلاتية لا ينحصر بأن تكون


(1) الجواهر: ج 12 ص 383 - 386. (2) الوسائل: ج 4 ص 934 ح 1 من ب 11 من أبواب الركوع. (3) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود. (4) المصدر: ح 2. (5) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 2 من ب 26 من أبواب الخلل.

[ 451 ]

[... ] صلاتيتها من حيث جزئيتها للصلاة الأصلية. وتوهم " لزوم قصد جزئيتها للصلاة الأصلية من باب أن الواجب في الأصل كان ذلك " مدفوع بعدم وجوب قصد الجزئية للصلاة الأصلية حتى قبل طرو الشك، بل اللازم قصد الصلاتية والظهرية أو العصرية مثلا، وذلك كله لا ينافي الاستقلال. ومن ذلك كله يظهر وجه الأولوية. لكنه قابل للمناقشة بوجهين: أحدهما: أن ظهور دليل القضاء في الإتيان بهما بقصد الصلاتية ممنوع، من جهة أنه ليس المقصود من المماثلة هي المماثلة من جميع الجهات بل المماثلة بقدر الإمكان، ومقتضى دليل جزئية التشهد للصلاة إذا كان في محل خاص عدم الإمكان، مع أن عنوان الفوت مأخوذ في بعض أدلة القضاء، وصدقه مع فرض البقاء على الجزئية باعتبار فوات محله الأولي مع بقاء محله الثاني الكافي لجزئيته للصلاة مشكوك، لأن الفائت هو المحل وهو لم يتدارك، وما أتى به لم يفت. وهذا بخلاف فرض عدم الجزئية، فإنه يكون المقضي بدلا عن الجزء الصلاتي من دون أن يكون جزء بنفسه. ثانيهما: أنه مع فرض الظهور في الجزئية فالظهور المذكور معارض بأدلة مخرجية السلام ومحلليته، وبعد التعارض يكون مقتضى الأصل عدم اشتراط الجزء المنسي بأن يؤتى به بقصد الجزئية. ومعارضته باستصحاب بقاء القاطعية مندفعة بأن قاطعية المنافي سابقا من حيث عدم صلاحية لحوق التشهد مشكوكة حتى في حال الصلاة، والبطلان من حيث عدم صلاحية لحوق السلام ومثله. ثم إنه على فرض كون مقتضى الدليل من دون المعارض هو الجزئية فلابد

[ 452 ]

[... ] من التفصيل بحسب القاعدة بين ما كان المنافي - ولو كان مثل الحدث - واقعا سهوا إما من باب عدم تذكر النقصان إلا بعد ذلك أو من باب طرو النسيان ثانيا بعد التذكر أو من باب نسيان كون الحدث أو الاستدبار - مثلا - منافيا، فيحكم بصحة الصلاة ورفع الجزئية من جهة اقتضاء " لا تعاد الصلاة " فإنه كما يقتضي رفع الجزئية المجعولة في الابتداء كذا يقتضي رفع الجزئية المجعولة في فرض النسيان، ومقتضى ذلك إما عدم وجوب القضاء بعد ذلك وإما أنه لا يكون جزء. وكذا لو وقع الحدث - مثلا - نسيانا ثم وقع متعمدا، فإنه بوقوع الأول دل حديث " لا تعاد " على رفع جزئية التشهد والسجدة فلا يكون الحدث بعد ذلك في الأثناء، فتأمل. هذا كله مع قطع النظر عن ما ورد بالخصوص في ذلك، وأما بالنظر إليه فمقتضاه عدم الإخلال بالوقوع قبل التذكر أو بالوقوع بعد الوقوع الذي كان قبل التذكر ولو كان الثاني عمديا، ففي موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن الرجل ينسى سجدة فذكرها بعد ما قام: وركع، قال: " يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلم، فإذا سلم سجد مثل ما فاته " قلت: وإن لم يذكر إلا بعد ذلك، قال: " يقضي ما فاته إذا ذكره " (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف، فقال: " إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه " (2).


(1) الوسائل: ج 5 ص 342 ح 4 من ب 26 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 2 من ب 7 من أبواب التشهد.

[ 453 ]

[... ] ومقتضى الأخير: عدم الإخلال بالاستدبار الواقع قبل التذكر والواقع بعد أن وقع المنافي قبله في حال عدم التذكر وإن كان الثاني عمديا، من جهة الأمر بأن يطلب مكانا نظيفا ومن جهة الأمر بالرجوع إلى مكانه، فتأمل. وملخص الكلام امور: الأول: أن مقتضى القاعدة عدم مبطلية المنافي ولو عمدا. الثاني: أنه على فرض الإخلال بالعمدي لا يكون السهوي منه مخلا. الثالث: أن العمد الواقع بعد السهو في حكم السهو. الرابع: أنه لا إشكال في عدم السقوط ووجوب الإتيان بالأجزاء المنسية بعد المنافي السهوي إذا كان ذلك من باب عدم التذكر ولو تعمد فعل المنافي بعد ذلك، لصحيح محمد بن مسلم المتقدم. الخامس: أنه على فرض الإخلال بالعمدي المبني على الجزئية فلا دليل على القضاء بعد الإخلال السهوي الذي لا يكون مورد الرواية، لارتفاع الجزئية من دون دليل يقتضي القضاء، وإن كان عموم الحكم لمطلق الإخلال السهوي لا يخلو عن وجه، من باب إلقاء الخصوصية والاستدلال بالصحيح. فرع ما ذكر إنما هو في مورد القضاء، وأما إذا كان الواجب الإتيان بالتشهد أو السجدة الواحدة من باب التلافي كما تقدم (1) - وهو ما إذا كان تركهما من الركعة الأخيرة - فلا شبهة في أن المنافي العمدي مخل بالصلاة، لوقوعه


(1) في ص 206.

[ 454 ]

[... ] في الأثناء، وأما السهوي فمقتضى القاعدة وغير واحد من الأخبار عدم الإخلال، وكذا العمد بعد السهو إن لم يشمله دليل القضاء، وإلا كان واردا في المسألة المتقدمة. والله المتعالي هو العالم بالمبدأ والمال. مسألة: إذا صلى صلاة فريضة أو نافلة بعد الصلاة المشكوك فيها وقبل العمل بما هو مقتضى الاحتياط ولم يكن ترتيب بين الصلاتين فالحكم فيها مبني على ما تقدم من إخلال المنافي والفصل الطويل المخل بالموالاة وعدمه، فالصور باعتبار ذلك ستة: الاولى: أن يكون المفروض عدم إخلال المنافي ولا الفصل فلا إشكال في صحة الصلاتين ثم العمل بالاحتياط. الثانية: أن يفرض كون إيجاد المنافي مخلا بالجبر الموجب لبطلان الاولى لكن لا يكون حراما، من باب عدم تحقق عنوان القطع - لأنه قد فرغ من الصلاة بالتسليم في الركعة المشكوكة - ويفرض عدم إبطال العمل بغير القطع، ففي هذا الفرض لابد أن يقال بصحة الثانية وبطلان الاولى، والمفروض في تلك الصورة عدم انطباق الحرام على الصلاة الثانية، من باب أن المصلي قد خرج من الصلاة الاولى وليس في حال الشروع في الثانية في الصلاة الاولى. الثالثة: فرض الإخلال من باب عدم الخروج من الاولى لا من باب التعبد وانصراف دليل الاحتياط إلى صورة عدم الفصل بالمنافي، ففي صحة الصلاتين إشكال من جهة زيادة الركن الموجبة لبطلانهما كما اشير إليه في الجواهر (1). ويمكن أن يقال ببطلان الاولى دون الثانية، من جهة أن الزيادة في الثانية


(1) الجواهر: ج 12 ص 387.

[ 455 ]

[... ] توجب بطلان الاولى، ومع بطلانها تنقطع الاولى عن الثانية فلم تحصل زيادة فيها، فإن الزيادة بمحض حدوثها توجب البطلان على تقدير صدقها، وإيجابها البطلان في الثانية لا يوجب عدم صدق الزيادة في الاولى، لأن الإتيان بالركوع الباطل من حيث الزيادة يوجب بطلان الصلاة الواقع فيها ولو مع فرض البطلان، بخلاف الثانية، فإن البطلان في الاولى يوجب عدم كون المصلي في ظرف وقوع الزيادة والحكم بالبطلان في الصلاة الاولى فلا يكون زيادة في الثانية، فافهم وتأمل فإنه حقيق بذلك. الرابعة: فرض الحرمة من دون الإخلال بالاولى، من باب وجوب الفورية وعدم الفصل، فالظاهر صحة الصلاتين، أما الاولى فواضح، وأما الثانية فلأن الواجب هو الإتيان بالاحتياط، ونقيضه المحرم تركه، ولا ينطبق على فعل الصلاة إلا من باب اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن الضد. الخامسة: فرض الحرمة من دون الإخلال، بأن يكون إيجاد المنافي حراما تعبدا، فينطبق على الأركان الصلاتية لكونها زيادة في الاولى، وهي منافية، ومقتضى ذلك أيضا هو بطلان الثانية في صورة العمد، لانطباق الحرام على الأركان دون السهو. السادسة: فرض الحرمة والإخلال من جهة حصول القطع، ومقتضاه أيضا بطلان الصلاتين في صورة العمد وبطلان الاولى فقط في صورة السهو، فتأمل. هذا تمام الكلام على مقتضى الفروض، وحيث تقدم أن الحق عدم إخلال المنافي والظاهر عدم انصراف إطلاق دليل الاحتياط عن الفصل بالصلاة والإتيان بالاحتياط في مجلس واحد فالأقرب صحة الصلاتين بالإتيان بالاحتياط بعد

[ 456 ]

[... ] تمامية الاولى. وإن أبيت عن ذلك فلا ينبغي الإشكال في صحة الثانية، من باب قوة دليل عدم الإخلال بوجود المنافي، وأما الفصل الطويل فهو غير منطبق على الصلاة الثانية كما هو واضح، فالاحتياط لا ينبغي تركه بل لا يترك بالإتيان بالاحتياط بعد ذلك وإعادة الصلاة الاولى دون الثانية. ومن ذلك يظهر الكلام في الفصل بين الصلاة وقضاء الأجزاء المنسية بصلاة مستقلة اخرى وأن الأصح هو الحكم بصحة الصلاتين، والحكم في ذلك أوضح، لقيام الدليل على إلقاء الفورية، فتأمل. مسألة: قال (قدس سره) في الجواهر ما ملخصه أن الظاهر عدم إجزاء الإعادة عمن وجب عليه الاحتياط وكذا من يجب عليه قضاء الأجزاء المنسية، ونقل ذلك في الجملة عن عدة من الأصحاب، لكن نقل احتمال الإجزاء عن الذكرى معللا بالإتيان بالواجب وزيادة (1). أقول: للمسألة اثنتا عشرة صورة، لأن الكلام تارة في صلاة الاحتياط واخرى في قضاء الأجزاء المنسية، وعلى التقديرين تارة يفرض الإعادة بعد إيجاد المنافي واخرى قبل ذلك أي يعيد الصلاة من دون إيجاد المنافي، وعلى التقادير الأربعة تارة يكون فرض ذلك في وسط الصلاة الاولى بعد فرض الشك وتنجز حكم الاحتياط، واخرى يكون بعدها وقبل الإتيان بالاحتياط أو قضاء الأجزاء المنسية، وثالثة يكون في وسط العمل الثاني من الاحتياط والقضاء: الاولى: أن يقطع الصلاة الأصلية بالاستدبار ونحوه. لا إشكال حينئذ في الإجزاء، إنما الإشكال في حرمة القطع وتحقق الإثم من


(1) الجواهر: ج 12 ص 387.

[ 457 ]

[... ] جهة القطع، لصحة الصلاة فعلا فالقطع حرام، ومن جهة تعين البناء على الأكثر والعمل بالاحتياط فالقطع مخالفة للأمر به. ويمكن دفع الأول بأن الدليل على حرمة القطع بعض المفاهيم الذي لا يدل إلا على قضية مهملة مجملة والإجماع فلا يشمل المقام، من جهة عدم التمكن من إحراز صحة الصلاة بمراعاة التكليف الأولي، ومن جهة حصول المشقة في بعض الأحوال وإن لم يبلغ الحرج، كالشك بين الاثنتين والثلاث والأربع والخمس، أو من جهة الجهل بالمسألة وعدم العمل بطريق الاحتياط إلا بتكرار صلاة الاحتياط عدة مرات قاعدا وقائما. وأما الثاني فمدفوع بعدم دلالة دليل البناء على الأكثر على التعين، وعلى تقدير دلالته عليه فليس مفاده إلا التعين الوضعي المتفرع على صحة الصلاة الأصلية مع قطع النظر عن احتمال النقصان، وأما تعين التكليف فلا، كما أن النهي عن إيجاد القواطع كذلك. الثانية: أن يؤتى بالمنافي بعد السلام وقبل صلاة الاحتياط. فعلى ما تقدم منا من عدم مبطلية المنافي لصلاة الاحتياط فلا حرمة في ذلك. وأما صحة الصلاة المعادة بعده فهي مشكلة لأمرين: أحدهما: عدم التكليف بذلك، من باب الانقلاب إلى الركعة المنفصلة تعينا، بناء على الظهور في ذلك، وإن فرض أنه ليس مفاد دليلها التعين بل كفاية ذلك فالإشكال من ناحية عدم الدليل على المتصلة، لظهور دليلها في التعين، فلا دليل على الكفاية بعد رفع الظهور في التعين. ثانيهما: أن الإتيان بالمعادة مخل بالموالاة المنصرف إليها الدليل، فهو إبطال للعمل الواجب عليه.

[ 458 ]

[... ] ويمكن دفع الأول بإنكار الظهور في التعين وكفاية استصحاب كفاية الامتثال على وجه الاتصال، والثاني بمنع حرمة إبطال العمل إذا لم يكن مصداقا للقطع وكان بنفسه أحد طرفي التخيير الثابت بالدليل أو الاستصحاب، ومنع اقتضاء الحرمة الفساد، لأن المفسد عدم الموالاة لا إيجاد ضدها الذي هو الصلاة. الثالثة: أن يقطع صلاة الاحتياط ويؤتى بالمعادة. والظاهر هو صحة المعادة كما تقدم، وأما القطع فقد مر وجه عدم حرمته في الأول من الشقوق، بل عدم حرمته فيها أوضح، لدوران الأمر بين النفل والفرض ولا دليل على حرمة القطع في مورد الدوران بينهما، وإن كان مقتضى استصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة كونها فرضا، وذلك لخروج الصلاة المرددة عن دليل حرمة القطع ولو على تقدير كونها فرضا في الواقع، وذلك لعدم إطلاق في الدليل الدال على حرمة القطع. الرابعة: القطع في صورة نسيان الأجزاء ثم الإعادة. لا خفاء في صحة المعادة، وأما القطع فإنكار حرمته أشكل مما ذكر في الشق الأول، لكن حيث لا إطلاق له فيمكن إنكاره في صورة العذر العرفي ولو كان ذلك هو الجهل بكيفية قضاء السجدة مثلا. الخامسة: إيجاد المنافي بعد الصلاة والإتيان بالمعادة في مورد لزوم قضاء الأجزاء المنسية. وقد علم حكم ذلك أيضا مما مر في الثالث المرتبط بصلاة الاحتياط وأن الظاهر هو الصحة وعدم حرمة إيجاد المنافي أصلا.

[ 459 ]

[... ] السادسة: إيجاده في وسط الإتيان بالجزء المنسي. وحكمه ظاهر مما مر من الصحة ووضوح عدم حرمة القطع، إذ لا دليل عليه أصلا في حال الإتيان بقضاء الجزء. السابعة: الإتيان بالمعادة بعد الشك في وسط الصلاة الأصلية من دون القطع. فيمكن أيضا أن يقال بالصحة وعدم ارتكاب حرام، وذلك لأن وجه البطلان بدون القطع امور كلها قابلة للدفع: منها: قطع الصلاة الأصلية بالمعادة، من باب زيادة الركن من التكبير والركوع والسجود، وهو حرام منطبق على الأفعال الصلاتية فيصير حراما فاسدا. وفيه: عدم الدليل على حرمة قطع الصلاة بالصلاة، خصوصا في مثل تلك الصلاة التي لا يمكن إتمامها صحيحة على حسب العنوان الأولي. ومنها: عدم التكليف إلا بالعمل بما يقتضيه الدليل الحاكم بالبناء على الأكثر والاحتياط، فلا ملاك للثاني في حال الشروع وإن كان بعد الشروع تصير الصلاة الاولى باطلة. وفيه: ما عرفت من أن مقتضى الاستصحاب كفاية الإتيان على وجه الاتصال أيضا. ومنها: زيادة الركن المبطلة للاولى والثانية، لكون الكل صلاة واحدة لم يعرضها البطلان مع قطع النظر عن الزيادة. وفيه: أنه يمكن أن يقال: إن البطلان بالنسبة إلى الاولى موجب لعدم كون الأركان زيادة في الثانية فلا تكون مبطلة للثانية، فإن إيجاب الزيادة البطلان بالنسبة إلى القسمة الاولى من الصلاة تنجيزي، إذ هي مبطلة بالنسبة إليها ولو مع

[ 460 ]

[... ] بطلان القسمة الثانية، بخلاف اقتضائها الإبطال بالنسبة إلى الثانية، فإنه على فرض إبطال الاولى لا تكون زيادة في الثانية، فافهم وتأمل. الثامنة: أن يؤتى بالمعادة من دون إيجاد المنافي بعد الصلاة وقبل الاحتياط. والصحة وعدم حرمة إيجاد المنافي في المقام أوضح. التاسعة: ومن ذلك كله يظهر الكلام في الإعادة من دون المنافي في وسط صلاة الاحتياط. فإن حرمة القطع فيها وإن كان أخفى من السابق لكونه في وسط الصلاة إلا أنه أوضح من الصورة السابعة، لكونها مرددة بين الفرض والنفل، واستصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لا يثبت الفرض غير المردد، والمدعى أن الفرض الواقعي المردد بين النفل والفرض غير مشمول لدليل حرمة القطع، لعدم الإطلاق، فتأمل. العاشرة: الاستيناف بلا قطع في صورة نسيان قضاء الأجزاء المنسية. الحادية عشرة: الاستيناف كذلك بعد الصلاة وقبل الإتيان بقضائها. الثانية عشرة: الاستيناف كذلك في أثناء القضاء. ومما تقدم يظهر الكلام في جميع ذلك وأنه يمكن الحكم بالصحة في جميع الموارد وعدم الإثم، وإن كان الاحتياط لا يترك في جميع الشقوق المتقدمة إلا صورة الاستيناف بعد قطع الصلاة الأصلية بترك ذلك، وإن أعاد الصلاة أتى بعدها بما هو عمل الشك أو النسيان ثم أعاد الصلاة ثالثة: أما وجه الإتيان بعمل الشك بعد ذلك فلاحتمال كون التكليف الذي يتعين على المكلف في صورة الشك أو النسيان ذاك العمل (من الاحتياط أو قضاء

[ 461 ]

[... ] الأجزاء المنسية) واحتمال صحة الصلاة الأصلية حتى في صورة استيناف الصلاة في الصلاة لاحتمال عدم كونها مبطلة لها لعدم كونها زيادة فيها - لأنها ليست من جنسها - واحتمال بقاء التكليف بذلك حتى مع الفصل بالصلاة، فمنشأ الإتيان بعمل الشك والنسيان امور ثلاثة: احتمال صحة الصلاة الأصلية، وعدم معروضيتها للبطلان بعد، واحتمال تعين التكليف بالاحتياط مادام كذلك، واحتمال عدم الإخلال بالاحتياط والقضاء وصلاحية ذلك للجبران. وأما إعادة الصلاة ثالثة فلاحتمال بطلان الصلاتين الماضيتين: أما الاولى فللفصل، وأما الثانية فلاحتمال عدم التكليف بها حين الإتيان بها ولو بنحو التخيير. والله المتعالي هو العالم. مسألة: قال (قدس سره) في الجواهر: ولو لزمه احتياط في الظهر فضاق الوقت إلا عن العصر زاحم به إذا كان يبقى ركعة للعصر (1). انتهى. أقول: لا شبهة في ما ذكره (قدس سره)، إلا أن تطبيقه على الدليل يحتاج إلى مزيد بيان، فإنه ربما ينقدح في بادئ النظر أن وجوب مراعاة الوقت الاختياري للعصر ووقوع جميعها في الوقت يزاحم وجوب الإتيان بصلاة الاحتياط، بل ربما يمكن أن يتخيل ترجيح جانب العصر، لأن فيه احتمال الإتيان بالظهر والعصر جميعا في الوقت الاختياري، لأن المفروض احتمال التمام في الظهر، بخلاف ترجيح جانب الاحتياط، فإنه موجب للقطع بمخالفة وجوب الإتيان بالعصر في الوقت الاختياري. ولكن العمدة في وجه ترجيح جانب الاحتياط هو إطلاق دليل الترتيب، فإن


(1) الجواهر: ج 12 ص 388.

[ 462 ]

[... ] مقتضى كون صلاة الاحتياط متمما للظهر أنه لو أتى بالعصر فهو باطل فلم يدرك العصر الصحيح في الوقت الاختياري، فأدلة الترتيب واردة على دليل لزوم الإتيان بالعصر في الوقت الاختياري، لأن موضوعه لزوم إدراك العصر الصحيح في الوقت الاختياري، ومقتضى دليل الترتيب عدم كون العصر غير المترتب صحيحا ولا عكس، فإن دليل الوقت لا يحكم بفساد العصر الواقع بعضه خارج الوقت حتى يخرج عن موضوع دليل الترتيب الحاكم بلزوم الترتيب بين الظهر الصحيح والعصر الصحيح من الجهات الاخر غير الترتيب، فإن تأخير العصر عمدا حتى يخرج عن الوقت الاختياري بل تأخيرها حتى يخرج عن أصل الوقت لا يوجب فساد الصلاة ولو من باب تعدد المطلوب، لا أن الوقت كان موردا لصرف الوجوب التكليفي. إن قلت: هذا على تقدير القطع بنقصان الظهر، وهو غير حاصل، فالتقريب المذكور يصلح أن يكون دليلا لتقديم الظهر إذا كان مزاحما للعصر في وقته الاختياري، كما لو بقي بمقدار خمس ركعات أو ست ركعات إلى آخر الوقت. وأما في ما نحن فيه فلم يعلم نقصان الظهر حتى يحكم ببطلان العصر من دون الإتيان بصلاة الاحتياط. قلت أولا: يكفي في وجوب تقديم الاحتياط قيام الدليل على ذلك وعدم الدليل على لزوم مراعاة الوقت الاختياري للعصر الصحيح، لأن اللزوم المذكور على فرض صحة العصر، وهي غير محرزة، فتأمل. وثانيا: مقتضى استصحاب عدم الإتيان بالرابعة ثبوت النقص وبطلان العصر لدليل الترتيب.

[ 463 ]

[... ] وثالثا: إنه يمكن أن يقال: إن مقتضى دليل الاحتياط هو الحكم بثبوت النقص وترتيب أثر النقصان على الصلاة والحكم بوجوب التدارك. ويمكن التمسك لتقدم الاحتياط بوجوه اخر: منها: أن النقصان بالنسبة إلى العصر حتمي الورود إما من جهة الترتيب وإما من جهة الوقت، فحيث لا ترجيح فالتخيير ثابت من جهة العصر فيقدم الترتيب بملاحظة إدراك وقت الظهر جميعا أو بعضا، وبملاحظة الظهر يتعين أحد الأمرين الثابت فيهما التخيير من ناحية العصر. لكن هذا واضح في ما إذا كان نقصان الظهر مسلما، كما في ما إذا بقي من الوقت مقدار خمس ركعات مثلا، وأما في ما نحن فيه فيشكل الدليل المذكور، من جهة إمكان منع التخيير، لأن مراعاة الوقت موجب للقطع بالموافقة من حيث تأمين الوقت الاختياري، بخلاف مراعاة الترتيب، فإنه احتمالي، لاحتمال عدم النقص في الظهر. واستصحاب عدم الإتيان بالرابعة لا يثبت التخيير العقلي أو الشرعي الثابت بتوسيط وجود الملاكين وعدم إمكان الجمع بينهما الذي هو أمر تكويني غير شرعي، بل يمكن أن يقال: إن استقامة الدليل بالنسبة إلى الفرع المفروض فيه بقاء الوقت بمقدار خمس ركعات تتوقف على اشتراك الوقت بين الظهر والعصر حتى يحرز بإتيان الظهر وقوعه في الوقت الاختياري بتمامه، وإلا فلا ترجيح من تلك الجهة، فتأمل. ومنها: فورية الإتيان بصلاة الاحتياط بدعوى أن اللازم مراعاة ذلك من جهة أن الوقت الاختياري للعصر يكون للمتمكن، ومع فرض لزوم الفورية لا يكون متمكنا شرعا.

[ 464 ]

[... ] ومنها: أن صلاة الاحتياط صلاة مستقلة يجب الإتيان بها أداء ولا يتصور إصلاح وقتها بقاعدة " من أدرك ركعة... " كما هو واضح. وكلاهما مورد للمنع: أما الأول فلمنع الفورية كما تقدم، مع أنه لو وجب ليس ذلك مقدما على وجوب إدراك الوقت الاختياري، لأن موضوع وجوب الاختياري هو المتمكن منه من ناحية سعة الوقت كما أن موضوع كفاية الاضطرار هو غير المتمكن من ناحية ضيق الوقت، لا مطلق غير المتمكن ولا الأعم من الشرعي والعقلي. وأما الثاني فلأن مقتضى كونها بحكم الصلاة الأصلية من حيث الأجزاء والشرائط كفاية إدراك ركعة من الأصلية في كون صلاة الاحتياط أداء ومشمولا لحديث " من أدرك " كما هو واضح، مع ما فيه من عدم كون الموضوع للوقت الاختياري هو المتمكن الأعم من الشرعي والعقلي. بقي الكلام في فرعين آخرين تعرض لهما في العروة في المسألة الستين من ختام الخلل في طي المسألة المذكورة: أحدهما مزاحمة الوقت الاختياري للعصر بقضاء الأجزاء المنسية، ثانيهما مزاحمته بسجدتي السهو. وحيث عرفت أن العمدة في التقدم هو الترتيب ولا دليل على جزئية قضاء الأجزاء المنسية للصلاة حتى يثبت الترتيب والفورية إن ثبتت فيهما لا توجب التقدم، فلا دليل على التقدم. لكن يمكن الحكم بتقدم ذلك كله على العصر من جهة احتمال التقدم، لامور: منها: احتمال الترتيب بين العصر وجميع متعلقات صلاة الظهر. ومنها: احتمال الجزئية في قضاء الأجزاء المنسية واحتمال دخالة سجدتي

[ 465 ]

[... ] السهو في صحة الصلاة المسهو فيها لا سيما في مورد الشك بين الأربع والخمس. ومنها: احتمال كون التمكن الموضوع لوجوب الاختياري هو العقلي والشرعي معا فلا تمكن حينئذ. ومنها: تقدم ما له البدل على ما لا بدل له، فإن الإتيان بسجدتي السهو بعد ذلك ليس بدلا عن الفورية الفائتة، فتأمل. فالأحوط إن لم يكن أقوى هو تقدم جميع ذلك على العصر، وإدراك ركعة من العصر كاف له إن شاء الله تعالى. قال (قدس سره) في الجواهر - بعد ما نقلناه في صدر المسألة -: وإن كان لا يبقى صلى العصر (1). أي إن كان لا يبقى للعصر بمقدار ركعة إن صلى الاحتياط لا بد أن يصلي العصر، لاختصاص الوقت به، والترتيب ملقى في الأصلي فكيف بالبدل الاحتمالي! وهذا واضح. نعم، الأحوط إيجاد المنافي ثم الإتيان بالعصر، من باب احتمال كون المصلي في أثناء الصلاة وكون السلام الواقع في الركعة المشكوكة كالسلام السهوي غير المخرج عن الصلاة على تقدير النقص، وتكون صلاة العصر الواقعة في صلاة الظهر موجبة للبطلان من باب زيادة الركن، وأما القطع فلا يحرم هنا قطعا. ثم قال (قدس سره) بعد ذلك: وفي بطلان الظهر الوجهان في فعل المنافي قبله (2). أقول: قد مر عدم الدليل على مبطلية المنافي للجبر بصلاة الاحتياط، وعدم وضوح كون صلاة العصر الواجبة فعلا منافية من باب الزيادة، لأنها ليست من


(1) الجواهر: ج 12 ص 388. (2) الجواهر: ج 12 ص 388.

[ 466 ]

[... ] جنس الصلاة السابقة. وانطباق تعليل رواية زرارة في سجدة التلاوة بأنها زيادة في المكتوبة (1) على المورد غير واضح، من جهة صلاحية المجموع لانطباق عنوان صلاتين عليه. فالعمدة هو فوات الموالاة المنصرف إليه الأدلة من باب أنها من متعلقات الصلاة الاولى، وعدم جريان استصحاب الجبران لأن مقتضى الإطلاق هو الاشتغال بوصف الاتصال، إلا أن يمنع الانصراف المبني على المناسبة بين البدل والمبدل خصوصا بعد التوجه إلى أن ترك الموالاة في الصلاة الأصلية بالإتيان بصلاة اخرى بينها غير واضح المنافاة، فكيف يدعى الانصراف في دليل الاحتياط الذي هو بدل للصلاة الأصلية، فالأقرب جواز الاحتياط بعد ذلك وإن كان الاحتياط الذي يجب العمل به هو الإتيان بالظهر بعد الاحتياط، وهو العالم. ومن ذلك تعرف أن عدم الإعادة في قضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو أوضح، بل لا بأس بترك الاحتياط فيهما بالإعادة، ولعله يجئ الكلام في ذلك بعد إن شاء الله تعالى. قال (قدس سره) فيها بعد ذلك: ولو علم الضيق في أثناء الاحتياط ففي الذكرى أن الأقرب العدول إلى العصر، لأنه واجب ظاهرا، وفيه نظر أو منع، بل المتجه القطع والابتداء بالعصر (2). انتهى. أقول: أما وجه العدول فلأنه لابد في المعدول عنه من أمرين كلاهما موجودان في صلاة الاحتياط:


(1) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) الجواهر: ج 12 ص 388.

[ 467 ]

[... ] أحدهما: صحتها مع قطع النظر عن الترتيب بل بلحاظه أيضا إلى حين التوجه إلى التكليف الفعلي، وهي حاصلة في المقام، لأن مقتضى القاعدة صحة صلاة الظهر والاحتياط التابع لها ولو قضاء، لعدم اشتراط نية القضاء في وقوع الصلاة قضاء على الظاهر، لعدم الدليل المعلوم. ثانيهما: كونه واجبا وصلاة الاحتياط واجبة للأمر الإيجابي الاحتياطي ولاستصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة، وهو الذي اشير إليه في عبارة الذكرى المتقدمة. وأما وجه عدم صحة العدول الذي اختاره (قدس سره) فلأنه لا إطلاق في أدلة العدول فيصح العدول من كل صلاة صحيحة واجبة أو مستحبة إلى غيرها، بل لابد من الاقتصار على مورده وهو مورد الاختلال من ناحية الترتيب، ولا اختلال هنا من ناحية الترتيب بل الاختلال إنما هو من ناحية الوقت، ودليل العدول غير متكفل لرفع الاختلال من تلك الجهة بالأمر بالعدول من الصلاة التي ليست في الوقت إلى الصلاة التي لابد من الإتيان بها في الوقت. ومن ذلك يظهر الكلام في فرع آخر وهو أن يعلم بضيق الوقت للعصر حتى بلحاظ إدراك الركعة في أثناء الظهر وأن مقتضى القاعدة عدم جواز العدول. هذا، مضافا إلى وجه آخر في خصوص صلاة الاحتياط من جهة استلزام العدول بطلان صلاة الظهر على وجه وعدم جبره بها على وجه آخر، وتجويز كل ذلك خارج عن مورد أدلة العدول. هذا إن كان المقصود العدول في خصوص صلاة الاحتياط بجعل العصر من أول صلاة الاحتياط، وأما إن كان المقصود العدول في أصل الظهر بجعل الجابر

[ 468 ]

[... ] والمجبور عصرا فهو أيضا خارج عن دليل العدول، من باب تمامية الصلاة، والعدول إنما هو في أثناء الصلاة لا بعد تماميتها. وأما وجه قطع الاحتياط فلأن الظاهر صحة صلاة الاحتياط ولو قضاء على تقدير النقص، وعلى تقدير التمام لا مانع من كونها نافلة صحيحة إذا شرع في صلاة اخرى من دون القطع تلزم من ذلك زيادة الركن المبطلة لكلتا الصلاتين على ما مر ومر ما فيه من الإشكال من أنه لا يبعد أن يقال ببطلان الاولى وصحه الثانية. ومن ذلك كله يظهر أن الأظهر عدم صحة العدول وأن الأحوط هو القطع والابتداء بالعصر، والقطع ليس بحرام هنا، لعدم الدليل على حرمة القطع حتى يعارض ما دل على وجوب مراعاة العصر من حيث الوقت. قال (قدس سره) في الجواهر: ولو لزمه الاحتياط في العصر أو قضاء الأجزاء المنسية وقد خرج الوقت أتى به وتمت الصلاة، إذ ليس خروج الوقت منافيا (1). أقول: ما ذكر من عدم كون خروج الوقت من المنافيات ظاهر لكنه ليس إلا بيان عدم المانع. وأما بيان المقتضي وهو الدليل الدال على القضاء والاحتياط في المقام فتقريبه بوجهين: أحدهما إطلاق أدلتهما، ثانيهما عنوان القضاء في الأجزاء وعنوان كون ما يؤتى به تمام ما نقص في صلاة الاحتياط، فإن صرف الإخبار بذلك يكفي في لزوم الإتيان بهما بعد الصلاة والاكتفاء بذلك في صحة الصلاة، لأن الأجزاء والركعة بحكم الصلاة فكما أنهما لو كانا متصلين بالصلاة لكان مستلزما


(1) الجواهر: ج 12 ص 388.

[ 469 ]

[... ] لصحة الصلاة فمقتضى البدلية أيضا ثبوت ذلك في المبدل، ومقتضى ذلك كون الإتيان بهما أداء لإدراك ركعة من الصلاة في الوقت، فهما جزء أو بمنزلته في جميع الآثار التي منها الاكتفاء بهما والأدائية. ومن ذلك ينقدح إشكال في ما لو كانت السجدة الفائتة من العصر هي الفائتة من الركعة الاولى، لأن مقتضى عنوان القضاء هو الإتيان بالسجدة في الوقت المختار، لأنه لا يجوز في الركعة الاولى الخروج عن الوقت، وحينئذ حيث لا يمكن ذلك فمقتضى دخالة ذلك في صحة الصلاة هو البطلان لكن مقتضى " لا تعاد " عدم البطلان، وحينئذ هل يسقط أو يلقى لزوم الإتيان بها في الوقت لعدم التمكن فيؤتى بذلك خارج الوقت؟ الأحوط هو الثاني. مسألة في الترتيب في الاحتياط وقضاء الأجزاء المنسية وفيها مقامات: المقام الأول في لزوم الترتيب بين صلاة الاحتياط وقضاء الأجزاء المنسية وأن الصحيح هل هو تقديم الاحتياط على القضاء كما عليه غير واحد من الأصحاب فتوى أو احتياطا، أو تقديم الأجزاء المنسية كما في الجواهر احتماله (1)، أو يقدم ما قدم سببه الذي هو الأمر (فلو شك بين الثلاث والأربع فوجب عليه البناء على الأكثر والاحتياط، ثم لو نسي السجدة الواحدة من الركعة


(1) الجواهر: ج 12 ص 388.

[ 470 ]

[... ] المشكوكة فاللازم عليه هو الاحتياط ثم القضاء، وأما لو نسي السجدة من الركعة الاولى مثلا لزمه القضاء أولا ثم الاحتياط كما في الجواهر احتمال ذلك أيضا) (1) أو لا ترتيب بل يتخير في تقديم أيهما شاء كما في العروة اختياره وإن احتاط استحبابا بتقديم جانب الاحتياط (2)؟ وجوه: أما وجه تقديم الاحتياط فلما ورد في غير واحد من أدلة قضاء الأجزاء المنسية من أنه بعد السلام كما في حسن إسماعيل (3)، أو أنه " فإذا فرغ " كما في خبر علي بن جعفر (4)، هذا بضم أن صلاة الاحتياط إما جزء من الصلاة الأصلية حقيقة أو بحكمه ويكون بدلا عن الركعة المتصلة لقوله (عليه السلام): " فأتم ما ظننت أنك نقصت " (5). وأما وجه تقديم الأجزاء المنسية فلتقدمها في الفوت دائما، ومقتضى الترتيب في البدل على طبق المبدل أن يؤتى بها ثم يؤتى بصلاة الاحتياط. وأما وجه التفصيل فلأن تنجز الأمر الأول مانع عن تعلق الأمر الثاني في ظرف تعلق الأمر الأول. وأما وجه التخيير فهو على فرض عدم تمامية وجوه الترجيح واضح. وفي الكل نظر وإشكال: أما الأول فلإمكان المناقشة فيه أولا بأنه لا يستفاد من مثل خبر عمار المتقدم إلا لزوم الإتيان بالمنفصلة جامعة للأجزاء والشرائط التي كانت في


(1) الجواهر: ج 12 ص 388. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 54، المسألة 11. (3) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود. (4) المصدر: ص 970 ح 8. (5) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل.

[ 471 ]

[... ] المتصلة، لا كون الركعة بدلا عن الأصل في جميع الآثار التي منها عدم جواز الإتيان بالأجزاء المنسية قبل ذلك. وثانيا بأن الحكم بكون الاحتياط بحكم الركعة المتصلة ليس مفاده إلا الحكم باتصاف الركعة بكونها جزء من الصلاة التي لم يفرغ المكلف عنها، أما كون أصل الصلاة متصفا بذلك أو كون المصلي متصفا به فهو غير ثابت بدليل البدلية المفروض، فتأمل. وثالثا على فرض الدلالة فدليل مخرجية السلام بإطلاقه يدل على حصول الفراغ بالسلام، فيعارض مقتضى دليل البدلية فلا دليل على البدلية بهذا المعنى حتى يقتضي التقديم. ورابعا بأن مقتضى كون الاحتياط بحكم الركعة المتصلة وترتيب آثار عدم الفراغ أن وقوع المنافي في الأثناء يكون مبطلا وقد تقدم عدم الإبطال. وإن كان يمكن الجواب عن الأخير بأن الحكم باتصاف الصلاة المذكورة بعدم الفراغ عن الصلاة المتصلة ركعاتها يكفي في الحكم بالبطلان وعدم كفاية الإتيان بالأجزاء المنسية قبل ذلك، وهذا لا يكفي في الحكم بأنه قبل صلاة الاحتياط يكون في الأثناء، فإن الحكم بكون حال مخصوص بحكم عدم الفراغ لا يلازم أن يكون حال آخر له كذلك بمحض التلازم في الوجود الحقيقي. إن قلت: مقتضى حصول الفراغ وجدانا والحكم بمخرجية السلام وجواز الإتيان بالمنافي جواز الإتيان بقضاء الأجزاء المنسية، ومقتضى عدم تحقق الفراغ حال الإتيان بصلاة الاحتياط هو عدم جواز الإتيان، فيعارضان. قلت: يمكن أن يقال: إن ما دل على أن القضاء بعد الفراغ إنما هو بالنسبة

[ 472 ]

[... ] إلى الصلاة المتصلة المجعولة بالأصل المأتي بها بركعاتها الأربعة، فلا يشمل الفراغ في الثالثة بحكم البناء على الأكثر في حال الشك فلا يقتضي الصحة حتى يعارض مقتضي البطلان. وأما الثاني فلأن الترتيب الثابت إنما هو بين كل جزء وما قبله، والجزء الذي هو ما بعد ذلك ليس مشروطا بالتأخر عنه إلا من باب الاشتراط بالتأخر عما قبله، فالتشهد المنسي في الركعة الثانية لا يكون المترتب عليه إلا القيام للركعة الثالثة، وأما القيام للرابعة فهو مشروط بأن يكون بعد الثالثة لا بعد التشهد من الثانية، والترتيب بين المنسي وما هو متصل به قد اسقط بدليل صحة الصلاة والقضاء بعدها، ولا دليل على الترتيب بينه وبين الركعة الرابعة أصلا حتى يلاحظ في ظرف التلافي. هذا، مع أنه لو كان الترتيب بين الرابعة والتشهد الأول شرطا فقد اسقط أيضا، إذ لولا السقوط لكان اللازم إتيان التشهد مثلا في وسط الصلاة مهما تذكره، فمقتضى قياس البدل بالمبدل عدم لزوم الترتيب، وهو واضح على الظاهر. وأما الثالث - وهو التفصيل - فخال عن الوجه، إذ لا ملاك لتقدم الأمر المتقدم تعلقه في الزمان، لأن صرف الوجود في السابق غير المعارض للاحق على تقدير عدم اللحوق لا يعقل أن يكون دخيلا في التقدم، إلا أن يكون أحدهما تعليقيا والآخر تنجيزيا. وأما الرابع - وهو التخيير - فإطلاقه محل منع، من جهة أن نسيان السجدة والتشهد من الأخيرة قبل المنافي من باب التلافي والأمر بالاحتياط بعد الإتيان بأصل الصلاة من غير شبهة، وكون القضاء بعد الفراغ إنما هو في ما إذا فات وقته

[ 473 ]

[... ] في الصلاة، فلا وجه للتخيير في ذلك بل لابد من تقديم قضاء الأجزاء المنسية في تلك الصورة وكذا في صورة نسيان السجدة أو التشهد والسلام من الأخيرة بعد المنافي، فإن مقتضى لزوم الترتيب بين السجدة الأخيرة والركعة الرابعة والترتيب بين التشهد والسلام البنائي وصلاة الاحتياط هو تقدم قضاء الأجزاء المنسية على صلاة الاحتياط، ولا يعارضه ما دل على أنه لابد أن يكون بعد الفراغ، لما تقدم ولأن الدليل المذكور في ما لو فات الجزء في وسط الصلاة، فكان من الممكن إيقاعه في أثناء الصلاة وإيقاعه بعدها فحكم بإيقاعه بعدها، لا في مثل المقام المفروض فيه حصول المنافي الذي لا يمكن معه إيقاع الجزء في الأثناء. ولعله مثله ما لو نسي التشهد دون السلام لو قلنا بلزوم قضاء التشهد والسلام كليهما، لعدم الإتيان بالسلام المرتب على التشهد، وصلاة الاحتياط مرتب على السلام المرتب على التشهد، والكل قابل للجبران، فمقتضى لزوم الترتيب بين الأجزاء المتصلة بعضها ببعض هو الإتيان بقضاء الأجزاء المنسية قبل الاحتياط. ومن ذلك كله يظهر أن الأحوط تقديم الاحتياط في صورة نسيان الأجزاء من غير الركعة الأخيرة، كما أن الأصح تقديم الأجزاء المنسية في صورة التلافي بل في صورة القضاء من جهة المنافي إذا كان النسيان من الركعة الأخيرة وكان ذلك نسيان السجدة الأخيرة أو السلام أو التشهد والسلام، وأما إذا كان المنسي هو التشهد مع الإتيان بالسلام فالأحوط تقديم التشهد وإعادة السلام ثم الإتيان بالاحتياط، والله العالم بحقائق الامور.

[ 474 ]

[... ] المقام الثاني في الترتيب بين نفس الأجزاء المنسية يمكن أن يقال: إنه إن كان محل التلافي باقيا كما في الركعة الأخيرة بالنسبة إلى السجدة الواحدة أو التشهد قبل الإتيان بالمنافي وبعد السلام فالظاهر أنه لا ينبغي الشبهة في تقدم ما يتلافى به على ما مضى محله، فلو ترك سجدة واحدة من الركعة الاولى والتشهد من الركعة الأخيرة فلابد من تقديم الثاني ثم السلام ثم قضاء السجدة، من جهة أن محل القضاء بعد الفراغ عن الصلاة، والفراغ بعد غير حاصل، فلابد من التلافي حتى يحصل الفراغ ثم القضاء الذي محله بعد الفراغ. وكذا لابد من مراعاة الترتيب أيضا في ما كان الفائتان من الركعات السابقة وكان بينهما الترتيب من دون الفصل، كما لو فات عنه سجدة واحدة والتشهد من الركعة الثانية فالظاهر وجوب ملاحظة الترتيب والإتيان بالسجدة أولا ثم التشهد، لأن التشهد مرتب على السجدة الواحدة في الأصل ومقتضى عنوان القضاء أن المقضي لابد أن يكون مثل ما فات في جميع الأجزاء والشروط. ولا فرق بين ذلك وبين التشهد والسلام المقضي، على فرض لزوم قضاء السلام. وكذا لا فرق بين ذلك وبين أبعاض التشهد الفائت، فكما أن الترتيب لازم بين أبعاض التشهد للزوم الترتيب في الأصل فكذلك في السجدة والتشهد. وكذا لابد من مراعاته على الأحوط في ما إذا فاتت السجدة الواحدة والسلام من الركعة الأخيرة ثم أتى بالمنافي وإن لم يكن الفائتان مرتبين من دون فصل، وذلك لاحتمال لزوم الإتيان بالتشهد أيضا، لأن التشهد وإن لم يفت بذاته إلا أن التشهد المرتب على السجدة مما يصدق أنه شئ فات منه فلابد من قضاء

[ 475 ]

[... ] السجدة ثم التشهد ثم السلام، ومنشأ الإشكال صدق الشئ الفائت على التشهد المتصف بالترتب على السجدة. وأما إذا كان الفائت من الركعة الاولى سجدة ومن الركعة الثانية تشهدا فلا ترتيب في القضاء، إذ لا ترتيب بينهما في الأداء، لأن التشهد مرتب على السجدتين المأتي بهما في الثانية ولا يكون مرتبا على السجدة من الركعة الاولى، فلا دليل على ملاحظة الترتيب بل لو كان ملاحظة الترتيب لازما كان اللازم الإتيان بالسجدة المنسية من الركعة الاولى قبل الإتيان بالتشهد في الثانية، فافهم وتأمل. فرعان الأول: الظاهر عدم وجوب قصد الترتيب في البدل أو في المبدل منه، بأن يقصد التشهد الذي هو العمل الثاني في مرحلة القضاء أو يقصد التشهد قضاء عما فات ثانيا في الصلاة، بل الظاهر عدم مبطلية قصد الخلاف في المقامين، بأن يقصد في التشهد أنه العمل الأول - لنسيان الإتيان بالسجدة قبل ذلك - فأتى به ثم تذكر الإتيان بالسجدة القضائية، أو قصد في التشهد أنه العمل الأول الذي فات عنه وقد أتى بالسجدة قبل ذلك بتخيل أنه البدل عن الفائت الثاني باعتقاد عدم لزوم الترتيب أو باعتقاد أن الفائت هو التشهد الأول والسجدة من الركعة الثالثة فلا يجب الترتيب فبان أن الفائت هو السجدة من الثانية والتشهد منها، كل ذلك خال عن الإشكال، لعدم الدليل على لزوم قصد ذلك كما لا يخفى. الثاني: قد مر أن الظاهر وجوب الترتيب بين صلاتي الاحتياط كما في معتبر ابن أبي عمير عن بعض الأصحاب عن أبي عبد الله (عليه السلام):

[ 476 ]

[ قال (قدس سره): من سها في سهو لم يلتفت وبنى على صلاته (1). * ] في رجل صلى فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا، قال: " يقوم فيصلي ركعتين من قيام ويسلم ثم يصلي ركعتين من جلوس ويسلم " (2). وقريب منه بالنسبة إلى الظهور في الترتيب خبر عبد الرحمان (3). وفتوى الأصحاب على خلاف ذلك غير واضح. نعم، شمولهما لانقلاب الشك من الاثنتين والثلاث أو من الثلاث والأربع إلى المركب أي الاثنتين والثلاث والأربع غير ظاهر، سواء كان الانقلاب من باب الشك الساري بأن تيقن في الأول مثلا عدم الإتيان بالأربع ثم شك في ذلك واحتمل الخطأ في يقينه السابق أم لا بأن شك أولا بين الثلاث والأربع وتيقن بعدمه ثم شك في الإتيان بالرابعة البنائية، وحينئذ إن قلنا بشمول الإطلاق له أيضا فلا إشكال، وإن شككنا في ذلك فيمكن القول بلزوم الترتيب من باب دوران الأمر بين التخيير والتعيين، والله العالم. * قال (قدس سره) بعد ذلك في الجواهر: بلا خلاف (4). لكن في العروة الوثقى: لو شك في عدد ركعات صلاة الاحتياط فهل يبني على الأكثر إلا أن يكون مبطلا فيبني على الأقل، أو يبني على الأقل مطلقا؟ وجهان، والأحوط البناء على أحد الوجهين ثم إعادتها ثم إعادة


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 4 من ب 13 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ص 325 ح 1. (4) الجواهر: ج 12 ص 389.

[ 477 ]

[... ] أصل الصلاة (1). وفي مسألة وقوع الشك في سجدتي السهو زيادة ونقيصة أفتى بالبناء على الأقل (2). وكيف كان، فيستدل على ما تقدم نقله عن الشرائع بأمرين: أحدهما: معتبر حفص البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " ليس على الإمام سهو، ولا على من خلف الإمام سهو، ولا على السهو سهو، ولا على الإعادة إعادة " (3). بيان: يأتي إن شاء الله تعالى بيان مفاد " ولا على السهو سهو "، وأما " ولا على الإعادة إعادة " فيحتمل وجوها: الأول: أن يكون المقصود هو الإعادة الحقيقية من جميع الجهات بأن تكون الثانية كالاولى حتى في الصحة، فتختص بمثل الصلاة المعادة المشروعة في الجماعة، والمقصود أنه لا إعادة إذا حصل خلل في الثانية. الثاني: أن يكون في مقام بيان حكم الشك بناء على ما سيجئ من قوة كون المراد من السهو هو الشك، فيكون المقصود أن الشك إذا أوجب الإعادة فلا تعاد المعادة ولو وقع نظير الشك الأول في المعادة، كمن شك في صلاة الصبح ثم أعاد فشك فلا تجب الإعادة، فإنه من مصاديق الشك في موجب الشك. الثالث: أن يقال: إن مطلق الخلل غير العمدي شكا كان أو سهوا ولو كان من ناحية الخمس ليس فيه الإعادة في المعادة، والإعادة تختص بالاولى. هذا بحسب الظاهر.


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 53، المسألة 15. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 14. (3) الوسائل: ج 5 ص 338 و 340 ح 3 و 1 من ب 24 و 25 من أبواب الخلل.

[ 478 ]

[... ] ولا ريب أن الثالث هو الأظهر، للإطلاق. وأما الأول فبعيد جدا، لإطلاق الإعادة في غير واحد من الموارد على إعادة الصلاة الفاسدة أو ما يمكن طرو الفساد عليها وكذا في غيرها، فالاختصاص بالمعادة التي كانت الاولى صحيحة تخصيص بالنادر، مضافا إلى أن العبارة لا تناسب نفي المشروعية. والثاني أيضا خلاف الإطلاق، وكون الصدر راجعا إلى خصوص الشك - بناء على ما سيجئ إن شاء الله تعالى - لا يوجب التخصيص في الذيل، بل قوله " ولا على السهو سهو " يشمله بناء على كون المقصود بالسهو هو الشك، ولا يصلح للقرينية على التقييد قطعا، لكون كل جملة حكما برأسه من غير فرق بين ذكر ذلك متسقا أو متفرقا، ولكن لابد من تتبع فتاوى الأصحاب في ذلك كي لا يكون المستفاد منه خلاف الإجماع الحجة. ثانيهما: ما عن الفقيه عن نوادر إبراهيم بن هاشم أنه: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن إمام يصلي بأربع نفر أو بخمس فيسبح اثنان على أنهم صلوا ثلاثا ويسبح ثلاثة على أنهم صلوا أربعا، يقول هؤلاء: قوموا، ويقول هؤلاء: اقعدوا، والإمام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم، فما يجب عليهم؟ قال: " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق (بإيقان) منهم، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام، ولا سهو في سهو، وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأولتين من كل صلاة سهو، ولا سهو في نافلة،

[ 479 ]

[... ] فإذا اختلف على الإمام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الإعادة والأخذ بالجزم " (1). وهذا الخبر وإن كان مرسلا بحسب الظاهر من جهة أن إبراهيم لم يلق الصادق (عليه السلام) بحسب سائر رواياته وأنه كان من أصحاب الرضا والجواد (عليهما السلام)، وما توهم نقله عنه (عليه السلام) مخدوش - فراجع تنقيح المقال - إلا أنه مؤيد بامور تدرجه في حصن الاعتبار: منها نقل ذلك في الكافي بطريق آخر، وهو عن يونس عن رجل (2)، من دون زيادة ونقيصة إلا في حرف واحد، وهو " فما يجب عليه " في كلام السائل بدل " فما يجب عليهم "، وهذا مما يدل على كون الرجل الراوي ليونس ولإبراهيم صادق القول متحرزا عن الكذب، إلا أن يرد ذلك بإمكان كون الراوي لإبراهيم يونس، فالرجل نقل مرة واحدة ليونس، لكن اعتماد محمد بن عيسى وإبراهيم بذلك النقل موجب لمزيد قوة الخبر. ومنها إسناده إلى الإمام (عليه السلام) بنحو الجزم في ما ذكر من خبر النوادر. ومنها نقل ذلك في الفقيه مع ما ذكر في ديباجته ما هو المعروف (3) مع اقتصاره على نقل الرواية المذكورة في هذا الحكم (4). ومنها الاستناد إليه في المقنع على ما في الجامع (5)، فالخبر معتمد عندي، والله أعلم. وأما قوله " يسبح اثنان " إلى قوله " اقعدوا " يحتمل أن يكون المقصود بالتسبيح مطلق الذكر من باب أنه تسبيح له تعالى بالحمل الشائع وإن لم يكن


(1) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (2) الكافي: ج 3 ص 358 ح 5. (3) الفقيه: ج 1 ص 3. (4) الفقيه: ج 1 ص 352 ح 45 من ب 49. (5) جامع أحاديث الشيعة: ج 6 ص 340 ح 4 من ب 28 من أبواب الخلل.

[ 480 ]

[... ] متضمنا لمفهوم التسبيح، فتأمل، فيكون المراد بقوله " قوموا " الإشارة إلى القيام بالذكر الذي ورد فيه مثل " بحول الله وقوته " والمراد ب‍ " اقعدوا " الإشارة إليه بالذكر الوارد فيه ك‍ " أشهد أن لا إله إلا الله " أو يكون المقصود جلب توجه الإمام بالتسبيح بالمعنى المعروف والإشارة باليد إلى القيام أو القعود. وقوله (عليه السلام) " في الاحتياط " يحتمل أن يكون المقصود أنه في مقام الاحتياط لابد من الإعادة في بعض الموارد والأخذ بالجزم أي الإتيان بصلاة الاحتياط في موارد اخر، فالمقصود بيان مجموع ما يتحقق به الاحتياط فيختلف ذلك بالنسبة إلى الشكوك الطارئة على الصلاة. هذا بيان دليل اشتهر من أنه " لا سهو في سهو ". وبعد ذلك نقول يقع الكلام في مقامات: المقام الأول في بيان محتملات الجملة الشريفة المذكورة في المعتبرين، فإنه يحتمل أن يكون السهو بمعنى النسيان في الأول من كلمتي السهو، أو بمعنى الشك كما هو الشائع في الروايات كما في الحدائق، أو الأعم منهما أي الذهول عن الواقع المعلوم القطعي، وعلى جميع التقادير الثلاثة في الأول يتمشى الاحتمالات أيضا في الثاني، ومقتضى ضرب الثلاثة في الثلاثة هو حصول تسعة أقسام. ثم إنه على فرض كون المقصود بالسهو الأول هو الشك فإما أن يكون المقصود بالسهو الثاني نفسه ومعناه الشك في حصول الشك وتحققه وإما موجبه أو الأعم بأن يكون المقصود هو الشك المضاف إلى الشك بنحو من الإضافة إما من باب كونه مشكوكه أو موجبه مشكوكا، ومع ضرب الأقسام الثلاثة التي كانت مفروضة في ما كان المراد بالسهو الأول هو الشك - من كون الثاني كذلك

[ 481 ]

[... ] أو النسيان أو الأعم - في الأقسام الثلاثة من كون المقصود نفس السهو أو موجبه أو الأعم يصير تسعة، فيصير الأقسام خمسة عشر كما لا يخفى على من تأمل. وهذا من باب أن التقسيم الأخير لا يتمشى في فرض كون المراد بالأول هو النسيان، فإنه لا معنى لوقوع الشك نسيانا أو النسيان كذلك أو ينسى عن الشك أو ينسى عن النسيان. وأما بناء على التمشي كما هو المستفاد من الجواهر من تصوير ذلك بعد تحققه (1) - بأن نسي السجدة مثلا فتذكر بعد الركوع ثم نسي نسيانها بعد الصلاة أو شك بين الثلاث والأربع ثم نسي شكه بعد ذلك - فالأقسام سبعة وعشرون حاصلة من ضرب الثلاثة في التسعة، لكنه غير واضح، من باب أنه لا أثر لنسيان السهو أو الشك، فإن الموضوع للعذر نسيان حكم الشك والنسيان، وهو قد يحصل بنفسه وقد يحصل بنسيان الموضوع الذي هو النسيان أو الشك، فتأمل. المقام الثاني في ما يستظهر من الجملة الشريفة: فيمكن أن يقال: إن المتيقن من دلالتها هو الشك، فإن المقصود من السهو الذي يكون في الجمل الاخر في المعتبرين غير الجملة الشريفة - من السهو خلف الإمام أو سهو الإمام أو السهو في الأولتين أو المغرب أو الفجر أو النافلة - هو الشك، فلا يحتمل أن يكون المقصود من خصوص قوله " لا سهو في سهو " معنى يغايره بالتباين. نعم، يمكن أن يكون أعم إلا أنه لا يبقى ظهور له في العموم، فالقدر المتيقن من ظهوره بقرينة سائر الفقرات المتعرضة لحكم السهو هو الشك. وبعد ذلك يبقى الكلام في أن المقصود من الثاني نفس الشك أو موجبه أو الأعم بعد معلومية كون المقصود من الأول تعلق النفي بموجبه، إذ لا معنى


(1) الجواهر: ج 12 ص 398.

[ 482 ]

[... ] لتعلق النفي بنفسه إذ من المعلوم بالوجدان تحقق الشك. والذي يعين الثاني امور: الأول: كون الوارد في مصحح حفص: " ليس على السهو سهو " (1) وهو لا يناسب تعلق الشك بالشك ولو كان من الظرف اللغو كما في المستمسك (2)، فإن " على " للاستعلاء ومقتضى ذلك فرض وقوع الموضوع الذي هو الشك، فلا يجتمع ذلك مع الشك في وجوده، وإن كان بمعنى " في " فلم يثبت إلا كونه بمعناه في الظرفية المقتضية لثبوت الموضوع لا مطلق التعلق، وذلك كما في قوله تعالى: * (على حين غفلة من أهلها) * (3). الثاني: أن الشك في الشك لاحكم له غالبا من حيث الشك حتى يرتفع، فإنه لو كان الشك بعد الفراغ واحتمل الإتيان بالمشكوك بعد الشك فمقتضى قاعدة الفراغ هو الإتيان من حيث مضي وقته لا من حيث تعلق الشك بالمشكوك، وأما إن كان في محله وكانت الحالة الفعلية هي القطع بأحد الطرفين فلا أثر لسبق الشك، وإن كانت الحالة الفعلية هي الشك فلا أثر أيضا، للقطع بوجود الشك فعلا المقتضي للإتيان، ولا دخل للشك السابق المشكوك تحققه. نعم، لو كان الشك بعد الفراغ واحتمل تحقق الشك قبل ذلك في محله وقطع بعدم الإتيان على تقدير الشك فللشك السابق أثر، من جهة عدم جريان قاعدة الفراغ، من حيث كون موضوعها الشك الحادث. والتعرض لخصوص ذلك الفرد النادر والإعراض عن حكم الشك في موجب الشك المورد للابتلاء مما تطمئن النفس بعدمه.


(1) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 1 من ب 25 من أبواب الخلل. (2) المستمسك: ج 7 ص 517. (3) سورة القصص: 15.

[ 483 ]

[... ] الثالث: أنه بناء على عدم كون المراد هو الموجب فلابد من كون الظرف لغوا متعلقا بالموضوع، فيكون المقصود نفي حكم الشك الذي هو متعلق بالشك، بخلاف ما لو كان المراد به الموجب، فإن الظرف حينئذ خبر " لا " فيكون المفاد أنه لا حكم للشك إذا فرض تحقق الشك. ومن ذلك يظهر أنه بناء على كون المراد به موجب الشك فلا يلزم التقدير، بل يكون المفاد أنه لا شك بعد فرض الشك المعلوم أنه في ما إذا كان الشك الأول مضافا إلى الشك الثاني مع فرض وجوده، فتأمل. وحينئذ فقد تحقق أن الظاهر منه كون المراد عدم حكم للشك إذا تعلق بموجب الشك. وحينئذ يقع الكلام في أنه هل هو مطلق الموجب مع فرض تحقق الشك، فيشمل الشك في الإتيان بصلاة الاحتياط والشك في أجزائها (فلا يعتنى بذلك كله وإن كان في المحل) وكذا الشك في أعداد ركعات صلاة الاحتياط، أو يختص بالأخير؟ وجهان: من أن الأول هو مقتضى الإطلاق فإن مقتضاه عدم الاعتناء بالشك في الموجب مطلقا، ومن أنه خلاف المشهور بين الأصحاب على الظاهر، مضافا إلى أن المعتبرين واردان صدرا في الشك في الركعات فهو القدر المتيقن، مع أنه قد يقال: إن السهو قد استعمل في الأخبار في الشك في الركعات كثيرا، كما هو ظاهر لمن راجع باب الشك في الركعات مثل قوله: " أجمع لك السهو كله في كلمتين " (1) وباب كثير الشك (2) وحفظ الشك بالحصى (3) وغير ذلك كالشك


(1) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 329، الباب 16 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 343، الباب 28 من أبواب الخلل.

[ 484 ]

[... ] في الركعتين الأولتين (1) والمغرب والفجر (2)، ولذا قال (قدس سره) في المستمسك: فصار كأنه معنى عرفي شرعي (3). والذي حصل لي أنه لم يعهد - على ما هو ببالي - استعمال السهو في الشك في وجود شئ أو في الشك في بعض الأجزاء بالخصوص، وأما الاستعمال في الأعم فيمكن تحققه في باب كثير السهو ورجوع الإمام إلى المأموم وبالعكس، إلا أنه أيضا غير واضح. وبعد ذلك يقع الكلام في أنه بعد اختصاص جملة " لاسهو في سهو " (4) أو " ليس على السهو سهو " (5) بالشك في أعداد موجب الشك فهل مقتضاه الصحة التي هي الحكم بالبناء على الأكثر في ما إذا لم يكن البناء عليه مبطلا وعلى الأقل إذا كان مبطلا، أو الحكم بالبطلان كما في الشك في الفجر والمغرب والركعتين الأولتين الذي قد تعرض لذلك في ما تقدم من معتبر نوادر إبراهيم (6)، أو يكون مجملا من تلك الجهة فيحكم بالبطلان لعدم الدليل على الصحة حينئذ؟ وجهان. الأقوى هو الأول، وذلك لأن مقتضى النفي بحسب الظاهر عدم الاعتناء بالشك. والبطلان المستلزم لإعادة صلاة الاحتياط أو لإعادة أصل الصلاة اعتناء بالشك. ورفع اليد عن الظهور المزبور بالنسبة إلى بعض فقرات المعتبر المذكور لا يوجب رفع اليد عن جميع فقراتها. واتحاد السياق في الظهور غير الاتفاق في حجية الظهور، مع أنه لو سلم الإجمال في خبر النوادر (7) فالظاهر أن التمسك بظهور مصحح


(1) الوسائل: ج 5 ص 299، الباب 1 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 304، الباب 2 من أبواب الخلل. (3) المستمسك: ج 7 ص 517. (4 و 5) الوسائل: ج 5 ص 340، الباب 25 من أبواب الخلل. (6 و 7) تقدم في ص 478.

[ 485 ]

[... ] حفص (1) خال عن الإشكال، وذلك لعدم التعرض لما يكون نفي الشك بالنسبة إليه بمعنى البطلان فراجع وتأمل. وذلك هو المنسوب إلى المشهور - كما في المستمسك - وعن الأردبيلي (قدس سره) البناء على الأقل، وعن المجلسي (قدس سره) إنه لا يخلو من قوة (2). وكيف كان، فما نسب إلى المشهور من البناء على الأكثر أو الأقل إذا كان الأكثر مبطلا كما في كثير الشك لا يخلو عن القوة، والله المتعالي هو الأعلم بالمبدأ والمال. المقام الثالث في الفروع المستخرجة من الاحتمالات السابقة: الأول: لو شك في أن الحالة الفعلية هل هي الشك أو الظن ففي العروة: بنى على أنه كان شكا (3)، فهو صريح في تصوير ذلك، والمحشون على كثرتهم لم يعلقوا عليها بعدم فرض ذلك، لكن الظاهر من صاحب الجواهر (قدس سره) عدم تصوير ذلك لأنه من الوجدانيات (4)، فكما أن الإنسان لا يشك في العلم كذا لا يشك في الشك فعلا. والأظهر إمكان تعقل ذلك بنحو الشبهة المفهومية والشبهة المصداقية: أما الأول فكتحقق حالة في النفس قد ترجح أحد الطرفين بالخصوص وقد تعدل الطرف الآخر وعلم ببقاء ذلك حتى بعد التروي، فيحتمل أن يصدق عليه الظن، لأن صلاحية أحد الطرفين للترجيح بنفسه ترجيح فيحتمل صدق الظن عليه، أو يقال إنه وإن لم يصدق عليه الظن إلا في حال الرجحان وأما في حال التعادل فلا يصدق عليه الظن بل هو مصداق للشك لكنه حيث لا يمكن أن يكون


(1) تقدم في ص 477. (2) المستمسك: ج 7 ص 518. (3) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 52، المسألة 9. (4) الجواهر: ج 12 ص 391.

[ 486 ]

[... ] مصداقا لما دل على حكم الشك ولما دل على حكم الظن كليهما فيشك في اللحوق بدليل الظن أو بدليل الشك. وأما الثاني - أي تعقل الشبهة المصداقية - فلأنه كما يخفى في كثير من الموارد على الفطرة الإنسانية ما يحكم عقله بالضرورة، للتعصب أو لحب الجاه والتكبر واللجاجة، كما في مشركي قريش مع مشاهدة المعجزات الباهرات - كالقرآن وشق القمر - من الرسول الأكرم الداعي إليه تعالى وإلى المعاد (كحكم العقل بأن الأصنام التي لا تخلق ذبابا * (ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) * (1) لا تكون قابلة للعبادة) كذلك كثيرا ما يكون الحب المفرط لأحد طرفي الترديد موجبا لتخيل الترجيح أو احتماله، فكأنه من باب الخلط بين الرجحان في التحقق واقعا وحب التحقق. إذا عرفت ذلك فنقول: أما كون الشبهة المفهومية بحكم الشك فيرجع عند الشك في صدق الظن عليه إلى إطلاق دليل الشك، فإن لفظ الشك في اللغة خلاف اليقين كما يظهر من لسان العرب وغيره، وهو الذي يدل عليه أقوى مدارك لغة العرب وهو القرآن الكريم، فإن اللفظ المذكور وارد فيه في خمسة عشر موضعا ولا يناسب أن يكون المقصود به خصوص الترديد المعتدل كما في قوله تعالى: * (أفى الله شك فاطر السموات والارض) * (2) وقوله عز من قائل: * (فإن كنت في شك) * (3) وقوله جل ثناؤه: * (إن كنتم في شك من دينى) * (4) وقوله عظم شأنه: * (بل هم في شك منها) * (5) وغير ذلك،


(1) سورة الحج: 73. (2) سورة إبراهيم: 10. (3) سورة يونس: 94. (4) سورة يونس: 104. (5) سورة النمل: 66.

[ 487 ]

[... ] وهو الذي تشهد به الروايات الكثيرة التي منها روايات باب الاستصحاب. وإن أبيت عن ذلك فيرجع إلى ما دل على حكم الشك بعنوان " لا يدري " أو " السهو " الذي ليس فيه لفظ الشك (1). هذا في الشبهة المفهومية. وأما المصداقية: فإن كان الترديد الحاصل في موردها مسبوقا بالاعتدال أو الترجيح فيستصحب، وإلا فيمكن أن يقال: إن الموضوع في غير واحد من أخبار الباب لحكم الشك هو الشك أو عدم الدراية مع عدم ذهاب وهم المصلي إلى أحد الطرفين كما في رواية الحلبي: " إن كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ " (2) وفي صحيحه الآخر: " إذا لم تدر اثنتين صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ " (3) ولا ريب أن الترديد محرز بالوجدان وعدم ذهاب الوهم إلى شئ محرز بالأصل. ولا يضره أخذ الاعتدال والتساوي في بعض الأخبار الآخر كمرسل جميل (4) وحسن الحسين بن أبي العلاء (5)، فإن مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع أن ملاك الحجية هو الظن، وملاك حكم الشك عدم وجود الحجة وأن الاعتدال والتساوي لا دخل له في الحكم، فلا ريب أنه إذا دار الأمر بين حمل الاعتدال على عدم وجود الظن الذي هو الحجة أو بالعكس يتعين الأول. هذا، مع أن الأخذ بظهور الشرطين كاف في الحكم، فإن وجود أحدهما ملازم


(1) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 و 6 من ب 8 من أبواب الخلل، وص 323 و 324 ح 1 و 2 و 3 و 4 و 6 و 8 بل و 9 من ب 11 من تلك الأبواب، وص 325 الباب 13 من تلك الأبواب، وص 326 ح 1 من ب 14 من تلك الأبواب. (2) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 5 من ب 10 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 322 ح 1 من ب 11 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ص 320 ح 2 من ب 10. (5) المصدر: ص 321 ح 6 من ب 10.

[ 488 ]

[... ] للآخر، ومقتضى الإطلاق أن إحراز أحدهما كاف ولو مع الشك في وجود الآخر، كما في ذهاب الحمرة عن المشرق وزوال الحمرة عن قمة الرأس ورؤيتها في جانب المغرب، فإن مقتضى الدليل كفاية إحراز أحد الأمرين ولو مع الشك في وجود الآخر. وبعض ما ذكرناه من تنقيح الأصل في ذلك موافق لما أفاد صاحب المستمسك رحمه الله تعالى. الثاني: لو شك بعد ذلك في حصول الشك أو كون ما وقع شكا أو ظنا فإما أن يكون قبل التجاوز عن المحل، وإما أن يكون بعده، وإما أن يكون في أعداد الركعات، وإما أن يكون في الأجزاء والشرائط. وحينئذ يمكن أن يقال: إنه لو كان الوضع معلوما في حال حصول الشك في الشك السابق أو مظنونا بالظن المفروض حجيته فلا أثر لهذا الشك حتى لو كان المشكوك حصول الشك في الاوليين بناء على ما تقدم من أن صرف حصول الشك فيهما ليس من القواطع. وأما إذا كان متعلق الشك الذي تعلق به الشك مشكوكا في الحال فكذلك لا إشكال فيه ولا يعتنى به إذا كان بعد الفراغ واحتمل الإتيان به بعد الشك على فرض عروضه، أو مراقبته بأن كان رفع اليد عنه من باب تبديله بالظن، فإن الشك في المراقبة أو الإتيان على فرض الشك حادث بعد الفراغ عما يجب عليه بعد الشك. والحاصل أنه لا شبهة أيضا في جريان قاعدة الفراغ في ذلك، للقطع بأنه كانت القاعدة في فرض احتمال الإتيان بعد القطع بعدم الإتيان فجريانها في فرض الاحتمال بالإتيان على فرض الاحتمال أولى.

[ 489 ]

[... ] ومن ذلك يظهر أنه لو علم أيضا بحدوث الشك في المحل واحتمل الإتيان به تجري القاعدة من دون إشكال. وأما لو فرض القطع بعدم المراقبة وعدم الإتيان بالمشكوك على فرض حصول الشك فيشكل جريان القاعدة، من جهة أن الشك الموجود في هذا الحال المسبب عن الشك في تحقق الشك في الإتيان بالشئ في محله ليس موضوعا لقاعدة التجاوز، لاحتمال عدم كونه حادثا، واستصحاب عدم حصول الشك في المحل لا يثبت وصف الحدوث للشك الفعلي ولو كان الحدوث أمرا مركبا، من جهة أن اتصاف الشك بالعدم السابق لا يثبت بنفس العدم. لكن يمكن أن يندفع الإشكال بأن مقتضى الإطلاق عدم الاعتناء بالشك المتحقق حال التجاوز من حيث كونه متحققا فيه ولو كان تحققه حال العمل معلوما فكيف بالمشكوك، لكن عدم البأس من حيث الشك المتحقق بعد التجاوز لا ينافي ثبوت البأس من حيث الشك المتحقق في المحل، فعلى هذا يحكم لقاعدة التجاوز بعدم البأس بما تجاوز عنه، من حيث وجود الشك في ما بعد التجاوز، ومقتضى الاستصحاب عدم تحقق الشك في المحل حتى يعاقب المصلي من تلك الجهة. وترتب عدم العقوبة على عدم الشك وإن كان عقليا في حال القطع بذلك لكنه مما تناله يد الجعل في حال الشك، لأن منشأه عدم فعلية الأمر بالإتيان بالجزء. ولعله يبتني على ذلك ما تعرض له (قدس سره) في الجواهر من الشك في التشهد الثاني في أنه هل شك في التشهد الأول بين الاثنتين والأربع (1). وجه الابتناء أنه يقطع بعدم المراقبة على فرض الشك فإنه لم يعمل على طبق


(1) الجواهر: ج 12 ص 390.

[ 490 ]

[... ] شكه على فرض تحققه إذا لم يحتمل المراقبة من جهة اخرى كرفعه أو تبدله بالظن، فإنه لا إشكال فيه على الظاهر من جهة جريان قاعدة التجاوز، من باب أن الفصل والإتيان بصلاة الاحتياط قد مضى محله فهو محكوم بعدم اللزوم، فتأمل. لكن الظاهر أنه لو لم يحكم في ذلك الفرع بعدم تحقق الشك من باب قاعدة التجاوز فلا ريب أن مقتضى الاستصحاب عدم تحقق الشك، وأثره جريان الاستصحاب بالنسبة إلى عدم الزيادة، فإن مقتضى الشك في حدوث الشك بين الاثنتين والأربع هو أن يشك فعلا بين الأربع والست، ومقتضى الاستصحاب عدم الزيادة على الأربعة، وهذا بخلاف ما إذا كان الشك محققا بين الأربع والاثنتين، فإن مقتضى دليله البناء على الشك وعدم جريان الاستصحاب ولو في فرض النسيان، ويجئ إن شاء الله في الفروع الآتية ما يزيد به هذا الفرع وضوحا، وهو الموفق المستعان في كل آن. الثالث: إذا شك بين الاثنتين والثلاث وشك بعد ذلك في أنه هل كان الشك الحاصل قبل الإكمال حتى تبطل به الصلاة أو بعد الإكمال حتى تصح؟ وهو الذي تعرض له في العروة وقال (قدس سره): لو شك في أن شكه السابق كان موجبا للبطلان أو للبناء بنى على الثاني - إلى أن قال: - وكذا إذا كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة (1). لكن قد أشكل في ذلك غير واحد من المحشين على وجه الإطلاق، وبعضهم نفى الإشكال إذا كان حصول الشك المزبور بعد الإتيان بالركعة المفصولة.


(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 52، المسألة 10.

[ 491 ]

[... ] لكن الظاهر تمامية ما في العروة بل لعل الأظهر هو الحكم بالصحة وإن لم يبن على الشك فعلا، كما لو كان جالسا بعد الإكمال وشاكا في الاثنتين والثلاث وشاكا أيضا في أنه هل كان ذلك قبل الإكمال أو بعده. والذي يدل على الصحة بنحو الجملة والإجمال أو يمكن تقريب دلالته وجوه: منها: قاعدة الفراغ، فإن الشك بين الاثنتين والثلاث وإن لم يكن حادثا إلا أن الشك في صحة ما أتى به من الفصل وعمل الاحتياط حادث إذا كان بعد الفراغ عن الركعة المفصولة. ومقتضى هذا الوجه هو الصحة إذا كان بعد الفراغ لا مطلقا. ومنها: أن يقال: إنه بعد البناء على الثلاث بالإتيان بركعة بعنوان الرابعة البنائية أو القيام إليها ولو لم يدخل في الركوع يشك في أنه هل وقع ذلك بعد الشك المتصف بكونه بعد الإكمال أم لا، ولا ريب أن المحل الشرعي له قبل ذلك، وهو الذي يقتضيه إطلاق الحكم بالمضي في كل شك له محل شرعي. وتوهم " اختصاص القاعدة بالشك في الأجزاء والشرائط وعدم كون الشك بعد الإكمال من الأجزاء والشرائط " مدفوع بالإطلاق. ومنها: أن الشك المحقق شك بين الاثنتين والثلاث بالوجدان، ومقتضى قاعدة الفراغ عن الركعتين عدم تحقق المانع فيهما، فإطلاق مثل موثق عمار (1) يحكم بالبناء والتدارك، خرج منه صورة وقوع الشك في الركعتين، وإذا حكم بصحة الإتيان بالركعتين وعدم مقرونيتهما بالمانع فلا مانع من إجراء الإطلاق المذكور. ومقتضى الوجه المزبور هو الحكم بالصحة على وجه الإطلاق. ومنها: استصحاب عدم حدوث الشك في الركعتين كما أو مأ إليه بعض الأعلام من المعاصرين كان الله له في تعليقه على العروة.


(1) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل.

[ 492 ]

[... ] وفيه إشكال من جهة تعارضه لاستصحاب عدم تماميتهما في حال حدوث الشك. ومنها: استصحاب صحة الصلاة على وجه التأهل بعد تعارض الأصلين. وهو جيد. فتلك وجوه خمسة بعضها صحيح بحمده تعالى، فالصحة هي الأوجه، والله العالم. الرابع: لو شك بعد أن قام في أن شكه الصحيح الذي قد وقع سابقا هل كان بين الاثنتين والثلاث أو كان بين الثلاث والأربع فيجب عليه هدم القيام؟ فالظاهر أنه يهدم القيام، لأن الشك المزبور موجب لأن يقطع بحصول الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، فيعمل عمله من البناء على الأربع والاحتياط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس. وتوهم " أن مقتضى كون العمل هو البناء على الثلاث من جهة فرض القيام إلى الرابعة البنائية هو التجاوز عن الشك بين الاثنتين والثلاث، لأن العمل المزبور بعد ذلك " مدفوع بأنه لو فرض القطع بكون الشك الحادث بين الثلاث والأربع لا يفيد مع الانقلاب إلى الشك المركب المذكور فلا أثر للتعبد بذلك بعد كون ما في الوجدان فعلا هو الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع. كما أن توهم " انصراف الأخبار الواردة في حكم الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع (1) عن ذلك، لعدم كونه حادثا في ابتداء العمل بالشك " مدفوع أيضا بوجوه:


(1) الوسائل: ج 5 ص 325، الباب 13 من أبواب الخلل.

[ 493 ]

[... ] منها: أن الانصراف المذكور مسلم في الجملة إلا أن المنصرف عنه هو الانقلاب الحاصل بالعمل، لأن كل شك بين الاثنتين والثلاث يصير بعد الإتيان بركعة اخرى شكا بين الثلاث والأربع، وأما إذا انقلب الشك حتى بالنسبة إلى الظرف المتقدم - كما في المقام، فإن الشك حينئذ في أن الركعة التي قام عنها هل كانت ثانية أم ثالثة أم رابعة - فالانصراف ممنوع جدا، فيؤخذ بإطلاق الأخبار المشار إليها. ومنها: أنه على فرض الانصراف إلى الحادث فالشك الكذائي المركب - أي المتعلق بكون الركعة التي فرغ عنها هي الثانية أو الثالثة أو الرابعة - قد حدث، ولم يكن بقاء الشك السابق من جهة أن الذي يكون بقاء للشك السابق هو الشك بين الثلاث والأربع بالنسبة إلى تلك الركعة، أو الشك بين الأربع والخمس فيها، فإن الشك المتعلق بأن تلك الركعة إما رابعة أو خامسة أحد طرفيه بقاء للشك السابق، والمجموع مسبب عن الشك في الشك، فتأمل. ومنها: أنه على فرض الانصراف في الأخبار المزبورة فلا انصراف في مطلقات عمار (1)، مثل قوله (عليه السلام): " يا عمار أجمع لك السهو كله في كلمتين، متى ما شككت فخذ بالأكثر، فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (2). فإن موضوعه الشك في الأقل والأكثر، واختلاف المصاديق غير مضر، لوحدة المفهوم. والحاصل أن مقتضى القاعدة هو الهدم والبناء على الأربع وعمل الشك بين


(1) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ح 1.

[ 494 ]

[... ] الاثنتين والثلاث والأربع، حتى أن مقتضى الاحتياط هو أن يكون ما يتدارك به نقص الركعة على تقدير كون الناقص الركعة الواحدة هو الركعتان من جلوس لا الركعة الواحدة القيامية، وهو واضح بناء على الوجهين الأولين اللذين يكونان مبنيين على التمسك بالأخبار الخاصة الواردة في الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، وأما بناء على التمسك بمطلق عمار فلأن المطلق مبين بما ورد في الشك بين الثلاث والأربع، وهو منطبق على ذلك في المقام، فإنه على تقدير أن لا تكون الركعة التي فرغ عنها هي الثانية فهي مرددة بين الثالثة والرابعة فيكون مشمولا لدليله الدال على التدارك بالصلاة من جلوس. والأحوط بعد العمل بما دل على الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع - من الإتيان بالركعتين قائما والركعتين من جلوس - أن يأتي بركعة قائما، وذلك لاحتمال الانصراف في الأخبار الخاصة التي وردت في الشك بين الثنتين والثلاث والأربع (1) وما ورد في الشك بين الثلاث والأربع (2)، لكن لا قصور في مطلقات عمار، وهو العالم المعلم الملهم. وكذا الكلام في ثلاثي الأطراف أي ما إذا كان الشك مرددا بين الاولى والثانية وبين الثالثة والرابعة وبين الثانية والرابعة، وكذا رباعي الأطراف أي المردد بين ما ذكر وبين الثانية والثالثة والرابعة. وأولى في الحكم المذكور ما إذا حصل الشك المذكور قبل القيام. الخامس: لو شك في ذلك بعد الإتيان بالركعة المرددة بين الثالثة والرابعة فالظاهر


(1) الوسائل: ج 5 ص 325، الباب 13 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 320، الباب 10.

[ 495 ]

[... ] هو البطلان، لعدم الدليل على المصحح فيها سواء اكتفى بذلك أو زاد ركعة اخرى، لأنه لا يمكن أن يقال: إنه شاك فعلا في الثلاث والأربع والخمس فيعمل عمله من الاكتفاء بسجدتي السهو، فإن الشك بين الأربع والخمس الموضوع للتدارك على فرض شموله للمركب - كما في ما نحن فيه - هو الحادث بنفسه لا من باب تبديل الشك بين الثلاث والأربع إليه بواسطة الإتيان بركعة مرددة بين الثلاث والأربع، فإنه لو كان أعم للغا الشك بين الثلاث والأربع، فإنه بعد الإتيان بركعة واحدة تصير مصداقا للشك بين الأربع والخمس فيكتفى بسجدتي السهو، وهذا إما من باب الانصراف وإما من باب التخصيص بدليل الشك بين الثلاث والأربع. ولا يمكن أن يقال: إنه يحتمل كون الحادث سابقا هو الشك بين الاثنتين والثلاث، والعمل المأتي به وقع على وفقه فيحكم بكون المأتي به رابعة بنائية ويتدارك النقص المحتمل بركعة قائما، وذلك للقطع بالانقلاب وأن الحالة الفعلية بالنسبة إلى الركعة السابقة التي وقع فيها الشك هي الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، وليس الحدوث كافيا للجري عليه بل لابد من بقاء ذلك إلى الإتيان بصلاة الاحتياط وتمامية العمل. كيف! ولو كان ذلك كافيا لكان الحكم هو العمل على الشك بين الثلاث والأربع إذا انقلب إليه من غير جهة الشك في ما وقع، مع أنه لا يمكن الالتزام بذلك، فإن الحكم المذكور من باب تأمين الصلاة من جهة الزيادة والنقيصة والإتيان بركعة قائما لا يكفي لذلك، لاحتمال الخمس، فلا محيص إلا عن الحكم ببطلان الصلاة. والله العالم. السادس: لو كان في حال التشهد الثاني وشك في أنه كان شكه السابق بين الثلاث والأربع ولم يأت بركعة اخرى بل بنى على الأربع أو كان بين الاثنتين والثلاث

[ 496 ]

[... ] فقام وركع ركعة وذلك بعد الإتيان بها، فيعلم أنه عمل بما هو وظيفة الشك على التقديرين، فيعلم حينئذ أن الشك الفعلي هو الشك بين الثلاث والأربع ولكن لا يدري أنه الشك بين الثلاث والأربع الحادث حتى يكون حكمه الركعتين من جلوس أو الباقي بعد الإتيان بركعة اخرى حتى يكون حكمه الركعة قائما، فلا إشكال فيه على فرض عدم الاختلاف في الموجب، وكذا على فرض الاختلاف بالتعيين والتخيير، فيؤخذ بالمتيقن احتياطا أو من باب الدوران بين التعيين والتخيير، وأما على فرض الاختلاف بأن يكون المتعين على أحد الفرضين هو القيام وعلى الفرض الآخر هو الجلوس فلا بد من الاحتياط بالعملين. إلا أن يقال: إن كون الشك فعلا متعلقا بالثلاث والأربع بالوجدان واضح، إنما الإشكال في الحدوث والبقاء، والأصل عدم حدوث الشك بين الثلاث والأربع، وإثبات كون الشك هو الحادث أو كون الشك متصفا بعدم المسبوقية بالشك بين الثلاث والأربع غير محتاج إليه، فإن القدر المتيقن من الانصراف أن لا يكون الشك مقرونا بالشك السابق الباقي إلى الآن، والأصل عدمه. وكيف كان، فلا ينبغي إنكار أن الاحتياط في إيجاد العملين على فرض التعين وتقديم الجلوس على القيام، فتأمل. السابع: لو شك في السهو في شئ خاص فلا إشكال في عدم الالتفات إليه إذا كان بعد الفراغ أو التجاوز، وكذا لا ينبغي الإشكال في الالتفات إليه إذا كان قبل التجاوز، كما إذا كان في حال يريد التشهد فيشك في أنه هل سها عن السجدة الأخيرة أم لا، فلا شبهة في أن مقتضى قاعدة الشك في المحل والاستصحاب

[ 497 ]

[... ] هو الإتيان، فإنه المتيقن من قاعدة التجاوز مفهوما ومنطوقا، وأما احتمال الترك العمدي فهو غير واضح الدخول فيهما كما تقدم ولا يخفى. وما ورد في المعتبرين المتقدمين (1) من نفي السهو في السهو بناء على أن يكون المراد بالثاني هو الأعم من السهو والشك لا يدل على الخلاف، لوجوه: منها: عدم صدق السهو مع بقاء المحل حقيقة، فإن السهو إنما هو بالنسبة إلى كلي الامتثال، وهو لا يحصل إلا بالتجاوز عن المحل. ومنها: أنه على فرض الصدق فالاحتمال المذكور مورد للمناقشة كما تقدم، فإن المتيقن منه أنه لا شك في موجب الشك كما نقل الفتوى بذلك من المشهور. ومنها: أنه على فرض الصدق والظهور في الشمول للمورد فلا ريب أنه مخصص بمفهوم قاعدة التجاوز، فإنه القدر المتيقن منها، فلا ينبغي الإشكال في ذلك. الثامن: لو تحقق السهو مسلما لكن دار أمره بين السجدة الواحدة من الركعة الاولى أو الثانية أو دار الأمر بين التشهد الأول أو الثاني - والكلي أن يكون مقتضى ذلك أمرا واحدا - فلا إشكال في وجوب القضاء، والعلم بالخصوصية ليس دخيلا في الامتثال وكذا في سجدتي السهو، وذلك واضح حتى بناء على شمول " لا سهو في سهو " (2) للمورد، فإن مفاده ليس إلا كمفاد قاعدة التجاوز التي تتعارض بالنسبة إلى الطرفين، وهذا لا يكون إلا بعد الفراغ أو بعد الدخول في الركن بالنسبة إلى كلا المحتملين.


(1) في ص 477. (2) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 2 و 3 من ب 25 من أبواب الخلل.

[ 498 ]

[... ] التاسع: إذا كان مقتضى العلم الإجمالي تكليفين مختلفين في مورد يكون المسهو المردد من سنخ واحد، بأن كان متعلق التكليف في أحدهما القضاء وفي الآخر التدارك في المحل: فإن لم يصدق التجاوز بالنسبة إلى أحدهما - كما إذا شك في كون المسهو هو السجدة من الركعة الماضية أو السجدة من الركعة التي بيده وهو جالس فعلا يريد الشروع في التشهد - فهو أيضا واضح، من جهة انحلال العلم الإجمالي بواسطة القاعدة المثبتة للتكليف بالنسبة إلى ما يكون الشك بالنسبة إليه في المحل وقاعدة التجاوز الحاكمة بالإتيان بالسجدة في الركعة الاولى المثبتة لعدم وجوب القضاء. وإن صدق على الكل أنه تجاوز عن المحل ولكن كان حكم أحدهما القضاء لعدم محل التدارك وكان حكم الآخر الرجوع والتدارك، كما لو شك في السهو عن السجدة من الركعة الاولى أو السجدة عن التي هو في تشهدها فعلا أو قام عنها، فتتعارض قاعدتا التجاوز بالنسبة إليهما فيرجع إلى الاستصحاب، ومقتضى الاستصحاب عدم الإتيان بهما معا، ولا يضر العلم بالإتيان على فرض ثبوته كما هو المعروف، ومقتضى ذلك الرجوع والتدارك والقضاء بعد ذلك، وإن فرض عدم جريان الاستصحابين للمخالفة العلمية فلا ريب أن مقتضى الأصل بقاء التكليف بما يمكن تداركه في المحل وعدم وجوب القضاء بالنسبة إلى الآخر، فوجوب التدارك مسلم بمقتضى القاعدة، فما في الجواهر من ترجيح عدم وجوبه (1) غير واضح جدا.


(1) الجواهر: ج 12 ص 393.

[ 499 ]

[... ] العاشر: إذا كان طرف العلم الإجمالي مختلف الحقيقة وكان مقتضى كل من الطرفين مختلفا أيضا: فإن كان الشك بالنسبة إلى كل منهما في المحل كما إذا علم أنه إما سها عن السجدة الواحدة أم سها وانحرف عن القبلة يمينا أو شمالا وهو في حال الجلوس، فلابد من المراعاة بالنسبة إلى كلا المحتملين، أو كأن يريد السورة وشك في السهو عن القراءة أو القيام حالها فلابد من إعادتهما. وإذا كان الشك بالنسبة إلى أحد طرفي العلم بعد التجاوز وبالنسبة إلى الآخر قبل التجاوز كما إذا شك في حال إرادة القيام في السهو عن التشهد في تلك الركعة أو السجدة الثانية من الركعة السابقة، فمقتضى القاعدة هو الإتيان بالتشهد وعدم وجوب قضاء السجدة عليه، لانحلال العلم الإجمالي بالأصلين اللذين مقتضى أحدهما النفي ومقتضى الآخر الإثبات. وكذا إذا كان حصول الشك المزبور المردد بين الطرفين بعد التجاوز ولكن لم يكن أي أثر لأحدهما وكان الآخر ذا أثر، كما إذا علم إجمالا إما بفوت الترتيب بين الحمد والسورة من الركعة المتقدمة أو بفوت السجدة الواحدة من الركعة التي قام عنها، فإن مقتضى قاعدة التجاوز هو الإتيان بالسجدة وعدم لزوم التدارك بالرجوع إلى السجدة، لعدم أثر للإتيان بالقراءة مرتبا. والفرق بين الصورتين انحلال العلم الإجمالي بالتكليف في الفرض المتقدم وعدم تحقق العلم بالتكليف فيه وإن كان العلم الإجمالي بالخلل متحققا فيهما. وإذا كان حصول العلم بعد الفراغ والتجاوز بالنسبة إلى ما له أثر إيجابي على كل حال لكن كان مقتضى الأصل - بعد تعارض القاعدة - بالنسبة إلى أحدهما

[ 500 ]

[... ] الإثبات وبالنسبة إلى الآخر النفي فينحل العلم الإجمالي أيضا بالأخذ بطرف الإثبات، كما إذا علم إجمالا بعد الفراغ مثلا إما بالتكلم بالكلام الآدمي سهوا فيجب عليه سجدتا السهو وإما بترك ذكر الركوع مع النذر الشرعي بالتصدق على تقدير الترك، فإن مقتضى الأصل عدم التكلم فيجب التصدق ولا سجدة عليه، كما لا يخفى. الحادي عشر: إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي موجبا لأثر مشترك للطرف الآخر كما إذا علم بعد الفراغ إما بالتكلم سهوا الموجب لسجدتي السهو أو ترك السجدة الموجب للقضاء والسجدتين للسهو، فلا تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى التكلم، للقطع بلزوم سجدتي السهو قطعا إما له أو لترك السجدة، فقاعدته بالنسبة إلى السجدة الواحدة خالية عن المعارض. الثاني عشر: الظاهر أنه أولى بعدم المعارضة ما إذا كان طرف العلم مرددا بين ما تستحب له سجدتا السهو مثلا أو تجب له تلك والقضاء، كما إذا علم بعد الفراغ إما بترك القراءة أو ترك السجدة الواحدة، فإنه لا أثر للتجاوز والفراغ بالنسبة إلى ترك القراءة، فإن محبوبية سجدتي السهو مسلمة قطعا فتجري القاعدة فارغة عن المعارض بالنسبة إلى السجدة فيحكم بعدم وجوب القضاء. الثالث عشر: لو كان أحد طرفي العلم مقتضيا لأمر مستحب غير مشترك والآخر للوجوب، كما إذا علم إجمالا إما بالسهو عن القراءة الموجب لاستحباب سجدتي السهو أو السهو عن ذكر الركوع لمن نذر التصدق بالدرهم على تقدير النسيان، فيمكن

[ 501 ]

[... ] أن يوجه جريان القاعدة بالنسبة إلى موضوع الوجوب من دون التعارض لجريانها بالنسبة إلى موضوع المستحب بوجهين: أحدهما أنه لا أثر له في العمل، فإن الاستحباب بعنوان الرجاء واحتمال الرجحان حاصل قطعا وهو غير قابل للرفع بقاعدة الفراغ، وإتيانه بعنوان الاستحباب الظاهري الاستصحابي من جهة الحكم بعدم الإتيان بالقراءة غير واضح، لأن الاستحباب الظاهري لا يكون ملاكا للتقرب. ثانيهما الحكم بجريان القاعدة فيهما من دون محذور، لأن المحذور هو الإذن في المعصية، وهو غير محقق قطعا، فافهم وتأمل. الرابع عشر: إذا كان الشك بعد التجاوز عن المحل مع بقاء محل التدارك بالنسبة إلى أحدهما كما إذا شك في أنه هل سها عن السجدة التي قام عن ركوعها أو التشهد من الركعة السابقة، فالظاهر وجوب الرجوع وقضاء السجدة بعد الصلاة، وذلك لتعارض القاعدة ومقتضى استصحاب عدم الإتيان بالنسبة إلى كل من الطرفين. نعم، لو لا الاستصحاب المذكور كان مقتضى استصحاب عدم وجوب القضاء وبقاء الأمر الأول الموجب للتدارك هو انحلال العلم الإجمالي، إلا أنه لا تصل النوبة إلى الأصل الحكمي مع وجود الأصل الموضوعي. الخامس عشر: لو علم نسيان أحد الأمرين من التشهد أو السجدة الواحدة فله عشر شقوق قد مر بعضها لكن نجمعها في هذه المسألة توضيحا، لأنه: 1 - إما أن يكون العلم المذكور حاصلا بعد الفراغ وبعد صدور المنافي فلا يكون إلا قضاء، فمقتضى العلم الإجمالي وتعارض قاعدة التجاوز هو الإتيان بالأمرين وسجدتي السهو، لاستصحاب عدم الإتيان، بل لو لا الاستصحاب كان

[ 502 ]

[... ] مقتضى العلم الإجمالي قضاء التشهد والسجدة كليهما، وسجدتا السهو واجبة على كل حال. والاحتياط هو إعادة الصلاة بعد ذلك، لاحتمال كون المتروك هو الذي يؤتى به بعد ذلك وقد وقع الفصل بين الصلاة والمقضي بالزائد الذي هو مانع إذا وقع في الصلاة عمدا، لكن قد مر سابقا ضعف ذلك. ثم إنه على فرض ترك الاحتياط المذكور فالأحوط تقديم التشهد إذا كان الذي يلزم على المصلي قضاؤه على تقدير الفوت خاليا عن السلام، وذلك لعدم كونه زائدا، من باب أنه إما ذكر الله تعالى وإما ذكر نبيه (صلى الله عليه وآله) وقد ورد في المعتبر: " كل ما ذكرت الله عزوجل به والنبي (صلى الله عليه وآله) فهو من الصلاة " (1). وليس القعود بنفسه زائدا، لأنه يقعد قبل السجدة ويسجد عن قعود، ولا دليل على زيادة طول القعود كما في طول القيام في حال الصلاة للذكر المستحب غير الوارد في خصوص الصلاة. فملخص الكلام أن مقتضى القاعدة هو قضاؤهما من غير لزوم الإعادة ولا تقديم التشهد، لكن الأحوط تقديم التشهد وأحوط منه مع ذلك إعادة الصلاة، والله العالم. 2 - وإما أن يكون كل منهما مما يمكن التلافي بالنسبة إليه بأن يعلم إجمالا بعد السلام والفراغ عن الصلاة قبل الإتيان بالمنافي بأنه إما ترك السجدة الواحدة وإما ترك التشهد، فحيث إن ترك التشهد الصحيح مسلم إما من باب تركه أو ترك السجدة فلا يكون التشهد مرتبا على السجدتين فلابد من الإتيان بالتشهد، وبعد الرجوع إليه حيث يكون مقتضى وقوع الشك في المحل بالنسبة إلى السجدة


(1) الوسائل: ج 4 ص 1262 ح 2 من ب 13 من أبواب قواطع الصلاة.

[ 503 ]

[... ] هو الإتيان بها يجب عليه السجدة أيضا فيجب العود والإتيان بالسجدة والتشهد معا. والفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة من جهات: منها: عدم لزوم سجدتي السهو في المقام لقضاء السجدة أو التشهد، بل من باب العلم بزيادة السلام على كل حال وزيادة أحد الأمرين من التشهد أو السجدة الواحدة بناء على لزومهما لكل زيادة ونقيصة، فتأمل. ومنها: انحلال العلم الإجمالي، فلا يؤتى بالسجدة من باب العلم الإجمالي، بل من باب كون الشك بالنسبة إليه يكون في المحل، ومقتضى ذلك أنه لو قلنا بكفاية التجاوز الصوري الذي لابد فيه من الرجوع في الحكم بالإتيان فلا يجب الإتيان بالسجدة، وقد مر بحث ذلك في غير واحد من المباحث السابقة وأن الأصح جريان الشك في المحل لا بعده، كما أن مقتضى الانحلال أنه لو فرض صدق التجاوز بالنسبة إلى السجدة المشكوكة من باب الإتيان بالسجدة التي كانت قبل التشهد بعنوان الأخيرة بالإتيان بالذكر المستحب الوارد في الأخيرة فلا يجب الإتيان بها أيضا. ومنها: عدم التخيير في هذه الصورة بخلاف السابقة، فإنه في هذه لابد من الإتيان بالسجدة ثم بالتشهد، فإنه لابد من الإتيان بالتشهد المرتب ولا يحصل العلم بذلك إلا بالإتيان بالسجدة قبله. ومنها: أنه ليس في المقام احتمال لزوم الإعادة بخلاف السابقة، لأنه على فرض كون الفصل بالزيادة العمدية مبطلا فالإتيان بالتشهد بعد السجدة - بناء عليه - باطل قطعا، لأنه إما قد أتى به في الصلاة، وعلى تقدير الترك فالسجدة مأتية بها فهي زائدة مبطلة، بخلاف تلك الصورة، فإنه على فرض الإتيان بالتشهد قبلا لابد من الإتيان به، لفقد الترتيب، فلا يكون ساقطا عنه، وعلى فرض

[ 504 ]

[... ] عدم الإتيان به الملازم للإتيان بالسجدة وزيادتها حينئذ لا تكون تلك الزيادة مضرة قطعا، لأن ذلك من لوازم لزوم الإتيان بالمشكوك في المحل. ويمكن أن يقال بعدم مبطلية الزيادة الاحتمالية إذا وقعت في المحل واقعا للأدلة المذكورة، فلا تكون الصلاة محتملة البطلان، بل تكون مقطوعة الصحة، لإمكان دعوى عدم الدليل على مبطلية مطلق الزيادة ولو كانت بأمر الشارع من باب الشك في المحل أو من باب استصحاب عدم الإتيان. 3 و 4 - وإما أن يكون أحدهما مما يمكن التلافي والآخر مما فيه القضاء، فمقتضى العلم الإجمالي لزومهما بالتلافي أولا ثم القضاء الذي لابد أن يكون بعد تمامية الصلاة لا محالة. لا يقال: إن العلم المذكور ينحل باستصحاب بقاء وجوب ما يمكن تلافيه وعدم وجوب القضاء، لأن أحد الأصلين يكون نافيا والآخر مثبتا. فإنه يقال: لا يجري الأصل في الحكم، لأنه مسبب عن الإتيان بالجزء، والأصل عدم الإتيان بما فيه القضاء فيجب، وعدم الإتيان بما فيه التلافي فيجب أيضا، فالأصلان السببيان جاريان بعد تعارض قاعدة التجاوز من دون الرجوع إلى الأصل الجاري في الحكم، وذلك يقتضي التكليف بنفسه ويمنع عن انحلال العلم، فهو أيضا يقتضي التكليف. إن قلت: استصحاب عدم الإتيان بالسجدة لا يترتب عليه القضاء، إذ هو مترتب على الترك عن نسيان، والأصل المذكور لا يثبت ذلك. قلت: أصل ترك السجدة موجب لأحد أمرين: إما الإعادة إن كان عمدا وإما القضاء إن كان نسيانا، فلا يمكن دفع الأصل من باب عدم الأثر، وحيث إن مقتضى الأصل وجوب الإتيان بالسجدة في الجملة ظاهرا ولا يمكن ثبوت الجعل

[ 505 ]

[... ] الظاهري بالنسبة إلى الإعادة - للقطع بعدم وجوبها - فالجعل الظاهري ينحصر في القضاء. وكون ترتب وجوب القضاء ظاهرا على أصل وجوب الإتيان بالسجدة في الجملة في الظاهر عقليا - للانحصار فيه - غير مضر، لأن الترتب المذكور إنما يكون بين الحكمين الظاهريين، فتأمل. ولا يخفى أن لهذا الفرض شقين: أحدهما: أن يكون ما يمكن التلافي هو التشهد، فلابد من الإتيان به ثم السلام ثم السجدة القضائية ثم سجدتي السهو إما لترك السجدة وإما للسلام الواقع بلا محل. ثانيهما: أن يكون ما يمكن تلافيه هو السجدة وما يحتمل قضاؤه هو التشهد السابق، فيأتي بالسجدة والتشهد بقصد ما في الذمة من القضاء أو الأداء، وسجدتي السهو إما لترك التشهد وإما للسلام من دون المحل، ويحتاط بسجدتين اخريين من باب احتمال زيادة التشهد، ويمكن القول فيه بكفاية الإتيان بالتشهد، وذلك للقطع بلزوم التشهد إما أداء أو قضاء فلا تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى التشهد، لعدم الأثر، فتجري بالنسبة إلى السجدة الواحدة فلا يجب التلافي، فتلك أربع صور. 5 - وإذا كان في الأثناء وكان بعد التجاوز عن محل التدارك كما إذا كان بعد الركوع من الثالثة وعلم إجمالا إما بترك التشهد أو السجدة الواحدة، فحكمه حكم الصورة الاولى من حصوله بعد الفراغ ووقوع المنافي. 6 - وإذا كان في الأثناء وبعد التجاوز وكان بالنسبة إلى أحدهما قابلا للتدارك وبالنسبة إلى الآخر غير قابل له فمقتضى تعارض قاعدة التجاوز والرجوع إلى أصالة عدم الإتيان هو التدارك في الصلاة بالنسبة إلى أحدهما وقضاء الآخر

[ 506 ]

[... ] بعد ذلك، وأما بالنسبة إلى سجدتي السهو فبناء على لزومهما لكل زيادة ونقيصة فلزوم سجدتي السهو مرة متيقن، وذلك للعود إلى المتدارك والإتيان بما به تحقق التجاوز، ويلزم عليه ذلك مرتين اخريين، مرة لكونه طرفا للعلم الإجمالي فإنه إما يجب التدارك وإما يجب عليه القضاء وسجدتا السهو لترك المقضي، ومرة اخرى لزيادة المتدارك، لأنه في هذا الفرض قد زاد في الصلاة بتداركه للمشكوك، فافهم وتأمل. 7 - وإذا كان بعد التجاوز بالنسبة إلى كليهما وكان كل منهما ممكن التدارك فاللازم هو الرجوع، ولا إشكال من حيث الزيادة كما يأتي. 8 و 9 و 10 - وإذا كان في الأثناء ولم يفرض التجاوز بالنسبة إليهما: فإما أن يفرض التجاوز بالنسبة إلى أحدهما فلا إشكال في وجوب الإتيان بما في المحل وعدم وجوب القضاء أو الرجوع والتدارك. وإما أن يفرض عدم التجاوز بالنسبة إليهما فإما أن يقطع بترك أحدهما ويشك في الآخر فلا إشكال في ذلك لعدم القطع بحصول الزيادة. وإما أن يفرض القطع بترك أحدهما بضم القطع بإتيان الآخر فيشكل بالقطع بحصول الزيادة العمدية من السجدة أو التشهد. والجواب أن التشهد المأتي به في الفرض ليس زائدا قطعا، لأنه إما لم يأت به وإما قد أتى به على غير وجهه، لترك السجدة في الفرض المذكور، فالزائد من التشهد ينطبق على المتقدم وهو ليس على نحو العمد، فيبقى احتمال الزيادة في السجدة، وهو منفي بالأصل. السادس عشر: إذا علم نسيان أحد الأمرين من ترك الركن أو ما يجب في تركه القضاء

[ 507 ]

[... ] وسجدتا السهو ففيه ثلاثة عشر شقا، لأنه إما أن يفرض بعد الفراغ من الصلاة أو في الأثناء، أما الأول فإما أن يكون في ما لا يمكن التلافي بالنسبة إلى كليهما - كما إذا كان بعد المنافي أو كان ذلك بالنسبة إلى الركعات السابقة - وإما أن يكون في ما يمكن التلافي بالنسبة إلى كليهما (كما إذا علم إما بترك السجدتين من الركعة الأخيرة أو التشهد منها ولم يأت بالمنافي بعد) وإما أنه يمكن التلافي بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر، وعلى التقدير الأخير إما أن ما يمكن تلافيه هو الركن وغيره غيره وإما بالعكس، فتلك صور أربعة، وتلك الأربعة متصورة في الأثناء أيضا بعد فرض التجاوز عن كل من الطرفين، فتلك صور ثمانية. والتاسعة أن يكون قبل التجاوز بالنسبة إلى الطرفين. وأربعة اخرى في ما إذا كان التجاوز بالنسبة إلى أحدهما وعدم التجاوز بالنسبة إلى الآخر، لأنه في هذا الفرض إما الأول هو الركن والثاني غيره أو بالعكس، وعلى التقديرين إما أن يكون ما تجاوز محله مما لا يمكن فيه التدارك من حيث المحل بالرجوع إليه وإما يمكن ذلك، فتلك أقسام أربعة، والمجموع ثلاثة عشر. الف - ما كان بعد الفراغ مع عدم إمكان التلافي، فيمكن أن يقال فيه بعدم وجوب الإعادة ووجوب قضاء ما فيه القضاء، وذلك لأن قاعدة الفراغ بالنسبة إلى ما فيه القضاء غير جارية قطعا، من جهة العلم بتركه على الوجه الصحيح لأنه إما أن أتى به في الصلاة التي هي ناقصة من حيث الركن وإما لم يأت به، فتجري بالنسبة إلى الركن فيحكم بالصحة ويقضي ما فيه القضاء، لأن الأصل عدم الإتيان به مع فرض صحه الصلاة بالقاعدة الفارغة عن المعارض. إن قلت: كما لا تجري القاعدة بالنسبة إليه للقطع بعدم الإتيان به على الوجه الصحيح كذلك لا تجري أصالة عدم الإتيان، فإنه في فرض صحة الصلاة يقطع

[ 508 ]

[... ] بعدم الإتيان وفي فرض البطلان لا قضاء للسجدة. قلت: القطع بعدم الإتيان على فرض الصحة والإتيان به على فرض البطلان موجب لتحقق الشك فعلا بالنسبة إلى تلك الصلاة الواقعة في الخارج، فيجري استصحاب عدم الإتيان في تلك الصلاة الخارجية، وليس مجراه خصوص الصلاة الصحيحة وإن كان الأثر الفعلي مترتبا على صورة الصحة، إذ يكفي في جريان الاستصحاب كون المستصحب جزء للموضوع الذي هو ذو الأثر، فإن الظاهر من مثل صحيح زرارة الوارد في باب الاستصحاب (1) جريانه في نفس الطهارة مطلقا ولو بالنظر إلى الصلاة، لا جريانه إذا أتى بالصلاة أيضا. هذا، مع أنه لو كانت قاعدة الفراغ أمارة - كما لا يبعد - من جهة تعليل الحكم في الوضوء بأذكرية المتوضئ حين العمل (2) وإن لم تكن القاعدة في حال العمل كذلك، فيفصل بين قاعدة الفراغ الجارية بعد مجموع العمل وقاعدة التجاوز الجارية في أثناء العمل بالنسبة إلى بعض أجزاء العمل المشكوك صحته وفساده. وكونها أمارة في المورد المذكور من جهة أقوائية الظن بالأذكرية حين العمل لا يوجب كونها كذلك في حال العمل، فعلى هذا المبنى - غير المحرز لدينا - فالانحلال أيضا ثابت، إذ مقتضى قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الركوع إثبات لازمه وهو عدم الإتيان بما يقضى. لكن الإنصاف أنه على هذا المبنى أيضا إثبات جميع اللوازم بالأمارة غير واضح، إلا أن يصدق عنوان الأمارة على اللازم أيضا.


(1) الوسائل: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء. (2) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 7 من ب 42 من أبواب الوضوء.

[ 509 ]

[... ] مع أنه يمكن أن يقال: إنه لا تجري قاعدة الفراغ والتجاوز بالنسبة إلى السجدة لجهة اخرى غير ما تقدم من العلم بعدم الإتيان، بل من جهة عدم الأثر فإن لزوم الإتيان بالسجدة مثلا مسلم قطعا إما من جهة تركها مستقلا أو من باب بطلان الصلاة، فتجب السجدة قطعا ولو في ضمن الصلاة بناء على عدم لزوم قصد الأدائية والقضائية، فتجري القاعدة في أصل الصلاة من دون معارض. ودوران أمر السجدة في المثال بين الوجوب المستقل عن صلاة اخرى غير المأتي بها أو المرتبط لا يضر بالانحلال كما هو أساس الانحلال في الأقل والأكثر الارتباطيين. ب - ولو كان بعد الفراغ مع إمكان التلافي بالنسبة إلى الطرفين كما إذا علم بعد السلام وقبل الإتيان بالمنافي بترك أحد الأمرين من سجدتي الركعة الأخيرة أو التشهد منها أو علم بترك أحد الأمرين من ركوع الركعة الأخيرة أو السجدة الواحدة منها، فيمكن أن يقال بلزوم الرجوع في الفرض الأول والإتيان بالسجدتين والتشهد، أما التشهد فللقطع بتركه على الوجه الصحيح إما من حيث ترك نفسه وإما من حيث عدم كونه مترتبا على السجدتين، وأما السجدتان فلكون الشك فيهما في المحل بعد القطع بعدم الإتيان بالتشهد والسلام على وجهه، وأما في الفرض الثاني فلا يجب الإتيان بالركوع، لكون الشك فيه بعد التجاوز مع فرض القطع بالإتيان بالسجدة الواحدة. والقطع بالزيادة إما من حيث السجدتين أو التشهد غير مضر قطعا، لأن الزائد على فرض كونه هو التشهد ينطبق على الأول غير المرتب وهو لم يكن عمديا، كما أن السلام وقع زائدا لكن الزائد هو الأول منهما فلا يقتضي إلا سجدتي السهو. واحتمال الزيادة العمدية إنما هو بالنسبة إلى السجدتين وهو غير مضر قطعا على ما تقدم بيانه.

[ 510 ]

[... ] والأحوط الإتيان بالتشهد بعد السجدتين بعنوان أداء ما في الذمة الأعم من القضاء أو الأداء، وذلك لاحتمال زيادة السجدتين فيصير من مصاديق حصول المنافي فيجب القضاء، فتأمل. ج - في الفرض المزبور - أي بعد الفراغ وقبل الإتيان بالمنافي - لو كان الإتيان بالركن غير ممكن كما لو علم إما بترك الركوع مثلا من الركعة السابقة أو التشهد من الركعة الأخيرة، فقاعدة الفراغ تجري في الركن من غير معارض - للقطع بعدم الإتيان بالتشهد على وجهه، لتركه أو وقوعه في الصلاة الباطلة - ويأتي بالتشهد والسلام. د - في الفرض المتقدم لو كان الممكن تداركه هو الركن وغيره غير ممكن التدارك فالظاهر هو الرجوع والإتيان بالركن وقضاء الآخر وسجدتا السهو له، لأن مقتضى الأصل عدم الإتيان به أيضا. إلا أن يشكل في القضاء، بالعلم بعدم لزومه إما من باب الإتيان به وإما من باب زيادة الركن الفاصل بين الصلاة والقضاء فلا يصح ذلك، لكنه مبني على إخلال الفصل بالمنافي بالقضاء وقد مر عدم الإخلال. ه‍ - وإذا كان في الأثناء وكان بعد التجاوز عن محل التدارك أيضا فحكمه حكم الشق الأول (الف) وقد مر. و - وإذا كان بعد التجاوز وكان التدارك ممكنا بالنسبة إليهما فالظاهر أنه يأتي بهما إن كان الأول منهما الركن، فإن الثاني متيقن الترك على الوجه الصحيح فيؤتى به، لكن الإشكال في ما إذا كان الأول منهما غير الركن كما إذا دار الأمر في السجدة بين ترك الركوع أو القراءة مثلا، فإن الإتيان بالقراءة ثانيا لغو قطعا، لأنه إن أتى بها قبل ذلك فقد نقص الركوع، وإن تركها فقد أتى بالركوع فيكون الركوع

[ 511 ]

[... ] الثاني زيادة مبطلة، فالاحتياط هو الإتيان بالركوع وإعادة الصلاة بعد ذلك. ز - في فرض التجاوز إن لم يكن الركن ممكن التدارك فلا إشكال فيؤتى بما يمكن التدارك، لعدم جريان قاعدة التجاوز فيه إما لبطلان الصلاة بنقص الركن وإما لتركه فيؤتى به وتجري القاعدة في الركن بلا إشكال ظاهر. ح - في الفرض المذكور لو كان الأمر بالعكس بأن كان الركن ممكن التدارك وغيره غير ممكن التدارك وكان فيه القضاء يجري فيه نظير الإشكال المتقدم في القسم السادس (و) من جهة أن قضاءه لغو، لأنه إن كان الركن ناقصا فقد أتى به قبلا ولا قضاء، وإن كان الركن زائدا فالصلاة باطلة فلا قضاء قطعا. ط - لو كان التجاوز حاصلا بالنسبة إلى الركن وغير حاصل بالنسبة إلى غيره وكان ما تجاوز عنه ممكن التدارك فلا إشكال في جريان القاعدة بالنسبة إليه والإتيان بغيره. ى - ومثله بالأولوية لو مضى محله التداركي أيضا، لما تقدم. يا - لو كان التجاوز حاصلا بالنسبة إلى غير الركن وقد مضى محل تداركه أيضا وكان فيه القضاء على تقدير الترك فيجري فيه الإشكال المتقدم في القسم الثامن (ح) من لغوية القضاء، لأنه إما قد أتى به وإما أن تكون الصلاة باطلة لزيادة الركن الحاصلة بواسطة الإتيان به من جهة عدم التجاوز. يب - الفرض المذكور مع عدم مضي محل التدارك بالنسبة إلى غير الركن، كما في الشك في الركوع في المحل وتردد الشك بينه وبين السجدة الواحدة من الركعة المتقدمة، ففيه الإشكال المتقدم في القسم السادس (و) من لغوية التدارك، لأنه إما قد أتى به وإما تكون الصلاة باطلة، فالأحوط إعادة الصلاة. يج - فرض عدم التجاوز عن كل منهما، فلا إشكال في ما إذا كان الأول منهما

[ 512 ]

[ قال (قدس سره): وكذا إذا سها المأموم [ مع حفظ الإمام ] عول على صلاة الإمام، ولا شك على الإمام إذا حفظ عليه من خلفه (1). * ] هو الركن، لأن الإتيان بما بعده لا يكون لغوا، فإن الثاني غير مأتي به قطعا على وجهه، لفقده أو لفقد الترتيب فيؤتى به ثانيا ولو على تقدير الإتيان به أولا، وأما إذا كان الأول منهما غير الركن فالرجوع والإتيان به لغو، لأنه إما قد أتى به وإما يقع في الصلاة الباطلة، فالأحوط إعادة الصلاة في هذا الفرض أيضا. ولعل الله تعالى يوفقنا بإذنه وفضله وإنعامه للتعرض لصور الشك والعلم الإجمالي - المتفرعة على المباحث الكلية في الشك - في خاتمة الخلل، على وجه حاصر لجميع شقوقه إن شاء الله تعالى، وما وقع كان تبعا لما في الجواهر على وجه الإجمال والاستعجال. * قال (قدس سره) في الجواهر: بلا خلاف أجده في كل من الحكمين، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب رضوان الله عليهم مشعرا بدعوى الإجماع عليه (2). أقول: ويستدل على ذلك بروايات: منها: ما تقدم نقله (3) عن نوادر إبراهيم - كما عن الفقيه وعن الكليني والشيخ (قدس سرهم) - عن يونس عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وتقدم (4) إثبات اعتبار الخبر من دون الاحتياج إلى الانجبار بالعمل، بل لولا اعتباره بنفسه لوجوه تقدمت (5) لكان إثبات اعتباره بالانجبار مشكلا، من جهة احتمال اتكال


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الجواهر: ج 12 ص 404. (3) في ص 478. (4) في ص 479. (5) في ص 479.

[ 513 ]

[... ] الأصحاب على معتبر حفص البختري الآتي المنصرف إلى صورة حافظية الإمام لرجوع المأموم إليه وبالعكس، فالتقييد بالحفظ ليس وجهه منحصرا بالخبر المذكور. ومنها: ما هو أقوى من الصحيح، وهو معتبر البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام): " ليس على الإمام سهو، ولا على من خلف الإمام سهو... " (1). ومنها: صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام)، قال: سألته عن الرجل يصلي خلف الإمام لا يدري كم صلى، هل عليه سهو؟ قال: " لا " (2). فأصل الحكم مما لا إشكال فيه، إلا أن الكلام يقع في مواقع: الأول: في الجواهر عن بعض الأصحاب عدم الاعتبار بحفظ الصبي المميز إلا إذا أفاد ظنا، وعن بعضهم عدم الاعتبار بحفظه وإن أفاد الظن، وعن ثالث الإشكال إذا كان المأموم امرأة (3). كل ذلك مدفوع بإطلاق الدليل لا سيما معتبر حفص بعد شرعية عبادة الصبي المميز، وإلا فلا قدوة في البين حتى يبحث عن ذلك، وبإطلاق دليل حجية الظن في ما أفاد الظن بلا إشكال ظاهر. الثاني: الظاهر عدم اعتبار تعدد المأمومين. وقد يحتمل - كما في مصباح الفقيه (4) - اعتباره من جهة ظهور رواية يونس والنوادر في التعدد أي قوله (عليه السلام):


(1) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 3 من ب 24 من أبواب الخلل، وتتمة الحديث مع تفاوت ما في ص 340 ح 1 من ب 25 من تلك الأبواب. (2) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 1 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 405. (4) مصباح الفقيه: ج 2 ص 578.

[ 514 ]

[... ] " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق منهم " (1). والجواب أن كونه واردا في فرض التعدد غير اعتبار التعدد. مع أن اعتبار التعدد في جانب رجوع المأموم إلى الإمام لا وجه له أصلا. مع أن فرض التعدد في قوله (عليه السلام): " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه " غير واضح، بل فرض التعدد في قوله " باتفاق منهم " يحتمل أن يكون في قوة أن يقال: " ليس على الإمام سهو إذا حفظ من خلفه سهوه، متحدا كان من خلفه أو متعددا، باتفاق منهم إذا كانوا متعددين ". وكيف كان، فلا ريب في جواز التمسك بإطلاق معتبر البختري (2) لنفي ذلك الاحتمال. الثالث: في الجواهر: إن بعضهم توقف في اعتماد كل من الإمام والمأموم على صاحبه إذا لم يحصل الظن من حفظه، لظهور المرسل (3) في الاستناد إليه والاعتماد عليه، ولأن ذلك خرج مخرج الغالب من حصول الظن (4). وفيه أولا: أنه خلاف الإطلاق. وثانيا: أنه خلاف الخصوصية المأخوذة في الدليل من عنوان الإمام والمأموم، خصوصا مع قيام الدليل على حجية مطلق الظن في الركعات وعدم انحصار سبب الظن بذلك.


(1) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (2) المتقدم في ص 513. (3) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (4) الجواهر: ج 12 ص 405.

[ 515 ]

[... ] وثالثا: أنه لو كان المقصود حصول الظن فلا سهو حقيقة لا حكما، وهو خلاف ظاهر الجعل. وهذا أيضا واضح جدا بحمده تعالى. الرابع: في مصباح الفقيه عن المسالك: إن كان الحافظ عالما رجع إليه الآخر وإن كان ظانا بخلافه (1). أقول: يستدل على ذلك بامور: منها: إطلاق " ليس على الإمام سهو " (2) بدعوى أن السهو مطلق الجهل والترديد، فليس على الإمام أن يعمل عمل الشك أو الظن إذا حفظ من خلفه، وكذا العكس. وفيه أولا: عدم وضوح صدق السهو على الظن. وثانيا: انصراف الدليل عن الظن إذا فرض الشمول بحسب اللفظ، لقوله (عليه السلام): " ليس على الإمام سهو " (3) وفي صحيح علي بن جعفر: " هل عليه سهو؟ " (4) وفي خبر يونس: " ليس على الإمام سهو... وليس على من خلف الإمام سهو " (5) من جهة ظهور الكل في نفي وجوب ما يقتضيه السهو من العمل، والظن لا يقتضي إلا الحجية ولا يكون موضوعا لعمل حتى يرتفع بما تقدم من الدليل. مع أنه يقال: إن باقي فقرات خبر يونس أي قوله: " لا سهو في سهو، وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأولتين من كل صلاة سهو، ولا سهو في نافلة " (6) لا يراد منه إلا الشك.


(1) مصباح الفقيه: ج 2 ص 578. (2) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 3 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 3 من ب 24 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ح 1. (5 و 6) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 516 ]

[... ] وثالثا: أنه يقال على فرض الإطلاق يكون دليل حجية الظن المقتضي لجعل الظن بمنزلة اليقين حاكما على دليل رجوع الساهي إلى الحافظ، فإنه بمقتضى الدليل المذكور لا يكون ساهيا تعبدا. لكن في ذلك إشكال، من جهة ظهور كون كل منهما أمارة، ولا وجه لتقدم إحدى الأمارتين على الاخرى ولو كان دليل إحداهما متضمنا لجعل الجهل موضوعا للحجية، مع أن بعض أدلة حجية الظن أيضا في فرض الجهل، مثل قوله (عليه السلام): " إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث... " (1). لكن يمكن أن يقال: إنه يجئ في بحث رجوع الشاك إلى الظان إن شاء الله تعالى أن المستفاد من أدلته رجوع الشاك إلى من قامت عنده الحجة، ومن المعلوم أن المستفاد حينئذ أن من لا حجة له يرجع إلى من قامت عنده الحجة، فيكون دليل حجية الظن واردا على الدليل المذكور، فإن حجة الغير حجة لغيره الذي هو فاقد لذلك، فافهم وتأمل. ورابعا: يقال كما في مصباح الفقيه: إن الظان بخلاف الحافظ يظن عدم حفظه، فإن الحفظ ظاهر في الذي يطابق الواقع وإلا لا يكون حفظا (2). وفيه: وضوح كون المقصود هو الحفظ في نظر الحافظ، وإلا لم يحرز الموضوع أصلا حتى في فرض الشك بل في فرض الظن بالوفاق، ولا يكون المذكور مفيدا للمكلف أصلا، إذ مع عدم قطعه بالركعات لا يحرز الحفظ ومع القطع بذلك


(1) الوسائل: ج 5 ص 316 ح 1 من ب 7 من أبواب الخلل. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 578 - 579.

[ 517 ]

[... ] لا ينفعه قطع الحافظ. وإصلاح ذلك في الشك بأصالة الصحة في اعتقاده - كما في الكتاب المتقدم (1) - مدفوع بأن عدم وفاء الحكم بنفس الدليل لأن يعمل به خارج عن طريق المحاورة قطعا، مع أنه لا أصل لأصالة الصحة في الاعتقاد، مع أنه جار في صورة الظن مع قطع النظر عن حجيته كما هو مفاد الإيراد الرابع وفرضه. ومنها: خبر محمد بن سهل عن الرضا (عليه السلام)، قال: " الإمام يحمل أو هام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح " (2). نقل الاستدلال بذلك عن المستند كما في مصباح الفقيه (3). لكن من المعلوم أن المقصود بقرينة استثناء التكبيرة وبقرينة الاختصاص بالإمام هو كفالة الإمام ما وقع في صلاة المأموم من النقص غير رجوع المأموم إلى الإمام في الشك، فهو متحد المضمون لرواية عمار الآتية (4)، وهو ليس بالنسبة إلى الركعة وليس بالنسبة إلى النقص الذي لو كان حاصلا في صلاة المأموم كان حاصلا في صلاة الإمام أيضا، كما هو واضح. ومنها: خبر يونس الذي قد مر وجه اعتباره (5)، من جهة فرض الإطلاق لصورة ظن الإمام أيضا لقوله: " والإمام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم " (6) والظاهر أن الجواب راجع إلى الصورة المذكورة في الصدر بكلا شقيه إذا فرض اتفاق من خلفه، ومقتضى ذلك رجوع الإمام الظان إلى المأمومين الحفاظ إذا اتفقوا جميعا.


(1) مصباح الفقيه: ج 2 ص 579. (2) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 2 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 579. (4) في ص 537. (5) في ص 479. (6) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 518 ]

[... ] لكن فيه أولا: أن المفروض في الصدر ميل الإمام إلى أحدهما، وهو لا يفرض بذاك العنوان في صورة الاتفاق وليس بعنوان آخر موردا للسؤال. نعم، لو كان مفاد الصدر فرض الاعتدال أو الظن بالأربع أو الثلاث كان الاستظهار المذكور في محله لو لا توجه ما يجئ من الإيراد، بل الظاهر من الذيل أي قوله (عليه السلام): " فإذا اختلف على الإمام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الإعادة " (1) هو الإعراض عن صورة الظن في صورة الاختلاف فكيف! بصورة الاتفاق التي لا يصدق فيها عنوان الميل إلى أحدهما. وثانيا: مفاد الجواب عدم حكم السهو لا عدم حكم الظن. وثالثا: أنه يجئ تحقيق أن المقصود من الحفظ هو الأعم من اليقين والحجة، فالذي لا يحفظ ليس إلا من ليس له الحجة في قبال من قامت عنده الحجة. الخامس: أنه هل يصح رجوع الشاك إلى الظان ولو مع العلم بكونه ظانا أو لا يصح إلا إذا أحرز أنه متيقن أو يصح الرجوع إلا في صورة العلم بكونه ظانا فيصح الرجوع في صورة الشك واقعا أو ظاهرا؟ وجوه أربعة، ولعل الأوفق بالأدلة هو الرجوع إلى الظان ولو مع العلم بذلك، لإطلاق معتبر البختري (2)، وكونه بصدد الإهمال والإجمال خلاف الظاهر، وعدم ذكر اشتراط الحفظ في كل من الطرفين للانصراف إلى ذلك بحسب الارتكاز، وأن الملاك في الرجوع هو التلازم بين الصلاتين في الركعات. وكذا إطلاق صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليهما السلام): سألته عن الرجل يصلي خلف الإمام لا يدري كم صلى، هل عليه سهو؟ قال: " لا " (3)


(1) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 3 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ح 1.

[ 519 ]

[... ] بالنسبة إلى الرجوع إلى الإمام. وليس في البين ما يقيد ذلك إلا خبر يونس المتقدم (1) أي قوله (عليه السلام): " إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق... " وقوله " بإيقان منهم " بناء على ما روي عن الكافي والتهذيب (2). أما الثاني فواضح الدفع، لعدم قيام الحجة على صدور لفظ " بإيقان منهم "، مع أن التأمل في الحديث ربما يوجب الاطمينان بكون الصادر ما في الفقيه، وذلك لقوله (عليه السلام) " فإذا اختلف على الإمام من خلفه " متفرعا على ما تقدم، فإنه دليل على أن الصدر في مقام بيان لزوم الاتفاق من المأمومين لا لزوم الإيقان، وإلا لما كان للتفريع وقع، بل الظاهر أنه ليس المقصود من الصدر شرطية الحفظ، إذ هو معلوم بحسب الارتكاز، بل المقصود هو لزوم الحفظ بنحو الاتفاق فإن السؤال وقع عن صورة الاختلاف، فتأمل. وأما التقيد بقوله " إذا حفظ " (3) بدعوى الظهور في الحفظ القطعي فإنه مردود: أولا بأن المحتمل أن يكون المقصود الحفظ عليه من سهوه أي من الشك بناء على ما تقدم من عدم شمول السهو للظن أو عدم إحراز ذلك، ويؤيد ذلك قوله " إذا لم يسه الإمام " (4). وثانيا بأن قوله: " فإذا اختلف على الإمام من خلفه " (5) يكون مفاده الرجوع إذا لم يختلف ولو مع الظن، فتأمل. وثالثا بأن عدم صدق الحفظ على الحفظ الظني أو الحفظ القطعي بالواقع


(1) في ص 478. (2) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (3 و 4 و 5) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 520 ]

[... ] وما قامت عليه الحجة غير واضح. ورابعا بما يقال من أن دليل حجية الظن يجعل الظن بمنزلة الحفظ، فإن الأمارات تقوم مقام العلم. وقد يرد ذلك بأن القدر المتيقن من دليل الحجية ترتيب الأثر لنفس من قامت عنده الحجة وهو نفس الظان، وأما ما يكون مترتبا على علمه من أثر غيره فغير واضح المشمولية لدليلها. ويمكن أن يورد على ذلك أيضا بأن المأخوذ في الدليل المبحوث عنه أن المأمومين إذا حفظوا على الإمام سهوه فيرجع إليه، فالمرجع حفظ المأموم لركعات صلاة الإمام، وحجية الظن في ذلك لنفس الظان غير واضح، فإن المفروض حجية ظن المصلي لنفسه، لا ظن المصلي بصلاة غيره حتى لنفس المصلي فكيف لغيره، فتأمل. وخامسا بأن اشتراط الحفظ بمعنى اليقين يجعل الحكم بالرجوع كاللغو، لعدم إحراز ذلك غالبا. والإرجاع إلى أصالة عدم عروض الشك أو الظن - كما في الجواهر (1) - مقطوع بخلافه، فإن الظاهر من الدليل أن نفس ذلك كاف في الرجوع ولا يحتاج إلى مقدمة اخرى مطوية غير واضحة، مع أنه لو اختار المأموم أصلا جانب الزيادة فمقتضى الأصل عدم اليقين بالإتيان، لأنه كان مسبوقا بذلك من باب اليقين بعدم الإتيان. وسادسا بأنه قد مر مرارا أن مفهوم الكلية ليس هو القضية الكلية، فمفهوم " إذا حفظ " ولو كان مفاده اليقين ليس إلا عدم الرجوع بنحو الإطلاق في صورة عدم اليقين، فلا ينافي أن يكون تابعا لوجود الحجة.


(1) الجواهر: ج 12 ص 407.

[ 521 ]

[... ] وسابعا بأن غاية ما في الباب جواز عدم الرجوع في فرض عدم الحفظ بمعنى اليقين، وأما عدم جوازه فهو خلاف إطلاق معتبر حفص البختري (1) فيؤخذ بإطلاقه ويحكم بجواز الرجوع، فإن التصرف في الهيئة أهون من تقييد المادة. السادس: أنه لو كان كل من الإمام والمأموم متيقنا على خلاف الآخر (كما إذا تيقن المأموم أن الركعة التي فرغ عنها هي الاولى والإمام قاطع بأنها ثانية فالإمام يسلم على الثالثة باعتقاد المأموم أو بالعكس) فهل يجوز له الاقتداء بذلك - كما وجهه في مصباح الفقيه (2) - من جهة صحة الصلاة فعلا وعدم مبطلية العزم على البطلان؟ فيه إشكال من جهة الإشكال في وجود إطلاق يدل على مشروعية الجماعة في الصلاة التي يعلم المصلي في أثنائها بأنها لا تتم صحيحة تامة، فانعقاد الجماعة من أول الأمر غير واضح، فالمسألة مبنية على تحقيق الحق في وجود الإطلاق في الجماعة، والكلام موكول إلى محله. وهو الله الموفق الهادي. ومن ذلك يظهر وجه الإشكال في فرع تعرض له الوالد الاستاذ قدس الله تعالى سره الشريف من الاقتداء في صلاة الاحتياط (3)، فإن العمدة عدم الإطلاق، وأما الإشكال من جهة التردد بين النافلة والفريضة غير واف ببطلان الجماعة على فرض كونها فريضة كما هي مقتضى استصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة. ومن ذلك كله يظهر أن الراجح هو الاقتداء في الفرضين رجاء لإدراك الجماعة مع الإتيان بما هو وظيفة المنفرد. والله المتعالي هو العالم. السابع: إذا كان كل من الإمام والمأموم شاكين مختلفي الشك وكان بين


(1) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 3 من ب 24 من أبواب الخلل. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 690. (3) كتاب الصلاة ص 447.

[ 522 ]

[... ] شكيهما رابطة كانت أحد طرفي الشك منهما كأن شك أحدهما بين الاثنتين والثلاث والآخر بين الثلاث والأربع، أو كانت الرابطة بنفسها شكا مستقلا كأن شك أحدهما بين الواحدة والاثنتين والثلاث والآخر شك بين الاثنتين والثلاث والأربع، أو كان أحدهما مشتركا للآخر في الشك وكان للآخر طرف زائد كما إذا شك أحدهما بين الثلاث والأربع والآخر بين الثلاث والأربع والخمس، ففي كل ذلك المنسوب إلى المشهور - كما في مفتاح الكرامة عن المجلسي (قدس سره) - هو الأخذ من الجانبين بالرابطة وإلقاء ما زاد عليها (1)، لأن من يزيد شكه على الرابطة يقطع بعدم النقصان ومن يكون طرف شكه الأعلى هو الرابطة يقطع بعدم الزيادة، فالأول يرجع إلى الثاني في عدم الزيادة والثاني يرجع إلى الأول في عدم النقصان، فمن شك بين الاثنتين والثلاث يرجع في الإتيان بالثالثة إلى من شك بين الثلاث والأربع، وهو يرجع إلى الأول في عدم الإتيان بالرابعة، فكل منهما يبني على الثلاث، وكذلك في غيره من الأمثلة، ففي المثال الثاني يرجع كل منهما إلى الاثنتين والثلاث، وفي الثالث يرجع كل منهما إلى الثلاث والأربع. والوجه في ذلك إطلاق الخبر المعتبر لحفص البختري المتقدم (2)، وكذا صحيح علي بن جعفر المتقدم (3)، بل يدل عليه معتبر يونس المتقدم (4) أي قوله (عليه السلام): " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه...، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام ". لأن الظاهر هو حفظ كل منهما في ما يكون مشكوكا لصاحبه، فإن الإتيان بالثالثة في المثال الأول محفوظ للشاك بين الثلاث والأربع، وهو الذي يرجع إليه


(1) مفتاح الكرامة: ج 3 ص 344. (2) في ص 477. (3) في ص 513. (4) في ص 478.

[ 523 ]

[... ] الآخر، وأما كونه شاكا في الإتيان بالرابعة فليس شئ يرجع فيه صاحبه إليه، للقطع بعدم الإتيان به، وكذا العكس. هذا، لا سيما إذا لوحظ أن الرجوع ليس تعبدا صرفا بل هو بملاك الكشف الحاصل لكل من الإمام والمأموم المتلازمين في عدد الركعات، فلو كان ظاهرا في الحفظ المطلق لتعين رفع اليد عن ظهوره بمناسبة الارتكازالعرفي، فكيف! وقد عرفت صدق الحفظ على ما يرجع إليه، وعلى فرض الشك في صدق معتبر يونس فالمرجع إطلاق معتبر البختري (1) وصحيح علي بن جعفر (2) من غير إشكال ظاهر. وما في الجواهر من المناقشة في ذلك، من أن " الظاهر من قوله " إذا حفظ " هو حفظ عدد الصلاة من غير غفلة عنها، لا حفظ مقدار منها وإن كان ساهيا بالنسبة إلى المقدار الآخر، وأن القدر المشترك المدعى رجوع كل منهما إليه - وهو الثالثة في المثال - ليس متيقنا لكل منهما، وأن مقتضى الدليل المذكور الرجوع وإن لم يكن بينهما رابطة، كما لو شك المأموم بين الاثنتين والثلاث والإمام بين الأربع والخمس، فإنه لابد أن يبني الأول على الثلاث لكون الثاني حافظا للإتيان بالثالثة، والثاني على الأربع لكون الأول حافظا لعدم الإتيان بالخمس ولا يلتزمون بذلك " (3) مردود: أما الأول فلما عرفت من أنه لا ينسبق إلى الذهن إلا الحفظ التام في ما يكون الآخر شاكا فيه ولا بد له من الرجوع، ولا ريب أن الشاك بين الثلاث والأربع حافظ للإتيان بالثالثة وشاك في الرابعة، والشك في الرابعة لا تأثير له في استحكام حفظه بالنسبة إلى الإتيان بالثالثة، بل الرجوع إليه أولى من الرجوع إلى من يحفظ


(1 و 2) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 3 و 1 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 409.

[ 524 ]

[... ] الثالثة ويقطع بعدم الإتيان بالرابعة، فإن الشك في الرابعة يجعل اليقين بالإتيان بالثالثة أبعد عن الخطأ، فهو أقرب إلى الواقع الذي هو الإتيان بالثالثة، وعلى فرض الانصراف فليس الانصراف على وجه التقييد بل بمنزلة السكوت عن غيره، وعلى فرض الانصراف التقييدي فهو شرط للرجوع التام، فالرجوع التام يتوقف على الحفظ التام بمعنى أن صيرورة أحد الطرفين كصاحبه من جميع الجهات تتوقف على الحفظ التام للآخر بحيث لا يخالفه صاحبه في شئ، فإطلاق معتبر البختري وغيره (1) محكم من غير إشكال. وأما الثاني فلعدم الاحتياج إلى تعيين كون تلك الركعة هي الثالثة، مع أن لازم حجية حفظ كل منهما ذلك، مع أن كلا منهما حافظ لكون تلك الركعة التي فرغ عنها هي الثالثة على تقدير مقطوع التحقق لصاحبه، فإن الشاك بين الثلاث والأربع حافظ لكون تلك الركعة هي الثالثة على تقدير عدم كونها رابعة، والتقدير مقطوع لصاحبه، كما أن الشاك بين الاثنتين والثالثة يقطع بذلك على تقدير عدم كونها ثانية، وهو مقطوع لصاحبه. وأما الثالث أي النقض بصورة عدم الرابطة فلعل وجه عدم الرجوع عدم حفظ القدوة من جهة عدم إتيان الإمام بالصلاة على الوجه الصحيح عند المأموم فلا قدوة حتى يرجع أحدهما إلى صاحبه، وذلك لعدم وجود إطلاق يقتضي صحة الجماعة ولو مع العلم بطرو البطلان بعد ذلك. وأما ما في المصباح من أن حفظ كل واحد منهما بالنسبة إلى ما هو مشكوك للآخر يكون في ضمن حفظه بما هو مقطوع الخلاف للآخر (2)، فهو غير مضر بصدق


(1) الوسائل: ج 5 ص 338 و 340 ح 3 و 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 580.

[ 525 ]

[... ] الحفظ خصوصا إذا لم يكن حفظ جهة مرتبطا بجهة اخرى، بأن يكون الشاك بين الأربع والخمس القاطع بالإتيان بالثالثة قاطعا بذلك ولو لم يكن قاطعا بالأربع كما هو الغالب، فإن أحد القطعين لا وجه لارتباطه بالآخر. فالمسألة بحمده تعالى واضحة وأن الظاهر ما هو المنسوب إلى المشهور من الرجوع إلى الرابطة مطلقا أي من غير فرق بين الشك الموجب للبطلان وغيره - لأن البطلان ليس واقعيا كما تقدم في بابه - وبين أن تكون الرابطة طرفا لكل واحد من الشكين أو شكا مستقلا متحققا لكل واحد من الطرفين على وجه التركيب أو متحققا لأحدهما مركبا وللآخر بسيطا، فافهم وتأمل. الثامن: أن في صورة اختلاف المأمومين في الشك للإمام فروع: الف - أنه لو كان بعض المأمومين شاكا كالإمام مثلا وبعضهم حافظا بالمعنى المتقدم المختلف فيه من خصوص اليقين أو الأعم منه ومن الظن فالمنقول في الجواهر عن الروضة: رجوع الإمام إلى الذاكر. وقال (قدس سره) بعد ذلك في الجواهر: وفيه ما عرفت من ظهور المرسل في اشتراط حفظ المأمومين بالاتفاق، فلا يكفي حفظ بعض منهم، لكن قال بعده: وإن كان الأقوى عدمه، لعدم معارضة الشاك للحافظ، ومنافاته التخفيف المقصود بمشروعية هذا الحكم (1). ويمكن أن يقال: إنه بعد وجود الإطلاق في معتبر البختري المتقدم وغيره (2) فيمكن الجواب عما يصلح للتقييد بحفظ الكل وهو معتبر يونس (3) بوجهين: أحدهما: أن يكون المقصود من قولهم " باتفاق منهم " أي من الحافظين،


(1) الجواهر: ج 12 ص 410 - 411. (2) الوسائل: ج 5 ص 338 و 340 ح 3 و 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ص 340 ح 8.

[ 526 ]

[... ] في قبال الاختلاف المفروض في السؤال حيث إن الظاهر اختلاف الحافظين لا اتفاق جميع من خلف الإمام، والمقصود من قوله " فإذا اختلف على الإمام " هو الاختلاف في تعداد الركعات لا الاختلاف والتفاوت في الحالة النفسانية، وهو الظاهر من الاختلاف عند العرف، فإن الشاك لا رأي له حتى يصدق أنه اختلف مع من رأى أحد الطرفين، والسر في ذلك عدم ملاحظة الشك والظن والقطع في الاختلاف والاتفاق، بل كل ذلك ملحوظ على وجه الطريقية عند العرف. ثانيهما: أن المنطوق لا يخالف المطلق، والمفهوم ليس بمطلق، بل مفهومه عدم الرجوع بنحو الإطلاق في صورة عدم الاتفاق، فيمكن أن يكون الحكم في صورة عدم الاتفاق على وجه التفصيل بأن يكون الحكم هو الرجوع في المفروض وعدم الرجوع في صورة الاختلاف في الحفظ من اليقين أو الظن أو الاختلاف، فالظاهر تمامية ما عن الروضة وقواه في الجواهر (1) والمصباح (2)، خصوصا مع التأيد بعدم حصول إحراز الاتفاق في الجماعات كثيرا، فكيف يمكن أن يكون ذلك الحكم موردا للعمل إلا في الأفراد النادرة أي الجماعات القليلة؟! لكن الإنصاف وقوع الاطمينان نوعا بالاتفاق من حيث إقدام جميع ما في الصف الأول إلى السجود أو الركوع أو القيام أو غير ذلك، ومن المعلوم عدم اختصاص الصف الأول بصفة خاصة، وذلك كاف في الاطمينان بالاتفاق، وكيف كان، فقد اتضح قيام الحجة على الكفاية، والله العالم، إلا أن الاحتياط في فرض التوافق هو العمل بحكم الشك أيضا، وفي فرض التخالف وعدم حصول الظن للإمام هو الرجوع ثم الإعادة، لأنه أقرب إلى الدليل وإن لم يحصل به الاحتياط التام، فافهم وتأمل.


(1) الجواهر: ج 12 ص 411. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 581.

[ 527 ]

[... ] ب - في الجواهر عن الروضة بعد نقل الفرع المذكور - من رجوع الإمام إلى بعض المأمومين الحافظ لعدد الركعات -: أن باقي المأمومين الشاكين يرجعون إلى الإمام (1). وفيه إشكال من جهة أن مقتضى الاشتراط في خبر يونس (2) أنه يرجع المأموم إلى الإمام إذا لم يسه الإمام، والسهو إما أعم من الظن والشك، لكنه غير معلوم كما تقدم (3)، وإما أن يكون المراد به خصوص الشك المعتدل من حيث الوهم، والمفروض عدم حصول الظن للإمام وإلا دخل في بعض المسائل المتقدمة من رجوع الشاك إلى الظان. وتوهم " أن مثل معتبر البختري (4) الدال على نفي السهو عن الإمام يحكم بأنه لم يسه الإمام تعبدا فهو حاكم على معتبر يونس " (5) مدفوع، فإن الظاهر منه نفي حكم السهو تعبدا لا إثبات حكم عدم السهو الذي هو رجوع المأموم إليه، ولأن الظاهر من قوله " ليس على الإمام سهو " نفي ما عليه من عمل السهو ولا يكون راجعا إلى عمل الغير، وحجية أمر لأحد لا تثبت إلا حجية لوازمه وملزوماته عليه لا على غيره كما في قول المجتهد بالنسبة إلى المقلد، فتأمل. ويمكن دفع الإشكال بما تقدم مرارا من التمسك بإطلاق معتبر البختري وعدم منافاة المفهوم له، لعدم الإطلاق، فإن المنطوق هو الرجوع إلى الإمام مطلقا إذا لم يكن شاكا فيمكن أن يكون الحكم أنه في صورة الشك تفصيل: فإن كان


(1) الجواهر: ج 12 ص 411. (2) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) في ص 515 وما بعدها. (4) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 3 من ب 24 من أبواب الخلل. (5) المصدر: ص 340 ح 8.

[ 528 ]

[... ] لا حجة فيرجع إليه، وإلا لا يرجع إليه خصوصا مع عدم إمكان الالتزام بعدم الرجوع إذا قامت عند الإمام بينة غير موجبة للظن، ولا فرق بينه وبين البينة في الحجية للإمام، مضافا إلى ما تقدم من أنه لابد من حمل قوله (عليه السلام) " إذا حفظ من خلفه " على الأعم من الحفظ بالواقع أو الظاهر فلا بد أن يكون قوله " إذا لم يسه الإمام " كذلك أي كان الإمام قاطعا بوظيفته الفعلية ولو من باب قيام الحجة، فالمسألة بحمده تعالى واضحة ولله الحمد أولا وآخرا. ج - إنه بعد ما تحقق جواز رجوع الإمام إلى بعض المأمومين ورجوع البعض الآخر الموافق للإمام في الشك إذا قامت عنده الحجة من جهة الرجوع إلى البعض المخالف وكفاية الحفظ في جهة في الرجوع إليه في ذلك، فإنه لو كان الإمام شاكا بين الاثنتين والثلاث وبعض المأمومين موافقون له في ذلك والبعض الآخر شاكون بين الثلاث والأربع فهم يرجعون إلى الإمام في عدم الإتيان بالرابعة، والإمام يرجع إليهم في الإتيان بالثالثة، والموافقون له في الشك يرجعون إليه في الإتيان بالثالثة. د - بعد ما تقدم من كفاية الحفظ في جهة خاصة في الرجوع فلو كانت الرابطة موجودة بين الإمام وبين جميع المأمومين مع فرض اختلاف كل من الإمام والمأمومين واختلاف المأمومين بعضهم لبعض، كما لو كان الإمام شاكا بين الاثنتين والثلاث وعدة من المأمومين شاكين بين الثلاث والأربع وعدة اخرى منهم بين الثلاث والخمس، فالإمام يرجع في إحراز الثلاث إلى الكل، ولا يلزم أن يكون الحافظون متفقين في الجهة المشكوكة أو الجهة المحفوظة التي لا يرجع إليها الشاك من جهة حفظه في ذلك، فالإمام حافظ لعدم الإتيان بالرابعة والخامسة ولا يرجع إليهم في ما حفظ والمأمومون كلهم حافظون للإتيان بالثالثة، فهو يرجع

[ 529 ]

[... ] إليهم في الإتيان بالثالثة والمأمومون يرجعون إلى الإمام في عدم الإتيان بالرابعة والخامسة. التاسع: أنه قال (قدس سره) في الجواهر: ويظهر من صاحب المدارك بل هو المنقول عن جده أيضا بل نسبه فيها إلى الأصحاب أنه لا فرق في الحكم بين الأفعال والركعات. وفيه تأمل، للشك في شمول الأدلة (1). انتهى ملخصا. أقول: أما معتبر يونس المتقدم (2) فحيث إن السؤال عن الشك في الركعات والمقصود من قوله (عليه السلام): " وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأولتين من كل صلاة سهو، ولا سهو في نافلة " (3). هو الشك في الركعات، فلا إطلاق له يشمل الشك في الأفعال، وهذا مما يصلح أن يكون قرينة على الإجمال وعدم الإطلاق لا سيما السؤال، فإن السؤال يصلح لأن يكون قرينة على عدم الإطلاق بالنسبة إلى غير مورده، فإنه لو سئل عن الإخفات في النوافل فكان الجواب " لا بأس " فلا يتوهم أحد أن يكون المراد عدم البأس بشئ مطلقا، فتأمل. وأما صحيح علي بن جعفر المتقدم (4) فحيث إن السؤال عن الذي " لا يدري كم صلى " فهو ظاهر في خصوص الركعات، لأن الواحد الكمي في الصلاة عرفا هو الركعات على الظاهر. وأما خبر حفص المتقدم (5) فإطلاقه مخدوش من وجوه:


(1) الجواهر: ج 12 ص 411. (2) في ص 478. (3) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (4) في ص 513. (5) في ص 477.

[ 530 ]

[... ] منها: أن السهو إذا استعمل في الشك فالقدر المتيقن منه بحسب التتبع في موارد الاستعمال هو الشك في الركعات، بل لم نعثر على الاستعمال في خصوص الشك في الأفعال. نعم، يمكن الاستعمال في الأعم، لكنه غير محقق. ومنها: أن الظاهر من قوله فيه: " ليس على الإمام سهو " رفع ما يجب على المكلف بواسطة السهو، وما يجب عليه مطلقا بواسطة السهو هو الشك في الركعات، وأما عند الشك في الأفعال فلا يجب عليه شئ إذا كان بعد التجاوز، فليس مما يجب عليه بما أنه شك في الفعل مطلقا، بل بما أنه شك في الفعل قبل التجاوز، فافهم وتأمل. ومنها: أن الشك في الركعات حيث إنه مختص من حيث الحكم المذكور بما إذا فرض التلازم في الركعات بين الإمام والمأموم - ولذا لا يرجع المأموم إلى الإمام إذا احتمل التخلف عنه مع قطعه بأن صلاة الإمام كصلاة نفسه - فلا يشمل صورة عدم التلازم، لكن لم يذكر القيد المذكور ولعله مستدرك عرفا، لأن التلازم مع فرض القدوة بحكم الدائم بحيث يستهجن التقييد على الظاهر، وهذا يوجب الانصراف إلى الركعات، لأن الموضوع للرجوع هو مورد التلازم الذي لا يحتاج إلى التقييد للغلبة القريبة بالدوام، وهذا بخلاف الأفعال والأذكار فإن التخلف كثير، فافهم وتأمل. ولا يخفى أن الوجوه الثلاثة التي هي منشأ للانصراف جائية في المعتبرين المتقدم ذكرهما على معتبر حفص البختري. العاشر: إذا سها الإمام عن شئ يوجب سجدتي السهو عليه ففي الجواهر عن المبسوط ومحكي الوسيلة والسرائر:

[ 531 ]

[... ] إنه يجب على المأموم متابعته بمعنى الإتيان بهما ولو بعد إتيان الإمام لا بمعنى الاقتداء فيهما به، بل ولو لم يأت بهما الإمام سهوا أو عمدا يجب عليه الإتيان بهما، ولكن استثنى في المبسوط من ذلك ما لو وقع السهو للإمام قبل الايتمام به. لكن الأشهر بين المتأخرين كما في الرياض والمشهور بين الأصحاب كما في الذخيرة اختصاص سجود السهو بالإمام (1). انتهى محررا وملخصا. وعمدة الوجه في ذلك موثق عمار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل مع الإمام وقد سبقه الإمام بركعة أو أكثر فسها الإمام كيف يصنع الرجل؟ قال: " إذا سلم الإمام فسجد سجدتي السهو فلا يسجد الرجل الذي دخل معه، وإذا قام وبنى على صلاته وأتمها سلم وسجد الرجل سجدتي السهو... " (2). ورد ذلك بامور: الأول: أنه مخالف للمشهور بين الأصحاب (3). الثاني: أنه موافق للمشهور بين العامة، بل عن المنتهى إنه مذهب فقهاء الجمهور كافة (4). الثالث: احتمال كون مورده الاشتراك في السهو (5). وأنت خبير بأن كل ذلك من قبيل المناسبات بعد فرض وضوح عدم الأخذ به، فإن نفس مخالفة المشهور ليس موجبا لإسقاط الخبر إذا كان ذلك من باب الحمل على وجه من الوجوه بحيث لا يوجب الإعراض عنه، خصوصا بعد عمل مثل


(1) الجواهر: ج 12 ص 412. (2) الوسائل: ج 5 ص 339 ح 7 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 412. (4 و 5) الجواهر: ج 12 ص 412.

[ 532 ]

[... ] الشيخ (قدس سره) وغير واحد من الأصحاب به مع مخالفته للقواعد، فإنه بمنزلة الشهادة باعتباره الموجب للاعتماد عليه وإن لم يكن سنده معتبرا. وأما الموافقة للعامة فهي مرجحة في مقام التعارض ولا تكون موجبة لرفع اليد عنه من دون فرض التعارض. وأما الثالث فمردود بأن الحمل على المورد المذكور إلقاء للعنوان المأخوذ في الخبر وليس من قبيل التقييد، لأنه في صورة الاشتراك لا يكون سجود السهو للاشتراك في السهو بل لسهو نفسه. والأولى أن يجاب بأنه ليس الموثق سؤالا وجوابا بصدد بيان لزوم سجود السهو لسهو الإمام، بل الظاهر أنه مفروغ لديه في الجملة، ويمكن أن يكون ذلك من جهة التقية في العمل فأرشده الإمام (عليه السلام) بالصبر إلى انتهاء الصلاة وعدم متابعة الإمام بالاقتداء في سجدتي سهو الإمام في أثناء الصلاة، ويمكن أن يكون فرض ذلك من باب علية سهو الإمام لسهو المأموم وتعارف سجدتي السهو بين الصلاة وقبل السلام - كما عليه بناء العامة مطلقا أو في الجملة - فردعه (عليه السلام) عنه وأرشده إلى التأخير إلى ما بعد السلام. والحاصل أن المشكلة التي صارت سببا للسؤال بحسب الظاهر خصوص الفرع المذكور، وهو تأخير المأموم عن الإمام مع مفروغية الحكم عنده في صورة التلازم له من أول الصلاة إلى آخرها. ثم إنه على فرض الإطلاق فهو معارض بما دل على بيان موجبات سجدتي السهو وأنهما لكل زيادة ونقيصة في صلاة نفسه (1) الظاهر في عدم وجوبهما في


(1) الوسائل: ج 5 ص 346، الباب 32 من أبواب الخلل.

[ 533 ]

[... ] غير ذلك، بل هو أيضا معارض بما دل على عدم السهو إذا حفظ وتم، كخبر فضيل: " من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، وإنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " (1). وموثق عمار: " وليس في شئ مما يتم به الصلاة سهو " (2). وإن كان في دلالتهما نظر، لقوة أن يكون المراد من السهو في الأول هو الشك بقرينة قوله: " وإنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها "، فالمقصود أنه ليس سجود السهو على من حفظ شكه بالإتيان بصلاة الاحتياط وإنما هو في مورد احتمال الزيادة - فتأمل - أو لا حكم للشك بمحض الشك بأن حفظه فأتمه، إنما الحكم المذكور - من سجود السهو أو صلاة الاحتياط - في مورد استقرار الشك، فتأمل. وأن الثاني غير واضح المراد، لاحتمال أن يكون المقصود عدم سجود السهو في مقدمات الصلاة، أو في ما يؤتى به تتميما للصلاة كصلاة الاحتياط وسجدتي السهو في الشك بين الأربع والخمس أو مطلق سجدتي السهو، والله العالم. ثم إنه على فرض الإطلاق فليس شاملا لصورة استحباب سجود السهو على الإمام بحيث يكون واجبا على المأموم وإن كان مستحبا على الإمام، لكونه مما يأبى عنه الارتكاز قطعا، وذلك موجب للانصراف قطعا، وحينئذ لو شوهد أن الإمام يسجد للسهو فلا يجب عليه المتابعة، لاحتمال أن يكون العمل على وجه الاستحباب، ويحتمل أن يكون ذلك للصلوات السابقة أو لما مضى من صلاته التي فرغ عنها ولم تكن موردا لايتمام المأموم.


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 6 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 534 ]

[... ] فما في الجواهر عن الشهيد (قدس سره) في الذكرى: من وجوبه عليه بصرف رؤية ذلك معللا بأن الظاهر أنه يؤدي الواجب مع عدم مشروعية التطوع بهما (1). فيه ما عرفت وتعرف إن شاء الله من وجود موارد لاستحباب التطوع بهما، وما عرفت من أنه لا ينحصر وجه عدم الوجوب في احتمال الاستحباب. الحادي عشر: أنه إذا سها المأموم عن شئ مع عدم سهو الإمام والإتيان به فالمستفاد من الجواهر (2) وصريح الحدائق أنه لا شئ على الإمام من غير خلاف ولا إشكال (3). وهو كذلك، إذ ليس المستفاد مما ورد في بعض الروايات الآتية (4) إن شاء الله من أن الإمام يحمل أوهام من خلفه أنه يجب عليه تدارك ما فات عنهم، بل الظاهر أن الإمام بنفس إمامته وصلاته يحمل أوهامهم لا أنه يجب عليه التدارك، وذلك بقرينة استثناء تكبيرة الإحرام كما في خبر محمد بن سهل (5) وأصرح من ذلك خبر عمار (6)، وهو الذي يساعده الارتكاز العرفي ويومئ إليه الإتيان بالجملة الخبرية في الخبرين، فراجع وتأمل. الثاني عشر: أنه في مورد سهو المأموم خاصة هل يكون ذكر الإمام والإتيان بما سها عنه المأموم كافيا أم لا؟ لا إشكال عندهم على الظاهر في عدم تحمله لوهم المأموم إذا أخل بالركن بعد المضي عن محل التدارك. والوجه في ذلك وضوح بطلان القدوة ببطلان الصلاة، والحكم بالصحة متوقف على بقاء القدوة وهو متوقف على الحكم فالحكم بالصحة دوري.


(1) الجواهر: ج 12 ص 412. (2) الجواهر: ج 12 ص 413. (3) الحدائق: ج 9 ص 281. (4) في ص 537. (5 و 6) الوسائل: ج 5 ص 338 و 339 ح 2 و 5 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 535 ]

[... ] فيبقى الكلام في ما إذا سها عن الركن أو غيره قبل المضي عن محل التدارك، أو كان الذكر بعد المضي عن محل التدارك بالنسبة إلى غير الركن من جهة وجوب القضاء أو من جهة وجوب سجود السهو أو كان السهو متعلقا بغير الأجزاء، كأن سها وتكلم ساهيا أو قام أو زاد في صلاته بسجدة مثلا، بناء على لزوم سجود السهو لذلك أيضا. فيقع الكلام في فروع: الأول: أن يكون السهو عن الركن قبل مضي محل التدارك. والظاهر أنه لا يشمله الدليل الآتي، وذلك لوجهين: أحدهما: أنه وارد في فرض صحة الصلاة وبقاء القدوة فالحكم بتحمل الأوهام إنما هو في فرض بقاء القدوة، فلو فرض عروض البطلان على صلاة المأموم بعد ذلك فلا قدوة أصلا، لأنها بالنسبة إلى الصلاة الصحيحة لا الباطلة، ومقتضى اشتراط الصلاة بالركن أو بغيره قبل مضي محل التدارك هو البطلان على تقدير التخلف، فهو يحكم بالتحمل في فرض صحة القدوة المتوقفة على صحة الصلاة، فلو حكم بالتصحيح من باب التحمل لزم الدور كما تقدم في الفرض المتقدم. ثانيهما: أن الظاهر أن تحمل ما ترك مستند إلى النسيان والوهم، وبعد فرض الذكر في المحل لا يكون الترك مستندا إلى الوهم والاشتباه بل هو مستند إلى العمد. ومنه ظهر حكم الفرع الثاني، وهو تذكر نسيان غير الركن قبل مضي محل التدارك، إلا أن الكلام في الركن لعله أوضح، فتأمل. الثالث: أن يكون السهو من جهة فقد الشرط الخارج عن دائرة الاقتداء، فإن الصلاة مشروطة بعدم الكلام الزائد والقيام الزائد، وليس الاقتداء ملحوظا في

[ 536 ]

[... ] ذلك، أو يكون السهو من جهة الخطأ في القصد، كأن قصد كون الصلاة عصرا فعدل وقلنا بلزوم سجدتي السهو في ذلك أيضا، فإن الإمام غير متحمل لذلك، لظهور الدليل في الضمان من جهة الإمامة وتحقق الايتمام، والإمامة والمأمومية متعلقتان بالصلاة التي هي الأجزاء، والشرائط الوجودية والعدمية خارجة عن ذلك. الرابع: أن يكون ما سها عنه المأموم موجبا للقضاء، كنسيان السجدة والتشهد. فالمشهور كما في الجواهر عدم التحمل، ولكن عن المحقق في المعتبر الحكم بالتحمل (1)، لما يأتي من إطلاق كون الإمام ضامنا أو حاملا لأوهام من خلفه. ولعل نظر المشهور في الحكم بعدم الضمان ووجوب القضاء إلى أمرين: أحدهما: أن خبر محمد بن سهل عن الرضا (عليه السلام) الحاكم بأن " الإمام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح " (2) غير معتبر، لعدم التصريح بوثوق محمد بن سهل. وأما خبر عمار (3) فغير وارد في مورد القضاء، وخبره الآخر (4) يحكم بأنه ليس عليه سجدتا السهو. لكن هذا الوجه مردود باعتبار خبر محمد بن سهل، لأن مثل أحمد بن محمد بن عيسى نقل كتابه، وهو من مشيخة الفقيه، وهما آكد في التوثيق من التوثيق المحض الخالي عن القرينتين، والخبر الثاني لعمار يشتمل على التعليل الشامل للقضاء وسجدتي السهو. ثانيهما - ولعله العمدة -: أن مقتضى الأدلة المشار إليها (التي تذكر بعد ذلك تفصيلا إن شاء الله تعالى) أن ما وقع للمأموم من الوهم والغلط يحمله الإمام،


(1) الجواهر: ج 12 ص 413. (2) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 2 من ب 24 من أبواب الخلل. (3 و 4) الوسائل: ج 5 ص 339 ح 4 و 5 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 537 ]

[... ] وما وقع فيه الوهم والسهو هو عدم الإتيان بالتشهد - مثلا - في محله، لا عدم الإتيان بأصل التشهد، فهو كمن تذكر بعد التجاوز عن المحل مع إمكان تداركه في الصلاة، فإن القدر المتيقن من ظهور الدليل هو الذي فات من المأموم وهو نسيان التشهد في المحل فلا يجب عليه سجدتا السهو، وأما أصل التشهد الذي له محلان فلم يفت منه حتى يحمله الإمام. الخامس: أنه هل يجب على المأموم سجود السهو أم لا؟ ففي الجواهر: إنه ذهب المشهور قبل العلامة إلى عدم وجوبه على ما عن كشف الالتباس. وفيها: أن في الخلاف ادعى الإجماع على ذلك، وعن الرياض إن الأشهر بين المتأخرين هو الوجوب (1). أقول: يمكن أن يستدل على ذلك بخبر محمد بن سهل - الذي مضى وجه اعتباره - عن الرضا (عليه السلام)، قال: " الإمام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح " (2). وبموثق عمار وفيه: " وليس عليه إذا سها خلف الإمام سجدتا السهو، لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه " (3). أقول: بعد ما تقدم من عدم شمول الدليل لمثل القيام الزائد والكلام المسهو فيه ينحصر محل الكلام في غيره، والإنصاف ظهور الخبرين في سقوط سجود السهو عن المأموم، إنما الإشكال في ما يدل على خلافه حتى يقع التعارض ويرجح مادل على اللزوم بمخالفته للعامة:


(1) الجواهر: ج 12 ص 413. (2) الوسائل: ج 5 ص 338 ح 2 من ب 24 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 339 ح 5 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 538 ]

[... ] فقد يقال: إن ما ذكر معارض لصحيح عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة، يقول: أقيموا صفوفكم، فقال: " يتم صلاته ثم يسجد سجدتين... " (1). قال (قدس سره) في الجواهر: والظاهر أن الرجل مأموم (2). لكن فيه: ما تقدم من أنه خارج عن مورد دلالة دليل الضمان من ضمان الإمام لما يأتم به ولا يأتم به في ترك الكلام. وبخبر منهال القصاب، قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسهو في الصلاة وأنا خلف الإمام، قال: فقال " إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب " (3). ويمكن الجواب عنه بأن المقصود أنه يؤخر السجدتين إلى ما بعد السلام ولا يسجد معه قبل السلام على ما هو دأب العامة كما يستفاد من بعض الكلمات، فالكلام مسوق لبيان جهة اخرى في مورد فرض لزوم السجدتين وهو في ما كان لكلام زائد أو لقيام زائد مثلا كما عرفت أو في مورد يسجد استحبابا أو يحمل على الاستحباب جمعا. مع أنه يمكن أن يقال: إن صحيح عبد الرحمان بن الحجاج المتقدم يخصص ما دل على عدم الضمان مع قطع النظر عما تقدم من عدم الإطلاق، فيصير دليل عدم الضمان خاصا بعد ذلك بالنسبة إلى ما يدل على وجوب سجدتي السهو - وهو خبر منهال - ويقال: إنه يعارض دليل الضمان ما يدل على عدم الضمان، كصحيح


(1) الوسائل: ج 5 ص 313 ح 1 من ب 4 من أبواب الخلل. (2) الجواهر: ج 12 ص 414. (3) الوسائل: ج 5 ص 339 ح 6 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 539 ]

[... ] زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم أنه ليس على وضوء، قال: " يتم القوم صلاتهم، فإنه ليس على الإمام ضمان " (1). وصحيح معاوية بن وهب: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيضمن الإمام صلاة الفريضة؟ فإن هؤلاء يزعمون أنه يضمن، فقال: " لا يضمن، أي شئ يضمن إلا أن يصلي بهم جنبا أو على غير طهر " (2). والترجيح لما يدل على عدم الضمان، لوجود بعض القرائن فيها على أن الحكم بالضمان على وجه التقية، كقوله: " فإن هؤلاء يزعمون أنه يضمن " وكقوله (عليه السلام) في ما تقدم (3) من خبر منهال القصاب: " فاسجد سجدتين ولا تهب ". لكن الإنصاف عدم وضوح ذلك، فإن الضمان المنفي في الصحيح الأول الذي يتفرع عليه صحة صلاة القوم مع فرض فساد صلاة الإمام هو بمعنى اشتراط صحة صلاة المأمومين بصلاة الإمام، بأن يكون على الإمام الإتيان بالصلاة الصحيحة من باب أداء تكليف نفسه ومن باب كونه شرطا لصلاة المأمومين، ومن الواضح أن ذلك غير الضمان بمعنى كفاية الإتيان من جانب الإمام مع فرض الصحة في كلتا الصلاتين التي هي أساس بقاء القدوة في الجملة، فتأمل. وأما الضمان المنفي في الصحيح الثاني فليس بمعنى بطلان صلاة المأمومين إذا فرض بطلان صلاة الإمام لعدم كونه طاهرا، لمنافاته للصحيح الأول،


(1) الوسائل: ج 5 ص 433 ح 2 من ب 36 من أبواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5 ص 434 ح 6 من ب 36 من أبواب صلاة الجماعة. (3) في ص 538.

[ 540 ]

[... ] وليس بمعنى أنه يجب على نفسه الإعادة إذا صلى بهم جنبا أو على غير طهر، فإن وجوب الإعادة في تلك الصورة ليس من جهة الصلاة بهم - كما هو ظاهر الخبر - وليس مختصا بذلك، بل يجب عليه الإعادة لامور شتى منها ما ذكر في الخبر، وليس بمعنى حمل أوهامهم، إذ مقتضاه الضمان في صورة كون صلاته باطلة فلا معنى لأن يحمل أوهامهم مع فرض بطلان صلاته، فالظاهر أو المظنون أن يكون المقصود بالضمان هو وزر نقص صلاة المأمومين، فلا يضمن وزرهم إلا أن يكون النقص حاصلا من جانبه، فإنه تعرض للإمامة الموجبة لترك القراءة من جانب المأمومين فهو يحمل الوزر من تلك الجهة، فعليه يكون قوله (عليه السلام): " إلا أن يصلي بهم جنبا أو على غير طهر " من باب المثال لكل ما يوجب الخلل، ولعل ترك الركوع والسجود مما لا يكون وزره عليه، لأن المأمومين يشاهدون ذلك، والترك العمدي لا يصدر منه، وبالنسبة إلى غير الأركان فوزرهم عليه مع العمد واضح، وأما مع الغفلة فالوزر عليه أيضا وإن كان معذورا، ولازم ذلك القطع والإعلام إذا تذكر ذلك في أثناء الصلاة مع إمكان تدارك القراءة أو في مورد إمكان حصول زيادة الركن. فملخص الكلام أن الضمان المنفي في الصحيحين لا يناسب أن يكون بمعنى حمل الإمام أوهام المأمومين، بل المناسب في الأول عدم دخالة صحة صلاة الإمام في صحة صلاة المأمومين واقعا فلا ينافي لزوم إحرازها في حصول القدوة والايتمام، والمناسب في الثاني هو الوزر الذي حصل للمأمومين بواسطة الايتمام بالإمام الذي فرض بطلان صلاته، فلا تنافي بين الصحيحين والمعتبرين المتقدمين المصرحين بالضمان بمعنى تحمل الأوهام وعدم لزوم سجدتي السهو كما أفتى بذلك القدماء من الأصحاب (قدس سرهم).

[ 541 ]

[... ] وقد ورد أيضا عدم الضمان في باب الجماعة (1)، والمقصود به - كما يظهر من استثناء القراءة - حمل أصل الذكر بأن لا يجب على المأموم مثلا إلا الاقتداء في العمل وكان الذكر في جميع الحالات - من الركوع والسجود والتشهد والسلام - على الإمام، وهذا غير تحمل الأوهام بمعنى عدم وجوب شئ على المأموم بوهمه إذا حفظه الإمام. هذا كله، مضافا إلى أنه لو فرض كون المقصود مما يدل على نفي الضمان في الموارد المختلفة ما يشمل حمل الأوهام فلا ريب أن النسبة بين ما يدل على نفي الضمان المطلق والضمان في صورة الوهم بالنسبة إلى سجدتي السهو في ما وقع فيه الايتمام هي العموم المطلق، فكما أنه لا يتدارك في حال السهو في بعض الموارد كذلك لا بعد في عدم لزوم سجدتي السهو، فما ينسب إلى المشهور بين القدماء أو المجمع عليه بينهم كما عن خلاف الشيخ (قدس سره) لا يخلو عن رجحان، لكن قد عرفت (2) أنه لابد أن يستثنى من ذلك ماكان السهو فيه متعلقا بما ليس فيه الايتمام، لما تقدم من عدم شمول الدليل ووجود الدليل - وهو صحيح عبد الرحمان (3) - على لزوم سجود السهو. الثالث عشر: أنه لو اشتركا في السهو في شئ واحد فعلى ما ذكرناه سابقا (4) يسجد كل واحد منهما سجود السهو، وأما على ما تقدم (5) عن الشيخ (قدس سره) فمقتضى قاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب يجب على المأموم أن يسجدهما مرتين،


(1) راجع الوسائل: ج 5 ص 420، الباب 30 من أبواب الجماعة. (2) في ص 537 وما بعدها. (3) الوسائل: ج 5 ص 313 ح 1 من ب 4 من أبواب الخلل. (4) في ص 530 وما بعدها. (5) في ص 532.

[ 542 ]

[ قال (قدس سره): ولا حكم للسهو مع كثرته (1). * ] لكن مقتضى القاعدة على ما بنينا عليه هو التداخل، إلا أن كان السبب من أقسام الجرم والمسبب من أقسام الجريمة فمقتضى صدور الأمر على طبق الارتكازات والمناسبات العرفية هو التعدد، وفي المقام ليس سهو الإمام مما يعد جرما للمأموم فالبناء على التداخل والاكتفاء بالسجدتين للسهو مرة واحدة قوي على الظاهر، إلا أن مقتضى القاعدة إتيانهما بقصد ما هو المطلوب عند الله من وقوعهما لسهو أو لسهوين، وأحوط منه هو الإتيان بهما مرتين مع الإتيان بالأول منهما بقصد ما هو المطلوب عند الله تعالى حتى من جهة لزوم الفورية والثاني منهما بقصد احتمال المحبوبية. والله المتعالي هو المستعان في كل طرفة وآن. * وفي الجواهر: كما صرح بذلك جماعة من الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في الحدائق والرياض (2). وفي المستمسك: بلا خلاف، وعن الغنية والمصابيح دعوى الإجماع عليه، بل عن الثاني: إنه ضروري (3). انتهى. الظاهر أن المقصود كونه من ضروريات الفقه بحيث يعلمه كل فقيه، لا من ضروريات الدين أو المذهب. وكيف كان، فقد يستدل على ذلك بجملة من الأخبار: منها: صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الجواهر: ج 12 ص 416. (3) المستمسك: ج 7 ص 564 - 565.

[ 543 ]

[... ] " إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنه يوشك أن يدعك، إنما هو من الشيطان " (1). وتقريب الاستدلال به لحكم كثير الشك بوجوه: منها: أن يدعى - كما قيل - إن السهو في الصلاة بمعنى الشك في الركعات أو الأعم من الشك فيها والأفعال. ومنها: أن يقال: إن المقصود في المقام هو الشك، من جهة أن السهو المتعارف: إن كان في المحل فلا يصدق السهو عنه، لأن الظاهر هو الترك المستند إلى السهو، وبعد فرض بقاء المحل ليس الترك مستندا إلى السهو، وأما بعد مضي المحل فليس الحكم فيه عدم المضي مع قطع النظر عن كثرة الشك حتى يحكم بالمضي من جهة عروض الكثرة، فلابد من أن يكون على ذلك منحصرا بالسهو عن الأركان بعد مضي المحل، وهو خلاف الإجماع المدعى كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى، مع أن الحمل على الفرد النادر مما هو مقطوع العدم بحسب ظاهر اللفظ. ومنها: أن يقال: إن المقصود به الشك في المقام بقرينة التعليل، فإن الذي هو من الشيطان من حيث الوسوسة في النقص والإعادة وإيجاد التكليف - كما يظهر من الأخبار الاخر - هو إيجاد الشك، وأما السهو المفروض حصول التذكر بعد ذلك فالحكم القطعي بحسب الدليل الموجب للتدارك أو القضاء أو سجدتي السهو لا يكون من الشيطان. ومنها: التمسك بالتعليل، فإنه إن كان السهو بالمعنى المتعارف من الشيطان فلا ريب أن الشك الكثير أيضا من الشيطان، ومن ذلك يظهر شموله للأفعال والشرائط، فافهم وتأمل.


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 1 من ب 16 من أبواب الخلل.

[ 544 ]

[... ] ومنها: معتبر زرارة وأبي بصير - الذي هو أعلى من الصحيح - قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه، قال: " يعيد " قلنا: فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك، قال: " يمضي في شكه " ثم قال: " لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك ". قال زرارة: ثم قال: " إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم " (1). ودلالة الرواية بملاحظة الصدر والذيل المشتمل على بيان العلة في جواز المضي إذا كثر الشك واضحة، إنما الإشكال في أن مقتضاه العزيمة أو الرخصة ويجئ الكلام بعد ذلك إن شاء الله تعالى شأنه. ومنها: خبر ابن سنان عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك " (2). وتقريب الاستدلال به للشك يظهر من بعض الوجوه المتقدمة في الخبر الأول (3)، فراجع. ومنها: خبر علي بن أبي حمزة عن رجل صالح (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يشك فلا يدري واحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته، قال: " كل ذا؟ " قال: قلت: نعم، قال:


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 2 من ب 16 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 3 من ب 16 من أبواب الخلل. (3) المتقدم في ص 543.

[ 545 ]

[... ] " فليمض في صلاته ويتعوذ بالله من الشيطان فإنه يوشك أن يذهب عنه " (1). ودلالته على حكم كثير الشك الذي لا شبهة أنه من الشيطان - بعد ما كان الشك الواحد الكثير الأطراف كذلك - واضحة، إلا أنه يشكل بمعارضة ذلك لروايات اخر من حيث الحكم بالإعادة وعدم المضي. ويمكن دفع التعارض باحتمال كون الصادر منه (عليه السلام) " كل ذا " بالتنوين المعوض عن الصلاة أي كل صلاة كذا، فينطبق على كثير الشك ويخرج عنه الشك البدوي الكثير الأطراف. ومنها: موثق عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدري أركع أم لا، ويشك في السجود فلا يدري أسجد أم لا، فقال: " لا يسجد ولا يركع ويمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا... " (2). ولا يخفى أن إطلاق الصدر يشمل الشك في الركعات والشرائط، ولا يضر تفريع الشك في الأفعال على ذلك، لأن التفريع لا يوجب الانحصار كما لا يخفى على المتأمل. ومنها: ما عن الصدوق (قدس سره) عن الرضا (عليه السلام): " إذا كثر عليك السهو في الصلاة فامض على صلاتك ولا تعد " (3). وتقريب الاستدلال به للشك يظهر مما مضى (4) في الخبر الأول إلا أنه لا يدل


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 4 من ب 16 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 5 من ب 16 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 6 من ب 16 من أبواب الخلل. (4) في ص 543.

[ 546 ]

[... ] على المضي في الشكوك الصحيحة بقرينة " ولا تعد "، فتأمل. ومنها: ما عنه بإسناده عن ابن أبي عمير عن محمد بن أبي حمزة أن الصادق (عليه السلام) قال: " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو " (1). وتقريب الاستدلال به للشك يظهر مما مر (2) في الخبر الأول، مضافا إلى أن الظاهر أن ما هو المعروف حكم كثير الشك لا حكم كثير السهو. ومنها: خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " لا سهو على من أقر على نفسه بسهو " (3). ودلالته مبنية على كون الصلاة متيقنة، وظهور السهو المستند إلى الصلاة في الشك أو ما يعمه، وكون المقصود بقوله " أقر على نفسه " أي صار السهو ملكة نفسانية له. لكنه لا يخلو عن إشكال، لاحتمال أن يكون المقصود بيان أنه لا حكم أي لا معذورية من ناحية السهو على من أقر على نفسه أي ذكر سهوه، ويأتي الكلام في ذلك في ما بعد إن شاء الله تعالى شأنه، فأصل الحكم مما لا إشكال فيه. لكن يقع الكلام في مواضع: الأول: قال (قدس سره) في الجواهر ما ملخصه: أن ظاهر الأخبار كالفتاوى هو البناء على وقوع المشكوك،


(1) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 7 من ب 16 من أبواب الخلل. (2) في ص 543. (3) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 8 من ب 16 من أبواب الخلل.

[ 547 ]

[... ] إلا إذا كان الوقوع مفسدا فإنه يبني حينئذ على الأقل كما صرح به بعضهم، فإن المنساق منها أن ذلك تخفيف على المكلف فلابد من البناء على المصحح (1). أقول: لا شبهة في أن المستفاد من المضي عدم الاعتناء بالشك من حيث اقتضائه التكليف، فمن شك بين الثلاث والاثنتين يبني على الثلاث ولا يعتني باحتمال عدم الإتيان بالثلاث حتى يلزم الإتيان به متصلا أو منفصلا، ومن شك بين الأربع والخمس بعد الإكمال لا يعتني باحتمال الزيادة محتملا فيعيد الصلاة أو ما له من الحكم في فرض الشك وهو سجدتا السهو. إنما الإشكال في الشك بين الأربع والخمس في حال القيام، ويمكن أن يقال: إنه حيث كان المحتمل مقتضيا للتكليف على كل حال، لأنه إن بنى على إلقاء احتمال الزيادة فلابد من المضي والبناء على كونها الرابعة، وإن بنى على إلقاء احتمال النقص فاللازم الهدم والتشهد، وأما من حيث الاحتمال فحيث يكون مقتضى الدليل هو الهدم والإتيان بصلاة الاحتياط فلا يقتضي ذلك، فتأمل. الثاني: هل يكون المضي على الشك على نحو الرخصة - على ما نقله في الجواهر عن الأردبيلي (2) (قدس سره) واحتمله في مصباح الفقيه (3) - فيخير المكلف بين المضي والعمل بحكم الشك من الإبطال أو الإتيان بصلاة الاحتياط أو يكون على نحو العزيمة فلا يجوز إلا المضي في صلاته؟ وجهان. يمكن الاستدلال على الا ول بأمرين: أحدهما: أن الأمر بالمضي الوارد في غير واحد من الأخبار حيث إنه في مقام


(1) الجواهر: ج 12 ص 417. (2) الجواهر: ج 12 ص 417. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 584.

[ 548 ]

[... ] توهم الحظر لا يدل على التعين، بل الظاهر منه جواز إتمام الصلاة على الوجه المذكور. وأما التعليل الوارد في مثل معتبر زرارة وأبي بصير (1) الظاهر في التحريم وعدم جواز إطاعة الشيطان، فحيث لا يلزم منه معصية الله تعالى، ولا دليل على حرمة نقض الصلاة في مورد الشك، ولا يكون قوله (عليه السلام) " ولا يكثرن نقض الصلاة " ظاهرا في أن المقصود التحرز عن الشيطان حتى لا يوجب الوقوع في نقض الصلاة الذي هو من المعاصي بل المظنون أن المقصود أن الشيطان يوسوس في إيقاع المصلي في المشقة والكلفة حتى يلهي عن ذكر الله وتصير العبادة عنده منفورا وإلا لم يكن المضي في عدم لزوم النقص موردا للأمر، فحينئذ لا يظهر منه إلا الإرشاد إلى مخالفة الشيطان في ما لم يقم دليل على وجوبها من باب عدم الوقوع بذلك في معصية الله تعالى، فغاية ذلك هو الكراهة كما صرح بذلك في مصباح الفقيه (2). لكن فيه: أن الظاهر منه حرمة إطاعة الشيطان في ذلك. وصرف كون النهي على طبق ما يحكم به العقل لا يوجب أن لا يكون ظاهرا في المولوية، كما في الأدلة القرآنية وغيرها الدالة على حرمة الظلم. نعم، النهي الذي هو ظاهر في الردع لأجل عدم الوقوع في شئ آخر يحكم الشرع أو العقل بالتجنب عنه فهو إرشادي، وتلك نكتة اصولية نافذة في غير واحد من المقامات. ثانيهما: أن ما تقدم (3) من المعتبر دال على جواز العمل بالشك، حيث قال (عليه السلام) في الصدر بالإعادة ثم قال بالمضي مع أن المفروض في الصدر هو كثرة الشك


(1) المتقدم في ص 544. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 585. (3) في ص 544.

[ 549 ]

[... ] فيكون ذلك قرينة على حمل ما في الذيل على نوع من الكراهة الذاتية المجامعة لأن تكون الإعادة مستحبة لجهة اخرى، كالامتثال القطعي بالنسبة إلى التكليف المولوي. وأما باقي الروايات الخالي عن التعليل المذكور فغير دال في نفسه على التعين، لما تقدم من كونه في مقام توهم الحظر. وفيه: أن المحتملات في صدر الروايات ثلاثة: الأول: ما في الجواهر وغيره من كون المقصود من كثرة الشك المفروض في الصدر كثرة الأطراف ولو في واقعة واحدة (1)، ومن المعلوم أن حكمه الإعادة كما نطقت به الأخبار (2)، والذيل راجع إلى كثرة الشك بالمعنى المبحوث عنه، فلا يدل على الرخصة في فرض البحث. لكن الإنصاف أنه خلاف ظاهر قوله: " الرجل يشك كثيرا في صلاته ". الثاني: أن يكون المقصود من الصدر أن الرجل يشك كثيرا في الصلاة وقد وصل كثرة شكه إلى حد كثر أيضا من حيث الأطراف، كأن كان شاكا مدة مديدة في الثلاث والأربع. وأما الشك المخصوص الكثير الأطراف فلم يفرض فيه الكثرة، ومن المعلوم أن الحكم في ذلك الإعادة، لأن كثرة الشك في مورد خاص لا توجب إجراء حكم كثير الشك في مورد جديد وإن كان منشأ ذلك هو الكثرة في الموارد الاخر كما صرحوا بذلك، وهو الظاهر من الخبر الشريف، والحكم بالإعادة على طبق القاعدة - ويظهر منه الفرع الآتي إن شاء الله تعالى المشار إليه في طي الكلام - وحينئذ لا يدل على الرخصة. الثالث: أن يكون السؤال الأول والثاني كلاهما بالنسبة إلى كثير الشك مع


(1) الجواهر: ج 12 ص 422 - 423. (2) راجع الوسائل: ج 5 ص 327، الباب 15 من أبواب الخلل.

[ 550 ]

[... ] فرض كثرة الأطراف، وإعادة السؤال للاستيذان من الإمام (عليه السلام) في المضي على شكه وعدم الإعادة، وحينئذ يدل على مدعى الأردبيلي (قدس سره)، لكنه خلاف الظاهر. الرابع: أن يكون المفروض في السؤالين هو كثرة الشك لكن كان المراد من الأول منه أصل كثرة الشك ومن الثاني الحد الأعلى منه بحيث إنه وقع في حالة يمكن أن يقال ولو بالمسامحة العرفية: إنه كلما أعاد شك، فيدل على التخيير - بقرينة الروايات الاخر - في المضي والعمل بالشك في الدرجات الاولى من كثرة الشك وتعين المضي في الدرجة العالية منها، ويمكن بناء عليه تقريب مذهب الأردبيلي بضميمة عدم القول بالفصل وأنه لا فرق بين مراتب الكثرة في الرخصة والعزيمة، لكنه أيضا خلاف الظاهر. والظاهر منه ما ذكرناه من الاحتمال الثاني، وحينئذ لا يدل على مطلوب الأردبيلي، فلا ريب أن الظاهر منه العزيمة. والعزيمة المتصورة في المقام على أنحاء غير محررة في كلام الأصحاب، إذ يمكن أن تكون بمعنى الوضع، وهو يتصور على قسمين: فإما أن يكون المقصود أن المقام محكوم في الظاهر بعدم الاعتناء، فلو شك في الركوع وأتى به كانت الصلاة محكومة بالبطلان ظاهرا، ويترتب على ذلك عدم بطلانها لو علم بعد ذلك بعدم الإتيان بالركوع وتحقق منه قصد التقرب، ويترتب عليه أيضا جواز الإتيان بالمشكوك إذا لم يترتب على تكراره محذور، كالذكر والقرآن والدعاء بقصد احتمال الوجوب والجزئية، وإما أن يكون ذلك بحسب الواقع، والمترتب على ذلك بطلان الصلاة واقعا في الفرض المتقدم ولو لم يكن آتيا بالركوع في الواقع، لإلقاء الركوع عن الجزئية فالركوع المأتي به زائد، ولا يمكن الإتيان بالذكر والقرآن برجاء الجزئية الوجوبية، للقطع بالعدم.

[ 551 ]

[... ] وإما أن تكون العزيمة بمعنى حرمة الالتفات إلى الشك كما هو الظاهر من معتبر زرارة (1)، من باب أنه إطاعة الشيطان، ولازمه البطلان في الفرض المذكور ولو لم يكن راكعا في الواقع، لكون ما أتى به حراما، بل لازمه البطلان في الشك في السجدة، بل لازمه البطلان لو أتى بالذكر أو القرآن رجاء، لكون ذلك حراما، والكلام الحرام زيادة عمدية في الصلاة وهو مبطل، وكذا لو كان على وجه الكراهة الفعلية المزاحمة لمصلحة الصلاة، فإن ذلك زيادة. وعلى الفرضين الأخيرين يبقى الكلام في أن الملقى في فرض انطباق إطاعة الشيطان على الالتفات هو الجزئية والشرطية أو الملقى هو أصل الصلاة فيجب عليه الإعادة لو ارتفع الشك؟ لا إشكال في أن الظاهر من الروايات أنها صلاة، فهي محكومة بكونها صلاة، فالظاهر جواز الاقتداء به كما في سائر موارد عدم الاعتناء بالشك. إنما الإشكال في كونها صلاة واقعية ولو على تقدير التخلف حتى يجوز الاقتداء مثلا للمأموم الذي يقطع بنقصان صلاة الإمام من جهة عدم الالتفات إلى شكه الكثير، والإنصاف عدم الظهور في ذلك، ومقتضى القاعدة البطلان واقعا، وهو العالم. الثالث: هل مقتضى الأدلة المتقدمة عموم الحكم لكثير السهو بالمعنى المتعارف فلا يجب على كثير السهو سجدتا السهو أم لا بل يختص بالسهو بمعنى الشك؟ ففي الجواهر: في ذلك وجهان، بل قولان، أظهرهما الثاني. ومحصل ما ذكره لما اختاره أمران: أحدهما: أن المراد بالسهو في كلمات الأصحاب في المقام هو الشك،


(1) المتقدم في ص 544.

[ 552 ]

[... ] وهو العمدة. ولا يمكن التمسك بإطلاق الأخبار التي موضوعها السهو بأن يقال: إن ما دل على الشك يؤخذ به في مورده وما دل على السهو يؤخذ به في مورد السهو بالمعنى الحقيقي، وكان المقصود أن فهم الأصحاب قرينة على أن المقصود بالسهو في موضوع الأخبار هو الشك (1). وفيه: أن عدم كون المقصود بالسهو في كلمات الأصحاب في المقام هو السهو بالمعنى المتعارف لا يدل على أنهم فهموا من الدليل خصوص الشك مع فرض اختلافهم في الشمول للسهو بالمعنى المتعارف، فلو فهم الكل منها ذلك لم يقع بينهم الاختلاف إلا أن يقال: إن الاختلاف وقع من المتأخرين وعليه فلا يدل على ذلك بل لا يدل إلا على كون القدر المتيقن عندهم هو الشك وهو كذلك بحسب الأخبار، لأن بعضها ورد في مورد الشك صريحا مع أن فهم الأصحاب لا يكون حجة علينا ما لم يكشف عن وجود حجة كافية لدينا أيضا. ثانيهما: أنه نقل الإجماع على إجراء جميع أحكام السهو بالنسبة إلى كثير السهو من القضاء والتدارك في المحل والبطلان إذا كان المسهو عنه ركنا، واعترف به الشهيد (قدس سره) القائل بالتعميم، فلا يبقى مورد للنزاع إلا سجود السهو، ولا يشمله أخبار كثير السهو قطعا، وذلك من جهة الحكم بالمضي غير المنافي لوجوب سجود السهو (2). وفيه أولا: أن بعض الأخبار خال عن عنوان المضي وهو خبر أبي بصير: " لا سهو على من أقر على نفسه بسهو " (3). وثانيا: أن عدم شمول عنوان المضي لسجود السهو مبني على كون أدلة


(1) الجواهر: ج 12 ص 418. (2) الجواهر: ج 12 ص 418 - 419. (3) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 8 من ب 16 من أبواب الخلل.

[ 553 ]

[... ] المسألة ناظرة إلى ما للصلاة من الحكم ولو بالعناوين الثانوية، فيحكم بالمضي في ما فرض كون الحكم فيه عدم المضي مع قطع النظر عن نفس هذا الدليل، فلا يشمل مثلا صورة كون الحكم هو المضي بملاحظة التبعية عن الإمام أو المأموم أيضا أو كان الحكم هو المضي باعتبار كون الشك بعد الفراغ، وهو خلاف الإطلاق ولا إشكال في كون الحكم هو المضي من جهتين أو بدليلين، ففي مورد السهو عن غير الركن بعد الدخول في الركن الآخر فكما أن دليل " لا تعاد الصلاة " يقتضي المضي فلا إشكال في اقتضاء دليل كثير السهو ذلك أيضا، فيكون الحكم هو المضي لوجهين: لأصل السهو ولكثرته، وبعد الشمول والحكم بعدم بطلان الصلاة فلا ريب أن مقتضى إطلاق المضي وعدم الأمر بشئ آخر هو عدم لزوم التدارك وعدم سجود السهو، كما أن الأمر بالمضي في مورد الشكوك أيضا كذلك، فإنه يدل على عدم الإعادة وعدم شئ آخر وراء الإعادة، كيف! ولو كان مقتضاه صرف المضي في الصلاة من دون اقتضاء عدم شئ آخر بعد الصلاة لما دل الدليل على عدم وجوب الاحتياط في الشكوك الصحيحة. ويمكن أن يوجه ما نسب إلى المشهور من عدم الشمول بوجهين آخرين: أحدهما: أن المستفاد من الأخبار الكثيرة كما تقدم (1) استعمال لفظ السهو في الصلاة في الشك كثيرا، ولا يبعد انعقاد ظهور ثانوي له في ذلك. فإن أبيت عن ذلك فلابد من حمله على الشك، لكثرة الابتلاء به في الصلاة، فلا معنى للإعراض عنه وبيان حكم كثير السهو، للاشتراك بينه وبين المعنى الأصلي وعدم وضوح جامع بينهما يقتضي تعلق الحكم بهما مع حفظ عنوانيهما. وإن أبيت عن


(1) في ص 483 وما بعدها.

[ 554 ]

[... ] ذلك أيضا فلا أقل من احتمال ذلك، والقدر المتيقن منه هو الشك، لمعتبر الجليلين (1) وخبر عمار (2). ثانيهما: أن مقتضى التعليل في معتبر الجليلين أن الحكم بالمضي من باب أن الالتفات يكون إطاعة للشيطان، وليس تدارك السهو أو سجوده إطاعة له بل هو من باب التذكر بعد ذلك، إلا أن يقال إن المشتمل على التعليل خبر الجليلين وصحيح محمد بن مسلم (3)، والأول وارد في الشك والثاني محمول عليه بقرينة التعليل المطابق للتعليل الوارد في الشك من حيث السياق، وهذا لا ينافي الأخذ بإطلاق غيره. ويمكن أن يزاد على الوجهين بأن يقال: إن المنصرف إليه في مدلول الأخبار هو ما إذا كان حكمه عدم المضي بمحض السهو، وليس السهو كذلك، فإن التكليف بالتدارك أو الإعادة أو سجود السهو بعد التذكر، وليس ذلك إلا السهو بمعنى الشك، وهذا كاف في عدم انعقاد الظهور. هذا، مع أن محتمل خبر أبي بصير (4) أنه لا معذورية للساهي بعد التوجه إلى السهو، فتأمل. فما عن المشهور من عدم شمول الأخبار للسهو بالمعنى المتعارف قوي جدا، والله المتعالي هو العالم بما هو الأصح من المقال. الرابع: أن الظاهر شمول الدليل للشك بين الأربع والخمس والحكم بعدم لزوم سجدتي السهو، كما نبه عليه (قدس سره) في الجواهر (5).


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 2 ب 16 من أبواب الخلل. (2) المصدر: ص 330 ح 5. (3) المصدر: ص 329 ح 1. (4) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 8 من ب 16 من أبواب الخلل. (5) الجواهر: ج 12 ص 417.

[ 555 ]

[... ] وذلك لوجوه: منها: التعليل الدال على لزوم عدم الالتفات، فإنه من الشيطان، إذ لا فرق بينه وبين غيره، فإن الإتيان بسجدتي السهو التفات إلى الشك الذي هو من الشيطان. ومنها: أنه بعد الحكم بعدم الالتفات من حيث المحتمل - وهو زيادة الركعة - فلا موضوع لسجدتي السهو، فإنه في مورد كون الزيادة مبطلة في متن الواقع، والحكم بعد الالتفات إلقاء لإبطال الزيادة واقعا أو ظاهرا، فتأمل. ومنها: أن الحكم بالمضي من حيث الشك في المحتمل، وعدم إيجاب الإعادة من باب احتمال الزيادة بإطلاقه يقتضي عدم لزوم سجود السهو أيضا. ومن ذلك كله يظهر الفرق بين سجود السهو في المقام وفي مورد كثرة السهو بالمعنى المتعارف. والعمدة أن سجود السهو في المقام هو حكم الشك الذي يشمله الدليل والتعليل. الخامس: قال (قدس سره) في الجواهر: ولو كثر الشك في فعل بالخصوص فهل يجري حكم كثير الشك في غيره أو يقتصر عليه؟ وجهان، اختار أولهما في المدارك والرياض وعن غيرهما، ووجهه الإطلاق والتعليل. والأقوى هو الثاني (1). انتهى ملخصا. أقول: وهنا وجه ثالث للأول، وهو أنه بعد ورود الدليل بأن العلة لذلك هو أنه إطاعة الشيطان فعلى فرض الشك في كونه إطاعة الشيطان لا يمكن الأخذ بدليل الشك، لكونه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فيدور الأمر بين المحذورين من لزوم العمل بحكم الشك أو لزوم عدم الاعتناء به لأنه من الشيطان


(1) الجواهر: ج 12 ص 420.

[ 556 ]

[... ] فيحكم بالتخيير فيجوز عدم الالتفات. ولكن الأقوى هو الثاني، لوجهين: الأول: عدم الدليل على عدم الالتفات في الفرض فيرجع إلى دليل الشك، وذلك لأن دعوى الإطلاق مردودة جدا، لأن المتبادر من قوله: " إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك " (1) هو المضي في خصوص ما كثر فيه السهو، وإلا لدل على المضي في الصلاة بمحض كونه كثير السهو في عبادة اخرى أو في معاملاته أو عادياته، بل كان مقتضى الإطلاق هو المضي في غير مورد الشك مع صدق كونه كثير السهو، وليس ذلك كله إلا لكون الموضوع ما اشير إليه أي ما كثر للمصلي فيه السهو، فالأخذ بالإطلاق في المقام نظير الأخذ بالإطلاق في قولهم: " إذا رأيت عالما فاغتنم مجلسه أو إذا رأيت طبيبا فاغتنم حضوره " فإنه لا شبهة في أن المستفاد منهما هو الاغتنام في الاستفادة من علم العالم وطب الطبيب كما هو واضح. وأما التعليل فهو غير واضح الشمول بعد وضوح عدم كون أصل الشك من الشيطان، وإلا لغا جعل الحكم للشكوك على وجه الإطلاق والمحسوس بالوجدان اختلاف الوسواسيين في الخارج من حيث الموضوع، فالشك الأول في السجود الذي يحصل لمن يشك كثيرا في ركوعه ليس إلا بمنزلة الشك الأول فيه من غير سبق كثرة الشك في الركوع. وأما الوجه الثالث فحيث إن ذلك محول إلى الشارع - لأن المكلف لا يدري موارد كون الشك من الشيطان ولم يحول ذلك إليه - فيتمسك بإطلاق دليل الشكوك في غير مورد كثرة الشك، كما أن الأمر كذلك بالنسبة إلى جميع الشكوك البدوية، ولو كان الاحتمال المذكور موجبا لإلقاء دليل الشك لزم لغوية الجعل


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 1 من ب 16 من أبواب الخلل.

[ 557 ]

[... ] المذكور، لقيام الاحتمال في جميع موارد حصول الشك. والحاصل أنه لا فرق بين مورد البحث والشك غير المسبوق بالكثرة في غيره. ثانيهما: ما تقدم من معتبر الجليلين (1)، بناء على ما تقدم (2) استظهاره منه من كون الظاهر من السؤال كثرة الشك حتى صار بحيث يشك في واقعة واحدة في أطراف كثيرة من دون فرض الكثرة في ذلك، فأجاب (عليه السلام) فيه بالإعادة. نعم، لو علم بأن ذلك من الشيطان لوجب عدم الالتفات، لكن ذلك صرف فرض يمكن فرضه في الشك الابتدائي المحض أيضا. السادس: قال (قدس سره) في الجواهر ما ملخصه أنه: لا يجب على كثير السهو بالمعنى المبحوث عنه ضبط صلاته (3). أقول: كما صرح بذلك (قدس سره) في العروة (4)، ولكن احتاط بعض علماء العصر على نحو الإطلاق. والوجه في وجوب الضبط أمران: أحدهما: الأخبار الخاصة الآمرة بحفظ الصلاة عنه بالإدراج كما في خبر عبيدالله الحلبي (5)، أو الإحصاء بالحصى كما في خبر الخثعمي (6). لكن من الواضح عدم دلالة الروايات على الوجوب بعد ما كان الظاهر من السؤال الاستعلاج - لا الوقوف على الحكم - وكون المورد مما يرجع إليه للاستعلاج، فراجع وتأمل.


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 2 من ب 16 من أبواب الخلل. (2) في ص 549. (3) الجواهر: ج 12 ص 421. (4) كتاب الصلاة، الفصل 56، المسألة 6. (5) الوسائل: ج 5 ص 335 ح 3 من ب 22 من أبواب الخلل. (6) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 1 من ب 28 من أبواب الخلل.

[ 558 ]

[... ] ثانيهما: أن العقل حاكم بذلك، لأن الجمع بين غرضي المولى - وهو عدم إطاعة الشيطان والإتيان بما هو الوظيفة الواقعية في المقام - هو الضبط. وهو مردود أيضا بخلو الأخبار الكثيرة عن التنبيه على ذلك بنحو الإلزام، وبدلالة غير واحد منها على الاستحباب كصحيح الحلبي (1) لاشتماله على لفظ " ينبغي " وإطلاقه يشمل كثير السهو، وبمعتبر ابن المعلى (2) الوارد في كثير السهو وفيه " لا بأس به " أي بالحفظ بتحويل الخاتم. هذا، مع أن في ذلك أيضا شبهة الاعتناء بالشيطان، أعاذنا الله تعالى منه في كل آن. السابع: قد ألحق (قدس سره) في العروة الشرائط بالأفعال (3). والظاهر أنه لا ينبغي فيه الإشكال إذا كان الشك في حال الصلاة، كما أنه يشك في حالها كثيرا في الوضوء أو في الإقامة مثلا، وذلك لإطلاق غير واحد من الأدلة المتقدمة (4) في صدر المسألة. وأما في غير الصلاة - سواء كان من شرائطها كالطهارة من الحدث والخبث أو غير ذلك من العبادات - فإن صدق عليه عنوان الابتلاء الذي هو الوسوسة فلا يلتفت إليه، وذلك لما في صحيح عبد الله بن سنان، قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " وأي عقل له وهو يطيع الشيطان! " فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: " سله هذا الذي


(1) الوسائل: ج 5 ص 335 ح 2 من ب 22 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 2 من ب 28 من أبواب الخلل. (3) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 56. (4) في ص 543 وما بعدها.

[ 559 ]

[... ] يأتيه من أي شئ هو؟ فإنه يقول لك: من عمل الشيطان " (1). والظاهر من عنوان " الابتلاء " بالقياس إلى الابتلاء بالأمراض هو الابتلاء بمرض روحي لابد من علاجه ولا يرتفع بنفسه، فإذا صدق ذلك فليس الالتفات إلا إطاعة الشيطان، وذلك في العبادات المربوطة بالله تعالى، لا الوسوسة في التجنب عما يضر بالنفس من المأكولات والمشروبات أو الميكربات، فإن كون ذلك من الشيطان غير واضح. نعم، على تقدير الوضوح فالظاهر عموم ما دل على حرمة إطاعته ووجوب دفع شره بعصيانه، وهو العالم. وأما الحكم بكون جميع موارد كثرة الشك في العبادات يكون من عمل الشيطان فهو غير واضح، لأن كونه كذلك في الصلاة التي هي من أفضل الطاعات لا يلازم ذلك في غيره، فلا يمكن إلقاء الخصوصية. الثامن: قال (قدس سره) في الجواهر: إن كثير الظن يبني على ظنه، إلا أن يكون مستند ظنه معلوما وكان مما لا يستفاد منه الظن عند العقلاء، فإنه حينئذ يشكل البناء عليه (2). وجرى على منواله في مصباح الفقيه (قدس سره) إلا أنه اختار عدم حجية ظنه في مورد إشكال الجواهر، للانصراف (3). وقال (قدس سره) في المستند: كثير الظن بحكم كثير الشك، فإن الشك - كما يظهر من الأخبار واللغة - خلاف اليقين، ويشمله التعليل، لأن منشأ الشك والظن


(1) الوسائل: ج 1 ص 46، الباب 10 من مقدمة العبادات. (2) الجواهر: ج 12 ص 422. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 586.

[ 560 ]

[... ] هو السهو عن الواقع وهو من الشيطان، بل يشمله أخبار السهو أيضا، ويؤيده موثق الساباطي وفيه: " حتى يستيقن يقينا " (1) كما أنه يدل على عدم الاعتبار بالظن بعد فرض حصول كثرة الشك (2). انتهى ملخصا ومحررا. أقول: الظاهر أن صور كثرة الظن أربع: الاولى: أن يكون مقتضى ظنه الإتيان بما هو تكليفه وكان متعارف الناس يقطعون أو يطمئنون بذلك، وهو الذي يكثر في الابتداء، كأن يظن بالإتيان بالركوع ولكن يحتمل عدم الإتيان احتمالا موهوما، والمتعارف من الناس يطمئنون بالإتيان. الثانية: الفرض المذكور لكن مع فرض كون المتعارف يقطعون بعدم الإتيان أو يطمئنون بعدمه أو يشكون في ذلك. الثالثة: الظن بعدم الإتيان بما هو تكليفه، كأن يظن كثيرا بعدم الإتيان بالركوع مع كونه في حال الانتصاب إلى القيام مع فرض كون الناس يقطعون أو يحصل لهم الاطمينان بالإتيان. الرابعة: الفرض المذكور لكن مع فرض كون المتعارف يقطعون بعدم الإتيان. لا ينبغي الإشكال في دخول الاولى تحت أدلة الباب: فإن الشك خلاف اليقين أولا، وعلى فرض الوسوسة في الشك فلا ينبغي الوسوسة في السهو المستعمل في مقام الشك، فتأمل. وثانيا: لا ينبغي الإشكال في شمول التعليل، فإن خصوصية الاعتدال ملقاة في


(1) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 5 من ب 16 من أبواب الخلل. (2) مستند الشيعة: ج 7 ص 193.

[ 561 ]

[... ] نظر الشارع، مع أن الأكثر وقوع الوسوسة كذلك، فإن غير المتعارف يظن نوعا بأن الحق هو الذي يدركه المتعارف، والإعراض عن ذلك في دليل كثير السهو وعدم التعرض لحكمه والاقتصار على خصوص حكم المعتدل مما تطمئن النفس بخلافه. وثالثا: إن المفروض أولى مما تقدم، فإنه لو كان احتمال التكليف في فرض الاعتدال ملقى فالاحتمال الموهوم أولى بالإلقاء وعدم الاعتناء، ففي الحقيقة يكون المكلف كثير الوهم، فإن وهمه في المفروض خلاف المتعارف. ورابعا: في رواية عمار الساباطي: " يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع " (1) والظاهر أن الأساس هو كثرة الوهم، وهو يشمل المورد بلا إشكال، كما أنه المستفاد من قول السائل في معتبر الجليلين: " حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه " (2). وخامسا: يمكن الاستدلال بما أشار إليه في المستند من ذيل موثق الساباطي " حتى يستيقن يقينا " (3) فإنه يشمل صورة وقوع كثرة الظن بعد كثرة الشك. وحيث إن بعض الوجوه المذكورة من التعليل وكون الشك خلاف اليقين وشمول " السهو " و " لا يدري " و " الوهم " في الأخبار المشار إليها وإطلاق " حتى يستيقن يقينا " للظن بعدم الإتيان آت في الشق الثالث بل شموله له أظهر، فالحكم فيه أيضا واضح بمشيئته تعالى. وأما الثانية والرابعة المشتركتان في أن الظن يقتضي السهولة على الظان وأنه لا يحصل ذلك الظن للمتعارف، فحيث إن المفروض في الاولى منهما حصول الظن


(1) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 5 من ب 16 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 329 ح 2 من ب 16 من أبواب الخلل. (3) المصدر: ص 330 ح 5.

[ 562 ]

[ قال (قدس سره): ويرجع في الكثرة إلى ما يسمى في العادة كثيرا (1). * ] بعدم التكليف في مورد لا يحصل ذلك الظن للمتعارف بل ربما يقطعون بالتكليف والمفروض في الثانية منهما وإن كان حصول الظن بالتكليف إلا أن المفروض أنه في مورد يقطع المتعارف بالتكليف فلا يكون مشمولا للدليل قطعا، فإن احتمال جانب إيجاب التكليف ليس من الشيطان قطعا، لأن المفروض أن المتعارف لا يحصل له الظن بعدم التكليف في الاولى منهما والظن بالتكليف في الثانية منهما بل يقطع به فيهما، واحتمال عدم إيجابه التكليف الذي هو غير المتعارف لا يناسب الحكم بالمضي، بل مقتضى عدم اعتباره العمل بالاحتياط والإتيان، وهو خارج عن دليل الباب المتفق على المضي وعدم الاعتناء، مع أن مقتضى التعليل أن الشيطان يحرك على التكليف والإعادة، وما يقتضي عدم الإيجاب وعدم التكليف فهو خارج عن حكم الشيطان المفروض في ذلك الباب. ومن ذلك كله يظهر الخلل في ما افيد في المقام وأن كلامهم ليس واردا في مورد واحد. التاسع: قال (قدس سره) في الشرائع: ويرجع في الكثرة إلى ما يسمى في العادة كثيرا (2). * قال (قدس سره) في الجواهر: كما صرح به جملة من الأصحاب، بل قيل: إنه مذهب الأكثر، لأنها المحكمة في ما لم يرد فيه بيان من الشارع وإن قيل إن صحيح محمد بن أبي حمزة يدل على التحديد، قال الصادق (عليه السلام): " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو (3) " (4).


(1 و 2) الشرائع: ج 1 ص 90. (3) الوسائل: ج 5 ص 330 ح 7 من ب 16 من أبواب الخلل. (4) الجواهر: ج 12 ص 422.

[ 563 ]

[... ] فإنه بمنطوقه يدل على تحقق الكثرة بذلك وإن لم يساعد عليه العرف، وبمفهومه يدل على عدم تحققها إذا انتفى وإن حكم العرف بصدقه. وقوله " ممن كثر عليه السهو " لا يدل على عدم المفهوم ووجود فرد آخر لا يكون الشرط المذكور منطبقا عليه، لعدم إباء الظهور أن يكون ذلك لبيان حد الأقل، كأن يقال: من قدر على فهم مطالب كتاب " الجواهر " فهو من المجتهدين. قلت: هذا إذا لم يكن مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع أن يكون في مقام بيان المصداق الخفي، وإلا فهو قرينة على أنه بصدد المنطوق لا المفهوم، كأن يقال: " إن لم يسلم عليك زيد فأكرمه " فإنه ليس إلا بصدد بيان الفرد الخفي. نعم، مقتضى الصحيح عدم تحقق كثرة السهو بأقل من ذلك مع فرض عدم جهة اخرى بأن يكفي في تحققها وجود الشك في كل أربع أو خمس، إذ ليس حينئذ هو الفرد الخفي فإنه على الفرضين - أي سواء كان بصدد المنطوق ببيان الفرد الخفي أو بصدد المفهوم وأنه الحد الأقل - يدل على ذلك كما لا يخفى. نعم، لو كان في البين ملاك آخر للصدق، كأن كان يشك في خمس من الاسبوع في جميع صلواته وفي اليومين منه يشك في كل خمس، فإنه ليس ممن يشك في كل ثلاث لكن الظاهر أنه كثير الشك، لإطلاق الأخبار وعدم دلالة الصحيح على المفهوم، مضافا إلى ما مر مرارا من أن المفهوم ليس قضية كلية. بقي في المقام امور: منها: شرح مفاد الصحيح. والظاهر أن الأظهر ما نسب إلى الأكثر من عدم تحقق صلوات ثلاثة إلا ويشك في واحد منها على الأقل، وأما احتمال أن يكون المقصود هو الشك في كل واحد من الثلاث فهو ينافي الظهور في الدوام والملكة، إذ مرجع ذلك هو الشك في جميع صلواته. نعم، لو كان المقصود حصول كثرة الشك

[ 564 ]

[... ] بالشك في ثلاث صلوات متواليات - مثلا - بدفعة واحدة لا إشكال فيه، لكنه خلاف ظهور فعل المضارع الظاهر في الدوام والملكة، كما أن احتمال أن يكون المقصود حصولها بالشك في شئ واحد ثلاث مرات فيكون المقصود إذا كان الرجل يسهو في كل - بالتنوين - ثلاث أي هو ثلاث (أي كان سهوه ثلاثا) خلاف الظاهر جدا، فالمتعين أن يكون المقصود ما ذكر. ومنها: أنه لو لم يمر عليه ثلاث صلوات بنحو الملكة والدوام إلا ويشك في الركوع من الركعة الاولى من إحداها فهل هو داخل في المفاد المذكور في الرواية باعتبار أنه لا يمر عليه ثلاث صلوات إلا ويشك في الركوع من الاولى، أو لابد أن يكون الثلاث خصوص الواحد الحقيقي الذي هو الركوع - مثلا - فلا يكون كثير الشك إلا إذا كان ممن لا يمر عليه ثلاث ركوعات متواليات إلا ويشك في إحداها؟ الظاهر هو الأول، لصدق العنوان المذكور من باب أن الصلاة عمل واحد في عرف المتشرعة. كيف! ولو كان المقصود من الثلاث مجموع كل واحدة من الثلاث (كالشك في ركوعات متوالية أو الشك في صلوات بأن يشك في الإتيان بصلاة الظهر فيأتي بها ثم يأتي بصلاة العصر ثم يأتي بصلاة المغرب ثم يشك في صلاة العشاء) لخرج الشك في الركعات من ذلك، كأن يشك في صلاة الظهر بين الثلاث والأربع ثم يشك في صلاة العصر بين الثلاث والأربع فإنه ليس ممن لا يمر عليه ثلاث ركعات إلا ويشك في إحداها، فلابد من إخراج أفراد كثيرة من المفهوم المذكور مع أن الظاهر أن وجود الثلاث محرز، فالشك في إحداها مع إحراز وجودها ليس إلا بمعنى الشك في جزئها أو شرطها، وأما الشك في الوجود فملحق به، للأولوية. فتأمل.

[ 565 ]

[... ] ومنها: أنه قد ورد في صحيح ابن البختري: " ولا على الإعادة إعادة " (1). والظاهر أو القدر المتيقن من ظهوره هو أن يعاد للشك فيشك شكا موجبا للإعادة أيضا، وذلك بقرينة ما في صدره من نفي سهو الإمام وسهو المأموم وعدم السهو في السهو. ولا يبعد أن يكون ذلك من أفراد ما يكون " من عمل الشيطان " فإن من يعيد الصلاة يكون بحسب الطبع تام الحواس لأن يحفظ ركعات صلاته ويكون قريب العهد من الشك الذي أعاد له، فالشك في ذلك محكوم بعدم الإعادة، والإجماع غير ثابت على خلافه، لأن ما هو ثابت هو الإعادة إذا سها عن الركن ولو مرات عديدة. وأما الحمل على خصوص الشك خصوصا مع الاقتصار على المتيقن منه - وهو أن يكون وجه الإعادة في الثانية عين الوجه في الاولى - فكونه خلاف الإجماع غير محقق، بل لعل عدم ذكرهم من جهة أنه من أفراد كثير الشك عرفا أو حملوا على ما هو الغالب - كما في مصباح الفقيه (2) - من كونه من أفراد كثير الشك وإن كان الحمل المذكور خلاف التحقيق، إذ الغلبة التي لا فرق بين الموارد النادرة والغالبة موجبة لإلقاء الكلام عن الاعتبار، فلا بد أن يكون الغلبة المشار إليها حجة كما ذكرنا ذلك في بحث ذكر علائم دم الحيض. وكيف كان، فلا يبعد الحكم على طبقه. والله المتعالي هو العالم. العاشر: لو شك في حصول كثرة الشك أو في رفعها ففي صلاة الاستاذ الوالد (قدس سره) التفصيل بين الشبهة المفهومية والشبهة المصداقية، فيتمسك في الشبهة المفهومية بدليل الشك بناء على التمسك بالعموم في الشبهة المفهومية، وأما في


(1) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 1 من ب 25 من أبواب الخلل. (2) مصباح الفقيه: ج 2 ص 587.

[ 566 ]

[... ] الشبهة المصداقية فيرجع إلى استصحاب عدم حصول الكثرة أو بقائها (1). لكن فيهما إشكال: أما في الأول فلأن مقتضى التعليل المتقدم (2) في معتبر الجليلين أن ما هو المخصص لبا هو ما يكون الشك فيه من عمل الشيطان وكان الالتفات إليه إطاعة للشيطان، فالشبهة بالنسبة إليه مصداقية في جميع الموارد. لكن يمكن دفع ذلك الإشكال بأن العنوان المذكور مما لا يعرف إلا من قبل الشارع، ولذالم يحول ذلك إلى العرف بل عرف بعنوان كثرة الشك، والمصداق الذي لا يعلم إلا من قبل الشارع محول إليه فيتمسك بالعام في موارد الشك في تحققه. وأما في الثاني فلأن استصحاب عدم كثرة الشك لا يعين ما هو الموضوع واقعا من عدم كون الشك من ناحية الشيطان، وكذلك استصحاب الكثرة. وفيه: أنه قد عرف للعرف من ناحية الشرع بعنوان الكثرة، فالموضوع الذي لابد للعرف أن يشخصه هو الكثرة، والتعليل المذكور ليس مما حول إلى العرف، فالكثرة موضوع للحكم شرعا في جميع الموارد وكونه عمل الشيطان حكمة لذلك أو تكون الكثرة أمارة شرعية على الموضوع، فإذا احرزت الكثرة يحكم بحكمها وكذا إذا احرز عدمها بلا إشكال. وفيه إشكال آخر، وهو أن الموضوع لعدم الالتفات هو الشك المقرون بالكثرة وكذا عدم كون الشك مقرونا بها، واستصحاب كون المكلف كثير الشك أو غيره غير مفيد لإثبات ذلك. واستصحاب كون الشك سابقا على تقدير التحقق مصداقا


(1) كتاب الصلاة لآية الله الحائري المؤسس: ص 416. (2) في ص 544.

[ 567 ]

[... ] للكثير وكذا استصحاب كون الحكم سابقا على تقدير الشك عدم الالتفات والآن كما كان من الاستصحاب التعليقي في الموضوع وقد أوضحنا في الاصول عدم حجيته. والجواب عن ذلك أن الموضوع في غير واحد من الأخبار كون المصلي ممن كثر عليه السهو، والموضوع هو السهو الصادر عن المصلي الكثير السهو من دون اعتبار وصف الكثرة في نفس الشك، والقياس بكثير السفر وكون السفر عملا بأن الموضوع فيه نفس السفر الذي كان بعنوان العملية والحرفة لا اتصاف الشخص بذلك قياس مع الفارق، فإن الموضوع في المقام هو الوسوسة النفسانية والمرض الروحي الذي يكون المعروض لها النفس الإنساني، فلا داعي للتقييد بعد الإطلاق، فالظاهر جريان الأصل في الشبهة المصداقية في الجانبين، وهو العالم. نعم، في مورد توارد الحالتين وعدم الحالة السابقة المتيقنة يشكل الأمر، ولعل الظاهر في مثله الرجوع إلى دليل الشك من جهة أن المستفاد من خبر الجليلين (1) أن المخصص هو الحرمة الفعلية وأن عدم جريان حكم الشك من باب التزاحم، فإذا جرت البراءة عن كون الالتفات حراما من باب الشك في كونه إطاعة للشيطان فلا مخصص لدليل الشك فيرجع إليه، والله العالم. والحمد لله الذي وفق العبد الحقير المفتقر بالبحث والكتابة في الأحكام الإلهية. أللهم إن لم يكن مخلصا لك فاجعله بمنك في الأعمال الخالصة، فإنك المصلح لما فسد من أعمال عبادك إن شئت، ووفقني للإخلاص حتى تكون الأوراق المكتوبة حائلا بيني وبين عذابك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. وكان ذلك في 18 / ج 1 / 1393 ه‍.


(1) المتقدم في ص 544.

[ 568 ]

[ قال (قدس سره): من شك في عدد النافلة بنى على الأكثر، وإن بنى على الأقل كان أفضل (1). * ] * أقول: أما الحكم الأول - أي جواز البناء على الأكثر على وجه التخيير بينه وبين البناء على الأقل كما هو المستفاد من قوله: وإن بنى على الأقل... - ففي الجواهر: إنه صرح بذلك جماعة، وفي المصابيح وعن المعتبر الإجماع عليه، وفي الرياض إنه مورد للإجماع على الظاهر المصرح به في جملة من العبارات مستفيضا، وفي مفتاح الكرامة عن الأمالي إنه من دين الإمامية أن لا سهو في النافلة فمن سها فيها بنى على ما شاء، وفيه عن ظاهر التهذيب الإجماع وعن ظاهر المنتهى الإجماع أيضا مستثنيا ابن بابويه حيث جوز البناء على الأقل والإعادة، إلا أنه لم أجد ذلك فيه. وفي التذكرة إنه لا حكم للسهو في النافلة ولو شك في عددها بنى على الأقل استحبابا وإن بنى على الأكثر جاز. وحكى في الغنية الإجماع على نفي حكم السهو في النافلة. وفي الخلاف: لا سهو في النافلة وبه قال ابن سيرين خلافا لباقي الفقهاء فحكمها عندهم حكم الفريضة. دليلنا إجماع الفرقة (2). انتهى ملخصا. ويمكن أن يستدل على ذلك بصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " سألته عن السهو في النافلة، فقال: " ليس عليك شئ " (3).


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الجواهر: ج 12 ص 423 - 424. (3) الوسائل: ج 5 ص 331 ح 1 من ب 18 من أبواب الخلل.

[ 569 ]

[... ] وفي الجواهر عن بعض النسخ: " ليس عليك سهو " (1). وتقريب الاستدلال بذلك يتم إن شاء الله تعالى بذكر ما يمكن أن يورد عليه والجواب عنه: فمنها أن يقال: إنه لا يدل على التخيير كما صرح به غير واحد من الأعلام فجعلوا العمدة في الدليل عليه الإجماع، ولعل الوجه في ذلك أن المنفي هو العمل المحتمل استحبابه فيكون مفاده نفي عمل يحتمل أن يكون كذلك، ومقتضى ذلك عدم الإتيان بالمحتمل وهو البناء على الأكثر. لكن فيه: أن البناء على الأكثر والسلام والتشهد عقيب الركعة المحتملة كونها الاولى أو الثانية مثلا عمل أيضا فلزومه على وجه يحصل به الامتثال مرفوع ومحكوم بالنفي، وكذلك الإتيان بالركعة المحتملة منفصلة وكذا إعادة الصلاة والبناء على الأكثر بصرف السلام على الركعة المحتملة كونها تمام الصلاة مع القطع بعدم الزيادة أو مع الإعادة أو مع الإتيان بصلاة الاحتياط - كما في الفريضة - وكذلك البناء على الأقل ثم الإتيان بالركعة المتصلة مع الإعادة أو بلا إعادة، كل ذلك مما ليس على المكلف في صورة الشك في النافلة، وليس هذا إلا التخيير. وإن أبيت عن ذلك (من باب أن البناء على الأكثر بالتشهد والسلام ليس مما يحتمل لزومه فعلا إلا من جهة مانعية الركعة الزائدة، والتجنب عن الركعة الزائدة أمر عدمي خارج عن مفاد قوله (عليه السلام) " ليس عليك شئ ") فنقول: ليس قوله " ليس عليك شئ " إلا كأن يقال: " ليس على الصبي أو المجنون شئ "، فكما لا شبهة أن المستفاد منه الأعم من الواجب والحرام كذلك في المقام، فإن الشئ من العناوين العامة، وأولى بذلك لو كانت النسخة " ليس عليك سهو " أي ما هو مترتب على


(1) الجواهر: ج 12 ص 424.

[ 570 ]

[... ] السهو، من غير فرق بين لزوم الإتيان بالشرط أو التجنب عن المانع. ومنها: عدم وضوح كون المراد من السهو هو الشك. وفيه أولا: أنه قد يدعى أن السهو بمعنى الغفلة يشمل صورة الشك أيضا، من جهة أن حصول الشك لابد أن يكون من جهة الغفلة، وهو الذي يستفاد من الجواهر (1). وثانيا: قد يدعى نقل كلمة السهو إذا اضيفت إلى الصلاة إلى الشك في عدد الركعات، كما يستفاد مما ورد في السهو في الركعتين (2) وروايات عمار الواردة في علاج السهو (3) وما ورد في عدم السهو على الإمام أو المأموم (4) ونفي السهو في المغرب والفجر (5) وغير ذلك. لكنهما غير واضحين. وثالثا: أن كلمة " لا سهو في نافلة " واردة في معتبر النوادر المتقدم (6)، والسهو المستعمل في فقراته المقرونة بها يكون المراد به الشك بلا إشكال، فلا معنى لإرادة خصوص السهو بمعنى الغفلة في تلك الفقرة. ورابعا: على فرض عدم النقل فلا ريب في الاشتراك المقتضي للاستفصال، والإمام (عليه السلام) أجاب في صحيح محمد بن مسلم بأنه " ليس عليك شئ ". ولعمري إن الأخيرين مورد للاعتماد فالإشكال مندفع جدا.


(1) الجواهر: ج 12 ص 424. (2) مثل ما في الوسائل: ج 5 ص 300 و 302 ح 4 و 8 و 15 و 19 من ب 1 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 338 و 340 ح 3 و 8 من ب 24 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 304 و 306 ح 3 و 13 من ب 2 من أبواب الخلل. (6) في ص 478.

[ 571 ]

[... ] ومنها: أنه لا يستفاد من نفي السهو صحة المأتي به، كما أنه ورد في خبر النوادر أنه " ليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأولتين من كل صلاة سهو " وبعده " ولا سهو في نافلة " (1). والجواب عنه بامور: منها: الإجماع المتكرر نقله على الصحة والتخيير على وجه الاكتفاء، لكنه غير واضح، لوضوح المدرك. ومنها: أنه لا شبهة في ظهور خبر محمد بن مسلم بالتقريب المتقدم في عدم شئ على المكلف بناء على أكثر النسخ ولا ريب أنه صريح في عدم الإعادة، إذ لا شئ أشق من الإعادة، وكذا بناء على كون الوارد " ليس عليك سهو "، إذ كاد أن يكون جملة " ليس عليك " صريحا في نفي التكليف فكيف يصح النفي مع القول بالبطلان ووجوب الإعادة على المكلف. نعم، لا ظهور لجملة " لا سهو في نافلة "، لاكتنافها بما قبله، وحيث إن ما قبله مختلف - فإنه فيه نفي السهو عن الإمام أيضا مع حفظ المأمومين وبالعكس سابقا على الجملة المذكورة ولاحقا عنها - فلا ظهور لها في أحد الأمرين فيحمل على المبين الثابت في صحيح محمد بن مسلم، كما أنه على فرض الإجمال في الصحيح من جهة السهو - وأنه هل هو الشك أو يشمله أم لا - يحمل على المبين المستفاد من خبر النوادر على ما تقدم في دفع الإيراد المتقدم. ومنها: أن يجاب عن ذلك بخبر الخصال الظاهر في حصر السهو المبطل في الخمس، قال:


(1) الوسائل: ج 5 ص 340 ح 8 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 572 ]

[... ] " لا يكون السهو في خمس: في الوتر، والجمعة، والركعتين الأولتين من كل صلاة مكتوبة، وفي الصبح، وفي المغرب " (1). وليس المراد بالوتر مطلق النافلة فيكون ذلك من باب المثال لقوله " من كل صلاة مكتوبة "، فبعد نفي السهو في النافلة في خبر النوادر (2) وعدم كونه مبطلا للصلاة لظهور الحصر - في خبر الخصال - في الخمس فيحكم بنفيه المقرون بصحة الصلاة، وهو المطلوب. ومن ذلك يظهر جواز الاستدلال للمطلوب بمعتبر النوادر بضم الحصر المذكور. ومنها - أي ومن الإيرادات -: أن الحكم بصحة النافلة والتخيير في البناء مخالف لغير واحد من الروايات الدالة على بطلان صلاة الوتر بالشك فيها التي منها ما تقدم من خبر الخصال، ومنها خبر العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل صلى الفجر فلا يدري صلى ركعة أو ركعتين، فقال: " يعيد " فقال له بعض أصحابنا وأنا حاضر: والمغرب؟ فقال: " والمغرب " فقلت له: والوتر؟ قال: " نعم، والوتر والجمعة " (3). وقريب من ذلك خبره الآخر (4). وحمله كما في الجواهر (5) على الفرض بالعرض - كالنذر وشبهه - أو على الشك في أصل وجود الركعة الأخيرة من باب إطلاق الوتر على مجموع الثلاث - كما في مجمع البحرين من أن الوتر في الأخبار اسم للثلاث - مشكل جدا، للزوم التخصيص بالفرد النادر:


(1) الوسائل: ج 5 ص 306 ح 14 من ب 2 من أبواب الخلل. (2) المتقدم في ص 478. (3) الوسائل: ج 5 ص 306 ح 15 من ب 2 من أبواب الخلل. (4) المصدر: ص 305 ح 7. (5) الجواهر: ج 12 ص 426.

[ 573 ]

[... ] أما الأول فواضح. وأما الثاني فلأن الشك في الشفع غير مبطل، والشك في الوتر من حيث الزيادة خارج أيضا بالفرض، فيختص بالشك في الثلاث من حيث نقص الركعة الأخيرة وقد ورد التصريح بأن الشك في الشفع ليس بمبطل، كما في صحيح محمد بن مسلم: " إنها ليست مثل الشفع " (1). مع أن ما ذكر في مجمع البحرين من أن الوتر في الأخبار اسم للثلاث غير واضح، فإنه وإن اطلق ذلك عليه في كثير من الروايات إلا أن في خبر الخصال: " والشفع ركعتان، والوتر ركعة " (2) وفي خبر العيون: " والشفع والوتر ثلاث ركعات " (3) وفي خبر ابن أبي الضحاك: " ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع " إلى أن قال: " فإذا سلم قام وصلى ركعة الوتر " (4). فالأولى أن يقال في الجواب: إنه يستثنى الشك في الوتر من النوافل، ولعله لأهميته مع كونه ركعة واحدة أو غير ذلك مما هو أعلم بذلك، أو يحمل على الاستحباب من باب أن الأخذ بالإطلاق مقدم، والتصرف في الهيئة مقدم على التقييد. لكن ذلك في خصوص المقام غير واضح، لندرة الفرد وعدم لزوم الإغراء في خلاف المصلحة الإلزامية مع درك الثواب الانقيادي بالموافقة الاحتمالية. ومنها: أن التخيير المدعى الذي هو الاقتصار على البناء على الأكثر من دون الاحتياط بالركعة المفصولة أو البناء على الأقل من دون الاحتياط بالإعادة


(1) الوسائل: ج 5 ص 304 ح 4 من ب 2 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 3 ص 41 ح 25 من ب 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها. (3) المصدر: ص 39 ح 23. (4) المصدر: ص 40 ح 24.

[ 574 ]

[... ] غير واضح، إذ مقتضى دليل الركعة المفصولة - وهو إطلاقات أخبار عمار (1) - هو مشروعية ذلك واستحبابه، ومقتضى الدليل الأول استحباب الإعادة في صورة البناء على الأقل، لعدم إحراز الإتيان بالنافلة. وليس دليل نفي السهو في النافلة صريحا ولا ظاهرا في عدم المشروعية، إذ لا يستفاد منه إلا الإرفاق، ولعله لذلك حكم ظاهرا بالتخيير فالتخيير ظاهري، أو ليس مفاده الحكم الظاهري ولا الواقعي بل المقصود هو الإرشاد إلى صحة الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية من دون أن يستلزم ذلك حكما واقعيا أو ظاهريا، فلا منافاة بينه وبين دليلي البناء على الأكثر وصلاة الاحتياط واستحباب الإعادة في فرض البناء على الأقل، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر أن المحتملات في دليل نفي السهو في النافلة ثلاثة: الحكم الواقعي، والحكم الظاهري، والإرشاد إلى كفاية الموافقة الاحتمالية. والجواب عن ذلك أن الظاهر من قوله " ليس عليك شئ " أو " سهو " عدم استحباب شئ آخر وراء ما أتى به، وليس مفاده إلا الحكم الواقعي. مع أن التخيير لا يمكن أن يكون ظاهريا، للقطع بأنه خلاف الواقع. مع أن تصوير عدم استحباب شئ ظاهرا واستحبابه واقعا لا يخلو عن إشكال، من جهة أنه لا معنى لعدم الاستحباب إلا عدم المثوبة فليس بمستحب واقعا، إلا أن يكون المقصود عدم مثوبة معتد بها فلا بد من التأمل، والكلام في ذلك موكول إلى الاصول. وبعد ذلك لا يحتمل بقاء التكليف الاستحبابي حتى يجبر بالإعادة أو بالركعة المفصولة، والدليلان المذكوران إنما هما في فرض لزوم درك الركعة الواقعية من دون الزيادة عليها، فيكون الدليل المذكور واردا على ما يقتضي درك الركعة أو الإعادة للاحتياط.


(1) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل.

[ 575 ]

[... ] ولكن الإنصاف ترجيح احتمال بيان عدم المحذور اللزومي لا جعل الاستحباب الظاهري ولا الواقعي، فإن الظاهر من قوله " ليس عليك شئ " عدم لزوم شئ عليه، وليس الحمل على عدم الاستحباب إلا من جهة معلومية أن الموضوع هو النافلة وعدم لزوم التحفظ والقطع بالإتيان بها من دون الاستلزام لقطعها، وهو غير معلوم، إذ إمكان لزوم الإتيان بالنافلة وحرمة قطعها منقدح ويكون من الامور التي يصح أن يبحث عنها ويصح نفي لزومه، وحينئذ فالحمل على ذلك أولى، لحفظ ظهور " ليس عليك شئ " في عدم اللزوم، ولأنه مقتضى الأخذ بإطلاق دليل النافلة، وعلى ذلك فاستحباب إعادة النافلة من دون الزيادة والنقيصة باق بحاله، لعدم العلم بالامتثال، وأما البناء على الأكثر والإتيان بالمفصولة بمقتضى إطلاقات خبر عمار فهو غير واضح، لكون ظاهر دليله الوجوب أو لا إطلاق لها بحيث يشمل المستحبات. نعم، لو تنزلنا عن ذلك فالظاهر هو التخيير الاستحبابي الواقعي، وأما الظاهري فقد عرفت أنه بمعنى كون التخيير حكما ظاهريا منزلا منزلة الواقع مقطوع الخلاف، وأما بمعنى الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية في مرحلة الاستحباب بمعنى أن المصلحة التي لم يدرك بعد بمنزلة العدم وليس شئ يعتنى به وإن كان متصورا إلا أنه خلاف الظاهر. هذا كله بالنسبة إلى الحكم الأول، وقد عرفت أن التخيير ثابت بالدليل، وهو مقتضى القاعدة أيضا بناء على عدم حرمة القطع وعدم لزوم الإتيان بالنافلة بعد الشروع فيها ولو بالإتيان بها مستقلة. وأما الحكم الثاني - وهو أفضلية البناء على الأقل - ففي الجواهر: عن الرياض إنه لا خلاف في ذلك، وعن المدارك إنه لا ريب فيه،

[ 576 ]

[... ] وعن ظاهر الذخيرة وغيره وصريح المعتبر والمصابيح الإجماع عليه (1). ويستدل على ذلك بمرسلة الكافي، ففي الوسائل بعد نقل صحيح محمد بن مسلم عنه وعن الشيخ (قدس سرهما) (2): ثم قال الكليني: " وروي أنه إذا سها في النافلة بنى على الأقل " (3). وتقريب الاستدلال به من وجهين: أحدهما: فرض صحة المرسل، لانجبار ضعفه بالعمل كما عرفت، فيجمع بينه وبين صحيح محمد بن مسلم بالحمل على الأفضل، ولا وجه للتقييد به، لأنه يباين قوله " ليس عليك شئ " فإن لزوم الأخذ بالأقل تكليف، وليس المقصود نفي تكاليف شئ عنه، بل المعلوم أن حكم السهو إن كان كان تكليفا واحدا مرددا بين البناء على الأقل أو الأكثر، فتأمل. ثانيهما: أن يقال - كما هو الحق -: إن العمل في المستحبات لا يدل على اعتبار الخبر، لأنه لعله كان من باب التسامح الثابت بدليل " من بلغ "، فالاستحباب ليس حينئذ قطعيا، بل يكون من باب الرجاء إذا لم نقل بدلالة الدليل المذكور على الاستحباب الشرعي كما لعله الحق. وهنا وجه آخر لاستحباب البناء على الأقل وهو الاستصحاب، ويمكن أن يكون المرسل ناظرا إلى ذلك أيضا بناء على عدم كون مفاد دليل التخيير


(1) الجواهر: ج 12 ص 425. (2) الوسائل: ج 5 ص 331 ح 1 من ب 18 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 331 ح 2 من ب 18 من أبواب الخلل.

[ 577 ]

[... ] هو التخيير الواقعي الاستحبابي ولا التخيير الظاهري الاستحبابي، بل يكون مفاده الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية من دون وجوب الأخذ بأحد الطرفين فيكون استحباب النافلة من دون زيادة ونقيصة على حالها فيحكم باستصحاب عدم الإتيان بالزائد بتحققها ظاهرا فالاستحباب المزبور مردد بين الواقعي والظاهري والانقيادي، فتأمل. ولابد من التنبيه على امور الأول: أن التخيير المذكور إنما هو في ما إذا كان احتمال الصحة في كلا الطرفين - من البناء على الأقل أو الأكثر - منقدحا، أما لو كان البناء على الأكثر موجبا للبطلان والإعادة فيتعين البناء على الأقل، كما إذا دار الأمر في نافلة الفجر مثلا بين الاثنتين والثلاث فليس له إلا البناء على الأقل، وذلك من جهة أن البناء على الأكثر لم يكن إلا من باب عدم لزوم مراعاة احتمال النقص، فاحتمال النقص موجب لاحتمال التكليف بالإتيان بركعة اخرى، ومثل صحيح محمد بن مسلم يحكم بأنه ليس عليه شئ. وفي مورد البحث يكون المصلي قاطعا بأنه ليس عليه شئ من جهة النقص، للقطع بعدم النقص، فليس الشئ المحتمل إلا احتمال الزيادة فليس عليه شئ من جهته، بأن يكون اللازم عليه الإعادة. الثاني: المستفاد من الجواهر هو مقطوعية عدم دخول الشك في أصل وجود النافلة في مفاد الدليل، من غير فرق بين ما يكون من قبيل نافلة الفجر - إذ العنوان المذكور منطبق على صلاة واحدة - وما يكون من قبيل صلاة جعفر (عليه السلام)

[ 578 ]

[... ] مما يكون العنوان منطبقا على صلاتين مثلا (1). فأقول: أما بناء على ما رجحناه من كون مفاد دليل التخيير هو جواز الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية من باب كونها نافلة فعدم الشمول واضح، لأنه في مورد احتمال حرمة القطع ووجوب الامتثال التام بعد الشروع في النافلة، والاحتمال المذكور غير منقدح قبل الشروع في النافلة، من غير فرق بين الموردين المذكورين، وعلى فرض شمول الدليل كأن يقال: إنه يحتمل بدوا أن يكون الإتيان بالصلاة الثانية من صلاتي جعفر (عليه السلام) واجبا فلا ينتج إلا عدم وجوب الإتيان بالمحتمل، وهو مقطوع بحسب دليله أو بحسب الأصل. وأما بناء على التخيير الاستحبابي الواقعي أو الظاهري المقتضي - على فرض الشمول - للحكم بكفاية أحد الأمرين في النوافل المستحبة - من الإتيان بها أو احتمال إتيانها واقعا أو ظاهرا - فقد يمكن أن يقال بذلك، من باب إطلاق مثل صحيح محمد بن مسلم للشك في العدد والشك في الوجود لأنه شك في النافلة. لكنه مندفع بأن الشك في العدد متيقن، لبعد عدم السؤال عن الشك في العدد والاقتصار في السؤال في الصحيح على الشك في الوجود، لكثرة الابتلاء بالأول دون الثاني، ولأن الارتكاز حاكم في الثاني ببقاء التكليف بالإتيان، فإن القطع بالتكليف والشك في الإتيان مورد للحكم بالبقاء عند العقل، ولكون المتيقن من نفي السهو في خبر النوادر هو الأول. وبعد ذلك يدور الأمر بين أن يكون مورد السؤال هو خصوص الشك في العدد وهو المطلوب، أو يكون مورده الأعم وهو مشكل، لأن عنوان النافلة في مورد السؤال عن الشك في العدد لوحظ في النفس فارغا عن وجوده وفي مقام السؤال عن الشك في الوجود لم يلاحظ إلا نفس


(1) الجواهر: ج 12 ص 426.

[ 579 ]

[... ] مفهومه من دون فرض الفراغ، ولا يمكن لحاظ مفهوم واحد فارغا عن وجوده وغير فارغ عنه في لحاظ واحد، وبمثل هذا يشكل في شمول مثل " كل شئ لك حلال " للتكليفي المقتضي للحاظ الشئ الذي هو فعل المكلف غير فارغ عن فرض تحققه ووجوده في الخارج وللوضعي المقتضي للحاظه فارغا عن وجوده كمثل البيع ونحوه فيحكم بصحته. وأساس ذلك مما أفاده الوالد الاستاذ العلامة قدس الله نفسه وتغمده الله برحمته وغفرانه. وقد يمكن أن يقال: إنه بناء على الأمرين (من كون مفاد دليل نفي السهو هو نفي الاستحباب واقعا أو ظاهرا والاقتصار على الاحتمال كذلك، ومن كون الموضوع هو النافلة المفروغة عن فرض وجودها في الخارج) أنه يشمل مثل صلاة جعفر (عليه السلام) بالنسبة إلى الثانية منها، لأن عنوان صلاة جعفر (عليه السلام) مفروض الوجود، وهكذا بالنسبة إلى الوتر الذي يطلق في الأخبار على الشفع والوتر. ولكن فيه: أن مصداق المطلق الذي هو بحكم العام في مثل صحيح محمد بن مسلم: " سألته عن السهو في النافلة " هو النافلة الصادقة على كل من صلاتي جعفر، فيكون المجموع مصداقين للعام المذكور لا مصداقا واحدا أو مشمولا للعام مرتين: مرة بعنوان كل نافلة واخرى بعنوان صلاة جعفر، كما في " أكرم العلماء " فإن المصداق له كل عالم ولا يكون مجموع علماء بلدة فلان من باب كونه تحت عنوان واحد مصداقا آخر له كما هو واضح. كيف! ولو كان مصداقا له لزم شمول العام لصلاة جعفر مرتين وهو مما يأبى عنه العرف جدا. الثالث: نقل (قدس سره) في الجواهر عن صريح العلامة الطباطبائي (قدس سره) في مصابيحه أن المراد بالنافلة ما يشمل صلاة العيد مع اختلال شرائط الوجوب، وعن الشهيد الثاني

[ 580 ]

[... ] في الروض معللا بأنها نافلة في هذا الحال، وعن المصابيح أيضا التصريح باندراج المعادة والصلوات المتبرع بها عن الأموات والواقعة بالمعاطاة من غير لزوم في ذلك أيضا. لكنه قد تنظر في جميع ذلك (1). أقول: لا ينبغي الإشكال في عدم شمول الدليل، وذلك لأن المقصود بالنافلة ليس معناها اللغوي الذي هو بمعنى العطية والإحسان الشامل بهذا المعنى لولد الولد - كما جاء به الذكر الحكيم وهو قوله تعالى: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) * (2) - فقد استعمل في المعنى الشرعي ولم يعلم أصلا صدق النافلة على صلاة العيد وما ذكر، بل المظنون عدم صدقها عليها في عرف المتشرعة، بل لعله مما تطمئن به النفس مع كفاية عدم العلم بالصدق في ذلك والرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، لكن لعل ما نقله عنهم قدس الله أسرارهم مبني على أن التخيير والاكتفاء بالموافقة الاحتمالية مطابق للقاعدة، فيجوز في ما يجوز فيه القطع البناء على أحد طرفي الشك والاكتفاء بذلك من دون الإعادة فيثاب بذلك من باب الانقياد، فالحكم بالإلحاق بالنافلة الأصلية صحيح بناء على ما ذكرناه بالنسبة إليها إذا فرض جواز القطع وعدم لزوم الامتثال بالشروع في ذلك، كما هو كذلك قطعا في صلاة الصبي للفرائض الخمسة، ولعل الأظهر عدم جواز القطع في القضاء عن الغير تبرعا. الرابع: إذا عرض وصف الفرض على النافلة للنذر أو ما يلحق به أو لأمر الوالدين أو للاستيجار فقد رجح (قدس سره) في الجواهر أنه بحكم النفل للاستصحاب (3)، ولكن يظهر منه أن الأصحاب حكموا بأنها بحكم الفريضة.


(1) الجواهر: ج 12 ص 426 - 427. (2) سورة الأنبياء: 72. (3) الجواهر: ج 12 ص 428.

[ 581 ]

[... ] أقول: الظاهر شمول الدليل لها عرفا إلا أن التخيير بالمعنى الذي ذكرناه - بمعنى عدم اقتضاء وصف النفل للزوم - لا يقتضي التخيير حتى من حيث اللزوم، فالظاهر وإن كان هو التخيير في البناء على أحد الطرفين من البناء على الأقل أو الأكثر إلا أنه لابد من الإعادة. واحتمال " أن يكون تكليفه من حيث اللزوم قابلا للامتثال بالبناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط لاقتضاء إطلاق رواية عمار " مدفوع بأن ظاهره الوجوب ولو من باب كون البعث حجة على الوجوب فلا يشمل المستحب، وكون ذلك واجبا بالعرض لا يوجب الشمول بعد عدم كفاية ذلك فيها قبل عروض الوجوب، لأن الواجب هو الإتيان بالنافلة بما لها من الأحكام الاقتضائية التي منها اتصال الركعة لا الانفصال. ومن ذلك يظهر أنه يمكن أن يبنى على الأقل لأصالة عدم الزيادة، لأن إلقاء الأصل من جهة شمول إطلاق تعين البناء على الأكثر، فالظاهر جواز ذلك وإن كان الأحوط الإعادة، بل الأحوط ذلك إن فرض عدم شمول رواية عمار، لأن مقتضى الاستصحاب عدم القطع، وأما إن فرض احتمال الشمول فالاحتياط التام حتى بالنسبة إلى مراعاة القطع غير ممكن، فلابد إما من البناء على الأقل والإعادة وإما من البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط ثم الإعادة، إلا أن الأول أرجح، لما عرفت، والله العالم. ويمكن أن يقال: إن البناء على الأكثر ثم الاحتياط ثم الإعادة أرجح، وذلك لأن عدم حرمة القطع في النافلة من حيث البناء على الأقل أو الأكثر واضح، لدليل نفي السهو عن النافلة فإنه يدل على ذلك بأي معنى من المعاني الثلاثة المتقدمة، وبعد ذلك لا قصور في إطلاق روايات عمار لذلك، فإن الظاهر أنه الطريق للتصحيح على وجه التعين، ودليل نفي السهو عن النافلة لا يدل إلا على عدم الوجوب فلا ينافي الاستحباب، واستحباب البناء على الأقل غير واضح المدرك.

[ 582 ]

[... ] وما أوردناه من عدم شمول إطلاق روايات عمار من جهة الظهور في الوجوب فهو مردود بأن الحجية على الوجوب لا تدل على عدم الطلب، لأن عدم حجية الطلب على الوجوب في النافلة معلوم فلا تدل على عدم الطلب، فأصل الطلب متحقق، فالاحتياط الذي لا يترك هو البناء على الأكثر ثم التدارك بالمفصولة ثم إعادة أصل الصلاة حتى يحصل الامتثال. وهو العالم بحقائق الأحكام. الخامس: قال (قدس سره) في الجواهر: إن الشك في أفعال النافلة بحكم الفريضة، وفاقا للمدارك وعن الروض وفوائد الشرائع، بل يشعر كلام الرياض بكونه إجماعيا، تحكيما لإطلاق ما دل على الإتيان بالمشكوك إذا كان في المحل على دليل نفي السهو في النافلة، مع أن الدليل المذكور لا يشمل المقام، لأن الحكم بالإتيان في المحل ليس من أحكام السهو بل من جهة أصالة عدم الإتيان به، خلافا لعدة اخرى من الأصحاب، للعموم وللأولوية الممنوعة (1). انتهى ملخصا. أقول: في جميع ما ذكر نظر وإشكال: أما تحكيم دليل الإتيان بالمشكوك على دليل نفي السهو في النافلة على فرض الشمول فهو خال عن الوجه، بل لا شبهة في تحكيم نفي السهو بل ما تقتضيه أصالة عدم الإتيان التي هي عين حكم الشك، وإلا لكان المتعين البناء على الأقل في الشك في العدد أيضا، لأن الإتيان بالمشكوك إنما هو لأصالة عدم الإتيان بالركعة المشكوكة.


(1) الجواهر: ج 12 ص 428 - 429.

[ 583 ]

[... ] وأما ما ذكره من عدم الشمول ففيه: أن أصل عدم الإتيان هو من أحكام الشك وهو مرتفع، وإلا لم يكن يرتفع في الشك في العدد أيضا. والحاصل أن عدم الشمول من هذه الجهة وعدم الحكومة على تقدير الشمول واضح المنع، فإن نفي السهو حاكم على ما يقتضيه دليل السهو، لوجود ملاك الحكومة فيه، كما لا يخفى. وأما الاستدلال بالعموم المستند إلى عدة اخرى من الأصحاب فهو أيضا ممنوع، فإن السهو في الصلاة ظاهر في الشك في الركعات، وإطلاقه على الشك في الأفعال غير واضح كما صرح بذلك غير واحد من الأصحاب. وما يظهر من التسالم بين الفريقين من عدم العود على تقدير الشمول فهو أيضا ممنوع، من جهة أن المسلم من دلالته عدم محذور لزومي من عدم العمل بالسهو، وهو لا ينافي استحباب الإتيان بالمشكوك في المستحب، فالحق عدم الاطمينان بالشمول، وعلى فرض الشمول فلا تنافي بينه وبين الإتيان بالمشكوك الذي هو مفاد قاعدة التجاوز، وعلى فرض التنافي فتحكيم دليل نفي السهو واضح. وملخص البحث أن الحق هو الشمول واستحباب الإتيان بالمشكوك في المحل. السادس: إذا نسي الفعل وكان في المحل بأن أراد القيام مثلا وتذكر نسيان السجدة الأخيرة فلا إشكال في الإتيان وعدم شمول دليل نفي السهو، لأن المنصرف إليه هو السهو المنجر إلى ترك الفعل في محله، لا السهو في آن من آنات صلاحية وقوع الفعل فيه. السابع: إذا نسي جزء من أجزاء الصلاة بعد المضي عن المحل لكن قبل الدخول

[ 584 ]

[... ] في الركن فالظاهر بناء على ما قدمناه - من أن مقتضى نفي السهو هو عدم وجوب أمر على الساهي فلا ينافي الاستحباب - هو استحباب العود والإتيان، وأما بناء على أن كون المقصود نفي الاستحباب فقد يشكل الأمر بحسب القاعدة، لكن لعل الأظهر هو وجوب العود والإتيان لما يأتي - في الثامن - من الخبرين. الثامن: هي الصورة السابقة لكن بعد ما دخل في الركن، فقد يقال بأن مقتضى خبر الصيقل والحلبي هو العود والإتيان وإعادة ما أتى به، وزيادة الركن غير مضر في النافلة. أما الأول فقد رواه في الوسائل عن الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن ابن مسكان عن الحسن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يصلي الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع ويذكر وهو راكع، قال: " يجلس من ركوعه يتشهد ثم يقوم فيتم " قال: قلت: أليس قلت في الفريضة: إذا ذكره بعد ما ركع مضى في صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهد فيهما؟ قال: " ليس النافلة مثل الفريضة " (1). والإيراد عليه بأنه وارد على طبق مذهب الجمهور من الاتصال في ثلاث ركعات مندفع بأن وروده في فرض الاتصال لا يسقطه عن الحجية بالنسبة إلى ما بصدده من عدم قادحية زيادة الركوع، كما لو قال: إنه لو أحدث مثلا في الثالثة من الوتر فأجاب الإمام (عليه السلام) بالبطلان، فكما أن ذلك يدل على مانعية الحدث لصلاة النافلة كذلك الحكم بعدم مانعية الزيادة وكذا الإيراد عليه.


(1) الوسائل: ج 4 ص 997، الباب 8 من أبواب التشهد.

[ 585 ]

[... ] كما أن الإيراد عليه بأن اللازم حمله على فرض الانفصال والإتيان بالركعة الثالثة منفصلة وبعنوان كونها صلاة اخرى، وحينئذ لا يدل على المدعى من عدم مانعية زيادة الركوع، لأنه ليس من الزيادة فهو كمن صلى العصر بزعم الفراغ عن الظهر، مندفع أيضا بأنه خلاف ظاهر الرواية، فالحمل على كون المفروض فيه الاتصال أولى من الحمل المذكور، مع أنه على هذا لا فرق بين النافلة والفريضة مع أن الذيل صريح في الفرق وعدم البأس بالزيادة القادحة في الفريضة إذا فرض مثل تلك في النافلة، مع أنه على فرض الحمل المذكور وأن المقصود هو الإتيان بالتشهد والسلام ثم الركعة المنفصلة فلا دلالة على أن المصلي أتى بالثالثة بعنوان الصلاة الجديدة فلعله غفل عن كون الشفع ركعتين أو غفل عن الإتيان بالركعة الثانية من الشفع فأتى بالثالثة بعنوان كونها من الصلاة الاولى، فالظاهر أنه لا قصور في دلالته على عدم قادحية زيادة الركوع لدرك التشهد، إنما الإشكال في دلالته على العموم بحيث يدل على عدم قادحية الزيادة مطلقا ركوعا كانت أم غيره. ويمكن أن يقال: إن المستفاد من ذيل معتبر الصيقل المتقدم (1) " ليس النافلة مثل الفريضة " أن عدم قادحية الزيادة من باب كونها نافلة، لا من باب كون المنسي هو التشهد والزائد هو الركوع، وإلا خرج التعليل عن مقامه إلى التعبد، فافهم وتأمل. وقد يمكن أن يقال: إن مقتضى قوله (عليه السلام) في معتبر زرارة: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (2) وحسن زرارة وبكير: " إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها... " (3) هو اختصاص مانعية الزيادة بالمكتوبة، وإلا كان القيد لغوا، وبهذا


(1) في ص 584. (2) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. (3) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 1 من ب 19 من أبواب الخلل.

[ 586 ]

[... ] يخصص مادل على أن " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (1) ويختص بالفريضة، وإن قيل بأن عدم مانعية الزيادة في النافلة إذا كانت سهوية إنما هي في غير الأركان فالقيد أيضا لغو، لأن الفريضة كذلك أيضا. لكن الإنصاف عدم وفاء الاستدلال المزبور بالمدعى - وهو إطلاق عدم قادحية زيادة الركن سهوا - وذلك لأن مورد الأول هو الزيادة العمدية غير الركنية، ومقتضى التقييد عدم قادحية الزيادة العمدية غير الركنية في النافلة مطلقا أو في الجملة، ومقتضى الثاني عدم قادحية زيادة الركعة في النافلة في الجملة أو مطلقا، وهو غير عدم مانعية زيادة السجدتين مثلا، والأولوية ممنوعة قطعا، لأن زيادة الركعة غير قادحة بحسب القاعدة في الصلاة، لأن مقتضى المانعية عدم احتسابها من الصلاة وعدم صحة التشهد والتسليم بعد ذلك، فيرجع إلى المنتقص من ناحية ذلك، وهذا بخلاف مثل زيادة السجدتين في الركعة الاولى مثلا. فقد تحصل أن مقتضى الدليل أمران: أحدهما عدم مانعية زيادة الركن سهوا في النافلة مطلقا أو في الجملة، وثانيهما أن الحكم فيها هو العود وتدارك المسهو، والثاني مترتب على الأول، ولا ينافيه دليل نفي السهو في النافلة المقتضي لجواز عدم العود في ذلك وقطع النافلة بالإخلال بما نقص منها عمدا، بناء على ما ذكرناه في معنى نفي السهو وأن الظاهر أو المتيقن من ظهوره عدم وجوب شئ عليه. التاسع: الظاهر عدم وجوب سجدتي السهو في النافلة، وذلك لدلالة نفي السهو عليه من باب كون السهو أعم من الشك وكونه بمعنى الغفلة والإخلال المستند إلى الغفلة أو المستند إلى الشك الذي هو مستند إلى الغفلة، أو كونه بمعنى الذهول عن الواقع


(1) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 2 من ب 19 من أبواب الخلل.

[ 587 ]

[... ] المنطبق على الشك أيضا. وليس استعمال السهو حتى في الصلاة بالنسبة إلى النسيان والغفلة غير معهود، فإنه كثيرا ما يقع في لسان السائلين وفي لسان الأئمة (عليهم السلام) (1). والظاهر أنه ليس الاستعمال في الشك أيضا اصطلاحا من الشارع، إذ لا داعي له إلى جعل الاصطلاح مع وجود لفظ الشك وأمثاله، مع أنه كثيرا ما يقع في لسان السائلين (2) وفي مسألتنا هذه ولم يتعجب أحد منهم من استعمال لفظ السهو في الشك ولم يستفصل أحد منهم في موارد الحكم بنفي السهو مع حفظ الإمام أو بالعكس وبنفيه في المغرب والفجر وغيرهما كما في خبر النوادر المتقدم (3). وإن أبيت عن ذلك كله فلا ريب أنه يصح الاستدلال بخبر محمد بن مسلم (4) من جهة ترك الاستفصال، فإن الاصطلاحين كانا رائجين - ولو كان أحدهما شرعيا - وكان الاشتراك لفظيا وقد حكم على طبق سؤاله بعدم شئ عليه مطلقا، فهو دليل على عدم وجوب سجدتي السهو. العاشر: الظاهر استحباب سجدتي السهو في السهو في النافلة، لإطلاق مثل مرسل ابن أبي عمير عن سفيان: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (5). ولأصالة قياس النافلة بالفريضة في الموانع والشرائط والأحكام الواقعية، فتأمل.


(1) راجع الوسائل: ج 5 ص 346 ح 1 و 2 و 3 من ب 32 من أبواب الخلل، وغير ذلك. (2) راجع الوسائل: ج 5 ص 335 و 343، الباب 22 و 28 من أبواب الخلل. (3) في ص 478. (4) المتقدم في ص 568. (5) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 588 ]

[... ] الحادي عشر: لو عرض لها وصف الفريضة بالنذر وشبهه فوجوب سجدتي السهو على الناذر مبني على كونه تكليفا مستقلا، فلا يجب إذ لم يقع متعلقا للنذر أو شرطا للصحة، فيجب من باب أن المنذور هي النافلة الصحيحة فيجب عليه إيجاد ما هو شرط في صحتها. نعم، يحتمل جواز رفع اليد عنها والإتيان بصلاة اخرى مستقلة. الثاني عشر: الظاهر عدم وجوب قضاء الأجزاء المنسية، لما ذكر - في تقريب عدم وجوب سجدتي السهو - من نفي السهو في النافلة، ومن جهة أن متعلق التكليف عنوان الإتيان بما فات منه، وما فات موصوف بالاستحباب، فلا وجه لوجوب ما هو قضاؤه. الثالث عشر: الظاهر استحباب قضاء الأجزاء المنسية، لإطلاق الدليل. وإن أبيت عن الإطلاق فيدل عليه أصالة تطابق النافلة للفريضة. الرابع عشر: لو عرض لها وصف الفرض فالظاهر هو الوجوب، لأن القضاء شرط في صحة الصلاة فيجب، واحتمال جواز الإتيان بصلاة اخرى منقدح هنا أيضا كما تقدم في سجدتي السهو. لكن الأول هو الأحوط، لاحتمال عدم جواز إبطال العمل. الخامس عشر: لو بنى على الأقل أو الأكثر فانكشف عدم التطابق للواقع بعد الصلاة فالصحة وعدمها مبنية على كون التخيير حكما واقعيا فيصح، وأما إن كان حكما ظاهريا

[ 589 ]

[ قال (قدس سره): خاتمة في سجدتي السهو، وهما واجبتان حيث ذكرناه (1). * قال: وفي من تكلم في الصلاة ساهيا (2)، * * ] فلابد من الإعادة لدرك الاستحباب الواقعي، وأوضح من ذلك لو كان التخيير من باب رفع الوجوب والاكتفاء بالموافقة الاحتمالية. السادس عشر: الظاهر حجية الظن في النافلة، لإطلاق دليلها وعدم معلومية شمول السهو في النافلة للظن، وعلى فرض الشمول فهو من باب عدم العلم فيرفع به الحكم الثابت للظن من باب عدم العلم، لا الثابت له من باب رجحان أحد الطرفين، فدليل حجية الظن شامل له من دون المعارض. هذا تمام الكلام في المسائل المتعلقة بالسهو في النافلة، والله المستعان وله الشكر المتواصل. * أي في السجدة الواحدة المنسية والتشهد المنسي حيث يجب فيهما القضاء وسجدتا السهو وقد مر الكلام فيهما (3). * * في الجواهر: على المشهور بين الأصحاب قديما وحديثا، نقلا وتحصيلا، بل في المنتهى وعن ظاهر الشافية وصريح النجيبية وآراء التلخيص على ما عن غاية المراد الإجماع عليه، وكما عن الحسن بن عيسى (أي ابن أبي عقيل) على ما في المختلف نسبته إلى آل الرسول (عليهم السلام) (4). انتهى محررا.


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الشرائع: ج 1 ص 90. (3) من ص 215 إلى ص 221. (4) الجواهر: ج 12 ص 431.

[ 590 ]

[... ] أقول: وقد نسب الخلاف كما في الحدائق إلى الصدوق ووالده (1)، وفي الجواهر نسب إلى الجعفي أيضا (2). وقد يستدل على ذلك بأخبار: منها: صحيح عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم، فقال: " يتم صلاته ثم يسجد سجدتين " قال: قلت له: سجدتا السهو قبل التسليم هما أم بعد؟ قال: " بعد " (3). ومنها: خبر ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري ركعتين صلى أم أربعا، قال: " يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين وأربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد ويسلم، فإن كان صلى أربعا كانت هاتان نافلة، وإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة، وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو " (4). فإنه إن كان المقصود هو التكلم في أثناء الصلاة فيكون المقصود بذلك الإشارة إلى عدم وجوبهما للشك والإتيان بالاحتياط فهو عين المطلوب، وإن كان المقصود بذلك هو التكلم بين الصلاة الأصلية والاحتياط دل على المطلوب بالأولوية. ومنها: خبر عمار، قال:


(1) الحدائق: ج 9 ص 314. (2) الجواهر: ج 12 ص 432. (3) الوسائل: ج 5 ص 313 ح 1 من ب 4 من أبواب الخلل وص 314 ح 1 من ب 5 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل.

[ 591 ]

[... ] سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السهو ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: " إذا أردت أن تقعد فقمت " إلى أن قال: وعن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ثم ذكر من قبل أن يقدم شئ أو يحدث شئ، فقال: " ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ... " (1). ودلالته على وجوبه لكلام الآدمي إما من باب الإطلاق، وإما من باب الأولوية فإنه إذا كان الإتيان بالذكر في غير محله موجبا له فكلام الآدمي يقتضي ذلك بالأولوية. إن قلت: الظاهر أنه لا إشكال عندهم في عدم الوجوب إذا زاد ذكرا أو دعاء، بل ليس هو من الزيادة، لأن ما يزاد منهما يكون من الصلاة. قلت: سيأتي أن ذلك غير معلوم، مع أنه إذا حمل الطلب فيه على الاستحباب فالأولوية تثبت أصل الطلب، وأصل الطلب حجة على الوجوب في المقيس، إذ لا دليل على الاستحباب فيه بالفرض، والأولوية إنما هي في أصل الطلب لا في حيثية الإذن في الخلاف، فتأمل. ومن ذلك يظهر تقريب التمسك بمرسل ابن أبي عمير عن سفيان بن السمط عنه (عليه السلام): " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (2). فإنه بناء على صدق الزيادة على الكلام الذي ليس بذكر ولا دعاء فيشمله الإطلاق، وأما بناء على عدم صدقها عليه - إذ ليس هو بقصد الجزئية للصلاة - فالاستدلال بالأولوية بالتقريب المتقدم لو فرض صدقها على ما يؤتى من ذلك


(1) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 592 ]

[... ] بقصد الجزئية، إلا أن يمنع صدق الزيادة عليه. لكن الإنصاف أن الاستدلال بالأولوية لا يخلو عن النظر، إذ الملاك في التشريعيات غير معلوم، فإن زيادة الركعة مبطلة ولكن المشي عمدا إلى نخامة في المسجد بعرجون من عراجين أرطاب (1) لا يكون مبطلا. وفي الجواهر الاستدلال لذلك بخبر سعيد الأعرج، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم سلم في ركعتين فسأله من خلفه يا رسول الله حدث في الصلاة شئ؟ فقال: " وما ذلك؟ " قال: " إنما صليت ركعتين، فقال: أكذلك يا ذا اليدين؟ وكان يدعى ذو الشمالين، فقال: نعم، فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعا - إلى أن قال: - وسجد سجدتين لمكان الكلام " (2). ولا يخفى أنه لو دل على المطلوب لدل على أن الكلام العمدي الصادر من المصلي بعد التوجه إلى السهو وقبل ثبوته أيضا لا يوجب البطلان أو يكفيه سجود السهو، وعلى أن تعدد الكلام بل ومع السلام ليس يوجب إلا مرة واحدة أن يسجد سجدتي السهو. ولكن في الاستدلال بذلك نظر، لمعارضته بمعتبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): هل سجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سجدتي السهو قط؟ قال: " لا، ولا يسجدهما فقيه " (3).


(1) الوسائل: ج 4 ص 1283 ح 1 من ب 36 من أبواب قواطع الصلاة. قال في الجواهر - ج 11 ص 55 -: " أرطاب " مصحف ابن طاب، و " ابن طاب " تمر بالمدينة. (2) الوسائل: ج 5 ص 311 ح 16 من ب 3 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 310 ح 13 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 593 ]

[... ] وفي الوسائل عن الشيخ (قدس سره) قال: الذي افتي به ما تضمنه هذا الخبر، وأما ما يدل على أنه سها وسجد سجدتي السهو فهي موافقة للعامة (1). انتهى ملخصا ومحررا. لكن في دلالة الباقي غنى وكفاية إلا أنه معارض بأخبار اخر: منها: صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم، فقال: " يتم ما بقي من صلاته - تكلم أو لم يتكلم - ولا شئ عليه " (2). ومنها: صحيح محمد بن مسلم عنه (عليه السلام): في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى أنه قد أتم الصلاة وتكلم ثم ذكر أنه لم يصل غير ركعتين، فقال: " يتم ما بقي من صلاته ولا شئ عليه " (3). وحملهما الشيخ (قدس سره) - بعد نقلهما - على غير سجدتي السهو من الوزر والإثم وما يجري مجراهما (4). لكن حيث إن الإثم والوزر مع فرض السهو خلاف ارتكاز العقل والعقلاء، والإعادة ينفيها - بحسب الظاهر - قوله " يتم ما بقي من صلاته " فكاد أن يكون " لا شئ عليه " نصا في عدم ثبوت شئ غيرهما - أي غير الإثم والوزر - وليس هو إلا سجدتي السهو.


(1) الوسائل: ج 5 ص 310. (2) الوسائل: ج 5 ص 308 ح 5 من ب 3 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 9 من ب 3 من أبواب الخلل. (4) التهذيب: ج 2 ص 192.

[ 594 ]

[... ] مع أنه بعيد أن يكون مثل زرارة ومحمد بن مسلم جاهلين بأن التكلم السهوي مما لا وزر عليه ولا يوجب الإعادة، فلعل المظنون أن المسؤول عنه هو لزوم سجدتي السهو في الصلاة أو بعدها. وعلى فرض الغض عن ذلك وعن الإطلاق فالظاهر أن التصرف في ما يدل على وجوبهما أوهن. وعلى فرض الغض عن ذلك فيرجع إلى البراءة عن الوجوب، فتأمل. وأما الإجماع فموهون جدا بما تقدم نقله عن الصدوقين والجعفي (1) وبأن المظنون أنه لم يكن شئ في البين إلا ما تقدم من الدليل، وإلا لم يكن وجه لأن يستره الشيخ (قدس سره) في مقام دفع الإشكال ويدفعه بما عرفت مما لا يدفع به الإشكال، فالحكم بالوجوب مشكل. ومما يؤيد عدم الوجوب أيضا خبر عقبة بن خالد الحاكم بالتكبيرات في صورة وقوع الكلام السهوي (2)، وهو مؤيد بما عن الصدوق (قدس سره) في الفقيه، قال: روي أنه " من تكلم في صلاته ناسيا كبر تكبيرات... " (3). وجه الاستدلال: وضوح عدم وجوب التكبيرات عند الكل. فروع الأول: قال الكليني (قدس سره) في الكافي في طي المواضع التي تجب فيها سجدتا السهو:


(1) تقدم في ص 590. (2) الوسائل: ج 5 ص 313 ح 2 من ب 4 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 313 ح 3 من ب 4 من أبواب الخلل.

[ 595 ]

[... ] والذي يسهو في بعض صلاته فيتكلم بكلام لا ينبغي له مثل أمر ونهي (1). وهو الذي صرح به في كتاب العروة ولقد أمضاه كل من علق عليها في ما كان عندي من التعاليق، وخلاصة ذلك أن الكلام الموجب لسجدتي السهو هو الذي ليس بقرآن وذكر ودعاء (2). والوجه في ذلك أن الظاهر من دليل سجدتي السهو أنهما في ما لو تكلم متعمدا لكان مخلا، والتكلم بالمذكورات يقع جزء للصلاة كما يدل عليه روايات الباب الثالث عشر من القواطع (3)، وهو الظاهر مما ورد في أبواب القراءة من جواز تكرار الآية (4) واستحباب ذلك. لكن في ذلك عندي إشكال، من جهة قوله (عليه السلام) في خبر عمار الموثق: " أو أردت أن تقرأ فسبحت أو أردت أن تسبح فقرأت " وقوله (عليه السلام) فيه أيضا: " ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ " (5) فإن القدر المتيقن هو الكلام الذي يحصل من باب الاشتباه في الوظيفة من القيام بدل القعود أو بالعكس، بل قد تقدم الاستظهار من بعض الأصحاب أنه وارد في خصوص ذلك. وأما التعليل المتقدم فغير واضح، من جهة عدم وضوح صحة الصلاة إذا أتى بذلك بقصد الجزئية بالجعل الأولي، بل لعل الظاهر هو البطلان، لكونه تشريعا محرما فيكون داخلا في الكلام المحرم، فما وقع في المفروض من التكلم بالذكر


(1) الكافي: ج 3 ص 360. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 1. (3) الوسائل: ج 4 ص 1262. (4) الوسائل: ج 4 ص 813، الباب 68 من أبواب القراءة في الصلاة. (5) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 596 ]

[... ] سهوا - كأن قال في السجود ما كان يقوله في الركوع بقصد الجزئية الأولية - لو كان واقعا فيها عمدا لكان مبطلا بحسب الظاهر فسهوه أيضا لا يبعد أن يكون مبطلا. ولكن الإنصاف أن العمدة في الإشكال هي رواية عمار بضم عدم الانصراف في ما يدل على إيجاب التكلم السهوي لسجود السهو بحيث يوجب التقييد ويعارض بذلك الدليل المذكور فإن غايته عدم الإطلاق، كما أنه لا يعارض ذلك بمعتبر سفيان بن السمط: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (1). وجه المعارضة كون المرسل في بيان إعطاء الضابط، والتكلم بالذكر والدعاء والقرآن سهوا ليس من الزيادة. بيان عدم المعارضة أنها ثابتة إذا كان المرسل المذكور بصدد إعطاء الضابط مفهوما ومنطوقا، وذلك غير معلوم، بل المتيقن من ظهور بيان إعطاء الضابط من حيث المنطوق، أي لابد من سجود السهو لكل زيادة ونقيصة من دون دلالة على الانحصار. هذا، مع أنه زيادة بالنسبة إلى الجعل الأولي من الذي وجب بالخصوص من الذكر أو استحب كذلك، فتأمل. ثم إنه على فرض الغض عن ذلك فلابد من ذلك في ما لو قرن بين السورتين سهوا بناء على حرمة ذلك، فتأمل. الثاني: لو تكلم ناسيا للحكم ففي صلاة الوالد الاستاذ تغمده الله برحمته وغفرانه في أول البحث: إنه غير مشمول لما يدل على سجود السهو، لكن اختار في ذيل المسألة الثانية:


(1) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 597 ]

[... ] أن المستفاد من مجموع الأخبار ثبوت السجدة للتكلم غير العمدي، سواء كان من جهة السهو في الموضوع أو الحكم أو من جهة الجهل به بل ولو كان من جهة سبق اللسان (1). أقول: الظاهر أنه لا إشكال في ثبوت سجود السهو للتكلم الصادر من جهة السهو في الحكم، فإنه لا غبار لإطلاق صحيح عبد الرحمان بن الحجاج ورواية ابن أبي يعفور المتقدمين (2)، فإن قوله " عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة " لا يراد منه صدور التكلم منه مع كونه ناسيا بالنسبة إلى ذلك العنوان، فلا يدري أنه يتكلم بل يتخيل أنه يأكل مثلا، فالمقصود أن علة التكلم هي النسيان ولو لم يكن المنسي هو عنوان التكلم، وذلك واضح، إذ قل ما يتفق نسيان عنوان التكلم، وبعد ذلك فلا فرق بين كون المنسي كون التكلم واقعا في الصلاة أو كون المنسي مانعية التكلم عن صحة الصلاة، مضافا إلى أن حمل قوله " أقيموا صفوفكم " على خصوص نسيان الكون في الصلاة بعيد، إذ الغالب هو التوجه إلى الكون فيها مع التوجه إلى الجماعة والصفوف وكونه أحدهم، فلا يبعد دعوى أن الغالب نسيان الحكم، وهذا مما لا إشكال فيه. ومن ذلك يظهر الكلام في سبق اللسان: فإنه إن كان ذلك من جهة الاشتباه في مخرج الحروف فهو من السهو في ذلك وإن كان نفس الكلام غير مسهو عنه، فيشمله الدليل لأن الملاك أن يكون منشأ الترك هو السهو، لا السهو عن الكلام، كما مر شرحه. وأما إن كان من جهة اخرى كوجود المانع في ما يعتاد التكلم به وعدم


(1) كتاب الصلاة للمؤسس الحائري (قدس سره): ص 409. (2) في ص 590.

[ 598 ]

[... ] التوجه إلى مخرج آخر، كأن يكون معتادا لأداء الضاد من الجانب الأيمن وكان في جانب الأيمن مانع وجهل أن يؤديها من الجانب الأيسر فليس منشأه السهو فهو داخل في ما يأتي مما يكون منشأه الجهل. وملخص الكلام أنه إذا كان المنشأ للتكلم هو السهو والنسيان سواء كان ذلك من جهة نسيان نفس التكلم وأنه تكلم أو من جهة نسيان كونه في الصلاة أو من جهة نسيان الحكم أو من جهة نسيان ركعة من الصلاة فزعم لذلك الفراغ عن الصلاة أو من جهة نسيان مخرج الحروف فكل ذلك فيه سجدتا السهو. الثالث: إذا كان المنشأ للتكلم المانع هو الجهل بالموضوع أو الجهل بالحكم فقد يمكن أن يقال: إن الوجه في جميع ذلك هو ثبوت سجدتي السهو إلا في ما لا يعذر فيه الموجب لبطلان الصلاة، وذلك لإطلاق بعض ما تقدم، كخبر ابن أبي يعفور: " وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو " (1). لكن فيه إشكال، من جهة أن الموجب هو سجدتا السهو، وصدقها على جميع الشكوك ممنوع، بل عدم صدقها على الشك في الحكم أو الجهل به واضح، لعدم كون منشأ ذلك الغفلة. وأما الشك الذي منشأه الغفلة فحيث لا تكون الغفلة موجودة بالفعل فليس التكلم مستندا فعلا إلى السهو، بل هو مستند إلى الشك، والشك مستند في حدوثه إلى السهو، فالظاهر عدم وضوح لزومها إذا كان منشأه الجهل بالحكم. وهو العالم، وله الحمد أولا وآخرا على ما تيسر لنا بعونه ومنه وتوفيقه من كتابة تلك الدروس الملقاة على عدة من الأفاضل، جعلنا الله وإياهم من الربانيين بحق محمد وآله أجمعين، وكان ذلك في 26 شهر شعبان المعظم 1393.


(1) تقدم في ص 590.

[ 599 ]

[ أو سلم في غير موضعه (1). * ] * في الجواهر: على المشهور حديثا وقديما نقلا وتحصيلا، بل في الفقية والمنتهى وعن ظاهر الشافية بل وآراء التلخيص الإجماع عليه، لكن مال صاحب المدارك إلى عدم الوجوب ولعله الظاهر من عبارات من اقتصر على الكلام من دون أن يذكر السلام، لكن الاستظهار المذكور ضعيف بل الظاهر هو الشمول (2). انتهى ملخصا. وفي الحدائق نقل عدم الوجوب عن الكافي وابن أبي عقيل والمفيد والمرتضى وابن زهرة وسلار وابن حمزة (3). أقول: وعلى هذا فيناقش في الإجماع المنقول بما نقلناه عن الحدائق وباحتمال أن يكون منشأ ذلك توهم إطلاق " الكلام " في كلامهم على السلام أيضا، كما هو الذي اختاره في الجواهر. والإنصاف أنه غير ظاهر في كلمات الأصحاب، من جهة عد غير واحد منهم " السلام " بعد عدهم الكلام، والاقتصار على الكلام مع الفرض المذكور لعله ظاهر في الكلام الأجنبي عن الصلاة، وهذا غير ما في الروايات المحمول على المعنى اللغوي العرفي. وإن أبيت عن ذلك فلا أقل من عدم ظهور كلامهم في الإطلاق. وكيف كان، فقد يستدل على لزوم سجود السهو للسلام الواقع في غير المحل بامور: الأول: دخوله في إطلاق ما تقدم من الكلام. وقد يناقش في ذلك بظهور الروايات في الكلام الأجنبي عن الصلاة.


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الجواهر: ج 12 ص 431 - 432. (3) الحدائق: ج 9 ص 310 - 317.

[ 600 ]

[... ] والإنصاف أن الظهور المذكور غير واضح، بل الظاهر هو الإطلاق والشمول لمطلق الكلام السهوي الواقع في غير موقعه، خصوصا بعد ورود مثل رواية عمار في روايات الكلام، وفيه: وعن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام، ثم ذكر من قبل أن يقدم شئ أو يحدث شئ، فقال: " ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ " (1). فإن المتيقن الكلام الذي يصدر من المصلي من باب تخيل أن وظيفته القيام من قول بحول الله أو التسبيح، ومقتضى الإطلاق شموله للسلام، وإن منع من ذلك من جهة أن المنصرف إليه هو الكلام الذي يصدر منه لفرض تخيل كون الوظيفة هو القيام، فالمقصود استعمال الكلام الموجب للسهو في كلامهم (عليهم السلام) في ما هو من الأجزاء الصلاتية ولا يكون أجنبيا عنها. فالاستدلال بالإطلاق المذكور وجيه إلا أنه معارض بما تقدم (2) من صحيحي زرارة ومحمد بن مسلم الدالين على عدم شئ على المصلي مع فرض صدور الكلام السهوي. وأما معارضته لصحيح الأعرج المتقدم (3) من جهة قوله " لمكان الكلام " الظاهر في أنه في قبال السلام وإلا لقال " للسهو الصادر عنه (صلى الله عليه وآله) " فمدفوع بأن الصحيح المزبور معارض بما تقدم (4) من معتبر زرارة المصرح بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يسجد سجدتي السهو، فلا يصلح لمعارضة إطلاقات الكلام للسلام. الثاني: إطلاق ما يجئ إن شاء الله تعالى من الأمر بسجدتي السهو في كل زيادة


(1) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل. (2) في ص 593. (3) في ص 592. (4) في ص 592.

[ 601 ]

[... ] أو نقصان كما في مرسل سفيان (1) المحكوم بالصحة لنقل ابن أبي عمير. لكنه لا يخلو عن إشكال، من جهة أن المطلوبية من حيث الزيادة ليست بنحو الوجوب قطعا، وأما مطلوبية الزيادة الخاصة وهي السلام فلم يتحقق بعث بالنسبة إليه حتى يكون حجة على الوجوب، فافهم فإنه لا يخلو عن الدقة. الثالث: صحيح العيص، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها، ثم ذكر أنه لم يركع، قال: " يقوم فيركع ويسجد سجدتين " (2). بناء على كون المقصود من قوله " يركع " هو الإتيان بالركعة بقرينة أن المفروض نسيان الركعة، فتكون السجدتان المأمورتان غير السجدة الصلاتية وليست هي إلا سجدتا السهو. وفيه: أن استعمال قوله " فيركع " في الإتيان بالركعة الاصطلاحية خلاف الظاهر جدا بل هو غير معهود في نفسي إلى الآن، فالظاهر منه هو الإتيان بالركوع ثم الإتيان بالسجدتين اللتين هما بعد الركوع، فالظاهر أن المراد بهما غير سجدتي السهو، وبيان الإتيان بالركعة بهذا النحو لعله لبيان عدم سقوط السجدتين بواسطة الفراغ عن الصلاة وأن لا يتوهم كفاية الإتيان بالركوع حينئذ. وفي الصحيح احتمالات اخر: منها: أن يكون المقصود من نسيان الركعة هو نسيان الركوع الواحد الذي هو معنى الركعة لغة، ويكون المقصود من قوله " فرغ منها " الفراغ من الركعة بحسب الصورة بالإتيان بالسجدتين.


(1) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 309 ح 8 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 602 ]

[... ] ومنها: أن يكون المقصود منها الركعة الاصطلاحية وكان المراد من قوله " فرغ منها " هو الفراغ منها بحسب الصورة أيضا بالدخول في التشهد مثلا أو الركعة التالية. ومنها: أن يكون المقصود من الركعة هي الركعة اللغوية - أي الركوع الواحد - والمقصود من قوله " فرغ منها " هو الفراغ من الصلاة. وهو الأظهر من بين المعاني الثلاثة، بل أظهر من المعنيين المتقدمين المبنيين على كون المقصود من الركعة هي الاصطلاحية والمقصود من قوله " يركع " هو إيجاد الركعة أو إيجاد الركوع. إلا أنه مخالف لفتوى الفقهاء من حيث الحكم بصحة الصلاة والإتيان بالركوع والسجدتين للزوم زيادتهما. مع أن كون ذلك أظهر مما ذكرناه في الجواب غير واضح بأن يكون المقصود من نسيان الركعة هي الركعة الاصطلاحية والمقصود من قوله " فيركع " هو الركوع، فتأمل. وكيف كان، فلا يدل على المطلوب. الرابع: موثق عمار، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن أنها أربع، فلما سلم ذكر أنها ثلاث، قال: " يبني على صلاته متى ما ذكر ويصلي ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو، وقد جازت صلاته " (1). والإشكال فيه بأن " مقتضى قوله (متى ما ذكر) صحة الصلاة أيضا لو تذكر بعد مضي أيام موجب للأحداث والمنافيات، وقد ورد على طبق ذلك بعض الروايات


(1) الوسائل: ج 5 ص 310 ح 14 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 603 ]

[... ] كخبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) المطروح عند الأصحاب المحمول على التقية، فذلك يوجب الخلل في الرواية " مدفوع إما بأن الخلل في الحكم بصحة الصلاة لا يوجب رفع اليد عن دلالته على لزوم سجدتي السهو على فرض الصحة، وإما بأن الإطلاق مخالف للمقطوع من المذهب فيرفع اليد عنه لكن يؤخذ بذلك في غير ذلك المورد، وإما بأن قوله " متى " لا يكون صريحا في الإطلاق بل لعله إشارة إلى الزمان الخاص الظاهر من السؤال، إذ الظاهر منه أنه فرض حدوث التذكر بعد السلام بلا فصل معتد به فيكون المقصود لزوم البناء على الصلاة في ذاك الظرف الخاص، فهو كأن يقول: حين ما ذكر، فيكون " ما " كالعهد المشير إلى ما في الجواب. والذي يؤيد ذلك أن المفروض في السؤال بحسب الظاهر فرض التذكر بعد السلام من غير فصل كما هو الظاهر من العطف بالفاء، والظاهر كون الجواب على طبق السؤال لا الأعم منه، فتأمل. وليس في البين ما يعارضه، فإن الصحيحين المتقدمين غير معارضين لذلك: أما صحيح زرارة فلأن نفي البأس إنما يكون من حيث الكلام، فلا ينافي ثبوت سجدتي السهو من حيث مجموع الكلام والتشهد المشتمل على القعود في غير موقعه. وأما صحيح محمد فهو في مورد زيادة السلام بعد الركعتين الأولتين فليس في المفروض في الرواية إلا زيادة السلام من دون زيادة التشهد والقعود فمقتضى ذلك لزوم سجدتي السهو في السلام الزائد إذا كان في الركعة الثالثة أو الاولى المقرون بالتشهد الزائد. هذا مع قطع النظر عما يجئ إن شاء الله في البحث الآتي من احتمال عدم لزوم


(1) الوسائل: ج 5 ص 312 ح 19 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 604 ]

[ قال (قدس سره): أو شك بين الأربع والخمس. * وقيل: في كل زيادة ونقيصة إذا لم يكن مبطلا (1). * * ] سجدتي السهو في شئ من الموارد إلا في مورد الشك بين الأربع والخمس وما يلحق به. * أقول: قد تقدم (2) الكلام في ذلك وما يلحق به. * * في الجواهر: إنه خيرة المختلف والتذكرة والتحرير والإرشاد - في احتمال - واللمعة والموجز والجعفرية والذكرى وفوائد الشرائع والروضة والمقاصد العلية، وعن الإيضاح والهلالية والسهوية وتعليق النافع والتنقيح وإرشاد الجعفرية والغرية والدرة السنية والجواهر المضيئة وغاية المراد، ونقل عن المهذب البارع الميل إلى ذلك، وفي الخلاف نسبته إلى بعض أصحابنا، ونسب إلى الصدوق أيضا (3). انتهى. أقول: يستدل على ذلك بامور: الأول: الصحيح إلى ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن سفيان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (4). وحيث إن الراوي ابن أبي عمير فهو محكوم بالصحة وإن كان سفيان مجهولا، مع أنه يمكن الحكم بوثاقته من جهة رواية غير واحد من الأجلاء - غير ابن أبي عمير - عنه فراجع، ولا إشكال في دلالته على المدعى.


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) في ص 378 وما بعدها. (3) الجواهر: ج 12 ص 434. (4) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 605 ]

[... ] الثاني: صحيح الحلبي عنه (عليه السلام)، قال: " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة فتشهد فيهما تشهدا خفيفا " (1). وتقريب الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه إما أن يكون قوله " أم نقصت " معطوفا على فعل الشرط لا على معمول " لم تدر " وعليه فهو عين المدعى أي إذا نقصت أو زدت، وإما أن يكون معطوفا على معمول " لم تدر " فحينئذ إما أن يكون المقصود أنه إذا لم تدر أنك نقصت أم لا أو زدت أم لا، فيدل على وجوبهما في مورد الشك في الزيادة والنقيصة ويدل على المطلوب بالأولوية لا سيما بالنسبة إلى الشك في الزيادة التي مضى محل لزوم عدمها الذي يكون مقتضى الأصل وقاعدة الفراغ هو عدم تحققها، وإما أن يكون المقصود خصوص صورة العلم الإجمالي المردد بين الزيادة والنقيصة فحينئذ يدل على المطلوب أيضا من حيث إنه لو لم يكن حكم الزيادة والنقيصة وجوب سجدتي السهو فلا معنى لتنجيز العلم الإجمالي والحكم بوجوبهما في صورة العلم بأحد الأمرين. لكن في هذا التقريب نظر من جهة الاحتمال الأخير وعدم كون الحكم من باب تنجيز العلم، بل يكون الحكم تعبديا ولا أولوية في المقام، لأن السهو المردد بين الزيادة والنقيصة أقوى وأدل على الذهول عن مراعاة التكليف من السهو الذي يعلم أن متعلقه نقصان الفعل المخصوص أو زيادته أو السهو المتعلق بالنقصان المردد بين العملين أو الزيادة كذلك. ثانيهما: أن يقال بأن النفس مطمئنة بعدم كون المقصود هو العلم الإجمالي


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 4 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 606 ]

[... ] المردد بين الزيادة والنقيصة، إذ لا معنى لعدم التعرض لما هو مورد للابتلاء من النقصان السهوي أو الزيادة السهوية أو الشك في ذلك أو المردد نقصه بين العملين أو زيادته بين العملين، والتعرض لما يندر وقوعه من العلم الإجمالي إما بحصول الزيادة أو النقيصة، فهو أشبه بالفروع التمرينية ويبعد أن يكون الإمام بصدد ذكر تلك الفروع من غير تعرض لما هو مورد للابتلاء، فحينئذ ينحصر الأمر في الاحتمالين الأولين الدالين على المطلوب إما بالمطابقة أو بالأولوية. لكن فيه: أيضا أن القدر المتيقن من حيث انعقاد الظهور بقرينة الصدر - وهو قوله " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا " - هو الشك في الركعات، فهو أجنبي عن الأفعال، لاكتناف الذيل بالصدر الصالح للإخلال بالإطلاق، وعليه فالأقرب أن يكون الذيل بمنزلة ما هو الكبرى للصدر فيكون المقصود أنه في جميع الموارد التي لم تدر أنك زدت أم لا، فيكون المراد من النقصان هو بالنسبة إلى فرض الزيادة أي في جميع موارد الشك في الزيادة وعدمها - كالشك بين الأربع والست وبين الأربع والخمس والست - يكون الحكم ذلك. الثالث: صحيح زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس وسماهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين " (1). ودلالته على كون المقصود صورة الشك وعدم كونه مربوطا بالعلم الإجمالي أوضح من السابق، من جهة التفريع البياني على كبرى الشك بقوله " فلم يدر زاد أم نقص " ولا معنى لبيان الكبرى الكلية بالفرد النادر تحققه، فيمكن دعوى القطع


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 2 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 607 ]

[... ] بعدم كون المراد به هو العلم الإجمالي، وكذا من جهة الإطلاق وعدم الاختصاص بالشك في الركعات، وذلك لعدم وجه يعتد به للحمل على الركعات بالخصوص. نعم، هنا إشكال لابد من التفصي عنه، وهو أن مقتضى الإطلاق المذكور هو الإتيان بسجدتي السهو في الشك في الركعات مطلقا مع أنه خلاف الظاهر من النصوص والمقطوع من كلمات الأصحاب، فإن الشكوك المبطلة لا سجدة لها والصحيحة لا تحتاج إليها بمقتضى الروايات. والجواب عن ذلك بأمرين: أحدهما: أنه يستدل بذلك بعد إخراج الشك في الركعات عنه بما ورد في صحيح الفضيل الآتي إن شاء الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه: " من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو " (1). فإن المصلي قد أتم صلاته في الشكوك المبطلة بالإعادة وفي الصحيحة بالاحتياط. ثانيهما: أن الخبر غير شامل له رأسا ولا يحتاج إلى التخصيص، من جهة أنه بعد التأمين بالإعادة أو الاحتياط ليس ممن لا يدري أزاد في صلاته أم لا أو نقص فيها أم لا، بل يقطع بالتمامية من غير زيادة. نعم، يبقى تحت الكلية المذكورة من الشك في الركعات الشك في الأربع والخمس وما يلحق به والشك بين الثلاث والأربع بعد الفراغ، ولا بأس أن يقال بالاستحباب في الأخير، وأما الأول فوجوب سجدتي السهو فيه من الواضحات. لكن مع ذلك كله فيه: أن الأولوية غير واضحة، فيمكن الحكم بوجوب سجود السهو في الشك لكونه مثار الوسوسة الشيطانية، بخلاف صورة القطع بالنقصان


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 6 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 608 ]

[... ] أو الزيادة، فإنه من المحتمل أن إرغام أنف الشيطان من جهة توليده الشك والوسوسة لا من جهة السهو عن الفعل مع القطع بعدم الإتيان، فإن كون ذلك من الشيطان في جميع الموارد أو في أكثرها غير واضح، فإن السهو من لوازم البشرية، فإن النسيان هو الطبيعة الثانية للإنسان على ما يقال. الرابع: صحيح الفضيل المتقدم صدره، وذيله: " وإنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " (1). ومما سبق ظهر وجه الاستدلال به وظهر وجه الإشكال فيه، مضافا إلى احتمال أن يكون ذلك في الركعات، لما تقدم (2) من أن كلمة السهو قد وردت في الروايات في خصوص الشك في الركعات كثيرا، فيكون ذلك موافقا لصحيح الحلبي المتقدم (3)، بأن يكون المقصود أنه لا سجدة للسهو في الشك في الركعات التي عمل على وفق المشكوك فأتمه من الإعادة أو الاحتياط، وإنما هي في صورة الشك في الزيادة وعدمها كالشك بين الأربع والخمس وما يلحق به. الخامس: موثق عمار أنه سأل الصادق (عليه السلام): عن السهو ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: " إذا أردت أن تقعد فقمت، أو أردت أن تقوم فقعدت، أو أردت أن تقرأ فسبحت، أو أردت أن تسبح فقرأت... " (4). وكيف كان، فمقتضى الدليل الأول هو لزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة، ومقتضى رواية زرارة وجوبها في مورد الشك في الزيادة أو الشك


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 6 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) في ص 483. (3) في ص 605. (4) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 609 ]

[... ] في النقصان، فالاستدلال بهما تام. إلا أن الإشكال في ما يستفاد من غير واحد من الروايات من عدم وجوبها الأعم من أن ذلك من جهة التصريح بعدم سجدتي السهو أو من جهة الحكم بعدم شئ عليه أو من جهة الحكم بعدم البأس أو من جهة السكوت في مقام البيان، كخبر الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد، قال: " يرجع فيتشهد " قلت: أيسجد سجدتي السهو؟ فقال: " لا، ليس في هذا سجدتا السهو " (1). وخبر محمد بن منصور، قال: سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها، فقال: " إذا خفت أن لا تكون وضعت جبهتك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة وتضع وجهك مرة واحدة، وليس عليك سهو " (2). وحسن الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها فلم يدر سجدة سجد أم ثنتين، قال: " يسجد اخرى وليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو " (3). وحسن أبي بصير، قال: سألته عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم،


(1) الوسائل: ج 4 ص 998 ح 4 من ب 9 من أبواب التشهد. (2) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 6 من ب 14 من أبواب السجود. (3) الوسائل: ج 4 ص 971 ح 1 من ب 15 من أبواب السجود.

[ 610 ]

[... ] قال: " يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فإن كان قد ركع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو " (1). وموثق عمار: وسئل عن الرجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة هل عليه سجدة السهو؟ قال: " لا، قد أتم الصلاة " (2). وذيل موثق عمار المتقدم، وفيه: وعن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام، ثم ذكر من قبل أن يقدم شئ أو يحدث شئ، فقال: " ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ " (3). وصحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): " إن الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي فلاشئ عليه " (4). وقريب منه ما عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5). ومعتبر منصور: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، فقال: " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " قلت: بلى، قال: " قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا " (6).


(1) الوسائل: ج 4 ص 969 ح 4 من ب 14 من أبواب السجود. (2) الوسائل: ج 5 ص 342 ح 3 من ب 26 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 1 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (5) الوسائل: ج 4 ص 767 ح 2 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة. (6) الوسائل: ج 4 ص 769 ح 2 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 611 ]

[... ] إلى غير ذلك مما ورد في القراءة. وخبر عبد الله عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): " أن عليا (عليه السلام) سئل عن رجل ركع ولم يسبح ناسيا، قال: " تمت صلاته " (1). وصحيح علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأول عن رجل نسي تسبيحه في ركوعه وسجوده، قال: " لا بأس بذلك " (2). وصحيح إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد، قال: " فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء " (3). وحسن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس وتشهد وقم فأتم صلاتك، وإن أنت لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك حتى تفرغ، فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلم " (4). وحسن الحلبي عنه (عليه السلام) في الشك بين الثلاث والأربع:


(1) الوسائل: ج 4 ص 938 ح 1 من ب 15 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 4 ص 939 ح 2 من ب 15 من أبواب الركوع. (3) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود. (4) الوسائل: ج 4 ص 998 ح 3 من ب 9 من أبواب التشهد.

[ 612 ]

[... ] " إن ذهب وهمك إلى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، فإن ذهب وهمك إلى الأربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو " (1). وفي رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) الوارد في الأخذ بما يظن: " وليس عليه أذان ولا إقامة ولا سهو عليه " (2). إلى غير ذلك مما هو أوضح دلالة مما تقدم في دلالته على عدم لزوم سجدتي السهو. ولا يخفى أن مقتضى بعض الروايات المتقدمة كصحيح زرارة (3) أن الحكم بعدم شئ عليه من باب كون المنسي من السنن دون الفرائض، ومقتضى ذلك: التعميم لغير الخمس زيادة ونقيصة. إن قلت: مقتضى ذلك هو الحكم بالاستحباب في الشك بين الأربع والخمس. قلت: هو من باب زيادة الركوع والسجدتين فلا يقتضي الإطلاق المزبور ذلك، وعلى فرض الإطلاق فسهوه خارج عن حديث " لا تعاد " قطعا، لقوله (عليه السلام) في حسن زرارة وبكير أو صحيحهما: " إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا " (4). * * *


(1) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 5 من ب 10 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 3 من ب 7 من أبواب الخلل. (3) المتقدم في ص 610. (4) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 1 من ب 19 من أبواب الخلل.

[ 613 ]

[... ] ثم على فرض لزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة يستثنى من ذلك موارد: منها: السهو عن الجزء المستحب كالقنوت، بأن كان عازما على القنوت مثلا فنسيه، في الجواهر: كما نص عليه الفاضل والشهيدان، اقتصارا في ما خالف الأصل على المنساق المتيقن من النقص، خلافا لظاهر بعضهم ولصريح المحكي عن أبي علي (1). أقول: الوجه في ذلك عدم صدق النقصان حقيقة. إن قلت: النقصان إن لوحظ بالنسبة إلى ذات الصلاة فلابد أن تكون الزيادة ملحوظة بالنسبة إليه أيضا، ومقتضى ذلك أنه لو كان عازما على ترك القنوت فسها فأتى به مثلا كان عليه سجدتا السهو، لأنه زيادة بالنسبة إلى أصل الصلاة. قلت: الظاهر عرفا أن النقصان والزيادة ملحوظان بالنسبة إلى الماهية الموجودة في الخارج، فإن ترك الجزء المستحبي فالماهية الموجودة في الخارج لا تكون ناقصة، وإن أتى بالجزء المستحبي فحيث يصدق الماهية على تمام الصلاة حتى الجزء المستحبي فلا تكون الماهية الموجودة في الخارج مما زيد عليها بأن يكون الموجود في الخارج مركبا من ماهية الصلاة وغيرها. وقد يقال في الجواب - كما في المستمسك - بأن المتبادر من النقصان هو النقصان الموجب للخلل في صورة العمد، وكذا الزيادة، ومقتضى ذلك أن يكون


(1) الجواهر: ج 12 ص 440.

[ 614 ]

[... ] النقصان ملحوظا بالنسبة إلى أصل الطبيعة، والزيادة ملحوظة بالنسبة إلى الصلاة الكاملة (1). وهو غير ظاهر، فإن الظاهر وحدة ما لوحظ إليه الزيادة والنقيصة، وهو الماهية الموجودة في الخارج الصادقة على الكامل والصادقة على الناقص من حيث الجزء المستحبي. نعم، لو لم يمكن أن يكون كذلك فما ذكره (قدس سره) جواب آخر يصار إليه من جهة ضيق الخناق وعدم التمكن من حفظ الظهور. ولو فرضنا صدق النقصان فالوجه في عدم الوجوب هو انصراف النقصان إلى الموجب للخلل في حال العمد. ومنها: ما لو زاد مندوبا، قال (قدس سره) في الجواهر: في التذكرة: إنه سجد للسهو. ولا ريب أنه أحوط وإن كان فيه نظر كما في الروضة، لعدم زيادة السهو على العمد (2). انتهى. أقول: زيادة المستحب على أقسام: الأول: أن يكون من قبيل الذكر والدعاء من غير قصد الجزئية للصلاة، كأن سها عن كونه في الصلاة فقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له " بقصد مطلق الذكر أو قال: " الله أكبر " بقصد مطلق الذكر. وهذا مما لا ينبغي الإشكال في عدم لزوم سجدتي السهو لذلك، لعدم صدق الزيادة من باب عدم قصد الصلاتية بذلك على ما هو المفروض - وإن كان


(1) المستمسك: ج 7 ص 547. (2) الجواهر: ج 12 ص 440.

[ 615 ]

[... ] في هذا الوجه إشكال يأتي - ولأن كل ما يناجى به الرب (1) أو ذكر به النبي (صلى الله عليه وآله) فهو من الصلاة كما يدل عليه صحيح الحلبي (2) وكذا ما كان من القرآن الذي لا إشكال فيه في حال العمد كتكرار * (إياك نعبد وإياك نستعين) * أو * (مالك يوم الدين) * (3)، وهذا مما لا إشكال فيه. الثاني: العمل المأتي به بقصد القربة كرفع اليد في القنوت، ومقتضى ما تقدم من توقف صدق الزيادة على أن يكون ذلك بقصد الجزئية عدم صدق الزيادة عليه أيضا حتى يوجب سجدتي السهو. لكن فيه إشكال من جهة معتبر زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (4). وحيث إنه في مساق التعليل فلا يناسب التعبد. ومن ذلك يظهر أن ما في كتاب الاستاذ الوالد (قدس سره) من احتمال " أن يكون إطلاق الزيادة على سجود التلاوة من جهة مانعية السجدة الواحدة ولو للتلاوة في الصلاة " (5) خلاف الظاهر، مع أن صدق الزيادة بصرف اعتبار العدم في المركب غير واضح أيضا. ولعل الأولى أن يقال: إنه يصدق الزيادة بتكرار ما هو دخيل في ماهية الصلاة


(1) الوسائل: ج 4 ص 1262 ح 1 من ب 13 من أبواب قواطع الصلاة. (2) الوسائل: ج 4 ص 1262 ح 2 من ب 13 من أبواب قواطع الصلاة. (3) الوسائل: ج 4 ص 813، الباب 68 من أبواب القراءة في الصلاة. (4) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. (5) كتاب الصلاة للحائري المؤسس (قدس سره): ص 164.

[ 616 ]

[... ] ويكون من أركانها، كيف! ولو لا ذلك لكان المتعين في صورة الشك في الركعات هو الإتيان بالركعة المشكوكة بقصد أنه على فرض الإتيان بها قبلا يكون بعنوان الخضوع لله تعالى من دون قصد الصلاتية. فالظاهر عدم الإشكال في ذلك أيضا من حيث عدم الإيجاب. الثالث: العمل الخارج عن الأجزاء الصلاتية من دون قصد الجزئية كالتصدق. وهذا مما لا إشكال فيه، ووجهه واضح. الرابع: العمل الخارج عنها بقصد الجزئية لها سهوا. والظاهر عدم صدق الزيادة. الخامس: ما يؤتى بقصد الجزئية للصلاة ويكون سنخه جزء من الأذكار والقرآن والدعاء. وفيه إشكال لوجهين: أحدهما: أن مقتضى رواية عمار هو الإيجاب، ففي صدرها: " أو أردت أن تقرأ فسبحت أو أردت أن تسبح فقرأت "، وفي ذيلها: وعن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ثم ذكر من قبل أن يقدم شئ أو يحدث شئ، فقال: " ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ " (1). لكن في الخبر إشكال من جهة أن مقتضى الصدر دخالة السهو في الفعل في الصلاة ومقتضى الذيل هو الإلقاء، وهذا مما يوجب سوء الظن بعمار الذي هو معروف في عدم صحة ضبطه. ثانيهما: من جهة صدق الزيادة.


(1) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 617 ]

[... ] لكنه مدفوع بإطلاق ما تقدم الإيماء إليه من صحيح الحلبي (1). السادس: الفعل المأتي به بالعنوان المذكور. والظاهر صدق الزيادة عليه، لكن مقتضى ذيل رواية عمار هو عدم الإيجاب فالأحوط في الصورتين هو الإتيان بسجدتي السهو على فرض الإيجاب لكل زيادة ونقيصة. ومنها: النقص المتدارك، قال (قدس سره) في الجواهر: ولا سجود للنقيصة إذا تدوركت... لكن في الموجز وجوبه لكل سهو وإن تدارك فيها أو بعدها (2). أقول: يمكن أن يقال: إن التدارك إن كان في الصلاة قبل فوات محله فلا إشكال في عدم إيجابه لسجدة السهو من حيث النقصان، لعدم صدقه حقيقة ولو كان ذلك بعد الدخول في الجزء الآخر الأصلي ما دام لم يدخل في الركن، لأنه لم يحصل نقصان، فإن لزوم الزيادة بذلك غير المبحوث عنه من عدم لزومها للنقصان. وأما إذا كان التدارك بعد الصلاة: فإن كان مفاد الدليل هو إتمام ما نقص حقيقة بأن يكون التكليف في حال الذهول عن المكلف به الأولي ذلك وكان وافيا بتمام المصلحة الإلزامية - كما أنه الظاهر من الدليل الدال على صلاة الاحتياط من جهة قوله (عليه السلام) على ما في خبر عمار: " كان ما صليت تمام ما نقصت " (3) وقوله (عليه السلام) على ما في خبر ابن أبي يعفور: " وإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة " (4) - فإن الظاهر أيضا عدم وجوب سجدتي السهو، من جهة صحيح الفضيل المتقدم (5) بناء على شموله


(1) تقدم في ص 615. (2) الجواهر: ج 12 ص 440. (3) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل. (5) في ص 608.

[ 618 ]

[... ] لغير الركعات، وأما بناء على عدم شموله فيمكن التمسك بما تقدم (1) من موثق عمار أي قوله " لا، قد أتم الصلاة ". ويمكن أيضا دعوى انصراف النقص إلى النقص غير المجبور ولو في صورة السهو. وأما دعوى عدم صدق النقص أصلا فممنوعة، لأن الموضوع هو ما صدق عليه النقص مع قطع النظر عن عروض السهو، وأما بعد فرض السهو فليست الصلاة ناقصة من حيث الماهية وإلا كانت باطلة أو كانت صحتها متوقفة على سجدتي السهو، وحينئذ فبالنسبة إلى مورد الجبران الذي هو حكم السهو يكون عنوان النقصان صادقا بالنسبة إلى التكليف الأولي أي ما يكون ثابتا مع قطع النظر عن السهو. وأما ما كان مفاد الدليل فيه عدم التمامية بل البدلية ففيه إشكال، من حيث اقتضاء عموم البدلية لذلك، ولعل الظاهر من دليل القضاء هو الثاني، من جهة الظهور في أنه قضاء لنفس التكليف الأولي، وحيث إنه ليس كذلك وجدانا فالمقصود أنه كذلك تنزيلا، ولا يبعد أن يكون مقتضاه الإطلاق فيكون الحكم بوجوب سجدتي السهو - إن قلنا بذلك - من جهة الدليل الخاص لا من جهة إطلاق دليل النقيصة. فما في الجواهر " من أن مقتضى القاعدة هو وجوبهما في قضاء التشهد والسجدة من أجل ذلك والحكم بوجوبهما في مورد الشكوك الصحيحة إذا تبين النقصان " (2) لا يخلو عن الإشكال، مع خلو الأخبار الكثيرة عن ذلك في الشكوك المختلفة والاقتصار على صلاة الاحتياط مطلقا خصوصا بعد فرض تبين النقص كما في خبر عمار، مع أنه لو كان النقص موجبا لذلك كان مفاد الاستصحاب هو الإتيان بهما في صورة الشك أيضا.


(1) في ص 610. (2) الجواهر: ج 12 ص 440.

[ 619 ]

[ قال (قدس سره): وموضعهما بعد التسليم للزيادة أو النقصان، وقيل: قبله، وقيل بالتفصيل (1). * ] ومنها: ما تكون الزيادة لأجل الرجوع إلى تدارك النقص، فإنه يمكن التمسك لعدم الإيجاب بخبر الحلبي المتقدم (2) وحسن أبي بصير المتقدم (3) وصحيح ابن أبي يعفور وفيه: فقال: " إن ذكر وهو قائم في الثالثة فليجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته، ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يتكلم " (4). وموثق عمار المتقدم (5) أيضا، ويؤيده حسن الحلبي المتقدم (6) وإن كان فيه إشكال من جهة احتمال كون قوله " فإذا فرغت " راجعا إلى الحكمين، وإن كان بعيدا عرفا خصوصا مع ملاحظة قوله " حتى تفرغ، فإذا فرغت " وهو الذي يظهر من كلام صاحب مصباح الفقيه (قدس سره) (7). ثم إنه على فرض لزوم سجدتي السهو لذلك من باب الزيادة فهل يكفي ذلك مرة واحدة لكون السهو واحدا أو يتعدد بتعدد العناوين؟ صريح العروة هو الثاني (8)، وخالف في ذلك صاحب المستمسك فقال بالاكتفاء بها مرة واحدة (9)، وبعضهم قد رجح عدم وجوبها أصلا، وهو الأصح. والله العالم. * في الجواهر:


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) في ص 609. (3) في ص 609. (4) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 4 من ب 7 من أبواب التشهد. (5) في ص 610. (6) في ص 611. (7) مصباح الفقيه: ج 2 ص 591. (8) العروة الوثقى: كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 3. (9) المستمسك: ج 7 ص 550.

[ 620 ]

[... ] القول الأول هو الأشهر، بل المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، وفي مفتاح الكرامة: إنه مذهب الأصحاب كما في كشف الرموز، وعلمائنا كما في نهاية الإحكام، وعليه الإجماع كما في الناصرية والمصابيح (1). وأما القول الثاني فلم يعرف قائله كما اعترف به جماعة من الأصحاب (2)، لكن نسب إلى بعض علمائنا كما في التذكرة (3). وأما الثالث ففي مفتاح الكرامة: في المبسوط والسرائر نسبته إلى بعض أصحابنا، وفي المعتبر نسبته إلى قوم من أصحابنا، ونقل جماعة ذلك عن أبي علي (4). وفي الجواهر نقل احتمال التخيير عن الذخيرة للجمع بين الأخبار (5). وفي التذكرة: نسبة القول الأول إلى أكثر علمائنا ونقله عن علي (عليه السلام) وابن مسعود وعمار وسعد بن أبي وقاص والنخعي وابن أبي ليلى والثوري وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي، ونسبة الثاني إلى بعض علمائنا وجماعة من العامة، ونسبة التفصيل إلى بعض علمائنا وعن عدة من العامة منهم مالك والشافعي في القديم (6). وفي المنقول عن الذكرى: إنه مذهب أبي حنيفة (7). هذا بيان الأقوال. وأما الدليل فقد يستدل على الأول بصحيح عبد الرحمان عن أبي عبد الله (عليه السلام):


(1) الجواهر: ج 12 ص 441. (2) مفتاح الكرامة: ج 3 ص 374. (3) التذكرة: ج 3 ص 356. (4) مفتاح الكرامة: ج 3 ص 374 - 375. (5) الجواهر: ج 12 ص 442. (6) التذكرة: ج 3 ص 355 - 357. (7) الجواهر: ج 12 ص 441.

[ 621 ]

[... ] في الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم، فقال: " يتم صلاته ثم يسجد سجدتين " قال: قلت له: سجدتا السهو قبل التسليم هما أم بعد؟ قال: " بعد " (1). وفيه: أنه أخص من المدعى، لاحتمال العهد في اللام في كلمة " السهو " أي ذاك السهو المسبوق في الكلام. وخبر عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام)، قال: " إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " (2). وفيه: أنه وارد في مورد احتمال الزيادة فلا يدل على صورة النقصان الذي هو عمدة محل الإشكال. ويمكن التمسك للمطلوب أيضا بحسن الحلبي: في من لم يدر سجد سجدة أم ثنتين، قال (عليه السلام): " يسجد اخرى وليس بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو " (3). فإنه ظاهر في أن وقتهما بعد الصلاة مطلقا. وخبر القداح - الصحيح أو الموثق - عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام)، قال: " سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام " (4).


(1) الوسائل: ج 5 ص 313 و 314 ح 1 من ب 4 و 5 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 2 من ب 5 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 971 ح 1 من ب 15 من أبواب السجود. (4) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 3 من ب 5 من أبواب الخلل.

[ 622 ]

[... ] وفي الفقيه: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث. وقال: وأما حديث صفوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وسألته عن سجدتي السهو، فقال: " إذا نقصت فقبل التسليم، وإذا زدت فبعده " فإني افتي به في حال التقية (1). وحسن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يصلي الركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما، قال: " فليجلس ما لم يركع وقد تمت صلاته، وإن لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته، فإذا سلم سجد سجدتين وهو جالس " (2). وفي حسن الحلبي الوارد في مورد المسألة المذكورة: " فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلم " (3). وفي خبر سليمان بن خالد في المورد المذكور: " حتى إذا فرغ فليسلم وليسجد سجدتي السهو " (4). وفي صحيح ابن أبي يعفور الوارد فيه أيضا: " يتم صلاته ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل أن يتكلم " (5). وكل ذلك وارد في النقيصة، لكن لا يدل على أن الحكم في كل نقيصة كذلك، لأن موردها النقيصة المنجبرة بالقضاء، مع إمكان دعوى الانصراف في أصل


(1) الفقيه: ج 1 ص 341 ح 11 و 12. (2) الوسائل: ج 4 ص 997 ح 1 من ب 9 من أبواب التشهد. (3) الوسائل: ج 4 ص 998 ح 3 من ب 9 من أبواب التشهد. (4) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 3 من ب 7 من أبواب التشهد. (5) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 4 من ب 7 من أبواب التشهد.

[ 623 ]

[... ] ما يدل على أن سجدتي السهو في النقص قبل التسليم عن مثل ذلك المجبور بعد الصلاة. فالدليل على المشهور واضح في السهو بالزيادة وفي بعض موارد النقيصة، بل الإطلاق دال على أن سجدة السهو بعد الصلاة في جميع الموارد، لكنه قابل لرفع اليد عنه بما يأتي في الاستدلال على القول بالتفصيل. وأما القول الثاني فليس في البين ما يدل عليه إلا خبر أبي الجارود، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) متى أسجد سجدتي السهو؟ قال: " قبل التسليم فإنك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك " (1). ورده بضعف السند والحمل على التقية لا يخلو عن خفاء: أما الأول فلما حققه المحدث النوري في خاتمة المستدرك من توثيق محمد بن سنان (2) وزياد بن المنذر أبي الجارود (3)، ولا ضعف في السند إلا من جهتهما بناء على كون ابن سنان هو محمد بن سنان المعروف كما هو الظاهر. ونزيد في المقام أن الناقل عنهما محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة ولم يستثنهما ابن الوليد كما استثنى عدة من رجاله وتبعه تلميذه الصدوق رضوان الله تعالى عليهما. وأما الثاني فهو بعيد جدا: أما أولا فلما تقدم (4) من أن الفتوى بكونهما بعد التسليم منقولة عن عدة من علماء العامة والقدماء منهم. وثانيا فلأن التفصيل بين الزيادة والنقصان أشهر بين العامة أو هو أيضا


(1) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 5 من ب 5 من أبواب الخلل. (2) المستدرك: ج 3 من الطبعة الحجرية ص 557 (كو). (3) المستدرك: ج 3 من الطبعة الحجرية ص 703 (شسج). (4) في ص 620.

[ 624 ]

[... ] من الأقوال المشهورة، وهو أقرب إلى المشهور بين الشيعة إن كان هو الحق، وأما إن كان التفصيل هو الحق فهو عين الحق فلا تقية في ذكر التفصيل. وثالثا فلأن التقية تتأدى بصرف الحكم على وفق العامة، فلا وجه للتعليل الذي هو باطل آخر على فرض التقية. نعم، يمكن أن يقال بعدم ثبوت حجية الخبر، أو يمكن أن يكون راجعا إلى النقيصة بقرينة التعليل، من جهة أن ملاحظة حرمة الصلاة وحفظ حريمها يناسب تأمين النقص في الصلاة وما يكون زائدا عنها يؤتى بها خارج الصلاة، وتلك النكتة مانعة عن الأخذ بالإطلاق. والعمدة هو الأول خصوصا مع إعراض المشهور عنه، فإن رفع الجرح عنه غير إثبات التوثيق لمن أوجد فرقة في الإسلام تسمى بالجارودية، ولم يصرح بتوثيقه أصلا. ونقل عدة من المشايخ عنه خصوصا في مثل ما يكون مفاده أن الأئمة اثنا عشر لا يكون دليلا كافيا، فإن مثل ذلك ينقل عن غير الموثق أيضا للتأييد. وأما القول الثالث فيدل عليه صحيح سعد الأشعري، قال: قال الرضا (عليه السلام) في سجدتي السهو: " إذا نقصت قبل التسليم، وإذا زدت فبعده " (1). وصحيح صفوان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن سجدتي السهو، فقال: " إذا نقصت فقبل التسليم، وإذا زدت فبعده " (2).


(1) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 4 من ب 5 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 315 ح 6 من ب 5 من أبواب الخلل.

[ 625 ]

[... ] والحمل على التقية - كما عرفت - مشكل، من جهة أن الحمل عليها مع فرض التعارض ممنوع، إذ الجمع العرفي موجود، والإعراض غير متحقق، إذ الوجه فيه لعله توهم التعارض والحمل على التقية للترجيح، ومن جهة أن التقية في مورد اختلاف العامة مما لا يتصور لها وجه يمكن الاعتماد عليه مع أن في غير واحد من موارد التقية توجد الشواهد عليها في باقي روايات الباب. إذا عرفت الأقوال والوجوه فالجمع بين الروايات يمكن على أنحاء: الأول: التقييد والتصرف في المادة بحمل ما دل على أنه بعد السلام على الزيادة ونقيصة مثل التشهد مما له جبران، وحمل ما دل على أنه قبل السلام مطلقا - مع فرض وجود مطلق في البين بأن يكون خبر أبي الجارود معتمدا سندا ودلالة - على النقصان. لكن فيه: أن الإطلاق في مقام البيان مع كثرة الابتلاء كالنص، فالتصرف فيه مشكل جدا خصوصا بالنسبة إلى خبر القداح، وحمله على النقصان غير المجبور (إذ النقصان إما أن يكون مجبورا في الصلاة وهو مستلزم للزيادة أيضا، وإما أن يكون مجبورا بعد الصلاة فهو أيضا خارج بما دل على كون السجود بعد السلام في نسيان التشهد، فبقي النقص غير المجبور في الصلاة ولا بعدها) موجب لإخراج أكثر الأفراد عنه. الثاني: التصرف في الهيئة بالحمل على التخيير المطلق من دون تفصيل بين الزيادة والنقيصة لا من حيث الجواز وعدمه ولا من حيث الاستحباب وعدمه، وهو كاد أن يكون خلاف صريح الصحيحين المفصلين بين النقص والزيادة. فيبقى الاحتمال الثالث، وهو حمل ما دل على إطلاق أن يكون بعد السلام على المطلوبية الأعم من الوجوب والاستحباب وحمل ما دل على التفصيل

[ 626 ]

[... ] بين الزيادة والنقيصة على الجواز في النقيصة وعدم الجواز في غيرها وطرح خبر أبي الجارود، والرابع وهو حمل إطلاق ما بعد السلام على الأعم من المطلوبية والجواز وحمل التفصيل على استحباب أن يكون في النقص قبل السلام وحمل خبر أبي الجارود على التفصيل لما تقدم من تناسب التعليل للنقيصة دون الزيادة، والخامس وهو حمل إطلاق ما بعد السلام على الجواز في الزيادة والنقيصة واستحباب كونهما قبل السلام في الزيادة والنقيصة وتأكد الاستحباب في النقيصة دون الزيادة أداء لحق التفصيل الوارد في الصحيحين. وأما الاحتمال السادس بحمل خبر أبي الجارود على الجواز لا المطلوبية الوجوبية أو الاستحبابية فهو لا يناسب التعليل الصريح في المحبوبية في الجملة من باب حفظ حريم الصلاة. وكيف كان، فله الشكر على وضوح الاحتياط بالنسبة إلى الحكم الفعلي، فإنه لو أتى بسجدتي السهو بعد السلام مطلقا لا إشكال فيه، لأنه لا يخلو إما أن يكون جميع ما يدل على أنهما قبل السلام - إطلاقا أو تفصيلا - يكون مطروحا أو محمولا على التقية كما جرى عليه غير واحد من الأصحاب فالحكم واضح، وإن فرض ضعف خبر أبي الجارود ودوران الأمر بين التقييد والتصرف في الهيئة فلا ريب أنه عند العرف لا يتعين التصرف في المادة قطعا، فالتصرف في الهيئة إن لم يكن مقدما - لعدم لزوم الإلقاء في خلاف الواقع - فلا ريب أنه لا يتعين التصرف في المادة بحيث يكون ذلك مقدما عند العرف، فإن كان التصرف في الهيئة مقدما فلا ريب في جواز الإتيان بهما بعد السلام، وإن شك في ذلك يشك في الشرطية - أي شرطية أن تكون السجدتان في النقيصة قبل السلام - وهو مجرى البراءة العقلية والشرعية، وأما لو فرض صحة خبر أبي الجارود وكونه دليلا فبعد عدم

[ 627 ]

[ قال (قدس سره): وصورتهما أن ينوي (1)، * ] إمكان التقييد أو الشك في ذلك فالجواز مسلم أيضا كما لا يخفى، فلا إشكال في جواز الإتيان بهما بعد السلام مطلقا. والله المتعالي هو العالم. * أقول: لا إشكال في أصل النية، لاستحالة تحقق الفعل الاختياري من دون نية في حال اليقظة. نعم، ربما يمكن أن يتوقف في ما هو الوجه في عباديته، بناء على ما هو الحق عندنا من عدم اقتضاء الإطلاق عبادية المأمور به وليس تلك مقتضى الأصل، بل مقتضى الإطلاق والأصل هو عدم دخالة قصد التقرب في حصول المأمور به. ويمكن أن يوجه ذلك بامور: منها: التسلم عند الأصحاب وعند المتشرعة، فإن الظاهر وضوح ذلك لديهم. ومنها: قاعدة الإلحاق بالمشهور المعروف في لسان الشارع والمتشرعة، فإن السجود المعروف في لسانهم يشترط في ماهيته قصد التقرب من غير فرق بين سجود الصلاة وغيره، فكما أنه لابد فيه من وضع الجبهة على الأرض ووضع اليدين مثلا كذلك يشترط فيه قصد التقرب. وهذا جار في تمام الأبواب، فإذا قيل: " توضأ لقضاء الحاجة أو للنوم أو تيمم بدلا عنهما أو اغتسل للزيارة أو للإحرام " فالمستفاد من ذلك كله قطعا هو الامور المذكورة بالكيفية المعهودة. ومنها: أن كونهما مرغمتين - كما في حسن زرارة عن أبي جعفر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2) - لا يحصل إلا بقصد التقرب، فتأمل. ومنها: أن قصد التقرب حاصل بحيث يعد التنبيه عليه مستهجنا في العرف،


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 2 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 628 ]

[... ] وذلك لأن السجود والذكر ليس مما يترتب عليه غرض دنيوي من إرضاء شهوة أو دفع مرض أو غير ذلك إلا ما كان منه رياء ومقتضى إطلاق بعض الروايات بطلان ما يؤتى به رياء، فتأمل. قال (قدس سره) في الجواهر: لا يجب فيهما تعيين السبب، وفاقا للذخيرة والكفاية، وخلافا لنهاية الفاضل على ما حكي عنها والذكرى وغيرهما (1). أقول: ما ذكره جيد، للإطلاق والبراءة على تقدير عدمه. وقال (قدس سره) في العروة بعد الحكم بعدم وجوب تعيين السبب: إنه لا يجب الترتيب (2). أقول: هو داخل في الأول، فإنه تعيين للسبب من حيث التقدم والتأخر، فالمقصود أنه لا يجب تعيين السبب بحسب النوع ولا بحسب الشخص ولا بحسب التقدم والتأخر، ولا تعيين المسبب بقصد الأمر الحاصل من السبب الخاص أو من الأول. قال (قدس سره) في الجواهر: لا فرق بينه وبين ما لو عين غير ما وقع من السهو سهوا، إذ الكلام مثلا سبب للسجدتين لا أنه قيد في المأمور به (3). وقد فصل (قدس سره) في العروة بأنه: إن كان على وجه التقييد وجبت الإعادة، وإن كان من باب الاشتباه في التطبيق أجزأ (4).


(1) الجواهر: ج 12 ص 443. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 4. (3) الجواهر: ج 12 ص 443. (4) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 5.

[ 629 ]

[... ] أقول: ظاهر العروة انحصار صورة الاشتباه في قسمين، والظاهر أن له قسمان آخران: أحدهما عدم تحقق صورة في النفس إلا ما تخيله خطأ لكن الحالة النفسانية التي فيه تكون بمثابة لو كان المسهو غيره لسجد أيضا، وذلك لا يكون من التقييد ولا من الخطأ في التطبيق. ثانيهما أنه لو كان المسبب غيره لكان مقتضى حالته النفسانية هو التردد لا العزم على الترك. والصحيح هو الصحة في جميع الصور كما هو ظاهر إطلاق كلام الجواهر (1) والمفتى به صريحا في كلام غير واحد من أصحابنا في التعليق على العروة. والوجه في ذلك أن العمل قد اتي به في الخارج مقرونا بقصد التقرب، ولا وجه لعدم صحته حينئذ. وتعليله كما في المستمسك ب‍: " بطلان التعبد به، لانتفاء المقيد بانتفاء قيده " (2) مورد للمناقشة، من جهة أن التعبد وهو قصد التقرب ليس مقيدا لبا بالواقع، وإلا لم يكن متحققا في الخارج، لعدم إمكان وجود المعلول في فرض عدم المقتضي وهو الداعي القربي، والمفروض عدم داع آخر في البين، مع أن تقيد العرض الذهني أو الوجود الذهني بالخارج محال في ترتب الإرادة، فإنها تتعلق بالعلم لا بنفس الخارج، فالتعبد موجود مطلقا لا محالة. نعم، يبقى كلام آخر اعتمد عليه (قدس سره) في مصباح الفقيه من أن الأمر الذي دعاه لم يكن له حقيقة، وما كان محققا لم يصر داعيا. ومحصله أن المعتبر في العبادة أن تكون بداعي الأمر الحقيقي الواقعي لا بداعي الأمر التخيلي (3). وهو أيضا ممنوع جدا، إذ لا دليل على أزيد من حصول التقرب ولو كان


(1) الجواهر: ج 12 ص 443. (2) المستمسك: ج 7 ص 551. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 594.

[ 630 ]

[... ] بداعي الأمر التخيلي. مع إمكان أن يقال في المقام: إن التقييد إن كان في ناحية ما هو الشرط للتحريك من دون أن يكون ذلك موجبا لتقيد ما هو المحرك فالمحرك هو الأمر الواقعي الموجود دون تخيل الأمر، فإن كان السبب مثلا هو الكلام يتحرك العبد من الأمر الموجود في البين المقطوع بوجوده ولو لم يكن السبب هو الكلام. والتضييق الآتي من ناحية الشرط لا يقتضي إلا تأثير الأمر الموجود في فرض تخيل كون السبب هو الكلام في المثال، فالتحرك بالأمر الموجود كالدخول في الدار الموجودة بتخيل أنها دار صديقه وكالسلام على الشخص الموجود بتخيل أنه صديقه على وجه التقييد، فإن فرض بطلان العبادة في المقام فلابد من بطلان التحية في مورد النقض ولا أظن منه الالتزام بذلك في ما هو جهة تعليلية قطعا. مع أنه يمكن أيضا دفع الإشكال المذكور - على فرض التضييق في ناحية الأمر الذي هو المحرك - بقصد التحرك من الأمر الموجود المعلوم على كل حال من باب الخطأ في تطبيق مقصوده على الأمر الموجود، فالخطأ في التطبيق يتصور في صورة التقييد أيضا، فتأمل فإنه لا يخلو عن دقة. هذا كله في صورة وحدة السبب. وأما لو فرض التعدد وقلنا بأن تعدد السبب موجب لتعدد سجدتي السهو فقد اختار (قدس سره) في الجواهر لزوم تعين ما ولو من حيث السبق واللحوق، فإن التعين يحتاج إلى التعيين بالقصد ومع عدم التعين لا يصدق الامتثال. واحتمال عدم التعين واقعا فيكون في صورة التعدد من قبيل الأمر بصوم أيام وضرب رجال مدفوع بأنه خلاف الظاهر المنساق من الدليل (1).


(1) الجواهر: ج 12 ص 445.

[ 631 ]

[... ] وفيه: أنه مقتضى الإطلاق، فإن مقتضى كون المأمور به هو سجدتي السهو: عدم دخالة أمر آخر فيه إلا ذلك، وعلى فرض عدم الإطلاق يرجع إلى البراءة عن وجوب التعيين. ولو عين المكلف في ما قلناه من عدم التعين فالظاهر عدم حصوله بذلك بحيث يتعين الباقي في غير ماعينه، بل لو عينه مع التوجه إلى عدم التعين لكان تشريعا. والظاهر عدم لزوم نية أنها من جهة السهو، لعدم الدليل على ذلك. وأما إضافة السجدة إلى السهو في غير واحد من الأخبار كخبر سفيان: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (1) فلا يكون صريحا ولا ظاهرا في أن الإضافة باعتبار لزوم قصد المكلف أن الإتيان بهما من جهة السهو الواقع في الصلاة، بل يحتمل أن يكون باعتبار أن سبب إيجابهما السهو، وإن شك في ذلك فإطلاق غيره كخبر معاوية بن عمار " يسجد سجدتين بعد التسليم " (2) يدفعه، ومع فرض الغض عنه فعدم الاعتبار مقتضى أصالة البراءة. والظاهر أنه لا إشكال في قصد تعيين كونه للسهو بمعنى العزم على الإتيان به من حيث الذكر والتشهد بالكيفية الواردة في سجدتي السهو، وأما قصد التعين بمعنى أن لا يصح أن يجعله للتلاوة فغير معين، ومع التوجه إلى عدم الدليل تشريع كما تقدم في مسألة تعيين السبب. كما أن الظاهر أيضا عدم لزوم ملاحظة الترتيب على فرض لزوم التعيين، كل ذلك لعدم الدليل.


(1) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 1 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 632 ]

[... ] قال (قدس سره) في الجواهر: إن الأصح عدم التداخل إذا تعدد السبب اختلف الجنس أو اتحد، الذي هو خيرة التحرير والتذكرة والذكرى والدروس والبيان والموجز وحاشية الألفية للكركي وعن غيرها، خلافا لما عن ظاهر المبسوط في أول كلامه من التداخل مطلقا، واختاره في الذخيرة والكفاية، ولما عن السرائر من التداخل في متحد الجنس دون مختلف الجنس (1). انتهى. أقول: بنى غير واحد مسألة لزوم التعدد وعدمه على مسألة تداخل الأسباب والمسببات وعدمه، فإن قلنا بعدم التداخل لا في السبب ولا في المسبب فلابد من اختيار القول الأول، وإن قلنا بعدم التداخل في المسبب والتداخل في السبب فلابد من ترجيح التفصيل المنقول عن السرائر، وإن قلنا بالتداخل في المسبب أو به وبالتداخل في السبب فلازمه الذهاب إلى القول الثاني. ونحن وإن اخترنا التداخل في المسبب في الاصول إلا أنا نقول بالتعدد في المقام، والدليل على ذلك ورود الدليل على ما هو المرتكز عند العقلاء، فإن مرتكز العقلاء في ما يكون من قبيل التخلفات والجرائم تعدد الجريمة، فكما أن الأحكام الواردة في باب النجاسات والطهارات من حيث طريق التنجيس والتطهير تقاس إلى القذارات والتنظيفات العرفية وموكولة إلى العرف كذلك في الباب. وتلك قاعدة في باب الاستظهار عليها المدار. ثم إنه لو قلنا بعدم التداخل فليس مقتضاه تعدد السجدتين، فإن المسبب هو الأمر، ومقتضى التعدد في المسبب تعدد حقيقة الأمر، ومقتضاه تأكد وجوب


(1) الجواهر: ج 12 ص 444.

[ 633 ]

[... ] الإتيان بهما، وليس مفاد الأمر هو الطلب المحدود بعدم طلب آخر كما هو واضح. وقد فصلنا القول في ذلك في كتاب مباني الأحكام في اصول شرائع الإسلام وله الحمد المتواصل. يظهر من الجواهر أنه لو تعدد المسهو ولو كان السهو واحدا يتعدد السبب خلافا لما نقله عن الذكرى (1). وفي العروة: الكلام الواحد موجب واحد وإن طال. نعم، إن تذكر ثم عاد تكرر (2). وفي مسألة اخرى حكم بتكرره بتكرر كل فرد من المسهو وإن كان السهو واحدا (3). أقول: الصور الموجبة للتعدد أو المحتمل لذلك خمسة: الاولى: أن يكون السهو متعددا والمسهو أيضا متعددا بالنوع، كما إذا سها عن السجدة الواحدة - مثلا - في الركعة الاولى وزاد تشهدا في الركعة الثانية. الثانية: صورة تعدد السهو والمسهو من حيث الفرد وإن كان متحدا من حيث الجنس، كما إذا سها فتكلم بكلام أجنبي في الركعة الاولى ثم تذكر فسها في الركعة الثانية وتكلم أيضا بكلام خارج عن الصلاة. والظاهر أن الصورتين مشتركتان في عدم إشكال في لزوم التعدد بناء على المفروض في تلك المسألة من أصالة عدم التداخل مطلقا. نعم، الفرق بينهما في الحكم بعدم التداخل ولو على قول صاحب السرائر والحكم بالتداخل على


(1) الجواهر: ج 12 ص 444. (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 2. (3) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 3.

[ 634 ]

[... ] مسلكه، فتفترق الصورتان من جهة التداخل في السبب في الثانية دون الاولى، لامن جهة عدم صدق التعدد. الثالثة: تعدد السهو من دون تعدد المسهو، وهو الذي تقدم نقله عن العروة. الرابعة: تعدد المسهو من حيث الفرد لا من حيث النوع، كالحمد والسورة أو القراءة والتكبير فإن كل ذلك كلام من دون تعدد السهو، بأن كان منشأ جميع ذلك السهو عن السجدة الأخيرة، وهو المفروض في العروة (1). الخامسة: تعدد المسهو بحسب النوع من دون تعدد السهو. وفي الصور الثلاثة الأخيرة إشكال، من جهة أن العام الذي ترتب عليه وجوب سجود السهو هل هو منتزع عن كل سهو موجب للخلل أو هو منتزع عن كل خلل أوجده السهو أو يكون مترتبا على كليهما؟ لا يبعد أن يقال: إن مقتضى مثل رواية سفيان بن سمط المتقدم (2) هو الثاني ومقتضى روايتي معاوية بن عمار وعمار (3) هو الأول فيؤخذ بهما فيترتب عليه الفرعان المتقدمان عن العروة. إن قلت: إن مقتضى العنوانين لزوم سجدتي السهو مرتين في ما إذا كان السهو والمسهو متعددا، لصدق العنوانين. قلت: لا شك أن المقتضي للسجدة هو الذي لم يؤت بمقتضاه، ولا شك أيضا أنه بناء على وجود الملاك في السهو أيضا ليس ملاكه السهو غير المتعقب للخلل بالضرورة بل هو السهو المتعقب له، وحينئذ إذا أتى بسجدتي السهو مرتين يكفي، لأن السهو الخالي عن الخلل والخلل غير الناشئ من السهولا يقتضيان سجدتي


(1) كتاب الصلاة، الفصل 55، المسألة 3. (2) في ص 631. (3) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 1 و 2 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 635 ]

[... ] السهو، وبعد الإتيان بهما مرتين لا يبقى سهو موجب للخلل الذي لم يأت بمقتضاه إن كان الإتيان بهما للخلل وإن كان للسهو الموجب للخلل فلا يبقى خلل ناش عن السهو. إن قلت: مقتضى ذلك كفاية مرة واحدة في ما إذا كان السهو متعددا والخلل شئ واحدا، لأن السجدتين إذا أتى بهما للخلل الواحد فالسهو بحكم السهو الخالي عن الخلل كما مر. قلت: يمكن أن يقال بتعدد الخلل عرفا إذا كان منشأ ذلك سهوان فكأنهما داعيان متعددان، كما أنه يمكن أن يقال: إن العام كل سهو موجب لخلل ما - كان متعددا أو واحدا - فالسهو والخلل بنحو الإهمال يؤتى بمقتضاه، كما أن العام في طرف الخلل كل خلل ناش عن سهو ما يوجب سجدتي السهو، فالذي اجيب مقتضاه هو السهو في الجملة لا كل واحد من السهوين. إن قلت: إن مقتضى ما ورد في نقص الركعة سهوا - الموجب لتعدد الخلل من التشهد والسلام والكلام، الحاكم بكفاية السجدتين مرة واحدة - أن الملاك هو السهو وليس لتعدد المسهو مدخلية في الإيجاب. قلت: هي الأخبار المتضمنة لسهو النبي (صلى الله عليه وآله) (1)، وهي مخالفة للمعتبر المصرح بعدم صدور سجدتي السهو منه (صلى الله عليه وآله) ولا من فقيه (2)، مع أن مقتضى خبر سعيد الأعرج (3) أن السجدتين إنما هما لمكان الكلام فهما من جهة المسهو، إلا أن مقتضاه عدم السجدتين للتشهد والسلام غير الواقعين في محلهما،


(1) راجع الوسائل: ج 5 ص 307، الباب 3 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 310 ح 13 من ب 3 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 311 ح 16 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 636 ]

[... ] فيحمل على أن التشهد والسلام الزائدين لا يوجبان السجدتين عند الاجتماع للكلام الأجنبي عن الصلاة أو لا يكون سجود السهو واجبا حينئذ أو لا يكون مستحبا مؤكدا. وكيف كان، فهو قاصر عن إفادة المطلوب. والله العالم. هذا. ولكن ليس مقتضى ما ذكرناه هو الإتيان بهما مرتين عند نسيان الحمد والسورة، وذلك لصدق العنوان الواحد على المجموع فيدخل بذلك مجموع نسيان القراءة في عام " كل نقيصة "، فإذا أتى بالسجدتين مرة واحدة لم يبق في البين نقيصة غير متداركة بالسجدتين، ولو بني على الأخذ بكل عنوان قابل للاستقلال فالبسملة أيضا عنوان مستقل، بل كل آية أيضا كذلك، بل التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد كل ذلك عناوين مستقلة فيجب سجدتا السهو أربع مرات لنسيان واحدة من التسبيحات الأربعة، وهو خلاف الضرورة. والحل ما ذكرناه، فإن كل ذلك وإن كان داخلا في عنوان النقيصة فالقراءة باعتبار وحدتها نقيصة وكل واحد من الحمد والسورة أيضا نقيصة لكن إذا أتى بهما مرة واحدة فقد أتى بمقتضى نقصان القراءة فلا يبقى في العام نقيصة غير متداركة. قال (قدس سره) في الجواهر: الأصح عدم التداخل في أسباب السجود اتحد الجنس أو اختلف، خلافا لما عن ظاهر المبسوط في أول كلامه من التداخل مطلقا واختاره في الذخيرة والكفاية، وخلافا لما عن السرائر من التفصيل بين متحد الجنس فالتداخل ومختلف الجنس فعدمه (1). انتهى محررا وملخصا. أقول: قد بنى غير واحد من الأصحاب تلك المسألة على مسألة التداخل


(1) الجواهر: ج 12 ص 444.

[ 637 ]

[... ] وعدمه المبين في الاصول: فإنه لو قلنا بعدم التداخل من حيث السبب - بمعنى ظهوره في كون كل فرد سببا لتحقق المسبب - ولا من حيث المسبب (بمعنى أن كل سبب يقتضي مسببا خاصا غير ما هو مقتضى السبب الآخر) فلابد أن يقال هنا بتعدد سجود السهو، سواء كان المتعدد من جنس واحد كالكلام السهوي الصادر منه في الركعة الاولى والثانية مثلا أو من جنسين كالزيادة في الركعة الاولى والنقيصة في الثانية مثلا. ولو قلنا بالتداخل من حيث المسبب فلابد من اختيار القول الثاني وهو الاكتفاء به مرة واحدة مطلقا. وإن قلنا بعدم التداخل من حيث المسبب والتداخل من حيث السبب (بأن يكون السبب مثلا صرف طبيعة الكلام لا كل فرد من أفراد الطبيعة) فلابد من اختيار القول الثالث المحكي عن السرائر. ولكن يمكن أن يقال: إن ظاهر الدليل في المقام هو عدم التداخل ولو قلنا بأن الأصل الأولي هو التداخل - أي مع عدم قرينة في البين - كما هو الحق عندي، خلافا لجملة من الفحول ووفاقا للسيد الاستاذ الطباطبائي البروجردي في درسه والوالد الاستاذ العلامة (قدس سرهما) في أوائل أمره وإن رجع عنه وذهب إلى عدم التداخل بعد ذلك على ما في صلاته (1) وتعليقه على الدرر (2). والوجه في عدم التداخل في المقام هو قياس ذلك بحسب ما هو المرتكز عند العرف على الجرائم والجريمات والإرجاع إلى العرف في ما هو سنخ الموضوع الشرعي من القواعد المبنية عليها فروع كثيرة في باب الطهارات والقذارات،


(1) كتاب الصلاة للحائري المؤسس (قدس سره): ص 411. (2) درر الفوائد: ص 174.

[ 638 ]

[... ] ومن ذلك يقال بتعدد الكفارة عند تعدد السبب. ثم لو قلنا بأن الأصل عدم التداخل فلا يجدي في المقام، فإن المسبب هو إيجاب السجدتين، ومقتضى عدم التداخل تعدد الإيجاب المقتضي للتأكد. ودعوى " أن مقتضى تعدد الإيجاب تعدد المتعلق، إذ لا يمكن تعلق إيجابين بماهية واحدة " مدفوعة بعدم ظهور الطلب في المحدود المستلزم لعدم طلب آخر، ومقتضى ذلك هو التأكد لا وجوب السجدتين مرتين. قال (قدس سره) في الجواهر: ظاهر جميع من تعرض للمسألة تقدم قضاء الجزء المنسي على سجود السهو وإن تقدم سبب السجود، إلا الشهيد الثاني في المقاصد (1). انتهى محررا. أقول: الوجه في ذلك يتم بمقدمتين: إحداهما: دلالة غير واحد من الأخبار على أن سجدتي السهو تكونان بعد السلام، الظاهر في كون المراد بعد الفراغ عن الصلاة، فإن المستفاد منه عرفا أنه لو سها عن السلام وفات محله يجب عليه سجدتا السهو للسهو الواقع في الصلاة بالنسبة إلى غير السلام أو بالنسبة إلى نفس نسيان السلام، فكونه بعد السلام كناية في العرف عن الفراغ. ثانيتهما: مقتضى مثل معتبر إسماعيل بن جابر (2) ومعتبر عبد الله بن سنان (3) - الحاكم في الأول بأنه " قضاء " وفي الثاني بقوله " فاصنع الذي فاتك " - كون


(1) الجواهر: ج 12 ص 446. (2) الوسائل: ج 4 ص 968 ح 1 من ب 14 من أبواب السجود. (3) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 1 من ب 26 من أبواب الخلل.

[ 639 ]

[... ] المنسي هو من أجزاء الصلاة ولو حكما وتنزيلا، فلم يفرغ بعد من الصلاة. ويستدل أيضا بخبر جعفر بن بشير، قال: سئل أحدهم عن رجل ذكر أنه لم يسجد في الركعتين الأولتين إلا سجدة وهو في التشهد الأول، قال: " فليسجدها ثم لينهض، وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم فليسجدها ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو " (1). من جهة الأمر بالإتيان بالسجدة قبل سجدتي السهو. ورد ذلك - كما في المستمسك (2) - بأنه متضمن لخلاف مبنى الأصحاب من جهة الحكم بالإتيان بقضاء السجدة في أثناء الصلاة قبل السلام. وفي الاستدلال والإيراد نظر واضح، إذ ليس مورد الرواية نسيان السجدة من الركعتين الأولتين، بل المقصود بحسب الظاهر نسيان السجدة من تلك الركعة، فالمقصود من قوله " وإذا ذكره " أي وقع نسيان السجدة من الركعة التي هو فيها في التشهد الثاني نظير ما وقع عنه في التشهد الأول. ويحتمل أن يكون المقصود من الشرطية الاولى نسيان سجدات ثلاثة كما لعله الظاهر من قوله: " لم يسجد في الركعتين الأولتين إلا سجدة " وحينئذ يأتي بالسجدتين ويبقى عليه قضاء سجدة واحدة لكن لم يتعرض للقضاء. وكيف كان، فهو أجنبي عن المطلوب وهو نسيان السجدة من الركعة التي مضى عنها. وأما الإيراد فإنه على تقدير صحة الاستدلال فالاشتمال على خلاف المبنى غير مضر عندهم، لأن بناءهم على التفكيك في مقام الحجية.


(1) الوسائل: ج 4 ص 970 ح 7 من ب 14 من أبواب السجود. (2) المستمسك: ج 7 ص 532.

[ 640 ]

[... ] وقد يستدل على العكس - أي تقديم سجدتي السهو على القضاء - بخبر علي ابن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه: " وإن لم تذكر [ أي التشهد ] حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثم تشهد التشهد الذي فاتك " (1). وبمقتضى عدم الخصوصية للتشهد يسري الحكم بالنسبة إلى غيره من الأجزاء كأبعاض التشهد والسجدة. لكنه غير ثابت الحجية، من جهة البطائني الملعون بحسب ما ورد الكاشف عن عدم ثبوت ملكة العدالة من أول الأمر، وإلا لم يكن يذكر موت أبي إبراهيم (عليه السلام) بداعي عدم تأدية المال إلى الولي من بعده، والمقصود من ذلك أن نقل الأصحاب رواياته قبل انحرافه لعله من جهة عدم التوجه لتلك النكتة: من عدم حجية حسن الظاهر بالنسبة إلى ما مضى أيضا مع الاطمينان بعدم ثبوت ملكة العدالة من أول الأمر، لأن الطريق حجة إذا لم ينكشف الواقع. مع أن إلقاء الخصوصية غير واضح، إذ من المحتمل أن يكون المقصود هو الاكتفاء بالتشهد الواقع بعد سجدتي السهو لقضاء التشهد. هذا بالنسبة إلى قضاء الأجزاء المنسية. وأما بالنسبة إلى صلاة الاحتياط فلابد من التأخير عنها. وذلك لمجموع أمرين: أحدهما: دلالة الدليل - كرواية القداح (2) - على كون سجدتي السهو بعد


(1) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 2 من ب 26 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 3 من ب 5 من أبواب الخلل.

[ 641 ]

[ قال (قدس سره): ويكبر مستحبا (1). * ] التسليم، الظاهر في كون المقصود هو السلام الذي يتم به الصلاة، لوضوح أنه لو كان المقصود أصل السلام لجاز أن يؤتى بهما بعد السلام على النبي (صلى الله عليه وآله)، فالمقصود بحسب ما هو المتفاهم منه عرفا هو بعد السلام المفرغ. ثانيهما: ما ورد من أن صلاة الاحتياط هي تمام الصلاة، لقوله (عليه السلام) في موثق عمار: " فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت " (2). وقوله (عليه السلام) على ما في خبره الآخر: " وإن ذكرت أنك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت " (3). وفي معتبر ابن أبي يعفور: " وإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة " (4). لكن مقتضى ذلك أنه لو أتى بالسجدتين قبل صلاة الاحتياط فأتى بها ثم انكشف تمامية الصلاة لما احتاج إلى الإعادة، لتمامية الصلاة حينئذ والله العالم. * كما نص عليه الفاضلان والشهيد وغيرهم، بل في الرياض أنه المشهور على ما في الجواهر، وفيها: أنه قد يتوقف في استحبابه (5). أقول: بل ظاهر قوله في القواعد: " ولا تكبير فيهما " (6) عدمه. وفي الجواهر: إنه يظهر من المحكي عن المبسوط وجوبه ومن المحكي عن نهاية الفاضل


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) الوسائل: ج 5 ص 317 ح 1 من ب 8 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 323 ح 2 من ب 11 من أبواب الخلل. (5) الجواهر: ج 12 ص 447 - 448. (6) القواعد: ج 1 ص 308.

[ 642 ]

[... ] الإشكال في وجوبه (1). أقول: أما الدليل على عدم الوجوب فظاهر، فإن الأخبار الكثيرة الآمرة بسجدتي السهو - خصوصا ما كان متعرضا لكيفية ذلك - خالية عن الأمر بالتكبير. ويدل أيضا على عدم الوجوب موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: " لا، إنما هما سجدتان فقط، فإن كان الذي سها هو الإمام كبر إذا سجد، وإذا رفع رأسه ليعلم من خلفه أنه قد سها... " (2). فإنه يدل على عدم التكبير للمنفرد وللإمام، فإن مفاده أنه فيه من جهة الإعلام لا من باب كونه من متعلقات سجدتي السهو، بل الظاهر منه عدم الاستحباب أيضا، فإن التكبير للإعلام بحسب الارتكاز غير واجب، إذ ليس الإعلام بحسب ما هو المتفاهم عرفا من الواجبات، فإثبات التكبير المستحب للإعلام ونفي التكبير مطلقا عن سجدتي السهو ظاهر في نفي الاستحباب، لكن لا يساعد ذلك نفي التشهد في الذيل أي قوله " ولا فيهما تشهد " مع قيام الدليل - كما يجئ إن شاء الله تعالى - على محبوبية التشهد، إلا أن يقال في معنى خبر عمار - الذي لا يخلو غير واحد من رواياته عن الاختلال -: إن الذيل راجع إلى نفي التشهد والتسبيح في سجدتي السهو الذي يأتي به الإمام في وسط الصلاة موافقا للعامة كما هو المستشعر من الخبر من حيث إعلام المأمومين، وأما الصدر الظاهر في عدم الاستحباب مربوط بأصل سجدتي السهو. والله العالم. وكيف كان، فقد ظهر عدم الدليل على الاستحباب فكيف بالوجوب،


(1) الجواهر: ج 12 ص 448. (2) الوسائل: ج 5 ص 334 ح 3 من ب 20 من أبواب الخلل.

[ 643 ]

[... ] بل المستفاد من الموثق عدم الاستحباب. ويمكن أن يستدل على الاستحباب بما تقدم الإيماء إليه من فتوى الشيخ (قدس سره) في المبسوط الكاشفة عن وجود خبر ولو كان ضعيفا، فيقال به من باب التسامح في أدلة السنن، لكن كشفه عن ذلك مشكل، لأن الحدس المشار إليه معارض بحدس آخر يكشف من عدمه، وهو عدم فتوى غيره بالوجوب وعدم وجود رواية اخرى في كتب الروايات غير ما بأيدينا، فالاستحباب ولو من باب التسامح في أدلة السنن مشكل، لكن الإتيان به رجاء موجب للمثوبة الانقيادية بإذنه تعالى وفضله. وأما الاستدلال لذلك بخبر عمرو بن خالد عن زيد عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام)، قال: " صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر خمس ركعات ثم انفتل، فقال له القوم: يا رسول الله هل زيد في الصلاة شئ؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات، قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع، ثم سلم وكان يقول: هما المرغمتان " (1). فمدفوع بامور: منها ضعف السند، لأن الحسين بن علوان وعمرو بن خالد كلاهما من رجال العامة على ما يقال. ومنها ضعف الدلالة، فإن تكبير رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يدل على كونه من متعلقات سجدتي السهو فلعله كبر الله تعالى ذكرا وشكرا. ومنها معارضته بما تقدم من معتبر زرارة من نفي سجدتي السهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مده عمره الشريف وأنه لا يسجدهما فقيه (2)، فراجع وتأمل.


(1) الوسائل: ج 5 ص 333 ح 9 من ب 19 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 310 ح 13 من ب 3 من أبواب الخلل.

[ 644 ]

[... ] قال (قدس سره) في الجواهر: وأما السجود على الأعضاء السبعة فقد صرح به في القواعد وغيرها، بل نسب إلى المفيد وجم غفير ممن تأخر عنه (1). أقول: ويدل على ذلك وجهان: أحدهما: صحيح زرارة، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): السجود على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، والإبهامين من الرجلين، وترغم بأنفك إرغاما " (2). ويقرب منه غيره. فإن الظاهر أن ما ذكره (عليه السلام) في الخبر الشريف شرائط أصل السجود لا السجود الواقع في الصلاة، ولا وجه للانصراف بعد كون سجود السهو وسجود التلاوة من الأفراد الشائعة، وصرف كون الفرد الغالب هو السجدة الصلاتية لا يوجب الانصراف كما هو واضح ومحقق في محله. ثانيهما: أنه لو سلمنا الانصراف إلى السجود الصلاتي فلا ريب أن قاعدة الانصراف إلى الفرد الغالب في المخترعات الشرعية التي هي محكمة في جميع الأبواب - من الصلاة والصوم والغسل والوضوء والتيمم - هو الانصراف إلى السجود الصلاتي، فإذا ورد " اسجد سجدتي السهو " فلا ريب أن المراد هو السجدة الواردة في الصلاة لا مطلق ما يصدق عليه اسم السجدة في اللغة، كما أن الأمر في الصلاة والصوم كذلك. إن قلت: إن السجود في الشرع مختلف، فإنه لم يثبت لزوم السجدة


(1) الجواهر: ج 12 ص 448. (2) الوسائل: ج 4 ص 954 ح 2 من ب 4 من أبواب السجود.

[ 645 ]

[... ] على الأعظم السبعة في سجدتي التلاوة والشكر. قلت أولا: إن المأمور به في المقام هو السجدتان، وهما في الصلاة لا في التلاوة بل ولا في الشكر، فتأمل. وثانيا: إن الفرد الغالب المتعارف الذي هو الأصل في مرجعية المفاهيم في مثل السجدة والركوع وغيرهما هو السجدة الصلاتية لا غير. وثالثا: إن عدم الشرطية في سجدتي التلاوة والشكر غير واضح، فإن الوارد في الاولى - وهي خبر الحلبي المجوز لأن يسجد من دون الشرط المذكور - إنما هو في حال الركوب لا في حال السكون، ويجئ أن الجلوس واجب في سجدتي السهو، ولعل الظاهر منه الجلوس المتعارف لا الجلوس على ظهر الدابة، فتأمل. إن قلت: مقتضى الانصراف إلى السجود الصلاتي التخيير بين السجود على الأرض والإيماء، لأن الثاني أيضا مشروع في الصلاة الاستحبابية في حال المشي. قلت: الأمر بالسجود مفروض فيه، والإيماء ليس في العرف سجودا بل هو بدل عن السجود، مع أنه في المستحب، وسجود السهو ليس بمستحب في كثير من الموارد على المشهور، مع أنه لا بد فيه من الجلوس كما يجئ إن شاء الله. ولا يعارض ما ذكرناه بإطلاق دليل السجود، لمكان الانصراف القطعي المذكور، مضافا إلى معهودية سجدتي السهو من عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) كما هو المستفاد من الأخبار والآثار. قال (قدس سره) في الجواهر: ناقلا عن المحكي عن مجمع البرهان: لعله لا خلاف في وجوب الجلوس بينهما مطمئنا (1). أقول: ويمكن أن يستدل على ذلك بأمرين:


(1) الجواهر: ج 12 ص 450.

[ 646 ]

[... ] أحدهما: ما في حسن زرارة وصحيح أبي بصير من الأمر بسجدتي السهو " وهو جالس " أو " وأنت جالس " (1). ولا يعارض ذلك بإطلاق باقي الأخبار، لاحتمال معهودية الكيفية من حيث الهيئة. ثانيهما: الانصراف إلى الهيئة المعهودة في السجود الصلاتي. لكن الأحوط هنا مراعاة الجلوس قبل السجدتين وما بينهما وبعدهما: أما الأول فلأنه الظاهر من الخبرين بأن يقال: إن معنى الإتيان بالسجدتين في حال الجلوس لزوم أن يكون كل من السجدتين عن جلوس. وأما الثاني فللقياس بالسجدة الصلاتية، بناء على وجوب جلسة الاستراحة في الصلاة بعد السجدتين. والاحتياط الثاني ضعيف من جهة المقيس عليه ومن جهة القياس، لعدم وضوح كون جلسة الاستراحة بعد السجدتين شرطا للسجدة. وأما الطمأنينة فلا دليل عليها في الجلوس بين السجدتين في الصلاة فكيف بالمقيس عليه! فالظاهر عدم لزومها. وأما الطمأنينة في حال الذكر في السجدتين فيمكن القول بوجوبها على تقدير وجوب الذكر بل على تقدير عدم وجوبه بمعنى الشرطية، لأنه شرط في الذكر الواجب في السجود الصلاتي، فهو مقتضى قياس الذكر الوارد فيهما بالذكر الوارد في سجدتي الصلاة. وأما إقامة الصلب والاستتمام جالسا في حال الجلوس فكونها شرطا للسجدة غير واضح، بل مقتضى بعض الأخبار أنها شرط للصلاة كصحيح زرارة، قال:


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 2 و 3 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 647 ]

[... ] قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: " وقم منتصبا، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له " (1). فوجوبها في الجلوس الذي بينهما أو في مطلق جلوسهما غير واضح. قال (قدس سره) في الجواهر إنه: قال المحقق الثاني وصاحب المدارك والخراساني وعن غيرهم: يجب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فيه (2). أقول: ويدل عليه إطلاق صحيح هشام بن حكم، وفيه: " السجود لا يجوز إلا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلا ما اكل أو لبس " (3). بل لو لا الإطلاق المذكور يدل عليه التعليل الوارد في ذيل الصحيح المشار إليه، قال (عليه السلام): " لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها " (4). ويدل عليه - مع الغض عن السند - خبر تحف العقول، وفيه: " وكل شئ يكون غذاء الإنسان في مطعمه أو مشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه ولا السجود " (5).


(1) الوسائل: ج 4 ص 694 ح 1 من ب 2 من أبواب القيام. (2) الجواهر: ج 12 ص 448 - 449. (3 و 4) الوسائل: ج 3 ص 591 ح 1 من ب 1 من أبواب ما يسجد عليه. (5) الوسائل: ج 3 ص 593 ح 11 من ب 1 من أبواب ما يسجد عليه.

[ 648 ]

[... ] تقريب الاستدلال أن عطف " السجود " على " الصلاة عليه " مشعر بالمغايرة فلابد أن يكون المقصود به السجود غير الصلاتي، فتأمل. وأما الطهارة والاستقبال وعدم الموانع - من الضحك والاستدبار - ففي الجواهر عن الذكرى والدروس وغير ذلك: أنه يجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة عدا الذكر، فتندرج حينئذ الطهارة وغيرها كما نص عليه بعضهم (1). أقول: لا دليل على اشتراط الشرائط والموانع الصلاتية وجودا وعدما في سجدتي السهو، إذ ما هو شرط في الصلاة غير ما هو شرط في السجود بما هو سجود، نعم، ورد الدليل على لزوم أن يكون سجدتا السهو بعد السلام وقبل الكلام، وهو لا يدل على أزيد من مانعية الكلام كما يأتي، ولا وجه للقياس بعد احتمال الخصوصية من جهة أن عمدة الصلاة هي الكلام الذكري والقرآني والدعائي الموجب لارتباط العبد بالخالق المتعالي، وعمدة ما يوجب التوجه إلى غير الله تعالى مما هو متعارف بين الناس هو كلام الآدمي فإنه مفتاح الحوائج الدنيوية. قال (قدس سره) في الجواهر: وأما التشهد فالمشهور نقلا وتحصيلا وجوبه، بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه كالذكرى وعن غيرها، بل في المعتبر وعن المنتهى الإجماع عليه، خلافا للعلامة (قدس سره) في المختلف (2). أقول: ويستدل عليه بمعتبر الحلبي وفيه:


(1) الجواهر: ج 12 ص 449. (2) الجواهر: ج 12 ص 450.

[ 649 ]

[... ] " واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة فتشهد فيهما تشهدا خفيفا " (1). وحسن سهل بن اليسع عن الرضا (عليه السلام) وفيه: " ويتشهد تشهدا خفيفا " (2). وموثق سماعة عن أبي بصير، قال: سألته عن الرجل ينسى أن يتشهد، قال: " يسجد سجدتين يتشهد فيهما " (3). ومعتبر الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه: أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى في صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهد فيهما؟ قال: " ليس النافلة مثل الفريضة " (4). لكن ربما ينافي ذلك موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ففي صدره: " لا، إنما هما سجدتان فقط ". وفي ذيله: " وليس عليه أن يسبح فيهما، ولا فيهما تشهد بعد السجدتين " (5). وخبر علي بن أبي حمزة عنه (عليه السلام) في التشهد المنسي، وفيه:


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 ح 4 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 325 ح 2 من ب 13 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 996 ح 6 من ب 7 من أبواب التشهد. (4) الوسائل: ج 4 ص 997 ح 1، الباب 8 من أبواب التشهد. (5) الوسائل: ج 5 ص 334 ح 3 من ب 20 من أبواب الخلل.

[ 650 ]

[... ] " فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثم تشهد التشهد الذي فاتك " (1). الظاهر في أن التشهد هو تدارك للمنسي، وأما نفس سجدتي السهو فلا تشهد فيهما، بل ما تقدم نقله (2) في مورد نسيان التشهد استدلالا على المشهور لا يخلو عن إشعار بل ظهور في أن للمورد خصوصية للإتيان بالتشهد، ولو كان ذلك من باب لزوم التشهد في مطلق سجدتي السهو لكان المناسب ذكر باقي شرائطه وآدابه من الجلوس والذكر، فالمظنون أن المقصود هو الإتيان بالسجدتين المتعارف بين المسلمين إلا أنه يتشهد فيهما في خصوص نسيان التشهد. وفي مقام الجمع بين الطائفتين قد يقال بطرح موثق عمار، لإعراض المشهور عنه، وعدم حجية خبر ابن أبي حمزة لما مر، وعدم ظهور ما تقدم في أن التشهد إنما هو في خصوص نسيان التشهد. لكنه مشكل، من جهة أن الشيخ (قدس سره) حمله على نفي التشهد الأول، ومقتضى ذلك هو الجمع لا الإعراض. وقد يقال - كما في مصباح الفقيه (3) - بالتعارض بين ما يدل على التشهد وما ينفي ذلك فيرجع إلى المرجحات المقتضية للأخذ بالمشهور، ولعل التعارض من باب قوة ظهور خبر عمار في نفي الاستحباب في قبال الحكم بالتكبير للإمام لإعلام المأمومين الظاهر في الاستحباب أيضا. لكن الظاهر أن فرض سهو الإمام جملة معترضة، والصدر والذيل في بيان حكم أصل سجدتي السهو، فالحمل على عدم الوجوب غير بعيد بل هو مقتضى


(1) الوسائل: ج 5 ص 341 ح 2 من ب 26 من أبواب الخلل. (2) في ص 649. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 595.

[ 651 ]

[... ] الجمع بينه وبين ما يدل على الأمر بالتشهد. ويمكن أن يقال: إن أصالة الجهة في خبر عمار ليست بمحكمة، لفرض سهو الإمام والإتيان بالسجدتين في أثناء الصلاة كما هو الظاهر من التكبير للإعلام، فلعل المقصود نفي التشهد والتسبيح في ما يؤتى به تقية، فإن الضرورات تتقدر بقدرها. لكن هنا إشكالان آخران في المسألة: أحدهما: أن بعض الروايات المطلقة الواردة في كيفية سجدتي السهو، كخبر عبد الله بن سنان وفيه: " فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " (1)، وحسن زرارة وفيه: " فليسجد سجدتين وهو جالس " (2)، وقريب منه خبر أبي بصير المذكور بعد ذلك في الوسائل (3)، وما ورد في بيان الذكر الوارد فيهما (4)، وصحيح ابن أبي يعفور في مورد نسيان الجلوس الذي هو التشهد على الظاهر، وفيه: " ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل أن يتكلم " (5)، وقريب منه غيره، فإن كل ذلك خال عن ذكر التشهد. واحتمال كون التشهد فيه متعارفا بخلاف الجلوس والتسليم والذكر وكونه قبل أن يتكلم بعيد جدا، إذ لا خصوصية لتعارف بعض كيفياتها دون بعض، فالجمع هو الحمل على الاستحباب. ثانيهما: أنه مع قطع النظر عن ذلك فما دل على التشهد إنما هو في موردين: أحدهما صورة نسيان التشهد. ثانيهما صورة كون الخلل هو الشك من حيث


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 1 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 2 من ب 14 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 3 من ب 14 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 334، الباب 20 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 4 ص 995 ح 4 من ب 7 من أبواب التشهد.

[ 652 ]

[... ] الركعات زيادة أو نقيصة، وأما في غير ذلك فلا دليل على التشهد بل خبر عمار الوارد في السهو - الظاهر أنه في قبال الشك خصوصا بقرينة فرض سهو الإمام وإعلام المأمومين - دليل على عدم التشهد. هذا، ولكن الاحتياط لا يترك بالإتيان بالتشهد مطلقا. والله العالم. بقي الكلام - بمناسبة بحث التشهد - في امور: منها: أن المتوهم من عبارة الروض كما في الجواهر أن الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) خارج عن التشهد، قال (قدس سره): وهو باطل قطعا، خصوصا بعد ما في المعتبر من أن الواجب السجدتان والشهادتان والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) بإجماع علمائنا (1). أقول: ويدل عليه قاعدة الانصراف التي مرت غير مرة، فإنه لو لاها لأمكن أن يقال: إن التشهد يصدق على الشهادة بأنه تعالى حي أزلي أبدي وأن إبراهيم (عليه السلام) خليله وصفيه وعبده، فلا فرق بين الصلوات وغيرها في الانصراف. وإن كان المقصود أن التشهد الخفيف ذلك فهو أيضا بلا وجه، إذ لو كان المقصود هو التخفيف في أصل الواجب فيمكن الاقتصار على الشهادة بالوحدانية بضم الصلوات، ولا وجه لتطبيق الخفيف على خصوص ترك الصلوات، بل مقتضى الإطلاق هو نقص مقدار منه مخيرا في الموارد، فيترك في بعض الأحوال الصلوات وفي بعضها الآخر الشهادة بالوحدانية وفي بعضها الآخر الشهادة بالرسالة، وكل ذلك خلاف المسلم المنصرف إليه، والظاهر من التشهد الخفيف هو إلقاء المستحبات، للجمع بين الانصراف إلى المتعارف في الصلاة والخفة كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.


(1) الجواهر: ج 12 ص 452.

[ 653 ]

[... ] ومنها: أن التسليم وارد في بعض الروايات، كخبر عبد الله بن سنان وفيه: " فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " (1). وصحيح أبي بصير وفيه: " ثم سلم بعدهما " (2). وأما خلو ما فيه الأمر بالتشهد عن ذلك فلعله من باب الانصراف إلى التشهد الصلاتي الواقع في آخر الصلاة. لكن الأظهر عدم انصراف التشهد إلى المشتمل على السلام، لعدم دخالته فيه أصلا، فالأظهر هو الاستحباب إلا أن الاحتياط لا يترك. ومنها: أنه على فرض لزوم التسليم أو استحبابه فلا ريب في انصرافه إلى التسليم الواجب في الصلاة، بل الظاهر هو الانصراف إليه بماله من المستحب والواجب. فما في الجواهر من أن " الظاهر من النصوص والفتاوى إرادة التسليم الذي يخرج به عن الصلاة، بل الظاهر خصوص صيغة السلام عليكم " (3) غير واضح الوجه، إذ لا فرق بين التشهد والتسليم من حيث الانصراف إلى ما هو المتعارف في الصلاة. ومنها: أنه هل المراد بالتشهد الخفيف المأمور به في معتبري الحلبي وسهل المتقدمين (4) أنه يكفي التشهد الخفيف في امتثال الأمر بالتشهد ولا يشترط فيه أن يكون طويلا فلا يكون فرق بينه وبين الصلاة، وهو بعيد جدا، إذ مبناه على كون الأمر لرفع توهم الإيجاب، وبعد عدم وجوب التشهد الطويل في الصلاة لا موقع


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 1 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 3 من ب 14 من أبواب الخلل. (3) الجواهر: ج 12 ص 453. (4) في ص 649.

[ 654 ]

[ قال (قدس سره): وهل يجب فيهما الذكر؟ فيه تردد. ولو وجب هل يتعين بلفظ؟ الأشبه لا (1). * ] لتوهم ذلك في سجدتي السهو بحسب الارتكاز، إذ الفرع لا يزيد على الأصل بحسب الارتكاز، أو يكون في مقام عدم تأكد استحباب الطويل، وهذا بخلاف التشهد الصلاتي فإنه يتأكد فيه التشهد الطويل، وهو أيضا بعيد جدا، إذ مبناه على مفروضية التأكد بالنسبة إلى الطويل في الصلاة حتى يتوهم أن يكون التشهد في سجدتي السهو كالتشهد الصلاتي، وهو أيضا غير مفروض في أذهان المتشرعة، أو يكون المقصود نفي استحباب الطويل وإن كان الفرد الطويل مصداقا للتشهد الوارد في سجدتي السهو إلا أنه لا يستحب الطويل من التشهد، فلو أتى بالطويل كان مثل أن أتى بالقصير من دون ثبوت امتياز فيه فيكون كالخط القصير والطويل من جهة كون كل منهما مصداقا للخط المأمور به، أو يكون المقصود أن التشهد الوارد في سجدتي السهو هو الخفيف حتى في مورد إيجاد الطويل، فلا يكون ما يتكلم به في مقام التطويل جزء من التشهد الوارد فيهما وإن لم يكن مانعا عنه، بل يجوز أن يؤتى به بعنوان مطلق الذكر، أو لابد من كونه خفيفا بحيث لا يجزي التشهد الطويل وإن كان تطويله من جهة مطلق الذكر، أو لا يجزي التشهد الطويل إذا أتى تمامه بعنوان التشهد؟ وجوه، قد عرفت بعد الأولين بل ربما يقطع بخلافهما، وكون الطول مانعا خلاف الظاهر أيضا في العبادات، فالظاهر هو الثالث أو الرابع، فحينئذ فلا بأس بالتطويل إذا لم يضر بالتخفيف بعنوان مطلق الذكر. والأحوط الاقتصار على الخفيف. والله المتعالي هو العالم. * وفي القواعد:


(1) الشرائع: ج 1 ص 90.

[ 655 ]

[... ] وفي اشتراط الذكر وهو " بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد " أو " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " نظر (1). قال (قدس سره) في مفتاح الكرامة: في المعتبر والنافع والمختلف وعن المنتهى وظاهر المهذب: عدم وجوب الذكر مطلقا، ويظهر ذلك من النهاية، وهو خيرة مجمع البرهان، ونفى عنه البعد في المدارك، وفي الكفاية والذخيرة: إنه لا يخلو من قوة. والقائل بعدم تعين ذكر خاص ووجوب أصل الذكر هو الشيخ في المبسوط والعلامة في التحرير. وعن الرياض نسبة الوجوب والتعين إلى الأكثر. ويظهر من الروضة أنه المشهور، وقد اختلف في مصداقه (2). وفي مصباح الفقيه: إن القول بعدم الوجوب هو الأشهر بل المشهور بين المتأخرين (3). وفي الحدائق: إن المشهور هو وجوب الذكر (4). وعمدة الوجه في عدم وجوب الذكر: المطلقات خصوصا ما تعرض منها لبعض الكيفيات بضم منع قاعدة الانصراف في المقام، إذ ليس الذكر شرطا للسجود بل السجود شرط للذكر في الصلاة، فإنه يشترط في الذكر الخاص أن يؤتى به في السجود، إلا أن يقال: يكفي في الانصراف عرفا توأمية السجدة للذكر ولو لم يكن شرطا للسجدة بل كان الأمر بالعكس، ولا يقاس ذلك بما قدمناه


(1) القواعد: ج 1 ص 308. (2) مفتاح الكرامة: ج 3 ص 373 - 374. (3) مصباح الفقيه: ج 2 ص 596. (4) الحدائق: ج 9 ص 333.

[ 656 ]

[... ] من عدم الانصراف إلى الاشتراط في الشرائط التي للصلاة فيكون شرطا للسجدة من باب أنها جزء من الصلاة كالطهارة والاستقبال، فإنه فرق بين ما يكون توأما مع خصوص السجدة ولو من باب كونه مشروطا بها وبين ما يكون من أول الصلاة إلى آخرها كالطهارة والاستقبال. ويدل على عدم وجوب الذكر موثق عمار، وفيه قال: سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: " لا، إنما هما سجدتان فقط " وفي ذيله " ليس عليه أن يسبح فيهما " (1). فإن نفي التسبيح لعله من باب أن المنصرف إليه من باب الانصراف إلى الفرد الصلاتي هو الذكر في السجدة الصلاتية الذي هو التسبيح، فالمرتكز هو التسبيح فهو منفي، فالمقصود نفي الذكر الذي يكون المنصرف إليه هو التسبيح. ومما ذكرنا يظهر وجه الوجوب الذي هو الانصراف بضم عدم حجية خبر عمار، لما تقدم في مسألة التشهد، مضافا إلى ما يأتي من خبر الحلبي. فالأحوط هو الذكر وإن لم يكن وجوبه واضحا، لأن كون حكم الإمام صادرا بلحاظ حال التقية لا يوجب رفع اليد عن الصدر والذيل الظاهرين في كونهما بصدد بيان حكم سجدتي السهو على وجه الإطلاق. وأما تعين الذكر المخصوص فيمكن أن يقال بوضوح عدم لزوم ذلك قطعا، لخلو جميع الأخبار عن ذلك إلا صحيح الحلبي، وقاعدة الانصراف لا تقتضي إلا التسبيح أو مطلق الذكر، فلا معنى لتقيد جميع تلك الأخبار بما في صحيح الحلبي، ومعروفية ذلك بحيث لم يكن يحتاج إلى البيان لعله مما يمكن دعوى القطع بعدمه، لأنه لا بد وأن يكون الدليل متظافرا على ذلك.


(1) الوسائل: ج 5 ص 334 ح 3 من ب 20 من أبواب الخلل.

[ 657 ]

[... ] ثم لا يخفى وقوع الاختلاف في الذكر المخصوص، ففي الوسائل عن الفقيه بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " تقول في سجدتي السهو: بسم الله وبالله (اللهم صل على محمد وآل محمد) وصلى الله على محمد وآل محمد "، قال: وسمعته مرة اخرى يقول: " بسم الله وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (1). وفي بعض النسخ كما في الجواهر (2): " وصلى الله على محمد وعلى آل محمد ". وفي الكافي بسند حسن بإبراهيم عنه (عليه السلام): " تقول في سجدتي السهو: بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد " قال الحلبي: وسمعته مرة اخرى يقول: " بسم الله وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (3). وفي المستمسك (4) عن النسخة المعتبرة للتهذيب: " بسم الله وبالله، وصلى الله على محمد وآل محمد " وسمعته مرة اخرى يقول فيهما: " بسم الله وبالله، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (5). إذا عرفت ذلك فقد يقال بالتخيير، ولعله من باب التخيير في المتعارضين مع عدم المرجح. لكن قد قلنا في الاصول بعدم دليل في البين يدل على التخيير في المسألة


(1) الوسائل: ج 5 ص 334 ح 1 من ب 20 من أبواب الخلل. (2) الجواهر: ج 12 ص 453. (3) الكافي: ج 3 ص 356 ح 5. (4) المستمسك: ج 7 ص 554. (5) لكن ظاهر الوافي - ج 8 ص 996 - أن ما في التهذيب أيضا موافق لما في الفقيه والكافي (منه (قدس سره)).

[ 658 ]

[... ] الاصولية، مع أنه لو كان فشموله للمورد النادر الذي يكون التعارض من باب اختلاف النقل عنه (عليه السلام) مع العلم بعدم الصدور عنه (عليه السلام) إلا بصورة واحدة مشكل جدا، لأن أكثر موارد التعارض المناسب للمرجحات هو احتمال صدور كلا الخبرين من الحجة (عليه السلام). ويمكن أن يكون الوجه في التخيير أن الثابت من الدليل هو أن يكون الذكر هو التبرك باسم الله تعالى والصلاة على النبي والآل أو السلام عليه (صلى الله عليه وآله)، فإن المستفاد عرفا هو تلك المعاني لا الألفاظ الخاصة، لكن مقتضى ذلك أن يكون التخيير أوسع من ذلك فيقول مثلا: بسم الله الرحمان الرحيم، وبالله الكريم، والصلاة على محمد وآله الطاهرين. ويمكن أن يقال على فرض وجوب الذكر الخاص: إن الاكتفاء بما في ذيل رواية الفقيه والكافي من قول " بسم الله وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " مبرئ للذمة، وذلك لوجود الحجة الصحيحة على صدور ذلك منه (عليه السلام). وأما نقل الشيخ (قدس سره) المشتمل على الواو في " والسلام عليك " فمن المحتمل أن يكون مقولا لقول الراوي يعني يقول ذلك ويقول ذلك، وليس له ظهور معتد به في كون الواو مقولا لقول الإمام (عليه السلام)، فالحجة قائمة على اللفظ المذكور من دون الواو، كما أنه يمكن أن يقال: إن ذكر الواو لا يكون مضرا، لأن الواجب على تقدير كون الصادر منه (عليه السلام) بدون الواو قد اتي به. واحتمال " أن يكون الواجب هو الوقف على الهاء في لفظة بالله فلا يجوز الوصل عليه " مسلم الاندفاع، لأنه لا يزيد على آيات القرآن، وإلا كان اللازم هو الاحتياط ولو مع عدم الواو بأن يقول تارة بالوصل واخرى بالوقف. واحتمال " أن يكون الواجب إما الوقف أو الوصل بالهاء في لفظة بالله

[ 659 ]

[... ] فلا يجوز الوصل بالواو " ليس إلا كالاحتمال المتقدم من حيث عدم الاعتناء به، فاللازم هو الإتيان ب‍ " السلام عليك... " بما هو المعمول عند أهل اللسان من ذكر الألف عند الوقف وحذفه عند الوصل، والواو داخل في الذكر فلا إشكال فيه. ومن ذلك يظهر أن الأحوط هو الإتيان بالأخير أي " بسم الله وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " بدون الواو. وأحوط منه ذكر الواو بقصد مطلق الذكر برجاء خصوصية وروده. وأحوط من الكل الإتيان أولا بدون ذكر الواو ثم إعادة " السلام... " بالواو، أو أن يقول: " بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد، وصلى الله على محمد وآل محمد، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد ". لكن قد عرفت أن وجوب أصل الذكر غير واضح، وعلى تقديره فالأظهر كفاية مطلق الذكر، وعلى تقدير الخصوصية فالأقوى كفاية الأخير بدون الواو، ولا إشكال في الإتيان بالواو أيضا. والله العالم. قال (قدس سره) في الجواهر: ويجبان على الفور عرفا. وفي كلام المولى الأكبر ما يشعر بدعوى الإجماع عليها، وفي الذخيرة والكفاية نسبة وجوب المبادرة إليهما قبل فعل المنافي إلى الأصحاب المشعر بدعوى الإجماع (1). أقول: ما يمكن أن يستدل على الفورية جملة من الأخبار: منها: خبر عبد الرحمان بن الحجاج، قال: قلت له: سجدتا السهو قبل التسليم هما أم بعد؟ قال: " بعد " (2)


(1) الجواهر: ج 12 ص 455. (2) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 1 من ب 5 من أبواب الخلل.

[ 660 ]

[... ] والظاهر عدم دلالته على كون محلهما بعد الصلاة بلا فاصلة، فهو في قبال توهم أن يكون قبل السلام، وهو واضح. ومنها: خبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: " فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " (1). ومنها: خبر القداح، وفيه: " سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام " (2). والظاهر عدم ظهور ذلك أيضا في البعدية الفورية بعد أن المستفاد من مجموع الأخبار أنه كان لزوم كونهما في الصلاة موردا للتوهم ومعمولا عند العامة وفي الأخبار الخاصة ما يصرح بلزوم كونهما في الصلاة كخبر أبي الجارود، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى أسجد سجدتي السهو؟ قال: " قبل التسليم، فإنك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك " (3). فلا ظهور في تلك الأخبار أيضا. مضافا إلى أنه مع الغض عن ذلك فظهور كلمة " بعد " في الفورية غير واضح، ولا يقاس ذلك بالوصية والخلافة، فإن ظهور ذلك في البعدية الفورية من جهة قيام الارتكاز على أن الخلافة لجبران فقد الأصل وكذا الوصاية. ومنها: ما يدل على لزوم سجدتي السهو وهو جالس، كحسن زرارة وفيه: " فليسجد سجدتين وهو جالس " (4).


(1) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 2 من ب 5 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 3 من ب 5 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 5 من ب 5 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 2 من ب 14 من أبواب الخلل.

[ 661 ]

[... ] وقريب منه صحيح أبي بصير (1). لكن دلالة ذلك غير واضح، إذ من المحتمل أن يكون المقصود لزوم أن يكون السجدتان عن جلوس، لا أن يكون كناية عن الفورية. ومنها: خبر منهال القصاب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسهو في الصلاة وأنا خلف الإمام، قال: فقال: " إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب " (2). فإنه لو كان المقصود الإتيان بسجدتي السهو بعد السلام ولو بالمراجعة إلى الدار بل لم يكن موقع للمهابة والخوف، فهو صريح في أن المفروض هو الإتيان بهما بعد السلام، مضافا إلى ظهور " إذا سلم " في ذلك. لكنه أيضا غير واضح الدلالة، من جهة قوة احتمال أن يكون المقصود عدم السجدة قبل السلام تبعا للعامة، والنهي عن خوف الإتيان به بعد السلام لعدم معلومية كون ذلك من باب وقوع السهو في الصلاة، وحسن الإرشاد إلى السجدتين من دون المهابة يكفي فيه كون ذلك معمولا ولو من باب عدم الداعي إلى التأخير، مع أنه لو فرض الغض عن ذلك فيكفي لذلك ما في التأخير من المنافيات من الكلام والاستدبار وغير ذلك، فلا يدل على الفورية الزمانية ولو مع عدم الإتيان بالمنافي. ومنها: بعض ما يحكم بالسجدتين مع العطف بالفاء، كصحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه: " إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 3 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 339 ح 6 من ب 24 من أبواب الخلل.

[ 662 ]

[... ] بعد تسليمك " (1). ولكن قد اعترف في الجواهر بعدم دلالة العطف بالفاء على الفورية بل المستفاد منه الترتيب (2). كيف! ولو كان دالا عليها لكان معارضا بدلالة " ثم " على التأخير، كما في معتبر الحلبي وفيه: " فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو " (3). ومنها: خبر القداح المعتبر وفيه: " سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام " (4). من حيث دلالته على أنه لا بد أن يكون قبل الكلام. وفيه: أن المحتملات فيه ثلاثة: الأول أن يكون كنايه عن الفورية الزمانية، وهو خلاف الظاهر. الثاني أن يكون من باب أحد مصاديق المنافي من دون خصوصية للكلام، كما هو الظاهر من فتاوى جمع من الأصحاب، وقد تقدم الإيماء إلى ذلك في صدر المسألة. الثالث - وهو الأظهر - أن يكون للكلام موضوعية، وهو الظاهر الذي نأخذ به من دون دلالة على الفورية الزمانية ولا الفورية بمعنى عدم الفصل بالمنافي. ومنها: موثق عمار وفيه: وعن الرجل إذا سها في الصلاة فينسى أن يسجد سجدتي السهو، قال: " يسجد متى ذكر " (5).


(1) الوسائل: ج 5 ص 326 ح 3 من ب 14 من أبواب الخلل. (2) الجواهر: ج 12 ص 456. (3) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 5 من ب 10 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 314 ح 3 من ب 5 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 663 ]

[... ] ودلالته لا تخلو عن القوة، وذلك لمجموع امور: منها: ظهوره في الفورية بعد التذكر، وكونه في مقام بيان عدم السقوط بالنسيان لا ينافي الظهور فيها أيضا، وليس دلالة " متى " على الفورية بالإطلاق حتى يحتاج إلى كونه في مقام البيان من تلك الجهة أيضا، بل الظهور المستند إلى اللفظ قرينة على كونه كذلك، بخلاف أن يقول بدله: " يسجد بعد ما ذكر ". هذا، مضافا إلى دلالته عليها لنكتة اخرى، وهي فرض النسيان المبتني على أن المفروض عند السائل هو وجوبهما فورا في الجملة وإلا لم يصدق النسيان، والإمام (عليه السلام) لم يردعه عن ذلك، وليس ما ذكره بقوله (عليه السلام) " يسجد متى ذكر " ردعا لذلك. ومنها: عدم تعارض الظهور المذكور لقوله (عليه السلام) بعد ذلك في الحديث المذكور - في فرض السهو وعدم التذكر حتى يصلي الفجر -: " لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها "، وذلك لقوة احتمال أن يكون الفورية المذكورة كحرمة القطع في الصلاة، فلا يجوز الإخلال بها من غير عذر شرعي، ولكن يجوز رفع اليد عنها لعذر شرعي ولو كان ذلك ملاحظة جهة مكروهة بالاجتناب عنها، ولا يتعين أن يكون رفع اليد عنها من باب التزاحم حتى يكون ما في الذيل دليلا على عدم وجوبها. ومنها: أن الظاهر بحسب مناسبة الحكم والموضوع وارتكاز العرف أن الفورية ليست من حيث السهو، إذ السهو بنظر العرف رافع للتكليف لا موجد له بحيث يكون التذكر الحاصل بعد السهو موجبا للفورية. وبذلك يظهر الدليل على الفورية بعد الفورية، فإنه لو كان الواجب أن يكون سجود السهو فورا في الآن لما كان يلزم عليه الإتيان به بعد التذكر فورا. هذا بيان

[ 664 ]

[... ] ما يستدل به على الفورية. ومن جميع ذلك يظهر أن الفورية بمعنى لزوم أن يكون قبل الكلام مستدل، وأما الفورية الزمانية فلا تبعد أيضا، والعمدة فيها موثق عمار الأخير. وهو العالم. * * * وقد ظهر فروع نشير إليها على نحو الاختصار: الأول: أن سجدتي السهو لا تسقطان بنسيانهما قبل الكلام. الثاني: أنهما لا تسقطان بنسيانهما من حيث الإخلال بالفورية الزمانية، والدليل على الفرعين صريح ما تقدم من موثق عمار. الثالث: لزوم الإتيان بهما بعد التذكر فورا، وذلك لما تقدم من ظهور موثق عمار. الرابع: لزومهما فورا ففورا بعد التذكر، والوجه في ذلك عدم دخالة آن التذكر وحيثية كونه بعد السهو في لزومهما في الآن المذكور بنظر العرف فيتمسك له بالموثق المتقدم. وقد صرح بذلك في الجواهر في أواخر مباحث سجدتي السهو (1). الخامس: عدم السقوط بالتكلم عصيانا، وذلك لموثق عمار المتقدم الدال على عدم السقوط بالنسيان، وبالنسيان حتى يصلي الفجر الدال على عدم السقوط عمدا أيضا (2)، بناء على عدم الفرق بين النسيان والعمد في ثبوت التكليف، فليس النسيان موجبا لثبوت التكليف في نظر العرف. وبذلك يجمع بينه وبين ما تقدم من أن سجدتي السهو بعد التسليم وقبل الكلام، فيحمل على التكليف على فرض


(1) الجواهر: ج 12 ص 459. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 2 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 665 ]

قال (قدس سره): ولو أهملهما عمدا لم يبطل الصلاة (1). * الظهور في الشرطية كما لا يبعد، ومع الشك يؤخذ بالإطلاقات الخالية عن القيد المذكور ثم استصحاب بقاء التكليف إن لم يكن رفع الشرطية بالأصل، لكونه موجبا لبقاء التكليف، فتأمل. السادس: عدم السقوط بالإخلال بالفورية تعمدا، وهو واضح، لأن الدليل على الفورية هو موثق عمار، فهو إن دل على صورة العمد - كما مر تقريبه - فيدل على عدم السقوط، وإن لم يدل فيبقى الإطلاق الدال على وجوب سجود السهو بحاله. السابع: لزومهما فورا ففورا في حال التوجه وعدم النسيان، وذلك من جهة ما مر من عدم دخالة السهو في ذلك عرفا. الثامن: أنه لا يبعد أن يقال: إن وجوب الفورية لعله بمعنى عدم جواز إهمال الإتيان بهما من غير عذر عقلائي أو شرعي ولو كان العذر المذكور ملاحظة التجنب عن المكروه، والدليل على ذلك ما تقدم في موثق عمار من جواز التأخير عمدا إلى أن تطلع الشمس ويذهب شعاعها. التاسع: أنه لا دليل على مانعية الكلام بعد العصيان، لأن الظاهر أن يكون سجود السهو قبل صرف وجود الكلام وقد عصي ذلك. العاشر: لا دليل على أن يكون قبل الكلام بعد التذكر أيضا. الحادي عشر: قد عرفت فقدان الدليل على التجنب عن الموانع الاخر غير الكلام - كالاستدبار والضحك وغير ذلك - وإن كان الأحوط مراعاة جميع ذلك، لما مر (2) من نقل ما يشعر بالإجماع على ذلك. * في الجواهر:


(1) الشرائع: ج 1 ص 90. (2) في ص 659.

[ 666 ]

[... ] كما هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل لا أجد فيه خلافا إلا من الشيخ (قدس سره) في الخلاف وتبعه الاستاذ الأكبر في شرح المفاتيح، بل قيل: إنه يظهر من المعتبر (1). أقول: قد يشكل بدوا أن مقتضى الظهور الثانوي للأوامر المتعلقة بما يتعلق بمركب من المركبات هو الوضع ودخالته في صحة الصلاة، فما الوجه في حكم المشهور في سجدتي السهو بخلاف ذلك الظهور المستقر في جميع المركبات؟! ويمكن دفع الإشكال بامور: منها: أن الظهور المذكور مسلم إذا كان الأمر متعلقا بإتيان شئ في أثناء المركب أو قبله، أما إذا كان بعد تمامية المركب - كما في ما نحن فيه - المدلول على تماميته بما دل على أن السلام مخرج فيكون متعلق الأمر مركبين مستقلين بأمر واحد ارتباطي أو يكون شرطا متأخرا، فالظهور ممنوع، لبعد ذلك عرفا. ومنها: أن الشرط المتأخر بعيد، وأما كونه جزء من المأمور به وخارجا عن عنوان الصلاة فهو أيضا بعيد جدا، لأنه لا وجه لعدم كون السجدتين جزء من الصلاة مع كونهما من سنخها. ومنها: أن مقتضى مثل خبر سفيان بن السمط الدال على الإتيان بسجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة (2) أن سجدتي السهو خارجة عما يوجب الخلل في المركب بالزيادة والنقيصة فليس داخلا في المركب وإلا كان زيادتهما موجبة لزيادة المركب ونقصانهما موجبا لنقص المركب. ومنها: ما اعتمد عليه (قدس سره) في المستمسك مما دل على أنهما مرغمتين،


(1) الجواهر: ج 12 ص 457. (2) الوسائل: ج 5 ص 346 ح 3 من ب 32 من أبواب الخلل.

[ 667 ]

[... ] الظاهر في انحصار المصلحة بإرغام الشيطان، الحاكم على الظهور في الشرطية (1)، من جهة كونه تفسيرا وبيانا لوجه وجوبهما، لأنه يدل على أنه لمحض ذلك. أقول: فيه نظر: أما أولا فلعدم الدليل على الحصر في الإرغام، فيمكن أن يكون فيه مصلحتان: مصلحة إرغامية نفسية ومصلحة غيرية تكون بها جزء للمركب أو شرطا له. وثانيا يمكن أن يكون حصول الإرغام دخيلا في المركب، فيكون سجود السهو لمحض الإرغام والإرغام دخيلا في مصلحة المركب. هذا تمام الكلام في مسائل الخلل حسب ما في الشرائع والجواهر. بقي الكلام في المسائل التي تعرض لها صاحب كتاب العروة الوثقى (قدس سره) وقد جعلها: ختام مسائل الخلل * * *


(1) المستمسك: ج 7 ص 552.

[ 669 ]

ص + ختام مسائل الخلل

[ 671 ]

ختام فيه مسائل متفرقة الاولى: إذا شك في أن ما بيده ظهر أو عصر فإن كان قد صلى الظهر بطل ما بيده. * * أقول: فيه وجوه: الوجه الأول: البطلان الظاهر في عدم لزوم إتمام ما بيده وجواز قطعه، وهو الذي يقتضيه المتن. والوجه في ذلك عدم إمكان تصحيحه بالعدول، لفرض الإتيان بالسابقة وعدم إحراز عنوان اللاحقة وهو قصد العصرية، ومقتضى الأصل عدم قصد العصرية إن كان الشرط فيه هو القصد، وإن كان الشرط نشو الأفعال عن قصد العصرية - كما في رسالة المحقق العراقي (قدس سره) خاليا عن الدليل (1) - فمقتضى الأصل عدم تحقق صلاة العصر، وأما العلم الإجمالي المقتضي للزوم الإتمام إن قصد في المفروض عنوان العصرية والإعادة إن لم يقصد فمدفوع بالانحلال، فإن مقتضى قاعدة الاشتغال هو الإعادة وعدم الاكتفاء ومقتضى أصالة البراءة جواز القطع، فالصلاة محكومة بالبطلان من حيث عدم الاكتفاء بها وجواز قطعها. الوجه الثاني: الحكم بلزوم الإتمام ثم الإعادة كما يظهر من غير واحد من محشي العروة، وهو الذي اختاره المحقق العراقي (قدس سره) في تعليق رسالته (2). والوجه في ذلك هو العلم الإجمالي المتقدم. ودعوى " الانحلال بجريان الأصل النافي والمثبت " مدفوعة بعدم جريان الأصل النافي في ظرف جريان الأصل المثبت حتى يتحقق الانحلال، لأن قاعدة الاشتغال إنما تجري في ظرف الشك المشروط بعدم القطع (وذلك للقطع بالتكليف بالعصر بعد القطع، فلا مورد


(1) روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي: ص 7. (2) روائع الأمالي: ص 8.

[ 672 ]

[... ] لقاعدة الاشتغال) وفي هذا الظرف لا مجال لجريان البراءة، لأنها إنما تجري في ظرف يصلح لأن يصير منشأ لمخالفة التكليف الواقعي، وذلك يتحقق في عدم اتصاف قطع الصلاة بالمعدومية، لأنه يستحيل الحكم بحرمة القطع مع فرض عدم القطع، ففي ظرف حل العلم بقاعدة الاشتغال لا معنى للبراءة، وفي ظرف لها معنى لم تجر قاعدة الاشتغال كي ينحل به العلم (1). انتهى. أقول: فيه أولا: أن البراءة في فرض الشك المشروط بعدم القطع جارية لا مع حفظ الفرض بل بمعنى تبديل الفرض بفرض القطع، كما أن الحرمة على تقدير صحة الصلاة موجودة في فرض الشك المتقوم بعدم القطع لا مع حفظ الفرض بل بمعنى إبقاء الفرض، كما أن قاعدة الاشتغال لا تقتضي الإعادة مع حفظ فرض الشك، لأنه بالعمل يتبدل الفرض بالقطع بالبراءة. كيف! ونظير الشبهة المذكورة واردة في جميع الواجبات والمحرمات، فإن الواجب هو الإتيان بالفعل في فرض عدم إتيانه، ومقتضاه تبديل الفرض وإلا لزم الأمر بالنقيض في فرض تحقق نقيضه الآخر، والمحرم هو إتيان الفعل في فرض عدم الإتيان ومقتضاه إبقاء الفرض وإلا لزم اقتضاء الشئ على فرض حصوله. وثانيا: أنه يمكن أن يقال: إن ما ينحل به العلم الإجمالي هو أصل واحد، وهو عدم قصد العصرية في تلك الصلاة المترتب عليه بطلانها الموجب لجواز القطع والمترتب عليه الإتيان بصلاة اخرى، فليس في البين أصلان حتى يختلف مقتضاهما، وما ذكره في طي بعض كلامه من كون الشرط هو نشو الأعمال الصلاتية عن قصد العصرية مما لا دليل عليه، بل المتيقن هو لزوم قصد العصرية المحكوم بالعدم، بخلاف النشو المذكور الذي ليس له حالة سابقة إلا بعدم الموضوع.


(1) روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي: ص 7.

[ 673 ]

[... ] وثالثا: يمكن إنكار العلم الإجمالي رأسا، من جهة عدم الدليل على حرمة القطع على تقدير قصد العصرية واقعا، لأن القدر المسلم من وجود الدليل هو قطع الصلاة التي يمكن احتسابها في مقام الامتثال لا مطلقا. ورابعا: لا يلزم في الانحلال اتحاد فرضي الأصلين، بل يكفي جريانهما في الانحلال ولو مع اختلاف الفرضين، فتأمل. وخامسا: أن الأصلين اللذين يكونان مرجعا في المقام مع قطع النظر عما مر هو استصحاب بقاء التكليف بالعصر واستصحاب جواز فعل المنافي من الاستدبار والكلام وأمثالهما، وليس أحد الأصلين هو البراءة والآخر هو الاشتغال. الوجه الثالث: الصحة في ما إذا رأى نفسه في العصر كما أفتى به بعض أعيان العصر في تعليقه على العروة، وكأنه من جهة قاعدة التجاوز بالنسبة إلى ما مضى، وتخصيصه بذلك من جهة لزوم تشخص عنوان ما فيه التجاوز من العصرية والظهرية. الوجه الرابع: هو الصحة مطلقا - لقاعدة التجاوز بالنسبة إلى ما مضى - والإتيان بما في يده من الأجزاء، إلا أن يكون إعادته موجبة لزيادة الركن. وهو الأصح، لما اشير إليه من قاعدة التجاوز. والإيراد عليها تارة بأن اللازم نشو الأفعال عن قصد العصرية، وإثبات قصد العصر لا يثبت النشو (1)، واخرى بعدم إثبات القاعدة عنوان العصرية بل مقتضاه الصحة واللازم في مقام الامتثال إحراز العصرية، وثالثة بلزوم تشخص العنوان كما اعتمد عليه غير واحد من الأعلام، كل ذلك مدفوع:


(1) روائع الأمالي: ص 7.

[ 674 ]

[... ] أما الأول فلأنه لا دليل على كون الشرط هو النشو، مضافا إلى أن مقتضى القاعدة هو ثبوت كل ما فرض اشتراطه فيقال بقاعدة التجاوز بحصول النشو. وأما الثاني فبما سبق في تلك الرسالة من أن مقتضى غير واحد من أخبار القاعدة ثبوت نفس الجزء أو الشرط، ففي بعض الأخبار " بلى قد ركعت " (1) وفي بعضها " فشكك ليس بشئ " (2) فكما أن الشك في الفساد بحكم اليقين بعدم الفساد كذلك الشك في قصد العصرية بحكم القطع بحصول قصد العصرية، مع أنه لو كان مقتضاها صرف الصحة فاللازم هو الإتيان بالقضاء وسجدتي السهو في موارده. وأما الثالث فمدفوع بعدم الدليل على لزوم تشخص عنوان النوع من العصر أو الظهر أو غير ذلك، وعلى فرض لزومه فيكفي التشخص ولو بعد الجريان، وأما كون الشمول متوقفا على إحراز العنوان قبل ذلك فخال عن الدليل، فالظاهر هو الصحة بالنسبة إلى ما مضى، لقاعدة التجاوز، وأما بالنسبة إلى ما في يده فيمكن القول بعدم لزوم الإعادة إذا كان قاطعا بأنه قصد أول الصلاة كونها ظهرا ثم شك في العدول إلى العصر حتى مع القطع بأنه قاصد للعصر في الحال إذا احتمل أن يكون ذلك من باب الخطأ في التطبيق، وذلك لظهور أخبار الباب الثاني من أبواب النية من الوسائل في أن الصلاة على ما افتتحت حتى مع فرض قصد الخلاف (3)، وليس ظاهرا في التعبد بذلك بحيث يحكم بأن الصلاة المقصود من أولها أنها ظهر ثم عدل إلى الصبح مثلا من دون أن يكون ذلك من باب الخطأ في التطبيق بل عدل إليه عمدا من باب تخيل صحة ذلك وعزم على الإتيان بالصبح القضائي - مثلا -


(1) الوسائل: ج 4 ص 936 ح 3 من ب 13 من أبواب الركوع. (2) الوسائل: ج 5 ص 336 ح 1 من ب 23 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 4 ص 711، الباب 2 من أبواب النية.

[ 675 ]

وإن كان لم يصلها [ عدل به إليها ] * أو شك في أنه صلاها أو لا عدل أنها ظهر تعبدا، لأن مفاد بعض أخبار الباب أنه في ما قصده أولا (1)، فإنه إخبار عن الواقع المقصود به إلقاء احتمال العدول. وكذا لا إشكال في ما إذا كان قصد الظهر في المسألة من باب الخطأ في التطبيق قطعا، كأن يكون المقصود هو الإتيان بالتكليف الفعلي الأدائي. وكذا لا إشكال في ما مضى إذا كان قاطعا بأنه قصد الظهر في المسألة ولكن يحتمل أن يكون ذلك من باب الخطأ في التطبيق، وذلك لقاعدة التجاوز. هذا تحقيق الوجه الرابع وهو أحق بالقبول. وهنا وجه خامس ذكره المصنف (قدس سره) - في المسألة التاسعة عشرة من مسائل النية (2) - من البناء على ما قام إليها، وهو منسوب (كما في المستمسك في ذيل المسألة المتقدمة) (3) إلى غير واحد من الأصحاب رضوان الله عليهم. ودليلهم ما تقدم الإيماء إليه من أخبار الباب الثاني من أبواب النية. لكن بعضها غير قابل للتقريب وبعضها الآخر وإن كان مشعرا بذلك إلا أن المستفاد من مجموع الخبر أن الصلاة على ما افتتح عليها وأن المجعول هو الحكم بأن الصلاة المقصود بها عنوان من العناوين - من العصرية والظهرية والنافلة والفريضة - على ما افتتح عليها ولو قطع بقصد غيرها واحتمل الخطأ في التطبيق. * لا إشكال في صحة أن يقصد بها في المفروض صلاة الظهر وفراغ ذمته منها، لأنه إن كان ظهرا فالواجب قصد الظهر بقاء تفصيلا أو إجمالا، وإن كان عصرا لابد له من العدول أي قصد الظهرية.


(1) قال في بعضها: " هي التي قمت فيها ولها " - الوسائل: ج 4 ص 712 ح 3 - وفي بعضها: " هي على ما افتتح الصلاة عليه " - الوسائل: ج 4 ص 712 ح 2 - منه (قدس سره). (2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 21. (3) المستمسك: ج 6 ص 42.

[ 676 ]

[... ] وإنما الكلام في امور: منها: أن لزوم قصد كون الباقي ظهرا إجمالا أو تفصيلا مما هو قطعي وليس بمحتمل حتى يقال: إنه يقصد ذلك رجاء. وأما لزوم القصد التفصيلي - بمعنى عدم الاقتصار على الإتيان على ما قصده أولا الممكن انطباقه على الظهر - فلما يأتي في الأمر المتأخر. وأما عنوان العدول فليس بمأمور به بحيث يلزم على المكلف قصد عنوان العدول حتى يعدل إلى الظهر رجاء، لأن المسلم بل الظاهر من الدليل هو الإتيان بما هو عدول بالحمل الشائع أي يقصد بالباقي كونه ظهرا أو يقصد بالنسبة إلى ما مضى كونه ظهرا أيضا، وهذا قطعي، لا رجائي كما في المستمسك (1) ورسالة المحقق العراقي (2). والحاصل أن قصد الظهرية قطعي وقصد عنوان العدول غير مبعوث إليه حتى يقصد حصوله رجاء. ومنها: أن قصد الظهرية المحتمل كونه عدولا وإن كان مصححا للصلاة وموجبا لبراءة الذمة عن الظهر قطعا، لكنه قد يتأمل في لزومه من وجهين: أحدهما: أن البقاء على ما قصده أولا يمكن أن يكون منطبقا على قصد الظهر إجمالا، فلا يعلم مخالفة التكليف بالبقاء على ما قصده أولا، لأنه لا يعلم الإتيان بالحرام بقطع الصلاة المفروضة عليه، إلا أنه غير محرز لصحة الصلاة قطعا. وهو مردود، من جهة أن الواجب على المكلف قصد الظهرية، ولا يعلم امتثال التكليف الواجب عليه قطعا بالبقاء على ما قصده أولا فيجب لقاعدة الاشتغال، وليست الشبهة في حكم الشبهة التحريمية من جهة أن المحرم هو قطع الصلاة


(1) المستمسك: ج 7 ص 596. (2) ص 8.

[ 677 ]

به إليها. * ولا يعلم ذلك فيجري البراءة، لأن الملاك فيها أن يكون الشك في التكليف والملاك في الاشتغال الشك في المكلف به، ومبحوثنا من قبيل الثاني لا من قبيل الأول، والسر فيه أن متعلق حرمة القطع في المقام ينطبق على عدم قصد الظهرية، فالواجب في المقام هو قصد الظهر، وهو معلوم وإنما الشك في مقام الامتثال. ثانيهما: أن مقتضى قاعدة التجاوز أن المقصود أولا هو الظهر، فإن قصد ما قصده أولا ينطبق على الظهر بها. وفيه: أن القاعدة لا تقتضي إلا قصد الظهرية في الأول ولا تثبت أن القصد الفعلي المتعلق بما قصده أولا هو قصد الظهرية بنحو الإجمال. ومنها: أن ما ذكرناه من قصد الظهرية بنحو التفصيل إنما هو إذا كان ذلك في الوقت المشترك أو كان في الوقت المختص بالعصر ولكن كان الوقت وافيا للإتيان بالظهر تماما ثم الإتيان بركعة من العصر في الوقت، وأما في غير ذلك فله صور وأحكام يطول بذكرها الكلام. * الوجه في ذلك أن استصحاب عدم الإتيان بالظهر يحكم بأن الواجب فيها هو العدول بها إليها فهو بحكم المسألة الاولى بمقتضى الاستصحاب. أقول: يمكن أن يناقش في ذلك أولا: بأن الظاهر منه وجوب العدول وهو قصد الظهرية مع أن مقتضى الاحتياط هو الإتيان بباقي الصلاة برجاء حصول ما هو المطلوب عند الله تعالى من العصر أو الظهر، فإنه يحتمل أن يكون المحبوب هو قصد الظهرية بناء على عدم الإتيان بالظهر سواء قصد بالثاني العصر أو الظهر، ويحتمل البطلان فلا يكون الواجب عليه أمرا في تلك الصلاة بأن يكون قد صلى الظهر وتكون تلك الصلاة ظهرا بعد الظهر، ويحتمل أن يكون الواجب عليه هو قصد العصر بأن أتى بالظهر وهذا هو العصر وقد قصد العصر من أول الأمر،

[ 678 ]

[... ] والاستصحاب لا ينافي الاحتياط. وثانيا: يمكن أن يقال بتعين ذلك من باب العلم الإجمالي بوجوب قصد الظهر أو قصد العصر أو الإتيان بالعصر، والإشكال في حل العلم الإجمالي بالأصل المشار إليه - أي استصحاب عدم الإتيان بالظهر - من جهة احتمال كون الأصل المذكور محكوما بقاعدة الفراغ، فإنه لو قصد العصر من أول الصلاة فلا يجري الاستصحاب، لمحكوميته بقاعدة التجاوز في الصورة المذكورة. لكن يمكن الجواب عن المناقشة في الاستصحاب إما بأن يقال: إن حكومة الحاكم إنما هي في صورة الإحراز وإلا لم يجر الاستصحاب في صورة احتمال وجود الخبر الصحيح، وفيه بحث، أو يقال: إن مقتضى استصحاب عدم قصد العصرية واستصحاب عدم الإتيان بالظهر مع فرض عدم القصد المذكور تعين لزوم قصد الظهرية، وفيه أيضا بحث، من جهة احتمال لزوم نشو الأعمال عن قصد العصرية، فلا يكون له حالة سابقة مع وجود الموضوع. وثالثا: يمكن أن يقال: إنه يجوز أن يقصد ما قصده أولا، لأنه إن كان الذي قصده أولا هو الظهر فلا إشكال فيه، لأنه ينطبق على ما هو تكليفه إن لم يأت بالظهر قبل ذلك ولا حرج عليه إن أتى به، وإن قصد به العصر فلا إشكال فيه حينئذ، لأنه معذور في ترك الظهر لقاعدة التجاوز. وكون حكومة قاعدة التجاوز على الاستصحاب في صورة إحراز الموضوع لا يلازم كون مقتضاها محدودا بصورة الإحراز، فإن جريانها في الفرض المذكور موجب للعلم بعدم الإثم في عدم قصد الظهر في هذا الحال، لأن قصد ما قصده أولا إما ينطبق على الظهر أو ينطبق على فرض يكون معذورا في ترك الظهر لقاعدة التجاوز، فتأمل.

[ 679 ]

الثانية: إذا شك في أن ما بيده مغرب أو عشاء فمع علمه بإتيان المغرب بطل، ومع علمه بعدم الإتيان بها أو الشك فيه عدل بنيته إليها إن لم يدخل في ركوع الرابعة، وإلا بطل أيضا. * ورابعا: أن ذلك كله في ما إذا لم ير نفسه في العصر فعلا، وإلا فمقتضى قاعدة التجاوز هو الإتيان بالظهر وكون المأتي به عصرا من أول الأمر ولا يحتاج إلى إعادة الظهر بعد ذلك أصلا، ويجئ لذلك مزيد توضيح إن شاء الله تعالى. * بعد ما تحقق ما قدمناه يظهر لك الوجه في بطلان ما بيده المردد بين كون المقصود به المغرب أو العشاء في الصور الثلاثة المشار إليها في المتن: من صورة عدم الإتيان بالمغرب، والشك فيه مع التجاوز عن محل العدول، أو صورة الإتيان بالمغرب ولو مع عدم التجاوز عن محل العدول. ويظهر لك أن الصحيح هو الحكم بالصحة في صورة الإتيان بالمغرب، خصوصا بعد فرض التجاوز عن محل العدول، فإن صدق التجاوز هنا أوضح خصوصا إذا كان يرى نفسه في العشاء بحسب القصد. والحكم بقصد كونه مغربا في صورة عدم الإتيان وبقاء محل العدول وأن مقتضى الاحتياط الإتيان بالباقي بقصد كونه محبوبا عند الله في صورة الشك في الإتيان بالمغرب وإتمامه مغربا ثم الإتيان بالعشاء. والحكم بالبطلان في صورة التجاوز عن محل العدول مع فرض عدم الإتيان أو الشك فيه. والوجه في ذلك أنه لا يمكن أن يكون مغربا، لعدم الانطباق عليه، ولا دليل على الحكم بكونه عشاء، لعدم إحراز قصد العشائية، فإن قاعدة التجاوز لا تحكم بكونه عشاء، لأن مقتضاها الحكم بكون المصلي متذكرا، ولو كان متذكرا لقصد بصلاته المغرب في صورة القطع بعدم الإتيان أو في صورة الشك.

[ 680 ]

[... ] مضافا إلى إشكال آخر في المقام وهو أنه بعد فرض صحة ما مضى من حيث قصد العشائية فما الوجه في صحة ما بقي بقصد العشائية مع فقد الترتيب في فرض تذكره؟! وإن كان الأصح - وفاقا لصاحب المستمسك وخلافا لصاحب العروة - جريان " لا تعاد الصلاة " والحكم بصحة الصلاة المأتي بها بعنوان العشاء لتخيل الإتيان بالمغرب. ولو تذكر في الأثناء فالعمدة هو الإشكال الأول الذي يكون مقتضاه عدم جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى قصد العشائية، فافهم وتأمل. ومخلص الكلام في المسألتين بذكر فروع: الأول: الشك في ما بيده أنه اللاحقة أو السابقة مع الإتيان بالسابقة في ما يكون الشرط فيهما قصد العنوان ويصح العدول من اللاحقة إلى السابقة مع عدم مضي محل العدول، فلا يبعد الحكم بالصحة في ذلك - لقاعدة التجاوز - والإتيان بما بيده والباقي بقصد اللاحقة إن لم يكن موجبا للخلل من جهة زيادة الركن. الثاني: في الفرض المتقدم إذا قطع بأنه قصد في أول الأمر اللاحقة لكن الشك من جهة العدول الاشتباهي، فلا يلزم عليه إعادة ما بيده ولو كان آتيا فعلا بعنوان السابقة إذا كان ذلك من باب الخطأ في التطبيق قطعا أو احتمالا. الثالث: إذا شك في ما بيده مع القطع بعدم الإتيان بالسابقة فالظاهر وجوب قصد السابقة بنحو يقطع انطباقه عليه بأن يكون ذلك على وجه التفصيل أو بعنوان ما يجب، إذا لم يتجاوز عن محل العدول عليه فعلا. الرابع: إذا شك في ما بيده وشك في الإتيان بالسابقة في الفرض المذكور - من كون مورد الترديد هو الصلاتان المترتبتان اللتان فيهما القصد وفيهما العدول -

[ 681 ]

[... ] فقد عرفت أن الأحوط هو الإتيان بالباقي بقصد ما هو المحبوب عنده تعالى رجاء إذا لم يتجاوز محل العدول إذا لم ير نفسه في اللاحقة، وإلا فلا يبعد الحكم بالإتيان بالسابقة لقاعدة التجاوز. وهذا مبتن على مسألة كلية، وهي أنه بعد الورود في العصر لو شك في الإتيان بالظهر فهل يحكم بالإتيان به أم لا؟ فالظاهر هو الأول، وفاقا لصاحب المستمسك (1) وخلافا لصاحب العروة في المسألة 20 من فصل أحكام الأوقات. وهذا هو الفرع الخامس، وملخصه أن مقتضى التعليل الوارد في صحيح المستطرفات المتقدم (2) هو الحكم بالإتيان بالسابقة إذا يرى نفسه في اللاحقة. السادس: في مورد الشك في السابقة إذا شك مثلا في أن ما بيده مغرب أو عشاء وقد جاوز محل العدول ويرى نفسه في العشاء فلا يبعد الحكم بالصحة والإتيان بالمغرب وإن كان الأحوط الإتيان بالمغرب والعشاء بعد ذلك. والوجه فيه ما عرفت من قاعدة التجاوز. السابع: الفرض المذكور من دون أن يرى نفسه في العشاء، فالظاهر هو الحكم بالبطلان. الثامن: إذا تجاوز عن محل العدول في صورة القطع بعدم الإتيان بالاولى أو الشك فيه فالظاهر أن الصلاة محكومة بالبطلان، لعدم تطبيقه على الاولى بالفرض وعدم إحراز قصد الثانية حتى بقاعدة التجاوز، لما مر من أنه على فرض التذكر كان عليه أن يقصد بذلك المغرب. التاسع: في فرض عدم الإتيان بالمغرب قطعا والشك في ما بيده مع التجاوز


(1) في تعليقته على العروة وفي المستمسك: ج 5 ص 172. (2) في ص 261.

[ 682 ]

[... ] عن محل العدول وإن لم يحكم بالصحة لعدم الانطباق على المغرب وعدم إحراز قصد العشاء إلا أنها ليست بباطلة بنحو القطع، فالأحوط هو الإتمام بعنوان ما قصده أولا ثم الإتيان بالصلاتين، وذلك لأن قصد العشاء في ما لم يأت بالمغرب إذا تجاوز عن محل العدول موجب للحكم بصحة الصلاة وهو المسألة العاشرة الكلية. العاشر: إذا لم يأت بالمغرب وأتى بالعشاء سهوا وتجاوز عن محل العدول لكن لم يفرغ عن الصلاة فهل يحكم بالبطلان من جهة فقد الترتيب مع تذكره بالنسبة إلى الباقي - وهو مبنى الاحتياط المطلق في المسألة 9 من فصل أحكام الأوقات من العروة - أو يحكم بالصحة لقاعدة لا تعاد؟ الأصح هو الثاني - وفاقا لصاحب المستمسك (1) - للإطلاق المذكور. الحادي عشر: لو كان بين الصلاتين ترتب من دون اشتراط قصد العنوان كالشفع والوتر فدخل في صلاة الوتر مع القطع بعدم الإتيان بالشفع فيقصد بعد ذلك الشفع ويأتي بعنوان الشفع. هذا في صورة القطع بأنه قصد الوتر فكيف بصورة الشك في ذلك، وذلك لعدم دليل على لزوم قصد العنوان في تحقق العبودية، وهو محرر في محله في الاصول. الثاني عشر: في الفرض المذكور لو شك في الإتيان بالسابقة مع الشك في ما قصد بما في يده فالأصل عدم الإتيان بالسابقة فيأتي بها بعنوانها وعلى كيفيتها. الثالث عشر: في الفرض المذكور إذ يرى نفسه في الثانية بحسب القصد ويشك في السابقة فهل تجري قاعدة التجاوز من جهة أن قصد الثانية إنما هو بعد السابقة فيصدق التجاوز، أو لا تجري من جهة أن قصد عنوان الثانية ليس


(1) في تعليقته على العروة وفي المستمسك: ج 5 ص 164.

[ 683 ]

[... ] مما هو واجب أو مستحب شرعا حتى يكون جعل ذلك بعد الاولى؟ الأصح هو الأول، من جهة أن الذي مر عدم اعتباره هو اشتراط القصد بما هو قصد كما في الظهر والعصر، وأما اعتباره من باب لزوم قصد الأمر وتوقف ذلك في ما يكون أمره معلوما على قصد العنوان لأن الأمر لا يدعو إلا إلى العنوان المتعلق به فهو واضح، ولا ريب أن اعتبار ذلك الموجب للزوم قصد العنوان لأجل حصول التقرب إنما هو بعد الإتيان بالشفع في المثال، فلا يبعد الحكم بالإتيان، لحصول الحائل وهو قصد كونها وترا. الرابع عشر: لو فرض ترتب بين الصلاتين ولزوم قصد العنوان مع عدم مشروعية العدول وصحة اللاحقة قبل الإتيان بالسابقة سهوا وإن تذكر في الأثناء فما بيده محكوم بالصحة، لما تقدم في الفرع العاشر من حديث " لا تعاد الصلاة ". ومثال ذلك يمكن أن تكون الفائتتان، كالمغرب من ليلة والعشاء من ليلة اخرى، فإن الفروض الأربعة يمكن تحققها في المثال، فإن الترتيب واجب لما دل من وجوب الابتداء بأولهما، وقصد المغربية والعشائية واجب أيضا بالضرورة، وليس محلا للعدول بحسب الدليل كما اعترف به في المستمسك (1) (لأن مورد الدليل هو العدول عن الحاضرة إلى الحاضرة وعنها إلى الفائتة، وأما العدول عن الفائتة إليها فهو غير مفاد الدليل، لكن في المسألة مظنة ثبوت الإجماع. أقول: يشكل ذلك خصوصا في ما إذا لم يكن عدول في أدائهما كما في المثال المبحوث فيه) وصحة الثانية إذا لم يأت بالاولى سهوا قد تقدم وجها في الفرع العاشر. ففي مثل ذلك لو شك في ما بيده أنه اللاحقة أو السابقة:


(1) المستمسك: ج 5 ص 165، ذيل المسألة 10 من فصل أحكام الأوقات.

[ 684 ]

[... ] فإن أتى بالاولى فلا يبعد أن يكون مقتضى قاعدة التجاوز في القصد هو الحكم بكونها الثانية خصوصا إذا كان يرى نفسه في الثانية. وإن لم يأت بالاولى: فإن وافقت السابقة اللاحقة في الكيفية كالعشاء من ليلة وعشاء اخرى من ليلة اخرى فبناء على ما تقدم من الصحة يجوز أن يأتي بالباقي بعنوان ما قصده أولا ويصح ذلك ويأتي بصلاة اخرى بقصد ما بقي في ذمته من الصلاتين. وإن لم يكن بينهما توافق كالمغرب والعشاء فلا يبعد الحكم بكونها الاولى، لجريان قاعدة التجاوز الحاكمة بتحقق الصحيح بحسب الجعل الأولي. والإيراد عليها بأن صحتها معلومة قبل الورود في محل الاختلاف فلا مجرى لقاعدة التجاوز مدفوع بصريح صحيح زرارة الوارد في الشك في القراءة بعد ما ركع، فإن صحة الصلاة معلومة على كل حال ومع ذلك تجري وأثرها عدم لزوم سجدتي السهو أو عدم استحبابهما، ومقتضى ذلك في المثال هو السلام في الركعة الثالثة وأن يقصد بالباقي المغرب من باب أنه مما قصده أولا ليحصل الامتثال، ولا يحصل القطع الاحتمالي لاحتمال قصد العشاء وكونه صحيحا وإن كان هو مقطوعا بالسلام على الثلاث إلا أن الأحوط عدم القطع قبل ذلك. وأولى بذلك إذا دخل في محل الاختلاف وجعلها الاولى بأن تشهد في الثالثة أو دخل في ركوع الركعة الرابعة وكان السابقة هي العشاء. وأما في الفرض المذكور لو دخل في المثال في ركوع الركعة الرابعة فلا يمكن جعلها الاولى. وجعلها الثانية مورد للإشكال المتقدم في المردد بين المغرب والعشاء مع التجاوز عن محل العدول من حيث جريان قاعدة التجاوز، لأنه لو كان متذكرا لقصد المغرب لا العشاء المتأخر عنه بالجعل الأولي.

[ 685 ]

[... ] هذا كله في صورة القطع بعدم الإتيان بالاولى أو القطع بالإتيان بها. وأما إذا شك في ذلك مع فرض الشك في ما بيده: فإن وافقت اللاحقة للسابقة فلا إشكال في صحة الإتيان بعنوان ما قصده أولا - كما تقدم - ثم يأتي بعد ذلك بما بقي على ذمته منهما رجاء. وإن لم يكن بينهما توافق في الكيفية فإن رأى نفسه في الثانية فلا يبعد القول بالصحة وجعلها ثانية، لقاعدة التجاوز خصوصا إذا دخل في ما ينطبق على كيفية الثانية. وأما في غير الصورتين فالظاهر هو الحكم بالبطلان، من جهة عدم إمكان تطبيقها على المخالف لها في الكيفية بالفرض، وأما الحكم بالموافق فيحتاج إلى إحراز قصده، وهو غير محرز، لا بالوجدان ولا بقاعدة التجاوز، لأن مقتضاها هو الحكم بكون المصلي في حكم المتذكر، وغير معلوم أنه إن كان في حكم المتذكر فهل كان يقصد الأول أو كان يقصد الثاني، إذ من الممكن أنه كان حين التذكر عالما بعدم الإتيان بالأول فكان يقصد الأول فلا يمكن الحكم بأنه قصد الثاني، ولا يمكن الحمل على العكس، لأنه يحتمل أن يكون على فرض التذكر يعلم بأداء تكليفه الأول فكان يقصد الثاني. إن قلت: هذا إذا لم يدخل في ظرف الوصول إلى محل الاختلاف في ما ينطبق على الثانية، وإلا كان ذلك محققا للتجاوز، لأن الورود في الركعة الرابعة ليس محلها إلا بعد الإتيان بالمغرب، فيحكم بالإتيان بالمغرب وإن لم يحرز كونها عشاء في المثال. قلت: الترتيب ليس بين المغرب وأربع ركعات ولو كانت هي صلاة الأعرابي، بل بينه وبين العشاء، وهو غير محرز كما عرفت.

[ 686 ]

الثالثة: إذا علم بعد الصلاة أو في أثنائها أنه ترك سجدتين من ركعتين - سواء كانتا من الأولتين أو الأخيرتين - صحت، وعليه قضاؤهما وسجدتا السهو مرتين، وكذا إن لم يدر أنهما من أي الركعات بعد العلم بأنهما من الركعتين. * هذا تمام الكلام في ما يتعلق بالاولى والثانية من مسائل الختام. * أقول: للمسألة صور يختلف حكمها ولو من حيث الوضوح والخفاء: الاولى: أن يعلم بتركهما كذلك بعد مضي محل تداركهما مع فرض التعين، بأن يعلم مثلا أن إحداهما متروكة من الركعة الاولى والثانية متروكة من الركعة الثانية بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة أو كان ذلك في الركعتين الأخيرتين من الصلاة مثلا بعد الإتيان بالسلام والمنافي. وهذا واضح الحكم من حيث التفريع بعد فرض وضوح حكم الأصل من سجدتي السهو لنسيان السجدة وقضائها بل يحتاج إلى الذكر، فإن الواضح أن حكم ذلك قضاء السجدتين وسجدة السهو مرتين. ومثله العلم بنسيان التشهدين بعد مضي محل التدارك أو نسيان بعض مخصوص من كل من التشهدين بل البعض المختلف كالشهادة بالتوحيد من التشهد الأول والشهادة بالرسالة من التشهد الثاني، وليست في ذلك مشكلة يحتاج حلها إلى البحث عنها. الثانية: فرض التعين كالسابق لكن مع فرض مضي محل التدارك بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر. ومن الواضح أنه ليس الحكم فيها ما ذكره في المتن، لأنه يجب عليه قضاء إحدى السجدتين والإتيان بالاخرى في الصلاة من دون لزوم سجدتي السهو إلا مرة واحدة، بناء على عدم لزومهما لكل زيادة ونقيصة كما هو المشهور،

[ 687 ]

[... ] وإلا فيجب في كثير من الأوقات أزيد من مرتين، لزيادة القيام وذكره والقراءة مثلا. الثالثة: أن يكون مضي محل التدارك مشكوكا، كأن شك في حال القيام أنه قبل الركوع أو بعده، فيعلم من جهة السجدة الأخيرة بأنه إما مكلف بالتدارك وإما يجب القضاء عليه ويحرم التدارك، لاستلزامه قطع الصلاة من جهة زيادة الركوع. لكن استصحاب عدم الإتيان بالركوع يوجب حل العلم الإجمالي فيحكم بوجوب التدارك ولازمه القطع بسقوط التكليف بالقضاء قطعا، لأنه على تقدير عدم الإتيان بالركوع قبلا فقد تدوركت السجدة، وأما على تقدير الإتيان فالصلاة باطلة ولا قضاء للسجدة من الصلاة الباطلة. الرابعة: صورة الشك في مضي محل التدارك من جهة مجهولية الحكم بأن يكون بعد السلام وقبل المنافي. فمع فرض مجهولية أصل حكم المسألة من كون السلام مخرجا قهرا حتى يكون الشك بعد مضي محل التدارك أم لا - كما هو الأقرب وقد مر ذلك - حتى يكون الشك قبل مضي محل التدارك، فمقتضى الاحتياط هو الإتيان بالسجدة بقصد ما في الذمة من الأداء أو القضاء، ثم التشهد والتسليم، ثم قضاء السجدة الاخرى، ثم الإتيان بسجدتي السهو مرتين للسجدتين ومرتين اخريين للتشهد والتسليم، ثم إعادة الصلاة من جهة احتمال كون الفصل بين الصلاة وقضاء السجدة الاخرى المفروض مضي محل تداركها مخلا بصحتها مع كونها بوصف الاتصال شرطا للصلاة المأتي بها. وما ذكرناه إنما هو في صورة القطع بترك سجدة منهما من الركعة الأخيرة. الخامسة: صورة العلم الإجمالي بكون إحدى السجدتين إما من الركعة

[ 688 ]

[... ] السابقة التي مضى محل تداركها أو من الركعة التي بيدها ولم يمض محل تداركها مع كون إحدى السجدتين مما هو معلوم مضي محل تداركها، إذ لا يمكن أن تكون كلتا السجدتين كذلك كما هو واضح. ولها صورتان: إحداهما: أن تكون السجدة الأخيرة المرددة مرددة بين أن تكون من الركعة الأخيرة مع عدم مضي محل التدارك - بأن يكون بعد السلام وقبل المنافي وفرض الجزم بعدم مضي محل التدارك، أو كان بعد التشهد وقبل السلام - أو من الركعة السابقة مثلا. ومقتضى العلم الإجمالي في تلك الصورة بكلا شقيها هو التدارك والقضاء بالنسبة إليه ثم قضاء السجدة الاخرى وسجدتا السهو مرتان، فمرة لما هو معلوم أنه لا بد من قضائها ومرة اخرى لتلك السجدة المرددة، فإن مقتضى العلم الإجمالي المؤيد باستصحاب عدم الإتيان بها في السابقة والأخيرة هو الإتيان بمقتضى الأمرين بعد فرض عدم جريان قاعدة التجاوز وإن كان مقتضى الاحتياط أيضا هو إعادة الصلاة من جهة احتمال إخلال الفصل بين أصل الصلاة وقضاء الأجزاء المنسية. لكنه ضعيف على الظاهر - كما تقدم في هذا الكتاب - لكن بالنسبة إلى صورة ما بعد السلام خال عن احتمال الزيادة، لأنه إن كان المتروك هو السجدة من الركعة السابقة فلم تلزم الزيادة، وإن كان هو السجدة من الركعة الأخيرة فالزيادة المتحققة كانت سهوية، وهذا بخلاف صورة كون التذكر بعد التشهد، فإن الرجوع والتدارك موجب لاحتمال زيادة التشهد والسجدة من دون أن يكون منشأ ذلك هو السهو إذا كان المتروك هو السجدة من الركعة السابقة، فذاك الشق من تلك

[ 689 ]

[... ] الصورة حكمه حكم الصورة الآتية التي يأتي فيها الإشكال من جهة الزيادة. ثانيتهما: أن يكون المتروك مرددا بين كونه من الركعة السابقة أو من الركعة التي لم يمض محل تداركه وكان ذلك في غير السجدة الأخيرة أو كان بالنسبة إليه قبل السلام المخرج فيشك في حال القيام من الركعة الرابعة في أن السجدة المتروكة أخيرا هل كانت من الركعة التي قام عنها أو من الركعة السابقة؟ فحينئذ يشكل الأمر من جهة أنه لو تداركها بالعود وقضاها بعد الصلاة يعلم بلغوية القضاء من جهة أنها إما أتى بها في الركعة الثانية مثلا، وإن لم يأت بها كانت الصلاة باطلة من جهة الإتيان بها في الركعة الثالثة، فتكون السجدة المتداركة سجدة زيدت عمدا، ومقتضى معتبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (1) هو البطلان من دون أن يكون حديث " لا تعاد " حاكما عليه، من جهة قوة ظهور كون السجود الواحد داخلا في المستثنى، إذ لا فرق لدى الدقة بين السجود الواحد والركوع الواحد، كما أنه لا فرق بين الإخلال بالاستقبال والطهور بالنسبة إلى جميع الصلاة أو بالنسبة إلى البعض. لكنه مندفع على الظاهر بمعتبر عبيد بن زرارة الوارد في صورة الشك، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد اخرى ثم استيقن أنه قد زاد سجدة، فقال: " لا والله، لا تفسد الصلاة بزيادة سجدة " وقال: " لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة " (2). فعلى هذا لاإشكال في الجمع بين التدارك والقضاء من تلك الجهة. وهو العالم.


(1) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 2 من ب 19 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 4 ص 938 ح 3 من ب 14 من أبواب الركوع.

[ 690 ]

[... ] ثم إنه قد تقدم في الصورة الاولى من الصور المتقدمة نفي الإشكال عن مطلق ما مضى محله التداركي بالنسبة إلى كلتا السجدتين، ومن أفراده ما إذا كان بعد السلام وبعد المنافي للصلاة عمديا وسهويا كالحدث والاستدبار، لكن قد يحتاط فيه بإعادة الصلاة كما في تعليقة بعض معاريف العصر كان الله تعالى له، وفي رسالة المحقق العراقي (قدس سره) الجزم بالبطلان في متنها (1) وإن كان يظهر من تعليقه الرجوع عن ذلك (2): قال (قدس سره): لابد من بطلان صلاته، لأن فوت محل السجدة الأخيرة إنما هو بالدخول في المنافي المزبور، ففوتها في الرتبة المتأخرة عن وجود المبطل فتبطل به الصلاة قبل السقوط عن الجزئية المتأخر عن وجود المبطل بمرتبتين، لأنه متأخر عن الفوت، وهو متأخر عن وجود المبطل (3). انتهى ملخصا ومحررا. أقول: فيه أولا: أن وجود المنافي غير وجود المبطل، فإنه يمكن أن يكون شئ قاطعا من لحوق الأجزاء اللاحقة إلى السابقة من دون أن يكون مبطلا إلا من جهة فقدان الجزء اللاحق وعدم إمكان لحوقه بالسابق، فالاستدبار يمكن أن يكون قاطعا من دون اقتضائه الإبطال أولا وبالذات، وحينئذ فرض المبطل غير واضح، بل المفروض هو وجود القاطع، وهو محقق لفوت السجدة، لعدم إمكان اللحوق ولو لم يكن الصلاة باطلة، ومقتضى الفوت هو عدم الجزئية للسجدة، لما دل على عدم إعادة الصلاة من سجدة وما دل مما تقدم (4) من الدليل على وجوب


(1 و 3) روائع الأمالي: ص 9. (2) روائع الأمالي: ص 10. (4) في ص 195.

[ 691 ]

[... ] القضاء في فوت السجدة الواحدة، فلا يكون المنافي مبطلا، لعدم وقوعه في الأثناء حينئذ حتى يكون قاطعا. وثانيا: على فرض كون المنافي موجبا لبطلان ما مضى من الصلاة وما يأتي بالذات لا من باب كونه قاطعا فلا ريب أن فوت السجدة المتروكة في محلها لا يتوقف على فرض صفة الإبطال في المنافي، بل كونه مبطلا على فرض الوقوع في أثناء الصلاة كاف في عدم إمكان تداركها في تلك الصلاة، فإنه لا يمكن أن تقع السجدة بعد الإتيان بالمنافي جزء للصلاة الماضية إما من جهة بطلان الصلاة وإما من جهة تمامية الصلاة لوجود المنافي، فلا يكون المنافي حينئذ في أثناء الصلاة حتى يوجب البطلان، فالفوت متوقف على اتصاف الحدث - مثلا - بكونه منافيا ومبطلا على فرض وقوعه في الأثناء، لا على اتصافه بالمبطلية فعلا. وثالثا: على فرض التسليم وأن محقق الفوت هو وجود المبطل بوصف المبطلية الفعلية فنقول: إن مبطليته حينئذ مستلزم للمحال، لأنه يلزم منها صدق الفوت، ومن صدقه يلزم إلقاء جزئيته، فإنه لا تعاد الصلاة من سجدة، ويلزم من ذلك عدم وقوع المنافي في الأثناء فلا يكون مبطلا، فيلزم من اتصافه بالإبطال عدم الاتصاف به. ورابعا: أن نظير الإشكال المذكور وارد في وسط الصلاة المورد للروايات المتعددة، فإنه بعد ما دخل في الركوع - بناء على هذا - لم يتحقق فوت، إذ الفوت من باب عروض المبطل بعد ذلك وهو زيادة الركوع، وبها تبطل الصلاة من دون فوت السجدة في حال كونها جزء للصلاة، فالسجدة إما غير فائتة وإما أن الصلاة باطلة من جهة زيادة الركوع، فلا فوت من الصلاة الصحيحة، فتأمل.

[ 692 ]

الرابعة: إذا كان في الركعة الرابعة مثلا وشك في أن شكه السابق بين الاثنتين والثلاث كان قبل إكمال السجدتين أو بعدهما بنى على الثاني، كما أنه كذلك إذا شك بعد الصلاة. * * أقول: للمسألة صور أربعة، والمستفاد من المتن صورتان منها. الاولى: أن يكون الشك المذكور بعد الإتيان بصلاة الاحتياط. وفي ذلك لا ينبغي الريب في جريان قاعدة الفراغ، لعدم الفرق بينه وبين سائر الموارد التي يشك في صحة الصلاة بعد الفراغ عنها، ولعله خارج عن منصرف قوله " بعد الصلاة " لانصرافه إلى ما بعد الصلاة من دون فاصلة. الثانية والثالثة: هما اللتان تعرض لهما المتن: من الشك في ذلك في الركعة الرابعة البنائية أو الشك في ذلك بعد الصلاة وأفتى فيهما بالصحة. ويمكن أن يوجه ذلك بوجوه: الوجه الأول: ما اعتمد عليه المحقق العراقي في رسالته من استصحاب عدم كون شكه ذلك في الاثنتين، بتقريب أن مقتضى عموم " ابن على الأكثر " كما في مطلقات عمار (1) هو البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط، خرج عن العموم المذكور الشك الحادث في الاوليين، فالمطلق المذكور بعد الاستثناء المشار إليه يعنون في مقام الحجية بالشك الذي لم يحدث في الاوليين، فكون الشك في الركعات محرز بالوجدان، وعدم كون الشك الموجود حادثا في الاوليين ثابت بالأصل فيترتب عليه الحكم وهو البناء على الأكثر (2). انتهى بتحرير منا. أقول: فيه أولا: أنه معارض باستصحاب عدم تمامية الركعتين في حال حدوث الشك، فحدوث الشك محرز بالوجدان، وكونه في الركعتين الأولتين


(1) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (2) روائع الأمالي: ص 19 - 20.

[ 693 ]

[... ] محرز بالاستصحاب بأن يقال: إن مقتضاه البقاء في الاوليين في حال حدوث الشك. وثانيا: أن كون الاوليين متعلقا للشك غير كون الشك في زمان الاشتغال بالاوليين، فإنه ربما يشك في فرض الإتيان بهما في الإتيان بصلاة اخرى مثلا، والمانع عن صحة الصلاة كون الإتيان بالاوليين بوصف التشخص مشكوكا، وعدم حدوث الشك في زمان الاشتغال بالاوليين لا يثبت عدم كون الشك الحادث متعلقا بالاوليين، ونفس العدم المذكور لا يكون مستصحبا إلا بعدم الموضوع، إذ لا حالة له سابقة مع وجود الموضوع، وهذا بخلاف المستصحب السابق، فإنه ليس إلا عدم حدوث الشك في الاوليين، فليس المستصحب إلا عدم وجوده، لا عدم اتصاف الموجود بوصف خاص، فتأمل. وثالثا: بناء على ما هو المشهور بينهم - وإن كان فيه نظر عندنا - لا يجري الأصل في ما إذا كان التاريخ في نفسه معلوما، فلابد بناء عليه من التفصيل بين صورة الجهل بتاريخ الشك والعلم بوقوعه في أول الساعة الثانية من الظهر مثلا، فلا يجري في الثاني، للعلم بتاريخ وقوعه بالنسبة إلى الزمان وإن كان مشكوكا بالإضافة إلى الأمر الآخر وهو الركعتان. ورابعا: المستفاد من صحيح زرارة أي قوله (عليه السلام) " حتى يحفظ ويكون على يقين " (1) هو لزوم إتيان الاوليين بوصف اليقين، فاليقين والإحراز شرط ولا يكون عدم الشك شرطا، ومن المعلوم أنه لا يثبت بعدم أحد الضدين وجود الضد الآخر الذي لا ثالث لهما. الوجه الثاني: ما يتراءى أنه الذي اعتمد عليه المصنف (قدس سره) في المتن: من أن البناء على الأربع وعدم قطع الصلاة مشروط بكونه بعد تحقق الشك الصحيح


(1) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 694 ]

[... ] الذي هو مشروط بعدم تعلقه بالاوليين، ومقتضى ذلك هو تحقق ذلك أي تحقق الشك الصحيح، كما أن الشرط في الصلاة بناء على الاشتراط بالإقامة وقوعها قبل الصلاة، فيحكم لقاعدة التجاوز بتحققها، أو يقال: إن محل تأمين الشرط هو ابتداء البناء على الأكثر، كما أن محل تأمين الطهارة بالنسبة إلى جميع الصلاة إنما هو قبل الصلاة ليكون جميع الأجزاء مقرونا بها، أو يقال: إنه شرط في الشروع في البناء على الأكثر لا في البقاء، والبقاء مشروط بأن يكون ابتداء البناء على الأكثر للشك غير المتعلق بالاوليين. وفي هذا الوجه بجميع تقريباته ما لا يخفى: أما في الأول فلأن مورد القاعدة شرطا أو شطرا هو الذي لا بد من الإتيان به لأجل أحد الأمرين من الشرطية أو الشطرية بحيث لو كان متذكرا لكان آتيا به، ومن المعلوم أن الشك ليس من الامور الواجبة شرطا أو شطرا حتى يحكم بأنه قد أتى به لكون المكلف حين العمل أذكر. وأما في الثاني فلعدم كفاية ذلك في الحكم بالتحقق، لعدم التجاوز بالنسبة إلى ما بيده، والتجاوز بالنسبة إلى ما مضى لا يثبت تحقق الشرط بالنسبة إلى ما بيده. وأما في الثالث فلأنه لو كان شرط البناء على الأكثر عدم تعلقه بالاوليين لم يكن فرق بين ابتداء العمل وما بعده، وبالجملة إحراز كون الشك الفعلي هو الذي حدث غير متعلق بالاوليين شرط للعمل الاحتياطي كالطهارة، من غير فرق بين ابتداء العمل وبعده. الوجه الثالث هو الذي وصل إليه نظر الحقير بعون الملهم الخبير، وهو أن مقتضى صحيح زرارة المتقدم إليه الإيماء في الصفحة المتقدمة أن الشرط في الاوليين هو الإحراز، فكل شك محكوم بالبناء على الأكثر في الركعة إذا تمت

[ 695 ]

[... ] الاوليان، مع الإحراز، وهي محرزة بقاعدة التجاوز عنهما، ولا فرق بين ذلك وبين ما إذا شك في صلاة الصبح بعد الفراغ عنها، إذ لا فرق بين الفراغ والتجاوز في ذلك، فكما أنه لو تمت الاوليان وشك في مراعاة الاستقبال فيهما يحكم بتحققه كذلك الاشتراط باليقين أو بعدم تعلق الشك بهما. وملخص الكلام أن مقتضى البناء على الأكثر الثابت بإطلاق رواية عمار (1) هو البناء على الاحتياط مطلقا ومقتضى صحيح زرارة (2) أن الوجه في عدم تطرق الوهم في الاوليين هو لزوم الإتيان بهما على وجه اليقين، لأنه فرض من جانب الله تعالى، وهو تفسير لما دل على لزوم كون الشك في الثلاث والاثنتين بعد الإكمال فهو حاكم على ذلك، ومقتضى الجمع بين المطلق والمقيد هو العمل بالشك بالبناء على الأكثر مطلقا إلا إذا لم يكن الاوليان محرزة، فكل شك كان في فرض إحراز الاوليين فهو محكوم بالاحتياط، وإحراز ذلك ظاهر بقاعدة التجاوز، وهذا من غير فرق بين كون اليقين شرطا كما هو مدلول صحيح زرارة أو كون الشك مانعا، ومن غير فرق بين لزوم اليقين على نحو التشخص حال الإتيان بهما أو الأعم من ذلك وحصوله بعد ذلك، إذ من المعلوم عدم تحقق ذلك، مع أن احتمال حصوله غير مؤثر شرعا بحيث يلزم مراعاته من ابتداء الأمر، فإنه لا شبهة أن تكليف المصلي هو قطع الصلاة إذا شك في الاوليين قبل الإكمال ولو احتمل أن يحصل له اليقين مثلا بعد الصلاة أو بعد ساعة، والحاصل أنه كما لو فرغ عن صلاة الصبح وشك في شرط من الشروط أو مانع من الموانع يحكم بالصحة كذلك في ما نحن فيه.


(1) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 299 ح 1 من ب 1 من أبواب الخلل.

[ 696 ]

[... ] إن قلت: موضوع قاعدة التجاوز هو الشك الحادث، والمفروض في المقام احتمال كون الشك في زمان الإتيان بالاوليين. قلت: الشك في الإتيان بالاوليين تماما مرتفع قطعا، لأنه يقطع بالإتيان بهما، وهو الذي يحتمل حدوثه في طي الا تيان بالاوليين، والشك في حصول الشك في الاوليين حادث قطعا، وهو مورد قاعدة التجاوز كما في سائر الشروط والموانع المشكوكة. ومن ذلك يظهر أيضا أنه لو حدث الشك بعد إكمال السجدتين قبل البناء على الرابعة في أنه هل كان شك قبل ذلك ولم يعتن به غفلة أو لم يكن شك قبل ذلك؟ إنه يحكم بالصحة. فصور المسألة أربعة: الاولى: حدوث الشك في أنه هل شك في الاوليين أم أتى بهما على وجه القطع بعد الإتيان بالاوليين قطعا. الثانية: أن يكون بعد الدخول في الرابعة وقبل السلام. الثالثة: أن يكون بعد السلام وقبل الإتيان بصلاة الاحتياط. وهما اللذان تعرض لهما في المتن على الظاهر. الرابعة: أن يكون بعد الإتيان بصلاة الاحتياط وتمامية العمل. وهي أوضح من الكل من حيث جريان قاعدة الفراغ والتجاوز بالنسبة إلى العمل الماضي ولا فرق بينه وبين سائر موارد جريان قاعدة الفراغ. والله المتعالي هو العالم. نعم، لو كان في التشهد وشك في الإتيان بالاوليين واحتمل كون الشك قبل ذلك فلا تجري القاعدة بناء على كون موضوعها الشك الحادث، وكذا بعد الفراغ عن صلاة الصبح ولو تخلل اليقين بالإتيان، وإن كان في ذلك أيضا إشكال من جهة

[ 697 ]

الخامسة: إذا شك في أن الركعة التي بيده آخر الظهر أو أنه أتمها وهذه أول العصر جعلها آخر الظهر. * كون الموضوع هو الشك الموجود بعد الفراغ والتجاوز وأصالة عدم تحقق الشك قبل ذلك، وفيه تأمل. وكيف كان، فبحثنا غير مربوط بذاك الفرعين، فتأمل. * قد يقال: إن المقصود من جعلها آخر الظهر هو الإرشاد إلى أن ذلك موجب للقطع بالإتيان بالظهر قطعا إما سابقا وإما بذلك من دون أن يكون ذلك مقتضى الحكم الظاهري، لأن استصحاب عدم الإتيان بمجموع الظهر وكذا عدم الإتيان بالعصر وكذا استصحاب كونه مشتغلا بالظهر لا يثبت كون ما بيده هو الظهر، وعلى فرض إثبات كون ما بيده هو الظهر لا يثبت جواز السلام بعد الإتيان بركعة واحدة، فإن أمر السلام يدور بين الوجوب إن كان ظهرا، لحصول القطع بتركه والإتيان بركعة خامسة، والحرمة، لحصول القطع به إن كان عصرا، فحيث يدور الأمر بينهما فلا حرمة في السلام فعلا، ولا يمنع الحرمة الذاتية غير المعاقب عليها عن الإتيان به بعنوان الرجاء، فإذا أتى به كذلك يقطع بالإتيان بالظهر بخلاف ما إذا أتى بباقي الركعات برجاء العصر، فإنه مشترك مع الفرض المتقدم في احتمال الإتيان بالحرام غير الفعلي، لكنه يفترق عنه في عدم القطع بالإتيان بالظهر، لاحتمال زيادة ثلاث ركعات عليه وعدم الإتيان بالعصر، لاحتمال كون ابتدائه الظهر والإتيان بسبع ركعات متواليات في صلاة واحدة. ويمكن أن يقال: إنه يكفي في ذلك استصحاب كون الصلاة التي كان مشغولا بها هي صلاة الظهر والآن كما كان، فالصلاة التي تكون بيده هي صلاة الظهر وقد قطع بالإتيان بثلاث منها ويكون الباقي الذي هو الركعة الاخرى متصفا بالظهرية وليست بعصر، فيكون السلام واقعا في صلاة الظهر ويقطع بعدم الحرمة في ذلك، إذ وقوع السلام في صلاة الظهر لا يكون مبطلا لها قطعا.

[ 698 ]

قال المحقق العراقي (قدس سره) في الرسالة: لو حدث الشك بعد السلام في أنه صلى أربعا أم ثلاثا يبني على تمامية صلاته (1). * ولكن مع ذلك كله فالاستصحاب المذكور مع استصحاب عدم قصد العصرية في هذا الفرد معارض باستصحاب عدم قصد الظهرية، فالأمر من حيث قطع الصلاة الصحيحة بالفعل دائر بين المحذورين، من حيث إن السلام على الركعة المورد للاحتمال المذكور موجب لاحتمال قطع الصلاة على تقدير كونها أول العصر، كما أن المضي والإتيان بثلاث ركعات بعد ذلك موجب للاحتمال المذكور أيضا من حيث احتمال الزيادة ومقتضاه التخيير، إلا أن البناء على الإتمام ظهرا بالسلام فيها موجب للقطع بالإتيان بالظهر إما سابقا وإما بالإتيان بتلك الصلاة بخلاف ما إذا أتى بثلاث ركعات اخرى، فالحكم المزبور إرشاد إلى ما هو أقرب إلى حصول الامتثال. * أقول: إذا كان ذلك بعد الإتيان بالمنافي فهو واضح لوجوه: منها: معتبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " إذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك " (2). ومنها: إطلاق قاعدة الفراغ والتجاوز حتى بناء على شمول قاعدة البناء على الأكثر لما بعد الصلاة. لكن المفروض حصول المنافي وهو فرض عدم الشمول، فيحكم بهما بالصحة. ومنها: أنه على فرض الشمول والغض عما ذكر فلا ريب أن قاعدة الفراغ


(1) روائع الأمالي: ص 20. (2) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 3 من ب 27 من أبواب الخلل.

[ 699 ]

[... ] حاكمة على كل حكم ثبت في فرض الشك، لقوله (عليه السلام): " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (1)، لا سيما إذا كان الحكم بالبناء على الأكثر من باب الاستصحاب كما لا يبعد وقد مر تقريبه. ومنها: أن دليل البناء على الأكثر لا يشمل بعد السلام فضلا عن شموله لصورة الإتيان بالمنافي فراجع مطلقات عمار (2)، فإن المفروض في كلها وقوع الشك قبل السلام، وكذا الروايات الواردة في الشك بين الثلاث والأربع (3)، إلا مرسل جميل (4) الذي فيه إشكال من حيث السند وقد مر ذلك (5)، مضافا إلى أن الظاهر منه أنه في مقام بيان كيفية صلاة الاحتياط وأنه مخير مع اعتدال الوهم في الجلوس والقيام. ومنها: أنه لو فرض التعارض بين قاعدة البناء على الأكثر التي مقتضاها البطلان في المقام وقاعدة التجاوز الحاكم بالصحة من حيث الإتيان بالركعة المشكوكة فيرجع إلى قاعدة الفراغ الحاكم بالصحة، فتأمل. ومن ذلك يظهر الكلام في ما إذا كان الشك بعد السلام وقبل المنافي، فإنه يتمشى فيه أكثر ما تقدم من الوجوه. إن قلت: في صورة عدم الإتيان بالمنافي لم يحرز التجاوز على فرض إطلاق قاعدة البناء على الأكثر، لأن محل الركعة الرابعة باقية في صورة الشك المبني على الغفلة عن الركعة الرابعة بنحو الاتصال احتمالا. قلت: لا إشكال في أن التجاوز بحسب ما جعل للمتجاوز عنه من المحل


(1) الوسائل: ج 1 ص 330 ح 2 من ب 42 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 5 ص 317، الباب 8 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 320، الباب 10 من أبواب الخلل. (4) الوسائل: ج 5 ص 320 ح 2 من ب 10 من أبواب الخلل. (5) في ص 343.

[ 700 ]

[... ] مع قطع النظر عن السهو والغفلة، وإلا فمحل الأذان باق إذا دخل في الإقامة، لإمكان الرجوع، ومحل الركوع باق إذا دخل في السجدة الاولى، لإمكان التدارك على فرض عدم الإتيان بذلك. ومن ذلك يظهر الكلام بالنسبة إلى ما قبل السلام بعد الدخول في التشهد، إلا أن يقال: إن ما دل على البناء على الأربع في خصوص الشك بين الثلاث والأربع غير قابل للتقييد بما قبل التشهد، للزوم التخصيص الكثير المستهجن لا سيما مثل حسن الحلبي وفيه: " إن كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا " إلى أن قال: " فسلم ثم صل ركعتين " إلى أن قال: " وإن ذهب وهمك إلى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة " (1). لكن الإنصاف صدق ذلك في السجدتين أيضا، مضافا إلى أن الأكثر حصول الشك قبل الشروع في التشهد، فإن التجاوز مورد للظن النوعي بالإتيان بالركعة التي هي قبل التشهد، وإن كان الاحتياط لا يترك بالإتيان بصلاة الاحتياط. وفي الفرض الآخر إشكال آخر وهو أن الإتيان بالرابعة لا يثبت وقوع التشهد والسلام في الرابعة. وهو مدفوع أولا بما مر (2) من عدم الدليل على اشتراط كونهما في الرابعة بل مقتضى دليل الترتيب أن يكون بعد الإتيان بالرابعة. وثانيا بأن المقصود من الكون في الرابعة إما أن يكون هو وقوعه جزء من الرابعة، فهو بحكم ما إذا شك في السجدتين بعد الورود في التشهد، فكما يحكم


(1) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 5 من ب 10 من أبواب الخلل. (2) في ص 231.

[ 701 ]

السادسة: إذا شك في العشاء بين الثلاث والأربع وتذكر أنه سها عن المغرب بطلت صلاته، وإن كان الأحوط إتمامها عشاء، والإتيان بالاحتياط ثم إعادتها بعد الإتيان بالمغرب. * في ذلك بأن التشهد جزء من الرابعة للإتيان ببعض الرابعة بالوجدان وبالبعض الآخر المتصل به بالأصل فكذلك هنا، وإما أن يكون المقصود هو الاتصال بها، فهو كلزوم اتصال السجدتين بالركوع في ما إذا شك في الركوع وقد سجد، واتصال التشهد والسلام بالسجدتين إذا شك فيهما بعد الدخول في التشهد، وهذا مما لا إشكال فيه يقينا، والله العالم. * أقول: في المسألة وجوه أربعة: الأول: ما في المتن من الحكم بالبطلان. ووجهه أنه لا محل للعدول، فإنه موجب لتعلق الشك بركعات المغرب، وهو مبطل فلا يشمله دليل العدول، لأنه من باب التصحيح، وإن شمله فلا ينتج إلا البطلان، وإتمامها عشاء باطل أيضا، لفقد الترتيب، للإخلال به في ما بقي من الصلاة عمدا، فهو مبني على بطلان كلا الشقين من العدول والإتمام عشاء. الثاني: الحكم بإتمامها عشاء. ووجهه بطلان العدول وصحتها عشاء، من باب أن كل خلل لا يكون من باب " لا تعاد " بل كان تحققه لعذر، ولو كان العذر هو السهو السابق فمبطليته للصلاة مرتفعة بإطلاق دليل " لا تعاد الصلاة " (1)، أو من باب أن الشرط هو إيجاد مجموع صلاة العشاء بعد مجموع صلاة المغرب، وذلك قد تحقق سهوا، ولو فرض إمكان تأمين الشرط في ما بقي من الصلاة فهو غير واجب، لعدم الدليل على لزومه، وهذا غير الستر ونحوه، فتأمل، أو من باب أن الشرط هو سبق صلاة المغرب، كما هو


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 702 ]

[... ] المتبادر من قوله (عليه السلام): " إلا أن هذه قبل هذه " (1) وقد سها عن ذلك، كيف! ولولا ذلك لما كان يشمل الحديث ما هو المتيقن من مورده وهو صورة نسيان الفاتحة مثلا حتى ركع، فإن السجود كما يكون مترتبا على الركوع يكون مترتبا على الفاتحة. وهو الذي اعتمد عليه في المستمسك (2)، وإن كان في ما ذكره إشكال، من جهة عدم وضوح كون الشرط هو السبق الملازم للحوق، بل لعل الشرط هو اللحوق الملازم للسبق، وليس في قوله " إلا أن هذه قبل هذه " ظهور معتد به في كونه بصدد بيان تلك الخصوصيات الدقيقة، بل لعل الظاهر أنه بصدد بيان أصل الترتيب وإلا لكان المشروط هو صلاة المغرب ولم يكن لصلاة العشاء شرط أصلا، فتأمل. وأما القياس بمثل نسيان القراءة فهو مع الفارق، من جهة أن مقتضى حديث " لا تعاد " رفع جزئية القراءة، ومقتضى ذلك حفظ الترتيب، لأن الترتيب واجب بين الأجزاء، ولا ترتيب بين السجود - في المثال - وذات القراءة، بل الترتيب بينه والقراءة بشرط كونها جزء. وكيف كان، فمبنى هذا الوجه على بطلان الصلاة على فرض العدول وصحة الصلاة على فرض إتمامها عشاء والعمل بالاحتياط. الثالث: أن يقال بالإتيان بالمغرب في وسط الصلاة ثم الإتيان بباقي العشاء. ومبنى ذلك على بطلان الصلاة على فرض العدول وبطلانها أيضا على فرض إتمامها عشاء لفقد الترتيب، وأن مقتضى الترتيب مراعاته في ما بقي من صلاة


(1) الوسائل: ج 3 ص 115 ح 4 من ب 10 من أبواب المواقيت. (2) المستمسك: ج 7 ص 601.

[ 703 ]

[... ] العشاء، هذا مع البناء على جواز اقتحام الصلاة في الصلاة عمدا، ويأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في المسألة الآتية. الرابع - وهو الأقرب -: أن يقال بالعدول إلى المغرب على تقدير كون الركعات المأتي بها ثلاثا والبقاء على العشاء على تقدير الأربع. ومبنى ذلك على عدم كون الشك بنفسه مبطلا، بل لابد من الإتيان بركعات المغرب بوصف السلامة عن النقصان والزيادة واقعا، وقد مر ذلك (1) في ذيل المسألة الاولى من مسائل الشك في الركعات، وعلى جريان " لا تعاد " إن كان المأتي أربع ركعات، من جهة ما مر في تقريب الوجه الثاني، وهو الحاكم بصحة إتمامها عشاء على تقدير كونها أربعا، وليس حكمها الإتيان بالمغرب في وسط العشاء من باب تأمين اشتراط الترتيب في ما بقي من صلاته حتى لا تصل النوبة إلى حديث " لا تعاد "، وذلك لعدم تأمين الشرط المذكور بذلك، فإن الظاهر أن الشرط هو الترتيب بين صلاة العشاء والمغرب، لا الترتيب بين جزء غير معتد به من العشاء والمغرب، وليس سقوط الترتيب في ما مضى من صلاته من جهة عدم القدرة والعسر، بل الشارع ألقى شرطيته في حال السهو والاضطرار فلا مجرى لقاعدة الميسور في إثبات لزوم الإحراز، فشرطية الترتيب ساقطة بالإخلال به سهوا قبل ذلك، فلا يجب الإتيان بالمغرب قبل باقي العشاء لذلك. نعم، يبقى احتمال جوازه، وهو لا يخلو عن إشكالات من حيث الزيادة العمدية ومن حيث الإخلال بالموالاة وتخلل الفعل الكثير الماحي وإن اجيب عن ذلك كله، فلا ريب أنه خلاف الاحتياط. فما ذكرناه خال عن العيب إن شاء الله تعالى، ويترتب على ذلك أيضا جواز تقديم العشاء على المغرب في مقام التدارك، فتأمل.


(1) في ص 234.

[ 704 ]

السابعة: إذا تذكر في أثناء العصر أنه ترك من الظهر ركعة قطعها وأتم الظهر ثم أعاد الصلاتين، ويحتمل العدول إلى الظهر بجعل ما بيده رابعة لها إذا لم يدخل في ركوع الثانية ثم إعادة الصلاتين. وكذا إذا تذكر في أثناء العشاء أنه ترك من المغرب ركعة. * * أقول: للمسألة صور يختلف حكمها ولو من حيث الوضوح والخفاء: الصورة الاولى: أن يكون الدخول في العصر بعد صدور المنافي المطلق منه بعد الظهر الناقص. وحينئذ لا إشكال في أن الحكم هو العدول إلى الظهر، لبطلان السابقة وصحة اللاحقة مع قطع النظر عن لزوم الترتيب فيعدل عنها إليها. الصورة الثانية: أن يكون ذلك من دون صدور المنافي المطلق مع فرض عدم الدخول في ركوع الركعة الثانية وكان قاصدا لأداء ما في ذمته مع قطع النظر عن السهو وما هو تكليفه بالعنوان الأولي. فيمكن أن يقال بأنه يصح ظهرا، لانطباق المقصود على الخارج فيسلم بعنوان الظهرية. وقصد الافتتاح في التكبير غير مضر بالانطباق، فإن ما في الذمة يشتمل أيضا على التكبير المستحبي من باب الانتقال من حال إلى حال أو من باب الذكر المطلق، مضافا إلى أنه لا دليل على كون زيادة تكبيرة الافتتاح سهوا مبطلة للصلاة، كما أن قصد العصرية من باب الخطأ في التطبيق غير مانع عن الصحة، إذ لا دليل على مانعية قصد العصرية، بل الشرط قصد الظهرية بنحو التفصيل أو بنحو الإجمال بحيث ينطبق على المأتي به، وهو قصد ما في الذمة بالعنوان الأولي، ولا ريب أنه لا ينطبق على العصر. وتوهم " أن الصلاة قابلة لكونها موردا لانطباق الظهر وموردا لانطباق العصر بقصد العصرية أيضا بالفرض " مدفوع بأنه لا يكون عصرا، لفقد الترتيب وللزوم كون الظهر قبل العصر، وإلا

[ 705 ]

[... ] فلا نقص فيها من حيث القصد كما يأتي لذلك مزيد توضيح أيضا إن شاء الله تعالى. ويلحق بذلك ما لو كانت الصلاة مسبوقة بذلك القصد، بأن كانت الصلاة مأتيا بها بقصد ما في الذمة، فإن مقتضى الاستصحاب أن تلك الصلاة التي من جهة عدم المنافي موجود واحد بالاتصال أنه تكون بقصد ما في الذمة كما كانت، أو أنه كان مشغولا بالصلاة المقصود بها ما في الذمة والآن كما كان. وتلحق بذلك على الظاهر صورة الشك في المسبوقية بما في الذمة مع العلم بسبق قصد الظهرية، فإن أصل قصد الظهرية الجامع بين الإجمال والتفصيل معلوم التحقق، والأصل بقاؤه، فيكون من بعض أقسام الكلي القسم الثالث الذي اختار الشيخ المؤسس الأنصاري جريان الاستصحاب فيه. ولا يعارض ذلك باستصحاب عدم قصد الظهرية بنحو الإجمال، إذ لا أثر لنفي ذلك الفرد بالخصوص، ومع إلقاء خصوصية كونه إجماليا يرجع إلى استصحاب عدم الكلي، والحالة السابقة هي وجود الكلي الجامع بين الإجمال والتفصيل. الصورة الثالثة: أن يقصد أداء ما في ذمته ولكن دخل في الركوع من الركعة الثانية أو زاد على ذلك. فالظاهر بطلان الصلاة الاولى حينئذ، لحصول الزيادة، من جهة أن الزيادة لابد أن تكون من جنس المزيد عليه خارجا وقصدا، وكلاهما حاصلان في المقام، فإن المزيد فيه قد اتي بقصد ما في الذمة، والزائد أيضا قد اتي بذلك القصد، وعدم الانطباق على الظهر ليس دخيلا في عدم صدق الزيادة، فإن الزائد في جميع الموارد لا ينطبق على المزيد فيه، لوضوح عدم كونه جزء بل يكون مانعا. وأما بطلان الصلاة من حيث كونها عصرا فلا دليل عليه، فتصح عصرا إلى حين الالتفات فيعدل عنها إلى الظهر الباطل، فتحصل أن مقتضى القاعدة في تلك

[ 706 ]

[... ] الصورة هو العدول إلى الظهر. الصورة الرابعة: ما مضى لكن من دون توسيط قصد ما في الذمة، بأن يكون قاصدا للعصر بالخصوص، كمن كانت عادته أن يصلي الظهر من باب كونها الصلاة الوسطى مثلا في المسجد وبالجماعة ولا يصلي الظهر فرادى، فلا يقصد بذلك إلا خصوص امتثال الأمر المتعلق بالعصر على وجه التقييد بحيث لو لم يكن عصرا لم يأت به كذلك. وفيها يمكن أن يقال: إن مقتضى القاعدة تتميم الصلاة ظهرا والسلام بعنوان الظهر ثم إعادة العصر دون العكس. أما جواز الأول - أي إتمامها ظهرا - فلأن فوات الموالاة لفصل الصلاة غير معلوم أنه مانع عن صحة الصلاة لاسيما إذا كان ذلك سهويا، فإن شمول حديث " لا تعاد " لذلك لا قصور فيه، وكذا بالنسبة إلى الفعل الكثير لاسيما بعد ورود ذلك بالنسبة إلى إقحام الفريضة في صلاة الآيات فراجع (1). فلم يبق في البين ما يكون مانعا عن الإقحام إلا زيادة الركوع والسجدتين. والإشكال المذكور واضح الدفع بالنسبة إلى إطلاق ما يدل على مانعية الزيادة، لأن الزيادة في العرف لابد أن تكون من جنس المزيد فيه، كما يستفاد من قولهم: زاد الله في عمره أو زاد الله في علمه. إنما الإشكال ينشأ من معتبر زرارة المتقدم عن أحدهما (عليهما السلام): " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (2).


(1) الوسائل: ج 5 ص 147، الباب 5 من أبواب صلاة الكسوف والآيات. (2) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة.

[ 707 ]

[... ] حيث دل على عدم جواز شئ في المكتوبة مسانخ لها صورة وإن لم يكن بذلك القصد، فإن السجود لا يكون بعنوان الجزئية للصلاة بل بعنوان التلاوة، ومقتضى التعليل عدم اختصاص ذلك بسجدة التلاوة. والجواب عن ذلك يمكن بوجوه: منها: أن المستفاد من صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة " إلى أن قال: ثم قال: " القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة " (1) الدال على أن المقصود من الخمس هو الإخلال بها من باب عدم الإتيان بها مع وجوبها، فإن الفريضة هي الركوع والسجود، وليس عدم الزيادة فرضا، وإلا لكانت سنة النبي (صلى الله عليه وآله) ركعتين اخريين على خلاف الفرض، مع أنه يكفي استصحاب عدم كونه مفروضا من جانب الله تعالى فحينئذ يشمله الحديث المزبور، فتأمل. ومنها: أنه لا يبعد أن يكون المقصود هو النهي عن السجود لكون المأتي به عند العامة بعنوان الزيادة في المكتوبة، لا أنه زيادة في المكتوبة ولو لم يقصد به الزيادة. نعم، يدل على عدم جواز الإتيان بما يؤتى به بعنوان الزيادة في المكتوبة وبقصد الجزئية ولو لم يقصد به ذلك، كما في النهي عن قول آمين (2) وعن التكتف في الصلاة معللا بأنه عمل ولا عمل في صلاة كما في بعض الأخبار عن علي بن الحسين (عليهما السلام) (3).


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) راجع الوسائل: ج 4 ص 752، الباب 17 من أبواب القراءة في الصلاة. (3) الوسائل: ج 4 ص 1264 ح 4 من ب 15 من أبواب قواطع الصلاة.

[ 708 ]

[... ] وهو غير بعيد بعد ملاحظة ما يشبه ذلك من موارد بدع العامة استحسانا، فإن التحريم التكليفي أو الوضعي للدفاع عن التشريع وصيانة الشرع الإسلامي عن الزيادة والنقصان، والذي يقربه هو سوق التعليل الذي لابد أن يكون مطابقا للارتكاز وبعيدا عن التعبد. ومنها: أن الحكم بالزيادة في ما يكون من متعلقات ما هو الجزء - وهو السورة - لا يسري إلى غيره مما لا يكون جزء ولا من متعلقات الجزء. ومن ذلك كله يتبين أنه لا مانع من تتميم الظهر في تلك الصورة. وقد يقال بأنه يتمم العصر ثم يتمم الظهر كما لا مانع من أن يتمم الظهر ثم يتمم العصر. والوجه في ذلك صحة الصلاتين وعدم بطلان إحدى الصلاتين بزيادة الاخرى، لما عرفت من دفع الموانع المتصورة. لكن يدفع الثاني - أي تتميم الظهر والسلام عليه ثم الإتيان بما بقي من العصر - أن السلام الذي يؤتى به للظهر قاطع للعصر، فإنه كلام عمدي بالنسبة إليه، ولا يدفع إخلاله بالنسبة إلى العصر بحديث " لا تعاد "، فإنه لا يجوز الخلل، بل يحكم بعدم الإعادة في الخلل المأتي به لعذر، ولا عذر للمكلف بالنسبة إلى صلاة العصر. ويدفع الأول بأنه بعد لزوم إبطال إحدى الصلاتين بالسلام للاخرى فلا وجه لعدم مراعاة الترتيب فاللازم مراعاته، وبعبارة اخرى قاعدة " لا تعاد " لا تجوز الإخلال بالترتيب من غير عذر، ومن المعلوم أن الإخلال بالترتيب في المقام اختياري ولا يقتضيه عذر من سهو أو جهل أو اضطرار، للتخير - مع قطع النظر عن الترتيب - بين إتمام الظهر وإعادة العصر أو العكس، فلو عكس أخل بالترتيب

[ 709 ]

[... ] عمدا ولا يكون مشمولا لحديث " لا تعاد الصلاة " (1). الصورة الخامسة: فرض عدم الدخول في الركوع من الثانية مع عدم قصد ما في الذمة بل قصد العصر بنفسه. فالظاهر كونه كالمتقدم من لزوم إتمامها ظهرا وإعادة العصر، فإنه لا يمكن تطبيق الظهر عليه. إن قلت: يمكن تطبيق الظهر عليه بإطلاق ما ورد في باب النية من أن الصلاة على ما افتتحت عليها (2)، كما عن بعض أعلام العصر كان الله له. قلت: قد مر أن ظاهرها هو السهو عن القصد السابق مع البناء عليه فهي منطبقة على الخطأ في التطبيق، والشاهد على ذلك هو أن ظاهرها الإخبار عن الواقع وأنك في الصلاة التي قمت إليها وفيها، لا التعبد بذلك، لأنها إخبار عن الموضوع، والتعليل لابد أن يكون عاريا من التعبد. مضافا إلى أن افتتاح الصلاة عرفا في المقام بالعصر. مع أن التمسك به دوري، لأن شمول الإطلاق المزبور متوقف على عدم العبرة بذاك الافتتاح فيحكم به أنه من صلاة الظهر، والمفروض إثباته بذلك، فتأمل. ولا يكون الظهر باطلا حتى يعدل إليه، لعدم قدح ذلك كما مر تفصيله. فملخص الكلام في المسألة - والله المتعالي هو العالم المعلم الملهم - أن في المسألة تفصيلا، فيعدل عنها إلى الظهر في فرضين: فرض صدور المنافي بعد الظهر، وفرض بطلان الظهر بزيادة ما قصده عصرا إذا كان بتوسيط ما في الذمة ولم يصدر منه المنافي، ويصح ظهرا ويسلم على الظهر من دون زيادة، وهو ما إذا كان بقصد


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) مثل ما في الوسائل: ج 4 ص 712 ح 2 من ب 2 من أبواب النية.

[ 710 ]

[... ] ما في الذمة ولم يدخل في الركوع من الثانية، فإنه يتشهد ويسلم بالبناء على كونها رابعة الظهر ثم يأتي بسجدات السهو لما زاد احتياطا كما مر في محله، فيحتسب ذلك الركعة من الظهر ويتم صلاته ظهرا من دون احتساب الركعة المأتي بها ويسلم على ذلك ثم يأتي بسجدات السهو احتياطا ثم يعيد صلاة العصر، وذلك في فرضين: أحدهما صورة قصد العصر من دون الدخول في الركوع من الثانية، وثانيهما مع الدخول، كل ذلك من دون كون قصد العصرية من باب الخطأ في التطبيق. هذا كله بحسب القاعدة. وأما النص الوارد في المسألة فهو ما عن الاحتجاج عن الحميري عن مولانا صاحب الزمان عليه الصلاة والسلام أنه: كتب إليه يسأله عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر، فلما صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع؟ فأجاب: " إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر وصلى العصر بعد ذلك " (1). وفقه ذلك الحديث الشريف يتم بالكلام في جملتين منه: الاولى: قوله عجل الله تعالى فرجه: " إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين " فإن فيه إشكالا من حيث الانطباق على القواعد المقررة عنهم (عليهم السلام)، فإنه لو كانت الحادثة هي الحدث فالأمر كما في الحديث، وأما إن كان غيره من المنافيات كالاستدبار فاللازم هو العدول إلى الظهر. ويمكن دفع ذلك بإمكان أن يكون المقصود من الحادثة هو الحدث


(1) الوسائل: ج 5 ص 325، الباب 12 من أبواب الخلل.

[ 711 ]

[... ] الاصطلاحي فكان ذلك هو الاصطلاح في عصر صدور الحديث، ويكون المقصود من " الركعتين الأخيرتين " في الجملة الثانية هو الأخيرتان من صلاة العصر، فيكون المقصود هو العدول. والإنصاف أنه خلاف الظاهر. ويمكن أن يكون المقصود من الشرطية الاولى هو الحدث بقرينة قوله " يقطع بها الصلاة " أي جنس الصلاتين فاللازم هو الإعادة، وإن لم يكن أحدث حادثة أصلا سواء كانت مبطلة لجنس الصلاة أم لا جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر، ويجئ معنى ذلك إن شاء الله تعالى. وأما الجملة الثانية ففيها احتمالات أربعة: الأول: أن يكون المقصود هو العدول بالتقريب المتقدم. وقد مر أنه خلاف الظاهر. الثاني: أن يكون المقصود إتمام الظهر، بأن يكون المقصود من الأخيرتين الأخيرتين من العصر التي لم يؤت بهما، وهو إقحام الظهر في بقية العصر من دون الاعتبار بالعصر بعد ذلك. وهو أيضا خلاف الظاهر وإن كان دون الأول في ذلك، فإن تتميم الظهر عرفا غير جعل الركعتين الأخيرتين تتمة للظهر. الثالث: أن يكون المقصود جعل الركعتين المأتيتين من العصر تتمة للظهر. وهو الظاهر، لكن تارة يكون المقصود لزوم قصد الظهرية في ما مضى، واخرى لزوم العمل معهما معاملة الظهر بالسلام والختم بعد ذلك بما أنه ظهر من باب انطباق ما في الذمة عليه. وهو المعنى الرابع الظاهر الموافق لما قلناه في نوع الموارد إلا ما شذ وندر من توسيط ما في الذمة، بحيث لا يعتنى به في مقام السؤال عن رجل اتفق له كذا،

[ 712 ]

الثامنة: إذا صلى صلاتين ثم علم نقصان ركعة أو ركعتين من إحداهما من غير تعيين: فإن كان قبل الإتيان بالمنافي ضم إلى الثانية ما يحتمل من النقص ثم أعاد الاولى فقط بعد الإتيان بسجدتي السهو لأجل السلام احتياطا، وإن كان بعد الإتيان بالمنافي: فإن اختلفتا في العدد أعادهما، وإلا أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمة. * كما لا يحسن السؤال عمن سأل الفقيه عن زيد مات وترك ابنا وابنتين، فإنه يحكم بتقسيم تركته بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، ولا يحسن السؤال عن القتل وكفر الورثة مثلا، لندرة ذلك بحيث لا يصح السؤال عنه عرفا بل كان على السائل أن يذكره لو كان. والحاصل أن قصد العصر بما هو عصر من دون أن يكون المكلف بصدد أداء ما في الذمة ويكون بنظره للعصر خصوصية في الامتثال نادر جدا فالجواب مطابق للقاعدة. ومما ذكرنا كله يظهر الكلام في كل صلاتين مترتبتين إذا دخل في الثانية فتذكر نقص ركعة أو ركعات من الاولى. * أقول: ملخص الكلام في المقام أن في المسألة صورتين: الاولى: أن لا يكون بين الصلاتين ترتيب، كأن يكون قاضيا لظهرين في ذمته أو في ذمة أبيه. ومقتضى القاعدة في ذلك هو الحكم ببطلان أحدهما إذا كان بعد صدور المنافي بعد كل منهما أو بعد الثانية، للعلم بالنقص من دون قابلية الناقص للجبران، وأما إذا لم يصدر المنافي أصلا فبعد ما تحقق في المسألة المتقدمة من عدم مبطلية الصلاة لصلاة اخرى سهوا فمقتضى القاعدة هو التتميم بقصد ما في الذمة القابل للانطباق على الاولى وعلى الثانية، وأما إذا صدر المنافي بعد الاولى دون الثانية

[ 713 ]

[... ] فيمكن أن يقال بصحة الاولى - لأن صدور المنافي موجب لصدق التجاوز عن النقص - وتتميم الثانية. إن قلت: قاعدة التجاوز الجارية في الاولى من حيث صدور المنافي كالجارية فيها من حيث التشهد والسلام معارضة لها في الثانية من حيث السلام. قلت: هي متعارضة مع الاولى من حيث التجاوز عن الركعة المشكوكة بتحقق السلام، ويبقى ما يجري من حيث صدور المنافي على حاله، لأن الجارية من حيث السلام ترفع الشك عن القاعدة بلحاظ جريانها من حيث صدور المنافي من دون العكس إلا بناء على الأصل المثبت، فإن مفادها هنا بالنسبة إلى السلام هو الإتيان بالركعة في محلها الذي هو بالوجدان قبل الإتيان بالمنافي، ومفادها بالنسبة إلى التجاوز عنه من جهة المنافي تحققها قبل المنافي، ولا يرفع الشك عن تحققها قبل السلام. وهذا هو السر في حكومة أحدهما على الآخر والسر في تعارض الحاكمين والرجوع إلى المحكوم. الثانية: أن يكون بين الصلاتين ترتيب، كالظهر والعصر والمغرب والعشاء. فيمكن أن يقال بصحة الاولى وبطلان الثانية إذا كان المنافي بعد كل من الصلاتين، لقاعدة التجاوز في الاولى من حيث الترتيب، وصحة الاولى أيضا وتتميم الثانية إذا كان المنافي بعد الاولى، للوجه المتقدم، وكذلك إذا لم يصدر المنافي أصلا، لذلك. وأما إذا صدر منه المنافي بعد الثانية فتتعارض القاعدتان من حيث الترتيب في الاولى ومن حيث المنافي في الثانية، فإن كانت الصلاة الثانية المقصود بها العصر أو العشاء مثلا مأتية بها من باب تطبيق ما في الذمة عليها فلا يبعد أن يقال بصحة الاولى لأصالة عدم الزيادة، وبطلان الثانية لاستصحاب النقصان.

[ 714 ]

التاسعة: إذا شك بين الاثنتين والثلاث أو غيره من الشكوك الصحيحة ثم شك في أن الركعة التي بيده آخر صلاته أو اولى صلاة الاحتياط جعلها آخر صلاته وأتم، ثم أعاد الصلاة احتياطا بعد الإتيان بصلاة الاحتياط. * ويمكن أن يفصل بين الظهر والعصر فيحكم بذلك، والمغرب والعشاء فيحكم بالبطلان، لبطلان الاولى بواسطة الشك في عدد ركعات المغرب وبطلان الثانية لأصالة النقصان. وإن لم يكن بتطبيق ما في الذمة يحكم بلزوم إعادة الصلاتين في المختلفتين وإعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمة في المتحدتين، والمسألة بعد محتاجة إلى التأمل. * أقول: إذا أتى ما بيده بقصد أن يكون متمما لما قصده حين تكبيرة الافتتاح ولم يكن آخر صلاته وأول صلاة الاحتياط متنافيين من حيث العمل يأتي بصلاة احتياط اخرى، ولا وجه لإعادة الصلاة الأصلية أصلا، فإن الواجب عليه الصلاة الأصلية وصلاة الاحتياط من غير فصل بينهما وقد حصل ذلك قطعا، أما الأول فلأنه إما قد أتى به قبل ذلك وإما يحصل بإتمام تلك الصلاة، وأما الثانية فلحصولها بذلك أو بالصلاة الاحتياطية المأتي بها بعد ذلك، والفصل ليس بين الصلاتين على التقديرين. وكذا إذا أتى بقصد الصلاة الأصلية من باب الاستصحاب، من حيث إن مقتضاه أن ما قصده في أول صلاته هو الصلاة الأصلية وأنه باق في صلاته الاولى، فإنه ليس قصد الصلاة الأصلية إلا من باب الجهل في التطبيق المحكوم بذلك بحكم الاستصحاب. نعم، لو فرض كون مفاد الاستصحاب هو البناء على الصلاة الأصلية لا من باب التطبيق بحيث يكون قاصدا إلى إلقاء صلاة الاحتياط قطعا في مقام

[ 715 ]

[... ] القصد فيبني على أن لا يكون هي صلاة الاحتياط قطعا - ولو صدر منه التكبير الافتتاحي في أولها بعنوان الاحتياط - ويحكم ظاهرا بأنها الصلاة الأصلية، لكان للاحتياط المذكور في المتن وجه، وذلك هو احتمال الفصل بين الصلاة الأصلية وصلاة الاحتياط بالركعة التي ليست بصلاة الاحتياط قطعا ويحتمل أن لا تكون من ركعات الصلاة الأصلية. لكن فيه أولا: أنه ليس مفاد الاستصحاب إلا جواز البناء على الصلاة الأصلية، من باب أنها التي قصدها في أول تكبيرة الافتتاح وأن الأصل عدم افتتاح جديد، ولا يقتضي جواز الإلقاء على فرض الافتتاح بحيث يقطع بذلك الصلاة الاحتياطية ولو كانت الصلاة هي تلك الصلاة الاحتياطية. وثانيا: على فرض تجويز ذلك بالاستصحاب لا ملزم للعمل به إذا كان مدركا للواقع من دون مخالفة للحكم واقعا، فإن الاستصحاب لا يقتضي حكما واقعيا في قبال الواقع، فلا وجه للعمل به حتى يحتاج إلى إعادة الصلاة احتياطا، بل قصد إلقاء صلاة الاحتياط خلاف الاحتياط، لاحتمال القطع. ثم إنه على فرض العمل بالاستصحاب على النحو المزيف فمقتضى الأصل عدم الفصل بينها وبين صلاة الاحتياط فلا وجه لوجوب الإعادة، مضافا إلى أنه لا دليل يعتد به على إخلال الفصل بجابرية صلاة الاحتياط كما يجئ إن شاء الله تعالى. ومن ذلك كله يظهر أن الملاك في الصحة من دون الاحتياج إلى الإعادة قطعا أن لا يكون بين العملين على التقديرين تخالف، فلو شك بين الاثنتين والأربع وشك بعد إكمال السجدتين أنه آخر صلاته الأصلية أو آخر صلاة الاحتياط أو شك بين الثلاث والأربع وشك في السجدتين - مثلا - أنه آخر صلاته الأصلية

[ 716 ]

[... ] أو آخر صلاته الاحتياطية الجلوسية ففي كل ذلك يأتي بقصد ما يجب عليه فعلا بحسب الترتيب الأصلي ثم يأتي بصلاة الاحتياط، ويصح عمله قطعا من دون وجه لإعادة الصلاة الأصلية أصلا. هذا كله في فرض عدم الاختلاف في العمل. وأما مع الاختلاف كمن شك أنه في آخر صلاته الأصلية أو أول ركعة من ركعتي الاحتياط فإنه لو كان آخر صلاته يجب عليه التشهد والتسليم وإن كان في أول ركعتي الاحتياط يجب عليه إتمام الصلاة فلا يبعد أن يقال: إن مقتضى الاستصحاب أن الذي بيده - وهو مشغول به فعلا - هو الصلاة الأصلية فيجب عليه التشهد والتسليم ولا يجوز له المضي في الصلاة، وحينئذ يقطع بالإتيان بالصلاة الأصلية إما قبلا أو بإتمام تلك الصلاة التي بيده، ويحتاط بعد ذلك بإقامة صلاة الاحتياط فيقطع بالإتيان بالصلاة الأصلية، وكذلك أيضا صلاة الاحتياط. وليس في البين ما يتوهم معه الخلل إلا أمران: أحدهما: عدم التمكن من قصد التقرب في السلام لدوران الأمر فيه بين الوجوب والحرمة. وهو مدفوع بالاستصحاب المتقدم، فإن مقتضاه الوجوب دون الحرمة، والحرمة المعذور فيها لا توجب نفي التقرب. مضافا إلى احتمال عدم حرمة قطع صلاة الاحتياط، لدوران الأمر بينها وبين الفرض. لكنه مدفوع باستصحاب النقصان من الأصلية. ثانيهما: الفصل بين الصلاة الأصلية وصلاة الاحتياط بالركعة المشكوكة احتمالا، لأنه إن كان قد أتى بالأصلية قبل ذلك وتلك التي بيده لا تكون صلاة

[ 717 ]

العاشرة: إذا شك في أن الركعة التي بيده رابعة المغرب أو أنه سلم على الثلاث وهذه اولى العشاء فإن كان بعد الركوع بطلت ووجبت عليه إعادة المغرب. * الاحتياط لعدم الانطباق عليها فتكون فصلا بين الأصلية والاحتياط. وفيه أولا: أن ذلك المقدار من الفصل - خصوصا بتلك الكيفية التي هي من تبعات الشك في الصلاة وصلاة الاحتياط، الذي قد يتفق كثيرا - مما لا دليل على كونه مانعا عن جابرية صلاة الاحتياط حتى في حال العلم فكيف بحال الشك، واحتماله مدفوع بمثل إطلاق روايات عمار، وعلى فرض المناقشة فيه فالمرجع هو البراءة لا الاشتغال كما تقدم في محله. ولا يخفى أن الفصل المذكور غير الفصل العمدي بالعمل الخارجي أو غير العمدي الذي لا يتفق إلا قليلا بحسب الطبع والعادة. وثانيا: أن مقتضى الاستصحاب هو عدم الفصل، ففي مثل ذاك الشق مقتضى العادة أيضا عدم وجوب الإعادة، لكن لا بأس بها من باب الاحتياط واحتمال مانعية الفصل المحتمل وعدم صحة السلام. والله المتعالي هو العالم. * في المسألة وجوه: منها: إتمام ما بيده ثم الإتيان بالمغرب والعشاء، للعلم الإجمالي بأنه إما يجب إعادة المغرب وإما يجب إتمام ما بيده على فرض صحة المغرب. وفيه أولا: أن وجوب الإتمام من باب حرمة القطع غير معلوم واقعا في صلاة لا يمكن الاكتفاء بها، فالعلم الإجمالي غير متحقق رأسا. وثانيا: أنه ينحل باستصحاب عدم الإتيان بالمغرب والبراءة عن حرمة القطع. وثالثا: أن استصحاب البقاء في المغرب مع فرض الإتيان بالأربع له حكمان: أحدهما حكم إثباتي وهو بطلان المغرب الموجب لإعادته. ثانيهما عدم حرمة

[ 718 ]

[... ] القطع ببطلان الصلاة. ومنها: تصحيح المغرب كما أفتى به بعض الأعلام والحكم ببطلان العشاء: أما البطلان فلما مر من الوجوه الثلاثة. وأما صحة المغرب فلأمرين: أحدهما: قاعدة التجاوز، من حيث إن الإتيان بالركعة الرابعة محقق للتجاوز، عشاء كانت أو مغربا، فإن زيادة المغرب من المنافيات ولابد من الإتيان بالمغرب قبل العشاء وقبل المنافي، فالتجاوز عن المغرب قطعي، فيحكم بالفراغ عن المغرب صحيحا، لأن تحقق التجاوز كما يكون بالدخول في الواجب المترتب على المشكوك أو المستحب المترتب عليه كذلك يتحقق بالدخول في أمر ينافيه، ولا يجوز الدخول فيه قبل الإتيان بالمشكوك. لكن الإنصاف عدم وضوح جريان قاعدة التجاوز في المقام وإن كانت جارية من حيث الدخول في المنافي لكن إذا كان المنافي هو الزيادة، فلا ترتب بينها وبين العمل في حال العمد، فإنه لا تجوز الزيادة حتى في حال العمد، لعدم التمكن منها إلا بنحو التشريع المحرم. وأما الجواز في حال السهو فليس هو حكما شرعيا، إذ لا حكم شرعيا في حال السهو، بل في حال السهو تحصل الزيادة من باب الغفلة عن الإتيان بالعمل. مضافا إلى أن المستفاد من بعض أدلة القاعدة أن الملاك نوعية الإتيان بالعمل وعدم الخروج عن محله إلا مع إحراز الإتيان به، وليس الملاك المذكور صادقا في ما إذا كان محقق التجاوز هو الزيادة، إذ يقطع بأنه لا يصدر منه الزيادة إلا مع وجود الغفلة، إذ لو كان ملتفتا لم تحصل منه الزيادة، فالتجاوز غير محرز التحقق في المقام.

[ 719 ]

[... ] ثانيهما: استصحاب عدم الزيادة في المغرب. وفيه: أن استصحاب الكون في المغرب حال وجود الرابعة حاكم على استصحاب عدم الزيادة على المغرب، لأن مفاده حصول الزيادة في حال الإتيان بالمغرب وقصد كون الصلاة مغربا، فيرتفع الشك به، بخلاف العكس كما لا يخفى. هذا وجه صحة المغرب وقد عرفت ما فيه. وأما بطلان العشاء فلعدم إحراز شرطها من التكبير وقصد العشائية والترتيب. ومنها: الحكم بصحه ما بيده عشاء وبطلان المغرب: أما صحته عشاء فلقاعدة التجاوز في تلك الركعة، فإنه لو كانت صحيحة لابد من قصد العشاء والتكبير فتصح عشاء، لكن لا يعدل عنها إلى المغرب المحكومة بالبطلان، للقطع بعدم العدول إما من باب صحة المغرب وإما من باب بطلان العشاء أيضا كبطلان المغرب. وأما بطلان المغرب فلعدم إحراز صحتها من حيث إتمامها ثلاث ركعات. ولكن فيه: أنه بعد فرض بطلان المغرب بحسب الظاهر لا ترتيب بالنسبة إلى باقي صلاته ولا يمكن تصحيحها من حيث الترتيب بحديث " لا تعاد الصلاة "، لأنه إما لا خلل في البين من جهة الترتيب وإما أنه غير مشمول لحديث " لا تعاد " من حيث ما دل على بطلان صلاة من استيقن أنه زاد في صلاته ركعة (1). ولا يمكن تصحيح الترتيب بقاعدة التجاوز، للقطع بعدم جريانها إما من حيث بطلان الصلاتين فلا تجري في الصلاة الباطلة وإما من حيث القطع بحصول الترتيب. ومنها: الحكم بصحتهما:


(1) الوسائل: ج 5 ص 332، الباب 19 من أبواب الخلل.

[ 720 ]

[... ] أما صحة العشاء فلما مر. وأما صحة المغرب فلقاعدة التجاوز في المغرب بعد فرض الحكم بصحة العشاء الذي مقتضاه قصد العشائية والتكبيرة. وما ذكر من المحذور لبطلان العشاء فإنما هو مع فرض بطلان المغرب، وأما مع فرض صحة المغرب فلا يتوجه إذا فرض صحة المغرب، فإن الترتيب حاصل حينئذ. وفيه: أن قاعدة التجاوز في العشاء لا تثبت حكم التجاوز عن المغرب إلا بعد إثبات عنوان التجاوز، فاللازم إثبات الحكم الشرعي بواسطة إثبات الموضوع، وهو من الأصل المثبت بناء على كون القاعدة أصلا لا أمارة كما لعله المعروف بينهم، ولذا لا يرتبون على إثبات الطهارة للظهر بواسطة قاعدة التجاوز حصول الطهارة بالنسبة إلى العصر وعدم احتياجه إلى تحصيل الطهارة. ومنها: أن يقال ببطلان ما بيده وجواز رفع اليد عنه وإتيان المغرب والعشاء بعد ذلك: أما البطلان فمن جهة استصحاب الكون في المغرب وقد زاد فيها بالوجدان، فصلاته مغرب باطلة بالاستصحاب، مضافا إلى حصول الشك في الصلاة المحكوم بكونها مغربا، فالشك حاصل في المغرب فهو مبطل للصلاة، ومضافا إلى أن ما بيده لا يصح مغربا قطعا، لكونه أربع ركعات ولم يحرز كونه عشاء، فلا دليل على حرمة القطع، لاحتمال البطلان. هذا، مضافا إلى عدم الدليل على حرمة القطع بالنسبة إلى الصلاة التي لا يمكن احتسابها في مقام الامتثال. وأما إتيان المغرب فلما اشير إليه من الاستصحاب المقدم على استصحاب عدم الزيادة في المغرب، وعلى فرض التعارض فقاعدة الاشتغال تقتضي الإتيان

[ 721 ]

وإن كان قبله يجعلها من المغرب ويجلس ويتشهد ويسلم ثم يسجد سجدتي السهو لكل زيادة من قوله: بحول الله وللقيام وللتسبيحات احتياطا، وإن كان في وجوبها إشكال من حيث عدم علمه بحصول الزيادة في المغرب. * بالمغرب، بل على فرض جريان استصحاب عدم الزيادة في المغرب لا يصح المغرب أيضا، لعدم إحراز السلام والتشهد في المغرب، والإتيان به بعد تلك الركعة لغو، للقطع بالإتيان أو البطلان من جهة الزيادة. وحديث " لا تعاد الصلاة " لا يرفع دخالة السلام قطعا، لأنه إما لا خلل في الصلاة من حيث السلام وإما لا يجري من حيث الزيادة، وإلا يجري في صورة العلم بالزيادة. وأما الإتيان بالعشاء فلعدم إحراز التكبير وقصد العشائية والترتيب بينه وبين صلاة المغرب، فما في المتن لا يخلو عن قرب. وهو العالم الملهم وله الشكر. * أقول: أما وجه جعلها من المغرب فلأنه مقتضى استصحاب كون ما بيده من الصلاة هو الفرد المتصف بكونه مغربا، وهذا كاف في الحكم بمغربية ما بيده من الصلاة، ولا يلزم إثبات أن هذا الفرد مغرب، بل إثبات كونه فردا من المغرب كاف في الحكم. وبذلك يرتفع إشكال آخر، وهو دوران أمر السلام بين الوجوب والحرمة، فإنه يجب التشهد والتسليم إن كان مغربا ويحرم التسليم إن كان عشاء من باب حرمة القطع، فيدور أمر التسليم بين الوجوب والحرمة فيتخير من حيث التكليف المردد بين المحذورين. لكن يشكل قصد التقرب بذلك، من جهة عدم تمشي الرجاء مع احتمال المبغوضية. وتوضيح رفع الإشكال أن مقتضى الاستصحاب عدم حرمة القطع فالحرمة

[ 722 ]

[... ] ليست فعلية، بخلاف الوجوب فإنه فعلي، والحرمة غير الفعلية المعذور فيها لا تزاحم ملاك المحبوبية الذي هو فعلي، كما هو منقح في بابه. وقد يوجه ذلك بأمر آخر، وهو أن يكون المقصود من المتن هو الإرشاد إلى ما هو الأسهل في مقام الامتثال، من جهة أنه - من باب الدوران بين المحذورين كما عرفت - مخير بين السلام وجعلها من المغرب والمضي في الصلاة وإتمامها من باب احتمال امتثال العشاء بذلك ثم إعادة المغرب والعشاء بعد ذلك، والأول أسهل في مقام الامتثال، للقطع بالإتيان بالمغرب إذا جعلها آخر المغرب لأنه إما أتاها سابقا أو يتمها بذلك التشهد والتسليم. لكن يبقى إشكال قصد التقرب في السلام ومعه لا يجزي مغربا، فلابد من إتمام ذلك بأمر آخر يتم به الاستدلال، فإنه بعد ثبوت التخيير من حيث دوران الأمر بين الوجوب والحرمة يقال بتعين الأخذ بجانب الوجوب لوجوه كافية في باب التزاحم والترجيح: منها: احتمال جريان الاستصحاب المذكور. ومنها: استصحاب وجوب السلام والتشهد عليه في تلك الصلاة. ومنها: احتمال عدم حرمة القطع بالنسبة إلى صلاة العشاء دون المغرب، من باب إحراز امتثال المغرب إن لم يبطله على تقدير كونه مغربا بالزيادة عليه. ومنها: احتمال عدم كون السلام جزء حتى يحتاج إلى قصد التقرب، بخلاف المضي في صلاة العشاء فإنه لا موجب لأن يرجحه في مقام الدوران، بل يمكن جعل استصحاب وجوب السلام والتشهد في تلك الصلاة إلى تلك الركعة وجها آخر مستقلا يقتضي التعين بالتقريب المتقدم في الاستصحاب المتقدم بضم إثباته لزوم أن يكون في تلك الركعة، لأن التشهد والسلام إن كانا واجبين في تلك الصلاة قبل الدخول في الركوع فليس لهما محل إلا الإتيان بهما بعد الركعة الرابعة، لعدم احتمال وجوبهما بعد ذلك

[ 723 ]

[... ] ولا قبله، وليس إثبات ذلك من الأصل المثبت، لأن لزوم تعين الموضوع من لوازم نفس الحكم ولو كان ظاهريا، فافهم وتأمل. هذا كله تحقيق جعلها آخر المغرب. وأما لزوم سجدتي السهو للزيادات الثلاثة المذكورة في المتن فلأنه مقتضى العلم الإجمالي بوجوب إتمام العشاء أو وجوب السلام على المغرب وسجدتي السهو للزيادات بناء على لزوم ذلك لكل زيادة ونقيصة، فإنه على تقدير كون ما بيده هو العشاء يجب الإتمام وعلى تقدير كون ما بيده هو المغرب يجب الهدم والإتيان بالسجدات، فإن سلم على المغرب ولم يسجد السجدات لزم من ذلك المخالفة القطعية العملية. لكن العلم الإجمالي المذكور متوقف على حرمة قطع الصلاة على تقدير كونها عشاء، وهو محل إشكال، لعدم الدليل عليه في ما لم يحرز به الامتثال على تقدير المضي فيها، ولأنه مقتضى استصحاب كون ما بيده هو المغرب على ما تقدم تقريبه، فإن الزيادة ليست إلا الإتيان بتلك الامور مع كون الصلاة مغربا إلى تلك الحالة. ومن ذلك يمكن دفع إشكال المتن في لزوم سجدتي السهو من جهة الشك في الزيادة في المغرب حيث قال (قدس سره): " وإن كان في وجوبها إشكال من حيث عدم علمه بحصول الزيادة في المغرب " وهو العالم. هذا كله على تقدير القطع بكونه بعد الركوع من الرابعة أو القطع بكونه قبله. وأما لو شك فله ثلاث صور: الاولى: أن يشك على كلا تقديري العشاء والمغرب في إتيان الركوع. وحكمها بحسب الظاهر حكم الصورة السابقة، لاستصحاب عدم الإتيان بالركوع واستصحاب الكون في المغرب، فيجلس ويتشهد ويسلم ويكتفي به في إحراز امتثال المغرب، لكن لا يتمشى فيه الوجه الآخر وهو الإرشاد إلى أسهل

[ 724 ]

[... ] الطريقين في إحراز الامتثال القطعي، لأنه لا يحرز بذلك امتثال المغرب قطعا، لاحتمال الزيادة في المغرب والركوع فيه. لكن الظاهر تعين ذلك عليه إن قلنا بحرمة قطع الصلاة، لاستصحاب وجوب التشهد والسلام بعد الثالثة وقبل الدخول في ركوع الرابعة. الثانية: أن يقطع مع ذلك بعدم إتيان الركوع على تقدير كونه في المغرب وبالإتيان به على تقدير كونه في العشاء. وحكمها أيضا كالسابقة من حيث تعين الجلوس والتشهد والسلام، للاستصحاب وللإرشاد إلى أسهل الطريقين في مقام الامتثال، فإنه يحرز بذلك المغرب قطعا كما لا يخفى. الثالثة: أن يقطع بإتيان الركوع على تقدير كونه في المغرب وبعدم إتيانه على تقدير الكون في العشاء. والظاهر فيه عدم جريان الاستصحاب، فإن السلام والتشهد - من باب استصحاب كونه في المغرب واستصحاب عدم الركوع - مما يقطع بلغويتهما إما من باب الزيادة في المغرب فيكون التشهد والسلام في المغرب الباطل، وإما من باب الكون في العشاء فلا موقع للسلام بل هو حرام من باب حرمة القطع على تقدير القول بها مطلقا وإن كان فيه إشكال، وحينئذ فلابد أن يقال بإعادة المغرب والعشاء، والظاهر عدم حرمة القطع وإن كان الأحوط هو الإتمام عشاء ثم إعادة المغرب والعشاء. ومن ذلك يظهر الكلام في ما إذا علم بإتيان خمس ركعات وشك في أن ما بيده خامسة في الظهر أو أنها اولى العصر بالنسبة إلى صورها الخمسة من قبل الركوع وبعده والشك على كل حال والشك على التقديرين بكلتا صورتيه. وهو العالم الملهم.

[ 725 ]

الحادية عشرة: إذا شك وهو جالس بعد السجدتين بين الاثنتين والثلاث وعلم بعدم إتيان التشهد في هذه الصلاة فلا إشكال في أنه يجب عليه أن يبني على الثلاث لكن هل عليه أن يتشهد أم لا؟ وجهان، لا يبعد عدم الوجوب بل وجوب قضائه بعد الفراغ، إما لأنه مقتضى البناء على الثلاث * * أقول: الظاهر تعين هذا الوجه، إذ المستفاد عرفا من البناء على الثلاث بل وإطلاقات البناء على الأكثر هو البناء العملي على الثلاث في جميع ما يتعلق بذلك شرعا، وليس ناظرا إلى خصوص العدد، وإلا لأشكل الأمر في كيفية الركعة البنائية من حيث جواز المستحبات ومن حيث الجهر والإخفات، ولكان على المصلي أن يتشهد في كثير من موارد الشك بين الاثنتين والثلاث، كما لو شك أنه قبل التشهد من الثانية أو يكون في الثالثة مع الإتيان بالتشهد، فإنه لو كان التعبد في خصوص العدد لكان عليه أن يتشهد، لأنه شك في المحل ولم يحرز التجاوز عنه. لكن فيه إشكال، من حيث إن قضاء التشهد متفرع على السهو عنه في الثانية حتى يركع (1). والقطع وإن كان حاصلا بترك التشهد إلا أن كون تركه عن سهو غير معلوم، وقاعدة البناء على الأكثر لا تحكم إلا بعدم وجوب التشهد فعلا، وأما تركه عن سهو في الركعة المتقدمة فهو خارج عن مفاده. ولا ريب أن الحكم بعدم وجوب التشهد فعلا معارض بأصالة عدم وجوب قضائه، لجهالة موضوعه الذي هو السهو، لأن العمل بالأصلين مخالف للعلم الإجمالي، وكذا عدم وجوبه أيضا معارض بأصالة عدم وجوب سجدتي السهو الذي موضوعه السهو، فلابد بعد المعارضة من الرجوع إلى استصحاب وجوب التشهد في الصلاة والبراءة عن وجوب قضائه بعد الصلاة.


(1) راجع الوسائل: ج 4 ص 995، الباب 7 من أبواب التشهد.

[ 726 ]

وإما لأنه لا يعلم بقاء محل التشهد، من حيث إن محله الركعة الثانية وكونه فيها مشكوك بل محكوم بالعدم. * * أقول: ظاهره كفاية صرف الشك في الحكم بعدم وجوب التشهد، لأنه الظاهر من قوله " بل محكوم بالعدم " في مقام الترقي والإضافة بالنسبة إلى ما قبله، ولعله لأصالة البراءة عن وجوبه، للشك في موضوعه. وهو محل الإيراد من وجوه: الأول: أن استصحاب بقاء المحل - وهو عدم الدخول في الركعة الثالثة بعد الإتيان بالثانية - كاف في الحكم بالوجوب. الثاني: أنه مع الغض عنه فلا ريب أن مقتضى الاستصحاب وجوب التشهد في الصلاة المستلزم لوجوبه في تلك الركعة، والاستلزام المذكور من باب الاحتياج إلى الموضوع، وذلك ثابت في مطلق الحكم - واقعيا كان أو ظاهريا - ومن المعلوم أنه ليس له محل حتى في الظاهر إلا في تلك الركعة التي بيده. الثالث: أنه مع الغض عنه فإنه طرف للعلم الإجمالي إما بوجوب التشهد في المقام أو بوجوب التشهد بعد الصلاة. الرابع: أنه طرف للعلم الإجمالي إما بوجوب التشهد في المقام أو بوجوب سجدتي السهو بعد الصلاة. وأما قوله " بل محكوم بالعدم " فالظاهر أن المقصود منه أن كون التشهد الذي يؤتى به بقيد كونه واقعا في المحل محكوم بالعدم، فالتشهد المتصف بكونه في المحل محكوم بالعدم. ويحتمل أن يكون المقصود أن وصف كونه واقعا في المحل محكوم بالعدم، وحالته السابقة هي العدم بعدم الموضوع. ويحتمل بعيدا ما ذكره (قدس سره) في المستمسك من أن وصف كون الركعة هي الرابعة محكوم بالعدم (1).


(1) المستمسك: ج 7 ص 609.

[ 727 ]

[... ] وكيف كان، فيرد على الأول والثاني أن استصحاب بقاء المحل الذي مفاده بقاء القيد حاكم على استصحاب عدم وجود المقيد وعلى عدم القيد بعدم موضوعه، كما يستفاد ذلك من أول صحيحي زرارة (1) الحاكم باستصحاب الوضوء في مورد وجود استصحاب عدم مقرونية الصلاة بالطهارة وعدم وجود الصلاة المتصف بالطهارة، فإن استصحاب بقاء القيد يرفع الشك عن وجود المقيد، بخلاف العكس. فتأمل. ويرد على الثاني والثالث أنه من قبيل استصحاب العدم الأزلي، وجريانه فيه غير معلوم، وعمدة الإشكال عدم وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة عرفا، فإن العدم بعدم الموضوع فرد آخر غير العدم مع وجود الموضوع. ويرد على الثالث أن التجاوز عن المحل إنما هو بالدخول في الركعة الثالثة والبقاء في المحل بأن يكون بعد الثانية وقبل الثالثة، ولا أثر لكون الركعة التي فرغ عنها ثانية. ويرد على الكل بتعارض ذلك إن لم يكن في البين حكومة لاستصحاب البقاء في المحل، فيرجع إلى الأصل الحكمي، ومقتضى الأصل وجوب الإتيان بالتشهد بالسجدة في الصلاة المستلزم لكونه في تلك الركعة المشكوكة، ولا يمكن أن يكون له موضوع آخر، والحكم الظاهري كالواقعي في الاحتياج إلى الموضوع فيثبت بذلك لزوم الإتيان به في تلك الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة. وبذلك ينحل العلم الإجمالي بلزوم التشهد في الصلاة أو بعد الصلاة، فإن الأصل الوجوب في الصلاة وعدم وجوبه وعدم وجوب سجدتي السهو بعد الصلاة. وعلى فرض الغض عن ذلك فيرجع إلى أصالة الاشتغال بالنسبة إلى الصلاة


(1) الوسائل: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 728 ]

وأما لو شك وهو قائم بين الثلاث والأربع مع علمه بعدم الإتيان بالتشهد في الثانية فحكمه المضي والقضاء بعد السلام، لأن الشك بعد تجاوز محله. * والبراءة عن الإتيان به بعد الصلاة. وعلى فرض الغض عن ذلك كله فلابد من الإتيان به في الصلاة وبعد الصلاة، قضاء لحق العلم الإجمالي. إن قلت: إتيان التشهد في الصلاة موجب للقطع ببطلان الصلاة، لأن الركعة المرددة إن كانت هي الثالثة فقد زيد فيها التشهد عمدا وإن كانت هي الثانية فالصلاة ناقصة بركعة. قلت: جبران النقص حكم واقعي في صورة الشك فلا تكون الصلاة باطلة على تقدير النقص. هذا، مضافا إلى القطع بعدم طرو خلل في الصلاة من حيث التشهد إذا أتى بقصد رجاء كونه واجبا، فإنه ذكر لله تعالى ولرسوله، وهو من الصلاة كما ورد في المعتبر (1)، فلا يكون زيادة. وأما الجلوس لذلك فهو أيضا تابع له، مع أن الجلوس بمقدار التشهد لا بأس به عمدا لغرض من الأغراض، فافهم وتأمل. ومن جميع ذلك يظهر أن الأظهر هو الإتيان بالتشهد في الصلاة لاحتمال كونه واجبا واحتمال عدم وجوب قضائه بعد الصلاة، لكن الأحوط مع ذلك هو الإتيان بالتشهد بعد الصلاة قضاء، وأحوط من ذلك أيضا الجمع بين ما ذكر وإعادة الصلاة. والله المتعالي هو العالم، وله الحمد والمنة والإفضال. * قال (قدس سره) في المستمسك ما ملخصه: أنه إن كان المقصود أن الشك في التشهد بعد مضي محله فالتشهد ليس مشكوكا بالفرض، وإن كان المقصود أن


(1) الوسائل: ج 4 ص 1262 ح 2 من ب 13 من أبواب قواطع الصلاة.

[ 729 ]

[... ] الشك بين الثلاث والأربع بعد تجاوز المحل فليس له معنى محصل (1). أقول: الإنصاف أن الإشكال واضح والتوجيه مشكل. لكن يمكن أن يوجه بوجه ينفتح به باب في بحث قاعدة التجاوز، وهو أن يقال: إن من مصاديق القاعدة ما إذا كان ترك واجب في المركب - مثلا - مقطوعا، كمن ترك القيام في حال القراءة وشك بعد التجاوز عنه في أن الترك الواقع المعلوم هل كان بحسب التكليف الشرعي من باب عدم القدرة على القيام وأنه كان تكليفه الجلوس أو كان ذلك من باب الغفلة عن الوظيفة الشرعية التي هي القيام فلابد من الرجوع إن كان محله الذكري باقيا - كما إذا كان في القنوت - ولا يجب عليه سجدتا السهو إذا مضى محله الذكري كما إذا كان في السجدتين؟ ففي المورد المذكور يمكن أن يقال بجريان القاعدة والحكم بالمضي، لإطلاق بعض أدلته، مثل قوله في موثق ابن أبي يعفور - المتقدم (2) -: " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (3) وخبر محمد بن مسلم: " كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا إعادة عليك فيه " (4) وموثق بكير وفيه: " هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك " (5) وقوله في صحيح محمد بن مسلم: في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته، قال: فقال: " لا يعيد، ولا شئ عليه " (6) وفي المعتبر عنه: " وكان حين انصرف أقرب إلى الحق " (7). هذا بحسب الكبرى.


(1) المستمسك: ج 7 ص 609. (2) في ص 261. (3) الوسائل: ج 1 ص 330 ح 2 من ب 42 من أبواب الوضوء. (4) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 6 من ب 42 من أبواب الوضوء. (5) الوسائل: ج 1 ص 331 ح 7 من ب 42 من أبواب الوضوء. (6) الوسائل: ج 5 ص 342 ح 1 من ب 27 من أبواب الخلل. (7) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 3 من ب 27 من أبواب الخلل.

[ 730 ]

الثانية عشرة: إذا شك في أنه بعد الركوع من الثالثة أو قبل الركوع من الرابعة بنى على الثاني، لأنه شاك بين الثلاث والأربع، ويجب عليه الركوع، لأنه شاك فيه مع بقاء محله، وأيضا هو مقتضى البناء على الأربع في هذه الصورة. * وأما بحسب الصغرى فلاحتمال أن يكون عدم الإتيان بالتشهد في تلك الركعة التي قام المصلي عنها من باب التوجه إلى كون الركعة هي الثالثة، وكان ذلك من باب عدم الوجوب عليه في الصلاة، وقد جاز محل التشهد قطعا، كانت الركعة التي قام عنها ثالثة أو كانت ثانية. لكن الإنصاف عدم صحة الانطباق على الصغرى وإن لم يكن الأخذ بالقاعدة في ما ذكرناه ببعيد بل هو قريب جدا، فالكبرى صحيحة على الظاهر إلا أن الصغرى غير صحيحة، فإن الذي قد تجاوز محله الشكي هو نفس الإتيان بالتشهد وهو ليس بمشكوك، وأما وقت ترك التشهد من باب عدم الوجوب فلم يحرز دخوله - فإنه بعد الدخول في الركعة الثالثة - فكيف بالتجاوز عنه. ومما ذكرنا يظهر أن حكم هذا الشق حكم ما قبله، فالأظهر - والله العالم - الإتيان بالتشهد في الصلاة وعدم لزوم إتيانه بعد ذلك، والأحوط إتيان قضائه وسجدتي السهو بعد الصلاة، وأحوط منه إعادة الصلاة مع ذلك أيضا. نعم، فرق بين الشقين من جهة لزوم سجدتي السهو في هذا الشق بناء على لزومهما لكل زيادة ونقيصة، لأنه إن كانت الركعة التي قام عنها هي الثالثة تجب عليه سجدتا السهو للسهو عن التشهد في الركعة الثانية، وإن كانت هي الثانية فقد زاد سهوا في القيام، وهذا بخلاف الشق المتقدم كما تقدم وجهه. * أقول: قد أورد على المتن غير واحد من المحشين الأعلام أن البناء على الأكثر في الفرض المذكور في غير محله وأن الأقوى البطلان، وبعضهم قوى

[ 731 ]

[... ] وجوب الإتمام بالبناء على الأربع أو البناء على الثلاث. وكان الوجه للأول عدم الدليل على حرمة قطع الصلاة إذا لم يتمكن المصلي من إحراز حصول الامتثال بصلاته فيجوز ترتيب أثر البطلان على ذلك، والوجه في الثاني حرمة قطع الصلاة التي يقطع بصحتها فعلا، والقطع بعد ذلك بالزيادة أو النقيصة احتمالي واضطراري لا يكون حراما. وأما الوجه في عدم حصول الامتثال بتلك الصلاة فلأن المؤمن للصلاة في حال الشك ليس إلا البناء على الأكثر وتتميم النقص بصلاة الاحتياط، وفي المقام يقطع بعدم جابرية صلاة الاحتياط، لأنه على تقدير النقص باطل قطعا لزيادة الركوع، وعلى تقدير التمام الذي لم يزد فيه الركوع لا يحتاج إلى الجابر. هذا بناء على ما في المتن من الحكم بالركوع ثم البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط. وإن فرض عدم الإتيان بالركوع فهو أيضا مستلزم للمحذور، من جهة أنه خلاف العمل بالشك في المحل وخلاف الاستصحاب وخلاف قاعدة الاشتغال وخلاف دليل البناء على الأكثر. ومع الغض عن جميع ذلك فلا يشمله دليل البناء على الأكثر من جهة اخرى، وهي أن مورد الدليل المذكور صحة الصلاة على تقدير التمام بحيث تكون الصلاة تامة بنفسها، وفي المقام في الفرض المذكور تكون الصلاة باطلة على تقدير الأربع، لنقصان الركوع. وملخص الكلام عدم شمول دليل الاحتياط من غير فرق بين أن يؤتى بالركوع أم لا. والوجه في ذلك أن مورد دليل الاحتياط فرض صحة الصلاة - على كلا

[ 732 ]

[... ] تقديري التمام والنقص - من الجهات الاخر، فإن أتى بالركوع يعلم بطلان الصلاة على تقدير النقصان من جهة الزيادة، وإن لم يأت بالركوع يعلم بطلان الصلاة على تقدير التمام. والوجه في الاشتراط المذكور واضح، لأن دليل البناء على الأكثر ليس متكفلا إلا لصحة الصلاة وتتميمها من حيث النقص فلابد من تأمين الجهات الاخر. هذا شرح مرام الأصحاب في هذا الباب. لكن لنا أن نقول: إنه بعد فرض قصور دليل البناء على الأكثر فلا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب، والمتيقن هو الإتيان بالصلاة إلى تمامية ركوع الركعة الثالثة ويأتي بباقي الصلاة بعد ذلك، وقد مر (1) بعض الكلام في ذلك. وعمدة إشكال الاستصحاب: لزوم كون التشهد والسلام في الركعة الرابعة. واستصحاب عدم الإتيان بالزائد بضم القطع بإتيان الرابعة لا يثبت أن ما فرغ عنها هي الرابعة، فإن تحقق الرابعة غير رابعية ما تحقق. وفيه: عدم وضوح الدليل على لزوم كون التشهد في الرابعة، فإن قوله (عليه السلام) في خبر الأحول: " التشهد في الركعتين الأولتين: الحمد لله، أشهد... " (2) وقوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير: " إذا جلست في الركعة الثانية فقل بسم الله وبالله... فإذا جلست في الرابعة قلت: بسم الله وبالله... " (3) ليس في مقام بيان لزوم إحراز خصوصية الثانية والرابعة، بل كل ذلك في مقام بيان ما ورد في التشهد من الذكر، والذي يشهد لذلك أن في خبر العلل: " وإنما جعل التشهد بعد الركعتين " (4).


(1) في ص 230 وما بعدها. (2) الوسائل: ج 4 ص 989 ح 1 من ب 3 من أبواب التشهد. (3) الوسائل: ج 4 ص 989 ح 2 من ب 3 من أبواب التشهد. (4) الوسائل: ج 4 ص 990 ح 6 من ب 3 من أبواب التشهد.

[ 733 ]

[... ] هذا، مع أن الظرفية ليست إلا بمعنى الاتصال بالرابعة، والأصل عدم الفصل بينه وبين الرابعة، فيحرز بذلك كونه في الرابعة أي يكون متصلا بالرابعة من غير إحراز رابعية الموجود. مع أن كون الركعة رابعة ليست لها معنى إلا كونها بعد الثالثة وقبل أن يأتي بالخامسة، وكل ذلك محرز بالأصل والوجدان. مع أن الكون في الرابعة مستصحب، فإن المصلي كان ما بيده هو الرابعة والآن كما كان. فلا إشكال عندي في الاستصحاب أصلا، وتشريع دليل البناء على الأكثر لا يقتضي إلقاء الاستصحاب إلا في صور الشمول لا في غيرها. ويمكن تصحيح ما في المتن بأن يقال: إن الإتيان بالركوع رجاء لكونه الركوع الصلاتي لا يوجب زيادة في الصلاة، لعدم قصد الصلاتية إلا في صورة النقصان، ولا زيادة الركوع، لأنه ليس مطلق الانحناء هو الركوع، فإن الانحناء بقصد رفع شئ من الأرض أو بقصد التقرب بأن ينحني لرفع قطعة خبز من الأرض قربة إلى الله تعالى لا يعد ركوعا، فيقصد من الانحناء الركوع وكونه جزء من الصلاة إذا كانت محتاجة إليه، فلا يلزم من ذلك زيادة الركوع على تقدير الثلاث ولا مانع من شمول دليل البناء على الأكثر. لكن فيه أولا: أن الانحناء بحد الركوع بقصد التقرب بنفس ذاك الانحناء ركوع عرفا فيشمله ما دل على مبطلية الزيادة في الركوع (1). وثانيا: مقتضى معتبر عبيد بن زرارة هو البطلان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين


(1) مثل ما في الوسائل: ج 4 ص 938 ح 1 من ب 14 من أبواب الركوع.

[ 734 ]

وأما لو انعكس - بأن كان شاكا في أنه قبل الركوع من الثالثة أو بعده من الرابعة - فيحتمل وجوب البناء على الأربع بعد الركوع فلا يركع بل يسجد ويتم، وذلك لأن مقتضى البناء على الأكثر البناء عليه من حيث إنه أحد طرفي شكه، وطرف الشك الأربع بعد الركوع، لكن لا يبعد بطلان صلاته، لأنه شاك في الركوع من هذه الركعة ومحله باق فيجب عليه أن يركع، ومعه يعلم إجمالا أنه إما زاد ركوعا أو نقص ركعة، فلا يمكن إتمام الصلاة مع البناء على الأربع والإتيان بالركوع مع هذا العلم الإجمالي. * أم واحدة فسجد اخرى ثم استيقن أنه قد زاد سجدة، فقال: " لا والله لا تفسد الصلاة بزيادة سجدة " وقال: " لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة " (1). فإن الركعة في اللغة هو الركوع الواحد، وهو المراد - بحسب الظاهر - هنا، لتقابلها مع السجدة، ولأن الإتيان بالركعة الاصطلاحية في مورد الشك غير جائز، وعليه فالقدر المتيقن من شمولها هو الركعة الرجائية في قبال السجدة الرجائية الواردة مورد السؤال. * أقول: الأولى التعليل بعدم المؤمن لتلك الصلاة، سواء أتى بالركوع من باب الشك في المحل أو لم يأت به من باب البناء على الأكثر، لأن الصلاة باطلة على التقدير الأول على فرض كونها أربع ركعات، لزيادة الركوع ولا جابر لها، لأن صلاة الاحتياط جابرة للنقصان في فرض صحة الصلاة على تقدير كونها تامة من حيث الركعات، وهي باطلة من غير جهة النقصان على التقدير الثاني، فلا تكون صلاة الاحتياط جابرة إما لصحة الصلاة بنفسها وإما للبطلان لنقصان الركوع،


(1) الوسائل: ج 4 ص 938 ح 3 من ب 14 من أبواب الركوع.

[ 735 ]

[... ] وهي لا تكون جابرة للصلاة الباطلة من غير جهة الركعة. وأما العلم الإجمالي المذكور في المتن فلا يؤثر في البطلان، لأنه مع نقص الركعة وجبرانه بصلاة الاحتياط لا يعلم ببطلان الصلاة. ويمكن أن يوجه الصحة بالاستصحاب المذكور في المسأله المتقدمة. لكن فيه إشكال، من جهة قوة احتمال شمول دليل البناء على الأكثر للمورد من حيث جبران الصلاة بصلاة الاحتياط، وحينئذ لا يجري الاستصحاب ويعلم اجمالا إما بلزوم صلاة الاحتياط وإما بلزوم إعادة الصلاة، فلابد من الجمع بين الأمرين أو القطع إن قلنا بجوازه في ما لا يمكن أن يكون صلاته مما يحرز به الامتثال. ويمكن توجيه الصحة أيضا بدعوى إطلاق دليل البناء على الأكثر للمورد، ولا ريب أن مقتضاه عدم الإتيان بالركوع وجبران النقص الوارد بصلاة الاحتياط، فإن النقص المحتمل هو عدم الإتيان بما بعد قراءة الركعة الثالثة، فإن السجدتين غير المترتبتين بحكم العدم، فيجب عليه أن يأتي بركعتين من صلاة الاحتياط لجبران النقص، والإتيان بالقراءة كالإتيان بالتكبير من جهة قابلية انطباقها على النافلة أيضا، وهو الذي يقتضيه إطلاق البناء على الأكثر وجبران النقص الوارد كائنا ما كان. ولا يلزم زيادة السجدتين، من جهة عدم وضوح الصدق إذا كان للأمر به من باب البناء على الأكثر، أو يقال إن صلاة الاحتياط جابرة للركوع فقط، والسجدتان من الركعة الاولى من جهة انطباقها على النافلة، ولكنهما لا يخلوان عن إشكال، فتأمل. والظاهر عدم الإشكال في جواز القطع، لعدم وضوح صلاحية العمل للامتثال بالاستصحاب أو بالبناء على الأكثر. والله العالم.

[ 736 ]

الثالثة عشرة: إذا كان قائما وهو في الركعة الثانية من الصلاة وعلم أنه أتى في هذه الصلاة بركوعين ولا يدري أنه أتى بكليهما في الركعة الاولى حتى تكون الصلاة باطلة أو أتى فيها بواحد وأتى بالآخر في هذه الركعة فالظاهر بطلان الصلاة، لأنه شاك في ركوع هذه الركعة ومحله باق فيجب عليه أن يركع، مع أنه إذا ركع يعلم بزيادة ركوع في صلاته، ولا يجوز له أن لا يركع مع بقاء محله، فلا يمكنه تصحيح الصلاة. * الرابعة عشرة: إذا علم بعد الفراغ من الصلاة أنه ترك سجدتين ولكن لم يدر أنهما من ركعة واحدة أو من ركعتين وجب عليه الإعادة، ولكن الأحوط قضاء السجدة مرتين وكذا سجود السهو مرتين أولا ثم الإعادة. وكذا يجب الإعادة إذا كان ذلك في أثناء الصلاة. والأحوط إتمام الصلاة وقضاء كل منهما وسجود السهو مرتين ثم الإعادة. * أقول: الظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في ضعف التعليل، من جهة أنه لا اقتضاء لقاعدة الشك في المحل ولا لاستصحاب عدم الإتيان بالركوع في تلك الركعة ولا لقاعدة الاشتغال بالإتيان بالركوع في تلك الركعة، من جهة القطع بعدم التكليف بذلك إما من جهة الإتيان به وإما من جهة بطلان الصلاة لزيادة الركوع. فالأولى أن يقال: إن مقتضى استصحاب عدم الإتيان بالركوع في هذه الصلاة مع القطع بعدم التكليف بالركوع في تلك الصلاة هو إعادة الصلاة من دون لزوم الإتمام ثم الإعادة. وتوهم " أن مقتضى العلم الإجمالي بإتيان الركوع في تلك الركعة المستلزم لصحة الصلاة وحرمة القطع أو بإتيانه في الركعة السابقة المستلزم للبطلان المستلزم لوجوب الإعادة هو العلم الإجمالي بوجوب الإعادة أو حرمة القطع ووجوب الإتمام، ومقتضى ذلك الاحتياط بالإتمام ثم الإعادة " مدفوع بما تقدم

[ 737 ]

[... ] مرارا من عدم الدليل على حرمة القطع ووجوب الإتمام في صلاة لا يمكن إحراز الامتثال بها. مع أن مقتضى استصحاب عدم الإتيان بالركوع في تلك الصلاة مع القطع بعدم الأمر به فيها هو البطلان، فإن الصلاة التي لا ركوع لها بحسب الجعل الشرعي باطلة، ولا يتوقف بطلانها على عدم الإتيان حتى ينقضي الوقت، إذ لا تأثير لما هو لغو قطعا في صحة الصلاة، فعدم الوجوب القطعي فعلا مع عدم الإتيان به في تلك الركعة قبل ذلك بالأصل حاكم بالبطلان الموجب لحكم تكليفي إثباتي هو الإعادة وأثر عدمي هو عدم وجوب الإتمام وعدم حرمة القطع، وبذلك ينحل العلم الإجمالي حكما إن فرض حصوله مع قطع النظر عما ذكرناه أولا. إن قلت - كما صرح بذلك بعض أعلام العصر في تعليقه على الكتاب -: إن مقتضى قاعدة الفراغ في الركوع الثاني هو الإتيان به في محله فيحكم بذلك بصحة الصلاة، لأن منشأ الشك في الصحة هو عدم كون الركوع الثاني في الركعة الثانية وبعد الإتيان بالسجدتين من الاولى، وقاعدة الفراغ تحرز ذلك، وهو مبني على أن مفاد قاعدة الفراغ هو إثبات مصداق الصحيح لا صرف مفهوم الصحيح، والمبنى صحيح عندنا. قلت أولا: إن ذلك منقوض بالعلم بإتيان الركوعين المحتمل كون أحدهما قبل الصلاة باطلا، فإن مقتضى ذلك هو صحة الصلاة بالحكم بإتيان الركوعين كليهما في الصلاة في محلهما. وثانيا: إن الظاهر من الأمر بإتيان أربع ركعات - مثلا - هو الإتيان بأربع قسم مشتملة على الركوع، وكون تلك القسمة الثانية من الصلاة مشتملة على الركوع غير محرز بالأصل، لأن مقتضى قاعدة الفراغ أن الركوع واقع في الثانية، لا أن

[ 738 ]

الخامسة عشرة: إن علم بعد ما دخل في السجدة الثانية - مثلا - أنه إما ترك القراءة أو الركوع أو أنه إما ترك سجدة من الركعة السابقة أو ركوع هذه الركعة وجب عليه الإعادة، لكن الأحوط هنا أيضا إتمام الصلاة وسجدتا السهو في الفرض الأول، وقضاء السجدة مع سجدتي السهو في الفرض الثاني، ثم الإعادة، ولو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فكذلك. * الثانية مشتملة على الركوع، فاشتمال الثانية على الركوع غير محرز لا بالوجدان ولا بالقاعدة بناء على عدم ثبوت لوازمه غير الشرعية. ومن ذلك يظهر الكلام في ما إذا كان جالسا في الركعة الثانية وعلم إتيان أربع سجدات محتملة أن تكون كل تلك في الاولى وأن تكون سجدتان منها في محله الذي هو الثانية. ويظهر أيضا حكم من تيقن ذلك لكن تيقن إتيان إحداها في تلك الركعة وكانت السجدة الاخرى مرددة بين أن تكون في الركعة الاولى أو الثانية فمقتضى جريان قاعدة الفراغ وإثبات الوقوع في المحل هو عدم لزوم الإتيان بالسجدة وعدم القضاء، وأما بناء على عدم الاقتضاء لها - كما شرحناه - فلابد من الإتيان بالسجدة في المحل. لكن يشكل ذلك من حيث حصول العلم الإجمالي بزيادة سجدة عمدا الموجب للبطلان أو زيادة سجدة سهوا فيجب سجدتا السهو، ومقتضى الأصل هو البطلان وعدم سجدتي السهو. * أقول: الوجه في لزوم الإعادة فقط هو العلم الإجمالي بوجوب الإعادة على فرض ترك الركوع ولزوم سجدتي السهو أو لزومهما مع قضاء السجدة على فرض ترك القراءة أو السجدة، فيتعارض مقتضى قاعدة التجاوز بالنسبة

[ 739 ]

[... ] إلى غير الركن وبالنسبة إلى الركن فيرجع إلى الاستصحاب، ومقتضى الاستصحاب عدم الإتيان بالركوع الموجب للبطلان المستلزم لرفع وجوب القضاء وسجدتي السهو. وبذلك ينحل العلم الإجمالي بالتكليف المردد بين الإعادة وسجود السهو والإتمام وقضاء الجزء المنسي، فالاحتياط بقضاء السجدة في الفرض الثاني وبسجدتي السهو فيه وفي الفرض الأول بعد الإتمام استحبابي كما يظهر من المتن. لكن قد يقال: إنه لا إشكال في صحة الصلاة في الفرض الأول بناء على عدم لزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة، من باب جريان قاعدة التجاوز في الركوع من دون أن تتعارض لجريانها في القراءة، لعدم الأثر الإلزامي له، فلا يلزم من جريانها في الركوع المخالفة القطعية الموجبة للمعصية - كما لا يخفى - وهو كذلك. وقد يقال أيضا: إن مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحة في كل مورد علم بالنقص ودار أمر الناقص بين الركن وغير الركن مع مضي محل التلافي، وذلك لعدم جريان قاعدة التجاوز في غير الركن، من جهة القطع بعدم إتيانه صحيحا، لأنه إما لم يأت به وإما أتى به في صلاة باطلة من جهة الإخلال بالركن، فلا تجري القاعدة بالنسبة إليه، فتجري في الركن بلا معارض فيحكم بصحة الصلاة، ومقتضى عدم الإتيان بغير الركن إذا كان صحيحا هو القضاء في محله. وسجدتا السهو كذلك إن كانت القاعدة مثبتة للازمها، وإلا فمقتضى الاستصحاب عدم الإتيان به في الصلاة الصحيحة، فيحكم بالصحة ونقص غير الركن الموجب للقضاء أو له ولسجدتي السهو. وتوهم " أن مقتضى قاعدة التجاوز هو الإتيان بالسجدة الصحيحة من حيث نفسها، ولا تتعرض للصحة من سائر الجهات حتى يقطع بعدم الإتيان بالسجدة

[ 740 ]

[... ] الصحيحة " مدفوع بأنه وإن كان كذلك إلا أن أثره - وهو عدم وجوب القضاء على تقدير الصحة ووجوبه على التقدير المذكور - قطعي. لكن قد يشكل ذلك بأن قاعدة التجاوز لا تثبت لازمها، وحينئذ يرجع إلى أصالة عدم الإتيان بالسجدة، ولا أثر له من حيث وجوب القضاء حتى ينحل العلم الإجمالي، من جهة أن مقتضى ما عثرنا عليه من الدليل الوارد في السجدة والتشهد المنسيتين هو أن الموضوع للقضاء هو السهو عن ذلك، لا مطلق الترك، وهذا بالنسبة إلى سجدتي السهو واضح فإنها من جهة السهو، وحينئذ يقع التعارض بين قاعدة التجاوز في الركوع واستصحاب عدم وجوب القضاء وعدم وجوب سجدتي السهو، وبعد التعارض يرجع إلى استصحاب عدم الإتيان بالركوع الموجب للبطلان وعدم لزوم القضاء وسجدتي السهو. إلا أن يقال: إن ترك السجدة الصحيحة عن سهو معلوم، وكون ذلك في الصلاة الصحيحة يثبت بقاعدة التجاوز الجارية في الركوع الموجبة لانحلال العلم الإجمالي، من حيث اقتضائها عدم وجوب الإعادة ووجوب القضاء. لكن المنصرف من الدليل نسيان ذات السجدة أو السجدة الصحيحة من حيث الشرائط المربوطة بها من حيث إنها جزء لا من حيث ارتباطها للأجزاء الاخر، والسهو عن السجدة بهذا المعنى مشكوك، وأصالة عدم الإتيان بها لا تثبت السهو، فالأحوط إتمام الصلاة ثم القضاء في مورده، والإتيان بسجدتي السهو في موردها ثم الإعادة. وقد ظهر من ذلك على النحو الكلي حكم دوران الأمر بين نقص الركن وغيره بعد مضي محل التلافي أو بعد الصلاة والإتيان بالمنافي، وأنه لابد من الاحتياط في ما كان لنقص غير الركن أثر إلزامي مترتب على السهو، وأنه لابد من الحكم

[ 741 ]

السادسة عشرة: لو علم (بعد الدخول في القنوت (1) قبل أن يدخل في الركوع أنه إما ترك سجدتين من الركعة السابقة أو ترك القراءة وجب عليه العود لتداركهما والإتمام ثم الإعادة. ويحتمل الاكتفاء بالإتيان بالقراءة والإتمام من غير لزوم الإعادة إذا كان ذلك بعد الإتيان بالقنوت، بدعوى أن وجوب القراءة عليه معلوم، لأنه إما تركها أو ترك السجدتين، فعلى التقديرين يجب الإتيان بها، ويكون الشك بالنسبة إلى السجدتين بعد الدخول في الغير الذي هو القنوت. * بالصحة في ما لا يترتب عليه أثر، كما لو دار الأمر بين ترك الركوع أو الإخلال بالطمأنينة في القراءة بناء على عدم مشروعية سجدتي السهو لنقص الوصف - كما عليه المصنف - أو كان المترتب عليه أثرا غير إلزامي، كما في تردد النقص بين كونه ركوعا أو قراءة، بناء على استحباب سجدتي السهو في نقص القراءة، فالصور الثلاثة حكمها واضح، من غير فرق بين أثناء الصلاة وما بعدها إذا لم يمكن التلافي. * أقول: أما الوجه في ما ذكره أولا من العود للتدارك فلاستصحاب عدم الإتيان بالسجدتين والقراءة بعد تعارض قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الأمرين. وأما الإعادة بعد العود والتدارك فللعلم الإجمالي إما بوجوب إعادة الصلاة وإما بوجوب سجدتي السهو للقراءة والقيام الزائدتين أولا، ومقتضى أصالة عدم زيادة السجدتين وإن كان هو عدم وجوب الإعادة إلا أنها تعارض أصل عدم زيادة القراءة، لأن مقتضى ذلك الوقوع في المخالفة القطعية العملية، فيرجع إلى استصحاب بقاء التكليف بالصلاة وعدم حدوث التكليف بالنسبة إلى سجدتي السهو للقراءة.


(1) على ما في المستمسك: ج 7 ص 626.

[ 742 ]

وكذا الحال لو علم بعد القيام إلى الثالثة أنه إما ترك السجدتين أو التشهد * أو ترك سجدة واحدة إن قلت: إذا فرض وجوب الإعادة فلا موجب للعود للتدارك. قلت: الموجب للعود أن قطع الصلاة قبل العود للتدارك قطع للصلاة الصحيحة القطعية، بخلاف ما إذا عاد للتدارك، فإنه لا يقطع بحصول القطع وإن كان ذلك محتملا من حيث زيادة السجدتين، لكن القطع بذلك جائز قطعا، لدوران أمره بين الوجوب والحرمة فالتخيير عقلي. هذا وجه ما ذكره أولا. لكن الصحيح الذي أمضاه غير واحد من المحققين من محشي الكتاب هو ما ذكره بقوله " ويحتمل الاكتفاء... "، وذلك لوضوح عدم جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى القراءة للقطع بعدم إتيانها صحيحة إما من باب عدم الإتيان وإما من باب كونها قبل السجدتين، فالقراءة معلومة من حيث وجوب الإتيان. وهذا من غير فرق بين أن يكون داخلا في القنوت أم لا، إذ على الأول أيضا لا يكون التجاوز عن القراءة مما له أثر بعد القطع بلزوم الإتيان، وبعد ذلك لا إشكال في جريان قاعدة التجاوز. وهذا أيضا من غير فرق بين الدخول في القنوت وعدمه، لتحقق التجاوز بالقيام للركعة الثانية. * إذ يحكم بالإتيان بالسجدتين لقاعدة التجاوز المتحقق بالقيام إلى الثالثة، لكن التشهد مقطوع العدم إما للترك أو لعدم إتيانه صحيحا. وفيه: أن القيام الذي ليس بعد التشهد الصحيح لا يكون جزء من الصلاة حتى يكون محله بعد التشهد، فلا فرق بينه وبين القيام لأمر آخر عرض في حال الصلاة، مع أنه بعد الرجوع لا يكون الشك في حال التجاوز عن المحل، فلو شك في الأذان والإقامة وقد كبر وورد في الصلاة ثم قطع الصلاة فالظاهر أنه لابد

[ 743 ]

أو التشهد. * وأما لو كان قبل القيام فيتعين الإتيان بهما مع الاحتياط بالإعادة. منهما. ويأتي مزيد توضيح لذلك في المسألة السابعة عشرة إن شاء الله تعالى. فلا فرق بينه وبين ما ذكره بعد ذلك بقوله: " وأما لو كان قبل القيام... " والحكم فيهما هو الرجوع والتدارك والحكم بالصحة إذا كان ترك أحد الأمرين مقطوعا والآخر مشكوكا، لعدم العلم بالزيادة والأصل هو العدم، وكذا إن لم نقل بلزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة، إذ لا مانع من أصالة عدم زيادة السجدتين، فلا تعارض لأصالة عدم زيادة التشهد سهوا، لعدم لزوم سجدتي السهو لزيادة التشهد إما من باب عدم لزومهما لكل زيادة ونقيصة وإما من باب أن التشهد الزائد ذكر الله ورسوله، وهو من الصلاة، والقعود تابع للذكر. وأما إذا لم يكن كذلك بأن علم مضافا إلى ترك أحد الأمرين من التشهد أو السجدتين بالإتيان بأحدهما وفرض لزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة فاستصحاب عدم الإتيان بالسجدتين الموجب لعدم الإعادة يعارض استصحاب عدم الإتيان بالتشهد الموجب لعدم لزوم سجدتي السهو، للزوم المخالفة العملية من جريان الأصلين، فيرجع إلى استصحاب بقاء التكليف بالصلاة وعدم لزوم سجدتي السهو، فيجوز القطع بناء على ما تقدم مرارا من عدم الدليل على حرمة القطع في الصلاة التي لا يحرز بها الامتثال، إلا أن الأحوط: التدارك ثم الإعادة، وأحوط منه التدارك وسجدتا السهو ثم الإعادة. وهو العالم. * قد مر أنه لا فرق بين ما بعد القيام وما قبله وأنه لا إشكال في الصحة في الصورتين: إحداهما ما إذا لم يكن الإتيان بأحدهما معلوما، والثانية عدم سجدتي السهو لكل زيادة. وأما في غير الفرضين ففيه إشكال، من حيث العلم الإجمالي إما بزيادة

[ 744 ]

[... ] السجدة الواحدة عمدا أو زيادة التشهد سهوا، ومقتضى الأول وجوب الإعادة، ومقتضى الثاني وجوب سجود السهو، فينحل العلم الإجمالي بالأصل المثبت للتكليف والنافي له، فيحكم بوجوب الإعادة وعدم وجوب سجدتي السهو كما في الفرع المتقدم. لكن يمكن دفع الإشكال بمعتبر عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد اخرى ثم استيقن أنه قد زاد سجدة، فقال: " لا والله، لا تفسد الصلاة بزيادة سجدة " وقال: " لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة " (1). إما بتقريب أن يقال: إنه مشمول لإطلاق الحديث، فإنه قد زاد سجدة بحسب تكليفه ولو من باب دوران الأمر بين المحذورين المجوز لذلك، فإن الحديث لا يتكفل لجواز الإتيان لكن يحكم بعدم الفساد إذا أتى به اتكالا على أصل شرعي إيجابي أو عقلي كذلك أو على أصل مجوز شرعي أو عقلي. أو بتقريب أن يقال: إنه مقتضى الذيل لا سيما قوله: " لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة "، لوضوح أنه ليس مختصا بخصوص مورد السؤال، لعدم فرض ترك الركعة فيه، فهو كالصريح في الحكم الكلي، إلا أنه خاص أو مختص بغير الزيادة العمدية التي يؤتى بها عمدا من باب تطويل الصلاة مثلا. أو يقال: إن المستفاد منه هو الصحة الواقعية في مورد الإتيان بالسجدة الزائدة لعذر أو من باب احتمال عدم الإتيان، فلا يحصل العلم الإجمالي، لكنه مع قطع النظر عن إطلاق الذيل والصدر لا يخلو عن إشكال، إذ لا يستفاد منه ذلك إلا في


(1) الوسائل: ج 4 ص 938 ح 3 من ب 14 من أبواب الركوع.

[ 745 ]

[... ] مورد اقتضاء الحديث. أو يقال: بإطلاق " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (1) للسهوية أو الذي يؤتى به لا بعنوان الزيادة، فتأمل. ويدل عليه أيضا خبر منصور بن حازم المعتبر، وفيه: " لا يعيد صلاة من سجدة ويعيدها من ركعة " (2) وهو أظهر في الدلالة على الكلية من حيث الذيل من الخبر المتقدم، لتنكير لفظ " صلاة "، فالمسألة بحمد الله تعالى خالية عن الإشكال في السجدة الواحدة. ثم إنه قد تحصل مما ذكرناه الإيراد على المتن من وجوه: الأول: حكمه بوجوب العود لتدارك القراءة في الشق الأول. الثاني: حكمه بالإتمام ثم الإعادة، فإن مورد دليل حرمة القطع هو الصلاة التي تصلح لأن يحرز بها الامتثال. الثالث: جعل القنوت مما يحصل به التجاوز. وقد عرفت ما فيه. الرابع: صرف النظر عن القيام مع أنه الذي يحصل به التجاوز أولا ولو فرض كون القنوت محققا للتجاوز أيضا. الخامس: حكمه بجريان قاعدة التجاوز في السجدة مع فرض القطع بعدم الإتيان بالتشهد أو السجدتين. السادس: عدم التفريق بين السجدة والسجدتين. السابع: عدم التفصيل بين صورة الشك في الإتيان بالآخر وفرض القطع بالإتيان.


(1) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 2 من ب 19 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 4 ص 938 ح 2 من ب 14 من أبواب الركوع.

[ 746 ]

السابعة عشرة: إذا علم بعد القيام إلى الثالثة أنه ترك التشهد وشك في أنه ترك السجدة أيضا أم لا، يحتمل أن يقال: يكفي الإتيان بالتشهد، لأن الشك بالنسبة إلى السجدة بعد الدخول في الغير الذي هو القيام فلا اعتناء به، والأحوط: الإعادة بعد الإتمام سواء أتى بهما أو بالتشهد فقط. * * أقول: قد تقدم مرارا أن الغير الذي لا بد من إعادته قطعا لا يكون محققا للتجاوز، فإنه: أولا: ليس من أجزاء الصلاة حتى يكون محله بعد المشكوك. وثانيا: بعد الرجوع يصدق أنه غير متجاوز عن المحل، ودلالة الدليل على كفاية حدوث التجاوز غير واضح. وثالثا: إنه يصدق أنه في حين العمل، والملاك عدم كونه في حين العمل، فإن حين العمل أذكر. ورابعا: المستفاد من التعليل أن الملاك كون التجاوز عنه مبنيا غالبا على الفراغ عما قبله، وفي المقام يعلم أن التجاوز عنه ليس مبنيا على الفراغ عما قبله، مع أنه مقتضى موثق ابن أبي يعفور: " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (1). وخامسا: إنه مع فرض الشك في الشمول يرجع إلى عموم الاستصحاب وقاعدة الاشتغال. فالحكم بحمده تعالى واضح، فلابد من العود والتدارك من غير إعادة، والاحتياط بالإعادة ضعيف حتى على فرض جريان قاعدة التجاوز في السجدة، لقوة أن تكون قاعدة التجاوز حاكمة بالإتيان بما مضى، من حيث عدم لزوم الإتيان، لا من حيث عدم الجواز من حيث الزيادة.


(1) الوسائل: ج 1 ص 330 ح 2 من ب 42 من أبواب الوضوء.

[ 747 ]

الثامنة عشرة: إذا علم إجمالا أنه أتى بأحد الأمرين من السجدة والتشهد من غير تعيين وشك في الآخر فإن كان بعد الدخول في القيام لم يعتن بشكه. * وإن كان قبله يجب عليه الإتيان بهما، لأنه شاك في كل منهما مع بقاء المحل، ولا يجب الإعادة بعد الإتمام وإن كان أحوط. * * وكيف كان، فمنشأ الاحتياط على تقدير الإتيان: احتمال الزيادة لجريان قاعدة التجاوز، وعلى تقدير عدم الإتيان: نقص الصلاة لعدم الجريان، وقد ظهر ما هو الأقوى في المسألة بحمده تعالى. ثم إنه على تقدير لزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة أو للقيام السهوي فلابد من سجدتي السهو مرة أو مرتين. إن قلت: حيث إن أمر السجدة دائر بين الوجوب والحرمة فلا يتحقق قصد القربة. قلت أولا: إن قاعدة التجاوز بمفهومها في جميع موارد إخلال الزيادة العمدية - كالسجدة والركوع والقيام المتصل بالركوع - تحكم بعدم إخلال الزيادة في المقام. وثانيا: إن مقتضى قاعدة الشك في المحل والاستصحاب: فعلية الوجوب وعدم فعلية الحرمة إن كانت السجدة زائدة، وهذا كاف في قصد القربة، فافهم وتأمل. * وهو واضح، لقاعدة التجاوز من دون شبهة، إما بدعوى أن أدلة قاعدة التجاوز تشمل المشكوك المردد بين شيئين، فإنه شئ جاوز المصلي عنه، وإنما شك في شئ لم يتجاوز عنه، وإما أنها تجري في كل واحد منهما المشكوك في الخارج ولو كان مقرونا بالعلم الإجمالي، وإما يقال بذلك بالأولوية، فإنه أولى من الصورة غير المقرونة بالعلم، وذلك نظير ما لو علم بطهارة أحد الشيئين وشك في الآخر. * * أقول: فيه إشكال من وجوه:

[ 748 ]

التاسعة عشرة: إذا علم أنه إما ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهد من هذه الركعة: فإن كان جالسا ولم يدخل في القيام أتى بالتشهد وأتم الصلاة وليس عليه شئ. * الأول: ما ذكره المحقق العراقي (قدس سره) في رسالته من عدم وجوب الإتيان بالسجدة، لأنه إما قد أتى بها وإما قد أتى بالتشهد فيكون الشك بالنسبة إليها بعد التجاوز عن المحل (1). وهذا صحيح في الصورتين: إحداهما ما كان طرف الترديد السجدتين والتشهد بحيث علم إتيان السجدتين أو التشهد. ثانيتهما ما إذا كان الإتيان بالسجدة الواحدة معلوما تفصيلا وكان طرف الترديد السجدة الاخرى والتشهد. وأما إذا كان المعلوم إتيان أحد من الثلاث: السجدتين والتشهد - بأن يكون إتيان إحدى السجدتين أو التشهد معلوما والباقي كان مشكوكا - فالمعلوم إتيانه أو جريان قاعدة التجاوز فيه هو السجدة الواحدة وأما السجدة الاخرى فلا يعلم إتيانها على تقدير عدم الإتيان بالتشهد، ففي ذلك لابد من الإتيان بسجدة واحدة والتشهد. الثاني: أنه قد أفتى (قدس سره) بعدم وجوب الإعادة على تقدير الإتيان مع أن مقتضى ما ذكره في الفرع المتقدم - من تعين الإتيان بهما مع الاحتياط بالإعادة - هو الإعادة، ومقتضى ما ذكرناه هو الإعادة في ما إذا كان المحتمل زيادة السجدتين. الثالث: أنه على تقدير عدم الإعادة فاللازم سجدتا السهو أو تكون أحوط، من جهة كون الإتيان بالتشهد السهوي طرفا للعلم الإجمالي. * أقول: وذلك لقاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدة وقاعدة الشك في المحل بالنسبة إلى التشهد. وبذلك ينحل العلم الإجمالي بوجوب قضاء السجدة وسجدتي السهو بعد الصلاة أو الإتيان بالتشهد (2).


(1) روائع الأمالي: ص 39. (2) مسألة: " لو علم أنه إما ترك السجدتين والقراءة معا أو أتى بهما معا وكان في حال القيام فإجراء قاعدة التجاوز في السجدتين والشك في المحل في القراءة غير صحيح " للقطع إما بالإتيان بالقراءة أو بطلان الصلاة لترك السجدتين. " والحكم بإعادة السجدتين أيضا مشكل " لأن مقتضى قاعدة التجاوز في السجدتين عدم جواز الإتيان بهما وبطلان الصلاة من جهة زيادة الركن، فمقتضى الاحتياط إتمام الصلاة ثم الإعادة. (منه (قدس سره)).

[ 749 ]

وإن كان حال النهوض إلى القيام * أو بعد الدخول فيه مضى وأتم الصلاة وأتى بقضاء كل منهما مع سجدتي السهو، والأحوط إعادة الصلاة أيضا. * * * قد مضى في بحث قاعدة التجاوز أن حال النهوض ليس من أجزاء الصلاة حتى يكون له محل شرعا ويكون محله بعد التشهد، فهو بعد في محل التشهد، فتأمل. * * ولعل ذلك لجريان قاعدة التجاوز فيهما، ومقتضى العلم الإجمالي هو قضاء كل منهما مع سجدتي السهو مرة واحدة. ولكن فيه أولا: أن قاعدة التجاوز تتعارض بالنسبة إليهما فيرجع إلى أصالة عدم الإتيان بالتشهد الموجبة للعود وأصالة عدم الإتيان بالسجدة الموجبة للقضاء وسجدتي السهو على مبنى الأصحاب. وأما على ما أوردناه في بعض المسائل المتقدمة من أن الموضوع للقضاء وسجدتي السهو هو السهو وعدم الإتيان لا يثبت السهو، فلابد بعد التعارض من الرجوع إلى استصحاب عدم الإتيان بالتشهد واستصحاب وجوب القضاء وسجدتي السهو، فالعود والتدارك متيقن بحسب القاعدة، والأحوط الذي لا يترك هو قضاء السجدة وسجدتا السهو. وثانيا: على فرض جريان القاعدة الموجب لرفع وجوب العود فلا فرق بينه وبين وجوب القضاء، فلابد أن يكون مرفوعا أيضا. وثالثا: أن قضاء التشهد على كل حال - تعارضت القاعدة أم لا - معلوم الخلاف، لأن الموضوع: من تركه وسها عنه حتى ركع.

[ 750 ]

ويحتمل وجوب العود لتدارك التشهد، والإتمام وقضاء السجدة فقط مع سجود السهو، وعليه - أيضا - الأحوط الإعادة أيضا. * العشرون: إذا علم أنه ترك سجدة إما من الركعة السابقة أو من هذه الركعة: فإن كان قبل الدخول في التشهد أو قبل النهوض إلى القيام أو في أثناء النهوض قبل الدخول فيه وجب عليه العود إليها لبقاء المحل ولا شئ عليه، لأنه بالنسبة إلى الركعة السابقة شك بعد تجاوز المحل، وإن كان بعد الدخول في التشهد أو في القيام مضى وأتم الصلاة وأتى بقضاء السجدة وسجدتي السهو. ويحتمل وجوب العود لتدارك السجدة من هذه الركعة والإتمام وقضاء السجدة مع سجود السهو، والأحوط على التقديرين إعادة الصلاة أيضا. * * الحادية والعشرون: إذا علم أنه إما ترك جزء مستحبيا كالقنوت - مثلا - أو جزء واجبا (سواء كان ركنا أو غيره من الأجزاء التي لها قضاء كالسجدة والتشهد أو من الأجزاء التي يجب سجود السهو لأجل نقصها) صحت صلاته ولا شئ عليه. وكذا لو علم أنه إما ترك الجهر أو الإخفات في موضعهما أو بعض الأفعال الواجبة المذكورة، لعدم الأثر لترك الجهر والإخفات، فيكون الشك بالنسبة إلى الطرف الآخر بحكم الشك البدوي. * * * * كما علم وجهه في التعليق السابق وعلم أن قضاء السجدة وسجدتي السهو مبني على الاحتياط على ما أوردناه، كما أن مقتضى الاحتياط سجود السهو مرة اخرى للقيام في محل القعود. * * ويظهر الكلام فيه بما مر في المسألة السابقة. * * * أقول: هنا مسألتان:

[ 751 ]

[... ] إحداهما: أنه إذا دار أمر النقص بين ما ليس له أثر أصلا لا بنحو الاستحباب ولا بنحو الوجوب وبين ما يكون له أثر إلزامي فتجري القاعدة بالنسبة إلى ما له الأثر، وهو واضح، من غير فرق بين كون الناقص أمرا مستحبا كالاستعاذة قبل التسمية، أو كان واجبا كالجهر أو الإخفات. ثانيتهما: أنه إذا دار الأمر بين ماله أثر إلزامي وماله أثر استحبابي - كالقنوت إذا كان الشك بعد الركوع، فإنه على ما يقال " يستحب الإتيان به بعد الركوع إذا سها عنه قبل الركوع " - قد يقال هنا بالتعارض كما في المستمسك (1) وغيره. وملخص الوجه فيه أنه يلزم من إجراء القاعدة في الموردين المخالفة القطعية للحكم الفعلي الثابت بالعلم، وهو موجب للتناقض ونقض الغرض. وعندي في ذلك إشكال من وجهين: أحدهما: أن جريان قاعدة التجاوز في المستحب على نمط الحكم الظاهري بحيث يكون الواقع محفوظا غير متصور إلا في ما كان أثر إلزامي مترتبا على عدم الاستحباب، فيكون المقصود البناء على ملاحظة ذلك، كما يحتمل أن تكون القاعدة بالنسبة إلى الإقامة بعد ما كبر ودخل في الصلاة كذلك، فإن الرجوع موجب لقطع الصلاة، وهو مما رفع عنه اليد على تقدير بقاء استحباب الإقامة، فيحكم في حال الشك بعدم الاستحباب ظاهرا. وأما في غير ذلك فلا معنى لرفع الاستحباب ظاهرا، إذ معنى رفع الوجوب هو رفع العقوبة، ولا معنى لرفع الاستحباب إلا عدم المثوبة، ومع عدمها لا استحباب واقعا، وعلى التقديرين لا يلزم من جريان قاعدة التجاوز في المستحب


(1) المستمسك: ج 7 ص 636.

[ 752 ]

[... ] والواجب القطع بثبوت حكم في قبال حكم الواقع، إذ على الأول لا يكون مفاده إلا إثبات الحكم الإلزامي فينحل بذلك العلم الإجمالي، وعلى الثاني يتبدل الواقع فلا يقطع بجعل حكم على خلاف الحكم الواقعي حتى يلزم التناقض أو نقض الغرض. ثانيهما: أنه على فرض تصوير الجعل الظاهري في المستحبات بحيث يحكم بقاعدة التجاوز بعدم الاستحباب ظاهرا مع حفظ الواقع فلا إشكال في أطراف العلم الإجمالي من حيث التناقض أو تفويت الغرض، لأن الإشكالين المذكورين واردان في مطلق الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، فلا فرق في ذلك بين الشبهات البدوية والعلم الإجمالي، فيمكن في أطراف العلم الإجمالي حمل المعلوم على مرتبة غير فعلية لا تنافي الجعل الظاهري على خلافها، وإشكال تفويت الغرض مرتفع بتداركه بالمصلحة في نفس الحكم ولو كانت تلك مصلحة تسهيلية. ووجه عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي: كون الحكم بالترخيص في الجانبين من حيث الشك فلا ينافي المحذور من حيث العلم، ومقتضى العلم وظهور المعلوم في الفعلية هو التنجز واستحقاق العقوبة، والحكم الحيثي اللااقتضائي لا يزاحم الحكم الاقتضائي. وهذا الوجه مفقود في المقام، إذ لا مانع من حيث الشك بمعنى أنه لا يقتضي التدارك والإتيان، والعلم بالتكليف الأعم من الإلزامي وغير الإلزامي لا يقتضي لزوم التدارك حتى يزاحم الحكم اللااقتضائي، لأن المحذور ليس هو التناقض على ما عرفت، بل المحذور هو لزوم المعصية من ترك التوجه إلى المعلوم، وهو غير لازم في المبحوث عنه.

[ 753 ]

الثانية والعشرون: لا إشكال في بطلان الفريضة إذا علم إجمالا أنه إما زاد فيها ركنا أو نقص ركنا. * وأما في النافلة فلا تكون باطلة، لأن زيادة الركن فيها مغتفرة والنقصان مشكوك. * * نعم، لو علم أنه إما نقص فيها ركوعا أو سجدتين بطلت. * * * * كما هو واضح. * * وجه الاغتفار قد تقدم (1). وملخصه امور: الأول: قوله (عليه السلام) في المعتبر: " فإن السجود زيادة في المكتوبة " (2) من حيث التقييد بالمكتوبة. الثاني: قوله (عليه السلام) في حسن زرارة وبكير: " إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها " (3). الثالث: دعوى أن قوله: " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (4) غير شامل للمستحبات، لظهور " عليه " في الإيجاب. الرابع: عموم قوله: سألته عن السهو في النافلة، فقال: " ليس عليك شئ " (5). لكن قد مر أن المحتمل في ذلك نفي الاستحباب فلا ينافي البطلان، فراجع وتأمل. * * * للعلم بالبطلان تفصيلا. لكن يمكن أن يقال: إنه بناء على ما تقدم - من إجراء قاعدة التجاوز في المستحبات، لصراحة المعتبر في الشك في الأذان وقد دخل في الإقامة، وأن


(1) في ص (2) الوسائل: ج 4 ص 779 ح 1 من ب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. (3 و 4) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 1 و 2 من ب 19 من أبواب الخلل. (5) الوسائل: ج 5 ص 331 ح 1 من ب 18 من أبواب الخلل.

[ 754 ]

ولو علم إجمالا أنه إما نقص فيها ركوعا - مثلا - أو سجدة واحدة أو ركوعا أو تشهدا أو نحو ذلك مما ليس بركن لم يحكم بإعادتها، لأن نقصان ما عدا الركن فيها لا أثر له من بطلان أو قضاء أو سجود سهو فيكون احتمال نقص الركن كالشك البدوي. * الثالثة والعشرون: إذا تذكر وهو في السجدة أو بعدها من الركعة الثانية - مثلا - أنه ترك سجدة من الركعة الاولى وترك أيضا ركوع هذه الركعة جعل السجدة التي أتى بها للركعة الاولى، وقام وقرأ وقنت وأتم صلاته. * * وكذا لو علم أنه ترك سجدتين من الاولى وهو في السجدة الثانية من الثانية فيجعلهما للاولى ويقوم إلى الركعة الثانية، وإن تذكر بين السجدتين سجد اخرى بقصد الركعة الاولى ويتم. وهكذا بالنسبة إلى سائر الركعات إذا تذكر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية أنه ترك السجدة من السابقة وركوع هذه الركعة. * * * مفادها رفع الاستحباب واقعا - يمكن القول بإلقاء الجزئية في ظرف الشك فلا علم بالبطلان، بل يقطع بالصحة حينئذ، لكنه مما لم يقل به أحد من الأصحاب. * والوجه في ذلك عموم ما تقدم الإيماء إليه في التعليق المتقدم من قوله " ليس عليك شئ "، وقد عرفت فيه الإشكال، فالأحوط هو القضاء وسجدتا السهو. والله العالم. لكن مقتضى ما تقدم من اقتضاء قاعدة التجاوز في المستحبات عدم استحباب أثر عدم الإتيان واقعا هو عدم استحبابهما. * * ولا أثر لقصد الركعة الثانية ولو بنحو التقييد، إذ المطلوب هو الإتيان بقصد القربة والصلاتية والظهرية أو العصرية، وذلك حاصل. * * * أقول: هذا إذا لم يكن المتروك سجدة واحدة والمأتي سجدتين، وإلا لزم

[ 755 ]

ولكن الأحوط في جميع هذه الصور إعادة الصلاة بعد الإتمام. * الرابعة والعشرون: إذا صلى الظهر والعصر وعلم بعد السلام نقصان إحدى الصلاتين ركعة: فإن كان بعد الإتيان بالمنافي عمدا وسهوا أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمة، وإن كان قبل ذلك قام فأضاف إلى الثانية ركعة ثم سجد للسهو عن السلام في غير المحل ثم أعاد الاولى، بل الأحوط أن لا ينوي الاولى، بل يصلي أربع ركعات بقصد ما في الذمة، لاحتمال كون الثانية على فرض كونها تامة محسوبة ظهرا. * * الخامسة والعشرون: إذا صلى المغرب والعشاء ثم علم بعد السلام من العشاء أنه نقص من إحدى الصلاتين ركعة فإن كان بعد الإتيان بالمنافي عمدا وسهوا وجب عليه إعادتهما، وإن كان قبل ذلك قام فأضاف إلى العشاء ركعة ثم يسجد سجدتي السهو ثم يعيد المغرب. * * * السادسة والعشرون: إذا صلى الظهرين وقبل أن يسلم للعصر علم إجمالا أنه إما ترك ركعة من الظهر والتي بيده رابعة العصر أو أن ظهره تامة وهذه الركعة ثالثة العصر فبالنسبة إلى الظهر شك بعد الفراغ، مع ذلك سجود السهو لزيادة السجدة الواحدة بناء على لزومه لكل زيادة ونقيصة. * هذا الاحتياط ضعيف، سواء كان مبناه على احتمال صدق فوت الركوع بالدخول في السجدة كما في المستمسك، لوضوح عدم صدق الفوت بعد كون السجدة محسوبة من الركعة السابقة، نعم، له وجه في صورة كون المأتي سجدتين والمتروك سجدة واحدة، أو كان مبناه على أن المأتي كان بعنوان الركعة الثانية، إذ قد عرفت وضوح عدم دخالة قصد الركعات. * * قد سبق ذلك كله في المسألة الثامنة. * * * قد سبق ذلك كله في المسألة الثامنة.

[ 756 ]

ومقتضى القاعدة البناء على كونها تامة، وبالنسبة إلى العصر شك بين الثلاث والأربع، ومقتضى البناء على الأكثر الحكم بأن ما بيده رابعتها والإتيان بصلاة الاحتياط بعد إتمامها، إلا أنه لا يمكن إعمال القاعدتين معا، لأن الظهر إن كانت تامة فلا يكون ما بيده رابعة، وإن كان ما بيده رابعة فلا يكون الظهر تامة، فيجب إعادة الصلاتين لعدم الترجيح في إعمال إحدى القاعدتين. نعم، الأحوط الإتيان بركعة اخرى للعصر ثم إعادة الصلاتين، لاحتمال كون قاعدة الفراغ من باب الأمارات. وكذا الحال في العشاءين إذا علم أنه إما صلى المغرب ركعتين وما بيده رابعة العشاء أو صلاها ثلاث ركعات وما بيده ثالثة العشاء. * * أقول: الذي ينبغي أن يقال: إن الصلاة الاولى صحيحة لقاعدة الفراغ، ولا يكون تعارض في البين بينها وبين ما يجري في الصلاة الثانية، لأنه إن جرت قاعدة البناء على الأكثر فمن المعلوم أنه ليست إلا الحكم الواقعي، لصراحة رواية عمار في الصحة ولو انكشف بعد صلاة الاحتياط كون الصلاة الأصلية ناقصة، فلا محذور في إعمال القاعدتين، فإن قاعدة الفراغ تحكم بالإتيان بالأربع وقاعدة البناء على الأكثر تحكم بالصحة الواقعية على تقدير الثلاث، فيتحمل المكلف العمل بالتكليف الواقعي إذا كان الاولى أربعة والثانية ثلاثة، فإن العصر في حال الشك حكمه السلام على الثلاث والإتيان بالركعة المنفصلة. هذا على تقدير جريان قاعدة البناء على الأكثر. وإن لم تجر إما من باب أن موضوعها الصلاة المحتملة للصحة مع قطع النظر عن التعبد بكفاية الانفصال، والمفروض في المسألة هو القطع ببطلان العصر مع قطع النظر عنه، لأنه إما سلم على الثلاث وإما أن الصلاة الاولى ثلاث ركعات، فيجب العدول إليها بناء على عدم جواز إقحام الصلاة في الصلاة، وعلى فرض

[ 757 ]

[... ] الجواز فلابد من الإتيان بركعة بعنوان الظهر فيقطع حينئذ بعدم جواز السلام على الركعة المشكوكة بعنوان العصر، فلا يشمله دليل البناء على الثلاث، أو من باب أن موضوع القاعدة المذكورة هو القطع بالصحة على تقدير كونها أربعا مع أنه ليس كذلك، لما عرفت من فقد الترتيب، فلابد من العدول أو الإتيان بركعة بعنوان الظهر على التقدير المزبور، أو من باب الإتيان بركعة اخرى مقطوعة بناء على جواز إقحام الصلاة في الصلاة، فلا شك بين الثلاث والأربع. فعلى جميع تلك الفروض الأربعة من إعمال القاعدتين من دون لزوم محذور في البين أو عدم جريان قاعدة البناء على الأكثر إما من الجهة الاولى أو من الجهة الثانية أو من الجهة الثالثة لا مانع من جريان قاعدة الفراغ وكذا بناء على كونها حكما ظاهريا، للقطع ببطلان إتمام العصر واقعا كما عرفت. ففي جميع تلك الفروض الخمسة لا مانع من جريان قاعدة الفراغ في الاولى، فالحكم بصحة الاولى بحمده تعالى خال عن الإشكال. وأما الثانية فإن لم نقل بجواز إقحام الصلاة في الصلاة فالظاهر أنه تكون موردا لقاعدة البناء على الأكثر، وإن قلنا بجواز الإقحام فلا شك بين الثلاث والأربع، فلابد من الإتيان بركعة متصلة، وهو مقتضى قاعدة الفراغ في الاولى والاستصحاب في الثانية. ولا يبعد ترجيح الثاني، لما تقدم من عدم المانع من الإقحام إلا السلام القاطع، والسلام لا محالة إما قاطع للصلاة الاولى وإما للصلاة الثانية، ومقتضى مراعاة الترتيب قطع الصلاة الثانية، وعليه فالأرجح هو الإتيان بركعة اخرى متصلة بعنوان العصر، والأحوط إعادة الصلاة بعد ذلك. وهو العالم.

[ 758 ]

السابعة والعشرون: لو علم أنه صلى الظهرين ثمان ركعات ولكن لم يدر أنه صلى كلا منهما أربع ركعات أو نقص من إحداهما ركعة وزاد في الاخرى، بنى على أنه صلى كلا منهما أربع ركعات عملا بقاعدة عدم اعتبار الشك بعد السلام، وكذا إذا علم أنه صلى العشاءين سبع ركعات وشك بعد السلام في أنه صلى المغرب ثلاثة والعشاء أربعة أو نقص من إحداهما وزاد في الاخرى فيبني على صحتهما. * الثامنة والعشرون: إذا علم أنه صلى الظهرين ثمان ركعات وقبل السلام من العصر شك في أنه هل صلى الظهر أربع ركعات فالتي بيده رابعة العصر أو أنه نقص من الظهر ركعة فسلم على الثلاث وهذه التي بيده خامسة العصر؟ فبالنسبة إلى الظهر شك بعد السلام وبالنسبة إلى العصر شك بين الأربع والخمس، فيحكم بصحة الصلاتين، إذ لا مانع من إجراء القاعدتين، فبالنسبة إلى الظهر تجري قاعدة الفراغ والشك بعد السلام، فيبني على أنه سلم على أربع، وبالنسبة إلى العصر يجري حكم الشك بين الأربع والخمس، فيبني على الأربع إذا كان بعد إكمال السجدتين فيتشهد ويسلم ثم يسجد سجدتي السهو، وكذا الحال في العشاءين إذا علم قبل السلام من العشاء أنه صلى سبع ركعات وشك في أنه سلم من المغرب على ثلاث فالتي بيده رابعة العشاء، أو سلم على الاثنتين فالتي بيده خامسة العشاء، فإنه يحكم بصحة الصلاتين وإجراء القاعدتين. * * * والأمر في هذه المسألة واضح لا يحتاج إلى تجشم الاستدلال. * * أقول: في وجوب سجدتي السهو إشكال، من جهة قوة احتمال أن تكون

[ 759 ]

التاسعة والعشرون: لو انعكس الفرض السابق بأن شك - بعد العلم بأنه صلى الظهرين ثمان ركعات قبل السلام من العصر - في أنه صلى الظهر أربعا فالتي بيده رابعة العصر أو صلاها خمسا فالتي بيده ثالثة العصر، فبالنسبة إلى الظهر شك بعد السلام وبالنسبة إلى العصر شك بين الثلاث والأربع، ولا وجه لإعمال قاعدة الشك بين الثلاث والأربع في العصر، لأنه إن صلى الظهر أربعا فعصره أيضا أربعة فلا محل لصلاة الاحتياط، وإن صلى الظهر خمسا فلا وجه للبناء على الأربع في العصر وصلاة الاحتياط، * فمقتضى القاعدة إعادة الصلاتين. * * للزيادة المحتملة، والزيادة المحتملة على تقدير تحققها وقعت في صلاة فاسدة من غير جهة الزيادة، وهو فقد الترتيب، ولا سجدة للصلاة الفاسدة. لكن يمكن الدفع بأن الظاهر إسقاط الترتيب في المقام مع قطع النظر عن الزيادة، لاستلزام اشتراطه إعادة الصلاة، وحديث " لا تعاد الصلاة " يحكم بعدم لزومها كما يجئ إن شاء الله تعالى في بعض الفروع الآتية، فحينئذ الظاهر صحة ما في المتن بالنسبة إلى الظهرين والعشاءين كما لا يخفى. * يمكن أن يقال في تقريب عدم إمكان إجراء قاعدة الشك بين الثلاث والأربع أمران: أحدهما: القطع بعدم الأمر بصلاة الاحتياط أو الأمر بالبناء على الأربع عصرا، لأنه على تقدير كونها تامة لا تكون الصلاة محتاجة إلى الجابر، وعلى فرض النقص لابد من العدول إلى الظهر، لبطلانها في هذا الفرض من جهة كونها خمسا. ثانيهما: القطع التفصيلي بلغوية صلاة الاحتياط إما لبطلان الثانية عصرا من جهة لزوم العدول، وإما من جهة عدم الاحتياج، لتمامية الصلاتين، والتعليل بالثاني أولى وأوضح. * * لعل الوجه في ذلك أن مقتضى الاستصحاب بعد عدم جريان قاعدة الشك

[ 760 ]

نعم، لو عدل بالعصر إلى الظهر وأتى بركعة اخرى وأتمها * يحصل له العلم بتحقق ظهر صحيحة مرددة بين الاولى إن كان في الواقع سلم فيها على الأربع، وبين الثانية المعدول بها إليها إن كان سلم فيها على الخمس. * * في الركعات هو الإتيان بركعة متصلة، وبعد ذلك يقطع بالإتيان بتسع ركعات، فيتعارض الاستصحاب الحاكم بصحة العصر وقاعدة الفراغ الحاكمة بصحة الظهر فلابد من إعادة الصلاتين. لكن فيه: وضوح عدم جريان الاستصحاب، للقطع بعدم التكليف بركعة اخرى متصلة عصرا، فإنه إما أن تكون كلتا الصلاتين تامتين وإما يجب العدول إلى الظهر، فبعد عدم اقتضاء الاستصحاب صحة العصر بضم ركعة متصلة وعدم جريان قاعدة الشك في الركعات فلا وجه لرفع اليد عن قاعدة الفراغ في الاولى، فالمحصل أن مقتضى القاعدة في المسألة صحة الاولى وبطلان الثانية لعدم المصحح. * أي يعدل برجاء محبوبية العدول ويأتي بركعة باحتمال كونها ظهرا. * * إن قلت: الإتيان بالركعة المتصلة أمره دائر بين الوجوب والحرمة، لأنه على تقدير تمامية الصلاتين لا عدول، فيكون زيادة موجبة لقطع الصلاة الصحيحة فكيف يقصد به التقرب! قلت: قطع صلاة العصر التي ليس لها أصل يحرز به الامتثال خال عن الإشكال، فلا مانع من القطع بالزيادة على تقدير عدم تحقق محل العدول، لكن لا ملزم للعدول بعد جريان قاعدة الفراغ في الظهر الحاكمة بالصحة، بل يمكن منع استحبابه بناء على حرمة قطع الفريضة الصحيحة واقعا، لكن إن قلنا بعدم الحرمة فيمكن القول باستحباب العدول لتحصيل الموافقة القطعية في الظهر. ويمكن أن يقال: إنه ليس مقتضى العدول ضم ركعة متصلة، لأنه بعد العدول

[ 761 ]

وكذا الحال في العشاءين * إذا شك بعد العلم بأنه صلى سبع ركعات قبل السلام من العشاء في أنه سلم في المغرب على الثلاث حتى يكون ما بيده رابعة العشاء، أو على الأربع حتى يكون ما بيده ثالثتها، وهنا أيضا إذا عدل إلى المغرب وأتمها يحصل له العلم بتحقق مغرب صحيحة إما الاولى أو الثانية المعدول إليها، وكونه شاكا بين الثلاث والأربع مع أن الشك في المغرب مبطل لا يضر بالعدول، لأن في هذه الصورة يحصل العلم بصحتها مرددة بين هذه والاولى، فلا يكتفي بهذه فقط حتى يقال: إن الشك في ركعاتها يضر بصحتها. تكون صلاته مصداقا للمرددة بين الثلاث الصحيحة ظهرا والأربع الصحيحة عصرا، فتكون مصداقا لوجوب البناء على الأكثر والسلام على الركعة المشكوكة ثم الإتيان بصلاة الاحتياط التي تكون جابرة للظهر على تقدير بطلان الاولى وصحة ما عدل به إليها. ويحتمل صحة العصر حينئذ. ويحتمل الانصراف إلى صلاة واحدة لا المرددة بين الظهر والعصر، وهو ممنوع. والأحوط في المقام عدم العدول بعد عدم الملزم، لدوران أمره بعد العدول بين وجوب الانفصال - كما قربناه - ووجوب الاتصال بناء على انصراف قاعدة الشك في الركعات إلى غير المورد. هذا في الظهرين. * كما لا يخفى، إلا أنه يمكن فيه الحكم بتعين العدول من باب أنه يمكن إحراز الامتثال بتلك الصلاة التي بيده والقطع بإتمامها صحيحة، فإنها إن كانت أربعا كانت صحيحة وإن كانت ثلاثا فتصح بالعدول مغربا، فقطعها لا يخلو عن إشكال، فتأمل. أقول: لو كان العلم ثلاثي الأطراف - بأن علم بتمامية الصلاتين أو نقصان الاولى وزيادة الثانية أو العكس - فالظاهر فيه هو الحكم بصحة الاولى لقاعدة

[ 762 ]

الثلاثون: إذا علم أنه صلى الظهرين تسع ركعات ولا يدري أنه زاد ركعة في الظهر أو في العصر: فإن كان بعد السلام من العصر وجب عليه إتيان صلاة أربع ركعات بقصد ما في الذمة، وإن كان قبل السلام فبالنسبة إلى الظهر يكون من الشك بعد السلام وبالنسبة إلى العصر من الشك بين الأربع والخمس، ولا يمكن إعمال الحكمين، * لكن لو كان الفراغ، وعدم دليل على علاج الثانية، فإنها إما أربع أو خمس لا محل لصلاة الاحتياط وإما ثلاث باطل عصرا لابد من العدول إلى الظهر، والاستصحاب لا يجري، للقطع بعدم التكليف بالإتيان بركعة اخرى، لكونها إما باطلة عصرا لابد من العدول إلى الظهر وإما أربعا أو خمسا، والعدول لا يكون موجبا للقطع بالإتيان بظهر صحيحة، لاحتمال كون ما بيده خمسا والظهر ثلاثا، فلا تكون الظهر صحيحة في نفسها ولا تصح بالعدول، لبطلان المعدول عنه، فلا محالة يحكم بصحة الاولى وببطلان الثانية، وهو العالم. * لأن مقتضاه الحكم بصحة كلتا الصلاتين مع العلم ببطلان إحداهما للزيادة. إن قلت: هذا إذا كان الحكم في الشك بين الأربع والخمس ظاهريا، لكنه لم لا يكون كسائر الشكوك من حيث كون الحكم فيه واقعيا، فيكون صلاة خمس ركعات صحيحة واقعا إذا كانت ركعاتها موردا للشك؟! فلا يلزم من إعمال الحكمين مخالفة قطعية للحكم الواقعي. قلت: لا يكون ظاهرا إلا في الحكم الفعلي فيمكن أن يكون ظاهريا، إلا أن يكون له إطلاق كان مفاده الحكم بالصحة ولو انكشف كون الصلاة خمس ركعات، ووجود هذا الإطلاق الذي يكون متعرضا لحال انقلاب الموضوع غير واضح. وهذا بخلاف ما ورد في الشكوك المحتملة لنقصان الركعة من التصريح بعدم شئ على المصلي إذا ذكر النقصان أو التمام أو يدل على الجبران في حال الشك على

[ 763 ]

بعد إكمال السجدتين عدل إلى الظهر وأتم الصلاة وسجد للسهو يحصل له اليقين بظهر صحيحة، إما الاولى أو الثانية. * تقدير النقصان، فراجع وتأمل. وحينئذ لابد أن يقال: إنه لا يمكن إعمال قاعدة الشك بين الأربع والخمس، لأن مقتضاها إتمامه عصرا مع أن المقطوع أنه باطل لكونه خمسا، وإما أنه لابد من العدول إلى الظهر لكونها باطلة، والاستصحاب لا يحكم أيضا بعدم الزيادة ووجوب إتمامه عصرا، للعلم بالعدم، فلا إشكال في قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الاولى ورفع اليد عن الثانية. * بل الظاهر هو ترجيح ذلك، لترجيح الموافقة القطعية الواقعية على الموافقة الظاهرية الثابتة بقاعدة الفراغ بناء على ما ذكرناه من صحة الاولى بقاعدة الفراغ. وأما سجدتا السهو فقد يقال بأنه لا وجه لها، من جهة القطع بإتيان ظهر صحيحة تامة لا سهو فيها وعدم الإتيان بالعصر الصحيحة أصلا. أقول: إن كان سجود السهو للزيادة المحتملة بمعنى أن رفع اليد حينئذ عن الصلاة الباطلة للزيادة الواقعة المشكوكة مشروط بسجدتي السهو فلا زيادة محتملة بالنسبة إلى صلاة الظهر ولا العصر. وكذا إن كان ذلك لعدم قدح الزيادة واقعا كما تقدم احتماله وتقدم ضعفه. وأما إذا كان متمما لصلاة أربع ركعات من جهة كون الشك موجبا لنقصه فله وجه، لأن تلك الصلاة على تقدير كونها أربعا لابد أن تقع ظهرا وهي مشكوكة بين الأربع والخمس، فلا ريب أن الإتيان بسجدتي السهو أحوط وإن لم يكن بلازم قطعا، لعدم الدليل عليه بعد سقوط دليل الشك بين الأربع والخمس في المقام. هذا إذا كان بعد الإكمال للسجدتين. وأما إذا كان قبل إكمالهما وبعد الركوع فلا سجود للسهو - إذ لا يشمله دليل الشك بين الأربع والخمس - وإن كان أحوط، لكنه أضعف من المتقدم في

[ 764 ]

الحادية والثلاثون: إذا علم أنه صلى العشاءين ثمان ركعات ولا يدري أنه زاد الركعة الزائدة في المغرب أو في العشاء وجب إعادتهما، سواء كان الشك بعد السلام من العشاء أو قبله. * الاحتياط. وأما من حيث جريان قاعدة الفراغ من دون معارض كالمتقدم بل هنا أوضح، لعدم اقتضاء لدليل الشك بين الأربع والخمس هنا، والإشكال في الاستصحاب هو الإشكال المتقدم. وأما لو كان قبل الركوع فيدخل في المسألة التاسعة والعشرين من الشك في الزيادة في الاولى والنقصان في الثانية أو تمامية الصلاتين. * أما في ما إذا كان الشك بعد السلام فلعله واضح، للعلم الإجمالي بالبطلان، وتعارض القاعدتين. لكن يمكن أن يقال: إنه يجوز الاكتفاء بأربع ركعات، بأن يكبر للافتتاح على تقدير كون ما في ذمته هو العشاء، ثم يكبر في الركعة الثانية أيضا بقصد أن يكون افتتاحا على تقدير كون ما في ذمته هو المغرب، ثم يتشهد في الثانية والثالثة رجاء ويتشهد في الأخير بقصد الجزئية، والتشهد المأتي به بقصد رجاء الجزئية لا يكون زائدا، لأنه ذكر الله وذكر رسوله، وقد ورد أن ذلك من الصلاة (1)، والجلوس تابع له، مع أنه ليس بقصد الجزئية للصلاة إلا على تقدير العشاء بالنسبة إلى التشهد الأول وإلا على تقدير كونه مغربا بالنسبة إلى التشهد الثاني، فلا يعد زيادة في الصلاة، وليس مثل الركوع بأن تكون زيادته مبطلة ولو لم تكن بقصد الصلاة. ومثل ذلك يجري في الجمع بين القصر والإتمام، ولكن لم أر التعرض لذلك في كلمات الأصحاب رضوان الله عليهم. مضافا إلى إمكان أن يقال: إن بعض الروايات يدل على خلاف ذلك وعلى


(1) الوسائل: ج 4 ص 1262 ح 2 من ب 13 من أبواب قواطع الصلاة.

[ 765 ]

[... ] وجوب الإتيان بالصلاتين، كمعتبر علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا " (1). ومعتبر حسين بن سعيد يرفع الحديث، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي من الصلوات لا يدري أيتها هي؟ قال: " يصلي ثلاثة وأربعة وركعتين، فإن كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى أربعا، وإن كانت المغرب أو الغداة فقد صلى " (2). لكن فيه: أنه لا يدل على التعين بعد التعليل بأنه طريق حصول الامتثال، فإن المطلوب حصول الامتثال. ثم إن الجهر والإخفات أمرهما سهل، لدخول الموضوع في من لا يدري كما اشير إليه في المعتبرين. وكيف كان، لا يترك الاحتياط بالتكرار خصوصا في ما يستلزم زيادة التشهد والإخلال بالإخفات مثلا، أما في مثل الجمع بين القصر والإتمام في صلاتي الظهر والعصر فلا أرى مانعا من الاكتفاء بصلاة واحدة وإن كان الاحتياط لا يترك في ذلك أيضا، والله الهادي. وأما إذا كان الشك قبل السلام ففيه وجوه: الأول: إعمال القاعدتين إذا كان بعد الإكمال كما هو ظاهر المتن. ومبنى ذلك على كون حكم الشك بين الأربع والخمس حكما واقعيا، لكن قد تقدم أنه


(1) الوسائل: ج 5 ص 365 ح 1 من ب 11 من أبواب قضاء الصلوات. (2) المصدر: ح 2.

[ 766 ]

الثانية والثلاثون: لو أتى بالمغرب ثم نسي الإتيان بها بأن اعتقد عدم الإتيان أو شك فيه فأتى بها ثانيا وتذكر قبل السلام أنه كان آتيا بها ولكن علم بزيادة ركعة إما في الاولى أو الثانية له أن يتم الثانية ويكتفي بها، لحصول العلم بالإتيان بها إما أولا أو ثانيا *، ولا يضره كونه شاكا في الثانية بين الثلاث والأربع مع أن الشك في ركعات المغرب موجب للبطلان، لما عرفت سابقا من أن ذلك إذا لم يكن هناك طرف آخر يحصل معه اليقين بالإتيان صحيحا، وكذا الحال إذا أتى بالصبح ثم نسي وأتى بها ثانيا وعلم بالزيادة إما في الاولى أو الثانية. لا ظهور له إلا في الحكم الفعلي ولم يظهر كونه حكما واقعيا. الثاني: ما عليه جمع من محشي الكتاب من صحة الاولى لقاعدة الفراغ، من باب القطع ببطلان الثانية إما من باب كون العشاء خمس ركعات وإما من جهة فقد الترتيب لكون المغرب أربع ركعات. لكن الظاهر صحة العشاء إذا كان المغرب أربع ركعات، لأن اشتراط الترتيب موجب لإعادة الصلاة المستندة إلى السهو، لأن أمرها دائر بين الصحة والإعادة التي منشأها السهو كما في سهو القراءة حتى ركع، فكما أنه يجري فيه قاعدة " لا تعاد " ولو بالنسبة إلى ما يأتي بعد الركوع غير المترتب على القراءة عمدا كذلك في المقام، إذ لا قصور في الإطلاق. الثالث: ما هو مبنى المتن من التعارض بين القاعدتين وأصلي عدم الزيادة في الاولى والثانية، فلابد من أن يكون حكمه حكم ما قبله من تأمين الصلاتين، والأحوط أن يكون بإعادتهما كما عرفت. * أقول: وله إبطالها، لقاعدة الفراغ في الاولى الموجبة لعدم كون الثانية صلاة أصلا، لكن يستحب الإتمام عقلا، للقطع بالموافقة، بخلاف الاكتفاء بالاولى، فإنه

[ 767 ]

الثالثة والثلاثون: إذا شك في الركوع وهو قائم وجب عليه الإتيان به، فلو نسي حتى دخل في السجود فهل يجري عليه حكم الشك بعد تجاوز المحل أم لا؟ الظاهر عدم الجريان، لأن الشك السابق باق وكان قبل تجاوز المحل *. وهكذا لو شك في السجود قبل أن يدخل في التشهد ثم دخل فيه نسيانا وهكذا. الرابعة والثلاثون: لو علم نسيان شئ قبل فوات محل المنسي ووجب عليه التدارك فنسي حتى دخل في ركن بعده ثم انقلب علمه بالنسيان شكا يمكن إجراء قاعدة الشك بعد تجاوز المحل، والحكم امتثال بحسب الحكم الظاهري، ولا ريب في ترجيح الموافقة الواقعية على صرف تحصيل العذر. * وهي عين السابقة ماهية وإن كان غيره وجودا، أو من جهة أن الموضوع للحكم بالمضي هو التجاوز الظاهر نوعا في كونه من باب الإتيان بما قبله، فالمجعول حجية ذلك الظهور النوعي أمارة أو أصلا، ومن المعلوم القطع بأن التجاوز لم يكن مبنيا على الفراغ عن الجزء المشكوك بل من باب النسيان عن الإتيان بالمشكوك، أو من جهة أنه على فرض كون الشك حادثا من باب أنه كذلك وجودا وإن كان بعينه هو الشك السابق من حيث الماهية لكنه لا يقتضي إلا عدم المحذور من حيث ذلك الشك الحادث، فلا ينافي لزوم الإتيان من حيث تحقق الشك السابق الذي كان في المحل ولم يأت به. هذا إذا نسي عدم الإتيان بالركوع فعلم بالإتيان به اشتباها. وأما إذا كان الشك باقيا في خزانة النفس لكن نسي عن شكه أو لم ينس عن الشك بل نسي عن التدارك أو عن وجوب التدارك فلا إشكال أصلا في المسألة، لأن الشك بعينه هو الشك السابق وجودا وماهية.

[ 768 ]

بالصحة إن كان ذلك الشئ ركنا والحكم بعدم وجوب القضاء وسجدتي السهو في ما يجب فيه ذلك، لكن الأحوط مع الإتمام إعادة الصلاة إذا كان ركنا والقضاء وسجدتا السهو في مثل السجدة والتشهد وسجدتا السهو في ما يجب في تركه السجود. * * أقول: وملخص ما يبحث عنه في المقام أنه إذا كان العلم بالنسيان بعد التجاوز عن محله الشكي - كما هو ظاهر العبارة، لعدم صدق النسيان إلا بعد التجاوز عن محله الشكي - ثم انقلب علمه بالشك فهل العلم المتخلل بين المشكوك والشك مع كون العلم المذكور بعد التجاوز مانع عن الحكم بالمضي بواسطة الشك الذي حصل بعد ذلك؟ وإذا كان كذلك فلا مدخلية لعروض نسيان التدارك أو الدخول في الركن، فإن ملاك المسألة هو كون العلم بالنسيان والشك في الإتيان كلاهما بعد التجاوز عن محل المشكوك. فلو لم يدخل في الركن ولم ينس التدارك بل انقلب علمه بعدم الإتيان بالشك في الإتيان فهل يكون العلم المذكور مانعا عن الحكم بالمضي أم لا؟ يمكن أن يقال: إن الحق جريان القاعدة وعدم كونه مانعا، أما على فرض كون المجعول في القاعدة حجية ظهور التجاوز الذي يحتمل أن يكون من باب إحراز ما يجب قبله أو فرض كون مفاد قاعدة التجاوز هو الحكم الفعلي بالمضي فلا وجه لمانعية العلم المنقلب إلى الشك، وأما على فرض كون مفاد القاعدة هو عدم اقتضاء الشك الذي يكون بعد المحل لأن يعتنى به ويجرى على منواله - فيكون حكما حيثيا لا اقتضائيا - فيشكل ذلك من جهة أن الحكم بعدم اقتضاء التدارك أو ترتيب الأثر من حيث الشك الذي يكون بعد المحل لا ينافي لزوم الاعتناء من حيث العلم السابق المنقلب إلى الشك.

[ 769 ]

الخامسة والثلاثون: إذا اعتقد نقصان السجدة أو التشهد مما يجب قضاؤه أو ترك ما يوجب سجود السهو في أثناء الصلاة ثم تبدل اعتقاده بالشك في الأثناء أو بعد الصلاة قبل الإتيان به سقط وجوبه، وكذا إذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها ثم زال اعتقاده. * ولكن يمكن دفع الإشكال على ذلك أيضا بأن العلم المتقدم بما هو علم مقطوع عدم حجيته، لأن الشك سار فيه، وأما من حيث احتمال تطابقه الواقع فهو شك بعد التجاوز بالإضافة إلى المشكوك فواته. هذا إذا كان العلم بالترك بعد التجاوز. وأما إذا علم ترك ذلك قبل التجاوز فتجاوز عنه مع القطع بعدم المراعاة إما عمدا أو نسيانا فتبدل علمه بالشك فالظاهر عدم جريان قاعدة التجاوز، وهذا واضح بناء على كون مفاد قاعدة التجاوز هو الحكم الحيثي اللا اقتضائي، فإن عدم المحذور من حيث الشك بعد التجاوز لا ينافي وجود المحذور من حيث القطع بالتكليف قبل التجاوز، وكذا بناء على كون مفادها هو حجية الظهور الحاصل للتجاوز وكونه نوعا من باب الفراغ عما مضى، فإن المقطوع أن التجاوز في المقام لم يكن مبنيا على ذلك، وأما بناء على كون مفادها الحكم الفعلي في الشك الحادث بعد التجاوز فقد يمكن أن يتوهم جريان القاعدة، لكن يدفع بوضوح الأمر لو استمر الشك من حيث عدم جريانها، ومورد البحث أولى، لأنه كان سابقا هو العلم بعدم الإتيان فتبدل إلى الشك فيه، فالفرق بينه وبين الفرع المتقدم ليس إلا احتمال الإتيان في محله فيه دون المبحوث عنه، واحتمال الإتيان لا يمكن أن يكون دخيلا في الحكم بعدم الإتيان في مقام الثبوت، مضافا إلى أن منصرف الدليل أن يكون الشك حادثا بمعنى درك عدم الإتيان الأعم من العلم والشك، فافهم وتأمل. * ويظهر حال هذه المسألة مما تقدم في السابقة.

[ 770 ]

السادسة والثلاثون: إذا تيقن بعد السلام قبل إتيان المنافي عمدا أو سهوا نقصان الصلاة وشك في أن الناقص ركعة أو ركعتان فالظاهر أنه يجري عليه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث فيبني على الأكثر، ويأتي بالقدر المتيقن نقصانه وهو ركعة اخرى، ويأتي بصلاة احتياطه، وكذا إذا تيقن نقصان ركعة وبعد الشروع فيها شك في ركعة اخرى، وعلى هذا فإذا كان مثل ذلك في صلاة المغرب والصبح يحكم ببطلانهما، ويحتمل جريان حكم الشك بعد السلام بالنسبة إلى الركعة المشكوكة فيأتي بركعة واحدة من دون الإتيان بصلاة الاحتياط، وعليه فلا تبطل الصبح والمغرب أيضا بمثل ذلك ويكون كمن علم نقصان ركعة فقط. * * أقول: الوجه فيه عموم دليل الشك في الركعات للمقام، وذلك يتوقف على إثبات أمرين: أحدهما: كون المصلي في أثناء الصلاة وأنه بعد لم يخرج من الصلاة. ويدل على ذلك أمران: أحدهما: ما ورد في باب السلام من أن آخر الصلاة التسليم (1)، فلابد أن يكون السلام آخر الصلاة، وعلى فرض كون المقصود انتهاء الصلاة بالسلام ولو كان في الأثناء الحاكم بالبطلان فتدل على عدم البطلان سهوا قاعدة " لا تعاد الصلاة ". ثانيهما: ما ورد في من سلم على النقص، المصرح بصحة الصلاة وضم ركعة متصلة إليها (2). واحتمال " أن يكون ذلك نظير قضاء السجدة والتشهد " مدفوع بما دل على


(1) مثل ما في الوسائل: ج 4 ص 1004 ح 4 من ب 1 من أبواب التسليم. (2) الوسائل: ج 5 ص 307، الباب 3 من أبواب الخلل.

[ 771 ]

[... ] البطلان في صورة الاستدبار وسجدتي السهو للكلام الواقع بعد السلام وقبل الإتيان بالركعة المنسية، فتأمل، مضافا إلى ظهور غير واحد من روايات الباب على كون الركعة تماما للصلاة، ففي المعتبر: " يبني على صلاته متى ما ذكر ويصلي ركعة " (1)، وأوضح منه ما في معتبر زيد الشحام: " فإنما عليه أن يتم الصلاة ما بقي منها " (2). ثانيهما: عدم عموم للشك بعد السلام أو بعد الفراغ للمورد قطعا، لأنه لم يفرغ من الصلاة ويكون قبل السلام المخرج، مع أن التعليل الوارد في الشك بعد الفراغ من الصلاة يفيد أن الملاك عدم الفراغ ولا خصوصية للسلام السهوي غير المخرج قطعا، فراجع خبر محمد بن مسلم المعتبر من حيث السند الوارد في الشك بعد الفراغ من الصلاة، وفيه: " وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك " (3). وما في صلاة الوالد الاستاذ (قدس سره) من أن المراد بالفراغ هو الصوري منه لا الحقيقي، وإلا لم يكن محرزا مع الشك في نقصان الركعة بعد السلام، وهو حاصل (4)، مدفوع بأن الظاهر هو الفراغ الحقيقي من غير جهة المشكوك بلحاظ الشك فيه، وهو صادق في مورد النقض وغير صادق في المورد، وبعد ذلك فالحكم بالرجوع إلى قاعدة الشك في الركعات في المسألة واضح بحمده تعالى من غير فرق بين الفرضين، وظهر أيضا بطلان صلاة المغرب والصبح إذا تيقن نقصان ركعة منهما وشك في الاخرى، لوقوع الشك في المغرب والصبح في الأثناء.


(1) الوسائل: ج 5 ص 310 ح 14 من ب 3 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 311 ح 17 من ب 3 من أبواب الخلل. (3) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 3 من ب 27 من أبواب الخلل. (4) كتاب الصلاة لآية الله المؤسس: ص 374.

[ 772 ]

السابعة والثلاثون: لو تيقن بعد السلام قبل إتيان المنافي نقصان ركعة ثم شك في أنه أتى بها أم لا ففي وجوب الإتيان بها [ متصلة ] لأصالة عدمه أو جريان حكم الشك في الركعات عليه وجهان، والأوجه: الثاني *. وأما احتمال جريان حكم الشك بعد السلام عليه فلا وجه له، لأن الشك بعد السلام لا يعتنى به إذا تعلق بما في الصلاة وبما قبل السلام، وهذا متعلق بما وجب بعد السلام. * أقول: فيها صور: الاولى: ما إذا كان شكه بعد السلام الثاني، ولا إشكال فيها في عدم وجوب الإتيان بالركعة المشكوكة، لا متصلة ولا منفصلة، وهو واضح، لأن الشك يكون بعد السلام المحتمل كونه في المحل، والظاهر أن المراد غير تلك الصورة. الثانية: أن يعلم بعدم السلام أو يشك في أنه على تقدير الإتيان بالركعة هل سلم ثانيا أم لا؟ الذي يظهر من المتن وجل المحشين أو كلهم إجراء حكم الشك في الركعات فيها. لكنه لا يخلو عن إشكال عندي، من جهة أنه على تقدير كونها ثلاثا يقطع بالسلام والانفصال، فالسلام على تقدير الثلاث لا يكون متعلقا للأمر حتى من جهة قاعدة البناء على الأكثر والسلام على الركعة المحتملة كونها ثالثة، لحصوله على التقدير المذكور، وعلى تقدير كونها أربعا لا تحتاج إلى صلاة الاحتياط، فعلى ذلك يقطع بعدم كون صلاة الاحتياط جابرة إما لكون أصل الصلاة تامة غير محتاجة إليها وإما من جهة بطلان الصلاة من جهة السلام الزائد غير المأمور به حتى بلحاظ قاعدة البناء على الأكثر، ونظيره ما لو شك في الثلاث والأربع وعلم بالسلام على تقدير كونها ثلاثا فمقتضى القاعدة هو الإتيان بالركعة المتصلة للاستصحاب وعدم جريان حكم الشك في الركعات.

[ 773 ]

[... ] الثالثة: أن يعلم بأنه على تقدير الإتيان بالرابعة فقد سلم وعلى تقدير عدم الإتيان بها لم يسلم فالظاهر أنه لا يشمله قاعدة الشك في الركعات، للقطع بعدم السلام عليه، فلا يشمله ما دل على أنه يسلم ثم يحتاط بصلاة الاحتياط، فإن كانت الصلاة ثلاث ركعات فقد سلم، وإن أتى بالركعة الرابعة فقد سلم أيضا، ولا يشمله ما دل على أن الملاك عدم شئ عليه على كلا التقديرين بخلاف الإتيان بالركعة المتصلة، كبعض روايات عمار، وفيه قوله: " ألا اعلمك شئ إذا فعلته ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ " (1). وذلك لأنه لو أتى بركعة متصلة يعلم بأنه ليس عليه شئ، سواء أتى بالركعة الرابعة وسلم أو لم يأت بها، فإن الصلاة على تقدير كونها أربع ركعات مصونة عن احتمال الزيادة، فيقطع بالإتيان بصلاة أربع ركعات من دون زيادة ونقيصة كما هو واضح، وهو المنصرف إليه بحسب الارتكاز في سائر أدلة الشك في الركعات، وفي صحيح زرارة: " ولا يخلط أحدهما بالآخر " (2)، فحينئذ لابد من القطع بأداء الصلاة أربع ركعات خاليا عن الزيادة والنقصان، ويحصل ذلك بإتيان ركعة متصلة ويسلم بعدها. ومن ذلك يظهر الكلام في فرع آخر، وهو " ما لو شك بين الثلاث والأربع وعلم بأنه على تقدير الأربع فقد سلم " وإن كان المبحوث عنه أولى، من جهة عدم شمول دليل الشك في الركعات، للقطع بعدم التكليف بالسلام، فلا يشمله غير واحد من أدلتها المشتملة على الإتيان بالسلام.


(1) الوسائل: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 5 ص 321 ح 3 من ب 10 من أبواب الخلل.

[ 774 ]

الثامنة والثلاثون: إذا علم أن ما بيده رابعة ويأتي به بهذا العنوان لكن لا يدري أنها رابعة واقعية، أو رابعة بنائية وأنه شك سابقا بين الاثنتين والثلاث فبنى على الثلاث فتكون هذه رابعة بعد البناء على الثلاث، فهل تجب عليه صلاة الاحتياط لأنه وإن كان عالما بأنها رابعة في الظاهر إلا أنه شاك من حيث الواقع فعلا بين الثلاث والأربع، أو لا تجب لأصالة عدم شك سابق والمفروض أنه عالم بأنها رابعته فعلا؟ وجهان، والأوجه: الأول. * * أقول: في إجراء حكم الشك في الركعات إشكال أشار إليه الوالد الاستاذ (قدس سره) في صلاته، وهو أنه على فرض كون الشك حادثا في تلك الركعة فلا حكم له، للقطع بكونها أربع ركعات على التقدير المذكور، والأصل عدم تحقق الشك سابقا، فلا تجب صلاة الاحتياط. لكنه قد أشكل على ذلك بأنه لا يقطع ببراءة الذمة فلابد من الإتيان بوظيفة الشك بين الثلاث والاثنتين حتى يقطع ببراءة الذمة، لأنه إما أن صلى أربع ركعات وإما أن شك بين الاثنتين والثلاث (1). أقول: ما ذكره (قدس سره) من حصول براءة الذمة بذلك جيد إلا أن الظاهر عدم وجوب ذلك، لأن التكليف بالركعة المتصلة وراء ما صلى مقطوع العدم، لأنه إما أن صلى أربعا وإما تجب عليه الركعة المنفصلة، والركعة المنفصلة مرتفعة بأصالة عدم الشك بين الاثنتين والثلاث قبل الركعة الرابعة، فلا يجب عليه شئ بالأصل والوجدان، فلا اقتضاء لقاعدة الاشتغال بعد حكم الشارع بعدم التكليف، فمقتضى ذلك عدم وجوب شئ عليه، إلا أن مقتضى الاحتياط هو الإتيان بوظيفة الشك بين الاثنتين والثلاث حتى لو كان الشك المذكور بعد إكمال الركعة


(1) كتاب الصلاة لآية الله المؤسس (قدس سره): ص 434.

[ 775 ]

التاسعة والثلاثون: إذا تيقن بعد القيام إلى الركعة التالية أنه ترك سجدة أو سجدتين أو تشهدا ثم شك في أنه هل رجع وتدارك ثم قام أو هذا القيام هو القيام الأول فالظاهر وجوب العود إلى التدارك لأصالة عدم الإتيان بها بعد تحقق الوجوب. واحتمال جريان حكم الشك بعد تجاوز المحل - لأن المفروض أنه فعلا شاك وتجاوز عن محل الشك - لا وجه له، لأن الشك إنما حدث بعد تعلق الوجوب مع كونه في المحل بالنسبة إلى النسيان ولم يتحقق التجاوز بالنسبة إلى هذا الواجب. * الرابعة المشكوكة، فتأمل. ثم إنه قد ظهر أن مفروض الكلام ما إذا كان المكلف قاطعا بأنه على تقدير عدم الشك السابق تكون الركعة رابعة حقيقية، وأما لو احتمل كون ما بيده ثالثة مع قطع النظر عن الشك السابق أيضا فلا ريب في وجوب صلاة الاحتياط، وهو العالم بالحقائق. * أقول: قد يشكل ذلك بأنه إذا فرض صدق التجاوز بالنسبة إلى ما وجب قبل القيام فالحكم بالإتيان محكم، لعدم جريان قاعدة الاشتغال الثابت من جهة العلم بالوجوب في حال النسيان. والجواب عن ذلك أن التجاوز لا يصدق بالنسبة إلى ما ثبت نسيانه قبل القيام إلا بإحراز الدخول في القيام الثاني، فإن محله قد تغير عما كان عليه بالنسيان. ويمكن أن يقال بعدم جريانها من باب أن التجاوز بالنسبة إلى المحل الأول لا يصدق إلا بالدخول في القيام الذي لا يجب هدمه إلا من جهة المشكوك بلحاظ تعلق الشك به، والمفروض أن القيام الذي يكون فيه مشكوك من حيث إنه هل يجب هدمه من جهة القطع بعدم الإتيان أو لا يجب ذلك من جهة كونه هو القيام الثاني، فافهم وتأمل.

[ 776 ]

الأربعون: إذا شك بين الثلاث والأربع مثلا فبنى على الأربع ثم أتى بركعة اخرى سهوا فهل تبطل صلاته من جهة زيادة الركعة أم يجري عليه حكم الشك بين الأربع والخمس؟ وجهان، والأوجه: الأول. * * أقول: وذلك من جهة أن مقتضى دليل البناء على الأكثر هو تعين طريق تصحيح الصلاة بذلك وعدم محكومية الصلاة بالصحة بالإتيان بالركعة المتصلة، فإنه خلاف ظاهر الدليل المقتضي للتعين، مع عدم كونه في مقام توهم الحظر - لأن الأمر دائر بين المحذورين - وعدم التصريح بذلك في شئ من الأخبار وكون الحكم ذلك يدا بيد عند الأصحاب بحيث بالغ غير واحد منهم وألقوا الاستصحاب حتى في مورد عدم جريان قاعدة الشك في الركعات، وبعد ذلك لا فرق بين العمد والسهو للإطلاق، ومقتضى ذلك الفساد في حال السهو كما في حال العمد. وزيادة الركعة سهوا غير مشمولة لحديث " لا تعاد " لقوله (عليه السلام): " إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا... " (1) الظاهر في صورة وقوع ذلك سهوا، واليقين ظاهر في الطريقية. مضافا إلى معتبر عبيد بن زرارة، وفيه: " لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة " (2). إن قلت: إن ما ذكر يعارض قاعدة الشك بين الأربع والخمس الحاكمة بالصحة. قلت: موضوعه الشك غير المبني على الشك السابق، وإلا لرجع كل شك بين الأربع والثلاث إلى الأربع والخمس، إلا أن يقال: الواضح هو عدم شموله للشك الباقي، وأما الشك الحادث ولو من جهة تخلل النسيان فمقتضى العموم هو


(1) الوسائل: ج 5 ص 332 ح 1 من ب 19 من أبواب الخلل. (2) الوسائل: ج 4 ص 938 ح 3 من ب 14 من أبواب الركوع.

[ 777 ]

الحادية والأربعون: إذا شك في ركن بعد تجاوز المحل ثم أتى به نسيانا فهل تبطل صلاته من جهة الزيادة الظاهرية أو لا من جهة عدم العلم بها بحسب الواقع؟ وجهان، والأحوط الإتمام والإعادة. * الثانية والأربعون: إذا كان في التشهد فذكر أنه نسي الركوع ومع ذلك شك في السجدتين أيضا ففي بطلان الصلاة من حيث إنه بمقتضى قاعدة التجاوز محكوم بأنه أتى بالسجدتين فلا محل لتدارك الركوع، الشمول، وحينئذ فيقال: إن مقتضاه عدم اقتضاء صرف الشك بعد الإتيان بالمتيقن البطلان، فلا ينافي الحكم بالبطلان من حيث عروض الشك قبل ذلك. * أقول: قد يقال بالبطلان، من جهة أن مقتضى قاعدة التجاوز هو الحكم بالإتيان قبلا، والإتيان بالوجدان مع الإتيان به قبل ذلك بالأصل هو الزيادة، وهو مبطل للصلاة حينئذ. لكنه غير واضح، من جهة أنه لو كان مفاد القاعدة هو الحكم بالإتيان في جميع الآثار فاللازم هو الاكتفاء بقاعدة الفراغ المثبتة لطهارة صلاة الظهر لإثبات طهارة العصر ولا يلتزمون بذلك، فالظاهر هو الحكم بالإتيان المستلزم للمضي في الصلاة وعدم الاعتناء بالشك بالعود والتدارك لا الحكم بالبطلان من جهة الزيادة. أو يقال بأن الإتيان به بعد سقوطه ظاهرا زيادة حقيقية، إذ ليست الزيادة إلا الإتيان بما ليست وظيفته. وهو أيضا غير واضح، لاحتمال كون وظيفته ذلك واقعا. أو يقال: إن المستفاد من الحكم بالمضي هو المراقبة على سائر الأجزاء والشرائط والموانع، ولا ريب أن منها عدم الركوع. وهو أيضا غير واضح، إذ منها عدم الركوع الزائد وهو مشكوك، لا مطلق عدم الركوع.

[ 778 ]

أو عدمه إما لعدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم من إجرائها بطلان الصلاة وإما لعدم إحراز الدخول في ركن آخر ومجرد الحكم بالمضي لا يثبت الإتيان؟ وجهان، والأوجه الثاني. ويحتمل الفرق بين سبق تذكر النسيان وبين سبق الشك في السجدتين. والأحوط العود إلى التدارك ثم الإتيان بالسجدتين وإتمام الصلاة ثم الإعادة، بل لا يترك هذا الاحتياط. * * أقول: مبنى المسألة على إجراء قاعدة التجاوز في السجدتين والحكم بترتب جميع آثار ذلك التي منها فوت الركوع للإتيان بالركن الآخر. وما يذكر لعدم جريان قاعدة التجاوز أو عدم اقتضائه بطلان الصلاة وجوه: الأول: ما ذكره في المتن من عدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم من إجرائها بطلان الصلاة. الثاني: أنه ليس مفادها إلا الحكم بالمضي، لا الإتيان بالسجدتين مثلا. وهو ضعيف، لقوله " بلى قد ركعت " في بعض موارد القاعدة، ولأن مقتضى التعليل بالأذكرية حين العمل هو الإتيان. نعم، يمكن أن يقال: إنه يحكم بالإتيان في مورد يلزم من ذلك الحكم بالصحة، للانصراف، وهو الوجه الأول. الثالث: أن يقال: إن مفاد القاعدة هو الحكم بتحقق المشكوك صحيحا وعلى وفق أمره، لا الحكم بأصل التحقق، وإلا لم يكن مناسبا للمضي. وعدم الإتيان بالسجدتين بوصف الصحة معلوم، فإنه إما أن يعلم عدم إتيانهما أولا، وعلى تقدير الإتيان بهما فلا شبهة في بطلانهما. الرابع - وهو أوضح من الكل -: عدم التجاوز عن السجدتين، فإن التشهد الذي يكون من غير ركوع ليس من التشهد الصلاتي، فلم يتجاوز محل السجدتين حتى تجري القاعدة بالنسبة إليهما.

[ 779 ]

الثالثة والأربعون: إذا شك بين الثلاث والأربع مثلا وعلم أنه على فرض الثلاث ترك ركنا * الخامس: ما في رسالة المحقق العراقي من عدم ترتب الفساد على وجود السجدتين بل على ملزومه العادي من جهة استحالة حفظ الترتيب معه المستلزم لفوت الركوع (1). وفيه: أن الفوت ليس إلا ترك الواجب في محله مع عدم التمكن من العود، وذلك حاصل بالأعم من الوجدان والأصل إن جرت قاعدة التجاوز، فإن عدم الإتيان بالركوع قبل الحكم بالإتيان بالسجدتين معلوم، وعدم التمكن بعد الإتيان بالسجدتين حكم شرعي مترتب على ذلك. وكيف كان، فقد اتضح عدم إجراء قاعدة التجاوز في السجدتين، وعلى فرض الجريان فهو لا يقتضي إلا عدم وجوب الإتيان بالسجدتين في تلك الصلاة من حيث عدم الإتيان بهما، ولا يقتضي بطلان الصلاة فيجب الإتيان بالركوع والسجدتين، وعلى الأخير لا بأس بالإتيان بالسجدتين، فإنه يقطع بعدم إضرارهما بالصلاة، لأنه إن أتى بهما قبلا فالصلاة صارت باطلة، وإن لم يأت بهما قبلا فلا يكون زيادة في الصلاة، وأما احتمال زيادة السجدتين سابقا فمقتضى الاستصحاب عدمها من حيث ثبوت الزيادة الموجبة للبطلان، فافهم وتأمل. * [ تصح الصلاة ولا شئ عليه ] ولعل الوجه إجراء قاعدة التجاوز والحكم بالإتيان بالركن، وإجراء قاعدة الشك في الركعات. لكن فيه إشكال ذكره غير واحد من الأصحاب رضوان الله عليهم من عدم جريان قاعدة الشك في الركعات، للقطع بعدم جابرية صلاة الاحتياط إما للبطلان وإما لكون الصلاة أربع ركعات، وعدم جريان الاستصحاب، للقطع بعدم وجوب


(1) روائع الأمالي: ص 55.

[ 780 ]

أو ما يوجب القضاء [ أي تصح الصلاة ولا شئ عليه ] * أو ما يوجب سجود السهو لا إشكال في البناء على الأربع وعدم وجوب شئ عليه وهو واضح. * * وكذا إذا علم أنه على فرض الأربع ترك ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو، لعدم إحراز ذلك بمجرد التعبد بالبناء على الأربع. * * * ركعة متصلة اخرى إما لبطلان الصلاة وإما لكونها باطلة، فلا مؤمن للصلاة من حيث الركعة الرابعة مع فرض الصحة فلابد من الاستيناف. ومثله كل مورد يقطع ببطلان الصلاة على تقدير كونها ثلاث ركعات من جهة قطعها - مثلا - بقاطع كالحدث أو الاستدبار أو التكلم العمدي أو ترك سجدة عن عمد وأمثال ذلك، كما لا يخفى. * والوجه في ذلك إجراء القاعدتين أي التجاوز والشك في الركعات. ولكن فيه إشكال، إذ يلزم من إجراء قاعدة التجاوز وترك قضاء ما يوجب القضاء على تقدير الثلاث القطع بعدم جابرية صلاة الاحتياط، لأن الصلاة لا يحكم عليها بالصحة إلا بعد الإتيان بالقضاء، وليس القضاء كسجدتي السهو واجبا مستقلا غير مربوط بالصلاة، فلابد من الإتيان بالقضاء حتى يحصل القطع بجابرية صلاة الاحتياط على تقدير النقصان. * * أي العلم بأنه على تقدير الثلاث ترك ما يوجب سجود السهو لا يوجب شئ. وهو واضح، إذ لا محذور في العمل بالقاعدتين ولا يتمشى فيه الإشكال المتقدم في الشق الأول ولا ما تقدم في الشق الثاني. * * * وذلك لأن الإشكال المتوهم كونه موجبا للزوم شئ عليه غير البناء على الأكثر وصلاة الاحتياط من جهات كلها مدفوعة: منها: ما اشير إليه في المتن من توهم كون البناء على الأربع موجبا لترتيب

[ 781 ]

[... ] ما يلازمه اتفاقا. وفيه: أن البناء على الأربع ليس أصلا ولا أمارة حتى يتوهم حجية ما يترتب على كون الركعة هي الرابعة، بل المقصود: الإتيان بالركعة المشتملة على الأجزاء والشرائط المجعولة في الرابعة من التشهد والتسليم وغير ذلك، وذلك حكم واقعي مجعول في مورد الشك، لا الحكم بكون ما بيده هي الركعة الرابعة الواقعية. ومنها: العلم الإجمالي بأنه على فرض الثلاث تجب ركعة متصلة، وعلى فرض الأربع يجب القضاء أو سجود السهو. والحكم بعدم لزوم الركعة المتصلة بالبناء على الأربع والسلام وقاعدة التجاوز الحاكمة بعدم لزوم القضاء وسجدتي السهو مستلزم لمخالفة التكليف الواقعي. وفيه: أن ذلك على فرض كون قاعدة الشك حكما ظاهريا، وهو خلاف صريح خبر عمار وخلاف ما دل على جابرية صلاة الاحتياط، فإنه حينئذ يقطع بعدم جابريتها، لأنه على تقدير الثلاث تكون الصلاة باطلة وعلى تقدير الأربع غير محتاجة إلى صلاة الاحتياط، ودليل الشك في الركعات صريح في كون الركعة المنفصلة على تقدير الثلاث جابرا واقعا للصلاة الأصلية وتكون الصلاة الأصلية على تقدير كونها ثلاثا صحيحة واقعا، وحينئذ لا يلزم من إجراء القاعدتين مخالفة عملية للحكم الواقعي، إذ الحكم الواقعي ليس هو الركعة المتصلة، فيمكن أن تكون الصلاة ثلاث ركعات من دون موجب للقضاء وقد انجبر نقصها بصلاة الاحتياط ولم يخالف تكليف أصلا. ومنها: العلم الإجمالي بوجوب الإتيان بالركعة المنفصلة على تقدير الثلاث - لأن صلاة الاحتياط نافلة على تقدير الأربع - وقضاء السجدة مثلا أو سجود السهو على تقدير الأربع، ومقتضى ذلك هو الاحتياط.

[ 782 ]

وأما إذا علم أنه على فرض الأربع ترك ركنا أو غيره مما يوجب بطلان الصلاة فالأقوى بطلان صلاته، لا لاستلزام البناء على الأربع ذلك، لأنه لا يثبت ذلك، بل للعلم الإجمالي بنقصان الركعة أو ترك الركن مثلا، فلا يمكن البناء على الأربع حينئذ. * وفيه: أنه ينحل بوجوب صلاة الاحتياط ظاهرا كما هو واضح، فالعلم المذكور ينحل بالأصل المثبت للتكليف والأصل النافي لوجوب القضاء وسجود السهو، وهو الحكم بالتجاوز، فلا إشكال بحمده تعالى في المسألة. * أقول: وجه البطلان هو عدم إجراء حكم الشك في الركعات: إما لأنه يلزم منه ومن قاعدة التجاوز محذور المخالفة العملية القطعية، لأن مقتضاهما صحة الصلاة مع أن بطلان الصلاة مقطوع إما لنقص الركعة وإما لنقص الركن، وهو الذي اشير إليه في المتن. وفيه: ما مر في التعليق المتقدم من أنه ليس حكم الشك من حيث تجويز نقص الصلاة في مورد الشك حكما ظاهريا بحيث تكون الصلاة باطلة على تقدير كونها ثلاث ركعات واقعا، وحينئذ لا يعلم بطلان الصلاة ولا يلزم من إجراء القاعدتين مخالفة عملية قطعية، إذ ليس مقتضاهما إلا صحة الصلاة، وهي محتملة بكونها ثلاث ركعات منجبرة بصلاة الاحتياط. وإما لأنه يعلم بعدم كون السلام واقعا في محله، وعدم كونه متمما للصلاة قطعا إما لكونه في الثالثة وإما لبطلان الصلاة. والمقصود أنه كذلك مع قطع النظر عن حكم الشك في الركعات، ومرجع ذلك إلى دعوى انصراف دليل حكم الشك إلى ما يكون السلام في الصلاة متمما مع قطع النظر عن الحكم بالسلام، وهو المطابق لما في صلاة الوالد الاستاذ (1) تغمده الله برحمته وغفرانه.


(1) ص 436، الختام، المسألة 27.

[ 783 ]

[... ] وفيه: منع الانصراف المذكور، فكما أن جابرية صلاة الاحتياط التي هي مضمون قاعدة الشك إنما هي بالنظر إلى الجعل المستفاد من نفس القاعدة فليكن متممية السلام أيضا كذلك، فلا يقطع بعدم كون السلام واقعا في غير محله، لأنه لو كانت الصلاة ثلاث ركعات في الواقع فالسلام واقع في محله في مورد الشك. وإما لدعوى انصراف دليل حكم الشك إلى ما يكون صحة الصلاة على تقدير الأربع محرزة. وهي أيضا ممنوعة، لقوة احتمال أن المقصود من الجعل هو الجبر على تقدير نقصان الركعة، وأما الصحة على تقدير الأربع فهي غير محتاجة إلى التعبد، والتعبد بجبران النقص بما هو أيضا غير محتاج إليه، وإن كان محتاجا إليه فالصحة الظاهرية المتحققة من جهة الشك الوجداني المحكوم فيه بالإتيان بالركن كافية في الجريان. وإما من جهة أن المقطوع هو عدم الإتيان بالركعة الرابعة، لأنه إما تكون الصلاة ثلاث ركعات، وعلى فرض الأربع يقطع بالبطلان، فلا تكون ما وقع من المصلي ركعة من الصلاة، لأنه لا فرق بين الركعة الباطلة وغيرها من الأعمال الخارجة عن الصلاة، فلا شك بين الثلاث والأربع حتى يجري حكم الشك في الركعات. والظاهر صحة ذلك لكن ليس مقتضى ذلك هو البطلان، بل بعد فرض عدم جريان قاعدة الشك في الركعات فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدم زيادة الركعة الفاسدة، فيأتي بركعه للقطع بالإتيان بالثلاث والقطع بعدم إتيان الرابعة الصحيحة، فيأتي بركعة اخرى متصلة، والشك في الإتيان بالركن مدفوع بقاعدة التجاوز.

[ 784 ]

الرابعة والأربعون: إذا تذكر بعد القيام أنه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها فإن أتى بالجلوس بين السجدتين ثم نسي السجدة الثانية يجوز له الانحناء إلى السجود من غير جلوس، * وإن لم يجلس أصلا وجب عليه الجلوس ثم السجود. * * وإن جلس بقصد الاستراحة والجلوس بعد السجدتين ففي كفايته عن الجلوس بينهما وعدمها فيحكم بصحة الصلاة لمجموع امور: منها القطع بالإتيان بالثلاث. ومنها كون الثلاث صحيحة ولا تكون باطلة من جهة زيادة الركن. ومنها عدم صيرورتها فاسدة بالإتيان بركعة اخرى قطعا، لأن الركعة الاخرى إما محتاجة إليها وإما تكون الصلاة باطلة من أول الأمر لنقصان الركن فلا تأثير لها من حيث البطلان. ومنها أن الصلاة لا تكون باطلة من جهة زيادة الركعة الرابعة الفاسدة، لاستصحاب عدم الإتيان بالركعة الفاسدة، فمقتضى القاعدة - وهو العالم - صحة الصلاة بالإتيان بركعة متصلة. والله المستعان في كل آن. * وذلك لأن ظاهر خبر أبي بصير - قوله " وإذا سجدت فاقعد مثل ذلك " (1) أي أقم صلبك حتى ترجع مفاصلك - كون الجلوس من توابع السجدة الاولى لا من مقدمات السجدة الثانية أو من شرائطها بحيث يجب أن تكون السجدة الثانية عن جلوس، فإن الإطلاق المذكور منطبق على ما نحن فيه فإنه قعد بعد السجدة الاولى فلا موجب للإعادة. * * فيه إشكال من جهة ظهور الدليل المتقدم في أن الواجب هو الجلوس بعد السجدة الاولى من غير فصل، وقد فات ذلك، كمن نسي الذكر في السجدة الاولى، إلا أن يفرض كونه شرطا متأخرا للسجدة الاولى فلابد من إعادة السجدة أيضا، ولا يلتزم بذلك أحد ولا دليل على اشتراط السجدة بذلك، بل الجلوس مشروط


(1) الوسائل: ج 4 ص 678 ح 9 من ب 1 من أبواب أفعال الصلاة.

[ 785 ]

وجهان، الأوجه: الأول، * ولا يضر نية الخلاف، لكن الأحوط الثاني فيجلس ثم يسجد. الخامسة والأربعون: إذا علم بعد القيام أو الدخول في التشهد نسيان إحدى السجدتين وشك في الاخرى فهل يجب عليه إتيانهما، لأنه إذا رجع إلى تدارك المعلوم يعود محل المشكوك أيضا، أو يجري بالنسبة إلى المشكوك حكم الشك بعد تجاوز المحل؟ وجهان، أوجههما بالسجدة ولابد أن يكون بعده، ولذا لا يصدق الامتثال لو نهض عن السجود الأول إلى القيام عمدا ثم قعد. نعم، الأحوط هو الجلوس من باب احتمال كونه واجبا، ولا تصدق الزيادة على تقدير عدم الوجوب، لأنه لا يقصد به الصلاتية على تقدير عدمه. * للإتيان به بقصد التقرب، وكونه من أجزاء الصلاة وإن كان من الأجزاء المستحبة، فينطبق عليه الواجب حتى في صورة التقييد. وما في المستمسك من عدم الخلو عن الإشكال لأن جلسة الاستراحة مستحبة ولا تكون من أجزاء الصلاة فمبني ظاهرا على عدم تصوير الجزء المستحبي للصلاة، وهو بمكان من الإمكان، فإنه يصح بنحو تعدد المطلوب بأن تكون الصلاة المركبة من الأجزاء الواجبة والمستحبة متعلقة للأمر الاستحبابي والمركبة من الأجزاء الواجبة متعلقة للأمر الوجوبي، هذا بحسب الإمكان. وأما بحسب مقام الإثبات فظاهر تعلق الأمر به في المركب هو الدخالة الوضعية الارتباطية لا النفسية وصرف كون الصلاة ظرفا، مضافا إلى أنه قد ورد في خبر أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " إن هذا من توقير الصلاة " (1) وذلك ظاهر أو صريح في الدخالة في المصلحة الصلاتية، لا صرف ظرفية الصلاة له، فراجع وتأمل.


(1) الوسائل: ج 4 ص 956 ح 5 من ب 5 من أبواب السجود.

[ 786 ]

الأول * والأحوط إعادة الصلاة أيضا. السادسة والأربعون: إذا شك بين الثلاث والأربع - مثلا - وبعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم أنها كانت أربعا ثم عاد شكه فهل يجب عليه صلاة الاحتياط لعود الموجب وهو الشك، أو لا لسقوط التكليف عنه حين العلم والشك بعده شك بعد الفراغ؟ وجهان، والأحوط الأول. * * * قد مر (1) أن الحق هو الإتيان بالمشكوك أيضا، وفاقا لما ذكره (قدس سره) هنا وخلافا لما ذكره (قدس سره) هناك، وقد ذكرنا لذلك وجوها خمسة منها ما ذكره هنا في المتن، وهو لا يخلو عن وجه، وليس كما ذكره بعض المحشين من ضعف التعليل، نعم، لا ينحصر بذلك. * * أقول: لا ينبغي الإشكال في عدم جريان قاعدة الفراغ، فإنه ورد في الصحيح على ما في الوسائل عن السرائر - المؤيد جدا بنقل الصدوق (قدس سره) في الفقيه - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك " (2). ولا ريب في ظهور القيد بل صراحته في أن الشرط أن يكون حين الانصراف متيقنا بذلك، وإلا لم يكن وجه للتقييد. وقوله في مقام بيان الملاك " وكان حين انصرف... " ظاهر في أن المجعول في قاعدة الفراغ - كما تقدم - حجية الإحراز عند الفراغ، وهذا لا ينطبق على ما نحن فيه، إذ يقطع بعدم الفراغ عن إحراز، فاحتمال


(1) في المسألة السابعة عشرة من الختام ص 746. (2) الوسائل: ج 5 ص 343 ح 3 من ب 27 من أبواب الخلل.

[ 787 ]

[... ] صحة الصلاة من دون لزوم الإتيان بالركعة المتصلة والمنفصلة مدفوع جدا. فيقع الكلام في أن مقتضى الدليل هل هو الإتيان بصلاة الاحتياط أو الركعة الموصولة أو يحكم بالبطلان. ويمكن توجيه الأول بوجوه: الأول ما في المتن من أن الشك الثاني عود للشك الأول فيعود الحكم. وفيه: أنه مع تخلل العدم يتعدد الفرد بحكم العقل الصريح فكيف يكون ذلك هو عود الشك الأول؟! إلا أن يكون المقصود أنه بالتسامح العرفي يكون عودا، فيحكم العرف بعود حكمه من دون أن يكون ذلك مفاد الدليل، وهذا غير واضح. الثاني أن يقال: إن إطلاق الشك بين الثلاث والأربع يشمل بعد الصلاة أيضا، وعدم العمل به في غير ذلك المورد من باب كونه محكوما بقاعدة الفراغ عن الصلاة والشك بعد السلام، وفي المقام حيث لا تجري القاعدة فلا مانع من الأخذ بإطلاقه. وفيه: أن الظاهر من دليل الشك لا سيما بعض روايات عمار أن المقصود من تشريعه صون الصلاة عن الزيادة، والشك العارض بعد القطع في المورد إنما عرض في محل تكون الصلاة مصونة عن طرو الزيادة، لتحقق السلام على تقدير الأربع. الثالث أن يقال: إن الموضوع لقاعدة الشك الحاكم بالسلام وصلاة الاحتياط هو الشك المتحقق في الصلاة بشرط تحقق الشك حين العمل بحكمه من السلام أو صلاة الاحتياط، والموضوع متحقق عند السلام ثم يرتفع الموضوع في حال القطع بأنها كانت أربعا بعدم الشك حين الإتيان بصلاة الاحتياط ثم يتحقق، فهو محكوم بحكم الشك من باب حدوث الشك سابقا ووجود الشك حال الإتيان

[ 788 ]

[... ] بصلاة الاحتياط، واحتمال دخالة البقاء مدفوع بالإطلاق. والظاهر تمامية التقريب المذكور فلا مانع من إجراء حكم الشك. وأما وجه الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة - وهو الركعة الموصولة - فمركب من امور: منها: عدم إجراء قاعدة الفراغ. ومنها: عدم إجراء قاعدة الشك في الركعات. ومنها: صحة الصلاة على كل حال ويأتي وجهها، فحينئذ لابد من الركعة الموصولة. وأما وجه بطلان الصلاة فلاحتمال الفساد بالسلام على الركعة الثالثة من دون أن يكون ذلك مقتضى دليل البناء على الأكثر، لعدم جريانه كما تقدم وجهه، وحينئذ لا يمكن تأمين صحة الصلاة بالركعة المتصلة أيضا، للقطع بلغويتها على التقدير المزبور، لأنه إما أتى بأربع ركعات وإما تكون الصلاة باطلة فلابد من إعادة الصلاة. وفيهما: ما عرفت من إجراء قاعدة الشك في الركعات، فلا وجه للركعة الموصولة، ولا للحكم بالبطلان، لأن السلام واقع بحكم قاعدة الشك في الركعات في محله، مع أنه على فرض عدم إجرائها وعدم إجراء قاعدة الفراغ فالبطلان مدفوع من حيث السلام بحديث " لا تعاد الصلاة " غير المنحصر بالسهو - كما تقدم مرارا - لشموله لكل ما أتى به لعذر عقلي أو شرعي ولو كان ذلك تخيل شمول قاعدة الشك في الركعات. فقد تلخص من ذلك امور: منها: أن الوجوه في المسألة أربعة: الصحة وعدم لزوم شئ من الركعة الموصولة أو المفصولة، ولزوم الركعة الموصولة، ولزوم المفصولة، والبطلان. ومنها: أن الأقرب هو الإتيان بالركعة المفصولة وإجراء حكم الشك

[ 789 ]

السابعة والأربعون: إذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشك في ركوع هذه الركعة وفي السجدتين من الاولى ففي البناء على إتيانها من حيث إنه شك بعد تجاوز المحل أو الحكم بالبطلان لأوله إلى الشك بين الواحدة والاثنتين وجهان، والأوجه: الأول [ أي البناء على إتيان ذلك كله ]. * وعلى هذا فلو فرض الشك بين الاثنتين والثلاث في الركعات - وهو العالم - ثم الأقرب بعد ذلك الصحة والإتيان بالركعة الموصولة، لجريان حديث " لا تعاد ". ومنها: أن الأحوط هو الإتيان بالركعة القابلة للانطباق على الموصولة والمفصولة، بإتيان التكبير بقصد القربة وما هو محبوب عنده تعالى من الافتتاح والاستحباب وقراءة الفاتحة كما ذكره الوالد الاستاذ (قدس سره) في صلاته (1)، فإنه إما لا شئ عليه على فرض جريان قاعدة الفراغ وإما أن يكون الواجب عليه هو المفصولة أو الموصولة. ومما ذكرنا يظهر أن الأحوط منه هو الإعادة، لاحتمال البطلان من باب اختصاص حديث " لا تعاد " بصورة السهو. والله المتعالي هو المستعان، وهو العالم الملهم بالامتنان. * والوجه في ذلك أنه لا شبهة في شمول قاعدة التجاوز للسجدتين من حيث كون الشك بعد القيام والقراءة من الثانية، وشمولها للركوع الثاني للدخول في السجود. وإنما الإشكال في صدق الشك بين الاولى والثانية أيضا وجدانا فلابد من الحكم بالبطلان، فيكون التعارض بين مقتضى القاعدتين.


(1) ص 437، الختام، المسألة 30.

[ 790 ]

بعد إكمال السجدتين مع الشك في ركوع الركعة التي بيده وفي السجدتين من السابقة لا يرجع إلى الشك بين الواحدة والاثنتين حتى تبطل الصلاة، بل هو من الشك بين الاثنتين والثلاث بعد الإكمال [ بحكم قاعدة التجاوز ] * نعم، لو علم بتركهما مع الشك المذكور يرجع إلى الشك بين الواحدة والاثنتين، لأنه عالم حينئذ باحتساب ركعتيه بركعة. الثامنة والأربعون: لا يجري حكم كثير الشك في صورة العلم الإجمالي، * * فلو علم ترك أحد الشيئين إجمالا من غير تعيين يجب عليه مراعاته وإن كان شاكا بالنسبة إلى كل منهما، كما لو علم حال القيام أنه إما ترك التشهد أو السجدة * * * أو علم إجمالا أنه إما ترك والجواب أن صريح صحيح زرارة المتقدم (1) أن الشك المتعلق بإتيان الركعة الاولى أو الثانية من حيث بعض أجزائه حتى لو كان مثل الركوع يكون موردا لقاعدة التجاوز ولا يكون موردا للشك في الاوليين المحكوم بالبطلان، فلا إشكال في المسألة. * لا إشكال فيه أيضا كما اتضح من التعليق المتقدم. وهو العالم. * * وذلك لأن العمل بأطراف العلم الإجمالي ليس من حيث الشك بل من حيث العلم، ولا ينطبق عليه عنوان كثير الشك، وهو واضح. * * * هذا إذا كان طرف العلم التشهد من هذه الركعة - مثلا - والسجدة من الركعة السابقة أو بالعكس، فإن دليل كثير الشك كقاعدة التجاوز الحاكمين بعدم الرجوع والتدارك وعدم القضاء موجب للوقوع في المخالفة القطعية. وأما إذا كان كلاهما من الركعة التي قام عنها فالعلم الإجمالي ينحل بوجوب الإتيان بالتشهد ويجري في السجدة حكم كثير الشك، إذ لا مانع من ذلك،


(1) في ص

[ 791 ]

الركوع أو القراءة وهكذا، أو علم بعد الدخول في الركوع أنه إما ترك سجدة واحدة أو تشهدا فيعمل في كل واحد من هذه الفروض حكم العلم الإجمالي المتعلق به كما في غير كثير الشك * التاسعة والأربعون: لو اعتقد أنه قرأ السورة - مثلا - وشك في قراءة الحمد فبنى على أنه قرأه لتجاوز محله، ثم بعد الدخول في القنوت تذكر أنه لم يقرأ السورة فالظاهر وجوب قراءة الحمد أيضا، لأن شكه الفعلي وإن كان بعد تجاوز المحل بالنسبة إلى الحمد * * إلا أنه هو الشك الأول الذي كان في الواقع قبل تجاوز المحل، * * * وحكمه الاعتناء به والعود إلى الاتيان بما شك فيه. فلو لم يكن كثير الشك لكان عليه الإتيان، لكون الشك بالنسبة إلى السجدة في المحل. * الظاهر انحلال العلم الإجمالي في ذلك، فلا يكون من مصاديق ما لا يرجع فيه إلى حكم كثير الشك، لأنه إن كان ذلك في حال كون الركوع قابلا للتدارك فالقراءة إما معلوم الإتيان وإما لا يجب إتيانها، فلا أثر لإجراء حكم كثير الشك إلا من جهة سجود السهو الذي مر عدم وجوبه لكل زيادة ونقيصة فيجري في الركوع، وإن كان بعد المضي عن محل التدارك فهو أوضح، للقطع بترك القراءة أو بطلانها لنقص الركوع، فيجري حكم كثير الشك في الركوع. * * وفيه: ما لا يخفى بناء على ما تقدم مرارا، لأن المفروض هو القطع بعدم الإتيان بالسورة فلا يكون القنوت واقعا في محله، فالشك الفعلي ليس بعد التجاوز عن المحل. * * * فعلى هذا لو شك في السجدة الثانية - مثلا - وبنى على الإتيان بتخيل الإتيان بالتشهد ثم قام ودخل في الركوع وعلم بعدم الإتيان بالتشهد حال الشك

[ 792 ]

الخمسون: إذا علم أنه إما ترك سجدة أو زاد ركوعا فالأحوط قضاء السجدة وسجدتا السهو ثم إعادة الصلاة، ولكن لا يبعد جواز الاكتفاء بالقضاء وسجدة السهو عملا بأصالة عدم الإتيان بالسجدة وعدم زيادة الركوع. * فلا تجري قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدة، فلابد من القضاء على إشكال قد تقدم. وفي المستمسك أنه: لو شك في الفرض المتقدم في المتن في حال القنوت أنه هل قرأ السورة أم لا؟ لم يبعد جريان قاعدة التجاوز لإثبات السورة وتكون موجبة لصدق التجاوز بالنسبة إلى الشك في الفاتحة (1). أقول: في ذلك إشكال، لأن مقتضى قاعدة التجاوز هو الإتيان بالسورة وكون الشك في الحمد واقعا في حال الإتيان بالسورة، وأما تجاوز محل الحمد فهو غير الإتيان بالسورة، لأنه أمر عدمي حقيقته مضي وقت الحمد وعدم بقاء محله في حال الشك والإتيان بالسورة، مضافا إلى أن المنصرف من الإطلاق هو الحكم بالإتيان وآثار الإتيان من حيث نفسه لا من جهة الآثار الاخر، فافهم وتأمل. * أقول: يمكن اختيار الأخير في فرض المتن - الظاهر في أنه بعد المضي عن محل تدارك السجدة، من حيث الحكم بالقضاء لا بالتدارك في الصلاة - إما من جهة عدم جريان قاعدة التجاوز في السجدة، للقطع بعدم امتثال أمرها إما لتركها أو للإتيان بها في الصلاة الباطلة، وهو غير واضح وإن مر غير مرة، من جهة قوة ظهور القاعدة في كون الحكم حيثيا، فإن الصحة الفعلية لا تحصل إلا بعد الصلاة، وإما من جهة تعارض القاعدة لها في الحكم بعدم الزيادة بناء على جريانها فيها أيضا،


(1) المستمسك: ج 7 ص 663.

[ 793 ]

الحادية والخمسون: لو علم أنه إما ترك سجدة من الاولى أو زاد سجدة في الثانية وجب عليه قضاء السجدة والإتيان بسجدتي السهو وهو لا يخلو عن وجه وجيه، فحينئذ يرجع إلى استصحاب عدم الزيادة الحاكم بالصحة واستصحاب عدم الإتيان بالسجدة الموجبة للقضاء وسجدتي السهو. وما ذكرناه سابقا " من عدم ترتب أثر القضاء وسجود السهو على الترك في الصلاة الصحيحة، بل يترتب على الترك المستند إلى النقص " يمكن الجواب عنه في المقام بأن يقال: إن مقتضى الاستصحاب وقوع الخلل النقصي دون الزيادة، وكون وقوع الخلل عن سهو محرز بالوجدان، فبذلك ينحل العلم الإجمالي بوجوب الإعادة أو قضاء السجدة وسجود السهو. هذا بالنسبة إلى ما بعد مضي محل التدارك. وأما إذا كان محل تدارك السجدة باقيا فالظاهر هو التدارك والحكم بصحة الصلاة. ومبنى ذلك أمران: أحدهما: إنكار جريان قاعدة التجاوز في السجدة من باب القطع بعدم الإتيان أو البطلان، فليس فيها إلا استصحاب عدم الإتيان، وفي جانب زيادة الركوع تجري أصالة عدم الزيادة أو قاعدة التجاوز بالنسبة إلى عدم الزيادة. ثانيهما: أن يقال بجريان القاعدة بالنسبة إلى عدم الزيادة فتتعارض لقاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدة فيرجع إلى استصحاب عدم الزيادة واستصحاب عدم الإتيان بالسجدة، ونتيجة كلا الأمرين ما ذكر. نعم، لو انكر الأمران - المستلزم ذلك لتعارض قاعدة التجاوز في السجدة لأصالة عدم زيادة الركوع - فيرجع إلى قاعدة الاشتغال الحاكم بإتيان الصلاة والبراءة عن التدارك في الصلاة، فتأمل. والظاهر أحد الأولين. والله العالم.

[ 794 ]

مرة واحدة بقصد ما في الذمة من كونهما للنقيصة أو للزيادة. * * الوجه في ذلك هو العلم الإجمالي بوجوب القضاء وسجدتي السهو إن كان الخلل ترك السجدة في الاولى وسجدتي السهو فقط للزيادة إن كان الخلل حصول الزيادة في الركعة الثانية بعد تعارض أصالة عدم الزيادة في الثانية لقاعدة التجاوز في الاولى. وفيه أولا: أنه مبني على لزوم سجدتي السهو للزيادة أيضا، وإلا لم يكن أثر لاحتمال الزيادة، فتجري قاعدة التجاوز في السجدة وليس عليه شئ. وثانيا: بناء على لزومهما للزيادة أيضا فأصالة عدم الزيادة لا أثر لها، للقطع بلزوم سجدتي السهو من باب القطع بأحد الأمرين من الزيادة أو النقيصة، ولا دليل على قصد السبب إجمالا أو تفصيلا حتى يكون وجوب سجدتي السهو بقصد الزيادة طرفا للعلم الإجمالي، وحينئذ لا مانع من جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدة من الاولى من حيث الحكم بعدم لزوم القضاء. وثالثا: على فرض لزوم الاحتياط بالإتيان بسجدتي السهو وقضاء السجدة فحيث لا دليل على لزوم قصد السبب في سجدتي السهو بل لا يجوز ذلك بقصد الوجوب أو الاستحباب فلا يجب أن يقصد ما في الذمة من حيث كون السبب هو النقص أو الزيادة بحيث يحرز القصد بذلك كما في الظهر والعصر. ورابعا: على فرض لزوم قصد السبب فالظاهر كفاية القصد بعنوان كونهما عن النقيصة، لأنها مقتضى أصالة عدم الإتيان بالسجدة في الاولى وأصالة عدم الزيادة في الثانية أو أصالة عدم وجوب سجدتي السهو للزيادة بعد تعارض قاعدة التجاوز في الاولى لقاعدة التجاوز في الثانية - بناء على جريانها في الموانع - أو لأصالة عدم الزيادة، والأول يقتضي القضاء وسجدتي السهو للنقيصة والثاني يقتضي عدم وجوب سجدتي السهو للزيادة.

[ 795 ]

الثانية والخمسون: لو علم أنه إما ترك سجدة أو تشهدا وجب الإتيان بقضائهما وسجدة السهو مرة. * الثالثة والخمسون: إذا شك في أنه صلى المغرب والعشاء أم لا قبل أن ينتصف الليل والمفروض أنه عالم بأنه لم يصل في ذلك اليوم إلا ثلاث صلوات من دون العلم بتعيينها فيحتمل أن يكون الصلاتان الباقيتان المغرب والشعاء، ويحتمل أن يكون آتيا بهما ونسي اثنتين من صلوات النهار وجب عليه الإتيان بالمغرب والعشاء فقط، لأن الشك بالنسبة إلى صلوات النهار بعد الوقت، وبالنسبة إليهما في وقتهما. * * ولو علم أنه لم يصل في ذلك اليوم إلا صلاتين أضاف إلى المغرب والعشاء قضاء ثنائية ورباعية. * * * وكذا إن علم أنه لم يصل وهذا واضح بناء على كفاية صرف الترك في الصلاة الصحيحة لسجدتي السهو والقضاء، وأما بناء على لزوم إحراز السهو والمفروض عدم إحراز ذلك فيمكن أن يقال في المقام أيضا: إن مقتضى الأصل وقوع الخلل من حيث النقص وكون الخلل عن سهو ثابت بالوجدان. * هذا واضح إن كان بعد مضي محل التدارك بالنسبة إلى كليهما، إلا أن الأحوط في صورة احتمال ترك كل منهما هو الإتيان بالسجدة ثم التشهد، لاحتمال عدم وجوب قضاء التشهد والاكتفاء منه بالتشهد المأتي به في سجدتي السهو، وقد مر وجهه (1). * * وبذلك ينحل العلم الإجمالي بوجوب صلاتين من اليوم والليل، وهو واضح. * * * الحكم في ذلك يتوقف على أمرين:


(1) في ص 649 وما بعدها.

[ 796 ]

إلا صلاة واحدة. * الرابعة والخمسون: إذا صلى الظهر والعصر ثم علم إجمالا أنه شك في إحداهما بين الاثنتين والثلاث وبنى على الثلاث ولا يدري أن الشك المذكور في أيهما كان يحتاط بإتيان صلاة الاحتياط وإعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمة. * * أحدهما: جريان قاعدة الشك بعد الوقت في غير الواحدة من الصلوات النهارية بنحو الترديد والإجمال أو بنحو الاشتراط، فيكون صلاة الصبح والظهر موردا لقاعدة الشك بعد الوقت إذا كان المتروك هو العصر مثلا، وهكذا بالنسبة إلى فرض ترك الصبح والظهر. ثانيهما: أن يكون الانحلال الحكمي الحاصل بالنسبة إلى صلاتين من الخمس بمنزلة الانحلال الحقيقي، فلا يكون غير واحد من الصلوات النهارية طرفا للعلم الإجمالي بأن يكون مرجعه إلى الحقيقي من جهة العلم بتعلق التكليف ولو ظاهرا بالنسبة إلى المغرب والعشاء أو من جهة عدم لزوم المخالفة العملية من جريان قاعدة الشك بعد الوقت