الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جامع المدارك - السيد الخوانساري ج 7

جامع المدارك

السيد الخوانساري ج 7


[ 1 ]

جامع المدارك في شرح المختصر النافع لمؤلفه الفقيه سماحة الحجة. آية الله الحاج السيد احمد الخوانساري قدس سره علق عليه علي اكبر الغفاري الناشر مكتبة الصدوق طهران الجزء السابع - الطبعة الثانية 1405 ه‍ ق

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين المعصومين (كتاب الحدود والتعزيرات) الحدود جمع حد والمعروف أن الحد لغة المنع، وشرعا عقوبة - خاصة تتعلق بايلام بدن المكلف بواسطة تلبسه بمعصية خاصة عين الشارع كميتها في جميع أفراده ولا يخفى أن شأن اللغوى بيان موارد الاستعمال واستعمل الحد في الحاجز بين شيئين ومنتهى الشئ، والدفع والمنع وتأديب المذنب بما يمنعه وغيره عن الذنب وتمييز الشئ عن الشئ وغير ما ذكر. والمعنى الشرعي المذكور يناسب التأديب وإن كان التأديب أعم من العقوبة. (وفيه فصول: الفصل الاول في حد الزاني والنظر في الموجب، والحد، واللواحق، أما الموجب فهو إيلاج الانسان فرجه في فرج امرأة من غير عقد ولا ملك ولا شبهة ويتحقق بغيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا) ويمكن أن يقال: لا بد أن يراد من العقد المذكور، العقد الصحيح شرعا وإلا لزم عدم التحقق مع العقد الفاسد والكفار يقع بينهم النكاح بما هو عقد عندهم وهم مكلفون مقصرون ومع ذلك إذا وقع بينهم النكاح بالعقد الفاسد شرعا ليست مباشرتهم مع نسوانهم زنى وأولادهم ليسوا أولاد الزنى، هذا مضافا إلى أن

[ 3 ]

تمكين الانسان من الايلاج، الظاهر كفايته ولو لم يكن بمباشرته، كما أن الظاهر تحققه بمباشرة الصغيرة والخنثى مع كونها في الواقع امرأة لعدم المعذورية، ألا ترى صدق الزنى مع مباشرة الاجنبية مع احتمال كونها زوجته حيث لم يكن معذورا في المباشرة وأما الشبهة المذكورة فذكر في ضابطها ما أوجب ظن الاباحه، ولا يخفى الاشكال فيه فإن الظن منع عدم حجيتها كيف يكون عذرا كمن باشر امرأة ظانا بأنها امرأته. وأما غيبوبة الحشفة دبرا فصدق الزنى معها غير مسلم، فالمحكي عن الوسيلة في الوطي في دبر المرأة قولان، وقد يتمسك للتعميم بما في الصحيح وغير الصحيح من الاخبار (إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم) والاطلاق مشكل، ألا ترى أن الادخال مع عدم غيبوبة الحشفة لا يكفى وإن كان كافيا في صدق لواط الغلام الموجب لحرمة الام والاخت، بل لا يبعد الانصراف إلى القبل والشاهد أنه مع رمي البكر بالزنى تلاحظ البكر فمع بقاء الكبارة يشهدان ببراءتها، هذا مضافا إلى الاشكال في تعيين الموضوع بخبر الواحد، ومع الاشكال لا يبعد لزوم الاحتياط من جهة ما دل على درء الحدود بالشبهة وهو الحديث النبوي المشهور (تدرء الحدود بالشبهات) (2) لعدم الدليل على الاختصاص بالشبهة الموضوعية، ولعله من هذه الجهه لزم الاحتياط فيما لو تكرر الحد حيث يحكم بالقتل بترك القتل إلى المرتبة المتأخرة (ويشترط في ثبوت الحد البلوغ والعقل والعلم بالتحريم والاختيار، فلو تزوج محرمة كالام أو المحصنة سقط الحد مع الجهالة بالتحريم ويثبت مع العلم ولا يكون العقد بمجرده شبهة في السقوط)


(1) الكافي ج 3 ص 26 تحت رقم 2 عن أحدهما عليهما السلام. (2) الفقيه نوادر الحدود تحت رقم 5146 ورواه ابن عدى في الكامل

[ 4 ]

الظاهر عدم اشتراط البلوغ والعقل والعلم في الطرفين، فمع اجتماع الشروط المذكورة في أحد الطرفين كيف سقط الحد بالنسبة إليه، ثم إن التعبير بالعلم بالحرمة يوجب خروج طرف العلم الاجمالي كما لو علم بحرمة إحدى الانثيين أو كانت المرأة محرمة الوطي من جهة الاصل، إلا أن يقال بخروج ما ذكر بملاحظة ما ذكر في ضابط الشبهة الدارءة والمراد من الظن بالاباحة القطع بالاباحة حيث يعبر بالظن من جهة مخالفته للواقع. ويدل على ما ذكر صحيحة يزيد الكناسي (قال: سألت: أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة تزوجت في عدتها فقال: إن كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة، فان عليها الرجم - إلى أن قال: - قلت: فان كانت تعلم أن عليها عدة ولا تدرى كم هي؟ فقال: إذا علمت أن عليها العدة لزمته الحجة فتسأل حتى تعلم). هذا ولكن يقع الاشكال في أن الغالب في الكفار لزمتهم الحجة من جهة احتمال حقية الاسلام بحيث لو فحصوا يعلمون بحقية الاسلام وأحكامه ومع هذا لكل قوم نكاح وليس نكاحهم زنى مع بطلان نكاحهم على القواعد المسلمة بين المسليمن ويمكن أن يقال في خصوص النكاح دل الدليل على اعتباره بينهم وإن لزمت الحجة، وهذا نظير الحكم بصحة المعاملة إذا باع الذمي الخمر من الذمي مع عدم الصحة بين المسلمين. وأما اعتبار البلوغ فقد يتمسك فيه بحديث رفع القلم وصحيحة يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليهما السلام (قال: الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم وزوجت وأقيمت عليها الحدود التامة عليها ولها، قال: قلت: الغلام إذا زوجه


(1) الكافي ج 192 7 تحت رقم 2.

[ 5 ]

أبوه ودخل بأهله وهو غير مدرك أتقام عليه الحدود على تلك الحال؟ قال عليه السلام: أما الحدود الكاملة التي تؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلها على مبلغ سنه، فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمسة عشر سنة ولا تبطل حدود الله في خلقه، ولا تبطل حدود المسلمين بينهم) (1). ويمكن أن يتمسك بما في صحيح حماد بن عيسى (لا حد على مجنون حتى يفيق، ولا على صبي حتى يدرك ولا على النائم حتى يستيقظ) (2). وما في المروي عن إرشاد المفيد قال له (يعنى عمر) حين أمر بحد المجنونة (أما علمت أنها مجنونة آل فلان، وأن النبي صلى الله عليه وآله قال: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، وأنها مغلوبة على عقلها ونفسها - الخ) (3) وأما اعتبار الاختيار فاستدل عليه بسقوط التكليف عن المكره مضافا إلى ما ورد في عدة روايات من نفي الحد عن المكره منها صحيحة أبي عبيدة عن أبي - جعفر عليهما السلام قال: (إن عليا عليه السلام أتى بامرأة مع رجل قد فجر بها فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد - الحديث) (4). ومنها صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام (في امرأة أقرت على نفسها أنه استكرهها رجل على نفسها، قال: هي مثل السائبة لا تملك نفسها، فلو شاء [ ل‍ ] قتلها، فليس عليها جلد ولا نفى ولا رجم) (5). ويمكن أن يقال: أما التمسك بالروايات فلا إشكال فيه في الجملة، لكن لا بد من ملاحظة أن مطلق الاكراه يكفي في نفى الحد، أو الاكراه الرافع


(1) الكافي ج 7 ص 198 تحت رقم 2. (2) التهذيب باب الزيادات من كتاب الحدود رقم 40. (3) الوسائل كتاب الحدود ب 8 ح 2. (4) الكافي ج 7 ص 196، والتهذيب حدود الزنى تحت رقم 51. (5) الكافي ج 7 ص 191 تحت رقم 1.

[ 6 ]

للحرمة الفعلية؟ الظاهر الفرق بين الاكراه في المقام والاكراه في المعاملات كالبيع وغيره، ففي مثل البيع الاكراه المعتبر عدمه في صحته، يكفي فيه عدم الرضا لعدم طيب النفس، لكن في المقام كيف يكفي في رفع الحرمة الفعلية التهديد بالشتم والضرب مثلا مع صدق الاكراه وأيضا كيف تصدق دعوى الاكراه بمجردها؟ ولا تقبل الدعوى في العقود والايقاعات، كما لو باع ثم ادعى الاكراه فإن كان المدرك النبوي المشهور فيوخذ باطلاقه وإن كان المدرك الرواية الصحيحة المذكورة فالحكم فيها مخصوص بالمرأة والتعدي إلى غيرها مشكل خصوصا مع أن دعوى الاكراه بلا شاهد كيف تقبل؟ ولذا لا تقبل في مثل المعاملات. وأما اشتراط العقل فقد يتمسك له بحديث الرفع، والظاهر عدم الخلاف فيه بالنسبة إلى المجنونة وأما بالنسبة إلى المجنون فهو المشهور، ونسب الخلاف إلى الشيخين والصدوق والقاضى وابن سعيد - قدس الله تعالى أسرارهم - واستدلوا على ذلك برواية أبان بن تغلب قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد، وإن كان محصنا رجم - الحديث) (2) وضعفت الرواية من جهة أن في سندها إبراهيم بن الفضل ولم يرد فيه توثيق ولا مدح، هذا والظاهر أن إبراهيم المذكور هو الهاشمي كما يظهر من جامع الرواة وهو إمامي، وقيل حسن واستشعر المحقق البهبهاني (ره) في التعليقة من رواية جعفر بن بشير عنه وثاقته. (ولو تشبهت الاجنبية بالزوجة فعليها الحد دون واطئها، وفي رواية يقام عليها الحد جهرا وعليه سرا وهي متروكة ولو وطئ المجنون عاقلة، ففي وجوب الحد تردد، أوجبه الشيخان، ولا حد على المجنونة) المشهور بين الاصحاب عدم الحد على المجنون وقد ظهر وجهه مما سبق ونسب الخلاف في ذلك إلى الشيخين والصدوق والقاضي وابن سعيد، واستدل على ذلك برواية أبان بن تغلب قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام إذا زنى المجنون أو المعتوه


(2) الكافي ج 7 ص 192 رقم 3.

[ 7 ]

جلد الحد وإن كان محصنا رجم - الحديث) (1) واستشكل بضعف الرواية من جهة أن في سندها إبراهيم بن الفضل ولم يرد فيه توثيق ولا مدح، ويمكن أن يقال - كما قدمنا - تضعيف الرواية مشكل من جهة أن الراوى إبراهيم بن الفضل الهاشمي كما يظهر من جامع الرواة وقيل: هو حسن واستشعر المحقق الوحيد البهبهاني قدس سره في التعليقة وثاقته من جهة رواية جعفر بن بشير عنه، مضافا إلى عمل الشيخين والصدوق والقاضي وابن سعيد - قدس الله تعالى أسراهم - والمسألة مشكلة بملاحظة ما سبق من رفع القلم عن المجنون، فان قلنا بدرء الحد من جهة الشبهات الحكمية فلا بد من الاخذ بالمشهور وأما عدم الحد على المجنونة فوجهه ما ذكر ولا خلاف فيه ظاهرا، وأما الرواية المتروكة فهي ما رواه الشيخ باسناده عن أبي روح (أن امرأة تشبهت بأمة لرجل وذلك ليلا، فواقعها وهو يرى أنها جاريته، فرفع إلى عمر فأرسل إلى علي صلوات الله عليه، فقال: إضرب الرجل حدا في السر، واضرب المرأة حدا في العلانية) ورواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، (2) ولعل وجه السر أن الرجل كان معذورا. (ويسقط الحد بادعاء الزوجية وبدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدعى). يسقط الحد بادعاء الزوجية ما لم يعلم خلافها، فلو ادعى أحدهما أو كلاهما مع عدم إمكانها إلا بالنسبة إلى أحدهما سقط عنه دون صاحبه وادعى الاجماع على عدم التكليف باليمين والبينة والمقام من مقام الشبهة الدارءة للحد (ولا يثبت الاحصان الذي يجب معه الرجم حتى يكون الزاني بالغا


(1) تقدم آنفا. (2) السائل باب 38 من أبواب حد الزنى، عن الشيخ والكليني

[ 8 ]

حرا له فرج مملوك بالعقد الدائم أو الملك، يغدو عليه ويروح ويستوي فيه المسلمة والذمية وإحصان المرأة كاحصان الرجل لكن يراعى فيها العقل إجماعا ولا تخرج المطلقة رجعية عن الاحصان وتخرج البائن وكذا المطلق). أما اعتبار البلوغ فلاشتراطه في الحد كما سبق، وأما اشتراط الحرية فيدل عليه صحيحة أبى بصير المرادي عن أبي عبد الله عليه السلام قال (في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق - الحديث) (1) وصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة وإن كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا ولا يرجم ولا ينفى) (2) وأما اعتبار أن يكون له ما ذكر فيدل عليه عدة روايات منها معتبرة إسحاق ابن عمار قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل إذا زنى وعنده السرية والامة يطأها تحصنه الامة، وتكون عنده؟ قال: نعم إنما ذلك لان عنده ما يغنيه عن الزنى، قلت: فان كانت عنده أمة زعم أنه لا يطأها، فقال: لا يصدق، قلت: فان كانت عنده امرأة متعة أتحصنه؟ فقال: لا إنما هو على الشئ الدائم عنده) (3) ومنها صحيح إسماعيل بن جابر (سئل الصادق عليه السلام عن المحصن فقال: من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن) ومنها صحيحة رفاعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزني قبل أن يدخل بأهله أيرجم؟ قال: لا)


(1) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 45. (2) التهذيب باب حدود الزنى تحت رقم 88 والكافي ج 7 ص 238. (3) الكافي ج 7 ص 178 والاستبصار ج 4 ص 204. (4) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم.

[ 9 ]

ومنها صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث (قال: لا يرجم الغائب عن أهله ولا المملك الذي لم يبن بأهله، ولا صاحب المتعة) (1) بناء على أن يكون المراد من الدخول بأهله الوقاع وأن يكون المراد من البناء بالاهل الوقاع والاولى كفاية الثاني قبل الدخول بالاهل وقيل هو الزفاف ومنها صحيحة حريز قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام فقال الذي عنده ما يغنيه) ومنها مضمر أبي بصير قال: (قال: لا يكون محصنا حتى تكون عنده امرأة يغلق عليها بابه) (3) ولا يخفى اختلاف هذه الاخبار، فالمستفاد من بعضها كفاية أن يكون له ما ذكر معللا بأنه عنده ما يغنيه عن الزنى والمستفاد بعضها عدم الكفاية، ولزوم مواقعة الحرة قبل الزنى، وفي كشف اللثام لا ذكر له في المقنعة والانتصار والخلاف والتبيان ومجمع البيان وفي المتن أيضا لم يذكر، ولا مجال للجمع بتقييد مادل باطلاقه على عدم لزوم الوطئ لان مادل على تعريف المحصن ليس مطلقا قابلا للتقييد وما في بعضها من قوله عليه السلام على المحكي (يغدو ويروح) لا مجال لحمله على فعلية المباشرة في الغدوة والرواح قطعا، فلا بد من الحمل على التمكن لا الفعلية ومع عدم الجمع العرفي لا يبعد الرجوع إلى العموم الكتابي (الزانية والزاني - الاية). وأما استواء المسلمة والذمية في تحقق الاحصان للزوج فهو مبني على صحة نكاح الدائم بالنسبة إلى الذمية ومع عدم الصحة وعدم كفاية النكاح الانقطاعي كيف يصح الاستواء إلا أن يفرض كون الزوج والزوجة ذميين وأسلم الزوج دون الزوجة، وقلنا ببقاء الزوجية الدائمة


(1 و 2) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 13 و 4 على الترتيب. (3) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 7.

[ 10 ]

وأما كون إحصان المرأة كاحصان الرجل، فذكر في وجهه عدم الخلاف ودعوى الاجماع حكيت عن بعض واشتراك معنى الاحصان فيهما نصا وفتوى، ولا يخفى الاشكال في الوجه الاخير حيث إنه مع اعتبار كون الزوج أو المولى متمكنا بحيث يغدو ويروح كيف يشترط في المرأة، بل المطلقة الرجعية لا اختيار لها بوجه نعم يمكن أن يقال: حيث حكم في الاخبار برجم المحصنة ولم يشترط غير ما هو معلوم بحسب الاخبار اعتباره يكتفي بما هو معلوم اشتراطه وفي حسنة محمد بن مسلم (المغيب والمغيبة ليس عليهما رجم) (1) فبناء على اعتبار السند لا بد من اشتراط عدم الغيبة في إحصان المرأة وأما اشتراط الحرية في المرأة فإذا لم يدل عليه الدليل يشكل اعتبارها في المرأة، وظاهر كلمات الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - التسوية بين الرجل والمرأة واعتبارها إلا أن يقال مع احتمال المدخلية في حقيقة الاحصان نرجع إلى عموم الآية الشريفة (الزانية والزاني - الخ) مضافا إلى تحقق الشبهة الدارءة وقد يتمسك بصحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في مكاتبة زنت - إلى أن قال - وأبى أن يرجمها وأن ينفيها قبل أن يتبين عتقها) (2) وتؤيدها رواية بريد العجلي عن أبي عبد الله عليه السلام (في الامة تزني، قال: تجلد نصف الحد، وكان لها زوج أولم يكن لها زوج) (3) ويمكن أن يقال: يظهر من الصحيحة إن كان صادرة بالنحو المذكور الفصل


(1) الكافي ج 7 ص 178 تحت رقم 5 والمغيب - كمحسن - والمغيبة: التى غاب زوجها. (2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 92. والكافي ج 7 ص 236 تحت رقم 15. (3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 82.

[ 11 ]

بين الصدر والذيل ولا نعلم الفاصل ويحتمل أن يكون الفاصل ذكر عدم الزوج للمكاتبة وعدم الرجم من جهة عدم الزوج، وعدم النفي من جهة عدم تبين العتق، ومع هذا الاحتمال كيف يتمسك بالصحيحة، ألا ترى أنه يستشكل التمسك بقوله عليه السلام على المحكي (إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام) (1) لعدم إفادة المعاطاة إباحة التصرف، أو عدم إفادتها اللزوم بملاحظة صدر الخبر وهو ما رواه ثقة الاسلام عن ابن أبى عمير بسنده عن خالد بن نجيح [ حجاج خ ل ] (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجيئني ويقول: إشتر لي هذا الثوب وأربحك كذا، فقال: أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك، قلت: بلى، قال: لا بأس إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام) (2) ومن هذه الجهة وقع الاشكال في تقطيع الاخبار وأما التأييد بالرواية المذكورة فلا فائدة فيه بعد عدم تمامية السند في الرواية، وما ذكر من التسوية بين الرجل والمرأة في شرائط الاحصان ينافي مع ما ذكر من كون المطلقة بالطلاق الرجعي محصنة فالاولى التمسك بصحيحة الحسن بن السري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا زنى العبد والامة وهما محصنان فليس عليهما الرجم وإنما عليهما الضرب خمسين نصف الحد) (3) بحمل المحصنان على المتزوجان كما في قوله تعالى (والمحصنات من النساء - الآية) ومقتضى الاطلاق شمولها لما اجتمع فيه ساير الشرائط وغيره فتأمل. ولقائل أن يقول: من المحتمل أن يكون عدم ترتب الاثر من جهة عدم القدرة على بقاء الزواج لا من جهة الرقية وتظهر الثمرة فيما لو التزم المولى على عدم المنع وأما خروج البائن والمطلق فوجهه واضح (ولو تزوج معتدة عالما حد مع الدخول وكذا المرأة ولو ادعيا الجهالة أو أحدهما قبل على الاصح إذا كان ممكنا في حقة ولو راجع الخالع لم يتوجه عليه


(1 و 2) الكافي ج 5 ص 201 تحت رقم 6. (3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 82.

[ 12 ]

الرجم حتى يطأ وكذا العبد لو اعتق والمكاتب إذا تحرر) أما تزوج الرجل المعتدة عالما بالحرمة فلا إشكال في أن وطأه زنى فيجب عليه الحد وكذا المرأة إذا كانت عالمة ولو ادعيا الجهل بالحرمة قبل مع إمكان الجهالة في حق المدعى كما في المتن ويمكن أن يقال: تارة يكون الجاهل قاصرا بحيث لا يحتمل الحرمة، واخرى يكون شاكا أو ظانا، ففي هذه الصورة يجب عليه الفحص ومع عدم الفحص لا عذر له فلا يكفى مجرد الجهالة، ويمكن استفادة هذا مما في صحيحة يزيد الكناسي المتقدمة (قلت: فإن كانت تعلم أن عليها عدة ولا تدري كم هي، فقال: إذا علمت أن عليها العدة لزمتها الحجة فتسأل حتى تعلم) (1) وأما مع مراجعة الخالع فقد حكم بعدم توجه الرجم على الزاني حتى يطأ زوجته المختلعة من جهة أنها بحكم الزوجة الجديدة وقلنا باعتبار الوطي قبل الزنى خلافا لجماعة من الاعلام. ولقائل أن يقول: المرأة بالخلع بانت، لكن بعد رجوع المرأة ببذلها اعيدت المرأة رجعية كاعادة المعدوم فلا بد من إقامة الدليل على لزوم الوطي الجديد. واما العبد والمكاتب فاعتبار المباشرة بعد العتق والتحرر، ففي العبد مبنى على الاخذ بالاخبار الدالة على الاعتبار وقد سبق الاخبار التي دلت على كفاية الزوجية ومخالفة جماعة من الاعلام وأما المكاتب فاتحاد حكمه مع العبد في هذا الحكم يحتاج إلى الدليل. (ويجب الحد على الاعمى، فإن ادعى الشبهة فقولان، أشبههما القبول مع الاحتمال، وفي التقبيل والمضاجعة والمعانقة التعزير) أما وجوب الحد مع عدم الشبهة فلا إشكال فيه ولا خلاف للاطلاق ومع ادعاء


(1) تقدم آنفا

[ 13 ]

الشبهة تقبل الدعوى لان دعوى الشبهة في حقه قابلة للقبول عند العقلاء كدعوى الاكراه في المعاملة مع التهديد من جانب الغير، ولقائل أن يقول: ما وجه درء الحد مع دعوى الاعمى ولم يدرء الحد مع عدم الدعوى ألا ترى أنه لو وقع الاعمى في البئر لم يشك أحد في أن وقوعها في البئر من جهة عدم التوجه، فلو رأى أربعة شهود مباشرة الاعمى الاجنبية بالنحو الموجب للحد لولا الشبهة مع احتمال الشبهة احتمالا قويا كيف يحد مع أن الحدود تدرء بالشبهات. وأما التقبيل فقد يقال فيه: إن قبل المحرم غلاما بشهوة فيضرب مائة سوط وإلا عزره الحاكم دون الحد حسب ما يراه من المصلحة واستدل للصورة الاولى بمعتبرة إسحاق بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: محرم قبل غلاما بشهوة، قال: يضرب مائة سوط) (1) ولا يضر كون يحيى بن المبارك في سندها فانه ثقة على الاظهر ويمكن أن يقال تقبيل المحرم - المراد من له القرابة - بشهوة على نحوين تارة كتقبيل الرجل حليلته بشهوة ونحو آخر كتقبيل الوالد لولده الصغار أو لولده الكبير الجائي من سفر بعيد، وهذا نظير النظر إلى الاوراد والمناظر البهية، وهل يمكن الالتزام بحرمته والنحو الاول لاإشكال في حرمته، وأما استحقاق مائة سوط فهو مبنى على حجية الخبر المذكور من جهة السند ويحيى بن المبارك المذكور مجهول الحال ولم يظهر وجه لتوثيقه ومع هذا يشكل حيث إن الحد المذكور قد يوجب القتل وتدرء الحدود بالشبهات ومطلق التقبيل والمضاجعة والمعانقة اختلف الاصحاب والروايات فيه والمشهور ثبوت التعزير ولا يبلغ حد الزاني، ويدل عليه صحيحة حريز عن الصادق عليه السلام (إن عليا عليه السلام وجد رجلا وامرأة في لحاف فجلد كل واحد منهما مائة سوط إلا سوطا) (2).


(1) الكافي ج 7 ص 200 تحت رقم 9. (2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 41 والاستبصار ج 4 ص 213.

[ 14 ]

وعن زيد الشحام (عن الصادق عليه السلام في الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان مائة غير سوط) (1) واستند القائل بوجوب الحد كملا إلى صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام (حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد) (2) ورواية عبد الرحمن الحذاء عن الصادق عليه السلام قال: (سمعته يقول: إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جلدا مائة جلدة) (3) وغيرهما من الاخبار وحملها الشيخ على وقوع الزنى مع علم الامام عليه السلام بذلك أو على تكرار الفعل منهما وقد عزرهما مرتين أو ثلاثا جمعا بين الاخبار. وفي الجواهر لعل التأمل في الجمع بين النصوص يقتضى تعيين كونه يعني التعزير مائة إلا سوطا خصوصا بعد إشعار صحيح الحلبي الوارد في الرجلين بأن ذكر المائه للتقية فعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: (كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه عباد البصري ومعه أناس من اأصحابه فقال: حدثني عن الرجلين إذا أخذا في لحاف واحد، فقال له: كان علي عليه السلام: إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد، فقال عباد: إنك قلت: غير سوط، فأعاد عليه ذكر الحد حتى أعاد عليه ذلك مرارا، فقال: غير سوط، فكتب القوم الحضور عند ذلك - الحديث) (4) فحمل نصوص المائة عليه أو على علم الامام عليه السلام بالزنى. ويمكن أن يقال: المعروف أن التعزير تعيينه بنظر الحاكم يلاحظ المصلحة، وفي المقام يستفاد من كلام الامام عليه السلام نقل فعل أمير المؤمنين صلوت الله عليهما تعيين التعزير بمائة غير سوط تعيين التعزير بهذا الحد ليس غير، وأما الحمل على


(1) الاستبصار ج 4 ص 213. (2) الكافي ج 7 ص 181 تحت رقم 1 والاستبصار ج 4 ص 214. (3) الكافي ج 7 ص 182 تحت رقم 5 والتهذيب حدود الزنى تحت رقم 150. (4) الكافي ج 8 ص 182 والاستبصار ج 4 ص 214.

[ 15 ]

علم الامام عليه السلام بوقوع الزنى فلم يظهر وجهه وفيه أولا أنه لو بنى على إجراء الحد مع علم الامام عليه السلام أو الحاكم لما احتيح إلى الاقرار أربع مرات أو الشهادة بالنحو المقرر فانه يحصل العلم غالبا بالاقرار مرة واحدة وشهادة عدلين. وثانيا لا بد من أن يكون الجواب مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال عن مجرد الاجتماع بالنحو المسئول عنه بدون العلم بأمر آخر بل مع القطع بعدم وقوع أمر آخر كيف يجيب الحكيم بما ذكر ولا بد من تقييد المضاجعة بعدم الاضطرار كما لا يخفى (ويثبت الزنى بالاقرار ولا بد من بلوغ المقر وكماله واختياره وحريته وتكرار الاقرار أربعا) أما حجية الاقرار في الجملة فلا إشكال ولا خلاف فيه بل هو حجة عند العقلاء وأما اعتبار البلوغ وكماله من جهة العقل فقد يتمسك فيه بحديث رفع القلم عن الصبي والمجنون وغيرهما. ولقائل أن يقول: لازم عدم الاعتبار باقرار الصبي بقول مطلق عدم الاعتبار باسلامه كما لو تولد بين الكافر والكافرة واعتقد العقائد الحقة بالبرهان والادلة وأقر بالاسلام، وهل يمكن الالتزام والقول بكفره بتبعيته لابيه وأمه مع كمال عقله واختياره ولامانع من المشمولية لما دل على أن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، غاية الامر عدم استحقاق حد الزاني البالغ، وأما التعزير اللازم على غير البالغ فما وجه سقوطه؟ وأما اعتبار الاختيار فوجهه واضح حيث رفع ما استكرهوا عليه، لكن بناء العقلاء على كون المقر مختارا كما هو الحال في المعاملات الصادرة من العقلاء إلا أن يكون الاقرار والمعاملة مقرونة بما يدل على الكراهة. وأما اعتبار الحرية فلان المملوك ملك الغير والاقرار بالنسبة إلى غيره

[ 16 ]

ليس نافذا ويمكن أن يقال: لا مانع من نفوذ الاقرار بحيث لو اعتق يجري عليه الحد من دون حاجة إلى إقرار جديد وأما لزوم تكرار الاقرار أربع مرات فيدل عليه عدة روايات منها ما رواه الصدوق (ره) بسنده المعتبر إلى سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة: (أتت امرأة أمير المؤمنين صلوات الله تعالى عليه فقالت: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني طهرك الله فان عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع فقال لها: مم أطهرك قالت: من الزنى فقال لها: فذات بعل؟ فقالت: ذات بعل - إلى أن قال - فلما ولت عنه المرأة من حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم هذه شهادة، فلم تلبس (تلبث) أن أتته فقالت: إني وضعت فطهرني فتجاهل عليها وقال: أطهرك يا أمة الله مماذا؟ قالت: إني زنيت - إلى أن قال - فما ولت حيث لا تسمع كلامه قال: إنهما شهادتان، فلما أرضعته عادت إليه فقالت: يا أمير المؤمنين إنى زنيت فطهرني، قال لها: وذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت، أم غير ذات بعل؟ قالت: بل ذات بعل، قال: وكان زوجك حاضرا أم غائبا؟ قالت: بل حاضرا، قال: إذهبي فاكفليه إلى أن قال - فانصرفت وهي تبكي فلما ولت حيث لا تسمع كلامه، قال: اللهم هذه ثلاث شهادات - إلى أن قال: فرجعت وأخبرت أمير المؤمنين عليه السلام بقول عمرو، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لم يكفل عنك عمرو ولدك؟ قالت: يا أمير المومنين إني زنيت فطهرني - إلى أن قال - فرفع أمير المؤمنين عليه السلام رأسه إلى السماء فقال: اللهم آنه قد أثبت ذلك عليها أربع شهادات - الحديث) وقريب منها رواية أبي بصير (1). ويظهر من المحقق الاردبيلي - قدس سره - عدم الجزم بصحة هذا الخبر


(1) الفقيه باب الحدود والتعزيرات ورواه الكليني ج 7 ص 185 عن على بن أبى حمزه عن ابى بصير عن صالح بن ميثم عن أبيه بأدنى اختلاف في اللفظ والخبر بسنديه ضعيف لوجود البطائني في طريق الكليني والشيخ وسعد بن طريف القاضى العامي غير الموثوق في الطريق الصدوق. ثم لا يخفى ما فيه من تكرار الاقرار خمس مرات في لفظ الكافي والتهذيب

[ 17 ]

والخبر السابق حيث عبر بقوله (ولعل) وقد يقال: مورد الروايات وإن كان هو الرجم إلا أنه يستفاد منها حكم الجلد لوجهين: الاول أن الاقرار بالزنى بمنزلة الشهادة كما عرفت فكما لا يثبت الرجم ألا بأربع شهادات لا يثبت الجلد إلا بذلك الثاني أن الجلد لو كان يثبت بالاقرار مرة واحدة لم يكن وجه لتأخير الحد في الاقرار بالزنى حتى يتم أربع مرات كما في هذه الروايات ويمكن أن يقال: التنزيل المذكور في الروايات تنزيل الاقرار بمنزلة الشهادة اللازمة في مورد الرجم حيث سئل بعد الاقرار الاول (فذات بعل فقالت: ذات بعل) ولزوم تعدد الشهادة ليس من آثار الشهادة، مما ذكر ظهر الاشكال في الوجه الثاني حيث إن الرجم مترتب على الاقرار أربع مرات والمحصنة حدها الرجم وليس حدها الجلد، مضافا إلى أنه مع احتمال الحمل لابد من التأخير لاحتمال قتل الحمل. (وهل يشترط اختلاف مجالس الاقرار؟ أشبهه أنه لا يشترط ولو أقر بحد ولم يبينه ضرب حتى ينتهي عن نفسه). لا دليل على اشتراط اختلاف مجالس الاقرار إلا ما وجد في فعل النبي صلى الله عليه وآله وفعل أمير المؤمنين صلوت الله عليه، ومجرد هذا لا يوجب الاشتراط، ولا يبعد الاخذ بعموم أدلة الحدود على أن الاشتراط خلاف الاصل، وإذا قال من يقبل إقراره على نفسه على حد من حدود الله ولم يبين الحد المقر به يسمع إقراره فيضرب السوط حتى ينتهى بأن يقول: لا تضرب والحد له اطلاقان تارة يكون في مقابل التعزير، واخرى ما يعم التعزير، فما يشترط فيه الاقرار أربع مرات لا يثبت بمجرد الاقرار مرة، ومع احتمال إرادة التعزير لعل الظاهر عدم وجوب الضرب، والظاهر أن الشهود لعذاب الزاني خروجهم عن المجلس بمنزلة الاقرار على ما يوجب التعزير، ولم يدل دليل على تعزيرهم، فمع احتمال هذا كيف يجب

[ 18 ]

ضرب المقر، وإن قيل بأن الظاهر أن الحد المقر به ما يقابل التعزير فلا بد من الاكتفاء بأقل ما يصدق عليه الحد، وعلى أي تقدير إذا بلغ الضرب إلى حد نهى المضروب عن الضرب سواء وصل إلى أقل الحدود أم لا، يكتفي به، إلا أن يقال: التعزير منوط بنظر الحاكم لا بنظر المقر، ولعل نظر الحاكم مخالف لنظره من جهة شرافة المحل أو شرافة الزمان (ولو أقر بما يوجب الرجم، ثم أنكر سقط عنه ولا يسقط غيره) المشهور أنه إذا أنكر بعد الاقرار بما يوجب الرجم يسقط عنه الرجم دون الحد ويدل عليه عدة روايات منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أقر على نفسه بحد ثم جحد بعد، فقال: إذا أقر على نفسه عند الامام أنه سرق، ثم جحد قطعت يده وإن رغم انفه، وإن اقر على نفسه أنه شرب خمرا أو بفرية فاجلدوه ثمانين جلدة، قلت: فإن أقر على نفسه بحد يجب فيه الرجم أكنت راجمه؟ فقال: لا ولكن كنت ضاربه الحد) (1) وقريب منها صحيحته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أقر الرجل على نفسه بحد أو فريه، ثم جحد جلد، قلت: أرأيت إن أقر على نفسه بحد يبلغ فيه الرجم أكنت ترجمه؟ قال: لا ولكن كنت ضاربه) (2) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: من أقر على نفسه بحد أقمته عليه إلا الرجم فانه إذا أقر على نفسه، ثم جحد لم يرجم) ويمكن أن يقال: هذه الاخبار ظاهرها كفاية مجرد الاقرار ولو مرة والحال أنه لا بد في الاقرار في باب الزنى من التكرر أربع مرات فمع التكرر أربع مرات كيف يسقط الرجم، ومع عدم الرجم كيف يكتفى بمرة واحدة في


(1) الكافي ج 7 ص 220 والتهذيب في حد السرقة تحت رقم 109. (2 و 3) الكافي ج 6 ص 219 و 220 والثانى في التهذيب ايضا في حدود الزنا تحت رقم 161.

[ 19 ]

الجلد مع أن ظاهر الاخبار المذكورة الاكتفاء بمرة واحدة مثل الاقرار بالسرقة أو الاقرار بفرية والتفرقة بين الاقارير بعيدة وعن جامع البزنطى (إن المنكر بعد الاقرار يحلف ويسقط عنه الرجم) وانه رواه عن الصادق عليه السلام بعدة أسانيد هذا، والمخالفة للمشهور مشكلة (ولو أقر ثم تاب كان الامام عليه السلام مخيرا في الاقامة رجما كان أو غيره، ولا يكفى في البينة أقل من أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين ولو شهد رجلان وأربع نساء يثبت بهم الجلد لا الرجم ولا تقبل شهادة ست نساء ورجل ولا شهادة النساء منفردات ولو شهد ما دون الاربع لم يثبت وحدوا للفرية) واستدل على النحو المذكور بصحيح ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (لا يعفى عن الحدود التي لله دون الامام، فأما ما كان من حق الناس في حد فلا بأس بأن يعفى عنه دون الامام عليه السلام) (1) وقد يقال: لا بد من رفع اليد عن إطلاق هذه الصحيحة بما إذا ثبت الحق بالبينة واستدل بمعتبرة طلحة بن زيد عن جعفر عليه السلام (قال: حدثني بعض أهلي إن شابا أتى أمير المؤمنين صلوت الله عليه فأقر عنده بالسرقة، قال: فقال له علي عليه السلام: إني أراك شابا لا بأس بهبتك (2) فهل تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: وإنما منعه أن يقطعه لانه لم تقم عليه بينة) (3) وتؤيده روايته الاخرى عن جعفر بن محمد عليهما السلام (قال: جاء رجل إلى أمير - المؤمنين عليه السلام فأقر بالسرقة، فقال: اتقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: فقال الاشعث: أتعطل حدا من حدود الله؟


(1) الفقيه في نوادر الحدود رقم 7. (2) في المصدر (لابأ بهيئتك). (3) التهذيب في حد السرفه تحت رقم 123 والاستبصار ج 4 ص 252.

[ 20 ]

فقال: وما يدريك، هذا إذا قامت البينة فليس للامام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام إن شاء عفا وإن شاء قطع) (1) ويمكن أن يقال: إن معتبرة طلحة بن زيد المذكورة مخصوصة بصورة السرقة فالتعدي إلى غيرها مشكل والرواية الاخرى مع عدم إحراز الصحة من جهة السند كيف يؤخذ بمضمونها بحيث يتعدى إلى مثل الزنى وأما عدم الكفاية في البينة بغير ما ذكر في المتن فقد تبين في كتاب الشهادات وأما توجه الحد على ما دون الاربع للفرية فتدل عليه معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام (في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنى فقال علي عليه السلام أين الرابع؟ قالوا: الآن يجئ، فقال عليه السلام: حدوهم فليس في الحدود نظرة ساعة) (2) ورواية نعيم بن إبراهيم، عن عباد البصري قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنى وقالوا: الآن نأتى بالرابع، قال: فقال: يجلدون حد القاذف ثمانين جلدة كل رجل منهم) (3) والمحكي عن الشيخ في الخلاف عدم اشتراط اتحاد المجلس حيث إنه إذا تكاملت شهود الزنى فقد ثبت الحكم بشهادهم وقد تأمل المحقق الادبيلي - قدس سره - لكن مع اعتبار الروايتين من جهة الشهرة الجابرة لضعف السند لا بد من الاخذ بمضمونهما (ولابد في الشهادة من ذكر المشاهدة كالميل في المكحلة ولا بد من تواردهم على الفعل الواحد في الزمان الواحد والمكان الواحد ولو أقام الشهادة بعض


(1) التهذيب باب حد السرقة تحت رقم 9 والاستبصار ج 4 ص 252. (2) ((حد الزانى رقم 185. (3) الكافي ج 7 ص 210 تحت رقم 1 والتهذيب ب 12 من القذف تحت رقم 25.

[ 21 ]

حدوا ولم يرتقب إتمام البينة وتقبل شهادة الاربعة على الاثنين فما زاد ولا يسقط الحد بالتوبة بعد قيام البينة ويثبت لو كانت قبلها رجما كان أو غيره) أما اعتبار المشاهدة بالنحو المذكور فهو المعروف وقيل لا خلاف فيه يعتد به ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكى في صحيح الحلبي (حد الرجم أن يشهد عليه اربعة أنهم رأوه يدخل ويخرج) (1) وفى خبر أبى بصير (لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة على الجماع والايلاج والادخال كالميل في المكحلة) (2) ولا يخفى أن اعتبار المشاهدة بهذا النحو مع عدم التعرض في ساير الاخبار بعيد، ففى الموثق كالصحيح (قال في رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان وجب عليه الرجم وإن شهد رجلان وأربع نسوة فلا تجوز شهادتهم ولا يرجم ولكن يضرب حد الزاني) (3) ويدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (حد الرجم أن يشهد أربع أنهم رأوه يدخل ويخرج) (4). وصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر عليهما السلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام لا يرجم رجل ولا امرأة حتى يشهد عليه أربعة شهود على الايلاج والاخراج) (5) وفى قبال ما ذكر صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: القاذف يجلد ثمانين جلدة - إلى أن قال - ولا تقبل شهادتهم حتى يقول أربعة رأينا مثل الميل في المكحلة) (6)


(1) الكافي ج 7 ص 187 تحت رقم 1 والاستبصار ج 4 ص 217. (((174 ((4 (((((3) الفقيه: الحدود والتعزيرات تحت رقم 6 والتهذيب في حدود الزنى تحت رقم 80. (4) تقدمت آنفا. (5) الكافي ج 7 ص 183 والاستبصار ج 4 ص 217. (6) تفسير على بن ابراهيم ص 451.

[ 22 ]

فان كان المراد تعلق الرؤية بالظرف والمظروف بحيث لو لم تكن الشهادة بهذا النحو لزم الحدود على الشهود حدود القذف، فتقع المعارضة مع ما سبق، ولا مجال لرفع اليد عما ذكر. وأما لزوم توارد الشهود على الفعل الواحد والزمان الواحد والمكان الواحد فقد يوجه بأنه مع الاختلاف لا يثبت الزنى بشهادتهم ويمكن أن يقال: لا نسلم عدم الاثبات ألا ترى أن الموثق المذكور آنفا حكم فيه بوجوب الرجم مع عدم السؤال عن الشهود من جهة الزمان والمكان مع إمكان اختلافهم في الزمان والمكان وأما قبول شهادة الاربعة على الاثنين فما زاد فللاطلاقات وأما عدم سقوط الحد بالتوبة بعدم قيام البينة فقد يتمسك فيه بالاطلاقات الدالة على لزوم إجراء الحد وعدم الدليل على السقوط بالتوبة مضافا إلى التأكيد بما دل على أن من هرب من الحفيرة يرد حتى يقام عليه الحد إذا كان قد قامت عليه البينة لصحيحة الحسين بن خالد قال: (قلت لابي الحسن عليه السلام: أخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة هل يرد حتى يقام عليه الحد؟ فقال يرد ولا يرد - إلى أن قال: - وإن كان إنما قامت عليه البينة وهو يجحد، ثم هرب رد وهو صاغر حتى يقام عليه الحد - الخبر) (1) هذا، ولم أعرف كيف يستفاد من هذه الصحيحة عدم قبول التوبة، فان الهرب من الحفيرة كيف يدل على التوبة وأما التمسك بالاطلاقات فيمكن الاشكال فيه بأن السقوط ليس في عرض الثبوت ولعله لذا قد يتمسك بالاستصحاب بأن الحد ثبت عليه فيستصحب، ومع الاشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية يشكل الاستصحاب. وأما التوبة قبل قيام البينة فقبولها وسقوط الحد هو المشهور بل ادعى عليه الاجماع واستشكل من جهة عدم تحقق الاجماع واستدل عليه بما رواه جميل


(1) الكافي ج 7 ص 185 تحت رقم 5 والمحاسن ص 306.

[ 23 ]

عن رجل، عن أحدهما عليهما السلام (في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح، فقال عليه السلام: إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد - الحديث) (1) واستشكل بأن الرواية لارسالها غير قابلة للاعتماد عليها نعم في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله قال: السارق إذا جاء من قبل نفسه تائبا إلى الله عزوجل ترد سرقته إلى صاحبها ولا قطع عليه) (2)، لكن الصحيحة خاصة بالسرقة ويمكن أن يتمسك بمعتبرة أصبغ بن نباته قال: (أتى رجل أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إنى زنيت فطهرني فأعرض عنه بوجهه، ثم قال له: اجلس فقال: أيعجز أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه كما ستر الله عليه فقام الرجل فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني، فقال: وما دعاك إلى ما قلت؟ قال: طلب الطهارة، قال: وأي طهارة أفضل من التوبة، تم أقبل على أصحابه يحدثهم، فقام الرجل فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني - الحديث) (3) فالمستفاد من هذه الرواية أن الزاني إذا تاب بينه وبين الله تعالى يكون متطهرا من الذنب فلا حاجة إلى التطهير باقامة الحد عليه وترك الاستفصال يقتضي عدم الفرق بين ما يوجب الرجم أو الجلد وغيرهما. النظر الثاني في الحد: (يجب القتل على الزاني بالمحرمة كالام والبنت وألحق الشيخ كذلك امرأة الاب) الظاهر عدم الخلاف فيه بين الاصحاب وتدل على ذلك عدة روايات: منها


(1) الكافي ج 7 ص 250. والتهذيب باب حد السرقة تحت رقم 106. (3) الفقيه: ما يجب به التعزير تحت رقم 31.

[ 24 ]

صحيحة أبي أيوب قال: (سمعت ابن بكير بن أعين يروي عن أحدهما عليهما السلام قال: من زنى بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف أخذت منها ما أخذت، قيل له: فمن يضربهما وليس لهما خصم؟ قال ذلك على الامام إذا رفعا إليه) (1). ومنها: رواية عبد الله بن بكير، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أتى ذات محرم ضرب ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت) (2) وغيرهما وقد يستشكل بأن هذه الصحيحة وما شاكلها لا تدل على القتل لعدم الملازمة بين الضربة المذكورة والقتل وأجيب بأن ترتب القتل أمر عادي لا يتخلف عنه عادة ويكشف عنه قوله في صحيحة جميل بن دراج قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أين يضرب الذي يأتي ذات محرم بالسيف أين هذه الضربة؟ قال عليه السلام: تضرب عنقه - أو قال: تضرب رقبته -) (3) ويمكن أن يقال: المتفاهم عرفا من ضرب العنق أو ضرب الرقبة القتل وأما التعبير بقوله عليه السلام على المحكي (ضربة واحدة بالسيف أخذت منه ما أخذت) فلا ظهور فيه، وأما صحيحة جميل فالظاهر أن السؤال فيها عن مكان الضرب وهذا غير التعبير بضرب العنق أو ضرب الرقبة، ثم إنه لم يظهر مراد الفقهاء - قدس الله تعالى أسرارهم - من المحرمة هل هي خصوص من حرم نكاحها بالنسب أو مطلق من حرم نكاحها بنسب أو رضاع أو مصاهرة حرمة أبدية، كما ذكر في مسألة تغسيل الموتى أو الاعم منهما، فان كان النظر إلى الاجماع في المسألة فلا بد من الاقتصار بالقدر المتيقن وإن كان النظر إلى الاخبار فالتعدي عن مواردها لا يجوز والمعروف الحمل على ذات المحرمات نسبا وإن كان بحسب اللغة التي يحرم نكاحها، ثم إنه يقع الاشكال في مالو كان الزاني بالمحرمة محصنا حيث إن المحصن يرجم والنسبة


(1) الكافي ج 7 ص 190 تحت رقم 1 والاستبصار ج 4 ص 208. (2) الكافي ج 7 ص 190 تحت رقم 6. (3) الكافي ج 7 ص تحت رقم 2 والتهذيب في حدود الزنى تحت رقم 69 وفيه (أين يضرب هذه الضربة - يعنى من أتى ذات محرم).

[ 25 ]

بين مادل على ترتب الرجم وبين مادل على ترتب الضرب بالسيف عموم من وجه، ولم يظهر وجه لتقديم أحد الدليلين والظاهر أن المقام من باب المزاحمة وتزاحم المقتضيين كما لو قتل شخص شخصين مع التكافؤ وأراد وليا المجني عليهما القصاص فيجئ التخيير، ويمكن الاستشهاد بمثل صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يؤخذ وعليه حدود أحدها القتل، فقال: كان علي عليه السلام يقيم الحدود، ثم يقتله، ولا نخالف عليا عليه السلام (1) وقريب منها صحيحتا حماد بن عثمان وعبد الله بن سنان (2) حيث إن الظاهر أن الراوي استفاد من الادلة السببية، والسؤال راجع إلى أنه مع تعدد السبب كيف يعمل وقرره الامام عليه السلام على ما فهمه. وقد يقال: لا بد من تقديم الروايات الراجعة إلى الضرب بالسيف في الزاني بالمحرمة لانها ناظرة إلى إثبات خصوصية للزنى بذات المحرم فيرفع اليد بها عن إطلاق ما دل على ثبوت الجلد أو الرجم، مضافا إلى أظهريتها نظرا إلى دلالتها على ذلك بالعموم وضعا ودلالة تلك بالاطلاق ويمكن أن يقال: الخصوصية في الطرفين ملحوظة والاظهرية ممنوعة وما ذكر مبنى على كون المقام من باب المعارضة لا من باب المزاحمة وأما معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزاني إلا أنه اعظم ذنبا) (3) فتطرح لشذوذها وشهرة تلك الاخبار وأما ما ذكر من إلحاق الشيخ - قدس سره - امرأة الاب فلعله لخصوص الرواية في ذلك وإلا لزم الحكم في جميع المصاهرات مثل حليلة الولد وهي رواية


(1) الكافي ج 7 ص 250 تحت رقم 1. (2) راجع الكافي ج 7 ص 250 والتهذيب: حدود الزانى تحت رقم 163 و 164. (3) التهذيب: حدود الزانى تحت رقم 71.

[ 26 ]

إسماعيل بن أبي زياد (عن أبي جعفر، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه رفع إليه رجل وقع على امرأة أبيه فرجمه وكان غير محصن) (1). ويقع الاشكال من جهة عدم صحة السند وفتوى الاكثر على الخلاف و (تدرء الحدود بالشبهات) (وكذا يقتل الذمي إذا زنى بالمسلمة والزاني قهرا، ولا يعتبر الاحصان، ويتساوى فيه الحر والعبد والمسلم والكافر، وفي جلده قبل القتل تردد). أما قتل الذمي إذا زنى بمسلمة فيدل عليه الصحيح عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن يهودي فجر بمسلمة؟ قال: يقتل (2)) وادعي الاجماع عليه وقد يتأمل في الصحيحة من جهة ما قيل في حنان حيث قال المحقق الاردبيلي - قدس سره: ولا يضر القول في حنان (3) وهذه الصحيحة موردها اليهودي، وقد يقال: المتفاهم منها عرفا مطلق من لا يجوز قتله يهوديا كان أو نصرانيا ويؤيده رواية جعفر بن رزق الله قال: (قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة وأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم، فقال يحيى بن أكثم قد هدم إيمانه شركه وفعله - إلى أن قال - فلما قدم الكتاب كتب أبو الحسن [ يعني الثالث ] يضرب حتى يموت، فأنكر يحيى بن أكثم - إلى أن قال - فكتب عليه السلام: (بسم الله الرحمن الرحيم فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك


(1) الفقيه في حد اللواط والسحق تحت رقم 9. (2) التهذيب: حدود الزانى تحت رقم 134 والكافي ج 7 ص 239. (3) حنان بن سدير موثق لكونه واقفيا كما ذكره الشيخ في فهرسه.

[ 27 ]

الكافرون) (1) قال: فأمر به المتوكل فضرب حتى مات) (2). ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من المتفاهم العرفي - الخ، فلم يظهر وجهه فإن الحكم في مورد خاص والتعدي منوط بالعلم بالمناط والعلة، ولا طريق لنا وأما الرواية المذكورة فهى وإن لم يصحح سندها لكن متن الرواية يشهد بعدم الصدور من غير المعصوم صلوت الله عليه لكن المذكور فيه الضرب حتى يموت وهذا غير مطلق القتل والمذكور في الرواية (رجل نصراني فجر - الخ) ولم يذكر فيه كيفية إثبات ما وقع مع لزوم إثبات الزنى بالنحو المذكور في الاخبار. وأما قتل الزاني قهرا فالظاهر عدم الخلاف فيه وتدل عليه عدة روايات منها صحيحة بريد العجلي قال: (سئل أبو جعفر عليهما السلام عن رجل اغتصب امرأة فرجها؟ قال: يقتل محصنا كان أو غير محصن) (3) ونحوها صحيحة زرارة (4) على طريق الصدوق - قدس سره - وأما عدم الاعتبار بالاحصان بمعنى أن اللازم القتل فقط ولو كان الزاني محصنا ففي الزاني قهرا يتمسك بصحيحتي بريد العجلي وزرارة وأما عدم الاعتبار بالاحصان بالنسبة إلى الذمي الزانى بالمسلمة فيشكل حيث إن ظاهر الادلة العلية، فالاحصان يوجب الرجم فمع التزاحم وعدم تقديم أحد المقتضيين من طرف الشرع مقتضى القاعدة التخيير. وقد يدعى عدم وجدان الخلاف في التساوي مع الزنى قهرا على أنه لو


(1) المؤمن: 84. (2) الكافي ج 7 ص 238 تحت رقم 2 والتهذيب حدود الزنى تحت رقم 135. (3) الكافي ج 7 ص 189 والفقيه في ما يكون فيه معذورا تحت رقم 9. (4) الفقيه الباب المذكور تحت رقم 6.

[ 28 ]

سلم التعارض بين إطلاق الادلة هنا وبين غيرها من وجه فلا ريب أن الترجيح لما هنا ولو لفتوى الاصحاب والاشكال في ما ذكر ظاهر حيث إن مجرد عدم وجدان الخلاف ليس اجماعا ومع استظهار العلية وتحقق التزاحم كيف يعامل معاملة المتعارضين اللذين ليس الملاك الا في أحدهما (ويجب الرجم على المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة، يجمع للشيخ والشيخة بين الحد والرجم إجماعا وفي الشاب روايتان أشبهما الجمع، ولا يجب الرجم بالزنى بالصغيرة والمجنونة ويجب الجلد وكذا لو زنى بالمحصنة صغير) لا بد من نقل الاخبار الواردة في المقام فمنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام (في المحصن والمحصنة جلد مائة ثم الرجم) (1). ومنها رواية موسى بن بكر، عن زرارة عن أبى جعفر عليهما السلام قال: (المحصن يجلد مائة ويرجم، ومن لم يحصن يجلد مائة ولا ينفى والتي قد أملكت ولم يدخل بها تجلد مائة وتنفى) (2). واخرى عنه عليه السلام قال: (قضى علي عليه السلام في امرأة زنت فحبلت فقتلت ولدها سرا فأمر بها فجلدها مائة ثم رجمت وكان أول من رجمها) (3). وصحيحته عنه عليه السلام أيضا مثل صحيحة محمد بن مسلم. ومنها صحيحة عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الرجم حد الله الاكبر، والجلد حد الله الاصغر، فإذا زنى الرجل المحصن رجم ولم يجلد) (4) ومنها صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام


(1) الاستبصار ج 4 ص 201. والتهذيب في حدود الزنى تحت رقم 13. (2) التهذيب: في حدود الزنى تحت رقم 12. (3) المصدر تحت رقم 15. (4) المصدر تحت رقم 18 والكافي ج 7 ص 176.

[ 29 ]

في الشيخ والشيخة أن يجلدا مائة وقضى للمحصن الرجم، وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة ونفي سنة في غير مصرهما، وهما اللذان قد أملكا ولم يدخل بها) (1) وقد يقال: إن مقتضى هذه الصحيحة أن الشيخ والشيخة لا رجم عليهما إذا لم يكونا محصنين فالنتيجة أن الجمع بين الجلد والرجم يختص بصورة الاحصان فإذا لم يكن إحصان كان الحد هو الجلد فحسب، فصحيحة عاصم بن حميد المذكورة لابد من تقييدها بغير الشيخ والشيخة بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة، فتحمل صحيحة عاصم المذكورة على الشاب والشابة فتكون أخص من صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة زرارة المذكورتين فتحمل صحيحتان على الشيخ والشيخة، وتؤيد ذلك رواية عبد الله ابن طلحة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا زنى الشيخ والعجوز جلدا، ثم رجما عقوبة لهما، وإذا زنى النصف من الرجال رجم، ولم يجلد إذا كان قد احصن - الحديث) (2) ويمكن أن يقال: إذا تعارض الاخبار لا وجه للجمع بين بعضها مع بعض أولا ثم ملاحظة النسبة بين المتصرف فيه مع بعض آخر فان الاخص المطلق يقدم على الاعم المطلق من جهة الاظهرية في حد ذاته، والمطلقان المتعارضان لا أظهرية لاحدهما على الاخر من جهة ظهورهما، فالتعارض بين المطلقين باق وأما التأييد بما ذكر من رواية عبد الله بن طلحة فلا فائدة فيه مع عدم التمامية من جهة السند ولكنها دليل الشيخ - قدس سره - يقوي اختياره هذا مضافا إلى أن تقييد صحيحة محمد بن مسلم بخصوص الشيخ والشيخة لا يخفى الاشكال فهى لان القاعدة في القانون أن لا يكون الباقي بعد التخصيص أقل


(1) الكافي ج 7 ص 177. (2) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 48 والنصف - بالتحريك -: ما بين الشاب والكهلة.

[ 30 ]

بل ولا المساوى والظاهر أن ابتلاء الشباب بارتكاب الزنى مع الاحصان أكثر من إرتكاب الشيخ والشيخة. وأما الزنى بالصغيرة والمجنونة فالمشهور عدم الرجم على الزاني المحصن بل الواجب الجلد، ولم يذكر له وجه يعتمد عليه وقد يقال: بثبوت الرجم مع الاحصان من جهة صدق زنى المحصن خصوصا في المجنونة مضافا إلى إطلاق ما ورد من ثبوت الحد على البالغ منهما والمنساق منه الحد الكامل بحسب حاله من الاحصان وغيره ففي موثق ابن بكير عن [ أبي مريم عن ] أبي عبد الله عليه السلام (في غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة أو فجر بامرأة ما يصنع بهما؟ قال: يضرب الغلام دون الحد، ويقام على المرأة الحد، قلت، جارية لم تبلغ وجدت مع رجل يفجر بها، قال: تضرب الجارية دون الحد، ويقام على الرجل الحد) (1) ولقائل أن يقول: لم يظهر لهذا الموثق إطلاق بالنظر إلى صورة الاحصان والشاهد على هذا صحيح أبي بصير عن الصادق عليه السلام (في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة؟ قال: يجلد الغلام دون الحد، وتجلد المرأة الحد كاملا قيل له: فان كانت محصنة؟ قال: لا ترجم لان الذي نكحها ليس بمدرك فلو كان مدركا رجمت) (2) حيث إن السؤال لو كان مطلقا لما احتاج إلى السؤال وكذا الكلام في الزنى بالمجنونة فتأمل. (ولو زنى بها المجنون لم يسقط عنها الرجم، ويجز رأس البكر مع الحد، ويغرب عن بلده سنة، والبكر من ليس بمحصن، وقيل: الذي أملك ولم يدخل ولا تغريب على المرأة ولا جز). أما عدم سقوط الرجم عن المرأة فللاطلاقات وعدم ما يقيدها.


(1) الكافي ج 7 ص 180 وليس فيه [ عن ابى مريم ] مع وجوده في التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 45 (2) الكافي ج 7 ص 180.

[ 31 ]

وأما جز رأس البكر والتغريب عن البلد سنة فيدل عليه صحيحة حنان قال: (سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع عن البكر يفجر وقد تزوج ففجر، قبل أن يدخل بأهله، فقال: يضرب مائة ويجز شعره وينفى عن المصر حولا، ويفرق بينه وبين أهله) (1) وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: (سألته عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها فزنى ما عليه؟ قال:: يجلد الحد ويحلق رأسه، ويفرق بينه وبين أهله، وينفى سنة) (2) واستشكل في تعميم الحكم لكل من ليس بمحصن من جهة أن مورد الصحيحتين خصوص من أملك ولم يدخل بأهله، ويمكن أن يقال: مقتضى صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في الشيخ والشيخة جلد مائة والرجم، والبكر والبكرة جلد مائة ونفي سنة) (3) الاطلاق، وقد يقيد بملاحظة صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير - المؤمنين عليه السلام في الشيخ والشيخة أن يجلدا مائة جلدة وقضى للمحصن الرجم وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة، ونفي سنة في غير مصرهما) (3) وهما اللذان قد أملكا ولم يدخل بهما ويمكن أن يقال: البكر والبكرة معناهما معروف عند العرف ألا ترى كلام الفقهاء في كتاب النكاح في ولاية الاب والجد بالنسبة إلى البكر وأما تقييدهما بما ذكران رجع إلى تقييد الموضوع فلا كلام وان رجع إلى تعيين الموضوع فقد يشكل من جهة عدم إثبات الموضوع بخبر واحد هذا مضافا إلى ما ادعى من أن المشهور أن البكر عبارة عن غير المحصن لاطلاق قول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر عبد الله بن طلحة (إذا زنى الشاب الحدث


(1 و 2) التهذيب: حدود الزانى تحت رقم 125 و 126. (3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 14 والفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 1. (4) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 123 والاستبصار ج 4 ص 202.

[ 32 ]

السن جلد ونفي سنة من مصره) (1) فانه عام خرج المحصن منه بالنص ولما في خبر السكوني من (أن محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه (عن الرجل يزني بالمرأة اليهودية؟ فكتب إليه إن كان محصنا فارجمه وإن كان بكرا فاجلده مائة ثم انفه إلى غير بلده) (2) وأما ما ذكر من عدم التغريب والجز على المرأة، فالجز في الاخبار راجع إلى الرجل ولا دليل عليه بالنسبة إلى المرأة فلا وجه لثبوت الجز عليها. وأما التغريب فادعى الاجماع على أنه لا تغريب على المرأة ولكن نسب الخلاف إلى بعض وتردد الشهيد الثاني - قدس سره - في المسالك، وتدل على الثبوت عدة روايات منها قوله عليه السلام في صحيحة محمد بن قيس المتقدمة على المحكي (وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة ونفي سنة). ومنها قوله عليه السلام على المحكي في صحيحة الحلبي المذكورة (والبكر والبكرة جلد مائة ونفي سنة (والمملوك يجلد خمسين ذكرا كان أو أنثى محصنا أو غير محصن ولا جز على أحدهما ولا تغريب ولو تكرر الزنى كفى حد واحد). يدل على ما ذكر عده من الروايات تقدمت جملة منها في اعتبار الحرية في الاحصان منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث (قيل له: فإن زنى وهو مكاتب ولم يؤد شيئا من مكاتبته؟ قال: هو حق الله تطرح عنه من الحد خمسين جلدة ويضرب خمسين) (3) ومنها صحيحة حسن بن السري عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: إذا زنى العبد


(1) الفقيه في باب ما يجب به التعزير تحت رقم 48. (2) الاستبصار ج 4 ص 207. (3) الكافي ج 7 ص 236 تحت ص 207.

[ 33 ]

والامة وهما محصنان فليس عليهما الرجم وإنما عليهما الضرب خمسين نصف الحد) وقوله تعالى (نصف ما على المحصنات من العذاب) فأما عدم الجز فلاختصاص دليله بالرجل الحر وأما عدم التغريب فلصحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليهما السلام (قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة، وإن كان مسلما أو كان كافرا، أو نصرانيا ولا يرجم ولا ينفي) (1) والصحيحة متعرضة للعبيد، وقد يدعى القطع بعدم النفي بالنسبة إلى الامة ولم يظهر وجه القطع مع دلالة الخبر السابق على النفي وعدم الدليل على نفي النفي بالنسبة إلى المرأة. وأما كفاية الحد الواحد مع تكرر الزنى فادعى عدم الخلاف فيها في الجملة وقد حكى الفصيل في المسألة عن الشيخ الصدوق والاسكافي - قدس سرهما - بين ما كان في يوم واحد وامرأة واحدة فحد حدا واحدا وبين ما كان بنسوة متعددة حد حدودا متعددة بتعدد النساء، والسند في هذا التفصيل هو رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يزني في اليوم الواحد مرارا كثيرة؟ قال: فقال: إن زنى بإمرأة واحدة كذا مرة فانما عليه حد واحد، وإن هو زنى بنسوة شتى في يوم واحد وفي ساعة واحدة فان عليه في كل امرأة فجر بها حدا) (2) فاستشكل في العمل بهذه الرواية من جهة ضعفها فان في سندها علي بن أبي حمزة البطائني الضعيف، ويمكن أن يقال كفاية الحد الواحد منافية مع القاعدة المعروفة من تعدد المسببات بتعدد الاسباب، وإن أمكن الاشكال في كلية تلك القاعدة لكن في المقام يشكل الاخذ بهذه القاعدة حيث إن المباشرة مع ما ذكر في بعض الاخبار من مشاهدة الشهود الادخال والاخراج مع أنه كثيرا ينفصل المباشر


(1) الكافي ج 7 ص 236 تحت رقم 11 والتهذيب: حدود الزنى تحت رقم 89. (2) الكافي ج 7 ص 196.

[ 34 ]

ومع الانفصال يتكرر الزنى، فالزنى الواحد بنظر العرف يكون مكررا، ولا إشكال في أنه لا يوجب إلا حدا واحدا، فلا مجال للاخذ بهذه القاعدة، وأما التفصيل من جهة الخبر المذكور، فإن كان الخبر المذكور مع ضعف السند معمولا به فلا مانع من العمل، ألا ترى عمل الاصحاب بالخبر المعروف (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) مع ضعف السند، وحكى عن بعض الاكابر أن الراوي فيه أبو هريرة وقد يقال: إن الجلد أو الرجم انما يثبت على الزاني أو الزانية، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين وحدة الزنى وتكرره والظاهر أن النظر إلى ترتب الحكم على صرف الطبيعة لا الطبيعة السارية، كما أن وجوب الغسل مترتب على صرف الطبيعة ولا ينافي هذا كون المحرم الطبيعة السارية كساير المحرمات. ويمكن أن يقال: لازم هذا عدم ترتب الحد على الزنى الواقع بعد إجراء الحد على الزاني سابقا لعدم تكرر صرف الطبيعة (ولو حد مع كل واحد مرة قتل في الثالثة وقيل: في الرابعة وهو أحوط). أما قتل الحر والحرة في الثالثة مع إقامة الحد في المرتبة الاولى والثانية فهو المشهور واستدل عليه بمعتبرة أبي بصير قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: الزاني إذا زنى يجلد ثلاثا ويقتل في الرابعة أي يجلد ثلاث مرات) (1). ويؤيد ذلك خبر محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب إليه أن (علة القتل من إقامة الحد في الثالثة على الزاني والزانية لاستحقاقهما وقلة مبالاتهما بالضرب - الحديث) (2).


(1) الكافي ج 7 ص 191 والاستبصار ج 4 ص 212. (2) العلل ج 2 ص 233 والعيون ج 2 ص 97 وفى الاول (لاستحقاقهما) ولعل الصواب هو.

[ 35 ]

وعن الصدوقين والحلي - قدس سرهم - أنه إذا اقيم عليه الحد مرتين قتل في الثالثة واستدل عليه بصحيحة يونس عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: (أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة) (1) وقد يقال: إن هذه الصحيحة تقيد بالمعتبرة المتقدمة فالنتيجة خروج الزاني عن عمومها ويمكن أن يقال: المعتبرة المذكورة لم يظهر منها شمول الحكم للزانية وإن أمكن الشمول بإرادة الانسان الزاني لكن صحة الاطلاق غير الظهور و المؤيد المذكور مع عدم صحة السند لا يكون كافيا وأما ما ذكر من تقييد الصحيحة بالمعتبرة المتقدمة فيصح مع عدم إباء الصحيحة عن التخصيص ولا يبعد الاباء مع ذكر كلها في الصحيحة، هذا مع أن ما ذكر في المتن من أن القتل في الرابعة أحوط يشكل من جهة أن رعاية هذا الاحتياط بأن يجلد في الثالثة أيضا وليس الجلد والقتل من قبيل الاقل والاكثر بل هما متباينان ومع التباين ما المجوز للجلد، وأما الآية الشريفة (الزانية و الزاني الخ) فلا مجال للاخذ باطلاقها من جهة المخصص المردد بين المتباينين. هذا وفي المقام شبهة اخرى وهي أن اعتبار خبر الثقة أو العدل مع توثيق بعض علماء الرجال أو تعديله من جهة بناء العقلاء أو الاستفادة من بعض الاخبار لا يخلو عن الاشكال في الدماء مع شدة الاهتمام في الدماء ألا ترى أن العقلاء في الامور الخطيرة لا يكتفون بخبر الثقة مع اكتفائهم في غيرها به، قال المحقق الاردبيلي قدس سره في شرح الارشاد: (ثم اعلم أن القتل أمر عظيم لاهتمام الشارع بحفظ النفس فإنه مدار التكاليف والسعادات ولهذا أوجبوا حفظها حتى أنه ما جوز والترك لتقتل غيرها ولا تقتل والعقل أيضا يساعده، وفي الجملة ينبغي الاحتياط التام في ذلك فظاهر الاية المقتضية للجلد فقط حتى يثبت غيره ولما


(1) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 130.

[ 36 ]

ثبت أنه استحق القتل في الرابعة بالانفاق فلا حرج في اختياره، وأما قبلها فلا دليل عليه بحسب الظاهر إلا رواية يونس عن أبي الحسن الماضي صلوات الله عليه قال: (أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة) (1) وهي قاصرة من جهة السند - انتهى). وقد عرفت الاشكال في الاخذ بالاية الشريفة، ويمكن أن يقال: ما استدل به لاستحقاق في المرتبة الثالثة إن كان حجة وبنى على الاحتياط والتأخر إلى المرتبة الرابعة من جهة الاحتياط في الدماء فلا مجال للتمسك بالآية الشريفة بناء على كونها في مقام البيان لقيام الحجة على خلاف إلاطلاق فيسأل عن مجوز الجلد فإنه إيذاء للمسلم في المرتبة الثالثة وإن لم يكن ما استدل به حجة فلا مجال للتمسك بما ذكر من الاهتمام في الدماء والتمسك بالاحتياط، ويتمسك بإطلاق الاية الشريفة بناء على كونها في مقام البيان لا في مقام أصل التشريع (والمملوك إذا اقيم عليه حد الزنى سبعا قتل في الثامنة وقيل في التاسعة وهو اولى، وللحكم في الذمي الخيار في اقامة الحد عليه وتسليمه إلى أهل نحلته ليقيموا الحد على معتقدهم) أما القتل في الثامنة فتدل عليه صحيحة بريد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا زنى العبد جلد خمسين، فإن عاد ضرب خمسين إلى ثماني مرات فان زنى ثماني مرات قتل وأدى الامام عليه السلام قيمته إلي مواليه من بيت المال) (2) وعن النهاية والقاضي والجامع والمختلف أنه يقتل في التاسعة والدليل عليه رواية بريد العجلي أو عبيد بن زرارة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أمة


(1) تقدمت آنفا. (2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 87 والكافي ج 7 ص 135 في الحسن.

[ 37 ]

زنت) قال: تجلد خمسين جلدة، قلت: فانها عادت؟ قال: تجلد خمسين، قلت: فيجب عليها الرجم في شئ من الحالات؟ قال: إذا زنت ثماني مرات يجب عليها الرجم، قلت: كيف صار في ثماني مرات؟ قال: لان الحر إذا زنى أربع مرات واقيم عليه الحد قتل، فإذا زنت الامة ثمانى مرات رجمت في التاسعة - الخبر) (1) وضعف هذا القول من جهة ضعف الرواية سندا واختلال المتن من جهة اقتضاء التعليل القتل الثامنة لا التاسعة مضافا إلى ما فيه من الامر بالرجم مع عدم وجدان قائل به. ويمكن أن يقال: أما تضعيف السند فيشكل مع عمل الاعلام المذكورين وأما ما ذكر من اختلال المتن فلم يظهر وجهه لانه لم يعل بما يقتضي القتل في المرة الثامنة، وأما الامر بالرجم فمع عدم القول به بالخصوص لا يمنع من العمل بمضمون الخبر ما سوى هذا، وأما ما ذكر في المتن من الاولوية رعاية لتأخير القتل فيشكل من جهة احتمال كون الجلد في المرتبة الثامنة غير مأمور به و ايذاء بلا موجب، مع الشك في الحكم كما ذكر هذا آنفا وأما الخيار للحاكم في الذمي فالظاهر عدم الخلاف فيه لكن يشكل مع احتمال أن يكون نظر الفقهاء إلى ما في الاية الشريفة فان جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وعدم التنافي مع قوله تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله) (2) بعد عدم ثبوت نسخه لذلك وإن حكى عن بعض العامة بل عن ابن عباس (خير الله تعالى نبيه بقوله فإن جاؤك - الخ) (3) ولقائل أن يقول:: كيف استفيد من قوله تعالى (أو أعرض عنهم) التسليم إلى


(1) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 130. (2) المائدة: 48. (3) المائدة: 43 وتمام الاية (فاحكم بينهم أو اعرض عنهم - الاية).

[ 38 ]

أهل نحلتهم، والمروي عن قرب الاسناد (عن يهودي أو نصراني أو مجوسي اخذ زانيا، أو شارب خمر ما عليه؟ قال: يقام عليه حدود المسلمين إذا فعلوا ذلك في مصر من أمصار المسلمين أو في غير أمصار المسلمين إذا رفعوا إلى حاكم المسلمين) (1) و المسألة مشكلة مع دعوى عدم الخلاف ظاهرا في الخيار. (ولا يقام على الحامل حد ولا قصاص حتى تضع، وتخرج من نفاسها، وترضع الولد ولو وجد له كافل جاز، ويرجم المريض والمستحاضة ولا يجلد أحدهما حتى يبرء، ولو رأى الحاكم التعجيل ضربه بالضغث المشتمل على العدد). ظاهر المتن عدم الفرق بين الرجم والجلد واستدل على التربص بالمحصنة حتى تضع حملها بمعتبرة عمار الساباطي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن محصنة زنت وهي حبلى؟ قال: تقر حتى تضع ما في بطنها وترضع ولدها، ثم ترجم) (2) وقد يقال الارضاع في الرواية لا بد من حمله على الارضاع مدة اللباء فإن الطفل على ما قيل لا يعيش بدونه، والدليل على ذلك صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (أتت امرأة أمير المؤمنين عليه السلام فقالت: إني قد فجرت، فأعرض بوجهه عنها فتحولت حتى استقبلت وجهه فقالت: إني قد فجرت فأعرض عنها بوجهه، ثم استقبلته، فقالت: إني قد فجرت فأعرض عنها، ثم استقبلته فقالت: إني قد فجرت فأمر بها فحبست وكانت حاملا فتربص بها حتى وضعت، ثم أمر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا وأدخلها الحفيرة إلى الحقوة وموضع الثديين وأغلق باب الرحبة ورماها بحجر - الحديث) (3) فإن هذه الصحيحة واضحة الدلالة على أن الرجم لا، يؤخر


(1) قرب الاسناد ص 113. (2) الفقيه في الحدود والتعزيرات تحت رقم 51. (3) الفقيه في الحدود والتعزيرات تحت رقم 30.

[ 39 ]

إلى إتمام الرضاع حولين كاملين، وشبهة إشتراك أبي مريم بين الانصاري الذي هو ثقة وبين بكر بن حبيب الكوفي الذي لم يثبت وثاقته مندفعة من وجهين: الاول أن المعروف بين أصحاب الروايات هو أبو مريم الانصاري الذي له كتاب دون غيره، فينصرف اللفظ إليه والثاني أن الراوي عنه هذه الرواية هو يونس ابن يعقوب، وهو من روات أبي مريم الانصاري. وأما ما في رواية الاصبغ بن نباتة المتقدمة من أمر أمير المؤمنين عليه صلوت الله تعالى المرأة المقرة بالزنى المحصنة بارضاعها حولين كاملين فهو أجنبي عن محل الكلام لان أمره كان قبل ثبوت الزنى بالشهادة أربع مرات ويمكن أن يقال: ما ذكر من لا بدية حمل الارضاع مدة اللباء مشكل حيث إن ما ذكر من أن الطفل لا يعيش بدون اللباء مورد الانكار فكيف يصرف اللفظ إليه بلا قرينة وما ذكر في رفع شبهة الاشتراك ليس يفيد إلا الظن والظن ما لم يصل إلى حد الوثوق والاطمينان كيف يصح الاعتماد عليه في رفع الشبهة وأما ما ذكر في رواية أصبغ بن نباتة من أن الامر بالارضاع كان قبل الثبوت يشكل حيث إنه مع إصرار المرأة بتطهيرها والعلم العادي بأنها تقر مكررا حتى يجري عليها الحد كيف تؤمر بالارضاع حولين كاملين، هذا مضافا إلى أنه مع عدم مرضعة اخرى كيف يؤخذ بما دل على عدم جواز تأخير الحد مع لزوم حفظ النفس، ومع وجود الكافل وجب إقامة الحد لوجوب التعجيل وعدم المانع وهذا مستفاد من خبر ميثم المشتمل على قضية الامرأة المحصنة التي أقرت بالزنى عند أمير المؤمنين صلوات الله تعالى عليه وهي حبلى وفيه (فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي فقال لها: ما يبكيك يا أمة الله وقد رأيتك تختلفين إلى علي عليه السلام تسألينه أن يطهرك فقالت: إني أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فسألته أن يطهرني فقال: اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردى

[ 40 ]

من سطح ولا يتحور في بئر، وقد خفت أن يأتي علي الموت ولم يطهرني، فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا أكفله، فرجعت وأخبرت أمير المؤمنين صلوات الله عليه بقول عمرو بن حريث فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام وهو متجاهل عليها: ولم يكفل ولدك؟ فقالت يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني قال: أو ذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: نعم، قال: أفغائب عنك كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضرا؟ قال: بل حاضرا، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنه قد ثبت لك عليها أربع شهادات وإنك قد قلت لنبيك صلواتك عليه وآله فيما أخبرته من دينك يا محمد من عطل حدا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادتي، اللهم وإني غير معطل حدودك ولا طالب مضادتك ولا مضيع لاحكامك بل مطيع لك ومتبع سنة نبيك صلوات الله عليه وآله فنظر إليه عمرو ابن حريث وكأنما الرمان يفقأ في وجهه وقال: يا أمير المؤمنين إنما أردت أن اكفله إذ ظننت أنك تحب ذلك فأما إن كرهته فإني لست أفعل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: بعد أربع شهادات بالله لتكفلنه وأنت صاغر - الحديث) (1). والمستفاد من هذا الخبر لزوم الكفالة إما من جهة لزوم إجراء الحد مع وجود من يكفل الولد حيث لا مزاحمة في البين وإما من جهة وجوب الوفاء بالوعد والمستفاد منه أيضا كفاية وجود البعل وحضوره في تحقق الاحصان ولزوم الرجم من جهة الزنى من دون لزوم شئ آخر من وقوع المباشرة قبل الزنى و كون الزوج بحيث يغدو ويروح. وأما رجم المريض والمستحاضة فالظاهر وجوبه لاطلاق الادلة والنهي عن تعطيل الحدود والفرض أن النفس مستوفاة وأما عدم جلد المريض والمستحاضة حتى يحصل البرء فلقول الصادق عليه السلام في معتبرة السكوني على المحكي (أتي أمير المؤمنين صلوات الله عليه برجل أصابه حدا وبه قروح في جسده كثيرة،


(1) الكافي والتهذيب والفقيه في ما يجب به التعزير والحد رقم 32.

[ 41 ]

فقال عليه السلام: أخروه حتى يبرء لا تنكؤها عليه فتقتلوه) (1) وقال في خبره أيضا على المحكي (لا يقام الحد على المستحاضة حتى ينقطع الدم عنها) (2) وفي خبر مسمع أيضا (أتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل أصاب حدا وبه قروح ومرض وأشباه ذلك فقال: أخروه حتى يبرء لا تنكؤا قروحه عليه فيموت ولكن إذا برء حددناه) (3). ولا يبعد استفادة لزوم التأخير لضعف المزاج بحيث يكون في معرض الموت من جهة إجراء الحد فمع رجاء البرء يؤخر الحد ومع عدم الرجاء يضرب بالضغث المشتمل على العدد وهذا ليس من باب اقتضاء المصلحة التعجيل. ويدل عليه ما روى سماعة عن الصادق عليه السلام (أتي النبي صلى الله عليه وآله برجل كبير البطن قد أصاب محرما فدعى بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه مرة واحدة فكان الحد) (4) وفي خبر حنان عن يحيى بن عباد المكي (قال لي سفيان الثوري: أرى لك من أبي عبد الله عليه السلام منزلة فسله عن رجل زنى بامرأة وهو مريض إذا أقيم عليه الحد مات ما تقول فيه، فسألته، فقال: إن هذه المسألة، من تلقاء نفسك، أو قال لك إنسان أن تسألني عنها؟ فقلت: سفيان الثوري سألني أن أسألك عنها، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتي برجل كبير البطن قد استقى بطنه وبدت عروق فخذيه وقد زنى بامرأة مريضة، فأمر صلى الله عليه وآله بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة وضربها به ضربة واحدة وخلى سبيلهما، ثم تلى هذه الاية (وخذ


(1) الكافي ج 7 ص 244 والاستبصار ج 4 ص 211. (2) الكافي ج 7 ص 262 تحت 14. (3) الكافي ج 7 ص 244. (4) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 107 والاستبصار ج 4 ص 211.

[ 42 ]

بيدك ضغثا - إلى آخرها) (1) وصحيح أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وآله برجل دميم قصير قد سقى بطنه وبدت عروق بطنه قد فجر بأمرأة، فقالت المرأة: ما علمت به إلا وقد دخل علي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أزنيت؟ فقال له: نعم، ولم يكن أحصن فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله بصره وخفضه، ثم دعا بعذق فعده مائة ثم ضربه بشماريخه) (2) ولا يخفى أن السمتفاد من هذه الصحيحة كفاية الاقرار مرة واحدة مع عدم الاحصان. (ولا يسقط الحد باعتراض الجنون، ولا يقام في الحر الشديد، ولا في أرض العدو ولا على من التجأ إلى الحرم ويضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج للاقامة، ولو أحدث في الحرم ما يوجب حدا حد فيه) أما عدم سقوط الحد بإعتراض الجنون فيدل عليه صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجل وجب عليه الحد فلم يضرب حتى خولط، فقال: إن كان أوجب على نفسه الحد وهو صحيح لا علة به من ذهاب عقل أقيم عليه الحد كائنا ما كان) (3) وأما عدم إقامة الحد في الحر الشديد فاستدل عليه بمرسل أبي داود (مررت مع أبي عبد الله عليه السلام بالمدينة في يوم بارد وإذا رجل يضرب بالسياط، فقال أبو عبد الله عليه السلام: سبحان الله في مثل هذا الوقت يضرب، قلت له: وللضرب


(1) الكافي ج 7 ص 244 وفيه (اتى برجل احتبن مستسقى البطن) وفى التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 108 مثل ما في المتن. (2) الكافي ج 7 ص 244 وفيه (قد درت عروق بطنه) والتهذيب: حدود لزنى تحت رقم 109 وفيه (ولم يكن محصنا). (3) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 11.

[ 43 ]

حد؟ قال: نعم إذا كان في البرد ضرب في حر النهار [ آخر النهار - خ ل ] وإذا كان في الحر ضرب في برد النهار) (1) ومرسل سعد بن مسلم عن أبي الحسن عليه السلام نحو المرسل السابق وفي خبر هشام بن أحمر، عن العبد الصالح عليه السلام قال: (كان جالسا في المسجد وأنا معه فسمع صوت رجل يضرب صلاة الغداة في يوم شديد البرد، فقال: ما هذا؟ قالوا رجل يضرب، قال: سبحان الله في هذه الساعة إنه لا يضرب أحد في شئ من الحدود في الشتاء إلا في آخر ساعة من النهار ولا في الصيف إلا في أبرد ما يكون من النهار) (2). ثم إن هذه الاخبار بعد حجيتها ولو من جهة عمل الاصحاب متعرضة بخصوص الجلد دون مطلق الحد، كما في المتن، وفي المسالك: كون الحكم على الوجوب دون الندب، فلو أقام على غير الوجه المزبور ضمن. ويمكن أن يقال: كيف يجمع بين هذه الاخبار وبين ما دل على عدم جواز التأخير فلاحظ ما في خبر ميثم المشتمل على قضية الامرأة المحصنة المتقدمة، وفيه (وإنك قد قلت لنبيك صلواتك عليه وآله فيما أخبرته من دينك: من عطل حدا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادتي - الخ) وحمل التعطيل على ترك الحد أصلا بعيد والتصريح في عدم جواز التأخير معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي صلوات الله تعالى عليهم (في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنى فقال علي عليه السلام أين الرابع؟ قالوا: الآن يجئ فقال حدوهم فليس في الحدود نظرة ساعة) (3) ويؤيده ما رواه الصدوق مرسلا عن أمير المؤمنين صلوات الله تعالى عليه (إذا كان في الحد لعل أو عسى فالحد معطل) (4)


(1) الكافي ج 7 ص 217 والتهذيب: حدود الزنى تحت رقم 137. (2) الكافي ج 7 ص 217 والتهذيب: حدود الزنى تحت رقم 136. (3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 185 وقد تقدم. (4) الفقيه في باب ما يجب به التعزير تحت رقم 9.

[ 44 ]

ثم إنه على فرض الاخذ بمضمون الاخبار الدالة على ترك الجلد في شدة الحرارة وشدة البرودة فهل التقييد بنحو وحدة المطلوب بحيث لو أجرى الحد في شدة الحرارة أو في شدة البرودة لم يكن حدا شرعيا بل جناية واردة على من وقع عليها كما يظهر من صاحب المسالك - قدس سره - أو بنحو تعدد المطلوب فيه إشكال، ولا يبعد الجمع بين الاخبار بحمل الاخبار الدالة على التأخير على الاستحباب إلا أنه يشكل هذا الجمع مع ما دل على عدم جواز التأخير. وأما عدم إقامة الحد في أرض العدو فاستدل عليه بمعتبرة أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لا يقام على أحد حد بأرض العدو) (1). ومعتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر، أو إسحاق بن عمار، عن جعفر عن أبيه، عن علي صلوات الله عليهم إنه قال: (لا أقيم على رجل حدا بأرض العدو حتى يخرج منها، مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالعدو) وقد يقال: إطلاق المعتبرة الاولى يقيد بالثانية، والاظهر أن يكون ما ذكر من باب الحكمة من جهة أن المطلق لابد من بقاء الغالب فيه بعد التقييد لا الاقل ولا المساوي. وأما عدم إقامة الحد على من التجأ إلى الحرم فيدل عليه صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يجني في غير الحرم، ثم يلجأ إلى الحرم قال: لا يقام عليه الحد، ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم ولا يبايع، فإنه إذا فعل به ذلك يوشك أن يخرج فيقام عليه الحد، وإن جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم فإنه لم ير للحرم حرمة) (2) والتعبير بالجناية في


(1) الكافي ج 7 ص 218 تحت رقم 4. (2) الوسائل كتاب الحدود والتعزيرات ب 34 ح 1 عن الشيخ (ره) ولم أجده في التهذيب بهذا اللفظ والراوي بل فيه في الزيادات من فقه الحج تخت رقم 102 عن =

[ 45 ]

السؤال وشمولها لارتكاب الزنى لا يخلو عن النظر وإن كان الجواب مناسبا، ويظهر من الصحيحة وجه إقامة الحد على الجاني في الحرم. (وإذا اجتمع الحد والرجم جلد أولا ويدفن المرجوم إلى حقويه و المرأة إلى صدرها، فإن فر أعيد ولو ثبت الموجب بالاقرار لم يعد، وقيل: إن لم يصبه الحجارة أعيد). الظاهر أن الابتداء بالجلد وتأخير الرجم من باب لزوم أداء التكليفين لا من باب اشتراط صحة الرجم بالجلد سابقا عليه، وكأنه من جهة لزوم كون الجلد في حال الحياة بحيث يتأذى المجلود، ولازم ذلك أنه مع تحقق الموت قبل إتمام الجلد يسقط ما بقي من الجلد، وعلى اشتراط الترتيب لو شرع في الرجم ولم يتم الرجم لا بد من الشروع في الجلد فمع موت المجلود يسقط الرجم كما لو مات الزاني قبل إجراء الحد عليه. وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (أيما رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل يبدء بالحدود التي هي دون القتل، ثم يقتل بعد ذلك) (1). ووجه الاستظهار المذكور أن الموارد التي يستقل به العقل بالحكم لو صدر من طرف الشرع أمر لا ظهور له في المولوية بل يستظهر منه الارشاد، ولا أقل من الشك فلا ظهور، ولذا يستشكل في ظهور ما دل بظاهره على حرمة الخلوة إلى الاجنبية وإن ثالثهما الشيطان كالامر بالتقوى من مواضع التهم في الحرمة المولوية


= معاوية بن عمار مثله. لكن في الجواهر قال: (في صحيح هشام (في الرجل يجنى في غير الحرم - الخبر) وروى نحوه العلل كما في مقدمات طواف السائل ب 14 تحت رقم 5 عن ابن أبى عمير عن حفص البخترى مثله وقال: ورواه القمى في تفسيره عن ابن أبى عمير نحوه. (1) الفقيه باب ما يجب فيه اجتماع الحدود تحت رقم 1 وفى التهذيب في حد الفرية والسب تحت رقم 26. .

[ 46 ]

وأما دفن المرجوم إلى حقويه والمرأة إلى صدرها فاستدل عليه بموثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ندفن المرأة إلى وسطها ثم يرمي الامام ويرمي الناس بأحجار صغار، ولا يدفن الرجل إذا رجم إلا إلى حقويه) (1). وموثق أبي بصير قال أبو عبد الله عليه السلام: (تدفن المرأة إلى وسطها إذا أرادوا أن يرجموها ويرمي الامام، ثم الناس بعد بأحجار صغار) (2). وفي صحيحة أبي مريم في المرأة المقرة بالزنى (أن أمير المؤمنين صلوت الله عليه أدخلها الحفرة إلى الحقو وموضع الثديين) (3). وقد يقال: هذه الصحيحة قرينة على أن المراد بالوسط في معتبرة سماعة هو موضع الثديين، ولا يخفى الاشكال فيه بل لا يبعد التخيير وقد يستشكل باشتمال الموثقتين على مالا يقولون فيه بالوجوب حيث وقع التقييد بالاحجار الصغار ولازم وحدة السياق عدم استفادة الوجوب حيث إن رمي الامام وإبدائه لا يلتزمونه بنحو الاطلاق وأيضا لعله حكاية فعل الامام وفعله عليه السلام يمكن أن يكون من باب الوجوب وأن يكون من باب الاستحباب، هذا مضافا إلى الاشكال في دلالة الجملة الخبرية على الوجوب وما يقال في دلالتها من أنها من باب تأكد الوجوب لا كلية فيه. وأما التفصيل بين ما لو ثبت الزنى بالشهود وبين ما لو ثبت بالاقرار فالدليل عليه صحيحة الحسين بن خالد قال: (قلت لابي الحسن عليه السلام: أخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة هل يرد حتى يقام عليه الحد؟ فقال: يرد ولا يرد، فقلت: فكيف ذلك؟ قال: إن كان هو المقر على نفسه ثم هرب من الحفيرة بعدما يصيبه شئ من الحجارة لم يرد، وإن كان إنما قامت عليه


(1) الفروع ج 7 ص 184 رقم 4. (2) الفروع ج 7 ص 184. والتهذيب: حدود الزنى تحت رقم 116. (3) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 30.

[ 47 ]

البينة وهو يجحد، ثم هرب رد وهو صاغر حتى يقام عليه الحد - الحديث) (1) ومعتبره أبي العباس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (أتى النبي صلى الله عليه وآله رجل فقال: إنى زنيت - إلى أن قال - فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله أن يرجم فحفروا له حفيرة، فلما أن وجد مس الحجارة خرج يشتد فلقيه الزبير فرماه بساق بعير فسقط فعقله به فأدركه الناس فقتلوه، فأخبروا النبي صلى الله عليه وآله بذلك فقال: هلا تركتموه - الحديث) (2). وأما إذا ثبت الزنى بالاقرار وكان القرار قبل الاصابة فلزوم الرد هو المشهور. واستدل عليه بصحيحة الحسين بن خالد المذكورة حيث قيد عدم الرد في المقر بصورة الاصابة مضافا إلى اطلاقات أدلة الرجم. ويمكن أن يقال: قيد الرد بقيام البينة وجحد الزاني، ومع عدم الجحد كيف يرد. ويدل على عدم الرد مطلقا في ما أصابه ألم الحجارة صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام (أنه إن كان أصابه ألم الحجارة فلا يرد، وإن لم يكن أصابه ألم الحجارة رد) (3). وقد يقال: يقيد إطلاق هذه الصحيحة بصحيحة المتقدمة الدالة على لزوم الرد مطلقا إذا ثبت بالبينة سواء أصابه ألم أو لم يصبه والنسبة وإن كانت عموم من وجه إلا أن ظهور تلك الصحيحة أقوى من جهة تفصيل الامام عليه السلام وعلى تقدير وقوع المعارضة فالمرجع هو إطلاقات أدلة الرجم. ويمكن أن يقال: إن كان التفصيل موجبا للتقديم فالتفصيل في كلتي


(1) الكافي ج 7 ص 185 والمحاسن ص 306. (2) الكافي ج 7 ص 185 والتهذيب: حدود الزنى تحت رقم 8. (3) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 30.

[ 48 ]

الصحيحين وأما ما ذكر من أنه مع التعارض فالمرجع العمومات ففيه أن العام إذا لم يكن ظهوره في عرض ظهور الخاص كالاصل فلما ذكر وجه، ومع كون ظهوره في عرض ظهور الخاص وتقديم الخاص عليه من باب الاظهرية فكيف يرجع إليه مع أظهرية الخاص. (ويبدء الشهود بالرجم ولو كان مقرا بدأ الامام ويجلد الزاني قائما مجردا، وقيل: إن وجد بثيابه جلد بها أشد الضرب، وقيل متوسطا، ويفرق على جسده ويتقى فرجه ووجهه وتضرب المرأة جالسة وتربط ثيابها). استند المشهور في لزوم ابتداء الشهود بالرجم إلى رواية صفوان عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام، ورواية عبد الله بن المغيرة وصفوان وغير واحد رفعوه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أقر الزاني المحصن كان أول من يرجمه الامام، ثم الناس فإذا قامت عليه البينة كان أول من يرجمه البينة، ثم الامام، ثم الناس) وقد يقال هذه الرواية من جهة الارسال غير قابلة للاستدلال بها ودعوى الانجبار بعمل المشهور غير صحيحة صغرى وكبرى، فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق ما دل على أن الامام يرمي أولا، ثم يرمي الناس كمعتبرة سماعة المتقدمة ومعتبرة أبي بصير المتقدمة. ويمكن أن يقال أما منع الصغرى فمع ما ذكر من استناد المشهور لم يظهر وجهه، وأما منع الكبرى فلم يظهر وجهه مع حصول الوثوق، وليس هذا الوثوق أقل من الوثوق الحاصل من توثيق علماء علم الرجال المذكورين في سند الرواية، نعم يمكن الاشكال من جهة منع ظهور الجملة الخبرية في اللزوم مضافا إلى أن معتبرة أبي العباس المتقدمة يظهر منها عدم حضور النبي صلى الله عليه وآله ولا أمير المؤمنين صلوات

[ 49 ]

الله عليه، والاعتذار بأنه قضية في واقعة لم يظهر وجهه مع أن الامام عليه السلام في مقام بيان الوظيفة. وأما جلد الزاني قائما مجردا فيدل على وجوبه أو استحبابه قول الباقر عليه السلام على المحكي في خبر زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام (يضرب الرجل الحد قائما والمرأة قاعدة ويضرب كل عضو ويترك الرأس والمذاكير) وقيل: لا يضر وجود أبان - كأنه الاحمر - فيصح الخبر وصحيحة إسحاق بن عمار قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الزاني كيف يجلد؟ قال: أشد الجلد، قلت: في فوق ثيابه؟ قال: بل يخلع ثيابه، قلت: فالمفتري؟ قال: يضرب بين الضربين جسده كله فوق ثيابه) وأخرى له قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الزاني كيف يجلد؟ قال: أشد الجلد، فقلت فوق الثياب؟ فقال: بل يجرد) وقيل لا يضر القول في إسحاق. وعن جماعة بل نسب إلى المشهور أنه يجلد على الحال التي وجد عليها، إن وجد عاريا فعاريا، وإن وجد كاسيا فكاسيا، والمستند معتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: (لا يجرد في حد ولا يشبح - يعنى يمد - وقال: يضرب الزاني على الحال التي وجد عليها إن وجد عريانا ضرب عريانا وإن وجد وعليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه). وقد يقال: إن معتبرة طلحة بن زيد معارضة بمعتبرتي إسحاق بن عمار

[ 50 ]

نظرا إلى أنها ظاهرة في حرمة التجريد وهما ظاهرتان في وجوبه فتسقطان، فالمرجع هو إطلاقات أدلة الجلد من الكتاب والسنة. ويمكن أن يقال: إن معتبرة إسحاق بن عمار مطلقة من ناحية أنه كان في حال وجدانه عاريا واكتسى بعد ذلك، وإنه كان كاسيا حال وجدانه وعليه فيقيد إطلاقها بمعتبرة طلحة بن زيد فالنتيجة هي اختصاص وجوب الخلع بما إذا كان في حال وجدانه عاريا، وأما إذا كان كاسيا حين وجدانه ضرب وعليه ثيابه. ولقائل أن يقول: مع تعارض الخبرين بنحو التباين ما وجه عدم الاخذ بما دل على التخيير خصوصا مع الاشكال في كون ما في الكتاب والسنة في مقام البيان لا في مقام التشريع. وأما ما ذكر من اختصاص وجوب الخلع بما إذا كان في حال وجدانه عاريا واكتسى بعد ذلك فالظاهر أنه من حمل المطلق على غير الغالب ومقتضى الحكمة ذكر المطلق والباقي فيه بعد التقييد الاكثر لا الاقل ولا المساوي، وقد سبق الاشكال في استفادة الوجوب من الجملة الخبرية وإن كانت الاستفادة مشهورة، وصاحب المستند - قدس سره - مخالف للمشهور. وأما ما قيل من التوسط فلرواية حريز أنه يضرب متوسطا، قال: (و يضرب بين الضربتين). وأما التفريق على جسده فلما في بعض النصوص من أنه استلذ بجميع أعضائه). واما اتقاء الوجه والفرج فلقول الباقر عليه السلام على المحكي في خبر زرارة على ما في الفقيه والتهذيب (ويضرب على كل عضو ويترك الوجه والمذاكير).

[ 51 ]

وعن علي صلوات الله عليه (اضرب وأوجع واتق الرأس والفرج). وأما المرأة فتضرب جالسة وتربط عليها ثيابها لقول الباقر عليه السلام على المحكي في خبر زرارة (يضرب الرجل قائما والمرأة قائمة) (ولا يضمن ديته لو قتله الحد، ويدفن المرجوم عاجلا، ويستحب إعلام الناس ليتوفروا ويجب أن يحضره طائفة، وقيل يستحب، وأقلها واحد، ولا يرجمه من لله قبله حد وقيل: يكره). من يجرى عليه الحد تارة يكون بمرض الموت من جهة الحد حتى بنحو ضرب الضغث فيشكل وجوب الحد لعدم مهدورية دمه وهو المستفاد من بعض الاخبار وسيجئ إن شاء الله تعالى في محله، واخرى ليس كذلك، واتفق الموت من جهة إجراء حد قيل: لا يضمن ديته، واستدل عليه في الرياض بالاصل والمرسل المفصل بين حق الله وحق الناس، وفيه إشكال من جهة أنه بعدما دل على عدم مهدورية الدم دم المسلم والظاهر أن مادل عليه آب عن التخصيص كيف يرفع اليد عنه فلا مجال للاصل، والمرسل المذكور يحتاج حجيته إلى عمل المشهور والمسألة غير مذكورة، والظاهر أن المتعرض ابن ادريس والمصنف - قدس سرهما - هنا ولا مجال لان يقال بعدما أمر من طرف الشرع ما وجه الضمان لعدم المنافات، ألا ترى أن حفظ النفس المحترمة واجب مع توقفه على صرف المال مال الغير، ومال المسلم محترم يتصرف فيه مع الغرامة.

[ 52 ]

وأما دفن المرجوم فلا كلام في وجوبه حيث وجب دفن المسلم وأما التعجيل فيه زائدا على ما هو المقرر بالنسبة إلى أموات المسلمين فلم نعثر على دليل عليه وفي النبوي في المرجوم (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها) وبنحو آخر (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها و دفنت). وفي المرتضوي (فأمر فحفر له وصلى عليه ودفنه، فقيل: يا أمير المؤمنين ألا تغسله؟ فقال عليه السلام قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة لقد صبر على أمر عظيم) وفي آخر عنه (أنه عليه السلام أمر بدفع مرجومة إلى أوليائها وأمرهم أن يصنعوا بها كما يصنعون بموتاهم). وأما استحباب إعلام الناس فيدل عليه فعل أمير المؤمنين صلوات الله - عليه على ما رواه الشيخ الصدوق - قدس سره - بسنده المعتبر إلى سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة (إن امرأة أتت أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقالت: يا أمير المؤمنين إني زنيت - إلى أن قال - ثم قام عليه السلام وصعد المنبر فقال: يا قنبر ناد في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله - إلى أن قال - فقال: أيها الناس إن إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحد إن شاء الله الحديث).

[ 53 ]

وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أتى أمير المؤمنين عليه السلام رجل بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني وذكر أنه أقر أربع مرات - إلى أن قال - ثم نادى في الناس يا معشر المسلمين أخرجوا ليقام على هذا الرجل الحد). ولا يخفى أنه يظهر منه الوجوب فالحمل على الاستحباب يحتاج إلى الدليل، غاية الامر عدم الوجوب على جميع المسلمين بل على نحو الواجبات الكفائية كما أنه على الاستحباب أيضا كذلك. وأما وجوب حضور طائفة لظاهر الآية الشريفة (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) ولقائل أن يقول: الآية الشريفة راجعة إلى الزانية والزاني اللذين عليهما الجلد، ولا تعميم بالنسبة إلى من عليه الرجم أو القتل، وظاهر الآية الشريفة وجوب الحضور ولا وجه للحمل على الاستحباب بملاحظة أن الغرض الاعتبار والعبرة حيث لا ينافي الوجوب والدليل على كفاية الواحد معتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام (في قول الله عزوجل: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) قال: في إقامة الحدود) وفي قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة) قال: الطائفة واحد). وأما عدم جواز الرجم لمن لله تعالى قبله حد فاستدل عليه بعدة روايات منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: أتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل قد أقر على نفسه بالفجور، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لاصحابه: اغدوا غدا (على) متلثمين فغدوا عليه متلثمين، فقال: من فعل مثل ما فعله فلا يرجمه ولينصرف

[ 54 ]

قال: فانصرف بعضهم وبقي بعضهم فرجمه من بقي منهم). ومنها صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام رجل بالكوفة - إلى أن قال - ثم قال: معاشر المسلمين إن هذه حقوق الله فمن كان لله في عنقه حق فلينصرف ولا يقيم حدود الله من في عنقه حد فانصرف الناس وبقي هو والحسن والحسين عليهم السلام). ومنها حكاية امرأة جاءت إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن نادى أمير المؤمنين عليه السلام بالناس وخرجوا معه إلى ظهر الكوفة متنكرين متلثمين فيما بينهم ولهم أحجارهم لا يعرف بعضهم بعضا فأمر أن يحفر لها حفرا ودفنت فيه ثم ركب بغلته ثم وضع إصبعيه السبابتين في اذنيه ونادى بأعلى صوته: يا أيها الناس إن الله تبارك وتعالى عهد إلى نبيه صلى الله عليه وآله عهدا عهده محمد صلى الله عليه وآله إلي بأنه لا يقيم الحد من لله عليه حد فمن لله عليه مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحد، فانصرف الناس كلهم ما خلا أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام) وهذه الرواية يستفاد من صدرها العموم ومن ذيلها مثل ماله عليها ولعل الاخبار لا تشمل من كان عليه لله حق أو حد، وقال بينه وبين الله حيث حصل المطهر بحسب بعض الاخبار كما أنه لو أقر وجلد حيث إنه مع الاقرار و الجلد حصلت الطهارة فلا يصدق أنه عليه حد أو حق من مثله ووجه القول بالكراهة وجود المبالغة في أمثاله أنه لما أمر صلى الله عليه وآله برجم ماعز ما ذكر أنه لا يرجمه من كان لله عليه حد وعدم ذكره مع هذه الاهمية بعيد.

[ 55 ]

(النظر الثالث في اللواحق:) (وفيه مسائل:) (الاولى إذا شهد أربعة بالزنى قبلا فشهدت أربع نساء بالبكارة فلا حد ففي حد الشهود قولان) أما عدم الحد على من شهدوا عليها بالزنى فلا خلاف فيه ظاهرا بل ادعي عليه الاجماع واستدل عليه بخبر السكوني القوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه (أتي أمير المؤمنين صلوات الله عليه بامرأة بكر زعموا أنها زنت فأمر النساء فنظرن إليها، فقلن هي عذراء، فقال عليه السلام: ما كنت لاضرب من عليها خاتم من الله [ تعالى شأنه ] وخبر زرارة، عن أحدهما عليهما السلام (في أربعة شهدوا على امرأة بالزنى فادعت البكارة فنظر إليها لا نساء فشهدن بوجودها بكرا، فقال: تقبل شهادة النساء) واستدل أيضا بتحقق الشبهة الدارئة، ويمكن أن يقال: تارة يحصل القطع بالبكارة كما يظهر من القوي المذكور، فلا حاجة إلى الاستدلال لحصول القطع بعدم تحقق الزنى، فيحمل شهادة الشهود على خطئهم بحيث لا ينافي عدالتهم، واخرى لم يحصل القطع بالبكارة فهذه الصورة غير مشمولة بخبر السكوني القوي ويكون عدم الحد من جهة تقديم شهادة النساء على شهادة الرجال وهذا مبني على حجية الخبر المذكور ولم يحرز الحجية وتحقق الاجماع في هذه الصورة غير معلوم والتمسك بالشبهة مع شهادة الشهود الاربعة مشكل

[ 56 ]

مع إطلاق دليل حجيتها وأما توجه الحد على من شهد الزنى فلا وجه له على كلتا الصورتين لان شهادتهم في الصورة الثانية لم يحرز على خلاف الواقع وفي الصورة الاولى وإن كانت على خلاف الواقع لكن لم يحرز كون الكذب مع التعهد وكان من شأنهم أن يشهدوا وإن أخطأوا. (الثانية إذا كان الزوج أحد الاربعة فيه روايتان ووجه السقوط أن يسبق منه القذف، الثالثة يقيم الحاكم حدود الله، أما حقوق الناس فتقف على المطالبة). ذهب الاكثر إلى ثبوت الزنى بشهادة الاربعة مع كون الزوج أحدهم بملاحظة إطلاق الادلة الدالة على الثبوت بالاربعة المؤيدة برواية عباد بن كثير عن إبراهيم بن نعيم، وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن أربعة شهدوا على امرأة بالزنى أحدهم زوجها، قال: يجوز شهادتهم). وقد يقال: الظاهر أنه لا يثبت الزنى بذلك فلا بد للزوج من أن يلاعن زوجته ويجلد الشهود الثلاثة وتدل على ذلك مضافا إلى الآية المباركة من أن الزوج إذ رمى زوجته الزنى فلا بد وأن يأتي بالشهداء الاربعة على ما يظهر من الآية السابقة وإلا فلا بد من الملاعنة صحيحة مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام (في أربعة شهدوا على امرأة بالفجور أحدهم زوجها قال: يجلدون الثلاثة، ويلاعنها زوجها ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا) وقريب منها رواية زرارة أما رواية إبراهيم ابن نعيم فهي ضعيفة بعباد بن كثير فإنه لم يرد فيه توثيق ولا مدح. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من إطلاق الآية الخ فالظاهر عدم شموله للمقام فإن الظاهر أنها فيما إذا رمى الزوج منفردا زوجته بالزنى فلا بد من

[ 57 ]

إقامة الشهود الاربعة أو اللعان، وفي المقام شهادة الاربعة ومنهم الزوج وأما الاستدلال برواية مسمع فقد صرح المحقق الاردبيلي - قدس سره - بضعفها فلا بد من المراجعة فمع عدم صحة سندها لا مانع من الاخذ بإطلاق مادل على ثبوت الزنى بشهادة الاربع إذا كانوا مجتمعين في حال لا مع تفرقهم ومع عدم الاجتماع يتوجه عليهم حد القذف بالنسبة إلى غير الزوج وبالنسبة إليه يتخلص باللعان ومع عدم اللعان عليه حد القذف وقد يستشكل بأن الزوج مدع والمدعي متهم لا تقبل شهادته، الظاهر أنه لا وقع لهذا الاشكال لان شهادة الزوج ليست إلا كشهادة الثلاثة واختصاصه بالزوجية لا يوجب كونه مدعيا كالمدعي في باب المرافعات، نعم لو سبق الزوج بالقذف لا يثبت الزنى لفقدان الاجماع كما في غير المقام، هذا ولكن مسمع الراوي موثق فالخبر موثق، والظاهر أن وجه التضعيف في كلام المحقق الاردبيلي - قدس سره - من جهه عدم الاعتماد بخبر الثقة كما هو مسلكه. وأما اقامة الحاكم حدود الله فبالنسبة إلى المنصوب بالخصوص من قبل الامام والنبي صلى الله عليه وآله فلا كلام في جوازه ولزومها، وأما في عصر الغيبة فحمل الكلام، وقد يستدل على الجواز بل اللزوم بأمرين: الاول: أن إقامة الحدود إنما شرعت للمصلحة العامة ودفعا للفساد وانتشار الفجور والطغيان بين الناس وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان و ليس لحضور الامام دخل في ذلك قطعا، فالحكمة المقتضية بتشريع الحدود تقضي بإقامتها في زمان الغيبة كما تقضي بها زمان الحضور. الثاني: ان أدلة الحدود كتابا وسنة مطلقة وغير مقيدة بزمان دون زمان ولكنها لا تدل على أن المتصدي لها من هو فإذن لا بد من الاخذ بالمقدار المتيقن والمتيقن هو من إليه الامر وهو الحاكم الشرعي، وتؤيد ذلك عدة روايات منها رواية إسحاق بن يعقوب قال: (سألت محمد بن عثمان العمري أن

[ 58 ]

يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكل علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه: أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك - إلى أن قال: - وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله). ومنها رواية حفص بن غياث قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام من يقيم الحدود السلطان أو القاضي؟ فقال: إقامة الحدود إلى من إليه الحكم). فانها بضميمة مادل على أن من إليه الحكم في زمان الغيبة هم الفقهاء تدل على أن إقامة الحدود إليهم. ويمكن: أن يقال بعد تسلم كون المتصدي لاقامة الحدود من نصبه المعصوم (ع) كالمنصوبين في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه في عصر سلطنته وخلافته لا بد من إقامة الدليل على نصب الفقهاء ومجرد لزوم إجراء الحدود في كل عصر وزمان لا يثبت، ألا ترى تعطيل الحدود بعد رحلة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى زمان خلافة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبعد قتله إلى زمان نفوذ الشيعة وتمكن بعض الفقهاء من اجراء الحدود فعدم النصب لعدم ترتب الاثر عليه ليس على خلاف الحكمة، ألا ترى أن صلاة الجمعة مع شدة الاهتمام بها لم تكن في عصر المعصومين عليهم السلام بعد أمير المؤمنين صلوات الله عليه من يكون منصوبا لها من قبلهم وكما أن الحكمة تقتضي نصب من يقيم الحدود كذلك تقتضي نصب من يتصدى ما هو شأن السلطان من نصب الولاة وتنظيم أمور العامة فعدم النصب لعدم ترتب الاثر ليس على خلاف الحكمة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وآله في أوائل البعثة ما نصب أحدا بمثل هذه الامور لعدم التمكن وليس عدم النصب خلاف الحكمة.

[ 59 ]

وأما ما ذكر من بعض الاخبار تأييدا فمع قطع النظر عن السند يشكل الاستدلال به من جهة الدلالة فإن اللام في الحوادث الواقعة إن كان للعهد راجعا لما سئل من المسائل المشكلة كيف يمكن استفادة العموم منه، وثانيا رواة الاحاديث المذكورة في التوقيع الثقات مع عمومها للخاصة والعامة و أين هذا من الفقيه الجامع للشرائط. وأما الرواية الثانية فمع قطع النظر عن السند أيضا يشكل التمسك بها من جهة الدلالة فإن الحاكم في المرافعات له الحكم في المرافعات لا الحكم بقول مطلق الذي هو شأن المعصومين صلوات الله عليهم هذا مع ملاحظة التعبير في الاخبار بلفظ الامام أعني الاخبار الراجعة إلى الرجم والجلد حيث يظهر أن الرجم والجلد بأمره عليه السلام، ولاحظ أيضا صحيحة أبي أيوب قال: (سمعت ابن بكير بن أعين يروي عن أحدهما عليهما السلام قال: من زنى بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت وإن كانت تابعة ضربت ضربة بالسيف أخذت منها ما أخذت، قيل له: فمن يضربهما وليس لهما خصم؟ قال: ذلك على الامام [ عليه السلام ] إذا رفعا إليه) وقد ذكر الاستدلال على عدم الجواز لغير الامام عليه السلام بما في دعائم الاسلام والاشعثيات عن الصادق عليه السلام، عن آبائه، عن علي عليه السلام (لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا بإمام) وأورد عليه بأن ما في دعائم الاسلام لارساله لم يثبت، وأما الاشعثيات المعبر عنها بالجعفريات أيضا فهي لم يثبت من جهة أن صاحب الكتاب وإن كان وثقه النجاشي وكان كتابه معتبرا إلا أنه لم يصل إلينا والكتاب لا ينطبق على ما هو موجود عندنا فالكتاب الموجود عندنا لا يمكن الاعتماد عليه بوجه،

[ 60 ]

هذا مضافا - إلى أن الجملة الاولى من الرواية مقطوعة البطلان بل وكذا الجملة الثانية من الرواية بناء على ما هو الصحيح والمشهور من جواز إقامة الجمعة. ولقائل أن يقول: عدم انطباق ما ذكر اعتباره في كلام النجاشي والشيخ مع ما بأيدينا لا يوجب عدم اعتبار ما بأيدينا بعد اشتهار انتساب ما بأيدينا إلى من وثقه الشيخ والنجاشي وإلا لزم فتح باب الخدشة في الكتب المنصوبة إلى الاعلام. وأما ما ذكر من أن الجملة الاولى مقطوعة البطلان وكذا الجملة الثانية فلعل المراد من الجملتين غير ما يتراءى بأن كان المراد نفي الحكم ونفي الجمعة بدون اذن الامام عليه السلام كما كان في عصر الخلفاء نظير التعبير عن مجلس القضاء بمجلس لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي. ثم إنه قد اشتهر أن من له الحكم له أن يقيم الحدود بعلمه أو عليه أن يقيم بعلمه ويرشد إليه خبر الحسين بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام سمعته يقول: (الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره لانه أمير الله في خلقه، وإذا نظر رجل يسرق فالواجب عليه أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت: كيف ذاك؟ قال: لان الحق إذا كان لله فالواجب على الامام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس). وفي الصحيح (إذا أقر على نفسه عند الامام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق - الله [ تعالى ] وإذا أقر على نفسه أنه شرب خمرا حده، فهذا من حقوق الله [ تعالى ] وإذا أقر على نفسه بالزنى وهو غير محصن فهذا من حقوق الله [ تعالى ] قال: وأما حقوق المسلمين فإذا أقر على نفسه عند الامام بفرية، لم يحده حتى يحضر صاحب الفرية أو وليه، وإذا أقر بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر

[ 61 ]

أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم) وبمعناه الاخر وذكر في كتاب القضاء أن للحاكم بين المتخاصمين أن يحكم بالبينة وبالاقرار وباليمين وله أن يحكم بينهما بعلمه ولا فرق بين حق الله وحق الناس، ولا يجوز إقامته قبل مطالبة صاحب الحق وإن كان قد علم الحاكم بموجبه، واستدل بأنه من الحكم بالعدل المأمور به في غير واحد من الايات والروايات. ولقائل أن يقول: كيف الجمع بين ما ذكر وبين ما سبق في باب الزنى من لزوم الاقرار أربع مرات مع حصول العلم بالاقرار مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات غالبا؟ فنقول: أما رواية حسين بن خالد المذكورة فلا يستفاد منها كفاية مطلق العلم بل صورة النظر وفي مقام التفرقة بين حق الله وحقوق الناس وما في الصحيح المذكور من الاقرار على نفسه بالزنى لا يؤخذ بإطلاقه حتى يكفي الاقرار مرتين على القول بلزوم الاقرار أربع مرات في غير المحصن، بل لا بد من التقيد بأربع مرات فاستفادة كفاية العلم بقول مطلق لا يجمع مع مادل على لزوم الاقرار مرات، ولعل التقييد في الصحيح المذكور بغير المحصن يكون دليلا على كفاية الاقرار مرة في الزنى مع عدم الاحصان هذا مع أنه كثيرا يحصل العلم بشاهد واحد أو شاهدين أو شهادة أربعة رجال مع عدم اجتماعهم والحال أنه مع عدم اجتماع الشهود يحدون للفرية والمرمي بالزنى لا يحد، وقد ظهر مما سبق التفرقة بين حقوق الله وحقوق الناس (الرابعة من افتض بكرا باصبعه فعليه مهرها، ولو كانت أمة فعليه عشر قيمتها، الخامسة من زوج أمته ثم وطأها فعليه الحد، السادسة من أقر أنه زنى بفلانة فعليه مع تكرار الاقرار حدان، ولو أقر مرة فعليه حد القذف، وكذا المرأة وفيهما تردد). الظاهر عدم الخلاف في أن من (افتض) بكرا حرا لزمه مهر نسائها ويدل عليه

[ 62 ]

صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام (في امرأة افتضت جارية بيدها؟ قال: عليها المهر وتضرب الحد) وحمل المهر على مهر أمثالها وحد على التعزير، ولا وجه لحمل الحد على التعزير الذي المعروف فيه تعيينه بنظر الحاكم مع ملاحظة صحيحة ابن سنان أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا (أن أمير المؤمنين عليه السلام قضى بذلك وقال: (تجلد ثمانين جلدة) وحسنته عن أبي عبد الله عليه السلام (في امرأة افتضت جارية بيدها قال: عليها مهرها وتجلد ثمانين جلدة). والمعروف اختصاص الحكم بالمهر بالحرة وإن كانت أمة فيها احتمال لزوم عشر قيمتها ويحتمل الارش، ويحتمل أكثر الامرين ولم يظهر وجه التخصيص بالحرة إلا دعوى الانصراف، والانصراف الموجب للتخصيص لا بد أن يكون بحيث لا يبقى التحير للسائل، ولا يبعد الانصراف عن الزوج فقيل: إن كان المفتض الزوج عليه التعزير لانه فعل حراما وفي كل حرام تعزير عند الفقهاء، وفي استقرار المهر تأمل لانه يستقر بالدخول، ولم يظهر وجه للتأمل في استقرار المهر مع أنه لم يدخل بها ولا نجد فرقا بين زوال البكارة بهذا النحو أو بنحو آخر مع عدم الدخول. وأما وطي الامة المزوجة إذا كان الوطي المولى فمع العلم بالحرمة لا إشكال في استحقاق الحد عليه للاطلاقات وخصوص الصحيح (في رجل زوج أمته رجلا ثم وقع عليها؟ قال: يضرب الحد) نعم لو جهل الحرمة بنحو

[ 63 ]

كان معذورا بتوهم جواز الوطي من جهة رقيتها فحاله حال من دخل في الاسلام غير متوجه إلى أحكامه بحيث لم يشك في الجواز ومع الشك ليس معذورا بل لابد له من السؤال أو الاحتياط فما في بعض الكلمات من التقييد بالعلم بالحرمة ليس ينبغي. وأما من أقر بأنه زنى بفلانة مع تكرر الاقرار فعليه حدان حد الزنى من جهة إقراره ومع تكرره أربع مرات عليه الحد، ومع عدم التكرر أيضا إن قلنا بكفاية الاقرار مرة كما لا يبعد استفادته من بعض الاخبار وحد آخر لقذفه بالنسبة إلى فلانة من جهة ظهور الاقرار في القذف، قيل: ويؤيده القويان في أحدهما (لا تسألوا الفاجرة من فجر بك؟ فكما هان (عليها) الفجور يهون (عليها) أن ترمي البرئ المسلم) وفي الثاني (إذا سألت الفاجرة من فجر بك فقالت: فلان جلدتها حدين حدا لفجورها، وحدا لفريتها على الرجل المسلم). وقد يقال في كل من دعوى الظهور على الاطلاق والتأييد نظر مع معارضتهما بظاهر الصحيح (في رجل قال لامرأته: يا زانية أنا زنيت بك، قال: عليه حد واحد لقذفه إياها وأما قوله: أنا زنيت بك فلا حد عليه فيه إلا أن يشهد على نفسه أربع مرات بالزنى عند الامام) فإنه يعطي بظاهره أن قوله (زنيت بك) ليس قذفا فتأمل. أقول: لا إشكال في أن قول القائل: زنيت بفلانة أو بالمخاطبة قذف، وما في الصحيح من قوله على المحكي. وأما قوله الخ فالظاهر أنه راجع إلى حد الزنى المحتاج إلى أربع مرات والاستثناء راجع إلى الجملة الاخيرة ولعله لذا

[ 64 ]

أمر بالتأمل ولعله من جهة ما ذكر تردد المصنف قدس سره. (السابعة من تزوج أمة على حرة مسلمة فوطئها قبل الاذن فعليه ثمن حد الزنى، الثامنة من زنى في زمان شريف أو مكان شريف عوقب زيادة على الحد). استدل للحكم المذكور لمن تزوج أمة على حرة مسلمة بخبري حذيفة ابن منصور ومنصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل تزوج أمة على مسلمة ولم يستأمرها؟ قال: يفرق بينهما، قال: فعليه أدب؟ قال: نعم اثنا عشر سوطا ونصف، ثمن حد الزاني وهو صاغر، قلت: فإن رضيت الحرة المسلمة بفعله بعدما كان فعل قال: لا يضرب ولا يفرق بينهما، يبقيان على النكاح الاول) وكذا في صحيح هشام بن سالم (في من تزوج ذمية على مسلمة) قد قيد المصنف وغيره التزوج المذكور بوقوع الوطي قبل الاذن ولا ذكر له في الخبرين المذكورين. وفي المقام إشكال آخر وهو أن ظاهر ما في الخبرين من قوله عليه السلام على المحكي (يفرق بينهما) بطلان عقدهما بأن التفريق يرجع إلى كون الامة خلية ترجع إلى مولاها ويصح التزوج مع غير الرجل المذكور بإذن المولى، ومقتضى ما ذكر في الخبرين من بقاء الرجل المذكور والامة على النكاح صحة النكاح من كون رضى المسلمة الحرة دخيلة في صحة النكاح بنحو الشرط المتأخر، نظير ما ذكر في نكاح العبد بدون اذن المولى، لكن على هذا يكون الوطي وطي الاجنبية، ومقتضى العمومات ترتب أحكام الزنى عليه وترك -

[ 65 ]

الاستفصال يقتضي شمول الحكم لصورتي وقوع الوطي وصورة عدم الوطي، و المحقق الاردبيلي استند إلى الاجماع ظاهرا من دون تعرض للخبرين المذكورين فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو صورة وقوع المباشرة، ونصف السوط المذكور في الخبر وفي كلماتهم يحتمل أن يكون باعتبار الكيفية فيضرب ضربا أخف من الضرب الشديد المعتبر في ضرب الزاني بمقدار النصف أو بمقدار طول السوط فيؤخذ من نصفه فيضرب به وهو موجود في الروايات مثل صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في نصف الجلدة وثلث الجلدة يؤخذ بنصف السوط و ثلثي السوط) ولا يخفى أن هذا مبني على كون المستند الخبرين، وأما مع كون المستند الاجماع فلا مجال لتعيينه بالاخبار. وأما الزنى في زمان شريف أو مكان شريف فعوقب زيادة على الحد بحسب ما يراه الحاكم وعلل الحكم بانتهاك الحرمة وبفعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه كما في المرسل (وقد أتي أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالنجاشي الشاعر وقد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه ثمانين، ثم حبسه ليلة، ثم دعا به من الغد فضربه عشرين سوطا، فقال: يا أمير المؤمنين (قد) ضربتني [ ثمانين ] في شرب الخمر فهذه العشرون ما هي؟ فقال: هذه لجرأتك في شهر رمضان) وادعي عدم الخلاف في الحكم وهل هذه أعني المعاقبة بالزيادة على نحو الوجوب كوجوب أصل الحد، فيه إشكال لان المرسل المذكور لو لم يكن فيه إشكال من جهة إلارسال فهو حكاية للفعل ولم يعلم وجهه من الوجوب والاستحباب، فلا دليل على الوجوب، وما ذكر من العلة ليست على نحو يستفاد منه الوجوب.

[ 66 ]

(الفصل الثاني) (في اللواط والسحق والقيادة، فاللواط يثبت بالاقرار أربعا ولو أقر دون ذلك عزر ويشترط في المقر التكليف والاختيار والحرية، فاعلا كان أو مفعولا ولو شهد أربعة يثبت ولو كانوا دون ذلك حدوا، ويقتل الموقب ولو لاط بصغير أو مجنون، ويؤدب الصغير ولو كانا بالغين قتلا، وكذا لو لاط بعبده). عرف اللواط بالايقاب وهو إدخال الذكر في دبر المذكر ولو بعض الحشفة، وفي الروضة والرياض (هو إدخال شئ من الذكر في دبره ولو بمقدار الحشفة) وظاهرهم الاتفاق على ذلك وإن اكتفوا في تحريم أمه وأخته وبنته بإدخال البعض ويمكن أن يقال: في موجب حرمة نكاح الام والبنت والاخت دل الدليل على كفاية الثقب والايقاب وهو يحصل بإدخال شئ من العضو ولو ببعض الحشفة، وفي المقام أخبار واردة في أصل الحرمة وشدتها كقول رسول الله صلى الله عليه وآله على المحكي (من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا وغضب الله عليه ولعنه وأعد له جهنم وساءت له مصيرا). والكلام في الحد الذي يوجب الحد المذكور على الواطي والموطوء، ففي كلام صاحب المسالك (إدخال الذكر ولو بعض الحشفة) لان الايقاب لغة الادخال فيتحقق الحكم وفي الروضة والرياض هو إدخال شئ من الذكر في دبره ولو بمقدار الحشفة وظاهر هذا الكلام عدم كفاية أقل من هذا المقدار وظاهر كلماتهم الاتفاق على كفاية مقدار الحشفة والاقل منه وإن كان محرما شديدا أو بمنزلة الكفر لكن لا دخل على إيجابه الحد المقرر على الواطي

[ 67 ]

والموطوء وأما الثبوت بالاقرار أربع مرات فلا خلاف فيه وتدل عليه صحيحة مالك بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (بينا أمير المؤمنين عليه السلام في ملاء من أصحابه إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهرني، فقال له: يا هذا امض إلى منزلك لعل مرارا هاج بك فلما كان من غد عاد إليه فقال له: يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهرني، فقال له: إذهب إلى منزلك لعل مرارا هاج بك، حتى فعل ذلك ثلاثا بعد مرته الاولى فلما كان في الرابعة قال: يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وآله حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيهن شئت، قال: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت - الحديث). والمستفاد من هذه الصحيحة عدم ثبوت اللواط بأقل من أربع مرات و يستفاد منه مجرد الايقاب ولو ببعض الحشفة كما في الايقاب الموجب لحرمة الام والبنت والاخت. وأما ثبوت الفسق بالاقرار ثلاث مرات أو مرتين أو مرة الموجب لاستحقاق المقر التعزير فقد يشكل فيه من جهة أن ثبوت الفسق فرع اعتبار الاقرار في ثبوت المقر به، ومع عدم الاعتبار كيف يثبت الفسق ويمكن أن يقال: يحصل القطع غالبا بالاقرار فإن العاقل لا يقر بما يوجب الضرر عليه إلا أن يكون خوفا من الله تبارك وتعالى والخوف مع التحقق لا مع عدم التحقق فاستحقاق التعزير من جهة القطع غالبا ومع عدم حصول القطع أيضا لا مانع من الاخذ بلازم المخبر به دون المخبر به كما قالوا في صورة تعارض الخبرين يثبت نفي الثالث لانه لازم كل منهما ويشكل من جهة أن لازم ذلك ثبوت استحقاق التعزير بالنسبة إلى المقر

[ 68 ]

بمجرد إقراره مرة والظاهر أنه لو لم يرجع المقر بعد إقراره مرة لم يكن أمير المؤمنين صلوت الله عليه متعرضا له كما في غير هذه الصحيحة وأيضا لازم ما ذكر استحقاق التعزير بالنسبة إلى من شهد عذاب الزانية والزاني وخرج من جهة ما عليه من الحد والحق كما سبق في أحكام الزنى. وأما اشتراط التكليف بأن يكون بالغا والاختيار والحرية فقد سبق و نقول هنا أيضا: إذا كان يعتبر إقراره في الاسلام كما لو كان متولدا بين الاب و الام الكافرين واعتقد بالبرهان والدليل العقائد الحقة، فهل يمكن الحكم بكفره مع كونه مشمولا لما دل على إسلام من قال: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) صلى الله عليه وآله، كما يستدل بمثل (الصلاة قربان كل تقي) ومعراج المؤمن) على شرعية عبادة الصبي لا مجرد التمرين فنتيجة الاقرار هنا استحقاق التعزير كما لو ثبت بالشهود، والاختيار بمعنى كون المقر غير مكره فقد سبق أنه لابد من أن يكون بحيث جوز التمكين ويظهر من بعض الاخبار في باب الزنى جواز ارتكاب الزنى إذا كانت مهددة بالقتل، وأما اللواط المنزل منزلة الكفر كيف يجوز ارتكابه والحرية أيضا يشكل اعتبارها لان القائلين باعتبارها نظرهم إلى أن المملوك ملك لغيره السيد فإقراره إقرار على حق الغير، ويشكل من جهة أن إقرار المملوك إقرار على نفسه وعلى غيره، فلا مانع من نفوذه على نفسه بحيث لو عتق اجري عليه الحد بلا حاجة إلى إقرار جديد. وأما لزوم شهادة شهود الاربعة في مقام الاثبات فالظاهر أنه من المسلمات بين الاصحاب، وربما يتمسك بما رواه الصدوق بسنده المعتبر إلى سعد ابن طريف عن الاصبغ بن نباتة قال: (أتت امرأة أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقالت: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني طهرك الله فإن عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع؟ فقال لها: مما اطهرك؟ قالت: من

[ 69 ]

الزنى؟ فقال لها: فذات بعل أنت أم غير ذات بعل، فقالت ذات بعل - إلى أن قال - فلما ولت عنه [ المرأة ] من حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم هذه شهادة، فلم تلبث أن أتته فقالت: إني وضعت فطهرني، فتجاهل عليها، وقال: أطهرك يا أمة الله مماذا؟ قالت: إني زنيت - إلى أن قال - فلما ولت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم إنهما شهادتان، فلما أرضعته عادت إليه فقالت: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني قال لها: وذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت أم غير ذات بعل؟ قالت: بل ذات بعل، قال: وكان زوجك حاضرا أم غائبا؟ قالت: بل حاضرا، قال: إذهبي فاكفليه - إلى أن قال - فانصرفت وهي تبكي، فلما ولت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم هذه ثلاث شهادات - إلى أن قال - فرجعت فأخبرت أمير المؤمنين عليه السلام بقول عمرو فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ولم تكفل عمرو ولدك؟ قالت: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني - إلى أن قال - فرفع أمير المؤمنين عليه السلام رأسه إلى السماء وقال: إنه قد أثبت ذلك عليها أربع شهادات - الحديث) وجه الاستدلال أن المستفاد من هذه الرواية من جهة الاقارير الاربعة المنزلة منزلة الشهادات الاربع فلا بد أن يكون المنزل عليها أربعا ويمكن أن يقال: الشهادة قد تراد بها الحضور كشهادة العدلين في باب الطلاق، وقد يراد بها إظهار العلم كشهادة الانسان الموجبة لمعاملة المسلم معه، وقد يراد بها معنى آخر كشهادة الزوج القاذف لزوجته وشهادة الزوجة، فالتعبير في الرواية في قوله عليه السلام على المحكي (اللهم هذه شهادة) لم يحرز أن المراد أن هذه بمنزلة شهادة أحد الاربعة من الشهود أو إظهار علم مرة واحدة فمع الاقرار أربع مرات يجري الحد هذا مضافا إلى أن المورد خصوص المرأة المحصنة ومحل الكلام مطلق الزاني. ومما ذكر ظهر الاشكال في لزوم شهادة الاربعة في مقام الاثبات وعدم

[ 70 ]

الاعتبار بأقل منهم إن لم يتحقق الاجماع. وقد يؤيد لزوم الاربع برواية محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه عبد الرحمن، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: أتي عمر برجل قد نكح في دبره فهم أن يجلده، فقال للشهود: رأيتموه يدخله كما يدخل الميل في المكحلة قالوا: نعم، فقال لعلي عليه السلام: ما ترى في هذا - الحديث) ورواية أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتي أمير المؤمنين صلوات الله عليه برجل وامرأة قد لاط زوجها بابنها من غيره وثقبه وشهد عليه بذلك الشهود، فأمر به أمير المؤمنين عليه السلام به فضرب بالسيف حتى قتل - الحديث) نظرا إلى أن تعبيرهما بالشهود بصيغة الجمع يدل على أن عدم ثبوت اللواط بشاهدين عدلين. ولقائل أن يقول: فرق بين طلب الامام عليه السلام الشهود الاربعة وبين شهادة الجمع من باب الاتفاق، مضافا إلى أن أقل الجمع ثلاثة والمدعى لزوم الاربعة، إلا أن يقال: لا دليل على اعتبار البينة أعني العدلين في مثل المقام ومع عدم الاعتبار يتوجه الحد عليهما من جهة القذف. وأما قتل الموقب في الجملة فلا إشكال فيه في صورة كون الموقب محصنا، وأما غير المحصن فالمشهور أيضا القتل، ولا بد من نقل الاخبار، فمنها ما دل على وجوب قتل اللائط مطلقا من غير تقييد بكونه محصنا كصحيحة مالك بن عطية وقد عبر عنها المحقق الاردبيلي - قدس سره - بحسنة مالك بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (بينا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في ملاء من أصحابه أتاه رجل) وقد سبقت وجه الاطلاق ترك الاستفصال

[ 71 ]

ومنها مادلت على أن اللائط المحصن يقتل وغير المحصن يجلد كمعتبرة حماد بن عثمان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام (رجل أتى رجلا، قال: عليه إن كان محصنا القتل، وإن لم يكن محصنا فعليه الجلد، قال: قلت: فما على المؤتى؟ قال: عليه القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن). ومنها ما دل على أن المحصن يرجم وغير المحصن يجلد كمعتبرة الحسين ابن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام (أنه كان يقول في اللوطي إن كان محصنا رجم، وإن لم يكن محصنا جلد الحد). ومعتبرة يزيد بن عبد الملك قال: (سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: إن الرجم على الناكح والمنكوح ذكرا كان أو انثى إذا كانا محصنين وهو على الذكر إذا كان منكوحا أحصن أو لم يحصن). ومنها صحيحة ابن أبي عمير عن عدة من الاصحاب عن أبي عبد الله عليه السلام في الذي يوقب (أن عليه الرجم إن كان محصنا وعليه الجلد إن لم يكن محصنا). وقد يقال: مقتضى الجمع بين الاخبار تقييد الطائفة الاولى بالطائفة الثانية، فالمحصن يحكم عليه بالقتل، وغير المحصن يحكم عليه بالجلد واما ما دل على وجوب رجم فمقتضى إطلاقه وجوب الرجم تعيينا، كما أن مقتضى صحيحة مالك بن عطية هو تعين القتل بأحد الامور المذكورة فيها، فيرفع اليد عن إطلاق كل منهما بنص الاخر فتكون النتيجة هي التخيير

[ 72 ]

بين الرجم وأحد الامور الثلاثة وعندئذ فإن تم الاجماع فهو وإلا فاللازم هو التفصيل بين المحصن وغيره، ثم إنه بناء على ما ذكر من أن الاظهر عدم قتل اللائط غير المحصن فإن كان اللائط غير المحصن عبدا جلد خمسين جلدة، فإنه وإن لم يرد نص فيه بالخصوص إلا أنه يستفاد حكمه من بعض ما رود في زنى العبد من التنصيف، ففي صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (قيل له: وإن زنى وهو مكاتب، ولم يؤد شيئا من مكاتبته؟ قال: هو حق الله يطرح عنه من الحد خمسين جلدة، ويضرب خمسين) فإنها واضحة الدلالة على أن الحكم يعم الزنى وغيره. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من الجمع بين الطائفة الاولى والثانية بتقييد الطائفة الاولى بالطائفة الثانية فيشكل حيث إن ما فيه من قول أمير المؤمنين عليه السلام على المحكي (فاختر أيهن شئت - الخ) من غير سؤال عن كون الرجل المذكور فيه محصنا أو غير محصن ليس بمنزلة القانون القابل للتخصيص، بل بمنزلة أن يقال: أنت محكوم بما ذكر كنت محصنا أو غير محصن، وهل يقبل مثل هذا التخصيص، وأيضا التعبير بأن رسول الله صلى الله عليه وآله حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيهن شئت غير قابل أن يكون في مثله حكم آخر سوى الثلاثة حتى يقال: إن كان اللائط عبدا يستحق خمسين جلده ليس غير هذا مضافا إلى أن المحصن بالمعنى المذكور سابقا غير غالب فعلى فرض الاطلاق في الطائفة الاولى وتقييدها بالطائفة الثانية والثالثة يكون الباقي في الطائفة الاولى غير غالب والقانون لا بد أن يكون الباقي فيه الغالب لا الاقل بل ولا المساوي، فمع عدم الجمع العرفي إن اخذ بالطائفة الاولى فلا مجال للجمع بين الطائفة الثانية و الثالثة بالحمل على التخيير، وإن أخذ بالطائفتين وطرحت الطائفة الاولى فلا مانع من الجمع بين الطائفتين الثانية والثالثة بالنحو المذكور، ثم إنه مع صراحة

[ 73 ]

بعض الاخبار بعدم قتل غير المحصن واشتهار القتل بحيث كاد أن يكون مجمعا عليه يتحقق شبهة الاعراض عن العمل كيف يجترى أن يقال بغير ما هو المشهور وليس الدوران بين القتل والجلد دوران الامر بين الاقل والاكثر حتى يقال: الاقل متيقن والزائد يدرأ بالشبة ومع الاخذ بما دل على القتل بأي نحو كان لا فرق بين أن يكون الموقب صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا، ومع كون الموقب - بالفتح - صغيرا يؤدب الصغير ومع كونه كبيرا عاقلا مختارا يقتل بلا خلاف، بل ادعى عليه الاجماع، ويدل عليه معتبرة حماد بن عثمان المتقدمة وفيها (قلت وما على الموتى به؟ قال عليه السلام: عليه القتل الخ) وعدم العمل ببعض مدلوله في قبال صحيحة مالك بن عطيه المتقدمه لا يضر لجواز العمل ببعض الخبر وعدم العمل ببعضه الاخر. ويدل على إحراقه بالنار صحيحة جعفر بن محمد، وعن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كتب خالد إلى ابي بكر سلام عليك أما بعد فإني اتيت برجل قامت عليه البينة أنه يؤتى في دبره كما تؤتى المرأة، فاستشار فيه أبو بكر، فقالوا: اقتلوه، فاستشار فيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوت الله عليه فقال: أحرقه بالنار) ويخطر بالبال الاشكال من جهة البينة المذكورة في كلام خالد على المحكي لعلها البينة المعهودة من شهادة عدلين والظاهر أنها غير معتبرة في مقام الاثبات على المشهور وأيضا إجراء الحد من شئون الامام أو المنصوب من قبله بالخصوص أو مطلق الفقيه الجامع للشرائط وخالد خارج عن هؤلاء إلا أن يكون نظر أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى بيان أصل الحكم ولو لاط بعبده فحكمه حكم من لاط بغيره ويكون مشمولا للادلة ولعل نظر من تعرض إلى الاشارة إلى بطلان ما توهم بعض العامة من شمول الاية

[ 74 ]

الشريفة (والذينهم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (ولو ادعى العبد إكراهه درئ عنه الحد، ولو لاط الذمي بمسلم قتل وإن لم يوقب، ولو لاط بمثله فللامام الاقامة أو دفعه إلى أهل ملته ليقيموا عليه حدهم وموجب الايقاب القتل للفاعل والمفعول به إذا كان بالغا عاقلا ويستوي فيه كل موقب) قد سبق أنه لا بد من كون الاكراه بنحو كان الممكن نفسه منه معذورا شرعا من التمكين كتمكين المرأة مهددة بالقتل فإن كان الاكراه بهذه النحو عذرا فلا فرق بين العبد وغيره وإن لم يكن عذرا حيث عبر عن الفعل بالكفر فلا فرق أيضا بين العبد وغيره ومجرد دعوى الاكراه بلا أمارة عليه كيف تسع كما تسمع من الحر ولو لاط الذمي بمسلم فالمعروف أن الذمي يقتل، ويقال من جهة أنه يعتبر في الذمي أن لا يرتكب ما ينافي حرمة الاسلام فإذا ارتكبه خرج عن الذمة، ولعل التعميم لصورة عدم الايقاب من هذه الجهة ويمكن أن يقال: قد يكون الكافر محقون الدم من جهة التعميم فإذا ارتكب الفعل هل يجوز قتله مع التعميم أو يعامل معه معامله المسلم، ولو ارتكب بذمي آخر أو بغيره من الكفار فالحكم كما تقدم في باب الزنى، وقد سبق الكلام في موجب الايقاب أعني الموجب - بالفتح - (ولا يحد المجنون ولو كان فاعلا - على الاصح - والامام مخير في الموقب بين قتله ورجمه وإلقائه من جدار وإحراقه ويجوز أن يضم الاحراق إلى غيره من الاخرين) قد سبق الكلام في زنى المجنون وأن الحق أنه لا يحد وليس في المقام وجه إلا المقايسة مع الزنى وأما أن الامام عليه السلام مخير بين ما ذكر فهو المعروف والذي يظهر من

[ 75 ]

الصحيح أو الحسن المروي عن مالك بن عطيه المتقدم التخيير للائط الموقب من جهة قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي (فاختر أيهن شئت) وأطراف التخير فيه ثلاثة وأما الاحراق بالنار بالنسبة إلى الموقب فهو المستفاد من خبر القداح عن الصادق عليه السلام (أنه كتب خالد إلى أبي بكر أنه أتي برجل يؤتى في دبره فاستشار أمير المؤمنين فقال عليه السلام أحرقه بالنار، فإن العرب لا ترى القتل شيئا) وبالنسبة إلى من أوقب ما في صحيح عبد الرحمن العرزمي أن أمير المؤمنين صلوت الله عليه أمر بقتل الذمي الذي اخذ في زمان عمر، ثم قال: (قد بقيت له عقوبة اخرى، قال: وما هي؟ قال: ادع بطن من حطب، فدعا به فلف فيه ثم أخرجه فأحرقه بالنار) والاحراق طرف التخيير في الحسن أو الصحيح المروي عن مالك بن عطية المذكور والحق أن يقال: إجراء الحدود إن كان مختصا بالامام ومن يكون منصوبا من قبله بالخصوص فالامام عليه الصلاة والسلام عالم بتكليفه والمنصوب من قبله يرجع إليه وإن قلنا بأن الاجراء وظيفة الفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة، فالعمل بمضمون الاخبار المذكورة مع الشبهة من جهة السند في كثير منها، والاكتفاء بالاشتهار في ألسنه الفقهاء - قدس الله تعالى أسرارهم - كما سبق وسبق في كلام محقق الاردبيلي - قدس سره - مشكل وليس أطراف الشبهة من قبيل الاقل والاكثر حتى يكتفى بالاقل احتياطا هذا مع ما اشتهر من النبوي من درء الحد بالشبهة.

[ 76 ]

(من لم يوقب فحده مائة على الاصح، ويستوي فيه الحر والعبد، و لو تكرر مع الحد قتل في الرابعة على الاشبه) إذا وقع الاجتماع بدون الايقاب بل بالتفخيذ أو الادخال بين الاليتين فالمعروف جلد مائة بل في المسالك إنه هو المشهور، واستدل خبر سليمان بن هلال المنجبر بما ذكر عن الصادق عليه السلام (في الرجل يفعل بالرجل، فقال: إن كان دون الثقب فالحد، وإن كان ثقب اقيم ثم يضرب بالسيف) استظهر أن المراد من الحد مائة جلدة ويمكن منع الظهور فإن الحد ما هو المقرر شرعا من المائة والثمانين والخمسين في مقابل التعزير الذي ليس معينا شرعا، بل يكون بنظر الامام، أو المصوب من قبله، أو الفقيه في عصر الغيبة، فلعل نظر الامام إلى أن فيه الحد، ولا يكتفي بالتعزير، فمع هذا الاحتمال كيف يسلم لزوم مائة جلدة مع أن الحدود تدرأ بالشبة والتسوية بين الحر والعبد لعلها مستفادة من ترك الاستفصال لكن مقتضى مادل على التنصيف في الحد ومع كون الحد مائة جلدة يكون حد المملوك خمسين فكيف يؤخذ بترك الاستفصال والاطلاق وقد يستدل بصحيح أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: إن في كتاب علي صلوت الله عليه: إذا اخذ الرجل مع غلام في لحاف مجردين ضرب الرجل وادب الغلام وإن كان ثقب وكان محصنا رجم) والتقريب أن الظاهر من ضرب الرجل في هذه الصحيحة هو الحد الشرعي في مقابل الرجم، بقرينة التفصيل بينهما وبقرينة التعبير بالتأديب بالنسبة إلى الغلام، كما أن الظاهر من قوله (وان كان ثقب) وقوع شئ من الرجل دون الثقب في

[ 77 ]

الفرض الاول وهو التفخيذ، ومع التنزل عن ذلك فلا أقل من الاطلاق فيقيد بصوره التفخيذ بقرينة ما سيأتي من الروايات الدالة على أن نوم المجرد ليس فيه جلد مائه بل الثابت فيه ضرب تسعة وتسعين سوطا. ولقائل أن يقول: لامانع من حمل الضرب على معناه العرفي والمقابلة مع التأديب تتحقق بكون ضرب الغلام أخف من ضرب الرجل، والمقابلة مع الرجم تتحقق بوقوع الادخال في الدبر، كما عبر في غير واحد من الاخبار ومع هذا الاحتمال كيف يؤخذ بالاحتمال المذكور مع أن جلد مائة معرض قتل المحدود وأما مرفوعه أبي يحيى الواسطي قال: (سألته عن رجلين يتفاخذان؟ قال: حدهما حد الزاني، فإن أدعم أحدهما على صاحبه ضرب الداعم ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت، تركت ما تركت يريد بها مقتله، والداعم عليه يحرق بالنار) ورواية سليمان بن هلال قال: (سأل أصحابنا أبا عبد الله عليه السلام فقال: (جعلت فداك الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد، فقال: ذوا محرم فقال: لا - إلا أن قال: - إن كان دون الثقب فالحد وإن كان ثقب اقيم قائما، ثم ضرب ضربة بالسيف ضربة أخذ السيف منه ما أخذ - الحديث) فمع الاشكل من جهة السند كيف يؤخذ بمضمونهما مع أن رواية سليمان ليس فيه سوى ذكر الحد والحد لا دليل على مائة وأما صورة التكرر مع الحد فالمشهور فيها القتل في الرابعة بدعوى أنه لا فرق بينه وبين الزنى في ذلك، واستشكل بأنه لا وجه لذلك فإنه قياس مع الفارق بل يقتل في الثالثة لصحيحة يونس عن أبي الحسن الماضي عليه السلام (أصحاب

[ 78 ]

الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة) ويمكن أن يقال: لا يبعد إباء هذه العموم عن التخصيص لوقوع التأكيد بكلها وثانيا الكبائر كلها ليس عليها الحد المعروف المقابل للتعزير، فلابد من حمل الحد في الصحيحة على ما يعم التعزير كما عبر في بعض الاخبار التعبير عن تعزير الغلام أو الصبي بالحد ولازم هذا أنه إذا عزر المرتكب للكبيرة مرتين يقتل في الثالثة، ولا بد من ملاحظة كلمات الفقهاء هل يلتزمون بهذا، وقد ناقش المحقق الاردبيلي - قدس سره - في صحة هذه الرواية من جهة السند لان سنده محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان، عن يونس لا شتراك يونس وإن كان الاظهر أنه ابن عبد الرحمان ومع ذلك فيه قول خصوصا لا بني بابويه وقد يناقش في أحمد بن محمد فإنه أيضا مشترك بل في محمد بن يحيى، وصفوان أيضا هذا في الكافي وأما في التهذيب فهي مقطوعة، عن يونس، وقيل: الطريق إلى يونس بن عبد الرحمان صحيح فإن كان هو هو صحيح لكن يرد عليه أن في الطريق محمد بن عيسى، وعن يونس كما في السند الرابعة، وما ذكر في السند مذكور في شرح الارشاد للمحقق الاردبيلي قدس سره. (ويعزر المجتمعان تحت إزار مجردين ولا رحم بينهما من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين، ولو تكرر مع تكرار التعزير حدا في الثالثة، وكذا يعزر من قبل غلاما بشهوة ويثبت السحق بما يثبت به اللواط والحد فيه مائه جلدة حرة كانت أو أمة، محصنة كانت أو غير محصنة للفاعلة والمفعولة وقال في النهاية: ترجم مع الاحصان وتقتل، المساحقة في الرابعة مع تكرار الحد ثلاثا) إذا وجد رجلان تحت لحاف واحد مجردين من دون أن يكون حاجز،

[ 79 ]

فالمشهور بين الفقهاء؟ أنهما يعزران بين ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا، والمستند رواية سليمان بن هلال قال: (سأل بعض أصحابنا أبا عبد الله عليه السلام فقال: (جعلت فداك الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد؟ فقال: ذوا رحم؟ فقال: لا، قال: من ضرورة؟ قال: لا، قال: يضربان ثلاثين سوطا وثلاثين سوطا - الحديث) وصحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجلين يوجدان في لحاف واحد قال: يجلدان غير سوط واحد) وجمع بينهما أن الضرب بين ثلاثين سوطا وتسعة وتسعين سوطا والتخيير إلى الامام واستشكل بأن رواية سليمان بن هلال ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بها، والظاهر أن نظر من تمسك بها إلى انجبار الضعف بالعمل كما في كثير من الموارد، لكن يقع الاشكال من جهة عدم ذكر التجرد في الرواية والصحيحة المذكورتين، والظاهر أنهما مستحقان لما ذكر فيقع التعارض بينهما وعن أبي علي والصدوق - قدس سرهما - الحد مائة سوط وتدل على ذلك روايات منها صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (كان علي عليه السلام إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزاني مائة جلده كل واحد منهما مائة جلدة) ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحد، والمرأتان

[ 80 ]

تجلدان إذا اخذتا في لحاف واحد الحد) ومنها صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول حد الجلد في الزنى ان يوجدا في لحاف واحد والرجلان يوجدان في لحاف واحد والمرأتان ان توجدان في لحاف واحد) ومنها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان علي صلوت الله تعالى عليه إذا وجد الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد وإذا أخذ المرأتين في لحاف ضربهما الحد) ومنها صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: حد الجلد، في الزنى أن يوجدا في لحاف واحد والرجلان يوجدان في لحاف واحد والمرأتان توجدان في لحاف واحد) وفى مقابل هذه الروايات ما يدل على أن الجلد أقل من المائة منها صحيحة معاوية بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأتان تنامان في ثوب واحد؟ فقال: تضربان، فقلت: حدا؟ قال عليه السلام: لا، قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد؟ قال: يضربان، قال: قلت: الحد؟ قال: لا) رواه الشيخ بالسناده إلى يونس بن عد الرحمن واستظهر صحة الرواية ومنها صحيحة ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجلين يوجدان في لحاف واحد؟ قال: يجلدان غير سوط واحد)

[ 81 ]

ونحوها صحيحتا أبان بن عثمان وحريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، وقد يقال إذن لا بد من الالتزام بالتخيير أو حمل روايات المائة على التقية ويمكن أن يقال: بناء على انجبار الخبر الضعيف من جهة الشهرة لا مانع من الاخذ برواية سليمان بن هلال المذكورة المستفاد منها عدم البأس مع كون الرجلين ذوا محرم بل لا يبعد استفادة عدم البأس مع عدم كونهما في معرض الشبهة بل لا يبعد استفادة عدم البأس في غير ذوي محرم إذا كان النائمان منزهين ولعل الاخبار من جهة السؤال والجواب منصرفة عن صورة المحرمية كنوم الاب والابن ونوم الاختين أو الاخوين مع التنزه عن الفساد، بل عن صورة تنزه الطرفين عن الفساد ولعله من هذه الجهة قيد في كلمات الفقهاء بالتجرد مع خلو الاخبار المذكورة عن القيد، نعم ذكر في حسنة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كان علي عليه السلام إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزاني مائة جلدة كل واحد منهما وكذا المرأتان إذا وجدتا في لحاف واحد مجردتين جلد كل واحدة منهما مائة جلدة) وفي غير ما ذكر يقع الاشكال من جهة تعارض الاخبار واستبعاد تساوي نوم شخصين بلا فعل شئ مع الزنى اللازم فيه رؤية الشهود بالنحو المذكور في الاخبار في الحد أو أقل من حد الزنى بسوط، والقدر المتيقن التعزير، و الاخذ بالاخبار الداله على مائه جلدة أو أقل بعيدة مع صراحة بعض الاخبار الصحيحة بنفي الحد، ولا تعبير بضرب ثلاثين سوطا في رواية سليمان بن هلال المنجبر ضعفه بالشهرة مع أنه إيذاء للمؤمن أو المسلم وربما يوجب قتله، والاحتياط الاكتفاء بالتعزير بثلاثين سوطا. وما ذكر من التخيير بنظر الامام لم يظهر وجهه لما ذكر من أن استحقاقهما لما ذكر، هذا كله في صورة جواز إجراء الحد والتعزير لغير المنصوب بالخصوص

[ 82 ]

في زمان الغيبة، ومع حضور الامام أرواحنا له الفداء فهو عالم بتكليفه والمنصوب من قبله يرجع إليه ولو تكرر الاجتماع المذكور وتكرر التعزير فالمعروف أنهما يحدان في الثالثة، واستدل بفحوى خبر أبي خديجه، عن الصادق عليه السلام الوارد في الامرأتين قال: (ليس لهما أن تناما في لحاف، واحد إلا أن يكون بينهما حاجز فإن فعلتا نهيتا عن ذلك، فإن وجدتا بعد النهي جلدت كل واحدة منهما حدا حدا، فإن وجدتا أيضا في لحاف واحد حدتا، فإن وجدتا الثالثة حدتا، وإن وجدتا الرابعة قتلتا) بناء على أن المراد من حدهما في الثانيه التعزير و من النهي أو لا مجرد الامر بالترك واستشكل من جهة ضعف الرواية سندا ومن ظهوره في الحد في المرة الثانية ولا يلتزمون به وأما لزوم تعزير من قبل غلاما بشهوة فلا خلاف فيه ظاهرا لانه فعل مجرما فيستحق فاعله التعزير كغيره من المحرمات وفي الخبر المشتهر (أن من قبل غلاما بشهوه لعنته ملائكة المساء وملائكة الارضين وملائكة الرحمة وملائكة الغضب) وفي آخر (من قبل غلاما بشهوة ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) وقد يقال لا فرق بين المحرم والاجنبي لا طلاق الدليل وإن قيده الاكثر بالثاني ويمكن أن قال: الشهوة في التقبيل تارة تكون كشهوه تقبيل الزوج زوجته فهذه حرمتها مسلمة فالتقبيل بهذه الشهوة يترتب عليه ما ذكر، واخرى

[ 83 ]

كشهوة الاب تقبيل ولده الجائي من السفر وهذه الشهوه كشهوة النظر إلى الاوراد والمياه الجارية ولا أظن أن يلتزم بحرمة مثل هذا التقبيل، فالتقييد يكون في محله وأما السحق الذي هو وطي المرأة مثلها المكنى عنه في النصوص باللواتي مع اللواتي التي لعنها الله والملائكة ومن بقي في أصلاب الرجال و أرحام النساء وهن في النار وعليهن سبعون حلة من نار وفوق تلك الحلل جلد غليظ من نار وعلهين نطاق من نار وتاج من نار من فوق تلك الجلد وخفاف من نار وهو الزنى الاكبر الذي أحدثه في الناس لا قيس بنت إبليس كما أحدث أبوها لواط بالرجال فاستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء ويؤتى بهن يوم القيامة، وقد البسن مقطعات من النار ومقنعة بمقانع من نار وسرولن من النار وادخل في أجوافهن إلى رؤوسهن أعمدة من نار وقذف بهن في النار إلى غير ذلك مما ورد فيه في الاخبار الشريفة. فالحد فيه مائة جلدة بلا خلاف ظاهرا وتدل عليه عدة روايات منها صحيحة محمد بن أبي حمزه وهشام وحفص كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق فقال: حدها حد الزاني فقالت المرأة: ما ذكر الله عزوجل ذلك في القرآن؟ فقال: بلى، قالت: وأين هو؟ قال: هن أصحاب الرس) ومنها صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهما السلام قال: (المساحقة تجلد) بناء على إرادة بيان حد الجلد المقابل للرجم في الزنى وهو المائة وقد يتأمل في استفادة كون الحد مائة جلدة من جهة السند والدلالة أما من جهة السند فمن جهة أن الرواية الاولى حسنة وليست صحيحة، وأما من جهة الدلاله فلان يحد الزاني إن كان محصنا الرجم وليس بمعلوم كون المراد ما في القرآن وهو

[ 84 ]

الجلد، ويمكن الاستدلال للتفصيل بين المحصنة وغيرها بصحيحة محمد بن مسلم قال: (سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يقولان: (بينا الحسن بن علي في مجلس أمير المؤمنين عليهما السلام إذ اقبل قوم فقالوا: يا أبا محمد أردنا أمير المؤمنين عليه السلام قال: وما حاجتكم؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة قال: وما هي تخبرونا بها، فقالوا: امرأة جامعها زوجها فلما قام عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها فوقعت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن صلوت الله عليه معضلة وأبو الحسن لها، وأقول فإن أصبت فمن الله ثم من أمير المؤمنين عليه السلام وإن أخطأت فمن نفسي فأرجو أن لا أخطي إن شاء الله تعالى: تعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهله لان الولد لا يخرج منها حتى تشق فتذهب عذرتها، ثم ترجم المرأة لانها محصنة، وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها ويرد الولد إلى أبيه صاحب النطفة ثم تجلد الجارية الحد) قال: فانصرف القوم من عند الحسن فلقوا أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: ما قلتم لابي محمد عليه السلام وما قال لكم، فأخبروه، فقال: لو أنني المسؤل ما كان عندي منها أكثر مما قال ابني) وفي التهذيب قريب منها بسند آخر وقد يقال: حيث لا تخلو المسألة عن الشبهة إلا أن درء الحدود بها توجب المصير إلى الجلد مطلقا ويمكن أن يقال: الجلد والرجم في صورة الاحصان متباينان وليسا من قبيل الاقل والاكثر حتى يقال: يكتفي بالاقل ومع استحقاق المرأة مع الاحصان الرجم يكون جلدها إيذاء لها على خلاف الشرع، فمجرد كون الجلد أخف من الرجم لا يرفع الاشكال وأما كون ثبوت السحق كثبوت اللواط فاستدل عليه بعموم المنزلة في بعض الاخبار كالمروي في مكارم الاخلاق عن النبي صلى الله عليه وآله (السحق في النساء

[ 85 ]

بمنزلة اللواط في الرجال) والمرسل المروي عن بعض الكتب عن الامير صلوات الله تعالى عليه أنه قال: (السحق في النساء كاللواط في الرجال، ولكن فيه جلد مائة لانه ليس فيه إيلاج) مع دعوى انجباره بالشهرة ويمكن أن يقال: التنزيل بلحاظ الاثار وإثبات الشئ ليس من آثار الشئ واما قتل المساحقة في الرابعة مع تكرار الحد، فادعي أنه الاظهر و الاشهر ويشكل من جهة أن المماثله للواط مع القول بالقتل في اللواط في المرتبة الاولى وعدم القتل في السحق في المرتبة الاولى يوجب عدم المماثلة فيرجع إلى الخبر المعروف (أصحاب الكبائر كلها - الخ) فإن لم يكن إشكال من جهة السند والدلالة فلا بد من القتل في المرتبة الثالثة وقد سبق كلام المحقق الاردبيلي - قدس سره - في سند خبر المعروف (ويسقط الحد بالتوبة قبل البينة كاللواط ولا يسقط بعد البينة ويعزر المجتمعتان تحت إزار واحد مجردتين ولو تكرر مرتين مع التعزير اقيم عليهما الحد في الثالثة ولو عادتا قال في النهاية: قتلتا) أما سقوط الحد بالتوبة فقد سبق في ما لو تاب المشهود عليه بالزنى استدل عليه بما رواه جميل، عن رجل عن أحدهما عليهما السلام (في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم ذلك، ولم يؤخذ حتى تاب وصلح، فقال عليه السلام إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد) واستشكل في الاخذ به من جهة الارسال والاولى التمسك بمعتبرة

[ 86 ]

الاصبغ بن نباتة قال (أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني فأعرض عنه بوجهه، ثم قال له: إجلس، فقال: أيعجز أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه كما ستر الله عليه، فقام الرجل فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني، فقال: وما دعاك إلى ما قلت؟ قال: طلب الطهارة، قال وأي طهارة أفضل من التوبة - الحديث) والمستفاد من هذه المعتبرة أن الطهارة التي يراد حصولها بإجراء الحد تتحقق الافضل منها بالتوبة، هذا مضافا إلى الاوامر الواردة في التوبة وما هو المعروف (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وأما التوبة بعد البينة فلا كلام في عدم سقوط الحد بها وقد سبق الرواية الواردة في إسلام الذمي الزاني بالمسلمة وفيها (فكتب عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركون فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رؤا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنا لك الكافرون) واما تعزير المجتمعين تحت إزار واحد فقد تقدم الكلام فيه وأما إقامة الحد الثالثة بعد تعدد الاجتماع وتكرر التعزير فاستدل عليها بخبر أبي خديجة عن الصادق عليه السلام (في امرأتين قال: ليس لهما أن تناما في لحاف واحد إلا ان يكون بينهما حاجز فإن فعلتا نهيتا عن ذلك، فإن وجدتا مع النهي جلدت كل واحدة منهما حدا حدا، فإن وجدتا أيضا في لحاف واحد حدتا

[ 87 ]

فإن وجدتا الثالثة حدتا فإن وجدتا الرابعة قتلتا) بناء على أن المراد من حدهما في الثانية التعزير ومن النهي أولا مجرد الامر بالترك، واستشكل بأن هذا الخبر أخص من المدعى ولعله من جهة الاختصاص بخصوص المرأتين وذكر الحد وإرادة التعزير خلاف الظاهر وحكي عن الحلي - قدس سره - القتل في الثالثة لانه كبيرة وكل كبيرة يقتل فاعلها في الثالثة واستشكل بمنع كلية الكبرى لما في المسالك من أنه إن اريد مع إيجابها الحد فمسلم لكن لا يقولن به هنا، وإن اريد مطلقا فظاهر منه، واجيب بأنه مخصص بخبر أبي خديجة المذكور المنجبر بالشهرة ومع العود قتلتا للخبر المذكور وما ورد من أن أصحاب الكبائر تقتلوا في الرابعة، واختار المصنف - قدس سره - الاقتصار على التعزير إحتياطا في التهجم على الدم (مسألتان: الاولى لا كفالة في الحد ولا تأخير إلا لعذر، ولا شفاعة في إسقاطه الثانية لو وطئ زوجته فساحقت بكرا فحملت من مائه فالولد له، وعلى زوجته الحد والمهر وعلى الصبية الجلد) أما عدم الكفالة في الحد فللحسن أو الصحيح عن الصادق عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كفالة في حد) ونحوه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وهذا الكلام يمكن أن يراد منه أنه لا تقبل كفالة أحد إذا لزم الحد للزوم تأخير الحد، فإذا فرض لزوم التأخير كما لو لزم إرضاع ولد بحيث يموت الولد مع ترك الام الارضاع ومن استحق الحد يمكن أن يهرب بحيث لا يمكن إجراء الحد عليه فإن كان النظر إلى هذا فلا بد من التقييد وهذا كما

[ 88 ]

يقال لا يجوز تأخير الحد فمع جواز التأخير لا مانع من الكفالة ويمكن أن يكون المراد أنه لا يصح الكفالة وضعا بحيث لو تعهد الكفالة لا يصح وعلى هذا يكون الكفالة باطلة نظير البيع الغرري وعلى الاول يكون نظير البيع وقت النداء يوم الجمعة وأما عدم جواز التأخير فلما سبق من الاخبار واما عدم الشفاعة فيمكن أن يراد منه حرمة الشفاعة ويمكن أن يكون المراد عدم قبول الشفاعة، ولا يلازم الشفاعة الرفعة، فحرمتها موجبة لعدم جواز الشفاعة لا مكان ان يكون الشفاعة من جهة الترحم بأولاد من وجب عليه الحد لكن الشفاعة مع إمكان العفو ومع عدم الامكان يكون لغوا فكيف يتعلق بها النفي أو النهي واما ما ذكر في الثانيه فالدليل عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المشتملة لما أفتى به الحسن بن علي عليهما آلاف التحية والثناء (وأما القيادة فهي الجمع بين الرجال والنساء للزني، أو الرجال والنساء للزنى، أو الرجال و الصبيان للواط وتثبت بشاهدين أو الاقرار مرتين والحد فيه خمس وسبعون جلدة وقيل: يحلق رأسه ويشهر ويستوي فيه الحر والعبد والمسلم والكافر، وينفى بأول مره وقال المفيد: في الثانية والاول مروي لا نفي على المرأة ولا جز) ظاهرا لمتن تعريف القيادة بالجمع المذكور، وقد يقال: هي الجمع بين الرجال والنساء للزنى وبين الرجال والرجال للواط وبين النساء والنساء للسحق ويشكل التعميم بهذا النحو حيث إن الحرمه لا كلام فيه بل الكلام في أن ما هو الموضوع للحكم ما هو، فمع الشك كيف يترتب أحكام القيادة في مثل الجمع بين النساء والنساء للسحق؟ ولعل الحكم فيه التعزير لا الحد المذكور

[ 89 ]

للقيادة وأما الثبوت بشاهدين عدلين أو الاقرار مرتين فالظاهر أنه لا خلاف فيه، أما الثبوت بشهادة عدلين فقد يتمسك بعموم مادل على قبول شهادة عدلين، ولعل النظر إلى رواية مسعده بن صدقة المعروفة وشمولها لمثل المقام لا يخلو عن الاشكال لكن ظاهرهم عدم الاشكال ولا يبعد التمسك ببناء العقلاء على الاخذ بقول الثقة فمع عدم الردع من طرف الشرع يؤخذ به، بل في كثير من الموراد اجيز من طرف الشرع ولا مجال لا حتمال مدخليه خصوص المورد كثيرا يحصل الوثوق بقول الثقة ولا يحصل بإخبار العدلين ولا يبعد شمول ما في ذيل خبر مسعده من جعل الاستبانة عدل البينة وخبر الثقة فإن الاستبانة الظهور عند العقلاء لا خصوص القطع، ألا ترى أن ظواهر الالفاظ تؤخذ بها مع عدم حصول القطع ومع احتمال ما ذكر لا يحصل الردع فإن الردع لابد من كونه بنحو القطع كما في باب الشهادة وأما اعتبار الاقرار فلا إشكال فيه في الجملة، إنما الاشكال في اعتبار كونه مرتين أو الاكتفاء بالمرة ادعي عدم الخلاف أو عدم وجدان الخلاف في لزوم مرتين ولا دليل عليه سوى شبهة الاجماع ودرء الحدود بالشبهات، و يشكل من جهة أنه مع عموم الدليل وحجيته كيف يصدق الشبهة والاجماع غير معلوم واما الحد فيه فالمعروف أنه خمس وسبعون جلده وادعي عليه الاجماع واستدل أيضا بما رواه محمد بن سليمان، وعن عبد الله بن سنان قال (قلت لابي عبد الله عليه السلام: اخبرني عن القواد؟ قال: لا حد على القواد أليس إنما يعطى الاجر على أن يقود؟ قلت: جعلت فداك إنما يجمع بين الذكر والانثى حراما؟ قال: ذلك المؤلف بين الذكر والاثنى حراما؟ قلت: هو ذاك، قال: يضرب ثلاثة

[ 90 ]

أرباع حد الزاني خسمة وسبعين سوطا وينفى من المصر الذي هو فيه) واستشكل في الاستدلال به من جهة أن محمد بن سليمان مشترك بين الثقة وغير الثقة، بل الظاهر أنه محمد بن سليمان البصري - أو المصري على اختلاف النسخ - الذي ضعفه النجاشي فانه المذكور في طريق الصدوق في هذه الرواية على أن الرواية خاصة بين الجمع بين الذكر والانثى ويمكن إلحاق الجامع بين الذكر والذكر به الاولوية القطعية، و أما الجامع بين الانثى والانثى، فالرواية ساكتة عنه، فإذ المدرك هو الاجماع فقط ويمكن أن يقال: إن كان الخبر مشمولا لما ذكر الصدوق. قدس سره - من بنائه على ذكر الاخبار التي يعتمد عليها والتخلف عن هذا البناء نادرا لا يضر فلا مانع من الاخذ بها، هذا مع تعبير المنصف - قدس سره -، والاول مروي من دون ذكر الضعف وأما ما ذكر من أن الرواية خاصة بمن يجمع بين الذكر والانثى فلا يوجب الاختصاص ظاهرا حيث أن سؤال الرواي كان عن القواد، فمع شمول هذا العنوان بمطلق الجمع لا يوجب ذكر الخاص رفع اليد عن العام وإطلاق الحد على فرض الحجية يشمل جميع ما ذكر فلا بد من ملاحظة مادل على تصنيف الحد بالنسة إلى المملوك هل يشمل المقام أولا، وقد ذكر أنه قد ورد (إن الله تعالى شأنه أبى أن يجمع عليه الرق وحد الحر) ومما يدل على التصنيف ما رواه محمد بن يعقوب، وعن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن محبوب، وعن حماد، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قيل له: (فإن زنى وهو مكاتب ولم يؤد شيئا من مكاتبته

[ 91 ]

قال هو حق الله يطرح عنه من الحد خمسين جلدة ويضرب خمسين) وروى الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب، وعن حماد بن زياد مثله وما رواه محمد بن علي بن الحسين باسناده عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام (في عبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه، ثم إن العبد أتى حدا من حدود الله و؟ قال: إن كان العبد حيث اعتق نصفه قوم ليغرم الذي أعتقه نصف قيمته فنصفه حر يضرب نصف حد الحر ويضرب نصف حد العبد وإن لم يكن قوم فهو عبد يضرب حد العبد) واما ما ذكر من حلق الرأس والاشهار فهو المشهور لكن ليس في الرواية والشهرة بين الاصحاب الذين منهم ابن إدريس - قدس سره - الذي لا يعمل إلا بالقطعيات من الاخبار واما النفي بأول مرة فهو مقتضي الاطلاق في الرواية المذكورة وبه قال الشيخ (ره) في النهاية وابنا إدريس والسعيد في محكي السرائر والجامع واما عدم النفي والجز على المرأة ادعي الاتفاق عليه ظاهرا مضافا إلى الاصل بل في الرياض اختصاص الفتوى والرواية بحكم التبادر بالرجل دون المرأه ويمكن أن يقال: إن تم الاتفاق فلا كلام ولان كان النظر إلى الرواية وذكر الضمير مذكورا فلازمه عدم شمول الحد المذكور فيها للمرأة فلا وجه لتخصيص النفي والجز بالمذكور وظاهر التخصيص استحقاق الحد المذكور للمرأة أيضا فيحمل الضمير المذكر على الانسان الشامل للمذكر والمؤنث فيشمل النفي المذكور في الرواية على الرجل والمرأة

[ 92 ]

(الفصل الثالث) (في حد القذف ومقاصده أربعة: الاول في الموجب وهو الرمي بالزنى أو اللواط وكذا لو قال: يا منكوحا في دبره [ بأي لغه اتفق ] إذا كان مفيدة للقذف في عرف القائل، ولا يحد مع جهالته فائدتها وكذا لو قال لمن أقر بنوته: لست ولدي. ولو قال: زنى بك أبوك، فالقذف لابيه، أو زنت بك أمك، فالقذف لامه) عرف القذف في لسان الفقهاء بالرمي بالزنى أو اللواط، وذكروا الالفاظ الظاهرة فمع الظهور في الرمي لاإشكال في ترتب الحد كما في الكتاب والسنة ومع الظهور لا مجال للخدشه بأن الظهور مجامع للاحتمال والشبهة، والحدود تدرء بالشبهة لبناء العقلاء على الحجية ولا شبهة مع الامضاء من طرف الشرع لكن الاشكال من جهة أن التعبير بمثل يا منكوحا في دبره هل هو ظاهر في الرمي أو هو شتم بهذا التعبير ألا ترى أنه لو واجه إنسانا بقوله كلب بن الكلب هل هو غير الشتم فإذا تعارف الشتم بما هو مثله فهل يصدق عليه الرمي أو هو شتم أقبح شتم يستحق الشاتم التعزير لا الحد، ويظهر من صاحب الرياض - قدس سره - تسليم الظهور لكن الظاهر مع تعارض الشتم بمثل هذا التعبير أنه لا ظهور فيه، ولا نحتاج إلى الظهور في الشتم بل الاحتمال يكفي واما ما ذكر من أنه لا يحد مع جهالته فائدتها، ففي إطلاقه نظر فإن الجاهل تارة لا يخطر بباله أن كلامه رمي فلا إشكال فيه واخرى يحتمل، فمع الاحتمال كيف يكون معذورا وهذا كما لو قال أحد في مقام

[ 93 ]

العداوة قل لفلان كذا وكذا، من الالفاظ الصريحة في الرمي أو الشتم، وقال الواسطة الالفاظ المذكورة للفلان المذكور، مع احتمال الواسطة أن يكون القول المذكور رميا أو شتما فهل يكون الواسطة معذورا؟ كما لو أمر كاتبه اكتب لفلان كذا وكذا بلغة لا يعرفها الكاتب مع احتمال الرمي والشتم، فالكاتب ليس معذورا عند المكتوب له، لا يقال: مع الاحتمال القابل معذور لكون الشبهة بدوية كساير الشبهات البدوية لانه مع صدق الرمي يترتب الحكم كما لو رأى الزنى أو اللواط وتخيل أنه مع الرؤية يجوز الرمي وكما لو رأى الاربعة وبنائهم على الشهادة مجتمعين وشهد بعضهم ولم يشهد بعض آخر مع الاجتماع وثانيا الجواز معلق على جواز ما يحتمل كونه إيذاء للمؤمن ولا أظن أن يلتزم به والنباء على الاستحلال إذا صدر كلام فيه شبهة إساءة الادب ثم أن المذكور في كلماتهم اشتراط كون ما رمى به على الوجه المحرم، وأما لو كان على وجه يكون المرمي معذورا ككونه مقهورا أو نائما فلا يترتب عليه الحد مع كون المذكور ايذاء وتوهينا للمرمى يكون الكلام حراما لكونه ايذاء ويترتب عليه التعزير، واستفادة هذا من الاخبار مشكل ففي حسنة عبد الله بن سنان قال (قال أبو عبد الله عليه السلام قضى أمير المؤمنين صلوات الله تعالى عليه أن الفرية ثلاثة - يعنى ثلاث وجوه - إذا رمى الرجل الرجل بالزنى، وإذا قال: إن امه زانية وإذا دعاه لغير أبيه، فذلك فيه حد ثمانون) وقال أيضا في خبر عباد بن صهيب (كان علي عليه السلام يقول: إذا قال الرجل للرجل: يا معفوج ومنكوحا في دبره، فإن عليه حد القاذف) وفي خبر وهب بن وهب عن جعفر بن محمد، وعن أبيه عليهما السلام (إن عليا عليه السلام لم يكن يحد في التعريض حتى يأتي بالفرية المصرحه، مثل يازان ويا ابن

[ 94 ]

الزاينة، أو لست لا بيك) ونحو خبر إسحاق بن عمار فإن المرمي يمكن أن يكون مقهورا أو مكرها بنحو يكون معذورا وفي خبر السكوني عن أمير المؤمنين عليه السلام (من أقر بولد ثم نفاه جلد الحد والزم الولد) وعن بعض العامة عدم القذف في قول الوالد لولده الذي أقر به: لست ولدي لا حتياج الاب إلى تأديب ولده بمثل ذلك زجرا له وهذا خارج عن محل الكلام ولا استبعاد في استحقاق القاذف الحد من جهة إيذاء المرمي برميه وإن كان معذورا كاستحقاق التعزير بقوله يا فاسق يا شارب الخمر (ولو قال: (يا ابن الزانيين) فالقذف لهما، ويثبت الحد إذا كانا مسلمين ولو كان المواجه كافرا، ولو قال للمسلم: (يا ابن الزانية) وامه كافرة فالاشبه التعزير، وفي النهاية يحد ولو قال: (يا زوج الزانية) فالحد لها، ولو قال (يا أبا الزانية) أو (يا أخا الزانية) فالحد للمنوسبة إلى الزنى دون المواجه ولو قال: (زنيت بفلانة) فللمواجه حد وفي ثبوته للمرأة تردد) ولو قال: (يا ابن الزانيين) يثبت الحد لهما إذا كانا مسلمين ولو كان المواجه كافرا بشرط كون المنسوبين بالزنى عاقلين حرين محصنين لان القذف لهما دون المواجه وسيجئ شرائط القاذف والمقذوف ولو قال للمسلم: (يا ابن الزانية) وامه كافرة فالاشبه عند المصنف - قدس سره - التعزير دون الحد، وجهه أن الرمي راجعا إلى الام ومع اشتراط الاسلام في المقذوف لا حد.

[ 95 ]

وأما التعزير فلايذاء المواجه وسيجئ إن شاء الله تعالى الكلام فيه ولو قال (يا زوج الزانية) فالحد لها ولو قال: يا (أبا الزانية) أو (أخا الزانية) فالحد للمنسوب إليهما ولو قال: (زنيت بفلان) فللمواجه حد وفي ثبوته للمرأة تردد عند المصنف لاحتمال كون المرأة مكرهة ومع الاكراة ما ارتكبت المرأة الزني واستشكل بالنقض بما لو قال: (يا منكوحا في دبره) احتمل كونه مقهورا، واجيب بأنه مجمع عليه ولا مجال للقياس ويمكن أن يقال: إن كان الحكم في مورد النقض من جهة القهر فلا يقاس عليه وأما إن كان صدق الرمي فلا فرق بينهما، مضافا إلى أنه لم يظهر من الاخبار اعتبار كون ما رمى به على الوجه المحرم بالنسبة إلى المرمي، هذا مضافا إلى أن احتمال القهر خلاف الاصل ولذا ترى أن الشهود في الزنى إذا شهدوا بالزنى فبمجرد شهادتهم مجتمعين بالمشهادة بالنحو المذكور في الاخبار يترتب الحد من دون الاعتناء باحتمال الاكراه ولو لم يكونوا مجتمعين يحدون ومع احتمال الاكراه لو كان هذا الاحتمال معنى به لم يرموا المرأة بالزنى المحرم بالنسبة إليهما فما وجه الفرية وحدها عليهم (والتعريض يوجب التعزير، كذا لو قال لامرأته (لم أجدك عذراء) ولو قال لغيره ما يوجب أذى، الخسيس والوضيع وكذا لو قال: (يا فاسق) ويا (شارب الخمر) ما لم يكن متظاهرا) ولقائل أن يقول: إن كان التعريض بنحو لا يفهم منه القذف فلا إشكال وإن كان بنحو يفهم منه القذف فما الوجه في عدم ترتب حد القذف ولم لا يكون مشمولا للاية الشريفة؟ ألا ترى أن سب المؤمن حرام سواء كان بالصراحة أو بالتعريض والحاصل أنه يرجع الكلام إلى اعتبار الصراحة في القذف وهذا يحتاج إلى الدليل، ومع شمول الاطلاق الذي هو حجة لا يبقى شبهة حتى يقال:

[ 96 ]

تدرء الحدود بالشبهات وقد يتمسك بالاصل والاجماع وقول أبي جعفر عليهما السلام في خبر وهب بن وهب (إن عليا صلوات الله عليه لم يكن يحد بالتعريض حتى يأتي بالفرية المصرحة مثل يازان ويابن الزانية اولست لا بيك ونحوه خبر عمار عنه عليه السلام ولكن رواية وهب بن وهب عمل به الاصحاب ويؤيدها مثل ما رواه الشيخان في الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي جعفر عليهما السلام (إن عليا صلوات الله عليه كان يعزر في الهجاء ولا يجلد الحد إلا في الفرية المصرحة أن يقول (يازان) ويا ابن الزانية) أو (لست لابيك) وقول أمير المؤمنين في حسنة ابن سنان (الفرية ثلاثة يعني ثلاثة وجوه رمي الرجل الرجل بالزنى، وإذا قال: (إن امه زانية) وإذا دعى لغير أبيه، فكذلك فيه حد ثمانون) وظاهر الموثق أو الصحيح (في رجل قال لا مرأته: لم أجدك عذراء) قال: يضرب قلت: فان عاد؟ قال: يضرب فإنه يوشك أن ينتهى) - الحديث بحمل الضرب على التعزير، ولا معروف ترتب التعزير على كل ما يؤذي الغير وهل التعزير موجب على خصوص الكبائر أو يعمها وغيرها؟ فلا بد من ملاحظة الاخبار الواردة فمنها صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله سألت الصادق عليه السلام (عن رجل سب رجلا بغير قذف فعرض به هل يجلد؟ قال: عليه تعزير)

[ 97 ]

وفي خبر أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الهجاء التعزير وفي خبر إسحاق بن عمار (إن عليا عليه السلام كان يعزر في (الهجاء) وفي خبر معلى بن خنيس، عن الصادق عليه السلام (ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن) وفي خبر مفضل بن عمر عنه عليه السلام (إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الصدود لاوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنفوهم في دينهم، ثم يؤمر بهم إلى جنهم قال: كانوا والله يقولون بقولهم، ولكن حبسوا حقوقهم، وأذاعوا عليهم سرهم) وفي خبر الحسين بن أبي العلاء عن الصادق عليه السلام (أنه شكى رجل إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رجل قال: (احتلمت بامك) فقال عليه السلام: سنضربه ضربا وجيعا حتى أنه لا يؤذي المؤمنين، فضربه ضربا وجيعا) وقد يقال: إن الاسلام قد اهتم بحفظ النظام المادي والمعنوي و أجراء الاحكام على مجاريها، ومن الطبيعي أن هذا يقتضي أن يعزر الحاكم كل من خالف النظام، ويدل عليه أيضا النصوص الخاصة الواردة في موارد مخصوصة الدالة على أن للحاكم التعزير والتأديب حتى في الصبي والمملوك وما ورد في عدة روايات من أن الله تعالى جعل لكل شئ حدا ومن تعدى

[ 98 ]

ذلك الحد كان له حد) ويمكن أن يقال: ما ذكر في حفظ النظام يمكن فيه الاكتفاء بالنهي عن المنكر، وأما لزوم التعزير فلا يستقل به العقل واما الاخبار فلا يستفاد منه ترتب التعزير على كل ذنب من جهة اختلاف المراتب مضافا إلى ملاحظة التعزير بالنسبة إلى من حضر لا قامة الحد على الزاني حيث تفرق من عليه حد من حدود الله أو حق من حقوق الله ولم يذكر تعزير الامام لهم وأما الرواية المذكورة (إن لكل شئ حدا) فهي مجملة من جهة عدم معلومية المراد من الحد هل هو الانتهاء أو غير ذلك، كما يقال: (للبذل و الانفاق حد) ومع الاجمال لا مجال للتمسك به وأما صورة التجاهر فلا حد ولا تعزير بلا خلاف ظاهرا، بل عن الغنية الاجماع عليه فقد ورد (أن من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب) وورد أيضا (زينوا مجالسكم بغيبة الفاسقين) وعن الصادق عليه السلام (إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمه له ولا غيبة) وفي النبوي (إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بدى فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الاخرة) إلى غير ذلك مما هو دال على ذلك.

[ 99 ]

(ويثبت القذف بالاقرار مرتين من المكلف الحر المختار أو بشهادة عدلين ويشترط في القاذف البلوغ والعقل، فالصبي لا يحد بالفعل ويعزر وكذا المجنون) أما اعتبار البلوغ فاستدل عليه بحديث رفع القلم وصحيح الفضيل بن يسار (لا حد لمن لا حد عليه. يعنى لو أن مجنونا قذف رجلا لم أر عليه شيئا ولو قذفه رجل فقال له: يا زان، لم أر عليه حد) وفي خبر أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام (سأله عن الغلام لم يحتلم يقذف الرجل هل يجلد؟ قال: لا وذلك لو أن رجلا قذف الغلام لم يجلد) إلى غير ذلك أما التمسك بحديث الرفع فمع ثبوت التعزير والتأدب عليه لا يخلو عن الاشكال وبعبارة اخرى يمكن أن يقال: إن القذف سبب لا ستحقاق الحد وإن كان جائزا كما لو اجتمع أربعة شهود على الشهادة بالنسبة إلى رجل بالزنى واتفق تردد واحد منهم وقت الشهادة، فالثلاثة معذورون في الشهادة لجوازها باعتقادهم ومع ذلك يحدون، فسقوط التكليف لا يوجب سقوط الحد كلزوم الجنابة من جهة المباشرة قبل البلوغ، فتأمل وأما صحيح الفضيل فان ما فيه أعني (يعني لو أن - الخ) إن كان من كلام الامام عليه السلام وهو بعيد فظاهره اختصاص الحكم بالجنون وإن أمكن ذكره من باب ذكر الفرد وإن كان التفسير من الراوي فلا يوجب الاختصاص لكن االتعبير بلم أر من الراوي بعيد وأما المجنون فمع عدم تمشي القصد إلى القذف لا كلام فيه لعدم صدق القذف ومع التمشي الكلام فيه هو الكلام في الصبي والتمسك بالصحيح المذكور

[ 100 ]

لا إشكال فيه وأما تعزيرهما مع التقييد بتميزهما ققد علل بأنه حسم مادة الفساد و هو الاصل في شرعية الحدود والتعزيرات وإلا فلم نجد نصا بتعزير هما ويمكن أن يقال: المحرمات على المكلفين بنظر الفقهاء ليست بنحو واحد، ألا ترى أن المتنجسات في المأكول والمشروب محرمه على المكلفين ومع تنجسها بمباشرة الصبي لا يمنعون الصبي عن أكلها وشربها ويمكن أن يكون بهذه الجهة ذكر تأديب الغلام في بعض الاخبار في بعض الموارد، وفي بعض الموارد لم يذكر، ولعل عدم الذكر من جهة عدم وجوب التعزير، نظير ما ذكر في الاوامر الاضطرارية من عدم لزوم القضاء بعد الاتيان بالمأمور به الاضطراري بعد رفع الاضطرار حيث إن مقتضى الحكمة بيان لزوم القضاء بعد رفع الاضطرار فمع عدم البيان يستكشف عدم لزوم القضاء فتدبر (الثاني في المقذوف ويشترط فيه البلوغ، وكمال العقل، والحرية و الاسلام، والستر فمن قذف صبيا أو مجنونا أو مملوكا أو كافرا أو متظاهرا بالزنى لم يحد بل يعزر وكذا الاب لو قذف ولده ويحد الولد لو قذفه وكذا الاقارب أما اعتبار البلوغ في المقذوف فيدل عليه معتبرة إسحاق بن عمار، و صحيحة أبي مريم الانصاري قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الغلام لم يحتلم يقذف الرجل هل يجلد؟ قال: لا وذلك لو أن رجلا قذف الغلام لم يجلد) وقيل: ولا يضر بحجيتها وقوع القاسم بن سليمان في سندها لانه ثقه على الاظهر وأما اعتبار العقل فلصحيح فضيل بن يسار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا حد لمن لا حد عليه، يعنى لو أن مجنونا قذف رجلا لم أرعليه شيئا ولو

[ 101 ]

قذفه رجل فقال: يا زان لم يكن عليه جلد) وأما اعتبار الحرية فيدل عليه صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من افترى على مملوك عزر لحرمة الاسلام) وصحيحة صفوان عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام (في الحر يفترى على المملوك؟ قال: يسأل فإن كانت امه حره جلد الحد) حيث استظهر أن المراد من الفرية فيها نسبة التولد من الزنى إليه، ولا يخفى الاشكال فيه وقد يؤيد ذلك برواية عبيد بن زرارة قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو اتيت برجل قذف عبدا مسلما بالزنى لا نعلم منه إلا خيرا لضربته الحد حد الحر إلا سوطا) ورواية حمزة بن حمران عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألت عن رجل اعتق نصف جاريته ثم قذفها بالزنى؟ قال: قال: أرى عليه جلد خمسين جلدة - الحديث ولا يخفى الاشكال في الاستدلال لان المستفاد من رواية عبيد تعين حد الحر إلا سوطا مع كون العبد مسلما لا يعلم منه إلا الخير وهذا غير التعزير المعروف في ألسنة الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - الذى يكون بنظر المجري بلا تعيين مقداره، إلا أن يكون تعيين هذا المقدار من جهة كون العبد مسلما لا يعلم منه إلا الخير.

[ 102 ]

وأما الاشكال في الرواية الثانية من جهة أن القاعدة تقتضي تعيين الاربعين لان الحد الكامل ثمانون جلدة وأما اعتبار الاسلام فاستدل عليه بعدم الخلاف بل الاجماع واستدل بصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه نهى عن قذف من ليس على الاسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم وقال: أيسر ما يكون أن يكون قد كذب) وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه نهى عن قذف من كان على غير الاسلام إلا أن تكون قد اطلعت على ذلك منه) ويمكن أن يقال ظاهر الصحيحتين النهي عن القذف خرج عن النهي صورة الاطلاع كخروج صورة اطلاع أربعة شهود واجتماعهم على الشهادة، والباقي مشمول للاية الشريفة وظاهر الصحيحتين اعتبار الموضوع في الحكم غاية الامر خروج صورة الاطلاع بخلاف قذف المسلم حيث إنه منهي عنه حتى في صورة الاطلاع إلا في صورة اطلاع الاربعة مجتمعين على الشهادة نعم يستفاد من خبر إسماعيل بن الفضيل سئل الصادق عليه السلام (عن الافتراء على أهل الذمة وأهل الكتاب هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال: لا ولكن يعزر) لو لم يكن إشكال من جهة السند واما اعتبار الستر فاستدل عليه بمعتبرة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في الرجل إذا قذف المحصنة يجلد ثمانين) وصحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة.

[ 103 ]

ويشكل الاستفادة لان المحصنة قد يراد منها من لها زوج حاضر يغدو ويروح وتكون محكومة بالرجم والمراد من المحصنة غير معلوم وأما التقييد في وراية عبيدة بكون المقذوف ممن لا يعلم منه إلا الخير فغير معتبر فإن اعتبار العفة في كلمات الفقهاء لاخراج المتجاهر بالزنى و اللواط وأما غير المتجاهر فهو ممن لا يعلم حاله، فالظاهر أنه لا إشكال في أن قذفه موجب للحد وأما عدم الحد على الاب لو قذف الابن فاستدل عليه بصحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل قذف ابنه بالزنى؟ قال: لو قتله ما قتل به، وإن قذفه لم يجلد له، قلت: فإن قذف أبوه امه؟ فقال: إن قذفها وانتفى من ولدها تلاعنا ولم يلزم ذلك الولد الذي انتفى منه وفرق بينهما ولم تحل له أبدا، قال: وإن كان قال لابنه وامه حية (يا ابن الزانيه) ولم ينتف من ولدها، جلد الحد لها ولم يفرق بينهما، قال: وإن كان قال لابنه (يا ابن الزانية) وامه ميتة ولم يكن لها من يأخذ بحقها إلا ولدها منه فإنه لا يقام عليه الحد لان حق الحد صار لولده منها، فإن كان لها ولد من غيره فهو وليها يجلد له وإن لم يكن لها ولد من غيره وكان لها قرابة يقومون بأخذ الحد جلد لهم) واما لزوم الحد على الولد لو قذف أباه وكذا الاقارب فيدل عليه العمومات (الثالث في الاحكام: فلو قذف جماعة بلفظ واحد فعليه حد إن جاؤوا وطالبوا مجتمعين وإن افترقوا فلكل واحد حد، وحد القذف يورث كما يورث المال ولا يرثه الزوج ولا الزوجة، ولو قال: (ابنك زان) أو (بنتك زانية) فالحد لهما، فقال في النهاية: له المطالبة والعفو

[ 104 ]

لو قذف رجل جماعة بلفظ واحد وأتوا به مجتمعين فالمشهور أنه ضرب حدا واحدا، واستدل عليه بصحيح جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل افترى على قوم جماعة، قال: إن أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل منهم حدا) وصحيحة محمد بن حران عن أبي عبد الله عليه السلام قال (سألته عن رجل افترى على قوم جماعة، قال: فقال: إن أتوا به مجتمعين به ضرب حدا واحدا، وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل رجل حدا) ويظهر من معتبره سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام لزوم حد واحد مطلقا، قال: (قضي أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رجل افترى على نفر جميعا فجلده حدا واحدا) وقد حملت على ما إذا أتو به جميعا وفيه اشكال لان قول أبي عبد الله عليه السلام (قضي أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي إذا كان في مقام بيان الحكم فهو بمنزلة المطلق والقانون لا بد أن يكون الباقي فيه أكثر من المخرج الاقل ولا المساوي. وأما رواية بريد عن أبي جعفر عليهما السلام (في الرجل يقذف القوم جميعا بكلمة واحدة، قال: إذا لم يسمهم فإنما عليه حد واحد وإن سمي فعليه لكل رجل حد) فضعفت سندها وأما وراثة حد القذف فهي المشهورة وتدل عليه رواية عمار السباطي الموثقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعتة يقول: إن الحد لا يورث كما تورث الدية والمال والعقار ولكن من قام به من الورثة [ وطلبه ] فهو وليه، ومن تركه فلم يطلبه فلا حق له، وذلك مثل رجل قذف [ رجلا ] وللمقذوف

[ 105 ]

إخوان فإن عفى عنه أحدهما كان للاخر أن يطلبه بحقه لانها امهما جميعا، والعفو إليهما جميعا) وعليه حملت رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحد لا يورث) أي لا يورث كالدية. ويمكن أن يقال: أصل الوراثة لا إشكال فيها والدليل عليها صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في رجل قذف ابنه وأما عدم وراثة الزوج والزوجه وغيرهما من ذوي الاسباب عدا الامام عليه السلام فادعي الاجماع عليه ومع التشكيك في الاجماعات المنقولة مع إطلاق الدليل يشكل وأما خبر السكوني المذكور فمع اعتباره لولا المعارضة يشكل حملهما على ما ذكر حيث إنه ليس جمعا عرفيا فلو قال: ابنك أو بنتك زانية، فالحد للابن والبنت مع بلوغهما و عقلهما، وقال الشيخ في النهاية والمفيد للاب المواجه المطالبة للحد والعفو عنه ووجهه بأن العار لاحق به فله المطالبة بالحد والعفو ولا يخفى الاشكال في التوجيه المذكور فإن حقيقة القذف الرمي بالزنى أو اللواط والمرمي ليس إلا الابن والبنت لا الاب ويرجع التوجيه المذكور إلى عدم ثبوت الحد لو رمى الابن أو البنت مع احتمال الاكراه حيث إن الاكراه رافع للحرمة بالنسبة إلى المكره لا العار ولا مانع لثبوت الحد من جهة المرمي بالزنى وإن كان المرمي معذورا من جهة الاكراه (ولو ورث الحد جماعة فعفا أحدهم كان لمن بقي الاستيفاء على التمام ويقتل القاذف في الرابعة إذا حد ثلاثا وقيل في الثالثة) استدل لما ذكر بمعتبرة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال (سمعته يقول إن الحد لا يورث كما

[ 106 ]

تورث الدية والمال ولكن من قام به من الورثة فهو وليه، ومن تركه فلم يطلبه فلا حق له وذلك مثل رجل قذف وللمقذوف أخ [ إخوان ] فإن عفا عنه أحدهما كان للاخر أن يطلبه بحقه لانها امهما جميعا والعفو إليهما جميعا) والمستفاد من هذه الرواية أنه إذا ترك بعض الورثة ولم يطالب للبعض الاخر المطالبة بتمام الحق ومع عفو بعض الورثة كان للاخر أن يطلبه بحقه و كيف يكون حق الاخر تمام الحد مع أن تمام الحد مشترك بينهما وكيف يتحقق العفو مع بقاء تمام الحد على القاذف والحاصل أن المقام إن كان مثل الولاية للاب والجد للاب فلا مانع من استيفاء أحد الاخوين مثلا مع ترك الاخر وأما لو لم يكن كذلك وعبر بالعفو فمع بقاء تمام الحد على القاذف ما معنى العفو وقال في الجواهر: إنه ليس على حسب إرث المال من التوزيع بل هو ولاية لكل واحد من الورثة المطالبة به تاما، وإن عفا الاخر - الخ) وفيه نظر وجهه أن الولي إن كان له الولاية على الاستيفاء والفعو فلازم العفو سقوط الحق وإن كان وليا في خصوص الاستيفاء فلا معنى لعفوه والخبر المذكور ذكر فيه العفو واما قتل القاذف في المرتبة الرابعة أو الثالثة فقد مر الكلام فيه في نظير المقام. والحد ثمانون جلدة حرا كان القاذف أو عبدا، ويجلد بثيابه ولا يجرد ويضرب متوسطا، ولا يعزر الكفار مع التنابز) الاكثر على عدم اشتراط الحرية في تمام الحد ثمانين جلدة، ويدل عليه قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات الخ) من جهة إشعار الوصف بالعلية وهو شامل للعبيد والاماء وحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا

[ 107 ]

قذف العبد الحر جلد ثمانين، وقال: هذا من حقوق الناس) ورواية أبي الصباح قال: (سألته عن عبد افترى على حر؟ فقال: يجلد ثمانين) ولا يضر وجود محمد بن الفضيل ورواية زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام في مملوك قذف حرة محصنة؟ قال: يجلد ثمانين لانه يجلد بحقها) ولا يضر موسى بن بكر ورواية أبي بكر الحضرمي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عبد قذف حرا؟ فقال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله عزوجل فإنه يضرب نصف الحد قلت: الذي من حقوق الله ما هو؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحقوق التي يضرب فيها نصف الحد) ولا يضر عدم التصريح بتوثيق أبي بكر مع توثيقه في كتاب ومثلها عن ابن بكير ولا يضر عدم توثيقه ويكفي كونه ممن أجمع على تصحيح ما صح عنه ورواية بكير عن أحدهما عليهما السلام قال (من افترى على مسلم ضرب ثمانين يهوديا كان أو نصرانيا أو عبدا) وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن العبد يفتري على الحر قال: يجلد حدا) بدعوى ظهوره في الحد الحد التام للقذف ونقل عن ابن بابويه والمبسوط جلد أربعين نصف ثمانين، واستدل بقوله تعالى (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) بدعوى

[ 108 ]

عدم الفرق بين الاماء والعبيد ودعوى أن الظاهر من الفاحشة أي فاحشة كانت، وقد يقال: إن الفاحشة عبارة عن الزنى، قاله المفسرون ولرواية القاسم بن سليمان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد إذا افترى على الحر كم يجلد؟ قال: أربيعن وقال: إذا أتى بفاحشة فعليه نصف العذاب) واستشكل في السند من جهة أن القاسم مجهول فلم يمكن الاستدلال به ونسبه الشيخ في التهذيب إلى الشذوذ ويمكن حملها على التقية ويمكن أن يقال الانصاف أن المسألة لا تخلو عن شوب الاشكال من جهة أن المحقق في غير النافع، والعلامة في الارشاد ذكرا القولين ولم يرجحا، و حمل الفاحشة في الاية الشريفة على خصوص الزنى بقول المفسر محل اشكال ولا أقل من الشبهة وتدرء الحد بالشبهة وإن كانت الشبهة راجعة إلى بعض الحد و حمل الحد في صحيح محمد بن مسلم المذكور آنفا على خصوص الحد التام محل إشكال وأما الجلد بثياب االقاذف بدون التجريد ضربا متوسطا فتدل عليه معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال: (المفتري يضرب بين الضربتين يضرب جسده كله فوق ثيابه) ومعتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال أمير الؤمنين صلوت الله عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وآله: أن لا ينزع شيئ من ثياب القاذف إلا الرداء) وأما صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال قضى أمير المومنين صلوت الله عليه في المملوك يدعو الرجل لغير أبيه؟ قال: أرى أن يعرى

[ 109 ]

جلده) وهي لا تعارضهما فإن جملة (أن يعرى جلده) لم يثبت لاختلاف النسخة. واما عدم تعزير الكفار مع تنابرهم فهو المشهور، مع أن القبيح قبيح على الكل لا فرق بين المسلم والكافر وذكر في وجه عدم التعرض أنه يجوز للامام أن لا يتعرض بهم ويخليهم ومذهبهم في الحدود، وهنا بالطريق الاولى وغير هذا مما لا ينتفع (الرابع في اللواحق وهي مسائل: الاولى يقتل من سب النبي صلى الله عليه وآله وكذا من سب أحد الائمة صلوت الله عليهم ويحل دمه لكل سامع إذا أمن الثانية يقتل مدعي النبوه وكذا من قال: لا أدرى محمد [ صلى الله عليه وآله ] صادق أولا، إذا كان على ظاهر الاسلام الثالثة يقتل الساحر إذا كان مسلما ويعزر إن كان كافرا) أما جواز قتل الساب للنبي صلى الله عليه وآله بل وجوب قتله فهو مجمع عليه و يدل عليه صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام (إنه سئل عمن شتم رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: يقتله الادنى فالادنى قبل أن يرفع إلى الامام) وفي خبر الحسن بن علي الوشاء (سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: شتم رجل على عهد جعفر بن محمد عليهما السلام رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى به عامل مدينه فجمع الناس فدخل عليه أبو عبد الله عليه السلام وهو غريب العهد بالعلة وعليه رداء فأجلسه في صدر المجلس واستأذنه في الاتكاء وقال لهم: ما ترون فقال له عبد الله بن الحسن والحسن بن زيد وغيرهما: نرى أن يقطع لسانه، فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي وأصحابه فقال: ما ترون؟ قال: يؤدب، فقال أبو عبد الله عليه السلام: سبحان الله فليس بين رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه فرق)

[ 110 ]

وفي خبر علي بن جعفر قال: (أخبرني أخى موسى عليه السلام قال: كنت واقفا على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيدالله الحارثي عامل المدينة فقال يقول لك الامير انهض إلي فاعتل بعلة فعاد إليه الرسول، فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوتك، قال: فنهض أبي واعتمد علي ودخل على الولي وقد جمع فقهاء المدينة كلهم وبين يديهم كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبي صلى الله عليه وآله فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله انظر في الكتاب، قال: حتى أنظر ما قالوا، فالتفت إليهم فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا يؤدب ويضرب ويعزر ويحبس، قال: فقال لهم: ارأيتم لو ذكر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ما كان الحكم فيه قالوا: مثل هذا، قال فليس بين النبي صلى الله عليه وآله وبين رجل من أصحابه فرق، فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد الله لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك فقال أبو عبد الله عليه السلام: أخبرني أبي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: [ إن ] الناس في اسوه سواء، من سمع أحدا يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني، ولا يرفع إلى السلطان والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال مني، فقال زياد بن عبيدالله: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله [ عليه السلام ]) وكذا الكلام فيمن سب أحد الائمه صلوت الله عليهم إجماعا، وفي صحيح هشام بن سالم (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل سبابة لعلي صلوت الله عليه؟ قال: فقال: حلال الدم والله لولا أن تعم به بريئا قال: قلت: فما تقول في رجل مؤذ لنا؟ قال: فقال في ماذا؟ قلت: فيك يذكرك، قال: فقال لي له في علي نصيب؟ قلت: إنه ليقول ذاك ويظهره، قال: لا تعرض له))

[ 111 ]

وفي خبر العامري (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي شي تقول في رجل سمعته يشتم عليا ويتبرء منه؟ قال: والله هو الحلال الدم وما ألف منهم برجل منكم، دعه) وفي خبر علي بن حديد المروى عن رجال الكشي (سمعت من يسأل أبا الحسن الاول عليه السلام فقال: إني سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى بن جعفر الذي هو إمامنا وحجتنا بيننا وبين الله تعالى [ ونال منك - ظ ] فقال: لعنه الله - ثلاثا - أذاقه الله حر الحديد قتله الله أخبث ما يكون من قتلة فقلت له: إذا سمعت ذلك منه أو ليس حلالا لي دمه؟ مباحا كما أبيح دم الساب لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] وللامام؟ فقال: نعم [ حل والله ] حل والله دمه، وأباحه لك ولمن سمع ذلك منه، قلت: أو ليس ذلك بساب لك؟ قال: هذا ساب لله ساب للرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وساب لابائي وساب لي وأي سب ليس يقصر عن هذا ولا يفوقه هذا القول، قلت أرأيت إذا أنا لم أخف أن أغمز بذلك بريئا ثم لم أفعل ولم أقتله ما علي من الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعافا مضاعفة من غير أن ينتقص من وزره شئ أما علمت أن افضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله ورسوله بظاهر الغيب، ورد عن الله وعن رسوله [ صلى الله عليه وآله ]) إلى غير ذلك من النصوص المستفاد من بعض الاخبار وجوب قتل الساب.

[ 112 ]

واستثني من وجوبه صورت الخوف على النفس وقد يقال: يجب قتل الساب إذا أمن ما لم يخف الضرر على نفسه أو عرضه أو ماله الخطير، واستدل على عدم وجوبه بإطلاق أدلة نفي الضرر وبخصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أبي - جعفر عليهما السلام قال: (إن رجلا من هذيل كان يسب رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال - فقلت لابي جعفر عليهما السلام: أرايت لو أن رجلا الان سب النبي صلى الله عليه وآله أيقتل؟ قال: إن لم تخف على نفسك فاقتله) ويمكن أن يقال: يمكن الخدشة في أدلة نفي الضرر وحمل دليل نفي الضرر على عدم الجواز نظير نفي الرفث والفسوق في الحج في الاية الشريفة فلا يكون دليل نفي الضرر حاكما على أدلة الاحكام وثانيا نقول: الظاهر أنه يلاحظ الاهمية مع فرض التقديم والحكومة ألا ترى أن الحج في الاعصار السابقة كان ملازما لتحمل الضرر المالي ولم يقل أحد بسقوط التكليف من جهة الضرر وأما الصحيحة المذكورة فالشرط المذكور فيها عدم الخوف على النفس لا عدم الخوف على العرض والمال الخطير، نعم صحيحة داود بن فرقد قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم ولكن اتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل. الحديث) يستفاد منها أنه مع عدم القدرة على النحو المذكور لا يجب المبادرة لكنه يكون الحكم مربوطا بالناصب لا الساب وأما قتل مدعي النبوة فيدل عليه معتبرة ابن أبي يعفور قال: (قلت

[ 113 ]

لابي عبد الله عليه السلام: إن بزيعا يزعم أنه نبي، فقال: إن سمعته يقول ذلك فاقتله - الحديث) ومعتبرة أبي بصير يحيى بن أبي القاسم عن أبي جعفر عليهما السلام قال في حديث (قال النبي صلى الله عليه وآله: أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا سنة بعد سنتي فمن ادعي ذلك فدعواه وبدعته في النار، فاقتلوه ومن اتبعه فإنه في النار - الحديث) واما قتل من قال: (لا أدري محمد [ صلى الله عليه وآله ] صادق أولا) إذا كان على ظاهر الاسلام واستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح ابن سنان المروي عن المحاسن (من شك في الله وفي رسوله فهو كافر - الحديث) قال له الحارث [ بن المغيرة ] أيضا (أرايت لو أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: والله ما أدري أنبي أنت أم لا، كان يقبل منه؟ قال: لا، ولكن كان يقتله، إنه لو قبل منه ما أسلم منافق أبدا) ويمكن أن يقال: أما التمسك بالصحيح المذكور فلم يظهر وجهه فإن الشاك تارة لا يظهر شكه ويظهر الاسلام وهو كافر واقعا ويعامل معه معاملة المسلم، والمنافقون كانوا كذلك وكانوا محقونين من جهة الدم، ومع إظهار الاسلام سابقا يكون مرتدا ومع عدم الاسلام كافر غير مرتد يعامل معه معاملة سائر الكفار، ثم المرتد إن كان فطريا يقتل، وإن كان مليا لا يقتل بمجرد الارتداد لا مكان التوبة (الثالثة يقتل الساحر إذا كان مسلما ويعزر إن كان كافرا، الرابعة يكره أن يزاد في تأديب الصبي عن عشرة أسواط وكذا العبد ولو فعل استحب

[ 114 ]

عتقه. الخاسمة يعزر من قذف عبده أو أمته وكذا كل من فعل محرما أو ترك واجبا بما دون الحد) أما قتل الساحر إذا كان مسلما فاستدل عليه بمعتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ساحر المسلمين يقتل، وساحر الكفار لا يقتل، قيل: يارسول الله ولم لا يقتل ساحر الكفار؟ قال: لان الكفر أعظم من السحر، ولان السحر والشرك مقرونا) ومعتبرة زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه عليه السلام قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الساحر، فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا بذلك فقد حل دمه) وتؤيده رواية زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على [ أم ] رأسه) وخبر إسحاق بن عمار، وعن جعفر، عن أبيه عليهما السلام (أن عليا عليه الصلاة والسلام كان يقول: من تعلم شيئا من السحر كان آخر عهده بربه، وحده القتل إلا أن يتوب) أما تعزير الساحر الكافر فالظاهر عدم الدليل عليه بالخصوص، والمعروف أن كل ذنب غير موجب للحد موجب للتعزير، ولا نص ظاهرا على الكلية، نعم قد يوجد في بعض الاخبار ما يمكن فهمها منه مثل صحيحة عبد الله بن سنان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين افترى كل منهما صاحبه، فقال يدرء عنهما الحد ويعزران)

[ 115 ]

ومثلها صحيحة أبي ولاد الحناط قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتى أمير المؤمنين صلوات الله عليه برجلين قذف كل واحد منهما صاحبه بالزنى في بدنه، قال: فدرأ عنهما الحد وعزرهما) وصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله (عن رجل سب رجلا بغير قذف يعرض به، هل يجلد؟ قال: عليه تعزير) ورواية إسماعيل بن الفضل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الافتراء على أهل الذمه وأهل الكتاب هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال: لا ولكن يعزر) ورواية جراح المدايني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذ قال للرجل: أنت خبيث وأنت خنزير فليس فيه حد، ولكن فيه موعظة وبعض العقوبة) ومضمرة سماعة قال: (سألته عن شهود الزور فقال: يجلدون حدا ليس له وقت وذلك إلى الامام ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس الخ) هذا في غير المواجه ورواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمه ولم يستأمرها، قال: يفرق بينهما، قال: فعليه أدب؟ قال: نعم اثنا عشر سوطا ونصف، ثمن حد الزاني وهو صاغر، قلت: فإن رضيت المرأة الحرة المسلمه بفعله بعد ما كان فعل؟ قال: لا يضرب ولا يفرق بينهما، يبقيان على النكاح الاول) كذا وفي التهذيب بدلها

[ 116 ]

(أمة) وهو الاصح، هذا أيضا في غير المواجه وغير الكلام ومن المواضع التي عين فيها التعزير وفي مضمونها تأمل وفي سندها جهالة وإرسال، وهو صالح ابن سعيد عن بعض أصحابنا، وفي مضمرة إسحاق وسماعة وأبي بصير أن (آكل الربا بعد البينة يؤدب) وفي رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (آكل الميتة والدم ولحم الخنزير عليه‍ [ م ] أدب فإن عاد ادب وليس عليه حد) ورواية أبي مخلد السراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رجل دعا آخر ابن المجنون، فقال الاخر أنت ابن المجنون فأمر الاول أن يجلد صاحبه عشرين جلدة، وقال له: اعلم أنه مستعقب مثلها عشرين، فلما جلده أعطى المجلود السوط، فجلده عشرين نكالا ينكل بهما) و الاوليان في غير المواجه وغير الكلام أيضا وفي الاخيرة تعين التعزير ورواية مفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أتى امرأته وهي صائمة وهو صائم قال: إن كان استكرهها فعليه كفارتان وإن لم يستكرها فعليه كفارة وعلهيا كفارة وإن أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، وإن كانت طاوعة ضرب خمسة وعشرين سوطا (وضربت خمسه وعشرين سوطا) هذا أيضا في غير المواجه وغير الكلام وفيه أيضا تعين التعزير وتحمل الرجل تعزير المرأة وكفارتها على الاكراه ورواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: (سألت أبالحسن عليه السلام عن رجل

[ 117 ]

أتى أهله وهي حائض قال: يستغفر الله ولا يعود، قلت: فعليه أدب قال: نعم خسمة وعشرون سوطا ربع حد الزاني وهو صاغر لانه أتى سفاحا) وهذه أيضا غير المواجه وغير الكلام مع تعيين التعزير ورواية أبي حنيفه قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لاخر: (يا فاسق) قال: لا حد عليه ويعزر) ورواية أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الهجاء التعزير) ورواية محمد بن مسلم قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الرجل يأتي المرأة وهي حائض؟ قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي استدباره نصف دينار، قال: قلت: جعلت فداك يجب شئ من الحد؟ قال: نعم خمس وعشرون سوطا، ربع حد الزاني لانه أتى سفاحا) ويفهم التعزير في كل ما يؤذي المسلمين من رواية الحسين أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال (إن رجلا لقى رجلا على عهد أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إن هذا افترى علي، قال: وما قال لك؟ قال: إنه احتلم بام الاخر، قال: إن في العدل إن شئت جلدت ظله فإن الحكم إنما هو مثل الظل ولكننا سنوجعه ضربا وجيعا حتى لا يؤذي المسلمين، فضربه ضربا وجيعا) وأقول: هذه الاخبار ذكرها المحقق الاردبيلي - قدس سره - في شرح

[ 118 ]

الارشاد، وقال: فيمكن الاستفادة الكلية من هذه الاخبار ونظره إلى أن كل ما يؤذي المسلم بغير حق بل كل ذنب غير موجب للحد موجب للتعزير بملاحظة الاخبار المذكورة ويمكن أن يقال: لازم ما ذكر عدم الفرق بين الكباير من الذنوب و الصغاير مع أن المستفاد من الاية الشريفه (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون - الخ) كون الصغاير مكفرة ويعامل مع المرتكب معاملة العدالة وعد جميع ما ورد فيه الاخبار المذكورة من الكبائر أيضا مشكلة وكثيرا يواجه المدرس بعض أهل بحثه بما يؤذيه أو الوالد بالنسبة إلى ولده فيلزم على ما ذكر استحقاق التعزير، ولعل الاخبار المذكورة آبية عن التخصيص وقد سبق كلام صاحب الرياض - قدس سره - التمسك بلزوم حسم مادة الفساد وفيه أيضا إشكال وتوجه المحقق الاردبيلي - قدس سره - ببعض ما ذكر بعد نقل الاخبار المذكورة وأما كراهة الزيادة عن عشرة أسواط في تأديب الصبي فاستظهر باخبار تظهر منها الحرمة منها خبر حماد بن عثمان: (قلت لابي عبد الله عليه السلام في أدب الصبي والمملوك فقال: خمسة أو ستة وارفق) وفي خبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام ألقى صبيان الكتاب ألواحهم بين يديه ليخير بينهم، فقال عليه السلام: أما إنها حكومة والجور فيها كالجور في الحكم أبلغوا معلمكم إن ضربكم فوق ثلاث ضربات في الادب اقتص منه) وفي النهاية (قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحل لوال يؤمن بالله واليوم الاخر أن يجلد أكثر من عشرة اسواط إلا في حد وأذن في أدب المملوك من ثلاثة

[ 119 ]

إلى خمسة) وفي خبر زرارة بن أعين المروي عن المحاسن (قلت لابي عبد الله عليه السلام (ما ترى في ضرب المملوك؟ قال: ما أتى فيه على يديه فلا شئ عليه، وأما ما عصاك فيه فلا بأس، قلت: كم أضربه؟ قال: ثلاثة أو أربعه أو خمسة) وقال إسحاق بن عمار للصادق عليه السلام على المحكي: (ربما ضربت الغلام في بعض ما يحرم، فقال: وكم تضربه؟ قال: ربما ضربته مائة؟ فقال: مائة مائة؟ فأعاد ذلك مرتين، ثم قال فوق حد الزاني والزانية؟ فقلت: جعلت فداك فكم بنبغي لي أن أضربه؟ فقال: واحدا، فقلت: والله لو علم أني لا أضربه إلا واحدا ما ترك لي شيئا إلا أفسده، فقال: فاثنتين، فقلت: جعلت فداك هذا هو هلاكى إذا، قال: فلم أزل أماكسه حتى بلغ خمسا، ثم غضب، فقال: يا إسحاق إن كنت تدري حد ما أجرم فأقم الحد فيه ولا تتعد حدود الله) بل في مسائل إسماعيل بن عيسى على ما في الكافي وموضع من التهذيب (في مملوك لا يزال يعصي صاحبه أيحل ضربه أم لا؟ فقال: لا يحل أن تضربه إن وافقك فأمسكه وإلا فخل عنه) ولا يخفى أن أخبار الباب لا يستفاد منها الكراهة ولا مجال للتمسك بالاصل بملاحظة ضعف السند في الاخبار حيث إن الضرب إيذاء وكيف يجوز إيذاء المؤمن والمسلم وكثيرا أصل الضرب يقع على ترك أمر غير مقدور كما لو لم يقدر التعلم على فهم درسه مع صرف القوة في تمام الوقت ومما ذكر ظهر حال ضرب المملوك أيضا، الظاهر أن الاذن في قدر الضرب محمول على صورة التقصير في ضرب الغلام الصبي والمملوك لا صورة العجز

[ 120 ]

والقصور، وإن أمكن الاطلاق للاحتياط كحبس المدين حتى يعلم حاله مع احتمال عدم التمكن من أداء دينه وأما استحباب العتق في غير موجب فاستدل عليه بصحيح أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: (من ضرب مملوكا حدا من الحدود من غير حد أوجبه المملوك على نفسه لم يكن لضاربه كفارة إلا عتقه) وظاهر هذا الخبر الوجوب، حكي عن النهاية والجامع وقيل: لعل القول بالاستحباب للاصل واشتراك أبي بصير ووحدة الخبر، فيه نظر من جهة تحقق الظلم فلا بد عقلا من الفراغ عن تبعته فلا مجال للاصل فمع احتمال عدم المغفرة إلا بعتقه لا بد منه، ولو لم يكن الخبر صحيحا من جهة اشتراك أبي بصير وأما تعزير من قذف عبده أو أمته فالظاهر عدم الخلاف فيه، واستدل عليه بعموم قول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (من افترى على المملوك عزر لحرمة الاسلام) وخصوص خبر غياث عن الصادق عليه السلام (إن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني قلت: لامتي يا زانية فقال: هل رأيت عليها زنى؟ فقالت: لا، فقال: أما إنها ستقاد منك يوم القيامة، فرجعت إلى أمتها فأعطتها سوطا ثم قالت: اجلديني، فأبت الامة فأعتقها، ثم أتت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته، فقال: عسى أن يكون هذا بهذا) قيل: ولعل ترك النبي صلى الله عليه وآله تعزيرها لعدم إقرارها مرتين وأما لزوم التعزير بالنسبة إلى كل من فعل محرما أو ترك واجبا بما دون الحد فقد سبق الكلام فيه وفي الجواهر قال: (لا خلاف ولا إشكال نصا وفتوى في أن كل

[ 121 ]

من فعل محرما أو ترك واجبا من الكبائر فللامام تعزيره بما لا يبلغ الحد، و تقديره إلى الامام ولكن لا يبلغ حد الحر في الحر، وهو المائة ولا حد العبد في العبد وهو الاربعون) وهذا في الجواهر بعد مزج المتن مع الشرح، وبعد نقل أقوال حكى ما في كشف اللثام أن وجوب التعزير على ذلك والاشارة إلى غير ماله مقدر إن لم ينته بالنهي والتوبيخ ونحوهما، وأما لو انتهى بدون الضرب فلا دليل عليه إلا في مواضع مخصوصة ورد النص فيها بالتأديب والتعزير وبعد حكاية ما في كشف اللثام قال: (قلت: قد يستفاد التعميم مما دل على أن لكل شئ حدا ولمن تجاوز الحد بناء على أن المراد من الحد التعزير مضافا إلى إمكان استفادته من استقراء النصوص كما لا يخفى على من تدبرها، نعم قد يقال باختصاص التعزير بالكبائر دون الصغاير ممن يجتنب الكبائر فانها حينئذ مكفرة - انتهى) ويمكن أن يقال: أما التمسك بما دل على أن لكل شئ حدا - الخ، فهو مجمل لشموله ظاهرا لكل شئ فلابد من رد علمه إلى أهله وأما الاستفادة من الاخبار الواردة بنحو القاعدة الكلية فهي مشكلة، ألا ترى ان الطائفة الجائية لشهود الحد، الذين عليهم الحق أو الحد بعد رجوعهم علم أن عليهم الحد، والمعروف أن الامام له أن يعمل بعلمه فمع لزوم التعزير أو الحد عليهم لم يحدهم ولم يعزرهم وفي بعض الاوقات كان الامام عليه السلام يرى منكرا ويكتفي بالنهي دون تعزير، وما ذكر آنفا صاحب الجواهر في الاعتذار من عدم التعزير للمرأة القاذفة لامتها بعدم الاقرار مرتين لا حاجة إليه مع عدم الدليل على لزوم الاقرار مرتين بل مقتضى إطلاق (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) كفايه مرة والظاهر أن ما ذكره كاشف اللثام موجبه

[ 122 ]

(الفصل الرابع) (في حد المسكر، والنظر في أمور ثلاثة:) (الاول: في الموجب وهو تناول المسكر والفقاع اختيارا مع العلم بالتحريم ويشترط البلوغ والعقل فالتناول يعم الشارب والمستعمل في الادوية والاغذية ويتعلق الحكم ولو بالقطرة وكذا العصير أذا غلى ما لم يذهب ثلثاه وكل ما حصلت فيه الشدة المسكرة) ظاهرا كلمات الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - أن معنى المسكر مامن شأنه أن يسكر وقد يتمسك بالنصوص المستفيضة أو المتواترة المصرحة باستواء القليل والكثير منه في إيجاب الحد شربه ويمكن التمسك بخبر إسحاق بن عمار الساباطي (سأل الصادق عليه السلام عن رجل شرب حسوة خمر، قال: يجلد ثمانين جلدة قليلها وكثيرها حرام) فيشمل صورة عدم الاسكار من جهة القلة، لكن يقع الاشكال فيما لو اختلط في الادوية والاغذية واستهلك كالملح في الاغذية كيف تناولها بهذا النحو يكون حراما وموجبا للحد الشرعي، ألا ترى أن الطين يحرم أكله و مع ذلك لا يمنع من شرب ماء الفرات مع اختلاطه في الربيع والغدد في اللحم يختلط مائها في ماء اللحم مع حرمة الغدد، والحاصل أن الحرمة والحد تترتبان على الموضوع ومع الاستهلاك عرفا كيف يترتب الحكم وقد يقال: إن المحرم ذاتا لا من حيث الاسم لا يتفاوت فيه الحال بين قليله وكثيره بخلاف متعلق

[ 123 ]

اليمين الذي تدور الحكم فيه على صدق الفعل ولقائل أن يقول: لم يظهر الفرق بين التراب والطين والغدد وبين الخمر والذات المحرمة ليست إلا المسماة بالالفاظ، والاحكام مترتبة على المسميات بالاسماء، ولازم ما ذكر عدم جواز شرب ماء الجارى أو الكر إذا وقع فيه قطرة من الدم واستهلك، وأما التقييد بالعلم بالحرمة إن كان احترازا - لا خراج من دخل في الاسلام ويكون غافلا بحيث يعتقد حلية الخمر كحلية ساير المشروبات فلا اشكال فيه وأما من التفت إلى أن في الاسلام محللات ومحرمات وشاكا في أن الخمر من المحللات أو من المحرمات فمثل هذا و إن لم يكن عالما لكنها ليس معذورا في تناول المحرم وأما التقييد بالاختيار احترازا عن صورة الاكراه فمع كون الاكراه بحيث يجوز الشرب كالتهديد بالقتل فلا كلام فيه، وأما مع عدم كون الاكراه بهذا النحو كالتهديد بالشتم والضرب فكيف يجوز الشرب وأما اشتراط البلوغ فلحديث الرفع لكنه لا يكون غير البالغ مطلق العنان بل الظاهر لزوم منع الولي إياه وأما التقييد بالعقل فلحديث الرفع لكن الظاهر خروج السكران كما لو سكر وفي حال سكره شرب الخمر بناء على عدم المعاملة مع السكران الذي سكر باختياره معاملة المجنون كما لو قتل أو فعل فعلا آخر يترتب عليه الحد وأما العصير العنبي إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه فلا إشكال في حرمته، وأما النجاسة وترتب حد شارب الخمر فمع عدم صدق الخمر عليه حقيقة فهما مبنيان على العموم بحسب التنزيل حيث إنه نزل منزلة الخمر والقدر المتيقن حرمة الشرب، ومن قال: بأن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مانع عن الاطلاق لا يقول بالنجاسة ولا ترتب الحد، والظاهر أن ترتب الحد ليس في كلام المتقدمين - قدس الله تعالى أسرارهم - والخبر الذي استدل به صحيحة معاوية

[ 124 ]

ابن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: خمر لا تشربه - الحديث) كذا ما عندنا من نسخة التهذيب، وصاحب الوسائل - قدس سرهما - قد روى هذه الرواية عن الشيخ خالية عن ذكر كلمة (خمر) والرواية في الكافي خالية عنها وقد يقال: على تقدير وجود تلك الكلمة في الصحيحة أيضا لا مجال للاستدلال بها على النجاسة وترتب الحد للفرق بين التعبير بخمر لا تشربه كما في الخبر وبين خمر فلا تشربه والظاهر أن النظر إلى أن التعبير الاول يكون (لا تشربه) بيانا لاصل التنزيل فلا يستفاد أزيد من حرمة الشرب وفي التعبير الثاني تكون حرمة الشرب متفرعه على التنزيل فذكر بعض الفروع لا يمنع من ترتب غيره ولقائل أن يقول: هذا مبني على عدم تعارف ذكر الفرع بعد التنزيل بدون الفاء أو ما يقوم مقام الفاء والظاهر أنه ليس كذلك ولهذا ألحق المشهور العصير العنبي بالخمر واستفادوا النجاسة زائدة على حرمة الشرب وإن لم يذكروا ترتب الحد ثمانين جلدة، نعم ترتب الحد في كلام المحقق والعلامة - قدس سرهما - واما ترتب الحد ثمانين جلدة على شرب الفقاع فيدل عليه صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن الفقاع فقال هو خمر وفيه حد شارب الخمر) ومعتبرة ابن فضال قال: (كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: وسألته عن الفقاع

[ 125 ]

فقال: هو الخمر وفيه حد شارب الخمر) وظاهر الصحيحة وهذه المعتبرة ترتب الحد على شرب الفقاع من دون نظر إلى كونه مسكرا ويستفاد من بعض الاخبار التقييد كصحيحة سليمان بن خالد (قال: كان أمير المؤمنين صلوت الله عليه يجلد في النبيذ المسكر ثمانين، كما يضرب في الخمر، يقتل في الثالثة، كما يقتل صاحب الخمر) وأدعي الاجماع على عدم اشتراط الاسكار واما تعلق الحكم أعني إيجاب الحد بكل ما حصلت فيه الشدة المسكرة فهو مقتضى الاخبار وادعي الاجماع عليه وفي الصحيح (كل مسكر من الاشربة يجب فيه كما يجب في الخمر من الحد) وفي الخبر (يضرب شارب الخمر وشارب المسكر، قلت: كم؟ قال: حدهما واحد) وقريب منها النصوص الواردة في علة تحديد حد شارب الخمر بثمانين جلدة من أنه (إذا شرب سكر فإذا سكر هذى وإذا هذى افترى) وهي موجودة في شرب كل مسكر وهي مستفيضة وقد يقال: لا فرق في ثبوت الحد بين شرب الخمر وإدخالها في الجوف و إن لم يصدق عليه عنوان الشرب كالاصطباغ، وذكر في وجهه أنه لا خصوصية بحسب التفاهم العرفي بعنوان الشرب بل الموضوع هو إدخالها في الجوف، وفيه نظر حيث إن لازم هذا حرمة الادخال ولو بالاحتقان بدون حصول السكر، و قد يتحقق به التغذي كما لو لم يقدر المريض على أكل الغذاء وقد يكون التغذي

[ 126 ]

بالتزريق فمع عدم حصول السكر كيف يمكن القطع بإيجابه الحد وفهم المناط ليس من شأن العرف وقد اجيز في باب الربوا أخذ الزيادة ببعض الانحاء والصائم العطشان إذا مكث في الماء البارد يرتفع عطشه وليس رفع العطش إلا من جهة ورود الماء من منافذ البدن إلى الباطن، ولم يقل أحد ببطلان الصوم بالدخول في الماء (ويسقط الحد عمن جهل المشروب أو التحريم ويثبت بشهادة عدلين أو الاقرار مرتين من مكلف حر مختار) أما الجهل بالموضوع أعني المشروب فيسقط معه الحد إذا كان معذورا، أما مع عدم المعذورية كما لو علم إجمالا بخمرية ما في إحد الانائين وقلنا بوجوب الاحتياط فلا وجه للمعذورية، بل قد يقال في الشبهة البدئية إذا تمكن من رفع الشبهة بسهولة بعدم المعذورية بدعوى انصراف الادله المرخصة في ارتكاب مورد الشبهة، عما لو تمكن فيه المكلف من رفع الشبهة بسهولة وإن كان هذا محل نظر وأما الجهل بالحكم فمع الغفلة وعدم الالتفات أصلا لا كلام فيه إن لم يكن مستندا إلى التهاون والمسامحة في التعلم مع الالتفات في وقت من الاوقات، وأما مع الالتفات فلا وجه للمعذورية للزوم تعلم الاحكام وأما ثبوت بشهادة عدلين فلا كلام لعموم دليل حجية البينة إن قلنا بالعموم ولا يبعد الثبوت بإخبار الثقة لبناء العقلاء على اعتباره واعتباره وفي كثير من الموارد بحسب الاخبار ولا مجال لا حتمال مدخلية خصوص المورد ولا يبعد صدق الاستبانة بنظر العرف، فلا مجال لكون رواية مسعدة بن صدقة ومن استدل بها لحجية البينة ردعا لبناء العقلاء على الحجية وأما الاقرارا فدليل جوازه موجب للاكتفاء بالمرة وعموم العقلاء يشمل غير المكلفين غاية الامر عدم الحد وأما التأديب فلا مانع منه

[ 127 ]

وأما لزوم الحرية فلان المملوك ملك للغير فإقراره إقرارا على الغير ويمكن أن يقال: لا مانع من نفوذ الاقرار إذا اعتق كما لو أقر الانسان الحر بغصبية ما في يد أبيه فمات الاب وورث الابن فلازم إقارار السابق عدم الوراثة بالنسبة إلى ما في يد الاب المقربه وأما الاختيار فمع قيام ما يشهد على الاكراه بنحو لا مجال للحمل على الاختيار مع كون المتوعد عليه مجوزا للشرب لا مجال للاشكال فيه وفي غير هذه الصورة كيف يكون معذورا (الثاني في الحد وهو ثمانون جلده ويستوي فيه الحر والعبد والكافر مع التظاهر ويضرب الشارب عريانا على ظهره وكتفيه ويتقى وجهه وفرجه، ولا يحد حتى يفيق) واستدل بموثق أبي بصير (كان علي صلوات الله تعالى عليه يجلد الحر والعبد واليهودي والنصراني في الخمر والنبيذ ثمانين) بل في صحيح آخر مضمر (حد اليهودي والنصراني والمملوك في الخمر والفرية سواء وإنما صولح أهل الذمة على أن يشربوها في بيوتهم) وقد يقال بالتضعيف في العبد لخبر الخضرمي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عبد مملوك قذف حرا، قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله تعالى فإنه يضرب نصف الحد، قلت: فالذي من حقوق الله ما هو؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحقوق التي يضرب فيها نصف الحد) مؤيدا بما في خبر حماد بن عثمان عنه عليه السلام في التعزير (أنه دون الاربعين فإنها حد المملوك) وقد يقال: إن الاخبار الدالة على التضعيف محمولة

[ 128 ]

على التقية لموافقتها للعامة وهذا بعد الفراق عن عدم الاشكال في السند بل الحكم بصحة السند في بعضها والمحقق الاردبيلى (ره) خدش في إسنادها فأبو بصير في الكل مشترك ومع الاشتراك لا يبقى اعتبار، وأبو بكر الحضرمي غير ظاهر التوثيق، وبالجملة الاخبار عنده ليست بنقية من جهة السند والتخفيف في الحدود والاصل والدرء تدل على الثاني والشهره والكثيرة مؤيدة الاول ويمكن أن يقال: إن كان الحد موجبا لرفع العذاب الاخروي فالعقل يحكم بتسليم المملوك نفسه للثمانين إلا أن يقال: مع الشبهه كيف يجوز لمجري الحد اختيار الاكثر لكن مع تجويز إجراء الحدود لغير الامام والمنصوب بالخصوص من قبله، مع الاختصاص به كما هو ظاهر كثير من الاخبار وبالمنصوب بالخصوص لا حاجه إلى ما ذكر وأما ضرب الشارب عريانا فتدل عليه صحيحة أبي بصير في حديث قال: (سألت عن السكران والزاني قال: (يجلدان بالسياط مجردين بين الكتفين - الحديث) ويمكن الاشكال من جهة اشتراك أبي بصير والتعبير بالجملة الخبرية، والتعبير بالسكران والزاني لا يوجب الاختصاص بالرجل لامكان كون النظر إلى الانسان الشامل للرجل والمرأة وتصدى النساء للضرب دون الرجال وأما عدم إجراء الحد إلا بعد الافاقة قيل فيه فكأن دليله أن الحكمة في شرع الحدود هو الايلام والايذاء والتأثير لتمنع الفاعل ولم يفعل مرة اخرى، ولا يخفى الاشكال فيه (وإذا حد مرتين قتل في الثالثة وهو المروي، قال الشيخ في الخلاف يقتل في الرابعة ولو شرب مرارا ولم يحد كفى حدوا حد)

[ 129 ]

أما قتل شارب الخمر في المرتبة الثالثة مع الحد في المرتبة الاولى والثانية فهو المشهور، واستدل عليه بصحيحة يونس، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: (أصحاب الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحدود مرتين قتلوا في الثالثة) وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد ثالثة فاقتلوه) ونحوها صحيحة محمد عن ابي جعفر عليه السلام ومنها صحيحة ابي عبيدة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (من شرب خمرا فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه وأما وجه قول الشيخ - قدس سره - في الخلاف: (يقتل في الرابعة) النبوي (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه) مضافا إلى الاحتياط في الدماء ومن هنا مال الفاضل و ولده والشهيد - رحمهم الله - إليه واستشكل بعدم حجية المرسل المذكور والمرسل الاخر الذي أرسله في الفقيه فضلا عن معارضتها لما ذكر من الاخبار ويمكن أن يقال: بعد ملاحظة ما في الخلاف ومحكي المبسوط والمقنع دليل من ذكر - قدس الله تعالى أسرارهم - وعدم ذهابهم إلى ما هو المشهور يشكل الاخذ بالمشهور مع ملاحظة لزوم الاحتياط في الدماء

[ 130 ]

وفي المقام شبهة اخرى وهي أنه ليس الحد في المرتبة الثالثة المردد بين الاقل والاكثر بل مردد بين المتباينين لان الجلد والقتل متباينان وأما كفاية حد واحد لو شرب مرارا ولم يحد في الخلاف فادعي عدم الخلاف فيها للاصل والعمومات وانتفاء الحرج وصدق الشرب وإن تعدد ولا يخفى الاشكال فيما ذكر حيث إن المعروف تعدد المسببات بتعدد الاسباب وفي المقام نقول: لو شرب الخمر وثبت ولم يحضر الشارب فعليه الحد، ثم شرب مرة اخرى مقتضى الادله إستحقاق حد آخر مع اجتماع الشرائط فعدم الاستحقاق لحد آخر خلاف الاطلاق إلا أن يكون في المقام إجماع (والثالث في الاحكام وفيه مسائل: الاولى لو شهد واحد بشربها و آخر بقيئها حد الثانية من شربها مستحلا استتيب فإن تاب اقيم عليه الحد، و إلا قتل، وقيل: حكمه حكم المرتد، وهو قوي ولا يقتل مستحل غير الخمر بل يحد مستحلا ومحرما) أما لو شهد أحد بشربها والاخر بقيئها فمع احتمال الاكراه أو الجهل بالموضوع يشكل بخلاف الشهادة بالشرب لعدم اعتناء العقلاء بالاحتمال واما ما ذكر من استتابه المستحل فإن رجع استحلاله إلى التكذيب - العياذ بالله - فهو ارتداد، والمرتد الفطري يقتل ويفرق بينه وبين زوجته، ويقسم ما تركه تاب أو لم يتب والملي حكمه ما ذكر في محله فتعين ولا مجال للتعبير لقوله (وهو قوي) وإن لم يرجع إلى التكذيب فلا دليل على الارتداد وإن كان هذا في مثل حرمة شرب الخمر بعيدا إلا بالنسبة إلى من دخل في الاسلام وهو غير مطلع على أحكام الاسلام وأما عدم قتل مستحق غير الخمر من النبيذ وغيره فوجهه واضح الثالثة من باع الخمر مستحلا استتيب، فإن تاب وإلا قتل وفيما سواها يعزر) يجري فيه الكلام السابق مضافا إلى إمكان كون بيع الخمر لخصوص

[ 131 ]

التخليل وأما التعزير في بيع ما سوى الخمر فهو مبني على ثبوت التعزير لكل معصية، ولا دليل عليه (الرابعة لو تاب قبل قيام البينة سقط الحد ولا يسقط لو تاب بعد البينة وبعد الاقرار يتخير الامام عليه السلام في الاقامة ومنهم من حتم الحد) قد مر الكلام في قبول التوبة قبل قيام البينة في باب الزنى وأما تخيير الامام عليه السلام فهو راجع إليه (الفصل الخامس) (في حد السرقة) (وهو يعتمد فصولا: الاول في السارق ويشترط فيه التكليف وارتفاع الشبهة وألا يكون الوالد من ولده وإن يهتك الحرز ويخرج المتاع بنفسه ويأخذ سرا، فالقيود إذا ستة و، فلا يحد الطفل ولا المجنون، ولكن يعزران، و في النهاية يعفا عن الطفل أولا، فإن عاد ادب، فإن عاد حكت أنامله حتى تدمي، فإن عاد قطعت أنامله، فإن عاد قطع كما يقطع البالغ) استدل على عدم وجوب الحد على غير البالغ بالاصل وحديث الرفع أما الاصل فلا وجه له بعد شمول العمومات وأما حديث رفع القلم فالتمسك به في المقام مشكل لامكان أن يكون ترتب الحد على السرقة كترتب لزوم الغسل على الجنابة من غير فرق بين البالغ وغير البالغ فالعمدة الاخبار الواردة في المقام ففي صحيح ابن سنان (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصبي يسرق، قال: يعفا عنه مرة أو مرتين ويعزر في الثالثة، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه،

[ 132 ]

فإن عاد قطع أسفل من ذلك) وفي صحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (سألته عن الصبي يسرق، قال إذا سرق مره وهو صغير عفي عنه، فإن عاد عفي عنه، فإن عاد قطع بنانه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك) ومنها معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال: (قلت: الصبي يسرق؟ قال يعفا عنه مرتين، فإن عاد الثالثة قطعت أنامله فإن عاد قطع المفصل الثاني فإن عاد قطع المفصل الثالث وتركت راحته وابهامه) وبهذه الصحاح يقيد إطلاق صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال إذا سرق الصبي عفي عنه، فإن عاد عزر، فإن عاد قطع أطراف الاصابع، فإن عاد قطع أسفل من ذلك فيحمل العود فيها على العود في المرة الثالثة ومثلها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في الصبي يسرق؟ قال: يعفا عنه مرة، فإن عاد قطعت أنامله أو حكت حتى تدمي، فإن عاد قطعت أصابعه فإن عاد قطع أسفل من ذلك) وحملت هذه الصحيحة أيضا على العود بالمرة الثالثة لصراحة الصحاح المتقدمة في العفو في المرة الثانية ومن الاخبار صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليهما السلام قال: (سألته عن الصبي يسرق ما عليه؟ قال: إذا سرق وهو صغير عفي عنه، وإن عاد قطعت أنامله وإن عاد قطع اسفل من ذلك أو ما شاء الله؟) هذا ولا يخفى الاشكال في

[ 133 ]

الجمع المذكور بين هذه الاخبار ولعل النظر إلى أن العود المأخوذ في الاخبار المذكورة مطلق يشمل المرتبة الاولى والثانية وتقييد المطلق بالدليل لا إشكال فيه، ويتوجه عليه أن خروج الفرد الاول خلاف المتعارف في المحاورات بل الظاهر أنه المتيقن، وثانيا يظهر من الاخبار المذكورة أن النظر في العود المأخوذ فيها إلى فرد فرد ومع عدم إمكان الجمع بين الاخبار لا مانع للتأمل بشمول حديث رفع القلم عن الصبي الاخذ بما دل على العفو بالنسبة إلى غير ما اتفقت الاخبار المذكورة عليه ومن أخبار الباب صحيحة صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار قال (قلت لابي إبراهيم عليه السلام: الصبيان إذا اتي بهم عليا صلوات الله عليه قطع أناملهم، من أين يقطع؟ قال: من المفصل مفصل الانامل) ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في الصبي يسرق، قال يعفا عنه مرة، فإن عاد قطعت أنامله وحكت حتى تدمى، فإن عاد قطعت أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك) وغيره من الاخبار الضعاف ولا يبعد أن يقال: الاخبار المذكورة مع اعتبارها من جهة السند ظاهرة في تعيين مضمونها ونص في أجزائها فلا مانع من رفع اليد عن الظاهر من جهة النص وقد يستشكل من جهة لزوم التخيير بين الاشد والاخف والظاهر أنه لا إشكال فيه ألا ترى ما حكي عن أمير المؤمنين صلوت الله عليه من (أن رسول الله صلى الله عليه وآله خير المرتكب اللواط بين القتل وغير القتل والاحراق بالنار مع أشدية الاحراق من طرفيه. واما اشتراط ارتفاع الشبهة مثل أن يتوهم السارق أن الذي يأخذه ملكه وظهر خلاف ذلك وكان مال الغير أو أخذ خفية من المال المشترك بينه وبين الغير

[ 134 ]

بظن أن الذي يأخذه نصيبه وكان زائدا، ولو كانت الزيادة قدر النصاب اللازم في المال المسروق، وكذا المأخوذ من غنيمة دار الحرب وكان الاخذ غانما وإن كان ما أخذه زائدا على حصته بمقدار النصاب وذكر في المقام روايات منها رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى علي في رجل أخذ بيضة من المغنم، وقالوا: قد سرق إقطعه، فقال: إني لم اقطع أحدا له فيما أخذ شرك) ورواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام (إن عليا عليه السلام اتي برجل سرق من بيت المال فقال: لا نقطعه فإن له فيها نصيبا) ورواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال (قال أمير المؤمنين عليه السلام أربعة لا قطع عليهم: المختلس والغلول، ومن سرق من الغنيمة وسرقة الاجير لانها خيانة) وهذا الحكم هو المشهور ولعل الشهرة جابره لضعف الروايات وقد يتمسك بأن الشبهة دارئة ويستشكل بأن ما هو المعروف أن الشبهة دارئه للحدود، والكلام في المقام ليس في الحد بل فيما يعد تعزيرا أو تأديبا، مضافا إلى أن الشبهة دارئة إذا كانت من جهة القصور ومع التوجه و حصول الشك والترديد كيف يكون الشبة دارئة؟ وأما اعتبار أن لا تكون سرقة الوالد عن ولده فادعي عليه إلاجماع و استدل عليه ايضا بصحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل قذف ابنه بالزنى قال: لو قتله ما قتل به، وإن قذفه لم يجلد له - الحديث)

[ 135 ]

بدعوى استفاده عموم الحكم للسرقة أيضا وفيه نظر كما لا يخفى وأما اعتبار هتك الحرز وإخراج المتاع بنفسه، فاعتبار الهتك ادعي عليه الاجماع واستدل بصحيحة أبي بصير قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن قوم اصطحبوا في سفر رفقاء وسرق بعضهم متاع بعض؟ فقال هذا خائن لا يقطع، ولكن يتبع بسرقته وخيانته، قيل له: فإن سرق من أبيه، فقال: لا يقطع لان ابن الرجل لا يحجب عن الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن وكذلك إن أخذ من منزل أخيه أو أخته إن كان يدخل عليهم لا يحجبانه عن الدخول) ومعتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: أمير المؤمنين عليه السلام (كل مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه يعني الحمامات و الخانات والارحة) ومعتبرته الثانية عنه عليه السلام قال: (لا يقطع إلا من نقب بيتا أو كسر قفلا) ويمكن أن يقال: أما صحيحة أبي بصير فلم يذكر فيه المناط ومقتضى ترك الاستفصال عدم القطع حتى مع كون المسروق في الخرجين المشدود الرأس أو المستقفل الرأس والظاهر صدق هتك الحرز ويظهر منها أن المدار عدم المأذونية ولازم هذا أنه إذا كان مأذونا وأخذ المال من الحرز لا قطع عليه وأما المعتبرة الثانية فظاهرها الحصر ولم يقل به احد ثم أنه روى الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يأخذ الفص يرفعه

[ 136 ]

أو يتركه، قال: إن صفوان بن امية كان مضطجعا في المجسد الحرام فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه فقال: من ذهب بردائي، فذهب يطلبه فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله اقطعوا يده، فقال الرجل: تقطع يده لاجل ردائي يا رسول الله؟ قال نعم) والظاهر عدم العمل بما يستفاد من هذه الصحيحة من أن الحد يثبت على السارق من المسجد الحرام بدون هتك حرز وأما اعتبار إخراج المتاع بنفسه، فقيل في وجهه: إنه لم يصدق بدون الاخراج السارق وفيه إشكال ولا حظ صحيحة محمد بن مسلم قال (قلت لابي عبد الله عليه السلام: في كم يقطع السارق؟ قال: في ربع دينار قال: قلت له في درهمين؟ قال: في ربع دينار بلغ الدنيار ما بلغ، قال: قلت له: أرأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ وهل هو عند الله سارق؟ فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق - الحديث) بناء على احتمال رجوع الضمير المستتر في (قد حواه) إلى من سرق لا إلى (مسلم) ولاحظ صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى

[ 137 ]

أمير المؤمنين عليه السلام في نفر نحروا بعيرا فأكلوه فامتحنوا أيهم نحروا فشهدوا على أنفسهم أنهم نحروه جميعا لم يخصوا أحدا دون أحد، فقضى عليه السلام أن تقطع أيمانهم) وقد يقال: إنها قضية في واقعة وفيه أن الظاهر أن نقل أبي - جعفر عليه السلام القضاء في مقام الاطلاق فلم يعتبر إخراج النفر عن الحرز وقد يقال: إن الاخراج من الحرز مأخوذ في حقيقة السرقة وهذا ممنوع، ففي القاموس (سرق منه الشئ يسرق سرقا - محركة - وككتف، وسرقة - محركة - و كفرحة وسرقا بالفتح واسرقه جاء مستترا إلى حرز فأخذ مالا لغيره - انتهى) وفي أقرب الموارد (سرق منه الشئ وسرقه الشئ سرقا وسرقا و سرقة وسرقة وسرقانا أخذه خفية من حرز أو السرقة أخذ الشئ في خفاء وحيلة - انتهى) وفي الصافي بعد ذكر ما في الكتاب العزيز: (السارق والسارقة - الاية) قال: السرقة أخذ مال الغير في خفية) والحاصل أنه لم يجد وجها لكون الاخراج من الحرز ما خوذا في حقيقة السرقة إلا خبر طلحة بن زيد عنهم عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (ليس على السارق قطع حتى يخرج السرقة من البيت) وما روى محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي - عمير، عن حماد، عن الحلبي قال (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نقب بيتا فأخذ قبل أن يصل إلى شئ؟ قال: يعاقب، فإن اخذ وقد أخرج متاعا فعليه القطع - الحديث)

[ 138 ]

وعنه، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال (قال أمير المؤمنين صلوت الله عليه في السارق إذا اخذ وقد اخذ المتاع وهو في البيت لم يخرج بعد قال: ليس عليه القطع حتى يخرج به من الدار) وفي قبال ما ذكر ما في صحيحة جميل بن دراج قال: (اشتريت أناو المعلى بن خنيس طعاما بالمدينة فأدركنا المساء قبل أن نفعله فتركناه في السوق في جواليقه وانصرفنا، فلما كان من الغد غدونا إلى السوق فإذا أهل السوق مجتمعون على أسود قد أخذوه وقد سرق جوالقا من طعامنا، فقالوا لنا: إن هذا قد سرق جوالقا من طعامكم فارفعوه إلى الوالي، فكرهنا أن نتقدم على ذلك حتى نعرف رأي أبي عبد الله عليه السلام فدخل المعلي على أبي عبد الله عليه السلام فذكر ذلك له فأمرنا أن نرفعه فقطع) فتأمل ورواية الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أخذ الرجل من النخل والزرع قبل أن يصرم فليس عليه قطع، فإذا اصرم النخل واحد وحصد الزرع فأخذ قطع) وما في حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه؟ فقال: إن صفوان بن امية كان مضطجعا في المسجد - الحرام فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع فقال: من ذهب بردائي؟ فذهب يطلبه فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله إقطعوا يده فقال صفوان: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله قال: نعم، فقال: أنا أهبه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله: فهلا كان قبل أن ترفعه إلي؟ قلت: فالامام عليه السلام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم، قال وسألته عن العفو

[ 139 ]

قبل أن ينتهي إلى الامام، فقال: حسن) وأما اعتبار الاخذ سرا فلا إشكال فيه لان هذا كأنه مأخوذ في حقيقة السرقة في مقابل الاختلاس والاستلاب (فالقيود إذا ستة فلا يحد الطفل ولا المجنون لكن يعزران، وفي النهاية يعفا عن الطفل أولا فإن عاد ادب وإن عاد حكت أنامله حتى تدمى، فإن عاد قطعت أنامله فإن عاد قطع كما يقطع البالغ) وأما المجنون فلم نعثر على خبر متعرض لسرقته وأما حديث رفع القلم فلا يستفاد منه نفي التأديب كما في الصبي والمعروف تأديبه رفعا للفساد وفيه إشكال ألا ترى أن الصبي يعفا عنه مرة ومرتين مع تحقق الفساد (ولو سرق الشريك ما يظنه نصيبا لم يقطع وفي سرقة أحد الغانمين من الغنيمة روايتان إحداهما لا يقطع والاخرى يقطع لو زاد عن نصيبه قدر النصاب) استدل لعدم القطع برواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى علي أمير المؤمنين صلوت الله عليه في رجل أخذ بيضة من المغنم وقالوا: قد سرق إقطعه، قال: إني لم أقطع أحدا له فيما أخذ شرك) ورواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن عليا عليه الصلاة و السلام اتي برجل سرق من بيت المال فقال: لا نقطعه فإن له فيه نصيبا) ورواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي عليه الصلوة والسلام: أربعة لا قطع عليهم المختلس، والغلول ومن سرق من الغنيمة وسرقة الاجير لانها خيانة)

[ 140 ]

وفي قبالها ما دل على ثبوت الحد في المغنم مثل صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال (سألت، أبا عبد الله عليه الصلاة والسلام عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين صلوت الله عليه، فقال: كانت بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه) كأنها كانت مقدار ما يوجب الحد ويظهر من بعض الاخبار التفصيل ففي رواية ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له رجل سرق من المغنم الشئ الذي يجب عليه القطع قال: ينظر كم الذي نصيبه، فان كان الذي أخذ أقل من نصيبه عزر ودفع إليه تمام ماله وإن كان أخذ مثل الذي له فلا شئ عليه، وإن كان اخذ فضلا بقدر ثمن مجن و هو ربع دينار قطع) وروي الصدوق (ره) باسناده عن يونس بن عبد الرحمن مثله وقد يجمع المجمل على المقيد وفيه نظر فإن قول علي صلوات الله عليه على المحكي في صحيحة محمد بن قيس بناء على صحته (لم أقطع أحدا فيما أخذ شرك) يأبى عن التقييد، بل وكذا رواية مسمع بن عبد الملك خصوصا مع ترك الاستفصال (ولو هتك الحرز غيره وأخرج هو لم يقطع، والحر والعبد والمسلم و الكافر والذكر والانثى سواء، ولا يقطع عبد الانسان بسرقة ماله ولا عبد الغنيمة بسرقة منها ويقطع الاجير إذا أحرز المال من دونه على الاظهر، والزوج والزوجة وكذا الضيف، وفي رواية: لا يقطع، وعلى السارق إعادة المال ولو قطع) إذا اعتبر في القطع هتك الحرز والاخراج فلا قطع لان الهاتك غير مخرج والمخرج غير هاتك

[ 141 ]

وأما استواء المذكورين فلاطلاق الادلة وعدم مخصص وفارق وأما عدم قطع عبد الانسان بسرقة ماله فيدل عليه صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال (قال إذا أخذ رقيق الامام عليه السلام لم يقطع وإذا سرق واحد من رقيقي من مال الامارة قطعت يده، قال: وسمعت يقول: إذا سرق عبد أو أجير من مال صاحبه فليس عليه قطع) وفي رواية اخرى عنه موجود مثله ومرسلة عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال (المملوك إذا سرق من مواليه لم يقطع، وإذا سرق من غير مواليه قطع) وقريب منه رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عبدي إذا سرقني لم أقطعه وعبدي إذا سرق غيري قطعته) وأما قطع الاجير إذا أحرز المال من دونه فمقتضى الاطلاقات القطع لكن المستفاد من بعض الاخبار خلافه، فمنها رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أربعة لا قطع عليهم: المختلس والغلول ومن سرق من الغنيمة وسرقة الاجير فإنها خيانة) وصحيحة سليمان بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستأجر أجيرا فيسرق من بيته، هل تقطع يده؟ قال هذا مؤتمن ليس بسارق، هذا خائن) وفي مضمرة سماعة قال: (سألته عمن استاجر أجيرا فأخذ الاجير متاعه فسرق فقال: هو مؤتمن، ثم قال الاجير والضيف أمناء ليس عليهم حد السرقة) والظاهر أنه بعد تحقق شرائط القطع يكون هذا العنوان موجبا

[ 142 ]

لعدم القطع وكذا الزوجة والزوج ويمكن الاستدلال عليه بحسنة أبي بصير قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن قوم اصطحبوا في سفر رفقاء فسرق بعضهم متاع بعض، فقال: هذا خائن لا يقطع ولكن يتبع بسرقته وخيانته، قيل له: فإن سرق من منزل أبيه، فقال: لا لا يقطع لان ابن الرجل لا يحجب عن الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن وكذلك إن سرق من منزل أخيه واخته إذا كان يدخل عليهما لا يحجبانه عن الدخول وكذا الضيف إذا كان لا يحجب عنه) وأما إعادة المال مع عدم التلف فعلى القاعدة ومع التلف لا بد من رد المثل إذا كان مثليا ورد القيمة إذا كان قيميا على المعروف (الثاني في المسروق ونصاب القطع ربع دينار ذهبا خالصا مضروبا بسكة المعاملة أو ما قيمته ذلك ولا بد من كونه محرزا بقفل أو قلق أو دفن وقيل كل موضع ليس لغير المالك دخوله إلا بإذنه فهو حرز) المشهور أن نصاب القطع ربع الدينار ولابد من ملاحظة الاخبار الواردة وهي أربع طوائف الطائفة الاولى مادلت على اعتبار ربع دينار عينا أو قيمة منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: في كم يقطع السارق؟ قال في ربع دينار، قال: قلت له في درهمين؟ قال: في ربع دينار - بلغ الدنيار ما بلغ - قال: قلت له: أرأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق إسم السارق وهل هو عند الله سارق؟ فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق وهو عند الله سارق ولكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر ولو قطعت أيدي السراق فيما أقل هو من ربع دينار لالفيت عامه الناس مقطعين)

[ 143 ]

ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يقطع يد السارق إلا في شئ تبلغ قيمته مجنا وهو ربع دينار) ومنها معتبرة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام: (قطع أمير المؤمنين صلوت الله عليه في بيضة، قلت: وما بيضة؟ قال: بيضة قيمتها ربع دينار، قلت: هو أدنى حد السارق؟ فسكت) والطائفة الثانية ما دلت على اعتبار أن تكون القيمة خمس دينار، منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (أدنى ما يقطع فيه يد السارق خمس دينار) ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يقطع السارق في كل شئ بلغ قيمته خمس دينار إن سرق من سوق أو زرع أو ضرع أو غير ذلك) ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: (قال أبو جعفر عليهما السلام: أدنى ما تقطع فيه يد السارق خمس دينار والخمس آخر الحد الذي لا يكون القطع في دونه، ويقطع فيه وفيما فوقه) ومنها صحيحة علي بن جعفر، وعن أخيه عليهما السلام قال: (سألته عن حد ما يقطع فيه السارق، فقال: قال أمير المؤمنين صلوت الله عليه: بيضة حديد بدرهمين أو ثلاثة) الطائفة الثالثة ما دلت على اعتبار أن تكون ثلث دينار كمعتبرة أبي بصير

[ 144 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قطع أمير المؤمنين صلوت الله عليه رجلا في بيضة، قلت: فأي بيضة؟ قال: بيضة حديد قيمتها ثلث دينار، فقلت: هذا أدنى حد السارق؟ فسكت) ومعتبرة سماعة قال: (سألته على كم يقطع السارق؟ قال: أدناه على ثلث دينار) الطائفة الرابعة مادلت على اعتبار أن تكون القيمة دينارا كصحيحة أبي حمزة قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام في كم يقطع السارق؟ فجمع كفيه، ثم قال: في عددها من الدراهم) وقد ذكر في المقام أن مادل على اعتبار كون قيمة المسروق عشرة دراهم فهو خلاف مقطوع به بين فقهائنا إلا المعاني فلا مناص من حملها على التقية لمعارضتها لساير الروايات، ومخالفتها لظاهر الكتاب وموافقتها لمذهب أبي - حنيفة وأصحابه وأما ما دل على اعتبار الثلث فهو أيضا خلاف مقطوع به بين الاصحاب، ومعارض للروايات المتقدمة ومخالف لظاهر الكتاب المجيد فبقي الامر دائرا بين اعتبار الربع والخمس والمشهور هو اعتبار الربع ونسب إلى الصدوق - قدس سره - اعتبار الخمس، وذكر بعد كلام فالروايات متعارضة والترجيح مع روايات الخمس لموافقتها لظاهر الكتاب انتهى مع التلخيص ويمكن أن يقال: أما ما ذكر في وجه عدم الاخذ بالاخبار الدالة على اعتبار ما سوى الربع والخمس من المخالفة للمقطوع به بين الاصحاب و المخالفة لساير الاخبار فيتم على مسلك من يعتني بالشبهة بين الاصحاب فيأخذ بالمشهور مع ضعف الخبر ولا يعمل بالخبر الصحيح مع عدم عمل المشهور بالخبر

[ 145 ]

والمشهور لم يعملوا بما دل على اعتبار الخمس وأما الترجيح بموافقة الكتاب بدعوى إطلاق قوله: (والسارق والسارقة - الخ) كون القيمة بمقدار الخمس فمع قبول الاطلاق لا بد من القول بالقطع في السرقة مطلقا ومن أين حصل القطع بأنه لا قطع في أقل من خمس، لكن الاشكال في الاطلاق مع كثرة القيود والشروط للقطع ألا ترى أن الفقهاء يقولون في مسألة إن الالفاظ موضوعة للمعاني الصحيحة أو الاعم لا ثمرة للنزاع لان ما ورد في الكتاب المجيد من مثل (أقيموا الصلاة) ليس في مقام البيان بل في مقام التشريع، هذا مضافا إلى التقييد بقطع الايدي فكيف يشمل غير صورة قطع اليد، ولذا يقال في مسألة اعتبار الترتيب في قضاء الصلوات مادل على اعتبار الترتيب لا يشمل صورة عدم علم القاضى بترتيب الفوائت، هذا كله على فرض عدم اختصاص إجراء الحد بالمعصوم ونائبه الخاص ومع الاختصاص كما يشهد له التعبير في أخبار الحدود بالامام لا مجال للتكلم فيه وأما اعتبار كون العين المسروقة في حرز فقد مر الكلام فيه (ولا يقطع من سرق من جيب إنسان أو كمه الظاهرين، ويقطع لو كانا باطنين في الثمر على الشجر، ويقطع سارقه بعد إحرازه وكذا لا يقطع في سرقة مأكول في عام مجاعة ويقطع من سرق مملوكا ولو كان حرا فباعه، قطع لفساده لاحدا) أما وجه التفصيل بين من سرق من الجيب والكم الظاهرين وبين من سرق من الجيب والكم الباطنين كون المال المسروق في الاول غير مستور، وفي الثاني يكون مستورا فاعتبار الحرز في المعروف يوجب الفرق ويحتمل أن يكون المراد بالكم والجيب الظاهرين الثوب الفوقاني وجيبه مطلقا ومقابله الثوب التحتاني وأيد هذا الاحتمال رواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال (اتى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بطرار قد طر دراهم من كم رجل، فقال: إن كان قد طر من قيمصه الاعلى لم أقطعه وإن كان قد طر من

[ 146 ]

قميصه الداخل قطعته) ورواية مسمع أبي سيار عن الصادق عليه السلام (إن أمير المؤمنين عليه السلام اتي بطرار قد طر من رجل من ردائة دراهم، فقال: إن طر من قميصه الاعلى لم أقطع وإن كان طر من قميصه الاسفل قطعناه) وضعفت الروايتان و السكوني عند الاطلاق منصرف إلى إسماعيل بن أبي زياد وقد وثقه بعض الاعلام وكذلك لمسمع، لكن الطريق إليهما لم يظهر صحته لكن المشهور أخذوا بالروايتين وإن كان اعتبار أصل الحرز محل إشكال كما ظهر من بعض الاخبار وقد يستظهر الاطلاق من جهة الاية الشريفة وقد عرفت الاشكال في الاطلاق وما ذكر في المتن من عدم القطع في الثمر على الشجر فإن كان النظر إلى هتك الحرز فالشجر أيضا إذا كان محاطا بالجدار في أطرافه يكون ثماره في حرز واما عدم القطع في سرقة مأكول في عام مجاعة فذكر في وجهه خبر عاصم بن حميد عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه لا يقطع السارق في أيام المجاعة) وخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يقطع السارق في عام سنة يعني في عام مجاعة) وخبر زياد القندي عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يقطع السارق سنة المحق في شئ يؤكل مثل الخبز واللحم وأشباهه)

[ 147 ]

ولعل التقييد بالمأكول من جهة هذا الخبر والظاهر عدم الفرق بين صورة الضرورة والعجز وغيرها وأما قطع من سرق مملوكا فباعه فهو مشمول للادلة ولا حاجة إلى دليل خاص ولا بد من اعتبار القيود المعتبرة إلا أن يستشكل من جهة اعتبار الحرز وأما بيع الحر فقطع يد البايع لدفع الفساد ولرواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام (أن أمير المؤمنين صلوت الله عليه اتي برجل قد باع حرا فقطع يده) ورواية سنان بن طريف قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سرق حرة فباعها قال: فقال فيها أربعة حدود: أما أولها فسارق تقطع يده الخ) ورواية اخرى عن سنان بن طريف قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع امرأته؟ قال: على الرجل أن تقطع يده - الخ) وأما ما ذكر من أن القطع ليس حدا بل للفساد، فلم يظهر له أثر عملي مضافا إلى أنه محتاج إلى كبرى حكمية وهو كون الفساد موجبا للقطع ولم يظهر دليل عليه فلا مانع من كون البيع المذكور بمنزلة السرقة (ويقطع سارق الكفن لان القبر حرز له، ويشترط بلوغه النصاب، و قيل لا يشترط وإنه ليس حد السرقة بل لحسم الجرأة، ولو نبش ولم يأخذ عزر، ولو تكرر وفات السلطان جاز قتله ردعا) واستدل لقطع سارق الكفن بعمتبرة إسحاق بن عمار (أن عليا صلوات الله

[ 148 ]

عليه قطع نباش القبر، فقيل له: أتقطع في الموتى؟ فقال: إنما نقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا) وصحيحة حفص بن البخترى قال (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: حد النباش حد السارق) وقيل: إنه يعتبر في ذلك نبشه مرارا عديدة وتدل عليه عدة روايات منها صحيحة الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال (النباش إذا كان معروفا بذلك قطع) ومنها رواية علي بن سعيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل أخذ وهو ينبش؟ قال: لا عليه قطعا إلا أن يؤخذ وقد نبش مرارا فأقطعه) ومنها روايته الثانية قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النباش قال: إذا لم يكن النبش له بعادة لم يقطع ويعزر) واستشكل بأن هاتين الروايتين لا يمكن الاخذ بهما فإن علي بن سعيد لم يرد فيه توثيق ولا مدح وأما صحيحة الفضيل فمضافا إلى أن المعروفيه غير التكرر فقد يكون العمل متكررا ولا يكون فاعله معروفا به والمرفوض أن الصدوق (ره) أخذ موضوع الحكم التكرر دون المعروفية فالرواية لم يوجد عامل بها أصلا معارضة بمعتبرة إسحاق بن عمار المتقدمة فإن مقتضاها عدم الفرق بين الميت والحي ومع المعارضة لا بد من الرجوع إلى إطلاق ما دل على أن السارق يقطع وغير بعيد حمل الروايات على التقية ولو في الجملة، فإن أبا حنيفة والثوري ذهبا إلى عدم القطع وعلى ذلك تحمل أيضا صحيحة عيسى بن صبيح

[ 149 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (عن الطرار والنباش والمختلس قال: لا يقطع) ويمكن أن يقال: لا إشكال في أن الصحيحة مقيدة للاطلاقات كما في ساير الموارد وبمجرد صدور عمل من شخص لا يقال للعامل إنه معروف بذاك العمل، فكذلك في الاخلاق، فلا يقال فلان معروف بالشجاعة بمجرد إقدامه في حرب واحد، فالقائل باعتبار التكرر إلى هذا نظره، غاية ما يمكن أن يقال: يمكن يصدق المعروفية باطلاع جماعة بالنبش بدون التكرر فالمعروفية بأي نحو اتفقت لازم اعتبارها، فما ذكر من أنه لم يوجد عامل بالرواية لم يظهر وجهه ومع التقييد لا يبقى المعارضة لتقدم المقيد على المطلق ومع إمكان الجمع العرفي لم يظهر وجه للحمل على التقية وما ذكر من أنه مع المعارضة يرجع إلى إطلاق ما دل على أن السارق يقطع إن كان النظر إلى الاية الشريفة فقد سبق الاشكال فيه من جهة أن الظاهر الحمل على التشريع لا بيان القاعدة الكلية مع كثره الشرائط والقيود، وثانيا من جهة عدم الشمول لصورة قطع غير اليد وما قيل من أنه ليس القطع حدا للسرقة - الخ، لم يظهر وجهه ولو نبش ولم يأخذ ذكر في المتن لزوم التعزير ويشكل من جهة أن حرمة النبش بقول مطلق لا مدرك لها ظاهرا إلا الاجماع ولم يدل الدليل على كون النبش من المحرمات الكبيرة، ولا دليل على التعزير في ارتكاب كل محرم وأما صورة تكرر النبش وعدم التعرض للنباش لفوته فقال المحقق الاردبيلى - قدس سره - في شرح الارشاد: ما عرفت أيضا وجه قول المصنف: فإن تكرر وفات السلطان قتل، اي نبش مكررا فتحصل بالمرتين وانهزم من السلطان فإن أخذه سلطان أي حاكم آخر أو ظفر به الحاكم الذي فاته قتله وما رأيت في الخبر التكرر ولا فوت السلطان، نعم دل بعض الاخبار على

[ 150 ]

قتله مثل ماروي (اتي أمير المؤمنين صلوت الله عليه برجل نباش فأخذ أمير - المومنين عليه السلام بشعره فضرب به الارض ثم أمر الناس فوطؤوه حتى مات) وفي اخرى (اتي أمير المؤمنين صلوات الله عليه بنباش فأخر عذابه إلى يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة ألقاه تحت أقدام الناس فما زالوا يتوطؤونه بأرجلهم حتى مات انتهى) فعلى اختصاص إجراء الحد بالامام ونائبه الخاص هو ونائبه الخاص يعرفان وظيفتهما ومع عدم الاختصاص كيف يجوز التحجم في الدماء بمجرد ما ذكر (الثالث يثبت الموجب بالاقرار مرتين أو بشهادة عدلين، ولو أقر مرة عزر، ولم يقطع، وتشترط في المقر التكليف والحرية والاختيار، ولو أقر بالضرب لم يقطع نعم لو رد السرقة بعينها قطع وقيل: لا يقطع، لتطرق الاحتمال، وهو أشبه ولو أقر مرتين تحتم القطع ولو أنكر) أما الثبوت بشهادة عدلين فاستدل عليه بأن شهادتهما حجة شرعية يؤخذ بها إلا فيما خرج بالدليل كالشهادة بالزنى ويمكن أن يقال: إن كان المدرك للكلية رواية مسعدة بن صدقة فاستفادة الكلية منها لا يخلو عن إشكال خصوصا مع ملاحظة عطف الاستبانة على قيام البينة ولعل الاستبانة شاملة للشياع المفيد للاطمينان إلا أن يدعى الاجماع وأما الاقرار فعموم (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) يستفاد منه الكفاية مرة واحدة والمشهور عدم كفاية الاقرار مرة واحدة في القطع وإن اكتفى بالمرة في الغرامة واستدل عليه برواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليه السلام قال: (لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين فإن رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود، وقال: لا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات بالزنى إذا لم يكن شهود، فإن رجع ترك ولم

[ 151 ]

يرجم) وفي قبالها صحيحة الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أقر [ الرجل ] الحر على نفسه بالسرقة مرة واحدة عند الامام عليه السلام قطع) وحملت هذه الصحيحة على التقية لانها موافقة لمذهب بعض العامة ويمكن أن يستدل عليه أيضا برواية جميل رواها الشيخ في التهذيب في باب حد الزنى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين ولا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات) وليس فيها إلا علي بن السندي المجهول وبالجملة المسألة لا تخلو عن شوب الاشكال إلا أن جميل من إصحاب الاجماع فقد أجمع على تصحيح ما يصح عنه وأما التعزير مع الاقرار مرة فإن كان السرقة من المعاصي الكبيرة فله وجه، وأما مع عدم كونها منها فيحتاج إلى الدليل وأما اشتراط التكليف في المقر فقد سبق الاشكال فيه من جهه أن لازم هذا عدم قبول إسلام غير البالغ المتولد بين الكافر والكافرة مع اعتقاده و إقراره بالعقائد الحقة وعموم (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) يشمله ولازم صحة الاقرار أن يؤدب الصبى بالنحو المقرر من طرف الشرع كما لو ثبت سرقة الصبي بنحو آخر غير الاقرار وأما اعتبار الحرية في الاقرار فادعي عدم الخلاف فيه واستدل عليه بصحيحة الفضيل بن يسار قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أقر المملوك على نفسه بالسرقة لم يقطع وإن شهد عليه شاهدان يقطع)

[ 152 ]

ويعارضها صحيحة ضريس عن أبي جعفر عليه السلام قال (العبد إذا أقر على نفسه عند الامام عليه السلام أنه قد سرق قطعه، والامة إذا أقرت بالسرقة قطعها) وصحيحة الفضيل الاخرى قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (من أقر على نفسه عند الامام بحد من حدود الله مرة واحدة حرا كان أو عبد ا حرة كانت أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد عليه للذي أقر على نفسه كائنا من كان - إلى أن قال - فقال بعض أصحابنا: يا أبا عبد الله فما هذه الحدود التي إذا أقر بها عند الامام مرة واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها؟ فقال: إذا أقر على نفسه عند الامام بسرقة قطعه فهذا من حدود الله - الحديث وقد يقال: إن هاتين الصحيحتين موافقتان لاكثر العامة على ما في المغنى فتحملان على التقية فالمرجع هو العمل على طبق الصحيحة السابقة وعلى تقدير الاغماض فالطائفتان تسقطان من جهة المعارضة فلا دليل على القطع لان عموم نفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم لا يشمل المقام نظرا إلى أن إقراره إقرار على حق الغير وهو المولى. ويمكن ان يقال: أولا هذا لا يجتمع مع ما سبق منه في مسألة الاكتفاء هي الاقرار بمرة من رد من حمل صحيحة الفضيل على التقية بأن أكثر العامة على ما في المغنى ذهبوا إلى اعتبار الاقرار مرتين. وثانيا ما ذكر من أن الصحيحتين بعد التعارض تسقطان لم يظهر وجهه سقوطهما بل لابد من التخيير أو الترجيح، والترجيح بالموافقة مع عموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وما ذكر من عدم الشمول للمقام لانه إقرار في حق الغير فيه أن غاية الامر عدم القطع مادام العبد باقيا على العبودية وأما بعد العتق فما وجه عدم القطع

[ 153 ]

وأما الاختيار فلا بد من اعتباره في الاقرار نعم مادام لم تكن أمارة على الاكراه مقتضى الاصل كون الاقرار بالاختيار، فمع الضرب لا مجال للاصل كما لو ضرب على البيع والشراء وأما صورة رد العين بدون الاقرار بالسرقة فمع احتمال الشبهة لمن رد العين لاوجه للقطع لعدم الاقرار ولا شهادة الشهود ومع الاقرار بالسرقة تحتم القطع مع تحقق الشرائط ولا يسقط بالانكار لان الاقرار نافذ، ويدل عليه صحيحا الحلبي ومحمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام (إذا أقر الرجل على نفسه أنه سرق ثم جهد فاقطعه وارغم أنفه - الحديث) مؤيدين بخبر سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام (من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له فإذا رفع إلى الامام وقطعه، فإن قال الذي سرق منه: أنا واهبه لم يدعه الامام عليه السلام حتى يقطعه إذا رفعه إليه وإنما الهبة قبل أن يرفع إلى الامام وذلك قول الله عزوجل (الحافظين لحدود الله) فإذا انتهى إلى الامام عليه السلام فليس لاحد أن يتركه) وعن جماعة القول بسقوط الحد بل قيل: لعله الاشهر بين القدماء بل عن الفقيه الاجماع عليه لمرسل جميل السابق (لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين فإن رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود) وعن الخلاف و موضع من النهاية تخير الامام بين قطعه والعفو عنه مدعيا عليه في الاول الاجماع عليه لخبر طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام (حدثني بعض أهلي أن شابا أتى أمير المؤمنين صلوت الله عليه أقر عنده بالسرقة فقال عليه السلام له: إني أراك شابا لا بأس بهبتك فهل تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقره، فقال: وهبت يدك لسورة البقرة، قال: وإنما منعه أن يقطعه لانه لم تقم عليه بية)

[ 154 ]

وخبر أبي عبد الله البرقي عن بعض أصحابه عن بعض الصادقين (ع) (جاء رجل إلى أمير المؤمنين صلوت الله عليه فأقر عنده بالسرقة فقال: أتقرأ شيئا من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم سورة البقره قال: قد وهبت يدك بسورة البقرة فقال: الاشعث أتعطل حدا من حدود الله تعالى؟ قال: وما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البينة فليس للامام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام إن شاء عفا وإن شاء قطع) وقد يقال: إنهما ضعيفان لا جابر لهما هذا ولكن مع الاشهرية عند القدماء والمرسل المذكور يشكل الاخذ بالخلاف، ولا أقل من الشبهة وتدرء الحدود بالشبهات، هذا مع جواز التصدي لغير المعصوم أو نائبه الخاص وأما مع عدم الجواز فلا فائدة في التكلم فيه (الرابع في الحد فهو قطع الاصابع من اليد اليمنى وتترك الراحة والابهام، ولو سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ويترك العقب، ولو سرق ثالثة حبس دائما ولو سرق في السجن قتل ولو تكررت السرقه من غير حد كفى حد واحد) أما قطع الاصابع من اليد المينى وترك الراحه والابهام فالظاهر عدم الخلاف فيهما بل ادعى عليه الاجماع واستدل عليه بمعتبرة إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: (تقطع يد السارق ويترك إبهامه وصدر راحته وتقطع رجله ويترك له عقبه يمشي عليهما) ومعتبرة عبد الله بن هلال عن أبي عبد الله عليه السلام قال (قلت له: أخبرني عن السارق - إلى أن قال: - فقال: إن القطع ليس من حيث رأيت يقطع إنما يقطع الرجل من الكعب ويترك من قدمه ما يقوم عليه ويصلي ويعبد الله، قلت،

[ 155 ]

له: من أين تقطع اليد قال: تقطع الاربع أصابع ويترك الابهام ويعتمد عليها في الصلاة ويغسل بها وجهه للصلاة - الحديث) وأيد أيضا بروايات منها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يقطع من وسط الكف ولا يقطع الابهام وإذا قطعت الرجل ترك العقب لم يقطع). ورواية إبراهيم بن عبد الحميد عن عامة أصحابه يرفعه إلى أمير المؤمنين صلوت الله عليه أنه كان إذا قطع السارق ترك الابهام والراحة - الحديث) ومنها رواية معاوية بن عمار قال: (قال: (أبو عبد الله عليه السلام: يقطع من السارق أربع أصابع ويترك الابهام وتقطع الرجل عن المفصل ويترك العقب يطأ عليه) ومعتبرة سماة قال: (قال: إذا اخذ السارق قطعت يده من وسط الكف فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم، فإن عاد استودع السجن، فإن سرق في السجن قتل) ويمكن أن يقال: يشكل استفادة ما هو المشهور أو الجمع عليه من الاخبار المذكورة فإن معتبرة إسحاق بن عمار المذكورة لم يذكر فيها قطع ما ذكر فيها من خصوص اليد اليمنى مع أنها في مقام البيان كما لا يخفى وترك الابهام صدر الراحة يباين مع قطع خصوص الاصابع الاربعة وعطف بالواو قطع الرجل من دون التقييد بالمرتبة الثانية والتقييد بالرجل اليمنى وأما معتبرة عبد الله بن هلال فليس فيها شئ من الترتيب وقد يستدل للترتيب بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له:

[ 156 ]

من أين يجب القطع؟ فبسط أصابعه، قال: من ههنا - يعنى من مفصل الكف - ولا يقطع الابهام وإذا قطعت الرجل ترك العقب ولم يظهر وجه للترتيب نعم يمكن الاستدلال بحسنة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المومنين صلوت الله عليه في السارق إذا سرق قطعت يمينه وإذا سرق مرة اخرى قطعت رجله اليسرى، ثم إذا سرق مرة اخرى سجنه وتركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط ويده اليسرى يأكل بها ويستنچى بها وقال: إني لاستحيي من الله أن أتركه لا ينتفع بشئ، ولكن أسجنه حتى يموت في السجن وقال: ما قطع رسول الله صلى الله عليه وآله من سارق بعد يده ورجله - الحديث) وتدل على قطع اليد اليمنى على كل حال صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أشل اليد اليمنى أو أشل الشمال سرق، قال: تقطع يده اليمنى على كل حال) ورواية سماعة قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أخذ السارق قطع من وسط الكف، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم، فإن عاد استودع السجن، فإن سرق في السجن قطع) وفي رواية محمد بن عبد الله بن هلال، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن السارق لم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ولا تقطع يده اليمنى ورجله اليمنى، فقال: ما أحسن ما سألت إذا قطعت رجله اليمنى ويده اليمنى سقط على جانبه الايسر، ولم يقدر عل القيام، فإذا قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى اعتدل واستوى قائما، قلت: جعلت فداك كيف يقوم وقد قطعت رجله فقال عليه السلام: إن القطع ليس حيث رأيت إنما يقطع الرجل من الكعب ويترك له من

[ 157 ]

قدمه ما يقوم عليه ويصلى ويعبد الله تعالى: فقلت له: من أين تقطع اليد؟ فقال: تقطع الاربع الاصابع ويترك الابهام يعتمد عليها في الصلاة فيغسل بها وجهه بها في الصلاة، قلت: وهذا القطع من أول من قطع؟ فقال: قد كان عثمان حسن ذلك لمعاوية) ونحوه غيره في تضمن الحكمة المزبورة ويشكل الجمع بين مجموع الروايات، فإن قطع اليد يستفاد من بعضها قطع أربع أصابع ومن بعضها قطع مفصل الكف وهذا غير الاصابع، ويستفاد من بعضها قطع الرجل من الكعب ويترك له من قدمه ما يقوم عليه ويستفاد من بعضها قطع الرجل وترك العقب وليس الاختلاف من قبيل الاختلاف بين الاقل والاكثر حتى يتوجه الاخذ بالاقل ودرء الزايد من جهة الشبهة ولكن المشهور ما ذكر وادعى عليه الاجماع وأما الحبس في السجن في المرتبة الثالثة بعد قطع اليد والرجل فهو المستفاد من معتبرة سماعة المذكورة وأما القتل المذكور فيها بعد السرقة في السجن فحمل إشكال من جهة أنه تهجم في الدماء وأما كفاية حد واحد مع تكرر السرقة فتدل عليها صحيحة بكير بن أعين عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجل سرق فلم يقدر عليه، ثم سرق مرة اخرى، ولم يقدر عليه، وسرق مرة اخرى فأخذ، فجاءت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى والسرقة الاخيرة، فقال: تقطع يده بالسرقة الاولى، ولا تقطع يده بالسرقة الاخيرة، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لان الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى والاخيرة قبل أن يقطع بالسرقة الاولى ولو أن الشهود شهدوا بالسرقة الاولى، ثم أمسكوا حتى يقطع، ثم شهدوا عليه بالسرقة

[ 158 ]

الاخيرة، قطعت رجله اليسرى) ولا يخفى أن المستفاد من هذه الصحيحة التفرقة بين صورة شهادة الشهود بالمرة الاخيرة في ضمن الشهادة بالمرتبة الاولى، وبين الشهادة بعد إجراء الحد بالنسبة إلى المرتبة الاولى ولو كانت الشهادة في مجلس واحد وهذا خلاف الاطلاق المستفاد من المتن (ولا يقطع اليسار مع وجود اليمنى بل يقطع اليمنى ولو كانت شلاء و كذا لو كانت اليسار شلاء ولو لم يكن يسار قطع اليمنى وفي الرواية لا يقطع، و قال الشيخ في النهاية: ولو لم يكن يسار قطعت رجله اليسرى، ولو لم يكن له رجل لم يكن عليه أكثر من الحبس وفي الكل تردد أما عدم قطع اليسار مع وجود اليمين بل قطعها ولو كانت شلاء، وكذا لو كانت اليسار شلاء فهو المشهور واستدل عليه بالنصوص الخاصة مضافة إلى الاطلاقات منها صحيحة إبن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أشل اليد اليمنى أو أشل الشمال سرق؟ قال: تقطع يده اليمنى على كل حال) ومنها صحيحته الثانية عن أبي عبد الله عليه السلام، وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام (إن الاشل إذا سرق قطعت يمينه على كل حال شلاء كانت أو صحيحة فان عاد فسرق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد خلد في السجن واجري عليه من بيت المال وكف عن الناس) وعن الاسكافي عدم القطع فيما إذا كان اليد اليسرى شلاء واستدل على ذلك بما تقدم في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وغيرها بقوله عليه السلام على المحكي (إني لاستحيي من ربي أن أدعه ليس له ما يستنجي به أو يتطهر

[ 159 ]

به) وبرواية المفضل بن صالح عن بعض أصحابه قال: قال: أبو عبد الله عليه السلام (إذا سرق الرجل ويده اليسرى شلاء لم نقطع يمينه ولا رجله - الحديث) واجيب بأن التعديل وإن كان يقتضي التعدي عن مورده إلا أنه لابد من رفع اليد عنه للروايات الخاصة في المقام ورواية الفضل مرسلة، مضافا إلى أن المفضل بنفسه ضعيف لا يعتمد على روايته، ويمكن أن يقال: التعليل المذكور لا يقبل التخصيص لا بائه فيقع المعارضة بينه وبين الاخبار الخاصة، فإن كانت الاية الشريفة (والسارق والسارقة - إلخ) في مقام البيان يكون على المعروف مرجحا أو مرجعا وإلا فلابد من التخيير الاصولي، ومما ذكر ظهر الاشكال فيما في المتن من أنه مع عدم اليسار قطع اليمنى حيث أنه مع قطع اليمنى لا يبقى للسارق يد للوضوء والاستنجاء وهذا خلاف ما في الخبر ومن قوله عليه السلام على المحكي (إني لا ستحيي - الخ) وأما ما حكي عن الشيخ - قدس سره - فيشكل من جهة عدم الدليل عليه (ويسقط الحد بالتوبة قبل البينة لا بعدها ويتخير الامام عليه السلام معها بالاقرار في الاقامة على رواية فيها ضعف، والاشبه تحتم الحد ولا يضمن سراية احد) أما سقوط الحد بالتوبة قبل البينة فاستدل عليه بصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال (السارق إذا جاء من قبل نفسه تائبا إلى الله عزوجل ورد سرقته على صاحبها، فلا قطع عليه)

[ 160 ]

ومرسلة جميل بن دراج، عن أحدهما عليهما السلام (في رجل سرق أو شرب الخمر أو زني فلم يعلم بذلك منه، ولم يؤخذ حتى تاب وصلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد) و يمكن أن يقال: أما صحيح عبد الله بن سنان فقيد فيه برد سرقته على صاحبها، وأما مرسلة جميل بن دراج فقد قيد بعدم العلم به وعدم الاخذ حتى تاب وصلح وعرف منه أمر جميل فبمجرد التوبة بدون ما ذكر من القيود يشكل سقوط الحد وأما تخير الامام عليه السلام فقد سبق الكلام فيه والرواية المشار إليها الخبر (جاء رجل أمير المؤمنين صلوت الله عليه فأقر عنده بالسرقة، فقال: أتقرء شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك بسورة البقرة، فقال أشعث: أتعطل حدا من حدود الله تعالى؟ قال: وما يدريك ما هذا، إذا قامت البينة فليس للامام أن يعفو عنه، وإذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام، فإن شاء عفا وإن شاء قطع) وقريب منه آخر ومع عدم الاخذ بالرواية يتحتم الحد وأما عدم ضمان سراية الحد فعلل بأن القطع استيفاء سائغ وبأنه إحسان و (ما على المحسنين من سبيل) ولقول الصادق على المحكي في حسن الحلبي (أيما رجل قتله الحد أو القصاص فلا ديه له) وفي خبر الشحام (من قتله الحد) فلادية له) وقيل في الاستبصار

[ 161 ]

(إن ذلك في حدود الله وأما في الحد للناس فديته على بيت المال لقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي في خبر الحسن بن صالح الثوري (من ضربناه حدا من حدود الله فمات فلا دية له علينا، ومن ضربناه حدا في شئ من حقوق الناس فمات فإن ديته علينا) وقيل: هذا الخبر ضعيف لكن في الايضاح إنه متواتر عنهم عليهم السلام ويمكن أن يقال: تارة يكون من يجري عليه الحد في معرض الموت فلا أظن أن يقال: بإجراء الحد عليه لان المفروض أن من يجري عليه الحد محقون الدم بل يعد الاقدام مع هذا عمدا ولذا ذكر في مفطرات الصوم نحو هذا عمدا، واخرى من باب الاتفاق فالتمسك بما ذكر مشكل لان الاستيفاء السائغ لا ينافي الضمان، ألا ترى أنه لو توقف حفظ النفس المحترمه على الاكل والشرب من مال الغير جاز وعليه الضمان ولو باشر هذا غير الاكل والشارب كان محسنا وعليه الضمان وأيضا قالوا في اللقطة إذا اعطيت الفقير بعنوان الصدقة وعرف صاحبها ولم يرض يكون المعطي ضامنا، وقد ورد في الاخبار عدم مهدورية دم المسلم والمسألة مشكلة (الخامس في اللواحق وفيه مسائل: الاولى إذا سرق اثنان نصابا، قال في النهاية: يقطعان، وفي الخلاف اشتراط نصيب كل واحد نصابا، الثانية لو قامت الحجة بالسرقة أمسك ليقطع، ثم شهدت عليه باخرى فقال في النهاية قطعت يده بالاولى ورجله بالاخرى، وبه رواية، والاولى التمسك بعصمة الدم إلا في موضع اليقين، الثالثة قطع السارق موقوف على مرافعة المسروق منه، فلو لم يرافعه لم يرفعه الامام عليه السلام ولو رافعه لم يسقط الحد، ولو وهبه قطع) مقتضى ما دل على اعتبار النصاب في القطع عدم القطع لان كلا منهما لم يسرق ما يبلغ النصاب لكن ترك الاستفصال في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر

[ 162 ]

عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نفر نحروا بعيرا فأكلوه فامتحنوا أيهم نحروا فشهدوا على أنفسهم أنهم نحروه جميعا لم يخصوا أحدا دون أحد فقضى عليه السلام أن تقطع أيمانهم) المروية في التهذيب يقتضى عدم الاعتبار بل يقتضي عدم اعتبار الحرز أيضا، وما قد يقال من أن ما ذكر قضية في واقعة يشكل من جهة أنه بعد ما كان نقل فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مقام البيان لا مجال لما ذكر وأما ما ذكر في المسألة الثانية فمقتضى الرواية المتقدمة الصحيحة أو كالصحيح قطع الرجل والرواية هي الرواية المذكورة في صورة تكرر السرقة بدون فصل القطع وأما ما ذكر في المسألة الثالثة من توقف القطع على مرافعة المسروق منه فاستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح الحسين بن خالد (الواجب على الامام عليه السلام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد ولايحتاج إلى بينة مع نظره لانه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قال: كيف ذلك؟ قال: لان الحق إذا كان لله تعالى فالواجب على الامام إقامته وإذا كان للناس فهو للناس) وقد يقال: هذا الصحيح معارض لصحيحة الفضيل قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أقر على نفسه عند الامام بحق - إلى أن قال: - فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد الله فما هذه الحدود التي إذا أقر بها عند الامام عليه السلام مرة واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها؟ فقال: إذا أقر على نفسه عند الامام عليه السلام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق الله - الحديث) المعتضدة بعدة روايات

[ 163 ]

دالة على أن الامام عليه السلام له أن يقطع يد المقر بالسرقة والترجيح مع صحيحة الفضيل لموافقتها للكتاب والسنة ويمكن أن يقال: الظاهر أن نظر السائل إلى التفصيل بين الحقوق التي يكتفي في ترتب الحد الاقرار بها مرة واحدة وبين الحقوق التي لا يكتفى فيها، فالسرقة مما يكتفى فيها بالاقرار والاطلاق يقتضي عدم الحاجة إلى مرافعة المسروق منه وصحيح الحسين بن خالد يقيده وأما ما ذكر من أنه بعد المعارضة يرجع إلى عموم الكتاب والسنة فاما عموم السنة يقيد بالصحيح وأما عموم الكتاب فقد سبق الاشكال في كونه في مقام البيان مع كثرة القيود والشرائط مضافا إلى أنه على فرض الاطلاق يقيد فتأمل وإلى أن الاية مخصوصة بصورة قطع اليد ولا تشمل المراتب الاخرى، وأما ما ذكر من أنه مع الهبة يقطع فلما سبق في بعض الاخبار أعني صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل - إلى أن قال: - فقال: الرجل تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله قال: نعم قال: فأنا أهبه له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي؟ قلت: فالامام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم، قال: وسألته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الامام؟ فقال: حسن) و قريب منها صحيحة الحسين بن أبي العلاء)

[ 164 ]

(الفصل السادس) (في المحارب) (وهو كل مجرد سلاحا في بر أو بحر، ليلا أو نهارا، لا خافة السابلة وإن لم يكن من أهلها على الاشبه ويثبت ذلك بالاقرار ولو مرة أو بشهادة عدلين) لا بد من ذكر الاخبار الواردة في المقام فمنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي - جعفر عليهما السلام قال: (من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه ونفي من تلك البلدة ومن شهر السلاح في غير الامصار وضرب وعقر وأخذ المال ولم يقتل، فهو محارب فجزاؤه جزاء المحارب وأمره إلى الامام، إن شاء قتله وصلبه وإن شاء قطع يده ورجله، قال: وإن ضرب وقتل وأخذ المال فعلى الامام أن يقطع يده اليمنى بالسرقة ثم يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه، ثم قال: فقال له أبو عبيدة: أصلحك الله أرأيت إن عفا عنه أولياء المقتول؟ قال: فقال أبو جعفر عليهما السلام: إن عفوا عنه فإن على الامام أن يقتله لانه قد حارب وقتل وسرق، قال: فقال أبو عبيدة: أرأيت إن أراد أولياء المقتول أن يأخذوا منه الدية ويدعونه ألهم ذلك؟ قال: فقال عليه السلام: لا، عليه القتل) وروي علي بن حسان، عن أبي جعفر الجواد عليه السلام قال (من حارب الله وأخذ المال وقتل كان عليه أن يقتل أو يصلب، ومن حارب وقتل ولم يأخذ المال كان عليه ان يقتل ولا يصلب، ومن حارب وأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن تقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم يأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن

[ 165 ]

ينفى - الحديث) ومنها حسنة جميل بن دراج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (إنما جزاء الذين - الاية) فقلت: أي شئ عليهم؟ قال: ذلك إلى الامام إن شاء قطع، وإن شاء صلب، وإن شاء نفي، وإن شاء قتل، قلت: النفي إلى أين؟ قال: ينفى من مصر إلى مصر آخر، وقال: إن عليا عليه السلام نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة) وفي حسنة حنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله عزوجل (إنما جزاء الذين - الاية) قال: لا يبايع ولا يؤى ولا يطعم ولا يتصدق عليه) وصحيحة بريد بن معاوية قال: (سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام (عن قول - الله عزوجل (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) قال: ذلك إلى الامام عليه السلام يفعل به ما يشاء، قلت: فمفوض ذلك إليه؟ قال: لا ولكن نحو الجناية) وفي المقام أخبار ذكر ضعفها من جهة السند و، يمكن أن يقال: ما ذكر في تعريف المحارب الظاهر أنه من باب التنزيل نظير ما ذكر في باب الربوا وعلى هذا فالذي يظهر من صحيحة محمد بن مسلم من قول الامام عليه السلام على المحكي من شهر السلاح إلى قوله عليه السلام على المحكي فهو محارب يكون موضوعا للاحكام المخصوصة المذكورة في الاية الشريفة والاخبار المذكورة وظاهر الاية الشريفة التخيير كما ذكر في بعض الاخبار الصحيح أن (أو) في القرآن للتخيير لكن التخيير بحسب الاخبار بلحاظ نحو الجناية، وعلى هذا فترتب أحكام المحارب على مطلق من شهر السلاح بدون القيود المذكورة مشكل، وبين رواية محمد بن

[ 166 ]

مسلم المذكورة ورواية على بن حسان مخالفة حيث إنه أخذ في تحقق المحاربة في صحيحة محمد بن مسلم شهر السلاح في غير الامصار فهو منطبق على اللص وأخذ المال و عدم القتل، وفي رواية علي بن حسان لم يؤخذ فيه ما ذكرو أخذ المال وإن كان أخذ المال وعدم القتل تفسيرا للمحاربة لم يرتفع المخالفة لان القتل لم يؤخذ في الصحيحة وهنا أخذ في المخالفة على فرض التفسير، وقد يقال وعلى هاتين الصحيحتين يحمل إطلاق بقية روايات الباب لكن الروايات المذكورة لا إطلاق فيها بل ذكر فيها حكم المحارب فلا إطلاق فيها ولعل النظر إلى أخبار اخر غير ما ذكر ولا يخفى اختلاف النسخ في نقل صحيحة محمد بن مسلم ففي شرح الارشاد ذكر في شرح المحارب (شهر السلاح في غير الامصار) وكذا في المسالك في النسخة عندنا وفي الوسائل في النسخة الموجودة عندنا بدون ذكر (غير) وكذا في الجواهر في النسخة الموجودة عندنا فعلى الاول ينطبق مع اللص دون (من شهر السلاح) في الامصار وما في حكمها وعلى الثاني يكون اللص في حكم المحارب على ما هو المشهور ظاهرا والمستفاد من الاخبار أن الاختيار للامام عليه السلام فلا فائدة في البحث ومن قال بان الفقيه في زمان الغيبة يتصدي إجراء الحدود يحتاج إلى البحث ويقع الاشكال من جهة التهجم في الدماء العمل بالاخبار الاحاد في باب الدماء كما سبق الاشكال فيما دل على القتل في الثالثة أو الرابعة في بعض الحدود بعد إجراء الحد. وأما الثبوت بالاقرار فللعموم وكذلك بشهادة عدلين بناء على العموم كما هو المعروف (ولو شهد بعض اللصوص على بعض لم تقبل، وكذا لو شهد بعض المأخوذين لبعض، وحدة القتل أو الصلب، أو القطع مخالفا، أو النفي، وللاصحاب اختلاف، قال المفيد بالتخيير وهو الوجه، وقال الشيخ بالترتيب يقتل إن قتل ولو عفا

[ 167 ]

ولي الدم قتل حدا، ولو قتل وأخذ المال استعيد منه وقطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم قتل وصلب وإن أخذ المال ولم يقتل قطع مخالفا ونفي ولو جرح ولم يأخذ المال اقتص منه نفي ولو شهر السلاح نفى لا غير) لو شهد بعض اللصوص على بعض لم يقبل علل بالفسق ويشكل الكلية حيث إنه قد يحصل القطع ومع حصول القطع كيف لا يقبل وأما صورة شهادة المأخوذين لبعض فلا تقبل الشهادة للتهمة ولخبر محمد ابن الصلت (سأل الرضا عليه صلوات الله عن رفقة كانوا في طريق قطع عليهم الطريق، فأخذوا اللصوص فشهد بعض لبعض، فقال عليه السلام: لا تقبل شهادتهم إلا بإقرار اللصوص، أو شهادة من غيرهم) والرواية معتبرة وأما حد المحارب بمعنى ظهر من رواية محمد بن مسلم الصحيحة المتقدمة فقد ظهر مما ذكر وإن بقي الاشكال من جهة اختلاف النقل وظهر أن التخيير للامام عليه السلام بالمعنى المذكور في بعض أخبار المقام وأما صورة شهر السلاح فقط وترتب النفي فيشكل فيها الحكم بمحاربية الشاهر خصوصا مع عدم قصد الاخافة وعدم كون الشاهر من أهل الريبة وقال المصنف - قدس سره - في الشرايع (واستند في التفصيل إلى الاحاديث الدالة عليه، وتلك الاحاديث لا تنفك من ضعف في إسناد أو اضطراب في متن أو قصور في دلالة، فالاولى العمل بالاول تمسكا بظاهر الاية) ويعني بالاول التخيير كما قال المفيد والصدوق والديلمي والحلي، بل قيل: عليه أكثر المتقدمين - قدس الله أسرارهم - وقال صاحب الجواهر - قدس سره -: (إن الشهره والاجماع المحكي والتعاضد والاستفاضة والمخالفة للعامة تجبر ذلك، نعم هي مختلفة في كيفية الترتيب - انتهي)

[ 168 ]

ويمكن أن يقال: بعد الاختلاف في تلك الاخبار أي فائدة في الشهرة والعضد ومخالفة العامة أن التخيير في الاخبار فسر بما ذكر والحاصل هو الاصل التخيير في لفظ (أو) وذكر في الخبر الصحيح أن (أو) في القرآن بمعنى التخيير هذا والبحث في المقام يفيد إن كان من شأن الفقيه في زمان الغيبة إجراء حد المحارب وإلا فلا فائدة فيه، والامام عليه السلام عالم بالتكليف (ولو تاب قبل القدرة عليه سقطت العقوبة ولم تسقط حقوق الناس، و لو تاب بعد ذلك لم تسقط ويصلب المحارب حيا على القول بالتخيير، ومقتولا على القول الاخر، ولا يترك على خشبه أكثر من ثلاثة أيام وينزل ويغسل على القول بصلبه حيا ويكفن ويصلي عليه ويدفن) أما سقوط العقوبة بمعنى الحد دون المال والقصاص فيدل عليه قول الله تعالى (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) ويدل عليه رواية داود الطائي عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن المحارب فقلت له: إن أصحابنا يقولون إن الامام مخير فيه إن شاء قطع وإن شاء صلب وإن شاء قتل فقال: لا إن هذه الاشياء محدودة في كتاب الله عزوجل فإذا ما هو قتل وأخذ قتل وصلب وإذا قتل ولم يأخذ قتل، وإذا أخذ ولم يقتل قطع وإذا هو فر ولم يقدر عليه ثم اخذ قطع إلا أن يتوب، فإن تاب لم يقطع) لكن الرواية ضعيفة وفي خبر آخر إن حارثة بن زيد خرج محاربا ثم تاب قبل أمير المؤمنين صلوات الله عليه توبته) وأما عدم سقوط حقوق الناس فيكفي فيه عدم الدليل على السقوط

[ 169 ]

ولا خلاف فيه ظاهرا وأما عدم سقوط العقوبة لو تاب بعد الظفر فمستفاد من التقييد المذكور في الاية الشريفة، نعم قد يستشكل فيما لو كان كافرا ثم أسلم من جهة احتمال جب الاسلام لمثل هذا وأما صلب المحارب حيا على التخيير فلانه طرف التخيير كما في الاية الشريفة وبعض الاخبار وعلى القول الاخر مقتولا كما في قول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في خبر علي بن حسان (من حارب الله وأخذ المال وقتل كان عليه أن يقتل ويصلب، ومن حارب فقتل ولم يأخذ المال كان عليه أن يقتل ولا يصلب، ومن حارب وأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن يقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم يأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن ينفى) وفي مرسل الفقيه عن الصادق عليه السلام (إذا قتل ولم يحارب ولم يأخذ المال قتل وإذا حارب وقتل قتل وصلب، وإذا حارب وأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله وإذا حارب ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي) وأما عدم جواز ترك المصلوب على خشبته أكثر من ثلاثة أيام فلظهور النهي في خبر السكوني عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله (لا تدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل فيدفن) وفي إخر له عنه أيضا (إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه صلب رجلا بالحيرة ثلاثة أيام، ثم أنزله يوم الرابع وصلى عليه ودفنه) وفي الفقيه بإسانده عنه قال الصادق عليه السلام: (المصلوب ينزل عن الخشبة بعد

[ 170 ]

ثلاثة أيام ويغسل ويدفن) ولا يخفى أنه لا تعرض فيما ذكر لصورة حياة المصلوب بعد ثلاثة أيام وما قيل من الاجهاز عليه أو إبقائه بعد ثلاثة أيام على الصلب لا دليل عليه لا حتمال الاكتفاء بما وقع عليه وأما الانزال من الخشبة والتغسيل والدفن فهو بالنسبة إلى المصلوب حيا مع كون المصلوب مسلما ولا تعرض لما ذكر من الاخبار أن المتصدي للتغسيل والدفن المجري للحد أو أولياء الميت، نعم في الخبر الحاكي لفعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه فإن كان الخبر حجة وكان في مقام الاطلاق يؤخذ بإطلاقه ولم يعثر بخبر يشمل بإطلاقه صورة كون المصلوب غير المسلم (وينفي المحارب عن بلده ويكتب بالمنع من مؤاكلته ومجالسته ومعاملته حتى يتوب واللص محارب وللانسان دفعه إذا غلب السلامة ولا ضمان على الدافع، ويذهب دم المدفوع هدرا، وكذا لو كابر امرأة على نفسها أو غلاما فدفع فادى إلى تلفه أو دخل دارا فزجره ولم يخرج فادى الزجر والدفع إلى تلفه أو ذهاب بعض أعضائه ولو ظن العطب سلم المال، ولا يقطع المستلب ولا المختلس ولا المحتال ولا المنبج ولا من سقى غيره مرقدا بل يستعاد منهم ما أخذوا ويعزرون بما يردع) أما النفي والكتب بالمنع عما ذكر فاستدل عليه بحسنة جميل بن دراج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (إنما جزاء الذين - الاية) فقلت: أي شئ عليهم؟ قال: ذلك إلى الامام عليه السلام إن شاء قطع وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، وإن شاء قتل، قلت: النفي إلى أين؟ قال: ينفى من مصر إلى مصر آخر، وقال: إن عليا صلوت الله عليه نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة)

[ 171 ]

وفي حسنة حنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (إنما جزاء الذين - الاية) قال: لا يبايع ولا يؤوى ولا يطعم ولا يتصدق عليه) والظاهر أن الكتب بالمنع مما ذكر ليس بنحو يوجب موت المنفي فان النفي الممنوع بنحوه لا يبايع ولا يؤوى [ ولا يطعم ] ولا يتصدق عليه) مساوق لموته، فلابد من الحمل على التضييق وأما كون اللص محاربا فقد سبق بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم نقلها بنحوين أحدهما تعريف المحارب بمن شهر السلاح في غير الامصار فلا حاجة إلى الذكر بنحو الالحاق، نعم بناء على النقل الاخرى يكون ملحقا بالمحارب في جواز دفعه ولو بالقتال ولو لم يندفع إلا بالقتل كان دمه هدرا، والظاهر أن الاصح هذا وأما جواز دفعه إذا غلب السلامة فيدل عليه خبر منصور عن أبي عبد الله عليه السلام (اللص محارب لله ورسوله فاقتلوه، فما دخل عليك فعلي) وخبر غياث بن إبراهيم ووهب عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: في الاول منهما (إذا دخل عليك اللص يريد أهلك ومالك فإن استطعت أن تبدره وتضربه فابدره واضربه، وقال: اللص محارب لله ورسوله فاقتله فما عليك منه فهو علي) وفي آخر عن أبي جعفر عليه السلام (قلت له: اللص يدخل علي في بيتي يريد نفسي ومالي، قال: اقتله فأشهد الله ومن سمع أن دمه في عنقي) وفي خبر السكوني عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام عن علي عليه السلام أنه (أتاه

[ 172 ]

رجل فقال يا أمير المؤمنين إن لصا دخل على امرأتي فسرق حليها، فقال عليه السلام: أما إنه لو دخل على ابن صفية لما رضي ذلك حتى يعمه بالسيف) والمرسل كالموثق أو الصحيح (إذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله فما أصابك فدمه في عنقي) وخبر السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام (إن الله ليمقت العبد يدخل عليه اللص في بيته فلا يقاتل) والصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إن الله ليمقت الرجل الذي يدخل عليه اللص في بيته فلا يحارب) وخبر الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليه السلام (في رجل دخل دار آخر للتلصص أو الفجور فقتله صاحب الدار أيقتل به أم لا؟ قال عليه السلام: إعلم أن من دخل دار غيره فقد أهدر دمه ولا يجب عليه شئ) وخبر الحسين بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن امرأة دخل عليه اللص، وهي حبلى فوقع عليها فقتل ما في بطنها فوثبت المرأة على اللص فقتلته فقال: اما المرأة التي قتلت فليس عليها شئ ودية سخلتها على عصبة المقتول السارق) ورواه في الفقيه بسنده إلى الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضل سأل أبا الحسن

[ 173 ]

عليه السلام: عن لص دخل على امرأة - الحديث) على اختلاف في ألفاظه وفيه أيضا عن محمد بن الفضيل عن الرضا صلوت الله عليه (سألته عن لص دخل على امرأة وهي حبلى فقتل ما في بطنها فعمدت المرأة إلى سكين فوجئته به فقتلته، قال: هدر دم اللص) والمعروف أنه إن أمكن دفع اللص بما دون القتل والجرح لا يبادر بهما و هذه المتعاضدة مقتضى إطلاقها وترك الاستفصال فيهما خلاف هذا لكنه مع هذا لا بد من الاحتياط وأما عدم قطع المذكورين من المستلب والمختلس والمحتال والمنبج والساقي مرقدا فلعدم انطباق عنوان السارق عن الحرز والمحارب عليهم مضافا إلى الاخبار منها معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس على الذي يستلب قطع، وليس على الذي يطر الدارهم من ثوب قطع) ومنها معتبرة السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اتى أمير المؤمنين عليه السلام بطرار قد طر دراهم من كم رجل، قال: إن كان طر من قميصه الاعلى لم أقطعه، وإن كان طر من قميصه السافل الداخل قطعته) ومنها صحيحة عيسى بن صبيح قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطرار والنباش والمختلس، قال: لا يقطع) وأما صحيحة منصور بن حازم قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يقطع

[ 174 ]

النباش والطرار ولا يقطع المختلس) فقد يقال في الجمع بينها وبين ما سبق بأنها مطلقة ويقيد بما دل على التفرقه بين المأخوذ من القميص الاعلى والمأخوذ من السافل، وفيه إشكال حيث في المقام مطلقان ومقيد، فلا بد من تقييد أحد المطلقين فلا بد من بقاء الاكثر في المطلق الذي قيد، ولا مجال لبقاء الاكثر في كلا المطلقين حفظا لقانونيه المطلق فالتعارض بين المطلقين باق وأما استعادة ما أخذ المذكورون فعلى القاعدة فمع وجود الاعيان تسترد ومع التلف يرجع إلى المثل والقيمة وأما التعزير فالكلام فيه يظهر مما ذكر سابقا (الفصل السابع) (في اتيان البهائم) (ووطء الاموات وما يتبعه: إذا وطئ البالغ العاقل بهيمة مأكولة اللحم كالشاة والبقرة حرم لحمها ولحم نسلها ولو اشتبهت في قطيع قسم نصفين واقرع هكذا حتى تبقى واحده، فتذبح وتحرق ويغرم قيمتها إن لم تكن له ولو كان المهم ما يركب ظهرها لا لحمها كالبغل والحمار والدابة اغرم ثمنها إن لم تكن له، وأخرجت إلى غير بلده وبيعت وفي الصدقة بثمنها قولان والاشبه أنه يعاد عليه، ويعزر الواطي على التقديرين) وأما حرمه لحم البهيمة الموطوءة فاستدل عليها بقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر مسمع (إن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن البهيمة التي تنكح،

[ 175 ]

قال: حرام لحمها وكذلك لبنها) وهذا الخبر مطلق من جهة الفاعل فلم يفرق بين العاقل والمجنون ولا بين الصغير والكبير ولكن لا دلالة فيه على حرمة النسل وما في الجواهر من (حمل كلام المحقق - قدس سره - في الشرايع من التقييد بالبالغ العاقل على أن مجموع ما ذكر من حرمة اللحم والنسل والتعزير وإغرام الثمن مرتبة على وطي البالغ العاقل، فلا ينافي ثبوت بعضها لوطي غير البالغ العاقل) لا يخفى الاشكال فيه وأما تحريم النسل فاستدل عليه بقول الباقر والصادق عليهما السلام على المحكي في أخبار عبد الله بن سنان والحسين بن خالد وإسحاق بن عمار (ذبحت وأحرقت بالنار ولم ينتفع بها) ورواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام والحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام وإسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم موسى عليه السلام (في الرجل يأتي البهيمة فقالوا جميعا: إن كانت البهيمة للفاعل ذبحت فإذا ماتت أحرقت بالنار، ولم ينتفع بها، وضرب هو خمسة وعشرين سوطا ربع حد الزاني، وإن لم تكن البهيمة له قومت عليه واخذ ثمنها منه ودفع إلى صاحبها وذبحت واحرقت وضرب خمسة وعشرين سوطا، فقلت: فما ذنب البهيمة قال: لا ذنب لها ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله فعل هذا وأمر لكيلا يجتري الناس بالبهائم وينقطع النسل) ولا تصريح فيه بحرمة اللبن والنسل، وقد يقال: يمكن ادعاء ذلك فإنه قال: (ذبحت ولم ينتفع بها) وأكل النسل واللبن انتفاع بها، ولانه لولاه لما جاز ذبحها.

[ 176 ]

ويمكن أن يقال: الظاهر أن قوله على المحكي (ولم ينتفع بها) متفرع على الموت بعد الذبح كما حرقت والانتفاع باللبن والنسل متفرع على الحياة وأما جواز الذبح فلفعل رسول الله صلى الله عليه وآله (وأمر به لكيلا يجتري الناس بالبهائم) ولا يخفى أن مقتضى إطلاق هذا الخبر عدم الفرق بين ما كانت البهيمة معدة لاكل لحهما وبين ما ليست معدة للاكل كالحمير والخيل، ويظهر من خبر سدير التفصيل: وروي عن أبي جعفر عليهما السلام (في الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يجلد دون الحد ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها لان أفسدها عليه، وتذبح، وتحرق وتدفن إن كان مما يؤكل لحمه وإن كانت مما يركب ظهره اغرم قيمتها وجلد دون الحد واخرجت من المدينة التي فعل بها فيها إلى بلاد اخرى حيث لا تعرف فيبيعها فيها كي لا يعير بها) وأما القرعة في صورة الاشتباه في قطيع فلعل النظر إلى صورة الشبهة المحصورة حيث إن المعروف أن العلم الاجمالي مع عدم الحصر لا ينجز و الظاهر أن الوجه فيه وهن الاحتمال وعدم اعتناء العقلاء بالاحتمال فإن المسافرين في البر يعاملون مع تراب البر معاملة الطاهرة مع القطع بتنجس بعض المواضع و لازم هذا عدم الاعتناء بالاحتمال إذا كان بعض أطراف الشبهة المحصورة بهذا النحو وأما دليل القرعة فهو الخبر المروي عن تحف العقول (سأل يحيى بن أكثم موسى المبرقع عن رجل أتى إلى قطيع غنم فرأى الراعى ينزو على شاة منها، فلما أبصر صاحبها خلى سبيلها فدخلت بين الغنم كيف تذبح وهل يجوز أكلها أم لا؟ فسأل موسى أخاه أبا الحسن الثالث عليه السلام، فقال: إنه إن عرفها ذبحها

[ 177 ]

وأحرقها، وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجى النصف الاخر، ثم يفرق النصف الاخر فلا يزال كذلك حتى يبقى شاتان فيقرع بينهما فأيتها وقع السهم بها ذبحت واحرقت ونجى سائر الغنم) والظاهر عمل المشهور بالرواية وإطلاقها يشمل ما لو كان بعض الاطراف يكون الاحتمال فيه موهونا كالاحتمال في الشبهة غير المحصورة فمع وهن الشبهة بهذا الحد كيف يوجه القرعة ثم لم يظهر وجه حرمة النسل إلا من جهة التعبير بحرمة الانتفاع وحمل الجملة الخبرية على الحرمة أو عدم القابلية للانتفاع واستفادة حرمة النسل مشكلة وعلى فرض استفادة حرمة النسل قد يقال: الظاهر عدم الفرق بين نسل الذكر والانثى ويشكل حيث إن النتاح في البهائم تابعة للام لا الاب والظاهر أن الحيوان المتولد من نزو الحيوان المغصوب لا يعد من توابع المغصوب وليس مشتركا إلا أن يقال: إن استفيد الحرمة مما دل على عدم الانتفاع يشمل مثل ما ذكر من الانتفاع ولعل التعبير بالتنصيف لا من باب الخصوصية حيث انه مع كون العدد وترا لا يكون مشمولا للخبر وعلى هذا فلا يبعد الاخذ بالقرعة مع تقسم القطيع لا بنحو التساوي، ثم إنه مع البيع فيما يحل أكله لكن لا يكون معدا للاكل بل يكون معدا من جهة الظهر كالحمار والبغله إذا بيع لم يظهر وجه لدفع الثمن إلى غير المالك بعنوان الصدقة إلا أن يقال: لا بد في المقام من رفع اليد عن بعض القواعد حيث إن مقتضى القاعدة عدم جواز التصرف في ملك الغير بدون إذنه فاما أن يكون الحيوان خارجا عن ملكه أو يكون باقيا وفي المقام يجوز التصرف في ملكه قهرا عليه ومع عدم الترجيح لا وجه للزوم

[ 178 ]

دفع القيمة إليه والظاهر في العمومات الطولية رفع اليد عن العام الاخير كما لو دل الدليل على طهارة بصاق شارب الخمر وقلنا بنجاسة الخمر فيدور الامر بين تخصيص ما دل على نجاسة الخمر أو تخصيص مادل على تنجس الملاقي للخمر بأن يكون الباطن غير متنجس أو تخصيص مادل على عدم تحقق التطهير بغير الماء في مثل المقام بأن يكون زوال العين موجبا للطهارة فالمتعين رفع اليد عن الاخير لعدم العموم إما من جهة التخصيص أو من جهة عدم الموضوع ولا وجه لرفع اليد عن العموم السابق، لكن يبقى في المقام شبهة اخرى من جهة معارضة حسن سدير المتعرض للتفصيل بين ما يؤكل لحمه وبين ما يركب ظهره فإن ما يركب ظهره لعله أكثر مما يؤكل لحمه، أو يكون مساويا لما يؤكل، ومع الاكثرية أو التساوي كيف يحكم بنحو ضرب القانون بالذبح والاحراق وعدم الانتفاع به وأما التعزير فهو المستفاد مما ذكر بل عين خمسة وعشرين سوطا في خبر عبد الله بن سنان المقدم (ويثبت هذا الحكم بشهادة عدلين أو الاقرار ولو مرة، ولا يثبت بشهادة النساء منفردات ولا منضمات، ولو تكرر الوطئ مع التعزير ثلاثا قتل في الرابعة ووطئ الميتة كوطئ الحية في الحد واعتبار الاحصان ويغلظ هنا، ولو كانت زوجة فلا حد ويعزر ولا يثبت إلا بأربعة شهود وفي رواية يكفي اثنان لانها شهادة على واحد) أما ثبوت هذا الحكم بشهادة عدلين فهو المعروف المسلم تمسكا بعموم دليل اعتبار شهادتهما، فان كان النظر إلى رواية مسعدة بن صدقة فالظاهر عدم شمولها لمثل المقام وإن كان بناء العقلاء فبنائهم على اعتبار خبر الثقة، وقد دل الاخبار في موارد كثيرة على اعتباره وأما الثبوت بالاقرار فلعموم دليل اعتباره ولو مرة، نعم هذا لو كان البهيمة ملكا للمقر وإن كان ملك للغير فبالاقرار يثبت التعزير دون سائر

[ 179 ]

الاحكام لانه إقرار على الغير ويمكن أن يقال: لا مانع من اعتباره إذا انتقل إلى نفسه كما لو أقر بغصبية ما في يده مورثه ثم مات المورث وانتقل ماله إلى المقر وأما عدم الثبوت بشهادة النساء لا منفردات ولا منضمات فمع حصول القطع بل الوثوق والاطمينان يشكل لعدم الدليل على اعتبار طريق خاص في ثبوت الحكم كما في باب الزنى حيث إنه غالبا يحصل القطع بالاقرار مرة أو مرتين أو ثلاث مرات ومع ذلك لا يثبت الحكم بل الشهود يحدون خلاف المقام حيث يتمسك بالاصل في عدم الاعتبار وأما الحكم بالقتل مع التعزير ثلاثا فقد مر الكلام فيه في مثل المقام والاشكال فيه من جهة الشك في حجية خبر الثقة في باب الدماء وفي بعض الكلمات الاشكال من التهجم في الدماء ولهذه الجهة اخر بعض الاعلام - كما في المتن - القتل من المرتبة الثالثة إلى الرابعة وفيه إشكال قد سبق وأما كون وطئ الميتة كالحية فالظاهر عدم الخلاف فيه وقال عبد الله ابن محمد الجعفي على المحكي (كنت عند أبي جعفر عليهما السلام وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ونكحها فإن الناس قد اختلفوا علينا في هذا، فطائفه قالوا: اقتلوه، وطائفة قالوا: احرقوه، فكتب إليه أبو جعفر عليهما السلام إن حرمة الميت كحرمة الحي حده أن تقطع يده لنبشه وسلبه الثياب، و يقام عليه الحد في الزنى إن احصن رجم وإن لم يكن احصن جلد مائة) وتدل عليه أيضا: رواية إبراهيم بن هشام قال: (لما مات الرضا عليه السلام حججنا فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام وقد حضر خلق من السنية - إلى أن قال: - فقال أبو جعفر عليه السلام: (سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي عليه السلام: يقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنى فإن

[ 180 ]

حرمة الميتة كحرمة الحية - الحديث ومع تسلم الحكم عند العلماء ودعوى شمول الاطلاقات لمقامنا هذا لم يتوجه الاشكال من جهة ضعف الروايتين من جهة السند لكن شمول الاطلاق لعله لا يخلو عن الاشكال لا حتمال الانصراف والشاهد عليه السؤال عن الحكم وما في كلام الامام عليه الصلاة والسلام التعليل بأن حرمة الميتة كحرمة الحية وتعرض الفقهاء بالخصوص وأما اعتبار الاحصان والتغليظ فالرجم مع الاحصان مبني على شمول الاطلاقات وحجية الخبر الاول وأما التغليظ فاستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في مرسل ابن أبي عمير (في الذي يأتي المرأة وهي ميته وزره أعظم من ذلك الذي يأتيها وهي حية) بل قد يحمل ثبوت الزيادة المزبورة في صورة القتل قبله ولو كانت المرأة زوجة فلا حد والتعزير مبني على كون المباشرة مع الزوجة الميتة من الكبائر (ولا يثبت إلا بأربعة شهود، وفي رواية يكفي اثنان لانها شهادة على واحد ومن لاط بميت كمن لاط بحي ويعزر زيادة على الحد ومن استمنى بيده عزر بما يراه الامام ويثبت بشهادة عدلين أو لا قرار مرتين ولو قيل يكفي المرة كان حسنا) أما عدم ثبوت الزنى بالميتة إلا بأربعة فمبني عل شمول الاطلاقات لمثل هذا الزنى بل هو أفحش. وأما احتمال كفاية شاهدين فلقول إسماعيل بن أبي حنيفة على المحكي (قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف صار القتل يجوز فيه شاهدان والزنى لا يجوز فيه إلا أربعة شهود والقتل أشد من الزنى؟ فقال: لان القتل فعل واحد والزنى

[ 181 ]

فعلان، فمن ثم لا يجوز إلا أربعه شهود: على الرجل شاهدان وعلى المرأة شاهدان) والزنى بالميتة الشاهدان يشهدان على فعل واحد واستشكل بأن الرواية قاصر السند بل الظاهر ارادة الحكمة فيها لا التعليل المتنقض بالاكراه والمجنونة والنائمة مع اشتراط الاربعة وأما كون اللائط بالميت كمن لاط بالحي فاستدل عليه بصدق اللواط الموجب للحد وهذا مبني على عدم الاعناء بشبهة الانصراف وأما التعزير قبل القتل فلم يظهر وجهه وأما ترتب التعزير على الاستمناء بيد أو بغيرها فاستدل عليه بأنه فعل محرم بل كبيرة ففي خبر محمد بن عيسى المروي عن نوادر ولده (سئل الصادق عليه السلام عن الخضخضه، فقال: إثم عظيم قد نهي الله عنه في كتابه وفاعله كناكح نفسه، ولو علمت بمن يفعله ما أكلت معه، فقال: السائل: بين لي يا ابن رسول صلى الله عليه وآله من كتاب الله فيه، فقال: قول الله: (فمن ابتغى وراء ذلك) وهو مما وراء ذلك، فقال الرجل أيما أكبر الزنى أو هي؟ فقال: هو ذنب عظيم - الحديث) وفي الصحيح) عن الخضخضة؟ فقال: من الفواحش) وفي الموثق (في الرجل ينكح البهيمة ويدلك فقال: كل ما أنزل به الرجل ماءه من هذا وشبهه زنى) والظاهر خروج ما كان بالملاعبة مع الزوجة إذا كان بالدلك بالفرج للاستثناء في الاية الشريقه ولعل والاستثناء بالاية الشريفة منصرفة عما لو كان بمثل

[ 182 ]

التفخيذ وبالدلك بيدها وأما التعزير فيدل عليه رواية زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام (إن عليا ضرب يده بالدره حتى احمرت) وأما الزائد عليه فلا دليل عليه، وأما ثبوته فلا إشكال فيه بالاقرار ولو مرة لعدم الدليل على أزيد، وما في الخبر المذكور أعنى الموثق من (أنه زنى) لا يثبت لانه يلزم الحاجه إلى تمام ما يعتبر في ثبوت الزنى ولم يقل به أحد وكذا يثبت بشهادة عدلين (تم كتاب الحدود ويليه كتاب القصاص)

[ 183 ]

كتاب القصاص بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين (كتاب القصاص وهو إما في النفس وإما في الطرف، والقود: موجبة إزهاق البالغ العاقل النفس المعصومة المكافئة عمدا، ويتحقق العمد بالقصد إلى القتل بما يقتل ولو نادرا، أو القتل بما يقتل غالبا وإن لم يقصد القتل، ولو قتل بما لا يقتل غالبا ولم يقصد القتل فاتفق فالاشهر أنه خطأ كالضرب الحصاة والعود الخفيف) أما تحقق العمد مع قصد القتل بما يقتل ولو نادرا فلا إشكال فيه وأما تحققه بقصد الفعل مع عدم قصد القتل مع كون الفعل موجبا للقتل غالبا فيشكل، ألا ترى أن الجراح يعمل برجاء صحة المريض بالعمل مع رجحان احتمال الموت بالعمل، لدوران الامر بين الموت قطعا مع عدم العمل والحياة مع احتمال المرجوع مع العمل وأما الواردة في المقام فمنها صحيحة فضل بن عبد الملك على

[ 184 ]

رواية الصدوق (ره) - عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد، قال: وسألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفارة أهو أن يتعمد ضرب رجل ولا يتعمد قتله؟ فقال: نعم، قلت: رمى شاة فأصاب إنسانا؟ قال ذلك الخطأ الذي لا شك فيه، عليه الدية والكفارة) ومنها صحيحة أبي العباس وزرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن العمد أن يتعمد فيقتله بما يقتل مثله والخطأ أن يتعمده ولا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله والخطأ الذى لا شك فيه أن يتعمده شيئا آخر فيصيبه) ولا يخفى أن التقييد بإرادة القتل يوجب عدم تحقق العمد ولو كان الالة غالبا يوجب القتل، ولعل العرف يساعد تحقق العمد بدون القصد أيضا بمجرد كون الفعل معرضا لتحقق القتل به وإن لم يقصد كما قيل لو لاعب الرجل حليلته بنحو صار موجبا لخروج المني في نهار رمضان مع عدم القصد، فيقال: مجرد معرضية الملاعبة لخروجه يكفي في تحقق المفطر عن عمد ولازم هذا في المقام كفاية المعرضية ولو لم يكن الفعل غالبا موجبا للقتل وإثبات الموضوع أو نفيه بخبر الواحد مشكل فمع صدق التعمد بنظر العرف كيف يرفع اليد وقد يقال: الاظهر تحقق العمد بقصد ما يكون قاتلا عادة وإن لم يكن قاصدا للقتل ابتداء وأما إذا لم يكن قاصدا للقتل ولم يكن الفعل قاتلا عادة كما إذا ضربه بعود خفيف أو رماه بحصاة فاتفق موته لم يتحقق به موجب القصاص والمعروف في الكلمات التفصيل بين الغالب وغير الغالب ويمكن أن يقال: يكفى تحقق العمد المعرضية مع الالتفات إليها فمع

[ 185 ]

عدم الالتفات إليها لم يتحقق العدم سواء كان الفعل موجبا غالبا للقتل أو لم يكن غالبا، نعم إذا أخذ بالخبر الدال على لزوم قصد القتل في تحقق العمد وعدم الاعتبار بالمعرضية يشكل ما هو المعروف من كفاية كون الفعل موجبا للقتل عادة أو بحسب الغلبة، فإن الفاعل كثيرا لا يلتفت إلى كون الفعل موجبا للقتل نعم لابد في صورة المعرضية من الالتفات إليها وإلا لم يتحقق العمد كما أن قصد الفعل الموجب للقتل مع عدم الالتفات إلى المعرضية لا يكون عمدا، وبما ذكر ظهر الاشكال فيما ذكر في المتن من أن الاشهر إلخ فهو محل نظر (وأما الرمي بالحجر الغامز أو بالسهم المحدد فإنه يوجب القود لو قتل، وكذا لو ألقاه في النار أو ضربه بعصا مكررا مالا يحتلمه مثله فمات، وكذا لو ألقاه إلى الحوت فابتلعه أو إلى الاسد فافترسه لانه كالالة عادة، ولو أمسك واحد وقتل الاخر ونظر الثالث، فالقود على القاتل ويحبس الممسك أبدا وتفقأ عين الناظر) أما إيجاب ما ذكر القود فلا إشكال فيه مع التفات الجاني وأما مع عدم الالتفات بتحقق القتل ولا المعرضية فلا تعمد ولا يوجب القود فإن الانسان كثيرا يريد معالجة المريض بما يوجب موته من جهة عدم الاطلاع باللازم وأما صورة إمساك واحد وقتل الاخر ونظر الثالث فالحكم فيها يظهر من صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قضى علي صلوات الله عليه في رجلين أمسك أحدهما وقتل الاخر، قال: يقتل القاتل ويحبس الاخر - الخ) ومعتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام (إن ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه واحد منهم أمسك رجلا وأقبل الاخر فقتله، والاخر يراهم فقضى في صاحب الروية أن تسمل عيناه، وفي الذي أمسك أن يسجن

[ 186 ]

حتى يموت كما أمسكه وقصى في الذي قتل أن يقتل) و (لو أكره على القتل فالقصاص على القاتل، لا المكره، وكذا لو أمره بالقتل فالقصاص على المباشر ويحبس الامر أبدا ولو كان المأمور عبده، فقولان: أشبهما أنه كغيره والمروي أنه يقتل به السيد وقال: في (الخلاف) إن كان العبد صغيرا أو مجنونا فاسقط القود ووجبت الدية على المولى. ولو جرح جان فسرت الجناية دخل قصاص الطرف في النفس، أما لو جرحه وقتله فقولان: أحدهما لا يدخل قصاص الطرف في النفس، والاخر: يدخل، وفي (النهاية) إن فرقه لم يدخل ومستندها رواية محمد بن قيس، وتدخل دية الطرف في دية النفس إجماعا) الاكراه على القتل تارة يكون بأن توعد الظالم القادر المكره - بالفتح - بغير القتل فليس ما توعد به مما يجوز القتل بالنسبة إلى النفس المحترمة وإما يكون بالقتل فادعى الاجماع فيه على أن القصاص على المباشر بل لا يتحقق الاكراه شرعا للزوم قتله من جهة المباشرة في القتل بل في الصحيح (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقية) ونحوه الموثق. ويمكن الاستفادة من صحيح زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجل أمر رجلا بقتل رجل فقتله فقال: يقتل به الذي قتله ويحبس الامر بقتله في السجن حتى يموت) فإن الامر كثيرا يكون مكرها للمأمور بحيث يكون المأمور على المخالفة معرضا للقتل، فإطلاق الكلام يشمل هذه الصورة وقد يقال إذا توعد

[ 187 ]

المكره - بالفتح - بالقتل إن لم يباشر قتل الغير دار أمر المكره بين قتل الغير مع بقاء نفسه وبين قتل نفسه من جهة المكره - بالكسر - وبقاء الغير، فكما يحرم قتل الغير يجب حفظ نفسه فمع عدم الترجيح يكون المكره - بالفتح - مخيرا فلا مانع من اختيار قتل الغير مع حفظ نفسه، وهذا خلاف ما ادعي الاجماع عليه من عدم الجواز وخلاف الصحيح والموثق المذكورين ولازم ما ذكر أنه لو دار الامر بين قتل عشر أنفس وبين قتل إحدى عشرة نفسا لزوم مباشرة قتل عشرة إذا كان الدوران من جهة إكراه الظالم القادر وهذا تجويز لظلم كثير من الظلمة في ارتكاب الجنايات وقد ظهر من الصحيح المذكور آنفا المأمور المباشر للقتل يقتل والامر يحبس وأما لو أمر السيد العبد بالقتل فكذلك يكون العبد المأمور مباشرا للقتل فيقتل (ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) والمستفاد من قول المصنف - قدس سره - وجود القول بالفرق بين الحر المأمور والعبد المأمور خلافا للمشهور، و خلاف المشهور القول بأنه يعقل السيد الامر ويحبس العبد واستظهر هذا تمسكا بمعتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أمر عبده أن يقتل رجلا فقتله، قال: فقال: يقتل السيد به) ومعتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين صلوات الله تعالى عليه: وهل عبد الرجل إلا كسوطه أو كسيفه؟ يقتل السيد ويستودع العبد السجن) ورواها الشيخ الصدوق بسندها الصحيح إلى قضايا علي صلوات الله تعالى عليه

[ 188 ]

إلا أنه قال: و (يستودع العبد في السجن حتى يموت) والاشكال في المقام من جهة عدم عمل المشهور والاعراض موهن ألا ترى أن الخبر الصحيح ورد في إتيان البهيمة بالقتل ومع الصحة لم يعمل به أحد حتى القائل في المقام من جهة أنه لم يقل به أحد، وعدم الاعتناء في المقام كعدم الاعتناء بالاجماعات وأما ما حكي عن الخلاف من أن العبد إن كان صغيرا أو مجنونا أسقط القود ووجبت الدية على المولى ففيه أنه مع جنون العبد الظاهر أنه كالالة وكذا مع كونه صغيرا لا مميز ومع كونه عاقلا يكون عمده خطأ وأما السيد الامر فتخليده بالسجن من جهة الأمر مبني على شمول الصحيح الوارد في أمر الامر غيره بالقتل ولا يخلو عن الاشكال ولو جرح جان فسرت فمات ادعى الاجماع على دخول دية الطرف في دية النفس ويمكن أن يقال: إذا كان الجرح عن عمد ومع المعرضية للموت يكون التعمد في قتل النفس ولا بد في الدية من التراضي ومع كون الجناية خطأ وبالسراية تحقق الموت فهو المتيقن من المجمع عليه إلا أن يدعي الاجماع بنحو الاطلاق وأما صورة التعمد ولزوم القصاص وهل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس مع حصول الموجب ففيها أقوال: أحدهما الدخول مطلقا لصحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل ضرب رجلا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله، فقال إن كان المضروب لا يعقل منها [ أو قات ] الصلاة ولا يعقل ما قال، ولا قيل له فإنه ينتظر به سنة فإن مات في ما بينه وبين السنة اقيد به ضاربه وإن لم يمت في ما بينه و بين السنة ولم يرجع إليه عقله اغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله، قلت له فما ترى عليه في الشجة [ شيئا ]؟ قال: لا لانه ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة

[ 189 ]

جنايتين فالزمته أغلظ الجنايتين وهي الدية ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لالزمته جناية ما جنتا كانت منها ما كانتا إلا أن يكون فيهما الموت فيقاد به ضاربة [ بواحدة وتطرح الاخرى قال: و ] قال وإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنيات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت، فيقاد به ضاربه، قال: وقال: وإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة الزمته تلك الجناية التي جنتها تلك العشر ضربات كائنه ما كانت ما لم يكن فيه الموت) واستبعد الاخذ بمضمون هذه الصحيحة بلزوم أن لو قطع يده مثلا في وقت ثم يده الاخرى في سنة اخرى ثم رجله بعد سنة واخرى في اخرى ثم قتله في سنة اخرى لم يلزمه إلا القود أو دية النفس فينبغي اشتراط اتحاد الوقت أو تقاربهما لكنه غير منضبط مع أنه منافية لظاهر الايات والاخبار الدالة على عدم الدخول مطلقا مثل (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) و (الجروح قصاص) و (الانف بالانف والاذن بالاذن) أما الاستبعاد المذكور فلعل الكلام منصرف عن الغرض المستبعد فتأمل وأما الاستظهار من الايات الشريفة فيمكن منعه فإن المذكور (النفس بالنفس والعين بالعين) فذكر مالا تكرر فيه لعله يمنع من استفادة التكرر فيما يمكن فيه التكرر وفي المقام قول بالتفصيل وهو أنه إن كان القتل وقطع الاطراف الموجب للقصاص بضربة واحدة فلا يتعدد وليس إلا القود والقصاص في النفس فيدخل الطرف فيها وإن كانت بمرات متعددة يتعدد ولا يدخل لان مع الوحدة يقال إنه قتله فقط ومع التعدد يقال: قطع يده مثلا ثم قتله، فيجب هنا العدد دون الاول، وأيضا ثبت موجب الضرب الاول فيستصحب ولم يعلم سقوطه

[ 190 ]

بجناية اخرى أقوى ولا نقل صريحا في ذلك ويمكن تخصيص العمومات المتقدمة ويشعر به ما في صحيحة أبي عبيدة لانه إنما ضربه ضربة واحدة فجنت - الخ ولحسنة حفص بن البختري قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثم مات؟ فقال: إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتص منه، ثم قتله، وإن كان أصابه هذا من ضربه وحدة قتل، ولم يقتص منه) ورواية محمد بن قيس عن أحدهما (في رجل فقا عين رجل وقطع اذنه ثم قتله؟ فقال: إن كان فرق ذلك اقتص منه ثم يقتل، وإن كان ضربه ضربة واحدة ضرب عنقه ولم يقتص منه) فيها اشتراك محمد بن قيس، لعله لا يضر ويمكن أن يقال: مقتضى الادلة عدم التداخل لكن مقتضى صحيحة أبي عبيدة خروج صورة تحقق الموت في السنة ورفع اليد عن الادله من جهة الروايتين الاخيرتين مشكل وأما دخول دية الطرف في دية النفس مع اتحاد الجاني فادعي الاجماع عليه والظاهر أن المراد من الطرف مطلق الجراح الموجب للدية والقدر المتيقن صورة اتحاد الضرب الموجب لدية الجرح والقتل، وكذا مع التعدد مع تقارب زمانهما ومع عدم تقارب زمانهما يشكل، هذا مضافا إلى أن موجب دية الطرف بمجرد تحقق الجرح تحقق ولا وجه لرفعه كما ذكر هذا الوجه في الجرح الموجب للقصاص وقد يفرق بن المقامين بأن الجرح الموجب للقصاص لا فرض له مع فرض التداخل، بخلاف موجب الدية حيث إنها مع تجويزها لا مانع من أخذ عوضها.

[ 191 ]

(مسائل من الاشتراك: الاولى لو اشتركت جماعة في قتل حر مسلم فللولي قتل الجميع ويرد على كل واحد ما فضل من ديته عن جنايته وله قتل البعض ويرد الاخرون قدر جنايتهم، فإن فضل للمقتولين فضل قام به الولي وإن فضل منهم كان له الثانية يقتص من الجماعة في الاطراف كما يقتص في النفس فلو قطع يده جماعة كان له التخيير في قطع الجميع ورد فاضل الدية، وله قطع البعض ويرد عليهم الاخرون) الظاهر عدم الخلاف فيما ذكر من اختيار ولي المقتول في قتل المشتركين في القتل بأجمعهم والرد على كل واحد ما فضل من ديته عن جنايته وقتل البعض، واستدل بالنصوص المستفيضة قال ابن يسار على المحكي (قلت لابي جعفر عليهما السلام في عشره قتلو رجلا فقال: ان شاء اولياءه قتلوهم جميعا وغرموا تسع ديات، و ان شاؤا تخيروا رجلا فقتلوه وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الاخير عشر الدية كل رجل منهم قال: ثم إن الوالي بعديلي أدبهم وحبسهم) ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (في عشرة اشتركو في قتل رجل قال يتخير أهل المقتول فأيهم شاؤوا قتلوه ويرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية) وصحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام ((في رجلين قتلا رجلا، قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدوا دية كاملة و وقتلوهما، وتكون الدية بين أولياء المقتلوين، وإن أرادوا قتل أحدهما فقتلوه وأدى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول وإن لم يؤدوا دية أحدهما ولم يقتل أحدهما قبل دية صاحبه من كليهما وإن قبل أولياؤه الدية كانت عليهما)

[ 192 ]

ويمكن أن يقال: ظاهر كلمات الفقهاء تعميم الحكم بحيث لو اشترك مائة رجل أو أزيد في قتل رجل واحد كان لولي المجني عليه قتل الجميع، ولا يخلو عن الاشكال مع مخالفته لظاهر ما في الاية الشريفة (النفس بالنفس) والحر بالحر - الاية) والظاهر إباء الاية الشريفة عن التخصيص ويشكل الجبران بإعطاء الورثة الدية مضافا إلى رواية ابن أبي عمير المعتبرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا اجتمع العدة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيهم شاؤوا وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد وإن الله عزوجل يقول: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) ثم إنه قد يقع الاشكال في ثبوت القصاص على الجميع لو فرض ترتب الاسواط مثلا على المجني عليه وكان موته مترتبا على السوط الاخير ويقال: ينبغي الجزم بعدم الاشتراك لو فرض كونه على وجه يستند إليه الموت نحو استناده في الجرح الذي يحصل به الموت دون سرايته للجروح سابقا وعلى هذا فتحقق الشركة بأن يقتل كل من الشركاء ما يقتل لو انفرد ويمكن أن يقال: الحكم يدور مدار الشركة في القتل كما لو اجتمعوا على الرمى بالحجارة وما ذكر من أن الموت مستند إلى السوط الاخير لا تسلمه وهذا نظير ما قد يقال في قضاء الصلاة لو كان المكلف أول الوقت حاضرا وآخر الوقت مسافرا مثلا وفاتت الصلاة لابد من قضاء الصلاة قصرا فإن القضاء مترتبا على الفوت المحقق بترك الصلاة في تمام الوقت ولا ترى وجها لاستناد الفوت إلى آخر الوقت وأما الاقتصاص من الجماعة في الاطراف كما يقتص في النفس فاستدل

[ 193 ]

عليه بصحيحة أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجلين اجتمع على قطع يد رجل، قال: إن أحب أن يقطعهما أدى دية يد، فاقتسماها ثم يقطعهما، إن أحب أخذ منهما ديه يد، قال: وإن قطع يد أحدهما رد الذي لم يقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية) وعلى هذا فالتعدي عن مورد النص مشكل (الثالثة: لو اشتركت في قتله امرأتان قتلتا ولا رد إذ لا فاضل لهما، ولو كن أكثر يرد الفاضل إن قتلهن وإن قتل بعضا رد البعض الاخر ولو اشترك رجل وامرأة فللولي قتلهما، ويختص الرجل بالرد، والمفيد جعل الرد أثلاثا، ولو قتل الرجل رد عليه نصف ديته ولو قتل المرأة فلا رد وله مطالبة الرجل بنصف الدية الرابعة: لو اشترك حر وعبد في قتل حر عمدا، قال في النهاية: له قتلهما ويرد على سيد العبد نصف قيمته وله قتل الحر ويرد عليه سيد العبد خسمة آلاف درهم أو يسلم العبد إليهم أو يقتلوا العبد وليس لمولاه على الحر سبيل والحق أن نصف الجناية على الحر ونصفها على العبد، فلو قتهلما الولي رد على الحر نصف ديته وعلى مولى العبد ما فضل من قيمته عن نصف الدية ولو قتل الحر رد مولى العبد عليه نصف الدية أو دفع العبد ما لم تزد قميته عن النصف فتكون الزيادة للمولى ولو قتل العبد رد على المولى ما فضل عن نصف الدية إن كان في العبد فضل ولو قتلت امرأة وعبد رجلا فعلى كل منهما نصف الدية فلو قتل العبد وكانت قيمته بقدر جنايته فلارد، فإن زادت ردت على المولى الزيادة) لو اشترك في قتل رجل امرأتان قتلتا ولا رد يدل عليه صحيح محمد بن مسلم على المحكي قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن امرأتين قتلتا رجلا عمدا؟ قال:

[ 194 ]

يقتلان به ما يختلف فيه أحد) وهذا الصحيح لا تعرض فيه لعدم الرد لكنه حيث لا فاضل لهما عن ديته يظهر عدم الرد وما ذكر من صورة الاشتراك مبني على كون الحكم على القاعدة وعلى الاشكال في تمامية القاعدة يشكل وعلى التمامية لو كن أكثر كان للولي قتلهن بعد رد فاضل ديتهن والمعروف لزوم كون الرد في كل موضع يوجب الرد مقدما على الاستيفاء ووجه بأن زيادة المستوفى على الحق قبل الرد وفي كشف اللثام ويعارضه أنه لا يستحق الفاضل ما لم يستوف واستدل على لزوم التقديم بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في الرجل يقتل المرأة متعمدا فأراد أهل المرأة أن يقتلوه؟ قال: ذاك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية - الحديث) وبصحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجلين قتلا رجلا، قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدوا دية كاملة وقتلوهما - الحديث) ويمكن أن يقال: أما الصحيحة الثانية فالجمع فيها تأدية الدية كاملة والقتل بالواو والمعروف أن الواو لمطلق الجمع وأما الصحيحة الاولى فمع كون (إذا) بمعنى الوقت وإن كان مفيدة للشرطية فلا يستفاد الترتب منها هذا مضافا إلى أن ظاهر الادلة رد الدية إلى أهل القاتل بنحو يكونون مالكين ويعاملون مع الدية معاملة المملوكة فمع تأخير الاستيفاء كيف يكونون مالكين نعم صحيح أبي مريم الانصاري عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجلين اجتما على قطع يد رجل قال: إن أحب أن يقطعهما أدى إليهما دية يد واقتسماها ثم يقطعهما، وإن أحب أخذ منهما دية يد، وإن قطع يد أحدهما رد الذي لم يقطع يده على

[ 195 ]

الذي قطعت يده ربع الدية) ظاهر في الترتيب لكنه مخصوص بالطرف أعني اليد مضافا إلى أن الظاهر ترتب دية الذي لم يقعطع يده على قطع يد أحدهما فلعل هذا يوهن الظهور السابق لثم، هذا مضافا إلى ما في اللغة من أن (ثم) في الجمل لا يفهم الترتب بل قد تأتي بمعنى (الواو) كقوله تعالى (ثم الله شهيد على ما تفعلون) ولنرجع إلى ما فرض في المتن، فلو فرض ثلاث نسوة قتلن رجلا وولي الدم قتلهن، يرد ولي دم الرجل الفاضل إلى أولياء النسوة وإن قتل ولي دم الرجل واحدة منهن يرد وليا ثنتين الفاضل إلى ولي دم الرجل، ولو اشترك رجل وامرأة في قتل الرجل فللولي قتلهما فيختص ولي الرجل الشريك بالرد ووجهه واضح والمحكي عن المفيد - قدس سره - تقسيم الرد بين ولي الرجل الشريك وولي المرأة اثلاثا بناء على تقسيم الجناية بين الرجل والمرأة أثلاثا لان الجاني ونصف نفس جنت على نفس فيكون الجناية بينهما أثلاثا بحسب ذلك وهذا التوجيه ليس بمعتمد كما في الشرايع لكن قد يختلج بالبال - لولا النص. أنه مع الشركة لو اختلف أطراف الشركة من حيث القوة و الضعف والتأثير في القتل كما لو كان التأثير من طرف الرجل ضعف التأثير من طرف المرأة وكذا لو اشترك رجلان في قتل رجل وكان أحد الشريكين أقوى و بمنزلة رجلين متماثلين بل يكون أحد الشريكين بحيث يكفي في القتل لولا الاخر بخلاف الاخر كان التسوية بينهما مشكلة ويشهد لما ذكر أن المعروف في كلمات الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - أنه لو اجتمع السبب والمباشر يقتص من المباشر، كما لو حفر أحد بئرا في غير ملكه وألقى الاخر إنسانا في البئر يقتص من المباشر لكونه أقوى، ولو اشترك حر وعبد في قتل حر عمدا قال في

[ 196 ]

النهاية: للاولياء أن يقتلوهما ويؤدوا إلى سيد العبد ثمنه أو يقتل الحر و يؤدي سيد العبد إلى ورثة المقتول خسمة آلاف درهم، أو يسلم العبد إليهم أو يقتل البعد وليس لمولاه على الحر سبيل، واستغرب في الجواهر بعدم الانطباق على القاعدة وقال: مقتضى القاعدة في صورة قتل الحر والعبد رد نصف دية الحر على وليه لان جنايته ليست إلا نصفا وعدم رد شئ على مولى البعد إلا ما يزيد على قدر جنايته وفي الصورة الثانية يرد مولى العبد على ولي الحر العبد يسترقه أو منه قدر جنايته فإن كان ذلك نصف الدية وإلا أكمله الولي أو يرد مولى العبد العبد على ولي المقتول يسترقه أو منه قدر جنايته وهو يغرم نصف الدية لولي المقتول، وفي الثالثه يرد الولي على المولى ما زاد على قدر جنايته ويبقى له على الحر نصف دية أو يرد الحر ذلك، فإن زاد رجعة إلى الولي ويمكن أن يقال: الاستغراب لا مجال له مع إمكان العثور على نص خصوصا مع الحكاية عن المقنعة والمصباح والمهذب وتعبير المحقق - قد سره - في الشرايع بقوله وغيره الاشبه باصول المذهب وقواعد الخ وأما ما ذكر من أن مقتضى القاعدة الخ فلا يخلو عن الاشكال مع ملاحظة ما عن ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا اجتمع العدة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيهم شاؤوا وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد وإن الله عزوجل يقول: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل) وإلا لزم الالتزام بقتل مائة لو اشتركوا في قتل واحد ولا أظن أن يلتزم به، نعم في صحيح ضريس قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة وعبد قتلا رجلا خطأ، فقال: إن خطأ المرأة والعبد مثل العمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما، قال: وإن كان قيمة العبد أكثر من

[ 197 ]

خمسة آلاف درهم فليردوا على سيد العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم فان أحبوا أن يقتلوا المرأة ويأخذوا العبد فعلوا إلا أن تكون قيمة العبد أكثر من خمسة آلاف درهم فليردوا على مولى العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم و يأخذوا العبد أو يفتديه سيده، وإن كان قيمة العبد أقل من خمسة آلاف درهم فليس له إلا العبد بناء على عدم الوهن من جهة صدره. وثانيا في البيان المذكور لم يذكر فيه تقديم الرد قبل استيفاء وهو خلاف مذهبهم، وفي هذه المسأله لم يتحقق إجماع لما ذكر من كلام صاحب النهاية وغيرهم إن كان صورة اشتراك الاحرار ما ذكره مشهورة وأما صورة قتل امرأة وعبد حرا فعلى كل منهما نصف الدية في المرأة إذا قتلت فلا شئ عليها والعبد إذا قتل - وكانت قيمته بقدر جنايته - فلا رد وإن زاد رد على مولاه الزيادة ومع فرض النقصان فالظاهر أنه ليس على المولى شئ لعدم كونه ضامنا لجناية العبد، ومع كون العبد مالكا للمال فالظاهر عدم الرد إلى ولي المجني عليه فالتعبير في المتن بأنه على كل منهما نصف الدية فيه مسامحة القول في الشرائط المعتبرة في القصاص وهي خمسة: الاول الحرية، فيقتل الحر بالحر ولا رد، وبالحرة مع الرد والحرة بالحرة، وبالحر، و هل تأخذ منها الفضل الاصح لا، ويتساوى المرأة والرجل في الجراح قصاصا

[ 198 ]

ودية حتى تبلغ ثلث دية الحر فتنتصف ديتها ويقتص لها منه رد التفاوت وله منها ولا رد) الشرط الاول التساوي في الحرية أو الرق بمعنى أنه لا بد حينئذ من كون المقتول حرا لقصاص القاتل الحر فلا يقتص الحر إلا للحر ويقتص للحر من الحر والمملوك، فيقتل المملوك بالمملوك، وبالحر أيضا بخلاف المملوك فإنه لايقتص له وإلا من المملوك هذا مثل التساوي في الاسلام حيث لابد من كون المقتول مسلما لقصاص القاتل المسلم فلا يقتص المسلم إلا للمسلم، ويقتص للمسلم من المسلم، وغير المسلم وما ذكر مسلم ويظهر من الاخبار وقد يذكر في بيان دليله الاستدلال بمفهوم آية الحر بالحر حيث إنه لو لم يعتبر هذا المفهوم لزم التكرار لفهم منطوقه من قوله تعالى النفس بالنفس وترك مفهوم العبد بالعبد بالنص والاجماع ويمكن أن يقال: لزوم التكرار في كلام واحد يمكن أن يكون قرينة على ما ذكر أما مع عدم الوحدة فيشكل الشهادة فإذا كان بيان حكم واحد أو قصة راجعه إلى الانبياء على نبينا وآله وعليهم صلوات الله لقوم لم يسمعوا ما سبق لا مانع من التكرار فالعمدة الاخبار فليقتل الحر بالحر بالكتاب والسنة ويقتل الحر بالحرة مع رد فاضل ديته النصف بلا خلاف ظاهرا فتدل عليه عدة روايات منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال (في الرجل يقتل المرأة متعمدا فأراد أهل المرأة أن يقتلوه، قال: ذلك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به وليس لهم إلا نفسها - الحديث) ومنها صحيحة عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل قتل امرأته متعمدا قال: إن شاء أهلها أن يقتلوه [ قتلوه ] ويؤدوا إلى أهله نصف الدية وإن شاؤوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم، وقال في امرأه قتلت

[ 199 ]

زوجها متعمدة، قال: إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها، وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه) ومنها صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا قتلت المرأة رجلا قتلت به وإذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدوا فضل دية الرجل على دية المرأة وقادوه به وإن لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأه كاملة ودية المرأة نصف دية الرجل) وفي قبال ما ذكر رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام (أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قتل رجلا بامرأة قتلها عمدا وقتل امرأة قتلت رجلا عمدا) ومعتبرة اسحاق بن عمار عن أبي جعفر عليه السلام إن رجلا قتل امرأة فلم يجعل علي صلوات الله عليه بينهما قصاصا والزم الدية) واجيب عن رواية السكوني بضعف السند وتقييد إطلاقها بمقتضى الصحاح المتقدمة وعن معتبرة إسحاق بالحمل على عدم جعل القصاص مجردا عن رد نصف الدية ومع عدم إمكان هذا الحمل يرد علمه إلى أهله وإذا قتلت الحرة الحرة، قتلت بها بلا خلاف ولا إشكال، ويدل عليه الكتاب والسنة وإذا قتلت الحرة الحر، قتلت به بلا إشكال ولا خلاف وهل لولي المقتول مطالبة وليها بنصف الدية المعروف عدمها لما في صحيحتي الحلبي و عبد الله بن سنان المذكورتين، وفي قبالهما صحيحة أبي مريم الانصاري عن أبي - جعفر عليهما السلام قال: (في امرأة قتلت رجلا، قال: تقتل ويؤدي وليها بقية

[ 200 ]

المال) واجيب بأنها رواية شاذة لا تعارض الروايات المشهورة على أنها قاصرة الدلالة، فإن المذكور فيها أن الولي يؤدي بقية المال وليست ظاهرة في تأدية نصف الدية، ولا سيما أنها مخالفة للكتاب المجيد (النفس بالنفس) ويمكن أن يقال: أما التعبير بالشذوذ فلا يناسب مع التعبير بها في عدم أخذ ما فضل عن دية الحر بالاشهر وفي المتن عبر بالاصح وأما المخالفة للكتاب المجيد فحال هذه المخالفة كحال المخالفة فيما لو قتل الحر بالحرة حيث يؤخذ الفضل من أولياء الحرة وأما القصور في الدلالة فمنوع حيث إنه لا يشك أحد في أن بقية المال ليست إلا ما فضل، هذا مع أن هذه الرواية رويت بطريقين وفي أحدهما ذكر بقية الدية مع أنه لا مانع من الجمع الدلالى كالجمع في الاخبار الراجعة إلى ما يجب من النزح من ماء البئر بناء على النجاسة مع اختلاف الاخبار ونحو الجمع بين ما دل على مقدار الكفارة في إفطار الصوم في شهر رمضان إذا يستفاد من بعض الاخبار كفاية مد من الطعام ومن بعضها كفاية مدين وأما تساوي المرأة والرجل في الجراح قصاصا ودية حتى تبلغ ثلث دية الحر فتنتصف ديتها ويقتص لها مع رد التفاوت فيدل عليه النصوص المستفيضة قال أبان بن تغلب في الصحيح على المحكي (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشر من الابل، قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثا؟ قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعا؟ قال: عشرون: قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرء ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: مهلا يا أبان هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله إن المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف يا أبان إنك

[ 201 ]

أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين) وفي حسن جميل أو صحيحه وغيره (سأله بين المرأة والرجل قصاص؟ قال: نعم في الجراحات حتى يبلغ الثلث سواء فإذا بلغت الثلث ارتفع الرجل و سفلت المرأة إلى غير ما ذكر من النصوص وعن الشيخ في النهاية ما لم يتجاوز الثلث، قال فيها: وتتساوى جراحهما ما لم تتجاوز ثلث الدية فإذا بلغ ثلث الدية نقصت المرأة ويزيد الرجل، ولعله لنحو قول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر ابن أبي يعفور (فإذا جاز الثلث كان في الرجل الضعف) وفي خبر أبي بصير (جراحات المرأة والرجل سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية فإذا جاز ذلك تضاعف جراحة الرجل على جراحة المرأة ضعفين) وفي الصحيح (الرجال والنساء في القصاص [ سواء ] السن بالسن والشجة بالشجة والاصبع بالاصبع سواء حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية ودية النساء ثلث الدية) إلى غير ذلك من النصوص، والحاصل أنه قد يظهر من هذه الاخبار أن دية الرجل والمرأة إذا بلغت الثلث متساوية وإذا جازت الثلث تنتصف دية المرأة، والاخبار السابقة يظهر منها أنه إذا بلغت الثلث تنتصف ويقع التعارض بين الطائفتين، وقد يقال: الطائفة الثانية غير واضحة الدلالة إلا من حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل وهو معارض بمفهوم الغاية في الصدر، والجمع بينهما

[ 202 ]

كما يمكن بصرف مفهوم الغاية إلى الشرط كذا يمكن العكس فلا يمكن الاستدلال بها إلا مع المرجح المفقود في المقام إن لم نقل بوجوده على الخلاف ويمكن أن يقال: هذا يتم إن كان للصدر ظهور يصادم الذيل وإن لم يكن للصدر ظهور بل كان قابلا لوجهين فلا مانع للاخذ بظهور الذيل وبه يرتفع إجمال الصدر فلاحظ قوله تعالى (وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصرالله) فالزلزال والازعاج الشديد الظاهر بقاؤهما حتى بعد القول وما كانا مرتفعين حين القول؟ وقوله تعالى (متى نصرالله) لعله استبطاء له لتأخره، وهذا نظير قول القائل: (مرض فلان حتى لا يرجونه) فالمرض مع اليأس لم يرتفع، ورفع إجمال الصدر بالذيل مما في قول القائل (جاء زيد وكان معه أخوه) وكان زيد مشتركا بين زيد بن عمرو وزيد بن بكر وأحدهما لا أخ له فمع ذكر (وكان معه أخوه) يرتفع الاجمال فبعد رفع الاجمال في الطائفة الثانية من الاخبار تكون هذه الطائفة معارضة للطائفة الاولى، وقد يقال بعد التعارض تسقطان معا فالمرجح هو إطلاق صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال في كل شئ) فإن مقتضاه اختصاص تساوي المرأة مع الرجل في ما دون الثلث دون الزائد عليه ويمكن أن يقال: الظاهر وقوع المعارضة بين هذا الصحيح وما دل على التساوي في الجملة لاباء هذا الصحيح من جهة التعبير (في كل شئ) مع مادل على التساوي في الجملة كما لو قال: (أكرم جيراني كلهم) وقال في كلام آخر (لا تكرم ثلث الجيران) مثلا، وبعبارة اخرى الجمع المضاف كاف في إيفادة العموم ظاهرا فالتأكيد (في كل شئ) لعله يجعله صريحا في العموم فتأمل ثم إنه على المشهور من التساوي ما لم تبلغ الدية الثلث لو قطع الرجل أربعا من أصابع المرأة لم تقطع الاربع منه إلا بعد رد دية إصبعين هكذا قيل ويمكن المطالبة من جهة الدليل لانه مع عدم الاستحقاق ما الدليل على جواز القطع

[ 203 ]

ورد الدية إلا أن يتمسك بعموم (والجروح قصاص) لكن في حسن جميل أو صحيحه وغيره (سأله بين المرأة والرجل قصاص) قال: نعم في الجراحات حتى تبلغ الثلث سواء فإذا بلغت الثلث ارتفع الرجل وسفلت المرأة) ويقتص للرجل من المرأة ولا رد ويدل عليه صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام (إن قتلت المرأة الرجل قتلت به وليس لهم إلا نفسها) وفي صحيح ابن سنان سألت أبا عبد الله عليه السلام يقول في المرأة قتلت زوجها متعمدة: إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه) وفي خبر هشام بن سالم عنه أيضا (في المرأة تقتل الرجل قال: لا يجني الجاني على أكثر من نفسه) وفي قبال ما ذكر خبر أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام قال (في امرأة قتلت رجلا، قال: يقتل ويؤدي إليها بقية المال) وفي طريقها الاخرى (بقية الدية) وقد سبق الكلام فيه (ويقتل العبد بالعبد وبالامة والامة بالامة وبالعبد ولا يقتل الحر بالعبد بل تلزمه قيمته يوم القتل، ولا يتجاوز دية الحر، ولو اختلفا في القيمة فالقول قول الجاني مع يمينه ويعزز القاتل وتلزمه الكفارة ولو كان العبد ملكه عزر وكفر وفي الصدقة بقيمته رواية فيها ضعف وفي رواية (إن اعتاد ذلك قتل به) ودية المملوكة قيمتها ما لم تتجاوز دية الحرة وكذا لا يتجاوز

[ 204 ]

بدية العبد دية الحرة وكذا لا يتجاوز بدية العبد الذمي دية الحر منهم، ولا بدية الامة دية الذمية) أما قتل العبد بالعبد مع كون القتل عمديا فلا خلاف فيه ولا إشكال بالكتاب والسنة والاشكال في موضعية أحدهما فيما إذا كان قيمة العبد القاتل أكثر من قيمة العبد المقتول فهل يجب على ولي المقتول إذا اقتص رد الزائد من قيمته إلى مولى المقتص منه، قد يقال الصحيح عدم وجوب الرد فإن العبد وإن كان من الاموال إلا أن تشريع القصاص مبني على حفظ النفوس فجعل النفس بالنفس في الحر وغيره ومقتضى ذلك عدم العبرة بتفاوت القيمة ويؤكد ذلك عدم الاشارة في شئ من الروايات إلى لزوم دفع الزائد إلى مولى المقتص منه مع أن العبيد يختلفون بحسب القيمة غالبا ويمكن أن يقال: أما ما يقال من أن تشريع القصاص - الخ ليس وجها يطمئن به ألا ترى أنه لو قتل الرجال الحر المرأة الحرة يقتص منه مع رد نصف الدية وأما ما ذكر من التأكيد فليس فيه الاشارة إلى تقييد المطلقات غاية الامر التمسك بالبراءة فإن بني على عدم جواز الاقتصاص قبل رد الزيادة كما هو المعروف في مورد يجب فيه الرد وعدم النظر في المطلقات إلى هذه الجهة فكيف يتمسك بالبراءة بل لعل الاصل عدم جواز الاقتصاص إلا بعد رد الزيادة وإن بني على جواز الرد بعد القصاص فيمكن التمسك بالبراءة الموضع الثاني أن مولى المقتول هل له استرقاق العبد بعد الفروغ عن جواز مطالبة الدية من مولى القاتل فإن المولى لا يلزم بشئ من فعل العبد و إنما جنايته في رقبته أو ليس له ذلك؟ المشهور بين الاصحاب جواز ذلك ولكن إذا كانت قيمة العبد أكثر من قيمة العبد المقتول لزم مولى المقتول أن يرد الزائد إلى مولى القاتل أو ليس له الاسترقاق من دون رضى مولاه؟ قد يقال: الظاهر أن هذا هو الصحيح فإن جناية العبد وإن كانت على نفسه إلا أنه لا يستلزم ذلك

[ 205 ]

جواز استرقاقه بدون إذن مولاه ويمكن الاستدلا على عدم جواز الاسترقاق بصحيحة أبي ولاد (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مكاتب جنى على رجل حر جناية، فقال: إن كان أدى من مكاتبة شيئا - إلى أن قال - فإن لم يكن أدى من مكاتبة شيئا فإنه يقاص العبد منه أو يغرم المولى كلما جنى المكاتب لانه عبده ما لم يؤد من مكاتبته شيئا - الحديث) بتقريب إنها تدل على عدم إلزام المولى باعطاء العبد لمولى المقتول وإن لا أمر يدور بين الاقتصاص منه ودفع مولاه غرامته ولو كان ذلك بدفع نفسه، فلو كان لمولى المقتول حق استرقاقه لم تصل النوبة إلى اختيار مولاه دفع الغرامة إلا برضى المولى ولقائل أن يقول: لا يستفاد من قوله عليه السلام (فإن لم يكن أدى - الخ) وعلى المحكي الحصر ولو سلم الحصر فلا دليل على جواز الاسترقاق بإذن المولى بل مع استفادة الحصر أيضا جواز الاسترقاق يحتاج إلى الدليل حتى مع إذن المولى وأما قتل العبد بالامة والامة بالعبد والامة بالامة فهو المستفاد من عموم أدلة القصاص مثل (النفس بالنفس) ولا يقتل الحر بالعبد والامه بلا خلاف ظاهرا، ويدل عليه صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا قتل الحر العبد غرم قيمته وادب، قيل: وإن كانت قيمته عشرين ألف درهم؟ قال: لا يتجاوز قمية العبد دية الاحرار) وحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يقتل حر بالعبد وإذا

[ 206 ]

قتل الحر العبد غرم ثمنه وضرب ضربا شديدا) وفي الصحيح عن أبي الورد المجهول قال: (سألت: أبا جعفر عليهما السلام عن رجل قتل عبدا خطأ؟ قال: عليه قيمته ولا يتجاوز قيمته عشرة آلاف درهم، قلت: ومن يقومه وهو ميت؟ قال: إن كان لمولاه شهود أن قيمته كانت يوم قتل كذا وكذا اخذ بها قاتله وإن لم يكن له شهود على ذلك كانت القيمة على من قتله مع يمينه يشهد بالله ماله قيمة أكثر مما قومته، فإن أبى أن يحلف ورد اليمين على المولى فإن حلف المولى أعطى ما حلف عليه ولا يتجاوز قيمته عشرة آلاف، قال وإن كان العبد مؤمنا فقتله عمدا اغرم قيمته وأعتق رقبة وصام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا [ وأطعم ستين مسكينا خ ل ] وتاب إلى الله عزوجل) والمستفاد من هذا الصحيح أحكام كثيرة لولا الاشكال من جهة مجهولية أبي الورد وصحيحة ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (دية العبد قيمته فإن كان نفيسا فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم ولا يتجاوز به دية الحر) والاخبار المذكورة متعرضة للعبد، لكن الظاهر تسلم الحكم بالنسبة إلى الامة فلا يقتل الحر والحرة بالامة وقد يقال: السبب فيه أن مورد الروايات المتقدمة وإن كان هو قتل العبد إلا أن الظاهر منها هو أنها في مقام حكم المملوك من حيث كونه مملوكا بلا فرق بين كونه ذكرا أو انثى ويمكن أن يقال: إن كان الاستظهار من الاخبار المذكورة فلا ظهور لها

[ 207 ]

في المملوكة وإن كان من جهة الاجماع فمن لا يتوجه بالاجماع المذكور في كلمات الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم كيف يمكن أن يتسمك به ولو اختلف الجاني ومولى العبد في قيمة يوم قتل فالمعروف أن القول قول الجاني مع يمينه فاستدل بالصحيح عن أبي الورد المذكور آنفا وبالاصل ويمكن أن يقال: أما الرواية فمع مجهولية أبي الورد يشكل التمسك بها، وأما لاصل فيشكل الاخذ به بنحو الكلية كما لو كان قيمة العبد في وقت عشرة دنانير مثلا وشك في بقاء القيمة إلى يوم القتل وإن القيمة يوم قتل كانت ثمانية أو عشرة ولعل الرواية على تقدير صدرها غير ناظرة إلى هذه الصورة وأما تعزير الجاني فلما سبق من ترتب التعزير على المعاصي الكبيرة وإن لم يترتب على مطلق المعاصي وأما لزوم الكفارة فلترتبها على مثل هذا القتل ولو كان العبد المقتول ملكا للقاتل فيترتب التعزير لما ذكر وأما الصدقة بقسمة العبد فيدل عليها رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام (إن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام رفع إليه رجل عذب عبده حتى مات، فضربه مائة نكالا، وحبسه سنة وأغرمه قيمة العبد فتصدق بها عنه) وضعفت الرواية لسهل الضعيف على المشهور، ومحمد بن الحسن بن شمون وغيرهما والمعارضة مع الصحاح والموثقات الخالية عن ذكر التصدق بالقيمة ولم يذكر فيها سوى الكفارة ومع هذا الوصف قيل: يجبر جميع ذلك فتوى الاصحاب بمضمونها سيما نحو ابن زهرة والحلي اللذين لا يعملان بالاخبار الصحيحة فعملهما بها أقوى قرينة على قيام قاطع لهما على العمل بها، ومع ذلك الرواية مروية في الفقيه بطريقه إلى السكوني وهو قوي معتضدة بالمرسل

[ 208 ]

وغيره (في رجل قتل مملوكه أنه يضرب ضربا وجيعا وتؤخذ منه قيمته لبيت - المال) بحملها على الاخذ للتصدق. وأما صورة اعتياد الحر قتل العبيد فالمحكي عن الشيخ في كتابي الاخبار وابني حمزه وزهرة وسلار وأبي الصلاح: قتل الحر ان اعتاد قتل العبيد له أو لغيره حسما للجرأة والفساد ولخبر فتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن عليه السلام (في رجل قتل مملوكه أو مملوكته؟ قال: إن كان له، ادب وحبس إلا أن يكون معروفا بقتل المماليك فيقتل به) وخبر يونس عنهم عليه السلام قال: (سئل عن رجل قتل مملوكه، قال: إن كان غير معروف بالقتل ضرب ضربا شديدا وأخذ منه قيمة العبد فتدفع إلى بيت - مال المسلمين وإن كان متعودا بالقتل قتل به) وخبر السكوني عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام (إن عليا عليه السلام قتل حرا بعبد قتله عمدا) واستشكل بضعف الاخبار الواردة وعدم جابر مع أنها ظاهرة في قتل مماليكه لا الاعم منه ومن غيرهم وما في الرياض من عدم المنافات بينهما وبين ما مر من الادلة بعدم قتل الحر بالعبد لظهورها في النفي على جهة القصاص، ولا ينافي ثبوته من جهة الفساد يدفعه أنها قاصرة عن ثبوته أيضا من هذه الجهة ضرورة أنك قد عرفت عدم القتل حدا بمطلق الفساد بل هو في المحارب فالمتجه

[ 209 ]

عدم قتله به مطلقا، ويمكن أن يقال: أما خبر السكوني فالمعروف اعتباره لكن لا ظهور له في خصوص صورة الاعتياد ولا مجال للاخذ بالاطلاق من جهة نقل فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مقام بيان الحكم وأما ساير الاخبار فالظاهر اعتبارها لما في الرياض من إفتاء جماعة من الاصحاب بمضمونها ومنهم ابن زهرة نافيا للخلاف عنه في ظاهر كلامه وأما التعليل بالفساد في الارض فلا يخفى الاشكال فيه لان لازمه جواز القتل في كل مورد يقع الفساد في الارض وأما ما ذكر من عدم المنافات بينها وبين ما مر من الادلة بعدم قتل الحر بعبد لظهورها في النفي على وجه القصاص، ونحن لا نقول به ولكنه لا ينافي ثبوته من جهة الفساد، فيتوجه عليه أن لازمه مهدورية دم العبد المسلم وما دل على عدم المهدورية آب عن التخصيص فإن قتل المولى من جهة كونه مفسدا في الارض لا يرتبط به ولازم هذا مع عدم قتل المولى لزوم أخذ القيمة من المولى والصدقة وأما كون دية المملوكة قيمتها ما لم تتجاوز دية الحره ففي الجواهر (لم أجد في شئ مما وصل إلي من النصوص ذكر الامة ولكن ظاهر الاصحاب بل صريح جماعة بل قيل إنه إجماع أنها كذلك ما لم تتجاوز دية الحرة ولولاه لاشكل الحال، ضرورة كون الاصل عدم الرد مضافا إلى ظاهر النصوص السابقة في عدم تجاوز دية الحر للحرة انتهى) وأما عدم تجاوز دية العبد الذمي دية الحر منهم، ولا دية الامة دية الذمية فلا دليل عليه سوى ما ادعي من عدم الخلاف بل كأنه إجماع نعم في المسالك ومحكي الايضاح إرسال خبر (أن العبد لا يتجاوز بقيمته دية مولاه) (ولو قتل العبد حرا لم يضمن مولاه وولي الدم بالخيار بين قتله و استرقاقه وليس للمولى فكه مع كراهية الولي ولو جرح حرا فللمجروح

[ 210 ]

القصاص وإن شاء استرقه إن استوعبته الجناية وإن قصرت استرق منه بنسبة الجناية أو يباع فيأخذ من ثمنه حقه ولو افتداه المولى، فداه بأرش الجناية، و يقاد العبد لمولاه إن شاء الولي) إذا قتل العبد حرا لم يضمن مولاه بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين صلوات الله تعالى عليه في مكاتب قتل - إلى أن قال: - العبد لا يغرم وراء نفسه شيئا) وتؤيدها رواية ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا قتل العبد الحر فدفع إلى أولياء الحر فلا شئ على مواليه) مضافا إلى أنه لا وجه لضمان المولى جناية العبد وأما قتل العبد بالحر فيدل عليه معتبرة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال: يقتل العبد بالحر، ولا يقتل الحر بالعبد) وصحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السلام (في العبد إذا قتل الحر دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقوه) وظهر من هذه الصحيحة الخيار بين القتل والاسترقاق وأما عدم الاختيار للمولى في فكه مع كراهية الولي، فاستدل عليه بظهور النصوص في كون التخيير راجعا إلى الولي ولا يخفى الاشكال فيه لعدم الظهور في نفي الاختيار للغير والاولى أن يقال: إن اللازم أولا في القتل العمدي القصاص، والرجوع إلى الدية منوط برضى الطرفين كما في صورة قتل الحر الحر، وعلى هذا فلولا النص الدال على كون الاختيار لولي المقتول كان

[ 211 ]

اللازم مدخلية رضى مولى العبد أيضا وفي قبال ما ذكر خبر الوابشي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم ادعوا على عبد جناية تحيط برقبته، فأقر العبد بها، قال: لا يجوز إقرار العبد على سيده فإن أقاموا البينة على ما ادعوا على العبد أخذوا العبد بها أو يفتديه مولاه) فاستشكل في دلالته بأنه لا صراحة فيه في كون الجناية عمدا، ولا يخفى الاشكال في هذا من جهة كفاية ترك الاستفصال، نعم فيه الاشكال من جهه السند حيث إن الوابشي ذكر في الرجال أنه إمامي مجهول، لكن الراوي عنه إبن محبوب وهو من أصحاب الاجماع وقد ذكر هذه الرواية بطرق متعددة مذكورة في الوسائل. ولو جرح العبد حرا جرحا موجبا للقصاص كان للمجروح القصاص لعموم الدليل وإن شاء استرقه إن استوعبته الجناية وإن قصرت استرق بنسبة الجناية أو يباع فيؤخذ من ثمنه حقه، ويدل على ما ذكر صحيح فضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام (في عبد جرح حرا قال: إن شاء الحر اقتص منه وإن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته وإن كانت الجراحة لا تحيط برقبته افتداه مولاه فإن أبى أن يفتديه كان للحر المجروح حقه من العبد بقدر دية جراحته والباقي للمولى يباع البعد فيأخذ المجروح حقه ويرد الباقي على المولى) وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام (في عبد جرح رجلين؟ قال: هو بينهما إن كانت تحيط بقيمته - الحديث) وظاهر صحيح الفضيل أنه مع إحاطة الجناية بالرقبة لمولى العبد الافتداء بلا حاجه إلى رضى المجني عليه ويقاد العبد إذا قتل العبد مولاه إن شاء الولي بلا إشكال ولا خلاف و

[ 212 ]

يدل عليه العمومات (ولو قتل عبد مثله عمدا فإن كانا لواحد فالمولى بالخيار بين القصاص والعفو وإن كانا لا ثنين فللمولى قتله إلا أن يتراضى الموليان بدية أو أرش، ولو كانت الجناية خطأ كان لمولى القاتل فكه بقيمته وله دفعه وله منه ما فضل من قيمته عن قيمة المقتول، ولا يضمن ما يعوز والمدبر كالقن) لو قتل عبد مثله مع كونهما لواحد فالخيار بين القصاص والعفو للمولى يدل عليه معتبرة إسحاق بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عن رجل له مملوكان قتل أحدهما صاحبه أله أن يقيده به دون السلطان إن أحب ذلك؟ قال: هو ماله يفعل به ما يشاء إن شاء قتل وإن شاء عفا) وإن كانا لا ثنين فللمولى قتله بلا خلاف ولا إشكال كتابا وسنة والاشكال في موضعين أحدهما ما إذا كان قيمة العبد القتل أكثر من قيمة عبد المقتول فإذا اقتص مولى المقتول من القاتل فهل يجب رد الزائد عليه إلى مولى المقتص منه؟ فيه قولان نسب إلى العلامة في القواعد وجوب الرد وقواه في المسالك، وقد يقال: الصحيح عدم وجوب الرد فإن العبد وإن كان من الاموال إلا أن تشريع القصاص مبني على حفظ النفوس فجعل النفس بالنفس في الحر وغيره ومقتضى ذلك عدم العبرة بتفاوت القيمة ويؤكد ذلك عدم الاشارة في شئ من الروايات إلى لزوم دفع الزائد ويمكن أن يقال: أما ما يقال من أن تشريع القصاص - الخ) فلا ينافي لزوم الرد ألا ترى أن الحر إذا قتل الحرة يقتل بالحرة وترد نصف الدية إلى ولي القاتل وأما ما ذكر من (عدم الاشارة الخ) فمجرد هذا لا ينافي وجوب الرد كما لو قال: أكرم زيدا فوجوب إكرامه لا ينافي وجوب إكرام عمرو نعم

[ 213 ]

إن كان جواز الاقتصاص مشروطا برد الزائد قبلا فالاطلاق ينفيه وأما إذا لم نسلم هذا كما سبق الاشكال فيه فلا ينافي وجوب الرد جواز الاقتصاص، ولا يبعد لزوم الرد رعاية لعدم التهجم في الدماء، ثانيهما أن مولى المقتول هل له استرقاق العبد بعد الفراغ من عدم جواز مطالبة الدية من مولى القاتل حيث إن المولى لا يلزم بشئ من فعل العبد وإنما جنايته في رقبته أو ليس له ذلك؟ فيه قولان، المشهور بين الاصحاب جواز ذلك، ولكن إذا كان قيمة العبد القاتل أكثر من قيمة العبد المقتول لزم أن يرد مولى المقتول الزائد إلى مولى القاتل قد يستظهر من عبارة المحقق في النافع والشارح أن لمولى المقتول القصاص إلا مع التراضي مع مولى القاتل، وظاهر هذا الكلام أنه ليس لمولى المقتول استرقاق العبد القاتل من دون رضى المولى، وقد يقال: الظاهر أن هذا هو الصحيح فإن جناية العبد وإن كانت على نفسه إلا أنه لا يستلزم ذلك جواز استرقاقه بدون إذن مولاه، وثبوت ذلك فيما إذا قتل الحر لا يلازم ثبوته في ما إذا قتل العبد ويقال: يمكن الاستدلال على عدم جواز الاسترقاق بصحيحة أبي ولاد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مكاتب جنى على رجل حر جناية؟ فقال: إن كان أدى من مكاتبته شيئا - إلى أن قال: - وإن لم يكن أدى من مكاتبته فإنه يقاص للعبد منه أو يغرم المولى كلما جنى المكاتب لانه عبده ما لم يؤد من مكاتبته شيئا - الحديث) بتقريب أنها تدل عليه عدم إلزام المولى بإعطاء العبد لمولى المقتول وإن الامر يدور بين الاقتصاص منه ودفع مولاه غرامته و لو كان ذلك بدفع نفسه فلو كان لمولى المقتول حق استرقاقه لم تصل النوبة إلى اختيار مولاه دفع الغرامة إلا برضي مولى المقتول.

[ 214 ]

ويمكن أن يقال: ما ذكر في الصحيحة من قول (ع) (فانه يقاص) بصيغة المجهول على المحكي الفاعل فيه هو الولي أو الاولياء للمجني عليه لان الجناية عمدية بقرينة يقاص فمع عدم اختيار المولى القصاص لابد من الغرامة فمن أين كانت الغرامة باختيار مولى العبد ولو كانت الجناية خطأ كان لمولى القاتل فكه بقيمته وله دفعة الخ و استدل عليه بأن جناية العبد في رقبته ولا يلزم المولى بشئ غير نفس العبد، وقد سبق الاشكال في كون الاختيار لخصوص مولى القاتل، مضافا إلى الاشكال في لزوم رفع الزائد على مولى القاتل مع زيادة القيمة، بل يمكن شركة العبد بين مولى القاتل وبين مولى المقتول ومع نقصان القيمة لا يضمن مولى القاتل شيئا لان جناية العبد ليست على المولى وأما كون المدبر كالقن فذكر في وجهه أن الاحكام المذكورة أحكام للمماليك من غير فرق بينها، يشكل هذا بأن التدبير يترتب عليه الحرية بعد الموت، وأما التمسك بصحيح أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام (سألته عن رجل مدبر قتل رجلا عمدا؟ فقال: يقتل به، قال: قلت فان قتله خطأ؟ قال: فقال: يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم [ رقا ] فإن شاؤوا [ باعوا وإن شاؤوا استرقوه؟ ]، و ليس لهم أن يقتلوه، قال: ثم قال: يا أبا محمد إن المدبر مملوك) فيشكل لعدم ظهوره في بطلان التدبير، بل ربما يستظهر من قوله عليه السلام على المحكي (إن المدبر مملوك) بقاؤه على المملوكية، والمحكي عن الشيخين - قدس سرهما - في المقنعة والنهاية (لا يبطل التدبير بل ينعتق) واستدل بحسن جميل سأل الصادق عليه السلام (عن مدبر قتل رجلا خطأ من يضمن عنه؟ قال: يصالح عنه مولاه فإن أبى دفع إلى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت الذي دبره، ثم

[ 215 ]

يرجع حرا لا سبيل عليه) والمسألة لا تخلو عن شوب الاشكال (ولو استرقه ولي الدم ففي خروجه عن التدبير قولان وبتقدير أن لا يخرج هل يسعى في فك رقبته؟ المروي أنه يسعى والمكاتب إن لم يؤد شيئا إن كان مشروطا فهو كالرق المحض وإن كان مطلقا وقد ادى شيئا فإن قتل حرا مكافيا عمدا قتل وإن قتل مملوكا فلا قود وتعلقت الجناية بما فيه من الرقية والحرية مبعضة ويسعى في نصيب الحرية ويسترق الباقي منه أو يباع في نصيب الرق ولو قتل خطأ فعلى الامام بقدر ما فيه من الحرية وللمولى الخيار بين فك ما فيه من الرقيه بالارش أو تسليم حصة الرق ليقاص بالجناية وفي رواية علي بن جعفر عليه السلام (إذا أدى نصف ما عليه فهو بمنزلة الحر) قد يتمسك لخروجه عن التدبير وبطلان التدبير بصحيح أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام (سألته عن رجل مدبر قتل رجلا عمدا، فقال: يقتل به، قلت وإن قتله خطأ؟ قال: يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم فإن شاوؤا استرقوه وليس لهم أن يقتلوه، ثم قال: يا أبا محمد إن المدبر مملوك) ولعل وجه الاستدلال أن الظاهر من قوله عليه السلام (فإن شاؤوا استرقوه) أنه يعامل معه معاملة الرق غير المدبر بحيث يكون باقيا على الرقيه حتى بعد موت من كان حريته معلقا على موته، ولا يبعد هذا الاستظهار لولا ما في ذيله من قوله على المحكي (إن المدبر مملوك) فيحتمل أن يكون النظر إلى رفع الشبهة من جهة اجتماع الاسترقاق والمدبرية ولا أقل من الاجمال، واحتمال أن يكون حال العبد القاتل خطأ بعد الاسترقاق حاله قبل القتل مع اجتماع المملوكية والمدبرية، ويمكن أن لا تصل النوبة إلى الحرية وموته قبل موت من علقت حريته على موته، واختار صاحب كشف اللثام أنه يدفع إلى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت مولاه ثم يستسعى في قيمته، استصحابا للتدبير إلى أن يعلم المزيل، و

[ 216 ]

لحسن جميل (سأل الصادق عليه السلام عن مدبر قتل رجلا خطأ من يضمن عنه؟ قال: يصالح عنه مولاه فإن أبى دفع إلى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت الذي دبره، ثم يرجع حرا لا سبيل عليه) ولخبر هشام بن أحمر - أو أحمد - قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن مدبر قتل رجلا خطأ؟ قال: أي شئ رويتم في هذا الباب قال: روينا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: يتل برمته إلى أولياء المقتول فإذا مات الذي دبره أعتق قال: سبحان الله فيبطل دم امرء مسلم، قلت: هكذا روينا قال: غلطتم على أبي يتل برمته إلى أولياء المقتول، فإذا مات الذي دبره استسعى في قيمته) واستشكل بأن الاستصحاب مقطوع بما عرفت، وحسن جميل قاصر عن معارضة الصحيح ولقاعدة عدم بطلان دم امرء مسلم لو فرض مدة موت مولاه بعد دفعه بلحظة ويمكن أن يقال: أما الاستصحاب فيشكل الاخذ به في الشبهات الحكمية والبحث فيه موكول إلى محله وأما الصحيح المذكور فمع إجماله كما ذكر كيف يتمسك به فإن بنينا على الاخذ بالخبر الحسن في الحكم الفقهي فلا يعارضه شئ وخبر هشام المذكور يشكل الاخذ به مع عدم معلومية حال الراوى، وثانيا فليس فيه منافاة مع ما ذكر من عدم بطلان التدبير والاستسعاء في قيمته وما ذكر من قاعدة عدم بطلان دم امرء المسلم لا يوجب رفع اليد عن الحسن المذكور في غير الصورة المذكورة مضافا إلى أنه يشمل ما لو مات العبد القاتل خطأ بعده بلا فصل مع أن المولى لا شئ عليه من جهة جناية العبد، فإن قيل

[ 217 ]

بالرجوع إلى الامام عليه السلام أو إلى بيت مال المسلمين لعدم مهدورية دم المسلم في المقامين لاباء مادل على عدم المهدورية أما الرواية المشار إليها في البين فالظاهر أنها رواية هشام بن أحمر - أو أحمد - فمع الاشكال من جهة السند كيف يؤخذ بها ولعله لهذا تمسك في الجواهر في وجوب الاستسعاء مع القول بعدم بطلان التدبير بقاعدة الضرر إلا أن يكون قول الشيخ المحكي من نهايته وكتابي الاخبار المحكي عن الصدوق وأبي علي وما اختار في المسالك وكشف اللثام موجبة لقوة السند أو كان نظرهم إلى رواية اخرى لم نعثر عليها وأما التمسك بقاعدة نفي الضرر فيشكل من جهة أن دليل نفي الضرر على فرض حكومته على أدله الاحكام يوجب نفي الحكم الضروري لا إثبات حكم آخر مضافا إلى ما قيل من أن الاخذ به بنحو الاطلاق مشكل فعلى القول بعدم بطلان التدبير والانعتاق بعد موت السيد أو غيره يستسعى في قيمة نفسه وأما المكاتب إن لم يؤد شيئا إن كان مشروطا فهو كالرق المحض ويدل عليه صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام (عن مكاتب قتل رجلا خطأ؟ قال: فإن كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن هو رد في الرق فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول إن شاؤوا استرقوه وإن شاؤوا باعوه - على ما في الفقيه - وقد نقل فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا باعوا) ولم يعمل به بهذا النحو، ولا مجال لاحتمال حمله على إرادة ما يقابل (الصواب) لانه مع قابليه لفظ (خطأ) في كلام السائل للمعنيين لا بد أن يكون الجواب مناسبا للصورتين وعلى احتمال حمل الخطأ في مقابل العمد لا يقتل المكاتب لحديث الرفع وما دل من الاخبار على عدم القتل في صورة كون الجناية خطأ وإن كان المكاتب مطلقا وقد أدى شيئا، فإن قتل حرا مكافيا عمدا قتل وإن قتل مملوكا فلا قود وتعلقت الجناية

[ 218 ]

بما فيه من الرقية والحرية مبعضة ويسعى في نصيب الحرية ويسترق الباقي منه أو يباع في نصيب الرق واستدل بصحيح أبي ولاد الحناط (سأل الصادق عليه السلام عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه، جنى إلى رجل جناية، فقال: إن كان أدى من مكاتبته شيئا غرم من جنايته بقدر ما أدى من مكاتبته للحر فإن عجز عن حق الجناية شيئا اخذ ذلك من مال المولى الذي كاتبه، قلت: فإن كانت الجناية بعبد؟ فقال: على مثل ذلك يدفع إلى مولى العبد الذي جرحه المكاتب ولا يقاص بين العبد وبين المكاتب إذا كان المكاتب قد أدى من مكاتبته شيئا) واستشكل بأن ظاهر صدر الخبر كون المكاتب مشروطا ومن المعلوم عدم تحرير شئ منه بأداء البعض، نعم عن الفقيه روايته بهذا السند (عن مكاتب جنى على رجل - إلى آخره) ويمكن أن يقال: لازم ترك الاستفصال شمول الحكم لصورتي الاشتراط والاطلاق وإن قتل المكاتب الذي أدى شيئا مكاتبا آخر ولم يحرر من المقتول مقدار ما تحرر من القاتل فالمشهور أنه لا يقتل واستدل عليه بمفهوم قوله تعالى (العبد بالعبد) واستشكل بأن إطلاق الاية الكريمة (النفس بالنفس) يقتضي جواز القتل ولا دليل على التساوي في الحرية والرقيه ويمكن أن يقال: ظاهر قوله تعالى (العبد بالعبد) الموضوعية مع كون المقتول المكاتب الذي تحرر بعض منه لم يكن الموضوع محفوظا فمع عدم القود تعلقت الجناية بما فيه من الحرية والرقيه مبعضة ويسعى في نصيب الحرية و يسترق في الباقي أو يباع في نصيب الرق، وقد يقيد في الجواهر بأن لم يكن للعبد مال بأداء ما بازائها من المقتول كما هو الظابط في كل مقام في التبعيض.

[ 219 ]

ويمكن أن يقال: إن بنى على مالكية العبد ولكنه محجور فماله باختيار المولى قبل الجناية فلزوم صرف ذلك المال في الجناية ولو لم يرض المولى مشكل لما دل على عدم جناية العبد على المولى، نعم في صورة عدم اختيار المولى بالنسبة إلى مال العبد كما لو ضربه المولى ظلما وطلب المولى منه الرضى مع إعطائه مالا إياه فإن الظاهر أن مثل هذا المال ليس باختيار المولى بل باختيار العبد فللعبد صرفه في مقابل الجناية، وفي كشف اللثام كما ينص عليه صحيح أبي ولاد وقد سبق الكلام فيه وأما التخيير بين الاسترقاق والبيع في نصيب الرق فاستدل عليه بصحيح ابن مسلم السابق ومع اضطراب المتن يشكل الاخذ به فعن الفقيه (إن شاؤوا استرقوه وإن شاؤوا باعوه) وقد نقل (إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا باعوا) وبهذا النحو لم يعمل أحد به، وفي الجواهر: ينبغي أن يراد البيع برضاهما بعد الاسترقاق فإن كان المراد من رضاهما في كلامه رضى مالك العبد ورضى المولى للعبد المقتول فلم يظهر وجهه فإن العبد الجاني بعد استرقاق مقدار منه غير ما تحرر لم يتعلق له حق بالعبد وإن كان قبل الاسترقاق فمقتضى قاعدة السلطنة اختياره على البيع غاية الامر لزوم رد الثمن إلى مولى المقتول فلا حاجه إلى رضى مولى المقتول إلا أن يدعى تعلق حق على العبد الجاني نظير حق الرهانة لكن لو كان النظر إلى صحيح ابن مسلم فلا يستفاد منه هذا فالاخذ بمضمونه على النقل في الفقيه لازمه التخيير بين الاسترقاق والبيع بدون مراجعه إلى المالك للعبد الجاني وعلى النقل بنحو آخر لم يؤخذ بمضمونه حيث لا قود في الخطأ ولو قتل قنا أو حرا أو مبعضا خطأ فعلى الامام بقدر ما فيه من الحريه من الدية واستدل عليه بما في صحيح ابن مسلم المذكور سابقا (وإن كان مولاه حين كاتبه لم يشترط عليه وكان قد أدى من مكاتبته شيئا، فإن عليا عليه السلام كان يقول: يعتق من المكاتب بقدر ما أدى من مكاتبته وإن على

[ 220 ]

الامام أن يؤدي إلى أولياء المقتول من الدية بقدر ما أعتق من المكاتب ولا يبطل دم امرء مسلم وأرى أن يكون ما بقي على المكاتب مما لم يؤده رقا لاولياء المقتول يستخدمونه حياته بقدر ما بقي وليس لهم أن يبيعوه) وأما الجزء الاخر فالمولى بالخيار ببذل الارش عن نصيب الرقيه من الجناية أو تسليم حصة الرق ليقاص بالجناية، هذا هو المعروف بين المتأخرين وظاهر ما في ذيل الصحيح المذكور أن الاختيار لاولياء المقتول يستخدمونه حياته بقدر ما بقي وعدم بيعه إلا أن يمنع ظهوره في تعين ما فيه لقوة قاعدة السلطنة والتعبير في ذيل الصحيح المذكور بلفظ أرى وقد يمنع ظهور جملة الخبريه في اللزوم وغلبة ذكر الجملة الخبرية وإرادة رجحان الفعل أو جوازه في المحاورات العرفية وما قد يذكر من قوة ظهور الجملة الخبرية في الوجوب قابل للمنع وأما رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام ففيها (سألته عن مكاتب فقأ عين مكاتب أو كسر سنه ما عليه؟ قال: إن كان أدى نصف مكاتبته فديته دية حر، وإن كان دون النصف فبقدر ما عتق وكذلك إذا فقأ عين حر، وسألته عن حر فقأ عين مكاتب أو كسر سنه ما عليه؟ قال: إن كان أدى نصف مكاتبته تفقا عين الحر أو ديته إن كان خطأ فهو بمنزلة الحر، وإن كان لم يؤد النصف قوم فأدى بقدر ما أعتق منه، وسألته عن المكاتب الذي إذا أدى نصف ما عليه؟ قال: هو بمنزلة الحر في الحدود وغير ذلك من قتل وغيره، وسألته عن مكاتب فقا عين مملوك وقد أدى نصف مكاتبته قال: يقوم المملوك ويؤدي المكاتب إلى مولى المملوك نصف ثمنه) والمعروف أن الشيخ قدس سره قد رجح هذه الرواية في الاستبصار وضعفها

[ 221 ]

أو رفضها في غيره، وفي كشف اللثام: واعلم أن الذي في الاستبصار أن حكمه حكم الحر في دية أعضائه ونفسه إذا جنى عليه لا في جناياته وإن تضمنه الخبر وقد حكي هذا التفصيل عن الشيخ (ره) والمحكي عنه أنه روى في أول الباب خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مكاتب قتل قال: يحسب منه ما عتق منه فيؤدي دية الحر ومارق منه دية العبد ثم قال: ولا ينافي هذا الخبر ما رواه علي بن جعفر - وساق الخبر - إلى قوله - من قتل وغيره، ثم جمع بينهما بحمل الخبر الاول عل التفصيل الذي تضمنه الخبر الاخير ولقائل أن يقول: لم يظهر من خبر محمد بن قيس التفصيل بل تعرض لما فيه وغير هذه الصورة مسكوت عنه ففرق بين كون الموضوع مذكورا في الكلام و بين ما لو سئل عن موضوع فأجيب، ويشكل الجمع بين الخبرين لانه بعد التعرض لصورة كون المكاتب مجنيا عليه والاخذ بالاطلاق وعدم الفرق بين الصورتين خلاف القواعد وخلاف ما ذهب إليه معظم الاصحاب فالمسألة مشكلة (مسائل: الاولى) (ولو قتل حر حرين، فليس للاولياء إلا قتله ولو قتل العبد حرين على التعاقب ففي رواية هو لاولياء الاخير، وفي اخرى يشتركان فيه ما لا يحكم به لولى الاول الثانية لو قطع يمنى رجلين قطعت يمينه للاول ويساره للثاني وقال في النهاية: ولو قطع يدا وليس له يدان قطعت رجله باليد وكذا لو قطع أيدي جماعة قطعت يداه بالاول فالاول والرجل بالاخير فالاخير، ولمن يبقى بعد ذلك الدية ولعله استنادا إلى رواية حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليهما السلام

[ 222 ]

لو قتل حر حرين فالمعروف أنه ليس لاوليائهما إلا قتله، قد يعلل بأن الثابت في القتل العمدي هو القصاص وليس لاولياء المقتول مطالبته الدية من القاتل إلا مع التراضي ويمكن أن يقال: قتل الحرين إما أن يكون بلا تعاقب أو مع التعاقب فمع عدم التعاقب نسلم أن يكون القصاص مرتبا على القتل الاول ولا مجال لا قتضاء القتل الثاني، ولذا ذهب جماعة إلى أخذ الدية في صورة التعاقب بترتب القصاص للاول و أخذ الدية للثاني وقد يعلل جواز أخذ الدية من مال الجاني في هذه الصورة بما في معتبرة أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا متعمدا ثم هرب القاتل، فلم يقدر عليه، قال: إن كان له مال اخذت الدية من ماله وإلا فمن الاقرب فالاقرب، وإن لم يكن له قرابة وداه الامام، فإنه لا يبطل دم امرء مسلم) فإن مورد هذه الرواية وإن كان هو هرب القاتل وعدم التمكن إلا أن العبرة بعموم التعليل فإن مقتصاه أن دم المسلم لا يذهب هدرا وفيه إشكال بملاحظة ما ورد في النص من أن الجاني لا يجني على أكثر من نفسه وبهذا افترق المقام مع مورد الرواية، فيمكن الجمع بأخذ الدية بعد وقوع القصاص بالرجوع إلى بيت مال المسلمين أو إلى الامام عليه السلام ولا يبعد أن يقال في صورة وقوع قتل الحرين دفعه بلا تعاقب القصاص لنفسين وأخذ الدية لنفسين لعدم بطلان دم المسلم ولو قتل العبد حرين على التعاقب ففي رواية هو لاولياء الاخير و الظاهر أن الرواية المشار إليها في المتن خبر علي بن عقبة عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن عبد قتل أربعة أحرار واحدا بعد واحد؟ قال: هو لاهل الاخير من

[ 223 ]

القتلى إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استرقوه، لانه إذا قتل الاول استحق أولياؤه، فإذا قتل الثاني استحق من أولياء الاول لاولياء الثاني، فإذا قتل الثالث استحق من أولياء الثاني صار لاولياء الثالث فإذا قتل الرابع استحق من أولياء الثالث فصار لاولياء الرابع إن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقوه) ومعارضها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام (في عبد جرح رجلين؟ قال: هو بينهما إن كانت الجناية محيطة بقيمته (بثمنه خ) قيل له: فإذا جرح رجلا في أول النهار وجرح آخر في آخر النهار؟ قال: هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الاول، فإن جنى بعد ذلك جناية فإن جنايته على الاخير) وقيل بضعف الرواية المانعة من جهة الطريق واستشكل في الرواية الاولى من جهة أن مجرد وقوع الجناية لا يوجب كون العبد الجاني ملكا لاولياء المجني عليه بل بعد الاسترقاق، فمقتضى القاعدة قبل الاسترقاق الاشتراك، وبعد الاسترقاق يكون حال العبد كعبد لم يجن على أحد، لاولياء المجني عليه اللاحق استرقاقه ويمكن أن يقال: إن صحيحة زرارة المذكورة متعرضة لخصوص الجرح وعدم الفرق بين القتل والجرح ليس مقطوعا به إلا أن يقال: الحكم المذكور مطابق للقاعدة ويشكل حيث إن القتل شامل للعمدي وذكر في الخبر اختيار القتل، فمع عدم التعاقب لا ترجيح ومع التعاقب توجه الحق للمتقدم وله الاسترقاق، ومع عدم الاسترقاق للثاني القتل وله الاسترقاق أيضا فمع عدم استرقاق الاول واسترقاق الثاني، للاول استرقاق العبد كاسترقاق العبد الجاني وخروجه عن ملك مالكه الاول.

[ 224 ]

ولو قطع يمني رجلين قطعت يمينه للاول ويساره للثاني والمعروف عدم الخلاف فيه مضافا إلى خبر حبيب السجستاني عن الباقر عليه السلام المنجبر بما سمعت قال: (سألته عن رجل قطع يدي رجلين اليمينين؟ فقال عليه السلام: تقطع يمينه للذي قطع يمينه أولا ويقطع يساره للذي قطع يمينه اخيرا لانه إنما قطع يد الرجل الاخير ويمينه قصاص للرجل الاول، قال: حبيب: فقلت: إن عليا عليه السلام إنما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى؟ قال: فقال: إنما يفعل ذلك فيما يجب من حقوق الله تعالى، فأما ما كان من حقوق المسلمين فإنه يؤخذ لهم حقوقهم في القصاص، اليد باليد إذا كانت للقاطع يدان والرجل باليد إن لم تكن للقاطع يدان، فقلت: له: أوما توجب عليه الدية وتترك له رجله، فقال إنما توجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان فثم توجب عليه الدية لانه ليست له جارحة يقاص منها) كل ذلك للخبر المنجبر بالشهرة بناء على جهالة حبيب وإلا فقد وصفه غير واحد بالصحة على ما في الجواهر، هذا وفي كشف اللثام (بقي هنا شئ وهو أن الوليين أو المجروحين إذا تساويا في الاستحقاق المستوعب بالرفية لوقوع الجنايتين دفعة أو مطلقا على المختار فهل لاحدهما المبادرة إلى الاسترقاق قضية الفرق بين وقوعهما دفعة أو على التعاقب حيث خصوا التفصيل باختيار الاول الاسترقاق وعدمه بالتعاقب أن لا يجوز المبادرة في صورة وقوعهما دفعة ويجوز عند التعاقب وظاهر تخصيص الاختيار بالاول والاختصاص بالثاني أنه عند التعاقب لا يجوز للاخير المبادرة، وعندي أنا إذا حكمنا بالتساوي في الاستحقاق مع التعاقب وبدونه أن لا فرق بين الصورتين في حواز المبادرة أو عدمه ولا بين الاول والاخير عند التعاقب وإن كان الاول أولى لسبقة وحينئذ

[ 225 ]

فالتفصيل المذكور جار في الصورتين، فنقول: إذا قتل حرين دفعة اشتركا فيه ما لم يسبق أحدهما بالاسترقاق فإن سبق اختص بالاخر، ونقول عند التعاقب إذا اختار أي من المجنيين أو الوليين الاسترقاق اختص بالاخر، بقي الكلام في صحة المبادرة مع التساوي في الاستحقاق وجهان من عدم المرجح وعدم استحقاق أحد منهما جميع الرقبه كما أن أحدا من ديان المفلس لا يستحق جميع أمواله وإن استوعبها دينه، ومن صحيح زرارة المتقدم وفتوى الاصحاب، وأن المبادرة هنا لا تضر بالاخر) ويمكن أن يقال: إذا وقع القتل دفعة فالعبد بينهما بحسب صحيحة زرارة المذكورة مع كون الجناية مستوعبة لقيمة العبد لا يتصور غير التنصيف لان جنايتة ليست على المولى وليس على العبد ما زاد على نفسه وما يقال من أنه إذا وقع الجناية على التعاقب واسترقه الولي أو المجني عليه يسترقه الولي أو المجني عليه مما ملكه الولي أو المجني عليه خالصا له كما لو لم يكن سابقة جناية وجنى عبد على حر وكانت الجناية مستوعبة للقيمة يشكل للزوم أن يكون دم المجني عليه أولا هدرا لعدم الفرق بين عدم الاعطاء والاعطاء متعقبا بالاخذ منه، وهذا وإن كان مستفادا من خبر عقبة لكنه لم يؤخذ به من جهة صحيحة زرارة المذكورة، فإنه حكم فيها بالبينة حتى مع كون أحد الجرحين في أول النهار والاخر آخر النهار، وما في الصحيحة في آخرها من قوله عليه السلام على المحكي (ما لم يحكم به الوالي في المجروح الاول - الخ) مجمل يرد علمه إلى أهله، فإن المعروف أن الاسترقاق لا يحتاج إلى حكم الحاكم بلا خلاف ظاهرا عدى ما يحكي عن ظاهر الاستبصار وما ذكر لا إشكال فيه ظاهرا إذا لم يتحقق الاسترقاق بعد الجناية الاولى، وأما مع تحقق الاسترقاق إن أغمض عن الاشكال المذكور من لزوم أن يكون الدم هدرا فلا مانع من استرقاق العبد ثانيا كما هو ظاهر الكلمات ومع عدم الغمض يكون المقام كما

[ 226 ]

لو قتل العبد حرين على التعاقب وبادر ولي المقتول أولا بقتله حيث لم يبق موضوع فبناء على المعروف من عدم بطلان دم المسلم لابد من أداء الدية من بيت مال المسلمين أو الامام صلوت الله عليه ولا يبعد حمل ما ذكر في آخر الصحيحة المذكورة من استثناء صورة حكم الوالي من البينة على عدم بقاء الموضوع بعد الاسترقاق أو بعد القتل إن شملت الصحيحة القتل العمدي و الخطائي. (الثالثة إذا قتل العبد حرا عمدا فأعتقه مولاه، ففي العتق تردد أشبهه أنه لا يعتق لان للولي التخيير في الاسترقاق، ولو كان خطأ ففي رواية عمرو ابن شمر، عن جابر، وعن أبي جعفر عليهما السلام يصح العتق وتضمن المولى الدية وفي رواية عمرو ضعف والاشبه اشتراط الصحة بتقدم الضمان) علل عدم الصحة بأن العتق موجب لبطلان حق الولي لان الاسترقاق حق للولي، لقائل أن يقول: أولا لم يظهر كون الاسترقاق حقا للولي لا مكان أن يكون العبد القاتل موضوعا للحكم بجواز القتل ولاسترقاق والعفو الحكم لا يقتضي حفظ الموضوع كما لو تحقق بعض الاسباب الموجبة للانعتاق قهرا هذا مضافا إلى أنه على فرض صحة العتق يبطل أحد طرفي التخيير أعني استرقاق دون القتل وأما الرواية المشار إليها فهي رواية عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي - جعفر عليهما السلام قال: (قضي أمير المؤمنين عليه السلام في عبد قتل حرا خطأ فلما قتله أعتقه مولاه، قال: فأجاز عتقه وضمنه الدية) وقيل في عمرو ضعف مضافا إلى الارسال في الخبر لا يقال يكفي احتمال ثبوت الحق وعدم جواز العتق للمنافاة مع الحق المحتمل عليه لانه يلزم عدم جواز التصرف في المال الموروث لا حتمال ثبوت الدين على المورث إلا أن يقال: جواز العفو دليل على الحقية

[ 227 ]

حيث إن الحكم لا يثبت بالاسقاط لكن لا نسلم عدم جواز ما يوجب سقوط الحق ألا ترى أن الخيار حق ومع هذا يجوز للمتايعين إعمال الخيار الموجب لسقوط حق الغير، الظاهر عدم الاشكال في جواز القصاص لولى المقتول عمدا بناء على القتل العمدي المتأخر مع تعلق الحق لولي المقتول المتأخر ولذا لو عفا ولي المقتول أولا جاز للولي الثاني القصاص، وقد يقال: ضعف الرواية لا يضر مع كون مضمونها موافقا للضوابط ويشكل لانه مع ضعفها لا تكون حجة وموافقتها معها لا توجب حجيتها وعلى هذا فيشكل لزوم الضمان متقدما على الاعتاق وما في المتن من اشتراط الصحة بتقدم الضمان يشكل حيث إن القتل خطأ مع عدم العفو موجب لجواز الاسترقاق وليس غير العبد الجاني مال يضمنه المولى لان المولى لا يضمن شيئا من جناية العبد هذا بحسب القواعد والخبر المذكور إن تمت حجيته فلا مانع من الاخذ بمضمونه ومع عدم حجيته كيف يؤخذ بمضمونه وليس العبد قبل الاسترقاق ملكا لولي المجني عليه حتى يقال: لا مانع من الاجازة في التصرف على التغريم كالاجازة في التصرف في السفرة المطروحة في الطريق مع التغريم كما في الخبر كباب القرض في الاعيان القيمية للفرق بين من يملك ومن له أن يملك (الشرط الثاني) (التساوي في الدين فلا يقتل مسلم بكافر ذميا كان أو غيره، لكن يعزر ويغرم دية الذمي ولو اعتاد ذلك جاز الاقتصاص مع فاضل ديته ويقتل الذمي بالذمي وبالذمية بعد رد فاضل ديته والذمية بمثلها وبالذمي ولا رد، ولو قتل الذمي مسلما عمدا دفع هو وماله إلى أولياء المقتول ولهم الخيرة بين قتله واسترقاقه، وهل يسترق وولده الصغار الاشبه لا، ولو أسلم بعد القتل كان كالمسلم، ولو قتل خطأ لزمت الدية في ماله ولو لم يكن له مال كان الامام

[ 228 ]

عاقلته دون قومه) لا يقتل مسلم بكافر مع عدم الاعتياد ذميا كان أو مستأمنا أو حربيا، و يدل عليه النصوص منها قول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في صحيحة محمد بن قيس (لا يقاد مسلم بذمي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمي على قدر دية الذمي ثمانمائة درهم) ومنها معتبرة إسماعيل بن الفضل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسلم هل يقتل بأهل الذمة؟ قال: لا إلا أن يكون متعودا لقتلهم فيقتل وهو صاغر) ومنها صحيحة إسماعيل بن الفضل الثانية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: رجل قتل رجلا من أهل الذمة، قال: لا يقتل إلا أن يكون متعودا للقتل) والروايات وردت في الذمي وادعي القطع بثبوت الحكم لغير الذمي من المستأمن والحربي وأما التعزير فالظاهر ترتبه على الكبائر بنحو الجواز للحاكم أو بنحو اللزوم، وقد سبق الكلام فيه والدليل على الدية صحيحة محمد بن قيس المذكورة ولو اعتاد القتل للذمي يقتل، دل عليه روايتا إسماعيل بن الفضل المذكورتين، واختلف في أن القتل مع التعود قصاص أو حد، وقد يستظهر كونه قصاصا لما دل من الروايات على أن المسلم يقتل بقتل الكافر حيث إنه مطلق يحمل على صورة كون المسلم معتادا في قتله كما دلت عليه الروايات المتقدمة فإذا لا تنافي

[ 229 ]

بين الطائفتين، فالنتيجة أن المسلم المعتاد على قتل الذمي يقتل قصاصا، ويمكن أن يقال: كيف يحمل مادل على أن المسلم يقتل بقتل الكافر على صورة التعود مع ندرة التعود لان المطلق بمنزلة القانون ولا بد فيه من غلبة الباقي تحت القانون على المخرج منه والاخبار المشار إليها منها صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا قتل المسلم يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا فأرادوا أن يقيدوا ردوا فضل دية المسلم وأقادوه) ومنها صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقيدوه قتلوه وردوا فضل ما بين الديتين) ومنها معتبرة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل مسلم قتل رجلا من أهل الذمة فقال: هذا حديث شديد لا يحتمله الناس، ولكن يعطى الذمي دية المسلم، ثم يقتل به المسلم) ومنها صحيحة أبي بصير قال: (سألته عن ذمي قطع يد مسلم؟ قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه ويأخذون، فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خير أولياء المعاهد فإن شاؤوا أخذوا دية يده، وإن شاؤوا قطعوا يد المسلم وادوا فضل ما بين الديتين وإذا قتله المسلم صنع كذلك) ولا يخفى أن هذه الاخبار لا إشارة فيها إلى صورة التعود فظاهرها معارضة مع مادل على شرطية التساوي في الدين فلا بد من رد علمها إلى أهلها، فمع عدم الاخذ بظواهر هذه الاخبار فإثبات أخذ فاضل الدية في صورة التعود

[ 230 ]

لعله مشكل لان المدرك هذه الاخبار ولا مجال للاخذ بظواهرها وإن كان بناء الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - الاخذ بمضمون الخبر بعضه وعدم الاخذ بالبعض الاخر، هذا ولا يبعد الفرق بين الصحيحتين الاولتين وغيرهما حيث إنهما متعرضتان لصورة إرادة القود والقتل وصورة القود والقتل منحصرة بصورة التعود فكان مورد السؤال الصورة النادرة وهما متعرضتان لرد الفضل فالاشكال المذكور أعني لزوم حمل المطلق على الصورة النادرة غير متوجه وأما قتل الذمي بالذمي وإن اختلفت ملتهما فاستدل عليه بعموم النص من الكتاب والسنة وخصوص معتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام (إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول: يقتص اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضا إذا قتلوا عمدا) ويمكن أن يقال: إطلاق الكتاب والسنة يشمل الذمي والحربي والاخذ بالاطلاق في خصوص الذمي والمسلمين حمل للمطلق على غير الغالب، والمعتبرة أيضا يشمل الذمي والحربي ومع غلبة الحربي كيف يؤخد بها، و ثانيا كيف يؤخذ باطلاق بعضهم من بعض أشخاص أفراد ملة واحده من بعض تلك الملة أو بعض من ملل الكفر وإن اختلفوا فالعمدة الاجماع إن تم فلو قتل الذمي مسلما عمدا دفع هو وماله إلى أولياء المقتول ولهم الخيرة في قتله واسترقاقه بلا خلاف ظاهرا، واستدل بصحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليهما السلام في نصراني قتل مسلما (يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا وإن شاؤوا استرقوا وإن كان معه عين مال له دفع إلى أولياء المقتول)

[ 231 ]

وفي حسنته عن أبي جعفر عليهما السلام وحسن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام (في نصراني قتل مسلما فلما اخذ أسلم؟ قال: اقتله به قيل: وإن لم يسلم قال: يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استرقوا، وإن كان معه عين [ مال ] قال: دفع إلى أولياء المقتول هو وماله) يمكن أن يقال: مورد النص خصوص النصراني من غير تخصيص بالذمي فتخصيص الحكم بالذمي والتعميم لليهودي لا يخلوان عن الاشكال، هذا مضافا إلى أن الامر تمام إذا كان راجعا إلى الامام عليه السلام أو نائبه الخاص كيف يتم أهل الذمة مع ان السؤال عن أمر واقع وليس من باب بيان الاحكام الكليه بنحو بيان القانون الكلي ولو لم يتفق في زمان السؤال ومع البناء على استرقاق القاتل وأخذ أمواله فلا وجه لا ستحقاق ولده الصغار لمنع التبعية وقد يستدل بأن القاتل بقتله للسملم خرج عن الذمة والحق بأهل الحرب، ومن أحكامهم استرقاق أولادهم الصغار، واجيب بمنع استلزام القتل خرق الذمة وإلا لا قتضى عدم اختصاص أولياء المقتول بذلك ويمكن أن يقال: هذا مناف لما ذكر في شرائط الذمة حيث ذكروا منها عدم إيذاء المسلمين كالزنى بنسائهم والسرقة لاموالهم، وقتل نفس المسلم عمدا إيذاء أي إيذاء، ثم لازم هذا عدم اختصاص أولياء المقتول بذلك ولو أسلم بعد القتل كان كالمسلم ليس للاولياء إلا القتل لما في حسنة ضريس وحسن عبد الله ابن سنان المذكورين حيث رتب القتل فقط على الاسلام والقتل والاسترقاق على عدم الاسلام ولو قتل الذمي المسلم خطأ لزمت الدية في ماله ومع عدم المال رجع إلى الامام بلا خلاف ظاهرا واستدل عليه بصحيحة أبي ولاد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس فيما بين أهل الذمة معاقلة فيما يجنون من قتل أو جراحة إنما

[ 232 ]

يؤخذ ذلك من أمواله فإن لم يكن له مال رجعت الجناية على إمام المسلمين لانهم يؤدون إليه الجزية كما يؤدي العبد الضريبة إلى سيده، قال: وهم مماليك للامام فمن أسلم منهم فهو حر) (الشرط الثالث) (أن لا يكون القاتل أبا، فلو قتل ولده لم يقتل به وعليه الدية والكفارة والتعزير وقتل الولد بأبيه وكذا الام تقتل بالولد، وكذا الاقارب، وفي قتل الجد بولد الولد تردد) أما عدم قتل الاب بقتل ولده فلا خلاف فيه ظاهرا، وتدل عليه النصوص منها صحيحة حمران عن أحدهما عليهما السلام قال: (لا يقاد والد بولده - الحديث) ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يقتل ابنه أيقتل به؟ قال: لا:) ومنها صحيحة ظريف عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: (قضى أنه لا قود لرجل أصابه ولده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره ويكون له الدية ولا يقاد) وأما الدية فعليه، قيل ثبوتها عليه من جهة صحيحة ظريف مضافا إلى أن

[ 233 ]

دم المسلم لا يذهب هدرا، ويمكن أن يقال: أما صحيحة ظريف فإن كان النظر إلى المذكور آنفا فظاهرا غير صورة قتل النفس عمدا، مضافا إلى أن القتل العمدي فيه القصاص لا الدية وثبوت الدية يحتاج إلى التراضي بين ولي المجني عليه والقاتل، وأما عدم مهدورية دم المسلم فلا يثبت ثبوت الدية على خصوص القاتل كما لو وجد قتيل لم يعرف قاتله أو هرب القاتل ولم يكن له مال وتؤيد هذا رواية جابر عن أبي جعفر عليهما السلام (في الرجل قتل ابنه أو عبده قال: لا يقتل به ولكن يضرب ضربا شديدا وينفى عن مسقط رأسه) حيث إنه عليه السلام على المحكي مع كونه في مقام بيان ما يترتب على القتل لم يتعرض للدية، وأما التعزير فهو المعروف في المعاصي الكبيرة وتؤيده الرواية هذه وأما الكفارة فهي المترتبة على القتل العمدي كما ذكر في باب الكفارات وأما قتل الولد بأبيه وكذا الام وكذا الاقارب فلا إشكال فيه حسب إطلاق الادله واما قتل الجد بولد الولد فوقع فيه التردد، وقيل المشهور شهرة عظيمة عدمه واستدل بإطلاق صحيحة حمران المذكورة ومعتبرة إسحاق بن عمار وصحيحة ظريف المتقدمتين حيث إن الظاهر شمول كلمة الوالد لاب الاب أيضا كما أن لفظ الابن يشمل ابن الابن ولقائل أن يقول على هذا لو قال القائل: اعطوا ابني بعد موتي كذا وله ابن وابن ابن يكون الموصى له مشتركا بين الابن وابن الابن كما لو أوصى لزيد، وهو مشترك بين زيد بن عمرو وزيد بن بكر الظاهر أن العرف لا يساعد على معاملة المشترك بل بنظر العرف يكون الموصى له الابن بلا واسطة بل لازم ما ذكر عدم الفرق بين الابن بواسطة واحدة والابن بأزيد وكذلك الاب بواسطة أو بوسائط، ولعل الوجه الانصراف فلا ينافي الصدق بنحو الحقيقة.

[ 234 ]

(الشراط الرابع) (كمال العقل، فلا يقاد المجنون ولا الصبي وجنايتهما عمدا وخطأ على العاقلة وفي رواية اقتص من الصبي إذا بلغ عشرا وفي اخرى إذا بلغ خمسة أشبار، ويقام عليه الحدود والاشهر أن عمده خطأ حتى يبلغ التكليف، أما لو قتل العاقل ثم جن لم يسقط العقود ولو قتل البالغ الصبي قتل به على الاشبه، ولا يقتل العاقل بالمجنون) من جملة الشرائط العقل فلا يقاد المجنون ولعل التعبير بالكمال لخروج الصبي، والاولى خروج الصبي من جهة عدم البلوغ لا من جهة نقصان العقل فإن غير البالغ يكون كثيرا كامل العقل، ومع ذلك يكون عمده خطأ، ولا خلاف ظاهرا في اشتراط ما ذكر وتدل عليه عدة روايات منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (كان أمير المؤمنين عليه السلام يحمل جناية المعتوه على عاقلته خطأ كان أو عمدا) ومنها صحيحة الثانية عن أبي عبد الله عليه السلام قال (عمد الصبي وخطأه واحد) ومنها معتبرة إسحاق بن عمار، وعن جعفر، وعن أبيه عليهما السلام (إن عليا عليه السلام كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة) ومنها معتبرة إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام (إن محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه سأله عن رجل مجنون قتل رجلا

[ 235 ]

عمدا فجعل الدية على قومه وجعل خطأه وعمده سواء) وأما الرواية الدالة على الاقتصاص إذا بلغ الصبي عشر سنين فالرواية مقطوعة ومرسلة ليست حجة وفي صحيحة سليمان بن حفص المروزي عن الرجل عليه السلام قال: (إذا تم للغلام ثمان سنين فجائز أمره، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود وإذا تم للجارية تسع سنين فكذلك) وروى الحسن بن راشد في الصحيح عن العسكري عليه السلام هذه الرواية لكن الروايات المعتبرة المستفيضة معارضة لما ذكر ولا عمل عليها وهي دالة على اعتبار البلوغ والادراك في وجوب الفرائض وإقامة الحدود ولا مجال للتفكيك بين إقامة الحدود ووجوب الفرائض والاقتصاص، فلا بد من رفع العلم إلى أهله ولو قتل العاقل ثم جن فالمعروف أنه يقتص منه حال الجنون، ووجه بأن النصوص لا تشمل هذه الصورة لان ظاهرها هو صدور القتل من المجنون حال جنونه فلو جن بعده لم يكن مشمولا لها ويمكن أن يقال: معتبرة إسماعيل بن أبي زياد المذكورة لعلها ظاهرة في قضية شخصية وأمر واقع محتمل لان يكون القتل الواقع واقعا قبل طرو الجنون وأن يكون واقعا حال الجنون فمع احتمال مورد السؤال كلتا الصورتين لا بد أن يكون الجواب شاملا للصورتين ونظير هذا قيل في السؤال عن رجل لاط بغلام حيث إن مورد السؤال قابل لصورة وقوع اللواط قبل بلوغ اللائط و صورة وقوعه بعد البلوغ والمعروف التعميم، نعم لو لم يكن السؤال عن مورد شخصي لعل الاستظهار المذكور في محله ولا أقل من عدم الاطلاق فلا قود وأما رواية بريد بن معاوية المذكورة إن تمت حجيتها فلا إشكال ومع

[ 236 ]

الاشكال في صحتها لا مجال للتمسك في المقام ولو قتل البالغ الصبي يقتل به على المشهور من جهة العمومات واستشكل بأن العمومات قابلة للتخصيص وتدل على القود صحيحة أبي بصير المرادي قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل قتل رجلا مجنونا فقال: إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فقتله فلا شئ عليه من قود ولادية ويعطي ورثته ديته من بيت - مال المسلمين قال: وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراد فلا قود لمن لا يقاد منه - الحديث) هذه الصحيحة وإن كان موردها المجنون إلا أن قوله عليه السلام على المحكي: (فلا قود لمن لا يقاد منه) تطبيق للكبرى على الصغرى، فتدل على عدم القود في الصغير أيضا ويمكن أن يقال: هذا مبني على إطلاق من لا يقاد به، ومن يقول بأن وجود قدر المتيقن في مقام التخاطب مانع من الاطلاق يمنع الاطلاق مضافا إلى أن لازم ما ذكر عدم القود لو قتل النائم لان النائم مع كونه نائما لو قتل أحدا في حال النوم لا قود عليه ولا أظن أن يلتزم به وهذه الصحيحة تدل على أن العاقل لا يقتل بالمجنون (ويثبت الدية على العاقل إن كان عمدا أو شبيها وعلى العاقلة إن كان خطأ ولو قصد العاقل دفعه كان هدرا وفي رواية ديته من بيت المال، ولا قود على النائم وعليه الدية) وأما ثبوت الدية على العاقل إن كان عمدا أو شبيها بالعمد يدل عليه ما في صحيحة أبي بصير المرادي المذكورة آنفا بعد قوله عليه السلام على المحكي (فلا قود لمن لا يقاد منه وأرى أن على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون و يستغفر الله ويتوب إليه) والدية على العاقلة إن كان القتل خطأ على القاعدة المسلمة في القتل خطأ

[ 237 ]

وأما عدم القود على النائم فلعدم التعمد وأما الدية ففيها الخلاف أنها على القاتل أو على العاقلة، نقل عن الشيخ كون الدية في مال النائم لان إتلاف النائم من الاسباب لا من الجنايات بالمباشرة لانه ارتفع اختياره وأن الضمان على العاقلة خلاف القواعد العقلية والشرعية فلا يصار إليه إلا في المنصوص والمتفق عليه وقتل الخطأ في الروايات (وإنما الخطأ أن يريد الشئ ويصيب غيره) وهو في مرسلة. وفي صحيحة الحلبي (الخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره) والظاهر أن النظر إلى بيان الفرد لا بيان حقيقة الخطأ حتى تكون الخطأ في لسان الشرع مصطلحا في فرد خاص وإلا لزم بيان الاصطلاح فلاحظ الاية الشريفة المتعرضة لكفارة قتل الخطأ وما في بعض الاخبار (إن الصبي عمده خطأ) وصحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام (إذا قتل أدى ديته إلى أوليائه، ثم اعتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدا مدا) ومع الشك يشكل الامر والتكليف مردد بين النائم والعاقلة والمعروف أن التكليف المردد بين طرفين أو أزيد لا يوجب الاحتياط كحصول الجنابة بين شخصين من جهة الاشتراك في الثوب وإن أمكن الاستشكال من جهة لزوم الترخيص في المخالفة القطعية والسؤال عن الفرق بين علم الاجمالي بوجود تكليف بين طرفين أو أطراف مع الحصر بالنسبة إلى مكلف واحد وبين وجود التكليف بالنسبة إلى مكلفين أو أزيد حيث يوجبون الاحتياط في الاول

[ 238 ]

دون الثاني مع أن المخالفة القطعية لا زمة في الصورتين، لا يقال: لا تصل النوبة إلى ما ذكر لان القتل ليس عمديا لعدم الالتفات ولا شبه عمد لعدم الالتفات فتنحصر في الخطأ لان لزوم الدية ليس منحصرا فيما ذكر الا ترى أن الحافر ضامن للدية مع أنه كثيرا لا يلتفت إلى ترتب فعله، والطبيب ضامن مع أنه كثيرا يتخيل صحة المريض بفعله ومحقونية دم المسلم لا يوجب لزوم الدية على النائم (وفي الاعمى تردد، أشبهه أنه كان كالمبصر في توجه القصاص، وفي رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أن جناية الخطاء تلزم العاقلة وإن لم يكن له عاقلة فالدية في ماله تؤخذ في ثلاث سنين) وهذه فيها مع الشذوذ تخصيص لعموم الاية) أما وجه كون الاعمى كالمبصر عموم الكتاب والاخبار وفي قباله صحيحة محمد الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خديه فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ فقال: أبو عبد الله عليه السلام: هذان متعديان جميعا، فلا أرى على الذي قتل الرجل قودا لانه قتله وهو أعمي والاعمى جنايته خطأ تلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كل سنة نجما، فإن لم يكن للاعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله يؤخذ بها في ثلاث سنين، ويرجع الاعمى على ورثة ضاربه بدية عينيه) ومعتبرة أبي عبيدة قال: (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن أعمى فقأ عين صحيح؟ فقال:: إن عمد الاعمى مثل الخطأ هذا فيه الدية في ماله، فإن لم يكن له مال فالدية على الامام ولا يبطل حق مسلم) ويمكن أن يقال: دية العينين دية النفس والمعروف في أمثال المورد

[ 239 ]

التهاتر والاخبار في القصاص بعضها لا يساعد العرف على تخصيصه فلاحظ صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في الرجل يقتل المرأة متعمدا فأراد أولياء المرأة أن يقتلوه؟ قال: ذلك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل وإن قتلت المرأة الرجل، قتلت به ليس لهم إلا نفسها) وجه عدم المساعدة أن الكلام تارة يصدر عن المعصوم صلوت الله عليه بدون السؤال فمع عموم الكلام لا مانع من تخصيصه بكلام منفصل وتارة يسأل عن مورد شخصي واقع فجواب المعصوم عليه السلام ليس من باب القانون القابل للتخصيص، بل حكم للمورد الشخصي ليس من باب القانون فمع الفرق بين كون القاتل أعمى لابد من التفصيل فمع عدم التفصيل يكون حكم المبصر والاعمى واحدا ثم إنه يشكل الجمع بين الصحيحة والمعتبرة حيث جعلت الدية في الصحيحة على العاقلة وفي المعتبرة على مال الاعمى، وقد يجمع بينهما بحمل المعتبرة على أنه إذا لم تكن له عاقلة فالدية في ماله كما أنه لا بد من تقييد إطلاق ذيل الصحيحة بما إذا كان له مال وإلا فالدية على الامام بمقتضى ذيل المعتبرة وجه الاشكال أن السؤال في الصحيحة والمعتبرة أنه راجع إلى مورد شخصي ولابد فيه من الاستفصال من اختلاف الحكم والظاهر أنه ليس الجواب بنحو بيان القانون القابل للتخصيص، مضافا إلى أن القانون لابد فيه من كون الباقي بعد التخصيص أكثر من المخرج بعد التخصيص وفي المقام لا يتصور هذا وما في المتن من الشذوذ تخصيص الكتاب، فالشذوذ ظاهر، وأما تخصيص الكتاب العزيز فلا مانع منه كما في تخصيص مثل (أحل الله البيع) وأوفوا بالعقود) بالاخبار

[ 240 ]

(الشرط الخامس) (أن يكون المقتول محقون الدم، القول فيما يثبت به وهو الاقرار أو البينة أو القسامة، أما الاقرار فيكفي المرة وبعض الاصحاب يشترط التكرار، ويعتبر في المقر البلوغ والعقل والاختيار والحرية ولو أقر واحد بقتله عمدا والاخر خطأ تخير الولي تصديق أحدهما، ولو أقر بقتله عمدا فأقر آخر أنه هو الذي قتله ورجع الاول درئ عنهما القصاص والدية وودي من بيت المال وهو قضاء الحسن عليه السلام) أما اشتراط كون المقتول محقون الدم فوجهه واضح لان الدم حينئذ مع عدم كونه محقونا يكون هدرا ومعه لا موجب للقصاص ولا الدية لكن هذا في صورة كون الدم هدرا بالاضافة إلى كل شخص وأما كان لو قتل متعمدا من يساوي القاتل فقتل غير ولي المقتول القاتل كان لولي القاتل القصاص لان الحق لولي المقتول دون غيره، فالقاتل تارة يكون مهدور الدم بالنسبة إلى كل شخص واخرى يكون مهدور الدم بالنسبة إلى بعض الاشخاص فالاول كمن تعرض العياذ بالله للسب بالنسبة إلى المعصومين صلوت الله عليهم، والثاني كمن تعرض لزوجة غيره، أو قتله الحد ففي الصورة الثانية لو تعرض للقتل غير من له القتل مقتضى العمومات جواز التقاص وترتب الدية وأما ما يثبت به بالجناية فمنها الاقرار والمشهور كفاية المرة، ويدل عليه إطلاق دليل حجية الاقرارا وخصوص صحيحة الفضيل قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام

[ 241 ]

يقول: من أقر على نفسه عند الامام بحق من حدود الله مرة واحدة حرا كان أو عبدا أو حرة كانت أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد عليه - إلى أن قال: فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد الله فما هذه الحدود التي إذا أقر بها عند الامام مرة واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها - إلى أن قال: - وإذا أقر بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوه بدم صاحبهم) وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي - إلى أن قال - حتى أتاهم رجل فأقر عند الوالي أنه قتل صاحبهم عمدا، وأن هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود برئ من قتل صاحبه فلا تقتلوه به وخذوني بدمه؟ قال: فقال أبو جعفر عليهما السلام: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقر على نفسه فليقتلوه - الحديث) ولقائل أن يقول: أما التمسك بدليل حجية الاقرارا فلا إشكال فيه، وأما التمسك بصحيحة فضيل المذكورة فيشكل التمسك بها لمعارضة ما دل على عدم كفاية الاقرار مرة في الزنى واللواط وعدم الاخذ بإقرار العبد حيث إن إقرار يكون ضررا على مولاه إلا أن يؤخذ به بعد انعتاقه وهذه الصحيحة غير قابلة للتخصيص، وأما صحيحة زرارة المذكورة ففيها الاشكال من جهة اخرى لان السؤال عن رجل كان قتله مفروغا عنه والجواب ظاهرا يرجع إلى إقرار الشخص الثاني الذي قال براءة الشخص الاول، مع كونه مفروغا عنه و قيام الشهود على قتله فلا بد من رد علمه إلى أهله وقد أيد ما ذكر من اعتبار الاقرار مرة بمرفوعة علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في

[ 242 ]

خربة وبيده سكين ملطخ بالدم وإذا رجل مذبوح يتشحط في دمه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال إذهبوا به فاقيدوه به - الحديث) ورواه الصدوق - قدس سره - باختلاف يسير مرسلة عن أبي جعفر عليهما السلام ولا يخفى أن الاقرار مع اقترانه بما ذكر يوجب القطع غالبا والكلام في حجية الاقرار مرة بدون حصول القطع، ونظر من قال بعدم اعتبار المرة إلى الاحتياط في الدماء يشكل من جهة أنه ربما لم يحصل القطع حتى مع تكرر الاقرار أيضا فلا يتحقق الاحتياط إلا مع القطع ولازمه عدم اعتبار الاقرار وأما اعتبار البلوغ والعقل والاختيار والحرية فاستدل عليه وفي الثلاثة الاول بحديث الرفع، ولا يخفى أن البلوغ والعقل على فرض عدم اعتبارهما و الاخذ بالاقرار مع عدم البلوغ والجنون لا يترتب عليهما مع التعمد القصاص، وأما غير القصاص فيشكل في إقرار الصبي لان المعروف التفرقة بين الاحكام التكليفية والوضعية فالصبي يتنجس بدنه بملاقاة المتنجس ويتحقق له الجنابة ويكون ضامنا مع إتلاف مال الغير، فما المانع من الاخذ بإقراره مع كمال العقل ولزوم الدية على العاقلة كالنائم القاتل بحركته وأما الاقرار مع تحقق الاكراه فمع القطع بكون الاقرار إخبارا عن الواقع لم يظهر وجه لاعتبار الاختيار كما لو اكره على السب فإن عمارا اكره على ما صدر منه فمن كان مجتنبا عن الكذب لو اكره على الاقرار فأقر فمع كون مجتنبا عن الكذب يكون إقراره موجبا للقطع بالواقع فمع كون الاقرار طريقا إلى الواقع وليس اعتباره من باب الموضوعية كما لو جانب بعض ما يوجب الحد كيف يعتبر فيه الاختيار وعدم الاكراه وأما اعتبار الحرية فهو من جهة أن المملوك ملك الغير والاقرار

[ 243 ]

لا يكون نافذا في حق الغير فمع حصول العتق لا مانع من قتله ويمكن أن يقال: إن كان اعتبار الاقرار من باب الطريقية والاقرار غالبا موجب للقطع حيث إن العاقل لا يقر بما يضره كذبا فمع حصول القطع كيف لا يترتب ما يترتب على المقر به من القصاص والدية ولو أقر واحد بقتله عمدا والاخر بقتله خطأ فالمشهور تخير الولي تصديق أحدهما، وادعي الاجماع على التخيير واستدل برواية الحسن بن صالح ابن حي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وجد مقتولا فجاء رجلان إلى وليه فقال أحدهما: أنا قتلته عمدا وقال الاخر أنا قتلته خطأ؟ فقال: إن هو أخذ بقول صاحب العمد فليس له مع صاحب الخطأ سبيل وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل) ونوقش في الاجماع المذكور بأنه منقول، وفي الخبر بأنه ضعيف ودعوى أن الراوي عن الحسن المذكور هو الحسن بن محبوب وهو من أصحاب الاجماع وهو لا يروى إلا عن ثقة مدفوعة بعدم ثبوت ذلك، وبعدما ذكر وجه التخيير بأن كلا من الاقرارين وإن كان حجة على المقر نفسه إلا أنه ليس لولي المقتول الاخذ بكليهما معا للعلم الاجمالي بمخالفة أحدهما للواقع، نعم له الاخذ بإقرار أحدهما بمقتضى بناء العقلاء على جواز أخذ المقر بإقراره حتى في أمثال المقام ويمكن أن يقال: لو صرف النظر عن الرواية فما ذكر من بناء العقلاء على التخيير في أمثال المقام غير مسلم ومع فرض التسليم لا بد من إمضاء من طرف الشرع المقدس، نعم ذكر الفقهاء - رضوان الله علهيم - لو أقر بعين لزيد مثلا ثم أقر لعمرو بتلك العين يؤخذ بإقرارين للواقع كيف يؤخذ بهما، و

[ 244 ]

أما مع التوجه بالرواية المذكورة وحجيتها يقع الاشكال من جهة الدلالة حيث إن ولي المقتول كيف يجوز له الاخذ مع العلم الاجمالي إلا أن يكون في البين شواهد قرائن موجبة للاخذ ومع عدمها كيف يأخذ بقول أحد المقرين مع أن القصاص في البين وعلى هذا يشكل استفادة التخيير مع تساوي الطرفين للاشكال في استفادة التخيير من الخبر المذكور ولو أقر واحد بقتله عمدا وأقر آخر أنه هو الذي قتله فالمشهور أنه يدرأ عنهما القصاص والدية وتؤخذ الدية من بيت المال واستدل برواية علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: (اتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في خربه وبيده سكين ملطخ بالدم وإذا رجل مذبوح متشحط في دمه فقال له أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما تقول؟ قال: انا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرع - إلى أن قال - فقال: أنا قتلته، فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه للاول: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت أستطيع أن أقول وقد شهد علي أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني وبيدي سكين ملطخ بالدم - إلى أن قال - فقال أمير المؤمنين عليه السلام فاذهبوا بهما إلى الحسن، فقال الحسن عليه السلام قولوا لامير المؤمنين عليه السلام: إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا - إلى ان قال - وقد قال الله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ذرية بعضها من بعض) فخلى عنهما وأخرج دية المذبوح من بيت المال) ورواها الصدوق - قدس سره - مرسلة عن أبي جعفر عليهما السلام وقد يقال الرواية ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد عليها ودعوى الانجبار بعمل المشهور لا أصل له والصحيح أن حكم هذا المسألة حكم سابقها نظرا إلى أنه لا أثر لرجوع المقر عن إقراره فإذن النتيجة هي التخيير كما قواه الشهيد

[ 245 ]

الثاني - قدس سره - في المسالك ويمكن أن يقال: الخدشة الانجبار بعمل المشهور ملازم للخدشة في كثير من الاحكام المسلمة الفقية وما ذكر من أنه لا أثر لرجوع المقر عن إقراره لو خلي وطبعه لكنه لا تصل النوبة إلى التخيير لما ذكر آنفا في المسألة السابقة فإن الاقرار يؤخذ به من باب الطريقية كما انه اعتباره عند العقلاء ليس إلا من باب الطريقية فمع العلم بمخالفة أحد الاقرارين كيف يؤخذ بأحدهما على نحو التخيير، وما دل على التخيير في الخبرين المتعارضين مفقود في المقام، هذا مضافا إلى الفرق بين الاقرارين حيث إن الاقررا لو خلي وطبعه يوجب القطع غالبا بموافقة الواقع وكيف يقر العاقل بما يوجب هلاكه كذبا والاقرار الثاني غالبا يوجب القطع بالواقع بخلاف الاقرار الاول حيث إنه بعد اقترانه بالاقرار الثاني غالبا يوجب القطع بخلاف الواقع ومع هذا كيف يحكم بالتخيير بنحو الكلية وما ذكر في المسألة السابقة قد ذكر المناقشة في الاستفادة من الخبر المذكور، فمع الاشكال في الاخذ بما هو المشهور لابد من التوقف لعدم إمكان الاحتياط في المقام (وأما البينة فهي شاهدان عدلان ولا يثبت بشاهد ويمين، ولا بشاهد وامرأتين ويثبت بذلك ما يوجب الدية كالخطأ ودية الهاشمة والمنقلة والجائفة وكسر العظام، ولو شهد اثنان أن القاتل زيد وآخران أن القاتل عمرو وقال الشيخ في النهاية سقط القصاص ووجبت الدية نصفين ولو كان خطأ كانت الدية على عاقلتهما ولعله احتياط في عصمة الدم لما عرض من تصادم البينتين ولو شهد بأنه قتله عمدا فأقر آخر أنه هو القاتل دون المشهود عليه، ففي رواية زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام (للولي قتل المقر، ثم لا سبيل على المشهود عليه، وله قتل المشهود عليه، ويرد المقر على أولياء المشهود عليه نصف الدية وله قتلهما ويرد على أولياء المشهود عليه خاصة نصف الدية) وفي قتلهما إشكال لا نتفاء العلم بالشركة وكذا في إلزامهما بالدية نصفين لكن الرواية من المشاهير)

[ 246 ]

أما اعتبار شاهدين عدلين وعدم الثبوت بشاهد ويمين ولا بشاهد وامرأتين في القصاص فالبحث فيها مذكور في كتاب الشهادات وكذلك الثبوت بما ذكر في ما يوجب الدية كقتل الخطأ الشبيه بالعمد والهاشمة والمنقلة وكسر العظام والجائفة ولو شهد اثنان أن القاتل زيد وآخران أن القاتل عمرو فسقوط القصاص وجهه ما ذكر لكن الاشكال في الدية أيضا باق حيث إن المعروف أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فمع تعارض البينتين والعلم بأن ما تؤخذ بعنوان الدية من أحد المشهود عليهما حرام كيف تؤخذ، نعم المقتول لا يكون دمه هدرا فالاحتياط لابد أن يكون بنحو روعي فيه الطرفان نظير ما قيل فيما لو ضاع الدينار المردد بين المستودع والودعي بالتنصيف لا بنحو آخر ولو شهد أنه قتله عمدا فأقر آخر أنه هو القاتل دون المشهود عليه فالمشهور ما ذكر لرواية زرارة الصحيحة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (سألته عن رجل شهد عليه قوم أنه قتل عمدا فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقاد به فلم يبرحوا حتى أتاهم رجل فاقر عند الوالي أنه قتل صاحبهم عمدا وأن هذا الذي شهد عليه الشهود بريى من قتل صاحبكم فلا تقتلوه وخذوني بدمه؟ فقال أبو جعفر عليهما السلام: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقر على نفسه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الاخر ولا سبيل لورثة الذي شهد عليه فإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الذي أقر ثم ليؤد الذي أقر على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية، قلت: أرأيت إن أرادو أن يقتلوهما جميعا؟ قال: ذلك لهم و عليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصة دون صاحبه ثم يقتلونهما به قلت: فان أرادوا أن يأخذوا الدية؟ فقال: الدية بينهما نصفان لان أحدهما أقر والاخر شهد عليه، قلت: وكيف جعلت لاولياء الذي أقر نصف الدية حين قتل ولم تجعل لاولياء الذي أقر على أولياء الذي شهد عليه و

[ 247 ]

لم يقر، فقال: عليه السلام: لان الذي شهد عليه ليس مثل الذي أقر، الذي شهد عليه لم يقر ولم يبرء صاحبه، والاخر أقر وأبرء صاحبه، فلزم الذي أقرو برأ صاحبه ما لم يلزم الذي شهد عليه ولم يبرء صاحبه) هذا: واستشكل في الاخذ بمضمون الرواية من جهة مخالفتها للقواعد حيث إن قتلهما مع انتفاء الشركة في القتل مشكل وكذا إلزامهما الدية نصفين وقيل: القول بتخيير الولي في قتل أحدهما وجه قوي واختاره جماعة غير أن الرواية من المشاهير رواية في كتب الاستدلال وعملا بل لعل طرحها والعمل بما تقضيه القواعد كالاجتهاد في مقابلة النص ويمكن أن يقال: المعروف في الاصول حرمة المخالفة القطيعية فمع القطع ببراءة أحدهما كيف يقتلان هذا مضافا إلى ما سبق من الاشكال في حجية خبر الثقة أو العدل في الامور الخطيرة ألا ترى أن العقلاء يحتاطون فيها ومع عدم حصول القطع لا يقدمون، وفي كلام بعض الاكابر الاشكال أو عدم جواز التهجم في الدماء وقد يقال: إن في المسألة صورا: الاولى ما إذا علم أولياء المقتول بكذب المقر بخصوصه أو بكذب البينة كذلك، الثانية ما احتمال الاشتراك في القتل بينهما، الثالثة ما إذا علم إجمالا عمد الاشتراك وأن القاتل واحد أما الصورة الاولى فهي خارجه عن منصرف الصحيحة حيث إنه لا يجوز قتل من علم براءته وأما الصورة الثانية فمقتضي القاعدة فيها جواز قتلهما معا وذلك لان البينة التي قامت على أن زيدا قاتل لا تخلو من أن تكون لها دلالة التزامية على نفي اشتراك غيره في القتل أولا يكون لها هذه الدلالة وعلى التقديرين لا تنفي اشتراك الغير وعلى الاول فالدلاله تسقط من جهة إقرار غيره بالقتل وأما إقرار الغير فليس حجة بالنسبة إلى الغير فضم البينة إلى الاقرار

[ 248 ]

يفيدان الاشتراك فيجري حكم الاشتراك في القتل غير أن ولي المقتول إذا اقتص من المقر فقط فليس لورثته أخذ نصف الدية من المشهود عليه لاجل أخذ المقر بإقراره ويمكن أن يقال: الظاهر أن السؤال السائل راجع إلى قضية شخصية فالجواب راجع إليها فلا مجال للاطلاق، نعم يمكن الاخذ بترك الاستفصال، و الظاهر أنه لا مجال له أيضا لانه مع الاشتراك في القتل لا يقال: رجل قتل فاخذ فحمل إلى الوالي، ولا يقال: شهد عليه الشهود أنه قتل، ولو فرض شمول صورة الاشتراك لا بد من رد نصف الدية إلى الورثة ولو بنحو الدس في مالهم، والاقرار لا يرفع وجوب الرد كما في أشباه المقام وأما الصورة الثالثه فلازم ترك الاستفصال شمول الحكم لها، واستشكل فيها بعدم إمكان التخيير لعدم الدليل والاصل عند تعارض الحجتين التساقط، و الظاهر من بناء العقلاء في أمثال المقام هو الاخذ بالاقرار وعدم ترتيب الاثر على البينة ويمكن أن يقال: بناء على الشمول لهذه الصورة يكفي الخبر المذكور للتخيير وما ذكر من بناء العقلاء على الاخذ بالاقرار لم يحرز والبناء محتاج إلى الامضاء من طرف الشرع المقدس. (مسائل: الاولى) (قيل: يحبس المتهم بالدم سته أيام فإن ثبتت الدعوى وإلا خلي سبيله وفي المستند ضعف وفيه تعجيل العقوبة لم يثبت سببها، الثانية: لو قتل وادعي أنه وجدا المقتول مع امرأته قتل به، إلا أن يقيم البينة بدعواه الثالثة: خطأ الحاكم في القتل والجرح على بيت المال ومن قال: حذار لم يضمن، و

[ 249 ]

من اعتدي عليه فاعتدي بمثله لم يضمن وإن تلفت قيل: يحبس المتهم بالدم والمأخذ رواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال: (إن النبي صلى الله عليه وآله كان يحبس في تهمة الدم سته أيام فإن جاء أولياء المقتول بينة وإلا خلى سبيله) والمعروف اعتبار خبر السكوني، وهل يشمل مطلق الدم أو خصوص القتل؟ لعل ذكر المقتول مانع عن الاطلاق وأما ما ذكر من تعجيل العقوبة مع عدم ثبوت سببها، فيمكن أن يقال فيه: إنه لا مانع من الاحتياط من جهة حفظ النفوس كالا حتياط في حفظ المال فإن المدين الذي يدعي الاعسار وعدم التمكن من تأدية الدين يحبس حتى يظهر حاله، والمؤدب يضرب الصبي للاهتمام بدرسه مع إمكان قصوره وعدم التقصير، وبناء العقلاء الاعتماد بخبر الثقة مع أنه كثيرا يتفق خلاف مقصدهم للزوم الحرج الشديد في البناء على تحقق الفطع بل يلزم اختلال عيش بني آدم وأما المسألة الثانية فاستدل عليه بروايات منها رواية سعيد بن المسيب على رواية الشيخ - رحمه الله تعالى - ورواية يحيى بن سعيد بن المسيب على رواية الصدوق - رحمه الله - إن معاوية كتب إلى أبي موسى الاشعري أن ابن أبي الجسرين وجد مع امرأته رجلا فقتله... فسل لي عليا [ صلوت الله عليه ] عن هذا، قال أبو موسى: فلقيت عليا [ صلوت الله عليه ] فسألته - إلى أن قال: - أنا أبو الحسن إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد وإلا دفع برمته ورواية فتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن عليه السلام (في رجل دخل دار آخر للتلصص أو الفجور فقتله صاحب الدار، أيقتل به أم لا؟ فقال: إن من دخل دار غيره فقد أهدر دمه ولا يجب عليه شئ وصحيحة الحلبي عن

[ 250 ]

أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (أيما رجل اطلع على قوم لينظر إلى عوراتهم ففقؤوا عينيه أو جرحوه فلا دية له، وقال: من بدأ فاعتدى فاعتدي عليه فلا قود له) وفي قبالها صحيحة داود بن فرقد قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا لسعد بن عبادة: أرأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال: كنت أضربه بالسيف، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ماذا يا سعد؟ قال سعد: قالوا: لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ فقلت: أضربه بالسيف، فقال: يا سعد فكيف بالاربعة شهود؟ فقال: يا رسول الله بعد رأي عيني وعلم الله أنه قد فعل؟ قال إي والله بعد رأي عينك وعلم الله أنه قد فعل، لان الله تعالى قد جعل لكل شئ حدا - الحديث) فقد يناقش في هذه الاخبار أما الرواية الاولى فبضعف السند أو الارسال، وأما الرواية الثانية فبضعف السند والدلالة وضعف الدلالة فمن جهة أن موردها دخول دار أحد للفجور أو التلصص فيجوز قتله للدفاع ومن هنا قلنا: إنه لا يختص بالزنى فلو دخل دار غيره لتقبيل زوجته مثلا جاز قتله أيا وهذا بخلاف مورد كلامنا فإنه فيما إذا لم ينطبق عليه عنوان الدفاع فبهذا يظهر الجواب عن الرواية الثالثه، ثم إنه مع عدم تمامية هذه الاخبار سندا ودلالة يؤخذ بظهور الصحيحة ويمكن أن يقال: المشهور إنه يجوز لمن وجد رجل يزني بزوجته قتله في الواقع لكن لا بد له من إقامة البينة على دعواه كما أنه لو قتل من دخل داره بقصد الفجور جاز له بحسب الواقع لكن بمجرد الدعوى لا أظن أن تقبل منه الدعوى بل لابد من إقامة البينة وبعبارة اخرى الكبرى مسلمة لكن الصغرى محتاجة إلى البينة والقول المخالف للمشهور يرجع إلى منع الكبرى ولازمه

[ 251 ]

جواز القتل في مقام الدفاع عن وقوع الفجور وعدم جوازه بعد وقوع الفجور وأما صحيحة داود بن فرقد فالذي يظهر منها الحاجة إلى أربعة شهود وعدم كفاية رؤية الزوج ومع حرمة الفعل بنحو الاطلاق لا أثر لشهادة الشهود، نعم يستفاد من الصحيحة عدم كفاية البينة أعني شهادة عدلين ورواية سعيد بن مسيب موافقة لهذه الصحيحة وما ذكر من تضعيف الروايات يتم على مسلك من لا يقول بانجبار الضعف بعمل الاصحاب مضافا إلى إمكان التمسك بصحيح الحلبي المذكور حيث ذكر فيه وقال: (من اعتدى فاعتدي عليه فلا قود له) نعم المعارضة من جهة كيفية الاثبات باقية لكن المشهور الاكتفاء بالبينة المعهودة وأما كون خطأ الحاكم في القتل والجرح على بيت المال فهو المعروف و المروي عندنا قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خبر الاصبغ (إن ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين) وما رواه الكليني باسناده عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فعلى بيت مال المسلمين) وأما عدم ضمان من قال: (حذار) فلما روى الكليني بإسناده عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان صبيان في زمان علي صلوات الله عليه يلعبون بأخطار لهم فرمى أحدهم بخطره فدق رباعية صاحبه فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فأقام الرامي البينة بأنه قال: حذار، فدرأ عنه القصاص، ثم قال: قد أعذر من حذر - الحديث)

[ 252 ]

ورواه الصدوق باسناده عن محمد بن الفضيل وضعف السند منجبر كما في الرياض وأما عدم ضمان المعتدي بمثل ما اعتدي عليه فهو مقتضى ما دل على جواز الاعتداء بالمثل وإن لم يكن عمله اعتداء بالحقيقة ويمكن أن يقال: ما ذكر من عدم ضمان ما أخطأ القضاة فيما لم يكن المقتص منه معرضا للقتل وأما مع المعرضية فيشكل إذا كان مريضا أو يكون بحال لو اقتص منه يموت فدليل جواز الاقتصاص الظاهر عدم شموله لمثله لمحقونية الدم ويرشد إلى هذا مادل على ضرب المريضة في الزنى بالضغث (وأما القسمة فلا تثبت إلا مع اللوث وهو أمارة يغلب معها الظن بصدق المدعي كما لو وجد في دار قوم أو محلتهم أو قريتهم أو بين قريتين وهو إلى أحديهما أقرب فهو لوث ولو تساوت مسافتاهما كانتا سواء في اللوث، أما من جهل قاتله كقتيل الزحام والفزعات ومن وجد في فلاة أو في معسكر أو سوق أو جمعة فديته من بيت المال، ومع اللوث يكون للاولياء إثبات الدعوى بالقسامة وهي في العدم خمسون يمينا وفي الخطأ خمسة وعشرون على الاظهر ولو لم يكن للمدعي قسامة كررت عليه الايمان ولو لم يحلف وكان للمنكر من قومه قاسمة، حلف كل منهم حتى يكملوا ولو لم يكن له قسامة كررت عليه الايمان حتى يأتي بالعدد) والمعروف أن البينة كافية في إثبات دعوى المدعي في الدماء بل الظاهر في كلمات الفقهاء عدم الخلاف فيه وفي المقام صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم حكم في أموالكم أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وحكم في دمائكم أن البينة على المدعى عليه واليمين على من ادعى لئلا يبطل دم امرء مسلم)

[ 253 ]

وقد يقال هذه الصحيحة لا تدل على عدم حجية بينة المدعي، إنما تدل على أن المطالب بها هو المنكر دون المدعي على أنها خاصة بموارد اللوث دون غيرها وأما في غيرها فيكون المطالب بالبينة هو المدعي ومقتضى ما ورد من أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه ولا يخفى الاشكال فيما ذكر فلابد من رد العلم إلى أهله، ثم إنه مع عدم البينة فإن كان لوث طولب المدعى عليه بالبينة فإن أقامها على عدم القتل فهو وإلا فعلى المدعي الاتيان بقسامة خمسين رجلا لاثبات مدعاه وإلا فعلى المدعى عليه القسامة كذلك أما عدم الاثبات بالقسامة إلا مع اللوث فهو المتسالم عليه بين الفقهاء و اعتبار اللوث بحسب الاخبار مشكل وقد يقال باستفادته من عدة روايات منها معتبرة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إنما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم، فإن شهدوا عليه جازت شهادتهم) ومنها صحيحة زرارة عنه عليه السلام (إنما جعلت القسامة احتياطا للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلا أو يغتال رجلا حيث لا يراه أحد خالف ذلك فامتنع من القتل) ومنها صحيحة بريد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن القسامة، فقال الحقوق كلها البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا في الدم خاصة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بينما هو بخيبر إذ فقدت الانصار رجلا منهم فوجدوه قتيلا، فقالت الانصار: إن فلان اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده [ أقده ] برمته فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلا أقيده برمته، فقالوا: يا رسول الله ما عندنا شاهدان من غيرنا وإنا لنكره أن نقسم على ما لم نره فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال:

[ 254 ]

إنما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوه حجزه مخافة أن يقتل به فكف عن قتله وإلا حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا وإلا اغرموا الدية إذا وجدوا قتيلا بين أظهرهم إذا لم يقسم المدعون) ومنها صحيحة مسعدة بن زياد، عن جعفر عليه السلام قال: (كان أبي - رضي الله عنه - إذا لم يقيم القوم المدعون البينة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأن المتهمين قتلوه حلف المتهمين بالقتل خمسين يمينا بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ثم يؤدي الدية إلى أولياء القتيل وذلك إذا قتل في حي واحد فأما إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال) ومنها صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنما وضعت القسامة لعلة الحوط يحتاط على الناس لكي إذا رأى الفاجر عدوه فر منه مخافة القصاص) فإن التعليل المذكور فيها يدلنا على أن جعل القسامة لا يعم كل مورد بل لابد أن يكون المدعى عليه رجلا فاسقا متهما بالشر، وهذا هو معنى اللوث ويمكن أن يقال: لا ظهور في لزوم كون المدعى عليه رجلا فاسقا متهما بالشر بل لعل التعبير بما ذكر بملاحظة أن المتعرض لقتل المسلم متعمدا بغير حق فاسق فاجر والذي هو المشهور وادعى عليه الاجماع لزوم ما يوجب غلبة الظن بكونه قاتلا كما لو وجد المقتول في محلة مخصوصة باشخاص ولو لم يكن فيهم فاسق فاجر متهما بالشر ومجرد كون المدعى عليه فاسقا فاجرا متهما بالشر لا يوجب غلبة الظن بكونه قاتلا والحاصل الفرق بين لزوم كون

[ 255 ]

المدعى عليه متصفا بما ذكر قبل القتل وبين توصيف المتعرض لقتل المسلم بغير حق ولو بالتعرض للقتل بلا سابقة وما ذكر في الاخبار لبيان العلة أو الحكمة لا يستفاد منه أزيد مما ذكر وما ذكر في قضية قتل الانصاري من قوله صلى الله عليه وآله على المحكي (فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلا أقيده برمته) ولعله يشهد على ما ذكر وعلى هذا فما في معتبرة زرارة من قوله عليه السلام على المحكي (إنما جعلت القاسمة - الخ) لعله من باب ذكر الحكمة وكذا ما في ذيل الخبر المتعرض لقتل الانصاري فإن ما فيه قبل ذلك ليس من باب المطلق حتى يقال: لا مانع من تقييده وعلى هذا فإن تم الاجماع فلا كلام وإلا فمع صراحة الصحيح المذكور كيف يرفع اليد عنه ثم لا يخفى أن ما ذكر في المتن من تحقق اللوث بمجرد وجدان المقتول في محلة أو وجد انه قريبا من إحدى المحلتين أو كونه بين المحلتين لا يجتمع مع تعريف اللوث بما ذكرو مع كون اعتباره من جهة الاخبار المذكورة لا بد من الاقتصار بما في الاخبار ومع اعتباره من جهة الاجماع لابد من الاقتصار على القدر المتيقن وفي سواه ظاهر الكلمات عدم اعتبار القسامة ومقتضى إطلاق الاخبار اعتبار القسامة فلاحظ صحيحة مسعدة بن زياد المذكورة ففيها: إذا لم يقم القوم المدعون البينة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأن المتهمين قتلوه حلف المتهمين بالقتل خمسين يمينا - إلى أن قال على المحكي - ثم يؤدي الدية إلى أولياء القتيل - الخ ولا يخفى أن الظاهر أن المراد من المتهمين في الصحيحة الاشخاص الذين احتمل في حقه ارتكاب القتل لا المتهمين بالشر والفجور فتكون الصحيحة مما تدل على خلاف المشهور والظاهر أن ما في ذيلها ثم يؤدي الدية إلى أولياء القتيل التأدية من ماله أو من بيت المال، والاظهر أن يكون من مال بقرينة ما فيها فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال، ولعل هذه الصحيحة على خلاف ما يدعى في باب الخمس من أن ما في بعض الاخبار

[ 256 ]

من لزوم تكميل ما نقص من الخمس على السادة من سهم الامام عليه السلام مخصوص بزمان بسط اليد كما لا يخفى ثم إن المستفاد من الاخبار المذكورة إثبات القطع على المتهم أو المتهمين بشهادة العدلين ومع عدمها بقسامة خمسين رجلا ومع عدمها على المدعى عليه قسامة خمسين رجلا على عدم القتل، وإلا أغرموا الدية إذا وجدوا قتيلا بين أظهرهم وهذا هو المستفاد من صحيحة بريد بن معاوية المذكورة والمستفاد من صحيحة مسعدة بن زياد المذكورة تقدم البينة والقسامة على المدعين ثم تحليف المتهمين ثم تأدية الدية ولم يذكر الترتيب بين إقامة البينة والقسامة لان الواو المطلق الجمع ويمكن الجمع بحمل الواو على الترتيب بقرينة الرواية السابقة وأما الدية فالمستفاد من صحيحة بريد أنها على الجماعة المدعى عليهم وما ذكر في صحيحته (ثم يؤدي الدية) إن كان بصيغة المعلوم يرجع إلى الامام عليه السلام وإن كان بصيغة المجهول قابل للجمع مع صحيحة بريد وما ظهر من صحيحة مسعدة أنه إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال والحاصل أنه لو ادعى الولي أو الاولياء للمجني عليه المقتول القتل على يد واحد أو جماعة وأقام البينة على القتل فهو، وإلا فالمشهور أنه مع عدم اللوث طولب المدعى عليه بالحلف فإن حلف سقطت الدعوى كما في ساير الدعاوي وإن لم يحلف كان له الرد رد الحلف إلى المدعي وإن كان لوث طولب المدعى عليه بالبينة لصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وحكم في دمائكم أن البينة على من ادعي عليه واليمين على من ادعى لان لا يبطل دم امر مسلم) ويقع الاشكال من جهة أنه

[ 257 ]

لا إشارة في الصحيحة إلى لزوم اللوث ومع التقييد باللوث لابد أن يكون بنحو من اليمين في الدعاوي الراجعة إلى الاموال وعلى المشهور طولب المدعى عليه بالبينة فإن أقامها على عدم القتل فهو، وإلا فعلى المدعي الاتيان بقسامة خمسين رجلا لاثبات المدعى فلا بد من التقييد والجمع بين هذه الصحيحة وصحيحة بريد بن معاوية المذكورة وصحيحة مسعدة بن زياد المذكورة، ولا مجال لتقييد هما لان ظاهرهما أن الوظيفة ما فيهما ليس غير، وما هو المشهور من أنه مع عدم الحلف من طرف الولي أو الاولياء يرد الحلف إلى المدعى عليه خلاف ما في صحيحة بريد بن معاوية، وفيها بعد قول الانصار: (وإنا لنكره ان نقسم على ما لم نره فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله) نعم في ذيل الصحيحة (وإلا حلف المدعى عليه) وليس فيها التعبير بالرد، وأما صحيحة مسعدة بن زياد ففيها (إذا لم يقم القوم المدعون البينة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأن المتهمين يقتلوه حلف المتهمين بالقتل) والضمير في (حلف) الظاهر رجوعه إلى الامام عليه الصلاة والسلام وهذا غير رد المدعين، وبعبارة اخرى لابد في الدعوى من الفصل والمعروف أنه لا بد بعد رد الحلف من طرف المدعي أو المدعين من حلف المدعى عليه أو المدعى عليهم و مع النكول في الاموال يحكم عليه أو عليهم برد المال، وفي المقام مع كون الدعوى على القتل العمدي قتل المدعى عليه مع أنه لا تعرض في صحيحة بريد ابن معاوية لهذا بل اكتفى مع عدم حلف المدعين إلا أن يقال: لم يكن دعوى المدعين بنحو الجزم والقطع بل كان بنحو الظن والاحتمال ورد الدية من جهة عمد بطلان دم المسلم، وأما مع الجزم والقطع فمع وحدة المدعى عليه وكون القتل عمديا مقتضى القاعدة القصاص فمع تعدد المدعى علهيم قد يقال: لا مجال لقتلهم من جهة أنه لا يجوز الاقتصاص ممن لم يثبت أنه قاتل وتدل عليه صحيحة بريد بن معاوية والنظر إلى ما فيه من قوله صلى الله عليه وآله على المحكي: وإلا اغرموا الدية إذا وجدوا قتيلا بين أظهرهم إذا لم يقسم

[ 258 ]

المدعون، ولا يبعد أن يقال: لعل إغرام الدية مع عدم قسم المدعين لعله من جهة عدم القطع، وعلى هذا لا يشمل صورة القطع، وما ذكر من عدم جواز الاقتصاص ممن لم يثبت أنه قاتل مخصوص بصورة العلم الاجمالي وأما صورة الدعوى على جماعة بنحو الاشتراك فلا مانع من قتلهم على ما سبق من جواز قتل عشرة مع إشتراكهم بالقتل ثم إن القسامة في العمد خمسون يمينا وفي الخطأ خمسة وعشرون يمينا والدليل عليه صحيحة عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في القسامة خمسون رجلا في العمد وفي الخطأ خمسة وعشرون وعليهم أن يحلفوا بالله) وصحيحة يونس وابن فضال جميعا عن الرضا عليه السلام في حديث (والقسامة جعل في القتل على العدم خمسين رجلا، وجعل في القتل على الخطأ خمسة وعشرين رجلا - الحديث) وأما تكرر اليمين مع عدم القسامة بالعدد المذكور فهو المشهور ولكن بملاحظة الاخبار يشكل إثباته وكذا يشكل ما ذكر من إلحاق الخطأ شبه العدم بالخطأ في كفاية خمس وعشرين (ويثبت الحكم في الاعضاء بالقسامة مع التهمة، فما كانت ديته دية النفس كالانف واللسان، فالاشهر أن القسامة ستة رجال يقسم كل منهم يمينا ومع عدمهم يحلف الولي ستة إيمان [ قيل: خمسون يمينا احتياطا ] ولو لم يكن قسامة وامتنع أحلف المنكر مع قومه ستة ولو لم يكن قوم حلف هو الستة و ما كانت ديته دون دية النفس فبحسابه من ستة) القسامة كما تثبت بها الدعوى في قتل النفس تثبت بها في الجروح بالاضافة إلى الدية ويدل عليه صحيحة أو حسنة يونس عن الرضا عليه السلام فيما أفتى به

[ 259 ]

أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في الديات، فمما أفتى به في الجسد وجعله ستة فرائض: النفس والبصر والسمع والكلام ونقص الصوت من الغنن والبحح والشلل في اليدين والرجلين، ثم جعل مع كل شئ من هذه القسامة على نحو ما بلغت الدية - إلى أن قال: - والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل و الصوت من الغنن والبحح ونقص اليدين والرجلين فهو ستة أجزاء الرجل، تفسير ذلك إذا أصيب الرجل من هذه الاجزاء الستة وقيس ذلك فإن كان سدس بصره أو سمعه أو كلامه أو غير ذلك حلف هو وحده وإن كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد وإن كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان و إن كان ثلثي بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة نفر وإن كان خمسة أسداس [ أربعة أخماس - كما في الكافي - ] بصره حلف هو وحلف معه أربعة نفر وإن كان بصره كله حلف هو وحلف معه خسمة نفر، وكذلك القسامة في الجروح كلها، فإن لم يكن للمصاب من يحلف معه ضوعفت عليه الايمان - إلى أن قال: - وإن كان كله حلف ست مرات ثم يعطى) واستشكل بأن ما فيه من تفسير ذلك - الخ، لم يظهر كونه من كلام الامام عليه السلام وقيل: يكفى في الاستدلال ما قبل قوله (وتفسير ذلك) مؤيدا ذلك بأن الجناية لها أخف فناسبها التخفيف في اليمين ولا معارض لذلك سوى مخالفة القسامة للاصل فيقتصر فيها على المتيقن الذي هو الخمسون مطلقا أو في خصوص العمد والخمس والعشرون في الخطأ وسوى إطلاق بعض النصوص أن القسامة في العمد خمسون وفي الخطأ خمس وعشرون الواجب تقييده بما عرفت ويمكن أن يقال: لا يخفى أن ما ذكر قبل قوله على المحكي (وتفسير ذلك) لم يذكر فيه التفصيل المذكور بعد قوله وتفسير ذلك والتأييد المذكور لا يخفى ما فيه ومع إجمال المخصص للقاعدة العامة البينة للمدعي واليمين على

[ 260 ]

المدعى عليه المرجع عموم العام (القول في كيفية الاستيفاء: قتل العمد يوجب القصاص، ولا تثبت الدية فيه إلا صلحا، ولا تخير للولي ولا يقضى بالقصاص ما لم يتيقن التلف بالجناية وللولي الواحد المبادرة بالقصاص، وقيل يتوقف على إذن الحاكم، ولو كانوا جماعة توقف على الاجتماع، قال الشيخ: ولو بادر أحدهم جاز وضمن الدية عن حصص الباقين. ولا قصاص إلا بالسيف أو ما جرى مجراه ويقتصر على ضرب العنق غير ممثل، ولو كانت الجناية بالتحريق أو الغريق أو الرضخ بالحجارة، ولا يضمن سراية القصاص ما لم يتعد المقتص) الدليل على إيجاب القتل مع التعمد القصاص وعدم ثبوت الدية إلا بالتراضي والصلح صحيحة عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من قتل مؤمنا متعمدا قيد منه إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية - الحديث) وفي قبال هذه الصحيحة صحيحة عبد الله بن سنان وابن بكير جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمدا - إلى أن قال - فقال: إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكينا توبة إلى ألله عزوجل) وصحيحة عبد الله بن سنان الثانية عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن رجل قتل مؤمنا وهو يعلم أنه مؤمن غير أنه حمله الغضب على أنه قتله هل له من توبة إن أراد ذلك أو لا توبة له؟ قال: توبته إن لم يعلم انطلق إلى أوليائه فأعلمهم أنه قتله، فإن عفوا

[ 261 ]

عنه أعطاهم الدية وأعتق رقبة وصام شهرين متتابعين وتصدق على ستين مسكنيا) ويؤيد ذلك رواية أبي بكر الحضرمي قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل قتل رجلا متعمدا؟ قال: جزاؤه جهنم، قال: قلت له: هل له توبة؟ قال: نعم يصوم شهرين متتابعين، ويطعم ستين مسكينا ويعتق رقبه ويؤدى ديته، قال: قلت: لا يقبلون منه الدية؟ قال: يتزوج إليهم، ثم يجعلها صلة يصلهم بها، قال: قلت لا يقبلون منه ولا يزوجونه؟ قال: يصره صرارا يرمى بها في دارهم) والنبويتان ففي إحديهما (من قتل له قتيلا فهو يخير بين النظرين إما يفدى وإما أن يقتل) وفي الثانية (من اصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو) وقد يقال: الصحيح هو قول المشهور لضعف رواية الحضرمي والنبويتين من جهة السند، وأما الصحيحتان الاولتان وإن دلتا بظاهرهما على التخيير لانه إذا وجب على القاتل إعطاء الدية عند العفو جاز للولي ترك القصاص و مطالبة الدية إلا أنهما معارضتان بصحيحة عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (من قتل مؤمنا متعمدا قيد به إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية - الحديث) و لا بد من تقديم هذه الصحيحة على الصحيحين لموافقتها لاطلاق الكتاب المجيد فإنه ظاهر في ثبوت الولاية على القصاص فقط بالاضافة إلى الولي بدون أن يكون له المطالبة بالدية، ومخالفتها للعامة

[ 262 ]

ويمكن أن يقال: لا يستفاد من الاطلاقات في الكتاب المجيد أزيد من ثبوت القصاص، وأما الحصر فلا، ألا ترى أن الهارب يؤخذ الدية من ماله، و من قتل في الزحام ولم يعلم قاتله يؤخذ ديته من بيت مال المسلمين، ولازم الحصر المذكور خلاف ما ذكر كما أن صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة ليس فيها الحصر للاستثناء وأما عدم القضاء بالقصاص ما لم يتيقن التلف بالجناية فوجهه واضح، نعم يقوم مقام اليقين الاقرار والبينة العادلة ومع وحدة الولي له المبادرة بالقصاص دون المراجعة إلى الامام عليه السلام أو نائبه الخاص لاطلاق الادلة أو عمومها، وقد يقال باشعار قول الباقر عليه السلام على المحكي (من قتله القصاص بأمر الامام فلا دية له في قتل ولا جراحة) ولا يخفى أنه لا يستفاد منه لزوم كون القصاص بأمر الامام عليه السلام وقد ذكر بعض الوجوه الذي لاوجه للاستدلال به في المقام ومع تعدد الولي قد يقرب جواز المبادرة بالقصاص بدون المراجعة لبعض الاولياء استظهارا من الاية الكريمة (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) بتقريب أن الحكم المجعول لطبيعي الولي ينحل بانحلاله فيثبت لكل فرد من أفراده حق مستقل كما هو الحال في ساير موارد انحلال الحكم بانحلال موضوعه ولا يقاس ذلك بحق الخيار فإنه حق واحد ثابت للمورث على الفرض والوارث يتلقى منه هذا الحق الواحد فلا محالة يكون لمجموع الورثة بما هو مجموع، وهذا بخلاف حق الاقتصاص فإنه مجعول للولي ابتداء ويمكن أن يقال: لا نسلم أن الحق مجعول ابتداء للوارث والشاهد عليه أن الدية ظاهرا ترجع إلى الميت والظاهر أنه تصرف في ديونه وما هو مقدم على الارث وقال عبد الحميد بن سعيد على المحكي: (سألت أبا الحسن

[ 263 ]

الرضا عليه السلام عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا وأخذ أهله الدية من قاتله أعليه أن يقضوا الدين؟ قال: نعم قلت: وهو لم يترك شيئا، قال: إذا أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا الدين) ونحوه غيره ومع قطع النظر عن هذا لازم ما ذكر أن يكون حق القصاص كالولاية للاب والجد فمع تصرف أحدهما لا يبقى محل لتصرف الاخر، وفي مقامنا هذا لو اقتص أحد الاولياء ولم يرض ساير الاولياء لزم الدية لساير الاولياء كما لو هرب القاتل ولم يمكن الاقتصاص تؤخذ الدية وترث الاولياء وهذا لا يجتمع مع استقلال كل واحد من الاولياء واستدل أيضا لا ستقلال كل من الاولياء بصحيحة أبي ولاد الحناط قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل وله ام وأب وابن، فقال الابن: أنا اريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الاب: أنا أريد أن أعفو، وقالت الام: أنا اريد أن آخذ الدية، قال: فليعط الابن ام المقتول السدس من الدية ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حق الاب الذي عفا فيقتله) ولا يخفى أن ظاهر هذه الصحيحة أن الابن المريد للقتل يلزم أن يعطي الام وورثة القاتل السدسين ويقتل القاتل، فمع استقلاله كاستقلال الاب الولى في أمر المولى عليه لا حاجة إلى ما ذكر، وأيضا يظهر من الصحيحة أن الحق بالاصل راجع إلى المقتول ويتلقى الاولياء من المقتول وأما انحصار القصاص بالسيف أو ما جرى مجراه فتدل عليه صحيحة الحلبي ورواية أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قالا: (سألناه عن رجل ضرب رجل بعصا، فلم يقطع عنه الضربة حتى مات أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: نعم، ولكن لا يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف)

[ 264 ]

وخبر موسى بن بكر عن الكاظم صلوت الله عليه (في رجل ضرب رجلا بعصا فلم يرفع العصا حتى مات؟ قال: يدفع إلى أولياء المقتول ولكن لا يترك يتلذد به، ولكن يجاز عليه بالسيف) ومثل الخبر السابق من دون تفاوت صحيح سليمان بن خالد، إلى غير ما ذكر من النصوص ويمكن أن يقال: إن كان المدار الصدر وكان الذيل متفرعا على الصدر فلا مجال لا ستفادة الحصر، بل مقتضى ما في الكتاب العزير (من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) جواز الاعتداء بالمثل وادعي الاجماع في المسألة ومع احتمال أن يكون الاجماع من جهة الاستظهار من الاخبار المذكورة يشكل الاعتماد عليه ومع ذلك لا مجال للتعدي عن المشهور ولا يجوز التمثيل لما ذكر في الاخبار المذكورة وأما عدم ضمان سراية القصاص في قصاص جروح الاطراف ما لم يتعد المقتص فلما ذكر في بعض الاخبار لكن هذا مع معرضية القصاص لتلف النفس يشكل، ويرشد إلى هذا ما ورد من التخفيف في الحدود بالنسبة إلى المريض ومن جهة محقونية الدم (وهنا مسائل:) (الاولى لو اختار بعض الاولياء الدية فدفعها القاتل لم يسقط القود على الاشبه وللاخرين القصاص بعد أن يردوا على المقتص منه نصيب من قاداه ولو عفا البعض لم يقتص الباقون حتى يردوا عليه نصيب من عفا، الثانية لو فر القاتل حتى مات فالمروي وجوب الدية في ماله، فلو لم يكن له مال أخذت من الاقرب فالاقرب، وقيل: لا دية)

[ 265 ]

مقتضى ما ذكر من وحدة الحق وعدم جواز استيفاء الحق الواحد بالنسبة إلى الاولياء بدون توافقهم عدم جوار استقلال بعض الاولياء في القصاص إلا مادل عليه النص والاخبار الواردة منها صحيحة أبي ولاد (سأل الصادق عليه السلام عن رجل قتلته امرأة وله أب - الخ) المذكورة وفيها يجوز الاقتصاص بعد رد سهم غيره ومنها صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله (سأل الصادق عليه السلام عن الرجلين قتلا رجلا عمدا وله وليان فعفى أحد الوليين، فقال عليه السلام: إذا عفا بعض الاولياء درئ عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا وأديا الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا ومنها قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي في خبر إسحاق (من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه فعفوه جائز ويسقط الدم وتصير دية وترفع عنه حصة الذي عفا ومنها خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في رجلين قتلا عمدا وله وليان فعفا أحد الوليين؟ فقال: إذا عفا عنه بعض الاولياء درئ عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا وأديا الباقي من أموالهما إلى الذي لم يعف وقال: عفو كل ذي سهم جائز) إلى غير ما ذكر وفي الفقيه (روي انه إذا عفا واحد من الاولياء [ الدم ] ارتفع القود) وفي قبال ما ذكر صحيح أبي ولاد المذكور وما رواه جميل بن دراج عن بعض أصحابه يرفعه إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه (في رجل قتل وله وليان فعفا أحدهما وابى الاخر أن يعفوا؟ فقال: إن الذي لم يعفو إذا أراد أن يقتله

[ 266 ]

قتل ورد نصف الدية وعلى أولياء المقتول المقاد منه) ولا يخفى عدم إمكان الجمع ومجرد أشهرية ما دل على جواز الاقتصاص لا يوجب رفع اليد عما دل على عدم القصاص مع أن عدم القصاص موافق للقاعدة لانه حق واحد واستيفاؤه بدون إجازة غير المستوفي على خلاف القاعدة، و عفو بعض الاولياء يوجب الدرئ كما في بعض أخبار المقام وعلى تقدير الاخذ بالمشهور لابد من رد سهام الباقين بحسب صحيح أبي ولاد قبل القصاص ورواية جميل المذكور فيها التعبير بالرد بلفظ (الواو) والظاهر أنه لا يوجب رفع اليد عن ظهور رواية أبي ولاد لان (الواو) لمطلق الجمع (ولو تراضى بالدية فلكل واحد دية) ووجهه واضح وأما وجوب الدية في مال من فر بعد القتل فيدل عليه معتبرة أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا متعمدا ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه؟ قال: إن كان له مال اخذت الدية من مال وإلا فمن الاقرب فالاقرب فان لم يكن له قرابة أداه الامام، فإنه لا يبطل دم امرء مسلم) وصحيحة ابن أبي نصر، عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجل قتل رجلا عمدا، ثم فر فلم يقدر عليه حتى مات؟ قال: إن كان له مال أخذ منه، وإلا اخذ من الاقرب فالاقرب) (الثالثة لو قتل واحد رجلين أو رجال فقتل بهم ولا سبيل في ماله، ولو تراضى بالدية فلكل واحد دية، الرابعة إذا ضرب الولي الجاني وتركه ظنا أنه مات فبرء، ففي رواية يقتص من الولي ثم يقتله الولي أو يتتاركان، و الراوي أبان بن عثمان وفيه ضعف مع إرساله الرواية، والوجه اعتبار الضرب

[ 267 ]

فإن كان مما يسوغ به الاقتصاص لم يقتص من الولي، ولو قتل صحيح مقطوع اليد فأراد الولي قتله رد دية اليد إن كان قطعت في قصاص أو أخذ ديتها وإن شاء طرح دية اليد وأخد الباقي وإن كانت قد ذهبت في غير جناية جناها ولا أخذ لها دية كاملة: قتل قاتله ولا رد، وهي رواية سورة بن كليب عن أبي عبد الله عليه السلام) لو قتل واحد رجلين أو رجالا دفعة أو على التعاقب فمقتضى القاعدة استحقاق أولياء المقتولين القصاص بنحو الاستقلال، فمع استيفاء بعض القصاص لا يبقى موضوع فهل يكون الدم دم غير المقتص له مهدورا أولا فيؤخذ الدية؟ قد يقال: إذا اجتمعوا على المطالبة فقتلوه مباشرة منهم أو وكلوا أجمع من قتله فقد استوفوا حقوقهم بلا خلاف فيه منابل ولا إشكال إذ ليس لهم عليه إلا نفسه لان الجاني لا يجني على أكثر من نفسه ومع عدم الاتفاق فإن استوفى الاول لسبقه أو بالقرعة أو مبادرته سقط حق الباقين على تردد ووجه سقوط حق الباقين بأن الواجب القصاص عندنا وقد فات محله والدية لا تجب إلا صلحا والفرض عدمه وثبوتها في من قتل وهرب ومات وفيمن خلصه أولياء المقتول لدليله فلا يقاس عليه ذلك، وليس المقام من اشتراك الاولياء في القصاص المقتضى لضمان المستوفى حصص الباقين ضرورة استحقاق كل منهم القصاص مستقلا لا مدخلية له في الاخر ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من أنه مع اتفاق الكل قد استوفوا حقوقهم، فلم يظهر وجهه فإنه مع قتل الجاني عشرة مثلا دفعة أو على التعاقب كيف استوفى حقوق الكل ألا ترى لو هرب هذا القاتل وليس له مال إلا بقدر دية واحد وهل يمكن مع اتفاق الكل استوفى دية الكل والظاهر أن مادل على عدم بطلان دم امرئ مسلم وعدم مهدوريته آبية عن التخصيص ومع وجود المال للجاني تؤخذ الدية من مال الجاني كما يظهرمن بعض الاخبار، نعم لو

[ 268 ]

شك في لزوم الدية على مال الجاني أو الاقرب فأقرب أو على بيت المال أو الامام عليه الصلاة والسلام يكون المقام من باب العلم الاجمالي بين المكلفين و المعروف في مثله البراءة ولم يظهر وجهها فإنه مع عدم جواز الاذن في المخالفة القطعيه بالنسبة إلى مكلف واحد كيف يجوز بالنسبة إلى المكلفين أو الاكثر وأما ما ذكر في المسألة الرابعة فالرواية المشار إليها رواية أبان عمن أخبره عن أحدهما عليهما السلام قال: (اتي عمر بن االخطاب برجل قد قتل أخا رجل فدفعه إليه وأمره بقتله فضربه الرجل حتى رأى أنه قد قتله فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقا فعالجوه فبرء، فلما خرج أخذه أخ المقتول الاول فقال: أنت قاتل أخي ولي أن أقتلك، فقال: قد قتلتني مرة، فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله فخرج فهو يقول: والله قتلتني مره، فمروا على أمير المؤمنين صلوات الله عليه فأخبره خبره، فقال: لا تعجل حتى أخرج إليك، فدخل على عمر، فقال: ليس الحكم فيه هكذا، فقال: ما هو يا أبا الحسن (عليه السلام) فقال: يقتص هذا من أخ المقتول الاول ما صنع به ثم يقتله بأخيه، فنظر الرجل أنه إن اقتص منه أتى على نفسه فعفا عنه وتتاركا) واستشكل في الاعتماد على الرواية من جهة إرسالها والاستدلال بها مضافا إلى أن فعل الولي من الضرب ليس من الجناية الموجبة للقصاص فلو ترتب عليه شئ ليس إلا الدية على القاعدة وقد يقال: الاظهر أنه إن كان ما فعله الولي ولم يتحقق به القصاص جاز له ضربه ثانيا قصاصا، وإن لم يكن سائغا جاز للمضروب الاقتصاص منه بمثل ما فعله ويمكن أن يقال: محل الكلام إرادة الولي الامر السائغ واتفق عدم الموت فلم يظهر وجه للترديد، ثم مع تكرر الضرب لم يكن الاعتداء بالمثل

[ 269 ]

بل وقع التعذيب والايذاء زائدا على ما يستحق الولي فالجزم بجواز الضرب ثانيا أو ثلاثا مشكل ولو قتل صحيح مقطوع اليد فأراد الولي قتله رد دية اليد إلى أولياء القاتل إن كانت اليد قطعت في جناية جناها على نفسه أو كان قطع يده وأخذ دية يده من الذي قطعها وإن شاء طرح دية اليد وأخذ الباقي وإن كانت قد ذهبت في غير جناية جناها ولا أخذ لها دية كاملة قتل قاتله ولا رد، والدليل رواية سورة ابن كليب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سأل عن رجل قتل رجلا عمدا وكان المقتول أقطع اليد اليمنى، فقال: إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع يده وأخذ دية يده من الذي قطعها، فأراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدوا إلى أولياء قاتله دية يده التي قيد منها ويقتلوه وإن شاؤوا طرحوا عنه دية يده وأخذوا الباقي، قال: وإن كان يده قطعت من غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئا، وإن شاؤوا أخذوا دية كاملة) واستضعفت الرواية بسورة بن كليب من جهة عدم توثيقه ولا مدحه، فلا يمكن الاعتماد عليه وفي الجواهر (يظهر من بعض النصوص حسن حاله، بل قد يظهر من رواية الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عنه في عرق الحائض اعتمادهما عليه فهي حسنة كما في المسالك مضافا إلى رواية الشيخ لها في التهذيب بل عمل بها ابن إدريس الذي لا يعمل إلا من القطعيات في الاخبار. (القسم الثاني) (في قصاص الطرف ويشترط فيه التساوي كما في قصاص النفس فلا يقتص في الطرف لمن لا يقتص له في النفس ويقتص للرجل من المرأة ولا رد وللمرأة

[ 270 ]

من الرجل مع الرد فيما زاد على االثلث ويعتبر التساوي في السلامة، فلا يقطع العضو الصحيح بالاشل ويقطع الاشل بالصحيح ما لم يعرف أنه لا ينحسم ويقتص للمسلم من الذمي ويأخذ منه ما بين الديتين، ولا يقتص للذمي من المسلم ولا للعبد من الحر) يثبت القصاص في الاطراف بالجناية عليها عمدا كما ذكر في النفس وقد يفسر العمد بقصد قتل يتحقق معه التلف غالبا وقد يفسر بقصد قتل يتحقق معه التلف عادة ولو لم يقصد التلف، وكذا قصد الاتلاف بفعل لو لم يكن موجبا غالبا ولا عبادة والاولى تحقق العمد بقصد فعل يكون معرضا ولذا ذكروا في كتاب الصوم أن فعل ما يكوم عرضا لتحقق المفطر محسوب من العمد وكما لو لا عب الزوج مع الزوجة بلا قصد الامناء وكانت الملاعبة لها هذه المعرضية ويشترط في جواز القصاص البلوغ والعقل وأن لا يكون الجاني والد المجني عليه كما سبق في قصاص النفس ويعتبر فيه أيضا التساوي في الحرية والرقية فلا يقتص من الحر بالعبد وتدل عليه صحيحة أبي ولاد الحناط قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه جنى إلى رجل جناية فقال: إن كان أدى من مكاتبته شيئا غرم في جنايته بقدر ما أدى من مكاتبته للحر - إلى أن قال: - ولا تقاص بين المكاتب وبين العبد إذا كان المكاتب قد أدى من مكاتبة شيئا - الحديث) فالحر بطريق أولى ومعتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي صلوات الله عليهم قال: (ليس بين العبيد والاحرار قصاص في ما دون النفس - الحديث) وأما الاقتصاص للرجل من المرأة بلارد التفاوت والاقتصاص للمرأة من الرجل مع رد التفاوت فيما زاد على الثلث فتدل عليه عدة روايات منها صحيحة

[ 271 ]

الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (جنايات الرجال والنساء سواء سن المرأة بسن الرجل، وموضحة المرأة بموضحة الرجل وإصبع المرأة بإصبع الرجل حتى يبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعفت دية الرجل على دية المرأة) ومنها معتبرة ابن أبي يعفور قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قطع إصبع امرأة؟ قال: تقطع إصبعة حتى تنتهى إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل) الحديث في الكافي هكذا (فإذا جاز الثلث كان الرجل الضعف) ومنها صحيحة الحلبي الثانية قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن جراحات الرجال والنساء في القصاص والديات سواء؟ فقال: الرجال والنساء في القصاص السن بالسن والشجة بالشجة والاصبع سواء حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية ودية النساء ثلث الدية) وهل التنصيف بعد بلوغ الدية الثلث والتجاوز عن الثلث أو قبل التجاوز؟ قد مر الكلام فيه فيما سبق وأما اعتبار التساوي في السلامة وعدم قطع عضو الصحيح بالاشل فادعي الاجماع عليه واستدل عليه بإطلاق رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل قطع رجل شلاء؟ قال: عليه ثلث الدية)

[ 272 ]

استشكل بضعف الرواية سندا ودلالة، أما سندا فلان في سنده حماد بن زياد وهو مجهول ورواية الحسن بن محبوب عنه لا تدل على توثيقه، وأما من جهة الدلالة فمن جهة أن الرواية متعرضة للدية دون التقاص وتؤيد هذا رواية محمد بن عبد الرحمن العزرمي عن أبيه عبد الرحمن، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنه جعل في سن السوداء ثلث ديتها وفي العين القائمة إذا طمست ثلث ديتها، وفي شحمة الاذن ثلث ديتها، في الرجل العرجاء ثلث ديتها، وفي خشاش الانف في كل واحد ثلث الدية) ومع القطع باشتمالها على ما فيه قصاص ويمكن أن يقال: لا مجال لا حتمال الفتوى بغير دليل يعتمد عليه بالنسبة إلى الاكابر فإن كان المدرك الخبر المذكور يتوجه الاشكال من جهة الدلالة لكن هذا غير معلوم ويقطع الاشل بالصحيح ما لم يعرف أنه لا ينحسم لبقاء أفواه العروق، وقيل: لا يقطع مع احتمال ذلك احتمالا راجحا أو مساويا على وجه يتحقق الخوف المتعد به، ولازم ما ذكر عدم القطع مع احتمال كون القطع موجبا لموت المقطوع يده ولم يظهر من الادله هذا التقييد وليس هذا الاحتمال بعيدا حتى يقال: بالانصراف ولا يبعد أن يقال: مع كون الاحتمال غير بعيد لا يشمل الادلة للزوم حفظ النفس. أما الاقتصاص للمسلم من الذمي وأخذ ما بين الديتين منه فاستدل عليه بالصيحح ما رواه الشيخ باسناده عن أبي بصير قال: (سألته عن ذمي قطع يد مسلم؟ قال: تقطع يده إن شاء أوليائه ويأخذون فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خير أولياؤه المعاهد فإن شاؤوا أخذوا دية يده وإن شاؤوا قطعوا يد المسلم وأدوا إليه فضل ما بين الديتين وإذا قتله المسلم صنع

[ 273 ]

كذلك وفي الرياض في سنده إضمار وفي ذيله مخالفة للاصل لكن لم أجد خلافا فيما تعلق منه بما نحن فيه حتى من نحو الحلي وظاهر التنقيح عدم الخلاف فيه وحمل صاحب الوسائل - قدس سره - على صورة الاعتياد أعني اعتياد المسلم قتل الذمي الظاهر أنه نظره إلى ذيل الصحيح حيث إنه لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يخفى بعد هذا الحمل من جهة عدم ذكر الاعتياد وحمل المطلق على غير الغالب بل النادر بعيد جدا. (ويعتبر التساوي في الشجاج مساحة طولا وعرضا لا نزولا، بل يراعي حصول اسم الشجة ويثبت القصاص فيما لا تغرير فيه كالحارصة والموضحة، ويسقط فيما فيه التغرير كالهاشمة والمنقلة والمأمومة والجائفة وكسر العظام [ الاعضاء - خل ]، وفي جواز الاقتصاص قبل الاندمال تردد أشبهه الجواز ويجتنب القصاص في الحر الشديد والبرد الشديد ويتوخى اعتدال النهار) أما التساوي في أصل الشجاج فاستدل عليه بقوله تعالى: (والجروح قصاص) وعدة من الروايات منها معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال (قضى أمير المؤمنين عليه السلام فيما كان من جراحات الجسد أن فيه القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها) فالشجة بالشجة، فوقوع الجراحة بغير الشجة ليس قصاصا وأما التساوي في خصوص العرض والطول دون العمق فوجه بأن الرؤوس تتفوات بتفاوت الاشخاص في السمن والهزال فالعبرة إنما هي بصدق عنوان الشجة حتى تتحقق المماثلة وإن كانت في أحد الشخصين تستلزم عمقا أكثر بالاضافة إلى الاخر ويمكن أن يقال: مقتضى قوله تعالى (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى

[ 274 ]

عليكم) المماثلة في العمق أيضا والوجه المذكور لا يوجب رفع اليد عنه وأما ثبوت القصاص فيما لا تغرير فيه فلعموم الادلة وأما سقوط القصاص فيما فيه التغرير فادعي عليه الاجماع ورجح بأنه يعتبر في القصاص في الجروح أن لا يوجب تعريض النفس للهلاك ولا إتلاف العضو الاخر بالسراية، بل يعتبر فيه أن لا يكون أكثر من جرح الجاني وإن لم يكن فيه تغرير أو إتلاف عضو وتدل على ذلك الاية الكريمة (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وتؤيد ذلك مقطوعة أبان (الجائفه ما وقعت في الجوف ليس لصاحبها قصاص إلا الحكومة والمنقلة تنقل منها العظام وليس فيها قصاص إلا الحكومة) ولقائل أن يقول: في كثير من موارد الحدود والتعزيرات المعرضية للهلاك والسراية متحققة ولم يظهر وجه لعدم التعرض لما ذكر وأما القصاص قبل الاندمال فالمشهور جوازه لعدم قصور الادلة وعدم الدليل على التقييد بل المستفاد من الفاء المفيدة للمتعقب بلا مهلة في قوله تعالى (فاعتدوا) عدم المهلة وذكر في وجه الترديد عدم الامن من السراية وسقوط القصاص في الطرف ودخول الطرف في النفس، وقيل: الاصل عدم السراية، ولم يظهر وجه لهذا الاصل مع تبين الحال بعد قصاص الطرف، والظاهر أن هذا نظير مالو أراد المكلف الدخول في الصلاة باستصحاب الطهارة من الحدث أو الخبث مع علمه تبين الحال قبل الفراغ من الصلاة وأما اجتناب القصاص في الحر الشديد والبرد الشديد فالظاهر عدم الخلاف فيه، وقيل: إنه من جهة الحذر عن السراية وايد بما مر في الحدود، وظاهر الكلمات اللزوم وإثبات اللزوم لا يخلو عن الاشكال

[ 275 ]

(ولو قطع شحمة أذن فاقتص منه فألصقها المجني عليه كان للجاني إزالتها ليتساويا في الشين، ويقطع الانف الشام بعادم الشمم. والاذن الصحيحة بالصماء، ولا يقطع ذكر الصحيح بالعنين، ويقطع عين الاعور الصحيحة بعين ذي العينين وإن عمي وكذا يقتص له منه بعين واحدة وفي رد نصف الدية قولان أشبههما الرد) لو قطع شحمة اذن فاقتص منه كان للجاني الازالة، استدل عليه بمعتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام (أن رجلا قطع من بعض أذن رجل شيئا فرفع ذلك إلى علي صلوت الله عليه فأقاده، فأخذ الاخر ما قطع من اذنه فرده إلى اذنه بدمه فالتحمت وبرئت فعاد الاخر إلى علي صلوات الله عليه فاستفاده فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت وقال عليه السلام: إنما يكون القصاص من أجل الشين) وقد يقال: إن هذه المعتبرة واضحة الدلالة على أن للجاني حق إزالة اذن المجني عليه بعد إلصاقها معللا بأن القصاص لاجل الشين فإذا زال الشين بإلصاقها كان للجاني إعادته، وقيل في وجه الازالة: إن القطعة المبانه تجب إزالتها من جهة أنها ميتة لا تصح معها الصلاة ويمكن أن يقال: صدق الميتة مع الحيوة كساير الاعضاء لم يظهر وجهه، وأما التعليل المستفاد من الخبر المذكور فلازمه جواز جرح الجاني ثانيا بل ثالثا مع الاندمال في بدن المجني عليه وعدم الاندمال في بدن الجاني لبقاء الشين وبعبارة اخرى المراد من الشين إن كان المراد منه نقصان العضو الموجب لكراهة المنظر فهو غير غالب في الجروح وإن كان المراد منه مطلق الجرح فلازمه ما ذكر من أنه كثيرا يندمل الجرح الوارد على المجني عليه ولا يلتزم بإحداث الجرح ثانيا أو ثالثا على المجني عليه، والالتزام به مشكل فإن المستفاد من الايات والاخبار تساوي الجناية والقصاص بل مادل على التساوي

[ 276 ]

لعله آب عن التخصيص ولعله من هذه الجهة قيل بلزوم الازالة من جهة أن العضو الموصول ميتة لا تصح معه الصلاة نعم المعروف لزوم القصاص في النفس بالسيف أو ما يقوم مقامة ولو كان الجناية الموجبة لقتل المجني عليه بنحو أشد وأما قطع الانف الشام بعادم الشمم والاذن الصحيحة بالصماء فمن جهة الاطلاق ولا يقاس بما دل على التفرقة وأما عدم قطع ذكر الصحيح بالعنين فهو المنسوب إلى جماعة وفيه إشكال لعدم ما يدل عليه لا مجال للقياس باليد الشلاء إن قيل بعدم قطع اليد الصحيحة بالشلاء وأما قطع عين الاعور بعين ذي الاعور وإن عمي فيدل عليه حسنة محمد ابن قيس قال: (قلت لابي جعفر عليهما السلام: أعور فقأ عين صحيح؟ فقال: تفقأ عينه، قال: قلت يبقى أعمي؟ قال: الحق أعماه)، هذا مضافا إلى إطلاقات وعدم ما يوجب التقييد والاشكال في سند الخبر من جهة اشتراك محمد بن قيس بين الثقة وغير الثقة مدفوع بأن المراد في الحسنة الثقة على ما تعرض صاحب جامع الرواة - قدس سره - وأما الاقتصاص له منه بعين واحدة فمقتضى صحيحة محمد بن قيس قال: قال أبو جعفر عليهما السلام: (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رجل أعورا أصيب عينه الصحيحة فقئت، أن تفقأ أحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، إن شاء أخذ دية كاملة ويعفو عن عين صاحبه) التخيير المذكور في الخبر، وتؤيد ذلك رواية عبد الله بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور؟ فقال: عليه الدية كاملة، فان شاء الذي فقئت عينه

[ 277 ]

أن يقتص من صاحبه ويأخذ منه خمسة آلاف درهم فعل، لان له الدية كاملة وقد أخذ نصفها بالقصاص) (وسن الصبي ينتظر به، فإن عادت ففيها الارش وإلا كان فيها القصاص، ولو جنى بما أذهب النظر مع سلامة الحدقة اقتص منه بأن يوضع على أجفانها القطن المبلول، ويفتح العين ويقابل مرآة محماة مقابله للشمس حتى يذهب النظر) المعروف عدم القصاص في سن الصبي الذي لم يثغر وقد يوجه بانصراف إطلاق الاية الكريمة عن مثل ذلك نظرا إلى أن عودها يكشف عن أنها ليست سنا أصلية بل هي فضله فلا تكون مشمولا له، ويؤيد ذلك ما ورد من أن القصاص لاجل الشين ولا شين في المقام ومرسلة جميل عن بعض أصحابه، عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: (في سن الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت؟ قال: ليس عليه قصاص وعليه الارش) ويمكن أن يقال: ما ذكر من التوجيه يشكل فإن العود لا يكشف عما ذكر فلعل وجه الثبوت والسقوط والعود من جهة المناسبة مع حال الصبى و احتياج الصبي في الحالة الاولى إلى سن ويكون السن أصليه وفي الحالة الاخرى إلى سن اخرى ومجرد العود بعد السقوط لا تدل على عدم كونها أصلية فإن شعر الراس واللحية يعود وما ذكر من أن القصاص لاجل الشين قد سبق الكلام فيه، هذا كله مع العود وأما مع عدم العود فالمشهور أن فيها القصاص لا ستكشاف كونها أصلية، و استدل عليه بإطلاق الاية الكريمة ففيها (السن بالسن) ونوقش بما سبق من صحيحة أبي بصير لا قود لمن لا يقاد منه، وقد استدل بهذه الصحيحة على عدم القصاص

[ 278 ]

لو قتل الرجل صبيا مع التساوي في الاسلام والحرية لانه لو باشر القتل الصبي بالنسبة إلى الرجل لا قود عليه لان عمد الصبي خطأ واستشكل هناك بالنقض بما لو قتل الرجل متعمدا الرجل النائم مع التساوي في الاسلام والحرية ولا أظن أن يلتزم به فلا بد من حمل الكلام على المورد الخاص المذكور في الصحيحة وقد ذكر بعض الاعلام أنه مع وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يؤخذ بإطلاقه ولو جنى بما أذهب النظر مع سلامة الحدقة اقتص منه بالنحو المذكور المعروف ويدل عليه رواية رفاعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أن عثمان (عمر - خ) أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه فأنزل الماء فيها وهي قائمة ليس يبصر بها شيئا، فقال له: أعطيك الدية فأبى، قال: فأرسل بهما إلى علي صلوات الله عليه وقال: احكم بين هذين فأعطاه الدية فأبى، قال: فلم يزالوا يعطونه حتى أعطوه ديتين، قال: فقال: ليس اريد إلا القصاص، قال: فدعا علي صلوا ت الله عليه بمرآة فحماها ثم دعا بكرسف فبله ثم جعله على أشفار عينه وعلى حواليها، ثم استقبل بعينه عين الشمس وقال: وجاء بالمرآة فقال: انظر فنظر فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة و ذهب البصر) وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة من جهة السند لكنها لا مانع من الاخذ بها حيث إن القصاص بهذا النحو ليس فيه تغرير ولا نجد نحوا آخر يقوم مقامه في مقام القصاص (ولو قطع كفا مقطوعة الاصابع ففي رواية: يقطع كف القاطع ويرد عليه دية الاصابع، ولا يقتص ممن لجأ إلى الحرم ويضيق عليه في المأكل و المشرب حتى يخرج فيقتص منه ويقتص ممن جنى في الحرم فيه) الرواية المشار إليها رواية الحسن بن العباس بن الحريش عن أبي جعفر

[ 279 ]

الثاني عليه السلام (قال أبو جعفر الاول عليه السلام لعبدالله بن العباس: انشدك الله هل في حكم الله تعالى اختلاف؟ قال: فقال: لا، قال: فما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف حتى سقطت فذهبت وأتى رجل آخر فأطار كف يده فاتى به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كف، و أقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت أو ابعث إليهما ذوي عدل، فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم الله ونقضت القول الاول أبى الله أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود وليس تفسيره في الارض، اقطع يد قاطع الكف أصلا ثم أعطه دية الاصابع هذا حكم الله تعالى) وذكر في المسألة أقوال أحدها أنه لا تقطع يد الجاني بل تقطع الاصابع بمقدار أصابع المجني عليه فحسبه وتؤخذ منه دية الكف حكومة، ومنها ما عن ابن إدريس من عدم جواز القصاص لفقد المماثلة ومنها جواز القصاص بقطع اليد بعد رد دية المفاصل من الجاني، وهذا القول هو المشهور بين الاصحاب بل عن الغنية دعوى الاجماع عليه، واستدل على هذا القول برواية الحسن العباس بن الحريش عن أبي جعفر الثاني المتقدمة واستشكل في هذا القول بأن الرواية ضعيفة سندا فإن في سندها سهل بن زياد وهو لم يثبت توثيقه على أن الرواية مقطوعة البطلان جزما فإن ابن العباس لم يدرك زمان أبي جعفر عليهما السلام ويمكن أن يقال: ضعف الرواية من جهة سهل منجبر بعمل الاصحاب مع كثرة رواية الكليني عنه، ما ذكر من القطع بالبطلان لم يظهر وجهه فإن أبا جعفر هو الباقر عليه السلام. وهو معاصر لابن عباس فحسب ما ذكر فيه التواريخ، نعم الظاهر عدم حياة ابن عباس في زمان إمامة أبي جعفر عليهما السلام ولا يلزم أن يكون الفتوى في زمان الامامة فإن الحسن عليه السلام كان يفتي في زمان

[ 280 ]

أبيه عليه السلام وكذا الكاظم عليه السلام في زمان أبيه عليه السلام ولا مجال لاحتمال الغفلة بالنبسة إلى الاكابر - قدس الله تعالى أسرارهم - ومع إلاشكال في ما ذكر يشكل ثبوت القصاص للاشكال من جهة عدم صدق الاعتداء بالمثل ومجرد صدق اليد غير كاف وإلا لزم جواز قطع الجاني من الذراع مع قطع الجاني يد المجني عليه من الزند وأما عدم الاقتصاص ممن لجأ إلى الحرم فادعي عليه الاجماع ويدل عليه عدة روايات منها صحيحة معاوية بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا في الحل ثم دخل الحرم؟ فقال: لا يقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع ولا يؤوي حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد، قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق؟ قال: يقام عليه الحد في الحرم صاغرا، لانه لم ير للحرم حرمة، فقد قال الله عزوجل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما إعتدى عليكم فقال: هذا هو في الحرم، فقال: (لا عدوان إلا على الظالمين) ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن قول الله عزوجل (ومن دخله كان آمنا) قال: إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فر إلى الحرم لم يسمع لاحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فإنه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ، و إذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لانه لم يدع للحرم حرمته) ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن قول الله عزوجل (ومن دخله كان آمنا) قال: إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فر إلى الحرم لم يسمع لاحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فإنه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ، و إذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لانه لم يدع للحرم حرمته) ومنها صحيحة حفص بن البختري قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل الذي يجني الجناية في غير الحرم، ثم يلجأ إلى الحرم أيقام عليه الحد؟ قال:

[ 281 ]

لا ولا يسقى ولا يكلم ولا يباع فإنه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيقام عليه الحد، وإذا جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم لانه لم ير للحرم حرمة) والحمد لله رب العاليمن أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين المعصومين. 1401 ه‍. قمرى ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن قول الله عزوجل (ومن دخله كان آمنا) قال: إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فر إلى الحرم لم يسمع لاحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فإنه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ، و إذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لانه لم يدع للحرم حرمته) ومنها صحيحة حفص بن البختري قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل الذي يجني الجناية في غير الحرم، ثم يلجأ إلى الحرم أيقام عليه الحد؟ قال:

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية