الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جامع المدارك - السيد الخوانساري ج 4

جامع المدارك

السيد الخوانساري ج 4


[ 1 ]

جامع المدارك في شرح المختصر النافع لمؤلفه الفقيه سماحة الحجة آية الله الحاج السيد احمد الخوانساري قدس سره علق عليه علي اكبر الغفاري الناشر مكتبة الصدوق طهران - جنب مسجد سلطاني تلفن 536513 - الجزء الرابع - الطبعة الثانية 1405 ه‍ ق

[ 2 ]

كتاب الوقوف والصدقات والهبات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على محمد وآله والطاهرين (أما الوقف فهو تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة ولفظه الصريح (وقفت) وما عداه يفتقر إلى القرينة الدالة على التأبيد، ويعتبر فيه القبض ولو كان لمصلحة كالقناطر أو موضع عبادة كالمساجد قبضه الناظر فيها، ولو كان على طفل قبضه الولي كالأب والجد للأب أو الوصي. ولو وقف عليه الأب أو الجد صح لأنه مقبوض بيده). حقيقة الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة أو الثمرة، وليس المراد من المنفعة ما يقابل العين، فإن مياه القنوات أعيان ومع ذلك تعد منافع ويصح الوقف باعتبار تسبيلها، ولعل التعبير بالتسبيل أولى من الإطلاق حيث أن التسبيل المراد منه جعل الشئ في سبيل الله وهو المناسب بجعل الوقف من الصدقات المعتبر فيها قصد القربة، وظاهر كلماتهم قدست أسرارهم اعتبار اللفظ الصريح أو ما يقوم مقامه مما كان مقرونا بالقرينة الدالة على التأبيد وتقريب هذا بأن العين الموقوفة لابد من خروجها عن ملك الواقف، فكل ما يحتمل مدخليته في تحقق الوقف لا بد من إحرازه. ويمكن أن يقال بعد صدق الصدقة مع عدم اللفظ كما لو بنا مسجدا بقصد المسجدية

[ 3 ]

أو بنا قنطرة لعبور المسلمين أو بنا مدرسة لطلاب العلوم الدينية يكون ما صدق عليه مشمولا لما دل على ترتب المثوبة وهو لازم الصحة ومع فرض كون الوقف عقدا محتاجا إلى الإيجاب والقبول يكون مشمولا لعموم (أوفوا بالعقود) بل لعموم (المؤمنون عند شروطهم) بناء على صدق الشرط على الالتزام، ولو لم يكن في ضمن التزام آخر، هذا مضافا إلى سيرة المسلمين حيث يعاملون معاملة الوقفية بالنسبة إلى المساجد والمدارس والمشاهد الشريفة وما يصرف في عمارتها بمجرد البناء والعمارة بقصد الوقفية مع عدم الانشاء اللفظي الصريح أو ما يقوم مقامه. وأما التأبيد في الحبس فالظاهر أنه مجمع عليه ولو لا الإجماع لأشكل إثبات لزومه بما استدل به من الأخبار المتضمنة لأوقاف الأئمة صلوات الله عليهم لإمكان أن يكون التأبيد المذكور فيها قيدا من دون المدخلية في حقيقة الوقف كما أن التأبيد غير مأخوذ في حقيقة الوقف المفسر بالتحبيس. وهل يكون الوقف من العقود يعتبر فيه القبول مطلقا أو لا يعتبر فيه مطلقا فيكون من الإيقاعات أو يفصل بين الوقف على الجهات العامة كالمساجد والمقابر ونحوهما، و الوقف على العناوين الكلية كالوقف على الفقراء وبين الوقف الخاص كالوقف على الذرية؟ يمكن أن يقال: إن احتمل مدخلية القبول في حقيقة الوقف فلا مجال للتفصيل بل لابد في الوقف من اعتبار القبول لأنه مع فرض وجود إطلاق يدل على محبوبية الوقف لابد من إحراز الوقفية، وإن لم يحتمل المدخلية في حقيقته فمع وجود الاطلاق يرفع اعتباره مطلقا، ومع عدم الاطلاق لابد من الاحتياط بناء على ما هو المعروف من أصالة الفساد في المعاملات، نعم بناء على جريان أصالة عدم الاعتبار تمسكا بحديث الرفع في أمثال المقام ينفي الاعتبار ويبعد اعتبار القبول أن القبول لابد أن يكون من طرف العقد أو من يقوم مقامه، والطرف في الوقف على الجهات العامة، والعناوين الكلية لا يكون قابلا لأن يتحقق منه القبول وما هو المعروف من قبول الحاكم أو الناظر للوقف لم يظهر وجهه فإن الناظر ليس طرفا للعقد ولا وليا له، والحاكم لم يثبت ولايته بحيث تعم مثل المقام وإن قلنا بالولاية العامة له، ألا ترى أنه لو وهب شيئا

[ 4 ]

للموجودين في البلد الرجال والنساء والولدان هل يصح قبول الحاكم حتى يتحقق الهبة بدون قبول الموهوب لهم أو قبول وكيلهم أو أوليائهم، وفي الوقف الخاص المعروف كفاية قبول الموجودين بأنفسهم أو وكيلهم أو أوليائهم مع أن الطرف ليس خصوص الموجودين ولا ولاية للموجودين على الطبقة اللاحقة المعدومين، ولا يبعد قيام السيرة على معاملة الوقفية على المساجد والمقابر والمدارس مع عدم تحقق القبول بل لا يبعد استفادة عدم الاعتبار من الأخبار الواردة في أوقاف الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين و الاحتياط لا ينبغي تركه. وأما اعتبار القبض فالظاهر أنه لا خلاف فيه واستدل عليه بما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يقف الضيعة، ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئا؟ فقال: إن كان وقفها لولده ولغيرهم ثم جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع فيها وإن كانوا صغارا وقد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها، وإن كانوا كبارا ولم يسلمها إليهم ولم يخاصموا حتى يحوزوها عنه فله أن يرجع فيها لأنهم لا يحوزونها عنه وقد بلغوا). (1) وما رواه الصدوق في كتاب كمال الدين وتمام النعمة بسنده إلى محمد بن جعفر الأسدي، عن محمد بن عثمان، عن صاحب الزمان عليه السلام، ورواه الطبرسي في الاحتجاج (2) عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي، عن محمد بن عثمان، عن صاحب الزمان عليه السلام قال: (وأما ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه فكل ما لم يسلم فصاحبه بالخيار وكل ما سلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى - إلى أن قال: - وأما ما سألت من أمر الرجل الذي يجعل لنا حيتنا ضيعة يسلمها لمن يقوم فيها ويعمرها ويؤدي من دخلها خراجها ومؤونتها ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب


(1) الوسائل ج 2 ص 652 كتاب الوقوف والصدقات ب 4 ح 4. (2) راجع الوسائل ص 653 تحت رقم 8

[ 5 ]

الضيعة قيما عليها إنما لا يجوز ذلك لغيره). ويمكن الاستدلال بخبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا؟ قال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لأن الوالد هو الذي يلي أمره، وقال عليه السلام: لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه الله (1)). وتقريب الاستدلال بأن الصدقة في لسان الأخبار تطلق على الوقف فإذا كان السؤال عن التصدق القابل لأن يكون المراد منه الوقف فالجواب باشتراط القبض من دون السؤال عما أريد من المتصدق يشمل صورة الوقف، فلا يرد ما عن المسالك من احتمال الاختصاص بالصدقة غير الوقف ولا حاجة إلى التمسك بفهم الأصحاب (قدس الله أسرارهم) حتى يسشكل بأنه مع عدم وجود قرينة على ما ذكروا كيف يؤخذ به، و ما ذكر في المسالك مؤيدا للحمل على الصدقة غير الوقف مما ذكر في آخر الحديث. و قال: (لا يرجع في الصدقة - الخ) حيث أن الحكم من خواص الصدقة الخاصة لا الوقف يشكل من جهة منع كون هذا الحكم من خواص الصدقة الخاصة. نعم قد يستشكل في اعتبار القبض في الوقف على الجهات العامة من جهة اختصاص الأخبار المذكورة بغيره ولا يبعد التمسك بما في بعضها من التعليل فإن قوله عليه السلام على المحكى في الصحيح عن الصفوان (لأنهم لا يحوزونها وقد بلغوا) لعله يستظهر منه أن الحيازة معتبرة في تمامية الوقف من دون الاختصاص بخصوص المورد، وعلى هذا يشكل الاكتفاء في الوقف على الجهات العامة بقبض الناظر إذا كان خارجا عن العنوان، ففي مثل المدارس يتحقق القبض بتصرف الطلبة، وفي مثل القناطر يتحقق بعبور المارين فمع كون الناظر خارجا كيف يكتفي بقبضه، نعم لو وقف أرضا مثلا على أن يصرف منافعها لجهة المسجد بأن تصرف للماء اللازم للوضوء والسراج والخادم مثلا فالظاهر كفاية قبض المتولي للمسجد ومع عدم المتولي يتصدى الحاكم أو عدول المؤمنين، ولو كان الوقف على الطفل بقبض وليه من الأب والجد والوصي والمراد منه الذي جعله


(1) المصدر ص 653 ب 4 تحت رقم 5:

[ 6 ]

الأب الولي أو الجد للأب قيما على الطفل، والدليل على كفاية قبض الولي صحيح صفوان وخير عبيد بن زرارة، وعلى كفاية قبض القيم ما دل على كونه قائما مقام الولي الشرعي. ولو وقف الأب أو الجد للأب كفى كون العين الموقوفة بيده في القبض لكن الظاهر اعتبار قصد كونها بيده بعنوان كونها راجعة إلى المولى عليه فمع الغفلة وعدم التوجه يشكل الكفاية، وهذا بملاحظة التعليل المذكور في بعض الأخبار بأنه يلى أمره. (والنظر إما في الشروط أو اللواحق. والشروط أربعة أقسام الأول في الوقف ويشترط فيه التنجيز، والدوام، والإقباض، وإخراجه عن نفسه، فلو كان إلى أمد كان حبسا، ولو جعله لن ينقرض غالبا صح. ويرجع بعد موت الموقوف عليه إلى ورثة الواقف طلقا، وقيل ينتقل إلى ورثة الموقوف عليه، والأول مروي، ولو شرط عوده عند الحاجة فقولان أشبههما البطلان). أما اشتراط التنجيز فهو المشهور بل ادعى الإجماع عليه فإن تم وإلا فلا دليل عليه من الأخبار وفي الحدائق لم أقف عليه في جملة من كتب المتقدمين وقد يقال ظاهر مادل على تسبيب الأساب ترتب آثارها حال وقوعها. ويشكل من جهة أن المراد من الأثر إن كان هو مالا حالة منتظرة معه فمن المعلوم أن الإيجاب قبل مجيئ القبول وكذا القبول قبل تحقق القبض فيما يعتبر فيه القبض لا يترتب عليهما الأثر بهذا المعنى حال وقوعهما، وإن كان المراد ما يترتب عليهما من حيث الجزئية فالاثر بهذا المعنى غير متخلف كما في الوجوب المشروط، فالعمدة الإجماع إن تم كما في سائر العقود والإيقاعات ولا يخفى أن نظرهم إلى اعتبار عدم التعليق على غير ما هو معلق عليه شرعا وعند العقلاء فلو علق البيع على الملكية والوقف على الملكية فالظاهر عدم الاشكال فيه كما لو علق الطلاق على الزوجية لأن التعليق في أمثال هذه محقق. وأما اشتراط الدوام فقد سبق الكلام فيه. وأما اعتبار الإقباض الظاهر في كونه بإذن الواقف فلا يكتفى بالقبض بدون الإذن فهو المشهور وقد يستدل عليه بما ورد عن صاحب الزمان أرواحنا له الفداء وفيه

[ 7 ]

(فكل ما لم يسلم فصاحبه بالخيار، وكل ما سلم فلا خيار) لكن في صحيح صفوان (فله أن يرجع فيها لأنهم لا يحوزونها) وظاهره كفاية الحيازة، ولو لم يكن بإذن الواقف، ومع التعارض لا يبعد التمسك بعموم ما دل على ترتب المثوبة على الصدقة الجارية حيث أن ترتبها فرع الصحة فتأمل. وقد يعلل لزوم الإذن بأنه بدون الإذن تصرف في مال الغير بدون إذنه وهو حرام، ويرد عليه أولا أنه أخص من المدعى لإمكان أن يكون العين الموقوفة بيد الموقوف عليه بعنوان العارية أو الوديعة أو يكون الموقوف عليه وكيلا مجازا في التصرف. والإذن في ضمن العارية أو الوديعة أو الوكالة غير مربوط بالإذن بعنوان الوقفية، وثانيا أنه مع فرض الحرمة التكليفية نقول لا منافاة بين هذه الحرمة وبين صحة الوقف وضعا وقد سبق نظير هذا الكلام في القبض المعتبر في الرهن في كتاب الرهن. وأما اعتبار إخراجه عن نفسه فالظاهر عدم الخلاف فيه إلا ما حكي عن ابن الجنيد واستدل عليه بمكاتبة علي بن سليمان إلى أبي الحسن عليه السلام " جعلت فداك ليس لي ولد ولي ضياع ورثتها عن أبي وبعضها استفدتها ولا آمن الحدثان، فإن لم يكن لي ولد وحدث بي حدث فما ترى جعلت فداك لي أن أقف بعضها على فقراء إخواني والمستضعفين أو أبيعها وأتصدق بثمنها عليهم في حياتي فأني أتخوف أن لا ينفذ الوقف بعد موتي، فإن وقفتها في حياتي فلي أن آكل منها أيام حياتي أم لا؟ فكتب عليه السلام فهمت كتابك في أمر ضياعك فليس لك أن تأكل منها من الصدقة فإن أنت أكلت منها لم تنفذ إن كان لك ورثة فبع وتصدق ببعض ثمنها في حياتك، وإن تصدقت أمسكت لنفسك ما يقوتك مثل ما صنع أمير المؤمنين عليه السلام (1) ". وخبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه " إن رجلا تصدق بدار له وهو ساكن فيها فقال عليه السلام: الحين اخرج منها (2) ". ونوقش بأن الخبرين مع عدم وفائهما بجميع صور المسألة يمكن الخدشة في


(1) و (2) الوسائل كتاب الوقوف والصدقات ب 3 تحت رقم 1 و 4.

[ 8 ]

دلالتهما، أما الخبر فواضح إذ ليس مقتضاه إلا وجوب الخروج عن الدار بعد أن وقفها على غيره ولا دلالة فيه على عدم جواز الوقف على نفسه، وأما المكاتبة فالظاهر أنه أيضا كذلك فالمراد أنه إذا وقف على الفقراء لا يجوز أن يأكل مادام حياته، ولا دلالة فيها على عدم جواز أن يجعل شيئا من الوقف لنفسه مدة حياته، ويمكن أن يقال: لعل نظر المستدل بالخبر المذكور إلى أنه مع صدق العنوان الموقوف عليه على الواقف ليس له أن تسكن فيها فإنه مع كون الوقف على الغير لا شبهة في كون الواقف أجنبيا ليس له التصرف ولا أقل من شمول مورد السؤال إن كان سؤال في البين لما ذكر من صدق العنوان على نفس الواقف فإذا لم يجز له التصرف في هذه الصورة فلعل صورة الوقف على نفسه بالاستقلال لا تصح بطريق أولى. وأما المكاتبة فلعل نظر المكاتب إلى أنه مع الوقف على المستضعفين وكون نفسه منهم يجوز له أن يأكل منه أم لا، فأجيب بعدم الجواز وإلا فالوقف على الإخوان كيف يجوز للواقف الخارج أن يأكل منه حتى يحتاج إلى السؤال ولا أقل من احتمال كون نظر السائل إلى ما ذكر فالجواب بالمنع مع هذا الاحتمال يشمل هذه الصورة وإلا للزم السؤال عن مراد السائل، ثم إنه بعد الفراق عن اعتبار التأبيد في الوقف فلو جعله إلى أمد كان حبسا ولا يكون باطلا كما قيل لكفاية قصد حقيقة الحبس وهو متحقق وتخيل أنه وقف يترتب عليه آثار الوقفية لا يضر ولم يؤخذ في مفهوم الوقف التأبيد حتى يقال مع قصد الوقف في الإنشاء كيف يتحقق ما هو مباين له، ولا مجال أيضا لدعوى التباين من جهة أن مقتضى الوقف الخروج عن ملك الواقف والدخول في ملك الموقوف عليه، ومقتضى الحبس عدم الخروج عن ملك الحابس لأن الخروج عن ملك الواقف في الوقف من جهة التأبيد وهو منتف. ويمكن أن يقال ما ذكر من أنه إذا جعله إلى أمد يكون حبسا في ما يكون قابلا للبقاء، وأما ما لا يكون قابلا للبقاء وذا منفعة فلا مانع من كونه إلى أمد يكون منتهى ماليته وكونه ذا منفعة فلا مانع من كونه وقفا مع ذكر الأمد وخروجه عن ملك الواقف حيث انه كما أن الحبس الأبدي لا يلائم مع بقاء الملكية والمالية للواقف عند العقلاء كذلك لو حبس ما لعمره أمد إلى آخر عمره لا يلائم حبسه كذلك مع بقائه

[ 9 ]

على الملكية والمالية للحابس، نعم لو وقف مثل بستان أو دار ونحوهما مما له عنوان خاص ينتفع به مع بقاء العنوان فزال العنوان كأن صار البستان عرصة وانهدمت الدار وصارت عرصة لا يخرج الأرض في مثل الدار والبستان بل والأشجار اليابسة عن المالية مع حفظ الدوام. وأما لو جعله لمن ينقرض غالبا فالمشهور أنه صح وقفا ومقتضى القاعدة بقائه على ملك الحابس ومع موته قبل الانقراض يرجع إلى من يرثه عند الموت ولم يظهر فرق بين الوقف بهذا النحو والحبس كما ذكر قولا آخر به، نعم من التزم بأن العين الموقوفة تنتقل إلى الموقوف عليه وتخرج عن ملك الواقف يفرق بين الوقف والحبس في المقام حيث إنه على الوقف يخرج عن ملك الواقف بخلاف القول بكونه حبسا لكن مع ذلك إن قلنا بأنه بعد الانقراض ينتقل إلى ملك ورثة الواقف حين موته لا تظهر ثمرة، وإن قلنا بالانتقال إلى ورثته حين انقراض الموقوف عليه تظهر الثمرة لكن الحق أنه لا دليل على انتقال العين الموقوفة إلى الموقوف عليه، غاية الأمر في الوقف المؤبد حيث إنه لا أمد له لا يعتبر العقلاء الملكية للواقف ولا يوجب هذا كون العين الموقوفة ملكا للموقوف عليهم أو للجهة ولا مانع من كونها بلا مالك، وما ذكر لا يجري في الوقف المنقطع، واستدل على الصحة وإن كان حبسا في الواقع بصحيح ابن مهزيار " قلت له: روي بعض مواليك عن آبائك عليهم السلام إن كل وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة وكل وقف إلى غير وقت جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة وأنت أعلم بقول آبائك عليهم السلام؟ فكتب عليه السلام هو كذلك عندي " (1). وقد يقال: إن المراد من التوقيت وعدمه فيه هو ذكر الموقوف عليه وعدمه بقرينة صحيح الصفار " كتبت إلى أبي محمد عليهما السلام أسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو، فقد روي أن الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان موقتا فهو صحيح ممضى، وقال قوم: إن الموقت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان وعقبه فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال:


(1) الوسائل ج 2 ص 655 ب 7 تحت رقم 1:

[ 10 ]

وقال آخرون: هو موقت إذا ذكر أنه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره الفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والذي هو غير موقت أن يقول: هذا وقف ولم يذكر أحدا فما الذي يصح من ذلك والذي يبطل؟ فوقع عليه السلام: الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله (1) ". وأورد على هذا القائل أولا أن كلا منهما يعني الخبرين خبر مستقل ولا وجه لجعل أحدهما قرينة على الآخر بل اللازم الأخذ بمفاد كل منهما، وثانيا أنه يمكن حمل الثاني أيضا على إرادة المدة من التوقيت فيه ويكون ذكر الموقوف عليه على الوجه المذكور لبيان المدة وحاصل السؤال أن الموقت فسر بوجهين أحدهما مع التأبيد والآخر بدونه فأيهما الصحيح، ومقتضى قوله عليه السلام " الوقوف - إلى آخره " صحة كل منهما. ويمكن أن يقال: إن ما ذكر من الإيراد أولا على قول القائل يشكل من جهة أنه يظهر أن الوقف الموقت والغير الموقت كانا معروفين ويريد السائل السؤال عن المراد بعد معلومية اختلاف حكمهما، فالظاهر أن الوقف الموقت بكلا المعنيين صحيح وإن كان ما لم يذكر فيه التأبيد حبسا حقيقة في مقابل الوقف المؤبد. وأما شرط العود إلى نفسه عند الحاجة فالمحكي عن الأكثر صحته وعن جماعة البطلان واستدل للقول بالبطلان بخبر إسماعيل بن الفضل عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير وقال: إن احتجت إلى شئ من المال فأنا أحق به، ترى ذلك له؟ وقد جعله لله يكون له في حياته فإذا هلك الرجل يرجع ميراثا أو يمضى صدقة؟ قال عليه السلام: يرجع ميراثا على أهله ". (2) ونقله في المسالك وقال: " إن احتجت إلى شئ من مالي أو من غلته فإني أحق به أله ذلك وقد جعله لله؟ وكيف يكون حاله إذا هلك الرجل أيرجع ميراثا - إلى آخر -).


(1) المصدر ب 7 تحت رقم 2. (2) المصدر ب 3 تحت رقم 3.

[ 11 ]

وخبره الآخر عنه عليه السلام أيضا " من أوقف أرض ثم قال: إن احتجت إليها فأنا أحق بها، ثم مات الرجل فإنها ترجع إلى الميراث " فإن حكمه عليه السلام بالرجوع إلى الميراث بعد السؤال عن صحة هذا الشرط وعدمها وعن رجوعه ميراثا وعدمه إذا شرط هذا الشرط في الخبر الأول وبالرجوع إليه في الخبر الثاني بقول مطلق من غير سبق سؤال ظاهر في بطلانه. ويمكن أن يقال: إن الخبر الأول ظاهر في أن المتصدق هل له أن يشترط الشرط المذكور مع أنه جعله لله فكأن صحة التصدق مفروغ عنها والسؤال عن صحة الشرط وفسادها فأجيب ظاهرا بصحة الشرط المذكور وقرر على صحة التصدق فالخبر دليل على الصحة لا على الفساد، والخبر الثاني لو لم يكن فيه ما ذكر فيه " فانها ترجع إلى الميراث " لكان ظاهرا في البطلان، لكن معه لا ظهور له ولا أقل من الإجمال ومعه لا مجال لرفع اليد عن ظهور الخبر الأول في الصحة. (الثاني في الموقوف ويشترط أن يكون عينا مملوكة ينتفع بها مع بقائها انتفاعا محللا ويصح إقباضها مشاعة كانت أو مقسومة). إذا كان حقيقة الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة كما يظهر من بعض الأخبار فلابد أن يكون الموقوفة عين لها منفعة واعتبار المملوكية بمعنى كونها تحت سلطنة الواقف لأنه مع عدم السلطنة ليس للواقف التحبيس والتسبيل فما كان الانتفاء به بإتلافه لا يصح وقفه، وعلى هذا فلا مانع من وقف الدين والكلي في الذمة مع القابلية للبقاء والانتفاع بالمنافع لكن ادعي الإجماع على عدم الصحة، فإن تم الاجماع وإلا فلا مانع حيث يصح الاقباض وبقاء العين والانتفاع بالمنفعة، والظاهر أن الاجماع في خصوص الكلي في الذمة لا الكلي في المعين فإن الظاهر أن حاله حال المشاع الذي لا إشكال في صحة وقفه، وما يقال من أن المستفاد من قوله صلى الله عليه وآله " حبس الأصل سبل الثمرة " وما وقع من وقوف المعصومين اعتبار فعلية التهيؤ للمنفعة في الأصل الذي يراد حبسه ولا ريب في انعدام التهيؤ فعلا للكلي المسلم فيه مثلا ممنوع. وأما اعتبار كون المنفعة المقصودة محللة فلا شبهة فيه حيث إن الشارع لم يجوز

[ 12 ]

الانتفاع بالمنافع الغير المحللة فكيف يمضي الوقف الذي يكون النظر فيه إلى المنافع المحرمة كوقف الدابة لحمل الخمر مثلا مضافا إلى التعبير بالصدقة في لسان الأخبار، وبعد اعتبار الاقباض لابد من صحة الاقباض فلا يصح وقف الطير في الهواء ولا وقف العبد الآبق ولو مع الضميمة مع اليأس عن العثور عليه نعم لو قدر الموقوف عليه على القبض مع إذن الواقف فالظاهر الصحة، بل لا يبعد الصحة مع احتمال التمكن إذا حصل التمكن، ولا إشكال ولا خلاف في صحة وقف العين المشاعة وقبضها كقبض العين المبيعة. (الثالث في الواقف ويشترط فيه البلوغ، وكمال العقل، وجواز التصرف، وفي وقف من بلغ عشرا تردد، المروي جواز صدقته، والأولى المنع، ويجوز أن يجعل الواقف النظر لنفسه على الأشبه، وإن أطلق فالنظر لأرباب الوقف). لا إشكال في عدم صحة تصرفات غير البالغ بالاستقلال، ومع إجازة الولي المشهور عدم الصحة، وإثباته بحسب الأدلة مشكل، وقد مر الكلام فيه في كتاب البيع، و أما البالغ عشر سنين فقد اختلفوا في صحة وقفه، والمشهور عدم صحته لعموم مادل على عدم صحة تصرفات غير البالغ، وعن المفيد (قدس سره) صحة وقفه ولعله للأخبار الواردة في جواز صدقته بناء على أن المراد منها ما يشمل الوقف أيضا ففي خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام " إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حد معروف وحق فهو جائز ". (1) وفي موثقة جميل بن دراج عن أحدهما عليهما السلام " يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم " (2) وفي موثقة الحلبي، ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام " سئل عن صدقة الغلام ما لم يحتلم؟ قال عليه السلام: نعم إذا وضعها في موضع الصدقة " (3) وقد يستشكل بأنه يمكن أن يقال إن المراد من الصدقة في هذه الأخبار الصدقات الجزئية الصادرة منه لا مثل الوقف، ولا أقل من الشك فالأقوى عدم الصحة، ولم يظهر وجه للإشكال إلا دعوى الانصراف وهي ممنوعة خصوصا مع


(1) إلى (3) الوسائل كتاب الوقوف والصدقات ب 15 تحت رقم 1 و 2 و 3

[ 13 ]

ذكر العتق والوصية وعلى أي تقدير الظاهر عدم الإشكال في صحة وصيته للأخبار المأمول بها فإذا أوصى بالوقف صح عنه وقف الوصي. وأما اشتراط كمال العقل وجواز التصرف فإن كان النظر فيه إلى إخراج المجنون فوجهه واضح وإن كان النظر إلى إخراج السفيه فمن جهة ممنوعيته بالنسبة إلى أمواله، وأما تصرفاته بالنسبة إلى مال الغير كما لو وكله الغير أو كان وصيا فلا مانع له. وأما جواز جعل النظر لنفسه فالظاهر عدم الإشكال فيه واستدل عليه بما دل على وجوب الوفاء بالشروط إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا ولا يبعد التمسك بما في التوقيع الخارج من الناحية المقدسة " وأما ما سألت من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة يسلمها من قد يقوم بها ويعمرها ويؤدي من دخلها خراجها ومؤونتها و يجعل ما يبقى من الدخل لناحيتنا فإن ذلك لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها إنما لا يجوز ذلك لغيره - الحديث " (1) بملاحظة ذيله " فان ذلك لمن جعله - الخ " فإنه يشمل نفسه إلا أن يقال: لم يعلم كون الضيعة وقفا ولعلها كانت حبسا فلم يخرج عن ملك الحابس ومن المعلوم أن الأختيار للمالك. وأما التمسك بما دل على وجوب الوفاء بالشروط فلا يخلو عن الاشكال لأنه إن كان الشرط خصوص ما كان في ضمن العقد كالبيع والإجارة فشموله للمقام مبني على كون الوقف من العقود، وفيه إشكال، ثم إن ظاهر مادل على وجوب الوفاء أن ما شرط على نفسه يجب الوفاء به وليس كون النظر لنفسه أو لغيره مما شرط على نفسه حتى يجب الوفاء، نعم إن كان مفاد الأدلة لزوم كل شرط كلزوم العقد أمكن الاستدلال به مع قطع النظر عما ذكر، ويمكن التمسك لصحة جعل التولية للغير بحكاية صدقة الكاظم عليه السلام (2) بأرضه وقد جعل على المحكي الولاية فيها إلى الرضا عليه السلام وابنه إبراهيم ثم على من بعدهم على الترتيب المذكور في الخبر، وأما التمسك بما ورد من " أن الوقوف


(1) تقدم ص 4. (2) راجع الوسائل ج 2 ص 655 -

[ 14 ]

على ما يوقفها أهلها " فلا يخلو عن الاشكال لأن تعيين الناظر ليس من كيفية الوقف ولا أقل من الشك. هذا مع التعيين وأما مع عدم التعيين ففيه أقوال فنقول: لا مجال لاحتمال كونه للواقف سواء قلنا بخروج الموقوفة عن ملكه كما في الوقف المؤبد أم لا كما في الوقف المنقطع الآخر إن قلنا بكونه وقفا لا حبسا لكون الواقف في الصورة الأولى أجنبيا و كذا في الصورة الثانية لأن الملكية بهذا النحو لا توجب حقا للمالك بالنسبة إلى زمان الحبس أو الوقف ألا ترى أن المؤجر لا حق له بالنسبة إلى المنافع الراجعة إلى المستأجر وقد يدفع احتمال كون التولية راجعة إلى الموقوف عليهم بأنهم بالنسبة إلى الطبقة اللاحقة أجنبيون ويشكل بأن هذا يوجب سلب سلطنتهم بالنسبة إلى الطبقة اللاحقة دون الطبقة الموجودة وإذا كان منافع العين الموقوفة راجعة إلى صنف خاص بنحو التشريك كالوقف على الأولاد ففي الحقيقة تكون المنفعة مشتركه بين أشخاص و هم مسلطون على أموالهم فلا حاجة إلى تولي غيرهم من الحاكم أو عدول المؤمنين إلا مع قصورهم كما لو كانوا صغارا أو مجانين أو سفهاء، ومع عدم التشريك كما لو كانوا الموقوف عليهم غير محصورين فلا مانع من كون الموقوف عليهم حالهم حال من ابيح لهم الأنفال حيث لا يكون تصرفهم محتاجا إلى إذن الغير وتعيينه كوقف المعابر والقناطر والمقابر. ومما ذكر ظهر أنه على فرض عدم الملكية للموقوف عليهم وكونهم مصرفا أيضا لا إشكال، ومما ذكر يظهر حال الوقف على الجهات العامة والحاصل أنه لم يظهر وجه للزوم مداخلة الحاكم أو عدول المؤمنين من جهة تصرف الموقوف عليهم أو تصرف الناس في الوقف على الجهات، نعم إذا احتاج العين الموقوفة إلى الإصلاح والعمارة يتولى الحاكم أو عدول المؤمنين أو غيرهم. (الرابع في الموقوف عليه ويشترط وجوده وتعيينه، وأن يكون ممن يملك وأن لا يكون الوقف عليه محرما فلو وقف على من سيوجد لم يصح، ولو وقف على موجود وبعده على من يوجد صح، والوقف على البر يصرف على الفقراء ووجوه القرب، ولا يصح وقف المسلم على البيع والكنائس، ولو وقف على ذلك الكافر صح. وفيه وجه آخر. ولا يقف المسلم على الحربي ولو كان رحما، ويقف على الذمي

[ 15 ]

ولو كان أجنبيا). أما اشتراط وجود الموقوف عليه ففي الجملة لا إشكال فيه، فمع عدم القابلية للوجود بعد ذلك كما لو وقف دارا لسكني زيد فتبين موته فلا إشكال في بطلانه لعدم اعتبار العقلاء وأما صورة القابلية للوجود كالوقف على من سيوجد ويوجد بعد الوقف فأدعي الإجماع على بطلانه وعلل بأن الملكية صفة وجودية تستدعى محلا موجودا فإن تم الإجماع وإلا فالوجه المذكور لا يثبت المدعى لأنه من المسلم صحة الوقف على الطبقة الموجودة والطبقة اللاحقة المعدومة في زمان الطبقة الموجودة، والقواعد العقلية غير قابلة للتخصيص ويرد النقص بتمليك الثمرة المعدومة، والظاهر عدم الإشكال في صحة الوقف على الحجاج والزوار وإمام مسجد خاص مع عدم وجودهم بالعناوين المذكورة في الوقف، وأما لزوم تعيين الموقوف عليه فالظاهر عدم الخلاف فيه فلا يصح مع عدم التعيين فإن تم الإجماع عليه وإلا فالوجه العقلي وإن الملكية صفة وجودية تحتاج إلى محل معين لا يتم كما في طرف المملوك حيث يصح الوصية بأحد العبدين. وأما اشتراط القابلية للتملك فهو مبني على كون منافع العين الموقوفة ملكا للموقوف عليهم ويتفرع عليه عدم صحة الوقف على المملوك على القول بعدم أهليته للتملك ولا على الحربي على القول بعدم تملكه لما في يده حيث إن ماله فيئ للمسلمين ولا على المرتد الفطري حيث إن أمواله لورثته، ويشكل بمنع كون الوقف بقول مطلق تمليكا للمنفعة. وثاينا لا نسلم عدم التملك للمذكورين فإن الحق أن العبد يملك غاية الأمر أنه محجور ولا نسلم عدم تملك الحربي، والمرتد الفطري يقسم أمواله المتملكة في زمان إسلامه بين ورثته وأما أمواله التي حصلت له بعد الارتداد فلا يستفاد من الأدلة إنتقالها إلى ورثته. وأما اشتراط أن لا يكون الوقف عليه محرما كمعونة الزناة والشاربين للخمر و شراء الكتب المحرفة من التوراة والإنجيل فالظاهر عدم الخلاف فيه وعلل بأنه إعانة

[ 16 ]

على المحرم فمع اعتبار قصد القربة في الوقف لا إشكال ومع عدم اعتباره إيضا يمكن أن يقال: إذا كان منهيا عنه فهو غير ممضى شرعا، كما يظهر مما ورد في نكاح العبد بغير إذن المولى من أنه ما عصى الله وإنما عصى سيدها فما كان معصية لله تبارك وتعالى لا يصح ولا ينافي هذا صحة وقف الكفار البيع والكنائس لأنهم مقرون على مذاهبهم مع تحقق الشرائط كصحة بيع الخمر والخنزير بينهم. وأما الوقف على من سيوجد فادعي الإجماع على بطلانه وقد سبق الإشكال فيه لولا الاجماع، وأما الوقف على موجود وبعده على من يوجد فلا إشكال في صحته. والوقف على البر يصرف على الفقراء ووجه القرب. وقد ظهر مما ذكر عدم جواز الوقف على البيع والكنائس للمسلم وإن جاز للكافر من جهة كونه مقرا على مذهبه. وأما وقف المسلم للحربي ففيه أقوال والظاهر عدم الاشكال لما دل على جواز الصدقة عليه وللآية الشريفة " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم " وأما قوله تعالى " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم " فلا يظهر منه المنع لعدم الملازمة بين التصدق على الكافر والاحسان إليه وبين الموادة فان الآية الشريفة آبية عن التخصيص و لا إشكال في جواز اكرام الضيف الكافر والإحسان إليه كما حكي من عيادة اليهودي المريض وقد يقال: المنع المستفاد من الآية إنما هو عن الموادة من حيث كونها محادة لا مطلقا فلا تدل على المنع في المقام، ويشكل من جهة أنه إذا قال المولى لعبده: لا تعاشر الفاسق فلا يستفاد منه النهي عن معاشرة الفاسق من حيث فسقه بل يظهر منه النهي عن المعاشرة مطلقا. نعم الظاهر من الآية السابقة " لا ينهاكم الله - إلى آخره " التقييد بعدم كون الكافر ممن يقاتل في الدين وممن يخرج المسلمين من ديارهم فيشكل الوقف على من يقاتل في الدين ويخرج المسلمين من ديارهم. (ولو وقف المسلم على الفقراء انصرف إلى فقراء المسلمين، ولو كان كافرا انصرف إلى فقراء نحلته والمسلمون من صلى إلى القبلة، والمؤمنون الاثنى عشرية وهم الإمامية

[ 17 ]

وقيل مجتنبوا الكبائر خاصة. والشيعة: الإمامية والجارودية. والزيدية: من قال بإمامة زيد. والفطحية: من قال بالأفطح. والإسماعيلية: من قال بإسماعيل بن جعفر عليه السلام. والناوسية: من وقف على جعفر بن محمد عليهما السلام. والواقفية: من وقف على موسى بن جعفر عليهما السلام. والكيسانية: من قال بإمامة محمد بن الحنفية. ولو وصفهم بنسبة إلى عالم كان بمن دان بمقالته كالحنفية، ولو نسبهم إلى أب كان لمن انتسب بالأبناء دون البنات على الخلاف كالعلوية والهاشمية، ويتساوى فيه الذكور والإناث. وقومه أهل لغته، وعشيرية الأدنون في نسبه. ويرجع بالجيران إلى العرف وقيل بمن يلي داره إلى اربعين ذراعا. وقيل إلى أربعين دارا وهو مطرح). دعوى الانصراف في الفقراء لا تخلو عن الاشكال خصوصا إذا كان الواقف ممن لا يفرق بين الفقراء ويكون نظره إلى إعانة الضعيف كائنا من كان، وعلى فرض التسليم لا يبعد الانصراف إلى أهل مذهبه وما ذكر في تفسير بعض العناوين يشكل الأخذ به بنحو الاطلاق لاختلاف الأعصار فلا بد من ملاحظة عرف الواقف ففي عرفنا لا يختص المؤمن بمجتنبي الكبائر ولعل الشيعة خصوص الاثنى عشرية ولا أقل من الانصراف، ولا يراد من القوم أهل اللغة بل العشيرة الأدنون وإن اختلف اللغة. وقد اختلف الأخبار في تفسير المؤمن فيستفاد من بعضها أن الإيمان مركب من الإقرار باللسان والاعتقاد بالجنان والعمل بالأركان، ويستفاد من بعضها أنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وقد يجمع بحمل المطلق على المقيد ولا يخفى الإشكال فيه فإن مقام التحديد والتعريف لا يناسب الإطلاق وضرب القانون حتى يقيد، والاولى حمل مادل على مدخلية العمل بالأركان على المرتبة الكاملة ويؤيد ما ذكر ما روي في مقاتلة أصحاب أمير المؤمنين صلوات الله عليه مع أصحاب معاوية من ذكر الآية الشريفة " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - الآية " وعلى فرض التسليم الحمل على المعنى المذكور في الأخبار مبني على توجه الواقف إلى ذلك المعنى ولذا لو وقف غير الشيعة الاثنى عشرية من فرق المسلمين لا ينصرف إلى معنى المذكور بل يحمل

[ 18 ]

على المعروف بينهم. وأما الجيران فالمرجع فيهم العرف كما عن جماعة، وعن المشهور الحمل على من يلي داره إلى أربعين ذراعا، واختار صاحب الحدائق الحمل على من يلي داره إلى أربعين دارا واستدل بأخبار منها الصحيح أو الحسن عن جميل، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " حد الجوار أربعين دارا من كل جانب من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ". (1) ومنها الخبر عن عمرو بن عكرمة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل أربعين دارا جيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله (2) ". والأخبار محمولة على ترتب الآثار الشرعية مثل تأكد استحباب حضور المسجد لجاره واستحباب حسن الجوار ولا توجب حمل كلام الناس عليه كما لو أمر السيد عبده بإضافة جيرانه. وأما الوقف على من انتسب إلى أب فالمشهور الاختصاص بأولاد الأبناء كما ذكر في كتاب الخمس، ومن قال هناك بعدم الاختصاص يقول به في المقام. (لو وقف على مصلحة فبطلت قيل: يصرف إلى البر، وإذا شرط إدخال من يوجد مع الموجود صح، ولو أطلق الوقف وأقبض لم يصح إدخال غيرهم معهم، أولادا كانوا أو أجانب وهل له ذلك مع أصاغر ولده؟ فيه خلاف والجواز مروي، أما النقل عنهم فغير جائز). لو وقف على مصلحة فبطلت، حكي عن الشيخ وجماعة أنه يصرف في وجوه البر وعلل بأن الملك خرج عن ملك الواقف بالوقف الصحيح أولا فلا يعود إليه والقربة الخاصة وإن تعذرت فإنه يصرف إلى غيرها من القرب لا شتراك الجميع في أصل القربة. ويرد عليه ما ذكره في المسالك من أنه لا يلزم من قصده القربة الخاصة قصد القربة. المطلقة، وقد يقال: إن المسألة وإن كانت غير منصوصة إلا أن لها نظائر في الشرع قد ورد الحكم فيها بما ذكره الأصحاب ويرجع الجميع إلى أنه مع تعذر ما عينه


(1) و (2) الكافي ج 3 ص 629 تحت رقم 2 و 1 على الترتيب.

[ 19 ]

المالك من وصية أو نذر أو نحو ذلك مما يجب إنفاذه شرعا فإنه مع تعذر المصرف المخصوص يصرف في وجوه البر، ولا يرجع إلى الورثة، فمن ذلك ما أوصى بأبواب عديدة من الموصي فنسي الوصي بابا أو أبوابا فإنه يصرف في وجوه البر كما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن ريان أنه " كتب إلى أبي الحسن محمد بن علي عليهما السلام يسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها كيف يصنع في الباقي؟ فوقع عليه السلام الأبواب الباقية اجعلها في البر (1)) ومن ذلك ما رووه عن علي بن مزيد صاحب السابري عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل يتضمن أنه " أوصى رجل بتركته إلى علي المذكور وأمره أن يحج بها عنه، قال: فنظرت فإذا هو شئ يسير لا يكفي للحج فسألت الفقهاء من أهل الكوفة، فقالوا تصدق بها عنه فتصدق به، ثم لقى بعد ذلك أبا عبد الله عليه السلام فسأله فأخبره بما فعل فقال إن كان لا يبلغ أن يحج به من مكة فليس عليك ضمان وإن كان يبلغ ما يحج به فأنت ضامن (2)) والتقريب أنه قرره على الصدقة إذا لم يبلغ الحج به من مكة ولم يحكم بكونه ميراثا. ويمكن أن يقال: مع بطلان المصلحة لا يتحقق الوقف المؤبد ومع عدم التحقق لا يخرج العين الموقوفة من ملك الواقف وليس هذا رجوعا عن الوقفية إلى الملكية بل من أول الأمر ما خرج من ملكه نظير إجارة الدار مدة معينة مع عدم قابلية الدار بحيث تنهدم قبل بلوغ المدة حيث يقال ببطلان الإجارة من أول الأمر بالنسبة إلى بعض المدة فالمقام من قبيل الوقف على ما ينقرض فسواء سمي وقفا منقطع الآخر أو حبسا لا وجه لخروج الملك عن ملك الواقف وبعد موته يرجع إلى ورثته، ولا وجه لتنظير المقام بباب الوصية مع نسيان الوصي المصرف لصحة الوصية وخروج الملك عن الصلوح للوراثة فمع النسيان يصرف بحكم الشرع في وجوه البر، نعم رواية علي بن مزيد المذكورة إن تم سندها تؤيد مقالة المشهور إن حصل القطع بعدم الفرق بين الوصية والوقف وقد يقال: إنه إن كان يظهر من حال الواقف الإعراض عن المال الذي وقفه


(1) الوسائل ج 2 ص 676 ب 61 من كتاب الوصايا. (2) الوسائل كتاب الوصايا ب 87 تحت رقم 1.

[ 20 ]

أبدا وبالمرة بحيث لو سئل إذا لم يمكن الصرف في كذا كيف يصنع به يقول: يصرف في سائر الخيريات فالحكم هو الصرف في وجوه البر الأقرب إلى ذلك فالاقرب وإن لم يظهر من حاله ذلك بطل ورجع إلى الواقف أو وارثه. ويمكن أن يقال: محل الكلام ما لو وقف على مصلحة واتفق بطلانها مع القابلية لعدم البطلان ففي هذا النظر لا إعراض عن المال، نعم يتصور الإعراض التقديري بحيث لو سئل عن صورة بطلان المصلحة يقول كذا وكفاية الإعراض على تقدير محل إشكال، ثم إنه لا وجه مع الإعراض للصرف في وجوه البر الأقرب فالأقرب بل حاله حال سائر الأموال المعرض عنها يتصرف من أراد. وأما شرط إدخال من يوجد مع الموجود فالظاهر عدم الإشكال فيه إذا رجع الشرط إلى دخول من يوجد بخلاف شرط الإدخال، بمعنى أن يكون الدخول بفعل الواقف أو المتولي للوقف بحيث لو لم يدخل لم يكن داخلا فان الثاني تغيير للوقف وقد يتمسك بعموم " الوقوف - الخ " ويشكل من جهة أن الظاهر أنه ليس في مقام مشروعية الوقف بأي نحو أراد الواقف حيث إن لازمه جواز شرط الخيار وشرط إخراج الموقوف عليهم وإدخال غيرهم مقامهم، وببيان آخر هذه الرواية وإن وردت بعد السؤال عن الوقف الموقت وغير الموقت وعن صحة الوقف لكنه يشكل استفادة الاطلاق نظير ما لو سئل العبد عن بيع شئ من زيد أو عمرو فأجاب المولى أنت مختار فهل يكون مختارا في البيع من كل أحد أو يكون مختارا بالنسبة إلى ما سئل فتدبر واضيف أيضا خبر أبي طاهر البلالي المروي عن كمال الدين قال: كتب جعفر بن حمدان " استحللت بجارية - إلى أن قال - ولي ضيعة قد كنت قبل أن تصير إلي هذه المرأة سبلتها على وصاياي وعلى سائر ولدي على أن الأمر في الزيادة والنقصان منه إلي أيام حياتي وقد أتت هذه بهذا الولد فلم ألحقه في الوقف المتقدم المؤبد، وأوصيت إن حدث بي حدث الموت أن يجري عليه مادام صغيرا فان كبر اعطي من هذه الضيعة جملة مائتي دينار غير مؤبد، ولا يكون له ولا لعقبه بعد إعطائه ذلك في الوقف شئ فرأيك أعزك الله تعالى؟ فورد جوابها (يعني عن صاحب الزمان) أما الرجل الذي استحل بالجارية - إلى أن

[ 21 ]

قال - وأما إعطاؤه المائتي دينار وإخراجه من الوقف فالمال ما له فعل فيه ما أراد " (1) وهذه الرواية ليست ظاهرة في كون الضيعة بتمامها موقوفة بل لعل بعضها موقوف و بعضها متعلق الوصية ومتعلق الوصية يكون اختياره بيد الموصي مادام الحياة فان الوقف منجز قبل الموت والوصية معلقة على الموت هذا مضافا إلى أنه لم يظهر تصحيح أو توثيق من جهة السند، ومما ذكر ظهر حال ما لو أطلق الوقف وتحقق القبض فلا يصح إدخال غير الموقوف عليه لأن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها. وعن الشيخ في النهاية أنه إذا وقف على أولاده الأصاغر جاز أن يشترط معهم من يتجدد له من الأولاد وإن لم يشترط ذلك في العقد، وعن القاضي موافقة الشيخ بشرط عدم تصريحه بارادة الاختصاص بالسابقين واستدل على ما ذهب إليه الشيخ بجملة من الأخبار منها صحيح علي بن يقطين، عن أبي الحسن عليه السلام " عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده؟ قال عليه السلام: لا بأس بذلك " (2) ومنها خبر محمد بن سهل عن الرضا عليه السلام عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه؟ قال عليه السلام: لا بأس " (3). ومنها صحيح ابن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يجعل لبعض ولده شئ وهم صغار ثم يبدو له أن يجعل معهم غيرهم من ولده؟ قال عليه السلام: لا بأس ". (4) ومنها خبر علي بن جعفر عليه السلام " عن رجل تصدق على ولده بصدقة، ثم بدا له أن يدخل معه غيره فيه مع ولده أيصح ذلك؟ قال: نعم يصنع الوالد بمال ولده ما أحب والهبة من الوالد بمنزلة الصدقة من غيره ". (5) والمشهور منعوا ذلك وأعرضوا عن العمل بهذه الأخبار عملا بمقتضى القاعدة، و لصحيح آخر لابن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام " عن الرجل يتصدق ببعض ماله على بعض ولده ويبينه لهم أله أن يدخل معهم من ولده غيرهم بعد أن أبانهم بصدقة؟ قال


(1) كمال الدين ص 275. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب الخامس من كتاب الوقوف والصدقات.

[ 22 ]

عليه السلام: ليس له ذلك إلا أن يشترط أنه من ولد له فهو مثل من تصدق عليه فذلك له " المؤيد بخبر جميل " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يتصدق على ولده بصدقة وهم صغار أله أن يرجع فيها؟ قال عليه السلام: لا الصدقة لله عز وجل ". (1) وقد يقوي ما هو المشهور من جهة أن الأخبار المذكورة بعضها ضعيف السند مع عدم الجابر وبعضها ضعيف الدلالة كصحيح ابن الحجاج حيث إنه ليس فيه أنه من باب الوقف والصدقة ومع إعراض المشهور لا تقاوم الصحيح الثاني لابن يقطين مع إمكان حملهما على صورة إرادة التصدق أو على صورة عدم تحقق القبض. ويمكن أن يقال: أما ضعف الدلالة في صحيح ابن الحجاج فيشكل من جهة ترك الاستفصال بل الفرد الغالب الوقف وبذلك يستشكل في الحمل على صورة عدم تحقق القبض، وأما الحمل على مجرد العزم والإرادة فلا مجال له أصلا، وأما عدم عمل المشهور فلم يحرز أنه من جهة الإعراض أو من جهة الاخذ بالطرف الاخر ترجيحا أو تخييرا ولا يبعد أن يقال بعد معارضة الاخبار المذكورة مع الصحيح الثاني لابن يقطين يرجع إلى عموم " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " من جهة كونه مرجحا. وأما النقل إلى غير الموقوف عليهم فلا وجه لجوازه لعموم " الوقوف على حسب ما يوفقها أهلها " لكن هذا على تقدير حمل هذا الخبر على عدم جواز التغيير، وأما على حمل الخبر على صحة الوقف فهو غير مرتبط بهذا. (واما اللواحق فمسائل الأولى إذا وقف في سبيل الله انصرف إلى القرب كالحج والجهاد والعمرة وبناء المساجد، الثانية إذا وقف على مواليه دخل الأعلون و الأدنون، الثالثة إذا وقف على أولاده اشترك أولاده البنون والبنات الذكور والإناث بالسوية). إذا وقف في سبيل الله يصرف في كل ما يكون وصلة إلى الثواب والقول بالاختصاص بالجهاد كما عن ابن حمزة، أو بقسمته أثلاثا: ثلث للفقراء وثلث للحج وثلث للعمرة كما عن الشيخ لم يظهر عليه دليل والمراد انصراف منافع الموقوفة في القرب بمعنى


(1) الكافي ج 7 ص 21.

[ 23 ]

صرفها فيها ويدل على ما ذكر ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره (1) عن العالم المذكور في كتاب الزكاة وقال: " في سبيل الله قوم يخرجون إلى الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به، وفي جميع سبل الخير فعلى الامام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد " (2) وإذا وقف على مواليه ولفظ المولى مشترك بين مولى عتاقه أي المولى من الأعلى وهو المعتق له، ومولى نعمة وهو عتيقه وكان له الصنفان ولم تقم قرينة على إرادة أحد الصنفين، ففي بطلان الوقف أو صحته والصرف عليهما أو صحته لأحدهما وكذا الكلام لو أتى بالمفرد، وقد يفصل بين الاتيان بلفظ الجمع وبين الاتيان بلفظ المفرد أقوال مبنية على أن لفظ المولى مشترك معنوي كما يظهر من المحكى عن الشيخ - قدس سره - حيث جعله كلفظ الأخ الصادق على الأخ من الأبوين ومن الأب ومن الأم أو مشترك لفظي، وعلى الثاني هل يجوز استعمال المشترك في أكثر من معنى مطلقا أو يجوز في الجمع دون المفرد أولا يجوز مطلقا فعلى الأول يصرف عليهما وكذا على الثاني وكذا على الثالث إذا كان بلفظ الجمع دون المفرد فيبطل للاجمال أو يصح في أحدهما، وعلى الرابع أيضا يبطل أو يصح في أحدهما، وقد يقال: الظاهر أن المولى مشترك لفظي وليس كلفظ الأخ إذ لا جامع بين القسمين، والأقوى عدم جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى مطلقا ومع ذلك يصح بالنسبة إلى أحدهما ويعين بالقرعة أو يقسم بينهما على وجه الصلح القهري. ثم المناط في صحة الاستعمال وعدمها مذهب الواقف لا الحاكم والمفتي، و يمكن أن يقال: على فرض كون الاشتراك لفظيا لا مانع من جواز الاستعمال في أكثر من معنى مع صحته عند أهل اللسان وما ذكر من وجه الاستحالة محل إشكال لكن الظاهر أنه خلاف الظاهر يحتاج إلى القرينة وهذا كاف في عدم الحمل على الصنفين، ومع فرض الاستحالة يتصور الجامع بين الصنفين بأن يراد المسمى باسم المولى كما قيل في لفظ


(1) المصدر ص 275. (2) في المصدر (حتى ينفقوا به على الحج والجهاد)

[ 24 ]

الزيدين يراد فردان من المسمى بلفظ زيد لكنه خلاف الظاهر في المقام، فجواز الحمل وعدم جوازه ليس مبنيا على صحة الاستعمال وعدمها ومع عدم القرينة والاجمال يشكل القرعة، ألا ترى أنه لو علم بدين عليه إما لزيد أو لعمر وهل يعين بالقرعة، وأما ما ذكر من أن المناط في صحة الاستعمال وعدمها مذهب الواقف - الخ فيشكل بأن مجرد الصحة لا يوجب الظهور، وثانيا مع عدم صحة الاستعمال بنظر المفتي أو الحاكم يخرج اللفظ عن سنخ الألفاظ المستعملة في المحاورات فمع الحاجة إلى اللفظ المستعمل بالنحو الصحيح كيف يصح الوقف. وأما صورة الوقف على الأولاد بدون التفرقة فالظاهر عدم الإشكال في التساوي وعدم الفرق بين الذكور والاناث. (الرابعة إذا وقف على الفقراء انصرف إلى فقراء البلد ومن يحضره وكذا كل قبيل متبدد كالعلوية والهاشمية والتميمية، ولا يجب تتبع من لم يحضره). المعروف أنه مع كون الموقوف عليهم محصورين لابد من توزيع منافع العين الموقوفة عليهم وتشريكهم ومع عدم الحصر تصرف في البعض من دون توزيع إلا أن يكون مع عدم الحصر انصراف والفقراء غير محصورين، ودعوى انصرافهم إلى فقراء بلد الوقف مشكلة، نعم قد يستظهر من مكاتبة علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: " كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام أسأله عن أرض وقفها جدي على المحتاجين من ولد فلان بن فلان وهم كثيرون متفرقون في البلاد؟ فأجاب عليه السلام ذكرت الأرض التي وقفها جدك على فقراء ولد فلان بن فلان وهي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف، وليس لك أن تتبع من كان غائبا (1) الانصراف إلى من كان في بلد الوقف، وقد تحمل على صورة كون الوقف على الجهة وكون أولاد فلان مصرفا له ولا ينافيه قوله عليه السلام " وهي لمن حضر البلد " بدعوى ظهوره في وجوب استيعابهم، ولو كان من الوقف على الجهة لم يجب ذلك لا مكان منع ظهوره في ذلك وإن المراد أن المصرف من حضر لا أنه يجب الدفع إلى كل من حضر.


(1) الكافي ج 7 ص 38.

[ 25 ]

ويمكن أن يقال: مع عدم القرينة يشكل فهم المراد من جهة أن ظاهر الجمع المحلى باللام الاستيعاب، ومن جهة عدم الحصر لا مجال للحمل على الاستيعاب، فيدور الأمر بين الحمل على الحاضرين في بلد الوقف مع الاستيعاب والتشريك وبين الحمل على كونهم مصرفا كالفقراء في باب الزكاة ولا ترجيح، والمكاتبة المذكورة يشكل الأخذ بها من جهة ضعف السند ولم يظهر انجبارها ومع الأخذ بها يشكل التعدي من موردها هذا، وما ذكر أولا من أنه مع الحصر يوزع المنافع على المحصورين يشكل من جهة أنه قد يكون المنفعة قليلة ولا يصل إلى الأفراد المحصورين إلا ما لا يكون قابلا للتوجه كما أنه لو وقف على المحصورين نسلا بعد نسل فانحصار طبقة أو طبقتين مثلا لا يوجب التوزيع مع عدم الانحصار في الطبقات المتأخرة وإن أمكن استحقاقهم كما لو اشتغل ذمة إنسان بالدين بالنسبة إلى الآلاف من الدائنين ومات ولم يترك إلا قليلا من المال كما أنه مع عدم الحصر في الطبقة الأولى وكون المنفعة كثيرة يشكل صرفها إلى واحد منهم. (الخامسة لا يجوز إخراج الوقف عن شرطه ولا بيعه إلا أن يقع خلف يؤدي إلى فساده على تردد) أما عدم الإخراج عن الشرط الذي شرط في الوقف مع جوازه فهو مقتضى لزوم الوقف والشرط وقد سبق بعض الأخبار الدالة عليه في صدر الكتاب فلاحظ الصحيح عن صفوان بن يحيى وهو الدليل على عدم جواز بيعه، وادعي عليه الإجماع وقد يقال عدم جواز البيع وسائر النواقل وما في معرض النقل كالرهن داخل في حقيقة الوقف إذ هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، ويمكن أن يقال: هذا مسلم لكن لا بد من لزوم التحبيس وإلا فمثل الهبة الغير اللازمة حقيقتها النقل إلى الغير. واستدل على عدم الجواز أيضا بجملة من الأخبار منها قوله عليه السلام: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها (1) " ومنها قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك (2) " ومنها قوله عليه السلام في جملة من الأخبار: " صدقة لا تباع ولا توهب


(1) الكافي ج 7 ص 37. (2) راجع الوسائل ج 2 ص 652 كتاب الوقوف والصدقات ب 6.

[ 26 ]

ولا تورث " (1) بدعوى أن الظاهر منها أن عدم جواز البيع داخل في حقيقته، وقد يناقش في استفادة عدم جواز النقل مما ذكر. أما الخبر الأول فلأن الاستدلال به مبني على أن يكون المراد أنه يجب إبقائها وليس كذلك إذ من المحتمل بل الظاهر أن يكون المراد أن الوقف يجب العمل به على الكيفية التي قرره الواقف من القيود والشروط، بل هو يكون دليلا على الجواز في ما لو شرط ما يوجب ذلك. وأما الخبر الثاني فهو ظاهر في عدم جواز الشراء على نحو الملك المطلق، وكذا سائر الأخبار ولا ينافي جواز البيع بارادة شراء ملك آخر بدله. ويمكن أن يقال في الخبر الأول: لا مانع من الجمع بين اللزوم والصحة كما يستفاد من " أوفوا بالعقود " اللزوم والصحة، وعلى فرض أن يكون المراد منه ما ذكر قد سبق الإشكال في استفاده ما ذكر على الاطلاق بل لا يبعد أن يكون النظر إلى خصوص الموقت والغير الموقت المذكورين في كلام الراوي. والخبر الثاني لا مانع من الأخذ بإطلاقه وتكفي في المقام رواية صفوان بن يحيى المذكورة في صدر الكتاب حيث أنها فيها قول السائل " ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئا " ولعله يشمل ما لو بدا للواقف تبديل العين الموقوفة فتدبر. وأما بيع الوقف فبعد الفراغ عن عدم جوازه في الجملة لما ذكر استثني موارد أحدها ما لو زال عنوان لاحظه الواقف في وقفه، كما إذا وقف بستانا ملاحظة في وقفه البستانية أو الدار ملاحظا فيها الدارية فمع الخروج عن العنوان بطل كونها وقفا، واستشكل في البطلان بأنه إن اريد بالعنوان ما جعل مفعولا في قوله " وقفت هذا البستان " فلا شك في أنه كقوله بعت هذا البستان أو وهبت وإن اريد به شئ آخر فهو خارج عن مصطلح أهل العرف والعلم، واجيب بالفرق بين أن يجعل البستان موردا للوقف أو عنوانا وهو في قوله بعت هذا البستان بمنزلة بعت هذا الشئ، بخلاف ما إذا جعل عنوانا كما هو المفروض.


(1) راجع الوسائل ج 2 ص 652 كتاب الوقوف والصدقات ب 6.

[ 27 ]

ويمكن أن يقال: ما ذكر في الجواب يشكل من جهة أن المبيع والموهوب على ما ذكر البستان بما هو شئ من الأشياء لا بما هو بستان حيث إنه جعل موردا للبيع و الهبة ولازم هذا أنه لو باع حيوانا بما هو عبد حبشي فبان حمارا وحشيا لزم صحة البيع لأن البيع وقع على الموجود الخارجي بما هو شئ لا بعنوان كونه عبدا ومثله لو باع الحنطة فبانت شعيرا، ولا أظن أن يلتزم به، ويمكن الفرق بين باب البيع والهبة وبين باب الوقف مع اشتراك الأبواب في مدخلية العنوان بانتقال مجموع المادة والصورة إلى المشتري والموهوب له وبعد ارتفاع صوره النوعية تكون المادة وما بمنزلتها بحالها السابقة باقية بملك المشتري والموهوب له بخلاف العين الموقوفة فإنها محبوسة مادامت قابلة للانتفاع بها فمع ارتفاع القابلية تبطل الوقفية ولا معنى لوقفية العين التي انسلخت منها الصورة التي بها تكون قابلة لانتفاع الموقوف عليه بها. ومما ذكر ظهر الاشكال فيما لو أتلف متلف العين الموقوفة وكانت قيمية فإن القيمة المأخوذة من المتلف كيف تلتزم بوقفيتها مع أنها لا منفعة لها، وما الدليل على لزوم صرفها في مثل تلك العين الموقوفة وفي المقام أيضا القائل بجواز البيع يلتزم ببيع أرض البستان مثلا واشتراء بستان آخر ويطالب بإقامة الدليل، نعم لو قلنا بأن العين الموقوفة تنتقل إلى الموقوف عليهم بنحو الملكية الموقتة حيث إنها تنتقل إلى الطبقة المتأخرة في مثل الوقف على الأولاد نسلا بعد نسل صح ما ذكر، لكن أنى لنا إثبات هذا. وأما صورة وقوع الخلف المؤدي إلى الفساد فاستدل على جواز البيع فيها بخبر علي بن مهزيار قال: " كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام إن فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها و جعل لك في الوقف الخمس وسأل عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها أو يدعها موقوفة؟ فكتب إلي أعلم فلانا أني آمره ببيع حصتي من الضيعة وإيصال ثمن ذلك إلي وأن ذلك رأيي إن شاء الله، أو يقومها على نفسه إن كان ذلك أرفق له. قال: وكتبت إليه أن رجلا ذكر أن بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافا شديدا وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف

[ 28 ]

ويدفع إلى كل إنسان منهم ما وقف له من ذلك أمرته؟ فكتب إلي بخطه وأعلمه أن رأيي له إن كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأنفس والأموال ". (1) واستشكل أو لا لاحتمال كون المراد تلف مال الوقف ونفوس الموقوف عليهم لا مطلق الأموال ومطلق النفوس فينطبق على صورة اخرى وهي اداء بقاء الوقف إلى خرابه علما أو ظنا على وجه لا يمكن الانتفاع به أصلا أو كانت منفعته قليلة ملحقة بالعدم، سواء كان لأجل الاختلاف بين أربابه أو لغيره فان الأقوى جواز بيعه وشراء عوضه بعوضه لانصراف أدلة المنع فإن إبقاءه مناف لغرض الواقف وأيضا إذا دار الأمر بين سقوط الانتفاع به أصلا وبين سقوط الانتفاع بشخصه من بقاء نوعه كان الأولى الثاني مع أن بقاء تضييع للمال، واللازم تأخير البيع إلى آخر أزمنة إمكان البقاء وثانيا لعدم ظهوره في الوقف المؤبد الذي هو محل البحث لعدم ذكر الأعقاب فيه، وثالثا لاحتمال أن يكون مورد السؤال قبل تمامية الوقف لعدم الإقباض، ويؤيده كون البايع هو الواقف ولو كان بعد تماميته كان الأمر إلى الناظر، وكون الناظر هو الواقف غير معلوم من الخبر، وحمله عليه ينافيه ترك الاستفصال، ورابعا أن الظاهر من الخبر كون الثمن للموجودين مع أنه مناف لحق البطون اللاحقة ولقول المجوزين فإنهم يقولون بجواز البيع وشراء عوض الوقف بثمنه. ويمكن أن يقال: أما ما أستشكل أو لا فيشكل من جهة عدم انطباق ما في الخبر مع الصورة المذكورة من جهة عدم ارتباط ما ذكر مع تلف الضيعة الموقوفة وسقوطها عن حيز الانتفاع، بل الظاهر أن المراد تلف مال آخر خصوصا مع ملاحظة أن الأرض غير قابلة للتلف والتعبير عن تلف الضيعة بتلف الأموال لا يناسب وعلى فرض إتلاف الضيعة بمعنى سقوطها عن حيز الانتفاع مستندا إلى بعض الموقوف عليهم أو كلهم يكون المقام داخلا فيما لو أتلف متلف العين الموقوفة فإن قلنا هناك بالتغريم والضمان نقول في المقام بالضمان بالنسبة إلى الطبقة اللاحقة، ولا مجال للاكتفاء بثمن العين الساقطة


(1) الكافي ج 7 ص 46

[ 29 ]

عن حيز الانتفاع إلا أن يكون بحيث لا يمكن أخذ الغرامة وثانيا لم يظهر وجه لجواز البيع في الصورة المذكورة إلا من جهة الإحسان ولازمه جواز بيع مال الغائب إذا بلغ هذا الحد، نعم قد يستظهر من بعض الأخبار المتعرض لمن وجد سفرة فيها لحم وغيره جو از التقويم والتصرف وكذا من وجد الشاة في الفلاة، ثم إنه مع الخروج عن الانتفاع بالنسبة إلى الموقوف عليهم لا دليل على بقاء الوقفية ولا معنى لبقاء القيمة على الوقفية فإن الاثمان لا منفعة لها مع بقائها، ولو لا شبهة الاجماع لأمكن القول بالبقاء على ملكية الواقف كحبس العين مدة قابلة للانتفاع بها، فالأظهر حمل الرواية على صورة عدم تمامية الوقف والشاهد عليه أمر الإمام عليه السلام على ما في الرواية ببيع حصته أو التقويم على نفسه إلا أنه يشكل من جهة أنه مع عدم تمامية الوقف لم يخرج عن ملك الواقف بمجرد إنشاء الوقف وعدم القبض فكيف يؤمر ببيع الحصة أو التقويم على نفسه هذا مع أن حصة الإمام عليه السلام كيف جوز بيعه مع أنها من الوقف فلا يبعد أن يكون أمر الإمام عليه السلام بالبيع وتقسيم الثمن بين الموقوف عليهم بعنوان الولاية المخصوصة به عليه السلام فتحصل الإشكال في الأخذ بظاهر الرواية مع حفظ الأصول والقواعد ولعله لما ذكر تردد - قدس سره - في المتن. (السادسة إطلاق الوقف يقتضي التسوية فإن فضل لزم، السابعة إذا وقف على الفقراء وكان منهم جاز أن يشركهم). لا إشكال في أن الإطلاق مع عدم ما يوجب خلافه يقتضي التسوية لكنه قد يتفق أنه مع إطلاق اللفظ لا يفهم التسوية كما لو قال المولى لعبده: أكرم جيراني. و الجيران بعضهم ذو الشرف والفضيلة، فإطلاق اللفظ لا يقتضي التسوية في كيفية الإكرام وكذا الكلام في المقام، ومع تفضيل بعض الموقوف عليهم على البعض الآخر لزم التفضيل لأن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها. وأما الوقف على الفقراء فإن كان بنحو التشريك كما لو وقف على فقراء البلد المحصورين فالظاهر عدم جواز شركته معهم إن كان منهم أو دخل فيهم لصدق الوقف علي نفسه الممنوع شرعا، وأما لو لم يكن كذلك كالوقف على غير المحصورين فقد يقرب

[ 30 ]

الجواز بأن الموقوف عليه هو العنوان كما لو وقف على الفقراء والملحوظ جهة الفقر والقياس على الزكاة التي للفقراء ولا يجوز للفقير أن يأكل زكاة نفسه لا وجه له إذ فيها يجب الإعطاء ومع أكله نفسه لا يصدق إيتاء الزكاة فلا يدخل تحت عنوان الوقف على النفس. ويمكن أن يقال: لازم ما ذكر جواز دخول الواقف لو وقف على فقراء البلد مع كونهم محصورين وكونه منهم ومجرد كون الوقف على العنوان مع كون الواقف مشمولا له لا يوجب عدم صدق الوقف على النفس، وما ذكر في باب الزكاة من أن الزكاة يجب إعطاؤها يتم على فرض إفادة الحصر ووجوب الإعطاء في كل زكاة فلا يبعد المنع كما حكي عن ابن إدريس والعلامة - رحمهما الله - في المختلف والتذكرة وإن حكي عن المشهور الجواز. وإما الاوقاف العامة مثل المساجد والقناطر والخانات للزوار والحجاج فالظاهر عدم الإشكال في جواز انتفاء الواقف بها لقيام السيرة. (من اللواحق مسائل السكنى والعمرى وهي تفتقر إلى الإيجاب والقبول والقبض، وفائدتهما التسليط على استيفاء المنفعة تبرعا مع بقاء الملك للمالك. وتلزم لو عين المدة وإن مات المالك. وكذا لو قال له: عمرك، لم تبطل بموت المالك، وتبطل بموت الساكن. ولو قال: حياة المالك لم تبطل بموت الساكن وانتقل ما كان له إلى ورثته، وإن أطلق ولم يعين مدة ولا عمرا تخير المالك في إخراجه مطلقا). لا شبهة في مشروعية السكنى والعمرى والرقبى ويدل عليه الأخبار الكثيرة منها ما رواه المشايخ الثلاثة - قدس الله تعالى أرواحهم - عن حمران " قال: سألته عن السكنى والعمرى فقال: إن الناس فيه عند شروطهم إن كان شرطه حياته وإن كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط حتى يفنوا، ثم يرد إلى صاحب الدار (1) ". ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن السكنى والعمرى فقال: إن كان جعل السكنى في حياته فهو كما شرط


(1) الوسائل كتاب السكنى والحبس ب 2 ح 1

[ 31 ]

وإن كان جعلها له ولعقبه من بعده حتى يفنى عقبه فليس لهم أن يبيعوا ولا يورثوا، ثم ترجع الدار إلى صاحبها الأول ". (1) ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبيه في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل أسكن رجلا داره حياته قال: يجوز له وليس له أن يخرجه، قلت: فله ولعقبه؟ قال: يجوز، وسألته عن رجل أسكن رجلا ولم يوقت له شيئا؟ قال: يخرجه صاحب الدار إذا شاء " (2). وما رواه في الكافي والتهذيب عن الحلبي في الصحيح أو الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يسكن الرجل داره ومن بعده قال: يجوز لهم وليس لهم أن يبيعوا ولا أن يورثوا، قلت: فرجل أسكن رجلا داره حياته قال: يجوز ذلك، قلت فرجل أسكن رجلا داره ولم يوقت؟ قال: جائز وله أن يخرجه إذا شاء " (3) ولا يخفى أنه لا يستفاد منها اعتبار الإيجاب والقبول اللفظيين بل ما يصدق عليه الجعل ولو بالفعل كما أنه لا يستفاد منها اعتبار القبض ولا مدرك لاعتبار القبض إلا الإجماع إلا أن يقال: يفهم من قوله أسكن أو يسكن الاقباض واختلف في أنه معتبر في الصحة أو في اللزوم والقدر المتيقن اعتباره في اللزوم وإن كان الظاهر من خبر حمران المذكور اللزوم من جهة الشرط حيث ذكر فيه " أن الناس عند شروطهم " وهذا نظير خبر المعروف " المؤمنون عند شروطهم " وقد فصل في بعض الأخبار بين صورة التوقيت وصوره عدمه ففي الأولى حكم باللزوم وفي الثانية حكم بعدم اللزوم ويقع الإشكال من جهة أنه بعد ما كانت الفائدة التسليط على الانتفاع تبرعا من دون اعتبار قصد القربة، ولذا يجوز إخراج الساكن مع عدم التوقيت لا نجد فرقا بين المقام وبين العارية مع أنه لا شبهة في أنه للمعير الرجوع واسترداد العين المستعارة من المستعير من غير فرق بين صورة التوقيت وغيرها ولا يبعد التفرقة


(1) المصدر ب 3 ح 1. (2) الكافي ج 7 ص 34 والتهذيب ج 2 ص 373 والفقيه ص 543 واللفظ له. (3) الكافي ج 7 ص 34 والتهذيب ج 2 ص 373.

[ 32 ]

بين المقامين باباحة منافع العين المستعارة في العارية من دون حصول الملكية للمستعير بخلاف المقام، فلا يبعد القول بحصول الملكية للمعمر والساكن فمع اللزوم مع التوقيت لا يعتبر العقلاء لمالك العين ملكية المنفعة ولا ينافي هذا مع عدم استحقاق المعمر والمسكن غير ما عين له فإن الحال حال من استأجر عينا وعين له استيفاء منفعة خاصة بنحو خاص ولازم ما ذكر أنه لو غصب الغاصب كان ضامنا للمعمر والمسكن بالنسبة إلى المنافع دون المالك ولا يبعد ما ذكر في صورة عدم التوقيت كالهبة الجايزة وقد يستظهر ما ذكر من قوله عليه السلام على المحكي في خبر أبي الصباح الكناني " ثم ترجع الدار إلى صاحبها الأول، وكذا خبر حمران المذكورين وفيه تأمل. وأما بقاء الملك محل السكنى على ملك مالكه فوجهه واضح لعدم ما يوجب زوال الملكية إلا أنه قد تكون المدة طويلة بحيث لا قابلية للمعمر كما لو أعمره دارا تكون نباتها ملكا للمعمر - بالكسر - دون الأرض ولا يكون البناء قابلا للبقاء بعد انقضاء المدة نظير إجارة بعض الأعيان مدة يكون انقضائها مساوقا لاضمحلال العين المستأجرة فاعتبار الملكية للعين مشكل إلا أن يقال: يكفي في الاعتبار أنه لو أتلف متلف العين يكون ضامنا لكنه لا يخلو عن الإشكال حيث إن المتلف إن كان ضامنا لمالك المنفعة كيف يضمن قيمة العين مع زيادة قيمة المنفعة لقيمة العين أو تساويهما، وأما اللزوم مع تعيين المدة وإن مات المالك وكذا لو عين بعمر المعمر - بالفتح - فلما ذكر في الاخبار المذكورة وإن الناس عند شروطهم وفي الصورة الثانية بموت المعمر الساكن ينقضي كما أنه لو عين بحياة المالك لا ينقضي بموت الساكن لبقاء المدة، لكنه يشكل إذا عين بسكوت شخص خاص كيف ينتقل إلى وارثه، نعم ادعي عدم الخلاف فيه وقد يتمسك بخبر محمد بن قيس الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قضى في في العمري أنها جائزة لمن أعمرها فمن أعمر شيئا مادام حيا فانه لورثته إذا توفي (1) "، ولا يخفى أنه مع احتمال رجوع الضمير إلى المعمر - بالكسر - لو لم يكن ظاهرا فيه لا مجال للاستدلال به، ولما ذكر يقال بعدم توريث الخيار المشروط في العقد لطرف العقد


(1) الوسائل كتاب السكنى والعمرى ب 8 ح 2.

[ 33 ]

بلسانه وقد خالف المشهور المحقق (قدس سره) في نكت النهاية والتعبير بالبطلان وعدم البطلان لا يخلو عن مسامحة ألا ترى أنه لو انقض مدة الاجارة لا يقال: بطلت الإجارة. وأما صورة عدم تعيين المدة ولا عمر أحدهما فالمالك مخير فيها بين إخراج الساكن وإبقائه كما دل عليه صحيح الحلبي أو حسنه المذكور. (ولو مات المالك والحال هذه كان المسكن ميراثا لورثته وبطلت السكنى و يسكن الساكن معه من جرت العادة به كالولد والزوجة والخادم وليس له أن يسكن معه غيره إلا باذن المالك ولو باع المالك الأصل لم تبطل السكنى إن وقتت بأمداد عمر، ويجوز حبس الفرس والبعير في سبيل الله والغلام والجارية في خدمة بيوت العبادة، و يلزم ذلك ما دامت العين باقية). أما انتقال المسكن إلى ورثته فهو على القاعدة لكونه ملكا لمورثهم، وأما بطلان السكنى فلا يخلو عن الاشكال لأنه مع احتمال حصول الملكية للساكن ما وجه البطلان، غاية الأمر كون الورثة مثل المورث يكون لهم أن يخرجوا الساكن متى شاؤوا، نعم إن كانت السكنى بمنزلة العارية تم ما ذكر لأن المنفعة ملك الورثة فلا بد من إذن جديد، والتفرقة بين الموقت والمطلق بتحقق الملكية في الأول دون الثاني مشكل جدا، وأما جواز إسكان الساكن معه من جرت العادة به فلانفهامه من الاطلاق بحيث لو لم يرد المسكن لكان عليه البيان والتخصيص لا بمعنى حصول الملكية للساكن ومن يتعلق به، بل بمعنى كون من يتعلق به من توابعه كما لو دعا شخصا له أصحاب وخدم للضيافة وتظهر الثمرة لو لم يسكن من جعل له السكنى كما أنه في صورة الدعوة للضيافة يشكل ورود الأتباع مع عدم ورود المدعو. وأما عدم جواز إسكان الغير بدون إذن المالك فلعدم الشمول وليس المقام كباب الاجارة مع الاطلاق ومع إذن المالك لا مانع، وأما عدم بطلان السكنى ببيع المالك الأصل في صورة اللزوم وعدم جواز إخراج الساكن فوجهه واضح لأنه باع شيئا يكون مسلوب المنفعة مدة كما لو باع العين المستأجرة، نعم يعتبر أن يكون للعين مالية بعد

[ 34 ]

انقضاء المدة ويتأتى الاشكال في صورة الاطلاق وعدم التوقيت فهل تبطل السكنى كما قيل في صورة موت المسكن ووراثة الورثة أولا تبطل ويكون إخراج الساكن بيد المشتري أو يبطل البيع على القول بالملكية للغرر لعدم تعيين المدة بوجه من الوجوه وإن أمكن الصلح عنه لعدم إضرار الجهل به. وأما جواز حبس الفرس والبعير في سبيل الله تعالى والغلام والجارية في خدمة بيوت العبادة ولزوم ذلك ما دامت العين باقية فالظاهر عدم الخلاف فيه وظاهر كلماتهم الخروج عن ملك المالك وإن كانت عبارة المتن توهم خلاف هذا، ولعله من جهة عدم اعتبار الملكية بالنسبة إلى العين مع عدم جواز التصرف فيه بوجه لا من جهة كونه صدقة وملاحظة الأخبار الواردة الدالة على عدم جواز الرجوع في كل ما يعطى لله تعالى شأنه العزيز لعدم اعتبار قصد القربة والظاهر أن حال الحبس حال الوقف فلا حاجة فيه إلى الايجاب والقبول اللفظيين بل يكتفي بالفعل للسيرة، ولعله من هذا القبيل ثوب الكعبة المعظمة الذي قد تضمنت النصوص بجواز أخذ القطع منه عند انتهاء عمره للتبرك وقد ذكر في المقام صحيح ابن اذينه قال: " كنت مشاهد ابن أبي ليلى فقضى لرجل جعل لبعض قرابته غلة داره ولم يوقت وقتا فمات الرجل فحضر ورثته عند أبي ليلى وحضر قرابته التي جعل لها غلة الدار، فقال ابن أبي ليلا: أرى أن أدعها على ما تركها صاحبها فقال له محمد بن مسلم الثقفي أما إن علي بن أبي طالب عليه السلام قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت فقال: وما علمك فقال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول: قضى علي بن أبي طالب عليه السلام برد الحبس وإنفاذ المواريث فقال ابن أبي ليلى: هذا عندك في كتاب، قال نعم، قال: فأرسل إليه وائتني به فقال محمد بن مسلم على أن لا تنظر في الكتاب إلا في ذلك الحديث فقال لك ذلك فأحضر الكتاب وأراه الحديث عن أبي جعفر عليهما السلام فرد قضيته " (1)، وخبر عبد الرحمن الخثعمي (2) قال: " كنت أختلف إلى ابن أبي ليلى في مواريث لنا ليقسمها وكان فيها حبيس وكان يدافعني فلما طال شكوته إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: أو ما علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر برد الحبيس


(1) و (2) الكافي ج 7 ص 35 والفقيه ص 541.

[ 35 ]

وإنفاذ المواريث قال: فأتيته ففعل كما يفعل، فقلت: شكوتك إلى جعفر بن محمد عليهما السلام فقال لي: كيت كيت قال: فحلفني ابن أبي ليلى أنه قد قال ذلك فحلفت له فقضى لي بذلك ". ومكاتبة علي بن معبد (1) قال: كتب إليه محمد بن أحمد بن إبراهيم في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين يسأله عن رجل مات وخلف امرأة وبنين وبنات وخلف لهم غلاما أوقفه عليهم عشر سنين ثم هو حر بعد العشر سنين، فهل يجوز لهؤلاء الورثة بيع هذا الغلام وهم مضطرون إذا كان على ما وصفته لك جعلني الله فداك؟ فكتب لا يبيعوه إلى ميقات شرطه إلا أن يكونوا مضطرين إلى ذلك فهو جائز لهم " (2) بناء على إرادة الحبس من الوقف فيه، وكذا خبر محمد بن مسلم " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل جعل لذات محرم جاريته حياتها؟ قال: هي لها على النحو الذي قال ". (3) وخبر يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام سألته عن الرجل له الخادم تخدمه فيقول هي لفلان تخدمه ما عاش فإذا مات فهي حرة فتأبق الأمة قبل أن يموت بخمس سنين أو ست، ثم يجدها ورثته ألهم أن يستخدموها قدر ما أبقت قال: إذا مات الرجل فقد عتقت " (4) ولا يخفى أن مقتضى هذه الأخبار عدم خروج المحبوس عن الملكية فيشكل ما يظهر من كلمات الفقهاء من الخروج عن الملكية والتفصيل بين الحبس لرجل مثلا أو لقرابته وبين مثل حبس الفرس أو البعير في سبيل الله والغلام والجارية في خدمة بيوت العبادة مشكل من جهة الاطلاق في صحيح ابن اذينة والاطلاق في خبر عبد الرحمن المذكورين، ويشكل أيضا ما في المتن من عدم جواز التغيير ما دام العين باقية فإنه بعد رد المحبوس يتصرف فيه فالوجه الذي ذكر من عدم اعتبار الملكية


(1) وعلي بن معبد من أصحاب الهادي عليه السلام. (2) الفقيه ص 541 تحت رقم 16. (3) التهذيب ج 2 ص. (4) الكافي ج 7 ص 34.

[ 36 ]

مع عدم التغيير والتصرف بوجه لا يتم، وأيضا لا يظهر على ما ذكر فرق بين الوقف والحبس. (وأما الصدقة فهي التطوع بتمليك العين بغير عوض، ولا حكم لها ما لم تقبض بإذن المالك. وتلزم بعد القبض وإن لم يعوض عنها. ومفروضها محرم على بني هاشم إلا صدقة أمثالهم أو مع الضرورة ولا بأس بالمندوبة). الصدقة تمليك بلا عوض مع قصد القربة وبهذا القيد تمتاز عن الهبة والهدية هذا هو المعروف، ويشكل من جهة صدق الصدقة على العين الموقوفة باعتبار الوقف مع أن الواقف لا يقصد تمليك الموقوف عليهم بل قصده التحبيس والتسبيل ومن قال بحصول الملكية المؤقتة بالنسبه إلى كل طبقة لا يستند إلى قصد الواقف، بل الظاهر أن النظر إلى أن الملك لابد له من المالك وكيف كان لابد من الإنشاء ولو بالفعل كالمعاطاة في البيع، وأما عدم صحتها بدون القبض فادعى عليه الإجماع، وقد يستدل، على اعتباره ببعض الأخبار الواردة في الوقف، ولا يخفى أن ما دل على اعتبار القبض في الوقف لا مجال للاستدلال به في المقام باعتبار صدق الصدقة على الوقف، نعم لا يبعد التمسك بخبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا قال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث فإن تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لأن الوالد هو الذي يلي أمره " (1) وقال عليه السلام: " لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه الله عز وجل ". (2) والظاهر أن القائلين باعتبار القبض نظرهم إلى اعتباره في الصحة وهو الظاهر من قوله - قدس سره - في المتن ولا حكم لها وإن كان قوله: " وتلزم بعد القبض " يؤمى إلى مدخليته في اللزوم دون الصحة. وأما حرمة مفروضها على بني هاشم فيدل عليها الأخبار في الجملة منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح العيص قال فيه: " إن اناسا من بني هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم


(1) و (2) الفقيه ص 542 تحت رقم 21 و 22.

[ 37 ]

الذي جعله الله عزوجل للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكن قد وعدت الشفاعة - الخ " (1) ويظهر من بعض الأخبار اختصاص الحرمة بالزكاة المفروضة كما عن أبي اسامة زيد الحشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم فقال: هي الزكاة المفروضة ولم يحرم علينا صدقة بعضنا على بعض " (2) وما عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم فقال هي الزكاة قلت: أفتحل صدقة بعضهم على بعض قال: نعم " (3) ورواه الصدوق مرسلا في المقنع. وفي قبال ما ذكر بعض الأخبار كما نقل الشيخ - قدس سره - بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا رفع الحديث قال: " فالنصف له - يعني نصف الخمس للامام عليه السلام - خاصة، والنصف لليتامى والمساكين و أبناء السبيل من آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله تعالى مكان ذلك بالخمس فهو يعطيهم على قدر كفايتهم - الخ " (4) ومرسلة أحمد المضمرة قال: فيها " فالنصف له خاصة والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله تعالى مكان ذلك بالخمس " (5) المنجبرة بفتوى الأصحاب ولا يبعد كونهما رواية واحدة، وكيف كان لولا هذه المرسلة تعين اختصاص الحرمة بالزكاة المفروضة لحكومة ما دل على الاختصاص بالزكاة المفروضة على الأخبار المطلقة، لكنه يشكل من جهة ما في المرسلة من عطف الزكاة على


(1) الكافي ج 4 ص 58. (2) التهذيب ج 2 ص 365، وفي الوسائل كتاب الزكاة أبواب المستحقين ب 31 ح 4. (3) الكافي ج 4 ص 59. (4) التهذيب ج 2 ص 366. (5) المصدر ج 2 ص 388.

[ 38 ]

الصدقة إن لم يكن إشكال فيما دل على إلاختصاص من جهة السند، ومع التعارض لا يبعد الأخذ بعموم ما دل على التحريم لمرجعيته أو مرجحيته فتأمل. وأما الحلية في المعطاة من أمثالهم أو مع الضرورة فقد سبق الكلام فيه في كتاب الزكاة ويدل عليها في خصوص المعطاة من أمثالهم ما عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام في حديث طويل قال: " وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم (يعني بني عبد المطلب) عوضا لهم من صدقات الناس تنزيها من الله لهم ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض " (1) وقد سبق أيضا حلية الصدقات المندوبة ويدل عليها ما في خبر عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: " لو حرمت علينا الصدقة لم يحل أن نخرج إلى مكة لأن كل ما بين مكة والمدينة فهو صدقة " (2). (والصدقة سرا أفضل منها جهرا إلا أن يتهم، وأما الهبة فهي تمليك العين تبرعا مجردا عن القربة ولا بد فيها من الإيجاب والقبول والقبض، ويشترط إذن الواهب في القبض)، أما أفضلية الصدقة سرا فيدل عليها ما روى محمد بن محمد بن النعمان في المقنعة قال: قال عليه السلام في قوله تعالى " إن تبدوا الصدقات فنعما هي " قال؟ فنزلت في الفريضة " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " قال: ذلك في النافلة. قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقة السر تطفئ غضب الرب. قال: وقال عليه السلام: صدقة الليل تطفئ غضب الرب وتمحو الذنب العظيم، وتهون الحساب، وصدقة النهار تزيد في العمر وتنمي المال " وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " لو أن رجلا حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب " (3). ولا يبعد أن يقال: لا يستفاد من هذا الخبر أفضلية الجهر في الزكاة الواجبة فإنه لا يقال في الوصف الموجب للكمال لا عيب فيه فيصح الاطلاق في المتن أخذا باطلاق قوله عليه السلام على المحكي في الخبر المذكور " صدقة السر تطفئ غضب الرب " إلا أنه روي


(1) و (2) الوسائل كتاب الزكاة أبواب المستحقين ب 31 ح 3 وب 30 ح 1. (3) الوسائل كتاب الزكاة أبواب الصدقة ب 14.

[ 39 ]

في الحسن " كل ما فرض الله تعالى عليك فاعلانه أفضل من إسراره، وكل ما كان تطوعا فإسراره أفضل من إعلانه فلو أن رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه علانيه كان ذلك حسنا جميل " (1). وأما لو كان المتصدق معرضا للاتهام بالإسرار فالمعروف حسن الإعلان ولعله لما هو المعروف من حسن الاتقاء من مواضع التهم أو كراهة الوقوع فيها وعلى فرض استفادة الكراهة الشرعية لا الإرشاد تقع المزاحمة بين الحكمين ولا موجب لنفي الأفضلية فتأمل. وأما الهبة فهي تمليك العين بلا عوض مقابل للعين مجردا عن قصد القربة وبهذا تمتاز عن الصدقة، ولا مجال لدعوى صدق ما ذكر على الوقف لعدم حصول الملكية للموقوف عليهم كما مر في كتاب الوقف وعلى فرض التسليم والقول بالملكية الموقتة لكل طبقة من الموقوف عليهم تمتاز بعدم التمامية وعدم جواز التصرف في العين بغير منفعتها بخلاف الملكية في المقام، وقد عبر بعض الأعلام عنها بتمليك مال طلقا منجزا من غير عوض في مقابل الموهوب من غير اشتراط بالقربة، وعلى هذا فلا اختصاص بالعين، بل يشمل المنافع والحقوق التي لها مالية، ويؤيد هذا التعبير بالهبة فيما لو وهب الزوج ما استحق على الزوجة المنكوحة بالنكاح المنقطع وعلى هذا فلا حاجة إلى القبول بل يكفي في هبة ما في الذمة الانشاء من طرف الواهب ونتيجته براءة الذمة من طرف الموهوب له ويشهد لهذا ما في بعض الأخبار وهو ما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة في الموثق قال: سألته عن رجل ضرب ابنته وهي حبلى فاسقطة سقطا ميتا فاستعدى زوج المرأة عليه فقالت لزوجها إن كان لهذا السقط دية ولي فيه ميراث فإن ميراثي منه لأبي؟ قال: يجوز لأبيها ما وهبت له " (2) وكيف كان تحتاج في العين إلى إنشاء من طرف الواهب والقبول من طرف المتهب سواء كان الإنشاء والقبول بالقول أو بالفعل كالمعاطات في البيع حيث إن سيرة العقلاء في المقام قائمة كباب البيع وبعد


(1)..... (2) الكافي ج 7 ص 346.

[ 40 ]

صدق الهبة بالمعاطاة يترتب عليها الآثار. ومن العجب دعوى الإجماع على الاحتياج إلى الإنشاء القولي وقد اضطرب كلمات الأعلام في المقام، وقد يقال: لازم القول بالملكية الجائزة في صورة تحقق الهبة بالمعاطاة وعدم تحقق اللزوم إلا بالتصرف جواز رجوع الواهب حتى لو كانت لذي رحم أو معوضة مادام لم تلزم بالتصرف، ويشكل القول بالجواز مع ملاحظة مادل على اللزوم في الصورتين والتمسك بالإجماع في أمثال المقام كما ترى وقد سبق الكلام فيه في كتاب البيع، ثم إن الموهوب قد يكون عينا شخصية وقد يكون جزءا مشاعا من عين وقد يكون كليا في المعين كساع من صبرة معينة وقد يكون كليا في ذمة الواهب ولا يبعد صحة الهبة في جميع هذه لبناء العقلاء وعدم الردع بل لا يبعد التمسك بمثل ما دل على لزومها في صورة كون المتهب ذا رحم أو كانت معوضة ولا إشكال في إمكان القبض والقبض في العين الشخصية والجزء المشاع والكلي في المعين يتحقق بتسليط الواهب واستيلاء المتهب على الموهوب، وفي الكلي في الذمة لا حاجة إلى شئ بل يتحقق بالنسبة إلى من عليه الدين لأن ما عليه بمنزلة المقبوض، وأما لو كان الهبة راجعة إلى غير من عليه الدين فالمشهور عدم صحتها لأنه كلي لا وجود له في الخارج فلا يمكن قبضه. واجيب بأن قبض الكلي بقبض أحد أفراده لأن الكلي عين الأفراد فإذا أذن له الواهب في قبضه فقبضه صحت وكذا لو قبضه الواهب ثم أقبضه أو أذن له في القبض ثم القبض لنفسه. ويمكن الاستدلال عليه بصحيحة صفوان عن الرضا عليه السلام " عن رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده فذكر له الرجل المال الذي له عليه فقال: إنه ليس فيه عليك شئ في الدنيا والآخرة يطيب ذلك له وقد كان وهبه لولد له قال عليه السلام: نعم يكون وهبه ثم نزعه فجعله لهذا " (1) حيث إن الظاهر أن المال الذي على الرجل دين فإنه لو كان عينا يعبر بلفظ " عنده " لا " عليه " ولا أقل من ترك الاستفصال، ويظهر من كلام الأمام عليه السلام على المحكي " نعم يكون وهبه ثم نزعه " أنه لولا النزع كانت


(1) الوسائل كتاب الهبات ب 2 ح 1.

[ 41 ]

الهبة صحيحة، ولا مجال للاشكال من جهة أن الهبة لذي رحم لازمة لا يجوز الرجوع فيها لعدم حصول القبض. وأما لزوم القبض واشتراطه في صحة الهبة فهو المشهور المدعى عليه الاجماع، وعن جماعة كونه شرطا في اللزوم دون الصحة. ويدل على اشتراطه في الصحة خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام الهبة لا تكون أبدا هبة حتى يقبضها والصدقة جائزة عليه " (1). وموثقة داود بن الحصين عنه أيضا " النحلة والهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها؟ قال عليه السلام: هي ميراث، فأن كان لصبي في حجره وأشهد عليه فهو جائز " (2). حيث إن نفي الصحة أقرب إلى نفي الماهية من نفي اللزوم لا يقال: مجرد الأقربية لا يكفي لأنه إذا كان المتكلم الحكيم في مقام البيان لا يلقى على المخاطب كلاما يحتمل معنيين أحدهما أقرب وهو يريد المعنى الأبعد إلا أن يكون قرينة معينة ووجه دلالة الموثق المذكور أنه لو كانت الهبة صحيحة غير لازمة كان الوارث بالخيار ولم يتعين كون المال الموهوب ميراثا، واستدل للقول الثاني بصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام " الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض، قسمت أو لم تقسم، والنحل لا تجوز حتى تقبض وإنما أراد الناس ذلك فأخطأوا " (3). وخبر عبد الرحمن بن سيابة عنه عليه السلام أيضا " إذا تصدق الرجل بصدقة أو هبة قبضها صاحبها أو لم يقبضها علمت أو لم تعلم فهي جائزة " (4) وأجيب بأن هذين الخبرين لا يقاومان ما دل على اشتراط القبض في الصحة للاعتضاد بعمل المشهور ولأن مقتضاهما عدم شرطية القبض أصلا لا كونه شرطا في اللزوم وظاهرهم الاجماع على الشرطية في الجملة، وعلى تقدير المقاومة والمعارضة اللازم الرجوع إلى الأصل ومقتضاه عدم حصول الملكية إلا بعد القبض ودعوى أن مقتضى العمومات حصولها مدفوعة بأن مقتضاها


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 378 والاستبصار ج 4 ص 107. (3) الكافي ج 7 ص 31. (4) التهذيب ج 3 ص 377. والكافي ج 7 ص 33.

[ 42 ]

حصول الملكية اللازمة والمفروض الاجماع على عدمها قبل القبض. ويمكن أن يقال: إن مجرد عمل المشهور لا يوجب الوهن إلا أن يظهر إعراضهم عن العمل ولم يظهر لامكان أن يكون الأخذ من جهة التخيير والخبران المذكوران لا ينافيان شرطية القبض في اللزوم في بعض الموارد كالهبة المعوضة والهبة لذي رحم بل لعله لا يستفاد منهما إلا الجواز بمعنى الصحة في مقابل عدم الجواز بمعنى البطلان مضافا إلى أن تحصيل الاجماع في مثل المقام مشكل جدا، وما دكر من أن مقتضى الأصل عدم حصول الملكية بشكل من جهة الاشكال في جريان الاستحباب في الشبهات الحكمية مضافا إلى أنه لا يبعد التمسك بحديث الرفع في رفع شرطية القبض في الصحة ومع هذا لا مجال لجريان الاستصحاب وإلى أن العمومات لا مانع من الأخذ بها ولم يظهر منها اللزوم إلا مثل " أوفوا بالعقود " والظاهر خروج الهبة عنها وفي غيره غنى وكفاية، هذا مضافا إلى أنه بعد تعارض الأخبار يكون العام مرجحا أو مرجعا ومن المطلقات ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وعبد الله بن سليمان في الصحيح قالا: " سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها ان شاء أم لا؟ فقال: تجوز الهبة لذوي القرابة والذي يثاب عن هبته ويرجع في غير ذلك إن شاء). (1) ثم إنه ربما يظهر من بعض الأخبار عدم الحاجة في الهبة للصبي إلى القبض وهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبان، عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " النحل والهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها، قال: هي بمنزلة الميراث وإن كانت لصبي في حجره وأشهد عليه فهو جائز قال: سألته هل لأحد أن يرجع في صدقته وهبته؟ قال: إذا تصدقت لله فلا، وأما النحل والهبة فيرجع فيها حازها أو لم يحزها، وإن كان لذي قرابة ". (2)


(1) التهذيب ج 2 ص 377. (2) جاءت هذه الرواية في التهذيب ج 2 ص 377. وفي الاستبصار ج 4 ص 106 و 107 عن علي بن الحسن بن فضال عن العباس بن عامر عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 43 ]

ويمكن أن يكون النظر إلى أنه يلي أمره فكأنه مقبوض للصبي لكنه ليس كل صبي في حجر إنسان مولى عليه للإنسان والظاهر أنه لابد للولي من قصد أن يكون ما بيده بعنوان المقبوضة للمولى عليه وظاهر الرواية عدم الحاجة إلى القبض في النحل والهبة للصبي الذي في حجره. وأما اشتراط كون القبض باذن الواهب فهو المشهور، وعن المسالك أنه لا خلاف فيه وفي الجواهر أن عليه الاجماع لأصالة عدم ترتب الأثر وعدم الانتقال مع عدم إطلاق يوثق به مع احتمال أن يقرء يقبض من باب الافعال فيكون ظاهرا في اعتبار الاذن، واستشكل فيه بوجود الاطلاق ومنع عدم الوثوق وأصالة عدم شرطية الاذن و القدر المتيقن اعتبار وصول المال إلى يد المتهب ولذا لو كان بيده كفى. واستدل أيضا على اشتراط الاذن بأن المفروض أن المال بعد باق على ملكية الواهب ولا يجب عليه إقباضه فيحرم قبضه من دون إذنه، واورد عليه أن الحرمة مطلقا ممنوعة مع أنها لا يوجب فساد القبض، ويمكن أن يقال: لا إشكال في إطلاق المطلقات فإن بنينا على الأخذ بما دل على اعتبار القبض فلابد من تقييدها والقدر المتيقن اعتبار نفس القبض لأنه مع احتمال قراءة يقبض من باب الافعال يصير بمنزلة المجمل المردد بين الأقل والأكثر والمعروف أنه مع الاجمال بهذا النحو يرجع إلى العام أو المطلق لأنه لا يرفع اليد عن الحجة إلا بالحجة والمقيد مع الاجمال ليس حجة في الجهة الزائدة، ومع التشكيك في الإطلاق يرجع إلى الأصل والمعروف عند الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - أن مقتضى الأصل الفساد لاستصحاب عدم حصول الملكية وإن بنينا على اعتبار القبض في اللزوم فمقتضى الأصل عندهم استصحاب عدم اللزوم وقد سبق أن الاستصحاب في الشبهات الحكمية محل إشكال ومع قطع النظر عن هذا لا مانع من الرجوع إلى حديث الرفع في الشك في الشرطية، ومعه لا مجال للرجوع إلى الاستصحاب وإن بنينا على حجيته في الشبهات الحكمية. وأما ما ذكر من حرمة التصرف في مال الغير بدون إذنه ففيه أنه لا مانع من ترتب الحكم الوضعي على ما يكون حراما بالحرمة التكليفية، ويؤيده أن المشهور

[ 44 ]

كفاية كون الموهوب في يد المتهب من دون حاجة إلى قبض جديد بالاسترداد، ثم القبض سواء كان اليد يد أمانة أو ضمان حتى لو كانت يد غصب وقد مر نظير هذا في كتاب الرهن، هذا كله ولكن مخالفة المشهور مشكلة. (ولو وهب الأب أو الجد للولد الصغير لزم لإنه مقبوض بيد الولي، و هبة المشاع جائزة كالمقسوم، ولا يرجع في الهبة لأحد الوالدين بعد القبض، وفي غيرهما من ذوي الرحم على الخلاف ". أما عدم الحاجة في هبة الأب أو الجد للأب للصغير المولى عليه إلى القبض الجديد فيدل عليه الصحيح المتقدم، عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام، وموثق داود ابن الحصين عنه عليه السلام أيضا " النحلة والهبة ما لم تقبض حتى تموت صاحبها، قال عليه السلام هي ميراث فإن كانت لصبي في حجره فأشهد عليه فهو جائز ". (1) ويمكن الأستدلال برواية محمد بن مسلم " وإن تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز، فإن والده هو الذي يلى أمره ". (2) فإن مقتضى التعليل فيها أن من يلي الأمر قبضه كاف فالقبض اللازم في الهبة حصل بقبض الولي ولازم هذا قصد الولي لأن مجرد كون الموهوب بيد الولي ليس قبضا للمولى عليه وحمل هذه الأخبار على التنزيل بأن يقال كون الموهوب أو الصدقة بيد الولي بلا قصد بمنزلة القبض بعيد ولا يناسب التعليل المذكور ولابد من الاقتصار على ما كان الموهوب بيد الواهب، ولا مجال للأخذ بإطلاق الخبرين لمعارضتهما مع ما دل على اعتبار القبض وهو ما رواه الشيخ - قدس سره - في التهذيب في القوي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: " الهبة لا تكون أبدا هبة حتى يقبضها والصدقة جائزة عليه " (3) إلا أن يستشكل من جهة ضعف السند مع انصراف الخبرين عن صورة خروج الموهوب عن يد الولي فتأمل.


(1) التهذيب ج 2 ص 377. (2) التهذيب ج 2 ص 377 والاستبصار ج 4 ص 101. (3) التهذيب ج 2 ص 377 والاستبصار ج 4 ص 107.

[ 45 ]

وأما جواز هبة المشاع فالظاهر أنه لا خلاف فيه ويدل عليه ما رواه في الكافي عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبيه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ قال: يجوز، قلت أرأيت إن كانت هبة؟ قال: يجوز " (1) ويقع الكلام في كيفية قبضه ففي ما يكتفي فيه من جهة القبض بالتخلية لا حاجة إلى إذن الشريك إذ هي لا تستلزم التصرف في العين المشتركة، وأما في ما يحتاج قبضه إلى النقل والتحويل فلا يجوز بدون إذن الشريك فإن أذن فهو و إن امتنع منه فللمتهب توكيله في القبض عنه وإن امتنع منه يرفع الأمر إلى الحاكم ومع عدم التمكن من الرجوع إليه يرجع إلى عدول المؤمنين ومع عدمهم قيل: إنه يكفي التخلية. واستشكل بعدم صدق القبض بمجرد التخلية فلا يتحقق القبض ويمكن أن يقال: فيما يكتفي فيه بمجرد التخلية كيف يكتفي بتخلية الواهب مع عدم تخلية الشريك فيحتاج إلى المراجعة إلى الشريك وذلك لأنه إذا كان مثل الدار مشتركة بين شخصين فإذا كانا متصرفين كأن يكونا ساكنين فيها فهي بأيديهما، وإن كان أحدهما ساكنا فيها مع خروج الآخر فهي بيده ومجرد خروج أحدهما ليس قبضا بالنسبة إلى الثالث إلا أن يسكن الثالث مقامه أو يخرج الشريك ويخلى الدار للثالث، وأما ما لا يكتفي فيه بالتخلية فمع امتناع الشريك فبأي نحو يجوز للواهب إعمال السلطنة في سهمه ولو بمراجعة الحاكم والقسمة الإجبارية يجوز إقباض الموهوب له سهمه. وأما عدم الرجوع في الهبة لأحد الوالدين فيدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " الهبة والنحلة يرجع فيهما إن شاء حيزت أو لم تحز إلا لذي رحم ". (2). وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله وعبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء أم لا فقال عليه السلام: تجوز الهبة لذوي القرابة


(1) المصدر ج 7 ص 34. (2) التهذيب ج 2 ص 377. والاستبصار ج 4 ص 108.

[ 46 ]

والذي يثاب من هبته، ويرجع في غير ذلك إن شاء ". (1) وربما تختلج بالبال الخدشة من جهة انصراف ذي رحم إلى من هو أبعد من الوالدين، ألا ترى أنه لو أوصى بشئ للأقارب والأرحام يشكل شموله للأبوين أو الأولاد إلا أن يقال: مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع الشمول وادعي الاجماع وكذا في هبة الأبوين للأولاد هنا ومقتضي الصحيحين عدم جواز الرجوع بالنسبة إلى غير الأبوين والأولاد من الأرحام، ولكن عن جماعة جواز الرجوع فيهم لمرسلة أبان عن أبي عبد الله عليه السلام " هل لأحد أن يرجع في صدقته وهبته؟ قال عليه السلام: إذا تصدقت لله فلا، وأما النحل فيرجع فيها حازها أو لم تحزها وإن كان لذي قرابة ". (2) واجيب بعدم مقاومة المرسلة واحتمال أن يكون قوله عليه السلام على المحكي " وان كان - الخ " قيدا لقوله عليه السلام أو لم تحزها، ويمكن أن يقال: إن كان عدم المقاومة من جهة الإرسال فبعد أخذ الفقهاء بها يشكل الاشكال من جهة السند، وأما من جهة الدلالة بما ذكر فالظاهر أن الضمير في كان راجع إلى الإعطاء أو ما يرادفه المسئول عن حكمه سابقا فيبعد رجوعه إلى ما يعلم من خصوص لم تحزها، فمع بعده كيف يحمل عليه كلام الحكيم مع كونه في مقام البيان، ألا ترى أنه لا مجال لحمل إلا لذي رحم في صحيحة محمد بن - مسلم المذكورة استثناء من خصوص أو لم تحز، ولا يخفى أن هذا كله على المشهور من جواز الرجوع في الهبة، وقد اختلفت الأخبار فيه فالأخبار الدالة على الجواز منها الصحيحتان المذكورتان والمرسلة المذكورة، ومنها صحيح زرارة " وينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه، وما لم يعط لله وفي الله فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز ولا يرجع الرجل فيما وهب لامرأته " (3) إلى غير ما ذكر. وفي قبالها ما يظهر منه عدم الجواز منها خبر إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله عليه السلام " أنت بالخيار في الهبة مادامت في يدك فإذا خرجت إلى صاحبها فليس


(1) التهذيب ج 2 ص 377 والاستبصار ج 4 ص 109. (2) التهذيب ج 2 ص 377. (3) الاستبصار ج 4 ص 110.

[ 47 ]

لك أن ترجع فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئة ". (1) ومنها خبر أبي بصير " عن الرجل يشتري المبيع فيوهب له الشئ وكان الذي اشتري لؤلؤا فوهب له لؤلؤا فرأى المشتري أن يرد، أيرد ما وهب له؟ قال عليه السلام: الهبة ليس فيها رجعة وقد قبضها إنما سبيله على البيع فإن رد المبتاع المبيع لم يرد معه الهبة ". (2) ومنها خبر محمد بن عيسى " كتبت إلى علي بن محمد عليهما السلام رجل جعل لك - جعلني الله فداك - شيئا من ماله ثم احتاج إليه أيأخذه لنفسه أو يبعث به إليك؟ قال: هو بالخيار في ذلك ما لم يخرجه عن يده ولو وصل إلينا رأينا أن نواسيه وقد احتاج إليه ". (3) ومنها خبر الجراح المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " من رجع في هبته كالراجع في قيئه " (4). وقد يقال: إن هذه الأخبار لا تقاوم ما تقدم من الأخبار لأصحيتها وأكثريتها وأظهريتها دلالة. ويمكن أن يقال: إذا كان النظر إلى الترجيح بما ذكر لا إلى الإشكال في الحجية مع قطع النظر عن المعارضة يشكل ما ذكر من جهة عموم " أوفوا بالعقود " فهو مرجح أو مرجع، وحمل الأخبار المذكورة على الكراهة بعيد جدا، والتعبير بأنه كالراجع في قيئه لا يؤيد الكراهة لأنه يمكن أن يكون من جهة خبث القيئ الموجب للحرمة لا من جهة تنفر الطبع لكن مع ذلك لا مجال لمخالفة المشهور. (ولو وهب أحد الزوجين الآخر ففي الرجوع تردد، أشبهه الكراهية ويرجع في هبة الأجنبي مادامت العين باقية ما لم يعوض عنها، وفي الرجوع مع التصرف قولان أشبههما الجواز).


(1) التهذيب ج 2 ص 378. (2) المصدر ج 2 ص 378. (3) الوسائل كتاب الهبات ب 4 ح 8. (4) الاستبصار ج 4 ص 109.

[ 48 ]

أما رجوع أحد الزوجين فيما وهب للآخر فمقتضى صحيح زرارة المذكورة عدم جوازه ويدل عليه أيضا صحيحة زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام " إن الصدقة محدثة إنما كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ينحلون ويهبون، ولا ينبغي لمن أعطى لله عز وجل شيئا أن يرجع فيه، قال: وما لم يعط لله وفي الله فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة، حيزت أو لم تحز ولا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته ولا المرأءة فيما تهب لزوجها حيز أو لم يحز، أليس الله تبارك وتعالى يقول: " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " وقال: " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " وهذا يدخل فيه الصدقة والهبة ". (1) والمشهور على الجواز مع الكراهة لصحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام أنه سئل " عن رجل كانت له الجارية فأذته امرأته. فيها، فقال: هي عليك صدقة، فقال: إن كان قال: ذلك لله فليمضها وإن لم يقل فله أن يرجع إن شاء فيها " (2). واستشكل في الاستدلال به باحتمال كون المراد أنه إذا قصد الصدقة ولم يقل لله فله الرجوع حيث أنها مشروطة بقصد القربة، مع أن الصحيحة موافقة للكتاب بناء على أن المراد بما آتيتموهن أعم من الصدقة والهبة لقوله عليه السلام في آخره. ويمكن أن يقال: إذا قصد الصدقة التي اخذ فيها قصد القربة فلا حاجة إلى قول لله فيظهر من الرواية أنه ما قصد حيث لم يقل فالإعطاء بقصد القربة يجوز الرجوع فيه وبدون الإعطاء لا يصدق الرجوع والإعطاء بلا قصد القربة هبة فبقرينة ذكر الرجوع يفهم تحقق الإعطاء، ويمكن الاستدلال للمشهور بصحيحة عبد الرحمن بن - أبي عبد الله، وعبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء أم لا؟ فقال عليه السلام: تجوز الهبة لذوي القرابة والذي يثاب من هبته ويرجع في غير ذلك " (3) فيدور الأمر بين تخصيص ويرجع في غير ذلك وحفظ ما ظهر منه عدم


(1) الكافي ج 7 ص 110 والاستبصار ج 4 ص 110. وفيه " حيزا أو لم يحازا ". (2) التهذيب ج 2 ص 388. (3) تقدم ص.

[ 49 ]

الجواز على ظهوره وبين حفظ هذا الظهور وحمل ما ذكر على الكراهة الزائدة على كراهة مطلق الرجوع في الهبة قد يقوي التخصيص بملاحظة الذكر مع الصدقة التي لا رجوع فيها لكنه ذكر الواجب والمستحب وكذا الحرام والمكروه ليس بعزيز، و المسألة لا تخلو عن الإشكال والاحتياط بعدم الرجوع. وأما الرجوع في الهبة للأجنبي في الجملة فقد سبق الكلام فيه. وأما صورة التعويض فأدعي الإجماع فيها على اللزوم وعدم الرجوع ويدل عليه ما رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح المتقدم، وما روي في الصحيح أو الحسن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا عوض صاحب الهبة فليس له أن يرجع ". (1) وقد يقال بجواز التعويض بنفس ما وهب كلا أو جزءا كأن يقول الواهب: وهبتك بشرط أن تهبني إياه بعد شهر أو سنة، ويشكل لا من جهة عدم صدق العوض على نفس الشئ لعدم المعاوضة في الموهوب بل المعاوضة بين التمليكين هبة وهبة أخرى عوضها بل من جهة الانصراف وعدم صدق الهبة للذي يثاب من هبته كما في الصحيح الأول وما يقال من أنه لابد أن يكون برضى الواهب مع قصد العوضية مشكل لإطلاق الدليل، ولا مانع من جواز الهبة أولا وبعد إعطاء العوض تبدل الجواز باللزوم. وأما صورة التصرف في العين الموهوبة للأجنبي ففيه أقوال: أحدها سقوط الجواز وعدم جواز الرجوع مطلقا، الثاني عدم السقوط مطلقا، الثالث التفصيل بين مثل البيع والصلح والهبة من التصرفات الناقلة للملك ومثل الاستيلاد المانع للرد ومثل الطحن والنجر والخياطة ونحوها مما يكون مغيرا للصورة وبين ما لا يكون كذلك كالسكنى وركوب الدابة وتعليفها ولبس الثوب ونحوها مما لا يكون مغيرا للصورة. والمدرك في المسألة ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي،


(1) التهذيب ج 2 ص 378.

[ 50 ]

وجميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها وإلا فليس له. (1) " وقيام العين بعينها أمر عرفي كساير المفاهيم العرفية وقد يحصل الشك، فمع مثل البيع والصلح والهبة مع لزومها الظاهر أنه عند العرف ليست العين قائمة بعينها لكنه مع حصول الإقالة أو الفسخ يشكل صدق عدم القيام بعينها لأنها بنظر العرف من قبيل إعادة المعدوم، ومثل الاستيلاد ليس عند العرف موجبا لعدم القيام بعينها بل المنع من قبل الشرع فلعله من باب تزاحم الحكمين، والظاهر أن ما يكون مغيرا للصورة كالطحن والنجر ونحوهما مناف للقيام بعينها دون مثل السكنى والركوب والتعليف، وقد يقع الشك كحصول وصف كمال لها من دون حصول نقصان في أوصافها السابقة، فمع الشك المرجع عموم أو إطلاق أدلة جواز الرجوع في غير الموارد المستثناة لما هو المقرر في الأصول من الرجوع إلى العام أو المطلق عند إجمال المخصص أو المقيد والدوران بين الأقل والأكثر. فالحق في المسألة التفصيل، ومع الاطلاق أو العموم لا مجال في موارد الشك للرجوع إلى الاستصحاب كما لا يخفى وإن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.


(1) الكافي ج 7 ص 32. والتهذيب ج 2 ص 377.

[ 51 ]

(كتاب الوصايا) * (وهي تستدعي فصولا) * (الأول الوصية تمليك عين أو منفعة أو تسليط على تصرف بعد الوفاة ويفتقر إلى الايجاب والقبول). الوصية إما تمليكية أو عهدية، ولا إشكال في عدم الحاجة في العهدية إلى القبول وإن كان يظهر من عبارة المتن اشتراطه مطلقا، وقد يقال بعدم الحاجة إلى القبول في التمليكية أيضا، غاية الأمر رد الموصى له مانع، ولازم هذا أنه لو لم يقبل الموصى له ولم يرد كان الموصى به ملكا له، ويكون نماؤه المتصلة والمنفصلة له، ولا يلتزمون به، بل ظاهر كلماتهم أنه مع عدم القبول والرد والامتناع يجبر لملاحظة حال الورثة والإنصاف أنه لا دليل على اعتبار القبول بملاحظة الأخبار بل الظاهر من بعضها حصول الملكية بمجرد الوصية فلاحظ صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل أوصى بثلث ماله في أعمامه وأخواله، فقال: لأعمامه الثلثان ولأخواله الثلث (1) ". وما في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة قالت لأمها: إن كنت بعدي فجاريتي لك، فقضى أن ذلك جائز، وإن ماتت الإبنة بعدها فهي جاريتها (2) ". إلا أن يقال في الصحيحة: لعل نظر السائل إلى كيفية تقسيم الموصى به بين الأعمام والأخوال بعد الفراغ عن تمامية الوصية ولا تعرض لها لنحو تمامية الوصية وهذا نظير سؤال السائل: رجل باع داره من دون ذكر لقبول المشتري. ولا يبعد التمسك بما رواه العباس بن عامر في الصحيح قال: " سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقبا، قال: أطلب له وارثا أو مولى نعمة فادفعها إليه، قلت:


(1) الفقيه ص 530 تحت رقم 1. (2) المصدر ج 2 باب الوصية للوارث تحت رقم 8.

[ 52 ]

فإن لم أعلم له وليا؟ قال: أجهد على أن تقدر له على ولي، فان لم تجده وعلم الله منك الجد فتصدق بها (1)) حيث لم يستفصل في الجواب أن الموصى له قبل أو لم يقبل، فلو كان القبول لازما في الصحة لزم حسب القاعدة أن يرجع الموصى به إلى وارث الموصى. والمحكي عن المختلف بعد نقل الأقوال: والمعتمد أن نقول: الوصية إن كانت لغير معين كالفقراء والمساكين ومن لا يمكن حصرهم كبني هاشم أو على مصلحة كمسجد أو قنطرة أو حج أو مدرسة أو غير ذلك لم يفتقر إلى القبول ولزمت بمجرد الموت لتعذر اعتبار القبول من جميعهم فسقط اعتباره كالوقف عليهم. وإن كانت لمعين افتقرت إلى القبول، ولا يحصل الملك قبله لأن القبول معتبر فتحصيل الملك له قبل قبوله لا وجه له مع اعتباره ولأنه تمليك عين لمعين، فلم يسبق الملك القبول كسائر العقود، ولأن الموصى له لو رد الوصية بطلت، ولو كان قد ملك بمجرد الإيصاء لم يزل الملك بالرد كما بعد القبول، ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل لامتناع تقدم المشروط على شرطه. ويمكن أن يقال: إن كانت الوصية التمليكية عقدا وكل عقد يحتاج إلى الإيجاب والقبول بخلاف الايقاع فكيف يقال في الوصية لغير معين أو على المصلحة لا حاجة إلى القبول ومجرد تعذر القبول لا يصحح، وإن منعنا كون الوصية عقدا فلا نجد الفرق بين الوصية لمعين وبين غيرها. ومما يؤيد عدم كونها عقدا أن القائلين باعتبار القبول يكتفون بقبول وارث الموصى له مع موت الموصى له قبل القبول ومن المعلوم أن الوارث ليس طرف للعقد وليس القبول من الحقوق الموروثة، فيكون من قبيل موت طرف العقد قبل القبول. وأما ما ذكر من امتناع تقدم المشروط على شرطه، فيمكن الجواب عنه بأن الرد كاشف عن عدم تحقق الملكية من الأول فالمقام نظير عزل مقدار من تركة الميت


(1) الفقيه ص 530 تحت رقم 4. والاستبصار ج 4 ص 138: والتهذيب ج 2 ص 397.

[ 53 ]

بملاحظة الحمل فإن ولد حيا يرث سهمه من التركة وإلا فهو ميراث للورثة، و الحاصل أنه إن تحقق الإجماع على الحاجة إلى القبول فهو وإلا فالمرجع عموم أو إطلاق أدلة صحة الوصية ونفوذها ومع الخدشة المرجع الأصل، فإن بنينا على أن الأصل في أمثال المقام الفساد من جهة استصحاب عدم تحقق الملكية بدون القبول يحكم بالفساد، وإن قلنا بأن حديث الرفع لا مانع من جريانه في أمثال المقام يحكم بالصحة، ولا يخفى أنه إن كان الأصل الفساد من جهة عدم العموم والاطلاق فمجرد ما ذكر لعدم لزوم القبول في الوصية لغير المعين وللمصلحة لا يوجب الصحة، بل لابد من تحقق القبول ولو من بعض ككفاية قبض البعض في الوقف على عنوان كعنوان الفقراء أو الحاكم إن قلنا بولايته في أمثال المقام، ومع عدم الدليل على الولاية بهذا النحو يشكل الحكم بالصحة لعدم تمامية الوصية حتى يقال: إنفاذ الوصية لازم فيدور الأمر بين أن يكون بيد كل أحد أو خصوص الحاكم فالقدر المتيقن هو الحاكم، فعدول المؤمنين، ففساقهم. فليس المقام من قبيل الوصية العهدية مع عدم تعيين الوصي أو موته، لكن الظاهر تسالمهم على عدم الحاجة إلى القبول. وقد يقال: إن الوصية في هذه الصورة ليست تمليكية بل هي عهدية فليست عقدا يحتاج إلى القبول، ويشكل من جهة أنه إذا لم يعمل الوصي بالوصية فكيف يملك الموصى له الموصى به لأن الوصي هو الذي يملك دون الموصي فلم يحصل الملك وهذا خلاف ما تسالموا عليه، وقد علل كونها عهدية بعدم صحة تملك الغير المعين أو الجهة. ولا يخفى الاشكال فيه. (وتكفي الاشارة الدالة على القصد، ولا تكفي الكتابة ما لم تنضم القرينة الدالة على الارادة، ولا يجب العمل بما يوجد بخط الميت وقيل: إن عمل الورثة ببعضها لزمهم العمل بجميعها، وهو ضعيف. ولا تصح الوصية بمعصية كمساعدة الظالم وكذا وصية المسلم للبيعة والكنيسة). أما كفاية الاشارة الدالة على القصد في الجملة فالظاهر عدم الخلاف فيها، واستدل بصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " إن أباه حدثه عن أبيه أن أمامة

[ 54 ]

بنت أبي العاص بن الربيع وامها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله كانت تحت علي صلوات الله عليه بعد فاطمة عليها السلام فخلف عليها بعد علي عليه السلام المغيرة بن النوفل فذكر أنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها وأتاها الحسن والحسين ابنا علي عليهم الصلاة والسلام وهي لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان لها - والمغيره كاره لما يقولان -: أعتقت فلانا وأهله فجعلت تشير برأسها: لا، كذا وكذا (1) فجعلت تشير برأسها: نعم، لا تفصح بالكلام فأجازا ذلك لها ". وخبر علي بن جعفر، عن أخيه المروي عن قرب الاسناد " سألته عن رجل اعتقل لسانه عند الموت أو امرأة فجعل أهاليهما يسائله اعتقت فلانا وفلانا؟ فيؤمي برأسه أو تؤمي برأسها في بعض: نعم، وفي بعض: لا، وفي الصدقة مثل ذلك أيجوز ذلك؟ قال: نعم هو جائز " (2). ولا يخفى عدم ظهور الروايتين في الوصية بل يمكن أن يكون الاشارة من المريض راجعة إلى الاعتاق عند الموت أو التصدق عنده أو الاقرار بهما، والمعروف أنه يكتفي بالاشارة مع العجز عن النطق ولا يبعد اعتبارها حتى مع التمكن لاكتفاء العقلاء في مقاصدهم بالاشارة، ولم يقم دليل على لزوم التلفظ يوجب الردع إلا أن المشهور عدم اعتبارها مع التمكن فان تم الاجماع وإلا فلا وجه له ولعله لهذا صرح في المتن بالكفاية من دون تقييد العجز وكذا الكتابة مع قصد الانشاء بهما وفي خبر سدير عن أبي جعفر عليهما السلام قال: دخلت على محمد بن الحنفية وقد اعتقل لسانه فأمرته بالوصية فلم يجب فأمرت بطست فجعل فيه الرمل فوضع فقلت: خط بيدك، فخط وصيته بيده في الرمل ونسخته أنا في صحيفة) (3). ولم يظهر من هذا الخبر مدخلية العجز في اعتبارها بل لعل العدول إلى الكتابة بعد العجز عن النطق من جهة أسهلية النطق.


(1) الفقيه ص 526 والتهذيب آخر كتاب العتق وأحكامه وفيه " فتشير برأسها نعم كذا وكذا " وكذا في الاستبصار وموضع آخر من التهذيب ص 400. (2) الوسائل ج 2 ص 674 كتاب الوصية ب 49 ح 2. (3) الفقيه ص 526 تحت رقم 1.

[ 55 ]

وأما ما كتب الميت بخطه فظاهر المتن عدم وجوب العمل به ولم يظهر وجهه مع كفاية الكتابة في الوصية وبناء العقلاء على العمل في مقاصدهم واكتفاء المأمورين إذا صدر من امرائهم أوامرهم في الامور الخطيرة، بل بناء الفقهاء في الأحاديث بما كتب في الكتب، والنصوص الناهية عن أن يبيت الانسان إلا ووصيته تحت رأسه، ومن المعلوم أن الغرض العمل بها إذا مات ولعل نظر المانعين إلى صورة عدم حصول القطع أو الاطمينان بأنه خط الميت أو إرادة الوصية. وأما عدم صحة الوصية بمعصية بمعنى صرف المال في المعصية فلا إشكال فيه ولا خلاف ولا يمكن تنفيذها ويدل عليه الخبر " عن قول الله تعالى: " فمن بدله بعد ما سمعه - الآية " قال: نسختها التي بعدها " فمن خاف من موص جنفا أو إثما " قال: يعني الموصى إليه إن خاف جنفا من الموصي [ في ثلثه ] فيما أوصى به إليه مما لا يرضى الله تعالى من خلاف الحق فلا إثم على الموصى إليه أن يبدله إلى الحق وإلى ما يرضى الله تعالى به من سبيل الخير ". (1) ونحو المرسل المضمر عنه أنه تعالى أطلق للموصى إليه أن يغير الوصية إذا لم تكن بالمعروف وكان فيها جنفا ويرده إلى المعروف لقوله تعالى " فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه ". (2) ولعل المراد من النسخ في الخبر الأول التخصيص لعدم إمكان الحمل على النسخ بمعناه المعروف ولعل المراد من التبديل عدم العمل بها لا التبديل بمعناه الظاهر كما لو أوصى بصرف ثلثه في البيع والكنائس فبدل الوصي في عمارة المسجد لعدم الدليل عليه غير الخبرين وإثبات مثل هذا الحكم بهما مشكل. (الثاني في الموصي ويعتبر فيه كمال العقل والحرية، وفي وصية من بلغ عشرا في البر تردد، والمروي الجواز، ولو جرح نفسه بما فيه هلاكها ثم أوصى لم تقبل، ولو أوصى ثم جرح قبلت، وللموصي الرجوع في الوصية متى شاء).


(1) الكافي ج 7 ص 21. (2) الكافي ج 7 ص 20.

[ 56 ]

اما اعتبار كمال العقل بمعنى عدم كون الموصي مجنونا أو سكران لا يعقل أو سفيها فلعدم نفوذ تصرفاته مع هذه الأوصاف. وأما اعتبار الحرية فوجهه أن العبد محجور في تصرفاته وإن قلنا بأنه يملك. وأما وصية من بلغ عشر سنين وإن كان مقتضى القاعدة عدم نفوذها لكونه محجورا في تصرفاته لكنه ورد أخبار تدل على صحتها في وجوه المعروف. منها ما رواه الصدوق في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته ". (1) وما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم، عن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حد معروف وحق فهو جائز " (2). وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته، عن وصية الغلام هل يجوز؟ قال: إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته ". (3) وعن أبي بصير وأبي أيوب في الموثق، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الغلام ابن عشر سنين يوصى قال: إذا أصاب موضع الوصية جازت ". (4) وما رواه المشايخ الثلاثة - عطر الله مراقدهم - في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك جازت وصيته لأولى الأرحام ولم تجز للغرباء " (5). وعن أبي بصير في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا بلغ الغلام عشر سنين فأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته، وإن كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته ". (6)


(1) الفقيه ص 526. (2) الوسائل ج 2 ص 673 كتاب الوصايا أبواب أحكام الوصايا ب 44 ح 4. (3) إلى (6) الوسائل أبواب احكام الوصايا ب 44.

[ 57 ]

والمستفاد من الاخبار نفوذ وصية البالغ عشر سنين في الحق والمعروف بعد تقييد ما هو مطلق بالمقيد، بل نفوذ وصية ابن سبع سنين في اليسير من ماله في حق، ثم إن هذا في الوصية بالإستقلال بدون المراجعة إلى الولي، وأما إن قلنا بنفوذ تصرفات الغير البالغ بإجازة الولي فلا مانع من التصرف بالوصية وهذا الكلام في وصية السفيه والعبد إن قلنا بملكيته يجري. وأما لو جرح نفسه بما فيه هلاكها فالمصرح به في كلمات الفقهاء - قدس الله أسرارهم - عدم قبول وصيته ويدل عليه صحيحة أبي ولاد المروية بطرق المشايخ الثلاثة - قدست أسرارهم - قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها، قيل له: أرأيت إن كان أوصى بوصية، ثم قتل نفسه متعمدا من ساعته تنفذ وصيته؟ قال: فقال: إن كان أوصى قبل أن يحدث حدث في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت اجيزت وصيته في الثلث، وإن كان أوصى بوصية بعدما أحدث في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت لم تجز وصيته ". (1) ولا مانع في الأخذ بهذه الصحيحة إلا ما قد يستشكل من لزوم تخصيص الكتاب الكريم ولا إشكال فيه كما في كثير من أبواب المعاملات. وأما جواز رجوع الموصي عن وصيته متى شاء فالظاهر أنه لا خلاف فيه ويدل عليه الأخبار منها ما رواه المشايخ الثلاثة - قدس الله أسرارهم - عن عبيد بن زرارة قال: " قد سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: للموصي أن يرجع في وصيته إن كان في صحة أو مرض ". (2) وعن بريد بن معاوية في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لصاحب الوصية أن يرجع فيها ويحدث في وصيته ما دام حيا ". (3) وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " المدبر من الثلث وقال: للرجل أن يرجع في ثلثة إن كان أوصى في صحة أو مرض " (4) إلى غيرها من الأخبار.


(1) الوسائل كتاب الوصايا أبواب أحكام الوصايا ب 52 ح 1 (2) و (3) الوسائل كتاب الوصايا ب 18 ح 3 و 4. (4) الكافي ج 7 ص 22.

[ 58 ]

(الثالث في الموصى له ويشترط وجوده فلا تصح لمعدوم ولا لمن ظن بقاؤه وقت الوصية فبان ميتا، وتصح الوصيه للوارث كما تصح للأجنبي، وللحمل بشترط وقوعه حيا، وللذمي ولو كان أجنبيا وفيه أقوال). أما اشتراط وجود الموصى له حال الوصية فالظاهر عدم الخلاف فيه وقد ذكر في وجه عدم الصحة أن الموصى به إما عين أو منفعة والمعدوم غير قابل لأن يتملك العين أو المنفعة وأورد عليه بالنقض بالوقف حيث أنه يصح الوقف على المعدوم بتبع الموجود وكذا يصح بيع الثمرة مع أنها معدومة حال البيع، ولا فرق بين تملك المعدوم وتمليك المعدوم، ولا يخفى أن الصحة وعدم الصحة في الامور الاعتبارية يدوران مدار اعتبار العقلاء ولا شك في صحة الاعتبار مضافا إلى أن الملكية تتحقق بعد الموت لا بمجرد الوصية فالعمدة الاجماع إن تم. وقد يستدل على عدم الصحة بعدم شمول الأدلة، والظاهر عدم الإشكال في الإطلاق ولذا يؤخذ به في الامور التي لا تعرض في الأخبار لها، فإن الوصية للحمل حتى قبل ولوج الروح المعروف صحتها، والظاهر عدم نص بالخصوص فيها فلابد من التمسك بالإطلاقات. وأما صحة الوصية للوارث فالظاهر عدم الخلاف فيها خلافا للجمهور حيث أن أكثرهم على عدم جوازها للوارث، ورووا في ذلك عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا وصية لوارث ". (1) ويدل على ما ذكره الأصحاب قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين " (2) وقيل هذه الآية منسوخة بآية الفرائض وقد روى العياشي في تفسيره عن ابن مسكان عن أبي جعفر عليهما السلام " في قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين " قال: هي منسوخة نسختها آية الفرائض التي هي المواريث (3)).


(1) أخرجه أبو داود في السنن ج 2 ص 103، وابن ماجه في السنن ج 2 ص 905. (2) البقرة: 180. (3) المصدر ج 1 ص 77.

[ 59 ]

وجملة من الأصحاب حملوا هذه الرواية على التقية، واحتمل حمل النسخ فيها على نسخ الوجوب وهذا الاحتمال قريب من جهة أن الإرث بعد الوصية والنسخ مع عدم إمكان الجمع. ويدل على مذهب الأصحاب أخبار منها ما رواه في الكافي عن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوصية للوارث، فقال: تجوز " (1). وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن أبي ولاد الحناط قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الميت يوصي للوارث بشئ؟ قال: نعم - أو قال جائز له " (2). وما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " الوصية للوارث لا بأس بها " (3) إلى غير ما ذكر. وأما الوصية للحمل فالظاهر عدم الخلاف في صحتها بشرط وقوعه حيا وإن لم تحله الحياة واستدل عليها بعموم ما دل على جوازها مع عدم العثور بنص دال على الصحة في خصوص الحمل لكن لا تستقر إلا بانفصاله حيا كالإرث بمعنى أنه إذا انفصل حيا ينكشف صحة الوصية فلو وضعته ميتا انكشف بطلان الوصية وإن كان قد حلته الحياة في بطن امه ولازم ما ذكر أنه إذا مات الموصي انتقل الموصى به إلى الحمل و إن لم تحله الحياة وكان النماء المتخلل يتبع العين في ذلك وظاهرهم عدم اعتبار القبول لتعذره حيث لم يعلم ولاية الأب والجد بالنسبة إليه كما قيل بسقوط اعتبار القبول في الوصية للجهات العامة. وأما جواز الوصية للذمي فهو مختار جماعة واستدل عليه بقوله عزوجل: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين - إلى قوله تعالى: - أن تبروهم " و الوصية بر. وما رواه المشايخ الثلاثة - قدس الله تعالى أرواحهم - عن محمد بن مسلم في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى بماله في سبيل الله فقال: أعطه لمن أوصى به وإن كان يهوديا أو نصرانيا إن الله تبارك وتعالى يقول: " فمن بدله بعدما سمعه


(1) إلى (3) الكافي ج 7 ص 9 تحت رقم 1 و 2 و 3.

[ 60 ]

فإنما إثمه على الذين يبدلونه ". (1) وما رواه في الكافي والتهذيب بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام مثله بأدنى تفاوت. وما رواه المشايخ الثلاثة، عن يونس بن يعقوب " إن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات وكان لا يعرف هذا الأمر فأوصى بوصية عند الموت وأوصى أن يعطي في سبيل الله، فسئل عنه أبو عبد الله عليه السلام كيف يفعل به فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر، فقال: لو أن رجلا أوصى أني أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما، إن الله عز وجل يقول: " فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " فانظروا إلى من يخرج إلى هذا الوجه - يعني بعض الثغور -، فابعثوا به إليه ". (2) وقيل بعدم الصحة من جهة استلزام الوصية المودة وهي محرمة بالنسبة إلى الكافر لقوله تعالى: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله ولو كان آباءهم أو أبناءهم " وهي متناولة للارحام وغيرهم، واجيب بمعارضته بقوله تعالى: " لا ينهاكم الله - الآية " وبما تقدم من الاخبار وبقوله صلى الله عليه وآله " في كل كبد حرى أجر " (3) وبالنقض بجواز هبته وإطعامه ومنع كون مطلق الوصية موادة لان الظاهر أن المراد منها موادة المحاد لله من حيث هو محاد لله بقرينة ما ذكر من جواز صلته وأورد عليه بأن الأخبار المذكورة لا دلالة فيها على أزيد من وجوب تنقيذ الوصية كما أوصى به الموصي وهو لا يستلزم جواز ذلك بل من الممكن أن يكون ما فعله محرما يأثم عليه وإن وجب تنفيذه على الوصي وذكر أخبار في قبال الخبر النبوي " في كل كبد حرى أجر " منها ما روى ثقة الإسلام في الكافي عن أبي يحيى عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة، ومن أشبع كافرا كان حقا


(1) الكافي ج 7 ص 14. والتهذيب ج 2 ص 397. (2) الوسائل ص 670 كتاب الوصايا أبواب أحكام الوصايا ب 33 ح 4. (3) أخرجه أحمد في مسنده من حديث سراقة بن مالك.

[ 61 ]

على الله أن يملأ جوفه من الزقوم مؤمنا كان أو كافرا " (1). وروى الصدوق - قدس سره - في كتاب معاني الأخبار بسنده فيه عن النهيكي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج من الإسلام، فقلت: هلك إذا كثير من الناس، فقال: ليس حيث ذهبتم، إنما عنيت بقولي من مثل مثالا، من نصب دينا غير دين الله، ودعا الناس إليه، وبقولي " من اقتنى كلبا " عنيت مبغضا لنا أهل البيت اقتناه فأطعمه وسقاه، من فعل ذلك فقد خرج عن الإسلام ". (2) وعن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " من أشبع عدوا لنا فقد قتل وليا لنا (3) " ففي وصيته صلى الله عليه وآله المنقولة في كتاب مجالس الشيخ: " يا أبا ذر لا يأكل طعامك إلا تقي - إلى أن قال - أطعم طعامك من يحب في الله وكل طعام من يحبك في الله " (4). وروى في التهذيب عن عمر بن يزيد قال: " سألته عن الصدقة على النصاب و على الزيدية، فقال: لا تصدق عليهم بشئ، ولا تسقهم من الماء إن استطعت وقال: الزيدية هم النصاب (5) " إلى غير ذلك من الأخبار. ويمكن أن يقال: لا يخفى إباء هذه الأخبار عن التقييد والتخصيص فكيف يجوز للوصي العمل بالوصية مع أنه المباشر للعمل، وما في هذه الأخبار مناف لما هو المعروف من معاملة المعصومين مع أعدائهم، بل مع معاملة النبي صلى الله عليه وآله مع الكفار، و مناف مع الآية الشريفة " لا ينهاكم الله عن الذين - الاية " فلابد من رد العلم بها إلى أهله، ونمنع كون الوصية والعمل بها للوصي موادة من غير حاجة إلى صرف النهي عن الموادة إلى الموادة لمن حاد الله ورسوله من جهة محادته. (ولا تصح للحربي ولا لمملوك غير الموصي ولو كان مدبرا أو ام ولد، نعم لو أوصى


(1) الكافي ج 2 ص 200 (2) المصدر ص 181. (3) و (4) الوسائل كتاب الاطعمة أبواب آداب المائدة ب 19 ح 3 و 4 (5) المصدر باب مستحق الزكاة تحت رقم 12.

[ 62 ]

لمكاتب قد تحرر بعضه مضت الوصية في قدر نصيبه من الحرية. وتصح لعبد الموصى ومدبره ومكاتبه وام ولده، ويعتبر ما يوصى به لمملوكه بعد خروجه من الثلث، فان كان بقدر قيمته أعتق، وكان الموصى به للورثة، وإن زاد أعطى العبد الزائد وإن نقص عن قيمته سعى في الباقي، وقيل: إن كانت قيمته ضعف الوصية بطلت، وفي المستند ضعف). أما عدم صحة الوصية للحربي فهو مبني على كون الوصية موادة للحربي المحاد لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله، وقد عرفت المنع ودلالة الأخبار المذكورة على لزوم إنفاذ الوصية حتى بالنسبة إلى اليهودي والنصراني مع كون النصارى غالبا حربيين في عصر صدور الأخبار المذكورة، وعدم عمل الأصحاب بالأخبار الدالة على حرمة إشباع الأعداء وإطعامهم وسقيهم. وقد يتمسك بعدم قابلية الحربي للتملك ولا يخفى منعه، وما ورد من أنهم ومالهم فيئ للمسلمين يؤيد تملكهم وإلا لزم عدم جواز تملك ما أخذوا من المسلمين بالبيع والاشتراء. وأما عدم صحة الوصية لمملوك غير الموصى ولو كان مدبرا أو ام ولد فهو المشهور لا من جهة عدم القابلية للتملك لما سبق في كتاب البيع من القابلية والتملك غاية الأمر أنه يكون محجورا عليه، ولا لرواية عبد الرحمن بن الحجاج عن أحدهما عليهما السلام قال: " لا وصية لمملوك (1) " لأن هذا الخبر كما يحتمل نفي الوصية من الغير له يحتمل نفي أن يوصى المملوك للغير. بل من جهة ما رواه المشايخ الثلاثة - قدس الله تعالى أرواحهم - في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام في مكاتب قال: " قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مكاتب كانت تحته امرأة حرة فأوصت له عند موتها بوصية فقال أهل الميراث: لا نجيز وصيتها له إنه مكاتب لم يعتق ولا يرث، فقضى أنه يرث بحساب ما اعتق منه ويجوز له من الوصية بحساب ما اعتق منه، وقضى في مكاتب أوصى له بوصية وقد قضى نصف ما عليه فأجاز له نصف الوصية، وقضى في مكاتب قضى ربع ما عليه فأوصى له بوصية فأجاز ربع الوصية، وقال في رجل حر أوصى لمكاتبته وقد قضت


(1) التهذيب ج 2 ص 393.

[ 63 ]

سدس ما كان عليها فأجاز بحساب ما اعتق منها ". (1) وأما صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مكاتب قضى بعض ما كوتب عليه أن يجاز من وصيته بحساب ما اعتق منه، وقضى في مكاتب قضى نصف ما عليه فأوصى بوصية فأجاز نصف الوصية، وقضى في مكاتب قضى ثلث ما عليه وأوصى بوصية فأجاز ثلث الوصية " (2) وغيرها فهي راجعة إلى وصية المملوك، ولا دلالة لها لما نحن فيه، وجه الاستدلال بالصحيحة المذكورة تقرير المعصوم أهل الميراث عدم جواز الوصية له من جهة أنه لم يعتق وإختصاص الإرث وجواز الوصية له بحساب ما أعتق منه. ونوقش في السند من جهة اشتراك محمد بن قيس بين الثقة وغيره ودفع المناقشة بمنع الاشتراك في الراوي للقضايا مع أن الراوي عنه هنا عاصم بن حميد وهو قرينة على كونه البجلي الثقة ولا يخفى الاشكال في الاعتماد على القرائن الموجبة للظن فالعمدة تلقى الرواية بالقبول مع نقلها في الكتب المذكورة، وبهذه الرواية تستدل على مضي الوصية بالنسبة إلى المكاتب المحرر بعضه بقدر ما تحرر. وأما صحة الوصية لعبد الموصى ومدبره ومكاتبه وام ولده فادعي الإجماع عليها واستدل عليها بالصحيحين في أحدهما " رجل أوصى بثلث ماله لمواليه ولموالياته الذكر والأنثى فيه سواء أو للذكر مثل حظ الانثيين من الوصية، فوقع جائز للميت ما أوصى به على ما أوصى به إن شاء الله ". (3) وفي الثاني " رجل أوصى لمواليه وموالي أبيه بثلث ماله فلم يبلغ ذلك؟ قال: المال لمواليه وسقط موالي أبيه ". (4) ونوقش في الاستدلال بهما باشتراك لفظ المولى بين العبد وغيره ولعله المراد


(1) الكافي ج 7 ص 28 والفقيه ص 532 والتهذيب ج 2 ص 395. (2) التهذيب ج 2 ص 395. (3) الفقيه ص 530. (4) التهذيب ج 2 كتاب الوصايا أبواب الزيادات تحت رقم 41.

[ 64 ]

دون الأول بل لعل القرينة على إرادة الغير للظهور في إعطاء الثلث للموصى له بأن يسلم إليه دون أن يعتق منه بحسابه، وقد يستظهر إرادة العبد من المولى بقرينة إسقاط الوصية في الثاني لموالي أبيه، ويمكن أن يقال: لعل إسقاط الوصية لموالي أبيه في الصحيح الثاني من جهة عدم بلوغ الثلث وصرف الثلث في ما قدم في الوصية. وأما المناقشة باشتراك لفظ المولى فيمكن أن تدفع بأن الامام عليه السلام لم يسئل ما المراد من المولى فيشمل الجواب ما لو أراد العبد أو غيره بل لا مانع من التمسك بعموم أو إطلاق أدلة الوصية والخارج بالدليل مملوك غير الموصي فتدبر، وأما ما ذكر من " أن القرينة على إرادة الغير - إلخ " فيمكن منعه بمنع عدم تملك العبد أولا ومنع ظهور اللام في التسليم إلى العبد. وأما اعتبار كون ما يوصى به بعد خروجه من الثلث فلما هو المسلم من خروج الوصية من الثلث وعدم نفوذ الوصية في الزائد عليه إلا مع إمضاء الورثة. واما ما ذكر من إعتاق المملوك إن كان الموصى به بقدر الثلث وكون الموصى به للورثة - الخ، فاستدل له بخبر الحسن بن الصالح عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل أوصى لمملوك له بثلث ماله قال: فقال يقوم المملوك بقيمة عادلة، ثم ينظر ما بلغ ثلث الميت فإن كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع قيمته، وإن كان الثلث أكثر من قيمة العبد اعتق ودفع إليه ما يفضل من الثلث بعد القيمة ". (1) وما في الفقه الرضوي " وإن أوصى لمملوكه بثلث ماله قوم المملوك قيمة عادلة فإن كانت قيمته أكثر من الثلث " والمتيقن من الخبر المذكور الوصية بالثلث المشاع وأما الوصية بالمعين فقد يقال ببطلانها إن قلنا بعدم تملك العبد، وإن قلنا بتملكه فاعتاقه والاستسعاء خلاف الوصية. ونسب هذا التفصيل إلى جماعة، ولا يبعد الأخذ بإطلاق الخبر، ألا ترى أن الأخبار المتعرضة لمقدار ما ينفذ فيه الوصية تكون بنحو التعبير المذكور في هذا الخبر ولا اختصاص لها بالجزء المشاع، وكذا ما دل على أن الوصية بما دون الثلث أفضل حتى أنها بالربع أفضل من الثلث، وبالخمس أفضل من


(1) التهذيب ج 2 ص 388، والاستبصار ج 4 ص 120.

[ 65 ]

الربع، ويبعد الجمود، والقول بأن الاستسعاء مخصوص بخصوص ما في الخبر من كون الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة لأن الظاهر أن الإمام عليه السلام بصدد بيان جميع الصور ولذا تعرض صورة كون الثلث أكثر من قيمة العبد، فالظاهر أن ذكر الربع من باب المثال ففي صورة تساوي الثلث مع قيمة العبد يكون الموصى به للورثة لمقابلته مع العبد المملوك لهم بمقتضى الارث وإن زاد تكون الزيادة للعبد حسب الوصية ومع النقصان يستسعى العبد ويكون ما بقي من قيمته للورثة، وعلى ما ذكر لا فرق بين كون القيمة ضعف الوصية أو أقل أو أكثر. والقائلون ببطلان الوصية مع كون القيمة ضعف الوصية يجعلون ما في الخبر مثالا لما لم يبلغ النصف من الأقل ولعله لأصالة بطلان الوصية للعبد ولاشعار بعض الاخبار الوارد فيمن أعتق عبده وكان عليه دين المشتمل على التعليل بتهمة الموصي على الورثة وعدمها مع بلوغ الثلث النصف وعدمه. أما الأصل المذكور فالاطلاقات على خلافه بعد الفراغ عن قابلية المملوك للتملك وأما الاشعار المذكور فسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (ولو أعتقه عند موته وليس غيره وعليه دين، فإن كان قيمته بقدر الدين مرتين صح العتق وإلا بطل، وفيه وجه آخر ضعيف ولو أوصى لأم ولده صح، وهل تعتق من الوصية أو من نصيب الولد؟ قولان: فإن اعتقت من نصيب الولد كان لها الوصية، وفي رواية اخرى تعتق من الثلث ولها الوصية). اللازم ذكر ما ورد من الاخبار فمن ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن عبد الرحمن ابن الحجاج في الصحيح قال: " سألني أبو عبد الله عليه السلام هل يختلف ابن أبي ليلى و ابن شبرمة؟ فقلت: بلغني أنه مات مولى لعيسى بن موسى وترك عليه دينا كثيرا وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك، فقال ابن شبرمة: أرى أن يستسعيهم في قيمتهم فيدفعها إلى الغرماء فانه قد اعتقهم عند موته فقال ابن أبي ليلى: أرى أن أبيعهم وأدفع أثمانهم إلى الغرماء فأنه ليس له أن يعتقهم عند موته وعليه دين يحيط بهم، وهذا أهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده وعليه دين

[ 66 ]

كثير فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير، فرفع ابن شبرمة يده إلى السماء فقال سبحان الله يا بن أبي ليلى متى قلت بهذا القول؟ والله ما قلته إلا طلب خلافي. فقال أبو عبد الله عليه السلام: فعن رأي أيهما خرج الرجل قال: قلت: بلغني أنه أخذ برأي ابن أبي ليلى وكان له هوى في ذلك (1) فباعهم وقضى دينه قال: فمع أيهما من قبلكم؟ قلت له: مع ابن شبرمة وقد رجع ابن أبي ليلى إلى رأي ابن شبرمة بعد ذلك فقال: أما والله إن الحق لفي الذي قال ابن أبي ليلى وإن كان قد رجع فيه، قلت: هذا ينكسر عندهم في القياس، فقال: هات قايسني، فقلت أنا اقايسك؟ فقال: لتقولن بأشد ما يدخل فيه من القياس. فقلت له: رجل ترك عبدا لم يترك مالا غيره وقيمة العبد ستمائة درهم ودينه خمسمائة درهم، فأعتقه عند الموت كيف يصنع؟ قال: يباع العبد ويأخذ الغرماء خمسمائة درهم ويأخذ الورثة مائة درهم فقلت: أليس قد بقي من قيمة العبد مائة درهم عن دينه؟ فقال: بلى، قلت: أليس للرجل ثلثه يصنع به ما شاء؟ قال: بلى، قلت: أليس قد أوصى للعبد بالثلث من المائة حين أعتقه؟ فقال: إن العبد لا وصية له، إنما ماله لمواليه، فقلت له: فإذا كانت قيمة العبد ستمائة درهم ودينه أربعمائة درهم؟ قال: كذلك يباع العبد فيأخذ الغرماء أربعمائة درهم، ويأخذ الورثة مائتين، فلا يكون للعبد شئ، قلت له: فان قيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم فضحك، وقال: من ههنا أتي اصحابك فجعلوا الأشياء شيئا واحدا ولم يعلموا السنة إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصيته واجيزت وصيته على وجهها فالآن يوقف هذا فيكون نصفه للغرماء، ويكون ثلثه للورثة، ويكون له السدس. (2) وما رواه في الكافي عن زرارة في الحسن أو الصحيح، عن أحدهما عليهما السلام في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين قال: إن كان قيمته مثل الدين الذي عليه ومثله


(1) اي كان لعيسى ميل في العمل بفتوى ابن أبي ليلى. (2) الكافي ج 7 ص 26.

[ 67 ]

جاز عتقه وإلا لم يجز (1).) ورواه الشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن عن زرارة الحديث متطوعا. (2) وما رواه في الاستبصار عن حفص بن البختري في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا ملك المملوك سدسه استسعى واجيز (3) " وما رواه في الاستبصار أيضا عن زرارة في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا ترك الذي عليه ومثله أعتق المملوك واستسعى (4) " وما رواه في الكافي عن الحسن الجهم في الموثق قال: " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في رجل أعتق مملوكا له وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم، ولم يترك شيئا غيره؟ قال: يعتق منه سدسه لانه إنما له منه ثلاثمائة درهم ويقضى منه ثلاثمائة درهم فله من الثلاثمائة درهم ثلثها وهو السدس من الجميع (5) ". وما رواه في الفقيه والتهذيب عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في رجل يقول إن مت فعبدي حر وعلى الرجل دين قال: ثم إنه توفي وعليه دين قد أحاط بثمن العبد بيع العبد وإن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعى العبد في قضاء دين مولاه وهو حر إذا وفاه (6) "، ثم إنه لا شبهة في إشتراط عتق العبد بكون قيمته مثلي الدين أو أكثر بحسب الأخبار المذكورة مع تقييد بعضها المطلق، ويظهر من التعليل المذكور في صحيح عبد الرحمن المذكور إن منشأ الحكم المذكور انه مع استواء مال الغرماء ومال الورثة أو أكثرية مال الورثة لم يتهم الموصي في وصيته والتصرف المنجز كالمعلق، فمن هذه الجهة قال جماعة باشتراط هذا في الوصية للعبد، ويظهر أيضا من التعليل المذكور في رواية الحسن بن الجهم أنه ليس له إلا الثلث كما أنه يستفاد عدم


(1) الكافي ج 7 ص 27. (2) المصدر ج 2 ص 313. (3) المصدر ج 4 ص 8. (4) المصدر ج 4 ص 8. (5) المصدر ج 7 ص 27. (6) التهذيب 2 ص 313 والفقيه ص 344 باب العتق وأحكامه.

[ 68 ]

سلطنة المالك بالنسبة إلى ما يقابل دينه، وهذا خلاف ما هو المعروف من عدم سلب السلطنة بدون حجر الحاكم فيقع التعارض بين هذا الصحيح والموثق المذكور والاخبار الدالة على خروج التصرفات المنجزة من الاصل دون الثلث، فمن أخذ بالأخبار الدالة على الخروج من الأصل ترجيحا أو تخييرا ليس له العمل بهذا الصحيح والموثق المذكور بل لعله يشكل العمل بسائر أخبار الباب حيث إنه يستفاد من الصحيح المذكور والموثق أن علة الحكم ما ذكر، إلا أن يقال غاية الأمر ترك العمل بالصحيح المذكور، والموثق فلا موجب لعدم العمل بسائر الأخبار إلا أن يقال عدم العمل من جهة لا يوجب ترك العمل من جهة أخرى أعني كون تشابه الحكم المذكور في المطلق ما ذكر فيشكل العمل بما لم يذكر فيه علة الحكم. وأما الوصية لأم ولده فالظاهر عدم الخلاف في صحتها ويدل عليها ما رواه المشايخ الثلاثة - رحمهم الله تعالى - في الصحيح عن أبي عبيدة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له ام ولد وله منها غلام، فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو بأكثر، للورثة أن يسترقوها؟ قال: فقال: لا بل تعتق من ثلث الميت وتعطى ما أوصى لها به (1) " وزاد في الكافي والتهذيب، وفي كتاب العباس " تعتق من نصيب ابنها و تعطى من ثلثه ما أوصى لها به ". وروى الشهيد في شرح الارشاد عن الشيخ في التهذيب عن أحمد بن محمد، عن علي ابن محبوب عن جميل بن صالح عن أبي عبيدة عن أبي الحسن عليه السلام " في رجل أوصى لام ولده بألفي درهم، فقال: تعتق من ثلث الميت ويعطى ما أوصى لها " وفي كتاب العباس - الخ. ونحوهما ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال " نسخت من كتاب بخط أبي الحسن عليه السلام فلان مولاك توفي ابن أخ له وترك ام ولد له ليس لها ولد، فأوصى لها بألف هل تجوز الوصية؟ وهل يقع عليها عتق؟ وما حالها


(1) الوسائل ج 2 ص 679 أبواب أحكام الوصايا ب 82 ح 4 .

[ 69 ]

رأيك فدتك نفسي في ذلك؟ فكتب عليه السلام تعتق من الثلث ولها الوصية ". (1) وإنما الكلام في أنها هل تعتق من الوصية إذا وفت بقيمتها أو من نصيب ولدها أو على التخيير أو من ثلث الميت غير ما أوصى به؟ قد يقوي العتق من نصيب الولد لعموم ما دل من النص وغيره مضافا إلى قاعدة انعتاق الأبوين بحصول سبب ملك الولد لهما. ويمكن أن يقال: لا مانع من الأخذ بالعموم والقاعدة المذكورين والأخبار المذكورة كما في نظائره فمع سبق أحد الموجبين يكون المسبب مستندا إليه، وفي المقام الوصية مقدمة لما في الآية الشريفة " من بعد وصية يوصى بها أو دين " وما نقل من كتاب العباس بمجرد وجوده في الكتاب المذكور لا مجال للاستدلال به كما قال في المسالك وبعد وجود النص لا مجال للاشكال بأن العتق من الثلث هنا لا يظهر له وجه نعم يتوجه الاشكال إن كان المراد من الثلث غير الوصية حتى يصير زائدا على الثلث مع أنه من المسلم عدم نفوذ الوصية مع الزيادة على الثلث إلا بامضاء الورثة، ولعل ما ذكر في كلماتهم من إعراض الأصحاب عن العمل بأخبار الباب مبني على هذا ولكن مخالفة الأصحاب مع إعراضهم مشكلة ولا مجال لحمل النص على ما أوصى بعتقها أو على ما لو كان نصيب ولدها بقدر الثلث وإن أبيت ومنعت سبق علة موجبة للعتق، قلنا نأخذ بالنص وقلنا بتخصيص العموم الدال على انعتاق الأم من نصيب الولد. وعلى ما ذكر لاإشكال في إعطائها الوصية وأما على القول بانعتاقها من نصيب الولد فلا يستفاد مما ذكر إعطاؤها الوصية، بل في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المذكور نفي الوصية للعبد إلا أن يقوم الاجماع. (وإطلاق الوصية تقتضي التسوية ما لم ينص على التفضيل، وفي الوصية لأخواله وأعمامه رواية بالتفضيل كالميراث والأشبه التسوية، وإذا أوصى لقرابته فهم المعروفون بنسبه، وقيل لمن يتقرب إليه بآخر أب في الإسلام، ولو أوصى لأهل بيته دخل الأولاد والآباء، والقول في العشيرة والجيران والسبيل والبر والفقراء كما مر في الوقف).


(1) الوسائل أبواب أحكام الوصايا ب 82 ح 1.

[ 70 ]

إن كان الموصي في مقام البيان وأوصى لجماعة محصورين فلا إشكال في التسوية وإن لم يكن في مقام البيان بل الاهمال من هذه الجهة فالتسوية مشكلة، بل تكون الوصية مبهمة فما يقال من التسوية حتى مع عدم قصد الموصي مشكل لعدم العثور على ما يدل على التسوية تعبدا، هذا مع عدم ذكر ما يدل على التفضيل ومعه لا إشكال في العمل بنحو الوصية، ويكفي في التفضيل ظهور الكلام ولو لم يكن بالصراحة لحجية الظهور كما أنه مع عدم الحصر في الموصى له لابد من الصرف كما في صرف الزكاة في الفقير. وأما الوصية للأخوال والأعمام فإن الشيخ - رحمه الله - وجماعة ذهبوا إلى أن للأعمام الثلثين وللأخوال الثلث إستنادا إلى ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم و فيها الصحيح والحسن والموثق عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل أوصى بثلث ماله في أعمامه وأخواله فقال: لأعمامه الثلثان ولإخواله الثلث " (1) وقد يؤيد الخبر المذكور ما روي عن سهل عن أبي محمد عليه السلام في حديث قال: وكتبت إليه " رجل له ولد ذكور وإناث وأقر لهم بضيعة أنها لولده ولم يذكر أنها بينهم على سهام الله عز و جل وفرائضه، الذكر والأنثى فيه سواء؟ فوقع عليه السلام ينفذون فيها وصية أبيهم على ما سمى فان لم يكن سمى شيئا ردوها إلى كتاب الله عز وجل إن شاء الله تعالى ". (2) ويمكن أن يقال: يستبعد جدا كون الموصي في مقام البيان ولم يذكر التفرقة و التفضيل ومع ذلك فضل بعض على بعض تعبدا، بل لولا النص يعد هذا من تبديل الوصية فلابد من حمل الرواية على صورة الإهمال فيكون هذا نظير الحكم بصرف الوصية في وجوه البر عند نسيان الوصي مصرف الوصية ولعل رواية سهل التي رواها المشايخ الثلاثة المذكورة ناظرة إلى ما ذكر. وأما الوصية للقرابة فهي للمعروفين بنسبه: قال أحمد بن محمد بن أبي نصر: " نسخت من كتاب بخط أبي الحسن عليه السلام رجل أوصى لقرابته بألف درهم وله قرابة من قبل أبيه وامه يعطي من كان بينه وبينه قرابة أولها حد ينتهي إليه فرأيك - فدتك نفسي -


(1) و (2) الكافي ج 7 ص 45 والفقيه ص 530 والتهذيب ج 2 ص 393.

[ 71 ]

فكتب عليه السلام: إن لم يسم اعطاها قرابته " (1) وكذا عن الحميري إلا أنه قال: " أعطى أهل بيت قرابته من غير فرق بين الوارث وغيره والمسلم والكافر والذكر والأنثى " وحكي عن الشيخ - قدس سره - إن الموصى به لمن يتقرب إليه إلى آخر أب وام له في الإسلام ولا يرتقى إلى آباء الشرك وإن عرفوا بقرابته عرفا، واستدل عليه بقوله عليه السلام " قطع الإسلام أرحام الجاهلية " وقوله تعالى لنوح عن أبنه " إنه ليس من أهلك " والجواب أنه تنزيل لا دليل على شموله لمثل المقام والشاهد عليه قوله تعالى: " لا تجد قوما يؤمنون بالله يوادون من حاد الله - الاية " حيث نهى عن الموادة مع حفظ الأبوة والبنوة ولازم ما ذكر عدم القرابة لمن يكون مسلما وقرابته بوساطة كافر وهو كما ترى. وأما الوصية لأهل بيته فيدخل فيهم الآباء والأولاد وإن نزلوا والأجداد وإن علوا وحكي عن تغلب أنه أهل البيت عند العرب آباء الرجل وأولادهم كالأجداد والأعمام وأولادهم ويستوي الذكور والإناث ولعله عليه جرى قوله صلى الله عليه وآله " إنا أهل البيت لا تحل لنا الصدقة ". والقول في العشيرة - الخ كما مر في الوقف. (وإذا مات الموصى له قبل الموصي انتقل ما كان إلى ورثته ما لم يرجع الموصي على الأشهر ولو لم يخلف وارثا رجعت إلى ورثة الموصي، وإذا قال: اعطو فلانا دفع إليه يصنع به ما شاء، ويستحب الوصية لذوي القرابة وارثا كان أو غيره ". المشهور بينهم أنه إذا مات الموصى له قبل الموصي يقوم الوارث مقام الموصى له فمع اعتبار القبول في الوصية التمليكية يقبل ويملك بعد موت الموصي ومع عدم الاعتبار يملك بعد موته واستدل عليه بما رواه المشايخ الثلاثة - قدس الله أسرارهم - في الصحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب فتوفي الذي أوصى له قبل الموصي؟ قال: الوصية لوارث الذي أوصى له قال: ومن أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا فتوفي الموصى له قبل الموصي،


(1) التهذيب ج 2 ص 393.

[ 72 ]

فالوصية لوارث الذي أوصى له إلا أن يرجع في وصيته قبل موته ". (1) ولا مجال للخدشة في السند من جهة اشتراك محمد بن قيس بين الثقة وغيره لأخذ الأصحاب بالخبر مضافا إلى الظن بكونه الثقة بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه. (2) وفي قباله صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قالا: " سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي قال: ليس بشئ ". (3) وفي الموثق، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل أوصى لرجل بوصية إن حدث به حدث فمات الموصى له قبل موت الموصي قال: ليس بشئ " (4). ونوقش في دلالتهما على بطلان الوصية باجمالهما لاحتمال أن يكون المراد ان موت الموصى له قبل موت الموصي ليس بشئ يوجب البطلان لا أن الوصية ليست بشئ يعتد بها فتكون باطلة معه. ويمكن أن يقال: الاحتمال الأول الظاهر أنه مرجوح والحكيم إذا كان في مقام البيان لا يلقي الكلام على السائل وهو يريد المرجوح، ولا يبعد حملهما على التقية لما حكي أن القول بالبطلان مذهب أكثر العامة، وأما لو لم يكن وارث سوى الامام عليه السلام مع غيبته فإن قلنا بلزوم القبول في الوصية فالظاهر أن يرجع الموصى به إلى ورثة الموصي لعدم الطريق إلى قبوله عليه السلام في زمان الغيبة وإن قلنا بعدم اعتبار القبول بل الرد مبطل لها فلا وجه للبطلان والرجوع إلى ورثة الموصي، وقد يحتمل وجوب التصدق بها لصحيحة العباس بن العامر قال: " سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقبا؟ قال: اطلب له وارثا أو مولى فادفعها إليه، قلت: فإن لم أعلم له وليا؟ قال: اجهد على أن تقدر له على ولي فإن لم تجده وعلم الله منك الجد فتصدق بها (5) ".


(1) الكافي ج 7 ص 13 والفقيه ص 530. (2) الفقيه ص 350. (3) و (4) التهذيب ج 2 ص 397 والاستبصار ج 4 ص 138. (5) الكافي ج 7 ص 13

[ 73 ]

ويشكل من جهة أن مورد السؤال قابل لأن يكون بعد قبول الموصى له ولا شبهة حصول الملكية له في هذه الصورة، والامام وارث من لا وارث له فلعل الأمر بالتصدق في الصحيحة من جهة بعد عدم وارث له غير الامام عليه السلام وعلى تقدير عدم وارث غيره أذن في الصدقة من ماله فالوارث الذي من شأنه القبول والرد هو الامام عليه السلام. وأما إذا قال: اعطوا فلانا فحيث لا صراحة فيه في التمليك وأمكن أن يكون نظر الموصي في الموصى به إلى التمليك وأن يكون نظره إلى كون الفلان المعطى مختارا في أمر الموصى به يتملك أو يتصدق به أو يهب لغيره تعرض المصنف - قدس سره - لحكمه وإلا فلو كان صريحا في تملك الموصى به لم يكن وجه لتعرضه وكان نظير أن يقال للمشتري: لك أن تتصرف في الثمن تصنع ما شئت، ويكون من قبيل توضيح الواضح. وأما استحباب الوصية لذوي القرابة فلما رواه الكليني باسناده عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن سالمة مولاة أبي عبد الله عليه السلام قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام حين حضرته الوفاة فأغمي عليه، فلما أفاق قال: اعطوا الحسن بن علي ابن الحسين - وهو الأفطس - سبعين دينارا وأعطوا فلانا كذا وكذا وفلانا كذا وكذا، فقلت: أتعطى رجلا حمل عليك بالشفرة، فقال: ويحك أما تقرئين القرآن؟ قلت: بلى، قال: أما سمعت قول الله عزوجل " الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ". (1) وروى الشيخ والصدوق باسنادهما عن محمد بن أبي عمير مثله. وما رواه الشيخ بإسناده، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام " من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصية ". (2) (الرابع في الأوصياء ويعتبر التكليف والإسلام وفي اعتبار العدالة تردد أشبهه أنها لا تعتبر أما لو أوصى إلى عدل ففسق بطلت وصيته، ولا يوصى إلى المملوك إلا باذن


(1) المصدر ج 7 ص 55. (2) التهذيب ج 2 ص 382.

[ 74 ]

مولاه، وتصح إلى الصبي منضما إلى كامل لا منفردا، ويتصرف الكامل حتى يبلغ الصبي، ثم يشتركان وليس له نقض ما أنفذه الكامل بعد بلوغه). الظاهر أن المراد الاحتراز عن وصاية الصبي والمجنون لعم التكليف، فمع قطع النظر عن التسلم عندهم يشكل اشتراطه لأن ما دل على عدم نفوذ تصرفات الصبي يكون ناظرا إلى عدم استقلاله، وأما مع إذن الولي فلا، فحاله حال المملوك حيث جوزوا وصايته مع إذن سيده، هذا مضافا إلى أن اللازم نفوذ التصرف بعد موت الموصي لا نفوذه وقت الوصية، فلو أوصى إلى صبي يبلغ بعد موت الموصي فلا مجال للاستدلال فيه بعدم نفوذ تصرفاته وكذا المجنون بعد إفاقته، ويمكن الاستدلال للمنع بما ورد من جواز انضمامه مع البالغ العاقل قال علي بن يقطين: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل أوصى إلى امرأة وأشرك في الوصية معها صبيا، فقال: يجوز ذلك وتمضى المرأة الوصية ولا تنتظر بلوغ الصبي، فإذا بلغ الصبي فليس له ألا يرضى إلا ما كان من تبديل أو تغيير، فان له أن يرده إلى ما أوصى به الميت " (1). وقال الصفار: كتبت إلى أبي محمد عليهما السلام " رجل أوصى إلى ولده وفيهم كبار قد أدركوا وفيهم صغار يجوز للكبار أن ينفذوا وصيته ويقضوا دينه لمن صح على الميت شهود عدول قبل أن يدرك الأوصياء الصغار؟ فوقع عليه السلام: نعم على الأكابر من الولدان أن يقضوا دين أبيهم ولا يحبسوه بذلك ". (2) وجه الاستدلال أنه لو جاز تصرف الصبي في الرواية الأولى والأولاد الصغار في جواب الكتاب لما وقع التعبير بالانتظار والحبس فان ممنوعية الصغير والصبي مفروغ عنها، لكن المفروغ عنه التصرف بالاستقلال لا ما كان بنظر الولي كالمملوك، وأما المجنون فمع إفاقته لا مانع من وصايته كالتكاليف المتوجهة إليه، ولا دليل على بطلان الوصاية من جهة طرو الجنون بعد شمول الاطلاقات كما أنه لا مانع من التمسك بها لو أوصى إلى الصبي، وقلنا بعدم نفوذ تصرفاته قبل البلوغ لا بالاستقلال ولا باجازة الولي، والقول بنفوذ تصرفاته بعد البلوغ من دون انضمام الكبير حال الايصاء.


(1) و (2) الكافي ج 7 ص 46.

[ 75 ]

وأما اعتبار الاسلام فالظاهر عدم الخلاف فيه في الوصاية للمسلم واستدل عليه بقصوره عن منصب الولاية على المسلم إذ المؤمنون بعضهم أولياء بعض قال الله تعالى: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " وقال جل شأنه " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " ولولا شبهة الاجماع لأمكن الخدشة في الاستدلال بما ذكر لأنا لا نجد الفرق بين الوصاية والوكالة فلو وكل المسلم الكافر في أخذ ماله على الكافر المدين وصرفه في مصرف معين فهل يمكن منع صحة الوكالة لما في الآيات الشريفة، فلم لم يكن في الوصاية أزيد مما ذكر كيف يمكن منعها لما ذكر فغاية الأمر منع قيمومة الكافر، وأما الوصاية بالنسبة إلى غيرها فلا مجال للاستدلال على منعها بما ذكر ولا مجال أيضا للاستدلال بما يذكر لاعتبار العدالة لعدم تماميته إلا أن يكون الاجماع في المسألة. وأما اعتبار العدالة فهو المشهور واستدل عليه بأن الفاسق لا أمانة له لوجوب التثبت عند خبره وأنه ظالم لا يركن إليه وأن الوصاية قد تكون ولاية على الطفل أو على أداء حق واجب أو نحو ذلك مما لا ينبغي فيه ايتمان غير العدل وأن الوصاية إثبات الولاية بعد الموت الذي به ترتفع ولاية الموصي ويصير التصرف متعلقا لحق غير المستنيب من طفل أو مجنون أو فقير وغيرهم فتكون اولى باعتبار العدالة من وكيل الوكيل ووكيل الحاكم على مثل هذه المصالح، ومن هنا كان رضا الموصي بالفاسق غير معتد به كما أن منه يعلم الفرق بين الوصاية والوكالة والاستيداع المتعلقة لحق الموكل والمودع المسلطين شرعا على إتلاف مالهما فضلا عن تسليط غير العدل عليه والموصي إنما يسلط على حق الغير لخروجه عن ملكه بالموت مطلقا مع أنا نمنع عدم اشتراط العدالة في الودعي والوكيل إذا كانا على مثل ذلك. ويمكن أن يقال: لازم ما ذكر اعتبار العدالة في الأب والجد للأب بالنسبة إلى اولادهما الصغار وأموالهم، فنقول: لا دليل على اعتبار الأمانة في الوصي وقد يكون أمينا مع فسقه، ووجوب التثبت في خبره لا يوجب منع وصايته مع أن الفاسق إذا كان ثقة في إخباره يقبل قوله كما قرر في محله، والنهي عن الركون إلى الذين ظلموا

[ 76 ]

لا يشمل المقام لعدم كون الايصاء إلى الفاسق ركونا وليس كل فاسق ظالما بالظلم المراد من الآية الشريفة، ونمنع كون الوصاية ولاية بالنسبة إلى ما ذكر. وأما القيمومة فلا دليل على اعتبار العدالة فيها مطلقا للانتقاض بولاية الأب والجد وما ذكر من خروج المال عن ملك الموصي بموته ممنوع فانه وإن لم يعتبر للميت الملكية نحو ملكية الأحياء لكنه لا مانع من الملكية نحو ملكية الجهة لاعتبار العقلاء كيف وإلا لزم أن لا يكون للثلث الموصى به مالك لو أوصى بصرفه في مثل الصدقات وهو كما ترى. وأما لو أوصى إلى عدل ففسق فتارة يكون وصف العدالة مأخوذا في الوصي كما لو قال: أعط هذا هذا الشخص العادل ففسق الشخص قبل الاعطاء فلا إشكال في خروجه عن الوصاية، واخرى ليس مأخوذا فيه كما لو أوصى إلى الشخص وهو معتقد عدالته فلا وجه لخروجه عن الوصاية ولذا يقولون في صورة الاقتداء تارة يقتدي بزيد ويعتقد أن هذا المصلي زيد فبان عمرا فلا يصح الاقتداء، واخرى يقتدي بهذا المصلي ويعتقد أنه زيد فيصح اقتداؤه، إنما الاشكال في أنه في الصورة الأولى ما وجه بطلان وصايته بالمرة بحيث لو عار وصف العدالة لم يكن له التصدي لأمر الوصاية فان هذا كما لو وقف على إمام المسجد وكان شخص إماما ثم خرج عن وصف الأمامة، ثم عاد وصف الأمامة فهل يلتزم بعدم كونه موقوفا عليه. وأما وصاية المملوك فالظاهر عدم الخلاف في عدم جوازها في الجملة بدون إذن مولاه واستدل عليه بممنوعية المملوك عن التصرفات بدون إذن المولى، ويمكن أن يقال: لا دليل على الحجر بنحو يكون أقواله وأفعاله كأن لم تكن، كيف وقد دل الدليل على صحة نكاحه كالعقد الفضولي المصحح بالاجازة، بل لعله يستفاد من بعض الأخبار كفاية سكوت المولى ولا دليل على عدم جواز تصرفاته حتى الأقوال بحيث لو سأل سائل أين الطريق إلى دار زيد كان اللازم عليه الاستيذان من المولى في الهداية فلو أوصى إلى المملوك بوقف داره المكتفي فيه " وقفت دار زيد " مثلا وقلنا بعدم الحاجة في الوقف على الجهات العامة إلى أزيد من الوقف والقبض يشكل القول بالبطلان لممنوعية

[ 77 ]

المملوك ونظير هذا توكيله في إجراء صيغة النكاح أو الطلاق، هذا مضافا إلى أن تمكن المملوك وقت تنفيذ الوصية لا وقت الإيصاء إليه لازم، وعلى المنع لا نجد الفرق بين إيصاء الغير إياه وبين إيصاء السيد لأن المملوك في زمان حياة المولى لا عمل له وبعد الموت يكون ملكا للورثة إلا أن يجعل السيد المملوك ثلثا لنفسه بحيث لم يكن اختيار للورثة بالنسبة إليه، وقد يتمسك لنفي القابلية بقوله عليه السلام على المحكي في صحيح ابن الحجاج " لا وصية لمملوك " ولا يخفى أنه لا جامع قريب بين عدم الوصية للمملوك بمعنى عدم تملكه لما أوصى له به وعدم قابليته لأن يوصى إليه بالوصية العهدية، وذلك لأن الوصية التمليكية والعهدية، وإن أمكن جمع بينهما إذا كانا بمعنى الوصل أو بمعنى العهد إلا أن التمليكية تتعدى باللام والعهدية بالى فلا مجال لكون اللام بمعناها وبمعنى إلى، وفي بعض الأخبار المذكورة نفي ملكيته للموصى به فالقدر المتيقن عدم تملكه لو لم يعارضه ما دل على صحة تملكه، غاية الأمر يكون محجورا وللمولى أن يتصرف في ماله بل في بعض الموارد، ليس للمولى أخذ ماله كما ورد فيما لو أعطاه شيئا ليرضى عنه به من جهة إيذائه إياه، ثم إنه لا إشكال في جواز الايصاء إلى المملوك مع إذن المولى لنفوذ تصرفاته مع الاذن. وأما جواز وصاية الصبي منضما إلى الكبير ونفوذ تصرفاته بعد البلوغ وعدم جواز نقضه لما فعل الكبير فالدليل عليه الخبر المذكور والمكاتبة المذكورة. (ولا تصح الوصية من المسلم إلى الكافر وتصح من مثله، وتصح الوصية إلى المرأة، ولو أوصى إلى اثنين وأطلق أو شرط الاجتماع فليس لأحدهما الانفراد، ولو تشاحا لم يمض إلا ما لابد منه لمؤونة اليتيم، وللحاكم جبرهما على الاجتماع، فان تعذر جاز الاستبدال، ولو التمسا القسمة لم يجز، ولو عجز أحدهما ضم إليه. أما لو شرط لهما الانفراد تصرف كل واحد منهما، وإن انفرد ويجوز أن يقتسما). قد مر الكلام في اعتبار الإسلام في الوصي وأما صحة الوصية للكافر إلى مثله فان كان المدرك في عدم صحة وصية المسلم إلى الكافر الاجماع فلا إشكال في المقام لعدم الاجماع، وإن كان المدرك غيره مما ذكر فالفرق بين المقامين مشكل، نعم لو كان المدرك

[ 78 ]

للمنع ما ذكر من الآيات الشريفة يحصل الفرق. وأما صحة الوصية إلى المرأة فلاطلاق أدلة الوصية وخصوص خبر علي بن يقطين المذكور. وأما لو أوصى إلى اثنين وأطلق أو شرط الاجتماع فلا إشكال في الصحة لاطلاق الأدلة كما لا إشكال في لزوم الاجتماع مع الشرط في نفوذ التصرفات، وأما مع الاطلاق فالمشهور عدم النفوذ إلا مع الاجتماع أخذا بالمتيقن واستدل أيضا بظاهر الصحيح " في رجل مات وأوصى إلى رجلين أيجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة والآخر بالنصف؟ فوقع عليه السلام لا ينبغي لهما أن يخالفا الميت ويعملان على حسب ما أمرهما إن شاء الله، (1) " المؤيد بالرضوي " وإذا أوصى رجل إلى رجلين فليس لهما أن ينفرد كل منهما بنصف التركة، وعليهما إنفاذ الوصية على ما أوصى الميت ". (2) وبخبر الصفوان بن يحيى " سألت أبا الحسن عن رجل كان لرجل عليه مال فهلك وله وصيان فهل يجوز أن يدفع المال إلى أحد الوصيين؟ فقال: لا يستقيم إلا أن يكون السلطان قد قسم المال، فوضع على يد هذا النصف وعلى يد هذا النصف أو يجتمعان بأمر السلطان " بناء على أن المراد سلطان العدل ولا مجال للمناقشة في دلالة الصحيح المذكور من جهة لفظ لا ينبغي لأن مخالفة الميت لا يجوز بلا إشكال لأنه تبديل الوصية ولا ينافي الصحيح الموثق " أن رجلا مات وأوصى إلى رجلين فقال أحدهما لصاحبه خذ نصف ما ترك وأعطني نصف ما ترك فابى عليه الآخر فسئلنا أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال ذلك له " (3) وجه عدم المنافاة إجمال هذا الموثق لأن التنافي في صورة رجوع الاشارة إلى القسمة والضمير المجرور إلى الطالب ويحتمل رجوع الاشارة إلى الاباء عن القسمة و الضمير إلى المطلوب، ويقال: هذا أولى لقرب مرجع الاشارة، وقد يدعى أولوية العكس


(1) الفقيه ص 528 والتهذيب ج 2 ص 385 والاستبصار ج 4 ص 118 والكافي ج 7 ص 46. (2) الكافي ج 7 ص 46. (3) التهذيب ج 2 ص 387 والاستبصار ج 4 ص 119 والكافي ج 7 ص 47.

[ 79 ]

لوضع ذلك " للاشارة إلى البعيد، وقد تدفع بعدم وجود اللام في نسخة الكافي في نسخة الشيخ موجودة ويمكن أن يقال: يبعد جدا أن يكون وجوب الاجتماع مع الاطلاق حكما تعبديا على خلاف قصد الموصي بل يستظهر من الصحيح المذكور أنه لا ينبغي من جهة مخالفة الميت، وعلى هذا فلا نجد الفرق بين الايصاء إلى الاثنين وبين توكيل اثنين فتارة يستظهر استقلال كل واحد كما لو أوصى إلى كل واحد في مجلسين وهذا كما لو وكل أحد في بيع داره، ثم في مجلس آخر وكل غيره حيث إن الظاهر توكيل كل منهما مستقلا فمع تصرف أحدهما لا يبقى موضوع لفعل آخر، واخرى يستظهر اجتماعهما كما كانا حاضرين في مجلس واحد فقال افعلا بعد وفاتي كذا، كما لو وكل الاثنين في مجلس واحد في بيع داره وإن كان في هذه الصورة أيضا يحتمل أن يكون نظره إلى استقلال كل واحد فمع الشك وعدم الظهور لابد من الاجتماع لان التصرف في الأموال والأمور الراجعة إلى الغير محتاج إلى الاجازة والقدر المتيقن صورة الاجتماع ومن الممكن أن يكون النظر في الصحيح المذكور إلى المخالفة من جهة كون الايصاء راجعا إلى مجموع التركة لا إلى النصف كما لو أوصى إلى رجل في جميع اموره فتجافى الوصي بالنسبة إلى بعضها فقد خالف الميت، وعلى هذا فلا نظر إلى الاستقلال والانضمام أما خبر صفوان المذكور ففيه الاحتمال المذكور مع أنه يشكل الأخذ بظاهره لأن السلطان المذكور في لسان الأخبار يشمل الأشخاص المنصوبين فان كان منصوبا من قبل الجائر فحاله معلوم وإن كان منصوبا من قبل المعصوم صلوات الله عليه فمع كون التقسيم مخالفة وتبديلا للوصية كيف يقسم. وأما صورة تشاح الوصيين مع لزوم اجتماعهما فلم يمض فيها عمل أحدهما للزوم كون العمل بنظرهما واستثناء ما لابد منه كمؤونة اليتيم لم يظهر وجهه بل الظاهر مراجعة الحاكم حيث أن أحد الوصيين بدون الانضمام لا اختيار له فيرجع إلى الحاكم ويستأذن منه وتصرف الحاكم بدون نظر أحدهما أيضا مشكل ومع التعذر يرجع إلى عدول المؤمنين بل لا يبعد عدم لزوم الترتيب وقد سبق الكلام في هذا في بعض الكتب. وأما جبر الحاكم إياهما على التوافق فيشكل من جهة أنه إذا رأي كل منهما

[ 80 ]

المصلحة في جهة لم يكن مخالفة للآخر منكره حتى يجب النهي عنها، وعلى فرض النكارة النهي لا يختص بالحاكم، وليس المقام من باب المرافعاة حتى يرجع إلى الحاكم لرفع الخصومة وإن كان من هذا الباب لا يجبرهما الحاكم على الاجتماع بل يحكم بما هو رأيه، بل يشكل الحكم برأيه لأنه ليس راجعا إلى الشبهة الحكمية حيث يحكم الحاكم بحكمه وإن كان على خلاف ما يكون حجة بنظر المحكوم عليه ومن المحتمل سقوط الانضمام لعدم الامكان فيكون كما لو مات أحدهما فيكون كما لو تعذر حيث يجوزون الاستبدال للزوم العمل بالوصية، واللازم حينئذ الاستبدال أو يعمل بنظر الحاكم ومع التعذر عدول المؤمنين ومع التعذر فساقهم لأنه أمر لابد منه ولا يرضى الشارع بتركه كحفظ مال اليتيم، وعلى أي تقدير لو أرادا القسمة وتصرف كل بالاستقلال في قسم لم يجز كما دل عليه الصحيح المذكور. وأما صورة عجز أحد الوصيين ففي المتن ضم الغير إليه ولم يظهر وجهه فان العجز تارة من جهة عدم التمكن من مباشرة العمل واخرى من ضعف الرأي والنظر وسخافة العقل ففي الصورة الأولى ما المانع في التوكيل لأن القاعدة في باب الوكالة صحة التوكيل في كل ما لم يقيد فيه المباشرة بل الايصاء إلى من يكون في معرض العجز أو إلى من له رفعة الشأن يقتضي عدم المباشرة إن كان العجز من الجهة الثانية فلا يبعد الرجوع إلى الحاكم لقصوره عن العمل بالوصية كما لو مات الوصي، ولا دليل على ضمن الغير لأنه بمنزلة جعل الوصي ولا دليل على صحته. وأما صورة قصد الموصي استقلال كل منهما فلا إشكال في تصرف كل بالاستقلال إنما الاشكال في التقسيم إن كان بمعنى أنه بعد التقسيم لا يجوز لأحد منهما التصرف في ما يكون راجعا إلى الآخر، وإن كان بمعنى الرخصة فلا إشكال حيث لم يخالفا نظر الموصي ولعل النظر إلى الثاني. (وللموصي تغيير الأوصياء، وللموصى إليه رد الوصية، ويصح إن بلغ الرد، ولو مات الموصى قبل بلوغه لزمت الوصية، وإذا ظهر من الوصي خيانة استبدل به، والوصي أمين لا يضمن إلا مع تعد أو تفريط، ويجوز أن يستوفي دينه مما في يده

[ 81 ]

وأن يقوم مال اليتيم على نفسه وأن يقترضه إذا كان مليا). أما تغيير الأوصياء فالظاهر عدم الخلاف في جوازه للموصي لأن الوصية سواء كانت عقدا أو إيقاعا بالنسبة إلى الموصي جائز، ويدل على الجواز الأخبار منها ما رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: للموصي أن يرجع في وصيته إن كان في صحة أو مرض ". (1) وما روي عن بريد العجلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لصاحب الوصية أن يرجع فيها ويحدث في وصيته ما دام حيا (2) " وأخبار الباب وإن لم يتعرض لتغيير الوصي إلا أنه يستفاد منها جواز التغيير بأي نحو كان. وأما الموصى إليه فله رد الوصية ويصح إن بلغ الرد إلى الموصي بلا خلاف ظاهرا في الجملة، واستدل عليه بما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن أوصى إلى رجل وهو غائب فليس له أن يرد وصيته، فان أوصى إليه وهو بالبلد فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل ". (3) وما رواه في الكافي والفقيه، عن فضيل بن يسار في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل يوصى إليه قال: إذا بعث بها إليه من بلد فليس له ردها - الحديث ". (4) وعن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أوصى الرجل إلى أخيه وهو غائب فليس له أن يرد عليه وصيته لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره ". (5) فنقول: مقتضى إطلاق صحيح محمد بن مسلم عدم جواز الرد مع غيبته وإن بلغ


(1) و (2) الكافي ج 7 ص 12. (3) الفقيه ص 525 والكافي ج 7 ص 6 والتهذيب ج 2 ص 391. (4) الكافي ج 7 ص 6 والفقيه ص 525. (5) التهذيب ج 2 ص 391 والكافي ج 7 ص 6.

[ 82 ]

رده إلى الموصي، وجواز الرد مع حضوره في البلد وإن لم يبلغ الرد إلى الموصي، والمستفاد من ذيل الرواية منصور أن المدار تمكن الموصي من طلب الغير للوصاية. وعلى هذا فلو بلغ الرد إلى الموصي ولم يتمكن من طلب الغير لمفاجأة الموت قبلا فلا أثر للرد بل وجب القبول، والقيام بأمر الوصاية كما أنه لو تمكن الموصي من طلب الغير ولو لم يكن الموصى إليه في البلد وكان غائبا وكان الموصي يشك في رد الغائب وقبوله جاز له الرد ولو لم يبلغ الخبر إلى الموصي في حال حياته ولا يلتزم المشهور بهذا التفصيل بل لعله يستفاد من صحيح ابن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل يوصى إليه فقال: إذا بعث إليه من بلده ليس له ردها وإن كان في مصر يوجد فيه غيره فذلك إليه " (1) حيث يستفاد منه أن المدار تمكن الموصي من الايصاء إلى الغير وربما يشهد له الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يوصي إلى الرجل بوصية فأبى أن يقبلها فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا يخذله على هذه الحال (2) " حيث حمل الخبر على وجوب القبول. وقد يقال بعدم جواز الرد إذا كان الموصي أبا للموصى إليه لمكاتبة علي بن - الريان إلى أبي الحسن عليه السلام " رجل دعاه والده إلى قبول وصيته هل له أن يمتنع من قبول وصيته؟ فوقع عليه السلام: ليس له أن يمتنع " (3) ومقتضى القاعدة عدم جواز الرد في خصوصه وإن أمكن إبلاغ الرد، واستشكل بأنه لا يقاوم المطلقات الدالة على جواز الرد مع الإبلاغ، ويمكن أن يقال: المطلقات لا يشمل هذه الصورة غاية الأمر لو لم يكن هذه المكاتبة أمكن دعوى القطع بعدم الفرق، وأمكن الأخذ بإطلاق صحيح فضيل بن يسار المذكور. وأما صحيح محمد بن مسلم حيث قال فيه " إن أوصى إلى رجل " وكذا خبر منصور ابن حازم حيث قال: فيه " أوصى الرجل إلى أخيه، فلا يشملان هذه الصورة، وثانيا


(1) تقدم عن الفقيه وغيره. (2) الفقيه ص 525، والكافي ج 7 ص 6 واللفظ له. (3) الكافي ج 7 ص 7 والفقيه ص 525.

[ 83 ]

نقول: مقتضى القاعدة التقييد وإن كان المقيد واحدا إلا أن يكون المطلقات بحيث يبعد تقييدها. " ولو مات الموصى قبل بلوغ الرد لزمت الوصية " بلا خلاف ظاهرا فإن كان المدرك ما ذكر من الأخبار فقد عرفت الاشكال في صورة تمكن الموصي من الإيصاء إلى الغير بمقتضى التعليل المذكور. وأما استبدال الوصي مع الخيانة فلا يخلو عن الإشكال لان اللازم العمل بالوصية كما أوصى الموصي فإن كان التكليف متوجها إلى خصوص الوصي فاللازم نهيه كما في سائر التكاليف والنهي لا ينحصر بالحاكم بل التكليف بالنهي متوجه إلى جميع المكلفين وإن كان العمل واجبا لا على خصوص الوصي فاللازم العمل لا عزل الوصي وجعل شخص آخر مقامه، ويمكن استظهار بقاء وصايته من الصحيح الآتي ذكره. وأما كون الوصي أمينا لا يضمن إلا مع التعدي أو التفريط فالظاهر عدم الخلاف فيه، فإن كان المدار في الأمانة الإذن الشرعي والمالكي فلا إشكال لاجتماعهما في الوصاية وإن كان المدار مراعاة مصلحة المؤتمن كما في الوديعة فلابد من أن يكون قبول الوصية لمصحلة الموصي، وأما لو كان لمصلحة الوصي كما لو قبل الوصية لاستيفاء دينه أو للاستقراض إذا كان جائزا فيشكل، ألا ترى أن كثيرا من الفقهاء قائلون بضمان المقبوض بالسوم مع حصول الإذن من المالك، وأما مع التعدي والتفريط فلا إشكال في الضمان كما في سائر الأمانات. ويدل عليه الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام سئل " عن رجل أوصى إلى رجل وأمر أن يعتق عنه نسمة بستمائة درهم من ثلثه فانطلق الوصي فاعطى الستمائة درهم رجلا يحج بها عنه فقال: أرى أن يغرم الوصي من ماله ستمائة درهم ويجعل الستمائة فيما أوصى به الميت من نسمة (1) " وربما كان فيه إيماء إلى عدم انعزال الوصي مع التعدي حيث إنه لو كان الوصي منعزلا لما كان جعل الستمائة فيما أوصى به الموصي مربوطا به، بل كان هو أجنبيا ليس له القيام بأمر الوصاية


(1) التهذيب ج 1 ص 396.

[ 84 ]

وأما جواز استيفاء دينه مما في يده فنقول: إن اريد الجواز بينه وبين ربه وقد أوصى الموصي بتأدية ديونه، فلا إشكال فيه، وأما لو اريد الجواز بمعنى أنه ليس حال هذا الدائن الوصي حال غير الوصي الذي يدعى الدين على الميت حيث إنه لابد له من إقامة البينة والحلف فلا بد من قيام الدليل عليه، وتخصيص الدليل الدال على لزوم إقامة البينة على المدعى والحلف، وطرف الدعوى في هذا المقام الورثة و غاية ما يقرب لعدم الحاجة إلى البينة واليمين وبعبارة اخرى عدم الحاجة إلى الحجة أن الحجة لاحتمال الكذب بالنسبة إلى المدعي والمفروض عدمه كما أن المفروض وصايته على الوفاء على وجه له التخيير في جهات القضاء فلم يكن إشكال في استيفائه ضرورة أولويته مما حكى الاتفاق عليه من جواز إيفائه ما يعلمه من دين الاجنبي كذلك ولا يشكل بالاصل وموثقة بريد بن معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: " إن رجلا أوصى إلي فسألته أن يشرك معي ذا قرابة له ففعل وذكر الذي أوصى إلي أن له قبل الذي أشركه في الوصية خمسين ومائة درهم وعنده رهن بها جام من فضة، فلما هلك الرجل أنشأ الوصي يدعي أن له قبله أكرار حنطة؟ قال: إن أقام البينة وإلا فلا شئ له، قال: قلت له: أيحل له أن يأخذ مما في يده شيئا؟ قال: لا يحل له، قلت: أرأيت لو أن رجلا عدى عليه فأخذ ماله فقدر على أن يأخذ من ماله ما أخذ أكان ذلك له؟ قال: إن هذا ليس مثل هذا) (1) لانقطاع الأصل بما عرفت وخروج الموثق عن الفرض باعتبار الاشتراك في الوصية على وجه ليس لأحدهما الاستقلال بالتصرف من دون إذن الآخر الذي ليس له إجازة هذا الأخذ من دون إثبات مع أنه لم يعلم الوصاية فيه على وفاء الدين. ويمكن أن يقال: تارة أوصى الموصي إلى أحد تصرف في ثلث مالي مثلا وأد ديوني منه وإذا زاد الثلث اصرفه في مصرف كذا مثلا بحيث لا ربط لهذا الثلث بالورثة سواء كان دين على الميت أو لم يكن فلا إشكال في التقريب المذكور، وتارة اخرى يوصى له بأداء دينه وما زاد يرجع إلى الورثة ففي هذه الصورة للورثة إنكار الدين الذي لم


(1) الكافي ج 7 ص 57 والفقيه ص 539.

[ 85 ]

يعلم ثبوته لغير الوصي لأنه بزيادة الدين ونقصانه يتحقق الزيادة والنقصان في الإرث ولعل جهة الفرق المذكور في الخبر ليس منحصرا فيما ذكر من الاشتراك في الوصاية بل كان هذه الجهة أيضا فارقة، نعم قد يرتفع المنع من الجهتين كما لو كان الشريك في الوصاية عالما بثبوت الدين أو كان الوصي الواحد بدون الشريك في الوصاية قيما على الورثة الصغار، والظاهر أن مورد الموثقة غير ما ذكر، وأما جواز تقويم الوصي مال اليتيم على نفسه واقتراضه مع كونه مليا فقد يقرب جواز التقويم و الاشتراء لنفسه بأنه ولي على المال الذي يريد شراءه بالوصاية ولا مانع إلا من جهة اتحاد الموجب والقابل ولا إشكال من هذه الجهة لكفاية المغايرة الاعتبارية كما في تزويج الجد للأب بنت ابنه لابن الابن الآخر مضافا إلى إمكان التوكيل وإلى الخبر المنجبر قصوره بعمل الأكثر وفيه " هل للوصي أن يشتري مال الميت إذا بيع فيمن زاد يزيد ويأخذ لنفسه؟ فقال: يجوز إذا اشترى صحيحا (1) ". ويمكن أن يقال إن تم الخبر من جهة السند باعتماد الأكثر والعمل به فلا إشكال في خصوص شراء مال الميت، وكلامنا في مال اليتيم إلا أن يدعى القطع بعدم الفرق ومع قطع النظر عن الخبر لعل المقام نظير التوكيل في بيع داره أو صرف ماله في الفقراء مثلا مع كونه من الفقراء هل يشمل الاطلاق البيع من نفسه أعنى الوكيل أو صرف المال في نفسه أو ينصرف إلى الغير إلا أن ينص بالتعميم، ولعل الفرق بين المقام والوكالة بافتراق الولاية عن الوكالة لا يوحب الفرق لأن الولاية محدودة بالحد الذي عين الموصي، نعم لو كان الوصي منصوبا من قبل الموصي في ما يرى فيه المصلحة بالنسبة إلى اليتيم وفي التقويم مصلحة له فلا مانع من التقويم وبيع ماله من نفسه، ومما ذكر ظهر حال الاقتراض وأنه لا مانع منه إذا كان حاله حال التقويم ويكون مشمولا للاية الشريفة " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ". (وتختص ولاية الوصي بما عين له الموصي عموما كان أو خصوصا، ويأخذ الوصي اجرة المثل، وقيل: قدر الكفاية، هذا مع الحاجة وإذا أذن له في الوصية


(1) الكافي ج 7 ص 59 تحت رقم 10.

[ 86 ]

جاز، ولو لم يؤذن فقولان أشبههما أنه لا يصح، ومن لا وصي له فالحاكم وصي تركته). أما اختصاص الولاية بما عين الموصي فوجهه واضح لأن اختياره تحقق بالوصاية ولا معنى لتحقق الاختيار بالنسبة إلى غير ما عين كالوكيل مضافا إلى قوله تعالى: " فمن بدله بعد ما سمعه - الاية " في بعض الصور. وأما جواز أخذ اجرة المثل أو قدر الكفاية أو أقل الأمرين فقد وقع الخلاف فيه واللازم ذكر الأخبار الواردة في المقام فمنها صحيح هشام بن الحكم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن تولى مال اليتيم ماله أن يأكل منه؟ قال: ينظر إلى ما كان غيره يقوم به من الاجر لهم فليأكل بقدر ذلك (1) ". ومنها موثق سماعة في تفسير الآية الشريفة " فليأكل بالمعروف " عن أبي عبد الله عليه السلام: " من كان يلي شيئا لليتامى وهو محتاج ليس له ما يقيمه فهو يتقاضى أموالهم و يقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر ولا يسرف، فان كان ضيعتهم لا تشغله عما يعالج نفسه فلا يرزأن من أموالهم شيئا ". (2) ومنها صحيح عبد الله بن سنان عنه عليه السلام أيضا " أنه سئل وأنا حاضر عن القيم لليتامى والشراء والبيع في ما يصلحهم أله أن يأكل من أموالهم؟ فقال: لا بأس أن يأكل من أموالهم بالمعروف كما قال الله عزوجل: " فليأكل بالمعروف " وهو القوت " (3). ومنها خبر أبي الصباح عنه عليه السلام أيضا فيها " فان ذلك الرجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم فان كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا ". (4) ونحوه خبر سماعة وخبر أبي اسامة المرويان عن تفسير العياشي


(1) الوسائل ج 5 ص 558 كتاب التجارة أبواب ما يكتسب به ب 101. (2) الكافي ج 5 ص 129. وفي القاموس: رزأ ماله أصاب منه شيئا (3) و (4) الوسائل ص 558 تحت رقم 1 و 3.

[ 87 ]

عنه (1) عليه السلام أيضا. ومنها خبر أبي بصير عنه عليه السلام أيضا المروي في التفسير المزبور فيها " قال: هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية، ويشغل فيها نفسه فليأكل منه بالمعروف وليس له ذلك في الدنانير والدراهم التي عنده موضوعة ". (2) ثم إنه قد يقال بجواز أخذ اجرة المثل من غير فرق بين الغني والفقير وبين الوصي والحاكم وأمينه وعدول المؤمنين ما لم يوجد المتبرع الجامع للشرائط لأنه المعروف ولعله إلى ذلك أومأ صحيح هشام المذكور، ويمكن أن يقال: أما التقييد بعدم وجود من يتبرع فيشكل لاطلاق قوله تعالى: " فليأكل بالمعروف " أما الأخذ باطلاق قوله تعالى والصحيح المذكور مضافا إلى قاعدة احترام عمل المسلم فقد يخالفه ما في موثقة السماعة من التقييد باحتياج من يلي الأمر وفقدانه لما يقيمه، وما في خبر أبي الصباح المذكور " فان كان قليلا فلا يأكل منه شيئا " وكذا خبر سماعة وخبر أبي بصير كما أن القاعدة تنافي ظاهر الآية الشريفة حيث يظهر منها وجوب الاستعفاف مع الغنى، ولا يبعد أن يكون الأكل مع قلة المال أو الغنى مكروها لاباء قاعدة الاحترام عن التخصيص وأقوائية ظهور ما في الاخبار من التعليل لكن بشرط أن يكون له عمل له قيمة ولعل ما في ذيل موثقة سماعة من قوله عليه السلام على المحكي " وإن كان - الخ " ناظر إلى هذه الجهة ولا يخفى أن وجوب التصدي لأمور اليتيم من جهة وجوب تنفيذ الوصية لا ينافي جواز الأكل بالمعروف لأن الواجب الجامع بين ما يؤخذ من جهة الأجرة وما لا يؤخذ، فظهر مما ذكر أن المجوز أجرة المثل من غير فرق بين كون المتولي محتاجا أو غير محتاج. وأما لو أذن الموصي للوصي أن يوصي فالظاهر عدم الخلاف في أن للوصي أن يوصي فإذا قال الموصي للوصي أوص عند وفاتك للغير فالظاهر لزوم الايصاء على الوصي للزوم تنفيذ الوصية ففي التعبير بالجواز مسامحة إلا أن يكون المراد أنه جعل


(1) التفسير ج 1 ص 221. (2) المصدر ج 1 ص 222.

[ 88 ]

الوصي مختارا في الايصاء إلى الغير فله ترك الايصاء وقد يستدل على صحة الايصاء بقوله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه - الآية " ويشكل من جهة عدم صدق التبديل على ترك أمر أوصى به بل ظاهر التبديل غير ذلك فالأولى الاستدلال له بأنه مما أوصى به وإن أمكن الاشكال بأن ما دل على جواز الوصية ولزوم تنفيذها لا يدل على مشروعية كل ما يوصى به إلا ما خرج. إلا أنه ربما يظهر من بعض الأخبار استفادة المشروعية من قوله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه - الاية " ومكاتبة الصفار في الصحيح إلى أبي محمد عليهما السلام " رجل كان وصي رجل فمات فأوصى إلى رجل آخر هل يلزم الوصي وصية الرجل الذي كان هذا وصيه؟ فكتب عليه السلام: يلزمه بحقه إن كان له قبله حق إن شاء الله " (1) و " الحق " في الجواب فسر بحق الايمان على معنى أنه يلزمه الوفاء بحقه إن كان مؤمنا فان الله قد عقد الأخوة بين المؤمنين وهو مقتضى إعانة المؤمن وقضاء حوائجه فضلا عن إنفاذ وصيته، ويحتمل أن يكون المراد حق الوصية إلى الوصي الأول بمعنى أن الوصية تلزم الوصي الثاني بحق الأول إن كان للأول قبله يعني قبل الوصي الأول حق بأن يكون قد أوصى إليه وأذن له أن يوصي فقد صار له قبله حق الوصية فإذا أوصى بها لزمت الثاني، وعلى كلا الاحتمالين يصح مع الاذن إيصاء الوصي إلى وصي آخر وأما مع عدم الاذن فالاكثر على المنع لعدم ثبوت ولاية له بعد الموت على ذلك بل قيل: إن المتبادر من استنابته مباشرته بنفسه أو بوكيله دون الايصاء إلى الغير المشتمل على الولاية بعد موته الذي يكفي في عدم جوازه عدم ثبوت الاذن من الموصي الاول خلافا للشيخ وابني الجنيد والبراج فجوز الايصاء إليه له لأن الاستنابة من جملة التصرفات التي يملكها حيا بالعموم كما يملكها بالخصوص، ولأن الموصي أقامه مقام نفسه فيثبت له من الولاية ما يثبت له، ولمكاتبة الصفار المذكورة، ويشكل بمنع كون الاستنابة من جملة التصرفات التي يملكها حيا بالعموم ومنع إقامة الموصي إياه مقامه في كل


(1) التهذيب ج 2 ص 593. والفقيه ص 536.

[ 89 ]

ما يثبت له، وأما المكاتبة فهي مجملة فمع أرجحية الاحتمال الغير المناسب للمقام أو التساوي لا مجال للاستدلال بها. ويمكن أن يقال: ان استفدنا من بعض الأخبار أنه مع الشك في مشروعية وصية يجوز التمسك بقوله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه - الاية " لمشروعيتها فما المانع من التمسك به في المقام ولذا قد يستدل على صحة الايصاء للوصي مع إذن الموصي الأول بها فلاحظ ما رواه الكليني - قدس سره - عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن الريان بن شبيب قال: " أوصت ماردة لقوم نصارى فراشين بوصية، فقال أصحابنا اقسم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك. فسألت الرضا عليه السلام فقلت: إن اختي أوصت بوصية لقوم نصارى وأردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا مسلمين، فقال: امض الوصية على ما أوصت به قال الله تعالى " فانما إثمه على الذين يبدلونه ". (1) والمنقول من كتاب الحسين بن سعيد بسنده إلى محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى بماله في سبيل الله؟ قال: أعطه لمن أوصى له وإن كان يهوديا أو نصرانيا إن الله تعالى يقول: " فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه ". (2) وعن الحسين بن سعيد في حديث آخر عن الصادق عليه السلام قال: " قال: لو أن رجلا أوصى إلي أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعت فيهم، إن الله يقول: " فمن بدله بعد ما سمعه - الآية ". (3) فنقول: الظاهر في الرواية الأولى أن السائل كان شاكا في صحة الوصية بالنحو المذكور فبين الإمام على المحكي صحته وذكر قوله تعالى استشهادا، وكذا يستفاد من الخبرين الآخرين، فمع هذا لو أوصى الوصي إلى شخص آخر بدون إذن الموصي الأول فما المنافع من التمسك بقوله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه - الآية "


(1) المصدر ج 7 ص 16. (2) و (3) الكافي ج 7 ص 14 و 15 والتهذيب ج 2 ص 390 والفقيه ص 527

[ 90 ]

لنفوذ وصيته، ولعلك تقول: يستفاد من بعض الاخبار تخصيص قول الله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه " بقوله عز وجل: " فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه " فلاحظ ما رواه محمد بن يعقوب - قدس سره - باسناده عن محمد بن سوقة قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن قول الله تبارك وتعالى " فمن بدله بعدما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه " قال: نسختها الآية التي بعدها قوله عزوجل: " فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه " قال: يعني الموصى إليه إن خاف جنفا من الموصي فيما أوصى به إليه مما لا يرضى الله عز ذكره من خلاف الحق " فلا إثم عليه " أي على الموصى إليه أن يرده إلى الحق وإلى ما يرضى الله عزوجل فيه من سبيل الخير ". (1) والظاهر أن المراد من النسخ التخصيص فبعد التخصيص يشك في المقام أنه داخل في العام أو في المخصص لكنه على مسلك من يتمسك في أمثال المقام - كالشك في مخالفة الشرط للكتاب أو السنة - بالاستصحاب يتمسك في المقام أيضا، وعلى الاشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية يشكل، لا يقال: إذا لم يكن جنفا ولا إثما، من جهة أن الاثم منوط بالبيان ومع عدم البيان لا إثم فيبقى تحت العام لأنه يقال: فسر كلام الله بما لا يرضى به الله عزوجل فمع الشك في أنه مما لا يرضى الله به كيف يتمسك بالعام إلا أن يقال: الظاهر أن يكون المراد كون الموصى به لا يرضى الله به وفي المقام ليس الموصى به كذلك ولذا يقال: يقوم بأمر الوصاية الحاكم أو عدول المؤمنين فتأمل فمقتضى الاحتياط أن يقوم بأمر الوصاية الوصي الثاني الموصى إليه بغير إذن الموصي الأول بإذن الحاكم وعدول المؤمنين. وأما كون الحاكم وصي من لا وصي له في تركته ففي صورة الحاجة كما لو كان للميت أطفال صغار أو مجانين الظاهر عدم الخلاف في أن النظر للحاكم الشرعي ووقع الخلاف لو لم يكن ثمة حاكم فهل لعدول المؤمنين تولى ذلك أم لا؟ فالاكثر على الأول وقال ابن إدريس بالثاني، ويمكن أن يقال: إن كان النظر في صورة التمكن من


(1) المصدر ج 7 ص 21.

[ 91 ]

المراجعة إلى الحاكم في لزوم الرجوع إليه بالخصوص من جهة الولاية العامة فمع التأمل في ثبوتها له لا نسلم تعين الرجوع إليه نعم مع الشك في تعينه في الوصية أو التخيير بينه وبين عدول المؤمنين يكون هو المتيقن واللازم ذكر الأخبار الواردة في المقام. فمنها ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: " مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد ابن سالم القيم بماله وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته وكان قيامه بهذا بأمر القاضي لانهن فروج قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر عليهما السلام فقلت له: يموت رجل من أصحابنا ولم يوص إلى أحد ويخلف الجواري فيقيم القاضي رجل منا ليبيعهن أو قال: يقوم رجل منا فيضعف قلبه لأنهن فروج، فما ترى في ذلك القيم؟ قال: فقال: إذا كان القيم مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس (1) ". ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة - قدست أسرارهم - عن علي بن رئاب في الصحيح في بعض طرقه قال: " سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل بيني وبينه قرابة مات و ترك أولادا صغارا وترك مماليك وغلمان وجواري ولم يوص فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية يتخذها أم ولد وما ترى في بيعهن؟ قال: فقال: إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم كان ماجورا فيهم، قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ قال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم الناظر لهم فيما يصلحهم، وليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم والناظر فيما يصلحهم ". (2) وما رواه في الكافي والتهذيب عن إسماعيل بن سعد الأشعري في الصحيح قال: سألت الرضا عليه السلام عن رجل مات بغير وصية وترك أولادا ذكرانا وغلمانا صغارا و ترك جواري ومماليك هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: نعم. وعن الرجل يصحب


(1) التهذيب أبواب الزيادات الحديث الخامسة والعشرون. (2) الكافي ج 7 ص 67 والفقيه ص 533 والتهذيب ج 2 ص 400.

[ 92 ]

الرجل في سفره فيحدث به حدث الموت ولا يدرك الوصية كيف يصنع بمتاعوله أولاد صغار أو كبار أيجوز أن يدفع متاعه ودوابه إلى ولده الأكابر أو إلى القاضي، فإن كان في بلدة ليس فيها قاض كيف يصنع؟ وإن كان دفع المال إلى ولده الأكابر ولم يعلم به فذهب ولم يقدر على رده كيف يصنع؟ قال: إذا أدرك الصغار وطلبوا فلم يجد بدا من إخراجه إلا أن يكون بأمر السلطان. وعن الرجل يموت بغير وصية وله ورثة صغار وكبار أيحل شراء خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك، فإن تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس به إذا رضي الورثة بالبيع، وقام عدل في ذلك ". (1) وما رواه المشايخ الثلاثة عن سماعة في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد (2) كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس ". (3) فنقول: لا مجال لحمل ما في هذه الأخبار على الإذن الحاصل من الإمام عليه الصلاة والسلام في الموارد الخاصة لأنه كثيرا ما سأل السائل من دون نظر إلى واقعة خاصة بل نظره إلى فرض الصورة، فالجواب يشمل الصورتين وعلى فرض كونه إذنا من باب الولاية يكون شاملا للصور المفروضة، بل الظاهر أنه لبيان الحكم الشرعي و يستفاد من بعضها جواز التصدي للعدل وللثقة من بعض الآخر فلا يبقى الإشكال في صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع من جهة عدم معلومية المماثلة من جهة الاهلية للحكومة الشرعية أو العدالة أو الوثاقة، فاللازم تحقق أحد الوصفين من العدالة والوثاقة، و الوثاقة إن كان المراد منها الوثاقة في الدين تكون ملازمة للعدالة وعلى هذا فالرجوع


(1) الكافي ج 7 ص 66 والتهذيب ج 2 ص 400. (2) العقد بمعنى الضيعة. (3) الكافي ج 7 ص 66 والتهذيب ج 2 ص 400 والفقيه ص 533.

[ 93 ]

إلى عدول المؤمنين ليس متأخرا عن الرجوع إلى الحاكم الشرعي لكنه مخالف للمشهور، ثم إنه قد يلزم القيام بأمر ولا طريق إلى الحاكم ولا إلى العدول كحفظ اليتيم والمجنون والمريض القاصرين مع توقف حفظهم على التصرف في أموالهم فلا إشكال في جواز تصرف غيرهم. (الخامس في الموصى به وفيه أطراف: الأول في متعلق الوصية ويعتبر فيه الملك فلا تصح بالخمر ولا بآلات اللهو، ويوصى بالثلث فما نقص، ولو أوصى بزيادة عن الثلث صح في الثلث وبطل الزائد، فإن أجاز الورثة بعد الوفاة صح وإن أجاز بعض صح في حصته، وإن أجازوا قبل الوفاة ففي لزومه قولان، المروي اللزوم. ويملك الموصى به بعد الموت). المعروف في كلماتهم اعتبار الملكية فإن كان المراد الملكية الفعلية فيشكل من جهة صحة الوصية بثمرة البستان مع أنها ليست بملك قبل تحققها وصحة الوصية بالثلث مع كون الثلث الموجود زمان الموت لا الموجود حال الوصية وإن كان المراد ما يقبل الملكية ولو بعد حين فلا إشكال لكنه لا يناسب الاستدلال بكون الوصية من العقود المملكة فإن ما يملكه العاقد بعد حين لا يقع متعلق العقد، مضافا إلى منع كون الوصية التمليكية عقدا لمنع الحاجة إلى القبول، فالمعتبر كون الموصى به قابلا للنقل إلى الغير ولو بعد حين عينا كان أو منفعة أو حقا، ووجهه أنه لو لم يكن كذلك لما صح تمليكه للموصى له. وأما اعتبار عدم كونه زائدا عن الثلث في نفوذه بلا حاجة إلى إمضاء الورثة فيدل، عليه أخبار كثيرة منها ما رواه في التهذيب عن علي بن عقبة، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكا ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء؟ قال: لا يعتق منه إلا ثلثه " وسائر ذلك الورثة أحق بذلك ولهم ما بقي (1) ". وهذا الخبر وإن لم يكن راجعا إلى الوصية لكنه يستفاد من ذيله أحقية


(1) التهذيب ج 2 ص 388.

[ 94 ]

الورثة بالنسبة إلى ما سوى الثلث وكون ما بقي لهم، فلا تجتمع مع نفوذ الوصية فيما زاد. ومنها ما عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مملوكه في مرضه؟ فقال: إن كان أكثر من الثلث رد إلى الثلث وجاز العتق ". (1) وما عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، عن علي عليه السلام قال: " إن رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة ". (2) ودلالة هذا الخبر مبنية على اتحاد منجزات المريض مع معلقاته في الحكم، ويمكن أن يقال: مع ثبوت الحكم في المنجز فالمعلق أولى، وفيه تأمل. وعن الحسين بن محمد الرازي قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام " الرجل يموت فيوصي بماله كله في أبواب البر وبأكثر من الثلث، هل يجوز ذلك له وكيف يصنع الوصي؟ فكتب عليه السلام: تجاز وصيته ما لم يتعد الثلث " (3) إلى غير ما ذكر من الأخبار، وحكي عن علي بن بابويه جواز الوصية بأكثر من الثلث حتى الجميع، واحتج في ذلك برواية عمار الساباطي، عن الصادق عليه السلام قال: " الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كله فهو جائز له " (4) واجيب بضعف الرواية ومعارضة الروايات الكثيرة لها وإمكان حملها على ما لا يخالف تلك الأخبار فان الانسان أحق بماله ما دام فيه الروح فان أوصى بجميع ماله يراعى فان أجاز الورثة تكون الوصية نافذة ومع عدم الامضاء ترد إلى الثلث. وأما الجواز مع إمضاء الورثة فيدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح


(1) التهذيب ج 2 ص 394. والكافي ج 7 ص 16. (2) التهذيب ج 2 ص 312. (3) التهذيب ج 2 ص 388. (4) الفقيه ص 527.

[ 95 ]

عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك فلما مات الرجل نقضوا الوصية هل لهم أن يردوا ما أقروا به؟ قال: ليس لهم ذلك، الوصية جائزة عليهم إذا أقروا بها في حياته ". (1) وهذه الرواية لا ذكر فيها للزيادة على الثلث إلا أنه لما كان النفوذ بملاحظة إقرارهم السابق تكون محمولة على صورة الزيادة على الثلث فان الوصية بالثلث فما نقص لا تحتاج إلى إجازتهم. وما رواه الشيخ عن ابن رباط عن منصور بن حازم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له، قال: جائز ". وقال ابن رباط: وهذا عندي على أنهم رضوا بذلك في حياته وأقروا به. (2) وروى المشايخ الثلاثة (3) في الصحيح عن منصور بن حازم مثل ما عن محمد بن مسلم في الصحيح المذكور، ولو أجاز بعض الورثة فالمعروف أن الوصية نافذة في الزيادة على الثلث بمقدار حصة المجيز في الزيادة فالمقام كالعقد الفضولي الواقع على المال المشترك مع إجازة بعض الشركاء دون بعض آخر، ويمكن أن يقال: إذا كانت الاجازة بعد موت الموصي فلا إشكال وأما الاجازة في حياة الموصي وموته بعد مدة فلا يخلو عن الاشكال من جهة أن المعروف اعتبار الثلث حال الموت لا حال الوصية، فربما يتملك الموصي أموالا في خلال المدة الواسطة بين الوصية والموت فحال الوصية والاجازة من الوارث لا تملك بالنسبة إلى تلك الاموال لا للموصي ولا للورثة، فكيف يتصور سهم للوارث حتى يقال: إجازة بعض الورثة نافذة بالنسبة إلى سهمه، غاية الأمر دل الدليل على أنه لو أوصى الموصي بالوصية التمليكية بمثل تلك الأموال وأجاز الورثة الوصية نفذت الوصية بالنسبة إلى الموصى به الزائد على الثلث ومع عدم الاجازة لا تنفذ إلا مقدار الثلث فالتمليك من الموصي


(1) التهذيب ج 2 ص 387 والفقيه ص 527. (2) التهذيب ج 2 ص 387. (3) الوسائل ج 2 ص 664 أبواب أحكام الوصايا باب 13.

[ 96 ]

تنزيلي ولو لا التنزيل لم تعتبر العقلاء تمليك ما لم يملك المملك بعد فاجازة جميع الورثة نافذة بحسب الاخبار وأما إجازة البعض ونفوذها بالنسبة إلى ما يتصور سهما له لا يشملها الأخبار، وأما حصول الملك للموصى له بعد الموت فلا إشكال فيه لأن المال الموصى به قبل موت الموصي ملك له وباختياره له، أن يتصرف فيه كيف شاء. (وتصح الوصية بالمضاربة بمال ولده الأصاغر، ولو أوصى بواجب وغيره اخرج لواجب من الأصل والباقي من الثلث، ولو حصل الجميع بالثلث بدئ بالواجب، ولو أوصى بأشياء تطوعا فان رتبه بدئ بالأول فالأول حتى يستوفى الثلث وبطل ما زاد، وإن جمع اخرجت من الثلث ووزع النقص، وإذا أوصى بعتق مماليكه دخل في ذلك المنفرز والمشترك). أما صحة الوصية بالمضاربة بمال ولده الصغار فيدل عليها ما رواه في الكافي، عن محمد بن مسلم في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال بأن يكون بينه وبينهم، فقال: لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي ". (1) وعن خالد بن بكر الطويل قال: " دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به وخذ نصف الربح وأعطهم النصف وليس عليك ضمان فقدمتني ام ولد لأبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى فقالت له: إن هذا يأكل أموال ولدي، قال: فقصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثم أشهد علي ابن ابي ليلى إن أنا حركته فأناله ضامن، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقصصت عليه قصتي، ثم قلت ما ترى؟ فقال: أما قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع رده، وأما في ما بينك وبين الله عزوجل فليس عليك ضمان ". (2) ويمكن أن يقال: يستفاد من الروايتين جواز المضاربة بغير الذهب والفضة وهو خلاف المشهور، ويمكن المناقشة في دلالة الرواية الاولى من جهة أنه علل عدم


(1) و (2) الكافي ج 7 ص 62.

[ 97 ]

البأس بإذن الاب وهو حي، وهذا التعبير أنسب بالولاية الشرعية بالنسبة إلى الصغير فكأنه أوصى وأذن في المضاربة بمال الصغير وربما يظهر منه أن الإذن في ماله الفعلي قبل موت الأب لا الوصية بالمضاربة بما يصير مالا له بعد الموت، ونوقش في سند الرواية الثانية من جهة أن خالد بن بكير المذكور مجهول الحال ودفعت المناقشة في السند بأن في السند ابن أبي عمير وهو ممن أجمع على تصحيح ما يصح عنه فلا يضر جهالة من بعده، ثم إنه حكي عن جماعة صحة الوصية بالمضاربة من غير فرق بين مال الصغار والكبار وبين أن يكون الربح المجهول للعامل بقدر اجرة المثل أو أزيد بقدر الثلث أو أزيد، ووجه باطلاق ما دل على تنفيذ الوصية المقيد بالثلث إذا كانت مفوتة للمال على الوارث أو بالاعم من ذلك ومما فيه ضرر عليه أما إذا لم يكن كذلك بل كانت الوصية تصرفا في المال على وجه لا تفويت فيه للمال على الوارث ولا ضرر فيه عليه فليس في الأدلة ما يدل على تخصيص العمومات المعتضدة بظاهر قوله تعالى " فمن بدله بعدما سمعه " وعموم تسلط الناس و معلومية كون الوصية بعد الموت كالتنجيز في حال المرض بالنسبة إلى الممنوع منها و الجائز، بل الدليل فيهما متحد ولا ريب في صحة المضاربة بأزيد من الثلث في حال المرض ولو بحصة قليلة من الربح كما لا ريب في صحة بيع التركة بثمن المثل حال المرض. ويمكن أن يقال: أما الخبران فلا إطلاق فيهما بالنسبة إلى أموال الكبار فإن رواية محمد بن مسلم السؤال فيها عن رجل أوصى إلى رجل بولده وهذا التعبير مناسب لجعله قيما على الصغار، ثم التعليل بالإذن لا يناسب بالنسبة إلى الكبار، وأما الرواية الثانية فمورد السؤال فيها الصغار، وأما بالنظر إلى عمومات الوصية فمع تخصيصها بكون الموصى به مما يرضى به الله يشكل التمسك بها فان منع المالك عن التصرف في ملكه وتضرر المالك كيف يجوزان، وفرق واضح بين الوصية بالثلث بأن يصرف في الأمور الواجبة المربوطة بالموصي وفي المستحبات المربوطة به وبين المداخلة في أموال الغير بنحو يكون ممنوعا من التصرفات أو يكون متضررا حيث إن المضاربة وإن كانت من العقود الجائزة لكن لازم صحة الوصية بها لزومها وتصرف الولي في مال المولى عليه منوط بالمصلحة

[ 98 ]

أو لا أقل من عدم المفسدة فان الله لا يحب الفساد، ووجه ذلك أن الأول ليس تصرفا في مال الغير حيث إن الإرث بعد الوصية بخلاف الثاني، غاية ما في الباب في خصوص مال الصغار بمقتضى الروايتين مع تمامية دلالتهما نقول بصحة الوصية وإطلاقهما لصورة كون الربح المجعول للعامل أكثر من اجرة المثل معارض بما دل على عدم جواز ما فيه الفساد، وفي هذه الصورة أعني الوصاية بالمضاربة بمال الصغير ليس مخالفة لقاعدة السلطنة لأن الصغير محجور والولاية للأب والجد، ولم يظهر لما ذكر من عموم تسلط الناس وجه لتصحيح ما ذكر في المقام فان الموصي في حال حياته غير حال مرض الموت مسلط على أمواله يتصرف كيف شاء وفي مرض الموت كذلك إن قلنا بأن المنجزات يخرج من الأصل وإن قلنا بخروجها من الثلث فحالها حال الوصية، لكن لا سلطنة على مال الغير وفي المقام يراد إثباتها على مال الغير أعني الورثة الكبار. ولو أوصى بواجب وغيره يجب خروج الواجب المالي سواء كان مشوبا بالبدني كالحج أو لم يكن مشوبا كالزكاة والكفارات من أصل المال أوصى به أو لم يوص بلا خلاف ظاهرا والأخبار بوجوب إخراج الواجب المالي من الأصل متكاثرة ذكرت في كتاب الحج والزكاة والخمس وكتاب الديون. فمنها ما رواه الشيخ بإسناده، عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن معاوية ابن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مات فأوصى أن يحج عنه قال: إن كان صرورة فمن جميع المال وإن كان تطوعا فمن ثلثه ". (1) ومنها ما روى محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل توفي وأوصى أيحج عنه قال: إن كان صرورة فمن جميع المال إنه بمنزلة الدين الواجب وإن كان قد حج فمن ثلثه، ومن مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يترك إلا قدر نفقة الحمولة وله ورثة فهم أحق بما ترك، فان شاؤوا أكلوا وإن شاؤوا حجوا عنه ". (2)


(1) التهذيب ج 2 ص 397 باب وصية الانسان لعبده ح 45. (2) الكافي ج 4 ص 305.

[ 99 ]

ومنها ما رواه الشيخ باسناده، عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن معاوية ابن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام و يترك مالا، قال: عليه أن يحج من ماله رجلا صرورة لا مال له ". (1) ومنها ما رواه الشيخ باسناده، عن علي بن الحسن، عن عمرو بن عثمان، عن الحسن بن المحبوب، عن عباد بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل فرط في إخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما لزمه من الزكاة ثم أوصى أن يخرج ذلك فيدفع إلى من تجب له، قال: فقال: جائز، يخرج ذلك من جميع المال إنما هو بمنزلة الدين لو كان عليه ليس للورثة شئ حتى يؤدي ما أوصى به من الزكاة، قيل له: فان كان أوصى بحجة الاسلام؟ قال: جائز يحج عنه من جميع المال ". (2) واما الواجب البدني كالصلاة والصوم فظاهر المتن خروجه أيضا من الأصل ولو لم يوص به، ويشكل من جهة أن الدليل على خروج الدين من أصل التركة و شموله لمثل الصلاة وإن أطلق الدين عليها في لسان الأخبار مشكل وإن وجب على من اشتغل ذمته بالواجب الوصية بقضائه في صورة التقصير بل مع عدم التقصير كمن فات صلاته للغفلة أو النوم ولم يتمكن من قضائها، لكن يتمكن من القضاء بتوسط النائب بعد موته. وأما غير الواجب فيخرج من الثلث ولا محذور في زيادة المجموع على الثلث لأن الواجب يخرج من الأصل أوصى به أو لم يوص به، وغير الواجب لا يزيد على الثلث ولو حصر الجميع في الثلث بدء بالواجب ثم بغير الواجب الأول فالأول والواجب يبدء به وإن كان متأخرا في الايصاء به ولعل وجهه أهمية الواجب من جهة أن المجموع من جهة الوصية ولزوم تنفيذها يجب قضائها والواجب يكون مقدما في مقام التزاحم لمزية فيه من جهة وجوبه في نفسه مع قطع النظر عن الوصية، وقد يستدل


(1) المصدر ج 1 ص 564. (2) التهذيب ج 2 ص 381.

[ 100 ]

عليه بصحيح معاوية بن عمار قال: " امرأة من أهلي ماتت وأوصت إلي بثلث مالها و أمرت أن يعتق ويتصدق ويحج عنها فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال: ابدء بالحج فانه فريضة من فرائض الله سبحانه ويجعل ما بقي طائفة في العتق وطائفة في الصدقة (1) " فانه يستفاد من التعليل المذكور تقدم الواجب، ولا يخفى أن مورد الوصية عدم الترتيب في الموصى به فلا مجال للاستدلال بها في صورة الترتيب، ولا يخفى الاشكال فيما ذكر لتقديم الواجب ولو كان مؤخرا في الايصاء حيث إن الوصية بالأول نافذة وكذا بالثاني وهكذا حتى يبلغ الثلث فبعد البلوغ إلى الثلث لا محل للوصية حتى يجب تنفيذها ويكون مقدما، نعم لو كان من قبيل الديون يجب قضائه أوصى به أو لم يوص ولو أوصى بأشياء تطوعا بدء بالأول فألأول حتى يبلغ الثلث إن كانت مرتبة وبعد البلوغ إلى الثلث تبقى مراعاة فان أمضى الورثة وإلا بطلت، ووجه التقديم ما ذكر، ويدل عليه خبر حمران، عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل أوصى عند موته وقال: أعتقوا فلانا وفلانا حتى ذكر خمسة فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة الذين أمر بعتقهم؟ قال: ينظر الذين سماهم وبدء بعتقهم فيقومون وينظر إلى ثلثه فيعتق منه أول شئ ذكر، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، وإن عجز الثلث كان ذلك في الذي سمى أخيرا لأنه اعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك ". (2) بل لو لا النص كان الوجه المذكور كافيا، ويمكن أن يقال: مقتضى القاعدة الفرق بين كون المفعول بهم مع التعدد واحدا كأن يقول: فلانا وفلانا وفلانا اعتق وبين كون المفعول بهم كثيرا، ففي الصورة الأولى تعلقت الوصية بالمجموع في مرتبة واحدة، وإن كان الافراد بينها ترتيب لفظي بخلاف الصورة الثانية، ونظير هذا ما يقال في النحو الحروف المشبهة بالفعل: " إن وأن - إلخ " فالخبر ليس كل واحد من الحروف المذكورة بل الخبر المجموع، ولعل الرواية المذكورة ناظرة إلى الصورة الثانية لا الأولى، وحكي عن الشيخ والاسكافي - قدس سرهما - تقديم العتق وإن


(1) الفقيه ص 531. (2) الفقيه ص 531.

[ 101 ]

تأخر للموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصية وكان أكثر من الثلث؟ قال: يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي (1) " واجيب بظهوره في التنجيز المتقدم على الوصية بلا خلاف ولا إشكال لا الوصية التي هي محل البحث، وحكي عن ابن حمزة جعل الوصية المتأخرة المتباعدة زمانها عن الأولى ناسخة لها للضعيف " إن أبي أوصى بثلاث وصايا فبأيهن آخذ؟ فقال: خذ باخريهن، قلت: فانها أقل؟ قال: وإن قلت " (2) واجيب بضعف الرواية، ولا بأس بحمله على صورة الوصايا المتضادة، ويمكن أن يقال: أما ما ذكر في جواب الشيخ من تقديم المنجز على الوصية بلا خلاف ولا إشكال لم يظهر وجهه، فان قلنا بخروج التصرفات المنجزة في مرض الموت من مثل الهبة والصلح الهبائي والعتق من الثلث فما الفرق بينها وبين الوصية إلا أن يكون في المقام نص أو إجماع والنص في خصوص العتق، ولم نعثر عليه في غير العتق من المنجزات. وأما ما ذكر في الجواب عن ابن حمزة فالاشكال من جهة ضعف الرواية في محله لكن يبقى السؤال عن الفرق بين الوصايا المتضادة ومقامنا فان التضاد تارة بالصراحة كما لو قال: اعطوا زيدا ثلث مالي، ثم قال: اعطوا ثلث مالي عمرا، وتارة بنحو آخر كأن يقول: اعطوا زيدا كذا درهما، وعمرا كذا إلى أن تجاوز الثلث. فان الوصية للأخير إذا تجاوز عن الثلث تضاد الوصية لزيد فالأولى المراجعة إلى القرائن فقد يستكشف عدم عدول الموصي عن الوصية الأولى وتوهم كفاية ثلث ماله لمن أوصى له واخرى يستكشف عدوله كمن توجه بمقدار ثلث ماله وأنه لا يجوز الوصية بأزيد من الثلث ومع ذلك قال: اعطوا فلانا كذا وفلانا كذا وهكذا وتجاوز عن الثلث ففي هذه الصورة كيف لا يحكم بالعدول وصرف النظر عن السابقة فمع قطع النظر عن الرواية يستظهر العدول وإن لم يكن تضاد بالصراحة، وقد يقال: إن موضوع هذه المسألة التي يبدء بالأول فالأول فيها تعدد الوصايا مع عدم التضاد بينها وإن امتنع


(1) الكافي ج 7 ص 17 والفقيه ص 531 واللفظ له. (2) التهذيب ج 2 ص 387.

[ 102 ]

العمل بها جميعا لقصور الثلث أو المال بخلاف المسألة الأخرى التي يقال فيها بأن تعدد الوصايا يكون رجوعا فان موضوعها تضاد الوصايا بحيث لا يمكن جمعها في الخارج في حدود ذواتها لا للقصور، ثم بعد كلام يستقرب ما وقع للمحقق الكركي قدس سره في المقام من أن الأصل في الوصية أن تكون نافذة فيجب حملها على ما يقتضي النفوذ بحسب الامكان وإنما تكون الثانية نافذة إذا كان متعلقها الثلث الذي يجوز للمريض الوصية به فيجب حملها عليه كما يجب حمل إطلاق بيع الشريك النصف على استحقاقه حملا للبيع على معناه الحقيقي وحينئذ فيتحقق التضاد في مثل ما لو قال: أوصيت بثلث لزيد وبثلث لعمرو، فيكون الثاني ناسخا للأول فيقدم واولى منه ما لو قال ثم مالي، ثم فرع عليه أنه لو أوصى لزيد بثلث ولعمرو بربع ولخالد بسدس وانتفت القرائن أن تكون الوصية الأخيرة رافعة للأولى مع اعترافه بأنه مخالف لما صرح به الأصحاب. ويورد على كلام المحقق بأن الاطلاق في الوصية وغيرها من العقود إنما يقتضي إرادة ما تعلق به العقد لكن إذا صادف ذلك ما يمكن نفوذه فيه نفذ لوجود المقتضي و ارتفاع المانع وإن لم يصادف ذلك كان عقدا موصوفا بالصحة القابلة للنفوذ وعدمه بسبب رفع المانع أو تحقق الشرط الشرعي وعدمهما ففي البيع إذا علقه على النصف من غير تعرض لكون المستحق له أو المشاع بينه وبين شريكه اقتضى نقل النصف في نفسه و له محل ينفذ فيه باعتبار استحقاق العاقد المخاطب بالوفاء بعقده نصفا فينفذ وينزل عليه تنزيلا شرعيا لا قصديا بمعنى كون العاقد قد قصد ذلك وكذا ما نحن فيه فان الموصي إذا أوصى لزيد بثلث لم يقصد إلا تمليك الثلث في نفسه إلا أنه لما كان يمكن تنفيذه باعتبار استحقاق الموصي ثلثا نفذت الوصية به، فإذا أوصى بعد ذلك بثلث أيضا لم يصادف ذلك محلا ينفذ فيه لسبق السبب الأول، وإنما صادف محلا ينفذ فيه مع الاجازة فيتعلق حينئذ كذلك على حسب ما صادف ولا يسمى مثله باطلا بل هو صحيح خصوصا بعد بناء الأصحاب في المقام من كون الاجازة تنفيذا لا ابتداء عطية فتصرف الموصي يقع في ماله فلا دلالة في الوصية الثانية على الرجوع عن الأولى لعدم التضاد بخلاف ما لو علقها بما علق الأولى فانه يحصل التضاد فليس إلا

[ 103 ]

النسخ ويكون الثاني كالوارد على الأول فينسخه كالدليل الوارد على الأصل. ويمكن أن يقال: ما ذكر من أن بيع نصف الدار مثلا لا يقيد بنصفه المختص بل هو باق باطلاقه، ولكن لما صادف محلا قابلا للنفوذ وقع البيع على نصفه المستحق دون نصف الشريك لا من جهة قصده بل بحكم الشرع، لا نسلمه بل بملاحظة أن البايع يريد وقوع البيع بنحو يترتب عليه الأثر بلا توقع أمر آخر من إجازة الشريك يقع البيع بحسب القصد على نصفه المملوك له من جهة الانصراف فان إطلاق كل من الفعل والمتعلق قد يقيد بالآخر، ولذا يقال: إذا قال: لا تضرب أحدا إن إطلاق أحد يقيد بظهور الضرب في المولم فيتعلق بمن يتألم دون غيره فيصح ما في كلام المحقق من أن الأصل في الوصية أن تكون نافذة فنفوذ الثانية يكون إذا كان متعلقها الثلث الذي يصح للموصي أن يوصى به فيتحقق التضاد خصوصا إذا كان الموصي قاطعا بعدم إجازة الورثة للتالي فيه فيدور الأمر بين كون الوصية لغوا محضا أو يكون ناسخة للأولى ولقائل أن يقول: إن كان قابلية المحل ملحوظة فيقع العقد أو الوصية على المحل القابل فبعد الوصية الأولى بالنسبة إلى الثلث المطلق ما المانع في تعلق الوصية الثانية بالثلث المطلق وهو قابل لنفوذ الوصية الثانية فيه بنسخ الوصية الأولى كما تقولون في صورة التضاد، وكيف يقال: بأن التقييد ليس بحسب القصد بل بحكم الشرع، والحال أن حكم الشرع المقدس إمضاء لما قصد. وأما صورة الجمع وعدم الترتيب فالمعروف فيها الأخذ بالوصية بالنسبة إلى المجموع والتوزيع من جهة النقص، ويمكن استفادته مما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: أوصت إلي امرأة من أهل بيتي بثلث مالها و أمرت أن يعتق عنها ويحج ويتصدق فلم يبلغ ذلك، فسألت أبا حنيفة فقال: يجعل ذلك أثلاثا ثلثا في الحج وثلثا في العتق وثلثا في الصدقة، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: إن امرأة من أهلي ماتت وأوصت إلي بثلث مالها وأمرت أن يعتق عنها ويحج ويتصدق فنظرت فيه فلم يبلغ؟ فقال: ابدء بالحج فانه فريضة من فرائض الله عزوجل واجعل ما بقي طائفة في العتق وطائفة في الصدقة، فأخبرت أبا حنيفة

[ 104 ]

بقول أبي عبد الله عليه السلام فرجع عن قوله وقال بقول أبي عبد الله عليه السلام ". (1) ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير مثله. وعن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في امرأة أوصت بمال في عتق وحج وصدقة فلم يبلغ، قال: ابدء بالحج فانه مفروض فان بقي شئ فاجعل في الصدقة طائفة وفي العتق طائفة ". (2) والمستفاد مما ذكر تقديم الحج معللا بأنه فريضة فيحتمل أن يكون الحج المذكور في الوصية حجة الاسلام بالخصوص لكن يبعده أن السائل لم يذكر الخصوصية فكيف يحمل الجواب على الخاص، ويحتمل أن يكون الحج أعم من حجة الاسلام والمندوب ووجه التقديم أن الحج في الأصل فريضة من فرائض الله تعالى ولعل هذا أقرب، وعلى هذا فالقول بالتوزيع حتى في صورة كون الحج المندوب جزء مصرف الثلث مشكل. ولو أوصى بعتق مماليكه دخل في ذلك المنفرز والمشترك على ما في المتن فان كان في المقام نص فلا إشكال وإلا فيشكل من جهة أن المملوك المشترك لا ينسب إلى أحد الشريكين بالخصوص بل ينسب إليهما ولا أقل من الشك في شمول الوصية للمملوك المشترك خصوصا مع نقصان سهم الموصي عن سهم الآخر، ولعل في المقام رواية وهي " عن الرجل تحضره الوفاة وله مماليك لخاصة نفسه ومماليك في شركة رجل آخر فيوصي في وصية مماليكي أحرار ما حال مماليكه الذين في الشركة؟ فقال: يقومون عليه إن كان ماله يحتمل ثم هم أحرار " (3) ويمكن أن يقال: حمل الرواية على التعبد والحكم بشمول كلامه للذين هم في الشركة ولو لم يكن لكلامه ظهور في الشمول بعيد جدا وإن كان النظر إلى الاستظهار من كلامه فمع عدم الاستظهار في العرف كيف


(1) الفقيه ص 530 و 531 وفي بعض نسخه " امرأة من اهلي ". كما في الكافي ج 7 ص 19. وفي بعض النسخ " بمالها ". (2) الفقيه ص 531. (3) الفقيه ص 531.

[ 105 ]

يحكم بالحرية، ويمكن أن يكون نظر السائل إلى الفراغ عن الشمول ولو بالقرينة وكيفية حريتهم مع الشركة وقد ضعف الرواية من جهة السند. (الثاني في المبهمة من أوصى بجزء من ماله، كان العشر، وفي رواية السبع، وفي اخرى سبع الثلث. ولو أوصى بسهم كان ثمنا، ولو كان بشئ كان سدسا، ولو أوصى بوجوه فنسي الوصي وجها صرف في البر، وقيل: يرجع ميراثا. ولو أوصى بسيف وهو في جفن وعليه حلية دخل الجميع في الوصية على رواية يجبر ضعفها الشهرة. ولو أوصى بصندوق وفيه مال دخل المال في الوصية، وكذا قيل: لو أوصى بسفينة وفيها طعام استنادا إلى فحوى رواية. ولا يجوز إخراج الولد من الارث ولو أوصى الأب، و فيه رواية مطرحه). أما الوصية بجزء فقد ورد أخبار فيها منها ما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن أو الصحيح في الأول والصحيح في الثاني عن عبد الرحمن بن سيابة وهو مجهول، قال: " إن امرأة أوصت إلي وقالت: ثلثي تقضى به ديني وجزء منه لفلانة فسألت عن ذلك ابن أبي ليلى فقال: لا أرى لها شيئا ما أدري ما الجزء. فسألت عنه أبا عبد الله عليه السلام بعد ذلك وخبرته كيف قالت المرأة وما قال ابن أبي ليلى، قال: كذب ابن ابي ليلى لها عشر الثلث إن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام فقال " اجعل على كل جبل منهن جزءا " وكانت الجبال يومئذ عشرة والجزء هو العشر من الشئ ". (1) ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق أو الحسن الذي لا يقصر عن الصحيح عن معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى بجزء من ماله؟ قال: جزء من عشرة، قال الله تعالى " ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا " وكانت الجبال عشرة ". (2) ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن، عن أبان بن تغلب قال:


(1) الكافي ج 7 ص 39 والتهذيب ج 2 ص 391. (2) الفقيه ص 529 والكافي ج 7 ص 40 والتهذيب ج 2 ص 391.

[ 106 ]

" قال أبو جعفر عليهما السلام: الجزء واحد من عشرة لأن الجبال كانت عشرة ". (1) وفي قبالها ما يظهر منه التفسير بالسبع فمنه ما رواه في الصحيح عن البزنطي قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل أوصى بجزء من ماله؟ فقال: واحد من سبعة إن الله تعالى يقول " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " قلت: رجل أوصى بسهم من ماله فقال: السهم واحد من ثمانية، ثم قرء " إنما الصدقات للفقراء والمساكين - إلى آخر الآية ". (2) وعن إسماعيل بن همام الكندي، عن الرضا عليه السلام " في الرجل أوصى بجزء من ماله ولم يعينه فاختلف الوارث بعده في ذلك فقضى عليهم باخراج السبع من ماله وتلا قوله تعالى " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " (3) إلى غير ما ذكر. ثم انه يقع الاشكال في إن مثل الجزء والسهم لا إجمال في مفهومهما فمقتضى القاعدة الاكتفاء بما يصدق عليه الكلي غاية الأمر أنه لا يكتفى بكل ما يصدق عليه الكلي للانصراف إلى ما يكون قابلا للتوجه، فلعل التعيين في كلام المعصوم صلوات الله عليه من جهة أن المرتبة المنصرفة إليها لها عرض عريض يقع الخلاف من جهته بين الورثة والموصي له، وربما يؤيد هذا ما رواه الصدوق في معاني الأخبار في الصحيح، عن صفوان. والمفيد في الارشاد قال " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أوصى بسهم من ماله ولم يبينه فاختلف الورثة في معناه فقضى بينهم باخراج الثمن من ماله وتلا عليهم " إنما الصدقات للفقراء والمساكين - الآية " (4) لكن يبعد هذا أن لسان الأخبار لسان الفتوى لا الحكومة مع أن الحكومة في الشبهات الحكمية ترجع إلى الفتوى غاية الامر


(1) الكافي ج 7 ص 40 والتهذيب ج 2 ص 391. (2) التهذيب ج 2 ص 391. (3) في التهذيب ج 2 ص 391 والاستبصار ج 4 ص 132 نحوه. وفي الوسائل كما في المتن ج 2 ص 675. (4) الوسائل ج 2 ص 675 والمعاني ص 216. والارشاد باب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام.

[ 107 ]

يكون المحكوم عليه ملزما بقبولها ولو كان نظر الحاكم مخالفا لنظره كما لو كان الاختلاف بين الورثة وغيرهم في منجزات المريض وقلنا فيها بالتخيير الأصولي من جهة تعارض الأخبار فاختار الورثة الأخذ بالأخبار الدالة على الخروج من الثلث والآخر أخذ بالأخبار الدالة على الخروج من الأصل، والحاكم أخذ بإحدى الطائفتين من الأخبار لرفع الخصومة بين الطرفين كما أنه في الحكومة في الموضوعات لابد للمحكوم عليه من قبول الحكم إذا حكم الحاكم بحسب الموازين المقررة وإن كان قاطعا بخلافه إلا في بعض الموارد كما لو حكم الحاكم بزوجية المرأة لرجل وكانت المرأة قاطعة بعدم زوجيتها له، وقد يحمل الأخبار على صورة العلم بعدم إرادة الموصي المكلف مسمى الجزء لكون الوصية سفهية كما أنه لاحد معلوم في العرف لا قل ما يصدق به في امتثال الوصية فكشفه كما كشف أقل مسمى الركوع، ويمكن أن يقال بعد انصراف الجزء إلى ما يكون قابلا للتوجه يخرج الوصية عن كونها سفهية كما لو قال السيد لعبده: اعط زيدا جزءا من هذا المال أو سهما فينصرف الجزء إلى ما يكون قابلا للتوجه و كذلك السهم ولا يقاس بمثل الركوع فانه جزء عبادي لابد أن يعين من قبل الشارع ولو كان الانصراف في الجزء والسهم بحسب القرائن إلى ما زاد عما عين في الأخبار يشكل الرد إلى ما عين من جهة تبديل الوصية فلابد من قبول ما وصل إلينا من الأخبار مع قطع النظر عن الاشكال الأخير فنقول: لا يبعد في المقام التخيير أعني التخيير الفقهي لا الأصولي غاية الأمر ظهور الأخبار في التعيين يرفع من جهة النص في الاجزاء، ويشهد لهذا أن ظاهر الأخبار أن الحكم من جهة قول الله تبارك وتعالى والمفروض ذكر الجزء في الآيتين، وإن أبيت فلا يبعد التخيير أعني التخيير الأصولي لا الفقهي ويقع التعارض. ولو أوصى بسهم كان ثمنا عند الأكثر ويدل عليه صحيح البزنطي " سئل أبا الحسن عليه السلام عن رجل أوصى بسهم من ماله فقال: السهم واحد من ثمانية ثم قرء " إنما الصدقات " (1).


(1) معاني الاخبار ص 216.

[ 108 ]

وكذا حسن صفوان وموثق السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام وعن إرشاد المفيد نسبة ذلك إلى قضاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وفي قبال ما ذكر خبر طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه " من أوصى بسهم من ماله فهو سهم من عشرة " (1) وما أرسله الصدوق من " أن السهم واحد من ستة " (2) والظاهر أن الصدوقين والشيخ وابن زهرة عملوا بالمرسل المذكور. وأما خبر طلحة فقد عد من الشواذ، وأما المرسل فمع عمل مثل الصدوقين والشيخ - قدس الله أسرارهم - يشكل ترك العمل به فلابد من الترجيح أو التخيير. ولو أوصى بشئ كان سدسا لخبر أبان، عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه " سئل عن رجل أوصى بشئ من ماله فقال: الشئ في كتاب علي من ستة " (3) والكلام السابق يجئ في المقام فانه إذا كان شئ بحسب العرف أو القرائن منصرفا إلى ما يزيد عما عين في الأخبار يشكل الأخذ بمضمون الأخبار لشبهة تبديل الوصية. ولو أوصى بوجوه فنسي الوصي وجها منها فالأكثر أنه يصرف في وجوه البر لخبر محمد بن ريان قال: " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا كيف يصنع بالباقي؟ فوقع عليه السلام: الأبواب الباقية اجعلها في البر ". (4) والظاهر أن مستند المشهور هذا الخبر لا بعض الوجوه القابل للخدشة مثل ما قيل: إن المال خرج عن الوارث بالوصية النافذة أو لا لأنه المفروض فعوده إلى ملك الوارث يحتاج إلى دليل وجهالة مصرفه تصيره بمنزلة المال المجهول المستحق فيصرف في وجوه البر، وإنه لو رجع إلى الوارث لزم تبديل الوصية بخلاف البر لأنه عمل بمقتضاها غايته جهالة المصرف فيصرف فيما يصرف فيه المال المجهول المالك وإن الموصي


(1) التهذيب ج 2 ص 392. (2) الفقيه ص 529. (3) التهذيب ج 2 ص 192. (4) الفقيه ص 533.

[ 109 ]

ربما أراد بوصيته القربة مخصوصة، فإذا فات الخصوص بالنسيان بقي العموم فيكون أقرب إلى مراد الموصي. ويمكن أن يقال: إن انجبر ضعف سند الرواية بعمل المشهور بأن كان مستند فتواهم هذا الخبر فلا كلام وإلا فيشكل، نعم لو كان الموصى له إنسانا مرددا بين أشخاص غير محصورين أمكن القول بالتصدق كما لو علم المكلف باشتغال ذمته لرجل مردد بين أفراد غير محصورين بناء على ما سبق من عدم لزوم قبول الموصى له في الوصية التمليكية فيكون مشمولا لما دل على التصدق في المال المجهول المالك ولو كان الأفراد محصورين فلا يبعد التقسيم بينهم أو القرعة، ولو كان طرف الشبهة مصرفا آخر كبناء المسجد أو المدرسة أو القنطرة لعبور المسلمين فلا يكون مشمولا لما ذكر ولا يبعد مع الاشكال في العمل بالرواية القرعة، وقد يؤيد الخبر المذكور بأخبار واردة في بعض الوصايا كما ورد في جملة منها " أن من أوصى للكعبة بمال أو غلام أو جارية أو أهدى لها نحو ذلك فأنه يصرف المال ويباع الغلام والجارية ويصرف ثمنها في المنقطعين من الحاج " معللا بأن الكعبة لا تأكل ولا تشرب وما اهدي لها فهو لزوارها ومن ذلك ما روى المشايخ الثلاثة - نور الله تعالى ضرائحهم -، عن علي بن فرقد صاحب السابري، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل يتضمن أنه " أوصى رجل بتركته إلى علي المذكور فأمره أن يحج عنه وكان التركة لا تبلغ ذلك فسئل الفقهاء فأفتوه بالصدقة بها فتصدق بها ثم لقى أبا عبد الله عليه السلام فسأله وأخبره بما فعل فقال: إن كان لا يبلغ أن يحج به من مكة فليس عليك ضمان وإلا فأنت ضامن " (1) وقد قرره عليه السلام على الصدقة مع عدم بلوغ الحج به من مكة ولم يحكم ببطلان الوصية والرجوع ميراثا. ومن ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة - قدس أسرارهم - عن مثنى قال: " سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقبا قال: اطلب لها وارثا أو مولى فادفعها إليه، قلت فان لم أعلم له وارثا؟ قال: اجهد على أن تقدر له على ولي فان لم تجده وعلم الله


(1) الوسائل ج 2 ص 679.

[ 110 ]

منك الجهد فتصدق بها " (1). ومما ذكر ضعف القول بالرجوع ميراثا. ولو أوصى بسيف وهو في جفن فانه يدخل الجفن والحلية في الوصية ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب، عن أبي جميلة قال: " كتبت إلى أبا الحسن عليه السلام أسئله عن رجل أوصى لرجل بسيف فقال الورثة: إنما لك الحديدة وليس لك الحلية ليس غير الحديدة، فكتب إلي السيف له والحلية ". (2) وما رواه المشايخ الثلاثة، عن أبي جميلة، عن الرضا عليه السلام قال: " سألته عن رجل أوصى لرجل بسيف وكان في جفن وعليه حلية، فقال له الورثة: إنما لك النصل وليس لك المال، قال: فقال: لا بل السيف بما فيه له، قال: فقلت: رجل أوصى لرجل بصندوق وكان فيه مال؟ فقال الورثة: إنما لك الصندوق وليس لك المال؟ قال: فقال أبو الحسن عليه السلام: الصندوق بما فيه له ". (3) ومن هذه الرواية يستفاد حكم الوصية بالصندوق ويدل عليه أيضا ما رواه في التهذيب، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى لرجل بصندوق وكان في الصندوق مال فقال الورثة: إنما لك الصندوق وليس لك ما فيه؟ فقال: الصندوق بما فيه له " (4). وعن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل قال: هذه السفينة لفلان ولم يسم ما فيها وفيها طعام أيعطيها الرجل وما فيها؟ قال: هي للذي أوصى له بها إلا أن يكون صاحبها متهما وليس للورثة شئ " (5) ورواه الصدوق إلا أنه قال: " إلا أن يكون صاحبها استثنى ما فيها ". (6) ومن هذه الرواية ظهر حكم الوصية بالصندوق، ثم يقع الشبهة من جهة أنه


(1) الوسائل ج 2 ص 670. (2) الكافي ج 7 ص 44 والتهذيب ج 2 ص 392. (3) الكافي ج 7 ص 44 والتهذيب ج 2 ص 392 والفقيه ص 532. (4) الكافي ج 7 ص 44 والتهذيب ج 2 ص 392. (5) الكافي ج 7 ص 44. (6) الفقية ص 532.

[ 111 ]

قد يحمل هذه الروايات على التعبد بمعنى أنه لو أوصى بهذه الأشياء يدخل في الوصية ما ذكر بالتبع ولو لم يرد الموصي الوصية بها وهذا الحمل بعيد فان لازمة أنه يدخل في الوصية ولو صرح بارادة خصوص السيف والصندوق والسفينة ولا أظن أن يلتزم به ويشهد له ما في رواية الصدوق من قوله " إلا أن يكون - ألخ " وإن حملت على الاستظهار فمع عدم الاستظهار في مثل الصندوق والسفينة يشكل الأمر وإن كان الظاهر في السيف تبعية جفنه، ويمكن أن يكون ذلك بحسب العرف السابق فمع عدم مساعدة غير العرف السابق يشكل. ولو أوصى العبد باخراج الولد من الارث لم يصح وفاقا للمشهور لأن الوصية مخالفة للكتاب والسنة ولأنه من الحيف في الوصية الذي ورد فيه: أنه من الكبائر ولقوله عليه السلام " ما ابالي أضررت بورثتي أو سرقتهم ذلك المال ". (1) وأما الرواية المشار إليها فهي رواية علي بن السري قال: " قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام إن علي بن السري توفي فأوصى إلي فقال: رحمه الله، قلت: وإن ابنه جعفرا وقع على ام ولد له فأمرني بأن اخرجه عن الميراث، قال: فقال " أخرجه وإن كنت صادقا فسيصيبه خبل، قال: فرجعت فقدمني إلى أبي يوسف القاضي فقال له: أصلحك الله أنا جعفر بن علي بن السري وهذا وصي أبي فمره فليدفع إلي ميراثي من أبي، فقال لي أبو يوسف القاضي: ما تقول؟ قلت: هذا جعفر بن علي السري و أنا وصي علي بن السري قال: فادفع إليه ماله، فقلت: أريد أن اكلمك فأذن لي فدنوت حيث لا يسمع أحد كلامي فقلت: هذا وقع على ام ولد لابيه فأمرني أبوه وأوصى إلي أن اخرجه من الميراث، ولا اورثه شيئا فأتيت موسى بن جعفر عليهما السلام بالمدينة فأخبرته وسألته فأمرني أن اخرجه عن الميراث ولا اورثه شيئا، فقال: الله إن أبا الحسن أمرك؟ قال: فقلت: نعم فاستحلفني ثلاثا ثم قال لي أنفذ ما أمرك أبو الحسن عليه السلام به فالقول قوله ". (2)


(1) الفقيه ص 521 (2) الكافي ج 7 ص 61 والتهذيب ج 2 ص 398. والفقيه ص 533.

[ 112 ]

ويقع الاشكال من جهة قذف الولد وليس في الرواية نهي الامام عليه السلام عنه وكان للراوي السؤال بنحو الفرض من دون رمي شخص خاص، وحكي عن الصدوقين والشيخ العمل بها في موردها فمع العمل بمضمونها يقتصر على موردها الولد الذي أحدث ذلك الحدث. (الطرف الثالث في أحكام الوصية وفيه مسائل الأولى إذا أوصى بوصية ثم عقبها بمضاده لها عمل بالاخيرة، ولو لم يضادها عمل بالجميع). لا إشكال في نسخ الوصية الثانية الأولى مع الالتفات كما لو أوصى لزيد بعين ثم أوصى بها لعمرو، وأما مع عدم الالتفات إلى الوصية السابقة فظاهر كلماتهم وإن كان النسخ للسابقة لكنه لا يخلو عن الاشكال كما يلاحظ في سائر الموارد، مثلا لو وعد في الساعة المعينة زيارة زيد وغفل عن الوعد ووعد زيارة عمرو في تلك الساعة مع التضاد بين الزيادتين فمثل هذا الشخص إذا التفت إلى وعده السابق ربما يرجع عن الوعد اللاحق وظاهر أن هذا لم ينصرف عن الوعد السابق وهذا كما لو وعد إعطاء عين معينة زيدا ثم غفل وبنى على إعطائها عمرا، ثم التفت إلى وعده السابق فربما يعتذر من ترك الاعطاء لما سبق من وعده فكيف يقال: انصرف عن الوعد السابق وقد سبق الكلام في أنه كثيرا ما تكون الوصية اللاحقة مضادة ولو لم تكن بالصراحة و إن كان ظاهر كلماتهم الأخذ بالأول فالأول حتى تبلغ إلى ما لا تجوز الوصية، وقد ظهر الحال مما ذكر في قوله: (فان قصر الثلث بدء بالأول فالأول حتى يستوفى الثلث. (الثانية تثبت الوصية بالمال بشهادة رجلين وبشهادة أربع نساء، وبشهادة الواحدة في الربع، وفي ثبوتها بشاهد ويمين تردد، أما الولاية فلا يثبت إلا بشهادة رجلين). أما ثبوت الوصية بالمال بشهادة رجلين عدلين فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بعموم ما دل على حجيتها، وروى الشيخ عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن

[ 113 ]

قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " قال: هما كافران، قلت ذوا عدل منكم قال: مسلمان ". (1) ورواه الصدوق باسناده، عن محمد بن الفضيل مثله (2). وأما الثبوت بشهادة أربع نساء فلا خلاف فيه من غير فرق بين مقام الوصية و غيرها في ما يتعلق بالمال واختص الوصية بثبوت الربع بشهادة واحدة منهن ويدل عليه الأخبار، منها قول الصادق عليه السلام - على المحكي - في خبر ربعي " في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصي، ليس معها رجل، فقال: يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها ". (3) ومنها قول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في وصية لم يشهدها إلا امرأة أن تجوز شهادتها في ربع الوصية إذا كانت مسلمة غير مريبة ". (4) وفي قبال ما ذكر خبر عبد الرحمن " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة يحضرها الموت و ليس عندها إلا امرأة تجوز شهادتها؟ قال: تجوز شهادة النساء في العذرة والمنفوس و قال: تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجل ". (5) ومضمر عبد الله " سألته عن امرأة حضرها الموت وليس عندها إلا امرأة أتجوز شهادتها؟ فقال: لا تجوز شهادتها إلا في المنفوس والعذرة ". (6) ومكاتبة أحمد بن هلال إلى أبي الحسن عليه السلام " امرأة شهدت على وصية رجل لم يشهدها غيرها وفي الورثة من يصدقها ومنهم من يتهمها فكتب: لا إلا أن يكون رجل وامرأتان وليس بواجب أن تنفذ شهادتها ". (7)


(1) التهذيب ج 2 ص 384. (2) الفقيه ص 524. (3) التهذيب ج 2 ص 81 وص 384 والفقيه ص 524. (4) التهذيب ج 2 ص 384. (5) و (6) التهذيب ج 2 ص 82. (7) التهذيب ج 2 ص 81.

[ 114 ]

لكن الأصحاب لم يعملوا بهذه الأخبار فلا حاجة إلى بعض التوجيهات. وأما ثبوت الوصية بالمال بشاهد ويمين فقد نسب المنع فيه إلى قطع الأصحاب ولعله من جهة عدم الدليل في المقام وانحصار قبولهما بحسب الأدلة في الحقوق المالية إلا أن يدعى القطع بعدم الفرق في دعوى الاستحقاق بين كون وجه الاستحقاق غير الوصية أو الوصية فلا بد من ملاحظة دليل الثبوت في غير مقام الوصية. وأما ولاية الوصي على التصرفات فلا تثبت إلا بشهادة رجلين عدلين لعدم الدليل على ثبوتها بغيرها وعدم الدليل كاف في عدم الحجية، وقد يناقش بأن الولاية قد تتضمن المال كما إذا أراد الوصي أخذ الأجرة والأكل بالمعروف وبأن الولاية و إن لم تكن مالا لكنها متعلقة به كبيعه وإجارته ولا يخفى أن مجرد ما ذكر لا يكفي في شمول الدليل. (الثالثة لو أشهد عبدين له على أن حمل المملوكة منه، ثم ورثهما غير الحمل فأعتقا فشهدا للحمل بالبنوة صح وحكم له، ويكره له تملكهما. الرابعة لا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه وتقبل للموصي في غير ذلك). أما ما ذكر في الثالثة فيدل عليه الصحيح " في رجل مات وترك جارية ومملوكين فورثهما أخ له فأعتق العبدين وولدت الجارية غلاما، فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما أنه كان يقع على الجارية وأن الحمل منه قال: يجوز شهادتهما ويردان عبدين كما كانا ". (1) والموثق " عن رجل كان في سفر ومعه جارية وله غلامان مملوكان فقال لهما: أنتما حران لوجه الله، واشهدا أن ما في بطن جاريتي هذه مني، فولدت غلاما فلما قدموا على الورثة أنكروا ذلك واسترقوهم ثم إن الغلامين اعتقا بعد ذلك فشهدا بعد ما اعتقا أن مولاهما الأول أشهدهما على أن ما في بطن جاريته منه، قال: قال: تجوز شهادتهما للغلام ولا يسترقهما الغلام الذي شهدا له لأنهما اثبتا نسبه ". (2)


(1) التهذيب ج 2 ص 77. (2) التهذيب ج 2 ص 395.

[ 115 ]

ثم إنه لم يظهر كون الخصوصيات المذكورة في الخبرين من كلام الامام عليه السلام حتى يقال لها مدخلية في الحكم المذكور فانه كثيرا ما يسأل السائل ويذكر في سؤاله خصوصيات لا مدخلية لها في الحكم وعلى هذا فلا ينافي الخبران قبول شهادة العبد وإن لم يعتق وكذلك قبول شهادة وإن لم يوص إليه السيد بالشهادة ولعل ذكر الفقهاء الخصوصيات للتبعية لمضمون الخبرين وإن كان المذكور في كلمات بعضهم مدخلية بعض الخصوصيات، وأما كراهة استرقاقهما فربما يستفاد من التعليل المذكور حيث إن المناسب لاحسانهما عدم استرقاق الغلام المشهود له بالانتساب وإن كان ظاهر الكلام الحرمة ولم يظهر مراد القائل بالحرمة هل هو انعتاقهما عليه قهرا أو وجوب اعتاق الغلام إياهما بحيث لو لم يعتقهما كانا باقيين على الرقية. وأما عدم قبول شهادة الوصي في ما هو وصي فيه وهو المشهور بين الأصحاب ومقتضى المكاتبة الصحيحة الصريحة قبولها وهي المكاتبة المروية في الفقيه في باب شهادة الوصي للميت وعليه بدين وفيها " كتب إليه (يعني الصفار): أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت صغيرا أو كبيرا بحق له على الميت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير و ليس الكبير بقابض؟ فوقع عليه السلام: نعم، وينبغي للوصي أن يشهد بالحق ولا يكتم شهادته " (1) وظاهر الصدوق العمل بها. واستشكل في العمل بها من جهة أنه يرجع إلى كونه مدعيا باعتبار ثبوت حق له فيما شهد به فهو كشهادة المرتهن على المال المرهون أنه ملك للراهن مثلا وكشهادة الشريك لشريكه، وغرماء المفلس بمال له، وأما المكاتبة فمع إعراض المعظم، لا يعمل بها. ويمكن أن يقال: لا نسلم كون الوصاية حقا للوصي ألا ترى أن عدول المؤمنين يتصدون امور صغار الميت مع عدم الوصي له ولا يثبت لهم حق بل ولا يتهم نظير ولاية الحاكم فالوصي مكلف بانفاذ وصية الموصي والقيام بامور صغاره مع قيمومته من قبل الموصي نظير تكليف عدول المؤمنين وعدم العمل بالمكاتبة إن كان بملاحظة هذه الجهة


(1) الفقيه ص 333.

[ 116 ]

لا يضر بحجيتها بل مع قطع النظر عن المكاتبة يكفي عموم ما دل على قبول شهادة العدل بل لعله تجب الشهادة لاحقاق الحق. (الخامسة إذا أوصى بعتق عبده أو أعتقه عند الوفاة وليس له سواه انعتق ثلثه، ولو أعتق ثلثة عند الوفاة وله مال أعتق الباقي من ثلثه، ولو أعتق مماليكه عند الوفاة أو أوصى بعتقهم ولا مال سواهم اعتق ثلثهم بالقرعة، ولو رتبهم اعتق الأول فالأول حتى يستوفي الثلث وبطل ما زاد). إذا أوصى بعتق عبده وليس له غيره انعتق ثلثه لعدم نفوذ الوصية في الزائد عن الثلث إلا مع إمضاء الورثة، وأما صورة الاعتاق عند الوفاة وعدم ما سوى العبد فانعتاق خصوص الثلث مبني على خروج منجزات المريض من الثلث، وأما على الخروج من الأصل فينعتق الكل. ولو أعتق ثلثه وله مال اعتق الباقي من ثلثه للسراية التي هو اعني العتق كان سببها ولو أعتق مماليكه عند الوفاة أو أوصى بعتقهم ولا مال سواهم ففي صورة الوصية ينعتق ثلثهم بالقرعة، وكذلك لو أعتقهم منجزا بناء على خروج المنجزات من الثلث ويخرج الثلث بالقرعة ويدل عليه المرسل، عن النبي صلى الله عليه وآله " في ستة عبيد أعتقهم مولاهم عند موته ولم يكن له غيرهم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم ". (1) والصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام في الرجل يكون له المملوكون فيوصى بعتق ثلثهم؟ قال: كان عليا عليه السلام يسهم بينهم ". (2) والخبر الذي رواه المشايخ الثلاثة عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " إن أبي ترك ستين مملوكا وأعتق ثلثهم فأقرعت بينهم وأخرجت عشرين وأعتقتهم " (3) ولو استلزمت التعديل التجزية في العبد أعتق ذلك الجزء والسعي في الباقي ولولا النص كان مقتضى


(1) سنن أبي داود ج 2 ص 353 كتاب العتق. (2) الفقيه ص 337. (3) الوسائل ج 2 ص 678.

[ 117 ]

القاعدة تعلق الوصية بثلث كل منهم وكذلك العتق المنجز بناء على خروج المنجز من الثلث وذلك كما لو أوصى بثلث ماله بلا تعيين لكن المتعين حصول العتق بالنحو المذكور في الأخبار، ويمكن أن يقال: لا يستفاد من الأخبار المذكورة التعين، غاية الأمر الرخصة في العمل بالنحو المذكور في الأخبار فما الوجه في رفع اليد عن مقتضى القاعدة إلا أن يقال: عتق المملوك ظاهر في عتق كله فمع حفظ هذا الظهور لابد من تعيين الثلث بالقرعة، وهذا كما لو قال المولى لعبده: أضف أو أطعم ثلث هؤلاء فانه لا بد بين تعيين الثلث بالاختيار أو القرعة وإن كان فرق بين المقام والمثال لكن المقصود الاستظهار. وأما صورة الترتيب فالمعروف الابتداء بالأول فالأول حتى يبلغ الثلث لما سبق ولخصوص النص " في رجل أوصى عند موته أعتق فلانا وفلانا وفلانا وفلانا و فلانا فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة الذين أمر بعتقهم فيقومون وينظرون إلى ثلثه فيعتق أول شئ، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس فان عجز الثلث كان الذي سمى أخيرا لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك " (1) فان كان النظر إلى مقتضى القاعدة فقد سبق الاشكال فيه فان الترتيب تارة يكون في الوصية بأن يوصى أولا بكذا ثم يوصى بغيره وكذا في العتق المنجز كان يعتق أولا عبدا، ثم عبدا آخر وهكذا واخرى بالنحو المذكور في النص المذكور بالترتيب اللفظي مع الواو مع أن المعروف أن الواو لمطلق الجمع ففي الصورة الأولى لا كلام فيها، وأما في الصورة الثانية فان تم النص سندا وقلنا بلزوم الأخذ تعبدا فلا كلام إيضا ومع عدم تمامية السند ولم يعلم استناد المشهور إليه واستبعاد كون الحكم تعبديا من دون استظهار من كلام الموصي يشكل ما ذكر. (السادسة إذا أوصى بعتق رقبة أجزأ الذكر والأنثى الصغير والكبير ولو قال: مؤمنة لزم، فإن لم يجد أعتق من لا يعرف بنصب. ولو ظنها مؤمنة فأعتقها،


(1) التهذيب ج 1 ص 494 والكافي ج 7 ص 19.

[ 118 ]

ثم بانت بخلافه أجزأت. السابعة إذا أوصى بعتق رقبة بثمن معين، فإن لم يجد توقع وإن وجد باقل اعتقها ودفع إليها الفاضل). أما إجزاء الذكر والأنثى والصغير والكبير فللاطلاق المتبع عند العقلاء مضافا إلى خبر الحضرمي " قلت له (إي لأبي عبد الله عليه السلام): إن علقمة بن محمد أوصاني أن اعتق عنه رقبة فأعتقت امرأة أفيجزيه أو أعتق عنه من مالي؟ قال: يجزيه، ثم قال: إن فاطمة ام ابني أوصت أن اعتق عنها رقبة فأعتقت عنها إمرأة ". (1) وأما صورة التقييد بالإيمان فلابد فيها من امتثال ما أوصى به، وأما إجزاء عتق من لا يعرف بنصب مع عدم وجدان المؤمن فلخبر علي بن أبي حمزة المنجبر ضعفه بالشهرة قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل أوصى بثلاثين دينارا يعتق بها رجل من أصحابنا فلم يوجد بذلك قال: يشترى من الناس فيعتق ". (2) وما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن علي بن أبي حمزة قال: " سألت عبدا صالحا عن رجل هلك فأوصى بعتق نسمة مسلمة بثلاثين دينارا فلم توجد له بالذي سمى قال: ما أرى لهم أن يزيدوا على الذي سمى، قلت: فإن لم يجدوا؟ قال: يشترون من عرض الناس ما لم يكن ناصبا ". (3) وما رواه المشايخ الثلاثة إلى علي بن أبي حمزة قال: سألت أبي الحسن عليه السلام عن رجل أوصى بثلاثين دينارا يعتق بها رجل من أصحابنا فلم يوجد بذلك قال: يشترى من الناس فيعتق ". (4) ولا يخفى أن خبر علي بن أبي حمزة واحدا كان أو أزيد بناء على حجيته من جهة الانجبار بالشهرة يستفاد منه عدم كونه ناصبيا لا عدم المعروفية بالنصب كما في المتن فلا بد من الإحراز إلا أن يقال: يحرز بالأصل حيث أن النصب صفة عارضة و مقتضى الأصل عدمه.


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 394. (3) الكافي ج 7 ص 18. (4) الوسائل ج 2 ص 678.

[ 119 ]

وأما صورة الظن بالايمان مع تبين الخلاف فاستدل على الإجزاء فيها بقاعدة الإجزاء والصحيح " عن رجل أوصى بنسمة مؤمنة عارفة فلما أعتقناه بان أنها لغير رشدة، فقال: قد أجزء عنه، إنما مثل ذلك مثل رجل اشترى اضحية على أنها سمينة فوجدها مهزولة ". (1) ويمكن أن يقال: أما قاعدة الاجزاء فلا يخفى أنها لا تنطبق على ما نحن فيه وأما الرواية فلعل المراد من قول القائل " فبان - الخ " تبين عدم طهارة المولد فلا مجال للاستدلال به على مقامنا. وأما الوصية بعتق رقبة بثمن معين فمع عدم الوجدان بالثمن المعين لابد من التوقع، ومع الوجدان بأقل فالمعروف أنه يشترى بأقل من الثمن الذي أوصى به و يدفع الباقي إليها، واستدل عليه بموثق سماعة " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى أن يعتق عنه نسمة من ثلثه بخمسمائة درهم، فاشترى الوصي بأقل من خمسمائة درهم وفضلت فضلة فما ترى في الفضلة؟ قال: تدفع إلى النسمة من قبل أن تعتق، ثم تعتق عن الميت ". (2) ولا يخفى أن تعيين القيمة في كلام الموصي أن الموكل ليس بمعنى عدم الاجازة في الاشتراء بأقل حتى يقال في المقام بأن الرواية محمولة على صورة التعذر ومع عدمه يكون تبديلا للوصية، نعم إذا كان نظر الموصي لغرض إلى خصوص الثمن المعين فلابد من الصبر وتوقع ما أوصى به. (الثامنة تصرفات المريض إن كانت مشروطة بالوفاة فهي من الثلث وإن كانت منجزة وكان فيها محاباة أو عطية محضة فقولان: أشبههما أنها من الثلث). تصرف المريض إن كان بنحو الوصية فلا إشكال في نفوذه من الثلث وقد سبق الكلام فيه، والحق بها التدبير والنذر المؤجل بالموت وادعي الاجماع عليه. وأما


(1) الفقيه ص 538. (2) الكافي ج 7 ص 19.

[ 120 ]

التصرفات المنجزة ففي حال الصحة لا إشكال فيها. وأما ما وقع منها في مرض الموت من قبيل الصلح الحبائي أو عطية محضة أو عتق ونحوها مما يوجب نقصان التركة وتضرر الورثة ففيها الخلاف، وقد سبق الكلام فيها في كتاب الحجر. (أما الاقرار للاجنبي فان كان متهما على الورثة فهو من الثلث وإلا فهو من الأصل وللوارث من الثلث على التقديرين، ومنهم من سوى بين القسمين. التاسعة أرش الجراح ودية النفس يتعلق بهما الديون والوصايا كسائر أموال الميت). أما الاقرار فمقتضى القاعدة فيه نفوذه مطلقا بالنسبة إلى الاجنبي والوارث لكن ورد في المقام أخبار لابد من الجمع بينها وبين عموم " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " منها صحيحة منصور بن حازم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا؟ فقال: إن كان الميت مرضيا فأعطه الذي أوصى له ". (1) ومنها موثقة أبي أيوب، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا؟ فقال: إن كان الميت مرضيا فأعطه الذي أوصى له ". (2) ومنها صحيحة ابن مسكان، عن العلاء بياع السابري قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأه استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له: إن المال الذي أودعته إياك لفلانة، وماتت المرأة وأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنه كان لصاحبتنا مال ولا نراه إلا عندك فاحلف لنا ما لنا قبلك شئ. أيحلف لهم؟ فقال: إن كانت مأمونة فيحلف لهم وإن كانت متهمة فلا يحلف ويضع الامر على ما كان فإنما لها من مالها ثلثه ". (3) ومنها صحيحة إسماعيل بن جابر قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أقر لوارث له - وهو مريض - بدين، قال: يجوز عليه إذا أقر به دون الثلث ".


(1) و (4) التهذيب ج 2 ص 378، والكافي ج 7 ص 41 و 42. (3) الكافي ج 7 ص 42. والتهذيب ج 2 ص 378.

[ 121 ]

فنقول: قد يجمع بين هذه الصحيحة وبين صحيحة منصور والموثقة بتقييدها بصورة التهمة، وفيه إشكال حيث إن صورة التهمة نادرة أو يكون غير غالبة فكيف يحمل المطلق الوارد في مقام البيان بنحو القانون على النادر أو غير الغالبة وإن قيد صحيحة منصور والموثقة بهذه الصحيحة لزم عدم نفوذ الاقرار بالنسبة إلى الوارث في صورة عدم كون المقر مرضيا لا بالنسبة إلى الأصل ولا بالنسبة إلى الثلث، وهذا مناف لما رواه في الكافي والشيخ في التهذيب في الصحيح عن أبي ولاد قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مريض أقر عند الموت لوارث بدين له عليه؟ قال: يجوز له ذلك قلت: فان أوصى لوارث بشئ؟ قال: جائز " (1) فان عومل في صحيحة إسماعيل بن جابر وصحيحة منصور والموثقة معاملة المتعارضين يكون المقيد لصحيحة أبي ولاد أحد المتعارضين المأخوذ به ويكون هو المقيد لصحيحة أبي ولاد فالمقيد لها إما صحيحة منصور بن حازم و الموثقة أو صحيحة إسماعيل بن جابر، إلا أن يقال: القيد المذكور في صحيحة منصور والموثقة كون المقر مرضيا وهذا غير كونه متهما، فلا مانع من أن يقال جمعا بين الطرفين: إذا كان مرضيا بمعنى كونه عدلا أو ما يقرب منه يعطى المقر به وإن زاد عن الثلث وإن كان غير مرضي، ولعله الغالب يعطى ما لا يزيد عن الثلث بناء على تفسير دون الثلث بهذا فلا يلزم المحذور المذكور على تقدير إرادة غير المتهم من المرضي و لا مانع من تقييد صحيحة أبي ولاد في صورة عدم كون المقر مرضيا بالثلث هذا في صورة الاقرار للوارث، وأما صورة الاقرار للاجنبي فمقتضى صحيحة ابن مسكان المذكورة التفصيل بين المأمونة والمتهمة فان كانت الموصية مأمونة بمعنى عدم إرادة الاضرار بالورثة فاقرارها نافذ في المقر به وإن كانت زائدة عن ثلثها، وإن كانت متهمة فالظاهر من آخر الرواية نفوذه في الثلث حيث إنه لا يكون باختيارها إلا ثلث متروكاتها و أما تعلق الديون والوصايا بأرش الجراح ودية النفس فيدل عليه ما رواه محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن يحيى


(1) الكافي ج 7 ص 42. والتهذيب ج 2 ص 378.

[ 122 ]

الازرق، عن أبي الحسن عليه السلام في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا، فأخذ أهله الدية من قاتله عليهم أن يقضوا دينه؟ قال: نعم قلت: وهو لم يترك شيئا؟ قال: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه ". (1) وما رواه الشيخ باسناده، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن غياث بن - كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر عليه السلام " أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا قبلت دية العمد فصارت مالا فهي ميراث كسائر الأموال " (2) والمستفاد من الرواية أن من يأخذ الدية عليه أن يقضي الدين وحيث إن الدين مقدم على الارث يكون القضاء مقدما، والمستفاد من الثانية أن الدية كسائر الأموال المتروكة فيكون الدين و الوصية مقدمين على الإرث من غير فرق بين دية الجراح أو القتل. كتاب النكاح بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين (كتاب النكاح وأقسامه ثلاثة الأول في الدائم وهو يستدعى فصولا: الأول في صيغة العقد وأحكامه وآدابه. أما الصيغة فالايجاب والقبول ويشترط النطق بأحد ألفاظ ثلاثة " زوجتك " و " أنكحتك " و " متعتك ". والقبول وهو الرضا بالايجاب وهل يشترط وقوع تلك الألفاظ بلفظ الماضي؟ الأحوط نعم، لأنه صريح في الانشاء. ولو أتى بلفظ الأمر كقوله للولي زوجنيها، فقال: زوجتك، قيل: يصح كما في قصة سهل الساعدي، ولو أتى بلفظ المستقبل كقوله أتزوجك، قيل: يجوز كما في خبر أبان عن الصادق عليه السلام في المتعة أتزوجك، فإذا قالت: نعم فهي امرأتك ولو قال: زوجت بنتك من فلان، فقال: نعم، فقال الزوج، قبلت، صح لأنه يتضمن السؤال. ولا


(1) الكافي ج 7 ص 25. (2) التهذيب ج 2 ص 439.

[ 123 ]

يشترط تقديم الايجاب ولا تجزي الترجمة مع القدرة على النطق، وتجزي مع العذر كالأعجم وكذا الاشارة للأخرس). النكاح الدائم حاله حال سائر المعاملات المتعارفة بين الناس ففي مقام الانشاء ما تعارف الانشاء به ولم يردع الشارع عنه يحكم بالصحة شرعا، وعلى هذا فالقيود المحتملة اعتبارها في مقام الانشاء إن كانت معتبرة عند العرف فلابد من اعتبارها شرعا فلابد من ملاحظة العرف وما يتعارف بينهم، ولعلهم لا يكتفون في النكاح الدائم بغير أنكحت وزوجت في عرف العرب. وأما لفظ متعت فيشكل الاكتفاء به مع أن المتعة موضوعة لما هو غير متعارف بين الناس وإنما تشريعها من قبل الشارع، وربما يستدل على الصحة بلفظ متعت بما ورد في الأخبار من أنه إذا أخل بذكر الأجل ينقلب دائما ويشكل بأنه لم يظهر في خبر أبان كون الانشاء بلفظ متعت ولعله كان بلفظ أنكحت أو زوجت ومقتضى الاحتياط عدم الاكتفاء بلفظ الأمر وبقبول نعم، وتقديم الايجاب على القبول والقبول بلفظ قبلت لا بلفظ رضيت للزوم الاحتياط في أمر الفروج والقصة المشار إليها ما روي بطرق من الخاصة والعامة في الصحيح وهو أن " امرأة أتت النبي صلى الله عليه واله فقالت: يا رسول الله إني وهبت لك نفسي وقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل عندك من شئ تصدقها إياه، فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال: إن أعطيتها إزارك جلست بلا إزار التمس ولو خاتما من حديد فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل معك من القرآن شئ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا سور سماها فقال صلى الله عليه وآله: زوجتك بما معك من القرآن ". (1) فلا يخفى أن مثل زوجني عند العرف لا يعد قبولا بل هو طلب للعقد، والرواية حكاية ما وقع في الجملة ولم يظهر كونها حكاية لجميع الخصوصيات، وأما خبر أبان فالإشكال فيه من جهة الانقلاب وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله.


(1) سنن أبي داود ج 1 ص 486 ونحوه في الكافي ج 5 ص 380 والتهذيب ج 2 ص 214.

[ 124 ]

وأما ما ذكر من الاقتصار على اللفظ الصريح دون غيره فلم يعلم وجهه حيث إن العقلاء لا يفرقون بين الاخبار والانشاء وكما لا يعتبر في الاخبار الصراحة كذلك في الانشاء هذا غاية ما يمكن تقريبه للاقتصار بالألفاظ المخصوصة هذا وللنظر في ما ذكر مجال حيث إنه مع وجود الاطلاق ما وجه التقييد بكون الانشاء بالنحو المتعارف وكذلك التقييد بصراحة اللفظ كما في كلامهم، وأما العربية في الصيغة فلولا شبهة الاجماع على اعتبارها لأمكن القول بعدم اعتبارها مع أن المعروف أن لكل قوم نكاحا مع أن غير العرب كانوا ينشأون نكاحهم بلغاتهم المختلفة، وبناء الشرع على إمضاء نكاحهم إلا ما لا يجوز شرعا، والمتسالم عليه عندهم جواز الانشاء بغير اللغة العربية مع العجز ولزوم النكاح ولم يظهر وجه الجواز مع لزوم العربية إلا أن يقوم الاجماع على الصحة كما ادعي الاجماع على كفاية إشارة الأخرس. (وأما الحكم فمسائل: الأولى لا حكم لعبارة الصبي ولا المجنون ولا السكران وفي رواية إذا زوجت السكرى نفسها ثم أفاقت فرضيت به أو دخل بها وأقرته كان ماضيا). أما الصبي فالمعروف عدم الاعتبار بعبارته لنفسه ولغيره فان تم الاجماع وإلا فيشكل لأن غاية ما يستفاد من الأدلة عدم جواز أمره بالاستقلال، وأما مع إجازة الولي فلا مانع بل بحسب بعض الأخبار يجوز وصيته بالاستقلال. وقد مر الكلام فيه في كتاب البيع. وأما المجنون فلا إشكال في أنه لا حكم لعبارته. وأما السكران فإن كان مثل المجنون فالظاهر أن حاله حال المجنون، وإن لم يبلغ تلك المرتبة فيشكل الحكم بعدم صحة عبارته، وفي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها، ثم أفاقت فأنكرت ذلك، ثم ظنت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج أحلال هو لها أم التزويج فاسد؟ لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها؟ قال: إذا

[ 125 ]

اقامت معه بعدما افاقت فهو رضى منها، قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها؟ قال: نعم ". (1) وعن الشيخ في النهاية: ومن طبعه العمل بها وحكي، عن الصدوق بل مال إليه غير واحد من متأخري المتأخرين ولا مانع من العمل بالرواية مع عدم بلوغ السكر إلى حد الجنون فإن المجنون لا ينسب إليه التزويج غاية الأمر أن حالة السكر حالة لا يميز الصلاح والفساد معها فمن هذه الجهة لا يحكم بمضي أمره فبعد صحوه وإمضائه يحكم بمضي أمره فلا يرد أنه إن صح لا يحتاج إلى الامضاء ومع عدم الصحة كيف يصحح بالامضاء، لكن الامضاء تارة يكون باختياره واخرى من جهة زعم أنه ملزم به وبحسب القاعدة يشكل الحكم بالصحة في هذه الصورة ولعل الرواية لا تشمل هذه الصورة ولا أقل من الإجمال فتأمل. (الثانية لا يشترط حضور شاهدين ولا ولي إذا كانت الزوجة بالغة رشيدة على الأصح). أما عدم اشتراط حضور شاهدين فلا إشكال فيه ويكفي الاطلاقات مضافا إلى ما رواه الشيخ، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن داود النهدي، عن ابن - أبي نجران، عن محمد بن الفضيل قال: قال أبو الحسن موسى عليه السلام لأبي يوسف القاضي: " إن الله أمر في كتابه بالطلاق وأكد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلا عدلين وأمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود، فأثبتم شاهدين في ما أهمل وأبطلتم الشاهدين في ما أكد " (2) وإلى ما رواه الصدوق باسناده، عن حنان بن سدير، عن مسلم بن بشير، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة ولم يشهد فقال: أما في ما بينه و بين الله فليس عليه شئ، ولكن إن أخذه سلطان جائر عاقبه ". (3)


(1) الوسائل ج 3 ص 37 أبواب عقد النكاح واولياء العقد ب 14 ح 1. (2) الكافي ج 5 ص 387. (3) الفقيه ص 413.

[ 126 ]

وأما اشتراط حضور الولي فسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (الثالثة لو ادعى زوجية امرأة وادعت اختها زوجيته فالحكم لبينة الرجل إلا أن يكون مع المرأة ترجيح من دخول أو تقديم تاريخ، ولو عقد على امرأة وادعى آخر زوجيتها لم يلتفت إلى دعواه إلا مع البينة). مقتضى القاعدة في الفرض الأول الحكم لبينة كل منهما فان الرجل المدعي لزوجية امرأة مدع لزوجيتها وقوله مخالف للأصل فعليه البينة والمرأة منكرة فعليها اليمين مع عدم البينة وكذلك اخت المرأة مدعية والرجل منكر فعليها البينة وعلى الرجل مع عدم البينة الحلف، لكن في المقام خبر مخالف لما ذكر وهو خبر الزهري، عن علي بن الحسين عليهما السلام " في رجل ادعى على امرأة أنه تزوجها بولي وشهود وأنكرت المرأة ذلك وأقامت اخت هذه المرأة على هذا الرجل البينة أنه تزوجها بولي و شهود ولم يوقتا وقتا، فكتب ان البينة بينة الرجل ولا تقبل بينة المرأة لأن الزوج قد استحق بضع هذه المرأة وتريد اختها فساد هذا النكاح فلا تصدق ولا تقبل بينتها إلا بوقت قبل وقتها أو بدخولها ". (1) والمناقشة فيه بضعف السند يدفعها عمل الأصحاب به من غير خلاف يعرف، ويمكن أن يقال: تارة قرائن الأحوال تشهد بمضمون الرواية أعني إرادة الأخت فساد نكاح الرجل بالنسبة إلى اخت المدعية فلا إشكال وأما لو لم تشهد القرائن فيشكل العمل بمضمون الخبر لأن الحكم في الخبر معلل والحمل على التعبد بأن يقال: كلما ادعت اخت المرأة الزوجية تكون دعويها غير مسموعة للتعبد بكون دعويها لارادة فساد نكاح اختها إلا في صورة سبق تاريخ العقد أو الدخول بها بعيد جدا مضافا إلى بعد تعليل الحكم بأمر تعبدي، وقد يقال في مقام التوجيه إن الأخت إما أن تعتقد في نفسها أن الرجل عقد عليها أو لا تعتقد سواء اعتقدت العدم أو ترددت وعلى الثاني و الثالث فالدعوى كاذبة كاشفة عن العناد، وعلى الاول فهي لا تعلم صحة العقد الواقع


(1) الوسائل ج 3 ص 38 أبواب عقد النكاح ب 22 ح 1.

[ 127 ]

عليها إلا بمجرد عدم الاطلاع على فساده ومع إنكار الرجل لزوجيتها يمكنها الجمع بين معتقدها وبين إنكار الرجل بالحمل على سبق نكاح اختها فلا وجه غالبا لتكذيب الرجل مع عدم علمها بكذبها إلا إرادة الفساد، نعم لو كان بينة الأخت مؤرخة لعقدها بزمان أسبق من زمان العقد على اختها توجه الحكم بتقديم بينتها وكذا لو ثبت الدخول ويمكن أن يقال: لا نسلم غلبة عدم العلم وكون منشأ اعتقاد الأخت صحة عقدها عدم الاطلاع على فساده كما لا يخفى وعلى فرض الغلبة لا وجه لاعتبارها إلا التعبد، ولازم ما ذكر عدم سماع البينة على ملكية شئ لمن أقامها لأن شهادتهما مبنية على عدم إطلاعها بما يوجب ملكية الطرف والصور المتصورة في إقامة البينتين اثنا عشرة لأنهما إما أن تكونا مطلقتين أو مؤرختين أو إحديهما مطلقة والأخرى مؤرخة، وعلى تقدير كونهما مؤرختين إما أن يتفق التاريخان أو يتقدم تاريخ بينة الرجل أو تاريخ بينة المرأة وعلى التقادير الستة إما أن يكون قد دخل بالمدعية أو لا، قد يقال بتقديم قولها في سبع منها وهي الست المجامعة للدخول مطلقا باعتبار ظهوره في الزوجية وإن كان قد يمنع ظهوره في ذلك إلا أن يفرض اقترانه بما يفيد ذلك وواحدة من الست الخالية عنه وهي ما لو تقدم تاريخها ويقدم قوله في الخمس الباقية كما ظهر لك أن الصور في غير الحال المفروض ست هي عدم إقامة أحد منهما البينة أو إقامة الرجل دونها أو بالعكس، والثلاثة مع الدخول وعدمه وقد عرفت الحكم فيها جميعا فتكون الصور ثمان عشرة، ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من تقديم قولها في الصور السبع من جهة الدخول فإن كان التقديم لا من جهة الخبر المذكور فمنع ظهور الدخول في الزوجية في محله لأن أصالة الصحة في فعل المسلم لا يثبت الزوجية وإن كان من جهة النص فلا وجه لمنع الترجيح ولا حاجة للاستظهار، وفرض اقترانة بما يوجب الظهور بل الترجيح تعبدي لكنه يقع الاشكال من جهة أن المرجح للبينة أمران سبق التاريخ والدخول فمع سبق تاريخ بينة الرجل كيف يقدم بينة المرأة إلا أن يقال: مرجحية سبق التاريخ من جهة التعبد وهي مخصوصة ببينة المرأة دون الرجل وهو بعيد ولولا الخبر لأمكن أن يقال في صورة سبق تاريخ البينة بمعنى تاريخ العقد الذي قامت البينة عليه يحتاج إثبات

[ 128 ]

الزوجية إلى حال الدعوى إلى استصحاب بقاء الزوجية السابقة وعدم قطعها بالطلاق أو الفسخ أو الانفساخ ومع قيام البينة على الزوجية الفعلية بالنسبة إلى الأخت لا مجال للاستصحاب لتقدم الأمارة على الأصل نعم سبق التاريخ موجب للتقدم لو قطعنا بأنه مع وقوع العقد سابقا انقطع الزوجية بمثل الطلاق والفسخ. ثم إن في المقام إشكالا آخر وهو أنه إن استظهر من الرواية عدم سماع دعوى اخت الزوجة في غير صورة الدخول وسبق تاريخ بينتها فلا إشكال وأما إن كان دعواها مسموعة فلابد من الفصل وفصلها ببينتها لا يتحقق لدلالة الخبر على عدم الاعتبار ببينتها فلابد من الفصل بيمين الرجل لأنه المنكر فلو رد اليمين وحلفت المرأة يحكم بزوجيتها وكيف تجتمع زوجيتها مع زوجية أختها إن أقام الرجل البينة على زوجية اختها، وأما لو عقد على امرأة وادعى الآخر زوجيتها لم يلتفت إلى دعواه إلا مع البينة، والدليل عليه خبر يونس قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها ألك زوج؟ فقالت: لا، فتزوجها، ثم إن رجلا أتاه فقال: هي امرأتي فأنكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج؟ قال: هي امرأته إلا أن يقيم البينة " (1) ونحوه مكاتبة الحسين ابن سعيد وفي خبر عبد العزيز بن المهتدي " سألت الرضا عليه السلام قلت له: إن أخي مات فتزوجت امرأته فجاء عمي فادعى أنه كان زوجها فسألتها عن ذلك، فأنكرت أشد الانكار وقالت ما كان بيني وبينه شئ قط، فقال: يلزمك إقرارها ويلزمه إنكارها " (2) ويظهر من مضمر سماعة تصديق الرجل المدعي إن كان ثقة قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال إن هذه امرأتي وليست لي بينة؟ فقال: إن كان ثقة فلا يقر بها وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه " (3) وقد يقال: إنه محمول على الاستحباب للاحتياط إذ لم نجد عاملا به ولا يخفى أن الاحتياط لا يتحقق بمجرد عدم القرب بل لابد من الطلاق أو هبة المدة ولا تعرض في الرواية لشئ منهما، ولولا الاشكال من جهة السند لم يبعد الأخذ بمضمونة من جهة اعتبار


(1) و (2) و (3) الوسائل ج 3 ص 38 كتاب النكاح أبواب عقد النكاح ب 22 و 23.

[ 129 ]

قول الثقة كما ورد الأخبار في كثير من الموارد باعتباره في الموضوعات، ثم إن ظاهر كلماتهم أنه مع عدم البينة للمدعي كانت دعواه باطلة لا يتوجه لها عليها يمين وإن كانت منكره، ويمكن أن يقال: فرق بين ترتيب الأثر في غير مقام فصل الخصومة وبين مقام فصل الخصومة ألا ترى أن اليد حجة وأمارة للملكية ويترتب عليها جواز البيع والاشتراء، لكنه لا يفصل بها الخصومة في مقام الدعوى ففي المقام لا يترتب على دعوى الزوجية أثر ويعامل الرجل الزوج مع المرأة معاملة الزوجية ما لم يقم الآخر البينة ولا ينافي هذا سماع الدعوى من الآخر، فالزوجة إما تقر بالزوجية له أو تنكر، ومع الانكار يتوجه عليها اليمين أو يرد فيحلف الآخر، غاية الأمر لا يوجب إقرارها خروجها عن زوجية الزوج الفعلي لكون الإقرار في حق الغير والظاهر أنه إذا طلقها الزوج أو مات تكون محكومة بزوجية الآخر، وكذلك لو ردت اليمين وحلف الآخر. وقد يقال: إن من لوازم الإقرار وما في حكمه ثبوت مهر المثل على الزوجة للمدعي لحيلولتها بينة وبين البضع بالعقد الثاني كما لو باع شيئا على أنه له ثم أقر به لزيد فإنه يغرم للمقر له عوضه مثلا أو قيمة ويشكل من جهة أنه لا دليل على زمان البضع بقول مطلق كيف ولازمه أنه لو حبس زوجة حرة لأحد كان الحابس ضامنا ولا أظن أن يلتزم به، وما ذكر من أنه لو أقر لزيد بعد البيع يغرم فتارة لم يقر للمشتري بالملكية له وإنما وقع البيع واخرى أقر للمشتري بالملكية له ففي الصورة الأولى لم يبعد الغرامة حيث إنه لا ينفذ إقراره في حق المشتري وفي الثانية و إن اشتهر في أمثاله ما ذكر من أنه يعطي المقر به المقر له أولا ويعطي المثل أو القيمة المقر له ثانيا لكنه مشكل للقطع بكذب أحد الاقرارين فكيف يكون كل منهما نافذا وتنزيل المقام بالحكم بطهارة واجدي المني في الثوب المشترك كما في كلمات بعض الاعلام غير مسلم حيث إن الحاكم يريد أن يحكم بلزوم الغرامة مع القطع بكذب أحد الاقرارين، وللتكلم فيه مقام آخر. (الرابعة لو كان لرجل عدة بنات فزوج واحدة ولم يسمها، ثم اختلفا في المعقود عليها فالقول قول الأب وعليه أن يسلم إليه التي قصدها في العقد إن كان الزوج

[ 130 ]

رآهن وإن لم يكن رآهن فالعقد باطل). والأصل في ما ذكر صحيح أبي عبيدة عن الباقر عليه السلام " سألته عن رجل كانت له ثلاث بنات أبكار فزوج إحديهن رجلا ولم يسم التي زوج للزوج ولا للشهود، وقد كان الزوج فرض لها صداقها فلما بلغ أن يدخل بها على الرجل بلغ الرجل أنها الكبرى من الثلاثة فقال الزوج لأبيها: إنما تزوجت منك الصغرى من بناتك قال: فقال أبو جعفر عليهما السلام: إن كان الزوج رآهن كلهن ولم يسم له واحدة منهن فالقول في ذلك قول الأب وعلى الأب فيما بينه وبين الله أن يدفع إلى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوجها إياه عند عقدة النكاح، وإن كان الزوج لم يرهن كلهن ولم يسم له واحدة [ منهن ] عند عقدة النكاح فالنكاح باطل " (1) وعن الشيخ وأتباعه العمل بهذه الرواية، واستشكل بأن الخبر يدل على أن الرؤية كافية في الصحة والرجوع إلى قول الأب وإن خالف ما نواه الزوج وعدمها كاف في البطلان وإن توافقا مع أن الرؤية لا مدخل لها في صحة العقد وعدمها ولا تفيد التعيين ولا عدمها ينافيه ولا تفيد تفويض الأمر إلى الأب لأن التفويض إلى الأب إن كفى مع تولية القبول من غير أن يقصد معينة فلا فرق بين الرؤية وعدمها فيلزم الصحة على التقديرين، وإن لم يكف بطل على التقديرين ولا دلالة في الرؤية ولا عدمها على شئ من الأمرين. ويمكن أن يقال: مع مخالفة ما نوى الأب مع ما نوى الزوج لا عقد للزوم ورود القبول على ما ورد عليه الايجاب في صدق العقد ولا حاجة مع توافق الايجاب والقبول إلى تفويض الأمر إلى الأب ولم يظهر من الرواية فرض التفويض، نعم يتوجه الاشكال لأنا لا نفهم وجه مدخلية الرؤية في الصحة وعدمها في البطلان ومن الممكن أن يكون الحكم بالبطلان في المقام نظير الحكم بالبطلان إذا تداعيا في العقد الواقع وتحالفا مع عدم البينة فيحكم بالبطلان مع القطع بوقوع العقد الصحيح في البين. (وأما الآداب فقسمان الأول آداب العقد ويستحب له أن يتخير من النساء البكر العفيفة الكريمة الأصل، وأن يقصد السنة لا الجمال والمال وربما حرمهما، و


(1) الكافي ج 5 ص 412.

[ 131 ]

يصلي ركعتين ويسأل الله تعالى أن يرزقه من النساء أعفهن وأحفظهن وأوسعهن رزقاو أعظمهن بركة، ويستحب الاشهاد والاعلان والخطبة أمام العقد، وإيقاعه ليلا، ويكره والقمر في العقرب، وأن يتزوج العقيم). أما استحباب تخيير البكر فلما رواه محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد بوسائط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " تزوجوا الأبكار فانهن أطيب شئ أفواها قال: ففي حديث آخر وأنشفه أرحاما وأدر شئ أخلافا و أفتح شئ أرحاما، أما علمتم أني اباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط يظل محبنطئا (1) على باب الجنة فيقول الله عز وجل: ادخل، فيقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي قبلي، فيقول الله تبارك وتعالى لملك من الملائكة ايتني بأبويه فيأمر بهما إلى الجنة، فيقول: هذا بفضل رحمتي لك ". (2) وأما استحباب اختيار العفيفة فلما رواه في الكافي عن أبي حمزة قال: سمعت جابر ابن عبد الله يقول " كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرجة مع زوجها، الحصان على غيره، التي تسمع قوله وتطيع أمره، إذا خلى بها بذلت له ما يريد منها، ولم تبذل كتبذل الرجل. ثم قال: ألا اخبركم بشرار نسائكم الذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود التي لا تورع عن قبيح، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها، الحصان معه إذا حضر، لا تسمع قوله ولا تطيع أمره، وإذا خلا بها بعلها تمنعت منه كما تمنع الصعبة عن ركوبها، لا تقبل لها عذرا ولا تغفر له ذنبا (3) ". وأما استحباب اختيار الكريمة الأصل المفسرة بأن لا تكون من زنا أو حيض أو شبهة أو ممن تنال أحدا من آبائها وأمهاتها الألسن فللخبر عن سيد البشر صلى الله عليه واله


(1) بالحاء المهملة والطاء وتقديم الباء على النون بالهمز وغيرها - المتغضب الممتلئ غيظا، المستبطئ للشئ، وقيل هو الممتنع امتناع طلبة لا امتناع اباء. (2) المصدر ج 5 ص 334. (3) المصدر ج 5 ص 324 و 325.

[ 132 ]

" إياكم وخضراء الدمن قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله، وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء " (1) وقيل: المراد من كريم الأصل من لم يكن مس آباءها رق، وقيل بأن يكون أبواها صالحين. وأما استحباب أن يقصد السنة لا الجمال ولا المال فلقول الصادق عليه السلام على المحكي: " من تزوج امرأة يريد مالها ألجأه إلى ذلك المال (2) ". وقال أيضا على المحكي: " إذا تزوج الرجل المرأة لجمالها أو مالها وكل إلى ذلك وإذا تزوجها لدينها رزقة الله الجمال والمال ". (3) وعن أبي جعفر عليهما السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله " من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب، ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا له وكله الله إليه فعليكم بذات الدين ". (4) وعنه عليه السلام أيضا " من تزوج امرأة لمالها وكله الله تعالى إليه، ومن تزوجها لجمالها رأى فيها ما يكره، ومن تزوجها لدينها جمع الله له ذلك ". (5) وأما استحباب صلاة ركعتين فلقول الصادق عليه السلام على المحكي: " إذا هم أحدكم بالتزويج فليصل ركعتيه ويحمد الله ويقول: اللهم إني اريد أن أتزوج اللهم فقدر لي من النساء أعفهن فرجا وأحفظهن لي في نفسها وفي مالي وأوسعهن رزقا وأعظمهن بركة واقدر لي منها ولدا طيبا تجعله خلفا صالحا في حياتي وبعد موتي ". (6) وأما استحباب الاشهاد في الدائم فلقول أبي الحسن عليه السلام على المحكي في مكاتبة المهلب الدلال: " التزويج الدائم لا يكون إلا بولي وشاهدين ". (7)


(1) الكافي ج 5 ص 332. (2) و (3) الكافي ج 5 ص 333. (4) التهذيب ج 2 ص 226. (5) التهذيب ج 2 ص 226. (6) نحوه في الكافي ج 5 ص 501 والتهذيب ج 2 ص 228 والفقيه ص 412. (7) التهذيب ج 2 ص 187 والاستبصار ج 3 ص 146.

[ 133 ]

والمعروف بين الشيعة عدم الوجوب بل الوجوب مذهب العامة ومذهب ابن أبي عقيل من الخاصة، والخبر محمول على التقية وقد سبق بعض الاخبار الدالة على عدم الوجوب، ويظهر من بعض الأخبار " إنما جعلت البينة في النكاح من أجل المواريث ". (1) وأما استحباب الإعلان فللأمر به في النبوي فعنه صلى الله عليه واله " اعلنوا لهذا النكاح ". (2) ولما روي " أن النبي صلى الله عليه واله كان يكره نكاح السر حتى يضرب بدف، ويقال: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحيكم ". (3) وأما استحباب الخطبة فللتأسي بالنبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام، وخطبهم منقولة في ذلك مشهورة. وأما استحباب إيقاع العقد ليلا فللنبوي " أمسوا بالأملاك فانه أعظم للبركة ". (4) وقول الرضا عليه السلام على المحكي: " من السنة التزويج بالليل إن الله تعالى جعل الليل سكنا، والنساء إنما هن سكن ". (5) وأما كراهه إيقاعه في العقرب فلقول الصادق عليه السلام عن المحكي " من تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى " (6) وحملت الرواية على إرادة البرج من العقرب لا المنازل المنسوبة إليه وهي الزبانا والاكليل والقلب والشولة لأن القمر تحل في البروج الاثنى عشر في كل شهر مرة وجملة المنازل التي هذه الأربع بعضها ثمانية وعشرون


(1) الكافي ج 5 ص 387 والتهذيب ج 2 ص 228 واللفظ له. (2) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 1895 والترمذي ص 175 باب ما جاء في اعلان النكاح. (3) أخرجه ابن ماجة تحت 1900. (4)...... (5) الكافي ج 5 ص 366 والتهذيب ج 2 ص 231. (6) التهذيب ج 2 ص 228 و 242.

[ 134 ]

مقسومة على البروج الاثنى عشر فيخص كل برج منها منزلتان فللعقرب من هذه الأربع ما لغيره، قال في المسالك: والذي بينه وبين أهل هذه الشأن أن للعقرب من المنازل القلب وثلثا الاكليل وثلثا الشولة، وذلك منزلتان وثلث، وأما الزبانا وثلثا الإكليل فهو من برج الميزان كما أن ثلث شولة الأخير من برج القوس - إلى أن قال -: ولا كراهة في منزلة الزبانا مطلقا وأما المنزلتان المنتظرتان فان أمكن حفظهما وإلا فينبغي اجتنابه والقمر فيهما حذرا من الوقوع فيما كره فيهما. وفي كشف اللثام والمبسوط أن لفظ الخبر معول على عرف أهل النجوم ولا يريدون بمثله إلا الكون في البرج بالمعنى المعروف عندهم مع الأصل فيما زاد الثلث بل الظاهر أن الخبر معول على ما يرى عند عامة الناس من كون القمر في العقرب لا على ما يقرره أهل النجوم من الدرجات والدقائق ونحو ذلك مما هو جار على مصطلحاتهم ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه. وأما كراهة تزويج العقيم فلما في الخبر الراجع إلى استحباب اختيار العفيفة المذكور، ولما في بعض الأخبار " الحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد ". ويمكن أن يقال: استفادة الاستحباب الشرعي أو الكراهة لا تخلو عن الإشكال بالنسبة إلى بعض الأخبار الواردة بل الظاهر أنه من قبيل الارشاد كاوامر الطبيب و نواهيه. (القسم الثاني في آداب الخلوة، يستحب صلاة ركعتين إذا أراد الدخول و الدعاء وأن يأمرها بمثل ذلك عند الانتقال، وأن يجعل يده على ناصيتها ويكونا على طهر، ويقول: اللهم على كتابك تزوجتها - إلى آخر الدعاء -، وأن يكون الدخول ليلا، ويسمى عند الجماع، وأن يسأل الله تعالى أن يرزقه ولدا ذكرا). أما استحباب الصلاة ركعتين والدعاء بعدهما وأمرها بمثل ذلك عند الانتقال فلصحيح أبي بصير قال: " سمعت رجلا يقول لأبي جعفر عليهما السلام: جعلت فداك إني رجل قد أسننت وقد تزوجت امرأة بكرا صغيرة ولم أدخل بها، وأنا أخاف أنها إذا دخلت علي فرأتني أن تكرهني لخضابي وكبري، فقال أبو جعفر عليهما السلام: إذا دخلت عليك فمرهم قبل

[ 135 ]

أن تصل إليك أن تكون متوضية ثم أنت لا تصل إليها حتى تتوضأ وتصلي ركعتين، ثم مرهم يأمروها أن تصلي أيضا ركعتين ثم تحمد الله تعالى وتصلى على محمد وآله ثم ادع الله، ومر من معها أن يؤمنوا على دعائك، ثم ادع الله وقل " اللهم ارزقني إلفها وودها ورضاها بي، وارضني بها واجمع بيننا بأحسن اجتماع وآنس ايتلاف فإنك تحب الحلال وتكره الحرام " (1). وأما استحباب جعل يده على ناصيتها فلخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام فليضع يده على ناصيتها إذا دخلت عليه ويقول: " اللهم على كتابك تزوجتها وفي أمانتك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها فإن قضيت في رحمها شيئا فاجعله ذكرا مسلما سويا ولا تجعله شرك شيطان " قلت: وكيف يكون شرك شيطان؟ فقال: إن الرجل إذا دنا من المرأة وجلس مجلسه حضره الشيطان فإن هو ذكر الله فقد تنحى الشيطان وإن فعل فلم يسم أدخل الشيطان ذكره فكان الحمل منهما جميعا، والنطفة واحدة (2) ". وفي خبر أبي بصير الآخر أيضا " إذا دخلت بأهلك فخذ بناصيتها واستقبل القبلة وقل: اللهم بأمانتك أخذتها وبكلماتك استحللتها فإن قضيت لي منها ولدا فاجعله مباركا تقيا من شيعة آل محمد ولا تجعل للشيطان فيه شركا ولا نصيبا) " (3). وفي خبره الثالث ما يستفاد منه استحباب هذا الدعاء كلما أتى أهله قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: " يا أبا محمد إذا أتيت أهلك فأي شئ تقول؟ قال: قلت: جعلت فداك وأطيق أن أقول شيئا؟ قال: بلى قل: اللهم بكلماتك استحللت فرجها، وبأمانتك أخذتها، فان قضيت في رحمها شيئا فاجعله تقيا ذكيا، ولا تجعل فيه شركا للشيطان - الحديث) " (4). أما استحباب كون الدخول ليلا فلقوله صلى الله عليه واله على المحكي " زفوا عرايسكم


(1) الكافي ج 5 ص 501 والتهذيب ج 2 ص 228. (2) الكافي ج 5 ص 501 والتهذيب ج 2 ص 228. (3) الكافي ج 5 ص 500. (4) الكافي ج 5 ص 503.

[ 136 ]

ليلا وأطعموا ضحى) " (1). وأما استحباب التسمية عند الجماع فلما ذكر في الخبر المتعرض لوضع اليد على الناصية. وأما استحباب أن يسأل الله - الخ " فلقول الباقر عليه السلام على المحكي: " إذا أردت الجماع فقل: اللهم ارزقني ولدا واجعله تقيا ذكيا مباركا ليس في خلقه زيادة ولا نقصان واجعل عاقبته إلى خير " (2). (ويكره الجماع ليلة الخسوف ويوم الكسوف، وعند الزوال، وعند الغروب حتى يذهب الشفق، وفي المحاق، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس، وفي أول ليلة من كل شهر إلا شهر رمضان، وفي ليلة النصف، وفي السفر إذا لم يكن معه ماء للغسل، وعند الزلزلة والريح الصفراء والسوداء، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وفي السفينة، و عاريا، وعقيب الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء، والجماع وعنده من ينظر إليه، و النظر إلى فرج المرأة، والكلام عند الجماع بغير ذكر الله تعالى). أما كراهة الجماع في الأوقات المذكورة فلخبر سالم عن أبي جعفر عليهما السلام قلت: وهل يكره الجماع في وقت من الأوقات وإن كان حلالا؟ قال: نعم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن مغيب الشمس إلى مغيب الشفق، وفي اليوم الذي تنكسف فيه الشمس وفي الليلة التي ينخسف فيها القمر، وفي الليلة وفي اليوم اللذين يكون فيهما الريح السوداء والريح الحمراء والريح الصفراء، واليوم والليلة اللذين تكون فيهما الزلزلة، وقد بات رسول الله صلى الله عليه واله عند بعض أزواجه في ليلة انكسف فيه القمر فلم يكن منه في تلك الليلة ما كان يكون منه في غيرها حتى أصبح فقالت له: يا رسول الله البغض كان هذا منك في هذه الليلة؟ قال: لا ولكن هذه الاية ظهرت في هذه الليلة فكرهت أن أتلذذ وألهو فيها، وقد عير الله تعالى أقواما فقال عزوجل في كتابه " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم


(1) الكافي ج 5 ص 366. (2) التهذيب ج 2 ص 229.

[ 137 ]

الذي فيه يصعقون " ثم قال أبو جعفر عليه السلام وأيم الله لا يجامع أحد في هذه الأوقات التي نهى رسول الله صلى الله عليه واله عنها وقد انتهى إليه الخبر فيرزق الله ولدا فيرى في ولده ذلك ما يحب " (1). وما عن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه عمن ذكره، عن أبي الحسن موسى، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: " كان في ما أوصى به رسول الله عليا صلوات الله عليهما قال: يا علي لا تجامع أهلك في أول ليلة من الهلال، ولا في ليلة النصف، ولا في آخر ليلة فانه يتخوف على ولد من يفعل ذلك الخبل، فقال علي عليه السلام: ولم ذاك يا رسول الله؟ فقال: إن الجن يكثرون غشيان نسائهم في أول ليلة من الهلال وليلة النصف وفي آخر ليلة، أما رأيت المجنون يصرع في أول الشهر وفي آخره وفي وسطه " (2). وما عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن موسى عليه السلام " من أتى أهله في محاق الشهر فليسلم لسقط الولد) (3). وروى في الكافي، عن ضريس، عن عبد الملك قال: " بلغ أبو جعفر عليهما السلام أن رجلا تزوج في ساعة حارة عند نصف النهار، فقال أبو جعفر: ما أراهما يتفقان، فافترقا) " (4). وعن زرارة في الموثق عن أبي جعفر عليهما السلام " أنه أراد أن يتزوج امرأة فكره ذلك أبوه، قال: فمضيت فتزوجتها حتى إذا كان ذلك زرتها فنظرت فلم أر ما يعجبني، فقمت أنصرف فبادرتني القيمة معها إلى الباب لتغلقه علي، فقلت: لا تغلقيه لك الذي تريدين، فلما رجعت إلى أبي أخبرته بالأمر كيف كان، فقال لي: يا بني إنه ليس عليك إلا نصف المهر، وقال: أنت تزوجتها في ساعة حارة " (5) قال في الحدائق الظاهر أن المراد بالتزويج هنا الدخول ويحتمل العقد أيضا


(1) الكافي ج 5 ص 498. (2) الكافي ج 5 ص 499 والتهذيب ج 2 ص 229. (3) الكافي ج 5 ص 497 والتهذيب ج 2 ص 229. (4) و (5) المصدر ج 5 ص 366.

[ 138 ]

على بعد. ولقائل أن يقول: لم نعرف وجها للظهور خصوصا مع ما فيه أنه ليس عليك إلا نصف المهر. وروى الشيخ في التهذيب، عن محمد بن العيص أنه " سأل أبا عبد الله عليه السلام فقال: " اجامع وأنا عريان؟ قال: لا، ولا مستقبل القبلة ولا مستدبرها، قال: وقال عليه السلام: لا تجامع في السفينة " (1). وروى الصدوق عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجامع الرجل أهله مستقبل القبلة، وعلى ظهر طريق عامر فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (2). وروى الصدوق في الفقيه والشيخ مرسلا، وفي العلل مسندا قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يكره أن يغشى الرجل المرأة وقد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى فان فعل فخرج الولد مجنونا فلا يلومن إلا نفسه " (3). وروي عن ابن [ أبي خ ل ] راشد، عن أبيه قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يجامع الرجل امرأته ولا جاريته وفي البيت صبي، فإن ذلك مما يورث الزنا " (4). وعن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله: والذي نفسي بيده لو أن رجلا غشى امرأته وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونفسهما ما أفلح أبدا، إن كان غلاما كان زانيا أو جارية كانت زانية " (5). وروى الشيخ عن سماعة في الموثق قال: " سألته عن الرجل ينظر إلى فرج المرأة وهو


(1) المصدر ج 2 ص 229. (2) المصدر في مناهي النبي صلى الله عليه وآله ص 426. (3) المصدر ص 415 والتهذيب ج 2 ص 230. (4) و (5) الكافي ح 5 ص 500.

[ 139 ]

يجامعها قال: لا بأس به إلا أنه يورث العمى " (1). وبإسناده إلى أبي سعيد الخدري في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي صلوات الله عليه " قال: ولا ينظر أحدكم إلى فرج امرأته وليغض بصره عند الجماع فإن النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد " (2). وروى في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن سنان قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: اتقوا الكلام عند ملتقى الختانين فإنه يورث الخرس " (3). وفي حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه واله أن يكثر الكلام عند المجامعة وقال: يكون منه خرس الولد ". (4) وروى في الكافي عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون أهله معه في سفر لا يجد الماء يأتي أهله؟ قال: ما احب إلا أن يخاف على نفسه، قلت: فطلب بذلك اللذة أو يكون شبقا إلى النساء؟ فقال: إن الشبق يخاف على نفسه. قال: قلت: يطلب بذلك اللذة؟ قال: هو حلال، قلت: فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه واله أن أبا ذر سأله عن هذا فقال: ائت أهلك توجر، فقال: يا رسول الله آتيهم وإوجر فقال: رسول الله صلى الله عليه واله كما أنك إذا أتيت الحرام أزرت كذلك إذا أتيت الحلال أوجرت فقال أبو عبد الله عليه السلام: ألا ترى أنه إذا خاف على نفسه فأتى الحلال أوجر " (5). وأما استثناء هلال شهر رمضان فلما روي واشتهر عند الأصحاب من استحباب المجامعة في تلك الليلة، فروى الصدوق مرسلا قال: قال عليه السلام: " يستحب أن يأتي الرجل أهله أول ليلة من شهر رمضان لقول الله عزوجل: " احل لكم ليلة الصيام


(1) التهذيب ج 2 ص 230. (2) التهذيب ج 2 ص 230. (3) التهذيب چ 2 ص 229 والكافي ج 5 ص 498 (4) الفقيه ص 466. (5) الكافي ج 5 ص 495.

[ 140 ]

الرفث إلى نسائكم " والرفث المجامعة ". (1) (مسائل: الأولى يجوز النظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها وكفيها. وفي رواية إلى شعرها ومحاسنها، وكذا إلى أمة يريد شراءها، وإلى أهل الذمة لا نهن بمنزلة الاماء ما لم يكن لتلذذ، وينظر إلى جسد زوجته باطنا وظاهرا، وإلى محارمه ما خلا العورة). لا إشكال في جواز النظر إلى امرأة يريد نكاحها في الجملة للأخبار الكثيرة في المقام فإن قيل بحرمة النظر إلى الأجنبية يكون استثناء مورد هذه الأخبار تخصيصا لأدلة الحرمة وإن قيل بالجواز مع الكراهة يكون تخصيصا أيضا لأن الظاهر من أخبار الباب عدم الكراهة بل الرجحان، وقد يقال: إن وجه التخصيص مع القول بالجواز من دون قصد النكاح في الجملة عدم انفكاك النظر في المقام عن التلذذ المحرم في النظر إلى الأجنبية بدون قصد النكاح، ويشكل هذا مع أنه قيد في بعض أخبار المسألة بعدم التلذذ ففي مرسل عبد الله بن الفضل عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: أينظر الرجل إلى المرأة يريد تزويجها فينظر إلى شعرها ومحاسنها؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يكن متلذذا " (2). وما ذكر من عدم الانفكاك والتلذذ غالبا قهري ممنوع فإن من يتوجه إلى ممنوعية شئ شرعا كيف يتلذذ وإلا لزم جواز التلذذ بالنظر إلى المحارم والوجوه الحسان مع أنه من المسلم بينهم عدم الجواز إلا أن يفرق بين التلذذ الحاصل للزوج بالنسبة إلى زوجته والتلذذ الحاصل لرؤية مثل الخضراء والأوراد فلابد من ملاحظة الأخبار الواردة في المقام فمنها حسنة محمد بن مسلم بإبراهيم بن هاشم قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة أينظر إليها؟ قال: نعم إنما يشتريها بأغلى الثمن " (2). ومنها حسنة هشام وحماد وحفص، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس بأن


(1) الوسائل كتاب النكاح أبواب مقدماته وآدابه ب 64 تحت رقم 4. (2) و (3) الكافي ج 5 ص 365 .

[ 141 ]

ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها " (1). ومنها رواية الحسن بن السري قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأملها وينظر إلى خلفها وإلى وجهها؟ قال: لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ينظر إلى خلفها وإلى وجهها " (2). ومنها ما رواه في التهذيب عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام " في رجل ينظر إلى محاسن المرأة يريد أن يتزوجها؟ قال: لا بأس إنما هو مستام فإن يقض أمر يكون " (3). ورواه الحميرى في قرب الاسناد وفيه " وإن يقض أمر يكن " (4). ومنها ما عن يونس بن يعقوب قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يريد أن يتزوج بالمرأة وأحب أن ينظر إليها؟ قال: تحتجز ثم لتعقد وليدخل فلينظر، قال: قلت: يقوم حتى ينظر إليها؟ قال: نعم، قلت: فتمشي بين يديه؟ قال: لا أحب أن تفعل " (5). ومنها ما رواه الصدوق في العلل عن يونس بن يعقوب في الموثق قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: " الرجل يريد أن يتزوج المرأة يجوز أن ينظر إليها؟ قال: نعم، ويرقق الثياب لأنه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن " (6). ومنها خبر عبد الله بن الفضل المذكور. ثم إنه قد يقال بوقوع المعارضة بين الأخبار المذكورة من وجهين أحدهما ذكر الخاص فإن ظاهر مادل على جواز النظر إلى الوجه بدون المعاصم يعارض ما دل


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 365. (3) التهذيب ج 2 ص 235. (4) المصدر ص 74 وفيه " مستأمر فيما يقضى أمر يكن " (5) التهذيب ج 2 ص 239. (6) المصدر ص 170.

[ 142 ]

على جواز النظر إلى المعاصم، وثانيهما اقتضاء الشرطية فحيث علق النظر إلى الخلف والوجه على إرادة التزويج فمقتضى القضية الشرطية عدم جواز النظر إلى غير ما ذكر، وذلك لعدم صحة تعليل الخاص بما يكون علة للعام، وبعد التعارض يكون المرجع عموم ما دل على حرمة النظر إلى الأجنبية، ثم بعد التقريب المذكور جمع بين الأخبار برفع اليد عن ظهور كل بنص الآخر فإن ما دل على الاقتصار بالوجه و الخلف نص في الجواز وظاهر في الاختصاص، وما دل على جواز النظر إلى المعاصم نص في جواز النظر إلى المعاصم نص على الجواز فبهذا النص يرفع اليد عن ظهور الخبر في الاختصاص بالوجه والخلف فلا بد من الاقتصار على ما ذكر في الأخبار و نتيجة هذا الجمع هو الحكم بجواز النظر إلى كل ما كانت المقيدات صريحة في جواز النظر إليه من الوجه والكفين والمعاصم والخلف والشعر والمحاسن. ويمكن أن يقال: أما الاختصاص بالذكر فلا يستفاد منه اختصاص الحكم فقول المولى لعبده أكرم زيدا لا يستفاد منه نفي وجوب إكرام عمرو مثلا، نعم إذا كان من قبيل الموصوف بصفة يستفاد منه مدخلية الوصف وليس المقام من هذا القبيل. وأما ما ذكر من اقتضاء القضية الشرطية فمثل أكرم زيدا إن جاءك القائل بالمفهوم يقول: العلة المنحصرة لإكرام زيد مجيئه والمنكر يقول: للمجيئ مدخلية في وجوب أكرامه وليست العلة منحصرة بمعنى أن لا يستفاد من الكلام المذكور العلية المنحصرة وإن أمكنت، وأما اختصاص الحكم المذكور بزيد فلا يستفاد من القضية الشرطية ولا ينافي هذا الكلام مع قوله أكرم عمرا إن جاءك بل لابد من فهم الاختصاص من دليل الآخر. وأما ما ذكر من عدم صحة تعليل الخاص بما يكون علة للعام فلم يظهر وجهه ألا ترى صحة قول الطبيب: إن كان الرمان حامضا فلا تأكله، وإن كان زيد عالما فأكرمه، ولا ينافي ما ذكر مع عدم جواز أكل ما كان حامضا ووجوب إكرام كل من كان عالما. وأما ما ذكر من الاقتصار بما تكون المقيدات صريحة في جواز النظر إليه فربما

[ 143 ]

يتأمل فيه من جهة أن أخبار الباب بعضها صحيح أو حسن كالصحيح وبعضها موثقة و بعضها غير نقي السند، ولم يحرز عمل الفقهاء به فمثل خبر عبد الله بن الفضل المتعرض للشعر لعله من هذا القبيل، نعم لا يبعد الاستفادة من موثقة يونس بن يعقوب حيث علل الحكم فيها بالاشتراء بأغلى الثمن أزيد مما صرح به في الأخبار. وأما جواز النظر إلى أمة يريد اشترائها فيدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها قال: لا بأس أن ينظر إلى محاسنها ويمسها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي النظر إليه " (1). وما رواه في التهذيب، عن حبيب بن معلى الخثعمي، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني اعترضت جواري المدينة فأمذيت، قال: أما لمن يريد الشراء فليس به بأس وأما لمن لا يريد أن يشتري فإني اكرهه " (2). وعن الحارث بن عمران الجعفري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا أحب للرجل أن يقلب الجارية إلا جارية يريد شراءها " (3). وما رواه الحميري في كتاب قرب الإسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام أنه كان: " إذا أراد أن يشتري الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها ". وقد يستظهر من بعضها جواز النظر إلى جميع بدنها سوى العورة حيث استثنى النظر إلى ما لا ينبغي النظر إليه، والمراد منه ما يقبح النظر إليها عرفا، وليس هو خصوصا في الإماء إلا العورة كيف ولو كان المراد منه ما يحرم النظر فيه شرعا لزم الاجمال في مقام الجواب عن السؤال والحوالة على المجهول الموجب لا زدياد التحير، وهو مناف لمقصود السائل وغرضه من استعلام حكم المسألة المبتلى بها فعلا. ويمكن أن يقال: الأخبار المذكورة لم يذكر في كلمات الفقهاء تصحيحها و


(1) التهذيب ج 2 ص 138 (2) التهذيب ج 2 ص. (3) المصدر ج 5 ص 524.

[ 144 ]

توثيقها بل ذكر في الحدائق ضعف السند غاية الأمر أخذهم بها في الجملة ولم يظهر أخذهم بخصوص الخبر المذكور وعلى فرض الأخذ يتم ما ذكر لو لم يكن مسبوقا بقوله عليه السلام على المحكي: " لا بأس أن ينظر إلى محاسنها ويمسها ". وقد سبق في كلامه - قدس سره - استظهار الخصوصية في جواز النظر إلى المرأة التي يريد تزويجها، والحاصل أنه مع الإجمال إن سلمناه يكون المرجع عموم ما دل على حرمة النظر في غير ما هو المتيقن خروجه، وأما جواز النظر إلى نساء أهل الذمة فهو المشهور والأخبار الواردة في المقام منه ما رواه في الكافي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهن وأيدهن " (1). ومنها ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم قال: " لا بأس بالنظر إلى رؤوس النساء من أهل الذمة، وقال: ينزل المسلمون على أهل الذمة في أسفارهم و حاجاتهم ولا ينزل المسلم على المسلم إلا بإذنه " (2). وربما يعتضد بما رواه في الكافي عن عباد بن صهيب قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج لأنهم إذا نهوا لا ينتهون (3) قال: والمجنون والمغلوبة على عقلها لا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها ما لم يتعمد ذلك " (4) ورواه في الفقيه إلا أنه قال: " وأهل البوادي من أهل الذمة " مكان " أهل السواد والعلوج " وفسر قوله عليه السلام على


(1) الكافي ج 5 ص 524 (2) المصدر ص 42. (3) في الفقيه والعلل " إذا نهين لا ينتهين " وقال العلامة المجلسي: في المرآة لعل ارجاع ضمير المذكر للتجوز أو التغليب. أو المراد أن رجالهن إذا نهوا عن كشفهن وأمروا بسترهن لا ينتهون ولا يأتمرون. (4) الكافي ج 5 ص 524 والفقيه ص 433.

[ 145 ]

المحكي " ما لم يتعمد " على وجه التلذذ والميل إليه والأخبار المذكورة وإن لم تكن صحيحة ولا موثقة لكن المشهور عملوا بها في الجملة ولابد من الاقتصار على القدر المتيقن لعموم ما دل على حرمة النظر إلى الأجنبية. وأما جواز النظر إلى جسد زوجته باطنا وظاهرا فلا كلام فيه، وما ورد من النهي عن النظر إلى الفرج محمول على الكراهة. وأما بالنسبة إلى المحارم ما خلا العورة فلا خلاف فيه إلا أنه قيد بعدم التلذذ واستشكل بعض الأعلام في حرمة التلذذ الذي يكون من قبيل التلذذ وبالنظر إلى البناء الحسن ونحوه بالنسبة إلى الوجوه الحسان ولعله من جهة استبعاد حرمة مثل نظر الوالدين إلى أولادهما مع التلذذ مع حسن الخلقة والخلق فيهم وإن كان كلمات الفقهاء مطلقة. (الثانية الوطي في الدبر فيه روايتان أشهرهما الجواز على الكراهة. الثالثة العزل عن الحرة بغير إذنها، قيل: يحرم ويجب به دية النطفة عشرة دنانير، وقيل: مكروه وهو أشبه ورخص في الإماء). المشهور بين الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - جواز الوطي في دبر المرأة المحللة وطيها قبلا على الكراهة، ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن علي بن الحكم قال: سمعت صفوان بن يحيى يقول قلت للرضا عليه السلام " إن رجلا من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة هابك واستحيى منك أن يسألك قال: وما هي؟ قلت: الرجل يأتي امرأته في دبرها؟ قال: نعم ذلك له، قلت له: فأنت تفعل ذلك، فقال: إنا لا نفعل ذلك (1) " وما رواه في التهذيب عن ابن أبي يعفور قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: لا بأس إذا رضيت، قلت: فأين قول الله عزوجل: (فآتوهن من حيث أمركم الله "؟ قال: هذا في طلب الولد فاطلب الولد من حيث أمركم الله


(1) الكافي ج 5 ص 540 والتهذيب ج 2 ص 230.

[ 146 ]

إن الله تعالى يقول: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " (1). وعن موسى بن عبد الملك، عن الحسين بن علي بن يقطين، وعن موسى بن عبد الملك عن رجل قال: " سألت أبي الحسن الرضا عليه السلام عن إتيان الرجل المرأة من خلفها قال: أحلها آية من كتاب الله قول لوط " هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " وقد علم أنهم لا يريدون الفرج " (2). وعن حماد بن عثمان في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام وأخبرني من سأله عن الرجل يأتي المرأة في ذلك الموضع وفي البيت جماعة؟ - فقال لي - وقد رفع صوته -: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من كلف مملوكه ما لا يطيق فليعنه، ثم نظر في وجه أهل البيت ثم أصقى إلي فقال: لا بأس (3) ". ويمكن منع ظهور هذا الخبر ولعل نظر السائل إلى الإتيان مع أن في البيت جماعة والوقاع لا يناسب في ذلك الموضع. وعن ابن أبي يعفور في الموثق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام. ورواه عنه بسند آخر عن البرقي رفعه، عن ابن أبي يعفور قال: " سألته عن إتيان النساء في أعجازهن فقال ليس به بأس، وما احب أن يفعل " (4). وفي قبال ما ذكر أخبار يظهر منها الحرمة منها ما رواه في الفقيه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله محاش نساء امتي على رجال امتي حرام " (5) واقتصر الصدوق في كتابه على هذه الرواية ولهذا نسب القول بالتحريم إليه. ومنها ما رواه في التهذيب عن سدير قال: " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: محاش النساء على امتي حرام " (6). ومنها ما رواه العياشي في تفسيره، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) و (2) و (3) و (4) التهذيب ج 2 ص 230 (5) الفقيه ص 432 (6) التهذيب ج 2 ص 230.

[ 147 ]

" سألته عن الرجل يأتي أهله في دبرها؟ فكره ذلك وقال: إياكم ومحاش النساء وقال إنما معنى " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " أي ساعة شئتم " (1). وعن زيد بن ثابت قال: سأل رجل أمير المؤمنين صلوات الله عليه أتؤتى النساء في أدبارهن؟ فقال: سفلت سفل الله بك أما سمعت الله " يقول: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين " (2). وقد يحمل هذه الأخبار على الكراهة جمعا بينها وبين الأخبار السابقة ولا يخفى بعد هذا الجمع مع ملاحظة التعبير بالحرمة والاستشهاد بالآية الشريفة، وقد تحمل على التقية لموافقتها مع أكثر العامة، وهذا الحمل أيضا بعيد لعدم المناسبة بين الحكم الصادر تقية مع الاستشهاد بقول النبي صلى الله عليه واله وبالآية الشريفة، وقد يجاب بضعف السند، وهذا أيضا مشكل من جهة ذهاب جماعة إلى الحرمة ففي المسالك نقل القول بالحرمة عن جماعة من علمائنا منهم القميون وابن حمزة، والظاهر أن أختيارهم القول بالحرمة من جهة هذه الأخبار فلا يبعد التخيير - التخيير الأصولي -. وأما العزل عن الحرة، فالمشهور جوازه على كراهة ويدل عليه ما رواه في الكافي في الموثق عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العزل قال: ذلك إلى الرجل " (3). وعن محمد بن مسلم في الموثق عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " لا بأس بالعزل عن المرأة الحرة إن أحب صاحبها وإن كرهت، وليس لها من الأمر شئ (4) " وما رواه في الكافي والتهذيب، عن محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العزل فقال: ذاك إلى الرجل يصرفه حيث يشاء (5) ".


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 111 (2) التفسير ج 1 ص 111 (3) المصدر ج 5 ص 504 (4) و (5) المصدر ج 5 ص 504

[ 148 ]

وما رواه في الكافي عن عبد الرحمن الحذاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كان علي ابن الحسين عليهما السلام لا يرى بالعزل بأسا يقرء هذه الاية " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " فكل شئ أخذ الله منه الميثاق فهو خارج وإن كان على صخرة صماء (1) " وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام " أنه سئل عن العزل فقال: أما الأمة فلا بأس وأما الحرة فإني أكره ذلك إلا أن يشترط عليها حين يزوجها (2) ". وعن يعقوب الجعفي قال: " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: " لا بأس بالعزل في ستة وجوه: المرأة التي أيقنت أنها لا تلد، والمسنة، والمرأة السليطة، والبذية، والمرأة التي لا ترضع ولدها، والأمة " (3) ورواه في عيون الأخبار وكذا في الخصال. والكراهة في لسان الأخبار وإن كانت لا تنافي الحرمة، إلا أنه تحمل في المقام على غير الحرمة بقرينة الأخبار المطلقة. وأما الدية فالرواية الواردة فيها موردها غير ما نحن فيه بل موردها من أفزع في حال الجماع فعزل لذلك فعلى المفزع دية النطفة عشر دنانير روي ذلك صحيحا عن علي عليه السلام والفزع الموجب للعزل غير موجود في روايات مقامنا هذا، وظهر من بعض أخبار الباب الترخيص بالنسبة إلى الإماء. (الرابعة لا يدخل بالمرأة حتى يمضي لها تسع سنين ولو دخل قبل ذلك لم تحرم على الأصح. الخامسة لا يجوز للرجل ترك وطي المرأة أكثر من أربعة أشهر، السادسة يكره للمسافر أن يطرق أهله ليلا). أما عدم جواز الدخول حتى يمضي لها تسع سنين فلا شبهة فيه ولا خلاف، و يدل عليه ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع أو عشر سنين (4) ".


(1) المصدر ج 5 ص 504 (2) التهذيب ج 2 ص 230 (3) الفقيه ص 425 (4) الكافي ج 5 ص 398

[ 149 ]

وعن الحلبي في الصحيح قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا تزوج الرجل الجارية وهي صغيرة فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين (1) ". وما رواه المشايخ الثلاثة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين، أو عشر سنين " (2) قال بعض المحدثين: لعل المراد بالترديد لاختلافهن في كبر الجثة وصغرها وقوة البنية وضعفها. ولا تعرض في هذه الأخبار لحصول الحرمة مع الدخول قبل مضي التسع، نعم يظهر مما رواه في الكافي عن العدة، عن سهل، عن يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن يبلغ سبع سنين فرق بينهما ولم تحل له أبدا " (3) ثم إن المراد من قوله عليه السلام على المحكي في هذه الرواية " فرق بينهما ولم تحل له أبدا " إن كان خروجها عن الزوجية يعارضها ما دل على بقاء الزوجية مع الافضاء قبل التسع كصحيحة حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن رجل تزوج جارية بكرا لم تدرك فلما دخل بها افتضها فأفضاها فقال عليه السلام: إن كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقل من ذلك بقليل حين دخل بها فافتضها فإنه قد أفسدها وعطلها على الازواج فعلى الامام أن يغرمه ديتها، وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شئ عليه (4) ". ورواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل افتض جارية - يعني امرأته - فأفضاها، قال: عليه السلام: عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، فإن أمسكها ولم يطلقها فلا شئ عليه وإن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه إن شاء أمسك وإن شاء طلق " (5). قد يقال: يرفع اليد عن رواية سهل، عن يعقوب بن يزيد، بعد تسليم ظهورها


(1) الكافي ج 5 ص 398. (2) الوسائل ج 3 ص 13. (3) المصدر ج 5 ص 429. (4) الفقيه 421 (5) الكافي ج 7 ص 314.

[ 150 ]

أو صراحتها في ارتفاع الزوجية من جهة ضعف الرواية سندا من جهة سهل ومخالفة المشهور فمع تسليم التكافؤ يكون المرجع حينئذ استصحاب بقاء الزوجية ومن هنا ظهر ضعف القول بسبب الوطي قبل التسع للحرمة الأبدية ولو مع عدم الافضاء إذ لا مدرك لهذا القول إلا المرسلة وهي لضعفها لا تنهض حجة في رفع اليد عن مقتضى الأصول القطعية كأصالتي بقاء الزوجية وحلية الوطي، هذا مضافا إلى إمكان حملها على ما هو الغالب من استلزام الدخول قبل التسع للافضاء فيكون النظر إلى حرمة الوطي لا ارتفاع الزوجية وحرمة الوطي في صورة الافضاء مسلمة، ويمكن أن يقال: رواية سهل مأمور بها والامر في سهل مع نقل مثل الكليني - قدس سره كثيرا عنه وقد عمل برواية الشيخ قدس سره في المقام، ومع تسليم التكافؤ مقتضى القاعدة التخيير لا المراجعة إلى الاستصحاب، وإن سلمنا حجة الاستصحاب في الشبهات الحكمية وحمل الرواية على الغالب من استلزام الدخول الافضاء لم يظهر وجهه لمنع الغلبة والمعارضة باقية مع الحمل أيضا. وأما عدم جواز ترك الوطي أكثر من أربعة أشهر فالظاهر أنه موضع وفاق بين الأصحاب، ويدل عليه ما رواه في الفقيه والتهذيب في الحسن برواية الفقيه، عن صفوان بن يحيى عن الرضا عليه السلام أنه سأله " عن رجل يكون عنده المرأة الشابة فيمسك عنها الأشهر والسنة لا يقربها ليس يريد الإضرار بها يكون لهم مصيبة أيكون في ذلك آثما؟ قال: إذا تركها أربعة أشهر كان آثما بعد ذلك (2) ". ورواه الشيخ بطريق آخر عن صفوان أيضا مثله وزاد " إلا أن يكون بإذنها " ولا يخفى أن مورد الرواية خصوص الشابة فلا تشمل غيرها ولا مجال للقطع بعدم الفرق كما لا يخفى إلا أن يتمسك بالاجماع إن لم يكن مسند المجمعين الخبر المذكور. وأما كراهة أن يطرق المسافر أهله ليلا فيدل عليها ما روى في الكافي عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يكره للرجل إذا قدم من سفر أن يطرق أهله


(1) الفقيه 415 والتهذيب ج 2 ص 229.

[ 151 ]

ليلا حتى يصبح " (1). وإطلاق الخبر يقتضي عدم الفرق في الكراهة بين أن يعلمهم بذلك قبل الليل وعدمه. (السابعة إذا دخل بالصبية لم تبلغ تسعا فأفضاها حرم عليه وطئها مؤبدا ولم تخرج عن حبالته ولو لم يفضها لم يحرم على الأصح). أما حرمة الوطي بالدخول بها فيدل عليها مرسلة يعقوب بن يزيد المتقدمة وليس فيه قيد الافضاء وتكون ظاهرة أو صريحة في ارتفاع الزوجية ولم يلتزم المشهور به، فينحصر الدليل في الاجماع أن تم. وأما عدم الخروج عن حبالة الزوج فلصحيحة حمران ورواية بريد بن معاوية المتقدمتين حيث ذكر فيهما الإمساك والتطليق مع الإفضاء، ولا معنى للتطليق مع ارتفاع الزوجية. وأما عدم حرمة الوطي مؤبدا مع عدم الإفضاء فلعدم دليل عليه إلا رواية سهل المذكورة مع عدم العمل بها وقد عرفت الإشكال فيه. (الفصل الثاني) (في أولياء العقد، لا ولاية في النكاح لغير الأب والجد للأب وإن علا و الوصي والمولى والحاكم، وولاية الأب والجد ثابتة على الصغيرة ولو ذهبت بكارتها بزنا أو غيره). أما عدم ولاية غير المذكورين فأدعي الاجماع عليه في غير الام وآبائها ففي المرسل عن النبي صلى الله عليه واله أنه أبطل تزويج قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان. (2) وفي صحيح محمد بن الحسن الأشعري كتب بعض بني عمي إلى أبي جعفر الثاني


(1) المصدر ج 5 ص 499. (2) أخرج حديثه ابن ماجه في السنن تحت رقم 1878.

[ 152 ]

عليهما السلام: " ما تقول في صبية زوجها عمها فلما كبرت أبت التزويج؟ فكتب عليه السلام بخطه: لا تكره على ذلك والأمر أمرها (1) ". وحكي عن ابن جنيد أن الأم وأباها يقومان مقام الأب في ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه واله أمر نعيم بن نجاح أن يستأمر ام ابنته في أمرها وقال: وآمروهن في بناتهن " والخبر ضعيف. والأخبار المتعلقة بالمقام منها صحيحة عبد الله بن الصلت المروية في الكافي و التهذيب قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها ألها أمر إذا بلغت؟ قال: لا " وزاد في الكافي " ليس لها مع أبيها أمر " (2). ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: " سألت أبي الحسن الرضا عليه السلام عن الصبية يزوجها أبوها ثم يموت وهي صغيرة، فتكبر قبل أن يدخل بها زوجها أيجوز عليها التزويج أو الأمر إليها؟ قال: يجوز عليها تزويج أبيها " (3). ومنها ما رواه الشيخ (ره) عن الحلبي قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما التزويج فصحيح فينبغي أنه تحبس عليه امرأته حتى يدرك فيعلم أنه قد طلق فإن أقر بذلك وأمضاه فهي واحدة بائنة وهو خاطب من الخطاب وأن أنكر ذلك وأبى أن يمضي فهي امرأته " (4). وعن محمد بن مسلم في الصحيح، عن أبي جعفر عليهما السلام " في الصبي يزوج الصبية يتوارثان؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم، قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟


(1) الكافي ج 5 ص 394. (2) الكافي ج 5 ص 394. والتهذيب ج 2 ص 221 (3) الكافي ج 5 ص 394 والتهذيب ج 2 ص 221 والفقيه ص 412 (4) التهذيب ج 2 ص

[ 153 ]

قال: لا (1) ". وروى الشيخ (ره) عن الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن الجد إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيا وكان الجد مرضيا جاز، قلنا: وإن هوى أبو - الجارية هوى وهوى الجد هوى وهما سواء في العدل والرضا؟ قال: أحب إلي أن ترضى بقول الجد " (2). ومنها موثق عبيد قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل، ويريد جدها أن يزوجها من رجل؟ فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا إن لم يكن الأب زوجها قبله، ويجوز عليها تزويج الاب والجد (3) ". وأما ولاية الوصي والمولى والحاكم فسيجئ الكلام فيها إن شاء الله تعالى. وأما ثبوت ولاية الأب والجد على الصغيرة وإن ذهبت بكارتها فلان المدار في ولايتهما الصغر لا البكارة، ومقتضى الاطلاق ثبوتها لهما وإن ذهبت البكارة بزنا أو غيره. (ولا يشترط في ولاية الجد بقاء العقد وقيل يشترط، وفي المستند ضعف، ولا خيار للصبية مع البلوغ، وفي الصبي قولان أظهرهما أنه كذلك، ولو زوجاها فالعقد للسابق، فإن اقترنا ثبت عقد الجد، ويثبت ولايتهما على البالغ مع فساد عقله ذكرا كان أو انثى، ولا خيار له لو أفاق، والثيب تزوج نفسها ولا ولاية عليها لأب ولا لغيره ولو زوجها من غير إذنها وقف على إجازتها). مقتضى رواية عبد الله بن سنان الصحيحة عن الصادق عليه السلام قال: " الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها " (4) ولا خلاف في أن الجد ولي أمر الصغيرة سواء كان الأب


(1) التهذيب ج 2 ص 222. (2) الكافي ج 5 ص 396. والتهذيب ج 2 ص 224. (3) الكافي ج 2 ص 395 (4) التهذيب ج 2 ص 224.

[ 154 ]

حيا أو ميتا. واستدل للقول بالاشتراط برواية الفضل بن عبد الملك المتقدم واستشكل في العمل بها تارة من جهة ضعف السند، واخرى من جهة ضعف الدلالة حيث إنها بالمفهوم الوصفي وهو غير معتبر عند المحققين، واجيب بأنه من باب مفهوم الشرط وهو معتبر. وأما من جهة ضعف السند فالظاهر أن الرواية موثقة وحمل القيد على بيان الفرد الأخفى وهو جواز عقد الجد مع وجود الأب، ويمكن أن يقال بعد ما كان الأصل في القيود الاحترازية فاللازم مدخلية حياة الاب في ولاية الجد وليس في قباله إلا الاطلاق القابل للتقييد، نعم استبعاد مدخلية حياة الأب في ولاية الجد مع أولوية نظره عند المعارضة مع الأب مع عدم المدخلية في تصرفات الجد في امور الصغيرة غير نكاحها يوجب التوقف وحيث إن مجرد الاستبعاد لا يرفع الإشكال لابد من الاحتياط. وأما التمسك بالاستصحاب في بعض الأفراد كما لو كان الأب حيا فمات والجد حي فيستصحب ولايته، أو التمسك بأصالة عدم الاشتراط فلا يخفى الاشكال فيهما لأنه بعد وجود الدليل الاجتهادي لا مجال للاستصحاب وإن قلنا بحجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية، كما أنه معه لا مجال للأصل. وأما عدم الخيار للصبية مع البلوغ فلرواية عبد الله بن الصلت الصحيحة ورواية محمد بن إسماعيل بن بزيع الصحيحة المتقدمتين ومثلهما صحيح ابن يقطين. (1) وفي قبال هذه الأخبار ما روى محمد، بن مسلم في الصحيح قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الصبي يزوج الصبية؟ قال: إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، و لكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بذلك فإن المهر على الأب. قلت: فهل يجوز طلاق الأب على ابنه في صغره؟ قال: لا " (2). والظاهر عدم العمل به بل قيل: لا بأس بالوصف بالشذوذ الذي امرنا بالاعراض عن أمثاله.


(1) التهذيب ج 2 ص 221. (2) التهذيب ج 2 ص 222 والاستبصار ج 3 ص 246

[ 155 ]

وأما عدم الخيار لخصوص الصبي فلم نجد ما يدل على نفي الخيار له وما دل على صحة تزويج الصغير والصغيرة مع صدور التزويج من الولي لا ينفي الخيار، وقد يتمسك بالاستصحاب وآية " أوفوا بالعقود " ويشكل من جهة الإشكال في حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية مضافا إلى وجود الدليل الاجتهادي في قباله وهو صحيح محمد بن مسلم المذكور وعدم العمل بمضمونه بالنسبة إلى الصغيرة لعله لا يوجب طرح الرواية أصلا حتى بالنسبة إلى الصبي. وأما التمسك بآية " أوفوا بالعقود " فيشكل من جهة أن الظاهر أن المخاطبين العاقدون والصبي ليس عادا، وجه ذلك أن الوفاء بالعهد وعدم نقضه بالنسبة إلى من عاهد وعقد، والصغير ليس طرف المعاهدة حتى يكون فسخه خلاف الوفاء، مضافا إلى أنه عام قابل للتخصيص. وخالف في المقام الشيخ في النهاية وبنو البراج وحمزة وابن إدريس - قدس الله تعالى أسرارهم - واستدل لهم بخبر الكناسي، عن الباقر عليه السلام " أن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار إذا أدرك أو بلغ خمسة عشر سنة (1) " واستدل أيضا بتطرق الضرر على الغلام مع عدم الخيار باعتبار إثبات المهر في ذمته والنفقة من غير ضرورة تقتضي ذلك، وأجيب بضعف الرواية سندا، وما ذكر من تطرق الضرر - الخ. مجرد اعتبار يدفعه منع عدم المصلحة في ذلك وبالجملة المسألة لا تخلو عن شوب الإشكال خصوصا مع أن ابن إدريس لا يعمل إلا بالقطعيات من الأخبار فإن كان استناده إلى خبر المذكور يكون الخبر منها. وأما ثبوت العقد السابق ولغوية العقد اللاحق فوجهه واضح حيث إنه مع صحة العقد السابق لا مجال لصحة العقد اللاحق. وأما ثبوت عقد الجد مع اقتران عقده مع عقد الأب فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح هشام بن سالم ومحمد بن حكيم " إذا زوج الأب والجد كان التزويج


(1) التهذيب ج 2 ص 222.

[ 156 ]

للأب فإن كانا جميعا في حال واحد فالجد أولى ". (1) وأما ثبوت ولايتهما على البالغ مع فساد عقله ذكرا كان أو انثى فقيل: إنه موضع وفاق، واستدل بالاستصحاب المؤيد باستبعاد عزلهما عن ولاية النكاح خاصة ضرورة بقاء ولايتهما على المال المشروط انقطاعها بايناس الرشد، مضافا إلى خبر أبي بصير في تفسير " من بيده عقدة النكاح " ويمكن أن يقال: أما الاستصحاب فيشكل التمسك به في الشبهات الحكمية مضافا إلى الإشكال من جهة أن الولاية على الصغير والصغيرة بعنوان صغرهما، فبعد ارتفاع الصغر كيف تستصحب. وأما بقاء ولايتهما في أموالهما فإن كان من جهة الآية الشريفة " فإن آنستم - الآية " فاستفادتها منها مشكلة لأن عدم جواز دفع المال مع عدم إيناس الرشد لا يثبت الولاية فإن غير الولي أيضا لا يدفع مال المجنون إليه وإن كانت الولاية باقية بدليل آخر فلا مانع من استفادة بقاء الولاية من جهة الخبر المذكور، ومع ثبوت الولاية فالظاهر عدم الخيار لو أوقع الولي لا للاستصحاب بل من جهة ما دل على عدم الخيار في النكاح إلا ما ورد النص فيه من العيوب. وأما عدم الولاية على الثيب وكون أمرها بيدها فلا إشكال فيه ويدل عليه الأخبار منها ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح، عن عبد الله بن الصلت قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجارية الصغيرة زوجها أبوها، لها أمر إذا بلغت؟ قال: لا، ليس لها مع أبيها أمر، قال: وسألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ قال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب (2) ". ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام قال: " سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ قال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب " (3).


(1) الكافي ج 5 ص 395 والتهذيب ج 2 ص 222. (2) الكافي ج 5 ص 394. والتهذيب ج 2 ص 221. (3) الوسائل أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ب 3 ح 11.

[ 157 ]

ومنها ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى قال: " سألته عن الرجل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها؟ قال: نعم ليس يكون للولد مع الوالد أمر إلا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك فتلك لا يجوز نكاحها إلا أن تستأمر " (1). وبعد ما كان الأختيار لها فلو زوجها غيره بغير إذنها وقف على إجازتها ويكون من النكاح الفضولي وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (أما البكر البالغة الرشيدة فأمرها بيدها ولو كان أبوها حيا قيل: لها الانفراد دائما كان أو منقطعا. وقيل: العقد مشترك بينها وبين الأب فلا ينفرد أحدهما به. وقيل: أمرها إلى الأب وليس لها معه أمر، ومن الأصحاب من أذن لها في المتعة دون الدائم ومنهم من عكس والأول أولى). اختلف الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - في ثبوت الولاية للأب على الباكرة الرشيدة البالغة في خصوص أمر تزويجها وعدمه على أقوال أشار إليها في المتن فاستدل للقول بثبوتها مضافا إلى أصالة بقاء الولاية قبل بلوغها بأخبار منها صحيحة عبد الله بن - الصلت، عن أبي الحسن عليه السلام قال: " سألته عن الجارية إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر قال: لا " (2) ونحوها صحيحة محمد بن مسلم بزيادة قوله عليه السلام " يستأمرها كل أحد ما عدا الأب " (3). ورواية أبي مريم المروية في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: " الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلا بإذن أبيها ". (4) وموثقة عبيد بن زرارة " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل ويريد جدها أن يزوجها من رجل؟ فقال عليه السلام: الجد أولى بذلك


(1) الوسائل ابواب عقد النكاح ب 9 ح 8. (2) الكافي ج 5 ص 394 والتهذيب ج 2 ص 221. (3) الكافي ج 5 ص 392 (4) المصدر ج 5 ص 391 و 392.

[ 158 ]

ما لم يكن مضارا، إن لم يكن الاب زوجها قبله، ويجوز عليها تزويج الأب والجد (1)). وفي قبالها أخبار اخر منها صحيحة منصور بن حازم، عن الصادق عليه السلام " تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلا بأمرها " (2). ومنها صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولى عليها إن تزويجها بغير ولي جائز " (3). حيث إن الظاهر أن المراد من التي ملكت نفسها المالكة بالنسبة إلى الأمور الراجعة إلى نظام معاشها من العقود والإيقاعات وغير ها لا المالكة حتى بالنسبة إلى التزويج كما لا يخفى. إن قيل: ظهور هذه الأخبار في استقلالها مسلم إلا أنها لا تصلح للمعارضة مع تلك الأخبار لصراحة تلك في أن الباكرة البالغة لا مدخلية لها في تزويجها بخلاف هذه الأخبار لأن شمولها بالإطلاق والظهور لا يعارض النص الصريح، اجيب عنه بمنع صراحة تلك الأخبار في ولاية الأب على أمر تزويجها مطلقا وعدم مدخليتها فيه أصلا إذ من المحتمل أن يكون المراد من قوله عليه السلام على المحكي " ليس لها مع أبيها أمر " أنه ليس لها مع إقدام أبيها على تزويجها الرد والإجازة فيدل على عدم مدخليتها في أمر تزوجيها في خصوص ما إذا زوجها أبوها من زوج لا مطلقا كما هو المدعى، وهذا الاحتمال وإن كان بعيدا إلا أنه تكفي في منع صراحتها وإن سلم صراحة تلك الأخبار ففي الأخبار المعارضة أيضا ما هو صريح ففي رواية سعدان بن مسلم، عن الصادق عليه السلام " ولا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن أبيها " (4) فيقع التعارض بين الطائفتين، ويمكن الجمع بحمل ما دل على عدم مدخليتها في أمر تزويجها مطلقا على ما إذا أقدم أبوها على تزويجها، ويكون المراد من قوله عليه السلام " ليس لها مع أبيها أمر " أنه ليس لها مع تزويج أبيها إياها الرد والإجازة. وحمل ما دل على استقلالها في أمرها على غير


(1) المصدر ج 5 ص 395 (2) التهذيب ج 2 ص 221 (3). الكافي ج 5 ص 391 والتهذيب ج 2 ص 220 والاستبصار ج 3 ص 232. (4) التهذيب ج 2 ص 221 والاستبصار ج 3 ص 236.

[ 159 ]

هذه الصورة، ويؤيد هذا الجمع صدر صحيحة عبد الله بن الصلت حيث سئل عنه عليه السلام عن الجارية التي زوجها أبوها قبل بلوغها هل لها أمر بعد بلوغها ورشدها أم لا فأجاب لا أمر لها مع أبيها " (1) فإن المراد من قوله " لا أمر لها مع أبيها " ليس إنه لا خيار لها مع وجود أبيها ضرورة أنها لا خيار لها بعد البلوغ مطلقا سواء كان لها أب أو لا اتفاقا، فيكون تقييده بما إذا كان لها أب لغوا بل المراد أن مع إقدام الأب في تزويجها لا خيار لها، ويكون تزويج الأب نافذا. ويمكن أن يقال: حمل المطلقات على الفرد الغير الغالب مشكل لأن ما ذكر بنحو القانون لا بد أن يكون الباقي تحته أزيد من الخارج لا المساوي ولا الغير الغالب. وأما ما ذكر من التأييد بصحيحة عبد الله بن الصلت فهو مبني على حمل المطلق أعني قوله عليه السلام على المحكي " لا أمر لها " على القدر المتيقن في مقام التخاطب وهو ممنوع فمع منعه يكون كسائر المطلقات الدالة على أنه لا أمر لها مع وجود الأب مطلقا لا الخيار ولا التزويج بالاستقلال، وقد يقال: الأخبار الدالة على استقلال البكر في تزويجها المعتبر منها غير آب عن التقييد بغير من له أب والآبي عن التقييد غير معتبر فيوهن التمسك بها على كثرتها، ويشكل من جهة ما ذكر من لزوم كون الباقي تحت المطلق غالبا وكيف يدعى أن البكر بحسب الغالب لا أب لها وثانيا يشكل طرح ما ليس فيه تصحيح وتوثيق مع النقل في الكافي والفقيه والتهذيب، ثم إنه مع عدم إمكان الجمع العرفي وعدم الترجيح لا من جهة السند لوجود الأخبار الصحيحة في كلتا الطائفتين ولا من جهة الصدور لاختلاف العامة أيضا قد ترجح الأخبار الدالة على استقلال البكر لموافقتها لعموم قوله تعالى " أوفوا بالعقود " واستشكل بعدم صدق العقد المفسر في الأخبار بالعهد على التزويج، وفيه إشكال لصدق المعاهدة بين الزوج والزوجة كصدقها في البيع والصلح والإجارة، ومنع صدق العهد في بعض مصاديقها لا يضر، نعم يمكن الإشكال بأنه مع الشك في الأهلية للعقد لا يمكن التمسك به وقد ترجح بما دل من الأخبار على أن الصبي إذا بلغ أشدة واحتلم يكون مالكا لأمره إذ لاشبهة في أن المراد


(1) الكافي ج 5 ص 394 والتهذيب ج 2 ص 221.

[ 160 ]

من الصبي أعم من الصغير والصغيرة من جهة التغليب كما في قوله تعالى " كتب عليكم الصيام " وغيره من آيات الأحكام. واستشكل بأن الترجيح بالموافقة لهذه الأخبار إنما يتم لو كانت متواترة كاشفة عن السنة القطعية وإلا فالمتعين جعلها مرجعا بناء على القول بتساقط المتعارضين من الأخبار. ويمكن أن يقال: كون المراد من الصبي الأعم يحتاج إلى الدليل لأن التغليب صحيح لكنه خلاف الظاهر يحتاج إلى القرينة وأما جعل تلك الأخبار مرجعا بعد تعارض الأدلة فلم يظهر وجهه فإن العام ليس حاله حال الأصل حتى يقال بعد تعارض الدليلين وتساقطهما نرجع إليه بل هو معارض لأحدى الطائفتين في عرض معارضة الطائفة المعارضة، غاية الأمر لولا الطائفة الموافقة له كانت الطائفة المخالفة مقدمة عليه للأظهرية أو لكونها الناصة، وعلى هذا فمع التعارض وعدم الترجيح يجئ التخيير. ثم إن ظاهر الأخبار المذكورة اختصاص الحكم نفيا وإثباتا بالأب ولا تعرض للجد فالتعميم لابد له من الدليل إما من جهة صدق الأب على الجد ولو بنحو المجاز وإما من جهة أقوائية ولاية الجد على الأب من جهة أنه مع اختلاف نظرهما يقدم نظر الجد، لكن إثبات الحكم للجد بملاحظة ما ذكر لا يخلو عن الإشكال وفي المتن لم يذكر الجد، وأما القول بالتشريك فالأخبار المذكورة تدفعه حيث يظهر من طائفة استقلال البكر في أمرها ومن طائفة اخرى استقلال الأب، وربما يستظهر التشريك من موثقة صفوان قال: " استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر عليهما السلام في تزويج ابنته لابن أخيه، فقال: إفعل ويكون ذلك برضاها، فإن لها في نفسها نصيبا. قال: واستشار خالد بن داود موسى بن جعفر عليهما السلام في تزويج ابنته علي بن جعفر، فقال: افعل ويكون ذلك برضاها، فإن لها في نفسها حظا " (1) وقد يجاب بأن هذه الموثقة مطلقة في كون الابنة بكرا أو ثيبا وكلامنا في البكر فأية الطائفتين أخذنا بها تقيد المطلق وتوجب تخصيصها بالثيب.


(1) التهذيب ج 2 ص 221

[ 161 ]

ويمكن أن يقال: لا إشكال ولا خلاف في أن الثيب مستقلة في أمر نكاحها ولا مدخلية للأب ولا للجد في نكاحها، وظاهر الموثقة يخالف الاستقلال فإنه لا يقال: للمستقلة في أمرها أن لها في نفسها نصيبا، هذا مضافا إلى أن الموثقة واردة في مورد خاص ولعل البنت كانت بكرا والضمير راجع إليها فكيف يحكم بالاطلاق والتقييد فمع مقاومة الموثقة للأخبار المتقدمة تكون طرف المعارضة للطائفتين فلابد من الترجيح أو التخيير. وأما القول بثبوت الولاية على البكر في الدائم دون المنقطع فالظاهر أنه للجمع بين الأخبار الدالة على ثبوت الولاية وبين ما ورد في خصوص المنقطع كرواية أبي سعيد القماط عمن رواه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرا من أبويها أفأفعل ذلك؟ قال: نعم واتق موضع الفرج، قال: قلت: وإن رضيت؟ قال: وإن رضيت فإنه عار على الأبكار " (1). ورواية الحلبي قال: " سألته عن التمتع بالبكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن من أبويها؟ قال: لا بأس ما لم يفتض ما هناك لتعفف بذلك " (2). ورواية أبي سعيد قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن التمتع من الأبكار اللواتي بين الأبوين؟ فقال: لا بأس، ولا أقول كما يقول هذه الأقشاب " (3). ويعارضها الأخبار السابقة الدالة على أنه لا أمر لها مع أبيها وتلك الأخبار وإن كان الظاهر ورودها في النكاح الدائم لانصراف التزويج والنكاح عند الاطلاق إلى الدائم وفي لسان الأخبار إذا اريد المنقطع يقيد بلفظ المتعة أو التمتع إلا أن التعبير بأنه لا أمر لها مع أبيها يعم فتأمل، وما دل بالخصوص على عدم الجواز بدون إذن الأب صحيحة أبي مريم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " العذراء التي لها أب لا تزوج متعة إلا بأذن أبيها " (4).


(1) و (2) و (3) التهذيب ج 2 ص 187 (4) التهذيب ج 2 ص 187 والاستبصار ج 3 ص 145.

[ 162 ]

وصحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام قال: " البكر لا تتزوج متعة إلا بإذن أبيها " (1). وقد يحمل الصحيحتان على التقية أو على الكراهة، ويشكل حملهما على التقية لشدة إنكار العامة المتعة من غير فرق بين صورة إذن الأب وغيرها، ومقتضى القاعدة تقديم الصحيحين على ما يعارضهما بالخصوص من جهة صحة السند وتخصيصهما لما سبق من ظهور اختصاص تلك الأخبار بالنكاح الدائم فإن أخذنا بالأخبار الدالة على استقلال البكر في تزويجها تكون الصحيحتان مخصصتين لتلك الأخبار إن استفيد منها الاستقلال في التزويج مطلقا حتى بالنسبة إلى النكاح المنقطع وإن لم يكن لها إطلاق فخروج المتعة من باب التخصص إلا أن تحملا على الكراهة لما اشير إليه في ما دل على الجواز. (ولو عضلها الولي سقط اعتبار رضاه إجماعا ولو زوج الصغيرة غير الأب و الجد وقف على رضاها عند البلوغ وكذا الصغير، وللمولى أن يزوج المملوكة، صغيرة وكبيرة، بكرا وثيبا، عاقلة ومجنونة، ولا خيار لها وكذا العبد، ولا يزوج الوصي إلا من بلغ فاسد العقل مع اعتبار المصلحة وكذا الحاكم). لو منع الولي تزويج البكر مع الكفو مع أنها طالبة فلا خلاف ظاهرا في عدم اعتبار رضى الولي إن قلنا بعدم استقلال البكر في أمر التزويج وهذا ظاهرا من المسائل المجمع عليها حيث لا نص في البين، وقد يتمسك بقاعدة نفي الضرر وقاعدة نفي الحرج وسعة الشريعة السمحة السهلة. ويشكل الأمر على من لا يتوجه إلى الإجماعات حيث إن القاعدتين انطباقهما على هذه الصورة منوط بالضرر الشخصي والحرج الشخصي ولا يثبت الحكم بقول مطلق وقد يتمسك بقوله تعالى " ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف " بناء على دخول بعض أفراد المقام فيه، كما لو زوجها الولي وطلقت قبل الدخول و كون المراد نهي الناس أجمع ومنهم الأولياء. ويشكل من جهة احتمال أن تكون المراد


(1) قر ب الاسناد ص 159.

[ 163 ]

نهي الأزواج السابقين عن عضل النساء أن يتزوجن ولو زوج الصغيرة غير الأب والجد وقف على رضاها عند البلوغ إن لم يكن لها الأب والجد أو كان، وقلنا باستقلالها في أمرها بناء على صحة الفضولي حتى مع عدم من له الإجازة حال العقد وكذا الصغير. وللمولى تزويج المملوكة بنحو الاطلاق بلا خلاف ظاهرا لقوله تعالى " فانكحوهن بإذن أهلهن " وقوله تعالى " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين - الآية ". ويمكن منع الظهور فيه من جهة ذكر الأيامى حيث إنها لا ولاية عليها ويدل عليه حسن زرارة عن الباقر عليه السلام سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجاز وإن شاء فرق بينهما " (1). وقد يتمسك بقاعدة السلطنة وقد يتأمل فيه من جهة عدم تعرض القاعدة لأنحاء السلطنة، وقد يقال بعدم الولاية للكافر على المملوك المسلم لقوله تعالى: " لن يجعل الله - الآية ". ويشكل ولاية الحاكم لعدم كونه مولى عليه على كل حال كالصغير والمجنون بل المملوك مولى عليه للمالك من حيث المالية وقد فرض عدم ولاية له للكفر، ويمكن أن يقال: إن كان جواز التزويج للمالك من شئون الملكية ما لم يخرج عن الملكية كما لو آجر المالك عبده قبل أن يخرج من ملكه فلا يستفاد من قوله تعالى " لن يجعل الله - الآية " نفيه وإلا لزم خروج المملوك عن الملكية وليس كذلك بل ظاهر ما دل على بيعه من المسلمين بقاؤه ما دام لم يبع على الملكية وإذا صح تزويج المولى مملوكه فلا خيار له حيث إنه مملوك لا يقدر على شئ، خرج الطلاق بالدليل، وأيضا بناء النكاح على اللزوم خرج ما خرج بالدليل. وأما تزويج الوصي فاسد العقل مع اعتبار المصلحة فمقضى عدم مادل على نفي الولاية لغير الأب كصحيحة أبي عبيدة الحذاء المروية في الكافي قال: " سألت أبا جعفر


(1) الكافي ج 5 ص 478

[ 164 ]

عليهما السلام عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين فقال: النكاح جائز و أيهما أدرك كان على الخيار وإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر إلا أن يكونا قد أدركا ورضيا - إلى أن قال - قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك قال: يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية " (1). والمراد بالوليين في الصدر غير الأب من الولي العرفي عدم الولاية للوصي، وأما الصحيح المذكور فمحمول في غير الأب على الولي العرفي بقرينة صحيحة الحذاء فإن كان جوازه لقوله تعالى " فمن بدله بعدما سمعه " حيث يستفاد من الأخبار في باب الوصية أن الوصية نافذة يجب إنفاذها مطلقا، فلا وجه للتقييد بصورة فساد العقل واعتبار المصلحة، وكذا إن تمسك بصحيح ابن مسلم وأبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام " سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال: هو الأب والأخ والموصى إليه " (2) لكنه يشكل التمسك بقوله تعالى " فمن بدله بعدما سمعه " لتخصيصه بكون الموصى به مما يرضى به الله تعالى كما سبق في كتاب الوصايا ولم يحرز كون الوصية بتزويج الصغير و الصغيرة مما يرضى به الله تعالى. وفي قبال الصحيح المذكور المضمر " سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين و بنتا والبنت صغيرة فعمد أحد الأخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه، ثم مات أبو الإبن المزوج، فلما أن مات قال الآخر: أخي لم يزوج ابنه فزوج الجارية من ابنه فقيل للجارية: أي الزوجين أحب إليك الأول أو الأخير؟ قالت: الاخير، ثم إن الأخ الثاني مات وللأخ الأول ابن أكبر من الابن المزوج فقال للجارية: اختاري أيهما أحب إليك الزوج الأول أو الزوج الأخير، فقال: الرواية فيها أنها للزوج الأخير وذلك أنها قد كانت أدركت حين زوجها وليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها " (3).


(1) المصدر ج 5 ص 401 والتهذيب ج 2 ص 223. (2) التهذيب ج 2 ص 225 (3) الكافي ج 5 ص 397 والتهذيب ج 2 ص 223

[ 165 ]

وقد يقال بعدم معارضة هذا الخبر للصحيح المذكور لكونه مضمرا في الكافي و التهذيب وعدم ثبوت كون الأخ وصيا على نكاح البنت وإنكار أخ الثاني ما فعله الأول، ونسبة ذلك إلى الرواية المشعرة بالتقية لو فرض كونه من الإمام عليه السلام مع التعليل العليل. ويمكن أن يقال: بعد أن كان ما نسب إلى المشهور أو الأشهر عدم الولاية للوصي وإن نص الموصي على النكاح، فاما من جهة الأخذ بالمضمر المذكور في قبال الصحيح المذكور ويكون المضمر معتبرا ومستظهرا من حيث السند كون المسئول الإمام عليه السلام، واما إن يكون من جهة عدم العمل بالصحيح المذكور، ويحتمل أن يكون من جهة عموم ما دل على عدم ولاية غير الأب وعلى هذا فلا مانع من حجيته إلا أنه يشكل من جهة أنه مع أخصيته كيف لم يعملوا به، ولعل وجه عدم العمل ضعف الدلالة من جهة الحمل على الولي العرفي بقرينة ساير الأخبار، فلا يكون حجة. وما ذكر من عدم ثبوت كون الأخ وصيا على نكاح البنت يمكن أن يجاب عنه بكفاية ترك الاستفصال. وما ذكر من أن نسبة ذلك إلى الرواية مشعرة بالتقية فيه أنها لا تدل على التقية لأن في الروايات الواردة عنهم عليهم السلام النسبة إلى الرواية. ويمكن أن يكون النظر في التعليل المذكور فيها إلى أن العقد السابق لما لم يكن صادرا ممن له الولاية ولم يكن ممضى بعد البلوغ لم يعتبر والعقد اللاحق حيث كان ممضى ليس لها نقضه وإن كان نسبة العقد إليها بمجرد الإمضاء بنحو المجاز. وأما ولاية الحاكم فالمشهور أيضا عدمه بالنسبة إلى من لم يبلغ ذكرا كان أو انثى للأصل وفي المتن ثبوتها بالنسبة إلى فاسد العقل وقد يقال بثبوتها لعموم ولاية الحاكم المستفادة من نحو قوله: " السلطان ولي من لا ولي له " (1) وغيره المراد منه أنه قائم مقام الولي


(1) خبر عامي ولم أجده الا في كتب الفقه كالمختلف وفي سنن ابن ماجة في باب لا نكاح الا بولي باسناده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما امرأة لم ينكحها الولي فنكاحها باطل فان أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " ج 1 ص 605 تحت رقم 1879

[ 166 ]

حيث لا ولي غيره مضافا إلى خبر أبي بصير الوارد في تفسير " من بيده عقدة النكاح " بل في صحيح ابن سنان الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها (1). ويمكن أن يقال: السلطان في قوله: " السلطان ولي من لا ولي له " يطلق على المنصوب بالخصوص من قبل المعصوم كالمنصوب في زمن النبي والأمير عليهما السلام وأما الفقهاء فإثبات الولاية العامة نحو ولاية المنصوبين لهم بالخصوص فمحل إشكال وقد سبق الكلام فيه في كتاب البيع فيشكل التمسك به، وأما التمسك بما ورد في تفسير " من بيده عقدة النكاح " فله وجه حيث إن الحاكم ولي بالنسبة إلى الصبي لكن هذه الولاية من جهة لزوم قضاء حوائجه من باب الحسبة ويكون الحاكم متيقنا لأن الشارع لا يرضى باختلال امور القاصر لصغر أو جنون أو مرض فيدور بين الحاكم وغيره وهو المتيقن لكنها ثابتة لعدول المؤمنين مع تعذر الرجوع إلى الحاكم ويحتمل ثبوتها حتى مع التمكن من الرجوع إليه بل ثابتة لغير عدول المؤمنين مع عدم التمكن من الرجوع إليهم ولازم هذا ثبوت الولاية لغير الحاكم أيضا، والظاهر عدم التزامهم به فيقع الإشكال من جهة عدم كون التزويج من الأمور التي يجب قضائها. (ويلحق بهذا الباب مسائل: الأولى الوكيل في النكاح لا يزوجها من نفسه ولو أذنت في ذلك فالاشبه الجواز، وقيل: لا، وهي رواية عمار، الثانية النكاح يقف على الإجازة في الحر والعبد، ويكفي في الإجازة سكوت البكر، ويعتبر في الثيب النطق، الثالثة لا ينكح الأمة إلا بإذن المولى رجلا كان المولى أو امرأة، وفي رواية سيف يجوز نكاح أمة المرأة من غير إذنها متعة وهي منافية للأصل). وجه منع تزويج الوكيل من نفسه بأن الظاهر إرادة تزويجها من غيره، أولا ظهور في تزويجها من نفسه ويكفي عدم الظهور، وما ذكر لا يخلو عن الإشكال وقد يدعى نفي الخلاف في المسألة ومع احتمال أن يكون مدرك المجمعين ما ذكر كيف يتمسك به، نعم مع التعميم لا إشكال إلا أن يمنع من جهة الخبر الآتي ذكره ولو أذنت جاز تزويجها من نفسه بحسب القواعد فهو بما هو وكيل عن المرأة يوجب ويقبل، لا باعتبار


(1) التهذيب ج 2 ص 224

[ 167 ]

أنه وكيل ويكفي المغايرة الاعتبارية في الإيجاب والقبول كتزويج الجد بنت ابنه لابن ابنه، ويجوز للرجل أن يوكل شخصا آخر عن نفسه فيوجب عن المرأة ويقبل الوكيل من طرفه له. وفي المقام رواية عمار الساباطي يستفاد منها عدم الجواز، قال: " سألت أبي - الحسن عليه السلام عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره أن يعلم بها أهل بيتها يحل لها أن توكل رجلا يريد أن يتزوجها تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي قال: لا - إلى أن قال: - قلت: فإن وكلت غيره بتزويجها أيزوجها منه، قال: نعم " (1). وهذه الرواية من حيث السند معتبرة من جهة أن عمار ثقة عند علماء الرجال لكن المشهور لم يعملوا بها، والظاهر أن التزوج فيها الدائم فإن النكاح المنقطع في لسان الأخبار يحتاج إلى القيد وأما النكاح الواقع من غير مباشرة الزوج والزوجة أو مع المباشرة وعدم الأختيار شرعا فالمشهور صحته بالإجازة إن يكن بإذن الولي ويدل عليه الأخبار. منها خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " سألته عن رجل زوجه امه وهو غائب قال: النكاح جائز إن شاء المتزوج قبل، وإن شاء ترك - الحديث (2) ". ومنها حسن زرارة " سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال: ذلك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما، قلت: أصلحك الله إن حكم بن عتيبة وأصحابه يقولون: إن أصل النكاح باطل فلا تحل إجازة السيد، فقال عليه السلام: إنه لم يعص الله و إنما عصى سيده فإذا أجاز فهو جائز " (3). ومنها خبره الآخر " سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها، ثم اطلع على ذلك مولاه فقال عليه السلام: ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما - إلى أن قال: - فقلت له: إنه في أصل النكاح كان عاصيا، فقال عليه السلام: إنه إنما أتى شيئا حلالا وليس بعاص الله وإنما عصى سيده (4) "


(1) التهذيب ج 2 ص 222 والاستبصار ج 3 ص 235 (2) الكافي ج 5 ص 401 (3) و (4) التهذيب ج ص 213 والكافي ج 5 ص 478

[ 168 ]

ومنها صحيح الحذاء " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين فقال: النكاح جائز وأيهما أدرك كان له الخيار " (1) بناء على إرادة الولي العرفي وإلا لم يكن لهما الخيار ولقوله في آخره " فإن كان أبوها الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب ويجوز على الغلام ". ومنها صحيح ابن وهب " جاء رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: إني كنت مملوكا لقوم وإني تزوجت امرأة حرة بغير إذن موالي، ثم اعتقوني بعد ذلك، فاجدد نكاحي إياها حين اعتقت؟ فقال: أكانوا علموا أنك تزوجت امرأة وأنت مملوك لهم؟ فقال: نعم، وسكتوا عني ولم يعيروا علي، فقال: سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم أثبت على نكاحك الاول " (2). فلا يبعد أن يقال: نكاح العبد بغير إذن مولاه ليس من قبيل النكاح الفضولي و ذلك لأنه ذكر في بعض هذه الأخبار أن العبد دخل بالمرأة والإمام عليه السلام لم ينكر عليه، والعقد الفضولي ليس كذلك فإن المشتري في البيع الفضولي لا يجوز له التصرف في المبيع قبل الإجازة، وأيضا في البيع الفضولي الظاهر عدم كفاية الرضا بل لابد من الإنشاء، وأيضا عبر في بعضها " فرق بينهما " وفي الفضولي لم يقع نكاح حتى يتحقق التفريق. وأما كفاية سكوت البكر في الإجازة وهي المشهورة بين الاصحاب لصحيح ابن أبي نصر قال: " قال لي أبو الحسن عليه السلام في المرأة البكر: إذنها صماتها والثيب أمرها إليها " (3). وحسن الحلبي " وسئل عن رجل يريد أن يزوج اخته قال: يؤامرها فإن سكتت فهو إقرارها وإن أبت لم يزوجها (4) ".


(1) تقدم آنفا. (2) الكافي ج 5 ص 478 والتهذيب ج 2 ص 211. (3) الكافي ج 5 ص 394. (4) المصدر أيضا ج 5 ص 393 و 394

[ 169 ]

وخبر داود بن سرحان " في رجل يريد أن يزوج اخته يؤامرها فإن سكتت فهو إقرارها، وإن أبت لم يزوجها " (1). والمناقشة فيها بأنها في الإذن السابقة والمناط غير منقح دفعت بعدم الخلاف في عدم الفرق وباطلاق الصحيح الإول. ويمكن أن يقال: لا إطلاق في الصحيح لأمكان أن يقال: لا يصدق الإذن في الإجازة اللاحقة. وأما الثيب فلا يكتفى في إذنها بالسكوت لأن الاكتفاء بالسكوت خلاف الأصل واكتفى في البكر من جهة الدليل ولعله يستفاد الفرق من قوله على المحكي في صحيح ابن أبي نصر " والثيب أمرها إليها " إلا أن يقال: ترك الاستفصال في حسن الحلبي و خبر داود بن سرحان يوجب التعميم حيث لم يذكر حال الأخت من جهة البكارة و الثيبوبة ومع عدم كفاية السكوت في الثيب يشكل اعتبار النطق بالخصوص فإنه يتحقق الإذن والتوكيل بالكتابة. وأما عدم جواز نكاح الأمة إلا بإذن مولاها ففي صورة كون المولى ذكرا لا إشكال فيه ولا خلاف وإنما الخلاف في التمتع بأمة المرأة فذهب الأكثر إلى أنها كأمة الرجل لا يجوز بغير إذنها، وذهب الشيخ في النهاية والتهذيب إلى جواز التمتع بها بدون إذنها ويمكن الاستدلال به للجواز ما رواه ثقة الإسلام عن سيف بن عميرة، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس بأن يتمتع بأمة المرأة بغير إذنها، فأما أمة الرجل فلا يتمتع بها إلا بأمره " (2). وما رواه التهذيب في الصحيح، عن سيف بن عميرة، عن داود بن فرقد، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يتزوج بأمة بغير إذن مواليها؟ فقال: إن كانت لامرأة فنعم، وإن كانت لرجل فلا " (3). وبهذا الإسناد، عن سيف بن عميرة، عن علي بن المغيرة قال: " سألت أبا عبد الله


(1) التهذيب ج 2 ص 223. (2) الكافي ج 5 ص 464. (3) التهذيب ج 2 ص 188.

[ 170 ]

عليه السلام عن الرجل يتمتع بأمة امرأة بغير إذنها، فقال: لا بأس به " (1). وهذه لا يوجب الاختلاف في سندها إشكالا إنما الاشكال مخالفتها لما عد من أصول المذهب وهو قبح التصرف في مال الغير بغير إذنه، مضافا إلى مخالفته لما دل على عدم الجواز إلا بإذن أهلهن، وإن أمكن التخصيص من هذه الجهة. ويمكن أن يقال: مع الإذن من طرف الشارع لا يبقى سلطنة للمالك كالإذن في قلع النخلة في قصة سمرة بن جندب والإذن في التصرف في جوائز السلطان، والإذن في التصرف في ما يتعلق به الخمس إذا انتقل من قبل من لا يعتقد بوجوب الخمس، والإذن في أكل المارة من الثمرة المتعلقة بالغير. (الرابعة إذا زوج الأبوان الصغيرين صح وتوارثا ولا خيار لاحدهما عند البلوغ، ولو زوجهما غير الأبوين وقف على إجازتهما، فلو ماتا أو مات أحدهما بطل العقد ولو بلغ أحدهما فأجاز ثم مات عزل من تركته نصيب الباقي، فإذا بلغ وأجاز أحلف أنه لم يجز للرغبة (2) وأعطى نصيبه). أما صورة تزويج الأبوين الصغيرين فلا إشكال فيها في الصحة مع ملاحظة المصلحة أو عدم المفسدة بناء على لزوم المراعاة لولاية الابوين كما مر ولا خيار لهما، أما بالنسبة إلى الصغيرة فالظاهر عدم الخلاف فيه، وأما بالنسبة إلى الصغير فعلى الأصح كما مر. وأما صورة تزويج غير الأبوين ممن لا ولاية له فيكون العقد فيها فضوليا يحتاج إلى الإجازة بعد البلوغ إن قلنا بصحة الفضولي ولو مع عدم المجيز في من لم يكن ولي أو كان ولي ولم يجز، فإن ماتا أو مات أحدهما بطل العقد لعدم تحقق الإجازة وإن أجاز أحدهما بعد البلوغ، ثم مات عزل من تركته نصيب الباقي فإذن بلغ أحلف واعطى نصيبه، والدليل على ما ذكر صحيح الحذاء قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام


(1) التهذيب ج 2 ص 188 (2) أي في الميراث

[ 171 ]

عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين، فقال: النكاح جائز وأيهما أدرك كان له الخيار وإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر إلا أن يكون قد أدركا ورضيا، قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: يجوز ذلك عليه إن هو رضي، قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي بالنكاح، ثم مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك فتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج ثم يدفع إليه الميراث ونصف المهر. قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا لأن لها الخيار إذا أدركت، قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الاب ويجوز على الغلام والمهر على الاب للجارية " (1). والمراد من وليين في صدر الرواية بقرينة ذيلها غير الأب والجد من الولي العرفي كالأخ والعم وقد يقال: إن اشتمال الرواية على تنصيف المهر لو قلنا بتمام المهر مع الفرقة بالموت لا يضر لاحتمال تقديم نصفه الآخر قبل النكاح، ولا يخفى بعده لعدم تعرض في السؤال لتقديم نصف المهر قبل النكاح، وترك الاستفصال كاف، بل يكون هذا الخبر من أدلة القائلين بالتنصيف مع تحقق الفرقة بالموت، وقد ذكر هناك أخبار كثيرة داله على التنصيف بالموت ويقال: أيضا مقتضى الصحيحة أنه لو بلغ أحدهما و أجاز لزم العقد من جهته فيترتب عليه في حقه إن كان زوجا آثار الزوجية المعقود عليها من تحريم اختها وامها والخامسة، ولو أدركت الزوجة وردت الأب انفسخ من حينه لا من حين الرد قبالا للاجازة على أحد الوجهين، ويترتب عليه أنه هل يجوز نكاح امها أم لا؟ وجهان من أن النكاح في حق الزوج كان ثابتا فارتفع بفسخ الزوجة فتحرم لأنها أم المعقودة بالعقد الصحيح اللازم من طرف الزوج ومن أن العقد إنما يتم بالطرفين فإذا لم تجز المرأة العقد فكأنه لم يقع، وهذا الوجه أقوى لأن ما دل على تحريم ام المعقود منصرف إلى عقد ثبت صحته بينهما في آن ما فيحمل قوله في الصحيحة


(1) الكافي ج 5 ص 401

[ 172 ]

" يجوز ذلك عليه إن هو رضي " على أنه يصير صحيحا لازما من طرفه ولا يجوز له فسخه لا، أنه يترتب عليه الأحكام المترتبة على تحقق عقد صحيح بينهما التي من جملتها تحريم ام المعقودة، وبعبارة اخرى دلت الصحيحة على لزوم العقد من طرفه لا ثبوت الزوجية وهو العلاقة المتحققة بين الزوجين في حقه وجريان أحكام المصاهرة في حقه قبل فسخها من حيث إنه مخاطب بوجوب الوفاء بالعقد كما يدل قوله في الصحيحة " يجوز ذلك عليه ". ومن جمله آثار هذا العقد التي يجب ترتيبها هو عدم التزوج باختها وامها والخامسة، وليس جريان أحكام المصاهرة من جهة دخول المعقود عليها في أفراد الزوجة حتى يقال: إنها منصرفة إلى غيرها، بل من جهة حكم " أوفوا بالعقود " وتعرض فقرة المذكورة في الصحيحة. ويمكن أن يقال: ما وقع عقد بين الطرفين أعني الزوج والزوجة بعد، كما أنه في البيع الفضولي ما وقع عقد بعد بين البايع والمشتري حتى يجب الوفاء به مضافا إلى أن وجوب الوفاء يرجع إلى طرف المعاهدة وبمجرد الإجازة لا يكون المجيز طرف المعاهدة والاجازة على التحقيق شأنه النقل غاية الأمر بعد تحققها يحكم بوجوب ترتيب الآثار من قبل، فقبل تحقق الإجازة نقطع بعدم تحقق الزوجية فما معنى حرمة تزوج الأخت وحرمة الخامسة، وجواز النظر إلى الأم وما معنى الانصراف المذكور فإن المنصرف عنه مصداق حقيقة ولا ازدواج في البين لا ظاهرا ولا واقعا كما أنه في البيع الفضولي لا بيع حقيقة لا ظاهرا ولا واقعا، وبعد الإجازة يحكم بالكشف الحكمي بمعنى أن يعامل معاملة الزوجية والملكية من قبل، وما يقال من أن معنى وجوب الوفاء بالعقد وجوب ما عليه ولو لم يصل إليه ماله لا نسلم بل المعاهدة في مثل البيع على الإعطاء والأخذ لا الإعطاء مجردا عن الأخذ. وكذلك في النكاح فالظاهر أن حال الاجازة من أحد الطرفين حال الايجاب قبل مجيئ القبول لا إشكال في جوازها بمعنى صحتها القابلة لأن يلحقها الإجازة من الطرف ويترتب الآثار، ولا يستفاد من جوازها نفوذها بالنسبة إلى المجيز بمعنى

[ 173 ]

وجوب ترتيب الآثار عليها. ثم إنه إذا بلغ أحدهما وأجاز ثم مات فالباقي بعده إذا بلغ وأجاز وحلف على أن الداعي له إلى الإجازة ما كان رغبة في المال أخذ الميراث المعزول والظاهر أنه يجري عليه أحكام المصاهرة وإن مات الباقي قبل الإجازة فلا شئ وإن مات بعد الإجازة وقبل اليمين فالأقوى عدم الإرث لأن اليمين من مكملات العقد بحسب النص، ثم إنه إذا كانت المرأة باقية بعد إجازة الرجل وموته وأجازت ونكلت عن اليمين فمقتضى النص حرمانها عن الإرث والمهر، وإن كان الباقي الزوج فأجاز ولم يحلف فقد يقال بتعلق المهر بذمته لأجل إقراره في ضمن إجازته وإنما يحرم بنكوله عن اليمين عن الإرث مع أن اعتبار اليمين المخالف للأصل ثبت في طرف الزوجة إذا بقيت بعد الزوج، وعلى ثبوت المهر فهل يرث الزوج منه؟ الأقوى نعم لاستلزام اجازته استحقاقه مقدار نصيبه من المهر على كل تقدير لأنه إن كان صادقا في إجازته فارثه ثابت وإن كان كاذبا فجميع المهر له بخلاف غير المهر فإنه لا يستحق نصيبه منها على تقدير كذبه في إجازته، ويمكن أن يقال: إن كان اعتبار النكاح بعد موت أحد الزوجين بحسب العقد بعد الإجازة مطابقا للقواعد بحيث لولا ورود النص كان صحيحا غاية الامر اعتبر من قبل الشرع اليمين فلابد من الاقتصار على مورد النص وهو اعتبار حلف خصوص الزوجة إذا بقيت بعد موت الزوج وأجازت. وأما من طرف الزوج الباقي بعد الإجازة فلا دليل على اعتبار الحلف فلا بد من ترتب جميع الاثار من ثبوت المهر والإرث وأحكام المصاهرة بدون الحلف وإن كان اعتبار النكاح من طرف الشارع فقط على خلاف الأصل، وقطعنا بعدم الفرق بين موت الزوج والزوجة فمع نكول الزوج عن الحلف لا وجه لثبوت المهر عليه حتى يتكلم في أنه هل يستحق منه شيئا من جهة الإرث والاجازة بدون الحلف لا أثر لها حتى يتمسك بإقراره في ضمن الإجازة. (الخامسة إذا زوجها الأخوان برجلين فإن تبرعا اختارت أيهما شاءت وإن كانا وكيلين وسبق أحدهما فالعقد له. ولو دخلت بالآخر لحق به الولد واعيدت إلى

[ 174 ]

الأول بعد قضاء العدة، ولها المهر للشبهة وإن اتفقا بطلا، وقيل: يصح عقد الأكبر). إن تبرع الأخوان يكون العقد فضوليا فالاختيار للأخت وإن كانا وكيلين و سبق أحدهما فالعقد له ويكون عقد الآخر باطلا، ومع الدخول مع الشبهة اعيدت إلى الأول ولحق به الولد للشبهة، ولها المهر، وعليها العدة. ومع تقارن العقدين المشهور بطلانهما لأن الحكم بصحة أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح. ويمكن النقض بما لو أسلم الزوج وله خمس زوجات حيث يحكم باختيار أربع منهن فالاحتياط بتطليقها لا الحكم ببطلان النكاح وعدم الحاجة إلى الطلاق، وأما القول بصحة عقد الاكبر فهو مختار الشيخ في كتابي الأخبار والعلامة في المختلف إلا أن يدخل بها الآخر والأصل في ذلك خبر الوليد بياع الاسقاط " سئل أبو عبد الله عليه السلام و أنا عنده عن جارية كان لها أخوان زوجها الأكبر بالكوفة وزوجها الأصغر بأرض اخرى، قال: الأول أحق بها إلا أن يكون قد دخل بها، فإن دخل بها فهي امرأته ونكاحه جائز (1) " المحمول على صورة الاقتران بمقتضى الأصول كالمحكي من عبارة النهاية. واستشكل في العمل بالرواية من جهة ضعف السند وعدم الجابر، ويمكن أن يقال الحمل على المقارنة بعيد لغلبة عدم المقارنة مع ترك الاستفصال مضافا إلى أنه كيف يمكن العلم بالمقارنة مع وقوع العقدين في أرضين حيث إن المقارنة تتحقق بمقارنة الحرف الاخير من القبول مع مثله فالأولى حمل العقدين على الفضوليين فالأولى أن يجيز الأخت عقد أكبر الأخوين ومع الدخول بها قد اختارت الداخل بها ولا محذور فيه. " السادسة لا ولاية للأم، فلو زوجت الولد فأجاز صح، ولو أنكر بطلت وقيل: يلزمها المهر ويمكن حمله على دعوى الوكالة ويستحب للمرأة أن تستأذن أباها بكرا كان أو ثيبا وأن توكل أخاها إذا لم يكن لها أب ولا جد وأن تعول على الأكبر


(1) الكافي ج 5 ص 397 والتهذيب ج 2 ص 223

[ 175 ]

وإن تختار خيرته من الأزواج). أما عدم ولاية الأم فلما دل على عدم الولاية لغير من ثبت بالأدلة ولايته كصحيح ابن مسلم " في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم " (1) وصحيحة الحذاء المتقدمة الدالة على أنه إذا زوج الصغير غير الأب وقف التوارث بعد موت أحدهما على بلوغ الباقي وإجازته للنكاح والمخالف الاسكافي وقد حكي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه أمر نعيم بن نجاح أن يستأمر ام ابنته في أمرها وقال: " اعتمروهن في بناتهن ". والخبر ضعيف السند فمع عدم الولاية لو زوجت الولد يكون العقد فضوليا يحتاج إلى الإجازة ولو أنكر بطل العقد، وعن الشيخ أنه إن رد لزمها المهر واستدل عليه بخبر محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام " أنه سأله عن رجل زوجته امه وهو غائب قال: النكاح جائز إن شاء الزوج قبل وإن شاء ترك فإن ترك الزوج تزويجه فالمهر لازم لأمه " (2). وعن الشيخ في النهاية الفتوى به لكن الرواية ضعيف السند (3) والمشهور لم يعملوا بها وربما حملت على صورة دعوى الوكالة من الأم ولم تثبت لانها حينئذ قد فوتت البضع على المرأة، واستشكل بأن ضمان البضع بالتفويت مطلقا ممنوع، وإنما المعلوم ضمانه بالاستيفاء على بعض الوجوه لا مطلقا، نعم ذكر في باب الوكالة أخبار وفيها الصحيح دالة على الضمان بدعوى الوكالة بنصف المهر، والتعليل بأنه ضيع حقه بترك الإشهاد وهو خلاف ما يظهر من هذه الرواية من ضمان تمام المهر. وأما استحباب استيذان المرأة أباها فللأخبار التي سبق ذكرها الظاهرة في أن أمرها بيد الأب المحمولة على تأكد أن يجعل أمرها إليه وهي وإن كان غالبها مختصة بالبكر لكن في بعضها إطلاق يشمل الثيب فلاحظ ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس


(1) التهذيب ج 2 ص 223 (2) تقدم عن الكافي ج 5 ص 401 و 402. (3) لأن فيه اسماعيل بن سهل الدهقان قال النجاشي والعلامة: ضعفه أصحابنا

[ 176 ]

لها مع أبيها أمر، فقال: يستأمرها كل أحد ما عدى الأب " (1). هذا ولكن يشكل استفادة الاستحباب من تلك الأخبار، بل هي معارضة مع ما دل على استقلال البكر، وأما الثيب فلا إشكال في استقلالها للأخبار فمع الأخذ بالاخبار الدالة على الاستقلال وحمل ما يعارضها على الاستحباب يتم ما ذكر لكنه مشكل للإباء عن هذا الحمل. وأما استحباب توكيل الأخ إن لم يكن لها أب أو جد والتعويل على الأكبر فلمرسل الحسن بن علي، عن الرضا عليه السلام " الأخ الأكبر بمنزلة الأب " (2) و يستفاد منه التعويل على الأكبر ولعله يستفاد مما دل على أن من بيده عقدة النكاح الأخ استحباب توكيل الأخ مطلقا فتأمل. (الفصل الثالث في أسباب التحريم وهي ستة النسب ويحرم به سبع الأم وإن علت والبنت وإن سفلت والأخت وبناتها وإن سفلن والعمة وإن ارتفعت وكذا الخالة وبنات الأخ وإن هبطن). السبع المذكورة هي التي تضمنها الآية الشريفة " حرمت عليكم امهاتكم و بناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت "، والمراد بالأم هنا وإن علت هي كل امرأه ولدتك أو انتهى نسبك إليها من العلو بالولادة لأب كان أو لأم، والمراد بالبنت كل من ينتهى إليك نسبها بالتولد ولو بوسائط والمراد بالأخت وابنتها كل امرأة ولدها أبواك أو أحدهما أو انتهى نسبها إليهما أو إلى أحدهما بالتولد ونحوها بنت الأخ. والمراد بالعمة فصاعدا هي كل انثى هي اخت ذكر ولدك بواسطة أو غير واسطة من جهة الأب أو الأم أو منهما. والمراد بالخالة فصاعدا كل انثى هي اخت انثى ولدتك بواسطة أو غير واسطة والمراد بقولنا " فصاعدا " في العمة والخالة لتدخل عمة الأب والأم وخالتهما وعمة


(1) الكافي ج 5 ص 393 والتهذيب ج 2 ص 221 والاستبصار ج 3 ص 235. (2) التهذيب ج 2 ص 225

[ 177 ]

الجد والجدة وخالتهما، وهكذا الأعمة العمة وخالة الخالة فانهما قد لا تكونان محرمتين وقد تكونان محرمتين، فاما بالنسبة إلى العمة فإن عمة العمة قد تكون محرمة كما إذا كانت العمة القريبة عمته لأبيه وامه أو لأبيه، فعمة هذه العمة تكون اخت جده لأبيه فتكون عمته تحرم عليه مثل عمته القريبة وقد لا تكون محرمة، كما لو كانت عمته القريبة عمة لأم بمعنى أنها اخت أبيه من الأم فعمتها حينئذ تكون اخت زوج جدته أم أبيه، واخت زوج الأم لا تحرم فاخت زوج الجدة أولى. وأما بالنسبة إلى الخالة الخالة فإن الخالة القريبة قد تكون خالة لأب وأم أو لأم بمعنى أنها اخت أمه من الأبوين أو من الأم فخالتها على هذا تحرم عليه لأنها اخت جدته لأمه. أما لو كانت خالته لأب خاصة بمعنى أنها اخت أمه من الأب خاصة فإنها لا تحرم عليه لأن أم خالته القريبة تكون امرأة جده لا أم اختها فاختها تكون اخت امرأة الجد، واخت امرأة الجد لا تحرم عليه. ثم لا يخفى أن ما تضمنته الآية الشريفة من التحريم على الرجال مستلزم للتحريم على النساء فكما يحرم على الرجل أمه يحرم على الأم ابنها. (الثاني الرضاع ويحرم منه من النسب وشروطه أربعة: الأول أن يكون اللبن عن نكاح فلو در أو كان عن زنا لم ينشر، الثاني الكمية وهي ما أنبت اللحم و شد العظم، أو رضاع يوم وليلة، ولا حكم لما دون العشر، وفي العشر روايتان أشهرهما أنها لا ينشر، ولو رضع خمس عشرة رضعته تنشر). الرضاع من الأسباب الموجبة لحرمة النكاح في الجملة، ويدل عليه كتاب العزيز والنصوص الكثيرة، وقبل التعرش لما يعتبر في نشر الحرمة لابد من ذكر امور أحدها أنه قد ذهب بعض الاعلام من المتأخرين إلى أنه يحرم من جهة الرضاع ما يحرم من النسب، سواء كان الحرمة من النسب لذاته كالأم أو للملازمة مع ذلك كام الأخ من الأبوين الملازمة لكونها اما له. وقد ذكر لعدم تمامية هذا القول بعد تمهيد مقدمة وهي أنه كما أن القرابة

[ 178 ]

تكون عند العرف منشأ لانتزاع عناوين خاصة كالأبوة والامومة والأخوة من العناوين النسبية كذلك الرضاع الذي هو عبارة عرفا بل لغة عن امتصاص الطفل ثدي المرأة لشرب اللبن يكون عندهم بمنزلة النسب في كونه منشأ لتلك العناوين الخاصة، فإذا أرضعت امرأة من لبن فحلها طفلا يكون ذلك الطفل عندهم بمنزلة ابنهما ويكونان بمنزلة أبويه ويكون ابنهما النبسي بمنزلة أخيه أنه ليس المراد من قوله صلى الله عليه واله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (1) أن نفس ما يحرم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع بل المراد أن كل عنوان من العناوين النسبية المحرمة شرعا إذا حصل نظيره بسبب الرضاع يكون حكمه حكمه، وإنما عبر عن هذا المعنى بتلك العبارة للتنبيه على اعتبار اتحاد ما يحصل بالرضاع من العنوان صنفا مع ما يحصل بالنسب من العنوان المحرم، فالنبوي ناظر إلى أدلة تحريم العناوين النسبية ويكون في مقام تنزيل العناوين الحاصلة بالرضاع منزلة العناوين الحاصلة بالنسب في الحكم، فيكون المراد من الموصول العناوين الخاصة النسبية التي تعلق بها التحريم في موارد النصوص ومعاقد الاجماعات كالأم والأخت دون الأعم منها ومن العناوين الملازمة لهما كأم الأخ والأخت من الأبوين الملازم لعنوان الأم، سلمنا عدم ظهوره في خصوص المتصف بالحرمة ذاتا لكن ظهوره في الأعم ممنوع جدا ففي غير المتيقن يرجع إلى الأصول العملية. ويمكن أن يقال: ما ذكر في المقدمة من إيكال ما ذكر إلى العرف يشكل فإنه ربما يشك في صدق الأمومة بامتصاص الصبي ثدي المرأة للشرب عشر مرات أو خمس عشرة مرة فلابد من الرجوع إلى الشرع فيؤخد بحكم الشرع تعبدا كما يؤخذ بحكم الشرع بحصول العادة للحائض برؤية الدم مرتين في شهرين بنحو واحد وما ذكر بعد تمهيد المقدمة يشكل لأنه لا نجد الفرق بين ما نحن فيه وبين ما قام البينة عليه أو أخبر العدل أو الثقة به حيث يلتزمون بترتيب الأثر على ما يكون ملازما لما قامت البينة عليه وما أخبر به العدل أو الثقة مع أن الدليل لا يدل إلا على تصديق البينة أو العدل فيما قامت عليه البينة أو أخبر به العدل وكذلك في باب الإقرار فإن دليل


(1) الفقيه باب الرضاع تحت رقم 5.

[ 179 ]

نفوذ الإقرار لا يدل إلا على نفوذه فيما أقر به لا لوازم المقر به مع أنهم يأخذون باللوازم. ثم إنه ذكر في رد ما تمسك به لعموم المنزلة من أنه لا شك في أن ام ولد البنت من النسب بنت وكل بنت محرمة من جهة النسب فينتج أن ام ولد البنت محرمة من جهة النسب وتجعل هذه النتيجة صغرى لكبري اخرى، ويقال: كل ما يحرم من النسب يحرم من الرضاع فينتج أن أم ولد البنت تحرم من الرضاع إن جعل نتيجة القياس الأول صغرى للقياس الثاني لا يصح لما عرفت من أن المراد من الموصول خصوص العناوين المحرمة المذكورة في الكتاب والسنة وليس عنوان أم ولد البنت منها بل لا يصح التمسك لعموم المنزلة ولو على كون المراد الأعم من العناوين المحرمة في لسان الشارع ومن العناوين الملازمة لها وذلك لأن العناوين الملازمة إنما تحرم في النسب لأجل ملازمتها للعناوين المحرمة بالذات ويقيد اتصافها بها ضرورة أن ام ولد بنت الشخص مثلا إنما تكون محرمة عليه من جهة النسب بعنوان كونها بنتا له لا بعنوان كونها ام ولد بنته إذ لا نسب بينها وبين الشخص من جهة هذا العنوان فالمحرم في النسب هي أم ولد البنت المقيدة بكونها بنتا وأخت الأخ المقيدة بكونها اختها وهكذا ومن المعلوم عدم حصول هذه العناوين المقيدة بالرضاع كي تحرم من جهته كما تحرم من جهة النسب، ويمكن أن يقال: إذا اتحد مفهوم البنت على ام ولد البنت فتكون ام ولد البنت منسوبة إلى الشخص بمقتضى الحمل الشايع ولا إشكال في أن الموضوع في هذه القضية ما صدق عليه ام ولد البنت فقط لا أم ولد البنت المقيدة بكونها بنتا فإذا قيل: العالم متغير فمفهوم المتغير محمول على ما صدق عليه العالم لا بقيد أنه متغير حتى يصير العالم المتغير متغير، فإذا كانت ام ولد البنت منسوبة من جهة اتحاد مفهوم البنت عليها فام ولد البنت في الرضاع تحرم أخذا بالنبوي المشهور بناء على كون المراد الأعم. ثم إنه ذكر أنه يمكن الاستدلال لعموم المنزلة بما ورد من تعليل النهي عن تزويج أب المرتضع بعض أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللبن بأن ولدها صارت بمنزلة

[ 180 ]

ولده فإن مقتضى تنزيل أولادها أولادا له هو تحريم كل من كان حراما عليه أو على أولاده وإخوانه وأخواته لو كان أولاد المرضعة أولادا له حقيقة لأنه كما تحرم عليه بناتها لأنهم صرن بناتا له، كذلك يحرمن على جميع أولاده لأنهن صرن أخوات لهم ويحرمن على إخوانه لأنهم صاروا أعماما لهن. واجيب بما حاصله نفي الاطلاق في التنزيل بلحاظ جميع الآثار تارة من جهة الانصراف إلى خصوص مورد السؤال واخرى من جهة عدم الظهور فيؤخذ بالقدر المتيقن. ويمكن أن يقال: لعل العرف لا يساعد على ما ذكر فإذا سئل العبد عن إكرام زيد فأجاب المولى بقوله أكرمه لأنه عالم يستفاد منه وجوب إكرام كل عالم لا خصوص زيد وفي باب الاستصحاب مورد السؤال في خبر زرارة الشبهة الموضوعية ومع هذا يأخذ القائلون بحجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية بالاطلاق مع وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب والحاصل أنه إذا كان المتكلم في مقام البيان كما هو مقتضى الأصل فلابد من بيان ماله دخل في الحكم ووجود القدر المتيقن ليس بيانا والانصراف لابد أن يكون واضحا حتى يكون بمنزلة التقيد. الثاني من الأمور أن العناوين المحرمة منها ما يكون تحريمه مستندا إلى النسب وحده فيكون النسب كالعلة التامة للتحريم كالأم والبنت والأخت، ومنها ما يكون تحريمه مستندا إلى العنوان المتحصل من النسب ومن غيره فيكون النسب كجزء العلة كأم الزوجة التي يكون تحريمها مستندا إلى عنوان المصاهرة المتحصلة من ثبوت الزوجية بين الرجل والمرأه وثبوت النسب بين الزوجة وامرأة اخرى لا إشكال في سببية الرضاع لنشر الحرمة فيما لو كان العنوان المتحصل به من قبيل القسم الأول وإنما وقع الاشكال في سببيته للنشر فيما إذا كان العنوان المتحقق به من قبيل القسم الثاني، ومن هنا استشكل غير واحد في حرمة ام الزوجة واختها الرضاعيتين وقد يقال: إن الحق سببيته للنشر في هذا القسم أيضا وذلك لصحة استناد تحريم ام الزوجة واختها على الزوج إلى النسب وإذا صح استناد التحريم إلى النسب يعم إطلاق قوله صلى الله عليه واله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وتوهم أن المراد بالنسب في

[ 181 ]

النبوي هو النسب المتحقق بين المحرم والمحرم عليه يدفعه إطلاق لفظ النسب الموجب للتحريم سواء كان بين المحرم والمحرم عليه أم بين أحدهما وزوج الآخر، ومن هنا يصح الأخاذ بالنبوي في تحريم مرضعة الغلام الموقب واخته وبنته الرضاعيتين على الموقب بالكسر وتحريم ام الزوجة وإن كان من جهة المصاهرة لا النسب إلا أنه لما كانت المصاهرة قائمة بأمرين ثبوت الزوجية وثبوت القرابة والنسب بين الزوجة وامرأة يكون التحريم مستندا أيضا ويكفى في صحة التنزيل الجزئية للموضوع مع إحراز الجزء الآخر بالوجدان. ويمكن أن يقال: لا إشكال في صحة استناد التحريم مع عدم كون النسب بمنزلة العلة التامة وكونه جزء العلة لكن مع التشكيك في الأمر السابق والأخذ بالمتيقن أو دعوى الانصراف كيف يؤخذ بالإطلاق هنا فلقائل أن يقول: إذا نسب التحريم إلى النسب فالقدر المنصرف إليه أو المتيقن هو صورة كون النسب بمنزلة العلة التامة لا جزء العلة ومجرد صحة الاستناد لا يكفى. الامر الثالث إذا شك في اعتبار جزء في نشر الحرمة بالرضاع فهل مقتضى الأصول اللفظية والعملية هو نشرها به مع عدم تحقق ذلك القيد المشكوك أو العدم؟ قد يقوي العدم لأصالة عدم وجود سبب التحريم المانع عن تأثير عقد النكاح حدوثا وبقاء، ولا مجال للتمسك بالاطلاقات والنبوي " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " لكونها مسوقة لبيان أن الرضاع كالنسب في السببية، وأما إن السبب ما هو فليس بصدد بيانه، ويدل عليه كثرة التقييدات. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من أصالة عدم وجود سبب التحريم فيشكل من جهة عدم الشك في الخارج وهذا نظير الشك في تحقق المغرب باستتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية فيقال بعد تحقق الاستتار الموجب لوجوب صلاة المغرب إن كان الاستتار فقد تحقق وإن كان ذهاب الحمرة فلم يتحقق فأين الشك، نعم يحصل في الموجب لكنه ليس ذا أثر بل الوجوب مترتب على أحد الأمرين وليس واحد منهما موردا للشك ففي المقام بعد تحقق العشر لو شك في أن الناشر عشر رضعات أو خمس عشرة رضعة

[ 182 ]

مثلا لا شك في الخارج لأن العشر تحقق قطعا وخمس عشرة لم تتحقق قطعا. وأما ما ذكر من عدم الإطلاق فإن كان مجرد الاحتمال أعني احتمال عدم كون المتكلم في مقام البيان كافيا في عدم الإطلاق أشكل الامر في كثير من المطلقات، الفاقدة لذكر القيود أو الاستثناء الموجبة للعلم بكونه في مقام البيان وإن كان الأصل كونه في مقام البيان إلا أن يحرز من الخارج خلافه فليس في مقامنا ما يظهر منه عدم كونه في مقام البيان، هذا مع أن هذا لا يجتمع مع القول بعدم الحاجة إلى مقدمات الحكمة و إحراز كون المتكلم في مقام البيان، بل يقال: الأصل يقتضي تعلق الحكم بمتعلقه بالذات لا بالعرض والمجاز فإذا قال المولى لعبده: أكرم العالم وشك في اعتبار العدالة تقول لو كان للعدالة مدخلية لكان تعلق الوجوب بإكرامه بالعرض والمجاز لأن المتعلق بالمركب تعلقه بالجزء ليس بالذات بل بالعرض وإن كان ما ذكر محل تأمل، هذا مع أن إنكار الإطلاق هنا كيف يجتمع مع الأخذ بالإطلاق من جهة تمام السبب وجزء السبب للتحريم. وأما ما ذكر من الاستدلال بكثرة التقييد على عدم كونه في مقام البيان فالظاهر أنها لا تضر بالاطلاق مع كون الباقي أكثر مما خرج، نعم قد سبق أنه إذا كان اللازم حصول مماثل العناوين الحاصلة بالنسب بالرضاع كالأمومة والأخوة والبنوة فكثيرا يحصل الشك في حصولها بالرضعات، فلا مجال للأخذ بالإطلاق. واما الشروط: فمنها أن يكون اللبن عن نكاح فلا عبرة بما إذا در لا عن وطي أو عن وطي بالزنا، واستدل عليه بالأخبار. منها صحيحة عبد الله سنان وحسنه بابن هاشم قال:: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لبن الفحل قال عليه السلام: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ولد امرأة اخرى وهو حرام " (1). ومنها صحيحة بريد العجلي عن الصادق عليه السلام " كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة اخرى من غلام أو جارية فذلك الرضاع الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


(1) الكافي ج 5 ص 440

[ 183 ]

يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (1). ورواية يونس بن يعقوب، عن امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكرانا و إناثا أيحرم بذلك ما يحرم من النسب؟ فقال عليه السلام: لا " (2). والظاهر أنه لابد أن يكون اللبن عن حمل فإن اللبن المضاف إلى الفحل والولد ما تكون بعد الوطي والعلوق والحمل وتخلق الولد. والأصل في القيود الاحترازية ولا يبعد عدم اعتبار خصوص الوطي وكفاية حصول الولد من ماء الرجل بدون الوطي كما لو سبق ماؤه بالملاعبة مع المرأة فحملت لأن المناط إضافة اللبن إلى الفحل والولد. وهل يعتبر في النشر انفصال الولد أو يكفي الحمل؟ قولان قد يقوي الثاني لا من جهة إطلاق الأدلة بل لقوله عليه السلام على المحكي في صحيحة بريد المتقدمة " كل أمرأة أرضعت من لبن فحلها - الخ ". وصحيحة ابن سنان المتقدمة " ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك " و يشكل من جهة الشك في صدق الولد على الحمل. ودفع هذا الاشكال بأن عدم صدق الولد على الحمل عرفا لا يقتضي عدم صدق لبن الولد على اللبن الموجود حال الحمل مشكل فإنه كيف يضاف اللبن الموجود إلى ما يتولد بعد مدة ولا أقل من الشك مضافا إلى رواية يونس بن يعقوب المتقدمة، والاشكال فيها بضعف السند مشكل فإن هذه الرواية رواها في الكافي ورواه الصدوق باسناده، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن يعقوب وروى الشيخ، عن يعقوب بن شعيب قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكرانا وإناثا أيحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع فقال لي لا " (3).


(1) الفقيه باب الرضاع رقم 5. (2) الكافي ج 5 ص 446. (3) التهذيب ج 2 ص 206 والفقيه باب الرضاع تحت رقم 22. والكافي ج 5 ص 446.

[ 184 ]

وبهذا الخبر استدل العلامة في التذكرة على أن لبن الأحبال لا حرمة له، وقد يحمل رواية يونس على ما إذا در اللبن لا عن حمل، ويقال في جواب من يتوهم أنه لا وجه لهذا الحمل مع كون الرواية أخص بل لابد من تخصيص المطلقات أن الصحيحتين المتقدمتين حيث تكونان في مقام التفسير والبيان تكونان كالنص الصريح في الإطلاق فلا محيص عن الأخذ باطلاقهما بماله من الحدود والقيود إلا فيما قام دليل قطعي على الخلاف كما في المملوكة والمحللة حيث لا خلاف في شمول الوطي الصحيح للوطي بملك اليمين والتحليل أيضا مع عدم صدق لبن فحلها ولبن امرأتك. ويمكن أن يقال: الصحيحتان ليستا كذلك ألا ترى أن ظاهرهما كفاية مجرد الإرضاع بدون تعيين الكمية والمقدار مع اعتبار الكمية بحسب الأدلة، ثم إنه لا إشكال في نشر الحرمة بالارتضاع من المملوكة والمحللة، وإنما الإشكال في الوطي بالشبهة من جهة عدم شمول الصحيحتين مع أن المشهور إلحاقه بالوطي الصحيح ولعل نظرهم إلى المطلقات فمع الإشكال في إطلاقها من جهة عدم كونها في مقام البيان يشكل نشر الحرمة إلا أن يدل دليل على ترتب جميع ما يترتب على الوطي الصحيح على الوطي بالشبهة. ثم إنه هل يعتبر في انتشار الحرمة شرب اللبن على نحو الامتصاص من الثدي أولا؟ قولان قد يقوي الأول لاختصاص الارتضاع عرفا ولغة به وعدم صدقه على الشرب بالوجور (1) ولا أقل من الشك فيرجع إلى أصل، وقيل: بالاكتفاء بالوجور وشرب المحلوب منه ولعله إما لدعوى صدق الارتضاع وإما لدعوى تنقيح المناط وان علة الموجبة للتحريم هي إنبات اللحم وشد العظم كما يظهر من غير واحد من الأخبار وأما لصريح المرسل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وجور الصبي اللبن بمنزلة الرضاع " (2). واستشكل بمنع صدق الارتضاع، وعلى فرض التسليم لا يجدى مع الانصراف


(1) الوجور: الصب في الحلق. (2) الفقيه باب الرضاع: 23.

[ 185 ]

إلى خصوص الامتصاص ومنع كون العلة مطلق الإنبات والشد بل العلة الانبات والشد الحاصلان بالامتصاص، وضعف المرسل المذكور مع عدم الجابر بل وجود الموهن لاعراض المشهور، وأورد على المرسل بمعارضتها برواية زرارة عن الصادق عليه السلام " لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتفعا من ثدي واحد حولين كاملين " (1) حيث إنها صريحة في اعتبار الارتضاع، وأجيب بأن المرسلة ناظره إلى ما هو الموضوع للحكم في الرواية المزبورة فتكون حاكمة، وثانيا بأن ما تضمنته الرواية من تحديد مقدار الرضاع بالحولين خلاف الإجماع وضعف الجواب بأن المرسلة إنما دلت على أن الوجور بمنزلة الرضاع لا أنه بمنزلة الارتضاع وإمكان أن يكون التقييد بالحولين في الرواية للدلالة على إعتبار كون الرضاع قبل الفطام فيكون الحولان ظرفا لأصل الرضاع لا لمقداره ويشكل التضعيف المذكور حيث إن الرضاع والارتضاع مثل الكسر والانكسار، فإذا دل الدليل على أن الوجور بمنزلة الرضاع كفى في الحكومة، وحمل الحولين على ما ذكر بعيد لا يصار إليه، ثم أورد على الرواية المذكورة بأن ما تضمنته من اعتبار اتحاد المرضعة في نشر الحرمة بين المرتضعين وعدم كفاية اتحاد الفحل خلاف الإجماع المدعى في كلام بعض ولما دل على كفاية اتحاد الفحل، ثم وجهت الرواية بأن يقال: إن لفظة " واحد " ليست صفة للثدي بل صفة للرجل المحذوف، والمعنى إلا ما ارتضعا من ثدي يكون مختصا برجل واحد. ولقائل أن يقول: هذا التوجيه لا يناسب مع وصف الثدي بالواحد بل يناسب مع الإضافة وحيث لم يعلم كيفية الصدور من الإمام عليه السلام بأي نحو كانت لا مجال للاستدلال بها، ثم إنه يعتبر في اللبن أن يكون من امرأة واحدة ومن فحل واحد فلو انتفى أحد الأمرين فلا نشر، ويدل على ذلك قوله عليه السلام في موثقة زياد بن سوقة الآتية لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد. وقوله عليه السلام في صحيحة بريد العجلي المتقدمة " كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة اخرى من جارية أو غلام فذلك هو الرضاع الذي قال رسول


(1) الفقيه: 14.

[ 186 ]

الله صلى الله عليه واله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". والمراد من فحلها الشخصي لا النوعي بقرينة قوله بعد ذلك " وكل امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحدا بعد واحد فإن ذلك الرضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول الله صلى الله عليه واله: ولا يعارض ما ذكر بعض الأخبار المطلقة لعدم التعارض بين المطلق والمقيد. ومن شروط النشر الكمية وبلوغ الرضاع حدا خاصا فلا يكفي مسمى الرضاع، ويدل على اعتبارها الأخبار والأصحاب تبعا لأخبار الباب قدروا بتقديرات ثلاث أحدها التقدير بالأثر وهو ما أنبت اللحم وشد العظم، ويدل عليه الأخبار المستفيضة منها صحيحة علي بن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: ما أنبت اللحم وشد العظم، قلت: يحرم عشر رضعات؟ فقال: لا، لأنها لا تنبت اللحم ولا تشد العظم " (1). ويظهر من بعض الأخبار التحديد بما أنبت اللحم والدم كخبر حماد بن عثمان في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم (2) ". وقد يقال في دفع المعارضة بإمكان أن تكون بين إنبات اللحم والدم وبين اشتداد العظم ملازمة وجودا وعدما ومعه لا علم بالمعارضة وعليه فلو علم بانبات اللحم والدم تعين الحكم بالنشر ولو لم يعلم باشتداد العظم وذلك لاطلاق ما دل على النشر به السالم عما يعارضه عدى أصالة عدم الاشتداد وهي لا تصلح لمعارضة الاطلاق. ويمكن أن يقال: مع التحديد بالحد الخاص لابد في ترتيب الأثر من إحراز الحد، ومجرد احتمال كون حد خاص آخر ملازما مع الحد لا يوجب ترتيب الاثر ولا مجال لان يقال: لا مانع من الأخذ بكلا الحدين كما في حد الترخص


(1) التهذيب ج 2 ص 203 (2) التهذيب ج 2 ص 203

[ 187 ]

للمسافر للتعبير بأنه: لا يحرم إلا ما أنبت - إلخ. والحمل على الحصر الإضافي بعيد، وما يقال من إمكان إحراز حصول الاشتداد بذلك الاطلاق ينافي ما هو المعروف من أن أصالة العموم والاطلاق يؤخد بها مع الشك في المراد لا فيما كان المراد معلوما، ولا مجال لجعل أحدهما طريقا إلى الآخر لعدم أعرفية أحدهما من الآخر، مضافا إلى أنه لم يظهر طريقية أحدهما المعين والطريق لا بد من معرفته والذي يسهل الخطب الرجوع إلى عدد الرضعات أو الإرضاع يوما وليلة. الثاني من التقديرات التقدير بالزمان والمعروف أنه يوم وليلة، ويدل عليه موثقة زياد بن سوقة قال: " قلت لأبي جعفر عليهما السلام هل للرضاع حد يؤخذ به؟ فقال: لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشر رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد ولم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها - الخبر " (1). ولا مجال للخدشة في السند من جهة عمار بعد كونها معمولا بها، واشتمال السند على ابن محبوب الذي هو مما أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عنه، ومقتضى إطلاقها الاكتفاء بما هو المتعارف من الرضاع في اليوم والليلة فلا يعتبر إكمال الرضعة في كل مرة بل يكفي الإكمال بمرة اخرى ولا التوالي فلو تخلل بين رضعاته يسير من الطعام بحيث لا يغني عن شرب ما اعتاده من اللبن ينشر الحرمة ولا ينافي في ذلك قوله: " متواليات " لظهور كونه قيدا للتقدير الثاني ولو منع ذلك وقيل بالإجمال لاحتمال رجوعه إلى التقديرين يرجع إلى إطلاق صحيحة بريد العجلي المتقدم. ويمكن أن يقال: لا إطلاق للصحيحة لأن مقتضى إطلاقه الإكتفاء بالمسمى، ويمكن أن يكون الدليل متعرضا للتحديد من جهة دون جهة اخرى فإذا بني على التشكيك في أمثال المقام أمكن التشكيك فيه إلا أن الرجوع إلى تقدير الأول لعله لا يطابق القواعد العربية لعدم ذكر العدد فيه حتى يصح وصفه بالجمع. وقد يقال: تكفي في صدق يوم وليلة التلفيق ولو شك في ذلك ترجع إلى إطلاق الصحيحة ووجه الصدق أنه يفهم من التعبير بيوم وليلة مقدارهما بحسب الزمان ألا ترى أنه يقال: سافرت يوما


(1) التهذيب ج 2 ص 204

[ 188 ]

وليلة ولو مع عدم وقوع ابتداء المسافرة في ابتداء اليوم ولازم ذلك كفاية إرضاع أربع وعشرين ساعة تقريبا ولو كان تمام المدة ليلا أو نهارا كما في البلاد القريبة من القطب والأخذ بإطلاق الصحيحة الكلام فيه ما ذكر آنفا. الثالث من التقديرات التقدير بالعدد وقد اختلف فيه الأصحاب لاختلاف أخبار الباب فالمحكي عن ابن جنيد كفاية رضعة واحدة كاملة مستندا في ذلك إلى عموم الكتاب والسنة وخصوص غير واحد من الروايات كمكاتبة علي بن مهزيار " عما يحرم من الرضاع قال: عليه السلام إذا ارتضع حتى تملا بطنه فإن ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يحرم " (1). ورواية السكوني " والنبوي " يحرم بالرضعة ما يحرم الحولان (2). والعلوي " الرضعة الواحدة كالمائة رضعة " (3). وهذا القول ضعيف جدا لمعارضة ما استدل به عليه من الأخبار مضافا إلى ضعفها سندا بالكتابة والإضمار والإرسال وموافقة العامة بالنصوص الدالة على عدم النشر بما دون العشر كرواية الفضيل الموصوفة بالصحة في كلام بعض عن الباقر عليه السلام قال: " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان مجبورا، قلت: وما المجبور؟ قال عليه السلام: أم تربي أو ظئر تستأجر أو أمة تشترى، ثم ترضع عشر رضعات يروي الصبي وينام " (4). وبالنصوص الدالة على عدم النشر بما دون خمس عشرة رضعة كصحيحة علي بن رئاب وموثقة زياد بن سوقة المتقدمتين، وموثقة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول عشر رضعات لا يحرمن شيئا ولا ينبغي الإشكال في ترجيح هذه النصوص على تلك الأخبار لما في هذه من الصحة سندا والقوة دلالة واستناد المشهور إليها عملا بخلاف تلك. ولقائل أن يقول: مقتضى صحيحة عبد الله بن سنان أو حسنه بابن هاشم وصحيحة بريد العجلي المتقدمتين إن قلنا: بأنهما في مقام البيان من جميع الجهات تؤيد قول ابن الجنيد وليس فيهما ضعف بحسب السند أو الإضمار أو الكتابة، وإن


(1 و 2 و 3) التهذيب ج 2 ص 204 (4) الفقيه باب الرضاع تحت رقم 12.

[ 189 ]

قلنا: بأنهما ليستا في مقام البيان مع جميع الجهات فلا مجال للأخذ بإطلاقهما في محل الشك كما سبق نعم المعارضة باقية على تقدير الإطلاق والمحكي عن أكثر المتقدمين هو التحديد بالعشر مستندا في ذلك إلى بعض النصوص الدالة على نشر الحرمة بالعشر إذا كانت متوالية. كرواية الفصيل المتقدمة، وموثقة عمر بن يزيد قال: " سألت الصادق عليه السلام عن الغلام يرضع الرضعة والرضعتين فقال: لا يحرم فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، فقال عليه السلام: إذا كانت متفرقة فلا " (1). ورواية هارون بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يحرم من الرضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم، وأما الرضعة والرضعتان والثلاث حتى بلغ عشرا إذا كن متفرقات فلا بأس - الخبر (2) ". والمحكي عن أكثر المتأخرين هو التحديد بالخمس عشرة رضعة واستدل عليه بصحيحة علي بن رئاب وموثقة زياد بن سوقة المتقدمتين، وفي مقام المعارضة مع ما دل على كفاية العشر يجاب بتقديم ما دل على عدم كفاية العشر لكونهما أصح سندا وأقوى دلالة منها، فمع تسليم مقاومة ما دل على كفاية العشر سندا ودلالة من جهة ذهاب القدماء إلى الكفاية يقال: إن المرجع هو الأصل القاضي بالتحليل لا إطلاقات الأدلة الدالة على سببية الرضاع للتحريم من الكتاب والسنة للمنع عن كونها إلا في مقام أصل التشريع، ولو سلم الإطلاق فلا مجال أيضا لأن التمسك بها في المقام من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لما سبق من أن المراد من قوله: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " هو تنزيل ما يحصل بالرضاع من العناوين منزلة ما يحصل منها بالنسب في الحكم. ومن المعلوم أن مجرد تحقق مسمى الرضاع لا يكون عند العرف موجبا لحصول تلك العناوين بل لابد من حصولها بها عرفا من بلوغه إلى مقدار كثير فمع الشك في كفاية عشر رضعات لا مجال للتمسك.


(1) الكافي ج 5 ص 439 (2) المصدر ج 5 ص 439 و 440.

[ 190 ]

ويمكن أن يقال: ما ذكر في تفسير النبوي يشكل من جهة أن حصول مثل الأمومة والأخوة والبنوة بنظر العرف كيف يتحقق برضاع ليلة ويوم وخمس عشرة رضعة إلا بالتنزيل وكيف يكون الحكم مرتبا على ما لا يتحقق إلا بالتنزيل، ويمكن أن يكون المراد أن العناوين الحاصلة بالنسب الموجبة للحرمة يتحقق بالرضاع بدون اعتبار تحققها بنظر العرف فالرضاع في مدة يوم وليلة يوجب الحرمة بالنسبة إلى الفحل لأنه صاحب اللبن وبمنزلة الأب كما في الأب النسبي ويوجب الحرمة بالنسبة إلى المرضعة لأنها بمنزلة الأم النسبية وبالنسبة إلى أولادهما النسبية لأنهم بمنزلة الأخوة النسبية فليس إحراز العناوين الخاصة على المكلف حتى يقال: إنه مع الشك في حصولها لا مجال للتمسك بالدليل للشبهة المصداقية ومع تعارض الأخبار لا يبعد حمل ما يدل على كفاية عشر رضعات على التقية من جهة بعض أخبار الباب وهو ما رواه عبيد بن زرارة (1) في الصحيح - إلى أن قال - فقلت: " وما الذي ينبت اللحم و الدم؟ فقال: كان يقال عشر رضعات " وإن كان يشكل هذا من جهة اختلاف أقوال العامة لأن المنقول من الشافعي وأحمد بن حنبل الاكتفاء بخمس رضعات، وفيهم من قال بثلاث، واكتفى مالك وأبو حنيفة بالرضعة الواحدة ونقل العامة في صحاحهم عن عائشة أنه كان في القرآن عشر رضعات محرمات فنسخت تلاوته وفي رواية اخرى عنها قالت: كان في ما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات (2) " فكيف يحمل الأخبار الدالة على العشر على التقية مع أن مشاهير علمائهم لا يقولون به مضافا إلى الشهرة بين القدماء فلابد من التخيير والأخذ بأحد الطرفين ولا تصل النوبة إلى الأصل ولا الأخذ بالأخبار الدالة على الخمس عشرة رضعات. ثم إنه ذكر في المقام إشكال وتنبيه على ما يمكن أن يتفصى به أما الاشكال فحاصله هو أن أخبار التقديرات الثلاث حيث تكون في مقام البيان وإناطة التحريم بما ذكر فيها من التقديرات على وجه يدور مدارها وجودا وعدما ينحل كل واحد منها إلى


(1) التهذيب ج 2 ص 203 (2) ابن ماجة تحت رقم 1942 وابو داود ج 1 ص 476.

[ 191 ]

قضيتين موجبة دالة على انتشار الحرمة بما ذكر فيه من التقدير وسالبة دالة على عدم الانتشار عند عدم تحقق ذلك التقدير فيقع بينها التنافي والتعارض. وأما ما قيل في التفصي فوجوه منها أن التنافي بينها إنما يلزم إذا لم تكن بين التقادير ملازمة وعدم الملازمة غير معلوم ومعه لا علم بالتنافي ولازم هذا الوجه هو الحكم بنشر الحرمة عن حصول أحد الحدود، وفيه أن الانفكاك بين التقدير بالزمان والعدد في غاية الظهور، ويمكن الانفكاك أحيانا بين التقدير بإحدهما والتقدير بالأثر لامكان أن لا يحصل بشئ من الإرضاع في يوم وليلة وخمس عشرة رضعة الأثر أعني نبات اللحم وشد العظم لأجل وجود مانع من حصوله بأن كان المرتضع مريضا. ومنها ما عن الفاضل الهندي من أن التنافي بين الأخبار إنما يلزم لو كان التقديرات في عرض واحد وليست كذلك بل التقدير بالأثر هو الأصل وإنما جعل التقدير ان الآخران طريقا إليه، ويؤيده بل يدل عليه قوله عليه السلام في صحيحة علي ابن رئاب المتقدمة في جواب قول السائل يحرم عشر رضعات لا لأنها لا تنبت اللحم و لا تشد العظم، ولازم هذا الوجه انتشار الحرمة بالارتضاع في يوم وليلة وبخمس عشرة رضعة فيما إذا احتمل حصول الأثر بهما لا مع العلم بعدم حصوله. ويمكن إن يقال: ما ذكر في الاشكال من التنافي بين التقادير على وجه يدور مدارها وجودا وعدما والإنحلال إلى قضيتين - الخ، ممنوع فإن التقدير بإنبات اللحم وشد العظم أو إنبات اللحم والدم كما في بعض الأخبار فيه الحصر حيث قال عليه السلام على المحكي " لا يحرم من الرضاع إلا ما اشتد عليه العظم وأنبت اللحم في حسنة ابن أبي عمير (1). وأما التقدير ان الآخران فلا حصر فيهما معا فلاحظ موثقة زياد بن سوقة حيث قال عليه السلام على المحكي " لا يحرم الرضاع أقل من رضاع ليوم وليلة أو خمس عشرة رضعة " (2) فلو اتفق رضاع يوم وليلة ولم تكمل خمس عشرة رضعة نشر الحرمة ولو اتفق خمس عشرة رضعة ولم يكمل رضاع يوم وليلة نشرت الحرمة وبعد كونهما طريقين إلى


(1 و 2) الاستبصار ج 3 ص 193

[ 192 ]

التقدير ولم يظهر مخالفة الطريق للواقع فلا إشكال نعم يظهر الحصر في رواية الفضيل عن الباقر عليه السلام حيث قال على المحكي: " لا يحرم من الرضاع إلا المجبور - الخ " فهذه الرواية على فرض الأخذ بها في قبال ما دل على عدم كفاية العشر لا يؤخذ بها من جهة الحصر للاتفاق على عدم لزوم ما ذكر فيها من كون المرضعة أما أو ظئرا أو أمة. (وتعتبر في الرضعات قيود ثلاثة: كمال الرضعة، وامتصاصها من الثدي وأن لا يفصل بين الرضعات برضاع غير المرضعة، الثالث أن يكون في الحولين وهو يراعى في المرتضع دون ولد المرضعة). أما كمال الرضعة فاستدل على اعتباره بما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرتضع حتى يتضلع ويمتلئ وينتهى بنفسه " (1). وعن ابن أبي يعفور قال: " سألته عما يحرم من الرضاع قال: إذا رضع حتى يمتلى بطنه فإن ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يحرم " (2). وفي حديث الفضيل بن يسار ثم يرتضع عشر رضعات يروي الصبي وينام " (3). وبأنه المتبادر عند الإطلاق فلولا مخالفة المشهور لأمكن أن يقال: أما رواية الفضيل فمع عدم العمل بمضمونه من الاكتفاء بالعشر مشتملة على اعتبار النوم ولا يعتبر فكيف يؤخذ بها في اعتبار القيد المذكور. وأما ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير وما عن ابن أبي يعفور فظاهرهما كفاية الرضعة الواحدة بالوصف المذكور، وهذا خلاف المشهور فكيف يؤخذ بهما وأما التبادر فيمكن منعه ألا ترى أنه لو نهى السيد عبده عن شرب مايع فهل يتبادر النهي عن الشرب الكامل بحيث لو كان ناقصا ما خالف السيد، وكذا لو نهى الوالد عن شرب مايع، ويشهد لما ذكر قول العلامة - قدس سره - في القواعد في الشرط الآتي لا يشترط عدم تخلل


(1) التهذيب ج 2 ص 204 (2 و 3) المصدر الصفحه والاستبصار ج 3 ص 195

[ 193 ]

المأكول والمشروب بين الرضعات بل عدم تخلل رضاع وإن كان أقل من رضعة إذ مع التبادر لا يضر تخلل الرضاع المذكور، وما يقال من أن يجعل تقييد الفصل المنفي بالرضعة واردا مورد الغالب حيث إن الفصل إذا اتفق لا يكون بأقل من رضعة كاملة لم يظهر وجهه، لكن لا مجال لمخالفة المشهور. وأما اعتبار الامتصاص من الثدي فقد مر الكلام فيه. وأما اعتبار عدم الفصل برضاع غير المرضعة فيدل عليه قوله عليه السلام في موثقة زياد بن سوقة المتقدمة " أو خمس عشرة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد، لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها - الخ ". وأما اعتبار كون الرضاع في الحولين فيدل عليه النبوي المعروف " لا رضاع بعد فطام " (1) وفسر الفطام في بعض النصوص بالحولين كرواية حماد بن عثمان عن أبي - عبد الله عليه السلام " لا رضاع بعد فطام قلت: جعلت فداك وما الفطام؟ قال: الحولان اللذان قال الله عز وجل " (2) فالمراد من فطام هو زمان الفطام وعليه فلابد أن يكون قوله عليه السلام قبل الفطام في رواية عبد الملك " الرضاع قبل الحولين قبل الفطام " عطف بيان لقوله قبل الحولين لا خبرا بعد خبركي يكون دليلا لاعتبار كلا الامرين، وقد يقال الحمل على العطف التفسيري وإن كان خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا أنه لا ينفع ابقاؤه على ظاهره لأن غاية الامر وقوع التعارض بين الظهورين ظهور رواية حماد في أن المراد بالفطام هو الحولان وظهور رواية عبد الملك في إن المراد بالفطام نفسه فيجب الرجوع إلى إطلاق صحيحة بريد المتقدمة القاضي بنفي اعتبار الفطام بنفسه. ويمكن أن يقال على فرض تسليم إطلاق صحيحة بريد من جميع الجهات إن كان النظر إلى مرجحيته فمع لزوم كون المرجح سنة قطعية كيف تكون مرجحة مع عدم قطعيتها وإن كان النظر إلى مرجعيته فلا يكون المطلق كالاصل ليس في مرتبة


(1) الكافي ج 5 ص 443 (2) الكافي ج 5 ص 443 والتهذيب ج 2 ص 205

[ 194 ]

دليل اجتهادي بل هو طرف المعارضة غاية الأمر مع عدم خاص موافق له يقدم الأخص المخالف له للأظهرية ومع وجوده يقع التعارض بين العام والخاص الموافق وبين الخاص المخالف، لكن الذي يسهل الخطب أن الخبر المفسر للفطام ليس ظاهرا بل هو نص فمع حجيته لا وجه لرفع اليد عنه مع قابلية الخبر الآخر للحمل على العطف التفسيري، ثم إن المعروف رعاية الحولين بالنسبة إلى المرتضع بأن يكون ارتضاعه قبل تمام الحولين من ولادته لا بالنسبة إلى ولد المرضعة الذي يكون اللبن من ولادته واستدل بظهور الخبر الدال على اعتبار كون الرضاع قبل الفطام بالنسبة إلى المرتضع ولا أقل من عدم ظهوره بالنسبة إلى ولد المرضعة فنرجع إلى الإطلاقات أو أصالة تحقق عدم ناشر الحرمة، ولعل دعوى الظهور بالنسبة إلى المرتضع من جهة أن الرضاع متعلق بالمرتضع لا بولد المرضعة فلا مجال لصرف الفطام إلى خصوص ولد المرضعة فيكون مخصوصا بالمرتضع أو مطلقا فنأخذ بالقدر المتيقن واستدل على هذا بما ورد من أنه سئل عليه السلام " عن امرأة أرضعت جاريه لها أكثر من سنتين لتحرم على زوجها أيفسد ذلك بينهما؟ فقال عليهم السلام: لا لانه رضاع بعد الحولين " (1). فإذا كان إرادة حولي رضاعه من الحولين قدرا متيقنا يحتاج إرادة حولي رضاع ولد المرضعة منه أيضا إلى لحاظين لحاظ ابتداء حولي رضاع المرتضع ولحاظ ابتداء حولي رضاع ولد المرضعة إذ لا جامع بينهما، ويمكن أن يقال كما يتصور الجامع بين أفراد الحولين بالنسبة إلى المرتضعين كذلك لا مانع من تصوره بين ولد المرضعة والمرتضع ولا حاجة إلى لحاظين فهل وجود قدر المتيقن مانع عن الأخذ بالاطلاق كما في كلام بعض الأعلام في الأصول أو لا يمنع كما في كلام بعض آخر منهم. (الرابع أن يكون اللبن لفحل واحد فيحرم الصبيان يرتضعان بلبن واحد ولو اختلف المرضعتان، ولا يحرم لو رضع كل واحد من لبن فحل آخر وإن اتحدت المرضعة). المشهور أنه يعتبر في نشر الحرمة بين المرتضعين من مرضعة واحدة إتحاد الفحل


(1) التهذيب ج 2 ص 204. والاستبصار ج 3 ص 197

[ 195 ]

الذي ترتضعان من لبنه فمع عدم الاتحاد لا تحرم المزاوجة بينهما فالعبرة بالاخوة من جهة الاب في نشر الحرمة دون الأم ويدل على ذلك صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عن الرجل يرضع من امرأة وهو غلام أيحل له أن يتزوج اختها لامها من الرضاعة فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحل وإن كانت المرأتان رضعتا من أمراة واحدة من لبن فحلين فلا بأس " (1). وموثقة عمار الساباطي، عن ابن محبوب بواسطة هشام بن سالم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غلام رضع من امرأة أيحل له أن يتزوج اختها لأبيها من الرضاعة قال: فقال: لا، فقد رضعتا جميعا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة، قال: قلت: فيتزوج اختها لأمها من الرضاعة؟ فقال: لا بأس بذلك إن اختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي أرضعت الغلام فاختلف الفحلان فلا بأس - الخبر " (2). والمخالف في المسألة أبو علي الطبرسي صاحب التفسير - قدس سره - وصاحب الوافي ولعله لعموم قوله تعالى " وأخواتكم من الرضاعة " وعموم قوله صلى الله عليه واله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وعموم قول الرضا عليه السلام على المحكي في حديث محمد بن عبيدة الهمداني " فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الأمهات (3) " واجيب بأن العمومات يجب تخصيصها بالاخبار الخاصة، وأما معارضتها مع الخبر المذكور وترجيحه عليها بمخالفتها للكتاب واحتمال حملها على التقية لا يصح مع ترجيحها عليه سندا ودلالة وجهة لتعددها وصحة بعضها ووثاقة الآخر بخلافه حيث إنه ضعيف السند ولم يعمل به المشهور، وموافق للعامة على ما حكي من مذهبهم. وأما ترجيحه من جهة موافقة الكتاب والسنة ومخالفتها فهو فرع الإطلاق فنقول: لا إطلاق لهما، ويمكن أن يقال: أما الإشكال من جهة ضعف السند فله وجه وكذلك من جهة موافقة العامة.


(1) الكافي ج 5 ص 443. (2) التهذيب ج 2 ص 205. والكافي ج 5 ص 442. (3) التهذيب ج 2 ص 205

[ 196 ]

وأما من حيث الدلالة فالظاهر إباؤه عن التخصيص والإشكال في أطلاق قوله تعالى " وأخواتكم من الرضاعة " وقوله صلى الله عليه وآله على المحكي " يحرم من الرضاع - الخ " مشكل فإن فتح هذا الباب يوجب سقوط نوع المطلقات عن الحجية بحسب إطلاقها وقد تمسك في أوائل مبحث الرضاع في مسألة شمول النبوي بإطلاقه النسب الذي يتحقق به المصاهرة إلى أن هذا الكلام كيف يجتمع مع القول بعدم الحاجة إلى مقدمات الحكمة كما سبق هذا الكلام. (ويستحب أن يتخير للرضاع المسلمة الوضيئة العفيفة العاقلة، ولو اضطر إلى الكافرة استرضع الذمية ويمنعها من شرب الخمر ولحم الخنزير، ويكره تمكينها من حمل الولد إلى منزلها، ويكره استرضاع المجوسية ومن لبنها عن زنى وفي رواية إذا أحلها مولاها طاب لبنها). الظاهر من كلماتهم استحباب اختيار المرأة الموصوفة بالأوصاف المذكورة من مثل قول الباقر عليه السلام على المحكي قال رسول الله صلى الله عليه واله " لا تسترضع الحمقاء والعمشاء فإن اللبن يعدي وإن الغلام ينزع إلى اللبن - يعني إلى ظئر في الرعونة والحمق (1) ". وما عن الصادق عليه السلام " كان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام يقول: لا تسترضع الحمقاء فإن اللبن يغلب الطباع، وقال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تسترضع الحمقاء فإن الولد يشب عليه (2) ". وقال أيضا: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " انظروا من ترضع أولادكم فإن الولد يشب عليه " (3). وما عن الهيثم عن محمد بن مروان قال: " قال لي أبو جعفر عليهما السلام: أسترضع لولدك بلبن الحسان، وإياك والقباح فإن اللبن قد يعدي (4) ".


(1) الفقيه باب الرضاع تحت رقم 19. (2) الكافي ج 6 ص 436. (3) المصدر ج 6 ص 44. (4) المصدر ج 6 ص 44

[ 197 ]

وما في خبر زرارة " عليكم بالوضاء (1) من الظؤرة فإن اللبن يعدي (2) ". وما عن الباقر عليه السلام في حسن ابن مسلم " لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب إلي من لبن ولد الزنا - الخبر " (3). ويمكن أن يقال: المستفاد من الأخبار المذكورة الإرشاد إلى التجنب عن المذكورات من جهة سراية الأوصاف الخلقية إلى الرضيع لا مثل التهود والتنصر و الشرك الخارج عن الخلقة لا الكراهة كالنهي عن استعمال الماء المشمس في الطهارة من جهة إيراث البرص، ولا الاستحباب الشرعيين، ولا يبعد استفادة كراهة استرضاع ولد الزنا، وجواز استرضاع اليهودية والنصرانية والمشركة من حسن ابن مسلم المذكور، وخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله " سئل الصادق عليه السلام هل يصلح للرجل أن ترضع له اليهودية والنصرانية والمشركة؟ قال: لا بأس وقال: امنعوهن من شرب الخمر " (4). وقال الحلبي: (" سئله عن رجل دفع ولده إلى ظئر يهودية أو نصرانية أو مجوسية ترضعه في بيتها أو ترضعه في بيته؟ قال: ترضعه تلك اليهودية والنصرانية في بيتك و تمنعها من شرب الخمر وما لا يحل مثل لحم الخنزير ولا يذهبن بولدك إلى بيوتهن، والزانية لا ترضع ولدك فإنه لا يحل لك، والمجوسية لا ترضع ولدك إلا أن تضطر إليها " (5). ويظهر من هذه الأخبار جواز استرضاع الكافرة اختيارا وهذا لا يجتمع مع ما هو المعروف من عدم جواز تمكين غير المكلفين من شرب الأعيان النجسة مع ما هو المسلم من نجاسة فضلات الكفار ولعله لذا قيد في المتن الجواز بالاضطرار.


(1) الوضاءة: الحسن والنظافة (القاموس) (2) الكافي ج 6 ص 44 والفقيه باب الرضاع تحت رقم 17 (3) الكافي ج 6 ص 43. (4) الكافي ج 6 ص 43. (5) الفقيه باب الرضاع تحت رقم 20

[ 198 ]

وأما كراهة استرضاع المجوسية فلما روى في الكافي عن سعيد بن يسار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تسترضع الصبي المجوسية وتسترضع اليهودية والنصرانية ولا يشربن الخمر يمنعن عن ذلك ". (1) وظاهره الحرمة، وكذلك لبن الزانية يستفاد من صحيح الحلبي المذكور حرمة استرضاعها والمعروف الكراهة. وأما الروايات الدالة على طيب لبنها إذا أحلها مولاها فمنها ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب إلي من ولد الزنا، وكان لا يرى بأسا بولد الزنا إذا جعل مولى الجارية الذي فجر بالجارية في حل (2) ". ومنها ما رواه الصدوق باسناده، عن حريز، عن محمد بن مسلم وغيره في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام " في المراة يكون لها الخادم قد فجرت يحتاج إلى لبنها قال: مرها فلتحللها يطيب اللبن " (3). (وهنا مسائل: الأولى إذا أكملت الشرائط صارت المرضعة اما وصاحب اللبن أبا واختها خالة وبنتها اختا، ويحرم أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا على المرتضع واولاد المرضعة ولادة لا رضاعا). قد يقال في ضابطة التحريم في الرضاع: إن المستفاد من قوله صلى الله عليه واله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " أن كل عنوان قد حمل عليه الشارع التحريم من جهة علاقة نسبية فهذا العنوان يحرم من جهة نظير تلك العلاقة من الرضاع فالمراد ب‍ " ما " الموصولة في الحديث هو عنوان كلي مشترك بين ما يحصل بالنسب وبين ما يحصل بالرضاع تعلق التحريم به من جهة النسبية باعتبار بعض أفراده وهو الحاصل بالنسب، وتعلق التحريم به باعتبار بعض أفراده من جهة الرضاع وهو الحاصل بالرضاع، ولا يقدح في هذا كون استعمال لفظ ذلك العنوان في الحاصل بالرضاع مجازيا إذ لم يقع في الكلام لفظ أحد تلك


(1) المصدر ج 6 ص 44. (2) الكافي ج 6 ص 43. والفقيه باب الرضاع تحت رقم 21 (3) لم أجده في الفقيه وفي التهذيب ج 2 ص 79 والكافي ج 5 ص 43

[ 199 ]

العناوين حتى يقال: إن المراد به خصوص الحاصل بعلاقة النسب بل نقول: إنه اعتبر مثلا قدر مشترك بين الأم الرضاعية والنسبية وأريد من الموصول وإن أبيت إلا عن أن المراد بالموصول خصوص العنوانات النسبية فلا بد في الكلام من تقدير بأن يراد أنه يحرم من الرضاع نظير كل عنوان من العنوانات النسبية التي يحرم من جهة النسب وهذا القدر هو الذي ارتكبه جمع كثير من الفقهاء المتأخرين في تفسير الحديث. ثم إن العنوان الذي يحرم من جهة النسب ليس إلا أحد العنوانات المتعلق بها التحريم في لسان الشارع كالأم والبنت والأخت وغيرهن من المحرمات المذكورة في الكتاب والسنة، وأما العنوان المستلزم لأحد هذه كأم الأخ للأبوين المستلزمة لكونها أما، أو كأم السبط المستلزمة لكونها بنتا، وكاخت الأخ للأبوين المستلزمة لكونها اختا فليس شئ منهن يحرم من جهة النسب إذ لا نسب بينهن من حيث هذا العنوان وبين المحرم عليه فإن ام أخ الشخص من حيث أنها أم أخ ليس نسبة له بل نسبة لأخيه، والنسب الحاصل بين الشخص وبين نسبه لم يثبت كونه جهة للتحريم، والشاهد على ذلك أدلة المحرمات فإن منها يستفاد جهة تحريم المحرمات إذ لا يستفاد من قوله تعالى " حرمت عليكم امهاتكم " إلا أن جهة التحريم امومة الأم للشخص وأما امومتها لأخيه أو بنوتها لجديه أو أخواتها الخالية فلم يستفد من دليل كونهما جهة للتحريم. ويمكن أن يقال: ظاهر ما ذكر لزوم حصول نظير العنوان الحاصل من جهة النسب لدى العرف، فكل عنوان تعلق به الحرمة من جهة النسب تعلق به الحرمة من جهة الرضاع أو حصول بعض أفراد العنوان الكلي الجامع بين النسبي والرضاعي وقد سبق الإشكال فيه فكيف يعتبر العرف الأمومة والأخوة مثلا بمجرد إرضاع الولد يوما وليلة أو خمس عشرة رضعة، ولا أقل من الشك. وثانيا نقول: ما تعلق الحرمة في النسب بالعناوين كالأمومة والأخوة والبنوة مثلا بل تعلق الحرمة بالمعنونات بالعناوين كالأمهات والاخوات مثلا فمع اتحاد أحد

[ 200 ]

المعنونات مع المعنونة بعنوان آخر بحيث أمكن ترتيب قياس كأن يقال: كل أم أخ للأبوين مثلا أم في النسب، وكل ام محرمة من جهة النسب، فكل أم الأخ للأبوين محرمة في النسب. فكذا نظيرتها في الرضاع وقد سبق في صدر البحث وهذا خلاف المشهور والمقصود أن القول بعموم المنزلة في الرضاع ليس واضح البطلان إلا أن يقال في وجه بطلان هذا القول إنه يلزم منه ما لا يلتزم به وما هو مخالف لصريح القرآن حيث إن لازم هذا القول حرمة بنات عم رسول الله صلى الله عليه واله بسبب رضاعه صلى الله عليه واله مع عمه حمزة عند امرأة واحدة بلبن فحل واحد فإنه بذلك صار أخا له واستلزم بذلك اخوة النبي صلى الله عليه وآله بجميع إخوة حمزة فلا يجوز له نكاح أحد من بنات عمه وهو مخالف لصريح قوله تعالى: " إنا أحللنا لك أزواجك - إلى قوله: - وبنات عمك وبنات عماتك " ومخالف لصريح موثق يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أرضعتني وأرضعت صبيا معي ولذلك الصبي أخ من أبيه وأمة فيحل لي أن أتزوج إبنته؟ قال: لا بأس " (1). إلا أن يقال: لا مانع من التخصيص كما يلتزم المنكرون لهذا القول بالتخصيص مثل " لا ينكح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن "، وما ذكر من الإشكال الأول يمكن الجواب عنه بعدم لزوم حصول عنوان نظير عنوان المذكور في النسب بنظر العرف بل يكفي حكم الشرع بحصول ذلك العنوان ولذا يتمسك في موارد الشك في نشر الحرمة بالأخبار الخاصة.، وأما حرمة أولاد صاحب اللبن نسبا ورضاعا على المرتضع بخلاف أولاد المرضعة فإنها يحرم الأولاد النسبية دون الرضاعية، فلان أولاد صاحب اللبن إخوة له أو أولاد إخوة، هذا في الأولاد النسبية واضح وفي الأولاد الرضاعية يدل عليه صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرضع من امرأه وهو غلام أيحل له أن يتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟ فقال عليه السلام: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحل، وإن كانت المرأتان رضعتا من


(1) التهذيب ج 2 ص 206.

[ 201 ]

امرأة واحده من لبن فحلين فلا بأس (1) ". وموثق عمار الساباطي وقد تقدم الكلام. ومما ذكر ظهر الفرق بين الأولاد الرضاعية من طرف الأب وبين الأولاد الرضاعية من طرف الأم، وخالف في المسألة الشيخ الطبرسي - قدس سره - والمحدث الكاشاني. (الثانية لا ينكح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا لأنهم في حكم ولده، وهل ينكح أولاده الذين لم يرتضعوا في أولاد هذه المرضعة وأولاد فحلها قال في الخلاف: لا، والوجه الجواز). أما حرمة نكاح أب المرتضع فيما ذكر فيدل عليها صحيح ابن مهزيار قال: سأل عيسى بن جعفر أبا جعفر الثاني عليه السلام عن امرأة أرضعت لي صبيا فهل يحل لي أن أتزوج ابنة زوجها، فقال: ما أجود ما سألت من ههنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل لا غير، فقلت له: إن الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي هي ابنة غيرها، فقال: لو كن عشرا متفرقات ما حل لك منهن شئ وكن في موضع بناتك " (2). وصحيح الحميري قال: كتبت إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام امرأة أرضعت ولد الرجل هل يحل لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقع عليه السلام: لا تحل له " (3). وصحيح أيوب بن نوح قال: " كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن عليه السلام امرأة أرضعت بعض ولدي أيجوز لي أن أتزوج بعض ولدها؟ فكتب عليه السلام: لا يجوز ذلك لأن ولدها صار بمنزلة ولدك " (4) ويستفاد من قوله عليه السلام على المحكي " من ههنا تؤتى أن يقول الناس حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل " كفاية. لبن الفحل في


(1) التهذيب ج 2 ص 205 (2) المصدر ج 2 ص 205. والكافي ع 6 ص 442 (3) الفقيه باب الرضاع تحت رقم 9. (4) الفقيه باب الرضاع تحت رقم 8

[ 202 ]

الحرمة ولو لم يكن ولادة نسبية. وأما نكاح أولاد أب المرتضع الذين لم يرتضعوا في أولاد هذه المرضعة وأولاد فحلها فعن الشيخ في الخلاف المنع والمشهور الجواز. وجه الجواز أن أولاد المرضعة و أولاد فحلها صاروا إخوة للمرتضع والمحرم في النسب نكاح الأخوة لا نكاح إخوة الأخوة إلا على القول بعموم المنزلة الذي لا يلتزم به المشهور، ومستند المنع أن أولاد المرضعة إذا صاروا بمنزلة ولد أب المرتضع فهم إخوة لاولاد أب المرتضع، وقد يقال: التنزيل المذكور لا يلازم تنزيل أولاد المرضعة منزلة الإخوة لأولاد أب المرتضع لجواز التفكيك بين المتلازمين بحسب الخارج. إن قلت: سلمنا عدم الملازمة لكن مقتضى كون أولادها بمنزلة ولد الأب كونهم بمنزلتهم في جميع الآثار التي منها حرمة أولاد الأب عليهم. قلت: استفادة ذلك من النصوص ممنوعة لأن تحريم أولاد الأب على ولده إنما هو من حيث إخوتهم لولده لامن ولديتهم للاب فلا يكفي التنزيل من الحيثية الثانية في ترتيب ما للحيثية الأولى من الآثار. إن قلت: إن الأخوة ليس مفهومها عرفا بل حقيقة إلا كون شخصين ولد الواحد فكون شخص ولدا لأب الشخص أو لأمه عين كونه أخا له، لا أنه عنوان آخر ملازم كي يقال بإمكان التفكيك. قلت: أولا كون مفهوم الأخوة ما ذكر ممنوع لأن الأخوة إضافة بين الولدين والولدية إضافة بين الابن والأب فالأخوة نسبة مغايرة لذاك المعنى، ناشئة عنه لا عينه وثانيا سلمنا ذلك لكن التفكيك بين المتلازمين في مقام التنزيل في غاية الإمكان ودعوى الملازمة العرفية بين التنزيلين ممنوعة، وثالثا سلمنا لكن نقول: إن الظاهر بقرينة كون السؤال عن جواز تزويج الأب في أولاد المرضعة هو كون الخبر في مقام التنزيل بلحاظ خصوص ما بين الأولاد والأب لا بلحاظ جميع الآثار. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من أن الأخوة إضافة ناشئة من الولادة من طرف الأب أو الأم مغايرة للاضافة الولدية، فهو قابل للمنع لأنا لا نرى إضافة بين الشخصين

[ 203 ]

الأخوين إلا كونهما من أب واحد أو ام واحدة. وأما ما ذكر من الأخذ بالقدر المتيقن في مقام التنزيل فلعله خلاف مسلك كثير في الأصول وبناء على مسلك من يقول بعدم الحاجة إلى مقدمات الحكمة التي عدمنها عدم وجود قدر المتيقن في مقام التخاطب بنظر بعض الأعلام لا يتم. (الثالثة لو تزوج رضيعة فأرضعتها امرأته حرمتا إن كان دخل بالمرضعة وإلا حرمت المرضعة حسب، ولو كان لها زوجتان فأرضعتها واحدة حرمتا مع الدخول، ولو أرضعتها الأخرى فقولان: أشبههما أنها تحرم أيضا. ولو تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأته حرمن كلهن إن كان دخل بالمرضعة وإلا حرمت المرضعة). لا خلاف ظاهرا في أن الرضاع مع الشرائط كما يوجب مع سبقه حرمة النكاح كذلك يوجب لحوقه حرمة النكاح وفساده بقاء ويدل عليه النبوي " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وخصوص بعض النصوص كحسنة الحلبي بابن هاشم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لو أن رجلا تزوج جارية فأرضعتها امرأته فسد نكاحه " (1). ونحوها حسنة الاخرى والمحكي عن الفقيه أنه رواها بسند صحيح. ويمكن أن يقال: لعله يشكل الأمر على من لا يقول بإطلاق النبوي و الروايتان لا يثبتان الحكم بقول مطلق لاختصاصهما بمورد خاص فمع احتمال أن يكون عدم الخلاف من جهة الأخذ بإطلاق النبوي وأمثاله كيف يثبت المدعى مع إنكار الاطلاق. ويتفرع على سببية الرضاع لفساد النكاح السابق أنه لو تزوج بصغيرة فأرضعتها زوجته الكبيرة بطل نكاح الصغيرة مطلقا كان بلبنه أو لبن غيره، وكانت الكبيرة مدخولا بها أم لا لصيرورتها بالرضاع بنتا للكبيرة فيبطل نكاحها لعدم اجتماع الأم والبنت في الزوجية في زمان واحد وحرمت عليه مؤبدا لو كانت الكبيرة مدخولا بها لكونها اما بنتا أو ربيبة فلا تحرم عليه مؤبدا لو كانت الكبيرة غير مدخول بها، وكان الرضاع بلبن غيره، وقد حكي عن بعض المشايخ - قدس سره - في هذه الصورة بعد حكمه بحرمة


(1) الفقيه باب الرضاع تحت رقم 10 والكافي ج 5 ص 444 واللفظ له

[ 204 ]

الكبيرة مؤبدا بصيرورتها بإرضاع الصغيرة ام الزوجة بحرمة الصغيرة جمعا بمعنى بطلان نكاحها مع جواز تجديد العقد، ثم علل بطلان نكاحهما بعدم جواز الحكم بصحة نكاحها، وصحة نكاح إحديهما ترجيح بلا مرجح. وأورد عليه بأن الحكم بحرمة الكبيرة بناء على ما هو الحق والمختار عنده - قدس سره - من اعتبار بقاء التلبس بالمبدء في صدق المشتق حقيقة في غاية الإشكال لأن الكبيرة لا تصير أم الزوجة كي يحكم بحرمتها مؤبدا لأن ارتفاع زوجية الصغيرة في مرتبة صيرورة الكبيرة اما لأنهما مستندان في عرض واحد إلى علة ثالثة وهو الرضاع ولو سلم نمنع شمول أدلة حرمة أم الزوجة لمثل ما كانت الأمية للزوجة آنية. ويمكن أن يقال: على ما ذكر يشكل الحكم بحرمة الصغيرة أيضا لعدم كونها ربيبة بمقارنة كونها ربيبة مع ارتفاع زوجية المرضعة ثم إنه يمكن الفرق بين تزويج الأم والبنت ابتداء فالمعروف بطلانه لأن الحكم بصحتهما لا يمكن وصحة نكاح إحديهما ترجيح بلا مرجح، وأما النكاح المتحقق فكيف يحكم ببطلانه بالنسبة إلى كلتيهما مع أن المحرم الجمع ولم لا يكون المقام كصورة إسلام الكافر على خمس زوجات فتأمل. وأما صورة إرضاع الزوجة الكبيرة الأخرى بعد إرضاع الكبيرة فقيل فيها بحرمة الثانية أيضا وقيل بعدم الحرمة، والحق الثاني، لعدم صدق المشتق حقيقة مع انقضاء المبدء، وقد يقال بالفرق بين إرضاع الكبيرة الأولى وإرضاع الثانية بالحرمة في الإرضاع الأولى لصدق العرفي وإن كان فيها الإشكال المذكور آنفا، و يشكل هذا من جهة أن صدق العرفي لا يفيد مع الإشكال بحسب الدقة إلا أن يتمسك بما رواه في الكافي بسند ضعيف عن علي بن مهزيار ورواه عن أبي جعفر عليهما السلام " قيل له: إن رجلا تزوج بجارية صغيرة فأرضعته امرأته، ثم أرضعتها امرأة له اخرى فقال ابن شبرمة حرمت عليه الجارية وامرأتاه، فقال أبو جعفر عليهما السلام: أخطأ ابن شبرمة حرمت عليه الجارية التي أرضعتها أولا فأما الأخيرة فلا تحرم عليه نكاحها لأنها أرضعت

[ 205 ]

ابنتها " (1). ومما ذكر ظهر حكم ما لو تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأته. (السبب الثالث في المصاهرة والنظر في الوطئ واللمس، أما الأول فمن وطئ امرأة بالعقد أو الملك حرمت عليه ام الموطوءة وإن علت، وبناتها وإن سفلن سواء كن قبل الوطئ أو بعده، وحرمت الموطوءة على أب الواطي وإن علا وأولاده وإن نزلوا، ولو تجرد العقد عن الوطئ حرمت امها عليه عينا على الأصح وبنتها جمعا لا عينا، فلو فارق الأم حلت البنت). من وطأ امرأه بالعقد أو الملك حرمت عليه أم الموطوءة وإن علت وبنتها وإن سفلن سواء كن قبل الوطئ أو بعده بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه قوله تعالى " وامهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " ولو منع عن صدق النساء على الإماء لدعوى الإجماع على عدم الفرق كما أنه لابد من دعوى الأجماع من جهة إمكان منع صدق الأمهات على الجدات بنحو الحقيقة والتعبير بالأمهات من باب تلاقي الجمع بالجمع مثل " اغسلوا وجوهكم " قال صاحب المدارك في شرح النافع: هذه الأحكام مجمع عليها بين المسلمين فلا حاجة إلى التشاغل بأدلتها كما أن التقييد بالحجور لا مدخلية له في الحكم لقول علي صلوات الله عليه على المحكي في خبر غياث بن إبراهيم " الربائب عليكم حرام كن في الحجر أم لم يكن " (1). وفي رواية إسحاق بن عمار عنه عليه السلام " الربائب عليكم حرام من الأمهات التي دخلتم بهن في الحجور وغير الحجور " (2). وفي صحيح ابن مسلم " في رجل كانت له جارية فأعتقت فتزوجت فولدت أيصح لمولاها الأول أن يتزوج ابنته؟ قال: لا هي حرام وهي ابنته والحرة والمملوكة في هذا سواء " (3). وفي مرسل جميل في رجل له جارية فوطئها ثم اشترى أمها أو بنتها قال: لا تحل


(1) المصدر ج 1 ص 446 (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 192

[ 206 ]

له أبدا ولا تعارض ببعض النصوص الشاذة كرواية رزين " قلت لأبي جعفر عليهما السلام: رجل كانت له جارية فوطئها فبانها (1) أو ماتت، ثم وجد امها أيطأها؟ قال: إنما حرم الل هذا من الحرائر وأما الإماء فلا بأس " (2). وخبر الفضيل بن يسار " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له مملوكة يطأها فماتت ثم يصيب بعده ابنتها؟ قال: لا بأس ليست بمنزلة الحرة (3) ". وأما حرمة الموطوءة على أب الواطي وإن علا وأولاده وإن نزلوا فيدل عليه قوله تعالى و " حلائل أبنائكم " الشامل لمن كانت مدخول بها وغيرها وقوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " وصرحوا بأن النكاح حقيقة في العقد أو مشترك بينه وبين الوطئ وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة والفضيل عن أبي جعفر عليهما السلام في حديث العامرية والكندية قال أبو جعفر عليهما السلام: " لو سألتهم عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أتحل لابنه؟ قالوا: لا، فرسول الله أعظم حرمة من آبائهم " (4) ولو تجرد العبد عن الوطئ حرمت امها عليه عينا على المشهور خلافا للمحكي عن العماني من اشتراط الدخول ويدل على المشهور قوله تعالى " وأمهات نساءكم " والخدشة في دلالتها باحتمال كون القيد في قوله تعالى " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " راجعا إلى الجملتين ومع هذا الاحتمال لا يبقى ظهور في الإطلاق دفعت بأن إرجاع القيد إلى الجملتين مستلزم لارتكاب أمر غير جائز أو خلاف الظاهر لان كلمة " من " بالنسبة إلى قوله تعالى " وربائبكم " نشوية وبالنسبة إلى قوله تعالى " وأمهات نسائكم " بيانية فلو اريد كل من المعنيين مستقلا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى وهو غير جائز، وإن اريد الجامع بينهما كمطلق الاتصال لزم خلاف الظاهر لأن الظاهر كونها نشوية. ويمكن أن يقال: لا مانع من كون " من " ابتدائية والتعبير بالابتدائية أحسن


(1) في التهذيب واستبصار " فباعها ". (2) و (3) التهذيب ج 2 ص 194 والاستبصار ج 3 ص 161 (4) الكافي ج 5 ص 421

[ 207 ]

من التعبير بالنشوية مع كون الموصول أعني " اللاتي " في المعنى صفة للنسائين مع القطع عن النعتية لأن يرد عليه الإشكال بأنه مع اختلاف العامل لا يجوز لأن يكون نعتا للنسائين فلا يتوجه إشكال إلا أنه شرط في صحة القطع كون السامع عالما بما يعلم المتكلم من اتصاف الموصوف بالصفة لأنه مع عدم العلم يحتاج الموصوف إلى الصفة و مع الحاجة لا يصح القطع وهذا الشرط ذكره بعض المحققين وليس مذكورا في سائر الكتب، وما ذكر من أن استعمال اللفظ المشترك في معنيين لا يجوز غير مسلم، نعم لا مانع من القول بأنه خلاف الظاهر، واستدل أيضا بما هو المحكي عن تفسير العياشي عن أبي حمزة من أنه " سئل مولانا الباقر عليه السلام عن رجل تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها أتحل له ابنتها؟ فقال عليه السلام قد قضى في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام لا بأس به إن الله يقول: " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم " ولكنه لو تزوج الإبنة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها لم تحل له امها، قال: قلت: أليس هما سواء؟ قال: فقال: لا ليس هذه مثل هذه، إن الله عزوجل يقول: " وامهات نسائكم لم يستثن في هذه كما اشترط في تلك، هذه ههنا مبهمة وتلك ليس فيها شرط. (1) " وبرواية إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي قد دخلتم بهن في الحجور وغير الحجور سواء، والأمهات مبهمات دخل بالبنات أو لم يدخل فحرموا وأبهموا ما أبهم الله " (2). وبموثقة أبي بصير قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها؟ فقال: تحل له ابنتها ولا تحل له أمها " (3). وفي قبال هذه الأخبار أخبار اخر تدل على خلاف المشهور منها صحيحة منصور ابن حازم المروية في الكافي قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه رجل فسأله عن


(1) و (2) تفسير العياشي ج 1 ص 230 (3) التهذيب ج 2 ص 129

[ 208 ]

رجل تزوج امرأه فماتت قبل أن يدخل بها أيتزوج بامها فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا، فقلت: جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلا بقضاء علي عليه السلام في هذه الشمخية (1) التي أفتاها ابن مسعود أنه لا بأس بذلك، ثم أتى عليا عليه السلام فسأله فقال له علي عليه السلام: من أين أخذتها؟ فقال: من قول الله عزوجل: " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتهم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم " فقال عليه السلام: إن هذه مستثناة وهذه مرسلة وامهات نسائكم، فقال للرجل: أما تسمع ما يروي هذا عن علي عليه السلام، فلما قمت ندمت وقلت: أي شئ صنعت يقول: هو قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا وأقول: قضى علي عليه السلام فيها فلقيته بعد ذلك فقلت له: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذي قلت زلة مني فما تقول فيها؟ فقال: يا شيخ تخبرني أن عليا عليه السلام أفتى فيها وتسألني ما تقول فيها (2) ". ومنها صحيحة جميل وحماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الأم والابنة سواء. إذا لم يدخل بها - يعني إذا تزوج المرأه ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإنه إن شاء تزوج امها وإن شاء تزوج ابنتها - " (3) ولم يظهر كون ذيله من كلام المعصوم.


(1) يحتمل أن يكون تسميتها بها لانها صارت سببا لافتخار الشيعة على العامة. و قيل انما وسمت المسألة بالشمخية بالنسبة إلى ابن مسعود فانه عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ. أو لتكبر ابن مسعود فيها عن متابعة امير المؤمنين عليه السلام من شمخ بأنفه. (2) الكافي ج 5 ص 422. والتهذيب ج 2 ص 192. (3) الكافي ج 5 ص 421. والاستبصار ج 3 ص 157 التهذيب ج 2 ص 192. قال صاحب الوسائل في أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 20 تحت رقم 3. بعد نقله ونقل كلام للشيخ - رحمه الله -: التفسير ليس من الامام بل من بعض الرواة فليس بحجة - إلى أن قال - المراد أنه إذا ملك امة وامها فله وطي أيتهما شاء قبل وطي الاخرى. ويفهم هذا من نوادر احمد بن محمد بن عيسى حيث أورد الحديث بين أحاديث هذه المسألة وترك تفسيره. انتهى

[ 209 ]

ومنها معلقة محمد بن إسحاق بن عمار قال: " قلت له: رجل تزوج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها تحل له امها؟ قال: وما الذي يحرم عليه منها، ولم يدخل بها " (1). والمعروف بين الفقهاء الاخذ بالأخبار السابقة وعدم العمل بهذه الأخبار ولعلها محمولة على التقية، وعليه يتحقق الفرق بين تزويج البنت وبين تزويج الأم وفي صورة تزويج البنت مجردا عن الوطي تحرم الأم عينا بمعنى تحقق الحرمة الأبدية، و في صورة تزويج الأم تحرم البنت جمعا فمع التجرد على الوطي لو طلقها جاز نكاح البنت. (ولا تحرم مملوكة الابن على الأب بالملك وتحرم بالوطي، وكذا مملوكة الأب ولا يجوز لأحدهما أن يطأ مملوكة الآخر ما لم يكن عقد أو تحليل، نعم يجوز أن يقوم الأب مملوكة ابنه الصغير على نفسه، ثم يطأها. ومن توابع هذه الفصل تحريم اخت الزوجة جمعا لا عينا، وكذا بنت اخت الزوجة وبنت أخيها، فإن أذنت إحديهما صح). أما عدم حرمة مملوكة الأبن على الأب وعدم حرمة مملوكة الأب على الابن فلعدم ما يوجب الحرمة وشمول قوله تعالى " وأحل لكم ما وراء ذلكم " ولا خلاف في ما ذكر وأما حصول التحريم بالوطي فيدل عليه رواية زرارة المروية في الكافي (2) قال أبو جعفر عليهما السلام في حديث " إذا أتى الجارية وهي حلال فلا تحل تلك الجارية أبدا لابيه ولا لابنه " والحكم اتفاقي لا خلاف فيه. ولا يجوز لكل من الأب والابن أن يطأ مملوكة الآخر إلا بعقد أو ملك أو تحليل، ويدل عليه قوله تعالى " ومن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون ". وأما جواز تقويم الأب مملوكة ابنه الصغير فيدل عليه الأخبار. منها ما رواه الكافي عن داود بن سرحان قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل


(1) التهذيب ج 2 ص 193 (2) المصدر ج 5 ص 419.

[ 210 ]

يكون لبعض ولده جارية وولده صغار فقال: لا يصلح أن يطأها حتى يقومها قيمة عدل ثم يأخذها ويكون لولده عليه ثمنها (1) ". وعن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح أو الحسن قال: " قلت له: الرجل يكون لابنه جارية أله أن يطأها فقال: يقومها على نفسه قيمة ويشهد على نفسه بثمنها أحب إلي (2) ". وإطلاقه محمول على الابن الصغير لعدم الولاية له على الكبير. وعن محمد بن إسماعيل - واستظهر كونه ابن بزيع فيكون الخبر صحيحا - قال: " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في جارية لابن لي صغير أيجوز لي أن أطأها؟ فكتب لا حتى تخلصها (3) ". والظاهر أن المراد بقوله " حتى تخلصها " إخراجها عن ملكه إلى ملك نفسه و الظاهر أن المراد من التقويم المذكور في الأخبار تمليك نفسه بالقيمة نظير القرض في القيميات أو البيع من نفسه ولعل الأنسب بقوله عليه السلام على المحكي في رواية داود بن سرحان " حتى يقومها قيمة عدل " البيع من نفسه حيث أن قرض القيميات لا يحتاج إلى تعيين القيمة والحاصل أنه بدون التملك لا يحل إلا أن يقال: حيث إنه يكون للأب الولاية الشرعية فلا مانع من تحليل الجارية المملوكة للمولى عليه لنفسه أو تزويجها لنفسه مع مراعاة المصلحة أو عدم المفسدة وحمل الأخبار المدكورة على بيان بعض موارد الجواز والحصر المستفاد من بعض الأخبار المذكورة حصر إضافي في قبال الجواز بدون وجود أحد الأسباب المجوزة بتوهم أنه حيث تكون الجارية لولده يجوز للأب وطيها كمملوكة نفسه. وأما حرمة اخت الزوجة جمعا لا عينا فلا خلاف ولا إشكال فيها بالكتاب والسنة والاجماع، من غير فرق بين الدائمة والمنقطعة وكذا ملك اليمين، وكذا مع بقاء علقة الزوجية ولو بجواز الرجع في المطلقة الرجعية، ومن الأخبار الراجعة إلى المقام ما عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل اختلعت منه امرأته


(1) و (2) و (3) الكافي ج 5 ص 471.

[ 211 ]

أتحل له أن يخطب اختها من قبل أن تنقضي عدة المختلعة؟ قال: نعم قد برئت عصمتها منه وليس له عليها رجعة " (1). وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته أو اختلعت أو بارأت أله أن يتزوج باختها؟ قال فقال: إذا برئت عصمتها ولم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب اختها، قال: وسئل عن رجل كانت عنده اختان مملوكتان فوطئ إحديهما ثم وطئ الأخرى؟ قال: إذا وطئ الأخرى فقد حرمت عليه الأولى حتى تموت الأخرى، قال: أرأيت إن باعها أتحل له الأولى؟ قال: إن كان يبيعها لحاجة ولا يخطر على قلبه من الأخرى شئ فلا أرى بذلك بأسا وإن كان إنما يبيعها ليرجع إلى الأولى فلا ولا كرامة " (2). وعن زرارة في الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته وهي حبلى أيتزوج أختها قبل أن تضع؟ قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها (3) ". وما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد في الصحيح قال: " قرأت في كتاب رجل إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام: جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة إلى أجل مسمى فينقضي الأجل بينهما، هل له أن ينكح اختها قبل أن تنقضي عدتها، فكتب: لا يحل له أن يتزوجها حتى تنقضي عدتها (4) ". واما حرمة بنت أخت الزوجة وحرمة بنت أخيها فيدل عليها أخبار منها ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم في الموثق، عن أبي جعفر عليهما السلام " قال: لا تتزوج ابنة الأخ، ولا ابنة الأخت على العمة ولا على الخالة إلا بإذنهما، وتزوج العمة والخالة


(1) من حديث أبي بصير الكافي ج 6 ص 144، ونحوه عن أبي الصباح الكناني في التهذيب ج 2 ص 196. والكافي ج 5 ص 432. (2) الكافي ج 5 ص 432 والتهذيب ج 2 ص 197 (3) الكافي ج 5 ص 432. (4) التهذيب ج 2 ص 196

[ 212 ]

على ابنة الأخ وابنة الأخت بغير إذنهما " (1). ورواه الصدوق عن محمد بن مسلم عنه عليه السلام مثله إلا أنه قال: لا تنكح وتنكح. وعن عبيدة الحذاء قال: " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها إلا بإذن العمة والخالة " (2). وما رواه الشيخ عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن امرأة تزوج على عمتها وخالتها؟ قال: لا بأس، وقال: تزوج العمة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأخت ولا تزوج بنت الأخ والأخت على العمة والخالة إلا برضى منهما فمن فعل فنكاحه باطل " (2). وظاهر هذه الرواية أنه لو تزوج وقع النكاح باطلا وليس كالعقد الفضولي الواقع مراعا بلحوق الإجازة، بل لا يبعد استفادة البطلان من سائر الأخبار لظهورها في النهي الوضعي نظير النهي عن بيع الغرر، ولولا الأدلة الخاصة في البيع على صحة الفضولي لقلنا بالبطلان بمقتضى قوله تعالى " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ". (ولا كذا لو أدخل العمة أو الخالة على بنت الأخ والأخت، ولو كان عنده العمة أو الخالة فبادر بالعقد على بنت الأخ أو الأخت كان العقد باطلا، وقيل: تتخير العمة أو الخالة بين الفسخ والامضاء أو فسخ عقدها). أما جواز إدخال العمة أو الخالة على بنت الأخ والأخت فلا إشكال فيه كما صرح به في الأخبار. وأما بطلان العقد مع المبادرة بالعقد بدون الإذن السابق فقد عرفت وجهه. وأما تخير العمة أو الخالة بين الفسخ والإمضاء كالعقود الخيارية فلا نعرف له وجها من الأخبار.


(1) الكافي ج 5 ص 424 والفقيه باب ما احل الله من النكاح تحت رقم 23 (2) الكافي ج 5 ص 424. (3) التهذيب ج 2 ص 209 والاستبصار ج 3 ص 177

[ 213 ]

وأما التخير نحو تخير المالك في البيع الفضولي بين الرد والإمضاء، فمبني على كون العقد المذكور نظير الفضولي وقد عرفت الإشكال فيه. وأما تخير العمة أو الخالة في فسخ عقدهما فلا وجه له وعد من المستغرب التعرض له. (وفي تحريم المصاهرة بوطي الشبهة تردد، أشبهه أنه لا يحرم، وأما الزنا فلا تحرم الزانية ولا الزوجة وإن أصرت على الأشهر، وهل تنشر حرمة المصاهرة؟ قيل: نعم إن كان سابقا، ولا تنشر إن كان لاحقا، والوجه أنه لا ينشر، ولو زنا بالعمة أو الخالة حرمت عليه بناتهما). الظاهر أنه لا يلحق بالوطي الصحيح الوطي بالشبهة فلا تنشر به الحرمة سواء كان سابقا على العقد أو لاحقا، فلو وطئ الأب زوجة الابن، أو الابن زوجة الأب لم تحرم لعموم قوله تعالى " واحل لكم ما وراء ذلكم " وعموم الخبر المعروف " الحرام لا يحرم الحلال " (1). وأما التمسك بعموم قوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " فهو مبني على كون المراد من النكاح الوطئ ولا شاهد عليه كما أنه لا وجه للتمسك بأن الوطي بالشبهة ملحق بالوطي الصحيح في جملة من الأحكام فلابد أن يكون ملحقا به في التحريم أيضا لأن وجود بعض المعلولات يستلزم وجود الآخر، لأن الانفكاك بين المتلازمين إذا كانا شرعيين واقع كثيرا، لا يقال مع احتمال كل من المعنيين للنكاح لابد من الاحتياط للعلم الإجمالي لأنه يقال: هذا العلم لا يؤثر بعد الفراغ عن كون العقد مجردا عن الوطي موجبا للحرمة من جهة دليل آخر، وبعد وجود العموم لا حاجة إلى التمسك باستصحاب الحلية، بل لا مجال له لتقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي إن كان أصل في البين، وقد مر غير مرة الإشكال في حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وأما الزنا بالمرأة فلا يوجب حرمتها على الزاني ولا يوجب زنا المرأة المزوجة


(1) التهذيب ج 2 ص 208

[ 214 ]

حرمتها على الزوج، أما الثاني فللخبر المعروف " الحرام لا يحرم الحلال " وهذا الخبر معمول به يستدل به في بعض المسائل الآتية مضافا إلى خبر عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عليهما السلام " لا بأس أن يمسك الرجل امرأتها إن رآها تزني وإن لم يقم عليه الحد فليس عليه من إثمها شئ " (1). وأما ما ورد من لزوم التفريق بين الزوجة وزوجها إذا زنت قبل أن يدخل بها كخبر فضل بن يونس " سألت أبي الحسن موسى عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها فزنت قال عليه السلام: يفرق بينهما وتحد الحد ولا صداق لها " (2). وخبر السكوني، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: " قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في امرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها الرجل يفرق بينهما ولا صداق لها إن الحدث كان من قبلها " (3). إلى غير ذلك من الأخبار فمحمول على ضرب من الندب ونحوه لإعراض الأصحاب وعدم العمل بمضمونها. وأما الزنا السابق فالمشهور أنه يجوز نكاح من ارتكبه وتدل عليه أخبار كثيرة منها رواية زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " سئل عن رجل أعجبته امرأة فسأل عنها فإذا النساء تنبئ عليها بالفجور (4) فقال عليه السلام: لا بأس أن يتزوجها ويحصنها " (5). ورواية علي بن يقطين قال: " قلت لأبي الحسن عليه السلام: نساء أهل المدينة؟ قال عليه السلام: فواسق، قلت: أتزوج منهن؟ قال: نعم " (6). ورواية زرارة أيضا قال " سأله عمار وأنا حاضر عن الرجل يتزوج الفاجرة متعة، قال عليه السلام: لا بأس وإن كان التزويج الآخر فليحصن بابه " (7).


(1) التهذيب ج 2 ص 208 (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 250. (4) كذا وفي المصدر " النثاء عليها بالفجور " والنثاء في الكلام يطلق على القبيح و الحسن وفي حديث أبي ذر " فجاء خالنا فنثى علينا " (5) التهذيب ج 2 ص 208 والاستبصار ج 3 ص 168 (6 و 7) التهذيب ج 2 ص 187 والاستبصار ج 4 ص 143

[ 215 ]

وصحيح علي بن رئاب قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الفاجرة يتزوجها الرجل المسلم؟ قال عليه السلام: نعم وما يمنعه ولكن إذا فعل فليحصن بابه مخافة الولد " (1). خلافا للمحكي عن الصدوق وأبي الصلاح من الحرمة تمسكا بقوله تعالى " الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ". والجواب أنه لا يمكن الأخذ بما يظهر منه لأنه يلزم جواز نكاح المشركة للمسلم الزاني ونكاح المشرك للمسلمة الزانية مع أن التكافؤ في الاسلام شرط في جواز النكاح. وقد يحمل الحرمة على غير الحرمة الشرعية بل بمعنى أن المؤمنين لمكان بينونتهم وعدم سنخيتهم مع الزواني يمتنعون من نكاحهن، كما أنه الظاهر في قوله تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ". وقد يقال: إن النهي في المقام وإن تعلق بعنوان التزويج لكن لا يستفاد منه إلا مجرد حرمة التكليفية دون الوضعية بمعنى بطلانه إذ النهي المتعلق بعنوان المعاملة يدل على الفساد إذا كان نفسيا ناشئا عن مفسدة فيها، وأما إذا كان لأجل مراعاة حرام آخر كما في النهي عن الجمع بين الفاطميتين في التزويج حيث إنه لأجل مراعاة حرام آخر وهو إيذاء فاطمة صلوات الله عليها بالجمع بينهما كما دل عليه بعض الأخبار فلا دلالة له إلا على مجرد الحرمة التكليفية. ويمكن أن يقال: لا نجد فرقا بين تحريم الزانية وتحريم النساء المحرمة بعناوين مختلفة فما وجه كون تحريم الزانية تكليفية لا وضعية وتحريم تلك النساء وضعية، ولا شاهد على ما ذكر، وثانيا مع كون النكاح محرما بالحرمة التكليفية كيف رخص في الأخبار التزويج، ثم إن مقتضى إطلاق الأخبار المجوزة عدم الفرق بين المشهورة بالزنا وغيرها، ويظهر من بعض الأخبار الواردة في تفسير الآية عدم


(1) قرب الاسناد ص 78

[ 216 ]

تجويزها. منها خبر زرارة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى " الزانية - الخ " قال: هن نساء مشهورات بالزنا، ورجال مشهورون بالزنا شهروا به وعرفوا به، والناس اليوم بذلك المنزل، فمن أقيم عليه حد الزنا أو شهر بالزنا لم ينبغ لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه توبة " (1). وخبر محمد، عن أبي جعفر عليهما السلام " في قول الله عزوجل " الزانية " وهم رجال و نساء كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مشهورين بالزنا فنهى الله عزوجل عن اولئك الرجال والنساء والناس اليوم على تلك المنزلة من اشتهر بشئ من ذلك أو اقيم عليه الحد فلا تزوجوه حتى يعرف توبته " (2). وخبر حكم بن حكيم في قوله تعالى عن أبي عبد الله عليه السلام " إنما ذلك في الجهر ثم قال: لو أن إنسانا زنى، ثم تاب تزوج حيث شاء (3) ". ويمكن حمل هذه الأخبار على الكراهة جمعا بينها وبين الأخبار السابقة ألا ترى أن رواية زرارة المذكورة لم يستفصل فيها أن المرأة كانت مشهورة أو غير مشهورة، و رواية علي بن يقطين مع تعبير الإمام عليه السلام على المحكي بقوله " فواسق " جوز فيها التزويج فلا مجال للتقييد. وأما نشر الزنا حرمة المصاهرة فالظاهر عدم الخلاف في عدم النشر إن كان متأخرا عن العقد الصحيح لقولهم عليهم السلام على المحكي: " لا يحرم الحرام الحلال " وإنما الخلاف في الزنا المتقدم فالاشهر النشر، ومما يدل على الحكمين المذكورين ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما " أنه سئل عن رجل يفجر بامرأة أيتزوج ابنتها؟ قال: لا، ولكن إذا كانت عنده امرأة ثم فجر بأمها أو ابنتها أو اختها لم تحرم عليه امرأته إن الحرام لا يفسد الحلال " (4). وما رواه في التهذيب، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 354 و 355 (3) الكافي ج 5 ص 355 (4) الكافي ج 5 ص 315.

[ 217 ]

" إذا فجر الرجل بالمرأة لم تحل له ابنتها وإن كان قد تزوج ابنتها قبل ذلك ولم يدخل بها فقد بطل تزويجه وإن هو تزوج ابنتها ودخل بها، ثم فجر بأمها بعدما دخل بابنتها فليس يفسد فجوره بامها نكاح ابنتها إذا هو دخل بها وهو قوله " لا يفسد الحرام الحلال " إذا كان هكذا " (1). ومما يدل على الحكم الأول ما رواه في الكافي في الحسن أو الصحيح، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج جارية فدخل بها، ثم ابتلى ففجر بامها أتحرم عليه امرأته فقال: لا لأنه لا يحرم الحرام الحلال " (2). وعن زرارة قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل زنا بام امرأته أو بابنتها أو باختها، فقال: لا يحرم ذلك عليه امرأته لأن الحرام لا يفسد الحلال " (3). ونقل ابن إدريس عن الشيخ المفيد والسيد المرتضى عدم التحريم بالزنا السابق واختاره المصنف - قدس سره - في المتن ويدل عليه من الأخبار ما رواه الشيخ عن سعيد بن يسار في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل فجر بامرأة يتزوج ابنتها؟ قال: نعم يا سعيد إن الحرام لا يفسد الحلال " (4). وعن هشام بن المثنى قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا فدخل عليه رجل فسأله عن الرجل يأتي المرأة حراما أيتزوجها؟ قال: نعم وأمها وبنتها " (5). وعن حنان بن سدير في الموثق قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ سأله سعيد عن رجل تزوج امرأة سفاحا هل تحل له ابنتها؟ قال: نعم إن الحرام لا يحرم الحلال " (6). وعن زرارة قال: " قلت لأبي جعفر عليهما السلام: رجل فجر بامرأة هل يجوز له أن


(1) التهذيب ج 2 ص 207 (2) و (3) الكافي ج 5 ص 415 و 416 (4) التهذيب ج 2 ص 208 (5) و (6) التهذيب ج 2 ص 207

[ 218 ]

يتزوج ابنتها؟ قال: ما حرم حرام حلالا قط " (1). وعن صفوان في الصحيح قال: " سأله المرزبان عن الرجل يفجر بالمرأة وهي جارية قوم آخرين، ثم اشترى ابنتها أيحل له ذلك؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال. ورجل فجر بامرأة حراما أيتزوج بابنتها؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال " (2). ولا يخفى أنه لا يمكن الجمع بين الطائفتين من الأخبار فلابد من الترجيح أو التخيير، وربما يرجح الطائفة الأولى من جهة مخالفة العامة، ويحمل الطائفة الثانية على التقية، وقد يقال مع تسليم ذلك بدعوى أن المشهور بينهم الحل لا توجب الموافقة الترجيح بعد موافقة الطائفة الثانية لعموم قوله تعالى " وأحل لكم ما وراء ذلكم " بل يمكن أن يقال بترجيح الموافق للكتاب على المخالف للعامة إما بناء على الاقتصار على المرجحات المنصوصة وملاحظة الترتيب بينهما فواضح ضرورة أن الموافقة للكتاب مقدمة بحسب الترتيب في الاخبار العلاجية على المخالفة للعامة، وأما بناء على التعدي أو على الاقتصار مع عدم رعاية الترتيب فلما أفاده الشيخ الأنصاري قدس سره من أن المستفاد من الأخبار التي أطلق فيه الترجيح بموافقة الكتاب ولو بقرينة لزوم قلة المورد لها بل عدمه لو قلنا بتقديم سائر المرجحات هو أن الخبر المعتضد بظاهر الكتاب لا يعارضه الخبر الآخر وإن كان مما لو انفرد لكان مخصصا أو مقيدا، سلمنا عدم تقدم موافقة الكتاب في مقام الترجيح على مخالفة العامة فلا أقل من التساوي فيكون المرجع الأصل وهو استصحاب صحة العقد. ويمكن أن يقال بعد فرض التساوي يكون المرجع التخيير بين الأخذ بالطائفة الأولى والطائفة الثانية لا الأصل وإلا لزم عدم التخيير في الأخبار، ومن البعيد إجازة الإمام عليه السلام في مقام التقية التزويج مع كونه حراما وعدم الاكتفاء بالفتوى بل مع التعليل، وفي رواية هشام المذكورة سأل " السائل عن تزوج المرأة المأتية ما اكتفى بحليتها بل اضيف حلية الأم والبنت، نعم يشكل الأخذ بمضمون خبر زرارة المذكور فإن ما فيه على


(1) التهذيب ج 2 ص 108. والكافي ج 5 ص 416 (2) التهذيب ج 2 ص 208 والكافي ج 5 ص 415

[ 219 ]

المحكي " ما حرم حرام حلالا قط " آب عن التخصيص مع أن مثل ما لو فجر بغلام يكون حرمة امه وبنته واخته مسلمة، ثم إن الأخبار الدالة على عدم الحرمة مع سبق العقد يظهر من بعض الأخبار تقييدها بصورة الدخول بها والمشهور لا يلتزمون به وهو خلاف الخبر المعروف " الحرام لا يحرم الحلال " أو " لا يفسد الحلال ". وأما لو زنا بالعمة أو الخالة فقد يقال: إن قلنا بحرمة بنت المزني بها يكون حرمة ابنتيهما على وفق القاعدة فلا حاجة إلى التمسك بأخبار خاصة، وأما إن قلنا بعدم تحريم بنت المزني بها فلا يجدى التمسك بالاخبار الخاصة إلا في تحريم بنت الخالة المزني بها خاصة لاختصاص الخبر بها ويدل على الحرمة ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه، ثم ارتدع أيتزوج ابنتها؟ قال: لا، فقال: إنه لم يكن أفضى إليها إنما كان شئ دون شئ؟ فقال: لا يصدق ولا كرامة " (1). ويمكن أن يقال: إن الزنا بالعمة والخالة وإن كان أشد حرمة من الزنا بالغير إلا أن الاخبار السابقة لا تشمل الزنا بهما فعلى القول بالحرمة هناك لا مجال للقطع بعدم الفرق وشمول الأخبار للمقام، نعم مقتضى الخبر المذكور في تلك المسألة أعني قوله عليه السلام على المحكي " إن الحرام لا يحرم الحلال " أو " لا يحرم الحرام الحلال " يشمل المقام لكنه قابل للتخصيص بالخبر المذكور، والخبر المذكور مخصوص بالخالة إلا أنه حكي عن ابن إدريس أنه قال: وقد روى أن " من فجر بعمته أو خالته لم يجز له ابنتاهما " أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته وشيخنا المفيد في مقنعته والسيد المرتضى في انتصاره انتهى. ويظهر من كلامه وجود الخبر بالنسبة إلى العمة أيضا لكنه لم ينقل عن كتب الأكابر المذكورين الخبر المذكور بالنحو الذي ذكره، فلا مجال للتعدي عن الخاله.


(1) المصدر ج 5 ص 417

[ 220 ]

(وأما اللمس والنظر بما لا يجوز لغير المالك فمنهم من نشر به الحرمة على أب اللامس والناظر وولده، ومنهم من خص التحريم بمنظورة الأب، والوجه الكراهية في ذلك كله، ولا يتعدى التحريم إلى ام الملموسة والمنظورة ولابنتيهما). في المقام قولان منشاؤهما اختلاف الأخبار، فمما يدل على نشر الحرمة صحيحة محمد بن إسماعيل " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تكون له الجارية فيقبلها هل تحل لولده؟ فقال عليه السلام: بشهوة؟ قلت: نعم، قال عليه السلام: ما ترك شيئا إذا قبلها بشهوة، ثم قال عليه السلام ابتداء منه: إن جردها ونظر إليها بشهوة حرمت على أبيه وابنه، قلت: إذا نظر إلى جسدها؟ فقال: إذا نظر إلى فرجها وجسدها بشهوة حرمت عليه " (1). وصحيحة ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل تكون عنده الجارية يجردها وينظر إلى جسدها نظر شهوة هل تحل لأبيه وإن فعل أبوه هل تحل لابنه؟ قال عليه السلام: إذا نظر إليها بشهوة ونظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحل لابنه، وإن فعل ذلك الابن لم تحل للأب " (2). وخبر يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن أدنى ما إذا فعله الرجل بالمرأة لم تحل لابنه ولا لأبيه، فقال عليه السلام: الحد فيه المباشرة ظاهرة أو باطنة مما يشبه مس الفرجين " (3). وغير ذلك من الأخبار ويستفاد من مجموع هذه الأخبار أن كلا من النظر إلى جسد الجارية ولمسه بشهوة والنظر إلى فرجها ولمسه ولولا عن شهوة يكون موجبا لنشر الحرمة، ولا يبعد تقييد النظر إلى الفرج بالشهوة لوجود القيد في كلام الإمام عليه السلام على المحكي. وأما ما استدل به على عدم النشر فروايتان إحداهما موثقة علي بن يقطين عن


(1) الكافي ج 5 ص 418 (2) التهذيب ج 2 ص 306 والاستبصار ج 3 ص 212. (3) الاستبصار ج 3 ص 212

[ 221 ]

العبد الصالح عليه السلام " عن الرجل يقبل الجارية يباشرها من غير جماع داخل أو خارج أتحل لابنه أو لأبيه؟ قال عليه السلام: لا بأس " (1). والثانية رواية الكاهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل تكون له جارية فيضع أبوه يده عليها من غير شهوة أو ينظر منها إلى محرم من شهوة، فكره عليه السلام أن يمسها ابنه " (2). وقد يستشكل في دلالة الثانية حيث إن المراد من قول الراوي " فكره " ليس هو الفتوى بالكراهة بل المراد منه إظهاره عليه السلام التنفر والانزجار وهو لازم أعم للكراهة. ويمكن أن يقال: بعد السؤال عن وضع اليد على الجارية من غير شهوة لابد أن يكون إظهار التنفر والانزجار منه عليه السلام راجعا إلى كلتا الصورتين من وضع اليد بغير شهوة والنظر من شهوة فإذا فرغنا من عدم نشر الحرمة في الصورة الأولى فكذلك في الصورة الثانية لوحدة ما يقوم مقام الجواب. وقد يقال في دفع الخدشة في الموثقة من حيث الدلالة باحتمال كون تقبيل الجارية لا عن شهوة إن الظاهر من قوله: " يباشرها من غير جماع " أنه يتلذذ بها بأنواع التلذذ غير الجماع، ويمكن أن يقال: لا ظهور فيه ألا ترى أنه في صحيحة محمد بن - إسماعيل المذكورة بعد السؤال عن تقبيل الجارية قال عليه السلام على المحكي " بشهوة " فمع الظهور لا حاجة إلى الاستفصال، نعم ترك الاستفصال كاف في المقام فإن كان ترك الاستفصال بمنزلة الإطلاق أمكن الجمع بين الأخبار السابقة والموثقة بالإطلاق و التقييد، وإن قلنا إنه أقوى من الإطلاق لأن الإطلاق بمنزلة ضرب القانون بخلاف ترك الاستفصال فالمعارضة باقية، وكذلك بالنسبة إلى رواية الكاهلي فمع عدم إمكان الجمع الدلالي تصل النوبة إلى الترجيح السندي. فقد يقال: إن قلنا بإن المستفاد من تعليلهم عليهم السلام في الأخبار العلاجية الأخذ


(1) التهذيب ج 2 ص 195 (2) الكافي ج 5 ص 419

[ 222 ]

بالخبر الموافق للمشهور بأن المجمع عليه لا ريب فيه بعد العلم بأن المراد ليس نفي الريب عنه حقيقة بل بالإضافة هو أن الملاك في الترجيح كون أحد الخبرين بالإضافة إلى الآخر أقرب إلى الواقع وأقل احتمالا لمخالفة الواقع فلا إشكال حينئذ في تقديم تلك الأخبار فإنها لكثرتها واشتمالها على الصحاح يكون احتمال مخالفتها للواقع أقل وأضعف من احتمال مخالفة الموثقة له. وأما بناء على ما أشرنا إليه سابقا من تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على جميع ما سواها من المرجحات لأن المستفاد من الأخبار الدالة على تقديم الخبر الموافق للكتاب هو أن المخالف للكتاب ليس بحجة في مقام التعارض فهي تكون في مقام تعيين الحجة عن اللاحجة، ومعه يرتفع موضوع سائر المرجحات فلا يخلو تقديم تلك الأخبار على الموثقة الموافقة لعموم الكتاب وهو قوله تعالى " واحل لكم ما وراء ذلكم " عن الإشكال. ويمكن أن يقال على فرض تسليم استفادة ما ذكر من الأخبار الدالة على الأخذ بالخبر الموافق للكتاب وطرح المخالف يشكل ما ذكر من جهة استفادة مرجحية الكتاب من بعض الأخبار الواردة في الأخذ بموافق الكتاب لا تمييز الحجة عن اللاحجة ومع ذلك يشكل تقديم الموثقة. وهل يتعدى الحكم إلى ام المنظورة والملموسة وبنتها فيه خلاف ناش عن اختلاف الأخبار فما يدل على التحريم النبوي صلى الله عليه وآله " من كشف قناع امرأة حرم عليه امها وبنتها، وفي نبوي آخر " لا ينظر الله تعالى إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ". وصحيح ابن مسلم " من تزوج امرأة فنظر إلى رأسها وإلى بعض جسدها أيتزوج ابنتها؟ قال: لا إذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوج ابنتها " (1). ومما يدل على عدم التحريم صحيح العيص " سأل الصادق عليه السلام عن رجل باشر امرأة وقبل غير إنه لم يفض إليها، ثم تزوج بنتها؟ فقال عليه السلام: إذا لم يكن أفضى


(1) التهذيب ج 2 ص 194

[ 223 ]

إلى الأم فلا بأس وإن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها " (1) وحيث إن الجمع الدلالي غير ممكن فالترجيح بحسب السند، وما دل على الجواز موافق لعموم قوله تعالى " واحل لكم - الآية ". (ويلحق بهذا الباب مسائل: الأولى لو ملك اختين فوطئ واحدة حرمت الأخرى ولو وطئ الثانية أثم ولم تحرم الأولى واضطربت الرواية ففي بعضها تحرم الأولى حتى تخرج الثانية عن الملك لا للعود. وفي اخرى إن كان جاهلا لم تحرم وإن كان عالما حرمتا عليه). لا خلاف ولا إشكال في جواز الجمع بين الأختين في الملك ولا خلاف ولا إشكال في عدم جواز الجمع بينهما في الوطئ بملك اليمين فلو وطئ إحديهما حرم عليه وطي الأخرى لأنه يتحقق الجمع المحرم به وحينئذ لو عصى ووطئ الأخرى فهل يختص التحريم بالثانية أيضا أو بالاولى أو حرمتا جميعا مطلقا أو مع العلم بالموضوع والحكم وجوه بل أقوال قد يقال أقواها: بحسب القواعد الأول وبحسب الأدلة الخاصة الأخير. أما أقوائية الأول بحسب القواعد فلان وطي الأولى ثانيا بعد وطي الأخرى وإن كان مصداقا للجمع فيكون مقتضى إطلاق ما دل على النهي عن الجمع تحريمه أيضا إلا أن مصداقية الجمع لما كانت مسببة عن وطي الأخرى المحرم فيكون مقتضى إطلاق ما دل على أن الحرام لا يحرم الحلال عدم تحريمه والنسبة بينهما عموم من وجه فيتساقطان ويرجع إلى الأصل، ومقتضى الاستصحاب حلية الأولى وحرمة الثانية واما أقوائية الأخير بحسب الأدلة الخاصة فلان الأخبار وإن كانت مختلفة فبعضها يدل على حرمة الأولى وبعضها على حرمة كلتيهما مطلقا وبعضها على حرمة كلتيهما مع العلم بالموضوع والحكم وبعضها على حرمة كلتيهما ولو مع الجهل إلا أنه يمكن الجمع بينها بأن يقال: إن تخصيص الحرمة في الطائفة الأولى بالأولى من جهة أن حرمة الثانية مفروغ عنها فلا تنافي بينها وبين الطائفة الثانية الدالة على


(1) الكافي ج 5 ص 415

[ 224 ]

حرمة كلتيهما، ومقتضى قاعدة حمل المطلق على المقيد تقييد الطائفة الثانية بالطائفة الثالثة الدالة على تخصيص الحكم بحرمة الجميع بصورة العلم وانه لو وطئ الأخرى بجهالة لم تحرم عليه الأولى ولا يعارضها الطائفة الرابعة الدالة على حرمة الجميع ولو مع الجهل كخبر عبد الغفار الطائي، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل كانت له اختان فوطئ إحديهما، ثم أراد أن يطأ الأخرى، قال: يخرجها من ملكه قلت: إلى من؟ قال: إلى بعض أهله، قلت: فإن جهل ذلك حتى وطئها؟ قال: عليه السلام: حرمتا عليه كلتاهما (1) ". وذلك لاحتمال أن يكون المراد من قول السائل " فإن جهل ذلك " هو الجهل بما علمه الإمام من الحيلة الشرعية في جواز وطي الثانية بعد وطي الأولى بقوله عليه السلام يخرجها من ملكه لا الجهل بالموضوع أو الحكم فتدبر. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من الرجوع إلى الاستصحاب بعد التعارض فيشكل لأنه مع قطع النظر عن عدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية. نقول بعد صدق عنوان الجمع على وطي الأولى بعد وطي الثانية ما بقي الموضوع للحلية حتى يستصحب، والذي يسهل الخطب أنه مع وجود الأخبار لا تصل النوبة إلى ما ذكر. وأما ما ذكر من أن الطائفة الدالة على حرمة الأولى لا تعارض الطائفة الثانية لأن حرمة الثانية مفروغ عنها، ففيه إشكال لأنه لم يظهر من أخبار الباب كون حرمة الثانية مفروغا عنها فمنها ما رواه في الكافي في الحسن أو الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " وسئل عن رجل كان عنده اختان مملوكتان فوطئ إحديهما ثم وطئ الأخرى قال: إذا وطئ الأخرى فقد حرمت عليه الأولى حتى تموت الأخرى، فقلت: أرأيت إن باعها أتحل له الأولى؟ قال: إن كان يبيعها لحاجة ولا يخطر على قلبه من الأخرى شئ فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان إنما يبيعها ليرجع


(1) التهذيب ج 2 ص 197

[ 225 ]

إلى الأولى فلا ولا كرامة " (1). وعن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل عنده اختان مملوكتان فوطئ إحديهما ثم وطئ الأخرى فقد حرمت عليه الأولى حتى تموت الأخرى، قلت: أرأيت إن باعها؟ فقال: إن كان إنما يبيعها ولا يخطر على باله من الأخرى شئ فلا أرى بذلك بأسا وإن كان إنما يبيعها ليرجع إلى الأولى فلا " (2). ورواه الصدوق بإسناده، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام مثله. وعن علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: " سألته عن رجل ملك اختين أيطأهما جميعا فقال: يطأ إحديهما فإذا وطئ الثانية حرمت عليه الأولى التي وطئها حتى تموت الثانية أو يفارقها وليس له أن يبيع الثانية من أجل الأولى ليرجع إليها إلا أن يبيع لحاجة أو يتصدق بها أو تموت (3) " وما رواه المشايخ الثلاثة - نور الله تعالى مراقدهم - عن الحلبي في الصحيح بروايتي الشيخين المتقدمين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: الرجل يشتري الأختين فيطأ إحديهما ثم يطأ الأخرى بجهالة قال: إذا وطئ الأخرى بجهالة لم تحرم عليه الأولى وإن وطئ الأخيرة وهو يعلم أنها محرمة عليه حرمتا عليه جميعا " (4). وما رواه في التهذيب عن عبد الغفار الطائي (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل كان له اختان فوطئ إحديهما - الخ " فلاحظ رواية علي بن أبي حمزة يسأل عن وطي الأختين، ورواية الحلبي ورواية أبي الصباح ومحمد بن مسلم لم يظهر منها


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 432 (3) التهذيب ج 2 ص 197 (4) الكافي ج 5 ص 433 والتهذيب ج 2 ص 197 والفقيه باب الجمع بين الاختين المملوكتين تحت رقم 2 (5) تقدم آنفا

[ 226 ]

كون حرمة الثانية مفروغا عنها وإن كان المراد أنه حيث إن وطئ الأمتين جمعا من المحرمات في الإسلام والجمع يتحقق بوطئ الثانية فلابد من أن يكون وطي الأولى أيضا مفروغا عن حرمته لتحقق الجمع به بعد وطي الثانية فكيف في الروايات تعرض لحرمته. وأما ما ذكر في خبر الطائي من احتمال أن يكون المراد من قول السائل - الخ " فيشكل من جهة أنه مع قطع النظر عن بعده لو كان كلام السائل قابلا للمعنيين واجيب بجواب واحد من دون تعرض لمراد السائل وأنه ما مراده يلزم أن يكون الجواب واحدا على التقديرين نظير ترك الاستفصال فمع الإشكال في الجمع الدلالي لا بد من الترجيح أو التخيير. (الثانية يكره أن يعقد الحر على الأمة، وقيل: يحرم إلا أن يعدم الطول ويخشى العنت. الثالثة لا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من حرتين أو حرة وأمتين أو أربع إماء، الرابعة لا يجوز نكاح الأمة على الحرة إلا بإذنها، ولو بادر كان العقد باطلا، وقيل: كان للحرة الخيرة بين إجازته وفسخه، وفي رواية: لها أن تفسخ عقد نفسها، وفي الرواية ضعف، ولو أدخل الحرة على الأمة جاز، وللحرة الخيار إن لم تعلم، إن كانت الأمة زوجة). اختلف في جواز تزويج الحر الأمة مطلقا وعدم جوازه إلا بشرطين عدم الطول بمعنى عدم التمكن من المهر والنفقة وخشية العنت بمعنى خوف المشقة المؤدية إلى الوقوع في الإثم من ترك التزوج على قولين. واستدل المجوزون بعموم قوله تعالى " أوفوا بالعقود " وبقوله تعالى " احل لكم ما وراء ذلكم " وقوله تعالى " وأنكحوا الأيامى منكم " وخصوص قوله عليه السلام على المحكي في مرسل ابن بكير " لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحر المملوكة (1) " وقوله عليه السلام على المحكي في خبر أبي بصير " لا ينبغي للحر أن يتزوج الأمة وهو يقدر على الحرة (2)) حيث إن التعبير " بلا ينبغي " مشعر بالكراهة.


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 360 تحت رقم 7 و 9

[ 227 ]

وقد يناقش في ما ذكر في مقام الاستدلال أما عموم " أوفوا بالعقود " فلعدم جواز التمسك به في باب المعاملات إذ المراد بالعقد على ما يظهر من بعض الروايات وكلام بعض أهل اللغة هو العهد ولا يصدق العهد على المعاملات، وأما قوله تعالى " احل لكم ما وراء ذلكم " فلمنع الإطلاق له من حيث الأسباب ضرورة أنه في مقام بيان مجرد قابلية غير المحرمات بالذات كالأم والبنت وغيرهما، وأما إنها بم يصرن محللة فعلا فليست في مقام بيانها. وأما قوله تعالى " وأنكحوا الأيامى " فلأن النكاح ليس له حقيقة واحدة كي يصح التمسك بإطلاقه لصحة كل ما صدق النكاح ضرورة اختلاف النكاح حقيقة بحسب اختلاف الملل والنحل فإن لكل ملة وقوم نكاحا خاصا فتدبر، هذا مضافا إلى أن هذه عمومات وإطلاقات يجب تخصيصها وتقييدها بأدلة المانعين. ويمكن أن يقال: ما ذكر من منع صدق العهد على المعاملات مشكل فإن المتبايعين يتعاهدان على كون المبيع للمشتري والثمن للبايع، والزوج والزوجة كذلك وكذا سائر المعاملات كالصلح والإجارة وغيرهما، نعم لو شك في القابلية للنكاح فلا مجال للتمسك بهذا العموم لاثبات القابلية للنكاح. وأما ما ذكر في الاستدلال بقوله تعالى " واحل لكم ما وراء ذلكم " فلم يظهر وجهه فإن سبب النكاح ليس إلا الايجاب والقبول في ما يحل فإذا دل الدليل على الحلية فلا يبقى شك بعد تحقق الايجاب والقبول وكيف وقد استدل به في الشك في نشر الحرمة بالزنا كما سبق وجعل موافقة الكتاب موجبة للأخذ بالأخبار الموافقة. واستدل المانعون بمفهوم قوله تعالى: " ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فأنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (1) ".


(1) النساء: 29 و 30

[ 228 ]

وصحيح ابن مسلم " سئل أبا جعفر عليهما السلام عن الرجل يتزوج المملوكة قال: إذا اضطر إليها لا بأس (1) " ونحوه خبر أبي بصير وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " سألته عن الرجل يتزوج الأمة قال: لا إلا أن يضطر إلى ذلك (2) ". وخبر يونس عنهم عليهم السلام " لا ينبغي للمسلم الموسر أن يتزوج الأمة إلا أن لا يجد حرة (3) ". ومرسل ابن بكير وخبر أبي بصير المتقدمين. وتقريب الاستدلال بالآية الشريفة هو أن كلمة " من " في قوله تعالى " ومن لم يستطع " إما شرطية ويكون قوله تعالى " فمن ما ملكت " جوابا لها، وإما موصولة ويكون قوله تعالى " فمن ما ملكت " خبرا لها، وعلى الثاني دخول الفاء على الخبر يدل على تضمن الموصول معنى الشرط على ما صرح به أهل العربية. وعلى كلا التقديرين يستفاد اشتراط الجواز بالشرط المذكور، ولا مجال لاحتمال أن يكون الرجحان مشروطا لان معنى قوله تعالى " فمن ما ملكت " فلينكح مما ملكت والامر للرجحان فبانتفاء الشرط ينتفي الرجحان لا الجواز كما هو المدعى لأن سوق الآية الشريفة لوقوعها عقيب بيان ما يحرم من النساء وما يحل يكون قرينة على بيان الحكم من جهة الحلية والحرمة مضافا إلى ما في ذيلها من قوله تعالى " وأن تصبروا خير لكم " ونوقش بأنه لم يحرز كون الآية الشريفة في مقام بيان الحلية والحرمة لاحتمال كونها جملة مستقلة غير مرتبطة بما قبلها وليس وقوعها عقيب السابقة قرينة على ما ذكر ولا ينافي هذا مع قوله تعالى " وأن تصبروا خير لكم " حيث إنه يستلزم رجحان الفعل أعني النكاح مع تحقق الشرط ورجحان الترك أيضا وهو غير معقول لأن المراد من الصبر ليس هو الصبر على ترك النكاح مع وجود الشرطين أعني عدم الاستطاعة وخوف العنت المفسر بخوف الإثم الذي يؤدي إليه توقان الشهوة وكثرتها كي يلزم المحذور المذكور، بل المراد منه توطين النفس على تحمل المشقة بالتقوى وشدة الورع بحيث


(1) التهذيب ج 2 ص 209 (2) و (3) الكافي ج 5 ص 359 و 360

[ 229 ]

يزول عنه الخوف ويطمئن بعدم الوقوع في المحرم ويخرج عن موضوع هذا الحكم الاضطراري ولا منافاة بين الحكم برجحان إتيان فعل على مكلف خاص مع الحكم برجحان إزالة ذلك المكلف تلك الخصوصية عن نفسه ليخرج عن موضوع ذلك الحكم. ويمكن أن يقال: حمل قوله تعالى " وأن تصبروا - الخ " على ما ذكر خلاف الظاهر لا يصار إليه حيث إن تحصيل التقوى وشدة الورع بتلك المرتبة يحتاج إلى مدة يروض فيها نفسه بذلك ولعل المتعين الحمل على المعنى الأول كما أنه يظهر من صحيح زرارة المذكور عدم الجواز بدون الاضطرار، ولا مجال للخدشة في دلالته و إن أمكن الخدشة في دلالة صحيح ابن مسلم وخبر أبي بصير بأن البأس المذكور فيهما يجتمع مع الكراهة فلا ظهور في الحرمة، ولا يخفى أن مقتضى صحيح زرارة كفاية الاضطرار ولو مع الاستطاعة فلا يبعد عدم كون الاستطاعة شرطا شرعيا لجواز النكاح بل إرشادا إلى ما هو أسهل لمريد النكاح. ثم إنه قد يقال مع عدم تمامية أدلة المجوزين والمانعين نرجع إلى الأصول العملية ومقتضاها هو الحرمة والفساد لأن الشك إن كان في مجرد التكليف وأن تزوج الأمة حرام تكليفا أولا فمقتضى الأصل حيث إن الباب باب الفروج هو الاحتياط وإن كان الشك في الوضع وإن العقد عليها فاسد أولا فمقتضى الأصل حيث إن الباب باب الأسباب والمسببات هو الفساد إلا أنه يمكن التمسك للمجوزين بالنصوص الناهية عن تزويج الأمة على الحرة بتقريب أن يقال: لا شك في ظهور تلك النصوص في أن النهي عن تزوج الأمة على الحرة إنما هو لكونه على الحرة وإن لهذا العنوان موضوعية لا لكون هذا العنوان ملازما غالبا لفقد شرط صحة العقد على الأمة وهو خوف العنت المنتفي غالبا فلو كان للشرطين مدخلية لكان الأولى التعليل بفقدان الشرط لا بوجود المانع، ولكن الحق مع ذلك عدم جواز التزوج إلا مع وجود الشرطين لأخبار خاصة صريحة في ذلك موجبة لحمل أخبار النهي عن تزويج الأمة على الحرة على الحكم الحيثي وأنها في مقام بيان اعتبار إذن الحرة أيضا في جواز النكاح عليها مضافا إلى اعتبار الشرطين لا أن المراد كفاية الإذن ولو مع فقد الشرطين مثل ما رواه

[ 230 ]

في غوالي اللئالي من أنه " يحرم أن يتزوج المملوكة وإن فعل ذلك فرق بينهما و عزر " ومثل ما رواه في الحدائق المشتمل على تعداد ما حرم من الفروج في القرآن وما حرم منها في السنة وقد عد من المحرم منها في السنة تزويج الأمة لمن يقدر على الحرة. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من الأصل مع عدم تمامية أدلة المجوزين و المانعين فيشكل من جهة أن القائل بالحرمة نظره إلى الحرمة الوضعية ولا أظن أن يكون نظر القائل بالحرمة إلى الحرمة التكليفية إلا أن يقال بالحرمة التشريعية وهي خارجة عن محل الكلام، وما ذكر من الاحتياط في باب الفروج إن تم يكون راجعا إلى الزواج ومعاملة الزوجية ولا يوجب حرمة العقد من دون معاملة الزوجية، ومع أنه لا دليل عليه بل في الشبهات الموضوعية مقتضى روايه مسعدة بن صدقة خلافه. وأما الحرمة الوضعية فتقريبها أن مقتضى الاستصحاب إن تم في الشبهات الحكمية عدم تحقق المسبب أعني الحلية لكنه إذا شك في شرطية شئ للحلية فلقائل أن يتمسك بحديث الرفع في رفعها لأن المحصل إذا كان بيانه راجعا إلى الشارع فلا مانع من رفع الشرطية فيه ومعه لا مجال للاستصحاب. وأما ما ذكر في الجواب عن الاستدلال بالأخبار الدالة على عدم جواز نكاح الأمة على الحرة على عدم لزوم الشرطين فلا مانع منه إلا أنه يلزم حمل الأخبار على صورة نادرة الوقوع فالأولى في المقام التمسك بصحيح ابن مسلم والتفصيل بين صورة الاضطرار العرفي لا الاضطرار الموجب لرفع الحرمة وغيرها. وأما عدم جواز أن يتزوج العبد أكثر من حرتين أو حرة وأمتين أو أربع إماء فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه النصوص منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " سأله عن العبد يتزوج أربع حرائر قال عليه السلام: لا، ولكن يتزوج حرتين وإن شاء أربع إماء " (1).


(1) التهذيب ج 2 ص 305. والكافي ج 5 ص 477

[ 231 ]

ومنها خبر الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن المملوك ما يحل له من النساء؟ فقال: حرتان أو أربع إماء " (1). ومنها خبر زرارة عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن المملوك كم يحل له أن يتزوج قال عليه السلام: حرتان أو أربع إماء " (2). ولا يخفى أنه لا تعرض في هذه الأخبار لجواز أن يتزوج العبد حرة وأمتين لكنه ادعي الإجماع عليه وفي الفقية (3) بعد أن روى عن حماد بن عيسى أنه " سئل أبا عبد الله عليه السلام كم يتزوج العبد قال: قال أبي عليه السلام: قال علي عليه السلام: لا يزيد على امرأتين " قال: وفي حديث آخر " يتزوج العبد حرتين أو أربع إماء أو أمتين و حرة ". وأما عدم جواز نكاح الأمه على الحرة إلا بإذنها فلا خلاف فيه مع عدم الإذن ومع الإذن فيه خلاف ويظهر من حكاية الشيخ عن قوم من أصحابنا عدم الجواز حتى مع الإذن، ويدل على الجواز مع الإذن ما عن ابن بزيع في الصحيح " سألت أبا الحسن عليه السلام هل للرجل أن يتمتع المملوكة بإذن أهلها وله امرأة حرة؟ قال: نعم، إذا رضيت الحرة، قلت: فإن رضيت الحرة يتمتع منها؟ قال: نعم " (4). ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " تزوج الحرة على الأمة ولا تزوج الأمة على الحرة ومن تزوج أمة على حرة فنكاحه باطل " (5). ومنها ما رواه في الفقيه في الصحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليهما السلام " أنه


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 305 والكافي ج 5 ص 477 (3) باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 74. ونقله الشيخ في التهذيب ج 2 ص 306 (4) الكافي ج 5 ص 463 (5) المصدر ج 5 ص 359

[ 232 ]

قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام أن ينكح الحرة على الأمة ولا ينكح الأمة على الحرة - الحديث (1) ". وما رواه في الفقيه مرسلا قال: قال أبو جعفر عليهما السلام: " تزوج الأمة على الأمة ولا تزوج الأمة على الحرة، وتزوج الحرة على الأمة، فإن تزوجت الحرة على الأمة فللحرة ثلثان وللأمة الثلث، ليلتان وليلة " (2). وما رواه في التهذيب، عن محمد بن الفضيل قال: لا يجوز نكاح الأمة على الحرة، ويجوز نكاح الحرة على الأمة - الحديث " (3). وعن حذيفة بن منصور قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام " عن رجل تزوج أمة على حرة لم يستأذنها؟ قال: يفرق بينهما، قلت: عليه أدب؟ قال: نعم اثنا عشر سوطا و نصف ثمن حد الزاني فهو صاغر (4) ". ولا يخفى أنه لا مخصص للاطلاقات المذكورة إلا رواية ابن بزيع المذكورة، و رواية حذيفة حيث سئل عن التزوج بلا استيذان، ورواية ابن بزيع مخصوصة بالتمتع مع الإذن. والقيد المذكور في رواية حذيفة في كلام السائل لا يستفاد منه التقييد إلا من جهة التقرير ولا يخلو عن الاشكال. ومما ذكر ظهر الإشكال في إطلاق القول بالمنع حتى في النكاح المنقطع فإن الأخبار الواردة يشكل إطلاقها بالنسبة إلى النكاح المنقطع وإن الظاهر أنه في النكاح المنقطع يعبر بالمتعة أو يقيد بها فكيف يؤخذ باطلاقها حتى بالنسبة إليه وعلى القول بالصحة مع الاذن لو بادر فمقتضى بعض أخبار الباب بطلان النكاح كما في رواية الحلبي فليس من قبيل الفضولي المراعى صحته بتعقب الإجازة. وأما ما ذكر من كون الحرة مختارة في فسخ عقد نفسها فاستدل عليه برواية سماعة


(1) المصدر باب ما احل الله من النكاح تحت رقم 63 (2) المصدر باب ما احل الله من النكاح تحت رقم 69 (3) التهذيب ج 2 ص 211 (4) التهذيب ج 2 ص 212

[ 233 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج أمة على حرة فقال: إن شاءت الحرة أن تقيم مع الأمة أقامت وإن شاءت ذهبت إلى أهلها " (1). والمحكي في شرح النافع لصاحب المدارك عن الشيخين وابن حمزة وابن البراج أنهم أفتوا بمضمون هذه الرواية فإن كانت الرواية مجبورة من جهة السند يكون معارضة مع الأخبار المذكورة الدالة على المنع والمحكي في المختلف كون الحرة مختارة في فسخ عقد الأمه وإمضائه والترجيح مع تلك الأخبار. وأما جواز إدخال الحرة على الأمة فقد ظهر من الأخبار المذكورة. وأما الثبوت الخيار لها مع الجهل بكون الامة زوجة فيدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن يحيى الأزرق عن الصادق عليه السلام قال: " سألته عن رجل كانت له امرأة وليدة فتزوج حرة ولم يعلمها أن له امرأة وليدة، فقال: إن شاءت الحرة أقامت وإن شاءت لم تقم، قلت: قد أخذت المهر فتذهب به؟ قال: نعم بما استحل من فرجها (2) ". (ولو جمع بينهما في عقد صح عقد الحرة دون الأمة. الخامسة لا يحل العقد على ذات البعل ولا تحرم به، نعم لو زنا بها حرمت، وكذا في الرجعية خاصة. السادسة من تزوج امرأة في عدتها جاهلا فالعقد فاسد، ولو دخل حرمت أبدا، و لحق به الولد، وله المهر بوطي الشبهة، وتتم العدة للأول وتستأنف اخرى للثاني وقيل: تجزي عدة واحدة، ولو كان عالما حرمت بالعقد، ولو تزوج محرما عالما حرمت وإن لم يدخل ولو كان جاهلا فسد ولم تحرم ولو دخل. السابعة من لاط بغلام فأوقبه حرمت عليه أم الغلام وبنته واخته). أما لو عقد على الحرة والأمة بعقد واحد فيمكن أن يقال: الأدلة المانعة من إدخال الأمة على الحرة لا يشمله لأنها ظاهرة في صورة سبق نكاح الحرة إلا أن يتمسك بصحيح الحذاء عن أبي جعفر عليهما السلام " أنه سئل عن رجل تزوج امرأة حرة و أمتين مملوكتين في عقد واحد؟ قال: أما الحرة فنكاحها صحيح وإن كان سمى لها مهرا


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 212

[ 234 ]

فهو لها، وأما المملوكتان فإن نكاحهما في عقد مع الحرة باطل يفرق بينه وبينها (1) ". ومن قال بالصحة مع الإذن يقول بها في المقام إلا أن يستشكل من جهة عدم صحة نكاح الأمة من جهة فقدان شرط الصحة فلا يفيد الإذن. وأما عدم حلية العقد على ذات البعل فلعله من ضروريات الدين. وأما عدم لزوم الحرمة الأبدية فمحل الكلام فالظاهر أنه من الجهل وعدم الدخول لا إشكال في عدم لزوم الحرمة الأبدية لعدم تحقق الموجب لها فمقتضى العمومات والاطلاقات الحلية. وأما مع العلم بالحكم والموضوع فمع الدخول يكون زنا والمشهور أنه موجب للحرمة الأبدية ويدل عليه مرفوعة أحمد بن محمد المروية في الكافي " عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد رفعه: إن الرجل إذا تزوج امرأة وعلم أن لها زوجا فرق بينهما ولم تحل له أبدا " (2) وإن كان جاهلا فإنها تحرم مع الدخول لموثقة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " في امرأة فقد زوجها أو نعى إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها فقال: تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة وليس للآخر أن يتزوجها أبدا " (3). وهذه الرواية وإن لم يذكر فيها دخول الثاني بها إلا أنه حيث ذكر في الجواب " تعتد منهما " يظهر أنها مدخول بها للثاني، وأما مع الجهل وعدم الدخول فمجرد العقد لا يوجب الحرمة الأبدية، وأما الزنا بدون العقد فادعى الاجماع على إيجابه الحرمة الأبدية وليس نص بأيدينا إلا ما في الفقه المنسوب إلى الرضا صلوات الله عليه ونسب المحقق - قدس سره - إلى المشهور فمقتضى الاحتياط الاجتناب للزاني و مع وقوع العقد بعد الزنا الاحتياط بالطلاق لا تجويز إزدواجها مع الغير بدون الطلاق وكذا الكلام في المطلقة الرجعية لأنها في حكم الزوجة. وأما التزوج في العدة فمع الجهل وعدم الدخول لا إشكال في أنه لا يوجب


(1) التهذيب ج 2 ص 212 (2) المصدر ج 5 ص 429. (3) التهذيب ج 2 ص 202 والاستبصار ج 3 ص 188

[ 235 ]

الحرمة الأبدية ويدل عليه ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أهي ممن لا تحل له أبدا؟ فقال: لا أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأي الجهالتين أعذر بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه؟ أم بجهالته أنها في عدة؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الآخر الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه وذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: فهو في الأخرى معذور؟ قال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها، فقلت: فإن كان أحدهما متعمدا والآخر يجهل، فقال: الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبدا (1) ". وما رواه في الكافي والتهذيب، عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: " بلغنا عن أبيك أن الرجل إذا تزوج المرأة في عدتها لم تحل له أبدا، فقال: هذا إذا كان عالما فإذا كان جاهلا فارقها وتعتد ثم يتزوجها نكاحا جديدا " (2). ومع العلم تحرم أبدا كما ظهر من هذين الخبر ين، وكذلك مع الدخول و يدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب، عن الحلبي في الحسن أو الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع وتزوج قبل أن يمضي لها أربعة أشهر وعشرا، فقال: إن كان دخل بها فرق بينهما، ثم لم تحل له أبدا واعتدت بما بقي عليها من الأول واستقبلت عدة اخرى من الآخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها فرق بينهما واعتدت بما بقي عليها من الأول وهو خاطب من الخطاب (3) ". وعن محمد بن مسلم في الموثق، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن الرجل تزوج المرأة في عدتها؟ قال: إن كان دخل بها فرق بينهما ولم تحل له أبدا وأتمت


(1) الكافي ج 5 ص 427. والتهذيب ج 2 ص 201 واللفظ له (2) الكافي ج 5 ص 429 والتهذيب ج 2 ص 201 (3) الكافي ج 5 ص 427. والتهذيب ج 2 ص 201

[ 236 ]

عدتها من الأول وعدة اخرى من الآخر، وإن لم يكن دخل بها فرق بينهما و أتمت عدتها من الأول وكان خاطبا من الخطاب ". (1) ثم إنه استشكل على فقه صحيحة ابن الحجاج وذكر إشكالان أحدهما أن المراد بالجهالة المفروضة فيها إن كان هو الشك فحكمه عليه السلام بالمعذورية لا ينطبق على القواعد ضرورة أن الشك إن كان في الحكم الشرعي الكلي وهو حرمة التزويج في العدة فالشاك فيه لا يكون معذورا إلا بعد الفحص عن الدليل واليأس عنه، وإن حملنا الصحيحة على ما بعد الفحص فيشكل بأنه كيف يمكن أن يكون شاكا بعد الفحص مع وضوح هذا الحكم بين المسلمين وإن كان الشك في الموضوع وأنها في العدة أم لا فتارة يكون الشك فيه من جهة الشك في أصل مقدار العدة بحسب جعل الشرع واخرى من جهة الشك في انقضائها مع العلم بمقدارها شرعا، وعلى كل تقدير يكون الحكم بالمعذورية على خلاف القاعدة إذ مقتضى استصحاب الحكم في الأول واستصحاب الموضوع في الثاني عدم المعذورية وإن كان المراد بالجهالة هي الغفلة و الجهل المركب بالحكم أو الموضوع أو كليهما أو الجهل البسيطة بأصل الموضوع و أنها ذات عدة أصلا أم لا، فالحكم بالمعذورية وإن كان مطابقا للقواعد إلا أن مقتضاه تخصيص الحكم بالغافل مطلقا والشاك في أصل تحقق الموضوع وهو مخالف لإطلاق سائر الأخبار وإطلاق كلمات الأصحاب. ويمكن أن يقال: الحرمة التكليفية غير معلوم بل الظاهر كون الحرمة وضعية بمعنى فساد العقد، ولعل المراد المعذورية في العقد عليها ثانيا بمعنى أن العقد الأول لا يصير سببا للحرمة الأبدية فهو معذور، ويجوز له العقد ثانيا كما يشعر بذلك قوله عليه السلام على المحكي " إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها " وكذلك حرمة خطبتها لا تدل على حرمة العقد، ولسنا بصدد إثبات الإباحة بل نقول: استفادة الحرمة من تلك الأخبار التي بأيدينا مشكلة فالمعذورية في المقام غير المعذورية في الأحكام التكليفية حتى يرد ما ذكر من أن المعذورية بعد الفحص.


(1) الكافي ج 5 ص 427

[ 237 ]

وأما ما ذكر من أن الشك في الموضوع تارة يكون من جهة الشك في مقداره شرعا فيتوجه عليه أن هذا داخل في الشبهات الحكمية وليس مجرى للاستصحاب إلا بعد الفحص واليأس، وأما صورة الشك في الموضوع من جهة الشك في انقضاء العدة فالشك فيها إن كان من جهة الشك في مبدئها كما إذا شك في أن الطلاق وقع في أول محرم حتى تكون العدة منقضية أو في أول صفر حتى تكون غير منقضية فالظاهر عدم جريان الاستصحاب فيه، لأن معنى الاستصحاب هو التمديد، والمفروض أن الشك في مبدء المدة، نعم يستصحب عدم جواز النكاح. والإشكال الثاني أن تعليله عليه السلام على المحكي أهو نية الجهالة بالحكم وإن الله تعالى حرم عليه ذلك من الجهالة بالموضوع وأنها في العدة بقوله عليه السلام " لأنه لا يقدر على الاحتياط معها " بناء على كون الجهالة في الموضعين بمعنى واحد لأنها إن كانت بمعنى الغفلة فلا إشكال في عدم قدرته على الاحتياط في الموضعين، وإن كانت بمعنى الشك فلا إشكال في قدرته على الاحتياط معه في كليهما، والتفكيك بين الجهالتين بحسب المعنى بأن يجعل الجهالة بالحكم بمعني الغفلة، والجهالة بالموضوع بمعنى الشك وإن كان يستقيم معه التعليل إلا أنه خلاف الظاهر. واجيب عنه بأن وجه قدرته على الاحتياط في الثاني وعدمه في الأول هو أنه يتمكن في الثاني بعد الالتفات إلى الحكم الوضعي من رفع اليد عن المرأة، وهذا بخلاف الأول فإنه عمل غفلة بالفعل المحرم شرعا، ولا يتمكن من تداركه بعد الالتفات، نعم لو التفت قبل انقضاء العدة لا يجوز له قبل انقضائها تجديد العقد عليها فتدبر. وفيه إشكال لأن ما ذكر مبني على ثبوت الحرمة التكليفية لنفس العقد بدون الدخول وإثباته مشكل وربما يتمسك بأن الخطبة حرام فالنكاح بطريق أولى ولا يتم لعدم العلم بالمناط وعلى تقدير الحرمة وحمل الجهالة على الغفلة لا الشك مع الالتفات فحال الغفلة لا يقدر على الاحتياط، وبعد الالتفات يتمكن من الاحتياط سواء كان الشك، من جهة الحكم أو من جهة الموضوع برفع اليد عن المرأة فإن كان العقد في نفسه

[ 238 ]

محرما مع عدم الدخول كما هو المفروض فلا تمكن له من تداركه، فلابد من رد علمه إلى أهله. وما ذكر مبني على حمل الجهالة على الغفلة وظاهر الكلمات شمولها لصورة الشك كما لعله الظاهر من الأخبار ولا أقل من قابلية السؤال لكلا المعنيين وعدم التعرض لمراده من كلامه فلا يكون المرأة زانية وتستحق المهر ويكون الولد مع الدخول ولد شبهة، وتتم العدة للزوج الأول وتستأنف عدة اخرى لمن تزوج بها، هذا هو مقتضى القاعدة المقررة في الأصول من أن تعدد الاسباب موجب لتعدد المسببات وهو المشهور بين الأصحاب ويدل عليه الحسن كالصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام الذي رواه الحلبي، وموثق محمد بن مسلم المتقدمان ولا يعارضهما موثقة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر عليهما السلام " في امرأة فقدت زوجها أو نعى إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها؟ قال: عليه السلام: تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة، وليس للآخر أن يتزوجها (1) ". وصحيحته عن أبي جعفر عليهما السلام " في امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها، قال عليه السلام: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما جميعا (2) " لاعتضاد رواية الحلبي و موثق محمد بن مسلم وغيرهما مما يطابقهما بالشهرة والإجماع فاللازم طرحهما أو حملهما على أن المراد من الواحدة فيهما هو الاتحاد في المقدار ومع تسليم التكافؤ لموافقة تلك الأخبار للعامة فالمرجع استصحاب الحرمة لا العدة بعد كونه الشك في أصل مقدارها بحسب جعل الشرع إذ لا مجال لجريان الاستصحاب فيها، هكذا قيل. ويمكن أن يقال: مع احتمال أن يكون أخذ المشهور من باب الترجيح أو التخيير يشكل ترك الروايتين، وما ذكر من حمل الروايتين على ما ذكر لا مجال له فإن الحكيم إذا كان في مقام البيان لا يريد من كلامه غير الظاهر منه كما لا يخفى. وأما ما ذكر من أنه مع التكافؤ يرجع إلى الاستصحاب فلم يظهر وجهه مع أن


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 202 والاستبصار ج 3 ص 188

[ 239 ]

القاعدة التخيير مع التكافؤ، هذا مضافا إلى الإشكال في الاستصحاب في الشبهات الحكمية وكيف كان لا إشكال ولا خلاف في أن لها مهرها على الزوج الأول للعقد والوطي الصحيحين ولا تستحق على الثاني مع علمها بالتحريم إذ لا مهر لبغي. وأما مع جهلها بالتحريم وعدم الدخول فلاشئ لها عليه لفساد العقد وعدم استحلال الفرج. وأما مع الدخول فالمعروف أنه لا إشكال في استحقاقها للمهر بما استحل من فرجها. ويمكن أن يقال: أما مع الجهل بنحو تكون معذورة كصورة الغفلة أو الجهل المركب بحيث تعتقد أنه لا إشكال في تزوجها فلا إشكال، وأما مع الشك واحتمال الحرمة فيقع الإشكال لان الشاك الملتفت غير معذور وهو في حكم العامد، ثم مع استحقاق المهر من جهة استحلال الفرج يقع الإشكال في أن المستحق المهر المسمى في العقد الفاسد أو مهر المثل، منشأ الإشكال والاختلاف أن اللام الداخلة على المهر في قولهم عليهم السلام على المحكي " فلها المهر بما استحل من فرجها " هل هي للعهد كي يكون المراد ما هو المعهود بينهما من المهر المسمى، أو يكون المراد ما هو المعهود في الشرع من المسمى مع التعيين والمثل مع عدمه، أو أنها للجنس كي يكون المراد أنها تستحق مهرا وليست كالزانية في عدم استحقاقها أصلا، وقد يقال: إن الظاهر أنها للعهد والمراد ما هو المعهود بينهما من المسمى كما لا يخفى على من راجع الأخبار. وفيه تأمل حيث إن العلة ظاهرا استحلال الفرج لا التسمية في العقد الفاسد والاستحلال يناسب مع الجنس لا مع الخاص المسمى في العقد الفاسد. وأما نكاح المحرم فلا إشكال في فساده وبطلانه وإنما الخلاف في أنه يوجب تحريم المرأة عليه أبدا مطلقا علم بالحرمة أو لم يعلم، دخل بها أو لم يدخل، أو أنه لا يوجب التحريم الأبدي إلا مع العلم وإن لم يدخل بها أو مع الدخول وإن لم يعلم بالحرمة، ومنشأ الخلاف اختلاف ما ورد في المسألة من الأخبار. فمنها ما دل على أنها يوجب التحريم أبدا مطلقا كخبر أديم بن الحر الخزاعي عن الصادق عليه السلام " إن المحرم إذا تزوج وهو محرم فرق بينهما ولا

[ 240 ]

يتعاودان أبدا " (1). وخبر الحكم بن عتيبة " سألت أبا جعفر عليهما السلام المحرم تزوج امرأة في عدتها قال عليه السلام: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا " (2). وخبر إبراهيم بن الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام " إن المحرم إذا تزوج وهو محرم فرق بينهما ثم لا يتعاودان أبدا " (3). ومنها ما دل على أنه فاسد ولكن لا يوجب التحريم الابدي مطلقا كخبر محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحل؟ فقضى عليه السلام أن يخلي سبيلها ولم يجعل نكاحها شيئا حتى يحل فإذا أحل خطبها إن شاء فإن شاء أهلها زوجوه وإن شاؤوا لم يزوجوه " (4). ومنها ما دل على أنه يوجب الحرمة الأبدية إذا كان عالما بالحكم كخبر زرارة وداود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام وخبر أديم بياع الهروي عنه عليه السلام أيضا أنه قال: " والمحرم إذا تزوج وهو يعلم أنه حرام عليه لم تحل له أبدا " (5). فقد يقال: إن مقتضى القاعدة وإن كان هو الجمع بينهما بتقييد الطائفة الأولى الدالة على التحريم ابدا مطلقا بمفهوم الطائفة الثالثة الدال على عدم التحريم مع الجهل وتقييد الطائفة الثانية الدالة على عدم التحريم مطلقا بمنطوق الطائفة الثالثة الدال على التحريم مع العلم وتصير النتيجة هو التحريم مع العلم دخل بها أم لا، وعدم التحريم مع الجهل دخل بها أم لا، إلا أن تقييد الطائفة الأولى بمفهوم الطائفة الثالثة حيث يوجب حملها على الفرد النادر لندرة إقدام المحرم الذي هو في مقام إتيان ما هو من أفضل


(1) التهذيب ج 2 ص 201 (2) التهذيب ج 2 ص 245 (3) الكافي ج 2 ص 372 (4) التهذيب ج 1 ص 541 حسبما رقمناه و 299 حسبما رقم فيه (5) الكافي ج 5 ص 426

[ 241 ]

الأعمال على النكاح مع علمه بالحرمة والفساد فتكون الطائفة الأولى بهذه الملاحظة كالنص في الاطلاق فيقع المعارضة بينها وبين مفهوم الطائفة الثالثة فيرجع في مورد التعارض وهو التزويج مع الجهل إلى عموم " وأحل لكم ما وراء ذلكم ". ويمكن الجمع بأن يحمل الطائفة الأولى بقرينة قوله عليه السلام على المحكي " فرق بينهما " التحريم مع الدخول لا التفريق الاعتباري بمعنى ارتفاع الزوجية لأنه حاصل بنفس فساد العقد من دون حاجة إلى أمر الحاكم أو عدول المؤمنين، بل المراد التفريق الخارجي من جهة الاجتماع في الفراش الغير المنفك غالبا عن الدخول وحينئذ يرتفع التعارض بينها وبين الطائفة الثانية لأن هذه مقيدة والطائفة الثانية مطلقة، وكذا يرتفع التعارض بينها وبين الطائفة الثالثة لأن النسبة بينها وبين المفهوم وإن كانت عموما من وجه إلا أن المفهوم لا يصلح للمعارضة مع المنطوق من جهة أن دلالة التعليق على الشرط على المفهوم إنما هي من جهة ظهور التعليق عليه في كونه علة منحصرة وظهوره في ذلك ليس بمثابة يعارض مع ظهور المنطوق. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من الجمع بينهما بتقييد الطائفة الأولى - الخ. فهو لا يرفع التنافي بين الاطلاقين. نعم يمكن الجمع بين أحد الاطلاقين وبين ما دل على التقييد، وثانيا نقول: فرق بين الاطلاق وترك الاستفصال وخبر الحكم ترك الاستفصال فيه فهو أقوى من الإطلاق لأنه ليس تركه من قبيل ضرب القانون. وأما ما ذكر من أنه يمكن الجمع بأن يحمل الخ فيشكل لمنع الظهور في ما ذكر ونظير هذا التعبير أعني قوله عليه السلام على المحكي " فرق بينهما " ذكر في الأخبار السابقة ولم يحمل على ما ذكر والفعل المبني للمفعول لم يذكر فاعله، ويصح بأن يفرق الزوج والزوجة أنفسهما لا الحاكم ولا عدول المؤمنين فمع الترجيح بموافقة الكتاب يؤخذ بالموافق له ولولا الترجيح كان مقتضى ما دل على التخيير التخيير. وأما حرمة أم الغلام وبنته واخته على المرتكب فيدل عليه صحيح ابن أبي عمير، عن رجل من أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يعبث بالغلام قال: إذا

[ 242 ]

أوقب حرمت عليه بنته واخته " (1). وخبر اليماني عنه عليه السلام أيضا " في الرجل يعبث بغلام هل تحل له امه؟ فقال عليه السلام: إن كان ثقب فلا " (2). وخبر حماد بن عثمان " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل أتى غلاما أتحل له اخته؟ فقال عليه السلام: إن كان ثقب فلا " (3) إلى غير ذلك من النصوص. وهل يشمل الأخبار صورة تحقق الوطي بالشبهة؟ قد يستشكل من جهة منع الاطلاق من جهة الوقوع عن شبهة، واجيب بأن ندرة الوجود تمنع الحمل على الإطلاق بناء على ما ذهب إليه السلطان من توقف الحمل عليه على. مقدمات سماها بمقدمات الحكمة، وأ ما بناء على ما هو الحق من عدم الاحتياج إلى تلك المقدمات وان إسناد الحكم إلى الطبيعة مهملة بنفسه ظاهر في كونها تمام الموضوع للحكم وأن الحكم متعلق بها بالأصالة لا بالعرض وتبعا للفرد والمقيد من جهة تحققها بتحققه فلا يمنع ندرة الوجود عن الحمل على الإطلاق كما لا يوجب ندرته انصراف الإطلاق عن النادر إلى غيره. ويمكن أن يقال: نمنع تعلق الحكم في صورة تقييد الموضوع بقيد تبعا فإذا قال المولى: أكرم العالم العادل. ليس تعلق بنفس العالم تبعيا للعالم العادل لأن العالم العادل ليس إلا العالم والمقيد بالعدالة فيلزم أن يكون تعلق الوجوب بإكرام نفس العالم تبعا لتعلقه بإكرام نفس العالم المنضم بقيد العدالة وهو كما ترى، فتأمل. ثم إن ظاهر الأخبار ما لو وقع الوطئ من الرجل فلا يشمل وقوعه من غير البالغ والقطع بعدم الفرق مشكل، والمسألة محل الخلاف وإن اشتهر عدم الفرق فمقتضى الاحتياط عدم التزويج وإن وقع فلابد من الاحتياط بالطلاق لرفع الشبهة. (السبب الرابع في استيفاء العدد إذا استكمل الحر أربعا بالغبطة حرم عليه


(1) الكافي ج 5 ص 417. (2) الكافي ج 5 ص 417 (3) التهذيب ج 2 ص 202

[ 243 ]

ما زاد، ويحرم عليه من الإماء ما زاد على اثنتين وإذا استكمل العبد حرتين أو أربعا من الإماء غبطة حرم عليه ما زاد، ولكل منهما أو يضيف إلى ذلك بالعقد المنقطع وبملك اليمين ما شاء). أما عدم جواز العقد الدائم للحر على أزيد من أربع حرائر فهو مجمع عليه بين المسلمين ويدل عليه الأخبار منها حسنة زرارة ومحمد بن مسلم " إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحديهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق " (1). وقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيحة زرارة " لا يجمع ماءه في خمس " (2). وكذا يحرم ما زاد على أمتين في النكاح الدائم، وادعي عليه الإجماع واستدل عليه بقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في رواية أبي بصير " لا يصلح أن يتزوج ثلاث إماء " (3) ولولا الاجماع لكان استفادة الحرمة من هذه الرواية مشكلة. وأما عدم جواز العقد الدائم على أزيد من أربع إماء للعبد أو حرتين فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه النصوص منها صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن العبد يتزوج أربع حرائر؟ قال: لا، ولكن يتزوج حرتين وإن شاء - تزوج أربع إماء " (4). ومنها خبر الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن المملوك ما يحل له من النساء؟ فقال عليه السلام: حرتان أو أربع إماء ". (5) ومنها خبر زرارة، عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن المملوك كم يحل له أن


(1) الكافي ج 5 ص 429 والتهذيب ج 2 ص 198 (2) التهذيب ج 2 ص 198. (3) التهذيب ج 2 ص 198 (4) الكافي ج 5 ص 476، والتهذيب ج 2 ص 198 (5) الكافي ج 5 ص 477 والتهذيب ج 2 ص 198

[ 244 ]

يتزوج؟ قال عليه السلام: حرتان أو أربع إماء " (1). وفي خبره الآخر، عن أبي جعفر عليهما السلام " لا يجمع من النساء أكثر من حرتين " (2). وأما جواز أن يضيف كل من الحر والعبد بالعقد المنقطع ما شاء فهو المشهور وعن ابن البراج تحريم الزيادة على الأربع ويدل عليه الأخبار منها ما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح " قال: قلت: ما تحل من المتعة؟ قال: كم شئت " (3). وعن عمر بن أذينة في الصحيح أو الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: كم تحل من المتعة؟ قال: فقال: هن بمنزلة الإماء " (4). وروى في الفقيه عن الفضيل بن يسار " أنه سأله عن المتعة فقال: هي كبعض إمائك " (5). وما رواه في الكافي والتهذيب، عن بكر بن محمد الأزدي في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتعة هي من الأربع؟ فقال: لا " (6). وما رواه المشايخ الثلاثة - نور الله تعالى مراقدهم - عن أبي بصير " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المتعة أهي من الأربع؟ قال: لا ولا من السبعين " (7). وما رواه في الكافي والتهذيب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام " في المتعة قال: ليست من الأربع لانها لا تطلق ولا ترث، وإنما هي مستأجرة " (8). وما رواه في الكافي عن إسماعيل بن فضل في الصحيح أو الحسن " قال: سألت


(1) التهذيب ج 2 ص 308 والكافي ج 5 ص 477 (2) الكافي ج 5 ص 477 والتهذيب ج 2 ص 307 (3 و 4) الكافي ج 5 ص 451. (5) باب المتعة تحت رقم 13. (6 و 7 و 8) الكافي ج 5 ص 451 والتهذيب ج 2 ص 188 والاستبصار ج 3 ص 147 و 148 والفقيه باب المتعة تحت رقم 12.

[ 245 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن المتعة فقال: ألق عبد الملك بن جريج فاسئله عنها فإن عنده منها علما فأتيته فأملى علي شيئا كثيرا في استحلالها، فكان فيما روى لي ابن جريج قال: ليس فيها وقت ولا عدد إنما هي بمنزلة الإماء يتزوج منهن كم شاء، وصاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء بغير ولي ولا شهود فإذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق، ويعطيها الشئ اليسير وعدتها حيضتان فإن كانت لا تحيض فخمسة و أربعون يوما، فأتيت بالكتاب أبا عبد الله عليه السلام فعرضت عليه فقال: صدق وأقر به، قال ابن اذينة وكان زرارة بن أعين يقول: هذا ويحلف أنه الحق إلا أنه يقول: إن كانت تحيض فحيضة وإن كانت لا تحيض فشهر ونصف " (1). واحتج ابن البراج على ما نقل عنه بعموم " فانكحوا ما طاب لكم من النساء - الآية " وما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون عنده المرأة أيحل له أن يتزوج باختها متعة؟ قال: لا، قلت حكى زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام إنما هي مثل الإماء يتزوج ما شاء، قال: لا هي من الأربع " (2). ويدل على ذلك أيضا ما رواه الشيخ في التهذيب عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " عن المتعة قال: هي إحدى الأربع " (3). واجيب عن الآية بعد تسليم دلالتها على تحريم الزائد بالحمل على النكاح الدائم جمعا بينها وبين الأخبار المتقدمة، وعن الرواية بحمل النهي على الكراهة، وحمل قوله " من الأربع " على الاستحباب كما يدل عليه رواية البزنطي الأخرى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " قال أبو جعفر عليهما السلام: اجعلوهن من الأربع، فقال له صفوان بن يحيى على الاحتياط؟ قال: نعم " (4) حيث إن الإمام عليه السلام ليس شأنه الاحتياط في الحكم بل محمول على الاحتياط من جهة تشنيع العامة لأنه إذا جعله من الأربع أمكنه دعوى كونها دائمة لا متعة بخلاف ما لو زادت على الأربع.


(1) الكافي ج 5 ص 451 (2 و 3 و 4) التهذيب ج 2 ص 188 والاستبصار ج 3 ص 147

[ 246 ]

وأما جواز إضافة ملك اليمين ما شاء فلا إشكال فيه ويدل عليه ما رواه في كتاب قرب الاسناد، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، أن عليا عليه السلام كان يقول: لا يتزوج العبد أكثر من امرأتين " (1). ولكل من الحر والعبد أن يضيف إلى ذلك بالعقد المنقطع وملك اليمين ما ما شاء، وفي خصوص العبد ما رواه في الكافي عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " لا بأس أن يأذن له يعني المملوك مولاه فيشتري من ماله إن كان له جارية أو جواري يطؤهن ورقيقة له حلال " (2). وعن إسحاق بن عمار في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المملوك يأذن له مولاه أن يشتري من ماله الجارية والثنتين والثلاث ورقيقة له حلال؟ قال: يحد له حدا لا يتجاوزه " (3). وعن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إذا أذن لعبده أن يتسرى من ماله فانه يشتري كم شاء بعد أن يكون قد أذن له " (4). وما رواه الشيخ عن محمد بن الفضيل قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن المملوك كم يحل له من النساء؟ قال: لا يحل له إلا ثنتان ويتسرى ما شاء " (5). (وإذا طلق واحدة من الأربع حرم عليه ما زاد غبطة حتى يخرج من العدة أو تكون المطلقة بائنة، وكذا لو طلق امرأة وأراد نكاح اختها، ولو تزوجهما في عقد بطل، وقيل: يتخير والرواية مقطوعة). إذا طلق واحدة من الأربع فإن كان الطلاق رجعيا فالظاهر أنه لا خلاف في عدم جواز نكاح الخامسة ولا اخت المطلقة لعدم خروج المطلقة عن حكم الزوجة ما دامت في العدة وإن كانت المطلقة بالطلاق البائن فالمشهور جواز نكاح الخامسة لخروجها


(1) قرب الاسناد ص 50 (2) المصدر ج 5 ص 477 (3 و 4) الكافي ج 5 ص 477 (5) التهذيب ج 2 ص 305 والاستبصار ج 3 ص 213

[ 247 ]

عن حكم الزوجة خلافا لما حكي عن بعض الفقهاء من وجوب الصبر إلى انقضاء العدة لا طلاق جملة من الأخبار كصحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام " إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحديهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق " (1). وأورد بأنه وإن كانت الأخبار مطلقة شاملة لما إذا كان الطلاق بائنا إلا أنه لابد من رفع اليد عن إطلاقها بما ورد في جواز نكاح اخت المطلقة البائنة قبل انقضاء عدتها من التعليل بقوله عليه السلام على المحكي " إذا أبرء عصمتها فلم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب اختها " (2) الدال على أن المدار انقطاع العصمة. وأورد عليه بأنه لم يعلم كون ما ذكر من العلة المنصوصة كي يتعدى عن موردها إلى غيره إذ لعل لخصوصية المورد دخلا في الحكم فالأولى في الجواب منع الإطلاق بأن يقال: الظاهر من التعبير بالطلاق على نحو الإطلاق من غير تقييد بالخلع أو المبارات أو البائن هو إرادة صرف الوجود من الرجعي لا الأعم منه. ويمكن أن يقال: قد يستفاد من مناسبة الحكم والموضوع عدم مدخلية الخصوصية، ولذا لو قيل: لا تشرب الخمر لإسكارها. يتعدى إلى كل مسكر، ولا مجال لاحتمال دخل خصوص الخمر، وكذلك يشكل في المقام احتمال دخل خصوص الأخت. وأما ما ذكر من عدم الإطلاق في الطلاق يشكل من جهة أن ما ذكر إن سلم في قبال الخلع والمبارات فهو غير مسلم في البائن، ولذا يذكر الخلع والمبارات في الفقه بالاستقلال دون البائن، فالإطلاق يشمل البائن ولا بد في القول بعدم الحاجة إلى انقضاء العدة في البائن، فمثل التمسك بما ذكر لا يمنع الإطلاق، ويشهد لما ذكر ما رواه الصدوق بطريقه إلى الحسن بن محبوب، عن سعد بن أبي خلف، عن سنان بن طريف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن رجل كن له ثلاث نسوة، ثم تزوج امرأة فلم يدخل بها، ثم أراد أن يعتق أمة ويتزوجها قال: إن هو طلق التي لم يدخل


(1) الكافي ج 5 ص 429 (2) الكافي ج 5 ص 431

[ 248 ]

بها فلا بأس أن يتزوج أخرى من يومه ذلك، وإن طلق من الثلاث النسوة اللاتي دخل بهن واحدة لم يكن له أن يتزوج امرأة اخرى حتى تنقضي عدة المطلقة " (1). ففي هذه الرواية عبر بالطلاق من غير تقييد الطلاق بالبائن. والروايات الواردة في خصوص الأخت منه ما رواه في الكافي، عن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل طلق امرأته وهي حبلى أيتزوج اختها قبل أن تضع؟ قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها " (2). وعن علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: " سألته عن رجل طلق امرأته أيتزوج اختها؟ قال: لا حتى ينقضي عدتها " (3) إلى غير ذلك من الأخبار. وأما بالنسبة إلى الطلاق البائن وأنه يجوز له التزوج ولا يتوقف على انقضاء العدة فما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح إلى أبي بصير وهو مشترك وإن استظهر عد حديث الضرير في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أيحل أن يخطب اختها من قبل أن تنقضي عدة المختلعة؟ قال: نعم قد برئت عصمتها وليس له عليها رجعة " (4). وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته أو اختلعت منه أو بارئت أله أن يتزوج بأختها؟ قال: فقال: إذا برئت عصمتها ولم يكن له عليها رجعه فله أن يخطب اختها - الحديث " (5). وما رواه الحسين بن سعيد في كتابه بسنده عن أبي بصير والمفضل بن صالح وأبي اسامة جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المختلعة إذا اختلعت من زوجها ولم يكن له عليها رجعة حل له أن يتزوج اختها في عدتها " (6).


(1) الفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 47 (2 و 3) الكافي ج 5 ص 432 (4) الكافي ج 6 ص 144 وقدم تقدم (5) الكافي ج 5 ص 432 والتهذيب ج 2 ص 198 (6) الوسائل كتاب الطلاق أبواب العدد ب 48 ح 5

[ 249 ]

ولو تزوج الأختين في العقد الواحد بطل نكاحهما على الأشهر لامتناع صحة نكاحهما وصحة نكاح إحديهما ترجيح بلا مرجح وإحداهما لا بعينها لا تكون موضوعا للصحة، وقيل: يتخير إحديهما ويخلي سبيل الأخرى، وبه رواية مرسلة في التهذيب والكافي ومروية في الفقيه في الصحيح " في رجل تزوج اختين في عقد واحد؟ قال عليه السلام: هو بالخيار يمسك أيتهما شاء ويخلي سبيل الأخرى " (1) والمشهور لم يعملوا بظاهره. (ولو كان معه ثلاث فتزوج اثنتين في عقد فإن سبق باحديهما صح دون اللاحقة وإن قرن بينهما بطل فيهما. وقيل: يتخير أيتهما شاء. وفي رواية جميل لو تزوج خمسا في عقد واحد يتخير أربعا ويخلى باقيهن). ولو تزوج اثنتين وله ثلاث فإن سبق عقد إحديهما ولو كان تزوجهما بعقد واحد لكن كان ذكر إحديهما في الايجاب والقبول سابقا على ذكر الأخرى صح عقد السابقة دون اللاحقة وإن اتفقا بطل العقدان على المشهور، وذلك لامتناع صحة نكاح كلتيهما وصحة نكاح إحديهما بعينها ترجيح بلا مرجح وإحداهما لا بعينها لا تكون موضوعا للصحة لعدم تعلق العقد بهذا العنوان. وقيل: يتخير في تعيين أيتهما ولعله لحسنة جميل أو صحيحته المروية في الكافي والفقيه والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج خمسا في عقدة؟ قال عليه السلام: يخلي سبيل أيتهن شاء ويمسك الأربع " (2) لعدم القول بالفرق بين المسألتين. وقد ظهر وجه البطلان والحق أنه لا مانع من صحة البعض وبطلان البعض كما التزموا في ما لو أسلم الزوج على خمس زوجات، ولا مانع من العمل بالروايتين المذكورتين لولا مخالفة المشهور ومخالفتهم مشكلة.


(1) الكافي ج 5 ص 431 والتهذيب ج 2 ص 195 وفي الفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 45 (2) الكافي ج 5 ص 430 والتهذيب ج 2 ص 198 والفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 45

[ 250 ]

(وإذا استكملت الحرة طلقات ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غيره ولو كانت تحت عبد، وإذا استكملت الأمة طلقتين حرمت حتى تنكح زوجا غيره ولو كانت تحت حر. والمطلقة تسعا للعده تحرم على المطلق أبدا). لو طلق امرأته الحرة ثلاث طلقات بينها رجعتان أو باستيناف عقد أو بنحو التركيب من الرجع حرمت عليه حتى ينكحها زوج آخر من غير فرق بين كون الطلاق طلاق سنة أو طلاق عدة بلا خلاف في ذلك إلا من ابن بكير حيث خص ذلك بالطلاق العدي مستندا إلى بعض النصوص الشاذة المعارضة بالنصوص المستفيضة الموافقة للكتاب والسنة واستدل عليه بقوله تعالى " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا - الآية ". ووجه دلالتها على أن الطلاق المحرم هو الثالث تعقيب قوله تعالى " فإن طلقها فلا تحل له " لقوله تعالى " الطلاق مرتان " فإنه يدل على أن الطلاق المحرم هو الطلاق الواقع بعد المرتين، وفسر التسريح بإحسان بأن يطلقها التطليقة الثالثة، والمروي أنه قيل للنبي صلى الله عليه واله: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال صلى الله عليه واله: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " ويدل عليه أيضا خبر أبي بصير المروي عن تفسير العياشي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المرأة التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره التي تطلق ثم تراجع، ثم تطلق ثم تراجع، ثم تطلق الثالثة فلا تحل حتى - إلى آخرها - إن الله تعالى يقول: " الطلاق مرتان - الخ " والتسريح بإحسان هي التطليقة الثالثة (1) ". وعنه أيضا عن أبي جعفر عليهما السلام " إن الله يقول: " الطلاق - الخ " والتسريح بإحسان هو التطليقة الثالثة (2) ". وعن سماعة بن مهران " سألته عن المرأة التي لا تحل حتى تنكح زوجا غيره و تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها وهو قول الله عزوجل: " الطلاق - الخ " قال عليه السلام: التسريح بإحسان التطليقة الثالثة ". (3)


(1) و (2) و (3) التفسير ج 1 ص 116 والكافي ج 6 ص 76

[ 251 ]

ثم إن مقتضى إطلاق الآية الشريفة حرمة النكاح من غير فرق بين النكاح الدائم والمتعة ولا يكفى في الحلية أن ينكحها رجل آخر متعة ففي خبر الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت: رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيتزوجها رجل متعة أتحل للأول؟ قال عليه السلام: لا، لأن الله تعالى يقول: " فان طلقها لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها " والمتعة ليس فيها طلاق (1) ". ولا فرق في حرمة الحرة المطلقة بالطلاق الثالث بين أن يكون الزوج حرا أو عبدا ويدل عليه الاخبار منها ما عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر عليهما السلام " قال: سألته عن حر تحته أمة أو عبد تحته حرة كم طلاقها وكم عدتها فقال: السنة في النساء في الطلاق فإن كانت حرة فطلاقها ثلاث وعدتها ثلاث أقراء، وإن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان وعدتها قرءان (2) ". وعن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " طلاق المملوك للحرة ثلاث تطليقات وطلاق الحر للامة تطليقتان (3) " إلى غير ذلك من الأخبار. ومما ذكر ظهر أنه مع استكمال الأمة طلقتين حرمت حتى تنكح زوجا غيره وإن كانت تحت حر. ثم إنه لا إشكال ولا خلاف في أنه لو طلق امرأته تسعا للعدة ينكحها بينها رجلان بأن طلقها ثلاثا بينها رجعتان في العدة مع الوطي، ثم تزوجها المحلل ثم بعد فراقها تزوجها الأول فطلقها ثلاثا بينها رجعتان في العدة مع الوطي، ثم تزوجها المحلل ثم بعد فراقها تزوجها الاول فطلقها ثلاثا بينها رجعتان في العدة مع الوطي حرمت عليه المطلقة في التاسعة أبدا. وتفسير الطلاق العدي في مقابل السني ما في صحيحة زرارة قال: " قلت


(1) التهذيب ج 2 ص 259 والاستبصار ج 3 ص 275. (2) الكافي ج 6 ص 167 والتهذيب ج 2 ص 284 والاستبصار ج 3 ص 235 (3) الكافي ج 6 ص 167

[ 252 ]

لأبي جعفر عليهما السلام: فسر لي طلاق السنة وطلاق العدة، فقال عليه السلام: أما طلاق السنة فإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر، فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدتها بثلاث حيض وقد بانت منه ويكون خاطبا من الخطاب إن شاءت تزوجته وإن شاءت لم تتزوجه وعليه نفقتها والسكنى ما دامت في عدتها وهما يتوارثان حتى تنقضي العدة. قال عليه السلام: وأما طلاق العدة الذي قال الله تعالى " فطلقوهن - الخ ". فإذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها، ثم يطلقها تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدين عدلين ويراجعها في يومه ذلك إن أحب أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض ويشهد على رجعتها ويواقعها حتى تحيض فإذا حاضت وخرجت من حيضها طلقها تطليقة اخرى من غير جماع، و يشهد على ذلك، ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض، ويشهد على رجعتها و يواقعها وتكون معه إلى الحيض أي الحيضة الثالثة فإذا خرجت من حيضتها الثالثة طلقها التطليقة الثالثة بغير جماع، ويشهد على ذلك، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره - الخبر " (1). وقد يقال: إن الظاهر من أخبار الباب هو اعتبار أمرين في الطلقات التسع المحرمة إحداهما تواليها والثاني وقوع نكاح رجلين خاصة بينها وعليه فلو طلقها تسعا للعدة حقيقة مع التفرق بأن طلقها خمسة وعشرين مرة وكان لكل ثلاثة منها واحدة عدية من أول الدور لا يوجب تحريمها عليه مؤبدا لانتفاء الشرطين فما في المسالك من الحكم بالتحريم المؤبد في هذه الصورة تمسكا بإطلاق ما دل على التحريم لا وجه له. ويمكن أن يقال: عمدة ما يمكن أن يستدل به لاعتبار كون الطلقات للعدة المروي، في الخصال الآتي ولم يذكر الشرطان في الموثق الآتي وليس فيه الشرطان المذكوران وهو مما ذكر مع سائر الاخبار فمع الأخذ به في مقام المعارضة لا يبقى دليل على اعتبار


(1) الكافي ج 6 ص 65

[ 253 ]

الشرطين نعم ذكر في الفقه الرضوي لكن المشهور يستشكلون من جهة عدم إحراز انتساب ما فيه إلى الرضا عليه السلام، ثم إنه وقع الإشكال والخلاف في أنه هل يعتبر في الطلقات التسع المحرمة أن تكون للعدة كما نسب إلى المشهور أو يكفي كونها للسنة ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار فمنها ما دل على الاكتفاء بالسني وعدم اعتبار العدي كالموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الملاعنة إذا لاعنها زوجها لم تحل له أبدا والذي يتزوج امرأة في عدتها وهو يعلم لا تحل له أبدا، والذي يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات لا تحل له أبدا " (1). ومنها ما دل على انحصار الطلقات التسع المحرمة أبدا بما إذا كانت الثلاثة الأخيرة للسنة كرواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وسألته عن الذي يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، ثم يراجع، ثم يطلق؟ قال عليه السلام لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيتزوجها رجل آخر ويطلقها على السنة، ثم ترجع إلى زوجها الأول فيطلقها ثلاث تطليقات تنكح زوجا غيره فيطلقها، ثم ترجع إلى زوجها الأول فيطلقها ثلاث مرات على السنة، ثم تنكح فتلك التي لا تحل له أبدا (2) " فإن كان المراد من السنة في هذه الرواية المقابلة للبدعة تطابق مع الرواية السابقة في كفاية الأعم وإن كان المراد السنة بالمعنى الأخص المقابل للعدة تخالفها حيث أن مقتضاها لزوم كون الثلاثة الأخيرة للسنة. ومنها ما دل على اعتبار كون الطلقات التسع للعدة كما في المروي عن الخصال في تعداد المحرمات من الأزدواج من قول الصادق عليه السلام على المحكي: " وتزويج الرجل امرأة طلقها للعدة تسع تطليقات وكما في المحكي عن الفقه الرضوي - على الرضا السلام - من قوله عليه السلام على المحكي: " وأما طلاق العدة فهو أن يطلق الرجل امرأته على طهر من غير جماع، ثم يراجعها من يومه أو من غد ومتى يريد


(1) الكافي ج 5 ص 426 (2) الكافي ج 5 ص 428

[ 254 ]

من قبل أن تستوفى قرءها وأدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق فيكون إنكار الطلاق مراجعة فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك إلا بعد الدخول بها وإذا أراد طلاقها تربص بها حتى تحيض وتطهر ثم يطلقها فإن أراد مراجعتها راجعها فإن طلقها الثالثة فقد بانت منه ساعة طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإذا انقضت عدتها منه فتزوجها ثم رجل آخر فطلقها أو مات عنها وأراد الأول أن يتزوجها فعل - إلى أن قال عليه السلام - فإن طلقها ثلاث تطليقات على ما وصفته لك واحدة بعد واحدة فقد بانت منه ولا تحل له بعد تسمع تطليقات أبدا، واعلم أن كل من طلق تسع تطليقات على ما وصفته لم تحل له أبدا ". ثم إنه بعد معارضة الأخبار ذكر في الجمع بينها وجوه منها أن التعارض بين ما دل على كفاية تسع تطليقات بأي نحو كانت وما دل على لزوم كون الثلاثة. الأخيرة للسنة وما دل على لزوم كون الطلقات عدية وإن كان بالإطلاق والتقييد إلا أن المقيدين حيث يكونان متعارضين يكون المطلق سليما عما يقيده لسقوط المتعارضين عن الحجية. وأورد عليه بأن التعارض بينهما إنما أوجب سقوطهما بالنسبة إلى ما تعارضا فيه، وأما بالنسبة إلى نفي الثالث فلا مانع من الأخذ بهما ومعه لا مجال للرجوع إلى المطلق. ويمكن أن يقال: لا نسلم حجية المتعارضين في نفي الثالث لأن النفي إن كان من جهة أنه مدلول التزامي ومع عدم حجية المدلول المطابقي لا مانع من الأخذ بالمدلول الالتزامي لعدم التعارض فيه، ففيه أن لازم ما ذكر أنه لو كان لإحدى الحجتين المتعارضتين لازم يختص بها فاللازم الأخذ به وإن كانت الحجة الملزومة ساقطة عن الحجية من جهة المعارضة ولا أظن أن يلتزم به فلاحظ بناء العقلاء، وإن كان نفي الثالث من جهة حجية أحد المتعارضين لا بعينه فهو أيضا مشكل مع سقوط كل من المتعارضين عن الحجية فتأمل. ومنها حمل السنة فيما دل على اعتبار طلاق السنة على السني بالمعنى الأعم

[ 255 ]

المقابل للبدعي فينطبق على ما دل على كفاية المطلق وحينئذ لابد من التقييد بما دل على اعتبار كون الطلقات التسع المحرمة أبدا للعدة، وأورد عليه بأنه كما يمكن حمل السنة على ما ذكر كذلك يمكن حمل العدة على الطلاق في طهر لم يواقعها فيه الذي هو ابتداء على نحو قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " كي تنطبق على كفاية المطلق و يقيدان بما دل على اعتبار طلاق السنة، وثانيا أن حمل السنة على السنة بالمعنى الأعم المقابل للبدعة ثم تقييدها بما دل على اعتبار كون الطلقات للعدة مستلزم لحمل المطلق على الفرد النادر فلا بد من معاملة المتباينين، وقد يقال: إن ما دل على كفاية مطلق الطلقات التسع بضميمة القطع بأن الطلاق الذي لا تحل له معه حتى تنكح زوجا غيره مطلق الطلقات الثلاث عدية كانت أم غيرها تكون كالصريح في الاكتفاء في الطلاق المحرم لها أبدا بمطلق الطلقات التسع فيبقى المعارضة بينها وبين ما دل على اعتبار طلاق العدة. وأما ما دل على اعتبار طلاق السنة فلا مانع من حمله السنة في مقابل البدعة ثم تقييد المطلق بالمقيد بعيد لما ذكر من لزوم حمل المطلق على الفرد النادر لكنه لا مجال للرجوع إلى المرجحات السندية لعدم التنافي بتمام المدلول بل لابد من الاخذ بالقدر المتيقن وهو كون التسع للعدة. ويمكن أن يقال: بعد صدق التعارض لا مانع من الأخذ بالمرجحات إن قلنا بلزومه وكان في البين ترجيح أو التخيير مع عدم الترجيح أو عدم لزوم الأخذ به. (السبب الخامس اللعان ويثبت به التحريم المؤبد، وكذا لو قذف الزوج امرأتة الصماء أو الخرساء بما يوجب اللعان. السبب السادس الكفر ولا يجوز للمسلم أن ينكح غير الكتابية إجماعا وفي الكتابية قولان أظهرهما أنه لا يجوز غبطة ويجوز متعة وبالملك في اليهودية والنصرانية، وفي المجوسية قولان أشبههما الجواز). لا خلاف ولا إشكال في أنه إذا اجتمع شرائط اللعان بين رمي الرجل امرأته بالزنا ويدعي المشاهدة ولا بينة أو ينفى ولدها الجامع لشرائط الالحاق وتنكره ذلك فتلزمهما حينئذ الملاعنة ويأمرهما الحاكم بها فإذا تلاعنا سقط عنه حد القذف وسقط عنها حد الزنا وانتفى عنه الولد وحرمت عليه مؤبدا.

[ 256 ]

ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه محمد بن الحسين باسناده (1)، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: " إن عباد البصري سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال: إن رجلا من المسلمين أتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا رسول أرأيت لو أن رجلا دخل منزله فرأى على امرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله فانصرف الرجل وكان ذلك الرجل هو الذي ابتلي بذلك من امرأته، قال: فنزل عليه الوحي من الله عزوجل بالحكم فيها: قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك الرجل فدعاه فقال له: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا؟ فقال: نعم فقال له: انطلق فأتني بامرأتك فإن الله عزوجل قد أنزل الحكم فيك وفيها، قال: فأحضرها زوجها فوقفها رسول الله صلى الله عليه وآله وقال للزوج: أشهد أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به، قال: فشهد ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله أمسك ووعده ثم قال: اتق الله فإن لعنة الله شديدة، ثم قال: أشهد الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، قال: فشهد فأمر به فنحى، ثم قال صلى الله عليه وآله للمرأة أشهدي أربع شهادات بالله إن زوجك لمن الكاذبين في ما رماك به، قال: فشهدت ثم قال لها: أمسكي فوعظها، ثم قال لها: أتقي الله فإن غضب الله شديد، ثم قال لها: أشهدي الخامسة أن غضب الله عليك إن كان زوجك من الصادقين فيما رماك به، قال: فشهدت، قال: ففرق بينهما، وقال لهما: لا تجتمعا بنكاح أبدا بعد ما تلاعنتما " (1). ورواه الشيخ باسناده، عن الحسن بن محبوب نحوه، ورواه الكليني عن علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب مثله. وكذا يوجب الحرمة الأبدية قذف الزوجة الصماء أو الخرساء بما يوجب اللعان لو لم تكن كذلك، وإن لم يكن لعان بينهما لانتفاء شرطه من سلامة المرأة عن الوصفين المذكورين بلا خلاف ظاهرا.


(1) الفقيه في اللعان تحت رقم 9 وفي الكافي ج 6 ص 163 والتهذيب ج 2 ص 298

[ 257 ]

ويدل عليه صحيح أبي بصير أو موثقه " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل قذف امرأتة بالزنا وهي خرساء صماء لا تسمع ما قال؟ فقال: إن كان لها بينة تشهد لها عند الإمام جلده الحد وفرق بينهما، ثم لا تحل له أبدا، وإن لم تكن لها البينة فهي حرام عليه ما أقام معها ولا إثم عليها منه " (1). وحسن الحلبي، ومحمد بن مسلم عنه عليه السلام " في رجل قذف امرأته وهي خرساء قال: يفرق بينهما " (2) وخبر محمد بن مروان عنه عليه السلام " في المرأة الخرساء كيف يلاعنها زوجها؟ قال: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا " (3). وظاهر الخبرين الأخيرين الاكتفاء بالخرس وحده بل ظاهر الأول ايضا بناء على رواية الشيخ له هنا بأو، ولكن رواه في باب اللعان بدونها كالكليني، والمعروف أنه أضبط من الشيخ فلا إشكال في ثبوت الحكم بالنسبة إلى الخرساء. ويشكل ثبوته بالنسبة إلى الصماء مع عدم كونها خرساء لأنه لم يثبب لفظ " أو " في الرواية، فلعل المدخلية لخصوص الخرس دون الصمم، وذكره في كلام السائل لا يوجب المدخلية فلا دليل على ثبوت الحكم بالنسبة إلى الصماء. وأما سببية الكفر للحرمة فبيانها أنه لا إشكال ولا خلاف في أن الكفاءة بمعنى التساوي في الإسلام شرط في صحة النكاح فيما كانت الزوجة مسلمة فلا يجوز للمسلمة نكاح غير المسلم، كما لا خلاف في عدم اشتراط التساوي فيما كان الزوج اثنى عشريا فيجوز له نكاح المسلمة من سائر الفرق. ووقع الخلاف والإشكال فيما كانت الزوجة اثنى عشرية فذهب جماعة إلى عدم جواز نكاحها للغير من سائر الفرق الإسلامية واستدل عليه بنصوص:


(1) الفقيه في حد القذف تحت رقم 11 والكافي ج 6 ص 166 والتهذيب ج 2 ص 300 واللفظ له (2) الكافي ج 6 ص 164، والتهذيب ج 2 ص 300 (3) الكافي ج 6 ص 167 والتهذيب ج 2 ص 301

[ 258 ]

منها ما رواه الكليني (1) من " أن النبي صلى الله عليه واله صعد المنبر ذات يوم وأمر بتزويج الأبكار إذا أدركن فقام إليه رجل وقال: يا رسول الله فمن نزوج؟ فقال: صلى الله عليه وآله الأكفاء؟ فقال: من الأكفاء؟ فقال المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، المؤمنون بعضهم أكفاء بعض ". ومنها ما دل على الأمر باختيار المرأة وأهلها الزوج الذي ترضى خلقه ودينه وأمانته كرواية علي بن مهزيار " قال: كتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر عليه السلام في أمر بناته وأنه لا يجد أحدا مثله، فكتب إليه أبو جعفر عليه السلام: فهمت ما ذكرت من أمر بناتك وأنك لا تجد أحدا مثلك فلا تنظر في ذلك رحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض و فساد كبير " (2). ورواية سهل بن زياد، عن الحسين بن بشار الواسطي " قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام أسأله عن النكاح، فكتب إلي من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " (3). ومنها ما دل على النهي عن وضع العارفة إلا عند العارف كرواية أبان، عن الفضيل بن يسار " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن نكاح الناصب، فقال: لا والله ما يحل قال فضيل: ثم سألته مرة اخرى، فقلت: جعلت فداك ما تقول في نكاحهم؟ قال عليه السلام والمرأة عارفة؟ قلت: عارفة، فقال: إن العارفة لا توضع إلا عند العارف " (4). ويمكن أن يقال: أما الرواية الأولى فالظاهر أن المراد من قوله صلى الله عليه وآله على المحكي فيها " والمؤمنون بعضهم أكفاء بعض " المسلمون لعدم الاختلاف في ذلك العصر. وأما الأخبار الأخر غير الخبر الأخير فلا يمكن حملها على عدم جواز تزويج غير الموصوف بما ذكر وإلا لزم عدم جواز تزويج الفاسق ومثل شارب الخمر.


(1) المصدر ج 5 ص 337 (2) و (3) الكافي ج 5 ص 437 (4) الكافي ج 5 ص 350

[ 259 ]

وأما الخبر الأخير وإن كان ظاهره عدم الجواز لكنه لا مجال للحمل على عدم الجواز وضعا بمعنى كون نكاح الغير العارف باطلا، فهل ترى نكاح سكينة بنت الحسين صلوات الله عليه باطلا مع أن مصعب بن زبير حاله معلومة. ولا إشكال ولا خلاف في عدم جواز نكاح غير الكتابية والمجوسية. وأما نكاح الكتابية فقد اختلف فيه ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار فمنها ما يدل على الجواز مطلقا وهو ما رواه المشايخ الثلاثة - رضوان الله تعالى عليهم - عن معاوية بن وهب وغيره - في الصحيح - عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يتزوج النصرانية واليهودية؟ قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ ا فقلت له: يكون له فيها الهوى فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أن عليه في دينه " في تزويجه إياها " الفقيه " غضاضة " (1). وما رواه في الكافي في الصحيح عن ابن رئاب، عن أبي بصير وهو مشترك إلا أن الأظهر عند صاحب الحدائق عدها في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال: إن أهل الكتاب مماليك للإمام، وذلك موسع منا عليكم خاصة، فلا بأس أن يتزوج، قلت: فإنه يتزوج عليها أمة، قال: لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء فإن تزوج عليهما حرة مسلمة و لم تعلم أن له امرأة نصرانية ويهودية، ثم دخل بها فإن لها ما أخذت من المهر وان شاءت أن تقيم بعد معه أقامت وإن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت وإن حاضت ثلاثة حيض أو مرت لها ثلاثة أشهر حلت للأزواج، قلت: فإن طلق عنها اليهودية والنصرانية قبل أن تنقضي عدة المسلمة له عليها سبيل أن يردها إلى منزلة قال: نعم " (2). وما رواه في الكافي والتهذيب، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمة ولم يستأمرها، قال: يفرق بينهما، قلت


(1) الوسائل أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب 2 ح 1 (2) الكافي ج 5 ص 358

[ 260 ]

فعليه أدب؟ قال: نعم اثنى عشر سوطا ونصف ثمن حد الزاني وهو صاغر، قلت: فإن رضيت امرأته الحرة المسلمة بفعله بعدما كان فعل؟ قال: لا يضرب ولا يفرق بينهما يبقيان على النكاح الأول " (1) وفي التهذيب " أمة " مكان " ذمية ". ومنها ما يدل على التحريم مطلقا منها ما رواه في الكافي والتهذيب، عن الحسن ابن الجهم في الموثق " قال: قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام: يا أبا محمد ما تقول فيمن يتزوج النصرانية على المسلمة، قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك قال: لتقولن فان ذلك تعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة ولا على غير المسلمة، قال: ولم؟ قلت: لقول الله عزوجل: " ولا تنكح المشركات حتى يؤمن " قال: فما تقول في هذه الآية " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " قلت: فقوله " ولا تنكح المشركات " نسخ هذه الآية فتبسم، ثم سكت " (2). وعن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام " قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك فأين تحريمه؟ قال قوله " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (3). وعن زرارة في الصحيح أو الحسن قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن قول الله سبحانه: " والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم " قال: هذه منسوخة بقوله " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (4). وما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر عليهما السلام في تفسير قوله " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " إن من كانت عنده امرأة كافرة على غير ملة الإسلام وهو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام فإن قبلت فهي امرأته وإلا برئت منه فنهى الله أن يمسك بعصمهم " (5).


(1) الكافي ج 7 ص 241 والتهذيب ج 2 ص.... (2) التهذيب ج 2 ص 199 والكافي ج 5 ص 357 (3) الكافي ج 5 ص 358 والتهذيب ج 2 ص 199 (4) الكافي ج 5 ص 358 (5) التفسير ص 675 وفيه " فنهاء " فنهاء الله "

[ 261 ]

وما رواه الراوندي في نوادره بإسناده، عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال علي عليه السلام: لا يجوز للمسلم التزويج بالأمة اليهودية ولا النصرانية لأن الله تعالى قال: من فتياتكم المؤمنات - الحديث ". وروى العياشي في تفسيره عن مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو جعفر عليهما السلام عن قول الله " والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم " قال نسختها " ولا تمسكوا بعصم الكوافر ". ومنها ما دل على الجواز عند الضرورة فمنها ما رواه في الكافي، عن يونس عنهم عليهم السلام " قال: لا ينبغي للمسلم الموسر أن يتزوج الأمة إلا أن لا يجد حرة وكذلك لا ينبغي له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب إلا في حال الضرورة حيث لا يجد مسلمة حرة أو أمة " (1). وعن محمد بن مسلم في الصحيح - وإن اشتمل على إرسال ابن أبي عمير لعدهم مرسلاته في الصحاح - عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حرة أو أمة " (2). والتقريب فيه بحمل " لا ينبغي " على التحريم كما هو ظاهر الخبر الأول. ومنها ما دل على الجواز على كراهة ومنه صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة في صدر آيات الجواز، وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " وما احب للرجل أن يتزوج اليهودية ولا النصرانية مخافة أن يتهود ولده أو يتنصر (3) ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام " أنه كره مناكحة أهل الحرب " إلا أن هذا مبني على أن لفظ " لا احب " ولفظ


(1) الكافي ج 5 ص 360 (2) المصدر ج 5 ص 358 (3) المصدر ج 5 ص 351

[ 262 ]

" كره " بمعنى المكروه المستعملين بين الناس وهو في الأخبار أعم من ذلك فإنه قد ورد في الأخبار بمعنى التحريم كثيرا. ومنها ما دل على تخصيص الجواز بالبله كما رواه في الكافر عن زرارة قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية ولا نصرانية إنما يحل منهن نكاح البله " (1) ولفظ " لا يصلح " وإن كان ظاهرا في الكراهة باعتبار اصطلاح الناس إلا أنه في الأخبار من الالفاظ المتشابهة المستعملة في التحريم أيضا وقرينة التحريم قوله عليه السلام " إنما يحل ". ومنها ما ورد في التمتع بهن ومن ذلك ما رواه في التهذيب عن الحسن بن علي ابن فضال في الموثق، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرة " (2). وعن زرارة قال: " سمعته يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة (3) ". وعن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام قال: " سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: لا بأس، فقلت: المجوسية؟ فقال: لا بأس به يعني متعة " (4). وخبر الأشعري " سألته عليه السلام عن الرجل يتمتع من اليهودية والنصرانية فقال: لا أرى بذلك بأسا - الحديث " (5). وخبر الحسن التفليسي " سألت الرضا عليه السلام أيتمتع من اليهودية والنصرانية؟ فقال: يتمتع من الحرة المؤمنة أحب إلي وهي أعظم حرمة منها (6) ". إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك. هذه أخبار الباب وأكثرها دالة على الجواز ولو على كراهة ويؤيده ما رواه النعماني في تفسيره عن علي صلوات الله عليه وصرح به علي بن إبراهيم في تفسيره أيضا في بيان ما نصفه منسوخ ونصفه باق من الايات


(1) المصدر ج 5 ص 356 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) التهذيب ج 2 ص 188

[ 263 ]

من أن قوله تعالى " ولا تنكح المشركات حتى يؤمن " قد نسخ بقوله تعالى في سورة المائدة " اليوم أحل لكم الطيبات - إلى قوله - والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم " وقوله " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " لم ينسخ إلى آخر كلامهما. وقد يقال في مقام الترجيح بتقدم أخبار المنع لموافقة أخبار الجواز مذهب العامة. وأما ترجيح أخبار الجواز بموافقة الكتاب فلا يتم لأن مقتضى بعض الأخبار المذكورة أن قوله تعالى " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " نسخ آية " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب - الخ ". وما ورد من أن سورة المائدة غير منسوخة لم يحرز منه كون جميعها غير منسوخة ويشكل من جهة أنه كيف يقال رخص الإمام في نكاح أهل الكتاب في الأخبار الكثيرة وفاقا للعامة تقية مع حرمة نكاحهن في الواقع مضافا إلى أن ما دل على الجواز متعة مخالف للتقية، وإلى أن صحيح أبي بصير المتقدم المجوز للتزويج والتعبير فيه بأن أهل الكتاب مماليك للإمام إلخ لا يناسب التقية، وإلى أن المخصوصين من أصحاب الأئمة صلوات الله عليهم كانوا يعرفون مواضع التقية وكانوا يعبرون بقولهم أعطانا من جراب النورة. (1) ومع قطع النظر عما ذكر الاخبار المانعة لا تشمل المتعة لأن التزوج و النكاح عند الاطلاق منصرفة إلى الدائم وما دل على جواز المتعة لا معارض له ولا وجه لحملها على التقية. وأما جواز الوطي والاستمتاع بالملكية فهو خارج لا يشمله الأدلة المجوزة ولا المانعة إلا أن يقال: بناء على الأخذ بقوله تعالى " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " وكونه ناسخا لقوله تعالى " والمحصنات - الخ " يستفاد منه حرمة وطي الأمة اليهودية و النصرانية لكنه مشكل لأنه خارج عن الامساك بالعصمة فلا يبعد التمسك للجواز بقوله تعالى: " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " وبخبر أبي بصير المتقدم حيث عبر فيه بأن أهل الكتاب مماليك للإمام عليه السلام فإنه وإن كان من باب


(1) مثل المعرب راجع مجمع البحرين مادة " نور "

[ 264 ]

التنزيل لكنه يستفاد منه أن حكم المنزل عليه الجواز ولا ينافي هذا عدم جواز الاستمتاع بغير أهل الكتاب من الإماء. وأما نكاح المجوسية فقد يقال فيه بالحرمة إذا كان دائما وبالجواز إذا كان متعة أو كان بملك يمين جمعا بين صحيح ابن مسلم " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الرجل المسلم أيتزوج المجوسية قال: لا، ولكن إن كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها ويعزل عنها ولا يطلب ولدها (1) ". وما دل من الكتاب على عدم جواز نكاح المشركات والكوافر، وبين خبر منصور الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام: " لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية ". ونحوه خبر محمد بن سنان وحماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام وابنه والرضا عليهما السلام (2) مضافا إلى أن المفهوم من بعض الأخبار كونهم من أهل الكتاب فروى في الكافي والتهذيب عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المجوس كان لهم نبي قال: نعم أما بلغك كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل مكة أسلموا وإلا نابذتكم بحرب فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله أن خذ منا جزية ودعنا إلى عبادة الأصنام فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إني لم آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، ثم أخذت الجزية من مجوس هجر فكتب إليهم إن المجوس كان لهم نبي " (3). ونوقش بأن مقتضى الآية الدالة على عدم جواز نكاح المشركات والكوافر و الصحيح المذكور عدم جواز نكاح المجوسي مطلقا والأخبار المذكورة الدالة على جواز النكاح متعة ضعيفة بحسب السند ولا جابر لها وما دل على أنهم كتابيون فاقد للحجية مع أن في الخبر الآخر زيد " غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم " فيراد بالنسبة إلى غير ما نحن فيه فا لذي يقوى في النظر حرمة نكاحهم إلا بملك اليمين، ويمكن أن يقال: الصحيح المذكور يشكل شموله للنكاح المنقطع حيث أنه لوحظ الأخبار كلما عبر عن التزويج واريد النكاح المنقطع قيد بالمتعة فعلهذا يشكل شمول الصحيح


التهذيب ج 2 ص 306 (2) راجع الوسائل ابواب المتعة ب 12 (3) التهذيب ج 2 ص 52 والكافي ج 3 ص 567

[ 265 ]

المذكور للمنقطع فيبقي سائر الأدلة، ومقتضى رواية زرارة المذكورة في آخر أخبار الباب جواز النكاح متعة إن لم يكن إشكال من جهة السند وكذلك ما دل على كون المجوس أهل الكتاب بانضمام ما دل على جواز نكاح أهل الكتاب متعة. وقد عرفت أن ما ذكر من الحمل على التقية في نكاح اليهودية والنصرانية لا يتأتى في المتعة. وأما الاستمتاع بالمجوسية بملك اليمين فقد صرح في ذيل الصحيحة المذكورة بجوازها وإن ذكر فيه العزل وعدم طلب الولد. (ولو ارتد أحد الزوجين قبل الدخول وقع الفسخ في الحال ولو كان بعد الدخول وقف على انقضاء العدة إلا أن يكون الزوج مولودا على الفطرة فإنه لا يقبل عوده وتعتد زوجته عدة الوفاة، وإذا أسلم زوج الكتابية فهو على نكاحه سواء كان قبل الدخول أو بعده ولو أسلمت زوجته دونه انفسخ في الحال إن كان قبل الدخول ووقف على انقضاء العدة إن كان بعده، وقيل: إن كان بشرائط الذمة كان نكاحه باقيا ولا يمكن من الدخول عليها ليلا ولا من الخلوة بها نهارا وغير الكتابين يقف على انقضاء العدة بإسلام أيهما اتفق). أما حصول الفسخ بارتداد أحد الزوجين عن الإسلام قبل الدخول فالظاهر عدم الخلاف فيه سواء كان الارتداد عن فطرة أو ملة وقد يعلل بعدم جواز نكاح المسلم والمسلمة كافرة وكافرا ابتداء واستدامة ولو كتابيا لعدم إقرارهم عليه إذا كان ارتدادا. ويمكن الاستدلال أيضا بالاخبار منها حسنة أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا ارتد الرجل المسلم عن الإسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثا وتعتد منه كما تعتد المطلقة فإن رجع إلى الإسلام وتاب قبل أن يتزوج فهو خاطب من الخطاب ولا عدة عليها منه وإنما عليها العدة فان قتل أو مات قبل انقضاء العدة اعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها وهي ترثه في العدة ولا يرثها إن ماتت وهو مرتد عن الإسلام " (1).


(1) التهذيب ج 2 ص 484

[ 266 ]

وما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن المرتد. فقال: من رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه فلا توبة له وقد وجب قتله وبانت منه امرأته ويقسم ما ترك على ولده " (1). وما رواه المشائخ الثلاثة عن عمار الساباطي في الموثق قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام وجحد محمدا صلى الله عليه وآله نبوته وكذبه فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه وامرأته بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه، ويقسم ماله على ورثته، وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى الإمام أن يقتله ولا يستيبة " (2). ويمكن أن يقال: أما ما ذكر في التعليل فيشكل إطلاقه في صورة ارتداد الزوجة عن الاسلام ورجوعها إلى التهود والتنصر فمع جواز نكاح المسلم اليهودية والنصرانية كيف تبين من زوجها لولا الاجماع أو عدم الخلاف، وما ذكر من عدم كون أهل الكتاب مقرين على مذهبهم مع الارتداد يشكل من جهة أن لكل قوم نكاحا سواء كانوا مقرين أو لم يكونوا مقرين بل مع عدم الجواز ابتداء حيث إن القائلين بعدم الجواز ابتداء للمسلم يقولون: لو أسلم الكتابي يكون نكاحه للكتابية باقيا، ولو قلنا بمنع نكاحها للمسلم ابتداء. وأما الرواية المذكورة فهي مختصة بارتداد الزوج لا الزوجة مضافا إلى أن موردها حصول الارتداد بعد الدخول بقرينة ذكر العدة إلا أن يقال: إنها متعرضة لأمرين أحدهما حصول البينونة والآخر الاعتداد في خصوص صورة الدخول لكنه في هذه الصورة يقع التعارض بينها وبين ما دل على عدم البينونة والتوقف على انقضاء العدة وحصول الانفساخ إذا لم يسلم إلى انقضاء العدة فالعمدة الاجماع المدعي في الكلمات، وأما لو كان الارتداد بعد الدخول وكان الارتداد عن ملة وقف الانفساخ على


(1) الكافي ج 7 ص 256 (2) الكافي ج 7 ص 258 والتهذيب ج 2 ص 483

[ 267 ]

انقضاء العدة فإن رجع الزوج المرتد إلى الإسلام في العدة يكون نكاحه باقيا، هذا هو المعروف. وقد يستدل عليه بالأخبار الواردة في نكاح الكفار إذا أسلموا والخبر في الملي المرتد تعزل عنه امرأته ولا تؤكل ذبيحته ويستتاب ثلاثة أيام فان تاب وإلا قتل " (1). فالأخبار الواردة في نكاح الكفار إذا أسلموا. منها: حسن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن ابن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام " إن أهل الكتاب وجميع من له ذمة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها ولا يبيت معها ولكنها يأتيها بالنهار، وأما المشركون من مشركي العرب وغيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدة فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الرجل قبل انقضاء عدتها فهي امرأته وإن لم يسلم إلا بعد انقضاء العدة فقد بانت منه ولا سبيل له عليه، وكذلك جميع من لا ذمة له " (2). وروى في الكافي، عن منصور بن حازم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مجوسي أو مشرك من غير أهل الكتاب كانت تحته امرأة فأسلم أو أسلمت؟ قال: تنظر بذلك انقضاء عدتها فإن هو أسلم أو أسلمت قبل أن تنقضي عدتها فهما على نكاحهما الأول وإن هو لم يسلم حتى تنقضي العدة فقد بانت منه " (3). ولا يخفى أن دعوى القطع بعدم الفرق بين الكافر وبين المرتد الملي والكافرة وبين المرتدة سواء كانت مرتدة ملية أو فطرية مشكلة، والخبر المذكور الوارد في الملي المرتد مجمل ولم يعلم استناد المشهور إليه حتى يكون السند مجبورا، بل مقتضى حسنة أبي بكر المتقدمة وغيرها حصول الانفساخ لما فيها إن رجع إلى الإسلام وتاب قبل أن تزوج فهو خاطب من الخطاب. وفيها أيضا بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثا وأما لو كان المرتد فطريا


(1) الكافي ج 7 ص 258 (2) الكافي ج 5 ص 358، والتهذيب ج 2 ص 200، والاستبصار ج 3 ص 183 (3) الكافي ج 5 ص 436

[ 268 ]

فالظاهر عدم الخلاف في البينونة وإن كان الارتداد بعد الدخول، ويدل عليه صحيح محمد بن مسلم وموثق عمار المذكورين، وهذا الصحيح وإن لم يذكر فيه كون الارتداد عن فطرة لكنه محمول على صورة الارتداد عن فطرة بقرينة حصول البينونة وعدم قبول التوبة وإن كان عدم قبول التوبة بالنسبة إلى خصوص الأمور الثلاثة المذكورة دون سائر الأمور حيث إنه لا يمكن الالتزام بعدم كونه مكلفا بالأمور المشروطة بالإسلام والإيمان كالصلاة والصوم والحج ومع عدم قبول الإسلام منه كيف يكون مكلفا والكلام في هذا مذكور في الصلاة مفصلا. والموثق المذكور ظاهرا في الارتداد الفطري للتعبير بقوله عليه السلام على المحكي " كل مسلم بين مسلمين - الخ " وفيه تعتد عدة المتوفى عنها زوجها. وأما بقاء النكاح إذا أسلم زوج الكتابية فالظاهر أنه موضع وفاق، فعلى القول بجواز نكاحها للمسلم ابتداء فلا إشكال ومع القول بعدم الجواز ابتداء يستدل في المقام بحسن ابن أبي عمير المذكور وما في صحيح ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل هاجر وترك امرأته في المشركين ثم لحقت به بعد أيمسكها بالنكاح الأول أو تنقطع عصمتها منه؟ قال: يمسكها وهي امرأته " (1). وفي خصوص ما لو أسلم المجوسي وتحته امرأة على دينه يدل خبر منصور بن حازم المذكور. هذا ويمكن أن يقال: أما حسن ابن أبي عمير المذكور ففيه إذا أسلم أحد الزوجين ولا يلتزم ببقاء النكاح مع إسلام الزوجة قبل إسلام الزوج. وأما صحيح ابن سنان فليس فيه إلا المهاجرة ولا ظهور فيه في إسلام الزوج المهاجر بعد كفره ولم يذكر كونه من أهل الكتاب ولو أسلمت الكتابية دون زوجة الكتابي قبل الدخول انفسخ النكاح لحرمة تزويجها بالكافر ولو استدامة، ولصحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام " إذا أسلمت امرأة وزوجها على غير الإسلام فرق بينها - الحديث (2) " وإن كان إسلامها بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة على المشهور.


(1 و 2) الكافي ج 5 ص 435

[ 269 ]

وقد يقال: يمكن الاستدلال له بحسن ابن أبي عمير المذكور، ولا يخفى أنه لا يستفاد منه ما ذكر وذيله راجع إلى غير أهل الكتاب، نعم يمكن الاستدلال بخبر منصور بن حازم المذكور في خصوص المجوسي أو المشرك من غير أهل الكتاب، وقد يستفاد خلاف ما ذكر مما رواه في التهذيب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح قال: " سألت الرضا عليه السلام عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم هل يحل لها أن تقيم معه؟ قال: إذا أسلمت لم تحل له، قلت: جعلت فداك فإن الزوجة أسلم بعد ذلك أيكونان بعد نكاح الأول؟ قال: لا بتزويج جديد " (1). وما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن البزنطي قال: " سمعت رجلا يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن نصراني تسلم امرأته ثم يسلم زوجها أيكونان على نكاح الأول؟ قال: لا يجددان نكاحا آخر " (2). بناء على كون " لا " منفصلا عما بعد والاحتياج إلى النكاح الجديد، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين أن يكون إسلام الزوج قبل انقضاء العدة أو بعده، ويحتمل أن يكون لفظ " لا " متصلا بما بعده في الخبرين وعلى هذا إطلاقهما يشمل قبل انقضاء العدة وبعده فإثبات ما هو المشهور من الأخبار مشكل، وذهب الشيخ - قدس سره - في النهاية وكتابي الاخبار إلى اختصاص الحكم المذكور بغير الكتابي، أما الكتابي فانه ذهب فيه إلي بقاء النكاح وعدم انفساخه إذا كان الزوج بشرائط الذمة ولكنه لا يمكن الدخول عليها ليلا ولا من الخلوة بها نهارا. ويدل على ما ذهب إليه ما رواه عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام أنه قال " في اليهودي والنصراني والمجوسي إذا أسلمت امرأته ولم يسلم قال: هما على نكاحهما ولا يفرق بينهما ولا يترك أن يخرج بها من دار الاسلام إلى دار الكفر " (3).


(1) المصدر ج 2 ص 200 والاستبصار ج 3 ص 181 (2) المصدر ص 167. (3) التهذيب ج 2 ص 199

[ 270 ]

وحسن ابن أبي عمير المذكور سابقا. وما رواه في الكافي، عن يونس قال: " الذي تكون له المرأة الذمية فتسلم امرأته؟ قال: هي امرأته يكون عندها بالنهار، ولا يكون عندها بالليل، فإن أسلم الرجل ولم تسلم المرأة يكون الرجل عندها بالليل والنهار " (1). والمشهور لم يعملوا بالأخبار المذكورة بل الشيخ رجع عنه في المحكي عن خلافه ومبسوطه. وأما غير الكتابيين فيقف انفساخ نكاحهما على انقضاء العدة إن كان بعد الدخول ويدل عليه خبر منصور بن حازم المذكور وإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال لعدم العدة وامتناع كون الكافر زوجا للمسلمة، ويدل عليه ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن عليه السلام في نصراني تزوج نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها؟ قال: قد انقطعت عصمتها منه ولا مهر لها ولا عدة عليها منه " (2) وإن كانت هذه الرواية في خصوص النصراني والنصرانية. (ولو أسلم الذمي وعنده أربع فما دون لم يتخير ولو كان عنده أكثر من أربع تخير أربعا، وروى عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أن إباق العبيد بمنزلة الارتداد فإن رجع والزوجة في العدة فهو أحق بها وإن خرجت من العدة فلا سبيل له عليها، وفي الرواية ضعف). أما عدم التخير في صورة إسلام الذمي وإسلام الذميات أو بقائهن على دينهن فوجه واضح حيث جاز نكاحهن استدامة ومع الزيادة يتخير حيث إنه لا يجوز للمسلم الحر نكاح أزيد من أربع حرائر واستدل عليه بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لغيلان: أمسك وفارق سائرهن حيث إنه أسلم وعنده ثمان نسوة، والظاهر أن الرواية من طرق العامة والموجود في أخبارنا ما رواه في الكافي والتهذيب، عن عقبة بن خالد،


(1) الكافي ج 5 ص 437 (2) المصدر ج 5 ص 436

[ 271 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام في مجوسي أسلم وله سبع نسوة وأسلمن معه كيف يصنع؟ قال: يمسك أربعا ويطلق ثلاثا " (1) إلا أن مورد هذه الرواية إسلام النسوة معه لا بقاؤهن على دينهن، نعم الرواية الأولى مطلقة ولفظ يطلق في الرواية ولم يظهر أن لفظ يطلق بالتخفيف من باب الأفعال أو بالتشديد، والمراد تطليق الزائد إلا أن الظاهر أخذ الفقهاء بمضمون النبوي المذكور، وحيث إنه ورد في مورد شخص فلا يكون له إطلاق فقد يقال يجب الاقتصار في الحكم على المتيقن وهو ما إذا كان الاكثر كتابيات ولم تكن من العناوين المحرمة عينا أو جمعا وحينئذ فيشكل الحكم في غير المتيقن. ويمكن أن يقال: لم يظهر وجه كون المتيقن خصوص الكتابيات ومن المحتمل كونهن وثنيات، وعلى هذا فلا يكون في البين متيقن يؤخذ به. وأما الخبر فلم يعلم اعتماد المشهور عليه من جهة السند وعلى فرض الاعتماد و الحجية يشكل الأخذ به من جهة الترديد في لفظ " يطلق " لا يقال: لابد في القبول من الحمل على الكتابيات لعدم جواز نكاح غير الكتابية للمسلم فهذه الصورة متيقنة بل لا مجال لشمول النبوي لغير هذه الصورة لأنه يقال لعل غيلان المذكور أسلمن نساؤه والقضية الشخصية لا نطلع على خصوصياتها، وقد يقال: يمكن استفادة التخيير فيما لو كن وثنيات وأسلمن في العدة مما ورد من الحكم بالتخيير فيما لو أسلم وعنده أكثر من أربع وثنيات منكوحات بالعقد الدائم وأسلمن معه فان في السؤال عن حكم الأكثر من الأربع مع فرض إسلامهن معه دلالة على أن السائل كان بصدد السؤال عما إذا لم يكن هناك مانع من صحة النكاح إلا زيادة العدد فيستفاد من الحكم بالتخيير في الجواب كبرى كلية وهي أنه كلما لم تكن هناك مانع عن صحة النكاح إلا زيادة العدد فللزوج التخيير في إمساك الأربع وفراق ما زاد فيدل على التخيير في المسألة أيضا إذ بعد إسلام الوثنيات في العدة لا مانع عن صحة نكاحهن إلا زيادة في العدد.


(1) التهذيب ج 2 ص 198، والكافي ج 5 ص 436

[ 272 ]

ويمكن أن يقال من المعلوم ان مورد السؤال الفراغ من الصحة من الجهات الاخر إلا من جهة الزيادة في العدد لكنه لا يستفاد التخيير في غير المورد المذكور أعني فرض إسلامهن معه لاحتمال أن يكون للمعية في الإسلام مدخلية في التخيير فصورة إسلامهن قبل انقضاء العدة في صورة الدخول خارجة ولم نعثر على الرواية الواردة التي أشير إليها. وأما لو تزوج العبد باذن مولاه فالمنقول عن الشيخ في النهاية وابن حمزة أنه مع إباقه بمنزلة المرتد إلا أن ابن حمزة قيده بكون الزوجة أمة غير سيدة، والمدرك ما روى الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة فتزوجها، ثم إن العبد أبق فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من مولى العبد فقال: ليس لها على مولاه نفقة وقد بانت عصمتها منه فإن إباق العبد طلاق امرأته هو بمنزلة المرتد عن الإسلام، قلت: فإن هو رجع إلى مواليه ترجع إليه إمراته؟ قال: إن كان قد انقضت عدتها منه ثم تزوجت غيره فلا سبيل له عليها، وإن كانت لم تتزوج ولم تنقض العدة فهي امرأته على النكاح الأول " (1). هكذا في رواية الشيخ للخبر، وفي رواية الصدوق له هكذا " وإن كانت لم تتزوج وهي أمرأته على النكاح الأول " ولفظ ولم تنقض العدة غير مذكور في البين، وظاهر رواية الصدوق أنها مع انقضاء العدة تبقى على نكاحها ما لم تزوج وأما على رواية الشيخ فهو مسكوت عنه والظاهر عدم عمل المشهور بمضمون الرواية حيث تكون مخالفة للقواعد وإن عد عمار الساباطي من الثقات. (مسائل سبع: الأولى التساوي في الإسلام شرط في صحة العقد، وهل يشترط التساوي في الإيمان؟ الأظهر لا، لكنه يستحب ويتأكد في المؤمنة، نعم لا يصح نكاح الناصب ولا الناصبة بالعداوة لأهل البيت عليهم السلام). قد مر الكلام فيما ذكر ذيل ذكر المصنف قدس سره الأسباب الموجبة للتحريم و


(1) التهذيب ج 2 ص 304. والفقيه باب أحكام المماليك تحت رقم 16

[ 273 ]

اشتراط التساوي في الإسلام. وأما استحباب تزوج المؤمنة للرجل الاثنى عشري فيمكن استفادته من الأخبار المذكورة هناك المستدل بها لاعتبار التساوي وفيها " أن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " " وأن العارفة لا توضع إلا عند العارف ". وأما عدم جواز نكاح الناصب فلكفره كما يستفاد من الأخبار ويشترط في النكاح التساوي في الاسلام ولهذه الجهة لا يجوز نكاح الناصبة. (ولا يشترط تمكن الزوج من النفقة ولا يتخير الزوجة لو تجدد العجز عن الإنفاق، ويجوز نكاح الحرة العبد والهاشمية غير الهاشمي، والعربية العجمي وبالعكس، وإذا خطب المؤمن القادر على النفقة وجب إجابته وإن كان أخفض نسبا وإن منعه الولي كان عاصيا). المحكي عن جماعة من الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم إشتراط تمكن الزوج من النفقة لقول الله تعالى " ومن لم يستطع طولا أن ينكح المحصنات فمما ملكت أيمانكم - الخ " وقول النبي صلى الله عليه واله على المحكي لفاطمة بنت قيس لما أخبرته أن معاوية يخطبها: " إن معاوية صعلوك لا مال له " وقول الصادق عليه السلام على المحكي: " الكفو أن يكون عفيفا وعنده يسار " (1) ولما في ذلك من الاضرار بالمرأة ولا يخفى عدم استفادة الشرطية بمعنى مدخلية التمكن في الصحة فإن الطول فسر في الحديث بالمهر لما عن الصادق عليه السلام " لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة اليوم إنما كان ذلك حيث قال الله تعالى ومن لم يستطع طولا والطول المهر ومهر الحرة اليوم مهر الأمة أو أقل (2) ". وقول النبي صلى الله عليه واله المذكور لا يستفاد منه الشرطية بل الظاهر أنه في مقام النصح للمستشيرة، وقول الصادق عليه السلام المذكور محمول على الفرد الكامل كما يظهر من بعض الأخبار الآخر حيث فسر الكفو بأن يرضى دينه وخلقه.


(1) الكافي ج 5 ص 437 (2) الكافي ج 5 ص 360

[ 274 ]

وأما الاضرار فلا يوجب الشرطية للتمكن مع أنه كثيرا تتوجه المرأة بعدم تمكن الزوج. ومع هذا الوصف ترضى بالمزاوجة كما في بيع المغبون، وفي صورة عدم العلم لا يوجب إلا الخيار وفي النكاح أسباب الخيار محصورة. هذا مضافا إلى ما قيل من أنه لو أخذ بعموم نفي الضرر والضرار لزم الفقه الجديد، وإنما يؤخذ في الموارد التي أخذ الفقهاء به ويكفى دليلا للصحة قوله تعالى " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ". ومما ذكر ظهر وجه عدم الخيار لو تجدد العجز عن الأنفاق وإن قال المصنف - قدس سره - في الشرايع فيه روايتان أشهرهما أنه ليس لها ذلك وهي ما روي، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه إن امرأة استعدت إليه على زوجها للاعسار فأبي أن يحبسه وقال: إن مع العسر يسرا " خلافا للمحكي عن أبي علي فسلطها على الفسخ. وقيل يفسخه الحاكم فإن لم يكن الحاكم فسخت وقوله تعالى " وإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " والإمساك بلا نفقة ليس بمعروف وللضرر والحرج. وصحيح أبي بصير عن الصادق عليه السلام " من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الإمام أن يفرق بينهما " (1). وصحيح ربعي والفضيل، عن الصادق عليه السلام " ان أنفق عليها ما يقيم صلبها مع كسوة وإلا فرق بينهما " (2). ويمكن أن يقال: أما ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام فلا دلالة فيه لمقامنا لا نفيا ولا إثباتا، وقوله تعالى " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " يستفاد منه لزوم أحد أمرين إما الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان فمع عدم القدرة على الإمساك بمعروف يجب التسريح والتسريح هو التطليق والطلاق غير الفسخ. ولعل المراد من التفريق


(1) الفقيه باب حق المرأة على الزوج تحت رقم 5 (2) التهذيب ج 2 ص 243

[ 275 ]

المذكور في الصحيحين هو التطليق لا الفسخ، هذا لو اخذ بظاهرهما. والظاهر أن المشهور لا يلتزمون بإجبار الزوج على التطليق أو تطليق الحاكم مع عدم إنفاق الزوج سواء كان للإعسار أو مع القدرة وعدم الإنفاق. وأما جواز نكاح المذكورين فيكفي فيه العمومات وخصوص ما جاء من تزويج جوير الدلفاء ومنجح بن رياح مولى علي بن الحسين بنت أبي رافع، ونكاح علي بن الحسين مولاته، ونكاح رسول الله صلى الله عليه وآله عائشة وحفصة ونكاح العوام صفية والمقداد ضبيعة بنت الزبير بن عبد المطلب وعثمان وأبي العاص وعمر وعبد الله بن عمر بن عثمان ومصعب بن زبير بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي والحسين عليهما السلام. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله على المحكي لما تزوج المقداد ابنة زبير بن عبد المطلب " لن تتضع المناكح " كقوله عليه السلام " المسلم كفو المسلمة والمؤمن كفو المؤمنة، و المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، وإذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه أن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ". وأما وجوب إجابة الخاطب المؤمن القادر على النفقة وإن كان أخفض نسبا و كذا عصيان الولي لو امتنع فالظاهر أن نظر القائلين بهما إلى بعض الاخبار حيث فيه الأمر بتزويج من يرضى دينه وخلقه وأمانته إذا خاطب وفي ذيله " أن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ". وقد يجاب بأن المخاطب ليس هو المرأة بل الرجال وحينئذ إما يراد خصوص الأولياء العرفية بقرينة ما في ذيلها من التعليل إذ لا يلزم فتنة ولا فساد في ما إذا امتنع الولي الشرعي عن تزويج الصغيرة، وإنما يلزمان إذا امتنع الولي العرفي عن تزويج الكبيرة مع رضاها بالخاطب، وإما يراد بهم الأعم من الأولياء العرفية والشرعية فلابد أن يراد من الأمر بالتزويج معنى يلائم كلتا الطائفتين وليس هو إلا عدم جواز الامتناع عن تزويج الخاطب إياها من حيث عدم الكفاءة في الحسب والنسب والشرف والفضل والعظمة إذ إرادة وجوب التزويج من الأمر به لا تصح بالنسبة إلى الأولياء العرفية الذين ليست عقدة النكاح بيدهم إذ مع كون النكاح معلقا على رضاها يكون تزويجها

[ 276 ]

خارجا عن قدرتهم مع عدم رضاها ومعه كيف يصح أمرهم بتزويجها مطلقا، ويمكن أن يقال: ما ذكر لا يوجب صرف الأمر المقرون بما في ذيله عن الوجوب ألا ترى أن تأكد استحباب الصلاة جماعة بالنسبة إلى كل مكلف صحيح مع أن الجماعة منوطة بحضور الغير وهو خارج عن الأختيار مع أن القدرة كما تكون شرطا في الوجوب تكون شرطا في الاستحباب أيضا فلا مانع من الحمل على الوجوب من تحقق الرضا كما أنه لا داعي إلى صرف الخطاب إلى الأولياء العرفية، بل يمكن أن يكون الخطاب إلى الولي الشرعي والتعبير بالجمع من باب تلاقي الجمع بالجمع كما في قوله تعالى " فاغسلوا وجوهكم " مع أن كل أحد ليس له إلا وجه واحد ومع ذلك كله يشكل حمل الأمر على الوجوب لكونه موجبا للوحشه حيث إن أخلاق الرجل والمرأة كثيرا ما مختلفة غير متوافقة وبعد تحقق النكاح يخرج الاختيار عن المرأة فكيف يجب على الولي إجابة الخاطب مع أنه لا يبعد لزوم مراعاة المصلحة فمع عدم المصلحة كيف يكون إجابة الخاطب واجبا على الولي فمقتضى التعليل المذكور وجوب رضى الكبيرة الباكرة أيضا ولا يلتزمون به ظاهرا، فلعل النظر إلى الترغيب كالترغيب في أصل الازدواج وإن من تزوج أحرز نصف دينه فإن إحراز الدين لازم ولا يوجب الإزدواج. (ويكره أن يزوج الفاسق ويتأكد في شارب الخمر وأن تزوج المؤمنة المخالف. ولا بأس بالمستضعف والمستضعفة ومن لا يعرف بعناد). أما كراهة تزويج الفاسق فاستدل عليها بقوله تعالى " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " ومفهوم قوله صلى الله عليه وآله " إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه " (1) وعلل أيضا بأن الفاسق لفسقه حري بالإعراض والإهانة، والتزويج إكرام ومودة، وبأنه لا يؤمن من الإضرار بها وقهرها بالفسق، ولا يخفي الإشكال في استفادة الكراهة مما ذكر أما قوله تعالى فقد فسر الفاسق فيه بالكافر بقرينة المقابلة مع المؤمن، ومع قطع النظر عن هذا عدم كون الفاسق كالمؤمن لا يوجب الكراهة، ألا ترى أن الصلاة في الدار


(1) الكافي ج 5 ص 437

[ 277 ]

ليس كالصلاة في المسجد، ومن هذا لا تكون مكروهة، وليس كل فسق يوجب الإعراض والإهانة وسقوط حرمة الإيمان وليس مفهوم الخبر المذكور كراهة التزويج لغير الموصوف بالوصف المذكور. وأما تأكد الكراهة في شارب الخمر فلقول الصادق عليه السلام على المحكي " من زوج كريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمها " (1). واما كراهة تزوج المؤمنة بغيرها المخالف فلما عرفت سابقا. وأما عدم البأس بالمستضعف ومن لا يعرف بفساد فيدل عليه ما رواه في الكافي (2) عن زرارة في الصحيح أو الحسن قال: قلت: لأبي جعفر عليهما السلام: إني أخشى أن لا يحل لي أن اتزوج من لم يكن على أمري فقال: ما يمنعك من البله من النساء، فقلت: وما البله؟ قال هن المستضعفات من اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه ". وما رواه في الفقيه عن حمران بن أعين في الحسن أو الموثق وكان بعض أهله يريد التزويج فلم يجد امرأة يرضاها فذكر ذلك لأبي عبد الله عليه السلام فقال: أين أنت من البلهاء والتي لا يعرفون شيئا، قلت: إنا نقول: إن الناس على وجهين كافر ومؤمن، فقال: فأين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وأين المرجون لأمر الله أي عفو الله. (3) (الثانية إذا انتسب إلى قبيلة وبان من غيرها ففي رواية الحلبي يفسخ النكاح. الثالثة إذا تزوج ثم بان أنها كانت زنت فليس له الفسخ ولا الرجوع على الولي بالمهر، وفي رواية لها الصداق بما استحل من فرجها ويرجع به على الولي، وإن شاء تركها. الرابعة لا يجوز التعريض بالخطبة لذات العدة الرجعية ويجوز في غيرها و يحرم التصريح في الحالين). ذهب الشيخ في النهاية وابن حمزة وسعيد إلى أن للمرأة الفسخ إذا انتسب


(1) الكافي ج 5 ص 437 (2) المصدر ج 5 ص 349 (3) الفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 12.

[ 278 ]

الزوج إلى قبيلة وبان من غيرها للتدليس ومضمر الحلبي الصحيح " في رجل تزوج امرأة فيقول: أنا من بني فلان فلا يكون كذلك قال يفسخ النكاح - أو قال يرد - " (1). واستشكل من جهة الاضمار مع احتمال أن يكون الضمير راجعا إلى الحلبي. فلا يرد أن الحلبي أجل من أن يروي نحو ذلك عن غير الإمام عليه السلام. ويمكن أن يقال: إن ظاهر المضمر المذكور إن قول الرجل إنا من بني فلان بعد التزويج بقرينة الفاء ولا يلتزم أحد باختيار الفسخ للمرأة فمع حصر موجبات الفسخ في غيره في صحيح الحلبي كيف يؤخذ بمضمون المضمر. وأما التدليس فإن قلنا في مثل البيع ونحوه كونه موجبا للخيار فلا دليل في النكاح مع حصر الموجبات للخيار بحسب صحيح المذكور على كونه موجبا للخيار، وقد يقال: إن المسألة لا تخلو عن صور لأن انتساب الزوج إلى قبيلة خاصة قد يكون داعيا إلى إقدام الزوجة على تزويجه بحيث لو لم يكن من تلك القبيلة لما أقدمت على تزويجه اصلا، وقد لا يكون كذلك، بل تكون مقدمة على تزويجه على نحو تعدد المطلوبي وعلى كلا التقديرين إما أن تكون هذه الجهة مأخوذة في العقد على نحو التوصيف أو الاشتراط أو لا، وعلى جميع التقادير إما أن يكون العاقد نفس الزوجة أو وكيلها أو وليها لا إشكال في أن مقتضى القاعدة فيما إذا كان الوصف الكذائي داعيا إلى وحدة المطلوب فبان خلافه هو بطلان العقد في ما كان العاقد نفسها أو وليها، وكونه فضوليا في ما كان العاقد وكيلها ضرورة انتفاء الرضا بانتفاء ما قيد به، فيكون العقد خاليا عن الرضا فيفسد أو يكون موقوفا على الإجازة ومقتضى القاعدة فيما إذا كان الوصف داعيا على نحو تعدد المطلوب وذكر في العقد على نحو التوصيف أو الاشتراط فبان خلافه هو صحة العقد وثبوت خيار تخلف الوصف أو الشرط فيما كان العاقد نفسها، وكونه فضوليا موقوفا على الإجازة فيما كان العاقد وكيلها لأن متعلق الوكالة العقد الواقع على واجد الوصف لا الفاقد. ويمكن أن يقال: ما ذكر أولا يوجب بطلان جل المعاملات الواقعة بدواع


(1) التهذيب ج 2 ص 234

[ 279 ]

مختلفة فالعقد الواقع على الصحيح يقع بداعي الصحة بحيث لو علم المشتري العيب لا يقدم على الاشتراء وفي النكاح كثيرا يقدم الزوج على التزويج بداعي الخصوصيات التي يعتقد في المرأة بحيث لو كانت فاقدة لما أقدم الزوج على التزوج، والقائلون بثبوت الخيار لا يكتفون بصرف الداعي بل بناؤهم على لزوم الأخذ في العقد وصفا أو شرطا ولا معنى للخيار مع بطلان العقد رأسا، والظاهر أن وجه الصحة تحقق القصد والرضا بما وقع، ألا ترى أن الذاهب إلى منزل صديقه بداعي ملاقاته يتحقق منه القصد إلى الذهاب مع أنه لا يلاقيه وكان الذهاب بداعي الملاقاة بنحو وحدة المطلوب، وهذا لا يلائم مع المضمر المذكور أيضا لأن المضمر ذكر فيه الفسخ أو الرد مع التخلف من دون الاستفصال من جهة وحدة المطلوب أو تعدده، وما ذكر من ثبوت الخيار في صورة تعدد المطلوب وذكر القيد وصفا أو شرطا في العقد يشكل مع حصر الفسخ في امور مخصوصة وما يقال من أنه يكون الحصر إضافيا وبالنسبة إلى العيوب لا نسلم للاطلاق ولذا لا يجوزون شرط الخيار في العقد. وما ذكر من أنه إذا كان العاقد وكيلا يكون العقد فضوليا يشكل من جهة أنه إذا كان بنحو تعدد المطلوب فكما أنه لو كان العاقدة نفسها كان برضا منه كذلك توكيلها بالنسبة إلى النكاح. وأما عدم خيار الفسخ لو تزوج وبان أن المرأة زنت فهو المشهور ويدل عليه ما دل على حصر موجبات الخيار في غيره ففي صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام " إنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل (1) ". وفي خبر رفاعة عنه عليه السلام " سأله عن المحدود والمحدودة هل يرد من النكاح؟ قال: لا (2) " خلافا للمحكي عن الصدوق وأبي علي فخيراه للعار ولقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المحكي " في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها قال: يفرق بينهما


(1) التهذيب ج 2 ص 232 والاستبصار ج 3 ص 246 (2) الكافي ج 5 ص 406

[ 280 ]

ولا صداق لها لان الحدث كان من قبلها ". (1) واجيب بضعف الرواية وظهوره في الانفساخ وظهوره في كون الزنا بعد العقد وقبول الحمل على الطلاق. ويمكن أن يقال: أما ضعف السند فإن كان اعتماد الصدوق وأبي علي - قدس سرهما - عليه فيشكل، وأما الظهور في الانفساخ فهو قابل للمنع لان التعبير بالتفريق نظير التعبير بالرد في خبر الحلبي المذكور ولا ظهور في كون الزنا بعد العقد والحمل على الطلاق ينافي مع عدم الصداق لأن الطلاق قبل الدخول يوجب استحقاق نصف المهر إلا أن يخصص عموم الدليل بهذا الخبر، ثم إنه على المشهور مع الطلاق والامساك تستحق المرأة المهر نصفه أو تمامه ومقتضى القاعدة عدم الرجوع على الولي إذا أخذت المرأة المهر من الزوج لكن مقتضى بعض النصوص استحقاق الزوج إن طلقها للرجوع على الولي بالمهر إن كان عالما بأمرها ففي صحيح معاوية بن وهب " سئل الصادق عليه السلام عن ذلك فقال: إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها ولها الصداق بما استحل من فرجها، و إن شاء تركها (2) ". وفي حسن الحلبي " سأله عن المرأة تلد من الزنا ولا يعلم بذلك أحد إلا وليها أيصلح لها أن يزوجها ويسكت عن ذلك إذا كان قد رأى منها توبة أو معروفا؟ فقال: إن لم يذكر ذلك لزوجها ثم علم بعد ذلك فشاء أن يأخذ صداقها من وليها بما دلس عليه كان له ذلك على وليها وكان الصداق الذي اخذت لها لا سبيل عليها فيه بما استحل من فرجها وإن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس " (3). وقد يقال: إن دلالة الخبر الثاني على استحقاق الزوج للرجوع بالمهر مع الطلاق بقرينة مقابلته لقوله عليه السلام " وإن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس " واضحة فإنه يدل على أن الزوج مخير بين أحد الأمرين من الطلاق والرجوع على الولي بالمهر


(1) التهذيب ج 2 ص 250 (2) التهذيب ج 2 ص 239 (3) الكافي ج 5 ص 408

[ 281 ]

والإمساك من دون رجوع فتدبر، والخبر الأول يحتمل أن يكون المراد من قوله عليه السلام فيه وإن شاء تركها " هو تركها على حالها وعدم التعرض لها كي يكون بمعنى الإمساك فينطبق على الثاني، ويحتمل أن يكون المراد منه فراقها بالطلاق فلا ينطبق على الثاني فإن رجحنا الإحتمال الأول بقرينة أن الإحتمال الثاني مستلزم لاستدامة استحلال الانتفاع ببضعها من غير عوض وهو خلاف المعلوم نصا وفتوى في غير المقام فهو وإلا كان الخبر مجملا فيسقط عن صحة الاستدلال به. ويمكن أن يقال: لم يظهر دلالة الخبر الثاني على جواز الامساك بدون الرجوع إلى الولي بل مقتضى تعليل الرجوع بالتدليس إن له الرجوع مطلقا. وما ذكر في الخبر الأول من أنه يحتمل الاحتمالين وعلى أحدهما يلزم استدامة الانتفاع بالبضع من غير عوض فيه نظر لإمكان أن يقال: لم يكن البضع بلا عوض لأن المرأة تأخذ العوض إن كان المهر عوضا غاية الأمر الزوج يرجع إلى الولي من جهة تدليسه وإن كان مثل هذا يعد من الانتفاع بالبضع بلا عوض فليكن الرجوع بعد الطلاق أيضا كذلك حيث إن الزوج انتفع وأخذ عوض المهر من الولي غاية الأمر الفرق بين استدامة الانتفاع وبين عدمها ومجرد هذا لا يوجب الفرق حيث إن النص والفتوى على استحقاق الزوجة مع استحلال فرجها المهر ولا نظر إلى صورة الاستدامة وعدمها. وأما حرمة التعريض في الخطبة لذات العدة الرجعية وجوازه لغيرها وحرمة التسريح مطلقا فاستدل عليها مضافا إلى الاجماعات المحكية بقوله تعالى " ولا جناح عليكم في ما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله (1) " والمعروف أن التعريض خلاف التصريح وهو غير الكناية ولعله الإيماء إلى المقصود بما لا يوضع له حقيقة ولا مجازا، فالتخصيص بالذكر يستفاد منه


(1) البقرة: 235

[ 282 ]

حرمة التصريح والآية وإن كانت مختصة بذات العدة إلا أنه لما كان حرمة التصريح لذات العدة لاحترام الزوج فتدل على حرمة التعريض بالخطبة لذات البعل فضلا عن التصريح بالأولوية ومفهوم الموافقة فإذا كان خطبة ذات البعل تصريحا وتعريضا محرمة تكون خطبة ذات العدة الرجعية أيضا كذلك لأنها بحكم الزوجة ولا يخفى الاشكال فيما ذكر فإنا لا نعلم حكم الاحكام، ويمكن منع استفادة التحريم من تخصيص الجواز بالتعريض لإمكان أن يكون من جهة الحياء فإنه كثيرا في الخطبة في غير ذات العدة لا يصرح وربما يكون بعض التعبيرات من سوء الأدب فالعمدة في إثبات الأحكام المذكورة الإجماعات المحكية. (الخامسة إذا خطب فأجابت كره لغيره خطبتها ولا تحرم. السادسة نكاح الشغار باطل وهو أن تتزوج امرأتان برجلين على أن مهر كل واحدة نكاح الأخرى. السابعة يكره العقد على القابلة المربية وبنتها وأن يزوج ابنه بنت زوجته إذا ولدتها بعد مفارقته لها ولا بأس بمن ولدتها قبل ذلك وأن يتزوج بمن كانت ضرة لأمه مع غير أبيه و يكره الزانية قبل أن تتوب). إذا خطب الرجل فأجابت المرأة فالمحكي عن الشيخ - قدس سره - أنه يحرم على غيره خطبتها لقوله عليه السلام على المحكي " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه " و لحرمة الدخول في سوم المؤمن والخاطب مستام بقرينة قوله عليه السلام على المحكي " إنه مستام يأخذ بأغلى الثمن " ولوجوب الإجابة عليها. واجيب بمنع صحة الخبر الناهي عن الخطبة على خطبة الأخ ومنع كون الخاطب مستاما وقوله عليه السلام " إنه مستام " مبني على التشبيه والمجاز ومنع وجوب الإجابة عليها ومنع كونه مانعا عن إجابة الآخر فأصالة الحل والعمومات سالمة عن الحاكم والمخصص، ثم على تقدير الحرمة لو عصى وخطب لا يحرم عليه نكاحها وكان العقد صحيحا للأصل والعمومات وعدم اقتضاء الإثم في الخطبة فساد العقد بعد عدم تعلق نهي به. ويمكن أن يقال أما منع صحة الخبر فإن كان نظر فيه إلى عدم الصحة بالمعنى

[ 283 ]

المصطلح في لسان الفقهاء فلا إشكال فيه لكن إذا كان الخبر معمولا به عند مثل الشيخ وعمل الفقهاء به غاية الأمر حملوه على الكراهة فهو حجة إلا أن يكون أخذهم من باب التسامح كالتسامح في أدلة المستحبات، وعلى تقدير الحجية يمكن أن يكون النهي وضعيا نظير النهي عن إدخال بنت الأخ على العمة أو بنت الأخت على الخالة حيث إنه وإن كان النهي بملاحظة حال الخاطب الأول ومن جهة انكسار قلبه غالبا لكنه لا يبعد استفادة الحرمة الوضعية الموجبة للفساد منه فتأمل. وأما بطلان نكاح الشغار فهو المصرح به في كلام الأصحاب - والشغار بكسر الشين المعجمة وفتحها نكاح كان معمولا في الجاهلية وهو أن يجعل بضع امرأة مهر الاخرى وقد يفصل بأن يجعل تزويج الأخرى مهرا، ويدل على البطلان من الأخبار ما رواه في الكافي عن غياث بن إبراهيم قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام ". والشغار أن يزوج الرجل الرجل ابنته أو اخته ويتزوج هو ابنة المتزوج أو اخته ولا يكون بينهما مهر غير تزويج هذا من هذا وهذا من هذا " (1) واستظهر أن هذا التفسير في الخبر من الإمام. وما رواه في الكافي عن ابن بكير في الموثق، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام قال: " نهى عن نكاح المرأتين ليس لواحدة منهن صداق إلا بضع صاحبتها، وقال: لا يحل أن ينكح واحدة منهما إلا بصداق أو نكاح المسلمين " (2). ثم إن ظاهر الكلمات بطلان أصل النكاح ويظهر من كلام لبعض الفقهاء صحته في صورة حيث قال والضابط أن كل نكاح جعل البضع فيه مهرا أو جزئه أو شرطه فهو باطل وإن جعل النكاح مهرا أو جزئه أو شرطه في نكاح بطل المسمى دون النكاح. وقد علل بطلان النكاح في الاول بلزوم التشريك في البضع بين كونه للزوج وكونه مهرا مع أن البضع لا يصلح أن يكون مهرا. ويمكن أن يقال: مقتضى القاعدة صحة النكاح سواء كان المهر البضع أو


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 361

[ 284 ]

التزويج لأن المهر ليس ركنا في النكاح وما ذكر من لزوم التشريك في البضع محل إشكال لان التشريك في صورة الملكية العرضية لا الطولية كما لو باع وشرط على المشتري ملكية عين لعمرو بنحو شرط النتيجة فمقتضى الشرط ملكية عمرو للعين و البايع مالك للشرط على المشتري بحيث لو كان المشروط عملا للغير وأخل المشتري يتحقق للبايع خيار تخلف الشرط، لكن ظاهر الأخبار بطلان النكاح ولا داعي إلى صرف ما ذكر فيه تفسير الشغار بجعل البضع مهرا إلى جعل التزويج مهرا بعد ذكر التفسيرين في الأخبار. وأما كراهة العقد على القابلة المربية فللنهي عنه في خبر إبراهيم بن عبد الحميد " سألت أبا الحسن عليه السلام عن القابلة تقبل الرجل أله أن يتزوجها؟ فقال: إن كان قد قبلته المرة والمرتين فلا بأس وإن كانت قد قبلته وربته وكفلته فإني أنهى نفسي عنها وولدي " وفي خبر آخر " وصديقي " (1). وخبر عمرو بن شمر عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: الرجل يتزوج قابلته قال: لا، ولا ابنتها (2) ". وخبر أبي بصير عنه عليه السلام أيضا " لا يتزوج المرأة التي قبلت ولا ابنتها (3) ". وغيرها من الأخبار المحمولة على الكراهة لصحيح البزنطي " قلت للرضا عليه السلام يتزوج الرجل المرأة التي قبلته؟ فقال: سبحان الله ما حرم الله عليه من ذلك " (4). وإن أمكن التخصيص بصورة الكفالة بملاحظة خبر إبراهيم المذكور لكن الظاهر منه الكراهة بقرينة قوله عليه السلام على المحكي " أنهى نفسي عنها وولدي " فإن المحرم لا اختصاص فيه.


(1) التهذيب ج 2 ص 241 (2) الكافي ج 5 ص 447 (3) التهذيب ج 2 ص 241 والاستبصار ج 3 ص 176 (4) التهذيب ج 2 ص 240 والاستبصار ج 3 ص 176

[ 285 ]

وأما كراهة تزويج ابنه بنت زوجته إذا ولدتها بعد المفارقة فلخبر إسماعيل بن همام قال: " قال أبو الحسن عليه السلام قال محمد بن علي عليهما السلام في الرجل يتزوج المرأة ويزوج ابنتها ابنه فيفارقها ويتزوجها آخر فتلد منه بنتا فكره أن يتزوجها أحد من ولده لأنها كانت امرأته فطلقها فصار بمنزلة الأب وكان قبل ذلك أبا لها " (1). وخبر الهلالي " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتزوج المرأة ويزوج ابنه ابنتها؟ قال: إن كانت الإبنة لها قبل أن يتزوج بها فلا بأس " (2). وخبر آخر سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتزوج المرأة ولها ابنة من غيره أيزوج ابنه ابنتها؟ قال: إن كانت من زوج قبل أن يتزوجها فلا بأس، وإن كانت من زوج بعدما تزوجها فلا " (3). وهذه الروايات محمولة على الكراهة لصحيح عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يطلق امرأته ثم خلف عليها رجل بعد فولدت للاخر فهل يحل ولدها من الآخر لولد الأول من غيرها؟ قال: نعم قال وسألته عن رجل اعتق سرية له ثم خلف عليها رجل بعده ثم ولدت للآخر هل يحل ولدها لولد الذي اعتقها؟ قال: نعم " (4). وقد يقال باختصاص الكراهة بالنسبة إلى بنت الزوجة ولا دليل على الكراهة بالنسبة إلى بنت الأمة الموطوءة المملوكة لكن يدفع هذا من جهة ما في خبر إبراهيم من التعليل بأنه صار بمنزلة العبد وظهر مما ذكر عدم البأس بمن ولدتها قبل ذلك. وأما كراهة التزوج بمن كانت ضرة لأمه مع غير أبيه فلخبر زرارة " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما احب للرجل المسلم أن يتزوج امرأة كانت ضره لأمه مع


(1) التهذيب ج 2 ص 240 (2) الكافي ج 5 ص 400 (3) الفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 76 ولعله منحد مع ما قبلها (4) الكافي ج 5 ص 399 والتهذيب ج 2 ص 240

[ 286 ]

غير أبيه " (2). وأما كراهة التزوج بالزانية قبل أن تتوب فقد مضى الكلام فيها. (القسم الثاني في النكاح المنقطع والنظر في أركانه وأحكامه: وأركانه أربعة الأول الصيغة وهو ينعقد بأحد الألفاظ الثلاثة خاصة وقال " علم الهدى ": ينعقد في الإماء بلفظ الإباحة والتحليل. الثاني الزوجة ويشترط كونها مسلمة أو كتابية. ولا يصح بالمشركة والناصبة). قد ادعي الاجماع على اعتبار الصيغة والإيجاب والقبول وعدم التحقق بالمراضاة ويظهر من بعض الاكتفاء بحصول الرضا من الطرفين لخبر نوح بن شعيب عن علي، عن عمه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إني زنيت فطهرني فأمر بها أن ترجم فأخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: كيف زنيت قال: مررت في البادية فأصابني عطش شديد فاستقيت أعرابيا فأبى أن يسقيني إلا أن امكنه من نفسي فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تزويج ورب الكعبة (1) ". وقد رويت هذه القصة بنحو آخر فروى الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب عن محمد بن عمرو بن سعيد عن بعض أصحابنا قال: أتت امرأة إلى عمر فقالت يا أمير المؤمنين إني فجرت فأقم في حد الله فأمر برجمها وكان علي عليه السلام حاضرا قال: فقال له سلها كيف فجرت قالت: كنت في فلاة من الأرض أصابني عطش شديد فرفعت لي خيمة فأتيتها فأصبت فيها رجلا أعرابيا فسئلته الماء فأبى أن يسقيني إلا أن امكنه من نفسي فوليت منه حاربة وأشتد بي العطش حتى غارت عيناي وذهب لساني، فلما بلغ مني أتيته فسقاني ووقع علي فقال له علي صلوات الله عليه هذه التي قال الله " فمن اضطر غير باغ ولا عاد وهذه غير باغية ولا عادية إليه فخلى سبيلها فقال عمر " لولا علي لهلك عمر " (2).


(1) التهذيب ج 2 ص 245 والكافي ج 5 ص 467 (2) راحع وسائل الشيعة كتاب الحدود أبواب حد الزنا، ب 18 ح 6.

[ 287 ]

ولا يخفى أن الاختلاف بين الخبرين ليس بحد يقال فيه خبر واحد اضطرب متنه بل كأنهما متباينان واحتمال تعدد القضيه بعيد ومع هذا الوصف كيف يمكن الأخذ بخبر نوح في الاكتفاء بالمراضاة فبعد البناء على لزوم الصيغة والايحاب والقبول فالمعروف لزوم أحد الألفاظ الثلاثة وهي زوجتك وأنكحتك ومتعتك في طرف الإيجاب فيقبل الزوج، وجوز أبو الصلاح وابن البراج في الايجاب أن يقع من الرجل بقوله متعيني نفسك كذا فتقول المرأة قبلت أو رضيت، ونقل عن المرتضى - قدس سره - أنه جعل تحليل الأمة عقد متعة وقد يقال: إن النكاح المنقطع ليس كالدائم في كونه من الموضوعات العرفية ولذا كثر السؤال عن كيفيته عن الأئمة عليهم السلام ولم يسئل عن كيفية الدائم فلا إطلاق لأدلته كي يرجع إليه عند الشك في اعتبار شئ شطرا أو شرطا إلا أنه يظهر من بعض النصوص الواردة في كيفيته عدم اعتبار تقدم الإيجاب على القبول في عقده وعدم اشتراط الماضوية فيهما كرواية أبان بن تغلب قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال عليه السلام تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه لا وارثة ولا موروثة كذا وكذا يوما وإن شئت كذا وكذا سنة بكذا وكذا درهما وتسمى من الأجر ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا، فإذا قالت: نعم فقد رضيت وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها " (1). ورواية النعمان الأحول قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: أدنى ما يتزوج به الرجل المتعة؟ قال عليه السلام: كف [ كفين خ ل ] من بر يقول لها زوجيني نفسك متعة على كتاب الله وسنة نبيه نكاحا غير سفاح على أن لا أرثك ولا ترثيني ولا أطلب ولدك إلى أجل مسمى فإن بدا لي زدتك وزدتني (2) ". ويمكن أن يقال ما ذكر من عدم الإطلاق وأنه ليس من الموضوعات العرفية فيه نظر فإنه بعد ما كان معروفا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وكان النكاح المنقطع مستمرا إلى


(1) الكافي ج 5 ص 455 (2) التهذيب ج 2 ص 189

[ 288 ]

زمان عمر، فالأخبار الواردة ناظرة إلى ذلك ولا فرق بينه وبين الدائم من حيث الحقيقة إلا من جهة التوقيت حتى أنه ورد في بعض الأخبار أنه لو أخل بالمدة يصير دائما غاية الأمر لزوم ذكر الأجل والمهر المسمى بخلاف الدائم وعلى هذا فالأخبار الواردة بعد ذلك لا مانع من الأخذ باطلاقها وإن كان النظر فيها إلى الثواب المترتب منها ما عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المتعة فقال: إني لأكره للرجل المسلم أن يخرج من الدنيا وقد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقضيها (1) " " فقلت: فهل تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الآية " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا - إلى قوله - وأبكارا " (2). ونقل شيخنا المجلسي - قدس سره - في كتاب البحار عن رسالة الشيخ المفيد - قدس سره - في المتعة أخبارا عديدة في استحبابها منها ما رواه بسنده في الرسالة إلى هشام بن سالم في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يستحب للرجل أن يتزوج المتعة وما احب للرجل منكم أن يخرج من الدنيا حتى يتزوج المتعة ولو مرة (3) ". وعن بكر بن محمد عن الصادق عليه السلام حيث سئل عن المتعة فقال: أكره للرجل أن يخرج من الدنيا وقد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله لم تقض. " وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال: قال لي: تمتعت؟ قلت: لا، قال: لا تخرخ من الدنيا حتى تحيي السنة " (4). وعن صالح بن عقبة (5) عن أبيه، عن الباقر عليه السلام قال: قلت: للمتمتع ثواب؟ فقال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافا على ما أنكرها لم يكلمها كلمة إلا كتب الله له بها حسنة ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنبا فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟


(1 و 2) الفقيه في المتعة تحت رقم 20 و 32 وقرب الاسناد ص 21 (3) الوسائل أبواب المتعة ب 2 تحت رقم 10 (4) الوسائل الباب تحت رقم 11 (5) الفقيه في المتعة تحت رقم 18

[ 289 ]

قال: نعم بعدد الشعر ". هذا والأخبار الواردة في كتب أهل السنة أيضا كثيرة منها ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس قال: قال أبو نضرة كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن زبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لنبيه ما يشاء بما يشاء وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج كما أمركم وبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة ". وروى الترمذي في صحيحه عن ابن عمر وقد سأله رجل من أهل الشام عن متعة النساء فقال: حلال، فقال: إن أباك قد نهى عنها؟ فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وآله يترك السنة ويتبع أبي " (1). وروى حافظ أبو نعيم في كتاب الحلية، وأحمد بن حنبل في المسند عن عمران بن خصين في متعة النساء واللفظ له قال: قد انزلت المتعة في كتاب الله وعملناها وفعلنا مع النبي صلى الله عليه وآله ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينهه عنها حتى مات " (2). والأخبار المذكورة في كيفية المتعة ليست ناظرة إلى مدخلية الخصوصيات المذكورة في صحتها والشاهد اختلافها في تلك الخصوصيات وعلى هذا فلا مانع من الأخذ باطلاق الأخبار في ما شك في مدخليته، ثم إنه على ما ذكر من اطلاق الأخبار لو شك في لزوم تعدد الموجب والقابل في المقام أمكن التمسك بالاطلاق وكفاية المغايرة الاعتبارية وقد يتمسك لرفع هذا الشك بإطلاق ولاية الجد للأب على الصبي والصبية من بنيه إذ لا شك في أن له الولاية على تزويج أحدهما الآخر، فلو اشترط تعدد الموجب والقابل لزم عدم ولايته على ذلك وهو مخالف لاطلاق أدلتها المقتضي لجواز تزويجه لهما مباشرة وتصويبا بالتوكيل فإذا ثبت عدم اعتبار التعدد في العقد الصادر عن الولي يثبت عدم اعتباره في الصادر عن غيره بعدم الفصل.


(1) السنن كتاب الحج باب ما جاء في التمتع (2) المسند ج 4 ص 436 وفيه " أمر أبي يتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله "

[ 290 ]

إن قلت: إن الجد إنما تكون له الولاية على العقد المشروع فمع الشك في مشروعية العقد مع وحدة الموجب و القابل كيف يتمسك بعموم أدلة الولاية لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية؟ قلت: تقييده بكونه مشروعا ليس لدليل لفظي بل هو بالاجماع ونحوه من الأدلة اللبية وقد حقق في الأصول جواز التمسك بالعام مع الشك في مصداق المخصص إذا كان المخصص لبيا. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من عدم الفصل ففيه إشكال لأنه قيل بالمنع في ما لو كان التزويج لنفس العاقد، وذكر رواية عمار الساباطي وإن كان الأصحاب لم يعملوا بمضمونه. وأما ما ذكر من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا فيشكل بنحو الاطلاق الا ترى أنه لو قال السيد لعبده: أكرم جيراني. والعبد عالم بأن زيدا لا يجب إكرامه فوجد رجل من الجيران واحتمل أنه زيد فهل يجب إكرامه من جهة كون المخصص لبيا، نعم لا إشكال في أنه إذا شك في وجود المصلحة في فرد من أفراد العام فلا إشكال في أنه يؤخذ بالعام لأن إحراز المصلحة مربوط بالمولى فيؤخذ بالعموم ويستكشف منه المصلحة، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل بل المقام من قبيل التمسك بقاعدة السلطنة لرفع الشك في اعتبار شئ في مثل البيع فمع عدم الإطلاق كيف يمكن. وأما ما حكي عن علم الهدى - قدس سره - من الانعقاد في تزويج الإماء بلفظ الإباحة والتحليل فلم يظهر وجهه لعدم الفرق بين الحرائر والإماء من هذه الجهة، و يمكن أن يكون من جهة أن المستفاد من قوله تعالى " والذينهم لفروجهم حافظون - إلخ " حصر الحلية في الأزواج وما ملكت أيمانهم فلا بد أن يكون الأمة المحللة داخلة في الأزواج فيحصل النكاح المنقطع بصيغة التحليل، وفي التمسك بالعموم أو الاطلاق في أمثال المقام كلام. وأما اشتراط كون الزوجة مسلمة أو كتابية فقد سبق الكلام فيه في النكاح الدائم ومن لم يقل بجواز نكاح الكتابية بنحو الدوام يقول بالجواز في النكاح

[ 291 ]

المنقطع كما سبق عدم جواز نكاح الناصبية بنحو الإطلاق وكذا المشركة. (ويستحب اختيار المؤمنة العفيفة، وأن يسألها عن حالها مع التهمة، و ليس شرطا. ويكره بالزانية وليس شرطا، وأن يستمتع ببكر ليس لها أب فإن فعل فلا يفتضها، وليس محرما، ولا حصر في عددهن). أما استحباب اختيار المؤمنة فيدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة (1) في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: " سأل رجل أبا الحسن الرضا عليه السلام - إلى أن قال: - فقال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مؤمنة أو مسلمة فإن الله عز وجل يقول " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ". وفي رواية الفقيه والتهذيب " إلا بمأمونة " عوض " مؤمنة ". وأما استحباب اختيار العفيفة فلحديث أبي سارة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عنها يعني المتعة، قال لي: حلال ولا تتزوج إلا عفيفة إن الله عزوجل يقول: " الذينهم لفروجهم حافظون " فلا تضع فرجك حيث لا تأمن على درهمك " (2). وأما ما رواه الشيخ عن الحسن بن علي، عن بعض أصحابه يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تمتع بالمؤمنة فتذلها " فقد قال الشيخ إنه يحتمل أن يكون المراد به إذا كانت المرأة من أهل بيت الشرف يلحق أهلها العار ويلحقها الذل ويكون ذلك مكروها انتهى. (3) واما حسن السؤال عن حالها إذا كانت غير مأمونة فيدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة - قدس أسرارهم - عن أبي مريم في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام " أنه سئل عن المتعة فقال: إن المتعة إليوم ليست كما كانت قبل اليوم إنهن كن يومئذ يؤمن


(1) الكافي ج 5 ص 454 والتهذيب ج 2 ص 191 والفقيه باب المتعة ح 5 (2) الكافي ج 5 ص 453 والتهذيب ج 2 ص 187 (3) راجع التهذيب ج 2 ص 187

[ 292 ]

واليوم لا يؤمن فاسألوا عنهن " (1) قال في الوافي: يؤمن إما بكسر الميم من الإيمان بمعنى إيمانهن بحل المتعة وإما بفتحها من الأمانة بمعنى صيانة أنفسهن عن الفجور أو عن الإذاعة إلى المخالفين ويبعد الأول لأنه مع عدم الإيمان بحل المتعة كيف ينعقد العقد معها وظاهره وجوب السؤال وإن لم تكن المرأة بشخصها متهمة. وفي قبال ما ذكر أخبار اخر يستفاد منها عدم لزوم السؤال منها ما روى الكليني - قدس سره - في الصحيح عن ميسر " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ألقى المرأة في الفلات التي ليس فيها أحد، فأقول لها: لك زوج؟ فتقول: لا فأتزوجها قال: نعم هي المصدقة على نفسها " (2). وروى الصدوق باسناده عن يونس بن عبد الرحمن عن الرضا عليه السلام في حديث قال " قلت: المرأة تتزوج متعة وينقضي شرطها ويتزوجها رجل آخر قبل أن تنقضي عدتها؟ قال: وما عليك إنما إثم ذلك عليها " (3). وروى في التهذيب عن فضل مولى محمد بن راشد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت إني تزوجت امرأة متعة فوقع في نفسي أن لها زوجا، ففتشت عن ذلك فوجدت لها زوجا، قال: ولم فتشت " (4). وعن مهران بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قيل له: إن فلانا تزوج امرأة متعة فقيل له: إن لها زوجا فسألها فقال أبو عبد الله عليه السلام: ولم سألها (5) ". وعن محمد بن عبد الله الأشعري قال: " قلت للرضا عليه السلام: الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه أن لها زوجا، فقال: وما عليه أرأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج " (6).


(1) الكافي ج 5 ص 453 والتهذيب ج 2 ص 186 والفقيه باب المتعة تحت رقم 3 (2) الكافي ج 5 ص 462 (3) الفقيه باب المتعة تحت رقم 17 (4 و 5 و 6) التهذيب ج 2 ص 187

[ 293 ]

وفي رساله المتعة للشيخ المفيد على ما نقله في البحار عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام " في المرأة الحسناء ترى في الطريق ولا تعرف أن تكون ذات بعل أو عاهرة؟ فقال: ليس هذا عليك إنما عليك أن تصدقها في نفسها " (1). وعن جعفر بن محمد بن عبيد الأشعري، عن أبيه قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن تزويج المتعة، وقلت أتهمها بأن لها زوجا يحل لي الدخول بها؟ قال عليه السلام: أرأيت إن سألتها البينة على أن ليس لها زوج هل تقدر على ذلك ". فمقتضى الجمع صرف ما دل على وجوب السؤال عن ظاهره فليس السؤال شرطا للصحة كما في المتن. وأما كراهة التمتع بالزانية فيدل عليها رواية محمد بن الفيض (2) وفيها قال عليه السلام " إياكم والكواشف، والدواعي، والبغايا، وذوات الأزواج. فقلت: ما الكواشف؟ قال: اللواتي يكاشفن وبيوتهن معلومة ويؤتين (3) قلت: فالدواعي؟ قال: اللواتي يدعون إلى أنفسهن وقد عرفن بالفساد، قلت: والبغايا؟ قال: المعروفات بالزنا؟ قلت: فذوات الأزواج؟ قال: المطلقات على غير السنة ". وما رواه المشايخ الثلاثة، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: " سأل رجل أبا الحسن الرضا عليه السلام وأنا أسمع عن رجل تزوج المرأة متعة ويشترط عليها أن لا يطلب ولدها فتأتي بعد ذلك بولد فشدد في إنكار الولد، وقال أيجحده إعظاما لذلك، فقال الرجل: فإن اتهمها؟ فقال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مؤمنة أو مسلمة، فإن الله عزوجل يقول " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ". - الحديث " (4).


(1) ورواه الكليني في الكافي ج 5 ص 462. (2) كذا في الكافي ج 5 ص 454 وهكذا في المعاني ص 225 أيضا وفي بعض الكتب " محمد بن العيص " (3) كذا في الوسائل والمعاني وفي التهذيب والاستبصار " ويزنين " (4) تقدم ص 275

[ 294 ]

وظاهر الخبر الأول الحرمة والثاني قابل لها لأنه كثيرا يراد من لا " ينبغي " الحرمة لكن الجمع مع ما رواه الشيخ عن زرارة قال: " سأله عمار وأنا عنده عن الرجل يتزوج الفاجرة متعة؟ قال: لا بأس، وإن كان التزويج الآخر فليحصن بابه " (1). وما عن إسحاق بن جرير قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن عندنا بالكوفة أمرأة معروفة بالفجور هل يحل لي أن أتزوجها متعة؟ فقال: رفعت راية؟ قلت: لا لو رفعت رأية لأخذها السلطان، قال: نعم تزوجها متعة، قال: ثم أصغى إلى بعض مواليه فأسر إليه شيئا، فلقيت مولاه فقلت له: ما قال؟ فقال: إنما قال: ولو رفعت راية ما كان عليه في تزويجها شئ إنما يخرجها من حرام إلى حلال " (2) يقتضي الحمل على الكراهة. وأما كراهة الاستمتاع بالبكر فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر البختري " في الرجل يتزوج البكر متعة يكره للعيب على أهلها " (3). وقول أبي الحسن عليه السلام على المحكي في خبر المهلب الدلال " لا يكون تزويج متعة ببكر " (4) المحمولين على الكراهة المصطلحة من الأخبار المعتبرة الدالة على الجواز، لكن لا تقييد بعدم الأب كما في المتن. وأما كراهة الافتضاض مع تحقق المتعة فللنهي عنه قال الصادق عليه السلام على المحكي في خبر ابن أبي الحلال: " لا بأس أن يتمتع بالبكر ما لم يفض إليها [ مخافة ] كراهية العيب على أهلها " (5). وفي مرسل ابن أبي حمزة عنه عليه السلام أيضا " في البكر يتزوجها الرجل متعة، قال: لا بأس ما لم يفتضها " (6).


(1) التهذيب ج 2 ص 187 والاستبصار ج 3 ص 143 (2) التهذيب ج 2 ص 249 (3) التهذيب ج 2 ص 188 والكافي ج 5 ص 462 (4) التهذيب ج 2 ص 187 والاستبصار ج 3 ص 146 (5) الكافي ج 5 ص 462 (6) الكافي ج 5 ص 463

[ 295 ]

ومرسل أبي سعيد القماط " قلت: لأبي عبد الله عليه السلام جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرا من أبويها أفأفعل ذلك؟ قال: واتق موضع الفرج، قال: قلت: وإن رضيت بذلك؟ قال: وإن رضيت فإنه عار على الأبكار ". (1) وقد حملت هذه الاخبار على الكراهة بقرينة التعليل في بعضها بما يناسب الكراهة ولا يخلو عن الإشكال. وأما عدم الحصر في المتعة فقد سبق الكلام فيه. (ويحرم أن يستمتع أمة على حرة إلا بإذنها وأن يدخل على المرأة بنت أخيها أو بنت أختها ما لم تأذن). قد سبق الكلام في حرمة إدخال الأمة على الحرة بدون الإذن وكذا إدخال بنت الأخ أو بنت الأخت على العمة والخالة، وذكر الأخبار هناك فان كان للأخبار المذكورة إطلاق يشمل النكاح المنقطع تم حرمة استمتاع الأمة على الحرة بغير إذنها وحرمة إدخال بنت الأخ والأخت لكن يشكل إطلاقها فإن المتعة لا يعبر عنها بالتزوج بدون القيد ومن راجع الأخبار يتوجه إلى أن التزوج والنكاح بدون القيد يراد منه النكاح الدائم غالبا، فشمول الأخبار الواردة للنكاح المنقطع مشكل إلا أن يدعى الاجماع في المسألة. (الثالث المهر وذكره شرط، ويكفي فيه المشاهدة، ويتقدر بالتراضي ولو بكف من بر، ولو لم يدخل ووهبها المدة فلها النصف ويرجع بالنصف عليها لو كان دفع المهر وإذا دخل استقر المهر تماما، ولو أخلت بشئ من المدة قاصها، ولو بان فساد العقد فلا مهر إن لم يدخل، ولو دخل فلها ما أخذت وتمنع ما بقي والوجه أنها تستوفيه مع جهالتها ويستعاد منها مع علمها ولو قيل بمهر المثل مع الدخول وجهلها كان حسنا). لا إشكال ولا خلاف في شرطية المهر في هذا النكاح فيبطل العقد بعدم ذكره، و


(1) التهذيب ج 2 ص 187

[ 296 ]

يدل عليه صحيح زرارة عن الصادق عليه السلام ولا تكون متعة إلا بأمرين بأجل مسمى وأجر مسمى ". (1) والمشهور أن المهر إذا كان عينا لزم كونه مملوكا للزوج، فلو كان مملوكا لغيره لم يصح العقد لأن المهر عوض البضع ولابد أن يخرج العوض من ملك من يدخل في ملكه المعوض. واستشكل بأن المتعة ليست من العقود المعاوضية لعدم مساعدة العرف والاعتبار عليه إذ لا يعد البضع مالا عندهم، وقول الصادق عليه السلام على المحكي " إنهن مستأجرات (2) " كقول الباقر عليه السلام على المحكي " إنما هي المستأجرة (3) " إنما هو في مقام التشبيه وتنزيل المتعة منزلة المستأجرة في مجرد أنها تخرج عن عقد الزوج بانقضاء المدة كما تخرج المستأجرة من إجارة المستأجر بانقضائها كيف ولو كان المراد التنزيل في جميع الآثار لزم بطلان العقد لو مات أحدهما في أثناء المدة ورجوع المهر إلى الزوج بالنسبة إلى ما بقي منها. ويمكن أن يقال لم يظهر وجه لكون التنزيل منزلة المستأجرة في مجرد أنها تخرج عن عقد الزوج بانقضاء المدة وفي رواية عبيد بن زرارة عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ذكرت له المتعة أهي من الأربع فقال: تزوج منه ألفا فانهن مستأجرات ". وفي رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " في المتعة ليست من الأربع لأنها لا تطلق ولا ترث وإنما هي مستأجرة ". وفي تفسير العياشي عن عبد السلام عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: ما تقول في المتعة؟ قال: قول الله: " فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة إلى أجل مسمى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، قال: قلت: جعلت فداك


(1) الكافي ج 5 ص 455 (2) كما يأتي في خبر عبيد بن زرارة عن أبيه عنه عليه السلام في الكافي ج 5 ص 452. (3) كما يأتي في خبر محمد بن مسلم عنه عليه السلام في الكافي ج 5 ص 451

[ 297 ]

أهي من الأربع، قال: ليست من الأربع، إنما هي إجارة - الحديث " (1). فإن قلنا بأن الإجارة كالبيع يلزم خروج الأجرة فيها من ملك من يملك المنفعة كما يلزم في البيع خروج الثمن من ملك من يملك المثمن كما هو المشهور، فمقتضى التنزيل في المقام أن يكون المهر الذي يكون بمنزلة الأجر والأجرة، ويؤيد هذا ما دل على أن الزوج له أن ينقص من المهر مع عدم وفاء المرأة. وأما كفاية المشاهدة وما تراضيا به فيدل عليها ما رواه الكليني عن الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المهر ما هو؟ قال: ما تراضى عليه الناس " (2). وعن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " الصداق كل شئ " تراضى الناس عليه قل أو كثر في متعة أو تزويج غير متعة) (3). وعن فضيل بن يسار عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير فهذا الصداق " (4). وعن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عن أدنى مهر المتعة قال: كف من طعام أو دقيق أو سويق أو تمر " (5). وأما استحقاق المرأة النصف مع عدم الدخول وهبة المدة فيدل على ما رواه الشيخ - قدس سره - في الموثق عن سماعة قال: " سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم جعلته في حل من صداقها أيجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئا قال: نعم إذا جعلته في حل فقد قبضته منه وإن خلاها قبل أن يدخل بها ردت المرأة على الرجل نصف الصداق " (6) فانه لولا أن الحكم تنصيف المهر في هذه الصورة لكان الواجب أن لا ترد إليه شيئا أو ترد الجميع كما لا يخفى، وضعف الرواية وإضمارها


(1) التفسير ج 1 ص 234 (2) و (3) و (4) الكافي ج 5 ص 378 (5) الكافي ج 5 ص 457 (6) التهذيب ج 2 ص 220

[ 298 ]

لا يضران للانجبار بعمل الأصحاب، والظاهر كما استظهره جملة من الأصحاب أن هذه الهبة في معنى الإبراء فلا يتوقف على القبول. وأما استحقاقها مع الدخول تمام المهر فالظاهر أنه لا خلاف فيه لاقتضاء العقد وجوب المهر بتمامه واستقراره بالدخول، خرج عن هذه القاعدة ما لو لم تف المراة بالدليل. وأما مقاصتها مع الإخلال بشئ من المدة فيدل عليها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح إلى عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت: أتزوج المرأة شهرا فأحبس عنها شيئا؟ قال: نعم خذ منها بقدر ما تخلفك إن كانت نصف شهر فالنصف، و إن كان ثلثا فالثلث " (1). وعن إسحاق بن عمار في الموثق قال: " قلت لأبي الحسن عليه السلام: الرجل تزوج المرأة متعة تشترط له أن تأتيه كل يوم حتى توفيه شرطه أو تشترط أياما معلومة تأتيه فيها فتغدر به فلا تأتيه على ما شرطه عليها فهل يصلح أن يحاسبها على ما لم تأته من الأيام فيحبس عنها من مهرها بحساب ذلك؟ قال: نعم ينظر ما قطعت من الشرط فيحبس عنها من مهرها بمقدار ما لم تف له ما خلا أيام الطمث فإنها لها فلا يكون له إلا ما احل له من فرجها " (2). وأما لو بان فساد العقد فمع عدم الدخول لا إشكال في عدم استحقاقها شيئا لعدم سبب الاستحقاق، ومع الدخول فمع كون المرأة عالمة تكون زانية، ومقتضى القاعدة المسلمة بين الفقهاء عدم استحقاقها شيئا لأنه لا مهر لبغي، ومع الجهل يحكمون باستحقاقها من جهة استحلال الفرج. ويدل على ما ذكر ما رواه في الكافي عن علي بن أحمد بن أشيم قال: " كتب إليه الريان بن شبيب " يعني أبا الحسن عليه السلام " الرجل يتزوج المرأة متعة بمهر إلى أجل


(1) الكافي ج 5 ص 461. والتهذيب ج 2 ص 189 (2) الكافي ج 5 ص 461

[ 299 ]

معلوم وأعطاها بعض مهرها وأخرته بالباقي، ثم دخل بها وعلم بعد دخوله بها قبل أن يوفيها باقي مهرها أنها زوجته نفسها ولها زوج مقيم معها، أيجوز له حبس باقي مهرها أم لا يجوز؟ فكتب لا يعطيها شيئا لانها عصت الله تعالى " (1). وروى في التهذيب في الحسن عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا بقي عليه شئ وعلم أن لها زوجا فما أخذته فلها بما استحل من فرجها ويحبس عنها ما بقي عنده " (2). ولا يخفى الاشكال فيه من جهة أنه مع جهلها ومعذوريتها تستحق المهر من جهة استحلال الفرج المسمى أو مهر المثل لا خصوص ما أخذت ومع عدم معذوريتها تكون بغيا ولا مهر لها. ثم إن الجهل الذي يستحق المرأة معه المهر من جهة استحلال فرجها لا بد أن يكون جهلا تكون معه معذورة، أما الجهل الذي لا تكون معه معذورة فمقتضى القاعدة عدم استحقاق المهر حيث إن الحكم بعدم الاستحقاق علل بعصيانها والمرأة ليست معذورة بل تكون عاصية به والمهر الذي تستحقه هل هو المسمى في العقد الفاسد أو مهر أمثالها، وعلى الثاني هل هو مهر أمثالها في النكاح الدائم أو النكاح المنقطع؟ قد يستظهر المسمى من جهة لام العهد في أخبار تزويج في عدتها جاهلا. فمنها قوله عليه السلام على المحكي: " وإن كان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها " بعد تعميم الحكم من جهة العلة المنصوصة ويبعد من جهة أن المناسب للعلة أصل المهر لا المهر المسمى في العقد الفاسد والقدر المتيقن في مهر المثل مهر المثل في النكاح المنقطع. (الرابع الأجل وهو شرط في العقد ويتقدر بتراضيهما كاليوم والسنة و الشهر، ولابد من تعيينه ولا يصح ذكر المرة والمرات مجردة عن زمان مقدر وفيه رواية بالجواز فيها ضعف).


(1) الكافي ج 5 ص 462 (2) التهذيب ج 2 ص 189 والكافي ج 5 ص 461

[ 300 ]

أما اشتراط الأجل فيدل عليه صحيح زرارة المذكورة في اعتبار المهر وما رواه في التهذيب عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتعة، فقال: مهر معلوم إلى أجل معلوم " (1). أما التحديد بالمرة والمرتين مجردة عن زمان مقدر فيدل عليه ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة قال: قلت له: هل يجوز أن يتمتع من المرأة ساعة أو ساعتين فقال: الساعة والساعتان لا يوقف على حدهما، ولكن العرد والعردين واليوم واليومين والليلة وأشباه ذلك، وقد فسر العرد بالمرة، وما رواه الكافي عن خلف بن حماد قال: " أرسلت إلى أبي الحسن عليه السلام كم أدنى أجل المتعة؟ هل يجوز أن يتمتع الرجل بشرط مرة واحدة؟ قال: نعم " (2). وما رواه أيضا عن القاسم بن محمد عن رجل سماه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتزوج المرأة على عرد واحد؟ قال: لا بأس ولكن إذا فرغ فليحول وجهه و لا ينظر " (3). ولا يخفى مع دلالة الموثق على كفاية ما ذكر يقوى الكفاية لكن الظاهر أن المشهور لم يعملوا به. (وأما الأحكام فمسائل: الأولى الإخلال بذكر المهر مع ذكر الأجل يبطل العقد، وذكر المهر من دون الأجل يقلبه دائما. الثانية لا حكم للشروط قبل العقد ويلزم لو ذكرت فيه الثالثه يجوز اشتراط إتيانها ليلا أو نهارا وألا يطأها في الفرج و لو رضيت به بعد العقد جاز والعزل من دون إذنها، ويلحق الولد وإن عزل لكن لو نفاه لم يحتج إلى اللعان). بعد ما كان ذكر المهر ركنا في المتعة فمع الاخلال به مع ذكر الأجل يبطل العقد لأنه مع ذكر الأجل لا يصلح للدوام ومع عدم ذكر المهر لا يصلح للانقطاع، و


(1) المصدر ج 2 ص 189 (2) الكافي ج 5 ص 460 (3) التهذيب ج 2 ص 190 والكافي ج 5 ص 460

[ 301 ]

مع ذكر المهر بدون ذكر الأجل فهل يبطل العقد مطلقا أو ينقلب دائما كذلك أو يفصل بين ما إذا كان مقصودا له فيبطل وما لم يكن مقصودا أيضا فينقلب أو يفصل بين ما إذا كان بلفظ " متعت " فيبطل وما إذا كان بغير لفظه فينقلب وجوه بل أقوال: قد يقال أقويها بحسب القاعدة الرابع وبحسب الأدلة الخاصة الثاني. أما وجه أقوائية الرابع فلانه إذا كان بلفظ " متعت " فحيث إن لفظه يكون بحسب اصطلاح المتشرعة متضمنا لزمان ما لكونه موضوعا عندهم تعيينا أو تعينا بخصوص النكاح المنقطع فلا يمكن أن ينقلب إلى الدائم لا لأجل أن تضمنه لزمان ما مناف لقصد الدوام كى يمنع عن اعتبار قصده في صحة الدائم بل لأجل أن عدم لحاظ الزمان رأسا له دخل في أصل قوام ذات الدائم، ولا يمكن أن ينعقد متعة لعدم تعيين الأجل، وهذا بخلاف ما إذا كان بغير لفظ " متعت " فإنه ينعقد دائما على ما هو الحق من كون التقابل بين المطلق والمقيد هو تقابل العدم والملكة وأن الإطلاق عبارة عن عدم التقييد في محل قابل له ثبوتا وإثباتا فإن من مقدمات الحكمة التي ينعقد بها الإطلاق هو عدم ذكر القيد مع كون المتكلم في مقام بيان المراد لأن مع ذكره له مع كونه في هذا المقام يكشف عن عدم دخل خصوصية في موضوع حكمه أو متعلقه وإلا لأخل بغرضه. وأما كون الثاني (أعني الانقلاب دائما مطلقا) أقوى بحسب الأدلة الخاصة فللتصريح به في النصوص ففي خبر أبان بن تغلب قال: " قلت: لأبي عبد الله عليه السلام كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال عليه السلام: تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله لا وارثة ولا موروثة كذا وكذا يوما - إلى أن قال -: قلت: له فإني أستحيي أن أذكر شرط الأيام؟ قال عليه السلام: هو أضر عليك، قلت: وكيف؟ قال عليه السلام: إنك إذا لم تشترط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة في العدة وكانت وارثة لم تقدر على أن تطلقها إلا طلاق السنة " (1).


(1) الكافي ج 5 ص 460

[ 302 ]

وفي خبر هشام بن سالم قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أتزوج المرأة متعة مرة مبهمة فقال عليه السلام: ذاك أشد عليك، ترثها وترثك، ولا يجوز لك أن تطلقها إلا على طهر وشاهدين، قلت: وأصلحك الله فكيف أتزوجها؟ قال عليه السلام أياما معدودة بشئ مسمى - الخبر " (1). وفي رواية ابن أبي عمير، عن ابن بكير في الموثق قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام في حديث: إن سمي الأجل فهو متعة وإن لم يسم الأجل فهو نكاح بات " (2). ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من أنه إذا كان بلفظ " متعت الخ ". فلفظ المتعة ظاهر فيما ذكر لكن لا نسلم هذا الظهور في لفظ " متعت " ألا ترى الفرق بين لفظ باع فلان في مقام الإخبار وبين لفظ بعت في مقام الإنشاء فإن الأول ظاهر في البيع الملحوق بالقبول مع اجتماع شرائط الصحة بخلاف الثاني فإنه إنشاء من قبل البايع يحتاج إلى القبول، وتحقق الشرائط، وقد ذكر المصنف - قدس سره - في صيغ النكاح الدائم " متعتك ". وأما ما ذكر من أنه إذا كان بغير لفظ " متعت الخ " فيشكل من جهة أن لازم ما ذكر عدم الحاجه في الاطلاق إلى كون المتكلم في مقام البيان حيث إنه مع عدم ذكر القيد يكون المذكور مطلقا قهرا وليس كذلك فإن مادة أنكحت أو زوجت موضوعة للمعنى القابل للإطلاق والتقييد فمع التقييد لا إشكال ومع عدم التقييد إن كان المتكلم في مقام البيان يحمل على الإطلاق وإلا فلا، فمع عدم قصد الدوام كيف ينقلب بالدوام من جهة عدم ذكر القيد. وأما الأخبار المذكورة فالموثقة لا ظهور لها في الانقلاب كما لا يخفى والخبران فمع اعتماد الفقهاء القائلين بالانقلاب عليهما لا إشكال ومع الشك يشكل الأخذ بمضمونهما، وأما ما ذكر من أنه لا حكم للشروط قبل العقد ويلزم ما ذكر فيه فبعد الفراغ عن صحة الاشتراط في العقد بما لا يخالف الكتاب والسنة يقع الكلام في أنه


(1) التهذيب ج 2 ص 180 والكافي ج 5 ص 460

[ 303 ]

لابد من كونه في أثناء العقد أو يصح وإن كان قبل العقد والمحكي عن الشيخ في النهاية أن كل شرط يشترط الرجل على المرأة إنما يكون له تأثير بعد ذكر العقد فإن ذكر الشروط وذكر بعدها العقد كان الشروط التى قدم ذكرها باطلة لا تأثير لها، فإن كررها بعد العقد ثبت على ما ثبت. وأنكر ابن إدريس (1) وخص اللزوم بما اشتمل عليه العقد. والظاهر أن عليه كافة المتأخرين. والأخبار التي ذكرت في المقام منها ما رواه في الكافي والتهذيب عن محمد بن مسلم في الموثق قال: " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: في الرجل يتزوج المرأة متعة أنهما يتوارثان ما لم يشترطا وإنما الشرط بعد النكاح " (2). وعن ابن بكير في الموثق أو الحسن قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح وما كان بعد النكاح فهو جائز - الحديث (3) ". وما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل " ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " قال: ما كان بعد النكاح فهو جائز وما كان قبل النكاح فلا يجوز إلا برضاها وبشئ يعطيها فترضى به " (4). وعن ابن بكير في الموثق قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا اشترطت على المرأة شروط المتعة فرضيت به وأوجبت التزويج فاردد عليها شرطك الأول بعد النكاح فإن أجازته فقد جاز وإن لم تجزه فلا يجوز عليها ما كان من الشرط قبل النكاح (5) ". وقال الرضا عليه السلام في المحكي في كتاب الفقه الرضوي بعد أن ذكر أن وجوه النكاح الذي أمر الله عزوجل بها أربعة أوجه - إلى أن قال: والوجه الثاني نكاح بغير شهود ولا ميراث وهو نكاح المتعة بشروطها وهي أن تسئل المرأة فارغة هي أم


(1) الكافي ج 5 ص 455 (2) التهذيب ج 2 ص 191. والاستبصار ج 3 ص 151 (3) الكافي ج 5 ص 456 والتهذيب ج 2 ص 189

[ 304 ]

مشغولة بزوج أو بعدة أو بحمل، وإذا كانت خالية من ذلك قال لها: تمتعي نفسك على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله نكاح غير سفاح بكذا وكذا - وبين المهر والأجل - على أن لا ترثني ولا أرثك، وعلى أن الماء أضعه حيث أشاء، وعلى أن الأجل إذا انقضى كان عليك عدة خمسة وأربعين يوما، وإذا انعمت قلت لها: قد متعتني نفسك وتعيد جميع الشروط عليها لأن القول الأول خطبة وكل شرط قبل النكاح فاسد وإنما ينعقد الأمر بالقول الثاني فإذا قالت في الثاني نعم ادفع إليها المهر أو ما حضر منه وكان ما بقي دينا عليك وقد حل لك وطيها انتهى ". ويمكن أن يقال: إن كان نظر القائلين بعدم صحة ما كان من الشروط قبل العقد ما يلتزم الزوج أو الزوجة قبل العقد بدون أن يكون مربوطا بالعقد الواقع فلا إشكال لأن الالزام والالتزام بدون أن يكونا في ضمن العقد إما لا يصدق عليهما الشرط كما ذكر في كتاب المكاسب وعلى تقدير الصدق ادعي الاجماع على عدم لزوم الوفاء به خلافا لبعض الأكابر، وعلى تقدير القول بوجوب الوفاء في سائر الموارد لا مجال للقول به في المقام للأخبار المذكورة. وإن كان نظر القائلين بعدم الصحة إلى لزوم ذكر الشرط في ضمن العقد وعدم الصحة مع كون بناء العقد عليه وكون الشرط بمنزلة الجزء المحذوف كحذف المبتداء في جواب " كيف زيد "، فالقول بعدم الصحه مشكل لعموم " المؤمنون عند شروطهم " ولم يظهر شمول الأخبار المذكورة لهذه الصورة، والقيود المذكورة في الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام غير لازمة على فرض صحة النسبة إليه عليه السلام للأخبار الأخر الغير المتعرضة لهذه الأمور. وأما جواز اشتراط ما ذكر في المتن فيدل عليه عموم " المؤمنون عند شروطهم " وقد سأل عمار بن مروان الصادق عليه السلام (عن امرأة تزوجت نفسها من رجل على أن


(1) السرائر ص 483. (2 و 3 و 4) الكافي ج 5 ص 446. والتهذيب ج 2 ص 189. (5) الكافي ج 5 ص 457 والتهذيب ج 2 ص 190.

[ 305 ]

يلتمس منها ما شاء إلا الدخول فقال: لا بأس ليس له إلا ما اشترط " (1). وفي خبر إسحاق بن عمار قال للصادق عليه السلام: " رجل تزوج بجارية على أن لا يفتضها، ثم أذنت له بعد ذلك فقال: إذا أذنت له فلا بأس " (2). والظاهر اتفاق الفقهاء على جواز العزل ولو مع عدم إذن المرأة ويدل عليه قوله عليه السلام على المحكي في مرسلة ابن أبي عمير " الماء ماء الرجل يضعه حيث يشاء إلا أنه إذا جاء ولد لم ينكره، وشدد في إنكار الولد " (3). ورواية محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العزل، فقال: ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء " (4). ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العزل فقال: ذاك إلى الرجل (5) " إلى غير ذلك من الأخبار فما دل على النهي محمول على الكراهة جمعا مع هذه الأخبار. وأما لحوق الولد حتى مع العزل فالظاهر عدم الخلاف فيه وذلك لاحتمال سبق المني من غير تنبه وشعور أو جذب رحمها إياه مع صبه على فم الفرج ويدل عليه مرسلة ابن أبي عمير المذكورة حيث إنه يظهر منها أنه ليس له الانكار مع أن الإنكار كثيرا يكون من جهة العزل، ولا يخفى أنه لابد أن يكون مع العزل احتمال قابل للتوجه عند العقلاء، وإلا فمع عدم احتمال كون الولد من مائه كيف يحكم بكون الولد له، والمشهور أنه مع هذا لو نفى الولد عن نفسه واحتمل صدقه انتفى عنه ظاهرا


الرقم في الكراسة السابقة مكرر ولكن المطلب متصل. (1) الكافي ج 5 ص 467 والتهذيب ج 2 ص 191 بنحو أبسط. (2) الفقيه باب المتعة تحت رقم 30. (3) الكافي ج 5 ص 464 والتهذيب ج 2 ص 191. (4) الكافي ج 5 ص 504. (5) الكافي ج 5 ص 504.

[ 306 ]

وإن كان لم يعزل فضلا عما إذا عزل ولا يفتقر انتفاؤه عنه إلى اللعان وادعي الاجماع عليه مضافا إلى النصوص كقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان: " لا يلا عن الحر الأمة ولا الذمية ولا التي يتمتع بها " (1). وفي صحيح ابن أبي يعفور " لا يلا عن الرجل المرأة التي يتمتع بها " (2). ولا يخفى عدم دلالة النصوص الدالة على عدم اللعان على انتفاء الولد بالنفي، وقد يقال في رفع ما ذكر: إن اللازم من عدم انتفاء الولد بنفيه في المتمتع بها هو كونها أتم وأعلى فراشا من الدائمة التي ينتفي الولد عنه بنفيه مع اللعان مع معلومية كونها أنقص وأدون فراشا منها كما يؤمي إليه عطف المتمتع بها بالأمة والذمية في صحيح ابن سنان الكاشف عن كونها في عرضهما فلابد أن يكون المراد من عدم لعانها في النصوص هو عدم احتياج انتفاء الولد بنفيه إلى لعانها وإن هذه النصوص ناظرة إلى الأدلة الدالة على احتياج انتفاء الولد عنه بنفيه في الدائمة إلى اللعان فتكون دالة على أن اللعان الذي كان محتاجا إليه في انتفاء الولد في الدائمة ليس محتاجا إليه في انتفائه في المنقطعة، وان الظاهر من نفي اللعان كنفي الضرر هو نفي آثاره وأحكامه التي منها اشتراطه في انتفاء الولد بنفيه كما أن منها اشتراطه في دفع الحد عن القاذف لامرأته. ويمكن أن يقال: ما ذكر أولا من لزوم كون المتمتع بها أتم من الدائمة التي ينتفي الولد مع لعانها تقريب لا مجال له في مقام الاستدلال في الأمور الشرعية كما أنه يشكل الاستدلال بما دل على نفي اللعان دفع الحد عن القاذف فإن اللعان يدفع الحد ومع عدمه مقتضى العمومات ثبوت الحد على الزوج القاذف. وأما انتفاء الولد بنفيه بدون اللعان فإن تم الإجماع فلا كلام وإلا فاستفادته مما ذكر مشكل وقد قيد الحكم بانتفاء الولد بنفيه بدون اللعان بما إذا لم يعلم اثمه فيه بصدور النفى منه مع احتمال


(1) التهذيب ج 2 ص 299. (2) الكافي ج 6 ص 166.

[ 307 ]

كون الولد منه، وإلا لم يقيد بنفيه ويكون نفيه لغوا لا أنه آثم بالنفي وبنفيه ينتفي انتساب الولد إليه. (الرابعة لا يقع بالمتعة طلاق إجماعا ولا لعان على الأظهر ويقع الظهار على تردد. الخامسة لا يثبت بالمتعة ميراث بين الزوجين، وقال المرتضى يثبت ما لم يشترط السقوط، نعم لو شرط الميراث لزم. السادسة إذا انقضى أجلها فالعدة حيضتان على الأشهر وإن كانت ممن تحيض ولا تحيض فخمسة وأربعون يوما، ولو مات عنها ففي العدة روايتان أشبههما أربعة أشهر وعشرة أيام. السابعة لا يصح تجديد العقد قبل انقضاء الأجل ولو أراده وهبها ما بقي من المدة واستأنف). أما عدم وقوع الطلاق بالمتعة فلا خلاف فيه نصا وفتوى، ويدل عليه ما رواه الكليني بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام " في المتعة ليست من الأربع لأنها لا تطلق ولا ترث وإنما هي مستأجرة " (1). وأما عدم اللعان فيدل عليه صحيح ابن سنان وصحيح ابن أبي يعفور المتقدمان وهل يقع الظهار ويرتب عليه أحكامه من تحريم الوطي قبل الكفارة ولزوم كفارتين لو وطئها قبلها ومن إلزام المظاهر بعد انقضاء ثلاثة أشهر من حين رفع المظاهرة أمرها إلى الحاكم على اختيار أحد الأمرين من الرجوع قد يقع التردد فيه، وجهه إطلاق النساء في قوله تعالى " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة مؤمنة " مع أن من الأحكام الزام المظاهر بالرجوع بالوطي أو الطلاق وليس للمتمتع بها حق في الوطي ولا يقع بها طلاق، هذا مضافا إلى مرسل ابن فضال عن الصادق عليه السلام " لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق " (2) فتدبر. ويمكن أن يقال: ما ذكر من أن المتمتع بها ليس لها حق في الوطي قابل للمنع فإن ما دل على وجوب الوطي بعد مضي أربعة أشهر بإطلاقه يشمل المتمتع بها.


(1) الكافي ج 5 ص 451 (2) الكافي ج 6 ص 154

[ 308 ]

وأما مرسل ابن فضال لعله يؤيد ثبوت الظهار حيث إنه مع انحصار الظهار بالنكاح الدائم لا يقال " مثل موضع الطلاق " بل يقال " موضع الطلاق " ولعل التعبير لإخراج الجارية المملوكة. وثانيا نقول: لا مانع من الأخذ بإطلاق الآية الشريفة وشمول الظهار لها واختصاص بعض أحكام الظهار بالدائمة. وأما ثبوت الميراث بالمتعة ففيه أقوال: الأول أنها كالدائم فيثبت به الميراث بينهما مطلقا شرطا سقوطه في العقد أم لا. الثاني أنه لا يثبت به الميراث بينهما مطلقا شرطا سقوطه أم لا، الثالث أنه يثبت الميراث إلا فيما شرطا سقوطه. الرابع أنه لا يثبت إلا فيما شرطا ثبوثه. واستدل للقول الأول بأن المتمتع بها تصدق عليها الزوجة فترث كغيرها، ولا يصح اشتراط السقوط كغيرها من الورثة. وفيه أن المراد من الزوجة في آية الإرث غيرها بقرينة النصوص كخبر أبان ابن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام حيث إنه بعد أن قال أبان " إنى أستحي أن أذكر شرط الأيام، قال عليه السلام على المحكي: " هو أضر عليك لأنك إن لم تشترط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة في العدة وكانت وارثة " (1). وخبر عبد الله بن عمرو قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتعة فقال: حلال لك من الله ورسوله صلى الله عليه وآله، قلت: فما حدها قال: من حدودها أن لا ترثها ولا ترثك " (2). وصحيح عمر بن حنظلة قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شروط المتعة، فقال عليه السلام: يشارطها على ما شاء من العطية ويشترط الولد إن أراد وليس بينهما ميراث " (3). واستدل للقول الثاني بأن آية الإرث قد دلت بضميمة النصوص المزبورة وغيرها


(1) الكافي ج 5 ص 455 (2) الاستبصار ج 3 ص 150 والتهذيب ج 2 ص 190. (3) التهذيب ج 2 ص 191 والاستبصار ج 3 ص 153.

[ 309 ]

على اختصاص التوارث بالدائمة فشرط الميراث للمنقطعة مخالف للكتاب والسنة، فلا يكون نافذا. واجيب بأن مدل على عدم نفوذ الشرط المخالف ليس من العمومات الغير القابلة للتخصيص ضرورة أن المراد من كون الشرط مخالفا للكتاب والسنة ليس مخالفة للمراد الواقعي منهما لكيلا يكون قابلا للتخصيص بل المراد مخالفة لظاهرهما من عمومهما وإطلاقهما وحينئذ فإذا قام دليل خاص على نفوذ اشتراط الميراث للمنقطعة نأخذ به ونخصص به عموم ما دل على عدم نفوذ الشرط المخالف للكتاب والسنة بل على ما حققناه في محله من أن الخطابات الشرعية المتعلقة بالعناوين الكلية إنما تكون متعلقة بها باعتبار مصاديقها الواقعية لا ما يراه العرف مصداقا لها وإنما ألقى الشارع تلك الخطابات إليهم من دون نصب قرينة تدلهم على موارد خطابهم من أجل كون نظرهم طريقا نوعيا إلى تشخيص تلك المصاديق يكون خروج نفوذ اشتراط الميراث للمنقطعة عن عموم ما دل على عدم نفوذ الشرط المخالف من باب التخصص ضرورة كشف ما دل على نفوذ اشتراطه لها من الأدلة الخاصة عن عدم تحقق الموضوع وهو المخالفة حقيقة وإن كان متحققا بنظر العرف. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر " من أن المراد من كون الشرط مخالفا - إلخ ". فلم يظهر وجهه إلا أن يقال: إن الكتاب والسنة ليسا إلا الحاكيين عن الواقع لكن يظهر من بعض الأخبار خلافه كالمروي موثقا عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام " من شرط لامرأته شرطا فليف بها فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (1) والمروي في طريق العامة قوله صلى الله عليه وآله في حكاية بريرة لما اشتراها عائشة وشرط مواليها عليها ولائها: " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ فما كان من شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل. قضاء الله أحق وشرط الله أوثق إنما الولاء لمن أعتق " (2) ألا ترى ما ورد في باب تعارض الخبرين من طرح الخبر المخالف بنحو


(1) التهذيب ج 2 ص 244 (2) أخرجه بتمامه النسائي في السنن ج 7 ص 269

[ 310 ]

لا يقبل التخصيص، والظاهر أن ما ذكر من " أن الخطابات الشرعية - إلخ " لا يجتمع مع ما ذكر أولا. ثم نقول تارة بكون عدم التوارث في النكاح المنقطع من جهة عدم الاقتضاء فلا مانع من الاشتراط، واخرى من جهة اقتضاء العدم فمثله كيف يصح اشتراطه حسب القاعدة؟ وإن دل دليل على صحة الشرط يقع التعارض، فالأخبار الواردة في المقام منها خبر عبد الله بن عمرو وصحيح عمر بن حنظلة المذكورتين، ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن أبي بصير قال: " لابد فيه أن يقول فيه هذه الشروط: أتزوجك متعة كذا وكذا يوما، بكذا وكذا درهما، نكاحا غير سفاح على كتاب الله وسنة نبيه، وعلى أن لا ترثني ولا أرثك، وعلى أن تعتدي خمسة وأربعين يوما، و قال بعضهم حيضة " (1). ومنها ما عن أبان بن تغلب قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله لا وارثة ولا موروثة - الحديث " (2). وفي الأول جعل من حدودها أن لا ترثها ولا ترثك، وفي الثاني بعد ما سئل من الشروط قال عليه السلام على المحكي " يشارطها على ما شاء " وفي آخره " وليس بينهما ميراث " ربما يظهر منه أن شرط الميراث ليس من الشروط الصحيحة فمع عدم الاشكال في سند الأول وتمامية الاستظهار في الثاني والاستظهار من خبر أبي بصير وخبر أبان المذكورين يقع التعارض بينهما وبين ما دل على جواز الاشتراط كما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح أو الحسن عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " تزويج المتعة نكاح بميراث ونكاح بغير ميراث، فإن اشترطت كان، وإن لم تشترط لم يكن " (3). وما رواه الشيخ - قدس سره - في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: " سألت


(1) الكافي ج 6 ص 455، والتهذيب ج 2 ص 189. (2) الكافي ج 5 ص 455، والتهذيب ج 2 ص 190. (3) الكافي ج 5 ص 465،

[ 311 ]

أبا عبد الله عليه السلام كم المهر يعني في المتعة؟ فقال: ما تراضيا عليه - إلى أن قال: - وإن اشترطا الميراث فهما على شرطهما " (1). واستدل للقول الثالث مضافا إلى أنه مقتضى الجمع بين عموم آيه الإرث وبين ما دل على لزوم الشرط من قوله صلى الله عليه واله " المؤمنون عند شروطهم " وغيره بخصوص موثق ابن مسلم " في الرجل تزوج المرأة متعة أنهما يتوارثان إذا لم يشترطا " (2). واجيب بأن الاستدلال بعموم آية الإرث قد عرفت ما فيه في الاستدلال على القول الأول وأما الاستدلال بالموثق المذكور فلا مجال للاخذ بظاهره من ثبوت التوارث فيما إذا لم يشترطا التوارث فيدور الأمر بين حمله على ما إذا لم يشرطا عدم التوارث وبين حمله على ما إذا لم يشرطا الأجل، فيدل على أنه مع عدم اشتراط الأجل ينقلب دائما فيتوارثان ولا مرجح للحمل على الأول فيكون مجملا. واستدل للقول الرابع بأخبار خاصة كصحيح محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام في حديث " وإن اشترطا الميراث فهما على شرطهما ". وصحيح البزنطي، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " تزويج المتعة نكاح بميراث ونكاح بغير ميراث، فإن اشترطت الميراث كان وإن لم تشترط لم تكن " (3) وقد يقوى هذا القول وقد سبق الاشكال من جهة المعارضة مضافا إلى المعارضة مع صحيح سعيد بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يتزوج المرأة متعة ولم يشترط الميراث، قال عليه السلام: ليس بينهما ميراث اشترطا أو لم يشترطا " (4). وحمل هذا الصحيح على أن ليس بينهما ميراث سواء اشتراطا عدم الميراث أو لم يشترطا بقرينة قوله عليه السلام " ليس بينهما) بعيد لا يصار إليه فلابد من الترجيح أو التخيير.


(1) التهذيب ج 2 ص 190 والاستبصار ج 3 ص 149 (2) الكافي ج 5 ص 457 والتهذيب ج 2 ص 190 (3) الكافي ج 5 ص 465. (4) التهذيب ج 2 ص 190 والاستبصار ج 3 ص 150

[ 312 ]

وإذا انقضى مدة المتمتع بها بعد الدخول أو وهبت فهل عدتها حيضتان أو طهران أو حيضة وطهر أو حيضة واحدة فيه أقوال منشأها اختلاف الأخبار منها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن، عن إسماعيل بن الفضل قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتعة، قال: الق عبد الملك بن جريج فسله عنها فإن عنده فيها علما فلقيته فأملى علي شيئا كثيرا في استحلالها فكان فيما روى ابن جريج قال: ليس فيها وقت ولا عدد إنما هن بمنزلة الإماء يتزوج منهن كم شاء وصاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء بغير ولي ولا شهود فإذا انقضى الأجل بأنت منه بغير طلاق ويعطيها الشئ اليسير، وعدتها حيضتان وإن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون يوما، فأتيت بالكتاب أبا عبد الله عليه السلام فعرضته عليه فقال صدق وأقر به، قال ابن اذينة: وكان زرارة بن أعين يقول هذا ويحلف أنه الحق إلا أنه كان يقول: إن كانت تحيض فحيضة، وإن كانت لا تحيض فشهر ونصف " (1). ويدل على ذلك أيضا ما رواه العياشي في تفسيره، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليهما السلام في المتعة - إلى أن قال: - " ولا تحل لغيرك حتى تنقضي عدتها، وعدتها حيضتان " (2). ومنها ما رواه الحسين بن سعيد في كتابه على ما نقله في كتاب البحار عن النضر عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن المتعة، فقال: نزلت في القرآن - إلى أن قال: - فلا تحل لغيرك حتى تنقضي لها عدتها وعدتها حيضتان ". ومنها رواية محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ". وروى زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السلام " إن على المتعة ما على الأمة ".


(1) الكافي ج 5 ص 451 (2) التفسير ج 1 ص 233

[ 313 ]

ومنها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن اذينة، عن زراره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " عدة المتعة إن كانت تحيض فحيضة وإن كانت لا تحيض فشهر ونصف (1) ". ومنها ما في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام أنه كتب إليه " في رجل تزوج امرأة بشئ معلوم إلى وقت معلوم فبقي له عليها وقت فجعلها في حل مما بقي له عليها، وقد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حل من أيامها بثلاثة أيام، أيجوز أن يزوجها رجل آخر بشئ معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه الحيضة، أو يستقبل بها حيضة اخرى، فأجاب عليه السلام يستقبل بها حيضة غير تلك الحيضة لأن أقل العدة حيضة وطهرة تامة " وفي بعض النسخ " وطهارة " (2). وقد يقال: إنه يمكن الجمع بين الأخبار بملاحظة هذه الرواية حيث إنها دالة على أن المعتبر في العدة هو الحيضة والطهر التامان، أما دلالتها على اعتبار الطهر التمام فللتوصيف بقوله عليه السلام " تامة ". وأما دلالتها على اعتبار الحيضة التامة فمن جهة قوله يستقبل بها حيضة فإنه لو كانت الحيضة الناقصة كافية في العدة لم يكن وجه لقوله عليه السلام " يستقبل بها حيضة " بعد فرض الراوي وقوع هبة مدتها في أثناء حيضتها كما لا يخفى، ومن المعلوم أن الحيضة والطهر التامين لا ينفكان غالبا من الطهرين أو الحيضتين إذ وقوع الهبة لمدتها أو انقضائها مقارنة للآن المتصل بزمان حيضها أو للآن المتصل بزمان طهرها في غاية الندرة بل انقضاء مدتها أو هبتها يكون غالبا، أما في أثناء حيضها أو أثناء طهرها فإن كان في أثناء حيضها فيقع الطهر التام من عدتها بين الحيضتين إحداهما الحيضة التي وهبت مدتها فيها والأخرى الحيضة التامة التي تكون من عدتها وإن كان في أثناء طهرها فيقع الحيضة التامة من عدتها بين الطهرين أحدهما


(1) المصدر ج 5 ص 458 (2) الوسائل باب 22 من أبواب المتعة تحت رقم 6.

[ 314 ]

الطهر الذي وهبت مدتها فيه والآخر الطهر التام الذي يكون من عدتها، وحينئذ فيمكن حمل ما دل على اعتبار الطهرين أو اعتبار الحيضتين على ما هو الغالب من عدم انفكاك الحيضة التامة عن الطهرين، وعدم انفكاك الطهر من الحيضتين. ويمكن أن يقال: ظاهر السؤال أن السائل كان كفاية الحيضة مفروغا عنها عنده والترديد كان في كفاية الحيضة الناقصة وكان الإمام عليه الصلاة والسلام قرره في معتقده وأجاب بلزوم استقبال حيضة اخرى، ومن التعليل يستفاد على هذا لزم الحيضة أو الطهر، ولولا هذا كان التعليل غير ظاهر، نعم لولا هذه الجهة كان الكلام ظاهرا في لزوم المجموع، وثانيا لا مجال لهذا الجمع لأن الظاهر من هذا الخبر على التقريب المذكور كون العدة محدودة يتحقق حيضة تامة وطهر تام، والملازمة الغالبة بينهما والطهرين أو الحيضتين لا يجعل كلا منهما حدا مضافا إلى أنه لا يجتمع مع التحديد بالحيضة الواحدة فالتعارض باق فلابد من الترجيح أو التخيير الأصولي هذا في صورة كون المرأة ذات إقراء، وأما إذا كانت لا تحيض ولم يكن يائسة فخمس وأربعون كما في بعض الاخبار أو شهر ونصف كما في بعضها. وأما عدة الوفاة لو مات الزوج في أثناء المدة ولو مع عدم الدخول فالمشهور أنها أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملا، وذهب جماعة إلى أنها شهران و خمسة أيام، واستدل المشهور بعموم قوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - الآية " لصدق الزوجة على المتمتع بها. والنصوص الكثيرة منها صحيحة ابن حجاج عن الصادق عليه السلام " سأله عن المرأة يتزوجها الرجل متعة ثم يتوفى عنها هل عليها العدة؟ قال عليه السلام: تعتد أربعة أشهر وعشرا " (1). ومنها صحيحة زرارة قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام ما عدة المتعة إذا مات عنها الذي تمتع بها؟ قال عليه السلام: أربعة أشهر وعشرا، قال: ثم قال: يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة، وعلى أي وجه كان النكاح منه متعة


(1) التهذيب ج 2 ص 291

[ 315 ]

أو تزويجا أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر وعشرا - الحديث " (1). واستدل غيرهم بأن المتعة كالأمة في حياة الزوج فلابد أن يكون كذلك في موته ولمرسل الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل تزوج امرأة متعة ثم مات عنها ما عدتها؟ قال عليه السلام خمسة وستون يوما " (2). وأورد عليهم بأن الاول لا يخرج عن القياس إلا أن يراد التمسك بعموم المنزلة الذي يجب الخروج عنه بما سمعت من الصحيحين، والمرسل ضعيف بالإرسال ومن جهة السند من جهة أن في السند الطاطري الواقفي، ويمكن حمله على ما إذا كانت أمة كما حمل خبر ابن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام " عدة المرأة إذا تمتع بها فمات عنها خمسة وأربعون يوما " (3) على موت الزوج في العدة متصلا بانقضاء الاجل بأن يكون المراد من قوله " إذا تمتع بها " هو استيفاء التمتع بها في تمام المدة لا إحداث التمتع، ولا يخفى الإشكال في هذا الحمل لأن العدة على هذا ليس عدة الوفاة فلا حاجة إلى قيد الموت فإذا كان القيد في كلام الإمام عليه السلام فلا بد من مدخليته في الحكم، وبعبارة اخرى إن كان الموت قبل انقضاء المدة فحال المرأة حال الدائمة، وإن كان مقارنا لانقضاء العدة فالعدة ليست من جهة الموت بل من جهة انقضاء المدة. وأما عدم صحة تجديد العقد قبل انقضاء الأجل فهو المشهور ويدل عليه خبر أبان بن تغلب " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة فيزوجها على شهر ثم إنها يقع في قلبه فيحب أن يكون شرطه أكثر من شهر فهل يجوز أن يزيدها في أجرها ويزداد في الأيام قبل أن ينقضي أيامه التي شرط عليها؟ فقال: لا، لا يجوز شرطان في شرط، قلت: فكيف يصنع؟ قال عليه السلام: يتصدق عليها


(1) التهذيب ج 2 ص 291 (2) التهذيب ج 2 ص 291 والاستبصار ج 3 ص 351 (3) التهذيب ج 2 ص 291 والاستبصار ج 3 ص 351.

[ 316 ]

بما بقي من الأيام، ثم يستأنف شرطا جديدا " (1). واستدل ايضا بمفهوم الصحيحة " لا بأس بأن تزيدك وتزيدها إذا انقطع الأجل فيما بينكما تقول: استحللتك بأجل آخر برضا منها، ولا يحل ذلك لغيرك حتى تنقضي عدتها " (2). ولا يبعد أن يكون النظر في هذه الصحيحة إلى عدم العدة بالنسبة إلى الزوج بقرينة ذيله " ولا يحل - إلخ " من دون تعرض لعدم جواز النكاح قبل انقطاع الأجل ثم إنه مع وجود الدليل الخاص على عدم جواز التجديد قبل انقضاء الأجل لا مجال للتمسك بالعمومات لصحة التجديد قبل الانقضاء لما صرح في بعض الأخبار بأنهن مستأجرات، ولا ريب في جواز التجديد في الإجارة قبل انقضاء مدة الإجارة. (القسم الثالث في نكاح الإماء: والنظر إما في العقد وإما في الملك، أما العقد فليس للعبد ولا للأمة أن يعقدا لأنفسهما نكاحا ما لم يأذن المولى، ولو بادر أحدهما ففي وقوفه على الإجازة قولان، ووقوفه على الإجازة أشبه، وإن أذن المولى ثبت في ذمة مولى العبد المهر والنفقة ويثبت لمولى الأمة المهر، ولو لم يأذنا فالولد لهما، ولو أذن أحدهما كان للآخر، وولد المملوكين رق لمولاهما). الظاهر أن النكاح في كلامه - قدس سره - ليس المراد منه المعنى المعروف، فالنكاح بهذا المعنى إما بالعقد أو بالملك أما العقد فليس للعبد ولا للأمة أن يعقدا لأنفسهما لأن المملوك غير قادر فعقد المملوك لا يترتب عليه الأثر إلا بإجازة السيد بعد العقد أو بإذنه قبل العقد، ثم إن قلنا بصحة الفضولي في العقود على القاعدة بحيث لو لحقه الإجازة يترتب عليه الأثر وليس العقد قبل لحوق الإجازة لغوا كعقد الصبي عند المشهور فالظاهر شمول القاعدة للمقام سواء كان العاقد عبدا أو أمة لعم كون المملوك مسلوب العبارة كما يظهر من الأخبار، وإن قلنا بعدم صحة


(1) الكافي ص 5 ج 459 (2) الكافي ج 5 ص 458 عن أبي بصير مقطوعا أو مضمرا.

[ 317 ]

الفضولي على القاعدة بل يقتصر على الموارد التي دل الدليل على الصحة فتعدية الحكم إلى الأمة مشكلة لورود الخبر في خصوص المملوك الظاهر في العبد وهو حسنة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده؟ قال: ذاك إلى سيده إن شاء أجاز وإن شاء فرق بينهما، فقلت: أصلحك الله إن الحكم ابن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهم يقولون: إن أصل النكاح باطل فلا تحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر عليهما السلام: إنه لم يعص الله وإنما عصى سيده، فإذا أجاز فهو جائز (1) ". وأما الأمة فربما يظهر من الأخبار بطلان نكاحها بغير إذن السيد منها ما رواه في التهذيب عن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن نكاح الأمة قال: لا يصلح نكاح الأمة إلا بإذن مولاها (2) " ومنها ما رواه في الكافي عن أبي العباس قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأمة تتزوج بغير إذن أهلها؟ قال: يحرم ذلك عليها وهو الزنا " (3). ومنها ما رواه في الفقيه والتهذيب عن أبي العباس البقباق قال: " قلت لأبي عبد - الله عليه السلام الرجل يتزوج الأمة بغير علم أهلها قال: هو زنا إن الله يقول " فانكحوهن بإذن أهلهن (4) ". ومنها ما رواه في الكافي عن الفضل بن عبد الملك قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأمة تتزوج بغير إذن مواليها؟ قال: يحرم ذلك عليها وهو زنا " (5).


(1) الكافي ج 5 ص 478 والتهذيب ج 2 ص 213 (2) التهذيب ج 2 ص 209 والاستبصار ج 3 ص 219 (3) الكافي ج 5 ص 479 (4) الفقيه في أحكام المماليك من كتاب النكاح تحت رقم 5. والتهذيب ج 2 ص 213 (5) المصدر ج 5 ص 479

[ 318 ]

ومنها رواية الوليد بن صبيح عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة قد دلست نفسها له؟ قال: إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد " (1). وفي روايه سيف بن عميرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس أن يتمتع الرجل بأمة المرأة، فأما أمة الرجل فلا يتمتع إلا بأمره " (2). ويمكن أن يقال: إن المستفاد من حسنة زرارة المذكورة حيث علل الصحة بعد إجازة السيد بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيده صحة نكاح الأمة مع إجازة السيد ولا إشكال في أنه قبل الإجازة لا يرتب الآثار فمباشرة العبد يكون زنا كما لا يجوز في البيع الفضولي التصرف في المبيع ويكون تصرفا في ملك الغير فالأخبار المذكورة في الأمة محمولة على ما يقع قبل الإجازة، وهذا وإن كان خلاف ظاهر الأخبار المذكورة لكنه بعد ملاحظة إباء العلة المذكورة في الحسنة عن التخصيص بالعبد يكون أولى وأقرب وإن كان رواية الوليد المذكورة تأبى عن هذا إلا أنه لم يظهر اعتبارها من جهة السند ومع اعتبار السند يقع المعارضة. وأما رواية سيف المذكورة فالظاهر عدم عمل الأصحاب بمضمونها. وأما ثبوت المهر والنفقة في ذمة المولى مع الإذن فهو المشهور واستدل بأن النكاح لما وقع صحيحا لزم الحكم بثبوت المهر والنفقة ولا محل لهما إلا ذمة السيد لأن العبد لا يملك، وعن الشيخ في المبسوط تعلق ذلك بكسب العبد لأن المهر والنفقة من لوازم النكاح وكسب العبد أقرب شئ إليه فإن مصرف الكسب مؤونة الإنسان ومن أهمها لوازم النكاح. ولا يخفى الإشكال فيما ذكر للنقض بتعلق عوض التالف وأرش الجنايات بذمة العبد وجواز تعلق المهر بالكسب كما قيل يتعلق أرش الجناية برقبة الجاني ومجرد الإذن من المولى لا يوجب تعهده بالمهر والنفقة.


(1) الكافي ج 5 ص 404 (2) الكافي ج 5 ص 464 والتهذيب ج 2 ص 188.

[ 319 ]

نعم ذكر في المقام خبران أحدهما رواية زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها، ثم اطلع على ذلك مولاه، فقال: ذاك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما فإن فرق بينهما فللمرأة ما أصدقها إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقا كثيرا وإن أجاز نكاحها فهما على نكاحهما الأول - الحديث " (1). والثاني رواية علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن عليه السلام " في رجل زوج مملوكا له من امرأة حرة على مائة درهم، ثم إنه باعه قبل أن يدخل بها؟ قال: فقال: يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنما هو بمنزلة دين استدانه بإذن سيده " (2). ويمكن استفادة لزوم المهر على السيد من الخبر الأول من جهة اشتراط عدم كون الصداق كثيرا فإنه لو كان الصداق على العبد وفي ذمته لم يظهر وجه لهذا الشرط. والثاني دلالته على لزوم المهر على المولى ظاهرة من جهة أن ثمن العبد للمولى، والإشكال فيه من جهة ضعف السند مندفع بأن في السند من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه واعتماد المشهور عليه، ثم إنه لم يظهر حال نفقة الزوجة من هذين الخبرين إلا أن يقال: الإذن في الشئ أو إجازته إذن وإجازة في لوازمه والمسألة مشكلة. وأما ملكية المولى لمهر الأمة المزوجة بإذنه أو بإجازته بعد العقد على المشهور فالظاهر أنه لا خلاف فيها لأن المملوكة ومنافعها للمولى والمهر عوض البضع فيعد المهر من منافعها. وأما كون الولد لمولى العبد ومولى الأمة إذا تزوجا بغير إذن الموليين فلكون الولد نماء للملكين ولا مزية لأحدهما والنسب لاحق بهما بخلاف الحيوانات فإن الولد فيها ملحق بالأم ونماء لها والحكم مشهور لكن الدليل غير واضح.


(1) الكافي ج 5 ص 478 (2) الفقيه أحكام المماليك تحت رقم 19 والتهذيب ج 2 ص 305.

[ 320 ]

وأما كون الولد للآذن دون غيره فهو ظاهر الاصحاب كما في الرياض بل في المسالك الاتفاق عليه، فإن تم وإلا فلا نص عليه ظاهرا والتعليل بأن الآذن قد أقدم على فوات الولد منه فإن المأذون قد تزوج من ليس برق فينعقد الولد حرا بخلاف من لم يأذن فيكون الولد له خاصة لا يتم لأن الآذن قد تنحصر إذنه في وطي المملوكة. وأما كون ولد المملوكين رقا لمولاهما فلما ذكر من كونه نماء للملكين. (ولو كانا لاثنين فالولد بينهما بالسوية ما لم يشترطه أحدهما، وإذا كان أحد الأبوين حرا فالولد حر إلا أن يشترط المولى رقيته على تردد، ولو تزوج الحر أمة من غير اذن مالكها فإن وطئها قبل الإجازة عالما فهو زان والولد رق للمولى وعليه الحد والمهر، ويسقط الحد لو كان جاهلا دون المهر ويلحقه الولد وعليه قيمته يوم سقط حيا، وكذا لو ادعت الحرية فتزوجها على ذلك، وفي رواية يلزمه بالوطي عشر القيمة إن كانت بكرا ونصف العشر لو كانت ثيبا ولو أولدها فكهم بالقيمة ولو عجز يسعى في قيمتهم ولو أبى عن السعي قيل يفديهم الإمام وفي المستند ضعف، ولو لم يدخل بها فلا مهر). إذا كان الأبوان لاثنين فالولد بينهما مع عدم الاشتراط لعدم مزية لأحد المملوكين مع اقتضاء العقد لحوق الأولاد بهما، وقد يستظهر عدم المزية من جهة النصوص الواردة في تزوج العبد حره وبالعكس الظاهرة في كون اللحوق للحر منهما من جهة أشرفية التي منها يعلم التساوي في اللحوق بهما مع عدم المزية ويشكل استظهار ما ذكر من تلك الأخبار كما لا يخفى على من لاحظها فالعمدة الشهرة. وأما صورة الاشتراط فلا خلاف فيها ظاهرا في اختصاص الولد بالمشروط له، ويدل عليه عموم " المؤمنون عند شروطهم " وليس التمليك مما يحتاج إلى سبب خاص فلا مانع من حصوله بنفس الشرط. وأما حرية الولد مع حرية أحد الأبوين فهي المشهورة للأخبار المستفيضة منها مرسل مؤمن الطاق عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن المملوك يتزوج الحرة ما حال الولد فقال: حر فقلت: والحر يتزوج المملوكة؟

[ 321 ]

قال: يلحق الولد بالحرية حيث كانت إن كانت الأم حرة اعتق بأمه وإن كان الأب حرا اعتق بأبيه " (1). ومنها خبر جميل وابن بكير " في الولد بين الحر والمملوكة؟ قال: يذهب إلى الحر منهما " (2). وفي خبر جميل أيضا " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تزوج العبد الحرة فولده أحرار، وإذا تزوج الحر الأمة فولده أحرار " (3). ومنها خبره أيضا " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحر يتزوج الأمة أو عبد تزوج حرة، قال: فقال لي: ليس يسترق الولد إذا كان أحد أبويه حرا إنه يلحق بالحر منهما أيهما كان، أبا أو أما " (4). ومنها ما رواه في الفقيه عن جميل بن دراج في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج بأمة فجاءت بولد؟ قال: يلحق الولد بأبيه، قلت: فعبد تزوج بحرة؟ قال: يلحق الولد بامه " (5) إلى غير ما ذكر. وفي قبالها أخبار أخر منها ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي بصير قال: " لو أن رجلا " - وفي الاستبصار رواه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لو أن رجلا دبر جارية ثم زوجها من رجل فوطئها كانت جاريته وولدها منه مدبرين كما لو أن رجلا أتى قوما فتزوج إليهم مملوكتهم كان ما ولد لهم مماليك " (6). ومنها ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح والشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل زوج أمته من رجل وشرط له أن ما ولدت من ولد فهو حر، فطلقها زوجها أو مات عنها فزوجها من رجل آخر ما منزلة ولدها؟ قال: منزلتها ما جعل ذلك للأول وهو في الآخر بالخيار إن شاء أعتق


(1) الكافي ج 5 ص 492 (2 و 3 و 4) الكافي ج 5 ص 492 والتهذيب ج 2 ص 209 (5) الفقيه في احكام المماليك تحت رقم 26 (6) المصدر ج 2 ص 209 والاستبصار ج 3 ص 203

[ 322 ]

وإن شاء أمسك " (1). ومنها ما رواه في التهذيب، عن الحسن بن زياد قال: " قلت له: أمة كان مولاها يقع عليها ثم بدا له فزوجها ما منزلة ولدها؟ قال: بمنزلتها إلا أن يشترط زوجها " (2). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل زوج جاريته رجلا واشترط عليه أن كل ولد تلده فهو حر، فطلقها زوجها، ثم تزوجها آخر فولدت منه؟ قال: إن شاء أعتق وإن شاء لم يعتق " (3) إلى غير ما ذكر. ولا يخفى التنافي والتعارض بين الطائفتين والأولى حمل الطائفة الثانية على التقية لأن المشهور بين القدماء العمل بمضمون الطائفة الأولى ولم ينقل الخلاف إلا عن ابن الجنيد، واحتمال أن يكون أخذ القدماء من جهة التخيير بعيد مع كون الطائفة الثانية أصح سندا بعيد جدا، هذا كله مع الاطلاق وعدم الشرط، وأما مع اشتراط الرقية وإن نسب إلى المشهور صحة الاشتراط وتحقق الرقية، لكنه مشكل من جهة أنه بعد أخذنا بالطائفة الأولى من الأخبار ومقتضاها حرية الولد يكون الشرط مخالفا للسنة والشرط المخالف للسنة لا يرتب عليه الأثر، وما قيل في باب الشرط من أن المخالفة في صورة كون الحكم عن اقتضاء وما لم يحرز المخالفة فمقتضي أصالة عدم المخالفة صحة الشرط محل إشكال لأنه إحالة على أمر غير معلوم غالبا فكيف يمكن استفادة القانون الجامع الكلي من كلامهم " المؤمنون عند شروطهم إلا ما خالف الكتاب - الخ " بل الظاهر منه أنه كل ما خالف الكتاب أو السنة لا يصح ولا يجب الوفاء به من دون حاجة إلى إحراز كون الحكم عن اقتضاء إلا فيما دل الدليل عليه. وقد أورد على القائل بصحة الشرط هنا بأنه لو صح الشرط في المقام لجاز اشتراط الرقية في المتولد من الحرين واجيب بأن المسلم امتناعه تأثير الشرط في رقية المتصف بالحرية بل والمستعد لها مع عدم المقتضي لها غيره كالمتولد من الحرين


(1) النفقته في العتق وأحكامه تحت رقم 13 والتهذيب ج 3 ص 309 واللفظ له (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 306

[ 323 ]

فإن رفع اليد من كل من الابوين عن مقتضي تأثير إطلاق العقد الشركة مقتضى عدم لحوق المتولد منهما بكل منهما في الصفة وذلك لا يقتضي الرقية بل اقصاها نفي حريته من حيث التبعية. أما حريته للأصل فهي باقية لم يرتفع بشئ بخلاف ما نحن فيه فإن رفع اليد عن مقتضى ما أثبته العقد له من الشركة في الولد مقتضى اختصاص الآخر في النماء فيتبعه في الملك حينئذ ففي الحقيقة صيرورته رقا بالتبعية لا بالشرط، وإنما آثار رفع مقتضى الحرية الذي كان حاصلا بسبب إطلاق العقد. ويمكن أن يقال: بعد دلالة الأخبار المذكورة على حرية المتولد بين الحر والمملوك وحكم الشارع بالحرية لانفهم تحقق اختيار لطرفي العقد في نفي الحرية وإثباتها حتى يثبتان الحرية أو ينفيان وما ذكر من أنه لا عقل ولا نقل يقتضي حرية المتولد بين الحر والمملوك على وجه ينافي الشرط المزبور، يجاب عنه بأنه كفى في المقام الاخبار المذكورة في حرية المتولد المذكور. " ولو تزوج الحر أمة مع عدم إذن مالكها فإن وطئها قبل الإجازة عالما فهو زان " ووجهه واضح إنما الكلام في وجه التقييد بالعلم، والظاهر أن المراد أن المراد العلم بالحرمة، وأيضا قد يقيد بعدم لحوق الاجازة بحيث لو وطئها قبل لحوق الاجازة ثم تحققت الإجازة، لم يكن زانيا، ولازم التقييد الأول أنه لو وطأ أجنبية مع احتمال كونها أجنبية لم يكن زانيا، ويشكل حيث إنه مع عدم المعذورية يكون الوطي محرما معاقبا عليه، وقد ذكروا في كتاب الحدود أن الزنا يتحقق مع العلم بالحكم والموضوع، وحكى عن الشهيد الثاني وسبطه - قدس سراهما - خلافه من جهة عدم المعذورية مع الالتفات والشبهة، وما ذكر من التقييد بعدم لحوق الإجازة لا يخفى الاشكال فيه من جهة أن القائل بالكشف في العقد الفضولي، لا يمكن أن يلتزم بالكشف الحقيقي للزوم المحذورات المذكورة في محله غاية الأمر استفادة الكشف الحكمي ألا ترى أنه لو بيع مال الغير هل يمكن الالتزام بجواز تصرف المشتري من جهة لحوق الاجازة بعد مدة بل لازم هذا عدم جواز تصرف

[ 324 ]

المالك حيث إنه في الواقع ملك المشتري ويكشف عنه الاجازة وفي المقام يلزم حرمة استمتاع المولى من جهة أنها على ما ذكر زوجة الغير في الواقع فمع عدم تحقق الزوجية قبل الاجازة يكون وطئها زنا محرما يوجب الحد وفي الأخبار المذكورة التصريح به من دون فرق بين لحوق الاجازة وعدمه. وأما رقية الولد للمولى فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويمكن الاستدلال بما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام في رجل أقر على نفسه أنه غصب جارية فولدت الجارية من الغاصب قال: ترد الجارية والولد على المغصوب إذا اقر بذلك الغاصب ". (1) ورواه الكليني كذلك والصدوق " ره " عن الصادق مرسلا إلا أنه قال فيه " إذا اقر بذلك أو كانت عليه بينه ". وظاهر الرواية صورة وقوع الزنا بدون وقوع العقد لكنه حيث لا يرتب عليه الاثر يكون كالعدم ومع هذا قد يقع الفرق فإن العقد في العدة يوجب الحرمة الأبدية، والزنا في العدة غير العدة الرجعية لا يوجب الحرمة الأبدية وقد يعلل الحكم بالرقية بإن الولد نماء ملكه. وأما الحد والمهر فالحد من وظائف الحاكم إن قلنا بجواز إجرائه في زمان الغيبة، وأما المهر فقد يستشكل فيه مع التفاوت الجارية حيث إنه لا مهر لبغي. و أجيب عن الخبر بعد تسليم صحته بأنه خارج عن محل البحث وأن المراد به الحرة لأن لفظ المهر إنما يقال بالنسبة إلى الحرة وأما عوض بضع الأمة فلا ينفيه الخبر المذكور وهو راجع إلى المولى، ويشكل ما ذكر بأن المهر ينسب إلى الأمة أيضا في مقام التزويج ومن معاني اللام الاختصاص ويصح أن يقال: مهر الأمة للمولى وإن أبيت فلا بد من إقامة الدليل على استحقاق المولى في هذا المقام شيئا لأن لازم كون البضع مما يقابل بالمال كسائر المنافع أنه يكون مضمونا إذا كان الأمة في يد الغاصب ولا أظن أن يلتزم به.


(1) التهذيب ج 2 ص 248.

[ 325 ]

وقد يستدل لثبوت العقر من عشر القيمة إن كانت بكرا ونصفه إن كانت ثيبا بالصحيحين أحدهما صحيح الوليد بن صبيح عن الصادق عليه السلام في رجل تزوج أمرأة حرة فوجدها أنه دلست نفسها له قال: إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد قال: قلت: كيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه قال: إن وجد ما أعطاها فليأخذه وإن لم يجد شيئا فلا شئ له عليها وإن كان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه ولمواليها عشر قيمة ثمنها إن كانت بكرا وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها قال: وتعتد منه عدة الأمة، قلت: فإن جاءت منه بولد؟ قال: أولادها منه أحرار إذا كان النكاح بغير إذن الموالي " (1). والثاني صحيح الفضيل بن يسار " سئل الصادق عليه السلام عما إذا أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها؟ قال: لا ينبغي له، قال: فإن فعل أيكون زانيا؟ قال: لا ولكن يكون خائنا ويغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكرا فإن لم يكن فنصف عشر قيمتها " (2) ويقال: من إطلاق الصحيحين يعلم الحكم في أصل المسألة وإنه لا مدخلية لبغيها في سقوط حق المولى خصوصا إذا كانت بكرا فإنه ينبغي القطع بثبوت ذلك له، واحتمال القول بخروجه عن محل البحث باعتبار كونه جناية على المملوك موجبة لنقصه فضمانه من هذه الحيثية لا من حيث كونه مهرا يدفعه معلومية كون العشر الذي أثبته الشارع نصفه أرشا للبكارة ونصفه من حيث الانتفاع بالوطي بقرينة قوله " وإن لم تكن بكرا فنصف العشر كما هو واضح بأدنى تأمل. ويمكن أن يقال: أما الصحيح الأول فظاهره بل صريحه عدم تحقق الزنا من طرف الزوج ومن طرف الأمة المدلسة لم يظهر منه كونها عالمة بالحرمة حتى يكون وطيها زنا من طرفها، ثم إنه لا ينطبق على القواعد ما فيه من عدم ضمان المهر المأخوذ من الرجل مع إتلاف الأمة أو التلف ويظهر من ذيل الصحيحة أن الاولاد أحرار وعلى الأمة العدة ومن المسلم كما سبق أنه مع تحقق الزنا من الطرفين يكون الولد


(1) الكافي ج 5 ص 404 والتهذيب ج 2 ص 232 والاستبصار ج 3 ص 216 (2) الكافي ج 5 ص 468 والتهذيب ج 2 ص 184

[ 326 ]

رقا ولا حرمة لماء الزاني حتى تجب العدة فان المشهور بينهم أنه يجوز تزويج الزانية بدون الاعتداد والحاصل أن المستفاد من الصحيح المذكور أنه مع استحلال الفرج يستحق المولى العشر أو نصف العشر وتجب العدة، والأولاد أحرار فكيف يمكن استفادة وجوب العشر أو نصف العشر مع تحقق الزنا وعدم وجوب الاعتداد وكون الولد رقا. ومما ذكر ظهر الاشكال في الاستدلال بالصحيح الثاني فانه مع التصريح فيه بعدم تحقق الزنا كيف يستفاد منه وجوب العشر أو نصفه في صورة تحقق الزنا والمسألة غير خالية عن الاشكال. وأما سقوط الحد مع الجهل فلان الحدود تدرء من جهة الشبهة، وقد سبق الإشكال في صورة الجهل مع الالتفات بحيث لم يكن معذورا، ومع المعذورية واستحلال الفرج يمكن ثبوت المهر لصحيح الوليد المذكور. وأما لحوق الولد بأبيه ولزوم قيمته على الأب فيدل عليه موثقة سماعة " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مملوكة أتت قوما وزعموا أنها حرة فتزوجها رجل منهم وأولدها ولدا ثم إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة أو أقرت الجارية بذلك، فقال: تدفع إلى مولاها هي وولدها، وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمة يوم يصير إليه، قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال: يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه ويأخذ ولده، قلت: فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟ قال: فعلى الامام أن يفتديه ولا يملك ولد حر " (1). وصحيح الوليد صريح في استحقاق الموالي عشر القيمة أو نصف العشر كما أن المستفاد من الموثق المذكور وجوب السعي على الأب إذا لم يجد ومع الإباء يفديه الإمام عليه السلام ويظهر من كلام المصنف - قدس سره - أن المهر اللازم على من تزوج الأمة غير العشر ونصف العشر، ولا مجال لإثباته من الصحيح المذكور. ويمكن أن يستدل له بما ورد في أخبار تزويج المرأة في عدتها جاهلا من قوله عليه السلام " وإن كان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها " سواء كانت الباء للسببية


(1) التهذيب ج 2 ص 213 والاستبصار ج 3 ص 217.

[ 327 ]

أو للعوضية حيث إنه على الثاني مناسبة الحكم والموضوع يقتضي التعميم. ثم إن ظاهر كلماتهم أن الموطوء شبهة مطلقا لا تستحق إلا مهر المثل وأورد بأنه على هذا لابد من رفع اليد عن ظهور تلك الأخبار في المهر المسمى وجعل اللام للجنس. ويمكن أن يقال: لا ظهور في المهر المسمى لأن استحلال الفرج يناسب مع الاستحقاق للمهر في الجملة لا المهر المسمى في العقد الفاسد. هذا ولكنه على فرض استفادة العموم مما ورد في تزويج المرأة في عدتها لابد من رفع اليد عن عمومه بواسطة موثق سماعة المذكور مضافا إلى اشكال سبق من جهة أن التعبير بقوله عليه السلام على المحكي " فلها المهر " لا يناسب الأمة حيث إن المهر راجع إلى المولى فتأمل. وأما صورة عدم الدخول فلا اشكال في عدم استحقاق المهر لعدم ما يوجبه. (ولو تزوجت الحرة عبدا مع العلم فلا مهر وولدها رق، ومع الجهل يكون الولد حرا ولا يلزمها قيمته ويلزم العبد مهرها إن لم يكن مأذونا ويتبع به إذا تحرر). أما عدم المهر فلانها مع العلم بعدم الصحة بدون الإذن والاجازة تكون بغيا " ولا مهر لبغي " ولخبر السكوني عن الصادق عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما امرأة زوجت نفسها عبدا بغير إذن مواليه فقد أباحت فرجها ولا صداق لها (1) ". وأما رقية الولد فالظاهر عدم الخلاف فيها وقد يعلل بانتفاء الولد عن الحرة بالزنا حيث لا يثبت معه نسب فيبقى أصل تبعية نماء المال للمال المقتضى لكون الولد رقا للمولى، فإن تم الاجماع فلا كلام وأما التعليل المذكور فلا يخلو عن الإشكال لأنه لا مجال لنفي جميع آثار النسب، ألا ترى أنهم لا يجوزون نكاح ولد الزنا أمه أو اخته أو خالته وليس إلا من جهة النسب وعلى فرض التسليم لا نسلم كون الولد كله نماء العبد ألا ترى أنه لو كان الولد بين عبد وأمة لاثنين يكون الولد بينهما بالسوية ومجرد انتفائه عن الحر لا يوجب اختصاصه بالأمة حتى يصير ملكا لمولاها ومع الجهل يكون الولد حرا لغلبة جانب الحرية وعدم انتفاء النسب وإجراء للشبهة مجرى الصحيح، لكن


(1) الكافي ج 5 ص 479

[ 328 ]

ينافي ما ذكر خبر العلاء بن رزين عن الصادق عليه السلام وفي رجل دبر غلاما فأبق الغلام فمضى إلى قوم فتزوج منهم ولم يعلمهم أنه عبد فولد له أولاد وكسب مالا ومات مولاه الذي دبره فجاءه ورثة الميت الذي دبر العبد فطلبوا العبد فما ترى؟ قال: العبد وولده لورثة الميت، قلت: أليس قد دبر العبد؟ قال: إنه لما أبق هدم تدبره ورجع رقا (2) " إلا أن يستشكل الأخذ به من جهة السند كما في الرياض من أن في سنده جهالة فليس فيه حجة. وأما عدم لزوم القيمة عليها فالظاهر عدم الخلاف فيه وقد يوجه بأن قاعدة النماء في الأم دون الأب كما في ساير الحيوانات ولذا غرم الحر في إتلاف نماء الأم بخلاف الحرة وفيه إشكال لأن هذا مناف لما قالوا بأن الولد المتولد من المملوك والمملوكة لمالكين يكون مشتركا بين المالكين لكونه نماء للملكين فإن تم الإجماع وإلا يشكل. واما لزوم المهر على العبد فلاستحلالة الفرج ومع عدم كون النكاح بغير إذن المولى وعدم إجازته لا يغرم المولى بل يتبع به إذا تحرر كما لو أتلف مال الغير. (ولو تسافح المملوكان فلا مهر والولد رق لمولى الأمة وكذا لو زنى بها الحر ولو اشترى الحر نصيب أحد الشريكين من زوجته بطل عقده، ولو أمضى الشريك العقد لم يحل وطؤها، وبالتحليل رواية فيها ضعف، وكذا لو كان بعضها حرا أو لوهايأها مولاها على الزمان ففي جواز العقد عليها متعة في زمانها تردد أشبهه المنع). أما عدم المهر فلعدم ما يوجبه فإن المهر يجب بالنكاح الصحيح أو باستحلال الفرج، وأما اختصاص الولد الرق بمولى الأمة فادعي عليه الاتفاق وعلل بأنه نماء الأمة والنسب من جهة الزنا منتف بالنسبة إلى الأب، وقد يتمسك بالأخبار المستفيضة المتقدمة الناصة بالحكم في تزويج الأمة المدعية للحرية أو فحواها إن اختصت بزويجها من الحر، ولا يخفى الاشكال فيه لعدم العلم بمناط الحكم مضافا إلى احتمال كون الولد في تلك المسألة حرا يجب أداء قيمته بحيث لو لم يؤد القيمة لا يخرج الولد عن الحرية غاية الأمر كون الأب مدينا في ذمته القيمة، وما ذكر من كون الولد نماء


(1) التهذيب ج 2 ص 2 وص 214

[ 329 ]

لخصوص الجارية مشكل لما ذكر آنفا. وأما لو زنى الحر بالمملوكة فالظاهر عدم الاشكال في اختصاص الولد بمالك الجارية فإن الحر لا يملك ابنه. وأما المهر فلا موجب له لكن قد يقال بثبوت العقر لفحوى الصحيح أعنى صحيح الفضيل المتقدم ولا يخفى الاشكال للتصريح هناك بعدم الزنا والكلام هنا في صوره الزنا. واما بطلان العقد باشتراء الزوج نصيب أحد الشريكين فيدل عليه موثق سماعة " سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين قال: حرمت عليه باشترائه إياها وذلك أن بيعها طلاقها إلا أن يشتريها من جميعهم ولو أمضى الشريك العقد لم يحل وطئها لأن العقد الباطل لا يؤثر فيه الإمضاء ومع بقائه على الصحة لم يحتج إلى الإمضاء وجواز الوطي بالتحليل فيه رواية صحيحة في الكافي والتهذيب (1) عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام وفي الفقيه عن محمد بن مسلم عنه عليه السلام أيضا وقد عمل بها جماعة قال " سألته عن جارية بين رجلين دبراها جميعها ثم أحل أحدهما فرجها لشريكه، قال: هي له حلال وأيهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حرا من قبل الذي قد مات ونصفها مدبرا، قلت: إن أراد الثاني منهما أن يمسها أله ذلك؟ قال: لا إلا أن يثبت عتقها ويتزوجها برضى منها متى ما أراد، قلت: أليس قد صار نصفها حرا وقد ملكت نصف رقبتها والنصف الآخر للباقي منهما، قال: بلى، قلت: فإن هي جعلت مولاها في حل من فرجها وأحلت له ذلك؟ قال: لا يجوز له ذلك قلت: ولم لا يجوز له ذلك وقد أجزت للذي كان له نصفها حين أحل فرجها لشريكه منها (2)، قال: إن الحرة لا تهب فرجها ولا تعيره ولا تحلله ولكن لها من نفسها يوم وللذي دبرها يوم فإن أحب أن يتزوجها متعة في اليوم الذي تملك فيه نفسها فليتمتع منها بشئ قل أو كثر ".


(1) الكافي ج 5 ص 482. والتهذيب ج 2 ص 303 والفقيه أحكام المماليك تحت رقم 24. (2) في التهذيب والفقيه " فيها ".

[ 330 ]

وهذه الرواية صريحة في جواز الوطي بالتحليل والمنع مع تحرر بعضها وجواز التمتع بها في يومها المختص بها، ولا مانع عن العمل بها. (ويستحب لمن زوج عبده أمته أن يعطيها شيئا، ولو مات المولى كان للورثة الخيار في الاجازة والفسخ ولا خيار للأمة). قيل: يجب أن يعطيها شيئا من ماله لصحيح ابن مسلم عن الباقر عليه السلام " سألته عن الرجل كيف ينكح عبده أمته؟ قال: يجزيه أن يقول: قد أنكحتك فلانة ويعطيها ما شاء من قبله أو من مولاه ولو مدا من طعام أو درهما (1) " وحسن الحلبي " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف ينكح عبده أمته؟ قال: يقول: أنكحتك فلانة ويعطيها ما شاء من قبله أو من قبل مولاه ولو مدا من طعام أو درهما أو نحو ذلك ". (2) وأما استحباب إعطاء المولى الأمة شيئا فهو المشهور بين المتأخرين، واستدل عليه بالأصل وعدم تصور استحقاقه لنفسه على نفسه من جهة أن مهر الأمة لسيدها وبأن التسامح في الخبرين المزبورين في تقدير المهر أوضح قرينة على الاستحباب بل صراحتهما بعدم ذكره مهرا شاهد آخر عليه أيضا. ويمكن أن يقال: ظاهر الخبرين وجوب الإعطاء لأن الإعطاء وقع في سياق الإنكاح المذكور. وأما ما استدل به على الاستحباب فالأصل منه كيف يجري مع ظهور الدليل، وما ذكر من عدم تصور استحقاقه - الخ، إن تم يوجب عدم الاستحباب أيضا والحق أن المملوك يملك فما المانع من ملكية المهر للامة؟ غاية الأمر محجورية المملوك في التصرف وجواز أخذ المولى منه بل في بعض الأخبار ما يستفاد منه عدم جواز الأخذ منه فيما لو أعطاها شيئا طلبا لرضاه من جهة ظلم المولى والتسامح في تقدير المهر لا يدل على الاستحباب ألا ترى وقوع التسامح في المهر في المتعة مع ركنيته فيها، ثم إن


(1) رواه الصدوق في الفقيه والكليني في الكافي ج 5 ص. 479 والشيخ في التهذيب ج 2 ص 212 كلهم بلفظ آخر (2) الكافي ج 5 ص 479 والتهذيب ج 2 ص 212.

[ 331 ]

الظاهر كونه نكاحا لا تحليلا فإن السائل يسأل عن النكاح وقصده النكاح وعدم ذكر القبول لا يدل على عدمه لإمكان أن يكون عدم الذكر من جهة وضوح حاجة العقد إلى القبول، ويحتمل عدم الحاجة إلى القبول فيما كان الاختيار للعاقد الولي على الطرفين كالجد للأب في تزويج بنت ابنه ابن ابنه الآخر إن لم يكن الاجماع على خلافه، غاية الأمر كون فسخه بيد المولى على ما هو المسلم بينهم إن لم يفسخ المولى وأعتق العبد والأمة يكونان باقيين على نكاحهما ويكون الطلاق بيد الزوج، ولو مات السيد كان الخيار للورثة في إمضاء النكاح وفسخه لانتقال ما كان للسيد إلى الورثة ولا خيار للأمة لبقائها على الرقية. واستدل على كون الفسخ بيد المولى بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر عليه السلام قال: " سألته عن قول الله عزوجل والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال: هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها، ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها (1) " وقد يستدل بهذا الصحيح على عدم كونه عقدا وكونه إباحة لأن رافع العقد إما الطلاق أو الموت أو تجدد ملك أو عتق مع فسخ المالك أو العتق أو ملة أو نحلة أو عيب كعفلة على قول وما عدى الأول هنا منتف و الأول إن جعل قوله: " اعتزل امرأتك " طلاق لزم أن يكون الطلاق بيد غير الزوج وهو باطل لقوله عليه السلام: " الطلاق بيد من أخذ بالساق ". ويمكن أن يقال: لا محذور في كون أمر المولى بالاعتزال فسخا، غاية الأمر تخصيص ما دل على انحصار أسباب الفسخ فيما ذكر، والشاهد على كونه عقدا هو أنه لو لم يفسخ المولى وبقيا على نكاحهما واعتقا يترتب على نكاحهما الآثار من الإرث والنفقة واحتياج التفريق إلى الطلاق ولا أظن أن لا يلتزموا بما ذكر وإن لم أجد تصريحا به في كلماتهم، وما ذكر من انحصار أمر الطلاق مناف لما تسالموا عليه ظاهرا في المرأة الغالب عنها زوجها حيث إنه بعد الفحص واليأس يطلق الحاكم ويكون


(1) الكافي ج 5 ص 481 والتهذيب ج 2 ص 212.

[ 332 ]

طلاقه صحيحا وإن كان الزوج حيا، وما ذكر من ثبوت الخيار للورثة محل تأمل لأنه إن كان من جهة ثبوت الخيار للمولى والخيار موروث كما ثبت في محله فإن كان المدرك الصحيح المذكور فلا يستفاد منه كون ماله من جواز الأمر بالاعتزال حقا قابلا للانتقال، وإن كان من جهة انتقال العبد والأمة إلى الوارث فالصحيح المذكور لا يشمل كل وارث فان البنت الوارثة ليست مشمولة للصحيح المذكور. (ثم الطواري ثلاثة: العتق، والبيع، والطلاق. أما العتق فإذا أعتقت الأمة تخيرت في فسخ نكاحها وإن كان الزوج حرا على الاظهر، ولا خيرة للعبد لو اعتق ولا لزوجته ولو كانت حرة، وكذا تتخير الأمة لو كانا لمالك فاعتقا أو اعتقت، ويجوز أن يتزوجها ويجعل العتق صداقها، ويشترط تقديم لفظ " التزويج " في العقد وقيل: يشترط تقديم العتق). لا خلاف في أن الأمة لو اعتقت وكانت تحت عبد تكون متخيرة في فسخ نكاحها، ووقع الخلاف فيما لو كانت تحت حر ولنذكر الروايات الواردة. فمنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة في الموثق قال: " ذكر أن بريرة مولاة عائشة كان لها زوج عبد، فلما أعتقت قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: اختاري إن شئت أقمت مع زوجك وإن شئت فلا " (1). وما رواه في التهذيب عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه كان لبريرة زوج عبد، فلما أعتقت قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: اختاري " (2). وعن محمد بن آدم عن الرضا عليه السلام أنه قال: " إذا اعتقت الأمة ولها زوج خيرت إن كانت تحت عبد أو حر " (3). ورواه بسند آخر عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. وما رواه في الفقيه والتهذيب عن محمد بن مسلم في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله


(1) الكافي ج 5 ص 487 (2) و (3) التهذيب ج 2 ص 211.

[ 333 ]

عليه السلام عن المملوكة تكون تحت العبد ثم تعتق فقال: تتخير فإن شاءت أقامت على زوجها وإن شاءت فارقته " (1). ومنها ما رواه الشيخ عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أيما امرأة اعتقت فأمرها بيدها إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقته " (2). وعن عبد الله بن بكير في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل حر نكح أمة مملوكة، ثم أعتقت قبل أن يطلقها قال: هي أملك بنفسها " (3). ومقتضى إطلاق هذا الموثق وصريح رواية محمد بن آدم عدم الفرق بين ما كان الزوج عبدا أو حرا، ومع هذا لا وجه للتقييد بكون الزوج عبدا وذكر العبد في عتق بريره أو في صحيح محمد بن مسلم لا يدل على التقييد لان ذكر العبد في الصحيح في كلام الراوي وفي قضية بريرة نقل كلام رسول الله في مورد خاص لا دلالة فيه على التقييد. وأما عدم الخيرة للعبد لو اعتق فلعدم الدليل مع كون بناء النكاح على اللزوم ولا خيرة للزوجة الحرة أو الأمة لو اعتق العبد ويدل عليه خبر علي بن حنظلة عن الصادق عليه السلام " في رجل زوج أم ولد له من عبد فأعتق العبد بعدما دخل بها يكون لها الخيار؟ قال: لا قد تزوجته عبدا ورضيت به فهو حين صار حرا أحق أن ترضى به " (4). وفي خبر ابي بصير عنه أيضا " في العبد يتزوج الحرة، ثم يعتق فيصيب فاحشة؟ فقال لا يرجم حتى يواقع الحرة بعدما ينعتق، قلت: للحرة عليه الخيار إذا اعتق؟ قال: لا قد رضيت به وهو مملوك فهو على نكاحه الأول ". (5)


(1) الفقيه في طلاق العبد تحت رقم 15 والتهذيب ج 2 ص 211 واللفظ له (2) و (3) التهذيب ج 2 ص 211 (4) الكافي ج 5 ص 487 (5) التهذيب ج 2 ص 211.

[ 334 ]

ويكفي أصالة لزوم النكاح، ومقتضى إطلاق الأخبار المذكورة عدم الفرق في اختيار الأمة المعتقة بين أن تكون هي والعبد لمالكين أو لمالك واحد فاعتقا أو اعتقت نعم على القول باختصاص الخيرة للأمة بصورة كون الزوج عبدا يشكل مع إعتاقهما معا لأن في مرتبة اختيارها يكون زوجها حرا، وأما جواز تزويج الأمة وجعل صداقها عتقها تدل عليه أخبار منها ما رواه في الكافي عن عبيد بن زرارة في الحسن أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول " إذا قال الرجل لأمته اعتقك وأتزوجك وأجعل مهرك عتقك فهو جائز " (1). وعن سماعة بن مهران في الموثق قال: " سألته عن رجل له زوجة وسرية يبدو له أن يعتق سريته ويتزوجها، قال: إن شاء اشترط عليها أن عتقها صداقها، فإن ذلك حلال أو يشترط عليها إن شاء قسم لها وإن شاء لم يقسم، وإن شاء فضل الحرة عليها فإن رضيت بذلك فلا بأس " (2). وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يعتق الأمة فيقول: مهرك عتقك، فقال حسن " (3). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له الأمة فيريد أن يعتقها فيتزوجها أيجعل مهرها عتقها أو يعتقها ثم يصدقها، وهل عليها منه عدة؟ وكم تعتد؟ وهل يجور له نكاحها بغير مهر؟ وكم تعتد من غيره؟ قال: يجعل عتقها صداقها إن شاء وإن شاء أعتقها، ثم أصدقها وإن كان عتقها صداقها فإنها لا تعتد، ولا يجوز نكاحها إذا أعتقها إلا بمهر، ولا يطأ الرجل المرأة إذا تزوجها حتى يجعل لها شيئا وإن كان درهما " (4).


(1) المصدر ج 5 ص 476 (2) الكافي ج 5 ص 476. (3) المصدر ج 5 ص 475. (4) الكافي ج 5 ص 476 والتهذيب ج 2 ص 297.

[ 335 ]

ثم إنه لا مجال بعد ملاحظة الأخبار الواردة في المقام للاشكال بمخالفة جعل الصداق في التزويج العتق بعدم جواز نكاح المالك أمته وبعدم جواز جعل العتق مهرا و بأنه لابد من تحقق المهر قبل النكاح وبلزوم الدور لتوقف النكاح على العتق و بالعكس، وقد يدفع الاشكال بأن العتق لما اقترن بالنكاح لم يتزوج أمته ضرورة كون المسلم منه عدم اجتماع التزويج والملك وبمنع لزوم تحقق المهر قبل النكاح بل يكفي المقارنة كما أنه النكاح يتوقف على اقتران العتق به لا على سبقه. ويمكن أن يقال: إن كان نظر المستشكل إلى أنه لابد من وقوع التزويج على غير الملك بحسب القاعدة لا يدفع إشكاله بما ذكر، وأما ما ذكر من لزوم تحقق المهر قبل النكاح فهو غير مسلم ألا ترى أنه يصح جعل المهر كليا في الذمة كما يجعل الكلي في الذمة مبيعا فقبل الجعل لا اعتبار في البين ولا تحقق وبالعقد يصح الاعتبار وله تحقق اعتباري والذي يسهل الخطب أنه ليس في البين إلا تخصيص القواعد الواصلة من قبل الشرع ولا محذور فيه. والذي لزم البحث فيه أنه هل يشترط تقديم لفظ العقد على العتق بأن يقول: أتزوجك وأعتقتك وجعلت عتقك مهرك لأنه لو سبق بالعتق كان لها الخيار في القبول والامتناع، أو لا يشترط، لأن الكلام المتصل كالجملة الواحدة، ويمكن استفادة الاشتراط من خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن رجل قال لأمته أعتقك وجعلت عتقك مهرك؟ قال: عتقت وهي بالخيار إن شاءت تزوجت وإن شاءت فلا، فإن تزوجته فليعطها شيئا وإن قال: قد تزوجتك وجعلت مهرك عتفك فان النكاح واقع ولا يعطيها شيئا " (1). وخبر محمد بن آدم عن الرضا عليه السلام " في الرجل يقول لجاريته قد أعتقتك وجعلت صداقك عتقك قال: جاز العتق والأمر إليها إن شاءت زوجت نفسها وإن شاءت لم تفعل فإن زوجته نفسها فأحب له أن يعطيها شيئا " (2).


(1) التهذيب ج 2 ص 303 والاستبصار ج 3 ص 210 وقرب الاسناد ص 109. (2) التهذيب ج 2 ص 301 والاستبصار ج 3 ص 210.

[ 336 ]

وأجيب عما ذكر باحتمال ابتناء ما في هذين الخبرين من عدم حصول النكاح بذلك على عدم ذكر صيغة التزويج لا من حيث تقديم العتق عليها لو جاء بهما معا، و لا يخفى بعد هذا الاحتمال لان احتياج التزويج إلى الصيغة ليس أمرا يخفى حتى يحتاج إلى السؤال ويجاب بما ذكر، والشاهد عليه ما في بعض ما في قبال الخبرين المذكورين من صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام " سألت عن الرجل يعتق الأمة ويقول مهرك عتقك؟ قال: حسن " (1). وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " أيما رجل شاء أن يعتق جاريته ويجعل صداقتها عتقها فعل " (2). وخبر عبيد بن زرارة سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا قال الرجل لامرأة: أعتقتك وأتزوجك وأجعل مهرك عتقك فهو جائز " (2). وقد يقال: تقدم العتق لفظا لا يقتضى ترتب أثره كي يلزم من تقدمه ثبوت الخيار لها حينئذ ضرورة كونه بعض الكلام الذي هو كالجملة الواحدة الممنوع ترتب أثره قبل تمامه، ويمكن أن يقال: إذا قال الرجل، أعتقتك وأخر التزوج عن قوله أعتقتك فقد تم العتق فوقع التزوج على الحرة بخلاف العكس فكيف تقدم العتق لفظا لا يقتضي ترتب أثره وكونه بعض الكلام وكالجملة الواحدة لا نفهمه إلا أن يكون النظر إلى ارتباطها بالتزويج حيث وقع مهرا نظير بذل الزوجة مهرها في قبال الخلع فالعمدة الأخبار المذكورة لكن المشهور على الاشتراط وهو الأحوط، وقد يقال: إن التحقيق في كون المراد من إطلاق النص والفتوى عتق الأمة صداقها أن العتق يكون بالاصداق على معنى أن الشارع قد شرع جعل الأمة نفسها صداقا في تزويجها فتكون حينئذ مالكة نفسها وليست هي إلا الحرة فيكون طريقا مخصوصا للعتق غير العتق


(1) الكافي ج 5 ص 475. (2) التهذيب ج 2 ص 303 والاستبصار ج 3 ص 209 (3) الكافي ج 5 ص 476.

[ 337 ]

بإيجاد الصيغة الخاصة ضرورة أن ذلك بعد حصوله بسببه المعدله يقتضي كون الخيار بيدها إن شاءت تزوجت وإن شاءت لا تتزوج، كما صرح به في الصحيح الأول. وخبر محمد بن آدم وعزمه على جعل ذلك بعد حصوله صداقا لا يقتضي مشروعيته بل هو حينئذ كمن أبرأ ذمة امرأته بصيغة الإبراء ثم أراد أن يجعل ذلك صدقا لها فإنه غير جائز قطعا بخلاف ما لو جعل ما في ذمتها صداقا لها فانه يكون حينئذ الإبراء بالاصداق نفسه فكذا هنا واستبعاد جعل الانسان نفسه صداقا له في غير محله بعد النص. ويمكن أن يقال: ما ذكر لا يستفاد من النصوص والفتاوي فلا حظ خبر عبيد بن زرارة يقول: " إذا قال الرجل: أعتقتك الخ " وكذا صحيح ابن مسلم وكذا صحيح الحلبي. وأما ما ذكر من ضرورة أن ذلك الخ، فهو في صورة تقديم العتق ومع التأخير لا يتوجه، ومع ترجيح الأخبار الدالة على جواز تقديم العتق نأخذ على خلاف القاعدة من جهة النص، ولم نعثر على الفتوى المطابق لما ذكر. (وأم الولد رق وإن كان ولدها باقيا ولو مات جاز بيعها. وتنعتق بموت المولى من نصيب ولدها ولو عجز النصيب سعت في المتخلف ولا يلزم الولد السعي على الأشبه. وتباع مع وجود الولد في ثمن رقبتها إن لم يكن غيرها). أما رقية أم الولد فلا إشكال فيها لعدم ما يوجب حريتها وإن منع بيعها لأن تنعتق بعد موت السيد من نصيب ولدها إن لم يف في زمان السيد ومع موت الولد لا مانع من بيعها لخروجها عن معرضية الانعتاق، والأخبار المتعلقة بالمقام منها ما في الكافي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل اشترى جارية يطؤها فولدت له ولدا فمات ولدها، فقال: إن شاؤا باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها وإن كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه (1) ". وعن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: " سألته عن ام الولد تباع في الدين قال: نعم في ثمن رقبتها (2).


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 192 والتهذيب ج 2 ص 313.

[ 338 ]

وعن عمر بن يزيد في الصحيح قال: " قلت للصادق عليه السلام - كما في الكافي - أو قلت لأبي إبراهيم عليه السلام - كما في الفقيه - " أسألك؟ فقال: سل، فقلت: لم باع أمير المؤمنين عليه السلام امهات الأولاد؟ قال: في فكاك رقابهن قلت: وكيف ذلك؟ قال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدى عنها أخذ ولدها منها وبيعت فأدى ثمنها، قلت: فيبعن فيما سوى ذلك من الدين قال: لا " (1). وفي الكافي عن يونس " في ام ولد ليس لها ولد مات ولدها ومات عنها صاحبها ولم يعتقها هل يحل لأحد تزويجها؟ قال: لاهي أمة لا يحل لأحد تزويجها إلا بعتق من الورثة، فإن كان لها ولد وليس على الميت دين فهي للولد وإذا ملكها الوالد فقد عتقت بملك ولدها لها وإن كانت بين شركاء فقد عتقت من نصيب ولدها وتستسعى في بقية ثمنها (2) ". وفي التهذيب عن أبي بصير قال: " سألت الصادق عليه السلام عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، فقال: إن شاء أن يبيعها باعها وإن مات مولاها وعليه دين قومت على ابنها فإن كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر، ثم يجبر على قيمتها، وإن مات ابنها قبل أمه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الورثة (3) ". وهذه الأخبار وإن لم يكن في إسناد بعضها تصحيح أو توثيق لكن الظاهر عمل الأصحاب بمضمونها، فيظهر من صحيح عمر بن يزيد عدم جواز بيع ام الولد في غير ثمنها مع عدم وجود مال يؤدي الثمن، وبه يقيد إطلاق خبر عمر بن يزيد عن أبي الحسن عليه السلام حيث يظهر منه جواز بيعها في ثمن رقبتها ولو كان له مال غيرها، ويشكل حيث إن عدم وجدان مال آخر يؤدى به ثمن رقبة ام الولد نادرا أو يكون الغالب خلافه فكيف بنحو القانون اجيب بالجواز، فمن هذه الجهة ربما يقع التعارض بين الخبر والصحيح ويظهر من خبر يونس المروي في الكافي بيعها في بقية ثمنها ويظهر من الخبر المذكور جواز بيع أم الولد في ثمن رقبتها حتى في زمان حياة السيد بلا اختصاص بصورة موته


(1) الفقيه باب امهات الاولاد تحت رقم 6 والكافي ج 6 ص 193. (2) الكافي ج 6 ص 193 والتهذيب ج 2 ص 313. (3) التهذيب ج 2 ص 313.

[ 339 ]

إلا أن يستشكل من جهة السند، وأما الصحيح المذكور فلا إطلاق فيه للتعبير فيه بقوله عليه السلام على المحكي " ولم يدع من المال ما يؤدي ثمنه " حيث إن هذا التعبير يناسب ما بعد الموت. وأما ما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن وهب بن عبد ربه، عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل زوج أم ولد له عبدا له، ثم مات السيد؟ قال: لا خيار لها على العبد هي مملوكة للورثة (1). فلم يعمل الاصحاب بظاهره على أن الشيخ رواه عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل زوج عبدا له من أم ولد له ولا ولد لها من السيد ثم مات السيد - الخ ". وظهر من خبر يونس المذكور انعتاق ام الولد بصيرورتها ملكا لولدها بلا احتياج إلى إعتاقها من ناحية الولد. وأما عدم وجوب السعي على الولد فلعدم الدليل عليه ولم يظهر من الأخبار المذكورة واحتمال كون لفظ " تستسعى " بالتاء في خبر يونس المذكور " يستسعى " بالياء بعيد مع كون المضبوط بالتاء. (ولو اشترى الأمة نسيئة ولم يترك ما يقوم بثمنها فالأشبه أن العتق لا يبطل ولا يرق الولد، وقيل تباع في ثمنها ويكون حملها كهيئتها لرواية هشام بن سالم. واما البيع فإذا بيعت ذات البعل تخير المشتري في الإجازة والفسخ تخيرا على الفور وكذا لو بيع العبد وتحته أمة، وكذا قيل: لو كان تحته حرة لرواية فيها ضعف). محل الكلام في ما ذكر أولا اشتراء الامة مع كون ثمنها دينا ثم تزوجها وجعل المهر عتقها ثم إيلادها، فالمحكي عن الشيخ وابني البراج والجنيد بيع الأمة في الدين وعود الولد بالرقية كأمه لرواية هشام بن سالم صحيحة عن الصادق عليه السلام في موضع من التهذيب (2) وفي آخر (3) عن أبي بصير عنه عليه السلام قال: (سئل وأنا حاضر


(1) الكافي ج 6 ص 173 والفقيه باب أمهات الاولاد تحت رقم 2، واللفظ له (2) المصدر ج 2 ص 311 (3) المصدر ج 2 ص 303.

[ 340 ]

عن رجل باع من رجل جارية بكرا إلى سنة فلما قبضها المشتري اعتقها من الغد و تزوجها وجعل مهرها عتقها، ثم مات بعد ذلك بشهر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن كان الذي اشتراها إلى سنة له مال أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها فإن عتقه ونكاحه جائز، وإن لم يملك مالا أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها كان عتقه ونكاحه باطلا لأنه عتق ما لا يملك وأرى أنها رق لمولاها الأول، قيل له: وإن كانت علقت من الذي أعتقها وتزوجها ما حال ما في بطنها؟ فقال: الذي في بطنها مع أمه كهيئتها ". قد يستشكل في سند الرواية من جهة اشتراك أبي بصير حيث إن هشام بن سالم تارة يروي عن الصادق عليه السلام واخرى عن أبي بصير المشترك بين ليث المرادي ويحيى بن قاسم الاسدي والأول وإن كان ثقة إلا أن الثاني لا دليل على توثيقه، وثانيا يكون مضمونها مخالفا للقواعد المسلمة فيشكل الأخذ بمضمونها بتخصيص القواعد المسلمة من وقوع التزويج والعتق من أهلهما وفي محلها وحرية الولد لنشوه بين حرتين فيتبعهما. وقال بعض الفقهاء: وقد ورد في رواياتنا أنهم عليهم السلام أمرونا بعرض ما يرد علينا من أخبارهم بسائر أحكامهم، ثم قبول ما وافقها وطرح ما خالفها. وأما البيع فإذا بيعت ذات البعل تخير المشتري في الفسخ والإجازة للأخبار المستفيضة. منها ما رواه في الكافي في الصحيح إلى الحسن بن زياد وهو مشترك بين الثقة وغيره قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى جارية يطؤها فبلغه أن لها زوجا قال: يطؤها وإن بيعها طلاقها وذلك أنهما لا يقدران على شئ من أمرهما إذا بيعا (1)). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح أو الحسن قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأمة تباع ولها زوج فقال صفقتها طلاقها (2) ". وعن بريد بن معاوية وبكير في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: " من اشترى مملوكة لها زوج فإن بيعها طلاقها فإن شاء المشتري فرق بينهما


(1) و (2) المصدر ج 5 ص 483.

[ 341 ]

وإن شاء تركهما على نكاحهما (1) " وما رواه في الكافي والفقيه عن ابن مسلم في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: " طلاق الأمة بيعها أو بيع زوجها، وقال في الرجل يزوج أمته رجلا حرا ثم يبيعها، قال: هو فراق فيما بينهما إلا أن يشاء المشتري أن يدعهما (2) ". فالأولى ترك نقل هذه الرواية. وما رواه في الكافي والتهذيب عن عبيد بن زرارة في الموثق قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن الناس يروون أن عليا صلوات الله عليه كتب إلى عامله بالمدائن أن يشتري له جارية فاشتراها وبعث بها وكتب إليه أن لها زوجا؟ فكتب إليه علي عليه السلام أن يشتري بضعها، فاشتراه؟ فقال: كذبوا على علي عليه السلام أعلي يقول هذا (3) ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " طلاق الأمة بيعها (4). وما رواه في الفقيه عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال " إذا بيعت الأمة ولها زوج فالذي اشتراها بالخيار إن شاء فرق بينهما وإن شاء تركها معه، فإن هو ترك معه فليس له أن يفرق بينهما بعدما رضي، قال: وإن بيع العبد فإن شاء مولاه الذي اشتراه أن يصنع مثل الذي صنع صاحب الجارية فذلك له وإن هو سلم فليس له أن يفرق بينهما بعد ما سلم (5) ". ثم لا يخفى أن التعبير بأن بيعها طلاقها لا يراد منه ظاهره بل المراد تخير المشتري بين الفسخ والإجازة بقرينة الجمع بين الأمرين في بعض الأخبار المذكورة، لكن الأقرب أن يكون الزوج ممنوعا عن معاملة الزوجية قبل اختيار المشتري أحد الأمرين من الفسخ والامضاء الا أن يقال: لعله من قبيل المطلقة بالطلاق الرجعي حيث إن


(1 إلى 3) الكافي ج 5 ب 483. (2) المصدر ج 2 ص 210 (5) المصدر باب طلاق العبد تحت رقم 11.

[ 342 ]

المرأة لم تخرج عن الزوجية، ويؤيد هذا قوله عليه السلام في خبر أبي الصباح المذكور " إن شاء فرق بينهما وإن شاء تركها معه " حيث يظهر منه أنه بالتفريق يحصل الفراق ومع عدم التفريق من المشتري هما باقيان على نكاحهما. وأما الفورية فلم يظهر وجهها من الأخبار المذكورة بل لا يبعد استفادة التراخي فإن هذه الأخبار يشمل ما وقع من بيع الأمة المزوجة، والجهل بالفورية ليس عذرا فمع شمول دليل التخيير صورة وقوع بيع المزوجه يستفاد التراخي فلا حاجة إلى استصحاب الخيار حتى يستشكل جريانه من جهة دليل لزوم النكاح والأخذ بالقدر المتيقن في التخصيص أو التقييد أو من جهة الاشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. نعم مقتضى بعض أخبار الباب مع الرضا بالعقد وبقاء النكاح لا خيار، هذا ولكن ادعي الاجماع على فورية الخيار. وأما صورة تزوج العبد مع الأمة وبيعه فمقتضى روايه أبي الصباح الكناني فيها ثبوت الخيار للمشتري ويدل عليه أيضا رواية الحسن بن زياد المذكورة. وأما صورة تزوجه مع الحرة فمقتضى ما ذكر أيضا ثبوت الخيار لمشتري العبد مضافا إلى خبر محمد بن علي، عن أبي الحسن عليه السلام " إذا تزوج المملوك حرة فللمولى أن يفرق بينهما فإن زوجه المولى حرة فله أن يفرق بينهما " (1) إذ ليس له التفريق إلا بالبيع حيث إن الطلاق بيد العبد على المعروف ولعل مراد المصنف قدس سره في قوله " لرواية فيها ضعف " هذا الخبر ولكنه لا نحتاج في الاستدلال إلى هذه الرواية بخصوصها. (ولو كانا لمالك فباعهما لاثنين فلكل منهما الخيار، وكذا لو باع أحدهما لم يثبت العقد ما لم يرض كل واحد منهما. ويملك المولى المهر بالعقد. فإن دخل الزوج استقر، ولا يسقط لو باع. أما لو باع قبل الدخول سقط. فإن أجاز المشتري كان المهر له لأن الإجازة كالعقد).


(1) التهذيب ج 2 ص 210.

[ 343 ]

أما صورة كون العبد والأمة لمالك فباعهما لاثنين فلا اشكال ولا خلاف في ثبوت الخيار للمشتريين بمقتضى الأخبار المذكورة، ويقع الإشكال في نحو اختيارهما نظير الاشكال في الخيار الموروث، فظاهر المتن أن ثبوت العقد منوط برضى المشتر يين فلو رضي أحدهما ولم يرض الآخر لم يثبت العقد فله الفسخ ويشكل من جهة أنه لم يحرز كون هذا الاختيار حقا أو حكما وعلى كلا التقديرين لا دليل على قبول التجزية فمع فسخهما لا إشكال وكذا مع الإمضاء، ومع الاختلاف لا يبعد التمسك بما دل على لزوم العقد وعدم حصول التفريق بفسخ أحدهما. وأما صورة بيع أحد المملوكين فقد يقال فيها بثبوت الخيار للبايع وللمشتري، وإثباته لهما بالأخبار المذكورة مشكل فإن التعبير في الأخبار بأن بيعها طلاقها فسر بتخير المشتري بين الفسخ والإجازة إلا أن يتمسك بذيل رواية الحسن بن زياد أعني قوله عليه السلام على المحكي " وذلك أنهما لا يقدران - الخ " بأن يقال كما أن الأمة لا تقدر على بقائها على الزوجية للعبد إلا باذن جديد كذلك العبد لا يقدر على بقائه على التزوج إلا باذن جديد لكن هذا مبني على شرطية بيع كل من الامة والعبد في الحاجة إلى إذن جديد بالنسبة إلى العبد والأمة، وأما إذا كان شرطية بيع كل منهما في حاجه خصوص البيع إلى اذن جديد ومن المعلوم أنه مع خروج المبيع عن سلطنة البايع من جهة البيع لا مدخلية لأذنه فيختص الخيار بالمشتري. والمعروف ملكية المولى للمهر إذا زوج أمته لأنه عوض البضع الذي هو ملك المولى فمع دخول الزوج استقر المهر وثبت للمولى ولا يسقط بالبيع الواقع بعده سواء أجاز المشتري وسواء قبض البايع شيئا من المهر أم لا، والوجه فيه أن الدخول موجب لاستقرار المهر في الحرة حتى لو طلق الزوج والحال هذه لم يسقط من المهر شئ فالبيع أولى، وبالجملة قد ثبت بالأدلة استقرار المهر، وسقوطه بالبيع يحتاج إلى دليل وليس فليس، وإن كان البيع قبل الدخول فظاهرهم سقوط المهر وعدم استحقاق المولى له فإن أجاز المشتري لزم المهر فكان له لأن الإجازة كالعقد المستأنف وإن فسخ سقط المهر لان الفرقة قبل الدخول إذا كانت من قبل المرأة توجب سقوطه وهي هنا من المالك

[ 344 ]

للبضع فيكون بمنزلة المرأة كما لو كان من قبلها ويمكن أن يقال لا نسلم كون المهر في قبال البضع ألا ترى أنه مع تزويج الصغيرة التي ليست قابلة للاستمتاع يجب المهر بموتها نصفه أو تمامه حسب اختلاف الروايات مع أنه ليس في قباله شئ، نعم مع استحقاق الأمة المهر يكون المولى مختارا في التصرف فيه لكونه مالكا لما يملك المملوك بنحو الطولية وتظهر الثمرة في صوره انعتاق المملوك وعدم تصرف المولى في المهر فعلى هذا يكون المهر ملكا للمرأة المنعتقة، هذا والظاهر أنه خلاف المشهور. وأما ما ذكر من أنه إذا كان البيع قبل الدخول فظاهرهم عدم استحقاق المولى البايع للمهر الخ فوجهه أنه بعد ما كان الفسخ موجبا لكون العقد الواقع كأن لم يكن فسواء كان المهر عوضا أو شرطا خرج عن ملك من ملكه ولا يقاس المقام بالطلاق قبل الدخول أو الموت قبله ولا بالفسخ بعد الدخول لما دل في الطلاق والموت وصورة الدخول على استحقاق المهر وإن كان ظاهر ما دل على ثبوت المهر بالدخول ثبوته لما استحل فرجها لا المالك، وأما لو باع السيد قبل الدخول وأجاز المشتري فمقتضى القاعدة كون المهر للمولى الأول البايع لا المشتري لحصول الملكية بالعقد للمولى البايع على المشهور والمفروض إمضاء المشتري وما ذكر من أن الإجازة كالعقد لم يظهر وجهه. (وأما الطلاق فإذا كانت زوجة العبد حرة أو أمة لغير مولاه فالطلاق بيده وليس لمولاه إجباره ولو كانت أمة لمولاه كان التفريق إلى المولى ولا يشترط لفظ الطلاق). أما صورة كون زوجة العبد حرة أو أمة لغير مولاه بعدما كان التزوج بإذن المولى ابتداء أو استدامة ففيها الطلاق بيد العبد على المشهور للنبوي " الطلاق بيد من أخذ بالساق " وخبر ليث المرادي " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد هل يجوز طلاقه؟ فقال: إن كان أمتك فلا، إن الله عزوجل يقول " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " وإن كان من قوم آخرين أو حرة جاز طلاقه (1). والكناني عنه أيضا " إذا كان العبد وامرأته لرجل واحد فالمولى يأخذها إذا شاء وإذا شاء ردها وقال: لا يجوز طلاق العبد إذا كان هو وامرأته لرجل واحد إلا أن يكون


(1) الكافي ج 6 ص 168.

[ 345 ]

العبد لرجل والمرأة لرجل وتزوجها بإذن مولاه وإذن مولاها فإن طلق وهو بهذه المنزلة فإن طلاقه جائز. (1) " وخبر عبد الله بن سنان في الموثق عنه أيضا " سألته عن رجل تزوج غلامه جارية حرة فقال: " الطلاق بيد الغلام، فإن تزوجها بغير إذن مولاه فالطلاق بيد المولى (2) ". وخبر أبي بصير " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يأذن لعبده أن يتزوج الحرة أو أمة قوم، الطلاق إلى السيد أو إلى العبد؟ قال: الطلاق إلى العبد (3) ". وعن علي بن يقطين في الموثق عن العبد الصالح عليه السلام قال: " سألته عن رجل تزوج غلامه جارية حرة، فقال: الطلاق بيد الغلام، وسألته عن رجل زوج أمته رجلا حرا فقال: الطلاق بيد الحر (4) ". ومع كون الطلاق بيد العبد ليس للمولى إجباره إلا أن يقال: لا مانع من كون الطلاق بيد العبد وللمولى إجباره على الطلاق كاجبار الحاكم المحتكر على بيع الطعام، لكنه لا دليل بالخصوص على جواز الإجبار والمولوية والعبودية لا يقتضيان جواز الإجبار في كل أمر. وفي قبال هذه الأخبار ما يخالفها منها صحيح العجلي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام " في العبد المملوك ليس له طلاق إلا باذن مولاه (5) ". وصحيح زرارة عنهما عليهما السلام أيضا " المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا باذن سيده، قلت: فإن كان السيد زوجه بيد من الطلاق؟ قال بيد السيد " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) الشئ الطلاق (6) ". وصحيح البجلي، عن أبي إبراهيم عليه السلام " سألته عن الرجل يزوج عبده أمة ثم يبدو له فينتزعها منه بطيبة نفسه أيكون ذلك طلاقا؟ قال: نعم لأن طلاق المولى


(1) و (2) و (3) و (4) الكافي ج 6 ص 168 (5) التهذيب ج 2 ص 210 والاستبصار ج 3 ص 206 (6) الفقيه باب طلاق العبد تحت رقم 2.

[ 346 ]

هو طلاقها، ولا طلاق للعبد إلا بإذن مولاه " (1). وصحيح العقرقوفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل وأنا عنده أسمع من طلاق العبد قال: ليس له طلاق ولا نكاح أما تسمع الله يقول " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " قال: لا يقدر على نكاح ولا طلاق إلا باذن مولاه " (2). ولا يخفى عدم إمكان الجمع بين الطائفتين ولعل الترجيح مع الطائفة الثانية لموافقة الكتاب. وقد يرجح الطائفة الأولى من جهة الشهرة والأخصية، أما الشهرة بحسب الفتوى فليست من المرجحات وأما الأخصية فلم أفهم كيف يكون مرجحة بل مع الأخصية يجمع بين الخاص والعام بالتخصيص وهذا غير ممكن في المقام فإنه لا مجال لحمل الطائفة الثانية على خصوص تزوج العبد أمة المولى لأنه حمل للمطلق على الغير الغالب، مضافا إلى إباء خبر محمد بن علي عن أبي الحسن عليه السلام قال: " إذا تزوج المملوك حرة فللمولى أن يفرق بينهما وإن زوجه المولى فله أن يفرق بينهما " (3). ويظهر مما روى العياشي في تفسيره بسنده فيه عن الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد علهما السلام قال: " علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " ويقول: للعبد لا طلاق ولا نكاح ذلك إلى سيده والناس يرون خلاف ذلك إذا أذن السيد لعبده لا يرون له أن يفرق بينهما " خروج الطائفة الأولى مخرج التقية. وأما صورة كون الأمة لمولى العبد فلا إشكال فيها في إن الطلاق بيد المولى والطائفتان من الأخبار متطابقتان بل للمولى التفريق بغير الطلاق. ويدل عليه صحيح ابن مسلم " سئل الباقر عليه السلام عن قول الله عزوجل " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال: هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمة فيقول: اعتزل امرأتك ولا تقربها ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها " (4).


(1 و 2) التهذيب 2 ص 212 والاستبصار ج 3 ص 215. (3) التهذيب ج 2 ص 210 والاستبصار ج 3 ص 206. (4) التهذيب ج 2 ص 212 والكافي ج 5 ص 481.

[ 347 ]

(النظر الثاني في الملك وهو نوعان الأول ملك الرقبة ولا حصر في النكاح به وإذا زوج أمة حرمت عليه وطءا ولمسا ونظرا بشهوة ما دامت في العقد وليس للمولى انتزاعها، ولو باعها تخير المشتري دونه، ولا يحل لأحد الشريكين وطي المشتركة، ويجوز ابتياع ذوات الأزواج من أهل الحرب وأبنائهم وبناتهم). لا خلاف في عدم انحصار النكاح بملك اليمين في عدد ويدل عليه صحيحة ابن اذينه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت كم يحل من المتعة؟ قال: فقال: هن بمنزلة الإماء " (1). وحسنة إسماعيل بن الفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام فيما أخبر به ابن جريج في أحكام المتعة قال: " ليس فيها وقت ولا عدد إنما هي بمنزلة الإماء " (2). وفي حديث أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن عليه السلام في حديث المتعة حكى زرارة عن أبي جعفر " إنما هي مثل الإماء يتزوج ما شاء " (3). والحكم المذكور مختص بالرجال، أما النساء فإن الملك فيهن ليس طريقا إلى حل الوطي، وروى ابن بابويه في الصحيح، عن العلاء، عن محمد بن مسلم عن أبي - جعفر عليهما السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة مكنت نفسها عبدا لها أن يباع بصغر منها ويحرم على كل مسلم أن يبيعها عبدا مدركا بعد ذلك " (4). وروي الكليني الرواية المذكورة بعينها وزاد فيها " أنها تضرب مائة ويضرب العبد خمسين " (5). وأما حرمة وطي المملوكة المزوجة ولمسها والنظر إليها بشهوة فلا خلاف فيها ويدل عليها الأخبار منها خبر مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عشر لا يجوز نكاحهن ولا غشيانهن - إلى أن عد منها - أمتك ولها


(1 و 2) الكافي ج 5 ص 451 (3) التهذيب ج 2 ص 188 الفقيه باب احكام المماليك والاماء من كتاب النكاح تحت رقم 17 (5) الكافي ج 5 ص 493.

[ 348 ]

زوج " ونحوه الآخر بزيادة " وهي تحته " (1). وخبر مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام " يحرم من الإماء عشر - إلى أن قال: - ولا أمتك ولها زوج ولا أمتك وهي في عدة " (2). وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل زوج مملوكته عبده فتقوم عليه كما كانت عليه فرآه منكشفا أو يراها على تلك الحال فكره ذلك وقال قد منعني أن ازوج بعض خدمي غلامي لذلك " (3). وصحيح عبيد عنه عليه السلام أيضا " عن الرجل يزوج جاريته هل ينبغي له أن ترى عورته قال: لا وأنا أتقي ذلك من مملوكتي إذا زوجتها " (4). وبعد تسلم الحكم عند المتشرعة لا مجال للخدشة في دلالة الأخبار، ومع تزويج الأمة بغير عبده لا يجوز له انتزاعها لأن الطلاق ليس بيده ولو كان الزوج مملوكا لغيره ليس الاختيار بيده، ومع بيع الأمة يكون الخيار بيد المشتري كما سبق الكلام. وأما عدم حلية وطي أحد الشريكين فيدل عليه موثق سماعة " سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين قال: حرمت عليه بإشترائه إياها وذلك أن بيعها طلاقها إلا أن يشتريها من جميعهم " (5). والمستفاد من هذا الموثق أمران أحدهما بطلان التزويج من جهة اشترائه الجارية، والثاني عدم كفاية ملكية بعض الجارية في حليه وطيها ولا يبعد استفادة الحكم من الآية الشريفة " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " بدعوى أن الظاهر لزوم مملوكية الكل لا البعض. وأما جواز ابتياع ذوات الأزواج من أهل الحرب وأبنائهم وبناتهم فادعي


(1 و 2) التهذيب ج 2 ص 302 والفقيه احكام المماليك تحت رقم 4 (3) الكافي ج 5 ص 480 والتهذيب ج 2 ص 302 (4) الكافي ج 5 ص 555 (5) روى صدره الكليني ج 5 ص 482 وتمامه 484

[ 349 ]

الإجماع عليه وعلل بأنهم فيئ للمسلمين يجوز استنقاذه بكل وجه فالملك المترتب عليه بالاستيلاء حقيقة لا بالابتياع ولازم هذا عدم جواز التصرف فيما أخذ الحربي من المسلم بمثل البيع لأنه ما صار ملكا له فكيف يجوز أخذه منه، نعم يمكن الاستدلال لفساد البيع بما دل على عدم تملك الأب لأبنائه وبناته لو كان البايع الأب أما لو كان البايع غير الأب أو كان زوجا فلا إشكال من هذه الجهة فالأولى الاستدلال بالأخبار. منها ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن بكير عن عبد الله اللحام قال: " سألت أبا - عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري امرأة الرجمن أهل الشرك يتخذها أمة؟ قال: لا بأس " (1). وما رواه الشيخ عن عبد الله بن بكير عن عبد الله اللحام قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يشتري من أهل الشرك ابنته فيتخذها أمة؟ قال: لا بأس " (2). وما رواه الشيخ عن إسماعيل بن الفصل قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سبي الأكراد إذا حاربوا ومن حارب من المشركين هل يحل نكاحهم وشراؤهم؟ قال: نعم " (3). (ولو ملك الأمة فأعتقها حل له وطيها بالعقد وإن لم يستبرئها ولا تحل لغيره حتى تعتد كالحرة ويملك الأب موطوءة ابنه وإن حرم عليه وطيها وكذا الابن). أما جواز الوطي بالعقد بدون الاستبراء ففي بعض الكلمات لا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه الأخبار منها صحيح محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام " في الرجل يشتري الجارية، ثم يعتقها ويتزوجها هل يقع عليها قبل أن يستبرء رحمها؟ قال: يستبرء رحمها بحيضة، قال: قلت: وإن وقع عليها؟ قال: لا بأس " (4). ونحوه خر عبيد (5) وأبي العباس (6) عن الصادق عليه السلام ويستفاد من هذا


(1) التهذيب ج 2 ص 302 (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 302 (4 و 5 و 6) التهذيب ج 2 ص 296 والاستبصار ج 3 ص 361

[ 350 ]

الصحيح أفضلية الاستبراء كما ذكر في الشرايع. ويمكن أن يقال مع العلم بوقوع الوطي المحترم لها يشكل الحكم بالجواز ولذا قيد العلامة وغيره جواز الوطي بغير هذه الصورة مع إيجاب الاستبراء في هذه الصورة فإن المستفاد من تتبع الأخبار لزوم الاستبراء، ولذا اشتهر عدم اختصاص وجوب الاستبراء بمورد الأخبار الدالة عليه فيقيد بما ذكر ما دل بإطلاقه على عدم وجوب الاستبراء. وأما عدم الحليه للغير بدون الاعتداد فيدل عليه صحيح زرارة " سألت أبا عبد - الله عليه السلام عن رجل أعتق سرية أله أن يتزوجها بغير عدة؟ قال: نعم، قلت: فغيره قال: لا حتى تعتد ثلاثة أشهر " (1). ونحوه الصحيح الآخر عنه عليه السلام لكن الظاهر تقييده بصورة عدم العلم بعدم الوطي، وأما مع العلم بعدمه فلا مقتضى للاعتداد، ومع الجهل وإن كان مقتضي الأصل عدم الوطي لكنه يمكن إيجاب الاعتداد للاحتياط على خلاف الأصل. وأما جواز تملك الأب موطوءة ابنه وبالعكس مع حرمة الوطي فلا إشكال فيه وقد مضى الكلام فيه في ضمن السبب الثالث في المصاهرة. (النوع الثاني ملك المنفعة وصيغته أن يقول: أحللت لك وطيها أو جعلتك في حل من وطيها. ولم يتعدهما الشيخ واتسع آخرون بلفظ الإباحة، ومنع الجميع لفظ العارية، وهل هو إباحة أو عقد؟ قال علم الهدى: هو عقد متعة. وفي تحليل أمة المملوكة تردد، ومساواته بالأجنبي أشبه). المعروف بين الأصحاب صحة تحليل المولى وطي أمته لغيره قال ابن إدريس - قدس سره - " إنه جائز عند أكثر أصحابنا المحصلين وبه تواتر الأخبار - انتهى ". ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه الكليني والشيخ - قدس سراهما - في الصحيح عن الفضيل بن يسار قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إن بعض


(1) التهذيب ج 2 ص 295 ورواه الكليني ج 5 ص 476 من رواية الحلبي عنه عليه السلام.

[ 351 ]

أصحابنا قد روى عنك أنك قلت: إذا أحل الرجل لأخيه جاريته فهي له حلال؟ فقال: نعم يا فضيل، قلت له: فما تقول في رجل عنده جارية نفيسة وهي بكر أحل لأخيه ما دون فرجها أله أن يفتضها؟ قال: لا ليس له إلا ما أحل له ولو أحل له قبلة منها لم تحل له ما سوى ذلك، قلت: أرأيت إن أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها؟ قال: لا ينبغي له، قلت: فإن فعل أيكون زانيا؟ قال: لا، ولكن يكون خائنا ويغرم لصاحبها عشر قيمتها " وزاد في الكافي " إن كانت بكرا وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها - الحديث " (1). وما رواه في الكافي عن أبي بصير - وهو مشترك - قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أحلت لابنها فرج جاريتها، قال: له حلال - الحديث " (2). وفي الصحيح عن ضريس بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يحل لأخيه جاريته وهي تخرج في حوائجه، قال: هي له حلال " (3) إلى غيرها. وظاهر الأخبار صحة التحليل بأي صيغة كانت بعد الفراغ عن عدم كفاية مجرد التراضي حيث ادعى على عدم الكفاية الإجماع، وقد أجمعوا على الجواز بلفظ التحليل لأنه هو الوارد في النصوص فيصح بقوله: أحللت لك وطي فلانة، أو جعلتك في حل قاصدا به الإنشاء، واختلفوا في لفظ الإباحة وينبغي الاحتياط كما مر الكلام فيه في صيغة النكاح وإن كان مقتضى الأخبار كفاية صدق التحليل باللفظ ولو لم يكن بصيغة الماضي أو كان بالجملة الاسمية بعد المنع عن لفظ العارية. وأما الكلام في أن التحليل هل هو إباحة أو عقد متعة؟ وبعبارة اخرى هل هو عقد نكاح أو عقد تمليك منفعة فهو من جهة أن المستفاد من الآية الشريفة " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ومن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " ويمكن أن يقال: عمومات وإطلاقات الكتاب


(1) التهذيب ج 2 ص 184 والكافي ج 5 ص 468 (2) المصدر ج 5 ص 468 (3) المصدر ج 2 ص 184.

[ 352 ]

الكريم قابلة للتخصيص والتقييد ألا ترى قوله تعالى بعد ذكر المحرمات " واحل لكم ما وراء ذلكم " قد خصص بالمحرمات المذكورة في الأخبار ويشكل اندراج المحللة له في ما ملكت أيمانهم فإن المحلل له ما يملك عين المملوكة وكيف يستفاد من تحليل مثلي التقبيل واللمس والنظر بشهوة ملكية منافع المملوكة مع أن لازم هذا تغريم من حبس الجارية المملوكة بهذا المقدار ولا أظن أن يلتزم به، وبعبارة اخرى أمثال ما ذكر لا تعد من منافع الجارية بل الوطي أيضا غاية الأمر دل الدليل على العقر بنصف عشر القيمة أو العشر تعبدا. وأما تحليل المالك أمته لعبده فيستفاد منعه من صحيح علي بن يقطين أنه " سئل الكاظم عليه السلام عن المملوك تحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحل له مولاه؟ قال: لا تحل له " (1). ويستفاد جوازه من خبر فضيل مولى راشد " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لمولاي في يدي مال فسألته أن يحل لي ما أشترى من الجواري، فقال: إن كان يحل لك أن احل لك فهو حلال، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: إن كان أحل لك جارية بعينها فهو لك حلال وإن قال: اشتر منهن ما شئت فلا تطأ منهن شيئا إلا ما يأمرك إلا جارية يراها فيقول هي لك حلال وإن كان لك أنت مال فاشتر من مالك ما بدا لك " (2). وقد تحمل صحيحة علي بن يقطين على التقية لاعتضاد رواية الجواز بالأخبار الدالة على جواز تسري العبد الجواري بإذن المولى منها ما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن المملوك كم يحل له أن يتزوج قال: حرتان أو أربع إماء، قال: ولا بأس إن كان في يده مال وكان مأذونا في التجارة أن يتسرى ما شاء من الجواري ويطأهن " (3).


(1) التهذيب ج 2 ص 182 والاستبصار ج 3 ص 128 (2) التهذيب ج 2 ص 182 (3) الكافي ج 5 ص 477 والتهذيب ج 2 ص 198

[ 353 ]

وما رواه في الكافي عن إسحاق بن عمار قال: " سأت أبا عبد الله عليه السلام عن المملوك يأذن له مولاه أن يشتري من ماله الجارية والثنتين والثلاث ورقيقة له حلال؟ قال: يحد له حدا لا يجاوزه " (1). وما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إذا أذن الرجل لعبده أن يتسرى من ماله فإنه يشتري كم شاء بعد أن يكون قد أذن له " (2). ويمكن أن يقال: يشكل اعتضاد رواية الجواز بما ذكر من الأخبار فإن المال المذكور في الرواية الأولى إن كان للمولى فمجرد الإذن في التجارة لا يوجب حلية وطي الجواري وإن كان لعبد وكان مأذونا في التجارة فلا ربط له بمقامنا، والرواية الثانية يمكن أن يكون الضمير في من ماله الجارية راجعا إلى المملوك فلا ربط له بمقامنا ويقرب هذا الاحتمال أنه لا مجال لاحتمال حلية الجارية بمجرد الإذن للمملوك في الإشتراء حتى يحتاج إلى السؤال وعلى فرض الرجوع إلى المولى يشكل الاكتفاء في التحليل بهذا النحو كان يقول: اشتر جارية وأحللت لك وطيها بل المستفاد من رواية الفضيل المذكورة لزوم التعيين. ومما ذكر ظهر الاشكال في الاستفادة من الرواية الثالثة نعم لا يبعد حمل صحيح ابن يقطين المذكور على التقية لأن المنع مذهب العامة كما قالوا. (ولو ملكت بعض الأمة فأحلته نفسها لم يصح وفي تحليل الشريك تردد والوجه المنع، ويستبيح ما يتناوله اللفظ، فلو أحل التقبيل اقتصر عليه وكذا اللمس لكن لو أحل الوطى حل له ما دونه). أما عدم الصحة في صورة ملكية بعض الأمة وإحلالها نفسها فلما رواه الكليني والشيخ في باب السراري وملك الأيمان في الصحيح عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن محمد بن قيس قال: سألت أبا جعفر عليهما السلام. ورواه الصدوق في الصحيح أيضا عن الحسن بن محبوب عن ابن رئاب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 477 والتهذيب ج 2 ص 198.

[ 354 ]

جارية بين رجلين دبراها جميعا، ثم أحل أحدهما فرجها لشريكه؟ قال: هي له حلال وأيهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حرا من قبل الذي مات ونصفها مدبرة، قلت: أرأيت إن أراد الباقي منهما أن يمسها أله ذلك؟ قال: لا إلا أن يثبت عتقها ويتزوجها برضا منها متى ما أراد، قلت: له أليس قد صار نصفها حرا وقد ملكت نصف رقبتها والنصف الآخر الباقي منهما؟ قال: بلى، قلت: فإن هي جعلت مولاها في حل من فرجها وأحلت ذلك له؟ قال: لا يجوز له ذلك، قلت: لم لا يجوز لها ذلك وكيف أجزت للذي له نصفها حين أحل فرجها لشريكه منها؟ قال: لأن الحرة لا تحل فرجها ولا تعيره ولا تحلله ولكن لها من نفسها يوم وللذي دبرها يوم، فإن أحب أن يتزوجها متعة بشئ في ذلك اليوم الذي تملك فيه نفسها فيتمتع منها بشئ قل أو كثر " (1). وهذا الصحيح دليل على صحة تحليل الشريك ولعل المنع من جهة ضعف السند بنظرهم لكنه بعد ملاحظة صحة السند كما في الحدائق لا مانع من العمل به. وأما استباحة ما يتناوله اللفظ بل ما يشهد الحال بدخوله تحته في الإرادة على حسب غيره من العقود والاقتصار فلاصالة الحرمة في ملك الغير بل أصالة الحرمة في النساء، فلو أحل التقبيل اقتصر عليه وكذا اللمس، لكن لو أحل الوطي حل له ما دونه للفهم العرفي المؤيد بقول الصادق عليه السلام في خبر ابن عطية " إذا أحل الرجل للرجل من جاريته قبلة لم يحل له غيرها، وإن أحل له الفرج حل له جميعها " (2). إلا أن يصرح بالمنع فيما زاد على ما يتوقف عليه الوطي ومعه يقتصر عليه أيضا لاطلاق النصوص الدالة على أنه ليس له إلا ما أحل له؟ فعن فضيل بن يسار " قلت لأبي - عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إن بعض أصحابنا قد روى عنك أنك قلت: إذا أحل الرجل جاريته فهي له حلال، فقال: نعم يا فضيل، قلت: فما تقول في رجل عنده جارية له نفيسة وهي بكر أحل لأخيه ما دون فرجها أله أن يفتضها؟ قال: لا ليس له إلا ما أحل له منها ولو أحل له قبلة منها لم يحل له ما سوى ذلك، قلت: أرأيت إن أحل


(1) الكافي ج 5 ص 482 والتهذيب ج 2 ص 185 و 303 (2) التهذيب ج 2 ص 184 والكافي ج 5 ص 470.

[ 355 ]

له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها؟ قال: لا ينبغى له ذلك، قلت: فإن فعل يكون زانيا؟ قال: لا ولكن يكون خائنا ويغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكرا وإن لم تكن فنصف عشر قيمتها " (1). وفي خبر هشام بن سالم وحفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يقول لامرأته أحلي لي جاريتك فإني أكره أن تراني منكشفا فتحلها له، قال: لا تحل له منها إلا ذاك وليس له أن يمسها ولا أن يطئها " (2) إلى غير ما ذكر. ويمكن أن يقال: خبر ابن عطية المذكور مع فرض تماميته من حيث السند مخصص للأخبار الدالة على الاقتصار ولا بعد في التخصيص ألا ترى أنه في خبر فضيل لم يحكم بكونه زانيا مع أنه لم يحلل له إلا أنه لا يشمل صورة التصريح بالمنع. " ولو أحل الخدمة لم يتعرض للوطى وكذا لا يستبيح بتحليل الوطى، وولد المحللة حر فإن شرط الحرية في العقد فلا سبيل على الأب وإن لم يشترط ففي إلزامه قيمة الولد روايتان أشهرهما أنها لا تلزم، ولا بأس أن يطأ الأمة وفي البيت غيره، وأن ينام بين الأمتين، ويكره في الحرائر، وكذا يكره وطي الفاجرة ومن ولدت من الزنا). مقتضى القاعدة والأخبار الاقتصار بما أحل المولى فمع إحلاله لخصوص الخدمة ليس لمن أحل له الخدمة التجاوز، كما أنه مع تحليل الوطى ليس له الاستخدام لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذن المالك، وخبر ابن عطية ظاهر فيما يكون مرتبطا بالوطى من مقدماته. وولد المحللة حر مع حرية من أحلت له ويدل عليه عموم الأخبار الدالة على تبعية الولد للحر من الأبوين وخصوص صحيح زرارة قال للباقر عليه السلام: " الرجل يحل لأخيه جاريته قال: لا بأس به قال: قلت: فإنها جاءت بولد، قال: ينضم إليه ولده ويرد الجارية إلى صاحبها، قلت: إنه لم يأذن له في ذلك؟ قال: إنه قد أذن له وهو لا يأمن


(1) الكافي ج 5 ص 468 والتهذيب ج 2 ص 184 (2) الكافي ج 5 ص 469 والتهذيب ج 2 ص 184.

[ 356 ]

أن يكون ذلك (1) " ونحوه الصحيح الآخر والصحيح أو الحسن " الرجل يحل جاريته لأخيه وحرة أحلت جاريتها لأخيها؟ قال: يحل له من ذلك ما أحل له، قلت: فجاءت بولد؟ قال: يلحق بالحر من أبويه (2) ". ثم إنه لا خلاف ظاهرا في أنه مع شرط الحريه للولد لا سبيل على الأب ومع عدم الشرط حكي عن الشيخ - قدس سره - يجب على أبيه فكه بالقيمة والمشهور أنه لا يجب ويدل على قول الشيخ صحيح يونس بن عبد الملك " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يحل لأخيه فرج جاريته وهي تخرج في حوائجه قال: هو له حلال، قلت: فإن جاءت بولد منه ما يصنع به، فقال: هو لمولى الجارية إلا أن يكون قد اشترط على مولى الجارية حين أحلها له إن جاءت بولد فهو حر، قلت: فيملك ولده؟ قال: إن كان له مال اشتراه بالقيمة (3) ". وصحيح الحسن بن زياد العطار " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عارية الفرج، فقال لا بأس، قلت: فإن كانت أتت منه بولد؟ فقال: لصاحب الجارية إلا أن يشترط عليه (4) ". ورواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام " في امرأة قالت لرجل: فرج جاريتي لك حلال، فوطئها فولدت ولدا؟ قال: يقوم الولد عليه (5) ". ثم لا يخفى التعارض بين الأخبار ولا مجال للجمع بحمل الأخبار السابقة على صورة الاشتراط كما لا يخفى والشهرة بحسب الفتوى لا تكون مرجحة ولا يبعد ترجيح الأخبار السابقة من جهة الموافقة مع الأخبار الدالة على حريه الولد بين الحر والمملوك، وتلك الأخبار وإن كانت أكثرها في مورد التزويج لكن بعضها مطلق وما فيه السؤال الراجع


(1) الكافي ج 5 ص 469 والتهذيب ج 2 ص 185 (2) التهذيب ج 2 ص 185 والاستبصار ج 3 ص 139 (3) التهذيب ج 2 ص 185 والاستبصار ج 3 ص 139 (4) التهذيب ج 2 ص 185 والاستبصار ج 3 ص 138 و 141 (5) التهذيب ج 2 ص 185 والاستبصار ج 3 ص 140.

[ 357 ]

إلى التزويج يمكن فيه الأخذ بإطلاق الجواب بناء على أن وجود القدر المتيقن في التخاطب لا يضر بالاطلاق. واما جواز وطي الأمة وفي البيع غيره فيدل عليه صحيح ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام " في الرجل ينكح الجارية من جواريه ومعه في البيت من يرى ذلك و يسمعه؟ قال: لأباس (1) ". ولعل نظر السائل إلى الكراهة وإلا فمن المقطوع عدم الحرمة ولا يبعد خفة الكراهة في مورد السؤال بملاحظة ما ورد من النهي عن الوطي وفي البيت صبي. والخبر " لا يجامع الرجل امرأته ولا جاريته وفي البيت صبي (2) ". وأما جواز أن ينام بين أمتين فلمرسل ابن أبي نجران " ان أبا الحسن عليه السلام كان ينام بين جاريتين (3) ". والمشهور كراهته بين الحرتين ولم يظهر وجهها سوى الشهرة بين الأصحاب مع أن في الخبر " لا بأس أن ينام الرجل بين أمتين والحرتين إنما نساؤكم بمنزلة اللعب (4) ". وأما كراهة وطى الفاجرة ومن ولدت من الزنا فاستدل عليها بمخالفة ظاهر الآية الشريفة " الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك " وخبر الحلبي عن الصادق عليه السلام " سألته عن الرجل يكون له الخادم ولد زنا عليه جناح أن يطأها؟ قال: لا وإن تنزه عن ذلك فهو أحب إلي (5) ". (ويلحق بالنكاح النظر في أمور خمسة الأول في العيوب والبحث في أقسامها و


(1) التهذيب ج 2 ص 305 (2) الكافي ج 5 ص 499 والتهذيب ج 2 ص 230 (3) التهذيب ج 2 ص 242. (4) الكافي ج 5 ص 560 والتهذيب ج 2 ص 249 (5) الكافي ج 5 ص 353.

[ 358 ]

أحكامها: عيوب الرجل أربعة: الجنون، والخصاء، والعنن، والجب). أما الجنون فلا خلاف في كونه من عيوب الرجل في الجملة ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة عن علي بن أبي حمزة قال: " سئل أبو إبراهيم عليه السلام عن المرأة يكون لها زوج وقد اصيب في عقله بعد ما تزوجها أو عرض له جنون فقال: لها أن تنزع نفسها منه إن شاءت (1) "، قال: في الفقيه بعد أن أورد هذه الرواية: " وروي في خبر آخر إن بلغ الجنون مبلغا لا يعرف أوقات الصلاة فرق بينهما وإن عرفت أوقات الصلاة فلتصبر المرأة معه فقد ابتليت (2) ". وادعي الإجماع على أن الجنون قبل العقد موجب للخيار للمرأة سواء كان بحد لا يعرف أوقات الصلاة أو لا وعلى هذا يختص التفصيل بصورة عروض الجنون بعد العقد كما هو المستفاد مما عن الفقه الرضوي حيث قال عليه السلام على المحكي " إذا تزوج رجل فأصابه بعد ذلك جنون فبلغ به مبلغا لا يعرف أوقات الصلاة فرق بينهما فان عرف أوقات الصلاة فلتصبر المرأة فقد ابتليت ". وقد يقال: إن اختصاص هذا التفصيل بما إذا تجدد الجنون بعد العقد إنما يستقيم فيما إذا كان الدليل على الفسخ به مطلقا في السابق والمقارن هو الإجماع وأما لو كان الدليل عليه هو إطلاق صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل يتزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء ولم يبينوا له؟ قال: عليه السلام: لا يرد إنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل - الخبر " (3) أو كان الدليل رواية علي بن أبي حمزة التي رواها المشايخ الثلاثة المذكورة فلا وجه لاختصاص التفصيل بالمتجدد بل يعم السابق والمقارن ثم وجه دلالة هذه الرواية مع أن السؤال فيها عن الجنون العارض بعد العقد بمناسبة


(1) الكافي ج 6 ص 151 والتهذيب ج 2 ص 233 والفقيه في كتاب الطلاق باب الشقاق تحت رقم 3. (2) المصدر باب الشقاق تحت رقم 4. (3) الفقيه باب ما يرد منه النكاح تحت رقم 4. والتهذيب ج 2 ص 233 والاستبصار ج 3 ص 247. والكافي ج 5 ص 406.

[ 359 ]

الحكم والموضوع فإنها قرينة على أن المراد من الجنون هو المطلق الشامل للسابق والمقارن أيضا وان التقييد بما بعد العقد إنما هو لعدم صحة العقد في حال الجنون فيما كان العاقد هو المجنون وندرة وقوعه في هذا الحال لو كان العاقد هو الولى فالتقييد بما بعد العقد محمول على الغالب فلا يكون تقييدا في أصل الحكم ولا في موضوعه سيما مع وقوعه في كلام السائل لا الإمام وضعف السند منجبر برواية المشايخ الثلاثة وكون الرواية معمولا بها بين الأصحاب. ويمكن أن يقال لا مجال لاستفادة الإطلاق من جهة المناسبة المذكورة لأن المناسبة تقتضي عدم الفرق بين الجنون البالغ إلى الحد المذكور وغير البالغ فكما قيد بملاحظة المرسلة بالحد المذكور تعبدا أمكن التقييد بما بعد العقد تعبدا، وعدم الإطلاق كاف فلا نحتاج إلى التمسك بالمحكي عن الفقه الرضوي حتى يستشكل من جهة عدم إحراز انتسابه إلى الرضا صلوات الله عليه. وأما الاستدلال بصحيحة الحلبي المتقدمة للاطلاق فيشكل من جهة احتمال ما فيه من قوله عليه السلام على المحكي " لا يرد إنما يرد - الخ " مفردا بالصيغة المبني للفاعل فيرجع الضمير إلى الرجل لا بصيغته المبني للمفعول حتى يؤخذ بإطلاقه، ثم إن ظاهر الأصحاب الاتفاق على أن هذا الخيار على الفور ولعله من جهة كونه على خلاف الأصل أعنى أصالة اللزوم من جهة عموم " أوفوا بالعقود " وما دل على أن عقد النكاح لا يقبل الإقالة ولا يصح جعل الخيار فيه فيجب الاقتصار على القدر المتيقن فلو علمت بالعيب ولم تتبادر بالفسخ سقط خيارها والتأخير من جهة الجهل بالموضوع أو الحكم صرح جماعة بعدم إسقاطه للخيار، واستشكل بأن الخيار حق واقعي لا يدور مدار العلم والجهل وهو في الواقع لا يخلو عن كونه مجعولا إما على نحو الفورية أو نحو الإطلاق إذ الإهمال بحسب الواقع لا يتصور فلو كان في الواقع مطلقا فكيف يحكم بلزوم العقد بمجرد علمها بالعيب والخيار ولو كان مقيدا فكيف يحكم ببقائه مع الجهل مع أن القول بالفورية واختصاصه بمقدار التمكن مستلزم إما للدور أو الجمع بين اللحاظين لأن التمكن من إعمال الخيار يتوقف على العلم بالموضوع والحكم العيب والخيار

[ 360 ]

فلا بد من تقييد الخيار بما بعد حصول العلم بهما فإن كان المراد التقييد بهما ثبوتا يلزم الدور وإن كان المراد التقييد بذلك بقاء بحيث يكون وجوده بقاء مغيى بما بعد حصول العلم يلزم أن يكون العلم بالحكم مأخوذا في غاية الحكم وهو مستلزم للجمع بين اللحاظين لحاظ إنشاء الحكم ولحاظ الفراغ عنه في إنشاء واحد لأن العلم بالحكم يتوقف على الفراغ عن إنشائه فإذا أخذ العلم به غاية له في مرحلة الإنشاء لزم الجمع بين لحاظ إنشاء الحكم ولحاظ الفراغ عنه. ثم تفصى عن هذا الإشكال بما ذكر في فورية خيار الغبن من أن الجعل والإنشاء وإن تعلق واقعا بالخيار مجردا عن ملاحظة الزمان ولم يكن الزمان ملحوظا فيه في مقام الجعل لا بنحو الإطلاق ولا بنحو التقييد بمقدار التمكن من الاعمال لكنه لما كان موضوعه معنونا بعنوان كان عدم مبادرة ذي الخيار بإعماله بالفسخ مع علمه بالخيار والغبن موجبا لسقوط تلك الخصوصية والعنوان. توضيح ذلك أن عموم " أوفوا بالعقود " وشموله للبيع الغبني لما كان مستلزما للزومه على الغابن وكان لزومه عليه موجبا لتضرره جعل الشارع حق الخيار بدليل لا ضرر لئلا يقع في الضرر من قبل حكم الشارع بلزوم العقد فالموضوع الضرر الآتي من قبل الشارع لولا حكمه بالخيار ومن المعلوم أن هذا الموضوع لا يقتضي ثبوت الخيار إلا في مقدار من الزمان يتمكن فيه من دفع الضرر بالفسخ، وأما ثبوته في الزائد عليه فهذا الموضوع لا إقتضاء بالنسبة إليه فيقال في المقام إن الظاهر من قوله عليه السلام في خبر علي بن حمزة " إن تنزع نفسها منه " هو أنها حيث ابتليت بهذه البلية ولم تتمكن من التخلص جعل لها الخيار فالموضوع الذي حكم عليه بالخيار هي المرأة العاجزة ومن المعلوم أنها بعد علمها بثبوت الخيار لها لو تسامحت ولم تبادر إلى الفسخ لا يكون عجزها مستندا إلا إليها، وإن أبيت مع ذلك عن تخصيص هذا الخيار بخصوص الزمان الأول من جهة بطلان دليله وعدم ما يوجب تخصيصه لأن مجرد تأخيرها إعمال الخيار ليس رضا منها بالعقد مطلقا كي يوجب استناد العجز عن التخلص إليها في الزمان الثاني فنقول: إن من قيام الإجماع على لزوم العقد فيما لو أخرت الفسخ مع علمها بالعيب والخيار نستكشف

[ 361 ]

أن من مسقطات هذا الخيار هو الرضا بالعقد ولو في آن ما، ويمكن أن يقال: ما ذكر من أن القدر المتيقن الخيار على الفور لم يظهر وجهه فإن المتيقن جواز الرد من جهة العيب وهذا حق كالخيارات في البيع أو حكم كجواز الرجوع في الهبة لا يستظهر من الأخبار شئ منهما وثبوته في الجملة لا يوجب كونه بعد العقد بلا فصل خصوصا مع ملاحظة السؤال عما وقع حيث إنه بعد السؤال والجواب وبلوغ الحكم إلى المرأة للمرأة أن تنزع نفسها منه كما في خبر علي بن أبي حمزة وليس الجهل عذرا لأنه مع الجهل لم يستند الابتلاء والتضرر بسقوط الحق أو انتفاء الحكم من جهة التأخير إلى الشارع بل هو مستند إلى الجهل وعدم تعلم الحكم، وما ذكر من أنه إن كان المراد التقييد بذلك بقاء بحيث يكون وجوده بقاء الخ الظاهر أنه لا مجال لذكر هذا في المقام لأن هذا لا مانع منه في مثل الاستصحاب حيث إنه إذا ثبت حكم في الجملة فلا مانع من إنشاء حكم آخر موجب لاستمرار ذلك الحكم ظاهرا عند القائلين بحجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وأما الحكم الواقعي في مقام الثبوت إما مطلق أو مقيد وفي المقام لا يلتزم القائل باستمرار الحكم إلى زمان العلم بالموضوع والحكم بكون الحكم ظاهريا. وما ذكر من أن الظاهر من قوله عليه السلام في خبر علي بن أبي حمزة لها أن تنزع نفسها الخ يشكل من جهة أن عنوان الابتلاء والتضرر لم يذكر في هذه الرواية لا بنحو القيدية ولا بنحو التعليل وإن أمكن كون الحكمة واقعا ما ذكر والمذكور في كلام الفقيه وروى في خبر آخر الخ وما ذكر أخيرا من أنه يستكشف أن من مسقطات هذا الخيار هو الرضا الخ يشكل من جهة أنه لم يظهر من الأخبار ثبوت الخيار بمعنى الحق الساقط بالرضا وثانيا بمجرد عدم المبادرة بالفسخ بعد العلم بالموضوع والحكم لا يتحقق الرضا آناما لأنه كثيرا يتردد ذو الخيار مدة مديدة في الفسخ والإمضاء بالعقد ولم يتحقق الرضا آنا ما فإن تحقق الإجماع على ما ذكر فلا إشكال وإلا يشكل. ولو ادعت المرأة وأنكره الزوج فهل يعتبر الفورية في الفسخ أو يجوز لها التأخير إلى أن يثبت العيب عند الحاكم فإذا ثبت اختارت الفسخ فورا، قد يقال فيه وجهان بل قولان ناشئان من أن مع علمها بالعيب والخيار يكون تأخيرها للفسخ موجبا

[ 362 ]

لاستناد العجز إليها أو رضاها بالعقد فيما قبل ثبوت العيب عند الحاكم ومن أن مجرد علمها بالعيب والخيار، مع عدم ترتب الأثر على فسخها ظاهرا قبل ثبوت العيب لا يوجب سقوط الخيار بالتأخير ضرورة أن تأخيرها للفسخ حينئذ لا يوجب استناد العجز إليها ولا يكشف عن رضا بالعقد فيما قبل ثبوت العيب. ويمكن أن يقال: ما ذكر للوجه الثاني لا يتم لإمكان إنشاء الفسخ وإشهاد عدلين عليه ثم بعد رفع الأمر إلى الحاكم يشهد الشاهدان بذلك فيثبت كونها خلية عن الزوج من حين الفسخ وقبل حكم الحاكم أيضا هي خلية بينها وبين الله وإنما المحتاج إلى حكم الحاكم سائر الناس إن لم يعلموا بفسخها، وهكذا الكلام في الفسخ في غير المقام مع كونه موقتا. وأما الخصاء معنى إخراج الانثيين فالمشهور بين الأصحاب أنه من العيوب الموجبة لتسلط المرأة على الفسخ واستدل عليه لجملة من الأخبار منها ما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق عن عبد الله بن بكير عن أبيه عن أحدهما عليهما السلام " في خصي دلس نفسه لامرأة مسلمة فتزوجها؟ قال: فقال: يفرق بينهما إن شاءت المرأة ويوجع رأسه و إن رضيت به وأقامت معه لم يكن لها بعد رضاها به أن تأباه " (1). وما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " أن خصيا دلس نفسه لامرأة قال: يفرق بينهما وتأخذ المرأة صداقها ويوجع ظهره كما دلس نفسه " (2). وما رواه في التهذيب عن عبد الله بن مسكان في الصحيح قال: " بعثت بمسألة مع ابن أعين قلت: سله عن خصي دلس نفسه لامرأة فدخل بها فوجدته خصيا قال: يفرق بينهما ويوجع ظهره ويكون لهما المهر بدخوله عليها " (3). وما رواه الحميري في كتاب " قرب الاسناد " عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى


(1) الكافي ج 5 ص 410 والتهذيب ج 2 ص 234 (2) الكافي ج 5 ص 411 والتهذيب ج 2 ص 234 (3) المصدر ج 2 ص 234.

[ 363 ]

ابن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن خصي دلس نفسه لامرأة ما عليه؟ قال: يوجع ظهره ويفرق بينهما وعليه المهر كاملا إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فعليه نصف المهر " (1). وقد ذهب بعض الأصحاب كما في المبسوط والمختلف إلى أن الخصاء ليس بعيب لأن الخصي يقدر على الإيلاج وعدم إنزاله ليس بعيب وإنما العيب عدم الوطي، ولعله لما في جميع النصوص من الاشتمال على التدليس فيحتمل أن يكون خيارها من جهته لا من حيث كون الخصاء عيبا وتظهر الثمرة فيما إذا لم يدلس نفسه لها بأن اعتقد أنها تعلم بالحال أو جهل بكونه خصيا فإنه ليس لها الخيار فيها بناء على كونه من جهة التدليس ويكون لها الخيار فيها بناء على كونه من جهة الخصاء. وقد يقال: إن الظاهر من قولهم عليهم السلام " ويوجع ظهره كما دلس نفسه " هو أن الخيار من جهة الخصاء وإيجاع الظهر بالضرب بإزاء التدليس لا أن الخيار والايجاع كليهما من جهة التدليس، ويمكن أن يقال ظاهر هذا الكلام حمل الكاف في الخبر على التعليل وهو محل الكلام عند النحويين حيث إن القائل به يتمسك بمثل قوله تعالى " واذكروه كما هداكم " والأكثر حملوا الكاف على التشبيه وعلى فرض التسليم لا مانع من كون التدليس علة لأمرين الخيار وإيجاع الظهر نظير الاستثناء عقيب الجمل المتعددة مع الرجوع إلى الجمل لا إلى خصوص الجملة الأخيرة، وما ذكر من الثمرة يشكل من جهة أنه بناء على كون الخيار من جهة الخصاء لا من جهة التدليس المستفاد من الأخبار المذكورة ثبوت الخيار في صورة التدليس، وأما مع عدم التدليس فلا دليل على ثبوت الخيار، وبعد مدخلية التدليس يقع الاشكال فيما يتحقق به التدليس وأنه مجرد عدم إخباره بعيبه أو يعتبر إظهاره عدم العيب ولا يبعد كفاية عدم الإظهار نظير تعريض البايع متاعه المعيب للبيع مع كون العيب غير ظاهر، والقدر المنصوص صورة كون العيب سابقا على العقد بل لا يتحقق التدليس في غير هذه الصورة، فالخصاء بعد


(1) المصدر ص 172.

[ 364 ]

العقد لا دليل على ثبوت الخيار به. وأما العنن المفسر بالمرض الذي يضعف معه القوة الناشرة للعضو بحيث لا يقدر على الإيلاج فلا إشكال في كونه من العيوب الموجبة لثبوت الخيار للزوجة والأخبار الواردة في المقام مختلفة بحسب الإطلاق والتقييد منها صحيحة أبي بصير " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ابتلي زوجها فلم يقدر على الجماع أتفارقه؟ قال: نعم إن شاءت " (1). وصحيحة الكناني " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ابتلي زوجها فلم يقدر على الجماع أبدا أتفارقه؟ قال: نعم، إن شاءت " (2). ومنها ما دل على ثبوته إذا لم يقع عليها دفعة واحدة كخبر غياث عن أبي عبد الله عليه السلام " في العنين إذا علم أنه لا يأتي النساء فرق بينهما فإذا وقع عليها دفعة لم يفرق بينهما والرجل لا يرد من عيب " (3). وخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أتى امرأة مرة واحدة ثم اخذ عنها فلا خيار لها " (4). ومنها ما دل على ثبوته بعد انتظار سنة كصحيحة ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " العنين يتربص به سنة ثم إن شاءت امرأته تزوجت وإن شاءت أقامت " (5). ومنها ما دل على ثبوته فيما إذا لم يقدر على إتيان غيرها من النساء أيضا كالموثق عن أبي عبد الله عليه السلام إنه " سئل عن رجل اخذ عن امرأته فلا يقدر على إتيانها؟ فقال: إن كان لا يقدر على إتيان غيرها من النساء فلا يمسكها إلا برضاها بذلك وان كان يقدر


(1) الكافي ج 5 ص 411 (2) التهذيب ج 2 ص 234 (3) التهذيب ج 2 ص 234 والكافي ج 5 ص 410 وفيه " عباد " مكان " غياث " (4) الكافي ج 5 ص 412 والتهذيب ج 2 ص 234 والتأخيذ حبس السواحر ازواجهن عن غيرهن من النساء (5) التهذيب ج 2 ص 234 والاستبصار ج 3 ص 249.

[ 365 ]

على اتيان غيرها فلا بأس بإمساكها " (1). ومنها ما دل على ثبوته بعد مضي سنة من يوم مرافعة المرأة إلى الحاكم كرواية الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام " كان يقضي في العنين أنه يؤجل سنة من يوم مرافعة المرأة " (2). ومنها ما دل على ثبوته فيما إذا علم أنه لا يأتي النساء كخبر عبد الله بن الحسين عن علي بن جعفر، عن أخيه عليهما السلام قال: " سألته عن عنين دلس نفسه لأمرأته ما حاله؟ قال: عليه المهر ويفرق بينهما إذا علم أنه لا يأتي النساء " (3). وقد يقال: إن القيود المذكورة باختلافها يمكن أن يكون اعتبارها لأجل طريقيتها إلى تحقق العنن كما يؤيده ما دل على ثبوت الخيار بمجرد العلم بأنه لا يأتي النساء ويمكن اعتبارها على وجه الموضوعية، وحيث إن ثبوت الخيار يكون على خلاف الأصل يجب الاقتصار في الخروج عنه على القدر المتيقن، وهو ما إذا لم يقع عليها أصلا ولو مرة ولم يقدر على إتيان غيرها من النساء، ومضى سنة من يوم مرافعتها إلى الحاكم. ويمكن أن يقال: أما احتمال الطريقية فبعيد من جهة أن السؤال في غير واحد من الأخبار المذكورة عن صورة تحقق العنن. وأما احتمال القيدية للموضوع فهو مستبعد للزوم حمل صحيحة أبي بصير وصحيحة الكناني وخبر عبد الله بن الحسين على صوره غير غالبة مع أن الظاهر أن مورد السؤال في هذه الأخبار ليس بنحو الفرض حتى يقال: مطلقات قابلة للتقييد بل الظاهر السؤال عن قضية شخصية فالظاهر وقوع التعارض فلا بد من الترجيح أو التخيير. ثم إنه لو اختلف الزوج والزوجة في أصل العيب فهل القول قولها أو القول


(1) الكافي ج 5 ص 412. والتهذيب ج 2 ص 234 (2) قرب الاسناد ص 50 (3) المصدر أيضا ص 108.

[ 366 ]

قول الرجل؟ قد يقال: فيه تردد من أصالة عدم قدرته على إتيان النساء قبل بلوغه ومن أصالة الصحة بمعنى عدم خروجه عما هو مقتضي طبعه من القدرة على إتيان النساء عند البلوغ. ويمكن أن يقال: أصالة الصحة والسلامة مقدمة ألا ترى أنه يجوز معاملة الرجال في أموالهم مع الشك في الرشد مع أنهم قبل البلوغ غير متصفين بالرشد، ولا ينافي هذا مع لزوم الامتحان والابتلاء قبل البلوغ أو بعده لدفع الولي المال الذي عنده إلى المولى عليه كما لا يخفى. وأما الجب بمعنى عدم الآلة أو مقدار الحشفة فالمشهور أنه من العيوب الموجبة لثبوت الخيار وقد تردد المصنف - قدس سره - في الشرايع من جهة عدم ورود نص فيه بالخصوص، واستدل للمشهور بإطلاق صحيحتي ابي بصير والكناني المتقدمتين في العنن الدالتين على ثبوت الخيار بعدم القدرة على الجماع فإن عدم القدرة تارة يكون لضعف القوة واخرى من جهة عدم العضو وبفحوى أدلة الخصاء والعنن. واستشكل في الاطلاق المذكور بأن عدم القدرة على الوطي من إعدام الملكات فليس هو عدم القدرة مطلقا وفي الفحوى بأن المراد بالفحوى ومفهوم الموافقة هو أن تكون القضية مسوقة لبيان المفهوم وكان هو المقصود بالأصالة منها وكان المنطوق مقصودا بالتبع وليست أدلة الخصاء والعنن من هذا القبيل إلا أن يكون المراد بالفحوى الأولوية القطعية أو الاطمينانية فلا بد من اعتبار ما هو معتبر في الخصاء والعنن من القيود والشروط. ويمكن أن يقال: لا مانع من صدق عدم القدرة من الجب إن فسر بفقدان الآلة كما يصدق الأعمى على من قلعت عينه وإن خفي صدقه على من كان فاقدا للعين بالخلقة. وأما دعوى القطع فلا تخلو عن الاشكال ألا ترى أنه مع ممنوعية الزوج عن ملاقاة الزوجة كما لو كان محبوسا ما دام الحياة لا يثبت الخيار بل لابد من التفريق

[ 367 ]

بالطلاق فمع صدق عدم القدرة لا يبعد التمسك بإطلاق الصحيحتين لو لم يستشكل من أن المتيقن في السؤال والجواب صوره عدم القدرة من جهة الضعف وعدم انتشار الآلة لا صورة فقدان الآلة. (وعيوب المرأة سبعة: الجنون، والجذام، والبرص، والقرن، والإفضاء والعمى، والاقعاد). أما الجنون الذي هو عبارة عن فساد العقل فلا خلاف نصا وفتوى في كونه بأقسامه موجبا لخيار الزوج في صورة سبقه على العقد. وأما المقارن والمتجدد بعد العقد فقد يستشكل في ثبوت الخيار به بدعوى أن الأخبار الواردة في المقام لا إطلاق لها ولننقل الأخبار. فمنها ما رواه في الصحيح أو الحسن عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل تزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء ولم يبينوا له قال: يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل " (1). والصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في الرجل تزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء ولم يبينوا له قال: لا ترد وإنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل، قلت: أرأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: لها المهر بما استحل من فرجها ويغرم وليها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها " (2). وما رواه الشيخ في التهذيب عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل " (3). ويمكن أن يقال: دعوى عدم الإطلاق في هذه الأخبار مشكلة خصوصا مع ملاحظة الخبر الثاني حيث تعرض فيه لاستحقاق المهر مع الدخول وغرامة الولي،


(1) الكافي ج 5 ص 406 والتهذيب ج 2 ص 233 (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 233 والاستبصار ج 3 ص 247.

[ 368 ]

إلا أن يقال: هذا قرينة على سبق العيب. ومنها ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المرأة ترد من أربعة أشياء من البرص والجذام والجنون والقرن وهو العفل ما لم يقع عليها فإذا وقع عليها فلا " (1). وهذا الخبر كيف يقال فيه بعدم الاطلاق مع التعرض للتفصيل بين الوقوع عليها وعدمه. وأما الجذام الذي عرف بأنه مرض سوداوي يوجب تناثر اللحم وسقوط بعض الأطراف كالأنف فلا خلاف ظاهرا في كونه موجبا لثبوت الخيار للزوج مطلقا، وقد تكرر ذكره في الأخبار المذكورة. وأما البرص فلا خلاف نصا وفتوى في كونه موجبا للخيار، وقد وقع الخلاف في حقيقته وأنه خصوص البياض الظاهر في ظاهر البدن لفساد المزاج أو الأعم منه ومن السواد فالمذكور في كلمات جملة من الأصحاب والمصرح به في القاموس أنه بياض يظهر في ظاهر البدن. وقال في المسالك: إنه مرض معروف يحدث في البدن يغير لونه إلى السواد أو إلى البياض وفي المجمع " البرص لون مختلط حمرة وبياضا أو غيرهما ولا يحصل إلا من فساد المزاج، وخلل في الطبيعة ". وقد يستظهر من دعاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه على أنس لما لم يشهد بخبر الغدير وقال: أنا ناس فدعا عليه ببياض لا يواريه العمامة أن البرص خصوص البياض حيث إن الظاهر أن مراده عليه السلام من البياض ليس إلا المرض المعروف ويقال: إن القدر المتيقن منه خصوص البياض فلا اعتبار بالسواد الذي يظهر على ظاهر البدن ويمكن أن يقال: مع معروفية البرص عند الأطباء والناس وعدهم البياض المختلط بالسواد والحمرة برصا يشكل التخصيص بالبياض، ودعاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يظهر منه التخصيص كما لا يخفى وكيف كان لا اعتبار بالبهق الذي يشترك مع البرص ويفترق عنه بأن البرص غائر في اللحم إلى العظم بخلاف البهق فإنه كما قيل في سطح


(1) المصدر ج 5 ص 409.

[ 369 ]

الجلد خاصة ويتميزان بأن يغرز في الموضع إبرة فأن خرج منه الدم فهو بهق وإلا فهو برص. وأما القرن بسكون الراء وفتحها الذي يعبر عنه بالعفل وهو الظاهر من كلمات كثير من اللغويين ويشهد به تفسير أحدهما الآخر في بعض الأخبار كصحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام المذكورة، وصحيحته الأخرى عنه عليه السلام أيضا " الرجل إذا تزوج المرأة فوجد بها قرنا وهو العفل أو بياضا أو جذاما يردها ما لم يدخل بها " (1) فلا خلاف فتوى ونصا في كونه من العيوب التي بها يرد الزوج، ووقع الخلاف بين الأصحاب في أنه هل هو شئ من قبل المرأة يشبه ادرة الرجل التي هي عبارة عن انتفاخ الخصلتين أو هو عظم كالسن يكون في باطن القبل يمنع من الوطي أو أنه لحم ينبت في باطن القبل؟ وقد يقال: الذي يسهل الخطب هو إمكان دعوى القطع بمشاركة كل من العظم واللحم النابتين في الباطن واللحم الخارج من القبل في الحكم من جهة مناسبة الحكم والموضوع حيث يستفاد من جهتها أن العلة للحكم هو المنع عن الوطي كما يشعر بذلك صحيحة أبي الصلاح الكناني قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فوجد بها قرنا قال عليه السلام: هذه لا تحبل ولا يقدر زوجها على مجامعتها - الخبر (2) ". ويمكن أن يقال: دعوى القطع مشكلة لامكان الفرق بين ما ذكر لسهولة العلاج وصعوبته إلا أن يقال: الظاهر أن الناس مع عدم إطلاعهم على ما هو شأن الأطباء إذا أطلعوا على وجود ما يمنع من الوطي يعبرون بوجود القرن. وأما الإفضاء الذي هو عبارة عن صيرورة المسلكين واحدا فلا خلاف في كونه عيبا ترد به المرأة ويدل عليه صحيحة الحذاء عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيبا بعدما دخل بها، قال: فقال: عليه السلام: إذا دلست العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فإنها ترد على أهلها من غير طلاق (3) "


(1) الكافي ج 5 ص 407 (2) التهذيب ج 2 ص 233 والاستبصار ج 3 ص 248 والكافي ج ص 409 (3) الكافي ج 5 ص 408.

[ 370 ]

ولقائل المناقشة في دلالة هذه الصحيحة من جهة احتمال كون الخيار من جهة التدليس وذلك لذكر من كان بها الزمانة فإن الزمانة ليست من العيوب الموجبة للرد وقد ذكر هذه الاحتمال سابقا في الخصاء. وأما العمى فالمشهور أنه من العيوب الموجبة للخيار ويدل عليه صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يتزوج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء قال: ترد على وليها وإن كان بها زمانة لا يراها الرجال أجيزت شهادة النساء عليها (1) ". وموثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام، قال: " ترد البرصاء والعمياء والعرجاء. وزاد في الفقيه " الجذماء " (2). وإما الإقعاد فاختلف كلمات الأصحاب فيها وقد يقوي كون مطلق العرج من العيوب الموجبة للخيار سواء كان بينا أو غير بين إلا إذا كان غير بين على وجه لا يعد بينا عرفا. وذلك لاطلاق صحيحة داود بن سرحان وموثقة محمد بن مسلم المذكورتين. و توهم أن الروايتين وإن كانتا مطلقتين إلا أن قوله عليه السلام في صحيحة داود " وإن كان بها زمانة - الخ " ظاهر في إناطة الرد بالزمانة التي تؤدي إلى الإقعاد فيدل بالمفهوم على عدم الرد إلا بالعيب المقعد فيقيد بمفهومه ظهور الروايتين في الرد بالعرج مطلقا مدفوع بأن ظهور قوله عليه السلام " وإن كان بها زمانة - الخ " في ذلك مبني على القول بالمفهوم للوصف وهو ممنوع سيما في الوصف الغير المعتمد على الموصوف. ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى القول بالمفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء بل يكفي كون الوصف للاحتراز والمدخلية في الحكم من غير فرق بين كون الوصف معتمدا على الوصف أو غير معتمد. وما في الخبر من شهاده النساء تدل على موضوعية الوصف فإنه مع عدم المدخلية.


(1) التهذيب ج 2 ص 232 و 235 (2) التهذيب ج 2 ص 232 والاستبصار ج 3 ص 245.

[ 371 ]

في الحكم وعدم الاثر ما الفائدة في الشهادة. واستشكل في الاستدلال بالروايتين المذكورتين من جهة معارضتهما مع ما دل على حصر العيب في الأربعة المشهورة أغني الجذام والبرص والجنون والعفل كصحيحة الحلبي السابقة، ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام " سألته عن رجل تزوج امرأة فعلم بعدما تزوجها أنها قد كانت زنت قال: إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها، ولها الصداق بما استحل من فرجها وإن شاء تركها، قال: وترد المرأة من العفل والبرص والجذام والجنون وأما ما سوى ذلك فلا (1) ". واجيب بأن هذا الإشكال لا يختص بالمقام بل يأتي بالنسبة إلى غيره مما سوى هذه الأربعة من الإفضاء والعمى فلابد إما من حمل الحصر في الروايتين على الإضافي بدعوى أن القائل حيث توهم أن مطلق العيب في المرأة موجب للخيار ولذا سئل عن العوراء في الصحيحة وعن الزانيه في الرواية حصر الإمام عليه السلام موجبات الخيار في الأربعة للدلالة على أن مطلق العيب لا يكون موجبا للخيار. واما من حمل مفهوم الحصر وهو المنع عن الرد بغير الأربعة على مطلق المرجوحية لكيلا ينافي جواز الرد بغيرها من العيوب الثلاثة: الإفضاء والعمى والعرج على كراهة. ويمكن أن يقال: يشكل ما ذكر من جهة عدم مساعدة العرف على الجمعين المذكورين بل بنظر العرف يقع المعارضة بين ما دل على الحصر وما دل على ثبوت الخيار، ثم إنه عد في بعض الروايات كصحيحتي داود بن سرحان والحذاء المذكورتين الزمانة من العيوب كما حكي عن الصدوق - قدس سره - لكن الاصحاب لم يعدوها من العيوب الموجبة للخيار وقد يوجه بوجه لا يساعد عليه العرف. (وفي الرتق تردد أشبهه ثبوته عيبا لأنه يمنع الوطي ولا ترد بالعور ولا بالزنا ولو حدت فيه، ولا بالعرج على الأشبه). قد سبق الكلام في القرن أنه مع وجود ما يمنع المجامعة يعبر بالقرن فيقوى


(1) التهذيب ج 2 ص 232 و 228 والاستبصار ج 3 ص 245.

[ 372 ]

ثبوت الخيار بالرتق. وأما عدم ثبوت الخيار بالعور ولا بالزنا فلما دل على الحصر في غيرهما وصحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام " في الرجل يتزوج الامة إلى قوم فإذا امرأته عوراء ولم يبينوا له؟ قال: لا ترد (1) ". وأما رواية عبد الرحمن المذكورة الظاهرة في الخيار للزنا والمرسل الحاكي لقول علي صلوات الله عليه في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها يفرق بينهما ولا صداق لها لان الحدث كان من قبلها (2) " وغيرهما مما يظهر منه ثبوت الخيار بالزنا فالأصحاب لم يعملوا بها. وأما العرج الغير البالغ إلى حد الإقعاد فقد سبق الكلام فيه والإشكال في ثبوت الخيار بالعرج مطلقا. (وأما الاحكام فمسائل: الأولى: لا يفسخ النكاح بالعيب المتجدد بعد الدخول وفي المتجدد بعد العقد تردد عدى العنن. وقيل تفسخ المرأة بجنون الرجل المستغرق لأوقات الصلاة وإن تجدد. الثانية: الخيار فيه على الفور وكذا في تدليس). الظاهر عدم الخلاف نصا وفتوى في أن العيوب الحادثة قبل العقد موجبة لثبوت الخيار وادعي عدم الإشكال في أن العيوب المتجددة بعد العقد والوطي لا يثبت بها الخيار والإشكال في المتجددة بعد العقد وقبل الوطي، وقد يقال: ظاهر أكثر النصوص وصراحة بعضها ثبوت الخيار في السابق على العقد كقوله في خبر عبد الرحمن " تزوج امرأة فوجد بها قرنا " وفي خبر الحذاء " تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيبا " وفي خبري الحسن ابن صالح والكناني " تزوج امرأة " وفي خبر غياث " تزوج امرأة فوجد بها برصا " و في خبر ابن مسلم " من تزوج امرأة فيها عيب دلسته " وفي خبر رفاعة " زوجها وليها وهي برصاء " وأما باقي النصوص فليس فيها ما يكون لها إطلاق يعم المتجدد بعد


(1) تقدم عن الكافي (2) التهذيب ج 2 ص 250.

[ 373 ]

العقد بل هي في مقام تعداد العيوب الموجبة للفسخ نعم لا يبعد التمسك لإثباته بالمتجدد بالاستصحاب التعليقي بأن يقال: إن هذا العيب لو كان قبل العقد لكان موجبا للخيار والآن كما كان، وهذا الاستصحاب حاكم على استصحاب لزوم العقد الثابت قبل حدوث العيب كما لا يخفى. ويمكن أن يقال: لا نسلم ظهور جميع الأخبار المذكورة في سبق العيب على العقد فإن قوله في خبر عبد الرحمن " فوجد بها قرنا " وقوله في خبر الحذاء " فوجد بها عيبا " لم يظهر منهما كون القرن والعيب قبل التزوج لإمكان كون العيب في الفصل بين التزوج وورود الزوجة على الزوج، فإذا كان السؤال عما وقع واجيب بالجواب المذكور بدون الاستفصال والتفرقة بين كون العيب سابقا على العقد وكونه بعد العقد قبل الورود على الزوج يشمل الجواب المذكور صورة تحقق العيب بعد العقد. وأما الاستصحاب التعليقي المذكور فهو مبني على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وحكومته على استصحاب لزوم العقد وكلاهما محل إشكال وقد سبق الكلام في العنن وكذا في تقيد جنون الرجل بكونه لا يعرف أوقات الصلاة وفي كون الخيار على الفور. (الثالثة: الفسخ فيه ليس طلاقا فلا يطرد فيه تنصيف المهر، الرابعة: لا يفتقر الفسخ بالعيوب إلى الحاكم، ويفتقر في العنن بضرب الأجل، الخامسة: إذا فسخ الزوج قبل الدخول فلا مهر، ولو فسخ بعده فلها المسمى ويرجع به الزوج على المدلس، و إذا فسخت الزوجة قبل الدخول فلا مهر إلا في العنن ولو كان بعده فلها المسمى، ولو فسخت بالخصاء ثبت لها المهر مع الخلوة ويعذر). لا إشكال في أن الفسخ ليس طلاقا لعدم اعتبار لفظ الطلاق ولا شروطه فلا يطرد فيه تنصيف المهر ولا يعد من الثلث وثبوت نصف المهر للدليل. وأما عدم افتقار الفسخ بالعيوب إلى الحاكم فلاطلاق الأدلة، نعم مع ثبوت العنن يفتقر إلى الحاكم لضرب الأجل بناء على لزوم المراجعة إلى الحاكم وقد سبق الكلام فيه، نعم من ينكر إطلاق الأدلة لا بد له من اعتبار كل ما يحتمل مدخليته في الفسخ.

[ 374 ]

وأما عدم استحقاق الزوجة المهر إذا فسخ الزوج قبل الدخول فلان حقيقة الفسخ حل العقد وجعله كأن لم يكن فلا وجه لاستحقاق المهر، وبعد الدخول لها المسمى بما استحل من فرجها، ووجه تعيين المسمى ظهور الأخبار فلاحظ ما في الصحيح أو الحسن عن الحلبي المذكور في عيوب المرأة " قلت: أرأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: لها المهر بما استحل من فرجها ويغرم وليها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها (1) " فان الظاهر أن اللام في " لها المهر بما استحل من فرجها " للعهد الذكري وكذا سائر الأخبار ولو لا الأخبار كان مقتضى القاعدة لزوم مهر المثل. وأما الرجوع إلى المدلس فيدل عليه الأخبار منها الصحيح أو الحسن عن الحلبي المذكور وفيه " ويغرم وليها الذي أنكحها ". ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن رفاعة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحدود والمحدودة هل ترد من النكاح؟ قال: لا، قال رفاعة: وسألته عن البرصاء قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة زوجها وليها وهي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها وأن المهر على الذي زوجها وإنما صار المهر عليه لأنه دلسها، ولو أن رجلا تزوج امرأة قد زوجها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شئ وكان المهر يأخذه منها (2) ". ومنها صحيح الحذاء في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيبا بعد ما دخل بها، قال: فقال: إذا دلست العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة أو من كان بها زمانة ظاهرة فإنها ترد إلى أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها فإن لم يكن وليها علم بشئ من ذلك فلا شئ عليه وترد إلى أهلها، قال: وإن أصاب الزوج شيئا مما أخذت منه فهو له وإن لم يصب شيئا فلا شئ له قال: وتعتد منه عدة المطلقة إن كان قد دخل بها وإن لم


(1) التهذيب ج 2 ص 233 (2) الكافي ج 5 ص 407 والتهذيب ج 2 ص 232.

[ 375 ]

يكن دخل بها فلا عدة ولا مهر لها " (1). ثم إن الظاهر أن المراد من التدليس في المقام عدم إظهار العيب مع العلم لا خصوص إظهار عدم العيب والصحة مع وجوده كما هو المستفاد من الأخبار المذكورة وبعدما كان الأصل في النكاح اللزوم وعدم جواز الفسخ من جهة غير العيوب المنصوصة فليس المقام كالبيع وغيره من المعاملات بحيث لو شرط وصف كمال وبان خلافه من جهة التدليس جاز للمشروط له الفسخ، بل الخيار في موارد مخصوصة ويتعدى عن العيوب المذكورة إلى غيرها منها ما إذا تزوج امرأة على شرط أنها حرة أو بوصف أنها حرة فبانت أمة فالمشهور أنه صح العقد فيما إذا كان بإذن سيدها أو إجازته وكان الزوج ممن يجوز له نكاح الإماء لإطلاق الأدلة وأن له الفسخ ولو دخل بها لا لعموم " المؤمنون عند شروطهم " لمنع دلالته على ثبوت الخيار أولا وكونه مخصصا بما دل عليه النص من عدم رد النكاح بشئ غير العيوب المخصوصة ثانيا، بل لخصوص ما دل على ثبوت الخيار بالتدليس بمثل ذلك كصحيح الوليد بن صبيح عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة قد دلست نفسها؟ قال عليه السلام: إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: كيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه قال عليه السلام: إن وجد مما أعطاها شيئا فليأخذه وإن لم يجد شيئا فلا شئ له عليها، وإن كان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه ولمواليها عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها - الخبر (2) ". وقد يقرب دلالة هذا الصحيح على الصحة وثبوت الخيار للتدليس بأن الظاهر من قوله عليه السلام على المحكي " وإن كان زوجها إياه ولي لها - الخ ". بقرينة مقابلته لقوله عليه السلام في الصدر " إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد " هو صحة نكاحها فيما كان المنكح لها من مواليها ورجوع الزوج بعد الفسخ بما اغترمه عوض البضع من المهر على وليها الذي أنكحها، غاية الامر عبر


(1) الكافي ج 5 ص 408 والتهذيب ج 2 ص 232 (2) الكافي ج 5 ص 404 والتهذيب ج 2 ص 232.

[ 376 ]

عليه السلام عن صحة النكاح وثبوت الفسخ للزوج بلازمهما من استحقاقها للمهر ورجوع الزوج بعد الفسخ بما اغترمه من المهر على وليها الذي أنكحها ولا ينافي هذا مع لزوم العشر أو نصف العشر للموالي لإمكان أن يكون ذلك للتعبد لئلا يكون وطيه لها من دون عوض يعود إلى مواليها. ويمكن أن يقال: لا ظهور للصحيح المذكور في الصحة وثبوت الخيار لأن الظاهر أن الولي المذكور فيه غير المولى بل الولي العرفي ومن أوكلت الأمة أمرها إليه للتزويج بغير إذن الموالي ولا ظهور في مقابله " وإن كان زوجها إياه ولي لها " لقوله عليه السلام على المحكي في الصدر " إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد بل لعله في مقابلة وقوع التزويج بدون إلاذن وبدون الولي والتعرض لصورة تزويج الولي لأخذ ما اغترم الزوج منه ويشهد لهذا أنه من المسلم أن المهر في صورة الإذن من الموالي راجع إلى الموالي لا إلى الأمة فكيف يجمع بين المهر والعقر العشر أو نصف العشر، ولا مجال لرجوع ما ذكر في الصحيح من قوله عليه السلام على المحكي " ولمواليها عليه عشر قيمتها - إلخ " إلى الصدر لأن هذا من قبيل إرجاع الاستثناء الواقع عقيب الجمل المتعددة إلى غير الجملة الأخيرة. ومنها ما لو تزوجت المرأة برجل على أنه حر فبان مملوكا مأذونا من المولى فلها الخيار سواء دخل بها أم لا ولا مهر لها لو فسخت قبل الدخول ولها المسمى لو فسخت بعد الدخول لكنها ترجع به على السيد لأن مهر العبد المأذون على سيده ويدل على ما ذكر صحيح محمد بن مسلم " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن امرأة حرة تزوجت مملوكا على أنه حر فعلمت بعد أنه مملوك، قال: هي أملك بنفسها إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فلا فإن كان دخل بها فلها الصداق وإن لم يكن دخل بها فليس لها شئ. (1) وأما إذا لم يكن مأذونا من المولى لم يكن الخيار بيدها لأن العقد متوقف على إجازة المولى فلا معنى للخيار، ومنها ما إذا تزوج امرأة وشرط كونها بكرا


(1) التهذيب ج 2 ص 233 والكافي ج 5 ص 410.

[ 377 ]

فوجدها ثيبا وثبت بإقرارها أو بالبينة أنها كانت كذلك قبل العقد فالمشهور أن له الفسخ واستدل لهم مضافا إلى عموم " المؤمنون عند شروطهم " بمفهوم خبر القاسم بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام " في الرجل يتزوج المرأة على أنها بكرا فيجدها ثيبا أيجوز أن يقيم عليها؟ قال عليه السلام: قد تفتق البكر من المركب ومن النزوة " (1) بدعوى أنه ظاهر في أنه لو احتمل تجدد الثيبوبة بسبب خفي من النزوة وغيرها لم يكن له الفسخ فيدل بمفهومه على ثبوت الفسخ مع عدم احتمال ما ذكر. وقد يورد عليه بأن " المؤمنون عند شروطهم " لا دلالة فيه على الخيار وعلى تقدير الدلالة مخصص بما دل على عدم رد النكاح بشئ غير العيوب المخصوصة، وأما خبر القاسم فالظاهر من قول السائل فيه أيجوز أن يقيم عليها هو أنه توهم حرمة القيام معها أو كونه ذا حزازة فسأل الإمام عن جواز القيام معها، وأما احتمال كون السؤال عن ثبوت الفسخ فبعيد. ويمكن أن يقال: الجواز تارة يراد منه ما يقابل الحرمة والكراهة واخرى يراد منه النفوذ كما يقال متى يجوز أمر الغلام فمع احتمال كلام السائل لكل من المعنيين يكون الجواب ما يناسب كليهما. وأما صورة فسخ المرأة فمع كون الفسخ فيها قبل الدخول لا مهر لها لعدم ما يوجبه ولو كان بعد الدخول فلها المسمى لكن في الفسخ من جهة العنن لها نصف المهر ويدل عليه صحيحة أبي حمزة قال: " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: إذا تزوج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوجت زوجا غيره فزعمت أنه لم يقربها منذ دخل بها فإن القول في ذلك قول الرجل، وعليه أن يحلف بأنه قد جامعها لأنها المدعية، قال: فإن تزوجها وهي بكر فزعمت أنه لم يصل إليها فإن مثل هذا يعرفه النساء فلينظر إليها من يوثق به منهن فإذا ذكرت أنها عذراء فعلى الإمام أن يؤجله سنة فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما واعطيت نصف الصداق ولا عدة عليها " (2).


(1) الكافي ج 5 ص 413 (2) الكافي ج 5 ص 411 والتهذيب ج 2 ص 234.

[ 378 ]

ومع الدخول تستحق المرأة المهر لاستحلال الفرج ومقتضى القاعدة الرجوع إلى مهر المثل إلا أنه دل الدليل على استحقاق المهر المسمى في بعض الأخبار وإن لم يكن الدليل عاما وفي جميع موارد الفسخ لكنه ادعي عدم الخلاف عند الأكثر و إن أشكل الجزم به. وأما ثبوت المهر مع الخلوة لو فسخت بالخصاء مع التعزير فهو المعروف واستدل عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان قال: " بعثت بمسألة مع ابن أعين قلت: سله عن خصي قد دلس نفسه لامرأة ودخل بها فوجدته خصيا؟ قال: يفرق بينهما و يوجع ظهره ويكون لها المهر بدخوله عليها " (1). وعن سماعة في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " أن خصيا دلس نفسه لأمرة، فقال: يفرق بينهما وتأخذ المرأة منه صداقها ويوجع ظهره كما دلس نفسه " (2). ولا يخفى أن الصحيح المذكور مجمل حيث إن ما فيه من قوله " دخل بها " يظهر منه كون المرأة مدخولا بها ويظهر من قوله " لها المهر بدخوله عليها " كفاية الخلوة. ويظهر من الموثق المذكور ثبوت المهر بالفسخ ولو مع عدم الخلوة لكن يظهر من رواية عبد الله بن جعفر الحميري الثقة الجليل في كتاب قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام قال: " سألته عن خصي دلس نفسه لامرأة ما عليه؟ قال: يوجع ظهره ويفرق بينهما وعليه المهر كاملا إن دخل بها وإن لم يدخل فعليه نصف المهر " (3) التفصيل بين الدخول وعدم الدخول وثبوت تمام المهر المسمى بالدخول مع الفسخ ونصف المهر مع عدمه ولا مانع من الاخذ به ولعله خلاف المشهور. (السادسة: لو ادعت عننه فأنكر فالقول قوله مع يمينه ومع ثبوته يثبت لها الخيار ولو كان متجددا إذا عجز عن وطيها قبلا ودبرا، وعن وطي غيرها ولو ادعي


(1) التهذيب ج 2 ص 234 (2) الكافي ج 5 ص 411 والتهذيب ج 2 ص 234 (3) المصدر ص 108.

[ 379 ]

الوطي فأنكرت فالقول قوله مع يمينه. السابعة: إن صبرت مع العنن فلا بحث وإن رفعت أمرها إلى الحاكم أجلها سنة من حين الترافع، فان عجز عنها وعن غيرها فلها الفسخ ونصف المهر). لو ادعت المرأة عنن الزوج فالمعروف أن القول قول الرجل لأصالة السلامة فإن العنن خلاف السلامة وهي مقدمة على أصالة عدم قدرته على المباشرة استصحابا لعدم القدرة قبل البلوغ ووجه تعميم ثبوت الخيار حتى مع التجدد بعد العقد إطلاق الاخبار بعد التقييد بالعجز عن الوطي قبلا ودبرا وعن غيرها، وقد سبق الكلام في ما ذكر. وأما أن القول قوله لو ادعي الوطي فقد يتمسك له باطلاق صحيح أبي حمزة " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول " إذا تزوج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوجت غيره فزعمت أنه لم يقربها منذ دخل بها فإن القول في ذلك قول الرجل وعليه أن يحلف بأنه قد جامعها لأنها المدعية، قال: فإن تزوجها وهي بكر فزعمت أنه لم يصل إليها فإن مثل ذلك يعرفه النساء فلينظر إليها من يوثق به منهن فإذا ذكرت أنها عذراء فعلى الإمام أن يؤجله سنة وإن وصل إليها وإلا فرق بينهما واعطيت نصف المهر ولا عدة عليها " (1). واستشكل صاحب المسالك - قدس سره - في الاستدلال بهذا الصحيح لمقامنا هذا بأن محل البحث ما إذا ثبت عننه ومورد الرواية دعواها عليه ذلك مع عدم ثبوت ذلك وقبول قوله هنا واضح لموافقة قوله أصل السلامة بخلاف موضع النزاع لتحقق العيب فهو فيه المدعى لزوال ما كان قد ثبت، واجيب بظهور الصحيح في أن مورد الخلاف في الوطي وعدمه الشامل بإطلاقه محل النزاع وقد جعلها المدعية فيه مع موافقة قولها لأصالة عدم وطيها ومخالفة قوله لذلك، ويمكن أن يقال يشكل شمول الصحيح صورة ثبوت العنن للتعليل بأنها مدعية، ولعل الوجه فيه أنه مع


(1) تقدم آنفا.

[ 380 ]

سلامة الرجل والدخول على المرأة بقصد المباشرة الظاهر تحقق المباشرة فدعوى عدمها من المرأة خلافه لا تسمع، وأما مع تحقق العنن ودعوى الرجل الوطي فالحكم بكون المرأة مدعية تعبدا بعيد جدا يشكل التعليل به كما لا يخفى. أما التمسك بأنه لا يعلم إلا من قبله والتعذر أو التعسر في إقامة البينة عليه فيقبل قوله كدعوى المرأة انقضاء العدة بالإقرار فلا يخلو عن الإشكال لأنه مع تسليم هذه القاعدة لا نسلم الأخذ بها في جميع الموارد، ولذا يستشكل في قبول قول المرأة في انقضاء العدة في شهر واحد. وأما ما ذكر من أن المرأة مع عدم صبرها مع عنن الزوج ان رفعت أمرها إلى الحاكم أجلها سنة - إلخ فقد سبق الكلام فيه وكذا ثبوت نصف المهر مع الفسخ. (تتمة لو تزوج على أنها حرة فبانت أمة فله الفسخ، فلا مهر لو لم يدخل، ولو دخل فلها المهر على الأشبه، ويرجع به على المدلس، وقيل: لمولاها العشر أو نصف العشر إن لم يكن مدلسا، وكذا تفسخ هي لو بان زوجها مملوكا. ولا مهر قبل الدخول ولها المهر بعده، ولو اشترط كونها بنت مهيرة فبانت بنت أمة فله الفسخ ولا مهر، ويثبت لو دخل. ولو تزوج بنت مهيرة فأدخلت عليه بنت الأمة ردها ولها المهر مع الوطي للشبهة ويرجع به على من ساقها وله زوجته). قد سبق البحث في صورة التزوج على أنها حرة فبانت أمة والمدرك صحيح الوليد - ابن صبيح المتقدم فمع عدم الإذن من المولى أو الموالي يكون النكاح فاسدا إذا لم يتحقق الإجازة فلا استحقاق للمهر ولا فسخ لأن الفسخ فرع الصحة ومع الإذن يستحق المولى أو الموالي المهر مع الدخول ومع استحقاق المهر كيف يجب العشر أو نصف العشر ووجوب العشر أو نصف العشر في صورة عدم الإذن خلاف ظاهر الصحيح المذكور فالاستدلال به لما ذكر مشكل فثبوت خيار الفسخ والرجوع إلى المدلس من جهة الصحيح المذكور لا يتم والتمسك بمثل " المؤمنون عند شروطهم " لا مجال له لما ذكر هناك مع أن النكاح لا يرد إلا بأسباب خاصة. ولو تزوجت الحرة مملوكا على أنه حر فبان عبدا مأذونا من قبل مولاه فقد

[ 381 ]

سبق الكلام فيه ومقتضى صحيح محمد بن مسلم ثبوت الخيار للحرة فمع الدخول بها تستحق المهر على السيد ومع عدم الدخول لا مهر لها. ولو اشترط كون المرأة بنت مهيرة فبانت بنت أمة فالمحكي عن جماعة أن له الفسخ للتدليس في الصفة ويشكل من جهة ما دل على عدم رد النكاح إلا بأسباب خاصة وعموم " المؤمنون عند شروطهم " لا يدل على الخيار مضافا إلى أن الأمور الخارجة عن الاختيار لانفهم وجها لاشتراطها كما بين في محله ونمنع سيرة العرف على الرد والفسخ بتخلف الشرط والوصف في باب النكاح وإن سلمت في باب البيع عند ظهور العيب وعند تخلف الشرط والوصف، فإذا لم يكن له خيار فليس له الرجوع على المدلس. ولو تزوج بنت مهيرة فأدخلت عليه بنت أمة فلا شك في وجوب الاجتناب وردها فإن كانت المرأة عالمة فلا مهر لها لأنه لا مهر لبغي، ومع جهلها تستحق مهر المثل و يرجع في المهر إلى من ساقها واستدل عليه بصحيحه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " سألته عن رجل خطب إلى رجل ابنة له من مهيرة فلما كانت ليلة دخولها على زوجها ادخل عليه ابنة له اخرى من امة قال عليه السلام: ترد على أبيها وترد إليه امرأته و يكون مهرها على أبيها " (1). وبصحيحة الأخرى " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يخطب إلى آخر ابنته من مهيرة فأتاه بغيرها قال عليه السلام: ترد التي سميت له بمهر آخر من عند أبيها والمهر الأول للتي دخل بها " (2). وأورد بأن الاستدلال بهما للمقام، مبني على كون المراد منهما إدخال بنته من الأمة مع وقوع العقد على بنته من المهيرة، وأما إذا كان المراد مجرد خطبة بنت المهيرة مع وقوع العقد على بنت الأمة بعنوان أنها بنت المهيرة التي خطبها تدليسا من الاب كما لعله الظاهر من الصحيحة الثانية بل الأولى أيضا بناء على كون المراد من امرأته فيها هي المسماة له بالخطبة فتأمل فتكون الصحيحتان من أدلة المسألة السابقة


(1) الكافي ج 5 ص 406 (2) الكافي ج 5 ص 406.

[ 382 ]

وعلى أي حال ظاهر الأولى وصريح الثانية هو أن مهر بنت المهيرة التي ترد إلى زوجها يكون على أبيها ويكون المهر الأول المسمى لبنت الأمة التي دخل بها، و هذا كما ترى لا ينطبق على القواعد لما عرفت أن مقتضى القاعدة هو استحقاق بنت الأمة المدخول بها لمهر المثل وللزوج الرجوع به على أبيها المدلس لها وإن بنت المهيرة تستحق للمهر الأول المسمى اللهم إلا أن يفرض كون المهر الأول المسمى الذي حكم باستحقاق بنت الأمة له مساويا لمهر المثل ويكون المراد من كون مهر بنت المهيرة على أبيها هو أن الزوج يرجع بالمهر الاول الذي غرمه لبنت الأمة على الأب فيأخذه منه ويدفعه إلى بنت المهيرة فتدبر. ويمكن أن يقال: أما الصحيحة الأولى فظاهرها وقوع العقد على المخطوبة بقرينة قوله عليه السلام على المحكي " ترد إليه امرأته " وقول السائل على المحكي " فلما كانت ليلة دخولها على زوجها " نعم يوهم أن يكون قوله على المحكي " مهرها على أبيها " راجعا إلى امرأته لكن لا يبعد رجوعه إلى البنت التي ادخلت عليه لأن مهر المخطوبة ليس غرامة على الزوج بل كان باختياره بخلاف مهر المثل للموطوءة بالشبهة فإنه غرامة غير منتظرة توجهت إلى الزوج وتكون ناشئة من تدليس ولعل هذا قرينة على الرجوع إلى الإبنة المردودة إلى الأب. وأما الصحيحة الثانية فيمكن أن يراد من قوله عليه السلام على المحكي فيها " ترد التي سميت له " التي أتى بها غير المخطوبة والرد إلى الأب لا إلى الزوج وغرامة مهر - المثل على الأب والمهر الأول المهر التي ذكر في عقد المخطوبة فلا يخالف القواعد. (ولو تزوج اثنان فأدخلت امرأه كل منهما على الآخر كان لكل موطوءة مهر المثل على الواطي للشبهة وعليها العدة، وتعاد إلى زوجها وعليه مهرها الأصلي ولو تزوجها بكرا فوجدها ثيبا فلارد، وفي رواية ينقص مهرها). لو تزوج اثنان فأدخلت امرأه كل منهما على آخر فمقتضى القاعدة استحقاق كل موطوءة بالشبهة مهر المثل وعليها العدة لاحترام ماء الواطي بالشبهة وتعاد إلى زوجها، ويدل على ما ذكر بعض النصوص كالصحيح " في رجلين نكحا امرأتين فأتي

[ 383 ]

هذا بامرأة ذا وهذا بامرأة ذا قال: تعتد هذه من هذا وهذه من هذا ثم، ترجع كل واحدة إلى زوجها " (1). ومرسلة جميل بن صالح عن الصادق عليه السلام، " في اختين اهديتا إلى أخوين في ليلة فأدخلت امرأه هذا على هذا وادخلت امرأة هذا على هذا قال عليه السلام: لكل واحدة منهما الصداق بالغشيان وإن كان وليهما تعمد ذلك أغرم الصداق ولا يقرب واحد منهما امرأته حتى تنقضي العدة، فإن انقضت العدة صارت كل واحدة منهما إلى زوجها بالنكاح الأول، قيل له عليه السلام: فإن ماتتا قبل انقصاء العده؟ فقال عليه السلام: يرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما ويرثهما الرجلان، قيل: فإن مات الرجلان وهما في العدة؟ قال: ترثانهما ولهما نصف المهر المسمى لهما وعليهما العدة بعد ما تفرغان من العدة الأولى تعتدان عدة المتوفى عنها زوجها " (2). ولو تزوجها بكرا فوجدها ثيبا سبق البحث فيه وأن مقتضى الرواية أعني رواية القاسم بن الفضيل المذكورة ثبوت الخيار وهو المشهور والمشهور أن له أن ينقص من مهرها، واستدل بصحيحة محمد بن جزك " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن رجل تزوج جارية بكرا فوجدها ثيبا هل يجب لها الصداق وافيا أم ينقص؟ قال عليه السلام: ينقص " (3). فيقع الكلام في مقدار النقص، قد يقال الأولى أنه ما بين مهر البكر والثيب من التفاوت ويرجع إلى تعيينه إلى العادة وتؤيده سكوت الإمام عليه السلام عن التعيين، ويمكن أن يقال: هذا يتم على فرض كون المتكلم في مقام البيان كما هو الأصل، وأما من ينكر ويقول: إنه ليس في مقام البيان في أمثال هذه الرواية يشكل على مبناه ما ذكر. (النظر الثاني في المهر وفيه أطراف، الطرف الأول: كل. ما يملكه المسلم يكون


(1) التهذيب ج 2 ص 234 (2) الكافي ج 5 ص 407 (3) الكافي ج 5 ص 413.

[ 384 ]

مهرا عينا كان أو دينا أو منفعة كتعليم الصنعة والسورة ويستوي فيه الزوج والأجنبي أما لو جعلت المهر استيجاره مدة فقولان أشبههما الجواز، ولا تقدير للمهر في القلة ولا في الكثرة على الأشبه بل يتقدر بالتراضي، ولا بد من تعيينه بالوصف أو الاشارة، ويكفي المشاهدة عن كيله ووزنه). مقتضى الأخبار المستفيضة جواز جعل المهر ما تراضى به الزوج والزوجة أو وليهما مما يصح أن يملكه المسلم عينا كان أو منفعة، كثيرا كان أو قليلا، ففي صحيحة الكناني " سألته عليه السلام عن المهر ما هو؟ فقال: ما تراضى عليه الناس " (1). وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " الصداق كل شئ تراضى عليه الناس قل أو كثر " (2). وفي صحيحة فضيل عنه عليه السلام أيضا " الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير " (3). وفي صحيحة أخرى، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن المهر فقال: هو ما تراضى عليه الناس أو أثنتا عشرة أوقية ونش أو خمسمائة درهم " (4). وفي صحيحة اخرى عن أبي جعفر عليهما السلام " قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه واله فقالت: زوجني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله زوجنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شئ فقال صلى الله عليه وآله: لا فأعادت فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتحسن من القرآن شيئا؟ فقال: نعم، قال صلى الله عليه وآله: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه " (5). وفي صحيحة أخرى عنه عليه السلام أيضا " سألته عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورة من كتاب الله عزوجل فقال عليه السلام: ما احب أن يدخل بها حتى يعلمها السورة ويعطيها شيئا، قلت: أيجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا؟ فقال عليه السلام: لا بأس بذلك إذا رضيت به كائنا ما كان " (6).


(1 و 2) الكافي ج 5 ص 378 (3 و 4) الكافي ج 5 ص 378 (5 و 6) الكافي ج 5 ص 380.

[ 385 ]

فلا إشكال في جواز جعل المهر ما ذكر في المتن، نعم حكي عن الشيخ - قدس سره - المنع عن جعل المنفعة مهرا استنادا إلى رواية البزنطي عن الرضا عليه السلام قال: " قلت له: قول شعيب على نبينا وآله وعليه السلام " إني اريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك " أي الاجلين قضى؟ قال عليه السلام: الوفاء منهما أبعدهما عشر سنين، قلت: فدخل بها قبل أن ينقضي الشرط أو بعد انقضائه؟ قال: قبل أن ينقضي، قلت: فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لأبيها إجارة شهرين يجوز ذلك؟ فقال: إن موسى قد علم أنه سيتم له شرطه فكيف لهذا بأن يعلم أنه سيبقى " يبقى خ ل " حتى يفي وقد كان الرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوج المرأة على السورة من القرآن وعلى الدرهم وعلى القبضة من الحنطة " (1). وجه الاستدلال عدم جواز جعل المهر إجارة نفسه من جهة أنه لا يعلم بالبقاء إلي أن يفي، فيدل على أن كل أمر متدرج الوجود لا اطمينان بحصوله كالمنفعة لا يجوز جعله مهرا. وأورد على الاستدلال بها مضافا إلى ضعف السند بوجوه منها تقريره عليه السلام السائل على ما زعمه من جواز جعل المهر لأب الزوجة مع أنه مخالف للأخبار الصحيحة الصريحة في عدم جواز ذلك معللا بأنه ثمن رقبتها وهي أحق بمهرها ومنها ظهورها في كون المانع عدم الاطمينان بحصول المنفعة ومقتضى ذلك الجواز مع العلم بحصولها. ومنها أن مقتضى ما فيها من التعليل عدم جواز جعل تعليم السورة ونحوه مهرا لعدم الاطمينان بحصوله مع أن جوازه مما قام عليه الإجماع وتضمنته نفس هذه الرواية ودلت عليه الأخبار. وأجيب بإمكان التفصي عن الكل أما عن الأول فبأن يقال: إن ما جعل للأب في الرواية هو نفس الإجارة وليست هي مهرا لها بل المهر لها اشتراطها ولا محذور في جعله مهرا بعد كونه مما يتعلق به غرض عقلائي ومشمولا لعموم قوله عليه السلام في بعض الأخبار ما تراضيا عليه في جواب السؤال عن المهر. وأما عن الثاني


(1) الكافي ج 5 ص 414.

[ 386 ]

فبأن قوله عليه السلام " إن موسى عليه السلام قد علم الخ " في مقام بيان حكمة الحكم لا علته كي يدور الحكم مداره، ويجوز جعل المنفعة مهرا فيما لو اطمئن بحصولها. وأما عن الثالث فبمنع كون مثل تعليم السورة مما لا اطمينان بحصوله. ويمكن أن يقال: ما ذكر في التفصي عن الإشكال الأول يتم مع كون الاشتراط للمرأة وإن كان المشروط لأبيها والسؤال في الرواية ليس ظاهرا فيه بل ظاهرة كون نفس الاشتراط للأب ولا أقل من احتمال كلامه فلابد من كون الجواب شاملا له، وما ذكر في التفصي عن الثاني يشكل من جهة أنه إذا كان الحكمة في المنع عدم الاطمينان بالوفاء فالعلم والاطمينان لا يفيدان فكيف علل الصحة في قضية موسى على نبينا وآله وعليه السلام وما ذكر في التفصي عن الثالث يشكل من أنه قد يجعل المهر تعليم مثل سورة البقرة وسورة آل عمران أو غيرها من السور الطوال والمرأة عجمية لا تعرف شيئا لا بد من تكرير الآيات مدة طويلة حتى تحفظ السورة بتمامها أو السورتين أو أزيد فكيف يمنع عدم حصول الاطمينان؟ وكيف كان المشهور لم يعملوا بمضمون هذه الرواية، وقالوا بضعف سندها وقد ظهر من الأخبار المذكورة كفاية ما تراضى به الزوجة والزوج من دون تقدير في القلة والكثرة، والمحكي عن علم الهدى السيد المرتضى - قدس سره - المنع عن الزيادة عن مهر السنة وهو خمس مائة درهم وإن ما زاد على ذلك رد إلى هذه السنة ". واحتج عليه في الانتصار بعد إجماع الطائفة بأن المهر يتبعه أحكام شرعية فإذا وقع العقد على مهر السنة فما دون ترتبت عليه الأحكام بالاجماع وأما الزائد فليس عليه إجماع ولا دليل شرعي، ولا يخفى ما فيه. وأما الاستدلال له بما رواه الشيخ عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام: فقلت: له: أخبرني عن مهر المرأة الذي لا يجوز للمؤمن أن يجوزه؟ فقال عليه السلام: السنة المحمدية صلى الله على محمد وآله خمسمائة درهم فمن زاد على ذلك رد إلى السنة، ولا شئ عليه أكثر من خمس مائة درهم فإن أعطاها من الخمس مائة درهم درهما أو أكثر من ذلك ثم دخل بها فلا شئ عليه، قال: قلت:

[ 387 ]

فإن طلقها بعدما دخل بها؟ قال: لا شئ لها إنما كان شرطها خمس مائة درهم فلما أن دخل بها قبل أن تستوفي صداقها هدم الصداق فلا شئ لها إنما لها ما أخذت من قبل أن يدخل بها فإذا طلبت بعد ذلك في حياته أو بعد موته فلا شئ لها (1)) فمع ضعف السند ومعارضته للأخبار المعتبرة ومخالفته لقوله تعالى " وإن آتيتم إحدهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " لا مجال للعمل به. وأما لزوم تعيين المهر بالوصف أو الإشارة وكفاية المشاهدة فهو المصرح به في كلمات الأصحاب ويشكل من جهة أنه إن كان النظر إلى نفي الغرر فالدليل المعتبر عليه مخصوص بالبيع ويتعدى عنه إلى الإجارة، وقيل: كذلك الصلح المبني على المداقة، وعلى فرض التمسك في المقام لابد من التعيين كما في البيع ولا يلتزمون به في المقام فلا يبعد التمسك باطلاق الأخبار للصحة مع عدم التعيين. ويدل على الصحة الصحيحة المتقدمة المتضمنة لحكاية المرأة التي أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وطلبت أن يزوجها فإن المهر فيها قد جعل ما يحسنه الرجل من القرآن ولم يسأل عن مقداره وما دل من الأخبار على جواز جعل المهر بيتا أو دارا أو خادما وإن لها الوسط منها. (ولو تزوجها على خادم فلم يتعين فلها وسطه، وكذا لو قال: دار أو بيت، ولو قال: على السنة كان خمسمائة درهم، ولو سمى لها مهرا ولأبيها شيئا سقط ما سمى له، ولو عقد الذميان على خمر أو خنزير صح، ولو أسلما أو أحدهما قبل القبض فلها القيمة عينا أو مضمونا، ولا يجوز عقد المسلم على الخمر ولو عقد صح، ولها مع الدخول مهر المثل وقيل يبطل العقد). لو تزوجها على خادم من دون التعيين صح ويدل على الصحة والتعيين في الوسط ما رواه في الكافي والتهذيب عن ابن أبي عمير عن علي بن أبي حمزة قال: " قلت: لأبي الحسن عليه السلام تزوج رجل امرأة على خادم؟ قال: فقال: لها وسط: من الخدم، قال: قلت:


(1) التهذيب ج 2 ص 216.

[ 388 ]

على بيت؟ قال: وسط من البيوت (1) ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن عليه السلام " في رجل تزوج امرأه على دار؟ قال: لها دار وسط (2) ". وما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة قال: " سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل زوج ابنته ابن أخيه وأمهرها بيتا وخادما، ثم مات الرجل؟ قال: يؤخذ المهر من وسط المال، قال: قلت: فالبيت والخادم؟ قال: وسط من البيوت، والخادم وسط من الخدم قلت: ثلاثين أربعين دينارا؟ والبيت نحو من ذلك، فقال: هذا يعنى سبعين ثمانين دينارا مائة نحو من ذلك (3) ". قد يتوقف في الحكم من جهة ضعف السند من جهة علي بن أبي حمزة رأس الواقفية وقد يؤخذ بمضمون الأخبار المذكورة ويقتصر على ما ذكر في الأخبار المذكورة لكونها على خلاف ما تسالموا عليه. ويمكن أن يقال: أما ضعف السند فمع رواية ابن أبي عمير مع جلالة قدره و خصوص ما رواه في الصحيح المذكور لا يوجب الإشكال، وأما الاقتصار على مورد النص فهو على تقدير كون الحكم على خلاف الأصول والقواعد، وأما مع عدم الدليل على لزوم التعيين وكفاية الإطلاقات فلا يبعد التعدي إلى غير ما ذكر في النصوص المذكورة لكن مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الأخبار المذكورة عدم تعين الوسط بل جواز الاقتصار على ما يصدق العنوان المذكور في العقد عليه كما أنه لو أخذت المرأة الفرد الأكمل ما أخذت الزائد عن حقها لكونه مصداقا فإن استفيد من الأخبار تعين الوسط أشكل التعدي عن موردها، وإن كان التعيين رعاية لطرف الزوج والزوجة بحيث لو تراضيا على أحد الطرفين كان لهما ذلك أمكن التعدي لكنه مع ذلك يشكل الاحتياج إلى رضى الزوجة لأنها لا تستحق إلا ما صدق عليه ما هو مذكور في العقد.


(1) الكافي ج 5 ص 381 والتهذيب ج 2 ص 218 (2) المصدر ج 2 ص 220 (3) المصدر ج 5 ص 381.

[ 389 ]

ولو تزوج على السنة ولم يسم مهرا فالمشهور من غير خلاف يعرف أن مهرها خمسمائة درهم واستدل عليه بما رواه في التهذيب عن اسامة بن حفص القيم لأبي الحسن موسى عليه السلام المعتبر بوجود المجمع على تصحيح ما يصح عنه في سنده وبالانجبار بعمل الأصحاب قال: " قلت له رجل تزوج امرأه ولم يسم لها مهرا وكان في الكلام أتزوجك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فمات عنها أو أراد أن يدخل بها فمالها من المهر؟ قال عليه السلام مهر السنة، قال: قلت: يقول أهلها: مهور نسائها، فقال: هو مهر السنة وكلما قلت له شيئا قال عليه السلام: مهر السنة (1) ". وقد يقرب الاستدلال بعد حملها على ما إذا كان المراد من هذه العبارة يعنى قوله على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله " هو خصوص مهر السنة أو جميع ما اعتبر في التزويج في الكتاب والسنة من الشرائط والخصوصيات التي منها كون المهر خمسمائة درهم إذ لو كان المراد بهذه العبارة أنه نكاح غير سفاح من غير أن يقصد منها المهر عموما أو خصوصا كان الواجب مهر المثل لعدم ذكر المهر حينئذ بأنه لما كان الزوج والزوجة في مورد السؤال جاهلين حين العقد بمقدار ما عقدا عليه من مهر السنة وتوهم أهلها فساد هذا المهر بمكان الغرر واستحقاقها مهر المثل أجاب الامام عليه السلام باستحقاقها لما عقدا عليه من مهر السنة وأن الجهالة لا تضر بصحته لكن يرد عليه أنه لو كان السؤال في الرواية عن صحة المهر وفساده من جهة الجهالة بمقداره لم يكن وجه لتوهم أهلها أن لها مهر نسائها لو مات عنها زوجها أو أراد الدخول بها، ضرورة أنه لو كان المهر المذكور في العقد فاسدا يكون العقد كالخالي عن المهر رأسا في أنها لا تستحق إلا مهر المثل بالدخول لا بإرادته وأنها لو مات عنها زوجها قبله لا تستحق شيئا إلا أن يحمل هذا التوهم من أهلها على جهلهم بالمسألة فتدبر. ويمكن أن يقال: هذا التقريب يشكل كفايته لما ذهب إليه المشهور حيث إن ظاهر كلماتهم أنه متى عبر في العقد بالعبارة المذكورة تستحق المرأة خمسمائة درهم


(1) التهذيب ج 2 ص 227 والاستبصار ج 3 ص 225.

[ 390 ]

مع أن هذه العبارة قابلة لأن يراد منها النكاح المشروع غير السفاح ويبعد أن يراد منها خصوص مهر السنة من جهة عدم ذكره في الكتاب، والتوجيه بأنه ورد في الكتاب " ما آتاكم الرسول فخذوه " بعيد لعدم توجه عموم الناس لهذا بل لعل العطف يوجب المغايرة بغير هذا الوجه. ولو سمى للمرأة مهرا ولأبيها شيئا سقط ما سمى له، أما صحة المهر الذي جعله للزوجة وبطلان ما سماه لغيره فظاهر الأصحاب الإتفاق عليهما واستدلوا على ذلك بصحيحة الوشاء عن الرضا عليه السلام قال: " لو أن رجلا تزوج امرأة وجعل مهرها عشرين ألفا وجعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزا والذي جعله لأبيها فاسدا (1) ". ولا يخفى أن ظاهر الصحيحة أن عشرة آلاف المجعول لأبيها كان فاسدا فلو فرض أن شرط الزوج للمرأة أن يعطي الأب شيئا بحيث يكون الشرط للمرأة وداخلا في مهرها والمشروط للأب أو بنحو شرط النتيجة وملكية الأب لشئ، كما لو باع شيئا وشرط للمشتري أن يعطي شخصا آخر شيئا أو يملك عليه شيئا أو يعمل له عملا فالظاهر عدم شمول الصحيحة للمفروض ولا أقل من الشك ولا ينافي ما دل من الأخبار المانعة من جعل المهر لأب الزوجة معللا بأنه ثمن رقبتها الشاملة باطلاقها لجعل بعض المهر لأبيها. ألا ترى صحة البيع واشتراط شئ لغير البايع بنحو يكون الشرط للبايع و المشروط للغير مع التسالم على أن مقتضى المعارضة دخول العوض في ملك من يخرج عن ملكه المعوض. ولو عقد الذميان على خمر أو خنزير صح سواء قيل بأن الكفار ليسوا مكلفين بالأحكام الوضعية وأن ما بأيديهم من الأسباب صحيح مؤثر في حصول ما قصدوه منها من المسببات وإن كان الظاهر خلافه بل مقتضى إطلاق الأدلة عدم الفرق بين المكلفين والكفار مكلفون بجميع الفروع كالأصول، وهل يمكن القول بصحة نكاح المحارم كما يلتزم به المجوس بناء على كونهم من أهل الذمة، أو قلنا بأنهم مكلفون كالمسلمين


(1) الكافي ج 5 ص 384.

[ 391 ]

غاية الامر إنهم مقرون على صحة ما في أيديهم من الأسباب مماشاة معهم وإلزاما لهم بما ألزموا على أنفسهم مع كونها فاسدة غير مؤثرة فيما قصدوه منها من الآثار، وذلك لان الخمر والخنزير يصح تملكها في شريعتهم فيصح لهم جعلها مهرا، وحينئذ لو أسلما أو أسلم أحدهما فإن كان بعد القبض فلا إشكال في أنه لا شئ للزوجة على الزوج لبراءة ذمته وإن كان قبل القبض فهل يجب على الزوج دفع ما هو القيمة عند المستحلين تنزيلا لتعذر التسليم منزلة التلف أو الواجب مهر المثل تنزيلا لتعذر التسليم منزلة الفساد. ذهب المشهور إلى الأول ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة عن رومي بن زرارة، عن عبيد بن زرارة قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: النصراني يتزوج النصرانية على ثلاثين دنا من خمر أو ثلاثين خنزيرا ثم أسلما بعد ذلك ولم يكن دخل بها؟ قال عليه السلام: ينظر كم قيمة الخمر وكم قيمة الخنزير فيرسل بها إليها، ثم يدخل عليها وهما على نكاحهما الأول " (1). ولا يعارضه ما رواه في الكافي والتهذيب عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سأله رجل عن رجلين من أهل الذمة أو من أهل الحرب تزوج كل واحد منهما امرأة وأمهرها خمرا أو خنازير، ثم أسلما؟ فقال عليه السلام: ذلك النكاح جائز حلال لا يحرم من قبل الخمر ولا من قبل الخنازير، قلت: فإن أسلما قبل أن يدفع إليها الخمر، قال: إذا أسلما حرم عليه أن يدفع إليها شيئا من ذلك ولكن يعطيها صداقها " (2). قد يقال في دفع المعارضة: إن الرواية الأولى صريحة في وجوب الانتقال إلى القيمة بخلاف الثانية فإنها ليست إلا ظاهرة في وجوب الانتقال إلى مهر المثل، وذلك لإمكان حمل الصداق فيها على القيمة مضافا إلى أن الظاهر أن المراد من قول الراوي في الثانية


(1) التهذيب ج 2 ص 215 (2) الكافي ج 5 ص 436 والتهذيب ج 2 ص 214.

[ 392 ]

" فان أسلما - الخ " هو إسلام الرجلين لا إسلام الزوج والزوجة، فتكون الرواية خارجة موضوعا عما نحن فيه. ويمكن أن يقال: أما الرواية الأولى فحملها على صورة عدم قبض المهر مشكل بل إطلاقه يشمل صورتي القبض وعدم القبض، فما ذكر من أنه لا إشكال مع القبض مشكل إلا أن يكون إتفاق. وأما ما ذكر من رفع المعارضة بين الخبرين فلا نسلم فيه صراحة الأولى في تعين القيمة بل هي ظاهرة في التعين فلا يبعد الجمع برفع اليد عن ظهور كل فيها بنص الآخر أو كالنص، فإن حمل الثانية على القيمة بعيد لا يصار إليه. وأما ما ذكر من ظهور قوله في الثانية " فإن أسلما - الخ " في إسلام الرجلين لا الزوج والزوجة فيشكل من جهة أنه لا يناسب مع قوله قبل أن يدفع إليها الخمر إلخ، بل كان المناسب أن يقول قبل أن يدفعا إليهما الخمر والخنزير هذا مضافا إلى أنه بعدما حرم دفع المسمى إلى الزوجة ولو كانت كافرة لعله لا يفرق الأصحاب بين صورة إسلام الزوجة وعدم إسلامها، ثم إنه لا فرق بين كون المهر عينا شخصية كخمر شخصية أو خنزير شخصي أو كلي مضمون وإطلاق الخبرين يشملهما ولا يجوز عقد المسلم على مثل الخمر والخنزير مما لا مالية له في الشرع المقدس بمعنى انه لا يصير مهرا ولو وقع العقد وان فسد المهر. أو يقع العقد باطلا الظاهر عدم الاشكال في الصحة فيما إذا عقدا على ما لا مالية له في الشرع بزعم كونه مما يصح تملكه كما لو عقدا على ظرف من الخمر بزعم أنه خل وإنما وقع الخلاف في صورة التوجه والعلم، فذهب جماعة إلى البطلان واستدل لهم بأن رضا الزوجة بالنكاح كان معلقا على صيرورة المهر المسمى ملكا لها فإذا لم يصر المسمى لبطلانه ملكا لها فلا رضا لها بالنكاح، وبأن النكاح مع ذكر المهر فيه من العقود المعاوضية لدخول الباء على المهر وإطلاق الأجر في قوله تعالى " فآتوهن اجورهن " فلابد أن يعتبر فيه ما يعتبر فيها من توقف صحتها على صحة العوض ولا ينافي صحته بلا مهر جريان حكم المعاوضة مع ذكر المهر. ويمكن أن يقال: أولا كثيرا تكون الزوجة راضية بالنكاح مع قطع النظر عن المهر المسمى في العقد فيكون من باب تعدد المطلوب، وعلى فرض وحدة المطلوب

[ 393 ]

لا يكون المهر من قبيل العوض في باب البيع والإجارة وليس ركنا في النكاح ولذا يصح النكاح بدون ذكر المهر بخلاف باب البيع والإجارة، نعم لا إشكال في الارتباط فمع الارتباط يكون نظير شروط المذكورة في ضمن العقود فمع عدم الإمضاء من طرف الشرع المقدس لا يخرج العقد عن القصد، ألا ترى أنه لو شرب الصائم مايعا بتوهم أنه ماء بحيث لولا هذا التوهم لما شرب لم يخرج شرب هذا المايع مع أنه لم يكن ماء عن الإفطار العمدي، وأوضح من هذا ما لو توجه إلى عدم الإمضاء من قبل الشرع. ويمكن الاستدلال بما دل من الأخبار على أنه لو اشترط في العقد ما يخالف المشروع مثل أن يتزوج عليها أولا يتسرى بطل الشرط وصح العقد معللا بأن شرط الله قبل شرطكم. (الطرف الثاني التفويض: لا يشترط في الصحة ذكر المهر فلو أغفله أو شرط أن لا مهر لها فالعقد صحيح، ولو طلق فلها المتعة قبل الدخول وبعده لها مهر المثل، ويعتبر في مهر المثل حالها في الشرف والجمال وفي المتعة حاله، فالغني يتمتع بالثوب المرتفع أو عشرة دنانير فأزيد، والفقير بالخاتم أو الدرهم، والمتوسط بينهما، ولو جعل الحكم لأحدهما في تقدير المهر صح، ويحكم الزوج بما شاء وإن قل، وإن حكمت المرأه لم تتجاوز مهر السنة، ولو مات الحاكم قبل الدخول وقبل الحكم فالمروي لها المتعة). لا خلاف في أن ذكر المهر ليس شرطا في صحة عقد ويدل عليه قوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين " والنصوص منها ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، ثم دخل بها؟ قال عليه السلام: صداق نسائها " (1). وفي رواية اخرى له عنه عليه السلام " سألته عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها


(1) المصدر ج 2 ص 381.

[ 394 ]

صداقا فمات عنها أو طلقها قبل أن يدخل بها مالها عليه؟ قال عليه السلام: ليس لها صداق وهي ترثه ويرثها (1) ". وما رواه الشيخ في الموثق عن منصور بن حازم قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا؟ قال عليه السلام: لا شئ لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها (2) ". وما عن الحلبي في الصحيح قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة فدخل بها ولم يفرض لها مهرا، ثم طلقها؟ فقال: لها مهر، مثل مهور نسائها ويمتعها " (3). وما عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فوهم أن يسمى لها صداقا حتى دخل بها؟ قال عليه السلام: السنة، والسنة خمسمائة درهم (4) ". فالتزوج بدون ذكر المهر صحيح بلا إشكال ولا خلاف. وأما لو شرط عدم المهر حتى بعد الدخول فلا إشكال ولا خلاف في فساد الشرط لكونه خلاف السنة، والمعروف فساد العقد أيضا ولعل وجهه صحيحة الحلبي " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تهب نفسها للرجل ينكحها بغير مهر، فقال عليه السلام: إنما كان هذا للنبي صلى الله عليه وآله وأما لغيره فلا يصلح هذا حتى يعوضها شيئا يقدم إليها قبل أن يدخل بها قل أو كثر. ولو ثوب أو درهم وقال: يجزى الدرهم (5) ". وقد يقال: لا يخفى عدم دلالتها على فساد العقد لاحتمال أن يكون المراد من ينكحها في قول السائل هو الوطي فلا دلالة لها إلا على عدم جواز الدخول بغير عوض، ويمكن أن يقال: يبعد أن يكون المراد الوطي لخروجه عن النكاح الدائم والمنقطع وكيف مثل الحلبي يخفى عليه حتى يحتاج إلى السؤال، وعلى فرض احتمال هذا المعنى


(1) الكافي ج 7 ص 133 (2) التهذيب ج 2 ص 215 والاستبصار ج 3 ص 225. (3) التهذيب ج 2 ص 217 والاستبصار ج 3 ص 225 (4) التهذيب ج 2 ص 317 والاستبصار ج 3 ص 225 (5) الكافي ج 5 ص 384.

[ 395 ]

واحتمال العقد لابد من أن ينطبق الجواب على كلا الاحتمالين، نعم يمكن الخدشة بالدلالة من جهة عدم ظهور لا يصلح في عدم الجواز الوضعي مع اقترانه بقوله حتى يعوضها شيئا يقدم إليها مع أن الإعطاء قبل الدخول غير لازم. ثم إنه لا إشكال في أن مجرد العقد في تفويض البضع لا يوجب المهر ولا المتعة وإنما يجب مهر المثل بالدخول والمتعة بالطلاق قبل الدخول ويدل عليه قوله تعالى في الآية الشريفة والأخبار المذكورة والمعروف بين الأصحاب أن المعتبر في مهر المثل حال المرأة فالمراد به ما يبذل في مقابل نكاح أمثالها ممن كانت متصفة بمثل صفاتها وما هي عليه من الشرف والجمال وعادة نسائها والسن والبكارة والثروة والعقل والعفة والأدب وحسن تدبير المنزل وأضدادها وبالجملة ما يختلف به الغرض والرغبة والمذكور في الأخبار قولهم عليهم السلام: لها صداق نسائها، ومهر مثل مهور نسائها الظاهر في نساء أهلها وقد يوجه بدعوى أن المراد من نسائها فيها من شابهتها في الصفات من نساء أهلها من جهة أن ذلك نوع من التقويم الذي ينبغي ويبعد هذا التوجيه أنه على هذا ليس لذكر خصوص نسائها فائدة، وربما لم يكن في نسائها من تكون مثلها فالظاهر ملاحظة نساء أهلها من دون ملاحظة ما ذكر والمعروف أيضا أنه يرجع إلى مهر المثل ما لم يتجاوز عن مهر السنة ومع التجاوز يرد إلى مهر السنة. واستدل عليهم مضافا إلى دعوى الإجماع برواية أبي بصير المذكورة وأورد عليه بأن الرواية مع ضعف سندها وإن كانت منجبرة بالشهرة قاصرة الدلالة من جهة أنها ظاهرة بقرينة الفاء في مفوضة المهر لا مفوضة البضع وهذه محل كلامنا، بل يمكن دعوى أن موردها ليس المفوضة أصلا لأن ظاهرها أنه كان بناؤه على ذكر المهر ونسيه، هذا مضافا إلى أن مقتضى إطلاقها هو استحقاقها لمهر السنة بالدخول مطلقا سواء كان مهر مثلها أقل من مهر السنة أو أكثر فتقع المعارضة بينها وبين ما دل على أنها تستحق بالدخول مهر نسائها أقل من مهر السنة أو أكثر. ثم جمع بينهما بحمل مهر النساء في الثاني على مهر السنة، واستشهد لهذا الجمع بأخبار منها صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المهر فقال: ما تراضى عليه الناس أو اثنتي عشرة

[ 396 ]

أوقية ونش أو خمسمائة درهم " (1). ومنها رواية جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المهر ما تراضى عليه الناس أو اثنتى عشرة أوقية ونش أو خمسمائة درهم " (2). وما في ذيل رواية العياشي عن عمر بن يزيد في جواب السؤال عن مقدار مهر المثل أن مهر المؤمنات خمسمائة وهو مهر السنة، وقد يكون أقل من خمسمائة ولا يكون أكثر من ذلك ومن كان مهرها ومهر نسائها أقل من خمسمائة أعطى ذلك الشئ ومن فخر وبذخ بالمهر فازداد على خمسمائة ثم وجب عليها مهر نسائها في علة من العلل لم يزدد على مهر السنة خمسمائة درهم، ويمكن أن يقال: لم نفهم شهادة صحيح المذكور ورواية جميل لما ذكر من الجمع كما لا يخفى. وأما رواية العياشي فمحمولة على أن المؤمنات لا ينبغي أن يكون مهرهن أزيد من مهر السنة، وليست إخبارا بأن مهرهن لا يكون أزيد فمع كون المهر أزيد كيف يرد إلى مهر السنة مع ظهور ما دل على أن المفوضة مهرها مهر نسائها وكونه في مقام البيان فيشكل رفع اليد بواسطة خبر العياشي. ثم إن ظاهر الفتاوي عدم ثبوت المتعة إلا للمفوضة التي طلقت قبل الدخول و استدلوا عليه مضافا إلى قوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين " بأخبار كثيرة. منها رواية علي بن أحمد بن أشيم قال: " قلت لأبي الحسن عليه السلام: أخبرني عن المطلقة التي تجب لها على زوجها المتعة أيهن هي؟ فإن بعض مواليك يزعم أنها تجب المتعة للمطلقة التي قد بأنت وليس لزوجها عليها رجعة والتي عليها رجعة فلا متعة لها، فكتب عليه السلام البائنة " (3) بناء على كون المراد من البائنة هي المطلقة قبل الدخول.


(1 و 2) الكافي ج 4 ص 378 و 379 (3) التهذيب ج 2 ص 288.

[ 397 ]

ورواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته قبل أن يدخل بها؟ قال عليه السلام: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا وإن لم يكن فرض لها شيئا فليمتعها على نحو ما يمتع به مثلها من النساء " (1). ورواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف مهرها، وإن لم يكن سمى لها مهرا فمتاع بالمعروف على الموسع قدره وعلى المقتر قدرة، وليس لها عدة تتزوج إن شاءت من ساعتها ". (2) ورواية الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، قال: فقال: إن كان سمى لها مهرا فلها نصفه، وإن لم يكن سمى لها مهرا فلا مهر لها، ولكن يمتعها إن الله يقول: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين " (3). ورواية أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها - إلى أن قال - وإن لم يكن فرض لها شيئا فليمتعها على نحو ما يمتع به مثلها من النساء " (4). وما عن فقه الرضا عليه السلام " كل من طلق امرأته من قبل أن يدخل بها فلا عدة عليها منه، فإن كان سمى لها صداقا فلها نصف الصداق، وإن لم يكن سمى لها صداقا يمتعها بشئ قل أو كثر على قدر يساره فالموسع يمتع بخادم أو دابة، والوسط بثوب، والفقير بدرهم وخاتم كما قال الله تعالى " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف ". وقد يقال: لا يخفى عدم دلالة شئ منها على حصر المتعة واختصاصها بالمطلقة الغير المدخول بها، أما الآية الشريفة فلعدم دلالتها إلا على اشتراط انتفاء المهر للمطلقة


(1) الكافي ج 6 ص 106 والتهذيب ج 2 ص 288 (2) الفقيه باب طلاق التي لم يدخل بها تحت رقم 1، ورواه العياشي ج 1 ص 124 (3) رواه العياشي ج 1 ص 130 (4) الكافي ج 6 ص 108.

[ 398 ]

بانتفاء أحد الأمرين من الدخول وفرض الفريضة. أما اشتراط ثبوت المتعة لها بانتفاء أحدهما كي تدل بمفهومها على عدم ثبوتها عند وجود أحدهما فلا دلالة لها عليه أصلا وإنما تدل على مجرد ثبوتها للمطلقة التي لا مهر لها لانتفاء أحد الأمرين، ومن المعلوم أن مجرد تغيير موضوع الحكم بقيد لا يوجب إلا تضييق موضوع ذلك الحكم لا انتفاءه عنه عند انتفاء ذلك القيد ومن هنا ظهر وجه عدم دلالة الأخبار أيضا على الحصر والاختصاص، وذلك لعدم دلالتها إلا على ثبوت المتعة للمطلقة الغير المدخول بها. وأما اشتراط ثبوتها لها بعدم الدخول كي يدل على حصرها واختصاصها بغير المدخول بها فلا دلالة لها عليه أصلا فتدبر، نعم رواية علي بن أحمد تدل على الحصر بغير المدخولة بناء على حمل قوله عليه السلام فيها " البائنة " على المطلقة قبل الدخول، لكن لا شاهد على هذا الحمل. ويمكن أن يقال: ما ذكر من أن مجرد تقييد موضوع الحكم بقيد لا يوجب - الخ يشكل لأن الأصل في القيود الاحترازية فمع انتفاء القيد ينتفي الحكم إلا أن يقوم مقام القيد المذكور قيد آخر، وأما رواية علي بن أحمد المذكورة فالمستفاد منها الحصر في البائن والبائن الغير المدخول بها والمطلقة ثلاثا فلا بد من مدخلية البينونة وعدم استحقاق الزوج للرجع، وعلى هذا فلا مجال للتمسك بمثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل تزوج امرأه فدخل بها ولم يفرض لها مهرا، ثم طلقها قال عليه السلام لها مثل مهور نسائها ويمتعها " (1) وخبره الآخر عنه عليه السلام " في قول الله تعالى " وللمطلقات متاع بالمعروف " قال: متاعها بعد أن تنقضي عدتها على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " (2) مع أن العدة مخصوصة في غير الوفاة بالمدخول بها.


(1) الكافي ج 6 ص 105 (2) الكافي ج 6 ص 105.

[ 399 ]

ورواية زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام " متعة النساء واجبة دخل بها أو لم يدخل بها " (1) للتعميم وذلك لظهور الأخبار في أن المدخول بها ليس لها مع عدم فرض المهر إلا مهر نسائها ولا يجب لها المتعة ولا تنافي استحبابها بل ادعي الاجماع على اختصاص الوجوب بالمطلقة المفوضة التي لم يفرض لها المهر ولم يدخل بها ". ثم إن ظاهر الأصحاب أن المعتبر في المتعة حال الزوج خاصة وهذا هو الظاهر من الكتاب العزيز وخبر الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف مهرها فإن لم يكن سمى لها مهرا فمتاعا بالمعروف على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " (2). وقد يقال: الظاهر من قوله تعالى ومن قوله عليه السلام " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " هو اعتبار حال الزوج في مقام الإعطاء وحينئذ لا ينافي اعتبار حالها ضرورة أنه كما أن حال الزوج يتفاوت في مقام الإعطاء بحسب كونه موسعا أو مقترا كذلك يتفاوت بحسب كون المستعطى شريفا أو وضيعا، ويؤيد ذلك ما في صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام " في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها من قوله عليه السلام: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا وإن لم يكن فرض لها فليمتعها على نحو ما يمتع مثلها من النساء " (3). ورواية أبي بصير " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها - إلى أن قال: - وإن لم يكن فرض لها شيئا فليمتعها على نحو ما يمتع به مثلها من النساء " (4). ويمكن أن يقال: ظاهر الآية الشريفة وخبر الكناني اعتبار حال الزوج ليس غير في مقام الوجوب وظاهر الخبرين المذكورين اعتبار حال الزوجة فمع التعارض الترجيح بموافقة الكتاب وما ذكر من عدم المنافات لم يظهر وجهه، ثم إن ظاهر الآية الشريفة وكثير


(1) رواه العياشي ج 1 ص 130 (2) الفقيه باب طلاق التي لم يدخل بها تحت رقم 1 (3) و (4) تقدما ص 397.

[ 400 ]

من النصوص هو انقسام حال الزوج إلى السعة والاقتار والمشهور زيادة قسم ثالث وهو التوسط، ويدل عليه ما في المحكي عن فقه الرضا عليه السلام من قوله " وإن لم يكن سمى لها صداقا يمتعها بشئ قل أو كثر على قدر يساره، فالموسع يمتع بخادم أو دابة و الوسط بثوب والفقير يمتع بدرهم أو خاتم كما قال الله تعالى " ومتعوهن - الخ " وما في محكي الفقيه (1) من أنه " روي أن الغني يمتع بدار أو خادم والوسط يمتع بثوب والفقير يمتع بدرهم أو خاتم " " وروى أن أدناه خمار وشبهه ". ولا يبعد أن يكون المتوسط داخلا في الموسع المقابل للمقتر وإن كان الموسع بدون المقاولة مع المقتر يكون مقابلا للمتوسط أيضا وعلى هذا ليس المتوسط خارجا عن الآية والأخبار. ولو جعل الحكم في تعيين المهر لأحد الزوجين صح بلا خلاف ظاهرا بين الأصحاب يدل عليه الأخبار منها ما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن عن الحسن بن زرارة عن أبيه قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل تزوج امرأه على حكمها؟ قال: لا تجاوز بحكمها مهور نساء آل محمد عليهم السلام اثنتي عشرة أوقية ونش وهو وزن خمسمائة درهم من الفضة، قلت: أرأيت إن تزوجها على حكمه ورضيت بذلك؟ فقال: ما حكم به من شئ فهو جائز عليها قليلا كان أو كثيرا، قال: فقلت له: كيف لم تجز حكمها عليه وأجزت حكمه عليها؟ قال: فقال لأنه حكمها فلم يكن لها أن تجوز ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وتزوج عليه نساءه فرددتها إلى السنة ولأنها هي حكمته وجعلت الأمر إليه في المهر ورضيت بحكمه في ذلك فعليها أن تقبل حكمه قليلا أو كثيرا " (2). ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل تزوج امرأة على حكمها أو حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها؟ قال: لها المتعة والميراث ولا مهر لها، قلت: فإن طلقها وقد تزوجها على حكمها؟ قال: إذا طلقها وقد تزوجها على حكمها لم يتجاوز على حكمها عليه أكثر من وزن خمسمائة


(1) المصدر باب طلاق التي لم يدخل بها تحت رقم 4 (2) الكافي ج 5 ص 379

[ 401 ]

درهم فضة مهور نساء رسول الله صلى الله عليه وآله (1) ". ومنها صحيحة أبي جعفر " يعنى الأحول " " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل تزوج امرأة بحكمها، ثم مات قبل أن تحكم؟ قال: ليس لها صداق وهي ترث (2) ". ومنها خبر أبي بصير " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يفوض إليه صداق امرأته فينقص عن صداق نسائها؟ قال: يلحق بمهر نسائها (3) ". وقد يقال: تفويض المهر يتصور على قسمين أحدهما أن يذكر المهر في العقد على نحو الإجمال وفوض تعيينه إلى أحد الزوجين أو إلى أجنبي. ثانيهما أن لا يذكر المهر في العقد أصلا إلا أنه فوض فيه أصل فرض المهر وتقديره إلى أحد الزوجين أو الأجنبي ولا فرق بينهما في أن كليهما من المهر المجهول، أما الأول فواضح وأما الثاني فلان مرجع تفويض أصل تقدير المهر إلى أحد الزوجين إلى جعل مهر يفرضه أحدهما و نظير هذين القسمين من حيث الجهالة في العوض في المعاوضات كالبيع مثلا هو أن يبيع المتاع تارة بقيمته السوقية مع جهلهما بها حال العقد واخرى بأن يبيعه بما يعينه أحدهما أو كلاهما فيما بعد، فإذا كان كلا القسمين من المهر المجهول فلا فرق بينهما في أنه لو دل دليل على صحتهما أو صحة أحدهما كان على خلاف القاعدة الأولية المقتضية للزوم تعيين المهر بما يرفع الجهالة، ويستظهر من الأخبار المذكورة صحة القسم الثاني لا الأول. ويمكن أن يقال: لم يظهر فرق بين القسمين المذكورين لأن المفروض أن العقد ليس بلا مهر غاية الأمر تارة يكون ذكر المهر بنحو الإجمال في العقد ويفوض تعيينه إلى أحد الزوجين أو كليهما أو الأجنبي واخرى لم يذكر المهر في العقد لكن ذكر في العقد فرض المهر وتقديره إلى من ذكر، وقد جعل هذا في الكلام المذكور بعدما ذكر من العقد على المهر المجهول وكذا الكلام فيما ذكر في البيع، وكيف كان لم يظهر دليل


(1) الكافي ج 5 ص 379 والتهذيب ج 2 ص 217. الفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 34 (2) الفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 35 (3) التهذيب ج 2 ص 217 و 247 والاستبصار ج 3 ص 230.

[ 402 ]

على عدم الصحة وأنها خلاف القاعدة فيقتصر على ما يستفاد من الأخبار المذكورة لأنه قد سبق ذكر الأخبار في باب المهر وفيها ما دل على جواز التزويج على ما يحسن الرجل من القرآن بأن يعلم المرأة مع عدم معلومية المقدار. فلو طلقها قبل الدخول وقبل الحكم فالمعروف بين الأصحاب أن الحاكم يجبر الحاكم في باب المهر على الحكم مقدمة لإيصال الحق إلى ذي الحق وكان لها النصف مما حكم به. واستدلوا عليه مضافا إلى استصحاب حكومته الثابتة قبل الطلاق بعموم " المؤمنون عند شروطهم " الدال على لزوم الوفاء بما شرطه في العقد من فرض المهر مطلقا سواء طلقها قبل فرضه أو لا، وبقوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم المتقدمة " إذا طلقها وقد تزوجها على حكمها لم يتجاوز بحكمها عليه أكثر من وزن خمسمائة درهم الخبر " فإنه بضميمة عدم القول بالفصل بين ما لو كانت هي الحاكمة أو الزوج يدل على أن عليه الحكومة إلى ما بعد الطلاق واستشكل بأنه إن كان هناك إجماع على ما ذكره الأصحاب فهو و إلا فالاستدلال عليه بما ذكروه من الوجوه في غاية الإشكال ضرورة أنه لا مجال للاستصحاب وعموم " المؤمنون " مع الآية الشريفة وهي قوله تعالى " (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " حيث تكون حاكمة على الاستصحاب ومخصصة لعموم الوفاء بالشرط هذا مع إمكان المنع عن عمومه لما بعد الطلاق لان عمومه له متفرع على كون اشتراط تقدير المهر مطلقا بالنسبة إلى حالتي وقوع الطلاق قبل التقدير وعدم وقوعه واشتراطه كذلك مخالف لعموم الآية الشريفة فلا يشمله عموم " المؤمنون " لأنه مقيد بعدم كونه مخالفا للكتاب. وأما الاستدلال بالصحيحة بضميمة عدم القول بالفصل ففيه أن الحجة المعتبرة هي القول بعدم الفصل لا عدم القول به. ويمكن أن يقال: لا نسلم شمول الآية الشريفة للمقام لأن المفروض وقوع العقد على المهر المجهول ولذا كان نظير البيع بالقيمة التي يعينه المشتري أو البايع أو كلاهما فإنه مع عدم الثمن لا معنى لقصد البيع فمع عدم شمول الآية يقع الإشكال في شمول " المؤمنون عند شروطهم " من جهة أنه إذا كان الشرط ما

[ 403 ]

كان في ضمن العقد على ما حكي من القاموس أو لا يجب الوفاء به إلا إذا كان في ضمن عقد على المشهور فمع وقوع الطلاق كيف يعتبر بقاء عقد النكاح حتى يجب الوفاء بالشرط الواقع في ضمنه فلعله من قبيل انفساخ العقد. وأما ما ذكر من منع عموم " المؤمنون عند شروطهم " لما بعد الطلاق لكونه مخالفا للكتاب فيشكل من جهة أنه على هذا يكون شمول الشرط في الصحيح المذكور لما بعد الطلاق مخالفا للكتاب مع أن المخالفة للكتاب ليست قابلة للتخصيص وأما الاستصحاب فيشكل التمسك به لكون الشبهة حكمية ولا نسلم جريانه في الشبهات الحكمية. وأما لو كان التزوج على حكم المرأة فمقتضى صحيحة ابن مسلم المذكورة أن لها أن تحكم بعد الطلاق بما لا يزيد على مهر السنة فإذا حكمت به فلها نصفه لما دل على التنصيف بالطلاق قبل الدخول كما أن مقتضى إطلاقها هو بقاء حكومتها إلى ما بعد الطلاق ولو كان بعد الدخول فيقع التعارض بينها وبين ما دل على أن لها مهر المثل بعد الدخول بناء على عدم كون المراد من مهر المثل هو مهر السنة. وقد يقال: يمكن ترجيح ذلك الدليل عليها لكونه أظهر في الإطلاق منها لاحتفاف الاطلاق فيها بما يصلح قرينة على التقييد بما قبل الدخول وهو قوله في صدرها " فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها " فإنه يصلح للقرينية على كون المراد من قوله بعد هذا " فإن طلقها " هو الطلاق قبل الدخول، ويمكن أن يقال: الظاهر أن القرينة الصارفة لابد أن تكون بحيث يعتمد عليها ويرتفع بملاحظتها الشك والترديد، وأما مع بقاء الشك فلا يصلح الاعتماد عليها. ثم نقول على فرض التسليم كان الأنسب أن يقال: لا ظهور للموثقة لما بعد الدخول ولو لم يكن لها معارض لا أن يتمسك بالترجيح والأظهرية بل يمكن أن يقال: باختصاص ما دل على استحقاق مهر المثل بصورة عدم تعيين المهر ومع إطلاق دليل التعيين لا يشمله. ولو مات الحاكم قبل الحكم وبعد الدخول فلا إشكال ولا خلاف في أن لها مهر المثل وإنما وقع الأشكال والخلاف فيما لو مات قبل الحكم وقبل الدخول، والمحكي عن ابن إدريس وابن جنيد والشيخ في الخلاف عدم وجوب شئ لها لا المتعة ولا غيرها لأن المتعة إنما تجب

[ 404 ]

بالطلاق وإلحاق الموت به قياس والمهر إنما يجب بالفرض في العقد أو بعده أو بالدخول والمفروض انتفاء جميع ما ذكر والمشهور سقوط المهر واستحقاقها للمتعة واستدل لهم بقوله عليه السلام على المحكي في صحيحة ابن مسلم المتقدمة " لها المتعة والميراث ولا مهر لها ". ونوقش في دلالتها على المطلوب بأن قول السائل فيها " رجل تزوج امرأة على حكمها أو على حكمه فمات أو ماتت " يحتمل أن يكون على نحو اللف والنشر المرتب كي يكون المعنى رجل تزوج امرأة على حكمها فمات أو على حكمه فماتت فيدل حينئذ على كون الميت هو المحكوم عليه لا الحاكم ومع قيام هذا الاحتمال يبطل الاستدلال. واجيب عن هذه المناقشة بأن مجرد احتمال ذلك لا يضر بالاستدلال بعد كون الظاهر المتفاهم منه عرفا هو كون الميت هو الحاكم لأنه الأقرب والمحدث عنه هذا مضافا إلى أنه عليه السلام ذكر في آخر الحديث إن الحكم لا يسقط بالطلاق مع بقاء الحاكم وإذا لم يسقط الحكم بالطلاق الذي هو قاطع لعلاقة الزوجية لم يسقط بالموت الذي لا ينقطع به علاقة الزوجية بطريق أولى فلابد من حمل الصدر الدال على سقوطه بالموت على موت الحاكم جمعا بين طرفي الحديث. وقد يقال: ما تعرض من الأخبار الواردة في المقام لحكم الموت روايتان إحداهما صحيحة أبي جعفر عليهما السلام المتقدمة الصريحة في كون الميت هو المحكوم عليه حيث سئل فيها عن رجل تزوج امرأة بحكمها ثم مات الرجل قبل أن يحكم المرأة. ثانيتهما هذه الصحيحة التي استدل بها للمشهور. والاحتمالات فيها ثلاثة أحدها ما مر من كون ما ذكر فيها على نحو اللف والنشر المرتب والثاني كونه على نحو اللف والنشر المشوش، ثالثها احتمال رجوع كل من قوله فمات أو ماتت إلى كل من قوله على حكمها وقوله على حكمه كي يكون المعنى رجل تزوج امرأة على حكمها فمات أو ماتت أو على حكمه فمات أو ماتت فيدل على سقوط الحكم بالموت مطلقا كان الميت هو الحاكم أو المحكوم عليه وعليه تكون هذه الصحيحة أعم من تلك

[ 405 ]

الصحيحة لاختصاص تلك بما إذا كان الميت هو المحكوم عليه وشمول هذه لما إذا كان الميت هو الحاكم أيضا وأظهر الاحتمالات هو هذا الاحتمال الثالث، ويمكن أن يقال يشكل هذا لأن قوله عليه السلام على المحكي " لها المتعة والميراث " لا يساعد مع موتها فإنها إن ماتت يكون المناسب وراثة الرجل إياها وعلى هذا فلا تشمل صورة كون المرأة حاكمة وموتها. (الطرف الثالث في الأحكام وهي عشرة: الأول تملك المرأة المهر بالعقد وينتصف بالطلاق، ويستقر بالدخول وهو الوطي قبلا أو دبرا ولا يسقط معه لو لم يقبض ولا يستقر بمجرد الخلوة على الأشهر. الثاني قيل إذا لم يسم لها مهرا وقدم لها شيئا قبل الدخول كان ذلك مهرا ما لم يشترط غيره). المشهور بين الفقهاء - قدس الله تعالى أسرارهم - إن المرأة تملك الصداق بمجرد العقد واستدل عليه مضافا إلى كونه مقتضى لزوم الوفاء بالعقد حيث إنه جعل في العقد عوضا عن البضع فكما أن العقد يقتضي تملك الزوج للبضع كذلك يقتضي تملكها للمهر وإلى ظهور قوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن " حيث إن ظاهر الإضافة الاختصاص وبالنصوص الدالة على اختصاص النماءات المتخللة بين العقد والطلاق بها المستلزم تملكها لها. فمنها موثقة عبيد بن زرارة " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل تزوج امرأة على مائة شاة، ثم ساق إليها الغنم، ثم طلقها قبل أن يدخل بها وقد ولدت الغنم؟ قال عليه السلام: إن كانت الغنم حملت عنده رجع بنصفها ونصف أولادها، وإن لم يكن الحمل عنده رجع بنصفها ولم يرجع من الأولاد بشئ " (1). وموثقته الأخرى أيضا قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل تزوج امرأة ومهرها مهرا فساق إليها غنما ورقيقا فولدت عندها فطلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: عليه السلام: إن كان ساق إليها ما ساق وقد حملت عنده فلها نصفها ونصف ولدها وإن كن حملن عندها فلا شئ له من الأولاد ". (2)


(1) الكافي ج 6 ص 106 (2) التهذيب ج 2 ص 218.

[ 406 ]

وغير ما ذكر من الأخبار الدالة على أن النماءات الحاصلة بين العقد والطلاق لها. وفي قبال ما ذكر ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة على بستان له معروف وله غلة كثيرة، ثم مكثت سنين لم يدخل بها ثم طلقها؟ قال عليه السلام: ينظر إلى ما صار إليه من غلة البستان من يوم تزوجها فيعطيها نصفه ويعطيها نصف البستان إلا أن تعفو فتقبل منه ويصطلحان على شئ ترضى به منه فإنه أقرب للتقوى " (1). والإنصاف إنه لا مجال للجمع ولا يقاوم هذا أعني خبر أبي بصير مع ما ذكر مضافا إلى ما دل من النصوص على وجوب المهر بالموت الشاملة بإطلاقها لما إذا لم يدخل بها وإلى ما دل على وجوب النصف عليها فيما لو أبرأته من الصداق ثم طلقها قبل الدخول معللا بأنها إذا جعلته في حل منه وقد قبضته فإنها لو لم تكن مالكة لتمام المهر بالعقد بل كانت مالكة للنصف لم يكن إبرائها للزوج من الصداق مؤثرا إلا في إسقاط ما ملكته، ولا يقاوم ما ذكر ما دل من النصوص على أن المهر لا يجب إلا بالدخول لإمكان حمل الوجوب على الثبوت والاستقرار نظير ما ورد " البيعان بالخيار ما لم يفترقا وإذا افترقا وجب البيع ". وأما انتصاف المهر بالطلاق قبل الدخول فيدل عليه قوله تعالى " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم - الخ " ويدل عليه من ال‍ " خبار ما رواه في الفقيه عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف مهرها، وإن لم يكن سمى لها مهرا فمتاع بالمعروف - الحديث (2) ". وما رواه في الكافي عن أبي بصثير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها؟ قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا - الحديث (3) ".


(1) الفقيه باب ما احل الله من النكاح وما حرم تحت رقم 77. (2) المصدر باب طلاق التي لم يدخل بها تحت رقم 1. (3) الكافي ج 6 ص 108.

[ 407 ]

وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها؟ قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا - الحديث (1) ". وأما استقرار المهر بالدخول أي الوطي فلا خلاف فيه ويدل عليه الأخبار منها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل دخل بامرأته؟ قال: إذا التقى الختانان وجب المهر والعدة (2) ". وعن حفص بن البختري في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا التقى الختانان وجب المهر والعدة والغسل (3) ". وعن داود بن سرحان في الصحيح أو الحسن عنه عليه السلام " قال: إذا أولج فقد وجب الغسل والجلد والرجم ووجب المهر (4) ". وعن يونس بن يعقوب في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فأغلق بابا وأرخى سترا ولمس وقبل، ثم طلقها أيوجب عليه الصداق؟ قال: لا يوجب الصداق إلا الوقاع (5) ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سأله أبي وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه فلم يمسها ولم يصل إليها حتى طلقها هل عليها عدة منه؟ قال: إنما العدة من الماء، قيل له: وإن كان واقعها في الفرج ولم ينزل؟ قال: إذا أدخله وجب الغسل والمهر والعدة (6) ". وهذه الأخبار وغيرها لا ذكر فيها للوطي في الدبر ففي بعضها علق على التقاء الختانين وفي بعضها على الوقاع، وفي بعضها على الإيلاج فإن كان ذكر التقاء الختانين من باب ذكر الفرد الغالب أمكن حمل الوقاع والإيلاج أيضا على الغالب، ولم أر من استشكل وأما عدم سقوط المهر لو لم تقبض فللعمومات من قوله " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، وغيره، وخصوص الأخبار المعتبرة المستفيضة المعتضدة بأصول المذهب. وفي قبالها أخبار


(1) الكافي ج 6 ص 105 (2) و (3) و (4) المصدر ج 6 ص 109 (5) و (6) الكافي ج 6 ص 109.

[ 408 ]

يستفاد منه السقوط. منها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الفضيل عن أبي جعفر عليهما السلام " في رجل تزوج امرأة ودخل بها ثم أولدها ثم مات عنها فادعت شيئا من صداقها على ورثة زوجها فجاءت تطلبه منهم وتطلب الميراث؟ فقال: أما الميراث فلها أن تطلبه، وأما الصداق فالذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها فهو الذي حل للزوج به فرجها قليلا كان أو كثيرا إذا هي قبضته منه وقبلت ودخلت عليه به ولا شئ لها بعد ذلك (1) ". وما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزوج والمرأة يهلكان جميعا فيأتي ورثة المرأة فيدعون على ورثة الرجل الصداق فقال: وقد هلكا وقسم الميراث؟ فقلت: نعم، فقال: ليس لهم شئ، فقلت: إن كانت المرأة حية فجاءت بعد موت زوجها تدعى صداقها؟ فقال: لا شئ لها وقد أقامت معه مقرة حتى هلك زوجها، فقلت: وإن ماتت وهو حي فجاءت ورثتها يطالبونه بصداقها؟ فقال: وقد أقامت حتى ماتت لا تطلبه، فقلت: نعم؟ قال: لا شئ لهم، قلت: فإن طلقها، فجاءت تطلب صداقها، فقال: وقد أقامت لا تطالبه حتى طلقها لا شئ لها، فقلت: فمتى حد ذلك الذي إذا طلبته كان لها (2) قال: إذا اهديت إليه ودخلت بيته، ثم طلبت بعد ذلك فلا شئ لها إنه كثير لها أن تستحلف بالله ما لها قبله من صداقها قليل ولا كثير ". وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " في الرجل يتزوج المرأة ويدخل بها ثم تدعى عليه مهرها؟ قال: إذا دخل بها فقد هدم العاجل (3) ". وهذه الأخبار كما ترى على خلاف القاعدة حيث إن الزوج اشتغل ذمته بالمهر للزوجة ولابد من الفراغ وقيام البينة على أداء المهر.


(1) الكافي ج 5 ص 385 والتهذيب ج 2 ص 216 (2) كذا في الكافي ج 5 ص 386 وفي التهذيب ج 2 ص 216 ونقلا عن المصنف - رحمه الله - " إذا طلبته لم يكن لها " (3) الكافي ج 5 ص 383

[ 409 ]

ويمكن أن يكون إقامة المرأة مع الزوج بمنزلة إقرارها على أخذ المهر لكن المشهور لم يعملوا بها فلابد من رد علمها إلى أهلها، وإن كان المراد من بعضها أنه إذا أخذ مقدارا من المهر يكون العاجل هادما للباقي فهو أيضا خلاف القاعدة لابد من رد علمه إلى أهله. وأما عدم استقرار المهر بمجرد الخلوة فلما سبق كخبر يونس بن يعقوب المذكور وفيه " لا يوجب الصداق إلا الوقاع " وفي قباله أخبار اخر منها ما رواه في الكافي عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يطلق المرأة وقد مس كل شئ منها إلا أنه لم يجامعها ألها عدة؟ فقال: ابتلى أبو جعفر عليهما السلام بذلك فقال له أبوه علي بن الحسين عليهما السلام: إذا أغلق بابا وأرخى سترا وجب المهر والعدة (1) ". قال في الكافي (2) قال ابن أبي عمير: " اختلف الحديث في أن لها المهر كملا وبعضهم قال: نصف المهر وإنما معنى ذلك أن الوالي إنما يحكم بالحكم الظاهر إذا أغلق الباب وأرخى الستر وجب المهر، وإنما هذا عليها إذا علمت أنه لم يمسها فليس لها فيما بينها وبين الله إلا نصف المهر ". وما رواه في التهذيب عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إذا تزوج الرجل المرأة ثم خلابها وأغلق عليها بابا وأرخى سترا ثم طلقها فقد وجب الصداق وخلاؤه بها دخول (3) ". ومنها ما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم في الموثق عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن المهر متى يجب؟ قال: إذا أرخى الستور وأجيف الباب. وقال: إني تزوجت بأمرأة في حياة أبي علي بن الحسين عليهما السلام وإن نفسي تاقت إليها فذهبت إليها فنهاني أبي فقال: لا تفعل يا بني لا تأتها في هذه الساعة وأني أبيت إلا أن أفعل فلما دخلت عليها قذفت إليها بكساء كان علي فكرهتها، وذهبت لأخرج فقامت مولاة لها فأرخت الستر وأجافت الباب فقلت: قد وجب الذي تريدين (4)).


(1) المصدر ج 6 ص 109 (2) المصدر ج 6 ص 110 (3 و (4) التهذيب ج 2 ص 243 والاستبصار ج 3 ص 227

[ 410 ]

وهذه الأخبار تحمل على طريقية الخلوة وإرخاء الستر وإجافة الباب على تحقق الوقاع فمع القطع بعدم تحققه لا يستقر تمام المهر، وقد تحمل على التقية ولا يخفى إباء بعضها عن الطريقية فيرد علمها على أهلها ومع ذلك فمقتضى الاحتياط ما حكي عن ابن أبي عمير - قدس سره - لأنه أعرف بمعاني الأخبار. وأما ما قيل من أنه إذا لم يسم مهرا وقدم شيئا إلى آخر ما في المتن فاستدل عليه بصحيح الفضيل المذكور في قبال الأخبار الدالة على عدم سقوط المهر لو لم تقبض المرأة ولا يخفى أنه لم يذكر في السؤال عدم تسمية المهر بل السؤال شامل لصورتي التسمية وعدم التسمية، وفي صورة التسمية لا يلتزم بمضمونه فكيف يؤخذ بمضمونه في صورة عدم التسمية مع أنه مع عدم التسمية والدخول يكون اللازم مهر المثل. (الثالث إذا طلق قبل الدخول رجع بالنصف إن كان أقبضها أو طالبت بالنصف إذا لم يكن أقبضها، ولا يستعيد الزوج ما تجدد من النماء بين العقد والطلاق متصلا كان كاللبن، أو منفصلا كالولد، ولو كان النماء موجودا وقت العقد رجع بنصفه كالحمل ولو كان تعليم صنعة أو علم فعلمها رجع بنصف اجرته ولو أبرأته من الصداق رجع بنصفه) لا خلاف بين الأصحاب في أنه إذا طلق الزوجة قبل الدخول وقد فرض لها مهرا يرجع الزوج بنصف المهر ومع الدفع إلى الزوجة استعاد نصفه ويدل عليه روايات محمد بن الفضيل وأبي بصير والحلبي المتقدمة. ثم إن في المقام صورا عديدة. الأولى أن يكون المهر دينا في ذمة الزوج فإذا طلق برءت ذمته من نصفه ووجب دفع النصف الأخر إلى الزوجة. الثانية أن يكون عينا باقية في يد الزوج من غير زيادة ونقيصة فلا إشكال في أنه يستحق نصفها ويكونان شريكين فيها وإن زادت العين بزيادة من الله سبحانه فالأشهر أن الزيادة لها من جهة أن المهر كملا انتقل إلى الزوجة بالعقد وإن كان ملك أحد النصفين متزلزلا وإن كانت بفعل الزوج فقيل: إن الزيادة للمرأة والزوج بمنزلة الغاصب لا يستحق شيئا من الزيادة وإن نقصت كان النقص مضمونا عليه وإن تلفت العين رجعت

[ 411 ]

إليه بالمثل أو القيمة. الثالثة أن يكون المهر عينا إلا أنه سلمها إلى الزوجة فإن كانت باقية استعاد نصفها وإن وجدها تالفة استعاد نصف مثلها أو نصف القيمة، ثم إنه إن اتفقت قيمته من حين العقد إلى حين القبض فلا إشكال، وإن اختلفت قيل: يرجع بأقل القيم لأن قيمة يوم العقد إن كانت هي الأكثر منها حين قبضها فما نقص قبل القبض كان مضمونا عليه فلا يضمن ما هو في ضمانه وإن كانت القيمة يوم القبض أكثر مما زاد بعد العقد لها فلا يضمن ما هو ملكها. الرابعة كسابقتها إلا أنه وجد العين ناقصة وكان النقص نقصان عين كعور الدابة أو صفة كنسيان الصنعة قيل: إن الزوج يتخير بين الرجوع بنصف القيمة سليما وبين أخذ نصف العين من غير أرش، وقيل: يرجع بنصف العين ونصف الأرش لأن العين لا تخرج عن حقيقتها بالتعيب وقيل بالتفصيل بين النقص الحاصل بفعلها أو بفعل الله تعالى فيتخير بين أخذ نصفها ناقصا وبين تضمينها نصف قيمته وبين ما كان بفعل أجنبي فلم يكن له سبيل على المهر وضمن نصف القيمة يوم قبضه. الخامسة الصورة بحالها إلا أنه وجد العين زائدة فتارة تكون الزيادة باعتبار قيمة السوقية ولا إشكال في أنه يأخذ نصف العين وإن كانت الزيادة منفصلة كالولد واللبن فهي للمرأة لأنها تابعة للعين فعلى المشهور من تملك المرأة المهر كملا تكون الزيادة لها وإن كانت متصلة كالسمن وكبر الحيوان فالمحكي عن جماعة أن للزوج نصف قيمة العين من دون الزيادة وإن المرأة لا تجبر على دفع نصف العين المشتمل على الزيادة لعدم انفصال الزيادة وعدم كون الزيادة مما فرض في العقد وتتخير المرأة بين دفع نصف العين وبين نصف القيمة مجردا عن الزيادة. وروى الشيخ في التهذيب عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام عن أبيه " أن عليا عليهما السلام قال: في الرجل يتزوج المرأة على وصيف فيكبر عندها ويريد أن يطلقها قبل أن يدخل إليها قال: عليها نصف قيمته يوم دفعه إليها لا ينظر في زيادة ولا نقصان (1) ".


(1) التهذيب ج 2 ص 218

[ 412 ]

ورواه الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: في المرأة تتزوج على الوصيف فكبر عندها فيزيد أو ينقص ثم يطلقها قبل أن يدخل بها - الحديث كما تقدم (1) ". ويمكن أن يقال: ما قيل في صورة الثانية من أن النقص مضمون على الزوج لابد من تخصيصها بما لو لم تكن العين عند الزوج بنحو الوديعة كما لو أراد الزوج رد العين إلى الزوجة ورضيت بكونها عنده لعدم الضمان مع كون اليد أمانية، وما ذكر في الصورة الثالثة في وجه الرجوع بأقل القيم من أن ما نقص قبل القبض كان مضمونا عليه فلا يضمن ما هو في ضمانه مناف مع ما هو لعله المسلم بينهم من أنه مع رد العين المضمونة باليد لا يضمن القيمة إلا في صورة خروج العين عن المالية كما لو غصب ماء له قيمة في البر ورده عند الشط، وما ذكر في الصورة الرابعة من الأقوال يشكل من جهة أنها مبنية على ضمان المرأة نقصان العين كضمانها في صورة تلف العين أو كونها بحكم التلف. ولقائل أن يقول: الضمان في صورة التلف أو النقصان ليس ضمان اليد ولا ضمان المعاوضة فما دام العين باقية يرجع الزوج بحكم الشارع إلى نصف العين ومع التلف أو النقصان لا موضوع حتى يرجع الزوج بنصفه، نعم في صورة تلف العين دل الدليل على الرجوع إلى البدل كخبر شهاب بن عبد ربه في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة على ألف درهم فبعث بها إليها فردتها إليه فوهبتها له وقالت: أنا فيك أرغب مني في هذه الألف هي لك فتقبلها منها، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: لا شئ لها وترد عليه خمسمائة درهم (2) ". وما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة قال: " سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم جعلته من صداقها في حل أيجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئا؟ قال: نعم إذا جعلته في حل فقد قبضته منه وإن خلاها قبل أن يدخل بها ردت المرأة على الزوج نصف الصداق (3) " والروايتان كغيرهما لا تشملان غير صورة تصرف المرأة ولا تعرض


(1) المصدر ج 6 ص 108 (2) و (3) التهذيب ج 2 ص 220 والكافي ج 6 ص 107.

[ 413 ]

لصورة التلف السماوي فلا دليل على الضمان في صورة تلف العين بالتلف السماوي، نعم ما ذكر خلاف المشهور بين الأصحاب. وأما صورة حصول الزيادة المتصلة في العين فمقتضى الروايتين المذكورتين أعني رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام ورواية السكوني تعين القيمة فيها لكنه بعد صدق بقاء العين بنظر العرف مقتضى قوله تعالى " فنصف ما فرضتم " شركة الزوج في نصف العين غاية الأمر اختصاص الزيادة بالزوجة فيرفع اليد عن ظهور الخبرين في تعين القيمة فلا يبعد التخيير بين أخذ القيمة وبين أخذ نصف العين والتصالح بملاحظة اختصاص الزيادة بالمرأة وبالدقة لا فرق بين حصول الزيادة المتصلة وبين عدمه حيث إنه مع عدم حصول الزيادة وطول المدة بين زمان وقوع العقد وضمان الطلاق لم يبق العين بحالها بل تحللت وتبدلت وبدل ما تحلل ملك الزوجة، ولا أظن أن يلتزم بتعين القيمة بل مقتضى قوله تعالى " فنصف ما فرضتم " تعين الرجوع إلى العين وحصول الشركة، والشاهد رجوع الزوج بنصف الحمل الموجود في زمان العقد مع أن نماءه و كبره تحقق في ملك الزوجة. وأما لو كان المهر تعليم صنعة أو علم وعلمها فيرجع الزوج إلى نصف الأجرة فالمقام كما لو علم صنعة أو علم علما غير الزوجة حيث يستحق اجرة المثل لكون العمل محترما فلا حاجة إلى بعض التوجيهات. وأما الرجوع إلى النصف مع الإبراء فلأن الإبراء بمنزلة القبض ومقتضى الخبرين المذكورين صحيح شهاب وموثق سماعة وغيرهما رجوع الزوجة إلى النصف. (الرابع لو أمهرها مدبرة، ثم طلق صارت بينهما نصفين، وقيل: يبطل التدبير بجعلها مهرا، وهو أشبه. الخامس لو أعطاها عوض المهر متاعا أو عبدا آبقا وشيئا ثم طلق رجع بنصف المسمى دون العوض. السادس إذا شرط في العقد ما يخالف المشروع فسد الشرط دون العقد والمهر كما لو شرطت أن لا يتزوج أو لا يتسرى وكذا لو شرطت تسليم المهر في أجل فإن تأخر عنه فلا عقد أما لو شرطت أن لا يفتضها صح ولو أذنت بعد جاز، ومنهم من خص جواز الشرط بالمتعة).

[ 414 ]

الظاهر أنه لا خلاف في جواز إمهار المدبرة لعدم خروجها عن ملك المدبر، ولا إشكال في أنه إذا طلق قبل الدخول يرجع نصفها إلى المدبر، وإنما الإشكال في بطلان التدبير بالإمهار كما لو أوصى بشئ لأحد، ثم وهبه لغيره أو يكون التدبير باقيا بحاله فإذا مات المدبر تحررت، وقد يتمسك لهذا بخبر المعلى بن خنيس " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على جارية له مدبرة قد عرفتها المرأة وتقدمت على ذلك وطلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: فقال: إن للمرأة نصف خدمة المدبرة يكون للمرأة يوم في الخدمة ويكون لسيدها الذي دبرها يوم في الخدمة، قيل له: فإن ماتت قبل المرأة والسيد لمن يكون الميراث؟ قال: يكون نصف ما تركته للمرأة والنصف الآخر لسيدها الذي دبرها (1) ". ولا يخفى أن هذا الخبر مع قطع النظر عن ضعفه لا ظهور فيه في بقاء التدبير ولا في بطلانه، وحيث إنه لا تضاد بين التدبير والإمهار لا يبعد بقاء التدبير ولو أعطاها عوض المهر متاعا أو عبدا آبقا وشيئا ثم طلقها قبل الدخول فالظاهر عدم الخلاف في أنه يرجع بنصف المسمى دون العوض، ويدل عليه صحيح الفضيل بن يسار " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة بألف درهم فأعطاها عبدا آبقا وبردا حبرة بالألف التي أصدقها فقال: إذا رضيت بالعبد وكانت قد عرفته فلا بأس إذ هي قبضت الثوب ورضيت بالعبد، قلت: فإن طلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: لا مهر لها وترد عليه خمسمائة درهم ويكون العبد لها (2)). ويمكن أن يقال: مقتضى القاعدة أنه إذا وقع المعاوضة بين المهر والمتاع قبل الطلاق لا تبطل من جهة الطلاق كما قالوا في البيع لو تصرف المشتري في المبيع تصرفا ناقلا عن ملكه ثم فسخ البايع لا يبطل نقل المشتري من جهة فسخ البايع بل يرجع إلى المثل أو القيمة فإذا كان المهر المنتقل إلى الغير قيميا وطلق الزوج قبل الدخول، فمقتضى القاعدة الرجوع إلى القيمة لا المسمى، وليس الصحيح المذكور شاهدا على خلافه فإن الدرهم مثلى ظاهرا، وعلى هذا فان كان المسمى قيميا وعاوضت المرأة مع شئ آخر لا يرجع


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 380

[ 415 ]

الزوج إلى المسمى والظاهر أن الاعطاء بعنوان الوفاء في حكم المعاوضة فيكون في حكم التلف فإن كان مثليا يأخذ المثل. وإن كان قيميا يأخذ القيمة، ولعل هذا هو مراد المصنف " ره " فالمراد من المسمى بدله من المثل أو القيمة يرجع الزوج به ولا يرجع إلى عوضه. وأما لو شرط في العقد ما يخالف المشروع فالمشهور في كلام الأصحاب بطلان الشرط وصحة العقد والمهر. والمراد بالشرط المخالف للمشروع هو الأعم من أن يشترط فعلا محرما كشرب الخمر مثلا أو يشترط فعلا مباحا فعليا يكون أمره بيد الزوج بأن يكون لدليل إباحته إطلاق بالنسبة إلى العناوين الطارية في مقابل المباح الاقتضائي الحيثي الذي لا يكون لدليله إطلاق بهذا النحو وإن كان استظهار هذا من الأدلة في غاية الاشكال وقد مر الكلام فيه في كتاب البيع. ويقع الكلام في وجه صحة العقد مع فساد الشرط مع أنه لا بد في كل عقد القصد وطيب النفس فإذا كان القصد وطيب النفس مقيدين بالشرط فكيف يصح العقد مع عدم الشرط، ولذا استشكل فيما لو باع وشرط شرطا فاسدا في صحته فيقال: ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، وما رضى به لم يقع وما وقع به لم يرض به. وقد يجاب هناك بأن البيع من الشرط بنحو تعدد المطلوب فمع عدم إمضاء الشارع أحد المطلوبين لا مانع من صحة المطلوب الآخر، فمع تمامية هذا الجواب أمكن أن يجاب في المقام أيضا بهذا بأن يقال: القصد والرضا تعلق بالنكاح وبالشرط بنحو تعدد المطلوب فلا مانع من صحة النكاح وفساد الشرط، لكن الظاهر أن الغالب خلاف هذا في البيع مع الشرط والنكاح مع الشرط كما لا يخفى. ويمكن أن يقال: الظاهر عدم اعتبار الرضا وطيب النفس بنحو تعدد المطلوب ألا ترى أن المشتري لا يرضى باشتراء العين المعيبة بحيث لو توجه إلى العيب ينصرف عن الاشتراء ومع ذلك حكم الشارع بصحة البيع كما أنه لو شرب في نهار شهر رمضان مايعا بزعم أنه ماء بارد يرفع به عطشه فبان خلاف زعمه كان الشارع مفطرا عن عمد ظاهرا يجب عليه الكفارة بل غالب المعاملات التي عليها يترتب الضرر من هذا القبيل.

[ 416 ]

وما هو المعروف من أن تخلف الداعي لا يضر بصحة المعاملة لم يظهر وجهه مع الاشتراك في وجه الشبهة واستدل لصحة العقد مع فساد الشرط بالنصوص: منها خبر محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام " في رجل تزوج امرأة وشرط لها إن هو تزوج عليها امرأه أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق فقضى عليه السلام في ذلك أن شرط الله قبل شرطكم فإن شاء وفى لها بما اشترط وإن شاء أمسكها واتخذ عليها سرية ونكح عليها " (1). ومنها ما رواه العياشي في تفسيره عن ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " قضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه في امرأة تزوجها رجل وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوج امرأة أو هجرها أو أتى عليها سرية فإنها طالق، فقال عليه السلام: شرط الله قبل شرطكم إن شاء وفى بشرطه وإن شاء أمسك امرأته ونكح وتسرى عليها وهجرها إن أتت بسبيل ذلك قال الله تعالى في كتابه " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " وقال: " أحل لكم ما ملكت أيمانكم " (2) وقال " اللاتى تخافون نشوزهن - الآية ". وقد يستشكل في دلالة خبر محمد بن قيس على كون اشتراط عدم التزويج والتسري من الشرط المخالف للمشروع لاحتمال كون الشرط هو المجموع المركب من الشرط والجزاء أو خصوص الجزاء وهو قوله " فهي طالق " وعلى أي تقدير يكون مخالفته للمشروع واضحة لأنه على أي حال يرجع إلى شرط النتيجة، ثم ذكر توهم منافات ذلك لقوله عليه السلام على المحكي " إن شاء وفى " لأن الوفاء إنما يصح نسبته إلى الأمر الأختياري ولا يكون الشرط المذكور كذلك على التقديرين أما على تقدير كونه نفس الجزاء فواضح وأما على تقدير كونه المجموع المركب منه ومن الشرط فلان المركب من الأمر الاختياري، وغير الاختياري لا يكون اختياريا. ودفع التوهم بأن الوفاء بالشرط يتحقق بمنع تحقق موضوعه ومحله ثم بعد كلام منع عن كون مثل هذا وفاء فيتعين أن يكون المراد من الشرط في الخبر عدم التزويج والتسري.


(1) التهذيب ج 2 ص 219. (2) كذا.

[ 417 ]

ويمكن أن يقال: حمل الشرط في الخبر " وشرط لها إن هو تزوج - الخ " على ترك خصوص الشروط المذكورة في الجملة الشرطية لعله خلاف الظاهر أو طرف الاحتمالين الآخرين المذكورين فلابد من حمل قوله عليه السلام على المحكي " فإن شاء وفى " على جميع التقادير أو على التقديرين المذكورين فلابد من حمل الخبر على التقية لقول العامة بوقوع الطلاق بالشرط أو الحمل على قاعدة الالتزام وإلزام من التزم بصحة الطلاق بنحو شرط النتيجة مع أن الحق أن الطلاق لا يقع بالشرط بل له سبب خاص. وفي قبال الخبرين المذكورين خبر محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يقول لعبده: أعتقك على أن ازوجك ابنتي فإن تزوجت عليها أو تسريت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك وتسرى أو تزوج؟ قال عليه السلام: عليه شرطه " (1). وخبر منصور بن زبرج " قلت لأبي الحسن عليه السلام وأنا قائم: جعلني الله فداك إن لي شريكا لي كانت تحته امرأه فطلقها فبانت منه فأراد مراجعتها فقالت المرأة: لا والله لا أتزوجك أبدا حتى تجعل لله عليك أن لا تطلقني ولا تتزوج علي؟ قال عليه السلام: وقد فعل؟ قلت: نعم قد فعل جعلني الله فداك، قال عليه السلام: بئس ما صنع وما كان يدريه ما يقع في جوفه في جوف الليل أو النهار، ثم قال: أما الآن فقل له فليتم للمرأة شرطها فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " المسلمون عند شروطهم " (2). ونحوه خبره الآخر عن العبد الصالح عليه السلام (3) مما دل على مشروعية هذا الشرط و لزوم الوفاء به وغير ما ذكر. فلا بد من الترجيح أو التخيير إلا أن يحمل ما دل على صحة الشرط على التقية لموافقته العامة كما في الاستبصار أو يفرق بين النذر والشرط كما عن الشيخ في التهذيبين ولا مجال لاستصحاب عدم المخالفة كما بين في محله. وكيف كان لو شرطت تسليم المهر في أجل فإن تأخر عنه فلا عقد، يكون الشرط


(1) الكافي ج 6 ص 179 وج 5 ص 403 والتهذيب ج 2 ص 219 (2) الكافي ج 5 ص 404. (3) التهذيب ج 2 ص 219

[ 418 ]

فاسدا لأن انتفاء العقد لا يتحقق إلا بالفسخ أو الطلاق ليس غير. ويدل عليه أيضا صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام " في الرجل تزوج المرأة إلى أجل مسمى فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمى فهي امرأته، وإن لم يأت بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل، وذلك شرطهم بينهم حين أنكحوه فقضى للرجل أن بيده بضع امرأته وأحبط شرطهم (1) ". ولو شرط أن لا يفتضها صح ولزوم الشرط ويدل عليه خبر سماعة " قلت: جاء رجل إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: ازوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر والتماس، وتنال مني ما ينال الرجل من أهله إلا أنك لا تدخل فرجك في فرجي وتتلذذ بما شئت فاني أخاف فضيحة، قال: ليس له منها إلا ما اشترط (2) ". ورواه في الكافي عن عمار بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام مثله إلا أن فيه " فسألها أن تزوجه نفسها متعة (3) ". وعن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: رجل تزوج بجارية عاتق على أن لا يفتضها، ثم أذنت له بعد ذلك؟ قال: إذا أذنت له فلا بأس (4) ". وضعف السند مجبور بعمل الأعلام فلا مجال للإشكال بأنه مناف لمقتضى العقد أو مخالف للمشروع كما أنه لا مجال للتفرقة بين النكاح الدائم والمنقطع بعد ظهور التزوج بلا قيد في الدائم. وقد يقال بالتفصيل من جهة صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " قضى علي عليه السلام: في رجل تزوج امرأة وأصدقها واشترط في ذلك أن بيدها الجماع والطلاق، قال عليه السلام: خالفت السنة وولت الحق من ليس بأهله (5).


(1) الكافي ج 5 ص 402 (2) التهذيب ج 2 ص 218 (3) الكافي ج 5 ص 467 والتهذيب ج 2 ص 190 عن الكافي (4) التهذيب ج 2 ص 218 (5) الفقيه باب المتعة تحت رقم 30

[ 419 ]

ومقتضى الجمع حمل الطائفة الأولى على النكاح المنقطع، ويمكن أن يقال: فرق بين كون أمر الجماع والطلاق بيد المرأة وبين اشتراط عدم المباشرة أو عدم الافتضاض فالأول كما لو باع وشرط على المشتري كون أمر البيع بيده والثاني كما لو باع وشرط أن لا يبيع من زيد وبعبارة اخرى الثاني يرجع إلى قصر السلطنة والأول على إثبات السلطنة مضافا إلى أن هذا لو تم لزم عدم صحة الاشتراط حتى في النكاح المنقطع وإلى أن التزوج بلا قيد ظاهر في الدائم. (السابع لو شرط أن لا يخرجها من بلدها لزم ولو شرط لها مائة إن خرجت معه وخمسين إن لم تخرج فإن أخرجها إلى بلد الشرك فلا شرط له ولزمته المائة وإن أرادها إلى بلد الإسلام فله الشرط. الثامن لو اختلفا في أصل المهر فالقول قول الزوج مع يمينه ولو كان بعد الدخول، وكذا لو خلا فادعت المواقعة. التاسع يضمن الأب مهر ولده الصغير إن لم يكن له مال وقت العقد ولو كان له مال كان على الولد). إذا اشترط أن لا يخرجها من بلدها فالمعروف صحة الشرط ولزومه واستدل بعموم " المؤمنون عند شروطهم " وخصوص صحيحة أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يتزوج امرأة ويشترط لها أن لا يخرجها عن بلدها، قال عليه السلام: يفي لها بذلك - أو قال: يلزمه ذلك - (1) " وصحيحة أبن أبي عمير قال: " قلت لجميل بن دراج: رجل تزوج امرأة وشرط لها المقام بها في أهلها أو بلد معلوم، يقال: قد روى أصحابنا عنهم عليهم السلام " أن ذلك لها وأنه لا يخرجها إذا شرط ذلك لها (2) ". وحكي الخلاف من جهة أن مقتضى العقد هو استحقاق الاستمتاع بها في كل زمان ومكان فاشتراط هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد وبأن الاستمتاع بها في كل مكان حق للزوج بأصل الشرع فإذا شرط ما يخالفه بطل، واجيب عن الصحيحتين بحملهما على الاستحباب.


(1) الكافي ج 5 ص 402 (2) التهذيب ج 2 ص 220.

[ 420 ]

واجي‍ ب عما ذكر بعدم كون هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد وإلا لزم بطلان العقد للزوم التناقض ولا يلتزم به. وما دل على كون الاستمتاع بالنحو المذكور حقا للزوج شرعا لم يثبت كونه فعليا ناظرا إلى العناوين الطارية كي يكون الشرط المخالف له باطلا مخالفا للمشروع، وحمل الصحيحتين على الاستحباب خلاف الظاهر لا وجه له مع عدم المعارض. ويمكن أن يقال: ما ذكر أخيرا من أن المدار في المخالفة الفعلية والنظر إلى العناوين الطارية يشكل لأن لازمه أنه مع عدم الدليل أيضا يشك في ثبوت الحق بحيث لولا عموم " المؤمنون عند شروطهم " والصحيحتان كنا شاكين في ثبوت الحق المذكور وليس كذلك فالأولى أن يقال: لولا الصحيحتان أشكل التمسك بعموم " المؤمنون عند شروطهم " لاحتمال المخالفة وبعد ملاحظة الصحيحتين وظهورهما في اللزوم نستكشف عدم المخالفة. ولو شرط لها مائة إن خرجت معه وخمسين إن لم تخرج - الخ فاستدل على عدم صحة الشرط في صوره الإخراج إلى بلد الشرك وصحة الشرط له إن أرادها إلى بلد الإسلام مضافا إلى عموم " المؤمنون عند شروطهم " بحسنة علي بن رئاب عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: " سئل وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده فإن لم تخرج معه فمهرها خمسون دينارا أرأيت إن لم تخرج معه إلى بلاده؟ قال: فقال عليه السلام: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إياها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها، والمسلمون عند شروطم وليس له أن يخرج بها إلى بلاده حتى يؤدي إليها صداقها أو ترضى منه من ذلك بما رضيت به، وهو جائز له (1) ". وقد توقف في العمل بهذه الرواية من جهة مخالفتها مع أصول من جهة مجهولية المهر حيث جعله مائة على تقدير وخمسين على تقدير، والحكم بأن لها مائة إن أراد إخراجها إلى بلاد الشرك وأنه لا شرط له عليها بمعنى أنه لا يجب عليها الخروج معه


(1) الكافي ج 5 ص 404 باختلاف في اللفظ.

[ 421 ]

مع أنه خلاف الشرط الذي وقع العقد عليه لان استحقاقها للمائة علق على الخروج معه إلى بلاده كائنة ما كانت والحكم بأنه ليس له أن يخرجها إلى بلاد المسلمين إلا بعد إعطاء المهر فإنه يشمل بإطلاقه ما لو كان ذلك بعد الدخول مع أنه لا يجوز له الامتناع بعد الدخول ولا يجب عليه إعطاء المهر إلا أن تطلبه مع تهيئها للتمكين واجيب بأن الرواية بعد كونها واجدة لشرائط الحجية من جهة كونها حسنة بإبراهيم بن هاشم لا وجه لعدم العمل بها والرجوع إلى مقتضى الأصول، وغاية الأمر مخالفتها لبعض القواعد التي اقتضتها العمومات والاطلاقات، هذا مضافا إلى إمكان المنع عن مخالفتها لمقتضى الأصول لأنه لا يعتبر في صحة المهر معلوميته من كل وجه ولذا يكتفي بالمشاهدة مع احتمال كون المهر هو المائة وإنما اشترط عليها الإبراء إن لم تخرج معه وأما الحكم بأن له المائة إن أراد إخراجها إلى بلاد الشرك وأنه لا شرط له عليها فلعله لانصراف الإخراج الذي علق عليه المائة إلى الإخراج الجائز، وأما الحكم بأنه ليس له أن يخرجها إلى بلاد المسلمين إلا أن يعطيه المهر، فيمكن أن يكون حكما تكليفيا من دون استتباع لحكم وضعي كحق الامتناع لها ولو بعد الدخول وسقوط حق امتناعه عن إعطاء المهر مع عدم تهيئتها للتمكين، ويمكن أن يقال: إن كان حكم على خلاف الأصول فلابد فيه من الاقتصار على المورد الخاص ولا أظن أن يلتزم به، وما ذكر من عدم اضرار الجهالة لا يصحح الاشكال من جهة الترديد في المهر ولم يذكر في السؤال شرط الإبراء حتى ينزل الجواب عليه، وما ذكر من انصراف الإخراج الجائز يشكل من جهة أنه يلزم منه حرمة خروج المسلمين إلى بلاد الشرك ولو كانوا متمكنين من حفظ تكاليفهم من الاتيان بالواجبات وترك المحرمات وما ذكر من إمكان كون الحكم بوجوب إعطاء المهر حكما تكليفيا محضا يشكل من جهة أن اختصاص هذا التكليف في خصوص المورد بعيد والتعميم لا يلتزم به. ولو اختلف الزوج والزوجة في استحقاق المهر وعدمه فلا إشكال في أن القول قول الزوج مع يمينه إذا كان الاختلاف قبل الدخول وأما لو كان بعد الدخول فكذلك على المشهور لأصالة براءة ذمة الزوج عن المهر المسمى مع ثبوت انتفاء التفويض وعن

[ 422 ]

مهر المثل مع عدم ثبوته أما على الأول فلاحتمال كون المهر على أبيه لأنه زوجه وهو صغير معسر أو كونه دينا في ذمة الزوجة أو عينا في يدها. وأما على الثاني فلأن أصالة عدم التسمية بضميمة ما دل على استحقاقها مهر المثل عليه بالدخول إن لم يسم لها مهرا وإن كان مقتضاها استقرار مهر المثل عليه والأصل عدم دفعه إليها لكن عموم ما دل على استحقاقها مهر المثل بالدخول فيما لم يسم لها مهرا مخصص بما دل على سقوط مهر المثل عن ذمته بالتهاتر فيما لو كان له دين في ذمتها بمقدار مهر المثل أو أزيد فمع احتمال كونها مدينة له بمقدار مهر المثل لا يصح التمسك لاستقرار مهر المثل لها عليه بعموم ما دل على استحقاقها له بالدخول إلا بناء على صحة التمسك بالعام مع الشك في مصداق المخصص والحق أن يقال: أصالة براءة ذمة الأب و كذا أصالة براءة ذمة الزوجة جاريتان، والثانية مقدمة على أصالة براءة ذمة الزوج لتقدم الأصل السببي على المسببي ولذا لا يشك في ما لو ادعى البايع عدم رد الثمن في أن القول قول البايع. هذا مضافا إلى الاشكال في صحة التهاتر لأن عمدة ما قيل فيها أنه إذا اشتغل ذمة أحد الشخصين للآخر بمثل ما اشتغل ذمة الآخر له فأداء كل واحد منهما ما في ذمته للآخر لغو فلا يصح أن يكون معمولا به، وأراد بعض الاعلام الاستدلال ببعض الأخبار ويشكل الاستفادة منه. وقد سبق الكلام فيه فنقول: لازم ما ذكر أنه لو كان عين لزيد مثلا في يد آخر ومثل العين المذكورة في يد زيد لعمر وحصول المعاوضة قهرا من دون حاجة إلى المعاوضة لما ذكر من اللغوية. وقد يستشكل المحقق الأردبيلي - قدس سره - في صحة التهاتر بل ببالي وقوع الاستشكال في كلام العلامة - قدس سره - أيضا. وأما أصالة براءة ذمة الأب فليست مقدمة على أصالة براءة ذمة الزوج لكن احتمال اشتغال ذمة الأب لا يوجب سقوط المهر عن ذمة الزوج. وقد يقال: إذا ثبت انتفاء التفويض وعلم بعدم كون المهر في ذمة الوالد وعدم كونه عينا في يدها أو دينا في ذمتها فالحق ما ذهب إليه المشهور من أن القول قول الزوج لأن البراءة الأصلية وإن كانت منتقضة بالعلم باستقرار شئ في ذمة الزوج ومقتضى الأصل عدم دفعه إليها لكن الزوجة

[ 423 ]

لا تخلو إما أن تدعي المهر المسمى من غير تعيين له أو تدعى مع التعيين فعلى الأول لا تكون دعواها مسموعة لعدم سماع الدعوى على المجهول وعلى الثاني يكون الأصل مع الزوج لأن الأصل عدم كون المهر ما تدعيه من المهر المعين ومجرد العلم باستقرار شئ في ذمته لا يجدي شيئا. ويمكن أن يقال: لازم ما ذكر عدم منجزية العلم الإجمالي باشتغال الذمة بشئ مردد وبين أشياء مختلفة كما إذا كان عليه دين لشخص معين وكان الدين مردد بين أشياء مختلفة، وما ذكر من الأصل المذكور أعني عدم كون المهر ما تدعيه المرأة لا حالة سابقة له والسالبة بانتفاء الموضوع لا تفيد بنظر الأعلام مضافا إلى معارضة الأصل المذكور باصالة عدم كون المهر غير ما تدعيه المرأة ومع التعارض كيف يجرى الأصل المذكور ولا يتصور خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء بناء على جريان الأصل حينئذ، غاية الأمر عدم التمكن من تأدية ما هو طرف العلم الإجمالي وهو لا يوجب سقوط التكليف لإمكان تأدية البدل مضافا إلى الاشكال في مانعية خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء عن تنجيز العلم الإجمالي. ولو خلى الزوج بالزوجة فادعت المواقعة وثبوت المهر أو استقراره فالقول قول الزوج الأصل وقد يستظهر من بعض الأخبار خلافه وقد مر الكلام فيه. وإذا زوج الأب الزوجة من ولده الصغير ولم يكن له مال حين العقد ضمن المهر بلا خلاف ظاهر ويدل عليه صحيح الفضل بن عبد الملك " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير؟ قال: لا بأس، قلت: يجوز طلاق الأب، قال: لا، قلت: على من الصداق؟ قال: على الأب إن كان ضمنه لهم وإن لم يكن ضمنه فهو على الغلام إلا أن لا يكون للغلام مال فهو ضامن له، وإن لم يكن ضمن (1) ". وموثق عبيد " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير؟ قال: إن كان لابنه مال فعليه المهر، وإن لم يكن للابن مال فالأب ضامن المهر ضمن أو لم يضمن " (2).


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 400، والتهذيب ج 2 ص 224.

[ 424 ]

والمحكي عن القواعد أنه لو تبرء في العقد من ضمان العهدة صح إن علمت المرأة بالإعسار، ويقال: لعله لأن المؤمنين عند شروطهم ولدخول المرأة على ذلك وللاقتصار في خلاف الأصل على المتيقن. ويمكن أن يقال: مع ملاحظة النص الدال على الضمان لعل الشرط المذكور مخالف للسنة ومع الاطلاق كيف يقتصر على القدر المتقين وكيف يلاحظ دخول المرأة على ذلك ومقتضى الصحيحة والموثقة أنه مع وجود المال للولد يكون المهر على الولد. (العاشر للمرأة أن تمتنع حتى تقبض مهرها، وهل لها ذلك بعد الدخول فيه قولان أشبههما أنه ليس لها ذلك). المعروف بين الأصحاب أن المرأة لها الامتناع من تسليم نفسها للزوج قبل الدخول حتى تقبض مهرها، وقد يقال في وجهه: إن النكاح مع ذكر المهر فيه يكون من العقود المعاوضية كالبيع الذي يقال فيه إن لكل من البيعين الامتناع من التسليم حتى يقبض العوض لأن معنى الوفاء بالعقد اللازم بحكم العرف والشرع هو العمل خارجا على طبق ما التزم به المتعاقدان به في العقد من النقل والانتقال. وهذا التقريب لا يخلو عن الإشكال لأن النكاح الدائم ليس على النحوين فكما يصح النكاح بدون ذكر المهر كذلك في صورة ذكر المهر ليس المهر عوضا ولازم التقريب المذكور أن لها الامتناع حتى بعد الدخول ولا يلتزمون به وقد يستدل على ذلك بخبر زرعة عن سماعة " سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم جعلته في حل من صداقها، يجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئا؟ قال: نعم، إذا جعلته في حل فقد قبضته (1) " فإنه يدل بمفهومه على عدم جواز الدخول بها قبل أن تقبض مهرها، ولا يخفى أن المراد امتناع الزوجة من تسليم نفسها لاستمتاع الزوج، والمستفاد من هذا الخبر - لو لم يكن إشكال فيه من جهة السند - عدم جواز خصوص الدخول دون ساير الاستمتاعات بل لا يبعد أن يكون مساق هذا الخبر مساق الأخبار أخر المحمولة على الكراهة كخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا تزوج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتى يسوق إليها شيئا درهما


(1) التهذيب ج 2 ص 220

[ 425 ]

فما فوقه أو هدية من سويق أو غيره (1) ". ويؤيده ما في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام " عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورة من كتاب الله عزوجل فقال عليه السلام: ما أحب أن يدخل بها حتى يعلمها السورة ويعطيها شيئا، قلت: أيجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا؟ فقال: لا بأس بذلك إذا رضيت به كائنا ما كان (2) ". والمحكي عن الحدائق ونهاية المرام أنه ليس لها الامتناع من تسليم نفسها ولا للزوج الامتناع من تسليم المهر بل كل منهما مكلف شرعا بأداء ما عليه عصى الآخر أو أطاع. (النظر الثالث في القسم والنشوز والشقاق. أما القسم فللزوجة الواحدة ليلة وللاثنين ليلتان وللثلاث ثلاث، والفاضل من الأربع له أن يضعه حيث شاء ولو كن أربعا فلكل واحد ليلة ولا يجوز الاخلال إلا مع العذر أو الإذن، والواجب المضاجعة لا المواقعة ويختص الوجوب بالليل دون النهار، وفي رواية الكرخي إنما عليه أن يكون عندها في ليلتها ويظل عندها في صبيحتها). الظاهر من كلمات الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - وجوب القسمة بين الزوجات في الجملة وإنما الخلاف في أنه هل تجب على الزوج ابتداء بمجرد العقد والتمكين كالنفقة أو لا تجب عليه حتى يبتدء بها وتظهر الثمرة في أنه على الأول لو كانت له زوجة واحدة يجب عليه المبيت في كل أربع ليال ليلة وكان الليالي الثالث له يضعه حيث يشاء ولو كان له زوجتان كان لكل واحدة ليلة من كل أربع ليال والليلتان الباقيتان له وهكذا لو كانت ثلاث زوجات، ولو كن أربع لا يبقي له ليلة وعلى القول الآخر فلو كانت له زوجة واحدة لم يجب عليه القسمة لها مطلقا ولو مع المبيت ليلة عندها ولو كانت له زوجتان أو أزيد لم يجب عليه القسمة إلا مع المبيت ليلة عند إحديهن فيجب القسمة لهن


(1) التهذيب ج 2 ص 215، والاستبصار ج 3 ص 220 (2) الكافي ج 5 ص 380، والتهذيب ج 2 ص 218

[ 426 ]

حتى يتم الدور ولا يجب عليه استيناف الدور بل كان له الاعتزال عنهن. واستدل للقول الأول بوجوب العدول والأمر بالمعاشرة بالمعروف والتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله حيث كان يقسم بينهن (1)، وقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر البصري " في الرجل يكون عنده المرأة فيتزوج اخرى كم يجعل للتي يدخل بها؟ قال عليه السلام: ثلاثة أيام، ثم يقسم (2) " حيث إن قوله عليه السلام يدل على وجوب القسم وإطلاق الأخبار المستفيضة الآمرة بالقسم للحرة مثلي ما للأمة. منها ما رواه الشيخ - قدس سره - في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن الرجل تزوج المملوكة على الحرة، قال: لا، فإذا كانت تحته امرأة مملوكة فتزوج عليها حرة قسم للحرة مثلي ما يقسم للمملوكة (3) ". وعن محمد بن قيس في الموثق عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " قضى في رجل نكح أمة ثم وجد طولا يعنى استغناء أو لم يشته أن يطلق الأمة نفسه فيها فقضى أن الحرة تنكح على الأمة ولا ينكح الأمة على الحرة إذا كانت الحرة أوليهما عنده وإذا كانت الأمة عنده قبل نكاح الحرة على الأمة قسم للحرة الثلثين من ماله ونفسه [ يعنى نفقته ] وللامة الثلث من ماله ونفسه (4) ". وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل تزوج الأمة على الحرة قال: لا يتزوج الأمة على الحرة ويتزوج الحرة على الأمة وللحرة ليلتان وللامة ليلة (5) ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن نكاح الأمة قال: يتزوج الحرة على الأمة - إلى أن قال - وإن اجتمعت عندك حرة وأمة


(1) مجمع البيان ج 3 ص 121 (2) الكافي ج 5 ص 565 (3) التهذيب ج 2 ص 232 (4) و (5) التهذيب ج 2 ص 231

[ 427 ]

فللحرة يومان وللامة يوم " (1). وإطلاق مادل من النصوص على أن لكل زوجة ليلة من أربع كخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام قال: " سألته عن رجل له امرأتان قالت إحداهما: ليلتي ويومي لك يوما أو شهرا أو ما كان، أيجوز ذلك؟ قال عليه السلام: إذا طابت نفسها واشترى ذلك منها فلا بأس (2) ". وخبر الحسن بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يكون له المرأتان وإحداهما أحب إليه من الأخرى أله أن يفضلها بشئ؟ قال عليه السلام: نعم له أن يأتيها ثلاث ليال والأخرى ليلة، لأن له أن يتزوج أربع نسوة فليلتاه يجعلهما حيث يشاء، قلت: فتكون عنده المرأة فيتزوج جارية بكرا قال: فليفضلها حين يدخل بها ثلاث ليال وللرجل أن يفضل نساءه بعضهن على بعض ما لم يكن أربعا (3) ". وصحيح ابن مسلم قال: " سألته عن الرجل تكون عنده امرأتان إحدهما أحب إليه من الأخرى قال: له أن يأتيها ثلاث ليال والأخرى ليلة، فإن شاء أن تزوج أربع نسوة كان لكل امرأة ليلة ولذلك كان له أن يفضل بعضهن على بعض ما لم يكن أربعا (4) ". ونوقش في استفادة مذهب المشهور مما ذكر بأن وجوب العدل فرع ثبوت الحق لأن العدل إعطاء كل ذي حق حقه فبه لا يثبت الحق، والأمر بالمعاشرة بالمعروف لا يقتضى وجوب المبيت، والتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله لا محل له بعد معلومية عدم وجوب القسم عليه، وأما خبر البصري فهو في مقام بيان عدم استحقاق الجديدة أكثر من ثلاث ليال يختص لها وليس في مقام بيان وجوب القسمة. وأما أخبار الحرة والأمة فهي في مقام بيان كيفية العدل حيث يريد القسمة، وأما خبر علي بن جعفر وخبر الحسن بن زياد وغيرهما من


(1) الكافي ج 5 ص 360 (2) التهذيب ج 2 ص 246 (3) التهذيب ج 2 ص 231 (4) الفقيه باب ما أحل الله من النكاح تحت رقم 68.

[ 428 ]

النصوص الدالة على أن لكل زوجة ليلة من أربع ليال فهي في مقام بيان جواز تفضيل بعض النساء على بعض لا في مقام بيان وجوب القسمة بينهن ابتداء. ثم بعد نقل القول الآخر والاشكال فيما استدل له قرب الاستدلال لمذهب المشهور بخبر الحسن بن زياد المتقدم حيث علل جواز تفضيل النساء بعضهن على بعض بقوله " لأن له أن يتزوج أربع نسوة " ومن المعلوم أنه لا دلالة لهذا التعليل على جواز التفضيل اصلا إلا بضميمة مقدمة كانت مفروغ عنها عند السائل وهي استحقاق كل زوجة ليلة واحدة من أربع ليال إذ حينئذ يكون حاصل التعليل أنه حيث كان للزوجة الواحدة من كل أربع ليال ليلة واحدة لا أزيد كانت الليالي الثلاث الباقية له اباح الله تعالى له أن ينكح أربع نساء إذ لو كان للواحدة من كل أربع ليال أزيد من ليلة واحدة لم يبح له أن ينكح أربع نساء لاستلزامه تضييع حق كل منهن فهذا التعليل يدل بدلالة الاقتضاء على أن للزوجة على الزوج القسم ابتداء ولو كانت عنده واحدة. ويمكن أن يقال: لا مجال لإنكار ظهور جملة الخبرية أعني قوله عليه السلام على المحكي في خبر البصري " ثم يقسم " وقوله عليه السلام على المحكي في صحيح محمد بن مسلم " قسم للحرة مثلي ما يقسم للمملوكة ". وما في موثق محمد بن قيس وكون هذه الأخبار في مقام بيان أمر آخر لا يمنع الظهور. وما ذكر في الاستدلال بخبر الحسن بن زياد يشكل من جهة أن استحقاق الزوجه ليلة واحدة من أربع ليال لا يلازم وجوب المبيت عندها ألا ترى أن حقوقا كثيرة للمؤمن من دون الإيجاب هذا، ولكن يشكل مذهب المشهور بملاحظة ما يستدل به للقول الآخر وهو ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله غضب على بعض نسائه فاعتزلهن أجمع شهرا فلو كان القسم واجبا لكان المتعين اختصاص الناشزة بالحرمان والنصوص المستفيضة الدالة على حصر حق الزوجة على الزوج في غير القسم كخبر إسحاق بن عمار قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حق المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسنا قال عليه السلام: يشبعها و يكسوها وإن جهلت غفر لها (1) ".


(1) الكافي ج 5 ص 510

[ 429 ]

وخبر شهاب بن عبد ربه قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حق المرأة على زوجها؟ قال: يسد جوعها ويستر عورتها، ولا يقبح لها وجها، فإذا فعل ذلك فقد والله أدى حقها (1) ". ونوقش بعدم استفادة المدعى مما ذكر إلا الأصل أما ما روي من اعتزال النبي صلى الله عليه وآله لنسائه أجمع فلان دلالته على عدم وجوب القسم مبني على وجوب القسم عليه أيضا على تقدير وجوبه على الزوج وقد عرفت أن المشهور بين الخاصة والعامة عدم وجوبه عليه صلى الله عليه وآله وأما النصوص الدالة على حصر حق الزوجة على الزوج في غير القسم فهي محمولة على الحقوق المختصة بها فلا دلالة لها على عدم استحقاقها القسم الذي هو من الحقوق المشتركة بينهما لانه نحو من أنحاء الاستمتاع الذي هو حق للزوج. ويمكن أن يقال: إذا لم يكن القسم واجبا على النبي صلى الله عليه وآله فلا مانع من التأسي به صلى الله عليه وآله لأنه لم يحرز أن يكون عدم الوجوب من خصائصه. وأما النصوص الدالة على الحصر فما ذكر فيها من الحمل على الحقوق المختصة مشكل، من جهة أن الحق المشترك حق الاستمتاع من دون مدخلية لليوم والليل والأخبار الواردة في القسم يستفاد منها مدخلية ليلة واحدة، من أربع ليال، وظاهر الأخبار الاختصاص بالزوجة وعلى هذا فلا مانع من الجمع وحمل أخبار القسم على الحق الغير الواجب مراعاته كحقوق المؤمن على أخيه الثلاثين أو أقل، هذا مضافا إلى أن الظاهر من الأخبار إستحقاق الزوجة مبيت الزوج تمام الليل مع أن سيرة المتشرعة على خلافه لاشتغالهم بالصلاة والتدريس والتدرس والشواغل الدينية والدنيوية ومن المسلم عند الفقهاء جواز المسافرة ولم نعثر على نص استثنى فيه أوقات المسافرة ومقتضى الاطلاقات وجوب القسم في جميع الأزمنة والسفر بدون مسافرة الزوجة وإن لم يكن مقدمة لترك القسم الواجب لكنه ملازم لتركه فيكون المسافر عاصيا من جهة ترك القسم. هذا كله إن لم يكن إجماع في البين ومع تمامية الإجماع القدر المتيقن ما ذهب إليه الشيخ - قدس سره - وهو القول الثاني، وفي المتن لا يجوز الاخلال إلا مع العذر


(1) الكافي ج 5 ص 511 والتهذيب ج 2 ص 241.

[ 430 ]

أو الإذن والظاهر من كلماتهم أن المراد من العذر ليس ما يبيح ترك الواجب بل مطلق ما يكون مثله عذرا في العادة في التخلف عنها في بعض الليلة تمسكا بالسيرة القطعية وأن الميزان ما يتحقق به مسمى العدل والعشرة بالمعروف ولا يخفى الاشكال فيه مع القول بالوجوب، ولا إشكال في أن الواجب ليس المواقعة التي لا تجب عليه إلا في كل أربعة أشهر مرة لعدم الدليل على وجوبها بل الدليل على عدم وجوبها ويدل على عدم الوجوب خبر إبراهيم الكرخي " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل له أربع نسوة فهو يبيت عند ثلاث منهن في لياليهن فيمسهن وإذا نام عند الرابعة في ليلتها لم يمسها فهل عليه في هذا إثم؟ قال: إنما عليه أن يكون عندها في ليلتها ويظل عندها صبيحتها وليس عليه أن يجامعها إذا لم يرد ذلك " (1) وأما المضاجعة بمعنى النوم في فراش واحد بحيث يتحقق التلاصق بالأبدان أو الثياب فيشكل استفادة لزومها من الأخبار واستفادة اللزوم من قوله تعالى: " فاهجروهن في المضاجع " مشكلة حيث إن الهجر وإن كان مشروطا بالنشوز لكن ليس كل ترك هجرا بل الظاهر أن الترك بنحو الإعراض يكون هجرا ومقتضى الأخبار المذكورة إستحقاق المرأة مبيت الزوج عندها في خصوص الليل دون النهار وما في رواية إبراهيم المذكورة من قوله عليه السلام على المحكي " ويظل عندها صبيحتها " محمول على الندب نعم في الأخبار الواردة في تزوج الرجل المملوكة والحرة عبر للحرة يومان وللأمة يوم فلا بد من التوجيه باستحباب إضافة اليوم اليوم إلى الليلة أو إرادة معنى الآخر ولا مجال لرفع اليد عن الأخبار الدالة على تعيين خصوص الليلة في القسم. (ولو اجتمعت مع الحرة أمة بالعقد فللحرة ليلتان وللأمة ليلة والكتابية كالأمة ولا قسمة للموطوءة بالملك وتختص البكر عند الدخول بثلاث إلى سبع والثيب بثلاث ويستحب التسوية بين الزوجات في الإنفاق وإطلاق الوجه والجماع وأن يكون في صبيحة كل ليلة عند صاحبها).


(1) الفقيه باب ما احل الله من النكاح تحت رقم 67 والتهذيب ج 2 ص 232 واللفظ له.

[ 431 ]

لو اجتمعت مع الحرة أمة بالعقد فمقتضى الأخبار أن للحرة ليلتين وللأمة ليلة. منها ما روا الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يتزوج المملوكة على الحرة قال: لا فإذا كانت تحته امرأة مملوكة فتزوج عليها حرة قسم للحرة مثلي ما يقسم للمملوكة (1) ". ومنها موثق محمد بن قيس وخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله المتقدمان وغيرها وأما كون الكتابية كالأمة فهو المشهور ويدل عليه ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام هل للرجل أن يتزوج النصرانية على المسلمة والأمة على الحرة؟ فقال: لا يتزوج واحدة منهما على المسلمة ويتزوج المسلمة على الأمة والنصرانية وللمسلمة الثلثان وللأمة والنصرانية الثلث (2) ". وضعف السند مجبور بالعمل، وأما عدم القسمة للموطوءة بالملك فادعى عليه الإجماع ويكفي في المقام عدم دليل على استحقاقها فمقتضى الأصل عدم استحقاقها، وأما اختصاص البكر عند الدخول بثلاث إلى سبع والثيب بثلاث فهو المشهور ويدل عليه النبوي صلى الله عليه وآله " للبكر سبعة وللثيب ثلاث " (3). وصحيح ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن محمد بن مسلم قال: " قلت: الرجل تكون عنده المرأة يتزوج الأخرى أله أن يفضلها؟ قال: نعم إن كانت بكرا فسبعة أيام وإن كانت ثيبا فثلاثة ايام " (4). وخبره الآخر " قلت لأبي جعفر عليهما السلام: رجل تزوج امرأة وعنده امرأة؟ قال: إذا كانت بكرا فليبت عندها سبعا وإن كان ثيبا فثلاثا (5) ". وخبر هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يتزوج البكر قال: يقيم


(1) التهذيب ج 2 ص 232 (2) الكافي ج 5 ص 359 (3).... (4) الفقيه باب ما احل الله من النكاح تحت رقم 66 (5) التهذيب ج 2 ص 231 والاستبصار ج 3 ص 241.

[ 432 ]

عندها سبعة أيام (1) ". وعلى ذلك ينزل إطلاق خبر البصري عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يكون عنده المرأة فيتزوج الأخرى كم يجعل للتي يدخل بها؟ قال: ثلاثة أيام ثم يقسم (2) ". وفي قبال ما ذكر خبر حسن بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه " قلت: فيكون عنده المرأة فيتزوج عليها جارية بكرا قال: فليفضلها حين يدخل بها ثلاث ليال (3) ". وفي موثقة سماعة " سألته عليه السلام عن رجل كانت له امرأة فيتزوج عليها هل يحل له أن يفضل واحدة على الاخرى؟ قال: يفضل المحدثة حدثان عرسها ثلاثة أيام إذا كانت بكرا ثم يسوي بينهما بطيبة نفس إحداهما الأخرى (4) ". وعن الشيخ في التهذيبين الجمع بينهما وبين النصوص السابقة بحمل السبع للبكر على الجواز، والثلاث على الأفضل ولا يبعد من جهة عدم ظهور الأخبار في اللزوم نظير الأمر الوارد في مقام توهم الحظر. وأما استحباب التسوية بين الزوجات فيدل عليه خبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي " سئل الكاظم عليه السلام " عن الرجل يكون عنده امرأتان يريد أن يؤثر إحداهما بالكسوة والعطية أيصلح ذلك؟ قال: لا بأس واجتهد في العدل بينهما " 5) ". وفي الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام: من كان عنده امرأتان فكان إذا كان يوم واحدة فلا يتوضأ عند الأخرى (6)).


(1) الكافي ج 5 ص 565 (2) تقدم ص 426 (3) التهذيب ج 2 ص 231 والاستبصار ج 3 ص 242 (4) التهذيب ج 2 ص 231 والاستبصار ج 3 ص 341 (5) التهذيب ج 2 ص 232 والاستبصار ج 3 ص 241 (6) مجمع البيان ذيل الاية المائة والثلاثين من سورة النساء والوسائل كتاب النكاح ابواب القسم والنشوز ب 5 تحت رقم 3.

[ 433 ]

بل في خبر المعمر بن خلاد النهي عن ذلك فإنه " سأل الرضا عليه السلام أن يفضل نساءه بعضهن على بعض، فقال: لا (1) ". وأما استحباب أن يكون في صبيحة كل ليلة عند صاحبها فيدل عليه خبر إبراهيم الكرخي المتقدم بعد حمله على الاستحباب. (وأما النشوز فهو ارتفاع أحد الزوجين عن طاعة صاحبه فيما يجب له فمتى ظهر من المرأة أمارة العصيان وعظها فإن لم ينجع هجرها في المضجع، وصورته أن يوليها في الفراش، فإن لم ينجع ضربها مقتصرا على ما يؤمل معه طاعتها ما لم يكن مبرحا، ولو كان النشوز منه فلها المطالبة بحقوقها، ولو تركت بعض ما يجب أو كله استمالة جاز له القبول). بعد ما كان لكل من الزوج والزوجة حقوق على الآخر يجب القيام بها فبارتفاع أحدهما عن الطاعة يتحقق النشوز بل هو عين النشوز ويشير إلى نشوز المرأة قوله تعالى " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن - الآية " ويشير إلى نشوز الزوج " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا - الآية " وارتفاع كليهما يكون شقاق. وهل يكون وجوب القيام بالحقوق مطلقا بالنسبة إلى كل منهما أو يكون مشروطا بقيام الآخر وعدم نشوزه؟ مقتضى إطلاق الأدلة الإطلاق فيجب على كل من الزوج والزوجة القيام بالحقوق وإن نشز الآخر، نعم يشكل بنظر من يستشكل في أمثال هذه الأدلة بأنها ليست في مقام البيان، وقد دل الدليل على عدم الوجوب مع نشوز المرأة، وقد يقال ببقاء الإطلاق في طرف الزوجة بحيث لو لم يقم الزوج بحقوق الزوجة لم يجز لها عدم القيام بالحقوق الواجبة عليها ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: ما حق الزوج على المرأة؟ فقال صلى الله عليه وآله: أن تجيبه إلى حاجته وإن كانت على ظهر قتب، ولا تعطي شيئا إلا بإذنه، فان فعلت فعليها الوزر وله الأجر، ولا تبيت ليلة وهو عليها ساخط. قالت: يا رسول الله وإن كان ظالما؟ قال نعم (2) " حيث إن


(1) التهذيب ج 2 ص 232 (2) الكافي ج 5 ص 508

[ 434 ]

الظاهر من قولها " وإن كان ظالما " كونه ظالما لها بعدم القيام بحقوقها فقال: صلى الله عليه وآله: نعم. ويمكن أن يقال: الظاهر معارضة هذه الرواية بما روى في الكافي عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله عليه السلام " أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه وعلي عليه السلام أولى به من بعدي، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال قول النبي صلى الله عليه وآله: من ترك دينا أو ضياعا فعلي ومن ترك مالا فلورثته، فالرجل ليس له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليه النفقة، والنبي وأمير المؤمنين ومن بعدهما عليهم السلام ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، وما كان سبب إسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وآله فإنهم أمنوا على أنفسهم وعلى عيالاتهم " (1). ولننقل ما ورد من الأخبار الواردة في الحقوق: فمنها ما روى في الكافي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله ما حق الزوجة على المرأة فقال: لها أن تطيعه ولا تعصيه ولا تصدق من بيته إلا بإذنه، ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كان على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه وإن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماوات وملائكة الأرض وملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها، فقالت: يا رسول الله من أعظم الناس حقا على الرجل؟ قال: والده، قالت: فمن أعظم الناس حقا على المرأة؟ قال صلى الله عليه واله: زوجها، قالت: فمالي عليه من الحق مثل ما له علي؟ قال: لا ولا من كل مائة واحد، فقالت: والذي بعثك بالحق لا يملك رقبتي رجل أبدا (2) ". وعن عمرو بن جبير العزرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " جاءت امرأة إلى


(1) المصدر ج 1 ص 406 باب ما يجب من حق الامام على الرعية. (2) الكافي ج 5 ص 507 والفقيه باب حق الزوج تحت رقم 1.

[ 435 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة، فقال: أكثر من ذلك (1) قالت: فخبرني عن شئ منه فقال صلى الله عليه وآله: ليس لها أن تصوم إلا بإذنه - يعنى تطوعا - ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وعليها أن تطيب بأطيب طيبها، وتلبس بأحسن ثيابها، وتتزين بأحسن زينتها وتعرض نفسها عليه غدوة وعشية وأكثر من ذلك حقوقه عليها " (2). ومنها خبر أبي بصير المتقدم. وعن سعد بن أبي عمر والجلاب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " أيما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط في حق لم تقبل لها صلاة حتى يرضى عنها، وأيما امرأة تطيبت لغير زوجها لم تقبل منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها (3) ". ولا يخفى أنها مشتملة على الحقوق الواجبة وغير الواجبة فإنما في رواية محمد بن مسلم من قوله عليه السلام على المحكي " أن تطيعه ولا تعصيه " يشمل إطلاقه الإطاعة و ترك العصيان في كل أمر ومن المعلوم عدم لزوم إطاعة الزوج في غسل ثوبه وطبخ الخبز وغيره وسائر حوائجه وكذلك قوله عليه السلام على المحكى (ولا من كل مائة واحد " وكذا ما في خبر عمرو بن جبير من قوله عليه السلام على المحكي " وعليها أن تطيب - الخ " مع أن السيرة على عدم التزام النساء المتدينات بما ذكر وكذا ما في خبر أبي بصير من عدم المبيت والزوج ساخط ولو كان ظالما. ويشهد لعدم الحرمة ما في خبر سعد بن أبي عمرو من قوله عليه السلام على المحكي " باتت وزوجها عليها ساخط في حق " فلا يستفاد من خبر أبي بصير المذكور وجوب الاطاعة حتى مع عدم قيام الزوج بحقوقها كما ذكر آنفا. وأما الأخبار المتضمنة لحقوق الزوجة على الزوج فمنها ما رواه في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حق المرأة على زوجها


(1) اي حقوقهم أكثر من أن تذكر (2) المصدر ج 5 ص 508 (3) الكافي ج 5 ص 507 والفقيه باب حق الزوج تحت رقم 8.

[ 436 ]

الذي إذا فعله كان محسنا؟ قال: يشبعها ويكسوها وإن جهلت غفر لها (1) ". ورواه في الفقيه عن إسحاق بن عمار قال: " سأل إسحاق بن عمار أبا عبد الله عليه السلام عن حق المرأة على زوجها، قال: يشبع بطنها ويكسو جسدها " جثتها خ ل " وإن جهلت غفر لها (2) ". وما رواه في الفقيه مرسلا قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: كان امرأة عند أبي تؤذيه فكان يغفر لها (3) ". وروى في الكافي عن عمرو بن جبير العزرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألته عن حق الزوج على المرأة فخبرها، ثم قالت: فما حقها عليه، قال: يكسوها من العرى ويطعمها من الجوع وإن أذنبت غفر لها، فقالت: فليس لها عليه شئ غير هذا؟ قال: لا، قالت: لا والله لا تزوجت أبدا، ثم ولت فقال النبي صلى الله عليه وآله: ارجعي فرجعت فقال لها: إن الله عزوجل يقول: " وأن يستعففن خير لهن " (4). وما رواه في الكافي عن روح بن عبد الرحيم قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام قوله عزوجل: " ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " قال: إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلا فرق بينهما (5) ". وما رواه في النهاية عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير - في الصحيح - قال: " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الإمام أن يفرق بينهما ". ثم إن ظاهر المتن أنه مع ظهور أمارة العصيان من المرأة يعظها الزوج فإن لم ينجع هجرها وإن لم ينجع ضربها ضربا غير مبرح، ويشكل أن الأصل في المقام


(1) المصدر ج 5 ص 510 (2) المصدر باب حق المرأة على الزوج تحت رقم 2 (3) المصدر الباب تحت رقم 4 (4) و (5) الكافي ج 5 ص 511 و 512

[ 437 ]

قوله تعالى " واللاتي تخافون نشوزهن - الخ " فإن كان المراد من الخوف التوقع فاللازم كفاية التوقع في الهجر والضرب لأن الواو لمطلق الجمع، وإن كان المراد من الخوف العلم فاللازم عدم كفاية الامارة مع عدم تحقق النشوز بل اللازم تحققه بالفعل في الوعظ والهجر والضرب والمعنى الثاني للخوف محكي عن الفراء وظاهر جملة من الإصحاب ويؤيد هذا ما قيل من أن المراد من الخوف في قوله تعالى " فمن خاف من موص جنفا أو إثما " العلم وكذا في قوله تعالى: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " بملاحظة ما ورد من النصوص فيه، وكذا في قوله تعالى " وإن خفتم شقاق بينهما " من جهة اتحاد المساق، هذا مضافا إلى أن الهجر والضرب كيف يترتبان على توقع النشوز مع أنه لم يتحقق بعد لعدم استحقاقها بعد للعقوبة، هذا مضافا إلى أن قوله تعالى " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " في ذيل قوله " فعظوهن واهجروهن واضربوهن " يستفاد منه أنه مع الإطاعة لا سبيل على المرأة ومع عدم تحقق النشوز تكون مطيعة لعدم الواسطة بينهما ولا اشكال في أن الهجر وكذا الضرب سبيل عليها لو لم يكن الوعظ سبيلا. ثم إن الامور الثلاثة أعني الوعظ والهجر والضرب لا إشكال فيها بحسب المفهوم فحيث إن الهجر والضرب بل الوعظ أيضا توجب تأذى المرأة لابد من الاقتصار بأقل مراتبها، أما الهجر فقد حكي عن غير واحد من الأصحاب توليتها ظهره في الفراش كما عن الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام بل عن المبسوط نسبته إلى رواية أصحابنا وعن مجمع البيان إلى الباقر عليه السلام وعن المبسوط والسرائر هو أن يعتزل فراشها وعن المفيد التخيير ولعله أقوى لا ندر اجهما في الهجر عرفا، وفي الضرب يقتصر على أدنى مراتبه مع حصول الغرض به، والظاهر لزوم أن يراعى الزوج الإصلاح لا التشفي والانتقام كما قيل في تأديب المؤدب حيث إنه يقتصر في الايذاء المحرم على النحو المرخص فيه فتأمل. ولو كان النشوز من طرف الزوج بمنع حقوقه الواجبة عليه فلا إشكال في أن لها المطالبة بها والمعروف أن الزوجة ليس لها منع ما عليها من الحقوق. ويمكن أن يقال: إن كان المدرك إطلاق الادلة فربما يستشكل بعدم كونها في مقام

[ 438 ]

البيان بجميع الجهات مضافا إلى الخبر المروي في الكافي عن سفيان بن عيينة إلا أن يستشكل فيه من جهة السند. والمعروف أنه إذا امتنع الزوج من القيام بحقوقها ترفع أمرها إلى الحاكم فإن ثبت عنده ما ادعته ببينة أو اعتراف أو نحو ذلك قرره بما يراه وأجرى عليها النفقة من ماله ولو ببيع عقاره عليه وإلا نصب بينهما ثقة يستعلم صدق ما ادعته ويكون الحاكم كما تقدم، ولو لم يكن يؤذيها ولا يمنعها شيئا من حقوقها الواجبة إلا أنه يكرهها لكبر أو مرض أو غيرهما فلا يدعوها إلى فراشه ويهم بطلاقها فلها أن تسترضيه بإسقاط بعض حقوقها من القسم أو النفقة أو نحوهما ويحل له ذلك وهذا هو الصلح الذي أشارت إليه الآية بقوله تعالى " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ". والأخبار الواردة في المقام منها ما رواه في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن قول الله عزوجل " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها فيقول لها: إني أريد أن أطلقك فتقول له: لا تفعل إني أكره أن تشمت بي ولكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت وما كان سوى ذلك من شئ فهو لك ودعني على حالتي فهو قوله " فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما " فهذا هو الصلح (1) ". وعن علي بن أبي حمزة قال " سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " قال: إذا كان كذلك فهم بطلاقها قالت له: أمسكني وأدع لك بعض ما عليك واحللك من يومي وليلتي حل له ذلك ولا جناح عليهما (2) ". وما رواه في الفقيه عن المفضل بن صالح عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " النشوز يكون من الرجل والمرأة جميعا فأما الذي من الرجل هو ما قال الله عزوجل في كتابه " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا والصلح خير "


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 145.

[ 439 ]

وهو أن تكون المرأة عند الرجل لا تعجبه فيريد طلاقها فتقول له: أمسكني ولا تطلقني وأدع لك ما على ظهرك وأحل لك يومي وليلتي فقد طاب له ذلك (1) ". وفي خبر زرارة " سئل أبو جعفر عليهما السلام عن النهارية ويشترط عليها عند عقدة النكاح أن يأتيها ما شاء نهارا أو من كل جمعة أو من كل شهر يوما وإن النفقة كذا وكذا، قال: فليس ذلك الشرط بشئ، من تزوج امرأة فلها ما للمرأة من القسمة و النفقة ولكنه إن تزوج امرأة فخافت منه نشوزا أو خافت أن يتزوج عليها فصالحت من حقها على شئ من قسمتها أو بعضها (أو ليلتها خ‍ ل) فإن ذلك جائز لا بأس به (2) ". وقد يقال: إن الأخبار المذكورة ظاهرة الاتفاق في تخصيص صحة الصلح وبراءة ذمة الزوج مما أسقطته عنه المرأة بما لو كرهها أو أراد التزويج عليها أو نحو ذلك مما لا يتضمن إخلالا بواجب أو إرتكاب محرم وبذلك يظهر ضعف قول من قال: إنه لو أخل الزوج بحقوقها الواجبة أو بعضها فتركت له بعض الحقوق جاز ذلك وبرئت ذمته وإن كان آثما في نشوزها لأن الآية بمقتضى الروايات التي تفسرها أكثرها صريح في تخصيص ذلك بكراهته لها ونحو ذلك دون الإخلال بالحقوق الواجبة عليه لها وما أطلق فقرائن ألفاظه ظاهرة في ذلك أيضا. ويمكن أن يقال: لا ظهور في الأخبار المذكورة في الحصر ألا ترى أنه ذكر في بعضها إرادة الطلاق وفي بعضها إرادة التزوج فإذا كانت حقوق المرأة حقوقا قابلة للإبراء والنقل كما يشهد به بعض الأخبار الواردة في القسم فلاحظ خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام المذكور هناك فلا مانع من الصلح مع الزوج بلا عوض ومع العوض، ومع الصلح وبراءة ذمة الزوج لا إخلال بالواجب. وأما ما ذكر قبل ذلك من المراجعة إلى الحاكم فمع اختلاف الزوجة مع الزوج في القيام بالحقوق الواجبة على الزوج لا إشكال فيها حيث إن الترافع أمره راجع إلى الحاكم. وأما مع عدم الاختلاف وعدم قيام الزوج بها فتعين الرجوع إلى الحاكم


(1) المصدر باب النشوز تحت رقم 1 (2) تفسير العياشي ج 1 ص 278.

[ 440 ]

إن كان من جهة الولاية العامة يشكل عند من لا يسلم الولاية العامة، وإن كان من جهة الحسبة فلا يبعد الرجوع إلى عدول المؤمنين ولو مع التمكن من المراجعة إلى الحاكم حيث لا يبعد الاستفادة من بعض الاخبار كما ذكر في محله. (وأما الشقاق وهو أن يكره كل منهما صاحبه، فإذا خشى الاستمرار بعث كل منهما حكما من أهله، ولو امتنع الزوجان بعثهما الحاكم ويجوز أن يكونا أجنبيين وبعثهما تحكيم لا توكيل فيصلحان إن اتفقا ولا يفرقان إلا مع إذن الزوج في الطلاق و المرأة في البذل، ولو اختلف الحكمان لم يمض لهما حكم). الشقاق هو أن يكره كل من الزوجين صاحبه فيكون كل منهما في شق عن الآخر أي في ناحية والحكم في ذلك أن يبعث حكمان من أهله وأهلها للصلح أو التفريق والاصل في المقام قوله عز وجل " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ". والأخبار. ومنها: ما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة قال: " سألت العبد الصالح عليه السلام عن قوله الله عزوجل: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " فقال: يشترط الحكمان إن شاءا فرقا و " إن شاءا جمعا ففرقا أو جمعا جاز (1) ". وعن سماعة في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله الله تعالى " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " أرأيت إن استأذن الحكمان فقالا للرجل والمرأة: أليس قد جعلتما أمركما إلينا في الاصلاح والتفريق؟ فقال الرجل والمرأة: نعم وأشهدا بذلك شهودا عليهما يجوز تفريقهما عليهما؟ قال: نعم ولكن لا يكون إلا على طهر من المرأة من غير جماع من الزوج، قيل له: أرأيت إن قال أحد الحكمين: قد فرقت بينهما، وقال الآخر: لم افرق بينهما؟ فقال: لا يكون تفريق حتى يجتمعا جميعا على التفريق، وإذا اجتمعا على التفريق جاز تفريقهما (2) ". وعن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن قول الله عز وجل " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا (3) ".


(1) و (2) و (3) الكافي ج 6 ص 146 و 147.

[ 441 ]

وما رواه المشايخ الثلاثة - قدس أسرارهم - عن الحلبي في الصحيح وفي آخر في الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن قول الله عزوجل " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستامرا الرجل والمرأة ويشترطا عليهما إن شاءا جمعا وإن شاءا فرقا، فإن جمعا فجائز وإن فرقا فجائز (1) ". وما في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " قال: الحكمان يشترطان إن شاءا فرقا وإن شاءا جمعا، فإن جمعا فجائز وإن فرقا فجائز (2) ". ثم نقول: قد يحمل قوله تعالى " إن خفتم شقاق بينهما على خشية استمرار الزوج والزوجة على الكراهة والشقاق بالإضمار، وقد يحمل على العلم بأن يكون المراد من قوله: خفتم " وإن علمتهم كما حمل خوف الجنف من الموصي على العلم والأول بعيد لأنه لا شاهد " وإن له، والظاهر أن البعث مترتب على الشقاق المحقق لا مجرد خشية الشقاق المجتمع مع عدم تحققه من جهة أن الحكمين مبعوثان للجمع أو التفريق ومع عدم تحقق الشقاق واقعا لا معنى للجمع. ثم إنه وقع الكلام في أن المخاطب بالبعث الحاكم أو عدول المؤمنين أو الزوجين قد يقال: المخاطب بالبعث الحكام المنصوبون لمثل ذلك وأنه المروي عن الباقر والصادق عليهما السلام وفي المرسل عن تفسير علي بن إبراهيم عن أمير المؤمنين عليه السلام " في رجل وامرأة في هذا الحال فبعث حكما من أهله وحكما من أهلها ". ونحوه عن مجمع البيان وكون المخاطب الزوجين مناف لاختلاف الضميرين بالغيبة والحضور والتثنية والجمع وليس المقام مقام الالتفات على أن المأمور بالبعث الخائف من شقاقهما وهو غيرهما والإنسان لا يبعث إلى نفسه ولا منافات بين كون الباعث الحاكم وبين اشتراطهما على الزوجين ما يريدان اشتراطه.


(1) الكافي ج 6 ص 146 والتهذيب ج 2 ص 278 والفقيه باب الشقاق تحت رقم 2 (2) الكافي ج 6 ص 146.

[ 442 ]

ويمكن أن يقال إن الالتفات غير عزيز والجمع يمكن أن يكون بالنظر إلى عموم الزوجين، ويمكن أن يستظهر من موثق سماعة المتقدم وفيه " فقالا للرجل والمرأة أليس قد جعلتما أمركما إلينا - الخ " كون الحكمين منصوبين من قبل الزوجين. ويمكن الجمع بجواز النصب من قبل الحاكم ومن قبل الزوجين ولا مانع من نصب طرفي الاختلاف والشقاق شخصين بعنوان الحكمية لدفع اختلافهما، ثم إنه إذا استظهر أن المأمور بالبعث الزوجان فلا دليل على لزوم أو استحباب بعث الحاكم أنه لو استظهر أن المأمور الحاكم فلا دليل على لزوم أو استحباب بعث الزوجين إلا أن يثبت لزوم رفع الشقاق بالجمع أو التفريق، ويشكل من جهة احتمال كون الشقاق في المقام كسائر المخاصمات الواقعة بين الناس حيث إنه لا دليل على لزوم فصل الخصومة بدون المراجعة إلى الحاكم. وأما جواز بعث الحكمين من غير أهلهما فلا يستفاد من الأدلة إن حمل الأدلة على وجوب البعث أو الاستحباب وإن حملت على الإرشاد إلى رفع الاختلاف فلا مانع منه كما في قوله: " واشهدوا إذا تبايعتم " وقد يستدل على الوجوب بما يدل على أن الإمام عليه السلام يجبر المتخلف عن حكم الحكمين بعد التحكم على القبول ويعاقبه ويشكل لأنه يمكن أن يكون من قبيل ترافع المتخاصمين حيث إنه لا يجب مراجعتهما إلى الحاكم ومع الرجوع إليه وحكمه يجبر المحكوم عليه بالقبول وفي العبادات يستحب الحج لمن أتى بالحج الواجب ومع إحرامه للحج المندوب يجب عليه الاتمام ويحرم عليه الإفساد. وهل البعث تحكيم أو توكيل؟ قد يستظهر أنه تحكيم لأنه مقتضى تسميتهما حكمين في الكتاب والسنة ومقتضى خطاب غير الزوجين ببعثهما والوكيل مأذون ليس بحكم والمخاطب به الزوجان لا غيرهما ولأنهما إن رأيا الإصلاح فعلاه من غير استيذان ويلزم ما يشترطانه عليهما من السائغ ولو كان توكيلا لم يقع إلا ما دل عليه لفظهما. ويمكن أن يقال: إن كان المخاطب بالبعث الزوجان كما يستظهر من موثق سماعة فلا نرى ثمرة لهذا البحث لأنه بعد ما جعل الزوجين الأمر إلى الحكمين فكان ما يفعلان من الاصلاح والتفريق من طرف الزوجين ما شئت سم وإن كان المخاطب بالبعث

[ 443 ]

الحاكم فلا إشكال ظاهرا في أن التفريق لابد أن يكون بإذن الزوج في غير الخلع وفي الخلع بإذن الزوجين وفي غير التفريق أيضا مقتضى بعض الأخبار كصحيح الحلبي المذكور استيمار الزوجين فلا أثر للبحث المذكور ومقتضى الأخبار المذكورة أنه مع اختلاف الحكمين لم يمض لهما حكم. (النظر الرابع في احكام الاولاد ولد الزوجة الدائمة يلحق به من الدخول ومضي ستة أشهر من حين الوطي ووضعه لمدة الحمل أو أقل وهي تسعة أشهر، وقيل: عشرة أشهر، وهو حسن، وقيل: سنة وهو متروك، فلو اعتزلها أو غاب عنها عشرة أشهر فولدت بعدها لم يلحق به، ولو أنكر الدخول فالقول قوله مع يمينه، ولو اعترف به ثم أنكر الولد لم ينتف عنه إلا باللعان، ولو اتهمها بالفجور أو شاهد زناها لم يجز له نفيه ويلحق به الولد ولو نفاه لم ينتف إلا باللعان وكذا لو اختلفا في مدة الولادة). إذا كان الولد ولد الزوجة الموطوءة بالنكاح الدائم يلحق بالزوج بلا خلاف ولا إشكال بشرط مضي أقل الحمل وعدم التجاوز عن أقصى مدته وإنما الإشكال في موضعين أحدهما في تعميم الدخول المعتبر في الإلحاق بمجرد غيبوبة الحشفة في القبل وإن لم ينزل بل بمجرد الوطي بالدبر، وادعى عدم الخلاف فيه. وجه الإشكال أن اعتبار الدخول لا وجه له إلا كونه منشئا لاحتمال كون الولد من ماء الزوج ومعه كيف يمكن الحكم بالالحاق بمجرد الوطى في القبل مع العلم بعدم الإنزال فضلا عن الوطي في الدبر غاية ما يوجه به هذا التعميم أن اعتبارهم الدخول في الالحاق ليس لكونه منشئا لاحتمال كون الولد من ماء الزوج بل لعدم تحقق الفراش الذي دل الحديث على أن الولد له إلا بالدخول ولو لم ينزل، والحاصل أنه بعد تحقق الفراش بمجرد الوطي ولو في الدبر لو احتمل كون الولد من ماء الزوج يحكم بالحاقه به فقاعدة الفراش قاعدة مضروبة لمقام الشك في كون الولد للزوج بعد تحقق الفراش فلو علم بعدم الانزال لا بالوطي المحقق للفراش ولا بغيره لا يحكم بالالحاق بمجرد تحقق الفراش بمجرد الوطي في القبل فضلا عن الوطي في الدبر. ويدل عليه ما رواه في قرب الإسناد عن جعفر بن محمد، عن علي عليهم السلام قال: " جاء رجل إلى رسول الله

[ 444 ]

صلى الله عليه وآله فقال: كنت أعزل عن جارية لي فجاءت بولد؟ فقال صلى الله عليه وآله: الوكاء قد ينفلت فألحق به الولد (1) " فإنه لو كان تحقق الفراش بمجرد الوطي كافيا في إلحاق الولد لم يكن وجه لتعليله صلى الله عليه وآله بأن الوكاء قد ينفلت. ويمكن أن يقال: الفراش في الحديث المعروف " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". قيل فيه: أي لمالك الفراش وهو الزوج أو المولى والمحكي عن المصباح المنير قوله " الولد للفراش " أي الزوج فإن كل واحد من الزوجين يسمى فراشا للآخر كما سمي كل واحد لباسا للآخر انتهى. فعلى هذا لا حاجة في تحقق الفراش إلى الدخول ومن المعلوم أن إلحاق الولد إلى الزوج حكم ظاهري فمع القطع بالخلاف كيف يحكم به فلا بد من التقييد بصورة الاحتمال كما يستفاد من الخبر المذكور. ثانيهما في تحديد أقصى مدة الحمل فاختلف الأصحاب فيه فذهب المشهور إلى أنه تسعة أشهر، ومال الشيخ في المبسوط والمحقق في الشرايع إلى أنه عشرة أشهر وذهب جماعة إلى أنه سنة ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار فمما يدل على الأول مرسلة عبد الرحمن ابن سيابة عمن حدثه عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن غاية الحمل بالولد في بطن امه كم هو فإن الناس يقولون: ربما بقي في بطنها سنتين؟ فقال عليه السلام: كذبوا أقصى مدة الحمل تسعة أشهر لا يزيد لحظة ولو زاد ساعة تقتل امه قبل أن يخرج (2) " وهي صريحة في التسعة. واستدل له أيضا بما رواه في روضة الكافي عن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن مريم عليها السلام حملت بعيسى على نبينا وآله وعليه السلام تسع ساعات كل ساعة شهر (3) ". وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: " سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حبلا انتظر بها تسعة أشهر فإن ولدت وإلا اعتدت بثلاثة


(1) المصدر ص 65 (2) الكافي ج 6 ص 52، والتهذيب ج 2 ص 281 و 295 (3) الروضة ص 332

[ 445 ]

أشهر، ثم قد بانت منه (1) ". وخبر محمد بن حكيم، عن أبي الحسن عليه السلام قال: " قلت له: المرأة الشابة تحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع طمثها كم عدتها؟ قال عليه السلام: ثلاثة أشهر، قلت: فإنها ادعت الحبل بعد ثلاثة أشهر؟ قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فإنها ادعت الحبل بعد تسعة أشهر؟ قال: إنما الحمل تسعة أشهر، قلت: تتزوج؟ قال: تحتاط ثلاثة أشهر، قلت: فإنها ادعت بعد ثلاثة أشهر؟ قال: لا ريبة عليها تزوجت إن شاءت (2). وخبره الآخر عن أبي عبد الله عليه السلام أو أبي الحسن عليه السلام قال: " قلت: له رجل طلق امرأته فلما مضت ثلاثة أشهر ادعت حبلا قال: ينتظر بها تسعة أشهر، قال: قلت فإنها ادعت بعد ذلك حبلا؟ قال: عليه السلام: هيهات هيهات إنما يرتفع الطمث من ضربين إما حبل بين وإما فساد في الطمث ولكنها تحتاط بثلاثة أشهر بعد (3) ". وخبره الآخر عن العبد الصالح عليه السلام قال: " قلت له: المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع طمثها ما عدتها؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فإنها تزوجت بعد ثلاثة أشهر فتبين بها بعد ما دخلت على زوجها أنها حامل؟ قال: هيهات من ذلك يا ابن حكيم رفع الطمث ضربان إما فساد من حيضة فقد حل لها الأزواج وليس بحامل وإما حامل فهو تستبين في ثلاثة أشهر لأن الله عزوجل قد جعله وقتا يستبين فيه الحمل قال: قلت: فإنها ارتابت؟ قال: عدتها تسعة أشهر، قال: قلت: فإنها ارتابت بعد تسعة أشهر؟ قال: إنما الحمل تسعة أشهر قلت: فتتزوج قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت فإنها ارتابت بعد ثلاثة أشهر؟ قال: ليس عليها ريبة تتزوج (4) ". ونوفش في دلالة الأخبار المذكورة أما ما رواه في روضة الكافي فلأنه ليس في مقام بيان الحكم أصلا. وأما صحيح ابن الحجاج وروايات محمد بن حكيم فلبداهة أن


، (1) الكافي ج 6 ص 101 (2) الكافي ج 6 ص 101 (3) و (4) المصدر ج 6 ص 102

[ 446 ]

المبدء لتسعة أشهر التي أمر في تلك الروايات باعتداد المسترابة بها هو يوم الطلاق ضرورة أن التسعة عدة الطلاق فلا يمكن أن يكون مبدءه قبله ومن المعلوم أن الطلاق حيث يكون صحة مشروطه بوقوعه في طهر لم يواقعها فيه فلا محالة يتأخر عن الحمل بالحيضة الواقعة بين الطهر الذي واقعها فيه فصارت حاملا وبين طهر الذي طلقها فيه ولازم ذلك أن يزيد مدة الحمل على تسعة أشهر بمقدار تلك الحيضة المتوسطة بين الطهرين هذا مضافا إلى أن أمره عليه السلام لها بالاحتياط ثلاثة أشهر بعد قوله الحمل تسعة أشهر وقول السائل: فإنها ارتابت بعد التسعة ظاهر بل صريح في أن الاعتداد بثلاثة أشهر بعد التسعة إنما هو لاحتمال الحمل لا أنه اعتداد تعبدي وإلا لم يصح التعبير عنه بالاحتياط فالمتعين جعل هذه الروايات من أدلة القول بالسنة ولا ينافي حصره عليه السلام الحمل في تسعة بقوله: " إنما الحمل تسعة أشهر " لإمكان حمله على الغالب. ويمكن أن يقال: ليس في صحيح ابن الحجاج الاعتداد تسعة أشهر حتى يقال مبدئها يوم الطلاق بل فيه بعد ادعاء المرأة الحمل انتظر بها تسعة أشهر والأظهر أن يكون مبدء تسعة أشهر مواقعة الزوج فإن الطلاق يمكن أن يكون واقعا بعد طهرها من الحيضة بلا فصل أو مع الفصل بمدة قصيرة أو الفصل بمدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر فإن كان النظر إلى زمان الطلاق يلزم أن لا يكون لأقصى الحمل حد معين لاختلاف وقت الطلاق. وأما خبر محمد بن حكيم فما فيه من قوله عليه السلام على المحكي " عدتها تسعة أشهر " فليس محمولا على ظاهره لأن المطلقة إن كانت ذات إقراء تكون عدتها على المشهور ثلاثة أقراء والقرء بمعنى الطهر وإن كانت ذات أشهر لا ترى الدم فعدتها ثلاثة أشهر و إن كانت حاملا فمقتضى عدتها بوضع الحمل ولو بعد ساعة فتسعة أشهر بالخصوص ليست عدة، نعم القائل بأن أقصى الحمل تسعة أشهر يقول بأن هذه المدة مدة الحمل وإلا فالعدة التي يكون مبدئها من حين الطلاق ليست تسعة أشهر. وما ذكر من الاستظهار من قوله عليه السلام على المحكي " تحتاط بثلاثة أشهر " لازمه أن يزيد أقصى الحمل عن السنة لأنه إن كان تسعة أشهر من زمان وقوع الطلاق وثلاثة

[ 447 ]

أشهر بعدها يزيد عليها مضي زمان يصح بعده الطلاق حتى يكون الطلاق واقعا في طهر لم يواقع فيه. ومما يدل على القول الثالث ما رواه في الكافي والتهذيب عن محمد بن حكيم عن أبي إبراهيم أو أبيه عليهما السلام أنه قال له: " المطلقة يطلقها زوجها فيقول: أنا حبلى فتمكث سنة. فقال عليه السلام: إن جاءت به لاكثر من سنة لم تصدق ولو ساعة واحدة في دعواها (1) " فإنه يدل بمفهومه على أنها تصدق فيما إذا جاءت به إلى سنة. ويمكن أن يقال: يشكل الاستدلال بهما لما يستظهر من الاخبار المتقدمة أن مبدء تسعة أشهر زمان وقوع الطلاق لا زمان المواقعة المتقدمة حيث إنه على هذا يلزم في هذا الخبر أن يكون المبدء زمان وقوع الطلاق بعد المواقعة فيزيد على السنة ولا مجال للحمل على طلاق الحامل لعدم صدق الحمل بمجرد المواقعة، مضافا إلى أنه قد يستظهر من بعض الأدلة لزوم استبانة الحمل. وثانيا نقول: يشكل تصديق المرأة بادعاء كون الولد من زوجه بمجرد إمكانه من جهة ندرة طول الحمل سنة والشاهد على هذا أنه يظهر من بعض الأخبار أنه إذا ادعت المرأة انقضاء عدتها في مدة أمكن انقضاء العدة فيها نادرا عدم تصديقها بمجرد الدعوى بل يلزم تفتيش حالها. فتلخص مما ذكر أنه مع حجية خبر محمد بن حكيم تقع المعارضة بين الأخبار السابقة وهذا الخبر ولا يبعد حمل الأخبار السابقة على الغلبة لبعد حملها على الحد الذي لا يزيد عليه كسائر الحدود وكيف تحمل على عدم الزيادة عن تسعة أشهر بيوم أو يومين أو نصف يوم وعلى هذا لا مانع من البلوغ إلى السنة نادرا. وأما البلوغ إلى عشرة أشهر فلم نعثر على خبر يدل عليه إلا أن المحكي عن ابن حمزة - رحمة الله عليه - أكثر مدة الحمل فيه روايات ثلاثة تسعة أشهر وعشرة وسنة. ثم إن ظاهر الكلمات لحوق الولد مع عدم انقضاء أقصى مدة الحمل وعدم اللحوق مع التجاوز وربما يقع الإشكال


(1) التهذيب ج 2 ص 283

[ 448 ]

في صورة الندرة مع الامكان لما ذكر آنفا ولو أنكر الدخول فالمعروف أن القول قول الزوج للأصل وقد يقال: يشكل لحوق الولد من جهة أن التمسك بإطلاق قوله صلى الله عليه وآله " الولد للفراش - إلى آخر " بعد تقييده بما دل على اعتبار الشروط الثلاثة في الإلحاق يكون تمسكا به مع الشك في المصداق، ولكن يمكن أن يقال: باللحوق مع الشك أيضا وذلك لإمكان أن يقال: إن النصوص المحددة لأقل مدة الحمل وأقصاها لما كانت في مقام ضرب القاعدة لما إذا شك في الإلحاق من جهة احتمال الفجور ولم تكن متكفلة لحكم ما إذا كان الشك في الإلحاق من جهة الشك في انقضاء أقل مدة الحمل أو أقصاها لعدم إمكان تعرض الحكم لحال موضوعه أسس صلى الله عليه وآله بقوله " الولد للفراش " قاعدة اخرى في طول القاعدة المستفادة من النصوص المحددة لمدة الحمل قلة وكثرة فلا يمكن أن تكون تلك النصوص مقيدة لاطلاق الولد للفراش كي لا يصح التمسك بإطلاقه عند الشك في انقضاء أقل مدة الحمل أو أقصاها ويؤيد ذلك أنه لو كانت تلك النصوص في مقام تقييد اطلاق " الولد للفراش " ولم تكن قاعدة مستقلة للزم لغوية قاعدة " الولد للفراش " أو كونها قليل المورد ضرورة أن مع تحقق الشروط الثلاثة يكفي تلك النصوص للحكم بالإلحاق ولا تحتاج معه إلى التمسك بقاعدة الفراش كما لا يصح التمسك بتلك النصوص إلا فيما كان هناك أصل موضوعي كما إذا كان الشك في انقضاء أقصى مدة الحمل فإن استصحاب عدم انقضاء مدته يحرز الشرط فيحكم باللحوق بمقضى قاعدة الفراش وهذا بخلاف ما إذا كان الشك في الدخول أو في انقضاء أقل مدة الحمل، فإن مقتضى استصحاب عدم الدخول وعدم الانقضاء هو عدم تحقق الشرط ومعه لا مجال للحكم باللحوق بمقتضى قاعدة الفراش بعد تقييد إطلاقها بما دل على اعتبار الشروط الثلاثة في الالحاق كما هو واضح. ويمكن أن يقال الأخبار المذكورة متعرضة لصورة الشك في الحمل والقاعدة متعرضة للشك في أن الولد للزوج فسواء قلنا بأن قاعدة الفراش مقيد بالدخول أو لم نقل لا يلزم اللغوية لكن لا دليل على التقييد حيث تكون القاعدة متعرضة للحكم الظاهري بقرينة قوله صلى الله عليه وآله " وللعاهر الحجر " والتعرض للحكم الظاهري لا يقيد بالقيود الراجعة

[ 449 ]

إلى الحكم الواقعي بل ليس التقييد بالدخول قيدا بل من جهة عدم تكون الولد عادة بدون الدخول أو ما يقوم مقامه من جذب الرحم الماء، نعم لو أخد الدخول في مفهوم الفراش حيث يفترش الزوج زوجته فلابد من إحراز الدخول وهذا ليس من التقييد حتى يكون الأخذ بالقاعدة مع الشك من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وقد سبق كلام بعض اللغويين فبعضهم قال: معنى " الولد للفراش " الولد لمالك الفراش من الزوج أو المولى، وبعضهم قال " كل من الزوج والزوجة فراش للآخر كما أن كلا منهما لباس للآخر " فعلى هذا يكون القول قول الزوجة في لحوق الولد سواء كان مصب الدعوى كون الولد للزوج أو كان مصبها الدخول وليس المقام من قبيل دعوى ذي اليد ملكية شئ يكون في يده حيث يفصل بين صورة عدم ذكر منشأ الملكية فالقول قوله وبين ذكر المنشأ كان يقول لطرفه اشتريت منك فالقول قول الطرف وينقلب ذو اليد مدعيا لأن الظاهر أن ذا اليد حينئذ تسقط يده عن الاعتبار فتأمل. وجه التأمل أن لازم سقوط اليد عن الاعتبار عدم جواز اشتراء ما في يده بمجرد ذكره منشأ يده لسقوط يده عن الاعتبار والظاهر أن بناء العقلاء على خلافه بل تكون يده أمارة الملكية وليس حاله حال غير ذي اليد، وفي مقامنا لا يسقط قاعدة الفراش عن الاعتبار بدعوى الزوجة الدخول لاعتبار القاعدة معها. ولو اعترف الزوج بالدخول ثم أنكر الولد لم ينتف عنه الولد إلا باللعان لعموم قاعدة " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولو اتهمها بالفجور أو شاهد زناها لم يجزله نفيه ويلحق به الولد للقاعدة المذكورة. ولو نفاه لم ينتف عنه إلا باللعان كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى. ولو اختلفا في مدة الولادة بعد الاتفاق بالدخول فمقتضى القاعدة المذكورة لحوق الولد فالقول قول من يوافق قوله هذه القاعدة لتقدم القاعدة على الأصل في طرف أقل مدة الحمل أو أقصاها. (ولو زنى بامرأة فأحبلها لم يجز إلحاقه به، وإن تزوج بها وكذا لو أحبل أمة غيره بزنى ثم ملكها ولو طلق زوجته فاعتدت وتزوجت غيره وأتت بولد لدون ستة

[ 450 ]

أشهر فهو للأول ولو كان لستة فصاعدا فهو للأخير، ولو لم تتزوج فهو للأول ما لم يتجاوز أقصى الحمل وكذا الحكم في الأمة لو باعها بعد الوطي). أما صورة الزنا بامرأه وإحبالها بالزنى فلا يجوز فيها إلحاق الولد لقوله صلى الله عليه وآله على المحكي: " وللعاهر الحجر " وتجدد الفراش لا يوجب إلحاقه به كما هو واضح وكذا الكلام في صورة إحبال الأمة بالزنى والتملك بعده ولو طلق زوجته فاعتدت وتزوجت غيره وأتت بولد دون ستة أشهر فهو للأول ولو كان لستة فصاعدا فهو للاخير ويدل عليه خبر زرارة " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الرجل إذا طلق امرأته، ثم نكحت وقد اعتدت ووضعت لخمسة أشهر فهو للأول وإن كان ولد أنقص من ستة أشهر فلامه ولأبيه الأول وإن ولدت لستة أشهر فهو للأخير (1) " ومرسل جميل عن أحدهما عليهما السلام " في المرأة تزوج في عدتها قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما جميعا وإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير وإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر فهو للأول (2) ". وفي خبر أبي العباس قال: " إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للاخير وإن كان أقل من ستة أشهر فهو للأول (3) ". وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " إن كان للرجل منكم الجارية يطأها فيعتقها فاعتدت ونكحت، فإن وضعت لخمسة أشهر كان من مولاها الذي أعتقها وإن وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فإنه لزوجه الأخير (4) ". ومن هذا الصحيح ظهر حكم الولد الذي جاءت به الأمة بعد الاعتداد والنكاح ولو باع الأمة بعد الوطي فأتت بولد فإن كان الولد لأقل من ستة أشهر عند المشتري تبين أنه من البايع ويكون البيع باطلا لظهور كونها أم ولد ولم تخرج عن فراش المولى البايع ومقتضى قاعدة " الولد للفراش " كون الولد له وأما لو ولدت لأكثر من سنة فهو للمشتري والبيع صحيح.


(1) (2) (3) التهذيب ج 2 ص 293 و 294. (4) الكافي ج 5 ص 491 والتهذيب ج 2 ص 294

[ 451 ]

ويقع الإشكال في صورة إمكان كون الولد من كل من البايع والمشتري حيث أمكن أن يكون متولدا من البايع فيكون بيع الأمة باطلا لكونها أم ولد، وأمكن أن يكون متولدا من المشتري والأخبار المذكورة غير شاملة لصورة البيع إلا خبر أبي العباس لكنه لم يظهر منه مرجع الضمير هو الحرة أو الأمة. (وولد الموطوءة بالملك يلحق بالمولى ويلزمه الإقرار به، لكن لو نفاه انتفى ظاهرا ولا يثبت بينهما لعان، ولو اعترف به بعد النفي الحق به، وفي حكمه ولد المتعة، وكل من أقر بولد ثم نفاه لم يقبل نفيه، ولو وطئها المولى وأجنبي حكم به للمولى فإن حصل له أمارة يغلب معها الظن أنه ليس منه لم يجز له إلحاقه ولا نفيه بل يستحب أن يوصى له بشئ ولا يورثه ميراث الأولاد). أما لحوق الولد بالمولى مع الوطي فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه صحيح سعيد بن يسار قال: " سألت الكاظم عليه السلام عن الجارية تكون للرجل يطيف بها وهي تخرج فتعلق؟ قال: يتهمه الرجل أو يتهمها أهله، قلت: أما تهمة ظاهرة فلا، قال: إذا لزمه الولد (1) " وسأل الصادق عليه السلام في حديث آخر " عن رجل وقع على جارية له تذهب وتجئ وقد عزل عنها ولم يكن منها إليها شئ فما تقول في الولد؟ قال: أن لا يباع هذا يا سعيد، قال: وسألت أبا الحسن عليه السلام قال: أيتهمها؟ قلت: أما تهمة ظاهرة فلا، قال: فيتهمها أهلك؟ فقلت: أما شئ ظاهر فلا، فقال: فكيف تستطيع أن لا يلزمك الولد (2) ". ولا يخفى أنه مع الاتهام لا يستفاد مما ذكر اللحوق ولزوم الولد به، فقاعدة الفراش يشكل التمسك بها مع احتمال أن يكون المراد من الفراش الزوج. وربما يستفاد مما ذكر عدم لزوم لحوق الولد مع التهمة الظاهرة بالنسبة إلى الأمة لكنه لا يستفاد جواز النفي والانتفاء ظاهرا بنفي المولى بقول مطلق ولا دليل عليه ظاهرا إلا الإجماع المذكور في كلمات الأعلام.


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 297 والكافي ج 5 ص 489

[ 452 ]

وأما عدم اللعان فلاختصاص اللعان بالزوجين ولو اعترف بالولد بعد النفي الحق به لعموم " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " لكنه مع النفي السابق يشكل ترتب بعض الآثار مثل أن يرث من الولد المنفي حيث إنه اعترف بأنه ليس ولده فكيف يرث منه نعم بمقتضى اعترافه بعد النفي يرث الولد منه ولا مانع من التفكيك بين الآثار. وفي حكم ولد الأمة ولد المتعة فلا إشكال في اللحوق ولزوم الاعتراف مع الدخول وعدم العلم بانتفائه عنه وكذا لا إشكال في أنه إذا اعترف به لا يجوز له النفي ويدل على اللحوق ولزوم الاعتراف به قاعدة " الولد للفراش " وعدم الانتفاء مع الاقرار قاعدة " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " وأما انتفاء الولد مع النفي فادعي عليه الاجماع وقد يستشكل في تحقق الاجماع لدعوى الشهرة في موضع من الروضة وذكر خلاف المرتضى - قدس سره -. ويمكن التمسك لعدم الانتفاء بالنفي بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث في المتعة قال: " قلت: أرأيت إن حملت قال: هو ولده (1) " فان ظاهره لحوق الولد سواء نفي أو لم ينف. وفي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: " سأل رجل الرضا عليه السلام عن الرجل يتزوج المرأة متعة ويشترط عليها أن لا يطلب ولدها وتأتي بعد ذلك بولد فينكر الولد فشدد في ذلك فقال: يجحد وكيف يجحد إعظاما لقولك قال: فإن اتهمها قال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مأمونة (2) ". وكل من أقر بولد فليس له نفيه لعموم " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " وتدل عليه الأخبار منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: أيما رجل أقر بولد ثم انتفى منه فليس له ذلك ولا كرامة، يلحق به ولده من امرأته أو وليدته (3) ".


(1) التهذيب ج 2 ص 191 (2) التهذيب ج 2 ص 191 (3) الكافي ج 7 ص 163 والتهذيب ج 2 ص 191 والاستبصار ج 4 ص 185

[ 453 ]

وما رواه في الكافي عن سعد بن سعد في الصحيح قال: " سألت - يعني أبا الحسن الرضا عليه السلام - عن رجل كان له ابن يدعيه فنفاه وأخرجه من الميراث وأنا وصيه فكيف أصنع؟ فقال: لزمه الولد بإقراره بالمشهد، لا يدفعه الوصي عن شئ قد علمه (1) ". وإن وطأ الأمة المولى وأجنبي حكم بالولد للمولى ويدل عليه خبر سعيد الاعرج " سئل الصادق عليه السلام عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الولد؟ قال: للذي عنده الجارية لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر (2) ". ويستفاد من هذا الخبر عدم الاختصاص بالزوج بل يشمل المولى. ولو حصل أمارة يغلب معها الظن بأن الولد ليس له فالمنسوب إلى المشهور أنه ليس له إلحاقه به ولا نفيه بل ينبغي له أن يوصى له بشئ وذكر في المقام نصوص. منها خبر ابن عجلان " أن رجلا من الأنصار أتى أبا جعفر عليهما السلام فقال: قد ابتليت بأمر عظيم إني قد وقعت على جاريتي ثم خرجت في بعض حوائجي فانصرفت إلى الطريق فأصبت غلامي بين رجلي الجارية فاعتزلتها فحملت، ثم وضعت جارية لعدة تسعة الأشهر فقال له أبو جعفر عليهما السلام: إحبس الجارية فلا تبعها وأنفق عليها حتى تموت أو يجعل الله لها مخرجا، فان حدث بك حدث فأوص أن ينفق عليها من مالك حتى يجعل الله لها مخرجا (3) ". ونحوه خبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " أن رجلا من الأنصار أتى أبي - الحديث (4) ". لكن فيه مضافا إلى ذلك " فقال له أبي: لا ينبغي لك أن تقربها ولا أن تبيعها ". وخبر حريز عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل كان يطأ جارية له وأنه كان يبعثها


(1) المصدر ج 5 ص 488 وج 7 ص 64 الاستبصار ج 4 ص 139 (2) الكافي ج 5 ص 491. (3) التهذيب ج 2 ص 297 (4) الكافي ج 5 ص 489 وج 7 ص 165. والفقيه باب ميراث الولد المشكوك فيه

[ 454 ]

في حوائجه وأنها حملت وأنه بلغه عنها فساد؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام إذا ولدت أمسك الولد ولا تبعه، ولا تجعل له نصيبا من دارك، قال: فقيل له: رجل يطأ جاريته وأنه لم يكن يبعثها في حوائجه وأنه اتهمها وحبلت؟ فقال: إذا هي ولدت أمسك الولد ولا يبعه ويجعل له نصيبا من داره وماله وليس هذه مثل تلك " 1) ". وخبر عبد الحميد بن إسماعيل الذي رواه المشايخ الثلاثة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له جارية يطأها وهي تخرج فحبلت فخشي أن لا تكون منه كيف يصنع أيبيع الجارية والولد؟ قال: يبيع الجارية ولا يبيع الولد ولا يورثه من ميراثه شيئا (2) ". وخبر محمد بن إسماعيل الخطاب " كتب إليه يسأله عن ابن عم له كانت له جارية تخدمه وكان يطأها فدخل يوما منزله فأصاب معها رجلا تحدثة فاستراب بها فهدد الجارية فأقرت أن الرجل فجر بها، ثم إنها حبلت فأتت بولد؟ فكتب: إن كان الولد لك أو منه مشابهة فيك " منك خ ل " فلا تبعهما فإن ذلك لا يحل لك، وإن كان الابن ليس منك ولا فيه مشابهة منك فبعه وبع امه (3) ". وخبر يعقوب بن يزيد " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: في هذا العصر رجل وقع على جارية، ثم شك في ولده؟ فكتب إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده " (4). ولا يخفى الاشكال في الأخذ بها مع المخالفة لقاعدة " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ويظهر من هذه الأخبار اعتبار أمارة يغلب معها الظن بأن الولد ليس له، ويستفاد من بعض الأخبار أنه قد يخرج الولد على غاية البعد عن الأب في اللون ونحوه مثل ما رواه في الكافي، عن عبد الله بن سنان، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " أتى رجل من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هذه ابنة عمي وامرأتي لا أعلم إلا خيرا وقد أتتني بولد شديد السواد منتشر المنخرين جعد قطط أفطس الأنف لا أعرف شبهه في أخوالي ولا في أجدادي


(1) الكافي ج 5 ص 489 وج 7 ص 165 (2) الكافي ج 5 ص 489 والتهذيب ج 2 ص 297 والفقيه باب ميراث الولد المشكوك (3) و (4) التهذيب ج 2 ص 297

[ 455 ]

فقال لامرأته: ما تقولين؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما أقعدت مقعده مني منذ ملكني أحد غيره، قال: فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه مليا ثم رفع بصره إلى السماء ثم أقبل على الرجل فقال: يا هذا إنه ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعون عرقا كلها تضرب في النسب فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق تسأل الله الشبه لها فهذا من تلك العروق التي لم يدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك، فقالت المرأة: فرجت عني يارسول الله (1) ". وما رواه في الكافي عن ابن مسكان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن رجلا أتى بامرأة إلى عمر فقال: إن امرأتي هذه سوداء وأنا أسود، وإنها ولدت غلاما أبيض، فقال لمن بحضرته: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن ترجمها فإنها سوداء وزوجها أسود وولدها أبيض، قال: فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه بها لترجم فقال: ما حالكما فحدثاه فقال للأسود: أتتهم امرأتك؟ فقال: لا، قال: فأتيتها وهي طامث؟ قال: قد قالت لي في ليلة من الليالي إني طامث فظننت أنها تتقي البرد، فوقعت عليها فقال للمرأة: هل أتاك وأنت طامث؟ قالت: نعم سله قد حرجت عليه وأبيت، قال: فانطلقا فإنه ابنكما وإنما غلب الدم النطفة فابيض ولو قد تحرك اسود فلما أيفع اسود (2) ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " من نعم الله على الرجل أن يشبهه ولده. قال الصادق عليه السلام: إن الله إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كل صورة بينه وبين آدم، ثم خلقه على صورة إحداهن فلا يقولن أحدكم لولده هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئا من آبائي (3) ". (ولو وطئها البايع والمشتري فالولد للمشتري إلا أن يقصر الزمان عن ستة أشهر، ولو وطئها المشتركون فولدت وتداعوه أقرع بينهم وألحق بمن يخرج اسمه ويغرم حصص الباقين من قيمته وقيمة أمه، ولا يجوز نفي الولد لمكان العزل ولا مع التهمه بالزنا


(1) المصدر ج 5 ص 561 (2) المصدر ج 5 ص 566 (3) الفقيه باب فضل الاولاد تحت رقم 22 و 23

[ 456 ]

والموطوءة بالشبهة يلحق ولدها بالواطي، ولو تزوج امرأة لظنه خلوها من بعل فبانت محصنة ردت على الأول بعد الاعتداد من الثاني وكانت الأولاد للواطي مع الشرائط). أما لحوق الولد بالمشتري مع وطي البايع والمشتري فيدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة - رحمهم الله تعالى - عن الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول وسئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرء رحمها قال: بئس ما صنع يستغفر الله ولا يعود، قلت: فإنه باعها من آخر ولم يستبرء رحمها، ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها ولم يستبرء رحمها فاستبان حملها عند الثالث؟ فقال: أبو عبد الله عليه السلام: " الولد للفراش وللعاهر الحجر (1) ". رواه الشيخ في التهذيب بسند آخر عن الصيقل قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وذكر مثله إلا أنه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للذي عنده الجارية وليصبر لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر (2) ". والمستفاد من الخبرين صدق الفراش في المقام ولابد من التقييد بعدم قصور الزمان عن ستة أشهر ولو وطئه المشتركون فيها ولا ريب في أنهم فعلوا محرما لعدم جواز الوطي لأحد من الشركاء بدون إذن ساير الشركاء إلا أن الولد لاحق بهم بمعنى أنه يختص بأحدهم فالواجب القرعة في تعيين الأب ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا وقع الحر والعبد والمشرك بامرأة في طهر واحد فادعوا الولد أقرع بينهم فكان الولد للذي يخرج سهمه (3) ". وما رواه في الكافي والفقيه عن العاصم بن حميد عن أبي بصير في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما ورد عليك؟ قال: يا رسول الله أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطئوها


(1) الكافي ج 5 ص 491 والتهذيب ج 2 ص 294 (2) التهذيب ج 2 ص 294 والاستبصار ج 3 ص 368 (3) الكافي ج 5 ص 490 والتهذيب ج 2 ص 74

[ 457 ]

جميعا في طهر واحد فولدت غلاما فاختلفوا فيه كلهم يدعيه فأسهمت بينهم وجعلته للذي خرج سهمه وضمنته نصيبهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله تعالى إلا خرج سهم المحق. (1) " ورواه الشيخ عن عاصم بن حميد عن أبي جعفر عليهما السلام مثله (2) ". وما رواه في التهذيب عن معاوية بن عمار في الصحيح والصدوق عنه في الضعيف عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " إذا وطئ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا أقرع الوالي بينهم لمن قرع كان الولد ولده ويرد قيمة الولد على صاحب الجارية - الحديث (3) ". واستشكل في المقام بأنه مع ادعاء كل من الشركاء أن الولد له كيف يأخذ الغرامة ممن خرج القرعة باسمه حيث إنه يعترف بأنه لا يستحق شيئا من باقي الشركاء والولد له وكذا بالنسبة إلى الأم حيث إن الأم يصير أم ولد له، ولا يجوز بيعها فلابد من الضمان لباقي الشركاء. ويمكن أن يقال: لا نسلم جواز الإقرار حتى مع ثبوت خلاف المقر به كما لو قطع تفصيلا بأن الإقرار على خلاف الواقع وإن كان المسلم بينهم نفوذه مع العلم الإجمالي بالمخالفة للواقع كما لو أقر لزيد بعين ثم أقر بها لعمرو حيث يحكمون برد العين إلى زيد ورد المثل أو القيمة إلى عمرو وفيه بحث ليس ههنا محله ففي المقام إذا ثبت بالقرعة أن دعوى غير من خرج القرعة باسمه باطلة بحكم الشرع كيف يؤخذ المقر باقراره؟ هذا لو بنينا على حفظ القواعد وإلا فلا مانع من تخصيصها بالدليل مع ورود النص ثم إن ظاهر الكلمات أنه من خروج القرعة باسم أحد الشركاء يحكم بأن الولد له تكون الأمة أم ولد له ومع تعرض الاخبار لخصوص الولد دون الأم يشكل ما ذكر لأنه مبني على


(1) الكافي ج 5 ص 491 والفقيه باب الحكم بالقرعة تحت رقم 11 (2) المصدر ج 2 ص 74 (3) التهذيب ج 2 ب 294

[ 458 ]

كون القرعة أمارة حتى يثبت اللوازم وإن كانت بمنزلة الأصل لا يثبت به اللوازم. وأما عدم جواز نفي الولد لمكان العزل فادعي عليه الإجماع وقد سبق الكلام فيه وأنه مع احتمال كون الولد من مائه وكذا لا يجوز نفي الولد مع التهمة بالزنا لما سبق. وأما لحوق ولد الموطوءة بالشبهة بالواطي كما في النكاح الصحيح فيدل عليه جملة من الأخبار. منها صحيحة جميل بن دراج في المرأة تزوج في عدتها قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما فإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير وإن جاءت بولد في أقل من ستة أشهر فهو للأول (1) " هكذا في الفقيه ورواه الكليني والشيخ في الضعيف عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام في المرأة - الخ ". وما رواه في الكافي عن زرارة في الموثق قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام - إلى أن قال - قلت: فإن تزوج امرأة ثم تزوج أمها وهو لا يعلم أنها امها؟ قال: قد وضع الله تعالى عنه بجهالة لذلك، ثم قال: إذا علم أنها امها فلا يقربها ولا يقرب البنت حتى تنقضي عدة الام منه، فإذا انقضت عدة الأم حل له نكاح البنت، قلت: فان جاءت الأم بولد؟ قال: هو ولده وأخ أمرته (2) ". ولو تزوج امراة لظنه خلوها عن بعل فبانت محصنة ردت على الأول بعد الاعتداد من الثاني أما الرد على الأول فلعدم خروجها عن الزوجية للاول وفي الخبر " إذا نعى الرجل إلى أهله أو خبروها أنه طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الأول بعد فإن الأول أحق بها من هذا الآخر، دخل بها الأول أو لم يدخل وليس للآخر أن يتزوجها أبدا، ولها المهر من الأخير بما استحل من فرجها (3) ". وأما الاعتداد فلاحترام ماء الثاني حيث إنه ليس بزان ويدل عليه موثق زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " في امرأة فقدت زوجها أو نعى إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك


(1) الفقيه باب النوادر من كتاب النكاح تحت رقم 24 والتهذيب ج 2 ص 202 (2) المصدر ج 5 ص 431 (3) التهذيب ج 2 ص 250 الاستبصار ج 3 ص 190. الكافي ج 6 ص 150

[ 459 ]

فطلقها؟ قال: تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة، وليس للآخر أن يتزوجها أبدا " (2). وكانت الأولاد للواطي مع الشرائط من الولادة بعد مضي أقل المدة إلى الأقصى بعدم التجاوز عنها. (ويلحق بذلك أحكام الولادة وسننها استبداد النساء بالمرأة وجوبا إلا مع عدمهن ولا بأس بالزوج وإن وجدن. ويستحب غسل المولود والأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى، وتحنيكه بتربة الحسين عليه السلام وبماء الفرات، ومع عدمه بماء فرات ولو لم يوجد إلا ماء ملح خلط بالعسل أو التمر ". أما حضور من علم بحال المرأة عند الولادة فقيل بوجوبه من جهة خوف التلف لولا الحضور. ووجوب استبداد النساء قيل: إنه من جهة ملازمة اطلاع الرجال حتى المحارم لما يحرم عليهم من النظر إلى العورة وغيرها ومسها وسماع الصوت وربما يرشد إلى ذلك ما دل من نص وفتوى على قبول شهادة النساء منفردات بالولادة والاستهلال ونحوهما، نعم مع فرض عدم من يقوم بحاجتها من النساء يجب على الرجال وينبغى تقديم المحارم ولا يخفى إمكان الخدشة فيما ذكر لأن خوف التلف غير غالب ومع الخوف لا يرفع بحضور من علم بحاله بل يراجع إلى القوابل. وكما يحرم النظر للرجل إلى العورة كذلك يحرم على المرأة وسماع صوتها لا دليل على حرمته، وأخذ الولد حال الوضع لا يلازم النظر ولا المس، بل يمكن من وراء الستر، نعم لا إشكال في أن استبداد النساء أوفق بحال المرأة حتى بالنسبة إلى الزوج. وأما استحباب غسل المولود فلما ذكره الفقهاء في باب الأغسال من استحباب الغسل بضم الغين المعجمة ولعله الظاهر من الأخبار وربما يحتمل الفتح ويدل عليه قوله عليه السلام على المحكي في موثقة سماعة في تعداد الاغسال و " غسل المولود واجب (1) " والمشهور فيه الاستحباب، وعن المعتبر رمي القول بالوجوب بالشذوذ، وعن المنتهى بالمتروكية ولا


(1) التهذيب ج 2 ص 202 (2) الكافي ج 3 ص 40

[ 460 ]

يخفى أن الذكر في ضمن الأغسال لا يدل على كون الغسل بالضم كسائر الأغسال المستحبة. وأما استحباب أن يؤذن في اذنه اليمنى ويقام في اليسرى فيدل " عليه أخبار منها ما عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ولد له مولود فليؤذن في اذنه اليمنى بأذان الصلاة وليقيم في اليسرى فإنه عصمة من الشيطان الرجيم " (1). وروى في الفقيه مرسلا قال: " قال الصادق عليه السلام: المولود إذا ولد يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى ". وأما استحباب التحنيك بماء الفرات وتربة الحسين عليه السلام فيدل عليه ما رواه في الكافي عن بعض أصحابه عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " يحنك المولود بماء الفرات ويقام في أذنه " (2) قال: وفي رواية أخرى " حنكوا أولادكم بماء الفرات وتربة الحسين عليه السلام وإن لم يكن فبماء السماء (4) ". وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال: أمير المؤمنين عليه السلام: حنكوا أولادكم بالتمر هكذا فعل النبي صلى الله عليه واله بالحسن والحسين عليهما السلام (4) ". وفي كتاب الفقه الرضوي عن الرضا عليه السلام " التحنيك بالعسل ". والظاهر أن الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم أخذوا من كلام الصدوقين. (ويستحب تسمية الأسماء المستحسنة وأن يكنيه ويكره أن يكنى محمدا بأبي القاسم وأن يسمى حكما أو حكيما أو خالدا أو حارثا أو مالكا أو ضرارا، يستحب حلق رأسه يوم السابع مقدما على العقيقة والتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة ويكره القنازع ". والأخبار الواردة في المقام منها ما رواه في الكافي عن ثعلبة بن ميمون، عن رجل،


(1) الكافي ج 6 ص 24 (2) و (3) و (4) الكافي ج 6 ص 24

[ 461 ]

عن أبي جعفر عليهما السلام: " أصدق الأسماء ما سمى بالعبودية وأفضلها أسماء الأنبياء (1) " وعن موسى بن بكر عن أبي الحسن عليه السلام قال: " أول ما يبر الرجل ولده أن يسميه باسم حسن، فليحسن أحدكم أسم ولده (2) ". وعن عبد الله بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: استحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة: قم يا فلان بن فلان إلى نورك، قم يا فلان بن فلان إلى نورك (3) ". وعن سليمان بن جعفر الجعفري قال: " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لا يدخل الفقر بيتا فيه اسم محمد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمة من النساء (4) ". ويستفاد من بعض الأخبار استحباب التسمية قبل الولادة وإلا فبعد الولادة حتى السقط فروي في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده عليهم السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام " سموا أولادكم قبل أن يولدوا فإن لم تدروا أذكر أو أنثى فسموهم بالأسماء التي تكون للذكر والانثى فإن أسقاطكم إذا لقوكم في القيامة ولم تسموهم يقول السقط لأبيه: ألا سميتني وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله محسنا قبل أن يولد (5) ". وأما استحباب أن يكنى الولد فقد ذكر فيه قول الباقر عليه السلام على المحكي في خبر معمر بن خثيم إنا نكنى أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم (6) ". وفي خبر السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام " من السنة أن يكنى الرجل باسم ابنه (7) ". وأما كراهة أن يكنى محمدا بأبي القاسم فلخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " إن النبي صلى الله عليه واله نهى عن أربع كنى: عن أبي عيسى وعن أبي الحكم وعن أبي مالك


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 18 (3) و (4) الكافي ج 6 ص 19 (5) المصدر ج 6 ص 18 (6) الكافي ج 5 ص 20 والنبز: اللقب السوء (7) الكافي ج 6 ص 20 و 21

[ 462 ]

وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمدا (1) " وقد يستظهر أن القيد للأخير. وأما كراهة أن يسمى حكيما - الخ " فلخبر حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا بصحيفة حين حضره الموت يريد أن ينهى عن أسماء يتسمى بها فقبض ولم يسمها منها الحكم وحكيم وخالد ومالك (2) ". وفي خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام " إن أبغض الأسماء إلى الله سبحانه حارث ومالك وخالد (3) ". وقال أبو جعفر عليهما السلام عن المحكي في خبر جابر المروي عن الخصال قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا إن خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن وحارثة وحمام، وشر الاسماء ضرار ومرة وحرب وظالم (4) ". وأما استحباب حلق رأسه فيدل عليه ما رواه في الكافي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في المولود قال: " يسمى في اليوم السابع، ويعق عنه ويحلق رأسه، و يتصدق بوزن شعره فضة، ويبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك ويطعم منه ويتصدق (5) ". وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا ولد لك غلام أو جارية فعق عنه يوم السابع شاة أو جزورا، وكل منهما، وأطعم وسم واحلق رأسه يوم السابع، وتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة، وأعط القابلة طائفا من ذلك فإي ذلك فعلت فقد أجزأك (6) ". وأما كراهة القنازع فيدل عليها ما رواه في الكافي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال: أمير المؤمنين عليه السلام: لا تحلقوا الصبيان القزع - والقزع أن يحلق موضعا ويدع موضعا (7) ". (ويستحب ثقب أذنه وختانه فيه، ولو أخر جاز، ولو بلغ وجب عليه الاختتان


(1) و (2) و (3) الكافي ج 6 ص 20 و 21 (4) الخصال باب الاربعة. (5) الكافي ج 6 ص 29 (6) الكافي ج 6 ص 28 (7) الكافي ج 6 ص 40.

[ 463 ]

وخفض الجارية مستحب، وأن يعق عنه فيه أيضا ولا تجزئ الصدقة بثمنها، ولو عجز. توقع المكنة، ويستحب فيها شروط الأضحية، وأن تخص القابلة بالرجل والورك ولو كانت ذمية اعطيت ثمن الربع. ولو لم تكن قابلة تصدقت به الأم، ولو لم يعق الوالد استحب للولد إذا بلغ ولو مات الصبي في السابع قبل الزوال سقطت، ولو مات بعد الزوال لم يسقط الاستحباب، ويكره أن يأكل منها الوالدان وأن يكسر شئ من عظامها، بل يفصل مفاصل الأعضاء). أما استحباب ثقب الأذن فيدل عليه جملة من الأخبار منها ما رواه الكافي عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن ثقب اذن الغلام من السنة وختانه لسبعة أيام من السنة (1) ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ثقب الأذن من السنة وختان الغلام من السنة (2) ". وأما استحباب الختان في اليوم السابع فيدل عليه رواية المسعدة المذكورة ويدل عليه أيضا ما رواه في الكافي عنه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اختنوا أولادكم بسبعة أيام فإنه أطهر وأسرع لنبات اللحم وإن الأرض لتكره بول الأغلف (3) ". وعن علي بن يقطين في الصحيح قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن ختان الصبي لسبعة أيام من السنة هو أو يوخر وأيهما أفضل؟ قال: لسبعة أيام من السنة وإن أخر فلا باس (4) ". ثم إنه لا خلاف ظاهرا في أنه يجب الاختتان بعد البلوغ وإنما الخلاف فيما قبله، فذهب الأكثر إلى أنه كغيره من التكاليف التي لا تجب إلا بالبلوغ، والأصل براءة ذمة الولي من هذا التكليف ونقل عن العلامة - قدس سره - في التحرير أنه قال: " ولا يجوز


(1) المصدر ج 6 ص 35 (2) المصدر ج 6 ص 36 (3) الكافي ج 6 ص 35 (4) المصدر ج 6 ص 36.

[ 464 ]

تأخيره إلى البلوغ " ويشكل استفادة هذا من الأخبار إلا أن يقال: يستفاد مما روي في كتاب عيون أخبار الرضا صلوات الله عليه بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام أنه كتب إلى المأمون " والختان سنة واجبة للرجال ومكرمة للنساء (1) " الوجوب المطلق بنحو الوجوب الكفائي لا الوجوب على خصوص من يختتن حتى يقال: قبل البلوغ لا يجب كساير التكاليف إلا أن يستشكل احتمال كون الوجوب بمعنى الثبوت لا بمعنى اللزوم. وأما استحباب خفض الجارية فيدل عليه ما رواه في الكافي، عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ختان الغلام من السنة، وخفض الجواري ليس من السنة (2) ". وعن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خفض النساء مكرمة ليست من السنة ولا شيئا واجبا وأي شئ أفضل من المكرمة (3) ". وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: الختان سنة في الرجال ومكرمة في النساء (4) ". وأما العقيقة فاختلف في وجوبها واستحبابها والمشهور الثاني. وإلى الأول ذهب السيد المرتضى وابن الجنيد - رحمهما الله - والأخبار الواردة منها ما رواه في الكافي والفقيه عن علي بن أبي حمزة، عن العبد الصالح عليه السلام قال: " العقيقة واجبة إذا ولد للرجل فإن أحب أن يسميه من يومه فعل (5) ". وما رواه في الكافي عن علي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " العقيقة واجبة (6) ". وعن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل مولود مرتهن بالعقيقة (7) " وما رواه في الفقيه مرسلا قال: في رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام: (كل


(1) العيون ص 267 (2) و (3) و (4) المصدر ج 6 ص 37 والتهذيب ج 2 ص 33 (5) الكافي ج 6 ص 24 والفقيه باب العقيقة تحت رقم 4 (6) و (7) المصدر ج 6 ص 24 و 25

[ 465 ]

إنسان مرتهن بالفطرة، وكل مولود مرتهن بالعقيقة (1) ". وما رواه في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل مولود مرتهن بعقيقته (2) ". وعن أبي بصير في الموثق أو الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن العقيقة أواجبة هي، قال: نعم هي واجبة (3) ". وما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان، وفي الفقيه عن عمر بن يزيد في الصحيح قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني والله ما أدرى كان أبي عق عني أو لا، قال: فأمرني أبو عبد الله عليه السلام فعققت عن نفسي وأنا شيخ. وقال عمر: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل امرء مرتهن بعقيقته والعقيقة أوجب من الأضحية (4) ". فذهب الشيخ ومن تأخر عنه إلى الاستحباب واستدل العلامة في المختلف بعد اختيار الاستحباب بأصالة البراءة وحمل روايتي علي بن أبي حمزة وأبي بصير على شدة الاستحباب. ويمكن أن يقال: عمدة ما يمكن أن يستدل به للوجوب المصطلح بين الفقهاء بمعنى اللزوم التعبير بالوجوب في الأخبار المذكورة ونوقش باحتمال إرادة الثبوت من الوجوب، ويمكن دفع هذه المناقشة ببعد إرادة الثبوت في خبر عمر حيث قال عليه السلام على المحكي: " والعقيقة أوجب من الأضحية ". فالأولى أن يقال: يظهر من هذا التعبير أن الأضحية واجبة والعقيقة أوجب فإذا علمنا بأن الوجوب في الاضحية بمعنى الاستحباب فالعقيقة أشد استحبابا من الأضحية ظاهرا. ويؤيد هذا ما ورد في موثقة سماعة قال: " سألته عن رجل لم يعق عن ولده حتى


(1) المصدر الباب تحت رقم 2 (2) المصدر الباب تحت رقم 5 (3) الكافي ج 6 ص 25 (4) الكافي ج 6 ص 25 والفقيه باب العقيقة تحت رقم 3 و 1 والتهذيب ج 2 ص 237.

[ 466 ]

كبر وكان غلاما شابا أو رجلا قد بلغ، قال: إذا ضحى عنه أو ضحى الولد عن نفسه فقد أجزء عن العقيقة (1) ". وموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها " وإن لم يعق عنه حتى ضحى فقد أجزء " (2). حيث إنه يستبعد جدا إجزاء الأضحية المستحبة عن الواجب حيث يقال: لا نظير له في الاحكام الشرعية ويمكن أن يقال: التزم بعض الفقهاء بكفاية الغسل المستحب عن غسل الجنابة وإن لم ينو الجنابة. وأما عدم إجزاء الصدقة بثمنها فلما رواه في الكافي في الحسن عن محمد بن مسلم قال: " ولد لأبي جعفر عليهما السلام غلامان فأمر زيد بن علي أن يشتري له جزورين للعقيقة وكان زمن غلاء، فاشترى له واحدة وعسرت عليه الأخرى فقال لأبي جعفر عليهما السلام عسرت علي الأخرى فتصدق بثمنها، فقال: لا اطلبها حتى تقدر عليها فان الله يحب إهراق الدماء وإطعام الطعام (3) ". وعن ابن بكير في الموثق قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فجاء رسول عمه عبد الله بن علي، فقال له: يقول: عمك إنا طلبنا العقيقة فلم نجدها فما ترى نتصدق بثمنها، قال: لا إن الله يحب إطعام الطعام وإراقة الدماء (4) ويظهر من الرواية الأولى توقع المكنة. وأما استحباب شروط الأضحية فهو المعروف وقد يراد الاستفادته مما في خبر عمر ابن يزيد من قوله عليه السلام على المحكي " والعقيقة أوجب من الأضحية ". وما في الموثق عن الصادق عليه السلام " يذبح عنه - أي المولود - كبش وإن لم يوجد كبش أجزأه ما يجزى في الأضحية، وإلا فحمل اعظم ما يكون من حملان السنة (5) ".


(1) التهذيب ج 2 ص 238 (2) الكافي ج 6 ص 29 (3) و (4) الكافي ج 6 ص 25 (5) الفقيه باب العقيقة تحت رقم 5 والكافي ج 6 ص 28

[ 467 ]

وما في النصوص من أنه " إذا ضحى أو ضحى عنه فقد أجزأه عن العقيقة ". ويشكل استفادة الاستحباب مما ذكر كما لا يخفى. وأما اختصاص الرجل والورك بالقابلة فيدل عليه ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " في المولود يسمى في اليوم السابع ويعق عنه - إلى أن قال -: و يبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك فيطعم منه ويتصدق (1) ". وفي موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام " ويعطى القابلة ربعها وإن لم يكن قابلة فلامه تعطيه من شاءت - إلى أن قال - وإن كانت القابلة يهودية لا تأكل من ذبيحة المسلمين أعطيت قيمة ربع الكبش (2) ". والمستفاد من هذه الموثقة استحباب إعطاء الربع القابلة وإن كانت يهودية تعطى قيمة الربع. ولا تعرض لغير اليهودية من النصرانية أو المجوسية إن عدت من أهل الذمة. ومع عدم القابلة تعطى الأم من شاءت. وأما استحباب أن يعق الولد لو لم يعق الوالد فيستفاد من خبر عمر بن يزيد المتقدم. وأما سقوط العقيقة لو مات الصبي في اليوم السابع قبل الزوال فيدل عليه خبر إدريس بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن مولود يولد فيموت يوم السابع يعق عنه؟ قال: إن مات قبل الظهر لم يعق عنه وإن مات بعد الظهر عق عنه (3) ". وأما كراهة أكل الوالدين منها فلقول الصادق عليه السلام على المحكي: " لا يأكل هو ولا أحد من عياله من العقيقة، وقال: وللقابلة ثلث العقيقة فإن كانت القابلة أم الرجل أو في عياله فليس لها منه شئ، وتفصل أعضاء ثم يطبخها ويقسمها ولا يعطيها إلا أهل الولاية، وقال: يأكل من العقيقة كل أحد إلا الأم (4) ". ويظهر من هذه الرواية تأكد الكراهة بالنسبة إلى الأم وفي خبر يحيى بن أبي


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 29 (3) الكافي ج 6 ص 39 (4) الكافي ج 6 ص 32.

[ 468 ]

العلاء عن الصادق عليه السلام في حديث عقيقة الرسول صلى الله عليه وآله عن الحسن والحسين عليهما السلام قال: " وعقق عنهما شاة وبعثوا برجل شاة إلى القابلة ونظروا ما غيره فأكلوا منه واهدوا إلى الجيران - الحديث (1) ". واما كراهة كسر عظامها فربما استفيدت من قوله الصادق على المحكي يفصل أعضاء (2) ". وقوله " واقطع العقيقة جداول فاطبخها وادع عليها رهطا من المسلمين (3) ". وقد منع من استفادتها خصوصا بعد ملاحظة خبر عمار " سئل عن العقيقة إذا ذبحت هل يكسر عظمها؟ قال: نعم يكسر عظمها ويقطع لحمها؟ وتصنع بها بعد الذبح ما شئت (4) ". وقيل: ورد في بعض النصوص النهي عن الكسر ومع عدم الكسر يفصل مفاصل الاعضاء. (ومن التوابع الرضاع والحضانة، أفضل ما رضع لبن أمه، ولا تجبر الحرة على إرضاع ولدها ويجبر الأمة مولاها وللحرة الاجرة على الأب إن اختارت إرضاعه، وكذا لو أرضعته خادمتها. ولو كان الأب ميتا فمن مال الرضيع). المعروف أنه أفضل ما يرضع به الصبي لبن امه ويدل عليه ما رواه في الكافي عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما من لبن يرضع به الصبي أعظم عليه بركة من لبن أمه (5) ". وأما عدم إجبار الحرة على الإرضاع وإجبار الأمة عليه فيدل عليهما ما رواه في الكافي، عن سليمان بن داود المنقري قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرضاع قال:


(1) الكافي ج 6 ص 33 (2) التهذيب ج 2 ص 238 (3) التهذيب ج 2 ص 237 (4) الفقيه باب العقيقة تحت رقم 12 (5) المصدر ج 6 ص 40

[ 469 ]

لا يجبر المرأة على إرضاع الولد ويجبر أم الولد (1) ". واستدل أيضا بقوله عز وجل " فإن أرضعن لكم فآتوهن اجورهن فإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ". واستشكل بأن مورد الآية كما ينادى به سياق الكلام إنما هو المطلقة البائن و عدم الوجوب هنا مما لا خلاف فيه، ويمكن أن يقال: استحقاق الأجرة لا ينافي الوجوب كما في الواجبات الكفائية، وبعبارة اخرى إن كان شئ واجبا على المكلف مجانا وبلا عوض لا يستحق العوض وإن كان الواجب الجامع بين ما كان بلا عوض وما كان مع العوض لا ينافي استحقاق العوض. وأما أمة المولى فللمولى إجبارها على الإرضاع لأن جميع منافعها للمولى ومع اختيار الأم إرضاع الولد فمع الارضاع بلا قصد أخذ الأجرة لا إشكال ومع قصد أخذ الأجرة يقع الكلام في أن الأجرة على الأب ولو كان للولد مال أو كان الأب معسرا أو يكون الأجرة على الأب بالخصوص في صورة عدم وجود المال للولد وكون الأب موسرا الظاهر الثاني لاندراج اجرة الإرضاع في النفقة الواجبة على الأب مع عدم المال للولد وإيسار الأب، ولم يظهر من الآية الشريفة وجوب الأجرة على الأب من ماله، بل يمكن وجوبها من مال الولد ومع عدم المال للأب والولد يتعلق التكليف بالأم بإرضاع الولد بلا اجرة أو إعطائها الأجرة لمرضعة أخرى ويكون من باب نفقة الأقارب وكذا الكلام في إرضاع خادمة الأم. ولو كان الأب ميتا يعطى الأجرة من مال الولد من يلي أمره لوجوب حفظه ومع عدم المال يتعين على الأم كما ذكر. (ومدة الرضاع حولان، ويجوز الاقتصار على أحد وعشرين شهرا لا أقل، والزيادة بشهر أو بشهرين لا أكثر، ولا يلزم الوالد اجرة ما زاد عن حولين، والأم أحق بإرضاعه إذا تطوعت أو قنعت بما تطلب غيرها، ولو طلبت زيادة عن ما قنع غيرها فللأب نزعه واسترضاع غيرها).


(1) المصدر ج 6 ص 41.

[ 470 ]

أما تحديد مدة الرضاع بحولين فيدل عليه قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ليس للمرأة أن تأخذ في رضاع ولدها أكثر من حولين كاملين فإن أراد الفصال قبل ذلك عن تراض منهما فهو حسن (1) ". وأما جواز الاقتصار على أحد وعشرين شهرا فاستدل له بقوله تعالى: " وحمله وفصاله ثلثون شهرا) فإذا حملت به تسعة أشهر كما هو الغالب كان الباقي للرضاع أحدا وعشرين شهرا. وما رواه في التهذيب عن عبد الوهاب بن الصباح قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: الفرض في الرضاع أحد وعشرون شهرا، فما نقص من أحد وعشرين شهرا فقد نقص المرضع فإن أراد أن يتم الرضاعة له فحولين كاملين (2) ". وما رواه في الكافي عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الرضاع أحد وعشرون شهرا فما نقص فهو جور على الصبي (3) ". ولا يبعد الجمع بين هذين الخبرين والصحيح المذكور بتخصيص النقصان في الصحيح بما ذكر في الخبرين. وأما الزيادة على الحولين بشهر أو شهرين لا أكثر فهو المعروف وقيل: إنه مروي ولم نعثر على خبر يدل على ذلك، نعم روى الكليني وابن بابويه في الصحيح عن سعد ابن سعد الأشعري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " سألته عن الصبي هل يرتضع أكثر من سنتين فقال: عامين، قلت: فإن زاد على سنتين هل على أبويه من ذلك شئ؟ قال: لا (4) ".


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 277 (2) المصدر ج 6 ص 40 (4) الكافي ج 6 ص 41.

[ 471 ]

وقد يستظهر من هذا الصحيح جواز الزيادة على الحولين مطلقا ويمكن أن يقال: لعل التعبير بالزيادة لا يشمل كل زيادة بلغت ما بلغت، وقد يستند في المنع بحرمة فضلات غير المأكول ولا يخفى الاشكال فيه حيث إن لازمه حرمة اللبن بالنسبة إلى الرضيع أيضا والترخيص للولد مدة معينة اضطرارا. وأما عدم لزوم اجرة ما زاد على الحولين على الوالد فلان الحولين منتهى الرضاعة بحسب الآية الشريفة والواجب على الأب اجرة الرضاع مع يسره وعدم المال للولد بمقتضى قوله تعالى " فآتوهن اجورهن " وقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ". واستشكل في المقام بأنه لا معنى لعدم استحقاق المرأة الأجرة للزائد الذي هو بمنزلة النفقة الضرورية الذي تجب على الوالد بعد حمل النصوص على الغالب واجيب بالفرق بين الأجرة المضرورية " المضروبة " على الأب في الحولين وبين الأجرة بعد الحولين فإن الأولى مضروبة على الأب ولو مع عدم رضى الأب وعدم تحقق معاملة بين الزوجة والأب وعدم رضى الأب بإرضاعها بل الأب ملزم بحكم الشرع بخلاف الثانية حيث إنها محتاجة إلى المعاملة وتراضي الطرفين. ويمكن أن يقال: لا مانع من رجوع المرضعة إذا لزم إرضاعها للولد إلى اجرة المثل ولو كان الأب غير راض أو كان غائبا إذا لم تقصد الإرضاع بلا اجرة من جهة وجوب النفقة على الأب إذا لم يكن للولد مال، نظير لزوم حفظ الدابة المستأجرة مع غيبة مالكها. وأما أحقية الأم مع التطوع أو القناعة بما يطلب غيرها فلا خلاف فيها ظاهرا ويدل عليها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: المطلقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها وهي أحق بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أخرى يقول الله تعالى " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك " لا يضار بالصبي ولا يضار بامه في رضاعه وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين فإذا أراد

[ 472 ]

الفصال قبل ذلك عن تراض منهما كان حسنا والفصال هو الفطام (1) ". وما رواه الشيخ عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا طلق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتى تضع حملها فإذا أرضعته أعطاها أجرها ولا يضارها إلا أن يجد من هو أرخص منها فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحق بلبنها حتى تفطمه (2) ". وعن فضل بن أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها: أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من يرضعه فهى أحق به (3) ". (وأما الحصانة فالأم أحق بالولد بمدة الرضاع إذا كانت حرة مسلمة وإذا فصل فالحرة أحق بالبنت إلى سبع سنين، وقيل: إلى تسع سنين. والأب أحق بالإبن ولو تزوجت الأم سقطت حضانتها. ولو مات الأب فالأم أحق به من الوصي، وكذا لو كان الأب مملوكا أو كافرا كانت الأم الحرة أحق به ولو تزوجت، فإن أعتق الأب فالحضانة له). الحضانة لغة بمعنى الحفظ والصيانة وقيل في اصطلاح الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - الولاية والسلطنة على تربية الطفل وما يتعلق بها من مصلحة حفظه وجعله في سريره وكحله وتنظيفه ونحو ذلك، وأورد عليه بأن الحضانة لو كانت ولاية على تربيته فاللازم أن لا تسقط بإسقاط الأم وتجب عليها مراعاة ذلك على وجه لا تستحق عليها الأجرة كما هو الشأن في غيرها من الولايات مع أنه ليس في شئ من الأدلة ما يقتضي ذلك بل فيها ما يقتضي خلافه كالتعليق على مشيتها والتعبير بالأحقية بل ظاهرها كون هذه الأحقية مثل الأحقية في الرضاع وحينئذ لا يكون ذلك واجبا عليها ولها إسقاطها ومطالبة الأجرة عليه، ويمكن أن يقال: الظاهر أن الحضانة بمعناه اللغوى والعرفي والمستفاد من الأدلة


(1) الفقيه باب طلاق الحامل تحت رقم 2. (2) التهذيب ج 2 ص 277 (3) التهذيب ج 2 ص 284 و 277.

[ 473 ]

ولاية الأب والأم عليها في الجملة وليس الحضانة نفس الولاية، بل الولاية ثابتة على الحصانة فمع عدم قيام الأم لا تسقط ولايتها بل تثبت للأب كما أنه مع عدم قيام الأب تكون لغيرهما نظير الولاية بالنسبة إلى الصغير حيث إنها ثابتة للأب والجد ومع عدم قيامهما ثابتة للحاكم ومع عدم قيام الحاكم لمانع تثبت لعدول المؤمنين ولا تدل الأدلة على خلاف ما ذكر، والمشهور بين الأصحاب أن الأم أحق بالولد ذكرا كان أو انثى مدة الرضاعة أي الحولين وبعد انقضائها يكون الأب أحق بالذكر والأم أحق بالأنثى حتى تبلغ سبع سنين فلننقل الأخبار الواردة. فمنها صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الحلبي المطلقة ينفق عليها حتى تضع حملها وهي أحق بولدها حتى ترضعه بما تقبله امرأة اخرى، إن الله تعالى يقول: " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده (1) ". وخبر الكناني عنه عليه السلام أيضا " إذا طلق الرجل امرأته وهي حبلى أنفق عليها حتى تضع حملها، فإذا أرضعته أعطاها أجرها لا يضارها إلا أن يجد من هو أرخص أجرا منها فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحق بابنها حتى تفطمه (2) ". وخبر فضل بن أبي العباس البقباق قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل أحق بولده أو المرأة؟ قال: لا بل الرجل فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها: أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من يرضعه فهي أحق به (3) ". ومنها صحيح أيوب بن نوح قال: " كتب إليه بعض أصحابه إنه كانت لي امرأة ولي منها ولد وخليت سبيلها؟ فكتب: المرأة أحق بالولد إلى أن يبلغ سبع سنين إلا أن تشاء المرأة (4) ". وصحيحة الآخر قال: " كتب إليه - يعني بشار بن بشير - جعلت فداك رجل تزوج


(1) (2) الكافي ج 6 ص 103 (2) التهذيب ج 2 ص 276 والاستبصار ج 3 ص 320 (4) الفقيه باب الولد يكون بين والديه تحت رقم 4.

[ 474 ]

امرأة فولدت منه ثم فارقها من يجب له أن يأخذ ولده؟ فكتب عليه السلام: إذا صار له سبع سنين فإن أخذه فله وإن تركه فله (1) ". ومنها مرسل المنقري قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يطلق امرأته وبينهما ولد أيهما أحق بالولد؟ قال: المرأة أحق بالولد ما لم تتزوج (2) ". ومنها خبر داود بن حصين عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن " قال: ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية فإذا فطم فالأب أحق به من الأم فإذا مات الأب فالأم أحق به من العصبة فإن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم وقالت الأم: لا أرضعه إلا بخمسة دراهم فإن له أن ينزعه منها إلا أن ذلك خير له وأرفق له أن يذره مع أمه (3) ". ولا يخفى عدم استفادة ما ذهب المشهور إليه من التفصيل بين الذكر والأنثى بعد الحولين وقد يقال: مقتضى الجمع العرفي وهو حمل الظاهر على النص والأظهر هو حمل ما دل على استحباب وضع الولد عند الأم إلى السبع وكراهة أخذه منها قبله لصراحة ما دل على الحولين في جواز أخذه منها بعد الحولين بخلاف ما دل على السبع فإنه ظاهر في حرمة أخذه منها. ويمكن أن يقال: هذا الجمع يوجب الجمع بين الوجوب والاستحباب حيث إن السبع بعضها أعني الحولين يجب وضع الولد فيهما عند الأم والسنين الباقية يستحب وضع الولد عندها فيها، والجمع بهذا النحو ليس بعزيز لكن يتوجه إشكال آخر وهو أن خبر داود بن حصين صريح في أنه ما دام الولد في الرضاع يكون بين الأبوين بالسوية فكيف يجمع ما دل على اختصاص الحضانة في الحولين بالأم إلا أن يقال: ولاية الحضانة في الحولين مع قطع النظر عن هذا الخبر للأب باقية، ولذا كان له أن ينزع الولد


(1) السرائر ص 471 (2) و (3) الكافي ج 6 ص 45 والتهذيب ج 2 ص 276 والفقيه باب الولد يكون بين والديه تحت رقم 1 و 2 واللفظ له.

[ 475 ]

منها، ولا ينافي هذه الولاية لزوم وضع الولد عند الأم في الحولين إلا في صورة الاختلاف في الأجرة. وأما سقوط حق الحضانة للأم مع تزوجها فيدل عليه مرسل المنقري المذكور وبهذا المضمون روى عن حفص بن غياث أو غيره. (1) وأما أحقية الأم مع موت الأب من الوصي فهي المعروفة في كلماتهم ولم يستند إلى رواية. وأما اشتراط الحرية في الأم في أحقيتها بالولد فاستدل عليه بما رواه في الكافي في الموثق عن جميل وابن بكير جميعا " في الولد من الحر والمملوكة قال: يذهب إلى الحر منهما (2) ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن داود الرقي قال: " سألت أ با عبد الله عليه السلام عن امرأة حرة نكحت عبدا فأولدها أولادا ثم إنه طلقها فلم تقم مع ولدها فتزوجت فلما بلغ العبد أنها تزوجت أراد أن يأخذ ولده منها وقال: أنا أحق بهم منك إذا تزوجت، فقال: ليس للعبد أن يأخذ منها ولدها، وإن تزوجت حتى يعتق، هي أحق بولدها منه ما دام مملوكا فإذا اعتق فهو أحق بهم منها (3) ". وما رواه الصدوق في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أيما امرأة حرة تزوجت عبدا فولدت منه أولادا فهي أحق بولدها منه وهم أحرار، فإذا اعتق الرجل فهو أحق بولده منها لموضع الأب (4) ". وبأن المملوكة لا تقدر على شئ، هذا مع التأييد بأن منافع الأمة مملوكة للسيد المقدم حقه على غيره.


(1) الفقيه الباب تحت رقم 2 (2) المصدر ج 5 ص 492 (3) الكافي ج 6 ص 45 والتهذيب ج 2 ص 276 (4) الفقيه باب الولد يكون بين والديه تحت رقم 3.

[ 476 ]

ويمكن أن يقال: أما موثق جميل وابن بكير فلا ظهور له لما نحن فيه لاحتمال أن يكون النظر إلى حرية الولد من جهة حريه أحد أبويه، وأما الخبران الآخران فراجعان إلى الزوج المملوك لا إلى الزوجة فلابد من دعوى القطع بعدم الفرق بين الزوج والزوجة. وأما مسلوبية القدرة للمملوك فليست بنحو لا تقبل التخصيص فإنهم قائلون بأن الطلاق بيد المملوك، وعموم ما دل على أن الأم أحق بالولد في حولي الرضاع يشمل المملوكة. وأما ما ذكر من تقدم حق المولى فلا يوجب سلب أحقية الأم حيث إن تزوجها كان بإذن المولى ومن لوازم الزوجية حق الحضانة بحسب عموم الدليل فهذا كحق الزوج من جهة الاستمتاع بها فإن تم الإجماع وإلا يشكل الحكم. وأما اشتراط الإسلام فاستدل له بأن حق الحضانة ولاية ومع كون الولد بحكم المسلم من جهة إسلام أبيه لا ولاية لها عليه، فإن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بمقتضى الآية الشريفة. ويمكن أن يقال: ليس كل حق بالنسبة إلى المسلم ولاية بالنسبة إليه ألا ترى أن العبد المسلم المملوك للكافر إذا كان إسلامه بعد مملوكيته له يكون مملوكا له ما لم يبع ومنافعه ملكا له، والآية الشريفة لا توجب نفيها وليس هذا تخصيصا بالنسبة إليها لإباء الآية الشريفة عن التخصيص فلا مانع من كون حق الحضانة من هذا القبيل إلا أن يتم الإجماع على الاشتراط فإن أعتق الأب المملوك فالحضانة له إن قلنا باشتراط الحرية. (النظر الخامس في النفقات، وأسبابها ثلاثة: الزوجية والقرابة والملك، أما الزوجية فيشترط في وجوب نفقتها شرطان: العقد الدائم، فلا نفقة لمستمتع بها. والتمكين الكامل فلا نفقة لناشزة ولو امتنعت لعذر شرعي لم تسقط كالمرض والحيض وفعل الواجب أما المندوب فإن منعها منه فاستمرت سقطت نفقتها). لا شبهة ولا خلاف بين علماء الإسلام في وجوب النفقة بالثلاثة المذكورة في الجملة فالزوجة يجب نفقتها في الجملة بالكتاب والسنة قال سبحانه " لينفق ذو سعة من سعته

[ 477 ]

ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ". وروى ثقة الإسلام في الكافي عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حق المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسنا؟ قال: يشبعها ويكسوها وإن جهلت غفر لها (1) ". وروى في الفقيه في الصحيح عن ربعي، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل " ومن قدر عليه رزقة فلينفق مما آتاه الله " قال: إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلا فرق بينهما (2) ". وعن عاصم بن حميد عن أبي بصير في الصحيح قال: " سمعت أبا جعفر عليهما السلام من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الإمام أن يفرق بينهما (3) " إلى غير ذلك من الأخبار. ويشترط في وجوب نفقة الزوجة شرطان: أحدهما أن يكون العقد دائما فلا نفقة لذات المنقطع، وادعي الإجماع، وقد يراد استفادة عدم استحقاق المتمتع بها النفقة من قول الصادق عليه السلام على المحكي في رواية زرارة " تزوج منهن ألفا فإنما هن مستأجرات (4) ". فقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في رواية محمد بن مسلم: " إنها لا تطلق ولا تورث وإنما هي مستأجرة (5) ". ومن المعلوم أن الأجير لا نفقة له، ويمكن أن يقال: الظاهر أن التعبير بهن مستاجرات ليس من جهة أنهن مستأجرات ولذا لا يلتزم بصحة الانشاء بالاجارة والاستيجار فلا يترتب ما يترتب على الأجير، وعلى فرض الترتب بالاطلاق يكون في قباله إطلاق ما دل على


(1) المصدر ج 5 ص 510 (2) و (3) المصدر باب حق المرأة على الزوج تحت رقم 6 (4) الكافي ج 5 ص 451 (5) المصدر ج 5 ص 452

[ 478 ]

وجوب نفقة الزوجة والثاني أظهر في مورد التعارض لكن بعد تسلم عدم استحقاق النفقة لا تصل النوبة إلى ما ذكر. الشرط الثاني التمكين الكامل على المعروف فنقول: لا إشكال في أنه مع تحقق النشوز من طرف الزوجة بالاخلال بما هو واجب عليها من حقوق الزوج تسقط نفقتها ويدل عليه ما رواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها فلا نفقة لها حتى ترجع (1) ". والمروي في تحف العقول عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في خطبة حجة الوداع: " إن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حقا، حقكم عليهن أن لا يوطين فراشكم ولا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم وأن لا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح وإذا انتهين فأطعنكم فعلكيم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " قد يستظهر من الخبر الأول أن الخروج بغير إذن الزوج الذي عد من الحقوق موجب للنشوز من حيث عدم القيام بحقوق الزوج لا الخروج بغير رضاه كي لا يكون دالا إلا على سقوط النفقة بالمخالفة، ويقال: المستفاد مما في تحف العقول المذكور تفريع الهجر والضرب على عدم القيام بما عد من حقوق الزوج ولو لم يصدق المخالفة ويستفاد من تفريعة وجوب رزقهن وكسوتهن على إطاعتهن للزوج سقوط نفقتهن وكسوتهن مع عدم الاطاعة بالتقصير في تعدية حقه. ويمكن أن يقال: بناء على ما ذكر من ترتب وجوب النفقة والاستحقاق على الاطاعة لابد من سقوطها إذا لم تتحقق الاطاعة من جهة عدم أهلية الزوج كما لو كان صغيرا أو مجنونا مع أنه لا يصدق النشوز إلا أن يقال: مقتضى إطلاق دليل وجوب النفقة وجوبها والمقيد لا يشمل صورة عدم أهلية الزوج وكذا صورة عدم أهلية الزوجة لصغرها أو جنونها إلا أن يستشكل في إطلاق الدليل ويقال: مادل على وجوب النفقة في مقام


(1) الكافي ج 5 ص 514

[ 479 ]

أصل التشريع. وعلى ما ذكر ينبغي أن يراد من التمكين الكامل ما ذكر لا ما ذكر من إظهارها كونها ممكنة له إما بأن تعرض نفسها عليه أو بان تقول: سلمت إليك نفسي في كل زمان ومكان شئت وقد يراد استفادته من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب السؤال عن حق الزوج على المرأة " وعليها أن تتطيب بأطيب طيبها وتتلبس بأحسن ثيابها وتتزين بأحسن زينتها وتعرض نفسها غدوة وعشية " وذلك لأن الظاهر عدم وجوب ما في هذه الرواية لقيام السيرة على عدم مراعات ما ذكر فلابد من الحمل على الاستحباب فلا مجال للقول بسقوط النفقة مع عدم القيام بما ذكر. وأما عدم سقوط النفقة إذا كان امتناع المرأة لعذر شرعي فهو مبني على الأخذ بإطلاق دليل وجوب النفقة وعدم شمول ما دل على الاشتراط بالتمكين الكامل المفقود في هذه الصورة ومع التشكيك في إطلاق دليل وجوب النفقة يشكل القول بعدم السقوط إلا أن يتمسك بالسيرة من غير نكير، وما في كلماتهم من التفرقة بين الأعذار مشكل جدا. وأما صورة منع الزوج عن العمل الواجب فان كان الواجب مضيق فلا إشكال في تقديم الواجب المضيق ولو كان موسعا وطلب الزوج ما ينافي المبادرة كقضاء صوم رمضان فقد يقال بتقديم حق الزوج لدوران الأمر بين الموسع والمضيق ومع التزاحم لا إشكال في تقديم المضيق. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من تقديم الواجب مع تضيقه فلقائل أن يقول: مجرد الوجوب من دون ملاحظة الأهمية كيف يوجب تقديمه لأن إطاعة الزوج أيضا واجبه ولا يوجب السبق أيضا التقدم. وأما ما ذكر من تقديم حق الزوج لدوران الأمر بين الموسع والمضيق فيمكن منعه لأن دليل وجوب القيام بحقوق الزوج لا يشمل مثل أوقات الصلوة والصوم وعلى هذا ليس من تزاحم الواجبين حتى يقال: يدور الأمر بين الموسع والمضيق فبعد خروج الوقت بقدر أن تصلى بين الظهر والمغرب مثلا ما وجه تقديم حق الزوج بأن يطلب منها ما ينافي المبادرة إلى الصلاة.

[ 480 ]

وأما عمل المندوب فإن كان مما يتوقف على إذن الزوج كالحج والصوم يكون فعله بدون الإذن موجبا للفساد ولا يوجب منع النفقة لأنه غير مانع من التمكين وإن كان مما لا يتوقف على إذنه جاز لها فعله بغير الإذن ومتى طالب منها الاستمتاع المنافي لفعل المندوب تجب إطاعته ومع عدم الاطاعة تسقط النفقة، وأما التقييد بالاستمرار في المتن فلم يظهر وجهه. (وتستحق الزوجة النفقة ولو كانت ذمية أو أمة وكذا تستحقها المطلقة الرجعية دون البائن والمتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فتثبت نفقتها في الطلاق على الزوج حتى تضع وفي الوفاة من نصيب الحمل على إحدى الروايتين فنفقة الزوجة مقدمة على نفقة الأقارب وتقضى لو فاتت). أما استحقاق الزوجة الذمية فلا إشكال فيه لإطلاق الأدلة بناء على صحة نكاحها بالنكاح الدائم. وأما الأمة فإذا أمكن السيد الزوج منها ليلا ونهارا فلا إشكال وإن لم يمكنه منها إلا بناء على أن له ذلك فيشكل وجوب النفقة لعدم التمكين التام وإن كانت معذورة من جهة أن اختيارها بيد السيد فليست ناشزة فتدخل في ذوات الأعذار فإن أخذ بإطلاق الدليل الدال على وجوب النفقة وعدم شمول ما دل على سقوط النفقة لعدم القيام بحقوق الزوج للمقام من جهة العذر فلا بد من القول بوجوب النفقة وإن نوقش في الإطلاق فالمرجع أصالة براءة الزوج عن النفقة ولعل الأقوى الأخذ بالاطلاق. وأما استحقاق المطلقة الرجعية فالظاهر أنه موضع وفاق ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة عن زراره عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إن المطلقة ثلاثا ليس لها نفقة على زوجها إنما ذلك للتي لزوجها عليها رجعة (1) ". وما رواه في الكافي عن سعد بن أبي خلف في الصحيح قال: " سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن شئ من الطلاق فقال: إذا طلق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلقها وملكت نفسها ولا سبيل له عليها وتعتد حيث شاءت ولا نفقة لها، قال: قلت: أليس الله عزوجل يقول " لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن "


(1) الكافي ج 6 ص 104 والتهذيب ج 2 ص 274 والفقيه باب طلاق العدة تحت رقم 5.

[ 481 ]

قال: فقال: إنما عنى بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة. فتلك التي لا تخرج ولا - تخرج حتى تطلق الثالثة، فإذا طلقت الثالثة، فقد بانت منه ولا نفقة لها، والمرأة التي يطلقها الرجل تطليقة، ثم يدعها حتى يخلو أجلها فهذه أيضا تقعد في منزل زوجها ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدتها " (1). وروى الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الإسناد، عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن المطلقة ألها نفقة على زوجها حتى ينقضي عدتها؟ قال: نعم " (2). وهذه الرواية وإن كانت فيها ترك الاستفصال لكنها محمولة على الرجعية، وأما البائن والمتوفى عنها زوجها فلا نفقة لهما إلا مع الحمل. أما سقوط النفقة للبائن فلما ذكر من الخبرين المذكورين وأما ثبوته مع الحمل فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه قوله تعالى " فإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ". وما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " الحامل أجلها أن تضع حملها وعليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها " (3). وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته وهي حبلى قال: أجلها أن تضع حملها وعليه نفقتها حتى تضع حملها " (4). ونحوهما صحيحة الحلبي (5) ورواية الكافي وإطلاق الآية الشريفة والأخبار تشمل البائن والرجعية. وأما عدم ثبوت النفقة للمتوفى عنها زوجها الحامل فلرواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام " في المرأة المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ فقال: لا " (6).


(1) المصدر ج 6 ص 90 (2) المصدر ص 110 (3) المصدر ج 6 ص 103 (4 و 5) المصدر ج 6 ص 103 (6) الكافي ج 6 ص 115 والتهذيب ج 2 ص 289.

[ 482 ]

وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن المتوفى عنها زوجها ألها نفقة؟ قال: لا ينفق من مالها " (1). وأما المتوفى عنها زوجها الحبلى ففي ثبوت النفقة لها خلاف فيظهر من بعض الأخبار عدم ثبوت النفقة كما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " في الحبلى المتوفى عنها زوجها أنه لا نفقة لها " (2). وعن أبي الصباح الكناني عنه عليه السلام قال: " في المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: لا " (3). وما رواه في التهذيب عن زيد بن أبي اسامة قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحبلى المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ فقال: لا " (4). وفي قبال ما ذكر ما رواه في الكافي والفقيه عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المرأة الحبلى المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها الذي في بطنها " (5). وما رواه في التهذيب والفقيه عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: " نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال حتى تضع " (6). وقد ينافش في رواية محمد بن الفضيل من جهة ضعف السند، ويشكل هذه المناقشة من جهة أنه يظهر من كلام الصدوق - قدس سره - اعتبارها (7) فمع عدم إمكان الجمع تصل النوبة إلى الترجيح أو التخيير، والترجيح مع الأخبار النافية.


(1) التهذيب ج 2 ص 289 (2) المصدر ج 6 ص 115 (3) المصدر ج 6 ص 115 والتهذيب ج 2 ص 289 (4) التهذيب ج 2 ص 289 (5) الكافي ج 6 ص 115 والفقيه باب طلاق الحامل تحت رقم 3 (6) التهذيب ج 2 ص 289 والفقيه الباب المذكور تحت رقم 4 (7) لما قال بعد نقل رواية السكوني " والذي نفتي به رواية الكناني ".

[ 483 ]

وأما تقدم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب فهو المعروف بين الفقهاء فقالوا: نفقة الإنسان على نفسه مقدمة على نفقة غيره ونفقة الزوجة مقدمة على نفقة الأقارب واستدلوا على ذلك بأن نفقة الزوجة وجبت على وجه المعاوضة في مقابل الاستمتاع بخلاف نفقة القريب، واستشكل بأن هذا الوجه لا يوجب التقديم بملاحظة الأخبار الواردة. فمنها ما رواه الكليني - قدس سره - في الصحيح أو الحسن عن حريز عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: " قلت: من الذي اجبر عليه ويلزمني نفقته؟ فقال: الوالدان والولد والزوجة " (1). وروى الشيخ في التهذيب والصدوق في الفقيه في الصحيح عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله مثله " وما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت من يلزم الرجل من قرابته ممن ينفق عليه؟ قال: الوالدان والولد والزوجة " (2) وزاد في الفقيه " والوارث الصغير " يعنى الأخ وابن الأخ ونحوه. وعن جميل في الصحيح عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام قال: " لا يجبر الرجل إلا في نفقة الأبوين والولد، قلت لجميل: والمرأة؟ قال: روى بعض أصحابنا وهو عنبسة بن مصعب وسورة بن كليب عن أحدهما عليهما السلام " أنه إذا كساها ما يوارى عورتها وأطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه وإلا طلقها، قال: قلت لجميل: وهل يجبر على نفقة الأخت؟ قال: إن أجبر على نفقة الأخت كان ذلك خلاف الرواية " (3). ويمكن أن يقال: وجوب الإنفاق على الأقارب حكم تكليفي صرف وليس نفقتهم على المنفق بمنزلة الدين بحيث تكون الذمة مشغولة بها حتى مع عدم القدرة وبعبارة أخرى


(1) و (2) المصدر ج 4 ص 13 (3) التهذيب ج 2 ص 89 و 105.

[ 484 ]

لا إطلاق في الأدلة حتى يستفاد منها الوجوب مع عدم القدرة، غاية الأمر معه يكون معذورا عقلا بخلاف وجوب نفقة الزوجة حيث إنها بمنزلة الدين والذمة مشغولة بها حتى مع عدم القدرة، غاية الأمر المعذورية معه فمع الدوران تقدم نفقة الزوجة وهذا نظير دوران الأمر بين صرف مقدار من الماء في رفع الخبث وبين صرفه في رفع الحدث حيث إنه يمكن أن يقال: حيث إن لزوم رفع الخبث مطلق وليس مشروطا بالتمكن بخلاف لزوم الطهارة المائية حيث إنه مشروط بالتمكن فلابد من صرف الماء في رفع الخبث وبعد لزومه فيه لا تمكن لرفع الحدث فنقول في المقام حيث إنه يستفاد مما دل على وجوب الانفاق على الزوجة مع عدم النشوز من غير الأخبار المذكورة في المقام بالنحو المذكور لا يبعد التقديم عند الدوران هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه ما ذهب إليه الأكابر فتأمل. وأما تقديم نفقة نفسه على الغير فقد يستدل عليه بالنبوي صلى الله عليه وآله وفيه " أن رجلا جاء إليه صلى الله عليه وآله فقال: معي دينار؟ فقال: أنفقه على نفسك، فقال: معي آخر؟ فقال: أنفقه على ولدك، فقال: معي آخر؟ فقال: أنفقه على أهلك ". والمستفاد منه تقديم نفقة الولد على الأهل وقيل مع تسليم صحة الخبر يحتمل الحمل على غير النفقة الواجبة مع أن الرجل كان موسرا كما يظهر منه وكلام الأصحاب في شأن المعسر. وأما وجوب قضاء نفقة الزوجة فلا إشكال فيه فيما تملك المرأة من قوتها ويدل على الملكية ما رواه الشيخ في الصحيح والكليني بسند فيه إرسال عن شهاب بن عبد ربه قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حق المرأه على زوجها؟ قال: يسد جوعها ويستر عورتها ولا يقبح لها وجها، فإذا فعل ذلك فقد والله أدى حقها، قلت: فالدهن؟ قال: غبا يوم ويوم لا، قلت: فاللحم قال: في كل ثلاثة أيام فيكون في الشهر عشر مرات لا أكثر من ذلك، قلت: فالصبغ؟ قال: في كل ستة أشهر، ويكسوها في كل سنة أربعة أثواب ثوبين للشتاء وثوبين للصيف، ولا ينبغي أن يفقر بيته من ثلاثة أشياء دهن الرأس والخل والزيت ويقوتهن بالمد، فإني أقوت به نفسي وعيالي، وليقدر لكل انسان منهم

[ 485 ]

قوته فإن شاء أكله وإن شاء وهبه وإن شاء تصدق به ولا تكون فاكهة عامة إلا أطعم عياله منها، ولا يدع أن يكون للعيد عندهم فضل في الطعام أن ينيلهم من ذلك شيئا مما لا ينيلهم في ساير الأيام " (1). حيث إن الهبة والتصدق من لوازم الملكية إلا أن يقال: لا إشكال في تملك المرأة القوت بعد القبض لكن مجرد هذا لا يثبت كون النفقة قبل إقباض الزوج بمنزلة الدين، ألا ترى أن الزكاة المندوبة تملك بعد الإقباض والقبض، وقبل القبض لا تكون ملكا لأحد من الفقراء، ثم إنه يشكل استفادة لزوم تمليك الزوجة في قوته من هذا الصحيح لأن الظاهر أن الضمير في قوله " وليقدر لكل إنسان منهم الخ " يرجع إلى العيال المعلوم مما قبله والعيال يشمل الزوجة ومن وجب نفقته ومن لم يجب كالأخ والأخت والخدم فلا يجب الإنفاق عليهم على نحو التمليك بل على نحو الامتاع أيضا لا يجب ويقع التعارض بين ظهور " وليقدر " في الوجوب وعموم كل إنسان منهم بالنسبة إلى العيال بل لعل الخصوصيات المذكورة في الصحيح ليست على نحو الوجوب كما لا يخفى. وأما ما استدل به من أن نفقة الزوجة اعتياض في مقابلة الاستمتاع فتصير بمنزلة الدين، ففيه إشكال لأنه مع تسليم استفادة الاعتياض من الأخبار لابد من القول به في الكسوة أيضا وفي الكسوة لا يسلم كونها بمنزلة الدين للخلاف في أن الزوجة تملك الكسوة كالقوت أو أن حقها على الزوج إمتاعها وعد من الثمرات إنه على الامتاع لا يصير دينا وأنه لا يصح لها بيع ولا جواز التصرف فيه بغير اللبس هذا ولكن الظاهر أن وجوب القضاء فيما تملك من المسلمات؟ وأما ما تستحق الزوجة بنحو الامتاع فلا ولذا عد من الثمرات في الكسوة ما ذكر. (وأما القرابة فالنفقة على الأبوين والأولاد لازمة وفيمن علا من الآباء والأمهات تردد أشبهه اللزوم ولا تجب على غيرهم من الأقارب بل تستحب وتتأكد


(1) الكافي ج 5 ص 513 والتهذيب ج 2 ص 241.

[ 486 ]

في الوارث). مقتضى الأخبار المذكورة في المقام الإشكال على القول بتقدم نفقة الزوجة على الأقارب لزوم نفقة الأبوين على الأولاد ولزوم نفقة الأولاد على الأبوين وادعي عدم الخلاف على لزوم نفقة من علا من الآباء والأمهات أو سفل من الأولاد، وتردد المصنف - قدس سره - من جهة صدق الأب والوالد على من علا وصدق الولد على من سفل، ولعل التردد في محله، ألا ترى أنه لو قال: قال: أو فعل أبي أو والدي هل يكون ظاهرا في غير أبيه بلا واسطة وكذلك في طرف الأم إلا أن يتم الاجماع ولعله لهذه الجهة احتاط بعض الأكابر بنحو الاستحباب في الربا بين الوالد والولد وقد يستشعر من الخبر في الزكاة يعطى منها الأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة ولا يعطى الجد والجدة خصوصا بعد استفادة النصوص وانعقاد الاجماع على حرمتها لواجبي النفقة، فليس النهي على إعطائهما إلا لوجوب نفقتهما. ويمكن أن يقال: المستفاد من الدليل حرمة الزكاة لكل من وجب نفقته لا أن من لا يجوز إعطاؤه الزكاة يكون من الأقارب التي يجب نفقتها، والمستفاد من الأخبار المذكورة لزوم النفقة على المذكورين وما يظهر من بعضها من إضافة الوارث الصغير محمول على الاستحباب بقرينة غيره ومن جهة استفادة النصوص في إعطائه الزكاة المنافي لوجوب الانفاق عليهم. وأما استحباب الانفاق على الاقارب عدا من ذكر فيدل عليه ما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن زكريا المؤمن رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: " من عال ابنتين أو اختين أو عمتين أو خالتين حجبتاه من النار بإذن الله " (1). وفي نفسير الامام العسكري عليه السلام في قوله: " ومما رزقناهم ينفقون " قال: من الزكاة والصدقات والحقوق اللازمات - إلى أن قال - وذوي الأحارم القريبات والآباء والأمهات، وكالنفقات المستحبة على من لم يكن فرضا عليهم النفقة من ساير القرابات - الحديث ".


(1) الخصال ج 1 ص 20.

[ 487 ]

وأما تأكد الاستحباب في خصوص الوارث فيمكن استفادته من خبر غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أتي أمير المؤمنين صلوات الله عليه بيتيم قال: خذوا بنفقته أقرب الناس منه من العشيرة ممن يأكل ميراثه " (1) وما في صحيح الحلبي المذكور من قوله " والوارث الصغير " (2). ولعل التفسير بالأخ وابن الأخ وغيره من الراوي. " ويشترط في الوجوب الفقر والعجز عن الاكتساب. ولا تقدير للنفقة بل يجب بذل الكفاية من الطعام والكسوة والمسكن. ونفقة الولد على الأب ومع عدمه أو فقره فعلى أب الأب وإن علا مرتبا، ومع عدمهم تجب على الأم وآبائها الأقرب فالأقرب، ولا تقضى نفقة الأقارب لو فاتت). أما اشتراط الفقر فادعي عليه الاجماع، وأدلة وجوب النفقة منصرفة إلى صورة الفقر، وأما اشتراط العجز عن الاكتساب فلأن القادر لا يعد من الفقراء وحكم في كتاب الزكاة بعدم استحقاقه للزكاة فعن النبي صلى الله عليه وآله " لا حظ في الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب " إلا أن يقال: ظاهر هذا الخبر نفى الحظ في الصدقة للقوى المكتسب بالفعل لا من يقدر على الاكتساب اللائق بحاله المعرض عنه، لكن في كتاب الزكاة يظهر من بعض الأخبار نفي الصدقة لذي مرة (3). ويمكن أن يقال: العمدة في المقام دعوى الانصراف ولم نعثر في الأخبار التقييد بالفقر والعجز عن الاكتساب بخلاف باب الزكاة فدعوى الانصراف بالنسبة إلى القادر على الاكتساب اللائق بحاله المعرض عنه مشكلة إلا أن يدعى عدم الاطلاق في الأدلة و هو بعيد جدا. ولا تقدير لنفقة الأقارب بل إطلاق الأدلة يقتضي الاقتصار على قدر الكفايه من الاطعام والكسوة والمسكن مما يليق بحال المنفق عليه وقد فرق بين نفقة الزوجه ونفقة


(1) الكافي ج 4 ص 13 والتهذيب ج 2 ص 89 (2) التهذيب ج 2 ص 89 (3) راجع الكافي ج 3 ص 563.

[ 488 ]

الأقارب حيث إن نفقة الزوجة بالنسبة إلى القوت بنحو التمليك وفي الكسوة خلاف بخلاف نفقة الأقارب فإنها بنحو الامتاع حتى بالنسبة إلى القوت، ونوقش بأن مقتضى صحيح شهاب المتقدم الذي هو العمدة في اعتبار الملك هناك عدم الفرق بين الزوجة و غيرها في ملك الطعام منها لقوله عليه السلام " وليقدر لكل إنسان منهم قوته إن شاء وهبه و إن شاء تصدق به " قلت: قد سبق الاشكال في استفادة لزوم الانفاق على نحو التمليك بالنسبة إلى الزوجة من الصحيح المذكور بل يصدق الإمساك بالمعروف مع عدم الملكية أيضا إلا أن يدعى الإجماع، وأما الترتيب المذكور في كلماتهم من تقدم الأب على أب الأب وإن علا مرتبا ومع عدمهم على الأم فاستدل على تقدم الأب على الأم بقوله تعالى " فإن أرضعن لكم - الخ " قلت: الأولى أن يقال: لم يذكر في الأخبار الدالة على لزوم نفقة الأقارب الأم ومع عدم الآباء لزوم النفقة على الأم لابد أن يكون من جهة دعوى الاجماع فمقتضى الأصل البراءة. واستدل لتقدم الاب على أب الأب بآية " اولوا الأرحام " وقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الخبر السابق على المحكي: " خذوا بنفقته أقرب الناس منه في العشيرة كما يأكل ميراثه " ويشكل شمول الآية الشريفة لمثل المقام ولازمه تقدم الأم على الجد ولا يقولون به، وقول أمير المؤمنين صلوات عليه على المحكي محمول على الاستحباب فكيف يستدل به على الوجوب، وأيضا لازمه تقدم الأم على الجد فلابد من التمسك بالاجماع إن تم. وأما عدم القضاء مع فوت نفقة الأقارب فادعى عليه الاجماع وقد يعلل بأن وجوب الانفاق عليهم حكم تكليفي وليس من قبيل الدين اللازم قضاءه بل النفقة مواسات لسد الخلة ولولا الاجماع أشكل التفرقة بحسب الأخبار بين نفقة الزوجة ونفقة الأقارب خصوصا مع ملاحظة صحيح شهاب بن عبد ربه المذكور. (وأما المملوك فنفقته واجبة على مولاه وكذا الأمة ويرجع في قدر النفقة إلى عادة مماليك أمثال المولى ويجوز مخارجة المولى على شئ فما فضل يكون له فإن كفاه وإلا أتمه المولى. وتجب النفقة على البهائم المملوكة فإن امتنع مالكها اجبر على

[ 489 ]

بيعها أو ذبحها إن كانت مقصودة بالذبح). لا خلاف في وجوب النفقة للعبد والأمة ويدل عليه ما روى ثقة الاسلام في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب ولأم والولد والمرأة والمملوك وذلك أنهم عياله لازمون له " (1). وعن جميل بن دراج في الصحيح أو الحسن قال: " لا يجبر الرجل إلا على نفقه الأبوين والولد - الحديث " (2). وروى الصدوق في الأمالي عن عبد الله بن الصلت عن عدة من أصحابنا يرفعونه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " خمسة لا يعطون من الزكاة: الولد والوالدان والمرأة والمملوك لأنه يجبر على النفقة عليهم ". ولا فرق بين المملوك بين الصغير والكبير والصحيح والاعمى والمدبر والمرهون و المستأجر وغيره، وكذا لا فرق بين كسوب وغيره، لكن متى كان كسوبا يخير المولى بين الانفاق عليه من ماله وأخذ كسبه وبين الانفاق عليه من كسبه، ويمكن أن يقال إذا ملك العبد كما لو أوصى له بمال وقلنا بأنه يملك ويكون محجورا في التصرفات فلا دليل على وجوب نفقته بل حاله حال الأقارب إذا كانوا أغنياء وكونه محجورا لا يوجب كون النفقة على المولى كالصغير المالك حيث يصرف الولي ماله في نفقته ومع لزوم النفقة لا تقدير فيها بل الواجب قدر الكفاية من إطعام وادام وكسوة ولم يظهر وجهها في المتن من الرجوع إلى عادة مماليك أمثال المولى حيث إن أمثال المولى ربما يوسعون في نفقات مماليكهم فيجب على المولى التوسعة على هذا ولا دليل عليه ويجوز مخارجة المولى بأن يضرب على المملوك ضريبة في كل يوم أو مدة يؤديها للمولى ويجعل الفاضل له إذا رضى المملوك بلا خلاف ظاهرا. ويدل عليه صحيح عمر بن يزيد " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة ورضي بذلك


(1) الكافي ج 3 ص 553 (2) المصدر ج 5 ص 512.

[ 490 ]

المولى فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطى مولاه من الضريبة، قال: فقال: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: أليس قد فرض الله على العباد فرائض فإذا أدوها لم يسألهم عما سواها، قلت له: فلمملوك أن يتصدق بما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده؟ قال: نعم واجب ذلك له، قلت: فإن اعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق؟ فقال: يذهب فيتوالى إلى من أحب فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه، قلت له: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الولاء لمن أعتق "؟ قال: فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه أيلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه؟ قال: فقال: لا يجوز ذلك لا يرث عبد حرا " (1). فإن فضل قدر كفايته وكله إليه وإلا كان على المولى التمام وهل لا بد من أن يكون ذلك برضى المملوك أو يجوز لمولاه إجباره؟ الظاهر الثاني لجواز إجبار العبد على أمر ليس شاقا على العبد تحمله لأنه مملوك له ويجوز إجباره على الخدمة وتكسيبه نظير الخدمة. ثم إنه هل يتعين أن يكون نفقة العبد مما يملك من فاضل الضريبة أو يكون الأمر بيد المولى فيجوز له منعه من التصرف في الفاضل ويعطى نفقته من مال نفسه الذي يظهر من هذا الصحيح أن ما اكتسب العبد سوى الضريبة يتصرف فيه بالاستقلال ولا يحتاج إلى إجازة المولى فيكون مستغنيا عن المولى كالغريب المستغني، وعلى فرض الاحتياج إلى الإذن قد سبق أن دليل وجوب النفقة يشكل شموله لمثله. وأما البهائم المملوكة فنفقتها واجبة بلا خلاف ظاهرا سواء كانت مأكولة أو لم تكن، وسواء انتفع بها أولا وقد يستدل عليه بما رواه في الكافي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " للدابة على صاحبها ستة حقوق: لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجالس يتحدث عليها، ويبدء بعلفها إذا نزل، ولا يسمها، ولا يضربها في وجهها فإنها


(1) الكافي ج 6 ص 190.

[ 491 ]

تسبح، ويعرض عليها الماء إذا مر به " (1). وروي في الفقيه عن السكوني بإسناده قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: للدابة على صاحبها خصال: يبدء بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مر به، ولا يضرب وجهها فإنها تسبح بحمد ربها، ولا يقف على ظهرها إلا في سبيل الله، ولا يحملها فوق طاقتها، ولا يكلفها من المشى إلا ما تطيق " (2) إلى غير ذلك من الأخبار. ويشكل استفادة الوجوب مما ذكر، قالوا: وإن امتنع المالك اجبر على بيعها أو ذبحها إن كانت مقصودة بالذبح، فإن تم الاجماع على ما ذكر فلا إشكال وإلا فلا يخلو ما ذكر عن الاشكال للسؤال عن الفرق بين حفظ البهيمة من التلف وبين حفظ ساير الأموال مع امتناع مالكها عن حفظها. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا.


(1) المصدر ج 6 ص 537 (2) المصدر كتاب الحج باب حق الدابة على صاحبها تحت رقم 1.

[ 492 ]

كتاب الطلاق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. كتاب الطلاق والنظر في اركانه وأقسامه ولواحقه الركن الأول في المطلق ويعتبر فيه البلوغ والعقل والأختيار والقصد، فلا اعتبار بطلاق الصبي، وفي من بلغ عشرا رواية بالجواز فيها ضعف، ولو طلق عنه الولي لم يقع إلا أن يبلغ فاسد العقل، ولا يصح طلاق المجنون ولا السكر ان ولا المكره ولا المغضب مع ارتفاع القصد). من الشرائط المعتبرة في المطلق في الجملة البلوغ بلا خلاف ظاهرا فلا اعتبار بطلاق الصبي قبل بلوغ العشر، والأخبار الخاصة في المقام منها ما رواه في الكافي عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه أو الصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره " (1). وعن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ليس طلاق الصبي بشئ " (2). وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يجوز طلاق الصبي ولا - السكران " (3).


(1) المصدر ج 6 ص 126 (2 و 3) المصدر ج 6 ص 124.

[ 493 ]

وفي الفقه الرضوي " والغلام إذا طلق للسنة فطلاقه جائز ". وعن الشيخ في النهاية وابن البراج وابن حمزة وغيرهم صحة طلاق من بلغ عشر سنين. ويدل عليه ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: " يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين ". وما رواه في الكافي والفقيه عن سماعة في الموثق قال: " سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته فقال: إذا طلق للسنة ووضع الصدقة في موضعها، وحقها فلا بأس وهو جائز " (1). وما رواه في الكافي في الموثق، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل ووصيته وصدقته وإن لم يحتلم " (2). وما رواه الشيخ بطريقه عن علي بن الحسن بن علي بن فضال عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحلتم " (3). وقد يجمع بين الأخبار بحمل ما دل على عدم جواز طلاق الصبي على من لم يبلغ عشر سنين أو بلغ ولكن لا يعقل والأخبار المجوزة على البالغ عشرا وهو يعقل، ويشكل من جهة أن الصبي قبل التمييز ليس موردا لاخبار الطرفين كما لا يخفى وبعد التمييز مع تساوي الأفراد الباقية تحت المطلق والخارجة من جهة التقييد كيف يحكم بالنفي والإثبات بنحو بيان القانون فمع اعتبار ما دل على جواز طلاق الصبي بعد بلوغ العشر من جهة اعتماد مثل الشيخ وغيره يقع التعارض ولا يبعد الترجيح مع ما دل على عدم الجواز بملاحظة حديث الرفع الشامل للاحكام التكليفية والوضعية. لا يقال: كيف يكون الصبي قبل التمييز خارجا عن مورد الأخبار وقد ذكر - المجنون أيضا في الأخبار لأن للجنون مراتب ولعل النظر إلى بعض مراتبه بحيث يكون المجنون مميزا، ثم بعد اعتبار البلوغ لو طلق الولي عنه لم يقع، وادعي عليه


(1 و 2) المصدر ج 6 ص 124 (3) التهذيب ج 2 ص 268 والاستبصار ج 3 ص 303.

[ 494 ]

الإجماع واستدل عليه بالنبوي المقبول " الطلاق بيد من أخذ بالساق " فإن تم الإجماع و إلا أمكن الخدشة بأن دليل الولاية له الحكومة ولذا نقول بأن ولاية الولي بالنسبة إلى الفاسد العقل بعد البلوغ ليس تخصيصا للنبوي المذكور وكذا الوكالة، والأولى الاستدلال بالأخبار الخاصة منها ما رواه في الكافي عن الفضل بن عبد الملك قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير قال: لا بأس، قلت: يجوز طلاق الأب؟ قال: لا " (1). وما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام " في الصبي يتزوج الصغيرة يتوارثان؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم، قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال: لا " (2). وعن عبيد بن زرارة في الموثق مثله (3). ولو بلغ فاسد العقل جاز للمولى أن يطلق عنه مع مراعاة الغبطة بناء على لزوم مراعاة الغبطة في تصرفات الولي ولا يبعد الأخذ بالاطلاقات وعدم لزوم المراعاة غاية الأمر مراعاة عدم المفسدة لأن الله تعالى: لا يحب الفساد نعم في خصوص مال اليتيم مقتضى قوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " مراعاة الغبطة ويدل على جواز الطلاق للولي ما رواه ثقة الإسلام والشيخ في الصحيح عن أبي خالد القماط قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل الاحمق الذاهب العقل أيجوز طلاق وليه عليه؟ قال: ولم لا يطلق هو؟ قلت: لا يؤمن إن طلق هو أن يقول غدا: لم اطلق أو لا يحسن أن يطلق، قال: ما أرى وليه إلا بمنزلة السلطان " (4). وما رواه في الكافي والفقيه إن أبي خالد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل يعرف رأيه مرة وينكر أخرى يجوز طلاق وليه عليه؟ قال: ما له هو لا يطلق؟ قلت: لا يعرف حد الطلاق ولا يؤمن عليه إن طلق اليوم أن يقول غدا: لم اطلق؟ قال: ما


(1) المصدر ج 5 ص 400 (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 440 (4) والكافي ج 6 ص 125 والتهذيب ج 2 ص 268.

[ 495 ]

أراه إلا بمنزلة الامام - يعني الولي " (1). وما رواه في الكافي عن أبي خالد القماط عن أبي عبد الله عليه السلام " في طلاق المعتوه قال: يطلق عنه وليه فإني أراه بمنزلة الإمام " (2). وعن شهاب بن عبد ربه قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: المعتوه الذي لا يحسن أن يطلق يطلق عنه وليه على السنة - الحديث " (3) وفي المتن لا يصح طلاق المجنون ولا السكران ولا المكره ولا المغضب مع ارتفاع القصد ويشكل حمله على ما هو الظاهر منه من ارتفاع القصد حيث إن الطلاق من الإيقاعات المحتاجة إلى القصد فمع عدم القصد المقوم للانشاء لا يناسب التعبير بعدم الصحه كما لا يخفى، فالظاهر أن المراد من ارتفاع القصد ارتفاع قصد تحقق الطلاق في الخارج نظير ما ذكر في بيع المكره من أنه غير قاصد لوقوع ما أكره عليه في الخارج، فالقصد المقوم للإنشاء متحقق وعلى هذا صح اشتراط القصد في صحة الطلاق. ويدل على عدم صحة طلاق المجنون والمكره خبر النوفلي المتقدم المروي في الكافي، وعلى عدم صحة طلاق السكران خبر أبي بصير المتقدم. ويدل على اعتبار القصد بالمعنى المذكور رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " لا طلاق إلا ما اريد به الطلاق " (4). ورواية هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق " (5). وفي رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام إنه قال: " لا يقع الطلاق بإكراه ولا إجبار، ولا على سكر، ولا على غضب " (6) ويمكن أن يقال في صورة الاكراه


(1) الكافي ج 6 ص 125 والفقيه باب طلاق المعتوه تحت رقم 3 (2) المصدر ج 6 ص 126 (3) المصدر ج 6 ص 125 (4) المصدر ج 6 ص 62 (5) المصدر ج 6 ص 62 (6) الفقيه باب طلاق السنة تحت رقم 5.

[ 496 ]

والسكر والغضب قصد تحقق الطلاق في الخارج متحقق ففي صورة الإكراه كثيرا يتوجه المكره إلى أن له التفصي بعدم القصد وكذلك في صورة الإجبار ان كان الإجبار غير الإكراه وفي صورة الغضب والسكر يتحقق القصد المذكور، لكن المطلق لا يتوجه إلى الصلاح والفساد وعواقب الأمر وفي غير حال الغضب والسكر كثيرا لا يتوجه المطلق إلى التوالي والعواقب ولهذا يحصل الندم بعد الوقوع ومثل ما ذكر كيف يوجب الفساد إلا أن يقال: مقتضى الاخبار المذكورة عدم صحة الطلاق في حال السكر والغضب والإكراه وإن تحقق قصد تحقق الطلاق والجد بوقوعه في الخارج لكن هذا خلاف ما ذكروا من أنه لو أكره على الطلاق فطلق ناويا يقع صحيحا كما اختاره العلامة في التحرير وجزم به الشهيد الثاني وعلل بحصول اللفظ والقصد وان القصد لا إكراه فيه عليه فلولا حصول القصد لما قصد إليه، وقيل بالبطلان وأيد بقوله عليه السلام في رواية يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: لا يجوز الطلاق في استكراه، ولا يجوز يمين في قطيعة رحم - إلى أن قال - وإنما الطلاق ما اريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار " (1) حيث يظهر منه أنه مع إرادة الطلاق إن كان مع الاستكراه أو الاضرار لا يصح وقد يقال توضيح الاقسام المتصورة في الفرع المذكور أن الإكراه الملحوق بوقوع الطلاق قصدا إليه راضيا به. أما أن لا يكون له دخل في الفعل فلا إشكال في صحة الطلاق وكذا لو لم يكن الإكراه مستقلا في داعي الوقوع بل هو بضميمة شئ اختياري للفاعل وإن كان الداعي هو الاكراه، وأما أن يكون الفعل لا من جهة التخلص عن الضرر المتوعد به بل من جهة دفع الضرر اللاحق للمكره بالكسر كمن قال له ولده: طلق زوجتك وإلا قتلتك أو قتلت نفسي فطلق الوالد خوفا من قتل الولد نفسه أو قتل الغير له إذا تعرض لقتل والده أو كان الداعي على الفعل شفقة دينية على المكره بالكسر أو على المطلقة أو على غيرهما ممن يريد نكاح الزوجة لئلا يقع الناس في محرم والحكم في الصورتين


(1) الكافي ج 6 ص 127 والتهذيب ج 2 ص 268.

[ 497 ]

لا يخلو عن إشكال، وإن كان الداعي التخلص من الضرر لاعتقاد المكره أن الحذر لا يتحقق إلا بإيقاع الطلاق حقيقة فيوقع الطلاق قاصدا أو من جهة جهله بالحكم فزعم أن الطلاق يقع مع الإكراه فقصد وقوعه. والحكم في هاتين الصورتين لا يخلو عن إشكال إلا أن تحقق الإكراه أقرب. ويمكن أن يقال: الظاهر أن ما دل على عدم صحة بيع المكره أو طلاق المكره كحديث الرفع أو الأخبار الخاصة مورده صورة تمامية مثل البيع أو الطلاق من جهة القصد الجدي بالوقوع في الخارج لأنه مع عدم القصد لم يكن الفساد من جهة الإكراه و ظاهر الأدلة أن وجه الرفع أو عدم الصحة تحقق الإكراه ويشهد لهذا رواية يحيى ابن عبد الله المذكورة، فما ذكر من أنه لو طلق ناويا - الخ كأنه فرض خارج عن الإكراه أو يشك في خروجه والحال أنه هو مورد مثل رفع ما استكرهوا عليه ومورد الأدلة الخاصة وأما الصور المذكورة في التوضيح المذكور فلا إشكال في الصورة الأولى منها وأما صورة عدم استقلال الإكراه في الداعوية فيشكل الحكم بالصحة فيها وإلا لزم صحة طلاق إحدى الزوجات المعينة حيث وقع الإكراه على أصل الطلاق من دون تعيين وكان التعيين باختيار الزوج وصحة بيع أحد المالين باختياره مع وقوع الإكراه على أصل البيع من دون تعيين، والالتزام بالصحة كما ترى. وأما ما ذكر من الاشكال في الصورتين قبل الصورتين الأخيرتين فيمكن رفعه بعدم الفرق بين الصورتين وبين ما لو أوقع الطلاق مخافة قتل الولد نفسه أو مخافة وقوع الزوجة أو الغير ممن يريد ازدواجها في المحرم من دون إكراه عن أحد فإن كان الداعي نفس الإكراه فلا إشكال في كون الطلاق مكرها عليه وإن كان مع القصد الجدي بوقوعه وإن كان الداعي عدم وقوع المحذور بلا توسط الإكراه في الداعوية فالظاهر عدم صدق الإكراه وإلا لزم بطلان بيع ماله لحفظ نفسه وعياله مع أنه يشق عليه بيع مثل داره بحيث لولا جهة حفظ النفس لما أقدم على البيع وبطلان البيع كما ترى. وأما الصورتان الأخيرتان فلا إشكال في صدق الاكراه فيهما وبطلان الطلاق بل مورد الأخبار صورة القصد الجدي بالوقوع.

[ 498 ]

(الركن الثاني في المطلقة، ويشترط فيها الزوجية والدوام والطهارة من الحيض والنفاس إذا كانت مدخولا بها وزوجها حاضرا معها، ولو كان غائبا صح. وفي قدر الغيبة اضطراب محصله انتقالها من طهر إلى آخر. ولو خرج في طهر لم يقر بها فيه صح طلاقها من غير تربص ولو اتفق في الحيض. والمحبوس عن زوجته كالغائب) أما اشتراط الزوجية فلا إشكال فيه وتدل عليه الاخبار منها ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سليمان، عن أبيه قال: " كنا في المسجد فدخل علي بن الحسين عليهما السلام ولم أثبته وعليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه، فقلت لرجل قريب المجلس مني: من هذا الشيخ؟ فقال: مالك لم تسألني عن أحد دخل المسجد غير هذا الشيخ؟ فقلت: لم أر أحدا دخل المسجد أحسن هيئة في عيني من هذا الشيخ، فقال: إنه علي بن الحسين عليهما السلام فقمت وقام الرجل وغيره فاكتنفناه وسلمنا عليه فقال له الرجل: ما ترى في رجل سمى امرأة بعينها وقال يوم يتزوجها هي طالق ثلاثا ثم بداله أن يتزوجها أيصلح له ذلك؟ فقال: إنما الطلاق بعد النكاح. قال عبد الله: فدخلت أنا وأبي على أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فحدثه أبي بهذا الحديث فقال له أبو عبد الله عليه السلام: أنت تشهد على علي بن الحسين عليهما السلام بهذا الحديث؟ قال: نعم " (1). ومنها ما رواه الصدوق في الصحيح عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه " سئل عن رجل قال: كل امرأة أتزوجها ما عاشت امي فهي طالق، فقال: لا - طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك " (2). وأما اعتبار الدوام في الزوجية فلاخلاف فيه ظاهرا ويدل عليه ما دل على لزوم كون المحلل ناكحا للمطلقة ثلاثا بالنكاح الدائم بملاحظة قوله تعالى " فإن طلقها - الخ " حيث إنه لا طلاق في المتعة كالصحيح أو الحسن المروي في الكافي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا، ثم تمتع منها رجل آخر


(1) المصدر ج 6 ص 63 (2) الفقيه باب طلاق السنة تحت رقم 3.

[ 499 ]

هل تحل للأول؟ قال: لا " (1). وما رواه الشيخ في التهذيب عن الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيتزوجها رجل متعة أتحل للأول؟ قال: لا لأن الله تعالى يقول: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها " والمتعة ليس فيها طلاق " (2). وأما اشتراط الطهارة من الحيض والنفاس إذا كانت مدخولا بها وزوجها حاضر معها فلا خلاف فيه ظاهرا بيننا ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: " الرجل يطلق امرأته وهي حائض؟ قال: الطلاق على غير السنة باطل " (3). وما رواه في الكافي عن الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: الطلاق بغير السنة باطل " (4). وأما التقييد بكونها مدخولا بها وحضور الزوج معها فللأخبار الدالة على أن خمسا يطلقن على كل حال منها ما رواه في الكافي، عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا باس بطلاق خمس على كل حال: الغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي لم يدخل بها، والحبلى، والتي قد يئست من الحيض " (5). وما رواه المشايخ الثلاثة عن إسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " خمس يطلقهن على كل حال: الحامل المتبين حملها، والتي لم يدخل بها


(1) المصدر ج 5 ص 425. (2) المصدر ج 2 ص 259 والاستبصار ج 3 ص 275 (3) التهذيب ج 2 ص 263 (4) الكافي ج 6 ص 58 (5) الكافي ج 6 ص 79.

[ 500 ]

زوجها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي يئست من الحيض " (1). وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: " خمس يطلقهن أزواجهن متى شاء: الحامل المستبين حملها، والجارية التي لم تحض، والمرأة التي قعدت من الحيض، والغائب عنها زوجها، والتي لم يدخل بها " (2). ثم إنه وقع الاضطراب في قدر الغيبة فالمحكي عن الشيخ المفيد وسلار، و علي بن الحسين بن بابويه وابن أبي عقيل - قدست أسرارهم - جواز طلاق الغائب إذا كانت بحيث لا يمكن استعلام حالها من غير تربص والمحكي عن الصدوق قدس سره إذا أراد الغائب أن يطلق زوجته في غيبته التي إذا غابها كان له أن يطلق متى شاء أقصاه خمسة أشهر أو ستة أشهر، أوسطه ثلاثة أشهر وأدناه شهر، وقال الشيخ في النهاية " و متى لم يكن دخل بالمرأه وطلقها وقع الطلاق وإن كانت حائضا وكذلك إن كان غائبا شهرا فصاعدا وقع طلاقه إذا طلقها وإن كانت حائضا ". وقال في موضع آخر منها: " إذا خرج إلى السفر وقد كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع جاز له أن يطلقها إي وقت شاء ومتى كانت طاهرا طهر قد قربها فيه بجماع فلا يطلقها حتى يمضى ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ثم يطلقها بعد ذلك أي وقت شاء " فلنرجع إلى الأخبار الواردة في المقام وقد ذكر الأخبار المطلقة. ومنها ما رواه في الكافي في الموثق عن إسحاق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الغائب إذا أراد أن يطلقها تركها شهرا " (3). وعن حميد، عن ابن سماعة قال: " سألت محمد بن أبي حمزة متى يطلق الغايب؟ قال: حدثني إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أو أبي الحسن عليه السلام قال: " إذا مضى له شهر " (4).


(1) الكافي ج 6 ص 79. والتهذيب ج 2 ص 264 والفقيه باب اللاتي يطلقن على كل حال تحت رقم 1 واللفظ له (2) التهذيب ج 2 ص 269 (3) الكافي ج 6 ص 80 (4) المصدر ج 6 ص 81.

[ 501 ]

وما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الرجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له أن يطلق حتى تمضي ثلاثة أشهر ". (1) وما رواه في الفقيه عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: " قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: الغائب الذي يطلق كم غيبته؟ قال: خمسة أشهر أو ستة أشهر، قلت: حد دون ذا؟ قال: ثلاثة أشهر " (2). وما رواه في الكافي عن بكير في الحسن قال: " أشهد على أبي جعفر عليه السلام أني سمعته يقول: الغائب يطلق بالأهلة والشهور " (3). وقد يجعل هذه الأخبار مخصصة للأخبار المطلقة ويحمل اختلاف الأخبار المخصصة على اختلاف النساء بحسب عاداتهن حيث إن بعضهن ترى الدم في كل شهر مرة وبعضهن في شهرين أو ثلاثة أشهر أو أزيد مرة، ولا يخفى الإشكال في هذا الجمع لأن الغالب في النساء رؤية الدم في كل شهر مرة فكيف يحمل رواية جميل بن دراج على غير الغالب وكذا رواية إسحاق بن عمار، ثم إنه كيف يقبل الأخبار المطلقة التخصيص مع التعبير بأنه خمس يطلقن على كل حال، فلولا مخالفة المشهور لأمكن حمل الأخبار المخصصة على الاستحباب ويشهد له سؤال الراوي في خبر إسحاق المذكور " حد دون ذا " وظاهر الأخبار عدم الفرق بين صورة غيبة الزوج وكون المرأة في حال الطهر الذي واقعها فيه وبين كونها طاهرا في طهر لم يواقعها فيه وبين كونها في حال الحيض فمع لزوم الأخذ بالأخبار المخصصة الظاهر جواز الاكتفاء بمضي شهر لموثق إسحاق المذكور. وقد يقال: إن النزاع في اعتبار المدة وعدمها وفي مقدارها على الأول في الغائب عنها في طهر المواقعة لمكان إرادة تعرف الانتقال منه وعدمه لا مطلقا ضرورة عدم


(1) التهذيب ج 2 ص 267 (2) الفقيه باب طلاق الغالب تحت رقم 2. (3) الكافي ج 6 ص 79.

[ 502 ]

مدخلية المدة كائنة ما كانت في تعرف حيضها وعدمه حاله. ويمكن أن يقال: لم يظهر من الأخبار المذكورة كون العلة تعرف الانتقال حتى يتوجه ما ذكر وإن أمكن كونه حكمة، ألا ترى اختلاف الأخبار في المدة فمع تعرف الانتقال لمضي شهرين لا حاجة إلى الغيبة إلى مضي ثلاثة أشهر أو خمسة أشهر أو ستة أشهر. وأما كون المحبوس كالغائب فاستدل عليه بما رواه في الكافي ورواه في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تزوجت امرأة سرا من أهلها وهي في منزل اهلها وقد أراد أن يطلقها وليس يصل إليها ليعلم طمثها إذا طمثت ولا يعلم بطهرها إذا طهرت، قال: فقال: هذا مثل الغائب عن أهله يطلقها بالأهلة والشهور، قلت: أرأيت إن كان يصل إليها الأحيان والأحيان لا يصل إليها فيعلم حالها كيف يطلقها؟ فقال: إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيه فيطلقها إذا نظر إلى غرة الشهر الآخر بشهود ويكتب الشهر الذي يطلقها فيه ويشهد على طلاقها رجلين، فإذا مضى ثلاثة أشهر فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب وعليه نفقتها في تلك الثلاثة الأشهر التي تعتد فيها " (1). وما رواه في الكافي عن الحسن بن علي بن كيسان قال: " كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامة وأراد أن يطلقها وقد كتمت حيضها و طهرها مخافة الطلاق، فكتب عليه السلام يعتزلها ثلاثة أشهر ويطلقها " (2). والظاهر حمل ثلاثة أشهر في هذا الخبر وتربص الأهلة والشهور في الخبر السابق محمولان على الاستحباب وكفاية شهر واحد ويشهد لها بعض الأخبار السابقة و قوله عليه السلام على المحكي في الخبر السابق " إذا مضى له لا يصل إليها - الخ ". (ويشترط رابع وهو أن يطلق في طهر لم يجامعها فيه ويسقط اعتباره في الصغيرة


(1) الكافي ج 6 ص 86 واللفظ له والفقيه باب طلاق السر تحت رقم 1 (2) المصدر ج 6 ص 98.

[ 503 ]

واليائسة والحامل. أما المسترابة فإن تأخرت الحيضة صبرت ثلاثة أشهر ولا يقع طلاقها قبله وفي اشتراط تعين المطلقة تردد). أما اشتراط كون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه الظاهر أنه مجمع عليه ويدل عليه الأخبار وقيل: إنها متواترة. فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن أذينة عن زرارة ومحمد بن مسلم وبكير بن أعين وغيرهم عن أبي جعفر عليهما السلام وعن ابنه بعد أبيه عليه السلام بصورة ما قالوا وإن لم أحفظ حروفه غير أنه لم يسقط جمل معناه: " أن الطلاق الذي أمر الله به في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله أن المرأة إذا ما حاضت وطهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقه ". (1) وما رواه في الكافي بالسند المذكور عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: " إذا طلق الرجل في دم النفاس أو طلقها بعد ما يمسها فليس طلاقه إياها بطلاق ". (2) وما رواه في الكافي، عن ابن اذينة في الصحيح، عن بكير وغيره، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " كل طلاق لغير العدة فليس بطلاق أن يطلقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض فليس طلاقها بطلاق - الحديث (3) " إلى غير ذلك من الاخبار. وأما سقوط اعتبار الشرط المذكور بالنسبة إلى المذكورات في المتن فلا خلاف فيه ظاهرا وتدل عليه جملة من الأخبار منها ما رواه في الكافي عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس بطلاق خمس على كل حال: الغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي لم يدخل بها، والحلبي، والتي قد يئست (4) " وغيره من الأخبار المذكورة السابقة. وما رواه في الخصال عن حماد بن عثمان في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خمس يطلقن على كل حال: الحامل، والتي قد يئست من المحيض


(1) التهذيب ج 2 ص 258 (2) الكافي ج 6 ص 60 (3) الكافي ج 6 ص 61 (4) الكافي ج 6 ص 79.

[ 504 ]

والتي لم يدخل بها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تبلغ المحيض " (1). والمذكور في غير المروي في الخصال " التي لم تحض " والشيخ ومن تأخر عنه فهموا منه الصغيرة فجعلوها من الخمس، واستشكل عليهم بأن التي لم تحض لا تختص بغير البالغة بل تشمل البالغة التي لم تر الدم. واجيب بأن المراد غير البالغة بملاحظة التعبير في المروي في الخصال بالتي لم تبلغ المحيض. ويمكن أن يقال: لا ظهور للتي لم تبلغ المحيض في خصوص غير البالغة وثانيا لا يستفاد منه نفي الحكم عن التي بلغت ولم تحض فإن ذكر فرد موردا لا يوجب تخصيص الحكم نعم يستفاد أن المراد غير البالغة، مما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: ثلاث يتزوجن على كل حال: التي لم تحض ومثلها لا تحيض، قال: قلت: وما حدها؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين، والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، قال: قلت: وما حدها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة " (2). وأما المسترابة والمراد منها من كانت في سن من تحيض ولا تحيض، سواء كان عدم الحيض خلقة أو لعارض فمع تأخر الحيضة ثلاثة أشهر صح طلاقها ولا يقع قبل ثلاثة أشهر ويدل عليه ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن داود بن أبي يزيد العطار عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المرأة يستراب بها ومثلها تحمل ومثلها لا تحمل ولا تحيض وقد واقعها زوجها كيف يطلقها أذا أراد طلاقها؟ قال: ليمسك عنها ثلاثة أشهر ثم يطلقها " (3). وأما اشتراط تعيين المطلقة ففيه خلاف قد يقال بالبطلان مع عدم التعيين كأن يقول: " إحدى زوجاتي طالق " أو يقول: " هذه طالق " أو هذه، من جهة قول أبي جعفر عليهما السلام في صحيح محمد بن مسلم على المحكي: " إنما الطلاق أن يقول في قبل العدة


(1) المصدر ج 1 ص 20 (2) المصدر ج 6 ص 85 (3) المصدر ج 6 ص 97.

[ 505 ]

بعد ما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها " أنت طالق " أو " اعتدي " يريد بذلك الطلاق ويشهد على ذلك رجلين عدلين " وصدر هذه الرواية " أنه سأل أبا جعفر عليهما السلام عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام أو بائنة أو بتة أو بريئة أو خلية قال: هذا كله ليس بشئ إنما الطلاق - الخ " (1). وخبر محمد بن أحمد بن المطهر قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليهما السلام أني تزوجت بأربع نسوة ولم أسأل عن أساميهن ثم إني أردت طلاق إحداهن و أتزوج امرأة أخرى؟ فكتب عليه السلام إلي: انظر إلى علامة إن كانت بواحدة منهن فتقول: أشهدوا أن فلانة التي بها علامة كذا وكذا هي طالق، ثم تزوج الأخرى إذا انقضت العدة " (2) مضافا إلى استصحاب بقاء النكاح المتوقف زواله على السبب الشرعي المحتمل مدخلية ذكر ما يقتضي التعيين لا أقل من الشك في تناول العمومات التي لم تسق لبيان مشروعية مسمى الطلاق، ويمكن أن يقال: أما رواية محمد بن مسلم الصحيحة أو الحسنة فالظاهر أنها في مقام بطلان إيقاع الطلاق بالصيغ المذكورة فالحصر راجع إلى غير جهة التعيين وإلا لزم بطلان الطلاق إذا لم يقل: أنت طالق، بل قال: هند طالق، أو زوجتي طالق مع تعيين الزوجة. وأما الخبر الثاني فمع قطع النظر عن سنده لعل مراد الزوج أن يطلق إحداهن المعينة وطريق التعيين غالبا الاسم ولم يكن له هذا الطريق حيث قال: " لم أسأل عن أساميهن فقال الإم عليه السلام على المحكي: " انظر إلى علامة الخ " فلا يستفاد منه لزوم التعيين. وأما الاستصحاب فمع قطع النظر عن الإشكال في جريانه في الشبهات الحكمية يشكل جريانه من جهة شمول حديث الرفع لكل ما شك في شرطيته وكان بيانها راجعا إلى الشارع إن استشكل في إطلاق الأدلة ومع الإطلاق لا إشكال.


(1) المصدر ج 6 ص 69 (2) التهذيب ج 2 ص 249.

[ 506 ]

وأما الإشكال من جهة إبهام المطلقة فغير متوجه ألا ترى أن الأختين بعد حرمة الجمع بينهما في النكاح يكون المحرم منهما ما به يتحقق الجمع فهو إحداهما لا بعينها هذا غاية ما يمكن أن يقال والمسألة بعد محل الاشكال عند الأعلام. (الركن الثالث في الصيغة ويقتصر على طالق تحصيلا لمورد الاتفاق ولا يقع بخلية ولا بريئة، وكذا لو قال: اعتدي، ويقع لو قال: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم ويشترط تجريده عن الشرط والصفة. ولو فسر الطلقة باثنين أو ثلاث صحت واحدة وبطلت التفسير. وقيل يبطل الطلاق ولو كان المطلق يعتقد الثلاثة لزم). قد يقال: إن النكاح لما كان عصمة مستفادة من الشرع وقف زواله على رافع شرعي وسبب من جانب الشارع يوجب رفع ذلك وقد اتفق النص والفتوى على الصحة بلفظ الطلاق بإضافته إلى لفظ يدل على التعيين وما عدا ذلك فيجب نفيه إلى أن يثبت دليل على صحة الوقوع به. ويمكن أن يقال: مرجع ما ذكر إلى استصحاب بقاء العصمة الزوجية ما لم يدل دليل على ارتفاعها وهذا لا يختص بباب الطلاق بل يجري في نوع أبواب المعاملات، فإن تم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فله وجه لكنه يتم لو لم يكن عموم أو إطلاق لأنه لا مجال للأصل مع الدليل الاجتهادي بل مع عدم الدليل الاجتهادي أيضا لا يبعد التمسك بحديث الرفع في رفع الشرطية أو الجزئية فيما كان بيانه راجعا إلى الشرع. لكن الذي يسهل الخطب أنه يستفاد من الأخبار الخاصة انحصار تحقق الطلاق بإيقاعه بالصيغة الخاصة والأخبار الواردة في المقام منها ما روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم أنه " سأل أبا جعفر عليهما السلام عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية قال: هذا كله ليس بشئ إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدة بعد ما تطهر من حيضتها قبل أن يجامعها: أنت طالق أو اعتدي يريد بذلك الطلاق ويشهد على ذلك رجلين عدلين ". (1)


(1) المصدر ج 6 ص 69.

[ 507 ]

ونقل العلامة في المختلف (1) عن البزنطي قال: روى أحمد بن محمد بن أبي نصفي كتاب الجامع عن محمد بن سماعة، عن محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام " في رجل قال لامرأته أنت حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية فقال: ليس بشئ: إنما الطلاق أن يقول لها من قبل عدتها قبل أن يجامعها: أنت طالق. ويشهد على ذلك رجلين عدلين " وهذه الرواية خالية من الزيادة التي في سابقتها. وفي الكافي، عن الحسن بن سماعة: " ليس الطلاق إلا كما رواه بكير بن أعين أن يقول لها - وهي طاهر من غير جماع -: أنت طالق ويشهد شاهدين عدلين وكل ما سوى ذلك فهو ملغى " (2). وفي قبال ما ذكر أخبار أخر منها خبر السكوني عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن علي عليه السلام " عن الرجل يقال له: طلقت امرأتك؟ فيقول: نعم، قال: قد طلقها حينئذ " (3). ومرسل عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت: رجل طلق امرأته من هؤلاء ولي بها حاجة، قال: فتلقاه بعدما طلقها وانقضت عدتها عند صاحبها فتقول له: اطلقت فلانة؟ فإن قال: نعم فقد صارت تطليقة على طهر، فدعها من حين طلقها تلك التطليقة حتى تنقضي عدتها ثم تزوجها فقد صارت تطليقة بائنة " (4) وموثق إسحاق عنه عليه السلام أيضا " في رجل طلق امرأته ثلاثا فأراد رجل أن يتزوجها فكيف يصنع؟ فقال: يدعها حتى تحيض وتطهر، ثم يأتيه ومعه رجلان شاهدان فيقول: أطلقت فلانة؟ فإذا قال: نعم، تركها ثلاثه أشهر ثم خطبها إلى نفسه " (5).


(1) المصدر ص 304 والتهذيب ج 2 ص 260 والاستبصار ج 3 ص 277 (2) المصدر ج 6 ص 70 والتهذيب ج 2 ص 260 (3) التهذيب ج 2 ص 260 (4) الكافي ج 5 ص 423 (5) المصدر ج 5 ص 424.

[ 508 ]

ونحوه موثقه الآخر وموثق حفص بن البختري (1) عن أبي عبد الله عليه السلام. وقد تحمل هذه الأخبار على الإقراء بالطلاق، لا أن يراد من قول " نعم " إنشاء الطلاق ولا يخفى بعد هذا الحمل فإن خبر السكوني ظاهر في أنه حين إذ يقول: " نعم " قد طلقها. ومرسل عثمان في تحقق الطلاق بعد قوله:، " نعم " وإن كان هذا خلاف ما هو المعروف من الالزام بما ألزموا على أنفسهم ويكفي في صحة التزوج الطلاق السابق وكذلك موثق إسحاق وموثقه الآخر وموثق حفص بن البختري فالعمدة عدم عمل المشهور بهذه الأخبار وإلا لأمكن الجمع بين ما دل على الحصر وهذه الأخبار بأن ما دل على الحصر، على الحصر بالإضافة إلى مثل برية أو بتة أو خلية وما يماثلها دون ما يقع مقام الطلاق ألا ترى أنه لا إشكال ظاهر في عدم لزوم بعض الخصوصيات كلفظ أنت و عدم لزوم بعض الخصوصيات بالنسبة إلى بعض المطلقات أعني الخمس اللاتي يطلقن على كل حال. وقد حكي عن الشيخ وغيره وقوع الطلاق بعد سؤال وقول الرجل " نعم " وفي المتن جوز المصنف واستشكل في الشرايع. وأما وقوعه بقول الرجل للمرأة اعتدي فالمشهور عدمه وإن ورد في بعض الأخبار وقوع الطلاق به ويعارضه الخبر الآخر. وأما اشتراط تجريده عن الشرط والصفة فادعي الإجماع عليه ومثل لعدم التجريد عن الشرط بأن يعلق الطلاق على نحو مجئ زيد المحتمل، ولعدم التجريد عن الوصف التعليق بالمعلوم الحصول بأن يعلق الطلاق بنحو طلوع الشمس والعمدة الإجماع المدعي. وأما الاستدلال بنصوص الحصر ومنافاته لقاعدة عدم تأخر المعلول عن علته إذ السبب الشرعي كالسبب العقلي بالنسبة إلى ذلك فيشكل لإمكان أن يقال: نصوص الحصر ناظرة إلى الصيغة التي يقع به الانشاء لا التنجيز والتعليق فتأمل.


(1) التهذيب ج 2 ص 264.

[ 509 ]

واما قاعدة عدم تأخر المعلول عن العلة فلم تنخرم كالايجاب المشروط فحيث لا يتوقع منه تقدم الوجوب بل ينظر إلى تحقق الشرط بالنحو المذكور في الواجب المشروط فكذلك نقول في المقام. نعم الظاهر عدم الإشكال في صحة التعليق على الشرط الذي علق الصحة عليه شرعا كالزوجية والدوام والطهارة عن الحيض والنفاس كما ذكر نظيره في مثل البيع و الاجارة إلا أن يستشكل من جهة ما دل على الحصر. ولو فسر الطلقة باثنتين أو ثلاث كأن يقول: أنت طالق ثلاثا فلا إشكال في عدم وقوع اثنتين أو الثلاث وكأنه من ضروريات مذهب الشيعة ويدل عليه الأخبار منها ما رواه في الكافي، عن زرارة في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد وهي طاهر، قال: هي واحدة " (1). وفي الصحيح أو الحسن عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن الذي يطلق في حال طهر في مجلس ثلاثا، قال: هي واحدة " (2). وفي الصحيح عن أبي بصير الأسدي ومحمد بن علي الحلبي، وعمر بن حنظلة جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الطلاق ثلاثا في غير عدة. إن كانت علي طهر فواحدة وإن لم تكن على طهر فليس بشئ) (3) إلى غير ما ذكر من الأخبار. وفسر قوله " في غير عدة " أي إذا لم يكن للعدة بأن يرجع في العدة ويجامع. وما رواه الكليني في الصحيح عن شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " قلت: فطلقها ثلاثا في مقعد؟ قال: ترد إلى السنة، فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة " (4). والاخبار المخالفة للأخبار المذكورة محمولة على التقية والمعروف وقوع الواحدة مع تكرير الصيغة ثلاثا. ويقع الاشكال في وقوع الواحدة إن قال: " أنت


(1) و (2) المصدر ج 6 ص 71 والتهذيب ج 2 ص 264 (3). المصدر ج 6 ص 71 (4) المصدر ج 6 ص 125.

[ 510 ]

طالق ثلاثا) فالمحكي عن الشهيد في شرح الإرشاد الاستدلال بهذه الأخبار على وقوع واحدة واستشكل بأن المتبادر من قوله طلق ثلاثا أنه أوقع الطلاق بثلاث صيغ إذ لا يصدق على من قال " سبحان الله عشرا " أنه سبح الله عشر مرات، ويمكن أن يقال: هذا لو لم يكن متعارفا بين الناس ومع التعارف بينهم فترك الاستفصال يقتضي وقوع الواحدة في الصورتين وقيل ببطلان الطلاق وعدم وقوع الواحدة، ويشهد لهذا القول خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام " من طلق ثلاثا في مجلس فليس بشئ ومن خالف كتاب الله رد إلى كتاب الله تعالى " (1) والسنة النبوية صلى الله عليه وآله التي منها رد النبي صلى الله عليه وآله طلاق ابن عمر ثلاثا فكل من طلق على خلاف السنة رد إليها. ومكاتبة عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام " جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يطلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقة واحدة، فوقع عليه السلام بخطه أخطأ على أبي عبد الله عليه السلام إنه لا يلزمه الطلاق ويرد إلى الكتاب والسنة إن شاء الله " (2). وخبر هارون بن خارجة عن أبي عبد الله عليه السلام المروي عن كتاب الخرائج قال: " قلت: إنى ابتليت فطلقت أهلي ثلاثا في دفعة فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشئ إلا أن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله عليه السلام، فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شئ " (3). وقد يقوى هذا القول من حيث النصوص ضرورة احتمال النصوص المزبورة أرادة من طلق ثلاثا بتكرر الصيغة المصرح به في خبر الصيرفي عن جعفر عن أبيه أن عليا عليهم السلام كان يقول: " إذا طلق المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثا في كلمة واحدة فقد بانت منه ولا ميراث بينهما ولا رجعة ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وإن قال: هي طالق هي طالق هي طالق فقد بانت منه بالأولى وهو خاطب من الخطاب إن شاءت نكحته نكاحا


(1) التهذيب ج 2 ص 265 والاستبصار ج 3 ص 287 (2) الوسائل ابواب مقدمات الطلاق ب 29 ج 29.

[ 511 ]

جديدا وإن شاءت لم تفعل " (1) المحمول صدره على التقية أو غيرها إذ هو مخالف للقولين معا، بل قد يقال: لو كان الحكم فيه كالصورة الأخيرة لكان المتجه الجواب عنهما بجواب واحد وهو وقوع الطلاق إذ الحكم في الصورتين متحد عند العامة ولو سلم تناول النصوص للصورتين ولو لكون ذلك متعارفا بين العامة إلا أن ذلك لا يعارض التصريح بعدمه في المكاتبة السابقة. ويمكن أن يقال: بعد ما كان المتبادر لفظ طلق ثلاثا في قول الامام على المحكي في خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام المذكور تكرير الصيغة كيف يحمل الأخبار الدالة على وقوع الواحدة على صورة التكرير فالمعارضة بين الأخبار باقية فمع الأخذ بالأخبار الدالة على عدم الصحة ولا واحدة أمكن تخصيصها بما دل على صحته مع التكرير من جهة خبر أبي بصير المذكور ثانيا إلا أن يقال: من المستبعد جدا في صورة تكرار الصيغة بطلان الأولى بحيث تكون صحتها منوطة بعدم التكرير فيكون النظر في السؤال والجواب إلى غير هذه الصورة أو حمل ما دل على الفساد على وقوع الثلاثة ولو كان المطلق يعتقد الثلاثة لزم وادعي عليه الاجماع ويدل عليه خبر عبد الأعلى عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا قال: إن كان مستخفا بالطلاق ألزمته ذلك " (2). وعن أبي العباس قال: " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام قال: فقال لي: اروعني أن من طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه " (3). وما رواه في التهذيب عن جعفر بن محمد بن عبيد الله، عن أبيه قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن تزويج المطلقات ثلاثا فقال لي: إن طلاقكم لا يحل لغيركم وطلاقهم يحل لكم لانكم لا ترون الثلاث شيئا وهم يوجبونها " (4).


(1) التهذيب ج 2 ص 264 (2) التهذيب ج 2 ص 266 والاستبصار ج 3 ص 292 (3) التهذيب ج 2 ص 266 (4) التهذيب ج 2 ص 244 و 266 والاستبصار ج 2 ص 293.

[ 512 ]

(الركن الرابع في الإشهاد ولابد من شاهدين يسمعانه ولا يشترط استدعائهما إلى السماع، ويعتبر فيهما العدالة، وبعض الأصحاب يكتفي بالإسلام، ولو طلق ولم يشهد ثم أشهد كان الأول لغوا ولا تقبل فيه شهادة النساء). لا خلاف في لزوم الإشهاد في الطلاق ويدل عليه الكتاب والسنة منها قوله عليه السلام على المحكي في صحيحة محمد بن مسلم " طلاق السنة يطلقها تطليقة يعني على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين - الحديث " (1). وقوله عليه السلام على المحكي في صحيحة زرارة: " فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدين على ذلك - الحديث " (2). وقوله عليه السلام على المحكي في صحيحة أبي بصير " فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين - إلى أن قال - فإن طلقها واحدة أخرى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم تركها حتى يمضى إقراؤها - إلى أن قال - أيضا وأما طلاق الرجعة فإنه يدعها حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها بشهادة شاهدين - الحديث " (3). وفي حسنة زرارة ومحمد بن مسلم ومن معهما عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: " وإن طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق " (4). وحسنة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " الطلاق لا يكون بغير شهود وأن الرجعة بغير شهود - الحديث " (5). وفي رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من طلق بغير


(1) الكافي ج 6 ص 64 والتهذيب ج 2 ص 257 (2) الكافي ج 6 ص 64. الاستبصار ج 3 ص 268 (3) المصدر ج 6 ص 66 التهذيب ج 2 ص 257 (4) الكافي ج 6 ص 60 (5) التهذيب ج 2 ص 261.

[ 513 ]

شهود فليس بشئ " (1) إلى غير ذلك من الأخبار. والظاهر أن اعتبار السماع من جهة عدم صدق الشهادة بدون السماع ولازم هذا عدم كفاية حضور العدلين مع عدم السماع لصمم أو غيره، والظاهر عدم الإشكال في صدق الشهادة مع عجز المطلق عن التلفظ كما في طلاق الأخرس حيث لا يوجبون التوكيل بل يكتفى بإشارته فمع توجه الشاهد الأصم حركة المطلق المقارنة لإنشاء الطلاق من دون أن يسمع اللفظ كيف لا تصدق الشهادة مع أنه لم يظهر من أخبار المسألة اعتبار خصوص السماع. والظاهر عدم اعتبار استدعاء الشهادة لصدق الشهادة بدون الاستدعاء مضافا إلى ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: " سألت أبا - الحسن عليه السلام عن رجل كانت له امرأة طهرت من حيضها فجاء إلى جماعة فقال: فلانة طالق أيقع عليها الطلاق، ولم يقل: اشهدوا؟ قال: نعم " (2). وعن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " سألته عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق وقوم يسمعون كلامه ولم يقل لهم اشهدوا أيقع الطلاق عليها؟ قال: نعم هذه شهادة " (3). والمحكى عن صاحب المدارك في شرحه للنافع اعتبار تميز الشاهدين المطلق والمطلقة لعدم تحقق الإشهاد بدون ذلك مضافا إلى ما رواه الكليني عن محمد بن أحمد ابن مطهر قال: " كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام إني تزوجت نسوة لم أسئل عن أسمائهن ثم أريد طلاق إحديهن وتزويج امرأة أخرى؟ فكتب عليه السلام: انظر إلى علامة إن كانت بواحدة منهن فتقول: اشهدوا أن فلانة التي لها علامة كذا وكذا هي طالق، ثم تزوج الاخرى إذا انقضت العدة (4) ".


(1) الكافي ج 6 ص 60 والتهذيب ج 2 ص 263 (2 و 3) الكافي ج 6 ص 72 والتهذيب ج 2 ص 263 (4) تقدم ص 505.

[ 514 ]

واجيب عنه بأن المعرفة الاجمالية ولو بمجرد الاسم لابد منها والزائد عليها لا دليل عليه. وأما الخبر المذكور فهو دليل على لزوم تعيين المطلقة وحيث لا يعرف الأسماء فلا بد له من التعيين بنحو آخر. ويدل على عدم لزوم المعرفة التفصيلية ما رواه في الكافي بوسائط عن أبي بصير يعني المرادي قال: " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن رجل يتزوج أربع نسوة في عقدة واحدة أو قالت في مجلس واحد ومهورهن مختلفة قال: جائز له ولهن، قلت: أرأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان فطلق واحدة من الأربع وأشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد وهم لا يعرفون المرأة، ثم تزوج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدة المطلقة، ثم مات بعد ما دخل بها كيف يقسم ميراثه؟ قال: إن كان له ولد فإن للمرأة التي تزوجها أخيرا ربع ثمن ما ترك وإن عرفت التي طلقت بعينها ونسبها فلا شئ لها من الميراث وليس عليها العدة، قال: وتقسم الثلاث النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك وعليهن العدة وإن لم تعرف التي طلقت من الأربع قسمن النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعا وعليهن جميعا العدة (1) " ورواه الشيخ في الصحيح عن الحسن ابن محبوب وطريقه إليه صحيح. ويمكن الاستدلال بترك الاستفصال في روايه أحمد بن محمد بن أبي نصر ورواية صفوان المذكورتين. وأما اعتبار العدالة في الشاهدين فهو المشهور واستدل عليه بظاهر قوله تعالى " وأشهدوا ذوي عدل منكم " والتقريب أن الخطاب للمسلمين فالإسلام مستفاد من قوله " منكم " ويبقى العدالة أمرا زائدا على الإسلام فلا يكفي الإسلام. وبعد ملاحظة الأخبار الواردة في المقام لا مجال للخدشة في استفادة اعتبار العدالة من قوله تعالى " و أشهدوا - الخ " منها قول الصادقين عليهما السلام على المحكي في حسنة الفضلاء " وإن طلقها


(1) الكافي ج 7 ص 131 والتهذيب ج 2 ص 275.

[ 515 ]

في استقبال عدتها طاهر من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق (1) ". وقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في حسنة بكير وغيره " وإن طلقها للعدة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق (2) ". وقول أمير المؤمنين عليه السلام على المحكي في رواية محمد بن مسلم " أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمر الله عزوجل؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإن طلاقك ليس بشئ (3) " إلى غير ذلك. والمحكي عن الشيخ (4) وغيره الاكتفاء بمجرد الإسلام وقد يستدل لهذا القول برواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الحسنة قال: " سألت أبي الحسن عليه السلام عن رجل طلق امرأته بعد ما غشيها بشهادة شاهدين عدلين؟ قال: ليس هذا طلاقا، فقلت: جعلت فداك كيف طلاق السنة؟ فقال: يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشهادة عدلين كما قال الله عزوجل في كتابه فإن خالف ذلك يرد إلى كتاب الله، فقلت له: فإن طلق على طهر من غير جماع بشاهد وامرأتين؟ فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق وقد تجوز شهادتهن مع غيرهن في الدم إذا حضرته، فقلت: فإن أشهد رجلين ناصبيين على الطلاق أيكون طلاقا؟ فقال: من ولد على الفطرة اجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خيرا (5) ". وتقريب الاستدلال بأنه بعد ما صدر الرواية باشتراط شهادة عدلين ثم اكتفى بما ذكر يستفاد منها أن العدالة هي الإسلام. وبصحيحة عبد الله بن سنان قال: " قلت للرضا عليه السلام: رجل طلق امرأته وأشهد


(1) تقدم ص 512 (2) الكافي ج 6 ص 61 (3) المصدر ج 6 ص 60 (4) راجع النهاية له. (5) الكافي ج 6 ص 67 والتهذيب ج 2 ص 263 واللفظ له.

[ 516 ]

شاهدين ناصبيين؟ قال: كل من ولد على الفطرة وعرف بصلاح في نفسه جازت شهادته (1) ". وقد شدد النكير بأنه مع اعتبار العدالة كتابا وسنة كيف تجوز شهادة الناصب؟ ويمكن أن يقال: لا ظهور في الروايتين في جواز شهادة النصاب ولعل المقام نظير ما لو استأذن الخادم مخدومه في دخول شخص يكون من أعداء المخدوم عليه فيقول المخدوم: ليدخل علينا من يعرف بالصلاح فهذا ليس إذنا في دخول هذا الشخص الذي يكون من الأعداء حيث لم يرد المخدوم التصريح بالمنع بل أراد المنع من دخول العدو بنحو آخر. وأما الجمع بين الصدر والذيل في الرواية الأولى فإما بأن يكون معروفية الخيرية فيها طريقا إلى العدالة بمعنى الملكة كما جعل حضور الانسان لصلاة الجماعة أمارة العدالة في صحيح ابن أبي يعفور المذكور في تعريف العدالة، وإما بنحو الحكومة وكفاية حسن الظاهر واقعا وتظهر الثمرة في صوره انكشاف الخلاف والتفصيل مذكور في كتاب الصلاة، وعلى كل تقدير لا يستفاد من الروايتين كفاية مجرد الإسلام. ولابد من اجتماع شاهدين حال إنشاء الطلاق واستدل عليه بما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن البزنطي قال: " سألت أبي الحسن عليه السلام عن رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع وأشهد اليوم رجلا ثم مكث خمسة أيام ثم أشهد آخر؟ و قال: إنما امرأن يشهدا جميعا (2) ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن ابن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: " سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق؟ فقال: نعم وتعتد من أول الشاهدين، وقال: لا يجوز حتى يشهدا جميعا (3) " بأن يكون المراد من صدر الخبر الأداء بمعنى جواز تفريق الشاهدين


(1) التهذيب ج 2 ص 86 عن عبد الله بن المغيرة. (2) الكافي ج 6 ص 71 والتهذيب ج 2 ص 263. (3) التهذيب ج 2 ص 263 والاستبصار ج 3 ص 285.

[ 517 ]

في أداء الشهادة ولهذا قال من أولهما فإن إخبارها بالطلاق بعد وقوعه كاف في الشروع في العدة. والتزويج يتوقف على الثاني لثبوت الطلاق بذلك، و عجز الخبر يراد به التأمل، ولا يخفى الاشكال في توجيه هذا الصحيح بالنحو المذكور فإن السائل لم يسئل عن كيفية أداء الشهادة بل الظاهر أن سؤاله عن تفريق الشاهدين في الشهادة المعتبرة في صحة الطلاق ولا أقل من كونه المتيقن من سؤاله ثم إن الاعتداد من زمان وقوع الطلاق لا من زمان أداء الشهادة ولعله يؤيد قوله عليه السلام على المحكي " وتعتد من أول الشاهدين " كون النظر إلى الشهادة المعتبرة في تحقق الطلاق والتزويج لا يتوقف على شهادة الشاهدين بل إخبار المرأة كاف في جواز التزويج، هذا ولكن المعروف لزوم اجتماع شاهدين وقت إيقاع الطلاق ويدعى ظهور الكتاب العزيز والسنة في هذا. وأما عدم قبول شهادة النساء لا منفردات ولا منضمات فلما في رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي المذكورة من قوله عليه السلام على المحكي " لا تجوز شهادة النساء في الطلاق (1) ". وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " سئل عن شهادة النساء في النكاح قال: تجوز إذا كان معهن رجل، وكان علي عليه السلام يقول: لا أجيزها في الطلاق (2) " إلى غير ذلك من الأخبار. (النظر الثاني في أقسامه، وينقسم إلى بدعة وسنة. فالبدع طلاق الحائض مع الدخول وحضور الزوج أو غيبته دون المدة المشترطة وفي طهر قد قربها فيه. و طلاق الثلاث المرسلة (3) وكله لا يقع). بعد ما ثبت اشتراط الطلاق بخلو المرأة عن الحيض مع الدخول وحضور الزوج أو غيبته مع مضي المدة المشترطة، ووقوعه في طهر لم يقربها فيه واشتراط الطلاق


(1) الكافي ج 6 ص 68 والتهذيب ج 2 ص 263 (2) التهذيب ج 2 ص 82 (3) اي طلاق الثلاث من غير رجعة بينها.

[ 518 ]

الثاني والثالث بالوقوع بعد الرجعة، فالطلاق الواقع مع فقدان الشرائط لا يصح فإيقاعه بقصد التشريع محرم لكونه بدعة محرمة فان كان النظر في التعبير بالبدعة إلى ما ذكر فلا إشكال لكنه لا اختصاص بباب الطلاق، وإن كان النظر إلى غير ما ذكر فلابد من إثبات الحرمة بالدليل والادلة على الاشتراط لا تفي بها. (وطلاق السنة ثلاث: بائن، ورجعى، وللعدة. فالبائن ما لا يصح معه الرجعة وهو طلاق اليائسة على الأظهر. ومن لم يدخل بها. والصغيرة. والمختلعة. والمبارات ما لم ترجعا في البذل. والمطلقة ثلاثا بينها رجعتان. والرجعي: ما يصح معه الرجعة ولو لم يرجع. وطلاق العدة ما يرجع فيه ويواقع، ثم يطلق فهذه تحرم في التاسعة تحريما مؤبدا وما عداه تحرم في كل ثالثة حتى تنكح غيره). لا يخفى أن الطلاق العدي على هذا قسم من الرجعي وليس قسيما له وإن قلنا بأنه المجموع المركب فهو مركب من الرجعي والبائن وبهذا الاعتبار يصح أن يكون قسيما للبائن والرجعي ثم إن البائن ما لا يصح فيه الرجعة وهو طلاق اليائسة بناء على عدم العدة فيها مع الدخول كما هو المشهور ومن لم يدخل بها والصغيره والمختلعة والمبارات ما لم ترجعا في البذل، والمطلقة ثلاثا بينها رجعتان سواء كان الرجع برجع الزوج المرأة إليه أو بعقد جديد فالنسوة المذكورة بعضها لا موجب لاعتدادها فلا رجع للزوج حيث إن الرجع في العدة وبعضها عليها الاعتداد، لكن ليس للزوج الرجع في العدة والرجعي ما يصح معه الرجعة. وطلاق العدة فسر بالمذكور، يترتب عليه التحريم الأبدي في التاسعة منه. وفي المقام إشكال وهو أن تحريم التاسعة بحسب الأخبار لا اختصاص له بالعدي المذكور والأخبار الواردة منها ما رواه الكليني، عن زرارة بن أعين، وداود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الملاعنة إذا لاعنها زوجها لم تحل له أبدا، و الذي يتزوج المرأه في عدتها وهو يعلم لا تحل له ابدا، والذى يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات لا تحل له أبدا، والمحرم إذا تزوج

[ 519 ]

وهو يعلم أنه حرام عليه لا تحل له أبدا " (1). وفي الصحيح، عن جميل بن دراج، وابراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام قال: " إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت ثم طلقها زوجها فتزوجها الاول، ثم طلقها فتزوجت رجلا [ آخر ] ثم طلقها فتزوجها الأول ثم طلقها الزوج الأول هكذا ثلاثا لم تحل له أبدا (2) ". وهذان الخبران يستفاد منهما حرمة المطلقة تسعا من دون تقييد بكون الطلاق عديا، ومنها يستفاد منه انحصار الطلقات التسع المحرمة أبدا بما إذا كانت الثلاث الأخيرة للسنة كرواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وسألته عن الذي يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق؟ قال عليه السلام: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيتزوجها رجل آخر فيطلقها على السنة ثم ترجع إلى زوجها الأول فيطلقها ثلاث مرات على السنة فتنكح زوجا غيره فيطلقها ثم ترجع إلى زوجها الأول فيطلقها ثلاث مرات على السنة، ثم تنكح فتلك التي لا تحل له أبدا (3) ". فإن كان المراد من السنة السنة بالمعنى الاخص كما لعله الظاهر، فالظاهر من هذه الرواية عدم كفاية كون الطلقات التسع للعدة، وإن كان النظر إلى كون الطلاق سنيا بالمعنى الاعم في قبال البدعي فتكون من قبيل الخبرين السابقين. ومنها ما دل على اعتبار كون الطلقات التسع المحرمة أبدا للعدة كما في المروي عن الخصال في تعدد المحرمات من قول الصادق عليه السلام " وتزويج الرجل امرأة طلقها للعدة تسع تطليقات " وما في المحكي عن الفقه الرضوي من قوله عليه السلام على المحكي " وأما طلاق العدة فهو أن يطلق الرجل امرأته على طهر من غير جماع، ثم يراجعها من يومه أو من غد أو متى يريد من قبل أن تستوفى قرءها وأدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق فيكون إنكار الطلاق مراجعة فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك


(1) الكافي ج 5 ص 425 (2) و (3) المصدر ج 5 ص 428. ووالاخير في الخصال ج 2 ص 46 مثله.

[ 520 ]

إلا بعد الدخول بها، وإذا أراد طلاقها تربص بها حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها فإن أراد مراجعتها راجعها فإن طلقها الثالثة فقد بانت ساعة طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإذا انقضت عدتها منه فتزوجها رجل آخر فطلقها أو مات عنها وأراد الأول أن يتزوجها فعل - إلى أن قال - فإن طلقها ثلاث تطليقات على ما وصفته لك واحدة بعد واحدة فقد بانت منه ولا تحل له بعد تسع تطليقات أبدا. واعلم أن كل من طلق تسع تطليقات على ما وصفته لم تحل له أبدا ". وقيل في الجمع بين الاخبار المذكورة بوجوه منها أن التعارض بين الرواية الأولى منها وبين الثانية والثالثة وإن كان بالاطلاق والتقييد إلا أنه بعد تعارض الثانية والثالثة وسقوطهما عن الحجية يكون إطلاق الاولى سليما عما يقيدها. وأورد عليه بأن التعارض بين الأخيرتين إنما أوجب سقوطهما عن الحجية بالنسبة إلى ما تعارضتا فيه وأما بالنسبة إلى ما تعاضدتا عليه من نفي الثالث فلا مانع من الأخذ بهما، ويمكن أن يقال مضافا إلى ما ذكر: إن الروايتين المتعارضتين لا - تسقطان عن الحجية بل لابد من الترجيح أو التخيير بحسب الأخبار فلا تبقى الأولى سليم عن المقيد ومنها حمل السنة في الثانية على السني بالمعنى الأعم المقابل للبدعي فتنطبق على الأولى الدالة على الاكتفاء بمطلق الطلقات التسع في التحريم الأبدي و حينئذ لابد من تقييد الأولى والثانية بالثالثة الدالة على اعتبار كون الطلقات التسع المحرمة أبدا للعدة وأورد عليه أولا بأنه كما يمكن حمل السنة في الثانية على مقابلة البدعة كذلك يمكن حمل العدة في الثالثة على الطلاق في طهر لم يواقعها فيه الذي هو ابتداء العدة على نحو قوله تعالى " فطلقوهن لعدتهن " كي تنطبق على الأولى وتقيد كلتاهما بالثانية الدالة على اعتبار كون الطلقات التسع المحرمة أبدا للسنة ولا مرجح في البين لأحد الحملين. ويمكن أن يقال: إن كان الحمل على السنة في قبال البدعة والحمل على العدة بالمعنى المذكور ليسا مخالفين للظاهر فلا تعارض في البين حتى يحتاج إلى التقييد، و ثانيا نقول: حمل السنة في الثانية على السنة بالمعنى الأعم، ثم تقييدها بالثالثة الدالة

[ 521 ]

على اعتبار كون الطلقات التسع المحرمة للعدة مستلزم لحمل المطلق على الفرد النادر فلابد من معاملة المتباينين والرجوع إلى المرجحات السندية، ومنها أن الأولى بضميمة القطع بأن الطلاق الذي لا تحل له معه حتى تنكح زوجا غيره هو مطلق الطلقات الثلاث، عدية كانت أو غيرها تكون كالصريح في الاكتفاء في الطلاق المحرم لها أبدا بمطلق الطلقات التسع فلا يبقى المعارضة إلا بينها وبين الثالثة الصريحة في اعتبار كون الطلقات التسع المحرمة أبدا للعدة وذلك لأن الثانية وإن كانت ظاهرة في اعتبار كون الثلاث الأخيرة من الطلقات التسع للسنة إلا أن ظهورها في ذلك ليس بمثابة يقاوم ظهور الأولى في الإطلاق إذ ليس حمل السنة فيها على السنة بالمعنى الأعم بعيدا. والمعارضة بين الأولى والثالثة وإن كانت بنحو الإطلاق والتقييد إلا أنه لا - يمكن المعاملة معهما معاملة المطلق والمقيد من جهة استلزامه لحمل المطلق على الفرد النادر، ولا يمكن المعاملة معهما معاملة المتباينين بالرجوع إلى المرجحات السندية لأن الرجوع إلى المرجحات السندية فيما إذا كان المتعارضان متنافيين بتمام مدلولهما وليسا في المقام كذلك لتوافق الطائفتين في أن التسع للعدة موجبة للحرمة الأبدية و إنما التعارض بينهما في اعتبار خصوص كونها للعدة في ذلك بعدم اعتباره بل لابد من الأخذ بما هو المتيقن منهما وهو كون التسع للعدة موجبة للحرمة الأبدية والرجوع في غيره إلى مقتضى عموم قوله تعالى " واحل لكم ما وراء ذلكم ". ويمكن أن يقال: قد سبق أن حمل السنة في الثانية على السنة بالمعنى الأعم المقابلة للبدعة ليس بالأولى من حمل العدة على المعنى المراد من قوله " فطلقوهن لعدتهن " فما الوجه في رفع اليد عن ظهور السنة من جهة إطلاق الأولى وعدم رفع اليد عن ظهور العدة، وثانيا ما ذكر من الأخذ بالقدر المتيقن يوجب رفع اليد عن الحجة الصريحة حسب ما ذكر بلا جهة لعدم شمول ما دل على الترجيح والتخيير حسب المفروض. وما قد يقال من أن العام يكون مرجعا ففي المقام عموم قوله تعالى " واحل لكم - الخ " يكون مرجعا مشكل لأن العام أيضا طرف المعارضة وليس حاله حال

[ 522 ]

الأصل الذي لا يكون الموافق والمخالف منه مأخوذا به في مرتبة الدليل الاجتهادي والخبر يمكن أن يخصص العام الكتابي. ولا يبعد الأخذ بمجموع الأخبار المذكورة بأن يقال مفاد الرواية الأخيرة الثالثة مدخلية كون الطلقات للعدة ومفاد الرواية الثانية مدخلية الطلقات الثلاث للسنة بالمعنى الأخص، ولعل تخصيصهما للرواية الأولى المطلقة لا يوجب حملها على الفرد النادر، ووجه الجمع بهذا النحو أن مدخلية العدة في الحرمة الأبدية لا توجب كونها بنحو العلة المنحصرة لعدم الدليل على الانحصار وكذلك مدخلية السنة في الرواية الثانية، وإن أبيت فلا بد من الرجوع إلى المرجح السندي أو التخيير ولا نسلم اختصاص الترجيح والتخيير بخصوص المتنافيين بتمام المدلول ولعل قوله تعالى " واحل لكم - الخ " مرجح. وأما تحقق الحرمة في كل ثالثة حتى تنكح غيره فيما عدا طلاق العدة فيدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا أراد الرجل الطلاق طلقها في قبل عدتها بغير جماع فانه إذا طلقها واحدة ثم تركها حتى يخلو أجلها إن شاء أن يخطب مع الخطاب فعل فان راجعها قبل أن يخلو أجلها أو بعده كانت عنده على تطليقة، فان طلقها الثانية أيضا فشاء أن يخطبها مع الخطاب إن كان تركها حتى يخلو أجلها وإن شاء راجعها قبل أن ينقضي أجلها، فإن فعل فهي عنده على تطليقتين، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وهي ترث وتورث ما كانت في الدم من التطليقتين الأولتين " (1). وما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يراجعها بعد انقضاء عدتها فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره - الحديث " (2). وما رواه في الكافي عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله


(1) التهذيب ج 2 ص 258 والكافي ج 6 ص 69 واللفظ له (2) الكافي ج 6 ص 76 والتهذيب ج 2 ص 259.

[ 523 ]

عليه السلام في المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق عسيلتها " (1). وخالف في المقام ابن أبي بكير والصدوق فجعلا الخروج عن العدة هادما للطلاق فله حينئذ نكاحها بعد الثلاث بلا محلل. وروى ابن بكير عن زرارة في الصحيح " سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: الطلاق الذي يحبه الله تعالى والذي يطلقه الفقيه وهو العدل بين المرأة والرجل أن يطلقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين وإرادة من القلب، ثم يتركها حتى تمضي ثلاثة قروء فإذا رأت الدم في أول قطرة من الثالثة وهو آخر قرء لأن الأقراء هي الأطهار فقد بانت منه وهي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوجت وحلت له بلا زوج، فإن فعل هذا بها مائة مرة هدم ما قبله وحلت بلا زوج، وإن راجعها قبل أن تملك نفسها، ثم طلقها ثلاث مرات يراجعها ويطلقها لم تحل له إلا بزوج " (2). وحكي عن ابن سماعة (3) أن الحسين بن هاشم سأل ابن بكير هل سمعت فيما ذكرته شيئا فقال رواية رفاعة فقال له: إن رفاعة روى إذا دخل بينهما زوج. فقال: الزوج وغير الزوج عندي سواء فقال له: هل سمعت في هذا شيئا فقال: لا هذا مما رزق الله من الرأي (4)، ولذا قال ابن سماعة على المحكي: وليس لأحد أن يأخذ بقول ابن بكير فإن الرواية " إذا كان بينهما زوج " ويقرب منه المحكي عن ابن المغيرة. و مع هذا الوصف كيف يعتمد على روايته في المقام ومن هنا ينقدح الشك في موقوفة عبد الله بن سنان الموافقة لما ذكره ابن بكير قال: " إذا طلق الرجل امرأته فليطلق على طهر بغير جماع بشهود فإن تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث وبطلت التطليقة الأولى فإن طلقها اثنتين ثم كف عنها حتى تمضي الحيضة الثالثة بانت منه بثنتين وهو خاطب


(1) المصدر ج 6 ص 76 (2) التهذيب ج 2 ص 259. (3) راجع التهذيب ج 2 ص 260 والكافي ج 6 ص 78 (4) راجع الكافي ج 6 ص 78.

[ 524 ]

من الخطاب، فان تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث تطليقات وبطلت الاثنتان فان طلقها ثلاث تطليقات على العدة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره " (1) وإنه ذكر ذلك عن ابن بكير وأصحابه أو صدر منه تقية. (وهنا مسائل خمسة الأولى لا يهدم استيفاء العدة تحريم الثلاثة، الثانية يصح طلاق الحامل للسنة كما يصح للعدة على الأشبه، الثالثة يصح أن يطلق ثانية في الطهر الذي طلق فيه وراجع فيه ولم يطأ لكن لا يقع للعدة. الرابعة لو طلق غائبا ثم حضر ودخل بها، ثم ادعي الطلاق لم تقبل دعواه ولا بينته ولو أولدها لحق به. الخامسة إذا طلق الغائب وأراد العقد على اختها أو على خامسة تربص تسعة أشهر احتياطا). قد ظهر مما دل على حرمة نكاح المطلقة ثلاثا على المطلق حتى تنكح زوجا غيره من غير فرق بين استيفاء العدة ووقوع الطلقة الثانية والثالثة بعد استيفاء العدة أو قبله أن استيفاء العدة ليس هادما للتحريم وما ذهب إليه ابن بكير لا يصح، وما رواه في هذا المقام ليس حجة من اسناده إلى رفاعة مع نقل الخلاف منه وإن كان خبره في غير المقام حجة. وأما صحة طلاق الحامل للسنة بمعنى طلاقها بعد المراجعة بلا مواقعة وهو السني بالمعنى الأخص فمع قطع النظر عن عموم أو إطلاق الأدلة يدل عليه موثق اسحاق بن عمار " قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: الحامل يطلقها زوجها، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ثم يراجعها، ثم يطلقها الثالثة قال: تبين منه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " (2). وموثقه الآخر عن أبي الحسن عليه السلام " سألت عن رجل طلق امرأته وهي حامل ثم راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، ثم طلقها الثالثة في يوم واحد تبين منه؟ قال: نعم (2) " مضافا إلى غير ما ذكر. والمحكي عن الشيخ في النهاية وابنا البراج وحمزة عدم الجواز وربما يستظهر


(1) التهذيب ج 2 ص 258 (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 269.

[ 525 ]

من مرسل ابن بكير قال: " في الرجل تكون له المرأه الحامل وهو يريد أن يطلقها، قال: يطلقها إذا أراد الطلاق بعينه ويطلقها بشهادة الشهود فإن بدا له في يومه أو بعد ذلك أن يراجعها يريد الرجعة بعينها فليراجع وليواقع ثم يبدو له فيطلق أيضا، ثم يبدو له فيراجع كما راجع أولا، ثم يبدو له فيطلق فهي التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إذا كان إذا راجع يريد المواقعة والإمساك (1) فيواقع ". ويحمل الأخبار الدالة على أن طلاق الحامل واحدة على ما ذكر، والأخبار الدالة على أن طلاق الحامل واحدة منها ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " طلاق الحامل واحدة وإن شاءت راجعها قبل أن تضع فان وضعت قبل أن يراجعها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب " (2). وعن إسماعيل بن الجعفي في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " طلاق الحامل واحدة فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه " (3). وما رواه في الكافي والتهذيب عن الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " طلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الأجلين " (4). وما رواه في الفقيه والتهذيب عن محمد بن منصور الصيقل عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته وهي حبلى قال: يطلقها قلت: فيراجعها؟ قال: نعم يراجعها، قلت: فإنه بدا له بعدما راجعها أن يطلقها؟ قال: لا حتى تضع (5) " إلى غير ذلك من الأخبار. ويمكن أن يقال: أما المرسل المذكور فمع قطع النظر عن السند لا ظهور له فيما ذكر لأنه لا يستفاد منه شرطية المواقعة للطلاق الثاني لوحدة السياق مع قوله على المحكي فليراجع.


(1 و 2) التهذيب ج 2 ص 269 والاستبصار ج 3 ص 300 (3) والكافي ج 6 ص 81. (4) الكافي ج 6 ص 81 (5) الفقيه باب طلاق الحامل تحت رقم 9، والتهذيب ج 2 ص 269.

[ 526 ]

وأما الأخبار المذكورة فالجمع بينها وبين ما دل على الجواز بلا قيد ليس جمعا عرفيا بل يكون التباين بين الطرفين ولم يحرز إعراض الأصحاب عن العمل بالأخبار الحاصرة لطلاق الحامل في الطلقة الواحدة بل لعل نظرهم إلى الترجيح من جهة الموافقة للكتاب والسنة ومع ذلك يشكل مع ملاحظة صحة أسانيد الأخبار الحاصرة، وهذه الأخبار الحاصرة كما ينفي طلاق الحامل للعدة كذلك ينفي الطلاق للسنة زائدا عن الواحد وان ادعى الاجماع على صحته خلافا للصدوقين - قدس سراهما -. وأما صحة الطلاق ثانيا بعد الرجعة بدون المباشرة فيدل عليها موثق إسحاق ابن عمار عن أبي الحسن عليه السلام " قلت له: رجل طلق امرأته ثم راجعها بشهود، ثم طلقها ثم بدا له فراجعها بشهود، ثم طلقها فراجعها بشهود تبين منه؟ قال: نعم، قلت: كل ذلك في طهر واحد؟ قال: تبين منه " (1). وصحيحة عبد الحميد ومحمد بن مسلم " سألا أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل طلق امرأته وأشهد على الرجعة ولم يجامع، ثم طلق في طهر آخر على السنة أثبتت التطليقة الثانية بغير جماع؟ قال: نعم إذا هو أشهد على الرجعة ولم يجامع كانت الطلقة ثانية [ ثابتة خ ل ] " (2). وصحيحة البزنطي " سألت الرضا عليه السلام عن رجل طلق امرأته بشاهدين، ثم راجعها ولم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها، ثم طلقها على طهر بشاهدين أيقع عليها التطليقة الثانية وقد راجعها ولم يجامعها؟ قال: نعم " (3). وفي قبالها ما يدل على المنع وهو أخبار منها صحيحة ابن الحجاج عن أبي - عبد الله عليه السلام " الرجل يطلق امرأته له أن يراجع. وقال: لا يطلق التطليقة الأخرى حتى يمسها " (4).


(1) التهذيب ج 2 ص 275 (2) التهذيب ج 2 ص 262 والاستبصار ج 3 ص 281 (3) التهذيب ج 2 ص 262 والاستبصار ج 3 ص 281 (4) التهذيب ج 2 ص 262 والاستبصار ج 3 ص 280.

[ 527 ]

وموثقة إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم عليه السلام " سألته عن رجل يطلق امرأته في طهر من غير جماع، ثم يراجعها في يومه ذلك، ثم يطلقها اتبين منه بثلاث تطليقات في طهر واحد؟ فقال: خالف السنة، قلت: فليس ينبغي له إذا هو راجعها أن يطلقها إلا في طهر آخر؟ قال نعم، قلت: حتى يجامع؟ قال: نعم " (1). ورواية معلى الخنيس عن أبي عبد الله عليه السلام " عن رجل يطلق امرأته يطلقها الثانية قبل أن يراجع؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا يقع الطلاق الثاني حتى يراجع ويجامع " (2). وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن طلاق السنة - إلى أن قال: - و أما طلاق الرجعة فان يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على تطليقة أخرى، ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وعليها أن تعتد بثلاثة قروء من يوم طلقها التطليقة الثالثة فإن طلقها واحدة على طهر بشهود، ثم انتظر بها حتى تحيض وتطهر ثم طلقها قبل أن يراجعها لم يكن طلاقه الثاني طلاقا لانه طلق طالقا لأنه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت خارجة من ملكه حتى يراجعها، فإذا راجعها صارت في ملكه ما لم يطلق التطليقة الثالثة، فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج تلك الرجعة من يده فإن طلقها على طهر بشهود، ثم راجعها وانتظر بها الطهر من غير مواقعة فحاضت وطهرت، ثم طلقها قبل أن يدنسها بمواقعة بعد الرجعة لم يكن طلاقه لها طلاقا لأنه طلقها التطليقة الثانية في طهر الأولى ولا ينقض الطهر إلا مواقعة بعد الرجعة وكذلك لا يكون الطلقة الثالثة إلا بمراجعة ومواقعة بعد الرجعة، ثم حيض وطهر بعد الحيض، ثم طلاق بشهود حتى يكون لكل تطليقة طهر من تدنيس المواقعة بشهود (3).


(1) الكافي ج 6 ص 74 (2) التهذيب ج 2 ص 262 والاستبصار ج 3 ص 284 (3) الكافي ج 6 ص 66 والتهذيب ج 2 ص 257 والاستبصار ج 3 ص 268.

[ 528 ]

وقد جمع بين الطائفتين تارة بحمل رواية الجواز على طلاق السنة الذي هو بمعنى خلاف العدي مستشهدا بخبر معلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام " الذي يطلق، ثم يراجع، ثم يطلق فلا يكون بين الطلاق والطلاق جماع فتلك تحل له قبل أن تتزوج زوجا غيره والتي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره هي التي تجامع بين الطلاق (1) ". مؤيدا بخبر أبي بصير " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره؟ فقال: أخبرك بما صنعت أنا بامرأة كانت عندي أردت طلاقها فتركتها حتى طمثت وطهرت، ثم طلقتها من غير جماع وأشهدت على ذلك شاهدين، ثم تركتها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها، وتركتها حتى طمثت، ثم طلقتها على طهر من غير جماع بشاهدين ثم تركتها حتى إذا كان قبل أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها حتى إذا طمثت وطهرت طلقتها على طهر بغير جماع بشهود وإنما فعلت ذلك لأنه لم يكن لي بها حاجة (2) ". واخرى بحمل ما دل على الجواز بشرط المواقعة على الاستحباب، وثالثة بنحو آخر. ولا يخفى أن الجمع بالنحو الأول ليس جمعا عرفيا بين الطائفتين لعدم مساعدة العرف عليه غاية الأمر أنه إذا أخذ بالطرف المخالف للمخصص يخصص به هذا مع أنه لا شهادة في الخبر المذكور على الحمل المذكور مع أنه لا يلتزم المشهور به فإن المشهور أن الطلقات الثلاث تكون موجبة للتحريم حتى تنكح زوجا غيره من دون اشتراط بالمواقعة والحمل على الاستحباب أيضا بعيد جدا لاباء رواية معلى بن خنيس المذكورة حيث قال عليه السلام على المحكي: لا يقع الطلاق الثاني وليس هذا من قبيل " لا نكاح إلا بولي " و كذلك صحيحة أبي بصير المذكورة حيث إنها بصدد بيان الشروط والقيود الدخيلة في الصحة مع ذكر العلة لكن المشهور شهرة عظيمة صحة الطلاق بدون المواقعة.


(1) التهذيب ج 2 ص 262 (2) الكافي ج 6 ص 75 والتهذيب ج 2 ص 261.

[ 529 ]

ولو طلق غائبا ثم حضر ودخل بها ثم ادعى الطلاق فالمعروف عدم قبول دعواه ولا بينة لخبر سليمان بن خالد المعتضد بالعمل " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته وهو غائب وأشهد على طلاقها، ثم قدم فأقام مع المرأة أشهرا لم يعلمها بطلاقها، ثم إن المرأة ادعت الحبل فقال: قد طلقتك وأشهدت على طلاقك، فقال: يلزمه الولد ولا يقبل قوله (1) " ولأن اعترافه متعلق بحق الغير وتصرف المسلم المنزل على المشروع مكذب لبينته واستشكل فيهذاالوجه بأن تصرفه يحمل على المشروع حيث لا يعترف بما ينافه ولذا لو رأيناه يجامع امرأة واشتبه حالها لا يحكم عليه بالزنا فإذا اقر بأنه زان يحكم عليه بمقتضاه والبينة مكذبة بفعله إذا كان هو الذي أقامها وأما لو قامت حسبة بما ينافي فعله قبلت، وقد يقال بعدم سماع ما اعترف به مما ينافي فعله إذا كان متعلقا بحق الغير وإن أخذ به في حقه لعموم إقرار العقلاء كما أن ظاهر الخبر عدم سماع دعواه حتى قامت بينة بمقتضاها سواء كان هو المقيم لها أم لا مؤاخذة له بفعله المقتضي ترتب ذلك عليه فالمراد عدم سماع البينة المكذبة بالقول أو الفعل الذي ألغاه بفعله على أن قيام البينة هنا حسبة مبني على أن المقام منها باعتبار حق لله تعالى فيها. وأما إذا قلنا إن ذلك من حقوق الآدميين فلا سماع للبينة المكذبة بالقول أو الفعل، نعم قد يقال بسماعها إذا أظهر تأويلا مسموعا لفعله. ويمكن أن يقال: تارة يتكلم في المقام حسب ما يستظهر من الخبر المذكور فعلى فرض حجيته من جهة عمل الأصحاب فالظاهر منه عدم قبول قول الرجل في وقوع الطلاق ولحوق الولد به ولا مانع من الأخذ به وإن كان على خلاف القواعد، واخرى يتكلم على حسب القواعد فلقائل أن يقول: فعل المسلم محكوم على الصحة لكنه لا يثبت الزوجية وعدم وقوع الطلاق ولذا يقال: لو تكلم أحد بكلام مردد بين الشتم و التسليم يحمل كلامه على عدم الشتم ولا يثبت التسليم حتى يجب رد السلام، هذا


(1) التهذيب ج 2 ص 266.

[ 530 ]

مضافا إلى أنه يكون الفعل محمولا على الصحة إذا لم يعترف الفاعل بالفساد لأن المدرك إن كان السيرة فالقدر المتيقن ما لو لم يعترف بالخلاف وإن كان الأخبار يشكل شمولها لهذه الصورة وظاهر كلمات الأصحاب لحوق الولد بحيث يترتب عليه أحكام الأبوة والبنوة وما ذكر من أن الأقرار لا يسمع في حق الغير يوجب التفكيك بأن يرثه الولد ولا يرث هو. وأما ما ذكر في الشهادة من قبولها فيما كان حقا لله تعالى دون ما كان حقا للناس إذا لم يكن هو مقيمها فالظاهر أنه ليس كذلك في غير مقام المرافعة فمقتضى عموم رواية مسعدة بن صدقة قبولها فلو شك في ملكية عين لأحد يريد بيعها وليس في يده وشهد شاهدان بالملكية بدون أن يقيم المدعى البينة فالظاهر ترتب الاثر على شهادتهما و لا يخفى أنه مع الأخذ بمضمون الخبر المذكور فالحكم المذكور حكم ظاهري والرجل المدعى للطلاق لابد له أن يعمل على طبق تكليفه. وإذا طلق الغائب وأراد العقد على اخت المطلقة أو على الخامسة فالمعروف أنه يتربص تسعة أشهر احتياطا والأصل في هذا الحكم ما رواه ثقة الإسلام قدس سره عن حماد بن عثمان في الحسن أو الصحيح قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهن وهو غائب عنهن متى يجوز له أن يتزوج؟ قال: بعد تسعة أشهر وفيها أجلان فساد الحيض وفساد الحمل " (1) وجماعة ألحقوا بذلك تزويج الأخت. ويمكن أن يقال: إن استفيد من قوله عليه السلام على المحكي وفيها أجلان الخ العلية اتجه الحاق نكاح الأخت لكن يقع الإشكال من جهة أنه مع القول بأن أقصى الحمل عشرة أشهر أو سنة مقتضى القاعدة التربص إلى الأقصى وحمل الخبر على الغالب وإن كان من باب ذكر الحكمة فلا وجه لإلحاق نكاح الأخت لاختصاص النص بغيره فيكون تطليقه كتطليق الحاضر يتربص مقدار ثلاثة أقراء مع العلم بعادة المرأة أو ثلاثة أشهر، ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: قال: " إذا طلق الرجل امرأته وهو غائب فليشهد على ذلك فإذا مضى ثلاثة


(1) الكافي ج 6 ص 80.

[ 531 ]

أشهر فقد انقضت عدتها " (1) وقد يقال بتنافي هذه الصحيحة مع رواية حماد بن عثمان المذكورة لأن كليهما في طلاق الغائب ولا يعلم وجه لخصوصية لأحد الأربع فيستثنى من هذه القاعدة المستفادة من هذه الصحيحة وغيرها من الأخبار ولا وجه للجمع إلا حمل الرواية الأولى يعني رواية حماد على المسترابة. ويشكل من جهة أنه كيف يحكم بنحو القانون الكلي مع اختصاص الحكم بالفرد الغير الغالب ومع احتمال كون الحكم في رواية حماد من باب التعبد يؤخذ به ويكون الرواية مخصصة لما دل على التربص بثلاثة أشهر ولا مجال للتعدي إلى نكاح الأخت ومع القطع بعدم اختصاص الحكم بنكاح أحد الأربع يكون التعارض باقيا ولا وجه للجمع المذكور. " النظر الثالث في اللواحق وفيه مقاصد: الأول يكره طلاق المريض ويقع لو طلق، ويرث زوجته في العدة الرجعية، وترثه هي ولو كان الطلاق بائنا إلى سنة ما لم تتزوج أو يبرأ من مرضه ذلك " أما كراهة طلاق المريض فيدل عليها ما عن عبيد بن زرارة في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المريض أله أن يطلق امرأته في تلك الحال؟ قال: لا ولكن له أن يتزوج إن شاء فإن دخل بها ورثته وإن لم يدخل بها فنكاحه باطل (2) ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: " ليس للمريض أن يطلق وله أن يتزوج فإن هو تزوج ودخل بها فهو جائز وإن لم يدخل بها حتى مات في مرضه فنكاحه باطل ولا مهر لها ولا ميراث (3) ". وظاهر هذين الخبرين كغيرهما وإن كان عدم الصحة وبطلان الطلاق لكنه بملاحظة ما سيأتي لابد من الحمل على الكراهة.


(1) المصدر ج 6 ص 111 (2) المصدر ج 6 ص 121 (3) الكافي ج 6 ص 123 والتهذيب ج 2 ص 271.

[ 532 ]

وأما وقوع الطلاق لو طلق فيدل عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن الرجل يحضره الموت فيطلق امرأته هل يجوز طلاقها؟ قال: نعم، وإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها (1) ". واما ثبوت التوارث بينهما في العدة الرجعية فهو المعروف ويدل عليه موثق زرارة " سألت أبا جعفر عليهما السلام عن الرجل يطلق المرأة؟ فقال: ترثه ويرثها ما دام له عليها رجعة (2) ". وصحيحته عنه أيضا " إذا طلق الرجل امرأته توارثا ما دامت في العدة فإذا طلقها التطليقة الثالثة فليس له عليها رجعة، ولا ميراث بينهما (3) ". والصحيح " أيما امرأة طلقت ثم توفى عنها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ولم تحرم عليه فإنها ترثه وتعتد عدة المتوفى عنها زوجها وإن توفت وهي في عدتها ولم تحرم عليه فإنه يرثها (4) ". وقد يستشكل من جهة إطلاق صحيح الحلبي المذكور حيث لم يفرق فيه بين البائن والرجعي في عدم وراثة الزوج إذا ماتت المرأة مع أنه أخص من الأخبار الدالة على التوارث في العدة الرجعية وإن كانت الأخبار الدالة على التوارث في خصوص الرجعي والصحيح المذكور أعم من جهة شموله للبائن والرجعى، و يمكن تقييده بخصوص البائن إلا أنه يوجب حمل المطلق على الفرد الغير الغالب ولا يناسب ذكر المطلق بنحو ضرب القانون، وقد يجاب بتقييد صحيح المذكور بالأخبار الدالة على التوارث في العدة الرجعية وأن المراد من الصحيح ما لو طلق المريض زوجته وخرجت عن العدة. وتارة اخرى تقييده بالبائن، ولا يخفى الاشكال في ما ذكر فانه وإن دل الدليل على وراثة الزوجة - مع ما ذكر من الشرط قي الأخبار - الزوج بعد انقضاء العدة إلا أنه لا يرفع التعارض بين الأخبار المذكورة والصحيح


(1) الكافي ج 6 ص 123 والتهذيب ج ص 271 (2) الكافي ج 7 ص 134. والتهذيب ج 2 ص 443 (3) الفقيه كتاب المواريث باب توارث المطلق والمطلقة تحت رقم 1 (4) الكافي ج 6 ص 122.

[ 533 ]

المذكور بل لعل الوراثة في العدة كالمتيقن ولعله لذا احتيج إلى التعبير بمثل " وإن انقضت عدتها " في الأخبار الآتية والتقييد بالبائن ظهر الاشكال فيه، فمقتضى القاعدة تقديم الصحيح المذكور في تلك الأخبار لكنه خلاف المشهور، وأما وراثتها للزوج ولو كان الطلاق بائنا فالظاهر عدم الخلاف فيها وأنها ترثه ما بين الطلاق وبين سنة ما لم تتزوج أو يبرأ من مرضه الذي طلقها فيه ويدل عليها النصوص المستفيضة منها ما رواه في الكافي عن أبي العباس في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا طلق الرجل المرأة في مرضه ورثته ما دام في مرضه ذلك وإن انقضت عدتها، إلا أن يصح منه، قال: قلت: فان طال به المرض؟ قال: ما بينه وبين سنة " (1). وما رواه في الكافي والفقيه عن الحذاء وأبي الورد عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إذا طلق الرجل امرأته تطليقة في مرضه ثم مكثت حتى انقضت عدتها فإنها ترثه ما لم تتزوج، فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة فإنها لا ترثه " (2). وما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج في الموثق عمن حدثه عن أبي - عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته وهو مريض قال: إن مات في مرضه ولم تتزوج ورثته وإن كانت قد تزوجت فقد رضيت بالذي صنع فلا ميراث لها " (3). وعن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل طلق امرأته وهو مريض حتى مضى لذلك السنة قال: ترثه إذا كان في مرضه الذي طلقها فيه لم يصح من ذلك " (4). وما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي العباس في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له رجل طلق امرأته وهو مريض تطليقة وقد كان طلقها قبل ذلك تطليقتين قال: فإنها ترثه إذا كان في مرضه، قال: قلت وما حد المرض؟ قال: لا يزال مريضا


(1) الكافي ج 6 ص 122 وج 7 ص 134 (2) الكافي ج 6 ص 121. (3) المصدر ج 6 ص 122 وج 7 ص 134 (4) الكافي ج 6 ص 122.

[ 534 ]

حتى يموت وإن طال ذلك إلى السنة " (1). (المقصد الثاني في المحلل ويعتبر فيه البلوغ والوطئ في القبل بالعقد الصحيح الدائم، وهل يهدم ما دون الثلاث؟ فيه روايتان أشهرهما أنه يهدم ولو ادعت أنها تزوجت ودخل وطلقت فالمروي القبول إذا كانت ثقة). يشترط في المحلل امور أحدها البلوغ على المشهور خلافا للشيخ في المبسوط والخلاف ويدل على المشهور ما رواه في الكافي عن علي بن الفضل الواسطي قال: " كتبت إلى الرضا عليه السلام: رجل طلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها غلام لم يحتلم؟ قال: لا حتى يبلغ فكتبت إليه ما حد البلوغ؟ قال: ما أوجب على المؤمنين الحدود " (2). وضعف الرواية من جهة السند مجبور بعمل الأصحاب به، واستدل أيضا بما روى في عدة أخبار عنه صلى الله عليه واله وسلم " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " وهو كما في كتب اللغة كناية عن لذة الجماع وقيل: الإنزال وهو لا يتحقق إلا في البالغ، واستدل للشيخ بقوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " الصادق على الكبير والصغير مع استضعاف سند الخبر وحمل الحديث النبوي على ما يشمل المراهق لأن له لذة الجماع. ويمكن أن يقال: العمدة الخبر المذكورة المنجبر بالشهرة وإلا فلا مانع من الأخذ باطلاق قوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " وأما دعوى الانصراف إلى الأفراد الكثيرة دون النادرة وحمل ذوق العسيلة على اللذة الكاملة الغير الحاصلة لغير البالغ حيث لا تتحقق إلا بالإنزال فلا يخفى ما فيها من الإشكال لأن مجرد الكثرة لا يوجب الانصراف ولا مجال لحمل ذوق العسيلة على ما يوجب الإنزال لان الإنزال في المرأة غير غالب بل يكون نادرا على ما قيل فكيف يتحقق الذوق بالنسبة إليهما ومع الاجمال واحتمال كون المراد ذوق لذة الجماع يؤخذ بإطلاق الكتاب العزيز لأن الشبهة مفهومية فالمرجع الاطلاق.


(1) الكافي ج 6 ص 122 (2) الكافي ج 6 ص 76.

[ 535 ]

الثاني أن يطأ المحلل فلا يفى العقد المجرد عن الوطي ويدل عليه ما دل على اشتراط ذوق العسيلة. ومن الأخبار الدالة عليه ما رواه في الكافي عن أبي حاتم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يطلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ثم تزوج رجلا لا يدخل بها قال: لا حتى يذوق عسيلتها " (1). وما رواه في التهذيب عن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام " في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يراجعها بعد انقضاء عدتها فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإذا تزوجها غيره ولم يدخل بها وطلقها أو مات عنها لم تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها " (2). الثالث أن يكون الوطي في القبل فلا يكفي في الدبر وهو مستفاد من ذوق العسيلة فإن المرأة لا تلتذ به بل ربما تتأذى. الرابع كون الوطي موجبا للغسل بأن تغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها لما اعتبر في الأخبار من الدخول بالمرأة، واستشكل في الاكتفاء به من جهة ما دل على اشتراط ذوق العسيلة وهو لا يحصل بمجرد هذا وإن كان الظاهر اتفاقهم على الكفاية. ويمكن أن يقال بعد اشتراط الدخول وذوق العسيلة لا يلزم أن يكون ذوق العسيلة من جهة خصوص الوطي حتى يقال: لا يكفى بل يحصل اللذة بالمقدمات والملاعبة ويكون الوطي بهذا المقدار موجبا لتمامية اللذة ويتحقق الإنزال. الخامس كون ذلك بالعقد الدائم فلا يكفي ملك اليمين والتحليل والنكاح متعة ويدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب عن الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها رجل متعة أتحل للأول؟ قال: لا لأن الله تعالى يقول: " فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها " والمتعة ليس فيها طلاق ". (3)


(1) المصدر ج 5 ص 425. (2) التهذيب ج 2 ص 259 (3) المصدر ج 2 ص 259.

[ 536 ]

والمستفاد من هذا الخبر أن ما ليس فيه طلاق لا يوجب الحلية سواء كان متعة أو تحليلا أو ملك يمين، والظاهر اتفاق الفقهاء على ما ذكر. وأما هدم ما دون الثلاث بأن يكون التحليل كما يتحقق به هدم الثلاث يتحقق هدم ما دون الثلاث بمعنى أنه إذا طلق الزوجة طلقة واحدة أو طلقتين ثم خرجت من العدة وتزوجت بغيره تزوجا مشتملا على شروط التحليل ثم طلقها أو مات عنها ثم رجعت إلى الزوج الأول بعقد جديد فهل تبقى معه على ثلاث تطليقات بمعنى أن هذا التزويج قد هدم الطلاق الأول بالكلية ولا يحسب تلك الطلقة أو الطلقتان أو أنها تبقى معه على ما بقى من الثلاث بمعنى أن تزوج الثاني لم يهدم الطلاق الأول فتبقى بعد عودها إلى الأول على واحدة أو اثنتين قولان وروايتان الأشهر الأول ويدل على الهدم ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن رفاعة في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل طلق امرأته حتى بانت منه وانقضت عدتها ثم تزوجت زوجا آخر فطلقها أيضا ثم تزوجها زوجها الأول أيهدم ذلك الطلاق الأول؟ قال: نعم " (1). وروى الشيخ في التهذيب عن رفاعة بن موسى قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل طلق امرأته تطليقة واحدة فتبين منه، ثم يتزوجها آخر فطلقها على السنة فتبين منه ثم يتزوجها الأول على كم هي عنده؟ قال: على غير شئ، ثم قال: يا رفاعة كيف إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجها ثانية استقبل الطلاق فإذا طلقها واحدة كانت على اثنتين " (2). وما رواه في التهذيب عن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام قال: " اختلف رجلان في قضية إلى علي عليه السلام وعمر في امرأة طلقها زوجها تطليقة أو اثنتين فتزوجها آخر فطلقها أو مات عنها فلما انقضت عدتها تزوجها الأول، فقال عمر: هي تمكث على ما بقي من الطلاق وقال أمير المؤمنين عليه السلام: سبحان الله أيهدم ثلاثا ولا يهدم واحدة " (3). وفي قبال ما ذكر أخبار اخر منها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن وفي


(1) الكافي ج 6 ص 77 (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 258 و 259.

[ 537 ]

التهذيب في الصيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل طلق امرأتة تطليقة واحدة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجها رجل غيره، ثم إن الرجل مات أو طلقها فراجعها الأول؟ قال: هي على تطليقتين باقيتين " (1). وما رواه في الكافي عن علي بن مهزيار في الصحيح قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام " روى بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يطلق امرأته على الكتاب والسنة فتبين منه بواحدة فتزوج زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها فترجع إلى زوجها الأول أنها تكون عنده على تطليقتين وواحدة قد مضت؟ فوقع عليه السلام بخطه صدقوا. وروى بعضهم أنها تكون عنده على ثلاث مستقبلات وأن تلك التطليقة ليست بشئ لانها قد تزوجت زوجا غيره؟ فوقع بخطه: لا " (2). وما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام " في امرأة طلقها زوجها الأول واحدة أو اثنتين، ثم تركها حتى تمضي عدتها فتزوجها غيره فيموت أو يطلقها فيتزوجها الأول؟ قال: هي عنده على ما بقى من الطلاق " (3). ورواه أيضا بسند آخر في الصحيح عن ابن مسكان عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (4). إلى غير ما ذكر من الأخبار، والمشهور لم يعملوا بهذه الأخبار مع ملاحظة صحة السند وكثرتها والموافقة لإطلاق الكتاب أعني قوله تعالى " فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " حيث أن المراد كما ورد في الاخبار به أنه إذا طلقها الثالثة وهو أعم من أن يتخلل نكاح زوج غيره ام لا ولو اد عت المرأة أنها تزوجت ودخل الزوج بها وطلقها فالمشهور قبول قولها في ذلك وإن لم تكن ثقة. وربما يتمسك بما دل على قبول قول المرأة إذا ادعت أنها لا زوج لها ويشكل من جهة مغايرة المقام مع دعواها أنها لا زوج لها بل المستفاد من رواية حماد الصحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها فقال لها:


(1) الكافي ج 5 ص 426 والتهذيب ج 2 ص 259 (2) المصدر ج 5 ص 426 (3 و 4) التهذيب ج 2 ص 259.

[ 538 ]

إني اريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيري فقالت لي قد تزوجت زوجا غيرك وحللت لك نفسي أتصدق ويراجعها وكيف يصنع؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها " (1). وقد يحمل هذه الرواية على الندب لعدم القائل بالشرطية وعدم مدخلية الوثاقة في قبول قول المدعي ولا يخفي الإشكال فيه لعدم تحقق إجماع في المقام وعدم مدخلية الوثاقة للمدعي في مقام المرافعة عند الحاكم لا ينافي حجية قول الثقة في غير مقام الترافع، ألا ترى أن اليد حجة ولا يحكم الحاكم بمجردها بل لابد من اليمين حتى يفصل الخصومة والمستفاد من الأخبار حجية قول الثقة وظاهر الرواية الشرطية فلا مانع من الأخذ بمضمونها في المقام. (المقصد الثالث في الرجعة تصح نطقا كقوله راجعت، وفعلا كالوطي والقبلة واللمس بالشهوة، ولو أنكر الطلاق كان رجعة، ولا يجب في الرجعة الإشهاد بل يستحب ورجعة الأخرس بالاشارة، وفي رواية بأخذ القناع. ولو ادعت انقضاء العدة في الزمان الممكن قبل). لا خلاف في مشروعية الرجعة ويدل عليه الكتاب والسنة ولا خلاف أيضا في أنها تصح نطقا كقوله راجعتك ورجعتك، ولا شك في أن الرجعة من الايقاعات المتحققة بإنشاء الزوج المطلق وعلى هذا فكل ما يصدق عليه الرجعة من القول والفعل إذا تحقق قبل انقضاء العدة في غير الطلاق البائن يوجب بقاء زوجية السابقة، نعم لا مانع من جعل ما لا يصدق معه الرجعة رجعة تنزيلا أو جعله طريقا شرعا إلى الرجعة فمثل الوطي والقبلة إن كان مقرونا بقصد الرجع يكون رجعا وإن لم يكن مقرونا بالقصد فإن استفيد من الدليل كفايته في تحقق الرجعة ليس رجعا حقيقة بل نزل منزلة الرجع وإن استفيد من الدليل ترتب الأثر عليه مع الشك أمكن أن يكون من جهة الطريقية، فمع القطع بعدم القصد لا يكفي.


(1) التهذيب ج 2 ص 259.

[ 539 ]

ومما يدل على وقوع الرجعة بالوطي ما رواه الصدوق عن الحسن بن محبوب في الصحيح عن محمد بن القاسم قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: من غشي امرأته بعد انقضاء العدة جلد الحد وإن غشيها قبل انقضاء العده كان غشيانه إياها رجعة " (1). الظاهر عدم شمول هذا الخبر صورة الغفلة والنسيان حيث إنه لا يجلد معه الحد بعد انقضاء العدة فلابد أن يكون مع الالتفات والتأمل فتارة يكون بقصد الرجع ولا إشكال في تحققه واخرى لا بقصد الرجع بل لقضاء الشهوة بحيث لا يبالي بأي نحو أمكن فشمول الخبر لهذه الصورة لا يخلو عن الإشكال لاحتمال أن يكون النظر إلى عدم الحاجة في الرجعة إلى القول كالطلاق المحتاج إلى اللفظ الخاص، وأن يكون النظر إلى حمل فعل المسلم على الصحة، وأن يكون فعله بقصد الرجعة نظير بيع ذي الخيار العين المبيعة فمع عدم القصد كيف يتحقق الرجعة مع أنها من الأمور القصدية غاية ما يقال أن إطلاق الخبر يشمل صورة عدم قصد الرجع لكنه مع ملاحظة اشتراط القصد بل ركنيته في الايقاعات كيف يؤخذ بالإطلاق مع احتمال كون النظر إلى رفع توهم لزوم اللفظ أو إلى عدم التوجه إلى الشك مع احتمال عدم القصد إلى الرجعة إلا إن يتحقق الاجماع على الكفاية مع عدم القصد ولو أنكر الطلاق كان إنكاره رجعة بلا - خلاف ظاهرا. ويدل عليه صحيحة أبي ولاد عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن امرأة ادعت على زوجها أنها طلقها تطليقة طلاق العدة طلاقا صحيحا يعني على طهر من غير جماع وأشهد لها شهودا على ذلك ثم أنكر الزوج بعد ذلك؟ فقال: إن كان إنكار الطلاق قبل انقضاء العدة فإن إنكاره للطلاق رجعة لها وإن أنكر الطلاق بعد انقضاء العدة فإن على الإمام أن يفرق بينهما بعد شهادة الشهود بعد ما تستحلف أن إنكاره الطلاق بعد انقضاء العدة وهو خاطب من الخطاب " (2). وعن الفقه الرضوي عليه السلام " وأدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق فيكون


(1) الفقيه باب ما يجب به التعزير والحد تحت رقم 18 (2) الكافي ج 6 ص 74.

[ 540 ]

إنكار الطلاق رجعة " وقد يستظهر من ذلك عدم اعتبار قصد معنى الرجوع في الرجعة ضرورة أن إنكار أصل الطلاق مناف لقصد الرجعة به، ومن هنا استشكل بعضهم الحكم المزبور بأن الرجعة مترتبة على الطلاق وتابعة له وإنكاره يقتضي إنكار التابع فلا - يكون رجعة وإلا لكان الشئ سببا في النقيضين، بل يكفي فيه قوله حينئذ: " هي زوجتي ". ويمكن أن يقال: يستفاد من قوله تعالى " وبعولتهن أحق بردهن " اعتبار حقيقة الرد والرد محتاج إلى الانشاء فإنكار الطلاق تارة يكون باعتقاد الزوج عدم وقوع الطلاق أصلا وتكذيب الزوجة في تحققه، واخرى يكون مع اعتقاده وقوع الطلاق، ففي الصورة الثانية يرجع الإنكار إلى التمسك بالزوجية بالملازمة أو بالتضمن ولعل هذا هو مراد المحقق - قدس سره في الشرايع من قوله: كان ذلك رجعة، لأنه يتضمن التمسك بالزوجية وأما الصورة الأولى فليس فيه التمسك الإنشائي بل تخطئة لما تدعى المرأة فشمول الخبر له يحتاج إلى الالتزام بكون الانكار نزل منزلة الرجعة تعبدا فلا مجال لدعوى أن الرجعة ليست من الايقاعات المحتاجة إلى القصد وشمول الخبر لهذه الصورة بعيد لبعد خطأ الزوج مع وقوع الطلاق. وأما ما ذكر من " أن إنكار الطلاق إنكار التابع فلا يكون رجعة - إلخ " فيمكن أن يجاب عنه بأن اللازم التمسك بالزوجية بعدما كانت متزلزلة من جهة الطلاق الرجعي قابلة للزوال بانقضاء العدة فانكار تزلزله من جهة الطلاق لا ينافي التمسك فلا يكون الانكار سببا للنقيضين ومع تعليل المصنف - قدس سره - بأن إنكار الزوج يتضمن التمسك بالزوجية يشكل دعوى الاتفاق على كون الإنكار رجعة في كلتا الصورتين. وأما عدم وجوب الاشهاد في الرجعة فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه جملة من الأخبار منها ما رواه في الكافي عن زرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إن الطلاق لا يكون بغير شهود وإن الرجعة بغير شهود رجعة، ولكن يشهد

[ 541 ]

بعد فهو أفضل " (1). وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام " في الذي يراجع ولم يشهد؟ قال: يشهد أحب إلي ولا أرى بالذي صنع بأسا " (2). وفي صحيحة محمد بن مسلم " وإنما جعل الشهود لمكان الميراث " (3). وإما استحباب الاشهاد فلما في ما ذكر من قوله عليه السلام على المحكي، " فهو أفضل ويشهد أحب إلي " لكنه لم يظهر أن الاشهاد مستحب شرعي مولوي أو يكون لأمر آخر من عدم وقوع التنازع في نحو الميراث كما ذكر في الصحيحة فلعله للارشاد. وأما تحقق الرجعة باشارة الأخرس فالمعروف أنه لم يعثر فيه على رواية والمحكي عن الشيخ علي بن الحسين في رسالته إلى ولده: الأخرس إذا أراد أن يطلق امرأته ألقى على رأسها قناعها يريها أنها قد حرمت عليه وإذا أراد مراجعتها كشف القناع عنها يرى أنها قد حلت. ونحو ذلك في كتاب المقنع لابنه. وهذا القول قد جعله الشيخ وابن البراج رواية وكذلك المحقق في المتن أسنده إلى الرواية، نعم روى الكليني عن السكوني عن الصادق عليه السلام أنه قال: " طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها فيضعها على رأسها ويعتزلها " (4) ونصب هذا القول في الشرايع إلى الشذوذ، ويمكن أن يقال بعد ما لم يعتبر في الرجعة لفظ خاص أو فعل خاص فكل ما يصدق عليه الرجعة يكفي ولو لم يدل دليل على اعتباره بالخصوص ولو ادعت انقضاء العدة في الزمان الممكن أي المحتمل فالمعروف قبول قولها ومع إنكار الزوج والترافع القول قولها مع يمينها ويدل على قبول قولها قول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في صحيح زرارة أو حسنه " العدة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت " (5).


(1) الكافي ج 6 ص 73 والتهذيب ج 2 ص 261 (2 و 3) الكافي ج 6 ص 72 والتهذيب ج 2 ص 261 (4) الكافي ج 6 ص 128 (5) الكافي ج 6 ص 101 والتهذيب ج 1 ص 113.

[ 542 ]

وما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: " العدة والحيض إلى النساء " (1) وروى أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " قال: قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل ". وغير ما ذكر من النصوص الدالة على تصديقها وقد يقال: إن مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين دعوى المعتاد وغيره لكن قرب في اللمعة عدم قبول دعوى غير المعتاد من المرأه إلا بشهادة أربع نساء مطلعات على باطن أمرها ناسبا له إلى ظاهر الروايات ففي التهذيب مسندا عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض أنه كلفوا نسوة من بطانتها هل كان حيضها فيما مضى على ما ادعت فإن شهدن صدقت وإلا فهي كاذبة " (2). وعن الشيخ حمله على التهمة جمعا بين الأخبار، واستشكل بأن الخبر المذكو معارض بالأصح سندا وأكثر عددا. ويمكن أن يقال: مقتضى الأخبار المذكورة تصديق قولها إلا أنه إذا ادعت ما يوثق بخلافه - والوثوق طريق عند العقلاء - فشمول الأخبار لهذه الصورة بدعوى إطلاقها لها مشكل ألا ترى أن القائلين بوجوب الاحتياط في أطراف الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي يفرقون بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة، والظاهر أن الوجه في عدم لزوم الاحتياط ليس إلا موهونية الاحتمال لا لزوم الحرج أو غيره مما يرخص به عدم الاحتياط ولعل التعبير في كلام المصنف - قدس سره - " في الزمان الممكن " لا يشمل هذه الصورة فتأمل. (المقصد الرابع في العدد، والنظر في فصول: الأول لا عدة على من لم يدخل بها عدى المتوفى عنها زوجها، ونعني بالدخول الوطي قبلا أو دبرا ولا تجب بالخلوة


(1) التهذيب ج 2 ص.... (2) التهذيب ج 1 ص 113.

[ 543 ]

الثاني في المستقيمة الحيض، وهي تعتد بثلاثة أطهار على الأشهر إذا كانت حرة، وإن كانت تحت عبد. وتحتسب بالطهر الذي طلقها فيه ولو حاضت بعد الطلاق بلحظة، وتبين برؤية الدم الثالث. وأقل ما تنقضي به عدتها ستة وعشرون يوما ولحظتان، وليست الأخيرة من العدة بل دلالة الخروج). لا عدة على الزوجة الغير المدخول بها سواء بانت بطلاق أو فسخ إلا المتوفى عنها زوجها إتفاقا، ويدل عليه من الكتاب العزيز في الطلاق قوله عز وجل: " إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ". ومن الأخبار في ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل إذا طلق امرأته ولم يدخل بها، فقال: قد بأنت منه و تتزوج من ساعتها إن شاءت " (1). وما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام " في رجل تزوج امرأة بكرا، ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثلاث تطليقات في كل شهر تطليقة؟ قال: بانت منه في التطليقة الأولى واثنتان فضل وهو خاطب يتزوجها متى شاءت وشاء بمهر جديد قيل له فله أن يراجعها إذا طلقها تطليقة واحدة قبل أن تمضى ثلاثة اشهر قال: لا إنما كان يكون له أن يراجعها لو كان دخل بها أولا وأما قبل أن يدخل بها فلا رجعة له عليها فقد بأنت منه ساعة طلقها " (2). وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها فليس عليها عدة تتزوج من ساعتها وبينهما تطليقة واحدة وإن كان فرض لها مهرا فلها نصف ما فرض " (3).


(1) الكافي ج 6 ص 84 والتهذيب ج 2 ص 267 (2) الكافي ج 6 ص 84 (3) الكافي ج 6 ص 83.

[ 544 ]

ولا خلاف ظاهرا في أن المراد بالدخول الوطي قبلا أو دبرا وطيا موجبا للغسل واستدل على ذلك بقول أبي عبد الله عليه السلام في حسنة الحلبي " في رجل دخل بامرأته إذا التقى الختانان وجب المهر والعدة " (1) وبهذا المضمون أخبار اخر (2). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سأله أبي و أنا حاضر عن رجل تزوج امرأة فأدخل عليه فلم يمسها ولم يصل إليها حتى طلقها هل عليها عدة منه؟ قال: إنما العدة من الماء، قيل له: وإن كان يواقعها في الفرج ولم ينزل؟ فقال: إذا أدخله وجب المهر والغسل والعدة " (3). وفي الموثق، عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج " (4). وقد يستشكل في شمول الأخبار الوطي في الدبر وما في خبر عبد الله بن سنان المذكور من التعليق على الإدخال في الفرج منصرف إلى الافراد الشايعة لا النادرة، و يمكن أن يقال: بعد ما كان المتكلم في مقام البيان لابد من ظهور كلامه بحيث يرتفع الشبهة وليس كل غلبة وشيوع يرتفع منه الشبهة، وبعبارة اخرى لابد أن يكون الانصراف بمنزلة التقييد اللفظي وليس المقام من هذا القبيل مع أنه ورد في بعض الأخبار أنه أحد المأتيين. واستشكل أيضا في صورة انصباب المنى في الفرج بدون إدخال من جهة أن الأصل في الاعتداد التحرز عن اختلاط المياه ومن جهة ترتب العدة على الوطى والدخول. ويمكن أن يقال: لا مانع من الأخذ بقوله عليه السلام على المحكي في صحيح عبد الله بن سنان " إنما العدة من الماء " والظاهر أن الحصر إضافي في قبال عدم المس


(1) الكافي ج 6 ص 109 (2) راجع الكافي ج 6 ص 109 (3) الكافي ج 6 ص 109 (4) المصدر ج 6 ص 109 بدون ذكر " في الفرج ".

[ 545 ]

بوجه فلا ينافيه قوله بعد ذلك " إذا أدخله وجب المهر والغسل والعدة " لمنع استفادة العلية المنحصرة من القضية الشرطية بل لازم استفادة العلية المنحصرة في المقام لغوية مدخلية الماء في العدة هذا مضافا إلى أن مقتضى قوله تعالى " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ثبوت العدة مع الحمل " وقد يستشكل في المقام بأن الآية انما يراد منها بيان مدة العدة للحامل لا أن المراد منه بيان وجوب العدة على الحامل. ويمكن أن يقال: إذا ثبت الإطلاق في مدة العدة للحامل يثبت أصل العدة بالملازمة ولعل هذا نظير استدلال الإمام عليه السلام على المحكي بقوله تعالى " فان طلقلها - الخ " لانحصار المحلل في الناكح بالنكاح الدائم. وأما ثبوت العدة للمتوفى عنها زوجها ولو لم تكن مدخولا بها فسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى. وأما عدم ثبوت العدة بمجرد الخلوة فلما ذكر في كتاب النكاح من توجيه الأحكام الحاكمة بكون الخلوة كالدخول، ثم انه بعد ثبوت العدة فمع كون المرأة مستقيمة الحيض تعتد بثلاثة أقراء وهي الاطهار على الأشهر إذا كانت حرة، سواء كانت تحت حر أو تحت عبد، والعمدة في المقام الأخبار الواردة في تفسير القرء وان كان القرء يستعمل في الطهر والحيض بحسب اللغة. والأخبار الدالة على أنها الأطهار منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام في الحسن قال: " الأقراء هي الأطهار " (1). فما رواه في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " القرء ما بين الحيضتين " (2). وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام مثله (3). وعن زرارة في الصحيح أو الحسن قال: " سمعت ربيعة الرأي يقول: إن من رأيى أن الأقراء التي سمى الله عز وجل في القرآن انما هو الطهر فيما بين الحيضتين فقال: كذب لم يقله برأيه ولكنه انما بلغه عن علي عليه السلام، فقلت: أصلحك الله كان عليا عليه السلام يقول ذلك؟ فقال: نعم انما القرء الطهر تقرء فيه الدم فتجمعه فإذا


(1 و 2 و 3) الكافي ج 6 ص 89.

[ 546 ]

جاء الحيض دفقه " (1). وفي المروي عن مجمع البيان وتفسير العياشي عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " أن عليا صلوات الله عليه كان يقول: إنما القرء الطهر يقرء فيه الدم فتجمعه فإذا جاء الحيض قذفته، قلت: رجل طلق امرأته من غير جماع بشهادة عدلين؟ قال: إذا وقعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها وحلت للأزواج، قلت: أهل العراق يروون أن عليا عليه السلام يقول: إنه أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة " فقال: كذبوا ". وفي قبال ما ذكر أخبار اخر منها ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " عدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة أقراء وهي ثلاث حيض " (2). وعن أبي بصير وهو المرادي في الصحيح مقطوعا مثله. (3) وعن القداح في الموثق عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: قال علي عليه السلام: " إذا طلق الرجل المرأة فهو أحق بها ما لم تغتسل من الثالثة " (4). وعن اسحاق بن عمار، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " جاءت امرأة إلى عمر فسألته عن طلاقها قال: اذهبي إلى هذا فاسأليه - يعني عليا عليه السلام - فقالت لعلي عليه السلام: ان زوجي طلقني؟ قال: غسلت فرجك؟ قال: فرجعت إلى عمر فقال: أرسلتني إلى رجل يلعب، قال: فرده إليه مرتين كل ذلك ترجع وتقول: يلعب، قال: فقال لها: انطلقي إليه فانه أعلمنا، قال: فقال لها علي عليه السلام: غسلت فرجك؟ قالت: لا، قال: فزوجك أحق ببضعك ما لم تغسلي فرجك). (5)


(1) الحيض في اللغة بمعنى السيلان والقرء بمعنى الجمع، ولما كان الدم في أيام الطهر ساكنا غير سيال ويجمع الرحم هذا الدم ويدفعه في زمان الحيض سمى حيضا فظهر عدم اشتراك القرء في الحيض والطهر فاستعمال القرء بمعنى الحيض محاز. والخبر في الكافي ج 6 ص 89. (2 و 3) الاستبصار ج 3 ص 330 والتهذيب ج 2 ص 284. (4 و 5) التهذيب ج 2 ص 284 والاستبصار ج 3 ص 329.

[ 547 ]

وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام " في الرجل يطلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع يدعها حتى تدخل في قرئها الثالث ويحضر غسلها ثم يراجعها ويشهد على رجعتها، قال: هو أملك بها ما لم تحل لها الصلاة " (1). والمشهور حمل هذه الأخبار على التقية وقد ذكر في بعض الأخبار تكذيب ما ينسب إلى علي صلوات الله عليه. هذا إذا كانت المرأة حرة ولو كان تحت عبد لما سيجيئ إن شاء الله تعالى من أن عدة الأمة قرءان. وأما احتساب الطهر الذي وقع فيه الطلاق فلما دل على أن الدخول في الحيضة الثالثة موجب للخروج عن العدة ولا يتصور ذلك إلا باحتساب الطهر الذي وقع فيه الطلاق. وأما انقضاء العدة بستة وعشرين يوما ولحظتين فلإمكان وقوع الطلاق في لحظة الطهر ورؤية دم الحيض ثلاثة أيام أقل أيام الحيض وحصول الطهر بعد الثلاثة عشرة أيام أقل الطهر، ورؤية الدم ثلاثة أيام ثم الطهر عشرة أيام ثم رؤية الدم لحظة واللحظة الأخيرة بملاحظة الدلالة على تمامية الطهر الأخير وليس الداخلة لما ثبت من أن الأقراء الأطهار ليس غير. * (الثالث في المسترابة وهي التي لا تحيض وفي سنها من تحيض، وعدتها ثلاثة أشهر. وهذه تراعى الشهور والحيض وتعتد بأسبقهما. أما لو رأت في الثالث حيضة وتأخرت الثانية أو الثالثة صبرت تسعة أشهر لاحتمال الحمل ثم اعتدت بثلاثة أشهر، وفي رواية عمار تصبر سنة ثم تعتد بثلاثة أشهر). أما المسترابة التي لا تحيض وهي في سن من تحيض فعدتها ثلاثة أشهر وهذه تراعى الشهور والحيض وتعتد بأسبقهما واستدل بعموم قوله تعالى " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " وفسر اللائي يئسن من المحيض باللائي لا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض لأنهن لو كن


(1) التهذيب ج 2 ص 284 والاستبصار ج 3 ص 331.

[ 548 ]

في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى، والأخبار منها ما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن أو الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام " أمران أيهما سبق بانت به المطلقة المسترابة تستريب الحيض إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت به، وإن مرت به ثلاث حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض " قال ابن أبي عمير: " قال جميل: وتفسير ذلك أن مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت فهذه تعتد بالحيض على هذا الوجه ولا تعتد بالشهور، وإن مرت بها ثلاثة أشهر بيض لم تحض فيها فقد بانت " (1). وما رواه في الكافي عن زرارة في الموثق عن أحدهما عليهما السلام قال: " أي الأمرين سبق إليها فقد انقضت عدتها إن مرت ثلاثة أشهر لا ترى فيها دما فقد انقضت عدتها فان مرت ثلاثة أقراء فقد انقضت عدتها " (2) إلى غير ما ذكر من الأخبار. أما لو رأت في الشهر الثالث حيضة وتأخرت الحيضة الثانية أو الثالثة فالمشهور أنها صبرت تسعة أشهر لاحتمال الحمل ثم اعتدت بثلاثة أشهر والأصل في هذا الحكم ما رواه الشيخ في التهذيب عن سورة بن كليب قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع طلاق السنة وهي ممن تحيض فمضى ثلاثة أشهر فلم تحض الا حيضة واحدة، ثم ارتفعت حيضتها حتى مضت ثلاثة أشهر اخرى ولم تدر ما رفع حيضها قال: إذا كانت شابة مستقيمة الطمث فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلا حيضة ثم ارتفع طمثها فلا تدرى ما رفعها فإنها تتربص تسعة أشهر من يوم طلقها ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر ثم تتزوج إن شاءت " (3) ثم إن هذه الرواية وإن كانت تخالف الأخبار السابقة الدالة على أن الشهور والحيض أيهما سبق بانت المرأة لكنها أخص من تلك الأخبار ولهذا يؤخذ بمضمونها، ولكنه استشكل في تعميمها من جهة اختصاصها بخصوص مستقيمة الحيض دون غيرها فلابد من الاقتصار عليها.


(1) الكافي ج 6 ص 98 والتهذيب ج 2 ص 282. (2) المصدر ج 6 ص 100 (3) التهذيب ج 2 ص 281.

[ 549 ]

ويمكن أن يقال وجه الأخصيته إذا كان جهة استقامة الحيض فلابد من اختصاص مورد تلك الأخبار بغير صورة استقامة الحيض ولعله لا يخلو من البعد لأن دم الحيض طبيعي بحيث يكون انقطاعه خلاف الطبيعة فلعل الغالب فيه الاستقامة ولا أقل من كون صورة عدم الاستقامة غير الغالب فكيف يحمل الأخبار الواردة بعنوان القانون الكلي على غير الغالب وأما ما في المتن من الصبر تسعة أشهر فبعيد من جهة أن الحمل يستبين بأقل من هذه المدة فكيف يحمل الخبر المذكور على هذا. وأما رواية عمار عن الصادق عليه السلام " أنه سئل عن رجل عقد امرأة شابة وهي تحيض كل شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة كيف يطلقها زوجها؟ فقال: أمرها شديد تطلق طلاق السنة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود، ثم تترك حتى تحيض ثلاث حيض متى حاضت فإذا حاضت ثلاثا فقد انقضت عدتها، قيل له: وان مضت سنة ولم تحض فيها ثلاث حيض؟ قال: إذا مضت سنة ولم تحض ثلاث حيض يتربص بها بعد السنة ثلاثة أشهر ثم قد انقضت عدتها، قيل: فإن مات أو ماتت؟ فقال: أيهما مات ورث صاحبه ما بينه وبين خمسة عشر شهرا " (1) فالظاهر أنه لم يعمل بمضمونها، وحكى عن الاستبصار حملها على ضرب من الندب والاحتياط، ويشكل من جهة أنه كيف يؤخذ بما في ذيلها من الوراثة ما بينه وخمسة عشر شهرا مع انقضاء العدة واقعا. (ولا عدة على الصغيرة ولا اليائسة على الأشهر، وفي حد اليأس روايتان أشهرهما خمسون سنة ولو رأت المطلقة الحيض مرة ثم بلغت اليأس أكملت العدة بشهرين، ولو كانت لا تحيض إلا في خمسة أشهر أو ستة اعتدت بالأشهر). المعروف أنه لا عدة على الصغيرة مع الدخول بها ولا على اليائسة ويدل عليه أخبار منها حسنة زرارة عن الصادق عليه السلام " في الصبية التي لا تحيض مثلها والتي قد يئست من المحيض ليس عليهما عدة وان دخل بهما " (2). وموثقة عبد الرحمن بن الحجاج عنه عليه السلام " ثلاث يتزوجن على كل حال: التي


(1) الكافي ج 6 ص 98 (2) الكافي ج 6 ص 85 والتهذيب ج 2 ص 287.

[ 550 ]

لم تحض ومثلها لا تحيض، قلت، وما حدها؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، قلت: وما حدها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة " (1). وصحيح حماد بن عثمان " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التي يئست من المحيض والتي لا تحيض مثلها؟ قال: ليس عليهما عدة " (2). وحسنة محمد بن مسلم " سألت (سمعت خ ل) أبا جعفر عليهما السلام " يقول في التي يئست من المحيض يطلقها زوجها، قال: بانت منه ولا عدة عليها " (3). وحسنة محمد بن مسلم عنه أيضا " التي لا تحبل مثلها لا عدة عليها " (4). وتعيين حد اليأس بخمسين سنة هنا يخالف التحديد المذكور في باب الحيض حيث فصل بين غير القرشية والقرشية وحدد في القرشية بستين، ولعل التحديد المذكور هنا محمول على الغالب، ولعل الغالب في القرشية أيضا في هذه الأعصار حصول اليأس بعد بلوغ خمسين سنة. وفي قبال ما ذكر أخبار اخر منها مضمرة أبي بصير " عدة التي لم تبلغ المحيض ثلاثة أشهر والتي قد قعدت من المحيض ثلاثة أشهر " (5). وخبر ابن سنان عن الصادق عليه السلام " في الجارية التي لم تدرك الحيض يطلقها زوجها بالشهور " (6). وخبر هارون بن حمزة الغنوي " سألته عن جارية طلقت ولم تحض بعد فمضى لها شهران ثم حاضت أتعتد بالشهرين؟ قال: نعم وتكمل عدتها شهرا، قال: فقلت: أتكمل


(1) الكافي ج 6 ص 85 (2 و 3) التهذيب ج 2 ص 268. والكافي ج 6 ص 85 (4) التهذيب ج 2 ص 268. والكافي ج 6 ص 85 (5) الكافي ج 6 ص 85 والتهذيب ج 2 ص 268 (6) التهذيب ج 2 ص 287.

[ 551 ]

عدتها بحيضة؟ فقال: لا، بل بشهر يمضي آخر عدتها على ما يمضى عليه أولها " (1) إلى غير ما ذكر من الأخبار. والظاهر عدم العمل بهذه الأخبار والمخالف في المسألة السيد المرتضى وغيره واستدل بقوله " واللائي يئسن من المحيض - الخ - بحمل الارتياب على الجهل بالحكم مؤيدا بما روي في سبب نزول الآية أن أبي بن كعب قال: يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الاحمال، فأنزل الله تعالى الآية فكان هذا دالا على أن المراد من الارتياب ما ذكرنا لا الارتياب بأنها آيسة لأنه تعالى قد قطع في الآية على اليأس من المحيض والمشكوك في حالها والمرتاب في أنها تحيض أو لا تحيض لا تكون آيسة على أنه لو كان المراد ذلك لكان حقه أن يقول: إن ارتبتن لان المرجع في ذلك اليهن ولما قال " إن ارتبتم " علم إرادة الارتياب بالمعنى الذي ذكرنا. واجيب بأنه خلاف الظاهر من التعبير بالارتياب إذ لو كان ذلك المراد لكان المناسب التعبير بالجهل على أن جميع الأحكام واردة على حال الجهل بها فيكون حينئذ لا فائدة فيه، وخبر أبي مع أنه مقدوح فيه بأنه إن صح لزم تقدم عدة ذوات الاقراء مع أنها إنما ذكر في البقرة وهي مدنية وتلك الآية في الطلاق وهي مكية في المشهور لا تعيين في غير البالغة واليائسة، وما حكاه عن جمهور المفسرين في تفسير الاية معارض بما في المحكي عن مجمع البيان في تفسيرها قال: فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض فعدتهن ثلاثة أشهر وهن اللواتي أمثالهن يحضن لأنهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى، وهذا هو المروي عن ائمتنا عليهم السلام ففي الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن قول الله عزوجل " إن ارتبتم ما الريبة فقال: ما زاد على شهر فهو ريبة، فلتعتد ثلاثة أشهر ولتترك الحيض، وما كان في الشهر


(1) التهذيب ج 2 ص 288.

[ 552 ]

لم يزد في الحيض على ثلاث حيض فعدتها ثلاث حيض " (1). قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: الوجه فيه أنه إن تأخر الدم عن عادتها أقل من الشهر فليس لريبة الحمل بل ربما كان لعلة فلتعتد بالأقراء فإن تأخر الدم شهرا فانه يجوز أن يكون للحبل فتعتد ثلاثة أشهر ما لم تر فيها دما. ويمكن أن يقال: مما يبعد حمل الارتياب على الجهل بالحكم أن ظاهر القضية الشرطية مدخلية الشرط في الجزاء ولا نرى في المقام مدخلية للجهل بالحكم لثبوت الاعتداد بثلاثة أشهر، ونظر جمهور المفسرين بلا استناد إلى قول المعصوم أو قرينة حالية أو مقالية مع عدم الظهور اللفظي ما معنى حجيته، فبعد ورود الأخبار وعدم العمل بالأخبار المعارضة لا مجال للعدول عن المشهور. ولو رأت المطلقة الحيض مرة ثم بلغت اليأس أكملت العدة بشهرين بلا خلاف ظاهرا لخبر هارون بن حمزة عن أبي عبد الله عليه السلام " في امرأة طلقت وقد طعنت في السن فحاضت حيضة واحدة، ثم ارتفع حيضها؟ قال: تعتد بالحيض وشهرين مستقبلين فإنها قد يئست من المحيض " (2). ولو كانت لا تحيض إلا في خمسة أشهر أو ستة أشهر اعتدت بالاشهر دون الأقراء بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام " إنه قال في المرأة التي يطلقها زوجها وهي تحيض كل ثلاثة أشهر حيضة، فقال: إذا انقضت ثلاثة أشهر انقضت عدتها يحسب لها لكل شهر حيضة " (3). وخبر أبي مريم عنه عليه السلام أيضا " عن الرجل كيف يطلق امرأته وهي تحيض في كل ثلاثة أشهر حيضة واحدة؟ قال: يطلقها تطليقة واحدة في غرة شهر فإذا انقضت ثلاثة أشهر من يوم طلاقها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب " (4).


(1) الكافي ج 6 ص 100 والتهذيب ج 2 ص 282 (2) الكافي ج 6 ص 100 والتهذيب ج 2 ص 283 (3) الكافي ج 6 ص 99 والاستبصار ج 3 ص 325 (4) الاستبصار ج 3 ص 324 والتهذيب ج 2 ص 282.

[ 553 ]

ومن المعلوم كون المراد من حيضها في كل ثلاثة أشهر بعدها. وفي صحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " أنه قال في التي تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة أو في ستة أو في سبعة أشهر والمستحاضة التي لم تبلغ المحيض والتي تحيض مرة ويرتفع مرة والتي لا تطمع في الولد والتي قد ارتفع حيضها وزعمت أنها لم تيأس والتي ترى الصفرة من حيض ليس بمستقيم. فذكر أن عدة هؤلاء كلهن ثلاثة أشهر " (1). وقد سبق ما دل من الأخبار على الاعتداد بأسبق الأمرين من الأقراء والثلاثة أشهر. (الرابع في الحامل وعدتها في الطلاق بالوضع ولو بعد الطلاق بلحظة ولو لم يكن تاما مع تحققه حملا. ولو طلقها فادعت الحمل تربص بها أقصى الحمل. ولو وضعت توأما بانت به على تردد. ولا تنكح حتى تضع الآخر، ولو طلقها رجعيا ثم مات استأنفت عدة الوفاة، ولو كان بائنا اقتصرت على اتمام عدة الطلاق). المشهور أن عدة الحامل في الطلاق بالوضع ولو بعد الطلاق بلحظة ويدل عليه قوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) والأخبار منها ما رواه في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إذا طلقت المرأة وهي حامل فأجلها أن تضع حملها وان وضعت من ساعتها " (2). وما رواه في الفقيه في الصحيح والكليني في الموثق عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي ابراهيم عليه السلام قال: " سألته عن الحبلى إذا طلقها زوجها فوضعت سقطا تم أو لم يتم فقد انقضت عدتها وإن كان مضغة، قال: كل ش " وضعته يستبين أنه حمل تم أو لم يتم فقد انقضت عدتها وإن كان مضغة " (3).


(1) الكافي ج 6 ص 99 (2) المصدر ج 6 ص 82 (3) الفقيه باب طلاق الحامل تحت رقم 6 والكافي ج 6 ص 82.

[ 554 ]

وما رواه في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل طلق امرأته وهي حبلى وكان في بطنها اثنان فوضعت واحدا وبقي واحد؟ قال: تبين بالأول ولا تحل للأزواج حتى تضع ما في بطنها " (1) إلى غير ما ذكر من الأخبار. والمحكي عن الصدوق والسيد المرتضى أن عدة الحامل أقرب الأجلين من الوضع ومضي ثلاثة أشهر. ويدل على هذا القول ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي الصباح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " طلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الأجلين " (2). وعن الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " طلاق الحبلى واحدة وأجلها أن تضع حملها، وهو أقرب الأجلين " (3). ورواه في الكافي أيضا عن ابن مسكان عن أبي بصير في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. (4) واجيب بحمل قوله عليه السلام على المحكي أقرب الأجلين على أن وضع الحمل أقرب باعتبار جواز حصوله بعد الطلاق بلحظة أو أيام يسيرة بخلاف التحديد بالثلاثة الأشهر. وأورد عليه بأن الوضع قد يكون أبعد الأجلين فكيف يوصف بأنه أقرب الأجلين ولازم هذا أن يجعل الجملة وهي أقرب الأجلين في صحيح الحلبي المذكور حالا بمعنى أنه مع الأقربية تعتد بالوضع لا مع الأبعدية. ويمكن الجواب بأنه مع عدم الأقربية بحسب الغالب كيف جعل الأجل وضع الحمل بقول مطلق في الكتاب والأخبار. ويدل على كفاية الوضع ولو لم يكن ما وضعته تاما صحيح عبد الرحمن المذكور. فلو طلقها فادعت الحمل تربص بها أقصى الحمل والظاهر أنه سنة واستدل عليه


(1) التهذيب ج 2 ص 270 والكافي ج 6 ص 82 (2 و 3 و 4) الكافي ج 6 ص 82 والتهذيب ج 2 ص 268.

[ 555 ]

- مضافا إلى الوجدان كما حكي عن المسالك حيث قال: قد وقع في زماننا - صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج " سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حبلا انتظرت تسعة أشهر فإن ولدت وإلا اعتدت بثلاثة أشهر، ثم قد بانت منه " (1). وخبر محمد بن حكيم عن أبي إبراهيم أو ابنه عليهما السلام أنه قال: المطلقة طلقها زوجها فتقول: أنا حبلى فتمكث سنة قال: ان جاءت به لأكثر من سنة لم تصدق ولو ساعة واحدة في دعواها " (2). ولو وضعت توأما فهل تبين بوضعه قبل وضع الآخر؟ فيه قولان أحدهما أنها تبين وإن لم تنكح إلا بعد وضع الآخر. وهو مختار الشيخ في النهاية وابني البراج وحمزة وابن الجنيد - قدس سرهم - وعليه تدل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله المتقدمة وقال صاحب مجمع البيان وروى أصحابنا: إن الحامل إذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الزوج ولا يجوز أن تعقد على نفسها لغيره حتى تضع الآخر. ويمكن أن يكون نظره إلى هذه الرواية. واستشكل من جهة ضعف الرواية وعدم الجابر لضعفه. والقول الآخر أنها لا تبين إلا بوضع الجميع استظهارا مما دل على انقضاء العدة بالوضع. ولا يخلو عن الإشكال لامكان أن يقال: وضعت حملها بعد وضع أحدهما كما أن الطبيعة متحققة بتحقق فرد منها. ومع الشك إن بنى على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما هو المعروف بين الأكابر المتأخرين يستصحب بقاء العدة، ومع التأمل فيه يشكل الأمر من جهة رجع الزوج اياها في زمان الشك والوراثة إذا مات أحد الزوجين وساير ما يترتب على بقاء العدة وانقضائها فلابد من الاحتياط إن أمكن. ولو طلقها رجعيا ثم مات استأنفت العدة عدة الوفاة بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه الاخبار منها المرسل عن أحدهما عليهما السلام " في رجل طلق امرأته طلاق يملك فيه


(1 و 2) الكافي ج 6 ص 101.

[ 556 ]

الرجعة، ثم مات عنها قال: تعتد بأبعد أجلين أربعة أشهر وعشرا " (1). وخبر هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل كان تحته امرأة طلقها، ثم مات قبل أن تنقضي عدتها قال: تعتد بأبعد الأجلين عدة المتوفى عنها زوجها " (2). وخبر محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سمعته يقول: إيما امرأة طلقت ثم توفى عنها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ولم تحرم عليه فإنها ترثه ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها وإن توفت وهي في عدتها ولم تحرم عليه فإنه يرثها - الحديث " (3). وخبر سماعة " سألته عن رجل طلق امرأته ثم إنه مات قبل أن تنقضي عدتها؟ قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها ولها الميراث " (4) إلى غير ما ذكر مضافا إلى أنه بحكم الزوجة فيشمله قوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " هذا على تقدير زيادة عدة الوفاة على عدة الطلاق. ويمكن أن يقال: لم يظهر من الأخبار المذكورة انتفاء أثر الطلاق من حيث لزوم العدة ولذا لا شبهة في أنه مع الحمل لابد من الصبر إلى الوضع حتى مع التأخر عن عدة الوفاة ورفع الشك والترديد في صورة زيادة المدة التي وجب التربص فيها من جهة الطلاق ومع عدم انتفاء أثر الطلاق لابد من التداخل في المدة الباقية من عدة الطلاق مع عدة الوفاة، والتداخل خلاف الأصل واثبات التداخل بالإطلاق المقامي بأن يقال في مقام الجواب عن الأسولة المذكورة: لم يذكر غير وجوب عدة الوفاة ولو كان أمر آخر واجبا لكان اللازم بيانه فمع عدم البيان يظهر عدم وجوبه مشكل لأنه يكفى في البيان الأدلة الدالة على لزوم العدة للطلاق، هذا ولكن ظاهر كلماتهم تسلم عدم لزوم غير عدة الوفاة مع زيادة عدة الوفاة أو التساوي


(1) الكافي ج 6 ص 120 والتهذيب ج 2 ص 291 (2 و 3) الكافي ج 6 ص 121 والتهذيب ج 2 ص 271 و 291 (4) الفقيه باب طلاق المريض تحت رقم 4.

[ 557 ]

ويمكن أن يكون من جهة أن عدة الطلاق بعده بلا فصل فمع وقوع الوفاة في عدة الطلاق لابد من التداخل حفظا للاتصال فقاعدة عدم التداخل لا تجري في المقام كما أن عدة الوفاة بعد وصول خبر الموت فمع الاجتماع لابد من التداخل إلا أن يقال: غاية الأمر وقوع التعارض فعلى القول بجريان الاستصحاب في أمثال المقام لابد من عدم التداخل والأخذ بكل من المسببين والاحتياط. وإذا زاد أحد العدتين فلابد من حفظ الزيادة فذات الأقراء إذا زادت عدتها عن عدة الوفاة كما لو رأت الدم في كل شهرين ونصف مرة فاقراؤها تزيد عن عدة الوفاة كما أنه لو دل الدليل على وجوب التربص من جهة ارتياب الحمل لا من جهة الاحتساب في العدة لزم مراعاته. ومع كون الطلاق بائنا لا يجب على المرأة عدة الوفاة لانقطاع العصمة والظاهر عدم الخلاف فيه. وخبر علي بن ابراهيم، عن بعض أصحابنا " في المطلقة البائنة إذا توفي عنها زوجها وهي في عدتها قال: تعتد بأبعد الأجلين " (1) متروك للقطع والإرسال فلا يعارض ما يستفاد من الأخبار من مدخلية الزوجية وعدم انقطاع العصمة. (الخامس في عدة الوفاة، تعتد الحرة بأربعة أشهر وعشرة أيام إذا كانت حائلا صغيرة كانت أو كبيرة دخل بها أو لم يدخل، وبأبعد الأجلين إن كانت حاملا ويلزمها الحداد وهو ترك الزينة دون المطلقة، ولاحداد على أمة). تعتد الحرة وإن كان تحت عبد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام إذا كانت حائلا في النكاح الدائم بالإجماع والأخبار المستفيضة مضافا إلى قوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ومن الأخبار ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يموت وتحته امرأة لم يدخل بها؟ قال: لها نصف المهر ولها الميراث كاملا. وعليها


(1) الكافي ج 6 ص 120.

[ 558 ]

العدة كاملة " (1). وما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج في صحيح عن رجل عن علي ابن الحسين عليهما السلام " في المتوفى عنها زوجها ولم يدخل بها أن لها نصف الصداق ولها الميراث وعليها العدة " (2). ومنها ما رواه الصدوق عن محمد بن اذينة عن زرارة في الصحيح قال: " سألت أبا - جعفر عليهما السلام ما عدة المتعة إذا مات عنها الذي يتمتع بها؟ قال: أربعة أشهر وعشرا قال: ثم قال: يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة وعلى أي وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجا أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر وعشرا وعدة المطلقة ثلاثة أشهر، والأمة المطلقة عليها نصف ما على الحرة وكذلك المتعة عليها ما على الأمة " (3). وأما قوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول " بناء على أن المراد منه الاعتداد بالسنة فهو منسوخ بقوله تعالى المذكور آنفا. وتبين المرأة بانتهاء اليوم العاشر حسب ما ادعى من الاتفاق ويدل عليه ما عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المتوفى عنها زوجها لا تطيب ولا تزين حتى تنقضي عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام " (4) خلافا لبعض حيث قال: بأنها تبين بطلوع الفجر العاشر لتذكير العدد المقتضي لتأنيث المميز فيكون ليالي. وأما الحامل فعدتها أبعد الأجلين بلا خلاف ظاهرا ويدل علي‍ من الأخبار ما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة في الموثق قال: " قال المتوفى عنها زوجها الحامل أجلها آخر الأجلين إذا كانت حبلى فتمت لها أربعة أشهر وعشرا ولم تضع فإن عدتها إلى أن تضع وإن كانت تضع حملها قبل أن يتم لها أربعة أشهر وعشرا تعتد بعد ما تضع


(1 و 2) الكافي ج 6 ص 118 (3) الفقيه باب المتعة تحت رقم 25 (4) الكافي ج 6 ص 117.

[ 559 ]

تمام أربعة أشهر وعشرا وذلك أبعد الأجلين " (1). وما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان في الموثق قال: " المتوفى عنها زوجها عدتها آخر الأجلين " (2). وعن محمد بن قيس في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة توفي عنها زوجها وهي حبلى فولدت قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشرا فتزوجت فقضى أن يخلى عنها ثم يخطبها حتى ينقضي آخر الأجلين، فان شاء أولياء المرأة أنكحوها وإن شاؤوا أمسكوها، فان أمسكوها ردوا عليه ماله " (3) إلى غير ما ذكر من الأخبار الواردة في هذا المقام. وأما لزوم الحداد بمعنى ترك الزينة في البدن واللباس على الزوجة المتوفى عنها زوجها فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه الأخبار منها صحيح ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن المتوفى عنها زوجها، فقال: لا تكتحل للزينة ولا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا تبيت عن بيتها وتقضي الحقوق وتمتشط بغسلة وتحج إن كانت في عدتها " (4). وما رواه في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام في حديث قال فيه: " فتمسك عن الكحل والطيب والاصباغ " (5). وعن أبي العباس قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المتوفى عنها زوجها؟ قال: لا تكتحل للزينة ولا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا تخرج نهارا ولا تبيت عن بيتها قلت: أرأيت إن أرادت أن تخرج إلى حق كيف تصنع؟ قال: تخرج بعد نصف الليل


(1 و 2) الكافي ج 6 ص 113، والتهذيب ج 2 ص 291 (3) الكافي ج 6 ص 114 (4) الكافي ج 6 ص 116. والغسلة - بالكسر -: ما تجعله المرأة في شعرها عند الانتشار. (5) المصدر ج 6 ص 112.

[ 560 ]

وترجع عشاء " (1). وعن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المتوفى عنها زوجها ليس لها أن تطيب ولا تزين حتى تنقضي عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام " (2). وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المرأة يتوفى عنها زوجها وتكون في عدتها أتخرج في حق؟ فقال: إن بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله سألته فقالت: إن فلانة توفي زوجها فتخرج في حق ينوبها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: اف لكن قد كنتن من قبل أن ابعث فيكن وأن المرأة منكن إذا توفي عنها زوجها أخذت بعرة فرمت بها خلف ظهرها، ثم قالت لا أمتشط ولا أكتحل ولا أختضب حولا كاملا وإنما أمرتكن بأربعة أشهر وعشرا، ثم لا تصبرن لا تمتشط ولا تكتحل ولا تختضب ولا تخرج من بيتها نهارا ولا تبيت عن بيتها، فقالت: يا رسول الله فكيف تصنع إن عرض لها حق فقال: تخرج بعد زوال الليل وترجع عند المساء فتكون لم تبت عن بيتها، قلت له: فتحج؟ قال: نعم " (3) ويظهر من بعض الأخبار جواز بعض ما يكون ممنوعا في الأخبار المذكورة من ذلك ما رواه في الفقيه في الصحيح قال: " كتب الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام في امرأة مات عنها زوجها وهي في عدة منه وهي محتاجة لا تجد من ينفق عليها وهي تعمل للناس هل يجوز لها أن تخرج وتعمل وتبيت عن منزلها في عدتها؟ قال: فوقع عليه السلام: لا بأس بذلك إن شاء الله تعالى " (4). وما رواه في الفقيه والتهذيب عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن المرأة يموت زوجها هل يحل لها أن تخرج من بيتها في عدتها؟ قال: نعم وتختضب وتدهن وتمشط وتصنع ما شاءت لغير زينة من زوج " (5).


(1) الكافي ج 6 ص 116 (2 و 3) الكافي ج 6 ص 117 والنوب نزول الامر، والظاهر أن الرمى بالبعرة وراء الظهر كناية عن الاعراض عن الزوج فتأمل (4 و 5) المصدر باب طلاق التي لم يدخل بها تحت رقم 12.

[ 561 ]

وما رواه في الكافي عن ابن بكير في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التي توفى عنها زوجها تحج؟ قال: نعم وتخرج وتنتقل من منزل إلى منزل " (1). وقد يجمع بين الاخبار السابقة وبين هذه الأخبار بحمل الأخبار المجوزة على صورة الضرورة ولا يخفى بعده، ويمكن أن يقال: قد قيد في صحيح ابن أبي يعفور المذكور وما روي عن أبي العباس الاكتحال بكونه للزينة ولعل وحدة السياق تقيد غيره من المذكورات بهذا القيد أيضا؟ ولا أقل من عدم الإطلاق فلا يبعد اعتبار القصد لأن الاكتحال في نفسه زينة فذكر للزينة يفيد اعتبار القصد فتعريف الحداد شرعا بمطلق الزينة مشكل وعلى هذا يمكن الجمع بحمل الأخبار المجوزة على صورة عدم قصد الزينة لكن ظاهر كلماتهم لا يساعد على هذا الجمع، هذا في غير الخروج عن البيت والبيتوتة في غير منزلها، وأما هما فخارجان عن الزينة فلا يبعد الجمع بالحمل على الكراهة. ويمكن ترجيح الخروج والبيتوتة في غير منزلها لجهة اخرى فروى في الكافي عن معاوية بن عمار في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المرأة المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها أو حيث شاءت؟ قال: لا بل حيث شاءت إن عليا عليه السلام لما توفي عمر أتى ام كلثوم فانطلق بها إلى بيته " (2). وعن سليمان بن خالد في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة توفى عنها زوجها أين تعتد في بيت زوجها تعتد أو حيث شاءت؟ قال: حيث شاءت، ثم قال: إن عليا عليه السلام لما مات عمر أتى أم كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته (3) ". فتأمل. وأما عدم الحداد على المطلقة رجعية كانت أو بائنة فلاخلاف فيه ظاهرا و يدل عليه ما رواه في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إن عدة المتوفى


(1) المصدر ج 6 ص 118 (2) و (3) المصدر ج 6 ص 115.

[ 562 ]

عنها زوجها آخر الأجلين لأن عليها أن تحد أربعة أشهر وعشرا، وليس عليها في الطلاق أن تحد " (1). وما رواه في الكافي عن عمار بن موسى الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن المرأة إذا اعتدت هل يحل لها أن تختضب في العدة؟ قال: لها أن تكتحل وتدهن وتمتشط وتصبغ وتلبس الصبغ وتختضب بالحناء وتصنع ما شاءت لغير ريبة من زوج " (2). وعن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام " المطلقة تشوفت لزوجها ما كان له عليها رجعة ولا يستأدن عليها " (3). وعن أبي بصير عن أحدهما عليهما اللام " في المطلقة تعتد في بيتها وتظهر له زينتها لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " (4). وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن يعقوب بسنده إلى مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام عن علي عليه السلام قال: " المطلقة الرجعية المتوفى عنها زوجها لا - تكتحل ولا تطيب ولا تختضب ولا تمتشط (5) " فلا يبعد حمله على المطلقة الرجعية المتوفى عنها زوجها في عدة الطلاق حيث إنها بحكم الزوجة ومع عدم الحمل على ما ذكر فهو غير معمول به. وأما عدم الحداد على الأمة فلما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام " أن الأمة والحرة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة إلا أن الحرة تحد والأمة لا تحد " (6) وبه تقيد المطلقات.


(1) الكافي ج 6 ص 114 (2) التهذيب ج 2 ص 272 (3) الكافي ج 6 ص 91 والتشوف: التزين. وقوله " ما كان " أي ما دام (4) الكافي ج 6 ص 91 والتهذيب ج 2 ص 285 (5) التهذيب ج 2 ص 293 (6) الكافي ج 6 ص 170.

[ 563 ]

* (السادس في المفقود لا خيار لزوجته ان عرف خبره أو كان له ولي ينفق عليها، ثم إن فقد الأمر ان ورفعت أمرها إلى الحاكم أجلها أربع سنين فإن وجده وإلا أمرها بعدة الوفاة ثم أباحها النكاح فإن جاء في العدة فهو أملك بها وإن خرجت و تزوجت فلا سبيل له، وان خرجت ولم تتزوج فقولان، أظهرهما أنه لا سبيل له عليها). المفقود المنقطع خبره إذا تبين موته فلا إشكال وإن علم حياته ولم يعلم أنه في أي بلد فقد يقال بوجوب الصبر على زوجته إلى أن يعلم تطليقه لها أو موته وأن طالت المدة ولا تجوز لها أن تتزوج بل يجب الإنفاق عليها من ماله إن كان له مال وإلا فمن بيت المال، نعم إذا حصل لها العلم بموته من القرائن جاز لها ذلك ويجوز للغير تزوجها إذا لم يعلم كذبها لجملة من الأخبار الدالة على جواز نكاح امرأة ادعت أن لا زوج لها وإن علم كونها مزوجة سابقا، وأما إذا لم يعلم موته ولا حياته فان كان له مال ينفق عليها أو أنفق عليها وليه أو متبرع وجب عليها الصبر، ولا يجوز أن تتزوج لاستصحاب حياته، ومقتضى الاستصحاب عدم جواز تزويجها أيضا إلا أن جملة من الأخبار تدل على أنها إن لم تصبر وأرادت أن تتزوج تصبر أربع سنين للفحص عن حياته و موت زوجها فإن لم يتبين أحد الأمرين أمرها الحاكم بالاعتداد أو يطلقها أو يأمر وليه أن يطلقها ثم يجوز لها أن تتزوج بعد العدة وهذا المقدار متفق عليه عندهم. ويمكن أن يقال: ما ذكر من العلم بالحياة مع فرض كون الزوج مفقود الأثر لعله مجرد فرض ولعل المراد الاطمينان بالحياة بحسب العادة ثم إنه لم يعلم وجه لزوم الإنفاق من بيت المال بل مع تمكنها من تحصيل نفقتها عليها كسائر الناس ومع عدم التمكن يكون حالها حال ساير الفقراء ينفق عليها من الصدقات ومع عدم التمكن يجب على المكلفين نفقتها. ثم إن الأخبار الآتية بعضها يكون مطلقا يشمل صورة العلم بالمعنى المذكور و بعضها المقيد غير نقي السند، والظاهر وقوع التعارض بينها ولا تقبل الجمع العرفي فنقول: اختلف في امور أحدها أنه هل يشترط طلاقها بعد مدة التربص أو يكفى

[ 564 ]

أمر الحاكم لها بالاعتداد من غير حاجة إلى الطلاق؟. الثاني هل اللازم عليها عدة الوفاة أو عدة الطلاق؟ الثالث هل اللازم من الأول رفع أمرها إلى الحاكم لضرب الأجل و الفحص في الأطراف أو يكفي مضي أربع سنين قبل الرجوع إلى الحاكم؟ الرابع هل المدة من حين فقد خبره وصدق كونه مفقودا أو من حين تعيين الحاكم؟ ومنشأ هذه الاختلافات اختلاف الأخبار فمنها صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " عن المفقود قال عليه السلام: المفقود إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها فان لم يوجد له أثر أمر الوالي وليه أن ينفق عليها فما أنفق عليها فهي امرأته قال: قلت: فانها تقول: فاني اريد ما تريد النساء؟ قال: ليس لها ذلك ولا كرامة، فان لم ينفق عليها وليه أو وكيله أمره بأن يطلقها وكان ذلك عليها طلاقا واجبا " (1). وهذا الخبر يشمل صورة العلم بالحياة بمعنى الاطمينان كما لو أخبر المخبر برؤيته في خلال الغيبة، ثم بعد ذلك انقطع أثره ومقتضى هذا الخبر اشتراط الطلاق والظاهر أن العدة اللازمة عليها عدة الطلاق. ومنها خبر بريد بن معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام " عن المفقود كيف يصنع بامرأته؟ قال: ما سكتت عنه وصبرت فخل عنها، فان هي رفعت أمرها إلى الوالي أجلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه فيسأل عنه فان خبر عنه بحياته صبرت وان لم يخبر عنه بشئ حتى تمضي أربع سنين دعي ولي الزوج المفقود فقيل له: هل للمفقود مال فان كان له مال أنفق عليها حتى تعلم حياته من موته وإن لم يكن له مال قيل للولي: أنفق عليها فان فعل فلا سبيل لها أن تتزوج ما أنفق عليها وان أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي على أن يطلق تطليقة في استقبال العدة وهي طاهرة فيصير طلاق الوالي طلاق الزوج فان جاء زوجها من قبل أن تنقضي عدتها من يوم طلقها الوالي فبدا له أن يراجعها فهي امرأته وهي عنده على تطليقتين وإن انقضت العدة قبل أن يجيئ أو يراجع فقد حلت للأزواج ولا سبيل للأول عليها " (1).


(1) الكافي ج 6 ص 147.

[ 565 ]

ومقتضى هذا الخبر أيضا اعتبار الطلاق وظاهره لزوم كون العدة بعد الرفع وتعيين الحاكم بخلاف الصحيح السابق حيث يستفاد منه كفاية مضي المدة ولو قبل الرفع إلى الحاكم ومن غير تعيينه ومقتضاه أنه مع الإخبار بالحياة لا بد لها من الصبر. ومنها خبر أبي الصباح عن أبي عبد الله عليه السلام " في امرأة غاب عنها زوجها أربع سنين ولم ينفق عليها ولم تدر أحي هو أم ميت أيجبر وليه على أن يطلقها؟ قال: نعم، وإن لم يكن له ولي يطلقها السلطان. قلت: فإن قال الولي أنا أنفق عليها؟ قال: فلا يجبر على طلاقها، قلت: أرأيت إن قالت: أنا اريد ما تريد النساء ولا أصبر ولا أقعد كما أنا، قال: ليس لها ولا كرامة إذا انفق عليها " (2). وظاهر هذا الخبر أيضا عدم لزوم كون المدة بعد رفع الأمر إلى الحاكم ولزوم الطلاق وأنه مع الانفاق عليها لا تطلق ويجب عليها الصبر. ومنها مرسلة الفقيه " ان لم يكن للزوج ولي طلقها الوالي ويشهد شاهدين عدلين فيكون طلاق الوالي طلاق الزوج وتعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تتزوج إن شاءت (3) " وتظهر منها ومن سابقها تقدم طلاق الولي على طلاق الوالي. ومنها موثق سماعة قال: " سألته عن المفقود فقال: إن علمت أنه في أي أرض فهي تنتظر له أبدا حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاقه، وان لم تعلم أين هو من الأرض كلها ولم يأتها منه كتاب ولا خبر فانها تأتي الإمام فيأمرها أن تنتظر أربع سنين فيطلب في الأرض فان لم يوجد أثر حتى تمضى أربع سنين أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تحل للأزواج، فان قدم زوجها بعد ما تنقضي عدتها فليس له عليها رجعة، وان قدم وهي في عدتها أربعة أشهر وعشرا فهو أملك برجعتها " (4).


(1) التهذيب ج 2 ص 247 والفقيه باب طلاق المفقود تحت رقم 1. (2) الكافي ج 6 ص 148 (3) الفقيه باب طلاق المفقود تحت رقم 2. (4) الكافي ج 6 ص 148.

[ 566 ]

ومقتضى هذا الخبر كفاية أمر الحاكم بالاعتداد من غير حاجة إلى الطلاق وأما النبوي " تصبر امرأة المفقود حتيأتيها يقين موته أو طلاقه " والعلوي " هذه امرأة ابتليت فلتصبر " وخبر السكوني أن عليا عليه السلام قال في المفقود: " لا تتزوج امرأته حتى يبلغها موته أو طلاق أو لحوق بأهل الشرك (1) " فلا عامل بها. وقد يقال: مقتضى الجمع بين الأخبار المذكورة لزوم الطلاق بتقييد خبر سماعة بساير الأخبار ولزوم كون العدة عدة وفاة بتقييد أخبار الطلاق بخبر سماعة والمرسل و لزوم رفع الأمر إلى الحاكم وكون ضرب الأجل بتعيينه وكون ابتداء الأجل من حين ضربه بتقييد خبر الحلبي وخبر أبي الصباح بخبر بريد وخبر سماعة، والحاصل أنه يحمل المطلق منها على المقيد والمجمل على المفصل فيصير الحاصل أن عند انقطاع خبره إذا لم يكن من ينفق عليها مع ارادتها التزويج وجب رفع أمرها إلى الحاكم فيضرب لها المدة ويتفحص عن زوجها وبعد انقضائها يأمر وليه أن يطلقها وإذا لم يكن له ولي أو امتنع فيطلقها هو وتعتد عدة الوفاة ثم تتزوج إن شاءت مع أن هذا مقتضى الاحتياط. ويمكن أن يقال: أن ما ذكر من الجمع خلاف ما يقال في مقام آخر من أنه مع تعدد القضية الشرطية واختلاف الجزاء مع وحدة الشرط يؤخذ بمقتضى كل من القضيتين أو القضايا ويجعل الجزاء متعددا من دون تقييد بعض بالآخر، ووجه بأن الظاهر في كل شرطية تعين الجزاء مع كونها نصا في الكفاية فيرفع اليد عن الظهور بالنص. وهذا الجمع أقرب مما ذكر حيث إن ظاهر الأخبار المذكورة كون الإمام صلوات الله عليه في مقام بيان تمام ماله الدخل في حلية المرأة للزواج فكيف يكتفي ببعض ماله الدخل، وهذا نظير ما يقال في التعريف والتحديد من لزوم الاحتراز عما يوجب الاختلال فهل يمكن ذكر الطلاق الملازم للعدة المخصوصة بدون ذكر عدة الوفاة مع ارادتها، وهل يمكن عدم ذكر الطلاق مع ركنيته للمقام وما ذكر من المبعدات للجمع المذكور، ثم إنه يشكل ما ذكر من أن الجمع المذكور مقتضى


(1) التهذيب ج 2 ص 247.

[ 567 ]

الاحتياط أيضا حيث إن عدة الطلاق قد تزيد على عدة الوفاة كما لو رأت المرأة الدم في كل شهرين ونصف مرة فمع هذا إذا اعتدت أربعة أشهر وعشرا لم تعمل ما يطابق الاحتياط لاحتمال لزوم الاعتداد بعدة الطلاق الزائدة عليها. ثم إن ههنا اشكالا آخر وهو أن التعبير في لسان الأخبار المذكورة بالإمام في بعضها وأو الوالي في بعضها وبالسلطان في بعضها وانطباق السلطان أو الوالي على الفقهاء في عصر الغيبة محل اشكال من جهة الشبهة في ثبوت الولاية العامة بل الظاهر الانطباق على النواب الخاصة ولم يظهر من الأدلة لزوم تخليص المرأة في كل زمان حتى يقال: القدر المتيقن مداخلة الحاكم، ثم عدول المؤمنين، ثم غير العدول، ثم إن المرأة مع مراعاة ما ذكر في الأخبار وحليتها للازواج لا سبيل لزوجها عليها إذا جاءت بمقتضى الاخبار لان المرأة لا تحل لاحد إلا بعد انقطاع عصمتها بالنسبة إلى الزوج فلا فرق بين أن يكون مجيئ الزوج بعد ازدواجها أو قبله، وما في الشرايع من أن له السبيل عليها قبل أن تتزوج بمقتضى بعض الأخبار لم يظهر وجهه لعدم العثور على الخبر المشار إليه، وأما لو جاءت قبل تمامية الأمور المذكورة في الأخبار فلا ينبغي الإشكال في أن الزوج الأول أملك حتى لو قلنا بعدم لزوم الطلاق كما في خبر سماعة لما فيه من قوله عليه السلام على المحكي " وان قدم وهي في عدتها أربعة أشهر وعشرا فهو أملك برجعتها " لكن لابد من التقييد بصورة عدم كون الطلاق الطلاق الذي لا تحل لزوجها إلا أن تنكح زوجا غيره. (السابع في عدد الإماء والاستبراء. عدة الأمة في الطلاق قرءان وهما طهران على الأشهر ولو كانت مسترابة فخمسة وأربعون يوما، تحت عبد كانت أو تحت حر ولو اعتقت ثم طلقت لزمها عدة الحرة وكذا لو طلقها رجعيا، ثم اعتقت في العدة أكملت عدة الحرة، ولو طلقها بائنا أتمت عدة الأمة). لا اشكال ولا خلاف في أن عدة الامة في الطلاق مع البلوغ والدخول وعدم اليأس وكونها حائلا قرءان والمشهور أنهما طهران، وذهب جماعة إلى أنهما حيضتان ويدل على المشهور صحيح زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام " عن حر تحته أمة أو عبد تحته

[ 568 ]

حرة كم طلاقها وكم عدتها؟ فقال: السنة في النساء في طلاق فإن كانت حرة فطلاقها ثلاثا وعدتها ثلاثة أقراء، وان كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان وعدتها قرءان " (1) حيث إن الظاهر أن القرء في قوله عليه السلام على المحكي " ثلاثة أقراء " وقوله عليه " قرءان " بمعنى واحد والقرء في عدة الحرة بمعنى الطهر فيكون كذلك في عدة الأمة. ويمكن أن يقال: لم يعلم أن المراد من القرء في عدة الحرة بمعنى الطهر غاية الأمر في عدة الحرة قدم الأخبار الدالة على أن القروء بمعنى الأطهار وحمل الأخبار المخالفة لها على التقية ومجرد هذا لا يفيد في تعيين المراد في هذا الخبر فلعل هذا الخبر موافق لتلك الأخبار المخالفة. ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " عدة الأمة حيضتان، وقال: إذا لم يكن تحيض فنصف عدة الحرة " (2). وعن سليمان بن خالد في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأمة إذا طلقت ما عدتها قال: حيضتان أو شهران - الحديث " (3). وعن محمد بن قيس في الصحيح عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سمعته يقول: طلاق العبد للأمة تطليقتان وأجلها حيضتان إن كانت تحيض وان كانت لا تحيض فأجلها شهر ونصف " (4) إلى غير ما ذكر من الأخبار. ومع ملاحظة هذه الأخبار يشكل القول بأن القرئين الطهران، نعم هذا هو المشهور ويوافق المستفاد من الأخبار من أن كل عدد يؤثر فيه الرق نقصانا يكون الرقيق فيه على النصف وحيث إن التنصيف في الطلاق لا يمكن والتنصيف في القرء لا يتيسر لأن الطهر بين الدمين إنما يظهر نصفه إذا ظهر كله بعد الدم فلابد من


(1) التهذيب ج 2 ص 286. والكافي ج 6 ص 167. (2 و 3) الكافي ج 6 ص 170. والتهذيب ج 2 ص 292 (4) الكافي ج 6 ص 169.

[ 569 ]

الانتظار، فالأمة تعتد بقرئين مع أن الحرة بثلاثة أقراء وتحرم بتطليقتين مع أن الحرة تحرم بالثلاث. وإذا كانت مسترابة ولا ترى الدم تعتد بخمسة وأربعين يوما نصف ثلاثة أشهر ويدل عليه صحيح محمد بن مسلم وصحيح محمد بن قيس المذكوران، نعم يخالف هذا ما عن سليمان بن خالد في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأمة إذا طلقت ما عدتها؟ قال: حيضتان أو شهران (1) " والظاهر أنه غير معمول به في تعين شهرين. ويقع الاشكال في المقام من جهة أنه إذا اكتفى بالشهر الهلالي الناقص واتفق الشهران كذلك فهل يكتقي بالنصف حقيقة وذكر خمسة وأربعين لا من باب الخصوصية أو لابد من الاعتداد بهذه المدة بالخصوص وإن كانت الحرة تعتد بثمانية وثمانين يوما. ثم إنه بحسب اطلاق الاخبار لا فرق بين كون الأمة تحت حر أو عبد ولو اعتقت، ثم طلقت لزمها عدة الحرة لأنها حين أمرت بالاعتداد تكون حرة، ولو طلقها ثم اعتقت في العدة فهل تعتد عدة الأمة لأنها حين أمرت بالاعتداد كانت أمة أو تعتد عدة الحرة لأنها حين الاعتداد حرة فتعتد عدتها أو يفرق بين الطلاق البائن والرجعي ففي البائن تعتد عدة الأمة دون الرجعي وقد يستشهد لهذا التفصيل برواية الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز عن مرازم وفي نسخة عن مهزم عن أبي عبد الله عليه السلام " في أمة تحت حر طلقها على طهر بغير جماع تطليقا ثم اعتقت بعدما طلقها بثلاثين يوما ولم تنقض عدتها، قال: فقال: إذا اعتقت قبل أن تنقضي عدتها اعتدت عدة الحرة من اليوم الذي طلقها وله عليها الرجعة قبل انقضاء العدة فإن طلقها تطليقتين واحدة بعد واحدة، ثم اعتقت قبل انقضاء عدتها فلا رجعة له عليها وعدتها عدة الأمة) (2). ويشكل من مجهولية الراوي عن الإمام عليه السلام والمعارضة بين ما دل على أنها


(1) الكافي ج 6 ص 170 (2) التهذيب ج 2 ص 287.

[ 570 ]

تعتد عدة الحرة وبين ما دل على أنها تعتد عدة الأمة فمن الأول ما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن جميل وهشام بن سالم جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام " في أمة طلقت ثم اعتقت قبل أن تنقضي عدتها قال: تعتد بثلاث حيض فان مات زوجها، ثم اعتقت قبل أن تنقضي عدتها فان عدتها أربعة أشهر وعشرا " (1). وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام " في أمة كانت تحت رجل فطلقها، ثم اعتقت قال: تعتد عدة الحرة " (2). والثاني ما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن القاسم بن يزيد عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " إذا طلق الحر المملوكة فاعتدت بعض عدتها عنه، ثم اعتقت فانها تعتد عدة المملوكة " (3). ومع قطع النظر عن مجهولية الراوي في الرواية المفصلة بين الرجعي والبائن أشكل التخصيص من جهة أقلية الطلاق البائن بالنسبة إلى الرجعي فكيف يحمل ما دل على لزوم الاعتداد بعدة الأمة بقول مطلق على صورة التطليق بالطلاق البائن. (وعدة الذمية كالحرة في الطلاق والوفاة على الأشبه، وتعتد الأمة من الوفاة بشهرين وخمسة أيام، ولو كانت حاملا اعتدت مع ذلك بالوضع، وام الولد تعتد من وفاة الزوج كالحرة). مقتضى ما دل باطلاقه على مقدار اعتداد الحرة في الطلاق والوفاة عدم الفرق بين المسلمة والذمية بل في خصوص عدة الوفاة دل الدليل على عدم الفرق إلا أنه ورد الرواية بالفرق في خصوص عدة الطلاق وكون الذمية كالأمة ونسبت الرواية إلى الشذوذ وهي ما رواه ثقة الإسلام في الكافي والشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني فطلقها هل عليها


(1) المصدر باب طلاق العبد تحت رقم 14. (2) التهذيب ج 2 ص 286. (3) التهذيب ج 2 ص 287 والفقيه باب طلاق العبد تحت رقم 8.

[ 571 ]

عدة منه مثل عدة المسلمة؟ فقال: لا لأن أهل الكتاب مماليك الإمام ألا ترى أنهم يؤدون الجزية كما يؤد العبد الضريبة إلى مواليه، قال: ومن أسلم منهم فهو حر يطرح عنه الجزية، قلت: فما عدتها ان أراد المسلم أن يتزوجها؟ قال: عدتها عدة الأمة حيضتان أو خمسة وأربعون يوما قبل أن تسلم، قال: قلت له: فان أسلمت بعدما طلقها؟ قال: إذا أسلمت بعد ما طلقها فان عدتها عدة المسلمة، قلت: فان مات عنها وهي نصرانية وهو نصراني فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها؟ قال: لا يتزوجها المسلم حتى تعتد من النصراني أربعة أشهر وعشرا عدة المسلمة المتوفى عنها زوجها، قلت له: كيف جعلت عدتها إذا طلقها عدة الأمة وجعلت عدتها إذا مات عنها زوجها عدة الحرة المسلمة وأنت تذكر أنهم مماليك الإمام؟ فقال: ليس عدتها في الطلاق مثل عدتها إذا توفى عنها زوجها، وزاد في الكافي " ثم قال: إن الأمة والحرة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة إلا أن الحرة تحد والأمة لا تحد " (1). وعن يعقوب السراج في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن نصرانية مات عنها زوجها وهو نصراني ما عدتها؟ قال: عدة الحرة المسلمة أربعة أشهر وعشرا " (2). ولولا شبهة الإعراض وعدم العمل لتعين التخصيص. وأما اعتداد الأمة من الوفاة بشهرين وخمسة أيام فهو المحكي عن جماعة لقاعدة التنصيف. وصحيح الحلبي عدة الأمة إذا توفى عنها زوجها شهران وخمسة أيام " (3). وصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر عليهما السلام في حديث قال فيه: " وان مات عنها زوجها فأجلها نصف أجل الحرة شهران وخمسة أيام " (4). وما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن طلاق الأمة فقال: " تطليقتان وقال: قال أبو عبد الله عليه السلام: عدة الأمة التي توفى عنها زوجها


(1) الكافي ج ص 175 والتهذيب ج 2 ص 247 (2) الكافي ج 6 ص 175. والتهذيب ج 2 ص 274. (3 و 4) التهذيب ج 2 ص 292 والاستبصار ج 3 ص 347.

[ 572 ]

شهران وخمسة أيام، وعدة الأمة المطلقة شهر ونصف " (1). وعن سماعة في الموثق قال: " سألته عن الأمة يتوفى عنها زوجها فقال: عدتها شهران وخمسة أيام وقال عدة الأمة التي لا تحيض خمسة وأربعون يوما " (2). وقيل: يجب عليها بوفاة زوجها أربعة أشهر وعشرا لجملة من الصحاح وغيرها كصحيح زرارة " أن الحرة والأمة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة إلا أن الحرة تحد والأمة لا تحد " (3). وصحيحه الآخر " يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة وعلى أي وجه كان النكاح من متعة أو تزويج أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر وعشرا " (4). وموثق سليمان بن خالد عدة المملوكة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا " (5). وخبر وهب بن عبد ربه على ما في الفقيه عن رجل كانت له أم ولد ومات ولدها منه فزوجها من رجل فأولدها غلاما، ثم إن الرجل مات فرجعت إلى سيدها أله أن يطأها قبل أن يتزوج بها؟ قال: لا يطأها حتى تعتد من الزوج الميت أربعة أشهر و عشرة أيام، ثم يطأها بالملك من غير نكاح (6) " إلى غير ذلك. وقيل بالتفصيل بين ما لو كانت أم ولد لمولاها فكالحرة أولا فخمسة وأربعون لشهادة صحيح سليمان بن خالد " عن الأمة إذا طلقت ما عدتها؟ فقال: حيضتان أو شهران حتى تحيض، قلت: فان توفى عنها زوجها؟ فقال: إن عليا عليه السلام قال: في


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 292 والاستبصار ج 2 ص 346 (3) الكافي ج 6 ص 170 التهذيب ج 2 ص 291. (4) التهذيب ج 2 ص 293 والاستبصار ج 3 ص 350 والفقيه باب (5) التهذيب ج 2 ص 292. (6)....

[ 573 ]

أمهات الأولاد: لا يتزوجن حتى يعتددن باربعة أشهر وعشرا وهن إماء " (1). وخبر وهب بن عبد ربه على رواية الكليني (2) الساقط فيها قوله " ثم مات ولدها منه " حيث خص في الأولى بامهات الأولاد وكذا في الثانية. وقد يقال: ان الظاهر أن ما نقل عن علي صلوات الله عليه ليس لبيان اختصاص الحكم بامهات الأولاد بل لبيان أنه عليه السلام إذا قال في امهات الأولاد أن الحكم كذا مع أنها إماء فيظهر أن حكم الأماء ذلك فلا دلالة فيها على الاختصاص، فقوله عليه السلام: " وهن إماء " ليس قيدا للحكم ليدل على الاختصاص. وأما خبر وهب فأولا معارض بما في رواية الفقيه من ثبوت قوله " فمات ولدها " فيكون صريحا في كون العدة أربعة أشهر وعشرا في غير ام الولد وثانيا غاية الأمر أن مورده صورة كونها أم ولد فلا يدل على الاختصاص إذ المورد غير مخصص فيكون التعارض بين الطائفتين باقيا والأقوى القول الأول يعني القول بأنها تعتد أربعة أشهر وعشرا لأرجحية أخباره بموافقتها لعموم الكتاب ومخالفتها للعامة لأن مذهب جماعة منهم على ما قيل هو التنصيف على أنه يمكن الحمل على التقية وعلى فرض التساوي مقتضى الاستصحاب هو القول الأول. ويمكن أن يقال: أما ما ذكر من أن الظاهر أن ما نقل عن علي صلوات الله عليه الخ فيشكل من جهة أنه إن كان حكم الأمة في عدة الوفاة حكم الحرة بلا فرق فلا يترتب على خصوصها أثر بل في الحقيقة يكون الاعتداد بأربعة أشهر وعشر مرتبا على الزوجية فما معنى وهن اماء لعدم الأثر فالأظهر أن يحمل على أن كونهن إماء وإن اقتضى التنصيف في العدة لكن بواسطة الأمومة للولد تعتد أربعة أشهر وعشرا و الأصل في القيود الاحترازية والمدخلية في الحكم. نعم يشكل هذا التفصيل من جهة اخرى وهي أنه كيف يحمل المطلقات على


(1) الكافي ج 6 ص 170. (2) الكافي ج 6 ص 172 و 173.

[ 574 ]

خصوص أم ولد مع عدم الغلبة. وأما ما ذكر من الترجيح من جهة موافقة الكتاب فهو حق لكن في الطائفة الاخرى أيضا مزية من جهة موافقة السنة حيث يستفاد من السنة التنصيف. وأما ما ذكر من أنه مع التساوي نرجع إلى الاستصحاب وعدم الحلية للأزواج الا بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر فيشكل مع قطع النظر عن الاشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية من جهة أن مقتضى القاعدة مع التساوي التخيير لا الرجوع إلى الأصل. ومع كون الأمة حاملا تعتد بالوضع أيضا بلا اشكال ولا خلاف ظاهرا. (ولو طلقها الزوج رجعية ثم مات وهي في العدة استأنفت عدة الحرة ولو لم تكن أم ولد استأنفت عدة الأمة للوفاة، ولو مات زوج الأمة ثم اعتقت أتمت عدة الحرة تغليبا لجانب الحرية، ولو وطئ المولى أمته ثم أعتقها اعتدت بثلاثة أقراء، ولو كان الزوجة الحر أمة فابتاعها بطل نكاحه وله وطئها من غير استبراء). إن قلنا بالتفصيل بين أم الولد وغيرها فلو طلق الزوج أم الولد رجعية فحالها حال أم الولد التي مات زوجها محكومة بالاعتداد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا عدة الحرة لأن المطلقة بالطلاق الرجعي بمنزلة الزوجة ولو لم تكن أم ولد تعتد عدة الوفاة شهرين وخمسة أيام عدة الأمة، ولو مات زوج الأمة ثم اعتقت اعتدت عدة الحرة ويدل على الحكم ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل وهشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام " في أمة طلقت ثم اعتقت قبل أن تنقضي عدتها قال: تعتد بثلاث حيض فان مات عنها زوجها ثم اعتقت قبل أن تنقضي فان عدتها أربعة أشهر وعشرا (1) " والأولى الاستدلال به لا بالتغليب لجانب الحرية. ولو وطئ المولى أمته ثم أعتقها اعتدت بثلاثة أقراء ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال " في رجل


(1) الفقيه باب طلاق العبد تحت رقم 14.

[ 575 ]

كانت له أمة فوطئها ثم أعتقها وقد حاضت عنده حيضة بعد ما وطئها قال: تعتد بحيضتين. قال ابن أبي عمير: وفي حديث آخر بثلاث حيض. (1) وفي الصحيح أو الحسن عن الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يعتق سريته أيصلح له أن يتزوجها بغير عدة؟ قال: نعم، قلت: فغيره؟ قال: لا حتى تعتد ثلاثة أشهر - الحديث " (2). وما رواه في التهذيب في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن أعتق رجل جاريته ثم أراد أن يتزوجها مكانه فلا بأس ولا تعتد من مائه وإن أرادت أن تتزوج من غيره فلها مثل عدة الحرة " (3). وما رواه في الكافي والتهذيب عن داود الرقي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " في المدبرة إذا مات عنها مولاها أن عدتها أربعة أشهر وعشرة من يوم يموت سيدها إذا كان سيدها يطأها، قيل له: فالرجل يعتق مملوكته قبل موته بساعة أو بيوم قال: فقال هذه تعتد بثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء من يوم أعتقها سيدها " (4). ولو كان زوجة الحر أمة فابتاعها بطل نكاحه بلا خلاف ظاهرا واستدل له بالموثق المتمم بعدم القول بالفصل " عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل، ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين فقالت: حرمت عليه (5) " ويستأنس لذلك بالمعتبرة المستفيضة الدالة على بطلان نكاح الحرة إذا اشترط زوجها له وطئها من غير استبراء بلا خلاف ظاهرا لقصور الأدلة عن الشمول لمثله، وما دل على عدم وجوب الاستبراء عليه للأمة الموطوءة له إذا أعتقها وأراد أن يتزوجها.


(1) الكافي ج 6 ص 171 (2) المصدر ج 6 ص 172 (3) التهذيب ج 2 ص (4) الكافي ج 6 ص 172 (5) التهذيب ج 2 ص 304 و 305 من حديث سماعة.

[ 576 ]

(تتمة: لا يجوز لمن طلق رجعيا أن يخرج الزوجة عن بيته إلا أن تأتى بفاحشة وهو ما يجب به الحد وقيل أدناه أن تؤذي أهله ولا تخرج هي فان اضطرت خرجت بعد انتصاف الليل وعادت قبل الفجر). أما عدم جواز اخراج الزوجة المطلقة بالطلاق الرجعي فيدل عليه الكتاب قال الله تعالى شأنه " ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة "، و السنة ففي صحيح سعد بن أبي خلف " سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن شئ من الطلاق فقال: إذا طلق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت ساعة طلقها وملكت نفسها ولا سبيل له عليها وتعتد حيث شاءت ولا نفقة لها، فقال: فقلت: أليس الله يقول: " ولا تخروجوهن من بيوتهن ولا يخرجن "؟ قال: فقال: انما عنى بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة فتلك التي لا تخرج ولا تخرج حتى تطلق الثالثة فإذا طلقت الثالثة فقد بانت منه ولا نفقة لها، والمرأة التي يطلقها الرجل تطليقة ثم يدعها حتى يخلو أجلها فهذه أيضا تعتد في منزل زوجها ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدتها " (1). وما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام " في المطلقة أين تعتد؟ قال: في بيتها إذا كان طلاقا له عليها رجعة ليس له أن يخرجها ولا لها أن تخرج حتى ينقضي عدتها " (2). وما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق قال: " سألته عن المطلقة أين تعتد؟ قال: في بيتها لا تخرج وإن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل ولا تخرج نهارا وليس لها أن تحج حتى تنقضي عدتها - الحديث " (3). وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا ينبغي للمطلقة أن تخرج إلا باذن زوجها حتى تنقضي عدتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن


(1) الكافي ج 6 ص 90 والتهذيب ج 2 ص 276 (2) الكافي ج 6 ص 91 والتهذيب ج 2 ص 286 (3) المصدر ج 6 ص 90.

[ 577 ]

لم تحض " (1). وأما الفاحشة المذكورة في الآية فاختلف في معناها والأخبار المتعلقة بالمقام منها ما رواه في الكافي عن محمد بن علي بن جعفر قال: " سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل " لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " قال يعني بالفاحشة المبينة أن تؤذي أهل زوجها فإذا فعلت ذلك فان شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدتها فعل " (2). وعن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن الرضا عليه السلام في قوله عزوجل: " ولا تخرجوهن - الخ " قال: " أذاها لأهل الرجل وسوء خلقها " (3). وما رواه في الفقيه مرسلا قال: " سئل الصادق عليه السلام في قوله عزوجل ولا تخرجوهن - الخ " قال: إلا أن تزني فتخرج ويقام عليها الحد " (4) وفي خبر سعد ابن عبد الله المروي عن كمال الدين وتمام النعمة قال: قلت لصاحب الزمان عليه السلام: أخبرني عن الفاحشة المبينة إذا أتت المرأة بها في أيام عدتها حل للرجل أن يخرجها من بيته فقال: الفاحشة المبينة السحق دون الزنا فان المرأة إذا زنت واقيم عليه الحد ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويح بها لاجل الحد فإذا سحقت وجب عليها الرجم والرجم خزي ومن قد أمر الله برجمه فقد أخزاه ومن أخزاه فقد أبعده فليس لأحد أن يقربه (5) " وكان ذلك هو الذي دعى المصنف في الشرايع وغيره في الكتاب إلى الجمع بما عرفت على معنى كل فاحشة تقتضي إخراجها وأدناها ذلك. ويمكن أن يقال الأخبار المذكورة في هذا المقام مع ضعف السند يشكل الأخذ بها مع اختلافها ولا مانع من الأخذ بظاهر الكتاب وما يصدق عليه الفاحشة المبينة و أما مثل أذاها لأهل الرجل فان تم الدليل على كونها فاحشة من جهة عمل الفقهاء


(1) المصدر ج 6 ص 89 (2) و (3) الكافي ج 6 ص 97 والتهذيب ج 2 ص 286 (4) الفقيه باب طلاق السنة تحت رقم 10 (5) المصدر ص 254.

[ 578 ]

قدس الله أسرارهم وإلا يشكل من جهة الإشكال في صدق الفاحشة عليه لكن المعروف بين الأعلام عده من الفاحشة واستدل بالاجماع وعموم الآية وباخراجه عليه السلام فاطمة بنت قيس لما بذت على أحمائها، وعن مجمع البيان هو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام و كيف كان لا إشكال في حرمة خروج المرأة لاطلاق الكتاب والسنة إلا مع الاضطرار فيجوز بلا خلاف ظاهرا لمكاتبة الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام " في امرأة طلقها زوجها ولم يجر عليها النفقة للعدة وهي محتاجة هل تجوز لها أن تخرج وتبيت عن منزلها للعمل والحاجة؟ فوقع عليه السلام لا بأس بذلك إذا علم الله الصحة منها " (1). ويمكن أن يقال: بعد ما كان حرمة الخروج في صورة عدم إذن الزوج ومع الإذن لم يحرم الخروج كما يستفاد من رواية الحلبي المذكورة فاللازم الاستيذان من الزوج ومع إذنه لا حرمة حتى يحتاج إلى تحقق الاضطرار، ومع عدم الإذن يرفع الحرمة من جهة الاضطرار، والمكاتبة المذكورة لا تقييد فيها بالخروج بعد انتصاف الليل والعود قبل الفجر، نعم التقييد بالخروج بعد انتصاف الليل مقتضى ما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق قال: " سألته عن المطلقة أين تعتد قال: في بيتها لا تخرج وإن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل ولا تخرج نهارا وليس لها أن تحج حتى تنقضي عدتها - الحديث (2) " ولم يذكر فيها الاضطرار. (ولا يلزم ذلك في البائن ولا المتوفى عنها زوجها بل تبيت كل واحد منهما حيث شاءت وتعتد المطلقة من حين الطلاق حاضرا كان المطلق أو غائبا إذا عرفت الوقت، و في الوفاة من حين يبلغها الخبر). لا إشكال ولا خلاف ظاهرا في عدم لزوم ما ذكر في المطلقة بالطلاق الرجعي من عدم الخروج من بيت الزوج وعدم إخراجها مع كون الطلاق بائنا لانقطاع العصمة و قد وقع التصريح في صحيح أبي خلف المذكور وكذلك المتوفى عنها زوجها حيث إنها بانت، ويستفاد من قوله عليه السلام في الصحيح المذكور على المحكي " إنما عنى بذلك -


(1) الفقيه باب طلاق السنة تحت رقم 11 (2) تقدم آنفا.

[ 579 ]

الخ) انحصار الحكم المذكور بالمطلقة الرجعية، وأما اعتداد المطلقة من حين الطلاق فلا خلاف فيه ظاهرا مع حضور الزوج وأما مع الغيبة فهو الأشهر وهو مقتضى اتصال المسبب بسببه واستدل بالصحيح عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليهما السلام: " إن طلق الرجل وهو غائب فليشهد على ذلك فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدتها " (1). وعن زرارة ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية، عن أبي جعفر عليهما السلام في الصحيح أو الحسن أنه قال: في الغائب: " إذا طلق امرأته فإنها تعتد من اليوم الذي طلقها " (2) وما في خبر الحلبي من قوله عليه السلام على المحكي " فلتعتد من يوم يبلغها " (3) لعله قابل للحمل على يوم الطلاق الواصل إلى المرأة وللحمل على يوم بلوغ الخبر، و مع إجماله لا اشكال بعد التصريح باعتبار يوم الطلاق في سائر الأخبار. وأما الاعتداد في الوفاة ومن حين بلوغ الخبر فيدل عليه ما رواه في كتاب قرب الإسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا عليه السلام في الصحيح قال: " سأله صفوان بن يحيى وأنا حاضر عن رجل طلق امرأته وهو غائب فمضت أشهر فقال: إذا قامت البينة أنه طلقها منذ كذا وكذا وكانت عدتها قد انقضت فقد حلت للأزواج، قال: فالمتوفى عنها زوجها؟ قال: هذه ليست مثل تلك هذه تعتد من يوم يبلغها الخبر لأن عليها أن تحد " (4). وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يموت وتحته امرأة وهو غائب قال: تعتد من يوم يبلغها وفاته (5) " إلى غير ما ذكر من الأخبار. وفي قبال ما ذكر صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: امرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة أو نحو ذلك؟ فقال: إن كانت حبلى (6) فأجلها أن تضع حملها، وإن كانت


(1) و (2) و (3) الكافي ج 6 ص 111 و 110 (4) المصدر ص 159 (5) الكافي ج 6 ص 112. (6) يعني حين خرج زوجها.

[ 580 ]

ليست بحبلى فقد مضت عدتها إذا قامت لها البينة أنه مات في يوم كذا وكذا، وإن لم يكن لها بينة فلتعتد من يوم سمعت " (1). وخبر الحسن بن زياد " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المطلقة يطلقها زوجها ولا تعلم إلا بعد سنة والمتوفى عنها زوجها ولا تعلم بموته إلا بعد سنة؟ قال: إن جاء شاهدان عدلان فلا تعتدان وإلا يعتدان " (2). وخبر وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام سئل عن المتوفى عنها زوجها إذا بلغها ذلك وقد انقضت عدتها فالحداد يجب عليها؟ فقال علي صلوات الله عليه: إذا لم يبلغها حتى ينقضي عدتها فقد ذهب ذلك كله وقد انقضت عدتها (3) " ولكن الأصحاب لم يعملوا بمضمونها ولكونها موافقة للمحكي عن العامة وذهب الشيخ في التهذيب إلى أن المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم وفاة الزوج إن كان المسافة قريبة كيوم أو يومين أو ثلاثة وإلا فمن يوم بلغها الخبر واستدل عليه بما رواه في الصحيح عن منصور قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: في المرأة يموت زوجها أو يطلقها وهو غائب قال: إن كانت مسير أيام فمن يوم يموت زوجها تعتد، وإن كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر لأنها لابد أن تحد " (4) ولا يخفى الاشكال في العمل به في قبال الأخبار الكثيرة وعدم عمل غير الشيخ، والحمد لله أولا وآخرا.


(1) التهذيب ج 2 ص 295 والاستبصارج 3 ص 355 (2) التهذيب ج 2 ص 294 والاستبصار ج 3 ص 355 (3) التهذيب ج 2 ص 244 وقرب الاسناد ص 67 (4) التهذيب ج 2 ص 295 والاستبصار ج 3 ص 356.

[ 581 ]

كتاب الخلع * (بسم الله الرحمن الرحيم) * الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على محمد وآله الطاهرين. (كتاب الخلع والمبارأة والكلام في العقد والشرائط واللواحق وصيغة الخلع أن يقول: خلعتك أو فلانة مختلعة على كذا، وهل يقع بمجرده؟ قال علم الهدى: نعم، و قال الشيخ: لا حتى يتبع بالطلاق ولو تجرد كان طلاقا عند المرتضى وفسخا عند الشيخ لو قال بوقوعه مجردا). قد يقال: ان الخلع بالضم من الخلع بفتح الخاء المعجمة الذي هو بمعنى النزع لغة، وشرعا إزالة قيد النكاح بفدية من الزوجة وكراهة منها له خاصة. وعن القاموس الخلع كالمنع النزع إلا أن في الخلع مهلة - إلى أن قال: - وبالضم طلاق المرأة ببذل منها أو من غيرها. ويمكن أن يقال: يظهر من الكلام الأول اشتقاق الخلع بالضم من الخلع بالفتح وهذا مبني على كون المصدر مشتقا منه وكون المشتقات مشتقات منه، و الظاهر أن المصدر ليس مشتقا منه بل هو أيضا مشتق كساير المشتقات وكلها هيئات للخاء المعجمة واللام والعين المهملة المحفوظة في جميعها وما قيل في تعريف الخلع شرعا من إزالة قيد النكاح الخ الظاهر خروج مثل الفدية والكراهة عن حقيقته وإلا لزم التكرار كما لا يخفى فالخلع نفس الازالة والخصوصيات خارجة عن مدلوله بدوال آخر وكيف كان يحتاج الخلع إلى الانشاء بالصيغة وظاهر المتن انحصارها في الصيغتين ويشكل من جهة أن الخلع الظاهر أنه من العقود بخلاف الطلاق حيث إنه من الايقاعات فان شمله عموم " أوفوا بالعقود " فلا وجه

[ 582 ]

للحصر وإن استشكل فيه من جهة أن العقد بمعنى العهد أو المشدد منه فلا يشمل مثل الخلع وإن كان الظاهر عدم توجه الاشكال ومع عدم شمول عموم " أوفوا " وعدم عموم أو إطلاق في الأخبار المتعلقة بالمقام فاللازم الرجوع إلى الأصل والمعروف بينهم الاحتياط والإخذ بالمتيقن لأصالة عدم ترتب الأثر ولا يبعد التمسك بحديث الرفع في الشك في الجزئية والشرطية وهو مقدم على أصالة عدم ترتب الأثر إن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وأما الكلام في وقوعه مجردا عن الطلاق أو أنه يحتاج إلى الطلاق بعده فيحتاج إلى ذكر الأخبار الواردة في المقام فمنها ما رواه الصدوق في الصحيح عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " عدة المختلعة عدة المطلقة وخلعها طلاقها وهي تجزى من غير أن يسمى طلاقا " (1). وما رواه الشيخ عن زرارة، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " لا يكون الخلع حتى تقول: لا اطيع لك أمرا، ولا ابر لك قسما، ولا اقيم لك حدا فخذ مني وطلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يخلعها بما تراضيا به من قليل أو كثير ولا يكون ذلك إلا عند سلطان، فإذا فعلت فهي أملك بنفسها من غير أن يسمى طلاقا " (2) وعن سليمان بن خالد في الصحيح قال: " قلت: أرأيت إن هو طلقها بعد ما خلعها أيجوز عليها؟ قال: قال: ولم يطلقها وقد كفاه الخلع ولو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقا " (3). وعن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق؟ قال: تبين منه وإن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها وتكون امرأته فعلت فقلت: إنه قد روي أنه لاتبين منه حتى يتبعها بطلاق؟


(1) الفقيه باب الخلع تحت رقم 2 (2) التهذيب ج 2 ص 276 والاستبصار ج 3 ص 318 (3) التهذيب ج 2 ص 277 والاستبصار ج 3 ص 318.

[ 583 ]

قال: ليس ذلك إذا خلع، فقلت: تبين منه؟ قال: نعم " (1). وما رواه في الكافي عن محمد بن اسماعيل في الصحيح قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه؟ فقال: أما إذا كان على ما ذكرت فنعم، قال: قلت: قد روي لنا أنها لا تبين منه حتى يتبعها بالطلاق؟ قال: فليس تلك إذا خلعا فقلت: تبين منه قال: نعم (2) ". وفي قبال ما ذكر ما رواه في الكافي عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام قال: قال: علي عليه السلام: " المختلعة يتبعها بالطلاق ما دامت في العدة " (3). وما رواه الشيخ في التهذيب عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: " المختلعة يتبعها بالطلاق ما دامت في عدة " (4) قد يقوي عدم الحاجة إلى الاتباع بالطلاق من جهة الأخبار الصحاح المذكورة. وفي قبالها ليس إلا خبر موسى بن بكر وهو واقفي غير موثق، ويمكن أن يقال: هذا لو لم يكن مجبورا بعمل مثل الشيخ وابن زهرة وابن إدريس مع أن ابن ادريس ممن لا يعمل إلا بالقطعيات من الأخبار، وحكى الشيخ أنه مذهب جماعة من المتقدمين، ويبعد أن يكون الفتوى من غير جهة الرواية وقد يحمل الاخبار الصحاح المذكورة على التقية لموافقتها للعامة، ويشكل من جهة إباء بعضها عن هذا الحمل ففي صحيح سليمان بن خالد " لو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقا "، ثم إنه مع الأخذ بالأخبار الدالة على عدم الاتباع بالطلاق قد يستظهر من بعضها أنه مع الاتباع لا يصح الخلع لا أنه لغو لا يضر بصحة الخلع فاستظهر من صحيحتي ابن بزيع حيث قال على المحكي " ليس ذلك إذا خلعا " بناء على نسخة النصب وفي الأخرى " فليس تلك إذا خلعا " بل وعلى نسخة الرفع مع اضمار ضمير الشأن اسما لليس وعلى هذا فما هو المعمول المتعارف من الاتباع احتياطا يكون خلاف الاحتياط إلا أن يكون لفظ خلع فعلا ولم يكن بالنصب خبرا


(1) التهذيب ج 2 ص 276 (2) المصدر ج 6 ص 143 (3) المصدر ج 6 ص 131. (4) التهذيب ج 2 ص 276 والاستبصار ج 3 ص 317.

[ 584 ]

لليس ويشكل من جهة لزوم كون ليس تامة ولا يستعمل ليس تامة ولا يبعد أن يكون المراد أنه مع الاتباع ليس خلعا بمعنى أنه شئ آخر لا أنه مانع عن تحقق الخلع الواقع فتدبر. والحاصل أنه مع حجية خبر موسى بن بكر تقع المعارضة ولعل الترجيح مع تلك الأخبار الصحاح والمشهور أخذوا بها. وأما أنه مع تجرد الخلع عن الطلاق والقول بصحته يكون طلاقا يترتب عليه أثر بحيث تكون المرأة معه على تطليقتين وبعدهما تحرم حتى تنكح زوجا غيره أو يكون فسخا لا يترتب عليه أثر الطلاق ففيه خلاف ذهب الأكثر إلى أنه طلاق ويدل عليه قول أبي عبد الله عليه السلام على المحكي في صحيحة الحلبي أو حسنته " فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حل له ما أخذه منها وكانت عنده على تطليقتين باقيتين وكان الخلع تطليقة (1) وقوله عليه السلام على المحكي في صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته " فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذه منها وكانت تطليقة بغير طلاق يتبعها وكانت بائنا بذلك - الخبر " (2). وفي خبر أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا خلع الرجل امرأته و هي واحدة بائن وهو خاطب من الخطاب " (3). وفي رواية أبي بصير عنه عليه السلام " فإذا قالت المرأة لزوجها ذلك حل خلعها وحل لزوجها ما أخذ منها وكانت عنده على تطليقتين باقيتين وكان الخلع تطليقة (4) " إلى غير ما ذكر من الأخبار. واحتج للشيخ بأن الخلع فرقة عريت عن صريح الطلاق ونيته فكانت فسخا كسائر الفسوخ واجيب بأنه لا استبعاد في مساواته للطلاق وقد دل الحديث عليه. (وما صح أن يكون مهرا صح فدية في الخلع ولا تقدير فيه بل يجوز أن يأخذ منها زائدا عما وصل إليها منه ولابد من تعيين الفدية وصفا أو إشارة).


(1) و (2) و (3) الكافي ج 6 ص 140 (4) الكافي ج 6 ص 141.

[ 585 ]

المعروف أن كلما صح أن يكون مهرا صح أن يكون فدية، ولازم هذا حيث إنه في مقام التحديد أن كلما لا يصح أن يكون مهرا لا يصح أن يكون فدية. ومن الأخبار المتعلقة بهذا المقام قوله عليه السلام على المحكي في موثقة سماعة " فإذا هي اختلعت فهي بائن وله أن يأخذ من مالها ما قدر عليه وليس له أن يأخذ من المبارئة كل الذي أعطاه (1)). وفي رواية زرارة " فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير " (2). وروى زرارة في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " المبارئة يؤخذ منها دون المهر والمختلعة يؤخذ منها ما شاء لأن المختلعة تعتدي في الكلام وتكلم بما لا يحل لها (3) ". وفي جملة من الاخبار " حل ما أخذ منها ". ويمكن الفرق بين المهر والفدية إن قلنا في المهر باعتبار كون المهر ملكا للزوج باعتبار شبه المعاوضة بين المهر والبضع بخلاف باب الخلع حيث إن الظاهر أن المعاوضة فيه بين البذل والتمليك وبين الخلع والطلاق ولامانع من تمليك ملك الغير في قبال ما يرجع إلى المملك وإن كان الملك ملكا لغير المملك إذا كان بإذن المالك للملك كاذن مالك رهن ملكه للراهن، نعم هذا يتم إن أخذ باطلاق قوله عليه السلام على المحكي في رواية زرارة " فقد حل له أن يخلعها بما تراضيا عليه - الخ " ولا يستشكل بأن النظر إلى القليل والكثير في مقابل المبارأة ولا إطلاق له من هذه الجهة. وأما ما ذكر في المتن من لزوم التعيين وصفا أو إشارة فيشكل بعدم الدليل عليه حيث إنه قد سبق في باب المهر في النكاح عدم لزوم التعيين غاية الأمر لابد أن لا يكون مجهولا بحيث لا يعتبره العقلاء في باب المعاوضات كالتعبير بشئ أو فعل و نحوهما.


(1) الكافي ج 6 ص 140 (2) التهذيب ج 2 ص 275 والاستبصار ج 3 ص 318 (3) الكافي ج 6 ص 142.

[ 586 ]

(أما الشرائط فيعتبر في الخالع البلوغ وكمال العقل والاختيار والقصد، و في المختلعة مع الدخول الطهر الذي لم يجامعها فيه إذا كان الزوج حاضرا وكان مثلها تحيض وأن يكون الكراهية منها خاصة صريحا، ولا يجب لو قالت لأدخلن عليك من تكره بل يستحب، ويصح خلع الحامل مع الدم لو قيل أنها تحيض). أما اعتبار البلوغ وسائر ما ذكر في الخالع فلما ذكر في الطلاق لأن الخلع طلاق حقيقة أو بمنزلته فيعتبر في الخالع ما يعتبر في المطلق فإن بنى على صحة طلاق البالغ عشرا فالظاهر صحة خلعها نعم على مذهب الشيخ القائل بأن الخلع فسخ أمكن المنع هنا ولو قيل في الطلاق بالصحة لما دل على عدم صحة نحو هذا من غير البالغ وكذا الكلام في المختلعة فيعتبر فيها ما يعتبر في المطلقة ويشكل بناء على كون الخلع فسخا إلا أن يستشكل بأن الخلع ليس طلاقا حقيقة والتنزيل لا يدل على جريان تمام أحكام الطلاق فيه حتى مثل صحة طلاق الغائب بالنحو المذكور في باب الطلاق. نعم لا إشكال في اعتبار كون الخلع على طهر المرأة من غير جماع ويدل عليه ما رواه الكليني عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " لا طلاق ولا خلع ولا مبارأة ولا خيار إلا على طهر من غير جماع " (1). وما رواه الكليني أيضا في الصحيح عن محمد بن اسماعيل قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه؟ فقال: إذا كان ذلك على ما ذكرت فنعم (2) ". وما رواه في التهذيب عن محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: " سألت أبي الحسن الرضا عليه السلام عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق؟ فقال: تبين منه - الحديث " (3).


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 143 (2) التهذيب ج 2 ص 274.

[ 587 ]

وأما اشتراط كون الكراهية منها خاصة صريحا فاستدل عليه بما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المختلعة لا يحل خلعها حتى تقول لزوجها: والله لا أبر لك قسما، ولا اطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة ولا وطين فراشك من تكرهه ولأذن عليك بغير إذنك وقد كان الناس يرخصون في ما دون هذا فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حل له ما أخذ منها وكانت عنده على تطليقتين باقيتين و كان الخلع تطليقة وقال: يكون الكلام من عندها " (1). وما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق قال: " سألته عن المختلعة فقال: لا يحل لزوجها أن يختلعها حتى تقول: لا ابر لك قسما، ولا اقيم حدودا لله فيك، ولا أغتسل لك من جنابة، ولأوطين فراشك ولأدخلن بيتك من تكرهه من غير أن تعلم هذا ولا يتكلمونهم وتكون هي التي تقول ذلك فإذا هي اختلعت فهي بائن وله أن يأخذ من مالها ما قدر عليه " (2). وما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني وأنا أعطيك ما أخذت منك فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا حتى تقول: والله لا أبر لك قسما ولا اطيع لك أمرا ولاوذنن في بيتك بغير إذنك فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما يأخذ منها وكانت تطليقة بغير طلاق يتبعها وكانت بائنا بذلك وكان خاطبا من الخطاب (3) " إلى غير ما ذكر من الأخبار. فاستظهر من هذه الاخبار اشتراط شدة الكراهية وقول المرأة أمثال هذه الأقوال فالكراهية الغير البالغة إلى الشدة أو البالغة إليها بدون القول لا تكفيان، والمعروف بين المتأخرين الاكتفاء بمطلق الكراهية واستظهر من قول الله تعالى " فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به "


(1) الفقيه باب الخلع تحت رقم 2 والكافي ج 6 ص 141 (2) و (3) الكافي ج 6 ص 140.

[ 588 ]

والمروي من طرق العامة عن ابن عباس أنها جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهي بنت عبد الله بن ابي وكان يحبها وتبغضه، فقالت: يا رسول الله لا أنا ولا ثابت ولا يجمع رأسي رأسه شئ والله لا أعيب عليه في دين ولا في خلق ولكن أكره الكفر بعد الاسلام ما أصفه بغضا إني رفعت جانب الخبأ فرأيت أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأخصرهم قامة وأقبحهم وجها فنزلت الآية و كان قد أصدقها حديقة فقال ثابت: يا رسول الله ترد الحديقة فقال رسول الله ما تريدين؟ فقالت: نعم وأزيده فقال لاحديقة فقط فاختلعت منه ". ويقول الباقر عليه السلام على المحكي في صحيح ابن مسلم " إذا قالت المرأة لزوجها لا اطيع لك أمرا مفسرا وغير مفسر حل له أن يأخذ منها وليس له عليها رجعة (1) " وخبر سماعة قال للصادق عليه السلام: " لا يجوز للرجل أن يأخذ من المختلعة حتى تتكلم بهذا الكلام كله فقال: إذا قالت: لا اطيع الله فيك حل له أن يأخذ منها ما وجد (2) ". والمحكي عن الشيخ وغيره من المتقدمين أنه لا يجوز الخلع إلا بعد أن يسمع منها ما لا يحل ذكره من قولها لا أغتسل لك عن جنابة ولا اقيم لك حدا ولأوطين فراشك من تكرهه أو يعلم ذلك منها فعلا. ويمكن أن يقال يشكل استفادة اشتراط شدة كراهية المرأة بل أصل الكراهية من الكتاب والأخبار المذكورة، نعم الأقوال المذكورة في الاخبار ناشئة عن الكراهية بل يمكن أن تكون المرأة بانية على عدم القيام بما يجب عليها من دون كراهة بالنسبة إلى الزوج وقوله تعالى: " فان خفتم أن لا يقيما - الخ " لا يستفاد منه الكراهية ونزوله في شأن شخصين خاصين لا يوجب اعتبار خصوصياتهما لكن الظاهر أن اشتراط الكراهية من المسلمات ويقع التعارض بين الأخبار السالفة والخبرين المذكورين ولا يبعد الأخذ بهما


(1) الكافي ج 6 ص 141 (2) التهذيب ج 2 ص 276 والاستبصار ج 3 ص 318.

[ 589 ]

لموافقة الكتاب وإن كانت مخالفة تلك الأخبار مع صراحتها وصحة إسنادها مشكلة، ثم إنه مع فرض شدة الكراهة أو مطلق الكراهة إذا كانت المرأة مقيمة حدود الله و لم يخف ترك حدود الله تعالى يشكل صحة الخلع لظاهر قوله تعالى " فإن خفتم، وظهور ما في الأخبار المذكورة " من قولها كذا وكذا في كون المرأة ممن يخاف أن تفعل أو تترك ما ذكرت. وأما عدم وجوب الخلع لو قالت لأدخلن عليك من تكره فلظاهر قوله تعالى في كلامه تعالى وتقدس " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " والتعبير في الأخبار المذكورة بالحلية. وما في الشرائع من أن فيه رواية بالوجوب لم يعثر عليها ولم يظهر دليل على الاستحباب أيضا إلا أن يتمسك بقاعدة التسامح في السنن وفيه كلام. وأما صحة خلع الحامل مع رؤية الدم مع القول باجتماع الحمل والحيض فلما مر في كتاب الطلاق من صحة طلاق الحامل مع استبانة الحمل وان رأت الدم. (ويعتبر في العقد حضور الشاهدين العدلين وتجريده عن الشرط ولا بأس بشرط يقتضيه العقد كما لو شرط الرجوع إن رجعت). أما اعتبار حضور الشاهدين العدلين فلا عتباره في مطلق الطلاق والخلع طلاق أو بمنزلة الطلاق فيعتبر فيه جميع ما يعتبر في الطلاق ولما في خبري محمد بن إسماعيل المذكورين. وأما اعتبار تجريده عن الشرط فقد يقال: إن كان المراد من الشرط في المقام هو نحو الشرائط الالتزامية في العقود فهو خارج عما نحن فيه من الشرط التعليقي الذي تقدم اعتبار تجرد الطلاق عنه، وإنما هي مسألة اخرى مبناها على قابلية الطلاق و غيره من الايقاعات للشرائط الالتزامية على نحو العقود أو خصوص الخلع منه باعتبار مشابهته للعقد لعموم " المؤمنون عند شروطهم " وعدمها، وإن كان المراد من الشرط هنا هو الذي يقتضي تعليق انشاء الإيقاع فتحقيق الحال فيه أن الإجماع بقسميه على اعتبار التنجيز في العقد والايقاع وقد ذكرنا أن وجه البطلان أنه يقتضي تأخير الأثر سواء كان على أمر محتمل أو متيقن الحصول.

[ 590 ]

ويمكن أن يقال: إن النظر إلى المعنى الثاني للشرط كما ذكر في العقود من اعتبار التنجيز فيها في مقابل التعليق والوجه في اعتباره الاجماع ليس غيره وما ذكر في وجه البطلان من أنه مع التعليق يلزم تأخر الأثر لا يتم وإلا لزم بطلان الوجوب المشروط والاجماع فيما لم يكن المنشأ متعلقا في الواقع ومع كون المنشأ معلقا في الواقع لا مانع من التعليق في مقام الإنشاء فالطلاق معلق واقعا على الزوجية فلو طلق المرأة معلقا على زوجيتها كما لو كان شاكا في زوجيتها فلا مانع والبيع معلق على الملكية والسلطنة فلو علق التمليك على الملكية فلادليل على البطلان وما ذكر من كون المنشأ معلقا هو المشهور وبعض الأكابر يجعل الإنشاء معلقا على الشرط وتفصيل الكلام في الأصول. هذا ولكن ما ذكر في المتن من قوله - قدس سره -: " ولا بأس بشرط يقتضيه - الخ " ليس من هذا القبيل فان جواز رجع الزوجة مع رجوع الزوجة إلى الفدية من الآثار وليس مما يكون الخلع معلقا عليه ويكون من قبيل شرط خيار المجلس في العقد ولا دليل على اشتراط عدمه والأولى التعبير بالرجع لا الرجوع لأن الزوج في الطلاق الرجعي وما هو بمنزلة له أن يرد المرأة إلى نفسه والرجع متعد دون الرجوع. (وأما اللواحق فمسائل: الأولى لو خالعها والاخلاق ملتئمة لم يصح، ولم يملك الفدية. الثانية لا رجعة للخالع نعم لو رجعت في البذل رجع إن شاء. ويشترط رجوعها في العدة، ثم لا رجوع بعدها. الثالثة لو أراد مراجعتها ولم ترجع في البذل افتقر إلى عقد جديد في العدة أو بعدها. الرابع لا توارث بين المختلعين ولو مات أحدهما في العدة لانقطاع العصمة بينهما). أما عدم صحة الخلع مع إلتيام الأخلاق بنحو لاكراهة للمرأة فظهر وجهه مما مر ومر أن حلية الفدية منوطة بصحة الخلع وقد سبق الإشكال من أن مقتضى قوله تعالى " فإن خفتم - الخ " أن النظر إلى عدم إقامة حدود الله بل لولا شبهة الإجماع أمكن أن يقال: إذا خيف عدم إقامة حدود الله ولو كانت المرأة مقيمة في الواقع حل

[ 591 ]

الفدية وصح الخلع وهذا أيضا مقتضى خبر سماعة المذكور. والظاهر عدم التزامهم بهذا. وأما انه لا رجعة للخالع فلما في الأخبار المذكورة من التصريح بالبينونة وفي صحيح ابن مسلم المذكور " وليس له عليها رجعة ". وأما صيرورته رجعيا مع رجوع المرأة إلى الفدية فيدل عليها صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام قال فيها على المحكي " تختلع منها بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع وهل تبين منه بذلك أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق فقال تبين منه وإن شاء أن يرد إليها ما أخذ منها وتكون امرأته فعلت - الحديث (1) ". وموثقة فضل أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المختلعة إن رجعت في شئ من الصلح يقول لأرجعن في بضعك (2) " ومقتضى الإطلاق جواز رجوع المرأة إلى الفدية ولو لم يرض الزوج الخالع فلا وجه لاعتبار تراضي الطرفين كما حكي عن ابن حمزة وإن نفي البأس عنه في المختلف لكن الظاهر من صحيحة محمد بن إسماعيل المذكورة جواز رد الزوج الفدية وإن لم ترض المرأة وصيرورة الخلع رجعيا وهذا خلاف ظاهر كلماتهم من اعتبار رجوع المرأة. وهل يعتبر في جواز رجوع المرأة إلى الفدية تمكن الزوج من رجعها بحيث لو لم يكن لها عدة كالصغيرة واليائسة لم يكن لها الرجوع قد يقال بالاعتبار تمسكا بقاعدة نفي الضرر واستظهارا من النصوص ويشكل من جهة الإشكال في تعميم القاعدة و لذا قيل: لو أخذ بعموم القاعدة يلزم فقه جديد. وأما النصوص فلا يستفاد منها إلا أنه مع رجوع المرأة للرجل أن يرجعها ولا يستفاد منها أنه من عدم إمكان الرجع ليس له الرجوع، ثم إنه مع اعتبار امكان الرجع لابد من كون رجوع المرأة في العدة لعدم إمكان الرجع إلا في العدة ومع


(1) التهذيب ج 2 ص 276 (2) التهذيب ج 2 ص 277.

[ 592 ]

عدم الاعتبار ما الوجه في اعتبار كون رجوع المرأة بالفدية في العدة بحيث لم يجز بعد انقضاء العدة إلا أن يتمسك بالاجماع كما ادعي. وأما انه لو أراد مراجعتها مع عدم رجوع المرأة بما بذلت احتاج إلى عقد جديد فلبينونتها من الزوج وانقطاع العصمة فلابد من العقد وقد ذكر في بعض الأخبار، أنه خاطب من الخطاب إلا أنه لا مانع من العقد في العدة بالنسبة إلى الزوج بخلاف العقد بالنسبة إلى غير الزوج حيث إنه لابد فيه من انقضاء العدة. وأما إنه لا توارث بينهما فلما عرفت من البينونة بعد تحقق الخلع وانقطاع العصمة، ويدل عليه ما رواه الشيخ عن ابن رئاب قال: " سمعت حمران يروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يكون خلع ولا تخيير ولا مباراة إلا على طهر من غير جماع و بشاهدين يعرفان الرجل ويريان المرأة ويحضران التخيير وإقرار المرأة على أنها على طهر من غير جماع يوم خيرها، قال: فقال له محمد بن مسلم: أصلحك الله ما إقرار المرأة ههنا؟ قال: يشهد الشاهدان عليها بذلك للرجل حذرا أن تأتي بعد فتدعي أنه خيرها وهي طامث فيشهدان عليها بما سمعا وإنما يقع عليه الطلاق إذا اختارت نفسها قبل أن تقوم. وأما الخلع والمباراة فإنه يلزمها إذا أشهدت على نفسها بالرضا فيما بينها وبين زوجها بما يفترقان عليه في ذلك المجلس فإذا افترقا على شئ ورضيا به كان ذلك جائزا عليهما وكانت تطليقة بائنة لا رجعة له عليها سمى طلاقا أو لم يسم ولا ميراث بينهما في العدة. قال: والطلاق والتخيير من قبل الرجل والخلع والمباراة من قبل المرأة (3) ". (والمباراة هو أن يقول بارأتك على كذا وهي تترتب على كراهية الزوجين كل منهما صاحبه ويشترط اتباعها بالطلاق على قول الأكثر والشرائط المعتبرة في الخالع و المختلعة مشترطة هنا ولا رجوع للزوج إلا أن ترجع هي في البذل، وإذا خرجت من العدة فلا رجوع لها ويجوز أن تفاديها بقدر ما وصل إليها منه فما دون ولا يحل له ما زاد عنه). المباراة المفارقة وعدت قسم من الخلع ولذا أثبتوا لها أحكام الخلع من دون أن

[ 593 ]

يدل دليل على تنزيلها منزلة الخلع ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه ثقة الاسلام في الموثق عن سماعة قال: " سألته عن المباراة كيف هي؟ فقال: تكون للمرأة شئ على زوجها من صداق أو من غيره قد أعطاها بعضه فيكره كل منهما صاحبه فتقول المرأة لزوجها: ما أخذت منك فهو لي وما بقي عليك فهو لك وابارئك فيقول الرجل لها: فإن رجعت في شئ مما تركت فأنا أحق ببضعك (1) ". ورواه الشيخ في التهذيب عن سماعة عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام مثله (2). وعن أبي بصير في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المباراة تقول المرأة لزوجها لك ما عليك واتركني، أو تجعل له من قبلها شيئا فيتركها إلا أنها يقول: فان ارتجعت في شئ فأنا أملك ببضعك ولا يحل لزوجها أن يأخذ منها إلا المهر فما دونه (3) ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام " إن بارأت امرأة زوجها فهي واحدة وهو خاطب من الخطاب (4) ". وما رواه في التهذيب عن إسماعيل الجعفي عن أحدهما عليهما السلام قال: " المباراة تطليقة بائن وليس فيها رجعة (5) ". فاستفيد من هذه الأخبار اعتبار كراهية كل من الزوجين بمقتضى موثق سماعة وبذل المرأة وعدم حلية ما يأخذ الزوج أزيد من المهر بل يأخذ المهر وما دونه وانقطاع العصمة وبينونة المرأة إلا أن ترجع المرأة إلى ما بذلت. وكون المباراة تطليقة حقيقة أو بمنزلتها فيعتبر فيها ما يعتبر في الطلاق والصيغة بحسب موثق سماعة المذكور " أبارئك " ويظهر من بعض هذه الأخبار كفاية أن تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك واتركني أو تجعل له من قبلها شيئا فيتركها.


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 142. والتهذيب ج 2 ص 277 (3) الكافي ج 6 ص 143 (4) الكافي ج 6 ص 142 والتهذيب ج 2 ص 277. (5) المصدر ج 6 ص 277.

[ 594 ]

وأما اشتراط اتباعها بالطلاق فهو المشهور بل ادعي عليه الإجماع والنصوص خالية عن اعتبار اتباعها بالطلاق بل موثق جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المباراة تكون من غير أن يتبعها الطلاق (1) " يستفاد منه عدم اعتباره، لكن مخالفة المشهور مشكلة حيث نسب الشيخ في التهذيب بعد إيراده الروايات، الاتباع بالطلاق إلى الأصحاب المحققين من تقدم منهم ومن تأخر وحمل الرواية يعني رواية جميل ظاهرا على التقية واستشكل صاحب المدارك في شرحه على النافع من خلو الأخبار المتعرضة للمباراة المترتبة عليها أحكامها بلفظ الطلاق وكذا صاحب الحدائق. ثم إنه وقع الخلاف فيما يؤخذ من فدية المباراة بعد الإتفاق على أنه لا يجوز الزيادة على ما أعطاها فالمشهور أنه يجوز له المهر فما دونه، وذهب جمع إلى أنه لا يؤخذ إلا دون ما دفع إليها ويدل عليه ما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم، عن أبي جعفر عليهما السلام قال: " المبارئة يؤخذ منها دون الصداق و المختلعة يؤخذ منها ما شاء أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر، وإنما صارت المبارئة يؤخذ منها دون المهر والمختلعة يؤخذ منها ما شاء لأن المختلعة تعتدي في الكلام و تكلم بما لا يحل لها (2) ". ولا مجال للقدح في هذه الرواية من جهة القطع لأن السند في الكافي متصل لا قطع فيه ولا للقدح في خبر أبي بصير باشتراك أبي بصير لأن الراوي عن أبي بصير هنا عبد الله بن مسكان وهو من قرائن أنه ليث المرادي الثقة الجليل. وقد يجمع بين المتعارضين بحمل رواية الأقل من المهر على الأفضل، وإن جاز له أخذ الجميع. ويمكن أن يقال: يقوى قول الأكثر من جواز أخذ الأكثر بعمل المشهور وإطلاق بعض الأخبار الواردة في المقام كرواية محمد بن مسلم في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة قالت لزوجها: لك كذا وكذا وخل سبيلي؟ فقال:


(1) التهذيب ج 2 ص 288 والاستبصار ج 3 ص 319 (2) الكافي ج 6 ص 142.

[ 595 ]

هذه المباراة (1) ". وما عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المباراة تقول لزوجها: لك ما عليك وبارئني فيتركها، قال: قلت: فيقول لها: إن ارتجعت في شئ فأنا أملك ببضعك؟ قال: نعم (2) ". حيث إن هذين الخبرين ظاهران في بيان حقيقة المباراة فيبعد تقييدهما بقيد له المدخلية في الحقيقة فتأمل حيث إن لازم هذا عدم مدخلية الكراهة ولا الصيغة بارأتك أو ابارئك وهو خلاف ما التزموا به. والحمد لله أولا وآخرا. تم الجزء الرابع ويليه كتاب الكفارات في الجزء الخامس


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 142 و 143. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية