الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جامع المدارك - السيد الخوانساري ج 6

جامع المدارك

السيد الخوانساري ج 6


[ 1 ]

جامع المدارك في شرح المختصر النافع لمؤلفه الفقيه سماحة الحجة آية الله الحاج السيد احمد الخوانسارى قدس سره علق عليه على اكبر الغفاري الناشر مكتبة الصدوق طهران - بازار - سراى - ارديبهشت جنب مسجد سلطاني تلفن 536513 الجزء السادس - الطبعة الثانية 1405 ه‍ ق ليتوكرافي، چاب وصحافي: اسماعيليان - قم

[ 2 ]

كتاب القضاء بسم الله الرحمن الرحيم الحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين (والنظر في الصفات، والآداب وكيفية الحكم، وأحكام الدعوى، والصفات ستة التكليف والايمان والعدالة وطهارة المولد والعلم والذكورة، ويدخل في العدالة اشتراط الامانة والمحافظة على الواجبات) قد ذكر أن القضاء لغة لمعان: منها الخلق ولعله منه قوله تعالى " فقضاهن سبع سموات ". ومنها الحكم ولعله منه قوله تعالى " والله يقضي بالحق ". ومنها الاتمام ولعله منه قوله تعالى " فإذا قضيتم مناسككم ". ومنها الامر ولعله منه قوله تعالى " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ". وعرفا ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامة من قبل الامام عليه السلام، وعن جماعة أنه ولا ية الحكم شرعا لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية. ويمكن أن يقال أما المعاني المذكورة لغة فلم يظهر كونها معاني حقيقية، أو كونها مستعملة فيها ولو بنحو المجازية، ولا يبعد كون القضاء حقيقة في الحكم، ولم يظهر نقله عن المعنى اللغوي بل الظاهر بقاؤه على المعنى اللغوي بمعنى الحكم والولاية المذكورة لا يصدق عليها القضاء، فمن نصب من قبل الامام عليه الصلاة والسلام للحكومة ولم يحكم بعد لا يقال: إنه قضى أو إنه قاض بالفعل، وأما ما في خبر أبي -

[ 3 ]

خديجة (1) من قوله عليه السلام على المحكي " فاجعلوه بينكم قاضيا فاني قد جعلته قاضيا " فالتولية مستتفادة من قوله عليه السلام على المحكي " فإني قد جعلته قاضيا ". والمعني المطاوعي له ولاية القضاء فهو كقوله عليه السلام على المحكي " فاني قد جعلته عليكم حاكما " والمعروف أن القضاء منصب من المناصب الشرعية وليس هو مثل وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ المستفاد من قوله عليه السلام على المحكي " فاني قد جعلته قاضيا " كونه ولاية، إذ الولاية هي الامارة والسلطنة على الغير في نفسه أو ماله أو أمر من اموره كولاية الاب والجد بالنسبة إلى الصغير ويمكن أن يقال: الولاية بالنحو المذكور في الاحكام كيف يتصور، فلو تنازع الوارث مع الاجنبي في ما زاد على الثلث فيما لو نقل المورث المال في مرض موته إلى الاجنيي فحكم الحاكم بالخروج من الاصل أو الثلث ليس أزيد من بيان الحكم الالهي الثابت له من طرف الشرع، فبعد البيان من طرف الشرع يكون المراجع إلى الحاكم ملزما من طرف الشرع فبعد هذا أي إلزام يكون باقيا حتى يرجع إلى الحاكم فتأمل جيدا. نعم في الموضوعات يتصور الولاية كما لو اختلف المتنازعان في مال ويكون أحدهما مدعيا والآخر منكرا أو تداعيا، هذا مضافا إلى أن الاختلاف في الحكم الشرعي كما لو اختلف في خروج المنجزات من الاصل أو الثلث كما ذكر كيف يمكن المراجعة فيه إلى الحاكم مع اختلاف الحاكم والمحكوم عليه فانه مع قيام الحجة للمحكوم عليه على خلاف ما يحكم الحاكم كيف ينفذ حكم الحاكم مع أن المذكور فيما دل على لزوم التسليم والاخذ بحكم الحاكم كون حكمه بحكمهم عليهم السلام، والظاهر المسلم في صورة القطع بالخلاف عدم الزوم القبول دون صورة عدم القطع بل الظن، ولم يظهر الفرق مع حجية الظن لقيام الحجة عند المحكوم عليه على


(1) الوسائل كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

[ 4 ]

عدم كون الحكم بحكمهم عليهم السلام نعم في الموضوعات الظاهر لزوم التسليم والقبول مع القطع بالمخالفة قطعا للنزاع إلا في مثل ما لو اختلف في الزوجية وحكم الحاكم بزوجية المرأة للاجنبي فكيف يمكن للمرأة مع قطعها بعدم الزوجية التمكين للاجنبي من جهة حكم الحاكم من جهة شهادة الشهود، مع كون الشهادة على خلاف الواقع وغاية ما يمكن أن يقال إن شأن الحاكم إنفاذ حكم الشرع، كأمر الآمر بالمعروف ونهي الناهي عن المنكر، وإن كان هذا خلاف ظاهر قوله عليهم السلام على المحكي في المقبولة " قاذا حكم بحكمنا - الخ " أو يراد من جعل القاضي والحاكم إرجاع شأن من الشئون إلى بعض الاشخاص من دون جعل منصب كجعل الولاية للاب والجد وجعل التولية بالنسبة إلى الموقوفة فتأمل. وكيف كان ذكر من شروط القاضي التكليف الملازم مع البلوغ والعقل، وادعي عليه الاجماع ومن جهة أن الصبي والمجنون لا ولاية لهما بالنسبة إلى أنفسهما فكيف تكون لغيرهما، والوجه الثاني محل الخدشة فان المستفاد من بعض الاخبار نفوذ وصية البالغ عشرا وفي تطليقه كلام مذكور في كتاب الطلاق ويمكن أن يقال مع إذن الولي ينفذ تصر فاته كما ذكر في البيع في شرائط المتعاقدين ومن الشروط الايمان بمعنى كونه اثنى عشريا وادعي عليه الاجماع، وكان ذكر العدالة يغني عن ذكره وادعي الاجماع على اعتبار العدالة ولا يخفى أنه مع الاختلاف في معنى العدالة كيف يمكن تدعوى الاجماع على اعتبار العدالة بمعنى الملكة الراسخة وبهذا وقع الاشكال في اعتبار العدالة في إمام الجماعة واستدل أيضا بالمنع عن الركون إلى الظالم إذ غير العادل ظالم لنفسه ولقصوره عن مرتبة الولاية على الصبي والمجنون فكيف بهذه المرتبة الجلية وفيه نظر فان الرجوع إلى حكم غير العادل مع وثاقته ليس ركونا إلى الظالم وألا ترى أن الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - يأخذون بخبر غير العادل مع الوثاقه، ولا يعد هذا ركونا إلى الظالم، والاب والجد وليان على أولادهما

[ 5 ]

الصغار. ثم إنه بعد ما اعتبر في العدالة حصول الملكة دون مجرد ترك المحرمات والاتيان بالواجبات يلزم أن يعامل معاملة الفاسق مع من بلغ تاركا للمحرمات وآتيا بالواجبات اختيارا بدون حصول الملكة، للزوم مضي برهة من الزمان في حصولها، فلا تقبل شهادته ولا الصلاة معه جماعة، والالتزام به مشكل مع ما ورد في بعض الاخبار من كفاية الخير والصلاح. وأما طهارة المولد فاعتبرت بفحوى مادل على عدم قبول شهادته وعدم صحة إمامته فتأمل وأما اعتبار العلم فلا إشكال فيه في الجملة، لانه مع عدم العلم كيف يحكم؟ وهل يكفي مطلق العلم ولو كان من جهة التقليد أو لابد من كونه باجتهاده وعلى الثاني هل يكفي التجزي في الاجتهاد أولا؟ يمكن أن يقال بعدم كفاية التقليد لما في مقبولة عمر بن حنظلة (1): قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحانبا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أيحل ذلك؟ فقال عليه السلام من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فانما يأخذه سحتا وإن كان حقه ثابتا (2)، لانه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به، قلت فكيف يصنعان قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حاكما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله - الخبر " وبه يقيد خبر أبي خديجة (3) " إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل


(1) الوسائل كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1. (2) في بعض النسخ (حقا ثابتا). الوسائل كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

[ 6 ]

الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه " ويتوجه الاشكال السابق فان الظاهر أن مورد السؤال الشبهة الحكمية بقرينة ما في ذيل المقبولة فبعد معرفة الحكم حكم الله لا يبقى محل لا لزام الحاكم وحكمه فكما أن الاحكام المعلومة للخواص والعوام لا معنى لا لزام الحكام فيها إلا بعنوان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكومة ليست من هذا الباب، وفي صورة كون الحكم على خلاف ما يعتقده المحكوم عليه من باب اجتهاده أو تقليده كيف يمكن إلزامه مع التقييد في المقبولة بكون الحكم حكمهم وهو يرى أنه ليس حكمهم فمع اختصاص المقبولة بالشبهات الحكمية كيف يستدل بها في الشبهات الموضوعية فلا مانع من الاخذ بخبر أبي خديجة المشهور. إلا أن يقال: كون مورد السؤال من الشبهات الحكمية لا يمنع الاطلاق، لان وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع الاطلاق وقد يناقش في دلالة هذا الخبر بأن إطلاقه وارد في مورد حكم آخر أي في مقام عدم جواز التحاكم إلى أهل الجور، فالمقصود أنه لا بد في المرافعة من أن يرجع إلى الشيعة، وأما أن المرجع من الشيعة هو كل من يعرف الحكم أو خصوص المجتهد فهو ساكت عنه غير وارد لبيانه. ويمكن أن يقال: مع كون النظر إلى ما ذكر ما احتاج إلى الزائد على قوله على المحكي " ولكن انظروا إلى رجل منكم "، فبعد ذكر ما ذكر بعد هذه الفقرة لا يبقى مجال للشك في جواز الرجوع إلى العالم بشئ من القضايا حيث إنه المجعول قاضيا من طرفه عليه السلام وقد يناقش أيضا بما حاصله أن المراد من العالم من يعتقد بحكم الله تعالى بنظر الناظرين المتخاصمين لا من يعقد بحكم الله تعالى بنظره فقط، فالزام العالم حينئذ لا يكون مؤثرا من جهة إلزامه بل إلزام المتخاصمين باقتضاء تكليفهما مع

[ 7 ]

قطع النظر عن إلزام العالم، فيكون التكليف بالرجوع إلى العالم من جهة وجوب اتباع الحق والمعروف وهو خارج عن الفرض ويمكن أن يقال: هذا يرد على كل مورد يرجع إلى الحاكم من غير فرق بين كون الحاكم مقلدا أو مجتهدا مطلقا أو متجز يا، فان المتخاصمين موظفان بالرجوع إلى من يحكم بحكم الله في نظرهما لا من يحكم بنظره فقط، وبعد سبق هذه الجهة على حكم الحاكم لا مجال لصيرورة النصب من قبل السلطان موجبا للالتزام بل الموجب الجهة السابقة، وغاية ما يمكن أن يقال أن يرجع حكم الحاكم إلى إنفاذ حكم الشارع، فلا فرق حينئذ بين كون الحاكم مجتهدا متجز يا أو مجتهدا مطلقا. وربما يناقش أيضا في دلالة خبر أبي خديجة باحتمال كون " من " في قوله عليه السلام على المحكي " يعلم شيئا من قضايانا " بيانية، وفيه مع بعده كيف يكون المتكلم الحكيم مع كونه في مقام البيان مريدا لهذا المعنى مع أنه لا ينصرف إليه الذهن وأما الذكورة فادعي الاجماع على إعتبارها واستدل أيضا على اعتبارها بالنبوي " لا يفلح قوم ولتهم إمرأة " (1) وقوله عليه السلام " ليس على النساء جمعة ولا جماعة - إلى أن قال - ولا تولي القضاء ". (2) وفي خبر آخر " لا تولى المرأه القضاء ولا تولى الامارة " مضافا إلى التقييد بالرجل في المقبولة والمشهورة. ويمكن المناقشة في بعض ما ذكر، فان التولية ظاهرة في الرئاسة غير القضاء، والتعبير بلا يفلح لا ينافي الجواز وكذا التعبير بليس على النساء لا ينافيه، ألا ترى أن المرأة تصلي جماعة مع النساء وما ذكر في المتن من دخول اشتراط الامانة والمحافظة على الواجبات في العدالة إن كان المراد وجود الملكة غير المنافي مع التخلف فلا كلام


(1) روى نحوه البخاري والترمذي واحمد. الوسائل أبواب صفات القاضي باب ان المرأة لاتولي القضاء

[ 8 ]

فيه وإن كان ما ينافي مع التخلف فهو مساوق العصمة (ولا ينعقد إلا لمن له أهلية الفتوى ولا يكفيه فتوى العلماء ولابد أن يكون ضابطا فلو غلبه النسيان لم ينعقد له القضاء، وهل يشترط علمه بالكتابة، الاشبه: نعم، لا ضطراره إلى ما لا يتيسر لغير النبي صلى الله عليه وآله إلا بها، ولا ينعقد للمرأة وفي انعقاده للاعمى تردد، والاقرب أنه لا ينقعد لمثل ما ذكرناه في الكتابة، وفي اشتراط الحرية تردد الاشبه أنه لا يشترط، ولا بد من إذن الامام عليه السلام ولا ينعقد بنصب العوام له) أما عدم إنعقاد القضاء إلا لمن له أهلية الفتوى فلما سبق من رواية أبي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة، لكن مقتضى الرواية كفاية التجزي، فان قلنا بعدم أهلية المتجزى في الاجتهاد للفتوى أو قلنا باعتبار الاعلمية أو التساوي مع الغير في الاهلية للفتوى، فلا بد من المراجعة في القضاء إلى الاعلم أو المساوي للغير وعدم انعقاد القضاء لمطلق المجتهد، ولا يستفاد إشتراط هذا من الخبرين، نعم مقتضى ما في المقبولة في اختلاف الحكمين الرجوع إلى من له المزية من الاعلمية والافقهية وغيرهما وهذا غير إعتبار ما ذكر ابتداء، هذا مضافا إلى أن الاشخاص المعروفين بالفقاهة في عصر المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين لم يكن إجتهادهم بالنحو المتعارف في الاعصار المتأخرة، فالذي يستفاد من خبر أبقي خديجة المشهور كفاية الاجتهاد في الجملة بحيث لا يجهل الاحكام المحتاج إليها في القضاء وإن احتمل مخالفته مع الغير الاعلم، هذا كله مع كون القضاء بقول مطلق في الشبهات الحكمية والموضوعية من المناصب المحتاجة إلى النصب، من طرف النبي والائمة صلى الله عليهم بالخصوص أو بالعموم كما هو المعروف وإن قلنا بأن النصب لازم في المرافعات الواقعة في الشبهات الموضوعية وأما الحكمية فلا حاجة فيها إلى النصب، بل المراجعة من باب مراجعة الجاهل إلى العالم، فالجعل بالنسبة إليها ليس من قبيل نصب المتولي، بل من باب تعيين طائفة خاصة للمراجعة إليهم في قبال فقهاء غير هم وإن لم يكونوا منصوبين من طرف السلطان.

[ 9 ]

ويؤيد هذا ما في التوقيع الرفيع " (1) وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم " وقوله تعالى: " إن الله يأمر كم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " حيث إن تأدية الامانات لا تختص بطائفة دون طائفة، فالحكم بالعدل المحتاج إلى العلم بالعدل يكون مطلقا، ويكون هذا إذنا، فما يقال من لزوم الا ذن لقول أمير المؤمنين (2) صلوات الله عليه لشريح: " يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا بني أو وصي أو شقى " لا ينافي ذلك أما مثل شريح ممن يحكم برأيه من دون مراجعة إلى الامام عليه الصلوة والسلام فليس له الحكومة، وأما ما يترائى من مثل هذا الكلام. وقوله عليه السلام (3) " إتقوا لحكومة فإن الحكومة إنما هي للامام عليه السلام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي أو وصي بني " من الاختصاص فليس مرادا قطعا للزوم قطع الحكومة في زمان الغيبة وكذلك زمان الحضور، إلا أن يقال: إذا وقعت الخصومة في الشبهة الحكمية فلا بد من رفعها ورافعها لا بد أن يكون منصوبا من قبل المعصوم حتى يجب قبول قول المنصوب ويحرم رد قوله، لكن هذا في غير صورة قيام الحجة للمترافعين على خلاف المنصوب ومعه يشكل حيث حكمه بنظر هما أو نظر أحدهما ليس حكما للمعصومين. وأما ما ذكر من إشتراط كونه ضابطا لم يغلبه النسيان وإشتراط علمه بالكتابة وكونه بصيرا فلا دليل عليه حيث إنه يمكن رفع المحظور بنحو آخر. وأما الحاجة إلى إذن الامام عليه السلام في الحكومة ففي الشبهات الحكمية قد سبق الكلام فيها، وفي الشبهات الموضوعية لا بد من الاذن فإن جواز الحكم بمجرد شهادة الشهود للمدعي أو حلف المنكر محتاج إلى الاذن لا يقال: بعد حجية البينه بقول مطلق لم لا يجوز الحكم، للفرق بين الحكم


الوسائل كتاب الفضاء أ بواب صفات القاضي ب 11 ح 9. (2) (3) الوسائل كتاب القضاء أ بواب صفات القاضي ب 3، ح 2 و 3

[ 10 ]

بالملكية مثلا بنحو يقطع معه الخصومة وعدم سماع الدعوى بعده وبين الملكية بمجرد شهادة العدلين، ألا ترى أن اليد أمارة الملكية يجوز معها الشراء والاشتراء من ذي اليد ولا يجوز بمجردها الحكم بالملكية بحيث يفصل معه الخصومة وأما اشتراط الحرية فلم يظهر له وجه غير ما ذكر في ولاية الصبي من أنه يحتاج في اموره إلي الولي فكيف يلي القضاء للناس، وفيه أنه لا مانع من إذن السيد والتصدي للقضاء بإذنه مع إجتماع ساير الشرائط وأما عدم الانعقاد مع نصب العوام فوجهه واضح (نعم لو تراضى إثنان بواحد من الرعية فحكم بينهما لزم ومع عدم الامام ينعقد قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت عليهم السلام بشرط الاجتهاد الجامع للصفات، وقبول القضاء عن السلطان العادل مستحب لمن يثق بنفسه وربما وجب) لم يظهر ثمرة لصورة تراضي اثنين بواحد فإنه بعد تسلم لزوم كون من تراضى به الاثنان المترافعان واجدا لشرائط القضاء يكون مشمولا لما في المقبولة والمشهورة فيكون مأذونا في حكمه لا بد لهما من القبول لما في المقبولة من لزوم قبول قوله و حرمة رده، وعلى هذا فلا مجال لما ذكر بعد جواز رجوع المتخاصمين إليه من أنه هل يشترط تراضي الخصمين أم لا بعد الحكم وأما نفوذ قضاء الفقيه في زمان الغيبة فلا إشكال ولا خلاف فيه بل الفقهاء في زمان الحضور ما ذونون في القضاء ويدل عليه المقبولة ومشهورة أبي خديجة بعد الفراغ عن حجيتهما لا خذ المشهور بهما. وأما استحباب قبول القضاء لمن يثق بنفسه فاستدل عليه بعظم الفوائد المرتبة عليه المعلوم رجحانها عقلا ونقلا، ولذا تولاه النبي صلى الله عليه وآله وغيره من الانبياء عليهم الصلاة والصلام، وفي وصية أمير المؤمين صلوات الله عليه لشريح " وإياك و التضجر والتأذي في مجلس القضاء الذي أوجب فيه الاجر، وأحسن فيه الذخر لمن قضى بالحق - الحديث " (1).


(1) الفقيه باب آداب القضاء ح 10 والكافي ج 7 ص 413 واللفظ له.

[ 11 ]

ويمكن أن يقال أما رجحان قبول القضاء للفوائد المترتبة عليه فهو مبني على سراية الرجحان الوجوبي أو الاستحبابي من ذي المقدمة إلى المقدمة وهو محل المنع، وتمام الكلام فيه في الاصول، وعلى فرض التسليم لا بد من وجوب المقدمة إن قيل بوجوب القضاء بنحو الوجوب الكفائي للزوم الفصل بين المتخاصمين حفظا للنظام، ولا وجه للتقييد بمن يثق بنفسه بل الواجب أو المستحب واجب أو مستحب على الكل، ويجب على الكل حفظ نفسه عن التخطي إلى خلاف الشرع، ويمكن إستفادة الرجحان من قوله عليه السلام في ذيل الخبر المذكور آنفا على المحكي الذي أو جب فيه الاجر وأحسن فيه الذخر. وقوله عليه السلام على المحكي (1) " القضاة أربعة - إلى أن قال -: ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة ". وما في المتن من قوله " وربما يجب " إن كان نظره إلى تعين القضاء في صورة الانحصار وعدم من يكون أهلا فلا إشكال ولا كلام، وإن كان نظره إليأن أصل القضاء قد يجب فلم يظهر وجهه مع الوجوب الكفائي (الثاني في الآداب، وهي مستحبة ومكروهة، فالمستحب إشعار رعيته بوصوله إن لم يشهر خبره، والجلوس في فضاء مستدبر القبلة، وأن يأخذ ما في يد المعزول من حجج الناس وودائعهم والسؤال عن أهل السجون، وإثبات أسمائهم، والبحث عن موجب اعتقالهم ليطلق من يجب إطلاقه، وتفريق الشهود عند الاقامة فإنه أو ثق خصوصا في موضع الربية عدا ذوي البصائر لما يتضمن من الغضاضة، وأن يستحضر من أهل العلم من يخاوضه في المسائل المشتبهة) ما ذكر من الآداب بين مالا دليل على إستحبابه بالخصوص وبين ما لعله يجب مراعاته فمثل إشعار الرعية بوصوله الظاهر أنه لا دليل على إستحبابه، بل مع الورود يشكل استفادة الرجحان المولوي الشرعي كالامر والنهي في كثير من الموارد للتنبيه و الالتفات إ لى الخواص المترتبة ومثل السؤال عن أهل السجون والبحث عن موجب


(1) الوسائل كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ب 4 ح 6.

[ 12 ]

اعتقالهم كيف يكون من المستحبا ت فإن المدين مع إظهار العسر يحبس حتى يتبين حاله ومع تبين إعساره لا مجوز لحبسه، فكيف يكون السؤال عن حاله و موجب حبسه مستحبا وكذلك احضار أهل العلم حال الحكم لكونه في معرض السهو والخطأ فمع الاطمينان بعدم السهو والخطأ يكون معذورا إذا أخطأ ومع عدم الاطمينان كيف يجوز له الحكم حتى يقال: يستحب احضار هم للتنبيه على الغفلة والخطأ. والجلوس مستدبر القبلة لا دليل على استحبابه، بل المستحب بنحو الاطلاق الجلوس مستقبل القبلة وذكر في وجه ذلك كون الخصوم مستقبلي القبلة لعلهم يخافون الله ويرجعون عن الظلم ولا يخفى أن هذا لا يوجب استحباب استد بار القبلة للقاضي. (والمكروهات: الاحتجاب وقت القضاء، وأن يقضي مع ما يشغل النفس، كالغضب والجوع والعطش والغم والفرح والمرض وغلبة النعاس وأن يرتب قوما للشهادة وأن يشفع إلى الغريم في إسقاط أو إبطال) أ ما كراهة الاحتجاب فلما روي أنه عليه السلام قال: " من ولي شيئا من امور المسلمين والناس فاحتجب دون حاجتهم وما فيهم احتجب الله دون حاجته وفقره " (1) ونقل عن بعض القول بالتحريم عملا بظاهر الحديث، ولا يخفى أن المستفاد من هذا الحديث الحرمة أو الكراهة لنفس الاحتجاب وليس من المكروهات أو المحرمات لنفس القضاء وأما كراهة القضاء مع ما يشغل النفس فللنبوي صلى الله عليه وآله " لا يقضي القاضي و هو غضبان " وفي رواية (4) (لا يقضي [ إلا ظ ] وهو شبعان ريان)


(1) رواه أبو داود والترمذي ونحوه الطبراني في المستند الكبير بسند ضعيف عن ابن عمر كما في الجامع الصغير. (2) رواه الكليني ج 7 ص 413. (3) روى أ بو يعلي في مسنده عن ام سلمة عن النبي (ص) نحوه. (3) رواه الطبراني في الاوسط مسندا كما في مجمع الزوائد ج 4 ص 195. "

[ 13 ]

وفي رواية (1) " لا يقضي وهو غضبان مهموم ولا مصاب محزون " وفي وصية علي عليه الصلوة والسلام لشريح (2) " ولا تقعد في مجلس القضاء حتى تطعم " ولعل عدم التوجه إلى أسناد امور ذكرت من جهة التسامح، ولا يخلو عن الاشكال، لان الاعتماد بالاخبار الواردة التي استدلوا بها على التسامح في خصوص المستحبات والمذكور فيها بلوغ الصواب على العمل وصدق البلوغ مع عدم حجية السند محل إشكال وعلى أي تقدير التعدي إلى المكروهات يكون مشكلا مع قطع النظر عن الاشكال في صدق البلوغ وعلى فرض الصدق يستفاد منها موضوعية البلوغ والاتيان إلتماس ذلك الصواب، ففي ثبوت الاستحباب للمقلد غير الملتفت إشكال آخر. وأما كراهة ترتيب قوم للشهادة، وفي بعض الكتب تعيين قوم للشهادة، فقد عللت بانه تضييق على الناس وقد يؤول إلى تضييع الحقوق المحرم والحرج والضرر ويمكن أن يقال إن رجع التعيين إلى عدم قبول شهادة غير هم فلا يجوز للزوم قبول شهادة من يكون مقبول الشهادة، وإن لم يرجع إلى هذا فلا وجه للكراهة. وأما كراهة الشفاعة فعلل بأنه منصوب لا ستيفاء حقوق الناس لا لا سقاطها، فقد يستحيي الخصم، ويشكل حيث إن كونه منصوبا لا ستيفاء الحقوق لا يوجب كراهة إشفاعه، وكون الغريم قد يستحيي لا يوجب الكراهة، ألا ترى أن طلب الصلح مستحسن ولا كراهة فيه مع أنه يوجب سقوط الحق وقد يستحيي أحد الغريمين. (مسائل: الاولى للامام عليه الصلوة والسلام أن يقضي بعلمه في الحقوق مطلقا ولغيره في حقوق الناس وفي حقوق الله قولان) استدل لقضاء الامام عليه الصلاة والسلام بالاجماع المحكي في كلام جماعة مضافا


(1) لم اجده مسندا بهذا اللفظ. (2) رواه الكليني ج 7 ص 412.

[ 14 ]

إلى قول علي عليه الصلاة والسلام لشريح لما تخاصم من عنده درع طلحة " ويلك أو ويحك إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على أعظم من هذا " وقوله تعالى " يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق " وقال تعالى " وأن تحكموا بين الناس بالعدل " ومن حكم بعلمه فقد حكم بالحق. وقول الصادق عليه السلام في خبر الحسين بن خالد " الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب خمرا أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره لا نه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب على أن يزبره (1) و ينهاه ويمضي ويدعه، قال: فقلت: كيف ذاك؟ فقال: لان الحق إذا كان لله تعالى فالواجب على الامام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس " (2). وبوجوب تصديق الامام في كل ما يقوله ويمكن أن يقال: لا ثمرة للبحث عن هذا فإنه عليه الصلوة والسلام أعرف يتكليفه ومع ذلك يلاحظ أنه قد لا يحكم بعلمه، فإن الزاني إذا اعترف بفعله لا يقام عليه الحد مع حصول العلم غالبا باقراره مرة، يلاحظ بعض المحاكمات لهم عليهم السلام وعدم حكمهم حتى يقر أحد المتحاكمين مع قيام بعض الشواهد على صدق أحد الطرفين وكذب الآخر، هذا مع أن معتقد الشيعة أنهم عالمون بأفعال الناس و إن كان بناؤهم على عدم الاظهار إلا في بعض الاوقات وأما جواز القضاء أو لزومه لغير الامام عليه الصلاة وا لسلام في حقوق الناس، وحقوق الله تعالى فالمعروف أنه يقضي به لدعوى الاجماع في كلام جماعة، مضافا إلى ما ذكروه من إستلزام عدم القضاء به فسق الحاكم أو إيقاف الحكم وهما معا باطلان، لانه إذا علم بتطليق الرجل زوجته ثلاثا مثلا بحضرته ثم جحد كان القول قوله مع يمينه، فإن حكم بغير علمه وهو إستحلافه وتسلمها إليه لزم فسقه وإلا لزم إيقاف الحكم لا لموجب، وإستلزامه أيضا عدم وجوب إنكار المنكر وعدم وجوب


(1) زبره أي زجره ومنعه. (2) الكافي ج 7 ص 262.

[ 15 ]

إظهار الحق مع إمكانه أو الحكم بعلمه والاول معلوم البطلان فتعين الثاني وذلك لانه إذا علم بطلان قول أحد الخصمين فإن لم يجب عليه منعه عن الباطل لزم الاول وإلا ثبت المطلوب، مضافا إلى ظهور كون العلم أقوى من البينة وإلى تحقق الحكم المعلق على عنوان قد فرض العلم بحصوله كقوله تعالى " السارق والسارقه فاقطعوا أيديهما " " الزانية والزاني. الخ " والخطاب للحكام وإذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيره بطريق أولى وفي الانتصار وكيف يخفى إطباق الا ما مية على وجوب الحكم بالعلم وهم ينكرون توقف أبي بكر عن الحكم لفاطمة عليها السلام لما ادعت أنه نحلها أبوها، و يقولون إذا كان عالما بعصمتها وطهارتها وأنها لا تدعي إلا حقا فلا وجه لمطالبتها بإقامة البينة. واجيب بانه ليس في شئ من الادلة المذكورة عدا الاجماع منها دلالة على ذلك، والامر بالمعروف ووجوب إيصال الحق إلى مستحقه بل كون العلم حجة على من حصل له يترتب عليه سائر التكاليف لا يقتضي كونه من طرق الحكم بل أقصى ذلك أنه لا يجوز له الحكم بخلاف علمه. قلت: الاولى أن يمنع ما ذكر في الاستدلال من عدم جواز إيقاف الحكم ومنع لزوم إجراء الحد على مثل السارق والسارقة والزانية والزاني بمجرد إحراز تحقق العنوان، ومع الاولوية في حقوق الناس وقد سبق عدم إجراء الحد بإقرار المرتكب للزنا مع حصول القطع غالبا من جهة إقراره مرة. (الثانية، إذا عرف عدالة الشاهدين حكم وإن عرف فسقهما أطرح وإن جهل الامرين فالاصح التوقف حتى يبحث عنهما، الثالثة تسمع شهادة التعديل مطلقا و لا تسمع شهادة الجرح إلا مفصلة) لا إشكال ولا كلام في الحكم مع معرفة عدالة الشاهدين، كما أنه لا إشكال مع معرفة الفسق في عدم الحكم من جهة شهادتهما، إنما الاشكال في أنه مع عدم المعرفة لو أقر المدعى عليه بعد التهما فهل للحاكم أن يحكم أخذا بإقراره أو لا بد من تبين

[ 16 ]

حالهما بغير الاقرار. ويمكن أن يقال: ما الفرق بين الاقرار بالعدالة ونفي ما إدعى المدعي بدعوى الغلط في شهادتهما وبين الاقرار بما يدعي المدعي ودعوى إرادة خلاف ظاهر كلامه أو كونه مكرها أو كونه هازلا في كلامه، فبعدما يؤخذ بإقرار المدعي عليه بانضمام الاصول المعتبرة عند العقلاء لا مانع من الاخذ بالاقرار بانضمام أصالة عدم الغلط كأصالة عدم غلطهما مع معرفة عدالتهما، وقد يستشكل من جهة أن البحث والتعديل لحق الله تعالى ولذا لا يجوز الحكم بشهادة الفساق وإن رضي به الخصم وأن الحكم بشهادة الانسان حكم بتعديله ولايجوز بخبر الواحد إجماعا. ويمكن أن يقال: إن كان البحث والتعديل لحق الله تعالى فاللازم عدم الاعتبار باقرار الخصم بصدق ما يشهدان لعدم تحقق البحث والتعديل، إن قلت يؤخذ بالاقرار في هذه الصورة من جهة الاقرار بما يدعي المدعي، قلت: في ما نحن فيه أيضا يؤخذ بالاقرار لانه إقرار بما يدعي المدعي بانضمام الاصل المذكور، وأما الرضى بشهادة الفاسق فليس اقرارا بالمدعي به والمحكي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يفعل ذلك أعني البحث بإرسال شخصين من قبله لا يعلم أحدهما بالآخر يسئلان قبيلتهما عن حالهما فإن جاءا بمدح وثناء حكم وإن جاء ابشين ستر عليهما ودعى الخصمين إلى الصلح، وإن لم يكن لهما قبيلة سئل الخصم عنهما فإن زكاهما حكم وإلا أطرحهما. وهذا المحكي لو لم يكن إشكال فيه من جهة السند يدل على قبول تزكية الخصم وعلى ما ذكر لا يتوجه الاشكال من جهه إشتراط الحكم بعد التهما والعدالة لا تثبت بإقرار الخصم ورضاه بالحكم بشهادتهما لا يجدي في صحة الحكم، وأما التفصيل بين شهادة التعديل وبين شهادة الجرح بقبول شهادة التعديل من غير أن يبين سببه بخلاف شهادة الجرح فاستند في الاول إلى أن العدالة تحصل بالتحرز عن أسباب الفسق وهي كثيرة يعسر ضبطها وعدها، وفي الثاني إلى أن الجارح قد يبني على ظن خطأ وأن المذاهب في ما يوجب الفسق مختلفة فلا بد من البيان ليعمل

[ 17 ]

القاضي باجتهاده ولا يخفى أنه مع الاختلاف فيما يوجب الفسق يقع الاختلاف فيما يوجب العدالة ويمكن أن يقال تارة يكون الاختلاف بين الحاكم وبين شاهدي التعديل و الجرح، واخرى يتفقان، وثالثة يشك فمع الاتفاق لا حاجة إلى التفصيل لا في التعديل ولا في الجرح ويكفي في التعديل إحراز وجود الملكة وعدم العلم بما يوجب الفسق وبغير هذا النحو لا يمكن التعديل إلا على سبيل الندرة ومع الاختلاف لا بد من التفصيل إلا أن يكون نظر الشاهدين أو فق بالاحتياط وكذا مع الشك وهذا للزوم إحراز العدالة للحاكم وإحرازه بنفسه أو بالبينة وليس المقام كما لو وكل الغير في تطهير الثوب المتنجس بالبول مع عدم العلم بأنه في الكرغسله مرتين أو مرة واحدة مع كون نظر الموكل لزوم مرتين لامكان حمل فعله على الصحة بخلاف المقام. (الرابعة إذا التمس الغريم إحضار غريمه وجب إجابته ولو كان إمرأة إن كانت برزة ولو كان مريضا أو إمرأة غير برزة إستناب الحاكم من يحكم بينهما، الخامسة الرشوة حرام وعلى المرتشي إعادتها) إذا التمس الغريم إحضار غريمه فالمعروف وجوب إجابته وادعي عدم الخلاف فيه، بل ادعي الاجماع عليه واستدل بتعلق حق الدعوى به وإقتضاء منصب القاضي فإن تم الاجماع فلا كلام وإلا فيشكل، حيث إنه مع عدم ثبوت شئ على المدعى عليه ما وجه إلزامه ولم يظهر وجه ما قيل من حق الدعوى فمع إحتمال بطلان ما يدعى المدعى وعدم حق له على الآخر ما معنى حق الدعوى، وقيل: إنه مع عصيان المدعى عليه بامتناعه بلا عذر استعين بأعوان السلطان وعزر بما يراه ولم يظهر وجه غاية الامر أنه مع تمكن المدعي من إثبات دعواه عند الحاكم مع الثبوت يحكم الحاكم على الغائب والغائب على حجته، والقائلون بوجوب الاجابة فصلوا بالتفصيل المذكور في المتن.

[ 18 ]

ثم إن ظاهر كلماتهم أنه مع العذر إستناب الحاكم من يحكم بينهما من دون إشتراط كون النائب واجدا لشرائط القضاء والحكم وهذا مناف لما هو المعروف من أن القضاء غير قابل للوكالة بمعنى أنه مع الاهلية يحكم بالاستقلال لا بالوكالة عن غيره ومع عدم الاهلية ليس له القضاء، فتأمل. وأما حرمة الرشوة فهي مجمع عليها، بل قيل اتفق المسلمون عليها وقد سبق الكلام في حرمتها في كتاب التجارة وقد يفرق بين الرشوة والهدية، قيل إن الرشوة هي التي يشترط باذلها الحكم بغير حق والامتناع من الحكم به والهبة هي العطية المطلقة، وعلى هذا فإذا قصد به الحكم بالحق لا يحرم على الباذل وإن كانت محرمة على الآخذ بخلاف الصورة الاولى وكيف كان فقد حكي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لعن الله الراشي والمرتشي " (1) وعن أبي عبد الله عليه السلام قال " الرشاء في الحكم هو الكفر بالله (2)). " وقيل: هي في اللغة الجعل واستظهر أن المراد بها هنا ما يعطى للحكم حقا أو باطلا فتخصيص البعض بأنها التي يشترط بإزائها الحكم بغير الحق والامتناع من الحكم بالحق غير جيد، فالحرمة متوجهة إلى الراشي أيضا، إلا أن يتوقف الحكم على ذلك فلا يحرم ويجوز ولكن ليس حينئذ أخذا بالحكم الحق بل إستيفاء الحق بوجه كالمقاصة ويمكن أن يقال: صدق الرشوة في صورة بناء الحاكم على الحكم بالحق مشكل، قال في المجمع والرشوة قل ما تستعمل إلا فيما يتوسل به إلى إبطال حق أو تمشية باطل إنتهي، وعلى هذا فلو كان نظر الحاكم إلى جواز أخذ شيئ


(1) رواه احمد بن حنبل في مسند ابن عمر واخرجه ابن ماجه وابو - داود بسند حسن والحاكم والترمذي في الصحيح عن ابي هريرة، وأحمد أيضا عن ثوبان في الصحيح. (2) الكافي ج 7 ص 409.

[ 19 ]

مع الحكم بالحق لم يكن فاسقا حتى لا يكون حكمه نافذا ويكون الاخذ بعنوان المقاصة لا من جهة الحكم وقد يستظهر كراهة قبول الهدية أيضا وإن لم يكن بقصد الحكم للمهدي بالباطل أو الاعم من الحق والباطل لما روي من غير طرقنا أنه صلى الله عليه وآله قال " هدايا العمال غلول " (1) وفي اخرى " هدية سحت " (2) واخرى " إن النبي صلى الله عليه وآله إستعمل رجلا من بني أسد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا لي اهدي إلى قال: أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت امه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، و الذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة له خوار أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت أللهم هل بلغت (3) ". ويمكن أن يقال: إن اخذ بمضون مثل الرواية المذكورة فلا بد من القول بالحرمة، ومع عدم الاخذ ما وجه الكراهة ويمكن إستفادة عدم الحرمة مما دل على حرمة الرشوة، فان الرشوة بذل بلحاظ الحكم بالباطل أو الاعم منه والحكم بالحق والهدية فاقدة لهذه الخصوصية فمع تعلق الحرمة بنفس البذل بنحو الاطلاق ما وجه تعلقها مع الخصوصية إلا أن تكون الخصوصية لجهة اخرى غير المدخلية في الحرمة وأما وجوب إعادة الرشوة فلو جوب رد المغصوب، والمأخوذ بغير حق بمنزلة المغصوب، والمغصوب مردود، وقد يستفاد وجوب الرد من حيث " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " وتمام الكلام في كتاب التجارة وكتاب الغصب (النظر الثالث في كيفية الحكم وفيه مقاصد، الاول في وظائف الحاكم وهي أربع الاولى التسوية بين الخصمين في السلام والمكان والكلام والنظر والانصاف والعدل


(1) رواه أحمد والبيهقي عن أ بي حميد الساعدي في الضعيف. (2) الترغيب والترهيب ج 3 ص 181. (3) أي تصحيح، واليعار صوت الشاة. (4) أي أخرجه مسلم باب تحريم هدايا العمال.

[ 20 ]

في الحكم، ولو كان أحد الخصمين كافرا جاز أن يكون الكافر قائما والمسلم قا أو أعلى منزلا) استدل لما ذكر بقول علي عليه الصلوة والسلام على المحكي لشريح في خبر سمة بن كهيل " ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، حتى لا يطمع قريبك في حيفك ولا ييأس عدوك من عدلك " (1) وقوله أيضا صلوات الله عليه على المحكي في خبر السكوني " من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الاشارة والنظر وفي المجلس " (2) ونحوه النبوي (3)، بابدال فليواس فليساو، وفي آخر " ثلاث إن حفظتهن وعملت بهن كفتك ما سواهن، وإن تركتهن لن ينفعك شيئ: إقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الاحمر و الاسود " (4) وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه " نهى النبي صلى الله عليه وآله أن يضاف خصم إلا ومعه خصمه " (5) وفي النبوي المروي في المسالك " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفعن صوته على أحدهما ما لا يرفع على الآخر (6) ". وهذه الاخبار بعد إنجبار ضعف أسانيدها بأخذ الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم ظاهرة في الوجوب إلا أنه ربما يستوحش المخاطب من وجوب التسوية بين الخصمين بهذا النحو، نظير مادل على وجوب إجابة الخاطب في النكاح ولعل هذا مانع من


(1) راجع الوسائل ابواب آداب القاضي ب 1 ح 1. (2) و (3) الوسائل ابواب آداب القاضي ب 3 ح 1 و 2. (4) راجع الوسائل ابواب أداب القاضي ب 3 ح 2. (5) الوسائل ابواب آداب القاضي ب 3 ح 2. (6) رواه الدار قطني في السنن والطراني في الكبير والبيهقي في السنن كما في الجامع الصغير.

[ 21 ]

الاخذ بظواهرها، مضافا إلى أن المستفاد من المحكي في الخبر المذكور ثلاث إن حفظتهن - إلخ - عدم لزوم شئ آخر وراء ما ذكر ولعله لما ذكر كان المحكي عن جماعة الاستحباب، نعم في خصوص العدل في الحكم لا إشكال في وجوبه ولا إشكال في الجمع بين الواجب والمستحب وأما لو كان أحد المتنازعين مسلما والآخر كافرا فالمعروف جواز التفرقة، وعن علي صلوات الله عليه أنه جلس بجنب شريح في حكومة له على يهودي في درع وقال: لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك ولكن قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " لا تساووهم في المجلس " ولا يستفاد مما ذكر جواز التفرقة بالنسبة إلى ساير الامور بناء على وجوب المساواة في الامور المذكورة، خصوصا مع ملاحظة بعض ما ذكر علة أو حكمة للحكم. (الثانية لا يجوز أن يلقن أحد الخصمين شيئا يستظهر به على خصمه، الثالثة إذا سكتا استحب له أن يقول لهما: تكلما أو إن كنتما حضر تما لشئ فاذكراه أوما ناسبه، الرابعة إذا بدر أحد الخصمين سمع منه ولو قطع عليه غريمه منعه حتى ينتهي دعواه وحكومته ولو إبتدرا الدعوى سمع من الذي عن يمين صاحبه وإن اجتمع خصوم كتب أسماء المدعين واستدعى من يخرج إسمعه) ادعي الاجماع على حرمة التلقين، فان تم وإلا فللخدشة فيها مجال، حيث إن الوجه لعدم الجواز المذكور في كلماتهم لا يفيد، فإنه استدل للمنع بأن شرع ذلك يفتح باب المنازعة وقد نصب لسدها، فانه قد يكون الملقن محقا لا يقدر على وصوله بحقه ولا دليل على حرمة ما يفتح باب المنازعة وأما إستحباب أو يقول لهما: تكما - إلخ فلم يظهر وجهه، إلا دعوى عدم الخلاف، وكذا لزوم سماع دعوى أحد الخصمين إذا بدر ومنع غريمه حتى ينتهي دعواه، ومع إبتدارهما المعروف تقدم الذي عن يمين صاحبه، ولعل السمتند رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقدم صاحب اليمين في

[ 22 ]

المجلس في الكلام (1) " ويمكن أن يكون صحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا دليلا قال إذا تقدمت مع خصم إلى وال أو إلى قاض فكن عن يمينه يعنى عن يمين الخصم، فان الفائدة ذلك. ويمكن أن يقال أما الصحيحة فلا يخفى إجمالها لعدم ذكر المقصود من الفائدة خصوصا مع ذكر الوالي لان المراجعة إلى الوالي ليس للقضاء بل الغالب أنها لرفع الظلم وأما الرواية فلم يبين المراد من صاحب اليمين فيها هل هو صاحب اليمين بالنسبة إلى القاضي أو بالنسبة إلى الخصم؟ والحمل على المدعي حيث إنه يطلب اليمين من خصمه بعيد وقد يقال: الظاهر أن الكلام مع كون كل واحد منهما مدعيا على الآخر وإلا فلا بحث في تقديم المدعي ويمكن أن يقال: حمل الرواية على صورة التداعي مع ترك الاستفصال وغلبة غير صورة التداعي كيف يجوز؟ وأيضا لزوم مراعاة هذه الجهات في القضاء مستبعد كما مر فيما ذكر من لزوم التساوي فيما ذكر بالنسبة إلى المتخاصمين، وكذا لزوم القرعة مع اجتماع الخصوم إلا أن يثبت إجماع. (المقصد الثاني في جواب المدعى عليه وهو إما إقرار أو إنكار أو سكوت، أما الاقرار فيلزم إذا كان جائز الامر، رجلا كان أو إمراة، فلو إلتمس المدعي الحكم به حكم له، ولا يكتب على المقر حجة إلا بعد المعرفة باسمه ونسبه أو يشهد بذلك عدلان، إلا أن يقنع المدعي بالحلية وإن إمتنع المقر من التسليم أمر خصمه بالملازمة، ولو إلتمس حبسه حبس) جواب المدعي عليه إما إقرار بما ادعي عليه أو إنكار أو سكوت - وإن كان السكوت لا يصدق عليه الجواب - أو إظهار للشك وعدم الدراية، ففي صورة الاقرار


(1) الوسائل أبواب آداب القاضي ب 5 ح 2. (2) الوسائل أبواب آداب القاضي ب 5 ح 1.

[ 23 ]

ظاهر كلماتهم - قدست أسرارهم - أن للحاكم أن يحكم به ويفصل الخصومة بحيث لا تسمع بعد الحكم الدعوى، فإن تم الاجماع فلا إشكال وإلا فلقائل أن يقول: لا إشكال في حجية الاقرار لعموم الحديث المعروف إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، لكن مجرد الحجية لا يكفي في مقام الفصل، ألا ترى أن اليد حجة على ملكية ذي اليد وفي مقام الفصل للخصومة لا يكتفي بها، والاقرار لاإشكال في حجيته على المقر بحيث يكون بحسب الظاهر ممنوعا من التصرف في المقربه وأما تصرف المقر له مع عدم القطع بكون المقر به ملكا له ففيه إشكال، لعدم كون الاقرار بمنزلة البينة طريقا إلى الواقع، ولذا لا يؤخذ بلوازمه بالنسبة إلى غير المقر، وحيث ظهر الفرق بين الحجية وبين فصل الخصومة فبمجر دالحجية لا يتحقق الفصل بل لا بد من حكم الحاكم هذا هو المسلم بنظر الفقهاء فيسئل ما المراد من الحكم؟ فإن كان المراد مدلول مثل إقرار العقلاء على أنفسهم جائز فهو معلوم للمقر وكل من يكون عالما به، وإن كان غيره من إلزام من طرف الحاكم بأن يلزم المقربرد المقر به مثلا إلى المقر له بحيث يتوجه إليه إلزامان: إلزام من طرف الشارع وإلزام من طرف الحاكم، فبعد كون المقر ملتزما من طرف الشارع ما معنى إلتزامه من طرف الحاكم، لان الالتزام من طرف الحاكم لحكم الشارع بلزوم الالتزام بحكمه فيلزم الالتزامان من طرف الشارع، وكذا الكلام في الحكم من جهة البينة وهذا بخلاف الحكم من جهة الحلف أو من جهة شهادة عدل واحد بانضام اليمين أو من جهة النكول، فإنه قبل حكم الحاكم لا إلزام من طرف الشارع وبعد الحكم يتوجه الالتزام بالنسبة إلى المحكوم عليه. ويمكن أن يقال: لا مانع من تحقق الالزامين، نظير ما لو نذر أن يأتي بواجب أو يترك حراما، فبعد تحقق النذر يتحقق إلزام آخر في طول الالزام السابق وفائدة الالزام من جهة النذر أنه لو خالف تحقق العصيان من جهة ترك الواجب أو إرتكاب الحرام ومن جهة حنث النذر مضافا إلى لزوم الكفارة ففي المقام أيضا إلزام

[ 24 ]

الحاكم في طول الالزام السابق. ولعله بهذا الجواب يرتفع الاشكال السابق الراجع إلى حكم الحاكم في الشبهات الحكمية، فيمكن أن يحكم الحاكم في الشبهات الحكمية، نعم في الشبهات الحكمية لو كان نظر المترافعين أو أحدهما مخالفا لنظر الحاكم كيف يكون حكمه نافذا مع أنه لم يحكم بحكم الله بنظر هما أو نظر أحدهما، والظاهر تسلم عدم النفوذ مع القطع بالخلاف دون الظن بالخلاف ويشكل الفرق مع الظن المعتبر بحكم الشارع ثم بعد الفراغ عن صحة الحكم من جهة الاقرار قد يقال: إذا إلتمس المقر له يحكم الحاكم ومع عدم لالتماس لا، وعلل بأنه حق له. ويمكن أن يقال: ما وجه أنه حق له، نعم بعد الحكم أو قبل الحكم للمحكوم له أن يرفع اليد، لكن مجرد هذا لا يوجب كون الحكم له حقا له يجوز أن يرفع اليد عن حقه، فلا بد أن يلا حظ أن مادل على جواز الحكم أو لزومه له إطلاق يشمل صورة عدم التماس المحكوم له أولا إطلاق له، بل المتيقن صورة إلتماس المحكوم له. وأما عدم وجواز كتابة الحجة له على المقر إلا بعد المعرفة أو شهادة عدلين فللخوف من التزوير بتواطي المتداعيين باثبات إقرار على ثالث فيكتب عليه حجة بخط الحاكم وخاتمه ليحكم الحاكم عليه لحكمه السابق والحال أنه غير المقر أولا إلا أن يكتفى بصفات المقر في الكتابة بحيث يؤمن معها التزوير، ومع إمتناع المقر من التسليم مع القدرة المعروف أنه يأمر الحاكم خصمه بالملازمة له حتى يؤدي، ولو إلتمس من الحاكم حبسه حبسه. أما الامر بالملازمة فلعله من جهة جوازها في مقابل الانظار من جهة العسر وأما جواز الحبس فللموثق " إن عليا عليه السلام كان يحبس في الدين فإذا تبين له إفلاس وحاجة خلى سبيله حتى يستفيد مالا ". (1)


(1) (1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم ب 11، ح 1.

[ 25 ]

وقوله عليه السلام " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " (1) وفسر العقوبة بالحبس والعرض بالاغلاظ في القول كقوله يا ظالم ونحوه. وفي قبال ما ذكر خبر زرارة أو صحيحه " كان علي عليه السلام لا يحبس في السجن [ في الدين ] إلا ثلاثة، الغاصب ومن أكل مال اليتيم ظلما ومن اوتمن على أمانة فذهب بها، وإن وجدله شيئا باعه غائبا كان أو شاهدا " (2) والمشهور لم يعلموا بمضمونه من الحصر فيما ذكر. (ولو إدعى الاعسار كلف البينة ومع ثبوته ينظر، وفي تسليمه إلى الغرماء رواية وأشهر منها تخليته، ولو ارتاب بالمقر توقف في الحكم حتى يستبين حاله) قد يقال: مقتضى الآية الشريفة " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة "، والاخبار الدالة على الحبس أن الاعسار شرط في وجوب الانظار لا أن يكون الايسار شرطا في جواز الاجبار والحبس، فإذا لم يتبين كونه معسرا يجوز إجباره وحبسه وإن لم يثبت كونه موسرا، ومع قطع النظر عن الآية الشريفة والاخبار نقول إن العجز مانع عن وجوب الاداء وجواز المطالبة، لا أن يكون القدرة شرطا فيهما وعلى فرض كون القدرة شرطا ليس شرطيتها على حد ساير الشرايط بحيث لو شك في تحققها بني على عدم وجوب الاداء وعدم جواز المطالبة وفمع شك المدين في أنه قادر على الاداء يجب أو لا يجب عليه السعي حتى يتبين عجزه، إذا شك الديان في أن المدين قادر أم لا جاز لهم المطالبة والاجبار حتى يعلم عجزه. ويمكن أن يقال مقتضى الموثق المذكور " لي الواجد يحل - الخ " بعد تفسير العقوبة بالحبس، شرطية الايسار في جواز الحبس، ومع التسليم ما الدليل على جواز الحبس مع عدم إحراز عدم المانع، إلا أن يتمسك بالعموم أو الاطلاق في الشبهة المصداقية. لكن يستفاد من بعض الاخبار جواز الحبس حتى يتبين الاعسار ولعله


(1) الوسائل أبواب الدين ب 8، ح 4. (2) الوسائل أبواب كيفية الحكم ب 11 و 26، 2.

[ 26 ]

للاحتياط في مال المسلم، حيث إن حرمته كحرمة دمه وإن كان هذا أخص من المدعى وأما الاجبار مع عدم العلم بالايسار فلم يظهر وجهه فإن اشتراط القدرة في التكاليف مسلم، نعم لو شك المكلف في القدرة يجب عليه الفحص ولا يرجع إلى البرائة، ومجرد هذا لا يجوز للديان إجباره وظاهر المتن حيث قال لو ادعى الاعسار كلف البينة أنه مع التنازع في الاعسار والايسار القول قول منكر الاعسار ومدعي الاعسار لا بد له من إقامة البينة فإن بنينا على أن المدعي من يكون قوله على خلاف الحجة من أمارة أو أصل فلا بد من إثبات أن الحجة موافقة لقول من ينكر الاعسار ويشكل هذا من مجرد مادل على جواز الحبس حتى يتبين الاعسار، فإنه يلزم جواز الحبس مدة طويلة لعدم تمكن المدين من إثبات إعساره، نعم لو علم الحالة السابقة من الاعسار أو الايسار تستصحب. وقد يستشكل في جريان الاستصحاب بمجرد وجدان المال أو عدمه، من جهة أن صفة الاعسار المعلق عليها حكم الانظار لا تثبت بأصالة عدم المال، كما لا يثبت اليسار بأصالة بقاء المال، لانهما صفتان وجوديتان وليسا عين عدم المال ووجوده، بل لو سلم أنهما من لوازم ذلك فالاصل حجة في الشئ نفسه لا في لوازمه. ويمكن أن يقال تارة يراد إثبات الاعسار والايسار بمجرد إستصحاب عدم المال أو وجوده فالحق ما ذكر، لكون الاصل مثبتا، وأما لو اريد إستصحاب نفس الايسار والاعسار فلا مانع منه، فانه مع وجود المال يكون المدين موسرا ومع عدمه يكون معسرا فالمستصحب نفس ماله الاثر لا ما يلازمه حتى يقال الاصل حجة في الشئ نفسه لا في لوازمه. ومع ثبوت الاعسار هل يخلى أو يسلم إلى الديان ليعمل لهم؟ مقتضى الموثق المذكور أنه يخلى سبيله. وعن الشيخ في النهاية أنه يدفع إلى غرمائه ليوجروه ويستعملوه، لخبر السكوني " إن عليا عليه السلام كان يحبس في الدين ثم ينظر إن كان له مال أعطى الغرماء

[ 27 ]

وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم إن شئتم آجروه وإن شئتم استعملوه ". (1) والمعروف الاخذ بما دل على التخلية وعدم الالزام بشئ للاشهرية عملا، والاصحية سندا، والاوفقية بالاصل والكتاب. ويمكن أن يقال: لا مانع من الجمع بين الطرفين، فإن الفاقد للمال في الحال تارة يكون ليس بذي مرة بحيث يجوز له أخذ الزكاة أو الخمس، فلا تعرض له بحكم الشرع فهو مشمول لقوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة " والخبر المذكور أعني خبر السكوني لا يشمله لان مورده القادر على أن يعمل ويأخذ الاجرة ويتمكن من صرف مقدار من الاجرة لنفسه ولعياله ومقدار منها لتأدية دينه ومع عدم الوفاء يكون حاله حال الواجد للمال يستثنى له ما يستثنى. واخرى يكون ذامرة فالواجب عليه تحصيل المال لنفقاته وأداء دينه وليس مشمولا للآية الشريفة وما دل من الاخبار من تخلية سبيله لعله ناظر إلى عدم ملازمته وحبسه ولا ينافي هذا وجوب تحصيل المال، ولعل ما في خبر السكوني من الدفع إلى الغرماء ليس لخصوصية بل يمكن أن يكون في مقام تحصيل المال وتأدية الدين، إلا أن يكون العمل حرجيا ولو من جهة عدم المناسبة ومخالفة شأنه، ومع كون العمل غير حرجي لعله داخل في الميسرة في الآية الشريفة. وقد يقال: إن في أصل وجوب التكسب على القادر بهذا النحو إشكالا، وإن كان هو مقدمة للواجب الذي مقتضى الاصل كونه مطلقا إلا أن ذلك يتوقف على اطلاق الامر بالاداء وإلا فالاصل في الواجب أن يكون مشروطا لا صل البرائة وغيره وإطلاق الكتاب والنسة إنما يقتضي الوجوب باليسار الممنوع صدقه بمجرد القدرة على التكسب الذي مقتضى ما سمعت كونه مشروطا بالنسبة إليه ويمكن أن يقال إذا كان الانظار معلقا على كونه ذاعسرة فكيف يتم صدق كونه ذاعسرة مع كونه ذامرة، ومع إمكان الجمع بالنحو المذكور ما وجه الطرح.


(1) التهذيب ج 2 ص 62 و. 9.

[ 28 ]

واستدل للمشهور بقوله تعالى " وإن كان ذوعسرة فنظرة إلى ميسرة " والجواب منع كون مثله ذاعسرة، مضافا إلى أن وجوب الانظار لا ينافي وجوب التكسب. ولخبر غياث " إن عليا صلوات الله وسلامه عليه كان يحبس الرجل فإذا تبين له إفلاسه وحاجته خلى سبيله حتى يستفيد مالا " (1) ولا ظهور فيه في عدم وجوب التكسب، إذ الظاهر أن الحبس لرد ماله الموجود إلى الدائن، والتخلية لعلها لا ستفادة المال والتأدية وبالمرسل إن امرأة استعدت على زوجها عند أمر المؤمنين صلوات الله عليه أنه لا ينفق عليها وكان زوجها معسرا فأبى أن يحبسه ولم يأمره بالتكسب وفيه أن عدم الامر لا يدل على عدم الوجوب ويمكن أن يقال: القادر على التكسب لا يجب عليه التكسب لنفقته ونفقة عياله مع وجوب الانفاق وغير ما ذكر مما يظهر للناظر فيها عدم الدلالة. وأما التوقف في الحكم مع الارتياب بالمقر بان شك في بلوغه أو عقله أو إختياره فمع الشك في البلوغ يتوقف الحاكم لا شتراط جواز الاقرار ونفوذه بالبلوغ وأما مع الشك في العقل أو الاختيار فالظاهر أن بناء العقلاء على عدم الاعتناء بالشك فيعاملون مع الناس معاملة العقلاء المختارين، إلا أن يكون في البين أمارة علي الخلاف، نعم في رد مال اليتيم إلى صاحبه بعد البلوغ اشتراط إيناس الرشد بمقتضى قوله تعالى في الكتاب العزيز " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم - الخ " (وأما الانكار فعنده يقال للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: نعم أمر باحضارها فإذا حضرت سمعها ولو قال: البينة غايبة اجل بمقدار إحضارها، وفي تكفيل المدعى عليه هنا تردد، ويخرج من الكفالة عند إنقضاء الاجل، وإن قال: لا بينة عرفه


(1) الوسائل أبواب كيفية الحكم ب 11 ح 1.

[ 29 ]

الحاكم أن له اليمين، ولا يجوز إحلافه حتى يلتمس المدعي فإن تبرع أو أحلفه الحاكم لم يعتد بها وأعيدت مع إلتماس المدعي) إذا أنكر المدعى عليه ولم يقر يقال للمدعي: ألك بينة؟ فان قال نعم أمر باحضارها، فمع حضورها سمعها ويحكم للمدعي على المدعى عليه ويدل عليه صحيحة العجلي، " الحقوق كلها البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا في الدم خاصة " (1). ومقتضاها أنه لا يقبل من المدعي اليمين ولا يقبل من المنكر البينة. وقد يقال: بناء على عموم حجية البينة، بل الذي يقتضيه إطلاق الاخبار الدالة على أن الفاصل هو البينة واليمين: إنه لا مانع من كفاية البينة للمنكر أيضا إذا شهدت بالنفي على سبيل الجزم لا بالاعتماد على اصل العدم وأصل البراءة كما إذا ادعى على أحد أنه أتلف ماله المعين الفلاني وهو أنكر وأقام بينة على النفي فشهدت به لا طلاعها على أن المتلف غيره وإن كان المنكر لا يدعي ذلك لجهله بالحال، فإذا شهدت البينة بأنه لم يتلف لا مانع من سماعها. ويمكن أن يقال: تارة يتمسك لعدم إعتبار البينة للمنكر بأنها بينة نفي لا إعتبار بها فلا مانع من التمسك بعموم مادل على حجية البينة، واخرى يتمسك بالصحيحة المذكورة فيخصص بها العموم إن كان عموم في البين، وعموم حجية البينة لا يلازم إعتبارها في فصل الخصومة، ألا ترى أن اليد حجة ولا تكون فاصلة للخصومة. والحاصل أن التفصيل قاطع للشركة، وعلى هذا فلا تخصيص في البين، بل مفاد أدلة الحجية ترتيب الاثر فقط لا رفع الخصومة، وعلى فرض الاعتبار لم يظهر وجه ما ذكر من عدم اعتماد البينة على أصالة البراءة وأصالة العدم، فإن الغالب كون البينة معتمدة على الاصول، فإن البينة تشهد بملكية الدار لزيد مثلا وليس وجه الشهادة إلا اليد، وأصالة عدم شركة غيره، وأصالة عدم إنتقال الدار إلى


(1) الوسائل: ابواب كيفية الحكم، ب 3، ح 2.

[ 30 ]

أحد، وأصالة عدم تحقق حق بها، نعم تعارض البينتان وكانت إحداهما معتمدة على الاصل يمكن تقديم الاخرى من جهة الحجة على خلاف الاصل. ولو قال المدعي البينة غائبة اجل لا حضارها، واستشكل بعدم الفائدة في هذا التأجيل، لانه إن كان النظر إلى أنه مع إنقضاء الاجل يسقط الدعوى بحيث لا حق للمدعي على المدعى عليه مطلقا أو بعد إلزامه باحلاف المنكر فهذا لا ينبغي صدوره عن متفقه فضلا عن الفقيه، ولا يبعد أن يكون النظر إلى أنه مع إحتمال جواز التكفيل بالنسبة إلى المدعى عليه خوفا من هربه وذهاب حق المدعي لا بد من التأجيل تخفيفا في الكفالة، نعم مع الجزم بعدم جواز التكفيل لعدم ثبوت حق بعد بالنسبة إلى المدعى عليه لا فائدة في التأجيل وأما التكفيل فقد يقرب جوازه مع إحتمال هرب المدعى عليه لقاعدة نفي الضرر، فإنه قد يهرب المدعى عليه ولا يتمكن المدعي من تحصيل الحق فيجب حينئذ مقدمة للزوم مراعاة حق المسلم، وهذا نظير حبس مدعي الافلاس حتى يتبين حاله، مع أنه على تقدير الافلاس لا بد من إنظاره. هذا ولكن مجرد هذا لا يجوز التكفيل لان قاعدة نفي الضرر دليلها حاكم على أدلة الاحكام الاولية ولا تكون مشرعة على المعروف، فاثبات جواز التكفيل مشكل، ولا دليل آخر، وجواز حبس المدين مع إدعاء كون ذاعسرة ثبت بالدليل لامن جهة قاعدة نفي الضرر. وإن قال المدعي لا بينة لي عرفه الحاكم أن له اليمين على المنكر إن لم يكن يعرف. والمعروف أنه ليس للحاكم إحلاف المنكر قبل إلتماس المدعي ومع تبرع الحاكم لا تفصل الخصومة، كما أنه لو حلف المنكر بدون إحلاف الحاكم لا يترتب عليه الاثر وادعي عليه الاجماع وربما يستدل بصحيحة إبن أبي يعفور (1) " إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر


(1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 9، ح 1.

[ 31 ]

لحقه فاستحلفه فلحف أن لاحق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي " والظاهر أن الحلف المذكور غير الحلف في مجلس القضاء، ألا ترى أنه لا ذكر لإ حلاف القاضي، ولو لا الاجماع لا مكن أن يقال مجرد كون الحلف نافعا للمدعي لا يوجب كونه ذاحق، بل لابد من ملاحظة دليل القضاء وأن له الاطلاق بحيث يكون له القضاء وفصل الخصومة بعد رجوع المتخاصمين إليه أم لا إطلاق، ومع عدم الاطلاق مقتضى الاصل عدم ترتب الاثر، أو أن الاصل عدم المدخلية بمقتضى حديث الرفع، لان بيان ماله المدخلية راجع إلى الشارع، ومع لغوية اليمين بدون إلتماس المدعي أو بدون إحلاف الحاكم اعيدت اليمين مع إلتماس المدعي (ثم المنكر إما أن يحلف أو يرد أو ينكل، فإن حلف سقطت الدعوى، ولو ظفر له المدعي بمال لم يجز له المقاصة، ولو عاود الخصومة لم يسمع دعواه، ولو أقام بينة لم يقبل، وقيل يعمل بها ما لم يشترط الحالف سقوط الحق بها ولو أكذب نفسه جاز مطالبته وحل مقاصته، وإن رد اليمين على المدعي صح، فان حلف إستحق وإن امتنع سقطت دعواه) إن حلف المنكر سقطت الدعوى بلا إشكال ولا خلاف ظاهرا في ظاهر الشرع والمعروف أنه لا يبرء بحسب الواقع إن كان كاذبا فيجب عليه التخلص من حق المدعي ويترتب على السقوط أنه ليس للمدعي بعد الحلف مطالبة حقه ولا مقاصته، ولا يجوز له الدعوى ولا تسمع. ويمكن الاستدلال بقول الصادق عليه السلام - على المحكي - في خبر إبن أبي يعفور " (1) إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه واستحلفه فحلف أن لا حق له عليه ذهبت اليمين بحق المدعي فلا حق له، قلت وإن كانت له عليه بينة عادلة؟ قال نعم وإن أقام بعد ما استحلفه خمسين قسامة ما كان له وكان اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله من حلف لكم بالله فصد قوه، ومن سئلكم بالله فأعطوه، وذهبت اليمين بحق المدعي ولا دعوى له "


(1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 9 ح 1 و 2.

[ 32 ]

وفي خبر آخر " في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده، قال: إن استحلفه فليس له أن يأخذ منه شيئا، وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه " (1). وقال عبد الله بن وضاح - على المحكي - " كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة، فخانني بألف درهم فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف وقد علمت أنه حلف يمينا فاجرة، فوقع له بعد ذلك أرباح ودراهم كثيرة فأردت أن أقبض الالف درهم التي كانت لي عنده وحلف عليها، فكتبت إلى أبي الحسن عليه السلام فأخبرته بالقصة فكتب لا تأخذ منه شيئا ان كان قد ظلمك فلا تظلمه، ولولا أنك رضيت بيمينه فحلف لامرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، فقد ذهبت اليمين بما فيها " (2). ويمكن أن يقال: الذي يظهر من هذه الاخبار أن اليمين بقول مطلق سواء كانت في مجلس القضاء وباذن الحاكم أو لم تكن كذلك موجبة لسقوط الحق في الدنيا بحيث لا يجوز للمدعي قبضه ولو مع رضى الحالف لا بنحو المقاصة، والشاهد أن الخبر الاخير ظاهر في الترافع عند الوالي لا الحاكم الذي له أهلية القضاء، وظاهر هذا الخبر أنه كان يريد أخذ الالف درهم باختيار اليهودي، والخبران السابقان لا ذكر فيهما للترافع عند الحاكم، ومقتضى الاطلاق ذهاب اليمين بحق المدعي بنحو لا يجوز له أخذ شئ منه ولو مع رضى الحالف، ولا ينافي هذا مع إستحقاق العقوبة الاخروية اللازم منه الاستحلال والتوبة. نعم قد يبعد سقوط الحق الدنيوي بالمرة لزوم أحد الامرين حصول الملكية للحالف مع كذبه أو كون الملك بلا مالك، ونظير هذا العين المأخوذة بالترافع عند من لاأهلية له للقضاء، حيث يظهر من بعض الاخبار عدم حليتها حتى مع كونها له فمع عدم الحلية للمدعي ولا للمنكر يلزم كونها بلا مالك. وأما عدم سماع الدعوى فلتحقق الفصل، وما في خبر إبن أبي يعفور " قلت له وإن كانت له - الخ " ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين أن يشترط الحالف


(1) و (2) الوسائل: أبواب كيفية الحكم ب 10 ح 1 و 2.

[ 33 ]

سقوط الحق باليمين أو لا، بين أن يكون الاخلاف من المدعي لعدم علمه بالبينة أو نسيانه، بل يقتضي الاطلاق عدم الفرق بين كون الحلف بإذن القاضي وفي مجلس القضاء وبين كونه بين المتخاصمين من دون حضور القاضي. وأما جواز المطالبة مع إكذاب الحالف نفسه فيدل عليه الخبر " إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه فحلف لي، ثم انه جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته اياه، فقال: هذا مالك فخذه، وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك مع مالك واجعلني في حل، فأخذت منه المال وأبيت أن آخذ الربح، وأوقفت المال الذي كنت استودعته حتى استطلع رأيك فما ترى؟ قال: فقال عليه السلام: خذ نصف الربح وأعطه النصف وحلله، لان هذا رجل تائب (1) ". ولعل رد نصف الربح من باب الاستحباب. وقد يعلل بالاقرار، وفيه إشكال، لمعارضة دليل سقوط الحق مع دليل نفوذ الاقرار والحق أنه لا معارضة، فان الاقرار دليل الثبوت، واليمين تذهب بالثابت، فلا معارضة بينهما. ولورد المنكر اليمين على المدعي فلا إشكال في جوازه فإن حلف المدعي ثبت ما ادعاه وإلا سقطت دعواه، وادعي عليه الاجماع، ويدل عليه نصوص مستفيضة، منها: صحيحة محمد بن مسلم " في الرجل يدعي ولابينة له، قال: يستحلفه فإن رد اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له (2) ". وصحيحة عبيد بن زرارة " في الرجل يدعى عليه الحق ولابينة للمدعي، قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له " (3). وصحيحة هشام " ترد اليمين على المدعي (4) " إلى غير ما ذكر. (ولو نكل المنكر عن اليمين وأصر قضي عليه بالنكول وهو المروي، وقيل يرد اليمين على المدعي فإن حلف ثبت حقه وإن نكل بطل ولو بذل المنكر اليمين


(1) الوسائل: كتاب الوديعة، ب 10 ح 1 (2) و (3) و (4) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 7، ح 1 و 2 و 3

[ 34 ]

بعد الحكم بالنكول لم يلتفت إليه، ولا يستحلف المدعي مع بينة إلا في الدين على الميت، ويستحلف على بقائه في ذمته استظهارا، وأما السكوت فإن كان لآفة توصل إلى معرفة إقراره أو إنكاره، ولو افتقر إلى مترجم لم يقتصر على الواحد، ولو كان عنادا حبسه حتى يجيب) إذا نكل المدعى عليه عن اليمين ولم يردها ففي المسألة قولان: أحدهما الحكم عليه بمجرد النكول والآخر يرد الحاكم اليمين على المدعي. واستدل للقول الاول بقوله عليه السلام (1) البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه بدعوى أن مقتضى التفصيل القاطع للشركة إختصاص اليمين بالمنكر فلا يجوز للمدعي واجيب بأنه لبيان الوظيفة الاولية فلا ينافي ثبوتها للمدعي بالرد من المنكر أو الحاكم إذا اقتضته الادلة. ويمكن أن يقال: إن كان النظر إلي أنه لا يؤخذ بمضمونه ولو لم يقم دليل على خلافه، لعدم النظر إلى الطواري، فالانصاف أنه لا يقصر عن ساير المطلقات، وإن اريد أنه بمنزلة العام ويكون قابلا للتخصيص فمورد التخصيص مالو رد المنكر اليمين على المدعي، وأما صورة رد الحاكم فلا دليل عليها. وما يقال من أن الواجب على المنكر الحلف أورد اليمين على المدعي، وحيث امتنع فالحاكم يرد لانه ولي الممتنع، ممنوع لانه إذا أمكن الحكم بمجرد النكول فما الوجه في وجوب أحد الامرين من الحلف أو الرد، وثانيا إذا كان أحد الامرين عليه واجبا لم لا يحبس ولا يضيق عليه حتى يختار أحد الامرين؟ وثالثا ما ذكر مبني على الولاية العامة وهي محل الكلام. واستدل أيضا بصحيحة محمد بن مسلم " عن الاخرس كيف يحلف قال: إن أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - كتب له اليمين وغسلها وأمره بشربه فامتنع فألزمه


(1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، باب أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه في المال.

[ 35 ]

الدين (1) " فيظهر منه أنه لم يرد اليمين على المدعي. ونوقش بانه قضية في واقعة، فلعله كان ذلك بعد حلف المدعي أو أنه لم يمكن الرد عليه لخصوصية، مع أن المشهور لم يعملوا به، ونقل الجمهور خلاف ذلك عن علي صلوات الله عليه. ويمكن أن يقال: نقل الامام فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه لبيان الحكم، والظاهر أنه لم يكتف بكيفية حلف الاخرس بل أراد أمرا آخر وهو الحكم عليه بمجرد الامتناع، وما ذكر من أنه قضية في واقعة لا يناسب بيان الحكم واختلاف حلف الاخرس مع حلف الناطق لا يوجب الاختلاف في التخيير بين الحلف والرد، فلا مجال لاحتمال اختصاص الاخرس بما ذكر. واستدل أيضا بخبر البصري " قلت للشيخ - يعني موسى بن جعفر عليهما السلام - أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له بينة بماله قال: فيمين المدعى عليه، فإن حلف فلا حق له، وإن لم يحلف فعليه وإن رد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق له، إلى ان قال: ولو كان المدعى عليه حيا لالزم باليمين أو الحق أورد (أو يرد، خ ل) اليمين عليه (2) ". وجه الاستدلال قوله على المحكي " فلا حق له وإن لم يحلف فعليه ") فان الظاهر منه أن المنكر إن لم يحلف فعليه الحق، وقوله عليه السلام على المحكي في آخره " ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو رد اليمين "، حيث لم يذكر رد اليمين من الحاكم إذا امتنع عن الجميع. ونوقش في الاستدلال بالفقرة الاولى باختلاف النسخة، فإن الخبر على ما في الفقيه خال عن قوله و " إن لم يحلف فعليه " وبدله " وإن رد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق له " مع أنه يحتمل كون الضمير راجعا إلى المدعي والمبتدء المقدر الحلف أي فعلى المدعي الحلف، وحينئذ يكون دليلا على القول الآخر.


(1) راجع الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 33، ح 1 (2) راجع الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 4، ح 1.

[ 36 ]

وفي الاستدلال بالفقرة الثانية بأن يكون " يرد " بصيغة المجهول ويكون المراد رد الحاكم ولا أقل من الاحتمال. ويمكن أن يقال: أما الاضطراب في المتن فيوجب الاشكال، وأما ما احتمل من كون الضمير راجعا إلى المدعي والمبتدء المقدر الحلف، فمع بعد المدعي وقرب الحق لا يصار إليه، إذ لعله خلاف الحكمة فان المتكلم الحكيم كيف يريد من كلامه مالا ينصرف إليه الذهن ويكون احتماله مرجوحا. وأما ما ذكر من إحتمال أن يكون " يرد " بصيغة المجهول فهو مبني على كون الاستدلال بما في النسخ القابل لكونه بصيغة المجهول والمعلوم، وإن كان الاستدلال بالمروي المسموع من الرواة فلا مجال لاحتماله ونظير هذا ما ذكر في النحو في خواص الاسم من كونه مسندا إليه في جواب من استشكل بما هو المسموع من العرب من قولهم " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " بأن تسمع منصوب بأن المقدرة، فإن المستشكل لعله مدع بأن المسموع تسمع بالرفع لا بالنصب. واستدل أيضا لهذا القول بخبر أبي بصير " لو أن رجلا ادعى عليه رجل عشرة آلاف درهم أو أقل من ذلك أو أكثر لم يكن اليمين على المدعي، وكانت اليمين على المدعى عليه " فانه شامل لصورة نكول المدعى عليه. واجيب بأن الظاهر من الخبر نفي اليمين عليه لاثبات حقه من الاول عوض البينة لا نفيها مطلقا. وفيه نظر، لامكان أن يقال: النظر إلى فصل الخصومة، ففي مقام الفصل لم يكن اليمين على المدعي، وكانت اليمين على المدعى عليه، خرج عن هذه القاعدة صورة رد المدعى عليه اليمين على المدعي، لكن هذا لا يثبت جواز الفصل بالنكول إلا إذا ثبت من الخارج أن الدعاوي المسموعة لابد للحاكم من فصلها واستدل للقول الآخر بأصالة عدم ثبوت الحق على المنكر بمجرد النكول، بل القدر المعلوم ثبوته به وبالحلف من المدعي بعد الرد عليه للاجماع حينئذ

[ 37 ]

وبأن الواجب على المنكر الحلف أو الرد على المدعي للاخبار الدالة على التخيير بينهما، وإذا امتنع من الامرين رد الحاكم من باب الولاية على الممتنع بالاخبار المستفيضة الدالة على القضاء بين الناس بالبينات والايمان. وقد يستدل بصحيحة عبيد بن زرارة " في الرجل يدعى عليه الحق ولابينة للمدعي، قال يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق عليه " (1) بناء على قراءة يرد بالبناء على صيغة المجهول. واورد عليه بأنه خلاف الظاهر، بل هو بصيغة المعلوم، والمراد رد المنكر ولا أقل من الاحتمال. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من أصالة عدم ثبوت الحق - الخ، فإن كان النظر إلى أصالة عدم تحقق ما يجوز معه الحكم فالظاهر عدم جريانها وإن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فان ميزان فصل الخصومة وما يجوز معه الحكم إن كان مجرد النكول فقد تحقق وإن كان النكول ورد الحاكم اليمين على المدعي فهو غير متحقق فأين الشك حتى يتمسك بالاستصحاب. وهذا نظير الشك في ناشر الحرمة بالرضاع عشر رضعات، فان كان الناشر عشر رضعات فقد تحقق، وإن كان خمس عشرة رضعة لم يتحقق بعد فأين الشك حتى يتمسك بالاستصحاب. وإن كان النظر إلى استحقاق المدعي فمقتضى البراءة عدمه حتى يثبت لكن مع الثبوت كما استدل للقول الاول لا تصل النوبة إلى الشك. وأما ما ذكر من أن الواجب على المنكر الحلف - الخ، ففيه أولا أنه غير مسلم لانه مع جواز الحكم بالنكول لا يجب على المنكر الحلف أو الرد، وثانيا أن هذا مبني على الولاية العامة وفيها إشكال، مضافا إلى إمكان حبس المنكر حتى يحلف أو يرد كما ذكر فيما لو سكت عنادا. وأما عدم الالتفات إلى بذل المنكر اليمين بعد الحكم من جهة النكول فلانه


(1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 7، ح 2.

[ 38 ]

مع فصل الخصومة بالنكول لاوجه لاستيناف الخصومة. وأما عدم إستحلاف المدعي مع إقامة البينة في غير الدعوى على الميت فيدل عليه صحيحة محمد بن مسلم " عن الرجل يقيم البينة على حقه هل عليه أن يتسحلف؟ قال لا " (1). ورواية أبي العباس " إذا أقام الرجل البينة على حقه فليس عليه يمين " (2) ونحوها موثقة جميل (3) ومرسلة أبان (4) وأما ما في خبر سلمة بن كهيل (5) عن قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لشريح " ورد اليمين على المدعي مع بينته فإن ذلك أجلى للعمى وأثبت في القضاء " فمحمول على الاستحباب مع رضى المدعي. وأما صحيحة صفار " هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقع عليه السلام: إذا شهد معه عدل آخر فعلى المدعي يمين " (6) فقيل بامكان حملها على عدم سماع شهادة الوصي. ويشكل حيث إن الظاهر إعتبار شهادة الوصي لقوله عليه السلام - على المحكي - " إذا شهد معه عدل آخر " والوصى إذا لم يكن له نفع من جهة الشهادة فما الوجه في عدم قبول شهادته مع فرض إجتماع شروط الشاهد فلا بد من التمسك بعدم عمل الاصحاب بظاهرها. وأما في دعوى الدين على الميت فيعتبر في سماعها قيام البينة المعتبرة مع اليمين الاستظهاري على المشهور، ويدل عليه ذيل خبر عبد الرحمن البصري (7)


(1) و (2) و (3) و (4) راجع الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 8، ح 1 و 2 و 3 و 4. (5) سلمة بن كهيل من أصحاب الباقر عليه السلام ولم يدرك أمير المؤمنين عليه السلام فانه ولد سنة سبع وأربعين وشهد على على عليه السلام سنة أربعين. والخبر مروى في الفقيه ونقله صاحب الوسائل. (6) الوسائل: أبواب الشهادات، ب 28، ح 1، (7) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 4 ح 1.

[ 39 ]

فإن كان المطلوب بالحق قد مات فاقيمت البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو: لقد مات فلان وان حقه لعليه، فإن حلف وإلا فلا حق له، لانا لا ندري لعله قد وفاه ببينة لا نعلم موضعها، أو بغير بينة قبل الموت، فمن ثم صارت عليه اليمين مع البينة، فإن ادعى ولا بينة فلا حق له، لان المدعى عليه ليس بحي ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو برد اليمين، فمن ثم لم يثبت عليه حق. وأيده صحيحة الصفار (1) وكتب إليه أو تقبل شهادة الوصي على الميت بدين مع شاهد آخر فوقع عليه السلام نعم من بعد يمين، فيخصص بهما ما دل على عدم اشتراط اليمين مع البينة، وفيه دلالة واضحة على قبول شهادة الوصي وأما لو سكت المدعى عليه فإن كان ذلك من جهل بلزوم الجواب، أو عدم معرفته باللسان أو من صمم وخرس، أو نحو ذلك أزال الحاكم عذره بما يناسب، وان كان لا لعذر ألزمه بالجواب أولا بالرفق واللين، ثم بالشدة والغلظة، متدرجا من الادنى إلى الاعلى، على حسب مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أجاب فهو وإن أصر على السكوت عنادا ولجاجا فعن جماعة أنه يحبس حتى يجيب وقيل يجبر عليه بالضرب والاهانة، وقيل إن الحاكم يقول له ثلاثا إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا، ورددت اليمين على المدعي، فان أصر رد اليمين على المدعي، وعن بعض التخيير بين الحبس والرد. واستدل للقول الاول بأنه مروي، وربما يحتمل أن يكون المراد خبر " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " (2) بناء على أن العقوبة الحبس. وربما يستدل عليه بالاخبار الواردة في أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يحبس الغريم باللى والمطل، ولا يخفى أن ظاهر خبر " لي الواجد " صورة وجدان المال فلا ربط له بالمقام، كما أن الاخبار المذكورة ظاهرة في ثبوت الدين واستدل أيضا بأن الجواب واجب، والضرب والاهانة خلاف الاصل ولا دليل


(1) المتقدم آنفا. الوسائل: كتاب الدين، ب 8 ح 4.

[ 40 ]

على إجراء حكم النكول، فيتعين الالزام بالجواب بالحبس. واستدل للقول الثاني بأدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، على مراتبهما. واستدل للقول الثالث بأن الاصرار على عدم الجواب نكول أو أولى منه لانه امتناع عن اليمين وعن الجواب. ويمكن أن يقال: لم يظهر وجه لزوم الجواب على المدعى عليه مع عدم ثبوت شئ عليه خصوصا مع إمكان كونه معذورا، كما أنه لو كان للمدعى عليه دين استوفاء فلو أجاب بأنه وفاه يؤخذ بإقراره على المعروف، فمع تسلم لزوم الحكم في كل دعوى يحكم الحاكم بما هو وظيفته، كما لو لم يفد الحبس والضرب والاهانة في إجابة المدعى عليه. وقد يقوى القول الثالث من جهة أن إجراء حكم النكول من القضاء به أو بعد رد الحاكم الحلف على المدعي ليس معلقا على صدق النكول بل على عدم الحلف من غير تقيد بكونه بعد الانكار وأيضا غير المرسل المعروف وهو قوله صلى الله عليه وآله البينة على المدعي واليمين على من أنكر من سائر الاخبار مشتملة على قوله عليه السلام واليمين على المدعى عليه، ويصدق على الساكت المصر على السكوت في المقام أنه مدعى عليه، فيعرض عليه الحلف، فإذا لم يحلف فاللازم إلزامه بالحق بناء على الحكم بالنكول أو بعد رد الحاكم اليمين على المدعي وحلفه على القول الآخر مع أنه يمكن الاستدلال بخصوص صدر خبر البصري، على طريق التهذيب والكافي (1) وهو " قلت للشيخ يعنى موسى بن جعفر عليهما السلام أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق، فلا يكون له البينة بماله، قال عليه السلام فيمين المدعى عليه، فان حلف فلا حق له، وإن لم يحلف فعليه " بل بذيله أيضا وهو قوله عليه السلام " لو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو برد اليمين " فإنه يدل على إلزامه بالحق إذا سكت ولم يحلف ولم يرد.


(1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 4 ح 1.

[ 41 ]

ويمكن أن يقال: تارة يكون المنكر المأخوذ موضوعا للحكم مرآة للمدعى عليه من دون دخل للوصف العنواني في الحكم فيترتب عليه ما ذكر وإن كان للوصف العنواني مدخلية في الحكم - ولعله الظاهر كساير العناوين - فلا بد في ترتب الحكم على المدعى عليه كما ذكر من التقيد بالانكار ومع الاصرار على السكوت لا يصدق الانكار فكيف يترتب الحكم. وأما التمسك بصدر خبر البصري فمع اضطراب المتن كما سبق كيف يجوز وأما التمسك بالذيل فمع اعتبار التقيد بالانكار يشكل فإن تم الاجماع على لزوم فصل الخصومة فلا بد من الاحتياط برد اليمين من طرف الحاكم إلى المدعي وحلفه فالحكم له وإلا فلا بد من التوقف في الحكم لانحصار سبب الحكم بالبينة واليمين، ومع عدم البينة وعدم اليمين لا مجال للحكم. وإذا أجاب المدعى عليه بعدم العلم فقد يقال مع تصديق المدعي له فاما أن يكون له بينة فهو، ومع عدمها لاحق له لعدم كون المدعى عليه مكلفا بالاداء في الظاهر والمدعي معترف بذلك فلا يجوز مطالبته، ومعه ليست الدعوى مسموعة حتى يقال يصدق عليه المدعي وكل دعوى مسموعة يكون الفصل فيها بالبينة واليمين، وذلك لعدم البينة، وعدم إمكان الحلف على الواقع لعدم العلم به، ولا على الظاهر لتصديقه له في براءته بحسب الظاهر. ويمكن أن يقال: لازم هذا عدم سماع الدعوى مع إحتمال عدم علم المدعي عليه، حيث إن مقتضى الاصل عدم علمه فلا يكون مكلفا في مرحلة الظاهر، والظاهر عدم التزامهم به، فمن قال في صورة سكوت المدعى عليه وإصراره بسماع الدعوى مع عدم البينة ورد الحلف إلى المدعي ومع حلفه يحكم بثبوت الحق لا يبعد أن يقول في المقام. وقد يستدل على ما ذكر من عدم سماع الدعوى بالاخبار الواردة في إدعاء رجل زوجية امرأة لها زوج وأنه لا تسمع دعواه إذا لم تكن بينة كموثقة سماعة " عن رجل تزوج إمرأة أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إن هذه إمرأتي وليست

[ 42 ]

لى بينة، فقال: إن كان ثقة فلا يقربها وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه " (1) بحمل قوله " إن كان ثقة فلا يقربها " على الاحتياط الاستحبابي. ورواية يونس " سألته عن رجل تزوج إمرأة في بلد من البلدان فسألها ألك زوج؟ فقالت: لا، فتزوجها ثم إن رجلا أتاه فقال: هي إمرأتي، فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج؟ فقال هي إمرأته إلا أن يقيم البينة " (2). وحسنة عبد العزيز " إن أخي مات وتزوجت إمرأته، فجاء عمي وادعى أنه كان تزوجها سرا فسألتها عن ذلك فأنكرت أشد الانكار، وقالت ما كان بيني وبينه شئ قط، فقال: يلزمك إقرارها ويلزمه إنكارها ". (3) فإن المفروض في هذه الاخبار عدم علم الزوج بصدق المدعي وكذبه، والظاهر عدم الفرق بين دعوى الزوجة وغيرها. ويمكن أن يقال: فرق بين مقام الترافع وغيره، ألا ترى أنه يشترى من ذي اليد ويعامل مع المشترى معاملة الملكية، وفي مقام الترافع لا يحكم بمجرد اليد بالملكية فالزوج في هذه الاخبار يسأل عن تكليف نفسه بالنسبة إلى المرأة. ثم إنه لم يظهر وجه ما ذكر من حمل ما في الخبر " فلا يقربها " (4) على الاحتياط الاستحبابي، فإنه مع الزوجية ليس للمرأة التزوج مع الغير وتجب نفقتها، ومع بطلان النكاح لا يترتب شئ من أحكام الزوجية ولها الازدواج. (المقصد الثالث في كيفية الاستحلاف، ولا يستحلف أحد إلا بالله تعالى ولو كان كافرا لكن إن رأى الحاكم إحلاف الذمي بما يقتضيه دينه أردع جاز، ويستحب للحاكم تقديم العظة، ويجزيه أن يقول والله ماله قبلي كذا، ويجوز تغليظ اليمين بالقول والزمان والمكان، ولا تغليظ لما دون نصاب القطع، ويحلف الاخرس بالاشارة، وقيل توضع يده على إسم الله تعالى في المصحف، وقيل تكتب اليمين في لوح وتغسل ويؤمر بشربه بعد إعلامه، فإن شرب كان حالفا وإن إمتنع الزم الحق).


الوسائل أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ب 23، ح 2. (2) و (3) و (4) الوسائل، كتاب

[ 43 ]

أما عدم الاستحلاف إلا بالله تعالى وتقدس ولو كان الحالف كافرا فالظاهر عدم الخلاف فيه، لقول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن الحلبي سألت الصادق عليه السلام عن أهل الملل كيف يستحلفون؟ فقال: لا تحلفوهم إلا بالله تعالى " (1). وخبر سماعة " سألته هل يصلح لاحد أن يحلف أحدا من اليهود والنصارى والمجوس بآلهتهم؟ قال لا يصلح لاحد أن يحلف أحدا إلا بالله تعالى " (2). وقوله في صحيح سليمان بن خالد لا يحلف الرجل اليهودي والنصراني ولا المجوسي بغير الله عزوجل إن الله عزوجل يقول: فاحكم بينهم بما أنزل الله " (3). وفي خبر جراح المدائني " اليهودي والنصراني والمجوسي لا تحلفوهم إلا بالله تعالى " (4) ويمكن أن يقال لا إشكال في أن الكفار مع الاعتقاد بالله تعالى يكون احلافهم بالله تعالى وأما مع الانكار وعدم الاعتقاد هل يمكن تحقق الحلف حتى يكون مشمولا لما ذكر من الاخبار من جهة الاطلاق فان المحلوف به لابد أن يكون عظيم الشأن عند الحالف أو محل تعلقه، ومع عدم الاعتقاد وعدم التعلق كيف يتحقق الحلف فالاخذ بالاطلاق فرع تحقق الحلف، والاخبار المذكورة لا تشمل الكافر المنكر للمعبود فتأمل. وأما جواز إحلاف الذمي بما يقتضيه دينه فلعله لخبر السكوني إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه استحلف يهوديا بالتورية التي انزلت على موسى على نبينا وآله وعليه السلام واحتمل اختصاص ذلك بالامام عليه السلام مضافا إلى ضعف السند. وأما صحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " قال سألته عن الاحكام، فقال في كل دين ما يستحلفون (5) به " وعن بعض النسخ " ما يستحلون به " فقد حمل على الاخبار عن شرايعهم لا أن المراد منه جواز الحلف بغير الله تعالى. وحمل خبر محمد بن قيس " قال: سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: قضى علي عليه السلام فيمن استحلف أهل الكتاب بيمين صبر أن يستحلفه بكتابه وملته " (6) على اختصاصه


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل، كتاب الايمان، ب 32، ح 6 و 5 و 1 و 2. (5) و (6) الوسائل، كتاب الايمان، ب 32، ح 7 و 8.

[ 44 ]

بالامام عليه السلام إذا علم أن ذلك أردع لهم. وربما احتمل كون المجرورين في كتابه وملته راجعين إلى من استحلف. ويمكن أن يقال: الظاهر معارضة هذه الاخبار مع الاخبار السابقة، لاباء الاخبار السابقة عن التقييد، وحمل خبر محمد بن مسلم على ما ذكر بعيد جدا، حيث إنه مستلزم لتخصيص تلك الاخبار مع إبائها إن حمل على ما هو اللازم في مقام العمل، وإن حمل علي الاخبار عما كان في الشرايع السابقة فالظاهر أن إقرارهم يناسب السؤال. ومما ذكر ظهر الاشكال في حمل خبر محمد بن قيس علي ما ذكر وحمل المجرورين فيه على ما ذكر لعله لا يناسب المحاورات العرفية مع فرض صحته. وأما استحباب تقديم العظة فاستدل عليه بأن الاجتناب عن المكروه مرغوب وكذا الترغيب عليه، مع أنه يحتمل الحلف على الكذب وهو حرام ومذموم فينبغي الوعظ بذكر الاخبار الدالة على كراهة اليمين. مثل رواية أبي أيوب الخزاز " قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، فإنه عزوجل يقول: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " (1) حتى في إسقاط دعوى مال ظلما يقينا. ومثل رواية أبي بصير قال: حدثني أبو جعفر صلوات الله عليهما " أن أباه صلوات الله عليه كانت عنده إمرأة من الخوارج، أظنه قال: من بني حنيفة، فقال له مولى له يا ابن رسول صلى الله عليه وآله إن عندك إمرأة تبرء من جدك، فقضى لابي أنه طلقها فادعت عليه صداقها فجاءت به إلى أمير المدينة تستعديه، فقال له أمير المدينة يا علي إما أن تحلف وإما أن تعطيها، فقال لي يا بني قم فأعطها أربع مأة دينار، فقلت له يا أب جعلت فداك ألست محقا قال: بلى يا بني ولكن أجللت الله أن أحلف به يمين صبر " (2) لكن في صدق هذه الرواية تأمل. ومرسلة علي بن الحكم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا


(1) الوسائل، كتاب الايمان ه، ب 1، ح 5. (2) الوسائل، كتاب الايمان، ب 2، ح 1.

[ 45 ]

ادعى عليك مال ولم يكن له عليك فأراد أن يحلفك فإن بلغ مقدار ثلثين درهما فأعطه ولا تحلف، وإن كان أكثر من ذلك فاحلف ولا تعطه " (1). ومثل قوله تعالى: " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ". وفي استفادة الاستحباب المولوي مع عدم كون العظة داخلا في النهي عن المنكر الشامل للمكروهات تأمل، بل لعلها من قبيل الامر باطاعة الله تعالى وإطاعة الرسول صلى الله عليه وآله. واما جواز تغليظ اليمين فيدل عليه صحيحة محمد بن مسلم " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاخرس كيف يحلف إذا ادعي عليه دين فأنكر ولم يكن للمدعي بينة؟ فقال إن أمير المؤمنين عليه السلام أتي بأخرس وادعي عليه دين فأنكر ولم يكن للمدعي بينة، فقال أمير المؤمنين صلوت الله عليه: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للامة جميع ما تحتاج إليه، ثم قال: ايتوني بمصحف، فاتي به قال: فقال للاخرس: ما هذا فرفع رأسه إلى السماء وأشار أنه كتاب الله عزوجل ثم قال: ايتوني بوليه، فاتي بأخ له فأقعده إلى جنبه، ثم قال: يا قنبر علي بدوات وصحيفة، فأتاه بهما، ثم قال لاخي الاخرس: قل لاخيك: هذا بينك وبينه إنه علي، فتقدم إليه بذلك، ثم كتب أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك يعلم السر والعلانية إن فلان بن فلان المدعي ليس له قبل فلان بن فلان أعنى الاخرس حق ولا طلبة بوجه من الوجوه ولا سبب من الاسباب، ثم غسله وأمر الاخرس أن يشربه، فامتنع فألزمه الدين " (2). ويمكن أن يستفاد منها جواز الحكم بعد امتناع المنكر من دون رد الحلف إلى المدعي وحلف المدعي، مع إحتمال حصول القطع من جهة إمتناع الاخرس من الحلف.


(1) الوسائل، كتاب الايما ن، ب 3، ح 1. (2) الوسائل، كتاب القضاء، أ بواب كيفية الحكم، ب 33، ح 1.

[ 46 ]

والتغليظ قد يتحقق بالمكان مثل المساجد والمشاهد المشرفة، وبالزمان كيوم الجمعة والعيد وبعد صلاة العصر، لان الله يخاف منه في أمكنة لها قرب عند الله والازمنة كذلك، فلعل المنكر يخاف تعجيل العقوبة لو كان كاذبا فيردع، أو يجل الله تعالى فيترك الحلف. والفقهاء قيدوا التغليظ في المال بنصاب القطع وهو ربع الدينار، ولم يعثر برواية تدل على هذا ولعلها كانت ولم تصل إلينا. وقد يستدل بالمرسل أو الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عنهما جميعا " لا يحلف أحد عند قبر النبي صلى الله عليه وآله على أقل مما يجب فيه القطع " (1) بناء على قراءته بالتشديد وإرادة مطلق التغليظ من الحلف عند قبر النبي صلى الله عليه وآله، والقرائة بالتشديد غير معلومة، ولعل النظر إلى أن مثل هذا المقدار لا يناسب الحضور عند القبر الشريف والحلف عنده، والصحيحة المذكورة ترك الاستفصال فيها وترك الاستفصال ليس بمنزلة الاطلاق حتى يقيد كما لا يخفى. واما حلف الاخرس بالاشارة فهو المشهور والظاهر أن نظرهم إلى أن إشارته المفهمة بمنزلة لسانه، ولهذا يكتفى بها في إقراره وإنكاره وساير اموره، فكما يصدق على إشارته الاقرار والانكار يصدق على إشارته اليمين، وعلى هذا فما في الصحيحة المذكورة من الكيفية المخصوصة تكون بمنزلة الاشارة بحكم الشارع. وأما ساير ما ذكر فمع عدم الدليل عليه يشكل الاكتفاء به في الحلف والاحوط الجمع بين الاشارة والكيفية المذكورة في الصحيحة. (ولا يحلف الحاكم أحدا إلا في مجلس قضائه إلا معذورا كالمريض أو إمرأة غير برزة، ولا يحلف المنكر إلا على القطع، ويحلف على فعل غيره على نفي العلم كما لو ادعى على الوارث فأنكر أو ادعى أن وكيله قبض أو باع). ادعي عدم الخلاف في عدم التحليف إلا في مجلس القضاء، قد يقال ولعله لاصالة عدم إنقطاع الدعوى بغيره بعد الشك أو الظن بعدم تناول الاطلاق الوارد في تعليم


(1) الوسائل، كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم ب 29 ح 1.

[ 47 ]

ميزان القضاء للحكام لغير الفرض، بل يمكن إنسباق ذلك منه خصوصا المستفيضة المشتملة على الشكوى من نبي من الانبياء إلى الله تعالى من القضاء بما لم تر العين ولم تسمع الاذن، فقال: إقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمى يحلفون به، الظاهرة في مباشرة ذلك بنفسه فلا تصح الاستنابة فيه حينئذ. نعم ذكر غير واحد من الاصحاب بل نفى بعضهم الخلاف فيه أيضا أن ذلك كذلك إلا مع العذر كالمرض المانع من الحضور وشبهه، فحينئذ يستنيب الحاكم من يحلفه في منزله. ويمكن أن يقال: إن تم الاجماع فلا كلام وإلا فلاوجه لعدم تناول الاطلاق، ولا نجد فرقا بين المقام وبين مثل " الطلاق بيد من أخذ بالساق " وقوله تعالى " إذا طلقتم النساء فلطلقوهن لعدتهن " وقد ذكر في باب الوكالة تعميمها إلا إذا دل الدليل على الزوم المباشرة. وأما ما ذكر من أصالة عدم انقطاع الدعوى بغيره فيشكل فإن الاستباب إذا كانت شرعية وتعيينها من طرف الشرع المقدس فلا مانع إذا شك في جزئية شئ أو شرطيته في الاسباب أن يتمسك بحديث الرفع، وعلى فرض عدم شمول المطلقات وإنصرافها إلى صورة المباشرة ولزوم الاحتياط مع الشك لا وجه لا ستثناء صورة العذر من جهة المرض المانع عن الحضور أو كون المرأة غير برزه ونحو الصورتين. وأما عدم حلف المنكر إلا على القطع فقد ذكروا في وجهه أنه المنساق من المنوص الموجبة له، بل كاد يكون صريح خبري الاخرس وإبن أبي يعفور، ففي خبر الاخرس " ليس له قبل فلان بن فلان - أعني الاخرس - حق ولاطلبة بوجه من الوجوه - الحديث (1) ". وفي صحيحه عبد الله بن أبي يعفور " قال إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف أن لاحق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي - الحديث " (2)


(1) الوسائل، كتاب أ بواب كيفية الحكم، ب 33، ح 1 (2) الوسائل، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 9، ح 1

[ 48 ]

نعم ذكر أن اللازم الحلف على البت وإن كان مستنده أمارة شرعية من يد ونحوها، فاللازم أنه مع العلم بأنه لا مستند للحالف إلا اليد إن حلف على أن لا حق للمدعي بوجه من الوجوه يكفي لاسقاط الدعوى وإحلف على أن لاأعلم حقا للمدعي لا يكفي ونظير هذا ما إذا كان عين بيد المدعى عليه حيث لا يحكم بمجرد اليد بالملكية في الترافع وإن عومل معاملة الملكية في غير الترافع وإن قام البينة على الملكية مع أن منشأ الشهادة غالبا اليد يحكم بالمليكة في مقام الترافع ولو كان الرافع راجعا إلى فعل الغير كما لو ادعى على الوارث من جهة أبيه لم يتوجه على الوارث اليمين إلا إذا ادعى عليه العلم بما على المورث فيحلف الوارث على نفي العلم أو ادعى أن وكليه قبض أو باع فحلف الموكل علي نفي العلم بالقبض أو البيع. فاللازم بنحو الاطلاق الحلف على نفي ما ادعاه المدعي، فتارة يكون المدعى الحق واخرى العلم به، هذا في حلف المنكر وأما المدعي في اليمين المردودة فيحلف على ثبوت الحق أو العلم، هذا والاشكال في المقام متوجه، حيث إنه لا بد في اليمين القاطعة للخصومة من كونها على البت بالنسبة إلى الحق المدعى ولذا لو ادعى المدعي اشتراء شئ مما في يد الآخر ولم يعلم المدعى عليه لا يكتفى باليمين على نفي العلم، فما الفرق بين فعل نفسه مع عدم العلم وفعل الغير، ومجرد غلبة عدم العلم بفعل الغير لا يوجب كفاية اليمين على نفي العلم. وقد يقال في المقام إن المدعى عليه بعدم عدم تمكنه من الحلف على البت يحكم عليه بالحق إما بعد رد اليمين على المدعي أو قبله على القولين في مسألة القضاء بالنكول للاخبار: ومنها قوله صلى الله عليه وآله " البينة على المدعي واليمين على من ادعي عليه (1) ". حيث يدل على حصر تخلص المدعى عليه باليمين، غاية الامر قيام ردها مقامها، فيحكم عليه بعد إمتناعه عنها وحيث إن النظر إلى الحكم الوضعي لا يتوجه الاشكال بالاختصاص بمن يتمكن من الحلف على البت وفي المقام يتمكن، ولا يعارض


(1) راجع الوسائل: كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم، ب 3 ح 1 و 5

[ 49 ]

مع ما أرسل في بعض كتب القوم من قوله عليه السلام " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " لان المراد منه المدعى عليه قطعا. ومنها قوله عليه السلام على المحكي في ذيل موثقه عبد الرحمن " ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو الرد (1) ". لان المستفاد منه أنه مع عدم البينة للمدعي يسقط حق المدعي لعدم الحياة حيث إنه مع حياة المدعى عليه يلزم باليمين أو الحق أو الرد، فلو لم يلزم المدعى عليه مع الحياة بأحد الثلاثة لم يكن وجه لعلية عدم الحياة لسقوط الحق مع عدم البينه. ولا يراد النقض بالسقوط مع الحياه وعدم البينة مع كون المدعى عليه صبيا أو مجنونا، لان عدم الحياة كناية عن عدم القدره. ومنها قوله عليه السلام في الرواية المعروفة المشهورة " إستخراج الحقوق بأربعة وجوه - إلى أن قال: وإن لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه، فان لم يحلف ورد اليمين على المدعي فهي واجبة عليه " (2). وجه الاستدلال أن عدم الحلف أعم من أن يكون من جهة عدم جوازه له شرعا أو جوازه وعدم إقدامه عليه. لا يقال: إن الرواية إنما تدل على أنه إذا رد المدعى عليه اليمين باختياره وحلف المدعي يطلب بالحق وهذا غير منكر في المقام بل الكلام في انه إذا إمتنع من الرد يلزم به ويطلب منه، وان لم يرد فيحكم عليه بمجرده أو بعد الرد أم لا، ولا دلالة للرواية عليه، لانه مع ترتب الاثر على رده بالاختيار فلابد من أن يلزم به في صورة الامتناع بالاجماع المركب وعدم القول بالفصل. ومنها قوله عليه السلام في خبر البصري بعد فرض السائل عدم البينه على المال


(1) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 4، ح 1 (2) الوسائل: كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 7، ح 4.

[ 50 ]

" فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له وإلا فعليه " (1). ومنها صحيح هشام عن أبي عبد الله عليه السلام " ترد اليمين على المدعي " (2). ويمكن أن يقال: أما الخبر الاول فلا يدل على حصر التخلص بما ذكر، بل على كيفية القضاء بين المدعي والمدعى عليه، فلقائل أن يمنع لزوم الفصل وكون المقام كما لوادعي على الميت ولم يكن له بينة، وما ذكر في رد المعارضة مع ما أرسل في بعض كتب القوم بشكل من جهه التعبير في بعض الاخبار غير هذا النبوي صلى الله عليه وآله بالمنكر، الظاهر مدخليه العنوان في الحكم فمقتضى القاعدة تقييد المدعي عليه بعنوان الانكار، فمع عدم الانكار لا يترتب الحكم. وأما ما ذكر في الاستدلال بذيل موثقة عبد الرحمن فلقائل أن يقول فيه: لا مانع من إشتراط أمرين أحدهما: الحياة، فمع عدم البينة وعدم الحياة يسقط حق المدعي، والآخر: التمكن من الحلف والرد فمع عدم البينة وعدم التمكن من الحلف على البت يمكن سقوط حق المدعي، وما ذكر من أن عدم الحياة كناية عن عدم القدرة لم يظهر وجهه، ومع تسليمه فالقدرة على الحلف معدومة وإن كان قادرا على الرد. وأما ما ذكر من الاجماع المركب وعدم القول بالفصل ففيه إشكال من جهه الاشكال في تحصيل الاجماع في أمثال المقام، وعدم القول بالفصل ليس قولا بعدم الفصل. وأما ما ذكر من التمسك بما في خبر البصري من جهة أن ظاهره أن مجرد عدم حلف المدعى عليه كاف في ثبوت الحق فيشكل من جهة أن المستفاد من غيره ثبوت الحق بالرد على المدعي وحلفه، مضافا إلى أنه بعد تقييد المدعى عليه بكونه منكرا كيف يترتب الحكم مع عدم الانكار. (أما المدعي ولا شاهد له فلا يمين عليه إلا مع الرد أو مع نكول المنكر على قول، ويحلف على الجزم، ويكفى مع الانكار الحلف على نفي الاستحقاق، ولو إدعى


(1) راجع الوسائل، كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 4 ح 1. (2)

[ 51 ]

المنكر الابراء أو الاداء انقلب مدعيا والمدعي منكرا، فيكفيه اليمين على بقاء الحق). المدعي إذا لم يكن له بينة لا يتوجه إليه اليمين لان مقتضى النبوي صلى الله عليه وآله المعروف " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " أو " البينه علي المدعي واليمين علي من أنكر " اختصاص اليمين بالمدعى عليه أو المنكر، دل الدليل على أنه إذا رد المنكر الحلف على المدعي يحلف هو أو مع نكول المنكر على قول، في مقابل من يقول بكفاية النكول من دون حاجة إلى حلف المدعي، ويحلف على البت لما دل على لزوم كون الحلف على البت. ويكفي المنكر الحلف على نفي الاستحقاق من دون ذكر السبب لان الخاص مندرج تحت العام فبنفي العام نفي الخاص وأما لو إدعى المنكر الابراء أو الاداء فالمعروف إنقلاب المنكر مدعيا لانه إعترف باستحقاق الطرف ويدعي حصول البراءة بالابراء أو الرد مثلا، فعليه إثباته بالبينه أو الاقرار فيكفي المنكر لهذه الدعوى اليمين على بقاء الحق من دون حاجة إلى البينة. ويختلج بالبال شبهة وهي أن المعروف في كتاب الاقرار أنه يصح الاستثناء كما لو قال له علي عشرة إلا أربعة مثلا، فالمقر به سته فلا مجال لان يقال أقر بالعشرة وأخرج أربعة فهو مأخوذ بإقراره ولا يسمع منه خروج الاربعة فيسئل عن الفرق بين العشرة المخرج منها الاربعة وبين الدين المبرء منه. نعم لو كان الاستثناء من قيود العشرة بأن يصير الكلام مع الاستثناء بمنزلة أن يقول العشرة المخرج منها الاربعة أقربها صح أن يقال: ما أقر إلا بالستة بهذه العبارة، وأما إذا لم يكن كذلك بل الكلام كان مشتملا على إثبات وإخرج فلقائل أن يقول ما أثبت يكون مقرا به، وما أخرج مدعى به فعليه الاثبات. (ولا يتوجه على الوارث بالدعوى على مورثه إلا مع دعوى علمه بموته إو إثباته وعلمه بالحق وأنه ترك في يده مالا، ولا تسمع الدعوى في الحدود مجردة عن البينة، ولا يتوجه بها يمين على المنكر ولو ادعى الوارث لمورثه مالا سمعت

[ 52 ]

دعواه سواء كان عليه دين يحيط بالتركة أو لم يكن). لا شبهة في أن من كان شأنه أن يرث لا يتوجه إليه الدعوى ما لم يمت المورث أو مات ولم يورث مالا، لانه كالاجنبي واعتبر في كلماتهم لزوم العلم أيضا بالموت وبترك مال في يده، وظاهر كلماتهم لزوم علم الوارث بالموت وبترك مال في يده. ولقائل أن يقول إذا مات المورث وترك مالا يتعلق به حق الديان سواء كان الوارث عالما بالموت أولم يكن، وسواء كان عالما بانتقال التركة إليه أو لم يكن عالما. ثم إنه مع عدم التقييد لابد من حلف الوارث والمعروف حلفه على عدم العلم ولم يظهر وجهه فإنه إذا كان المال الذي يرث من مورثه كمال يشتري من ذي اليد ويعامل مع الموروث والمشترى معاملة المملوكية وإن ادعى أحد عليه يحلف على البت مع إحتمال كون المال ملك الغير أوله حق، لكن هذا الاحتمال لا يتوجه إليه من جهة اليد فلانجد فرقا بين المال الموروث والمال المشترى من الغير حتى يقال في المال المشترى يحلف على البت وفي الموروث يحلف على نفي العلم. نعم إذا أجاب في قبال المدعي بعدم العلم ولا أدرى، فحاله حال م أجاب في قبال المدعي بالنسبة إلى ما في يده بلا وراثة بقوله لا أدري، والكلام فيهما سواء. وقد يتمسك بقول الامام عليه السلام على المحكي في جواب ما كتبوا إليه من أن رجلا مات وله ورثة فجاء رجل فادعى عليه مالا وأن عنده رهنا إن كان له على الميت مال ولا بينة له عليه فليأخذ ماله مما في يده وليرد الباقي على ورثته، ومن أقر بما عنده أخذ به، وطولب بالبينة على دعواه، وأوفي حقه بعد اليمين، ومتى لم يقم البينة والورثة ينكرون فله عليهم يمين، يحلفون بالله تعالى ما يعلمون أن له على ميتهم حقا. ويشكل من جهة تسالمهم على لزوم كون اليمين متوجهة الي نفي ما يدعيه المنكر والمدعي يدعي الحق على الميت لا العلم هذا مع قطع النظر من جهة السند.

[ 53 ]

وأما عدم سماع الدعوى في الحدود مع عدم البينة وعدم توجه اليمين يعلى المنكر فيدل عليه المرسل كالصحيح بابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام " أتى رجل أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه برجل، فقال هذا قذفني، ولم تكن له بينة، فقال يا أمير المؤمنيين استحلفه، فقال لا يمين في حد " (1). وفي خبر آخر " لا يستحلف صاحب الحد " (2). وفي ثالث " ان رجلا استعدى عليا صلوات الله عليه على رجل، فقال: انه افترى على، فقال عليه السلام للرجل فعلت ما فعلت؟ فقال: لا، فقال عليه السلام للمستعدي: ألك بينة؟ فقال: مالى بينة فاحلفه، فقال عليه السلام: ما عليه يمين " (3).. وأما سماع دعوى الوارث أن لمورثه مالا ولو كان الدين محيطا للمال فاستدل عليه بعدم الخلاف ظاهرا فإن تم الاجماع فلا كلام والا يشكل أما مع عدم انتقال المال إلى الوارث في صورة احاطة الدين فلكون الوارث أجنبيا ومجرد شأنية الوراثة حيث انه مع الابراء أو التأدية من مال آخر ينتقل إلى الوارث كيف يصحح سماع الدعوى والالزم سماع الدعوى مع حياة المورث. وقد يتمسك بأن الوارث قائم مقام المورث ويتمسك بقوله تعالى " واولوا الا رحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ". ويكشل أما ما ذكر من أنه قائم مقام المورث فيحتاج إلى دليل يعم المقام، وأما التمسك بقوله تعالى ففي غير مقام الوراثة محتاج إلى الدليل، للزوم تخصيص الاكثر، وأما مع الانتقال وتعلق حق الديان بالمال بنحو أمكن حرمان الوارث بالمره فسماع الدعوى مبني على اطلاق في دليل القضاء، فمع عدم الاطلاق أو الشك كيف يتمسك به؟ (ويقضى بالشاهد واليمين في الاموال والديون، ولا يقبل في غيره، مثل الهلال


(1) و (2) و (3) الوسائل: كتاب الحدود، ابواب مقدمات الحدود، ب 24 ح و 2 و 3.

[ 54 ]

والحدود والطلاق والقصاص، ويشترط شهادة الشاهد أو لاتعديله، ولو بدء باليمين وقعت لا غية، ويفتقر إلى اعادتها بعد الاقامة، ويحلف مع عدم العلم، ولا يثبت مال غيره) القضاء بالشاهد واليمين في الجملة مستند إلى قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وقضاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه، خلافا لابي حنيفة وأتباعه. وقد حكي أنه قال للصادق عليه السلام " كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد؟ فقال الصادق عليه السلام: قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وقضى به على صلوات الله عليه عندكم، فضحك أبو حنيفة، فقال الصادق عليه السلام: أنتم تقضون بشهادة واحد شهادة مأة، فقال ما نفعل، قال بلى، تشهد مأة فترسلون واحدا يسئل عنهم ثم تجيزون شهادتهم بقوله (1) ". وقد دخل حكم بن عيينة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر عليهما السلام يوما فسئلاه عن شاهد ويمين، فقال: قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وقضى به أمير المؤمنين عليه السلام عندكم بالكوفة، فقالا: هذا خلاف القرآن، قال: أين وجدتموه خلاف القرآن؟ فقالا ان الله عزوجل يقول: " وأشهدوا ذوي عدل " فقال لهما: فقوله " وأشهدوا ذوي عدل " هو أن لا تقبلوا شهادة واحد ويمينا؟ ثم قال: ان عليا صلوات الله عليه كان قاعدا في مسجد الكوفة، فمر به عبد الله التميمي ومعه درع طلحة، فقال له علي صلوات الله عليه: هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال له عبد الله: فاجعل بينك وبيني قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحا، فقال له علي صلوات الله وسلامه عليه: هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال له شريح هات على ما تقول بينة، فأتاه بالحسن عليه السلام فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال: هذا شاهد، ولا أقضى بشاهدة شاهد حتى يكون معه آخر قال: فدعا قنبرا فشهد أنها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك


(1) السائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 14، ح 13.

[ 55 ]

ولا أقضى بشهادة مملوك، فغضب علي صلوات الله عليه، وقال: خذوها فإن هذا قضى بجور ثلاث مرات، قال: فتحول شريح من مجلسه، وقال: لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات، فقال: ويلك - أو ويحك -، اني لما أخبرتك أنها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، قلت: هات على ما تقول بينه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله " حيث ما وجد غلول اخذ بغير بينة " فقلت: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة، ثم أتيتك بالحسن فشهد، قلت هذا شاهد واحد ولا أقضي بشاهد واحد حتى يكون معه آخر، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة واحد ويمين، فهذه ثنتان ثم أتيتك بقنبر، فشهد أنها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك، ولا بأس بشهادة مملوك إذا كان عدلا، ثم قال ويلك أو ويحك، إمام المسلمين يؤتمن من امورهم على ما هو أعظم من هذا " (1). هذا ولا بأس بالتكلم في ما صدر من الصادق صلوات الله عليه، فقول أبي حنيفة للصادق عليه السلام " كيف تقضون باليمين مع الشاهد " سؤال عن القضاء في الجملة، ويشكل إستفادة الاطلاق من باقي كلامه. وقوله صلوات الله عليه " فقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل - الخ " يرجع إلى أنه لا مفهوم له بحيث ينافي قبول شهادة شاهد واحد مع يمينه. وأما قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لشريح على المحكي " وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله حيث ما وجد غلول - الخ " فلعل النظر إلى كفاية إحراز الواجد في الاخذ بلا حاجه إلى البينة، فلا مجال لتوهم المصادرة وأنه كيف يتمسك بالكبرى مع عدم احراز الصغرى. وأما التعميم في الاموال والديون فيدل عليه ما في الفقيه " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة شاهد ويمين المدعي وقال نزل علي جبرئيل بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق وحكم به في العراق أمير المؤمنين صلوات الله عليه " (2).


(2) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 14 ح 6. (2) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 14 ح 14.

[ 56 ]

وفي صحيح إبن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمن الخصم في حقوق الناس، وأما ما كان من حقوق الله تعالى أو رؤية الهلال فلا " (1). وحكي الخلاف عن النهاية والاستبصار والفقيه وغيرها والتخصيص بالديون ولعله لخبر حماد " سمعت الصادق عليه السلام يقول: كان علي صلوات الله عليه يجيز في الدين شهادة رجل ويمين المدعي " (2). وخبر أبي بصير " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له عند الرجل الحق وله شاهد واحد، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقضي بشاهد واحد ويمين صاحب الحق وذلك في الدين " (3). وخبر قاسم بن سليمان " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده " (4). وخبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين، ولم يكن يجيز في الهلال إلا شاهدي عدل " (5). وعن الشيخ في الاستبصار حمل إطلاق النصوص السابقة على التقييد في هذه النصوص، وخبر درع طلحة إنما أنكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه على إطلاق قول شريح ما اقضي إلا بشاهد آخر، ضرورة عدم كون خصوص المقام مما يكتفى فيه بالشاهد واليمين من الوالي. ويمكن أن يقال المراجعة إلى شريح من باب التنزل لا من باب الحاجة إلى قضائه لعلمه صلوات الله عليه، فلا بد أن يكون القضاء في درع طلحة مع أنها عين من موارد القضاء بشاهد واحد ويمين، ولا يبعد حمل الاخبار المخالفة بحسب الظاهر على أن القضاء من رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الديون من باب عدم إتفاق القضاء في الاعيان


(1) الوسائل: كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم، ح 12. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 14 و 5 و 10 و 1.

[ 57 ]

لا عدم الجواز، وإن أبيت فالمعارضة باقية ولا مجال للتقييد والمشهور الاخذ بالاخبار المطلقة. وأما عدم القبول في غير الاموال والديون فهو المعروف بين الاصحاب، لكن مقتضى صحيح إبن مسلم المذكور والتفرقة بين حقوق الله تعالى وحقوق الناس، والتخصيص بالاموال بلا فرق بين الاعيان والديون يحتاج إلى الدليل، إلا أن يكون إجماع في المسألة، وعلى المشهور إذا كان ما فيه المنازعة فيه جهتان يثبت فيه جهه المالية بالشاهد واليمين دون الجهة الاخرى كالسرقة فيثبت فيها المال دون إستحقاق القطع. وقد يقع الاشكال من جهة اخرى كما في الوقف العام إن قيل بأن العين الموقوفة تكون ملكا للموقوف عليهم، فيقع الاشكال في كفايه يمين بعضم في إثبات الوقفية، مع أن المالك على القول بالملكية كلهم لا البعض. وأما لزوم كون الشهادة أولا فلا دليل عليه، والاخبار المذكورة بين ما فيه ذكر اليمين بالواو مع أن المعروف أنها لمطلق الجمع وبين ما فيه التعبير بمع و لولا الشهرة ما منع مانع من الاطلاق. وأما عدم الحلف مع عدم العلم فلا عتبار الجزم في الحلف والقائل بالحلف على عدم العلم كما سبق يحلف على البت على ما يدعي عليه الطرف لان خصمه يدعي عليه العلم، فهو يحلف على البت بالنسبة إلى العلم، وفي المقام يريد إثبات حق فلا بد أن يكون جازما كما يشهد الشاهد بالجزم. وأما عدم إثبات مال غيره بالحلف، فالظاهر عدم الخلاف فيه، بل قيل: إنه مجمع عليه، ومع قطع النظر عما ذكر هو مقتضى الاصل فتأمل. فلو ادعى غريم الميت مالا له مع شاهد لا يثبت المال بشهادة الشاهد ويمين الغريم، وقيل: يثبت بشهادة الشاهد وحلف الوارث، وهو المعروف كما سبق، وان كان لا يخلو عن الاشكال إن لم يكن إجماع، للاشكال في انتقال ما يقال دين الميت إلى الوارث فيما لو برء ذمة الميت بالابراء أو التأدية من مال آخر.

[ 58 ]

وما يقال من أن ما يقابل الدين إما أن يكون باقيا على ملكه أو يكون منتقلا إلى الوارث أو يكون بلا مالك، والاول غير معقول لان البدن بلا روج غير قابل لكونه مالكا، والروح مادام له التعلق بالبدن يعتبر له الملكية، ولا يمكن بقاء الملك بلا مالك، فيتعين كون المال منتقلا إلى الوارث مع تعلق حق الديان إليه، وأما انتقاله إلى الديان فهو مجمع على خلافه، فيه نظر فان الملكية من الامور الاعتبارية ولذا تعتبر للجهة أيضا كما لو وقف أرض للمسجد، فمنافع الارض الموقوفة ملك لجهة المسجد يصرف المؤذنه وسراجه وساير ما يلزم للمسجد، فلا مانع من اعتبار الملكية للميت لا للجسد الخالي عن الروح بل للذي يشتغل ذمته بالدين ويصرف له الخيرات. والشاهد على هذا أنه لو أوصى بالثلث لنفسه بأن يصرف نفس الثلث أو منافعه في الخيرات فقبل نقل الثلث أو منافعه لا يتعلق المال إلا بجهة الميت، بل لو جني عليه بعد الموت يستحق الدية وتصرف في مصرفها. (مسألتان: الاولى لا يحكم الحاكم باخبار حاكم آخر ولا بقيام البينة بثبوت الحكم عند غيره، نعم لو حكم بين الخصوم وثبت الحكم وأشهد على نفسه فشهد شاهدان بحكمه عند آخر وجب على المشهود عنده انفاذ ذلك الحكم). المعروف أنه لا يمضي ولا ينفذ حكم الحاكم إذا أنهاه إلى حاكم آخر باخباره ولا بالبينه بثبوت الحكم عند الحاكم ولا بكتابه فادعي الاجماع في الثلاثة في حقوق الله سبحانه، وكذا لو كان الحق من حقوق الناس وأنهى الحكم بالكتابة، وادعي عدم وجدان الخلاف فيه إلا من الاسكافي. وذكر في المقام خبران، خبر الكسوني وخبر طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي صلوات الله وسلامه عليهم " انه كان لا يجيز كتابة قاض إلى قاض في حد ولا غيره حتى وليت بنو امية فأجازوا بالبينات " (1). والخبران مشهوران قد عمل بهما، فلا اشكال من جهة السند، فنقول تارة يحصل


(1) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب الحكم، ب 28، ح 1.

[ 59 ]

القطع من جهة الكتابة أو الاخبار أو البينه فلا أظن أن يلتزم بعدم الامضاء والانفاذ كيف وهو مساوق للرد على الحاكم الاول، واخرى لا يحصل القطع ولا الاطمينان وثالثة لا يحصل القطع ويحصل الاطمنيان بحيث لا يعتني العقلاء باحتمال الخلاف، وهذا لا مانع من الردع عنه، كما في باب الشهادة لا يجوز للشاهد أن يشهد بمجرد الاطمينان بل لا بد من الجزم. لكن في استفادة هذا الخبرين المذكورين اشكالا، ألا ترى أن مادل على النهي عن العمل بالظن يشمل في بدو النظر الظهور اللفظى، لكن بعد التأمل ترى منصرفة، فلا شبهة عند العقلاء في حجية الظواهر وان لم يحصل القطع بالمراد، فالاحكام الصادرة من الحكام يلزم سقوطها عن الاعتبار على ما ذكر. فالاقرب مع حصول الاطمنيان والامن من التزوير الاعتبار، كما حكي عن المحقق الاردبيلي - قدس سره - هذا مع ارادة مقام الاثبات وأما لو كان النظر إلى مقام الثبوت ولزوم كون الحكم بالانشاء اللفظي لا الكتابة فلا مانع منه، لكن الظاهر من الخبرين المذكورين غير هذا، والنظر إلى مقام الاثبات كما لا يخفى. هذا ولكن مع ما ذكر يبعد حمل الخبرين على صورة عدم حصول الاطمينان، فإن ظاهر الخبرين فرض كتابة قاض إلى قاض فانتساب الكتابة إلى القاضي الاول مفروض فكيف لا يحصل الاطمينان بصدور الحكم من الاول، فمثل المحقق الاردبيلى - قدس سره - غير المتوجه إلى غير الاخبار الصحاح له أن يفتي بما حكي عنه، وأما من يتوجه إلي الاخبار المعتبرة ولو من جهة عمل الفقهاء - قدست أسرارهم - وإن كانت ضعيفة السند فلابد له من الاخذ بظواهرها مع عدم المانع العقلي، وحمل عبارة الخبرين على الكتابة المنسوبة إلي القاضي مع عدم العلم بالانتساب بعيد لا يصار إليه، لكن الخبرين المذكورين موردهما خصوص صورة إنهاء الكتابة لا إخبار القاضي الحاكم، إلا أن يثبت الاجماع على عدم الفصل، فالمسألة مشكلة. (الثانية: القسمة تمييز الحقوق، ولا يشترط حضور قاسم بل هو أحوط، وإذا عدلت السهام كفت القرعة في تحقق القسمة، وكل ما يتساوى أجزائه يجبر الممتنع

[ 60 ]

على قمسته كالحنطة والشعير، وكذا مالا يتساوى أجزائه إذا لم يكن في القمسة ضرر، كالارض والخشب، ومع الضرر لا يجبر الممتنع). ذكرت القسمة في كتاب القضاء مع أن الانسب ذكرها في كتاب الشركة، لان القاضي لا يستغني عن القسام، الاصل في شرعيتها الكتاب والسنة قال الله تعالى: " وإذا حضر القسمة أولوا القربى " والمحكي تقسم النبي صلى الله عليه وآله خيبر على ثمانية عشر سهما وقال صلى الله عليه وآله على المحكي " الشفعة فيما لا تقسم فإذا رفعت الحدود وعرفت الطرق فلا شفعة ". وروي أنه كان لعلي صلوات الله عليه قاسم يقال له عبد الله بن يحيى. والمعروف أنها تمييز الحقوق والانصباء بعضها عن بعض، وليست بيعا، والقسمة تقع على المال المشترك، وقيل في حقيقة الاشتراك إنها عبارة عن إختصاص كل من الشريكين بمفهوم متعلق بالعين المشاعة منتشر في أفراده المتصورة إنتشار الكلي في أفراده، مثل النصف مثلا، فإن أحد الشريكين مالك له بمعنى أن أي نصف من العين فرض يكون هو مالكا له على البدل، والشريك الآخر مالك للنصف الآخر كذلك، فكل منهما مالك لمفهوم صادق على الكثيرين بحسب الفرض لكن على سبيل البدل لا الاستغراق، فالنصف الذي يكون مملوكا لاحد الشريكين وأن لم يكن تعين بحسب الواقع أصلا إلا أنه يصدق على كل نصف فرض تجزيته من العين بحسب العرض أو الطول أو غيرهما على سبيل البدل، فمملوكية النصف لاحد الشريكين في المقام نظير مملوكية الصاع من الصبرة للمشتري في بيع الصاع من الصبرة. ورد بفساد جعل معنى الشركة ما ذكر، ضرورة في مثل إلارث عدم إختصاص كل من الشريكين بأي جزء فرض من العين على سبيل البدل، بل هما شريكان في أي جزء فرض منها مادام يقبل القمسه كما سيأتي توضيحه ويمكن أن يقال: ما ذكر في الرد من أن الشريكين شريكان في أي جزء فرض منها الجزء المفروض كلي أو جزئي لا مجال لكونه جزئيا للزوم التعين والتشخص، واختصاص أحد الشخصين بأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، فلا بد أن يكون كليا،

[ 61 ]

فالنصف المضاف إلى العين مثلا يكون حاله حال الصاع الكلي، ولم يظهر وجه الرجوع إلى العرف في أمثال المقام ولعل العرف مع تدقيق النظر لا يعوفون من الشركة غير هذا. وقد يقال: إن الشركة عبارة عن مالكية كل من الشريكين لجزء من أي جزء فرض من العين المشتركة في الخارج إلى أن ينتهي إلى جزء لا يقبل التجزية والتقسيم فإذا فرض أن جزينا العين إلى الجزئين فجزء من كل منهما لاحد الشريكين والجزء الآخر منه للشريك الآخر، لا أن يكون أحدهما لاحد الشريكين على البدل والاخر للاخر كذلك، وكذا إذا فرضت الجزء أيضا مجزى إلى جزئين فكل جزء منه يكون مملوكا لهما معا وهكذا إلى أن ينتهي الامر إلى جزئين غير قابلين للتجزية فكل ما فرض في الخارج جزءا من العين يكون مملوكا لهما معا، وهذ إذا لاحظت العين متجزية. وأما إذا لا حظتها غير متجزية متصله الاجزاء فالذي يملكه كل من الشريكين نصفها المعتبر من أنصاف الاجزاء حال التفريق، بمعنى أنه يلاحظ كل نصف من كل جزء قابل للتقسيم بلحاظ الاجتماع فيقال: انه لاحد الشريكين ونصفه الاخر أيضا كذلك ويقال: انه للشريك الاخر فإذا لا حظنا العين مجتمعة الاجزاء فيقال: ان نصفه لا حدهما بالمعنى المتقدم نصفه الآخر للشريك الآخر فهي بهذا الاعتبار لما كانت غير قابلة للتجزية في عالم اللحاظ فمعنى الشركة فيها كون كل منهما مالكا لنصهما الملحوظ من أنصاف اجزائه حين التفريق، فهذه الانصاف إذا لو حظت حين ملاحظة الاجزاء متفرقة فتكون كثيرة في عالم اللحاظ ولكن إذا لوحظت حين ملاحظة الاجزاء مجتمعة فلا تكون إلا واحدة فكل من الشريكين مالك حين ملاحظة الاجزاء مجتمعة ما هو مساوق لما يملكه بلحاظ التفريق، لكن المملوك لكل منهما في الفرض يكون واحدا بمقتضى اللحاظ. فتبين مما ذكرنا أن كل مرتبة من العين فرضت قابلة للتجزية إلى جزئين قابلين للتجزية وتعلق الملكية بهما فمعنى الشركة فيه كون كل جزء فرض مملوكا لهما معا

[ 62 ]

وأما إذا انتهى الامر إلى مرتبة لا تقبل التجزية إلى جزئين قابلين للتجزية وتعلق الملكية بهما وهي آخر مرتبة التجزية فمعنى الشركة فيها كونهما مالكين للمجموع لفرض عدم قابلية الجزئين لتعلق الملكية بهما لفرض عدم كونهما جسما وإلا لكانا قابلين للتجزية. والحاصل أنا وإن قلنا بوجود الجزء الذي لا يتجزى، إلا أنه من المعلوم خروجه عن مرتبة الجسمية، فإذا لم يكن جسما لم يكن قابلا لتعلق الملكية والاختصاص به، وإذا لم يكن قابلا لتعلق الملكية به لم يعقل تعلق الشركة به، فالشركة في المرتبة الاخيرة من مراتب الجسم انما تلاحظ بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع بلحاظ الاختصاص، بمعنى أن هنا اختصاصا واحدا قائما بهما فاشتراكهما انما هو بحسب الاختصاص لا المختص، بمعنى كونهما شريكين في أي جزء فرض منه حسب ما هو معناه في المراتب المتقدمة على المرتبة الاخيرة. فإن أبيت عن ذلك وقلت: ان العرض لا يقبل القيام بمحلين فقل ان لكل منهما اختصاصا ناقصا بالنسبة إلى مجموع العين، لا اختصاص تام بالنسبة إلى مجموعها، لعدم تعقله، والاختصاص إلى كل من جزئيها مطلقا ناقصا أو تاما لفرض عدم قابليتهما للتجزية. نعم يمكن أن يقال في المرتبة الاخيرة أيضا ان كلامنهما مالك لنصفه على سبيل المسامحة من حيث وجود مواد الجزئين في ضمن الاجزاء القابلة للتقسيم، وتعلق الملكية بها في المراتب المقتدمة، فالنصف المشاع بالبيان المختار عبارة عن نصف من العين ملحوظة من اجتماع بعض كل جزء فرض منها قابل للتقسيم، لا أنه عبارة عن نصفه المعين عند الله المجهول عندنا، ولا أنه عبارة عن مفهوم كلي صادق على كل نصف فرض من العين المشاعة على سبيل الترديد. ويمكن أن يقال نسئل النصف من العين الملحوظة من اجتماع بعض كل جزء الخ كلي أو جزئي؟ فمع الجزئية لا بدمن تعينه فمع التعين ما وجه تعينه لاحد الشريكين دون الآخر، وكونه لهما خلاف الفرض، ومع الكلية لا بدمن الفرق بينه وبين الكلي

[ 63 ]

في المعين كصاع من الصبرة ولا فرق إلا ما هو المعروف من أنه إذا باع مالك الصبرة الصاع الكلي فيها يكون مالك الصبرة مختارا في تعيين الصاع في أي فرد شاء ومع تلف الصبرة وبقاء صاع منها يستحق المشتري ذلك الصاع، لبقاء الكلي ببقاء فردمنه، والمال المشترك إذا تلف منه شئ يتوجه الضرر إلى الشركاء، وهذا لا يخلو عن اشكال ليس هنا محل ذكره ومع التسليم نقول: لو باع مالك الصبرة عشرة أصوع بعقد واحد من عشرة بنحو الكلي، فالمال مشترك بينهم إذا كانت الصبرة عشرة أصوع، ومع التلف يتوجه الضرر إلى الجميع دون بعض منهم، فلا مانع من كون المال المشترك كما لو اشترى العشرة بعقد واحد بالنحو بالمذكور، بحيث يكون كل منهم مشتريا للكلي. وأيضا إذا فرضنا جزءا من العين وقسمناه نصفين، فالنصف من هذين النصفين لاحدهما لا مجال لتقسيمه بحيث يكون الشريك الآخر سهيما فيه، فلا مجال لمالكيه كل من الشريكين لجزء من أي جزء فرض من العين المشتركة إلا بنحو البدلية وما ذكر من أنه إذا وصل إلى الجزء الذي لا يتجزى فمعنى الشركة فيها - الخ - يشكل، حيث إن الملكية ليست من الاعراض الخارجية، بل هي إعتبار بين العقلاء ولا تحتاج إلى موضوع خارجي، ألا ترى أنها تتعلق بالكلي في الذمة، كما لو باع كليا في الذمة، وبالعين التي لا وجود لها بالفعل، كما لو باع ثمرة الاشجار قبل وجودها، نعم تتصور الملكية الواحدة للشريكين أو الشركاء من دون تجزية للمملوك كما لا يبعد في الخيار الموروث بالنسبة إلى الورثة. لكن بناء العقلاء في المال المشترك إستقلال كل من الشريكين في الملكية بالنسبة إلى بعض المال المشترك، لا الملكية الناقصة بالنسبة إلى الكل. فالاظهر في تصور الشركة ما حكي عمن ذكر، من أنه يكون ملكية كل من الشريكين كالملكية للصاع من الصبرة. نعم قد يستشكل فيما لو كان المملوك من جهة القلة غير قابلة لا عتبار الملكية بالنسبة

[ 64 ]

إلى الشركاء كما لو وقف على الاولاد، والاولاد بلغوا آلاف من النفوس، بحيث لو اريد تقسيم ثمره الموقوفة بينهم يكون سهم كل واحد عشر حبة من الحنطة مثلا ففي مثل هذا لا بد من اعتبار الملكية للمجموع لا لكل واحد منهم، فتأمل. وأما عدم اشتراط حضور قاسم من قبل الحاكم ولا من قبل الشركاء في صحة القسمه فلان المقصود وصول الحق إلى ذي الحق ولا مدخلية لحضور القاسم، بل الشركاء بأنفسهم يقسمون. وأما وجه الاحوطية فلعله من جهة التحفظ من وقوع تنازع، فيكون الاحتياط إرشاديا. وإذا عدلت السهام بالاجزاء في متساويها كيلا أو وزنا أو بغيرهما كفت القرعة في تحقق القسمة ولزومها، بلا خلاف، إذا كان القاسم من قبل الامام عليه السلام وعلل اللزوم بأن القرعة من قبله بمنزلة حكمه، فلا يجوز رده. ونمنع كون القرعة من قبله بمنزلة حكمه، فكما أن القرعة من طرف الشركاء ليس حكمه كذلك من طرفه عليه الصلاة والسلام ليس حكما، بل لعل وجه هذا أنه بعد تعين حق كل ذي حق لا وجه لعوده إلى الحالة السابقة من عدم التمييز والتعين. وهذا نظير ما يقال في المعاطاه في البيع من أنه بعد حصول الملكية بالمعاطاة الاصل اللزوم، يدل عليه الخبر المشهور " الناس مسلطون على أموالهم " فإن خروج الملك عن ملك صاحبه بلا اختياره مناف للسلطنة. وقد تمسك في لزوم القرض بقاعدة السلطنة، والظاهر حصول القسمة بالتراضي من الشركاء ورد نصيب كل ذي نصيب إلى صاحبه، لا لعموم " الناس مسلطون على أموالهم " و " المؤمنون عند شروطهم " وصحة تجارة عن تراض لمنع صدق التجارة وعدم النظر في مثل " الناس مسلطون على أموالهم " و " المؤمنون عند شروطهم " إلى مثل هذه الجهة.

[ 65 ]

بل يمكن الاستفادة من الاخبار الواردة في قسمة الدين كخبر غياث " في رجلين بينهما مال منه بأيديهما ومنه غائب عنهما، فاقتسما ما في أيديهما، وأحال كل واحد منهما من نصيبه الغائب فاقتضى أحدهما ولم يقتض الآخر، قال عليه السلام ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، وما يذهب فهو منهما " (1). وبمضمونه جملة اخرى، فإن ظاهرها صحة قسمة ما بأيديهما مع عدم القرعة ولا أقل من ترك الاستفصال، بل مقتضى ما سبق من أن استحقاق كل واحد من الشركاء كاستحقاق مشتري صاع من الصبرة، لكون النصيب كليا، لصدقه على الكثير حصول التعين بتعيين الشركاء، فكما أن مالك الصاع المشترى يتعين حقه بتعيين مالك الصبرة على المعروف، وتعيين البايع والمشتري بنظر آخر يتعين النصيب في المقام من دون حاجة إلى القرعة. نعم بناء على الفرق بين الجزء المشاع والكلي في المعين كما هو المعروف نحتاج في حصول التعين بغير القرعة إلى الاستظهار من الاخبار المذكورة، لكن سبق أن الجزء المشاع ليس جزئيا لان الجزئي لا ينطلق على الكثير، ومع الكلية لا بد من الفرق بين هذا الكلي والكلي في المعين، ومع عدم الفرق يكون الحكم فيهما واحدا، ولازم هذا أن لا يجوز لبايع الكلي في الصبره التصرف في الصبرة بدون إذن مالك الصاع الكلي لحصول الشركة. وأيضا يلزم توجه الخسارة إلى كل من مالك الصبرة ومالك الصاع الكلي خلافا لما هو المشهور من توجه الخسارة إلى خصوص مالك الصبرة، دون مالك الصاع مستدلا عليه بأنه مادام يبقى صاع من الصبرة يكون مصداق الكلي باقيا لابد من رده إلى صاحبه. وفيه أن اللازم مع كليه نصيب المشتري والبايع وحصول الشركة توجه الخسارة وإلى كليهما، لان توجه الخسارة إلى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، وذلك لان ما سوى الصاع الكلي أيضا كلي ينطبق على الكثير، لعدم


(1) الوسائل: كتاب الشركة، ب 6، ح 1.

[ 66 ]

إمكان الجمع بين كلية الصاع وبين ملكية الاشخاص، كما لا يخفى. ولعله بهذه يندفع الاشكال المذكور في متاجر الشيخ الانصاري - قدس سره - فيما لو باع الثمره واستثنى أرطالا معينة، فراجع. وأما جبر الممتنع من القسمة عليها مع تساوي الاجزاء مع عدم الضرر من جهة القسمة، فالظاهر عدم الخلاف فيه، وذكر في وجهه قاعدة وجوب إيصال الحق إلى مستحقه، مع عدم الضرر والضرار، والانسان له ولاية الانتفاع بماله، ولا ريب أن الانفراد أكمل نفعا. ولو لا شبهة الاتفاق لامكن المناقشة فيما ذكر، فإن ما ذكر من أن الانفراد أكمل نفعا مخدوش، حيث إنه يغلب وفور النفع من جهة الشركة، كما في هذه الاعصار ألا ترى أو ماء النهر يستفاد منه إذا جرى في الارض مع كونها مزروعة وفي البستان من جهة الكثرة، مع التجزية لا يستفاد منه أصلا أو يستفاد فائدة قليلة وكذلك رأس مال التجارة. مضافا إلى أنه لم يظهر وجه للقاعدة المذكورة، ومع رجوعها إلى قاعدة نفي الضرر والضرار لا بد من ملاحظة الضرر الشخصي وعدم كون الضرر باقدام صاحب الحق كما لو اشترى العين المشتركة فيها. وعلى فرض التضرر لا يجبر على القسمة لقاعدة نفي الضرر والضرار، بناء على المعروف من حكومة دليل نفي الضرر والضرار، بل مع عدم الحكومة وكون نفي الضرر ونفي الضرار كنفي الرفث والفسوق في الآية الشريفة لبيان الحرمة لعله لا يجبر لان الدليل إذا كان هو الاجماع فلا إجماع مع الضرر، ومع تضرر الطرفين أمكن اختيار ما هو أقل ضررا. (النظر الرابع في الدعوى، وهو يستدعي فصولا، الاول المدعي، وهو الذي يترك لو ترك الخصومة، وقيل الذي يدعي خلاف الاصل، أو أمرا خفيا ويشترط التكليف، وأن يدعي لنفسه، أو لمن له ولاية الدعوى عنه، وإيراد الدعوى بصيغة الجزم، وكون المدعى به مملوكا، ومن كانت دعوه عينا فله انتزاعها، ولو كانت دينا

[ 67 ]

والغريم مقر باذل أو مع جحوده وعليه حجه لم يستقل المدعي بالاتنزاع من دون الحاكم، ولو فات أحد الشروط وحصل للغريم في يده المدعي مال كان له المقاصة ولو كان من غير جنس الحق، وفي سماع الدعوى المجهولة تردد أشبهه الجواز). إذا لم يثبت للفظ معنى شرعي يحمل على المعنى العرفي، والمدعي والمدعى عليه أو المنكر لم يثبت لهما معنى شرعي فيحمل المدعي على المعنى العرفي، فقيل المدعي من إذا ترك الخصومه ترك، وبعبارة اخرى إذا سكت سكت عنه والمدعى عليه أو المنكر بخلافه، وبأنه من يدعي خلاف الاصل، والظاهر أن المراد من الاصل الاعم من الامارة المعتبرة والاصل العملي، وبأنه من يدعي خلاف الظاهر وعلى المعنى الثالث لو اختلف الزوج والزوجة في تقارن إسلامهما مع عدم الدخول فيدعي الزوج التقارن وبقاء الزوجية، والزوجة عدم التقارن وانفساخ الزوجية فمدعي التقارن يدعي خلاف الظاهر، لبعد التقارن. ويختلج بالبال أنه كيف يتم ما ذكر من حمل المدعي والمدعى عليه أو المنكر على المعنى العرفي، مع أن الامارات أو الاصول الشرعية لا دخل لنظر العرف فيها فإذا كان قول أحذ المتنازعين موافقا لاصل الصحة، ولم تكن أصالة الصحة معتبرة عند العرف مع قطع النظر عن حكم الشرع، وكذا قول الامين في التلف السماوي فقولهما مسموع بحكم الشرع، وغير مسموع بنظر العرف وبعبارة اخرى هما بنظر العرف يكونان مدعيين ومدعى عليهما بنظر الشرع لكن بناء الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - عدم التوجه إلى العرف ومتى كان قول أحد المتنازعين موافقا لا مارة معتبرة أو اصل عملي معتبر مع عدم الامارة يكون هو المدعى عليه والمدعي من يكون مخالفا له، ويمكن أن يكون الاختلاف راجعا إلى التخطئة في المصداق بلا اختلاف في المفهوم، والمعنى الثالث لا اعتبار به إلا إذا وصل الظهور بحيث لا يتوجه العقلاء إلى خلافه، ألا ترى أن المراة مصدقة في انقضاء العدة وقد ورد في بعض الاخبار أنه ادعت رؤية الدم في شهر زائدا عما هو المتعارف، ولم تصدق بمجرد الدعوى.

[ 68 ]

وأما اشتراط التكليف في سماع الدعوى وعدم سماع دعوى غير البالغ والمجنون فالمعروف عدم الخلاف فيه، مع أن غير المكلف عبارته مسلوبة عنه لا تفاق النص والفتوى على أنه لا يجوز أمر الصبي حتى يبلغ. ويمكن أن يقال القدر المعلوم عدم استقلال الصبي في الامور، وأما مع إذن الولي فغير مسلم، مع أن ظاهر بعض الاخبار صحه الوصيه إذا بلغ عشر سنين، وفي تطليقه كلام مذكور في كتاب الطلاق، إلا أن يدعى عدم إطلاق في الادلة بحيث يشمل دعوى غير المكلف، لكن لو بني على عدم الاطلاق يشكل الامر في كثير من الموارد للزوم قصر السماع على مورد دل الدليل بالخصوص على سماع الدعوى فيه. وأما اشتراط كون الادعاء لنفسه أو لمن له الولاية عليه، فمع عدم الارتباط لا خلاف ظاهرا في عدم السماع، وأما مع الارتباط بأن يكون مورد الدعوى لنفسه أو لمن له الولاية عليه، فالمعروف عدم الاشكال فيه، ويكون الدعوى مسموعة. ويقع الاشكال في مثل العين المرهونة إذا ادعى المرتهن أنها مغصوبة في يد المدعى عليه، حيث إن العين متعلق حق المرتهن ولا ولاية له، والمسألة مبنية على وجود الاطلاق، فمع الاطلاق يسمع الدعوى، ومع عدم الاطلاق يشكل سماع الدعوى حتى في صوره الولاية. وأما إشتراط كون الدعوى بصيغة الجزم فلا وجه له إلا دعوى انصراف المطلق إلى صورة الجزم، ويمكن أن يكون الوجه فيه أن بعض الوظايف المقررة للمدعي والمنكر لا يمكن مع صورة عدم الجزم، فالمدعي من شأنه أن يحلف على البت إذا لم يحلف المنكر ورد اليمين، ومع عدم الجزم لا يتمكن من الحلف المردود، فالدعوى التي لا يتمشى فيها ما ذكر كيف تكون مشمولة للمطلق إن كان مطلق في البين. ويشكل بأن لازم هذا عدم سماع دعوى الوصي والولى، فالولي ليس من شأنه الحلف، والمولى عليه كما لو كان صغيرا أو مجنونا لا يتوجه إليه اليمين، فلا يبقى في البين إلا دعوى عدم انصراف المطلقات إلى صورة عدم الجزم.

[ 69 ]

وأما إشتراط المملوكية فالظاهر أنه للاحتراز عما لوادعى المسلم خمرا أو خنزيرا ونحوهما مما لا يصح تملكه للمسلم، ولا يبعد كفاية الاولوية إلا أن يدعى عدم الاطلاق في أدله القضاء، ولو كان متعلق دعواه عينا فله انتزاعها منه ولو قهرا، وقيد في بعض الكلمات باعتراف من في يده أو كانت العين حالها معلومة، ولم يظهر وجهه، حيث إنه بعد ما وجد صاحب العين عين ماله في يد الغير فما المانع من سلطنته، نعم للغاصب الانكار مع عدم وضوح الحال، وهذا لا ينافي سلطنة المالك على التصرف. ولو كان دينا والمدين مقر باذل أو جاحد وله حجة لم يستقل الدائن بل يرجع إلى الحاكم، لان تعين الدين الكلى في الشخص لابد أن يكون بنظر المدين أو الحاكم مع امتناع المدين، ومع عدم الاقرار وعدم الحجة وعدم التمكن من الاثبات عند الحاكم له التقاص وفي الشرايع ولو كان المدين جاحدا وللغريم بينة تثبت حقه عند الحاكم والوصول بعد ممكن ففي جواز الاخذ تردد أشبهه الجواز واستدل عليه في الجواهر بقوله تعالى " من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " " والحرمات قصاص " " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ". وبالنسبة " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " (1) بناء على إرادة ما يشمل ذلك من العقوبة وما يشمله الجحود من اللي وقوله صلى الله عليه وآله " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (2) إن لم نقل ذلك إذن منه صلى الله عليه وآله وخبر جميل بن دراج " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يكون له على الرجل دين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال نعم " (3).


(1) الوسائل: أبواب الدين والقرض، ب 8، ح 4. (2) سيأتي البحث عنه. (3) الوسائل كتاب التجارة أ بواب ما يكتسب به، ب 83، ح 1.

[ 70 ]

وصحيحتي داود بن زربي قال في إحديهما: (قلت لابي الحسن موسى عليه السلام إني اخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها والدابة الفارهة يبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ فقال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه " وقال في الاخرى " قلت لابي الحسن عليه السلام إني اعامل قوما فربما أرسلوا إلي فأخذوا مني الجارية والدابة فذهبوا بهما ثم يدور لهم المال عندي فأخذ منه بقدر ما أخذوا مني؟ فقال: خذمنه بقدر ما أخذوا منك ولا تزد عليه " (1) إن لم يكن ذلك إذنا له منه عليه السلام. ومثله خبر علي بن مهزيار (2) وصحيح أبي بكر " قلت له: رجل لي عليه دراهم وجحدني وحلف عليها، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: نعم ولكن لهذا كلام، قلت: وما هو؟ قال: تقول: اللهم إني لا آخذه ظلما ولا خيانة وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزد عليه شيئا " (3). وفي خبر آخر " اللهم إنما آخذ هذا مكان مالي الذي أخذه مني " (4) وفي آخر " اللهم إني لم آخذ ما أخذت منه خيانة ولا ظلما، لكن أخذته مكان مالي " (5) إلى غير ما ذكر. وقد حمل الحلف في خبر أبي بكر المذكور على الحلف من دون استحلاف أو عند غير الحاكم، وذلك لان الحلف مع الاستحلاف عند الحاكم بنحو المعهود يوجب ذهاب الحق، كما في الاخبار السابقة، وما في هذه الاخبار من قوله عليه السلام على المحكي تقول اللهم - الخ، محمول على الاستحباب لخلو ساير الاخبار، والتقييد بنحو الوجوب بعيد لان حمل المطلق في المورد الشخصي على نحو القانون غير الآبي


(1) الفقيه في الدين والقرض تحت رقم 25. (2) الوسائل أبواب ما يكتسب به، ب 83، ح 8. (3) الوسائل أبواب ما يكتسب به، ب 8، ح 4. (4) و (5) راجع الكافي والتهذيب ج 2 ص 83، ص 105 والاستبصار ج 3 ص 52 والمستدرك للوسائل ج 2 وص 457.

[ 71 ]

عن التقييد بعيد جدا. لكن تقع الشبهه من جهة احتمال أن يكون ما قال عليه السلام - على المحكي - في هذه الاخبار إذنا للشخص، فغير السائل يحتاج إلى الاذن، وهذا غير بعيد، لكن لا مجال لحمل خبر جميل المذكور على ذلك، وإن كان إذنا فهو إذن لجميع المكلفين، بل ظاهر ساير الاخبار الجواز المطلق، حيث إن السائل يسأل عن أصل الجواز لا الاذن ويكفي احتمال أن يكون نظر السائل إلى ذلك، فإنه مع احتمال أن يكون نظره إلي ذلك لا بد أن يكون الجواب مطابقا مع السؤال. وأما الاخذ باطلاق من اعتدى عليكم فاعتدوا - الخ - وأمثاله فمشكل، حيث إن لازمه جواز التقاص مع عدم الجحود ومع كونه باذلا ولا يلتزم به. وأما سماع الدعوى المجهولة كشئ أو ثوب أو فرس ففيه تردد واختلاف، فالمحكي عن جماعة المنع، لعدم الفائدة لو أجاب المنكر بنعم، حيث لا مجال لحكم الحاكم مع الجهل، والمحكي عن جماعة الجواز، لا طلاق الادلة الدالة على وجوب الحكم من الكتاب والسنة، فإن تم الاطلاق فهو وإن بني على عدم الاطلاق وأن ما رود في الكتاب والنسة في مقام أصل المشروعية فالاشكال من هذه الجهة لا من جهة عدم الفائدة، ألا ترى أن الاقرار بالمجهول جائز ويجبر المقر على البيان والتفسير. (مسائل، الاولى: من إنفرد بالدعوى لما لا يد عليه قضي له به، ومن هذا أن يكون بين جماعة كيس فيدعيه أحدهم. الثانية: لو إنكسر سفينة في البحر فما أخرجه البحر فهو لا هله وما اخرج بالغوص فهو لمخرجه وفي الرواية ضعف). المعروف أنه قضي للمدعي بلا بينة ولا يمين بل ادعي عدم الخلاف فيه، واستدل أيضا بأصالة صحة قول المسلم، وروي منصور بن حازم في الصحيح " قلت للصادق عليه السلام عشرة كانوا جلوسا ووسطهم كيس فيه ألف درهم، فسال بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس فقالو كلهم: لا، وقال واحد منهم: هو لي، قال عليه السلام: هو للذي ادعاه " (1).


(1) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 17، ح 1.

[ 72 ]

ويمكن أن يقال: القضاء على نحوين أحدهما نحو القضاء لذي اليد، حيث إنه يقتضى له بالملكية ويشترى منه لكن لوادعى غيره يمسع دعواه ويحتاج إلى القضاء بالبينة واليمين، والنحو الآخر القضاء بحيث لا يسمع بعده الدعوى، كما لو حلف المنكر وحكم القاضي ثم أراد المدعي إقامة البينة على مدعاه، فإنه لا يسمع منه، ولم يظهر من الصحيح المذكور أن القضاء بالملكية بالنحو الاول أو الثاني، فلا مانع من سماع دعوى من يدعي الملكية، والحكم بالبينة أو اليمين. وأما أصالة الصحه في القول فلم يظهر وجهها، وقد يستشكل في دلالة الصحيحة أو الموثقة لمنصور بن حازم المذكورة بإمكان أن يكون الحكم فيها من حيث حصول العلم بأن الكيس لذلك الذي ادعاه، فان الظاهر أنه لم يكن خارجا عنهم، ومع نفي غيره ينحصر فيه، مع أن في موردها كان الكيس في يده الجماعة وإذا نفى الجميع كونه لهم تبقى يد ذلك، ومقتضاها كونه له، فيخرج عن موضوع المسالة. ويمكن أن يقال: أما حصول العلم في مورد السؤال فمشكل، ولو اتفق العلم في بعض الموارد لا يجاب بنحو الاطلاق: هو للذي ادعاه، كيف ومع حصول العلم لا حاجه إلي السؤال، إلا أن يكون السائل غافلا فالجواب من باب التنبيه، وهو بعيد. وما ذكر من أن الكيس في يده الجماعة إن كان النظر فيه إلى أن اليد على الجزء المشاع فإن كانت الجماعة عشرة مثلا فيد كل واحد منهم على العشر المشاع فيد المدعي على العشر، ولا يدله بالنسبة إلى الاعشار التسعة، ولم يقر الجماعة بأن الكيس للمدعي، فلا بد أن يكون الحكم من جهة الدعوى بلا معارض وإن كان النظر إلى كون الكيس تحت يد كل واحد من الجماعة فهذا مبني على تحقق الاستيلاء التام لكل واحد منهم، ومع تصوره غير محقق في مورد السؤال ومقتضى ترك الاستفصال عدم المدخلية. وأما المسالة الثانية فما فيها من التفرقة بين ما أخرجه البحر وبين ما خرج بالغوص مأخوذ من خبر الشعيري " سألت الصادق عليه السلام عن سفينة انكسر في البحر

[ 73 ]

فاخرج بعضه بالغوص، وأخرج البحر بعض ما غرق منها، فقال عليه السلام: أما ما أخرجه البحر فهو لاهله، الله تعالى أخرجه لهم، وأما ما اخرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به " (1). وهذه الرواية مع ضعف السند قد عمل بها مع مخالفتها للاصول، وقد حمل في كلام بعض على صورة اليأس والاعراض، ويمكن أن يقال بعد عدم الاشكال من جهة السند لا مانع من العمل به بحكم الشرع، نظير ما قالوا في حلية الخراج وإن لم يعمل بها من جهة ما ورد في التشهديد في حرمة مال المسلم وأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فالتوجيه بالحمل على صورة اليأس والاعراض بعيد. نعم قبل الخروج من البحر واليأس عن الخروج يعد تالفا وبعد الخروج بمنزلة إعادة المعدوم، ولا أثر في الرواية من الاعراض بل الغالب بقاء العقة وتحقق المسرة بوجدان المال التالف. (الثالثة: روي في رجل دفع إلى رجل دراهم بضاعة يخلطها بماله ويتجربها فقال ذهبت، وكان لغيره معه مال كثير فأخذوا أموالهم، قال: يرجع عليه بماله، ويرجع هو على اولئك بما أخذوا ويمكن حمل ذلك على من خلط المال ولم يأذن له صاحبه وأذن الباقون). الرواية المذكورة رواه الشيخ - قدس سره - في التهذيب بوسائط عن أبي عبيده (قال: قلت لابي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام رجل دفع إلى رجل ألف درهم يخلطها بماله ويتجربها، قال: فما طلبها منه قال: ذهب المال، وكان لغيره معه مثلها ومال كثير لغير واحد، فقال: كيف صنع اولئك؟ قال: أخذوا أموالهم، فقال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام يرجع عليه ويرجع هو على أولئك بما أخذوا " (2). ولما كانت الرواية مع ضعف سندها مخالفة للاصول، لان الدفع فيها إن كان على وجه الامانة فمقتضاها عدم الضمان إلا بتعد أو تفريط، ولمن يذكر في الرواية


(1) الوسائل أبواب اللقطة، ب 7 11 ح 1. (2) المصدر ج 2 ص 87.

[ 74 ]

وعلى تقدير الضمان لم يظهر وجه رجوع الغارم بما غرمه إلى أولئك الذين لهم المال. قيل: ويمكن حمل ذلك أي رجوع الدافع على العامل بماله، ورجوع العامل على أولئك بما أخذوا على عامل خلط المال المدفوع إليه بأموال أولئك والحال أنه لم يأذن صاحبه فيه واذن له الباقون، وهذا الحمل محكي عن إبن ادريس - قدس سره - ولا يفخى بعده، مع عدم ذكر لهذه القيود المذكورة، والفقهاء - رضوان الله تعالى علهيم - لم يعملوا بمضمون الرواية، وإن كان الظاهر عدم المناقشة من جهة السند. (الرابعة: لو وضع المستأجر الاجرة على يد أمين فتلفت كان المتسأجر ضامنا، إلا أن يكون الاجير دعاه إلى ذلك فحقه حيث وضعه، الخامسة: يقضى على الغائب مع قيام البينة، وبياع ماله ويقضى دينه، ويكون الغائب على حجته، ولا يدفع إليه المال إلا بكفلاء). ما ذكر في هذ المسألة يصح بحسب القاعدة، وحيث إن الاجير ملك الاجرة بنفس العقد، فإذا عين أحدا لقبضها كانا القابض وكيلا أو مأذونا من قبله، فقبضه بمنزلة قبض الاجير، بخلاف صورة عدم التعيين، فتكون الاجره باقية على ضمان المتسأجر، ويدل عليه الحسن بل الصحيح المروي في التهذيب " عن رجل إستأجر أجيرا فلم يأمن أحدهما صاحبه، فوضع الاجر على يد رجل، فهلك ذلك الرجل ولم يدع وفاء، واستهلك الاجر، فقال: المستأجر ضامن لاجر الاجير حتى يقضي إلا أن يكون الاجير دعاه إلى ذلك فرضي به، فإن فعل فحقه حيث وضعه رضي به " (1). ويمكن أن يقال الاجرة تارة تكون كلية في الذمة واخرى عينا شخصية وثالثة منفعة، ففي الصورة الاولى ما تعينت بدون قبض الاجير أو من هو بمنزلته من وكيل أو ولى أو مأذون، فنفس الاجرة باقية في الذمة، وحينئذ فالتعبير بالضمان مسامحة، لان التدارك بالمثل أو القيمة فرع ارتباط المضمون بالاجير، ولا ارتباط


(1) الوسائل: كتاب الاجارة، ب 6، ح 1.

[ 75 ]

هنا، وإن كانت عينا شخصية فهي مضمونة إن لم نقل بكون التلف موجبا للبطلان، كما قيل في تلف العين المستأجرة نظير تلف المبيع قبل القبض، وإن كانت منفعة معينة فلا يبعد حصول الانفساخ، كما لو تلف العين المستأجرة قبل إستيفاء المنفعة، ومع عدم الانفساخ يرجع إلى القيمة. وأما القضاء على الغائب مع قيام البينة فالمشهور جوازه إذا لم يكن في البلد بأن كان مسافرا أو من أهل بلد آخر قريبا كان أو بعيدا، ويدل عليه مرسل جميل " الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة، ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجته إذا قدم، ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء " (1). وخبر محمد بن مسلم مثله وزاد " إذا لم يكن مليا ". والخبر عن أبي موسى الاشعري " كان النبي صلى الله عليه وآله إذا حضر عنده خصمان فتواعدا الموعد فوفى أحدهما ولم يف الآخر قضى للذي وفي على الذي لم يف، أي مع البينة " (2). واستدل أيضا بقوله صلى الله عليه وآله على المحكي لهند زوجة أبي سفيان بعد ما ادعت أن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيها ما يكفيها وولدها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (3). وأورد عليه بأنه ليس من باب الحكم بل بيان الفتوى، مع أن كون أبي سفيان غائبا عن البلد غير معلوم. ويمكن أن يقال: الظاهر أن التقييد بكون من يقضى عليه غائبا عن البلد أو في بلد آخر من جهة التعبير بقوله على المحكي (يباع ماله ويقضى عنه دينه)


(1) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 26، ح 1. (2) رواه الهيثمى في مجمع الزوائد ج 4 ص 198 بلفظ آخر. (3) رواه البخاري ومسلم عن عائشة.

[ 76 ]

حيث إن بيع المال وقضاء الدين لا يناسب مع عدم الغيبة عن البلد إلا من جهة المحجورية لجنون أو سفه أو حجر، فإن كان هذه الجهة مانعة عن الاطلاق في الغائب وإلا فلا مانع من الاطلاق، حيث إن الغائب عن مجلس القضاء ولو لم يكن غائبا عن البلد يصدق عليه الغائب. وبعبارة اخرى القدر المتيقن صورة الغيبة عن البلد، بل لعل الغيبة المجوزة لبيع المال وقضاء الدين ليست الغيبة بهذه المقدار كما لا يخفى، فإن بني على أن القدر المتيقن في التخاطب مانع من الاطلاق، وإن منع يؤخذ بالاطلاق بالنسبة إلى القضاء على الغائب، وإن كان بيع المال وقضاء الدين مخصوصين ببعض صور الغبية زائدا، وعلى المعروف واما ما ذكر من حمل قول رسول الله صلى الله عليه وآله على الفتوى لا الحكم فيمكن أن يقال فيه: إن كلام هند يمكن أن يكون من باب الاستفتاء، ويمكن أن يكون من باب الشكاية كشكاية أحد المخاصمين، فمع احتمال كونه من باب الشكاية الكلام المناسب لها القضاء، ولعل منشأ عدم مطالبة البينة حصول العلم من قولها له صلى الله عليه وآله فالمناسب للاحتمالين القضاء، حيث إنه مع القضاء يعلم الفتوى أيضا. ومقتضى الخبرين المرسل وخبر محمد بن مسلم المذكورين كون الغائب على حجته، فإن قام حجة على أداء الدين أو على الملكية للعين أو جرح الشهود يرجع ما أخذ من ماله إليه، ومقتضى المرسل المذكور لزوم كفالة الكفلاء لا الواحد ولا الاثنين، والاكتفاء بكفالة واحد مشكل وإن كان المشهور الاكتفاء به ومقتضى إطلاقهما عدم الحاجه إلى اليمين وإن اشتهر الحاجة، كما في الدعوى على الميت. (الثاني في الاختلاف في الدعوى، وفيه مسائل، الاولى: لو كان في يد رجل وامرأة جارية فادعى انها مملوكته وادعت المرأة حريتها وانها بنتها، فإن اقام احدهما بينة قضي له، وإلا تركت الجارية تذهب حيث شاءت، الثانية: لو تنازعا عينا في يدهما قضي لهما بالسوية، ولكل منهما إخلاف صاحبه، ولو كانت في يد احدهما قضي بها للمتشبث وللخارج إحلافه، ولو كانت في يد ثالث وصدق أحدهما

[ 77 ]

قضي له وللآخر إحلافه، ولو صدقهما قضي لهما بالسوية ولكل منهما إحلاف الآخر، وان كذبهما اقرت في يده) أما الحكم في المسألة الاولى بالنحو المذكور فيدل على خبر حمران بن أعين (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن جارية لم تدرك بنت سبع سنين مع رجل وامرأة ادعى الرجل انها مملوكة له، وادعت المرأة انها ابنتها، فقال عليه السلام: قد قضى في هذا علي عليه السلام، قلت: وما ذلك؟ قال: كان يقول: الناس كلهم احرار الا من اقر على نفسه بالرق وهو مدرك، ومن اقام بينة على من ادعى من عبد أو أمة فإنه يدفع إليه ويكون رقا، قلت: فما ترى أنت؟ قال: أرى أن يسئل الذي ادعى أنها مملوكة له بينة على ما ادعاه، فان أحضر شهودا يشهدون أنها مملوكة لا يعلمون أنه باع ولا وهب دفعت الجارية إليه حتى تقيم المرأة من يشهد لها أن الجارية ابنتها حرة مثلها، فلتدفع إليها و تخرج من يد الرجل، قلت: فإن لم يقم الرجل شهودا أنها مملوكة له؟ قال: تخرج من يده، فان اقامت المرأة البينة على أنها ابنتها دفعت إليها وإن لم يقم الرجل البينة على ما ادعى ولم تقم المرأة البينة على ما ادعت خلي سبيل الجارية، تذهب حيث شاءت) (1) ويمكن أن يقال: مقتضى الرواية المذكورة أن الجارية المذكورة إذا اقام الرجل المدعي ملكيتها له الشهود محكومة بالرقية له ما دام لم تقم المرأة من يشهد لها أن الجارية ابنتها حرة مثلها، ومع التعارض تقدم بينة المراة الموافقة لاصالة الحرية المستفادة من هذا الخبر ومن صحيح عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: الناس كلهم احرار إلا من اقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة، ومن شهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا (2)). وأيضا المستفاد من رواية حمران المذكورة في الكافي بسند حسن كالصحيح بابن


(1) الوسائل: كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 12، ح 9. (2) الوسائل: كتاب العتق، ب 29، ح 1.

[ 78 ]

محبوب المجمع على تصحيح ما يصح عنه، وفي التهذيب بغير هذا السند عدم ثبوت نسب الصغير باقرار الام حيث اشتراط في إلحاق الجارية بها إقامتها البينة على أنها ابنتها. وفي كتاب الاقرار ذهب جماعة إلى ثبوته بالاقرار، بمقتضى بعض الاخبار. وما في المتن من التعبير بقوله - قدس سره - لو كان في يد رجل وامرأة جارية لعل الاولى فيه التعبير بمع، حيث إن الجارية إن كانت حرة ليست تحت يد الغير. وأما المسألة الثانية وهي ما لو تداعيا في عين تكون بيدهما ولا بينة قضي بها بينهما نصفين بلا خلاف معروف، مضافا إلى المرسل (ان رجلين تنازعا في دابة ليس لاحدهما بينة، فجعلها النبي صلى الله عليه وآله بينهما (1)). ويقع الكلام في إحتياج ذلك إلى اليمين من كل منهما وعدم الاحتياج، والمحكي عن جماعة عدم الحاجة، وهو الظاهر من المرسل المذكور، وقيل كما عن الاكثر يحلف كل منهما لصاحبه، لقاعدة (البينه على المدعي واليمين على من ادعي عليه) حيث إن كلا منهما له يد على النصف، فهو بالنسبة إلى النصف الآخر مدع، وبالنسبة إلى ما في يده منكر ومدعى عليه، ولفحوى ما تسمعه من النصوص المشتملة على تحليفهما مع البينة، فمع عدمها بطريق أولى. ونوقش بعدم اندراجهما في القاعدة المزبورة إذ الفرض ان يد كل منهما على العين لا نصفها، ضرورة عدم تعقل كونها على النصف المشاع الا بكونها على العين أجمع في كل منهما، وحينئذ فلا مدعي ولا مدعى عليه منهما، ضرورة تساويهما في ذلك، الا ان الشارع قد جعل القضاء في ذلك بأن العين بينهما، كما سمعته من النبوي المرسل، فالنصف هو القضاء بينهما في الدعوى المزبورة التي كان مقتضى يد كل منهما الكل، ومنه يظهر لك عدم كون كل منهما مدعيا لنصف الآخر ومدعى عليه في نصفه كي يتوجه التحالف بل المتجه إلغاء حكم يد كل منهما بالنسبة إلى


(1) رواه البغوي في المصابيح عن أبى هريرة ورواه ابن ماجة وأبو داود أيضا كلهم من حديث أبى هريرة.

[ 79 ]

تحقق كونه مدعى عليه، ويكون كما لو تداعيا عينا لا يد لا حدهما عليها ولا بينة لكل منهما، فإن القضاء حينئذ بالحكم بكونها بينهما، لكون الدعوى كاليد في السبب المزبور المحمول على التنصيف بعد تعذر اعماله في الجميع للمعارض الذي هو استحالة اجتماع السببين على مسبب واحد، إذ لا وجه لاستحقاق كل منهما اليمين على الآخر، ضرورة عدم كونه مدعى عليه بعدم يدله على العين يراد دفعها عنه، فقول كل منهما هي لي دعوى بلا مدعى عليه فلا يمين فيها. أو يقال في الفرض باعتبار ثبوت اليد لكل منهما على العين: مدعى عليه لو كان مدع خارج عنهما والا فلا يتصور كونه منهما بعد ان كان مع كل منهما عنوان المدعى عليه، لمعلومية التباين بين المدعي والمدعى عليه، ومن هنا كان التحالف إذا كان كل منهما مدعيا منكرا بمعنى انه مدع لشئ ومنكر لآخر، كما هو ظاهر في النظر إلى افراز ذلك لا في مثل المقام الذي دعوى كل منهما الكل، والفرض إن اليد لكل منهما فلا يكون مدعيا فيما هو مدعى عليه فيه اللهم الا ان يكون اليمين لترجيح احد السببين كالترجيح بها لاحدى البينتين وان ترتب عليه كون العين للحالف منهما بخلاف ما لو حلفا معا أو لم يحلفا كذلك وليس هو يمين انكار أو يمين رد حتى يأتي فيه البحث الذي تسمعه من الاكتفاء بيمين واحدة كجامعة بين الاثبات والنفي أو يمينين، أو يقال: ان لكل منهما احلاف صاحبه، بمعنى ان التحالف امر راجع اليهما لا يجبر الحاكم عليه ولا يتوقف عليه القضاء بالنصف، بل كل منهما ميزان للقضاء. ويمكن أن يقال: اما ما ذكر من عدم اندراج المدعيين للعين في القاعدة المزبورة إذ الفرض أن يد كل منهما - الخ - لازمه أن القضاء بالنصف لكل منهما من جهة الدعوى بلا معارض، لا من جهة اليد، ولازم هذا أنه لو ادعى ثالث خارج اليد يكون الثلاثة محكومين بحكم واحد، ولا شبهة في أن الثالث ليس حاله حالهما. وأيضا نجد الفرق بينهما وبين الثالث حيث انهما لو أرادا بيع العين المذكورة

[ 80 ]

يشترى منهما بلا مطالبة البينة على الملكية، بخلاف الثالث الخارج اليد حيث انه لو أراد البيع لا يشترى منه بلا حجة على الملكية، وبناء العقلاء على دفع الثمن اليهما لا إلى واحد منهما. وما يترائى من المعارضة حيث ان يد كل منهما على كل العين، حيث يلزم أن يكون العين كلها لكل منهما، يمكن دفعه بكون المقام نظير ملكية الورثة للخيار الموروث، حيث انه لا يمكن أن يكون الواحد البسيط ملكا لهم بنحو استقلال كل في الملكية، فلابد اما من التفرقة بحسب متعلق الخيار واما من كون الخيار للمجموع، بمعنى حصول اللزوم بالزام الكل وحصول الفسخ بفسخ الكل. وفي المقام يفرق لما ذكر من بناء العقلاء ومعاملتهم معهما معاملة الشريكين في العين الواحدة فعلى هذا فدعوى كل منهما هي لي تكون دعوى مع المدعى عليه، فرفع الخصومة باليمين حيث لا بينة في البين. وأما ما ذكر من اعتبار ثبوت اليد لكل منهما على العين حتى يكون مدعى عليه لو كان مدع خارج عنهما والا فلا يتصور - الخ - فيتوجه عليه كون اليد امارة للملكية بالنسبة إلى الخارج لا بالنسبة إلى صاحبه، فبالنسبة إلى الخارج يكون مدعى عليه لا بالنسبة إلى صاحبه، وهذا غير معهود، بل كما ذكر العقلاء يعاملون معهما معاملة الشريكين، وإذا اشتروا منهما العين يرفعون الثمن اليهما لا إلى واحد منهما، ولا ينتظرون شيئا، فان اعتبر الشركة شرعا وعرفا فادعاء كل منهما زائدا مما خرج لابد فيه من اثباته بالبينة واليمين. وما ذكر من ان اليمين للترجيح لم يظهر وجهه، فإن الترجيح بها في المقام يحتاج إلى الدليل. ولو كانت في يد أحد الرجلين يقضى بالملكية لمن تشبث وللآخر إحلافه، لان المتشبث مدعى عليه من جهة اليد والآخر مدع، فمع عدم البينة له إحلافه. ولو كانت العين في يد ثالث فإن أقر بالعين لهما فالعين بينهما ولكل إحلاف الآخر، وإن أقر لاحدهما قضي للمقر له وللآخر إحلافه، وإن كذبهما يقر في - 5 -

[ 81 ]

يد الثالث، ووجه كون المقر له مدعى عليه بأنه صار بالاقرار له كذي اليد في قيام الشاهد فعلا على ملكه ويكون الثاني بالنسبة إليه مدعيا ونوقش بعدم اقتضاء ذلك صدق كونه مدعى عليه عرفا في تلك الدعوى المتعلقة أولا بمن في يده المال، نعم له استيناف دعوى جديدة نحو استينافها لو انتزعها منه بيمين مردودة مثلا أو بشاهد ويمين وتدفع بتبعية الدعوى بها لها في يد من كانت واجيب بأن المدعى عليه في المقام صار مدعى عليه بعد تصديق من بيده ويختلج بالبال شبهة اخرى، وهي أن الثالث المقر بأن العين لاحدهما على حسب إقراره لا يملك العين، فإقرار غير المالك كيف يجعل المقر له مدعى عليه، وأي حجة له حتى يجعله مدعى عليه، وما الفرق بين إقرار من في يده وإقرار غير من في يده، وحيث إنه من المعلوم أن إقرار غير من في يده العين لا يجعل القمر له ذا حجة و مدعى عليه، ولا يقاس المقام بما لو كان الدعوى بين من في يده المال وغيره حيث إنه مع إقراره يقضى للمقر له بلا إشكال، لان العين بحسب الظاهر ليس خارجا عنهما فمع إقرار من بيده تكون العين راجعة إلى المقر له، فتأمل. ومع تكذيب من بيده لهما اقرت العين بيده، بمعنى أنه لا تؤخذ منه بلا حجة، ولكل منهما إحلافه، لانهما مدعيان وهو المنكر. (الثالثة: إذا تداعيا خصا قضي لمن إليه معاقد القمط، وهي رواية عمربن شمرعن جابر وفي عمر وضعف، وعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام ان أمير المؤمنين صلوات الله عليه قضى بذلك وهي قضية في واقعة. الرابعة: إذا ادعى أب الميتة عارية بعض متاعها كلف البينة وكان كغيره من الانساب، وفيه رواية بالفرق ضعيفة) إذا تداعيا خصا - بالضم والتشديد - قيل: هو البيت الذي يعمل من القصب وفي الفقيه انه الحائط من القصب بين الدارين، قضي لمن إليه معاقد القمط - بالكسر - وهو الحبل الذي يشد به الخص - بالضم - جمع قماط، وهي شداد الخص من ليف وخوص وغيرهما.

[ 82 ]

والدليل عليه رواية عمرو بن شمر عن جابر المروية في الفقيه عن أبي جعفر عليهما السلام عن جده عن علي عليه السلام (أنه قضى في رجلين اختصما في خص، فقال: إن الخص للذي إليه القمط) وفي عمرو وإن كان ضعف لكنه مجبور بالشهرة والصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام عن خص بين الدارين كما في التهذيب، وبدل الحظيرة في الكافي والفقيه، فزعم كما في الكتابين الاولين فذكر بدله في الكتاب الاخير أن عليا قضى بذلك لصاحب الدار الذي من قبله وجه القماط وهي وإن كانت قضية في واقعة فلعله عليه السلام عرفها وأجرى الحكم فلا يتعدى إلى غيرها، لكن في مقام الجواب عن سؤال السائل نقل الامام عليه السلام قضاء أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام فلابد أن تكون الخصوصيات ملغاة، فلا مجال للاشكال إلا أن الحكم لما كان مخالفا للاصول لا بد من الاقتصار فيه على مورد النص. واما ما ذكر في المسألة الرابعة من تكليف البينة إذا ادعى أب الميتة عارية بعض متاع المرأة فهو المطابق للاصول، كمن ادعى شيئا يكون في يد الاجنبي من عدم قبول قوله بدون البينة، فمقتضى عموم (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) عدم القبول، والرواية المروية في الكتب الثلاثة الصحيحة في الفقيه عن جعفر بن عيسى وهو حسن، قال: كتبت إلى أبي الحسن يعنى على بن محمد عليهما السلام جعلت فداك المرأة تموت فيدعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من المتاع والخدم أتقبل دعواه بلا بينة أم لا تقبل دعواه إلا ببينة؟ فكتب عليه السلام يجوز بلا بينة قال وكتبت إليه: جعلت فداك إن إدعى زوج المرأة الميتة أو أبو زوجها أو أم زوجها في متاعها أو خدمها مثل الذي إدعى أبوها من عارية بعض المتاع أو الخدم أيكون بمنزلة الاب في الدعوى؟ فكتب: لا. (1) وضعفت الرواية بالشذوذ لعدم القائل بها، اطباق الفتاوى على خلافها، إلا ظاهر الصدوق حيث رواها في الفقيه مع ضمانه فيه حيث ذكر أن لا يروي فيه إلا ما


(1) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 23، ح 1.

[ 83 ]

يفتي به ويحكم بصحته، وإن قيل بعدوله عما وعد به. ويمكن أن يقال: لا إشكال في أن اليد أمارة الملكية، وسماع الدعوى على خلافها بلا بينة غير مقبول، لكن قد يقع الشك في أماريتها، ألا ترى أن يد من يكون شغله الوساطة في السوق وأخذ الثمن من المشتري وإيصاله إلى البايع إذا مات وفي منزله أموال لا يدرى هي من الاموال التي لا بد من إيصالها إلى صاحبها أو من أموال نفسه يشكل أن يكون بناء العقلاء على معاملة الملكية لنفسه، فإن كان في عصر يكون البناء على إعارة الاب للبنت اموالا وخدما كيف يحكم بالملكية لها، وربما يكون نظر الاب إلى عدم انتقال المال إلى الزوج بموت البنت، نعم هذه الجهة لا توجب سماع دعوى الاب، بل غاية الامر توجب عدم أمارية اليد للملكية فيكون المال مرددا بين مالكين. (الخامسة، إذا تداعى الزوجان متاع البيت فله ما للرجال ولها ما للنساء، وما يصلح لهما يقسم بينهما، وفي رواية هو للمرأة وعلى الرجل البينة، وفي المبسوط إذا لم تكن بينة ويدهما عليه كان بينهما). وفي المسألة أقوال، أحدها أن ما يصلح للرجل للرجل، وما يصلح للنساء للمرأة، وما يصلح لهما يقسم بينهما بعد التحالف، أو النكول، وهو المحكي عن جماعة، ويدل عليه صحيحة رفاعة (إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتهما متاع فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرجل والنساء قسم بينهما، قال: وإذا طلق الرجل المرأة فادعت أن المتاع لها وادعى الرجل أن المتاع له كان له ما للرجال ولهاما للنساء) (1). وموثقة يونس (في المرأة تموت قبل الرجل، أو الرجل قبل المرأة، قال: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له) (2).


(1) الاستبصار ج 3، ص 46 والتهذيب ج 2 ص 89. (2) الوسائل ابواب ميراث الازواج، ب 8، ح 3.

[ 84 ]

وموثقة سماعة (عن رجل يموت، ماله من متاع البيت؟ قال: السيف والسلاح وثيات جلده) (1). الثاني أن الجميع للمرأة إلا ما أقام الرجل عليه البينة، واستدل عليه بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج البجلي قال: (سألني أبو عبد الله عليه السلام كيف قضى إبن أبي ليلى؟ قلت قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه، في التي يتوفى عنها زوجها فيجئ أهله وأهلها في متاع البيت فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي ما كان من متاع الرجل فللرجل، وما كان من متاع النساء فللمرأة، وما كان من متاع يكون للرجل والمرأة قسمه بينهما نصفين، ثم ترك هذا القول فقال: المرأة بمنزلة الضيف في منزل الرجل ولو أن رجلا أضاف رجلا فادعى متاع بيته كلف البينة، كذلك المرأة تكلف البينة، وإلا فالمتاع للرجل، ورجع إلى قول آخر فقال: القضاء أن المتاع للمرأة إلا أن يقيم الرجل البينة على ما أحدث في بيته، ثم ترك هذا القول ورجع إلى قوله إبراهيم الاول، فقال أبو عبد الله عليه السلام القضاء الاخير وإن كان قد رجع عنه، المتاع متاع المرأة إلا أن يقيم الرجل البينة قد علم من بين لابتيها يعنى بين جبلي منى لانه قال: ونحن يومئذ بمنى أن المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع) (2). وصحيحه اخرى له عنه عليه السلام (هل يقضي ابن أبي ليلى بالقضاء ثم يرجع عنه فقلت له: بلغني أنه قضى في متاع الرجل والمرأة إذا مات أحدهما فادعى ورثة الحي وورثة الميت أو طلقها الرجل فادعاه الرجل وادعته المرأة بأربع قضيات، - فعدها إلى أن قال في الرابعة - ثم قضى بعد ذلك بقضاء لولا أني شاهدته لم أرده عليه ماتت امرأة منا ولها زوج وتركت متاعا فرفعته إليه، فقال: اكتبوا لي المتاع فلما قرأ قال للزوج: هذا يكون للرجل والمرأة فقد جعلناه للمرأة إلا الميزان فإنه متاع الرجل فهو لك - إلى أن قال - فقلت له: ما تقول أنت فيه؟ فقال: القول الذي أنت أخبرتني أنك شهدته وإن كان قد رجع عنه، فقلت: يكون المتاع


(1) التهذيب ج 2، ص 90 والاستبصار ج 3، 46. (2) التهذيب ج 2، ص 90.

[ 85 ]

للمرأة فقال: أرأيت إن أقامت بينة إلى كم كانت تحتاج؟ فقلت شاهدين، فقال: لو سألت من بينهما - يعنى الجبلين ونحن يومئذ بمكة - لاخبروك أن الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت وهذا المدعي، فإن زعم أنه أحدث شيئا فليأت عليه بالبينة) (1). وقريبة منها صحيحة ثالثة، وفيها أيضا استثناء الميزان في القضاء الرابع. الثالث أن ما يصلح للرجل له، وما يصلح لهما أو للنساء لهما، ومستنده الصحاح المذكورة للبجلي. الرابع الرجوع في ذلك إلى العرف والعادة في الاختصاص بأحدهما، فإن وجد عمل به، وان فقد أو اضطرب كان بينهما نصفين، لان عادة الشرع في باب الدعاوى بعد الاعتبار والنظر راجعة إلى ذلك، ولهذا حكم بقول المنكر مع اليمين بناء على الاصل وكون المتشبث أولى من الخارج لقضاء العادة بملكية ما في يد الانسان غالبا فحكم بايجاب البينة على من يدعي خلاف الظاهر. وأما مع إنتفاء العرف فلتصادم الدعويين مع عدم الترجيح لاحدهما فتساويا فيها، قيل ويؤيده استشهاد الامام عليه السلام بالعرف. الخامس أنهما فيه سواء مطلقا من غير فرق بين المختصات والمشتركات، فإن حلفا أو نكلا قسم بينهما، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهو للحالف. وقد يقوى القول الاول للاخبار المذكورة المعتضدة بالشهرة، والجواب عن معارضه الصحاح للبجلي باختصاصها بما إذا كانت العادة نقل الجهاز وأثاث البيت من بيت الزوجة، ولعل الحال كان كذلك في الزمان السابق. ويمكن أن يقال: إن ظاهر الاخبار المذكورة تعيين المنكر في قبال المدعي وليس النظر إلى القضاء الفاصل للخصومة، فهذا كأن يقال: إذا كان عين بيد أحد قضي له، ومعلوم أنه بمجرد هذه لا يفصل الخصومة لو ادعى آخر ملكيتها، بل لا بد


(1) الكافي ج 7، ص 130، والتهذيب ج 2، ص 90.

[ 86 ]

من البينة والحلف، فنقول: ما ذكر في رفع المعارضة بعد تقوية القول الاول مشكل فإن الصحيحه المذكورة أعني صحيحة رفاعة مروي عن الصادق عليه السلام فيكف لم يلاحظ فيها قضاء العرف والعادة من كون المتاع محمولا من بيت الزوجة مع وحدة العصر وكيف كان ابن أبي ليلى القاضي غافلا عن وضع العصر حتى جعل المرأة بمنزلة الضيف. والانصاف أن المعارضة باقية، ومجرد الشهرة في الفتوى لا يكون مرجحا للقول الاول، فلابد من الترجيح إن وجد من غير جهة شهرة الفتوى، أو التخيير ولولا الاخبار المذكورة لكان مقتضى القاعدة الشركة، لكون المتاع تحت يد الرجل والمرأة، من غير فرق بنى المتاع المختص والمشترك، ومجرد الاختصاص لا يخرج المتاع عن استيلاء الرجل والمرأة. (الثالث في تعارض البينات، يقضى مع التعارض للخارج إذا شهدتا بالملك المطلق على الاشبه. ولصاحب اليد لو انفردت بينته بالسبب، كالنتاج وقديم الملك، وكذا الابتياع، ولو تساويا في السبب فروايتان أشبههما القضاء للخارج، ولو كانت يداهما عليه قضي لكل منهما بما في يد الاخر، فيكون بينهما نصفين، ولو كان المدعى به في يد ثالث قضي بالاعدل فالاكثر، فان تساويا عدالة وكثرة أقرع بينهما فمن خرج اسمه احلف وقضي له، ولو امتنع احلف الآخر، ولو امتنعا قسم بينهما، وفي المبسوط يقرع بينهما إن شهدتا بالملك المطلق، ويقسم إن شهدتا بالملك المقيد والاول أشبه). إذا تعارضت البينات في شئ فإما أن يكون بيد أحد الطرفين، أو بيدهما أو بيد ثالث، أو لا يد عليه، ففيها أقوال مختلفة، ولا بد من ذكر الاخبار الواردة ثم ملاحظة ما يستفاد من مجموعها. فمنها صحيح أبي بصير (سألت الصادق عليه السلام عن رجل يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم ويقيم البينة، ويقيم الذي في يده البينة أنها ورثها من أبيه ولا يدرى كيف كان أمرها، فقال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه، وذكر أن عليا صلوات الله

[ 87 ]

عليه أتاه قوم يختصمون في بغلة، فقامت البينة لهؤلاء أنهم أنتجوها على مذودهم ولم يبيعوا ولم يهبوا، وأقام هؤلاء البينة أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعو لهم ولم يهبوا، فقضى عليه السلام بها لاكثرهم بينة واستحلفهم، قال: فسألته حينئذ فقلت: أرأيت إن كان الذي ادعى الدار قال: إن ابا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن ولم يقم الذي هو فيها بينة إلا أنه ورثها عن أبيه، قال: إذا كان أمرها هكذا فهي للذي ادعاها وأقام البينة) (1). ومنها خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام ان رجلين إختصما إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في دابة في ايديهما، وأقام كل منهما البينة أنها نتجت عنده، فأحلفهما علي صلوات الله عليه، فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف، فقيل: فلولم تكن في يد واحد منهما وأقاما البينة؟ قال: أحلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين، قيل فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعا بينة قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده) (2). ومنها خبر غياث عن أبي عبد الله عليه السلام، (إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه اختصم إليه رجلان في دابة وكلاهما أقاما البينة أنه أنتجها، فقضى بها للذي هي في يده، وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين) (3). ومنها خبر جابر (ان رجلين تداعيا دابة فأقام كل منهما بينة أنها دابته أنتجها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله للذي في يده) (4). ومنها خبر منصور (رجل في يده شاة، فجاء رجل فادعاها فأقام البينة أنها ولدت عنده ولم يهب ولم يبع، وجاء الذي في يده بالبينة مثلهم عدول أنها ولدت عنده ولم يهب ولم يبع، فقال عليه السلام: حقها للمدعي ولا أقبل من الذي في يده بينة، لان الله تعالى أمرأن يطلب البينة من المدعي فإن كانت له بينة وإلا فيمين الذي


(1) و (2) و (3) الوسائل: كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 12، ح 1 و 2 و 3. (4) رواه البغوي في المصابيح ج 3، ص 73.

[ 88 ]

هو في يده، هكذا أمر الله عزوجل (1)). ومنها المرسل عن أمير المؤمنين عليه السلام (في البينتين تختلفان في الشئ الواحد يدعيه الرجلان: أنه يقرع بينهما فيه إذا عدلت بينة كل واحد منهما وليس في أيديهما، وأما إذا كان في أيديهما فهو فيما بينهما نصفان، وإن كان في يد أحدهما فالبينة فيه على المدعي واليمين على المدعى عليه) (2). ومنها الرضوي عن الرضا صلوات الله عليه فإذا إدعى رجل على رجل عقارا أو حيوانا أو غيره وأقام بذلك بينة وأقام الذي في يده شاهدين، فإن الحكم فيه أن يخرج الشئ من يد مالكه إلى المدعي، لان البينة عليه) (3). ومنها خبر تعميم بن طرفة (ان رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل واحد منهما بينة فجعله أمير المؤمنين عليه السلام بينهما) وفي بعض النسخ (عرفا بعيرا (4)). ومنها خبر البصري (كان علي صلوات الله عليه إذا أتاه خصمان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سواء أقرع بينهم على أيهم تصير اليمين) (5). ومنها موثقة سماعة (أن رجلين اختصما إلى علي صلوات الله عليه في دابة، فزعم كل واحد منهما أنه نتجت على مذوده، وأقام كل واحد منهما بينة سواء في العدد، فأقرع بينهما سهمين، فعلم السهمين كل واحد منهما بعلامة، ثم قال أللهم رب السماوات السبع، ورب الارضين السبع، ورب العرش العظيم، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، أيهما كان صاحب الدابة وهو أولى بها فأسالك أن يقرع ويخرج سهمه، فخرج سهم أحدهما فقضى له بها (6)). ومنها خبر عبد الله بن سنان، قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رجلين اختصما في دابة إلى علي عليه السلام فزعم - إلى آخر ما في الموثقة بتفاوت يسير - ثم


(1) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 12، ح 14. (2) و (3) مستدرك الوسائل ج 3، ص 198. (4) الوسائل: كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 12، ح 4 (5) و (6) الوسائل كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 12، ح 5 و 12.

[ 89 ]

قال: وكان أيضا إذا اختصم إليه الخصمان في جارية فزعم أحدهما أنه اشتراها، و زعم الآخر أنه أنتجها فكان إذا أقاما البينة جميعا قضى بها للذي أنتجت عنده) (1). ومنها رواية داود بن سرحان وصحيحه الحلبي (في شاهدين شهدا على أمر واحد وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا واختلفوا، قال عليه السلام: يقرع بينهما، فايهما قرع فعليه اليمين) (2). ومنها الرضوي (فإن لم يكن الملك في يد أحد وادعى الخصمان فيه جميعا فكل من أقام عليه شاهدين فهو أحق به، فإن أقام كل منهما شاهدين فإن أحق المدعيين من عدل شاهداه، وإن استوى الشهود في العدالة فأكثرهم شهودا يحلف بالله ويدفع إليه الشئ، وكل مالا يتهيا فيه الاشهاد عليه فإن الحق فيه أن يستعمل فيه القرعة) ومنها رواية زرارة (رجل شهد له رجلان بأن له عند رجل خمسين درهما، وجاء آخران فشهدا له أن له عنده مأة درهم، وكلهم شهدوا في موقف، قال عليه السلام اقرع بينهم ثم استحلف الذين أصابتهم القرعة بالله إنهم يشهدون بالحق (3)). ومنها رواية داود العطار (في رجل كان له إمرأة، فجاء رجل بشهود شهدوا إن هذه المرأة إمرأة فلان، وجاء آخران فشهدا إنها إمرأة فلان، فاعتدل الشهود وعدلوا، قال عليه السلام: يقرع بين الشهود، فمن خرج إسمه فهو المحق، وهو أولى بها (4) ". ومنها خبر السكوني عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام ان عليا صلوات الله عليه قضى في رجلين ادعيا بغلة فأقام أحدهما شاهدين والآخر خمسة، فقال عليه السلام: لصاحب الخمسه خمسة أسهم، ولصاحب الشاهدين سهمان (5) ".


* (1) و (2) و (3). (4) و (5) الوسائل: كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 12، ح 15 و (6 و 11) و 7 و 8 و 10.

[ 90 ]

ومنها عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل ادعى على امرأة أنه تزوجها بولي و شهود وأنكرت المرأة ذلك، فأقامت أخت هذه المرأة على رجل آخر البينة أنه تزوجها بولي وشهود ولم يوقتا وقتا ان البينة بينة الزوج ولاتقبل بينة المرأة، لان الزوج قد استحق بضع هذه المرأة وتريد اختها فساد النكاح فلا تصدق ولا تقبل بينتها إلا بوقت قبل وقتها أو دخول بها (1) ". وقد يقال في المقام بعد الفراغ عن حجية البينة حتى مع التعارض، وعدم القول بالتساقط وسقوط البينة عن الحجية عند التعارض لما ورد في الاخبار المذكورة من القرعة وترجيح بينة خارج اليد وملاحظة الاكثرية وغيرها: إنه لا وجه لملاحظة كل خبر والعمل به في مورده عاما أو خصا، بل اللازم ملاحظة مجموع الاخبار والجمع بينها بتقييد إطلاق بعضها بالقيد الذي في بعضها الآخر من حيث ذكر الترجيح وعدمه، ومن حيث إعتبار الحلف وعدمه، ومن حيث الحاجة إلى القرعة وعدمها. ويمكن أن يقال الاخبار المذكورة بعضها لم يعمل المشهور به، مثل الترجيح لبينة ذي اليد، وبعض الاخبار المتعرضة لترجيح بينة ذي اليد على بينة خارج اليد غير معمول به، بل قيل بموافقتها للعامة، فالتمسك بها لسماع بينة المنكر في الدعاوي مشكل، هذا. مضافا إلى أنه يشكل الاخذ بكل ما ذكر في الاخبار المذكورة، فلاحظ موثقة سماعة المذكورة، حيث اكتفى بالقرعة من دون ذكر الاكثرية، والاعدلية، والاستحلاف، ولا مجال للقول بإطلاقها فلا مانع من التقييد، لان الحكم مستند إلى فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولم يذكر في فعله غير ما ذكر، لان الفعل لا إطلاق فيه. نعم يمكن الاخذ بالترجيحات على البدل إن تم الخبر من جهة السند، ثم نقول في


* (1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم، ب 12، ح 13.

[ 91 ]

صورة كون العين في يدهما وكل واحد يدعي الكل وأقام البينة ولا يمكن الجمع بين البينتين كأن قامت إحداهما على ملكيتها لاحد المتخاصمين أمس والبينة الاخرى على الملكية اليوم المشهور تقدم المتشبث لا تساقط البينتين، بل لان كلا من المتخاصمين في يده النصف والنصف الآخر في يده الآخر فمقتضى الخبر المعروف البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه أو على من أنكر أقامة كل من المتخاصمين على مدعاه من النصف الذي يكون في يد طرفه في الدعوى. ويدل على أيضا خبر المنصور المذكور، المرسل المذكور، لكن في قبالها خبر أبي بصير، وخبر إسحاق بن عمار، وأيضا في قبالها خبر البصري، وموثقة سماعة، والصحيح عن الرجل يأتي القوم ويدعي دارا في أيديهم ويقيم البينة، ويقيم الذي في يده الدار البينة أنه ورثها من أبيه لا يدرى كيف امرها، فقال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه، وذكر أن عليا صلوات الله عليه اتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت لهؤلاء بينة انهم انتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، وقامت لهؤلاء البينة بمثل ذلك، فقضى بها لاكثرهم بينة واستحلفهم (1). وتنظر في دلالة هذا الصحيح بأن الاستدلال به إن كان من جهة الذيل المتضمن لقضاء علي صلوات الله وسلامه عليه في البغلة فوجه النظر فيه واضح، لعدم التعرض فيه لكونها في يد احدهما كما هو فرضنا فيحتمل كونها في يد ثالث، وإن كان من جهة الصدر المصرح فيه بكون العين المتنازع فيها في يد احدهما فوجه النظر فيه أنه لا تعلق له بما نحن فيه من تعارض البينتين بالملك، لان بينة ذي اليد إنما هي على كون الدار في يده بالارث لاعلى كونهها في يده بالملك. ويمكن أن يقال لا بد من تعارض البينتين في الملك فإنه لولا التعارض في الملك لا مانع من الاخذ بالبينتين، بأن يكون ذو اليد ورث من أبيه وانتقل بعد الوارثة إلى الطرف، كما لو قامت البينة على ملكية الدار مثلا لزيد في النسة الماضية وبينة اخرى على ملكيتها في السنة التالية لها لعمرو.


* (1) الوسائل: كتاب القضاء، ابواب كيفية الحكم، ب 12، ح 1

[ 92 ]

وايضا نقل فعل امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إن كان للاستدلال كما هو الظاهر فلابد من مماثلة مورد السؤال لمورد قضائه عليه السلام، ومع عدم المماثلة كيف يستدل به؟ فالمستفاد من هذا الصحيح ظاهرا ملاحظة الاكثرية ولو كانت في طرف ذي اليد، فان تحقق عدم عمل المشهور بما يخالف مادل على ان البينة على المدعى ليس غير واليمين على المدعى عليه أو على من انكر ليس غير إلا في اليمين المردودة واليمين الاستظهارية كما لم يعملوا في موارد كثيرة بالاخبار الصحيحة و كان عدم عملهم لا من جهة الاخذ بأحد طرفي التخيير بل من جهه اخرى وإن كانت خفية علينا فلابد من تقديم بينة خارج اليد، وان كانت الاكثرية أو الاعدلية و نحوهما مع بينة ذي اليد. وعلى ما ذكر ظهر عدم الفرق بناء على عدم الاعتبار لبينه ذي اليد بين صورة ذكر السبب كالنتاج وقديم الملك، والابتياع، وبين صورة قيام البينة على الملك المطلق من دون ذكر السبب، مضافا إلى ان القيود المذكورة في السؤال لا يوجب مدخليتها في الحكم، غاية الامر منع الاطلاق إن قيل بأن وجود قدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع الاطلاق، وبعبارة اخرى إن قيل من مقدمات الاطلاق عدم وجود المتيقن في مقام التخاطب. وفي المتن ولو تساويا، أي البينتان في ذكر السبب، ففي القضاء للخارج أو الداخل روايتان اشبههما ما تضمن القضاء للخارج، وهو إختيار جماعة، وقد عرفت أن الظاهر عدم المدخلية لذكر السبب في إعتبار البينة القائمة لخارج اليد وتقديمها على بينة ذي اليد، ولعل ما مر من اعتبار بينة الداخل محمول على التقية لشهرته بين العامة فتوى ورواية، فإنهم رووا عن جابر بن عبد الله الانصاري " ان رجلين تداعيا دابة فأقام كل واحد منها البينة أنها دابته أنتجها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله للذي في يديه (1) " وعمل عليه اكثرهم. نعم قيل بموافقة خبر بينة الخارج لاحمد بن حنبل، لكن مجرد هذا مع شهرة


* (1) تقدم سابقا.

[ 93 ]

تقديم بينة الداخل بين العامة يوجب التوقف في الترجيح المذكور. وقد يقال بدلالة صحيحة حماد " بينما موسى بن عيسى في داره التي يشرف على المسعى إذا رأى أبا الحسن موسى عليه السلام مقبلا على بغلة، فأتاه رجل وتعلق باللجام وادعى البغلة، فثنى أبو الحسن عليه السلام رجله ونزل عنها، وقال لغلمانه خذوا سرجها وادفعوها إليه، فقال: والسرج أيضا لي، فقال: كذبت، عندنا البينة بأنه سرج محمد بن علي عليهما السلام (1) ". ويشكل حيث إن فعل الامام عليه السلام ليس مبنيا على الميزان المقرر في القضاء، حيث إن ذا اليد لا يرفع اليد عن ملكه بمجرد دعوى المدعي بلا بينة، بل من باب التفضل والاغماض عن الحق فبعد تجاوز الرجل قال عليه السلام: عندنا البينة وإلا لزم على ذي اليد إقامة البينة فالبينة حجة لكنها إذا كان لذي اليد لا يفصل بها الخصومة ولو كانت للفصل كان اللازم اقامتها ثم منع الرجل عن السرح لان الفصل بعد إقامة البينة. وعلى هذا فكل ما ذكر من المرجحات للبينة المقتضية لتقدم بينة ذي اليد لا يؤخذ به، ولازم ما ذكر أنه لا لكان المدعى به بيدهما وأقاما البينة يكون كل واحد خارج اليد بالنسبة إلى ما في يد الآخر، فمقتضى البينه ملكيته بالنسبة إليه، فاللازم التنصيف لوادعى كل منهما ملكية الكل بلا حاجة إلى الحلف بحسب القاعدة، لكن مقتضى الاخبار لزوم الاحلاف أيضا. ولو لم يكن لواحد منهما بينة يقضى لكل واحد منهما، ولكل منهما إحلاف الآخر، ولعلك تقول: كيف تكون كل واحد خارج اليد بالنسبة إلى النصف مع أن اليد على النصف المشاع لا يتصور إلا مع اليد على الكل، لكن العقلاء مع هذا يعاملون مع كل معاملة من يتصرف في النصف، ألا ترى لو أراد أحدهما بيع الكل يسئل عن وكالته، بخلاف مالو لم يكن له شريك في التصرف. ومما ذكر ظهر حال ما لو كان العين بيد أحدهما وله البينة وللآخر أيضا


* (1) الكافي ج 8، ص 86.

[ 94 ]

البينة، فيؤخذ ببينة خارج اليد ولا يؤخذ ببينة ذي اليد. ولو كان المدعى به في يد ثالث عنمها قضي بالاعدل، فإن تساويا قضي بالاكثر، فإن تساويا اقرع بينهما. ويمكن أن يقال الاخبار المتعرضة للترجيح بما ذكر إطلاقها يشمل كون المدعى به في يدهما وكونه في يد أحدهما وفي يد ثالث، فصورة كونه في يدهما أو في يد أحدهما لا تؤخذ به، لان البناء على تقديم بينة الخارج وبعد إخراج ما ذكر إن بقي الاغلب تحت العام أو المطلق فلا إشكال وإلا يشكل من جهة أن القانون لا بد من بقاء غالب الافراد تحته بعد خروج ما خرج عنه، وأيضا الترتيب المذكور ليس في كلام الامام عليه السلام، بل الظاهر أنه في كلام السائل، كرواية داود العطار وفي بعض الاخبار ذكر القرعة بنحو الاطلاق كرواية داود بن سرحان، و موثق سماعة. نعم ظاهر خبر البصري الحكم بالقرعة في فرض التساوي في العدالة والعدد. وأما ما ذكر من إحلاف الآخر مع امتناع من خرجت القرعة باسمه والقضاء ومع امتناعهما التقسيم بينهما فاستفادته من الاخبار المذكورة مشكل، حيث إنه لم يظهر كون المقام من قبيل المدعي والمنكر بلا بينه، نعم مع امتناعهما التقسيم بينهما على القاعدة، حيث إن المدعى به ليس خارجا عن ملكهما، لكن هذا لا يقتضي فصل الخصومة كسايرا الموراد بحيث لا يسمع الدعوى بعده. إلا أن يقال: لا نقول مع التعارض بسقوط البينتين، لكن نقول باعتبار بينة من خرجت القرعة باسمه لكن بشرط الحلف، فمع عدم حلف من خرجت القرعة باسمه عدم حلف الآخر كما هو المفروض وإن لم يكن دليل على اعتبار حلفه فالدليل على التنصيف، فلا يبقى وجه لما ذكر إلا الشهرة بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم. وأما ما حكي عن الشيخ - قدس سره - من أنه يقرع بينهما إن شهدتا بالملك المطلق ويقسم إن شهدتا بالملك المقيد، ولو اختصت احداهما بالبينة قضي بها

[ 95 ]

دون الاخرى واستدل له بالقرعة مع الشهادة بالملك المطلق بالصحيح المصدر به أخبار القرعة، ففي الصحيح " عن رجلين شهدا على أمر، وجاء آخران فشهدا على غير ذلك فاختلفوا، فقال: يقرع، فأيهم قرع فعليه اليمين وهو أولى بالحق (1) ". ونحوه الخبر الصحيح " في شاهدين شهدا على أمر واحد، وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهد الاولان فاختلفوا، قال عليه السلام: يقرع بينهما، فمن قرع فعليه اليمين، وهو أولى بالقضاء (2) ". فحمل على ما إذا اطلقت لدلالة ظاهر الشهادة عليه، وفي القسمة مع الشهادة بالملك المقيد بالموثق " ان عليا صلوات الله عليه اختصم إليه رجلان في دابة وكلاهما أقاما البينة أنه أنتجها، فقضى بها للذي في يده، وقال: لو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين (3) ". ويمكن أن يقال: اما الصحيحان ففيهما أصل الشهادة المقابلة للشهادة على الملك المطلق والمقيد، والموثق لم يقض فيه بالبينتين بل قضي ببينة الداخل، إلا أن يقال: يستفاد التقسيم من قوله عليه السلام على المحكي " لو لم يكن في يده - الخ " نعم لا يستفاد منه أن التنصيف من جهة الشهادة بأصل الملكية أو من جهة الشهادة بالملكية المقيدة، نعم القدر المتيقن صورة الشهادة بالملكية المقيدة لكن هذا الموثق معارض ببعض الاخبار المذكورة في أحاديث القرعة المتضمن للحكم بالقرعة مع شهادة البينتين فيه بالملك المقيد والحمد لله أولا وآخرا.


* (1) و (2) و (3) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 12، ح 11 و 6 و 3.

[ 96 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العاملين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين (كتاب الشهادات) (والنظر في امور، الاول في صفات الشاهد وهي ستة، الاولى البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي ما لم يستكمل، وقيل: تقبل إذا بلغ عشرا، وهو شاذ، واختلف عبارة الاصحاب في قبول شهادتهم في الجنايات، ومحصلها القبول في الجراح مع بلوغ العشر ما لم يختلفوا، ويؤخذ بأول قولهم، وشرط في الخلاف أن لا يفترقوا). الشهادات جمع الشهادة، وقيل هي في اللغه بمعنى الحصور ومنه قوله تعالى " فمن شهد منكم الشهر - الخ " والعلم المعبر عنه بالاخبار عن اليقين، وعرفت شرعا بأنها إخبار جازم عن حق لازم للغير واقع من غير حاكم، وقيل: إن بالقيد الاخير يخرج إخبار الله تعالى ورسوله والائمة عليهم السلام وإخبار الحاكم حاكما آخر. ويمكن أن يقال الشهادة باقية بمعناها اللغوي العرفي، فتارة يكون النظر إلى الاخبار كالشهادة الراجعة إلى الموضوعات الخارجية كالشهادة للمدعي في المرافعات واخرى يكون النظر الحضور كالشهادة للطلاق، غاية الامر إعتبار التعدد من طرف الشرع في الموضوعات غالبا، فالتقييد في التعريف المذكور بكونه عن حق لازم للغير يوجب خروج الشهادة الراجعة إلى رؤية الهلال، بل الشهادة فيما يوجب الحد، وأما إخبار الحاكم حاكما آخر فلم يظهر وجه لخروجه فإن الحاكم تارة يحكم كحكمه بأن الدار المدعى بها

[ 97 ]

مثلا لزيد فهو إنشاء وليس بإخبار، وتارة اخرى يخبر بحكمه قبلا فهو شهادة. وأما صفات الشاهد فالمعروف أنهاست، الاولى البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي أما مع عدم التمييز فلا خلاف فيه، ومع التمييز وبلوغ العشر في غير الدماء قيل تقبل، واستدل له مضافا إلى إطلاق الشهادة كتابا وسنة بقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي في خبر طلحة بن زيد " شهادة الصبيان جايزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلي اهلهم " (1). وخبر أبي ايوب الخزاز " سألت إسماعيل بن جعفر عليه السلام متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلت: أيجوز أمره؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل بعايشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون إمرأة فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته " (2). وأجيب بأن الاطلاق بالتبادر وغيره مخصوص بالبالغ، ومعارض بعموم كثير من النصوص الدالة على اعتبار امور كثيرة في الشاهد منفية في الصبي قطعا كالعدالة ونحوها، ومع قبول الشهادة في الدماء نمنع أولوية غير الدماء، والخبران المذكورا مع صعف سنديهما بلا جابر محتملان للحمل على الصورة الآتية، على أن الثاني منهما لم يسند إلى المعصوم بل لا يفخى ما في متنه، فإن حكم الرجل والمرأة لا يجب أن يكون واحدا. ويمكن أن يقال: أما ما قيل من تبادر المطلقات إلى المكلفين فلا يخفى عدم وضوحه، بل الاولى أن يقال لا اطلاق فيها فتأمل. وأما ما ذكر من نفي العدالة فلا يخلو من الاشكال فإذا فرض صبي لم يبلغ الحلم ومع هذا مجتنب عن المعاصي مع عدم التكليف واجد للملكة ويفعل ما يجب على المكلفين بلا تكليف وجوبي هل يعد غير عادل؟ وهذا نظير إنكار الاسلام للصبي الناشئ بين الكافرين الاب والام مع اعتقاده بالاصول الحقة لا عن تقليد بل مع إجتهاد.


* (1) و (2) الوسائل: كتاب القضاء، ابواب الشهادات، ب 22، ح 6 و 7.

[ 98 ]

وأما الاشكال من جهة أن المروي عنه في الخبر الثاني غير المعصوم فلعله لايرد إن كان المروي عنه إسماعيل بن الامام عليه السلام، لان جلالة شأنه مانعة عن الفتوى بدون الاخذ من المعصوم فتأمل، هذا. ولكن يقال بمعارضة الخبرين المذكورين بالنصوص الكثيرة الداله على اعتبار البلوغ في قبول شهادة الصبيان، التي تحملوها حالة الصغر، وعلى عدم قبول شهادتهم إلا في القتل، واختلف عبارات الفقهاء في قبول شهادة الصبيان في الجراح والقتل والنصوص منها. ماروى الجميل في الحسن كالصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام تجوز شهادة الصبيان؟ قال نعم في القتل يؤخذ بأول كلامه، ولا يوخذ بالثاني منه) (1). " 019. ومثله روى محمد بن حمران بطريق فيه العبيدي عن يونس قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شهادة الصبي، فقال: لا، إلا في القتل يؤخذ بأول كلامه ولا يؤخذ بالثاني منه " (2). ومنها ما كتبه الرضا صلوات الله عليه المروي في العلل عن محمد بن سنان في شهادة النساء " لا تجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة، مثل شهادة القابلة وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه، كضرورة تجويز شهادة أهل الكتاب إذا لم يكن غيرهم، وفي كتاب الله عزوجل " إثنان ذوا عدل منكم " أي المسلمين " أو آخران من غيركم " أي كافرين، ومثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم " (3). وفي خبر السكوني عن الصادق عليه السلام أنه دفع إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ستة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين انهما غرقاه، وشهد اثنان على الثلاثة انهم غرقوه، فقضى بالدية، ثلاثة أخماس على الاثنين،


* (1) و (2) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب الشهادات، ب 22، ح 1 و 2. (3) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب الشهادات، ب 24 ح 5 0.

[ 99 ]

وخمسين على الثلاثة (1). فإن اخذ بالاخبار المذكورة فهي مختصه بالقتل، إلا أن يدعى الاولوية بالنسبة إلى الجراح وهي محتاجة إلى القطع وحصول القطع مشكل، ومع عدم الاخذ بها لما ذكر من أن التهجم على الدماء بخبر الواحد خطر لا يبقى دليل في الجراح وهذا إشكال قد استشكله الشهيد الثاني - قدس سره - في المسالك. وقد يقال: إن مقصود المصنف طرح النصوص والرجوع إلى الاجماع والمتيقن منه الجراح بالشروط الثلاثة بلوغ العشر، وبقاء الاجتماع إذا كان اجتاع. ويمكن أن يقال: تحصيل الاجماع مع قطع النظر عن النصوص المذكورة مشكل بل الظاهر أن المدرك النصوص المذكورة، فلا بد من التقييد بما فيها من الاخذ بأول الكلام لا الثاني، وعدم شهود غيرهم والتعدي إلى مطلق الجراح مشكل لعدم الاولوية ألا ترى أنه لا تقبل في الاموال. وأما التخصيص بما يوجب الدية من جهة ما كتبه الرضا عليه السلام ففيه إشكال لعدم وجه للتقييد. وأما التقييد بعدم التفرق فلم يظهر وجهه إلا من جهه رواية طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن علي صلوات الله عليهم أجمعين " قال:: شهادة الصبيان جايزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم " (2). وظاهرها قبول شهادة بعضهم على بعض مطلقا لا بالنسبة إلى غيرهم، وهذه الرواية مع قطع النظر عن ضعف السند لا يؤخذ بمدلوله من اعتبار شهادة بعضهم بالنسبة إلى بعضهم، سواء كان في القتل أو الجراح أو الاموال، لا بالنسبة إلى غيرهم سواء كان في القتل أو الجراح أو غيرهما. (الثانية كمال العقل، فالمجنون لا تقبل شهادته ومن يناله أدوارا يقبل في حال الوثوق باستكمال فطنته، الثالثة الايمان فلا تقبل شهادة غير الامامي، وتقبل

[ 100 ]

شهادة الذمي في الوصية خاصة مع عدم المسلم، وفي اعتبار الغربة تردد، وتقبل شهادة المؤمن على أهل الملل، ولا تقبل شهادة أحدهم على المسلم ولا على غيره، وهل تقبل على أهل ملته؟ فيه رواية بالجواز ضعيفه، والاشبه المنع) أما كمال العقل وعدم الاعتبار بشهادة المجنون فادعي عليه الاجماع، فان تم الاجماع فلا كلام وإلا يشكل، حيث إن بعض الاشخاص له كمال الدقة والمتانة في بعض الامور وفي بعضها خارج عن طريقة العقلاء، فمع الوثوق بالحفظ والضبط والاحتراز عن الكذب بحيث يكون سكون النفس الحاصل من إخباره أقوى من السكون الحاصل من قول كثير من العقلاء العدول الظاهر أن بناء العقلاء على الاعتماد باخباره والحاصل أن البناء على عدم الاعتبار بالخبار المجنون تارة من جهة إمضاء بناء العقلاء على عدم ترتيب الاثر على شهادة المجانين، واخرى من جهة التعبد، فعلى الاول يكون ما ذكر خارجا عن بناء العقلاء، وعلى الثاني لا إشكال، كعدم ترتيب الاثر على إخبار الكافر ولو كان أوثق من خبر المسلم. وأما مع الافاقة في بعض الاوقات فلا مانع، واعتبر تيقظه فيما يشهد به، وفي الخبر عن سيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قوله تعالى " ممن ترضون من الشهداء " قال: ممن ترضون لينه وأمانته وخلقه صلاحه وعفته وتيقظه فيما يشهد به، فما كل صالح مميز محصل ولا كل مميز صالح " (1). ولعله محمول على مراعات الكمال وإلا لزم إلغاء شهادة الغالب، ولو من جهة عدم إحراز وجدان هذه الصفات غالبا. وأما إشتراط الايمان بمعنى كون الشاهد مقرا بإمامة الائمة الاثنى عشر صلوات الله وسلامه عليهم فادعي عدم الخلاف فيه، بل عن جماعة الاجماع عليه، واستدل عليه بالاصل واختصاص الخطاب بالمشاهدين دون غيرهم وليس المخالف بموجود في زمن الخطاب، ولو سلم العموم فقد عرفت الخبر المفسر لقوله تعالى " ممن ترضون - الخ "

[ 101 ]

والعمدة التسلم عند الامامية، لكن مع مراعات ما هو المكلف به في كل عصر، فالشيعة في عصر الامام الصادق عليه السلام ما كانوا يعرفون الامام بعده حتى أن مثل أبي حمزة الثمالي - رحمه الله - بعد السؤال يعرف إمامة موسى بن جعفر عليهما السلام، كما أن كثيرا من المسلمين قبل قضية الغدير لم يعرفوا إمامة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. وأما التمسك بتفسير أمير المؤمنين صلوات الله عليه فمع كونه في مقام بيان الكمال لما ذكر آنفا كيف يجوز؟ فالاولى الاغناء باشتراط العدالة، فمن الا يعتقد بإمامة الائمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين كيف يحكم بعدالته، فلاحظ مثل صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام " في قوله الله عزوجل " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " قال: يعنى من اتخذ دينه [ ورأيه ] بغير إمام من أئمة الهدى " (1). وصحيحة محمد بن مسلم، قال: " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول كل من دان الله بعبادة ويجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير والله شانئ لاعماله، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها، فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنها الليل بصرت بقطع مع غير راعيها - إلى قوله: والله يا محمد من أصبح من هذه الامة لا إمام له من الله عزوجل ظاهرا عادلا أصبح ضالا تائها وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمد أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلوا، وأصلوا فأعمالهم التي يعلمونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد " (2). ورواية عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: " إني اخالط

[ 102 ]

الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا، لهم أمانة وصدق ووفاء، وقوم يتولونكم ليس لهم تلك الامانة ولا الوفاء والصدق، فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالسا فاقبل على كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله ولاعيب [ عتب - خ ل ] على من دان بولاية إمام عادل من الله، قلت: لا دين لاولئك ولا عيب على هؤلاء؟ قال: نعم لا دين لاولئك ولا عيب على هؤلاء ثم قال: ألا تسمع لقول الله عزوجل " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " يعني ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة بولايتهم كل إمام عادل من الله وقال " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظمات " إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الاسلام، فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم من نور الاسلام إلى ظلمات الكفر، فاوجب الله لهم النار مع الكفار، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ". وأما إعبتار شهادة الذمي في الوصية فهو المشهور، ويدل عليه قوله تعالى " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غير كم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت " على تقدير تفسير " منكم " بالمسلمين و " غير كم " بالذميين وعدم نسخه بقوله تعالى " وأشهدوا ذوي عدل منكم " فانه قال في الخلاف حضور الموت مشارفته وظهور أمارة بلوغ الاجل منكم من أقاربكم ومن غيركم من الاجانب إن وقع الموت في السفر ولم يكن أحد من عشيرتكم فاستشهدوا أجنبيين على الوصيه، قيل " منكم " من المسلمين و " من غير كم " من أهل الذمه، وقيل هو منسوخ لا يجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أول الاسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم، في حال السفر، وعن مكحول: نسخها قوله تعالى " وأشهدوا ذوي عدل منكم " وظاهر الاية الشريفة تقييدها بحال السفر والضرورة. ويدل عليه حسنة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل

[ 103 ]

أو آخران من غيركم، قال: إذا كان الرجل المسلم في ارض غربة ولا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية (1). وإطلاقها بالنسبة إلى الكفار يقيد بالاجماع، ورواية حمزة بن حمران عنه عليه السلام قال: " سألته عن قول الله عزوجل: " ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " فقال اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم من أهل الكتاب، قال: وإنما ذلك إذا كان الرجل المسلم في أرض غربة فطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين أشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب المرضيين عند أصحابهما " ويظهر منه اعتبار عدالة الذميين وفي الصحيح في الفقيه عن أحمد بن عمر قال: " سألته عن قول الله عزوجل: " ذوا عدل منكم " قال اللذان منكم مسلمان، واللذان من غيركم من أهل الكتاب، فان لم يجد من أهل الكتاب فمن المجوس، لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سنوابهم سنة أهل الكتاب، وذلك إذا مات الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلان من أهل الكتاب " (2). وفي الصحيح في الفقيه عن عبيدالله الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير ملتهم؟ قال: نعم إن لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة غيرهم و، إنه لا يصلح ذهاب حق أحد " (3). وصحيحة ضريس الكناسي قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن شهادة أهل ملة هل تجوز علي رجل من غير أهل ملتهم؟ قال: لا، إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية لانه لا يصلح ذهاب حق امرء مسلم فلا يبطل وصيته (4) ". ويمكن استفادة الاطلاق من بعض هذه الاخبار وعدم الفرق بين السفر و

[ 104 ]

الحضر، مضافا إلى ما يشبه التعليل من قوله على المحكي فإنه لا يصلح ذهاب حق امرء مسلم، لكن يعارض بالتقييد في خبر حمزة بن حمران وحسنة هشام المذكورين فلا بد من الاحتياط، لان الحكم على خلاف الاصل. وأما شهاده أهل الملل غير الاسلام على المسلم فلا إشكال ولا شبهة في عدم قبولها في غير شهادة الذمي في الوصية وأما على غير المسلم من غير ملته فالمشهور أيضا عدم القبول، ولم ينقل خلاف إلا عن الاسكافي، ويدل على عدم القبول ما دل على اشتراط الايمان و موثق سماعة سالت الصادق عليه السلام عن شهادة أهل الذمة [ أهل الملة ] فقال: لا تجوز إلا علي أهل ذمتهم [ أهل ملتهم ] (1). وفي قبال ما ذكر صحيح الحلبي وصحيح ضريس المذكورين، في الجملة، لكن المشهور لم يعملوا بهما. وأما شهادة أهل ملة على أهل ملته فالمحكي عن الشيخ رحمه الله قبولها إستنادا إلى رواية سماعة قال: " سألت الصادق عليه السلام عن شهادة أهل الذمة فقال: لا تجوز إلا على أهل ملتهم " (3). والرواية موثقة ظاهرا وموافقة لقاعدة الالزام بل لولا التخصيص في الرواية بملتهم لجازت الشهادة بالنسبة إلى غير ملتهم إن كان غير ملتهم ملتزمين بقبول شهادة غير ملتهم، ومع ذلك الشمهور عدم القبول. وقد يقرب بأنه ليس الحكم بخلاف ما أنزل الله من أحكام الذمة ولا من إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم لاشتراك الاحكام بين الجميع، فمتى ترافعوا إلينا وجب إقامة الحكم الثابت شرعا عليهم لان خلافه حكم بغير ما أنزل الله، ومقتضى الذمام عدم التعرض لهم في أحكامهم لما بينهم والاذن لنا في تناول ما يقتضيه دينهم. ويمكن أن يقال: الظاهر أن المستفاد من الاخبار الدالة على قاعدة الالزام أزيد من هذا فإذا ترافع الزوج المطلق لزوجته ثلاث تطليقات بلا رجعة عند الشيعة مع كونهما من أهل السنة الظاهر أنهم يحكمون بالصحة والاحتياج إلى

[ 105 ]

المحلل. (الرابعة العدالة، ولا ريب في زوالها بالكبائر وكذا بالصغاير مصرا، أما الندرة من اللمم فلا، ولا يقدح إتخاذ الحمام للانس وإنفاذ الكتب، وأما الرهان عليها فقادح لانه قمار، واللعب بالشطرنج ترد به الشهادة وكذا الغناء وسماعه، والعمل بآلات اللهو وسماعها، والدف، إلا في الاملاك والختان، ولبس الحرير للرجال إلا في الحرب والتختم بالذهب والتحلية به للرجال، ولا تقبل شهادة القاذف، وتقبل لو تاب، وحد توبته أن يكذب نفسه، وفيه قوله آخر متكلف). قد سبق شرح العدالة في كتاب الصلاة، والمعروف زوالها بالكبائر وبالاصرار في الصغاير، ولعل هذا من باب المسامحة، فان الملكة لا تزول بمجرد إرتكاب كبيرة، وقد فسرت العدالة بالملكة، فلعل النظر إلى أنه لا يعامل مع المرتكب للكبيرة قبل أن يتوب معاملة العادل، وهذا لا إشكال فيه. وأيضا الملكة الراسخة حصولها يحتاج إلى مضي مدة فلو بنى المسلم في أول بلوغه على الاتيان بالواجبات والاجتناب عن الكبائر ولم يمض مده تحصل فيها له الملكة هل يعامل معه معاملة الفاسق أو يكون هذا ليس عادلا ولا فاسقا ولا يقبل شهادته؟. واستدل على اعتبارها وبالعقل والنقل كتابا وسنة، بل الاجماع أيضا. أما الاول فلان اطمينان القلب لم يحصل إلا بالعدل، ولصيانة حق الغير إلا على الوجه القوي. وأما الثاني فقوله تعالى " وأشهدوا ذوي عدل منكم " و " إثنان ذوا عدل " و " ممن ترضون من الشهداء " و " إن جائكم فاسق بنبأ ". وأما الثالث ففي رواية يونس عمن رواها " قال استخراج الحقوق بأربعة وجوه: شهادة رجلين عدلين - (1) الخبر "، صحيحه إبن أبى يعفور المذكورة في كتاب الصلوة. ويمكن أن يناقش بأن إطمينان القلب قد يحصل من قول غير المسلم أيضا، بل الفاسق، فإن بعض النفوس عن الكذب آب لكون الكذب عيبا، فالتجنب عنه

[ 106 ]

يكون كالتجنب عن الافعال القبيحة. وأما الآيات والاخبار فلا تدل على اعتبار العدالة في مطلق الشهادة، ألا ترى أن إخبار ذي اليد معتبر يؤخذ به ولا يعتبر فيه العدالة، ومن بعض الاخبار يستفاد كفاية الوثاقة في إخبار الوكيل المدعي لايصال الزكاة إلى مستحقه، وكفاية الوثاقة لمن يدعي زوجية المرأة له مع كونها منكوحة للغير فاعتبار العدالة في مطلق الشهادة مبني على المسامحة. ثم إنه فيما يعتبر فيه العدالة هل يعتبر تحقق الملكة ومع عدمه لا يترتب الاثر أم يكفي حسن الظاهر؟ والمستفاد من بعض الاخبار الصحيح كفاية المعروفية بالصلاح في ترتيب الاثر على شهادة المعروف بالصلاح، لا بمعنى كون العدالة المعروفية بالصلاح حتى يرد عليه أنه يلزم كون شخص واحد في محل يعرفونه بعدم المبالات وإرتكاب المعاصي الكبيرة فاسقا وفي محل آخر لا يعرفونه بهذا الوصف بل يظهر منه الصلاح عادلا، بل بمعنى أنه يعامل مع هذا الشخص معاملة العدالة فلاحظ الصحيح قلت للرضا عليه السلام: " رجل طلق إمرأته وأشهد شاهدين ناصبيين، قال: كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته (1) ". ولعل المراد بيان عدم جواز شهادة الناصب المحكوم بالكفر بأن شهادة المعروف بالصلاح جائزة فلا يجوز شهادة الناصب لانه ليس معروفا بالصلاح، ولعله لولا كفاية المعروفية بالصلاح لاشكل الامر في شهود الطلاق والشهود في باب المرافعات، لقلة المتصف بالعدالة بالنحو المذكور في السنة الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - ويلزم مع ظهور الخلاف رد من طلق مع حضور عدلين بحسب الظاهر وتزوجت وأولدت أولادا إلى زوجه الاول، و كذا رد الاموال المأخوذة بحكم الحاكم من جهة البينه مع انكشاف عدم العدالة. إلا أن يستشكل بأن الشهادة في باب الطلاق بمعنى الحضور، والشهادة في باب القضاء الاخبار الواقع، ولا جامع بينهما، فجواز الشهادة بحسب الصحيح المذكور

[ 107 ]

في باب الطلاق لا ينافي عدم الجواز في باب القضاء. وفي الجواهر بعد ذكر ما في الشرايع إذا حكم الحاكم ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول إلى قوله وإن كان حاصلا قبل الاقامة وخفي عن الحاكم نقض الحكم، وذكر كلام من المسالك: قد يشكل ذلك بمنافاته لمشروعية القضاء الذي هو الفصل المبني على الدوام والتأبيد وأنه لا تجوز الدعوى عنده ولا عند حاكم آخر، ضرورة أن البينة المزبورة لا تقتضي العلم بفساد ميزان الحكم خصوصا مع إمكان معارضتها بأقوى منها حال القضاء، أو بالجرح لها، أو بغير ذلك، فلا ينقض الحكم المحمول شرعا على الوجه الصحيح المبني على الدوام والتأبيد الموافق للحكمة، خصوصا بعد سؤال الحاكم الجرح للخصم فعجز عنه ثم تيسر هل بعد ذلك شاهدان، بل لو فرض بقاء حق الجرح له بعد الحكم لم يبق فائدة للحكم، بل ليس الفصل فصلا، بل لعل حكمهم بعدم النقض بالتغيير بالاجتهاد مما يرشد إلى ذلك، انتهي ملخصا. ويمكن أن يقال: إن بني على اشتراط العدالة في الشهود وكونها شرطا بحسب الواقع لا ظهور العدالة، كشرطية طهارة الماء لصحه الوضوء والغسل، فلا بد من نقض الحكم لعدم كون الحكم مطابقا للقانون المقرر في الشرع المطهر، وإن أجيزت الشهادة مع معروفية الصلاح كما في الصحيح المذكور فالحكم مطابق للقانون المقرر كالحكم بحصة الاقتداء بظاهر الصلاح. وأما صورة التقييد بالاجتهاد فيشكل الامر فيها لانه لا بد في الحكم من كونه بحيث يصح نسبته إلى المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين كما يستفاد من المقبولة المذكورة في كتاب القضاء، ومع تغيير الاجتهاد كيف يصح لعدم الاعتبار بالاجتهاد السابق. فلنرجع إلى ما في المتن، أما مع إرتكاب واحدة من الكبائر فلا يعامل مع مرتكبها معاملة العدالة، على المعروف بينهم، وكذا لا يعامل معاملة العدالة مع من أصر بالصغيرة، لما ورد عنهم " لا صغيرة مع الاصرار ولا [ كما لا - خ ل ] كبيرة مع الاستغفار (1) "

[ 108 ]

وعن أبي بصير أنه سمع الصادق عليه السلام يقول: " لا والله لا يقبل الله شيئا من طاعته مع الاصرار على شيئي من معاصيه (1) ". وقال الباقر عليه السلام في خبر جابر " الاصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله و لا يحدث نفسه بالتوبة، فذلك الاصرار (2) ". وفي خبر مساعة: " لا تستقلوا قليل الذنوب فإن قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا (3) ". وفي خبر زياد عن الصادق عليه السلام " إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء، فقال لاصحابه ايتوني بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، فقال فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتى رموا به بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب فإن لكل شئ طالبا ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيئي أحصيناه في إمام مبين (4) ". والاصرار قيل هو الاكثار منها سواء كان من نوع واحد أو أنواع مختلفة، وقيل: إنه المداومة على واحد منها، وقيل: يحصل بكل منهما، وقيل: إنه عدم التوبة، ولعله للخبر المتقدم المروي عن الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى " ولم يصروا على ما فعلوا " قال: الاصرار أن يذنب الذنب ولا يستغفر ولا يحدث نفسه بالتوبة. والاظهر أنه الاكثار بنظر العرف، والرواية المذكورة ضعفت بحسب السند، وعلى تقدير صحه الانتساب إلى المعصوم لا ينافي مع ما ذكر، لامكان أن يكون المراد أنه مع عدم التوبة يكون المرتكب بحكم المصر. وأما عدم قدح الندرة من اللمم فعلل بأن اشتراطه التزام للاشق المنافي لقوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج ".

[ 109 ]

والمحكي عن إبن إدريس القدح، بناء منه على ما ذهب إليه من عدم الصغاير إلا بالاضافة ولا عسر لا مكان التدراك بالاستغفار. واورد عليه بأن تعرف ذلك منه يحتاج إلى زمان طويل، مضافا إلى ما قيل إن التوبة من شرطها العزم على ترك المعاودة، ولا شك أن الصغاير لا ينفك منها الانسان فلا يصح منه هذا العزم غالبا، فلا يمكن التوبة في أغلب الاحوال. وفي صحيح ابن أبي يعفور اقتصر على اجتناب الكباير في تعريف العدل. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من عدم القدح للزوم الحرج ففيه إشكال، لان التكاليف الحرجية مرفوعة فلازم ما ذكر عدم الحرمة وعدم تحقق المعصية لا تحقق المعصية الصغيرة، والعدالة التي معناها الاستقامة حقيقة منوطة بترك جميع المحرمات والاتيان بجميع الواجبات، وإن كان النظر إلى الملكة فهي غير زائلة لا بالكبيرة ولا بالصغيرة كساير الملكات بالنسبة إلى ما يترتب عليها. وأما ما ذكر من أن المذكور في صحيحه إبن أبي يعفور خصوص الاجتناب عن خصوص الكباير، فهو مبني على كون النظر في الصحيحة إلى المعرف المنطقي والظاهر أنه ليس كذلك، فالحق أنه لا يقدح، لا لما ذكر بل لما دل على أنه مع اجتناب الكباير تكون الصغائر مكفرة، مضافا إلى أن اشتراط ذلك يوجب انحصار العدل في المعصوم، وهذا يوجب تعطيل الطلاق، والمرافعات، وما يحتاج إلى شهادة العدل. وأما عدم قدح اتخاذ الحمام لما ذكر فلعدم الحرمة بل يستفاد من بعض الاخبار إستحباب أن يسكن في البيت، ففي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام إن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوحشة [ الوحدة - خ ل ] فأمره أن يتخذ زوجا من الحمام (1). وعنه عليه السلام " ما من بيت فيه حمام إلا لم يصب أهل ذلك البيت آفة من الجن، إن سفهاء الجن يمضون إلى البيت فيعبثون بالحمام ويدعون الانسان " (2). وقال عبد الكريم بن صالح " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فرأيت على فراشه ثلاث حمامات خضر، فقلت: جحعلت فداك هذا الحمام يقذر الفراش، فقال: لا إنه

[ 110 ]

يستحب أن يسكن البيت " (1). أما الرهان عليها فقادح، لحرمة القمار فعن جابر عن الباقر عليه السلام " لما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله " إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " قالوا: يا رسول الله ما الميسر؟ فقال كل ما تقومر به حتى الكعاب والجوز (2) ". ومنه ظهر حال اللعب بالشطرنج والنرد وغيرهما، ففي خبر الحسين بن زيد و السكوني عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه " ان النبي صلى الله عليه وآله نهي عن اللعب بالنردو الشطرنج (3) ". وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال لقوم كانوا يلعبون بالشطرنج: " ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون ". وقد ورد أيضا أن اتخاذها كفر بالله العظيم، وأن اللعب بها شرك، وتقليبها كبيرة موبقة، والسلام على اللاهي كفر، ومقلبها كالناظر إلى فرج امه، ومثل الذي يلعب بها من غير قمار كمثل الذي يضمع يده في الدم ولحم الخنزير، وأن مثل الذي يلعب بها كثمل الذي يصر على الفرج الحرام (4) إلى غير ما ذكر من الاخبار. واستشكل في قادحيه ما ذكر في العدالة، من جهة استضعاف أسانيد الاخبار المذكورة وعدم الجابر لها. واجيب بوقوع التصريح بأنها كبيرة موبقة مضافا إلى أن الكبيرة ما كانت كذلك عند أهل الشرع، ولا ريب في أن القمار عندهم من أعظم المعاصي، ويكفي في الجابر تعاضد النصوص والفتاوى على أن الاصل في كل معصية أن تكون كبيرة لان الاصل عدم تكفيرها، ولعموم الامر بالتوبة من كل معصية إلا ما علم أنها صغيرة ولا يعارض باستصحاب العدالة، لانا نقول: إنها عندنا اجتناب الكباير في نفس الامر

[ 111 ]

ولا يتم ذلك إلا باجتناب المشكوك فيه. ويمكن أن يقال: إن بني على زوال العدالة بارتكاب الكبيرة دون الصغيرة يشكل إثبات كونها كبيرة بما ذكر، أما التصريح المذكور فمع الاشكال في السند كيف يثبت؟. وأما ما ذكر من أن الكبيرة ما كانت كذلك عند أهل الشرع، ففيه إشكال، من جهة الكبرى والصغرى، أما من جهة الكبرى فمن أن نظر كثير إلى أن الكبيرة بعض المعاصي المصرح بكونها كبيرة في مقام التعداد، وما أوعد الله تعالى في الكتاب العزيز عليه النار. وأما من جهة الصغرى فللزوم كونها كبيرة عند أهل الشرع، والقدر المسلم نفس الحرمه لا كونها كبيرة، كيف ومن اقتصر على ما ذكر كيف يلتزم بكونها كبيرة نعم لا يبعد الاثبات بتعاضد النصوص. وأماما ذكر من أن الاصل في كل معصية - الخ، فإن اريد لزوم التوبة لعدم العلم بكون المعصية مكفرة، فلا إشكال فيه، لا ستقلال العقل بالفرار عن العقوبة الاخروية لكن هذا لا يثبت كون المعصية كبيرة، وأما ما ذكر من المعارضة باستصحاب العدالة والجواب عنها، فيشكل الجواب المذكور لان لازمه عدم جريان الاستصحاب في غير المورد، فلو علم بطهارة الماء وشك في وقع القذر الموجب لتنجسه فمقتضى التغليب المذكور عدم جريان استصحاب الطهارة لان اللازم على ما ذكر عدم وقوع القذر واقعا في الماء ولم يحرز نعم يمكن منع الاستصحاب من جهة كون الشبهة حكمية. وأما رد الشهادة بالغناء وسماعه فالظاهر عدم الخلاف فيه، قال الصادق عليه السلام على المحكي في خبر عنبسة " سماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع ". (1) وقال الباقر عليه السلام على المحكي في خبر محمد بن مسلم " الغناء مما وعد الله به

[ 112 ]

النار، وتلا هذه الآية ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين " (1). وأما ماروي من قوله عليه السلام على المحكي " من لم يتغن بالقرآن - الخبر " (2) فقد حمل على الاستغناء، كما روي أن من قرء القرآن فهو غنى لا فقر بعده (3). وظاهر الرواية المذكورة حرمة التغني كما أن ظاهر الرواية السابقة حرمة الاستماع. وأما السماع كما في المتن فحرمته محل إشكال، كما أن كون الغناء من الكبائر التي أوعد الله تعالي عليها النار مبني على عدم اشكال في سند الخبر الذي فسر لهو الحديث به، والظاهر عدم الاشكال لما في الرياض قال ففي الخبر القريب من الصحيح بابن أبي عمير المجمع على تصحيح ما يصح عنه: الغناء مما وعد الله تعالى عليه النار وتلا هذه الآية ومن الناس من يشتري - الآية، إلا أن الظاهر أنه راجع إلى المتغني دون المستمع والسامع، ومع التفسير بخصوص الغناء في الخبر يشكل كون استعمال آلات اللهو من الكباير، إن بني على كون الكبيرة ما أوعد الله عليه النار في الكتاب العزيز سوى ما ذكر في الاخبار بالخصوص. واما استثناء ما كان في الاملاك - بالكسر - بمعنى التزويج، والختان فلعل دليل الاستثناء الاجماع المدعى، والخبر المروي عنه صلى الله عليه وآله قال " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه الغربال يعنى الدف " (4). وروي أيضا عنه صلى الله عليه وآله قال: فصل مابين الحلال والحرام الضرب بالدف عند النكاح.

[ 113 ]

واستشكل بأن الخبر غير معلوم السند، والاجماع ممنوع إذ نقل عن إبن إدريس المنع مطلقا، ويفهم ترجيح ذلك عن التذكرة، قال: يحرم إتخاذ الملاهي من الدف وشبهه، وقد روي جواز ذلك في النكاح والعرس، ومنع ابن إدريس وهو المتعمد، لان الله تعالى ذم اللهو واللعب بما يقتضي تحريمهما، ولعل " روي " إشارة إلى رواية العامة، وعطف الختان يشبه أن يكون من القياس. ويمكن أن يقال: بعض المحرمات دليل حرمته آب عن التخصيص ولذا قيل فيما دل على جواز أكل المارة من الثمرة: إنه يستكشف أن يكون للمارة حق من طرف الشارع جعله للمارة، حفظا لبقاء مادل على حرمة أكل المال بالباطل على عمومه، ففي المقام لعل مادل على حرمة ما ذكر من استعمال آلات اللهو آب عن التخصيص، فلا يرفع اليد بملاحظة الخبر العامي. ومن هذه الجهة يشكل العمل بما دل على إباحة أجر المغنية في العرايس مع صحه الخبر، حيث إن إباحة الاجر لا تجتمع مع حرمة الغناء فلا بد من الحلية ويراد الاعتضاد به للمقام حيث إن الغناء مع شدة الحرمة فيه صار حلالا في العرائس من جهة الصحيح المذكور لا مجال للقول بجواز استعمال آلات اللهو فيها بملاحظة ما ذكر، وعلى تقدير القول لا مجال للقول بالجواز في الختان لعدم الاطلاع بالملاك في المقامين. وأما لبس الحرير للرجال في غير الحرب إختيارا فلا شبهه في حرمته فترد به الشهادة مع الاصرار، وفى المتن جعله موجبا للرد ولو مع عدم الاصرار، وفيه إشكال لما مر وفي خبر ليث المرادي عن الصادق عليه السلام " إن رسول الله صلى الله عليه وآله كسى اسامة بن زيد حلة حرير فخرج فيها فقال: مهلا يا اسامة إنما يلبسها من لا خلاق له فاقسمها بين نسائك " (1) وقد مر الكلام فيه في لباس المصلي في كتاب الصلوة وكذا مورد الاستثناء. وأما التختم بالذهب والتحلي به فلا شبهه في تحريمه، ويدل عليه ما رواه في

[ 114 ]

الخصال بسنده عن جابر الجعفي قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: على النساء أذان - إلى أن قال - ويجوز للمرأة لبس الحرير والديباج في غير صلوة الاحرام وحرم على الرجال إلا في الجهاد ويجوز أن تتختم بالذهب وتصلي فيه وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد (1). وما رواه في الكافي والتهذيب عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يلبس الرجل الذهب وما وراه الصدوق في كتاب العلل في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يصلي وعليه خاتم حديد، قال لا ولا يتختم به الرجل لانه من لباس أهل النار، وقال: لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه لانه من الباس أهل الجنة " (3). وأما عدم قبول شهادة القاذف وحرمة القذف فللآية الشريفة " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا واولئك هم الفاسقون " وغيرها من الاخبار. والمستفاد من الآية غيرها عدم قبول التوبة إلا باكذاب نفسه، وقد يقال: ينبغي أن يوري إذا كان صادقا في نفس الامر كما إذا اضطر إلى الكذب ظاهرا في غير هذه الصورة فلاحظ صحيحة ابن سنان وهو عبد الله " قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحدود إن تاب أتقبل شهادته؟ فقال إذا تاب، وتوبته أن يرجع فيما قال ويكذب نفسه عند الامام، فإذا فعل فإن على الامام عليه السلام أن يقبل شهادته " (4). ورواية أبي الصباح النكاني قال: " سالت أبا عبد الله عليه السلام عن القاذف بعدما يقام عليه الحد ما توبته؟ قال: يكذب نفسه، قلت أرأيت ان أكذب نفسه وتاب أتقبل

[ 115 ]

شهادته؟ قال نعم " (1). ومرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام " قال سألته عن الرجل الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب؟ قال: نعم، قلت وما توبته؟ قال يجئ فيكذب نفسه عند الامام، ويقول قد افتر يت على فلانة ويتوب مما قال " (2). وقد يقال الظاهر أن ليس محض الاكذاب هو التوبة، كما هو ظاهر بعض الادلة لان معنى التوبة زائد على ذلك، وأشار إليه في الروايتين بعطف التوبة على الاكذاب. ويمكن أن يقال: مقتضى القاعدة لزوم التورية مع كون القاذف صادقا في نفس الامر إذا أراد إكذاب نفسه ولم يشر في الآية والاخبار إليه، ولعله من جهة عدم تمكن بعض المكلفين ونظير هذا ما ورد في قضيه عمار حيث اكره وورد في شأنه " إلا من اكره وقلبه مطمئن - الخ " حيث لم يوجب صلى الله عليه وآله التورية. ويمكن أن يكون من باب التنزيل فمثل زيد أسد لا يعد كذبا حتى يقال: التكلم بهذا بكذبه أوجب محرما. واما ما ذكر من عدم كفاية الاكذاب ولزوم التوبة فيكمن أن يقال فيه: الاكذاب في مقام التوبة كأنه محفوظ فيه ما اعتبر في التوبة، وعلى هذا يكون الاطلاق في صحيحة ابن سنان باقيا على حاله، وإلا لزم عدم التحديد مع أن الظاهر أنه في مقام التحديد، فلا مانع من كون العطف في الخبرين نظير العطف التفسيري، ولا مانع من كون الاكذاب في مقام التوبه توبة حقيقة، كما يتفق حكاية كلام نثر أو شعر إخبارا أو إنشاءا مع مباينة الحكاية مع الاخبار والانشاء. والقول الآخر المتكلف أن يكذب نفسه إن كان كاذبا في نفس الامر ويخطئ نفسه إن كان صادقا تحرزا عن الكذب إن كان في الواقع صادقا. ولا يخفى أن هذا خلاف النصوص الواردة في المقام، كما أن لزوم التورية أيضا خلاف النصوص. وأماما في الاخبار من إكذاب نفسه عند الامام فالظاهر أن النظر إلى من

[ 116 ]

يقيم الحد والا لزم عدم التحقق للتوبة مع عدم التمكن من الحضور عند الامام، ولعل المراد من الامام كل من يقيم الحد. (الخامس ارتفاع التهمه، فلا تقبل شهادة الجار نفعا كالشريك فيما هو شريك فيه، والوصي فيما له فيه ولاية، ولا شهادة ذوي العداوة الدنيوية وهو الذي يسر بالمساءة ويساء بالمسرة، والنسب لا يمنع القبول، وفي قبول شهادة الولد على أبيه خلاف، أظهره المنع، وكذا تقبل شهادة الزوج لزوجته). لا خلاف ولا إشكال في اشتراط ارتفاع التهمة في الشاهد، ويدل عليه النصوص قال عبد الله بن سنان على المحكي: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما يرد من الشهود؟ فقال الظنين والمتهم، قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: كل هذا يدخل في الظنين " (1). وسأله أبو بصير أيضا عن الذي يرد من الشهود وذكر مثله إلا أنه قال الظنين والمتهم والخصم قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: كل هذا يدخل في الظنين (2). وفي موثق سماعة " سألته عمايرد من الشهود، فقال: المريب، والخصم، والشريك، ودافع مغرم، والاجير، التابع، والمتهم، كل هؤلاء ترد شهاداتهم " (3). وقد يقال: المراد بالظنين هنا المتهم في دينه بقرينه إدخال الخائن والفاسق فيه وعطف المتهم عليه، وإن حكي عن الصحاح تفسيره بالمتهم، وحينئذ يكون المراد بالمتهم المعطوف على الظنين المتهم في خصوص الواقعة، وحينئذ فعطف الخصم عليه في خبر أبي بصير وغيره من عطف الخاص على العام. ويمكن ان يقال: لا دليل على إرادة المتهم في دينه بالخصوص بل يمكن إرادة المتهم في الدين والدنيا والمتهم عطف عليه من باب عطف المفسر بالكسر للمفسر بالفتح وكيف كان يمكن وقوع الشك في صدق المتهم على ما ذكر فالشريك الجار للنفع يمكن عدم قبول شهادته من جهة أنه من باب شهادة المدعي لنفسه، كما لو قال هو بيننا بخلاف ما لو قال: النصف له، حيث إن النصف لا ربط له به كان للشريك أو

[ 117 ]

كان لخصمه، بل يمكن أن يقال فيما لو شهد بأن المال بيننا لا يجر النفع به لان البينه تصدق مع كون نصف المال لغيره من غير جر نفع بل مقتضى القاعدة فيما لو كان جر نفع للشاهد قبول الشهادة للشريك وعدم قبولها لنفسه. هذا كله بحسب القاعدة وأما بملاحظة النص ففي مرسل أبان المجمع على تصحيح ما يصح عنه مع أنه في الفقيه من غير إرسال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته " عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه، قال: يجوز شهادته إلا في شئ له نصيب " (1). وفي موثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ثلاثة شركاء شهد إثنان على واحد، قال: لا تجوز شهادتهما " (2) ورواه في التهذيب " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ثلاثة شركاء ادعى واحد وشهد الاثنان، قال: تجوز " (3). فنقول قوله على المحكي " إلا في شئ له نصيب " يمكن أن يكون المراد إلا في حق له فيه نصيب، وأن يكون المراد إلا في حق هو نصيب له، فعلى الاول لا تجوز الشهادة حتى بالنسبة إلى سهم الشريك، وعلى الثاني تجوز في سهم الشريك ومع الاجمال لا مانع من القبول في سهم الشريك أخذا بالعمومات والاطلاقات. وأما موثق عبد الرحمن المذكور فارتباطه بمقامنا مبني على كون " على " بمعنى اللام، وهذا خلاف الظاهر لا يصار إليه بلا دليل، وما ذكر من نقله روايته في التهذيب بما ذكر مبني على كونها رواية واحدة منقوله بالنحوين، فتكون الرواية مضطربة بحسب المتن، ولا دليل على هذا، بل يمكن كونهما روايتين، ومجرد اتحاد الراوي والمروي عنه لا يوجب اتحاد الروايتين، فلا مانع من الاخذ بمضمون ما في التهذيب غاية الامر نخصصه بمرسل أبان المذكور. وأما شهادة الوصي فيما له فيه ولاية فلا نسلم فيها شهادة المتهم، نعم إذا كان له حق من جهة علمه أمكن عدم القبول، لامن جهه الاتهام بل من جهة عدم قبول شهاده الشريك. وأما مع عدم الحق وكون الوصي متبرعا فيمكن منع صدق المتهم ومع

[ 118 ]

الشبهة المفهومية في المخصص والمقيد المرجع عموم العام أو إطلاق المطلق. بل يمكن أن يقال: مع استحقاق الوصي الحق لعله أيضا لامانع لعدم صدق المتهم عليه أو الشك فيه وعدم الشركة فما دل على عدم قبول شهادة الشريك لا يشمله بل هو يشبه شهادة أحد التوأمين للآخر مع انتقال المشهود به بالوراثة إلى الوارث. وأما شهادة ذي العداوة الدنيوية فالمعروف عدم قبولها بل ادعي الاجماع عليه مضافا إلى بعض النصوص السابقة المعترضة لعدم قبول شهادة الخصم، وإلى خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم الصلاة والسلام " لا تقبل شهادة ذي شحناء أو ذي مخزية في الدين " (1) فإن الشحناء هي العداوة. والمروي عن معاني الاخبار " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمز على أخيه - الخ " (2). بل قد يقال باندراجه في المتهم، ويمكن أن يقال: أما ما دل من النصوص على عدم قبول شهادة الخصم فهو بإطلاقه يشمل كل خصم سواء كان الخصومة دينية أو دنيوية، كانت بين المسلم والكافر أو بين المسلمين مع اختلاف الطريقة، وكانت العداوة موجبة لبغض الخصم أولا، وهذا لا يلتزمون به، ومع كون الخصومة بين المسلمين مع وحدة الطريقة وكون الشاهد مظلوما والمشهود عليه ظالما له بحيث لا ينفك عن ظلمه أو كان قاتلا لاولاده فهل يمكن سلب العداوة عنه؟ فان تم الاجماع وإلا يشكل مع عدم الاتهام. والظاهر أن المراد مباينة الغير بنحو الاطلاق ليس محرما، بل لم يظهر كراهته، فان القصاص مشروع وأولياء المجني عليه يسرون بتحققه ويكون موجبا لتشفي قلوبهم وإن كن العفو أولى وإن كان في إطلاق الاولوية نظر مع ملاحظة قوله تعالى " ولكم في القصاص حياة - الخ " نعم لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق فالمشهور عدم القبول لخبر محمد بن طيب المنجبر بالشهرة قال: " سألت أبا الحسن

[ 119 ]

الرضا عليه السلام عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق فاخذ لصوص فشهد بعضهم لبعض، قال لا تقبل شهادتهم إلا باقرار من اللصوص أو بشهادة من غيرهم عليهم " (1). ومقتضاه عدم الفرق بين تعرض اللصوص للشاهدين وعدمه وبين تعرض الشهود لما أخذ منهم وعدمه، ولا يخفى أن حصول العداوة الموجبة لرد الشهادة بنحو الاطلاق غير محققة فلا بد من تخصيص الحكم بالمورد، وتخصيص هذه الرواية بملاحظة الاخبار السابقة بعيد جدا للفرق بين الاطلاق وترك الاستفصال. وأما عدم منع النسب لقبول الشهادة فلاطلاق الادلة وعدم ما يمنع، وفي قبول شهادة الولد على الاب خلاف، والمشهور عدم القبول، بل في الخلاف نسبته إلى أخبار الفرقة، وفي النهاية وفي خبر لا تقبل شهادة الولد على والده، ونحو ذلك عن الفقيه، ولعل ما ذكر بعد الانجبار بما عرفت صالح للحجية. وأما ما قيل من أن قوله تعالى " وصاحبهما في الدنيا معروفا " وليس من المعروف الشهادة عليه والرد لقوله وتكذيبه بل ارتكابه عقوق مانع من قبول الشهادة فلا يصح حيث إن الشهادة إذا كانت واجبة لا حقاق حق المسلم مع استدعاء من له الحق لا مجال لرفع اليد عنها، لانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إلا أن يقال وجوب الشهادة محقق مع القبول وإذا لم يقبل فلا وجوب كما لو كان الولد فاقدا لبعض شرائط قبول الشهادة. هذا، وقوى في الدروس القبول، بل مال إليه كثير من المتأخرين، وذلك لاطلاق الادلة وعمومها، وخصوص قوله تعالى " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين ". وخبر داود بن الحصين أنه " سمع الصادق عليه الصلاة والسلام يقول: " أقيموا الشهادة على الوالدين والولد، ولا تقيموها على الاخ في الدين الضير (للضير - خ ل) قلت: وما الضير؟ قال: إذا تعدى فيه صاحب الحق الذى يدعيه قبله خلاف ما أمر الله ورسوله، ومثل ذلك أن يكون لرجل على آخر دين وهو معسر وقد أمر الله بإنظاره

[ 120 ]

حتى ييسر قال: " فنظرة إلى ميسرة " ويسألك أن تقيم الشهادة وأنت تعرفه بالعسر فلا يحل لك أن تقيم الشهادة في حال العسر " (1). وخبر علي بن سويد عن أبي الحسن عليه السلام قال: " كتب أبي في رسالته إلي وسالته عن الشهادة لهم: فأقم الشهادة لله ولو على نفسك أو الوالدين والاقربين في ما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيما فلا " (2). ونوقش بتخصيص العموم والاطلاق بما ذكر، وبأن الآية والخبر ليس شئ منهما نصا في الشهادة على الحي ولا خلاف في قبولها على الميت، والمراد من الآية على الظاهر تقدم حقوق الله على النفس والوالدين فضلا عن غيرهم لا خصوص الشهادة بالمعنى الاخص، وتضعيف الخبرين الذين سياقهما النهي عن إقامة الشهادة على الاخ في الدين إذا كان معسرا، والمبالغة فيه بأنه تجوز إقامتها على الوالدين والاقربين ولا تجوز عليه ولو سلم دلالتهما فلا جابر لهما بل الموهن متحقق. ويمكن أن يقال: ما ذكر من أن الآية ليس شئ منها نصا في الشهادة على الحي حق لكن الظهور كاف، مضافا إلى أنه لعل الغلبة في الشهادة على الحي فكيف يصرف إلى الميت؟ وإلى أن الظاهر إباء المطلق عن التقييد، كما لا يخفى وهل يجوز أن يكون الناس قوامين بالقسط إلا بالنسبة إلى آبائهم، وإلى أنه كيف جاز هذا التقييد ولم يجز هذا التقييد في ما دل على عدم الجواز، ومجرد قيام الاجماع على جواز الشهادة على الميت لا يوجب صرفه إلى الشهادة على الحي. إن قلت: إذا كان قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط آبيا عن التقييد فيكف نهي عن الشهادة على الاخ في خبر داود بن الحصين المذكور؟ قلت مع كون الشهادة موجبة لا يذاء المشهود عليه بغير حق لا يكون الشاهد قائما بالقسط، فالخروج من باب التخصص لا التخصيص، مع الاستدلال بما ذكر لا يضر المناقشة بأن الخبرين لا جابر لهما مع ضعف السند.

[ 121 ]

وأما قبول شهادة الزوج لزوجته فيدل عليه إطلاق الادلة وعمومها وخصوص صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " تجوز شهادة الرجل لا مرأته، والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها " (1). وخبر مروان بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام، أو قال سأله بعض أصحابنا عن شهادة الرجل لامرأته قال: إذا كان خيرا جازت شهادته لا مرأته " (2). وموثق سماعة " سألته عن شهادة الرجل لا مرأته، قال: نعم والمرأة لزوجها قال: لا إلا أن يكون معها غيرها " (3). وهنا إشكال، وهو أن التفصيل بين الزوج والزوجة يستظهر منه أن شهادة الزوج لا مرأته كافية بلا حاجة إلى انضمام عدل آخر، بخلاف شهادة الزوجة لزوجها مع أن الشهادة في المرافعات لابد أن تكون بانضمام، إلا أن يوجه بامكان انضمام اليمين بشهادة الرجل بخلاف المرأة. (وشرط بعض الاصحاب انضمام غيره من أهل الشهادة، وكذا في الزوجة، وربما صح فيها الاشتراط، والصحبة لايمنع القبول كالضيف والاجير على الاشبه، ولا تقبل شهادة السائل بكفه لما يتصف به من مهانة النفس ولا يؤمن خدعه، وفي قبول شهادة المملوك روايتان أشهرهما القبول، وفي شهادته على المولى قولان أظهرهما المنع، ولو اعتق قبلت للمولى وعليه، ولو أشهد عبديه بحمل أنه ولده فورثهما غير الحمل وأعتقهما الوارث فشهدا للحمل قبلت شهادتهما ورجع الارث إلى الولد، ويكره له استرقاقهما، ولو تحمل الشهادة الصبى، أو الكافر، أو العبد، أو الخصم أو الفاسق ثم زال المانع وشهدوا قبلت). أما اشتراط انضمام غير الزوج إليه في قبول شهادة الزوج فيوجه باحتمال رجوع الضمير في صحيح الحلبي في قوله على المحكي " غيرها " إلى الشهادة وعدم حمل " نعم " في موثق سماعة على جواب السائل بل كان مجرد خطاب حيث إنه ليس على خلاف المتعارف، وكان الجواب قوله على المحكي " لا " ورجوع ضمير غيرها

[ 122 ]

إلى الشهادة، فاللازم الانضمام في شهادة الزوج للزوجة وشهادة الزوجة للزوج. ولا يخفى بعد الاحتمالين، وعلى فرض الصحة وحصول الاجمال لزم الانضمام في شهادة المرأة لانها متيقنة، دون شهادة الزوج أخذا بالعمومات أو المطلقات، مع إجمال المخصص أو المقيد. وأما عدم منع الصحبة قبول الشهادة فللعمومات أو الاطلاقات، وعدم دليل على المنع والعدالة تمنع التسامح. وأما عدم قبول شهادة السائل بكفه فادعي عدم الخلاف فيه، ويدل عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام " سألته عن السائل الذي يسئل بكفه هل تقبل شهادته؟ قال: كان أبي لا يقبل شهادته إذا سأل في كفه " (1). وفي خبره المروي عن قرب الاسناد عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن السائل بكفه أيجوز شهادته؟ فقال كان أبي عليه السلام يقول: لا تقبل شهادة السائل بكفه " (2). وصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: رد رسول الله صلى الله عليه وآله شهادة السائل الذي يسأل بكفه، قال أبو جعفر عليهما السلام لانه لا يؤمن على الشهادة، وذلك لانه إن أعطي رضي وإن منع سخط " (3). وعن الشيخ روايته بسنده أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله شهادة السائل يسأل بكفيه لا تقبل - إلى آخر الحديث السابق. وقد يقال: نعم قد يتجه الاقتصار في مخالفة إطلاق الادلة وعمومها على المتيقن من النصوص المزبورة وهو من اتخذ ذلك حرفة، فلو كان ذلك منه مع الضرورة نادرا لم يقدح في شهادته. ويمكن أن يقال: هذا يتم لولا التعليل المذكور لانه إذا كان علة رد الشهادة

[ 123 ]

أنه إذا اعطي رضي وإن منع سخط فالحكم يدور مدار العلة، نعم الظاهر أن العنوان أعني السائل بالكف له المدخلية في الحكم فيدور الامر بين رفع اليد عن مدخلية خصوص العنوان في الحكم والاخذ بعموم العلة أو الاخذ بخصوص العنوان في الحكم وحمل ما يظهر منه العلية على كونه حكمة، ولعل ظهور الثاني أقوى، نعم مع الاجمال يرجع إلى المعوم أو الاطلاق وأما شهادة المملوك بالنسبة إلى غير سيده ففي قبولها وردها خلاف، فالمحكي عن إبن أبي عقيل وأكثر العامة الرد، لصحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " العبد المملوك لا يجوز شهادته " (1). وصحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام " سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا ولاعبد " (2). وموثق سماعة المذكور فيه العبد ممن يرد من الشهود (3). وقيل تقبل مطلقا للعموم والاطلاق، وصحيح ابن مسلم عن الباقر عليه السلام " تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم " وفي نسخة " لا تجوز " (4). وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام " لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا " (5). وخبر بريد عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن المملوك تجوز شهادته؟ قال: نعم إن أول من رد شهادة المملوك لفلان " (6). وخبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام " في شهادة المملوك إذا كان عدلا فانه

[ 124 ]

جائز الشهادة، إن أول من رد شهادة المملوك عمر بن الخطاب، وذلك أنه تقدم إليه مملوك في شهادة فقال: إن أقمت الشهادة تخوفت على نفسي، وإن كتمتها أثمت بربي، فقال: هات شهادتك، أما إنا لا نجيز شهادة مملوك بعدك " (1). وقيل: يقبل مطلقا إلا على مولاه واستدل بصحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام " في رجل مات وترك جارية ومملوكين فورثهما أخ له فأعتق العبدين وولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق أن مولاهما أشهدهما أنه كان يقع على الجارية وأن الحمل منه، قال: يجوز شهادتهما ويردان عبدين كما كانا " (2). مع المناسبة بين المنع فيه بالنسبة إلى المولى مع المنع في الولد بالنسبة إلى الوالد بعد اشتراكهما في وجوب الطاعة وحرمة المعصية. وقيل: لا بأس بشهادة العبد إذا كان عدلا لغير سيده، وفي رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مولاه؟ فقال تجوز في الدين والشئ اليسير " (3). وفي صحيح الجميل " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المكاتب تجوز شهادته؟ فقال: في القتل وحده (4) ". وقد يقال: إن الاشهر بين الاقوال القبول مطلقا إلا على المولى، وأما القول بالرد بنحو الاطلاق فقد انعقد الاجماع على خلافه، ونصوصه وإن كثرت وفيها الصحيح وغيره محمولة على الشهادة على المولى أو على الكراهة أو التقيه، والقول الثاني يعني القول بالقبول بنحو الاطلاق أيضا ضعيف، فإنه وإن حكي عن جماعة لكنه لم يتحقق، بل نسب إلى الندرة، فما هذا شأنه يكاد يقطع بمخالفته للاجماع ويمكن أن يقال: أما القول بعدم القبول بنحو الاطلاق فمع ملاحظة الاخبار الراجعة إلى أن الرد من طرف فلان وأن أول من رد فلان فكيف يمكن القول به؟ بل الاخبار الدالة عليه محمولة على التقية، وأما الاخبار الدالة على القبول بنحو الاطلاق

[ 125 ]

فلا مانع من الاخذ باطلاقها، ومن الغريب دعوى الاجماع على خلافه مع ما ذكر من الاختلاف في المسألة ولا وجه لا ستثناء الشهادة علين المولى إلا ما ذكر من المناسبة مع المنع في شهادة الولد على الوالد ولا يخفى الاشكال فيه لعدم العلم بالملاك في المقيس عليه، مضافا إلى أن الشهادة لاحقاق الحق ليس أمرا يخالف إطاعة الله ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، وإلا لزم عدم جواز الشهادة على الام ولا يلتزمون به. وما يقال من أن الاجماعات المزبورة تكفي في الشهادة على ذلك خصوصا مع تأيده بما أرسله عن كنز العرفان حيث قال: واختلف في شهادة العبد - إلى أن قال: و عن أهل البيت روايات أشهرها وأقواها القبول إلا على سيده خاصة، فتقبل لسيده وغيره وعلى غيره، وبأولويته من الولد بعدم القبول، بناء على أن المنع فيه للعقوق، وبصحيح الحلبي السابق الذي مر الكلام فيه في كتاب الوصية يشكل، حيث إن المسألة كيف تكون إجماعية مع ما ذكر من الاختلاف؟ وما ذكر من التأيد مع الاطلاع باختلاف الروايات والاقوال كيف يفيد؟ والاولوية المذكورة لاوجه لها، وصحيح الحلبي المذكور التقييد المذكور فيه إن كان من كلام الراوي في السؤال لا يستفاد منه المدخليه في الحكم، نعم مخالفة المشهور مشكلة، ولعل الفتوى بلا حجة أشد إشكالا. وقد يؤيد القول المذكور بأن المعلوم المقطوع به عقلا ونقلا عدم قبول إقرار العبد على نفسه باعتبار كونه إقرارا في حق المولى، ولو كان شهادته مقبولة عليه لقبل إقراره عليه بانه باعه من زيد أو وهبه له مثلا، ضرورة كونه من الشهادة على المولى وإن سمي إقرارا. وفيه إشكال، لا مكان الالتزام بعدم نفوذ إقرار العبد بكونه ملك زيد من جهة البيع أو الهبة لانه إقرار في حق المولى، وقبول شهادته إذا كان عدلا وانضم إليه عدل آخر، فيحكم بالملكية لزيد من جهة الشهادة لا من جهة الاقرار وأي محذور فيه؟ وأما مع عتق المملوك فلا إشكال في قبول شهادته للمولى السابق وعليه، للعموم

[ 126 ]

أو الاطلاق وعدم المانع، ويدل عليه خصوص الصحيح " عن الذمي والعبد يشهدان على شهادة، ثم يسلم الذمي ويعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا أشهدا عليه؟ قال: نعم، إذا علم منهما خير بعد ذلك جازت شهادتهما " (1) إلى غير ذلك من النصوص. نعم في القوي: ان شهادته الصبيان إذا اشهدوا وهم صغار جازت إذا اكبروا ما لم ينسوها، وكذلك اليهود والنصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، والعبد إذا شهد على شهادة ثم أعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق، وقال على عليه الصلوة والسلام إن اعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته (2). وظاهر اعتبار عدم الرد قبل العتق في القبول بعده ولم يقل به أحد ظاهرا فوجب الحمل على الرد بفسق ونحوه، كما عن الشيخ، أو على افتقار عود الشهادة إذا ردت قبله ولو للعبودية وأما قوله " وقال علي صلوات الله عليه - إلى آخره " فقيل يشعر بكونه شاهدا لسيده، ومنه يستفاد حينئذ عدم قبول شهادته له قبل العتق للتهمة. والاولى أن يقال: الرواية غير معمول بها عند الاصحاب وما ذكر من التوجيه حاله معلوم. وأما صورة إشهاد المولى عبديه بحمل أم ولده - الخ " فظهر مقبولية الشهادة فيها. وأما كراهة استرقاق الولد الثابت بنوته للمولى بشهادة العبدين فلما في ذيل الموثق عن رجل كان في سفر ومعه جارية وله غلامان مملوكان فقال لهما: أنتما حران لوجه الله واشهدا أن ما في بطن جاريتي هذه مني، فولدت غلاما فلما قدموا على الورثة أنكروا ذلك واسترقوهم، ثم إن الغلامين اعتقا بعد ذلك، فشهدا بعد ما اعتقاد أن مولاهما الاول أشهدهما على أن ما في بطن جاريته منه، قال: تجوز شهادتهما للغلام ولا يسترقهما الغلام الذي شهدا له لانهما أثبتا نسبه. ويشكل من جهه أن ظاهر هذا الموثق حرمة الاسترقاق، ومقتضى الصدر من قوله على المحكي أنتما حران لوجه الله حرية العبدين، ومع حريتهما لا معنى

[ 127 ]

لكراهة استرقاقهما، نعم تعليل عدم استرقاق الغلام بأنهما أثبتا نسبه مناسب لعدم الحرية، وإن كان النظر إلى صحيح الحلبي المذكور ففيه قال: " تجوز شهادتهما ويردان عبدين كما كانا ". ولو تحمل الشهادة الممنوع قبول شهادته من جهة الصبابة، أو الكفر، أو العبودية، أو الخصومة، ونحوها ثم زال المانع فلا إشكال في قبول شهادته للعموم أو الاطلاق في الادلة وعدم المانع، مضافا إلى خصوص ما ورد من ذلك في الصغير واليهودي والنصراني وغيرهم من الاخبار المعتبرة المستفيضة، نعم في صحيحة جميل منها: سئل الصادق عليه السلام عن نصراني أشهد على الشهادة ثم أسلم بعد أتجوز شهادته؟ قال: لا (1) قال الشيخ قدس سره: بانه شاذ وحمله على التقية، وغيره على إرادة رد الشهادة التي شهدها حين الكفر، أو غير ذلك. (السادس طهارة المولد فلا تقبل شهادة ولد الزنا، وقيل: تقبل في الشئ الدون وبه رواية نادرة، ويلحق بهذا الباب مسائل: الاولى التبرع بالاداء قبل الاستنطاق يمنع القبول لتطرق التهمه، وهل يمنع في حقوق الله تعالى؟ تردد، والثانية الاصم تقبل شهادته فيما لا يفتقر إلى السماع، وفي رواية يؤخذ بأول قوله، وكذا تقبل شهادة الاعمى فيما لا يفتقر إلى الرؤية). أما اشتراط طهارة المولد في الشاهد فهو المشهور بين الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - ويدل عليه الاخبار المعتبرة، منها صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا ولا عبد " (2). وخبر أبي بصير " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن ولد الزنا أتجوز شهادته؟ فقال: لا، فقلت إن حكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز، فقال: اللهم لا تغفر ذنبه ما قال الله للحكم: " فإنه لذكر لك ولقومك " وعن بصائر الدرجات روايته مسندا إلى أبان بن عثمان، وكذا عن الكشي في كتاب الرجال مع زيادة " فليذهب الحكم يمينا وشمالا فوالله

[ 128 ]

لا يؤخذ العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل (1) ". وخبر محمد بن مسلم " قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تجوز شهادة ولد الزنا " (2). وخبر زرارة " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: لو أن أربعة شهدوا عندنا بالزنا على رجل وفيهم ولد زنا لحددتهم جميعا لانه لا تجوز شهادته " (3) إلى غير ذلك من النصوص. فلا مجال للمناقشة من جهة قصور الصحيح المذكور من جهة الدلالة، ولعله من جهة ذكر العبد فيه، مع أن العبد يقبل شهادته، وقصور السند في ساير الاخبار، وذلك لانجبار ضعف السند بعمل المشهور، ومع فرض الاسلام والعدالة والمشمولية للعموم أو الاطلاق في الادلة يخصص أو يفيد بما ذكر. وأما الرواية المشار إليها فهي رواية عيسى بن عبد الله المشترك كما قيل بين الثقة وغيره عن الصادق عليه السلام " سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا تجوز إلا في شئ يسير إذا رأيت منه صلاحا " (4). والمشهور عدم العمل بمضمونها أو الحمل على التقيه. وأما المسائل الملحقة بهذا الباب فالاولى منها: التبرع بأداء الشهادة يمنع قبولها وادعي الاجماع عليه، وقد يستدل بتطرق التهمة فيدل على المنع ما دل على عدم قبول شهادة المتهم، وبما حكي من النبوي في مقام الذم " ثم يجئ قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها " وفي لفظ آخر " ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد " (5). وتنظر في الوجهين حيث إنه كثيرا لا يتطرق التهمة كما لو كان الشاهد جاهلا بالحكم أو يكون المشهود له عدوا ويتوهم لزوم الشهادة عليه، والنبوي ما نعرف سنده

[ 129 ]

فضلا عن صحته، فالعمدة تسلم المنع بنحو الاطلاق مع عدم ظهور التهمة، هذا في حقوق الآدميين، وأما حقوق الله تعالى فلا وجه لرد الشهادة بها لعدم تحقق الاجماع وعدم ظهور التهمة بل الشهادة للمصالح العامة، كالقناطير، المدارس كذلك مانع من قبولها فمقتضى العموم أو الاطلاق في ادلة قبول الشهادة قبولها. وقد يقال في وجه تردد المصنف - قدس سره - إنه ناش من أن التهمة المانعة عن القبول في حقوق الآدميين موجودة، ومن أن الشهادة في حقوق الله والمصالح العامة لا مدعي لها فلولم تقبل الشهادة فيها لادى ذلك إلى سقوطها. ويمكن أن يقال: لو كانت الجهة المانعة التهمة لزم الاقتصار على الصورة تحققها لا الحكم بالمنع في صورة كون المشهود به من حقوق الآدميين بنحو الاطلاق، وإن كانت الاجماع فلا بد من الاقتصار على المجمع عليه وليس حققو الله تعالى والمصالح العامة مما اجمع على رد شهادة المتبرع بها بالنسبة إليها، فالمرجع العموم أو الاطلاق في أدلة قبول الشهادة، إلا أن يمنعا، فلا حاجة إلى التمسك بلزوم السقوط. وأما قبول شهادة الاصم فيما لا يفتقر إلى السماع فلعموم الادلة أو إطلاقها. وأما الرواية المشار إليها فهي رواية جميل " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شهادة الاصم في القتل، فقال: يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بالثاني (1) ". ولم يعرف القول بمضمونها إلا من الشيخ في النهايه، والقاضي وابن حمزة وقد يقال بعد التضعيف وأيضا القول بالموجب فان القول الثاني للاصم إن كان منافيا للاول فهو رجوع فيه فلا يقبل، وإ ن لم يكن منافيا لم يكن ثاينا بل شهادة اخرى مستأنفة، وتنظر فيه بأنه مع عدم المنافاة لا يؤخذ به وإذا عمل بالرواية والقائل باعتباره مطلقا لا يعمل بالرواية، ويمكن أن لا يكون منافيا وفيه زيادة أو نقصان بالنسبة إلى القول الاول من دون أن يكون شهادة مستقلة فلا اعتبار له أيضا من جهة الرواية، وأيضا في صورة المنافاة يرد القول الثاني إذا كان بعد حكم الحاكم بالشهادة الاولى، ولو كانت قبل الحكم ردت الشهادة الاولى دون الثانية.

[ 130 ]

ويمكن أن يقال: الظاهر في أمثال المقام حيث يقال يؤخذ بالقول الاول لا الثاني النظر إلى صورة منافاة القول الثاني للقول الاول، كما يقال في شهادة الصبيان يؤخذ بما قالوا أولا فلا نظر إلي صورة كون القول الثاني مؤكدا للاول أو كلاما مستقلا، وما ذكر من أن القول المنافي بعد الحكم لا يرد الحكم صحيح لكن يوجب الغرامة على الشاهد، وهذا ليس ردا لقوله الثاني والمشهور لم يعلموا بمضمون هذه الرواية. وكذا يقبل شهادة الاعمى فيما لا يفتقر إلى الرواية، لما ذكر من العموم و الاطلاق، ويدل عليه خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام " سألته عن شهادة الاعمى فقال: نعم إذا أثبت (1) ". ثم إن ظاهر المتن قبول شهادة الاصم فيما لا يفتقر إلى السماع، وقبول شهادة الاعمى فيما لا يفتقر إلى الرؤية، فشهادة الاصم فيما يفتقر إلى السماع وشهادة الاعمى فيما يفتقر إلى الرؤية، غير مقبولة، ولو حصل العلم لهما من سماع الغير مع التواتر أو من القرائن، ومن رؤية الغير كذلك ولا يخفى الاشكال فهى، لان وجه الاشكال إما من جهة أخذ الحضور في الشهادة، أو من جهة عدم العموم أو الاطلاق، فإن كان من جهة أخذ الحضور فاللازم عدم تحقق الشهادة بالنسبة إلى ملكة العدالة لعدم تصور الحضور وإن كان من جهة عدم الاطلاق وعدم العموم فاللازم قيام الدليل على قبول الشهادة بالنسبة إلى كل مورد بالخصوص وليس كذلك، وإن كان المدار حصول القطع فالقطع كما يحصل برؤية شخص الشاهد كذلك يحصل برؤية غيره، وكما يحصل بسماع شخص الشاهد يحصل بسماع غيره. (الثالثة: لا تقبل شهادة النساء في الهلال والطلاق، وفي قبولها في الرضاع تردد أشبهه القبول ولا تقبل في الحدود، وتقبل مع الرجال في الرجم على تفصيل يأتي، وفي الجراح والقتل، بأن يشهد رجل وامرأتان، ويجب بشهادتهن الدية لا القود، وفي الديون مع الرجال ".

[ 131 ]

أما عدم قبول شهادة النساء في الهلال فيدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر حماد بن عثمان " لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال ولا يقبل في الهلال إلا رجلان عدلان (1) " " وقول أحدهما عليهما السلام على المحكي في صحيح العلاء " لا تجوز شهادة النساء في الهلال (2) ". نعم قال الصادق عليه السلام على المحكي في خبر داود بن الحصين " لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة (3) " وقد يقال لا دلالة فيه على ثبوت الهلال بذلك بل أقصاه جواز الصوم استظهارا. ويمكن أن يقال إذا شهدت امرأة واحدة برؤية هلال رمضان فإن صام المكلف بقصد القضاء أو قصد الصوم الندبي بقصد آخر شعبان فلا أثر لشهادة المرأة، وإن صام بقصد رمضان فما دل على عدم صحة الصوم بقصد رمضان ولو رجاء يكون معارضا مع هذا الخبر. وأما عدم قبول شهادة النساء في الطلاق فيدل عليه خبر زرارة " سئل الباقر عليه الصلوة والسلام عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم ولا تجوز في الطلاق - إلى أن قال: قلت تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم، قال: لا (4) ". وخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن على صلوات الله عليه " انه كان يقول شهادة النساء لا تجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا في حدود إلا في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه (5) ". وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن شهادة النساء في النكاح، فقال: يجوز إذا كان معهن رجل، وكان علي عليه السلام يقول: لا اجيزها في الطلاق - الحديث " (6). وخبر إبراهيم الحارثي (7) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تجوز شهادة النساء

[ 132 ]

فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه ويشهدوا عليه وتجوز شهادتهن في النكاح ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم - الحديث " وخبر محمد بن الفضيل " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح، أو طلاق، أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهن رجل، تجوز شهادتهن في النكاح إذا كان معهن رجل وتجوز شهادتهن في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزنا والرجم ولا تجوز شهادتهن في الطلاق والدم " (1). وأما شهادة النساء في الرضاع فجوازها محكي عن جماعة تمسكا باندارج الرضاع في الامور التي لا يطلع عليها إلا النساء غالبا ولا يجوز للرجال النظر إليه، مؤيدا بإطلاق قول الباقر عليه السلام في خبر ابن أبي يعفور " تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات (2) ". وبالمفهوم في مرسل ابن بكير عن الصادق عليه السلام في امرأة أرضعت غلاما وجارية قال: يعلم ذلك غيرها، قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها. ويمكن أن يقال: أما خبر ابن أبي يعفور فالظاهر أنه في مقام بيان شرط قبول أصل الشهادة، كما دل على اشتراط العدالة وغيرها من شروط قول أصل الشهادة، و أما المرسل فالظاهر أنه في مقام بيان أن مجرد قول المرأة لا يكفي ولا تصدق وإلا لزم كفاية انضمام كل من كان غير المرأة فاسقا كان أو عادلا، وفي اندراج الرضاع فيما لا يطلع عليها إلا النساء تأمل، فإن الرضاع مما يمكن أن يطلع عليه محارم المرضعة الرجال، بل المحكي عن ظاهر المبسوط عن الاصحاب أنهم رووا أنه لا تقبل شهادة النساء في الرضاع، وإن استشكل بأن الرواية مع إرسالها غير موجودة في الاصول، ولا مقبولة عند الشيخ في الموضع الذي نقلها.

[ 133 ]

واما عدم قبول شهادتهن في الحدود فلرواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي صلوات الله علهيم " قال: لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القود " (1). ورواية اخرى " كان علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يقول: لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا قود ". ولعله لا يضر ضعف السند، للشهرة أو الاجماع، وربما يعارض في القود بصحيحة ابن دراج وابن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قالا " قلنا أيجوز شهادة النساء في الحدود؟ قال: في القتل وحده، إن عليا صلوات الله عليه كان يقول: لا يبطل دم رجل مسلم (2) ". واما قبول شهادتهن مع الرجال في الرجم فيدل عليه صحيح عبد الله بن سنان " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا تجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثه رجال وامرأتان (3) ". وحسن الحلبي " سألته عن شهادة النساء في الرجم، فقال: إذا كان ثلاثة رجال وأمرأتان، فإذا كان رجلان وأربع نسوة لم يجز في الرجم (4) ". واما قبول شهادتهن في الجراح والقتل بالنحو المذكور في المتن فيدل عليه ما في خبر الكناني قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه " شهادة النساء تجوز في النكاح " قال فيه أيضا " تجوز شهادتهن في الدم مع الرجال (5) ". وفي صحيح جميل وابن حمران عن الصادق عليه السلام " أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ قال: في القتل وحده، إن عليا عليه السلام كان يقول لا يبطل دم امرء مسلم " (6). في مضمر زيد الشحام " قلت أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم، قال: نعم " (7).

[ 134 ]

ثم بعد الجواز مع الرجال ولزوم شهادة رجلين وكون امرأتين بمنزلة رجل واحد لابد في جواز شهادة النساء من اجتماع رجل وامرأتين. ويمكن الاستدلال بقوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) وبعد الجواز يثبت الدية لا القود، إلا أن يقال يثبت الدية فيما كان الجناية موجبة للدية لا القصاص، واما صورة إيجاب الجناية القصاص واحتيج في الرجوع إلى الدية إلى رضا الاولياء فيشكل ثبوت الدية لعدم جواز شهادتهن في القود. إلا ان يتمسك بما دل على عدم بطلان دم المسلم لما ذكر في رواية غياث بن إبراهيم والرواية الاخرى المذكورتين من عدم جواز شهادتهن في الحدود والقود. وفي قبال ما ذكر من عدم قبول شهادة النساء فيما ذكر مع الانفراد الصحيح و غيره ففي الاول وهو خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في غلام شهدت عليه امرأة إنه دفع غلاما في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرء، وعن الصدوق روايته باسقاط قوله بحساب - الخ، وفي الثاني وهو خبر عبد الله بن حكم (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة شهدت على رجل إنه دفع صبيا في بئر فمات قال: على الرجل ربع دية الصبى بشهادة المرأة). لكن المشهور عدم العمل بهما بل ادعي الاجماع على خلافهما وأما قبول شهادتهن مع الرجال في الديون فيدل عليه قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين - الخ). وفي صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام (تجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين؟ قال: نعم). وفي خبر محمد بن خالد الصيرفي (كتبت إلى الكاظم عليه السلام في رجل مات وله ام ولد وقد جعل لها سيدها شيئا في حياته ثم مات، فكتب لها ما آناها سيدها في حياته معروف

[ 135 ]

ذلك لها يقبل على ذلك شهادة الرجل والمرأة والخدم غير المتهمين). (ولو انفردن كالمرأتين مع اليمين فالاشبه عدم القبول، ويقبلن منفردات في العذرة وعيوب النساء الباطنة وتقبل شهادة القابلة في ربع ميراث المستهل، وامرأة واحدة في ربع الوصية، وكذا كل امرأة تثبت شهادتها في الربع حتى يكملن أربعا فتقبل شهادتهن في الوصية أجمع، ولا ترد شهادة أرباب الصنايع المكروهة كالصياغة، والصنايع الدنية كالحياكة والحجامة، ولو بلغت الدناءة كالذبال والوقاد ولا ذوي العاهات كالاجذم والابرص) لو انفردت النسوة كالمرأتين مع اليمين فالاشبه عند المصنف - قدس سره عدم القبول في الديون، وأخذا بالاصل، أو استفادة الحصر مما دل على جواز شهادتهن مع الرجال بالنحو المذكور فيها، ويستفاد جواز شهادة النساء مع اليمين من صحيح منصور بن حازم قال: حدثني الثقة عن أبي الحسن عليه السلام قال: (إذا شهد لصاحب الحق امرأتان ويمينه فهو جائز ونحوه صحيحه الآخر من دون إرسال، حسن الحلبي عن الصادق عليه السلام (إن رسول الله صلى الله عليه وآله أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين يحلف بالله إن حقه لحق) وأما قبول شهادتهن في العذرة وعيوب النساء فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه الاخبار المستفيضة كصحيح العلاء عن أحدهما عليهما السلام (سألته هل تجوز شهادتهن وحدهن؟ قال نعم في العذرة والنساء). وخبر داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اجيز شهادة النساء في الغلام صاح أو لم يصح، وفي كل شئ لا ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه). وقال الصادق عليه السلام - علي المحكي - في صحيح ابن سنان: تجوز شهادة النساء وحدهن في كل مالا يجوز للرجال النظر إليه، وتجوز شهادة القابلة وحدها في

[ 136 ]

المنفوس. وقال أيضا - عل المحكي في خبر السكوني: اتي أمير المؤمين صلوات الله عليه بمرأة بكر زعموا أنها زنت، فأمر النساء فنظرن إليها فقلن هي عذراء، فقال: ما كنت لاضرب من عليها خاتم من الله تعالى، وكان يجيز شهادة النساء في مثل هذا. وقال أيضا علي المحكي في خبره الآخر: (في امرأة ادعت أنها قد حاضت في ثلاث حيض في شهر واحد: كلفوا النسوة من بطانتها أن حيضها كان فيما مضى على ما ادعت، فإن شهدن صدقت وإلا فهي كاذبة). وفي مضمر عبد الرحمن ابن أبي عبد الله (سألته عن المرأة تحضرها وليس عندها إلا امرأة أتجوز شهادتها أم لا تجوز فقال: تجوز شهادة النساء في المنفوس والعذرة). وفي خبر ابن بكير (تجوز شهادة النساء في العذرة وكل عيب لا يراه الرجال). واما قبول شهادة القابلة في ربع ميراث المستهل فالظاهر عدم الخلاف فيه، و يدل عليه صيحح عمربن يزيد (سألته عن رجل مات وترك امرأة وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاما، ثم مات الغلام بعدما وقع إلى الارض، فشهدت المرأة التي قبلتها انه استهل وصاح حين وقع إلى الارض، ثم مات، قال: على الامام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام) وفي رواية ابن سنان عنه (وإن كانتا امرأتين، قال تجوز شهادتهما في النصف من الميراث) وعن الفقيه بعدما حكى صحيح عمربن يزيد قال: وفي رواية اخرى (إن

[ 137 ]

كانتا امرأتين تجوز شهادتهما في نصف الميراث وإن كن ثلاث نسوة جازت شهادتهن في ثلاثة أرباع الميراث، وإن كن أربعا جازت شهادتهن في الميراث كله). وعليه يحمل ما سمعته في النصوص من قبول شهادة القابلة وحدها في المنفوس. ويمكن أن يقال: مقتضى ترك الاستفصال فيما ذكر عدم اشتراط العدالة في المرأة القابلة ولا مانع منه، ألا ترى أن المرأة مصدقة في عدم الزوج لها وفي حيضها بلا اعتبار العدالة. وأما قبول شهادة المرأة في ربع الوصية فاستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر ربعي في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصي ليس معها رجل، فقال: يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها. وقول أبي جعفر عليه السلام على المحكي قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في وصية لم يشهدها إلا امرأة أن تجوز شهادتها في ربع الوصية إذا كانت مسلمة غير مريبة. وفي قبال ما ذكر أخبار تخالفها لكن الاصحاب لم يعملوا بها، وقد ذكرت تلك الاخبار في كتاب الوصايا. ولا يخفى أنه لا يستفاد مما ذكر الاطلاق لما كان في حال وصية الموصي غير المرأة حاضرا فالتعميم محل إشكال. وأما ثبوت الكل بشهادة أربع نساء فالظاهر عدم الخلاف فيه، وقد يدعى القطع بأن كل موضع تقبل فيه شهادة النساء لا يثبت بأقل من ربع، فالمرأتان يثبت بشهادتهما النصف، والثلاث ثلاثة أرباع. وأما عدم رد شهادة المذكورين في المتن فلا خلاف فيه ظاهرا بعد استجماع شرائط قبول الشهادة، واستدل عليه بعموم أدلة قبول الشهادة، ولا معارض إلا ما حكي عن بعض العامة من أن اشتغالهم بهذه الحرف يشعر الخسة وقلة المروة، إلا أن يكون

[ 138 ]

الاشتغال بمثل هذه الحرف منافيا للمروة بالنسبة إلى المشتغل وقلنا في باب العدالة إن ارتكاب المنافي للمروة مناف للعدالة. (الثاني فيما به يصير شاهدا، وضابطه العلم ومستنده المشاهدة أو السماع، فالمشاهدة للافعال كالغصب والقتل والسرقة والرضاع والولادة والزنا واللواط، أما السماع فيثبت به النسب والملك والوقف والزوجية، ويصير الشاهد متحملا بالمشاهدة لما تكفي فيه وبالسماع لما يكفي [ تكفل - خ ل ] به السماع وإن لم يستدعه المشهود عليه، وكذا لو قيل له لا تشهد فسمع من القائل ما يوجب حكما، وكذا لو خبئ فنطق المشهود عليه) لابد في الشهادة من العلم لقوله صلى الله عليه وآله - على المحكي - وقد سئل عن الشهادة: (هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أودع) وقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر علي بن غياث (لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك). وفي خبر السكوني قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تشهد بشهادة لا تذكرها فإنه من شاء كتب كتابا ونقش خاتما). وخبر الحسين بن سعيد قال: (كتب إليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك جاءني جيران لنا بكتاب زعموا أنهم أشهدوني على ما فيه، وفي الكتاب اسمي بخطي قد عرفته، ولست أذكر الشهادة وقد دعوني إليها، فأشهد لهم على معرفتي أن اسمي في الكتاب ولست أذكر الشهادة، أو لا تجب الشهادة علي حتى أذكرها كان اسمي في الكتاب أولم يكن، فكتب عليه السلام لا تشهد) وفي قبال ما ذكر خبر عمر بن يزيد ((قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل يشهدني على شهادة فأعرف خطي وخاتمي، ولا أذكر من الباقي قليلا ولا كثيرا، قال: فقال لي:

[ 139 ]

إذا كان صاحبك ثقه ومعه رجل ثقة فاشهد له). وصحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يكون في داره، ثم يغيب عنها ثلاثين سنة، ويدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه، ونحن لا ندري ما أحدث في داره، ولا ما حدث له من الولد، إلا انا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئا ولا حدث له ولد، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل إن هذه الدار دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان، أو نشهد على هذا، قال: نعم، قلت: الرجل يكون له العبد والامة فيقول: أبق غلامي أو أبقت أمتي، فيؤخذ في البلد فيكلفه القاضي البينة: ان هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه، أفنشهد على هذا إذا كلفناه ونحن لم نعلم أنه أحدث شيئا؟ فقال عليه السلام: كل ما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به). لكن في خبره الآخر (قلت له إن ابن أبي ليلى يسئلني الشهادة ان هذه الدار مات فلان وتركها ميراثا، وإنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: إشهد بما هو علمك، قلت إن ابن أبي ليلى يحلفني الغموس، فقال احلف إنما هو على علمك). والمحكى عن التنقيح كفاية حصول العلم بالمشهود به حين التحمل وإن جوز حصول النقيض فيما بعد في كثير من الصور كالشاهد بدين مع تجويز رده، والشاهد بملك مع تجويز انتقاله، والشاهد بزوجية امرأته مع تجويز طلاقها، بل يكفيه الاستصحاب، وفي الوسائل باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بناء الملك وعدم المشارك في الارث. وأورد عليه بأنه من الواضح اعتبار الجزم والعلم في الشهادة، كتابا وسنة، فلا يكون الشاهد شاهدا وهو غير عالم، فالمراد بالشهادة بالاستصحاب إن كان بالمستصحب فهي شهادة بعلم لا بالاستصحاب، وإن اريد الشهادة بالاستصحاب بمعنى الشهادة الآن بشغل ذمته وكونها زوجته وإن لم يكن عالما بذلك فلا ريب في عدم صدق تعريف الشهادة عليه، بل هو شاهد بما لا يعلم، فان الاستصحاب وإن قلنا بحجيته شرعا لكن ليس حجة

[ 140 ]

في جواز الشهادة به. ويمكن أن يقال: إن كان النظر إلى لزوم الجزم بالملكية أو الزوجية و نحوهما حين الشهادة بحيث لا يحتمل خلاف المشهور به فاللازم سد باب الشهادة في أمثال ما ذكر، لان الارض أو الدار أو غيرهما في يد زيد مثلا إذا علم الشاهد بكونها بيده و يتصرف كيف شاء فلا إشكال في جواز الشهادة بمملوكيتها لزيد، مع أنه يمكن أن يكون مبيعا لعمرو، وكان زيد البايع متصرفا غصبا، ومع فرض القطع بعدم البيع والهبة يكون هذا الاحتمال باقيا بالنسبة إلى مالكها السابق على زيد، وهكذا بالنسبة إلى السابق، فلا يبقى إلا الشهادة بالملكية من جهة اليد والتصرف، ولا إشكال في أن اليد لا توجب القطع بالملكية، فإن الايادي العدوانية كثيرة، وكذلك الشهادة بالزوجية، فإن المرأة يحتمل كونها محرمة على المرء من جهة الرضاع، أو كونها ذات بعل أو كافرة باطنا، وكذلك الشهادة بالعدالة، فإن الملكة الراسخة ليست محسوسة، و من المحتمل أن يكون الشخص المعدل غير مسلم واقعا، أو كونه فاسقا باطنا، وظهور الصلاح على خلاف الواقع، فإذا جاز الشهادة من جهة اليد والتصرف بالملكية أو بالزوجية مع ابتنائها على عدم الرضاع الموجب للحرمة بمقتضى الاصل أعني الاستصحاب فما المانع من جواز الشهادة من جهة الاستصحاب. ولعله يدل على ما ذكر رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له رجل: (أرايت إذا رأيت شيئا في يدي رجل أيجوز لي أن أشهد إنه له؟ قال نعم، قال الرجل: أشهد إنه في يده ولا أشهد إنه له، فلعله لغيره، فقال له أبو عبد الله عليه السلام فيحل لك اشترائه منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد الله عليه السلام فلعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه، ويصير ملكا لك، ثم تقول الملك لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك، ثم قال الصادق عليه السلام لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق).

[ 141 ]

وهذه الرواية وإن ضعفت من جهه السند من جهة حفص وغيره إلا انها بمنزلة استدلال لا يبقى معه شبهة، ومثل هذا الاستدلال بعيد أن يكون صادرا من مثل حفص وأمثاله، ولعل مارود من الاخبار على التشديد في باب الشهادة، والشهادة كما تعرف كفك، وعلى مثلها يعني الشمس فاشهد أودع ونحوهما، محمولة على الشهادة من جهة الظن أو الاطمينان بلا حجة. ثم إن الظاهر لزوم العلم بأي نحو حصل، فلو حصل العلم من السماع فيما يكون حصول العلم به غالبا بالرؤية، أو من المشاهدة فيما يكون حصول العلم به من السماع كفى، فما يظهر من كلماتهم من التفرقة لعل النظر فيه إلى الغالب. والشاهد يتحمل الشهادة ولو لم يستدعه المشهود له، بل ولو كان المشهود عليه كارها، أو خبئ فنطق المشهود عليه، لعدم الدليل على اشتراط شئي مما ذكر في اعتبار شهادة الشاهد وقد يتوجه الذهن إلى حصول الاتهام في صورة اختباء الشاهد من جهة حصول الحرص على الشهادة كشهادة المتبرع بالشهادة بدون استدعاء الحاكم، لكن القائلين باشتراط الاستدعاء لم يقولوا بالمانعية أو اشتراط عدم الاختباء في المقام. (وإذا دعي الشاهد للاقامة وجب إلا مع ضرر غير مستحق، ولا يحل الامتناع من التمكن، ولو دعي للتحمل فقولان، المروي الوجوب، ووجوبه على الكفاية، ويتعين مع عدم من يقوم بالتحمل، ولا يشهد إلا مع المعرفة أو شهادة عدلين بالمعرفة، ويجوز أن تسفر المرأة ليعرفها الشاهد ويشهد على الاخرس بالاشارة، ولا يقيمها بالاقرار.) إذا دعي الشاهد لاقامة الشهادة بعد تحملها وجب إقامتها، بلا خلاف ظاهرا، بل ادعي عليه الاجماع، ويدل عليه قوله تعالى (ومن يكتمها فانه آثم قلبه) وفي خير جابر المروى بعدة طرق في كتب متعددة عن أبي جعفر عليهما السلام (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من كتم شهادة أو شهد بها لتهدر دم امرء مسلم أو ليزوي مال امرء مسلم اتي يوم القيامة

[ 142 ]

ولوجهه ظلمة مد البصر، وفي وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه ونسبه). وفي دلالته لحرمة مطلق كتمان الشهادة إشكال، إلا أن يتمسك بقول أبي جعفر عليه السلام: (ألا ترى أن الله تعالى يقول أقيموا الشهادة لله). وفي حديث المناهي (نهي عن كتمان الشهادة، قال ومن كتمها أطعمه الله لحمه على رؤس الخلائق، وهو قول الله عزوجل ولا تكتموا الشهادة). وفي حديث النص على مولانا الرضا عليه السلام إنه قال: وإن سئلت عن الشهادة فأدها فإن الله تعالى يقول (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) وقال (ومن أظلم ممن كتم شهادة) إلى غير ما ذكر من النصوص وظاهر الادلة الوجوب عنيا، وادعي إطباق الاصحاب على كون الوجوب كفائيا، مؤيدا بظهور كون الحكمة في وجوب الاداء وحرمة الكتمان ضياع الحق ومن المعلوم عدم توقف ذلك علي شهادة الجميع، وأنه يكفي فيه ما يقوم به من الشهود دون ما زاد، وهذا معنى الكفائي ويمكن أن يقال: على هذا لو لم يتوقف وصلو الحق إلى ذي الحق على أصل الشهادة لا يجب أصل الشهادة، والحاصل أن ما ذكر إن كان عله للوجوب فاللازم مع عدم العلة عدم الوجوب، وإن كان حكمة فمع عدمها لا يرتفع الوجوب العيني المستفاد من الادلة، ولامانع منم كون شئ واجبا لوجوب العيني وسقوطه بفعل الغير من جهة حصول الغرض ووصول الحق إلى ذي الحق ثم إن ظاهر الاخبار المذكورة عدم الفرق في وجوب أداء الشهادة بين كون التحمل باستدعاء المشهود له وبين ما كان بلا استدعاء، وقد يقال بعدم الوجوب مع عدم الاستدعاء لصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام (إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت).

[ 143 ]

وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار، إن شاء شهد وإن شاء سكت، وقال إذا اشهد لم يكن له إلا أن يشهد) وخبر محمد بن مسلم (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما، قال: ذلك إليه، إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد، وإن شهد شهد بحق قد سمعه، وإن لم يشهد فلاشئ لانهما لم يشهداه). وموثق ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام (إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار، إن شاء شهد وإن شاء سكت، إلا إذا علم من الظالم فيشهد، ولا يحل له إلا أن يشهد) ومرسل يونس عن الصادق عليه السلام (إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار، إن شاء شهد وإن شاء سكت، إلا إذا علم من الظالم فيشهد، ولا يحل له أن لا يشهد). ويمكن أن يقال: النسبة بين هذه اللاخبار والاخبار السابقة عموم و خصوص مطلقا، لكن لا يبعد أن يقال: إن الاولى المذكورة آبية عن التخصيص، فلاحظ حديث المناهي وحديث النص وفيه ذكر قول الله تعالى (إن الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها) وقوله تعالى (ومن أظلم ممن كتم شهادة) والمعروف أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعدما أراد الشهادة من أنس بن مالك فكتم الشهادة دعى عليه فابتلي بالبرص، مع أنه لم يعهد استدعائه للشهادة، ولم يتوقف ثبوت حق أمير المؤمنين صلوات الله عليه على شهادته. وأما استثناء صورة توجه ضرر غير مستحق إلى الشاهد فلقاعدة لاضرر، و نفي العسر والحرج، وفي الخبر (أقم الشهادة - إلى أن قال - وإن خفت على أخيك ضيما

[ 144 ]

فلا). وفي آخر قال رجل من مواليك عليه دين لرجل مخالف يريد أن يضره ويحبسه وقد علم أنه ليس عنده ولا يقدر عليه، وليس لغريمه بينة، هل يجوز له أن يحلف له فيدفعه عن نفسه حتى يسر الله تعالى له، وإن كان عليه الشهود من مواليك قد عرفوه أنه لا يقدر هل يجوز أن يشهدوا عليه، قال لا يجوز أن يشهدوا عليه ولا ينوى ظلمه إلى غير ذلك من النصوص. واحترز بالمستحق عما لو كان للمشهود عليه حق على الشاهد يطالبه عليه على تقدير الشهادة ويمهله أو يسامحه بدونها فلا يعد ذلك عذرا لانه مستحق عليه مع فرض قدرته على الوفاء، هذا، ولا يخفى أن مثل هذا لا يعد ضررا. ويمكن أن يقال: دليل نفي الضرر وإن بني على حكومته بالنسبة إلى أدلة الواجبات، والمحرمات لكن الظاهر أن رفع الحكم الوجوبي أو التحريمي من جهة المزاحمة، فمع أهمية الواجب لا يرفع اليد عن الواجب بملاحظه الضرر وإن كان معتدا به وأما ما ذكر من الاخبار فمع عدم الاشكال فيها من جهه السند لا مانع من تقييدها وعدم الاكتفاء بمطلق الضرر أو الحرج حتى مع الاعتداد بهما. وأما وجوب تحمل الشهادة مع الدعوة فهو المشهور، واستدل عليه بقوله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) ملاحظة صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الآية قال: قبل الشهادة، وفي قوله تعالى (ومن يكتمها (قال: بعد الشهادة. وخبر داود بن سرحان عنه أيضا قال. (لا يأب الشاهد أن يجيب حين يدعى قبل الكتاب). وخبر محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام (في قول بالله عزوجل: ولا يأب - إلى

[ 145 ]

آخرها، فقال: إذا دعاك الرجل لتشهد على دين أو حق لم يسع لك أن تتقاعس عنه). وفي موثق سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام لا ينبغي لاحد إذا دعي إلى شهادة يشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم، ونحوه خبر الكناني عنه أيضا مع زيادة (وذلك قبل الكتاب) والمحكي عن ابن إدريس عدم الوجوب، وعنه أن المراد بالآية أدائها، لا تحملها لظهور لفظ المشتق في ذلك. ولا يفخى أنه مع التفسير المروي عن الامام عليه السلام لا مجال لهذا، نعم يشهد له ما عن تفسير العسكري عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في قوله الله ولا يأب - إلى آخرها: من كان في عنقه شهادة فلايأب إذا دعي لاقامتها ولينصح فيها، ولا تأخذه فيها لومة لائم، وليأمر بالمعروف وينه عن المنكر - وقال فيه ايضا في خبر آخر - انها نزلت في ما إذا ادعي لسماع الشهادة أبى، ونزلت فيمن امتنع عن أداء الشهادة إذا كانت عنده (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها - إلى آخرها). وقد يقوى الكراهة لان الاية مع طولها مشتملة على الآداب، بل ملاحظة ما قبلها وما بعدها فضلا عن قوله ولا تسئموا إلى آخرها يورث الظن القوي بكون ذلك منها أيضا، مؤيدا بإشعار لفظ ينبغي ونحوه في النصوص المزبورة، بل شدة التوعد على كتمانها وزيادة المبالغة فيه مع تركه على التحمل فيه إشعار آخر، بل يظهر من الصدوق المفروغية من عدم الوجوب حيث إنه بعد أن روى في المحكي من فقيهه (قيل للصادق عليه السلام: إن شريكا يرد شهادتنا، فقال: لا تذلوا أنفسكم) قال: ليس يريد بذلك النهي عن إقامتها، لان إقامة الشهادة واجبة، إنما يعني بها تحملها يقول: لا تتحملوا الشهادة فتذلوا أنفسكم بإقامتها عند من يردها، بل هو فتوى المصنف في النافع، قال ويكره أن يشهد للمخالف إذا خشي استدعائه إلى حاكم يرد شهادته.

[ 146 ]

ويمكن أن يقال: إذا كان الكلام مشتملا على الآداب والسنن غير الواجبة وما يكون ظاهرا في الوجوب يشكل الاخذ بظهوره من جهة وحدة السياق، وأما إذا كان الكلام مشتملا على الواجب المؤكد وما يكون ظاهرا في الوجوب كيف لا يؤخذ بظهوره من جهة ذكر المستحب، وكيف وحدة السياق مع الواجب المحقق وجوبه لا توجب وجوبه، ومجرد ذكر لا ينبغي في الموثق المذكور لا يوجب رفع اليد عن ظواهر سائر الاخبار، مع أن هذا التعبير اجتمع مع الوجوب في بعض الموارد كما في الجهر والاخفاء في الصلوات اليومية. وأما المحكي عن الفقيه قيل للصادق عليه السلام إن شريكا يرد - الخ، فالظاهر أنه لا يشهد لما ذكر، لان تحمل الشهادة وأدائها من قال بوجوبهما لا أظن أن يقول بوجوبهما للشهادة عند من لا أهلية له للحكومة الشرعية، كيف والشهادة لحكم الحاكم ليحكم الحاكم، والتحاكم إلى مثل شريك ممنوع، فالشهادة عند كالشهادة عند أفراد الناس، وعلى فرض الوجوب لاأظن أن يقول بالوجوب عند من يرد الشهادة، بل الرواية على تقدير صدورها عن الامام عليه السلام ظاهرة في النهي عن أداء الشهادة عند من يردها، فلا شهادة لها بالنسبة إلى التحمل، ولعل عدول الامام عليه السلام على فرض صدور الخبر من جهة التقية وإلا فالشهادة عنده مقدمة للحكم كيف يجوز وليت شعري كيف قال الصدوق بوجوب أداء الشهادة عند أمثال المشار إليه. وعلى القول بالوجوب الكفائي وعدم من يتحمل يجب التحمل عينا، كما هو الامر في كل واجب لم يكن من يقوم بالواجب، وأما على القول بعدم الوجوب فلا وجه للوجوب. ولا يشهد للمشهود له ولا على المشهود عليه إلا بعد المعرفة بنفسه أو بشهادة عدلين ومن هنا جوزوا أن تسفر المرأة للشهادة عليها. ويمكن أن يقال: ما الحاجة إلى معرفه المشهود له أو المشهود عليه بالنسبة إلى الشاهد، فإذا شهد الشاهد بأن زيادا ابن فلان باع داره من عمر وابن فلان مثلا وهو في مقام لا يقدر على تطبيق المشهود له والشهود عليه، والحاكم يدر على تعيينهما و

[ 147 ]

تطبيقهما على الشخصين فما النقص في الشهادة وكذا الكلام في المرأة، والمرأة إن كانت محرمة من جهة النظر فمع القدرة على تعيينها بغير النظر فما المجوز للنظر إليها، ومع عدم التمكن بغير النظر الظاهر عدم الخلاف في الجواز للضرورة والصحيح (كتبت إلى الفقيه عليه السلام في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها من وارء الستر ويسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان إنها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها، أو لا تجوز له الشهادة عليها حتى تبر زويئبتها بعينها، فوقع عليه السلام تتنقب وتظهر للشهود إن شاء الله تعالى). والخبر (لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة، إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها، فأما إذا كانت لا تعرف بعينها ولا يحضر من يعرفها فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها أو على إقرارها دون أن تسفر وينظروا إليها). ولا يخفى أن الصحيح المذكور لا دلالة فيه على جواز إسفار المرأة لان التنقب غير الاسفار، وأما الخبر فالمستفاد منه عدم جواز الشهادة دون ان تسفر وينظر إليها، وأما جواز الاسفار لكل أحد فلا، فلعل جواز الاسفار لخصوص المحارم و الزوج دون غيرهم. وأما الشهادة على الاخرس بالاشارة وعدم إقامتها بالاقرار فقد قيل في وجهها باحتمال خطأه في الفهم فيتحقق الكذب، ولا يخفى ما فيه فإنه لا تجوز الشهادة إلا مع القطع، فمع القطع بالمراد كيف لا تجوز الشهادة، ومع احتمال الخلاف كيف يجوز للشاهد الشهادة، حيث إن الاشارة التي رآها من الاخرس حسب الفرض محتملة أن يكون المراد منها خلاف ما فهمه من يريد الشهادة. (مسائل: الاولى قيل تكفي في الشهادة بالملك مشاهدته يتصرف فيه، وبه رواية ضعيفة، والاولى الشهادة بالتصرف لانه دلالة الملك وليس بملك، الثانية:

[ 148 ]

تجوز الشهادة على ملك لا يعرفه الشاهد إذا عرفه المتبايعان، الثالثة: لا يجوز إقامة الشهادة إلا مع الذكر ولو رأى خطه، وفي رواية إن شهد معه آخر جاز إقامتها، و في الرواية تردد) المعروف بين الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - أن التصرف في الملك بمثل البناء الهدم والاجارة بغير منازع ينازعه في ذلك يشهد له بالملك المطلق إذا كان مع ذلك استفاضة أيضا بل المشهور ذلك مع عدم الاستفاضة، والرواية المستدل بها رواية حفص بن غياث المذكورة المنجبر ضعفها بعمل الاصحاب واستدل أيضا بالصحيح المروي في الوسائل عن علي بن إبراهيم في تفسيره في حديث فدك إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه عليه قال لابي بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين، قال: لا، قال: فإن كان يد المسلمين على شئ يملكونه ادعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟ قال إياك اسئل البينة على ما تدعيه على المسلمين، قال: فإذا كان في يدي شئ فادعى فيه المسلمون، تسألني البينة على ما في يدي، وقد ملكته في حياة رسول الله صلى عليه وآله وبعد، ولم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوه على كما سألتني البينة على ما ادعيته عليهم - الخبر. ولولا أن لليد أثرا في إفادة الملك لما كان لذكره وجه، فتدبر وأورد بأن محل البحث الشهادة على ما يقتضيه ظاهر اليد وهو الملك لا اقتضاء نفس اليد الملك، فإن ذلك لا إشكال فيه ولا بحث، ضرورة عدم التلازم بين كونها طريقا شرعيا ظاهريا للحكم بالملك وبين الشهادة على الملك التي قد عرفت اعتبار العلم فيها لغه وعرفا، وإجراء حكم الملك المعلوم للامارة الشرعية لا يقتضي الحكم بكونه ملكا وإلا لاقتضى الاستصحاب وشهادة العدلين وغيرهما ذلك أيضا، وهو معلوم البطلان ويمكن أن يقال: هذا الذي ذكر في مقام الايراد على تقدير وروده يرد على ذلك الصحيح المذكور، ولا يرد بالنسبة إلى رواية حفص المذكورة، وقد سبق أن الشهادات غالبا مبنية على الامارات والاصول، فإن الاملاك إذا اريد الشهادة بها لملاكها مع القطع يتوقف القطع المذكور على المعرفة القطعية بالنسبة إلى جميع من كان يتصرف

[ 149 ]

فيها، ودون ذلك خرط القتاد وأما جواز الشهادة على ملك لا يعرفه فالظاهر عدم الاشكال فيه بحسب القواعد، وفي المكاتبة الصحيحة وهي ما روى الكليني بوسائط عن الصفار أنه كتب إلى أبي محمد عليه السلام في رجل باع ضيعة من رجل آخرو هي قطاع أرضين ولم يعرف الحدود في وقت ما أشهده فقال إذا ما أتوك بالحدود فاشهد بها، وهل يجوز له ذلك أولا يجوز له أن يشهد، فوقع عليه السلام: نعم يجوز - إلى أن قال وكتب هل يجوز للشاهد الذي أشهده بجميع هذه القرية أن يشهدوا بحدود قطاع الارض التي له فيها إذا تعرف حدود هذه القطاع بقوم من أهل هذه القرية إذا كانوا عدولا، فوقع عليه السلام نعم يشهدون على شئ مفهوم معروف وكتب: رجل قال لرجل اشهد ان جميع الدار التي له في موضع كذاو كذا بحدودها كلها لفلان بن فلان وجميع ماله في الدار من المتاع، هل يصلح للمشتري ما في الدار من المتاع، والبينة لا تعرف المتاع أي شئ هو، فوقع عليه السلام يصلح له ما أحاط به الشراء بجميع ذلك إن شاء الله تعالى. ورواه الصدوق باسناده عن محمد بن الحسن الصفار، وكذا المسألة الاولى وزاد (وكتب إليه هل يجوز أن يشهد على الحدود إذا جاء قوم آخرون من أهل تلك القرية فشهدوا إن حدود هذه القرية التي باعه [ باعها، خ ل ] الرجل هذه، فهل يجوز لهذا الشاهد الذي أشهده بالضيعة ولم يسم الحدود أن يشهد بالحدود بقول هؤلاء الذين عرفوا هذه الضيعة وشهدوا له ام لا يجوز له ان يشهد وقد قال لهم البايع: اشهدوا بالحدود إذا أتوكم بها، فوقع عليه السلام لا يشهد إلا على صاحب الشئ وبقوله إن شاء الله تعالى). ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفار وذكر المسائل كلها. ويمكن أن يقال: إن كانت الشهادة في صدر المكاتبة على البيع فكيف يصح البيع مع الجهل بالحدود، وكيف يخرج البيع عن الغرر فإن قوله على المحكي

[ 150 ]

ولم يعرف الحدود إن كان بصيغة المعلوم يرجع الضمير في يعرف ظاهرا إلى البايع و إن كان بصيغة المجهول يكون الحد مجهولا لهذا البايع والمشتري، وما في بعد هذا يتوجه إليه ما ذكر مضافا إلى أنه يرجع إلى الشهادة على الشهادة والاصل شهادة العدول وما كتب بعد هذا ما اجيب فيه من جهة جواز الشهادة، وما كتب بعد هذا يتوجه إليه ما ذكر وأما ما ذكر في المسألة الثالثة فالمعروف فيها لزوم حصول العلم وعدم كفاية رؤية الخط مع عدم التذكر، وفي خبر السكوني قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا شتهد بشهادة لا تذكرها، فإنه من شاء كتب كتابا و [ أو، خ ل ] نقش خاتما). ويدل عليه خبر الحسين بن سعيد قال: (كتب إليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك جاء ني جيران لنا بكتاب زعموا أنهم أشهدوني على ما فيه وفي الكتاب اسمي بخطي قد عرفته ولست أذكر الشهادة وقد دعوني إليها فأشهد لهم على معرفتي أن اسمي في الكتاب ولست أذكر الشهادة أو لا تجب الشهادة علي حتى أذكرها كان اسمي في الكتاب أولم يكون؟ فكتب عليه السلام: لا تشهد). وفي قبال ما ذكر صحيح عمر بن يزيد قلت لا بي عبد الله عليه السلام: (رجل يشهدني على شهادة فأعرف خطي وخاتمي ولا أذكر من الباقي قليلا ولا كثيرا، قال: فقال لي إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد). ولا شبهة في شهرة العمل بهذه الرواية، وقد يقال النسبة بن الطرفين عموم من وجه لان خبر الكسوني والكتابة المذكورة وإن كانا أعم من الصحيح المذكور إلا أنهما أخص من جهة اعتبار العلم والتذكر فيمكن تخصيص هذا الصحيح بصوره العلم. ويمكن أن يقال: لا يشك عاقل في جواز الشهادة مع العلم، فالظاهر أن نظر السائل إلى أنه مع عدم العلم له أن يشهد؟ فاجيب بأنه إذا كان ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد، فالتخصيص بصورة العلم في المقام كتخصيص حجية البينة بصورة العلم، وبعبارة

[ 151 ]

اخرى ظاهر الصحيح المذكور الموضوعية لكون الصاحب ثقة ومعه رجل ثقة لا الطريقية لحصول العلم. (الرابعة: من حضر حسابا أو سمع شهادة ولم يستشهد كان بالخيار في الاقامة ما لم يخش بطلان الحق إن امتنع، وفيه تردد، ويكره أن يشهد للمخالف إذا خشي استدعانه إلى حاكم يرد شهادته الثالث: الشهادة على الشهادة، وهي مقبولة في الديون والاموال والحقوق، ولا تقبل في الحدود ولا يجزي إلا إثنان على شاهد الاصل) قد سبق الكلام في هذه المسألة، وذكر الاخبار الدالة على عدم وجوب الشهادة إلا مع توقف ثبوت الحق على الشهادة، وأن الاظهر الاخذ باطلاق ما دل على حرمة الكتمان وعدم إظهار الشهادة، وإباء مادل باطلاقه عن التخصيص، وذكر الخبر الدال على عدم الشهادة مع الخوف من جهة المخالف. وأما مقبولية الشهادة على الشهادة في الديون والاموال والحقوق فيدل عليها في الجملة الاجماع ومرسلة الفقيه (إذا شهد رجل على شهادة رجل فإن شهادته تقبل وهي نصف شهادة، وإن شهد رجلان عدلان على شهادة رجل فقد ثبت شهادة رجل واحد). وصحيحة محمد بن مسلم على ما في الفقيه (في الشهادة على شهادة الرجل وهو بالحضرة في البلد، قال: نعم ولو كان في خلف سارية، يجوز ذلك إذا كان لا يمكنه أن يقيمها لعلة تمنعه أن يحضر ويقيمها، فلا بأس بإقامة الشهادة على شهادته). فما في خبر غياث بن إبراهيم عن أبي جعفر عن أبيه عليهم السلام إن عليا عليه السلام قال لا أقبل شهادة رجل على شهادة رجل حي وإن كان باليمين لعله محمول على ما يستفاد من خبره الآخر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي صلوات الله وسلامه عليهم (انه كان لا يجيز شهادة رجل على شهادة رجل إلا شهاده رجلين على شهادة رجل). وأما عدم القبول في الحدود فاستدل عليه بخبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله

[ 152 ]

عن أبيه عن علي صلوات الله عليهم (انه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حد). وخبر غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال علي عليه السلام: (لا تجوز شهادة على شهادة في حد) وهذان الخبران بعد الاخذ بهما من جهة السند من جهة انجبار ضعف السند بأخذ الفقهاء بهما لا مانع من الاخذ باطلاقهما، من غير فرق بين ما كان الحد لله تعالى محضا كحد الزنا واللواط والسحق أو مشتركا بينه تعالى وبين الآدمي كحد السرقة والقذف فلا مانع من عدم ثبوت الحد وثبوت المال في السرقه، ومقتضى إلا طلاق فيما دل على جواز الشهادة جوازها في مثل الذكاة وأوقاف المساجد والجهات العامة والاهلة، وقد يقوى ثبوت غير الحد من الاحكام المترتبة على موضوع الحد بها كثبوت الحرمة بام الموطوء واخته وبنته وبنت العمة والخالة بالزنا بهما، وكثبوت المهر بالمزني بها المكرهة من جهة عدم التلازم بين سقوط الحد وبين سقوطه فيبقى على مقتضى عموم الادلة. ويمكن أن يقال: الشهادة على الشهادة ترجع إلى الشهادة بالنسبة إلى ما يوجب الحد، فلعل مرجع عدم إجازة الشهادة إلى عدم ثبوت ما يوجب الحد فمع عدم الثبوت كيف يترتب الاثار الاخر غير الحد، ولعل هذه الجهة توجب الاشكال في ثبوت المال في مثل السرقة وأما عدم إجزاء شاهد واحد ولزوم اثنين فلما سبق. (وتقبل الشهادة على شهادة النساء في الموضع الذي تقبل فيه شهادتهن علي تردد وأجلى الالفاظ أن يقول: اشهد على شهادتي اني أشهد، ولا يقبل شهادة الفرع إلا مع تعذر حضور شاهد الاصل بمرض أو غيبه أو موت، ولو شهد الفرع فأنكر شاهد الاصل فالمروي العمل بأعد لهما، وإن تساويا اطرح الفرع وفيه إشكال، لان قبول الفرع مشروط بعدم شاهد الاصل، ولا تقبل شهادة على شهادة على شهادة في شئ من القضاء).

[ 153 ]

الشهادة على شهادة النساء في الموضع المذكور جوازها محكي عن الاسكافي والشيخ في الخلاف وموضع من المبسوط، واختاره في المختلف واستدل بعموم قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) والخبر: (شهادة النساء لا يجوز في طلاق ولا نكاح ولا حدود إلا في الديون ومالا يستطيع الرجال النظر إليه) فإنه شامل للشهادة الاصلية والفرعية. ونوقش في الخبر الاخير بأنه بعد تسليم سنده لا عموم فيه، بل غايته الاطلاق. ويمكن أن يقال: بعد الفراغ عن قبول شهادة النساء في الديون ومالا يستطيع الرجال النظر إليه إذا شهدن بلا واسطة من دون إشكال لعل الشبهة في المقام من جهة ثبوت شهادتهن بشهادة عدلين، ولم يظهر وجه الاشكال في قبول شهادة العدلين مع أن المعروف قبول شهادة العدلين في الموضوعات إلا فيما صرح بعدم القبول، كالشهادة على الزنا والشهادة على الشهادة على الشهادة ولا يبعد استفادة الحجية بنحو الاطلاق من رواية مسعدة بن صدقة، وما ذكر في المناقشة من أن غايته الاطلاق لم يظهر وجهه، لان المطلق حجة كالعام بلا إشكال. وأما ما ذكر من أن أجلى الالفاظ. الخ - فلا حاجة إليه بعد شمول الدليل بأي نحو كانت الشهادة على الشهادة. وأما عدم قبول الفرع إلا مع تعذر حضور شاهد الاصل فاستدل عليه بخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام (في الشهادة على شهادة رجل وهو بالحضرة في البلد قال: نعم ولو كان خلف سارية، يجوز ذلك إذا كان لا يمكنه أن يقيمها هو لعله تمنعه من أن يحضر ويقيمها، فلا بأس بإقامة الشهادة على شهادته). ويعارضه الصحيح المروي في التهذيب والكافي والفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام

[ 154 ]

(في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال لم اشهده فقال: تجوز شهادة أعدلهما) وزاد في الفقيه (وإن كانت عدالتهما واحدة لم تجز شهادته). وكذا في صحيح ابن سنان المروي في الكافي والتهذيب، لكن زاد في الاول عوض زيادة الفقيه في الخبر السابق ولو كان عدلهما واحدا لم تجز شهادته عدالة فيهما وفي الثاني ولو كان عدلهما واحدا لم تجز شهادته. وقد يقال: يعمل بهذين الخبرين إذا أنكر الاصل بعد الحكم، وأما قبله فيطرح الفرع، واورد عليه بأنه لا شاهد لهذا الجمع. وربما يدفع الاشكال بفرض موضوع المسأله فيما لو قال الاصل: لا أعلم، لا إذا أكذب الفرع، واورد عليه بانه مع منافاته للمشهور بين الاصحاب من عدم قبول شهادة الفرع مع حضور شاهد الاصل الذي هو أعم من إقامتها أو تركها لعدم العلم بها لا شاهد له بل لا وجه حينئذ للعمل بقول الاعدل إذا كان هو الاصل، ضرورة عدم شهادة له فيتجه حينئذ العمل بشهادة الفرع وإن كان الاصل أعدل، فضلا عن التساوي، بل قيل هو مناف لمنطوق الرواية وهو لم اشهده. وقد يقال: لا يخفى جامعية الخبرين لشرائط صحة العمل بهما سندا وعملا واما المعارضة لما دل على اشتراط عدم حضور الاصل فمع كون الرجحان ينبغي الاقتصار فيه على مقدار المعارضة لا أزيد وهو ما إذا كان قبل إقامة الشهادة، أما بعدها فليس في تلك الادلة ما يقتضي اشتراطها أيضا بعد حضور الاصل، بل ظاهر دليل الشرطية القبول حينئذ فيبقى الخبران سالمين عن المعارض في ذلك، فيعمل بمضمونهما ودعوى شمولهما أيضا لما بعد الحكم ممنوعة، على أنه يدفعها وقوع الحكم صحيحا فيستصحب، ولا طلاق ما دل على نفوذ الحكم ما لم يعلم بطلانه، ولا أقل من ترجيح ما دل على ذلك عليهما لو سلم تناولهما للحال المزبورة بالشهرة العظيمة، أو الاجماع ظاهرا.

[ 155 ]

ويمكن أن يقال: المتعارضان لا بنحو التباين بل بنحو العموم من وجه يكون التعارض بينهما محفوظا وإن كانت المعارضة بينهما في مقدار مصخوص، فيسئل كيف يطرح الخبران في محل التعارض مع تسليم جامعيتهما لشرائط صحه العمل سندا وعملا. وأما ما ذكر من وقوع الحكم صحيحا فيستصحب - الخ، فيشكل من جهة أنه بعد تسليم شمول الخبرين لما بعد الحكم كيف يجري الاستصحاب مع وجود الدليل الاجتهادي، مضافا إلى أنه كيف وقع الحكم صحيحا مع كون الصحة مراعاة بعدم إنكار شاهد الاصل. وأما ما ذكر من إطلاق مادل على نفوذ الحكم ما لم يعلم بطلانه فيشكل من جهة أنه بعد قيام الحجة على عدم حجية منشأ الحكم أعني الشهادة التي من جهتها حكم الحاكم كيف ينفذ الحكم إلا أن يكون إجماع، ولو لا شهرة اشتراط عدم حضور الاصل في جواز شهادة الفرع أمكن حمل ما دل على الاشتراط على بيان ما هو المتعارف بين الناس من عدم الرجوع إلى الفرع، مع إمكان استعلام الامر من الاصل، وإن أبيت نقل إن شمل ما دل على الترجيح والتخيير في الخبرين المتعارضين للعامين من وجه فلعل الترجيح مع الخبرين إن كان عام يستفاد منه حجية البينة بقول مطلق، وإن لم يكن عام بهذا النحو فالتخيير. وأما الاشكال في الخبرين من جهة ظهورهما في كفاية شاهد واحد في الفرع مع أن المستفاد مما ذكر سابقا لزوم شاهدين عدلين بالنسبة إلى كل واحد من شاهدي الاصل فقد يجاب عنه بأن المراد الجنس لا الرجل الواحد، ولا يخفى بعده ألا ترى إلى مرسلة فقيه المتقدمة إذا شهد رجل على شهادة رجل فإن شهادته تقبل وهي نصف شهادة - الخ، فالاولى أن يقال: لا مانع من قبول الشهادة نصف الشهادة كما في المرسلة مع الاحتياج إلى النصف وملاحظة الاعدليه، فتأمل. وأما عدم قبول الشهادة على الشهادة على الشهادة فصاعدا فلاخلاف فيه ظاهرا، ويدل عليه ما رواه الصدوق باسناده عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال

[ 156 ]

(اشهد على شهادتك من ينصحك، قالوا كيف يزيد وينقص، قال لا ولكن من يحفظها عليك، ولا تجوز شهادة على شهادة على شهادة) (الرابع في اللواحق، وفيه مسائل، والاولى: إذا رجع الشاهدان قبل القضاء لم يحكم، ولو رجعا بعد القضاء لم ينقض الحكم وضمن الشهود، وفي النهاية إن كانت العين قائمة ارتجعت ولم يغرما، وإن كانت تالفة ضمن الشهود، الثانية،: إذا ثبت أنهما شاهدا زور نقص الحكم واستعيدت العين مع بقائها، ومع تلفها أو تعذر ردها يضمن الشهود) أما عدم الحكم مع رجوع الشاهدين أو أحدهما فالظاهر عدم الخلاف فيه، مع أنه على القاعدة حيث إن مادل على القضاء بالبينة واليمين لا يشمل صورة رجوع الشاهد عن شهادته، واستدل أيضا بمرسل جميل الذي هو كالصحيح عن أحدهما عليهما السلام (في الشهود إذا شهدوا على رجل ثم رجعوا عن شهادتهم وقد قضي على الرجل ضمنوا ما شهدوا به وغرموا، وان لم يكن قضي طرحت شهادتهم ولم يغرم الشهود شيئا). ولو رجعابعد القضاء فتارة يكون الرجوع بعد الاستيفاء وتلف المحكوم به، واخرى قبل الاستيفاء، فإن كان بعد الاستيفاء فالمعروف عدم النقض وادعي الاجماع عليه، مضافا إلى المرسل المذكور، والنبوي الخاص ان شهد عند نا بشهادة ثم غيرها أخذنا بالاولى وأطرحنا الاخرى وعن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام (كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يأخذ باول الكلام دون آخره) واستصحاب الصحة وإطلاق ما دل على صحة ما لم يعلم فساده والرجوع لا يدل على فساد الشهادة الاولى، إذ يمكن كون الرجوع كذبا بل هو كالانكار بعد الاقرار.

[ 157 ]

ويمكن أن يقال: أما المرسل المذكور فلا يستفاد منه عدم النقض، بل المستفاد منه الغرامة والضمان مع القضاء، وطرح الشهادة وعدم الغرامة مع عدم القضاء، و الحكم بالغرامة مع وجود العين لو كان الحكم بالعين بعيد جدا وإن قيل بها في الاقرار لو أقر بالعين لاحد ثم أقر للآخر بها، وقد سبق الاشكال فيه في كتاب الاقرار، و النبوي والعلوي المذكوران لم يؤخذ بمضمونهما في غير المقام، والمخرج لعله أكثر من الباقي، وكلام المجمعين يشمل ما لو قطع بخلاف ما شهد الشاهدان أولا ولعله الغالب، لان العاقل لا يشهد بما يكون على ضرره العرضي، ما في المتن يشمل صورة القضاء بالقتل ومثل قطع اليد ولا إجماع فيه، لذكر الخلاف. وأما ما ذكر من استصحاب الصحة وإطلاق ما دل على صحة ما لم يعلم فساده فلم يظهر وجهه، فإن صحة شهادة الشاهدين من جهة ما دل على قبول الشهادة، و مع الرجوع لا شهادة، وبعبارة اخرى إن كان النظر إلى صحة الشهادة قبل الرجوع فلا مجال لاستصحابها لان الشك سار بالنسبة إليها، وليس الشك في البقاء حتى يستصحب وإن كان النظر إلى شمول دليل الحجية فلا شمول. ومما ذكر يظهر الحال فيما ذكر من إطلاق مادل على صحة ما لم يعلم فساده ومما حكي عن النهاية من أنه إن كانت العين باقية - الخ، يظهر عدم تحقق الاجماع فإنه مع عدم نقض الحكم كيف ترتجع العين إلى صاحبه، وفي مثل القضاء بالزوجية كيف لا ينقض الحكم ويحكم بها مع رجوع الشاهد عن شهادته. وأما ضمان الشهود فللسببية، ويمكن الاستدلال بحسن محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام قال: (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رجل شهد عليه رجلان إنه سرق فقطع يده حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق، وليس الذي قطعت يده، إنما اشتبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية، ولم يجز شهادتهما على الآخر. وإن ثبت أن الشاهدين شاهدا زور وعلم الحاكم نقض الحكم لتبين اختلال ميزان الحكم واستعيد المال وإن تعذر اغرام الشهود، ويدل عليه صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله

[ 158 ]

عليه السلام (في شهادة شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، إن كان النصف أو الثلث، إن كان شهد هذا، وآخر معه). ويدل عليه أيضا المرسل المذكور فإن المذكور فيه وإن كان الرجوع عن الشهادة لكن الرجوع تارة يكون بالاعتراف بأن الشاهد شهد بالزور واخرى يكون بالاعتراف بالغلط (الثالثة لو كان الشمهود به قتلا أو رجما أو قطعا فاستوفي ثم رجع الشهود فإن قالوا تعمدنا اقتص منهم أو من بعضهم ويرد البعض ما وجب عليهم ويتمم الولي إن بقي عليه شئ، ولو قالوا أخطأنا لزمتهم الدية، ولو قال بعضهم أخطأنا لزمه نصيبه من الدية ولم يمض إقراره على غيره، ولو قال تعمدت يرد عليه الولي ما يفضل ويقتص منه إن شاء، وفي النهايه يرد الباقون من شهود الزنا ثلاثة ارباع الدية ويقتل، والرواية صحيحة السند غير أن فيها تسلطا على الاموال المعصومة بقول واحد) لو كان المشهود به قتلا أو رجما فاستوفي ثم رجع الشهود وقالوا تعمدنا فالمعروف ما في المتن من الاقتصاص منهم أو من بعضهم ورد البعض ما وجب عليهم من الدية وإتمام الولي إن بقي عليه شئ حيث لا يساوي قتل جماعة مع قتل واحد، وادعي عليه الاجماع، واستدل بقاعدة قوه السبب على المباشر، وعمومات القصاص، وما ورد في كتاب القصاص من حكم المشتركين في القتل عمدا وخطأ، مضافا إلى خصوص نصوص المقام، منها مرسل ابن محبوب عن الصادق عليه السلام (في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، قال إن قال الراجع [ الرابع، خ ل ] أو همت ضرب الحد وأغرم الدية، وإن قال: تعمدت قتل) وحسن محمد بن قيس المقتدم، ومنها خبر السكوني عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال في رجلين شهدا على رجل انه سرق، فقطعت يده، ثم رجع أحدهما فقال:

[ 159 ]

شبه علينا: غرمادية اليد من أموالهما، وقال في أربعة شهدوا على رجل بأنهم رأوه مع امرأة يجامعها وهم ينظرون، فرجم، ثم رجع واحد منهم، قال: يغرم ربع الدية إذا قال: شبه علي، وإذا رجع اثنان وقالا شبه علينا غرما نصف الدية، وإن رجعوا كلهم وقالوا شبه علينا غرموا الدية، فإن قالوا شهدنا بالزور قتلوا أجمعين ويمكن أن يقال ما ذكر في الاستدلال من قوة السبب على المباشر محل تأمل، بل يمكن الخدشة في الكبرى، وعمومات القصاص لا تثبت الحكم إلا بالنسبة إلى القاتل، والشاهد ليس بقاتل، بل له المدخلية، ومرسل ابن محبوب يشكل الاخذ بمضمونه، حيث إنه مع المعذورية كيف يضرب الحد مع الشبهة إلا أن يقال لا مانع من أخذ ذيله، فالعمدة الرواية الاخيرة إن كان استناد الفقهاء في الفتوى إليها. ثم إنه مع قتل الجمعى لا بد من دفع الدية إلي أولياء والمقتولين قصاصا لا شتراكهم في القتل كما بين في محله، واستشكل في المقام بأن الخطاء يوجب الدية على العاقلة لا على القاتل، وبمجرد إقرار الشهود كيف يكون العاقلة ملزمين بإعطاء الدية، ومقتضى خبر السكوني المذكور تعلق الدية بالشهود لا العاقلة. ويمكن أن يقال: لو لا النص ما كنا ننسب القتل إلى الشهود لا بنحو العمد ولا بنحو الخطأ ولا بنحو شبه العمد، فلا مانع من الاخذ بمضمون النص وثبوت الدية من جهة الخطأ على نفس المخطي لا على العاقلة حتى يحتاج إلى تصديق العاقلة، ومقتضى إطلاق الخبر المذكور جواز قتل جميع الشهود مع الاقرار بقولهم شهدنا بالزور بدون رد الدية من طرف الولي إلى أوليائهم، والظاهر عدم الالتزام به ولو قال بعضهم أخطأنا لزمه الدية بمقدار نصيبه، ولم يمض إقراره على غيره، ولو قال تعمدت يقتص منه الولي ويرد ولي المقتول ما يفضل إن كان حال الشهود مع التعمد حال القاتلين عن عمد. وأما ما في النهاية من رد الباقين ثلاثة ارباع الدية فهو متسنتد ظاهرا إلى

[ 160 ]

شبه حسن إبراهيم ابن نعيم (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فلما قتل رجع أحدهم عن شهادته، قال: فقال يقتل الراجع ويؤدي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية). ويشكل الاخذ بمضمونه من جهة أن إقرار واحد منهم كيف يوجب أخذ ثلاثة أرباع الديه من الباقين، هذا، مضافا إلى أن الرجوع عن الشهادة لا يلازم كون الشهادة بالزور، بل يمكن أن تكون من جهة الخطأ. وفي المقام شبهة اخرى، وهي أن الشهادة في الاسئلة المذكورة الشهادة عند قضاة العامة المنصوبين من قبل السلاطين المعروفين بالخلافة، فمع عدم أهلية القاضي كيف يكون القتل مستندا إلى الشهود، مع أن الحاكم بالقتل أو الرجم لم يكن أهلا للحكم. ويمكن أن يكون النظر إلى صورة الثبوت عند من له الاهلية للحكومة، نظير الاخبار التي وردت في التأكيد في الحضور لصلاة الجمعة في زمان عدم بسط يد المعصوم، بل كل ما ورد في القضاء، فتأمل. (الرابعة: لو شهدا بطلاق امرأة فتروجت، ثم رجعا ضمنا المهر وردت إلى الاول بعد الاعتداد من الثاني، وتحمل هذه الرواية على أنها نكحت بسماع الشهادة لامع حكم الحاكم، ولو حكم لم يقبل الرجوع، الخامسة: لو شهد اثنان على رجل بسرقة، فقطع، ثم قالا أو همنا والسارق غيره، أغر مادية يد الاول ولم يقبلا على الاخير لما تضمن من عدم الضبط، السادسة يجب شهرة شاهد الزور وتعزيره بما يراه الامام حسما للجرءة) لعل الرواية المشار إليها في المسألة الرابعة صحيح محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام (في رجلين شهدا على رجل غائب عن امرأته إنه طلقها، فاعتدت المرأة و تزوجت، ثم إن الزوج الغائب قدم فزعم أنه لم يطلقها، وأكذب نفسه احد الشاهدين فقال: لا سببل للاخير عليها، ويؤخذ الصداق من الذي شهد ورجع فيرد على الاخير

[ 161 ]

ويفرق بينهما وتعتد من الاخير، وما يقر بها الاول حتى تنقضي عدتها). وموثق إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي عبد الله عليه السلام في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها، فتزوجت، ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق، قال: يضربان الحد ويضمنان الصداق للزوج، ثم تعتد، ثم ترجع إلى زوجها الاول. ولا يخفى أن الصحيح المذكور فيه رجوع أحد الشاهدين وغرور من تزوج بالزوجة مستند إلى الشاهدين ولم يرجع الشاهد الآخر، والموثق المذكور ليس فيه رجوع الشاهدين بل الموجود فيه إنكار الزوج ومجرد الانكار يجتمع مع عدم ثبوت تعمد الكذب، ومع فرض تعمد الكذب كيف يضربان الحد، بل يستحقان التعزير بما يراه الحاكم. ثم إن ما في المتن من أنه إذا كان ما ذكر بعد الحكم لم يقبل الرجوع مشكل جدا، حيث إن النكاح ليس من قبيل الاموال، فان المحكوم عليه فيها مع قطعه بأن الحكم على خلاف الواقع لا بد له من التسليم في الظاهر، والمرأة كيف يجوز لها أن يمكن نفسها للاجنبي، بل يشكل تسليم من حكم عليه بالقتل نفسه للقتل مع رجوع من شهد، بل مع عدم الرجوع، وكون المحكوم عليه غير مستوجب للقتل. ولو شهدا الرجلان بسرقة رجل وقطع يده، ورجع الشاهدان وقالا أوهمنا والسارق غيره، فمقتضى حسن محمد بن قيس تغريمهما نصف الدية، وعدم إجازه شهادتهما على الآخر، وروى محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام قال (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان إنه سرق، فقطع يده حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا هذا السارق، وليس الذي قطعت يده، إنما اشتبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية، ولم يجز شهادتهما على الآخر. وأما وجوب شهرة شاهد الزور وتعزيره فيدل عليه قول الصادق عليه السلام على

[ 162 ]

المحكي في موثق سماعة وخبر عبد الله بن سنان (إن شهود الزور يجلدون جلدا، وليس له وقت وذلك إلى الامام، ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس). وفي خبر غياث بن إبراهيم: (إن عليا عليه السلام كان إذا أخذ شاهد زور فإن كان غريبا بعث به إلى حيه، وإن كان سوقيا بعث به إلى سوقه فطيف به ثم يحبسه ايام ثم يخلي سبيله). واستفادة وجوب ما ذكر لغير الامام أو نائبه الخاص محل إشكال، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

[ 163 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدالله رب العالمين والصلوة والسلام على محمد وآله الطاهرين (كتاب الديات) (والنظر في امور أربعة: الأول في أقسام القتل ومقادير الديات، وأقسامه ثلاثة: عمد محض، وخطأ محض، وشبيه بالعمد، فالعمد أن يقصد إلى الفعل والقتل، وقد سلف مثاله، والشبيه بالعمد أن يقصد إلى الفعل دون القتل، مثل أن يضرب للتأديب، أو يعاجل للاصلاح فيموت، والخطأ المحض أن يخطي فيهما، مثل أن يرمي للصيد فيتخطا السهم إلى إنسان فيقتله،، فدية العمد مائة من مسان الابل، أو مأتا بقرة، أو مأتا حلة كل حلة ثوبان من برود اليمن، أو ألف دينار، أو ألف شاة، أو عشرة آلاف درهم، وتستأدى في سنة واحدة من مال الجاني، ولا يثبت إلا بالتراضي) الدية بالكسر وتخفيف الياء ما يدفع إلى أولياء المقتول أو المجني عليه من جهة القتل أو الجناية، ومع عدم مهدورية الدم بناء العقلاء على إعطائها وأخذها، فلا شبهة في مشروعيتها ويدل عليها الكتاب والنسة والاجماع. وأما أقسام القتل فهي عمد محض، وخطأ محض وشبيه بالعمد، أما العمد المحض فقيل بتحققه بقصد البالغ العاقل القتل بما يقتل غالبا، بل وبقصده الضرب بما يقتل غالبا عالما به وإن لم يقصد القتل، لان القصد إلى الفعل المزبور كالقصد إلى القتل، وقيل يعضده المعتبرة المستفيضة كالصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام (سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يرفع عنه الضرب حتى مات، أيدفع إلى أولياء المقتول؟ قال:

[ 164 ]

نعم ولكن لا يترك يعبث به ولكن يجاز [ يجهز، خ ل ] عليه بالسيف) ونحوه خبر موسى بن بكير وغيرهما. ويمكن أن يقال لا شبهة في تحقق العمد بالقصد المذكور ولو كان المباشر غير بالغ، غاية الامر عمده بحكم الخطأ، وأما مع قصد الضرب بما يقتل غالبا عالما به مع عدم قصد القتل بتوهم أنه لا يوجب القتل فصدق العمد بالنسبة إلى القتل مشكل نعم الظاهر أنه لا تسمع هذه الدعوى في مقام الاثبات، وكلامنا في مقام الثبوت، فلو شهدت أمارة أو قرينة على عدم الالتفات على خلاف الاصل فالظاهر أنه لا يترتب عليه آثار القتل العمدي من القصاص وغيره، ولعل الصحيح المزبور وغيره يحمل على صورة عدم أمارة أو قرينة على خلاف العمد بالقتل، نعم لو كان الفعل القصدي معرضا لترتب القتل عليه فالظاهر صدق العمد بالنسبة إلى هذا، ولذا يقال: لو لاعب الزوج مع زوجته وكان الملاعبة في معرض تحقق الشهوة وخروج المني وخرج المني أفطر متعمدا وعليه الكفارة. وعلى هذا فما ذكر من أن الضرب للتأديب والعلاج للاصلاح من الشبيه بالعمد مطلقا مشكل، إلا أن يفرق بين صورة ندرة ترتب القتل وغيرها، ففي صورة الندرة لا يكون التقل عمديا، والا لزم جواز القصاص لو ترتب على الضرب للتأديب أو معالجة الطبيب القتل. وأما الخطأ المحض فتارة يقارن القصد كما في المتن، واخرى لا يقارن القصد اصلا، كما لو تحرك النائم في النوم ووقع على إنسان فقتل. وأما مقادير الديات فالمعروف أن دية العمد مائة من مسان الابل، أو مائتا بقرة أو مائتا حلة كل حلة ثوبان من برد اليمن، أو ألف دينار، أو ألف شاة، أو عشرة آلاف درهم، والاخبار الواردة في المقام منها صحيحة معاوية بن وهب (سألت أبا عبد الله

[ 165 ]

عليه السلام عن دية العمد فقال: مائة من فحولة الابل المسان، فإن لم يكن إبل فمكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم). وخبر الحكم بن عتيبة عن أبي جعفر عليهما السلام (قلت له: فما أسنان المائة بعير؟ فقال: ما حال عليه الحول ذكران كلها). وخبر زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام في العبد يقتل حرا، قال مائة من الابل المسان، فإن لم يكن إبل فمكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم. ومرسلة جميل بن دراج قال: (الدية ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، و يؤخذ من أصحاب الحلل الحلل، ومن أصحاب الابل الابل، ومن أصحاب الغنم الغنم، ومن أصحاب البقر البقر). ورواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الدية ألف دينار، أو اثنى عشر ألف درهم، أو مائة من الابل، وقال إذا ضربت الرجل بحديدة فذلك العمد) ومرسلة محمد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام (انه قال: من قتل مؤمنا متعمدا فإنه يقاد به إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية أو يتراضوا بأكثر من الدية أو أقل من الدية، فان فعلوا ذلك بينهم جاز وإن لم يتراضوا قيد، وقال: الدية عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار، أو مائة من الابل). ورواية أبي بصير قال: (دية الرجل مائة من الابل، فإن لم يكن فمن البقر بقيمة ذلك، فإن لم يكن فألف كبش، هذا في العمد، وفي الخطأ مثل العمد ألف شاة مخلطة).

[ 166 ]

وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سمعت إبن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الابل فأقرها رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، وفرض على أهل الشاة ألف شاة ثنية، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، على أهل اليمن الحلل مائتي حلة، قال عبد الرحمن بن الحجاج: فسألت أبا عبد الله عليه السلام عما روى إبن أبي ليلى فقال: كان على عليه السلام يقول: الدية ألف دينار وقيمة الدنانير عشره آلاف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم لاهل الامصار، ولاهل البوادي الدية مائة من الابل ولاهل السواد مائتا بقرة، أو ألف شاة.) وصحيحة عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول من قتل مؤمنا قيد به إلا أن يرضى أولياء المقتول بالدية فان رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية إثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار، أو مائة من الابل، وإن كان في أرض فيها الدنانير فألف دينار، وإن كان في أرض فيها الابل فمائة من الابل، وإن كان في أرض فيها الدراهم فدراهم بحساب إثني عشر الفا.) ولا يخفى الاشكال في استفادة ما هو المعروف من هذه الاخبار، فإن المعروف تقييد مائة إبل بكونها مسان، والمراد بالمسان الكبار، كما في القاموس، وعن الازهري والزمخشري إذا أثنت فقد أسنت، وعن المغرب الثني من الابل الذي أثنى، أي نبت ثنيته، وهو ما استكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة، وهذا مناف مع ما في خبر حكم بن عتيبة المذكور، بل يشكل تقييد بعض الاخبار كمرسلة محمد بن عيسى المذكورة إن كان قوله على المحكي (وقال الدية - الخ) من تتمة الكلام السابق فإنه مع التوجه بالخصوصيات المذكورة فيها يبعد تقييد المائة من الابل بكونها مسان فلا بد من الحمل على الفضل، كالجمع بين ما دل على لزوم المدين وما دل على كفاية

[ 167 ]

المد في كفارة صوم رمضان إذا ترك لعذر، وأيضا يظهر من مرسلة جميل المذكورة أنه يؤخذ من أصحاب الحلل الحلل الخ، وظاهر الكلام خلاف التخيير المعروف. وأيضا رواية أبي بصير المذكورة تخالف ما هو المعروف، ففيها فمن البقر بقيمة ذلك فإن لم يكن فألف كبش، وفيها هذا في العمد، وفي الخطأ ألف شاة مخلطة، و التفصيل قاطع للشركة ظاهرا، وأيضا تخالف صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة حيث ذكر فيها الدية اثنى عشر ألف درهم، ولم يقيد الابل مع تعرض الصحيحة للخصوصيات المذكورة، فإن تم الاجماع فلا كلام وإلا يشكل الاستفادة مع ملاحظة الاخبار المذكورة، وقد يحمل ما يخالف المشهور على التقية، والحمل على التقية متعين مع عدم إمكان الجمع ومع إمكان حمل ما يتعين فيه الزيادة على الاستحباب كيف يحمل على التقية. ثم إنه على المشهور مقتضى الاحتياط اعتبار الفحولة من الابل للتقييد في بعض الاخبار، كصحيحة معاوية بن وهب، وإن كان إطلاق غيرها يقتضي عدم اعتبارها، بل في بعضها التصريح بكفاية ما حال عليه الحول، كما يقتضي عدم اعتبار كونها مسان ولم يظهر وجه الاخذ بما دل على لزوم كونها مسان دون مادل على لزوم كونها فحولة. وأما البقرة فالظاهر عدم الفرق فيها بين الفحولة والانوثة، لما يقال من أن التاء في البقرة للوحدة الجنسية لا التأنيث، كتاء تمرة. وأما الحلة فلا إشكال في كفايتها في الدية، إنما الاشكال في عددها بملاحظة الاخبار، فمقتضى صحيحه عبد الرحمن المذكورة مأتا حلة، لكن الراوي ابن أبي ليلى وما ذكر الحلة في كلام الصادق عليه السلام على المحكي، وقد يقال يحمل ما فيه ذكر الحلل على إرادة المأتين لخلو كلام الصادق عليه السلام عن تكذيبه، وقد روى الصدوق هذه الرواية في المقنع مرسلا إلى قوله مائتي حله: مائة حلة ولايفخى أن خلو كلام الصادق عليه السلام عن تكذيب ابن أبي ليلى لا يدل على تصديقه، والمرسل المذكور لعله يكون بنقل ابن أبي ليلى، وعلى فرض الاخذ لا بد أن يكون الحلة ثوبين، على تفسير اللغويين من

[ 168 ]

أن الحلة ثوبان من البرد اليماني، وفي كلام بعض آخر خلاف هذا، ومقتضى الاحتياط الاخذ بالتفسير الاول، وأن يكون مأتين، ولا يبعد يوجوب الاحتياط في دية القتل العمدي، لا حتمال مدخلية تأدية الدية في تخفيف العقوبة المترتب استحقاقها عليه، حيث إن العقل بعد العلم باستحقاق العقوبة يحكم بلزوم الاحتياط، بخلاف صورة الخطأ فمقتضى أصالة البرائه الاكتفاء بالاقل، وتخصيض الحلل بالبرد اليماني بعيد، لعله يظهر هذا مع ملاحظة ما ذكر في ثياب أهل الجنة، وعن العين الحلة إزار ورداء بردا وغير، لا يقال لها حلة حتى تكون ثوبين. وأما الالف دينار فلا خلاف ولا إشكال في كفايتها، ولعل ما في بعض الاخبار المذكورة من الاختصاص بأهل الذهب دون غيرهم لا يراد ظاهره بقرينة الاطلاق في غيره، والدينار الذهب المسكوك الموزون بالوزن المخصوص، وقد يحمل على مثقال شرعي من الذهب، كما في موثق أبي بصير، قال: (فيه المسلم عشرة آلاف درهم من الفضة، أو ألف مثقال من الذهب، أو ألف شاة على أسنانها). وأورد عليه بأن الظاهر إرادته الاشارة إلى ما في غيره من النصوص من الدينار المعروف، ووزنه أنه مثقال لا أن المراد الكافية وإن لم يكن مسكوكا. ويمكن أن يقال: لا مانع من الاخذ بظاهر هذا الخبر وكفاية ألف مثقال من الذهب غير المسكوك، ويؤيد هذا التفرقة بين الفضة والذهب، حيث ذكر فيه عشرة آلاف درهم وألف مثقال من الذهب ولم يذكر ألف دينار، لكن يشكل عد الخبر من الموثق مع أن في سنده علي بن أبي حمزة، إن كان هو البطائني يكون الخبر ضعيفا

[ 169 ]

وأما الالف شاة فقد ادعي الاجماع على كفايتها، ودل عليها بعض الاخبار المذكورة، نعم قيد بالكبش في العمد دون الخطأ في رواية أبي بصير المذكورة، ومع اعتبار السند يكون مقيدا للاطلاق، إلا أن الشهرة على الخلاف، وفي خبر زيد الشحام المذكور جعل مكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم فيصير ألفي شاة، وقد حمل على التقية، ومع إمكان الحمل على الاستحباب والفضل لا داعي للحمل على التقية، مضافا إلى إمكان أن يقال إذا أراد الجاني أن يؤدي الابل فله أن يؤدي بدل كل إبل عشرين من فحولة الغنم، ومع إرادة التأدية بالغنم لا بعنوان البدلية عن الابل بل بنفسه بالاستقلال له أن يؤدي ألف شاة، وهذا نظير ما ذكر في كفارة الافطار في شهر رمضان المبارك إذا أطعم المكفر ستين مسكينا بنحو إطعام الضيوف بمثل خبزو إدام يكفي ما يشبع كل منهم به، وله أن يعطي كلا منهم مدا من حنطة ولا يكفي أقل من مد، فتدبر. وأما الدراهم فالظاهر عدم الخلاف في كفاية عشرة آلاف درهم، وفي خبري عبد الله بن سنان وعبيد بن زرارة (ان الدية إثنا عشر ألف درهم) والمشهور عدم العمل بهما، وقد حملا إما على التقية كما ذكره الشيخ رحمه الله أو على ما ذكره الحسين بن سعيد وغيره انه روى أصحابنا أن ذلك من وزن ستة، قال: إذا كان كذلك فهو يرجع إلى عشره آلاف درهم. ويمكن أن يقال: أما الحمل على التقية فيشكل مع إمكان الجمع بالحمل على الاستحباب والفضل، وما ذكر أخيرا بعيد مع عدم المعروفية، والمعروف بين الفقهاء حمل ما ذكر في الاخبار على التخيير لا التنويع كما هو ظاهر من الاخبار، بمعنى أنه يجب كل صنف من الستة على أهله كما حكي عن الشيخين وغيرهما من القدماء، ولازم هذا عدم تعيين شئ منها لمن لم يكن أهلا لصنف من الستة، وهو بعيد جدا مضافا إلى أن بعض الاخبار مع التعرض فيه للخصوصيات وعدم التقييد فيه للتنويع يبعد تقييده فلاحظ رواية أبي بصير ومرسلة محمد بن عيسى، فتدبر.

[ 170 ]

وأما أنه تستأدى الدية في سنة واحدة، وعدم جواز تأخيرها عنها وعدم وجوب التأدية بالمبادرة قبل انقضاء السنة فيدل عليه صحيح أبي ولاد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان على عليه السلام يقول تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتستأدى دية العمد في سنة) ورواه الشيخ باسناده عن الحسن بن محبوب وكذا الصدوق. وأما كون الدية من مال الجاني لا من بيت المال ولا من العاقلة فلا خلاف فيه ظاهرا، ويدل عليه رواية أبي بصير (لا يضمن العاقلة عمدا، ولا إقرارا، ولاصلحا) ومثلها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (ان أمير المؤمنين عليه السلام قال: العاقلة لا يضمن عمدا ولا إقرارا ولا صلحا). وفي المضمر (فإن لم يكن له مال يؤدى سأل المسلمين حتى يؤدوا ديته إلى أهله) مضافا إلى ما يقال من أن ضمان العاقلة خلاف الاصل فيقتصر فيه على المتيقن الذي هو الخطأ المحض. ويمكن أن يقال الدية في القتل العمدي على خلاف الاصل، فلا أصل يقتضي تعلقها بالقاتل كتعلق الغرامة على من أنلف مال الغير، فلولا النص والاجماع يشكل. وأما عدم ثبوت الدية إلا بالتراضي، فيدل صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة وفيها من قتل مؤمنا قيد به إلا أن يرضى أولياء المقتول بالدية). ومرسلة محمد بن عيسى المذكورة، لكن التقييد بالتراضى يكون فيما يتعين فيه القصاص، وأما مع عدم التعين كما لو قتل العبد الابن فلا حاجة إلى التراضي، وعن المعتبر تراضي أولياء المقتول والقاتل، أو يكفي الرضا من طرف الاولياء فقط، لعل المستفاد من الصحيحة والمرسلة المذكورتين الثاني. (وفي دية شبه العمد روايتان أشهر هما ثلاث وثلاثون بنت لبون، وثلاث

[ 171 ]

وثلاثون حقة، وأربع وثلاثون ثنية طروقة الفحل، ويضمن هذه الجاني لا العاقلة، وقال المفيد تستأدى في سنتين). مقتضى إطلاق الاخبار المذكورة أن الدية في شبه العمد الست المذكورة، ولا حاجة إلى التمسك بالاولوية من جهة ثبوتها في العمد مع التراضي بالدية، في شبه العمد بطريق أولى، وفي خبر أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام دية الخطأ إذا لم يرد الرجل القتل مائة من الابل، أو عشرة آلاف من الورق، أو ألف من الشياه، وقال: إن الدية المغلظة التى تشبه العمد وليست بعمد أفضل من دية الخطأ بأسنان الابل، ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية كلها طروقة الفحل، قال: وسألته عن الدية، فقال: دية المسلم عشره آلاف من الفضة، أو ألف مثقال من الذهب، أو ألف شاة على أسنانها أثلاثا، ومن الابل مائة على أسنانها، ومن البقر مائتان. وفي رواية العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في قتل الخطأ مائة من الابل، أو الف من الغنم، أو عشرة آلاف درهم أو ألف دينار، فإن كانت الابل فخمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون ابنة لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، فالدية المغلظة في الخطأ الذي يشبه العمد الذي يضرب بالحجر أو بالعصا الضرب والضربتين لا يريد قتله فهي ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلثون جذعة، وأربع وثلاثون خلفة، كلها طروقة الفحل، وإن كان من الغنم فألف كبش، والعمد هو العقود أو رضي ولي المقتول). وكان المراد من خلفة الثنية، هذا بناء على ما في التهذيب وأما الكافي ففيه ثنية لكن ثنية كلها طروقة الفحل، هذا والاستفادة مما ذكر مشكل، لان المذكور في رواية أبي بصير المذكورة ثلاث وثلاثون جذعة لا بنت لبون، ولم يظهر منها المساواة في الخمسة المذكورة، وفي سندها علي بن أبي حمزه كأنه البطائني، والمذكور في رواية

[ 172 ]

العلاء ثلاث وثلاثون جذعة، لا بنت لبون، هذا مع أن تخصيص بعض الاخبار السابقة مع تعرضها للخصوصيات بعيد جدا واستفادة اشتراك شبه العمد مع الخطأ لولا شمول بعض اللاخبار السابقة له مما ذكر هنا مشكل، لان مجرد الافضلية المذكورتين هنا لا يبعد الحمل على الاستحباب والفضل، لا التخصيص. وفي رواية عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام إنها ثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وأربعون خلفه، وهي الحامل والمحكي عن جماعة العمل بها، مضافإ إلى أنها رواها المحمدون الثلاثة - قدس الله أسرارهم - صحيحا في بعض الطرق، وقيل: إنها عمل بها في المبسوط أيضا غير أنه أثبت مكان ثلاثون بنت لبون ثلاثون جزعة، لكن مع ذلك يقع الاشكال من جهة رفع اليد عن ظهور بعض الاخبار السابقة، وعلى فرض التخصيص يشكل رفع اليد عن الخبرين المذكورين، مع تعبير مثل المحقق - قدس سره - بالاشهرية، ولا يبعد الحمل على الاستحباب والافضلية وإن لم يقل به أحد ظاهرا وعلى كل تقدير يضمن هذه الجاني لا العاقلة وادعي الاجماع عليه ولا يبعد التمسك بخبر أبي نصر عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجل قتل رجلا ثم فر فلم يقدر عليه حتى مات، قال: إن كان له مال أخذ منه وإلا من الاقرب فالاقرب) فمن جهة ترك الاستفصال يشمل الجواب صورة شبه العمد، ولعل فرار القاتل من جهة الفرار عن تأدية الدية، لامن جهة القصاص. وأما قول المفيد - قدس سره - تستأدى في سنتين فهو المنسوب إلى جماعة، بل قيل إنه المشهور، وقد يؤيد بأنه المناسب لكونه شبيه العمد الذي قد عرفت أنها فيه سنة، والخطأ الذي ستعرف إن شاء الله تعالى انها فيه ثلاث سنين، ولا يخفى

[ 173 ]

أنه بما ذكر لا يمكن إثبات الحكم، كما أنه يشكل دعوى القطع بأنه ليست أقل من سنة بملاحظة أغلظية العمد منه، بل مقتضى القاعدة كون الدية كساير الديون حالة، ولابد من ثبوت الاجل من جهة الدليل فلو أقر بشئ للغير فلو ادعى كونه مؤجلا فالظاهر عدم سماع دعواه، وهو مقتضى قاعدة السلطنة، نعم لو أقر بالمؤجل فالمعروف أنه يؤخذ باقراره ولا يقبل دعواه الاجل، وإن كان مشكلا كما سبق في كتاب الاقرار، إلا أن يدخل شبه العمد في العمد، ففي صحيح أبي ولاد الآتي تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين وتستأدى دية العمد في سنة (وفي دية الخطأ ايضا روايتان أشهرهما عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وتستأدى في ثلاث سنين، ويضمنها العاقلة لا الجاني، ولو قتل في الشهر الحرام الزم دية وثلثا تغليظا، وهل يلزم مثل ذلك في الحرم، قال الشيخان: نعم، ولا أعرف الوجه). ما ذكر في دية الخطأ هو المشهور ويدل عليه خبر عبد الله بن سنان الذي رواه المحمدون الثلاثة صحيحا في بعض الطرق عن الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام وفيه (والخطأ يكون فيه ثلاثون حقة، وثلاثون ابنة لبون، وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون). وفى رواية العلاء ابن الفضيل عنه عليه السلام وفي طريقها العبيدي عن يونس عن محمد بن سنان خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة وعن الخلاف إجماع الفرقة على العمل بالروايتين وعن المبسوط والسرائر عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وقد يقال لم نجد عاملا بخبر العلاء، ولم نجد شاهدا للمحكي عن المبسوط والسرائر فتعين العمل بخبر عبد الله بن سنان المذكور. ولا يخلو هذا عن الاشكال فإن دعوى الشيخ الاجماع على العمل بالروايتين

[ 174 ]

ينافي ما ذكر، كما أن ما حكي عن المبسوط والسرائر لا بد أن يكون مستندا إلى مدرك، مع أن ديدن صاحب السائر العمل بالقطعيات من الاخبار، والمسألة ليست من الاجتهاديات، فإن ثبت الاعراض عن العمل بما ذكر وإلا فلا بد من التخيير بل مقتضى إطلاق الاخبار السابقة المذكورة في دية العمد ماعين فيها. وأما الاستيادة في ثلاث سنين فهي المعروف، ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح أبي ولاد (كان علي صلوت الله عليه يقول تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتستأدى دية العمد في سنة). وأما كون الضمان على العاقلة فلا خلاف فيه ظاهرا بيننا، مضافا إلى النصوص التى ادعي منها القطع بذلك والروايات المذكورة في المقام منها رواية سلمة بن كهيل قال (أتي أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه برجل قد قتل رجلا خطأ فقال له علي صلوات الله عليه من عشيرتك وقرابتك؟ فقال: مالي في هذه البلدة عشيرة ولا قرابة قال: فقال: فمن أي البلد انت؟ قال: أنا رجل من أهل موصل، ولدت بها ولي بها قرابة وأهل بيت، قال: فسئل عنه أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فلم يجد له في الكوفة قرابة ولا عشيرة، قال: فكتب إلى عامله على الموصل: أما بعد فإن فلان بن فلان وحليته كذا وكذا قتل رجلا من المسلمين خطأ فذكر انه رجل من الموصل وان له بها قرابة وأهل بيت، وقد بعثت به إليك مع رسولي فلان وحليته كذا وكذا، فإذا ورد عليك إن شاء الله تعالى وقرأت كتابي فافحص عن أمره، وسل عن قرابته من المسلمين، فإن كان من أهل الموصل ممن ولدبها واصبت له بها قرابة من المسلمين فاجمعهم إليك ثم انظر فإن كان منهم رجل يرثه له سهم في كتاب الله لا يحجبه عن ميراثه أحد من قرابته فالزمه الدية، وخذه بها نجوما في ثلاث سنين، وان لم يكن له من قرابته أحد له سهم في الكتاب وكانوا قرابته سواء في النسب، وكان له القرابة من قبل أبيه وأمه سواء ففض الدية على قرابته من قبل أبيه وعلى قرابته من قبل

[ 175 ]

أمه من الرجال المدركين المسلمين، ثم اجعل على قرابته من قبل أبيه ثلثي الدية، واجعل على قرابته من قبل أمه ثلث الدية، وإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه ففض الدية على قرابته من قبل امه من الرجال المدركين المسلمين، ثم خذهم بها واستأدهم الدية في ثلاث سنين، فان لم يكن له قرابة من قبل أبيه ولا قرابة من قبل أمه ففض الدية على أهل الموصل ممن ولدبها ونشأ، ولا تدخلن فيهم غيرهم من أهل البلد، ثم استأد ذلك منهم في ثلاث سنين، في كل سنة نجما حتى تستوفيه إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن لفلان بن فلان قرابة من أهل الموصل ولم يكن من أهلها وكان مبطلا في دعواه فرده إلي مع رسولي فلانا فأنا وليه والمؤدي عنه، ولا يبطل دم امرء مسلم). ومنها مرسلة يونس بن عبد الرحمن عمن رواها عن أحدهما عليهما السلام انه قال في الرجل إذا قتل رجلا خطأ فمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية ان الدية على ورثته، فان لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال. ومنها ما رواه الكليني - قدس سره - بوسائط عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (لا تضمن العاقلة عمدا ولا إقرارا ولا صلحا)، ورواه الصدق - قدس سره باسناده عن الحسن بن محبوب مثله، وكذا الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم مثله. ومنها ما رواه الكليني بوسائط عن أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن لا يحمل على العاقلة إلا الموضحة الحديث). ومنها ما رواه الشيخ باسناده عن يونس بن عبد الرحمن عمن رواه عن أحدهما عليهما السلام، أنه قال (في الرجل إذا قتل رجلا خطأ فمات قبل أن يخرج إلى اولياء

[ 176 ]

المقتول من الدية ان الدية على ورثته، فإن لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال). وبعض هذه الاخبار يتضمن مالا يلتزم به الفقهاء، مضافا إلى ضعف السند. وأما التغليظ لو قتل في الشهر الحرام،: رجب وذي العقدة وذي الحجة، و محرم فالظاهر عدم الخلاف فيه، وفي محكي الخلاف نسبته إلى إجماع الفرقة وأخبارها، والذي وصل إلينا خبر كليب الاسدي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقتل في الشهر الحرام ما ديته؟ قال دية وثلث). وخبره الآخر (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من قتل في الشهر الحرام فعلية ديه وثلث - الحديث). واحتمل أن يكون ما نقل من الخبرين الآتيين في الحرم مقروا بلفظ الجمع على إرادة أشهر الحرم، ولعل هذا منشأ قول المنصف - قدس سره - في المتن: ولا أعرف الوجه. وأما لزوم مثل ذلك من التغليظ في الحرم فهو مذهب جماعة من الاعلام، وذكر في الاستدلال عليه صحيح زرارة المروي في الكافي الفقيه (قلت لابي جعفر عليهما السلام رجل قتل رجلا في الحرم، قال عليه دية وثلث). وخبره الآخر المروي في التهذيب (قتل لابي عبد الله عليه السلام: رجل قتل رجلا في الحرم قال: عليه دية وثلث). ومع احتمال قراءة الحرم في الخبرين بلفظ الجمع بأن يكون المراد أشهر الحرم يشكل الاستدلال وقد يؤيد بتتمة الخبر المزبور: قال: يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم ويعتق رقبة ويطعم ستين مسكينا، قال: قلت يدخل في هذا شئ؟

[ 177 ]

قال: وما يدخل؟ قلت: العيدان وأيام التشريق، قال: يصومه فانه حق لزمه، ومن المعلوم أن ذلك كفارة القاتل في الشهر الحرام بناء على القول به لا الحرم. ويمكن أن يقال لم يظهر وجه التأييد بما ذكر، فإن ثبوت ما ذكر بالنسبة إلى القاتل في الشهر لا يوجب عدم الثبوت في الخبر غاية الامر عدم عمل الاصحاب به، فبعد ثبوت الحكم المذكور أعني التغليظ بالنسبة إلى القاتل في الشهر الحرام نظرا إلى الخبرين المذكورين لم يثبت حكم آخر بالنسبة إلى القاتل في الحرم، إلا أن يوثق بسماع القائلين بهذا القول بالوسائط من الرواي بلفظ الحرم مفردا. (ودية المرأة على النصف من الجميع، ولا يختلف دية العمد والخطأ في شئ من المقادير عدا النعم، وفي دية الذمي رايتان والمشهور ثمان مائة درهم، وديات نسائهم على النصف ولادية لغيرهم من أهل الكفر). أما كون دية المرأة على النصف فادعي عليه الاجماع، ويدل عليه الاخبار منها ما رواه الكليني - قدس سره - بوسائط عن أبان بن تغلب (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل قطع اصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال عشر من الابل، قلت قطع اصبعين، قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثا، قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعا، قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون، إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرء ممن قاله - إلى قوله - فقال عليه السلام: مهلا يا أبان هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله إن المراة تقابل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين. ومنها ما رواه الشيخ - قدس سره - بوسائط عن سماعة (قال سألته عن جراحة النساء، فقال: الرجال والنساء في الدية سواء حتى يبلغ الثلث فإذا جازت الثلث فإنها مثل نصف دية نصف دية الرجل) إلى غير ما ذكر.

[ 178 ]

وأما عدم اختلاف دية العمد والخطأ في شئ من المقادير عدا النعم فلم يذكر فيه خلاف، ويدل عليه أكثر النصوص الواردة بالستة. وأما الاختلاف في النعم أي الابل فقد يستفاد من خبر أبي بصير المتقدم المذكور في دية شبه العمد، وفيه قال: (إن دية المغلظة التي تشبه العمد أفضل من دية الخطأ بأسنان الابل - الخ) ومن رواية العلاء بن الفضيل المتقدمة وفيها و الدية المغلظة في الخطأ الذي يشبه العمد - الخ، قد سبق الكلام في استفادة الاختلاف من الروايتين. وأما دية الذمي يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا فالمعروف أنها ثمان مائة درهم ويدل عليه الاخبار منها صحيح ليث المرادي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دية اليهودي والنصراني والمجوسي قال: ديتهم سواء ثمان مائة درهم). ومنها موثق سماعة عنه أيضا قال: (بعث النبي صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إنى أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى فوديتهم ثمان مائة درهم، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إلى فيهم عهدا، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله إن ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال إنهم أهل كتاب) إلى غير ما ذكر من النصوص. وفي قبال ما ذكر ما يظهر منه أن ديتهم دية المسلم، قال الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح أبان بن تغلب (دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم) وقال أيضا على المحكي في خبر زرارة: (من أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله ذمة فديته كاملة). وفي رواية أبي بصير عنه أيضا دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، و دية المجوسي ثمان مائة درهم).

[ 179 ]

وقد حمل صحيح أبان وخبر زرارة في التهذيب والاستبصار على المعتاد لقتلهم فانه إذا كان كذلك فللامام أن يلزمه دية المسلم كاملة تارة وأربعة آلاف درهم اخرى بحسب ما يراه أصلح، وربما يشهد له خبر سماعة (سأله عن مسلم قتل ذميا، فقال شئ شديد لا يحتمله الناس فليعط أهله دية المسلم حتى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمي، ثم قال: لو أن مسلما غضب على ذمي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه و يؤدي إلى أهله ثمان مائة درهم إذا يكثر القتل في الذميين، ومن قتل ذميا ظلما فإنه ليحرم على المسلم أن يتقل ذميا حراما ما آمن بالجزية وأداها ولم يجحدها) والحمل المذكور ليس جمعا عرفيا، لان حمل المطلق على الفرد غير الغالب لا يصار إليه، وكذا الكلام في خبر سماعة وما دل على أربعة آلاف درهم حمل على التقية، ومع عدم العمل بخبري أبان بن تغلب وزرارة المذكورين تكون الدية ثمان مائة ولو مع الاعتياد. وأما كون دية نسائهم النصف فاستدل عليه برواية أبان بن تغلب ورواية سماعة المذكورتان. وأما عدم الدية لغير المذكورين من الكفار فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه ما رواه الشيخ بوسائط عن إسماعيل بن الفضل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دماء المجوس واليهود والنصارى هل عليهم وعلى من قتلهم شئ، إذا غشوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغش؟ قال: لا، إلا أن يكون متعودا لقتلهم) ورواه الكليني. ولا يخفى الاشكال في استفادة تمام المطلوب من هذا الخبر. (وفي ولد الزنا قولان أشبههما أن ديته كدية المسلم الحر، وفي رواية كدية الذمي، وهي ضعيفة، ودية العبد قيمته، ولو تجاوزت دية الحر ردت إليه، وتؤخذ من مال الجاني إن قتله عمدا أو شبيها بالعمد، ومن عاقلته إن قتله خطأ، ودية أعضائه بنسبة قيمته، وما فيه من الحرديته فمن العبد قيمته كاللسان والذكر، وما فيه دون ذلك

[ 180 ]

فبحسابه، والعبد أصل للحر فيما لا تقدير فيه، ولو جنى جان على العبد بما فيه قيمته فليس للمولى المطالبة حتى يدفع العبد برمته، ولو كانت الجناية بما دون ذلك أخذ أرش الجناية وليس له دفعه والمطالبة بالقيمة). المعروف عند المتأخرين - قدس الله اسرارهم - أن ولد الزنا إذا أظهر الاسلام يعامل معه معاملة المسلم فتكون ديته دية سائر المسلمين، وقيد في بعض الكلمات بعدم العلم بخلافه، وقد يقال: إذا لم يصف الاسلام أو كان غير بالغ ولم يسبه مسلم أو لم نقل بتبعيته له فيه يتجه عدم الدية له للاصل بعد عدم الاسلام فعلا ولا شرعا حتى دية الذمي، ضرورة عدم كونه منه. ويمكن أن يقال: أما الحكم باسلام من تشهد بشهادتين وأظهر الاسلام فالظاهر عدم الاشكال فيه، ويدل عليه الاخبار من غير فرق بين المتولد بنكاح صحيح ونحوه وغيره، بل الاطلاق يشمل صورة عدم الاعتقاد واقعا، ويؤيده معاملة المسلم مع المنافقين، واستثناء غير البالغ كيف يمكن مع إمكان أن يعتقد غير البالغ بالعقايد الحقة بالبرهان القاطع، وهذا غير التمسك بالخبر المعروف (كل مولود يولد على الفطرة - الخ) حتى يقال: لم يثبت العمل به على الوجه المزبور وإلا لزم الحكم بإسلام ولد الزنا من الكافرين، ولا يبعد كون المراد أنه خلق على اختيار الاسلام لو ترك ونفسه لا أن المراد أنه مسلم فعلا، فبعد الحكم بالاسلام يكون الدية دية المسلمين المتولدين بنكاح صحيح، حكي عن الصدوق والسيد المرتضى رحمهما الله تعالى أن دية ولد الزنا دية الذمي ثمان مائه درهم ولم يذكر في وجهه ما يعتمد عليه، نعم قد يستدل لهذا القول بمرسل جعفر بن بشير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دية ولد الزنا، قال ثمان مائة درهم مثل دية اليهودي والنصراني والمجوس). ومرسل عبد الرحمن بن عبد الحميد (قال لي أبو الحسن دية ولد الزنا دية اليهودي ثمان مائة درهم). وخبر إبراهيم بن عبد الحميد عن جعفر عليه السلام قال: (قال دية ولد الزنادية

[ 181 ]

الذمي ثمان مائة درهم). وقال المصنف في الشرايع وفي مستند ذلك ضعف كما في المتن، وما يقال من عدم معلومية دخول ولد الزنا في إطلاق أخبار الديات حتى ما ذكر فيه لفظ المؤمن والمسلم لا طلاقهما غير المعلوم الانصراف إلى نحوه لازمه عدم جواز المعاملة معه معاملة المسلم فلا يجوز له الازدواج مع المسلمين، ويكون سؤره نجسا ولا يحل ذبيحته، إلى غير ما ذكر، ولا يمكن الالتزام به. وقد يستدل بصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (جعلت فداك كم دية ولد الزنا قال: يعطى الذي أنفق عليه ما أنفق عليه) حيث إنه يظهر منه ثبوت الدية وانها ما أنفق عليه وهو يشمل ما قصر عن دية الحر المسلم، بل والذمي ايضا لكنه خارج بالاجماع كخروج ما زاد عنه أيضا فتعين ثمان مائة. ويمكن أن يقال كيف يمكن العمل بظاهر هذا الصحيح حيث إن مورد السؤال إن كان قبل البلوغ مع عدم إسلامه لا بنفسه ولا بالتبع يكون حاله حال ساير الكفار والكافر غير الذمي لا دية له وإن كان بعد البلوغ وإسلامه يكون مشمولا لما دل على دية المسلم، وهل يلتزم أحد بحرمان أولاده وزوجته ودفع الدية على من أنفق عليه، وإن كن بعد البلوغ وكفره فلا دية له لانه كافر وليس بذمي، ومما ذكر ظهر الاشكال في حمل هذا الصحيح على صورة الموت قبل البلوغ فلا بد من رد علمه إلى أهله. وأما دية العبد فهي قيمته يوم قتل، ولا يتجاوز بهادية الحر، ويدل عليه النصوص وفي خبر أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام - إلى أن قال: -: ولا يقتل الحر بعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم ثمنه دية العبد. وفي خبره الاخر عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يقتل حر بعبد وإن قتله عمدا، ولكن يغرم ثمنه ويضرب ضربا شديدا إذا قتله عمدا، وقال دية المملوك ثمنه)

[ 182 ]

وفي خبر سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام (يقتل العبد بالحر ولا يقتل الحر بالعبد ولكن يغرم ثمنه ويضرب شديدا حتى لا يعود) وفي الصحيح عنه أيضا (لا يقتل الحر بالعبد وإذا قتل الحر العبد غرم ثمنه و ضرب ضربا شديدا). وفي آخر عنه أيضا (إذا قتل الحر العبد غرم قيمته وادب، قيل فان كانت قيمته عشرين ألف درهم، قال لا يجاوز بقيمة العبد دية الاحرار). وفي خبر ابن مسكان عنه أيضا دية العبد قيمته، وإن كان نفيسا فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، ولا يجاوز به دية الحر. وفي خبر الحسن بن صالح عنه أيضا (في رجل حر قتل عبدا قيمته عشرون ألف درهم، فقال: لا يجوز أن يجاوز بقيمة عبد أكثر من دية الحر) إلى غير ما ذكر من النصوص. وأما أخذ الدية من مال الجاني فهو على القاعدة إذا كانت الجناية عن عمد، وأما كانت خطأ فمقتضى القاعدة في الخطا الاخذ من العاقلة، وقيل: يؤخذ من الجاني لكون العبد المملوك مالا، فالغرامة على الجاني وإن كان عن خطأ، وحكي عن ظاهر الايضاح أو صريحه، واستحسن هذا في المحكي عن الخلاف، أما في صورة العمد فيدل على كون الغرامة من مال الجاني مادل على عدم غرامة العاقلة في صورة العمد مثل رواية أبي بصير عن أبي حعفر عليهما السلام قال: (لا يضمن العاقلة عمدا ولا إقرارا ولا صلحا). ومثلها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (ان أمير المومنين عليه السلام قال: العاقلة لا تضمن عمدا ولا إقرارا ولاصلحا). (وفي رواية زيد بن علي عن آبائه عليه السلام قال: لا يعقل العاقلة إلا ما قامت عليه البينة، قال: وأتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصة، ولم يجعل على

[ 183 ]

العاقلة شيئا). وخبر أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام المذكور آنفا. وفي خبره الآخر عن أبي عبد الله عليه السلام ومن هذا الخبر لعله يستفاد أنه في صورة الخطأ أيضا يكون الغرامة على القاتل لا على العاقلة، ولا يعارض بما دل على أن الدية في الخطأ على العاقلة لاخصية هذا، فتأمل. وأما دية أعضاء العبد فهي بالنسبة، فيلاحظ الحر كل عضو من الحر فيه دية النفس دية ذلك العضو من العبد تمام قيمته وما فيه النصف من الحر يكون دية ذلك من العبد نصف قيمته، هذا فيما فيه التقدير حيث يكون الحر أصلا، ويدل عليه ما رواه الشيخ - قدس سره - بوسائط عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي صلوات الله عليهم (قال: جراحات العبيد على نحو جراحات الاحرار في الثمن). وفي مقطوع يونس و (إذا جرح العبد فقيمة جراحته من حساب قيمته). وما رواه الشيخ - قدس سره - عن محمد بن علي بن محبوب، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام بوسائط قال: (قال علي صلوات الله عليه إذا قطع أنف العبد، أو ذكره، أو شيئا يحيط بقيمته أدى إلى مولاه قيمة العبد، وأخذ العبد). وكل ما لا تقدير فيه من طرف الشرع يكون العبد أصلا للحر، فيلاحظ لو كان الحر عبدا أي مقدار نقص من قيمته من جهة نقصان العضو، فلابد من رد الدية في الحر بذلك المقدار بالنسبة إلى دية نفسه، وذلك لان فيه الحكومة والحكومة إنما يتحقق بفرض الحر عبدا خاليا من النقص الطاري بسبب الجناية ويقوم حينئذ بأن يقال: لو كان هذا عبدا فقيمته كذا ثم نفرضه متصفا بالنقص الحاصل من الجناية وينسب التفاوت بين القيمتين، بمعنى أنه ينسب إحدى القيمتين إلى الاخرى ويؤخذ التفاوت بينهما، فيؤخذ من الدية بقدره.

[ 184 ]

ولو جنى جان على العبد بما فيه ديته كالانف واللسان فمولاه بالخيار بين إمساكه ولا شئ له وبين دفعه وأخذ قيمته، بلا خلاف ظاهرا، بل ادعي عليه الاجماع ويدل عليه خبر أبي مريم المنجبر بما ذكر عن أبي جعفر عليهما السلام قضى أمير المؤمنين صلوت الله عليه في أنف العبد، أو ذكر، أو شئ يحيط بقيمته أنه يؤدي إلى مولاه قيمة العبد ويأخذ العبد). ويمكن أن يقال: المستفاد من هذه الرواية تعين تأدية قيمة العبد إلى المولى وأخذ العبد بلا تخيير للمولى، فيمكن أن يكون معاوضه قهرية، غاية الامر أن يكون المولى له غمض العين عن الدية وقيمة العبد، ألا ترى أنه لو وطأ دابة الغير يؤخذ منه الثمن ويباع الدابة في بلد آخر ويكون ثمنها للواطى. والمعروف استثناء الجاني الغاصب فيؤخذ منه دية العبد التي هي قيمته و عدم أخذه العبد، ولا يبعد أن يستفاد من الخبر المذكور عدم الفرق بين صورة الغصب وغيرها، لو كانت الجناية بما دون ما فيه ديته فليس للمولى إلا الدية والارش لا الدفع إلى الجاني والمطالبة بقيمته سليما، لانه مقتضى القاعدة كما في كل نقص وارد على مال الغير. ولا يضمن الولى جناية العبد لكن تتعلق برقبته، وللمولى فكه بأرش الجناية، ولا تخيير لمولى المجني عليه، ولو كانت جنايته لا تستوعب قيمته تخير المولى في دفع الارش أو تسليمه ليستوفي المجني عليه قدر الجناية استرقاقا أو بيعا، ويستوي في ذلك الرق المحض والمدبر ذكرا كان أو أنثى، أم ام ولد على التردد). أما عدم ضمان المولى جناية العبد فيدل عليه ما رواه الكليني في الصحيح بوسائط عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام (في العبد إذا قتل الحر دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقوه). وفي مرسل أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام (إذا قتل العبد الحر دفع إلى

[ 185 ]

أولياء المقتول، فان شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا حبسوه، وإن شاؤوا استرقوه يكون عبدا لهم) وفي خبر يحيى بن أبي العلاء عنه أيضا (إذا قتل البعد الحر فلا هل المقتول إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استعبدوه). وفي خبر إبن مسكان عنه أيضا (إذا قتل العبد الحر فدفع إلى أولياء الحر فلا شئ على مواليه). إلى غير ما ذكر من النصوص المؤيدة للاخير مما دل من النصوص الدالة على أن الجاني لا يجنى على أكثر من نفسه، وأن المولى لا يضمن جناية عبده، وأن العبد لا يغرم أهله وراء نفسه شيئا. وأما جواز فك العبد بأرش الجناية فهو المستفاد من صحيح الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام (في عبد جرح حرا قال إن شاء الحر اقتص منه، وإن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته، وإن كانت الجراحة لا تحيط برقبته افتداه مولاه، فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحر المجروح من العبد بقدر دية جراحته، والباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقه ويرد الباقي على المولى). وأما عدم التخير لمولى المجني عليه فهو في صورة كون الجناية من غير عمد فلان المجني عليه الحر أو وليه أو مولاه إذا كان عبدا لا سلطنة له على إزالة ملك مولى الجاني من جهة جناية عبده، وإنما تعلق بالدية من مال مولى الجاني فله الخيار ويمكن أن يقال مقتضى مادل على عدم ضمان المولى لجناية العبد تعلق الحق بنفس العبد بعنوان الدية، ولا قصاص لعدم العمد، فلابد من تعلق الحق إما بنفس الرقبة بالاسترقاق والشركة مع المولى، أو بان يكون في ذمة العبد يتبع بعد العتق

[ 186 ]

أو بماله إذا كان له مال، وفي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام عن مكاتب قتل رجلا خطأ قال: فإن كان مولاه حين كاتبه اشتراط عليه إن عجز فهو رد في الرق فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا باعوه). وظاهره تعين الدفع، وقيل إنه شاذ لم يوجد من عمل به، مضافا إلى ما فيه من القتل مع كون القتل خطأ، واحتمال حمله على ما يقابل الصواب لا العمد يخرجه عن مفروض المسألة الصواب ما عن الفقيه إن شاؤوا استرقوه، وإن شاؤوا باقوه. وعلى ما ذكرم مقتضى القاعدة تعلق الحق بنفس العبد، وتخيير مولى الجاني بين رد الدية من مال آخر أو من رقبة العبد محتاج إلى الدليل، لولا التسلم في كلمات الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم. ويوافق ما ذكر إن شاؤوا استرقوه، وإن شاؤوا باقوه، نعم مقتضى ما ذكر اختصاص حق المجني عليه وأوليائه بخصوص الرقبة ولا اختيار للمجني عليه والاولياء في طلب الارش إلا مع التراضي، ولا فرق في ذلك بين الرق المحض والمدبر، ذكرا كان أو أنثى، حيث إن الظاهر أن المدار المملوكية ولعله يستفاد من صحيح أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام (سألته عن رجل مدبر قتل رجلا عمدا، فقال: يقتل به، قلت: وإن قتله خطأ، قال: يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقا، فإن شاؤوا باعوه، وإن شاؤوا استرقوه وليس لهم قتله، ثم قال: يا أبا محمد إن المدبر مملوك). والعبد المسئول عنه في الخبر يشمل المدبر، وهل يبطل التدبير من جهة استرقاقه؟ قد يقال باستفادة بطلان التدبير من هذا الصحيح، وفيه إشكال، لان المدبر لم يخرج من الرقية، فلا مانع من كون الرقبة لاولياء المقتول خطأ نظير الملكية للمالك السابق. وأما أم الولد لو جنت خطأ فالمشهور أنها كغيرها من المماليك، يتخير المولى

[ 187 ]

بين دفعها، أو دفع ما قابل الجناية منها إلى المجني عليه أو أوليائه، وبين أن يفديها باقل الامرين على المشهور أو بالارش، وفي رواية مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أم الولد جنايتها في حقوق الناس على سيدها، وما كان من حقوق الله تعالى في الحدود فإن ذلك في بدنها). وقيل: مثلها ما ارسل عن علي عليه السلام: (المعتق عن دبر فهو من الثلث، وما جنى هو المكاتب وأم الولد فالمولى ضامن لجنايتهم). فقيل في معنى الرواية إن الامة بنفسها لا تتحمل من الجناية شيئا، كا لو أتلفت مال الغير، حيث إنه عليها يؤخذ منها بعد العتق. ويمكن أن يقال: الظاهر أن التفصيل قاطع للشركة، فإنه مع رد الامة لاسترقاق المجني عليه أو الاولياء يكون ذلك في بدنها، وإن كان المراد أن الخسارة متوجهة إلى المولى حيث إن رد الامة إلى المجني عليه أو الاولياء أيضا خسارة على المولى لزم أن لا يكون مثل القتل وقطع اليد في ما يوجب أحدهما في الحدود خسارة للتفصيل القاطع للشركة، ولعله من هذه الجهة تردد المصنف - قدس سره - والمحكي عن موضع من المبسوط والمهذب والمختلف تعين الفداء على السيد، قيل: ولعله للروايتين المؤيدتين بأن استيلاد المولى هو الذي أبطل أحد طرفي التخيير، فتعين على المولى الآخر واجيب بحمل الروايتين على ما ذكر وان ما ذكر من التأييد مصادرة، وقد عرفت الاشكال في دلالة الروايتين ولعل الجمع بين هاتين الروايتين والروايات المذكورة الدالة على عدم ضمان المولى جناية العبد بعد التعميم لمطلق المملوك الشامل للامة بحمل تلك الاخبار على الجنايه العمدية بقرينة التعبير فيها: (فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقوه) فتكون مخصصة لهاتين الروايتين، نعم بقيت المعارضة بين خبر ابن مسكان المذكور والروايتين لاطلاق الطرفين.

[ 188 ]

(النظر الثاني في موجبات الضمان، والبحث إما في المباشرة، أو التسبيب، أو تزاحم الموجبات، أم المباشرة فضابطها الاتلاف لا مع القصد، فالطبيب يضمن في ماله من يتلف بعلاجه، ولو أبرأه المريض أو الولي فالوجه الصحة لا مساس الضرورة إلى العلاج، ويؤيده رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل لا يصح لانه إبراء مما لم يجب، وكذا البحث في البيطار). الطبيب تارة يصف الدواء للمريض أو لمن يباشر أمره من دون مباشرة أمر وراء الوصف فاتفق موت المريض أو نقصان طرف منه فيشكل ضمانه فكيف يستند التلف إليه مع أن المباشر غيره، واخرى يباشر كأن يشربه الدواء أو يفصده، أو جرحه فيستند إليه التلف، فمع الاستناد مقتضى القاعدة الضمان سواء كان قاصرا أو حاذقا، ماذونا أو غير مأذون، لان بدن الانسان ليس مثل الاموال حتى يرتفع الضمان مع الاذن في التصرف، ويشهد له ما رواه الصفار عن إبراهيم بن هاشم عن النوفلي، عن السكوني (ان أمير المؤمنين عليه السلام ضمن ختانا قطع حشفه غلام). هذا مع المباشرة للطبيب والبيطار، ويمكن القول بالضمان مع الوصف بدون المباشرة، كما لو قطع أو اطمئن بصحة قوله الطبيب فيما وصف، لصدق الغرور، كما حكم بضمان الغار في باب النكاح، وفي باب تعاقب الايدي على مال الغير وغيرهما، إلا أن يستشكل في كلية قاعدة الغرور، والتعدي عن مورد النص، فبعد الفراغ عن الضمان هل يرتفع الضمان بابراء المريض أو الولي؟ قد يقال بالبرائة، ولرواية السكوني عن جعفر عليه السلام قال: (قال أميرا لمؤمنين عليه السلام: من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، وإلا فهو ضامن). ولمسيس الحاجة إلى العلاج فإنه لاغناء عنه، وإذا عرف البيطار والطبيب أنه لا مخلص له من الضمان توقف في العلاج فوجب أن يشرع الابراء دفعا لضرورة الحاجة.

[ 189 ]

واستشكل في دلالة الرواية من جهة احتمال البرائة بعد الجناية مجانا، أو على مال، وربما يرشد إليه لفظ وليه في الرواية، مضافا إلى ضعف الرواية سندا. واستشكل أيضا فيما ذكر من مسيس الحاجة - الخ - بأن الحاجة بمجردها لا تصلح دليلا لشرع الحكم المخالف، حيث إن الابراء قبل الجناية إسقاط لما لم يجب. ويمكن أن يقال: أما الاشكال في دلالة الرواية من جهة الاحتمال المذكور فيمكن دفعه بأن البرائة موجبة لعدم الضمان بحسب ظاهر الرواية لا أن الضمان المحقق من جهة الجناية يرتفع بالبرائة، وأما ضعف السند فمع اعتماد المشهورت ينجبر، وأما ما ذكر من مسيس الحاجة - الخ - فلا يوجب رفع الضمان لاجتماع وجوب العلاج لاحتمال برء المريض مع الضمان ألا ترى أنه إذا أشرف المريض على الهلاك يجب عليه وعلى الطبيب العلاج، ويأخذ الطبيب اجره عمله لكون العمل محترما، والواجب عليه العمل الجامع بين المجان وبين المعوض، وهذا نظير الصنايع والحرف الواجبة بالوجوب الكفائي مع أخذ العوض فيها وقد يقال بجواز شرط البرائة، والشرط إن لم يكن في ضمن العقد فمع تسليم صدق الشرط عليه المعروف عدم لزوم الوفاء به، بل هو وعد، وإن كان في ضمن عقد ولو كان عقد الاجارة بين المريض والطبيب، أو بين الولي والطبيب فحصة الشرط مبنية على عدم المخالفة للكتاب والسنة، وإحراز هذا أعني عدم المخالفة مع أنه من باب إسقاط ما لم يجب لا يخلو من الاشكال وإن قيل بجريان أصالة عدم المخالفة فجريانها مشكل، كما بين في محله، مع الاشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، ومما ذكر ظهر حكم عمل البيطار بلا فرق في البين (والنائم إذا انقلب على إنسان أو فحص برجله فقتله ضمن في مال على تردد). إذا انقلب النائم على إنسان في حال النوم أو فحص برجله فقتله فلا إشكال في الضمان، لما يستفاد من الاخبار من أنه لا يطل دم مسلم، إنما الكلام في أنه هل على

[ 190 ]

العاقلة لانه خطأ محض، أو في ماله، غاية ما يقال في كون الضمان على العاقلة انه بعد تفسير الخطأ في بعض الاخبار مثل صحيحة الحلبي وفيه (الخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره). وفي بعض الروايات (فانما الخطأ أن تريد شيئا وتصيب غيره) فما نحن فيه أولى بأن يكون خطأ، لعدم القصد. ويمكن أن يقال: بعد أن كان الضمان على العاقلة على خلاف الأصل فلا بد من الاقتصار على المتيقن، ولا مانع من عدم شمول لحكم الخطأ للمقام، ألا ترى أن دية المرأة تساوي دية الرجل إلى الثلث وبعد التجاوز عن الثلث ترجع الدية إلى النصف، فلا مانع من كون الدية على النائم كما لو أتلف النائم في حال النوم مال الغير مع عدم القصد، ومقتضى الخبر الآتي ذكره ضمان الظئر المطالبة للفخر بالمظائرة للطفل في مالها مع كون الموت بلا قصد من جهة انقلابها عليه، فتأمل، هذا مع عدم كون النائم في معرض الاتلاف كمما لو كانت عادته الانقلاب والفحص بالرجل ونام في جنب مريض مثلا فربما يكون بحكم العمد، كما في نظائره كما لو نام في نهار رمضان ومن عادته الاحتلام في النوم، فإنا لا نجد فرقا بين هذا وبين من لاعب زوجته في نهار شهر رمضان مع كون الملاعبة في معرض حصول الشهوة وخرج المني، حيث يحكم في هذه الصورة بفساد الصوم وحصول الجنابة العمدية. (وأما الظئر فإن طلبت بالمظائرة الفخر ضمنت الطفل في مالها إذا انقلبت عليه فمات، وإن كانت للفقر فالدية على العاقلة، ولو أعنف بزوجته جماعا أو ضما فماتت ضمن الدية، وكذا الزوجة، وفي النهاية إن كانا مأمونين فلا ضمان، وفي الرواية ضعف). والدليل على حكم الظئر خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام (أيما ظئر قوم ضئرت صبيا لهم فانقلبت عليه وهي نائمة فقتلته فإن عليها الدية كاملة من مالها خاصة إن كانت إنما ظئرت طلبا للغر والفخر، وإن كانت إنما ظئرت من الفقر

[ 191 ]

فان الضمان على عاقلتها) ونحوه خبر عبد الرحمن بن سالم عن أبيه عن أبي جعفر عليهما السلام، وخبر حسين بن خالد عن الرضا عليه السلام. والظاهر انجبار ضعف الاخبار المذكورة من حيث السند بعمل الاكابر، و نقلها في الكتب الاربعة. وظاهر الشرطية في الخبر المذكور مدخلية كون المظائرة للعز والفخر في كون الضمان عليها من مالها خاصة، ويتفرع عليها أنه لو كانت للفقر يكون الضمان على العاقلة، فإن قلنا في القضية الشرطية بالمفهوم فاللازم عدم الضمان في مالها لو كانت المظائرة لا للفخر ولا للفقر بل بقصد التبرع، ومع إنكار المفهوم لا يستفاد حكم هذه الصورة فلازم القول بكون القتل خطأ كون الضمان على العاقلة، ومع التأمل في هذا مقتضى القاعدة كون الضمان على الظئر. إلا أن يقال: على هذا لم يظهر وجه للتقييد بكون المظائرة للعز والفخر و مقتضى التقييد المدخلية، لا يقال: التقييد في الظئر أيضا يفيد مدخلية القيد في كون الدية على العاقلة، لان الظاهر أن الذيل متفرع على الصدر ولا يقع بينهما المعارضة فلا ظهور للذيل في مدخلية القيد. وأما الاعناف بالزوجة جماعا فلا إشكال في تعلق دية شبه العمد به إذا تحقق القتل لصحول القتل بالقصد إلى الفعل بدون قصد القتل وعدم كون الفعل مما يوجب القتل غالبا، ويدل عليه صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام (انه سئل عن رجل أعنف على امرأته فزعم أنها ماتت من عنفه، قال: الدية كاملة، ولا يقتل الرجل) وخبر زيد عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجل نكح امرأة في دبرها فألح عليها حتى ماتت من ذلك، قال: عليه الدية). وفي النهاية إن كانا مأمونين لم يكن عليها شئ لمرسلة يونس عن بعض

[ 192 ]

أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل أعنف على امرأته، أو امرأة أعنفت على زوجها فقتل أحدهما الآخر، فقال: لا شئ عليهما إذا كانا مأمونين، فإن اتهما الزما اليمين بالله انهما لم يريدا التقل). وضعفت الرواية من جهة السند بالارسال، ومن جهة الدلالة باحتمال أن يراد نفي القود، وقد يقال: لعله متعين بملاحظة قاعدة الاطلاق والتقييد، ولعل النظر إلى التقييد في ذيل الخبر، وحيث إنه يراد باليمين نفي القتل العمدي الموجب للقود فيقيد (لا شئ عليهما) بنفي القود ويمكن أن يقال: الظاهر أن نظر السائل في الرواية إلى مطلق الحكم، ولا أقل من احتمال هذا، والمناسب للجواب بيان ما يترتب على الفعل المسئول به من القود والدية، فالجواب بقوله عليه السلام على المحكي (لا شئ عليهما إذا كانا مأمونين) يشمل القود والدية، فإن بنينا على أن وجود القدر المتيقن في التخاطب يمنع الاطلاق يشكل تحقق الاطلاق وإلا فلا مانع من الاطلاق إلا أن يقال: مادل على أن دم المسلم لا يطل يأبى عن التخصيص. (ولو حمل على رأسه متاعا فكسره أو أصاب به إنسانا ضمن ذلك في ماله، وفي رواية السكوني ان عليا صلوات الله عليه ضمن ختانا قطع حشفة غلام، وهي مناسبة للمذهب، ولو وقع إنسان من علو فقتل فإن قصد وكان يقتل غالبا قيد به، وإن لم يقصد فهو شبيه عمد يضمن الدية، وإن دفعه الهواء أو زلق فلا ضمان، ولو دفعه دافع فالضمان على الدافع، وفي النهاية دية المقتول على المدفوع ويرجع بها على الدافع). الاصل في المسألة ما رواه الشمايخ الثلاثة قدس الله أسرارهم بطريق فيه سهل وفي الفقيه وموضع آخر من التهذيب بطريق صحيح عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل حمل متاعا على رأسه فأصاب إنسانا فمات أو انكسر منه، قال: هو ضامن).

[ 193 ]

والمعروف استفادة أمرين من هذا الخبر: الضمان بالنسبة إلى المتاع من جهة انكساره، والضمان بالنسبة إلى المصدوم الميت، واستشكل في الضمان بالنسبة إلى المتاع من جهة أنه إذا كان المتاع لغيره يكون الحامل أمينا لا يضمن إلا مع التعدي أو التفريط، فيكون الضمان على خلاف القواعد وفي الضمان بالنسبة إلى الانسان من جهة أنه خطأ محض لعدم القصد فالدية على العاقلة بحسب القواعد. ويمكن أن يقال: لاظهور في الخبر المذكور في حصول الانكسار بالنسبة إلى المتاع، بل من القريب رجوع الضمير في قوله على المحكي أو انكسر منه إلى الانسان مع أنه لم يذكر في الخبر كون المتاع للغير، بل لعل ذكر هذا من جهة كونه منشأ للاصابة وأما الضمان بالنسبة إلى الانسان فلا مانع منه خصوصا مع ملاحظة ما ذكر في الاخبار من تفسير الخطأ بغير مثل المقام، وأما لرواية المشار إليها فهي رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام من (ان عليا صلوات الله وسلامه عليه ضمن ختانا قطع حشفة غلام) فالضمان فيها كالضمان في معالجة الطبيب ولو كان حاذقا، إلا مع البراءة. وأما الوقوع من العلو على غيره الموجب لقتله فمع القصد وكون الوقوع موجبا للقتل غالبا يكون من باب القتل العمدي الموجب للقصاص، ولو لم يكن موجبا للقتل غالبا فهو شبيه عمد موجب للدية في مال الجاني، ومع عدم القصد بوجه بل كان الدفع الهواء أو الزلق أفتى المصنف كما في المتن بعدم الضمان لا عليه ولا على العاقلة، بل ادعى عدم الخلاف فيه، واستدل بصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، فقال: لا شئ عليه). وصحيح عبيد بن زرارة (سئل الصادق عليه السلام عن رجل وقع على رجل فقتله،

[ 194 ]

قال: ليس عليه شئ). والخبر أو الحسن أو الموثق (سأله عن رجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما، فقال: ليس على الاعلى شئ، ولا على الاسفل شئ). وفي الموثق (في رجل يقع على رجل فيقتله فمات الاعلى، قال لا شئ على الاسفل). ويمكن أن يقال: ترك الاستفصال يوجب شمول الجواب لصورة الوقوع في حال النوم، والمعروف فيه الدية على الواقع أو على العاقلة، بل يشكل الفرق بين المقام وبين الظئر الطالبة للفخر، وثانيا نفي الشئ على الواقع لا يوجب نفي الشئ على العاقلة أو على بيت مال السملمين، كالمقتول في الزحام، وثالثا مقتضى الموثق المذكور أخيرا نفي الشئ على الاسفل ولعله يشعر بالفرق بين الاسفل والاعلى مع أن الواقع أيضا مات. ولو كان القتل من جهة دفع الدافع فدية المدفوع على الدافع بل مع العمد عليه القود، بلا خلاف ظاهرا، وأما دية الاسفل فالمشهور أنها أيضا على الدافع، كمن هدم عليه جدارا، وفي النهاية ومحكي التهذيب والاستبصار دية الاسفل على الواقع، ويرجع بها على الدافع، ويدل عليه رواية عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه الصلوة والسلام (في رجل دفع رجلا على رجل فقتله، فقال: الدية على الذي وقع على الرجل لاولياء المتقول، ويرجع المدفوع على الذي دفعه، قال: وإن أصاب المدفوع شئ فهو على الدافع أيضا). وحملها في كشف اللثام على أن أولياء المقتول لم يعلموا دفع الغير له، أو تطرح للاجماع - كما قيل - على عدم العمل بظاهرها المقتضي للقصاص على الدافع مع

[ 195 ]

قصد القتل، أو كون الشئ مما يقتل غالبا. ويمكن أن يقال: لا مانع من الالتزام بالقصاص كما لو هدم جدارا على الغير، غاية ما يقال الفرق، حيث إن هدم الجدار على الغير يوجب القتل غالبا بخلاف دفع الانسان على الغير، فإن إيجابه للقتل نادر، ولعله من هذه الجهة حكم بالدية، ومع فرض إيجابه للقتل كما لو كان الاسفل مريضا لا يتحمل الدفع عليه وكان الدافع متوجها إليه لامانع من الالتزام بالقصاص. (ولو ركبت جارية اخرى فنخستها ثالثة فقمصت فصرعت الراكبة فماتت قال في النهاية الدية بين الناخسة والقامصة نصفان، وفي المقنعة عليهما ثلثا الدية ويسقط الثلث لركوبها عبثا، والاول رواية أبي جميلة عن سعد، عن الاصبغ وفي أبي جميلة ضعف، وما ذكره المفيد حسن، وخرج متأخر وجها ثالثا فأوجب الدية على الناخسة إن كانت ملجئة وعلى القامصة إن لم تكن ملجئة). أما الرواية فهي رواية أبي جميلة، عن سعد الاسكاف، عن الاصبغ (قال: قضى أمير المؤمنين صلوات الله وسلام عليه في جارية ركبت اخرى فنخستها ثالثة فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة فماتت أن ديتها نصفان على الناخسة والمنخوسة). وقد يقال بعد ضعف السند وأما المتن فهو مع أنه قضية في واقعة لا يطابق إطلاقه الاصول في صورة إلجاء القامصة إلى القمص، ضرورة كون المتجه حينئذ الضمان على الناخسة التي هي أقوى بالتأثير من القامصة، مع كون الراكبة عابثة في ركوبها بل وفي بقاء اختيارها، إذ المتجه كون الضمان عليها، لانها أقرب بالتأثير من الناخسة مع فرض بقاء الاختيار. ويمكن أن يقال: ما ذكر من أن المتجه - الخ، هذا مبني على توجه الضمان إلى الاقوى، وهذا إن كان مستندا إلى دليل فلا كلام، وإلا ففيه إشكال، وهذا نظير مالو حفر في غير ملكه بئرا فالمعروف أنه مع وقع العابر في البئر بلا مباشرة غيره يكون الضمان على الحافر، ومع مباشرة الغير يكون الضامن الغير، فيسئل بعد

[ 196 ]

مدخلية الامرين في الجناية بحيث لا يتحقق بدونهما ما وجه تقديم الاقوى؟ ألا ترى أنه في تعاقب الايدي على مال مأخوذ بغير حق لا يفرق بين الاقوى والاضعف في الضمان وأما ما حكي عن المقنعة فلعله لما عن المفيد روايته مرسلا (قال: إن عليا صلوات الله عليه رفع إليه خبر جارية حملت جارية على عاتقها عبثا ولعبا فجاءت جارية اخرى فقرصت الحاملة فوقعت الراكبة فاندق عنقها فهلكت، فقضى عليه السلام على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثالث الباقي لركوب الواقعة [ الواقصة، خ ل ] عبثا، فبلغ صلى الله عليه وآله فأمضاه). واستحسنه المصنف، ومحكي المختلف، فإن كان المرسل المذكور حجة فلا إشكال، ومع الاشكال من حهة السند يشكل الاخذ بمضمونه، لان قاعدة الاشتراك تقتضي تمام الدية لا الثلثين. وأما الوجه الثالث المنسوب إلى ابن إدريس - قدس سره - وهو التفصيل بين كون القامصة ملجئة من جهة نخس الناخسة فالضمان على الناخسة ليس غير، وان لم تكن ملجئة فالضمان على القامصة لكونها مختارة، فتوجيهه بأن المكره الملجأ الذي هو بمنزلة الآلة فعله مستند إلى المكره، ولذا يضمن الدافع المقتول بوقوع المدفوع، بخلاف ما إذا لم تكن ملجئة فانها ستقلة بالقتل. ويمكن أن يقال: هذا يتم إن كالا للاختيار مدخلية في الضمان، وأما إن اجتمع الضمان مع عدم الاختيار كالنائم الواقع على الغير فلا مانع من ضمانه، ولذا عمل جماعة بمضمون رواية أبي جميلة من دون التقييد بكون القامصة مختارة أو ملجئة نعم إن لوحظ الاقوائية في الضمان تمت التفصيل، وقد عرفت الاشكال فيه، إلا أن يقوم دليل عليه، ولعل رواية أبي جميلة على فرض كونها مشهورة منجبرة بالعمل تدل على خلافه، لعدم التفصيل بين سورة الا لجاء وغيرها. (وإذا اشترك في هدم الحائط ثلاثة فوقع عل أحدهم فمات ضمن الآخران ديته، وفي الرواية ضعف، والاشبه أن يضمن كل واحد ثلثا ويسقط ثلث لمساعدة

[ 197 ]

التالف). الظاهر أن الرواية المشار إليها خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حائط اشترك في هدمه ثلاثة نفر، فوقع على أحدهم فمات، فضمن الباقيين ديته، لان كل واحد ضامن لصاحبه). ووجه الضعف أن في السند علي بن أبي حمزة البطائني وإن كان السند صحيحا إلى ابن أبي عمير، وبناء الاصحاب علي العمل بما يصح عنه، مضافا إلى مخالفتها للاصول من جهة استناد القتل إلى الثلاثة فكيف يضمن الاثنان الباقيان ما على الثالث ولا تزر وازرة وزر اخرى، ومن المحتمل بعيدا أن يراد تضمين ثلثين من الدية في الخبر، ويمكن أن يقال: لا إشكال في مدخلية الثلاثة في تحقق الهدم الموجب لموت أحدهم، وهل يكفي مجرد المدخلية للضمان حتى يقال: يسقط ثلاث الدية من جهة ارتباطه بنفسه، دون الاثنين الآخرين، أم لا يكفي وإلا لزم عدم ضمان حافر البئر في غير ملكه تمام الدية مع وقوع الغير في البئر لمدخلية نفسه في تحقق الموت أو الجناية في الاطراف. (ومن اللواحق مسائل: الاولى من دعى غيره فأخرجه من منزله ليلا ضمنه حتى يرجع إليه، ولو وجد مقتولا وادعى قتله على غيره وعدم البينة ففي القود تردد، أشبهه أنه لا قود، وعليه الدية، ولو وجد ميتا ففى لزوم الدية قولان أشبههما اللزوم). الظاهر عدم الخلاف في المسألة، وفيها روايتان: إحداهما رواية جعفر بن محمد عن بن عبد الله بن ميمون، عن الصادق عليه السلام (إذا دعى الرجل أخاه بليل فهو له ضامن حتى يرجع إلى بيته). والثانية رواية محمد بن الفضل، عن عمرو بن أبي المقدام قال: (كنت شاهدا عند البيت الحرام ورجل ينادي بأبي جعفر وهو يطوف، يقول: يا أمير المؤمنين إن هذين

[ 198 ]

الرجلين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله، فلم يرجع إلى، والله ما أدري ما صنعا به، فقال لهما أبو جعفر: وما صنعتما به؟ فقالا يا أمير المؤمنين كلمناه ثم رجع إلى منزله، فقال لهما وافياني غدا صلوة العصر في هذا المكان، فوافياه من الغد صلوة العصر وحضر به، وقال لجعفربن محمد عليهما السلام وهو قابض على يده يا جعفر اقض بينهم، فقال: يا أمير المؤمنين اقض بينهم أنت، فقال له بحقي عليك إلا قضيت بينهم، قال: فخرج جعفر عليه السلام فطرح له مصلى قصب فجلس عليه، ثم جاء الخصماء وجلسوا قدامه، فقال: ما تقول؟ فقال يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله إن هذين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله فوالله ما رجع إلى، ووالله ما أدري ما صنعا به، فقال ما تقولان؟ فقالا يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله كلمناه، ثم رجع إلى منزله فقال: يا غلام اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل من طرق رجلا بالليل فأخرجه من منزله فهو له ضامن، إلا أن يقيم البينة أنه قدرده إلى منزله، يا غلام نح هذا واضرب عنقه، فقال: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله ما قتلته أنا ولكن أمسكته وجاء هذا فوجأه فقتله، فقال: أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله يا غلام نح هذا واضرب عنق الآخر، فقال والله يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ما عذبته ولكن قتلته بضربة واحدة، فأمر أخاه فضرب عنقه، ثم أمر الآخر فضرب جبينه وحبسه في السجن ووقع على رأسه بحبس عمره، ويضرب كل سنة خمسين جلدة) والظاهر أن القائلين بالضمان ليس مرادهم الضمان نحو الضمان باليد على العين المغصوبة، ولو كان التلف لا من جهته بل من جهة الغير لان بناءهم على أنه لو تبين أن الجاني غير المخرج يصرف الضمان من المخرج إلى الغير، بل المراد أنه إذا وقعت الجناية على المخرج ليلا من ناحية من أخرجه عمدا أو شبه عمد فهو ضامن، فمع العمد القصاص، ومع شبه العمد الدية، ولم يظهر من كلماتهم حكم صورة وقوع الجناية خطأ لان الضمان على العاقلة لامن أخرجه، فالرواية الاولى إن لم يكن إشكال فيها من جهة السند من جهة عمل الفقهاء بمضمونها يمكن الاستدلال بها.

[ 199 ]

وأما الرواية الثانية فلا من جهة أن القصاص بمجرد الاخراج ليلا لا يلتزمون به، فما قيل من أن الروايتين ينجبر ضعفهما من جهة العمل لم يظهر وجهه، حيث إن مصداق الضمان في الرواية الثانية القصاص، ولعل ما فيها من عمل الامام عليه السلام من جهة عمله فأمر فيها مقدمة لاقرار الخصمين بما وقع، ومن المعلوم أنه مع الاقرار يكون المقر مأخوذا بما أقر به. وأما مع عدم ثبوت شئ فالمعروف ثبوت الدية لا على العاقلة وادعي عدم الخلاف فيه، لكن كيف يتم الاجماع مع مخالفة جمع في لزوم الدية لو وجد ميتا، و لو وجد مقتولا فإن أقر الداعي بقتله أو اقيمت البينة عليه اقيدبه، بلا خلاف فيه وادعي عدم الخلاف أيضا في أنه لوادعى قتله على غيره وأقام به عليه البينة أو أقر الغير صرف عنه الضمان إلى ذلك الغير، ولو عدم البينة منه عليه ولم يدع القتل على أحد ففي القود من الداعي أو إلزامه بالدية تردد واختلاف، والاشبه عند المصنف أنه لا قود، وعلل بالاصل مع حصول الشك في موجب القصاص، وصدق الضمان المحكوم به في الفتوى والنص بضمان الدية. ويمكن أن يقال: لم يظهر وجه ما قيل من أنه لو ادعى قتله على غيره وأقام به عليه البينة صرف عنه الضمان، فهذا كما لوادعى زيد على عمرو بدين وأقام عمرو البينة أن الدين على بكر لا عليه فهل يسمع هذه الدعوى مع البينة، إلا أن يكون إجماع هنا على خلاف ما ذكر في كتاب القضاء. وما ذكر في صورة القتل من الترديد وتقوية الدية مشكل، حيث إن المدرك إن كان فتوى الفقهاء فلا إجماع وإن كان الخبرين فمقتضى الخبر الثاني القود، والخبر الاول لاتعيين فيه، ولا جامع بين الدية والقود، فمع موت الداعي وعدم القصاص كيف يمكن إثبات الدية وأخذها من تركته، وإثبات الدية بما ورد من أنه لا يطل دم امرء سملم مشكل. (الثانية: إذا عادت الظئر بالطفل فأنكره أهله صدقت ما لم يثبت كذبها فيلزمها الدية أو إحضاره أو من يحتمل كونه هو، الثالثة: لو دخل لص فجمع متاعا ووطأ

[ 200 ]

صاحبة المنزل قهرا فثار ولدها فقتله اللص ثم قتلته المرأة ذهب دمه هدرا، ويضمن مواليه دية الغلام، وكان لها أربعة آلاف درهم في تركته لمكابرتها على فرجها، وهي رواية عبد الله بن طلحة عن أبي عبد الله عليه السلام، وعنه في امرأة أدخلت الحجلة صديقا لها ليلة بنائها فاقتتل هو وزوجها، فقتله الزوج، فقتلت المرأة الزوج، ضمنت دية الصديق، و قتلت بالزوج، والوجه أن دم الصديق هدر). أما تصديق الظئر فالظاهر الخلاف فيه ويدل عليه صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل استأجر ظئرا فدفع إليها ولده فغابت [ فقامت، خ ل ] بالولد سنة [ سنين، خ ل ] ثم جاءت بالولد وزعمت أمه أنها لا تعرفه،، وزعم أهلها أنهم لا يعرفونه، قال: ليس لهم ذلك فليقبلوه فإنما الظئر مأمونة). واستظهر من الصحيح عدم الحاجة إلى اليمين، ولا يبعد الحاجة إليها من جهة ظهور قوله عليه السلام على المحكي فانما الظئر مأمونة في العلية، وفي الاموال يصدق المأمون مع اليمين ولا أقل من عدم الاطلاق ومن الواضح أنها صدقت مع احتمال صدقها، ومع ثبوت كذبها لا معنى تصديقها بمعنى ترتب الاثر على قولها، والمعروف أنها مع الكذب لابد لها من إحضار الولد أو من يحتمل أنه هو وإلا يلزمها الدية. وربما استدل علي ضمان الدية بفحوى صحيح سليمان بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل استأجر ظئرا فدفع إليها ولده، فانطلقت الظئر فدفعت ولده إلى ظئر اخرى، فغابت به حينا، ثم إن الرجل طلب ولده من الظئر التي أعطاها إياه فأقرت أنها استوجرت وأقرت بقبضها ولده وأنها كانت دفعته إلى ظئر اخرى، فقال: عليها الدية أو تأتي به). ويمكن أن يقال كيف يمكن استفادة لزوم الدية في مسألتنا من هذا الصحيح مع الفرق، حيث إن الظئر المذكورة في الصحيح ما كانت مأذونة في دفع الولد إلى ظئر اخرى، وفي مسألتنا ما دفعت إلى ظئراخرى أولم يعلم، ويمكن موت الولد مع كون الظئر

[ 201 ]

مأمونة، إلا أن يكون في المسألة اتفاق كما قيل. وعن الشهيد في حواشيه أن من قواعد الفقهاء أن الحر لا يضمن باثبات اليد إذا لا أثر لليد في غير المال، واستثنى من هذه القاعدة ثلاث مسائل: مسألة الظئر، و مسالة المنادي غيره ليلا، ومسألة تلف الصبي المغصوب بتلف الغاصب كلدغ الحية وأشباه ذلك، ومن المعلوم أنه ليست مسألتنا من هذه المسائل. ثم إنه يقع الاشكال في تصديق الظئر بعد كذبها كيف تصدق بإحضار من يحتمل كونه ذرك الولد مع إحضارها أو لا غيره مدعية أنه ذلك الولد. وأما المسألة الثالثة فالرواية الواردة فيها هي ما روى عبد الله بن طلحة كما في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام ولفظها (سألته عن رجل سارق دخل علي امرأة ليسرق متاعها فلما جمع الثياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها فتحرك ابنها فقام فقتله بفاس كان معه فلما فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج حملت عليه بالفاس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد، فقال أبو عبد الله عليه السلام اقض في هذا كما وصفت لك، فقال يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه دية الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها إنه زان وهو في مال غرامة [ عزيمة، خ ل ] وليس عليها في قتلها إياه شئ). وزاد في الكافي (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا دية له ولا قود) الظاهر أن الرواية صحيحة. وقد يقال: لم نجد عاملا بها على مخالفتها للاصول التي منها أن قتل العمد لا تضمنه العاقلة، والسارق المذكور قد قتل الولد عمدا فكيف يضمن العاقلة؟ ومنها وجوب مهر المثل للوطي لا خصوص أربعة آلاف درهم، ومنها أن السارق عليه القطع لا القتل، ومنها أن قتله وقع بعد قتله لابنها، فلم لا يقع قصاصا؟

[ 202 ]

وقد يقال: إن وجه الدية فوات محل القصاص بناء على أن فواته مع عدم تركه له تؤخذ منها الدية يقتضي ثبوته على الاقرب. وربما يشهد له في الجملة خبر أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليهما السلام (قلت له: دخل رجل على امرأة حامل فوقع عليها فقتل ما في بطنها فوثبت عليه فقتلته، قال: ذهب دم اللص هدرا وكانت دية ولدها على المعقلة) كما أن وجه عدم وقوعه قصاصا عن ولدها لانها قتلته دفعا عن المال فلم يقع قصاصا، ومنه يعلم الوجه في قتله دون قطعه، وإيجاب المال دليل على أن مهر المثل في هذا لا يتقدر بخمسين دينارا بل بمهر أمثالها بالغا ما بلغ، وحينئذ تنزل هذه الرواية على أن مهر أمثال القاتلة هذا القدر. ويمكن أن يقال على فرض تمامية ما ذكر من أنه مع فرض فوات محل القصاص مع عدم التركة تؤخذ الدية من العاقلة لم يفصل في الرواية بل لم يفرض عدم التركة لانه ذكر فيها لزوم أربعة آلاف لمكابرته فيما ترك، وما ذكر من عدم وقوع قتل السارق قصاصا من جهة كونه دفعا عن المال لا شاهد عليه، ومجرد احتمال هذا مع عدم الاستفصال لا يجدي، وما ذكر أخيرا من تنزيل مهر القاتلة على أن مهر أمثال القاتلة هذا المقدار يشكل بأنه مع اختلاف النساء في كل عصر من جهة الرفعة والضعة فالمهور تختلف، وليس السؤال عن قضية تكون المرأة حالها معلومة فمع جواز تخصيص الاصول و القواعد المسلمة في الفقه لا مانع من العمل بالرواية مع صحتها، ومع الاباء يرد علمها إلي أهلها. وأما الرواية الاخرى فهي رواية عبد الله بن طلحة أيضا عن الصادق عليه السلام في الكافي والتهذيب والفقيه ولفظها (قلت له: رجل تزوج امرأة فلما كان ليلة البناء عمدت المرأة إلى رجل صديق لها فأدخلته الحجلة، فما دخل الرجل يباضع أهله ثار الصديق واقتتلا في البيت فقتل الزوج الصديق وقامت المرأة فضربت الزوج ضربة فقتلته بالصديق، فقال: تضمن المرأة دية الصديق وتقتل بالزوج). والفقهاء لم يعلموا بمضمونها من جهة ما فيها من ضمان المرأة دية الصديق،

[ 203 ]

لان دم مثله هدر لاستفاضة النصوص على هدر دم مثله، منها خبر الجرجاني عن أبي الحسن عليه السلام (في رجل دخل دار رجل للتلصص أو الفجور فقتله صاحب الدار أيقتل أم لا؟ قال عليه السلام: اعلم أن من دخل دار غيره فقد أهدر دمه ولا يجب عليه شئ). (الرابعة: لو شرب أربعه فسكروا فوجد جريحان وقتيلان ففي رواية محمد بن قيس إن عليا عليه السلام قضى بدية المقتولين على المجروحين بعد أن أسقط جراحة المجروحين من الدية، وفي رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام انه جعل دية المتقولين على قبائل الاربعة وأخذ دية المجروحين من دية المتقولين، والوجه أنها قضية في واقعة وهو أعلم بما أوجب ذلك الحكم، ولو كان في الفرات ستة غلمان فغرق واحد فشهد اثنان منهم على الثلاثة انهم غرقوه وشهد ثلاثة على الاثنين ففي رواية السكوني ومحمد بن قيس جميعا عن أبي عبد الله وعن أبي جعفر عليهما السلام ان عليا صلوات الله وسلامه عليه قضى بالدية أخماسا بنسبة الشهادة، وهي متروكة، فإن صح النقل فهي واقعة في عين فلا يتعدى، لاحتمال ما يوجب الاختصاص). أما رواية محمد بن قيس المذكورة أو لا فلفظها (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أربعة شربوا سمكرا فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا، فقتل اثنان وجرح اثنان، فأمر المجروحين فضرب كل واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية، فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شئ). ورواه في موضع آخر من التهذيب بسند آخر متصل إلى عبد الله بن الحكم قال: (سألته عن أربع نفر كانوا يشربون في بيت فقتل اثنان وجرح اثنان، قال: يضرب المجروحان حد الخمر، ويغرمان قيمة المقتولين، ويقوم جراحتهما فيرد عليهما ما

[ 204 ]

أديا من الدية) وفي قبال ما ذكر رواية السكوني - والرواية في التهذيب والفقيه - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون يسكاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فسجنهم، فمات منهم رجلا وبقي رجلان فقال أهل المقتولين: يا أمير المؤمنين أقدهما بصاحبينا، فقال علي صلوات الله عليه ما ترون؟ قالوا نرى أن تقيدهما، قال علي صلوات الله عليه فلعل ذينك الذين ماتا قتل كل واحد منهما صاحبه، قالوا: لا ندري، فقال علي عليه السلام بل أجعل دية المقتولين على قبائل الاربعة وآخذ ديه جراحة الباقيين من دية المقتولين). واستشكل بمخالفة ما فيه مع الاصول، حيث إن تغريم العاقلة على خلاف الاصل، خصوصا بعد الاتفاق ظاهرا على أن عمد السكران موجب للقصاص، أو شبه عمد موجب للديه من مال الجاني، ولا قائل بكونه خطأ محضا، على أنه مع العلم بأن لكل منهم أثرا في القتل كان لاولياء المقتولين الباقي، وإن لم يعلم فلم جعل الدية على قبائلهم. وقد يراد التوجيه بنحو لا يخلو عن الاشكال ولذا قال في المتن: والوجه أنها قضية في واقعة، وهو أعلم بما أوجب ذلك الحكم. وأما ما ذكر من ستة غلمان فغرق واحد منهم فالرواية الواردة فيه هي رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الكافي والتهذيب، ومحمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام كما في التهذيب، بل هي فيه صحيحة عن علي صلوات الله عليه (في ستة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد وشهد اثنان على الثلاثة بأنهم غرقوه، وشهد الثلاثة على الاثنين، فقضى عليه السلام بالدية أخماسا، ثلاثة أخماس على الاثنين، وخمسين على الثلاثة).

[ 205 ]

وهذه الرواية أيضا لم يعملوا بها، حيث إن الموافق للاصول أن شهادة السابقين إن كانت مع العدالة واستدعاء الولي قبلت ثم لا تقبل شهادة الاخيرين للتهمة، وإن كانت الدعوى على الجميع أو حصلت التهمة عليهم لم تقبل شهادة أحدهم ويكون ذلك لوثا يمكن إثباته بالقسامة. (البحث الثاني في التسبيب، وضابطه ما لولاه لما حصل التلف لكن علته غير السبب كحفر البئر، ونصب السكين وطرح المعاثر والمزالق في الطريق، وإلقاء الحجر، فان كان ذلك في ملكه لم يضمن، ولو كان في غير ملكه أو كان في طريق مسلوك ضمن، ومنه نصظب الميازيب وهو جائز إجماع وفي ضمان ما يتلف به قولان أحدهما لا يضمن وهو أشبه، وقال الشيخ يضمن، وهو رواية السكوني). والظاهر عدم كون الضمان مترتبا على الضابط المذكور، لعدم الفرق في السببية بين حفر البئر مثلا في ملكه مع كون الملك معبرا مسلوكا للناس و الحفر في الطريق المسلوك للناس بدون الملكية لا حد، فلا بد من ملاحظة ما يستفاد من الاخبار الواردة. فمن الموارد التي وقع البحث فيها حفر البئر، و نصب السكين، وطرح المعاثر والمزالق في الطريق، وإلقاء الحجر، فالمعروف أن ما ذكر إذا كانت في ملك غيره أو طريق مسلوك ضمن في ماله، واستدل بصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره وتعقر دابته رجلا، قال هو ضامن لما كان من شئ وعن الشئ يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها وتعقره، فقال كل شئ مضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه وصحيح الكناني (قال: قال أبو عبد الله عليه السلام من أضر بشئ في [ ومن، خ ل ] طريق المسلمين فهو له ضامن). وفي خبر السكوني الذي رواه المحمدون الثلاثة قدس الله أسرارهم عن الصادق عليه السلام

[ 206 ]

(قال رسول الله صلى الله عليه وآله من أخرج ميزابا أو كنيفا، وأو أوتد وتدا وأو أوثق دابة، أو حفر بئرا [ شيئا، خ ل ] في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب فهو له ضامن) وفي موثق سماعة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحفر البئر في داره أو ملكه فقال: أما ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان، وأما ما حفر في الطريق أو في غير ملكه فهو ضامن لما يسقط فيها). وفي خبر زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام (قلت له رجل حفر بئرا في غير ملكه فمر عليها رجل فوقع فيها، قال عليه الضمان، فان من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان) وخبره الآخر عنه أيضا (لو أن رجلا حفر بئرا في داره ثم دخل رجل فوقع فيها لم يكن عليه شئ لكن ليغطها) وموثق أبي بصير عن أبي حعفر عليه السلام (سألته عن غلام دخل دار قوم وعثر [ يلعب، خ ل ] فوقع في بئرهم هل هم يضمنون؟ قال ليسوا يضمنون، وإن كانوا متهمين ضمنوا). ويمكن أن يقال لو كان حفر البئر في طريق المسلمين لمصلحتهم حيث إنه مع اجتماع الماء في الشتاء ينجمد وفي غير الشتاء يصعب السلوك فيحفر البئر لمصلحة العابرين لا يكون الحفر مضرا فمقتضى التقييد في صحيح الحلبي وصحيح الكناني بالاضرار أنه مع عدم الاضرار لا ضمان بل يكون الحافر محسنا. وهذا الوجه غير ما يقال من أنه إحسان يحتاج الي إذن الامام، هذا، ولم يظهر وجه الحاجة إلى الاذن، ولم يظهر فرق بين عمارة المساجد والمدارس والخانات الموقوفة مع أن سيرة المسلمين عليها وبين إصلاح الطرق والشوارع العامة بدون مراجعة إلى حكام الشرع، فالقول بضمان الحافر في طريق المسلمين بقول مطلق مشكل. وأيضا إذا كان طريق المسلمين ملكا له كما لو أباح مكانا لعبور المسلمين

[ 207 ]

فحفر بئرا فيه فمن جهة أنه طريق المسلمين يحتمل الضمان، ومن جهة أنه ملكه أباح للمسلمين من دون أن يكون وقفا أو بحكم الوقف كما لو أحيى طائفة أرضا ميتة و بنوا دورا وعينوا مكانا طريقا للمارة بل الظاهر الوقفية لصحة الوقف بنحو المعاطاة ظاهرا عدم الضمان وأما الميازيب المنصوبة فقد يقوى عدم ترتب الضمان إن ترتب عليها الضرر من جهة جواز تصبها لعدم التعدي، والنصب مأذون فيه، ولا يخفى الاشكال فيه من جهة خبر السكوني المذكور مع انجبار ضعف السند، وما يقال من احتماله التخصيص بالمضر لم يظهر وجهه، فإن الظاهر أنه إذا ترتب ضرر عليها توجب الضمان. إلا أن يقال بعد التقييد في بعض الاخبار بالاضرار يرفع اليد عن المطلقات فيلاحظ ما كان بحسب الغلبة مضرا يترتب عليه الضمان وما ليس كذلك فلا، لكن لازم هذا عدم التفرقة بين الميازيب وغيرها، فلم يظهر وجه لتفرقة المصنف - قدس سره وما ذكر في وجه عدم الضمان من الاذن من طرف الشارع لا نسلم، فان الاذن بمجرده لا ينافي الضمان، ألا ترى أن الطبيب مأذون في المعالجة، والمتصدق باللقطة مأذون في التصدق وهما ضامنان مع التلف في الاول ووجدان المالك في الثاني. (ولو هجمت دابة على اخرى ضمن صاحب الداخلة جنايتها ولم يضمن صاحب الموخول عليها، والوجه اعتبار التفريظ في الاولى، ولو دخل دارا فعقره كلبها ضمن أهلها إن دخل باذنهم وإلا فلاضمان، ويضمن راكب الدابة ما تجنيه بيديها و كذا القائد، ولو وقف بها ضمن جنايتها ولو برجليها وكذا لو ضربها فجنت، ولو ضربها غير ضمن الضارب، وكذا السائق يضمن جنايتها). أما ضمان صاحب الداخلة جنايتها فيستظهر من خبر مصعب بن سلام التميمي عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام " ان ثورا قتل حمارا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فرفع إليه، وهو في ناس من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر، فقال يا أبا بكر اقض بينهم، فقال يا رسول الله بهيمة قتلت بهيمة ما عليها شئ، فقال افض يا عمر، فقال مثل قول أبي بكر، فقال يا علي اقض بينهم، فقال نعم يا رسول الله إن كان الثور دخل على الحمار في

[ 208 ]

مستراحه ضمن صاحب الثور، وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان عليهم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله يده إلي السماء وقال الحمد لله الذى جعل لي من يقتضي بقضاء النبين (1) " ونحوه خبر سعد بن طريف الاسكاف (2) عن أبي جعفر عليه السلام مع اختلاف، ومع ضعف سند الروايتين يشكل الاخذ بضمونهما، ولعله لذا قال المصنف - قدس سره والوجه اعتبار التفريط في الاولى. ولقائل أن يقول مع فرض التفريط وعدم احتفاظ الدابة الهاجمة أيضا يحتاج الضمان إلى الدليل. ويمكن الاستظهار من مرسل الحلبي بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا صلوات الله عليه إلى اليمن، فأفلت فرس رجل من أهل اليمن ومر يعدو، فمر برجل فنفحه برجله فقتله، فجاء أولياء المقتول إلى الرجل فأخذوه فرفعوه إلى علي عليه السلام، فأقام صاحب الفرس البينه عند علي عليه السلام أن فرسه أفلت من داره ونفح الرجل، فأبطل علي عليه السلام دم صاحبهم فجاء أولياء المتقول من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله إن عليا ظلمنا وأبطل دم صاحبنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إن عليا ليس مبطلا له ولم يخلق للظلم، إن الولاية لعلى من بعدي، والحكم حكمه، والقول قوله، ولا يرد ولايته وقوله وحكمه إلا كافر ولا يرضى ولايته وقوله وحكمه إلا مؤمن، فلما سمع اليمانيون قول رسول الله صلى الله عليه وآله في علي صلوات الله عليه قالوا يا رسول الله رضينا بحكم علي عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هو توبتكم مما قلتم (3). وربما استظهر من هذا المرسل الضمان مع عدم الاحتفاظ والتفريط، ولم اعرف وجهه ويمكن أن يكون وجهه إقامة صاحب الفرس البينة عند أمير المؤمنين عليه السلام على أن فرسه أفلت وقبول الشهادة ظاهرا ولو كان إفلات الفرس وتخلصه بدون إرسال

[ 209 ]

صاحبه بلا مدخليه لغوا وبلا أثر في الحكم لما سمع شهادة البينة. ولو دخل دارا فعقره كلبها ضمن أهلها إن دخل باذنهم، بلا خلاف ظاهرا، ويدل عليه خبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل دخل دار قوم بغير إذنهم فعقره كلبهم، فقال لا ضمان عليهم، فان دخل باذنهم ضمنوا " (1). وخبر زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام انه كان يضمن صاحب الكلب إذا عقر نهارا، ولا يضمنه إذا عقر بالليل، وإذا دخلت دار قوم باذنهم فعقرك كلبهم فهم ضامنون، وإن دخلت بغير إذنهم فلا ضمان عليهم (2). والمرسل عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له جعلت فداك، رجل دخل دار قوم فوثب كلبهم عليه في الدار فعقره، فقال إن كان دعي فعلى أهل الدار أرش الخدش، وإن لم يدع فلا شئ عليهم " (3). وأما ضمان راكب الدابة ما تجنيه بيديها فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه المستفيضة: منها خبر العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام " انه سئل عن رجل يسير على طريق من طرق المسلمين على دابته فتصيب برجلها، فقال ليس عليه ما أصابت برجلها، وعليه ما أصابت بيدها وإذا وقفت فعليه ما أصابت بيدها ورجلها، وإن كان يسوقها فعليه ما أصابت بيدها ورجلها أيضا " (4). ومنها صحيح الحلبي عنه أيضا " انه سئل عن الرجل يمر على طريق من طرق المسلمين فتصيب دابته إنسانا وبرجلها، قال ليس عليه ما أصابت برجلها، ولكن عليه ما أصابت بيدها، لان رجلها خلفه إن ركب، وإن كان قادبها فانه يملك باذن الله يديها يضعهما حيث يشاء " (5).

[ 210 ]

ونحوه صحيح سليمان بن خالد عنه أيظا بأدني تفاوت (1). وخبر الكسوني عن أبي عبد الله عليه السلام " انه ضمن القائد والسائق والراكب، فقال ما أصابت الرجل فعلى السائق، وما أصابت اليد فعلى الراكب والقائد " (2). ومما ذكر من هذه الاخبار ظهر ضمان القائد ما أصابت الدابة بيدها وضمان السائق ما أصابت برجلها، وضمان الواقف بها ما أصابت باليد وما أصابت بالرجل. وأما ضمان الضارب ما أصابت الدابة بيدها أو رجلها سواء كان الضارب الراكب أو غيره فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه صحيح الحلبي أو حسنه عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره ويعقر دابته رجلا آخر، قال: هو ضامن لما كان من شئ). وقوله عليه السلام على المحكي في حسنته " أي رجل أفزع رجلا من الجدار أو نفربه عن دابته فخر ومات فهو ضامن لديته، وإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه " (4) وخبر أبي مريم عن أبي جعفر عليهما السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في صاحب الدابة انه يضمن إذا وطئت بيدها، وما بعجت برجلها فلا ضمان عليه إلا أن يضربها إنسان " (5). ونحوه خبر غياث عن جعفر بن محمد عنه عن النبي صلى الله عليه وآله (6) وقد ظهر مما ذكر ضمان السائق أيضا. (ولو ركبها اثنان تساويا في الضمان، ولو كان معها صاحبها ضمن دون الراكب، ولو ألقت الراكب لم يضمن المالك إلا أن يكون بتنفيره، ولو أركب مملوكه دابة ضمن المولى، ومن الاصحاب من شرط في ضمان المولى صغر المملوك).

[ 211 ]

العمروف أنه مع ركوب اثنين تساويا في الضمان، وقد يقال في وجهه صدق الراكب على كل منهما، ولخبر سلمة بن تمام المنجبر بما ذكر عن علي صلوات الله عليه في دابة عليها ردفان، قتلت الدابة رجلا أو جرحت، فقضى الغرامة بين الردفين بالسوية (1). ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من صدق الراكب - الخ، فلعله مقتض لضمان كل منهما تمام الدية وسقوط الدية مع تأدية أحدهما، كما في صورة تعاقب الايدي على العين المغصوبة، أو ما يكون بحكم المغصوب، وظاهر الخبر المذكور كون نصف الغرامة على أحدهما والنصف الآخر على الآخر، وهذا هو المطابق مع العدل، حيث إنه مع الاشتراك في الركوب كيف يكون الغرامة راجعة إلى أحدهما بدون الآخر، ولا وجه لاخذ غرامتين منهما، بخلاف صورة تعاقب الايدي، حيث إن قرارا الضمان على من تلف عنده، إلا إذا كان مغرورا فعلى الغار كما ذكر في محله. وأما ضمان صاحب الدابة فاستدل عليه بخبري أبي مريم وغياث بن إبراهيم المذكورين، وقد يحملان على كون المراد من صاحب الدابة فيما راكبها، ولا يخفى بعده، ومجرد إمكان إرادة الراكب منه مع المرجوجية لا يوجب صرف الكلام بلا نصب قرينة. إلا أن يقال صاحب الدابة إذا كان راكبا كيفي في ضمانه لما أتلفت الدابة بيديها من دون حاجة إلى المالكية وإن كان قائدا فكذلك، وإن كان سائفا فالسائق يضمن ما جنت الدابة برجليها لا ما جنت بيديها، وفي الخبر حكم بضمان ما وطئت بيدها دون ما بعجت برجلها، وحمل الخبرين على المالك مع عدم كونه راكبا أو قائدا أو سائقا مع التفصيل بين ما وطئت بيدها وما بعجت برجلها وإن كان ممكنا لكنه لا يخلو عن بعد، ولعل الحمل على الراكب أهون مما ذكر. وكيف كان لم يظهر وجه لعدم ضمان الراكب إن كان المراد من الصاحب المالك، غاية الامر الاشتراك في الضمان.

[ 212 ]

وأما عدم الضمان لو ألقت الدابة الراكب فلعدم ما يوجب الضمان، ومقتضى الاصل عدمه، إلا أن يكون الالقاء من جهة تنفير الدابة فيترتب الضمان. ولو أركب المولى مملوكه ضمن المولى جناية الراكب، لصحيح ابن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل حمل عبده على دابته فوطئت رجلا، فقال الغرم على مولاه " (1). والمحكي عن ابن ادريس رحمه الله اشتراط ضمان المولى بصغر المملوك، ولا يخفى أن مقتضى إطلاق هذا الصحيح عدم الفرق، بل لعل الظاهر الكبير في مورد السؤال، ولعل وجه الحكم في الصحيح المذكور كون ركوب الدابة بأمر المولى فلا ينافي هذا كون جنايات المملوك على نفسه فيكون الدية عليه يتبع به بعد العتق. (البحث الثالث في تزاحم الموجبات، إذا اتفق السبب والمباشر ضمن المباشر، كالدافع مع الحافر، والممسك مع الذابح، ولو جهل المباشر السبب ضمن المسبب كمن غطى بئرا حفرها في غير ملكه فدفع غيره ثالثا فالضمان على الحافر، على تردد. ومن هذا الباب واقعة زبية الاسد، وصورتها وقع واحد فتعلق بآخر، والثاني بثالث، وجذب الثالث رابعا، فأكلهم الاسد، فيه روايتان أحدهما رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الاول فريسة الاسد وأغرم أهله ثلث الدية للثاني، وأغرم الثاني لاهل الثالث ثلثي الدية، وأغرم الثالث لاهل الرابع الدية كاملة، والاخرى رواية مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام ان عليا عليه السلام قضى للاول ربع الدية، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية تماما وجعل ذلك على عاقلة الذين ازدحموا، وفي سند الاخيرة إلى مسمع ضعف، فهي ساقطة، والاولى مشهورة وعليها فتوى الاصحاب). إذا اتفق المباشر والسبب فالمعروف ضمان المباشر بل ادعي الاجماع عليه، فان تم فلا كلام وإلا يشكل، لان مجرد كون المباشر أقوى لا يوجب نفي ضمان الآخر وقد

[ 213 ]

تقدم بعض الكلام في كتاب الغصب، ألا ترى أنه مع تعاقب الايدي على العين المغصوبة أو ما يكون بحكم الغصب لا فرق بين القوية والضعيفة، بل بمجرد تحقق اليد يحكم بالضمان، هذا مع علم المباشر وأما مع جهله بالسبب ففيه تردد، ومن جهة عدم القوة. ومن لواحق هذا الباب واقعة الزبية بضم الزاي وهي حفرة للاسد وأصلها الارض المرتفعة فوق الاكمة، فانهم كانوا يحفرون للاسد في موضع عال. والروايتان إحداهما رواية محمد بن قيس الثقة التي رواها المحمدون الثلاثة صحيحا عن أبي جعفر عليهما السلام " قال قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أربعة اطلعوا في زبية الاسد فخر أحدهم فاستمسك بالثاني، فاستمسك الثاني بالثالث، فاستمسك الثالث بالرابع، حتى أسقط بعضهم بعضا على الاسد فقتلهم الاسد، فقضى بالاول انه فريسة الاسد، وغرم أهله ثلث الدية لاهل الثاني، وغرم أهل الثاني لاهل الثالث ثلثي الدية، وغرم أهل الثالث لاهل الرابع الدية كاملة " (1). وأما الثانية فهي رواية مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام إن عليا صلوات الله عليه قضى في قوم احتفروا زبية الاسد، فوقع فيها الاسد، فازدحم الناس ينظرون فوقع فيها رجل فتعلق بآخر فتعلق الآخر بآخر والآخر بآخر فجرحهم الاسد، فمنهم من مات بجراحته ومنهم من اخرج فمات، فقضى للاول ربع الدية، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، والرابع الدية الكاملة، وجعل ذلك على عاقلة الذين ازدحموا وكان ذلك في حيوة النبي صلى الله عليه وآله فأمضاه. (2) وهذه الرواية ضعيفة الطريق، ومع عدم الحجية لا داعي إلى التوجيه والتطبيق مع الاصول إن أمكن، والاولى مشهورة وعليها فتوى الاصحاب كما في المتن، وإن كانت مخالفة للاصول وقال المصنف قدس سره في الشرايع ما يرجع إلى إمكان أن يقال على الاول

[ 214 ]

الدية للثاني لاستقلاله باتلافه، وعلى الثاني دية الثالث، وعلى الثالث دية الرابع للاستقلال، وإن قلنا بالتشريك بين مباشر الامساك والمشارك بالجذب كان على الاول تمام دية الثاني ونصف دية الثالث وثلث دية الرابع، وكان على الثاني نصف دية الثالث، وثلث دية الرابع، وكان على الثالث ثلث دية الرابع ليس غير. واستضعف بقوه تأثير الممسك على وجه لا يشاركه الجاذب، ضرورة كونه كالمباشر والسبب بعد عدم الالجاء له في الامساك على وجه يكون متولدا من فعله وإلا لكان الضمان عليه خاصة. ويمكن أن يقال أو لا لا نسلم قوة تأثير الممسك، مع أن الممسك غالبا يمسك بتوهم حصول النجاة من الهلكة، والمعروف أن الغريق يتشبث بكل حشيش، وثانيا لا نسلم توجه الضمان إلى الاقوى بقول مطلق، والعمدة الاجماع المدعى في تقدم المباشر على السبب، ولا إجماع في المقام، فلا مانع من الاخذ بمضمون الرواية على خلاف الاصول، وتخصيص الاصول من جهة الخبر المعمول به ليس بعزيز. (النظر الثالث في الجناية على الاطراف، ومقاصده ثلاثة: الاول في ديات الاعضاء، وفي شعر الرأس الدية، وكذا اللحية، فان نبتا فالارش، وقال المفيد إن لم ينبتا فمائة دينار، وقال الشيخ في اللحية إن نبتت ثلث الدية، وفي الرواية ضعف، و في شعر رأس المرأة ديتها، فان نبت فمهرها). المشهور أن في ذهاب شعر الرأس الدية وكذا اللحية، ويدل عليه صحيح سليمان بن خالد المروي في الفقيه " قلت لا بي عبد الله عليه السلام رجل صب ماء حارا على رأس رجل فأسقط شعره فلا ينبت أبدا، قال عليه الدية " (1). وفي التهذيب " فامتعط شعر رأسه ولحيته ". وخبر سلمة بن تمام قال " اهراق رجل على رأس رجل قدرا فيها مرق فذهب

[ 215 ]

شعره، فاختصما في ذلك إلى علي صلوات الله وسلامه عليه فأجله سنة، فلم ينبت شعره فقضى عليه الدية " (1). ويقع الاشكال في أن الدية على مجموع شعر الرأس واللحية أو على كل واحد وقد يؤيد كون الدية على كل واحد من جهة خلو رواية الفقيه التي هي أضبط من التهذيب، فلا يبعد إرادة معنى أو من الواو. وفيه إشكال فان الزيادة الخطا فيها أبعد من الخطأ في النقيصة وكون الواو بمعنى أو بعيد جدا يحتاج إلى نصب قرينة. ولا يخفى أن هذا مبني على وجود خبرين اريد الجمع بينهما، وأما مع وحدة الخبر والاختلاف في النقل فلا يتم. وكذا الكلام في شعر اللحية فالمشهور في ذهابه الدية الكاملة واستدل بخبري مسمع والسكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية كاملة، فإذا نبتت فثلث الدية " (2). فان كان اعتماد المشهور على هذين الخبرين حتى يكون السنة منجبرا فلا إشكال وإلا فالاشكال يجري في المقام. نعم قد يستبعد كون شئ موجبا للدية الكاملة ومع انضمام شئ آخر لا يزيد الدية، هذا مع عدم النبات، ومع النبات قال الشيخ في اللحية ثلث الدية، والمدرك خبرا مسمع والكسوني. وقد يستشكل من جهة ضعف الرواية وعدم الجابر، وفيه إشكال، فان الخبرين قد اخذ بمضمونهما في ذهاب شعر اللحية مع عدم النبات، فما معنى الاخذ بالسند بالنسبة إلى بعض مضمونه وحجية السند، وعدم الاخذ وعدم الحجية بالنسبة إلى بعض آخر من الخبر. وفي شعر الرأس إن نبت الارش، فيقوم الحر لو كان عبدا ولم يذهب شعر رأسه

[ 216 ]

كم قيمته ومع ذهاب شعره كم قيمته، وكذا في اللحية مع عدم الاخذ بمضمون الخبرين المذكورين بأخذ التفاوت بين القيمتين وبهذه النسبة يؤخذ من ذلك بحساب دية الحر. هذا هو المشهور، ووجهه ان بناء الفقهاء في الجنايات التي لم يرد دليل معتبر على تعيين الدية فيها على الحكومة والارش، لان الحر جملته مضمونة بالدية فتضمن الاجزاء منها فيستكشف بذلك لما يستكشف تفاوت المعيب والصحيح ثم يرجع بعد إلى الثمن الذي ضمن به المبيع. ويمكن أن يقال بعد ملاحظة ما وصل إلينا في الاخبار من ديات الاعضاء والمنافع مع أنه لو لم يكن نص في البين وكان من باب الارش والحكومة لم يكن التفاوت بهذا المقدار كيف يحكم بالارش والحكومة فيما لا نص فيه مع احتمال أنه لو كان السؤال عنه كان الجواب بغير التفاوت بين الكامل والناقص، فإن تم الاجماع أو استفيد من الاشارة في بعض الاخبار كما يظهر من بعض الاكابر وإلا فللاشكال مجال، و مجرد ذكر الارش في بعض الاخبار في بعض الموارد لا يكون دليلا على الكلية في ما لا تقدير فيه. والمحكي عن المفيد - قدس سره - أن في شعر الرأس واللحية إن لم ينبتا مائة دينار، وقال الشيخ - قدس سره - في اللحية إن نبتت ثلث الدية، وحكي عن جماعة أن به رواية، وفي كشف اللثام قد روي في بعض الكتب عن الرضا عليه السلام من حلق رأس رجل فلم ينبت فعليه مائة دينار، فإن حلق لحيته فلم تنبت فعليه الدية، وإن نبتت فطالت بعد نباتها فلا شئ له، لكن ضعفت الرواية وأما شعر رأس المرأة فالمعروف أن في ذهابه الدية الكاملة مع عدم النبات، ويدل عليه خبر عبد الله بن سلام الذي رواه المحمدون الثلاثة، المنجبر بالشهرة، بناء على أن في سنده محمد بن سلمان المجهول، وعن الوافي إبداله سليمان بن داود المنقرى فهو حسن أو صحيح " قال قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك ما على رجل وثب على امرأته فحلق رأسها؟ قال: يضرب ضربا وجيعا ويحبس في سجن المسلمين

[ 217 ]

حتى يستبرء شعرها، فإن نبت اخذ منه مهر نسائها، وإن لم ينبت اخذ منه الدية كاملة، قلت فكيف صار مهر نسائها إن نبت شعرها؟ فقال: يا ابن سنان إن شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال فإذا ذهب أحدهما وجب المهر كاملا " (1) (وفي الحاجبين خمس مائة دينار، وفي كل واحد مأتان وخمسون، وفي بعضه بحسابه، وفي العينين الدية، وفي كل واحدة نصف الدية، وفي الاجفان الدية، قال في المبسوط: في كل واحد ربع الدية، وفي الخلاف في الاعلى ثلثا الدية وفي الاسفل الثلث، وفي النهاية في الاعلى الثلث، وفي الاسفل النصف وعلى الاكثر). في صورة إصابة الحاجبين وذهاب كل الشعر المشهور أن الدية خمس مائة دينار، لخبر أبي عمرو المتطبب المنجبر بعمل الاكثر عن أبي عبد الله عليه السلام من إفتاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه " وإن اصيب الحاجب فذهب شعره كله فديته نصف دية العين مائتا دينار وخمسون دينارا (2) وروي عن الرضا صلوات الله وسلامه عليه أيضا. والمحكي عن المبسوط والغنية والاصباح أن فيهما الدية وفي كل واحد نصف الدية، ويؤيده النصوص الدالة على أن فيما كان في الجسد اثنين الدية مع ضعف مستند الاول. واجيب بأن العموم قابل للتخصيص، وضعف السند منجبر بعمل الاصحاب، ولم يفرق في الخبر بين صورة عود بنات الشعر وعدم عوده. وقد يستبعد عدم الفرق بل يقال لعله الاقوى، للاصل، بعد انسباق غير العائد من النص والفتوى ولو بملاحظة غير الفرض من الفرق بينهما الموافق للعدل و الاعتبار. ولا يخفى الاشكال فإن الافتاء بمجرد الاصابة بدون التأجيل يوجب عدم

[ 218 ]

الفرق فلا مجال للاصل، والتفصيل في غير الفرض لا يكون دليلا على المقام بل عدم التفصيل في الفرض مع التفصيل في غيره ربما يكون دليلا على عدم التفصيل، ومجرد الاستبعاد لا يوجب الصرف عن صورة العود. وفي العينين الدية، ويدل عليه الاخبار العامة الدالة على أن ما في الانسان اثنان ففي كل واحد نصف الدية، والخاصة مثل حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يكسر ظهره فقال فيه الدية كاملة، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي الاذنين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفى الذكر إذا قطعت الحشفة وما فوق الدية، وفي الانف إذا قطع المارن الدية، وفى البيضتين الدية (1) ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " في الانف إذا استوصل جدعه الدية، وفي العين إذا فقئت نصف الدية، وفي الاذن إذا قطعت نصف الدية، وفي اليد نصف الدية، وفى الذكر إذا قطع من موضع الحشفه الدية " (2). وظهر مما ذكر حكم العين الواحدة وفي الاجفان الاربعة الدية، بلا خلاف ظاهرا، بل ادعي الاجماع عليه، و في تقدير كل جفن خلاف، فالمحكي عن جماعة أن في كل واحد ربع الدية، و استدل بصحيح هشام المضمر في التهذيب المسند إلى الصادق عليه السلام في الفقيه قال: " كل ما كان في الانسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية " (3) ونحوه حسن عبد الله بن نسان. ولا يخفى عدم الاستفادة من هذين الخبرين، وقد يقال بالاستفادة من الاجماع على ثبوت الدية للاربع فتوزع لان الاصل عدم الزيادة. وفيه إشكال، لاحتمال عدم التوزيع، ألا ترى أن الدية الكاملة لا توزع على الاعضاء.

[ 219 ]

وقال في الخلاف وحكي عن السرائر: في الاعلى ثلثا الدية وفي الاسفل الثلث من دية العين، وحكي عليه الاجماع والاخبار، والمحكي عن الخلاف في موضع آخر وعن المبسوط: في الاعلى ثلث الدية، وفي الاسفل النصف، وقيل هو المشهور لما في كتاب ظريف بن ناصح عن الصادق عليه السلام المشهور في الديات كما في المسالك عن إفتاء أمير المؤمنين عليه السلام الذي رواه المحمدون الثلاثة المنجبر في المقام بما ذكر، قال: فإن اصيب شفر العين الاعلى فشتر فديته ثلث دية العين مائة دينار وسته وستون دينارا وثلثا دينار، وإن اصيب شفر العين الاسفل فشتر فديته نصف دية العين مأتا دينار وخمسون دينارا - إلى قوله - فما أصيب منه فعلى حساب ذلك (1). وفي كشف اللثام وكذا روي عن الرضا عليه السلام. والظاهر أنه لا مجال للايراد بأن مضمون هذه الرواية مناف لما هو المجمع عليه من كون الجفون الاربعة فيها الدية الكامة، لان ظاهر الرواية كون الجناية غير واقعة بلا فصل على الاجفان، فمع عدم الفصل إن اصيب شفر العين الاعلى فشتر الخ، وإن اصيب شفر العين الاسفل - الخ. لكن هنا إشكال آخر، وهو ان الشفر بالضم المعروف عند اللغويين هو طرف الجفن الذي هو غطاء العين لا نفس الجفن، فكيف يراد استفادة حكم نفس الجفن من الرواية ومع استفادة الحكم من الرواية ففي الجناية على بعضها بحساب ديتها، فإن قطع نصف الجفن كان ديته الثمن بناء على أن فيه الربع. (وفي عين الاعور الصحيحة الدية كاملة إذا كان العور خلقة أو ذهبت بشئ من قبل الله تعالى، وفي خسف العوراء روايتان أشبههما ثلث الدية، وفي الانف الدية، وكذا لو قطع مارنه أو كسر ففسد، ولو جبر على غير عيب فمائة دينار، وفي شلله

[ 220 ]

ثلثا ديته وفي الحاجز نصف الدية، وفي أحد المنخرين نصف الدية، وفي رواية ثلث الدية). إذا اصيبت العين الصححية من الاعور وكان العور خلقة أو بآفة من الله تعالى شأنه ففيها الدية الكاملة، بلا خلاف ظاهرا، وفي صحيح محمد بن قيس قال أبو جعفر عليهما السلام قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أعور أصيبت عينه الصحيحة ففقئت أن تفقأ إحدى عيني صاحبه، ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة، ويعفور عن صاحبه " (1). وفي خبري الحلبي وأبي بصير عن الصادق عليه السلام " في عين الاعور الدية " مع زيادة " كاملة " في أولهما (2). وأما التقييد بكون العور خلقة أو بآفة من الله تعالى شأنه فقد يعلل بأنه مع عدم كون العور خلقة أو بآفة من الله تعالى يستحق الارش ونصف الدية ولا يستحق الدية الكاملة، حيث إنه لا ينزل العين الواحدة منزلة العينين، ولم يعلم انصراف النصوص إلى محل البحث، مضافا إلى عدم الخلاف في أصل التقييد، وإن اختلفوا فيما يستحقه في محل الفرض هل هو النصف أو الثلث. ويمكن أن يقال: لا مانع من الاخذ بالاطلاق في خبري الحلبي وأبي بصير، وأما صحيح محمد بن قيس وإن لم يعلم مورد قضاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيه لكن حكاية أبي جعفر عليهما السلام في مقام بيان الحكم يستفاد منها عدم مدخلية شئ آخر وما ذكر من أنه لا ينزل العين الواحدة منزلة العينين لايمنع من الاطلاق، ألا ترى أن حلق اللحية مع النبات يوجب ثلث الدية فإذا حلقت اللحية ثانيا ولم تنبت فهل يلتزم بنقصان الدية الكاملة من جهة أخذ ثلث الدية في المرة الاولى. وأما خسف العين العوراء ففيه روايتان إحداهما رواية عبد الله بن سلميان " في

[ 221 ]

رجل فقأ عين رجل ذاهبة وهي قائمة، قال عليه ربع دية العين " (1). ورواية عبد الله بن جعفر عنه أيضا " في العين العوراء تكون قائمة فتخسف، قال: قضي فيها على بن أبيطالب صلوات الله عليه بنصف الدية في العين الصحيحة " (2). والرواية الثانية صحيحة بريد أو حسنته عن الباقر عليه السلام " في لسان الاخرس وعين الاعور [ الاعمى، خ ل ] وذكر الخصي الحر وانثييه ثلث الدية " (3). وهذه الثانية مشهورة في العمل، والاولى متروكة، وإن حكي العمل بها عن المفيد وسلار. وأما الانف ففيه الدية الكاملة، ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي و في صحيح ابن سنان " في الانف إذا استوصل جدعه الدية " (4). وفي الموثق " في الانف إذا قطع الدية كاملة " (5). وفي حسن الحلبي، وموثق سماعة، وخبري زرارة والعلاء بن الفضيل " في الانف إذا قطع المارن الدية " (6) وقد يقع الاشكال من جهة أن المارن وهو مالان من الانف دون القصبة إذا كان فيه الدية فيكف يكون في مجموع الانف من المارن والقصبة الدية ومن هذه الجهة قيل إن في القصبة الحكومة. واجيب بأنه كذلك مع تعددها بأن قطع القصبة بعد قطع المارن لعدم تقدير فيها بالخصوص فتجب الحكومة، أما لو كان جناية واحدة قد استوعبت الانف كله أو المارن مع بعض القصبة فليس إلا الدية، ولا استبعاد في التداخل. ويمكن أن يقال: إذا شرع الجاني في قطع الانف من المارن إلى القصبة فبعد الوصول إلى القصبة ولم يقطع القصبة بعد، ثبت الدية لتحقق المسبب بسببه فأي تأثير لقطع القصبة ومثل هذا مشمول لما دل على ثبوت الدية فإن التزم في هذه الصورة

[ 222 ]

بثبوت الدية بلا زيادة فأي مانع لعدم الزيادة لو كان قطع القصبة بعد قطع المارن مع فصل زمان، ولعله يرتفع حال الاستبعاد من ملاحظة ما في خبر أبان بن تغلب في قطع أصابع المرأة، فتأمل. وأما الحكومة المذكورة فيما لا تقدير فيه وهي مشهورة ولعلها مجمع عليها، فان كان إجماع وإلا ففيها إشكال كما سبق. ولو جبر على غير عيب فالمعروف أن فيه مائة دينار، وقد يراد الاستظهار مما في خبر ظريف من ثبوت المائة في كسر الظهر إذا جبر على غير عيب ان ذلك كذلك في كل ما كان في كسره الدية، ومنه ما نحن فيه، فان كان في المقام إجماع فلا كلام وإلا فكيف يستظهر مما في خبر ظريف وفي شلله ثلث الدية والشلل بمعنى الفساد وادعي الاجماع عليه. وقد يؤيد بثبوت مثل الحكم في شلل اليد والرجل فإن تم الاجماع وإلا فلا مجال للحكم بمثل التأييد المذكور. وفي الحاجز بين المنخرين عند الاكثر نصف الدية وقد يستند إلى ما في كتاب ظريف المروي بعدة طرق معتبرة " فإن قطعت روثة الانف فديتها خمس مائة دينار (6) نصف الدية " وحكي عن الكافي زيادة " وهي طرفه " لكن الروثة هي الارنبة عند أهل اللغة أو طرفها، حيث يقطر دم الرعاف والارنبة عندهم طرف الانف ويسمون الحاجز بالوترة، وفي كتاب ظريف بالخيشوم. وقد يقال الاجود الحكم للحاجز بالثلث عملا بالاصل والقاعدة في تقسيط الدية على أجزاء العضو الذي تثبت فيه بالنسبة، والمارن الموجب لها مشتمل عليه وعلى المنخرين. ويشكل حيث إن التقسيط محتاج إلى الدليل، ألا ترى أن الانف المركب من المارن والقصبة فيه الدية وفي خصوص المارن أيضا الدية، والاصل المذكور كيف

[ 223 ]

يثبت الثلث، نعم مع القطع بثبوت الدية والشك في الزيادة يمكن التمسك بالاصل في نفي الزيادة. ثم إن المذكور في كتاب ظريف التعبير بخمس مائه دينار والدية ليست خصوص الف دينار، ويظهر من الكتاب المذكور اعتبار الخصوصية، والحمل على نصف مطلق الدية وعدم الخصوصية للدينار خلاف الظاهر لا يصار إليه بلا دليل. وفي أحد المنحزين نصف الدية بنظر جماعة، وقد يعلل بأنه إذهاب نصف الجمال والمنفعة، وقد يؤيد بأنهما اثنان فيعهما ما مر من الحكم العام فيما كان اثنين. ولا يخفى ما في التعليل والتأييد، والمشهور أن فيه الثلث، وفي رواية غياث المنجبرة بالشهرة عن أبي جعفر عليهما السلام عن أبيه عن على عليه السلام " أنه قضى في كل جانب من الانف ثلث الدية ". (وفي الاذنين الدية، وفي كل واحدة نصف الدية، وفي بعضها بحساب ديتها، وفي شحمتها ثلث ديتها، وفي خرم الشحمة ثلث ديتها، وفي الشفتين الدية، وفي تقدير دية كل واحدة خلاف، قال في المبسوط: في العليا الثلث، وفي السفلى الثلثان، واختاره المفيد، وقال في الخلاف: في العليا أربع مائة دينار، وفي السفلى ستة مائة، وكذا في النهاية، وبه رواية فيها ضعف، وقال ابن بابويه: في العليا نصف الدية وفي السفلى الثلثان، وقال ابن أبي عقيل في كل واحدة نصف الدية، وهو قوي، وفي قطع بعضها بحساب ديتها). الاذنان فيهما الدية وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وبلا خلاف ظاهرا، ويدل عليه المروي عن الصادق عليه السلام " كل ما كان في الانسان اثنين ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية، وما كان واحدا ففيه الدية (1) ". وخصوص حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها " وفي الاذنين الدية وفي إحديهما نصف الدية (2) ". وما في صحيحة عبد الله بن سنان عنه " وفي الاذن إذا قطعت نصف الدية (3) ".

[ 224 ]

ورواية مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام " في الاذنين إذا قطعت إحداهما فديتها خمس مائة دينار، وما قطع منها فبحساب ذلك (1) ". ويظهر منه أن في البعض بالحساب، ففي نصف الاذن الواحدة ربع الدية، وفي خصوص شحمة الاذن ثلث ديتها على رواية مسمع عن الصادق عليه السلام " إن عليا قضى في شحمة الاذن بثلث دية الاذن (2) ". وضعف سندها منجبر بالشهرة العظيمة، بل قيل لا يوجد فيه الخلاف، وفي بعض الكلمات عليه إجماع الفرقه وأخبارها. وفي محكي الخلاف في شحمة الاذن ثلث دية الاذن وكذلك في خرمها، بدليل إجماع الفرقة وأخبارها، والمحكي عن ابن إدريس التفسير بثلث دية الشحمة وفي محكي المختلف هو تأويل بلا دليل. وقد يقوى ما في محكي الخلاف من جهة الاجماع المحكي، وقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر معاوية بن عمار " في كل فتق ثلث الدية " كقول أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب ظريف، " وفي قرحة لا تبرأ ثلث دية ذلك العضو ". مؤيدا بما في الخبر (قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خرم الانف ثلث دية الانف (3) "، بناء على عدم الفرق بينه وبين الاذن في ذلك. ويمكن أن يقال: أما التمسك بالاجماع فيشكل مع ملاحظة طريقة المتقدمين فيه كما ذكر في الاصول. وأما الاخبار فيكف يمكن التمسك بها مع عدم الاطلاع والنظر في السند والدلالة، وأما ما في خبر معاوية في كل فتق ثلث الدية فلا يخفى الاجمال فيه،

[ 225 ]

لاحتمال الانطباق على ثلث دية الاذن، والانطباق على ثلث دية الشحمة، وكذلك الكلام فيما في كتاب ظريف، فمع انجبار سند رواية مسمع المذكورة يؤخذ بمضمونها في خصوص قطع الشحمة، وأما خرم الشحمة فلا بد فيه من الاخذ بالقر المتيقن. إلا أن يقال مع التعمد في الخرم يستحق الجاني العقوبة الاخروية، ولعل الدية مع التوبة يرفع العقوبة الاخروية أو يخففها، فمع احتمال المدخلية في الرفع أو التخفيف لا مجال للتمسك بالبراءة بالنسبة إلى الزيادة، ولذا يقال في رفع العقوبة الاخروية بالنسبة إلى غيبة المومن لا يكتفي بالتوبة والندم، بل لابد من الاستحلال ممن اغتابه. وفي الشفتين الدية، والظاهر عدم الخلاف فيه، بل ادعي الاجماع عليه، وقد يستدل بما دل على أن كل ما كان في الانسان اثنين ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية. ويمكن التأمل في انطباق هذا الضابط المأخوذ من الاخبار على الشفتين، ويؤيد الاشكال ما قيل في التفرقة بين الشفة العليا والسفلى، قال في المبسوط في العليا الثلث وفي السفلى الثلثان، واختاره جماعة، وقيل بهذا تبينت الآثار، وقال في الخلاف في العليا أربع مائة دينار وفي السفلى ستة مائة، وفيه رواية أبي جميلة عن أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام " قال في الشفة السفلى ستة آلاف درهم، وفي العليا أربعة آلاف، لان السفلى تمسك الماء " (1). وفي الشرايع ومحكي التحرير ذكره ظريف في كتابه أيضا عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وفي رواية أبي جميلة ضعف، إلا أن يجبر من جهة ذهاب جماعة من الاعلام إلى هذا القول. وقال ابن بابويه وهو ماثور عن ظريف أيضا المروي بعدة طرق: في العليا نصف الدية وفي السفلى الثلثان، وهذا قول نادر، ويلزم منه زيادة على الدية حيث

[ 226 ]

إن دية المجموع دية كاملة. إلا أن يفرق بين الجناية على الشفتين دفعة فالدية، وبين الجناية بنحو التعدد فالنصف والثلثان. وقال ابن أبي عقيل هما سواء في الدية، استنادا إلى قولهم عليهم السلام كل ما في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية، وإلى قول الصادق عليه السلام في خبر سماعة كما في الاستبصار وإن كان مضمرا في التهذيب " الشفتان العليا والسفلى سواء في الدية (1) ". فإن حمله على التساوي في وجوب الدية بعيد، بل وخبر زرارة عنه أيضا " في الشفتين الدية وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية " (2) بناء على إرادة كل منهما لا العينين خاصة. ويمكن أن يقال: أما القول الاول فلم نجد له دليلا، ومجرد إفتاء جماعة لا يكفي، والقول الثالث من جهة الندرة بعدم توجه المعظم لا مجال للاخذ به، فيدور الامر بين القول الثاني والرابع، وقد يناقش في القول الرابع من جهة المناقشة في شمول العام المذكور للمقام، وعدم ظهور الخبرين وموافقة التسوية للمحكي عن أبي بكر وابن مسعود وأبي حنيفة والشافعي ومالك. قلت: المناقشة في خبر أبي بصير لا وجه لها، لان حمل الكلام على ما لا ينصرف الذهن إليه مع صدوره من الحكيم في مقام البيان كيف يصح، ومن جهة ضعف السند مع استناد الاكابر إليه ينجبر، والاشكال من جهة المعارضة والموافقة للعامة مبني على عدم الموافقة للسنة فإذا لوحظت الشفتان في لسان الاخبار اثنتين، وما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية بحسب السنة فيكون الخبر موافقا للسنة، فان قدم الترجيح بمخالفة العامة على الترجيح بموافقة السنة وإلا فالتخيير، إلا أن يمنع الانطباق على الشفتين.

[ 227 ]

ولو قطع بعض إحدى الشفتين فالمعروف فيه أن ديته بحسب ديتها، ففي نصف الشفة نصف دية الشفة مثلا، لما ذكر في نظائرها. ويمكن أن يقال فيما ذكر في الاخبار لا إشكال ومع عدم النص في المقام كيف يحصل القطع، ألا ترى أن الشفتين وقع الاختلاف بين العليا والسفلى منهما ونظير هذا الاشكال سبق فيما هو المعروف بل لعله المجمع عليه من الحكومة والارش فيما لا تقدير فيه. (وفي لسان الصحيح الدية كاملة، وإن قطع بعضه اعتبر بحروف المعجم وهي ثمانية وعشرون حرفا، وفي رواية تسعة وعشرون حرفا، وهي مطروحة، وفي لسان الاخرس ثلث ديته، وفي بعضه بحساب ديته، ولو ادعى ذهاب نطقه ففي رواية يضرب لسانه بالابرة فان خرج الدم الاسود صدق). لا خلاف ظاهرا في أن استيصال اللسان الصحيح جسما ونطقا موجب للدية الكاملة، ويدل عليه ما يدل على أن كل فرد في الانسان فديته ديته، وما في رواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام " وفي اللسان إذا قطع الدية كاملة " (1). وإن قطع بعضه فذهب بعض منفعة اللسان يبسط الدية على حروف المعجم، وهي ثمانية وعشرون حرفا، على المشهور، فيسقط من الدية بمقدار ما بقي ولم يسقط من الحروف، ولا ينظر إلى حجم اللسان ومساحته، فلو ذهب نصف الحروف وقطع ثلث اللسان كان على الجاني نصف الدية، ولو ذهب ربع الحروف وقطع نصف اللسان فاللازم ربع الدية لانصف الدية. ويدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا ضرب الرجل على رأسه فثقل لسانه عرضت عليه حروف المعجم، فما لم يفصح به الكلام كانت له الدية بالقصاص من ذلك " (2).

[ 228 ]

وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل ضرب رجلا في راسه فثقل لسانه إنه يعرض عليه حروف المعجم كلها ثم يعطى الدية بحصة ما لم يفصح " (1). وما رواه الشيخ مقطوعا عن النوفلي، وعن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال اتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل ضرب فذهب بعض كلامه وبقي البعض، فجعل ديته على حروف المعجم، ثم قال: تكلم بالمعجم، فما نقص من كلامه فبحساب ذلك والمعجم ثمانية وعشرون حرفا، فجعل ثمانية وعشرون جزء، فما نقص من كلامه فبحساب ذلك " (2). وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا ضرب الرجل على راسه فثقل لسانه عرضت عليه حروف المعجم، فما لم يفصح به منها يؤدي بقدر ذلك من المعجم، يقال أصل الدية على المعجم كله، يعطى بحساب ما لم يفصح به منها، وهي تسعة وعشرون حرفا " (3). ويمكن أن يقال: الحروف المعجمة في لغة العرب ثمانية وعشرون، إن عد الهمزة والالف حرفا واحدا وإلا فهما اثنان، وفي لغة الفرس حروف آخر لم تكن في لغة العرب، ولاتعرض لها في الاخبار كما أنه لا تعرض لصورة قطع بعض اللسان وعدم النقصان في التلفظ بالحروف المذكورة، فالحكم بعدم الدية والارش بعيد، والحكم بالدية مع ملاحظة النسبة مع جرم اللسان أيضا بعيد، وحيث إن لازمه أن يلاحظ مع قطع نصف اللسان مثلا وذهاب النطق بالنسبة إلى الاقل من النصف لزوم نصف الدية، ولعل هذا خلاف ظواهر الاخبار، فلا يبعد في صورة حصول النقصان في التلفظ بالحروف الفارسية غير الحروف المذكورة وحصول القطع في جرم اللسان بدون النقصان في التلفظ الحكومة والارش، لحصول النجاية وعدم التقدير من طرف الشرع.

[ 229 ]

وفي لسان الاخرس ثلث ديته، وادعي عليه الاجماع ويدل عليه حسنة بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليهما السلام " قال في لسان الاخرس وعين الاعمى ثلث الدية " (1). ويدل على التفصيل صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان رجل أخرس، فقال: إن كان ولدته امه وهو أخرس فعليه ثلث الدية، وإن كان لسانه ذهب به وجع أو آفة بعدما كان يتكلم فإن على الذي قعط لسانه ثلث دية لسانه، قال وكذلك القضاء في العينين والجوارح، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي صلوات الله وسلامه عليه " (2). فمقتضى القاعدة تقييد ما دل على الاطلاق، لكن الظاهر أنه لم يعملوا به. وفي قطع بعض لسان الاخرس بحسابه مساحة، لما قيل في نظائره، والظاهر عدم الخلاف فيه، فإن تم الاجماع وإلا يشكل مع عدم النص في خصوص المقام خصوصا مع أنه في اللسان الصحيح لم يعتبر المساحة. ولو ادعى المجني عليه ذهاب نطقه بالجناية ففي رواية يضرب لسانه بالابرة، والرواية المشار إليها رواية أصبغ به نباتة - رحمة الله عليه - قال: " سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن رجل ضرب رجلا على هامته فادعى المضروب أنه لا يبصر شيئا وأنه لا يشم الرائحة، وأنه قد ذهب لسانه، فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه إن صدق فله ثلاث ديات فقيل: يا أمير المؤمنين فكيف يعلم أنه صادق؟ فقال: أما ما ادعى أنه لا يشم رائحة فإنه يدنى منه الحراق فإن كان كما يقول وإلا نحى رأسه ودمعت عينه، وأما ما ادعى في عينه فإنه يقابل بعينه عين الشمس فإن كان كاذبا لم يتمالك حتى يغمض عينه، وإن كان صادقا بقيتا مفتوحتين، وأما ما ادعاه في لسانه فإنه يضرب على لسانه بإلابرة فإن خرج الدم أحمر فقد كذب، وإن خرج أسود فقد صدق " (3).

[ 230 ]

والرواية ضعيفة السند إلا أنه رواها المحمدون الثلاثه، وقد عمل بها جماعة، ولعله لذا ما اختار في المتن خلافها. (وفي الاسنان الدية، وهي ثمانية وعشرون منها المقاديم اثنى عشر، في كل واحدة خمسون دينارا، والمآخير ستة عشر، في كل واحدة خمسة وعشرون، ولا دية للزايدة لو قلعت منضمة، ولها ثلث دية الاصلية لو قلعت منفردة، وفي اسوداد السن ثلثا الدية، وكذا روي في انصداعها ولم تسقط، وفي الرواية ضعف، فالحكومة أشبه، وفي قلع السوداء ثلث الدية، ويتربص بسن الصبي الذي لم يثغر فإن نبت فله الارش، وإن لم ينبت فله دية المثغر، وفي رواية فيها بعير، من غير تفصيل وهي رواية السكوني ومسمع، والسكوني ضعيف، وفي الطريق إلى مسمع في هذه ضعف أيضا). المعروف بين الفقهاء أن في إذهاب الاسنان المنقسمة على ثمانية وعشرين سنا الدية الكاملة، والظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه ما رواه الشيخ والصدوق عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن زياد بن سوقة عن الحكم بن عتيبة " قال: قلت لابي جعفر عليهما السلام أصلحك الله إن بعض الناس له في فيه اثنان وثلاثون سنا، وبعضهم له ثمانية وعشرون سنا، فعلى كم تقسم دية الاسنان؟ فقال الخلقة إنما هي ثمانية وعشرون سنا، اثنى عشرة في مقاديم الفم، وستة عشر سنا في مآخيره، فعلى هذا قسمت دية الانسان، فدية كل سن من المقاديم إذا كسرت حتى يذهب خمس مائة درهم، وهي اثنى عشرة سنا، ستة آلاف درهم، وفي كل سن من المآخير مائتان وخسمون درهما، وهي ستة عشر سنا، فديتها أربعة آلاف درهم، فجميع دية المقاديم والمواخير من الاسنان عشرة آلاف درهم، وإنما وضعت الدية على هذا، وما زاد على ثمانية وعشرين سنا فلا دية له، وما نقص فلا دية له، هكذا وجدناه في كتاب علي صلوات الله عليه. قال فقال الحكم فقلت: إن الديات إنما كانت تؤخذ قبل اليوم من الابل

[ 231 ]

والبقر والغنم، قال: فقال إنما كان ذلك في البوادي قبل الاسلام، فلما ظهر الاسلام وكثر الورق في الناس قسمها أمير المؤمنين صلوات الله عليه على الورق. قال الحكم فقلت له: من كان اليوم من أهل البوادي ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم، إبل أو ورق؟ قال: الابل اليوم مثل الورق في الدية، إنهم كانوا يأخذون منهم في دية الخطأ مائة من الابل يحسب لكل بعير مائة درهم، فذلك عشرة آلاف درهم، قلت له فما أسنان المائة البعير؟ فقال:: ما حال عليه الحول، ذكران كلها " (1) وهي مذكورة في الكافي وفي التهذيب والنهاية بسند واحد، وضعف الخبر منجبر. وفي قبال ما ذكر الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الاسنان كلها سواء، في كل سن خمسس مائة درهم " (2). وفي كتاب ظريف بن ناصح عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال جعل الاسنان سواء (3). ولا يخفى أنه مع الاخذ بمضمون الصحيح المذكور يزيد دية الاسنان على الدية الكاملة، وقيل بإمكان الحمل على التقية لاتفاق العامة كما قيل على أن في كل سن خمسا من الابل، من غير فرق بين المقاديم والمآخير. ثم إن الظاهر أن قوله عليه السلام على المحكي الابل اليوم مثل الورق ليس معناه ان يؤدى في مقام تأدية مائة ألف درهم مائة إبل، حتى يستشكل بأن مائة إبل قد تزيد عن مائة ألف درهم من جهة القيمة، بل الظاهر أن النظر في مقام التشريع فمائة إبل تقوم مقام الدراهم، كيقام إحدى خصال الكفارات مقام الاخرى. ومقتضى الرواية المذكورة أنه لو قلعت السن الزائدة لا دية لها، وقد حمل ما

[ 232 ]

فيها على صورة الانضمام مع الاسنان، ومع الانفراد فيها الثلث ثلث ديه الاصل الذي بجنبه، فيكون لها ثلث دية المقاديم إن كانت بينها، وثلث دية المآخير إن كانت بينها، وإن كانت بين المقاديم والمواخير فالاقل، للاصل، وقيل بالحكومة. وروي عن مولانا الرضا صلوات الله عليه " أن أضراس العقل لا دية فيها، إنما على من أصابها أرش كأرش الخدش " (1). ولا يخفى الحاجة إلى اعتبار السند، وعلى فرض الحجية الرواية في خصوص أضراس العقل المعبر عنها بالنواجذ - بالذال المعجمة - ولا دليل بالنسبة إلى الزوائد غيرها، وحمل ما في رواية حكم بن عتيبة على عدم الدية في الزائدة على صورة الانضمام بعيد، لما فيها من التفصيل بين المقاديم والمواخير، فلابد من القول بالارش لحصول النقص في الطرف، وعدم الدليل على ثلث الدية إلا القياس الممنوع للقول بالثلث بوروده في غير المقام كالاصبع الزائدة. نعم سبق الاشكال في الحكومة لعدم دليل عليها بنحو الكلية، وإن ذكر في بعض الاخبار في بعض الموارد، إلا أن يكون إجماع في البين، فلا بد من الصلح والتراضي. وفي اسوداد السن ولم تسقط ثلثا الدية لها، وتدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام " السن إذا ضربت انتظر بها سنة، فإن وقعت اغرم الضارب خمس مائة درهم وإن لم تقع واسودت اغرم ثلثي ديتها " (2). وفي مرسل أبان عنه أيضا " كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا اسودت الثنية جعل فيها الدية " (3). وربما حمل على دية الاسوداد، وفي كتاب ظريف " فإذا اسودت السن إلى الحول ولم تسقط فديتها دية الساقطة، خمسون دينارا " (4).

[ 233 ]

وفي كشف اللثام: ونحوه عن الرضا عليه السلام، إلا أنه شاذ ضيعف، لا عامل به، وفي المتن حكى الرواية فيها في انصداع السن ثلثا الدية، ولم يظفر بها، لكن المحكي عن الشيخين القطع بالحكم، بل نسب إلى المشهور ومع هذا فلا يجترى على المخالفة ومع ذلك قال في المتن بعد تضعيف الرواية فالحكومة أشبه. وفي قلع السن السوداء ثلث الدية على الاشهر، ويدل عليه رواية عبد الرحمن عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " انه جعل في السن السوداء ثلث ديتها " (1). وأن الاسوداد شلل وقطع الاشل يوجب ثلث الدية لقول الباقر عليه السلام على المحكي في رواية حكم بن عتيبة " وكل ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح (2) " خلافا لما عن النهاية والقاضي ويحيي بن سعيد حيث اختاروا ربع ديتها لخبر عجلان عن أبي عبد الله عليه السلام قال " في دية السن الاسود ربع دية السن " (3) والشمهور لم يعملوا به. ويتربص بسن الصبي الذي لم يثغر فإن نبت فله الارش، وإن لم ينبت فله دية الثغر فإن الصبي يسقط سنه ثم ينبت فالسن التي تسقط ليست لازما له. والدليل عليه مرسلة جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: " في سن الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت، قال: ليس عليه قصاص، وعليه الارش " (4). وفي رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن عليا صلوات الله عليه قضى في سن الصبي قبل أن يثغر بعيرا في كل سن " (5) لكن الرواية ضعيفة، ولا جابر لها.

[ 234 ]

وأما الدية مع عدم النبات فمبنية على شمول ما دل على دية السن لسن الصبي التي في معرض السقوط ولم تنبت، ولعل عدم النبات من جهة المرض والشمول مشكل وقد حكي في المسالك قولا بعدم القصاص لان سن الصبي فضلة في الاصل نازلة منزلة الشعر الذي ينبت مرة بعد اخرى، وسن البالغ أصلية فلا تكون مماثلة لها. (وفي اليدين الدية، وفي كل واحدة نصف الدية، وحدها المعصم، وفي الاصابع الديه وفي كل واحدة عشر الدية، وقيل في الابهام ثلث دية اليد، ودية كل اصبع مقسومة على ثلاث عقد، وفي الابهام على اثنتين، وفي الاصبع الزائدة ثلث الاصلية، وفي شلل الاصابع أو اليدين ثلثا ديتها، وفي الظفر إذا لم ينبت أو نبت أسود عشره دنانير، فان نبت أبيض فخمسة دنانير، وفي الرواية ضعف). لا خلاف ظاهرا في أن في اليدين الدية، وفي كل واحدة نصف الدية، ويدل عليه عموم ما دل على أن كل ما كان في الانسان اثنين ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، وخصوص رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في اليد نصف الدية، وفي اليدين جميعا الدية وفي الرجلين كذلك، وفي الذكر كذلك إذا قطعت الحشفة فما فوق الدية وفي الانف إذا قطع المارن الدية، وفي الشفتين الدية، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية (1) ". وحدها المعصم، وهو موضع السوار، وادعى الاجماع عليه، ولولا الاجماع لاشكل الحكم للاجمال أو لتبادر كل العضو. وفي الاصابع الدية، وفي كل واحدة عشر الدية، ويدل عليه صحيحة عبد الله ابن سنان (2) قال: أصابع اليدين والرجلين سواء في الدية، وفي كل اصبع عشر من

[ 235 ]

الابل وفي الظفر خمسة دنانير، وعشر من الابل عشر وبحساب الدنانير مائة دينار. وحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في الاصبع عشر الدية إذا قطعت من أصلها أو شلت، قال: وسألته عن الاصابع أهن سواء في الدية؟ قال: نعم - الحديث (1) ". وفي خبر أبي بصير في كل اصبع عشر من الابل. وقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكى في خبر الحكم " في كل اصبع من أصابع اليدين ألف درهم، وفي كل اصبع من أصابع الرجلين ألف درهم (3) ". وقيل: في الابهام ثلث الدية دية اليد، وعن المبسوط نسبة هذا القول إلى رواية أكثر أصحابنا، وعن السرائر نسبة الرواية إلى الشذوذ، وذكر في الاستدلال لهذا القول بما في كتاب ظريف من قوله عليه السلام " في الابهام إذا قطع ثلث دية اليد مائة دينار وستة وستون دينارا وثلثا دينار، وفي الاصابع في كل اصبع سدس دية اليد ثلاثة وثمانون دينارا وثلث دينار، ودية الاصابع والعقب التي في القدم ثلث دية الرجلين ثلثمائة وثلاثة وثلثون دينارا وثلث دينار - إلى أن قال - دية الرجل ثلثة وثمانون و ثلث دينار (4) ". وفي كشف اللثام وروي نحو منه عن الرضا عليه السلام، والترجيح مع القول الاول وكأنهم لم يعملوا بما في كتاب ظريف، وإن أمكن تصحيح بعض طرقه، وما روي عن الرضا عليه السلام لعل النظر فيه إلى الفقه المنسوب إليه عليه السلام، والنسبة غير معلومة، و مع ذلك قد يتأمل من جهة ما في الخلاف من دعوى الاجماع عليه، واحتمال أخبار التساوي تساوي الاربع غير الابهام، كما عن التهذيب والاستبصار، لكن لا يخفى أن حمل قوله عليه السلام: نعم، في الجواب عن سؤال الراوي: أهن سواء في الدية - على المحكي في حسنة الحلبي المذكورة على التسوية في غير الابهام بعيد جدا، وكيف يمكن تحقق إلاجماع مع مصير المعظم إلى الخلاف.

[ 236 ]

وأما انقسام دية كل اصبع على ثلاث عقد، عدى الابهام فيدل عليه رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقضي في كل مفصل من الاصبع بثلث عقل تلك الاصبع إلا الابهام فإنه كان يقضي في مفصلها بنصف عقل تلك الابهام لان لها مفصلين (1) ". والظاهر أن المراد بالعقل الدية، وذكر في وجهه ان الدية كانت إبلا تعقل بفناء ولي المقتول، والظاهر عدم الخلاف في المسألة، فيعارض ذلك ما في كتاب ظريف على ما عن الكافي ودية المفصل الاوسط من الاصابع الاربع إذا قطع فديته خمسة وخمسون دينارا وثلث دينار، وفي المفصل الاعلى من الاصابع الاربع إذا قطع سبعة وعشرون دينارا ونصف وربع ونصف عشر دينار. وعن الفقيه والتهذيب والجامع سبعة وعشرون دينارا ونصف دينار وربع عشر دينار، وفى كشف اللشام: وكذا روي عن الرضا عليه السلام. وفي الرجل في المفصل الاوسط من الاصابع الاربع إذا قطع فديته خمسة و خمسون دينار أو ثلثا دينار، وفي المفصل الاعلى من الاصابع الاربع التي منها الظفر إذا قطع فديته سبعة وعشرون دينارا وأربعة أخماس دينار، كذا في الكافي والتهذيب والفقيه والجامع والظاهر أنه لاعامل به. وفي الاصبع الزائدة ثلث الاصلية بلا خلاف ظاهرا، ويدل عليه خبر غياث ابن إبراهيم، وقيل هو صحيح أو موثق، وقد رواه المشايخ الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام " في الاصبع الزائدة إذا قطعت ثلث دية الصحيحة " (2). وعلى هذا فلا يعارضه ما في خبر الحكم (3) من أن الخلقة التي قسمت عليها الدية في عشر أصابع في اليدين، فما زاد أو نقص فلا دية له مع ضعف السند. وفي شلل الاصابع أو اليدين ثلثا ديتها والظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه صحيح الفضيل بن يسار (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذراع إذا ضرب فانكسر من الزند

[ 237 ]

فقال إذا يبست معه الكف فشلت أصابع الكف كلها فان فيها ثلثي الدية دية اليد، وإن شلت بعض الاصابع وبقي البعض فإن في كل اصبع شلت ثلثي ديتها، قال: و كذلك الحكم في الساق والقدم إذا شلت أصابع القدم ". وفي الظفر إذا لم ينبت، أو نبت أسود عشرة دنانير، وإن نبت أبيض فخمسة دنانير، على المشهور، ويدل عليه خبر مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام " قال قضى أمير - المؤمنين في الظفر إذا قطع ولم ينبت أو خرج أسود فاسدا عشرة دنانير، فان خرج أبيض فخسمة دنانير (1) ". ولعل ذكر الفاسد في الخبر للتأكيد، فان ظفر الصحيح ليس أسود بل هو أبيض، والرواية وإن كانت ضعيفة لكنها مشهورة فيقيد بها إطلاق ما في رواية عبد الله بن سنان الصحيحة عن الصادق عليه السلام " في الظفر خسمة دنانير (2) ". وما روي من قول أمير المؤمنين عليه الصلوة والسلام المروي عن كتاب ظريف " في كل ظفر من أظفار اليد خمسة دنانير ومن أظفار الرجل عشرة دنانير " (3) لم يعمل به فيرد علمه إلى أهله. (وفي الظهر إذا كسر الدية، وكذا لواحدودب أو صار بحيث لا يقدر على القعود، ولو صلح فثلث الدية، وفي ثديي المرأة ديتها، وفي كل واحد نصف الدية وقال ابن بابويه في حلمة ثدي الرجل ثمن الدية مائة وخمسة وعشرون دينارا). الظاهر عدم الخلاف في إيجاب كسر الظهر الدية الكاملة، ويدل عليه رواية بريد العجلي عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رجل كسر صلبه فلا يستطيع أن يجلس أن فيه الدية (4) ". والمحكي عن أهل اللغة أن الظهر هو الصلب. وقول الصادق عليه السلام على المحكي " في الرجل يكسر ظهره فقال: فيه الدية

[ 238 ]

كاملة (1) ". وقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي في خبر السكوني " في الصلب الدية (2) ". وفي كتاب يونس الذي عرضه على الرضا صلوات الله عليه والظهر إذا احدب ألف دينار (3). وفي كتاب ظريف فان احدودب بها الظهر فحينئذ تمت ديته ألف دينار (4) ومما ذكر ظهر حكم الاحديداب ولو لم يستند إلى كسر الظهر، أما صورة عدم القدرة على القعود فإن كان من جهة كسر الظهر فحكمه ظاهر مما ذكر، ومع عدم الاستناد إلى كسر الظهر فإن كان من جهة مارود على الصلب مع عدم الكسر فهو مشمول لخبر السكوني المذكور، وإلا فلا يستفاد مما ذكر حكمه، وعلى هذا فكل ما عرض من جهة الصلب يكون مشمولا. وقيل: إنه مع الصلوح يترتب ثلث الدية، بل نسب إلى الشهرة، ولم يظهر له مستند، والحمل على اللحية إذا نبتت أو الساعد إذا كسر وجبر لا مجال له، لحرمة القياس، وفي رواية ظريف التي قيل بصحتها في بعض الطرق " إن كسر الصلب فجبر على غير عثم ولا عيب فمائة دينار، وإن عثم أي لم ينجبر على استواء فألف دينار (5) ". والمحكي عن المقنعة والغنية والاصباح وموضع من السرائر العمل به، فعلى ما هو المعروف من تفسير الصلب بالظهر يثبت الحكم، لكن يظهر من التحرير الفرق بينهما.

[ 239 ]

وفي ثديي المرأة ديتها، وفي كل واحدة نصف ديتها، بلا خلاف ظاهرا، للضابط المذكور، وخصوص قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي في صحيح أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل قطع ثدي امرأة، قال: إذا أغرمه لها نصف الدية " (1). وأما حلمتا ثدي الرجل فالمحكي عن جماعة أن فيهما الدية، للضابط المذكور " كلما كان في الانسان منه اثنان ففيهما الدية " وربما يشك في شموله لمثلهما، وعلى فرض الشمول يمكن تخصيصه لما عن كتاب ظريف مع معروفية صحته من أن " في حلمة ثدي الرجل ثمن الدية، مائة دينار وخمسة وعشرون دينارا، وفيهما معا ربع الدية " (2). (وفي حشفة الرجل فما زاد وإن استوصل الدية، وفي ذكر العنين ثلث الدية وفيما قطع منه بحسابه، وفي الخصيتين الدية، وفي كل واحدة نصف الدية، وفي رواية في اليسرى ثلثا الدية لان الولد منها، وفي ادرة الخصيتين أربع مائة دينار، فإن فحج فلم يقدر على المشي فثمان مائة دينار). إذا قطعت حشفة الرجل فما زاد وإن استوصل الدية الكاملة، بلا خلاف، لما دل على أن ما أن يكون في الانسان واحدا ففيه الدية، وفيه تأمل، فالاولى التمسك بالنص الخاص، ففي صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام " وفي الذكر إذا قطع من موضع الحشفة الدية " (3). وفي حسن الحلبي عنه أيضا " إذا قطعت الحشفة فما فوق الدية " (4). ومن أخبار المقام صحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر عليهما السلام " قال في ذكر الغلام الدية كاملة " (5).

[ 240 ]

ورواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام " في ذكر الصبي الدية، وفي ذكر العنين الدية " (1). وفي رواية كتاب ظريف في الذكر ألف دينار (2). وفي صحيحة يونس في الذكر إذا استوصل ألف دينار (3). والتقييد في المتن بالرجل كما في بعض الاخبار لعله لاخراج ذكر الخنثى وإلا فمقتضى الاخبار المذكورة عدم الفرق بين ذكر الصغير والكبير. وأما ذكر العنين فالمعروف فيه ثلث الدية، وإن حكي الخلاف فيه في كتاب القصاص من الخلاف، من جهة إلحاقه بالاشل الذي فيه ثلث الدية، مضافا إلى انسباق غيره من النصوص المذكورة. ويشكل من جهة أن الانسباق ممنوع، وما ذكر من الالحاق إن كان دليل على أن كل عضو أشل ديته ثلث ديته إذا كان صحيحا حتى يشمل ما نحن فيه فله وجه لو لم يكن معارضا بنصوص المقام، مضافا إلى صراحة رواية السكوني المذكورة وإن كانت ضعيفة من جهة السند، ولكن في الرياض في كتاب القصاص جعلها من القوي وفيهما التعبير بالالحاق بأشل اليد والاصبع المساعد بالاعتبار، وفيما قطع من كل من الحشفة حشفة ذكر الصحيح وذكر العنين يؤخذ من ديتها بحساب ذلك المقطوع منسوبا إلى مجموع الحشفة في الاول وإلى مجموع الذكر في الثاني، وبناء على المعروف من التفرقة بين ذكر الصحيح وذكر العنين، كل ذلك مبني على الحكومة فيما لا تقدير فيه. وفي الخصيتين الدية الكاملة بلا خلاف ظاهرا، ويدل عليه الروايات منها ما في صحيحة يونس والبيضتين ألف دينار (4) ومثله رواية ابن فضال (5) ومع كونه الحسن فالرواية حسنة، وفي حسنة الحلبي " وفي البيضتين الدية " (6) وقد يستظهر منها التساوي في الدية بين البيضتين ولا يخلو عن الاشكال لان ثبوت ألف دينار أو

[ 241 ]

الدية فيهما لا ينافي الفرق فالاولى التمسك بصحيحة هشام بن سالم " كل ما في الانسان اثنان ففيهما الدية وفي إحداهما نصف الدية " (1) لكنها قابلة للتخصيص ويمكن تخصيصها بحسنة عبد الله بن سنان " ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية مثل اليدين والعينين، قلت: رجل فقئت عينه، قال: نصف الدية، قلت: رجل قطعت يده، قال: فيه نصف الدية، قلت: فرجل ذهبت إحدى بيضتيه، قال: إن كانت اليسار ففيها ثلثا الدية [ الدية، خ ل ] قلت: ولم؟ أليس قلت ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية؟ قال: لان الولد من البيضة اليسري " (2). وما رواه في الفقيه عن أبي يحيى الواسطي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: " الولد يكون من البيضة اليسرى، فإذا قطعت ففيها ثلثا الدية وفي اليمنى ثلث الدية " (3). وفي ادرة الخصيتين أربعمائة دينار ويدل عليه ما في رواية ظريف وهو قوله وفي خصية الرجل خمسمائة دينار، وإن اصيب رجل فأدر خصيتاه كلتا هما فديته أربعمائة دينار، فإن فحج فلم يقدر على المشي إلا مشيا لا ينفعه فديته أربعة أخماس دية النفس ثمانمائة دينار، فإن أحدب منها الظهر فحينئذ تمت ديته ألف دينار " (4). وقد ذكر أن كتابه منقول بطريق حسن بل صحيح، وادرة الخصيتين انتفاخهما والفحج تباعد أعقاب الرجلين مع تقارب صدورهما حال المشي وفي الخبر " تزوج رجل أمرأة فلما أراد أن يواقعها رفسته المرأة برجلها ففتقت بيضته فصار آدر فكان بعد ذلك ينكح ولا يولد له، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك وعن رجل أصاب صرة رجل ففتقها فقال عليه السلام في كل فتق ثلث الدية " (5) ومع فرض المنافاة لم يعمل به والسند

[ 242 ]

قاصر ولا يبعد كون الجواب راجعا إلى خصوص الفتق لا الادرة وإن كان السكوت عن جوابها بيعدا (وفي الشفرتين الدية، وفي كل واحد نصف الدية، وفي الافضاء الدية، وهو أن يصير المسلكين واحدا، وقيل أن يخرق الحاجز بين مجرى البول وبين مجرى الحيض ويسقط ذلك عن الزوج لو وطئها بعد البلوغ أما لو كان قبله ضمن الدية مع المهر ولزمه الانفاق عليها حتى يموت أحدهما، وفي الرجلين الدية، وفي كل واحد نصف الدية، وحدهما مفصل الساق، وفي أصابعهما ما في أصابع اليدين). أما لزوم الدية في الشفرتين وهما شفتا فرج المرأة، وقيل هما طرفا اللحم المحيط في الفرج وقال بعض الاسكنان هما اللحم المحيط بشق الفرج والشفران حاشيته، كما أن للعين جفنين ينطبقان علهيا وشفرهما الحاشية التي تنبت فيها احدب العينين والاسكنان كالاجفان والشفران كشفري العينين، فاستدل عليه بعموم الخبر " كل ما في الانسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي إحديهما نصف الدية " (1). ويدل عليه أيضا رواية عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال إن في كتاب علي صلوت الله عليه " لو أن رجلا قطع فرج امرأة لاغرمنه لها ديتها، فإن لم يؤد إليها الدية قطعت لها فرجه إن طلبت ذلك " (2). ويمكن أن يقال: لعل صدق الاثنين على الشفتين لا يخلو عن الاشكال، وأما الخبر فالعبير فيه بالفرج لا الشفتين فكيف يستدل به؟ هذا مضافا إلى أن الظاهر أن مورد الخبر القطع العمدي بقرينه قوله عليه السلام على المحكي " وإن لم يؤد - الخ " لكن يشكل القصاص من جهة عدم المماثلة بين فرج الامرأة وفرج الرجل، فإن لم يلاحظ المماثلة فلابد من تقديم القصاص على الدية، وإن لوحظت فيكف يترتب على عدم تأدية الدية قطع الفرج ويبعد أن يكون القطع عقوبة لا قصاصا لكونه مشروطا بطلب المرأة فلابد من رد العلم بها إلى أهلها.

[ 243 ]

وفي خبر آخر " رجل قطع فرج امرأة، فقال: اغرمه لها نصف ديتها " (1) وقد حمل على قطع أحد الشفرتين. وفي إفضائها الدية، ويدل عليه ما في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام " وسألته عن رجل وقع بجارية فأفضاها وكانت إذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد، قال: الدية كاملة " (2). وقد حمل على كونه قبل البلوغ إن كان المفضي زوجا، لرواية بريد العجلي عن أبي جعفر عليهما السلام " في الرجل افتض جارية يعني امرأة فأفضاها، قال: عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، قال: فإن أمسكها ولم يطلقها فلا شئ عليه، وإن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه، إن شاء أمسك وإن شاء طلق " (3). ومقتضى هذه الرواية أنه مع الافضاء بالدخول بها قبل التسع وإمساكها وعدم تطليقها لا شئ عليه من الدية، وهذا خلاف إطلاق المتن وكلمات الفقهاء من ثبوت الدية، وكذا صحيح حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن رجل تزوج جارية بكرا لم تدرك، فلما دخل بها افتضها فافضاها، فقال: إن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقل من ذلك بقليل حين دخل بها فافتضها فإنه قد أفسدها وعطلها على الازواج، فعلى الامام أن يغرمه ديتها، وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلاشئ عليه " (4). والظاهر أن صحيحة سليمان بن خالد المذكورة ناظرة إلى صورة الوقوع بالجارية مع الزوجية، وأما صورة تحقق الافضاء بدون الزوجية فقد يستدل فيها على لزوم الدية بخبر السكوني " إن عليا صلوات الله عليه رفع إليه جاريتان

[ 244 ]

دخلتا الحمام فأفضت إحداهما الاخرى باصبعها، فقضى على التي فعلت عقلها " (1). بناء على إرادة الدية من العقل، واحتمل أرش البكارة. وأما تفسير الافضاء بما ذكر بعد أن كان المراد من المسلكين مسلك البول والحيض فلبعد أن يكون المراد صيرورة مسلك البول والغائط واحدا لغلظ الحاجز بينهما، وقد يقال: مع فرض الوقوع يترتب حكم الافضاء فإن كان هذا من جهة الملازمة مع تحقق الافضاء بالمعنى الاول فله وجه، وأما مع عدم الملازمة فكيف يترتب حكم الافضاء. ومما ذكر ظهر سقوط الدية إن كان الافضاء من وطي الزوج بعد البلوغ. وأما لزوم الانفاق حتى يموت أحدهما فيدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل تزوج جارية فوقع بها فأفضاها، قال: عليها الا حراء عليها مادامت حية " (3). وقد حمل هذه الصحيحة على الوقوع بها والافضاء قبل البلوغ. ولا يخفى الاشكال في هذا الحمل من جهة ترك الاستفصال المقدم على الاطلاق كما لا يخفى، والحمل المذكور بملاحظة ما في رواية البريد العجلي المذكورة حيث ذكر فيها " وإن كان دخل بها ولها تسع سنين فلاشئ عليه، إن شاء أمسك وإن شاء طلق " بأن كان المراد بقوله عليه السلام على المحكي " فلاشئ " نفي الدية والانفاق عليها بعد الطلاق وكون المراد من " فلا شئ عليه " قبل هذا نفي غير الدية والنفقة. ثم إن المستفاد من الصحيحة المذكورة لزوم الا حراء عليها مادامت حية وفي المتن لزوم الانفاق حتى يموت أحدهما فمع موت الزوج لا إنفاق. ولا يخلو عن الاشكال لا مكان لزوم الانفاق من مال الرجل مع موته، وسقوط النفقة بموت الرجل غير معلوم ولا ظاهر.

[ 245 ]

وأما لزوم الدية الكاملة في قطع الرجلين ونصفها في قطع إحداهما فيدل عليه عموم مادل على أن كل ما في الانسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية. وخصوص رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: في اليد نصف الدية وفي اليدين جميعا الدية، وفي الرجلين كذلك - الخ " (1). وأما أن حدهما مفصل الساق فادعي عدم وجد ان الخلاف فيه، وعلل بأنه الذي يدل عليه العرف واللغة، فإن تم الاجماع فلا كلام وإلا فيحتاج إلى الدليل فإن الرجل يطلق على ما يشتمل على الساق والركبة وما فوقها، والتخصيص بما ذكر يحتاج إلى الدليل، وإن لم يترتب أثر على هذا لعدم الفرق ظاهرا بين القطع من مفصل الساق والقدم وبين القطع من فوق المفصل. والحكم في أصابع الرجلين الحكم في أصابع اليدين، لما ذكر من الخبر المذكور في دية أصابع اليد. (مسائل: الاولى دية كسر الضلع خمسة وعشرون دينارا إن كانت مما يخالط القلب، وعشرة دنانير إن كان مما يلى العضدين، والثانية لو كسر بعضوض الانسان أو عجانه فلم يملك غائطه ولا بوله ففيه الدية). المستند ما في كتاب ظريف قال على المحكي وفي الاضلاع فما خالط القلب من الاضلاع إذا كسر منها الضلع فديته خمسة وعشرون دينارا، وفي صدعه اثنا عشر دينارا ونصف، ودية نقل عظامها سبعة دنانير ونصف، وموضحته على ربع دية كسره ونقبه مثل ذلك، وفي الاضلاع مما يلي العضدين دية كل ضلع عشرة دنانير إذا كسر ودية صدعه سبعة دنانير، ودية نقل عظامه خمسة دنانير وفي موضحة كل ضلع منها ربع دية كسره ديناران ونصف، فإن ثقب ضلع منها فديته ديناران ونصف.

[ 246 ]

وفي كشف اللثام: ونحوه عن الرضا عليه السلام، والمعروف اعتبار هذا الكتاب في بعض طرقه وإن ضعفه المحقق الاردبيلى - قدس سره، - وفسر المخالطة بالجانب الذي عند القلب وبعدم المخالطة خلاف ذلك، وفرع على هذا ان الضلع الواجد إن كسر من الجهة الاولى ففيه أعلى الديتين، وإن كسر من الجهة الثانية ففيه أدناهما. ويشكل حيث إن الظاهر أن التفصيل بين أفراد الضلع لا بين أبعاضه. وأما كسر بعصوص الانسان وهو على ما في القاموس وكشف اللثام عظم الورك وقيل هو عصعص بضم عينيه وهو عجز الذنب بفتح عينه، وهو عظمه الذي يجلس عليه وعن الراوندي البعصوص عظم حول الدبر، على وجه لا يملك غائطه يوجب الدية. لخبر سليمان بن خالد سئل الصادق عليه السلام " عن رجل كسر بعصوصه فلم يملك إسته فما فيه من الدية؟ قال الدية كاملة - الحديث " (1). ولا إشكال في المسألة، حيث أفتى جماعة من الاعلام، لكن يقع الاشكال من جهة تفسير البعصوص، ومن جهة أنه لم يذكر في الخبر المذكور لم يملك الغائط، حيث يصدق لم يملك بالنسبة إلى من لم يملك من جهة الريح، فان قيل: إن مقتضى ترك الاستفصال ثبوت الدية بأي نحو كان يلزم ثبوتها بالنسبة إلى من لم يملك من جهة الريح. وأما لو ضرب عجانه فلم يملك بوله ولا غائطه ففيه الدية كما في كتب جماعة من الاعلام، لرواية إسحاق بن عمار (3) سمع الصادق عليه السلام قضى أمير المؤمنين عليه السلام بذلك. وفي المسالك إن العمل بهما أي الروايتين مشهور. والعجان بكسر العين ما بين الخصيتين والفقحة ولا يخفى أن التعبير في الرواية بالضرب وفي المتن عبر بالكسر، ولازمه أنه مع عدم الكسر لا يثبت الحكم، وهذا خلاف ما في الرواية. (الثالثة: قال الشيخان في كسر عظم من عضو خمس ديته، فإن جبر على غير عيب

[ 247 ]

فأربعة أخماس دية كسره، وفي موضحته ربع دية كسره، وفي رضه ثلث دية العضو، فان برء على غير عيب فأربعة أخماس دية رضه، وفي فكه بحيث يتعطل ثلثا ديته. فإن جبر على غير عيب فأربعة أخماس دية فكه). ما ذكر هنا هو المشهور، بل ادعي عليه الاجماع، نعم عن الخلاف إذا كسرت يده فجيرت فإن انجبرت على الاستقامة كان عليه خمس دية اليد، وإن انجبرت على عثم كان عليه دية كسره، مستدلا عليه بالاجماع و الاخبار، وربما يوافقه في الجملة ما في كتاب ظريف على ما عن الكافي (1) إن في كسر كل من المنكب والعضد والمرفق والكف إذا جبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية اليد، وكذا الساعد إذا كسر قصبتاه جميعا، فان كسرت إحدى الزندين فخمسون دينارا. وعن الفقيه والتهذيب والجامع: ان فيه إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس، ثلاث مائة دينار وثلاثة وثلاثون دينار وثلث دينار، فإن كسر إحدى القصبتين من الساعد فديته خمس دية اليد مائة دينار، و في أحدهما أيضا في الكسر لاحد الزندين خمسون دينارا، وفي كليهما مائة دينار - انتهي. وفي الكتاب أيضا " ان في كسر قصبة الابهام من اليد أو الرجل قصبتهما التي تلي الكف أو القدم خمس دية الابهام، إن جبرت من غير عثم ولا عيب. وفي كسر المفصل الاعلى منها ستة عشر دينارا وثلثي دينار. وفي كسر مثله من أصابع الرجل الاربع ستة عشر دينارا وثلثا. وفي كسر المفصل الاوسط من الاصابع الاربع للكف أحد عشر دينارا وثلثا ومن أصابع الرجل أحد عشر دينارا وثلثي دينار. وفى كسر المفصل الاعلى في كل من أصابعهما خسمة دينار وأربعة أخماس دينار ولم يقيد الكسر في الاصابع الانجبار على غير عثم ولا عيب. وفي الكف إذا كسرت فانجبرت على غير عثم ولا عيب أربعين دينارا.

[ 248 ]

وفي كل من الورك والفخذ والركبة والساق والقدم إذا كسر فانجبر على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجل. ولعل المراد في كل من الورك والفخذين وكذا البواقي، ونص فيه على أن كلا من الفخذ والساق إن عثمت ففيها ثلث دية النفس، وقد ذكر في صدع أكثر هذه الاعضاء ان فيه أربعة أخماس دية كسرها. وفي الوسيلة إن في كل كسر من العضد والمنكب والمرفق وقصبة الساق وأحد الزندين أو الكفين خمس دية اليد. وفي كسر الانملة الاولى من الابهام ثلث دية كسر الكف وفي كسر المفصل الثاني من الاصابع سوى الابهام أحد عشر دينارا وثلثا، وفي كسر الاول نصفه. وفي صدع العضو أربعة أخماس دية الكسر، وقيل لم نجد ما يدل على تمام ما ذكره. وفي موضحه العظم ربع دية كسره على المشهور، واستدل عليه بما في كتاب ظريف (1) من مثل " في العضد إذا كسر وجبر على غير عثم ولا عيب فديتها خمس دية اليد، ودية موضحتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون دينارا ". ومن مثل " وفي الركبة إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجلين مائتا دينار، فان انصدعت فديتها أربعة أخماس دية كسرها مائة وستون دينارا، ودية موضحتها ربع دية كسرها خمسون دينارا " (2). ولعل المراد كسر الركبتين معا. ومن قوله (3) " ودية المنكب إذا كسر خمس دية اليد مائة دينار، فإن كان في المنكب صدع فديته أربعة أخماس دية كسره ثمانون دينارا، فان أوضح فديته ربع دية كسره خمسة وعشرون دينارا ".

[ 249 ]

ويمكن أن يقال الحكم بنحو الكلية مبني على القطع من جهة الحكم في الموارد المذكورة، ومع الشك يشكل. واستدل أيضا بما في الذي عرضه يونس وابن فضال (1) على أبي الحسن عليه السلام من قوله " ودية موضحته ربع دية كسره ". وفي الكتاب المذكور، وإن في كسر الكف إربعين دينار، وفي موضحتها خمسة وعشرين دينارا، وفي كسر قصبة إبهام الرجل ستة وستين دينارا وثلثي دينار، وفي موضحتها خمس ذلك ثمانية دنانير وثلث دينار، وإن في كسر المفصل الاوسط من الاصابع للرجل أحد عشر دينارا وثلثي دينار، وفي موضحته دينارين وفي المفصل الاعلى منها خمسة دنانير وأربعة أخماس دينار، وفي موضحته ونقبه دينارا وثلثا ". وفي خبر إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام " إن في الاصابع إذا وضح العظم نصف عشر دية الاصبع " (2). وقد يقال: إن ذلك كله قاصر عن معارضة ما سمعته مما يدل على المشهور. ويمكن أن يقال ما ذكر في الكتاب المذكور من تعيين الربع في الموارد المذكورة لا ينافي ما فيه مما ذكر أخيرا، لا مكان الفرق، إلا أن يقال أعرض المشهور ولم يعلموا. والمعروف أيظا ان في رض العظم ثلث دية العضو، فإن برء على خير عيب فأربعة أخماس دية رضه، والعمدة كتاب ظريف (3)، الموجود فيه في رض كل من المنكب والمرفق والورك والركبة ثلث دية النفس، ولعلهم حملوه على رض المنكبين و المرفقين وكذا الباقيان.

[ 250 ]

وفيه أيضا (1) " إن في رض الرسغ إذا انجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية اليد، مائة وستة وستين دينارا وثلثا دينار ". وفي الكتب: إذا رض فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية الرجل ثلاث مائة وثلاث وثلاثين دينارا وثلث دينار. وقال ابن حمزة فإن رض أحد خمسة أعضاء المنكب والعضد والمرفق والرسغ والكف وانجبر على عثم ففيه ثلث دية اليد، فإن انجبر على غير عثم ففيه مائة دينار وقيل مائة وثلاثون دينارا وثلث انتهى. وفي فك العظم من العضو بحيث يتعطل العضو ثلثا دية العضو، فإن جبر على غير عيب فأربعة أخماس دية فكه. قيل ولعل وجه الاول اندراجه في الشلل، وبقوله في كتاب ظريف في ذكر الورك " ودية فكها ثلثها ديتها ". وفي كتاب ظريف في فك كل من المنكب والمرفق والورك والركبة ثلاثون دينارا " (2). وفي كشف اللثام ونحوه عن الرضا عليه السلام، لكن يستفاد التفصيل بين صورة عدم الانجبار وبين صورة الانجبار، وأما الاخيرة أعني صورة الانجبار على غير عيب فلا يستفاد حكمها المذكور من دليل، فليس في المقام إلا الشهرة. (الرابعة: قال بعض الاصحاب في التوقوة إذا كسرت فجبرت على غير عيب أربعون دينارا، والمستند كتاب ظريف. الخامسة: روي أن من داس بطن إنسان حتى أحدث ديس بطنه أو يفتدي بثلث الدية، وهي رواية الكسوني، وفيه ضعف. السادسة: من افتض بكرا باصبعه فخرق مثانتها فمل تملك بولها ففيه ديتها ومهر نسائها، على الاشهر وفي رواية ثلث ديتها).

[ 251 ]

المنقول عن ظريف " في الترقوة إذا كسرت فجبرت على غير عيب أربعون دينارا ". ونحوه عن الرضا عليه السلام - على ما في كشف للثام - ونسب القول به إلى الشهرة وقد سبق اعتبار بعض طرق كتاب ظريف. ولم يرد في نص حكم الترقوة مع عدم الانجبار أو مع الانجبار على عيب، فقيل يتخير فيه الحكومة مراعيا أكثر الامرين منها ومن المقدار المزبور، وقيل بثبوت الدية في الترقوتين، ونصفها في إحداهما، للعموم السابق الدال على أن كل ما في الانسان منه اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية. واستشكل في شمول العامل المذكور للترقوتين ومثلهما. ويمكن أن يقال: على هذا فالقول بالحكومة أيضا مشكل مع تسليم الحكومة بنحو الكلية فيما لا نص فيه، ولا بالعموم، وعلى تقدير القول بالحكومة لم يظهر وجه ما ذكر من مراعاة أكثر الامرين، ولانه مع اقتضاء الحكومة ما هو أقل من المقدار المزبور فالاخذ بالاكثر لا يكون أخذا بالنص، لعدم الشمول، ولا بالحكومة، لعدم اقتضائها. ولو داس إنسان بطن آخر حتى أحدث بالبول أو الغائط ديس بطنه أو يفتدي من ذلك بثلث الدية، ويدل عليه رواية النوفلي، عن السكوني عن الصادق عليه السلام قال " رفع إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه رجل داس بطن رجل حتى أحدث في ثيابه، فقضى عليه أن يداس بطنه حتى يحدث، أو يغرم ثلث الدية " (2). واستضعف الرواية، ومنع العمل بها فيما خالف الاصول التي منها عدم القصاص مع التغرير بالنفس، على أنها قضية في واقعة، وحكي عن جماعة اختيار الحكومة. واجيب بانجبار الرواية بفتوى الاكثر، واعتناء المحمدين الثلاثة في كتبهم

[ 252 ]

الاربعة برواية السكوني، ومن هنا عد حديثه قويا، وكون الخبر قضية في واقعة لا ينافي فهمه التعدية. ويمكن أن يقال: ما ذكر لم يكن جوابا عن شبهة التغرير، مع لزوم حفظ النفس المحترمة، والدوس مرة أو أزيد لا يلازم الاحداث بالبول أو الغائط. نعم ما ذكر من أنها قضية في واقعة يمكن الجواب بأن نقل الامام الصادق عليه السلام في مقام بيان الحكم يستفاد منه عدم مدخلية جهة وخصوصية اخرى في الحكم ولعل المراد من قوله على المحكي في الرواية " أحدث في ثيابه " أحدث بالغائط لانه المناسب لدوس البطن، دون الاحداث بالبول المناسب لدوس اطراف المثانة. ولو افتض بكرا باصبعه فخرق مثانتها فلم تملك بولها ففيه ديتها ومهر نسائها على الاشهر، ويدل على الدية رواية هشام بن إبراهيم عن أبي الحسن عليه السلام إن في ذلك ديتها (1). بل عن الفقيه إن أكثر روايات أصحابنا أن في ذلك الدية كاملة. وأما ثبوت مهر نسائها فيدل عليه خبر السكوني " إن عليا صلوت الله عليه رفع إليه جارتيان دخلتا الحمام فاقتضت إحداهما الاخرى باصبعها، فقضى على التي فعلت عقلها " (2) بناء على إرادة المهر من عقلها. وفي رواية ثلث ديتها، وهي خبر ظريف بن ناصح وغيره عن أبي عمر الطيب عن الصادق عليه السلام المعتضد بما في خبر معاوية بن عمار (3) عنه عليه السلام " في كل فتق ثلث الدية.

[ 253 ]

(المقصد الثاني في الجناية على المنافع، في العقل الدية ولو شجه فذهب لم تتداخل الجنايتان، وفي رواية إن كان بضربة واحده تداخلتا، ولو ضربه على رأسه فذهب عقله انتظربه سنة، فإن مات قيد به، وإن بقي ولم يرجع عقله فعليه الدية، وفي السمع الدية، وفي سمع كل اذن نصف الدية، وفي بعض السمع بحسابه من الدية، وتقاس الناقصة إلى الاخرى، بأن تسد الناقصة وتطلق الصحيحة ويصاح به حتى يقول: لا أسمع وتعتبر المسافة من جوانبه الاربع، ويصدق مع التساوي، ويكذب مع التفاوت، ثم تطلق الناقصة وتسد الصحيحة ويفعل به كذلك ويؤخذ من ديتها بنسبة التفاوت، ويتوخى القياس في سكون الهواء). الظاهر عدم الخلاف في ثبوت الدية الكاملة في ذهاب العقل، ويدل عليه النصوص منها خبر إبراهيم عن الصادق عليه السلام قضى أمير المومنين عليه السلام " في رجل ضرب رجلا بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حي، بستة ديات (1) " والدية عند الاطلاق منصرفة إلى الدية الكاملة. وصحيحة أبي عبيدة الحذاء، " قال: سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل ضرب رجلا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ وذهب عقله، فقال: إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له فإنه ينظر به سنة، فإن مات فيما بينه وبين السنة اقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة ولم يرجع إليه عقله اغرم ضاربه الدية في ماله، لذهاب عقله، قلت: فما ترى عليه في الشجة شيئا، قال: لا، لانه إنما ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين وهى الدية، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لالزمته جناية ماجنتا، كائنة ما كانت، إلا أن يكون فيهما الموت فيقاد به ضاربه، بواحدة وتطرح الاخرى، قال: وإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنة ما كانت ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه، قال: وقال وإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية

[ 254 ]

واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها تلك العشر ضربات كائنة ما كانت، ما لم يكن فيها الموت " (1). ولو شجه فذهب عقله لم تتداخل دية الجنايتين على المشهور للاصل والخبر المذكور، والمستفاد من الصحيحة المذكورة التفصيل بين ما كان بضربة واحدة فتداخل دية الجنايتين، وبين ما كان بأزيد، فلا تداخل وقد عمل بها الشيخ في النهاية، وابن سعيد في الجامع، وقيل رجع الشيخ. ويمكن أن يقال إن كان وجه عدم التداخل الاصل المذكور فالظاهر عدم التمامية بنحو الاطلاق، ومع التسليم يرفع اليد عنه من جهة الصحيحة، وإن كان من جهة الخبر المذكور فالصحيحة من جهة السند مقدمة، وإن كان من جهة اخرى لا نطلع عليها فلا كلام. وقد يقال إن الصحيحة مخالفة للاصول من جهة أن إطلاق القود بعد مضي السنة لا يتم إلا بتقدير أن يكون الضربة مما يقتل غالبا، أو قصده وحصل الموت بها، ولكن الرواية أعم من ذلك. ويمكن أن يقال: إن كان القود لابد أن يكون مع كون الضربة مما يقتل غالبا أو كانت قصد بها القتل تقيد الصحيحة به، ولا يعد مثل هذا مخالفة للاصول، ولعل الضرب بعمود الفسطاط على الرأس مما يقتل غالبا. وفي إذهاب السمع من الاذنين معا الدية كاملة، بلا خلاف ظاهرا، ويدل عليه خبر إبراهيم المذكور آنفا، حيث كان ذهاب السمع مما قضي فيه بالدية، وما في الذي عرضه يونس على الرضا عليه السلام (2) " في ذهاب السمع كله ألف دينار ". وفي ذهاب سمع كل اذن نصف الدية. خلافا لابن حمزة فأوجب الدية كاملة إن كانت الاخرى ذهبت من الله تعالى شأنه.

[ 255 ]

وأورد عليه بأنه لم يوجد عليه دليل سوى القياس على العين، وهو باطل. ويمكن أن يقال: إن كانت الملازمة بين ثبوت الدية في ذهاب سمع الاذنين وثبوت نصف الدية في ذهاب سمع إحداهما فلا إشكال، وأما مع عدم الملازمة ولعله لهذه الجهة صرح في بعض الاخبار بعد ذكر الدية لذهاب الاثنين بنص الدية لا حداهما فيحتاج ثبوت نصف الدية لذهاب سمع إحدى الاذنين إلى الدليل، وأما ما دل على أن كل ما في الانسان منه اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية فشموله للمنافع مشكل. والمعروف أن في إذهاب بعض السمع بحسابه من الدية، للقاعدة، مضافا إلى الرواية التي استندوا إليها لكيفية استعلام النسبة بين الصحيحة والناقصة وهي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل وجئ في اذنه فادعى أن إحدى اذنيه نقص من سمعها شيئا، فقال تسد التي ضربت سدا شديدا، ويفتح الصحيحة، ويضرب بها بالجرس حيال وجهه ويقال له اسمع، فإذا خفي عليه الصوت علم مكانه، ثم يضرب له من خلفه ويقال له: اسمع، فإذا خفي عليه الصوت علم مكانه، ثم يقاس، فإن كان سواء علم أنه صدق، ثم يؤخذ به عن يمينه، فيضرب به حتى يخفى عليه الصوت، ثم يعلم مكانه، ثم يؤخذ به عن يساره، فيضرب به حتى يخفى عنه الصوت، ثم يعلم مكانه، ثم يقاس، فإن كان سواء علم أنه صدق، قال: ثم يفتح اذنه المعتلة ويسد الاخرى جيدا ثم يضرب بالجرس من قدامه، ثم يعلم حيث يخفى عليه الصوت، يصنع به كما صنع به أول مرة باذنه الصحيحة، ثم يقاس فضل ما بين الصحيحة والمعتلة بحساب ذلك " (1). ولا يخفى اختصاص هذا بصورة تساوي الاذنين في السمع قبل الجناية، دون صورة الاختلاف. ثم إنه مع الاستناد في الفتوى إلى هذه الرواية لاإشكال، ومع الاستناد إلى القاعدة وذكر الرواية من باب التأييد يشكل، لعدم الدليل على القاعدة بنحو الكلية

[ 256 ]

إلا أن يؤيد ما ذكر هنا بما في كتاب ظريف (1) فإنه بعد ذكر المناسبة بين العينين فيه: وإن أصاب سمعه شئ فعلى نحو ذلك، يضرب له شئ كي يعلم منتهى سمعه، ثم يقاس ذلك. ونحوه فيما عرضه يونس (2) على الرضا عليه السلام، ومن المعلوم لزوم الاختبار المذكور في سكون الهواء وعدم الاختلاف. (وفي ضوء العينين الدية، ولو ادعى ذهاب نظره عقيب الجناية وهي قائمة احلف بالله القسامة، وفي رواية يقابل بالشمس، فان بقيتا مفتوحتين صدق، وإن أطبقهما كذب ولو ادعى نقصان إحداهما قيست إلى الاخرى، وفعل في النظر وبالمنظور كما فعل بالسمع، ولا يقاس عين في يوم غيم، ولا في أرض مختلفة). الظاهر عدم الخلاف في ثبوت الدية الكاملة في إذهاب ضوء العينين، ويدل عليه خبر إبراهيم (3) المذكور في إذهاب السمع، حيث قضى أمير المؤمنين على المحكي من قول الصادق عليهما السلام بست ديات إحداها من جهة ذهاب بصره. ولو ادعى المجني عليه ذهاب نظره عقيب الجناية وأنكره الجاني ففي الشرايع إن شهد شاهدان من أهل الخبرة ثبت. وقد يتأمل في قبول الشهادة المستندة إلى الحدس والظن الحاصل من بعض القرائن، ولعله من هذه الجهة لم يذكر في الخبر المتعرض للحلف الرجوع إلى الشاهد من أهل الخبرة، ومع عدم من يشهد أو عدم حجية قول الشاهد في المقام حلف القسامه وقضي له بلا خلاف ظاهرا، وإن أشعر كلام بعض بوجود الخلاف. ويدل عليه ما في كتاب ظريف وما عرضه يونس على الرضا عليه السلام وفيهما إن القسامة على ستة أجزاء، فان ادعى ذهاب البصر كله حلف ستا أو حلف هو و خمسة رجال معا، وإن ادعى ذهاب سدس بصره حلف هو واحدة، وإن ادعى ذهاب

[ 257 ]

ثلثه حلف هو يمينين أو هو وآخر معه وهكذا. وفي رواية أصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين صلوت الله عليه قال " سئل أمير المؤمنين صلوت الله عليه عن رجل ضرب رجلا على هامته فادعى المضروب أنه لا يبصر شيئا، وأنه لا يشم الرائحة، وأنه قد ذهب لسانه، فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إن صدق فله ثلاث ديات، فقيل: يا أمير المؤمنين فكيف يعلم أنه صادق؟ فقال أما ما ادعى أنه لا يشم رائحة فإنه يدنى منه الحراق، فإن كان كما يقول وإلا نحى رأسه، ودمعت عينه، وأما ما ادعى في عينه فإنه يقابل بعينه عين الشمس فإن كان كاذبا لم يتمالك حتى يغمض عينه، وإن كان صادقا بقيتا مفتوحتين واما ما ادعاه في لسانه فإنه يضرب على لسانه بابرة، فإن خرج الدم أحمر فقد كذب، وإن خرج أسود فقد صدق (1) ". والرواية ضعيفة بحسب السند، لكن المحكي عن الشيخ والسلار العمل بها بل عن الاول دعوى الاجماع عليه، لكن زاد الاستظهار بالايمان، وذكر أنه لا يمكن إقامة البينة عليه، وعن المختلف نفي البأس عن العمل به إن أفاد الحاكم ظنا، هذا. ولكن مع هذا كله قد يقال لا يكفي ما ذكر جابرا للخبر الضعيف بعد إعراض الاكثر الموهن للاجماع المزبور، والانصاف أنه مع عمل الشيخ وادعاء الاجماع ينجبر ضعف السند، ولا حاجة إلى الاستظهار بالايمان. ولو ادعى المجني عليه نقصان إحدى العينين قيست إلى الاخرى، وفعل في النظر بالمنظور كما فعل بالسمع، والظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه المستفيضه منها: حسن ابن فضال وصحيح يونس. " قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذا اصيب الرجل في إحدى عينيه بأنها تقاس بيضة تربط على عينه المصابة وينظر ما منتهى بصر عينه الصحيحة، ثم تغطى عينه الصحيحة وينظر ما منتهى عينه المصابة، فيعطى

[ 258 ]

ديته على حساب ذلك، والقسامة مع ذلك من الستة الاجزاء على قدر ما اصيب من عينه، فإن كان سدس بصره حلف هو وحده واعطي، وإن كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد، وإن كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان، وإن كان ثلثي بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة نفر، وإن كان خمسة أسداس حلف هو و حلف معه أربعة نفر، وإن كان بصره كله حلف هو وحلف معه خمسة نفر، وكذلك القسامة كلها في الجروح، فإن لم يكن للمصاب بصره من يحلف معه ضوعفت عليه الايمان، إن كان سدس بصره حلف مرة واحدة، وإن كان ثلث بصره حلف مرتين وإن كان أكثر على هذا الحساب، وإنما القسامة على مبلغ منتهى بصره - الحديث " (1). وصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام " قضي أمير المؤمنين عليه السلام " في رجل اصيب إحدى عينيه أن تؤخذ بيضة نعام فيمشي بها وتوثق عينه الصحيحة حتى لا يبصرها، وينتهي بصره، ثم يحسب ما بين منتهى بصر عينه التي أصيبت ومنتهى عينه الصحيحة فيؤدى بحساب ذلك " (2). وصحيحة معاوية بن عمار " سالت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يضرب في أذنه [ يصاب في عينه، خ ل ] فيذهب بعض بصره فأي شي يعطى؟ قال يربط إحداهما، ثم يوضع له بيضة، ثم يقال له: انظر مادام يدعي أنه يبصر موضعها حتى إذا انتهى إلي موضع إن جازة قال: لا ابصر قربها حتى يبصر، ثم يعلم ذلك الموضع، ثم يقاس بذلك القياس من خلفه وعن يمينه وعن شماله، فان جاء سواء وإلا قيل له: كذبت حتى تصدق، قال: قلت أليس يؤمن قال: لا ولاكرامة، ويصنع بالعين الاخرى مثل ذلك، ثم يقاس ذلك على دية العين " (3). وخبر كثير (4) عن علي صلوت الله عليه " قال: اصيبت عين رجل وهي قائمة، فأمر علي صلوات الله عليه فربطت عينه الصحيحة، وأقام رجلا بحذاه بيده بيضة يقول:

[ 259 ]

هل تراها؟ فإذا قال: نعم تأخر قليلا حتى إذا خفيت عليه، علم المكان، قال وعصبت عينه المصابة قال وجعل الرجل يتباعد وهو ينظر بعينه الصحيحة إلى البيضة حتى إذا خفيت عليه، ثم قيس ما بينهما وأعطي الارش على ذلك ". وقد يقال يمكن أن يكون المحصل منها اعتبار الامتحان في أصل دعوى حصول النقصان في العين مثلا، فإن حصل على وجه يعلم صدقه أو كذبه عمل عليه من غير حاجة إلى اليمين، وإن حصل ظن من ذلك أو من كون الضربة مما تؤثر ذلك غالبا أو نحو ذلك مما يكون أمارة على صحة الدعوى كان من اللوث الذي فيه القسامة، والظاهر أنها القسامة التي تقدمت في النفس، وهو الخمسون يمينا أو نصفها لاست أيمان، كما سمعته في الخبر، ولا يمين واحدة كما احتمل. ويمكن أن يقال: ظاهر هذه الاخبار صورة وقوع الجناية وادعاء المجني عليه نقصان البصر فيحتاج في تصديقه إلى الامتحان المذكور فيها، من دون حاجة إلى القسامة والايمان بحسب غير حسن الفضال وصحيح يونس وما فيهما من القسامة الظاهر عدم العمل من الاصحاب به. ولم يعتبر في الاخبار المذكورة لزوم حصول القطع بل ظاهرها اعتبار الاختبار المذكور ولو لم يحصل منه القطع فالتفرقة بين صورة القطع والظن ولزوم القسامة خمسين يمينا مشكل. وأما عدم القياس من عين في يوم غيم فلعدم ظهور القياس فيه، ولخبر محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام " قال: لا تقاس عين في يوم غيم " (1). وخبر إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن علي صلوات الله وسلامه عليهم " لا تقاس عين في يوم غيم " (2). والمعروف أيضا عدم القياس في أرض مختلفة الجهات حزونة وسهولة وعلوا

[ 260 ]

وهبوطا للمنع من معرفة الحال، ووجهه غير ظاهر. (وفي الشمم الدية، ولو ادعى ذهابه اعتبر بتقريب الحراق فإن دمعت عيناه وحول أنفه فهو كاذب، ولو أصيب فتعذر المني كان فيه الدية، وقيل في سلسل البول الدية وفي رواية: إن دام إلى الليل لزمه الدية، وإلى الزوال ثلثا الدية، وإلى الضحوة ثلث الدية). أما ثبوت الدية الكاملة في إذهاب الشم فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويمكن أن يستدل عليه بخبر أصبغ بن نباتة المقدم حيث ذكر فيه ثلاث ديات لذهاب البصر والشم واللسان. وقد يستدل بالقاعدة إن كلما في الانسان منه فيه اثنان ففيهما الدية، ويشكل شمولها للمنافع. ولو ادعى المجني عليه ذهابه اعتبر بتقريب الحراق فإن دمعت عيناه وحول أنفه فهو كاذب، لما في خبر أصبغ ابن نباتة، وفيه " فقيل يا أمير المؤمنين فكيف يعلم أنه صادق، فقال أماما ادعى أنه لا يشم رائحة فانه يدني له الحراق، فان كان كما يقول، وإلانحى رأسه ودمعت عيناه (1) ". لكن من يعمل بمضمون خبر أصبغ بن نباتة كما ذكرنا كيف يأخذ به في مقامنا هذا. ولو اصيب فتعذر المني كان فيه الدية، على ما صرح به جماعة، واستدل بالقاعدة " أن ما يكون في الانسان واحدا ففيه الدية " وفي شمول دليل القاعدة للمنافع إشكال. واستدل أيضا بقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر سماعة في الظهر إذا كسر حتى لا ينزل صاحبه الماء الدية كاملة. واستشكل بأن الدية لكسر الظهر إذا كان بحيث لا ينزل الماء لا مطلق عدم

[ 261 ]

إنزال الماء ولا يبعد التمسك بخبر ابراهيم (1) عن الصادق عليه السلام " قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رجل ضرب رجلا بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه، وانقطع جماعه بست ديات " ان عد تعذر المني من انقطاع الجماع، ومع الاشكال فيما ذكر يكون ذامما لم يصل إلينا فيه التقدير، فالمرجع الحكومة على المشهور. وقيل في سلسل البول الدية، والقائل المشهور، الظاهر أنه للقاعدة المذكورة، والاشكال متوجه كما سبق، ولخبر غياث بن إبراهيم عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام " ان عليا صلوات الله عليه قضى في رجل ضرب رجلا حتى سلسل بوله بالدية كاملة " (2). ونحوه المروي عن قرب الاسناد، وضعف سندهما منجبر بالشهرة. والمحكي عن الشيخ وبني حمزة وسعيد وإدريس قدس الله تعالى أسرارهم إن دام إلى الليل ففيه الدية، وإن كان إلى الزوال فثلثا الدية، وإن كان إلى ارتفاع النهار فثلث الدية لخبر إسحق المنجبر بما ذكر " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل ضرب رجلا فلم ينقطع بوله، قال: إن كان البول يمر إلى الليل ففيه الدية وإن كان إلى نصف النهار فعليه ثلثا الدية، وإن كان إلى ارتفاع النهار ففيه ثلث الدية " (3). كذا عن الفقيه والمقنع، وعن الكافي والتهذيب قال: " سأله رجل وأنا عنده عن رجل ضرب رجلا وقطع بوله، فقال: إن كان البول يمر إلى الليل فعليه الدية لانه قد منعه المعيشة، وإن كان إلى آخر النهار فعليه الدية، وإن كان إلى نصف النهار فعليه ثلثا الدية، وإن كان إلى ارتفاع النهار فعليه ثلث الدية (4) ". وحمل قطع البول فيه على معنى قطع مجراه، أو شئ منه حتى لا يستمسك، أو على التقطيع بمعنى التفريق الموجب للسلس ودوام الخروج شيئا فشيئا. وقيل الشرطيتان الاولتان تحتملان الاتحاد معنا والتأكيد والاختلاف، بأن

[ 262 ]

يراد بالثانية الاستمرار إلى قريب من الليل لاإليه، مؤيدا بالاصل، لان لزوم الدية على الاطلاق مما ينفيه أصالة البرائة فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن الذي هو الصورة الاولى، وأما الصور الباقية فالاصل عدم لزومها فيها أيضا، وإثبات الثلث والثلثين وإن كان خلاف الاصل حيث يزيدان على الحكومة إلا أنه جاء من قبل الاجماع، وعدم قائل بها مطلقا، فإن كان كل من نفى كمال الدية على الاطلاق قال بالقول الثاني المفصل على الاطلاق وعليه فليطرح الخبران المطلقان للدية مع كونهما قضية في واقعة، أو يحملان على الصورة الاولى خاصة التي هي أظهر الافراد. ويمكن أن يقال أولا لم يظهر وجه حمل الرواية المروية في الكافي والتهذيب على المعنى المراد في الرواية المروية في الفقيه والمقنع، مع ما فيهما من الاختلاف. وثانيا لم يظهر وجه حمل " فقطع بوله " على معنى " قطع مجراه - الخ " أو على التقطيع مع اختلاف قطع مجردا وقطع من باب التفعيل، مع عدم الضبط وقوله على المحكي " إن كان البول يمر إلى الليل " قابل للحمل علي الاستمرار إلى الليل، كما حمل وللحمل على حدوث المرار، وكما يمكن كون هذا قرينة علي حمل فقطع علي خلاف ظاهره، يمكن كون فقطع قرينة على حمل هذه العبارة على خلاف ظاهرها، ولعل التعليل بمنع المعيشة أنسب بكون المراد انقطاع البول دون استمراره. إلا أن يقال: هذا فرع عدم كون الفعل المذكور في الخبر من باب التفعيل، وهو غير معلوم، تحصيل الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم مشكل، فإن عدم القول بالحكومة ليس قولا بعدم الحكومة، وما ذكر من أن لزوم الدية مما ينفيه أصالة البراءة فيه إشكال، لانه مع الاخذ بروايتي غياث والمروى عن قرب الاسناد كيف يتمسك بأصالة البرائة ومع عدم الاخذ والعلم الاجمالي بلزوم الدية الكاملة أو بعضها أو الحكومة فالاقل متيقن، وحمل الخبرين على كونهما قضية في واقعة بعيد، فإن الظاهر أن إخبار الصادق عن قضاء علي صلوات الله علهيما في مقام بيان حكم الله في أمثال مورد القضاء والحمل على الصورة الاولى المذكورة بعيد جدا، فيقع التعارض بين خبري غياث والمروي عن قرب الاسناد وخبر إسحاق، فالمستفاد من المجموع

[ 263 ]

نفي الحكومة، فلا يبعد التخيير في الاخذ بأحد الطرفين. (المقصد الثالث في الشجاج والجراح، والشجاج ثمان: الحارصة والدامية، و المتلاحمة، والسمحاق، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة والمأمومة، والجائفة، فالحارصة هي التي تقشر الجلد، وفيها بعير، وهل هي الدامية؟ قال الشيخ نعم، والاكثرون علي خلافه، وفهي إذا التي تأخذ في اللحم يسيرا وفيها بعيران، والمتلاحمة هي التي تأخذ في اللحم كثيرا، وهل هي غير الباضعة؟ فمن قال الدامية غير الحارصة فالباضعة هي المتلاحمة، ومن قال الدامية هي الحارضة فالباضعة غير المتلاحمة، ففي المتلاحمة إذا ثلاثة أبعرة) الشجاج بكسر الشين جمع شجة بفتحها، وهي الجرح المختص بالرأس والوجه وفي غيرهما يعبر بالجرح، والمشهور أن الشجاج ثمان، كما في المتن، واختلف كلمات الفقهاء واللغويين في تعدادها، واللازم ملاحظة الدليل، وادعي اتفاق الفقهاء على ان الالفاظ الاربعة التي هي الحارصة والمأمومة الدامية والباضعة والمتلاحمة موضوعة لثلاث معان ليس غير، فمن أخبار الباب رواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام في احرصة شبه الخدش بعير، وفي الدامية بعيران، وفي الباضعة وهي دون السمحاق ثلاث من الابل، وفي السمحاق وهي دون الموضحة أربع من الابل، وفي الموضحة خمس من الابل (1). ومنها رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قضى رسول الله صلى الله عليه وآله في المأمومة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل، وفي الموضحة خمسا من الابل، وفي الدامية بعيرا، وفي الباضعة بعيرين، وقضى في المتلاحمة ثلثة أبعرة وقضى في السمحاق أربعة من الابل (2) ". وكذا رواية السكوني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " ان رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في

[ 264 ]

الدامية بعيرا، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلثة من الابعرة، وفي المسحاق أربعة أبعرة ". فنقول المعروف أن الاول من أقسام الشجاج الحارصة والحرصة كالعرصة باهمال الحروف، وهي التي تقشر الجلد وتخدشه، كما في كلمات أهل اللغة والفقهاء وفيها بعير، ويدل عليه ما في رواية منصور المذكور، حيث قال على المحكي " في الحرصة شبه الخدش بعير ". واختلف في أنها هي الدامية كما عن النهاية، والخلاف، والفقيه، والوسيلة وغيرها، لقول الصادق عليه السلام على المحكي في رواية السكوني المذكورة " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في الدامية بعيرا " (1) وقول أمير المؤمنين عليه السلام على المحكي في خبر مسمع مثله (2). والمشهور المغايرة معنى لتغاير مبدء اشتقاقهما، وحكما لما في خبر منصور المذكور وفيه: " وفي الدامية بعيران ". ولا يخفى أن المعاني المذكورة للالفاظ التي ذكرت في الاخبار الواردة في الشجاج بحسب تفسير أهل اللغة كونها مرادة لا يخلو عن الاشكال، خصوصا مع أن شأن اللغوي ذكر موارد الاستعمال لا خصوص المعاني الحقيقية. ويمكن أن يقال: إن لم يؤخذ في الحارصة خروج الدم فالمغايرة متحققة ويقع التعارض بين الخبرين، من جهة تعيين البعير والبعيرين، ومع أخذ جماعة بخبر السكوني لعله ينجبر ضعف السند، فتعيين البعيرين من جهة رواية منصور مشكل. الثانية الدامية، وهي التي يخرج معها الدم ولابد من أن تنفذ في اللحم شيئا يسيرا، وقيل: إن الاصح أن التي تسيل دما هي الدامية، فأما الدامغة فأمرها دون ذلك، لانها التي كأنها يخرج منها ماء أحمر رقيق ويوافقه في اعتبار السيلان في

[ 265 ]

الدامية كلام الكليني وجماعة قدس الله أسرارهم، وفيها بعيران بمقتضى خبر منصور المذكور، وبعير بمقتضى رواية السكوني المذكور. الثالث المتلاحمة وهي التي تأخذ في اللحم وتنفذ فيه كثيرا أزيد من نفوذ الدامية إلا أنها تقصر عن السمحاق، فلذا يتلاحم أي يلتئم سريعا، ولعل التسمية من جهة الاول، أو التفأل. وفيها ثلاثة أبعرة، لخبري السكوني ومسمع عن الصادق عليه السلام، فالثاني ما رواه مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين صلوات: الله عليه قضى رسول الله صلى الله عليه وآله في المأمومة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل، وفي الموضحة خمسا من الابل، وفي الدامية بعيرا، وفي الباضعة بعيرين، وقضى في المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وقضى في السمحاق أربعة من الابل " (1). والاول ما رواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " ان رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في الدامية بعيرا، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعرة " (2) وقيل باتحاد الباضعة والمتلاحمة، يدل عليه حسن الحلبي عن الصادق عليه السلام " قال في الموضحة خمس من الابل، وفي السمحاق أربع من الابل، والباضعة ثلاث من الابل، والمأمومة ثلاث وثلاثون من الابل، والجائفة ثلاث وثلاثون، والمنقلة خمس عشرة من الابل " (3). (والمسحاق هي التي تقف على السمحاقة وهي الجلدة المغشية اللعظم، وفيها أربعة أبعرة، والموضحة هي التي تكشف عن العظم، وفيها خمسة أبعرة والهاشمة هي التي تهشم العظم، وفيها عشره أبعرة والمنقلة هي التي تحوج إلى نقل العظم، وفيها خمسة عشر بعيرا، والمأمومة هي التي تصل إلى ام الرأس، وهي الخريطة الجامعة للدماغ وفيها ثلاثة وثلاثون بعيرا، والجائفة هي التي تبلغ الجوف وفيها

[ 266 ]

ثلث الدية). والرابع السمحاق، والمعروف أنها هي التي تقطع جميع اللحم وتصل إلى جلدة رقيقة بين العظم واللحم مغشية للعظم تسمى المسحاق، وفيها أربعة أبعرة، ويدل عليه خبرا مسمع والسكوني المذكوران، وقال أبو علي قد روي عن أمير المؤمنين صلوت الله عليه أن فيها حقة وجذعة ابنة مخاض وابنة لبون. وفي الكافي والفقيه والاصباح والجامع أن فيها خمس عشر الدية، وفي المقنع أن فيها خمس مائة درهم. الخامس الموضحة وهي التي تكشف عن وضح العظم، أي بياضه وتقشر الجلدة التي عليه وهي السمحاق، ولا يؤثر في العظم، وفيها خمسة أبعرة، ويدل عليه النصوص منها خبر مسمع المذكور، ومنها حسن الحلبي المذكور. وفي الخلاف والفقيه والاصباح والكافي والجامع فيها نصف عشر الدية، وفي كتاب ظريف " في مواضح الرأس خمسون دينارا ". وفي خبر عريز عن الصادق عليه السلام " في من شج عبدا موضحة، قال عليه نصف عشر قيمة العبد لمولاه ". السادس الهاشمة، وهي التي تهشم العظم، أي تكسره، وفيها عشر الدية، عشرة أبعرة، وادعي عليه الانفاق، ويدل عليه ما رواه الصدوق باسناده عن السكوني " إن عليا عليه السلام قضى في الهاشمة بعشر من الابل " (2). وما رواه الشيخ باسناده عن محمد ابن الحسن الصفار عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي عن السكوني " ان أمير المؤمنين صلوت الله عليه قضى في الهاشمة بعشر من الابل " (3). السابع المنقلة وهي التي تنقل العظم من موضعه الذي خلقه الله تعالى فيه إلى موضع آخر، وفيها خمسة عشر من الابل.

[ 267 ]

ويدل عليه ما رواه الشيخ بوسائط (1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في الموضحة خمس من الابل، وفي السمحاق دون الموضحة أربع من الابل، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل، وفي الجائفة ثلث الدية، وثلاثة وثلاثون من الابل، وفي المأمومة ثلث الدية ". وما رواه بوسائط عن رزارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في الموضحة خمس من الابل، وفي السمحاق أربع، وفي الباضعة ثلاث من الابل، وفي المأمومة ثلاث وثلاثون من الابل، وفي الجائفة ثلاث وثلاثون من الابل، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل " (2). الثامن المأمومة، وهي التي تصل إلى ام الرأس، وهي الخريطة الجامعة للدماغ، وفيها ثلث الدية، ويدل عليه رواية أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال " في السمحاق وهي التي دون الموضحة خمس مائة درهم، وفيها إذا كانت في الوجه ضعف الدية، على قدر الشين، وفي المأمومة ثلث الدية وهي التي نفذت ولم تصل إلى الجوف، فهي ما بينهما، وفي الجائفة ثلث الدية، وهي التي قد بلغت جوف الدماغ، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل وهي التي قد صارت قرحة تنقل منها العظام ". وما رواه الشيخ بوسائط (4) عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: في الموضحة خمس من الابل، وفي السمحاق دون الموضحة أربع من الابل، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل وفي الجائفة ثلث الدية ثلاثة وثلاثون من الابل وفي المأمومة ثلث الدية ". ولا يخفى أن ثلاثة وثلاثين من الابل تنقص عن الثلث بثلث إبل. الثامن الجائفة وهي التي تصل إلى الجوف، ومع حصولها في الرأس كانت

[ 268 ]

دامغة، وهي التي تفتق الخريطة التي هي ام الدماغ، فهي بعد المأمومة، وفيها ثلث الدية، ويدل عليه صحيحة معاوية بن وهب " قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشجة المأمومة فقال ثلث الدية، والشجة الجائفة ثلث الدية " (1). ورواية الفضل بن صالح وزيد الشحام، قالا " سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن الشجة المأمومة فقال فيها ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي الموضحة خمس من الابل " (2). وفي رواية أبي بصير " في الجائفة ثلث الدية ثلاث وثلاثون من الابل " (3). وهنا إشكال وهو أنه لو كانت الشجة الجائفة هي الدامغة التي وصلت إلى ام الدماغ وفتقت الخريطة يبعد معها السلامة، ومع العمد فيها القصاص، ومع عدم العمد فيها الدية الكاملة، فكيف يحمل الشجة الجائفة في الروايات على الواصلة إلى ام الدماغ مع فتق الخريطة الجامعة للدماغ، فلا يبعد الحمل على الواصلة إلى جوف الرأس، لكن مع هذا الحمل كيف تكون هذه الشجة مغايرة مع ساير الاقسام المذكورة حتى تحتاج إلى ذكرها بالخصوص، إلا أن يراد الدامغة مع فرض السلامة، وإن كانت بعيدة. (مسائل، الاولى: دية النافذة في الانف ثلث ديته، فإن صلحت فخمس ديته ولو كانت في أحد المنخرين إلى الحاجز فعشر الدية، الثانية: في شق الشفتين حتى تبدو الاسنان ثلث ديتهما، ولو برئت فخمس ديتهما، ولو كانت في إحداهما فثلث ديتها ومع البرء فخمس ديتها، الثالثة: إذا نفذت نافذة في شئ من أطراف الرجل فديتها مائة دينار). لو نفذت في الانف نافذه فخرقت المنخرين والوترة جميعا على وجه لا تفسد فثلث الدية، والظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه ما في كتاب ظريف فإن نفذت فيه نافذة لا تنسد بسهم أو برمح فديته ثلاث مائة وثلاث وثلاثون دينارا وثلث دينار. وفي كشف اللثام وروي عن الرضا عليه السلام، وفي خبر مسمع عن الصادق عليه السلام

[ 269 ]

قضى أمير المؤمنين عليه السلام في النافذة تكون في العضو بثلث الدية دية ذلك العضو ". ولو صلحت فالمعروف أن فيه خمس الدية مائتا دينار، كما صرح به جماعة، ولم يذكر له دليل، والموجود في كتاب ظريف وإن كانت نافذة فبرئت والتئمت فديتها خمس دية روثة الانف، فما أصيب منه فعلى حساب ذلك، ومع الشهرة كيف يؤخذ بهذا الخبر المخالف للمشهور. وقد يقال بعد فرض الاجماع على انحصار الانف في القدرين يتعين الاخذ بمضمون الخبر ضرورة كون المقام على هذا التقدير من جزئيات مسألة الترديد بين الاقل والاكثر المعلوم كون الحكم فيه الاقتصار على الاقل ونفي الزائد بالاصل. ولا يخفى أن مجرد عدم القول بخلاف ما ذكر لا يوجب تحقق الاجماع، وأما الرجوع إلى الحكومة فيشكل من جهة عدم وجدان نص عليها فيما لا تقدير فيه بنحو الكلية، والاجماع ليها مع التسليم كيف يتمسك به مع أن المشهور في المقام ثلث الدية. ولو نفذت النافذة في أحد المنخرين إلى الحاجز فالمعروف فيه عشر الدية، مع التقييد في كلمات كثير من القائلين بما إذا صلحت وبرئت، بل عن جماعة التصريح بثبوت السدس إن لم تبرء، ولم يوجد الدليل على ما ذكر، وإن نسبه في كشف اللثام إلى الرواية عن الرضا عليه الصلوة والسلام، ولا يبعد أن يكون النظر إلى الفقه المنسوب إليه عليه السلام فمع التأمل في صحة النسبة كيف يؤخذ به. وعن أبي علي أن فيه عشر دية الروثة خمسون دينارا، ويوافقه ما في كتاب ظريف وفيه وإن كانت النافذة في أحد المنخرين إلى الخيشوم وهو الحاجز بين المنخرين فديتها عشر دية روثة الانف خمسون دينارا. والبحث المذكور آت هنا، لان ما هو المشهور لا نجد دليلا عليه، والخبر مع مخالفة المشهور كيف يؤخذ به، وما يقال من الرجوع إلى الحكومة فيه الاشكال المذكور آنفا، فلا بد من الصلح ولو شق الشفتان حتى بدت الاسنان فعليه ثلث الدية إن لم يبرء، ومع البرء

[ 270 ]

الخمس، ولو كانت في إحداهما فثلث ديتها، ومع البرء فخمس ديتها، بلا خلاف ظاهرا. وفي كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب، وفي كتاب ظريف فان انشقت أي العليا فبدت منها الاسنان ثم دوويت فبرئت والتئمت فدية جرحها والحكومة فيه خمس دية الشفة مائة دينار، وإن نزت وشينت شينا قبيحا فديتها مائة دينار وستة وستون دينار وثلث دينار، إلى أن قال فإذا انشقت أي السفلى حتى تبدو منها الاسنان ثم برئت والتئمت مائة دينار وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار، وإن اصيبت فشينت شينا فاحشا فديتها ثلاث مائة دينار وثلاثة وثلاثون وثلث دينار و ذلك نصف ديتها. ولا يخفى عدم الموافقة مع ما ذكر والمعروف عند العامة أنه فيه الحكومة، و عن المبسوط أنه روى أصحابنا فيه المقدر في الحالين يعني حال عدم البرء وحال البرء، ولعل الرواية مطابقة للمشهور وإن لم يصل إلينا. وإذا نفذت نافذة في شئ من أطراف الرجل فديتها مائة دينار عند الشيخ وجماعة، يدل عليه ما في كتاب ظريف المعروف صحته في بعض طرقه، قال فيه وفي النافذة إذا نفذت من رمح أو خنجر في شئ من الرجل من أطرافه فديتها عشر دية الرجل مائة دينار. وفيه أيضا في الخد إذا كانت فيه نافذة ويرى منها جوف الفم فديتها مائة دينار، وفإن دووي فبرء والتئم وبه أرش وشين فاحش فديته خمسون دينارا، فإن كانت نافذة في الخدين كليهما فديتها مائة دينار، وذلك نصف دية التي يرى منها الفم، وإن كانت رمية بنصل نشبت في العظم حتى تنفذ في الحنك [ إلى الحنك، خ ل ] فديتها مائة وخمسون دينارا، وجعل منها خمسون دينارا لموضحتها، وإن كانت ثاقبة ولم تنفذ فيها فديتها مائة دينار (1). وفيه أيضا أن في نافذة الكف إن لم تفسد مائة دينار، أن في نافذة القدم

[ 271 ]

لا تفسد خمس دية الرجل، وأن في نافذة الساعد خمسين دينارا. وفي خبر مسمع عن الصادق عليه السلام قضى أمير المؤمنين صلوت الله عليه في النافذة تكون في العضو ثلث دية ذلك العضو (1). ولم يعلم إفتاء مفت بتمام ما ذكر، وفي الشرايع عبر بقوله قيل إذا نفذت نافذة في شئ من الاطراف ففيها مائة دينار ولعله يظهر منه التوقف في السمألة لضعف المستند وأورد عليه بأن المستند ما عرفت من كتاب ظريف، ونحوه ما عرضه ابن فضال على أبي الحسن عليه السلام المروي في الصحيح أو الموثق مع الاعراف بأن عموم ذلك لا يلائم بما سمعته في كتاب ظريف ولا خبر مسمع المزبور، بل ولا ما سمعته في نافذة الانف. وقد يجاب عن الاشكال أولا بالتزامه أو الذب عنه بتخصيصه بالمائة دينار مما فيه كمال الدية، ولا يخفى الاشكال فيه. (الرابعة، في احمرار الوجه بالجناية دينار ونصف، وفي اخضراره ثلاثة دنانير، وفي اسوداده ستة، وقيل فيه كما في الاخضرار، وقال جماعة منا وهي في البدن على النصف، الخامسة: كل عضو له دية مقدرة ففي شلله ثلثا ديته، وفي قطعه بعد شلله ثث ديته، السادسة: دية الشجاج في الرأس والوجه سواء، وفى البدن بنسبة العضو الذي يتفق فيه). في احمرار الوجه بالجناية دينار ونصف، بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه الموثق كالصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قضى أمير المومنين صلوت الله عليه في اللطمة يسود أثرها في الوجه أن أرشها ستة دنانير، وإن لم تسود واخضرت فإن أرشها ثلاثة دنانير، فان احمرت ولم تخضر فإن أرشها دينار ونصف (2) ". وفيه دلالة على ثلثة دنانير في الاخضرار، وستة دنانير في الاسوداد.

[ 272 ]

وحكي عن جماعة أن في الاسوداد ثلاثة دنانير، كما في الاخضرار، بل ادعي عليه الاجماع، ولم يذكر له دليل غير ادعاء الاجماع، ومع وجود النص المذكور كيف يمكن رفع اليد. وأما ما حكى في المتن من التنصيف في البدن عن الجماعة مع ظهور توقف المنصف قدس سره فمن جهة اختلاف الموثق المذكور، فعلى ما رواه في الفقيه ذكر فيه وفي البدن نصف ذلك، وفي التهذيب والكافي لم يذكر فيه، فمع اختلاف النقلين كيف يحصل الاطمينان مع معروفية اضبطية الكافي، وإن كان احتمال السهو في الزيادة أضعف من احتمال السهو في النقيصة، واحتمال التقطيع في الخبر بعيد. وأما ما ذكر في المسألة الخامسة من أن كل عضوله دية مقدرة ففي شلله ثلثا ديته فهو المعروف، بل قيل لا خلاف فيه، والمعروف أيضا أن في قطعه بعد شلله ثلث ديته، ويدل على ما ذكر النصوص السابقة التي هي وإن كانت في أطراف مخصوصة إلا أنها متممة بعدم القول بالفصل، وفي الخبر الوارد في الاصابع منها وكل ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح. وأما ما في كتاب ظريف وما عرضه يونس على الرضا عليه السلام على ما قيل من أن في شلل اليدين ألف دينار، وفي شلل الرجلين ألف دينار، فهو شاذ لا قائل به. وللمناقشة فيما ذكر مجال، فإن عدم القول بالفصل لا يثبت به الاجماع، وما في الخبر الوارد في الاصابع لا يستفاد منه الكلية، كما لا يخفى. نعم حكي عن بعض إرسال أخبار الفرقة على أن كل عضو فيه مقدر إذا جني عليه قصار أشل وجب فيه ثلثا ديته، ويدل عليه ثبوت ثلث الدية في قطع العضو إذا كان أشل ذيل الرواية المذكورة وكل ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح، إن استفيد منه الكلية، وادعي عدم الخلاف في الكلية. وأما ما ذكر في المسالة السادسة من أن الشجاج في الرأس والوجه سواء، وفي البدن بنسبة العضو الذي يتفق فيه، فادعي في مساوات الشجاج في الرأس والوجه عدم الخلاف.

[ 273 ]

واستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر السكوني (1) " قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الموضحة في الرأس والوجه سواء " المتمم بعدم القول بالفصل. وفي خبر الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الموضحة في الرأس كما هي في الوجه؟ فقال: الموضحة والشجاج في الرأس والوجه سواء في الدية، لان الوجه من الرأس، وليست الجراحات في الجسد كما هي في الرأس " (2) وهو صريح في العموم، فما في خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في السمحاق وهي التي دون الموضحة خمس مائة درهم، وفيها إذا كانت في الوجه صعف الدية على قدر الشين " من الشواذ لم يعمل به. وادعي أيضا عدم الخلاف في أن مثل الشجاج المزبورة في البدن بنسبة دية العضو الذي يتفق فيه من دية الرأس، أي النفس، ففى حارصة اليد مثلا نصف بعير، أو خمسة دنانير، وفي حارصة أنملتي الابهام نصف عشر بعير أو نصف دينار، لان ذلك مقتضى النسبة المزبورة، فإن دية اليد الواحدة نصف دية الرأس التي هي دية النفس، فدية حارصة اليد نصف دية حارصة الرأس، فإذا كان حارصة الرأس ديتها بعيرا فدية حارصة اليد نصف بعير، فإن ديتها في الرأس بعير وبعير جزء واحد من مائة بعير دية النفس، واليد الواحدة ديتها نصف دية النفس، فالجزء الواحد من مائة جزء من دية اليد الوحدة نصف بعير أو خمسة دنانير. ويدل على ما ذكر خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام على ما في التهذيب " قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الجروح في الاصابع إذا أوضح العظم نصف عشر دية الاصبع، إذا لم يرد المجروح أن يقتص (4) " بعد إتمامه بعدم القول بالفصل فإن دية الاصبع بالنسبة إلى دية الرأس نصف العشر، فموضحة الاصبع ديتها نصف عشر

[ 274 ]

موضحة الرأس. ولا يخفى أن مجرد عدم القول بالفصل لا يثبت به الاجماع، والخبر المذكور نقل في الكافي والفقيه مكان نصف عشر دية الاصبع عشر دية الاصبع باسقاط لفظ النصف، وحينئذ يكون من الشواذ كما أن ما في كتاب ظريف مما لا يوافق الضابط المذكور. (السابعة: كل ما فيه من الرجل ديته ففيه من المرأة ديتها، ومن الذمي ديته، ومن العبد قميته، وكل ما فيه من الحر مقدر فهو من المرأة بنسبة ديتها، ومن الذمي كذلك، ومن العبد بنسبة قيمته، لكن الحرة تساوي الحر حتى تبلغ الثلث، ثم يرجع إلى النصف، والحكومة والارش عبارة عن معنى واحد، ومعناه أن يقوم سليما إن كان عبدا ومجروحا كذلك وينسب التفاوت إلى القيمة، ويؤخذ من الدية بحسابه، والثامنة: من لاولي له فالامام ولي دمه، وله المطالبة بالقود أو الدية، وهل له العفو؟ المروي: لا). أما أن كل ما فيه من الرجل الحر ففيه من المرأة الحرة ديتها فيدل عليه ما دل على أن كل ما في الانسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية وما دل على أن ما يكون في الانسان واحدا ففيه الدية ففي الرجل يثبت ديته، وفي المرأة يثبت ديتها نصف دية الرجل، لكنه لا بد من المماثلة. وربما يشك في مثل اللحية حيث إنها مع إذهابها في الرجل بحيث لا تنبت يثبت الدية، ويشكل ثبوت الدية في إذهابها من المرأة إن كانت لها لحية، كما ربما يتفق، حيث إنها تعد جمالا للرجل، بخلاف المرأة، حيث إنها ربما تعد نقصا لها، فما ثبت فيه الدية بعنوان الانسان من غير فرق بين الرجل والمرأة لا إشكال فيه و كذلك إن ثبت بنحو الاطلاق، وما ثبت فيه الدية بعنوان الرجل فثبوت الدية للمرأة محتاج إلى الدليل. وكل ما كان فيه حالكونه من الرجل الحرمقدر مخصوص كأحد اليدين والرجلين ونحو ذلك من الاطراف التي تجب في الجناية عليها نصف الدية، أو ثلثاها، أو ثلثها، أو عشرها، أو غيرها من المقادير، وكالحارصة، والدامية، والموضحة

[ 275 ]

ونحوها من الشجاج، والجراح التي يجب فيها المقدر من دياتها فهو إذا كان من المرأة ففيه ديته بنسبة ديتها، فما كان فيه للرجل نصف ديته مثلا ففيه للمرأة نصف ديتها، وما كان فيه منه ثلثا ديته، أو ثلثها، أو عشرها، أو نحو ذلك ففيه من المرأة مثل ذلك، لكن بنسبة ديتها، ومن الذمي والذمية بنسبة ديتهما، ومن العبد والامة بنسبة قيمتهما وادعي فيما ذكر عدم وجدان الخلاف. ويمكن أن يقال: قدر في احمرار الوجه بالجناية من لطمة شبهها دينار ونصف، وفي اخضراره ثلاثة دنانير، وفي اسوداده ستة، ثم وقع التردد في الاختصاص بوجه الحر أو يعمه ووجه العبد، واحتمل الاختصاص بوجه الحر، من جهة التبادر، والرجوع في العبد إلى الحكومة، ولم يظهر وجه التفرقة بين المقدر في احمرار الوجه، والاخضرار، والاسوداد وبين المقدر في الحارصة، والدامية، والموضحة، وغيرها باحتمال الاختصاص بالحر في الاول، وعدم الاختصاص في الثاني. إلا أن يتمسك بخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي صلوت الله عليهم " جراحات العبيد على نحو جراحات الاحرار في الثمن " (1). مع تفسيره بأن كل ما فيه منه واحد ففيه كمال قيمته، كاللسان والانف، وما فيه اثنان ففيهما قميته، وفي كل واحد نصف قيمته، وكذا ما فيه عشر كالاصابع، ففي كل واحد عشر قيمته، إلى غير ذلك، إلا أن قيمته ديته ما لم يتجاوز دية الحر. وبذك يظهر وجه دلالة مقطوع يونس (2) " قال: وإذا جرح العبد فقيمة جراحته من حساب ديته فإن قيمته بمنزلة الدية في الحر. إلا أن يتمسك بمثل الصحيح " عن رجل فقأ عين نصراني، فقال: دية عين الذمي أربع مائة درهم (3).

[ 276 ]

إن كان المراد إحدى العينين، لكن استفادة الكلية محتاجة إلى الاجماع على عدم الفصل، ولا تتم بمجرد عدم القول بالفصل، لكن بعض الجنايات فيه المقدرات من جهة اللطم والضرب بدون الجرح، فكيف يمكن إثبات الحكم المذكور فيها، و أيضا صورة كون القيمة متجاوزة عن دية الحر غير مشمولة للخبرين المذكورين، فتأمل. وأما ما ذكر في الذمي فما من الاخبار عبر فيه بثبوت الدية من جهة الجناية بغير القتل لا مانع من ترتب ثمان مائة درهم دية الذمي فيه على المشهور، وأما ما لم يعبر بهذا التعبير كالتعبير بالبعير في الشجاج فيشكل إثبات مقدار من الدراهم نسبته إلى ثمان مائة كنسبة بعير واحد إلى مائة. وأما مساواة الحرة مع الحر حتى تبلغ الثلث ثم يرجع إلى النصف فيدل عليها خبر أبان بن تغلب في الصحيح " قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الابل، قلت: اثنتين، قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثا، قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعا قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون، إن هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنتبرء مما قاله - إلى قوله - فقال مهلا يا أبان، إن هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله، إن المرأة تقابل [ تعاقل، خ ل ] الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنك أخذتني بالقياس والسنة إذا قيست محق الدين (1) ". ومضمرة سماعة قال " سألته عن جراحات النساء، فقال: الرجال والنساء في الدية سواء حتى يبلغ الثلث فإذا جازت الثلث فانها مثل نصف دية الرجل (2) ". والمستفاد من الصحيح المذكور أنه مع بلوغ الثلث رجعت الدية إلى النصف، والمستفاد من المضمرة وغيرها أنه بعد التجاوز رجعت الدية إلى النصف، والظاهر أن

[ 277 ]

المعارضة ليست من قبيل التعارض بين العام والخاص حتى يخصص عموم الصحيح بغيره، بل الصحيح نص في أن البلوغ إلى الثلث موجب للرجوع إلى النصف. واحترز المصنف - قدس سره - بقوله فيما فيه مقدر عما لا تقدير فيه فإن المعروف فيه الحكومة مطلقا، وادعي فيه عدم وجدان الخلاف، بل الاجماع، واستشهد لها ببعض الاخبار منها الصحيح " وما كان جروحا دون الاصطلام فيحكم به ذوا عدل منكم - الخبر " (1). وفي خبر آخر " إن عندنا الجامعة، قلت: وما الجامعة؟ قال: صحيفة فيها كل حلال وحرام، وكل شئ يحتاج إليه الناس حتى الارش في الخدش، وضرب بيده إلى فقال: أتأذن يأ أبا محمد، قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت فغمزني، بيده فقال: حتى أرش هذا (2) " ولا يخفى الاشكال في استفادة الكلية من مثل ما ذكر، مضافا إلى أن ظاهر الخبر الاخير أن الارش المشار إليه شئ محكوم به عند الشارع كالمقدرات المذكورة في الاخبار، وهذا ظاهرا غير الارش الذي يعينه المقوم بعد فرض الحر عبدا. وأما الصحيح المذكور ففي ذيله ما يستفاد منه لزوم الحكم بما أنزل الله تعالى وشأن ذوي عدل التقويم لا الحكم بالارش لكن المذكور في كلماتهم كأنه من المسلمات. وأما ولاية الامام عليه الصلاة والسلام لمن لاولى له فلا خلاف فيها، ويدل عليها قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن أبي ولاد أو صحيحه " في مسلم قتل وليس له ولي مسلم على الامام أن يعرض على قرابته من أهل الاسلام فمن أسلم فهو وليه يدفع إليه القاتل فإن شاء قتل، وإن شاء عفى، وإن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الامام ولي أمره، فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية يجعلها في بيت مال المسلمين، لان جناية المقتول كانت على الامام، فكذلك ديته لامام المسلمين - الحديث " (3).

[ 278 ]

وأما العفو مجانا فالمستفاد مما في الصحيح المذكور أنه لا يعفو، قال فيه: فإن عفى عنه الامام قال: إنما هو حق لجميع المسلمين، وإنما على الامام أن يقتل أو يأخذ الدية وليس له العفو. (النظر الرابع في اللواحق وهي أربعه: الاول في الجنين، دية الجنين الحر المسلم إذا اكتسى اللحم ولم تلجه الروح مائة دينار ذكرا كان أو انثى، ولو كان ذميا فعشر دية أبيه، وفي رواية السكوني عشر دية أمه ولو كان مملوكا فعشر قيمة امه المملوكة ولا كفارة ولو ولجته الروح فالدية كاملة للذكر، ونصفها للانثى، ولو لم يكتس اللحم ففي ديته قولان: أحدهما غرة والآخر توزيع الدية على حالاته ففيه عظما ثمانون ومضغة ستون، وعلقة أربعون، ونطفة بعد استقرارها في الرحم عشرون، وقال الشيخ وفيما بينهما بحسابه). المشهور أن دية الجنين مع كونه بحكم المسلم الحر مائة دينار، ولعل التعبير بكونه بحكم المسلم الحر فيه مسامحة مع عدم ولوج الروح ويدل عليه الصحيح عن أبي عبد الله وأبي الحسن الرضا عليهما السلام " ان أمير المؤمنين عليه السلام جعل دية الجنين مائة دينار، وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنينا خمسة أجزاء، فإذا كان جنينا قبل أن تلجه الروح مائة دينار، وذلك أن الله تعالى خلق الانسان من سلالة وهي النطفة فهذا جزء، ثم علقة فهذان جزئان، ثم مضغة فهي ثلاثة أجزاء، ثم عظما فهي أربعة أجزاء، ثم تكتسي لحما فحينئذ تم جنينا فكملت له خمسة أجزاء مائة دينار، والمائة دينار خمسة أجزاء، فجعل للنطفة خمس المائة عشرين دينارا، وللعلقة خمسي المائة أربعين دينارا، وللمضقة ثلاثة أخماس المائة ستين دينارا، وللعظم أربعة أخماس الدية ثمانين دينارا، فإذا كسى اللحم كانت له مائة دينار كاملة، فإذا أنشأ فيه خلقا آخر وهو الروح فهو حينئذ نفس فيه ألف دينار كاملة إن كان ذكرا وإن كان انثى فخمس مائه دينار " (1). ومرسل ابن مسكان عنه أيضا " دية الجنين خمسة أجزاء، خمس للنطفة

[ 279 ]

عشرون دينارا، وللعلقة خمسان أربعون دينارا، وللمضغة ثلاثة أخماس ستون دينارا [ وللعظم أربعة أخماس ثمانون دينارا ] فإذا تم الجنين كان له مائة دينار، فإذا أنشأ فيه الروح فديته ألف دينار أو عشرة آلاف درهم إن كان ذكرا، وإن كان انثى فخسمائة دينار، وإن قتلت المرأة وهي حبلى فلم يدرأ ذكرا كان ولدها أو انثى فدية الولد نصفان نصف دية الذكر ونصف دية الانثى وديتها كاملة " (1). وخبر أبي جرير القمي (2) " قال: سألت العبد الصالح عليه السلام عن النطفة ما فيها من الدية، وما في العلقة، وما في المضغة المخلقة، وما يقر في الارحام، قال: إنه يخلق في بطن امه خلقا من بعد خلق، يكون نطفة أربعين يوما ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يكون مضغة أربعين يوما، ففي النطفة أربعون دينارا، وفي العلقة ستون دينارا، وفي المضغة ثمانون دينارا، وفاذا اكتسى العظام لحما ففيه مائة دينار، قال الله عزوجل ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين فإن كان ذكرا فقيه الدية، وإن كان انثى ففيها ديتها ". وفي قبال ما ذكر صحيح أبي عبيدة عن الصادق أو عن أبيه عليهما السلام في امرأة شربت دواء عمدا وهي حامل لتطرح ولدها ولم يعلم بذلك زوجها، فألقت ولدها، فقال: إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فإن عليها ديته يسلمها إلى أبيه، وإن كان جنينا عقلة أو مضغة فإن عليها أربعين دينارا أو غرة تسلمها إلى أبيه، قلت: فهي لا ترث من ولدها من ديته؟ قال: لا، لانها قتلته (3). وقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في صحيح ابن مسلم " إذا كان عظما شق له السمع والبصر ورتبت جوارحه فإذا كان كذلك فان فيه الدية كاملة " (4). وقول الصادق عليه السلام على المحكي في الصحيح " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله في جنين

[ 280 ]

الهلالية حيث رميت فألقت ما في بطنها: غرة عبد أو أمة " (1). وفي خبر داود بن فرقد " جائت امرأة فاستعدت على أعرابي قد أفزعها فألقت جنينا، فقال الاعرابي: لم يهل ولم يصح ومثله يطل، فقال النبي صلى الله عليه وآله: اسكت سجاعة، عليك غرة وصيف، عبد أو أمة (2) ". وفي خبر سليمان بن خالد " إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وقد ضرب امرأة حبلى فأسقطت سقطا ميتا، فأتى زوج المرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فاستعدى عليه، فقال الضارب: يا رسول الله ما أكل ولاشرب ولا استهل ولا صاح ولا استبش [ استبشر خ ل ] فقال النبي صلى الله عليه وآله إنك رجل سجاعة، فقضى فيه برقبة " (3) وسئل عليه السلام أيضا في صحيح أبي عبيدة والحلبي " عن رجل قتل امرأة وهي على رأس الولد تمخض، قال عليه خمسة آلاف درهم، وعليه دية للذي في بطنها غرة وصيف أو وصيفة، أو أربعون دينارا " (4). وقد يقال: القول بثبوت الغرة شاذ والاخبار الدالة عليه محمولة على التقية لموافقتها لمذهب الجمهور. ويمكن أن يقال: الحمل على التقية فرع المعارضة وعدم إمكان الجمع العرفي ولا مانع من الجمع، فان الطائفة الاولى صريحة في الاجزاء وظاهرة في التعيين وكذلك الطائفة الثانية، فيرفع اليد بصراحة كل منهما عن ظهور الاخرى. لكن المعارضة من غير هذه الجهة باقية فمقتضى بعض الطائفة الاولى ثبوت عشرين دينارا للنطفة ومقتضى خبر أبي جرير المذكور ثبوت أربعين دينارا، و مقتضى صحيح أبي عبيدة ثبوت الدية الكاملة ظاهرا بقرينة ما بعدها بمجرد كونه ذاعظم نبت عليه اللحم فشق له السمع والبصر، وكذلك صحيح ابن مسلم. لكن المشهور الاخذ بالطائفة الاولى صريحها وظاهرها، ومن المستبعد تساوي حالات الجنين في ثبوت الغرة حيث إن لازم الجمع المذكور ثبوت الغرة من غير

[ 281 ]

فرق بين الحالات. وأما تقدير الغرة فالمستفاد من بعض الاخبار بخمسين دينارا ففي خبر عبيد بن زرارة " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن الغرة تكون بمائة دينار وبعشرة دنانير فقال بخمسين دينارا " (1) ومقتضى موثق إسحاق عن أبي عبد الله عليه السلام " إن الغرة تزيد وتنقص ولكن قيمتها أربعون دينارا (2) " ما ذكر. ومقتضى خبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " الغرة تزيد وتنقص، ولكن قيمتها خمسمائة درهم " (3) ما ذكر، فإن اخذ بما دل على ثبوت الغرة تعيينا أو تخييرا فالظاهر عدم مدخلية خصوص القيم المذكورة في الحكم، لبعد المدخلية، مع كون الاخبار المذكورة في مقام البيان، واختلاف الامكنة والاوقات، فلعل ما ذكر في الاخبار من تعيين القيمة محمول على الاخذ بالحد الوسط بين الغالي والرخيص، بحسب خصوصيات الغرة من دون إلزام. وأما ما حكي عن الشيخ - قدس سره - من أن في ما بينهما بحسابه فاستشكل فيه بعدم الدليل عليه. ولو كان الجنين ذميا - بنحو المسامحة - فالمعروف أن ديته عشر ديه أبيه كجنين المسلم، وادعي عدم وجدان الخلاف فيه، مؤيدا بما عساه يستفاد من النصوص والفتوى من مساواة دية الذمي لدية المسلم. وفي روايتي مسمع والسكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " انه قضى في جنين اليهودية والنصرانية والمجوسية عشر دية أمه (4) " ولم يعمل بمضمونهما. ويمكن أن يقال: إن تم الاجماع فلا كلام وإلا فللنظر في ما ذكر مجال، فان الجنين قبل ولوج الروح فيه كيف يصدق عليه الذمي وله أحوال من استقرار

[ 282 ]

النطفة في الرحم إلى ولوج الروح فيكف يحكم بحكم واحد. وأما كون دية جنين المملوك عشر قيمة أمه المملوكة كما هو المشهور فاستدل عليه برواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " في جنين الامة عشر قيمتها " (1). والمحكي عن الشيخ في المبسوط أنها عشر قيمة العبد إن كان ذكرا، وعشر قيمة الام إن كان انثى. واورد عليه بأنه مع شذوذه لم يعرف مستنده. ويمكن أن يقال هذه الرواية إن بني على حجيتها من جهة العمل ويعبر في خبر السكوني بالقوي المصطلح في علم الدراية لم يفرق فيها بين جنين المملوك وغير المملوك، فلا يبقى إلا إطلاق الاخبار المذكورة الواردة في دية الجنين، واستبعاد كون دية غير المملوك من الجنين عشر قيمة امه المملوكة، والاطلاقات معارضة باطلاق رواية السكوني، ومجرد الاستبعاد لا يكون دليلا نعم الظاهر من كلمات الفقهاء التخصيص بصورة مملوكية الجنين. وأما عدم ثبوت الكفارة فادعي عليه الاجماع، ولا يصدق القتل بعد فرض عدم ولوج الروح ولو ولجته الروح فالدية كاملة للذكر، ونصفها للانثى في الحر المحكوم بحكم المسلم، والحر المحكوم بحكم الذمي لما سبق من الاخبار، ومع مملوكية الجنين بعد ولوج الروح فالمشهور ثبوت قيمته حين سقوطه لان ديته قيمته، كما سبق خلافا للعماني والاسكافي، فقالا: إن مات الجنين في بطنها ففيها نصف عشر قيمه امه، وإن ألقته حيا ثم مات ففيه عشر قيمة امه، لخبر أبي صيار كما في الكافي، وعبد الله بن سنان كما في الفقيه، وفي التهذيب ابن سنان، عن الصادق عليه السلام " في رجل تقل جنين أمة لقوم في بطنها، فقال: إن كان مات في بطنها بعد ما ضربها فعليه نصف عشر قيمة امه، وإن كان ضربها فألقته حيا فمات فإن عليه عشر قيمة امه (2) ".

[ 283 ]

وضعف الخبر مع عدم الجابر له، ويظهر من خبر سليمان بن صالح اعتبار استهلاله في وجوب الدية، وقد حمل على المثال. (ولو قتلت المرأة فمات معها فللاولياء دية المراة، ونصف الديتين عن الجنين إن جهل حاله، وإن علم ذكرا كان أو انثى فالدية بحسابه، وقيل مع الجهالة يستخرج بالقرعة، لانه مشكل، وهو غلط لانه لا إشكال مع النقل، ولو ألقته مباشرة أو تسبيبا فعليها دية ما ألقته، ولا نصيب لها من الدية، ولو كان بإفزاع مفزع فالدية عليه، ويستحق دية الجنين وراثه ودية جراحاته بنسبة ديته، ومن أفزع مجامعا فعزل فعليه عشرة دنانير، ولو عزل عن زوجته اختيارا قيل يلزمه دية النطفة عشرة دنانير، والاشبه الاستحباب). لو قتلت المرأة ومات ولدها معها فثبوت ديتها لاوليائها معلوم، وأما ثبوت نصف الديتين مع الجهل بحال الولد فيدل عليه مرسل ابن مسكان المذكور، والنقل المشهور من قضاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه بذلك الذي عرضه يونس وابن فضال على أبي الحسن صلوات الله عليه، فيكون المرسل والنقل المشهور مخصصين لما دل على القرعة مع أن قاعدة القرعة والعمل بها فيما لم يعمل المشهور مشكل، كمالا يخفى علي من لا حظ أبواب الفقه. وأما ما في المتن من تغليط القول المذكور ففيه نظر، لان الظاهر أن التنصيف أصل عملي في أمر مشكل، فالاشكال باق، ومع الاشكال حكم بالتنصيف كالحكم بالقرعة في المشكل في موارد يعمل فيها بالقرعه. نعم قد يستشكل بأن الحكم الظاهري كيف يجتمع مع العلم بالخلاف، حيث إن النصفين خارجان عن سهم الذكر والانثى، كما لوضاع الدينار المردد بين كونه من مال المستودع بالكسر والمستودع بالفتح فالحكم بالتنصيف يخالف القطع، لكن بعد حكم الشارع لا بد من التسليم، كالحكم بالشركة مع اختلاط المالين مع الوحدة النوعية والصنفية، ولعل الحكم غير باق مع انكشاف الخلاف. ومع إلقاء المرأة جنينها مباشرة أو تسبيبا عليها ديته على القاعدة، ولا نصيب

[ 284 ]

لها، لما في صحيح أبي عبيده عن الصادق عليه السلام المذكور، وقد علل في الصحيح المذكور عدم الوارثة بأنها قتلته، وصدق القتل بنحو الحقيقة منوط بولوج الروح، فلا بد من التخصيص بصورة ولوج الروح أو حمل القتل على معنى يعم مورد السؤال. ولا مجال لاستبعاد وراثة القاتلة الدية التي كانت عليها وأنه مع الامتناع كان المناسب التعليل به لا بما ذكر. ونظير المقام ما لو كان الوارث مدينا بالنسبة إلى مورثه، حيث إنه عليه الدين ويرث منه. ويرث ديه الجنين من يرث المال منه لو كان حيا مالكا ثم مات، والاقرب فالاقرب، على حسب ما بين في كتاب المواريث، بلا خلاف ظاهرا، ويدل عليه ما في صحيح أبي عبيدة المذكور. ويرث أيضا دية أعضائه وجوارحه بنسبة ديته، ففي يده خمسون، وفي يديه كمال الدية، وفي حارصته دينار، وهكذا بلا خلاف ظاهرا وفي ما عرضه يونس وابن فضال على أبي الحسن عليه السلام من كتاب ظريف (1) المشتمل على قضاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه " قضى في دية جراح الجنين من حساب المائة على ما يكون من جراح الذكر والانثى، الرجل والمرأة، وجعل له في قصاص جراحته ومعقلة على قدر ديته، وهى مائة دينار ". لكن لم يبين فيه من يستحق الدية، إلا أن يقال يكفي عدم التعرض مع كونه في مقام البيان. ومن أفزع مجامعا فعزل فعلى المفزع عشرة دنانير، بلا خلاف ظاهرا وفي كتاب ظريف (2) الذي عرضه يونس وابن فضال على أبي الحسن عليه السلام " أفتى - أي أمير المؤمنين صلوات الله عليه - في مني الرجل يفزع [ يفرغ، خ ل عن عرسه فعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير، وإن أفرغ فيها عشرين دينارا، وقضى في دية

[ 285 ]

جراح الجنين من حساب المائة على ما يكون من جراح الذكر والانثى والرجل والمرأة كاملة، وجعل له في قصاص جراحته ومعقلته على قدر ديته وهي مائة دينار ". ولو عزل عن زوجته اختيارا بلا إذن منها قيل يلزمه عشرة دنانير لكونه مفوتا كغيره، وقد مر الكلام في جواز العزل عن الحرة بغير إذنها وحرمته، ولزوم الكفارة وعدمه في كتاب النكاح. (الثاني في الجناية على الحيوان، من أتلف حيوانا مأكول اللحم كالنعم بالذكاة لزمه الارش، وهل لمالكه دفعه والمطالبة بقيمته، قال الشيخان: نعم، والاشبه لا، لانه إتلاف لبعض منافعه فيضمن التالف، ولو أتلفه لا بالذكاة لزمته قميته يوم إتلافه، ولو قطع بعض جوارحه أو كسر شيئا من عظامه فللمالك الارش). من أتلف حيوانا مأكولا بحسب العادة لا مثل الفرس والحمار وإن حل أكل لحمهما بالذكاة لزمه الارش إن كان أرش، لقاعدة الاتلاف، وأما مع عدم الارش فلا إتلاف حتى يصير مضمونا. وأما دفع المذبوح والمذكى من طرف المالك والمطالبة بالقيمة نظرا إلى إتلاف أهم منافعه فغير ظاهر، لعدم تسليم كونه بمنزلة التالف، بل التالف بعض منافعه، وقد يتسمك بعدم خروج المال عن المالية وملك مالكه بذلك. ويمكن أن يقال: أما عدم خروج المال عن المالية وعن ملك مالكه فلا إشكال فيه لكن الضمان يجتمع مع عدم الخروج عن المالية وعن ملك المالك، كما في المضمون من جهة اليد عند كثير من المحققين، نعم بناء على كون الغرامة بمنزلة العوض وعدم تسليم ما في كلماتهم يمكن التمسك بما ذكر، فالعمدة أصالة البراءة. وأما تذكية مثل الفرس والحمار والبغلة فلا يبعد كونها بمنزلة الاتلاف الموجب للرجوع إلي القيمه، حيث إنها من القيميات، إلا مع فرض الابتلاء بقحط الارزاق وحيث يرغب في أكل لحومها، ومع هذا يأتي الشك والترديد في بقاء المذكي في ملك المالك أو خروجه عن ملكه. ولو أتلف الحيوان القابل للتذكية لا بالذكاة لزمه قيمة يوم إتلافه، أما لزوم

[ 286 ]

القيمة فلا خلاف ولا إشكال فيه، وأما قيمة يوم الاتلاف بالخصوص فللكلام فيه مجال، فإن الاتلاف قد يكون مسبوقا باليد والاستيلاء فمع سبق اليد تحقق ضمان العين، وحيث إن اليد سابقة على الاتلاف فالغرامة من جهة اليد، والغرامة من جهة اليد مختلف فيها، هل تلاحظ قيمة يوم الغصب، أو يوم التلف، أو يوم أداء القيمة، أو أعلى القيم. ولو قطع بعض جوارح الحيوان أو كسر شيئا من عظامه فللمالك الارش لقاعدة الاتلاف. (وإن كان ممالا يؤكل ويقع عليه الذكاة كالاسد والنمر ضمن أرشه وكذا في قطع أعضائه مع استقرار حياته، ولو أتلفه لا بالذكاة ضمن قيمته حيا، ولو كان مما لا يقع عليه الذكاة كالكلب والخنزير ففي كلب الصيد أربعون درهما، وفي رواية السكوني يقوم، وكذا كلب الغنم، وكلب الحائط، والاول أشهر، وفي كلب الغنم كبش، وقيل عشرون درهما، وكذا قيل في كلب الحائط، ولا أعرف الوجه، وفي كلب الزرع قفيز من بر، ولا يضمن المسلم ما عدا ذلك). إن كان الحيوان مما لا يؤكل وتقع عليه الذكاة وأتلفه بالتذكيه فالمعروف أنه يضمن الارش، لكن هذا في صورة نقصان القيمة بالذكاة وإن كان لا قيمة له إلا بعد التذكية فلا يتصور فيه الارش، كما ذكر أن الحيوان المأكول اللحم إذا كان معدا للتذكية ولا يكون للمذبوح أو المذكى بغير الذبح نقصان في قيمته لا يتصور فيه الارش، فلا مضان لشئ. ولو أتلفه لا بالذكاة ضمن قيمته حيا، ووجهه واضح. ولو كان الحيوان مما لا يقع عليه الذكاة كالكلب ففي كلب الصيد أربعون درهما لمرسل ابن فضال عن بعض أصحابه المنجبر بالشهرة عن أبي عبد الله عليه السلام " دية كلب الصيد أربعون درهما، ودية كلب الماشية عشرون درهما، ودية الكلب الذي ليس للصيد زنبيل من تراب - الحديث " (1).

[ 287 ]

وخبر عبد الاعلى ابن أعين المروي في الخصال بطريق حسن عنه عليه السلام أيضا " قال في كتاب علي صلوات الله عليه دية كلب الصيد أربعون درهما، جعل ذلك له رسول الله صلى الله عليه وآله، ودية كلب الغنم كبش، ودية كلب الزرع جريب من بر، ودية كلب الاهل قفيز من تراب لاهله ". وقيد في بعض كلماتهم كلب الصيد بكونه معلما، وربما يؤيد بخبر وليد بن صبيح عن أبي عبد الله عليه السلام " دية الكلب السلوقي أربعون درهما، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك أن يؤدية لبني خزيمة " (1). وخبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " دية الكلب السلوقي أربعون درهما جعل ذلك له رسول الله صلى الله عليه وآله ودية كلب الغنم كبش، ودية كلب الزرع جريب من بر، ودية كلب الاهل قفيز من تراب لاهله ". بناء على غلبة كون السلوقى معلما للصيد. ويمكن أن يقال: لا شهادة في ما ذكر على اعتبار كون الكلب معلما بأن كلاب تلك القرية السلوق ليست بحسب الخلقة معلمة، بل لابد من التعليم والتمرين، فمع فرض تقييد الكلب بالسلوقي لا يستفاد منه اعتبار كونه معلما، فلا مانع ظاهرا من الاخذ باطلاق كلب الصيد من غير فرق بين كونه معلما بالفعل أو كونه قابلا للتعليم ولعل التقييد بالسلوقي من جهة الغلبة أعني غلبة كونه صيدا لبعد مدخلية كونه من خصوص تلك القرية مع عدم نقصان سائر الكلاب. وعلى هذا فما يقال من أن مقتضى خبر الوليد المذكور، أو موثقته تقييد الحكم بكون الكلب سلوقيا، ويكون هذا الخبر حجة لم خص الحكم بالسلوقي بناء على حجية هذا المفهوم، إلا أن يقال بقصوره عن المقاومة ولو للشهرة المزبورة لايراد منه المفهوم، فيه نظر. لامكان أن يقال وإن كان الاصل في القيود الاحترازية ومدخلية القيد في الحكم ولا يكون هذا من باب المفهوم المصطلح في الاصول، لكن المناسبة بين الحكم

[ 288 ]

والموضوع توجب حمل القيد على جهة اخرى غير المدخلية في الحكم. ولا أقل من الاحتمال المانع عن الظهور فيؤخذ باطلاق سائر الاخبار وأما مجرد الشهرة فهو لا يوجب صرف الظاهر عن ظهوره. وفي رواية السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في كلب الصيد " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في من قتل كلب الصيد قال يقومه، وكذلك البازي، وكذلك كلب الغنم، وكذلك كلب الحائط ". لكن الاشهر رواية وعملا الاول ومن هذه الجهة لم يعمل بالمرسل وخبر ابن حصين عن الرضا عليه السلام المرويين عن تفسير العياشي في تفسير قوله تعالى " وشروه بثمن بخس ". وقيل في كلب الغنم كبش، لخبر أبي بصير المذكور آنفا، والمشهور أنه عشرون درهما، وهو مقتضى رواية ابن فضال المذكور، والانصاف عدم الترجيح ولعل أخذ المشهور برواية ابن فضال من جهة أخذهم بأحد طرفي التخيير، لا من باب الترجيح. والمشهور أيضا أن في كلب الحائط عشرين درهما، ولكن لم يعرف له مدرك يعتمد عليه. وقد يقال المتجه حينئذ ما في خبر السكوني من التقويم الموافق للاصل، لكن يشكل من جهة عدم عمل المشهور بهذا الخبر قي قبال غيره. وما قد يقال من أنه لا مانع من كون خبر واحد معمولا به في بعض مدلوله وغير معمول به في بعض آخر كالعام المخصص محل إشكال، وألاتى أنه إذا أخبر مخبر بخبر يقطع بعدم صدق بعض مضمونه لعله يسقط الخبر عن الاعتبار عند العقلاء بخلاف العام المخصص، هذا مضافا إلى أنه ربما يستفاد من رواية تحف العقول عدم القيمة للاعيان النجسة إلا ما استثني، وإن كان محل الكلام. وفي كلب الزرع قفيز من بر عند المشهور، ولم يعرف مستنده وخبر أبي بصير المذكور ذكر فيه جريب من بر، وعن الازهري أن الجريب أربعه أقفزة.

[ 289 ]

ويمكن أن يكون القفيز في بعض البلدان بمقدار جريب، أن كان الجريب في بعضها بمقدار القفيز، كاختلاف الرطل بحسب مكة الشمرفة والمدينة الطيبة والعراق، وكذا المن بحسب البلدان. والمعروف أنه لا قيمة لما عدا ما ذكر من الكلاب، والزنبيل من تراب المذكور في بعض الاخبار المذكورة كناية عن عدم شئ فيه، وكذا الخنزير. وقيد في المتن بعدم ضمان المسلم، احترازا عن أهل الذمة وغير أهل الذمة، حيث إنهم بحسب مذهبهم يتحقق لهم الضمان في الخنزير، وحيث إنهم يعاملون معه معاملة الغنم، بل لو كان الخنزير للذمي وأتلفه المسلم لعله ضامن لقيمته عند أهل الذمة إذا كان عاملا بشرايط الذمة. (وأما ما يملكه الذمي كالخمر والخنزير فالمتلف يضمن قيمته عند مستحلية، و في الجناية على أطرافه الارش، ويشترط في ضمانه استتار الذمي به. مسائل، الاولى: قيل قضى علي صلوات الله عليه في بعير بين أربعة عقله أحدهم فوقع في بئر فانكسر أن على الشركاء حصته لانه حفظه وضيع الباقون، وهو حكم في واقعة فلا يتعدي، الثانية: في جنين البهيمة عشر قيمتها، في عين الدابة ربع قيمتها، الثالثة: روى الكسوني عن جعفر عن أبيه عن علي صلوات الله عليهم قال كان لا يضمن ما أفسدت البهائم نهارا ويضمن ما أفسدت ليلا والرواية مشهورة غير أن في السكوني ضعفا والاولى اعتبار التقريط ليلا كان الفساد أو نهارا). الظاهر عدم الخلاف في أن ما يملكه الذمي كالخنزير يضمن قيمته عند مستحليه، ويظهر من بعض الكلمات أنه إذا استجمع سائر شروط الذمة التي يحقن بها ماله ودمه، وكأن منشأ الضمان محقونية المال والدم، لكن الاولى التمسك بالاجماع، وإلا يمكن أن يقال إذا كان الكفار مكلفين بالفروع فلا فرق بين المسلم والكافر في حرمة لحم الخنزير عليه وعدم المالية فلا إتلاف للمال حتى يجب الدية أو الضمان. ويدل على الضمان المروي عن أبي عبد الله عليه السلام " ان عليا أمير المؤمنين عليه السلام

[ 290 ]

رفع إليه رجل قتل خنزيرا فضمنه قيمته، ورفع إليه رجل كسر بربطا فأبطله (1) " وفي خبر غياث عن أبي جعفر عليهما السلام " إن عليا عليه السلام ضمن رجلا مسلما أصاب خنزير نصراني " (2). وظاهر ما ذكر عدم الفرق بين صورة العمل بشرائط الذمة وغيرها، إلا أن يقال لعل أهل الكتاب في تلك الاعصار كانوا ملتزمين بشرائط الذمة من جهة بسط أحكام الاسلام وعدم تمكن الكفار المختلطين مع المسلمين من عدم العمل بالشرائط، فلم تكن حاجة إلى التقييد، فتأمل. وإذا كان مثل الخنزير مضمونا بقيمته عند مستحلية فاللازم في الجناية على أطرافه الارش. وأما المسألة الاولى فالرواية المذكورة فيها ما رواه محمد بن قيس في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في أربعة أنفس شركاء في بعير فعقله أحدهم فانطلق البعير يعبث بعقاله، فتردى فانكسر، فقال بعض أصحابه للذي عقله أغرم لنا بعيرنا، قال: فقضى أمير المؤمنين عليه السلام بينهم أن يغرموا له حصته من أجل أنه أوثق حصته فذهب حصتهم بحصته (3) ". والمعروف الحكاية بلفظ الرواية إشعارا بعدم العمل بها، والمحكي عن نكت المصنف - قدس سره - إن صحت هذه الرواية فهي حكاية في واقعة، ولا عموم للوقايع، فلعله عرف فيها ما يقتضي الحكم بذلك مثل أن يعقله ويسلمه إليهم فيفرطوا في الاحتفاظ به ولا يخفى أن حكاية أبي جعفر عليهما السلام قضايا أمير المؤمنين صلوات الله عليه لبيان الحكم، فلا بد من ذكر ماله الدخل في الحكم، فالاولى رد علمها إلى أهلها. وأما ما ذكر في الثانية فيدل على ما فيه من عشر القيمة في جنين البهيمة

[ 291 ]

قوي السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله في جنين البهيمة إذا ضربت فأزلقت عشر ثمنها (1) ". ورواه في التهذيب (2) تارة اخرى هكذا " قال رسول الله صلى الله عليه وآله في جنين البهيمة [ إذا ضربت، خ ل ] فألقت عشر ثمنها ". والمحكي عن السائر الفتوى بمضمونه، مدعيا عليه إجماع أصحابنا وتواتر أخبارنا، والمحكي عن التحرير لزوم أرش ما نقص من الام وتتقوم حاملا وحائلا، ويلزم الجاني بالتفاوت. ويشكل هذا مع دعوى الاجماع في كلام صاحب السرائر، مضافا إلى أن بنائه - قدس سره - عدم العمل إلا بالقطعيات من الاخبار. وعلى ما فيه من ربع القيمة في عين الدابة صحيح ابن اذينة " كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن رواية الحسن البصري يرويها عن علي عليه السلام في عين ذات القوائم الاربع إذا فقئت ربع ثمنها، فقال: صدق الحسن، قد قال علي عليه السلام ذلك " (3). وفي خبر أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا " من فقأ عين دابة فعليه ربع ثمنها (4) ". وفي صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في عين فرس فقئت بربع الثمن يوم فقئت العين (5). هذا ولكن المشهور بين المتأخرين سوى المصنف إطلاق الارش فيها، وعدم العمل بروايات الربع، وفي غير العين من أعضاء الحيوان عملا بالقاعدة، وهو المستفاد من صحيحة أبي ولاد المتعرضة لاكتراء البغلة والمسافرة معها بغير إذن صاحبها. وأما ما ذكر في المسألة الثالثة فهو المشهور بين القدماء، والمستند خبر عبد الله بن مغيرة الذي هو من أصحاب الاجماع السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي صلوات -

[ 292 ]

الله وسلامه عليهم " قال: كان عليه السلام لا يضمن ما أفسدت البهائم نهارا ويقول على صاحب الزرع حفظ زرعه، وكان يضمن ما أفسدت البهائم ليلا (1) " وقال المصنف وجماعة: في الخبر ضعف من جهة السكوني، فالاقرب اعتبار التفريط في موضع الضمان، من غير فرق بين الليل والنهار. واورد عليه بأن الضعف منجبر بما ذكر، على أن خبر السكوني قوي في نفسه، وفي خصوص المقام رواه عنه عبد الله بن المغيرة الذي هو من أصحاب الاجماع. وقد يعتضد بخبر معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث ان داود على نبينا وآله وعليه السلام ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم، فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أن اجمع ولدك، فمن قضى منهم بهذه القضية فأصاب فهو وصيك من بعدك، فجمع ولده فلما أن قص الخصمان قال سليمان على نبينا وآله وعليه السلام يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا على كرمك؟ قال دخلت ليلا، قال قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا، قال: كيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوم ذلك علماء بني إسرائيل، وكان ثمن الكرم قيمة الغنم، فقال سليمان: إن الكرم لم يجتث من أصله، وإنما اكل حمله وهو عايد في قابل، فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام ان القضاء في هذه القضية ما قضى به سليمان (2) ". وبخبر هارون بن حمزة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البقر والغنم والابل تكون في المرعى فتفسد شيئا، هل عليها ضمان؟ فقال: إن أفسدت نهارا فليس عليها ضمان من أجل أن أصحابه يحفظونه، وإن أفسدت ليلا كان عليها ضمان (3) ". واعتضد أيضا بغير ما ذكر من الاخبار، وقيل: الانصاف عدم صلاحية النصوص المزبورة التي منها قضية في واقعة للخروج عن القواعد المحكمة، فالتحقيق حملها على كون ذلك مثالا للتفريط. ويمكن أن يقال: إن كان البناء على العمل بخبر السكوني القوي في كلمات

[ 293 ]

العلماء المنجبر بما ذكر فلا كلام، وإلا فلقائل أن يقول: ما الدليل على ضمان ما أفسده الدابة ليلا أو نهارا، فإن منشأ الضمان إما الاتلاف، أو اليد وفي المقام إن كان ضمان فهو من جهة الاتلاف، فان كان الافساد الناشي من جهة الدابة بإرسال صاحبها إلى طرف مثل الزرع فالظاهر صدق الاتلاف من طرف صاحب الدابة، وأما مع عدم الارسال فكيف ينسب الاتلاف إلى صاحب الدابة. وما يترائى من ملامة صاحب الدابة من جهة عدم ربط دابته وحبسها في محلها تتوجه إلى صاحب الزرع أيضا من جهة عدم حفظه، وما ما في الاخبار من حكم سليمان على نبينا وآله وعليه السلام في المخاصمة المذكورة فالظاهر عدم الالتزام بمضمونه، وإلا لزم الحكم برد أولاد الغنم وأصوافها إلى صاحب الكرم. (الثالث في كفارة القتل، تجب كفارة الجمع بقتل العمد، والمرتبة بقتل الخطأ مع المباشرة دون التسبيب، فلو طرح حجرا في ملك غيره أو سابلة فهلك به عاثر ضمن الدية، ولا كفارة، وتجب بقتل المسلم، ذكرا كان أو انثى صبيا أو مجنونا، حرا أو عبدا ولو كان ملك القاتل، وكذا تجب بقتل الجنين إن ولجته الروح، ولا تجب قبل ذلك، ولا تجب بقتل الكافر ذميا كان أو معاهدا، ولو قتل المسلم مثله في دار الحرب عالما لا للضرورة فعليه القود والكفارة، ولو ظنه حربيا فلادية وعليه الكفارة). أما وجوب كفارة الجمع بقتل العمد فالظاهر عدم وجدان الخلاف فيه، ويدل عليه النصوص منها صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " سئل عن المؤمن يقتل عمدا هل له توبة؟ فقال: إن كان قتله لا يمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو سبب من أسباب الدنيا فإن توبته أن يقاد منه، وإن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه ولم يقتلوه أعطاهم الدية وأعتق نسمة، وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكينا توبة إلى الله عزوجل " (1). وأما وجوب المرتبة بقتل الخطأ وشبه العمد فلتطابق الكتاب والسنة عليه،

[ 294 ]

وإن لم يذكر خصوص الاطعام في الكتاب، قد سبق الكلام في كتاب الكفارات، وقد صرح جماعة بأن وجوب الكفارة في قتل العمد والخطأ مع كون القتل بالمباشرة لا مع التسبيب فلو طرح حجرا أو حفر بئرا أو نصب سكينا في غير ملكه فعثر عاثر فهلك بها ضمن الدية دون الكفارة، وذلك لعدم صدق نسبة القتل في التسبيب إلى المسبب وإنما يثبث الضمان فيه من جهة النصوص، فلا يكون مشمولا لما دل على وجوب الكفارة. والشاهد عليه التفرقة بين ما لو كان مثل طرح الحجر أو حفر البئر في ملكه و بين ما لو كان في غير ملكه، فلو كان النسبة صادقة في الثاني لكانت صادقة في الاول أيضا، فالحكم بالضمان من جهة حكم الشرع والعرف أيضا يساعده، لا من جهة صدق النسبة. وأما ما ذكر من تعميم المقتول فلعموم الدليل، ويدل عليه الوجوب بقتل المولى عبده مضافا إلى العموم خصوص قول الصادق عليه السلام على المحكي " من قتل عبده متعمدا فعليه أن يعتق رقبه، ويطعم ستين مسكينا، ويصوم شهرين متتابعين " (1). ونحوه الموثقان أو الحسنان " عن رجل قتل مملوكه متعمدا قال: يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين " (2). والمحكي عن كفارات النهاية والتهذيب استحباب الجمع لقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح الحلبي للجاني أن يعتق الرقبة، ويصوم شهرين متتابعين، ويطعم ستين مسكينا، ثم تكون التوبة بعد ذلك (3). وقوله في خبر المعلى وأبي بصير على المحكي " من قتل عبده متعمدا فعليه أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا " (4).

[ 295 ]

واجيب بإمكان رجوع الفضل في الاول إلى الترتيب بين الكفارة والتوبة بتقديم الاولى على الثانية، لا إلى أصل الكفارة وإمكان حمل أو في الثاني على معنى الواو وإرادة التفضيل منهما لا التخيير. ويمكن أن يقال: ما ذكر في الاول من إمكان رجوع الفضل إلى الترتيب لا إشكال فيه، ولازم هذا إجمال الرواية، والمرجع العموم، لكن يتوجه الاشكال من جهة أن هذا ينافي وجوب التوبة فورا، وبعد ما كان حقيقة التوبة الندم لا مانع من كون التوبة مع الكفارة بلا تأخير. وأما ما ذكر من حمل أو على معنى الواو فهو خلاف الظاهر، لا يصار إليه إلا مع الدليل، وهذا الظهور مقدم على ظهور العام، فلا مانع من التخصيص، ولا معارضة للعام حتى يقال: هذا لا يقاوم العام، إلا أن يستشكل من جهة السند. وما ذكر من التعميم بالنسبة إلى الصبي والمجنون المحكوم بإسلامهما لاإشكال فيه بالنسبة إلى الصبي التابع لاشرف أبويه في الاسلام، وأما المجنون البالغ فمع الاشكال في تبعيته لابويه يشكل الحكم بكونه بمنزلة المسلم. ولا يجب الكفارة بقتل الكافر بلا خلاف ظاهرا، ويكفي البرائة الاصلية. ولو قتل مسلما في دار الحرب عمدا مع العلم بإسلامه ولا ضرورة فعليه القود والكفارة مع عدم القصاص لا مع القصاص كما هو مبين في محله ولو ظنه حربيا فلا قصاص، بلا خلاف ظاهرا، ولا إشكال، ولادية عن الاكثر، وعليه الكفارة، أما وجوب الكفارة فلعموم الدليل وخصوص قوله تعالى " وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " بناء على أن المراد وإذا كان المقتول مؤمنا وهو في قوم بينكم وبينهم عداوة فعليكم الكفارة. وقد يقال: ان ظاهر اقتصارها على ذلك بعد قوله سابقا " ومن قتل مؤمنا خطأ فدية مسلمة إلى أهله " ولا حقا " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلي أهله وتحرير رقبة مؤمنة " عدم الدية أيضا، وإلا لم يظهر وجه للتفصيل بين المؤمن في قوم عدو وفي قوم بينكم وبينهم ميثاق، وبين مطلق المؤمن، وحينئذ

[ 296 ]

تكون الآية دالة على عدم وجوبها ولو بحسب السياق كما عن الاكثر، وبه يخصص ويقيد إطلاق ما دل على وجوب الدية للنفس المؤمنة، بناء على شموله لمثل الفرض، ويمكن أن يقال: ما دل على أنه لا يطل دم المسلم آب عن التخصيص، فيشكل رفع اليد عن عموم ما دل على وجوب الدية بمجرد عدم الذكر، واستبعاد كون المؤمن بين أعداء المؤمنين من موجبات كون دمه هدرا لا قيمة له. (الرابع في العاقلة، والنظر في المحل، وكيفية التقسيط، واللواحق، أما المحل فالعصبة والمعتق وضامن الجريرة والامام، والعصبة من تقرب إلى الميت بالابوين أو بالاب، كالاخوة وأولادهم، والعمومة وأولادهم، والاجداد وإن علوا، وقيل: هم الذين يرثون القاتل ديته لو قتل، والاول أظهر). الظاهر أن المراد من المحل محل الواجب من الديات أي من يجب عليه أدائها، فالمشهور أن المحل العصبة والمعتق وضامن الجريرة والامام مترتبين، والمشهور أيضا أن العصبة من تقرب إلى الميت بالابوين أو بالاب كإلاخوة وأودلاهم و العمومة وأولادهم والاجداد وإن علوا، فيخرج الاب والاولاد والظاهر أن العصبة المذكورة في المقام هي المذكورة في كتاب الميراث، والقائلون بالتعصيب قائلون بوراثتهم بخلاف الامامية المنكرين لوراثتهم، وما ذكر من أن المشهور حصر محل الواجب في ما ذكر وجهه أنه قد يستفاد من بعض الاخبار عدم الحصر في ما ذكر أعني خبر سلمة بن كهيل في قاتل اتي به أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، فذكر أنه من أهل الموصل، فأرسله إليها، وكتب إلى عامله بها فيما كتب " فإن كان من أهل الموصل ممن ولدبها وأصبت له بها قرابة من المسلمين فاجمعهم إليك، ثم انظر فإن كان منهم رجل يرثه له سهم في الكتاب لا يحجبه عن ميراثه أحده من قرابته فألزمه الدية، وخذه بها نجوما في ثلاث سنين، وإن لم يكن له من قرابته أحد له سهم في الكتاب وكانوا قرابته سواء في النسب وكان له قرابة من قبل أبيه وامه في النسب سواء ففض الدية على قرابته من قبل أبيه وعلى قرابته من قبل امه من الرجال المدركين

[ 297 ]

المسلمين، ثم اجعل على قرابته من قبل أبيه ثلث الدية، واجعل على قرابته من قبل امه ثلثي الدية، و إن لم يكن له قرابة من قبل أبيه ففض الدية على قرابته من قبل امه من الرجال المدركين، ثم خذهم بها واستأدهم الدية في ثلاث سنين وفي الكتاب، وإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه ولا قرابة من قبل امه ففض الدية على أهل الموصل ممن ولد بها ونشأ، ولا تدخلن فيهم غيرهم من أهل البلد ثم استأد ذلك منهم في ثلاث سنين في كل سنة نجما حتى تستوفيه إن شاء الله، فإن لم يكن لفلان ابن فلان قرابة من أهل الموصل ولم يكن من أهلها وكان مبطلا في دعواه فرده إلي مع رسولي فلان بن فلان فأنا وليه والمؤدي عنه، ولا يبطل [ لا يطل، خ ل ] دم امرء مسلم (1) ". فان هذه الرواية مشتملة على غرامة أهل البلد، مع أنهم خارجون مما ذكر، وضعفت الرواية سندا (2) ومن جهة اشتمالها على ما لا يلتزمون به. والقول الآخر في العصبة انهم الذين يرثون دية القاتل لو قتل، وذكر المصنف - قدس سره - في الشرايع في هذا الاطلاق وهم، فان الدية يرثه الذكور والاناث والزوج و الزوجة ومن يتقرب بالام على أحد القولين ويختص بها الاقرب فالاقرب كما تورث الاموال وليس كذلك العقل فإنه يختص به الذكور من العصبة، دون من يتقرب بالام ودون الزوج والزوجة. (ومن الاصحاب من يشرك بين من تقرب بالام مع من يتقرب بالاب والام أو بالاب، وهو استناد إلى رواية سلمة بن كهيل، وفيه ضعف، ويدخل الآباء والاولاد في العقل على الاشبه، ولا يشركهم القاتل، ولا تعقل المراة ولا الصبي ولا المجنون وإن ورثوا من الدية، ويحتمل العاقلة دية الموضحة فما فوقها اتفاقا منا، وفي ما دون

[ 298 ]

الموضحة قولان، المروي أنها لاتحمله، غير أن في الرواية ضعفا، وإذا لم تكن عاقلة من قومه ولا ضامن جريرة ضمن الامام عليه السلام جنايته). استدل لدخول الآباء والاولاد في العقل بكونهم أدنى المفسر به العصبة، بل هو صريح بعض أهل اللغة وغيرهم، كما أنه صريح خبر سلمة بن كهيل المنجبر هنا بما عرفت. ويمكن أن يقال: أما التفسير من بعض أهل اللغة وغيرهم فكيف يعتد به مع أن المشهور أن العصبة من يتقرب إلى الميت بالابوين أو الاب. وأما خبر سملة فمع ضعف اسند واشتماله على مالا يلتزم به من تغريم أهل البلد مع فقدان الاقارب مضافا إلى أن القائلين بدخول الآباء والاولاد في العصبة لم يظهر استنادهم إلى الخبر المذكور حتى يكون جابرا له من بعض مضمونه، فكيف يكون دليلا على المدعى. والمنقول عن المبسوط والخلاف عدم دخولهم في العصبة، واحتج عليه في الخلاف بالاجماع، وبعدم الدليل على اعتبارها، وبأصل البراءة، وبالروايتين عاميتين إحداهما أنه قال صلى الله عليه وآله: " لا يؤخذ الرجل بجريرة ابنه ولا الا بن بجريرة أبيه ". وفي اخرى امرأتين من هذيل اقتتلا فقتلت إحداهما الاخرى ولكل زوج وولد، فبرأ رسول الله صلى الله عليه وآله الزوج والولد، وجعل الدية على العاقلة (1). واجيب بمنع دعوى الاجماع، كيف وهو في النهاية مخالف، ولو سلم عدم الدليل لما وجب عدم المدلول، والحديثان من غير طرقنا، ويحمل الاول على العمد، والثاني على أن الولد أنثى. وقد يقرب عدم دخول الآباء والاولاد من جهة الاصل، حيث إن مقتضى الاصل براءة ذمة الآباء الاولاد عن الدية. ويمكن أن يقال إن كانت الدية توزع على من دخل في العصبة فذمة خصوص

[ 299 ]

المتقربين من طرف الابوين أو الأب مبرئه بالنسبة إلى مقدار من الدية لو كان الآباء والاولاد داخلين في العصبة، وإن كانوا خارجين عن العصبة كان علهيم، فلكل من الطرفين الامتناع من تأدية ذلك المقدار تمسكا بالبراءة، والمعروف أن العلم الاجمالي بين مكلفين لا يكون منجزا، وعلى هذا فلا يتوجه الاشكال في الاصل من جهة اقتضاء التمسك به شغل ذمة اخرى، إلا أن يقال بتعارض الاصلين بالنسبة إلى المكلفين كتعارضهما بالنسبة إلى ملكف واحد وهذا خلاف المعروف. وما ذكر من حمل الخبر الاول على العمد والثاني على كون الولد انثى لم يظهر وجهه، مع عدم الدليل على التقييد، نعم الخدشة من جهة السند لها وجه. وأما عدم شركة القاتل فوجهه واضح، حيث إن الدية إذا كانت على العاقلة فالقاتل خارج. وأما عدم عقل المراة والصبي والمجنون فادعي عدم وجدان الخلاف فيه لامن جهة عدم الدخول في العصبة، بل للشك في إرادة ما ذكر من الاطلاق ولا يخفى الاشكال فيه، إن لم يكن إجماع في البين. وأما حمل العاقلة دية الموضحة فما فوقها، فادعي الاتفاق عليه ويكفي عموم الادلة، وفي ما دون الموضحة قولان، والمروي عن الباقر عليه السلام (1) عدم الحمل قال " قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن لا يحمل على العاقلة إلا الموضحة فصاعدا وما دون السمحاق أجر الطبيب سوى الدية ". وضعف السند من جهة ابن فضال الفطحي، واستشكل بأن الخبر موثق فلا مانع من الاخذ به. وأما ضمان الامام عليه الصلوة والسلام مع عدم العاقلة وضامن جريرة فلمرسل يونس (2) عن أحدهما عليهما السلام فان لم تكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال. واستظهر إرادة بيت المال للمسلمين، كما عن جماعة التصريح به.

[ 300 ]

وخبر أبي ولاد (1) ففيه قول الصادق عليه السلام على المحكي في من قتل ولا ولي له سوى الامام عليه السلام إنه ليس له العفو، بل إنما له القتل أو أخذ الدية، وجعلها في بيت مال المسلمين، لان جنايته عليه وكذا ديته. وأما وجه التأخر عن ضمان ضامن الجريرة فلما ثبت في كتاب المواريث من الترتب في إرث المعتق، وضامن الجريرة، والامام عليه الصلوة والسلام فيعقلون حينئذ كذلك. وفي الصحيح (2) " من مات وليس له وارث من قرابته ولا مولى عتاقه أو من ضمن جريرته فماله من الانفال " وفي آخر (3) " السائبة التي لاولاء لاحد عليها إلا الله تعالى فما كان ولائه لله سبحانه وتعالى فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله فإن ولائه للامام، وجنايته على الامام، وميراثه للامام ". (وجناية الذمي في ماله وإن كانت خطأ فان لم يكن له مال فعاقلته الامام لانه يؤدي إليه ضريبته ولا يعقله قومه، وأما كيفية التقسيط فقد تردد فيه الشيخ، والوجه وقوفه على رأي الامام، أو من نصبه للحكومة بحسب ما يراه من أحوال العاقلة ويبدأ بالتقسيط على الاقرب فالاقرب ويؤجلها عليهم على ما سلف). أما كون جناية الذمي في ماله وإن كانت خطأ ومع عدم المال على الامام عليه السلام فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه صحيح أبي ولاد عن أبي عبد الله عليه السلام " ليس بين أهل الذمة معاقلة فيما يجنون من قتل أو جراحة إنما يوخذ ذلك من أموالهم، فإن لم يكن لهم مال رجعت الجناية على إمام المسلمين، لانهم يؤدون إليه الجزية كما يؤدي العبد الضريبة إلى سيده، قال: وهم مماليك للامام عليه السلام،

[ 301 ]

فمن أسلم منهم فهو حر (1) ". وأما كيفية التقسيط ففيها قولان: أحدهما للشيخ وهو على الغني عشرة قراريط، أي نصف دينار، وعلى المتوسط الفقير بالنسبة إلى الغني خمسة قراريط، أي ربع دينار، اقتصارا على المتيقن، والقول الآخر يقسطها الامام عليه السلام أو نائبه الخاص أو العام على ما يراه بحسب أحوال العاقلة. ويمكن أن يقال إن بني على كون الادلة في المقام في مقام البيان كما هو الظاهر فمقتضى الاطلاق التسوية، كما لو وقف على الاقارب أو على الجيران، أو أوصى لهم من غير فرق بينهم، وإن بني على الاهمال فلا بد من الاحتياط إن أمكن. لكن هذا بعيد جدا، خصوصا مع رعاية بعض الخصوصيات في بعض الاخبار، وذكر مدة التأدية والتأجيل فيها، وعلى هذا لم يظهر وجه للتقسيط على الاقرب فالاقرب. نعم في خبر سلمة بن كهيل قدم بعض على بعض، لكن لا من جهة الاقربية، و بعد تضعيفه من جهه السند وعدم الجابر له واشتماله على مالا يقولون به كيف يؤخذ بمضمونه. (وأما اللواحق فمسائل: الاولى لو قتل الاب ولده عمدا دفعت الدية منه إلى الوارث، ولا نصيب للاب منها، ولو لم يكن وارث فهي للامام، ولو قتله خطأ فالدية على العاقلة ويرثها الوارث، وفي توريث الاب منها قولان: أشبههما أنه لا يرث ولو لم يكن وارث سوى العاقلة فإن قلنا إن الاب لا يرث فلا دية، وإن قلنا يرث ففي أخذ الدية من العاقلة تردد، الثانية لا تعقل العاقلة عمدا ولا إقرارا ولا صلحا ولا جناية الانسان على نفسه، ولا يعقل المولى عبدا قنا أو مدبرا أو ام ولد على الاظهر، الثالثة لا تعقل العاقلة بهيمة ولا إتلاف مال، يختص ضمانها بالجناية على الآدمي فحسب).

[ 302 ]

لو قتل الاب ولده عمدا فلا قصاص، ولا يقتل الاب بسببه، بل يؤخذ منه الدية أما عدم القصاص فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه قول أحدهما عليهما السلام على المحكي في خبر حمران (1) " لا يقاد والد بولده، ويقتل الولد إذا قتل والده عمدا ". وقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر الفضيل بن يسار (2) " لا يقاد الرجل بولده إذا قتله ويقتل الولد إذا قتل والده ". كقوله عليه السلام أيضا في الآخر على المحكي " لا يقتل الوالد بولده، ويقتل الولد بوالده، الحديث " (3). ودفعت الدية منه إلى الوارث ولا نصيب للاب منها، لما سبق في كتاب الميراث من ممنوعية القاتل من إرث المقتول ولو لم يكن وارث فديته للامام عليه السلام لانه وراث من لا وارث له. ولو قتل الوالد ولده خطأ فالدية على العاقلة، ويرث الدية الوارث كساير الموارد، وفي توريث الاب قولان الاشبه عند المصنف أنه لا يرث، وإن قلنا في باب الارث إن القتل خطأ لايمنع الارث، كما هو الاشهر رواية وفتوى، للصحيحين (4) في من قتل امه إن كان خطأ ورثها وإن كان عمدا لم يرثها. مع عموم الكتاب والسنة وذلك للنبوي الصريح (5) المروي عن محكي الخلاف، مستدلا به بعد الاجماع " ترث المرأة من مال زوجها وديته، ويرث الرجل من مالها وديتها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا فلا يرث من ماله ولا من ديته، وإن قتله خطأ ورث من ماله، ولا يرث من ديته ". وللمناقشة مجال لامكان اختصاص الحكم بالزوج والزوجة لالحوق الاب في الحكم بمن قتل امه خطأ، حيث حكم في الصحيحين المشار إليهما بالوارثة، بلا فرق بين الدية وغيرها، فالمسألة محتاجة إلى التأمل.

[ 303 ]

ولو لم يكن وارث سوى العاقلة والاب ففي المتن فإن قلنا إن الاب لا يرث فلا دية له، وحيث إن عدم وراثة الاب لا يوجب عدم الدية فالدية ترجع إلى الامام عليه الصلوة والسلام، ولا يطل دم مسلم، ومع وراثة الاب في المال الدية وغيرها يرث الدية ومع المنع في خصوص الدية يرث الامام صلوات الله عليه الدية. وقد يذكر في وجه التردد في المتن من أن الاب هو الجاني ولا يعقل ضمان الغير له جناية جناها. والعاقل إنما يضمن جنايته للغير، ومن إطلاق مادل على وجوب الدية على العاقلة للورثه، والاب منهم، فيرث لوجود السبب وانتفاء المانع وتنظر فيه بمنع الاطلاق بحيث يشمل محل الفرض، لندرته، ودم تبادره، فيختص بغيره مما هو الغالب، فيرجع حينئذ إلى مقتضى الاصل من لزوم الدية على الجاني دون غيره. ثم في دعوى كون الاب هنا من الورثة بقول مطلق نظر، أما على القول بعدم إرثه مطلقا فظاهر، وكذا على القول بعدم إرثه من الدية خاصة، إذ هو بالنسبة إليها ليس من الورثة، وأما على القول بارثه منها فحسن، إن سلم منه ذلك كليا أو كان كذلك، وإلا فالدعوى من دنهما أو أحدهما مصادرة، وتسليم كونه وارثا فيما كان له ورثة غير العاقلة كالام والبنت مثلا لا يستلزم تسليم كونه وارثا هنا، فتأمل جيدا. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من عدم معقولية ضمان الغير له جناية جناها ففيه أن المضمون له في الحقيقة المقتول خطا، والاب يرثه، فلا وجه لعدم المعقولية، كما لو أتلف الوالد مال ولده فمات الولد، فالوالد ضامن للوالد أولا، وهو المضمون له، ويرث المال المضمون. ثم كيف يجتمع عدم المعقولية مع انحصار الوارث فيه مع المعقولية مع عدم الانحصار، ومع عدم المعقولية كيف يتصور إطلاق حتى منع من جهة الندرة وعدم التبادر، ومع المعقولية ووجود الاطلاق الندرة بحسب الوجود لا يوجب انصراف المطلق إلى الغالب، كما لا يخفى، ولعل لما ذكر أمر بالتأمل.

[ 304 ]

وأما عدم عقل العاقلة عمدا ولا إقرارا ولا صلحا فيدل عليه النبوي " لا تحمل العاقلة عمدا ولا اعترافا " (1). وعن أمير المؤمنين عليه السلام " لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا " (2) وفي خبر السكوني عنه أيضا " لا تضمن العاقلة عمدا ولا إقرارا ولاصلحا " (3). وفي خبر زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام لا تعقل العاقلة إلا ما قامت عليه البينة، قال: وأتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصة، ولم يجعل على العاقلة شيئا (4). ورواه في الفقيه (5) عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه. والظاهر أن المراد أنه لوثبت القتل بالاقرار أو صالح المنسوب إليه القتل بحيث يكون القتل مع قطع النظر عن الاقرار مشكوكا فيه، وبعبارة اخرى قد يحصل من الاقرار القطع بوقوع القتل بفعل المقر، واخرى لا يحصل القطع وإنما يحكم عليه بكونه قاتلا من جهة إقراره بدون حصول القطع، ففي الصورتين يكون المقر محكوما بكونه قاتلا، لكن في الصورة الثانية مشمول للاخبار المذكورة، وأما الصورة الاولى وإن كانت المحكومية من جهة الاقرار لكن الاقرار صار سببا للقطع بكونه قاتلا، كما لو حصل القطع من أمارات اخرى غير البينة والاقرار. فعدم توجه الضمان إلى العاقلة والشمول للاخبار المذكورة محل إشكال. إلا أن يقال: لما كان الاقرار موجبا للقطع غالبا لبعد إقدام العاقل على ما يضره ولعله من هذه الجهة يكون الاقرار عند العقلاء حجة، مع قطع النظر عن حكم الشرع، ويرشد إلى هذا ما في خبر زيد بن علي عليه السلام من قوله على المحكي " وأتاه رجل فاعترف

[ 305 ]

عنده فجعله في ماله خاصة " فلو خرج صورة حصول القطع لزم حمل النص على غير الغالب وهو بعيد، وكذا الكلام في صورة الصلح على الدية. وأما صورة جناية الانسان على نفسه فالظاهر فيها عدم الخلاف في عدم ضمان أحد للجناية، وعلل بالاصل، والحكم بعدم الضمان كأنه من المسلمات. وأما عدم عقل المولى جناية العبد من غير فرق بين القن والمدبر وام ولد على الاظهر في الاخيرة، فللنصوص الصريحة المستفاد منها أن جناية العبد عمدا أو خطأ في رقبته، المعتضدة بالشهرة، منها خبر ابن مسكان عن الصادق عليه السلام " إذا قتل العبد الحر فدفع إلى أولياء الحر فلا شئ على مواليه " (1). ومنها رواية إبراهيم قال: قال على المولى قيمة العبد، وليس عليه أكثر من ذلك (2). ومنها رواية يحيى ورواية مثنى ورواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام " في العبد إذا قتل الحر دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاووا قتلوه وإن شاؤوا استرقوه " (3). ومنها مرسلة أبان بن تغلب عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا قتل العبد الحر دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤواه حبسوه يكون عبدا لهم، وان شاؤوا استرقوه " (4). وخالف الشيخ - قدس سره - في أحد قوليه في ام الولد فيعقلها مولاها، وأمكن الاستناد: بمفهوم التعليل في الصحيح المتقدم في عاقلة الذمي أنه الامام عليه السلام لانه يؤدى إليه الجزية، كما يؤدي إلى سيده الضريبة، لكن المشهور الاخذ بمضمون الاخبار المذكورة، ومع حجية الصحيح المذكور والعمل به بالنسبة إلى بعض مضمونه يشكل طرح بالنسبة إلى بعضه الآخر، ومع الاخذ به لافرق بين المدبر وغيره.

[ 306 ]

وأما عدم عقل العاقلة للانسان جناية بهيمة له على إنسان وإن كانت جنايتها مضمونة عليه على تقدير تفريطه في حفظها وعدم عقلها إتلاف ذلك الانسان مال أحد، واختصاص ضمان العاقلة بالجناية ممن تعقل عنه على الآدمي فحسب فلا خلاف فيه ظاهرا، للاصل واختصاص ما دل على ضمان العاقلة بجناية الآدمي على مثله خطأ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله المعصومين المطهرين.

[ 309 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين (كتاب الشفعة وهي استحقاق حصة الشريك لانتقالها بالبيع، والنظر فيه يستدعي بيان امور: الاول ما تثبت فيه وتثبت في الارضين والمساكن إجماعا، وهل تثبت فيما ينقل كالثياب والامتعة، فيه قولان، والاشبه الاقتصار على موضع الاجماع، وتثبت في الشجر والنخل والابنية تبعا للارض، وفي ثبوتها في الحيوان قولان، المروي أنها لا تثبت، ومن فقهائنا من أثبتها في العبد دون غيره). قد عرفت الشفعة في كلمات بعض الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم بأنها استحقاق الشريك المخصوص على المشتري تسليم المبيع بمثل ما بذل فيه أو قيمته. وفي كلمات بعض آخر بما يقرب منه، والامر سهل، حيث إن النظر إلى الاشارة إلى ما هو الموضوع للاحكام المذكورة، ولا وجه للتوجه إلى عدم الطرد، ثم نقول كما في المتن: لا إشكال ولا خلاف ظاهرا في ثبوت الشفعة في الارضين والمساكن. ويدل عليه رواية عقبة (1) بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشريكين في الارضين والمساكن، وقال: لا ضرر ولا إضرار، وقال إذا أرفت الارف وحدت الحدود فلاشفعة ".

[ 310 ]

والمرسل في الكافي " إن الشفعة لا تكون إلا في الارضين والدور فقط ". وعموم مثل صحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " انه قال في المملوك بين شركاء فيبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه أنا أحق به، أله ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحدا، وقيل له: في الحيوان شفعة؟ فقال: لا ". ولا بد من رجوع ضمير كان إلى أحد بمعنى كونه واحدا في الشركة، حيث اعتبر في الشفعة كون المال مشتركا بين اثنين لا أزيد. وأما ثبوتها فيما ينقل كالثياب، والامتعة ففيه قولان، فالمحكي عن جماعة من الاعلام ثبوتها فيما ينقل، ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة (3) عن الصادق عليه السلام " سألته عن الشفعة لمن هي، وفي أي شي؟ هي، ولمن تصلح، وهل يكون في الحيوان شفعة وكيف هي؟ فقال: الشفعة جائزة في كل شئ ". وفي الفقيه " واجبة في كل شئ من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشئ بين الشريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره، وإن زاد على اثنين فلا شفعة لا حد منهم ". وما رواه في الفقيه باسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الله بن سنان " سألته عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه، قال يبيعه، قلت فانهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه، فما أقدم على البيع قال له الشريك أعطني، قال هو احق به، ثم قال عليه السلام لا شفعة في الحيوان إلا أن يكون الشريك واحدا (5) ". وصحيح ابن سنان " قلت لابي عبد الله عليه السلام: المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه فقال أحدهم أنا أحق به، أله ذلك؟ قال نعم إذا كان واحدا (6) ". وصحيح الحلبي (7) في التهذيب وحسنه كالصحيح في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام

[ 311 ]

أيضا " انه قال في المملوك بين شركاء يبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه أنا أحق به، أله ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحدا، قيل له: في الحيوان شفعة؟ قال: لا ". بعد حمل " لا " على إرادة نفيها في الحيوان إذا لم يكن الشريك واحدا، هذا مع انجبار ضعف السند إذا كان في بعض الاخبار ضعف بالشهرة، وهذه الاخبار مخالفة للعامة. وفي قبال ما ذكر من الاخبار أخبار، منها خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا شفعة في سفينة، ولا في نهر، ولا في طريق، ولا في رحى ولافي حمام ". وخبر سليمان بن خالد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام ليس في الحيوان شفعة. والمرسل في الكافي (3) " إن الشفعة لا تكون إلا في الارضين والدور فقط ". وقد يستدل أيضا بأخبار اخر، مثل قول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر عبد الله بن سنان " لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما (4) ". وقوله على المحكي في خبر السكوني " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم (5) ". وقول أحدهما عليهما السلام على المحكي في المرسل " الشفعة لكل شريك لم يقاسم " (6) ولا يخفى الاشكال فيه حيث إنه لا يستفاد منها إلا ما يستفاد من ذيل ما في خبر عقبة بن خالد المذكور من قوله عليه الصلوة والسلام على المحكي " إذا أرفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة (7) ". وبعبارة اخرى فرق بين اشتراط ما فيه الشفعة بكونه مما لم ينقسم وبين منع الانقسام من ثبوت الشفعة، فعلى الاول لا بد من القابلية، بخلاف الثاني، ومع الشك يرجع إلى مثل صحيح ابن سنان المذكور.

[ 312 ]

وأما الاخبار المذكورة النافية فمع حجيتها من جهة أخذ المتأخرين بمضمونها لا تكون نافية للشفعة في كل ما ينقل إلا المرسل في الكافي، ولم يعمل المشهور بمضمونه حيث إنه ينفي الشفعة في غير الارضين والدور بنحو لا يقبل التخصيص، والمشهور ثبوتها في غير الدود والارضين مما لا ينقل. نعم في بعض كتب الشافعية ان الاصل في عدم ثبوتها في المنقول حديث جابر إن النبي صلى الله عليه وآله قضى بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وطرقت الطرق فلا شفعة ورواه البخاري: إنما الشفعة - الخ. وعن الشيخ الاستدلال بهذه النصوص على الاختصاص، مضافا إلى خبر جابر منها لا شفعة إلا في ربع أو حائط، ومع المعارضة مع الاخبار السابقة لعل الترجيح مع الاخبار السابقة ومع منع الترجيح وعدم إمكان الجمع الدلالي لا بد من التخيير وقد يقال التحقيق حينئذ الاقتصار على المتيقن فيما خالف الاصول العقلية والنقلية وهو الاخذ في غير المنقول وقد عبر في الشرايع بالاقتصار في التسلط على مال المسلم بموضوع الاجماع. ويمكن أن يقال: بعد ملاحظة الاخبار المثبتة للشفعة وحجيتها ولو من جهة التخيير ما المانع من الاخذ بالشفعة، بل مع الاخذ كيف يرد المأخوذ بالشفعة إلى المشتري. وأما ثبوت الشفعة في النخل والشجر والابنية تبعا فهو المعروف بل ادعي عدم وجدان الخلاف فيه، فإن تم الاجماع فلا كلام، وإلا فمجرد التبعية المذكورة في كلماتهم في مقام الاستدلال لا يوجب ثبوت الشفعة، بناء على المنع من ثبوتها في غير الارضين والمساكن. ألا ترى أن المعروف حرمان الزوجة من الارض في الوراثة ولا تكون محرومة من الاشجار، بل تقوم وترث من القيمة، ولعله لهذه الجهة قال المحقق الاردبيلي

[ 313 ]

قدس سره - في شرح الارشاد ثبوتها في المذكورات تبعا للارض التي هي فيها غير بعيد، لحكم العرف بالتبعية، فإنها كالجزء ولم يفت بنحو الجزم، بل التعبير بعدم البعد وعدم الخلاف في المسألة مع ذهاب جماعة من القدماء بثبوت الشفعة بلا تخصيص بالارضين والمساكن لعله لا يلازم الاجماع، نظير دعوى الاجماع في عدم لزوم الملكية في المعاطاة مع ذهاب جماعة إلى أن المعاطاة تفيد إباحة التصرف. وأما الحيوان ففي ثبوت الشفعة فيه قولان على ما في المتن، لكن في الشرايع ذكر ثبوت الشفعة في خصوص العبد دون غيره من الحيوان عن بعض، وكيف كان يمكن استفادة ثبوتها من بعض الاخبار السابقة الدالة على ثبوت الشفعة فيما ينقل، ومن لم يأخذ بها وقدم الاخبار الدالة على اختصاص الشفعة بغير المنقول بل مثل الارضين والمساكن ينفي الشفعة في العبد وغيره. (ولا تثبت فيما لا ينقسم كالعضايد والحمامات والنهر والطريق الضيق على الاشبه، ويشترط انتقاله بالبيع فلا تثبت لو انتقل بهبة أو صلح أو صداق أو صدقة أو إقرار، ولو كان الوقف مشاعا مع طلق فباع صاحب الطلق لم تثبت للموقوف عليه، وقال المرتضى تثبت، وهو الاشبه). استدل على عدم ثبوت الشفعة فيما ذكر مضافا إلى الاصل المذكور بالنصوص المشتملة على نفيها في النهر والطريق والرحى والحمام، بعد التقييد بغير القابل للقسمة إن لم يكن ذكل هو المنساق منه. ويمكن أن يقال: إن اخذ بالاخبار المذكورة في قبال مادل على ثبوت الشفعة في كل شئ من المنقول وغيره فلاوجه للتقييد المذكور إلا الاجماع، وكيف يمكن تحصيل الاجماع في مثل هذه المسائل وعن الخلاف الاستدلال بخبر جابر (1) الخبر العامي عن النبي صلى الله عليه وآله " إنما جعلت الشفعة فيما لم يقسم " باعتبار أن " لم " تدخل إلا على ما يمكن قمسته ويصح اتصافه بها ولو وقتا، ولهذا يصح أن يقال: السيف لا يقسم، ولا يقال: لم يقسم، فالنفي

[ 314 ]

بها حينئذ بمعنى عدم الملكية لا بمعنى السلب. قلت: قد عرفت الاشكال في استفادة ما ذكر من مثل هذه الاخبار، بل المستفاد مانعية التقسم من ثبوت الشفعة ويكفي ثبوت المنع في بعض الموارد. ثم إنه على فرض الشرطية واعتبار القابلية لا يلزم القابلية في شخص المبيع، بل يمكن الاشتراط بحسب النوع، فمثل الرحى والنهر والطريق يكفي القابلية فيها بحسب النوع، فتدبر. وعلى ما ذكر فالارض والمسكن إذا قسما لا تثبت فيهما الشفعة، ومع عدم التقسيم لا مانع من الشفعة، وأين هذا من نفي الشفعة أصلا في مثل الحمام والطريق والنهر. وأما الاصل المذكور فقد عرفت الاشكال فيه حيث إنه مع وجود الدليل لا تصل النوبة إلى الاصل. وأما اعتبار انتقاله بالبيع فهو المعروف، وفي محكي المبسوط إجماع الفرقة وأخبارها على عدم الشفعه في الصداق. واستدل عليه مضافا إلى الاصل بمفهوم قول الصادق عليه السلام في حسن الغنوي عن أبي عبد الله عليه السلام - كأنه حسن يزيد بن إسحاق شعر في سنده. قال: " سألته عن الشفعة في الدار أشئ واجب للشريك، وتعرض على الجار وهو أحق بها من غيره؟ فقال: الشفعة في البيوع إذا كان شريكا، فهو أحق بها من غيره بالثمن " وغيره. ونفى في صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام قال " سألته عن رجل تزوج امرأة على بيت في دار له وله في تلك الدار شركاء، قال: جائز له ولها، ولا شفعة لاحد من الشركاء علهيا (2) ". ويمكن أن يقال: إن تم الاجماع فلا كلام، وإلا فيمكن المناقشة، لان حسن الغنوي لا يستفاد منه الحصر إلا من جهة ما هو المعروف من استفادة الحصر إذا كان المسند إليه معرفا مثل " الطلاق بيد من أخذ بالساق " وليس بنحو يطمئن به، فإذا

[ 315 ]

قيل: الصلح جائز إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا فهل يستفاد منه الحصر. وأما صحيحة أبي بصير فلا دلالة لها على الحصر، لان نفي الشفعة في خصوص المورد لا يفيد الحصر في البيع، مضافا إلى إمكان كون النفي من جهة تعدد الشركاء، ومعه لا شفعه في البيع أيضا. واستدل أيضا بمرسل يونس " الشفعة جائزة في كل شئ إذا كان الشئ بين الشريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره (1). الحديث ". ويمكن المناقشة في استفادة الحصر من جهة كون الشرط مدخول إذا شرطا لقوله على المحكي " فشريكه أحق به من غيره " من دون أن يكون شرطا لجواز الشفعه. مضافا إلى منع استفادة العلية المنحصرة في القضايا الشرطية، بل المدخلية غير المنافية مع مدخلية شئ آخر، وإلى أن المتمسك بمثل هذا المرسل لا يأخذ بمضمون هذا المرسل أعني ما فيه من أن الشفعة جائزة في كل شئ، بل يقول باختصاص الشفعة بغير المنقول من الاراضي والمساكن وما يشبهها، ولعل المخرج عن العام يغلب على الباقي أو يساوي، ولعل خروج هذا المقدار ينافي مع العام المذكور بنحو القانون، فتدبر. نعم إذا حصل الشك فيما دل على ثبوت الشفعة بأن يقال: لا تعرض فيه لمنشأ الانتقال، وخروج الملك عن ملك مالكه محتاج إلى الدليل، فمقتضى قاعدة السلطنة عدم ثبوت الشفعة في غير صورة الانتقال بالبيع. وأما ما في المتن من عطف الاقرار على ما ذكر فلم يظهر وجهه، حيث إن الاقرار ليس من النواقل، بل يكون مفيدا في مقام الاثبات وإن كان بناء الفقهاء على الاخذ به مع العلم بالخلاف كما لو أقر لزيد بشئ معين مثلا ثم أقر به لعمرو حيث يلتزمون بلزوم رد العين إلى زيد، ورد المثل أو القيمة إلى عمرو.

[ 316 ]

واما لو كان الوقف مشاعا مع طلق فباع مالك الطلق فالمحكي عن السيد المرتضى. - قدس سره - ثبوت الشفعة، ولامام المسلمين وخلفائه المطالبة بشفعة الوقوف التي ينظرون فيها على المساكين أو على المساجد أو على مصالح المسلمين، وكذلك كل ناظر بحق في وقف من وصي وولي، وادعي على ذلك الاجماع. وأورد عليه بأنه بناء على انتقال الموقوف في مثل ذلك إلى الله تعالى شأنه لا يندرج في أدلة الشفعة، بل وعلى القول بكونه ملكا للمسلمين بناء على عدم ثبوت الشفعة مع الكثرة. ويمكن أن يقال إن بني على عدم الاطلاق في أدلة الشفعة فلا بد من الاقتصار على المتيقن، وإن بني على الاطلاق ففي كل مورد دل الدليل على عدم الشفعة فيه يؤخذ بمقتضاه، وفي غيره لا مانع من الاطلاق، وعلى الاطلاق لامانع من الاخذ بالشفعة وإن بني على رجوع العين الموقوفة إلى الله تعالى لعدم دليل على خروج مثله عن الاطلاق. وما ذكر من أنه بناء على القول بكونه ملكا للمسلمين لا يثبت الشفعة بناء على عدم ثبوت الشفعة مع الكثرة يمكن منعه، من جهة أن الملكية للمسلمين في الوقف على القول بها ليست كالملكية للشركاء في ساير الموارد، والدليل الدال على عدم ثبوت الشفعة مع الكثرة لا يشمل المقام، ولا أقل من الشك، فلا مانع من الاخذ بالاطلاق، أو العموم، هذا كله، ولكن السلطنة على الاخذ لغير الامام عليه الصلاة والسلام مشكلة، للشبهة في الولاية العامة، وليس الاخذ بالشفعة من الامور اللازمة، ومتولي الوقف سلطنته محدودة بما عين له من طرف الواقف. (الثاني في الشفيع، وهو كل شريك بحصة مشاعة قادر على الثمن، فلا تثبت للذمي على مسلم، ولا بالجوار، ولا لعاجز عن الثمن، ولا فيما قسم وميز إلا بالشركة في الطريق والنهر إذا بيع أحدهما أو هما مع الشقص، وتثبت بين الشريكين ولا تثبت لما زاد، على أشهر الروايتين، ولو ادعى غيبة الثمن اجل ثلاثة أيام،

[ 317 ]

فإن لم يحضره بطلت، ولو قال: إنه في بلد آخر اجل بقدر وصوله وثلاثة أيام، ما لم يتضرر المشتري، وتثبت للغائب والسفيه والمجنون والصبي، ويأخذ لهم الولي مع الغبطة ولو ترك الولي فبلغ الصبي أو أفاق المجنون فله الاخذ). اعتبر في الشفيع امور، أحدها كون شريكا بحصة مشاعة والمعروف التفرقة بين الحصة المشاعة والكلي في المعين، حيث يقولون في الكلي في المعين الاختيار للبايع للكلي وله التصرف مادام مصداق الكلي باقيا، بخلاف صورة الاشاعة. وأيضا مع حصول التلف وبقاء فرد يصدق عليه الكلي التلف متوجه إلى البايع لا إلى المشتري، لكن سبق الاشكال في باب القسمة في كتاب القضاء فيما ذكر، فانه كيف يكون البايع للكلي في المعين مالكا لكل ما يصدق عليه الكلي، بل الشركة محفوظة، وعلى هذا فلو كان الشركة بنحو الكلي في المعين فلا مانع من ثبوت الشفعة، بل لعله يصدق الشركة على المعروف في الكلي في المعين أيضا، ووجه اشتراط هذا الشرط ما في رواية عقبة المذكورة، من قوله عليه السلام على المحي " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشريكين - إلى أن قال، على المحكي - إذا أرفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة " (1). وأما القدرة على الثمن ففي مجمع البرهان دليل اشتراط القدرة في الشفعة على الثمن ولو بالقرض أو ببيع شئ وسقوطها مع العجز يمكن أن يكون إجماعا، ويستدل بفحوى حسن علي بن مهزيار " سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام عن رجل طلب شفعة أرض فذهب إلى أن يحضر المال فلم يتفق [ فلم ينض - خ ل ] (2) فكيف يصنع صاحب الارض إذا أراد بيعها، أيبيعها، أو ينتظر مجئ شريكه صاحب الشفعة؟ قال: إن كان معه في المصر فلينتظر به إلى ثلاثة أيام، فإن أتاه بالمال، وإلا فليبع وبطلت شفعتعه في الارض، وإن طلب الاجل إلى أن يحمل المال من بلد آخر فليتنظر به [ فلينظر به، خ ل ] مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة وينصرف، وزيادة ثلاثة

[ 318 ]

أيام إذا قدم، فان وافاه وإلا فلا شفعة له " (1). وقيل هو ظاهر في الشفعة قبل البيع، لان المراد بصاحب الارض الشريك الاصلي الذي هو البايع إلا أن الاصحاب قاسوا حال المشتري عليه. وقد يمنع ظهوره في ذلك لشهادة قوله طلب شفعة أرض، فإن الشفعة حقيقة لغة وعرفا الاستحقاق بعد البيع، بل قيل: المراد بالطلب الاخذ بها، بل لعل البطلان أيضا ظاهر في ذلك، فلا يخفى أنه لا مجال للمنع المذكور، حيث لا ذكر لا شتراء مشتر للارض، ومع تسليم عدم الظهور في الشفعة قبل البيع يكفي الاحتمال المساوي لما ذكر. إلا أن يقال: مع تساوي الاحتمالين لا بد أن يكون الجواب مناسبا معهما. وكيف كان لا مجال للاستدلال بهذه الرواية، ولم يظهر وجه الفحوى المذكور، فالعمدة الاجماع إن تم. وأما التفريع المذكور في المتن أعني قوله " فلا يثبت للذمي على مسلم " ففي النسخة الموجودة عندنا لم يذكر المسلم قيدا للشفيع حتى يتفرع عليه ما ذكر بل يشكل التقييد ايضا، حيث إنه على التقييد لابد أن يكون في صورة كون المشتري المأخوذ منه بالشفعة مسلما، فليس هذا القيد قيدا لمطلق الشفيع أو مأخوذا في نفس الشفيع، وكيف كان على تقدير كون المشتري المأخوذ منه مسلما اعتبر كون الشفيع مسلما، فلا تثبت للذمي على مسلم. واستدل عليه بالاجماع، واضيف إليه أن مطالبة الحصة بالشفعه تسلط على سبيل القهر، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وفي الخبر " ليس لليهودي ولا النصراني شفعة " (2) يعني على المسلم للاجماع على ثبوتها لهما على غيره.

[ 319 ]

ويمكن أن يقال: إن تم الاجماع فلا كلام وإلا فالتمسك بما ذكر مشكل، لان التسلط المذكور ليس أقوى من تسلط المغبون ذي الخيار على الفسخ، حيث إنه يأخذ المبيع من المشتري قهرا عليه، والظاهر إباء قوله تعالى " لن يجعل الله - الخ " من التخصيص، وعلى فرض عدم الاباء لا مانع من التخصيص بدليل ثبوت الشفعة، خصوصا مع تعرض الدليل للقيود المعتبرة، وعدم التعرض لهذا القيد. وأما الخبر المذكور فمع عدم الاعتبار بحسب السند، وعدم بقاء الغالب بعد إخراج غير المسلم كيف يؤخذ به. وأما استثناء صورة الشركة في خصوص النهر أو الطريق أو فيهما فاستدل عليه بحسن منصور بن حازم بابراهيم " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دار فيها ودور وطريقهم واحد في عرصة الدار، فباع بعضهم منزله من رجل، هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة، فقال: إن كان باع الدار وحول بابها إلى طريق غير ذلك فلا شفعة لهم، وإن باع الطريق مع الدار فهلم الشفعة " (1). وقريب منه ما يحكى عن الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا صلوات الله عليه، وربما ايد أيضا بحسنه الآخر بالكاهلي بل وصفه غير واحد بالصحة " قلت لابي عبد الله عليه السلام: دار بين قوم اقتسموها فأخذ كل واحد منهم قطعة فبناها وتركوا بينهم ساحة فيها ممرهم، فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم، أله ذلك؟ قال: نعم، ولكن يسد بابه، ويفتح بابا إلى الطريق، أو ينزل من فوق السطح ويسد بابه، فإن أراد صاحب الطريق بيعه فإنهم أحق به، وإلا فهو طريقه بحق حتى يجلس على ذلك الباب (2) " ونحوه الموثق. واورد بأنه لا تعرض فيهما لبيع الدار مع الممر، كما هو محل البحث، بل ظاهرهما ثبوت الشفعة في الطريق خاصة، فالدليل منحصر بحسن منصور. ويمكن أن يقال لعل النظر في الاستظهار إلى قرب لفظ الطريق الموجب

[ 320 ]

لرجوع بيعه إليه، لكن على هذا لم يظهر وجه لسؤال الراوي: فاشترى نصيب بعضهم أله ذلك، وقوله على المحكي: نعم ولكن يسد بابه ويفتح بابا إلى الطريق فلعل وجه السؤال احتمال استحقاق الشركاء من جهة الشركة السابقة مع الاشتراك في الطريق وأحقيتهم، فأجيب بأنه مع سد الباب وفتح باب له ذلك. فهذا الكلام نظير ما قال في خبر منصور بن حازم على المحكي " إن كان باع الدار وحول بابها إلى طريق - الخ " ومع إرادة بيعه مع الطريق بدون سد الباب فهم أحق به، والانصاف إجمال الكلام ثم إنه يراد استفادة ثبوت حق الشفعة في الدار مع اشتراك الطريق دون الدار من جهه ترك الاستفصال، فإن بنينا على تقدم ترك الاستفصال على العموم والاطلاق فلا مانع في تقديمه على الاخبار الدالة على أن ما وقع التقسيم فيه لا شفعة فيه، وأما من لا يقول بذلك فله أن يقول بوقع التعارض بين الطرفين. والمحكي عن جامع المقاصد أن ضم غير المشفوع إلى المشفوع لا يوجب ثبوت الشفعة في غير المشفوع اتفاقا، والمبيع الذي لا شركة فيه في الحال ولا في الاصل ليس من متعلقات الشفعة، إذ لو بيع وحده لا يثبت فيه شفعة بحال، وإثباتها لا يكون إلا لمحض الجوار، فإذا ضم إلى المشترك وجب أن يكون الحكم كذلك. ولعموم قوله " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم " (1) ولا شريك هنالا في الحال ولا في الاصل وأشاره إلى ساير الاخبار. وأورد عليه بكونه كالاجتهاد في مقابل إطلاق الدليل المزبور الحاكم على إطلاق النصوص المزبورة. ويمكن أن يقال أما في أول كلام صاحب جامع المقاصد فالظاهر أن نظره إلى الاستصحاب، ومع تمامية الاخبار المذكورة وتقدمها لا مجال للتمسك بالاستصحاب، كما أنه مع الاخذ بحسن المنصور المذكور أيضا لا مجال للاخذ بالاستصحاب، مع قطع النظر عن عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

[ 321 ]

وأما ما اورد عليه من حكومة ما ذكر على إطلاق النصوص المزبورة فلم نعرف وجهه كما لا يخفى، نعم غاية ما يمكن التقدم من جهة تقدم ترك الاستفصال على الاطلاق، وهذا ليس من جهة الحكومة، لكن يمكن في المقام أن يقال إن الرواية التي رواها المشايخ الثلاثة (1) عن الصادق عليه السلام عن الشفعة وفيها: لمن هي وفي أي شئ هي - الخ - المتقدمة ظاهرها السؤال عن كل ماله الدخل في ثبوت الشفعة، وفيها التقييد بكون الشئ بين شريكين، فإن اخذ بها فكيف يمكن رفع اليد عن إطلاق القيد المذكور. وأما ثبوت الشفعة بين شريكين وعدم ثبوتها لازيد فهو المشهور شهرة عظيمة، ويدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في المملوك بين شركاء فيبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه أنا أحق به، أله ذلك؟ قال نعم إذا كان واحدا، فقيل له: في الحيوان شفعة؟ فقال عليه السلام لا (2) " ورواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال لا يكون الشفعة لشريكين ما لم يتقاسما، فإذا صارا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة " (3) وكأنها صحيحة قالها في شرح الشرائع أيضا إذ ليس فيها من فيه إلا محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن. وما في مرسلة يونس " وإن زاد على اثنين فلا شفعة لاحد منهم (4) ". والمعارض لما ذكر خبرا السكوني، وطلحة بن زيد " الشفعة على عدد الرجال وعلى الرجال " (5). وقد يقال هما مع الطعن في سنديهما وموافقتهما لاطباق العامة محتملان لما في الانتصار من إرادة وجوبها بالشركة، سواء زادت السهام أو نقصت، بعد حمل لفظ الرجال والشركاء إن لم نقل بكون الجمع حقيقة في الاثنين فصاعدا أو بإرادة المجاز، نحو قوله تعالى " فإن كان له إخوة " على إرادة الشركة في الاموال الكثيرة، لا في الملك الواحد.

[ 322 ]

ثم قال وأما الخبر الذي وجد في روايات أصحابنا أنه إذا سمح بعض بحقوقهم من الشفعة فإن لم يسمح بحقه فيمكن أن يكون تأويله أن الوارث لحق الشفعة إذا كانوا جماعة فان الشفعة عندنا تورث، متى سمح بعضهم بحقه كانت المطالبة لمن لم يسمح، وهذا لا يدل على أن الشفعة في الاصل لاكثر من شريكين، ولا ما يوهمه خبرا منصور بن حازم المتقدمان المحمولان أيضا على التقية أو غيرها مما عرفت، كخبر عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشركاء - الخ - (1) " وخبرا منصور حسنة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام فلهم الشفعة على الاثنين. ويمكن أن يقال أما الطعن في السند في خبري السكوني وطلحة بن زيد فلا يخلو عن البعد فإن المعروف أن السيد ممن لا يعمل إلا بالقطعيات من الاخبار، فمع الطعن في السند لا حاجة إلى التوجيه وحمل الرواية على ما ذكر. وأما ما ذكر من حمل لفظ الرجال والشركاء على ما ذكر بلا قرينة فبعيد حيث إن المتكلم الحكيم إذا كان في مقام البيان كيف يتكلم بكلام له ظاهر ويريد المعنى الآخر غير ما يكون الكلام ظاهرا فيه بلا قرينة عليه. وأما ما ذكر من حمل خبري منصور بن حازم على التقية فهو مبني على تقديم جهة مخالفة العامة على أصحية ما يوافقهم، والعلامة في المختلف وصاحب المسالك قويا الجهة الثانية، والمسألة لا تخلو عن الاشكال. وأما تأجيل الشفيع ثلاثه أيام إذا ادعى غيبة الثمن، وبطلان الشفعة مع عدم إحضاره فقد سبق الكلام فيه، ولو قال الشفيع إن الثمن في بلد آخر فالمعروف التأجيل بمقدار وصوله إليه، وزيادة ثلاثة أيام، وقيد في بعض الكلمات بعدم تضرر المشتري. وقد يتمسك بأصالة عدم الشفعة التي كان الضرر منشأ مشروعيتها، وإن كان التعارض بينهما من وجه.

[ 323 ]

ويمكن أن يقال: إن كان النظر إلى حسن علي بن مهزيار المذكور سابقا فقد عرفت الاشكال في الاستدلال به وإن كان النظر إلى قاعدة نفي الضرر والضرار ففيه أولا الاشكال من جهة عدم إمكان الاخذ بها في كثير من أبواب الفقه، بل الظاهر الاختصاص بموارد عمل الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم، وعلى فرض الاخذ بها لابد من الاخذ في مورد تحقق الضرر، ومع عدم الضرر لا وجه للاخذ، ألا ترى أن الغسل في الماء البارد في الشتاء ضرري بالنسبة إلى كثير من الناس، ويكون نافعا بالنسبة إلى بعض، وهل يجوز لهذا البعض تركه من جهة كونه ضرريا بالنسبة إلى غيره. نعم قد يلاحظ الضرر حكمة في التشريع، فلا يدور الحكم مدار تحقق الضرر، فإن كان الضرر ملحوظا في تشريع الشفعة حكمة تثبت الشفعة مع اجتماع الشرايط ولو لم يكن بالفعل ضرر، ولا يزاحمها إلا الضرر الفعلي، ومع المزاحمة الظاهر تقديم الاقوى. وأما ثبوت الشفعة للغائب، والسفيه، والصبي، والمجنون وأخذ الولي بالشفعة فالظاهر عدم الخلاف فيه، واستدل عليه بخبر السكوني المنجبر بعمل الطائفة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه " وصي اليتيم بمنزلة أبيه يأخذ له بالشفعة [ في الشفعة، خ ل إذا كان فيه رغبة، وقال: للغائب شفعة (1) ". ويمكن أن يقال ظاهر هذا الخبر ثبوت الشفعة لنفس الغائب، ولوصي اليتيم الظاهر في القيم الذي عينه الاب أو الجد ففي الغائب نقول لو عين وكيلا في جميع اموره أو في خصوص الاخذ بالشفعة فلا مانع من أخذه. وأما مع عدم التعيين فليس لغيره الاخذ وإن فرض له الولي بنحو آخر، كما لو غاب وله الزوجة والاولاد، ولابد من الانفاق عليهم من مال الغائب، فللحاكم التصرف في أموال الغائب، وكذلك بالنسبة إلى المجنون، والسفيه، والصبي إذا لم يعين من طرف الاب والجد قيم له، لكن الحاكم يتصرف إذا كان التصرف لازما، ومع عدم اللزوم يشكل، للاشكال في الولاية العامة للحاكم، وليس الاخذ بالشفعة من

[ 324 ]

الامور اللازمة بالنسبة إليهم. إلا أن يقال في خصوص اليتيم دل الدليل على جواز التصرف في ماله مع الغبطة وهذا مستفاد من قوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " والظاهر استفادته من بعض الاخبار. ولو ترك الولي الاخذ فبلغ الصبي، أو أفاق المجنون فالمذكور في المتن جواز الاخذ بالشفعة لهما، وهو المعروف، بل ادعي عدم الخلاف فيه. وأما الضرر المتوجة إلى المشتري من جهة التأخير فقيل في جوابه إنه كالاجتهاد في مقابل إطلاق النص والفتوى. ويمكن أن يقال إن كان إجماع في البين فلا كلام وأما النص فإن تم التمسك بقاعدة نفي الضرر في أمثال المقام فالدليل أعني دليل نفي الضرر حاكم على الاطلاق، على المعروف، فالاطلاق في المقام كاطلاق وجوب الغسل مثلا لو كان ضرريا، نعم إن تم هذا فلا بد من الاقتصار على مورد الضرر دون غيره. (الثالث في كيفية الاخذ، ويأخذ بمثل الثمن الذي وقع عليه العقد، ولو لم يكن الثمن مثليا كالرقيق والجواهر أخذ بقيمته، وقيل: تسقط الشفعة استنادا إلى رواية فيها احتمال، وللشفيع المطالبة في الحال، ولو أخر لا لعذر بطلت شفعته، وفيه قول آخر، ولو كان لعذر لم تبطل، وكذا لو توهم زيادة عن ثمن أو جنسا من الثمن فبان غيره). مقتضى الاخبار استحقاق الشفيع الاخذ بالشفعة بمجرد العقد الواقع بين البايع والمشتري، ومن غير فرق بين وجود الخيار للبايع أو المشتري أو لهما، أما على القول بالملكية للمشتري فيما لو كان الخيار للبايع فلا إشكال، وأما على القول الآخر فلا مانع من صحة الاخذ وكون الملكية مراعاة بانقضاء الخيار كما أنه على القول بالملكية للمشتري مع وجود الخيار للبايع كما هو المعروف لا مانع من الفسخ من طرف البايع والرجوع إلى المثل أو القيمة، كما لو تلف المبيع في يد المشتري ثم فسخ البايع بالخيار، حيث يصح الفسخ ويرجع البايع إلى المثل أو القيمة.

[ 325 ]

ثم بعد الاخذ بالشفعة إن كان الثمن مثليا يرد الشفيع المثل إلى المشتري، وإن كان قيميا يرد القيمة، وقيل: لا شفعة إذا كان الثمن قيميا لتعذر المثلية المعتبرة في الشفعة، ولرواية علي بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام وإن قيل إنه رواها في الفقيه، وفي قرب الاسناد في الصحيح، وفي التهذيب في الموثق في رجل اشترى دارا برقيق ومتاع وبز وجوهر، قال: ليس لاحد فيها الشفعة (1). وخبر هارون (2) وغيره مما هو مروي عند الطرفين من أن الشريك أحق من غيره بالثمن، الذي لا يصدق عرفا على القيمة. بل في مرسل ابن محبوب " كتبت إلي الفقيه عليه السلام في رجل اشترى من رجل نصف دار مشاعا غير مقسوم، وكان شريكه الذي له النصف الاخر غائبا، فلما قبضها وتحول عنها انهدمت الدار وجاء سيل خارق فهدمها وذهب بها، فجاء شريكه الغائب فطلب الشفعة من هذا فأعطاه الشفعة على أن يعطيه ماله كملا الذي لقد في ثمنها، فقال: ضع عني قيمة البناء، فإن البناء قد انهدم وذهب به السيل، ما الذي يجب في ذلك، فوقع عليه السلام ليس له إلا الشراء والبيع الاول، إن شاء الله تعالى (3) ". ومن المعلوم عدم صدق ذلك على القيمي. ويمكن أن يقال: الظاهر أن المثل في المقام نظير المثل في قوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " فالاعتداء بالمثل في القيميات لعل المراد منه المثل في القيمة لا المثل من جميع الجهات. وأما رواية علي بن شهاب المذكورة فلم يذكر فيها الشركة ولا بد في الشفعة ومن تحقق الشركة، فلعل نفي الشفعة من جهة عدم الشركة لا من جهة عدم مثلية الثمن. وإن كان يستبعد هذا من جهة أن نفي الشفعة لابد أن يكون فيما من شأنه تحقق

[ 326 ]

الشفعة فيه، ومع عدم تحقق الشركة لا شأنية، لكن بملاحظة الرواية التي رواها المشايخ الثلاثة (1) عن الصادق عليه السلام عن الشفعة لمن هي، وفي أي شئ، ولمن تصلح - الخ - المذكورة، حيث لم يذكر فيها مع التعرض لماله المدخلية في الشفعة مدخلية كون الثمن مثليا، لامانع مما ذكر، حيث ذكر فيها تحقق الشركة، فكأن السائل غير مطلع بلزوم الشركة في ثبوت الشفعة فما الفرق بين ذكر الشركة بنحو المدخلية في الشفعة، ونفي الشفعة فيما لا شركة فيه بحسب ظاهر الخبر المذكور. واما الثمن في خبر هارون وغيره فالظاهر صدقه على القيمي، فإن الثمن ما يقابل المبيع سواء كان مثليا أو قيميا، ولو حمل على خصوص الذهب والفضة لزم عدم الشفعة فيما لو كان الاشتراء بالمثلي غير الذهب والفضة، ولا يلتزم به. وأما مرسل ابن محبوب فلم يظهر وجه الاستدلال به، فإن الضمير في قوله عليه السلام على المحكي " ليس له إلا الشراء والبيع الاول " الظاهر رجوعه إلى الغائب الآخذ بالشفعة، فمع كون النظر إلى البيع الواقع بين مالك الدار والمشترى للنصف، فما معنى عدم صدق ما ذكر على القميي. وربما يشكل من جهة أنه مع انهدام الدار كيف يؤخذ الشفعة بإعطاء تمام الثمن ثمن النصف، مع أنه انهدمت الدار قبل الاخذ بالشفعة والمعروف أن للشفيع المطالبة في الحال. ولو أخر لا لعذر بطلت شفعته، واستدل لهذا بوجوه، منها أنها حق مبني على التضييق بقرينة ثبوتها في بعض دون بعض، وبعقد دون عقد، فلا يناسب التوسعة. ومنها إداؤه إلى ضرر المشتري، إذ قد لا يرغب في عمارة ملكه لتزلزله. ومنها الحسنة المتقدمة (2) في جواز إنظار الشفيع بالثمن في الايام الثلاثة لحكمه عليه السلام ببطلان الشفعة بعد الثلاثه التي أخرها للعذر، فلو كان حق الشفعة على التوسعة لم تبطل شفعته بالتأخير.

[ 327 ]

ومنها الخبران في أحدهما " الشفعة لمن واثبها " (1) وفي الثاني " الشفعة كحل العقال ". ويمكن الخدشة فيما ذكر، أما ما ذكر من أنها حق مبني على التضييق ففيه أنه مع التضييق من بعض الجهات لامانع من التوسعة من جهة اخرى وإلا فلابد من التضييق سواء كان التأخير لعذر أو لغير عذر. وأما إداؤه إلى الضرر في بعض الاوقات فلا يوجب التضييق مع عدم الاداء، ولوجب عدم الفرق بين ماكان لعذر أو لغير عذر، وقد يكون معارضا بضرر الشفيع. وأما الحسنة المتقدمة فقد سبق أنها ظاهرة فيما قبل الاشتراء، ومحل الكلام الاخذ بالشفعة. وأما الخبران فإن لم يكن إشكال فيهما من جهة السند لما قيل إنهما عاميان، ولم يظهر اعتماد المشهور بهما حتى يقال بانجبار السند فلابد من القول بالفورية، ومن غير فرق بين وجود العذر وعدمه، ولا يلتزم الفقهاء بالفورية بهذا النحو. وقد يقال ليس الاخذ بالشفعة مجرد إنشاء الاخذ بالقول، بأن يقول الشفيع أخذت بالشفعة، بل هو مع دفع الثمن، أو أنه لا تثبت إلا بعد دفعه، ولو كان مجرد القول المذكور لم يكن شئ مما ذكروه من المسافرة، وتوهم زيادة الثمن، أو توهم جنس من الثمن فبان غيره عذرا واستشهد بكلامهم في المقام، وفي ثبوت الشفعة للغائب على عدم وجوب المبادرة إلى القول المزبور، وإن كان متمكنا. ويمكن أن يقال: ما ذكر من مدخلية دفع الثمن في الشفعة إما بدخله في حقيقة الاخذ بالشفعة أو بعدم ثبوت حق الشفعة إلا بعد دفع الثمن لم يظهر وجهه، لانه عرف نفس الشفعة في كلمات الفقهاء بالاستحقاق في حصة الشريك، وليس فيه دفع الثمن، كما أن ثبوت هذا ليس فيه دفع الثمن، وبعد ملاحظة الاخبار كذلك، ففي بعضها ثبوت هذا للشفيع، وفي بعضها فباع أحدهم نصيبه فقال أحدهم أنا أحق به،

[ 328 ]

أله ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحدا، فقوله على المحكي " أنا أحق به " إنشاء للاخذ فلا دفع للثمن فيه إو إظهار لحقه فكذلك، فليس في المقام إلا الشهرة ولم نجد وجها يطمئن به لما ذكروه من الفورية. فالقول بالتراخي الذي أشير إليه في المتن بقوله - قدس سره - وفيه قول آخر كما ذهب إليه السيد المرتضى والاسكافي، ووالد الصدوق، والحلي قوي جدا، إن كان لادلة جواز الاخذ بالشفعة إطلاق، ومع عدم الاطلاق لابد من الفورية، سواء كان في البين عذر أولم يكن، لان قاعدة السلطنة تقتضي عدم استحقاق الشفيع أخذ المبيع من ملك المشتري، فيقتصر على المتيقن، والباقي باق تحت قاعدة السلطنة. خلافا لمن يتمسك في مثل المقام باستصحاب حكم المخصص. (ويأخذ الشفيع من المشتري ودركه عليه ولو انهدام المسكن أو عاب بغير فعل المشتري أخذ الشفيع بالثمن أو ترك، ولو كان بفعل الشمتري أخذ بحصة من الثمن، ولو اشترى بثمن مؤجل قيل هو بالخيار بين الاخذ عاجلا أو التأخير وأخذه بالثمن في محله، وقال الشيخ وفي النهاية يأخذ الشقص ويكون الثمن مؤجلا ويلزم كفيلا إن لم يكن مليا وهو أشبه). المستفاد من أدلة جواز الاخذ بالشفعة استحقاق الشريك أخذ ما باعه الشريك من المشتري، فالمأخوذ منه المشتري لا البايع، وحينئذ دركه على المشتري، فإذا ظهر المال مستحقا للغير يأخذ الشفيع ما أعطاه بعنوان الثمن من المشتري من دون أن يراجع البايع. ولو انهدام المسكن أو عاب بغير فعل المشتري أخذ الشفيع بالثمن أو ترك، لما في مرسل ابن محبوب المذكور، وفيه " ليس له إلا الشراء والبيع الاول " (1) وقوله عليه السلام على المحكي في حسن الغنوي المذكور سابقا " فهو أحق بها من غيره بالثمن (2) ".

[ 329 ]

وقد يقال بعد التمسك بما في مرسل ابن محبوب، وما في حسن الغنوي، وأصالة عدم الضمان حتى لو كان بفعله ضرورة أنه تصرف في ملكه تصرفا سايغا، فلا يكون مضمونا عليه والفائت لا يقابل بشئ، فلا يستحق الشفيع في مقابله شيئا. ويمكن أن يقال: مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن النص فيما لو كان الثمن موزعا على أجزاء الثمن نقصان الثمن مع نقصان المثمن، بخلاف نقصان الوصف، ففي صورة اشتراء أرض أخبر البايع أنها مائة جريب، فبانت ثمانين مثلا ينقص من الثمن خمسة، بخلاف مالو بانت معيبة من جهة اخرى، فإذا كان ثمن الدار موزعا على الدار، على أرضها وبنائها فمقتضى القاعدة عدم استحقاق ما كان من الثمن في مقابل البناء، فمع الاخذ بما في مرسل ابن محبوب يأخذ الشفيع بتمام الثمن، لكن لما كان الحكم من جهة خصوص النص لا بد من الاقتصار على مورده ولا مجال للتعدي إلى ساير الموارد. فما ذكر من التعدي إلى صورة وقوع النقص بفعل المشتري من جهة أنه تصرف في ملكه غير مضمون مشكل، لما ذكر من توزيع الثمن، فمع عدم ما يقابل النقص مقدارا من الثمن كيف يستحق المشتري تمام الثمن، وكيف يقال والفائت لا يقابل بشئ. وأما التمسك بما في حسن الغنوي من قوله عليه السلام على المحكي فهو أحق بها من غيره بالثمن، بأن يقال المستفاد منه لزوم إعطاء الثمن في الاخذ بالشفعة بنحو الاطلاق، من غير فرق بين كون المبيع باقيا بحاله، أو ناقصا سواء كان النقصان بفعل المشتري أو بآفة سماوية، أو بفعل الغير، فلا يخلو عن الاشكال، لا حتمال أن يكون النظر أن اللازم دفع الثمن الملحوظ في البيع، وعدم لحاظ ما يصلح لكونه ثمنا في حال الاخذ بالشفعة، وعلى فرض الاطلاق لا مجال لرفع اليد عن الاصل المذكور، أعني توزيع الثمن في مقابل أجزاء المبيع، فتأمل. ولو اشترى المشتري بثمن مؤجل فقيل الشفيع بالخيار بين الاخذ بالشفعة

[ 330 ]

عاجلا ودفع الثمن، والتأخير في الاخذ بالشفعة إلى حلول الاجل، ولا ينافي الفورية بعد أن كان التأخير لغرض معتد به عند العقلاء. والمحكي عن النهاية أخذ الشفيع الشقص من المشتري عاجلا، ويكون الثمن عليه إلى وقته، وقوى هذا الوجه بأن حق الشفعة على الفور، فترك الطلب إلى الاجل مناف له، وأداء الثمن في الحال زيادة صفة في الثمن لا يلزم به الشفيع، فالقول الاول يستلزم أحد محظورين، إما إسقاط الشفعة على تقدير ثبوتها، أو إلزام المشتري بزيادة لا موجب لها وكلاهما باطلان، وإن استشكل بعدم تساوي الذمم أمكن التخلص بالكفيل الوفي الملي، مع فرض عدم كون الشفيع كذلك. ويمكن أن يقال إن بنينا على الفورية فاللازم جواز الاخذ بالشفعة، وأما تأخير الثمن إلى حول الاجل ففيه إشكال، لان الاجل ليس من أوصاف الثمن، بل هو إلزام بعدم استحقاق مطالبة الثمن على البايع من طرف المشتري، والشفيع يستحق الاخذ بالشفعة بدفع الثمن، والالزام والالتزام الخارجان علن الثمن خارج، وهذا ليس من جهة مدخلية الدفع مأخوذا في حقيقة الشفعة أو تكون الشفعة غير ثابتة بدون دفع الثمن. لكن الحق عدم دليل على الفورية إلا بالتقريب المذكور، ورواية علي بن مهزيار المستدل بها على الفورية قد سبق الاشكال في الاستدلال بها (ولو دفع الشفيع الثمن قبل حلوله لم يلزم البايع أخذه، ولو ترك الشفيع قبل البيع لم تبطل، أما لو شهد على البايع أو بارك للمشتري أو للبايع أو أذن في البيع ففيه التردد، والسقوط أشبه). أما عدم لزوم أخذ الثمن قبل حلول الاجل على البايع فلان أخذه من المشتري غير لازم، فلا يلزم من الشفيع بطريق أولى، لان دفعه مسبب عن المشتري ويمكن أن يقال: إن كان المراد من اللزوم جواز إجباره على أخذ الثمن فلا كلام، وإن كان المراد أنه مع دفع الثمن إليه بحيث صار المال تحت استيلاء البايع

[ 331 ]

له الامتناع عن أخذه ولم يبرء الذمة ففيه إشكال. لا نه مع حصول الاداء واستيلاء البايع على الثمن كيف لم يبرء ذمة الشفيع بحيث لو تلف كان التلف من مال الشفيع وكانت الذمه مشغولة. ولو عرض البايع المبيع على الشفيع وترك ولم يقبل المبيع لم تبطل شفعته، لعدم ما يوجب سقوطها، ولو شهد على البايع أو بارك للمشتري أو للبايع أو أذن في البيع ففيه التردد للمصنف، والاشبه عنده السقوط. ويمكن منع السقوط أما الاذن في البيع فلانه مع فرض إرادة إسقاط حق الشفعة منه إسقاط قبل السقوط، ولا دليل على كونه مسقطا وإن جوز إسقاط الخيار في البيع قبل تمامية القبول. وأما صورة الشهادة على البايع أو التبريك فإن احرز كونه في مقام الاسقاط، وقلنا بجواز الاسقاط بأي نحو وقع فلا إشكال، ومع الشك وعدم الدلالة لاوجه للسقوط. ثم إن هذا مبني على كون جواز الاخذ بالشفعة من الحقوق القابلة للاسقاط، ومع كونه من الاحكام أو من الحقوق غير القابلة للاسقاط فلا مجال لما ذكر. (ومن اللواحق مسألتان، الاولى: قال الشيخ الشفعة لا تورث، وقال المفيد وعلم الهدى: تورث، وهو الاشبه، ولو عفى أحد الورثة عن نصيبه أخذ الباقون ولم تسقط، الثانية: لو اختلف المشتري والشفيع في المثن فالقول قول المشتري مع يمينه، لانه ينتزع الشئ من يده). اختلف في أن الشفعة تورث أم لا، والمشهور أنها تورث، تمسكا بأنها من الحقوق، فتكون مشمولة لعموم آيات الارث الدالة على إرث ما ترك، وحق الشفعة مما ترك، كما دخل فيه الخيار الثابت للمورث بالاتفاق، وكذلك حد القذف، والشفعة في معنى الخيار، تثبت لدفع الضرر، بل أقوى، وقوله صلى الله عليه وآله " ما ترك الميت

[ 332 ]

من حق فلو ارثه ". واحتج الشيخ - قدس سره - برواية طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام " أنه قال: " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم، وقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا يشفع في الحدود، وقال: لا تورث الشفعة " (1) وبأن ملك الوارث متجدد فلا يستحق به شفعة. واجيب عن الرواية بأنها وإن كانت قوية أو موثقة إلا أن هذا غير مجد، بعد إعراض من قال بأنها تورث من الاعلام، وعما ذكر من أن ملك الوارث متجدد فلا يستحق به شفعة بأن الوارث يرث حق المورث فتجدد ملكه لا ينافي أخذ ما استحقه مورثه. ويمكن أن يقال ما ذكر مبني على كون جواز الاخذ بالشفعة من الحقوق المتروكة، ومع الشك في كونه من الحقوق واحتمال كونه مثل جواز رجوع الواهب إلى هبته، حيث إنه من الاحكام، ومثل جواز رجع المطلق المرأة المطلقة بالطلاق الرجعي مع التعبير بقوله تعالى " وبعولتهن أحق بردهن " واحتمال عدم كونه من الحقوق المتروكة كحق المضاجعة، وحق الخيار للاجنبي كيف يتمسك بعموم أدلة الارث والخبر المعروف. هذا، مع أن مادل على تعيين حقوق الورثة من الفرائض كيف يشمل الحقوق مع بساطتها، إلا أن يقال لا يبعد استفادة الحقية من رواية طلحة المذكورة، فإن التعبير بقوله صلى الله عليه وآله على المحكي " لا تورث الشفعة " يناسب مع القابلية للوراثة، والقابلية لا يناسب الحكم، بل يناسب الحق، لكن الرواية لم يأخذ بها المشهور، فتأمل. ثم إنه على القول بالوراثة يقع الاشكال في صورة عفو بعض وعدم عفو بعض آخر، وهذا نظير اختلاف الورثة إذا ورثوا الخيار، فإذا الشفيع ذاحق بسيط

[ 333 ]

له أن يأخذ المبيع وله أن يعفو، وليس له التبعيض بأخذ نصف المبيع مثلا بالشفعة والعفو بالنسبة إلى النصف، على المعروف، فمع ممنوعية المورث كيف يجوز للوارث التبعيض، فمع أخذ الجميع لا إشكال، وكذا مع عفو الجميع، وإلاشكال مع التبعيض، وما في المتن من أنه مع عفو بعض الورثة أخذ الباقون لا يرد الاشكال عليه من جهة التبعيض، لعدم التبعيض لكن يرد عليه أنه مع كون الحق لجميع الورثة كيف يجوز أخذ الباقين. وأما ما ذكر في المسألة الثانية من أنه مع اختلاف المشتري والشفيع في مقدار الثمن القول قول المشتري مع يمينه فهو المعروف، والوجه المذكور في المتن لا يوجب كون المشتري منكرا، لان المدعى زيادة الثمن الذي وقع البيع عليه على ما اتفقا عليه والشفيع ينكرها، والاصل عدم الزيادة. وقد يستشكل بأن النزاع بين المشتري والشفيع يرجع إلى شخصي العقد الذي لا قدر مشترك بينهما، فان الخمس مائه في ضمن الالف مثلا غيرها مستقلة ثمنا، فيكف يمكن حصول قدر متيقن بينهما والنزاع في غيره، فهما متباينان وما بينهما من الاتفاق الانتزاعي لا مدخلية له في تشخيص كونه ثمنا، كما هو واضح ومنه ينقدح أنه يتوجه كون كل منهما مدعيا بالنسبة إلى ذلك، لمخالفتهما للاصل. ويمكن أن يقال: ليس نزاعهما في شخصي العقدين بل يرجع النزاع إلى أن العقد الشخصي وقع على خمسمائة مثلا أو على الالف، فلا خلاف بينهما في وقوع الخمس مائة إما بحدها أو في ضمن الالف. أنه يتوجه كون كل منهما مدعيا بالنسبة إلى ذلك، لمخالفتهما للاصل. ويمكن أن يقال: ليس نزاعهما في شخصي العقدين بل يرجع النزاع إلى أن العقد الشخصي وقع على خمسمائة مثلا أو على الالف، فلا خلاف بينهما في وقوع الخمس مائة إما بحدها أو في ضمن الالف. نعم يمكن أن يقال: عدم الزيادة على المقدار المتيقن بنحو ليست الناقصة لا سابقة لها حتى يستصحب، وبنحو آخر لا أثر لها. ولا يبعد التمسك بالبرائة بأن يقال بعد أخذ الشفيع بالشفعة يرجع اختلافهما إلى أن اللازم على الشفيع إعطاء خمس مائة مثلا أو ألف، مقتضى البرائة عدم لزوم الالف، كما لو اختلف المؤجر والمستأجر في مقدار الاجرة، فيقال بعد تحقق

[ 334 ]

الاجارة يرجع الاختلاف بين المؤجر والمستأجر في مقدار الاجرة، فمقتضى البرائة لزوم الاقل، وهذا لا يرجع إلى أن العقد الواقع بين البايع والمشتري بأي نحو حتى يقال لا أصل في البين يعين نحو العقد، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. أنه يتوجه كون كل منهما مدعيا بالنسبة إلى ذلك، لمخالفتهما للاصل. ويمكن أن يقال: ليس نزاعهما في شخصي العقدين بل يرجع النزاع إلى أن العقد الشخصي وقع على خمسمائة مثلا أو على الالف، فلا خلاف بينهما في وقوع الخمس مائة إما بحدها أو في ضمن الالف. نعم يمكن أن يقال: عدم الزيادة على المقدار المتيقن بنحو ليست الناقصة لا سابقة لها حتى يستصحب، وبنحو آخر لا أثر لها. ولا يبعد التمسك بالبرائة بأن يقال بعد أخذ الشفيع بالشفعة يرجع اختلافهما إلى أن اللازم على الشفيع إعطاء خمس مائة مثلا أو ألف، مقتضى البرائة عدم لزوم الالف، كما لو اختلف المؤجر والمستأجر في مقدار الاجرة، فيقال بعد تحقق

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية