الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جامع المدارك - السيد الخوانساري ج 2

جامع المدارك

السيد الخوانساري ج 2


[ 1 ]

جامع المدارك في شرح المختصر النافع لمؤلفه الفقيه سماحة الحجة اية الله الحاج السيد احمد الخوانسارى (قدس سره) علق عليه على اكبر الغفاري الناشر مكتبة الصدوق طهران - بازار - سراى ارديبهشت جنب مسجد سلطاني تلفن 536513 الجزء الثاني - الطبعة الثانية 1405 ه‍ ق ليتو گرافى، چاپ وصحافي: اسماعيليان - قم

[ 2 ]

كتاب الزكوة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين { كتاب الزكاة وهى قسمان زكاة المال وأركانها أربعة: الاول من تجب عليه وهو كل بالغ عاقل حر مالك للنصاب متمكنا من التصرف، فالبلوغ يعتبر في الذهب والفضة إجماعا، نعم لو اتجر - من مال الطفل - من إليه النظر أخرجها استحبابا، ولو ضمن الولي واتجر لنفسه كان الربح له إن كان مليا، وعليه الزكاة استحبابا، ولو لم يكن مليا ولا وليا ضمن ولا زكاة، والربح لليتيم }. الزكاة لغة الطهارة والنمو، وفي عرف الشرع اسم للحق المعروف ووجوبه على من ذكر في الجملة لا كلام فيه فالبلوغ يعتبر في الذهب والفضة إجماعا ويدل عليه أخبار معتبرة مستفيضة: منها صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهما السلام قال: (ليس في مال اليتيم زكاة) (1) وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن مال اليتيم، قال: ليس فيه زكاة) (2) إنما الاشكال في أن الحول المعتبر في الذهب والفضة هل يعتبر من أول البلوغ أم لا بحيث لو كان الصغير مالكا للنصاب وبلغ آخر الحول وجبت عليه الزكاة، وعلى الاول يكون أول الحول بعد البلوغ، نسب هذا إلى المشهور بل لم ينقل التصريح بالخلاف عن أحد، واستدل عليه بأنه المنساق من مثل قوله


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 355. وفي الوسائل أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 8 و 7.

[ 3 ]

عليه السلام: (ليس على مال اليتيم أو في مال اليتيم زكاة) نظير قوله عليه السلام: (لا صدقة على الدين ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك) (1) واستشهد له أيضا بخبر أبي بصير المروي في التهذيب عن أبى عبد الله أنه سمعه، يقول: (ليس على مال اليتيم زكاة وليس عليه صلاة وليس على جميع غلاته من نخيل أو زرع أو غلة زكاة وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة وكان عليه مثل ما على غيره من الناس) (2). ولقائل أن يقول نمنع ظهور مثل هذه العبارات فيما ذكر والاستشهاد بمثل (لا صدقة في الدين) إن كان بملاحظة تسلم الحكم في الدين فلا يقيد لمقامنا في مقام الاستدلال وإن كان بملاحظة ظهوره، فهو ممنوع. وأما خبر أبي بصير المذكور فالاستشهاد بذيله أعني (وإن بلغ اليتيم الخ) 9 لا يخلو عن إجمال لان الموصول في قوله عليه السلام لما مضى ولما يستقبل يمكن أن يكون كناية عن المال ويكون المراد من الادراك بلوغه حدا يجب فيه الزكاة، ويحتمل أن يكون كناية عن الزمان و المراد من الادراك بلوغ اليتيم حد الرشد الذي يرتفع به الحجر، ويحتمل كون المراد بالموصول الزمان المستقبل في إيجاب الزكاة لو لا الصغر لا مطلق الزمان الماضي ومع الاجمال لا مجال للاستشهاد به فلعل إشكال صاحب الكفاية في محله. واما استحباب إخراج الزكاة من مال الطفل إذا اتجر له من إليه النظر فيدل عليه أخبار مستفيضة منها موثقة يونس بن يعقوب قال: (أرسلت إلى أبي عبد الله عليه السلام أن لي إخوة صغارا فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ قال: إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة، قال: قلت فما لم تجب عليهم الصلاة؟ قال: إذا اتجر به فزكه) (3) وظاهر الاخبار الوجوب لكن المتعين حملها على الاستحباب للروايات الاتية الصريحة في نفي الوجوب في بحث زكاة مال التجارة بل لعل هذا


(1) التهذيب ج 1 ص 357. وفي الوسائل أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 6. (2) الكافي ج 3 ص 540 تحت رقم 7. (3) التهذيب ج 1 ص 356، وفي الاستبصار ج 2 ص 29.

[ 4 ]

المعنى يستفاد من مثل الموثقة المذكورة حيث أن السائل لو لم يسئل ثانيا لكان الجواب ما سمع أولا من قوله عليه السلام: (0 إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة). وأما صورة ضمان الولي والاتجار فاستحباب الزكاة فيها لما دل على استحبابها في مطلق مال التجارة، وأما جواز الاقتراض فهو المعروف بين الاصحاب وإن لم يكن فيه المصلحة لليتيم للاخبار الكثيرة منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل ولي مال يتيم أيستقرض منه؟ قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره) (1) والمحكي عن الشيخ والحلي - قده - إناطة الجواز بالمصلحة والغبطة للصغير، وعن الشيخ الانصاري - قدس سره - تقوية هذا القول إلا أن العمل بتلك الاخبار المجوزة المنجبرة. ولقائل أن يقول أخبار الباب لا إطلاق لها بل السؤال عن أصل الاقتراض وأنه هل يجوز أم لا؟ فاجيب بالجواز في مقابل عدم الجواز ومع التسليم يمكن تقييدها بالاية الشريفة الناهية عن قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن (2)، وأما الضمان مع عدم الملاءة وعدم الولاية وكون الربح لليتيم فيدل عليه صحيح ربعي عن الصادق عليه السلام (في رجل عنده مال اليتيم فقال: إن كان محتاجا ليس له مال فلا يمس ماله وإن هو اتجر به فالربح لليتيم وهو ضامن) 9 (3) ورواية منصور الصيقل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مال اليتيم يعمل به قال: إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لامال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال) (4). ولا يخفى أنه لا ذكر للاخبار الواردة في هذا المقام للولاية فتعميم الحكم لصورة عدم الولاية مبني على اختصاص جواز التصرف بالولي أو الاذن من قبله


(1) الكافي ج 5 ص 131 تحت رقم 6. (2) (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي أحسن حتى يبلغ أشده الاية) الاسراء: 37. (3) الكافي ج 5 ص 131 تحت رقم 3 وفي التهذيب ج 2 ص 103. (4) التهذيب ج 1 ص 356 والاستبصار ج 2 ص 30.

[ 5 ]

كما هو المعروف بين الاصحاب خلافا لبعض. نعم فيها التعبير في السؤال بقول السائل ولي مال يتيم أو بيده مال الايتام لكن هذا غير الولاية على اليتيم واستشكل في المقام بأن صيرورة الربح لليتيم موقوفة على صحة المعاملة المتعلقة بماله وهي إن كانت صادرة من غير الولي تتوقف على إجازة الولي فربما لا يجيزها لانها غير واجبة عليه، وإن كانت صادرة من الولي بقصد وقوعها لنفسه كما هو المفروض فقد وقعت باطلة لعدم الاذن شرعا وليست فضولية حتى يلحقها الاجازة. واجيب أما في صورة تجارة الولي لنفسه بالالتزام بوقوع المعاملة صحيحة لصدورها من أهلها في محلها حيث أن للولي أن يبيع هذا العين بهذا الثمن فباعه فعليه الوفاء وأما قصد الوقوع لنفسه أو من هو ولي عنه فهو خارج عن حقيقة البيع ولا مدخلية له في صحته المقتضية لصيرورة الثمن ملكا لمن خرج الثمن عن ملكه ولا ينافي ذلك كون تصرفه الواقع بهذا الوجه حراما موجبا للضمان. وأما إذا صدر من غير الولي وظهر له الربح فلوجوب إمضائه على الولي لانه تركه إضرار به عرفا وفيه نظر لان المعاملات كثيرا ما تقع متعلقة بالكليات في الذمة، وفي مقام الوفاء تدفع الاعيان فلو اشترى شئ في الذمة ودفع في مقام الوفاء مال اليتيم صدق أنه عمل بمال اليتيم كما هو مضمون خبر منصور الصيقل المذكور بل يصدق الاتجار به. ففي هذه الصورة كيف تقع المعاملة لليتيم. وثانيا نقول: كثيرا ما تكون المعاملات الواقعة على العين ضررية ويحصل الربح بعد تلك المعاملات فإذا كانت تلك المعاملات على خلاف المصلحة لليتيم بل فيها المفسدة كيف تقع صحيحة وبناء الاتجار ليس على معاملة واحدة وأما المعاملات الواقعة لغير الولي فيتوجه فيها ما ذكر مضافا إلى أنه لا دليل على وجوب الاجازة بمجرد كونها نافعة لليتيم وهل هي كالمعاملة الواقعة بفعل الولي وهل يلتزم أحد بوجوب المعاملة على الولي بمجرد كونها نافعة لليتيم فلا مجال إلا للالتزام بمضمون الاخبار على خلاف القواعد العامة. نعم القدر المتيقن هو صورة تصرف الولي وعلى فرض الاطلاق يمكن تقييدها بما دل على

[ 6 ]

أنه لا بيع إلا في ملك وعلى فرض التعارض يشكل ترتيب الاحكام المذكورة مع كونها على خلاف القواعد. { وفي وجوب الزكاة في غلات الطفل روايتان أحوطهما الوجوب وقيل: تجب في مواشيهم وليس بمعتمد، ولا تجب في مال المجنون صامتا كان أو غيره. وقيل: حكمه حكم الطفل، والاول أصح }. أما الرواية على عدم الوجوب فهي موثقة يونس المذكورة. وأما الرواية الدالة على الوجوب خصوص صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: (مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شئ، فأما الغلات فإن عليها الصدقة واجبة) (1) مضافا إلى العمومات وأجيب عن العمومات بتخصيصها بما دل على عدم الوجوب مثل موثقة أبي بصير المتقدمة المصرحة بعدم الوجوب في الغلات، وعن الصحيحة بحملها على الاستحباب جمعا بينها وبين ما ذكر. ويمكن أن يقال بعد البناء على استحباب الزكاة في مال التجارة للطفل لا يبقى فرق بين الغلات وغيرها، والصحيحة دالة على الفرق فيعين الفرق بالاستحباب والوجوب، وقد تحمل الصحيحة على التقية، وأما المواشي فلا دليل على وجوب الزكاة فيها بالخصوص، ولا مجال للاخذ بالعمومات مع ما دل على الملازمة بين وجوب الصلاة ووجوب الزكاة حيث أنه بمنزلة الحاكم على العمومات ومقتضاه عدم الوجوب في مال المجنون لعدم وجوب الصلاة عليه. وأما مساواته مع الطفل حتى في استحباب الزكاة في غلاته أو وجوبها فلا دليل عليه وإن نقل عن الشيخين بل نسب إلى الاكثر إلا أن يستكشف وجود دليل لم نعثر عليه. { والحرية معتبرة في الاجناس كلها، وكذا التمكن من التصرف فلا تجب في مال الغائب إذا لم يكن صاحبه متمكنا منه ولو عاد اعتبر الحول بعد عوده إليه ولو مضت أحوال زكاة لسنة استحبابا، ولا في الدين وفي رواية، إلا أن يكون


(1) الكافي ج 3 ص 541 تحت رقم 5. وفي التهذيب ج 2 ص 355.

[ 7 ]

صاحبه هو الذي يؤخره، وزكاة القرض على المقترض أن تركه بحاله حولا و لو اتجر به استحب }. إن قيل بأن العبد لا يملك فانعدم تعلق الزكاة لعدم الملكية المعبترة، و إن قيل بأنه يملك فالدليل عليه الاخبار منها حسنة عبد الله بن سنان أو صحيحته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس في مال المملوك شئ ولو كان له ألف ألف ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا) (1). وصحيحته الاخرى عنه أيضا قال: (سأله رجل وأنا حاضر من مال المملوك أعليه زكاة؟ قال: لا، ولو كان ألف ألف درهم، ولو احتاج لم يكن له من الزكاة شئ (2). وأما اعتبار التمكن من التصرف فالظاهر عدم الخلاف فيه، واستدل عليه بصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك) (3). وصحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: (قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام الرجل تكون له الوديعة والدين فلا يصل إليهما ثم يأخذهما متى تجب عليه الزكاة؟ قال: إذا أخذهما ثم يحول عليه الحول يزكى) (4). وموثقة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج فإذا خرج زكاه لعام واحد وإن كان يدعه متعمدا وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر من السنين) (5).


(1) الكافي ج 3 ص 542 تحت رقم 1 وفيه (لم يعط من الزكاة شئ). (2) الفقيه أبواب الزكاة تحت رقم 61. (3) تقدم عن التهذيب. (4) التهذيب ج 1 ص 358 والاستبصار ج 2 ص 28. (5) رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 357 والاستبصار ج 2 ص 28 من حديث عبد الله بن بكير عمن رواه وليس فيهما (زرارة) نعم في الوسائل نقلا عن الكتابين وفيه بعد قوله (عمن رواه) بين القوسين (زرارة) هكذا.

[ 8 ]

وقد وقع الاشكال في مواضع: أحدها تشخيص مقدار التمكن والذي يظهر من كلمات الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم الاحتراز به عن مثل المسروق والمحجور والمدفون والغائب، فلا يتوجه عليهم الاشكال بأنه إن أريد التمكن من جميع التصرفات فينتقض بما لو لم يقدر على بعض التصرفات لعذر شرعي وإكراه مكره بالنسبة إلى بيع خاص وإن أريد التمكن من التصرف في الجملة فالامثلة المذكورة المالك يتمكن فيها من التصرف في الجملة، وقد يقال: المراد كون المال بحيث يتمكن صاحبه عقلا و شرعا من التصرف فيه على وجه الاقباض والتسليم والدفع إلى الغير بحيث يكون من شأنه بعد حول الحول أن يكلف بدفع حصة منه فإن المستفاد من أخبار الباب تعلق الزكاة إذا حال الحول على المال في يده وعنده من غير مدخلية شئ في الوجوب ولا يكون ذلك إلا إذا كان المال في تمام الحول بحيث يتمكن من الاخراج إلا أن هذا التمكن شرط في آخر الحول وإلا لزم توقف الوجوب على شئ آخر و استشكل عليه بمنع إرادة الاصحاب هذا المعنى. وأما الاخبار فليست مسوقة إلا لبيان اشتراط تعلق الزكاة بوصول المال إليه وبقائه تحت يده حتى يحول الحول لا انحصار شرائط الزكاة به سلمنا ظهورها في السببية التامة، ولكن لا ينافي ذلك كونه ممنوعا من التصرف فيه بالدفع والاقباض لو لا تعلق الزكاة كما لو نذر أو حلف أو أمر الوالد أن لا يتصرف في مال إلى ما بعد الحول، فإذا تعلق بماله الزكاة ارتفع النهي فليس التمكن من الدفع و الاقباض قبل تعلق الوجوب شرطا في تحققه، ثم اختير اعتبار كون المال في يده تمام الحول أي تحت تصرفه بحيث يكون البقاء عنده مستندا إلى اختياره فلا يكفي مجرد وصول المال إليه وبقائه عنده بقهر قاهر من غير أن يتحقق له استيلاؤه عليه بإبقائه وإتلافه، وأما كون تصرفه بالابقاء والاتلاف سائغا له شرعا فلا يفهم اعتباره من الاخبار، ويمكن أن يقال: كما لا يفهم من الاخبار ما ذكر كذلك لا يفهم منها أيضا اعتبار كون البقاء عنده مستندا إلى اختياره فلو كان عنده مال تمام

[ 9 ]

الحول وهو يريد إتلافه ومنع القاهر من إتلافه فالبقاء عنده ليس مستندا إلى اختياره، وليس المال مشمولا للعناوين المذكورة في الاخبار من الغيبة والدفن وعدم الوصول، ولا نجد الفرق بين المنع الشرعي ومنع القاهر المرتفع كلاهما بمد حول الحول ومع الشك في اعتبار أمر زائد يرجع إلى العمومات. الموضع الثاني أنه هل المدار على القدرة الفعلية أو على التمكن منها؟ قد يقال: مقتضى ظاهر جل الروايات اعتبار الاستيلاء الفعلي ولا مجال لرفع اليد عن هذا الظاهر بواسطة ذيل موثقة زرارة المتقدمة حيث يستفاد منه أنه مع التعمد في عدم الاخذ يجب الزكاة لان الذيل تصريح بمفهوم الصدر فمع ظهور الصدر فيما ذكر لا مجال لما ذكر. وفيه نظر لان صدر الموثقة علق الحكم على القدرة ونسلم أن الذيل تصريح بمفهوم الصدر لكن الكلام في أنه هل المقدور بالواسطة مقدور أو غير مقدور فإن كان مقدورا فكيف يصدق على من يتمكن من رفع استيلاء الغير عن ماله أنه لا يقدر على أخذ وأنه غير معتمد في تركه عنده، ولذا يصح تعلق التكليف بالامور الغير المقدورة بلا واسطة المقدورة مع الواسطة. الموضع الثالث صريح كلام المصنف (قده) اعتبار التمكن من التصرف في الاجناس كلها واستشكل في المدارك في هذا التعميم إذ غاية ما يستفاد من الروايات أن المغصوب إذا كان مما يعتبر فيه الحول وعاد إلى ملكه يكون كالمملوك ابتداء فيجري في الحول من حين عوده ولا دلالة لها على حكم ما لا يعتبر فيه الحول. و أجيب عنه بأنه خلاف فتاوي الاصحاب وخلاف ظاهر ما يستفاد من الاخبار حيث يظهر من خبر سدير الصيرفي قال: (قلت لابي جعفر عليهما السلام ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع، فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظن أن المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثم إنه احتفر الموضع من جوانبه كله فوقع على المال بعينه كيف يزكيه؟ قال: يزكيه لسنة واحدة لانه كان غائبا عنه وإن كان احتبسه) (1) بمقتضى


(1) الكافي ج 3 ص 519 تحت رقم 1 باب زكاة مال الغائب.

[ 10 ]

التعليل فيه أن كل مال غائب لا يجب فيه الزكاة فيدل على أن الزكاة لا يتعلق بعين المال المفقود، ولا شك في عدم القول بالفصل بينه وبين مطلق غير المتمكن منه كالمغصوب، وفيه إشكال أولا من جهة سند الرواية إن كان سدير ممدوحا ولم يحرز استناد فتاوي الاصحاب إلى هذه الرواية ليكون جابرا للسند، وثانيا لازم ما ذكر أنه لو كان المال الزكوي موجودا عند المالك لكنه لا يعلم بأنه محرز في أي صندوق من صناديقه ويحتاج إلى فتح كل واحد منها حتى يجده لم تجب فيه الزكاة وهذا النحو من الغيبة لا يعد عند العرف فقدانا للمال حتى يعد المال مفقودا. والظاهر أن مورد السؤال من هذا النحو لان المالك كان بحيث لو فعل ما فعل أخيرا من حفر الاطراف والجوانب لعثر على ماله المدفون ظاهرا ولا أظن أن يلتزم الاصحاب بكون المال غير متمكن من التصرف فيه في مثل هذه الصورة. وأما استحباب الزكاة لسنة واحدة فمستنده ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج فإذا خرج زكاه لعام واحد وإن كان يدعه متعمدا وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر من السنين) ويصرف عن ظاهره من جهة غيره من الروايات، ولا يخفى أن هذا الموثق يؤيد ما ذكر آنفا، و أستدل ايضا برواية سدير المذكورة. وأما عدم وجوب الزكاة على الدين فلقوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان المتقدمة (لا صدقة على الدين... الخ). وأما الدين الذي يؤخره الدائن فالمشهور عدم وجوب الزكاة فيه لاطلاق الدليل، وقيل بالوجوب بتقييد الدليل النافي بالاخبار المثبتة مع تأخير الدائن: منها موثقة زرارة المتقدمة. ومنها خبر عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس في الدين زكاة


(1) تقدم الكلام فيه آنفا.

[ 11 ]

إلا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه) (1). ومنها صحيحة أبي الصباح الكنايي عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل ينسأ أو يعير فلا يزال ماله دينا كيف يصنع في زكاته؟ فقال: يزكية ولا يزكي ما عليه من الدين إنما الزكاة على صاحب المال) (2) وأجيب بأن الموثقة أجنبية عن المقام لظهورها في العين الغائبة لا الدين وصحيحة أبي الصباح معارضة للمعتبرة المصرحة بأنه لا صدقة على الدين ولا مجال لتخصيصها بها لان الصحيحة موردها النسيئة التي لا يقدر على أخذ المال لعدم السلطنة، وخبر عمر بن يزيد ضعيف و الاولى الحمل على الاستحباب جمعا بينهما وبين خبر علي بن جعفر المروي عن كتابه وكتاب قرب الاسناد للحميري (أنه سئل أخاه عن الدين يكون على القوم المياسير إذا شاء قبضة صاحبه هل عليه زكاة؟ قال: لا حتى يقبضه ويحول عليه الحول) (3). ويمكن أن يقال حمل الموثقة على العين الغائبة دون الدين مبنى على عدم صدق المال الغائب على الدين وليس بواضح وصحيح الكناني مورده الدين والعين المستعارة ولعل إطلاق الدين من باب المجاز والدين المؤجل لا مانع من أخده قبل الاجل برضا المدين أو بنقص مقدار منه أو بعد انقضاء الاجل وعدم أخذ الدين باختياره. وأما العين المستعارة فهي مشمولة للمال الغائب الذي دلت الموثقة على وجوب الزكاة عليه مع تأخير صاحب المال فليس هذا الصحيح بحيث لا يمكن الجمع بينه وبين الاخبار المصرحة بأنه لا صدقة على الدين بتقييدها به، نعم مع صراحة خبر


(1) الوسائل أبواب ما تجب عليه الزكاة ب 6 ح 7. (2) الكافي ج 3 ص 521 تحت رقم 12. وفي الوسائل كتاب الزكاة أبواب ما يجب فيه الزكاة ب 9 ح 1. (3) قرب الاسناد ص 102 - بحار الانوار ج 4 باب 17.

[ 12 ]

علي بن جعفر المذكور لابد من الجمع بالحمل على الاستحباب إن لم يكن إشكال من جهة سنده ومع الاشكال من هذه الجهة يشكل. وأما القرض فزكاته على المقترض إن بقي عنده حول دون المقرض لان المقترض انتقل إليه بالقرض فيجب عليه زكاته دون المقرض الذي خرج العين عن ملكه، وأما بالنسبة إلى المثل أو القيمة فالكلام فيه ما سبق. وأما استحباب الزكاة إن اتجربه المقترض فمبني على استحباب الزكاة في مال التجارة. { الثاني فيما تجب فيه، وما تستحب: تجب في الانعام الثلاثة: الابل و البقر والغنم، وفي الذهب والفضة، وفي الغلات الاربع: الحنطة والشعير و التمر، والزبيب، ولا تجب في ما عداها، وتستحب في كل ما تنبت من الارض مما يكال أو يوزن عدا الخضر، وفي مال التجارة قولان أصحهما الاستحباب. و في الخيل الاناث، ولا تستحب في غير ذلك كالبغال والحمير والرقيق }. أما وجوب الزكاة في التسعة المزبورة فمما لا شبهة فيه ولا خلاف، ويدل على انحصار الوجوب فيها النصوص: منها صحيح الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قالا: (فرض الله الزكاة مع الصلاة في الاموال وسنها رسول الله صلى الله عليه وآله في تسعة أشياء وعفا عما سواهن: في الذهب والفضة والابل والبقر والغنم و الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وعفا رسول الله صلى الله عليه وآله عما سوى ذلك) (1) وفي قبال الاخبار الحاصرة في التسعة أخبار ظاهرها ثبوت الزكاة في كل شئ يكال من الحبوب، منها خبر أبي مريم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الحرث ما يزكى منه؟ قال: البر والشعير والذرة والارز والسلت والعدس كل ذلك مما يزكى، وقال: كل ما كيل بالصاع فبلغ الاوساق فعليه الزكاة) (2) وصحيحة محمد بن مسلم أو حسنته قال: (سألته عن الحب ما يزكى منه؟ قال البر


(1) الكافي ج 3 ص 509، والتهذيب ج 1 ص 348. (2) الكافي ج 3 ص 510 تحت رقم 6.

[ 13 ]

والشعير والذرة والدخن والارز والسلت والعدس والسمسم وكل هذا يزكى وأشباهه) (1) وعن زرارة في الصحيح مثله وقال: (كل ما كيل بالصاع فبلغ الاوساق فعليه الزكاة، قال وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله الصدقة في كل شئ أنبتت الارض إلا الخضر والبقول وكل شئ يفسد من يومه) (2). وقد نسب إلى المشهور الجمع بين الطائفتين بحمل الطائفة الثانية بالنسبة إلى غير الاجناس الاربعة على الاستحباب وحكي عن السيد الحمل على التقية والاقرب الاول لان الحمل على التقية بمنزلة الطرح فمهما أمكن الجمع لاوجه للطرح ولا يبعد التفرقة بين أخبار الطائفة الثانية بحمل بعضها على الاستحباب و حمل بعضها على التقية. وأما استثناء الخضر فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه ما في ذيل صحيح زرارة المذكور. وأما مال التجارة ففيه قولان أحدهما وجوب الزكاة فيها والمشهور الاستحباب ومستند القول بالوجوب ظواهر أخبار كثيرة منها الاخبار الواردة في مال اليتيم والمجنون، ومنها صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى متاعا وكسد عليه وقد زكى ماله قبل أن يشتري المتاع متى يزكية، فقال: إن أمسك متاعة يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاه، وإن كان حبسه بعد ما يجد راس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال، قال: وسألته عن الرجل توضع عنده الاموال يعمل بها فقال: إذا حال عليه الحول فليزكها) (3) وحمل الاخبار على الاستحباب جمعا بينها وبين ما دل على عدم الوجوب منها المستفيضة الحاصرة لما يجب فيه الزكاة في التسعة. وأما استحباب الزكاة في الخيل الاناث فادعي عليه الاجماع ويدل عليه


(1) و (2) الكافي ج 3 ص 510 تحت رقم 1 و 2. (3) التهذيب ج 1 ص 368، والاستبصار ج 2 ص 10.

[ 14 ]

صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عنهما عليهما السلام قالا: (وضع أمير المؤمنين عليه السلام على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين وجعل على البراذين دينارا) (1) (والخيل العتيق قيل: هو كريم الاصل والبرذون خلافه) وحسنة زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (هل في البغال شئ؟ قال: لا، فقلت: كيف صار على الخيل ولم يصر على البغال؟ فقال: لان البغال لا تلقح والخيل الاناث ينتجن، وليس على الخيل الذكر شئ، قال: قلت: فما في الحمير؟ قال: ليس فيها شئ، قال: قلت: هل على الفرس أو البعير يكون للرجل يركبهما شئ؟ قال: لا ليس على ما يعلف شئ إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأما ما سوى ذلك فليس فيه شئ) (2) والخبران محمولان على الاستحباب جمعا بينهما وبين الاخبار الحاصرة للزكاة في غيرها. وبما ذكر طهر عدم الزكاة في البغال والحمير وكذا يسقط في الرقيق لموثق سماعة (ليس على الرقيق زكاة إلا رقيق يبتغى به التجارة فإنه من المال الذي يزكى) (3) وما في الصحيح عن [ زرارة و ] محمد بن مسلم أن أبا جعفر و أبا عبد الله عليهما السلام سئلا عما في الرقيق فقالا: (ليس في الرأس أكثر من صاع تمر إذا حال عليه الحول، وليس في ثمنه شئ حتى يحول عليه الحول) (4)، قيل: يحتمل قويا أن يكون المراد به زكاة الفطرة على أن يكون المراد بحول الحول حلول ليلة العيد في كل سنة ولا يخفى بعد هذا الاحتمال فإن زكاة الفطرة لا تتوقف على حول الحول فلابد من رد علمه إلى أهله. والظاهر عدم العمل بمضمونه لا الوجوب ولا الاستجاب.. { فلنذكر ما يختص به كل جنس ونبدء بالقول في زكاة الانعام، والنظر في الشرائط واللواحق، والشرائط أربعة: الاول في النصب وهي في الابل أثنا -


(1) و (2) و (3) و (4) الكافي ج 3 ص 530 باب ما يجب عليه الصدقة من الحيوان وما لا يجب تحت رقم 1 و 2 و 3 و 4.

[ 15 ]

عشر نصابا. خمسة كل واحد منها خمس، وفي كل واحد شاة، فإذا بلغت ستا وعشرين ففيها بنت مخاض، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جزعة، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتالبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، ثم ليس في الزائد شئ حتى يبلغ مائة وإحدى وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون دائما }. أما اعتبار النصاب بحيث لا تجب قبل النصاب فالظاهر عدم الخلاف فيه نصا وفتوى، وأما تعيين النصب في العدد المذكور فهو المشهور ويدل عليه أخبار معتبرة مستفيضة منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (في خمس قلائص شاة وليس فيما دون الخمس شئ، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشر ثلاث شياه وفي عشرين أربع وفي خمس وعشرين خمس وفي ست وعشرين ابنة مخاض إلى خمسين وثلاثين. وقال عبد الرحمن هذا فرق بيننا وبين الناس فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين فإذا زادت واحدة ففيها خقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتالبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة فإذا كثرت الابل ففي كل خمسين حقة) (1). وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الزكاة قال: ليس في ما دون الخمس من الابل شئ فإذا كانت خمسا ففيها شاة إلى عشر، فإذا كانت عشرا ففيها شاتان إلى خمس عشرة، فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث من الغنم إلى عشرين، فإذا كانت عشرين ففيها أربع من الغنم إلى خمس وعشرين، فإذا


(1) التهذيب ج 1 ص 353 و 354.، الاستبصار ج 2 ص 19 و 22. والقلائص: جمع القلوص من النوق: الشابة وهى بمنزلة الجارية من النساء. وابنة مخاض هي التى دخلت في السنة الثانية وابنة لبون هي التى دخلت في السنة الثالثة وإذا دخلت في السنة الرابعة سميت الذكر منها حقا - بكسر الحاء وشد القاف - والانثى حقة، وإذا دخلت في السنة الخامسة سميت جذعا.

[ 16 ]

كانت خمسا وعشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، وإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا زادت واحدة على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا زادت واحده ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرث الابل ففى كل خمسين حقه) (1). ومنها صحيحة زرارة المروية عن الفقيه عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (ليس فيما دون الخمس من الابل شئ فإذا كانت خمسا ففيها شاة إلى عشر، فإذا كانت عشرا ففيها شاتان، فإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث من الغنم، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم يكن عنده ابنة مخاض فأبن لبون ذكر، فإن زادت على خمس وثلاثين بواحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة، وإنما سميت حقه لانها استحقت أن يركب ظهرها إلى ستين فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإن زادت واحدة فحقتان إلى عشرين ومائة، فإن زادت على العشرين، والمائة واحدة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون) (2). وفي قبال تلك الاخبار ما رواه الكليني والشيخ في الحسن أو الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد العجلي والفضيل عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: (صدقة الابل في كل خمس شاة إلى أن تبلغ خمسا وعشرين فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وثلاثين فإذا بلغت خمسا وثلاثين ففيها ابنة لبون ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا و أربعين فإذا بلغت خمسا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، ثم ليس فيها شئ حتى


(1) التهذيب ج 1 ص 353 ح 1. (2) الوسائل أبواب زكاه الانعام ب 2 ح 1.

[ 17 ]

تبلغ ستين، فإذا بلغت ستين ففيها جذعة، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا و سبعين فإذا بلغت خمسا وسبعين ففيها ابنتا لبون، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ تسعين فإذا بلغت تسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ عشرين ومائة فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها حقتان طروقنا الفحل، فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون. ثم ترجع الابل على أسنانها وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ، و لا على العوامل شئ إنما ذلك على السائمة الراعية - الحديث) (1). وقد خالف المشهور ابن الجنيد وابن أبي عقيل واستدل ابن أبي عقيل على ما نقل لمذهبه بالصحيحة المذكورة أخيرا، وعن الشيخ (قده) الجواب بأن قوله عليه السلام (فإذا بلغت ذلك ابنة مخاض) يحتمل أن يكون المراد وزادت واحدة ولم يذكر لعلمه بفهم المخاطب وجاز أن يحمل الرواية على التقية، وعن المصنف - قدس سره - في محكي المعتبر تضعيف هذين التأويلين وترجيج أن يقال فيه روايتان أشهرهما ما اختاره المشايخ الخمسة وأتباعهم، ونقل هذه الرواية برواية الصدوق في معاني الاخبار مع مخالفة لما ذكر على ما في بعض النسخ على ما ذكره في الوسائل وكيف كان فلا مجال لرفع اليد عما هو المشهور. * { وينبغى التنبيه على امور } * الاول: قال في المسالك في شرح قول المصنف (قده) في الشروط (فأربعون أو خمسون أو منهما) ما لفظه: أشار بذلك إلى أن النصاب بعد بلوغها ذلك يصير أمرا كليا لا ينحصر في فرد وأن التقدير بالاربعين والخمسين ليس على وجه التخيير مطلقا بل يجب التقدير بما يحصل به الاستيعاب، فإن أمكن بهما تخير، وإن لم يمكن بهما وجب اعتبار أكثرهما استيعابا مراعاة لحق الفقراء ولو لم يمكن إلا بهما وجب الجمع، فعلى هذا يجب تقدير أول هذا النصاب وهو المائة وإحدى وعشرون بالاربعين والمائة وخمسون بالخمسين والمائة وسبعون بهما ويتخير في المائتين وفي


(1) الكافي ج 3 ص 531 باب صدقة الابل.

[ 18 ]

الاربع مائة يتخير بين اعتباره بهما وبكل واحد منهما. وعن المحقق الاردبيلي والشهيد الثاني في فوائد القواعد وغيرهما - قدس الله أسرارهم - التخيير وقيل في توجيه القول الاول أن المقصود في صحيحة زرارة ونظائرها مما وقع به التعبير بأن في كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون بيان أن الابل إذا كثرت وتجاوزت عن المائة والعشرين لا يتعلق النصاب بخصوص عدد المجموع بل يلاحظ العدد خمسين خمسين وأربعين أربعين فيخرج الفريضة منه على ما يقتضية ذلك العدد بهذه الملاحظة فالنصاب حينئذ كل خمسين وكل أربعين فكل جزء يفرض منه بالغا حد الاربعين فهو موجب لثبوت ابنة لبون فيه للفقير وكل ما يفرض بالغا حد الخمسين فهو سبب لثبوت حقة فيه ولكن لا على سبيل الاجتماع بل على سبيل التبادل إذ المال الواحد لا يزكى أزيد من مرة، وعلى هذا فلو كان المال مائة وخمسين فقد تعلقت الزكاة بمجموعها فلو عمل بعموم قوله (في كل أريعن ابنة لبون) لزم بقاء ثلاثين غير مزكى مع كونها جزءا من النصاب الاخر فمقتضى إطلاق سببية كل من الاربعين والخمسين لثبوت موجبه عدم الخروج عن عهدة الزكاة المفروضة إلا بالاخذ بما يحصل به الاستيعاب مع الامكان وإلا فالاكثر استيعابا، ويمكن أن يقال بعد عدم إمكان الاخذ بإطلاق السببية للزوم المحذور المذكور أعني لزوم أن يزكى المال مرتين لا يبقى ظهور للاخبار فيما ذكر فيدور الامر بين المعنيين، ويؤيد التخيير قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة (فإن زادت على العشرين والمائة واحدة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون) فإنه لابد من شمول الحكم لخصوص ما زادت على العشرين والمائة واحدة. الثاني: قد يقال: التخيير في مثل المائتين والاربعمائة أو مطلقا لو قلنا به للمالك دون الساعي إذ ليس للساعي إلا إلزامه بدفعه، فإذا كان مفاد حكم الشارع أن ما وجب في ماله ما يقع في كل أربعين ابنة لبون مصداقا له وفي كل خمسين حقة ولم يعين عليه أحدهما فليس للساعي الامتناع. قلت: مجرد هذا لا يكفي ألا ترى أن المال المشترك فيه إذا كان بيد أحد

[ 19 ]

الشريكين يكون ملزما بدفع سهم الشريك إليه ومع ذلك ليس الاختيار بيده في التعيين. الثالث: هل الواحدة الزائدة على المائة والعشرين شرط في وجوب الفريضة أو جزء من النصاب قد يستظهر من قوله عليه السلام (في كل أربعين ابنة لبون) أن مورد الحق الذي يثبت في المائة وأحد وعشرين ثلاث أربعينات فالواحدة خارجة منها، وربما فرع عليه احتساب جزء منه على الفقير لو تلف بلا تفريط وفي التفريع تأمل لعله يأتي التكلم فيه إن شاء الله تعالى. { وفي البقر نصابان: ثلاثون وفيها تبيع أو تبيعة. وأربعون وفيها مسنة. وفي الغنم خمسة نصب: أربعون وفيها شاة، ثم مائة وإحدى وعشرون ففيها شاتان، ثم مائتان وواحدة ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت ثلاثمائة وواحدة فروايتان أشهرهما أن فيها أربع شياه حتى بلغ أربعمائة فصاعدا ففي كل مائة شاة، وما نقص فعفو، وتجب الفريضة في كل واحد من النصب، ولا يتعلق بما زاد. وقد جرت العادة بتسمية ما لا يتعلق به الزكاة من الابل شنقا، ومن البقر وقصا، ومن الغنم عفوا (1) }. ويدل على نصابي البقر ما رواه الكليني (ره) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير، وبريد العجلي والفضيل، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: (وفي البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي (2) وليس في أقل من ذلك شئ، وفي أربعين بقرة مسنة


(1) قال الجوهرى. الشنق: ما بين الفريضتين في الزكاة. وفى الحديث: (لاشناق) أي لا يؤخذ من الشنق حتى يتم. والوقص واحد الاوقاص في الصدقة وهو ما بين الفريضتين نحوان تبلغ الابل خمسا ففيها شاة ولا شئ في الزيادة حتى تبلغ عشرا. فما بين الخمس إلى العشر وقص، وكذلك الشنق، وبعض العلماء يجعل الوقص في البقر خاصة والشنق في الابل خاصة، وهما جميعا بين الفريضتين. (2) التبيع ولد البقر في الاولى كما في القاموس. وفى الوسائل التبيع هو الذى دخل في الثانية. وفي النهاية ولد البقر اول سنة وبقرة متبع أي معها ولدها. وقال الاظهرى: البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن وليس معناه كبرها كالرجل المسن ولكن معناه طلوع

[ 20 ]

وليس فيما بين الثلاثين إلى الاربعين شئ حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة وليس فيما بين الاربعين إلى الستين شئ، فإذا بلغت الستين ففيها تبيعان إلى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع ومسنة إلى الثمانين فإذا بلغت الثمانين ففي كل أربعين مسنة إلى تسعين فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبيعات حوليات، فإذا بلغت عشرين ومائة ففي كل أربعين مسنة، ثم ترجع البقر على أسنانها وليس على النيف شئ ولا على الكسور شئ ولا على العوامل شئ إنما الصدقة على السائمة الراعية) (1). وفي خبر الاعمش المروي عن الخصال (وتجب على البقر إذا بلغت ثلاثين بقرة تبيعه حولية فيكون فيها تبيع حولي إلى أن تبلغ أربعين بقرة، ثم يكون فيها مسنة إلى ستين ثم يكون فيها مسنتان إلى تسعين، ثم يكون فيها ثلاث تبايع، ثم بعد ذلك تكون في كل ثلاثين بقرة تبيع وفي كل أربعين مسنة) (2) ويظهر من الروايتين ما استظهره صاحب المسالك في نصابي الابل من الرجوع إلى ما يحصل به الاستيعاب من كل من العددين أو منهما معا. وأما نصب الغنم فأولها أربعون وفيها شاة، ثم مائة وإحدى وعشرون وفيها شاتان، ثم مائتان وواحدة وفيها ثلاث شياه، ولا خلاف ظاهر في شئ من ذلك إلا من الصدوقين - قدس سرهما - في النصاب الاول فاعتبرا فيه زيادة واحدة على الاربعين ثم ثلاثمائة وواحدة وهو النصاب الرابع فإذا بلغت ذلك فقيل: تؤخذ من كل مائة شاة، وقيل بل تجب أربع شياه، حتى يبلغ أربع مائة فيؤخذ من كل مائة شاة بالغا ما بلغ وهذا هو الاشهر. واستدل للقول الاول بصحيحة محمد بن قيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


سنها في السنة الثالثة. وقال: العوامل من البقر جمع عاملة وهى التى يستسقى عليها ويحرث وتستعمل في الاشغال وهذا الحكم مطرد في الابل. (1) الكافي ج 3 ص 534 باب صدقة البقر. (2) الوسائل أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 10 ح 1 في حديث طويل.

[ 21 ]

(ليس فيما دون الاربعين من الغنم شئ فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين و مائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة) (1). واستدل للمشهور بصحيحة الفضلاء ذكر جملة منها في المقامين المقدمين وفيها (وفي الشاة في كل أربعين شاة شاة، وليس في ما دون الاربعين شئ، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ عشرين ومائة فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، وليس فيها أكثر من شاتين حتى تبلغ مائتين، فإذا بلغت مائتين ففيها مثل ذلك، فإذا زادت على مائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم ليس فيها أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة، فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة وسقط الامر الاول، وليس على ما دون المائة بعد ذلك شئ، وليس في النيف شئ. الحديث) (2) وقد أخذ المشهور بصحيحة الفضلاء ولم يأخذوا بصحيحة محمد بن قيس إما لعدم مكافئة الثانية للاولى سندا أو دلالة أو جهة لموافقتها لمذهب الفقهاء الاربعة كما قيل: وأما ما حكي عن الصدوقين (قده) من اعتبار زيادة الواحدة على الاربعين في النصاب الاول فالظاهر أن مدركه ما في الفقه الرضوي عليه السلام أو ما رواه في الخصال باسناده عن الاعمش (3) في حديث شرايع الدين عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (ويجب على الغنم الزكاة إذا بلغ أربعين شاة وتزيد واحدة فيكون فيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة وبعد ذلك يكون في كل مائة شاة شاة) وقيل في الجواب بعدم نهوض ما ذكر حجة في مقابل ما عرفت. ثم إن ههنا سؤالا مشهورا وهو أنه وجب أربع شياه عند بلوغها ثلاثمائة


(1) التهذيب ج 1 ص 355 وفي الاستبصار ج 2 ص 23. (2) و (3) قد تقدما آنفا.

[ 22 ]

وواحدة ولم يتغير الفريضة حتى تبلغ خمسمائة فأي فائدة تترتب على جعل الاربعمائة نصابا وكذلك الكلام بالنسبة إلى ثلاثمائة وواحدة على القول الاخر وقد أشار المصنف (قده) في الشرايع إلى الجواب عنه بقوله وتظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان: أما الاول فإنه إذا كانت أربعمائة فمحل الوجوب مجموعها إذ المجموع نصاب ومحل الوجوب النصاب ولو نقصت عن الاربعمائة ولو واحدة كان محل الوجوب الثلاثمائة وواحدة والزائد عفو، ويتفرع على هذا جواز تصرف المالك فيه قبل إخراج حق الفقير بناء على المنع منه قبل الاخراج إلا مع الضمان فإن هذا إنما هو فيما يتعلق به الوجوب دون العفو، وأما الثاني أي الضمان فهو أيضا يتفرع على محل الوجوب، فلو تلف من أربعمائة واحدة بعد الحول بغير تفريط سقط من الوجوب جزء من مائة جزء من شاة، وإن شئت قلت أربعة أجزاء شاة من أربعمائة جزء، ولو كانت ناقصة من أربعمائة ولو واحدة وتلف منها شئ ما دامت الثلاثمائة باقية لم يسقط من الفريضة شئ، وكذلك الكلام على القول الاخر. وناقش في المدارك في عدم سقوط شئ من الفريضة في صورة النقص عن الاربعمائة لان مقتضى الاشاعة توزيع التألف على الحقين وإن كان الزائد على النصاب عفوا إذ لا منافاة بينهما ووجه إشكاله عدم تميز النصاب، واجيب بأن إشاعة حق الفقير في عين النصاب دون العفو لا تتوقف على تشخص النصاب و تميزه عما عداه في الخارج بل على تحققه في الواقع، فلو باع زيدا مثلا صاعا من صبرة وشرط عليه أن يكون ربعه لعمرو فقد جعل لعمرو في هذه الصبرة ربعا مشاعا من صاع كلي مملوك لزيد متصادق على أي صاع فرض من هذه الصبرة فبقاء ملك عمرو الذي هو ربع مشاع من الصاع تابع لبقاء ملك زيد الذي هو صاع من هذه الصبرة على سبيل الكلية بحيث لا يرد عليه نقص بتلف شئ من الصبرة مادام بقاء صاع منها. قلت: فيما أفيد تأمل أما جواز التصرف للمالك بالنسبة إلى العفو فهو

[ 23 ]

مبنى على كون النصاب في المال المشتمل عليه وعلى الزائد كالصاع الكلي في الصبرة والقول بجواز تصرف المالك في الصبرة مادام الصاع فيها موجودا ومع تسليم كون النصاب كالصاع الكلي واستفادته من الاخبار نمنع جواز التصرف لان وجه الجواز في صورة بيع الصاع الكلي هو أن مالك الصاع لا يملك اشخاص الصيعان فالاشخاص ملك للبايع فله ان يتصرف مادام فرد منها ينطبق عليه الكلي موجودا. وجه المنع أنه كيف يتصور الجمع بين ملكية جميع أفراد الصاع الكلي لاحد مع ملكية الكلي لغيره، ويشبه هذا اجتماع الموجبة الجزئية والسالبة الكلية، ومن هذا ظهر الاشكال في الثمرة الثانية فنقول: إذا كان الكلي في المعين كالكسر المشاع فما وجه عدم سقوط شئ من الفريضة، وأما عدم وجوب شئ فيما نقص من النصاب فلازم شرطية النصاب وقد وقع التصريح في بعض الاخبار، و أما ما بين النصابين فعدم وجوب شئ فيها هو صريح صحيحة الفضلاء عند ذكر فريضة كل نصاب، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ النصاب الاخر، وبه يرفع اليد عن ظهور قوله عليه السلام في صحيحة محمد بن قيس (فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين - الخ) في كون بلوغ النصاب سببا لثبوت الفريضة في الغنم البالغ هذا الحد مما زاد حتى تبلغ النصاب الاخر. { الشرط الثاني السوم فلا تجب في المعلوفة ولو كان في بعض الحول. الثالث الحول وهو اثنا عشر هلالا وإن لم تكمل أيامه، وليس حول الامهات حول السخال، بل يعتبر فيها الحول كما في الامهات. ولو تم ما نقص عن النصاب في أثناء الحول استأنف حوله من حين تمامه. ولو ملك مالا آخر كان له حول بانفراده. ولو ثلم النصاب قبل الحول سقط الوجوب، وإن قصد الفرار - ولو كان بعد الحول - لم يسقط }. أما اشتراط السوم وهو الرعي فلا خلاف فيه ويدل عليه قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء أو حسنتهم المروية عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في حديث زكاة الابل: (وليس على العوامل شئ إنما ذلك على السائمة الراعية) وفي حديث

[ 24 ]

زكاة البقر (ليس على النيف شئ، ولا على الكور شئ، ولا على العوامل شئ، وإنما الصدقة على السائمة الراعية) وموثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليهما السلام عن صدقات الاموال فقال: (في تسعة أشياء ليس في غيرها شئ في الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والابل والبقر والغنم السائمة وهي الراعية، وليس في شئ من الحيوان غير هذه الثلاثة الاصناف شئ - الحديث) (1). واما اعتبار استمرار السوم تمام الحول فيدل عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة (إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل) (2). نعم المعروف أنه لا يكون العلف يوما أو يومين لعارض على خلاف العادة منافيا للسوم تمام الحول وقد ينافي هذا مع ما التزموا في بعض الموارد من لزوم الاستيعاب كاستيعاب غسل تمام البدن في صحة الغسل بحيث لو لم يغسل من البدن مثل رأس إبرة لم يصح، وكذا استيعاب غسل مواضع الوضوء إلا أن يدعى الفرق بأن عدم العلف طول السنة بالدقة نادر جدا لا ينصرف الاخبار إلى مثله، كما لم يعتبر في التيمم استيعاب المسح بالنسبة إلى الممسوح بالدقة، حيث أنه كثيرا ما تكون في البشرة نحو خشونة تمنع من وصول الماسح بتمام الممسوح بالدقة. وأما اعتبار الحول فلا خلاف فيه ظاهرا، ويدل عليه النصوص ففي صحيح الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: (ليس على العوامل من الابل والبقر شئ - إلى أن قال: - وكل مالا يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه، وأما حد الحول فهو أن يمضي أحد عشر شهرا ثم يهل الثاني عشر فعند هلاله تجب الزكاة ولو لم تكمل أيام الحول بلا خلاف ظاهرا، والاصل فيه ما رواه الكليني (قده) عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن


(1) التهذيب ج 1 ص 348 والاستبصار ج 2 ص 2 وفي الوسائل أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8 ح 9. (2) قد تقدم.

[ 25 ]

حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام رجل كان له مائتا درهم فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فرارا من الزكاة فعل ذلك قبل حلها بشهر؟ فقال: إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول و وجبت عليه فيه الزكاة) (1). ثم إنه اختلف في أنه هل يستقر الوجوب بذلك أو يبقى متزلزلا إلى أن يكمل الثاني عشر فإن بقي المال على الشرائط يكشف عن استقرار الوجوب وإن اختلت كشف عن عدم وجوبها كما لو حاضت المرأة في أثناء اليوم من شهر رمضان ظاهر فتاوى الاصحاب بل صريح كثير منها الاول ومال بعض إلى الثاني. حجة القول الاول ظاهر الصحيحة الحاكمة على مثل قوله عليه السلام (لا زكاه في مال حتى يحول عليه الحول). وحجة القول الثاني أن المتبادر من قوله عليه السلام في الصحيحة المذكورة (إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول) التنزيل بلحاظ شرطية الحول لتنجز التكليف بالزكاة وصيرورتها حقا للفقير لا بلحاظ جميع الاثار فلا ينافيه اعتبار بقاء المال جامعا لشرائط النصاب إلى تمام الحول في أصل تحقق التكليف بحيت لو اختل شئ منهما قبل انقضاء عدد أيامها لا باختيار المكلف كشف عن عدم تحققه في الواقع نظير شرطية بقاء المرأة طاهرة عن الحيض إلى المغرب لوجوب الصوم من أول النهار، ويمكن أن يقال نسلم أن لسان الصحيحة لسان التنزيل لا أن المراد من الحول المعروف مضي أحد عشر شهرا مع هلال الثاني عشر لكن ظاهر الصحيحة أنه مع دخول الشهر الثاني عشر تحقق الوجوب ووجوب الزكاة حقيقة، ومع عدم تحقق سائر الشرائط تمام الحول لا وجوب حقيقة وليس المقام كالملكية في البيع الخياري حيث إنها متحققة في الواقع وقابلة للزوال كما أنه لا تجب الصوم على المرأة مع عدم بقاء الطهر إلى آخر الوقت وكيف يصح الامر مع العلم بعدم بقاء الشرط ولزوم الاحتياط أمر آخر فلو سلم عدم الاطلاق


(1) الكافي ج 3 ص 525 في حديث طويل تحت رقم 4.

[ 26 ]

في التنزيل والاقتصار على القدر المتيقن لما كان مجال لرفع اليد عن ظاهر الصحيحة في وجوب الزكاة من دون انتظار أمر آخر. وأما اعتبار الحول في السخال ومغايرته لحول الامهات فالتفصيل فيه أنه إذا كانت الامهات نصابا فولدت في اثناء الحول فمع كون السخال بنفسها نصابا مستقلا أو مكملة لنصاب مستقل كما لو كان خمس من الابل فولدت خمسا أو سبعا فولدت ثلاثا. أو أربعون من البقر فولدت أربعين أو ثلاثين فمبدء حول السخال من حين استغنائها بالرعي أو من حين النتاج على الخلاف فيجب عند انقضاء حول كل منهما فريضة، ومع عدم كون السخال بنفسها نصابا مستقلا ولا مكملة لنصاب أصلا فلا شئ عليه بل هي نصاب وعفو، فلو كانت عنده أربعون شاة فولدت أربعين ليس عليه إلا شاة لاربعين أعني الامهات لان الاربعين الزائدة أعني السخال ليست نصابا مستقلا ولا مكملا لنصاب ولا يقاس هذه بالنصاب المبتدء، والشاهد عليه قوله عليه السلام (وليس فيما دون الاربعين شئ) ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ عشرين ومائة فليس الثمانون مصداقين لعموم قوله عليه السلام (في كل أربعين شاة شاة) وأما إذا لم تكن السخال بنفسها نصابا ولا مكملا لنصاب مستقل ولكنها مكملة لنصاب آخر للمجموع كما إذا ولدت ثلاثون من البقر أحد عشر أو ثمانون من الغنم اثنين وأربعين، ففي سقوط اعتبار الاول وصيرورة الجميع نصابا واحدا أو وجوب زكاة كل منهما عند انتهاء حول فيخرج عند انتهاء حول الاول تبيع أو شاة وعند مضي سنة من تلك مسنة أو شاتان أو يجب فريضة الاول عند تمام حوله فإذا جاء حول الزيادة لو حظ ما يخصها من فريضة نصاب المجموع فإذا جاء الحول الثاني للامهات أخرج ما نقص من تلك الفريضة وهكذا فيخرج في مثال البقر في الحول الاول للامهات تبيع وللعشر عند انتهاء حولها ربع مسنة فإذا جاء الحول الاخر للامهات يخرج ثلاثة أرباع مسنة ويبقى هكذا دائما أو عدم انتهاء حول الزائد حتى ينتهي حول الامهات ثم يستأنف حول واحد للجميع أوجه: وقد يقال أوجهها الاخير وفاقا لجماعة من الاعلام لوجوب زكاة النصاب الاول عند تمام حوله لوجود المقتضي و

[ 27 ]

هو اندراجه في الادلة وانتفاء المانع ومتى وجب إخراج زكاته منفردا امتنع اعتباره منضما إلى غيره في ذلك الحول للاصل وقوله عليه السلام (لاثنى في الصدقة) (1) وقول أبي جعفر عليه السلام (لا يزكى المال من وجهين في عام واحد) (2) قلت: لعل هذا ينافي مع ما التزموا به في صورة العلم الاجمالي في التدريجيات كان علم بوجوب شئ اليوم أو غدا من معارضة الاصلين فنقول في المقام مع فرض تحقق النصاب الثاني ولو بعد ستة أشهر مثلا من حول الامهات البالغة حد النصاب الاول يكون النصاب الثاني مشمولا للادلة والنصاب الاول أيضا مشمول للادلة وحيث أنه لا يزكى المال من وجهين في عام واحد يقع التعارض وليس المقام من قبيل الاسباب والمسببات التكوينية حيث إنه مع تمامية السبب يتحقق المسبب والمانع الغير المتحقق بعد غير قابل لان يزاحم الموجود ولذا التزموا في صورة العلم الاجمالي بلزوم الاحتياط وسقوط الاصلين في التدريجيات ولعل وجهه أن موارد الشبهة في نظر المولى بحسب الكبرى الكلية ملحوظة على السواء من دون تقدم وتأخر فيها و التقدم والتأخر في مقام الانطباق فمع امتناع شمول الكبرى للموردين خروج بعض معين دون بعض آخر ترجيح بلا مرجح. وقد يقال في الجواب بأنه قد وقع في جملة من الاخبار الواردة في بيان نصب الانعام وما يجب في كل نصاب كصحيحة الفضلاء وغيرها التصريح بأن كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه، ويظهر من هذا التعبير وغيره أن الزيادة قبل أن يحول عليها الحول حالها حال العوامل والمعلوفة التي ليس فيها شئ لا معلقا على حصول شرط ولا منجزا وإنما تندرج في الموضوع الذي وضع عليه الزكاة بعد أن حال عليها الحول وفيه نظر من جهة أنه يكفي في المقام اندراجها في الموضوع بعد الحول وإن لم يكن بالفعل فيها شئ لا معلقا ولا منجزا ويتأتى


(1) راجع مختلف الشيعة ج 2 ص 25 و 26 والثنى - بالكسر والقصر أن يفعل الشيئ مرتين. (2) التهذيب ج 1 ص 357. والكافي ج 3 ص 520.

[ 28 ]

المعارضة المذكورة مع أن استفادة ما ذكر من التعابير الواقعة في الاخبار لا تخلو عن إشكال فإنه إذا قيل عصير العنب قبل الغليان حلال لا بأس بشربه لا ينافي هذا القول مع القول بأنه حرام إذا غلا واشتد، وهل يمكن استفادة عدم الحرمة معلقا من التعبير الاول ومما ذكر ظهر عدم الفرق بين المفروض أعني صورة عدم كون السخال بالانفراد نصابا وبين كونها نصابا ومع الانضام نصابا آخر وحيث استفيد من الاخبار لزوم حلول الحول بالنسبة إلى كل ما يتحقق به النصاب فلو تم ما ينقص عن النصاب في أثناء الحول فلابد من استيناف الحول من حين تمامه ولو ملك مالا آخر غير ما كمل نصابه كان له حول بانفراده إلا أن يندرج مع المال الاول في نصاب آخر فيجئ الكلام المذكور ولو ثلم النصاب المذكور في أثناء الحول سقط الوجوب لما ذكر ولو كان بفعله قصد الفرار عن الزكاة لانقطاع الملك فيعمه ما دل على نفي الزكاة فيما لم يحل عليه الحول وهو عند صاحبه ولما دل عليه في زكاه النقدين من الاخبار، نعم قد يتأمل في صورة المبادلة بالجنس حيث إنه وإن لم تبق الشياة مثلا عند صاحبه طول الحول بأشخاصها لكنه يصدق أنه ملك النصاب طول الحول ولعل الاظهر ما هو المشهور من اعتبار بقاء الاشخاص بالنظر إلى الاخبار. وأما عدم السقوط بعد الحول فهو واضح وقد دل عليه الخبر المتقدم الوارد في السؤال عن هبة الدراهم. { الرابع: أن لا تكون عوامل. وأما اللواحق فمسائل الاولى: الشاة المأخوذة في الزكاة أقلها الجذع من الضأن. أو الثني من المعز، ويجزي الذكر والانثى. وبنت المخاض هي التي دخلت في الثانية، وبنت اللبون هي التي دخلت في الثالثة، والحقة هي التى دخلت في الرابعة، والجذعة هي التي دخلت في الخامسة، والتبيع من البقر هو الذي يستكمل سنه ويدخل في الثانية، والمسنة هي التي في الثالثة، ولا تؤخذ الربى، ولا المريضة، ولا الهرمة، ولا ذات العوار، و لا تعد الاكولة، ولا فحل الضراب }. أما اعتبار عدم كونها عوامل فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه الاخبار

[ 29 ]

منها قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء بعد بيان نصب الابل وكذا بعد ذكر نصاب البقرة (ليس على العوامل شئ) (1) ولا يعارضها موثقة إسحاق بن عمار المضمرة قال: (سألته عن الابل تكون للجمال ويكون في بعض الامصار أيجري عليه الزكاة كما يجري على السائمة في البرية؟ فقال: نعم) (2) ونحوها رواية أخرى و ثالثة المحمولة على الاستحباب، ثم إن الكلام في صدق العوامل الكلام في صدق المعلوفة ولعل أصالة اتصافها بكونها عاملة على العرف ههنا أوضح، وأما أن الشاة المأخوذة في الزكاة أقلها الجذع من الضأن والثني من المعز فهو المشهور، بل عن بعض دعوى الاجماع، واستدل على المشهور كما ذكره في المعتبر بما رواه سويد ابن غفلة قال: (أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: نهانا أن نأخذ المراضع وأمرنا أن نأخذ الجذعة والثنية) (3) ويشكل التمسك به فإن الرواية مع تسليم انجبارها بالعمل من حيث السند يشكل من جهة الدلالة من جهة اعتبار الانوثة فيها مع أنه ليس في الرواية دلالة على إرادته في الغنم فلعل موردها البقر والبعير. وعن التذكرة نقلها مرسلا بلفظ (الجذع والثني) واستدل أيضا بما عن غوالي اللئالي مرسلا (أنه صلى الله عليه وآله أمر عامله بأن يأخذ من الضأن الجذع ومن المعز الثني). ولا يخفى أنه بعد تسليم اعتبار الرواية سندا لا مجال لاستفادة اللزوم للزوم عدم جواز أخذ ما زاد سنه عن الجذع والثني ولا يلتزمون به مع أنه يبعد جدا عدم التعرض في لسان الاخبار مع شدة الحاجة، فلو لا مخالفة المشهور لكان الاكتفاء بما يسمى شاة قويا، وقد حكي عن جماعه من المتأخرين الميل إليه أو القول به. واختلف في مفهوم الجذع والثني فعن كثير من الفقهاء أن المراد من الجذع


(1) تقدم عن (كا) و (يب) و (صا). (2) التهذيب ج 1 ص 360، والاستبصار ج 2 ص 24. (3) المعتبر ص 262 في اللواحق. وأخرجه النسائي ج 5 ص 30.

[ 30 ]

من الضأن ما كمل له سبعة أشهر والثني من المعز ما كملت له سنة، واختلف كلمات اللغويين ومع إجمال المفهوم يكون المرجع إطلاق الادلة والاقتصار في تقييدها على القدر المتيقن. وقد يقال مع فرض عدم الاطلاق وإهمال الادلة من هذه الجهة يكون المرجع أصالة البراءة، وفيه تأمل لانه بعد فرض تعلق الزكاة بالعين وممنوعية التصرف قبل إخراج الزكاة يشك في حلية التصرف مع عدم تأدية ما هو المتعين جواز الا كتفاء به، وأما إجزاء الذكر والانثى فلاطلاق الادلة. وأما الاسنان المذكورة فالظاهر عدم الخلاف فيها بين الفقها واللغويين نعم في خصوص التبيع ذكر الجوهري وغيره أنه ولد البقر في السنة الاولى و لم يعتبروا تمام الحول وإنما اعتبر تمام الحول والدخول في الثانية لقوله عليه السلام في حسنة الفضلاء (في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي) وعن المبسوط أنه قال: قال أبو عبيدة تبيع لا يدل على سن وقال غيره: إنما سمى تبيعا لانه يتبع أمه في الرعي إلى أن قال: فالرجوع فيه إلى الشرع والنبي صلى الله عليه وآله قد بين وقال (تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة) وقد فسره أبو جعفر عليه السلام وأبو عبد الله عليه السلام بالحولي انتهى. وأما عدم أخذ الربى المفسرة بالوالدة إلى خمسة عشر يوما على ما هو المعروف بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم فاستظهر اتفاق الاصحاب عليه واستدل عليه بموثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تؤخذ الاكولة والاكولة الكبيرة من الشاة تكون في الغنم، ولا والدة، ولا الكبش للفحل) (1) ولا يخفى أنه لا يستفاد منها التحديد المذكور أعني خمسة عشر يوما وقد علل المنع بما لا يخلو عن الاشكال وقد ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله


(1) الكافي ج 3 ص 535 تحت رقم 3. وفي النهاية: الربى - بضم الراء وشد الباء المفتوحة - التى تربى في البيت من الغنم لاجل اللبن. وقيل هي الشاة القريبة العهد بالولادة وجمعها رباب - بالضم -. والاكولة التى تسمن للاكل. وقيل هي الخصى والهرمة والعاقر من الغنم.

[ 31 ]

عليه السلام تفسير الربى بالتي يربى اثنين قال: ليس في الاكيلة ولا في الربى - و الربى هي التي تربى اثنين - ولا شاة لبن، ولا فحل الغنم صدقة) (1) وظاهر هذه الصحيحة عدم عد الربى بهذا المعنى من النصاب كالاكولة وفحل الضراب وهو خلاف المشهور. وأما عدم جواز أخذ المريضة والهرمة وذات العوار فادعي عدم الخلاف فيه، واستدل عليه بقوله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (2) وما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (ولا تؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق) وما رواه الشيخ (قده) في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق) (3) ولا ذكر للمريضة ولعلها مندرجة في ذات عوار أو يفهم حكمها بالفحوى. وقد يقال: لا دلالة في الخبرين على أنه يجوز للمصدق أن يشاء ذلك على الاطلاق فهو مقصور على ما إذا راى المصلحة، ويمكن أن يقال لا وجه لرفع اليد عن إطلاقهما إلا دعوى لزوم كون عمل الوكيل والولي والمنصوب من قبل السلطان مقرونا بالمصلحة ولو بنظرهم للانصراف ولعلها غير مسلمة، ولهذا وقع الكلام في لزوم مراعاة المصلحة في تصرفات الولي بالنسبة إلى مال المولى عليه أو عدم المفسدة. وأما عدم عد الاكولة وفحل الضراب فيدل عليه موثقة سماعة المتقدمة و استدل أيضا بقوله صلى الله وعليه وآله وسلم لمصدقة (إياك وكرائم أموالهم) (4) { الثانية: من وجب عليه شئ من الابل وليست عنده وعنده أعلى منها بسن دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهما ولو كان عنده الادون دفعها مع الشاتين أو عشرين درهما. ويجزى ابن اللبون الذكر عن بنت المخاض مع عدمها من غير


(1) الكافي ج 3 ص 535 تحت رقم 2. (2) البقرة: 276. (3) التهذيب ج 1 ص 353 والاستبصار ج 2 ص 19 و 23. (4) أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 366 ط 1371.

[ 32 ]

جبر. ويجوز أن يدفع عما يجب في النصاب من الانعام أو غيرها من غير الجنس بالقيمة السوقية، والجنس أفضل ويتأكد في النعم }. أما الحكم المذكور أولا فادعى عليه الاجماع ويدل عليه صحيحة زراره المروية عن الفقيه عن أبى جعفر عليهما السلام في حديث، زكاة الابل (وكل من وجبت عليه جذعة ولم تكن عنده وكانت عنده حقة دفعها ودفع معها شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه حقة ولم تكن عنده وكانت عنده جذعة دفعها وأخذ من المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه حقة ولم تكن عنده وكانت عنده ابنة لبون دفعها ودفع معها شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة لبون ولم تكن عنده وكانت عنده حقة دفعها وأعطاه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة لبون ولم تكن عنده وكانت عنده أبنة مخاض دفعها وأعطى معها شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة مخاض ولم تكن عنده وكانت عنده ابنة لبون دفعها وأعطاه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة مخاض ولم تكن عنده وكان عنده ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس يدفع معه شيئا) (1). والمنسوب إلى الاصحاب (قدس سرهم) أن الخيار في ذلك للمالك لا العامل وعلل بأنه ليس للعامل أن يتعدى عن الحدود الشرعية ويوجب عليه ما لم يعينه الشارع عليه، نعم لو دفع الاعلى ورد إليه المصدق شاتين أو عشرين درهما ليس له الامتناع من القبول ومطالبة الفرد الاخر إذا لم يجعل الشارع التخيير في ذلك له بل للمتصدق حيث قال يدفع إليه المتصدق هذا أو هذا. نعم للمالك أن لا يقبل منه ذلك حينئذ ويتكلف في تحصيل أصل الفريضة أو بدله الادنى ويدفعه إليه مع شاتين أو عشرين درهما ثم استشكل في شمول الخبر لو كان قيمة ما يدفعه المالك من الزكاة أقل مما يأخذ من العامل من الشاة وعشرين درهما أو مساوية بدعوى انصراف ما دل على الحكم عن الصورتين ولان المالك ما أدى شيئا في


(1) الفقيه ص 154 تحت رقم 22.

[ 33 ]

الحقيقة أو أخذ شيئا أما الانصراف فله وجه ولو سلم أمكن دعوى الانصراف عما لو كان التفاوت مع القيمة السوقية زائدة بمقدار كثير، وأما الجهة الاخرى ففيها إشكال لامكان أن يكون النظر إلى حفظ مقررات الشرع بتأدية الزكاة ولو لم يحصل مال ألا ترى أنه يحل ببعض الحيل في باب الربوا أخذ الزيادة مع عدم الفرق بحسب النتيجة بينه وبين الربوا. وأما جواز دفع غير الجنس ففى غير الانعام لا إشكال فيه ولا خلاف إلا من بعض، ويدل عليه صحيحة البرقي قال: (كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام هل يجوز جعلت فداك أن يخرج عما يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما يسوي أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شئ ما فيه؟ فأجابه عليه السلام: أيما تيسر يخرج) (1). وأما في الانعام فهو المشهور واستدل بما في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة أشتري لهم منها شيئا ثيابا وطعاما وأرى أن ذلك خير لهم؟ قال: لا بأس) (1). وربما أيد بجواز احتساب الدين من الزكاة الشامل بإطلاقه لزكاة الانعام وعد الرواية في الرياض من الموثق مضافا إلى انجبار السند بالعمل، وفي قباله خبر سعيد بن عمرو عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: يشتري الرجل من الزكاة الثياب والسويق والدقيق والبطيخ والعنب فيقسمه؟ قال: لا يعطيهم إلا الدارهم كما أمر الله تعالى) (3) وقد حمل على الافضلية جمعا بينه وبين ما سبق ولعل وجهه التأكد في خصوص النعم الخروج عن شبهة الخلاف. { الثالثة: إذا كانت النعم مراضا لم يكلف صحيحة. ويجوز أن يدفع من غير غنم البلد ولو كانت أدون. الرابعة: لا تجمع بين متفرق في الملك ولا يفرق بين مجتمع فيه، ولا اعتبار بالخلطة }.


(1) و (2) و (3) الكافي ج 3 ص 559 تحت رقم 1 و 2 و 3.

[ 34 ]

أما عدم التكليف بأداء الصحيحة مع كون النعم مراضا، فالظاهر عدم الخلاف فيه، فكما أن اخبار وجوب الزكاة يشملها فكذلك ما دل على تعيين الفريضة، و ما دل على النهي عن اخذ الهرمة وذات العوار منصرف عن هذه الصورة، واستدل أيضا بأنه هو الذي يقتضيه قاعدة الشركة حيث أن الفقير لا يستحق إلا كسرا مشاعا في الجميع، ويتفرع على هذا ملاحظة النسبة بحسب القيمة فيما لو كان نصفه أو ثلثه أو أقل أو أكثر مراضا، وهذا مبني على الشركة، وفيه كلام لعله يأتي إن شاء الله تعالى. ولا يخفى أن ما دل على عدم أخذ الهرمة وذات العوار يشمل ما لو كان بعض النصاب هرمة أو ذوات العوار وقاعدة الشركة يقتضي ملاحظة هذه الجهة وليس بناؤهم على هذه الملاحظة. وأما جواز الدفع من غير غنم البلد ولو كان أدون فلاطلاق الادلة فإن ظاهر النصوص أن مطلق الشاة التى يأخذها المصدق مصداق للفريضة الواجبة لا خصوص ما هي من أجزاء النصاب. وأما عدم الجمع بين متفرق في الملك وعدم ضم مال إنسان بغيره وإن كانا في مكان واحد وإن كانا مخلوطين فالظاهر عدم الخلاف فيه بل لابد من بلوغ مال كل إنسان حد النصاب وبلوغ المجموع لا يوجب شيئا، ويدل عليه النبوي صلى الله عليه وآله (إذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين فليس فيه صدقة) (1) والمروي في العلل: (قلت له مائتي درهم بين خمسة أناس أو عشرة حال عليها الحول وهي عندهم أتجب عليهم زكاتها، قال: لا هي بمنزلة تلك (يعنى جوابه في الحرث) ليس عليهم شئ حتى يتم لكل إنسان منهم مائتا درهم، قلت: وكذلك في الشاة والابل و البقر والذهب والفضة وجميع الاموال؟ قال: نعم) (2) وكذلك لا خلاف ظاهرا في أنه لا يفرق بين مالي مالك وإن تباعدا، فمتى بلغا النصاب تجب الزكاة، و عليه حمل ما في بعض الاخبار (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق) (3).


(1) سنن البيهقي ج 4 ص 86. (2) الوسائل أبواب زكاة الذهب والفضة ب 5 ح 2. (3) الوسائل أبواب زكاة الانعام ب 6 ح 4.

[ 35 ]

{ القول في زكاة الذهب والفضة } { ويشترط في الوجوب النصاب والحول، وكونهما منقوشين بسكة المعاملة وفي قدر النصاب الاول روايتان: أشهرهما عشرون دينارا ففيها عشرة قراريط، ثم كلما زاد أربعة ففيها قيراطان، وليس فيما نقص عن أربعة زكاة }. أما عدم وجوب الزكاة مع عدم النصاب فلا خلاف فيه ويدل عليه الاخبار. وأما تقدير النصاب بما ذكر فيدل عليه أخبار كثيرة منها ما عن الكليني - قدس سره - في الصحيح عن الحسين بن بشار [ يسار خ ل ] قال: (سئلت أبا الحسن عليه السلام في كم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله الزكاة؟ فقال: في كل مائتي درهم خمسة دراهم فان نقصت فلا زكاة فيها، وفى الذهب في كل عشرين دينارا نصف دينار فإن نقص فلا زكاة فيه) (1) وفي الموثق عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: في الذهب إذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار، وليس فيما دون العشرين شئ، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم خمسة دراهم وليس فيما دون المائتين شئ، فإذا زادت تسعة وثلاثون على المائتين فليس فيها شئ حتى تبلغ الاربعين، وليس في شئ من الكسور شئ حتى تبلغ الاربعين وكذلك الدنانير على هذا الحساب) (2). وحكي القول بأن النصاب الاول للذهب أربعون دينارا وما لم تبلغ أربعين لا شئ عليه، واستدل لهذا القول بموثقة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: (في الذهب في كل أربعين مثقالا مثقال وفي الورق في كل مائتين خمسة دراهم، وليس في أقل من أربعين مثقالا شئ ولا في أقل من مائتي درهم شئ، وليس في النيف شئ حتى يتم أربعون فيكون فيه واحد) (3) واستدل أيضا بصحيحة زرارة المروية عن التهذيب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل عنده مائة درهم وتسعة وتسعون درهما وتسعة وثلاثون دينارا


(1) الكافي ج 3 ص 515. (2) التهذيب ج 1 ص 349. (3) التهذيب ج 1 ص 351 والاستبصار ج 2 ص 13.

[ 36 ]

أيزكيها؟ قال: لا ليس عليه شئ من الزكاة في الدارهم ولا في الدنانير حتى يتم أربعين دينارا، والدراهم مائتي درهم. وقال: قلت: فرجل عنده أربعة أينق، وتسعة وثلاثون شاة، وتسعة وعشرون بقرة أيزكيهن؟ قال: لا يزكى شيئا منها لانه ليس شئ منهن قد تم فليس تجب فيه الزكاة) (1). وفي الحدائق بعد النقل قال: ويشكل بأن هذه الرواية قد رواه الصدوق في الفقيه (2) بما هذه صورته: (قال زرارة: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهما وتسعة عشر دينارا أيزكيها؟ فقال: لا وليس عليه زكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى تتم، قال زرارة: وكذلك هو في جميع الاشياء وقال: قلت - إلى آخر ما تقدم -) وبذلك يضعف الاعتماد على رواية الشيخ (قده) انتهى. وكيف كان لولا إعراض المشهور لكان الجمع العرفي بين الموثقة والاخبار السابقة بحمل الاخبار السابقة على الاستحباب، ومع الاعراض لابد من رد علمه إلى أهله والاخذ بقول المشهور. والقيراط بحسب عرف العراق نصف عشر الدينار فيكون عشرة قراريط نصف الدينار، وهذا المعنى هو الشايع في عرف الفقهاء. وأما اعتبار الحول فقد سبق الكلام فيه في زكاة الانعام وعلم منه اعتباره في الذهب والفضة وأن المدار على رؤية هلال الثاني عشر دون إكماله. واما اعتبار كونهما منقوشين بسكة المعاملة فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه جمله من الاخبار: منها صحيحة علي بن يقطين أو حسنته بإبراهيم بن هاشم عن أبي أبراهيم عليه السلام قال: (قلت له: إنه يجتمع عندي الشئ الكثير قيمته فيبقى نحوا من سنة انزكيه؟ فقال: لا كل ما لم يحل عليه الحول فليس عليك فيه زكاة، وكل ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شئ، قال: قلت: وما الركاز؟ قال: الصامت المنقوش، ثم قال: إذا أردت ذلك فاسبكه فإنه ليس في سبائك الذهب ونقار


(1) التهذيب ج 1 ص 374 والاستبصار ج 2 ص 38. (2) المصدر أبواب الزكاة تحت رقم 32.

[ 37 ]

الفضة شئ من الزكاة) (1) وعن الشيخ في الموثق عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام: أنهما قالا: (ليس في التبر زكاة إنما هي على الدنانير والدراهم) (2). وأما النصاب بعد النصاب الاول فكلما زاد المال أربعة ففيه قيراطان بالغا ما بلغ. ويدل عليه الموثق عن على بن عقبة وعدة من أصحابنا عن أبي جعفر و أبى عبد الله عليهما السلام قالا: (ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شئ فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال إلى أربعة وعشرين، وإذا كملت أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين، فعلى هذا الحساب كلما زاد أربعة) (3) وعنهم بإسناده عن أبن عيينة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا جازت الزكاة العشرين دينارا ففي كل أربعة دنانير عشر دينار) (4). وقد ظهر من الموثق المذكور أنه بعد النصاب الاول ليس فيه شئ حتى تبلغ أربعة وعشرين ففى الاقل من أربعة ليس شئ وهكذا بعدها ما لم تبلغ أربعة أخرى. { ونصاب الفضة الاول مائتا درهم ففيها خمسة دراهم، ثم كلما زاد أربعين ففيها درهم وليس فيما نقص عن الاربعين زكاة، والدرهم ستة دوانيق، والدانق ثماني حبات من أوسط حب الشعير، يكون قدر العشرة سبعة مثاقيل. ولا زكاة في السبائك ولا في الحلي وزكاته إعارته. ولو قصد بالسبك الفرار قبل الحول لم تجب الزكاة، ولو كان بعد الحول لم تسقط }. أما تقدير النصاب الاول بما ذكر فلا خلاف فيه ويدل عليه النصوص الكثيرة منها ما رواه الكليني في الصحيح عن الحسين بن بشار [ يسار خ ل ] المتقدم وأما النصاب بعده فيدل عليه أيضا الاخبار منها الموثق المتقدم، ومنها ما عن الشيخ -


(1) التهذيب ج 1 ص 349 و 350 والكافي ج 3 ص 518 تحت رقم 8. (2) التهذيب ج 1 ص 349. (3) و (4) الكافي ب 515 تحت رقم 3 و 4.

[ 38 ]

(قده) في الموثق عن زرارة وبكير أنهما سمعا أبا جعفر عليهما السلام يقول في الزكاة: (اما في الذهب فليس في أقل من عشرين دينارا شئ فإذا بلغت عشرين دينارا ففيه نصف دينار وليس في أقل من مائتي درهم شئ، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مائتي درهم وأربعين درهما غير درهم إلا خمسة الدارهم، فإذا بلغت أربعين ومائتي درهم ففيها ستة دراهم، فإذا بلغت ثمانين ومائتي درهم ففيها سبعة دراهم، وما زاد فعلى هذا الحساب، وكذلك الذهب - الحديث) (1). واما تحديد الدرهم بما ذكر فالظاهر عدم الخلاف فيه، بل ظاهر بعض وصريح غيره دعوى اتفاق العامة والخاصة عليه. واما عدم الزكاة في السبائك والحلي فقد ظهر مما دل على اعتبار كون الذهب والفضة منقوشين بسكة المعاملة، وقد يقع الاشكال في المنقوش إذا اتخذ للزينة كالحلي أو غيرها حيث يقع التعارض بين ما دل على لزوم الزكاة وما دل على عدم الزكاة في الحلي مثل خبر يعقوب بن شعيب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحلي أيزكى؟ فقال: إذا لا يبقى منه شئ) (2) وخبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: (سألته عن الزكاة في الحلى قال: إذا لا يبقى) (3) والنسبة عموم من وجه، والخدشة في دلالة الاخبار المثبتة للزكاة في الدراهم والدنانير بإطلاقها لصورة اتخاذها زينة لا مجال لها كما أنه لا مجال للاستصحاب للاشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وعدم تماميته فيما لو لم يحل عليها الحول و اتخذت حلية، ومع التعارض مقتضى الاصل البراءة مضافا إلى أنه يمكن أن يقال: التعبير بأنه (إذا لا يبقى منه شئ) يناسب وجود المقتضي للثبوت، ومع اختصاص الاخبار النافية بصورة عدم كون الذهب والفضة منقوشين بسكة المعاملة لا مقتضى


(1) التهذيب ج 1 ص 351. (2) الكافي ج 3 ص 518 تحت رقم 3. (3) قرب الاسناد ص 16.

[ 39 ]

للثبوت فتدبر. وأما الفرار بالسبك فيدل على جوازه صحيحة علي بن يقطين أو حسنته المتقدمة وأخبار أخر. وفي قبالها ما يدل على الوجوب مع الفرار منها ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن أباك قال لى من فربها من الزكاة فعليه ان يؤديها؟ قال: صدق أبي إن عليه أن يؤدي ما وجب عليه وما لم يجب عليه فلا شئ عليه فيه. ثم قال لي: أرأيت لو أن رجلا أغمي عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته أكان عليه وقد مات أن يؤديها؟ قلت: لا، قال: إلا أن يكون أفاق من يومه، ثم قال لي: أرأيت لو أن رجلا مرض في شهر رمضان ثم مات فيه أكان يصام عنه؟ قلت: لا، قال: وكذلك الرجل لا يؤدى عن ماله إلا ما حل عليه الحول) (1). ومنها موثقة محمد بن مسلم قال: (سئلت أبا عبد الله عليه السلام عن الحلي فيه الزكاة؟ قال: لا إلا ما فر به من الزكاة) (2). ومنها خبر معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: الرجل يجعل لاهله الحلي من مائة دينار والمائتي دينار وأراني قد قلت: ثلاثمائة فعليه الزكاة؟ قال: ليس فيه زكاة، قال: قلت: فإنه قد فر به من الزكاة فقال: إن كان فر به من الزكاة فعليه الزكاة وإن كان إنما فعله ليتجمل به فليس عليه زكاة) (3). والرواية الاولى من هذه الاخبار ظاهرة في ما لو قصد الفرار بعد حلول الحول، وسائر الاخبار محمولة على الاستحباب جمعا بينها وبين ما دل على جواز الفرار وعدم الزكاة مع الفرار، والرواية الاخيرة قابلة لارادة جعل الدنانير حليا ولصرف الدنانير في الحلى ولو بسبكه، والجواب بدون الاستفصال يكون دليلا على عدم وجوب الزكاة في الحلي وإن كان نفس الدنانير، وأما بعد الحول فلا إشكال في وجوب الزكاة سواء خرجت عن ملكه بغير اختيار أو باختيار


(1) و (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 350.

[ 40 ]

لتأثير شرائط الوجوب { ومن خلف لعياله نفقة قدر النصاب فزائدا لمدة، وحال عليها الحول وجبت عليه زكاتها لو كان شاهدا، ولم تجب عليه لو كان غائبا، ولا يجبر جنس بالجنس الاخر }. يدل على الحكم المذكور أخبار: منها موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: (قلت له: رجل خلف عند أهله نفقة ألفين لسنتين عليها زكاة؟ قال: إن كان شاهدا فعليه زكاة وإن كان غائبا فليس عليها زكاة) (1). ومنها موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: الرجل يخلف لاهله نفقة ثلاثة آلاف درهم نفقه سنتين عليه زكاة؟ قال: إن كان شاهدا فعليه زكاة وإن كان غائبا فليس فيها شئ) (2). وأما عدم جبر جنس بجنس آخر فالظاهر عدم الخلاف فيه ويكفى في المقام ما دل على اعتبار بلوغ كل من الذهب والفضة النصاب، مضافا إلى صحيحة زرارة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهما و تسعة عشر دينارا أيزكيها؟ قال: لا ليس عليه زكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى تتم، قال زرارة: وكذلك هو في جميع الاشياء، وقال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل كن عنده أربع أينق وتسعة وثلاثون شاة وتسع وعشرون بقرة أيزكيهن، قال: لا يزكى شيئا منهن لانه ليس له شئ منهن تاما، فليس تجب فيه الزكاة) (3). وفي قبالها موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: (قلت له: تسعون ومائة درهم وتسعة عشر دينارا أعليها في الزكاة شئ، فقال: إذا اجتمع الذهب والفضة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة لان عين المال الدارهم و كل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك إلى الدارهم في


(1) و (2) الكافي ج 3 ص 544. (3) الفقيه أبواب الزكاة تحت رقم 32 وقد تقدم.

[ 41 ]

الزكاة والديات) (1) واحتمل جريها مجرى التقية أو يكون المراد بها زكاة مال التجارة. { القول في زكاة الغلات } { لا تجب في شئ من الغلات الاربع حتى تبلغ نصابا وهو خمسة أوسق، كل وسق ستون صاعا يكون بالعراقى ألفين وسبعمائة رطل، ولا تقدير فيما زاد، بل تجب الزكاة فيه وإن قل }. بعد الفراع عن اختصاص زكاة الغلات الواجبة بالغلات الاربعة دون غيرها يقع الكلام في الشرايط: أحدها بلوغها نصابا وهذا مما لا شبهة فيه، وادعي تواتر النصوص الدالة عليه، والنصاب خمسة أوسق والوسق ستون صاعا بلا خلاف ظاهرا في شئ من ذلك، ويدل عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (ما أنبتت الارض من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ما بلغ خمسة أوساق، والوسق ستون صاعا فذلك ثلاثمائة صاع ففيه العشر، وما كان منه يسقى بالرشاء والدوالي والنواصح ففيه نصف العشر، وما سقت السماء أو السيح أو كان بعلا ففيه العشر تاما (2)، وليس فيما دون الثلاثمائة صاع شئ وليس فيما أنبتت الارض شئ إلا في هذه الاربعة أشياء) (3) وغيره من الاخبار والصاع أربعة امداد بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه الاخبار منها صحيحة عبد الله بن سنان الواردة في الفطرة حيث قال: (فيها صاع من تمر أو صاع من شعير والصاع أربعة أمداد) (4) ونحوها صحيحة الحلبي (5). والصاع ستة أرطال بأرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقي ويدل


(1) الكافي ج 3 ص 516. والتهذيب ج 1 ص 375 الاستبصار ج 2 ص 39. (2) البعل ما شرب بعروقه من غير سقى ولا سماء والرشاء بالكسر والمد: حبل الدلو. (3) التهذيب ج 1 ص 351 والاستبصار ج 2 ص 14. (4) و (5) الهتذيب ج 1 ص 371.

[ 42 ]

عليه قول العلامة في التذكرة ما نصه (وقول الباقر عليه السلام: (والمد رطل ونصف والصاع ستة أرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقى) وقضية ذلك أن المد رطلان وربع بالعراقي فيكون الحاصل ألفين وسبعمائة رطل بالعراقى، ويظهر من بعض الاخبار خلاف ذلك كموثقة سماعة المضمرة قال: (سألته عن الماء الذي يجزي للغسل فقال: اغتسل رسول الله صلى الله عليه وآله بصاع وتوضأ بمد، وكان الصاع على عهده خمسة أمداد، وكان المد قدر رطل وثلاثة أواق) (1) وخبر سليمان بن حفص المروزي المروى عن الفقيه والتهذيب قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: (الغسل بصاع من ماء والوضوء بمد من ماء وصاع النبي عليه السلام خمسة أمداد - الحديث) (2). لكنه بعد المخالفة للروايات المعتبرة المعمول بها لا مجال للاخذ بأمثالها من الروايات الشاذة، فالاولى رد علمها إلى أهله. وأما وجوب الزكاة فيما زاد وإن قل، فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه إطلاق الروايات الدالة على أن ما أنبتت الارض من الغلات الاربع إذا بلغ خمسة أوسق ففيما سقته السماء منه العشر وفيما كان منه يسقى بالدوالي نصف العشر. { ويتعلق به الزكاة عند تسميته حنطة أو شعيرا أو زبيبا أو تمرا. وقيل: إذا احمر ثمرة النخل أو اصفر - أو انعقد الحب والحصرم. ووقت الاخراج إذا صفت الغلات، وجمعت الثمرة، ولا تجب في الغلات إلا إذا تمت في الملك لا ما يبتاع حبا أو يستوهب }. قد وقع الخلاف في وقت تعلق الوجوب بالغلات الاربعة ونسب إلى المشهور تعلق الوجوب بعد إحمرار ثمرة النخل أو اصفراره وانعقاد الحب والحصرم، فنقول لا إشكال في أنه لو لم يكن دليل موجب لصرف الاخبار عما هو ظاهرها من تعلق الوجوب بما يصدق عليه الحنطة والشعير والتمر والزبيب تعين الاخذ بظواهرها ومجرد صحة الاطلاق في بعض الموارد تجوزا لا يمنع عن الاخذ بظواهرها فما يدعى كونه صارفا منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام (ليس في النخل


(1) و (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 50 ح 4 و 3.

[ 43 ]

صدقة حتى يبلغ خمسة أوساق والعنب مثل ذلك حتى يكون خمسة أوساق زبيبا) (1) حيث دلت على ثبوت الزكاة في العنب إذا بلغ خمسة أوساق لو قدر زبيبا فيتم فيما عداه بعدم القول بالفصل. ولا يخفى أنه كما تكون الرواية قابلة لهذا المعنى تكون قابلة لان يراد من قوله عليه السلام فيها (حتى يكون خمسة أوساق زبيبا) صيرورته زبيبا ولا ترجيح لاحد الاحتمالين، ولا يبعد أن يراد من لفظ العنب الكرم في مقابل النخل ويكون النظر إلى الثمرة بعد صيرورتها زبيبا بقرينة اعتبار بلوغها خمسة أوساق. ومنها صحيحة سعد بن سعد قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن أقل ما يجب فيه الزكاة من البر والشعير والتمر والزبيب فقال: خمسة أوساق بوسق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: كم الوسق؟ قال: ستون صاعا، قلت: فهل على العنب زكاة أو إنما تجب عليه إذا صيره زبيبا؟ قال: نعم إذا خرصه أخرج زكاته) (2). ومنها صحيحة سعد الاخرى عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن الرجل تحل عليه الزكاة في السنة في ثلاث أوقات أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد؟ فقال: متى حلت أخرجها، وعن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها؟ فقال: إذا صرم وإذا خرص) (3) واستشكل بأن الصحيحة الثانية الجمع فيها بين الصرم والخرص أوجب الاجمال فيما أريد من الشرطين حيث لم يعلم بأن العبرة بتحقق كل من الفعلين في جميع الغلات الاربع أو بكل منهما على سبيل البدل بأن يكون الشرط حصول أحد الامرين فتكون الواو للترديد أو بحصول كل منهما في بعض منها على سبيل التوزيع، أو أن المقصود بيان زمان تنجز التكليف بالزكاة لدى تمكنه من معرفة مقدار الغلة وبلوغه حد النصاب بالاعتبار بالكيل المتوقف على الصرام أو الخرص، وعلى هذا يتجه الاستدلال


(1) التهذيب ج 1 ص 353، والاستبصار ج 2 ص 18. (2) الكافي ج 3 ص 514 تحت رقم 5. (3) الكافي ج 3 ص 523 وفى الوسائل أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 1.

[ 44 ]

للمشهور لكنه حيث لا وثوق بإرادة هذا المعنى، يشكل التمسك بهذه الصحيحة. قلت: أما الاحتمال الاول فمع تأخر الصرم عن الخرص غالبا كيف يجعل الخرص شرطا أو جزء شرط كما أنه لا مجال لجعل كل منهما شرطا على البدل لعدم مدخلية نفس الخرص والصرم وإلا لزم عدم وجوب الزكاة مع إبقاء الثمرة بحالها على الشجرة بل الظاهر أن النظر إلى وقت الخرص والصرم ومع اختلافهما بحسب الوقت كيف يجعل أحدهما شرطا، كما أنه لا مجال للحمل على التوزيع مع عدم بيان ما شرط فيه الصرم وما شرط فيه الخرص مع أنه عليه السلام في مقام البيان ورفع شبهة السائل وعلى فرض الاجمال يرفع الاجمال في هذه الصحيحة بصراحة الصحيحة السابقة في اعتبار الخرص المحمول على وقت الخرص وبعد ظهور الصحيحة الثانية في اتحاد الغلات الاربع بحسب الحكم لا مجال للاشكال بأن الصحيحة الاولى متعرضة لخصوص العنب ولابد من إثبات الحكم في سائر الغلات بعدم القول بالفصل وهو محل تأمل. ثم إن ما ذكر من الاحتمال الاخير محل تأمل لان نظر السائل عن الحكم الواقعي ظاهرا وهو غير موقوف على المعرفة الحاصلة بالكيل الموقوف على الصرم أو الخرص مع أنه كثيرا لا حاجة في تنجز التكليف إلى المعرفة بالخرص والصرم بل يحتاج إليهما لمعرفة مقدار الزكاة لكنه مع بعد سائر الاحتمالات ربما يتعين الحمل على هذا المعنى وقد يستشهد لمذهب المشهور بما علم بالتدبر في الاثار و الاخبار من أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبعث من يخرص على أصحاب النخل ثمرتها ليتميز بذلك مقدار الصدقة المفروضة فلو لم يكن حق الفقير متعلقا بها من حين بدو صلاحها لم يكن يترتب على الخرص فائدة يعتد بها، ولا يخفى أن ما ذكر لا ينهض دليلا في مقابل أدلة القول الاخر لامكان أن يكون الفائدة الحفظ من الخيانة عند تعلق الحق بعد صيرورته تمرا وإلا فما الفائدة فيه مع أن وقت الاداء غير وقت الخرص ويمكن أن يدعى المالك تلف المال بالتلف السماوي. وأما وقت الاخراج الذى يسوغ للساعي أن يطالب المالك فيه وإذا أخرها

[ 45 ]

مع التمكن ضمن: فعند يبس الثمرة وصيرورتها تمرا أو زبيبا وتصفية الحنطة و الشعير والتعبير بجمع التمرة ليس على ما ينبغي، وادعي الاجماع عليه، نعم إذا تعلق الغرض بصرف الرطب والعنب أو الحصرم قبل التجفيف، وقلنا بقول المشهور فوقت الاخراج هو وقت الاختراف والاقتطاف إذ لا تجفيف في البين، وليس اعتبار مضي مقداره شرطا تعبديا. والحاصل أن وقت الاخراج متأخر عن زمان الوجوب، أما على القول بتعلق الوجوب من حين بدو الصلاح فواضح، وأما على القول بتعلق الوجوب بعد صدق الاسم فلانه يتحقق التسمية في الزرع قبل الحصاد وفى النخل أيضا قد يتحقق قبل الاجتذاذ وقد يوجه الحكم بأن المنساق من الامر بصرف العشر أو الخمس من حاصل زرعه أو ثمرة بستانه في هذه السنة إلى زيد مثلا إنما هو إيصال الحصة المقررة له إليه بعد تصفية الحاصل وصرم البستان على حسب ما جرت العادة في تقسيم حاصل الزراعات وثمرة الاشجار بين شركائهم فليس للفقير أولوية مطالبة المالك بالحصة المقررة قبل استعمال الحاصل أو بلوغ أو ان قسمتها، وربما يشهد له خبر أبي مريم المروي عن الكافي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: (وآتوا حقه يوم حصاده) (2) قال: (تعطى المسكين يوم حصادك الضغث ثم إذا وقع في البيدر، ثم إذا وقع في الصاع العشر ونصف العشر) فإن قوله عليه السلام (إذا وقع في الصاع - الخ) كناية عن بلوغ أو ان قسمته. أقول: إن تم الاجماع فهو وإلا فللمناقشة فيما ذكر مجال للنقض بباب الخمس فإن الخمس يتعلق بالنماءات المتصلة ولا يتصور تفكيكها خصوصا إن لم نقل بالشركة بل كان تعلق الحق بنحو آخر، وأما خبر أبي مريم فمع عدم الاشكال من جهة السند لعله معارض بصحيحة سعد بن سعد الاولى حيث يظهر منها وجوب الاخراج بعد الخرص مع عدم القول بالفصل بين العنب وغيره أو عدم الفرق بينه وبين غيره بشهادة الصحيحة الثانية.


(1) المصدر ج 3 ص 565 تحت رقم 4. (2) الانعام: 142.

[ 46 ]

وأما اعتبار نمو الغلات في ملكه فادعي عليه اتفاق العلماء، وناقش في المدارك في هذا التعبير بأنه غير جيد أما على ما ذهب إليه المصنف من عدم وجوب الزكاة في الغلات إلا بعد التسمية فظاهر لان تملكها قبل ذلك كاف وإن لم يتم في ملكه، وأما على القول بتعلق الوجوب بها ببدو الصلاح فلان الثمرة إذا انتقلت بعد ذلك يكون زكاتها على الناقل وإن نمت في ملك المنتقل إليه وكان الاوضح جعل الشرط كونه مملوكة قبل بلوغها الحد الذي يتعلق به الزكاة عليه بأن الظاهر عدم الخلاف في اشتراط تعلق الزكاة في الغلات بنموها في ملكه وعدم كفاية حال التجفيف بحيث لو اشترى عنبا أو رطبا من السوق وجففهما فصارا خمسة أوساق زبيبا أو تمرا لوجب عليه زكاته فإن هذا مما لا يظن بأحد الالتزام به قلت: لازم ما ذكر أنه إذا باع المالك الثمرة على الشجر وجفت الثمرة على الشجر عدم وجوب الزكاة على القول بتعلقها بعد التسيمة، لا على البايع لعدم تعلق الزكاة بعد ولا على المشتري لعدم النمو في ملكه، ولا يظن بأن يلتزم به أحد، ثم إنه قد يقال: إن منشأ هذا الشرط مع الغض عن الاجماع ظهور ما دل على وجوب الزكاة في الغلات في ايجابها على من نمت الغلات في ملكه وليس في شئ من أدلتها إطلاق أو عموم يتناول الملكية بسبب آخر غير التنمية، ولا يخفى الاشكال في هذه الدعوى. { وما يسقى سيحا أو بعلا أو عذيا ففيه العشر (1) وما يسقى بالنواضح والدوالى فيه نصف العشر. ولو اجتمع الامران حكم للاغلب، ولو تساويا أخذ من نصفه العشر، ومن نصفه نصف العشر والزكاة بعد المؤونة }. الظاهر عدم الخلاف في لزوم العشر في الصورة الاولى ونصف العشر في الصورة الثانية ويدل عليه الاخبار منها صحيحة زرارة وبكير عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (في الزكاة ما كان يعالج بالرشاء والدلاء والنضح ففيه نصف العشر وإن كان


(1) العذى: ما سقته السماء والبعل ما شرب بعروقه من غير سقى ولا سماء. (الصحاح)

[ 47 ]

يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل أو سماء ففيه العشر كاملا (1). وعن بعض الاعلام أن ظاهرهم الاتفاق على أن المعيار في ذلك احتياج أصل إيصال الماء إلى الزرع إلى العلاج واستغنائه عنه، ولو شك حكما لا موضوعا يكون المرجع أصالة البراءة لو لم يكن في البين دليل عام أو مطلق يثبت العشر. وأما صورة الاجتماع فالحكم للاكثر والتنصيف مع التساوي لم ينقل الخلاف فيه ويدل عليه حسنة معاوية بن شريح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (فيما سقت السماء والانهار أو كان بعلا فالعشر، وأما ما سقت السواقي والدوالي فنصف العشر، قلت له: فالارض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى سيحا؟ فقال: إن ذا ليكون عندكم كذلك؟ قلت: نعم، قال: النصف والنصف، نصف بنصف العشر ونصف بالعشر، فقلت، الارض تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى السقية والسقيتين سيحا؟ قال: وفي كم تسقى السقية والسقيتين سيحا؟ قلت في ثلاثين ليلة، أربعين ليلة، وقد مكث قبل ذلك في الارض ستة أشهر سبعة أشهر قال: نصف العشر) (2). وأما إخراج المؤونة ووجوب الزكاة بعدها فقد اختلف فيه المشهور هو الاخراج والمحكي عن جماعة عدم الاخراج، احتج القائلون بعدم الاستثناء بأخبار العشر ونصف العشر منها ما رواه الشيخ في الحسن عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنهما قالا له: (هذه الارض التي يزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال: كل أرض دفعها إليك السلطان فما حرثته فيها فعليك فيما اخرج الله منها الذي قاطعك عليه وليس على جميع ما أخرج الله منها العشر إنما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك) (3) ونوقش بما يكون قابلا للدفع. واستدل للمشهور بقوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (4)


(1) التهذيب ج 1 ص 353 بأدنى اختلاف في اللفظ في حديث. (2) التهذيب ج 1 ص 352 والاستبصار ج 2 ص 15. (3) الكافي ج 3 ص 513 تحت رقم 4. (4) الاعراف: 198. .

[ 48 ]

فإن عفو المال على ما في الصحاح ما يفضل عن النفقة وفي كلمات بعض ما يفضل عن مؤونة السنة وبأن النصاب مشترك بين المالك والفقراء فلا يختص أحدهما بالخسارة عليه وبقوله عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته بابن هاشم (ويترك للحارس العذق والعذقان والثلاثة لحفظه إياه) (1) ودعوى أخصيته من المدعى مدفوعة بعموم التعليل، وأجيب بأن الاية يستفاد منها استثناء مؤونة المالك لا مؤونة الزرع والخسارة الواردة بعد تعلق الوجوب لا يختص بأحد الشريكين إن قلنا بالشركة وهذا لا يثبت المدعى، والرواية لا يستفاد منها إلا استثناء المؤونة المتأخرة عن زمان الخرص الذي هو بعد الوجوب ولم يثبت الاجماع على عدم الفرق، وقد يستدل للمشهور بأن هذه المسألة من الفروع العامة البلوى فيمتنع عادة غفلة أصحاب الائمة صلوات الله عليهم عن الفحص عن حكمها كما أنه يستحيل عادة أن يشتهر لديهم استثناء المؤونة مع مخالفته لما هو المشهور بين العامة من غير وصوله إليهم من الائمة، والحاصل أنه يصح أن يدعى في مثل المقام استكشاف رأى الامام عليه السلام بطريق الحدس. { القول فيما يستحب فيه الزكاة } { ويشترط في مال التجارة الحول، وإن يطلب برأس المال أو الزيادة في الحول كله، وأن تكون قيمته نصابا فصاعدا فتخرج الزكاة حينئذ عن قيمة دراهم أو دنانير. ويشترط في الخيل حلول الحول والسوم وكونها إناثا، فيخرج عن العتيق ديناران وعن البرذون دينار، وما يخرج من الارض مما تستحب فيه الزكاة، حكمه حكم الاجناس الاربعة في اعتبار السقى، وقدر النصاب و كمية الواجب }. أما اعتبار مضي الحول من حين التجارة أو قصدها على الخلاف فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه ما رواه الكليني (قدس سره) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (وسألته عن الرجل توضع عنده الاموال يعمل بها؟


(1) الكافي ج 3 ص 514 تحت 7.

[ 49 ]

فقال: إذا حال الحول فليزكها) (1) وروي أيضا في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: (كل ما عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول) (2) ويحتمل أن يكون متن هذا الخبر هو قول محمد بن مسلم الذي فهمه من كلام الصادق عليه السلام وقد يعتبر مضي الحول من حين التجارة لهذا الصحيح حيث يرجع الضمير في قوله: إذا حال عليه الحول إلى ما عملت به ولا يخفى أنه مع قوة احتمال أن يكون هذا من كلام محمد بن مسلم حيث فهم من الصحيح الاول ما ذكره نقله بالمعنى لابد من الاخذ بالصحيح الاول ولا يبعد أن يكون المراد من الصحيح الاول من قوله عليه السلام على المحكى (إذا حال الحول فليزكها) حؤول الحول من زمان الوضع للعمل لا من زمان العمل. وأما اعتبار أن يطلب برأس المال أو الزيادة، فالظاهر عدم الخلاف فيه، والمراد عدم نقص قيمة السوقية عن رأس ماله وإن لم يوجد بالفعل راغب، ويدل على اعتبار هذا الشرط أخبار مستفيضة منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه قد زكى ماله قبل أن يشتري المتاع متى يزكيه؟ فقال: إن كان أمسك متاعه ينبغي به رأس ماله فليس عليه زكاة وإن كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال) (3). ومنها صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: (سأله سعيد الاعرج وأنا حاضر أسمع فقال: إنا نكبس الزيت والسمن نطلب به التجارة، فربما مكث عندنا السنة والسنتين هل عليه زكاة؟ فقال: إن كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكاته، وإن كنت إنما تربص به لانك لا تجد إلا وضيعة فليس عليك زكاة حتى يصير ذهبا أو فضة فإذا صار ذهبا أو فضة فزكه للسنة التي اتجرت فيها) (4).


(1) الكافي ج 3 ص 528 تحت رقم 2. (2) الكافي ج 3 ص 528 تحت رقم 5. (3) الكافي ج 3 ص 528 تحت رقم 2. (4) التهذيب ج 1 ص 368 والكافي ج 3 ص 529.

[ 50 ]

وأما اعتبار أن تكون قيمته نصابا فصاعدا فادعي عليه الاجماع ويدل عليه الروايات الدالة على شرعية هذه الزكاة حيث أنها زكاة المال المتحركة في التجارة كما يشهد له خبر إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: (قلت له: تسعون ومائة درهم وتسعة عشر دينارا أعليها في الزكاة شئ، فقال: إذا اجتمع الذهب والفضة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة لان عين المال الدراهم وكل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك إلى الدراهم في الزكاة و الديات) (1) وعدم كون صدر الرواية معمولا به لا يضر بحجيته بالنسبة إلى الفقرة الاخرى. وأما إخراج الزكاة عن القيمة دراهم أو دنانير فمن جهة ما هو المشهور بل ادعي نسبته إلى أصحابنا أن زكاة التجارة متعلق بقيمة المتاع لا بعينه ولا بأس بالبحث عن نحو تعلق الزكاة بالاعيان الزكوية بقول مطلق، فنقول وبالله التوفيق: المشهور أن الزكاة الواجبة تجب في العين لا في الذمة بل ادعي الاجماع عليه، والمراد بوجوبها في العين تعلقها بها لا وجوب إخراجها منها فإنه يجوز الدفع من مال آخر، فالمراد أن مورد هذا الحق نفس العين لا الذمة واطلاق بعض العبارات بل صريح بعضها عدم الفرق بين كون المال حيوانا أو غلة أو أثمانا، ثم إنه قد يستظهر من بعض الاخبار الشركة الحقيقية كموثقة أبي المغرا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الله تبارك وتعالى أشرك بين الاغنياء والفقراء في الاموال فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم) (2) وخبر علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (سألته عن الزكاة تجب علي في مواضع لا يمكنني أن أؤديها قال: اعزلها فإن اتجرت بها فأنت لها ضامن ولها الربح، وإن تويت (3) في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك شئ وإن لم تعزلها و


(1) التهذيب ج 1 ص 375 والاستبصار ج 2 ص 39. (2) الكافي ج 3 ص 545 تحت رقم 3. (3) توى - كرضى: هلك.

[ 51 ]

اتجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها [ تقسيطها خ ل ] من الربح ولا وضيعة عليها) (1). ومنها حسنة بريد بن معاوية أو صحيحته الواردة في آداب المصدق قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بعث أمير المؤمنين صلوات الله عليه مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله - إلى أن قال: - فإذا أتيت فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثره له - الخ) (2). وعن نهج البلاغة فيما كان يكتب لمن يستعمله على الصدقات (فإن كانت له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له) (3). وقد يحمل أمثال هذه الاخبار على الملكية الشأنية لان الملكية الفعلية المستلزمة الشركة الحقيقية يستلزم ارتكاب التخصيص في جملة من القواعد كحرمة تصرف كل من الشريكين في المال إلا بإذن صاحبه، وعدم جواز الدفع من غير العين بغير رضاه، وتبعية النماء للملك. وكون المالك لدى التفريط بالتأخير وغيره ضامنا لمنفعة مال الشريك وإن لم يستوفها وأن يكون ضمان العين في الانعام بالقيمة لا بالمثل مضافا إلى أن ظاهر الاية الشريفة (خذ من أموالهم صدقة - الاية) (4) كون الصدقة قبل الاخذ من أموالهم والصدقة فسرت في اللغة بما أعطى تبرعا بقصد القربة فيصير مفاد الاية بشهادة الروايات الواردة في تفسيرها هو أن الله تبارك وتعالى فرض على عباده في أموالهم الصدقة أي أوجب عليهم أن يعطوا شيئا من أموالهم في سبيل الله، ويتولد من هذا الحكم التكليفي حكم وضعي وهو استحقاق الفقير للمال الذي أمر الله تعالى مالكه بان يتصدق به عليه كاستحقاقه للمال الذي نذر مالكة أن يتصدق به عليه وهذا مقتضاه أن يكون قبل دفعه إليه ملكا للدافع، ويؤيده اشتراط قصد القربة في صحته إذ لو كان الفقير شريكا قبل صرف المال إليه لم يكن يتوقف صحته على قصد القربة.


(1) الكافي ج 4 ص 60 تحت رقم 2. (2) و (3) الوسائل أبواب زكاة الانعام ب 14 ح 1. (4) التوبة: 103.

[ 52 ]

ولا يخفى أن بعض الاشكالات متوجه على ما ذكر من جهة أنه بعد سراية الحق إلى مجموع النصاب كيف يستقل المالك بالتصرف في غير الزكاة ومع إتلاف المال لابد تضمينه بالقيمة في القيميات كما لو أتلف العين المرهونة مع كونها قيمية. ثم إنه كيف يتولد من الحكم التكليفي صرفا الحق الموجب للضمان بحيث لو لم يأت بالمكلف به ومات يؤخذ من تركته فلو حلف أن يهب ماله لزيد مثلا فهل يؤخذ من تركته لو لم يهب ومات، وأيضا لازم ما ذكر أنه لو صار النصاب مع عدم رد زكاته بذرا وصار زرعا كان الحاصل ملكا للمالك وأيضا صرف الزكاة في الرقاب والمعروف دخول العوض في ملك مالك المعوض فإذا كان المعوض ملكا للمالك فلابد من انتقال الرقبة إلى المالك وهل يمكن الالتزام به بخلاف القول بملكية الجهة أو الفقير. وأما الترخيص في التصرف والاعطاء من مال آخر فلا مانع منه بعد ما كان الاذن من الشارع وأولياء الامور، الا ترى أن المعصومين صلوات الله عليهم أباحوا للشيعة التصرف في بعض ما تعلق به الخمس وما الفرق بين الاذن في التصرف في العين الزكوية والاذن في التصرف في العين الغير المخمسة مع كونه متعلقة للحق بالاتفاق. وأما الاستظهار من الاية الشريفة فيشكل من جهة أنه لا إشكال أن الاخذ يوجب ملكية الفقير، وفي الاية تعلق الاخذ بأموال المالكين فلابد من التصرف بأن يكون الاطلاق باعتبار الملكية السابقة، والقائل بالشركة أيضا يقول بالملكية السابقة على تعلق الزكاة، والحاصل أن تخصيص القواعد وإن كان مشكلا لكن رفع اليد عن ظواهر الاخبار المذكورة أشكل. وأما الاشكال الاخير فيمكن دفعه بأن المالك ليس شخصا خاصا يأخذ ماله ولو لم يقصد المالك للنصاب القربة بل المالك الفقير الكلي فكما يحتاج في التعيين إلى تعيين المالك يحتاج إلى قصد القربة ومع عدم القصد لا يتعين وليس فيه محذور،

[ 53 ]

ثم إن ما ذكر، في الزكاة الواجبة وأما الزكاة المستحبة فلا إشكال في عدم الشركة وكون النصاب بتمامه ملكا للمالك فبعد إخراج الزكاة تصير ملكا للفقير فما هو المشهور من تعلق زكاة مال التجارة بقيمة المتاع لا بعينه إن أريد عدم الشركة في المتاع فهو حق كما أنه لا شركة في القيمة أيضا فمع عدم الشركة لا في العين ولا في القيمة بل صرف التكليف بإخراج الزكاة وصيرورة الزكاة بعد الاخراج ملكا للفقير لاوجه لصرف الادلة عن ظاهرها من تعلقها بنفس الاعيان الخارجية المستعملة في التجارة لا من حيث ذواتها بل من حيث اندراجها في موضوع المال المستعمل في التجارة، ثم إنه بعد تقويم المال وبلوغه نصابي الدراهم و الدنانير لا إشكال ومع اختلاف بأن بلغ مقدار مائتي درهم مثلا ولم يبلغ مقدار عشرين دينارا فهل يتعلق الزكاة لان المدار على التقويم بأدناهما قيمة أولا لان المدار على التقويم بالاعلى أو يلاحظ البلوغ إلى نصاب الدراهم سواء كانت الاعلى أو الادنى؟ وجوه ظاهر المتن كفاية بلوغ القيمة أحد النصابين، ويمكن الاستدلال بعموم ما دل على زكاة مال التجارة المقتصر في تقييده على المتيقن و هو صورة نقصانه عنهما إلا أن يدعى ان العمومات مسوقة لبيان أصل المشروعية فليس لها إطلاق أحوالي. وأما اشتراط الحول والسوم والانوثة في الخيل فالظاهر عدم الخلاف فيه والاصل فيه صحيحة زرارة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: هل في البغال شئ؟ فقال: لا، فقلت: فكيف صار على الخيل ولم يصر على البغال؟ فقال: لان البغال لا تلقح، والخيل الاناث ينتجن، وليس على الخيل الذكور شئ قال: قلت: فما في الحمير؟ قال: ليس فيها شئ، قال: قلت: هل على الفرس أو البعير يكون للرجل يركبهما شئ؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شئ إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل (1).


(1) الكافي ج 3 ص 530 تحت رقم 2، وفى التهذيب ج 1 ص 367 بدون قوله: (مما في الحمير قال ليس فيه شيئ).

[ 54 ]

ويدل على الدينارين والدينار ما رواه الكليني والشيخ (قدهما) في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم وزرارة عنهما عليهما السلام جميعا قالا: (وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين وعلى البراذين دينارا) (1). وأما اتحاد ما يستحب فيه الزكاة مما يخرج من الارض مع الغلات الاربع فالظاهر عدم الخلاف فيه، وتدل عليه الاخبار ففي الصحيح (أن لنا رطبة وأرزا فما الذي علينا فيها؟ فقال عليه السلام: أما الرطبة فليس عليك فيها شئ وأما الازر فما سقت السماء العشر وما سقي بالدلو فنصف العشر) (2) ولعله المنساق من أدلتها. { الركن الثالث في وقت الوجوب إذا أهل الثاني عشر وجبت الزكاة، وتعتبر شرائط الوجوب فيه كله، وعند الوجوب يتعين دفع الواجب، ولا يجوز تأخيره إلا لعذر كانتظار المستحق وشبهه، وقيل: إذا عزلها جاز تأخيرها شهرا أو شهرين، والاشبه أن جواز التأخير مشروط بالعذر فلا يتعذر بعد زواله ولو أخر مع إمكان التسليم ضمن }. قد سبق الكلام في الوجوب بعد إهلال الثاني عشر والكلام الان في جواز التأخير وعدمه ومقدار التأخير على فرض الجواز، وقيل: المشهور على أنه لا يجوز التأخير إلا لعذر ويدل على لزوم التعجيل صحيح سعد بن سعد الاشعري قال: (سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يحل عليه الزكاة في السنة ثلاثة أوقات أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد؟ فقال: متى حلت أخرجها) (3). وخبر أبي بصير المروي عن مستطرفات السرائر نقلا عن نوادر محمد بن علي ابن محبوب قال: قال: الصادق عليه السلام: (إن كنت تعطى زكاتك قبل حلها بشهر أو شهرين فلا بأس وليس لك أن تؤخرها بعد حلها) (4).


(1) التهذيب ج 1 ص 367، وفي الاستبصار ج 2 ص 12. (2) الوسائل أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 11 ح 5. (3) الكافي ج 3 ص 523 تحت رقم 4. (4) المصدر ص 476.

[ 55 ]

وفي قبالهما أخبار تدل على جواز التأخير في الجملة، منها صحيح حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام (لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيرها شهرين) (1) وصحيح عبد الله بن سنان عنه عليه السلام أيضا (في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها ويبقى بعض يلتمس لها المواضع فيكون بين أوله وآخره ثلاثة أشهر قال: لا بأس) (2)، وموثق يونس بن يعقوب لت للصادق عليه السلام: (زكاتي تحل في شهر أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة ان يجيئني من يسألني؟ فقال: إذا حال الحول فأخرجها من مالك ولا تخلطها بشئ ثم أعطها كيف شئت، قال: قلت: فإن انا كتبتها وأثبتها ايستقيم لي قال: نعم لا يضرك) (3)، وصحيح معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قلت له: (الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها إلى المحرم قال: لا بأس، قال: قلت: فإنها لا تحل عليه إلا في المحرم فيعجلها في شهر رمضان؟ قال: لا بأس) (4). ولعل الجمع بين الاخبار بحمل ما دل على عدم جواز التأخير على الكراهة، غاية الامر حرمة التأخير حيث ينطبق عليه حبس الحقوق من غير عذر فليس من قبيل الواجبات الموسعة طول العمر أو بحيث لا يعد تهاونا في أمر الدين وسؤال الراوي في بعض الاخبار عن صورة بعض الاعذار العرفية لا يوجب التقيد. وأما الضمان مع التأخير لا لعذر فيدل عليه حسن زرارة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث إليه أخ له زكاة يقسمها فضاعت؟ فقال: ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان، قلت: فإنه لم يجدلها أهلا ففسدت وتغيرت أيضمنها قال: لا، ولكن إن عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حين أخرها) (5).


(1) التهذيب ج 1 ص 361 والاستبصار ج 2 ص 32. (2) التهذيب ج 1 ص 378 وفي الكافي ج 3 ص 523 تحت رقم 7. (3) الكافي ج 3 ص 522 تحت رقم 3. (4) التهذيب ج 1 ص 361 والاستبصار ج 2 ص 32. (5) التهذيب ج 1 ص 362 وفى الكافي ج 3 ص 553 وفيه (حتى يخرجها).

[ 56 ]

وحسن محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لانها خرجت عن يده، وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، فإن لم يجد فليس عليه ضامن وكذلك من وجه إليه زكاه مال ليفرقها ووجد لها موضعا فلم يفعل ثم هلكت كان ضامنا) (1). { ولا يجوز تقديمها قبل وقت الوجوب على أشهر الروايتين، ويجوز دفعها إلى المستحق قرضا واحتساب ذلك عليه من الزكاة إن تحقق الوجوب وبقي القابض على صفة الاستحقاق ولو تغيرت حال المستحق استأنف المالك الاحراج ولو عدم المستحق في بلده نقلها ولم يضمن لو تلفت ويضمن لو نقلها مع وجوده و النية معتبرة في إخراجها وعزلها }. أما عدم جواز التقديم فيدل عليه حسن عمر بن يزيد أو صحيحه عن أبي عبد الله عليه السلام (الرجل يكون عنده المال أيزكيه إذا مضى عليه نصف السنة؟ قال: لا ولكن حتى يحول عليه الحول ويجعل عليه أنه ليس لاحد أن يصلي الصلاة إلا لوقتها و كذلك الزكاة، ولا يصوم أحد شهر رمضان إلا في شهره إلا قضاء وإنما تؤدي إذا حلت) (2) وصحيح زرارة قلت للباقر عليه السلام: (أيزكى الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة؟ قال: لا، أيصلي الاولى قبل الزوال) (3). وفي قبال ما ذكر الصحيح عن الحسين بن عثمان عن رجل عن الصادق عليه السلام (سألته عن رجل يأتيه المحتاج فيعطيه من زكاته في أول السنة؟ فقال: إن كان محتاجا فلا بأس) (4) وصحيح معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قلت له: (الرجل تحل


(1) التهذيب ج 1 ص 362 والفقيه أبواب الزكاة تحت رقم 44 والكافي ج 3 ص 553 (2) و (3) الكافي ج 3 ص 523 و 524 تحت رقم 8 و 9. (4) التهذيب ج 1 ص 361 والاستبصار ج 2 ص 32.

[ 57 ]

عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها إلى المحرم، قال: لا بأس، قال: قلت فإنها لا تحل عليه إلا في المحرم فيعجلها في شهر رضمان قال: لا بأس) (1) وغيرهما من الاخبار (2). والظاهر تعين حملها على التقية لان المحكي في التذكرة عن الحسن البصري وسعيد بن جبير والزهري والاوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد جواز التعجيل مع وجود سبب الوجوب. وأما دفع المال بعنوان الفرض فلا إشكال فيه وجواز الاحتساب يدل عليه خبر عقبة بن خالد بن عثمان بن عمران (دخل على أبي عبد الله عليه السلام وقال إنه رجل موسر، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: بارك الله في يسارك، قال: ويجيئني الرجل يسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: القرض عندنا بثمانية عشرة والصدقة بعشر، وماذا عليك إن كنت موسرا أعطيته فإذا كان إبان زكاتك احتسب بها من الزكاة) (3) وغيره من النصوص، وضعف أسانيدها منجبرة بالشهرة ومع تغير حال القابض بأن صار موسرا استأنف الاخراج لان الدفع كان بعنوان القرض ووقت الاحتساب ونية أداء الزكاة لم يكن مستحقا، وأما التفصيل بين وجود المستحق و عدمه فيدل عليه حسن زرارة وحسن محمد بن مسلم المذكورين سابقا. وأما اعتبار النية حال الاخراج والعزل فادعي عليه الاجماع. { الركن الرابع في المستحق والنظر في الاصناف والاوصاف واللواحق، أما الاصناف فثمانية: الفقراء، والمساكين: واختلف في أيهما أسوء حالا ولا ثمرة مهمة في تحقيقه والضابط من لا يملك مؤونة سنة له ولعياله ولا يمنع لو ملك الدار والخادم، وكذا من في يده ما يتعيش به ويعجز عن استنماء الكفاية، ولو كان سبعمائة درهم ويمنع من يستنمى الكفاية ولو ملك خمسين درهما، وكذا يمنع


(1) التهذيب ج 1 ص 361 والاستبصار ج 2 ص 32. (2) راجع الوسائل أبواب المستحقين للزكاة ب 49. (3) الكافي ج 4 ص 34 تحت رقم 4.

[ 58 ]

ذو الصنعة إذا نهضت بحاجته ولو دفعها المالك بعد الاجتهاد فبان الاخذ غير مستحق ارتجعت. فإن تعذر فلا ضمان على الدافع }. المشهور أن المسكين أسوء حالا من الفقير لان المسكين الذي أصابه المسكنة بمعنى الذلة الناشئة من جهة الفقر، والفقير هو المحتاج فإن الفقر هو الحاجة، وليس كل من احتاج أصابته الذلة والمسكنة، ويدل على المشهور صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (أنه سأله عن الفقير والمسكين فقال: الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل) (1) وخبر أبي بصير قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله عزوجل (انما الصدقات للفقراء والمساكين) قال: الفقير الذي لا يسأل الناس والمسكين أجهد منه والبائس أجهدهم) (2). والمعروف أن اللفظين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، وادعي الاجماع في باب الخمس أن المراد من المساكين في الاية الشريفة (واعلموا أن ما غنمتم الاية) الفقراء والمساكين ووجه عدم ترتب ثمرة مهمة أنه بعد تعين مصرف الزكاة في الاية الشريفة وبعض الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام المفسرة لها إن كان البسط لازما لزم تحقيق أنهما صنفان أو صنف واحد، وأن أحدهما أسوء حالا من الاخر ومع عدم لزوم البسط لا تترتب ثمرة مهمة والمهم بيان الحد المسوغ لتناول الزكاة في هذين الصنفين، ولا خلاف ظاهرا في أن الحد المسوغ عدم الغنى ويدل عليه قوله عليه السلام: (لا تحل الصدقة لغني) (3) واختلف في الغنى المانع عن الاخذ، وقد حكي عن الشيح (قده) قولان أحدهما أنه حصول الكفاية حولا له ولعياله، والقول الثاني أن الضابط من يملك نصابا من الاثمان أو قيمة فاضلا عن مسكنه وخادمه.


(1) الكافي ج 3 ص 502 تحت رقم 18. (2) المصدر ج 3 ص 501 تحت رقم 16. (3) الوسائل أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8 و 9 و 11 عن معاني الاخبار وقرب الاسناد.

[ 59 ]

وتدل على القول الاول صحيحة أبي بصير قال: (سمعت الصادق عليه السلام يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره، قلت: فإن صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة قال: زكاته صدقة على عياله ولا يأخذها إلا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقل من سنة فهذا يأخذها، ولا تحل الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة) (1) وصحيحة علي بن إسماعيل الدغشى المروية عن العلل قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن السائل و عنده قوت يوم أيحل له أن يسأل وإن أعطى شيئا من قبل أن يسأل يحل له أن يقبله؟ قال: يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة لانها إنما هي من سنة إلى سنة هكذا رواها في الوسائل (2) عن العلل وفي بعض النسخ من العلل نحوه إلا أن فيها (قال: يأخذه وعنده قوت شهر وما يكفيه لستة أشهر من الزكاة) و يدل عليه فحوى ما سيجئ إن شاء الله تعالى من الروايات الدالة على جواز الاخذ لمن له رأس مال لا يحصل منه ما يفي بمؤونته، ومفهوم رواية يونس بن عمار قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: (تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة) (3) واستدل للقول الاخر بالنبوي العامي أنه صلى الله عليه وآله قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من اغنيائهم فترد على فقرائهم) (4) فبعد عدم مدخلية حؤول الحول وسائر شرائط الزكاة غير مقدار النصاب في صدق الغنى يكشف ذلك أن من كان مالكا لهذا المقدار من المال فاضلا عن مسكنه وخادمه يكون غنيا، والخبر مع تسليم اعتباره


(1) الكافي ج 3 ص 560 تحت رقم 1. (2) أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 7. (3) الوسائل أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 10. (4) أخرجه أبو داود في السنن ج 2 ص 36 وفي صحيح البخاري مثله.

[ 60 ]

مع كونه عاميا جار مجرى الغالب جمعا بينه وبين ما ذكر آنفا مما دل على جواز الاخذ لمن له رأس مال لا يفي بمؤونته ما يحصل منه وغيره من الادلة كصحيحة معاوية ابن وهب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها أيكب فيأكلها ولا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة؟ قال: لا. بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة ويتصرف بهذه لا ينفقها (1). ورواية هارون ابن حمزة قلت لابي عبد الله عليه السلام: (يروون عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي؟ فقال: لا يصلح لغني، قال: فقلت له: الرجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعة وله عيال فإن أقبل عليها أكلها عياله ولم يكتفوا بربحها، قال: فلينظر ما يستفضل منها فيأكله هو ومن وسعه ذلك وليأخذ لمن لم يسعه من عياله) (2). وموثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الزكاة هل يصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال: نعم إلا أن يكون داره دار غلة فيخرج له من غلتها ما يكفيه وعياله، فإن لم تكن الغلة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم و حاجتهم من غير إسراف فقد حلت له الزكاة وإن كانت غلتها تكفيهم فلا) (3). واما منع ذى الصنعة إذا كانت وافية بالمؤونة فيدل عليه صحيحة زرارة أو حسنته عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سمعته يقول: إن الصدقة لا تحل لمحترف و لا لذى مرة سوى قوي فتنزهوا عنها) (4) وخبر أبي البختري المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام عن علي عليه السلام أنه كان يقول: (لا تحل الصدقة.


(1) الكافي ج 3 ص 561 تحت رقم 6. (2) التهذيب ج 1 ص 363. (3) الكافي ج 3 ص 360 والتهذيب ج 1 ص 362 والمقنعة ص 42 والفقيه أبواب الزكاة تحت رقم 54. (4) الكافي ج 3 ص 450 تحت رقم 2.

[ 61 ]

لغنى ولا لذي مرة سوي) (1). وعن الصدوق في معاني الاخبار بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا - لمحترف ولا لقوي، قلنا: ما معنى هذا؟ قال: لا تحل له أن يأخذها وهو يقدر على ما يكف نفسه عنها) (2). ولا يخفى أن ما ذكر في الاخبار ليس خارجا عن المفهوم العرفي وعلى هذا فلو تهاون ذوالصنعة ولم يشتغل بحيث لا يقدر فعلا على مؤونته يصدق عليه الفقير ويرشد إلى هذا ذيل هذا الخبر الاخير. وأما الارتجاع مع الدفع المقرون بالاجتهاد وعدم الضمان مع تعذر الارتجاع، والضمان مع عدم الاجتهاد فمع بقاء العين لا إشكال في الارتجاع سواء كان القابض عالما بأنه زكاة أو جاهلا، ومع تلف العين فمع العلم لابد من ارتجاع المثل أو القيمة لقاعدة اليد، ومع الجهل أيضا نعم معه كون القابض مغرورا كان أعطى بصورة الصلة والهبة وقصد الزكاة لا ضمان للمغرور. ثم إنه مع تعذر الارتجاع فإن كان الدافع هو الامام أو نائبه الخاص أو العام فلا خلاف ظاهرا في عدم الضمان لان يده يد أمانة وإحسان فلا يتعقبه ضمان ولم يكن تعد وتفريط إلا أن يقال: ما ذكر يقتضى عدم ضمان الدافع وأما المالك الذي يجب عليه الزكاة ما أدى الواجب إلا أن يدل دليل على براءة ذمة المالك لمجرد الدفع، ولا يخفى الاشكال في صورة الدفع إلى الفقيه لعدم ثبوت الولاية العامة، وأما إن كان الدافع هو المالك ففي إجزائه أقوال، ثالثها التفصيل بين ما إذا اجتهد فأعطى فلا ضمان وبين ما إذا أعطى اعتمادا على مجرد دعوى الفقر. أو أصالة عدم المال فيضمن ولا منافاة بين الضمان وكونه مأذونا في الدفع كما لو كان عليه دين لزيد فدفع إلى غيره لقيام البينة على أنه زيد فانكشف خلافه.


(1) قرب الاسناد ص 72. (2) المصدر ص 262 وفيه (على أن يكف).

[ 62 ]

حجة القول بالاجزاء مطلقا أنه فعل المأمور به وهو الدفع إلى من يظهر منه الفقر وامتثال الامر يقتضي الاجزاء وأورد عليه أن المأمور به إنما هو إيصال شئ من ماله إلى الفقراء والمساكين ولم يحصل كما في المثال المذكور، ويمكن إن يقال هذا يتم إن قلنا بعدم الشركة وعدم الملكية قبل الدفع إلى الفقير، وأما إن قلنا بالملكية ولو بنحو ملكية الكلي في المعين وقلنا بتعين الزكاة في الباقي بعد التصرف في غير مقدار الزكاة فلا يبعد أن يقال بكون يده يد أمانة شرعية فمع عدم التعدي والتفريط ما وجه الضمان؟ ومما ذكر ظهر الفرق بين المقام والمثال المذكور حيث أنه في المثال ما لم يصل إلى الدائن لم يتعين بخلاف المقام على القول المذكور فالاشكال مبني على اختيار غير القول المذكور في تلك المسألة، نعم إن تمت دلالة ما دل بعمومه على أن الزكاة بمنزلة الدين وأن الموضوع من الزكاة في غير موضعها بمنزلة العدم مضافا إلى مفهوم العلة الواردة لوجوب إعادة المخالف زكاته بأنه لم يضعها في موضعها وإلى خصوص مرسلة الحسين بن عثمان (عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل يعطي زكاة ماله رجلا وهو يرى أنه معسر فوجده موسرا قال: لا يجزي عنه) (1) لزم الضمان. واستدل للقول بالتفصيل بفحوى أو إطلاق الحسن أو الصحيح عن عبيد ابن زرارة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل عارف أدى زكاته إلى غير أهلها زمانا هل عليه أن يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم؟ قال: نعم، قال: قلت: فإن لم يعرف لها أهلا فلم يؤدها أو لم يعلم أنها عليه فعلم بعد ذلك؟ قال: يؤديها إلى أهلها لما مضى، قال: قلت له: فإن لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل و قد كان طلب واجتهد، ثم علم بعد ذلك سوء ما صنع؟ قال: ليس عليه أن يؤديها مرة أخرى) (2) وعن الشيخ في التهذيب (3) أنه قال: (وعن زرارة مثله غير


(1) الكافي ج 3 ص 545 والتهذيب ج 1 ص 363 و 378. (2) الكافي ج 3 ص 546 تحت رقم 2. (3) المصدر ج 1 ص 378. وفيه معلق أو مرسل.

[ 63 ]

أنه قال: إن اجتهد فقد برئ، وإن قصر في الاجتهاد والطلب فلا). وأورد بأن مورد الخبرين صورة الدفع إلى غير العارف وهو غير مسألتنا ويحتمل أن يكون النظر إلى الشبهة الموضوعية والخبر يتناول بإطلاقه محل النزاع لكنه يقع التعارض بينه وبين مرسلة الحسين المتقدمة والمرسلة أوضح في مادة الاجتماع وعلى تقدير التكافؤ يجب الرجوع إلى الاصول والقواعد القاضية بعدم الفراغ عن عهدة التكليف بالزكاة إلا بوضعها في موضعها. ويمكن أن يقال: إن قلنا بشمول الخبرين لمحل النزاع لا من باب الاطلاق بل من باب ترك الاستفصال حيث أن محل السؤال قابل لان يكون الدفع إلى غير أهل الايمان ولان يكون الدفع إلى مطلق من لم يكن أهلا فمع الشبهة الموضوعية، ولم يسأل الامام عليه السلام عن محط نظره بل فصل بين الاجتهاد وعدمه فالحكم بالبراءة ليس من قبيل المطلق القابل لان يكون من باب ضرب القانون القابل للتخصيص بل هو إمضاء لما مضى وعلى هذا فلا مجال للتصرف بالتخصيص. { والعاملون: وهم جباة الصدقة، والمؤلفة قلوبهم: وهم الذين يستمالون إلى الجهاد بالاسهام في الصدقة وإن كانوا كفارا، وفي الرقاب: وهم المكاتبون، والعبيد الذين هم تحت الشدة، ومن وجبت عليه كفارة ولم يجد ما يعتق به، ولو لم يوجد مستحق جاز ابتياع العبد ويعتق، والغارمون وهم المدينون في غير معصية، ولو جهل الامران قيل يمنع وقيل لا وهو الاشبه }. من الاصناف المستحقين للزكاة العاملون عليها بنص الكتاب العزيز وهم عمال الصدقات أي الساعون في تحصيلها وتحصينها بأخذ وكتابة وحساب وحفظ ونحو ذلك المنصوبون من قبل الامام عليه السلام وقد صرح المصنف (ره) في الشرايع، وغير (قده) بأنه يجب أن يستكمل فيهم أربع صفات التكليف والايمان والعدالة والفقه ولو اقتصر في الاخير على ما يحتاج إليه منه جاز قال في المدارك: (لاريب في اعتبار استجماع العامل لهذه الصفات لان العمالة تتضمن الاستيمان على مال الغير ولا أمانة لغير العدل ولقول أمير المؤمنين عليه السلام في الخبر المتقدم يعني صحيحة

[ 64 ]

معاوية الطويلة الواردة في آداب المصدق المنقولة عن الكافي (فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا) وإنما يعتبر الفقه فيمن يتولاه ما يفتقر إليه) انتهى. فإن تم الاجماع فهو وإلا فللنظر فيما ذكر مجال لامكان أن يكون المنصوب واجدا لما ذكر في الصحيحة بدون اجتماع الشرائط المذكورة. واعتبر أيضا أن لا يكون هاشميا لان زكاة غير الهاشميين محرمة علي بنى هاشم ولخصوص صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أناسا من بنى هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه ان يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله عزوجل للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بنى عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكن قد وعدت الشفاعة) (1). ويمكن أن يقال غاية الامر حرمة السهم من الزكاة فما المانع من استعمالهم بدون أخذ سهم من الزكاة أو استعمالهم في صدقات خصوص بني هاشم ولعل عدم استعمال رسول الله صلى الله عليه وآله إياهم بملاحظة توجه السائلين إلى أخذ السهم من الزكاة المتعلقة بغير بني هاشم. وأما المؤلفة قلوبهم فقد اختلف في شرحها ففي المتن ما ذكر، وعن الشيخ (قده) في المبسوط الكفار الذين يستمالون للجهاد، وحكي عن المفيد (قدس سره) أنه قال: المؤلفة قلوبهم ضربان مسلمون ومشركون وقيل باختصاص التأليف بالمنافقين وقد عقد في الكافي (2) بابا لذلك وأورد جملة من الاخبار، منها ما رواه في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر عليهما السلام قال: (سألته عن قول الله عزوجل (والمؤلفة قلوبهم) قال: هم قوم وحدوا الله عزوجل وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، وهم


(1) الكافي ج 4 ص 58 تحت رقم 1 وفي التهذيب ج 1 ص 365. (2) المجلد الثاني ص 410.

[ 65 ]

في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأمر الله نبيه أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقروا به، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين تألف رؤساء العرب من قريش ومضر منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين الفزاري وأشباههم من الناس فغضب الانصار واجتمعت إلى سعد ابن عبادة فانطلق بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالجعرانة (1) فقال: يا رسول الله أتاذن لي في الكلام؟ فقال: نعم، فقال: إن كان هذا الامر في هذه الاموال التي قسمت بين قومك شيئا أنزل الله رضينا، وإن كان غير ذلك لم نرض، قال زرارة: سمعت أبا جعفر عليهما السلام يقول: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر الانصار أكلكم على قول سيدكم سعد؟ فقالوا: سيدنا الله ورسوله، ثم قالوا في الثالثة: نحن على مثل قوله ورأيه، قال زرارة: وسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فحط الله نورهم وفرض للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن) ويقرب منه أخبار أخر، وقد يقال: لا يترتب على تحقيق ذلك ثمرة مهمة بعد ما تقرر من أنه يجوز للوالى أن يصرف من الزكاة إلى مثل الوجوه التى فيها يشيد الدين وأنه لا يجب التوزيع والبسط، ويمكن ان يقال: قد لا يترتب على الاعطاء تشييد الدين كالاعطاء إلى كافر أو منافق مع عدم ترتب فائدة للدين عليه فبناء على اختصاص العنوان المذكور بالمنافقين كما يظهر من الاخبار لو أعطى الكافر كان الصرف في غير محله وبناء على التعميم كان في محله. ومن جملة مصارف الزكاة الصرف في الرقاب وهم على الاشهر أو المشهور ثلاثة: المكاتبون، والعبيد الذين تحت الشدة، والعبد يشترى ويعتق وإن لم يكن في شدة ولكن بشرط عدم المستحق، وروي قسم رابع وهو من وجب عليه كفارة ولم يجد فإنه يعتق عنه.


(1) قال الفيروز آبادى: الجعرانة - وقد تكسر العين ويشدد الراء. وقال الشافعي: التشديد خطأ -: موضع بين مكة والطائف ا ه‍. وفى مصباح المنير على سبعة أميال من مكة.

[ 66 ]

أما جواز الصرف في المكاتب فالظاهر عدم الخلاف فيه في الجملة، ويدل عليه ما عن الشيخ في التهذيب مسندا عن أبي إسحاق عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه السلام: وعن ابن بابويه في الفقية مرسلا عن الصادق عليه السلام قال: (سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها قال: يؤدى عنه من مال الصدقة، إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: وفي الرقاب) (1) ومورد السؤال وإن كان صورة العجز لكنه لا يوجب تقيد الحكم إلا أنه قد يقال: مقتضى الجمع بين الاية الشريفة وخبر أبي بصير المروي في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة يشتري بها نسمة ويعتقها فقال: إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم، ثم مكث مليا، ثم قال: إلا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه) (2) تقييد الرقاب بالاسلام والضرورة ولازمه مدخلية العجز عن أداء مال الكتابة، ويمكن أن يقال: الظاهر حمل الخبر المذكور على الكراهة وإلا لزم البسط لان كل مصرف صرف الزكاة فيه وحده لزم ظلم قوم آخرين، فمع البناء على عدم وجوب البسط لابد من حمل الرواية على الكراهة، ومن هنا ظهر الاشكال في تقييد العبد الذي يشترى بكونه تحت الشدة حيث أن المدرك هذا الخبر، وقد حكي عن المفيد والعلامة وولده وغير واحد من المتأخرين القول بعدم اختصاص الرقاب بما ذكر بل جواز صرف الزكاة في فكها ولو في غير تلك الموارد، واستدل له بإطلاق الاية الشريفة وخبر أيوب بن الحر أخي أديم بن الحر المروي عن العلل قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام مملوك عرف هذا الامر الذي نحن عليه أشتريه من الزكاة وأعتقه؟ قال: فقال: اشتره وأعتقه، قلت: فإن هو مات وترك مالا؟ فقال: ميراثه لاهل الزكاة لانه اشتري بسهمهم) قال: وفي حديث آخر (بمالهم) (3). وخبر أبي محمد الوابشي المروي عن الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سأله بعض


(1) التهذيب ج 1 ص 325. وفي الفقيه ص 345 باب المكاتبة تحت رقم 3. (2) الكافي ج 3 ص 557 تحت رقم 2. (3) علل الشرايع ص 130 وقد تقدم.

[ 67 ]

أصحابنا عن رجل اشترى أباه من الزكاة - زكاة ماله - قال: اشترى خير رقبة لا بأس بذلك) (1) وحمل رواية أبي بصير المتقدمة على الكراهة أولى من تخصيص ما ذكر لمناسبة التعليل الوارد فيها بقوله عليه السلام (إذا يظلم قوما آخرين) كما لا يخفى. وأما القسم الرابع المذكور فمدركه الرواية التي أوردها على بن إبراهيم في كتاب التفسير عن العالم عليه السلام قال: (في الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الايمان وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفرون به، وهم مؤمنون فجعل الله تعالى لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم) (2). وضعف الرواية من جهة الارسال يوجب الاشكال في إثبات هذا المصرف للزكاة. ومن جملة المستحقين للزكاة الغارمون والمراد بهم كما في المتن وغيره المدينون في غير معصية. أما جواز الصرف في الغارمين في الجملة فلا خلاف فيه ويدل عليه الاية الشريفة ويقع الكلام فيه في مواضع: الاول لا خلاف ظاهرا في اشتراط عجز الغارم عن أداء دينه ويشهد له قوله عليه السلام (لا يحل الصدقة لغني) وإنما الاشكال في أنه هل يعتبر عدم التمكن من أداء الدين بوجه حتى يصرف ما ينفق لمؤونة سنة أو يعتبر عدم التمكن من أداء الدين وإن كان مالكا لمؤونة سنته بالفعل أو بالقوة؟ لا يبعد الثاني لاطلاق الاية الشريفة والقدر المتيقن من الاجماع خروج صورة عدم التمكن بوجه إلا أن يقال: المتمكن من نفقته لسنة غني، ولو لم يتمكن من اداء دينه فيشمل عموم قوله عليه السلام (لا تحل الصدقة لغني) له، وعلى فرض التعارض مع عموم الاية الشريفة يرجع إلى أصالة الحرمة في الاموال إن قلنا بها كما هو المعروف، ولا مجال للاستشهاد لعدم الحلية بما عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب المشيخة لابن محبوب عن أبي أيوب عن سماعة


(1) الكافي ج 3 ص 552 تحت رقم 1. (2) التهذيب ج 1 ص 362، تفسير القمى ص 274 وقد تقدم.

[ 68 ]

قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل منا يكون عنده الشئ يتبلغ به وعليه دين أيطعمه عياله حتى يأتيه الله بميسرة فيقضي دينه أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان وشدة المكاسب أو يقضي بما عنده دينه ويقبل الصدقة، قال: يقضي بما عنده و يقبل الصدقة) (1) لان الظاهر أن نظر السائل إلى أنه هل يقدم النفقة على الدين أو يقدم الدين؟ فأجيب بتقدم الدين، وأما اعتبار كون الدين في غير معصية الله فالظاهر عدم الخلاف فيه، واستدل له بالاخبار: منها ما عن تفسير على بن إبراهيم في تفسير الاية عن العالم عليه السلام في حديث (والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف فيجب على الامام عليه السلام أن يقضي عنهم ويفكهم من مال الصدقات. ومنها خبر الحسين بن علوان المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عليه السلام عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يقول يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كله ما بلغ إذا استدانوا في غير إسراف) (2). ومنها خبر محمد بن سليمان المروي في الكافي في باب الديون عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد قال: (سأل الرضا عليه السلام رجل وأنا أسمع فقال له: جعلت فداك إن الله عزوجل يقول: (فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (3) أخبرني عن هذه النظرة التي ذكره الله عزوجل في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لابد له من أن ينتظر وقد أخد مال هذا الرجل وأنفق على عياله وليس له غلة (4) ينتظر إدراكها. ولا دين ينتظر محله، ولا مال غائب ينتظر قدومه؟ قال: نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الامام عليه السلام فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل، فإن كان قد


(1) السرائر ص 472 وفي الوسائل أبواب المستحقين للزكاة ب 47 ح 1. (2) قرب الاسناد ص 146. (3) البقرة: 281. (4) الغل والغلة: الدخل من كراء دار أو أجر غلام أو فائده أرض.

[ 69 ]

أنفقه في معصية الله فلا شئ له على الامام، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه و هو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله عزوجل أم في معصيته؟ قال: يسعى له فيما له فيرده عليه وهو صاغر) (1). ولا يخفى أن الخبر الاول والاخير يستفاد منها اعتبار الصرف في طاعة الله، وقد يكون المال غير مصروف في طاعة الله ولا في معصية الله عزوجل فمع الاخذ بهذه الاخبار وانجبار السند بالعمل لابد من الاخذ بمضمونها إلا أن يدعى أن المراد من الانفاق في طاعة الله عدم الانفاق في معصيته عزوجل بقرينة ما بعده، وفيه إشكال كما لا مجال لدعوى المعارضة بين الشرطيتين فيرجع إلى عموم الاية الشريفة لان الظاهر أن شرطية الاولى ضابطة والثانية متفرعة عليها مضافا إلى أن الخبر الاول لم يذكر فيه الشرطية الثانية فلا مانع من الاخذ بها، نعم يمكن الاستدلال لما هو المشهور بالصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل عارف فاضل توفي وترك دينا لم يكن بمفسد و لا مسرف ولا معروف بالمسألة هل يقضى عنه من الزكاة الالف والالفان قال: نعم) (2) إلا أن يقال كما يقيد بصورة عدم وفاء تركته بالدين يقيد بكون الانفاق في طاعة الله، وأما مع الجهل بأن الانفاق في طاعة الله أو في معصيته، قيل: يمنع وقد نسب هذا القول إلى المشهور، وقيل: لا يمنع، وقد نسب إلى الاكثر، و استدل للاول بما في خبر محمد بن سليمان المتقدم من قوله قلت: فما لهذا الرجل إلى أن أجابه عليه السلام (يسعى له فيما له فيرده عليه وهو صاغر) وأجيب بمنع الدلالة حيث أنه بعد ما سمع من الامام عليه السلام أنه لو كان أنفقه في معصية الله لا شئ له على الامام عليه السلام تحير في حق صاحب الدين من أنه هل عليه أن يجوز عن حقه بعد العلم بعدم النفقة والدين والمال الغائب فسأل الامام عليه السلام فأجاب بما أجاب. وفيه نظر لان فرض السائل أن صاحب الدين ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفق و


(1) الكافي ج 5 ص 93 و 94 تحت رقم 5. (2) المصدر ج 3 ص 549 تحت رقم 2.

[ 70 ]

ليس مفروضه أنه أنفق في معصية الله وصاحب الدين لا يعلم، وفي هذه الصورة لا ينتظر بل يجب السعي إلا أن يستشعر من قوله (فيرده عليه وهو صاغر) ولا ظهور له يعتد به. وأما الاشكال بحسب السند فلعله في غير محله بعد الانجبار بالعمل والنقل من الكافي، واستدل أيضا بظهور الاخبار في اشتراط جواز الدفع من هذا السهم بكون الاستدانة في طاعة الله فما لم يحرز الشرط لم يجز الدفع لاصالة عدمه، و أجيب بأن المراد عدم كونه مصروفا في المعصية بملاحظة القرائن فيكون الصرف في المعصية مانعا عن الاستحقاق ومقتضى الاصل والظاهر عدمه، وفيه نظر لما سبق من أن ظاهر الادلة اعتبار الصرف في طاعة الله تعالى ومع فرض تسليم ما ذكر من أن المانع الصرف في معصية الله كيف يتمسك بالاصل مع عدم الحالة السابقة لان الاستظهار المذكور يرجع إلى أنه إن صرف الدين في معصية الله تعالى لا - يدفع إلى المدين سهم الغارمين والعدم الازلي لا يثبت عدم كون الدين مصروفا في المعصية وهذا العدم الذي يرجع إلى مفاد ليس الناقصة لا حالة سابقة له حتى يستصحب، نعم لا يبعد التمسك بأصالة الصحة في فعل المسلم لكنها مع تسليمها يشكل لما ذكر من أن ظاهر الادلة اعتبار الصرف في الطاعة والاصل بهذا المعنى لا يثبت الشرط، وثانيا لا مجال لها مع ما يستفاد من رواية محمد بن سليمان المتقدمة. { ويجوز مقاصة المستحق بدين في ذمته، وكذا لو كان الدين على من يجب الانفاق عليه جاز القضاء عنه، حيا أو ميتا. وفي سبيل الله، وهو كل ما كان قربة أو مصلحة كالجهاد والحج وبناء المساجد والقناطر. وقيل: يختص بالجهاد }. أما جواز المقاصة فيدل عليه أخبار منها ما رواه الكليني (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سألت أبا الحسن الاول عن دين لي على قوم


(1) الكافي ج 3 ص 558.

[ 71 ]

قد طال حبسه عندهم، لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة هل لي أن أدعه واحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم). وعن عقبة بن خالد قال: دخلت أنا والمعلى وعثمان بن عمران على أبي - عبد الله عليه السلام فلما رآنا قال: مرحبا بكم وجوه تحبنا ونحبها جعلكم الله معنا في الدنيا والاخرة، فقال عثمان: جعلت فداك فقال له أبو عبد الله عليه السلام: نعم فمه (1) قال: إنى رجل موسر فقال له: بارك الله لك في يسارك قال: ويجئ الرجل فيسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي فقال له أبو عبد الله عليه السلام القرض عندنا بثمانية عشر والصدقة بعشر وماذا عليك إذا كنت كما تقول موسرا أعطيته فإذا كان إبان زكاتك احتسبت بها من الزكاة يا عثمان لا ترده فإن رده عند الله عظيم - الحديث) (2). وفي الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة فقال: إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض من دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملا يتقلب فيها بوجهه فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه فلا بأس أن يقاصه بما أراد أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب بها فإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجوا أن يأخذ منه شيئا فليعطه من زكاته ولا يقاصه بشئ من الزكاة) (3)، والظاهر أن التفصيل المذكور في هذا الخبر محمول على الاستحباب بقرينة سائر الاخبار، والمراد بمقاصته به من الزكاة على ما فسره في المدارك وغيره هو احتسابه عليه من الزكاة الواجبة عليه. وعن الشهيدين - قدهما - تفسير المقاصة باحتسابها على الفقير أي عدها ملكه ثم أخذها مقاصة من دينه، وما في الموثق يوافق هذا المعنى لعطف الاحتساب


(1) الهاء للسكت وأصله (فما) أي فما تريد وما مطلبك. (2) الكافي ج 4 ص 34 تحت رقم 4. (3) المصدر ج 3 ص 558 تحت رقم 2.

[ 72 ]

بلفظ أو، وأما جواز القضاء عمن يجب الانفاق عليه فلا خلاف فيه ظاهرا، واستدل عليه بموثقة إسحاق بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل على أبيه دين ولابيه مؤونة أيعطي آباه من زكاته يقضي دينه؟ قال: نعم، ومن أحق من أبية) (1) ولا يخفى أنه لا يستفاد من هذه الموثقة القضاء عن الاب مع حياته بل دفع الزكاة إلى ليقضى دينه، وفي الحسن أو الصحيح عن زرارة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل حلت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دين أيؤدي زكاته في دين أبيه وللابن مال كثير؟ فقال: إن كان أورثة مالا ثم ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه قضاه عنه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه فإذا أداها في دين أبيه على هذا الحال أجزأت عنه) (2). ويمكن التمسك بالعمومات والقضاء من سهم الغارمين ولا ينافي ذلك الروايات الدالة على عدم جواز إعطاء الزكاة لابيه وأمه وغيرهما ممن وجبت نفقته عليه كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الاب والام والولد والمملوك والزوجة. وذلك أنهم عياله لازمون له) (3) لان المراد إعطاؤهم من حيث الفقر والحاجة إلى النفقة كما يدل عليه قوله عليه السلام (وذلك - الخ) فإن قضاء الدين لا يلزمه إتفاقا كما ادعاه في الجواهر. ومن مصارف الزكاة: في سبيل الله. وهو كل ما كان قربة أو مصلحة لعموم لفظ الكتاب العزيز والروايات الواردة مثل ما رواه على بن إبراهيم في تفسيره عن العالم عليه السلام قال: (وفي سبيل الله قوم يخرجون إلى الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به وفي جميع سبل الخير فعلى -


(1) الكافي ج 3 ص 553. تحت رقم 2 وفي مستطرفات السرائر ص 477. (2) الكافي ج 3 ص 553 تحت رقم 3. (3) المصدر ج 3 ص 552 تحت رقم 5.

[ 73 ]

الامام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد) (1). وصحيحة علي بن يقطين المروية عن الفقيه أنه قال لابي الحسن عليه السلام: (يكون عندي المال من الزكاة أفأحج به موالي وأقاربي؟ قال: نعم) (2). وأما التفسير، وبالجهاد فهو المحكى عن المقنعة والنهاية والمراسم ولم يعثر على دليل يدل عليه إلا مثل خبر يونس بن يعقوب المروي عن الكافي قال: (إن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات وكان لا يعرف هذا الامر فأوصى بوصية عند الموت وأوصى أن يعطى شئ في سبيل الله فسئل عنه أبو عبد الله عليه السلام كيف يفعل به فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الامر فقال: لو أن رجلا أوصى إلي بوصية أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما، إن الله عزوجل يقول: (فمن بدله بعد ما سمعه، فإنما إثمه على الذين يبدلونه) فانظر إلى من يخرج إلى هذا الوجه - يعني بعض الثغور - فابعثوا به إليه) (3) ولعل تخصيص هذا الوجه لكونه أحد المصاديق أو أفضلها مع أنه ليس بجهاد. { وابن السبيل وهو المنقطع به ولو كان غنيا في بلده، والضيف، ولو كان سفرهما معصية منعا }. من جملة المصارف للزكاة ابن السبيل المفسر بما ذكر ويدل عليه ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم عليه السلام قال: (وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الاسفار في طاعة الله فيقطع عليهم، ويذهب ما لهم فعلى الامام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات) (4) والمعروف اشتراط أن لا يكون السفر في معصية الله فالمسافر بالسفر المباح أيضا مشمول. ولا يخفى أنه خلاف


(1) تفسير القمى ص 274. التهذيب ج 1 ص 362 في حديث طويل. (2) الفقيه أبواب الزكاة تحت رقم 60 وفي الوسائل أبواب المستحقين للزكاة ب 42 ح 1. (3) الكافي ج 7 ص 14 تحت رقم 4. (4) التهذيب ج 1 ص 362 وتفسير القمى 274.

[ 74 ]

ظاهر الرواية، ولذا استشكل صاحب الحدائق مع الاعتراف بعدم موافق له إلا ما حكي عن ابن الجنيد وقد أشرنا إلى هذا في المسألة السابقة، وأيضا المعروف عدم اعتبار الفقر في بلده ولعله من جهة المقابلة في الاية الشريفة مع الفقراء والمساكين، ولقائل أن يقول مقتضى عموم قوله عليه السلام (لا تحل الصدقة لغني) (1) عدم الحلية لابن السبيل مع غناه في محله، ويمكن أن يكون التخصيص بالذكر من جهة اختصاصه بالحكم المذكور في الرواية حيث يظهر منها وجوب ردهم إلى أوطانهم كما أنه اعتبر في الغارمين الفقر، وفائدة التخصيص بالذكر شمول الحكم لصورة موت الغارم حيث لا يتصور فيها الاعطاء بعنوان الفقراء والمساكين والضيف كذلك إذا كان سفره مباحا على المشهور وكان محتاجا إلى الضيافة وتخصيصه بالذكر مع أنه من أفراد ابن السبيل الذي يشترط فيه الفقر والحاجة في سفره لنسبته في كلمات الفقهاء إلى رواية. { وأما الاوصاف المعتبرة في الفقراء والمساكين فأربعة: الاول الايمان: فلا يعطى كافر ولا مسلم غير محق، وفي صرفها في المستضعفين مع عدم العارف تردد أشبهه المنع، وكذا في الفطرة، ويعطى أطفال المؤمنين. ولو أعطى مخالف فريقه ثم استبصر أعادها. الثاني العدالة وقد اعتبرها قوم وهو أحوط واقتصر آخرون على مجانبة الكبائر. الثالث أن لا تكون ممن تجب نفقته كالابوين وإن علوا، والاولاد وإن سفلوا، والزوجة والمملوك، وتعطى باقي الاقارب }. أما اعتبار الايمان بمعنى الاسلام مع الاعتقاد بالاصول وقد يعبر بالاسلام مع الولاية للائمة الاثنى عشر عليه السلام. فالظاهر عدم الخلاف في اعتباره ويدل عليه النصوص الكثيره منها ما عن الكليني وابن بابويه - قدهما - في الصحيح عن زرارة وبكير والفضيل ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا (في الرجل يكون في بعض هذه الاهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية، ثم يتوب ويعرف هذا الامر ويحسن رأية أيعيد


(1) تقدم غير مرة.

[ 75 ]

كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه إعادة شئ من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شئ من ذلك غير الزكاة لابد أن يؤديها لانه وضع الزكاة في غير موضعها وإن موضعها أهل الولاية) (1) ومنها صحيحة بريد بن معاوية العجلى قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حج وهو لا يعرف هذا الامر - إلى أن قال -: وقال: كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلاله ثم من الله عليه وعرفه الولاية فإنه يؤجر عليه إلا الزكاة فإنه يعيدها لانه وضعها في غير موضعها) (2). وأما صرف الزكاة من سهم الفقراء والمساكين في المستضعفين مع عدم التمكن من إعطاء المؤمن فمقتضى الاطلاقات المنع. وقيل - كما حكى عن بعض - بالجواز واستدل له بخبر يعقوب بن شعيب الحداد عن العبد الصالح عليه السلام قال: قلت: له (الرجل منا يكون في أرض منقطعة كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في إخوانه وأهل ولايته، فقلت: وإن لم يحضره منهم فيها أحد؟ قال: يبعث بها إليهم، قلت: فان لم يجد من يحملها إليهم؟ قال: يدفعها إلى من لا ينصب، قلت: فغيرهم؟ قال: ما لغيرهم إلا الحجر) (3). واجيب بضعف السند والشذوذ. وأما زكاة الفطرة فنسب إلى الشيخ وأتباعه جواز صرفها فيهم لموثق الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان جدي يعطي فطرته الضعفاء ومن لا يجد ومن لا يتولى، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: هي لاهلها إلا أن لا تجدهم فإن لم تجدهم فلمن لا ينصب، ولا تنقل من أرض إلى أرض، وقال: الامام أعلم يضعها حيث يشاء ويصنع فيها ما يرى) (4).


(1) رواه الكليني في الكافي ج 3 ص 545 والصدوق في العلل ص 131 والشيخ في التهذيب ج 1 ص 364. (2) التهذيب ج 1 ص 449 في (وجوب الحج). (3) المصدر ج 1 ص 361. (4) الوسائل أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 3.

[ 76 ]

وصحيحة على بن يقطين (أنه سأل أبا الحسن الاول عليه السلام عن زكاه الفطرة أيصح أن تعطى الجيران والظؤره ممن لا يعرف ولا ينصب؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كان محتاجا) (1). وحكي عن الشيخ المفيد والسيد المرتضى وجمع من الاصحاب المنع مطلقا بل ربما نسب هذا القول إلى المشهور أخذا بإطلاق الاخبار الناهية عن دفعها إلى غير المؤمن وإطلاق صحيحة إسماعيل الاشعري عن الرضا عليه السلام قال: (سألته عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف؟ قال: لا ولا زكاة الفطر) (2) وحكي عن المصنف أنه قال: والرواية المانعة أشبه بالمذهب لما قررته الامامية من تضليل مخالفيها. وقد يقال بحمل الاخبار المجوزة على التقية، ولعله بملاحظة موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: (سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل ولايتي من فقراء جيراني؟ قال: نعم الجيران أحق بها لمكان الشهرة) (3). ولا يخفى أن الجمع مهما أمكن مقدم على الطرح، وحمل الموثقة من جهة ذيلها مع إطلاقها من حيث التمكن من إيصال زكاة الفطرة إلى أهل الايمان و عدمه على التقية لا يوجب حمل الاخبار الاخر المجوزة في خصوص حال عدم التمكن على التقية فلولا خوف مخالفة المشهور كان المتعين تقييد الاخبار الناهية بغيرها. وأما جواز إعطاء أطفال المؤمنين فلا خلاف فيه ظاهرا وتدل عليه أخبار مستفيضة منها رواية أبي بصير قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟ قال: نعم حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلكم عنهم، فقلت: إنهم لا يعرفون؟ فقال: يحفظ فيهم ميتهم ويجبب


(1) الفقيه باب الفطرة تحت رقم 19. (2) الكافي ج 3 ص 547 تحت رقم 6. والتهذيب ج 1 ص 363. (3) الكافي ج 4 ص 174 تحت رقم 19 وفى العلل ص 136 وفى التهذيب ج 1 ص 373.

[ 77 ]

إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم وإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم) (1). ورواية أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذرية الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما يعطى أبوهم حتى يبلغوا فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف اعطوا وإن نصبوا لم يعطوا) (2). ثم إنه قد يستشكل في المقام في إعطاء سهم الفقراء والمساكين إلى الاطفال دون الولي لعدم الاهلية للتملك، واحتمل الجواز من سهم الفقراء بدعوى أن الظاهر من تلك الادلة استحقاقهم للزكاة لا تمليكهم لها فالمقصود الايصال، قلت: ظاهر أخبار الباب إيصال الزكاة إلى نفس الاطفال من دون وساطة ولي، ومن أخبار الباب خبر يونس بن يعقوب المروي عن قرب الاسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا وطعاما و أرى ان ذلك خير لهم، قال: فقال: لا بأس) (3) بل قد يقوى شرعية معاملات الصبي التي لم يكن فيها إلزام والتزام كحيازة المباحات الاصلية، فكذا الشأن فيما يتناوله من وجوب الصدقات. وأما لزوم إعادة المخالف ما أعطاه فريقه فقد مر الاخبار الدالة عليه. وأما اعتبار العدالة فهو منقول عن المشايخ الثلاثة وأتباعهم بل نسب إلى المشهور بين القدماء شهرة عظمية، ونسب إلى جمهور المتأخرين أو عامتهم عدم اعتباره، واحتج لاعتبار العدالة بإجماع الطائفة وكل ظاهر من كتاب وسنة تضمن المنع من معونة الفاسق والاحتياط ولا يخفي الاشكال لعدم تحقق الاجماع الذي يكون كاشفا عن رضا المعصوم، ومن نظر إلى سيرة المعصومين عليهم السلام في معاملاتهم مع معاصريهم الذين لم يكونوا عدولا لم يشك في جواز معاونة من لم يكن عدلا بل لم يكن مؤمنا، نعم معاونة الفاسق في ما يرتكب من المعاصي مشمول للاية الشريفة (ولا تعاونوا


(1) و (2) الكافي ج 3 ص 548 تحت رقم 1، وص 549 تحت رقم 3. (3) قرب الاسناد ص 24.

[ 78 ]

على الاثم والعدوان) والاحتياط غير واجب مع الاطلاقات فلا مجال للاشكال في المسألة، واستدل للقول باعتبار اجتناب الكبائر بخبر داود الصرمي المروي عن الكافي قال: (سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟ قال: لا) (1) بدعوى عدم القول بالفصل بينه وبين غيره وأجيب بضعف الرواية بالاضمار وجهالة حال السائل مع أن المنساق من إطلاق شارب الخمر المد من في شربها مع أن عدم القول بالفصل غير معلوم. وأما اعتبار أن لا يكون ممن تجب نفقته على المالك فلا خلاف فيه مع القدرة على النفقة والبذل لها على الظاهر، ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيح عبد الرحمن خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الاب والام والولد والمملوك و لزوجة وذلك بأنهم عياله لازمون له) (2) وقال عليه السلام في خبر الشحام (3) في الزكاة (يعطى منها الاخ والاخت والعم والعمة والخال والخالة ولا يعطى الجد والجده). { الرابع: أن لا يكون هاشميا فإن زكاة غير قبيله محرمة عليه دون زكاة الهاشمي، ولو قصر الخمس عن كفايته جاز أن يقبل الزكاة ولو من غير الهاشمي، وقيل لا يتجاوز قدر الضرورة وتحل لمواليهم، والمندوبة لا تحرم على هاشمي ولا غيره، والذين يحرم عليهم الواجبة ولد عبد المطلب }. الظاهر عدم الخلاف في حرمة زكاة غير الهاشمي على الهاشمي ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيح العيص قال فيه: (إن أناسا من بنى هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله عزوجل للعاملين عليها فنحن أولى به فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، يا بنى عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكن قد وعدت الشفاعة، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لقد وعدها فما ظنكم يا بنى عبد المطلب إذا أخذت بحلقة باب


(1) الكافي ج 3 ص 563 تحت رقم 15. (2) تقدم عن الكافي. (3) التهذيب ج 1 ص 364 والكافي ج 3 ص 552.

[ 79 ]

الجنة أتروني مؤثرا عليكم غيركم) (1) وأما زكاة الهاشمي فتحل للهاشمي بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه الموثق قال زرارة: (قلت للصادق عليه السلام صدقات بني هاشم بعضهم على بعض تحل لهم؟ قال: نعم) (2) و (سأله أيضا الشحام عن الصدقة التي حرمت عليهم فقال: هي الزكاة المفروضة ولم تحرم علينا صدقة بعضنا على بعض) (3). وأما جواز قبول الزكاة مع قصر الخمس فهو المعروف وفي المدارك عن المنتهى أن فتوى علمائنا على جواز تناول الزكاة مع قصور الخمس عن كفايتهم ولم يذكر وجه لهذا الحكم يوثق به إلا موثق زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة إن الله جعل لهم في كتابه ما فيه سعتهم ثم قال: إن الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة، والصدقة لا تحل لاحد منهم إلا أن لا يجد شيئا ويكون ممن تحل له الميتة) (4). وهذه الرواية وإن كان ذيلها دالا على عدم الحلية إلا في صورة حلية الميتة لكن مقتضى صدرها أو سعية الامر من هذا، ومع ذلك فالاحتياط بالاقتصار على قدر الضرورة. وأما حلية الزكاة الواجبة لموالي الهاشميين أي عتقائهم فلا إشكال فيها و يدل عليها العمومات والاخبار الخاصة المتضمنة للصحيح والحسن وغيرهما و لعل التعرض من جهة ما في الموثق (مواليهم منهم ولا تحل الصدقة من الغريب لمواليهم، ولا بأس بصدقات مواليهم عليهم) (5). وحمله الشيخ - قده - تارة على كونهم مماليك، وأخرى على الكراهة و يحتمل الحمل على التقية لحكاية المنع في المنتهى عن بعض العامة.


(1) الكافي ج 4 ص 58 والتهذيب ج 1 ص 365 وقد تقدم. (2) التهذيب ج 1 ص 366. (3) التهذيب ج 1 ص 365 والاستبصار ج 2 ص 35. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 365، والاستبصار ج 2 ص 36 و 37.

[ 80 ]

وأما عدم حرمة الصدقة المندوبة على الهاشمي فالظاهر عدم الخلاف فيه و تدل عليه الاخبار: منها ما في خبر عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: (لو حرمت علينا الصدقة لم يحل أن نخرج إلى مكة لان كل ما بين مكة والمدينة فهو صدقة) (1) ومنها خبر الشحام عن الصادق عليه السلام (سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم فقال: هي الصدقة المفروضة المطهرة للمال - الخ) (2) وخبره الاخر عنه أيضا سألته عن الصدقة ألتي حرمت عليهم ما هي قال: فقال هي الزكاة المفروضة) (3) وما في خبر إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفري قال: (كنا نمر ونحن صبيان ونشرب من ماء في المسجد من ماء الصدقة فدعانا جعفر بن محمد عليهما السلام فقال: يا بني لا تشربوا من هذا الماء وأشربوا من ماء أبي) (4) يمكن حمله على ماء اشترى بمال الزكاة أو على ترجيح الشرب من ماء أبيه. وأما اختصاص التحريم بخصوص التحريم بخصوص ولد عبد المطلب دون عمه المطلب فالظاهر عدم الخلاف فيه إلا من الاسكافي والمفيد فألحقا به أخاه المطلب للموثق المتقدم و لعلة يستشعر من قوله صلى الله عليه وآله (إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم يا بنى عبد المطلب) الاختصاص والموثق المذكور نادر غير معمول به مع أنه لا ثمرة للبحث لعدم معلومية من ينتسب إليه في هذا الزمان بل لم نعلم من ذرية هاشم إلا العلويين. { واما اللواحق فمسائل الاولى: يجب دفع الزكاة إلى الامام عليه السلام إذا طلبها، ويقبل قول المالك لو ادعى الاخراج، ولو بادر المالك بإخراجها أجزأته، ويستحب دفعها إلى الامام عليه السلام ومع فقده إلى الفقيه المأمون من الامامية لانه أبصر بمواقعها }. إذا كان طلب الامام عليه السلام على وجه الايجاب يجب الدفع بلا خلاف لوجوب


(1) التهذيب ج 1 ص 356. (2) و (3) المصدر ج 1 ص 365 وفي الاستبصار ج 2 ص 35. (4) قرب الاسناد ص 75 وفيه (واشربوا من مائى) وهكذا في الوسائل. والظاهر أن (ماء أبى) تصحيف من النساخ في بعض نسخ الحديث.

[ 81 ]

أطاعته وحرمة مخالفته، وأما قبول قول المالك لو ادعى الاخراج، فالظاهر عدم الخلاف فيه بلا تكليف باليمين والبينة، قيل: لان ذلك حق له كما هو عليه و لا يعلم إلا من قبله، وجاز احتسابه من دين وغيره مما يتعذر الاشهاد عليه، وتدل عليه أيضا جملة من النصوص الواردة في آداب المصدق ففي الصحيح وغيره خطابا له (قل: يا عباد الله أرسلني إليكم ولي الله لاخذ منكم حق الله تعالى في أموالكم فهل لله تعالى في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فإن قال لك قائل: لا فلا تراجعه وإن أنعم لك منعم فانطلق معه - الحديث) (1). وفيما استدل به نظر فإنه كيف لا يعلم إلا من قبله مع إمكان الاشهاد، وعلى فرض تسليم الصغرى وتسليم الكبرى ما وجه سقوط اليمين غاية ما يدعى أن القول قوله، وأما الروايات الواردة في آداب المصدق فلعل الظاهر منها تصديق المالك في عدم تعلق الحق بماله لا في إخراج الحق عن ماله فإن تم الاجماع فهو وإلا يشكل سواء قلنا بالشركة أو بتعلق الحق بدون الشركة، ولو بادر المالك بالاخراج مع طلب الامام عليه السلام على نحو اللزوم قيل بإجزائه كما في المتن لان الزكاة بمنزلة الدين غاية الامر من جهة العبادية يحتاج إلى قصد القربة وقد تحققت والامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده. واستشكل بعض من جهة عدم التمكن من قصد القربة ولا نجد شبهة زائدة على شبهة اقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده. وأما استحباب الدفع إلى الفقية المأمون لما ذكر فيه إشكال، فإنه قد يكون المالك أبصر وهذه الجهة لا توجب الاستحباب وأما الاية الشريفة (خذ من أموالهم صدقة الخ) فلا يستفاد منها اعتبار هذه الجهة، وعلى فرض الاستفادة لا تكون دليلا بالنسبة إلى الفقيه لعدم دليل تدل على ثبوت مالهم للفقيه في زمان الغيبة. { الثانية يجوز أن يختص بالزكاة أحد الاصناف ولو واحد وقسمتها على


(1) تقدم عن الكافي وغيره.

[ 82 ]

الاصناف أفضل وإذا قبضها الامام عليه السلام أو الفقيه برئت ذمة المالك ولو تلفت. الثالثة لو لم يوجد مستحق استحب عزلها والايصاء لها }. الظاهر عدم الخلاف في عدم وجوب البسط وتدل عليه الاخبار قال أحمد ابن حمزة (1): (قلت لابي الحسن عليه السلام رجل من مواليك له قرابة كلهم يقول بك وله زكاة أيجوز أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال: نعم) (2) وقال زرارة: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل وجبت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دين أيؤدي زكاته في دين أبيه؟ فقال بعد كلام طويل: وإن لم يكن أورثه الاب مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه، فإذا أداها في دين أبيه على هذا الحال أجزأت عنه) (3) وفي المروي عن تفسير العياشي عن أبي مريم عن الصادق عليه السلام في قول الله عزوجل (إنما الصدقات للفقراء - الاية) فقال: (إن جعلتها فيهم جميعا وإن جعلتها لواحد أجزء عنك). فظهر مما ذكر أن المراد من الاية الشريفة بيان المصرف لا التشريك. وأما استحباب البسط فلم يظهر له وجه سوى تعميم النفع وليس فيه تخلص عن الخلاف لعدم الخلاف ظاهرا، وأما براءة الذمة مع قبض الامام أو نائبه الخاص فالظاهر عدم الخلاف فيه، واستدل بأن الوصول إليه بمنزلة الوصول إلى المستحق، ويمكن أن يقال: إن كان القبض من جهة الولاية بالنسبة إلى المصرف والمستحقين تم ما ذكر وإن كان من جهة الولاية بالنسبة إلى المالكين كأخذ الحاكم من مال الصغير المدين مقدار دينه فمع التلف وعدم الوصول إلى مصرفه يشكل حصول البراءة إلا أن يتمسك بالاخبار الدالة على عدم الضمان بعد الاخراج لكنه مع وجود المستحق والتأخير يشكل من جهة ما دل على الضمان في صورة التأخير مع وجود المستحق، وأما حصول البراءة بقبض الفقيه فمشكل لانه مبني على الولاية العامة للفقيه في زمان الغيبة، وفيها إشكال.


(1) الظاهر أنه احمد بن حمزة بن اليسع القمى الثقة. (2) الكافي ج 3 ص 532 تحت رقم 7. (3) المصدر ج 3 ص 523 تحت رقم 2.

[ 83 ]

وأما استحباب العزل والايصاء مع عدم المستحق فاستدل له بخبر أبي - حمزة عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن الزكاة تجب علي في موضع لا يمكنني أن أؤديها قال: اعزلها، فإن اتجرت بها فأنت لها ضامن ولها الربح وإن تويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك شئ، وإن لم تعزلها واتجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح ولا وضيعة عليها) (1) ويحتمل أن يكون الامر بالعزل للارشاد إلى عدم الضمان، ويمكن أن يقال: لا وجه للضمان مع عدم العزل وعدم الاتجار لانه أمانة شرعية، ويمكن أن يكون العزل بملاحظة تخليص المال وجواز التصرف في المال الذي تعلق به الزكاة، ثم إنه مع إدراك الوفاة لابد من الايصاء كغيرها من الامانات والديون بلا خلاف ظاهرا لتوقف الواجب عليه، ويمكن أن يقال: الواجب الاعلام بحيث لا يعامل مع الزكاة معاملة الاملاك ولا حاجة إلى الوصية فمع علم الورثة لا حاجة إلى الايصاء إلا أن يقال: ليس المقام مثل الديون التي يكفى أداؤها ولو لم يطلع المدين بل اللازم إسقاط التكليف المتعلق به بالمباشرة أو التسبيب. { الرابعة: لو مات العبد المبتاع بمال الزكاة ولا وارث له ورثه أرباب الزكاة وفيه وجه آخر هذا أجود. الخامسة: أقل ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الاول، وقيل ما يجب في الثاني، والاول أظهر ولا حد لاكثره فخير الصدقة ما أبقت غنى }. أما وراثة أرباب الزكاة للعبد المذكور فهو المشهور ويدل عليه الصحيح عن أيوب بن الحر (قلت لابي الحسن عليه السلام: مملوك يعرف هذا الامر الذي نحن عليه أشتريه من الزكاة وأعتقه؟ فقال: اشتره وأعتقه، قلت: فإن هو مات وترك مالا؟ قال: فقال: ميراثه لاهل الزكاة لانه اشتري بسهمهم) (2). وموثق عبيد بن زرارة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أخرج زكاة ماله


(1) الكافي ج 4 ص 60 وقد تقدم. (2) رواه الصدوق في علل الشرايع ص 130 وفى الوسائل أبواب المستحقين للزكاة. ب 43 ح 7.

[ 84 ]

ألف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه ونظر إلى مملوك يباع فيمن يريده فاشتراه بتلك الالف درهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز ذلك؟ قال: قال: نعم لا بأس بذلك، قلت: فإنه لما أعتق وصار حرا اتجر واحترف فأصاب مالا، ثم مات وليس له وارث، فمن يرثه إذا لم يكن له وارث؟ قال: يرثة الفقراء المؤمنين الذين يستحقون الزكاة لانه إنما اشتري بمالهم) (1) ولا تفصيل في هذه الرواية بين الاشتراء بسهم الفقراء أو سهم الرقاب فلا مجال للتفصيل كما يتعين وراثة الفقراء دون الاصناف وبه يرفع إجمال الرواية الاولى لاحتمالها أن يكون المراد من أهل الزكاة مجموع الاصناف فتأمل. وأما لزوم أن لا يعطى الفقير أقل مما يجب في النصاب الاول فاستدل عليه بصحيح أبي ولاد الحناط عن أبي عبد الله عليه السلام (سمعته يقول: لا يعطى أحد من الزكاة أقل من خمسة دراهم وهو أقل ما فرض الله من الزكاة في أموال المسلمين فلا تعطوا أحدا اقل من خمسة دراهم فصاعدا) (2) وخبر معاوية بن عمار وعبد الله ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا (لا يجوز أن يدفع الزكاة أقل من خمسة دراهم فإنها أقل الزكاة) (3). وفي قبالهما أخبار أخر منها حسن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن الصادق عليه السلام (ليس في ذلك شئ موقت) (4). وخبر محمد بن أبي الصهبان (كتبت إلى الصادق عليه السلام هل يجوز لي يا سيدي أن أعطي الرجل من إخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة الدراهم قد اشتبه ذلك علي؟ فكتب ذلك جائز) (5).


في بعض النسخ الحديث (بثمن يزيده) وفي الكافي كما في المتن وليست الجملة في المحاسن. (1) الكافي ج 3 ص 557. وفي المحاسن لابي عبد الله البرقى ص 305. (2) التهذيب ج 1 ص 366، والكافي ج 3 ص 548. (3) التهذيب ج 1 ص 366، والاستبصار ج 3 ص 38. (4) الكافي ج 3 ص 554 تحت رقم 8. (5) التهذيب ج 1 ص 366 والاستبصار ج 2 ص 38.

[ 85 ]

وصحيح محمد بن عبد الجبار (إن بعض أصحابنا كتب على يدي أحمد بن إسحاق إلى علي بن محمد العسكري عليه السلام أعطي الرجل من إخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة؟ فكتب: إفعل إن شاء الله) (1) وغيرها. والجمع بين هذه النصوص وما سبق يقتضي حمل ما سبق على الكراهة لا على عدم الاجزاء، ثم إن ظاهر الخبرين الاولين كفاية خمسة دراهم مطلقا ولو كان المال ذهبا أو غيره، واحتمل ملاحظة النصاب الاول في كل جنس كما احتمل أن يكون مخصوصا بخصوص الذهب والفضة، وما ذكر أولا هو الاظهر كما لا يخفى وأما عدم الحد لاكثره مع الاعطاء دفعة فقد صرح به غير واحد واستفاضت به النصوص. { السادسة: ويكره أن يتملك ما أخرجه في الصدقة اختيارا، ولا بأس بعوده إليه بميراث وبشبههه. السابعة: إذا قبض الامام أو الفقيه الصدقة دعا لصاحبها استحبابا على الاظهر. الثامنة: يسقط مع غيبة الامام سهم السعاة والمؤلفة وقيل: يسقط معهما سهم السبيل، وعلى ما قلنا لا يسقط. التاسعة: ينبغى أن يعطى زكاة الذهب والفضة أهل المسكنة وزكاة النعم اهل التجمل والتوصل إلى المواصلة بها من يستحيي من قبولها أفضل }. أما كراهة تملك ما أخرجه في الصدقة فقد ذكر في وجهها أمور لا تفيد الكراهة إلا ان المعروف عندهم الكراهة، بل قيل: لا خلاف فيها. وأما جوازها فلا إشكال فيه وادعي عليه الاجماع. وأما الدعاء فالمعروف استحبابها لما في الاية (وصل عليهم - الاية). وقيل: بالوجوب وبعد ثبوت الوجوب على النبي صلى الله عليه وآله بظاهر الاية الشريفة يثبت الوجوب للفقيه للتأسي، وعدم الوجوب على الفقير إجماعا لا ينفى الوجوب على الفقيه في زمان الغيبة، ولا يخفى أنه مع عدم ثبوت الولاية العامة للفقيه لا مجال لما ذكر لان حال الفقيه كحال سائر الناس.


(1) الفقيه أبواب الزكاة تحت رقم 9.

[ 86 ]

وأما سقوط سهم السعاة والمؤلفة مع غيبة الامام عليه السلام فمع عدم الحاجة كما في هذه الازمنة فلا خلاف فيه، ولا إشكال وأما مع الحاجة فلا وجه للسقوط. وأما سقوط سهم السبيل فمبنى على تفسير السبيل بالجهاد الغير الواجب أو الغير المشروع في زمان الغيبة، أما لو فرض لزومه كما لودهم والعياذ بالله المسلمين عدو يخاف منه، أو فسر بما هو أعم كما سبق فلا وجه لسقوطه. وأما تخصيص زكاة النعم بأهل التجمل فللنص معللا بأن أهل التجمل يستحيون من الناس فيدفع إليهم أجل الامرين عندهم والتوصل إلى المواصلة من يستحيي من قبولها أيضا للنص فيوصل إليه هدية ويحتسب عليه بعد وصولها إلى يده أو يد وكيله مع بقاء عينها. { القسم الثاني } { في زكاة الفطرة وأركانها أربعة: الاول فيمن تجب عليه: إنما تجب على البالغ العاقل الحر الغني، ويخرجها عن نفسه وعياله من مسلم وكافر و حر وعبد صغير وكبير ولو عال تبرعا. وتعتبر النية في أدائها، وتسقط عن الكافر لو أسلم، وهذه الشروط تعتبر عند هلال شوال. أما اعتبار البلوغ والعقل فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بحديث رفع القلم (1) وتكليف الولي لا دليل عليه فالاصل براءة ذمته. وفي الصحيح عن محمد بن القاسم بن الفضل البصري (كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الوصي يزكي زكاة الفطرة عن اليتامى؟ فكتب عليه السلام: لا زكاة على يتيم، وعن المملوك يموت مولاه وهو عنه غائب في بلد آخر وفي يده مال لمولاه ويحضر الفطر يزكي عن نفسه من مولاه وقد صار لليتامى؟ قال: نعم) (2) وذيل المكاتبة غير معمول به لمخالفته للقواعد. وأما اعتبار الحرية فالظاهر عدم الخلاف فيه وقد يقال في وجه الاعتبار:


(1) الكافي ج 2 ص 463 باب ما رفع عن الامامة. (2) الكافي ج 3 ص 541 تحت رقم 8 صدره. وج 4 ص 172 تحت رقم 12 بتمامه.

[ 87 ]

إنه إن قلنا بأنه لا يملك فوجه الاعتبار واضح، وإن قلنا بأنه يملك فإطلاق معاقد الاجماعات يكفي في نفي الوجوب كإطلاق ما دل على أن زكاته على مولاه، وفيه تأمل فإن الوجوب إن كان بمعنى الالزام الفعلي بالتأدية من ملكه تم ما ذكر وإن كان بمعنى اشتغال الذمة ولو لم يصح الالزام الفعلي لعدم القدرة فلا مانع منه كما لو أتلف مال الغير. وأما إطلاق ما دل على أن زكاته على مولاه فهو مخصوص بما لو كان مولاه ممن تجب عليه الزكاة، وأما لو كان مولاه صغيرا أو مجنونا فلا تجب على مولاه. وأما اشتراط الغنى فادعي عليه الاجماع وتدل عليه الاخبار، منها الصحيح عن الحلبي (أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يأخذ من الزكاة عليه صدقة الفطرة؟ قال: لا) (1). وفي الصحيح عن صفوان بن يحيى عن إسحاق بن عمار (قلت لابي إبراهيم عليه السلام: على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: ليس عليه فطرة) (2). وفي قبال ما ذكر أخبار اخر: منها خبر الفضيل بن يسار (قلت لابي - عبد الله عليه السلام: أعلي من قبل الزكاة زكاة؟ فقال: أما من قبل زكاة المال فإن عليه زكاة الفطرة وليس عليه لما قبله زكاة وليس على من يقبل الفطرة فطرة) (3) ونحوه خبر زرارة، وفي خبر زرارة (قلت: الفقير الذي يتصدق عليه هل يجب عليه صدقة الفطرة؟ قال: نعم يعطى مما يتصدق به عليه) وهي محمولة على الاستحباب جمعا بينها وبين الاخبار السابقة. وأما لزوم الاخراج عن نفسه وعياله مع اجتماع الشرائط فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه النصوص ففي خبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك فعليك أن تؤدي الفطرة عنه) (4)


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 369 والاستبصار ج 2 ص 40. (2) التهذيب ج 1 ص 369 و 373 والاستبصار ج 1 ص 41 ورواه المفيد في المقنعة عن الفضيل وزرارة عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام بنحوه (4) التهذيب ج 1 ص 369 والكافي ج 4 ص 170.

[ 88 ]

وفي صحيح عمر بن يزيد (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر يؤدي عنه الفطرة؟ فقال: نعم الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو أنثى صغير أو كبير حر أو مملوك) (1) وفي مرفوعة محمد ابن أحمد بن يحيى عن الصادق عليه السلام أيضا (يؤدي الرجل زكاته عن مكاتبه ورقيق أمراته وعبده النصراني والمجوسي ولما أغلق عليه بابه) (2) قال المصنف - قده - في المعتبر: (وهذا وإن كان مرسلا إلا أن فضلاء الاصحاب أفتوا بمضمونه). وقد يخالف مضمون هذه الاخبار صحيح ابن الحجاج (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلا أنه يتكلف له نفقته وكسوته أتكون عليه فطرته؟ قال: لا إنما تكون فطرته على عياله صدقة دونه، وقال: العيال الولد والمملوك والزوجة وأم الولد) (3). وقد اختلف كلمات الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم في قدر الضيافة الموجبة لاذاء الفطرة ويمكن أن يقال: الذي يظهر من صحيح عمر بن يزيد المذكور الذي ذكر فيه الضيف أن المدار على العيلولة، وصدره وإن كان يستفاد منه أن الضيف مطلقا يجب فطرته لكنه بملاحظة ذيله يتقيد بمن كان محسوبا من العيال، فمع صدق العيلولة تجب الفطرة ومع عدمه لا تجب، وبه يقيد إطلاق قوله عليه (وكل من ضممت إلى عيالك) وقوله (لما أغلق عليه بابه) وعلى هذا فلا وجه لطرح صحيح ابن الحجاج، وإن أبيت نقول تقع المعارضة فالمرجع أصالة البراءة في صورة عدم صدق العيلولة، بل ومع الشك في صدقها لعدم إطلاق في الضيف. وأما اعتبار النية في أدائها فلكونها من العبادات بلا ريب. وأما سقوطها إذا أسلم فلان الاسلام يجب ما قبله كالصلاة والصوم ولا


(1) الكافي ج 4 ص 173 تحت رقم 16، والتهذيب ج 1 ص 445. باب زيادات الصوم. (2) الكافي ج 4 ص 174 تحت رقم 20 وفيه (ما أغلق) وكذا في الوسائل. (3) الفقيه باب الفطرة تحت رقم 21.

[ 89 ]

ينافي السقوط كون الكافر مكلفا بالفروع كالاصول وكونه معاقبا على ترك الفروع لتمكنه قبل الوقت من الاسلام. وأما اعتبار الشروط المذكورة عند هلال شوال بل قبل هلال شوال فلا خلاف فيه ظاهرا بل ادعي عليه الاجماع مضافا إلى صحيح معاوية بن عمار أو خبره عن أبي عبد الله عليه السلام (في المولود ولدليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر؟ قال: ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر) (1). وفي خبره الاخر (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ولدليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: لا قد خرج الشهر، قال: وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: لا) (2) ولا يخفى أنه لولا الاجماع لاشكل استفادة الحكم مما ذكر لان غاية ما يستفاد من مثل هذين الخبرين أن المدار على أدراك الشهر ومع الاسلام بعد خروج الشهر لا يجب، وإدراك الشهر ولو بإدراك بعضه يشمل ما لو صار غنيا في أثناء الشهر أو أوله، ثم صار فقير قبل رؤية هلال شوال، وكذا الكلام في مثل الجنون وقد يقع الاشكال فيما لو تأخر رؤية الهلال عن أول الليل وقد بلغ أول الليل قبل رؤية الهلال فإن كان أول الليل قبل رؤية الهلال محسوبا من رمضان يصدق عليه إدراك الشهر وإن كان محسوبا من شوال يصدق عليه أنه ما أدرك الشهر. { فلو أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو ملك الفقير القدر المعتبر قبل الهلال وجبت الزكاة، ولو كان بعده لم يجب وكذا لو ولد له أو ملك عبدا ويستحب لو كان ذلك ما بين الهلال وصلاة العيد، والفقير مندوب إلى إخراجها عن نفسه وعن عياله وإن قبلها، ومع الحاجة يدير على عياله صاعا ثم يتصدق به على غيرهم }. أما التفريع المذكور فقد ظهر وجهه. وأما استحباب الزكاة لو كان ذلك بين الهلال وصلاة العيد فهو المحكي عن الاكثر للمرسل في التهذيب (أن من ولد له قبل الزوال يخرج عنه الفطرة وكذلك


(1) الفقيه باب الفطرة تحت رقم 12. (2) التهذيب ج 1 ص 369 والكافي ج 4 ص 172 تحت رقم 12.

[ 90 ]

من أسلم قبل الزوال) (1) وخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عما يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة؟ قال: يصدق عن جميع من يعول من حر أو عبد، صغير أو كبير، من أدرك منهم الصلاة (2) المحمولين على الاستحباب جمعا بينهما وبين ما سبق. ولا يخفى الاشكال في استفادة الاستحباب بالنسبة إلى جميع ما يعتبر في زكاة الفطرة من الخبرين. وقد يستشكل في المقام بأنه مع تسلم أن وقت الوجوب رؤية هلال شوال ووقت الاخراج يوم العيد قد يقع الموت أو غيره مما لا يتمكن الانسان معه من الاخراج يوم العيد فكيف يتصور التكليف بما ليس بمقدور. والجواب أن المراد من الوجوب مع اجتماع الشرائط اشتغال الذمة كسائر الديون، ولو لم يتمكن من الاخراج فلو مات المكلف بإخراج زكاة الفطرة قبل طلوع الفجر من يوم العيد يخرج الوصي أو الوارث من تركته، وكذلك الكلام في زكاة الاموال. وأما استحباب إخراج الفقير زكاة الفطرة عن نفسه وعياله فقد سبق الكلام فيه حسب ما دل عليه. وأما استحباب الادارة مع الحاجة فيدل عليه موثق إسحاق بن عمار (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل لا يكون عنده شئ من الفطرة إلا ما يؤدي عن نفسه وحدها، يعطيه غريبا أو يأكل هو وعياله؟ قال: يعطي بعض عياله، ثم يعطي الاخر عن نفسه فقيرا دونها [ يرددونها خ ل ] فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة) (3) و هذه الرواية لا ظهور لها في التصدق بالصاع بعد التردد إلى الغير كما لا ظهور لها في رد الاخر إلى الاول. { الثاني في جنسها وقدرها والضابط إخراج ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز والاقط واللبن، وأفضل ما يخرج التمر


(1) المصدر ج 1 ص 369. (2) الفقيه باب الفطرة تحت رقم 23. (3) الكافي ج 4 ص 172. تحت رقم 10، والفقيه باب الفطرة تحت رقم 6.

[ 91 ]

ثم الزبيب ويليه ما يغلب على قوت بلده وهي من جميع الاجناس صاع، وهو تسعة أرطال بالعراقي. ومن اللبن أربعة أرطال، وفسره قوم بالمدني، ولا تقدير في عوض الواجب بل يرجع إلى القيمة السوقية }. ولنذكر الاخبار الراجعة إلى تعيين الجنس والقدر، فمنها مرسل يونس عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: (جعلت فداك على أهل البوادي الفطرة؟ قال: فقال: الفطرة على كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت) (1). ومنها خبر زرارة وابن مسكان عنه أيضا (الفطرة على كل قوم مما يغذون عيالاتهم لبن أو زبيب أو غيره) (2). ومنها خبر إبراهيم بن محمد الهمداني (اختلفت الروايات في الفطرة فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام أسألة عن ذلك فكتب إلى الفطرة صاع من قوت بلدك، على أهل مكة واليمن والطائف وأطراف الشأم واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والاهواز وكرمان تمر، وعلى أوساط الشأم زبيب، وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها بر أو شعير وعلى أهل طبرستان الارز، وعلى أهل خراسان البر إلا أهل مرو والري فعليهم الزبيب وعلى أهل مصر البر، ومن سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم، ومن سكن البوادي من الاعراب فعليهم الا قط) (3). وفي خبر حماد وبريد ومحمد بن مسلم عن الصادقين عليهما السلام (سألناهما عن زكاة الفطرة قالا: صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو نصف ذلك كله حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت) (4) وفي صحيح الحذاء عن الصادق عليه السلام (صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من ذرة) (5).


(1) الكافي ج 4 ص 173 تحت رقم 14. (2) التهذيب ج 1 ص 370 والاستبصار ج 2 ص 43. (3) التهذيب ج 1 ص 371 والاستبصار ج 2 ص 44. (4) التهذيب ج 1 ص 371 والاستبصار ج 2 ص 43. (5) العلل ص 136. وفي التهذيب 1 ص 372 والاستبصار ج 2 ص 48.

[ 92 ]

ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان الجمال قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة؟ فقال: على الصغير والكبير والحر والعبد عن كل إنسان صاع من حنطة أو صاع من تمر أو صاع من زبيب) (1). وفي الصحيح عن سعد بن سعد الاشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (سألته عن الفطرة كم تدفع عن كل رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؟ قال: صاع بصاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم) (2). وفي الصحيح عن الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (صدقة الفطرة عن كل رأس من اهلك الصغير والكبير والحر والمملوك والغني والفقير عن كل إنسان صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو صاع من زبيب لفقراء المسلمين) (3). وفي الصحيح عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: (زكاة الفطرة صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من أقط عن كل إنسان حر أو عبد، صغير أو كبير وليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج) (4). والذي يقتضيه الجمع بين الاخبار ما هو المشهور بين المتأخرين وهو إخراج ما كان قوتا غالبا من دون تخصيص بالاربعة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ولا السبعة بإضافة الارز والاقط واللبن عليها كما عن الشيخ في الخلاف، ومن دون تخصيص لكل قوم بقوتهم لان ظهور بعضها في التخصيص يرفع اليد عنه بغيره وإن التخصيص من باب التمثيل، ولعل وجه تخصيص كل قوم بقوتهم لتسهيل الامر بقرينة سائر الاخبار أو من باب الاستحباب لدعوى الاجماع على عدم الوجوب وأما أفضلية التمر فلقول الصادق عليه السلام (التمر في الفطرة أفضل من غيره لانه أسرع منفعة وذلك أنه إذا وقع في يد صاحبه أكل منه) (5).


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 171 تحت رقم 2 و 5. وفي الفقيه باب الفطرة تحت رقم 1 و 2. (3) التهذيب ج 1 ص 369 والاستبصار ج 2 ص 42. (4) التهذيب ج 1 ص 370. (5) الكافي ج 4 ص 171 تحت رقم 3. (*

[ 93 ]

وقوله أيضا في خبر زيد الشحام: (لان أعطي صاعا من تمر أحب إلي من أن أعطي صاعا من ذهب في الفطرة) (1) ومقتضى التعليل المذكور مساواة الزبيب للتمر. وظهر مما ذكر وجه فضل إخراج كل إنسان ما يغلب على قوته وإن أشكل وجه الترتيب المذكور والامر سهل. وأما تعيين المقدار المخرج بالصاع فالظاهر عدم الخلاف فيه وادعي عليه الاجماع ودل عليه النصوص فما في صحيح الحلبي وصحيح الفضلاء (2) من الاجتزاء بنصف صاع من حنطة أو شعير وكذا ما في غيرهما مطرح أو محمول على التقية كما جزم به في التهذيبين، ويشهد له بعض الاخبار وقد بين سابقا أن الصاع تسعة أرطال بالعراقي. وأما تعيين المقدار في اللبن بأربعة أرطال فلما في مرفوع القاسم (أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل في البادية لا يمكنه الفطرة؟ قال: يتصدق بأربعة أرطال من لبن) (3) وفسره قوم بالمدني لمكاتبة ابن الريان إلى الرجل (يسأله عن الفطرة وزكاتها كم تؤدى؟ فقال: أربعة أرطال بالمدني) (4). ولا يخفى أن هذه المكاتبة إن أخذ بإطلاقها فهو مخالف للمقطوع به نصا و فتوى، وتخصيصها بخصوص اللبن تخصيص بشيع فلا مجال للاخذ بها، والمرفوع المذكور يشكل الاخذ به مع أن مورد السؤال من لا يمكنه الفطرة، ومخالفته للاطلاقات خصوصا خبر جعفر بن معروف قال: (كتبت إلى أبي بكر الرازي في زكاة الفطرة وسألناه أن يكتب في ذلك إلى مولانا يعني علي بن محمد الهادي عليهما السلام فكتب أن ذلك قد خرج لعلي بن مهزيار أنه يخرج من كل شئ التمر والبر و غيره صاع وليس عندنا بعد جوابه عليا في ذلك اختلاف) (5).


(1) التهذيب ج 1 ص 372 والمقنعة ص 40. (2) راجع الوسائل أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 12 و 14. (3) التهذيب ج 1 ص 370 والاستبصار ج 2 ص 42. (4) التهذيب ج 1 ص 372 والاستبصار ج 2 ص 49. (5) التهذيب ج 1 ص 371 والاستبصار ج 2 ص 47.

[ 94 ]

وأما الاجتزاء بالقيمة السوقية مع التمكن من الانواع فاظاهر عدم الخلاف فيه بل أدعي عليه الاجماع وتدل عليه النصوص: قال محمد بن إسماعيل بن بزيع: (بعثت إلى الرضا عليه السلام بدراهم لي ولغيري وكتبت له أنها من فطره العيال؟ فكتب بخطه: قبضت وقبلت) (1) وفي موثقة إسحاق (لا بأس بالقيمة في الفطرة) (2) والظاهر انصراف القيمة إلى التقدين بل في كل عصر ما هو القيمة للاجناس وإن لم يكن من الذهب والفضة المسكوكين وإن كان قد يقوي مماثلة زكاة الفطرة مع زكاة المال. { الثالث في وقتها: ويجب بهلال شوال، ويتضيق عند صلاة العيد، ويجوز تقديمها في شهر رمضان ولو من أوله أداء، ولا يجوز تأخيرها عن الصلاة إلا لعذر أو انتظار المستحق وهي قبل صلاة العيد فطرة وبعدها صدقة. وقيل: يجب القضاء وهو أحوط }. أما الوجوب بهلال شوال فلخبر معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام (في الولد يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر عليهم فطرة؟ قال: ليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر) (3). وصحيحه الاخر عنه أيضا (سألته عن مولود ولد ليلة الفطر عليه الفطرة؟ قال: لا قد خرج الشهر. وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: لا) (4). ولا يخفى الاشكال حيث أنه لا يستفاد مما ذكر إلا أنه لابد من أدراك الشهر وعدم الوجوب مع عدم إدراك الشهر وهذا يلائم مع الوجوب قبل انقضاء الشهر ومع الوجوب يوم العيد نظير الاستطاعة الموجبة لاعمال الحج في المواسم، ويوافق هذا صحيح العيص بن القاسم (سألت الصادق عليه السلام عن الفطرة متى هي؟ فقال: قبل الصلاة


(1) الكافي ج 4 ص 174 تحت رقم 22 والفقيه باب الفطرة تحت رقم 26. (2) التهذيب ج 1 ص 373 و 370 والاستبصار ج 2 ص 50. (3) الفقيه باب الفطرة تحت رقم 12. (4) التهذيب ج 1 ص 369 و 455 باب زيادات الصوم. والكافي ج 4 ص 172. تحت رقم 12.

[ 95 ]

يوم الفطر، قلت: فإن بقي منه شئ بعد الصلاة؟ قال: لا بأس نحن نعطي عيالنا منه ثم يبقى فنقسمه) (1). وأما صحيح الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: (على الرجل أن يعطى عن كل من يعول من حر أو عبد وصغير وكبير يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل وهو في سعة أن يعطيها في أول يوم يدخل في شهر رمضان.. الحديث) (2) فالظاهر منه الافضلية بالنسبة إلى السعة المذكورة لا الافضلية بالنسبة إلى ليلة العيد، فمع عدم الالتزام به كيف يوجب التصرف في صحيح العيص المذكور بحمله على الفضل بالنسبة إلى ليلة العيد. وأما جواز تقديمها في شهر رمضان ولو من أوله فالدليل عليه صحيح الفضلاء المذكور مع حمل صحيح العيص المذكور على الفضل ولابد حينئذ من الالتزام باعتبار الشرائط إلى رؤية الهلال هلال شوال حيث ادعي عدم الخلاف في اعتبارها على نحو اعتبار الشرط المتأخر. وأما عدم جواز التأخير عن صلاة العيد فهو المعروف، واستدل عليه بما في الصحيح عن معاوية بن عمار عن إبراهيم بن ميمون قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: الفطرة إن اعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهى فطرة، وإن كان بعد ما تخرج إلى العيد فهي صدقة) (3). وخبر عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال فيه: (وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل وبعد الصلاة صدقة) (4) وصحيح الفضلاء (5) وما رواه السيد بن طاووس في كتاب الاقبال (6) قال: روينا بإسنادنا إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: (ينبغي


(1) التهذيب ج 1 ص 370 والاستبصار ج 2 ص 44. (2) التهذيب ج 1 ص 370 والاستبصار ج 2 ص 43. (3) الكافي ج 4 ص 171 تحت رقم 4 والتهذيب ج 1 ص 370. (4) الكافي ج 4 ص 170 تحت رقم 1 والتهذيب ج 1 ص 369. (5) صحيح الفضلاء رواه الشيخ وقد تقدم. (6) ص 283.

[ 96 ]

أن يودي الفطرة قبل أن يخرج الناس إلى الجبانة فإذا أداها بعد ما رجع فانما هي صدقة وليست صدقة). وما عن تفسير العياشي عن سالم بن مكرم الجمال عن الصادق عليه السلام (إعطاء الفطرة قبل الصلاة وهو قول الله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإن لم يعطها حتى ينصرف من صلاته فلا تعد له فطرة) (1). ولا يخفى الاشكال في استفادة حرمة التأخير مما ذكر بل ظاهر صحيح العيص المتقدم جواز التأخير، والحمل على صورة العزل قبل الصلاة خلاف الظاهر لا شاهد عليه خصوصا مع عدم الصلاة غالبا في زمان الغيبة، والاحتياط طريق النجاة. وأما جواز التأخير لعذر أو انتظار المستحق فمع العزل لا إشكال فيه وتدل عليه النصوص قال إسحاق بن عمار في الصحيح: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة قال: إذا عزلتها فلا يضرك متى أعطيتها) (2) وقال زرارة في الصحيح عنه أيضا (سألته عن رجل أخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها أهلا؟ فقال: إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ وإلا فهو ضامن حتى يؤديها) (3). ومرسل ابن أبي عمير عنه عليه السلام أيضا في الفطرة (إذا عزلتها وأنت تطلب لها الموضع أو تنتظر لها رجلا فلا بأس به) (4). وأما مع عدم العزل كما هو مقتضى إطلاق المتن فمشكل بناء على حرمة التأخير مع التمكن من العزل. وأما كونها فطرة واجبة قبل صلاة العيد وبعدها صدقة مندوبة فهو مضمون صحيح معاوية بن عمار وخبر عبد الله بن سنان المذكورين لكن ظهورهما في كونها صدقة مندوبة محل إشكال بحيث كان التكليف ساقطا كما سبق الكلام بل يقرب أن يراد نفي الكمال وتنزيل الفطرة منزلة الصدقة ولعله بهذه الملاحظة قال بعد نقل القول بوجوب القضاء: وهو أحوط.


(1) الوسائل أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 8. (2) التهذيب ج 1 ص 370 والاستبصار ج 2 ص 45. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 370 والاستبصار ج 2 ص 45.

[ 97 ]

وأما وجوب القضاء فقد يستدل له بأن نصوص التوقيت لا صراحة فيها في التوقيت على وجه ينتفى التكليف بانتفائه بل أقصاها الوجوب فيمكن حينئذ كونه تكليفا آخر زائدا على أصل وجوب الفطرة، وفيه إشكال لان ما ذكر يتصور فيما لو كان هناك مطلقات ومقيدات لا إطلاق لها في التقييد ومع إطلاق المقيدات لاوجه للاخذ بتلك المطلقات، ولا مجال مع ذلك للاستصحاب مع قطع النظر عن الاشكال في جريان الاستصحاب في أمثال المقام. { وإذا عزلها وأخر التسليم لعذر لم يضمن لو تلفت ويضمن لو أخر مع إمكان التسليم ولا يجوز نقلها مع وجود المستحق ولو نقلها ضمن ويجوز مع عدمه ولا يضمن }. أما عدم الضمان مع العزل والتأخير لعذر فقد علل بأنها أمانة في يده فلا يضمنها إلا بتعد أو تفريط، وفيه تأمل لان غاية ما يستفاد من أخبار العزل أنه لا ضرر من جهة التأخير بعد العزل وتعين الفطرة في العين المعزولة، وأما كونها بمنزلة إقباض الحاكم الموجب لسقوط التكليف وكونها أمانة شرعية فلا، وعلى فرض كونها أمانة شرعية ما وجه الضمان مع التأخير مع إمكان التسليم لظهور قوله عليه السلام على المحكى في صحيح إسحاق بن عمار المذكور (فلا يضرك متى اعطيتها) في جواز التاخير ولو في الجملة، وأما صحيح زرارة المذكور فإن حمل قوله عليه السلام على المحكي (إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ) على العزل، فمقتضى إطلاقه عدم الضمان بقول مطلق فالضمان المذكور في قباله يكون عبارة عن لزوم الاداء حتى بعد الوقت على خلاف ما يقال من سقوط التكليف مع التأخير عن الوقت وإن حمل على التسليم بعد العزل فالمستفاد منه الضمان بقول مطلق وجد المستحق أم لا، نعم ادعي عدم الخلاف نصا وفتوى مع تأخير الدفع بعد العزل مع الامكان في الضمان لما ذكر في الزكاة المالية فإن تم الاجماع أو إطلاق للاخبار الواردة في الزكاة المالية وإلا فالاشكال باق مع الالتزام بأن اليديد أمانة، ومع الاشكال لابد من أداء الواجب.

[ 98 ]

ويمكن الاستدلال للضمان بصحيحة زرارة (عن رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت فقال: ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان، قلت: فإن لم يجد لها أهلا ففسدت وتغيرت أيضمنها؟ قال: لا ولكن إذا عرف لها أهلا فلم يدفعها فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يدفها [ يخرجها خ ل ]) (2). وأما عدم جواز النقل مع وجود المستحق فالكلام فيه هو الكلام في الزكاة المالية وقد يستدل لجواز النقل بالصحاح المتضمنة لبعث الفطرة إلى الامام و قبضه وقبوله وقد يستدل لعدم جواز النقل بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن عيسى قال: (حدثني علي بن بلال وأراني قد سمعت من علي بن بلال قال: كتبت إليه هل يجوز أن يكون الرجل في بلدة ورجل آخر من إخوانه في بلدة أخرى محتاج أن يوجه له فطرة أم لا؟ فكتب يقسم الفطرة على من حضر ولا يوجه ذلك إلى بلدة أخرى وإن لم يجد موافقا) (2) وما عن الفضيل في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان جدي عليه السلام يعطي فطرته الضعفة ومن لا يجد ومن لا يتولى، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: هي لاهلها إلا أن لا تجدهم فإن لم تجدهم فلمن لا ينصب، ولا ينقل من أرض إلى أرض وقال: الامام أعلم يضعها حيث يشاء ويصنع فيها ما يرى) (3) ولعل الاقرب حمل الخبرين على الاستحباب وكراهة النقل إلا في صورة البعث إلى الامام، ولابد من تقييد ما دل على عدم التوجيه وعدم النقل بغير صورة البعث إلى الامام عليه السلام لانه لو لم نقل بعدم الجواز فلا أقل من الكراهة، ولا تجتمع الكراهة مع رجحان البعث إلى الامام عليه السلام، فإن كان لما ذكر ظهور في عدم الجواز فلا مجال لرفع اليد عن الظهور من جهة الصحاح الدالة على البعث بل لابد من التخصيص فالاحوط عدم النقل. وأما الضمان مع وجود المستحق وعدمه مع عدمه فادعي عليهما عدم الخلاف ولا يبعد الاستفادة من صحيحة زرارة المذكورة.


(1) التهذيب ج 1 ص 362 والكافي ج 3 ص 553 تحت رقم 4. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 373 والاستبصار ج 2 ص 51.

[ 99 ]

{ الرابع في مصرفها وهو مصرف زكاة المال ويجوز أن يتولى المالك إخراجها وصرفها إلى الامام أو من نصبه أفضل ومع التعذر إلى فقهاء الامامية ولا يعطى الفقير أقل من صاع إلا أن يجتمع من لا يتسع لهم ويستحب أن يخص بها القرابة ثم الجيران مع الاستحقاق }. المعروف المشهور بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم أن مصرف زكاة الفطرة مصرف زكاة المال واستدل بآية الصدقات وأخبار الزكاة، وعن بعض أنها لستة أصناف بإسقاط المؤلفة والعاملين، ونسبه في الحدائق إلى ظاهر الاصحاب وعن ظاهر كلام المفيد (قده) اختصاصها بالفقراء والمساكين. ويدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (صدقة الفطرة على كل رأس من أهلك الصغير والكبير والحر والمملوك والغني والفقير، عن كل إنسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين) (1) ورواية الجهني قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن زكاة الفطرة فقال: يعطيها المسلمين فإن لم يجد مسلما فمستضعفا، وأعط ذا قرابتك منها إن شئت) (2). ورواية الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام (لمن تحل الفطرة؟ قال: لمن لا يجد) (3) ورواية يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الفطرة من أهلها الذين يجب لهم؟ قال: من لا يجد شيئا) (4) ولا يبعد تقييد المطلقات بهذه الاخبار مع التأمل في شمول الاية الشريفة لزكاة الفطرة من جهة ذكر العاملين فيها حيث إن الظاهر أنهم العاملون لاخذ زكاة الاموال بالخصوص، فالاحوط إن لم يكن أقوى الاقتصار على الفقراء والمساكين. وأما جواز تولى المالك إخراجها فالظاهر عدم الخلاف فيه وتدل عليه الاخبار، والافضل الدفع إلى الامام عليه الصلاة والسلام لقول الصادق عليه السلام:


(1) التهذيب ج 1 ص 369 والاستبصار ج 2 ص 42. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 173 والتهذيب ج 1 ص 373. (4) التهذيب ج 1 ص 373.

[ 100 ]

(هو أعلم يضعها حيث يشاء ويصنع فيها ما يرى) وفي خبر على بن راشد (سألته عن الفطرة لمن هي؟ قال: للامام عليه السلام قال: قلت له: فأخبر أصحابي؟ قال: نعم من أردت إن تطهره منهم، وقال: لا بأس بأن تعطى وتحمل ثمن ذلك ورقا) (1). والمنصوب من قبل الامام عليه السلام إن كان منصوبا لامور يشمل لمثل هذا الامر فالدفع إليه بمنزلة الدفع إليه عليه السلام، وإلا فلا دليل عليه، ومن هنا يظهر الاشكال بالنسبة إلى الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - بناء على التأمل في ثبوت الولاية العامة، نعم لا بأس بنحو التوكيل وتظهر الثمرة في صورة التلف حيث إنه بناء على الولاية سقط التكليف بمجرد الدفع وفي صورة التوكيل لا وجه لسقوط التكليف، بل هو كدفع المال إلى الوكيل لاداء دينه والتلف قبل الاداء. وأما عدم جواز إعطاء الفقير أقل من صاع فهو المشهور، ويدل عليه مرسل الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام قال: (لا تعط أحدا أقل من رأس) (2). وفي الفقيه أنه في خبر (لا بأس أن تدفع عن نفسك وعمن تعول إلى واحد ولا يجوز أن تدفع ما يلزم واحدا إلى نفسين) (3) بناء على أن (ولا يجوز الخ) مما في الخبر كما فهمه في الوسائل، والمرسل المذكور منجبر بالعمل. وقد يحمل على الاستحباب لرواية إسحاق بن المبارك قال: (سألت أبا - إبراهيم عليه السلام عن صدقة الفطرة قلت: أجعلها فضة وأعطيها رجلا واحدا أو اثنين؟ قال: تفريقها أحب إلي) (4) فأطلق استحباب التفريق من غير تفصيل. وهذه الرواية إن لم يكن فيها إشكال من جهة السند يكون بإطلاقها معارضة مع المرسل المذكور، والتفريق موافق لمذهب العامة فالاخذ بقول المشهور لو لم يكن أقوى فهو أحوط.


(1) الكافي ج 4 ص 173 والتهذيب ج 1 ص 374. والمقنعة ص 43. (2) التهذيب ج 1 ص 373. (4) المصدر باب الفطرة ص 198 تحت رقم 9 و 10. (4) التهذيب ج 1 ص 373 والاستبصار ج 2 ص 52.

[ 101 ]

وأما صورة اجتماع من لا يتسع لهم فليس لتجويز التفريق فيها وجه في مقابل المرسل المذكور إن استفدنا عدم الجواز منه. وأما استحباب تخصيص القرابة ثم الجيران. فلقوله عليه السلام: (لا صدقة و ذو رحم محتاج) (1). وقوله عليه السلام: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) (2). ولقوله عليه السلام: (جيران الصدقة أحق بها) (3). تم على يد مؤلفه السيد أحمد الموسوي الخوانساري ابن السيد العلامة الحاج الميرزا يوسف - تغمده الله برحمته -. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. ويليه كتاب الخمس.


(1) الفقيه باب الصدقة من كتاب الزكاة تحت رقم 13. (2) الكافي ج 4 ص 10 والتهذيب ج 1 ص 379. (3) التهذيب ج 1 ص 372 والكافي ج 4 ص 174 نحوه.

[ 102 ]

كتاب الخمس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين { وهو يجب في غنائم دار الحرب، والكنائز، والمعادن، والغوص، و أرباح التجارات، وأرض الذمي إذ اشتراها من مسلم، وفي الحرام إذ اختلط بالحلال ولم يتميز }. قد عرف الخمس بأنه حق مالي فرضه الله تعالى على عباده، فإن كان المراد من الحق ما هو في قبال الحكم ويكون في كثير من الموارد قابلا للاسقاط فهو مبني على عدم كونه من قبيل السهم في المال المشترك أو من قبيل الكلي في المعين، وهو محل الكلام، وإن كان المراد منه المال فهو غير مناسب للتوصيف بالمالية وكيف كان فوجوبه من الضروريات، والتي ذكر الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم تعلق الخمس بها سبعة الاول غنائم دار الحرب ويفهم حكمه بنص الكتاب العزيز وتدل عليه أخبار منها خبر أبي بصير عن الباقر عليه السلام أنه قال: (كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إله الا الله وأن محمدا رسول الله فإن لنا خمسه ولا يحل لاحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا) (1) وإطلاق كلماتهم كصريح بعض يقتضي عدم الفرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه من أرض و غيرها ما لم يكن مغصوبا من مسلم أو معاهد ونحوهما، وحكي عن صاحب الحدائق - قدس سره - إنكار التعميم وقصر الخمس على ما يحول وينقل من الغنائم دون غيرها من الاراضي والمساكن من جهة الاخبار الواردة في أحكام الاراضي -


(1) الكافي ج 1 ص 545 تحت رقم 14.

[ 103 ]

الخراجية فإنه لا تعرض في شئ منها لحال الخمس بل تدل على أن الاراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين، وأجيب بأنها غير آبية عن التقييد بالاية الشريفة وغيرها من الاخبار، وما يظهر مما ورد في بيان أحكام الاراضي من أنه (ليس على من تقبل منها شئ عدا الخراج الذي يأخذه السلطان) لا ينفي استحقاق بنى هاشم منها الخمس لامكان أن يكون هذا من جهة تحليلهم عليهم السلام حقهم لشيعتهم و إمكان أن يكون هذا من باب إمضاء عمل الجائر. قلت: يشكل الجواب حيث ان الاية الشريفة والاخبار المتعرضة لتعلق الخمس بالغنائم يكون النسبة بينها وبين الاخبار المتعرضة لاحكام الاراضي المفتوحة عنوة من وجه ومورد الافتراق في الاخبار المتعرضة لاحكام الاراضي الخراجية الاراضي التي فتحت صلحا فما وجه التقييد المذكور. وأما التحليل فهو مخصوص بالشيعة، وأما احتمال الامضاء فهو توجيه بالنسبة إلى ما دل على عدم غير الخراج على المتقبل، ومع عدم الترجيح لا يجب التخميس فلو آجر الحاكم أرضا من الاراضي المفتوحة عنوة بلا تخميس صحت إجارته ولا مجال لان يقال: كما لا دليل على وجوب الخمس وتعلقه بالمال لا دليل على كون هذا السهم أعني مقدار الخمس ملكا للمسلمين لان تعلق الخمس متأخر عن الملكية، ولذا تجري البراءة في ما لو شك في تعلق الخمس بمال وكانت الشبهة موضوعية ولا فرق بين القليل والكثير فما عن ظاهر غرية المفيد (ره) من اشتراط بلوغ عشرين دينارا مخالف لاطلاق الادلة. الثاني: الكنائز ولا خلاف في وجوب الخمس فيها بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه ويدل عليه ما عن الصدوق (ره) بإسناد عن حماد بن عمرو وأنس بن محمد عن أبيه جميعا عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال. (يا على إن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله في الاسلام - إلى أن قال - ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدق به فأنزل الله (واعلموا

[ 104 ]

أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه) (1) وأخبار مستفيضة منها ما رواه في الوسائل عن الصدوق بإسناده عن ابن أبى عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الخمس على خمسه أشياء على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة، ونسي ابن أبي عمير الخامس) (2) وفي الخصال (3) بإسناده عن عمار بن مروان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس) وقد عرف الكنز بالمال المذخور تحت الارض والمتبادر منه ما كان ستره عن قصد، ولا يخفى أن لازم هذا الشك في صدق الكنز غالبا فيما يوجد في الديار الخربة لعدم العلم بنحو استتاره مع أنه لا مجال للشك لصدق الكنز عليه، ثم إن ظاهر كلام غير واحد من العلماء واللغويين ممن تعرض لتقسير الكنز صدقه على كل مال مذخور في الارض لا خصوص النقدين خلافا للمحكي عن ظاهر جماعة من القدماء ولا يخفى أنه لا يستفاد من تفسير اللغوي إلا صحة الاستعمال وأما المعنى الحقيقي للفظ فلا، لان شأن اللغوي ذكر موارد الاستعمال ومع الشك المرجع البراءة، وقد يستدل للاختصاص بمفهوم صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس) (4) وفيه تأمل لان الموصول في قوله (عما يجب فيه الخمس) يحتمل أن يكون المراد منه المقدار وأن يكون المراد منه النوع ومع الاجمال لا يمكن الاستدلال به على المطلوب إلا أن يقال: إذا أجيب عن السؤال مع إجماله يكون الجواب جوابا مع كلا الاحتمالين، نظير ترك الاستفصال وإطلاق المماثلة يقتضي المماثلة في النوع والمقدار، ولا منافاة بين هذه الصحيحة وما عن المفيد (قدس سره) في المقنعة قال: (سئل الرضا عليه السلام عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس؟ فقال: ما يجب فيه الزكاة من ذلك ففيه الخمس و


(1) الخصال أبواب الخمسة. (2) و (3) الوسائل أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 6 و 7. (4) الفقيه باب الخمس تحت رقم 4.

[ 105 ]

ما لم يبلغ حد ما يجب فيه الزكاة فلا خمس فيه) (1) لا يبعد أن يقال بعد استعمال لفظ الكنز في المذخور في الارض غير الذهب والفضة كما ذكر اللغويون مقتضى الاصل أن يكون على نحو الحقيقة كما هو المعروف من مذهب علم الهدى (قده) خلافا للمشهور حيث يقولون: الاستعمال أعم من الحقيقة، والدليل على ما ذهب إليه السيد احتجاج المعصوم عليه السلام في رد المخالف ببعض الايات، والظاهر أنه عليه السلام بصدد إثبات المعنى الحقيقي لا الاعم منه ومن المجازي، فإن تم الاستدلال بالصحيحة المذكورة للتخصيص وإلا فلابد من التعميم. وقد يناقش في دلالة الصحيحة باحتمال أن يكون المراد من الوجوب الثبوت ولو على سبيل الاستحباب فيعم سائر أنواع الكنوز إذا بلغت حد النصاب حيث يتعلق بمثله الزكاة فيما لو كان متخذا للتكسب، ويمكن أن يقال: إذا كان تعلق الزكاة بمال التجارة بعنوان مال التجارة فليس في أنواع الكنز ما يماثله إلا من حيث المالية وقدرها وهذا خلاف الاطلاق في المماثلة. { ولا يجب في الكنز حتى تبلغ قيمته عشرين دينارا. وكذا يعتبر في المعدن على رواية البزنطي }. لا خلاف في اعتبار النصاب كما لا خلاف في أن نصاب الكنز بلوغه حدا يجب في مثله الزكاة، والاصل في هذا الحكم الصحيحة المذكورة فإن قلنا باختصاص الخمس بالكنز الذي يكون من أحد النقدين فالنصاب في الذهب عشرون دينارا وفى الفضة مائتا درهم وإن عممنا فهل يفصل بين النقدين وغيرهما؟ فنصاب كل من النقدين نصابه في الزكاة ونصاب غيرهما بلوغ قيمة أحد نصابي النقدين أو يقال: المدار على البلوغ بحسب المالية نصاب أحد النقدين مطلقا سواء كان من أحد النقدين أو كان من غيرهما فلو كان مقدار من الذهب أقل من النصاب لكنه بحسب القيمة يساوي مائتي درهم وكذا في الفضة مقدار يكون أقل من مائتي درهم لكنه بحسب المالية يساوي عشرين دينارا لجهة موجبة للرغبة وجب فيه الخمس


(1) المصدر ص 46.

[ 106 ]

لا يبعد أن يقال التعميم مبني على أن يراد المماثلة من حيث المالية فعلى هذا لا وجه للتفصيل المذكور بل لابد من القول الثاني ولكنه قد عرفت الاشكال في المبنى المذكور، وأما ما ذكر في المتن فهو مبنى على أن يكون المراد بالمثل في الصحيحة المذكورة ما أريد منه في الصحيحة الواردة في المعدن التي كالنص في ذلك ومجرد احتمال ذلك لا يوجب رفع اليد عن ظاهر الدليل. ثم إن تعلق الخمس بالكنز بعد الفراغ عن التملك فلابد من بيان ما يجوز تملكه وما لا يجوز تملكه، وتفصيل القول فيه أن الكنز إما أن يكون في دار الحرب أو في دار الاسلام وعلى التقديرين إما أن يكون عليه أثر الاسلام أم لا، فإن كان في أرض دار الحرب سواء كان عليه أثر الاسلام أو لم يكن أو في دار الاسلام وليس عليه أثر الاسلام وكانت الارض مباحة أو مملوكة للامام عليه السلام أو لقاطبة المسلمين فالمعروف بين الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - جواز تملكه، والظاهر عدم الخلاف في القسم الاول بل في الثاني أيضا لاصالة عدم جريان يد محترمة عليه فيجوز تملكه لقوله عليه السلام (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له) وغير ذلك من أدلة حيازة المباحات، ولا يخفى أنه مع وجود أثر الاسلام كيف تجري أصالة عدم جريان يد محترمة فإن أثر الاسلام أمارة جريان يد المسلم عليه وكيف يتمسك بادلة حيازة المباحات مع حصول التملك، ويشكل التمسك بما دل على وجوب الخمس في الكنز لعدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة لما يجوز تملكه ولا يجرى حكم التبعية فيما لو وجد في أرض مملوكة للامام عليه السلام حتى يجري عليه حكم الارض فإن تم الاجماع وإلا يشكل إلا أن يتمسك بالصحيحين الاتي ذكرهما وإن وجد في دار الاسلام وكان عليه أثره فعن الفاضلين والشهيدين وغيرهم وعن جامع المقاصد أنه الاشهر أنه لقطة لاصالة عدم التملك بمجرد الوجدان وبقائه على ملك مالكه ولانه مال ضايع في دار الاسلام عليه أثر الاسلام فيكون لقطة لغيره و لان أثر الاسلام مع كونه في دار الاسلام أمارة قوية على كونه ملكا لمسلم ولموثقة محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام قال: (قضى علي عليه السلام في رجل وجد ورقا في خربة

[ 107 ]

أن يعرفها فإن وجد من يعرفها وإلا تمتع بها) (1) وأجيب بمنع جريان الاصل المذكور في مقابل أصالة عدم جريان يد محترمة عليه وعدم الاعتبار بالظن الحاصل من جهة أثر الاسلام وحمل الموثقة على الخربة المعروفة المالك وأنها قضية في واقعة، ونوقش في الاخير بأن محمد بن قيس له كتاب عن الباقر عليه السلام في نقل قضايا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وظاهره إرادة بيان الحكم وفي الاولين بما فيهما من البعد لكن الموثقة معارضة بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن الدار يوجد فيها الورق قال: إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم وإن كانت خربة قد جلى عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به) (2) ونحوها صحيحتة الاخرى عن أحدهما عليهما السلام قال: (وسألته عن الورق يوجد في دار فقال: إن كانت معمورة فهي لاهلها وإن كانت خربة فأنت أحق بما وجدت) (3) ولا يخفى أن هاتين الصحيحتين مقتضاهما جواز التملك من غير فرق بين وجود أثر الاسلام وعدمه وبين كونه في أرض المسلمين وكونه في أرض الكفار ويجوز الاخذ بهما وتقديمها على الموثقة إما من جهة الترجيح وإما من جهة التخيير، وقد يفصل بين ما يوجد في البلاد الخربة في الاعصار القديمة مما لا يحفظ إضافته إلى مالك مخصوص إما لهلاكه أو ضياع النسبة بحيث لو وجد مالكه لا يرى اختصاصه به فيجوز حيازته ويعامل معه معاملة المباحات وبين ما لا يسلب عرفا إضافته إلى مالك بل يقال: إن مالكه غير معروف فهذا القسم إما لقطة إن كان المال ضايعا على مالكه وإلا فهو مجهول المالك و، مقتضى أصالة احترام مال المسلم عدم جواز تصرف فيه. وفيه نظر لان مجرد وجدان الكنز في البلاد الخربة في الاعصار القديمة لا يكون دليلا على كون المال مدفونا في العصر القديم لاحتمال أن يكون مدفونا في عصر قريب من عصر الواجد فتجري فيه أصالة احترام مال المسلم، وثانيا نقول بعد ما كان كل مال ينتقل من مورث إلى وارثه فأي جهة توجب خروج الملك عن


(1) الوسائل كتاب اللقطة ب 5 ح 5. (2) و (3) الوسائل كتاب اللقطة ب 5 ح 1 و 2.

[ 108 ]

ملك مالكه الموجود ألا ترى أن الاملاك الموقوفة على الاولاد مع كون الوقف مؤبدا لا تخرج عن الوقفية من جهة بعد عصر الواقف خصوصا إن قلنا بملكية كل طبقة بعد طبقة ولم تحرز سيرة قطعية على معاملة المسلمين فيما ذكر معاملة المباحات الاصلية وأما أصالة احترام مال المسلم مع الشك في أنه مال المسلم أو مال الحربي فقد يتمسك لها بمثل (لا يحل مال إلا من حيث ما أحله الله) ولا يخفى أن ظاهره الارشاد فإنه لا يترتب على الحكم إلا ما كان مترتبا على الموضوع مع قطع النظر عن هذا الحكم إلا أن يتمسك بأصالة عدم تحقق الجهة امملكة وهي لا تجري في جميع الموارد كما لو احتمل حدوث المال في ملكه وقد يتمسك بما ورد من أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فكما لا تجري أصالة البراءة في الدماء لا تجري أصالة الحلية في الاموال فالاحتياط في الاموال لازم كالاحتياط في الدماء فنقول: الظاهر أن هذا التشبيه ليس بلحاظ أحكام الدماء وإلا لزم التخيير لو دار الامر بين حفظ المال وحفظ الدم وعدم جريان أصالة الحلية في الاموال وعدم جريان الاصل لو شك المالك في نقل ملكه إلى الغير وإن تمسك باستصحاب عدم النقل جاز أن يتمسك في الدماء بأصالة عدم الاسلام فإن الاسلام أمر حادث مسبوق بالعدم وقد يقال متى تعلق الحكم على امر وجودي لابد من احراز ذلك الامر و بدون احراز الامر لا يترتب وهذا مستفاد من نفس الدليل فمع عدم احراز الجهة المحللة في المقام لا يجوز التصرف ولا يخفى أن استفادة هذا من نفس الدليل مشكلة. ومع القطع بكونه مال المسلم لا إشكال في احترامه لكنه يمكن أن يأذن الشارع في تملكه كما في اللقطة بعد التعريف، وجوائز السلطان ثم مع تسليم القاعدة بعمومها لا مجال للاخذ بها في المقام بملاحظة الصحيحتين المذكورتين وترك الاستفصال بعد تقديمها على الموثقة المذكورة للترجيح السندي أو الاخذ بهما في مقام التخيير مع عدم الترجيح، بل الموثقة أيضا مخالفة للقاعدة حيث أنه حكم فيها بعد عدم وجدان من يعرفها بجواز التمتع بها. الثالث المعادن، ويجب فيها الخمس بلا خلاف فيه بل إجماعا، كما عن غير

[ 109 ]

واحد نقله، ويدل عليه مضافا إلى الاجماع وعموم الكتاب خصوص جملة من الاخبار منها ما رواه في الوسائل عن الصدوق بإسناده عن ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الخمس على خمسة أشياء على الكنوز و المعادن والغوص والغنيمة ونسي ابن أبي عمير الخامس) (1) وفي الخصال باسناده عن عمار بن مروان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام في ما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس) (2). وقد ذكر هذان الخبران في ذكر حكم الكنائز. وعن الشيخ والكليني (ره) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سألت عن المعادن الذهب و الفضة والصفر والحديد والرصاص فقال عليها الخمس جميعا) (3) فلا إشكال في أصل الحكم ويقع الكلام في تحديد موضوعه فاللغويون فسروها بالمحل ففى القاموس المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه، وفي النهاية الاثيرية المعادن التي يستخرج منها جواهر الارض كالذهب والفضة النحاس وغير ذلك. وأما الفقهاء (قدس سرهم) فقد فسروها بالحال لا المحل، وقد اختلفوا من حيث التعميم والتخصيص ففي المسالك قال: (المعادن جمع المعدن بكسر الدال وهو هنا كل ما استخرج من الارض مما كان منها بحيث يشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها. ومنها الملح والجص وطين الغسل وحجارة الرحى والمغرة) وتوقف غير واحد في صدق اسم المعدن عرفا في مثل هذه الاشياء التي ليست بخارجة من مسمى الارض. وقال العلامة (ره) في التذكرة: (المعادن كلما خرج من الارض مما يخلق فيها مما له قيمة سواء كان منطبقا بانفراده كالرصاص والصفر والنحاس والحديد أو مع غيره كالزيبق، أو لم يكن منطبقا كالياقوت والفيروزج - إلى آخر ما قال - ونسبه إلى علمائنا أجمع. فالقدر المتيقن ما ذكره العلامة ولا دليل على التعميم


(1) الفقيه باب الخمس تحت رقم 4 وقد تقدم. (2) تقدم أيضا. (3) التهذيب ج 1 ص 383 والكافي ج 1 ص 544 تحت رقم 8.

[ 110 ]

المذكور في المسالك وأخبار الباب لا يستفاد منها التعميم المذكور فالمرجع في مورد الشك البراءة. وهل يعتبر النصاب فيما يجب فيه الخمس من المعادن فيه وفي قدره خلاف بعد عدم الخلاف في عدم وجوب مقدار المؤونة فيظهر من كلام جماعة وجوب الخمس بعد إخراج مقدار المؤونة مطلقا قليلا كان أو كثيرا، وقيل: لا يجب حتى يبلغ عشرين دينارا كما عن الشيخ في النهاية والمبسوط وابن حمزة في الوسيلة ووافقها غير واحد من المتأخرين بل نسب إلى عامتهم وهذا هو المروي صحيحا في التهذيب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عما أخرج من المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ؟ قال: لا شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا) (1) وهذه الصحيحة تفيد الاطلاقات لو لم يكن فيها إشكال من جهة عدم عمل أكثر القدماء بمضمونها، ولا يبعد أن يكون وجه عدم عمل الاكثر ما هو المعروف من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فإن الاخبار الصادرة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام لا تعرض فيها لهذا النصاب فكيف يجوز تأخير البيان إلى زمان الرضا عليه السلام وهذا نظير ما يستشكل في نجاسة عرق الجنب عن حرام حيث صدر حكمه في زمان الهادي عليه السلام؟ فيقال: كيف لم يتبين هذا الحكم إلى زمانه عليه السلام، ويمكن أن يجاب أولا بجواز التأخير لبعض الحكم كما بين في الاصول، وثانيا عدم الوصول إلينا لا يدل على عدم الصدور. فمن الممكن أن يكون بعض الاحكام صادرة غير واصلة إلينا، ثم بين بعد ذلك ووصل ذلك إلينا والحاصل أنه مع عدم معلومية خلل في الرواية لا وجه لطرحها. وقيل: يجب الخمس إذا بلغ دينارا وهو المحكي عن أبي الصلاح الحلبي. حجة هذا القول ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن محمد بن علي بن أبي عبد الله عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن المعادن الذهب والفضة هل فيه زكاة


(1) التهذيب ج 1 ص 498.

[ 111 ]

فقال إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس) (1) وعن الصدوق مرسلا عن الكاظم عليه السلام نحوه) (2) وهذه الرواية قاصرة عن مكافئة الصحيحة المذكورة سندا وغير معمول بها. الرابع: مما يجب فيه الخمس ما يستخرج بالغوص بلا خلاف فيه ظاهرا بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه ويشهد له مضافا إلى عموم الاية الشريفة الاخبار منها صحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العنبر والغوص فقال: عليه الخمس) (3) وخبر عمار بن مروان ومرسلة ابن أبي عمير المذكوران سابقا، و خبر محمد بن على بن أبي عبد الله عن أبي الحسن عليه السلام المذكور آنفا فلا إشكال في أصل الحكم وإنما يقع الاشكال من جهة أنه وقع التعبير في بعض الاخبار عما يتعلق به الخمس بالغوص كصحيحة الحلبي ومرسلة ابن أبي عمير وفي بعضها كخبري عمار بن مروان ومحمد بن على بما يخرج من البحر وبين العنوانين عموم من وجه، فإن الثاني يصدق على ما يخرج بآلة من غير غوص في الماء، والاول يشمل ما يخرج من الشطوط بالغوص، ولولا حصر الخمس في الخمسة في لسان الاخبار لالتزمنا بوجوب الخمس في الغوص وما يخرج من البحر، ومع الحصر لابد من إرجاع أحد العنوانين، إلى الاخر وأن يكون ذكره من جهة الغلبة أو القول بمدخلية كلا العناوين، ومع الشك وعدم الترجيح يقتضي الاصل البراءة في غير هذه الصورة، ويمكن أن يقال: لابد من عدم الاخذ بظاهر الحصر حيث ان الارض التي اشتراه الذمي خارج فلا مانع في المقام من تعلق الخمس بكلا العنوانين. { ولا في الغوص حتى يبلغ دينارا } هذا هو المشهور بل ادعي الاجماع عليه، ويشهد له خبر محمد بن على المتقدم فإن تم الاجماع فهو وإلا فالاستشهاد بالخبر المذكور مع عدم العمل به والرمي بالشذوذ لا يجوز، بل لابد من الاخذ بالاطلاقات وعدم اشتراط النصاب إلا أن


(1) التهذيب ج 1 ص 384 وفيه (هل عليه زكاتها). (2) الفقيه باب الخمس ح 1. (3) التهذيب ج 1 ص 383 وفي المقنع ص 15.

[ 112 ]

يدعى عدم الاطلاق وعدم كون الاية الشريفة والاخبار في مقام البيان، ومع هذا لا يمكن إثبات وجوب الخمس إذا بلغ دينارا ويجئ احتمال اشتراط بلوغه عشرين دينارا كما عن غرية المفيد وإن ضعف بانه لم يعرف له مأخذ. الخامس: مما يجب فيه الخمس أرباح التجارات بلا إشكال وخلاف بحسب أصل الشرع والاخبار الدالة عليه لعلها فوق حد التواتر، والاشكال يقع في مواقع أحدها أنه هل أبيح ذلك للشيعة بإذن صاحبه ومن له الولاية عليه أي الامام عليه السلام كما يظهر من جملة من الاخبار فلا يجب عليهم صرفه إلى مستحقيه كما حكى عن ظاهر القديمين ومال إليه بعض المتأخرين أم لا، كما تدل عليه أخبار أخر فلابد من نقل أخبار الطرفين والجمع بينهما. فمما يدل على الوجوب ما رواه الشيخ باسنداه عن محمد بن الحسن الاشعري قال: (كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الضياع وكيف ذلك؟ فكتب بخطه الخمس بعد المؤونة) (1) والظاهر أن نظر السائل إلى الحكم الفعلي المنجز على شيعتهم لا مجرد الحكم في أصل الشرع وأوضح منه ما رواه أيضا بإسناده عن علي بن محمد بن شجاع النيسابوري (أنه سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى فأخذ منه العشر عشرة أكرار، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا، وبقي في يده ستون كرا ما الذي يجب لك من ذلك وهل يجب لاصحابه من ذلك شئ؟ فوقع: لى منه الخمس مما يفضل عن مؤونته) (2) وعن علي بن مهرزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد: قلت له أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك فقال بعضهم: وأي شئ حقه؟ فلم أدر ما أجيبه، فقال. يجب عليهم الخمس. فقلت: ففي أي شئ؟ فقال: في أمتعتهم وصنايعهم، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد


(1) التهذيب ج 1 ص 384. (2) التهذيب ج 1 ص 352.

[ 113 ]

مؤونتهم) (1) وعن محمد بن عيسى عن يزيد قال: (كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها رايك - أبقاك الله - أن تمن علي ببيان ذلك لكيلا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم؟ فكتب: الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام [ أ ] وجائزة) (2) وعن محمد بن يزيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الاذن في الخمس فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم إن الله واسع كريم ضمن على العمل الثواب وعلى الضيق الهم ، لا يحل مال إلا من وجه أحله الله إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا وعلى موالينا وما نبذله ونشتري به أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا ولا تحرمو أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإن إخراجه مفتاح رزقكم وتمحيص ذنوبكم وما تمهدون لانفسكم ليوم فاقتكم، والمسلم من يفي لله بما عهد إليه، وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب والسلام) (3) وصحيحة علي بن مهزيار قال: (كتب إليه أبو جعفر عليه السلام وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة قال: إن الذي أوجبت في سنتي هذه، وهذه سنة عشرين و مائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار وسأفسر لك بعضه إن شاء الله. إن موالي - أسأل الله صلاحهم - أن بعضهم قصروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك فأجبت أن أطهرهم وأزكيهم بما فعلت في أمر الخمس في عامي هذا قال الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم. ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده و يأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم، وقل اعملوا فسير الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فيبئكم بما كنتم تعملون) ولم أوجب عليهم ذلك في كل عام ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التي فرض الله عليهم وإنما أوجبت


(1) الاستبصار ج 2 ص 55. التهذيب ج 1 ص 374. (2) الكافي ج 1 ص 545 وفيه (محمد بن عيسى بن زيد). [ وعلى الخلاف العذاب ]. (3) الكافي ج 1 ص 547 تحت رقم 25 والتهذيب ج 1 ص 389.

[ 114 ]

عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليه الحول ولم أوجب عليهم ذلك في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلا في ضيعة سأفسر لك أمرها تخفيفا مني عن موالي ومنا مني عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل ش ء قدير) والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثل مال يوجد ولا يعرف له صاحب ومن ضرب ما صار إلى موالى من أموال الخرمية (1) الفسقة فقد علمت أن أموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شئ من ذلك فليوصله إلى وكيلي ومن كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد لايصاله ولو بعد حين فإن نية المؤمن خير من عمله فأما الذي أوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته فمن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف السدس ولا غير ذلك) (2) والمناقشة في هذه الصحيحة بأنها متروكة ظاهرها من حيث أن ظاهرها وجوب الخمس في الذهب والفضة إذا حال عليهما الحول ووجوب الخمس في الجائزة الخطيرة والميراث ممن لا يحتسب وإيجاب نصف السدس مدفوعة بأن الامام عليه السلام له أن يخفف للرعية، والجائزة والميراث المذكور من الفوائد، ومنها ما رواه سعيد بن عبد الله الراوندي في الخرائج والجرائح عن أبى الحسن المسترق عن الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة عن عمه الحسين في حديث عن صاحب الزمان عليه السلام أنه رآه وتحته


(1) الخرمية: اصحاب بابك المزدكى (بابك خرم دينان) من الفرقة الاسماعيلية وهم اصحاب الاباحة والتناسخ. (2) التهذيب ج 1 ص 390 والاستبصار ج 2 ص 62.

[ 115 ]

بغلة شهباء، وهو متعمم بعمامة خضراء يرى منه سواد عينيه، وفي رجله خفان حمراوان، فقال: يا حسين كم تزو على الناحية ولم تمنع أصحابي عن خمس مالك، ثم قال: إذا مضيت إلى الموضع الذي تريده تدخله عفوا وكسبت ما كسبت تحمل خمسه إلى مستحقيه. قال: فقلت: السمع والطاعة ثم ذكر في آخره أن العمري أتاه وأخذ خمس ماله بعد ما أخبره بما كان) (1) وأما الاخبار التي يستظهر منها الاباحة في قبال الاخبار المذكورة فهي أيضا كثيرة منها صحيحة الحارث بن المغيرة النضري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: إن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك وقد علمنا أن لك فيها حقا قال: فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم وكل من والى آبائي فهو في حل مما في أيديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب) (2). ومنها خبر يونس بن يعقوب قال: (كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل رجل من القماطين فقال: جعلت فداك تقع في أيدينا الاموال والارباح وتجارات نعلم أن حقك فيها ثابت وإنا عن ذلك مقصرون، فقال: ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم) (3) ومنها رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال له رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج ففزع أبو عبد الله فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنما يسألك خادمة يشتريها أو امرة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا أعطيه، فقال: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب الميت منهم والحي ومن توالد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال أما والله لا تحل إلا لمن أحللنا له، ولا والله ما أعطينا أحدا ذمة وما عندنا لاحد عهد [ هوادة خ ل ] ولا لاحد عندنا ميثاق) (4).


(1) الوسائل أبواب الانفال وما يختص بالامام ب 3 ح 8. (2) التهذيب ج 1 ص 391. (3) التهذيب ج 1 ص 389 والاستبصار ج 2 ص 59. (4) التهذيب ج 1 ص 388 والاستبصار ج 2 ص 58. والمقنعة ص 45.

[ 116 ]

ومنها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه: هلك الناس في بطونهم وفروجهم لانهم لم يؤدوا إلينا حقنا ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل) (1). ومنها خبر ضريس الكناسي قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: أتدري من أين يدخل على الناس الزنا؟ فقلت: لا أدري، فقال: من قبل خمسنا أهل البيت إلا لشيعتنا الاطيبين فإنه محلل لهم ولميلادهم) (2). ومنها رواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي، وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكو أولادهم) (3). ومنها ما روي عن كتاب إكمال الدين عن محمد بن عصام الكليني عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب فيما ورد عليه من التوقيعات بخط صاحب الزمان عجل الله فرجه (أما ما سألت عنه من أمر المنكرين لي - إلى أن قال: - وأما الخمس فقد ابيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث) (4). ولا يخفى أن هذه الاخبار على كثرتها لا مجال لحملها على إباحة الخمس إلى يوم القيامة بحيث يكون بنو هاشم الذين يحرم عليهم الصدقة محرومين منه مع ملاحظة، ما ورد من أن الخمس عوض عن الصدقة المحرمة عليهم، فالمراد منها إما تحليل قسم خاص منه وهو ما يتعلق بطيب الولادة كأمهات الاولاد ونحوها كما يشعر به التعليل في بعضها، أو تحليل مطلقة في عصر صدور الروايات لحكمة مقتضية له، وهذا غير الاباحة على الاطلاق بل بعضها ظاهر في إرادة العفو عنه في خصوص تلك الازمنة كقوله عليه السلام في خبر يونس (ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك


(1) علل الشرايع ص 132 والمقنعة ص 46 والتهذيب ج 1 ص 389. (2) التهذيب ج 1 ص 388 والكافي ج 1 ص 546 تحت رقم 16. (3) الكافي ج 1 ص 546 تحت رقم 20 والتهذيب ج 1 ص 388. (4) كمال الدين ص 267 والاحتجاج ص 263.

[ 117 ]

اليوم) بل يمكن أن يقال: يستفاد منه عدم العفو قبل ذلك لانه مع العفو سابقا كيف يعلل عدم العفو والتكليف بكونه خلاف الانصاف لكنه يشكل الحمل الاول حيث أن المذكور في صحيحة الحارث الاموال من الغلات والتجارات ونحوها. والحمل الثاني حيث أن المذكور في رواية أبي خديجة التحليل إلى يوم القيامة، وأما التوقيع المروي عن كتاب إكمال الدين فلا ظهور له في الاطلاق لاحتمال أن يكون السائل سأل عن قسم خاص من الاموال كالجارية المشتراة ممن لا يعتقد بالخمس فيختص الاباحة به ولا إطلاق، فإن تمت الاخبار الدالة على الاباحة الغير القابلة للجمع مع تلك الاخبار المقابلة لها سندا تقع المعارضة بين الطرفين والترجيح مع تلك الاخبار من جهة عمل الاصحاب ومخالفة هذه الاخبار للحكمة، ثم لا يخفى أن الاباحة لا تنفي الاستحقاق فإن الاباحة غير الملكية، فلو أدى المباح له الخمس إلى مستحقه أدى الحق إلى مستحقة، ومن هنا يقع الاشكال في تصرفات المباح له التصرفات الموقوفة على الملكية كوطي الجارية والبيع حيث أن الوطي، والنظر إلى ما لا يجوز لغير المالك والزوج النظر إليه، والبيع بحيث يدخل الثمن في ملك البايع موقوف على كون المبيع ملكا له على المشهور وكون الجارية مالكا للواطي والناظر حيث إنه لا جهة محللة غير الملكية، فلابد من حصول الملكية آنا ما قبل ذلك كما يلتزم القائل بالاباحة في المعاطات. الموقع الثاني تعيين متعلق الخمس من هذا القسم فإن النصوص وكلمات الاصحاب لا تخلوا عن نوع اختلاف وإجمال والذي يظهر من بعض الاخبار تعلقة بمطلق الفائدة كقوله عليه السلام في صحيحة علي بن مهزيار (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام. قال الله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ - إلى آخرها، إلى أن قال -: والغنائم والفوائد - يرحمك الله - فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب [ وأم خ ل ] ولا ابن ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله ومثل مال يوجدو

[ 118 ]

لا يعرف له صاحب ومن ضرب ما صار إلى موالي من أموال الخرمية الفسقة) (1) وخبر يزيد قال: (كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها - رأيك أبقاك الله - أن تمن علي ببيان ذلك لكيلا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم، وكتب: الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام [ أ ] و جائزة) (2). ويدل على ثبوت الخمس في خصوص الهبة خبر أبي بصير المروي عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب محمد بن على بن محبوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب: الخمس في ذلك. وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمائة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس فكتب أما ما أكل فلا، وأما المبيع فنعم هو كسائر الضياع) (3). وقد يستشكل في ثبوت الخمس فيما عدى ما اشتهر بين العلماء وهو أرباح التجارات والصناعات وسائر أنواع التكسبات من مثل الارث ممن لا يحتسب و الهبة والهدية من جهة عدم تعارفه بين المسليمن في زمان النبي صلى الله عليه وآله ولا بين الشيعة في عصر أحد من الائمة عليهم السلام وإلا امتنع اختفاؤه مع عموم الابتلاء ولا يخفى أن أمر الخمس لم يكن في الاعصار السابقة مهتما به كسائر الواجبات ولعله لهذا أباح المعصومون في عصرهم حفظا لوقوع الشيعة في الحرام، ثم إن الشيعة مع علمهم بنحو الاجمال بوجوب الخمس لم يكونوا عالمين بالتفصيل بما يتعلق به وهذا ظاهر من الاسولة والاجوبة، ومع هذا كيف يمكن نفي الوجوب في ما ذكر بعدم التعارف مع صراحة بعض الاخبار بثبوت الخمس.


(1) التهذيب ج 1 ص 390. وقد تقدم. (2) الكافي ج 1 ص 545 تحت رقم 12. (3) المصدر ص 476. وفيه (يأكلها العيال) وفي الوسائل أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 10.

[ 119 ]

الموقع الثالث في شرح المؤونة الخارجة عما يتعلق به الخمس من هذا القسم فنقول: المراد من المؤونة في خصوص هذا القسم ليس مؤونة التحصيل بل مؤونة الشخص وما يصرفه في حوائجه طول السنة، ويدل عليه قوله عليه السلام في مكاتبة ابن مهزيار الطويلة، فأما الذي أوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كل ضيعته تقوم بمؤونته ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك وقوله عليه السلام في خبر على بن راشد المتقدم (إذا أمكنهم بعد مؤونتهم) وغيرهما من الاخبار فيقيد الاطلاقات لكن ليس فيها تصريح بمؤونة السنة، وقد يدعى أن المؤونة منصرفة إلى مؤونة السنة كما يقال: فلان يفي كسبه أو ضيعته بمؤونته يفهم منه أن ما يستفيده لا يقصر عما يحتاج إليه في معاشه في السنة لكن هذا الانصراف لا يثبت خصوص السنة القمرية بل لعلة يثبت السنة الشمسية وظاهر كلمات الفقهاء العام الهلالي ومن هذه الجهة اختار بعض الاعلام إخراج المؤونة في العام الشمسي ويمكن استفادة مؤونة العام الهلالي من قوله عليه السلام في صحيحة علي ابن مهزيار الطويلة (فأما الذى أوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته، فالعام منصرف إلى العام العربي الهلالي فإذا أوجب الخمس في كل عام بعد إخراج المؤونة فالمؤونة المخرجة مؤونة العام الهلالي. وأما تفسير المؤونة فقد صرح غير واحد بأن المراد بها كل ما ينفقه على نفسه وعلى عياله وعلى غيرهم للاكل والشرب واللباس والمسكن والتزويج والخادم وأثاث البيت والكتب وغير ذلك مما يعد مؤونة عرفا فتعم مثل الهبة و الصدقة والصلة والنذور وغيرها من الافعال الواجبة أو المندوبة كزيارة المشاهد أو بناء المساجد والضيافة اللائقة بحاله وما يدفعه إلى الظالم للامن من ضرره إلى غير ذلك من المقاصد العقلائية، وفي عد بعض أفراد ما ذكر من المؤونة إشكال كما لو وهب ما استفاده إلى ولده أو زوجته وليس من شأنه أن يهب هذا المقدار و مع الشك يرجع إلى العمومات والمطلقات لما هو المقرر في الاصول من الرجوع

[ 120 ]

إليهما مع إجمال المخصص المنفصل المردد بين الاقل والاكثر إلا أن يستشكل بعدم كونها في مقام البيان. السادس مما يجب فيه الخمس أرض الذمي إذا اشترى من مسلم نسب الوجوب إلى الشيخ وأكثر المتأخرين، والاصل في هذا الحكم صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس) (1) وعن المفيد في باب الزيادات من المقنعة مرسلا عن الصادق عليه السلام أنه قال: (الذمي إذا اشترى من مسلم الارض فعليه فيها الخمس) (2) وعن بعض العامة (أن الذمي إذا اشترى أرضا من مسلم وكانت عشرية ضوعف عليه العشر وأخذ منه الخمس) وقوى بعض الاعلام أن يكون هذا هو المراد من النص حيث لم يندرج موضوع الحكم في الغنائم والفوائد واختصاصه بشراء الارض وكون المقصود بيان ما هو وظيفة الحاكم من مؤاخذته به، ثم قال: إلا أن الالتفات إليه مع مخالفته لاطلاق النص خصوصا مع استلزامه لحمل الرواية على التقية مخالف للاصول و القواعد الشرعية، أقول ويبعد الاحتمال المذكور أن الاراضي الخراجية لا - يشترى من مسلم والمتصدي لامرها السلطان ومن ينوب عنه، نعم لعل وجوب الخمس في الارض المذكورة مناف للحصر في الخمس، وبهذا استشكل بعض الاعلام في كون الغوص وما يخرج من البحر عنوانين يتعلق بكل منهما الخمس ومع ذلك لا مجال لرفع اليد عن النص، ثم إنه لا مجال للشبهة في مصرف هذا الخمس بل المعروف بين من أثبته هو مصرف خمس الغنيمة لانصراف إطلاق الخمس إلى إرادة الخمس المعهود كانصراف لفظ الزكاة ولو كان غيره مرادا لوجب بيانه، و مقتضى النص والفتوى خصوص صورة الاشتراء دون الانتقال بنحو الصلح والهبة، ومقتضى إطلاق النص والفتوى عدم اختصاص الحكم بأرض الزراعة، بل مطلق الارض المشتراة ولو أرض المسكن والبستان، وقد يستشكل في نحو أرض المسكن


(1) التهذيب ج 1 ص 389 والمعتبر ص 293. (2) المقنعة ص 46.

[ 121 ]

والحمام إذا اشترى الذمي المسكن والحمام ونحوهما بأن الارض مشتراة تبعا للدار والحمام فيشكل اندراجها تحت العنوان المذكور وشمول النص لها، نعم لو كان البناء لاحد والارض لاخر فلا إشكال. قلت: إذا كان المشترى المجموع المركب من الارض والبناء فتعلق الاشتراء ضمني لا تبعي، ولذا لا يستشكل في صحة المعاملة بالنسبة إلى الجزء إذا كان الجزء الاخر مستحقا للغير ولم يمضي فالظاهر شمول النص. السابع مما يجب فيه الخمس الحلال إذا اختلط بالحرام ولا يتميز أحدهما ولا يعرف صاحبه ولو إجمالا في قوم محصورين ولا قدره ولو إجمالا بأنه أقل من الخمس أو أكثر فههنا صور أحدها أن يكون قدر الحرام المختلط بالحلال و صاحبه مجهولين ففي هذه قال في المدارك: (قد قطع الشيخ بوجوب إخراج الخمس وحل الباقي بذلك بل عن بعض نسبته إلى المشهور) واستدل له بجملة من الاخبار منها ما عن الصدوق في الخصال بسنده الصحيح إلى الحسن بن محبوب، عن عمار ابن مروان قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في ما يخرج من المعادن والبحر و الغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف والكنوز الخمس) (1) ومنها خبر الحسن بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن رجلا أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنى أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه فقال: أخرج الخمس من ذلك المال فإن الله عزوجل قد رضي من ذلك المال بالخمس واجتنب ما كان صاحبه يعلم) (2) ولا إشكال في دلالة خبر الاول بل الثاني أيضا في ثبوت الخمس بالمعنى المعهود في المقام لكنه قد يفرق بين الغنيمة وغيرها والحلال المختلط بالحرام بأن المراد من ثبوت الخمس في الحلال المختلط هو أن الشارع جعل تخميسه بمنزلة تشخيص الحرام وإيصاله إلى صاحبه في كونه موجبا لحل الباقي فليس بالفعل مملوكا لبني هاشم بخلاف الغنيمة وغيرها، ولو كان حاله حال الغنيمة


(1) المصدر أبواب الخمسة. (2) التهذيب ج 1 ص 384 و 389.

[ 122 ]

لزم الالتزام بصيرورة ما فيه الحرام عند الجهل بمالكه ملكا لمالك الحلال، وهذا خلاف ظاهر الرواية فضلا عن مخالفته للاصول والقواعد، ومن هنا قد يقوى في النظر عدم التنافي بين ما دل على التخميس وبين ما دل على التصدق من الاخبار في ما لا يعرف صاحبه، ويمكن أن يقال: ظاهر رواية عمار المذكورة ثبوت الخمس في الحلال المختلط كثبوته في غيره فلا مانع من كون الخمس قبل إخراجه ملكا لبنى هاشم فيه كما في غيره ولا يلزم منه كون أربعة أخماس الباقي ملكا حلالا لمالك الحلال فكما يملك بنو هاشم الخمس بعد إخراجه من المال المختلط لا مانع من كونه ملكا لهم قبل الاخراج وإن لم يصر البقية ملكا حلالا للمالك قبل الاخراج، اللهم إلا أن يقال: بعد ما صار الخمس قبل الاخراج ملكا لهم فكأن مال الغير وصل إليه فلابد من حلية البقية لمالك الحلال لكنه يمكن منع ما ذكر ألا ترى أن الضامن لا يملك ما أخذه بيده حتى بعد رد البدل من المثل أو القيمة وكذلك يكون الملتقط ضامنا لصاحب المال إذا تصدق باللقطة ولم يرض المالك، وثانيا لم يظهر من الرواية المذكورة عدم تملك المالك للحلال ولا مانع من تحليل الشارع البقية نظير تحليل الجوائز مع أنه لم تخرج عن ملك مالكها بمجرد أخذ السلطان الجائر، فلا مانع من القول بملكية بني هاشم للخمس قبل إخراجه و ملكية مالك الحلال المختلط للباقي قبل إخراجه كما في غيره، وعلى هذا فلا يجتمع هذا مع جواز الصدقة. وقد يستظهر جواز الصدقة من خبر السكوني الذي رواه المشايخ الثلاثة مسندا و المفيد مرسلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أتى رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إني اكتسبت مالا أغمضت في مطالبه [ طلبه خ ل ] حلالا وحراما وقد أردت التوبة ولا أدري الحلال منه والحرام وقد اختلط علي؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تصدق بخمس مالك فإن الله رضي من الاشياء بالخمس وسائر المال لك حلال) (1) بدعوي أن ظهور لفظ الخمس في الخمس المعهود وإن كان مسلما دون المعنى اللغوى إلا


(1) التهذيب ج 2 ص 111 والمقنعة ص 46 والمحاسن ص 320.

[ 123 ]

أن ظهور لفظ الصدقة في الصدقة المعهودة أقوى، فإن قلنا إن المستفاد من خبر ابن مروان ثبوت الخمس في المال المختلط كغيره كما هو الظاهر منه بملاحظة العطف يقع المعارضة إن لم يكن إشكال من جهة السند وإن قلنا بالفرق يجمع بين الطرفين بالتخيير لكن الظهور المدعى في خبر السكوني ممنوع خصوصا مع قوله: (فإن الله قد رضي من الاشياء بالخمس) ومن المعلوم أن خمسا آخر غير الخمس المصطلح لم يعهد من الشارع في شئ فضلا عن الاشياء. الصورة الثانية ما إذا علم مقدار الحرام ولم يعرف صاحبه فقد صرح غير واحد بأنه يتصدق به واستدل له بجمله من الاخبار منها رواية علي أبي حمزة قال: (كان لي صديق من كتاب بني أمية فقال: استأذن لي على أبي عبد الله عليه السلام فاستأذنت له عليه فأذن له فلما أن دخل سلم وجلس ثم قال: جعلت فداك إني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا أغمضت في مطالبه فقال أبو عبد الله عليه السلام لولا أن بني أمية وجدوا لهم من يكتب ويجبى لهم الفئ ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبوا حقنا ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئا إلا ما وقع، قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ومن لم تعرف تصدقت به وأنا أضمن لك على الله عزوجل الجنة، وأطرق الفتى طويلا ثم قال له: لقد فعلت جعلت فداك، قال ابن أبي حمزة فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئا على وجه الارض إلا خرج منه حتى ثيابه التي كانت على بدنه، قال: فقسمت له قسمة واشترينا له ثيابا وبعثنا إليه بنفقة، قال: فما أتي عليه إلا أشهر قلائل حتى مرض فكنا نعوده، قال: فدخلت يوما وهو في السوق (1) قال: ففتح عينه ثم قال: يا علي وفى لي والله صاحبك، قال: ثم مات فتولينا أمره وخرجت حتى دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فلما نظر إلي قال لي: يا علي وفينا والله لصاحبك، قال: فقلت: جعلت فداك هكذا قال والله


(1) السوق: النزع.

[ 124 ]

لي عند موته) (1). ومنها صحيحة يونس بن عبد الرحمن المروية عن الكافي والتهذيب قال: (سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام وأنا حاضر فقال له السائل: جعلت فداك رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأي شئ نصنع به؟ قال: تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فدالك؟ قال: على أهل الولاية) ومنها أخبار أخر مشعرة أو ظاهرة في أن حكم مال المجهول المالك الصدقة، ويظهر من ذيل صحيحة ابن مهزيار الطويلة المتقدمة أن المال الذي لا يعرف صاحبه يجوز تملكه ويجب فيه الخمس حيث عد فيه من الغنائم والفوائد مال يوجد ولا يعرف له صاحب. واستشكل صاحب الحدائق (قده) بأن مورد الاخبار المستدل بها في المقام المال المتميز والكلام في المقام في المال الغير المتميز فالالحاق قياس مع الفارق من جهة الاشتراك في المقام فعزل مقدار من المال كيف يوجب حلية الباقي بدون رضى المالك وأورد عليه بأنه بعد ما ظهر من الاخبار حكم مجهول المالك لا - خصوصية لعدم التميز، وأما الشبهة من جهة الاشتراك فتدفع بالمراجعة إلى الحاكم والتقسيم ومع التعذر يرجع إلى عدول المؤمنين، ومع التعذر هو بنفسه يتصدى لقاعدة نفي الضرر، ويمكن أن يقال بعد عدم شمول الاخبار لصورة عدم التميز كيف يقطع بعدم الفرق مع أنه لا يبعد شمول خبر حسن بن زياد المتقدم في أول المبحث لصورة عدم التميز والعلم بمقدار الحرام من جهة ترك الاستفصال الاقوى من الاطلاق لو لم يناقش من جهة السند، وكذا الخبر المذكور في الخصال المتقدم فيه لو لم يناقش فيه من جهة عدم كونه في مقام البيان، وكذا خبر السكوني


(1) الكافي ج 5 ص 106 تحت رقم 4. (2) الوسائل كتاب اللقطة ب 7 ح 2.

[ 125 ]

الذي رواه المشايخ الثلاثة مسندا والمفيد في المقنعة مرسلا المتقدم حيث ذكر في آخره (فإن الله رضي من الاشياء بالخمس) بعد تقديم ظهور لفظ الخمس في الخمس المعهود على ظهور لفظ الصدقة في الصدقة المعهودة مضافا إلى ترك الاستفصال، فمع عدم الترجيح والقطع بوجوب أحدهما من الخمس والصدقة فإن قلنا بجواز هذه الصدقة لبني هاشم يمكن الاحتياط بالرد إليهم، وإن قلنا بعدم الجواز يصير المقام كما لو علم باشتغال الذمة بدين لاحد شخصين، وأما ما في ذيل صحيحة ابن مهزيار فالظاهر عدم أخذ جل الفقهاء (قده) بمضمونه ولو كان مقدار الحرام مجهولا تفصيلا ولكنه يعلم بأنه أقل من الخمس أو أكثر فقد يقال بخروجه عن مورد أخبار الخمس، أما صورة العلم بكونه أقل فلظهور التعليل الوارد في الاخبار بأن الله رضي من الاشياء بالخمس في إرادته في غير هذا الصورة لانه سوقه يشهد بوروده في مقام التوسعة والتخفيف، فأما صورة العلم بكون الحرام أكثر من الخمس فكذلك لبعد التفكيك بين الصورتين ولان لازم الشمول تحليل مال الغير مجانا كما أنه يلزم في الصورة الاولى لزوم دفع ماله إلى الغير مجانا. ولقائل أن يقول لازم ما ذكر خروج غالب الاموال المختلطة لان احتمال كون الحرام بمقدار الخمس بعيد جدا بل أمر اتفاقى فبعد خروج الصورتين مع العلم التفصيلي كيف الشمول مع العلم الاجمالي أو الاطمينان بعدم الخروج عن أحد الصورتين، وما ذكر من أن الشمول موجب لتحليل مال الغير مجانا فيه أن هذا هو المناسب للتعليل المذكور فإن التخفيف والتوسعة في غير هذه الصورة لا يتصور ولا استبعاد فيه كما دل الدليل على حلية جوائز السلطان وحلية اللقطة بعد التعريف سنة وعلى فرض التسليم يجئ الكلام السابق. الصورة الثالثة أن يعرف قدر الحرام وصاحبه وحكمها الشركة ولو تردد صاحبه بين أشخاص محصورة فقد يشكل الامر حيث أن مقتضى قاعده اليد وجوب إيصال مقدار الحرام إلى صاحبه ولا يحصل الجزم إلا بدفع مثله إلى كل منهم و هو ضرر عظيم ومن أنه في صورة العلم والتصور في مال الغير عدوانا نشأ الضرر

[ 126 ]

من قبل نفسه وعدم جريان قاعدة نفي الضرر في هذه الصورة محل إشكال ألا ترى أنه لو أجنب اختيارا مع كون الغسل ضرريا لا يلتزم بوجوب الغسل مع أنه من قبل نفسه، ويحتمل الاخذ بقاعدة القرعة، وربما يحتمل إسقاط التكليف بأن يجمع الاشخاص أطراف الشبهة ويسلطهم على التصرف كما لو أتلف مالا لم يعلم كونه مثليا أو قيميا فأتى المتلف بالمثل والقيمة وسلط المضمون له عليهما ويشكل سقوط التكليف في المثال من جهة ممنوعية المضمون له من التصرف حيث لم يعلم إنما يستحقه المثل أو القيمة وعلى هذا ليس مسلطا على حقه لان الممنوع شرعا كالممنوع خارجا وفي مقامنا هذا لو لم يعلم أطراف الشبهة استحقاقهم لا يكون واحد منهم مسلط على حقه والاحتياط بالتراضي والتصالح. الصورة الرابعة أن يكون قدر الحرام مجهولا وصاحبه معلوما فهل يقتصر على القدر المتيقن اقتصارا في رفع اليد عما في يده عليه أو يدفع ما يتيقن معه البراءة من جهة العلم الاجمالي؟ فنقول: قد يقال بلزوم الاحتياط من جهة أنه حال أخذ مال الغير تنجز على الاخذ التكليف برده فمع الجهل العارض بعده يحتمل التكليف المنجز والشك فيه مساوق للشك في استحقاق العقوبة مع المخالفة. وهذه الشبهة ربما توجب الاحتياط كما لو تردد الفوائت بين الاقل والاكثر ويرد عليه النقض بما لو كان مدينا وتردد دينه بين الاقل والاكثر ولا أظن أحدا يلتزم بلزوم الاحتياط، والحل أن احتمال وجود القطع في زمان مع الشك الفعلي لا يجدى ألا ترى أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث لا يعتني بشكه مع القطع بأنه لو كان محدثا كان عالما بالحدث في حال إحداثه لكن في المقام شبهة أخرى و هي أن يد الغير أمارة الملكية وأمارية يد الانسان لنفسه مطلقا محمل إشكال لبعض الاخبار وهو رواية جميل بن صالح عن السراد (رجل وجد في بيته دينارا فقال: يدخل في منزله غيره؟ قلت: نعم كثير، قال: هذه لقطة، قلت: فوجد في صندوقه دينارا قال: يدخل أحديده في صندوقه غيره ويضع فيه شيئا؟ قلت: لا قال فهو له) (1)


(1) الوسائل كتاب اللقطة ب 7 ح 2.

[ 127 ]

فنقول: من لم يبال في تصرفاته بين الحرام والحلال لا دليل على طريقية يده على ملكيته لاحتمال أن يكون يده كيد من وجد في بيته الذي يدخل فيه غيره دينارا والاجماع على أمارية اليد مطلقا غير محقق. { ولا يجب في الكنز حتى يبلغ قيمته عشرين دينارا، وكذا في المعدن على رواية البزنطي ولا في الغوص حتى تبلغ دينارا، ولا في أرباح التجارات إلا فيما فضل منها عن مؤونة السنة له ولعياله، ولا يعتبر في الباقية مقدار }. أما اعتبار النصاب فيما ذكر فقد مر الكلام فيه كما أن مقتضى الاطلاقات عدم اعتبار النصاب في غير ما ذكر { ويقسم الخمس ستة أقسام على الاشهر ثلاثة للامام عليه السلام وثلاثة لليتامى والمساكين وأبناء السبيل ممن ينتسب إلى عبد المطلب بالاب وفي استحقاق من ينتسب إليه بالام قولان أشبههما أنه لا يستحق }. المشهور بين أصحابنا - رضوان الله تعالى عليهم - شهرة كادت تكون إجماعا أن الخمس يقسم ستة أقسام ويدل عليه قوله تعالى - واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسة وللرسول - الاية) وتدل عليه أيضا أخبار مستفيضة كموثقة ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام في قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه - الاية) قال: خمس الله للامام عليه السلام وخمس الرسول للامام عليه السلام وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول: الامام، واليتامى يتامى الرسول والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم فلا يخرج منهم إلى غيرهم) (1) ومرفوعة أحمد بن محمد عن بعض أصحابنا قال: (الخمس من خمسة أشياء - إلى أن قال: - فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم سهم الله وسهم للرسول صلى الله عليه وآله وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى و سهم للمساكين وسهم لابناء السبيل فالذي لله فرسوله أحق به [ فلرسول الله خ ل ] فهو له خاصة، والذي للرسول هو لذي القربى والحجة في زمانه فالنصف له خاصة والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد عليهم السلام الذين لا تحل


(1) التهذيب ج 1 ص 385.

[ 128 ]

لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس فهو يعطيهم على قدر كفايتهم فإن فضل منهم شئ فهو له وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده كما صار له الفضل كذلك لزمه النقصان) (1). وفي قبال قول المشهور قول نسب إلى بعض الاصحاب يقسم خمسة أقسام سهم لرسوله وسهم ذي القربى لهم والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وأبناء السبيل. وإلى هذا القول ذهب أكثر العامة ولا ريب في ضعف هذا القول وإن كان قد توهمه صحيحة ربعي بن عبد الله بن جارود عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقي منه خمسة أخماس ويأخذ خمسة ثم يقسم الاربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم يقسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه ثم يقسم الاربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يعطى كل واحد منهم حقا و كذلك الامام عليه السلام يأخذ كما يأخذ الرسول صلى الله عليه وآله) (2) ولا يخفى أنه لا - ظهور لها فيما ذكر فلعله صلى الله عليه وآله كان يأخذ دون حقه وكذلك الامام عليه السلام يأخذ دون حقه. وأما اختصاص الثلاثة بالامام عليه السلام فيدل عليه جملة من الاخبار كموثقة ابن بكير ومرفوعة أحمد بن محمد المتقدمتان وما عن تفسير النعماني بإسناده عن علي عليه السلام قال: (الخمس يجري من أربعة وجوه من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين ومن المعادن ومن الكنوز ومن الغوص ويجرى هذا الخمس على ستة أجزاء فيأخذ الامام عليه السلام منها سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى ثم يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد صلى الله عليه وآله ومساكينهم وأبناء سبيلهم) (3) و لكن الموثقة لا يظهر منها اختصاص سهم ذي القربى بالامام عليه السلام. وحكي عن ابن


(1) التهذيب ج 1 ص 385. (2) التهذيب ج 1 ص 385 والاستبصار ج 2 ص 56. (3) الوسائل أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 12.

[ 129 ]

الجنيد عدم اختصاص سهم ذي القربى بالامام عليه السلام، وربما يظهر هذا من بعض الاخبار كخبر زكريا بن مالك الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن قوله الله عزوجل (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فقال: أما خمس الله عزوجل للرسول يضعه في سبيل الله، وأما خمس الرسول فلا قاربه، وخمس ذوي القربى فهم أقرباؤه وحدها واليتامى يتامى أهل بيته فجعل هذه الاربعة أسهم فيهم وأما المساكين وابن السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة ولا تحل لنا فهي للمساكين وأبناء السبيل) (1) وغيره من الاخبار ولكن المتعين صرفها إلى ما لا ينافي الاخبار المتقدمة ولعلها مشوبة بالتقية، وقد حكي هذا القول عن الشافعي، وأما الثلاثة من الاسهم الستة وهي نصف الخمس فللايتام والمساكين وأبناء السبيل من أقارب النبي صلى الله عليه وآله ممن حرم عليهم الصدقة بلا خلاف ظاهرا، وتدل عليه النصوص الكثيرة وقد تقدم بعضها وأما الاختصاص بمن انتسب من طرف الاب دون الام فهو الاشهر بل المشهور بل لم يتحقق الخلاف إلا من السيد (قده) وعن الحدائق صريحا اختيار استحقاق من انتسب من طرف الام ناسبا إلى كثير من الاصحاب والدليل على المشهور أن المتبادر من إطلاق بنى هاشم أو بني عبد المطلب من انتسب من طرف الاب وإن كان إطلاق الابن على المنتسب من طرف الام على نحو الحقيقة ويشهد له مرسلة حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام قال: (الخمس من خمسة أشياء - إلى أن قال: - ومن كانت أمة من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحل له وليس له من الخمس شئ، لان الله تعالى يقول: (ادعوهم لابائهم) - الحديث) (2) والمرسل من أصحاب الاجماع وقد يؤيد ذلك بأنه لو كان الانتساب من طرف الام إلى بنى هشام موجبا لحرمة الصدقة، وإباحة الخمس لاشتهر ذلك من الصدر الاول واستقرت السيرة على ضبط النسبة وحفظها مع أنه


(1) التهذيب ج 1 ص 385 والمقنع ص 15 والخصال ج 1 ص 157. (2) الكافي ج 1 ص 540. والتهذيب ج 1 ص 386، والاستبصار ج 2 ص 56.

[ 130 ]

ليس كذلك. { وهل يجوز أن تخص به طائفة حتى الواحد؟ فيه تردد والاحوط بسطه عليهم ولو متفاوتا }. المعروف بين الاصحاب عدم وجوب البسط واستدل عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن عليه السلام (وسئل عن قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) قال: فما كان لله فللرسول صلى الله عليه وآله وما كان للرسول (صلى الله عليه وآله) فهو للامام (عليه السلام) فقيل: أفرأيت إن كان صنف أكثر من صنف وصنف أقل من صنف كيف يصنع به فقال: ذلك إلى الامام، أرايت رسول الله صلى الله عليه وآله كيف صنع إنما كان يعطي على ما يرى، وكذلك الامام عليه السلام) (1). لا ريب في عدم وجوب البسط بالنسبة إلى أفراد الصنف وأما وجوب البسط بالنسبة إلى الاصناف المذكورة فهو مبني على كون المقام من باب التشريك كالوقف على الاولاد ولازم التشريك التسوية بين الاصناف كما في المثال، والمستفاد من الصحيحة عدم لزومها واحتمال أن يكون فعل الرسول صلى الله عليه وآله وفعل الامام عليه السلام من باب الولاية كما كان أخذهما من باب الولاية وترجيح بعض الاصناف على بعض لبعض المرجحات بعيد جدا، فمع عدم التشريك يكون الاصناف مصارف للخمس كالوقف على صنف يكون أفراده غير محصورين فيجوز التأدية بالنسبة إلى صنف واحد، واستدل أيضا بالسيرة والاجماع ولكن دعوى الاجماع مشكلة مع مخالفة بعض وتردد بعض آخر، ويمكن الاستدلال بمرسلة حماد الطويلة حيث قال فيها (ويقسم بينهم على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شئ كان للوالي - إلى أن قال: - وليس في مال الخمس زكاة لان فقراء الناس جعل أرزاقهم في أموال الناس على ثمانية أسهم فلم يبق منهم أحد وجعل للفقراء - قرابة الرسول - نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات الناس - الحديث) حيث يظهر منها أن الفقراء المجعول لهم نصف الخمس مثل الفقراء المجعول لهم الزكاة، ومرسلة


(1) التهذيب ج 1 ص 385 واللفظ له وفي الكافي ج 1 ص 544.

[ 131 ]

أحمد المضمرة وفيها (النصف له خاصا والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك الخمس فهو يعطيهم على قدر كفايتهم فإن فضل منهم شئ فهو له وإن نقص منهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده كما صار له الفضل لزمه النقصان) (1). { ولا يحمل الخمس إلى غير بلده إلا مع عدم المستحق فيه، ويعتبر الفقر في اليتيم ولا يعتبر في ابن السبيل، ولا تعتبر العدالة، وفي اعتبار الايمان تردد واعتباره أحوط }. اختار المصنف وجماعة عدم جواز حمل الخمس إلى غير بلده إلا مع عدم المستحق فيه واستدل له بوجوه أحدها منافاة الحمل للفورية التي يظهر من بعض الكلمات الالتزام بوجوبها. الثاني استلزامه تأخير الحق مع عدم رضى المستحق. الثالث: كونه تعزيرا للمال وتعريضا لتلفه ولا يخفى عدم تمامية هذه الوجوه للمنع، أما الفورية فلا دليل على وجوبها غاية الامر المنع عن التأخير الناشئ عن الاهمال و المسامحة الموجبة لاضاعة الحق أو مع مطالبة ولي الامر. وأما الوجه الثاني فليس المستحق خصوص من في البلد حتى يراعى رضاه بل هو ومن في خارج البلد سيان، فكيف يراعى رضاه دون رضا غيره فلا يتم وأما الوجه الثالث فهو غير مطرد مع أنه يوجب الضمان ولا يقتضي الاثم وربما يستأنس عدم الجواز بما روي في باب الزكاة من (أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقسم صدقة أهل البوادي على أهل البوادي وصدقة أهل الحضر على أهل الحضر) (2) ولكنه محمول على الاستحباب فضلا عن التعدي منه إلى الخمس. وأما اعتبار الفقر في اليتيم بمعنى الطفل الذي لا أب له فهو المشهور ويشهد له مرسلة حماد المتقدمة وغيرها مما يدل على أن الخمس عوض الصدقة ومقابلته للمساكين لا تدل على المباينة كما في آية الزكاة.


(1) التهذيب ج 1 ص 385. (2) الكافي ج 3 ص 544 تحت رقم 8.

[ 132 ]

وأما عدم اعتبار الفقر لابن السبيل فادعي عدم الخلاف فيه بالنسبة إلى بلده. بل يكفى الحاجة في بلد التسليم ويشهد لاعتبار الحاجة في بلد التسليم مرسلة حماد المتقدمة وعدم كون المسافر المتمكن في حال سفره متبادرا من إطلاق ابن -. السبيل. وأما عدم اعتبار العدالة فهو المشهور ويشهد له العمومات والاطلاقات. وأما اعتبار الايمان ففيه تردد ينشأ من ملاحظة العمومات والاطلاقات وشمولها لغير المؤمن ومن تصريح جماعة باشتراط الايمان بل في الجواهر لا أجد فيه خلافا محققا، ويؤيده أن الخمس إكرام من الله تعالى لبنى هاشم وغير المؤمن لا يستحق الاكرام فلا يبعد دعوى انصراف آية الخمس. { ويلحق بهذا الباب مسائل: الاولى ما يختص به الامام من الانفال: و هو ما يملك من الارض بغير قتال سلمها أهلها أو انجلوا }. النقل لغة الزيادة، ففي المقام ما كان زيادة على غيره تفضلا من الله تعالى فمنها ما يملك من الارض بغير قتال سواء انجلى عنها أهلها أو سلموها طوعا بلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه أخبار كثيرة منها رواية ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الانفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاف. أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الاودية فهي لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو للامام من بعده يضعه حيث يشاء) (1) ومنها خبر زرارة المروي عن تفسير العياشي عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الانفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب) (2) ومنها مرسلة حماد بن عيسى المروية عن الكافي والتهذيب عن العبد الصالح عليه السلام وفيها (وله بعد الخمس الانفال والانفال كل أرض خربة قد باد أهلها وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولاركاب ولكن صالحوا صلحا وأعطوا


(1) الكافي ج 1 ص 539 تحت رقم 3. (2) الوسائل أبواب الانفال ب 1 ح 23.

[ 133 ]

بأيدييم على غير قتال - الحديث) (1). { والارض الموات التي باد أهلها أو لم يكن لها أهل، ورؤوس الجبال و بطون الاودية والاجام، وما يختص به ملوك أهل الحرب من الصوافي والقطايع غير المغصوبة وميراث من لا وارث له }. ومنها الارض الموات وهي كل أرض معطلة لا يمكن الانتفاع بها إلا بعمارتها وإصلاحها سواء ملكت ثم باد أهلها أو لم يجر عليها ملك بلا خلاف ظاهرا وتدل عليه الاخبار المذكورة في خصوص الارض الخربة وفي التي لم يكن لها أهل ما في المرسلة المذكورة من قوله عليه السلام (وله رؤوس الجبال وبطون الاودية والاجام وكل أرض ميتة لا رب لها وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم على غير وجه الغصب لان الغصب كله مردود وهو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له - الحديث) والظاهر أن تقييد الارض الموات بالقيد المذكور احتراز عما كان لها مالك معروف فإنها إن كانت مملوكة بدون الاحياء تكون له بلا خلاف ظاهرا وإن كانت مملوكة بالاحياء ففي زوال ملكيتها بعروض الخراب لها ورجوعها إلى ملك الامام عليه السلام وعدمه قولان في باب الاحياء ومنها المذكورات في المتن ويدل عليه ما في المرسلة المذكورة وصحيحة داود بن فرقد (2) قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام قطائع الملوك كلها للامام وليس للناس فيها شئ) والمراد من القطائع الاراضي المقتطعة لهم و الصفايا هي المنقولات النفيسة التي تكون للملوك. { وفي اختصاصه بالمعادن تردد أشبهه أن الناس فيها شرع، وقيل: إذا غزا قوم بغير إذنه فغنيمتهم له، والرواية مقطوعة }. اختلف في المعادن هل هي من الانفال أم لا فنسب القول بأنها من المعادن إلى جماعة من أعيان القدماء كالكليني والقمي والشيخين والقاضي (قده) وقيل: لا، بل خصوص المعدن الذي في أرض الامام عليه السلام من الانفال وهو مذهب جمهور


(1) الكافي ج 1 ص 540، والتهذيب ج 1 ص 385. (2) التهذيب ج 1 ص 388.

[ 134 ]

المتأخرين واستدل للقول الاول بموثقة إسحاق بن عمار المروية في تفسير القمي عن الانفال فقال: (هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول صلى الله عليه وآله وما كان للملوك فهو للامام وما كان من الارض الخربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وكل أرض لا رب لها والمعادن منها ومن مات وليس له مولى فماله من الانفال) (1) والمروي في تفسير العياشي عن أبي بصير (وما الانفال؟ قال: منها المعادن والاجام - الحديث) والاخبار الدالة على أن الدنيا وما عليها لرسول الله صلى الله عليه وآله مع ما دل أن ما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للامام عليه السلام، ومنها المعادن. ويمكن الجواب بأن الاخبار الدالة على أن الدنيا وما عليها لرسول الله صلى الله عليه وآله مأولة إلى معنى لا ينافي ملكية الناس ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام كانوا يعاملون مع أموال الناس معاملة ملك الغير. وغير الموثقة المذكورة ضعيفة السند ولم يعلم اعتماد القدماء عليها حتى ينجبر السند وأما الموثقة فدلالتها غير ظاهرة لان بعض النسخ أبدل فيه لفظ منها بعد لفظ المعادن بفيها وعلى تقدير صحة لفظ منها يمكن رجوع الضمير إلى الارض خصوصا مع القرب لا إلى الانفال فلعل ذهاب القدماء كان من جهة الاستظهار الذي لايتم عند المتأخرين ومع ذلك كله يكون التردد في محله. وأما الغنيمة الحاصلة بالغزو بغير إذن الامام عليه السلام فالمشهور أنه للامام عليه السلام واستدل عليه بمرسلة العباس الوراق عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا غزا قوم بغير إذن الامام عليه السلام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام، و إذا غزوا بأمر الامام (عليه السلام) فغنموا كان للامام الخمس) (2) وضعف السند منجبر بالشهرة ونفي الخلاف، ويمكن الاستدلال بمفهوم القيد الوارد في صحيحة معاوية بن وهب أو حسنته بإبراهيم بن هشام قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام السرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف يقسم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام عليه السلام أخرج


(1) الوسائل أبواب الانفال ب 1 ح 20. (2) التهذيب ج 1 ص 388.

[ 135 ]

منها الخمس لله وللرسول صلى الله عليه وآله وقسم بينهم أربعة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للامام يجعله حيث أحب) (1) حيث أن الاصل في القيود المدخلية في الحكم. { الثانية لا يجوز التصرف فيما يختص به مع وجوده [ في ما بيننا ] إلا بإذنه وفي حال الغيبة لا بأس بالمناكح، وألحق الشيخ المساكن والمتاجر }. لا إشكال في حرمة التصرف فيما يختص بالامام عليه السلام كما هو الشأن في سائر الاملاك بالاضافة إلى مالكها بمقتضى القواعد وأصول المذهب، ولكن وقع الخلاف بين الاصحاب في الانفال بل ما يستحقه بالخمس في أنه هل أبيح للشيعة مطلقا أو في الجملة في زمان الغيبة أو مطلقا على وجوه فعن الشهيدين وجماعة التصريح بإباحة الانفال جميعها للشيعة في زمان الغيبة، وعن كثير من الاصحاب قصر الاباحة والتحليل على المناكح والمساكن والمتاجر، وحكي عن المفيد قصر التحليل على المناكح، وعن أبي الصلاح في المختلف تحريم الثلاثة، فنقول: لا ينبغي الارتياب في حلية ما كان من الانفال من قبيل الارضين الموات والمعادن ورؤوس الجبال وبطون الاودية والاجام وتوابعها لجريان السيرة على المعاملة معها معاملة المباحات الاصلية فلا ريب في إباحتها للشيعة ويشهد لها جملة من الاخبار منها صحيحة عمر بن يزيد عن أبي سيار مسمع بن عبد الملك في حديث قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أن أجسها عنك وأعرض لها وهي حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا فقال: مالنا من الارض وما أخرج الله منها إلا الخمس يا أبا سيار؟ الارض كلها لنا فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله فقال لي: يا أبا سيار قد طيبناه لك وأحللناك منه فضم إليك مالك وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا عليه السلام فيجيبهم طسق (2) ما كان في أيديهم ويترك الارض


(1) الكافي ج 5 ص 43 باب قسمة الغنيمة. (2) الطسق: الوظيفة من الخراج.

[ 136 ]

في أيديهم وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا عليه السلام فيأخذ الارض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة) (1). وأما المناكح والمساكن والمتاجر فقد صرح جماعة بحليتها في زمان الغيبة، وقد وقع التصريح بها للشيعة في المرسل المروي عن غوالي اللئالي عن الصادق عليه السلام قال: سأله بعض أصحابه فقال، (يا ابن رسول الله ما حال شيعتكم فيما خصكم الله به إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم؟ فقال عليه السلام: ما أنصفناهم إن أخذناهم ولا أحببناهم إن عاقبناهم نبيح لهم المساكن لتصح عباداتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكو أموالهم) (2) ويدل عليها أيضا في الجملة أو مطلقا جملة من الاخبار منها الروي عن تفسير العسكري عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام (أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: قد علمت يا رسول الله أنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولى على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه فلا يحل لمشتريه لان نصيبي فيه فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب ولتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام) (3). ومنها الاخبار المذكورة سابقا التي يظهر منها إباحة الخمس بناء على حملها على حلية هذه الثلاثة والمراد من المناكح كما صرح به غير واحد السراري المغنومة من أهل الحرب فإنه يباح للشيعة في زمان الغيبة تملكها بالشراء ونحوه و وطؤها وإن كان جميعها للامام عليه السلام كما لو كانت الغنيمة بغير إذنه بناء على كونه من الانفال أو بعضها كما لو كانت الغنيمة مع الاذن أو قلنا بأنه لا يجب فيها مطلقا إلا الخمس والمراد بالمساكن ما يتخذ منها في الارض المختصة بالامام عليه السلام كالمملوكة بغير قتال ورؤوس الجبال ونحوها، أو المشتركة بينه وبين غيره


(1) التهذيب ج 1 ص 391، والكافي ج 1 ص 480. (2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 555. (3) الوسائل أبواب الانفال ب 4 ح 20، وفي تفسير العسكري عليه السلام ص 31.

[ 137 ]

كالمفتوحة عنوة المنتقلة إلى الشيعة من أيدي المخالفين والمراد بالمتاجر المال المنتقل ممن لا يخمس والقدر المتيقن منه فيما إذا كان ممن يستحل الخمس كالمخالف وشبهه لا مطلق من لا يخمس لانصراف أدلة التحليل إليه وعلى تقدير منع الانصراف اتجه صرفها إليه جمعا بينها وبين الاخبار الدالة على أنه لا يحل شراء شئ من الخمس ولا يخفى أنه بناء على تفسير المساكن وغيرها بما ذكر لا اختصاص لها بالتحليل بل كل ما يكون من الانفال أو يأخذ ممن يستحل الخمس أو يؤخذ من السلطان الجائر الذي يرى لنفسه الولاية يكون محللا للشيعة، ثم إنه قد يقال المقصود بالتحليل والاباحة الواردة في الاخبار وفي كلمات الاصحاب ليس مجرد جواز التصرف وحلية الانتقاع وإلا لم يجز وطي الامة ولا البيع ولا العتق ولا بيع المسكن ووقفه، بل المقصود إمضاء جميع التصرفات المتعلقة بما يستحقة الامام عليه السلام من النقل و الانتقال والتملك بالحيازة وغير ذلك على النحو المتعارف فلا يجب حينئذ تطبيقها على القواعد الكلية، ويمكن أن يقال: لا مانع من التطبيق على القواعد وقد سبق الكلام في هذا وحاصله أنه كما يلتزم في مثل كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه بأن التالف قبل تلفه آنا ما انتقل إلى البايع ثم تلف من ماله ويلتزم في المعاطاة بناء علي القول بإفادتها الاباحة لا الملكية بأنه مع التلف أو التصرف ينتقل غير الملك إلى المباح له ويصير ملكا صونا للقواعد كذلك يمكن القول في المقام بأنه ما لم يقع التصرف المحتاج إلى الملكية كالوطي والبيع على القول بأن حقيقته أن يرجع الثمن إلى مالك المثمن ويرجع المثمن إلى مالك الثمن و المعتق المحتاج إلى الملكية لا ملكية في البين بل مجرد الاباحة ومع وقوع ما يحتاج إلى الملكية تحصل الملكية آنا ما صونا للقواعد المسلمة ولا حاجة إلى بعض التوجيهات البعيدة. { الثالثة يصرف الخمس إليه مع وجوده [ بيننا ] وله ما يفضل عن كفاية الاصناف من نصيبهم وعليه الاتمام لو أعوز، ومع غيبته يصرف إلى الاصناف الثلاثة مستحقهم }.

[ 138 ]

إثبات لزوم التأدية إلى الامام عليه السلام في زمان الحضور من الاخبار مشكل مع عدم مطالبته وإن اشتهر بين الفقهاء في جميع الخمس وإن كان لازما في خصوص حق الامام عليه السلام وقد يوجه بأن إفراز حق الامام لا يجوز بغير إذنه فلابد من تأدية المجموع إليه لكن هذا لا يثبت المطلوب لامكان أن يؤدي الخمس إلى المستحق ويوكل في تأدية سهم الامام عليه السلام إليه فيكون المؤدى مشتركا بين الامام عليه السلام والمستحق من الطوائف الثلاثة وأما أن الفضل له عليه السلام ومع الاعواز يتم، فتدل عليه مرسلة حماد المتقدمة وغيرها وقد يستشكل وجوب التتميم مع الاعواز بأن هذا مخصوص بزمان بسط اليد كالسلاطين الذين ينقل إليهم الخراج ويصرفونه في مصارفه، و أما مع عدم بسط اليد فليس التتميم عليه ولا يخفى أن حكم المذكور ليس حكما لمجموع الاخماس التي تنقل إلى الامام عليه السلام مع بسط اليد بل هو حكم لكل فرد منه، ومن المعلوم أنه لا يفي بالبسط على مجموع أفراد الطوائف الثلاثة ولهذا يقال: كل صنف من الاصناف يكون مصرفا لا بافراده لعدم إمكان صرف مقدار قليل من الخمس في الافراد الغير المحصورة ومع عدم حضور الامام عليه السلام يصرف إلى الاصناف الثلاثة ما يستحقون من النصف لما سبق من عدم العمل بالاخبار التي يظهر منها الاباحة وتقديم الاخبار المقابلة لها فلابد من إيصال الحق إلى مستحقه والوجه الذي ذكر لوجوب تأدية مجموع السهام إلى الامام عليه السلام من أنه ليس لمن عليه الخمس إفراز حق الامام عليه السلام يأتي هنا فلابد لرده كلا إلى من يتصدى حق الامام وهو الحاكم ومع عدم التمكن عدول المؤمنين وقد سبق عدم تمامية الوجه المذكور. { وفي مستحقه عليه السلام أقوال: أشبهها جواز دفعه إلى من يعجز حاصلهم من الخمس عن قدر كفايتهم على وجه التتمة لا غير }. الاقوال المعروفة أحدها أن ما يستحقه من النصف مباح للشيعة نسب هذا القول إلى الديلمي على ما حكي عن ابن فهد (قده) في شرح النافع ولا يظهر له وجه إلا أن يتمسك بالاخبار الدالة على إباحة الخمس كلا، وقد سبق الكلام

[ 139 ]

فيه وعلى تقدير القول بالاباحة لا تخصيص لسهم الامام عليه السلام بل لابد من القول بإباحة الكل، والثاني أنه يجب عزله وحفظه ثم يوصى به عند ظهور أمارة الموت، و الثالث أنه يدفن والظاهر أن القائل في القول الثاني والثالث نظره إلى مجموع الخمس حتى حق الطوائف الثلاث، ولا ريب في ضعفه لانه يوجب حرمان المستحقين الطوائف الثلاث، والرابع الوصاية أو الدفن في خصوص سهمه عليه السلام وضعف هذا القول بأن الدفن تعريض للمال معرض التلف وتضييع له وتصرف بغير رضا صاحبه، والوصية أيضا كذلك وليس هذا مثل الوصية بالنسبة إلى مال الغائب للفرق بينهما كما لا يخفى والخامس صرف حصته عليه السلام إلى الطوائف الثلاث على وجه التتمة ويظهر وجهه مما ذكر وقد يقال بجواز صرفه في الطوائف الثلاث بل و غيرهم من جهة القطع برضا الامام عليه السلام به وكفاك شاهدا لذلك التتبع في أحوال الائمة صلوات الله عليهم وما صدر منهم من أخبار التحليل فإنه يستفاد منه استفادة قطعية أن أحب ما يكون لديهم التوسعة على الشيعة والارفاق بهم. ولقائل أن يقول: القطع بالرضا لا يفيد في حصول الملكية ألا ترى أنه لو قطع برضا أحد ببيع ملكه فباع القاطع لا يخرج البيع عن الفضولية وكذلك الهبة نعم الاكل و الشرب وأمثالهما من التصرفات يكفي فيه الرضا الباطني، وأما مثل البيع والهبة و العتق ونحوها فالرضا الباطني لا يكفي. والحمد الله أولا وآخرا وقد فرغ مؤلفه الفقير في ليلة السابع عشر النجومية من شهر محرم الحرام من عام 1383 أحمد الموسوي الخوانساري.

[ 140 ]

كتاب الصوم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم اجمعين إلى يوم الدين. { كتاب الصوم وهو يستدعي بيان أمور: الاول الصوم وهو الكف عن المفطرات مع النية ويكفي في شهر رمضان نية القربة وغيره يفتقر إلى التعيين، وفي النذر المعين تردد }. الصوم في اللغة الامساك فعن أبي عبيدة انه قال: (كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم) وفي القاموس (صام صوما وصياما واصطام أمسك عن الطعام والشراب والكلام والنكاح) وظاهر كلامهما أن الصوم لغة هو الامساك عن أشياء مخصوصة إلا أن يكون نظرهما إلى بيان بعض المصاديق وكيف كان فهو في عرف المتشرعة وإطلاقات الشارع الكف عن المفطرات مع النية بمعنى قصد القربة ومع كون اليوم ظرفا لا حاجة إلى التقييد به ومع الالتفات إلى المفطرات تفصيلا لا إشكال ومع عدم الالتفات تفصيلا قد يقال بكفاية قصد الكف عما هو مفطر و لو لم يلتفت بمفطرية بعضها وهذا غير بعيد مع العزم على الكف عما هو طرف الشبهة، وأما عدم العزم كذلك فيشكل مع تصريح الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - باعتبار الكف عن المفطرات مع النية. وأما النية فقد مر في مباحث العبادات من الوضوء والغسل وغيرهما الاكتفاء فيها بالارادة الاجمالية المنبعثة عن الامر أو الرجحان وعدم الحاجة إلى إرادة تفصيلية مقارنة لاول آنات الاخذ في الاطاعة، ثم إنه قد يقال لا يعتبر في الصوم

[ 141 ]

أن يكون التروك المعتبرة فيه صادرة عن عزمه كما يعتبر ذلك في الافعال الاختيارية الوجودية لان للتروك أسبابا لا تتناهى فربما يجتمع مع العزم على الترك عدم المقتضي للفعل فيكون الترك حينئذ مستندا في العرف إلى عدم المقتضى لا العزم على الترك فالمعتبر الترك مع النية لا الناشي عن النية بخلاف العبادات التي تعلق التكليف فيها بالفعل، ولا يخفى أن العبادات الوجودية أيضا قد يكون بعض أجزائها وشرائطها خارجة عن الاختيار فلو كان المصلي قائما بغير اختيار بحيث لا يقدر على غير القيام كان قيامه الذي جزء صلاته خارجا عن قدرته فالقيام ليس بنا شئ عن النية كما أنه قد يكون ركوعه وسجوده أيضا بغير اختياره كما لو كانا بفعل الغير قهرا ولا يخفى أنه على هذا التقدير كما لا تكون الافعال ناشئة عن النية لا تكون مع النية أيضا، لان النية عبارة عن الارادة التفصيلية أو الاجمالية المعبر عنها بالداعي قربة إلى الله تعالى فمع عدم الاختيار كيف تتحقق حتى يقال: تحقق الفعل مع النية، فالطائف بالبيت بغير اختيار منه بل بفعل الغير قهرا أو الراكع والساجد بفعل الغير قهرا هل خرج عن عهده التكليف بمجرد العزم التقديري بمعنى أنه لو لم يكن مقهورا لكان عازما على المكلف به قربة إلى الله تعالى ولازم ما ذكر أنه لو لم يكن المكلف قادرا على شئ من المفطرات كان إمساكه الناشي عن عدم التمكن كافيا في صحة صومه لو كان له عزم تقديري بمعنى أنه لو كان متمكنا لكان تاركا لها قربة إلى الله تعالى والالتزام به مشكل والظاهر عدم الفرق بين العبادات و على هذا فصحة الصوم مع الغفلة على خلاف القاعدة ومجرد كون الترك مع الغفلة ناشيا عن العزم السابق لا يصحح ولذا لا يكتفي في مثل الصلاة بالعزم السابق الموجب لتحقق الفعل مع الغفلة حال الفعل بحيث لو سأل لم يلتفت إلى كونه مصليا. ثم إن الظاهر أنه يعتبر تعيين المأمور به بحيث يتميز عن غيره مما يشاركه في الجنس ولا فرق في ذلك بين وحدة الطلب وتعدده، ألا ترى أنه لو أمر المولى، بضرب اليتيم تأديبا ليس للعبد ضربه لا بعنوان التأديب مع أن الطلب واحد، نعم يمكن أن يصير الطلب طريقا إلى تعيين المأمور به فيقصد المأمور ما هو مطلوب

[ 142 ]

بالطلب المتوجه إليه، ولعل نظر المصنف (قده) إلى هذا حيث قال: (يكفي في شهر رمضان نية القربة) لكنه يتأتى السؤال عن الفرق بين شهر رمضان وغيره حيث يمكن في غيره جعل الطلب طريقا إلى التعيين كما لو كان الطلب متعلقا بقضاء صوم شهر رمضان ولا يجب عليه صوم آخر وقد يفرق بين صوم رمضان وغيره بأن صوم رمضان المبارك حيث لا يشاركه غيره في زمانه لا يحتاج إلى فصل غيره يميزه عن ساير الانواع وراء إضافته إلى زمانه فالزمان بالنسبة إلى سائر أنحاء الصوم ظرف لتحققها وبالنسبة إلى صوم رمضان مقوم لمفهومه ولازم هذا كفاية قصد صوم الغد مع الشك في أنه آخر شعبان أو أول رمضان بأي قصد كان والظاهر عدم التزامهم به كما سيجئ إن شاء الله تعالى. وأما النذر المعين فوجه التردد في كفاية مجرد قصد القربة فيه ملاحظة أن الزمان غير قابل لصوم آخر غير المنذور فيكفي مجرد قصد القربة كصوم رمضان وملاحظة أن مجرد هذا لا يكفي، ألا ترى أن الوقت المختص بصلاة الفريضة غير صالح لصلاة أخرى ومع ذلك لابد من قصد الفريضة الخاصة ومجرد قصد القربة لا يكفي. { ووقتها ليلا ويجوز تجديدها في شهر رمضان إلى الزوال وكذا في القضاء ثم يفوت وقتها، وفي وقتها للمندوب روايتان أصحهما مساواة الواجب }. لا إشكال في أنه يعتبر في العبادات حصولها من أولها إلى آخرها بقصد الاطاعة فلابد فيها من إرادة باعثة للمكلف، والظاهر كفاية الارادة الاجمالية من أول العمل إلى آخره خلافا للمعروف من لزوم الارادة التفصلية أول العمل و كفاية الاجمالية إلى آخره وهي التي تعبر عنها بالاستدامة الحكمية هذا في غير الصوم وأما الصوم فيكفي فيه الارادة ليلا وإن نام وغفل لكنه لابد أن يكون المكلف غير منصرف عن قصده وقد يدعى أن اعتبار المقارنة في الصوم مخالف للضرورة فضلا عن لزوم الحرج فإن تحصيل المقارنة غالبا إما متعذر أو متعسر، ولا يخفى أن هذا في صورة لزوم الارادة التفصيلية دون الارادة الاجمالية، فالمعتبر في

[ 143 ]

خصوص الصوم كفاية الارادة الاجمالية الشأنية لكنه حيث كان هذا على خلاف القاعدة حيث لا يكتفي في سائر العبادات بهذا يشكل الاكتفاء بالقصد الحاصل قبل الليل كما لو نوى صوم يوم الجمعة قبله بأيام وغفل وأمسك يوم الجمعة عن المفطرات من دون التفات، بل لابد من الاقتصار على القدر المتيقن. وأما تجديدها في شهر رمضان إلى الزوال بمعنى إيقاعها نهارا فيما بين الليل وبين الزوال فادعي عليه الاجماع ويشهد له ما روي أن ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فشهد برؤية الهلال فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناديا ينادي كل من لم يأكل فليصم ومن أكل فليمسك. (1) فإنه كما يعم الشاك يعم الجاهل والغافل وضعف الرواية من جهة السند مجبور باشتهارها بين الاصحاب واعتمادهم عليها لكنه لا تشمل العامد الملتفت بل يشكل شمولها للناسي ودعوى القطع بعدم الفرق مشكلة. وأما جواز التجديد بالمعنى المذكور في قضاء رمضان فتدل عليه الاخبار منها موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس فإذا زالت [ الشمس ] فإن كان نوى الصوم فليصم وإن كان نوى الافطار فليفطر، سأل فإن كان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: لا - الحديث) (2) ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من أصبح وهو يريد الصيام ثم بداله أن يفطر فله أن يفطر ما بينه وبين نصف النهار ثم يقضي ذلك اليوم فإن بداله أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها) (3) وهذه الصحيحة إطلاقها شامل لقضاء شهر رمضان. وأما انتهاء وقتها عند الزوال فهو المشهور بين الاصحاب في الصوم الواجب واستدل عليه بموثقة عمار المذكورة بل وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله


(1) لم أجده. وفى المستند ج 2 ص 103 استشهد به وفى سنن ابن ماجه أشار إليه في حديث. (2) التهذيب ج 1 ص 431 والاستبصار ج 2 ص 118 وفي ص 121 تمام الحديث. (3) التهذيب ج 1 ص 405.

[ 144 ]

عليه السلام قال: (قلت له: الرجل يصبح ولم ينوى الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأى في الصوم؟ فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى) (1) حيث دلت على أن النية بعد الزوال لا تؤثر في احتسابه صوم يوم كامل، ولا يخفى أن الموثقة مخصوصة بقضاء شهر رمضان كما أن الصحيحة متعرضة لغير شهر رمضان وأما صحيحة هشام فهي على خلاف المطلوب أدل كما لا يخفى فتقول: إن الرواية المذكورة أعني ما روي من أمر النبي صلى الله عليه وآله بعد شهادة الاعرابي إن كانت في حكم المطلق فهي شاملة لبعد الزوال وإن قلنا بأنها قضية في واقعة فمن المحتمل أن تكون شهادة الاعرابي وأمره صلى الله عليه وآله في صبيحة ذلك اليوم فلا مجال لتمديد الوقت إلى الزوال فلايتم الاستشهاد بها للمشهور فلابد من الاقتصار بالقدر المتيقن حيث أن الحكم على خلاف الاصل إلا أن يقال: اعتبار النية من جهة الاجماع ولا إجماع على اعتبارها من أول العبادة في المقام بل المتيقن اعتبارها في الجملة ولو قبل الزوال ويظهر من ابن لجنيد القول بجواز تجديد النية بعد الظهر أيضا وحكي عن المفاتيح و الذخيرة موافقته وتدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من شهر رمضان أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ قال: نعم له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان) (2) ومرسلة أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: (الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان ويصبح فلا يأكل إلى العصر أيجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال: نعم) (3) و لكنه بعد إعراض المشهور يشكل الاخذ بمضمونهما. وأما الصوم المندوب فيدل على امتداد وقت النية فيه إلى الزوال خبر ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل ومضى ما مضى من النهار، قال: يصوم إن شاء وهو


(1) إلى (3) التهذيب ج 1 ص 405.

[ 145 ]

بالخيار إلى نصف النهار) (1) وفي قباله صحيحة هشام المتقدمة وخبر أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة قال: هو بالخيار ما بينه وما بين العصر وإن مكث حتى العصر، ثم بداله أن يصوم وإن لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك إن شاء) (2) وقد يقوى الامتداد إلى ما قبل الغروب بعدم صلاحية خبر ابن بكير لمكافئة صحيحة هشام ورواية أبي بصير لا سندا ولا دلالة، ولا يخفى عدم القصور من جهة الدلالة وأما من جهه السند فضعفه منجبر بعمل المشهور وإن ذهب إلى القول الاخر جماعة فلابد من التخيير الاصولي و الاخذ بأحد الطرفين. { وقيل: يجوز تقديم نية شهر رمضان على الهلال ويجزي فيه نية واحدة } يمكن توجيه هذا بأن المسلم لزوم النية في الصوم سواء كانت فعلية أم تقديرية بحيث لو كان ملتفتا لصام بالنية الفعلية، ولا دليل على أزيد فالمرجع البراءة، ولازم ذلك كفاية النية ولو كانت قبل سنة واتفق الامساك بغير قصد فعلي، ولا أظن أن يلتزم به. وأما إن قلنا بأن الصوم حاله حال سائر العبادات في الحاجة إلى النية الفعلية غاية الامر دل الدليل على جواز أن ينوي صوم الغد ليلا وينام إلى الصبح فلابد من الاقتصار على المتيقن من التوسعة في نية الصوم. { ويصام يوم الثلاثين بنية الندب ولو اتفق من رمضان أجزأ ولو صام بنية الواجب لم يجز، وكذا لو ردد نيته. وللشيخ قول آخر }. أما إجزاء يوم الثلاثين بنية الندب فيدل عليه موثقة سماعة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل صام يوما ولا يدري أمن شهر رمضان هو أم من غيره فجاء قوم فشهدوا أنه كان من شهر رمضان فقال بعض الناس عندنا: لا يعتد به، فقال: بلى، فقلت: إنهم قالوا: صمت وأنت لا تدري أمن شهر رمضان هذا أم من غيره، فقال: بلى فاعتد به فإنما هو شئ وفقك الله له، إنما يصام يوم الشك من شعبان


(1) التهذيب ج 1 ص 443. (2) الكافي ج 4 ص 122 تحت رقم 2. والتهذيب ج 1 ص 405.

[ 146 ]

ولا يصومه من شهر رمضان لانه قد نهي أن ينفرد الانسان بالصيام في يوم الشك وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله وبما قد وسع على عباده، ولولا ذلك لهلك الناس) (1) ومن قوله عليه السلام (ولا يصومه من شهر رمضان إلى آخر) يستفاد عدم الاجزاء لو صام بنية الواجب، وتدل عليه أيضا صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان فقال: عليه قضاؤه وإن كان كذلك) (2) وقوله (من رمضان) يمكن أن يكون متعلقا بيصوم فيكون النظر إلى الصوم المنهي عنه، ويحتمل أن يكون متعلقا بقوله (يشك فيه) فيقيد بصورة النهي بقرينة الموثقة وغيرها. وفي المقام وردت أخبار أخر منها خبر هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه (قال: في يوم الشك من صامه قضاه وإن كان كذلك. يعني من صامه على أنه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه وإن كان يوما من شهر رمضان لان السنة جاءت في صيامه على أنه من شعبان ومن خالفها كان عليه القضاء) (3) هكذا حكي عن التهذيب، فيحتمل كون التفسير من كلام الشيخ أو أحد الرواة. ومنها خبر الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام أن رسول لله صلى الله عليه وآله نهى عن صيام ستة أيام يوم الفطر ويوم الشك ويوم النحر وأيام التشريق) (4) فلابد من حملهما على غير صورة الصيام على أنه من شعبان بقرينة الموثقة أو التقية بقرينة ما فيها من قول الراوي فيها (فقال بعض الناس - إلى آخره). فالصوم يوم الشك على أنه من شعبان لا إشكال في صحته وإجزائه عن صوم شهر رمضان والصوم على أنه من شهر رمضان لا إشكال في بطلانه وعدم إجزائه


(1) الكافي ج 4 ص 82. التهذيب ج 1 ص 404. والاستبصار ج 2 ص 78. (2) التهذيب ج 1 ص 404 والاستبصار ج 2 ص 78. (3) التهذيب ج 1 ص 397. (4) الوسائل أبواب الصوم المحرم ب 1 ح 7.

[ 147 ]

عن صوم شهر رمضان بمقتضى الاخبار، ويقع الكلام في صورتين أحدهما أن يصوم مرددا بمعنى أن يكون مرددا بين إطاعة الامر الندبي وبين الامر الايجابي، و لعله المراد من المتن فحكم بالبطلان من جهة لزوم التعيين في الاطاعة اللازمة في العبادات، الثانية أن يصوم بداعي الامر الواقعي المتوجه إليه حيث أن اليوم إما من شعبان فالامر المتوجه إليه ندبي، وإما من شهر رمضان فالامر المتوجه إليه وجوبي، فحكم بالصحة والاجزاء من جهة عدم الاشكال من جهة الاطاعة وشمول الموثقة لها، ويمكن أن يقال: إما البطلان في الصورة الاولى من الصورتين من الجهة المذكورة ففيه إشكال حيث أن الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - لا يوجبون تعيين الامر لو كان على المكلف قضاء صوم شهر رمضان من العام الذي هو فيه وقضاء صوم شهر رضمان من العام الماضي فالسؤال عن الفرق، وأما الصحة في الصورة الثانية فمشكلة من جهة الحصر في الموثقة أعني قوله عليه السلام على المحكي قبل (إنما يصام يوم الشك - إلى آخره) وإن أبيت من جهة قوله عليه السلام على المحكي قبل هذا (فاعتد به الخ) مع ترك الاستفصال نقول مقتضى صحيحة هشام البطلان لان الصحيحة وإن احتملت كون الظرف فيها أعني قوله: (من رضمان) متعلقا بقوله عليه السلام: (يصوم) لا بقوله: (يشك) واحتمل كون التفسير من الراوي ويؤيد هذا التفسير بقوله يعني لا أعني إلا أن هذا لا يقصر عن الخبر المرسل بل والاخبار الاخر لو لم تحمل على التقية، هذا كله إلا أنه قد يقوى قول الشيخ (قده) بالصحة من جهة أخبار وردت دالة على الصحة والاجزاء مع الترديد منها صحيحة معاوية بن وهب أو حسنته قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان فيكون كذلك فقال: هو شئ وفق له) (1) ومنها مضمرة سماعة قال: (سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري أهو من شعبان أو من رمضان فصامه من شهر رمضان قال: هو يوم وفق له، ولا قضاء عليه) (2) هكذا نقل


(1) الكافي ج 4 ص 82 تحت رقم 3. (2) الكافي ج 4 ص 82 وفى التهذيب ج 1 ص 403 واللفظ له والاستبصار ج 2 ص 78.

[ 148 ]

عن التهذيب وظاهره أنه صامه بقصد أنه من رمضان فيكون منافيا بظاهره للاخبار المتقدمة ولكن عن الكافي نقله هكذا (فكان من شهر رمضان) وهو أضبط وأوثق خصوصا في هذا المورد حيث أن الشيخ على ما يظهر من الحدائق رواه عن الكافي. ومنها عن الكليني والشيخ (ره) في الصحيح عن سعيد بن الاعرج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إني صمت اليوم الذي يشك فيه وكان من شهر رمضان أفأقضيه؟ قال: لا هو يوم وفقت له) (1). ومنها ما عن محمد بن حكيم قال: (سألت أبي الحسن عليه السلام في اليوم الذي يشك فيه فإن الناس يزعمون من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان فقال: كذبوا إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفق له وإن كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الايام) (2) ولا يخفى المعارضة بين هذه الاخبار والاخبار السابقة فيشكل الاخذ بظاهرها مع مخالفة المشهور ويبعد أن يكون أخدهم بالاخبار السابقة من جهة الترجيح. { ولو أصبح بنية الافطار فبان من رمضان جدد نية الوجوب ما لم تزل الشمس وأجزأه. ولو كان بعد الزوال أمسك واجبا وقضاه }. قد سبق الكلام فيه والاشكال حيث أن ما دل على تمديد الوقت إلى الزوال غير ما روي من إصباح الناس يوم الشك ومجئ الاعرابي وشهادته برؤية الهلال لا يشمل صوم شهر رمضان وهذه الرواية إن كانت بحكم المطلق فلا تحديد فيه بما قبل الزوال وإن قيل: قضية في واقعة فلا يمكن إثبات الحكم بها بالنحو المذكور نعم وجوب القضاء على القاعدة. وأما وجوب الامساك في الجملة فيمكن الاستدلال له بالرواية المذكورة، وأما وجوبه في الصورة المذكورة خاصة فمحل إشكال. { والثاني فيما يمسك عنه الصائم وفيه مقصدان: الاول يجب الامساك عن تسعة: الاكل والشرب المعتاد وغيره، والجماع، والاستمناء، وإيصال الغبار


(1) التهذيب ج 1 ص 403 والاستبصار ج 2 ص 88 والكافي ج 4 ص 82. (2) الكافي ج 4 ص 83 والتهذيب ج 1 ص 403 والاستبصار ج 1 ص 77.

[ 149 ]

إلى الحلق متعديا، والبقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر، ومعاودة النوم جنبا، والكذب على الله ورسوله والائمة عليهم السلام، والارتماس في الماء، وقيل: يكره }. لا إشكال في تحريم المعتاد من كل مأكول ومشروب إجمالا بل عد من الضروريات، وأما غير المعتاد منهما فكذلك على المشهور وحكي الاجماع وحكي عن بعض عدم الحرمة وعدم الافساد وربما يستدل لهذا القول بالانصراف بدعوى أن المتبادر إرادة القسم المتعارف منهما وهو ما إذا تعلقا بما يتعارف أكله وشربه كانصراف إطلاق الغسل إلى الغسل بالماء، وأجيب بأن انصرافها عن غير المتعارف منهما من حيث ذات الاكل والشرب كما وكيفا أولى من انصرافهما عن غير المتعارف منهما من حيث المتعلق مع أن هذا مما لم يقل به أحد من المسلمين فهذا يكشف عن أن الحكم بالاجتناب متعلق بطبيعة الاكل والشرب من حيث هي، و يمكن أن يقال: إن الانصراف بمنزلة التقييد اللفظي، والقيد اللفظي تارة يقطع بعدم مدخلية وتارة لا يقطع بعدم مدخلية، ففي المقام نقول: القطع بعدم المدخلية من جهة لا يوجب القطع بعدم المدخلية من جهة أخرى، فالعمدة الاجماع إن تم مع قضاء سيرة المسلمين لمنافاة مطلق الاكل والشرب للصوم وقد يترأى من بعض الاخبار خلاف هذا كصحيحة محمد بن مسلم قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء) (1) هكذا روي عن الفقيه وموضع من التهذيب وعن موضعين آخرين منه بسندين آخرين بلفظ ثلاث خصال. وخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام (أن عليا عليه السلام سأل عن الذباب يدخل حلق الصائم، قال: ليس عليه قضاء لانه ليس بطعام) (2) والانصاف أنه لولا تسلم الحكم وشبهة الاجماع


(1) الفقيه باب آداب الصائم الحديث الاول وفي التهذيب ج 1 ص 409 و 442. و 406 وفى الوسائل أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1. (2) الكافي ج 4 ص 115 وفي التهذيب ج 1 ص 443.

[ 150 ]

كان دعوى التعميم مشكلة. وإما الجماع المتحقق بإدخال الحشفة في القبل للمرأة فلا إشكال في وجوب الامساك عنه، ويدل عليه ظاهر الكتاب قوله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام الرفت إلى نسائكم.... الاية) بضميمة ما عن علي بن إبراهيم في تفسيره مرفوعا قال: قال الصادق عليه السلام: (كان النكاح والاكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم عليه الافطار وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان وكان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقال: له خوات بن جبير أخو عبد الله بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا وكان صائما فأبطات عليه امرأته فنام قبل أن يفطر فلما انتبه قال لاهله: قد حرم علي الاكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له وكان قوم من شبان ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله (أحل لكم ليلة الصيام) (1). والسنة منها الصحيحة المذكورة آنفا. و أما الجماع في دبر المرأة مع الانزال فلا شبهه في وجوب الامساك عنه ويشهد له فحوى ما سيأتي من الافطار بالانزال بغير الوطي وأما بدونه فكذلك على الاظهر الاشهر بل المشهور ويدل عليه عموم الاية الشريفة والصحيحة المتقدمة الدالة على وجوب الاجتناب عن مباشرة النساء، وصحيحة عبد الرحمن بن حجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (2) ويمكن أن يقال: لا إطلاق فيه بحيث يستفاد منه أن كل مجامعة توجب الكفارة، ومما ذكر يظهر الاشكال في وطي الغلام وقد يتمسك ببعض الاخبار كخبر عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام: " (يا ابن رسول الله قد روي عن آبائك عليهم السلام فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، وروي عنهم ايضا كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ قال:


(1) التفسير ص 56 ذيل الاية وهى في سورة البقرة 187. (2) الكافي ج 4 ص 102 تحت رقم 4 والتهذيب ج 1 ص 411.

[ 151 ]

بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم وإن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة، وإن كان ناسيا فلا شئ عليه) (1) ونوقش بعدم الاطلاق من جهة أفراد الجماع وأحواله وعلى فرض الاطلاق وتمامية الرواية من جهة السند يقع المعارضة بينها وبين الصحيحة المتقدمة بالنسبة إلى وطي الغلام ومن هذه الجهة لا مجال للتمسك بما دل على مبطلية الاجناب العمدي في شهر رمضان في ليله أو نهاره وفي من أصبح جنبا عمدا لا يتم لمبطلية وطي الغلام وعلى فرض مسلمية مبطلية الاصباح جنبا عمدا لا يتم مبطلية هذا في نهار شهر رمضان لعدم الملازمة ألا ترى أن البقاء على الجنابة إلى الصبح مبطل والبقاء في النهار لا بوجب البطلان هذا مع أنه يشكل استفادة الفساد من مجرد ثبوت الكفارة لعدم الملازمة كما في الحج، وأما وجوب الامساك عن الاستمناء الذي يحصل به الامناء فلا خلاف فيه، ويدل عليه صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج قال: (سالت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (2) ومرسلة حفص ابن سوقة عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يلاعب اهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان) (3). وموثقة سماعة قال: (سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل؟ قال: عليه إطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين) (4) ومقتضى إطلاق الاخبار فساد الصوم وإن لم يكن خروج المنى مقصودا ولا من عادته لكنه يقيد بصورة الخوف وعدم الوثوق بعدم سبقه ويدل عليه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم جمعيا عن أبي جعفر


(1) التهذيب ج 1 ص 411 والاستبصار ج 2 ص 97. (2) التهذيب ج 1 ص 410. (3) التهذيب ج 1 ص 443. (4) التهذيب ج 1 ص 442.

[ 152 ]

عليه السلام (أنه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان قال: إني أخاف عليه فليتنزه من ذلك إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه) (1) وصحيحة منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (ما تقول في الصائم يقبل الجارية والمرأة؟ فقال: أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس. وأما الشاب الشبق فلا لانه لا يؤمن والقبلة إحدى الشهوتين، قلت: فما ترى في مثلي يكون له الجارية فيلاعبها فقال لي إنك لشبق يا أبا حازم) (2). ولا يخفى أن استفادة الفساد بمجرد ثبوت الكفارة مشكلة ألا ترى أن الحج لا يفسد مع ثبوت الكفارة بإتيان بعض المحرمات على المحرم، نعم لا يبعد استفادة الفساد من صحيحة منصور بن حازم من جهة ظهورها في النهي الوضعي الشامل للصوم الواجب والمندوب مضافا إلى عدم الخلاف ولاجماع المحكي. وأما وجوب الامساك عن إيصال الغبار إلى الحلق ففيه خلاف والمشهور أن إيصاله موجب للفساد والكفارة إذا كان غليظا وظاهر كثير عدم البأس برقيقه و استدل له بما رواه الشيخ (ره) عن سليمان المروزي قال: سمعته يقول: (إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق معتمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في عنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين فإن ذلك له فطر مثل الاكل و الشرب والنكاح) (3) وأجيب بضعف السند مع جهالة القائل وعدم معلومية استناد المشهور إلى هذه الرواية ومعارضتها بما رواه الشيخ في الموثق عن عمرو بن سعيد عن الرضا عليه السلام قال: (سألته عن الصائم يدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه؟ قال: لا بأس. وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه؟ قال: لا باس) (4) واستدل للمشهور أيضا بأنه أوصل إلى جوفه ما ينافي الصوم فكان مفسدا له، و


(1) التهذيب ج 1 ص 428 والاستبصار ج 2 ص 82. (2) الكافي ج 4 ص 104 وفيه زيادة. (3) التهذيب ج 1 ص 413 والاستبصار ج 2 ص 94. (4) التهذيب ج 1 ص 444.

[ 153 ]

الظاهر أن نظر المستدل إلى صدق الاكل وإلا كان مصادرة، ولا يخفى الاشكال فيه من جهتين: إحداهما انصراف الاكل عن مثله وقد سبق الكلام فيه وأنه لولا الاجماع المدعى لما أمكن الاستدلال بما دل على مبطلية الاكل والشرب لمثل المقام وكيف يتم الاجماع مع الخلاف في المسألة. الثانية منع صدق الاكل والشرب بمجرد الوصول المأكول والمشروب إلى الحلق بدون البلع ألا ترى عدم صدق الشرب على إيصال المايع الذي يوصل إلى الحلق لمعالجة الحلق، هذا مضافا إلى الموثقة المصرحة بعدم البأس وحملها على دخول الغبار الرقيق في الحلق كما ترى، وبالجملة المسألة محل إشكال من جهة ما ذكر والشهرة بين الاعلام، وأما التقييد بالتعمد فإن كان من جهة الاحتراز عن صورة وصول الغبار بدون مقدمة اختيارية فله وجه لكنه لا اختصاص بهذا المفطر وإن كان من جهة الاحتراز، أما لو لم يقصد الايصال لكنه وقع معرضا لوصول الغبار إلى حلقه إختيارا فلا يخرج عن الاختيار كما ذكر في مفطرية الاستمناء. وأما وجوب الامساك عن البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر فهو المشهور شهرة عظيمة بل ادعي الاجماع عليه وتدل عليه أخبار منها صحيحة ابن أبي يعفور قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح قال: يتم صومه ويقضي يوما آخر، وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم يومه وجاز له) (1) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل؟ قال: يتم صومه ويقضي ذلك اليوم إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر، فإن انتظر ماء يسخن أو يستقى فطلع الفجر فلا يقضي صومه) (2).


(1) الفقيه باب ما يجب على من أفطر ح 16. والتهذيب ج 1 ص 412. (2) الكافي ج 4 ص 105 والتهذيب ج 1 ص 412.

[ 154 ]

ومنها صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يجنب من أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان؟ قال: ليس عليه شئ، قلت: فإنه استيقظ، ثم نام حتى أصبح قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة) (1). ومنها موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح؟ قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، قال: وقال عليه السلام: إنه حقيق أن لا أراه يدركه أبدا) (2). ومنها موثقة سماعة قال: (سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام وقد علم بها ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر، فقال: عليه أن يتم يومه ويقضي يوما آخر، فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي شهر رمضان قال:، فليأكل يومه وليقض فإنه لا يشبه رمضان شئ من الشهور) (3) وفي قبال هذه الاخبار أخبار أخر منها ما رواه الشيخ (ره) في الصحيح عن العيص بن القاسم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل فأخر الغسل حتى يطلع الفجر، قال يتم صومه ولا قضاء عليه) (4). ومنها ما رواه الصدوق في الصحيح عن العيص بن القاسم (أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل قال: لا بأس) (5). ومنها ما رواه الشيخ عن حبيب الخثعمي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يأخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر) (6).


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 412. (3) التهذيب ج 1 ص 412. (4) الاستبصار ج 2 ص 85 والتهذيب ج 1 ص 411. (5) الفقيه باب ما يجب على من أفطر تحت رقم 18. (6) الاستبصار ج 2 ص 88 والتهذيب ج 1 ص 412.

[ 155 ]

واستدل أيضا بالاية الشريفة (فالان باشروهن - إلى قوله تعالى - حتى يتبين لكم الخيط الابيض لكن الاستدلال بالاية موقوف على شمول الغاية لغير الجملة الاخيرة وهو ممنوع. وأما الاخبار فيمكن الجمع بينها بوجهين أحدهما حمل أخبار المنع على الافضلية وثانيهما حمل أخبار الترخيص على التقية ويبعد الحمل الاول أنه يظهر من الخبر الحاكي لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله تكرر هذا الفعل منه صلى الله عليه وآله وسلم ويبعد الحمل الثاني حكاية فعله بهذا النحو على أنه لا يظهر من الاخبار المانعة بطلان الصوم وفساده بل ظاهر قوله عليه السلام على المحكي يتم صومه عدم الفساد وكذا قوله على المحكي فليقض ذلك اليوم عقوبة نظير ما ورد في من باشر النساء في الحج بناء على صحة الحج الاول ولزوم الحج الثاني عقوبة كما أن التعبير بالقضاء لا ينافي صحة الصوم نظير ما ورد في القضاء في من ترك سورة الجمعة يوم الجمعة في الصلاة، هذا مضافا إلى ما في الصحيح المتقدم من حصر ما يضر الصائم في الخصال الثلاث أو الاربع كما أن لزوم الكفارة لا ينافي الصحة كما في الحج مع أنه يشكل لزومها مع السكوت وغالب الاخبار المانعة فتقوية الحكم بالبطلان أو البطلان مع لزوم الكفارة لا تخلو عن الاشكال لكنه مع ذهاب المشهور يشكل المخالفة وكيف كان فالاخبار المذكورة غير الموثقة المتقدمة غير متعرضة لغير صوم رمضان نعم يظهر من بعض الاخبار جريان الحكم المذكور بالنسبة إلى قضاء شهر رمضان كما عن الصدوق والشيخ - قدس سرهما - في الصحيح عن عبد الله بن سنان (أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع قال: لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره) (1) وما في ذيل الموثقة المتقدمة لكنه يشكل من جهة موثقة ابن بكير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح يصوم ذلك اليوم تطوعا؟ فقال: أليس هو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار) (2) وموثقته الاخرى


(1) الفقيه باب ما يجب على من أفطر تحت رقم 17. والتهذيب ج 1 ص 430. (2) الكافي ج 4 ص 105.

[ 156 ]

أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل ومضى من النهار ما مضى؟ قال: يصوم إن شاء وهو بالخيار إلى نصف النهار) (1) فإن قوله عليه السلام على المحكي (أليس هو بالخيار) الذي هو بمنزلة العلة وترك الاستفصال في الموثقة الثانية يقويان عدم جريان حكم المذكور في قضاء رمضان فيشكل تخصيصهما بمثل صحيح المذكور وترك الاستفصال أقوى من الاطلاق كما لا يخفى. وأما وجوب الامساك عن معاودة النوم جنبا فيدل عليه صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يجنب من أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان؟ قال: ليس عليه شئ قلت: فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح؟ قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة) (2) وصحيحة ابن أبي يعفور قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام، (الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح؟ قال: يتم صومه ويقضي يوما آخر، وإن لم يستيقظ حتى أصبح أتم صومه وجاز له) (3) والكلام السابق أعني الخدشة في استفادة البطلان مما ذكر يجري في المقام لكنه لا مجال للتخطي عما ذهب إليه المعظم وهل يحرم النومة الثانية أم لا؟ فيه قولان صرح بالحرمة في المسالك وربما يستدل للحرمة بقوله عليه السلام في صحيحة معاوية المتقدمة (فليقض ذلك اليوم عقوبة) والعقوبة إنما تثبت على فعل الحرام وأجيب بأن ترتب هذه العقوبة على فعل لا يقتضي تحريمه ومقتضى الاصل إباحتها بل إباحة النومة الثالثة أيضا، ويمكن أن يقال بالحرمة من باب المقدمية حيث أنه ما لم يثق بانتباهه قبل الفجر والغسل قبله فقد أفسد صومه بالاختيار ولا يقاس المقام بالواجب الموسع مع الوثوق بتمكنه من أداء الواجب وأما مع عدم الوثوق فالمقامان سيان من جهة ترك الواجب اختيارا، ومجرد احتمال التمكن من إتيان الواجب لا يكفي فإن قلنا بحرمة ما يستلزم ترك الواجب فلابد في المقام بحرمة النوم مع


(1) التهذيب ج 1 ص 443. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 412 والاستبصار ج 2 ص 86 و 88 وقد تقدما.

[ 157 ]

استلزامه لفساد الصوم ومع عدم الاستلزام يكون من باب التجري، فمع القول بحرمته يحرم ومع عدم الحرمة لا وجه لحرمته. وأما وجوب الامساك عن الكذب على الله ورسوله والائمة عليهم السلام مضافا إلى حرمته في حد ذاته ففيه خلاف، قيل بإفساده للصوم كما عن جماعة واستدل بأخبار منها موثقة سماعة قال: (سألته عن رجل كذب في شهر رمضان فقال: قد أفطر وعليه قضاؤه، فقلت: فما كذبته قال: يكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله) (1). ومنها موثقته الاخرى أيضا مضمرة قال: (سألته عن رجل كذب في شهر رمضان فقال: قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد) (2). ومنها خبر أبي بصير قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم، قال: قلت: هلكنا، قال: ليس حيث تذهب إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام) (3). ومنها خبره الاخر أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وعلى الائمة (عليهم السلام) يفطر الصائم) (4). ومنها ما عن الخصال بسند فيه رفع إلى الصادق عليه السلام قال: (خمسة أشياء تفطر الصائم الاكل والشرب والجماع والارتماس في الماء والكذب على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله) وعلى الائمة عليهم السلام) (5). وقيل بعدم الافساد من جهة اقتران غالب أخبار الباب بنقض الكذب للوضوء مع أن الوضوء لا ينتقض حقيقة به، وهذا يوهن ظهورها في الافطار الحقيقي فيشكل مع هذا رفع اليد عن الحصر المستفاد من الصحيحة المتقدمة صحيحة محمد بن مسلم (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال أو أربع خصال الخ) خصوصا


(1) التهذيب ج 1 ص 406. ورواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 409. (4) الفقيه باب آداب الصائم تحت رقم 2. (5) المصدر ج 1 ص 137.

[ 158 ]

بعد الالتفات إلى ما ورد في الاخبار من أمر الصائم بحفظ لسانه عن الكذب مطلقا والفحش والغيبة ومطلق الباطل والحكم بإبطاله للصوم في كثير منها مع أنه لم يرد بها إلا الصوم الكامل كالخبر المروي عن عقاب الاعمال عن رسول الله صلى الله عليه وآله (ومن اغتاب أخاه المسلم بطل صومه ونقض صومه فإن مات وهو كذلك مات وهو مستحل لما حرم الله) ويمكن أن يقال: إن أخذ بالحصر المستفاد من الصحيحة المذكورة فلابد من القول بعدم ناقضية غير الخصال الثلاث أو الاربع ولا يلتزم به ومع رفع اليد عن الحصر المذكور في غير هذا المقام لا مانع من رفع اليد في مقامنا وأخبار الباب ليس كلها متعرضة لنقض الوضوء حتى يوهن ظهورها من جهة الاقتران بل بعضها متعرض لنقض الصوم فقط فلا مانع من الاخذ بظهوره فلا حظ ما عن الخصال وخبر أبي بصير وموثقة سماعة، ومجرد احتمال كون خبري أبي بصير وموثقتي سماعة خبرا واحدا متعرضا لنقض الصوم والوضوء لا يجدى مع اختلاف العبارة فالقول بالافساد مع اشتهاره بين القدماء لو لم يكن أقوى فهو أحوط. وأما وجوب الامساك عن الارتماس في الماء فهو الاشهر بل المشهور كما عن الجواهر وقيل: لا يحرم بل يكره، حجة القائلين بالحرمة أخبار مستفيضة منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الصائم يستنقع في الماء ولا يرمس رأسه) (1). ومنها صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يرمس الصائم ولا المحرم رأسه في الماء) (2). وأظهر منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سمعت أبا جعفر عليهم السلام يقول: (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال أو أربع خصال (كما عن الفقيه وموضع من التهذيب) الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء) (3) ولا يخفى ظهور النواهي في المقام في النهي الوضعي الموجب للفساد، وأجاب القائلون


(1) الكافي ج 4 ص 106 والتهذيب ج 1 ص 410. (2) التهذيب ج 1 ص 410 والاستبصار ج 2 ص 84. (3) الوسائل أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

[ 159 ]

بالكراهة بأنها مقتضي الجمع بين الاخبار الناهية وبين موثقة إسحاق بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس عليه قضاء ولا يعودن) (1). وأما احتمال الحرمة تعبدا بدون الافساد فبعيد جدا ولكنه مع ذلك التخطي عما هو المشهور مشكل خصوصا مع شذوذ القول بالكراهة. { وفي السعوط ومضغ العلك تردد أشبهه الكراهية، وفي الحقنة قولان أشبهما التحريم بالمايع }. أما السعوط فوجه التردد في وجوب الامساك عنه دعوى إرادة الحرمة من الكراهة الواردة في قول الباقر عليه السلام في خبر غياث (لا بأس بالكحل للصائم وكره السعوط للصائم) (2) وقول الصادق عليه السلام حيث سأل ليث المرادي عن الصائم يحتجم ويصب في أذنه الدهن؟ فقال: (لا بأس إلا السعوط فإنه يكره) (3) لكن الاظهر عدم وجوب الامساك بل يحمل على الكراهة في مقابل الحرمة بملاحظة الصحيح الحاصر لما يضر الصائم في الثلاثة أو الاربع، وتعليل نفي البأس عن الكحل بأنه ليس بطعام ولا شراب. وأما مضغ العلك فمنشأ التردد في وجوب الامساك عنه رواية الكليني (4) (قده) بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليهم السلام: (يا محمد إياك أن تمضغ علكا فإني مضغت اليوم علكا وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شئ) (5) لكنها محمولة على الكراهة بملاحظة ما رواه الشيخ (قده) بإسناده عمن ذكره عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الصائم يمضغ العلك قال: نعم


(1) التهذيب ج 1 ص 411 و 413 والاستبصار ج 2 ص 85. (2) التهذيب ج 1 ص 413. (3) الكافي ج 1 ص 110 والتهذيب ج 1 ص 410. (4) الكافي ج 1 ص 114. (5) كانه عليه السلام شك في تغير ريقه المبلوع بطعم العلك أو قوى ذلك في نفسه كما قاله بعض شراح الكافي.

[ 160 ]

إن شاء (1). وأما الحقنة فإن قيل بصدقها بالجامد فلا يبعد كراهتها المستفادة من الجمع بين صحيحة البزنطي (سأل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يحتقن يكون به العلة في شهر رمضان؟ فقال: الصائم لا يجوز له أن يحتقن) (2) وبين موثق ابن فضال (كتب إلى أبي الحسن عليه السلام ما تقول في اللطف يستدخله الانسان وهو صائم؟ فكتب: لا بأس بالجامد) (3) وأما مع عدم الصدق فلا كراهة أيضا. وأما الاحتقان بالمايع والظاهر عدم الحاجة إلى التقييد فإن الظاهر عدم صدق الاحتقان مع عدم الميعان فمقتضي الصحيحة المتقدمة الحاصرة لما يضر الصائم في الثلاثة أو الاربعة عدم كونه مفسدا للصوم لكنه يعارضها صحيحة البزنطي المذكورة عن أبي الحسن عليه السلام (أنه سأله عن الرجل يحتقن يكون به العلة في شهر رمضان؟ فقال: الصائم لا يجوز له أن يحتقن) وحمل عدم الجواز على عدم الجواز تكليفا من دون الافساد بعيد خصوصا مع الشمول للصوم المستحب لظهور عدم الجواز في أمثال المقام في الحكم الوضعي فإن أخذ بظاهر الصحيحة الحاصرة فلابد من حمل مثل الصحيحة على الكراهة ومع عدم الاخذ بظاهرها كما في غير المقام فلابد من الاخذ بظاهر صحيحة البزنطي، فوجوب الامساك أظهر، وتشهد له موثقة محمد بن الحسين بن فضال المروية عن الكافي عن أبيه قال: (كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام ما تقول في اللطف يستدخله الانسان وهو صائم؟ فكتب عليه السلام لا باس بالجامد). يفهم منها البأس بالمايع. { والذي يبطل الصوم إنما يبطله عمدا اختيارا فلا يفسد بمص الخاتم ومضغ الطعام للصبي وزق الطائر، وضابطه ما لا يتعدي الحلق، ولا استنقاع الرجل في الماء والسواك في الصوم مستحب ولو بالرطب }. أما اعتبار العمد فالظاهر عدم الخلاف فيه إلا في البقاء على الجنابة وسيأتي


(1) التهذيب ج 1 ص 444. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 110 والتهذيب ج 1 ص 410 والاستبصار ج 2 ص 83.

[ 161 ]

إن شاء الله تعالى الكلام فيه، ويدل عليه رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر عن المشرقي عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من الكفارة فكتب عليه السلام من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوما بدل يوم) (1) حيث رتب وجوب الكفارة والقضاء على الافطار مع التعمد. وفي الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن رجل نسي فأكل وشرب ثم ذكر قال: لا يفطر إنما هو شئ رزقه الله فليتم صومه (2). وموثقة عمار أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن الرجل نسي وهو صائم فيجامع أهله؟ قال: يغتسل ولا شئ عليه) (3) والقدر المسلم صورة عدم تذكر الموضوع، وأما لو كان من جهة الجهل بالحكم بأن يكون جاهلا بمفطرية شئ من المفطرات عن تقصير أو قصور ففيه خلاف، ومستند القول بالفساد إطلاق ما دل على اعتبار الامساك عن الاشياء المزبورة في ماهية الصوم بل لا معنى للصوم إلا الامساك عن تلك الاشياء، واستدل للقول بالصحة وأنه ليس عليه قضاء ولا كفارة بالاصل الخالي عن المعارض لان عمومات القضاء والكفارة متقيدة بتعمد الافطار ومع الجهل لا يصدق التعمد اللهم إلا أن يقال لعل الجمع بين الكفارة والقضاء منوط بالتعمد فيمكن أن يكون القضاء بدون الكفارة غير مقيد بالتعمد كما في صورة حصول الجنابة وعدم الالتفات ومضي أيام على حال الجنابة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وبموثقة زرارة وأبي بصير قالا: (سألنا أبا جعفر عليه السلام الرجل أتى أهله في شهر رمضان أو أتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له؟ قال: ليس عليه شئ) (4) المعتضدة بروايات معذورية الجاهل كصحيحة عبد الصمد الواردة فيمن


(1) التهذيب ج 1 ص 411 والاستبصار ج 2 ص 96. (2) الفقيه باب ما يجب على من أفطر تحت رقم 11. (3) المصدر رقم 12 وفي الوسائل أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 2. (4) التهذيب ج 1 ص 411.

[ 162 ]

لبس قميصا حال الاحرام وفيها (أي رجل ارتكب أمرا بجهالة فلا شئ عليه) (1) وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتضمنة لحكم تزويج المرأة في عدتها وفيها (قلت: فبأي الجهالتين أعذر: جهالته بأن ذلك محرم عليه أو جهالته أنها في العدة؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأن الله حرم عليه. وذلك أنه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: فهو في الاخرى معذور، فقال: نعم) (2) ويمكن أن يقال: أما صورة ترك الامساك من جهة الجهل عن قصور فمقتضى الموثقة المذكورة الصحة إن حصل القطع بعدم الفرق بين المفطرات كما أن الظاهر اختصاص صحيحة عبد الرحمن المذكورة بصورة الجهل عن قصور بقرينة ذيلها، وقد يستشكل بأن المعذورية غير الصحة ومن هذه الجهة يستشكل في الاستدلال بحديث الرفع وان لم نقل بالاختصاص برفع خصوص المؤاخذة بل رفع الاثار الشرعية حيث أن فساد الصوم بتناول المفطرات ليس من الاثار الشرعية القابلة للرفع بل هو من لوازمها العقلية الغير القابلة للتخلف لاستحالة حصول امتثال الامر بالكف عن المفطرات بمخالفته، وفيه نظر لانه يتمسك بحديث الرفع في مسألة الاقل والاكثر الارتباطيين فمع الشك في أن الواحب المركب هو الاقل أو الاكثر يقال بالبراءة وعدم وجوب مشكوك الجزئية أو الشرطية، و الحل أن اللزوم المذكور من جهة الامر وحيث أن الامر بيد الشارع ويكون قابلا للرفع والوضع لا مجال للاستشكال من هذه الجهة وإلا لما أمكن الحكم بالصحة في الموارد الخاصة كالحكم بالصحة في التمام في محل القصر والجهر في موضع الاخفات أو العكس، هذا مع إمكان منع كون الامساك عن المفطرات بدون التعمد فيها صوما حيث ورد فيمن نسي فأكل وشرب أنه لا يفطر، والجاهل القاصر وإن كان متعمدا في فعله لكنه يظهر من بعض الاخبار كونه مقابلا للعمد ألا ترى أنه وقع في من أخفى فيما ينبغي الاجهار فيه أو أجهر فيما ينبغي الاخفاء


(1) الوسائل كتاب الحج أبواب تروك الاحرام ب 44 ح 2. (2) الكافي ج 6 ص 427.

[ 163 ]

فيه لا يدري والناسي في قبال المتعمد، وأما الجاهل المقصر فمقتضى القاعدة فساد صومه إلا أن يدعي عدم كونه عامدا والحكم بالقضاء والكفارة معلق على الافطار العمدي ومع الشك في صدق التعمد يشكل وجوب القضاء والكفارة. أما الاشكال في لزوم الكفارة فوجه الشك في صدق التعمد الذي علق لزومها عليه. وأما القضاء فالاشكال فيه من أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد وهو متفرع على فساد الصوم ولم يحرز والمسألة محل إشكال. وأما اعتبار الاختيار في مقابل الاكراه أو الايجار في الحلق فالظاهر عدم الخلاف في اعتباره في مقابل الايجار بل في مقابل الاكراه البالغ خوف المكره إلى حد اضطر المكره من الخوف إلى إطاعة أمر المكره - بالكسر - قبل أن يتصور الغايات المترتبة على فعله من كونه مفسدا لصومه أو مضرا ببدنه أو مهلكا له أو نحوها لخروج الفعل حينئذ عن الاختيار كصورة الايجار والاصحاب - قدس الله أسرارهم - أرسلوا اعتبار الاختيار بهذا المعنى في مفطرية المفطرات إرسال المسلمات ويشهد له التعليل الوارد في موثقة سماعة قال: (سألته عن قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم السحاب السود عند غروب الشمس فرأوا أنه الليل فأفطر بعضهم ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس؟ فقال: على الذي أفطر صيام ذلك اليوم، إن الله عزوجل يقول: (وأتم الصيام إلى الليل) ومن أكل قبل أن دخل الليل فعليه قضاوه لانه أكل متعمدا) (1) يظهر من هذا التعليل أنه مع عدم التعمد لا قضاء عليه. وموثقة عمار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام أن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء وهو صائم؟ قال: ليس عليه شئ إذا لم يتعمد ذلك - الحديث) (2) هكذا قيل. وللتأمل فيه مجال في الصورة الثانية للتأمل في خروج الفعل بحصول الاضطرار المذكور عن العمد فإن الانسان كثيرا ما يصدر منه الفعل قبل أن يتصور غاياته المترتبة عليه بحيث


(1) الكافي ج 4 ص 100 واللفظ له. والتهذيب ج 1 ص 428. (2) التهذيب ج 1 ص 443.

[ 164 ]

لو تصورها لم يصدر منه الفعل وهذا لا يخرجه عن العمد والاختيار، ويقع الاشكال والخلاف فيما إذا تناول المفطر عمدا تحرزا عن الضرر المتوعد عليه فقيل بعدم الافساد، وقيل إنه مفسد، واستدل على القول الاول بالاصل وقوله صلى الله عليه وآله (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والمراد رفع حكمها ومن جملته القضاء والكفارة، وأجيب بأن حديث الرفع وإن شمل الاثار الشرعية من دون اختصاص بخصوص المؤاخذة إلا أنه يختص بالاثار القابلة للرفع دون الاثار العقلية وموافقة المأتي به للمأمور به التي ينتزع منها وصف الصحة أو مخالفته له التي ينتزع منها وصف الفساد ليست قابلة للرفع، وقد سبق النظر في هذا الجواب وأنه بعد ما كان المنشأ شرعيا لا مجال للاشكال من هذه الجهة ألا ترى أن حديث (لا تعاد الصلاة إلا من خمس) يقتضي صحة الصلاة الفاقدة لبعض الاجزاء أو بعض الشرائط مع عدم موافقة المأتي به للمأمور به، هذا ولكن العمل بحديث الرفع في كثير من أمثال المقام غير معهود بل لعل العمل بها يستلزم فقها جديدا. ويشهد للفساد والبطلان ما عن الكافي بسنده عن رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الامام ان صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا فقال: يا غلام علي بالمائدة فأكلت معه وأنا أعلم والله أنه يوم من شهر رمضان فكان إفطاري يوما و قضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله) (1) إلا أن يستشكل بضعف السند وعدم العمل به حيث أنه نسب إلى الاكثر القول بعدم الفساد وأنه كالنسيان وبالجملة فالمسألة محل إشكال. وأما عدم الفساد بمص الخاتم ومضغ الطعام للصبي وزق الطائر ونحوها مما لا يتعدى إلى الحلق فللاصل وقوله عليه السلام في صحيح ابن مسلم (لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال أو أربع - الخ) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (سئل عن المرأة يكون له الصبي وهي صائمة فتمضغ الخبز وتطعمه قال: لا بأس


(1) الكافي ج 4 ص 82 و 83 تحت رقم 7.

[ 165 ]

والطير إن كان لها) (1) وصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يعطش في شهر رمضان قال: لا بأس أن يمص الخاتم) (2). وأما عدم البأس باستنقاع الرجل في الماء فيدل عليه عموم الصحيح المذكور وخصوص خبر حسن بن راشد قال: قلت: لابي عبد الله عليه السلام: الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا، قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم، قلت: من أين جاء هذا؟ قال: أول من قاس إبليس، قلت: فالصائم يستنقع في الماء؟ قال: نعم قلت: فيبل ثوبا على جسده، قال: لا، قلت: من أين جاء هذا؟ قال: من ذاك) (3). وأما استحباب السواك ولو بالرطب فيدل عليه عموم ما دل على استحبابه للصائم وغيره بعد عدم البأس للاخبار المستفيضة منها صحيحة عبد الله بن سنان قال: (يستاك الصائم أي ساعة من النهار أحب) (4) ومنها صحيحة الحلبي قال: (سالت أبا عبد الله عليه السلام أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه فقال: لا بأس به) (5). { ويكره مباشرة النساء تقبيلا ولمسا وملاعبة، والاكتحال بما فيه صبر أو مسك، وإخراج الدم المضعف، ودخول الحمام كذلك، وشم الرياحين ويتأكد في النرجس والاحتقان بالجامد، وبل الثوب على الجسد، وجلوس المرأة في الماء }. أما كراهة المباشرة لمن لم تتحرك شهوته فقد يستدل لها ببعض الاخبار كرواية الحلبي (سئل الصادق عليه السلام عن مس الصائم شيئا من المرأة أيفسده أم ينقصه؟ فقال له: إن ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني) (6). وسماعة أيضا عن الالتصاق بالاهل فقال: (ما لم يخف على نفسه فلا بأس) (7) و


(1) الكافي ج 4 ص 114 والتهذيب ج 1 ص 440. (2) الكافي ج 1 ص 115 والتهذيب ج 1 ص 443. (3) الكافي ج 4 ص 135 صدره وفي التهذيب ج 1 ص 427 بتمامه مع زيادة. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 426 و 443. (6) الكافي ج 4 ص 104. (7) الفقيه باب آداب الصائم تحت رقم 30.

[ 166 ]

منصور بن حازم عن تقبيل الجارية والمرأة فقال: (إن الشيخ الكبير ومثلي و مثلك فلا بأس وأما الشاب الشبق فلا فإنه لا يؤمن والقبلة إحدى الشهوتين) (1) و بملاحظتها يقيد الكراهة بالشاب وذي الشهوة، ويمكن أن يقال: لا يستفاد من هذين الخبرين الكراهة المولوية بل النظر إلى الارشاد حيث إنه يحكم العقل بعدم القرب مما يكون معرضا للوقوع فيما هو ممنوع ولو لم يرد من الشرع بيان ذلك ومع المعرضية كيف يحكم بالكراهة مع القول بحرمة مقدمة الحرام التي لا يبقى معها اختيار ومباشرة ذي الشهوة والشاب من هذا القبيل، وهذا نظير ما قد يقال باستحباب النفقه لاحكام التجارة مخالفة الوقوع في الربوا فإن التحفظ عن الربوا والمعاملة الفاسدة لازم ويتوقف على التفقة فكيف يكون التفقه مستحبا، نعم يمكن استفادة الكراهة المولوية بملاحظة غيرهما لخبر أبي بصير الاتي ذكره، وإن بنينا على الكراهة المولوية فقد يقال بالكراهة حتى بالنسبة إلى غير ذي الشهوة بملاحظة بعض الاخبار كخبر الاصبغ قال: (جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أقبل وأنا صائم؟ فقال: عف صومك فإن بدء القتال اللطام، وقال عليه السلام: أيضا أما استحيى أحدكم أن لا يصبر يوما إلى الليل أنه كان يقال: إن بدء القتال اللطام) (2) وصحيح ابن مسلم (سال الباقر عليه السلام عن الرجل يجد البرد أيدخل مع أهله في لحاف وهو صائم، فقال له: يجعل بينهما ثوبا) (3) بالشدة والضعف ولا يخفى أن الخبر الاول إما بالنسبة إلى الرجل الجائي فلم يحرز كونه شابا ذا شهوة أو غير ذي شهوة ومع هذا لا مجال للاخذ باطلاق (أما استحيى أحدكم أن لا يصبر يوما) في الكلام فلعل المراد من كان مماثلا لهذا الرجل الشاب. والخبر الثاني مجمل ولا مجال لاستفادة الكراهة بنحو الاطلاق من سائر الاخبار المذكورة في المقام كخبر رفاعة حيث سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل لامس جارية في شهر رمضان


(1) الكافي ج 4 ص 104 تحت رقم 3. (2) التهذيب ج 1 ص 428 والاستبصار ج 2 ص 82. (3) الفقيه باب آداب الصائم تحت رقم 35.

[ 167 ]

فأمذى؟ فقال: إن كان حراما فليستغفر الله استغفار من لا يعود أبدا ويصوم يوما مكان يوم وإن كان من حلال فليستغفر الله ولا يعود، ويصوم يوما مكان يوم) (1) لشذوذه حيث لا يلتزم بلزوم القضاء مع أن الظاهر كون الرجل ذا شهوة، نعم ربما يستظهر من خبر أبى بصير (سأل أبا عبد الله عن رجل كلم امرأته في شهر رمضان وهو صائم فقال: ليس عليه شئ والمباشرة ليس بها بأس وإن أمذى فليس عليه شئ والمباشرة ليس بها بأس ولا قضاء يومه ولا ينبغي أن يتعرض لرمضان) (2) وكيف كان فلا مانع من استفادة الكراهة المولوية لخصوص ذي الشهوة أو بنحو الاطلاق من هذا وجهة الاشكال السابق غير متأتية فيه. وأما الاكتحال بما فيه صبر أو مسك فقد يظهر من بعض الاخبار المنع منه مثل ما رواه الكليني والشيخ (قدس سرهما) عن سماعة في الموثق قال: (سألته عن الكحل للصائم، فقال إذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق فليس به بأس) (3) دل على البأس فيما فيه مسك أوله طعم في الحلق كما يستفاد من إطلاق مثل ما رواه الشيخ (قده) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن الرجل يكتحل وهو صائم، قال: لا إني أتخوف عليه أن يدخل رأسه) (4) وما رواه عن الحسن بن علي قال: (سألت أبالحسن عليه السلام عن الصائم إذا اشتكى عينه يكتحل بالذرور وما أشبهه أم لا يسوغ له ذلك فقال: لا يكتحل) (5) ويظهر من بعض الاخبار الترخص مطلقا مثل ما رواه الكليني والشيخ (قد هما) عنه عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام (في الصائم أيكتحل قال: لا بأس به ليس بطعام ولا شراب) (6) فيجمع بين الطرفين بالكراهة من جهة ذيل هذا الصحيح.


(1) التهذيب ج 1 ص 429 و 442 وفي الفقيه باب آداب الصائم تحت رقم 29. (2) التهذيب ج 1 ص 429 واللفظ له والاستبصار ج 2 ص 83. (3) الكافي ج 4 ص 111 والتهذيب ج 1 ص 425 واللفظ له. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 425 والاستبصار ج 2 ص 89. (6) الكافي ج 4 ص 111 والتهذيب ج 1 ص 425.

[ 168 ]

وأما كراهة إخراج الدم المضعف فقد استدل عليها بأخبار منها ما رواه الشيخ (قده) في الصحيح عن سعيد الاعرج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم أيحتجم؟ قال: لا بأس إلا أن يتخوف على نفسه الضعف) (1) وفي الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الصائم أيحتجم؟ قال: إني أتخوف عليه ما يتخوف على نفسه، قلت: ما يتخوف عليه؟ قال: الغشيان أو يثور به مرة. قلت: أرأيت إن قوي على ذلك ولم يخش شيئا؟ قال: نعم أن شاء الله) (2) وقد تعدى إلى غير الحجامة من جهة العلة المستفادة من الاخبار ولا يخفى الاشكال في استفادة الكراهة الراجعة إلى الصوم فالاخراج المضعف المضر بالبدن إن كان حراما لكونه إضرارا بالبدن كأكل ما يضر بالبدن إن قلنا بحرمته فهو أمر محرم مقارن للصوم نهي عنه، وإن كان مكروها فكذلك من دون ارتباط بالصوم كارتكاب سائر المحرمات أو المكروهات في حال الصوم هذا مضافا إلى أنه لم يستفد من الاخبار الرخصة في الفعل مع خوف حصول الضعف فمن أين يستفاد الكراهة؟ نعم رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (لا بأس أن يحتجم الصائم في شهر رمضان وقال: إنا إذا أردنا أن نحتجم في شهر رمضان احتجمنا بالليل) (3) يستفاد منه الرخصة لكن الجمع بينها وبين الاخبار الآخر بالتقييد أولى من حمل تلك الاخبار على الكراهة وما حكي من كراهة أمير المؤمنين عليه السلام احتجام الصائم خشية أن يغشى عليه فيفطر لا تدل على الكراهة المصطلحة بل قابلة لارادة الحرمة. وأما كراهة دخول الحمام في صورة خوف حصول الضعف فلقول الباقر عليه السلام في صحيح ابن مسلم وقد سأل عنه: (لا بأس ما لم يخش ضعفا) (4) وبه يقيد إطلاق نفي البأس في خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام (5) والكلام السابق يجرى هنا. وأما كراهة شم الرياحين فيدل عليها الاخبار منها ما رواه الشيخ (قده)


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 425. والاستبصار ج 2 ص 90 و 91. (3) الفقيه باب آداب الصائم تحت رقم 11. (4) و (5) الكافي ج 4 ص 109 تحت رقم 3 و 4.

[ 169 ]

عن الحسن بن راشد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الصائم لا يشم الريحان) (1) و عن الحسين الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (وسألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول فقال: لا ولا يشم الريحان) (2). ويدل على الجواز أخبار منها ما رواه الشيخ (قده) عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: (سالت أبا الحسن عليه السلام عن الصائم أترى له أن يشم الريحان أم لا ترى ذلك له؟ فقال: لا باس به) (3) وما رواه الكليني والشيخ (قدهما) عنه في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام الصائم يشم الريحان والطيب؟ قال: لا باس) (4) قال في الكافي وروى (أنه لا يشم الريحان لانه يكره له أن يتلذذ به). وأما ما دل على تأكد الكراهة في خصوص النرجس فهو رواية محمد بن العيص قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام ينهى عن النرجس للصائم فقلت: جعلت فداك لم ذلك فقال: إنه ريحان الاعاجم) قال في الكافي بعد نقل هذه الرواية: وأخبرني بعض أصحابنا (أن الاعاجم كانت تشمه إذا صاموا وقال: إنه يمسك الجوع) (5). يستفاد من هذا الخبر أن للنرجس جهة زائدة على سائر الرياحين مقتضية للكراهة. وأما كراهة الاحتقان بالجامد فقد مر الكلام فيه. وأما بل الثوب على الجسد فالظاهر عدم الخلاف في كراهته ويدل عليه خبر ابن راشد قال للصادق عليه السلام: (الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا، قال: تقضي الصوم قال: نعم، قال: من أين جاء هذا قال: أول من قاس إبليس قال: قلت فالصائم يستنقع في الماء؟ قال: نعم، قال: فيبل ثوبا على جسده؟ قال: لا؟ قال: من أين جاء هذا؟ قال: من ذاك) والنهي محمول على الكراهة بملاحظة الصحيح الحاصر لما يضر الصائم


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 428 والاستبصار ج 2 ص 93. (3) التهذيب ج 1 ص 427 والاستبصار ج 2 ص 93. (4) التهذيب ج 1 ص 427 والكافي ج 4 ص 113 تحت رقم 4. (5) الكافي ج 4 ص 112. وفيه محمد بن الفيض. (6) تقدم ص 165.

[ 170 ]

بالخصال الثلاث أو الاربع. وقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن مسلم (الصائم يستنقع في الماء أو يصب على رأسه ويتبرد بالثوب وينضح المروحة وينضح البوريا تحته و لا يغمس رأسه في الماء) (1). وأما جلوس المرأه في الماء فيدل على كراهته ما رواه الشيخ (قده) عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الصائم يستنقع في الماء، قال: لا بأس ولكن لا تنغمس فيه، والمرأة لا تستنقع في الماء لانها تحمل الماء بقبلها) (2) والنهي محمول على الكراهة بملاحظة الصحيح الحاصر لما يضر الصائم لكنه لا يخلو عن الاشكال حيث رفع اليد عن ظهور الصحيح المذكور في غير المقام ولم يرد في المقام ما يظهر منه الترخيص في المقام. { المقصد الثاني وفيه مسائل الاولى تجب الكفارة والقضاء بتعمد الاكل والشرب والجماع قبلا ودبرا على الاظهر، والامناء بالملاعبة والملامسة، و إيصال الغبار إلى الحلق، وفي الكذب على الله والرسول والائمة عليهم السلام، وفي الارتماس قولان: أشبههما أنه لا كفارة، وفي تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر روايتان أشهرهما الوجوب، وكذا لو نام غيرنا وللغسل حتى طلع الفجر }. أما وجوب الكفارة بتعمد الاكل والشرب فيدل عليه أخبار منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام (في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر قال؟ يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا فإن لم يقدر تصدق بما يطيق) (3) ومنها رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر عن المشرقي عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن رجل أفطر في شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من الكفارة؟ فكتب عليه السلام من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوم بدل يوم) (4) ويدل هذا الخبر على وجوب القضاء أيضا


(1) التهذيب ج 1 ص 426 والاستبصار ج 2 ص 91 و 84. (2) الفقيه باب آداب الصائم تحت رقم 37 واللفظ له والكافي ج 4 ص 106. (3) الكافي ج 4 ص 101 تحت رقم 1. (4) التهذيب ج 1 ص 411 والاستبصار ج 2 ص 96

[ 171 ]

كمرسلة الفقيه (ومن أفطر في شهر رمضان متعمدا فعليه كفارة واحدة وقضاء يوم مكانه وأنى له بمثله) (1). وأما وجوبهما بالجماع فيدل عليه موثقة سماعة قال: (سألته عن الرجل يأتي أهله في رمضان متعمدا فقال: عليه عتق رقبة وإطعام ستين مسكينا وصيام شهرين متتابعين وقضاء ذلك اليوم وأين له مثل ذلك اليوم) (2) وجعل الشيخ (الواو) في هذا الخبر بمعنى (أو) تارة، وخصه أخرى بمن أتى أهله في حال يحرم الوطي فيها إلا أن صاحب الوسائل نقل هذا الخبر من نوادر أحمد بن محمد بن عيسى بلفظ (أو) عوض الواو في المواضع المذكورة. وأما وجوبهما بالجماع في دبر المرأة بدون الانزال فلصدق إتيان الرجل أهله حيث أنه أحد مأتيين فيكون مشمولا للموثقة ويدل على خصوص الكفارة خبر عبد السلام بن صالح الهروي قال: (قلت للرضا عليه السلام (يا ابن رسو ل الله قد روي عن آبائك عليهم السلام في من جامع في شهر رمضان وأفطر فيه ثلاث كفارات و روي عنهم كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ؟ قال بهما جميعا متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات عتق رقبة، صيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم. وإن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة وإن كان ناسيا فلا شئ عليه) (3) وهذه الرواية مع عدم الاشكال فيها من جهة السند يشمل إطلاقها للوطي في دبر الغلام وقد ذكر سابقا المناقشة من جهة المعارضة مع الصحيح الحاصر لما يضر الصائم. وأما وجوب الكفارة بالامناء بالملاعبة والملامسة فيدل عليه الاخبار السابقة الدالة على وجوب الامساك عنه مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سالت


(1) الفقيه باب ما يجب على من أفطر تحت رقم 9. (2) التهذيب ج 1 ص 411 والاستبصار ج 2 ص 97. وفي نوادر محمد بن احمد (فقه الرضا) ص 61. (3) التهذيب ج 1 ص 411 والاستبصار ج 2 ص 97.

[ 172 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (1) ومع وجوب الكفارة يثبت الفساد والقضاء بالاجماع المركب كما ذكر في المستند وأما وجوبهما بإيصاله الغبار إلى الحلق فلما رواه الشيخ (قده) عن سليمان المروزي قال: (سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه صوم شهرين متتابعين فإن ذلك له فطر مثل الاكل والشرب والنكاح) (2) وقد سبق الكلام والاشكال في الاستدلال به. والعمدة الشهرة بين الاعلام. وأما وجوبهما بالكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله فيدل على موثقة سماعة قال: (سألته عن رجل كذب في شهر رمضان فقال: قد أفطر وعليه قضاؤه فقلت: وما كذبته؟ قال: يكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله) (3) وحيث ثبت الكفارة في الافطار العمدي فلا مجال للاشكال من جهة التعرض للقضاء دون الكفارة وقد سبق الكلام والاشكال سابقا من جهة المعارضة مع الخبر الحاصر لما يضر الصائم في غير الكذب. وأما الارتماس في الماء فعلى القول بالكراهة وعدم الافساد فلا كفارة و لا قضاء وعلى الحرمة والافساد فيجب القضاء لفساد الصوم ولا دليل على وجوب الكفارة لعدم الملازمة، وقد ادعي الاجماع كما في المستند على ترتب القضاء على فساد الصوم. وأما وجوب القضاء والكفارة على تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر فيدل عليه موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أجنب بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح؟ قال: يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم


(1) قد تقدم. (2) التهذيب ج 1 ص 413 والاستبصار ج 2 ص 94. (3) التهذيب ج 1 ص 406 وقد تقدم.

[ 173 ]

ستين مسكينا - الخ) (1) وقد سبق الكلام فيه سابقا، ومع ثبوت الكفارة تثبت القضاء. وأما وجوب الكفارة والقضاء بالنوم مع عدم نية الاغتسال قبل الفجر فيمكن الاستدلال عليه برواية المروزي (إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل و لم يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم) (2) وصحيحة البزنطي (عن الرجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا قال: يتم ذلك اليوم وعليه قضاؤه) (3) وهذه الصحيحة وإن كان مورد السؤال فيها التعمد وهو أخص من عدم النية إلا أنه يمكن أن يكون نظر السائل إلى التعمد في النوم لا التعمد في ترك الاغتسال لكن الجواب مع هذا الاحتمال في كلام السائل بمنزلة المطلق، ورواية إبراهيم بن عبد الحميد (وفيها فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم ويتم صيامه، ولن يدركه أبدا) (4) وإطلاق الاخبار وإن شمل صورة العزم على الاغتسال لكنه خرجت الصورة بالدليل. { الثانية الكفارة: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا وقيل هي مرتبة. وفي رواية يجب على الافطار بالمحرم كفارة الجمع }. أما وجوب الكفارة بنحو التخيير فهو المشهور وحكي عن ابن أبي عقيل والسيد (قدهما) في أحد قولية القول بالترتيب. حجة المشهور أخبار مستفيضة منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق) (5) وخبر أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وضع يده على جسد امرأته فأدفق فقال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 412 والاستبصار ج 2 ص 82. (3) التهذيب ج 1 ص 412 والاستبصار ج 2 ص 86 عن الرضا عليه السلام. (4) التهذيب ج 1 ص 412 و 443. (5) الكافي ج 4 ص 101 والتهذيب ج 1 ص 443 وقد تقدم.

[ 174 ]

أو يطعم ستين مسكينا، أو يعتق رقبة) (1) وروايته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح؟ قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، وحقيق أن لا أراه يدركه أبدا) (2). وموثقة سماعة المروية عن النوادر قال: (سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا؟ قال: عليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا، أو صوم شهرين متتابعين) (3) وهذه الرواية رواه في الوسائل (4) عن الشيخ بلفظ الواو بدل أو. وعنه أيضا في الصحيحة عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن معتكف واقع أهله قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا) (5) واستدل للقول بالترتيب بإطلاق قوله عليه السلام في خبر المشرقي (من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوما بدل يوم) (6) ومقتضى الجمع بينه وبين إطلاق الامر بالصوم أو الاطعام في سائر الاخبار الحمل على الوجوب التخييري و بما رواه الصدوق في الفقيه عن عبد المؤمن بن القاسم الانصاري عن أبي جعفر عليه السلام (إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: هلكت وأهلكت (7) قال: وما أهلكك قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أعتق رقبة قال: لا أجد قال: فصم شهرين متتابعين، فقال: لا أطيق، قال: تصدق على ستين مسكينا قال: لا أجد فأتي النبي صلى الله عليه وآله بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر فقال النبي صلى الله عليه وآله:


(1) التهذيب ج 1 ص 429 والاستبصار ج 2 ص 82. (2) التهذيب ج 1 ص 412 والاستبصار ج 2 ص 87. (3) التهذيب ج 1 ص 411 وقد تقدم (4) المصدر كتاب الصوم أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 2. (5) التهذيب ج 1 ص 434 والاستبصار ج 2 ص 130. (6) قد تقدم. (7) يقال لمن ارتكب أمرا عظيما هلكت وأهلكت من باب التفعيل والافعال.

[ 175 ]

خذها فتصدق بها قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما بين لا بتيها أهل بيت أحوج إليه منا فقال: خذه وكله أنت وأهلك فإنه كفارة لك) (1) وخبر علي بن جعفر عليه السلام المروي عن كتابه عن أخيه موسى عليه السلام قال: (سألت عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: عليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينا) (2) وهذه الرواية صريحة في الترتيب لكنه يجمع بينها وبين سائر الاخبار بالحمل على الاستحباب وإن كان ظاهره في الوجوب، وكذا يجمع بين الخبر السابق وسائر الاخبار. وأما التفصيل بين الافطار بالمحلل وبين الافطار بالمحرم فاستدل له برواية عبد السلام بن صالح الهروي الموصوفة بالصحة في الروضة وغيرها عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: يا ابن رسول الله روى عن أبائك عليهم السلام في من جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات وروي أيضا عنهم أيضا كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم، وإن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة، وقضاء ذلك اليوم وإن كان ناسيا فلا شئ عليه) (3) والانصاف أنه يشكل تقييد المطلقات الواردة في مقام البيان بمثل هذا الخبر، وعلى فرض التقييد لابد من الاقتصار بالافطار على حرام والمجامعة حراما، وأما إفساد الصوم بنحو محرم كالاستمناء فلا يستفاد من هذا الخبر إيجابه للجمع. { الثالثة لا تجب الكفارة في شئ من الصيام عدا شهر رمضان والنذر المعين وقضاء شهر رمضان بعد الزوال والاعتكاف على وجه }. أما وجوب الكفارة في شهر رمضان فدلت عليه النصوص. وأما وجوبها في النذر


(1) الفقيه باب ما يجب على من أفطر تحت رقم 2. (2) الوسائل أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 9. (3) التهذيب ج 1 ص 411 والاستبصار ج 2 ص 97.

[ 176 ]

المعين وقضاء شهر رمضان والاعتكاف فلما يجئ في محله إن شاء الله تعالى. وأما عدم الوجوب في غيرها فالظاهر عدم الخلاف فيه وعن المنتهى أنه قول العلماء كافة للاصل وما ربما يقال من تحريم قطع كل واجب لعموم النهي عن إبطال العمل ضعف بالخدشة في دليله في محله. { الرابعة من أجنب ونام ناويا للغسل حتى طلع الفجر فلا قضاء ولا كفارة ولو انتبه ثم نام ثانيا فعليه القضاء، ولو انتبة ثم نام ثالثة قال الشيخان عليه القضاء والكفارة }. أما صحة الصوم وعدم وجوب القضاء والكفارة في الصورة الاولى فهو المشهور ويدل عليها صحيحة معاوية بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يجنب من أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان قال: ليس عليه شئ، قلت: فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة) (1) وفي قبالها ما يظهر منه وجوب القضاء مطلقا كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل قال: يتم صومه ويقضي ذلك اليوم إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر فإن إنتظر ماء يسخن أو يستقى فطلع الفجر فلا يقض صومه) (2) وموثقة سماعه قال: (سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام وقد علم بها ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر فقال: عليه أن يتم صومه ويقضي يوما آخر، فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان قال: فليأكل يومه ذلك وليقض فإنه لا يشبه رمضان شئ من الشهور) (3) والظاهر عدم إمكان الجمع العرفي فلابد من الحمل على الاستحباب كاستحباب قضاء الصلاة مع ترك سورة الجمعة يوم الجمعة أو الطرح لشذوذ القول بوجوب القضاء ثم إنه قد يوهم ترك الاستفصال في صحيحة معاوية بن عمار المذكورة أنه لا شئ عليه فيما إذا لم يستيقظ مطلقا وإن لم يكن من عزمه


(1) التهذيب ج 1 ص 412 والاستبصار ج 2 ص 87. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 412 والاستبصار ج 2 ص 86.

[ 177 ]

الغسل قد يقال بتعين صرفها لو لم نقل بانصرافها في حد ذاتها إلى صورة العزم على الاغتسال جمعا بينها وبين الاخبار الدالة على القضاء بترك الغسل إلى الصبح اختيارا التى شمولها لمثل هذا الفرض أوضح من هذه الصحيحة بل يفهم ذلك أي اختصاصها بصورة كونه مريدا للغسل على تقدير الانتباه من فحوى ذيله لان الترك الناشي من عدم اختيار الصوم أولى بالعقوبة من الترك الناشي من التواني وتأخير الغسل عن النوم. ثانيا، قلت: هذا الجمع يتم بملاحظة بعض الاخبار مثل موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح قال: يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا قال: وقال عليه السلام: إنه حقيق أن لا أراه يدركه أبدا) (1) وتقديم هذه الموثقة ليس من جهة الا وضحية وأما سائر الاخبار فلم نفهم أوضحيتها وأماما أفيد أخيرا ففيه نظر لان عدم قصد الغسل ليس ملازما لعدم قصد الصوم بل كثيرا ما يتفق للجهل بالحكم مع قصد الصوم والعقوبة المذكورة في الرواية تناسب صحة صوم اليوم الذي أصبح فيه جنبا فمثل هده العقوبة لا تناسب مع عدم قصد الصوم. وأما وجوب القضاء مع الانتباه ثم النوم فلصحيحة معاوية المتقدمة. وأما النومة الثالثة فنسب إلى المشهور ثبوت الكفارة والقضاء بها واستدل عليه برواية المروزي عن الفقيه قال: (إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم ولا يدرك فضل يومه) (2) ورواية إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه قال: (سألته عن احتلام الصائم قال: (فقال إذا احتلم نهارا في شهر رضمان فليس له أن ينام (فلا ينم خ ل) حتى يغتسل وإن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم، ويتم صيامه ولن يدركه أبدا) (3) واستشكل بأن التمسك بالاطلاق وارتكاب خروج


(1) تقدم غير مرة. (2) و (3) تقدما عن التهذيب آنفا.

[ 178 ]

النومة الاولى والثانية ليس بأولى من تقييدهما بالنوم معرضا عن الغسل، وإن كان في النومة الاولى مع أن المرسلة آبية عن الحمل على ما عدا الاولى. ولقائل أن يقول مقتضى الاطلاق ثبوت الكفارة على جميع التقادير خرج ما خرج وبقي الباقي، وأما حمل الخبرين على صورة الاعراض وحمل غيرهما على غير هذه الصورة فلا شاهد عليه، والانصاف أن تقييد الخبرين مشكل حيث إنه يلزم حمل المطلق على غير الغالب بأن ينام المجنب ويستيقظ مرات ومع هذا لا محيص من الاخذ بما دل على التفصيل. { الخامسة يجب القضاء دون الكفارة في الصوم الواجب المتعين بسبعة أشياء: فعل المفطر والفجر طالع ظانا بقاء الليل مع القدرة على مراعاته وكذا مع الاخلاد إلى المخبر ببقاء الليل مع القدرة على المراعاة والفجر طالع وكذا لو ترك قول المخبر بالفجر لظنه كذبه ويكون صادقا. وكذا لو أخلد إليه في دخول الليل فأفطر فبان كذبه مع القدرة على المراعاة والافطار للظلمة الموهمة لدخول الليل. ولو غلب على ظنه دخول الليل لم يقض }. حكي عن المصنف (قده) في المعتبر أنه قال: إنما اشترطنا الوجوب والتعيين لان ما ليس بمتعين وإن فسد صومه فليس الاتيان ببدله قضاء لان القضاء اسم لفعل مثل المقضي بعد خروج وقته وإلا فكل صوم صادفه أحد ما نذكره فإنه يفسد فإن كان واجبا غير متعين أتى بالبدل ولا يسمى قضاء وإن كان متعينا فالبدل قضاء. انتهى. أما فعل المفطر قبل مراعاة الفجر مع القدرة عليها فقد يقال بجوازه لموافقته للاصل الغير المتوقف جريانه في الشبهات الموضوعية، وربما يستدل له أيضا بظاهر الاية وخبر إسحاق بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: آكل في شهر رمضان بالليل حتى أشك قال: كل حتى لا تشك) (1). وعن الصدوق مرسلا قال: سأل رجل عن الصادق عليه السلام فقال: (آكل في شهر رمضان وأنا أشك في الفجر، قال: كل حتى لا تشك) (2).


(1) التهذيب ج 1 ص 442. (2) الفقيه باب ثواب السحور تحت رقم 8.

[ 179 ]

وعن العياشي في تفسيره عن سعد عن أصحابه عنهم عليهم السلام (في رجل تسحر وهو يشك في الفجر قال: لا بأس كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر. وأرى أن يستظهر في رمضان ويتسحر قبل ذلك) (1). ولقائل أن يقول: إن الشك المأخوذ في الاصول منصرف عن الشك القابل للزوال بأدنى فحص وإن كان للتأمل فيه مجال، وأما الاخبار المذكورة فهي قابلة للحمل على التحديد بعدم الشك في طلوع الفجر بأن يكون قاطعا ببقاء الليل لا بأن يقطع بطلوع الفجر. هذا مع قطع النظر عن الاشكال في السند، ويمكن أن يقال: لو سلم الانصراف في لفظ الشك فلا مانع من الاخذ بالحكم المغيى بالعلم فمثل (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر) و (كل شئ لك حلال حتى تعرف أنه حرام) ما علق الحكم على الشك حتى يدع الانصراف بل الحكم مغيى بالعلم ولا شك أن الشاك القادر على رفع شكه ليس بعالم ولا عارف، يدل عليه الخبر المذكور في تفسير العياشي المذكور آنفا والاية الشريفة مع قطع النظر عن الخبر المذكور إلا أن يقال: ليس النظر إلى صورة الشك بل إلى حد جواز الاكل و الشرب واقعا والتبين حد لطلوع الفجر وليس النظر إلى معرفة طلوع الفجر، لكنه خلاف ما يستفاد من الخبر المذكور ومع جريان الاصل لا مجال للقول بوجوب الاحتياط لقاعدة المقدمية. وأما وجوب القضاء فيدل عليه جملة من الاخبار منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن رجل تسحر ثم خرج عن بيته وقد طلع وتبين قال: يتم صومه ثم ليقضه فإن تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر) (2) ومنها موثقة سماعة قال: (سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان فقال: إن كان قام فنظر فلم يرى الفجر فأكل ثم عاد فرأى الفجر فليتم صومه ولا إعادة عليه، وإن كان قام فأكل وشرب ثم نظر إلى الفجر فرأى


(1) الوسائل أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 49 ح 4. (2) الكافي ج 4 ص 96 والتهذيب ج 1 ص 442.

[ 180 ]

أنه قد طلع فليتم صومه ويقضي يوما آخر لانه بدأ بالاكل قبل النظر فعليه الاعادة) (1). وقد يقال بوجوب القضاء على القاعدة مع قطع النظر عن الاخبار حيث إن الصوم عبارة عن الامساك في مجموع النهار فمع عدم تحققه فسد الصوم ومع الفساد يجب القضاء، ويمكن أن يقال: إن المستفاد من الموثقة عدم لزوم القضاء مع الفحص فإن الظاهر أن مورد السؤال أنه أكل وشرب الرجل بعد طلوع الفجر ففرق في الجواب بين الصورتين وعلل القضاء بأنه بدأ بالاكل قبل النظر فيكون الاكل والشرب مع الفحص بمنزلة الاكل والشرب نسيانا لا يضر ان بالصوم حتى يفسد ويجب القضاء، وهذا هو الموافق من جهة للمتن حيث قيد بالقدرة على المراعاة. وأما مع عدم القدرة وتبين وقوع الاكل والشرب بعد طلوع الفجر فمقتضي القاعدة الفساد ووجوب القضاء ومقتضي إطلاق رواية علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (قال: سألته عن رجل شرب بعد ما طلع الفجر وهو لا يعلم في شهر رمضان قال: يصوم يومه ذلك ويقضي يوما آخر وإن كان قضاء لرمضان في شوال أو غيره فشرب بعد ما طلع الفجر فليفطر يومه ذلك ويقضي) (2) وجوب القضاء، و إن ادعي عدم الخلاف في عدم وجوب القضاء وأما نفي الكفارة فللاصل. وأما صورة الاخلاد إلى المخبر ببقاء الليل مع القدرة على المراعاة والفجر طالع، فمقتضى الاصل فيها نفي الكفارة ويحكم بثبوت القضاء فيها بالتقريب المذكور ويدل عليه إطلاق بعض الاخبار المتقدمة وخصوص خبر معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (آمر الجارية أن تنظر أطلع الفجر أم لا؟ فتقول: لم يطلع [ بعد ]، فآكل ثم أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرت قال: تتم يومك ثم تقضيه، أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك قضاؤه) (3) وذيل


(1) الكافي ج 4 ص 96 والتهذيب ج 1 ص 428. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 97 تحت رقم 6 و 3.

[ 181 ]

الخبر قابل لان يراد منه عدم وجوب القضاء مع مراعاته ونظره وإن كان مخطئا حيث أكل بعد طلوع الفجر، وقابل لان يراد منه عدم وقوع الاكل مع المراعاة بعد الطلوع، ويشكل ترجيح الاحتمال الاول ومع الاجمال يشكل التفرقة بين الصورتين إلا أن يقال: هذه الصورة لم يخرج عن صورة الاكل بعد طلوع الفجر مع الشك فيه، وقد فصل فيها بين الصورتين وعلل بما ذكر. وأما صورة ترك قول المخبر بطلوع الفجر لظنه كذبه فالظاهر عدم الخلاف في ثبوت القضاء فيها و يظهر وجهه مما مر، ويدل عليه أيضا رواية عيص بن القاسم عن الصادق عليه السلام قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت فنظر إلى الفجر فناداهم فكف بعضهم وظن بعضهم أنه يسخر فأكل؟ فقال: يتم صومه ويقضي) (1) وظاهر المتن وغيره عدم الفرق في نفي الكفارة بين تعدد المخبر واتحاده وعدالته خلافا للمحكي عن جماعة فاستقربوا الكفارة بإخبار العدلين بل بإخبار العدل الواحد بناء على حجيته في الاخبار بدخول الوقت لعدم جواز التعويل على الاصل حينئذ وصيرورته بحكم العامد، وأورد عليه بأن المدار في ثبوت الكفارة على تعمد الافطار وعدم جواز فعله شرعا لا يجعله مندرجا في موضوع قوله عليه السلام (من أفطر متعمدا الخ) نعم لو احتمل طلوع الفجر والتفت تفصيلا إلى حجية قول المخبر وأنه يثبت به الفجر شرعا ولا يجوز معه الاعتناء باحتمال السخرية أو تعمد الكذب ونحوه ومع ذلك أقدم على الاكل أندرج بحسب الظاهر في موضوع الحكم، لكن هذا الفرض خارج عن موضوع كلماتهم لان كلامهم فيمن هو عازم على الصوم لكنه لا يعتني بقول المخبر بناء منه على أن الفجر لا - يثبت بقوله وإلا فلا يتأتى منه عزم الصوم فلا يتفاوت الحال حينئذ في عدم صدق تعمد الافطار بين كون هذا البناء صحيحا كما لو كان المخبر فاسقا أو فاسدا كما لو كان عدلا أو عدلين. ويمكن أن يقال: هذا الايراد مبني على حمل التعمد في الافطار


(1) التهذيب ج 1 ص 428 والكافي ج 4 ص 97 والفقيه كتاب الصوم باب الوقت الذى يحرم فيه الاكل تحت رقم 5.

[ 182 ]

على صورة الالتفات بالحكم والموضوع، وأما إن قلنا بصدق التعمد مع الجهل بالحكم فما ذكروه متوجه، فمن البعيد أن يقال لمن باشر امرأته في شهر رمضان متوجها إلى كونه صائما جهلا بأن المباشرة توجب بطلان الصوم أنه غير متعمد بل الظاهر أن المدار الالتفات بالفعل وكونه صائما ولو كان جاهلا بالحكم، و هذا يجتمع مع البناء على الصوم. وأما صورة الاخلاد إلى المخبر بدخول الليل والافطار وانكشاف الكذب فوجه وجوب القضاء فيها عدم حصول الامساك في تمام النهار فالصوم فاسد وفساده ملازم للقضاء سواء كان التقليد جائزا له كصورة إخبار العدلين أو عدل واحد بناء على حجيته أو قلنا بجوازه لعمى وشبهه أو لم يجز وإن ادعي عدم وجوب القضاء مع جواز التقليد بل ارسل إرسال المسلمات فإن تحقق الاجماع وإلا فلا وجه لسقوط القضاء. وأما الكفارة فمع جواز التقليد لا تثبت ومع عدم الجواز والعلم بالحكم لا مجال لنفيها ومع الجهل بالحكم أعني عدم جواز التقليد يجئ الكلام السابق. وأما صورة الافطار للظلمة الموهمة أي الموقعة للغلط فالمعروف فيها وجوب القضاء دون الكفارة واستشكل بأنه إن كان المراد بالوهم ما يقابل الشك والظن يشكل الالتزام بنفي الكفارة بعد قضاء العرف وضرورة العقل بعدم جواز الافطار وإن كان المراد به الظن كما هو أحد إطلاقاته في مقابل الظن القوي في كلماتهم يشكل الالتزام بهذا التفصيل حيث يحكمون هنا بوجوب القضاء وهناك بعدم وجوب القضاء وقد يقال: إن تناول المفطر مع عروض الظلمة على أنحاء فإنه ربما يكون التناول مع الالتفات إلى حالته ويجد نفسه شاكا أو ظانا بدخول الليل، وهذا يوجب القضاء بل الكفارة، والظاهر خروج هذا عن موضع كلماتهم في من لم يرتدع عن عزمه على الصوم، وربما يتناول مع عدم الاعتقاد بدخول الليل مع بنائه على الصوم من جهة الغفلة عن احتمال الخلاف كما لو سمع الاذان فارتسم في متخيلته دخول الليل ولم يخطر بذهنه خلافه حتى يتردد فيه أو يرجح أحد طرفيه ومثله لا يسمى

[ 183 ]

شاكا ولا ظانا ولا معتقدا بالليل بل يطلق عليه العرف اسم التوهم والتخيل ولعل هذا ملحق بالسهو لدى العرف حكما إن لم يندرج في موضوعه وربما يتناول المفطر مسامحة أما النحو الاول من النحوين الاخيرين فلا شبهة في عدم كونه موجبا للكفارة بل قد يتأمل في وجوب القضاء في هذه الصورة لامكان دعوى كونها من أقسام السهو أو دعوى اشتراط العمد في المفطرية وهذا التناول لم يصدر عن عمد ولكن لا يخلو كلا الدعويين عن النظر، وأما النحو الثاني فلا شبهة في فساد صومه. وأما الكفارة فالاشبه عدمها لعدم صدق الافطار عن عمد ويمكن أن يقال لا نجد فرقا بين الصورة الاولى والثالثة حيث إنه في الصورة الاولى كالثالثة لولا الشك لم يكن يتناول شيئا وليس حاله حال من لا يريد الصوم أصلا، فإن قلنا في الصورة الاولى بلزوم الكفارة ولابد من القول به في الثالثة وأما الصورة الثانية فالحاقها بالسهو موضوعا أو حكما مشكل، بل الظاهر أنه داخل في صورة القطع غاية الامر هذا القطع قابل للزوال بأدنى تأمل فالصوم فاسد للاخلال بالامساك الواجب و فساده ملازم للقضاء ولا يصدق التعمد من جهة القطع على خلاف الواقع. وأما صورة غلبة الظن بدخول الليل وكان في السماء علة من غيم أو عجة أو نحوها كما هو منصرف كلماتهم فلا خلاف ظاهرا بين علمائنا في جواز الافطار تعويلا على ظنه كما يجوز الدخول في الصلاة. أقول: الظاهر أن المدار حصول الاطمينان حيث أن بناء العقلاء في مقاصدهم العمل به وليس له اختصاص بمقام دون مقام إلا في بعض المقامات كباب الشهادة فمع عدم الردع يكون حجة ولا مجال للقول بأن ما دل على عدم اعتبار الظن يكون رادعا لان بناء العقلاء يكون راسخا بحيث لو سمعوا عاما يخالف هذا البناء يكون منصرفا عنه كحجية ظواهر الالفاظ وحجية خبر الثقة بل يظهر من الاخبار في موارد كثيرة حجية خبر الثقة بحيث لا مجال لاحتمال خصوصية للمورد والظاهر أنه من هذا الباب ما تسالموا عليه من عدم الاعتناء بالشك في الحاجب حال الغسل والوضوء وعلى هذا فلا اختصاص لخصوص الغيم والعجة ونحوهما ثم بعد تسلم جواز الافطار يقع الكلام في صحة الصوم وفساده الموجب للقضاء حكي وجوب

[ 184 ]

القضاء عن جماعة واستدل له بأنه تناول ما ينافي الصوم عمدا فلزمه القضاء وما رواه الشيخ (ره) (عن محمد بن عيسى عن يونس عن أبى بصير وسماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنه الليل فأفطر بعضهم فقال: على الذي أفطر صيام ذلك اليوم، إن الله عزوجل يقول (ثم أتم الصيام إلى الليل فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لانه أكل متعمدا) (1) وحكي عن جماعة أنه لم يفسد فلا يجب قضاؤه للمعتبرة المستفيضة منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث (قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك فقال: ليس عليه قضاء) (2) وصحيحته الاخرى قال: قال أبو جعفر عليه السلام (وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئا) (3) ولابد من حمل قوله عليه السلام على المحكي (إذا غاب القرص) على زعم غيبوبة القرص كما لا يخفى وخبر أبي الصباح الكناني قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صائم ثم ظن أن الشمس قد غابت وكان في السماء علة [ غيم - خ ل ] فأفطر، ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب؟ فقال: قد تم صومه ولا يقضيه) (4) وتقع المعارضة بين موثقة سماعة المذكورة والاخبار المعتبرة المذكورة ولا مجال لحمل الموثقة على الاستحباب لما فيها من التعليل وقد تحمل على التقية لما حكي من موافقتها للعامة لكن المشهور على ما قيل وجوب القضاء بل نسب القول بعدم الوجوب إلى الشذوذ ولا تكون الاخبار النافية للقضاء مخالفة للكتاب لان الاية الشريفة ناظرة إلى الحكم الواقعي الاولي ولاتنافي مع عدم وجوب القضاء لما عرض من زعم دخول الليل ووقوع الافطار في النهار فلا يبعد التخيير الخبري إلا أن يرجح


(1) التهذيب ج 1 ص 428. والكافي ج 4 ص 100. (2) التهذيب ج 1 ص 442. (3) التهذيب ج 1 ص 428 والاستبصار ج 2 ص 115. (4) الفقيه باب ما يجب على من أفطر ح 19 والتهذيب ج 1 ص 428 والاستبصار ج 2 ص 115.

[ 185 ]

الاخبار النافية لمخالفتها للعامة وأكثريتها وموافقة الموثقة للعامة وطريق الاحتياط واضح. { وتعمد القئ ولو ذرعه لم يقض. وإيصال الماء إلى الحلق متعديا لا للصلاة وفي إيجاب القضاء بالحقنة قولان أشبههما أنه لا قضاء، وكذا من نظر إلى امراة فأمنى }. أما تعمد القئ فمقتضى الاخبار المستفيضة كونه موجبا للقضاء منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا تقيا الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم، وإن ذرعه من غير أن يتقيا فليتم صومه) (1) ومنها صحيحته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا تقيأ الصائم فقد أفطر، وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه) (2) ومنها موثقة سماعة المروية عن التهذيب قال: (سألته عن القئ في شهر رمضان فقال: إن كان شئ يبدره فلا بأس، وإن كان شئ يكره نفسه عليه فقد أفطر وعليه القضاء) (3). وفي قبالها خبر عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: (ثلاثة لا يفطرن الصائم القئ والاحتلام والحجامة) (4) وقد حمل على ما ذرعه القئ جمعا بينه وبين تلك الاخبار ولا يخلو عن تأمل، ثم إنه على تقدير فساد الصوم ووجوب القضاء لا يبعد القول بوجوب الكفارة لانه نزل منزلة الافطار وتعمد الافطار موجب للكفارة إلا أن يقال: التقيؤ العمدي بمنزلة نفس الافطار لا أن يكون نفس التقيؤ منزلة الافطار فمع انضمام التعمد إليه يصير بمنزلة الافطار العمدي الموجب للكفارة، وما يقال من الانصراف أي انصراف الافطار إلى الاكل والشرب لو لم نقل بكونه حقيقة فلا يندرج القئ تحت الافطار لا يرفع الاشكال لان المدعى تنزيله منزلة الافطار فجميع الاثار أو أظهر الاثار المترتبة على المنزل


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 108 تحت رقم 1 و 2. (3) التهذيب ج 1 ص 443 والمقنع ص 16. (4) التهذيب ج 1 ص 425. والاستبصار ج 2 ص 90.

[ 186 ]

عليه يترتب على المنزل، وظهر من الاخبار المذكورة عدم فساد الصوم من جهة الذرع، وأما الحقنة فقد سبق الكلام فيها وأن الاقوى إيجابها للقضاء دون الكفارة. وأما النظر إلى المرأة الموجب للامناء فإن كان معرضا للامناء يكون خروج المني من جهته موجبا للقضاء والكفارة وأما لو لم يكن كذلك وخرج المني من باب الاتفاق فلا دليل على إيجابه القضاء والكفارة ويؤيده ما عن الصدوق في المقنع مرسلا عن علي عليه السلام قال: (لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى لم يكن عليه شئ) (1) بحمله على ما إذا لم يكن عادته ولا من قصده، وقد سبق الكلام فيه. { السادسة: يتكرر الكفارة مع تغاير الايام وهل يتكرر بتكرار الوطي في اليوم الواحد؟ قيل: نعم، والاشبه أنها لا تتكرر، ويعزر من أفطر لا مستحلا مرة وثانيا فإن عاد ثالثة قتل }. لا إشكال ولا خلاف في تكرر الكفارة مع تغاير الايام ومقتضى النصوص الدالة على وجوب الكفارة التكرر مع تغاير الايام وإنما الخلاف في التكرر في اليوم الواحد بتكرر الموجب فقيل بتكررها مطلقا، وقيل بعدم التكرر مطلقا وقيل بالتفصيل بين الوطي وغيره، وقيل بالتفصيل بين ما لو تخلل التكفير وغيره، وقيل بالتفصيل بين اختلاف الجنس واتحاده، فتقول مقتضى القاعدة تكرر الكفارة بتكرر الموجب مطلقا لما تقرر في محله من تعدد المسبب بتعدد أسبابه، وما يقال في دفع هذا من أن الكفارة مترتبة على الافطار متعمدا وما في حكم الافطار التعمدي ومع فساد الصوم لا يصدق الافطار منظور فيه لانه مع قصد الافطار يفسد الصوم لاعتبار قصد الامساك تمام النهار فالافطار العمدي متأخر عن فساد الصوم مع أنهم يوجبون الكفارة بالافطار قبل وصول المسافر إلى حد الترخص مع عدم صحة الصوم منه والذي نقل في المقام من الاخبار ما رواه الصدوق في العيون و


(1) المصدر ص 16 وفي الوسائل أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 5.

[ 187 ]

المحكي عن الخصال بإسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني أنه كتب إلى أبي - الحسن عليه السلام (يسأله عن رجل واقع امرأة في رمضان من حلال أو حرام في يوم عشر مرات؟ قال: عليه عشر كفارات لكل مرة كفارة، فإن أكل أو شرب فكفارة يوم واحد) (1) وما في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه قال: ذكر أبو الحسن زكريا بن يحيى صاحب كتاب شمس المذهب عنهم عليهم السلام (أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة وإن عاد إلى المجامعة في يومه ذلك مرة أخرى فعليه في كل مرة كفارة) (2) وفي المعتبر: لا ريب أن قول الشيخ: (ليس لاصحابنا فيه نص) وهم وإلا فقد روي عن الرضا عليه السلام (أن الكفارة تتكرر بتكرر الوطي) (3) واختاره المرتضى. انتهى، فإن لم يكن إشكال من جهة السند بأن كان اعتماد من قال بالتفصيل على ما ذكر من الخبرين فلابد من التفصيل و مع ذلك يشكل الامر من جهة عدم التعرض في الخبر الثاني لغير المجامعة وعدم التعرض في الخبر الاول لغير المجامعة والاكل والشرب، ولا يخفى أن المستفاد من الخبر الاول بل والثاني من إطلاقه الاكتفاء بإحدى الخصال دون الجمع. فرع من فعل ما تجب به الكفارة ثم سقط فرض الصوم قيل بوجوب الكفارة عليه مطلقا وهو المشهور وقيل بسقوط الكفارة إن لم يكن فعل المسقط للتخلص منها واختاره الفاضل (قده) في جملة من كتبه واستدل للمشهور بوجود التكليف ظاهرا الذي به يحصل هتك الحرمة بالجرأة، بل قد يظهر ذلك من صحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في الفرار من الزكاة بعد تعلقها وأنه كالفار من الكفارة بالسفر في آخر النهار. (4) ولا يخفى الاشكال في ما ذكر من جهة أنه بعد عدم وجود الامر بالصوم واقعا من جهة انتفاع الامر بالمشروط مع العلم بانتفاع شرطه لا دليل على لزوم الكفارة من جهة التجري وإلا لزم وجوب الكفارة على من أفطر في


(1) العيون ص 140 والخصال ج 2 ص 61. (2) و (3) المختلف ج 1 ص 57 وفى الوسائل أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 2. (4) التهذيب چ 1 ص 358 والكافي ج 3 ص 525.

[ 188 ]

غرة شوال بزعم أنها آخر شهر رمضان وأما الصحيح المذكور فالتنظير بالسفر في آخر النهار ومن المعلوم أن السفر بعد الظهر لا يوجب سقوط الصوم وليس هذا كالفرار بالسفر قبل الزوال، وبالجملة المسألة مشكلة خصوصا مع التسلم عند الاكثر و أما التقرير بالنسبة إلى غير المستحل فهو المسلم بالنسبة إلى الامام عليه السلام وكذلك بالنسبة إلى الفقيه إن ثبت في زمان الغيبة مثل هذه الامور له. وأما التقييد بغير المستحل فلانه مع الاستحلال يحكم بارتداده فيترتب عليه أحكام المرتد، لكنه لابد من فرض عدم الشبهة بل ومع عدم الشبهة إن رجع الاستحلال إلى تكذيب النبي وإلا فيشكل الحكم بالارتداد ومع عدم الاستحلال وتكرار التعزير المشهور أنه يقتل في الثالثة، وقيل يقتل في الرابعة، مستند الاول ما رواه الشيخ والصدوق (قده) في الصحيح عن بريد العجلي قال (سأل أبو جعفر عليه السلام عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر في شهر رمضان ثلاثة أيام قال: (يسأل هل عليك في إفطارك في شهر رمضان إثم فإن قال: لا فإن على الامام أن يقتله، وإن قال نعم فإن على الامام عليه السلام أن ينهكه ضربا) (1) وإن ادعي الشبهة قبل منه، ومستند الثاني ما رواه الشيخ والصدوق (قده) عن سماعة في الموثق قال: (سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان وقد أفطر ثلاث مرات وقد رفع إلى الامام ثلاث مرات قال: فليقتل في الثالثة) (2) وما رواه المشايخ الثلاثة (قدس الله أسرارهم) في الصحيح عن يونس ابن عبد الرحمن عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: (أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليه الحد مرتين قتلوا في الثالثة) (3) ومستند القول بالقتل في الرابعة ما رواه الشيخ عنهم عليهم السلام مرسلا (أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة) (4) ويمكن أن يقال أما موثقة سماعة فلا ظهور لها في وقوع التعزير لان قوله (وقد رفع إلى الامام)


(1) الكافي ج 4 ص 103 تحت رقم 5 والتهذيب ج 1 ص 413. (2) التهذيب ج 1 ص 410 وج 2 ص 482. (3) الوسائل كتاب الحدود أبواب مقدمات الحدود ب 5 ح 1. نقله عن الكافي والتهذيب والفقيه. (4) التهذيب ج 2 ص 406.

[ 189 ]

ليس ظاهرا فيه نعم هو القدر المتيقن. وأما رواية يونس بن عبد الرحمن فهو متعرض لصورة إقامة الحد دون التعزير. وأما ما رواه الشيخ فإن قيد بصورة وقوع الحد أو التعزير فهو معارض للخبر السابق وإن لم يقيد فيشكل الاخذ بمفاده حيث أن الفقهاء لا يلتزمون به ظاهرا. { السابعة من وطئ زوجته مكرها لها لزمه كفارتان ويعزر دونها ولو طاوعته كان على كل واحد منهما كفارة ويعزران }. والدليل عليه قول الصادق عليه السلام في خبر مفضل بن عمر (في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة فقال: إن كان استكرهها فعليه كفارتان وإن كان طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة، وإن أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد وإن كان طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا وضربت خمسة وعشرين سوطا) (1) وضعف السند مجبور بالعمل ولابد من الاقتصار على مورد النص، ولا مجال للتعدي، وقد يقال بوجوب كفارتين لو أكرهها ثم طاوعته في الاثناء فتجب ثلاث كفارات اثنتان على الزوج من جهة نفسه والمرأة المكرهة وكفارة أخرى من جهة مطاوعتها. ومن المستبعد لزوم كفارتين من فعل واحد. { الثالث من يصح منه الصوم ويعتبر في الرجل العقل والاسلام وكذا في المرأة مع إعتبار الخلو من الحيض والنفاس فلا يصح من الكافر وإن وجب عليه و لا من المجنون والمغمى عليه ولو سبقت منه النية على الاشبه ولا من الحائض، و النفساء، ولو صادف ذلك أول جزء من النهار أو آخر جزء منه }. أما اعتبار العقل فالظاهر عدم الخلاف فيه وعلل بأن التكليف يستدعي العقل لان تكليف غير العاقل قبيح، وبأن المجنون رفع عنه القلم حتى يفيق، ويمكن أن يقال: إن كان الجنون بحيث لا تميز معه فلا كلام فيه، وإن لم يكن كذلك فلا مانع عقلا من صحة صومه ولا تنافي عدم التكليف، كما أن الصبي ليس مكلفا ومع ذلك قيل بشرعية عباداته فالعمدة الاجماع إن تم.


(1) التهذيب ج 1 ص 413 وفى الفقيه باب ما يجب على من أفطر تحت رقم 6.

[ 190 ]

وأما المغمى عليه فلا نجد الفرق بينه وبين النائم بل في المدارك أنه نقل عن ظاهر الشيخ في الخلاف أنه ساوى بين الجنون والاغماء في الصحة مع سبق النية قال: ولا يخلو عن قرب، وناقش في الوجوه التي ذكرت لعدم الصحة كفوات الامر المعتبر بقاؤه في صحة العبادة وسقوط القضاء المستلزم لسقوط الاداء كما سيأتي والحق توجه المناقشة فإن المراد من فوات الامر إن كان عدم أهلية المغمى عليه حال الاغماء لتوجه الخطاب إليه يرد عليه النقض بالنائم وسقوط القضاء غير مستلزم لسقوط الاداء ألا ترى أن صلاة الجمعة لا تقضى مع وجوب الاداء، والتسوية بين المجنون والمغمى عليه لا دليل عليها مع ما عرفت من احتمال الصحة من المجنون مع سبق النية، فإن تم الاجماع وإلا فلا يتم الوجوه المذكورة، بل مع عدم سبق النية أيضا لا يبعد الصحة بأن كان من طلوع الفجر إلى قبل الظهر مغمى عليه ثم بعد زوال الاغماء نوى الصوم كالغافل والنائم. وأما اعتبار الاسلام فادعي عليه الاجماع ولان العبادة لابد أن تكون قابلة لمقربية الاتي بها ولا تنافي بين اعتبار الاسلام بل الايمان في الصحة وكون الكفار مكلفين بالفروع للتمكن من الاسلام والايمان، نعم يقع الاشكال بالنسبة إلى القاصر عن تحصيل العلم وغير القاصر الطالب للحق قبل أن يعرف الحق. وأما اعتبار الخلو عن الحيض والنفاس فمجمع عليه وتدل النصوص الكثيرة بالنسبة إلى الحائض المتحد حكم النفساء معها كما بين في محله من غير فرق بين ما لو صادف أول جزء منه أو آخر جزء منه. { ويصح من الصبى المميز ومن المستحاضة مع فعل ما يجب عليها من الاغسال، ويصح من المسافر في النذر المعين المشترط سفرا وحضرا على قول مشهور، وفي ثلاثة أيام لدم المتعة وفي بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا، ولا يصح في واجب غير ذلك على الاظهر إلا أن يكون سفره أكثر من حضره أو يعزم الاقامة عشرة أيام }. أما صحة الصوم مع الصباوة فلما يستظهر من كون العبادات بالنسبة إلى الصبي

[ 191 ]

شرعية من الادلة لا تمرينية، وقد ورد أخبار كثيره منها الخبر المروى في الكافي والتهذيب عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام من أبيه عن علي عليهم السلام قال: الصبى إذا أطاق أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان) (1) وما روي في الكافي والفقيه في الموثق عن سماعة قال: (سألته عن الصبي متى يصوم قال: إذا قوي على الصيام) (2) وما روى الثلاثة (قدس الله أسرارهم) في كتبهم الثلاثة في الصحيح عن معاوية بن وهب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام في كم يؤخذ الصبي بالصيام قال: ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة فإن هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته) (3) وظاهر هذه الاخبار مطلوبية الصوم من الصبي كمطلوبيته من البالغ، غاية الامر عدم الوجوب لاشتراطه بالبلوغ، وحديث رفع القلم لا ينافي ذلك وإلا لكان منافيا للتمرين المطلوب من الصبي على القول بكون عباداته تمرينية، ويشهد لهذا ما ورد في الاخبار من جواز عتق الصبي ابن عشر سنين وصدقته وصيته ففي رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا أتى على الغلام عشر سنين فانه يجوز له في ماله ما اعتق أو تصدق أو أوصى على حد معروف وحق فهو جائز (4) وخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته) (5) وفي موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم) (6) ومن المعلوم أن الصدقة عبادة شرعية.


(1) الكافي ج 4 ص 125. والتهذيب ج 1 ص 431 واللفظ له. (2) الكافي ج 4 ص 125 والفقيه باب حد الذى يؤخد فيه الصبيان بالصوم رقم 3. (3) الكافي ج 4 ص 125. والهذيب ج 1 ص 425 و 444. والفقيه العنوان السابق تحت رقم 4. (4) و (5) الفقيه كتاب الوصايا باب الحد الذى إذا بلغه الصبى جازت وصيته ح 1 و 2. (6) لم أجده بهذا الطريق ورواه الكليني في الكافي ج 6 ص 124 عن ابن بكير و رواه الشيخ في الكتابين من طريق الكليني عن الصادق عليه السلام بلفظه.

[ 192 ]

وأما صحة الصوم من المستحاضة إذا فعلت ما يجب عليها فلا خلاف فيه ولا إشكال وإنما الاشكال في بطلان الصوم مع الاخلال بذلك أو خصوص الغسل أو الاغسال خاصة أو النهاري منه وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة. وأما عدم صحة الصوم في السفر إلا في موارد مخصوصة فللنصوص التي لا يبعد تواترها منها قول أبى جعفر عليه السلام (ليس من البر الصيام في السفر) (1) كقول الصادق عليه السلام في خبر الساباطي (لا يحل الصوم في السفر فريضة كان أو غيره والصوم في السفر معصية) (2) وقوله في صحيح عمار بن مروان (من سافر قصر وأفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله ورسولا لمن يعصي الله عزوجل أو طلب عدو شحاء أو سعاية أو ضرر على قوم مسلمين) (3) واستثني صورة النذر ويدل عليه صحيح علي بن مهزيار (كتب بندار مولى إدريس يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب عليه السلام وقرأته: لا تتركه إلا من علة وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلا أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بقدر كل يوم على سبعة مساكين) (4) ولا يخفى أنه مع التعبير بأن الصوم في السفر معصية كيف يصح النذر مع اعتبار الرجحان في متعلقه، ولا يبعد وقوع المعارضة بين صحيح علي بن مهزيار المذكور وموثقة زرارة قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام أن أمي كانت جعلت عليها نذرا إن رد الله عليها بعض ولدها - من شئ كانت تخافه عليه - أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه، ما بقيت فخرجت معنا مسافرة إلى مكة فأشكل علينا لمكان النذر أتصوم أم تفطر؟ فقال: لا تصوم، وقد وضع الله عزوجل عنها حقه وتصوم هي ما جعلت على نفسها، قلت: فما ترى إذا هي رجعت إلى المنزل [ أتقضيه ]؟ قال: لا


(1) الفقيه باب وجوب التقصير في الصوم في السفر تحت رقم 9. (2) التهذيب ج 1 ص 444. (3) الفقيه الباب الذى سبق ذكره تحت رقم 7 والكافي ج 4 ص 129 وفيه عن محمد بن عمار. (4) التهذيب ج 1 ص 433 والاستبصار ج 2 ص 125.

[ 193 ]

قلت: أفتترك ذلك؟ قال: لا لاني أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره) (1) وجه المعارضة أن نية الصوم في السفر تارة يصرح بها في النذر وتارة يطلق بحيث لا يكون الناذر ناظرا إلى الحضر والسفر، ففي الصورة الاولى يكون الناذر متوجها إلى الصوم في السفر ونواه وفي الصورة الثانية يكون الصوم في السفر منويا بحسب الاطلاق إلا أن يكون المنع الشرعي صارفا كالمنع عن صوم العيدين والمنع الشرعي في المقام ليس صارفا لما في الصحيح المذكور من استثناء صورة النية وقد صرح في الموثقة بعدم وجوب الصوم وعلى هذا فتوقف المحقق (قدس سره) في محله وإن كان الحكم مسلما عندهم (قده) بالنسبة إلى السفر وإن لم يقولوا بالجواز بالنسبة إلى المرض مع أن الصحيح المذكور دال على الصحة، واستثني أيضا صوم ثلاثة أيام بدل الهدي لاطلاق قوله عزوجل (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) وخصوص صحيح رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام الواردة في صوم هذه الايام حيث قال فيها (يصوم وهو مسافر؟ قال: نعم أليس هو يوم عرفة مسافرا، إنا أهل بيت نقول ذلك لقول الله عزوجل (فصيام ثلاثة أيام في الحج) (2). واستثني أيضا صوم ثمانية عشر يوما لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا وعجز عن الفداء وهو بدنة، لما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن ضريس عن أبي جعفر عليه السلام قال (سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله) (3). وأما عدم صحة الصيام في السفر في واجب غير ما ذكر فلما ذكر من الاخبار وغيره، نعم يصح في السفر الذي يتم فيه الصلاة كما لو كان سفره أكثر من حضره أو أقام عشرة أيام مع النية وذلك للملازمة بين الاتمام وصحة الصوم إلا في ما استثني ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي (هما (يعني التقصير والافطار)


(1) التهذيب ج 1 ص 418 والاستبصار ج 2 ص 101. (2) الكافي ج 4 ص 506 تحت رقم 1. (3) الكافي ج 4 ص 467 تحت رقم 4.

[ 194 ]

واحد إذا قصرت أفطرت وإذا افطرت قصرت) (1) وقد تقدم التفصيل في كتاب الصلاة. { والصبي المميز يؤخذ بالواحب لسبع سنين استحبابا مع الطاقة، ويلزم به عند البلوغ، ولا يصح من المريض مع التضرر به، ويصح لو لم يتضرر ويرجع في ذلك إلى نفسه }. أما أخذ الصبي المميز بالصوم الواجب لسبع سنين فقد يستدل عليه بحسن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك (2) أو أقل فإذا غلب بهم العطش أفطروا حتى يتعودوا أو يطيقونه، فمروا صبيانكم إذا كانو بني تسع سنين بما أطاقوا من صيام فإذا غلبهم العطش أفطروا) ومن البعيد التفرقة بين أولادهم عليهم السلام وأولاد غيرهم بحسب الحكم، وفي صحيح زرارة والحلبي أو حسنهما عن أبى - عبد الله عليه السلام (أنه سأل عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه قال: إذا عقل الصلاة، قلت: متى تجب الصلاة عليه قال: إذا كان ابن ست سنين والصيام إذا أطاقه) (3) ولعل التحديد بالسبع أو التسع من جهة أن الغالب إطاقة الصبى البالغ إلى هذا السن من دون مدخلية لخصوص السبع أو التسع، ولا يخفى أن المستفاد من الخبرين المذكورين كغيرهما ليس الاخذ بخصوص الصوم الواجب فلا يبعد الاخذ بالصوم المستحب، ومن فوائده التعود حتى يتسير له الصوم الواجب إلا أن يستفاد من قوله (والصيام إذا أطاقه) بعد قوله: (إذا كان ابن ست سنين) بحمل الوجوب على الثبوت، لكن هذا لا ينافي ساير الاخبار، وأما اللزوم مع البلوغ فلا كلام فيه. وأما عدم الصحة من المريض مع التضرر فلا خلاف فيه بل هو مجمع عليه ويدل عليه الاية الشريفة (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)


(1) الفقيه: كتاب الصلاة باب الصلاه في السفر تحت رقم 6. (2) الكافي ج 4 ص 124. (3) الوسائل أبواب صلاة الجنازة ب 13 ح 1.

[ 195 ]

والاخبار منها ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصائم إذا خاف على عينه من الرمد أفطر. وقال: كلما أضربه الصوم فالافطار له واجب) (1) وفي الصحيح عن بكر بن محمد الازدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سأله أبي وأنا أسمع عن حد المرض الذي يترك الانسان فيه الصوم قال: إذا لم يستطع أن يتسحر) (2) وفي الصحيح عن جميل بن دراج عن الوليد بن صبيح قال: حممت بالمدينة في شهر رمضان فبعث إلى أبو عبد الله عليه السلام بقصعة فيها خل وزيت وقال: (أفطر وصل وأنت قاعد) (3). وروي في الفقيه مرسلا قال: (وقال عليه السلام: كلما أضر به الصوم فالافطار له واجب) (4). وأما مع عدم التضرر فلا خلاف في وجوب الصوم وعليه ينزل خبر عقبة بن خالد عن الصادق عليه السلام (في رجل صام وهو مريض قال: يتم صومه) (5) ثم إن الظاهر عدم لزوم الظن بالضرر فضلا عن القطع به وكفاية الخوف. ويدل عليه ما في الصحيح المذكور آنفا عن حريز وربما يتمسك بقاعدة نفي الحرج وفيه إشكال لان نفس الصوم لم يحرز كونه حرجيا ونفس الخوف ليس موردا للتكليف إلا أن يقال الصوم مع خوف الضرر حرجى وهذا على فرض ملازمة الضرر للحرج وليس كذلك بل الضرر والحرج قد يجتمعان وقد يفترقان ثم إنه إن اعتقد الضرر أو خاف وتبين عدم الضرر فهو معذور في الافطار ويقضي وأما لو اعتقد عدم الضرر وانكشف الضرر بعد الصيام فهل يقع باطلا لعدم الصحة واقعا لكونه مشمولا لما دل على عدم الصحة أو يقع صحيحا من جهة عدم الخوف؟ الظاهر الاول حيث إن الظاهر أن الخوف بمنزلة الطريق إلى الواقع، نعم لو كان وجه الافطار قاعدة نفي الضرر أو قاعدة نفي الحرج لامكن أن يقال: بالصحة حيث ان الاحكام الامتنانية تدور مدار الامتنان والحكم في المقام بالبطلان ولزوم القضاء خلاف الامتنان كما قيل بصحة الوضوء الضرري إن توضأ باعتقاد عدم الضرر وكان في الواقع ضرريا


(1) إلى (4) الفقيه باب حد المرض الذى يفطر صاحبه. وفى الكافي ج 4 ص 118. (5) التهذيب ج 1 ص 444.

[ 196 ]

وهذا مبني على عدم كفاية الامتنان النوعي وهو محل كلام، وأما الرجوع إلى نفسه في تشخيص الضرر فيدل عليه الموثق عن ابن بكير عن زرارة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام ما حد المرض الذي يفطر فيه الرجل ويدع الصلاة من قيام فقال: بل الانسان على نفسه بصيرة هو أعلم بما يطيقه) (1) وفي الموثق عن سماعة قال: (سألته ما حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر من كان مريضا أو على سفر قال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر وإن وجد قوة فليصم، كان المرض ما كان) (2) والظاهر أن النظر إلى صورة تمكن المكلف من التشخيص، وأما مع عدم التمكن فيرجع إلى أهل الخبرة كالطبيب و إن لم يجتمع فيه شرائط قبول الشهادة كالطبيب الغير المسلم حصول للظن والخوف من قوله. { الرابع في أقسامه وهي أربعة واجب وندب ومكروه ومحظور، فالواجب ستة: شهر رمضان، والكفارات، ودم المتعة والنذر وما في معناه، والاعتكاف على وجه، وقضاء الواجب المعين. أما شهر رمضان والنظر في علامته وشروطه و أحكامه، أما علامته وهي رؤية الهلال فمن رآه وجب عليه صومه ولو انفرد بالرؤية. ولو رئي شايعا أو مضى من شعبان ثلاثون يوما وجب الصوم }. مطلق الصوم الشامل للصحيح والفاسد أربعة: واجب وندب ومكروه بالكراهة العبادية ومحظور، ولو للتشريع ولا يتصور المباح، والواجب ستة باستقراء الادلة الشرعية والاجماع: الاول صوم شهر رمضان ويقع الكلام فيه في جهات إحديها العلامة وهي رؤية الهلال فمن رآه وجب عليه الصوم ولو انفرد، لصدق الرؤية المأمور بالصوم والافطار لها، ومضي ثلاثين يوما من شعبان، والرؤية الشايعة على وجه تفيد العلم بلا إشكال ولا خلاف، وأما مع عدم إفادة الشياع العلم ففيه خلاف فقد حكي عن العلامة في


(1) الفقيه الباب المذكور تحت رقم 1. (2) الكافي ج 4 ص 118 والتهذيب ج 1 ص 424 والاستبصار ج 2 ص 114.

[ 197 ]

التذكرة الاكتفاء بالشياع المفيد للظن لمساواته مع الظن الحاصل من شهادة العدلين، واستشكل بعدم إحراز العلة ولا يبعد أن يقال: بناء العقلاء على العمل بالوثوق و الاطمينان فمع الامضاء بل عدم الردع يؤخذ به كما يؤخذ بظواهر الالفاظ بل حجية خبر الثقة في الاحكام من جهة بنائهم، والدال على الامضاء الاخبار الواردة في الموارد المختلفة كخبر صالح بن زرين عن شهاب (إنى إذا وجبت زكاتي أخرجتها فأدفع منها إلى من أثق به يقسمها؟ قال عليه السلام: لا بأس بذلك) (1) وصحيحة هشام ابن الحكم الواردة في عدم انعزال الوكيل قبل العلم بالعزل قال عليه السلام: (والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافيه العزل) (2) ورواية سماعة قال: (سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إن هذه امرأتي وليست لي بينة فقال: إن كان ثقة فلا يقربها وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه) (3) والاخبار الواردة في معرفة الوقت كصحيح ذريح المحاربي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (صل الجمعة بأذان هولاء فإنهم أشد شئ مواظبة على الوقت) (4) وما دل على حجية خبر الثقة واحتمال مدخلية خصوصيات الموارد كما ترى والشبهة التي لاجلها توقف غير واحد من الاعلام في حجية الشياع الغير المفيد للعلم نشأت من ملاحظة إطلاق ما دل على عدم اعتبار الظن فيقال: ما يجاب به عن هذه الشبهة في حجية ظواهر الالفاظ وحجية خبر الثقة في الاحكام يجاب به في المقام فكما تكون الاطلاقات منصرفة عن ظواهر الالفاظ حيث ان الحجية مر تكزة في أذهان العقلاء بنحو لا يكون مثلها مشمولة لتلك الادلة فكذلك في المقام، ومع قطع النظر عن هذا يكون ما ورد من موارد التخصيص موجبا لرفع اليد عن إطلاق ما ذكر لو فرض الاطلاق، ولا مجال لاحتمال مدخلية الخصوصيات كما لا مجال للقول بقصر حجية البينة بالموارد التي دل الدليل على حجيتها فيها و


(1) الوسائل أبواب مستحقين للزكاة ب 35 ح 4. (2) الوسائل كتاب الوكالة ب 1 ح 1 عن هشام بن سالم. (3) الوسائل أبواب عقد النكاح ب 22 ح 2. (4) التهذيب ج 1 ص 217.

[ 198 ]

يدل على ما ذكر ما في الكافي في باب تسمية من رآه عن الحميرى عن أحمد بن إسحاق قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام وقلت له: من أعامل وعمن آخذ وقول من أقبل فقال له عليه السلام: العمرى ثقة فما أدي إليك عني فعني يودي وما قال لك عني فعني يقول فاسمع له وأطعه فإنه الثقة المأمون، وأخبرنا أحمد بن إسحاق أنه سأل أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك فقال له: العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان الخبر) (1) ويؤيد ما ذكرنا عمل الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم بالخبر الضعيف سندا مع عمل الاصحاب لانجبار الضعف بعملهم ولا يبعد التمسك بصحيحة العيص (أنه سال أبا عبد الله عليه السلام عن الهلال إذا رآه القوم فاتفقوا أنه لليلتين أيجوز ذلك قال: نعم) (2) حيث أنه ترك الاستفصال ولم يشترط العدالة في القوم وحكي الاجماع في المعتبر والتحرير على اعتبار الشياع الاعم من القطعي والظني. { ولو لم يتفق شئ من ذلك قيل يقبل الواحد احتياطا للصوم خاصة، وقيل: لا يقبل مع الصحو إلا خمسون نفسا أو اثنان من خارج. وقيل: يقبل شاهدان كيف كان، وهو الاظهر، ولا اعتبار بالجدول، ولا بالعدد، ولا بالغيبوبة بعد الشفق، و لا بالتطوق، ولا بعد خمسة أيام من هلال السنة الماضية، وفي العمل برؤية قبل الزوال تردد }. إذا شهد الواحد الثقة فالكلام فيه ما ذكر آنفا ومع عدم الوثوق ولو مع فرض العدالة فقيل بحجية قوله لقول أبي جعفر عليه السلام: في خبر محمد بن قيس قال أمير - المؤمنين عليه السلام (إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم أفطروا) (3) وفيه إشكال من جهة أن الشيخ (قده) رواه في الاستبصار


(1) المصدر ج 1 ص 329. (2) التهذيب ج 1 ص 395 والاستبصار ج 2 ص 63. (3) التهذيب ج 1 ص 396 و 402 والاستبصار ج 2 ص 64.

[ 199 ]

بطريقين أحدهما ما سمعت والثاني (إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو تشهد بينة عدل من المسلمين) وفي التهذيب بطريقين أيضا أحدهما ما سمعت والثاني (إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو اشهدوا عليه عدولا من المسلمين) ومن جهة المعارضة مع الاخبار المعتبرة المتضمنة لعدم الاكتفاء بما دون العدلين، وأما القول بعدم قبول شهادة أقل من خمسين نفسا أو اثنين من خارج البلد فيدل عليه خبر إبراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: كم يجزي في روية الهلال؟ فقال إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوه بالتظني وليس برؤية الهلال أن تقوم عدة فيقول واحد قد رأيته ويقول الاخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجوز في رؤية الهلال إذا لم تكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كان في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر) (1) و خبر حبيب الجماعي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا يجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية) (2) واستشكل في العمل بمضونهما تارة من جهت ضعف السند وأخرى من جهة المخالفة لعمل المسلمين كافة فلا مجال للترديد في حجية البينة قال صادق عليه السلام على المحكي في صحيح منصور بن حازم (فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه) (3) وفي صحيح الحلبي وقد قال له: (أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم؟ قال لا إلا أن تشهد لك بينة عدول فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم) (4) ولعل نظر القائل إلى صورة عدم العدالة. وأما ما ذكر من الجدول والعدد الخ فالجدول حساب مخصوص عند المنجمين مأخوذ من سير القمر واجتماعه مع الشمس، والمراد بالعدد هنا ما صرح به


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 396 والثانى في بعض النسخ عن [ حبيب الخزاعى ]. (3) التهذيب ج 1 ص 395. والاستبصار ج 1 ص 63. (4) التهذيب ج 1 ص 397.

[ 200 ]

المصنف (قدس سره) في المحكي عن المعتبر من عد شعبان ناقصا أبدا وشهر رمضان تاما أبدا. وأما الغيبوبة بعد الشفق فالمراد الاستدلال بها على كون الهلال لليلتين و التطوق ظهور النور في جرم القمر مستديرا، واستدل به أيضا على كون الهلال لليلتين، وعد خمسة أيام من شهر رمضان من العام الماضي استدل به على كون اليوم الخامس أول الشهر. فنقول المشهور بين الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - عدم الاعبتار بها. أما بالنسبة إلى الجدول فلاحتمال الخطأ في الحساب ألا ترى أنه قد يقع الاختلاف بين المنجمين، لكن قد يقع الاتفاق بين مهرة الفن فيشكل رفع اليد عن قولهم مع أنهم أهل الخبرة، وأما بالنسبة إلى العدد فلانه خلاف الوجدان والنصوص الصحيحة الصريحة كقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح حماد بن عثمان (شهر رمضان شهر من الشهور يصيبة ما يصيبه من الشهور من النقصان) (1) وقال له على المحكي الحلبي في الصحيح أيضا (أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم؟ قال: لا إلا أن تشهد لك بينة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم) (2) وقال أبو جعفر عليه السلام على المحكي في صحيح ابن مسلم (إذا كان علة فأتم شعبان ثلاثين يوما) (3) فلا يعارضها غيرها من النصوص المنصوبة إلى أهل البيت عليهم السلام بعد إعراض الاصحاب وعمل المسلمين على الخلاف، وأما بالنسبة إلى الغيبوبة فلان غاية الامر حصول الظن نعم حكي عن الصدوق اعتبارها ولعله لقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر إسماعيل بن الحر [ الحسن خ ل ] (إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة وإن غاب بعد الشفق فهو لليلتين) (4) لكنه مع ضعف السند لا يعارض سائر الادلة. وأما بالنسبة إلى التطوق فلعدم حصول العلم من جهته وادعي عدم الخلاف


(1) التهذيب ج 1 ص 396. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 395. والاستبصار ج 2 ص 63. (4) التهذيب ج 1 ص 402. والكافي ج 4 ص 78.

[ 201 ]

فيه إلا ما يظهر من الصدوق في الفقيه حيث روى صحيح مرازم عن أبيه عن أبى عبد الله عليه السلام (إذا تطوق الهلال فهو لليلتين وإذا رأيت ظل راسك فيه فهو لثلاث ليال) (1) ولا يخفى أنه مع صحة الرواية وحصول الاطمينان لا وجه لترك العمل به إلا أن يدعي الاعراض وعدم حصول الاطمينان، ومن المحتمل أن يكون عدم العمل من جهة ترجيح سائر الاخبار لا من جهة الاعراض. وأما بالنسبة إلى عد خمسة أيام فلدعوى قصور ما دل على اعتباره عن معارضة ما دل على الحصر في الرؤية أو شهادة البينة والاخبار الدالة على الاعتبار منها خبر عمران الزعفراني قلت لابي عبد الله عليه السلام (إن السماء تطبق علينا بالعراق اليوم واليومين وثلاثة فأي يوم نصوم؟ قال: أفطر اليوم الذي صمت من السنة الماضية وصم اليوم الخامس) (2) وخبره الاخر عنه أيضا: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إنا نمكث في الشتاء اليوم واليومين لا نرى شمسا ولا نجما فأي يوم نصوم؟ قال: أفطر اليوم الذي صمته من السنة الماضية وعد خمسة أيام وصم اليوم الخامس) (3) وخبر محمد بن عثمان الخدري عن بعض مشايخه عنه صلوات الله عليه (صم في العام المستقبل يوم الخامس من يوم صمت عام الاول) (4) وقد حكي عن قد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا ومع ذلك عد مثل هذه الاخبار من الاخبار الشاذة المهجورة. ولا يخفى أنه مع حصول الوثوق والاطمينان كيف يرفع اليد عن مثل هذه الامارة. وأما الرواية قبل الزوال فالمشهور أيضا عدم الاعتبار بها بكونها أمارة على كون اليوم الذي رئي فيه الهلال قبل الزوال من الشهر المستقبل بل ربما يدعى


(1) المصدر باب الصوم للرؤية تحت رقم 9. (2) الكافي ج 4 ص 80 والمقنع ص 16، والتهذيب ج 1 ص 403، والاستبصار ج 2 ص 76 وفى جميع المصادر (انظر اليوم الذى صمت فيه) مكان (افطر اليوم الذى الخ). (3) كالخبر الاول وفي جميع المصادر أيضا (انظر) مكان (أفطر). (4) الكافي ج 4 ص 81.

[ 202 ]

الاجماع على عدم الاعتبار واستدل عليه بخبر محمد بن عيسى المعتضد بما عرفت (قال كتبت إليه جعلت فداك ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان فيرى من الغد الهلال قبل الزوال وربما رأيناه بعد الزوال فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا كيف تأمرني في ذلك؟ فكتب عليه السلام يتم إلى الليل فإنه إن كان تاما رئي قبل الزوال) (1) بحمل الهلال على هلال الشوال بقرينة قوله (فإنه إن كان تاما الخ) وخبر جراح المدائني عن الصادق عليه السلام (من رأى هلال شوال بنهار في رمضان فليتم صيامه) (2) والمرسل المروي عن بعض الكتب عن أمير المؤمنين عليه السلام (إذا رأيتم الهلال أو رآه ذوا عدل منكم نهارا فلا تفطروا حتى تغرب الشمس كان ذلك في أول النهار أو في آخره وقال: لا تفطروا إلا لتمام ثلاثين من رؤية الهلال أو بشهادة شاهدين عدلين أنهما رأياه) (3) واستدل أيضا بالاخبار الدالة على أن الصوم والافطار للرؤية. (4) المنصرفة إلى الرؤية قبل الصوم والافطار. وفي قبال ذلك أخبار أخر منها الحسن كالصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإذا رأوا بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة) (5) ومنها موثق عبيد بن زرارة عنه أيضا (إذا رئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال وإذا رئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان) (6) ومنها صحيح محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل، وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة، ثم أفطروا) (7)


(1) التهذيب ج 1 ص 402 والاستبصار ج 2 ص 73. (2) الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 8. (3) لم أجده وفي الغنائم للقمى - ره - ص 450 ونقله عن الفاضل الاصفهانى. (4) راجع الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان ب 3. (5) و (6) التهذيب ج 1 ص 402 والاستبصار ج 2 ص 74. (7) التهذيب ج 1 ص 396 و 402 والاستبصار ج 2 ص 73.

[ 203 ]

حيث يستفاد منه أن الرؤية أول النهار إلى قبل الزوال ليس مثل الوسط والاخر ولازمه كونه دليلا على كون الهلال لليلة الماضية وادعي شذوذ هذه الاخبار مع أن المحكي عن المرتضى (قدس سره) اعتبار ذلك حيث انه بعد ان ذكر قول الناصر: (إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية) قال: هذا هو الصحيح و هو مذهبنا بل قال: إن عليا عليه السلام وابن مسعود وابن عمرو آنفا قالوا به ولا مخالف لهم وربما استظهر من الصدوق والكليني (قدس سرهما) أيضا ومال إليه جماعة من المتأخرين ومنهم العلامة الطباطبائي (قده) في مصابيحه وتردد المصنف (قده) والمسألة محل إشكال. { ومن كان بحيث لا يعلم الاهلة توخى صيام شهر، فإن استمر الاشتباه أجزأه، وكذا إن صادف أو كان بعده، ولو كان قبله استأنف }. ويدل على الاكتفاء بصيام شهر وعدم وجوب الاحتياط صحيح عبد الرحمن ابن حجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له رجل أسرته الروم ولم يصم شهر رمضان ولم يدر أي شهر هو قال: يصوم شهرا يتوخاه ويحسب فإن كان شهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزه وإن كان بعد رمضان أجزأه) (1) وهل يكون شهر المظنون كونه رمضان بمنزلته في لزوم الكفارة لو أفطر عامدا وساير أحكام شهر رمضان أم لا؟ قد يقال بعدم كونه بمنزلته لعدم الدليل على التنزيل، غاية الامر لزوم الصيام والاجزاء في بعض الصور مع انكشاف الحال وفي صورة بقاء الشبهة، ويمكن أن يقال بعد القطع والعلم الاجمالي بترتب الاحكام على بعض الشهور التي تكون أطراف الشبهة يجب الاحتياط، غاية الامر رخص المكلف في ترك الاحتياط والترخيص لا يوجب رفع الاثار وإلا لزم مخالفة القطعية ومع عدم حصول الظن يشكل الامر للزوم الاحتياط إلا أن يكون حرجيا فيدور الامر مدار عدم الحرج فلابد من التبعيض في الاحتياط، وقد يستشكل بعدم كون التكليف في نفسه حرجيا وإنما نشأ الحرج من جهة الجهل وحكم العقل بلزوم الاحتياط، ويمكن أن


(1) الكافي ج 4 ص 180. والتهذيب ج 1 ص 439.

[ 204 ]

يقال: يحتاط المكلف بأطراف الشبهة إلى حد يكون الاتيان بطرف الشبهة حرجيا فالباقي من أطراف الشبهة إن كان المكلف به داخلا فيه فهو حرجيي، وإن لم يكن داخلا فيه فليس بواجب، وبهذا يمكن الجواب عن هذه الشبهة في مبحث الانسداد في الاصول، وأما إحتمال الرجوع إلى القرعة فبعيد جدا، ألا ترى أنه لم يعمل بها في غالب موارد العلم الاجمالي، وأما الاجزاء مع بقاء الشبهة فاستفادته من الصحيح المذكور لا تخلو عن إشكال لان ظاهره أن الوظيفة الفعلية صيام شهر يتوخاه ثم بعد انكشاف الحال يجزي على تقدير ولا يجزي على تقدير، فصورة بقاء الشبهة مسكوت عنها، ولعل السكوت لندرة هذه الصورة. وأما التفصيل بين الصورتين من جهة الاجزاء فمطابق للقاعدة حيث ان صيام شهر رمضان قبل رمضان لا يصح وبعده يكون قضاء لصيام رمضان ولا يجب قصد الاداء والقضاء، ثم إنه على تقدير انكشاف الحال لا وجه للحكم بلزوم الكفارة على كل تقدير لانه على تقدير التقدم لا يصح الصيام وعلى تقدير التأخر لا تجب تلك الكفارة بل إما لا تجب أصلا وإما تجب كفارة أخرى. { ووقت الامساك طلوع الفجر الثاني فيحل الاكل والشرب حتى يتبين خيطه والجماع حتى يبقى لطلوعه قدر الوقاع والاغتسال، ووقت الافطار ذهاب الحمرة المشرقية }. لا خلاف بين علماء الاسلام في أن وقت الامساك طلوع الفحر الثاني وقال الله تبارك وتعالى (كلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) واستثني من ذلك الجنابة فيجب الامساك عنها قبل طلوع الفجر إذا لم يسع الزمان لها وللاغتسال، لبطلان الصوم بتعمد البقاء على الجنابة وهذا مسلم مع قصور الوقت عن الغسل والتيمم، وأما مع قصوره عن الغسل دون التيمم فقد يقال بصحة الصوم وإن عصم بالجنابة كما أراق الماء بعد دخول الوقت واستشكل من جهة عدم دليل يعتد به في قيام التيمم مقام الغسل في المقام بخلاف الصلاة حيث أنها لا تسقط بحال ويمكن أن يقال: ما الدليل على الاثم وما الفرق بين هذه

[ 205 ]

الجنابة وجنابة من لم يتمكن من استعمال الماء وهل يقال بعدم جواز الاجناب له؟ وعلى أي تقدير لم لا يشمل عموم تنزيل التراب منزلة الماء. ووقت الافطار ذهاب الحمرة المشرقية بنظر من اعتبرها لخروج وقت الظهرين ودخول وقت العشائين ومن قال باعتبار استتار القرص قبل ذهاب الحمرة المشرقية يقول باعتبارة في المقام، وقد مر الكلام فيه في كتاب الصلاة. { ويستحب تقديم الصلاة على الافطار إلا أن تنازع نفسه أو يكون من يتوقع إفطاره }. ويدل على الاستحباب صحيح الحلبي (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الافطار قبل الصلاة أو بعده فقال: إن كان معه قوم يخاف أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، وإن كان غير ذلك فليصل ثم ليفطر) (1) وموثق زرارة وفضيل عن الباقر عليه السلام في رمضان يصلي ثم يفطر إلا أن تكون مع قوم ينتظرون الافطار، فإن كنت معهم فلا تخالف عليهم، وأفطر ثم صل وإلا فابدء بالصلاة، قلت: ولم ذلك؟ قال: لانه حضرك فرضان الافطار والصلاة فابدء بأفضلهما، وأفضلهما الصلاة، ثم قال: تصلي وأنت صائم فتكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحب إلي) (2) وهاتان الروايتان كما ترى لم يستثن فيهما صورة منازعة النفس لكنه قال في المقنعة روي أيضا في ذلك (أنك إذا كنت تتمكن من الصلاة تعقلها وتأتي على حدودها قبل أن تفطر فالافضل أن تصلى قبل الافطار وإن كنت ممن تنازعك نفسك للافطار ويشغلك شهوتك عن الصلاة فابدء بالافطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة، غير أن ذلك مشروط بأن لا يشتغل بالافطار قبل الصلاة إلى أن يخرج وقت الصلاة) (3) وهذه الرواية لم يحرز اعتبارها من حيث السند إلا من جهت إفتاء مثل المحقق -


(1) الفقيه باب الوقت الذى يحل فيه الافطار رقم 3. والكافي ج 4 ص 100 و التهذيب ج 1 ص 405 وفي جميع تلك المصادر (ويخشى أن يحبسهم). (2) التهذيب ج 1 ص 408 والمصباح ص 433. (3) المقنعة ص 51.

[ 206 ]

(قده) بمضمونها ولعله من جهة التسامح في أدلة السنن ويستشكل أولا من جهة الاشكال في استفادة الرجحان الشرعي من الاخبار المذكورة في ذلك الباب مع عدم حجية الخبر الدال على السنة للاشكال في صدق البلوغ، وثانيا من جهة عدم كون المقام من ذلك الباب بل النظر إلى عدم استحباب تقديم الصلاة في صورة تنازع النفس وشغل الشهوة. { واما شروطه فقسمان: الاول شرائط الوجوب وهي ستة البلوغ وكمال العقل، فلو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه لم يجب على أحدهم الصوم إلا ما أدرك فجره كاملا }. أما مع إدراك الفجر كاملا فلا كلام فيه والاشكال في الوجوب لاجتماع شرائط الوجوب، ويقع الاشكال فيما لو كان حصول الكمال قبل طلوع الفجر بما لا يسع الغسل للجنابة، وأما التيمم فهل يكون ممنوعا من إجناب نفسه فلا يجوز للغلام الوطي ويكون ممن تعمد البقاء على الجنابة ويجب عليه الكفارة للعلم بحصول شرط التكليف أم لا من جهة أن وجوب المقدمة متفرع على وجوب ذي المقدمة وقبل البلوغ لا تكليف أصلا ونظير المقام ما لو حصل البلوغ بعد الوقت مع عدم تمكن الانسان من تحصيل المقدمات للصلاة بعد البلوغ ولا يقاس المقام بما لو كان مكلفا واجدا للشرائط العامة لكنه لم يتحقق بعد شرط التكليف الخاص كالمكلف التي يعلم بحصول الاستطاعة للحج قد يقرب لزوم تحصيل المقدمات من جهة حرمه تفويت الغرض عقلا وبهذا يتمسك في لزوم تحصيل المقدمات قبل تحقق شرط التكليف من أنكر الواجب المعلق، ولا يخفى الاشكال فيه من جهة أن وجوب حفظ الغرض وحرمة تفويته متفرع على لزوم ما يحصل به الغرض شرعا فمع عدم التكليف كيف يلزم، وأما مع عدم الادراك كاملا في خصوص الصبي فمع حصول المفطر لا دليل على وجوب الامساك بقية النهار، وليس كمن أفطر يوم الشك ثم تبين كونه من رمضان والاصل البراءة، وأما لو لم يفطر وقصد الصوم وقلنا بشرعية عبادات الصبي فالقائل بعدم الوجوب إن كان نظره إلى عدم عموم وإطلاق يشمل

[ 207 ]

المقام فله وجه، وإن كان نظره إلى مثل حديث الرفع يقال له بعد حصول الكمال والتمكن من الصوم الصحيح لم لا يجب عليه وعدم شمول أدلة وجوب الصوم للمقام ممنوع بل يمكن دعوى شمول ما دل على لزوم الامساك مع الافطار تأدبا للمقام وتيأتى الكلام في المجنون والمغمى عليه إذا سبق منهما النية قبل حصول الجنون والاغماء وارتفعا بعد الفجر إن لم يتحقق الاجماع على عدم الوجوب { والصحة من المرض والاقامة أو حكمها ولو زال السبب قبل الزوال ولم يتناول أمسك واجبا وأجزأ ولو كان بعد الزوال أو قبله وقد تناول أمسك ندبا وعليه القضاء والخلو من الحيض والنفاس }. أما اشتراط الصحة من المرض مع التضرر في الوجوب فلاشتراط الصحة بعدم المرض الذي يتضرر الصائم من جهته ويدل عليه قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر والسنة المستفيضة أو المتواترة كموثق سماعة قال: (سألته ما حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر فقال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر وإن وجد قوة فليصم، كان المرض ما كان) (1) وموثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يجد في راسه وجعا من صداع شديد هل يجوز الافطار، قال: إذا صدع صداعا شديدا و إذا حم حمى شديدة، وإذا رمدت عيناه رمدا شديدا فقد حل له الافطار) (2) و لا يخفى أن مجرد اشتراط الصحة بعدم المرض مع التضرر لا يوجب اشتراط الوجوب لامكان أن يكون شئ شرطا للصحة ولم يكن شرطا للوجوب بل كان الوجوب مطلقا يجب معه تحصيل شرط الصحة مع الامكان فالاولى أن يقال يستفاد من الاية الشريفة والاخبار عدم الوجوب من جهة المرض مع التضرر وإن كان المرض بحيث أمكن للمريض معالجته. وأما اشتراط الاقامه عشرا للمسافر أو ما في حكم الاقامة لكثرة السفر و


(1) الكافي ج 4 ص 118، والتهذيب ج 1 ص 424. (2) التهذيب ج 1 ص 424.

[ 208 ]

التردد ثلاثين يوما فمجمع عليه ويدل عليه الكتاب والسنة المستفيضة أو المتواترة وأما وجوب الامساك الصومي بحيث يصير صوما مجزيا بزوال المرض فادعي عليه الاجماع فإن بنينا على بقاء محل النية إلى الزوال حتى في مثل المقام يتم وأما إن كان على خلاف الاصل ويقتصر فيه على مورد النص فإثباته مشكل لعدم شمول النص للمقام ولم يحرز المناط وقد يستشكل في المقام من جهة أنه إن كان المرض الزائل قبل الزوال مضرا كيف يحكم بصحة الصوم مع الاضرار وإن لم يكن مضر فالمكلف مخطئ في اعتقاده الضرر فهو مكلف في الواقع بالصوم وليس من باب زوال المرض المضر، نعم لو قلنا بأن خوف الضرر له الموضوعية لا الطريقية أمكن تصوير زوال الخوف قبل الظهر، ويمكن أن يقال: لا يجب على المكلف المريض أول النهار الصوم للمرض وبعد البرء لا مانع من إيجاب الصوم من حين البرء كالمسافر. وأما المسافر الذي حضر بلده أو بلدا يعزم على الاقامة فيه عشرة أيام قبل الظهر ولم يتناول شيئا فالصوم واجب عليه بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه موثق أبي بصير (سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فقال عليه السلام: إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به) (1) وموثق سماعة (إن قدم بعد زوال الشمس أفطر ولا يأكل ظاهرا وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء) (2) ومصحح يونس قال: (في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه) (3). وفي قبالها ما يظهر منه خلاف هذا كصحيح ابن مسلم (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقدم من سفره في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار قال: إن طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن


(1) التهذيب ج 1 ص 424. (2) التهذيب ج 1 ص 444. (3) الكافي ج 4 ص 132. والتهذيب ج 1 ص 424.

[ 209 ]

شاء أفطر) (1) وصحيحة الاخر عن أبي عبد الله عليه السلام فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الاقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم، وإن دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه وإن شاء صام) (2) ولابد من الحمل على التخيير قبل القدوم بين الامساك إلى أن يدخل فيصوم وبين الافطار والبقاء عليه بعد الدخول كما قد يظهر من صحيحة رفاعة بن موسى قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار قال عليه السلام: إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر) (3) فالخيار له حال الخروج لا بعد الدخول، ووجه لزوم حمل المذكور عدم عمل الاصحاب بالاخبار المخالفة للاخبار السابقة. وأما استحباب الامساك مع التناول فيشهد له جملة من النصوص كموثق سماعة (سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل قال عليه السلام: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا ولا يواقع في شهر رمضان) (4) ونحوه غيره. وأما وجوب القضاء فعلى القاعدة. وأما اشتراط الخلو من الحيض والنفاس فلا خلاف فيه والنصوص مستفيضه أو متواترة فيه (5). { الثاني شرائط القضاء وهي ثلاثة البلوغ وكمال العقل والاسلام، فلا يقضى ما فاته لصغر أو جنون أو إغماء أو كفر، والمرتد يقضي ما فاته، وكذا كل تارك عد الاربعة عامدا أو ناسيا }. أما اشتراط البلوغ والعقل والاسلام فقد ادعي الاجماع عليه في كلمات


(1) الكافي ج 4 ص 132 والتهذيب ج 1 ص 417. والاستبصار ج 2 ص 99. (2) الكافي ج 4 ص 131 تحت رقم 4. (3) التهذيب ج 1 ص 425 والكافي ج 4 ص 132. (4) الكافي ج 4 ص 132 والاستبصار ج 2 ص 113 والتهذيب ج 1 ص 424. (5) راجع الوسائل كتاب الصوم ابواب من يصح منه الصوم ب 25 و 26.

[ 210 ]

الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - وأما عدم وجوب القضاء على المغمى عليه فهو المشهور، ويدل عليه صحيح أيوب بن نوح قال: (كتبت إلى أبى الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة) (1) وصحيح على بن مهزيار (سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة) (2) وظاهر الكلمات عدم الفرق بين الاغماء المستوعب لتمام الوقت والغير المستوعب واستفادته من أخبار الباب مشكلة من جهة أن مورد السؤال المغمى عليه يوما أو أكثر إلا أن يقال يشمل قول السائل (أو أكثر) ما لو كان الاغماء في يوم ونصف ولا يخلو عن إشكال لان الظاهر أن الكثرة من جنس اليوم فيحمل على اليومين فما زاد فتأمل ويؤيد الاشكال عدم الالتزام بسقوط قضاء الصلاة مع حصول الاغماء في آخر الوقت مع الصحو في أوله، بل يشكل صدق الفوت للاغماء فإن الظاهر أنه منوط بحصول الاغماء الموجب لعدم نية الصوم حتى يمضي وقت النية، وأما لو نوى الصوم وأغمي عليه فلا يصدق عليه فوت الصوم للاغماء، وقد حكي في هذه الصورة عن جماعة من القدماء. وفي قبال ما دل على عدم وجوب القضاء مرسل حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام (يقضي المغمى عليه ما فاته) (3) ومع عدم الاشكال من جهة الارسال يحمل على الندب جمعا. وأما اشتراط الاسلام فهو مجمع عليه ويدل عليه حديث الجب وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه (سئل عن رجل أسلم في النصف من رمضان ما عليه من صيامه؟ قال: ليس عليه إلا ما أسلم فيه) (4) وصحيح العيص بن القاسم قال: (سالت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام هل عليهم أن يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه قال: ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 338 و 421. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 421.

[ 211 ]

أسلموا فيه إلا أن يكونوا قد أسلموا قبل طلوع الفجر) (1) وما رواه الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أسلم بعد ما دخل في شهر رمضان أياما فقال: ليقض ما فاته) (2) محمول على الاستحباب جمعا. وأما وجوب القضاء على المرتد فادعي عدم الخلاف فيه واستدل عليه بعموم ما دل على وجوب القضاء على من أفطر متعمدا وعلى المريض والحائض والنفساء والمسافر وناسي الجنابة ولا يخفى أنه لابد من دعوى عدم شمول ما دل على عدم وجوب القضاء على من أسلم بالنسبة إلى ما مضى في زمان كفره للمرتد بدعوى الانصراف وهذه الدعوى لا تخلو عن إشكال ألا ترى أنه في بعض الاخبار عبر عن المرتد بمن رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا يبعد صدق رجل أسلم في النصف من رمضان أو قوم أسلموا في شهر رمضان على المرتد أو المرتدين ومع الاطلاق كيف يؤخذ بعموم ما دل على وجوب القضاء. وأما وجوب القضاء على كل تارك عد الاربعة فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضيه في أي الشهور شاء أياما متتابعة فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء وليحص الايام فإن فرق فحسن وإن تابع فحسن) (3) وبصحيح عبد الله بن المغيرة عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فإن قضاه متتابعا فهو أفضل و إن قضاه متفرقا فهو حسن) (4) والصحيح الاول ناظر إلى كيفية القضاء بعد الفراق عن ثبوت القضاء، والصحيح الثاني وإن كان أيضا ناظرا إلى كيفية القضاء لكنه ليس ناظرا إليها بعد الفراق عن ثبوت أصل القضاء بل يكون ناظرا إلى ثبوت القضاء أيضا بالنسبة إلى المعذور وقد ورد في غير واحد من الاخبار من أفطر متعمدا فعليه القضاء. { وأما أحكامه ففيه مسائل الاولى المريض إذا استمر به المرض إلى رمضان


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 421. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 429 والاستبصار ج 2 ص 117.

[ 212 ]

آخر سقط القضاء على الاظهر، وتصدق عن الماضي عن كل يوم بمد ولو برئ وكان في عزمه القضاء ولم يقض صام الحاضر وقضى الاول ولا كفارة، ولو ترك القضاء تهاونا صام الحاضر وقضى الاول وكفر عن كل يوم بمد }. أما سقوط القضاء بالنسبة إلى من استمر به المرض إلى رمضان آخر فيشهد له أخبار كثيرة ربما يدعى تواترها، منها صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر فقال: إن كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه رمضان آخر صام الذي أدركه فتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه قضاؤه، وإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وتصدق عن الاول لكل يوم بمد على مسكين وليس عليه قضاؤه) (1) ومنها صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولا يصح حتى يدركه شهر رمضان آخر؟ قال: يتصدق عن الاول ويصوم الثاني، فإن كان صح في ما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا وتصدق عن الاول) (2) وصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر ثم أدركه رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم فأما أنا فإني صمت و تصدقت) (3) وعن جماعة وجوب القضاء دون الكفارة، ويشهد له خبر الكناني قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة، ثم أدركه شهر رمضان قابل؟ قال: عليه أن يصوم وأن يطعم كل يوم مسكينا فإن كان مريضا في ما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح، وإن تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكل يوم مسكينا) (4) وأجيب بعدم صلوح مثله للمعارضة مع الاخبار النافية للقضاء لانها أصح سندا وأكثر عددا،


(1) الكافي ج 4 ص 119، والتهذيب ج 1 ص 422 والاستبصار ج 2 ص 110. (2) التهذيب ج 1 ص 423 والاستبصار ج 2 ص 111 والكافي ج 4 ص 119. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 423 والاستبصار ج 2 ص 112 والكافي ج 4 ص 120.

[ 213 ]

وموافقته لفتوى المشهور ومجرد موافقته لظاهر الكتاب العزيز (وإن كنتم مرضا أو على سفر) لا يجدى بعد البناء على جواز تخصيص الكتاب بالاخبار. ويمكن أن يقال: إن كان استناد من قال بوجوب القضاء إلى عدم جواز تخصيص ظاهر الكتاب فلا إشكال في عدم الوجوب لما بين في الاصول، وإن كان إلى الخبر فلا إشكال في انجبار السند لان فيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات من الاخبار والخبر موافق لظاهر الاية الشريفة، ولا يبعد الجمع بين الطرفين بحمل الخبر على الاستحباب ويشهد له ما في خبر ابن سنان من قوله: (فأما أنا فإنى صمت وتصدقت) ولا مانع من كون القضاء واجبا بالنسبة إلى بعض ومستجبا بالنسبة إلى بعض آخر، وهذا الاحتمال جار في الاية الشريفة فلا يحب تخصيص الاية، بل يلزم رفع اليد عن ظهورها في الوجوب بالنسبة إلى جميع الافراد وأما لو لم يستمر المرض إلى رمضان آخر فلا إشكال في وجوب القضاء وإنما الاشكال في وجوب الصدقة على الاطلاق أو وجوبها في صورة التهاون بمعنى العزم على عدم الصيام أو عدم العزم دون صورة العزم على الصيام وعروض المانع قد يدعى عدم صدق التواني مع العزم واتفاق عروض المانع إلى رمضان آخر فمقتضى صحيح ابن مسلم أو حسنه عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام المذكور وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (وإن صح في ما بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام فإن تهاون به وقد صح فعليه الصدقة والصيام جمعيا لكل يوم مد إذ فرغ من ذلك الرمضان) (1) وخبره الاخر المروي عن تفسير العياشي فإن صح ما بين الرمضانين فتوانى أن يقضيه حتى حال الرمضان الاخر فإن عليه الصوم ويتصدق من أجل أنه ضيع ذلك الصيام) (2) حيث قيد فيها وجوب الصدقة بالتواني والتهاون عدم الوجوب مع العزم فيقيد به الاطلاق الدال على الوجوب ومع التمكن والعزم واتفاق العذر لا - يصدق التهاون ألا ترى أن خبر أبي بصير الاول بعد فرض الصحة ووجوب القضاء فرض


(1) التهذيب ج 1 ص 423 والاستبصار ج 2 ص 111. (2) الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 11.

[ 214 ]

التهاون فلو كان مجرد الصحة والتمكن مع عدم الاتيان تهاونا لم يتعقب بقوله (فان تهاون به) كما أن من أخر صلاته عن أول الوقت لضرورة عرفية لم يصدق عليه أنه تهاون في أمر صلاته وقد ظهر مما ذكر وجوب القضاء والصدقة مع عدم استمرار المرض وتحقق التهاون في القضاء. { الثانية يقضي عن الميت أكبر ولده ما تركه من صيام لمرض وغيره مما تمكن من قضائه ولو يقضه، ولو مات في مرضه لم تقض عنه وجوبا واستحب، و روى القضاء عن المسافر ولو مات في ذلك السفر، والاولى مراعاة التمكن ليتحقق الاستقرار، ولو كان وليان قضيا بالحصص، ولو تبرع بعض صح، ويقضي عن المرأه ما تركته على تردد }. أما وجوب القضاء على ولي الميت المفسر بأكبر ولده فهو المعروف بين الاصحاب بل لم يحك الخلاف إلا عن ابن أبي عقيل فأوجب التصدق ويشهد له صحيح ابن بزيع عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قلت: (رجل مات وعليه صوم يصام عنه أو يتصدق؟ قال: يتصدق فإنه أفضل) (1) وغيره ولا مجال للعمل بهما مع وجود النصوص الكثيرة ربما يدعى تواترها كصحيح حفص عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ قال: عليه السلام: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال عليه السلام: لا إلا الرجال) (2) وموثقة ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام (في من يموت في شهر رمضان قال: ليس على وليه أن يقضي عنه - إلى أن قال -: فإن مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه ثم مرض فمات فعلى وليه أن يقضي لانه قد صح فلم يقض ووجب عليه) (3) وما رواه الشيخ في التهذيب عن الصفار قال: (كتبت إلى الاخير عليه السلام. وفي الفقيه كتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي


(1) جواهر الكلام كتاب الصوم في وجوب القضاء على الولى. (2) الكافي ج 4 ص 123 والتهذيب ج 1 ص 421 والاستبصار ج 2 ص 108. (3) التهذيب ج 1 ص 422 والاستبصار ج 2 ص 110.

[ 215 ]

عليهما السلام: (رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين وخمسة أيام الاخر؟ فوقع عليه السلام يقضي عنه أكبر وليية عشرة أيام ولاء إن شاء الله) (1). وأما اختصاص الوجوب بالاكبر من الرجال فيمكن أن يستفاد من صحيح حفص المذكور آنفا وهذا التوقيع حيث أنه يستفاد من الصحيح الاختصاص بالرجال دون النساء، ويستفاد من التوقيع الاختصاص بالاكبر فيخصص المطلقات. وأما التفسير بأكبر الاولاد فهو المعروف، واستشكل في استفادته من الاخبار ومن المستبعد جدا اشتهار هذا التفسير بين الفقهاء وعدم عثورهم على دليل يستفاد منه و هل يجب على الولي قضاء خصوص ما فات لعذر أو مطلق ما فات ولو عن عمد قد يدعى انصراف المطلقات إلى خصوص ما فات لعذر واستشكل بمنع الانصراف ولا يبعد أن يستظهر من موثقة ابن بكير المذكور مدخلية العذر حيث علق الوجوب على المرض والصحة بعده بحيث يتمكن من القضاء فوجوب القضاء على الولي متوقف على أمرين ترك الصيام لعذر والتمكن من القضاء، وأما استحباب القضاء مع عدم التمكن فلم يظهر له وجه بل ربما يظهر من بعض الاخبار خلافه فقد روى الشيخ في الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: ماتت فيه قال: لا تقضي عنها فإن الله لم يجعله عليها قلت فإنى أشتهي أن أقضي عنها فقد أوصتني بذلك قال: وكيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله عليها، فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم) (2) إلا أن يؤخذ بإطلاق بعض الاخبار الواردة في المقام وتقييد الوجوب بالتمكن، ولا منافاة بين هذا وإطلاق الرجحان فتأمل. وأما المسافر الذي مات في ذلك السفر فقد يستفاد من بعض الاخبار وجوب القضاء عنه كما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام


(1) التهذيب ج 1 ص 422 والفقيه باب قضاء الصوم عن الميت تحت رقم 3. (2) الكافي ج 4 ص 137. والتهذيب ج 1 ص 422.

[ 216 ]

قال: (سألته عن امرأة مرضت أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم) (1) وما رواه الشيخ في الموثق عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام (في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أما الطمث والمرض فلا وأما السفر فنعم) (2) ولا يبعد الحمل على الاستحباب جمعا بين ما دل على الوجوب وبين ما علل فيه الوجوب بالتمكن واحتمال اختصاص العلة بخصوص المورد بعيد، وأما صورة وجود الوليين كما لو كانا مولودين في زمان واحد لم يكن أحدهما أكبر من الاخر بناء على المشهور من كون الولي أكبر الاولاد الذكور فيحتمل فيها التوزيع والقضاء بالحصص لصدق الولي على كل منهما فهما بمنزلة الواحد، ويحتمل تعلق الوجوب بنحو الوجوب الكفائي حيث انه يصدق على كل منهما الولي ويجب على الولي قضاء جميع ما فات من الميت، ولا يتصور تعلق التكليف حينئذ إلا بنحو الوجوب الكفائي ولعل هذا أقرب، وأما الصحة مع تبرع متبرع فلان الصوم في المقام بمنزلة الدين كما يشير إليه المرسل عن النبي صلى الله عليه وآله (إن رجلا جاء إليه فقال: يا رسول الله إن امي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه عنها قال: لو كان على أمك دين أكنت تقضينه عنها قال: نعم قال: فدين الله أحق أن يقضى) (3) وخبر أبي بصير المتقدم المشتمل على وصية الامرأة بالقضاء وعلى المحكي قول الصادق عليه السلام إذا مات الرجل وعليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله) (4) وأما القضاء عن المرأة على حسب حال الرجل ففي وجوبه خلاف نسب إلى ظاهر المعظم الوجوب لقاعدة الاشتراك. وصحيح أبي حمزة وموثق ابن مسلم وخبر أبي بصير المذكورة، وقد يناقش بأن أكثر ما يستفاد من الاخبار


(1) الكافي ج 4 ص 137 والفقيه باب صوم الحائض والمستحاضة تحت رقم 6. (2) التهذيب ج 1 ص 422. (3) أخرجه مسلم ج 3 ص 155. (4) الفقيه أبواب قضاء الصوم عن الميت تحت رقم 2.

[ 217 ]

مشروعية القضاء في قبال نفي مشروعية في الطمث والمرض وعدم القول بالفصل بين المشروعية والوجوب غير ثابت، وأن الثابت من قاعدة الاشتراك هو إلحاق النساء بالرجال في الاحكام الموجهة إليهم المخاطبين بها، مثل يجب على الرجل كذا ويحرم عليه كذا. فالرجل إذا كان موضوعا للخطاب بحكم كانت المرأة مثله ولا يشمل مثل ما نحن فيه مما كان الرجل قيدا لموضوع الحكم، ويمكن أن يقال بعد البناء على ظهور الجملة الخبرية في الوجوب يكون المستفاد من الخبرين الوجوب لا مجرد المشروعية ولا مجال لاحتمال الوجوب على غير الولي هذا بناء على حمل الصحيح والموثق المذكورين على الوجوب، وأما على ما احتمل من الحمل على الاستحباب جمعا فلا، بل يستفاد من التعليل المذكور في موثق ابن بكير المذكور سابقا، وأما الاشكال الراجع إلى قاعدة الاشتراك فيتوجه عليه، إنا لا نجد الفرق بين المقام وبين مثل قول الامام عليه السلام على المحكي في جواب زرارة حيث سأل بقوله أصاب ثوبي دم رعاف الخ فإن الرجل يكون قيدا لموضوع الحكم في كلام السائل. { الثالثة إذا كان الاكبر أنثى فلا قضاء، وقيل يتصدق من التركة عن كل يوم بمد، ولو كان عليه شهران متتابعان جاز أن يقضي الولي شهرا ويتصدق عن شهر }. أما سقوط القضاء بعد البناء على أن المراد من الولى في المقام أكبر الاولاد الذكور فللاصل السالم عن المعارض، وأما الصدقة فقد يستدل على وجوبها بصحيح أبي مريم الانصاري عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه قضاء وإن صح ثم مرض حتى يموت و كان له مال تصدق عنه فإن لم يكن له مال تصدق عنه وليه) (1) والصدوق و الكليني (قده) رويا هذه الرواية (وإن صح ثم مات وكان له مال تصدق عنه)


(1) الكافي ج 4 ص 123. والفقيه باب قضاء الصوم عن الميت تحت رقم 1. والتهذيب ج 1 ص 421 والاستبصار ج 2 ص 108.

[ 218 ]

مكان (كل يوم بمد فإن لم يكن له مال صام عنه وليه) وفحوى خبر الوشاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام المروي في الكافي والتهذيب (سمعته يقول: إذا مات الرجل وعليه صيام شهرين متتابعين من غير علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الاول ويقضي و الثاني) (1) المنجبر ضعفه من جهة (سهل) بالشهرة ولا يخفى أن الصحيح المذكور مع عدم العمل بمضمونه كيف يتمسك به. وأما رواية الوشاء فالظاهر اختصاصها بالكفارة بقرينه قوله (من غير علة) ويظهر منها عدم تعين صيام شهرين متتابعين، والعاملون بمضونها يخصونها بالولي فكيف يستدل بها بالنسبة إلى غير الولي. ومما ذكر ظهر الوجه في قوله (قده) (ولو كان عليه شهران الخ) لكنه يشكل ما ذكر من جهة عدم ذكر الولي، بل الظاهر رجوع الضمير إلى الرجل فيكون الصدقة والصيام كسائر الديون لا اختصاص لهما بالولي، كما أن الحمل على الرخصة وعدم تعين ما ذكر خلاف الظاهر حيث أن الحكم ليس بلفظ الامر حتى يقال: إنه في مقام توهم الحظر والظاهر من لفظ (على) تعين مدخولها. { الرابعة قاضي رمضان مخير حتى تزول الشمس، ثم يلزمه المضي، فإن أفطر لغير عذر أطعم عشرة مساكين، ولو عجز صام ثلاثة أيام }. أما التخيير إلى زوال الشمس فيدل عليه المعتبرة المستفضية منها صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام (صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل متى شئت وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس فإذا زالت فليس لك أن تفطر) ومنها صحيح جميل على ما في التهذيب عنه أيضا في (الذي يقضي شهر رمضان أنه بالخيار إلى زوال الشمس) (3) ومنها موثقة إسحاق بن عمار عنه أيضا (الذي يقضى رمضان هو بالخيار في الافطار ما بينه وبين أن تزول الشمس. وفي التطوع ما بينه وبين أن تغيب الشمس) (4). وفي قبالها ما يظهر منه عدم الجواز منها صحيح ابن الحجاج (سألته عن


(1) الكافي ج 4 ص 124 تحت رقم 6 والتهذيب ج 1 ص 422. (2) و (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 430 و 431 والاستبصار ج 2 ص 122.

[ 219 ]

الرجل يقضى رمضان أله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بداله؟ قال: إذا كان قد نوى من الليل وكان من قضاء رمضان فلا يفطر ويتم صومه) (1) وموثق زرارة (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل يقضى من رمضان فأتى النساء قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي أصاب في رمضان لان ذلك اليوم عند الله من رمضان) (2) ولا مانع من الجمع بين الاخبار السابقة والصحيح المذكور بالكراهة، وأما الجمع بينها وبين الموثق المذكور بالتقييد ببعد الزوال وإرادة المماثلة في أصل الكفارة فبعيد لخروج ما بعد طلوع الفجر إلى الزوال الذي هو أكثر، عن الحكم ولو كان النظر إلى المماثلة في أصل الكفارة لما احتاج إلى قوله (مثل ما على الذى أصاب) ومع عدم إمكان الجمع والمعارضة الترجيح مع الاخبار السابقة. وأما لزوم إطعام عشرة لو أفطر بعد الزوال فيدل عليه خبر بريد العجلي (في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شئ عليه إلا يوما مكان يوم وإن كان أتى أهله بعد الزوال فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين فإن لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع) (3) وضعف السند مجبور بالعمل والاخذ بمضمونه، وصيحيح هشام بن سالم (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان؟ فقال: إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شئ عليه يصوم يوما بدل يوم وإن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم وأطعم عشرة مساكين فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك) (4) واشتماله على نفيها قبل صلاة العصر لا يضر لامكان التوجيه بالتقييد واشتراك الوقت بين الظهرين من أول الزوال ويعارضها موثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (عن


(1) التهذيب ج 1 ص 405. (2) التهذيب ج 1 ص 430 والاستبصار ج 2 ص 121. (3) الكافي ج 4 ص 122. والتهذيب ج 1 ص 430 واللفظ له، والمقنع ص 17. والاستبصار ج 2 ص 120. (4) التهذيب ج 1 ص 430 والاستبصار ج 2 ص 120.

[ 220 ]

الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى يريد أن ينوى الصيام قال عليه السلام: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم وإن كان نوى الافطار فليفطر - إلى أن قال: - سئل فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس قال عليه السلام: قد أساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه) (1) والجمع يقتضي الحمل على الاستحباب إلا أن الاصحاب لم يعملوا بمضمونه، وذهب الصدوقان وابن البراج (قدس أسرارهم) إلى لزوم كفارة شهر رمضان على ما عن موضع من المختلف ويدل عليه موثق زرارة عن أبى جعفر عليه السلام (رجل يقضي عن رمضان فأتى النساء قال عليه السلام: عليه من الكفارة مثل ما على الذي أصاب في شهر رمضان الخ) (2) وما في مرسل حفص ابن سوقة من قوله عليه السلام (في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان) (3) وقد يجمع بين الاخبار بحمل ما دل على (أن عليه مثلي ما علي الذي أصاب في شهر رمضان) على الاستحباب وفيه أنه بعد الفراغ عن وجوب الكفارة لا مجال لهذا الحمل لانه بناء على الاخذ بهذين الخبرين يكون المكلف مخيرا بين الاعتاق و الصيام والاطعام ولا يتعين عليه الصيام حتى يقال الواجب صيام عشرة والباقي مستحب أو أفضل كالجمع بين ما دل على وجوب المد وما دل على وجوب المدين في الكفارة كما أنه لا مجال لرفع اليد عنهما من جهة ضعف السند مع كون أحدهما موثقا وعمل من عرفت بمضمونهما فيدور الامر بين الترجيح والتخيير والمشهور تعين صيام عشرة أيام مع التمكن ومع عدم التمكن ثلاثة أيام بمقتضي خبر بريد العجلي وصحيح هشام إلا أن يقال بعد الفراغ عن حرمة الافطار بعد الزوال واستحقاق العقوبة يشك في كفارته فالعقل يحكم بوجوب صيام شهرين متتابعين لاشتماله على العشرة


(1) التهذيب ج 1 ص 431 والاستبصار ج 2 ص 121. (2) تقدم آنفا. (3) الكافي ج 4 ص 103.

[ 221 ]

وههنا أقوال أخر لم يعرف لها دليل. { الخامسة من نسي غسل الجنابة حتى خرج الشهر فالمروي قضاء الصلاة والصوم والاشبه قضاء الصلاة حسب }. أما المروي المشار إليه فأخبار منها صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام (سألته عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج رمضان قال: عليه أن يقضي الصلاة والصيام) (1) وخبره الاخر الذي هو بهذا المضمون أيضا وخبر إبراهيم بن ميمون (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسي أن يغتسل حتى يمضى لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان؟ قال: يقضي الصلاة والصيام) (2) ومرسل الصدوق (عمن جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان أن عليه أن يغتسل ويقضي صلاته وصومه إلا أن يكون قد يغتسل للجمعة فإنه يقضي صلاته وصومه إلى ذلك اليوم ولا يقضي ما بعد ذلك) (3) فنقول: أما قضاء الصلوات فلا ريب في وجوبه لاشتراط الصلاة بالطهارة، و أما قضاء الصوم فقد يستشكل في وجوبه من جهة ما دل على عدم القضاء في من أجنب ونام إلى الصبح كما مضى في تعداد المفطرات، وأجيب بعدم التنافي بالفرق بين ما لو ترك الغسل من جهة نوم الاول وبين ما لو كان ترك الغسل من جهة النسيان فالصحة في الصورة الاولى لا تنافي مع الفساد في الصورة الثانية، ويمكن أن يقال: الدليل على الصحة في صورة النوم صحيح معاوية بن عمار قلت لابي عبد الله عليه السلام (الرجل يجنب في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان؟ قال: ليس عليه شئ الخ) (4) وصيحح ابن أبي يعفور قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح؟ قال: عليه السلام: يتم صومه ويقضي يوما آخر، وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه ولا شئ عليه) (5) فالبقاء


(1) التهذيب ج 1 ص 440 و 443. (2) الكافي ج 4 ص 106. (3) الفقيه باب ما يجب على من أفطر تحت رقم 14. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 412 والاستبصار ج 2 ص 87 و 86.

[ 222 ]

على الجنابة إلى الصبح يمكن أن يكون من جهة النوم مع تذكر الجنابة والعزم على الاغتسال، ويمكن أن يكون من جهة نسيان الجنابة، فمقتضى ترك الاستفصال الصحة في كلتا الصورتين إلا أن يدعى ظهورهما في أن سبب البقاء على الجنابة هو النوم ومع هذا أيضا يشكل من جهة أنه يمكن إن يكون النوم سببا للنسيان فكيف يجب القضاء. { واما بقية أقسام الصوم فستأتي في أماكنها إن شاء الله تعالى. والندب من الصوم منه ما لا يختص وقتا فإن الصوم جنة من النار، ومنه ما يختص وقتا و المؤكد منه أربعة عشرة: صوم أول خميس من الشهر، وأول أربعاء من العشر الثاني، وآخر خميس من العشر الاخير، ويجوز تأخيرها مع المشقة من الصيف إلى الشتاء، ولو عجز تصدق عن كل يوم بمد }. أما استحباب الصوم الغير مختص بوقت فقد استفاضت الاخبار بفضله منها رواية عمرو بن جميع قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث طويل: الصيام جنة من النار) (1) وروي في الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام مرسلا وفي الكافي مسندا قال: (اوحى الله تعالى إلى موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - ما يمنعك عن مناجاتي فقال: يا رب أجلك عن المناجات لخلوف فم الصائم فأوحى الله إليه يا موسى لخلوف فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك) (2) وفي الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (للصائم فرحتان فرحة عند الافطار وفرحة عند لقاء ربه) (3) وروى فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (قال الله: الصوم لي وأنا أجازي عليه) (4) وأما المؤكد فالاول منه المذكور فيدل على استحبابه بالخصوص ما رواه الصدوق (5) في الصحيح عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (صام رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قيل: ما يفطر ثم أفطر حتى قيل: ما يصوم، ثم صام صوم داود عليه السلام يوما ويوما لا


(1) التهذيب ج 1 ص 406. (2) و (3) و (4) الفقيه باب فضل الصوم تحت رقم 12 و 13. والخبر الاخر فيه هكذا (وأنا اجزى به). (5) المصدر باب الصوم السنة تحت رقم 3 و 4.

[ 223 ]

ثم قبض صلى الله عليه وآله على صيام ثلاثة أيام في الشهر، وقال: يعدلن صوم الدهر ويذهبن بوحر الصدر) قال حماد: الوحر الوسوسة قال حماد: فقلت: أي الايام هي؟ قال: أول خميس في الشهر، وأول أربعاء بعد العشر منه، وآخر خميس فيه، فقلت: وكيف صارت هذه الايام التي تصام؟ فقال: لان من قبلنا من الامم كانوا إذا نزلت على أحدهم العذاب نزل في هذه الايام فصام رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم هذه الايام لانها الايام المخوفة). وأما جواز تأخيرها من الصيف إلى الشتاء فيدل عليه ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن أبي حمزة قال: (قلت لابي جعفر أو لابي عبد الله عليهما السلام: إنى قد اشتد علي صيام ثلاثة أيام في كل شهر وأؤخره في الصيف إلى الشتاء فإنى أجده أهون علي قال: نعم فاحفظها) (1) وما رواه الكليني عن الحسين بن أبي حمزة في الصحيح قال: (قلت لابي جعفر عليهما السلام: صوم ثلاثة أيام من كل شهرا أؤخره إلى الشتاء ثم أصومها قال: نعم لا بأس بذلك) (2). وأما التصدق مع العجز فيدل عليه ما رواه الكليني في الصحيح عن عيص ابن القاسم قال: (سألته عمن لم يصم الثلاثة أيام من كل شهر وهو يشتد عليه الصيام هل فيه فداء؟ قال: مد من الطعام) (3). { وصوم أيام البيض ويوم الغدير، ومولد النبي صلى الله عليه وآله ومبعثه، ودحو الارض، ويوم عرفة لمن لم يضعفة الدعاء مع تحقق الهلال وصوم عاشوراء حزنا ويوم المباهلة، وكل خميس وجمعة وأول ذي الحجة ورجب كله و شعبان كله }. يدل على استحباب صيام أيام البيض ما في الدروع الواقية لابن طاووس عن كتاب تحفة المؤمن عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ثم قال: قال رسول صلى الله عليه وآله


(1) المصدر تحت رقم 13. (2) الكافي ج 4 ص 145. (3) الكافي ج 4 ص 144 تحت رقم 4.

[ 224 ]

أتاني جبرئيل فقال قل لعلي: صم من كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم تصومه عشرة آلاف حسنة، والثانى ثلاثون ألف حسنة، والثالث مائة ألف حسنة قلت: يا رسول الله لي ذلك خاصة أم للناس عامة فقال: يعطيك الله ذلك ولمن عمل مثل ذلك، فقلت ما هي يا رسول الله؟ قال: الايام البيض من كل شهر وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) (1). وأما صوم يوم الغدير فقد تكاثرت الاخبار باستحبابه منها ما رواه في الكافي والفقيه عن الحسن بن راشد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: جعلت فداك هل للمسلمين عيد غير العيدين؟ قال: نعم أعظمها وأشرفهما؟ قلت: وأي يوم هو؟ قال: هو يوم نصب أمير المؤمنين عليه السلام علما للناس قلت: جعلت فداك وما ينبغي لنا أن نصنع فيه، قال: تصومه يا حسن وتكثر الصلاة على محمد وآله وتبرء إلى الله ممن ظلمهم حقهم فإن الانبياء عليهم السلام كانت تأمر الاوصياء اليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيدا قال: قلت فما لمن صامه قال صيام ستين شهرا ولا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب فإنه اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمد (صلى الله عليه وآله) وصوابه مثل ستين شهرا لكم) (2) وأما استحباب صوم يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وهو السابع عشر من شهر ربيع الاول على المشهور فلخبر إسحاق بن عبد الله عن أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام في حديث أن الايام التي يصام فيهن أربع: يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله يوم السابع عشر من شهر ربيع الاول) (3) وفي المصباح (روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: من صام يوم سابع عشر من شهر ربيع الاول كتب الله له صيام سنة) (4). وأما استحباب صوم يوم المبعث فللخبر السابق وقول الصادق عليه السلام في خبر


(1) الوسائل أبواب صوم المندوب ب 13 ح 3. (2) الكافي ج 4 ص 148، الفقيه باب صوم التطوع تحت رقم 19. (3) التهذيب ج 1 ص 306. (4) مصباح المتهجد ص 554.

[ 225 ]

عبد الله بن طلحة: (من صام يوم سبعة وعشرين من رجب كتب الله له صيام سبعين سنة) (1) وأما استحباب صوم يوم دحو الارض من تحت الكعبة وهو اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة فلما في خبر الوشاء (فيها دحيت الارض من تحت الكعبة، من صام ذلك اليوم كان كمن صام ستين شهرا) (2) وأرسل الصدوق عن موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال: في خمس وعشرين من ذي القعدة أنزل الله الكعبة البيت الحرام، فمن صام ذلك اليوم كان كفارة سبعين سنة، وهو أول يوم أنزل الله فيه الرحمة من السماء على آدم على نبينا وآله وعليه السلام) (3). وأما استحباب صوم يوم عرفة فيدل عليه مرسل الصدوق عن الصادق عليه السلام أنه قال: (صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين) (4) و في خبر عبد الرحمن عن أبي الحسن عليه السلام (صوم يوم عرفة يعدل السنة) (5) وأما التقييد بما ذكر في المتن فيدل عليه قول محمد بن مسلم (سألت أبا جعفر عليه السلام عن صوم يوم عرفة فقال: من قوي عليه فحسن إن لم يمنعك من الدعاء فإنه يوم دعاء ومسألة فصمه وإن خشيت أن تضعف عن ذلك فلا تصمه) (6) وقال سدير: (سألته أيضا عن صوم يوم عرفة فقلت جعلت فداك إنهم يزعمون أنه يعدل صوم السنة؟ قال: كان أبي لا يصومه، قلت: ولم ذاك جعلت فداك قال: إنه يوم دعاء ومسألة وأتخوف أن يضعفني عن الدعاء وأكره أن أصومه وأتخوف أن يكون يوم عرفة يوم أضحى


(1) رواه الصدوق في المجالس ص 349. (2) الفقيه باب صوم التطوع تحت رقم 17. (3) الوسائل أبواب الصوم المندوب ب 16 ح 2. (4) ثواب الاعمال ص 41 وفى الفقيه باب صوم التطوع. (5) التهذيب ج 1 ص 436 والاستبصار ج 2 ص 133. (6) التهذيب ج 1 ص 432 والاستبصار ج 2 ص 143.

[ 226 ]

وليس بيوم صوم) (1) ومن هذا يعلم الوجه في اعتبار تحقق الهلال. وأما استحباب صوم يوم عاشوراء فلخبر عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (صيام يوم عاشورا كفارة سنة) وقد قيده المصنف وجماعة بأن يكون على وجه الحزن لمصاب سيد شباب أهل الجنة لا أن يكون على جهة التبرك والشكر كما يصنعه بنو أمية وأتباعهم وبذلك جمع الشيخان وغيرهما (قده) بين ما سمعت وبين النصوص المتضمنة للنهي عن صومه كصحيح زرارة ومحمد بن مسلم (سألا عن الباقر عليه السلام عن صوم يوم عاشورا من شهر المحرم فقال عليه السلام: يوم حوصر فيه الحسين عليه السلام وأصحابه بكربلا واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا الحسين عليه السلام وأصحابه كرم الله وجوههم وأيقنوا أن لا يأتي الحسين عليه السلام ولا يمده أهل العراق بأبي المستضعف الغريب، ثم قال: وأما يوم عاشورا فيوم اصيب فيه الحسين عليه السلام صريعا بين أصحابه وأصحابه صرعى حوله أفصوم يكون في ذلك اليوم كلا ورب البيت الحرام ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الارض وجميع المؤمنين ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد لعنهم الله وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم وذلك بكت عليه جميع بقاع الارض خلا بقعة الشام فمن صام أو تبرك به حشره الله مع آل زياد مسوخ القلب ومسخوطا عليه ومن ادخر فيه إلى منزله ذخيرة أعقبه الله نفاقا في قبله إلى يوم يلقاه وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده وشاركه الشيطان في جميع ذلك) (2) وجزم بعض متأخري المتأخرين بالحرمة ترجيحا للنصوص الناحية وحملا لما دل على الاستحباب على التقية، والظاهر أن هذا أقرب خصوصا مع ملاحظة خبر عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: (دخلت عليه يوم عاشورا فألفيته كاسف اللون ظاهر الحزن و دموعه تنحدر كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: يا ابن رسول الله مم بكاؤك لا أبكى الله


(1) الفقيه باب الصوم التطوع تحت رقم 13. (2) الكافي ج 4 ص 147.

[ 227 ]

عينيك فقال لى: أو في غفلة أنت أما علمت أن الحسين عليه السلام أصيب في مثل هذا اليوم فقلت: يا سيدى فما قولك في صومه قال لي: صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت ولا تجعل صوم يوم كملا وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء فإنه في ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وانكشفت الملحمة عنهم) (1) فإن من المعلوم أن صوم هذا السائل لم يكن بعنوان التبرك. وأما استحباب صوم يوم المباهلة وهو اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة وقيل: وهو اليوم الذي تصدق فيه أمير المومنين بخاتمه فنزلت الاية (إنما وليكم الله - الاية) فاستدل له بأنه أشرف الايام الذي ينبغى فيه الصيام شكرا لله. وأما استحباب صوم الخميس والجمعة فلما روى الشيخ المفيد في المقنعة عن راشد بن محمد عن أنس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة تسع مائة سنة) (2) وفي رواية أسامة ابن زيد (أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصوم الاثنين والخميس فسئل عن ذلك فقال: إن الاعمال تعرض يوم الاثنين والخميس) (3) وروى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يريد أن يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو هذا قال: يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة) (4). وأما استحباب صوم أول ذي الحجة فلمرسل سهل عن أبي الحسن الاول عليه السلام (في أول يوم من ذى الحجة ولد إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام فمن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهرا) (5) ومرسل ابن بابويه وغيره عن موسى بن جعفر عليهما السلام (من صام أول يوم من ذي الحجة كتب الله له صوم ثمانين شهرا فإن صام التسع كتب الله له صوم الدهر) (6). وأما استحباب صوم رجب كلا أو بعضا فلما روى الشيخ والصدوق (قدس


(1) مصباح المتهجد ص 547. (2) المقنعة ص 69. (3) السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 293. (4) الفقيه باب وجوب الجمعة ح 32. (5) و (6) الوسائل أبواب صوم الندوب ب 18 ح 1 و 3.

[ 228 ]

سرهما) عن أبان بن عثمان قال: حدثنا كثير بياع النوا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب فأمر من معه أن يصوموا ذلك اليوم، وقال: من صام ذلك اليوم تباعدت عنه النار مسيرة سنة ومن صام سبعة أيام منه غلقت عنه أبواب النيران السبعة، ومن صام ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية ومن صام عشرة أيام أعطى مسألته، ومن صام خمسة وعشرين يوما منه قيل له: استأنف العمل فقد غفر لك، ومن زاد زاده الله) (1). وقال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: (رجب نهر في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فمن صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر) (2). وأما استحباب صوم شعبان كلا أو بعضا فلما روى ثقة الاسلام (قده) في الكافي في الصحيح عن الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام (هل صام أحد من آبائك شعبان قط قال: صامه خير آبائي رسول الله صلى الله عليه وآله) (3) وروى فيه أيضا عن عنبسة العابد قال: قبض النبي صلى الله عليه وآله على صوم شعبان ورمضان وثلاثة أيام من كل شهر أول خميس وأوسط أربعاء وآخر خميس وكان أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام يصومان ذلك) (4) وليعلم أن الاستحباب الشرعي للصوم في بعض المذكورات لا يخلو عن الاشكال من جهة عدم الدليل المعتبر. ولعل حكم الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - من جهة التسامح في أدلة السنن، ويشكل من إمكان منع البلوغ مع عدم الحجة ومنع ثبوت الاستحباب الشرعي مع صدق البلوغ. { ويستجب الامساك في سبعة مواطن: المسافر إذا قدم أهله [ بلده خ ل ] أو بلدا يعزم فيه الاقامة بعد الزوال أو قبله وقد تناول وكذا المريض إذا برئ، وتمسك الحائض والنفساء والكافر والصبي والمجنون والمغمى عليه إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار ولو لم يتناولوا }. يدل على استحباب الامساك في المواطن المذكورة ما في حديث الزهري


(1) و (2) الوسائل ابواب صوم المندوب ب 26 ح 1 و 3. (3) و (4) الكافي ج 4 ص 91 تحت رقم 6 و 7.

[ 229 ]

عن على بن الحسين عليهما السلام وكتاب الفقه الرضوي عليه السلام حيث قال: (وأما صوم التأديب فإنه يومر الصبي إذا بلغ سبع سنين بالصوم تأديبا وليس بفرض، وكذا من أفطر لعلة أول النهار ثم قوي بقية يومه تأديبا وليس بفرض، وكذلك المسافر إذا أكل من أول النهار، ثم قدم أهل بيته يؤمر بالامساك تأديبا وليس بفرض وكذلك الحائض إذا طهرت أمسكت بقية يومها) (1) وموثقة سماعة (عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا) (2) ورواية أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة رأت الطهر أول النهار قال: تصلي وتتم صومها وتقضي) (3) وحملت على الاستحباب والطهر أعم من النفاس والحيض ولم أعثر على دليل بالنسبة إلى الصبي البالغ في أثناء النهار والمجنون والمغمى عليه والكافر مع زوال الجنون والاغماء والكفر في أثناء النهار يستفاد منه استحباب الامساك إلا أن الحكم معروف عند الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - ولا يبعد استفادته مما في حديث الزهري، وكتاب الفقه الرضوي عليه السلام من قوله: (وكذا من أفطر لعلة أول النهار) لكن يبعده ذكر المسافر و المريض بعده وكيف كان فاستحباب الامساك في جميع المواطن المذكورة مع قطع النظر عن التسامح في أدلة السنن مشكل. { ولا يصح صوم الضيف ندبا من غير إذن مضيفه، ولا المرأة من غير إذن الزوج، ولا الولد من غير إذن الوالد، ولا المملوك بدون إذن مولاه، ومن صام ندبا ودعي إلى طعام فالافضل الافطار }. واستظهر من أخبار منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر هشام بن الحكم (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا بإدن


(1) الفقيه باب وجوه الصوم. والكافي ج 4 ص 75 والمقنعة ص 58، وتفسير القمى ص 172 و 175 والتهذيب ج 1 ص 435 والخصال ج 2 ص 109. (2) الكافي ج 4 ص 132. (3) التهذيب ج 1 ص 423.

[ 230 ]

صاحبه ومن طاعة المرأه لزوجها أن لا تصوم تطوعا إلا بإذنه، ومن صلاح العبد وطاعته أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه وأمره، ومن بر الولد أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن أبويه وأمرهما وإلا كان الضيف جاهلا، وكانت المرأة عاصية وكان العبد فاسقا، وكان الولد عاقا) وزاد في المروى عن العلل في الاخير (ولا يحج تطوعا ولا يصلي تطوعا) (1) والاظهر الكراهة لما في خبر الفضيل (2) من التعبير بلا ينبغي والتعليل عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم لئلا يعملوا له الشئ فيفسد عليهم، ولا ينبغى لهم أن يصوموا إلا بإذن الضيف لئلا يحتشمهم فيشتهي الطعام فيتركه لهم) (3) وقد يفصل بين عدم الاذن والنهي لما في خبر هشام من التعبير بالعقوق والعصيان، ويمكن أن يقال: لعل التعبير بالعقوق والعصيان للمبالغة في الكراهة مع حفظ إطلاق عدم الاذن لصورة عدم النهي. وأما أفضلية الافطار مع الدعوة إلى الطعام فلاخبار منها ما في خبر داود من قول الصادق عليه السلام: (لافطارك في منزل أخيك أفضل من الصيام سبعين ضعفا أو تسعين ضعفا) (4) والترديد من الراوي. وفي صحيح جميل عن أبي جعفر عليه السلام (من دخل على أخيه وهو صائم فأفطر عنده ولم يعلمه بصومه فيمن عليه كتب الله له صوم سنة). { والمحظور صوم العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى وقيل: القاتل في أشهر الحرم يصوم شهرين منها وإن دخل فيهما العيد وأيام التشريق لرواية زرارة، والمشهور عموم المنع } أما حرمة الايام المذكورة في الجملة فالظاهر أنها مجمع


(1) الكافي ج 4 ص 151، والعلل ص 134 وفيه وفى الفقيه باب صوم الاذن (وكان العبد فاسدا). (2) و (3) الفقيه باب صوم الاذن. (4) الكافي ج 4 ص 151.

[ 231 ]

عليها وتدل عليها الاخبار منها ما رواه الشيخ في التهذيب عن قتيبة الاعشى قال: (قال الصادق عليه السلام: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صوم ستة أيام العيدين وأيام التشريق واليوم الذي يشك فيه من رمضان) (1) وما رواه في المقنعة عن عبد الكريم بن عمر وقال: قلت للصادق عليه السلام: (إنى جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم (عجل الله تعالى فرجه)؟ فقال: لا تصم في السفر ولا في العيدين ولا أيام التشريق ولا اليوم الذي يشك فيه) (2) وخصص أيام التشريق بمن كان بمنى لما رواه في النهاية في الصحيح عن معاوية بن عمار قال: (سألت الصادق عليه السلام عن صيام أيام التشريق قال: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صيامها بمنى وأما غيرها فلا بأس) (3) وذهب الشيخ (قده) باستثناء القاتل في أشهر الحرم لما روى عن زرارة عن الباقر عليه السلام قال: (سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في أشهر الحرم قال: تغلظ عليه الدية وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم، قلت: فإنه يدخل في هذا شئ، فقال: وما هو؟ قلت: يوم العيد وأيام التشريق قال: يصوم فإنه حق لزمه) (4) واستشكل في العمل به من جهة أن في الطريق سهل بن زياد وأجيب بأنه روى في الحسن بإبراهيم بن هاشم الذي هو كالصحيح أو الصحيح بنظر بعض عن زرارة قال: (قلت للباقر عليه السلام رجل قتل رجلا في الحرم قال: عليه دية وثلث، ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، ويعتق رقبة، ويطعم ستين مسكينا، قال: قلت: فيدخل في هذا شئ قال: وما يدخل؟ قلت: العيدان وأيام التشريق، قال: يصوم فإنه حق لزمه) (5) ويبعد أن يكون المراد أن يصوم غير الايام المذكورة كمن وجب عليه صيام شهرين متتابعين كفارة


(1) التهذيب ج 1 ص 404 والاستبصار ج 2 ص 79. (2) المقنع ص 16. (3) الوسائل أبواب الصوم المحرم ب 2 ح 2. (4) التهذيب ج 1 ص 436. (5) الكافي ج 4 ص 140.

[ 232 ]

عن الافطار العمدي وطرأ له العذر الشرعي لكن المشهور لم يعمل بمضمونهما بل في كلام العلامة (قده) في التذكرة أنه خلاف الاجماع. { وصوم آخر شعبان بنية الفرض ونذر المعصية والصمت والوصال فهو أن يجعل عشاءه سحوره وصوم الواجب سفرا عدا ما استثني }. أما حظر صوم آخر شعبان بنية الفرض فقد تقدم الكلام فيه في أوائل الكتاب، وأما صوم يوم بعنوان الوفاء عن نذر المعصية بفعل محرم أو ترك واجب شكرا أو زجرا عن فعل الواحب أو ترك المحرم فالظاهر عدم الخلاف في حرمته، وقال على بن الحسين عليهما السلام على المحكي في خبر الزهري (1) (وصوم نذر المعصية حرام). وفي حديث وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام المروي في آخر الفقيه مثله. وأما حرمة صوم الصمت فلقول علي بن الحسين عليهما السلام على المحكي في خبر الزهري (وصوم الصمت حرام) كقول رسول الله صلى الله عليه وآله على المحكي في ما رواه أبو جعفر عليه السلام في صحيح منصور بن حازم (لا صمت يوما إلى الليل) (2) كقوله أيضا على المحكي لعلي بالاسناد السابق (ولا صمت يوما إلى الليل - إلى أن قال: (وصوم الصمت حرام) وقد فسر صوم الصمت بأن يقصد الصوم المعود مع جعل السكوت وصفأ له. وأما صوم الصمت بمعنى نية الصوم عن الكلام خاصة فهو غير مراد لان المراد بيان أقسام الصوم بالمعنى المعروف. ويمكن أن يقال: لا مانع من إرادة هذا المعنى من الاخبار مع كونه مشروعا في الشريعة السابقة كما يظهر من الاية الشريفة بل يظهر من كلمات بعض اللغويين أن الصوم هو الامساك، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام (إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده - ثم قال - قالت مريم (إنى نذرت للرحمن صوما) أي صمتا فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم) (3) ومع هذا


(1) قد تقدم. (2) الوسائل أبواب الصوم المحرم ب 4 ح 2. (3) المصدر ج 3 ص 87.

[ 233 ]

الاحتمال يشكل الجزم بحرمته بالمعنى الاول إلا من جهة التشريع وسراية الحرمه التشريعية من جهة الوصف إلى حقيقة الصوم المشروع في حد ذاته مع كونه بنحو تعدد المطلوب، والمسألة محل إشكال. وأما حرمة صوم الوصال فلقول علي بن الحسين عليهما السلام على المحكي في خبر الزهري (1) وصوم الوصال حرام، وقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح زرارة (لا وصال في صيام) (2) وفسر بأن ينوي صوم يومه وليله إلى السحر لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (الوصال في الصيام أن يجعل عشائه سحوره) (3) وقوله في الصحيح أيضا عن حفص بن البختري (المواصل في الصيام يصوم يوما وليلة ويفطر في السحر) (4) وقيل: معناه أن يصوم يومين مع ليلة بينهما لخبر محمد بن سليمان عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن صوم شعبان ورمضان لا يفصل بينهما، قال: إذا أفطر من اليلل فهو فصل، قال: وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله (لا وصال في صيام) يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار، وقد يستحب للعبد أن لا يدع السحور) (5) بل لعله المفهوم من الوصال فقد يقال بحرمته بكلا المعنيين جمعا بين الاخبار. ويمكن أن يقال: بعد ظهور هذا الخبر في مدخلية عدم الافطار في الليلة بين اليومين في الوصال كيف يجمع؟ نعم لا إشكال في الحرمة التشريعية ومع عدم إمكان الجمع لابد من الترجيح أو التخيير. وأما حرمة صوم الواحب سفرا عدا ما استثني فقد مر الكلام فيه. { الخامس: في اللواحق وهي مسائل: الاولى المريض يلزمه الافطار مع ظن به الضرر، ولو تكلفه لم يجزه، الثانية المسافر يلزمه الافطار ولو صام عالما بوجوبه قضاه، ولو كان جاهلا لم يقضه، الثالثة الشروط المعتبرة في قصر الصلاة


(1) تقدم مرارا. (2) الفقيه في حديث. (3) التهذيب ج 1 ص 436. (4) الكافي ج 4 ص 96. (5) التهذيب ج 1 ص 439 والاستبصار ج 2 ص 138.

[ 234 ]

معتبرة في قصر الصوم }. أما لزوم الافطار على المريض مع ظن الضرر فيدل عليه ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الصائم إذا خاف على عينه من الرمد أفطر، وقال: كل ما أضر به الصوم فالافطار له واجب) (1) وما في الموثق عن سماعة قال: (سألته ما حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر (من كان مريضا أو على سفر) قال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر، فإن وجد قوة فليصم كان المرض ما كان) (2) ولا يخفى أنه يصدق الخوف مع الاحتمال الذي يتوجه إليه العقلاء وإن لم يحصل الظن وظاهر الاية والاخبار تعين الافطار وعدم مشروعية الصوم فلا يجزي مع التكلف وكذلك المسافر حسب الكتاب والسنة، وأما عدم وجوب القضاء مع الجهل فالظاهر أنه مجمع عليه ويشهد له جملة من الصحاح كصحيح ليث عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر وإن صامه بجهالة لم يقضه) (3) وأما اعتبار الشروط المعتبرة في قصر الصلاة في قصر الصوم فللتلازم بين قصر الصلاة والافطار كما في صحيح معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام (هما (يعنى التقصير والافطار) واحد إذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت) (4). { ويشترط في قصر الصوم تبييت النية وقيل: الشرط خروجه قبل الزوال وقيل: يقصر ولو خرج قبل الغروب، وعلى التقديرات لا يفطر إلا حيث يتوارى جدران البلد الذي يخرج منه أو يخفي أذانه }. أما اشتراط تبييت النية فاستدل له بأخبار منها رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى عليه السلام (في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال:


(1) الفقيه باب حد المرض الذى يفطر فيه الصائم. (2) التهذيب ج 1 ص 424 والاستبصار ج 2 ص 114. (3) الكافي ج 4 ص 128. (4) رواه الصدوق في الفقيه وقد تقدم.

[ 235 ]

إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدث نفسه من الليل ثم بداله في السفر من يومه أتم صومه) (1) ورواية أبي بصير قال: (إذا خرجت بعد طلوع الفجر ولم تنو السفر من الليل فاعتد به من شهر رمضان) (2) وصحيحة صفوان عن الرضا عليه السلام في حديث قال: (ولو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا والافطار، فإن أصبح ولم ينو السفر قصر ولم يفطر يومه ذلك) (3). واستدل لاشتراط الخروج قبل الزوال من دون اعتبار التبييت بأخبار منها صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام (أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم فقال: إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه) (4) وصحيح محمد بن مسلم عنه أيضا (إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به من شهر رمضان) (5) وحسن عبيد بن زرارة أو صحيحه عنه أيضا (في الرجل يسافر في شهر رمضان يصومه أو يفطر؟ قال: إن خرج قبل الزوال فليفطر وإن خرج بعد الزوال فليصم) (6) فالقائل باشتراط التبييت لابد له من الالتزام بتقييد هذه الاخبار بتلك الاخبار ليس ببعيد إلا أن يدعى قوة هذه المطلقات في إطلاقها، ومع إمكان الجمع بالتقييد لا مجال لحمل تلك الاخبار على التقية لعدم المعارضة والحمل على التقية فرع المعارضة وعدم إمكان الجمع العرفي. وأما القول بكفاية الخروج ولو بعد الزوال فيشهد له رواية عبد الاعلى (في الرجل يريد السفر في شهر رمضان قال عليه السلام: يفطر وإن خرج قبل أن تغيب


(1) التهذيب ج 1 ص 416 والاستبصار ج 2 ص 98. (2) التهذيب ج 1 ص 417 والاستبصار ج 2 ص 99. (3) التهذيب ج 1 ص 416. (4) و (5) الكافي ج 4 ص 131. (6) المصدر أيضا ص 131

[ 236 ]

الشمس بقليل) (1) مضافا إلى إطلاق الاية الشريفة وإطلاق ما دل على التلازم بين التقصير والافطار فنقول: أما الاطلاق فهو مقيد بما ذكر، وأما الرواية فلا يؤخذ بها بملاحظة الاخبار المذكورة فقد يستشكل في تقييد الاخبار المطلقة الدالة على أن المدار في الافطار على الخروج قبل الزوال بأن هذه الاخبار تعرضت لشرطيتين: إحديهما إذا خرج قبل الزوال أفطر، وثانيتهما إذا خرج بعد الزوال صام كما أن تلك الاخبار تعرضت لشرطيتين إحديهما إذا حدث نفسه بالليل أو نوى أفطر وإن لم يحدث صام، ولا يمكن تقييد تلك الشرطيتين للزوم التناقض فيتعين، أما البناء على تقييد الشرطية الاولى أو الشرطية الثانية فلابد من الرجوع إلى قواعد التعارض المقتضية لتقديم هذه الاخبار لصحة سندها ومخالفتها للمحكي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي، ويمكن أن يقال: مقتضى القاعدة تقييد الشرطية الاولى جمعا بين المطلق والمقيد وشرطية الثانية من فروع شرطية الاولى، فمع تقييد شرطية الاولى لا مجال لتقييد الشرطية الثانية حتى يقال: تقييدها يناقض مع التقييد في الشرطية الاولى، ولو سلم المعارضة يحصل الاجمال، وهذا غير التعارض بين الطائفتين. وأما اعتبار التواري وخفاء الاذان فيدل عليه الملازمة بين التقصير والافطار. { الرابعة الشيخ والشيخة إذا عجزا جاز لهما الافطار، وتصدقا عن كل يوم بمد، وقيل: لا يجب عليهما مع العجز، ويتصدقان مع المشقة، وذو العطاش يفطر ويتصدق عن كل يوم بمد، ثم إن برئ قضى، والحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لهما الافطار ويتصدقان عن كل يوم بمد ويقضيان }. أما جواز إفطار الشيخ والشيخة فلا خلاف فيه مع العجز أو المشقة التي لا تتحمل ويدل عليه صحيح ابن مسلم (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل منهما


(1) الاستبصار ج 2 ص 99 والتهذيب ج 1 ص 417.

[ 237 ]

في كل يوم بمد من طعام ولا قضاء عليهما، فإن لم يقدرا فلا شئ عليهما) (1) و نحوه صحيحه الاخر عنه أيضا إلا أنه قال: (ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام) (2) وخبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التى تضعف عن الصوم في شهر رمضان فقال: تصدق في كل يوم بمد من حنطة) (3) وخبر الكرخي قلت لابي عبد الله عليه السلام: (شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود فقال ليؤم برأسه - إلى أن قال -: قلت: فالصيام؟ قال: إذا كان في ذلك الحد فقد وضع الله عنه فإن كانت له مقدرة فصدقة مد من طعام بدل كل يوم أحب إلي وإن لم يكن له يسار فلا شئ عليه) (4). وأما وجوب الصدقة فمع المشقة التي لا تتحمل لا إشكال فيه ودلت عليه الاخبار، وأما مع العجز وعدم القدرة فلا يبعد لاطلاق الاخبار، لكن المستفاد من الخبر المذكور أخيرا عدم الوجوب، وادعي انجبار السند من جهة الشهرة و كذا ظاهر الاية الشريفة (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) من جهة اعتبار الطاقة في وجوب الفدية، لكنه مع ذلك يشكل رفع اليد عن الاطلاق من جهة عدم إحراز استناد المشهور إلى الخبر المذكور والاشكال في تفسير الاية كما ربما يدعى عدم الاعتبار من ظهور مرسل ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال: الذين يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد) (5) من جهة ظهورها في حصول الكبر بعد الاطاقة بمعنى حصول العجز عن الصوم، لكنه معارض بظهور قوله تعالى (وأن تصوموا


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 116 والفقيه كتاب الصوم ب 21 ح 1، والتهذيب ج 1 ص 419. والاستبصار ج 2 ص 104. (3) التهذيب ج 1 ص 419. والاستبصار ج 1 ص 103. (4) التهذيب ج 1 ص 339. (5) الكافي ج 4 ص 116. والفقيه باب 21.

[ 238 ]

خير لكم) لبعد كونه كلاما مستأنفا. ومعه لا يخفى عدم الاخذ بظهور مثل هذا المرسل في عدم اعتبار الطاقة كما أنه لا مجال للاستدلال بخبر أبي بصير المروي عن تفسير العياشي (سأله عن قول الله عزوجل (وعلى الذين - الاية) قال: هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع والمريض) (1) لصدق عدم الاستطاعة مع المشقة الشديدة، والمسألة محل إشكال، وأما جواز الافطار لذي العطاش فلصحيح ابن مسلم المذكور الدال على جواز الافطاز ووجوب التصدق، وأما وجوب القضاء مع البرء فاستدل عليه بعموم (من فاتته). ولان العطاش من المرض الذي يجب القضاء بالفوت به في الاية والرواية لكن ظاهر الصحيح المذكور عدم وجوب القضاء عليه ولا مجال للحمل على صورة عدم البرء وبقاء المرض بحاله لانه لا مجال لاحتمال عدم وجوب صوم رمضان عليه مع الابتلاء بهذا المرض ووجوب القضاء مع الابتلاء والصحيح المذكور أخص مما استدل به. وأما جواز الافطار للحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن فلصحيح ابن مسلم (سمعت الباقر عليه السلام يقول: الحامل المقرب والمرضع القليل اللبن لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان لانهما لا يطيقان الصوم وعليهما أن يتصدق كل واحد منهما في كل يوم يفطر ان بمد من طعام وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد) (2) وإطلاق هذا الصحيح يقتضي عدم الفرق بين صورة التمكن من اتخاذ من ترضع الولد وصورة عدم التمكن، وفي قباله مكاتبة ابن مهزيار المروية عن المستطرفات قال: (كتبت إليه أسألة - يعنى علي بن محمد عليهما السلام - ان امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان فيشتد عليها الصيام وهي ترضع حتى غشي عليها ولا تقدر على الصيام، ترضع وتفطر وتقضى صيامها إذا أمكن أو تدع الرضاع و تصوم، فإن كانت ممن لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع؟ فكتب إن


(1) الوسائل أبواب من يصح منه الصوم. (2) الكافي ج 4 ص 117. والتهذيب ج 1 ص 420. والفقيه ب 21 ح 4 من كتاب الصوم.

[ 239 ]

كان يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت ولدها وأتمت صيامها وإن كان ذلك لا يمكنها أفطرت وأرضعت ولدها وقضت صيامها متى ما أمكنها) المنجبرة بعمل المعظم ومقتضى القاعدة تقييد الصحيح المذكور بالمكاتبة. { الخامسة: لا يجب صوم النافلة بالشروع فيه ويكره إفطاره بعد الزوال } أما عدم وجوب صوم النافلة بالشروع فيه فلما رواه الشيخ بإسناده عن سعد ابن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن نضر بن سويد عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال في الذي يقضي شهر رمضان أنه بالخيار إلى زوال الشمس فإن كان تطوعا فإنه إلى الليل بالخيار) (1). وأما كراهة الافطار بعد الزوال فلما رواه الشيخ بإسناده عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن عليه السلام قال: (كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائما قلت له: جعلت فداك صمت اليوم؟ فقال لي ولم - إلى أن قال: - فقلت: أفطر الان؟ فقال: لا، فقلت: وكذلك في النوافل ليس لي أن أفطر بعد الظهر؟ قال: نعم) (2) ويجمع بين الخبرين بحمل الثاني على الكراهة. { السادسة كل ما يشترط فيه التتابع إذا أفطر لعذر بنى، وإن أفطر لا لعذر استأنف، إلا ثلاثة مواضع: من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فصام شهرا ومن الثاني شيئا. ومن وجب عليه شهر بنذر فصام خمسة عشر يوما وفي الثلاثة أيام عن هدي التمتع، إذا صام يومين وكان الثالث العيد أفطر وأتم الثالث بعد أيام التشريق إن كان بمنى. ولا يبنى لو كان الفاصل غيره }. أما البناء مع العذر فتدل عليه نصوص منها ما رواه رفاعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا ومرض؟ قال: يبني عليه، الله حبسه، قلت: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت وأفطرت أيام حيضها قال: تقضيها، قلت: فإنها قضتها ثم يئست من المحيض قال: لا تعيدها


(1) التهذيب ج 1 ص 431 والاستبصار ج 2 ص 122. (2) التهذيب ج 1 ص 398.

[ 240 ]

أجزأتها ذلك) (1) ونحوه صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (2)، وقال سليمان ابن خالد (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فصام خمسة وعشرين يوما ثم مرض فإذا برئ يبني على صومه أم يعيد صومه كله؟ فقال: بل يبني على ما كان صام، ثم قال: هذا مما غلب الله عزوجل عليه و ليس على ما غلب الله عزوجل عليه شئ) (3) وما في صحيح جميل ومحمد بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل الحر يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهرا ثم يمرض قال: يستقبل فإن زاد على الشهر الاخر يوما أو يومين بنى على ما بقي) (4) وغيره يحمل على الاستحباب أو على التقية لما حكي عن الشافعي في أحد قوليه من الفرق بين المرض والحيض فخص العذر بالثاني، وحكي عن الشيخ (قده) في النهاية بعد أن ذكر هذا الحكم في الشهرين المتتابعين قال: ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا فصام خمسة عشر يوما وعرض له ما يفطر فيه وجب عليه صيام ما بقي من الشهر وإن كان صومه أقل من خمسة عشر يوما كان عليه الاستيناف و ظاهره ذلك مع العذر، ولعله لخبر موسى بن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر فقال: إن كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضى ما بقى وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما) (5) وخبر الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جعل على نفسه صوم شهر فصام خسمة عشر يوما، ثم عرض له أمر فقال: جاز له أن يقضي ما بقي عليه وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصوم شهرا تاما) (6) ويمكن أن يقال مع قطع النظر عن ضعف السند وعدم الجابر لهما يكون


(1) التهذيب ج 1 ص 432 والاستبصار ج 2 ص 124. (2) التهذيب ج 1 ص 444. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 432 والاستبصار ج 2 ص 124. (5) الكافي ج 4 ص 139 والتهذيب ج 1 ص 432. وفي الكافي عن ابن بكير عن فضيل.

[ 241 ]

الاخبار السابقة أقوى من جهة الدلالة بملاحظة العلة المذكورة فيها، ثم إن العذر قد يكون اضطراريا كالمرض والحيض وقد يكون إختياريا كالسفر لا أشكال في البناء في القسم الاول وأما القسم الثاني فقد يقرب البناء فيه بان لزوم الافطار من قبل الله تعالى لا من قبل المكلف فيكون مما غلب الله تعالى عليه، فمقابله الافطار من دون السبب مرخص وفيه نظر فإن ظاهر الاخبار أن منشاء البناء عدم تمكن المكلف من حفظ التتابع ومن المعلوم أن المسافر متمكن من حفظ التتابع وباختياره سافر سفرا حكم له بالافطار فلا يصدق أنه مما غلب الله عزوجل عليه ومن المعلوم أن الغلبة جهة زائدة فلو كان المدار نفس الرخصة من الله تعالى لم يكن الحكم معلقا بالجهة الزائدة. وأما الاستيناف مع الافطار لا لعذر أو لا لما غلب الله عليه ففي الشهرين لا خلاف فيه ظاهرا وتدل عليه الاخبار حيث علل فيها البناء على الغلبة والحبس من الله عزوجل فمع عدم هذا النحو من العذر لا يبني وأما غير الشهرين فقد يستشكل في لزوم الاستيناف مع عدم العذر من جهة أن صيام الايام ليس عبادة واحدة حتى يقال مع الاخلال بالتتابع ما أتى بالمأمور به على وجهه فيبقى في عدة المكلف كالصلاة المركبة من الركعات، لان لازم هذا فساد صيام الايام السابقة مع الاخلال بالتتابع كما يكشف فساد الركعة الاخيرة عن فساد الركعات السابقة ويصعب الالتزام به مع حصر مفسدات الصوم الشامل لصوم الكفارة في غير ذلك، ويمكن أن يقال بعد دلالة الدليل في الشهرين على لزوم الاستيناف لا مجال لهذا الاشكال في غير الشهرين فما يجاب به عنه في الشهرين يجاب به عنه في غير الشهرين مما يجب فيه التتابع بعد استظهار اعتباره بنحو وحدة المطلوب ولا يلزم منه فساد الصوم المنافي للحصر بل يمكن أن يقال: الصوم صحيح من حيث انه صوم لكنه مع عدم التتابع لا يجزي عن الكفارة فيكون الصوم مع عدم التتابع كالطهارة عن الحدث المعتبرة في الصلاة حيث أنه مع ترك الصلاة وعدم الاتيان بها لا يكشف بطلان الطهارة لانها كانت للصلاة ولم يؤت بها وأما استثناء من وجب عليه صوم شهرين

[ 242 ]

فصام شهرا ومن الثاني شيئا فلا خلاف فيه ولا إشكال وتدل عليه الاخبار منها خبر سماعة بن مهران (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أيفرق بين الايام فقال: إذا صام أكثر من شهر فوصله ثم عرض له أمر فأفطر فلا بأس فإن كان أقل من شهر أو شهرا فعليه أن يعيد الصيام) (1) ومنها صحيح جميل ومحمد بن حمران المتقدم وخبر منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان؟ قال: يصوم رمضان ويستأنف الصوم، فإن صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته) (2). ثم إن الظاهر عدم لزوم التتابع في البقية لو صام شهرا وشيئا من الشهر الثاني بمعنى عدم الاثم في التفريق لا بمعنى عدم لزوم الاستيناف فقط لقول الصادق عليه السلام على المحكى في صحيح الحلبي (صيام كفارة اليمين في الظهار شهران متتابعان والتتابع أن يصوم شهرا ويصوم من الاخر أياما أو شئ منه فإن عرض له شئ يفطر منه أفطر، ثم قضى ما بقى عليه وإن صام شهرا ثم عرض له شئ فأفطر له قبل أن يصوم من الاخر شيئا فلم يتابع فليعد الصيام، وقال: صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين من متتابعات ولا يفصل بينهن) (3) حيث يظهر منه أن التتابع الواجب يحصل بهذا النحو، ويبعد أن يكون تفسيرا لتتابع خصوص كفارة اليمين. وأما استثناء من وجب عليه صوم شهر بنذر فصام خمسة عشر يوما فيدل عليه خبرا موسى بن بكير والفضيل بن يسار المتقدمان المنجبران سندا بالشهرة بين الاصحاب، ومن المعلوم أن النظر إلى صورة قصد التتابع وأما مع عدم قصده لم يتأتي التفصيل المذكور. وأما استثناء صوم الثلاثة أيام عن الهدي المعلوم لزوم التتابع فيه فيدل عليه خبر عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام (في من صام يوم التروية ويوم


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 139. (3) التهذيب ج 1 ص 432 والكافي ج 4 ص 138 و 140.

[ 243 ]

عرفة قال: يجزيه أن يصوم يوما آخر) (1) وخبره الاخر أيضا عن أبي الحسن عليه السلام كان أبو جعفر عليه السلام يقول: (ذو الحجة كله من أشهر الحرم ومن صام يوم التروية ويوم عرفة فإنه يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق) (2) وخبر يحيى الازرق عن أبي الحسن عليه السلام أيضا (سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا وليس له هدي فصام يوم التروية ويوم عرفة قال: يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق) (3) لكن في المدارك أنها أخبار ضعيفة وفي مقابلها أخبار صحيحة السند دالة على خلاف ما تضمنته وسيجيئ تحقيق ذلك في كتاب الحج وتمام الكلام في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وأما عدم البناء لو كان الفاصل غيره فلاطلاق ما دل على اشتراط التتابع فيها. كتاب الاعتكاف { كتاب الاعتكاف والنظر في شروطه وأقسامه وأحكامه، أما الشروط فخمسة النية، والصوم فلا يصح إلا في زمان يصح صومه ممن يصح منه، والعدد وهو ثلاثة أيام، والمكان وهو كل مسجد جامع وقيل: لا يصح إلا في أحد المساجد الاربعة مكة والمدينة وجامع الكوفة والبصرة }. الاعتكاف لغة هو الاحتباس ومنه اللبث الطويل الذي هو أحد أفراد لزوم الشئ وحبس النفس عليه وشرعا هو اللبث المتطاول للعبادة وقد عرف بغير ما ذكر، والغرض الكشف في الجملة كما في سائر التعريفات وكيف كان فمشروعيته مجمع عليها وفي خبر السكوني بإسناده إلى الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجتين وعمرتين) (4) وقيل بتواتر النصوص الدالة على مشروعيته.


(1) و (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 512. (4) الفقيه باب الاعتكاف تحت رقم 16.

[ 244 ]

وأما الشروط فمنها النية بالمعنى المذكور في سائر العبادات ووجه اعتبارها بعد الفراغ عن عباديته واضح، وقد مر الكلام فيها في أبواب العبادات. ومنها الصوم فلا يصح بدونه إجماعا ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن الحلبي وغيره (لا إعتكاف إلا بصوم) (1) وقول علي بن الحسين عليهما السلام على المحكي في خبر الزهري (وصوم الاعتكاف واجب) (2) وقد يقال: لا يعتبر أن يكون للاعتكاف بل يكفي لزومه أو استحبابه لجهة أخرى فاعتبار الصوم كاعتبار الطهارة في الصلاة فكما أنه لو حصل الطهارة لواجب غير الصلاة كفت للصلاة، كذلك يكفى صوم شهر رمضان مثلا للاعتكاف، ويمكن أن يقال بالفرق بين الطهارة الحاصلة والصوم فالطهارة الحاصلة كافية للصلاة من جهة أنه لا يعتبر في الصلاة إلا الطهارة وهي حاصلة ولا يعقل تحصيل الحاصل، وأما الصوم لجهتين فيمكن أن يتحقق لامرين أحدهما أداء فريضة شهر رمضان مثلا والاخر أداء أمر الاعتكاف كما لو تعلق النذر بواجب أو مستحب فأتى المكلف به بقصد أداء الواجب أو المستحب والوفاء بالنذر فيتأكد الواجب والمستحب ولا إشكال فيه فقد ظهر أن الاعتكاف لا يصح إلا في زمان يصح فيه الصوم فلا يصح في العيدين، ولا في حال الحيض و النفاس، وقيل: لا يصح من المسافر بناء على عدم مشروعيته منه، وعن ابن بابويه والشيخ وابن إدريس (قدس أسرارهم) استحباب الاعتكاف في السفر محتجين عليه بأنه عبادة مطلوبة للشارع لا يشترط فيه الحضر، فجاز صومها في السفر وأورد عليه بأنه يكفي في اشتراط الحضر فيه اشتراطه في شرطه وهو الصوم ويكفي في اشتراطه قوله عليه السلام على المحكي: (ليس من البر الصيام في السفر) (3) واحتمال العكس بأن يقال: لا اعتكاف إلا بصيام والاعتكاف للاطلاق مشروع سفرا وحضرا فالصوم له كذلك كما ترى ولا أقل من أن يكون من التعارض في وجه والترجيح لما ذكر ويمكن أن يقال الصوم في السفر بالنذر مشروع كما ذكر في كتاب الصوم وهو كاف


(1) و (2) راجع الوسائل كتاب الاعتكاف ب 2. (3) قد تقدم.

[ 245 ]

في الاعتكاف في السفر وفي غير صورة النذر مع تسليم التعارض لم يظهر وجه لتقديم ما ذكر بل لعل المرجع أو المرجح عموم ما دل على استحباب الصوم حيث لا يقال بالتخيير في العامين من وجه ولا يعامل معهما معاملة المتباينين. ومنها العدد فلا يصح الاعتكاف إلا ثلاثة أيام بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر أبي بصير وموثق عمر بن يزيد: (لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام) (1) كقوله على المحكي في خبر داود بن سرحان (الاعتكاف ثلاثة أيام) (2) وقول أبي جعفر عليه السلام على المحكي في خبر أبي عبيده (من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام) (3) لكن هذا الخبر لا يدل على المدعى والمعروف أن اليوم من طلوع الفجر إلى ذهاب الحمرة المشرقية فلا تدخل الليلة الاولى في الثلاثة فضلا عن الاخيرة فالنية حينئذ عنده لا عندها وإثبات ما ذكر من تعيين المبدء والمنتهى لليوم لا يخلو عن إشكال والظاهر أنه في باب الاجارة من طلوع الشمس ولعل المنتهى فيه غروب الشمس. نعم في باب الصوم يكون المبدء طلوع الفجر وفي المنتهى الكلام فيه، الكلام في منتهى الظهرين وأول العشائين ودعوى أن ما ذكر هو المراد من اليوم لغة وعرفا مشكلة ومجرد الاستعمال مما ذكر في باب الصوم لا يثبت الحقيقة لما هو المعروف من أن الاستعمال أعم من الحقيقة، نعم يظهر من بعض الاخبار التمسك به في مقام الاحتجاج والظاهر أنه لم يكن من باب الجدل. ومنها المكان وهو المسجد الجامع لقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح الحلبي (لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع) (4) وقوله في خبر ابن سنان (5) (لا يصح العكوف في غيرها يعني مكة إلا إن يكون مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)


(1) التهذيب ج 1 ص 433 والاستبصار ج 2 ص 129. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 178 تحت رقم 4 و 5. (4) الفقيه باب الاعتكاف تحت رقم 1. (5) التهذيب ج 1 ص 434 والاستبصار ج 2 ص 128 وفيها (لا يصلح).

[ 246 ]

أو في مسجد من مساجد الجماعة) وقوله عليه السلام عن أبيه في خبر علي بن غراب (المعتكف يعتكف في المسجد الجامع) (1) ومثله خبر علي بن عمران وفي حسن الحلبي أو صحيحة (أنه سأل أيضا عن الاعتكاف فقال: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول أو مسجد الكوفة أو مسجد جماعة وتصوم ما دمت معتكفا) (2) والمراد بالجامع المسجد الذي يجتمع فيه معظم المصلين أو الذي يجتمع فيه جماعة، فعلى الاول يخرج مسجد القبيلة ومسجد السوق المختص بأهله وعلى الثاني يدخلان فالخارج المسجد الذي لا يصلى فيه إلا أشخاص معدودة، ويحتمل أن يراد من الجماعة المضاف إليها الجماعة في الصلاة في قبال الانفراد لموثق عمر بن يزيد الذي هو دليل المشهور (قلت لابي عبد الله عليه السلام، (ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه إمام عدل صلاة جماعة ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكة) (3) واحتمال إرادة المعصوم من قوله (إمام عدل) بعيد جدا للزوم حرمان نوع المكلفين من هذه العبادة فيدور الامر بين تقييد المطلق من الطرفين بأن يكون المكان المسجد الجامع الذي ينعقد فيه الجماعة مع إمام عدل فالجامع الذي لا ينعقد فيه الجماعة مع إمام عدل لا يصح فيه الاعتكاف والمسجد الذي ليس بجامع وإن انعقد فيه الجماعة لا يصح فيه ايضا. ويؤيده خبر أبي الصباح عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث (إن عليا عليه السلام كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول أو مسجد جامع) جماعة (4). ويمكن أن يقال: يبعد هذا الحمل صحيح الحلبي أو حسنه المذكور لبعد تقييده بالجامع مع السؤال والجواب المذكورين فيه، وكذا يبعده الموثق المذكور وبين كفاية مسجد الجامع والمسجد الذي صلى فيه إمام عدل وإن لم يكن جامعا بالمعنى المذكور أعني ما يصلى فيه المعظم عموم من وجه، ويمكن الافتراق بأن يكون المسجد جامعا ولم يصلي فيه إمام عدل وعلى هذا فلا يخرج المساجد الاربعة


(1) الاستبصار ج 2 ص 126. (2) و (3) و (4) الكافي ج 4 ص 176 تحت رقم 3 و 1 و 2.

[ 247 ]

المذكورة عن العنوانين بعد إرادة الجامع من مسجد البصرة والاحتياط الجمع.. { والاقامة في موضع الاعتكاف فلو خرج أبطله إلا لضرورة أو طاعة مثل تشييع جنازة مؤمن أو عيادة مريض أو شهادة ولا يجلس لو خرج ولا يمشي تحت ظل ولا يصلي خارج المسجد إلا بمكة }. لا خلاف ظاهرا في لزوم الاقامة في موضع الاعتكاف وتدل عليه النصوص منها صحيح داود بن سرحان (كنت في المدينة في شهر رمضان فقلت لابي عبد الله عليه السلام إنى أريد أن أعتكف فماذا أقول وماذا أفرض على نفسي؟ فقال: لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لابد منها ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك) (1) ومنها موثق ابن سنان (ولا يخرج المعتكف من المسجد إلا في حاجة) (2) وفي صحيحه أيضا (ليس للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لجمعة أو جنازة أو غاية) (3). وأما البطلان بالخروج فلظهور الاخبار في الشرطية الموجبة لانعدام المشروط بانعدام الشرط، وأما خروج المعتكف لضرورة أو طاعة فيدل على جوازه الاخبار المذكورة وغيرها كخبر إبراهيم بن ميمون قال: (كنت جالسا عند الحسن بن علي عليهما السلام فأتاه رجل فقال له: يا ابن رسول الله إن فلانا له علي مال يريد أن يحبسني فقال: والله ما عندي مال فأقضي عنك فقال فكلمه، ولبس نعله، فقلت له: يا ابن رسول الله: أنسيت اعتكافك فقال: لم أنس ولكني سمعت أبي يحدث عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد الله تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله) (4). وأما عدم جواز الجلوس لو خرج وعدم جواز المشي تحت ظل فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح الحلبي (ولا يخرج في شئ إلا لجنازة أو يعود


(1) الكافي ج 4 ص 178. (2) التهذيب ج 1 ص 434. والاستبصار ج 2 ص 128. (3) الكافي ج 4 ص 178. (4) الفقيه باب الاعتكاف تحت رقم 24.

[ 248 ]

مريضا ولا يجلس حتى يرجع) (1) ولصحيح داود بن سرحان المذكور آنفا. وأما عدم جواز الصلاة خارج المسجد إلا بمكة فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه صحيح منصور بن حازم (المعتكف بمكة يصلي في أي بيوت شاء والمعتكف بغيرها لا يصلي إلا في المسجد الذي سماه) (2). { أما أقسامه فهو واجب وندب، فالواجب ما وجب بنذر وشبهه وهو ما يلزم بالشروع، والمندوب ما يتبرع به، ولا يجب بالشروع، فإذا مضى يومان ففي وجوب الثالث قولان المروي أنه يجب، وقيل: لو اعتكف ثلاثا فهو بالخيار في الزائد فإن اعتكف يومين آخرين وجب الثالث }. الاعتكاف الواجب مثل النذر كالعهد واليمين والاجارة إذا كان معينا لابد من الاتيان به في الوقت المعين، ولا يكون وجوب المضي بالشروع ومع عدم التعيين المشهور وجوب المضي، وقيل بصعوبة إقامة الدليل عليه، بل هو مساو للمندوب في عدم الوجوب قبل اليومين، وأما المندوب فلا يجب المضي فيه بالشروع قبل إكمال يومين، ومع إكمال يومين وعدم الشرط قيل بوجوب المضي لصحيح محمد بن مسلم (إذا اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ اعتكافه فإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام) (3) وصحيح أبي عبيدة عن الباقر عليه السلام (من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد أياما أخر وإن شاء خرج عن المسجد فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يستكمل ثلاثة أيام) (4) وإثبات المدعى بهذا الصحيح مبني على عدم الفرق بين اليومين قبل الثلاثة الاولى وبعدها والقطع به مشكل فالقول بعدم وجوب الثالث بعد اليومين ضعيف مع عدم الاشكال في سند


(1) الكافي ج 4 ص 178 والتهذيب ج 1 ص 433. والفقيه باب الاعتكاف رقم 14. (2) الفقيه الباب تحت رقم 7. (3) الكافي ج 4 ص 177. (4) الكافي ج 4 ص 177 والفقيه باب الاعتكاف تحت رقم 12 والتهذيب ج 1 ص 433.

[ 249 ]

الروايتين كما أنه لا مجال بملاحظتهما للقول بوجوب المضي مطلقا بمجرد الشروع مستندا إلى إطلاق النصوص الدالة على وجوب الكفارة على المعتكف إذا أبطل اعتكافه بالجماع وخبري ابن الحجاج وأبي بصير الدالين على وجوب إعادة المريض والحائض الاعتكاف بعد البرء والطهارة ففي الاول قول الصادق عليه السلام على المحكي (إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنه يأتي بيته ثم يعيد إذا برئ و يصوم) (1) وفي الثاني على المحكي (في المعتكفة إذا طمثت قال: ترجع إلى بيتها فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها) (2) وبما ذكر يستدل على وجوب المضي بالشروع في الاعتكاف الواجب وذلك لاخصية الصحيحين، وأما لو شرط الرجوع إذا شاء وقلنا بصحة هذا الشرط كان له الرجوع في أي وقت شاء واستدل على صحة هذا الشرط بقول أبي جعفر عليه السلام على المحكي (إذا اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام) (3) حيث يظهر منه مدخلية عدم الاشتراط في وجوب البقاء على الاعتكاف بعد اليومين وقال أبو ولاد في الصحيح: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال: إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تمضي ثلاثة أيام ولم يكن اشترطت في إعتكافها فإن عليها ما على المظاهر) (4) وظاهره مدخلية عدم الاشتراط في لزوم الكفارة وربما خصص الجواز بما لو كان الشرط عروض عارض لا مطلقا ويؤيده قول الصادق عليه السلام على المحكي في الموثق (إذا اعتكف العبد فليصم) (5) وقال: (لا


(1) الفقيه الباب رقم 15 والكافي ج 4 ص 179 والتهذيب ج 1 ص 435. (2) الكافي ج 4 ص 179. (3) تتمة لخبر عمر بن يزيد المتقدم. (4) الفقيه باب الاعتكاف تحت رقم 8. والكافي ج 4 ص 177. (5) التهذيب ج 1 ص 433.

[ 250 ]

يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام، واشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط عند إحرامك أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علة نزلت بك من أمر الله) (1) والظاهر عدم إرادة شرط خصوص العلة النازلة من أمر الله، بل هي أحد أفراد العارض، بل مقتضى ترك الاستفصال جواز الاشتراط مطلقا، وقد ظهر مما ذكر وجه وجوب الثالث من الايام بعد الثلاثة الاولى. { وأما أحكامه فمسائل: الاولى يستحب للمعتكف أن يشترط كالمحرم فإن شرط جاز له الرجوع ولم يجب القضاء، ولو لم يشترط ثم مضى يومان وجب الاتمام على الرواية ولو عرض عارض خرج فإذا زال وجب القضاء }. الظاهر اتفاق الاصحاب على استحباب الاشتراط للمعتكف وتدل عليه الاخبار منها الموثق المذكور آنفا، ومنها صحيح أبي ولاد المذكور، ومنها القوي عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال: (لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام ومن اعتكف صام، وينبغى للمعتكف إذ اعتكف أن يشترط كما يشترط المحرم) (2) و ظاهر الاخبار أن يكون الاشتراط في نفس الاعتكاف لا في نذر الاعتكاف. وأما جواز الرجوع مع الشرط فقد ظهر من الاخبار المذكورة فلا يجب القضاء كما ظهر مما ذكر وجوب الاتمام بعد مضي يومين مع عدم الاشتراط. وأما جواز الخروج مع عروض عارض ووجوب القضاء فيدل عليه خبرا ابن الحجاج وأبي بصير المذكوران لكن وجوب القضاء في صورة محو صورة الاعتكاف، وأما مع عدم انمحاء الصورة كالخروج لتشييع الجنازة مدة قليلة فلا. { الثانية يحرم على المعتكف الاستمتاع بالنساء والبيع والشراء وشم الطيب وقيل: يحرم عليه ما يحرم على المحرم ولم يثبت }. أما حرمة الاستمتاع بالجماع في الفرجين فمجمع عليها ظاهرا ويدل عليها الكتاب والسنة المستفيضة أو المتواترة. وأما الاستمتاع باللمس والتقبيل بشهوة فالمشهور حرمته بل لم يعرف خلاف إلا ما يظهر من عبارة التهذيب قال الله تعالى (و


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 433

[ 251 ]

لا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) وفي الموثق عن الحسن بن جهم عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن المعتكف يأتي أهله؟ فقال: لا يأتي امرأته ليلا ولا نهارا وهو معتكف) (1) وخبر سماعة (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن معتكف واقع أهله قال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان) (2) وعن محمد بن سنان عن عبد الاعلى بن أعين قال: (سألت الصادق عليه السلام عن رجل وطئ امرأة وهو معتكف ليلا في شهر رمضان؟ قال: عليه الكفارة قال: قلت إن وطئها نهارا؟ قال: عليه كفارتان) (3) واستفادة حرمة الاستمتاع باللمس والتقبيل بشهوة مبني على شمول الاية الشريفة لمثلها وهي مشكلة، بل يمكن استظهار الخلاف حيث روى عن الصادق عليه السلام في الحسن (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد وضربت له قبة من شعر وشمر المئزر وطوى فراشه، فقال بعضهم: واعتزل النساء؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما اعتزال النساء فلا) (4) كما أن استفادة الافساد في غير النهار بالجماع يمكن أن يكون من جهة النهي وحمله على النهي الوضعي أو من جهة لزوم الكفارة أو بمنزلة التنزيل منزلة من أفطر يوما من شهر رمضان، ولولا الاجماع لامكن المناقشة من جهة احتمال أن يكون النهي تحريميا صرفا، واحتمال وجوب الكفارة مع الصحة كما في كثير من محرمات الاحرام في الحج والعمرة واحتمال كون التنزيل بلحاظ الكفارة دون الافساد كما يستفاد من بعض الاخبار. وأما حرمة البيع والشراء وشم الطيب فيدل عليها صحيح أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام (المعتكف لا يشم الطيب ولا يتلذذ بالريحان ولا يمارى ولا يشتري ولا يبيع) (5) ولا يخفى أن هذا كله في صورة وجوب المضي في الاعتكاف أما مع عدم وجوبه كاليومين الاولين في صورة التبرع واليوم الثالث مع الاشتراط


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 179. (3) الفقيه باب الاعتكاف تحت رقم 19. (4) الكافي ج 4 ص 175. (5) الكافي ج 4 ص 177.

[ 252 ]

فلا حرمة كما سبق الكلام فيه. وأما ما قيل من حرمة ما يحرم على المحرم المحكي عن الشيخ وابني حمزة والبراج فلم نقف على دليل عليه إلا أنه حكي عن المبسوط أنه يجتنب ما يجتنب مع أنه لا يحرم عليه لبس المخيط ولا إزالة الشعر ولا أكل الصيد ولا عقد النكاح { ويفسد الاعتكاف ما يفسد الصوم ويجب الكفارة بالجماع فيه مثل كفارة شهر رمضان ليلا كان أو نهارا ولو كان في نهار شهر رمضان لزمه كفارتان ولو كان بغير الجماع مما يوجب الكفارة في شهر رمضان فإن وجب بالنذر المعين لزمت الكفارة وإن لم يكن معينا أو كان تبرعا فقد أطلق الشيخان لزوم الكفارة ولو خصا ذلك بالثالث كان أليق بمذهبهما). أما فساد الاعتكاف بفساد الصوم فلكونه مشروطا بالصوم فمع فساده يفسد. وأما وجوب الكفارة بالجماع فيه مثل كفارة شهر رمضان ليلا كان أو نهارا فللتنزيل المذكور في الموثق المذكور ورواية عبد الاعلى المتقدمة كما أنه يستفاد منها لزوم الكفارتين بالوطي النهاري في شهر رمضان. وأما وجوب الكفارة بغير الجماع بل بفعل ما يوجب الكفارة في شهر رمضان مع وجوب الاعتكاف بالنذر المعين فوجهه حنث النذر فمع وقوعه في اليوم لا إشكال فيه حيث يبطل الصوم فيبطل الاعتكاف وأما لو وقع في الليل فلزوم كفارة حنث النذر مبني على بطلان الاعتكاف به وأما مع عدم الوجوب بالنذر المعين أو التبرع فمقتضى ما سبق من عدم وجوب المضي بالشروع عدم الكفارة في اليومين الاولين ووجوبها في اليوم الثالث مع عدم الاشتراط لكنه لا دليل على وجوب الكفارة بالنسبة إلى غير الجماع. والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وقد فرغ مؤلفه الفقير لثلاث عشرة بقيت من شهر صفر على ما في التقاويم من عام أربع وثمانين بعد الالف وثلاثمائة من الهجرة المباركة على مهاجرها وآله ألف سلام وتحية.

[ 253 ]

(كتاب الحج)

[ 254 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. { كتاب الحج و (1) هو يعتمد على ثلاثة أركان: الركن الاول في المقدمات وهي أربع، المقدمة الاولى الحج في اللغة القصد وصار في الشرع إسما لمجموع المناسك الموداة في المشاعر المخصوصة وهو فرض على من اجتمعت فيه الشرائط الاتية من الرجال والنساء والخناثي، نعم لا يجب بأصل الشرع إلا مرة واحدة }. أما وجوب الحج على من اجتمعت فيه الشرائط فيدل عليه الكتاب والسنة والاجماع بل عد من ضروريات الدين، وأما الاكتفاء بمرة واحدة فادعي الاجماع عليه ودلت عليه النصوص الكثيرة وهو مقتضى إطلاق الامر في الكتاب والسنة، نعم يظهر من بعض الاخبار وجوبه على أهل الجدة في كل عام كخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام: (إن الله تعالى فرض الحج على أهل الجدة في كل عام وذلك قول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) قال: قلت: من لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا ولكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر) (2) وقد حمل على الوجوب على البدل بمعنى أن من وجب عليه الحج فلم يفعل في السنة الاولى


(1) المتن مأخوذ من الشرايع. (2) الكافي ج 4 ص 265. والحدة: الغنى والثروة.

[ 255 ]

وجب عليه في الثانية وهكذا في كل عام أو الندب أو تأكده ولا يبعد أن يكون نظير (فاغسلوا وجوهكم) من باب تلاقي الجمع بالجمع فلا يجب على كل أحد من أهل الجدة الحج في كل عام كما لا يجب على كل واحد غير غسل وجهه للوضوء وتجب على الفور والتأخير مع الشرائط كبيرة موبقة حكي الاجماع على فورية الوجوب. واستدل أيضا بقول الصادق عليه السلام على ما حكي (التاجر يسوف الحج؟ قال: ليس له عذر) (1) وفي صحيح الحلبي (إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرايع الاسلام) (2). وفي بعض الاخبار الدلالة على أن من وجب عليه ثم سوفه العام والعام الاخر ثم مات فقد ترك شريعة من شرايع الاسلام، وأنه المراد بقوله تعالى (و من كان في هذه أعمى فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا) فإن كان إجماع وإلا فاستفادة الوجوب الفوري مما ذكر مشكلة لان الرواية الاولى يمكن حملها على عدم المعذورية في ترك الراجح كما يقال للواجد للشرائط في أول وقت فضيلة الصلاة: لا عذر لك في التأخير. وأما الرواية الثانية فمحمولة بقرينة غيرها على صورة الترك إلى وقوع الموت، ثم على تقدير حرمة التأخير عن عام الاستطاعة يشكل عده من الكبائر لانه ليس مجرد التأخير استخفافا بالحج حتى يستدل بما رواه الصدوق عن الفضل بن شاذان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (أنه كتب إلى المأمون تفصيل الكبائر ومن جملتها الاستخفاف بالحج) (3) ولم يحرز كونه في نظر أهل الشرع قاطبة من الكبائر وليس تركا للصلاة ولو تعددت الرفقة في العام الواحد قيل: وجب المسير مع أولها فإن أخر عنها وأدركه مع التالية وإلا كان كما أخره عمدا في استقرار الحج والظاهر أن وجهه أنه تمكن من إتيان الواجب ولم يأت به فهو كمن تمكن في أول الوقت من إتيان الصلاة ولم يأت


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 269. (3) عيون اخبار الرضا عليه السلام ص 267.

[ 256 ]

بها، ويشكل بأنه مع الوثوق بإدراك الحج مع الثانية لم لا يجوز التأخير و الخروج مع الثانية ولازم ما ذكر في وجه استقرار الحج أنه لو خرج مع الاولى ولم يدرك الحج ولو كان خارجا مع الثانية كان يدرك استقر عليه الحج. ولا أظن أن يلتزم به وقد يقرب لزوم الخروج مع الاولى بأنه تحقق الخطاب بالمقدمات، والاصل عدم مقدمة أخرى تقوم مقام هذه المتيسرة ولا يخفى أنه مع الوثوق لا يبقى مجال لما ذكر وإلا لاشكل الامر من جهة الشك في الحياة و التكليف مشروط بالحياة والقدرة على ذي المقدمة، ولا مجال للتمسك باستصحاب الحياة والقدرة لكون الحكم الظاهري أيضا مشروطا بالحياة والقدرة فتأمل. { وقد يجب الحج بالنذر وما في معناه وبالافساد وبالاستيجار للنيابة وحينئذ فيتكرر الوجوب بتكرر السبب وما خرج عن ذلك فهو مستحب، و يستحب لفاقد الشرائط كمن عدم الزاد والراحلة إذا تسكع سواء شق عليه السعي أو سهل، وكالمملوك إذا أذن له مولاه. المقدمة الثانية في النظر في حجة الاسلام وما يجب بالنذر. وما في معناه وفي أحكام النيابة. القول في حجة الاسلام وشرائط وجوبها خمسة الاول كمال البلوغ والعقل فلا يجب الحج على الصبي ولا على المجنون فلو حج الصبى أو حج عنه الولي أو عن المجنون لم يجز عن حجة الاسلام }. عدم إجزاء حج الصبي عن حجة الاسلام إجماعي، وقال الصادق عليه السلام في خبر مسمع (لو أن غلاما حج عشر حجج ثم احتلم كانت عليه فريضة الاسلام) (1). { نعم لو دخل الصبي المميز أو المجنون في الحج ندبا ثم كمل كل واحد منهما وأدرك المشعر أجزء عن حجة الاسلام }. المشهور إجزاء حج الصبي إذا بلغ قبل الوقوف بالمشعر أو بعرفة وفعل باقي الافعال، واستدل عليه بما دل من الاخبار على أن من أدرك المشعر أدرك


(1) الكافي ج 4 ص 278 والتهذيب ج 1 ص 448 والاستبصار ج 2 ص 141.

[ 257 ]

الحج، وما ورد في العبد إذا أعتق قبل الوقوف من إجزاء حجة عن حجة الاسلام. ولا يخفى الاشكال في الاستدلال بما ذكر لان كون إدراك المشعر بمنزلة إدراك الحج لا يفيد أزيد من صحة الحج ولا إشكال في صحة حج الصبي، والكلام في إجزائه عن حجة الاسلام والتعدي عن المورد أعني العبد إلى غيره كيف يجوز؟ و يمكن أن يقال: الحج حقيقة واحدة فمع اجتماع شرائط الوجوب يتصف بالوجوب ويكون حجة الاسلام، ومع عدم الاجتماع يكون مندوبا، فبعد الفراغ عن مشروعية الجج بالنسبة إلى الصبي وكونه عبادة لا من باب التمرين، كما يدل عليه ما دل على فضل الحج والمثوبات المترتبة عليه من غير فرق بين صدوره من البالغ وغيره كما يستدل بمثل (الصلاة خير موضوع) على مشروعية الصلاة و رجحانها حتى بالنسبة إلى الصبي المميز لا من باب التمرين والواجب صرف الوجود وقد تحقق، والدليل دل على عدم الاجزاء مع عدم الاستطاعة ومع عدم البلوغ إلى ما بعد الوقوفين، وأما صورة حصول البلوغ ودرك أحد الوقوفين بالغا فلا يشمل الدليل الدال على عدم الاجزاء إياها فلاحظ قول الصادق عليه السلام في خبر مسمع حيث حكم بلزوم فريضة الاسلام في صورة حصول الاحتلام بعد الحج فالصورة المفروضة خارجة بل لا يبعد أن يستفاد من هذا القيد أعني كون الاحتلام بعد الحج نفى هذا الحكم أعني عدم الاجزاء عن صورة وقوع الاحتلام في الاثناء ولما ذكر حكم بإجزاء صلاة الصبي في أول الوقت مع تحقق البلوغ بعد الصلاة وإن كان محل الكلام بين الاعلام. وبهذا البيان يمكن القول بصحة حج المجنون إذا ارتفع جنونه وأدرك المشعر وباقي الافعال، حيث أنه بمقتضى الاخبار المدرك للمشعر مدرك للحج فصح حجه. { ويصح إحرام الصبي المميز وإن لم يجب عليه، ويصح أن يحرم عن غير المميز وليه وكذا المجنون والولي من له ولاية المال كالاب والجد والوصي قيل للام ولاية الاحرام بالطفل، ونفقته الزائدة تلزم الولي دون الطفل }. لا إشكال في مشروعية إحرام الصبي المميز ومشروعية حجة وتدل عليه

[ 258 ]

النصوص منها قول أحدهما عليهما السلام في خبر زرارة (1) (إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فإنه يأمره أن يلبي ويفرض الحج فإن لم يحسن أن يلبي لبى عنه ويطاف به ويصلى عنه، قال زرارة: ليس لهم ما يذبحون؟ فقال عليه السلام: يذبح عن الصغار ويصوم الكبار، ويتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب والطيب، فإن قتل صيدا فعلى أبيه). والظاهر أن عمل الصبي المميز عبادة مشروعة لا من باب التمرين، ويمكن أن يستدل عليه بإطلاق ما دل على فضل مثل الحج والصلاة وغيرهما وترتب الثواب من دون تقييد غاية الامر رفع القلم والمؤاخذة عنه ولا يبعد أن يستفاد ما ذكر من قوله عليه السلام في هذا الخبر (ويصلي عنه) فإن التمرين غير مناسب لصلاة الاب عنه فتأمل. قد يقال بلزوم إذن الولي لاستتباع الحج المال وفيه نظر من جهة أنه بعد ثبوت المشروعية من قبل الشارع وصحة الحج ولو لم يأذن الولي لابد للولي من صرف المال له لتتميم العمل كما لو أتلف الصبي مال الغير. وأما الصبي الغير المميز والمجنون فلا يتأتى ما ذكر في المميز فيهما وإن ورد النص بالنسبة إلى غير المميز لكن الظاهر أن إحجاجه بحسب الصورة فلا دليل على اعتبار طهارتهما فيما يعتبر فيه الطهارة. وأما المجنون فلم نعثر على نص فيه وإن ألحقوه بالصبي لكنه بلا دليل، ثم إنه لا دليل على لزوم إحجاج الولي فلا مانع من إحجاج الغير كالام والاخ ويدل عليه خبر عبد الله بن سنان أو صحيحة عن الصادق عليه السلام (إن امراة قامت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعها صبي لها فقالت: يا رسول الله أيحج بمثل هذا؟ قال: نعم ولك أجره) (2). وأما النفقة الزائدة فالتزموا بلزومها على الولي في ماله لانه السبب و النفع عائد إليه لعدم الثواب لغير المميز وفيه إشكال لامكان أن يكون نظير إخراج


(1) الكافي ج 4 ص 303. (2) التهذيب ج 1 ص 448. والاستبصار ج 2 ص 146.

[ 259 ]

الزكاة من مال التجارة للصبي فإذن الشارع في إحجاجه إذن في لوازمه. وأما ما ورد في خبر زرارة المذكور آنفا من كون الذبح على غيره وإن قتل صيدا فعلى الاب فجواب بعد قول الراوي (ليس لهم ما يذبحون) فلا يشمل غير هذه الصورة. وأما ما يوجب الكفارة فقد أفتى الاكثر على ما نقل فيما لا فرق في لزومه بين العمد والخطأ بلزومه على الولي لصحيح زرارة المذكور و لانه السبب وفيه إشكال لان السبب فعل الصبي ودلالة الخبر قد عرفت الاشكال فيها. وأما ما يختلف حكمه بالنسبة إلى البالغ بين حالتى العمد والخطأ كالوطي واللبس إذا اعتمد الصبي فعن الشيخ (قدس سره) إنه قال: الظاهر أنه يتعلق به الكفارة على وليه وإن قلنا إنه لا يتعلق به شئ لما روى عنهم عليهم السلام (أن عمد الصبي وخطائه واحد) والخطأ في هذه الاشياء لا يتعلق به كفارة من البالغين كان قويا ويمكن أن يقال ما روي عنهم عليه السلام لا يشمل المقام للفرق بين محكومية الخطأ بحكم خاص كالقتل الخطائي وبين عدم الحكم في صورة الخطأ وما نحن فيه من الاول دون الثاني فلا يشمله المروي فمقتضى القاعدة لزوم الكفارة في مال الصبي ولا يجب الصبر إلى أو ان بلوغه. { الشرط الثاني الحرية فلا يجب الحج على المملوك وإن أذن له مولاه ولو تكلفه بإذن مولاه صح لكن لا يجزيه عن حجة الاسلام، نعم إن حج وأدرك الوقوف بالمشعر معتقا أجزأه }. أما اشتراط الحرية في الوجوب فادعي عليه الاجماع ويدل عليه قول أبي الحسن موسى عليه السلام في الموثق (ليس على المملوك حج ولا عمرة حتى يعتق) (1). وأما عدم إجزاء حجه عن حجة الاسلام فادعي عليه الاجماع ويدل عليه النصوص منها خبر مسمع وفيه (لو أن عبدا حج عشر حجج كانت عليه حجة الاسلام


(1) الكافي ج 4 ص 266 وقرب الاسناد ص 130 وفي الفقيه كتاب الحج ب 93 تحت رقم 2. .

[ 260 ]

إذا استطاع إليه سبيلا) (1) وفي دلالته تأمل. ومنها قول الكاظم في صحيح أخيه: (المملوك إذا حج ثم اعتق فإن عليه إعادة الحج) (2). وأما الاجزاء مع إدراك الوقوف فادعي عليه الاجماع، ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار قلت لابي عبد الله عليه السلام: (مملوك أعتق يوم عرفه فقال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج) (3) وصحيح شهاب عنه أيضا (في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له قال: يجزي عن العبد حجة الاسلام ويكتب لسيده أجران ثواب العتق وثواب الحج) (4) ثم إنه قيد صحة حجة بإذن المولى وفيه تأمل لعدم الدليل عليه فإن كان النظر إلى عدم جواز تصرفاته في ما يتعلق بمولاه فقد يتصور حجة بدون التصرف كما لو كان ملازما لمن أمر المولى بملازمته وهو حاج من دون تصرف إلا من حيث القول والفعل اللذين لا ينافيان حق المولى فحاله حال عبد أمر المولى بالبيتوتة عنده وهو مشغول بالذكر والقرآن والصلاة وقيل في صورة إدراك الوقوف والاجزاء عن حجة الاسلام: بسقوط الاستطاعة المالية لعدم اجتماع الرقية مع الملك، ويمكن أن يقال: حال هذا العبد حال من بذل له ما يحج به ويأتي كفاية البذل عن الاستطاعة المالية فلو تسكع العبد بإذن مولاه و حج مع فقدان الزاد والراحلة لم يكف عن حجة الاسلام بمقتضى عموم ما دل على اشتراط وجدان الزاد والراحلة أو البذل وما دل على الاجزاء عن حجة الاسلام مع إدراك الوقوف معتقا لا إطلاق له من هذه الجهة. ومن الفروع المذكورة في المقام عدم جواز رجوع المولى عن إذنه بعد الاحرام لتحكيم ما دل على وجوب إتمام الحج بعد الاحرام وحينئذ لاطاعة للمخلوق في


(1) تقدم عن الكافي. وفي التهذيب ج 1 ص 448 والاستبصار ج 2 ص 141. وفي الفقيه ب 93 تحت رقم 3. (2) التهذيب ج 1 ص 447. والاستبصار ج 2 ص 147. (3) التهذيب ج 1 ص 448. والاستبصار ج 2 ص 148. (4) الفقيه باب 94 تحت رقم 1، وفي المحاسن للبرقي ص 66.

[ 261 ]

معصية الخالق. ولقائل أن يقول: ما تقولون فيما لو انتقل قهرا إلى الغير كما لو انتقل إلى الوارث ولم يأذن الوارث فالقول بممنوعية السيد الثاني من ملكه خلاف قاعدة السلطنة وليس المقام مثل ما لو انتقل العين المسلوبة المنفعة إلى الغير كانتقال العين المستأجرة إلى الوارث والظاهر أن النقل الاختياري أيضا كذلك ومن المحتمل أن يكون صحة الحج منوطة ببقاء الاذن إلى آخر العمل ومع الرجوع عن الاذن يستكشف عدم الصحة من أول الامر كما لو أحرم العبد باعتقاد كونه مأذونا وليس هذا من باب طاعة المخلوق في معصية الخالق جل وعلا كما لا يخفى. ولو جنى العبد في إحرامه بما يلزم فيه الدم فقد يقال بعدم لزوم الدم على السيد للاصل و العبد عاجز عنه وعن الصوم بدله لانه تصرف في ملك الغير فيتبع به بعد العتق كضمان ما يتلقه من مال الغير، وعن المفيد (قده) وجوب الفداء في الصيد على السيد ويشهد له قول الصادق: عليه السلام في صحيح حريز (كلما أصاب العبد وهو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن له) (1) وفي قباله خبر عبد الرحمن بن أبي نجران (سألت أبا الحسن عليه السلام عن عبد أصاب صيدا وهو محرم على مولاه شئ من الفداء؟ فقال لا شئ على مولاه) (2) وعن الشيخ (قده) الجمع بينهما بالتفرقة بين صورة الاذن فعلى السيد وصورة عدم الاذن فلا شئ عليه واستشكل بأن الاحرام مع عدم الاذن لا يصح فلا جمع ويمكن أن يقال: الاحرام ليس أمرا منافيا لحق السيد كما أشرنا آنفا فلا مانع من صحته بدون الاذن فيمكن أن يحرم العبد ويأذن المولى في إتمام حجه فيجمع بين الخبرين ومع التعارض والاخذ بالخبر المنافي يشكل الحكم بعدم وجوب الصوم معللا بأنه تصرف في ملك المولى بدون إذنه ولا نجد فرقا بينه وبين ما لو أفطر في شهر رمضان بما يوجب الكفارة فهل يمكن القول بعدم وجوب صيام شهرين مع عدم التمكن من العتق والاطعام، والحكم بتبعيته بعد العتق مساوق في كثير من الاوقات للسقوط كما لو قطع بعدم حصول عتقه أبدا. { ولو أفسد حجة ثم أعتق مضى في الفاسد وعليه بدنة وقضاه وأجزا عن


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 556 والاستبصار ج 2 ص 216 والكافي ج 4 ص 304.

[ 262 ]

جحة الاسلام، وإن أعتق بعد فوات الموقفين وجب الاكمال والقضاء ولم يجزه عن جحة الاسلام }. قد يقال بلزوم المضي والبدنة والقضاء على العبد في صورة إفساد الحج بالجماع أخذا بما دل على ترتب ما ذكر على الافساد ومع ذلك يشكك في لزوم تمكين العبد منها ولا يخفى ما فيه ضرورة انه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، هذا لو أفسد حجة قبل الوقوف ولم يعتق ولو أفسده قبل الوقوف ثم أعتق حكم بعد المضي في الفاسد والقضاء بالاجزاء عن حجة الاسلام، سواء قلنا: إن الاكمال عقوبة والثانية حجة الاسلام أم بالعكس: أما الاول فلوقوع حجة الاسلام في حال الحرية وأما على الثاني فلما سبق من أن العتق على هذا الوجه يقتضى الاجزاء عن حجة الاسلام وقد يتأمل فيه إن قلنا بعدم اعتبار الاستطاعة للعبد من جهة الزاد والراحلة وقلنا بأن الثاني ليس عقوبة بل هو حجة الاسلام مع اجتماع الشرائط سابقا والافساد. { الشرط الثالث: الزاد والراحلة وهما معتبران فيمن يفتقر إليهما في قطع المسافة }. يدل على اعتبار الزاد والراحلة بمعنى التمكن من تحصيلهما لو لم يكونا موجودين بأن كان واجدا، النصوص المستفيضة فقد سأل حفص في الصحيح (أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (ولله على الناس) ما يعنى بذلك؟ قال من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه، له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع - أو قال ممن كان له مال - فقال له حفص: فإذا كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة فلم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم) (1) وقد يتأمل في شمول النصوص بالنسبة إلى مثل من كان متعودا بالمشي بلا مشقة كما لو كان ملزما بالمشي في طريق مكة المشرفة بعقد لازم وذا لعدم الحاجة إلى الراحلة حينئذ كما أنه لو لم يتمكن من الراحلة وتمكن من ركوب السفينة في البحر لا يشك في استطاعته ولا يبعد حمل


(1) الكافي ج 4 ص 267 والتهذيب ج 1 ص 447 والاستبصار ج 2 ص 139.

[ 263 ]

ما يخالف هذه الطائفة من الاخبار على هذا. { ولا تباع ثياب مهنته ولا خادمه ولا دار سكناه للحج }. حكي الاجماع على عدم بيعها فإن تم فلا إشكال وإلا فغاية ما يتمسك به لزوم العسر والحرج ولا يخفى عدم الكلية وفي صورة لزوم الحرج وتقديم قاعدة نفي الحرج الظاهر أن نفي الوجوب من باب المزاحمة وعلى هذا فلو اختار البيع وصرف ثمنها في الحج لم يبعد إجزاؤه عن حجة الاسلام وليس كحج التسكع ثم إن لازم ما ذكر عدم وجوب الحج على من وجد ما يحج به وليس له دار يليق به بحيث لو صرف ماله في ثمن الدار لا يتمكن من الحج وهو بعيد جدا ألا ترى أن المصنف كغيره يصرح بأنه لو احتاج إلى النكاح لا يجوز صرف المال فيه بل يقدم الحج والتفرقة مشكله. { والمراد بالزاد قدر الكفاية من القوت والمشروب له ذهابا وعودا وأما الراحلة فراحلة مثله ويجب عليه شرائهما ولو كثر الثمن مع وجوده قيل: إن زاد عن ثمن المثل لم يجب والاول أصح }. لا يخفى أن استفادة لزوم الزاد والراحلة للعود من أخبار الباب مشكلة والتمسك بقاعدة نفي الحرج قد عرفت الاشكال فيه مضافا إلى عدم العمل بها في كثير من الموارد كما لو أتلف مال الغير أو كان عليه دين بحيث لو أدى بما في يده وقع في الحرج وكذا لو كان ترك محرم عليه حرجيا هذا مضافا إلى الاشكال في كون مثله شرطا بحيث لو تحمل المشقة وحج لم يكن حجه مجزيا عن حجة الاسلام. وأما وجوب شراء الزاد والراحلة مع كثرة ثمنها فلا وجه لنفيه مع التمكن سواء كان قيمتهما من باب الاتفاق كثيرة أو من جهة إجحاف البايع غاية الامر في الصورة الثانية يكون الشراء ضررا عليه ومثل هذا الضرر كيف يرفع التكليف وإلا لزم سقوط التكليف بالحج في مثل أزماننا لعدم الانفكاك عن الضرر. { ولو كان له دين حال وهو قادر على اقتضائه وجب عليه وإن منع منه و

[ 264 ]

ليس له سواه سقط الفرض }. إن كان قادرا على الاقتضاء بنفسه أو وكيله أو بالمراجعة إلى حاكم الشرع فلا إشكال وإن توقف على المراجعة إلى حاكم الجور فقد يتأمل في الوجوب للنهي عن الركون إليه والاستعانة به وإن بنينا بعد المعارضة على الجواز وكراهة الرجوع جمعا بين الدليلين وبعد الجواز على كراهية لا دليل على الوجوب وفيه نظر منع صدق الركون ومنع حرمة مطلق الاستعانة وعلى تقدير صدق الركون إلى الظالم فالظاهر إباء دليل حرمته عن التقييد والعمدة ما دل على حرمة التحاكم إلى حكام الجور فإن بنى على الجواز للضرر أو لدليل آخر فالاستطاعة محققة و على كل حال لو أخذ صار مستطيعا. { ولو كان له مال وعليه دين لم يجب الحج إلا أن يفضل عن دينه ما يقوم به الحج }. علل عدم وجوب الحج بعدم الاستطاعة باعتبار سبق وجوب الوفاء بما عنده على وجوب الحج وهذا يتم في صورة تحقق الدين قبل وجود المال وأما لو تحقق بعده فلا وجه له وعلى الفرض أيضا لا نسلم ألا ترى انه لو كان عليه ديون وكان اشتغال ذمته ببعضها متأخرا وكان بيده مال يكون مخيرا في صرفه في المتأخر دون المتقدم وإن كان النظر إلى عدم توجه الخطاب بالحج قبل وقته ففيه إن لازمه جواز الفرار لكل من استطاع بنقل ماله قبل أوان الحج بلا الحق أن الواجبات المشروطة بعد العلم بتحقق شرطها في ظرفها يجب حفظها من جهة سائر مقدماتها الوجودية من دون انتظار فالحق أن المقام من باب التزاحم فإن أحرز أهمية الحج يتعين كما لو أحرز أهمية الدين ومع الشك يخير ولا ينبغي في الاجزاء لانه مع عدم وجوب الحج على التعيين شرائط حجة الاسلام متحققة غاية الامر لم يوجب على التعيين للمزاحمة. { ولا يجب الاقتراض للحج إلا أن يكون له مال بقدر ما يحتاج إليه زيادة على استثنائه }.

[ 265 ]

يمكن أن يقال بعد اعتبار وجود الزاد والراحلة إذا لم يتمكن منهما ولا من ثمنهما وإن كان له مال يسوي قيمتها لكن لا يشتريه أحد يكون فاقدا لهما و مجرد إمكان الاقتراض وتأدية القرض في زمان إن كان موجبا للاستطاعة لزم حصول الاستطاعة بإمكان الاقتراض مع الوثوق بإمكان التأدية بمال يصل إليه بعد ذلك ولا يلتزمون به. { ولو كان له قدر ما يحج به فنازعته نفسه إلى النكاح لم يجز صرفه وإن شق عليه تركه، وكان عليه الحج } قد يشكل من جهة لزوم الحرج ومقتضى القاعدة جواز ترك الحج لكنه قد عرفت الاشكال فيه. { فلو بذل له زاد وراحلة ونفقة له ولعياله وجب عليه الحج }. ويدل عليه ما في صحيح محمد بن مسلم في حديث قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام: فإن عرض عليه الحج فاستحيي؟ قال: هو ممن يستطيع الحج ولم يستحي ولو على حمار أجدع أبتر، قال: فإن كان يستطيع أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل) (1) وصحيح معاوية بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل لم يكن له مال فحج به رجل من إخوانه أيجزي ذلك عن حجة الاسلام أم هي ناقصة قال: بل هي حجة تامة) (2) وفي صحيح الحلبي عنه أيضا في حديث قال: (قلت له فمن عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: نعم ما شأنه يستحيي ولو يحج على حمار أجدع أبتر فإن كان يطيق أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليحج) (3) ثم إن البذل تارة يكون بالانفاق من دون تمليك وتملك وقد يكون بالتمليك أما الصورة الاولى فلا إشكال في تحقق الاستطاعة به وأما الصورة الثانية فقد يستشكل فيه بعدم وجوب القبول عليه كما لا يجب عليه الاكتساب لتحصيل


(1) التهذيب ج 1 ص 447 والاستبصار ج 2 ص 14 0. (2) التهذيب ج 1 ص 448 والاستبصار ج 2 ص 143 واللفظ له. (3) الكافي ج 4 ص 266 والتهذيب ج 1 ص 447 والاستبصار ج 2 ص 140 و اللفظ له.

[ 266 ]

الاستطاعة والظاهر شمول قوله عليه السلام على المحكي (فإن عرض عليه ما يحج به نعم لابد من تحقق البذل فمع عدم الوثوق بالبذل يشكل ولعل الاخبار ناظرة إلى الواقع لا إلى أنه بمجرد إظهار الباذل يجب عليه وعلى هذا يشكل قوله: { ولو وهب له مال لم يجب قبوله } إن كان الهبة لخصوص الحج ولا يخفى أنه لم يستفد من الاخبار المذكورة بذل نفقة العيال بل بذل نفقة العود إلا أن يتمسك بقاعدة نفي الحرج وقد عرفت الاشكال فيه. { ولو استوجر للمعونة على السفر وشرط له الزاد والراحلة أو بعضه وكان بيده الباقي مع نفقة أهله وجب عليه وأجزأه عن الفرض }. لا إشكال في عدم وجوب القبول في المقام لانه اكتساب وهو غير واجب إلا أن يقال بعد عدم اعتبار عين الزاد والراحلة في الاستطاعة وكفاية وجدان مال يصرف فيهما لم لا يكفي وجدان ما به يتمكن من تحصيل المال ولذا لا يعد مثله فقيرا فتأمل. { ولو كان عاجزا عن الحج فحج متسكعا أو حج عن غيره لم يجزه عن فرضه وكان عليه الحج إن وجد الاستطاعة }. هذا هو المشهور، بل ادعي عدم الخلاف فيه ويدل عليه قول أبي الحسن عليه السلام في خبر آدم بن علي المنجبر بالشهرة (من حج عن إنسان ولم يكن له مال يحج به اجزأت عنه حتى يرزقه الله تعالى ما يحج به ويجب عليه الحج) (1) وقد يستدل عليه بقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير: (لو أن رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجة، فإن أيسر بعد ذلك كان عليه الحج) (2). بناء على أن المراد من الاحجاج فيه النيابة عن رجل، لا البدل بقرينة قوله: (كانت عليه حجة).


(1) التهذيب ج 1 ص 448 و 564 والاستبصار ج 2 ص 144 و 320. (2) الكافي ج 4 ص 274 والتهذيب ج 1 ص 448.

[ 267 ]

ويمكن الاستدلال لعدم الاجزاء لصورة الحج مع التسكع بلزوم الحج متى تحقق الشرط أعني الاستطاعة ويعارض ما ذكر ما في صحيح جميل عن الصادق عليه السلام (في رجل ليس له مال حج عن رجل أو أحجه غيره ثم أصاب مالا هل عليه الحج قال: يجزي عنهما جميعا) (1) وقوله عليه السلام في صحيح معاويه ابن عمار (حج الصرورة يجزي عنه وعمن حج عنه) (2) وحسنه (سأله عن رجل حج عن غيره أيجزيه عن حجة الاسلام. قال نعم) (3) وأجيب بحمل صحيح جميل على الاجزاء عن الرجل والغير المذكورين من جهة تثنية الضمير وحمل الحج على الحج المندوب في غيره، ولا يخفى ما فيه، فإن حمل صحيح جميل على ما ذكر يوجب سكوت المعصوم عليه السلام عن جواب السائل لان سؤاله راجع إلى الاجزاء عن نفسه إلا أن يقصد إفهام عدم الاجزاء عنه بهذا البيان، وحمل الخبرين الاخرين على ما ذكر بعيد جدا، فالعمدة عدم عمل المشهور بظاهر هذه الاخبار فلا مجال للاخذ بظاهرها. { الشرط الرابع أن يكون له مايمون به عياله حتى يرجع فضلا عما يحتاج إليه فلو قصر ماله عن ذلك لم يجب الحج }. استدل عليه بسبق وجوب الانفاق عليه وبخبر أبي الربيع الشامي الذي رواه المشايخ الثلاثة (4) (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قوله الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت الاية) فقال: ما يقول الناس قال: فقلت له: الزاد والراحلة، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام قد سئل أبو جعفر عليه السلام عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان لمن كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت به عياله ويستغني به عن الناس


(1) الفقيه كتاب الحج باب 88 ج 6. (2) التهذيب ج 1 ص 564 والاستبصار ج 2 ص 320. (3) الكافي ج 4 ص 275. (4) الكافي ج 4 ص 267 والتهذيب ج 1 ص 447 والمقنعة ص 60 والفقيه كتاب الحج ب 84 ح 1.

[ 268 ]

ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذا، فقيل له: فما السبيل؟ فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقى بعضا يقوت به عياله [ لقوت عياله خ ل ] أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم) ورواه المفيد في المقنعة مع اختلاف. وخبر الاعمش المروي عن الخصال (1) بسنده إليه عن جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث شرايع الدين قال: وحج البيت واجب على من استطاع إليه سبيلا وهو الزاد والراحلة مع صحة البدن وأن يكون للانسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجة). وعن الطبرسي في مجمع بيانه (2) (أنه قال في قوله تعالى (ولله - الاية) المروي عن أئمتنا عليهم السلام أنه الزاد والراحلة ونفقة من يلزمه نفقته والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة مع صحة في النفس وتخلية الدرب من الموانع وإمكان المسير. ولولا مخالفة المشهور لامكن الاشكال بمعارضة ما ذكر من الاخبار مع ما سبق من الاخبار المفسرة للاستطاعة الخالية عما ذكر في هذه الاخبار وظاهر الاية الشريفة موافقة لما سبق، وليست الطائفتان من الاخبار من قبيل المطلق والمقيد حتى يجمع بينهما كما لا يخفى. وأما ما ذكر من سبق وجوب الانفاق فممنوع صغرى وكبرى. { ولو حج عنه غيره ممن يطيق الحج لم يسقط عنه فرضه سواء كان النائب واجدا للزاد والراحلة أو فاقدهما وكذا لو تكلف الحج مع عدم الاستطاعة }. الظاهر عدم الخلاف في عدم إجزاء حج الغير وعدم إجزاء حج نفسه مع عدم الاستطاعة وإجزاء الاول خلاف الاصل لاعتبار المباشرة مع التمكن والثاني بمنزلة الصلاة قبل الوقت حيث أن الوجوب بعد الاستطاعة ولو لا تسلم المسألة لامكن الخدشة في الاول فإن العبادات قابلة للنيابة ولا يستفاد من أدلة وجوبها بنحو الكلية لزوم المباشرة.


(1) المصدر ج 2 ص 153. (2) المصدر ج 2 ص 478.

[ 269 ]

{ ولا يجب على الولد بذل المال في الحج للاب }. الظاهر عدم الاشكال فيه ويدل عليه قول أبي جعفر عليه السلام في خبر الثمالي قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله للرجل: (أنت ومالك لابيك) ثم قال أبو جعفر عليه السلام وما أحب له أن يأخذ من ماله ابنه إلا ما يحتاج إليه مما لابد منه، إن الله عزوجل لا يحب الفساد) (1) وخبر علي بن جعفر عليه السلام سأل أخاه عليه السلام (الرجل يأكل من مال والده؟ قال: لا إلا أن يضطر إليه فليأكل منه بالمعروف) (2) وغيرهما. وفي قبالهما صحيح سعيد بن يسار سأل الصادق عليه السلام (الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير؟ قال: نعم يحج منه حجة الاسلام، قال: وينفق منه؟ قال: نعم، ثم قال: إن مال الولد لوالده، إن رجلا اختصم هو ووالده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقضى أن المال والولد للوالد) (3) ولا يخفى أن ظاهره غير مراد فاللام الداخلة على المال كاللام الداخلة على الولد فلعل الصدر محمول على صورة استقرار الحج أو كان له مال يتمكن من التصرف فيه وقت الحج فيستقرض من مال الولد وخبر الحسين بن علوان عن زيد بن علي، عن آبائه عن على عليه السلام قال (أتي النبي صلى الله عليه وآله رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضر بي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت ومالك من هبة الله تعالى لابيك أنت سهم من كنانته الخ) (4) المحمول على جهة أخرى لولا الحمل على التقية كما احتمل. { الشرط الخامس إمكان المسير } وادعي عليه الاجماع ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيح ذريح من مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا) (5) ولا يخفى الفرق بين عدم الوجوب المعذودية فالاستطاعة شرط الوجوب بحسب ما سبق، وغاية ما يستفاد من الصحيح المذكور المعذورية من جهة الحاجة المذكورة


(1) التهذيب ج 2 ص 104 والكافي ج 5 ص 135. (2) الكافي ج 5 ص 135 والتهذيب ج 3 ب 104 وقرب الاسناد ص 119. (3) التهذيب ج 1 ص 450. (4) الجواهر كتاب الحج في الشرائط الرابع. (5) الكافي ج 4 ص 269.

[ 270 ]

أو منع السلطان وبحسب الاخبار السابقة تحقق الوجوب بمجرد الاستطاعة المالية وصحة البدن وتخلية السرب، وتظهر الثمرة في صورة التكلف والتحمل فعلى الاول لا تسقط حجه حجة الاسلام مع رفع المانع وعلى الثاني تسقط. { وهو يشتمل على اعتبار الصحة وتخلية السرب والاستمساك على الراحلة وسعة الوقت لقطع المسافة فلو كان مريضا بحيث يتضرر بالركوب لم يجب الحج ولا يسقط باعتبار المرض مع إمكان الركوب ولو منعه عدو أو كان معصوبا لا يستمسك على راحلة أو عدم المرافق مع اضطراره إليه سقط الفرض }. استدل على اعتبار صحة البدن بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال: هذه لمن كان عنده مال وصحة - الحديث) (1) وصحيحة هشام بن الحكم وفيها (من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة) (2) والصحيحتان وإن كانتا مطلقتين في اعتبار الصحة لكنه مقيدتان بصحيحة ذريح المتقدمة فالمناط في سقوط الفرض بل عدم وجوب الحج وجود مرض لا يطيق معه الحج لا التضرر إلا أن يتمسك بقاعدة نفى الضرر والتمسك بها في مثل المقام مشكل جدا ألا ترى أن الحج في هذه الازمنة ملازم غالبا مع الضرر المالي وهل يمكن الالتزام بسقوط الحج وعلى فرض الاخذ بالقاعدة لا يثبت بها إلا المعذورية في الترك وذكرنا آنفا الفرق بينها وبين انتفاء شرط الوجوب لكن المعروف ما في المتن وقد يقال: إن الاستطاعة من الامور العرفية فمثل المريض المتضرر والغير المستمسك يكونان ممن لا يستطيع عرفا، وما ورد من بيان معنى الاستطاعة منزل على المعنى العرفي كما يقول الانسان في هذه السنة مثلا لا أستطيع أن أزور لابتلائي بالمرض ومن هذه لا يلزم بيع الدار المحتاج إليها للسكنى وفيه نظر لان لازم هذا البيان جواز ترك الحج مع اجتماع الشرائط المذكورة لعذر مرض مثل الاب و


(1) الوسائل أبواب وجوب الحج ب 6 ح 11. (2) توحيد الصدوق ص 360.

[ 271 ]

الاخ والولد أو ورود الضيف على الانسان وهل يمكن الالتزام به نعم الظاهر المعذورية مع لزوم الحرج الرافع للتكليف ومنه يظهر الوجه في معذورية الغير المستمسك { وهل يجب الاستنابة مع المانع من مرض أو ضعف وهرم وعدو قيل: نعم وهو المروي وقيل: لا }. لعله اشار إلى قول الصادق عليه الصلاة والسلام في صحيح الحلبي أو حسنه (وإن كان موسرا وحال بينه وبين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره الله تعالى فيه فإن عليه أن يحج من ماله صرورة لا مال له) (1) وقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في صحيح ابن مسلم (لو أن رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه) (2) وغيرهما. وفي قبالها خبر عبد الله بن ميمون القداح عن أبي جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال لرجل كبير لم يحج قط: إن شئت تجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك) (3) وخبر أبي سلمة، عن أبي حفص عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام (إن رجلا أتى عليا عليه السلام ولم يحج قط فقال: إنى كنت كثير المال قد فرطت في الحج حتى كبر سني قال: فتستطيع الحج؟ قال: لا، فقال علي عليه السلام: إن شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك) (4) حيث أن الوجوب لا يناسب التخيير فلابد من حمل الاخبار السابقة على صورة استقرار الحج، وقد ادعي الاجماع على لزوم الاستنابة فيها وحمل الخبرين على صورة عدم الاستقرار وإرادة الندب أو حمل مجموع الاخبار على صورة عدم الاستقرار وإرادة الندب كذا قيل. وفيه نظر فإنه كما لا يناسب الوجوب التعليق على المشية كذلك لا يناسب الاستحباب التعليقي عليها


(1) التهذيب ج 1 ص 562 والكافي ج 4 ص 273. (2) الكافي ج 4 ص 273 التهذيب ج 1 ص 450. (3) الكافي ج 4 ص 272. (4) التهذيب ج 1 ص 578.

[ 272 ]

فلابد من صرف النظر من هذا الظاهر ولا أقل من الاجمال في الخبرين فلابد من الاخذ بالاخبار السابقة الظاهرة في الوجوب مع أن ظهور الخبر الاخير في الاستقرار مما لا ينكر فمع الاجماع على لزوم الاستنابة في صورة الاستقرار كيف يحمل على الاستحباب، ثم إن إطلاق الصحيحين يشمل صورة رجاء زوال العذر فمع ارتفاعه هل يجب عليه الحج أم لا؟ لا إشكال في أنه في مقام الثبوت لا مانع منه، وإنما الاشكال في مقام الاثبات ولا يبعد استفادة الاجزاء كما قيل في الاوامر الاضطرارية حيث أن الامر في مقام بيان الوظيفة حال الاضطرار ولا يبعد التفصيل بين صورة الاستقرار وصورة عدم الاستقرار ففي الصورة الاولى يكون حج النائب بدلا عما هو الواجب على المنوب عنه، وفي الثانية لم يتحقق الوجوب على المنوب عنه حيث أن من شرائط وجوب حجة الاسلام صحة البدن وهي مفقودة وكذا تخلية السرب فبعد رفع العذر يجب بحسب إطلاق الادلة. ثم إنه قد يقال بلزوم إتمام العمل على الاجير إذا ارتفع العذر في أثناء العمل بل في أثناء الطريق قبل الدخول في الاحرام للزوم الاجارة واستشكل بانفساخ الاجارة عند زوال العذر وذلك كمن استوجر لقلع ضرس فزال ألمه قبل القلع ولا يبعد التفرقة بين ما نحن فيه وما ذكر حيث أن الحج نيابة عن الحي مشروع ندبا فمع ارتفاع العذر لا يقع حج الاجير واجبا بدلا عما على المنوب عنه ولا مانع من وقوعه ندبا بخلاف قلع الضرس مع زوال الالم. { وإن أحج نائبا واستمر المانع فلا قضاء وإن زال المانع وجب عليه ببدنه ولو مات بعد الاستقرار ولم يؤد عنه قضي عنه }. قد عرفت عدم البعد في التفصيل، وفي صورة الوجوب عليه ببدنه لا كلام في وجوب القضاء عنه. { ولو كان لا يستمسك خلقة، قيل: سقط الفرض عن نفسه وعن ماله، و قيل: يلزمه الاستنابة والاول أشبه }. الظاهر شمول صحيح الحلبي أو حسنة لهذه الصورة فإنه يصدق أنه حال

[ 273 ]

بينه وبين الحج أمر يعذره الله تعالى فيه. { ولو احتاج في سفره إلى حركة عنيفة للالتحاق أو الفرار لضعف سقط الوجوب في عامه وتوقع المكنة في المستقبل، ولو مات قبل التمكن والحال هذه لم يقض منه }. إن كان السفر حرجيا يسقط معه التكليف فهو معذور لكنه ليس فاقدا لشرائط الوجوب فلو تحمل المشقة لم يبعد الاجتزاء عن حجة الاسلام وعليه فلا يبعد وجوب القضاء إن مات والحال هذه كما أن الظاهر وجوب الاستنابة لو استمر ضعفه حيث تشمله ورواية الحلبي المذكورة وإن قلنا بانصرافها عما لو كانت المشقة في عام واحد غير باقية في غيره ولعله يستفاد من أدلة وجوب الاستنابة اجتماع شرائط أصل الوجوب غاية الامر عدم الزوم المباشرة من جهة العذر فيترتب عليه لزوم الاستنابة والقضاء بعد الموت { ويسقط فرض الحج لعدم ما يضطر إليه من الالات كالقرب وأوعية الزاد } وجهة عدم صدق الاستطاعة حينئذ وينقدح منه أنه لو لزم شرعا صرف الوقت أو المال في واحب شرعي غير مشروط بالقدرة والاستطاعة سقط فرض الحج بمعنى عدم الوجوب لعدم الاستطاعة لان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا. ولعله من هذا الباب ما لو نذر قبل الاستطاعة زيارة الحسين صلوات الله عليه في يوم عرفة كل سنة فبواسطة لزوم الوفاء بالنذر لا يسطيع الخروج إلى مكة. وقد يقال بانحلال النذر بتقريب أن المقام من باب التزاحم حيث إن القدرة واستطاعة بالنسبة إلى كل من الامرين موجودة غاية الامر لا يمكن الجمع فمع أهمية الحج يجب صرف القدرة فيه، وفيه أن القدرة بالنسبة إلى النذر معتبرة عقلا لا شرعا وبالنسبة إلى الحج معتبرة شرعا فمع صرفها في النذر لا يلزم ترك واجب حيث فقد الشرط أعني الاستطاعة ومع صرفه في الحج لزم ترك واجب مقدور مع انحفاظ وجوبه بلا عذر، نعم لو كان المراد من الاستطاعة المعتبرة في الحج خصوص ما ذكر في الاخبار من وجدان الزاد والراحلة وصحة البدن وتخلية السرب والرجوع إلى كفاية على القول باعتباره توجه ما ذكر لكن الظاهر خلافه ألا ترى أن المذكور آنفا في المتن فرض اجتماع جميع ما ذكر

[ 274 ]

ومع ذلك حكم بعدم الاستطاعة ألا ترى أنه لو اجتمع جميع الشرائط ومعه لزم عليه التوقف وعدم المسافرة لحفظ نفس محترمة (1) هل يقال: إنه مستطيع وجب عليه الحج بحيث استقر عليه الحج ووجب عليه في العام القابل ولو لم يبق ماله المحتاج إلى صرفه. { ولو كان له طريقان منع من أحدهما سلك الاخر سواء كان أبعد أو أقرب ولو كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بمال قيل: يسقط الحج وإن قل، ولو قيل يجب التحمل مع المكنة كان حسنا }. أما ما ذكر أولا فوجهه واضح حيث تحققت الاستطاعة، وأما ما ذكره ثانيا فقد يوجه قول القائل بالسقوط بأن دفع المال إلى العدو ضرر منفي في الشريعة فمعه يرتفع التكليف ودفعه بأن السيرة في هذه الازمنة مستمرة على الدفع و سلوك الطريق مشكل لعدم العلم باتصالها بعصر الائمة صلوات الله عليهم. ولا يبعد أن يقال: لا يؤخذ بقاعدة نفي الضرر في الموارد التي علم فيه الاهتمام، ألا ترى أنه لو توقف حفظ نفس محترمة أو عرض على دفع مال إلى غير مستحق هل يشك في لزوم الحفظ وإن كان مستلزما لضرر؟ نعم لو كان مما يكون تحمله حرجيا لا يبعد سقوط التكليف في المقام وإن لم نقل في حفظ النفس والعرض، ووجهه أن دليل نفي الضرر والحرج وإن كان حاكما على أدلة التكاليف والحكومة تخصيص لبا وإن لم يكن بلسانه ومع التخصيص لا مصلحة ولا مفسده ملزمتين حتى يلاحظ الاهمية، لكنه في مورد الضرر والحرج الظاهر بقاء المصلحة والمفسدة، ألا ترى أنه لو فعل ما يوجب وقوعه في الضرر والحرج بواسطة التكليف فهل هو معذور كما لو دخل دارا يكره فيها على شرب الخمر. وقد يمنع الحكومة من جهة احتمال أن يكون (لا ضرر) من قبيل (لا رفث ولا جدال) في الاية الشريفة الراجعة بالحج. { ولو بذل له باذل وجب عليه الحج لارتفاع المانع، نعم لو قال: له أقبل


(1) ويمكن أن يقال: تارة يلاحظ حفظ النفس المحترمة فلعله مقدم على الحج، و اخرى يلاحظ اشتراط وجوب الحج شرعا بما ذكر، ففى صورة النذر أعنى مثل نذر زيارة قبر الحسين عليه السلام يوم عرفة فالحج لا يزاحم الزيارة وفيما هو شرط الوجوب أعنى الزاد والراحلة وغيرهما، بل المزاحمة من جهة صرف الوقت وهو شرط عقلي في الطرفين، فكيف يقدم الوفاء بالنذر. (منه قدس سره).

[ 275 ]

أنت وادفع لم يجب القبول }. وجه عدم وجوب القبول مضافا إلى المنة أنه تكسب وتحصيل للشرط وهو غير واجب وفيه إشكال لانه إن كان النظر إلى أن تخلية السرب شرط وبدون القبول والدفع إلى العدو ليس السرب مخلى فليس الشرط حاصلا فلا يجب الحج لعدم لزوم تحصيل الشرط فلازمه عدم وجوب الدفع من ماله أيضا لانه مع عدم الدفع ليس السرب مخلى ولا يجب تحصيل الشرط وإن قلنا بكفاية التمكن من سلوك الطريق بأي نحو كان فالمقامان متساويان ولا يقاس المقام بتحصيل المال للنفقة وأما تحمل المنة فإن كان بحيث يكون حرجيا فلا يبعد معه السقوط، ويرد عليه النقض بما لو كان اشتراء الزاد والراحلة موجبا لتحمل المنة مع وجدان الثمن ولا يلتزمون بالسقوط ومع عدم كونه حرجيا لا وجه للاسقاط. { وطريق البحر كطريق البر، فإن غلب ظن السلامة وجب وإلا سقط و إن أمكن الوصول بالبر والبحر فإن تساويا في غلبة السلامة كان مخيرا ولو اختص أحدهما واستطاعه تعين وإن تساويا في رجحان العطب سقط الفرض }. ظاهر المتن كفاية الظن في الوجوب فإن بلغ إلى حد الاطمينان فهو وإلا يشكل من جهة أن الظن بالسلامة يجتمع مع الخوف والالزام معه حرجي إلا أن يدعي أن الاطمينان بالسلامة في الاعصار السابقة لم يكن حاصلا لغالب الناس خصوصا أهل البلاد النائية فاعتباره موجب لسقوط التكليف بالنسبة إلى الغالب ألا ترى أنه كثيرا ما يحدث الامراض المهلكة للحجاج ويكون المسافر معرضا للابتلاء ولا أظن أحدا يلتزم بالسقوط مع خوف الابتلاء وما ذكر ليس من جهة اعتبار تخلية السرب فإنه قد يكون السرب مخلى ويخاف العطب. { ومن مات بعد الاحرام ودخول الحرم برئت ذمته وقيل يجتزي بالاحرام والاول أظهر }. والدليل على الحكم في صورة دخول الحرم بعد الاحرام صحيح بريد العجلى (قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل خرج حاجا ومعه جمل وله نفقة

[ 276 ]

وزاد فمات في الطريق قال: إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد اجزئت عنه حجة الاسلام وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته و ما معه في حجة الاسلام وإن فضل من ذلك شئ فهو للورثة إن لم يكن عليه دين قلت: أرأيت إن كانت الحجة تطوعا ثم مات في الطريق قبل أن يحرم لمن يكون جمله ونفقته وما معه؟ قال: يكون جميع ما معه وما ترك للورثة إلا أن يكون عليه دين فيقضى عنه أو يكون [ قد ] أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن أوصى له ويجعل ذلك من ثلثه) (1) وصحيح ضريس (عن أبي جعفر عليه السلام قال: في رجل خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق فقال: إن مات في الحرم فقد اجزئت عنه حجة الاسلام وإن كان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام) (2) وأما الاجتزاء بالاحرام فلا دليل عليه إلا مفهوم قوله عليه السلام (ومن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم - الخ) وأورد عليه بمعارضته مع ما في صحيح ضريس المذكور مضافا إلى معارضته مع مفهوم الجزء الاول. ولقائل أن يقول: لا معارضة بحيث لم يمكن الجمع حيث أنه يستفاد من الجزء الاول وكذا صحيحة ضريس كفاية الموت في الحرم ولو لم يحرم بعد. ومن الجزء الثاني كفاية الاحرام ولو لم يدخل في الحرم والجمع بكفاية كل منهما كما في كل مورد تعدد الشرط واتحد الجزاء حيث يجمع بكفاية أحد الشروط في ثبوت الجزاء إلا أن يقال دخول الحرم بغير إحرام نادر جدا فالتقييد في صحيح بريد العجلي بدخول الحرم كاشف عن مدخليته حتى مع الاحرام. ثم إن الامر بالقضاء مع الموت قبل دخول الحرم يستشكل في إطلاقه بالنسبة إلى من لم يستقر عليه وجوب الحج من جهة كشف الموت عن عدم الاستطاعة ومع عدمها كيف يجب القضاء من التركة فلابد من الحمل على صورة الاستقرار أو حمل الامر على الندب أو على الجامع بين الوجوب والندب، ويحتمل بعيدا


(1) الكافي ج 4 ص 276 تحت رقم 11، والتهذيب ج 1 ص 563. (2) الكافي ج 4 ص 276 تحت رقم 10 والفقيه ص 263 ب 100 ح 1.

[ 277 ]

أن يحمل الامر على الوجوب مطلقا وكان اللازم على مثل هذا الشخص الذي يموت قبل دخول الحرم الخروج إلى الحج كمن علم بموته في شهر رمضان في أثناء النهار والظاهر عدم التزام أحد بهذا، وهنا إشكال آخر وهو أنه بحسب القواعد صرف متروك الميت في الحج من وظائف الوصي والورثة ولم يذكر في الاخبار هذا بل الظاهر تصدى الحجاج نعم في صحيح ضريس قوله عليه السلام (فليقض عنه وليه حجة الاسلام) ومما ذكرنا ظهر وجه قوله: { وإن كان قبل ذلك قضيت عنه إن كانت مستقرة إن لم تكن كذلك ويستقر الحج في الذمة إذا استكملت الشرائط واهمل }. لا إشكال في لزوم الحج بعد الاستقرار وإن فقد شرائط الوجوب فإن حج في زمان حياته وإلا يقضى عنه من صلب ماله قال محمد بن مسلم (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها أيقضى عنه؟ قال: نعم) (1) وسماعه بن مهران (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها وهو موسر؟ فقال: يحج عنه عن صلب ماله لا يجوز غير ذلك) (2) إنما الاشكال فيما يتحقق به الاستقرار فالمشهور تحققه بمضي زمان يمكن فيه الاتيان بجميع أفعال الحج مختارا مستجمعا للشرائط، واستدل عليه باشتراط صحة التكليف بسعه الوقت لتمام ما كلف به وإلا كان تكليفا بما لا يطاق ولقائل ان يقول: لازم ما ذكر عدم وجوب القضاء على من أهمل الحج في عام الاستطاعة ومات بعد أيام الحج فإنه كما يحتاج الاداء إلى الوقت كذلك القضاء ولازمه أيضا عدم وجوب قضاء الصلاة على الولي إذا فاتت الصلاة من الاب بنوم وشبهه من الاغماء على القول بلزوم القضاء مع الاغماء بلا فصل زمان تتمكن من الاتيان قضاء. إن قلت: دل الدليل على لزوم القضاء فيما ذكر؟ قلت: فلا مانع عقلا من لزوم القضاء كما قرر من لزوم التكليف بما لا يطاق والحق أن يقال: فرق بين


(1) التهذيب ج 1 ص 587 والفقيه ب 101 ح 6. (2) التهذيب ج 1 ص 450 و 562.

[ 278 ]

الوجوب على المكلف بمعنى لزوم الحركة نحو المأمور به وبين الوجوب بمعنى الثبوت فالاول غير متصور بالنسبة إلى المكلف مع عدم حياته في زمان قابل لاتيان العمل فيه بخلاف الثاني وبعد الفراغ عن هذا نحتاج إلى الدليل في مقام الاثبات ولا مانع من التمسك بالاطلاق ما دل على لزوم القضاء فيما لو مات قبل الاحرام و دخول الحرم. { والكافر يجب عليه الحج ولا يصح منه }. أما الوجوب عليه فادعي عليه الاجماع وأدلة الفروع تشمله، وأما عدم الصحة فلكون الاسلام شرطا في الصحة، ويشكل الامر بالنسبة إلى العاجز، كمن لم يسلم لقصوره من دون تقصير منه فمثل هذا كيف يكون مكلفا بالعبادات مثل الصلاة والصوم والحج مع عدم تمكنه من الاتيان بها صحيحة ومجرد الاقرار باللسان وإن كان مقدورا لكنه لا يكفي في صحة العبادات لاشتراط الايمان الغير المتحقق بدون الاعتقاد وإن قلنا بكفاية مجرد الاقرار باللسان في الاسلام ولا يبعد أن يقال بلزوم الاعمال عليه رجاء وإن لم يترتب عليه ثواب نظير وجوب الخمس على الذمي إذا اشترى أرضا من مسلم. ومنه يظهر الاشكال فيما يقال من عدم صحة القضاء عنه لو مات بعد استقرار الحج عليه من جهة عدم كونه أهلا للابراء من ذلك والاكرام، وعموم الادلة ممنوع وذلك لان الاشكال المذكور إن تم لزم عدم صحة التخميس منه في المثال والتفرقة بين عموم أدلة الفروع، ودليل لزوم القضاء بعد موت المستطيع مشكل ولو أسلم بعد كفره واستطاعته ولم يبق استطاعته حال إسلامه فقد يقال بعدم لزوم الحج عليه لان الاسلام يجب ما قبله، وفيه إشكال لان الحج حينئذ ليس قضاء لما فات حتى يرفع وجوبه كرفع وجوب القضاء بالنسبة إلى الصلاة والصوم بل هو أداء فكيف يرفع وجوبه. { ولو أحرم ثم أسلم أعاد الاحرام، ولو لم يتمكن من العود إلى الميقات أحرم عن موضعه }. أما وجه لزوم الاعادة فلفساد إحرامه، وأما كفاية الاحرام من موضعه

[ 279 ]

فيمكن الاستدلال له بصحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم فإن خشى أن يفوته الحج فليحرم من مكانه فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج) (1) وقد انكر شموله لصورة ترك الاحرام من الميقات عمدا حتى أنه حكم بعدم الصحة مع عدم التمكن من الخروج إلى الميقات، ولا يبعد دعوى الانصراف عن صورة العمد نظير ما يقال في حديث (لا تعاد الصلاة إلا من خمس) من انصرافه عن صورة العمد فلعل المفروض من قبيل التأخير العمدي لتمكنه من الاسلام والاحرام الصحيح وعلى فرض الشمول فلم لا يجب الخروج إلى أدنى الحل كما يستفاد من الصحيح المذكور. { ولو أحرم بالحج وأدرك الوقوف بالمشعر لم يجزه إلا أن يستأنف إحراما وإن ضاق الوقت أحرم ولو بعرفات }. الاشكال السابق جار في المقام وعلى فرض الصحة حتى مع التأخير إلى المشعر، فمع كون الحج قرانا أو إفرادا لا إشكال حيث يأتي بالعمرة بعد الحج و إن كان فرضه التمتع فهل يجتزي بالعمرة المتأخرة عن الحج أو لابد من العدول؟ ففي المدارك وجهان وجزم الشارح بالثاني منهما وقال: إن هذا من مواضع الضرورة المسوغة للعدول من التمتع إلى قسميه، وفي الجواهر: قلت ظاهر النصوص الاول فالمتجه الجزم بالاول منهما. قلت: كون المقام ملحقا بذوي الاعذار حتى يردد الامر بين الاجتزاء بدون العدول أو لزوم العدول محل إشكال ولابد من النظر في تلك الادلة وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. { ولو حج المسلم ثم ارتد ثم تاب لم يعد على الاصح }. حكي عن الشيخ الخلاف بناء على أن الارتداد كاشف عن عدم الاسلام في السابق لان الله تعالى (لا يضل قوما بعد إذ هديهم) وربما استدل أيضا بآية الاحباط لكن ظاهر الاية غير مراد وآية الاحباط إنما تدل على عدم القبول بشرط الموافاة


(1) التهذيب ج 1 ص 463.

[ 280 ]

على الكفر جمعا بينها وبين الاية الاخرى وإن كان يستفاد من بعض الاخبار محو آثار بعض الاعمال الحسنة من جهة المعصية حيث قال القائل بعد سماعه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال " لا إله إلا الله) غرس الله له بها شجرة في الجنة وقوله صلى الله عليه وآله وسلم قبل هذا (من قال (سبحان الله) غرس الله له بها شجرة في الجنة. ومن قال: (الحمد الله) غرس الله له بها شجرة في الجنة: إن شجرتنا في الجنة لكثيرة قال: نعم ولكن إياكم أن ترسلوا إليها نارا فتحرقوها، إن الله عزوجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) (1) لكن الظاهر أن المراد نفي الثواب والاثار المترتبة في عالم الاخرة لا نفي الصحة و الفساد بحيث يلزم الاعادة والقضاء، ففي بعض الاخبار قول المعصوم عليه السلام لبعض زوجاته حيث تعرضت لبعض الجواري في السنة الماضية بحبط حجها ومن المعلوم أن المعصية غير الشرك لا توجب بطلان العمل المأتي به بحيث يجب إعادته أو قضاؤه ويكفينا عدم الدليل عليه مضافا إلى قول أبي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (من كان مؤمنا فحج ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب يحسب له كل عمل صالح عمله ولا يبطل منه شئ) (2) ونحوه غيره ويحتمل أن يكون المراد محبوبية كل عمل صالح يأتي به بعد التوبة دفعا لتوهم أن الكفر بعد الايمان موجب لعدم قبول عمل كما ورد في شأن المرتد الفطري من عدم قبول توبته وإن كان النظر إلى الاحكام الثلاثة. { ولو لم يكن مستطيعا فصار كذلك في حال ردته وجب عليه الحج وصح منه إذا تاب }. قد يبنى الحكم المذكور على إطلاقه على قبول توبة المرتد عن فطرته ولازم هذا ابتناء وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات على القبول ولا أظن أحدا يلتزم بكون المرتد عن فطرة إذا بقي حيا ولم يقتل كالبهائم والحيوانات بحيث


(1) تفسير البرهان ج 4 ص 189. (2) التهذيب ج 1 ص 475.

[ 281 ]

لا يجب عليه فعل عبادي أو يجب عليه ولا يصح منه ويكون مكلفا بأمر غير مقدور وبالاخرة لا يجب عليه شئ لكون عمله لغوا فالقائل بعدم قبول توبة المرتد عن فطرة لا ينكر صحة أعماله بينه وبين الله وإن كان يعامل معه معاملة الكفار فيعامل معه معاملة النجس العين ويحرم مناكحته وذبائحه وغير ما ذكر من أحكام الكفار كما أنه لا يبعد وجوب القضاء من تركته وإن لم تكن أهلا لوصول الثواب إليه كما يخمس ماله ويصدق عنه لو كان له مال عند أحد ولا يعرفه ولا يتمكن من إيصاله، وما ذكر لا ينافى تقسيم تركته بين ورثته لتقدم الدين على الارث مع أنه ربما يملك مالا بعد الكفر والظاهر اختصاص التقسيم بما يملك حال إسلامه لا ما يملكه بعد ردته وكفره، ومما ذكر آنفا ظهر وجه قوله: { ما لو أحرم مسلما ثم أرتد ثم تاب لم يبطل إحرامه على الاصح. وأما المخالف إذا استبصر لا يعيد الحج إلا أن يخل بركن منه }. أما عدم وجوب الاعادة فللاخبار المعتبرة المستفيضة ولا يعارضها ما يدل على الاعادة بل يحمل على الندب، وفي الاخبار ما يشهد لهذا الجمع وأما الاستثناء فالمراد من المستثنى الاخلال بما هو ركن عندهم لا ما هو ركن عندنا ووجهه أن مورد الاخبار ما كان صحيحا عندهم فغيره خارج وإن كان صحيحا عندنا ويقع الاشكال فيما لو أتى بما كان صحيحا عندهم واستبصر في الاثناء وأمكن التلافي أو أخل بما ليس بركن عندهم حيث أنه لم يحرز شمول الادلة لهذين الموردين فمقتضى القاعدة في الصورة الاولى وجوب التلافي وفي الصورة الثانية البطلان من جهة أنه يحتاج صحة العمل مع الاخلال بما ليس بركن إلى الدليل والدليل مخصوص بما لو أتى بالعمل على طبق مذهبنا لا مطلقا، ولا يبعد أن يستدل للصحة في الاول بصحيحة ابن أذينة أو حسنته قال: (كتب إلي أبو عبد الله عليه السلام أن كل عمل عمله الناصب في حال ضلالته أو حال نصبه ثم من الله عليه وعرفه هذا الامر فإنه يؤجر عليه ويكتب له) (1) بتقريب أن كل فعل من أفعال الحج


(1) الوسائل أبواب مقدمة العبادات ب 31.

[ 282 ]

عمل إلا أن يقال كون العمل مؤجرا عليه ومكتوبا لا يلازم إجزاءه عما هو واحب أعني حجة الاسلام ألا ترى أن الحج مع فقدان شرائط الوجوب مؤجر عليه و مكتوب ومع ذلك لا يجزي عن حجة الاسلام. { وهل الرجوع إلى كفاية من صناعة أو حرفة شرط في وجوب الحج؟ قيل: نعم، للاصل، ورواية أبي الربيع، وقيل: لا، بعموم الاية. وهو الاولى }. أما الاصل فلا مجال للرجوع إليه بعد وجود الدليل، وأما الرواية (1) وهي (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت - الاية) فقال: ما يقول الناس؟ قال: فقلت له: الزاد والراحلة قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد سئل أبو جعفر عليه السلام عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت به عياله ويستغنى به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا، فقيل له: فما السبيل؟ قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقى بعضا لقوت عياله [ يقوت به عياله خ ل ] أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مأتي درهم)) وعن بعض النسخ (ينطلق إليه) كما عن المقنعة روايته (هلك الناس إذا كان من له زاد وراحلة لا يملك غيرهما أو مقدار ذلك مما يقوت به عياله ويستغنى به عن الناس فقد وجب عليه أن يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا، فقيل له: فما السبيل عندك؟ فقال: السعة في المال وهو أن يكون معه ما يحج ببعضه ويبقى ببعض ما يقوت به نفسه وعياله) فغير دالة على اعتبار الرجوع إلى كفاية حتى على ما نقل من المقنعة و كذلك خبر الاعمش (2) عن الصادق عليه السلام في تفسير السبيل (هو الزاد والراحلة مع صحة البدن وأن يكون للانسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه من جحة) فلا مجال لرفع اليد عن ظهور الاية الشريفة والاخبار الصحيحة الواردة في مقام بيان ماله الدخل في الاستطاعة بل لعلة على فرض الظهور فيما استدل به على اعتبار الرجوع إلى الكفاية تقع المعارضة بين الطرفين لاباء تلك الاخبار عن التقييد و


(1) و (2) تقدما.

[ 283 ]

الترجيح معها لصحة السند وكثرتها وموافقة الكتاب. وقد يتمسك بقاعدة نفي الحرج، ولا يخفى ما فيه ألا ترى أنه لو كان عليه كفارات أو واجبات لابد من صرف المال لها فهل يمكن رفع الوجوب بقاعدة نفى الحرج ويلاحظ الرجوع إلى الكفاية وقد يقال: باعتبار الرجوع إلى الكفاية لعدم صدق الاستطاعة عرفا فمن كان له معيشة كافية بحسب شأنه وحاله ليس له زيادة لا يستطيع على مسافرة تحتاج إلى مؤونة زائدة ولو دعي إليها يعتذر بعدم الاستطاعة ولهذه الجهة لا يكلف في المقام ببيع داره وثيابه اللائقة بحاله، ولا يخفى أن لازم هذا التقريب جواز الترك بكثير من الاعذار العرفية كورود الضيف ومرض الولد وحرارة الهواء وأمثالها ولا يمكن الالتزام به خصوصا مع ورود الاخبار المفسرة للاستطاعة فالاقوى عدم الاعتبار وإن اشتهر بين الفقهاء - رضوان الله عليهم - الاعتبار. { ولو اجتمعت الشرائط فحج متسكعا أو حج ماشيا أو في نفقة غيرة أجزأه عن الفرض }. لا إشكال فيه لصدق الامتثال بعد تحقق شرائط الوجوب. { ومن وجب عليه الحج فالمشي للحج أفضل له من الركوب إذا لم يضعف ومع الضعف، الركوب أفضل }. ويدل على فضل المشي على الركوب مرسل أبي الربيع المروي عن كتاب ثواب الاعمال (ما عبد الله بشئ مثل الصمت والمشي إلى بيته) (1) ومرسل الفقيه روي أنه (ما تقرب العبد إلى الله عزوجل بشئ أحب إليه من المشئ إلى بيته الحرام على القدمين) (2) وغيرهما. وفي قبالهما أخبار تدل على فضل الركوب على المشي منها قول أبي عبد الله عليه السلام في خبر أبي بصير وقد سأل (المشي أفضل أو الركوب فقال: إذا كان الرجل


(1) المصدر ص 97. (2) المصدر باب 2 من كتاب الحج تحت رقم 54.

[ 284 ]

موسرا فيمشي ليكون أقل لنفقته فالركوب أفضل) (1). ومنها خبر سيف التمار (قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إنا كنا نحج مشاة فبلغنا عنك شئ فما ترى؟ فقال: إن الناس يحجون مشاة ويركبون قلت: فليس عن هذا أسألك فقال: عن أي شئ سألت؟ قلت: أيهما أحب إليك أن نصنع؟ قال: تركبون أحب إلي فإن ذلك أقوى لكم في الدعاء والعبادة) (2). ولا يبعد الجمع بكون المشي في حد ذاته أفضل، ومع طرو جهة أخرى كملاحظة أقلية النفقة أو حصول الضعف عن الدعاء يلاحظ تلك الجهة ويرفع اليد عن ذلك المستحب لا أن يكون المشي مرجوحا بالنسبة إلى الركوب لاباء بعض تلك الاخبار عن هذا الحمل وقوله عليه السلام: في خبر الاخير (تركبون أحب إلي) لعله حكم بلحاظ حالهم لا يستفاد منه الاطلاق فكأنه قضية في واقعة، نعم يشكل الجمع بين ما دل على أفضلية المشي وبين ما دل على أفضلية الركوب معللة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ركب فلا يبعد التخيير والاخذ بأحد الخبرين و العمل به والتخيير أصولي لا فقهي. { مسائل أربع الاولى إذا استقر الحج في ذمته ثم لم يفعله حتى مات قضى عنه من أصل تركته فإن كان عليه دين، وضاقت قسمت على الدين وأجرة المثل بالحصص }. أما وجوب القضاء من أصل التركة فهو إجماعي ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (تقضى عن الرجل حجة الاسلام من جميع ماله) (3) و سئل أيضا في خبر سماعة (عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص أيضا وهو موسر؟ قال: يحج عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك) (4) وأما صورة عدم الوفاء بالحج والدين فيشكل الامر من جهة أنه وإن كان مقتضى القاعدة


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 456 والتهذيب ج 1 ص 449. (3) التهذيب ج 1 ص 556. (4) التهذيب ج 1 ص 450 و 562.

[ 285 ]

مع عدم إحراز الاهمية التوزيع والتقسيم كما لو كان عليه ديون ولم يف التركه بأداء الجميع لكن فيما نحن فيه لا يبعد أهمية الحج، ولعل الاحتمال يكفي لترجيح الحج ويدل على ذلك الحسن عن معاوية بن عمار (قال: قلت له: رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجة الاسلام وترك ثلاثمائة درهم وأوصى بحجة الاسلام وأن يقضى عنه دين الزكاة قال: يحج عنه من أقرب ما يكون ويرد الباقي في الزكاة) (1) وبهذا المضمون ما رواه الشيخ (قده) في التهذيب. وثانيا نقول: التوزيع متصور في الديون المالية حيث أنه لا ارتباط في البين فمن كان عليه دين يمكنه أداء بعض منه ولو كان قليلا جدا، وهذا بخلاف المركب الارتباطي فالاحرام مجردا عن سائر الافعال أو الطواف مجردا عن سائر الافعال كيف يكون حجا بل العمرة مجردة عن الحج بالنسبة إلى من عليه حج التمتع فمع احتمال الاهمية مقتضى القاعدة التخيير لا التوزيع. نعم لا يبعد أن يقال: لو أوصى بالحج وعليه دين ولا يفي ما ترك وقلنا بانصراف الحج الموصى به إلى الحج البلدي يكتفي بالحج من الميقات ويصرف الباقي في الدين كما دل عليه الخبران المذكوران آنفا. { الثانية يقضى الحج من أقرب الاماكن وقيل: يستأجر من بلد الميت وقيل: إن اتسع المال فمن بلده وإلا فمن حيث أمكنه والاول أشبه }. إطلاق كلامه يقتضى تعين الحج من أقرب الاماكن إلى مبدء نسك الحج ويبعد أن يكون المراد تعينه حتى لو أوصى أن يحج عنه من بلده أو يكون الحج، من البلد منصرفا إليه مع الاطلاق فنقول تارة يتكلم فيما وجب إخراجه من صلب المال مع قطع النظر عن الوصية فقد يقال بلزوم الاقتصار على ما كان أقل مؤونة اقتصارا على المتيقن الا إذا انحصر في غيره، ولا يبعد التمسك بإلاطلاق ما دل على خروج مؤونة الحج من صلب المال ألا ترى لو أمر المولى بإضافة جماعة فهل يجب الاقتصار على ما كان أقل مؤونة اقتصارا على المتيقن، ونظير هذا مؤونة الكفن


(1) الكافي ج 3 ص 547 تحت رقم 4.

[ 286 ]

الخارج من صلب المال ثم على فرض لزوم الاقتصار على الاقل لزوم ما هو أكثر للانحصار مشكل مع إمكان التأخير إلى العام القابل، ثم إن مقتضى إطلاق الادلة كفاية الحج الميقاتي وعدم لزوم الاستيجار من البلد أو التبرع منه، وليس في قباله إلا الاخبار الواردة في صورة الوصية حيث يستظهر منها تعين البلدي أو بلد الموت مع الامكان فأما أن يتعين بحكم الشرع فيتعين مطلقا أوصى به أم لم يوص به. وأما أن يكون من جهة انصراف الوصية إلى البلدي فنقول: كذلك ينصرف كلام الشارع إلى البلدي ولا فرق بين كلام الموصى وكلام الشارع. ومن الاخبار المشار إليها صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (وإن أوصى أن يحج عنه حجة الاسلام ولم يبلغ ماله ذلك فليحج عنه من بعض المواقيت) (1) ومنها خبر محمد بن عبد الله (سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يموت فيوصي بالحج من أين يحج عنه قال: على قدر ماله إن وسعه ماله فمن منزله وإن لم يسعه ماله فمن الكوفة وإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة) (2). ومنها الخبر المروي عن مستطرفات السرائر من كتاب المسائل بسنده عن عدة من أصحابنا (قالوا: قلنا لابي الحسن عليه السلام يعني علي بن محمد عليهما السلام: أن رجلا مات في الطريق وأوصى بحجة وما بقي فهو لك، فاختلف أصحابنا، فقال بعضهم: يحج عنه من الوقت فهو أوفر للشئ أن يبقى وقال بعضهم: يحج عنه من حيث مات، فقال عليه السلام يحج عنه من حيث مات) (3) ولا يبعد الحمل على الندب من جهة أخبار أخر. منها صحيح علي بن رئاب (عن أبي عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى أن يحج عنه حجة الاسلام ولم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما قال: يحج عنه من بعض المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قرب) (4) حيث لم يستفصل عن إمكان


(1) التهذيب ج 1 ص 562. (2) الكافي ج 4 ص 308 تحت رقم 3. (3) المصدر ص 471. 118. (4) التهذيب ج 1 ص 562 وج 2 ص 396 والكافي ج 4 ص 308 تحت رقم 4.

[ 287 ]

الحج من البلد أو غيره مما هو أقرب إلى الميقات ولو بتقبل أحد أن يحج عنه بأقل من أجرة المثل. ومنها خبر زكريا بن آدم (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل مات وأوصى بحجه أيجوز أن يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال: أما ما كان دون الميقات فلا بأس) (1) هذا مضافا إلى أن الاخبار السابقة في خصوص الوصية ولعل الحكم فيها من جهة انصراف كلام الموصي ودعوى عدم الفرق بين كلام الموصي وكلام الشارع ممنوع فإن قول المعصوم عليه السلام (تقضي عن الرجل حجة الاسلام من جيمع ماله) وفي خبر آخر (يحج عنه من صلب ماله) لا ينصرف إلى البلدي هذا مضافا إلى استبعاد مدخلية المقدمات في صحة الحج عن الميت إلا أن يدعي الوجوب التكليفى من دون مدخلية في الصحة، والشاهد عليه أنه لو تبرع متبرع بالحج نيابة عن الميت لا مجال للشك في إجزائه ثم إن البلد الذي اعتبر وجوبا أو ندبا هل هو بلد الميت وطنه أو بلد الموت أو بلد الاستطاعة قد يقال: المنساق من الادلة بلد الميت وفيه نظر لان المدرك في غير صورة الوصية الانصراف المدعي في كلام الشارع كالانصراف في كلام الموصي عند الاطلاق والانصراف في كلام الشارع ممنوع كالانصراف في كلام الموصي إلى خصوص بلده لا البلد المجاور، نعم في خبر محمد بن عبد الله المذكور صرح بخصوص المنزل ولم يجرز كون المراد من المنزل خصوص الوطن وعلى فرض التسليم والاخذ بمضمونه يقتصر على خصوص الوصية دون غير صورة الوصية، ثم إنه على تقدير لزوم الاستيجار من البلد فلو قصر الوارث أو الوصي فهل يملك الوارث المقدار الزائد؟ قد يقوى العدم عند بعض لانه حق متعلق بالعين بمنزلة الدين فلا يملكه الوارث، ونوقش فيه بأنه بمنزلة ما لو تبرع متبرع عنه بالحج أو بوفاء الدين وعلى تقدير العدم لا تبرء ذمة الوارث بالقضاء عنه ثانيا لسقوط حجة الاسلام، قلت: على تقدير لزوم الاستيجار من البلد للانصراف أو لحكم الشارع يكون التصرف في المال بصرفه بنحو آخر


(1) الكافي ج 4 ص 308 تحت رقم 1.

[ 288 ]

من الاستيجار من الميقات تصرفا غير مأذون فيه كما لو وكل الموكل أحدا في التصرف في ماله بنحو فصرف المال بنحو آخر فتقع الاجارة باطلة، فإن قلنا بصحة الحج نيابة وإن كانت الاجارة فاسدة فالحال كما لو تبرع متبرع فإن كان الاجير عالما بالفساد وأتى بالعمل بعنوان الوفاء بالعقد فلا يبعد عدم استحقاقه شيئا وإن كان جاهلا وأتى بالعمل بأمر الوارث لعله يستحق أجرة المثل على الوارث لا على مال الميت لما ذكر آنفا وعلى تقدير براءة ذمة الميت من دون خروج شئ من المال المتعلق بالميت ففي الرجوع إلى الميت إشكال كما لو أوصى بأمر كان ممكنا إتيانه فتعذر بعد الامكان. { المسألة الثالثة: من وجب عليه حجة الاسلام لا يحج عن غيره ولا يحج تطوعا }. استدل عليه بخبر سعد بن أبي خلف (سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه فإن كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزي عنه حتى يحج من ماله، وهي تجزى عن الميت إن كان للصرورة مال أو لم يكن له مال) (1) وصحيح سعيد سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الصرورة أيحج عن الميت فقال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به فإن كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله وهو يجزي عن الميت كان له مال أو لم يكن له مال) (2) ولا يخفى أن الخبرين على خلاف المطلوب أظهر حيث ان الظاهر أن الضمير في قوله عليه السلام (فليس يجزي عنه) يرجع إلى الرجل الصرورة دفعا لتوهم كفاية الحج عن الميت عن نفسه ثم حكم عليه السلام بكفاية هذا الحج عن الميت كما حكم في الخبر الثاني أيضا بكفايته عن الميت وأما ما أورد على هذا بأنه بعد كون الحج عن الغير منهيا عنه كما في الخبرين


(1) الكافي ج 4 ص 305 تحت رقم 2. والتهذيب ج 1 ص 564. والاستبصار ج 2 ص 319. (2) الوسائل أبواب النيابة ب 5 ح 3.

[ 289 ]

كيف يصح عن الميت فهو مبني على عدم كون النهي بالعرض والمجاز وهذا مثل أن يقال لمن يطالبه الدائن ويقدر على أداء الدين: لا تصل أول الوقت أو ليس لك أن تصلى أول الوقت حتى تؤدي دين الدائن والنهي في مثل المورد لا ظهور له في تحريم العمل تكليفا ولا في الفساد ولا أقل من الاجمال ومع الاجمال لا يتم الاستدلال ولذا تردد صاحب المدارك قدس سره وإن كان الحكم كما في المتن متطوعا به عند الاصحاب، ثم على فرض تمامية الدلالة وتسليم ما في المتن لا مجال للتعدي إلى صورة اشتغال الذمة بغير حجة الاسلام من الحج الواجب بنذر وغيره كما أنه لا مجال للتعدي إلى التطوع فلا دليل على عدم جواز التطوع لمن عليه حجة الاسلام إلا أن يثبت إجماع في المسألتين لعدم اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده. { المسألة الرابعة لا يشترط المحرم في النساء مع غلبته ظنها بالسلامة }. قال صفوان الجمال لابي عبد الله عليه السلام: (قد عرفتني بعملي تأتيني المرأة أعرفها بإسلامها وحبها إياكم وولايتها لكم ليس لها محرم قال: إذا جاءت المرأة المسلمة فأحملها فإن المؤمن محرم المؤمنة ثم تلا هذه الاية: والمؤمنون المؤمنات بعضهم أولياء بعض) (1) وقال الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح سليمان بن خالد في المرأة (تريد الحج ليس معها محرم هل يصلح لها الحج؟ قال: نعم إذا كانت مأمونة) (2). والمستفاد من هذا الصحيح عدم الصلوح مع عدم كونها مأمونة فتكون هذه الجهة دخيلة في استطاعتها فلا يلزم عليها تحصيل المحرم فلا يجب عليها التزويج مثلا لعدم لزوم تحصيل الاستطاعة وقد فرق بين هذا وما لو كان لها زوج أو أخ يتوقف مصاحبتهما على نفقتها فقيل بوجوب الانفاق مع التمكن على مثل الزوج والاخ وإن لم يلزم عليهما القبول واستشكل في لزوم التزويج والفرق مشكل. ولا يبعد أن يقال بالوجوب في الثاني أيضا بدعوى أنه كما لا يلزم في الزاد والراحلة


(1) الفقيه كتاب الحج 262 ب 98 ح 3. والتهذيب ج 1 ص 561. (2) الفقيه كتاب الحج 262 ب 98 ج 2. والكافي ج 4 ص 282 تحت رقم 4.

[ 290 ]

وجودهما بالفعل بل يكفي التمكن منهما ولو بالاشتراء كذلك لا يلزم في المقام إلا التمكن كما أن المكلف لا يكون مأمونا في الطريق إلا مع وجود الرفقة و لا إشكال في لزوم التحصيل إلا أن يقال فرق بين صورة مسافرة جمع بقصدهم فيلزم مصاحبتهم وبين صورة عدم قصدهم واحتياج الانسان إلى تسييرهم لتحصيل الامنية، ولو ادعى الزوج الخوف عليها وأنكرت ففي الدورس عمل بشاهد الحال أو بالبينة فان انتفيا قدم قولها والاقرب أنه لا يمين عليها، وقال أيضا: ولو زعم الزوج أنها غير مأمونة على نفسها وصدقته، فالظاهر الاحتياج إلى المحرم لان في رواية أبي بصير وعبد الرحمن (يحج بغير محرم إذا كانت مأمونة) (1) وإن أكذبته فأقام بينة أو شهدت به القرائن فكذلك وإلا فالقول قولها، وهل يملك الزوج محقا منعها باطنا نظر، واستشكل عليه بأنه مقتضى عموم (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) توجه اليمين عليها ودفعه بعدم الحق له عليها في هذا الحال فلا يمين عليها يقتضى الاشكال في أصل سماع دعواه في ذلك باعتبار كونها هي المكلفة وقد دفع الشارع سلطنته عنها مع حصول شرائط استطاعتها عندها. قلت: بعد ما كان من حقوق الزوج على الزوجة عدم خروجها من بيتها بغير إذنه إلا إذا كان لاداء واجب عليها كالخروج للحج في صورة الاستطاعة فله المنع من جهة حقه ولها الانكار بإدعائها أنها مأمونة ويجب عليها الحج وليس للزوج منعها ومجرد احتمال صدقها لا يوجب عدم سماع دعوى الزوج وإلا للزم عدم سماع الدعوى في غالب الموارد. وأيضا للزوج حق الاستمتاع إلا في صورة استطاعتها الموجبة للخروج إلى الحج فمع الشك لا أصل يثبت أحد الطرفين فلم نعرف وجها لتوجه البينة على الزوج واليمين على الزوجة إلا أن يقال الحالة السابقة عدم الاستطاعة من جهة عدم بعض الشرائط فتستصحب تلك الحالة أو يستصحب عدم الوجوب وهو موافق لدعوى الزوج فيكون القول قول الزوج وعلى الزوجة إقامة البينة وأما الرجوع إلى شاهد الحال فإن أوجب القطع أو الاطمينان الملحق به عند


(1) التهذيب ج 1 ص 561.

[ 291 ]

العقلاء فله وجه، وأما مع عدمهما فلا وجه له، وأما المنع الباطني مع كون الزوج محقا فإن كان قبل حكم الحاكم فلا إشكال فيه، وأما إن كان بعد حكم الحاكم فكيف يجوز مع أنه نقض لحكم الحاكم وهذا كجواز عدم ترتيب الاثر فيما لو حكم الحاكم بملكية شئ لاحد فهل يجوز للمحكوم عليه الامتناع والظاهر أنه رد لحكم الحاكم إلا فيما لو كان في ترتيب الاثر محذور شديد كما لو حكم الحاكم بزوجية امرأة لرجل والمرأة عالمة بعدم الزوجية أو كانت زوجة لشخص آخر فترتيب الاثر على الحكم يوجب الوقوع في الزنا أو الزنا بذات البعل. { ولا يصح حجها تطوعا إلا بإذن زوجها }. ادعي عليه الاجماع وعدم الخلاف واستدل عليه بموثق إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: سألته عن المراة الموسرة قد حجت حجة الاسلام تقول لزوجها أحجنى [ من مالي خ ل ] مرة أخرى أله أن يمنعها من ذلك؟ قال نعم و يقول لها حقي عليك أعظم من حقك علي في هذا) (1) ولا يخفى ان جواز المنع لا يترتب عليها الفساد ما لم يستلزم الخروج بغير إذنه كما لو كان الخروج مع الزوج وبإذنه وقارن معه الحج نعم الحج مضاد للاستمتاع ومجرد هذا لا يوجب الفساد ولو أحرمت بغير إذنها وقلنا بصحة إحرامها يشكل تحللها بغير ما يوجب التحلل من أفعال الحج والعمرة. وأما التمسك بالاية الشريفة (الرجال قوامون على النساء) فمشكل لاثبات عدم صحة أعمالها بدون إجازة الزوج بحيث يحتاج في كل عمل يصدر منها إلى مراجعته ألا ترى أنه لا مجال للشك في صحة الصلوات المندوبة منها بدون الاذن. { نعم لها ذلك في الواجب }. واستدل عليه بعدم الطاعة للمخلوق في معصية الخالق وفيه تأمل حيث أنه بعد ما كان إطاعة الزوج أيضا واجبة من قبل الله ويقع المزاحمة بين الواجبين ويشك في رجحان أحدهما على الاخر. ألا ترى المزاحمة بين بعض الواجبات الكفائية و


(1) التهذيب ج 1 ص 561 والفقيه كتاب الحج ب 97 ح 3.

[ 292 ]

إطاعة الوالدين فالاولى الاستدلال في المقام بالاخبار الواردة في المقام. منها صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن امرأة لها زوج وهي صرورة ولا يأذن لها في الحج؟ قال: تحج وإن لم يأذن لها) (1) وظاهر إطلاق المصنف (قدس سره) عدم الفرق بين الواجب المضيق والموسع واستشكل عليه بأن أخبار الباب ظاهرة في غير الموسع ولا دليل على ترجيح الواجب الموسع على حق الزوج المضيق. واستدل بإطلاق أدلة وجوب الطاعة وتضييق حق الاستمتاع بها على عكسه. قلت: قد عرفت التأمل في فورية حجة الاسلام وتضيقها فعلى عدم التضيق تكون من الواجبات الموسعة، وأخبار المقام تدل على تقدمها على حق الزوج. نعم هي مختصه بحجة الاسلام وأما ما ذكر من الاستدلال بإطلاق أدلة وجوب الطاعة ففيه إشكال حيث أن دليل لزوم الطاعة مخصصه فمقدار إتيانها بالحج الواجب خارج فلم لا يجوز لها اختيار أول الازمنة؟ ونظير هذا ما لو آجر نفسه في تمام اليوم حيث أن مقدار ما يصلي المصلي خارج وللاجير أن يختار أول الظهر الاتيان بالصلاة الواجبة عليه { وكذا لو كانت في عدة رجعية نعم في البائنة لها المبادرة في عدتها من دون إذنه }. استدل على مساواة المطلقة الرجعية مع الزوجة بكونها في حكم الزوجة وبصحيح منصور بن حازم قال: (سالت أبا عبد الله عليه السلام عن المطلقة تحج في عدتها قال: إن كانت صرورة حجت في عدتها وإن كانت حجت فلا تحج حتى تقضي عدتها) (2) ولا يخفى أن إطلاق هذا الصحيح يشمل البائنة فالحمل على خصوص الرجعية كما هو المتسالم عليه محل تأمل. { القول الثاني في شرائط ما يجب بالنذر واليمين والعهد، وشرائطها اثنان الاول كمال العقل في الناذر فلا ينعقد نذر الصبي ولا المجنون }.


(1) الفقيه ب 97 ح 1 والكافي ج 4 ص 282. (2) التهذيب ج 1 ص 562 والاستبصار ج 2 ص 318.

[ 293 ]

ادعي عدم الخلاف فيه لارتفاع القلم عنهما وسقوط حكم عبادتهما وقد يتأمل في عدم انعقاد نذر الصبي لو كان بإذن الولي كما يتأمل في عدم صحة بيعه بدون إذن ولية ثم تعقب إجازة الولي للتأمل في استفادة أزيد من عدم استقلال الصبي في أمره وتمام الكلام في كتاب البيع ولعل ما ذكر موجب للتأمل في عدم صحة معاملات المجنون أيضا إذا كان بحيث تمشى منه القصد والجد في الانشاء إن لم يكن إجماع على خلافه. { الشرط الثاني الحرية فلا يصح نذر العبد إلا بإذن مولاه }. استدل على عدم الصحة بأن العبد مملوك العين والمنافع ولذا لا يقدر على شئ ولا يخفى الاشكال فيه فإن التلفظ بصيغة النذر ليس تصرفا في ملك السيد غير جائز، فهل ترى قراءته للقرآن أو الذكر أو جواب السائل: أين الطريق؟ تصرفا غير جائز في ملكه، نعم العمل على طبق النذر تصرف في ملكه فيتوقف العمل على طبق النذر على إذن المولى، وهذا غير عدم صحة النذر بدون إذنه وعدم القدرة على شئ، المستفاد من الاية لا يمكن الاخذ بظاهره ولذا جاز نكاحه بإجازة الولي وفي العبادات هل يمكن أن يقال بعدم صحة صلاته المندوبة بدون إذن المولى، و أما التمسك ببعض الاخبار مثل صحيح منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله (لا يمين للولد، ولا للمولك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها) (1) فأشكل حيث يحتاج إلى دعوى القطع بعدم الفرق بين اليمين والنذر أولا وثانيا الظاهر عدم الالتزام بعدم صحة نذر الولد بدون إذن الوالد والمعروف أن له حله، نعم استدل بخبر الحسين بن علوان المروى عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (إن عليا عليه السلام كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا أن يأذن له سيده) (2) لكنه يشكل الاستدلال من جهة السند ولم يحرز إتكال الاصحاب بحيث ينجبر الضعف ومن جهة الدلالة لاحتمال أن يراد ليس عليه الوفاء بدون إذن السيد، بقرينة


(1) الوسائل كتاب الايمان ب 10 ح 2. (2) المصدر ص 52 وفي الوسائل كتاب النذر ب 15 ح 2.

[ 294 ]

لفظ (على) { ولو أذن له المولى في النذر فنذر وجب وجاز له المبادرة ولو نهاه، وكذلك الحكم في ذات البعل }. أما الوجوب فلعموم أدلة النذر، وأما جواز المبادرة فلما عرفت من تخصيص دليل لزوم الطاعة وعرفت المناقشة في صورة النهى والجواب عنها إلا أن يقال: سلمنا التخصيص لكنه من أين كان الاختيار في التعيين بيد العبد ولم يكن الاختيار للمولى؟ وكذلك الكلام في الاجير بالنسبة إلى الصلاة. وأما ما يحتاج إليه المملوك من جهة الحج فلا دليل على لزومه على المولى. وأما على لزوم الاجازة في تحصيل المال بإجارة ونحوها لعدم الدليل عليه، وليس المولى سببا، غاية الامر لو تمكن العبد من الاتيان ولو ببذل باذل يأتي بالعمل ومع عدم التمكن حاله حال الغير المتمكن من الوفاء بالنذر وأما ذات البعل فقد عرفت حكم نذرها واشتراك الحكم لا في جميع الجهات وتوجه الاشكال في بعض ما قالوا ويؤيد ما ذكرنا سابقا استقراب العلامة (قده) على المحكي في كشف اللثام عدم اشتراط انعقاد نذر أحد من الثلاثة يعني الزوجه والعبد والولد بإذن أوليائهم وإنما لهم الحل متى شاؤوا فإن زالت الولاية عنهم قبل الحل استقر المنذور في ذممهم و استشكل عليه بوضوح الفرق بين الزوجة والعبد وبين الولد حيث أن منافعها مملوكة للزوج والسيد بخلاف الولد وقد صرح في خبر الحسين بن علوان باعتبار الاذن في نذر المملوك وفيه نظر فإن منافع الزوجة ليست مملوكة للزوج فلو عملت عملا تملك الاجرة لنفسها وأعمال العبد وإن كانت ملكا للسيد لكن هذه الملكية لا تنافي صحة النذر، غاية الامر في الوفاء بالنذر يحتاج إلى إذن المولى كما أن في صورة الاذن السابق صح النذر ويفي العبد بالنذر فالعمل الصادر من العبد وفاء بالنذر مع أنه ملك للمولى، وخبر الحسين بن علوان غير نقي السند مع ضعف الدلالة كما أشرنا إليه.

[ 295 ]

{ مسائل ثلاث: الاولى إذا نذر الحج مطلقا فمنعه مانع أخره حتى يزول المانع، ولو تمكن من أدائه ثم مات قضى عنه من أصل التركة. قد يقال بالفرق بين ما منع المانع في جميع الاوقات فالنذر باطل لعدم التمكن من العمل، وما لو منع في بعض الاوقات فالنذر صحيح، فإن كان النظر إلى اعتبار التمكن فهو منقوض بالقضاء للصلاة إذا نام في تمام الوقت ومات بعد انقضاء الوقت ولم يتمكن من القضاء بوجه، ثم إن المعروف في الواجبات الغير المقيدة بوقت مخصوص جواز التأخير إلى ظن الوفاة، ولازم هذا جواز تأخير الوفاء إلى زمان ظن الموت، ولا يبعد أن يقال في المقام إذا لم يطمئن ببقاء الحياة إلى العام القابل تجب المبادرة بحكم العقل، ألا ترى إذا كان مستطيعا ولم ير لنفسه الحياة إلى العام القابل أو وجب عليه الحج في هذا العام ولم يسافر مع المسافرين للحج باحتمال أن يسافر مع جماعة أخرى ولم يبق الحياة في الصورة الاولى ولم يسافر في الصورة الثانية أحد يسافر معه مع القدرة على المسافرة بالانفراد فهل يعد معذورا عقلا والفرق بين الحج ومثل قضاء الصلوات الفائتة غير خفي، وأما القضاء من أصل التركة فهو المقطوع به عند أكثر الاصحاب، واستدل عليه بأنه واجب مالي ثابت في الذمة فيجب قضاؤه من أصل المال وقد منع هذا الوجه وحكي عن جماعة الخروج من الثلث للاصل وكونه كالمتبرع به، وبصحيح ضريس قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل عليه حجة الاسلام ونذر نذرا في شكر ليحجن به رجلا إلى مكة فمات الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام ومن قبل أن يفي بنذرة الذي نذر؟ قال: إن ترك مالا يحج عنه حجة الاسلام من جميع المال و أخرج من ثلثه ما يحج به رجلا لنذره وقد وفى بالنذر وإن لم يكن ترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الاسلام حج عنه بما ترك ويحج عنه وليه حجة النذر إنما هو مثل دين عليه) (1) وبصحيح ابن أبي يعفور قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام فعافي الله الابن


(1) الفقيه كتاب الحج ب 90 ح 1 والتهذيب ج 1 ص 563.

[ 296 ]

ومات الاب؟ فقال: الحجة على الاب يؤديها عنه بعض ولده. قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال هي واجبة على الاب من ثلثة أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه) (1) ولا يخفى أن الاصل لا يفيد الخروج من الثلث والصحيحان يشكل العمل بظاهرهما لمخالفتهما للقواعد لان الحج المنذور إن كان بمنزلة الدين فمقتضى القاعدة الخروج من الاصل لا من الثلث، وإن لم يكن بمنزلة الدين فمع عدم الوصية كيف يخرج من الثلث، والحمل على النذر في مرض الموت و خروج المنجزات من الثلث لا يخفى بعده مع أن الوجوب على الولد مع عدم المال للناذر لا يلتزم به، فالاولى الحمل على الندب، وبملاحظة هذين الصحيحين يشكل التمسك بالصحيح عن مسمع بن عبد الملك (قلت: لابي عبد الله عليه السلام: كانت لي جارية حبلى فنذرت لله تعالى إن هي ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه؟ فقال: إن رجلا نذر لله في ابن له إن هو أدرك أن يحجه أو يحج عنه فمات الاب وأدرك الغلام بعد فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحج عنه مما ترك أبوه) (2) ولا مجال لحمل هذا على الندب لانه في مقام الجواب عن سؤال السائل الناذر الذي يجب عليه الوفاء بالنذر. فالصحيحان السابقان يعارضان هذا الصحيح سواء حملا على الوجوب أو على الندب إذ مع حملها على الوجوب أيضا يقع التعارض من جهة ذكر الثلث هناك وما ترك في هذا الصحيح، ومع عدم إمكان الجمع ينتهي الامر إلى التخيير، ثم على تقدير القول بالخروج من أصل المال لو مات وعليه حجة الاسلام والمنذورة فمع وفاء المال لهما لا إشكال ومع عدم الوفاء قد يقال بالتقسيط من جهة تساويهما في الخروج من الاصل ولا ترجيح لاحدهما و فيه إشكال لما سبق سابقا من الاشكال في التبعيض في الواجب الارتباطي وثانيا نقول: أهمية حجة الاسلام في نظر الشارع توجب ترجيح حجة الاسلام، ويؤيده صحيح ضريس المذكور. ويمكن رفع الاشكال بالاكتفاء بالحج النيابي.


(1) التهذيب ج 1 ص 563. (2) الوسائل كتاب النذر والعهد ب 16 ح 1.

[ 297 ]

{ ولا يقضي عنه إذا مات قبل التمكن منه }. ادعي عدم الخلاف فيه للاصل السالم عن معارضة خطاب النذر لانكشاف عدم تعلقه من جهة عدم التمكن، وفيه نظر لما سبق من النقض بالقضاء مع عدم التمكن من الاتيان به مضافا إلى ترك الاستفصال في الاخبار المذكورة آنفا، والحل أن المراد من الخطاب إن كان ما يحرك بالفعل فلا اشكال في عدم تعلقه مع عدم التمكن و إن كان بغير هذا المعنى فلا إشكال فيه، ألا ترى لو أتلف إنسان مال الغير ولا يقدر على الغرامة إلى آخر عمره يكون ضامنا مع عدم الخطاب بالمعنى الاول لكنه إذا تبرع أحد وأدى ما عليه ملكه صاحب المال التالف. ولو لم يكن خطاب في البين لكان أخذه وتصرفه أكلا للمال بالباطل لانه أخذه من باب الغرامة اللازمة على المتلف ومع فراغ ذمته من جهة عدم التمكن يكون أكلا للمال بالباطل إلا أن يثبت إجماع. { فإن عين الوقت فإن أخل به مع القدرة وجب عليه القضاء، وقضي عنه وإن منعه عنه عارض كمرض أو عدو حتى مات لم يجب قضاؤه عنه }. أما وجوب القضاء مع القدرة فادعي عدم الخلاف فيه وأما القضاء بعد الموت فقد عرفت الكلام فيه، وأما عدم القضاء مع منع مانع من مرض وغيره فادعي عليه الاجماع، وعن الفاضل في الايمان الاستشكال إذا تعذر لمرض، وعن المدارك بعد حكاية الاجماع المذكور التفرقة بين صورة طرو المانع من فعل المنذور في وقته وصورة كونه غير مقدور أصلا كالطيران في الهواء فحكم بصحة النذر في الاولى دون الثانية واستشكل عليه بعدم الفرق بينهما إلا بالعلم بالفساد في الثانية من أول الامر دون الاولى. قلت: الحق مع صاحب المدارك ففي الصورة الثانية يكون النذر لغوا لا يشمله دليل وجوب الوفاء بخلاف الصورة الاولى ومجرد عدم التمكن لو كان موجبا لعدم تعلق الخطاب عقلا لما صح، وقد صح كما ذكرنا آنفا. { ولو نذر الحج أو أفسد حجه وهو معصوب قيل يجب أن يستنيب و هو حسن }.

[ 298 ]

استشكل على إطلاق الكلام حيث أن المسلم في المقام هو وجوب الاستنابة في حجة الاسلام ففي صوره الافساد لحجة الاسلام، فإن كانت الحجة الاولى عقوبة والثانية حجة الاسلام وجبت الاستنابة، وإن كانت الثانية عقوبة فلا دليل على صحة الاستنابة وكذلك نقول في صورة النذر لا دليل على صحة الاستنابة، وأيضا النذر إذا وقع حال العضب فإن كان مقيدا بوقت معين واستمر المانع إلى ذلك الوقت يبطل النذر، وإن كان مطلقا توقع المكنة ومع اليأس يبطل، ولا يجب الاستنابة، قلت: لعل نظر المصنف (قده) في صورة إفساد حجة الاسلام إلى صورة عدم تمكنه من إتمام الحجة التي أفسدها فوجبت الاستنابة فيها إن كانت هي حجة الاسلام وعلى كل تقدير إن كان النظر إلى الاستنابة بعد الموت فلا إشكال، وأما ما أفيد من بطلان النذر مع استمرار المانع فقد عرفت الاشكال فيه. (المسألة الثانية إذا نذر الحج فإن نوى حجة الاسلام تداخلا وإن نوى غيرها لم يتداخلا }. أما التداخل في صورة نية حجة الاسلام وصحة النذر كذلك فواضح من جهة أنه لو لم يتداخلا لكان الوجود الثاني إما غير حجة الاسلام أو إياها وعلى الاول لم يتحقق الوفاء بالنذر به بل بالوجود الاول فلا يجب الثاني وإن كان إياها فلم يجب الاول لانه ليس حجة الاسلام وليس وفاء بالنذر ثم إنه إما أن يكون مستطيعا حال النذر فلا إشكال وتظهر ثمرة النذر في لزوم الكفارة إن ترك الحج وإن لم يكن مستطيعا توقع الاستطاعة وإن كان النذر موقتا ولم يتحقق الاستطاعة إلى انقضاء الوقت انحل النذر، هكذا قيل ولا يبعد أن يقال: نذر حجة الاسلام يتصور على نحوين تارة بنحو لا يكون تحصيل شرائط وجوب حجة الاسلام عليه لازما وأخرى بنحو يكون التحصيل عليه لازما، وفي الصورة الثانية يجب عليه التحصيل ولا يتوقع حصولها، واما عدم التداخل في صورة نية غيرها فواضح أيضا ولو كان مستطيعا ونذر غيرها في عامه لغى النذر إلا أن يقصد الفعل إن زالت الاستطاعة فزالت.

[ 299 ]

ولقائل أن يقول أولا إن هذا مبنى على فورية الحج وقد سبق أول الكتاب الاشكال فيه، وثانيا صحة النذر متوقفه على الرجحان وهو محفوظ غاية الامر مع الابتلاء بالاهم لا يقدر على المهم فإن بنينا على صحة الترتيب يأتي بالمنذور بأمره وإن لم نقل بصحة الترتب وقلنا بكفاية الرجحان يأتي بها أيضا وهذا كما لو نذر الحج في عامه وابتلى بمطالبة الديان ديونهم عليه، غاية الامر كونه معذورا لو ترك هذا كله لو لم نقل بانطباق حجة الاسلام على المأتي بها بأي قصد أتى بها بدعوى أن حجة الاسلام ليست إلا ما أتى بها في حال حصول الشرائط وليست من قبيل فريضة الظهر مثلا حيث تكون مغايرة لفريضة العصر والنافلة مع قطع النظر عن الحكم، فلا يبعد أن يقال: لو لم يلتفت إلى اجتماع الشرائط وأتى بالحج بقصد الندب أجزء المأتي به عن حجة الاسلام. ثم إن المحكي عن الدروس استظهار أن الاستطاعة في النذر شرعية لا عقلية فلو نذر الحج ثم استطاع صرف ذلك إلى النذر فإن أهمل واستمرت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت حجة الاسلام أيضا، وظاهر الاصحاب تقديم حجة الاسلام مطلقا وصرف الاستطاعة بعد النذر إليها إلا أن يعين سنة للنذر فيصرف الاستطاعة فيها إلى حج النذر. واستشكل عليه في المدارك بأن الاستطاعة الشرعية مخصوصة بحجة الاسلام وغيرها يراعى فيه التمكن من الفعل خاصة وبأن النذر المطلق موسع وحجة الاسلام مضيقة فهي مقدمة عليه فلو اتفقت الاستطاعة قبل الاتيان بالمنذور قدمت حجة الاسلام إن كان النذر مطلقا أو مقيدا بما يزيد عن تلك السنة أو بمغايرها وإلا قدم النذر لعدم تحقق الاستطاعة في تلك السنة لان المانع الشرعي كالمانع العقلي، قلت: في تقديم النذر في الصورة الاخيرة تأمل من جهة أن التقدم الزماني للنذر لا يوجب صرف الاستطاعة في المنذور فيقع التزاحم ولا يبعد أهمية حجة - الاسلام بل قد يقال بانحلال النذر لعدم القدرة إلا أن يقال بعد ما وجب صرف المال في الحجة المنذورة من جهة الامر بالوفاء بالنذر فحال المكلف حال من لا مال له

[ 300 ]

ومن لا مال له لا يكون مستطيعا فلا يجب عليه حجة الاسلام إلا أن يبقى الاستطاعة إلى العام القابل لكن هذا يتم مع قصور المال لاتيان حجتين ومع عدم القصور لا يتم ما ذكر. { فإن اطلق في النذر قيل: إنه إن حج ونوى النذر أجزء عن حجة - الاسلام، وإن نوى حجة الاسلام لم يجز عن النذر، وقيل: لا يجزي إحداهما عن الاخرى، وهو الاشبه). استدل للقول الاول بصحيح رفاعة (سئل الصادق عليه السلام عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فمشى هل يجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال: نعم) (1) ونحوه صحيح ابن مسلم، عن أبي جعفر عليهما السلام (2) واستشكل بأن الصحيحين إنما يدلان على نذر المشي وهو لا يستلزم نذر حج فيمشي إليه للطواف والصلاة وغيرهما فكأنهما سألا أن هذا المشي إذا تعقبه حجة الاسلام فهو يجزي أم لابد له من المشي ثانيا، وفيه نظر حيث أن حمل كلام السائل على نذر نفس المشي أو المشي للصلاة والطواف مجردا عن الحج بعيد جدا مضافا إلى أنه لا يتوهم أحد إجزاء المشي بهذا النحو عن حجة الاسلام خصوصا مثل محمد بن مسلم وحمله على الاجزاء عن المشي لحجة الاسلام خلاف الظاهر، والصحيحان مؤيدان لما سبق من أن حجة الاسلام تنطبق على المأتي به، ثم إنه حيث أن مقتضى القاعدة تعدد المسببات بتعدد الاسباب كما بين في الاصول حكم بعدم الاجزاء لو نوى حجة - الاسلام، وإن كان للنظر فيه مجال، ومما ذكر ظهر وجه القول الاخر. { المسألة الثالثة إذا نذر الحج ماشيا وجب عليه ويقوم في مواضع العبور، فإن ركب قضى }. لا خلاف في انعقاد النذر ووجوب الحج لعموم أدلة وجوب الوفاء بالنذر وإنما الاشكال في لزوم الوصف فإن قلنا: بأن المشي أفضل من الركوب فلا إشكال أيضا في لزوم الوصف، وإن قلنا: بأن الركوب أفضل فلا يلزم الوصف كذا


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 578 و 450.

[ 301 ]

حكي عن الايضاح، واستشكل عليه بأن المنذور الحج على هذا الوجه ولا ريب في رجحانه وإن كان غيره أرجح منه وذلك كاف في انعقاد النذر، وفيه نظر لان نفس الحج لا إشكال في رجحانه أما كونه راجحا مع وصف المشي بحيث يسري الرجحان إلى هذه الجهة مع رجحان الركوب كيف يتصور والمفروض أنه تعلق النذر بالخاص فمع الالتزام باعتبار رجحان متعلق النذر بتمامه كيف يكون الناذر ملزما بالوفاء، ثم إنه مع قطع النظر عن عدم الخلاف في لزوم أصل الحج يقع الاشكال من جهة أخرى وهي أنه إذا وقع الالزام والالتزام على كلي موصوف بوصف خاص يعد الغير الموصوف مباينا لذاك، فإذا وقع البيع مثلا على متاع موصوف بوصف ففاقد الوصف يعد عرفا مباينا للمبيع وهذا بخلاف ما لو وقع البيع على عين شخصية موصوفه بوصف خاص فلا يعد مباينة غاية الامر للمشتري خيار تخلف الوصف، فنقول في المقام: إذا تعلق النذر بالحج ماشيا وقلنا: بعدم رجحان المشي والحج راكبا مباين للحج ماشيا كيف يكون الناذر ملزما بنفس الحج ولو بإتيانه راكبا إلا أن يقال غاية الامر لزوم الحج ماشيا لالزوم الوصف بالنذر بل للزوم الموصوف بذاته وكون ما أتى به وفاء للنذر فتأمل. وأما صحيح رفاعة المذكور آنفا فلا يدل على صحة النذر المتعلق بالحج ماشيا بل متعرض لاجزاء المأتي به عن حجة الاسلام، وأما لزوم القيام في مواضع العبور فقيل: إنه المشهور لخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام (إن عليا صلوات الله عليه سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فمر في المعبر قال: فليقم في المعبر قائما حتى يجوز) (1) فإن كان الخبر مجبورا بالعمل وإلا فمقتضى القاعدة عدم وجوب القيام لمباينته مع المشي. وأما لزوم القضاء مع الركوب، فاما أن يكون في صورة الاطلاق وعدم التعيين فلا يناسب التعبير بالقضاء ومع التعيين لابد من إقامه الدليل على لزوم القضاء بل المتعين الكفارة ولا مجال للشبهة في صحة نفس الحج لعدم اقتضاء الاشراط في نفس العمل.


(1) الكافي ج 7 ص 455 والتهذيب ج 1 ص 583 والاستبصار ج 3 ص 50

[ 302 ]

{ وأما إن ركب بعضا فقيل: يفضى ويمشي موضع ركوبه وقيل: يقضي ماشيا لاخلاله بالصفة المشترطة وهو أشبه }. لا ريب في انصراف نذر الناذر إلى الحج ماشيا في تمام الطريق في السفر الواحد وقد يقال: بالصدق مع الركوب بمقدار غير معتد به وفيه تأمل، وعلى هذا فالتبعيض بالنحو المذكور وإن كان مشيا في تمام الطريق لكنه خلاف المنصرف إليه. { ولو عجز } سقط عنه { قيل: يركب ويسوق بدنة، وقيل: يركب و لا يجب أن يسوق، وقيل: إن كان النذر مطلقا توقع المكنة من الصفة، وإن كان النذر معينا بوقت سقط فرضه من أصله لعجزه والمروي الاول والسياق ندب }. مقتضى القاعدة مع العجز عن إتيان المنذور في وقته إن كان موقتا ومطلقا إن كان غير موقت سقوط التكليف بالنسبة إلى أصل الحج ووصفه إلا إذا كان النذر على نحو تعدد المطلوب فمع العجز عن المشي لا يسقط أصل الحج. وأما الاخبار الواردة فمنها صحيح الحلبي قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله وعجز عن المشي، قال: فليركب وليسق بدنة فإن ذلك يجزي عنه إذا عرف الله منه الجهد) (1). ومنها صحيح ذريح المحاربي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حلف ليحجن ماشيا فعجز عن ذلك فلم يطقه قال: فليركب وليسق الهدي) (2). وصحيح رفاعة بن موسى قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله؟ قال: فليمش، قلت: فإنه تعب؟ فقال: إذا تعب ركب) (3). وخبر عنبسة وفيه (قال: نذرت في ابن لي إن عافاه الله تعالى أن أحج ماشيا فمشيت حتى بلغت العقبة فاشتكيت فركبت ثم وجدت راحة فمشيت فسألت


(1) التهذيب ج 1 ص 450 والاستبصار ج 2 ص 149. (2) التهذيب ج 1 ص 562 والاستبصار ج 2 ص 149. (3) التهذيب ج 1 ص 462 والاستبصار ج 2 ص 150.

[ 303 ]

أبا عبد الله عليه السلام فقال: أحب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة و لو شئت أن أذبح لفعلت وعلي دين؟ فقال: إنى أحب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: شئ واجب أفعله؟ فقال: لا من جعل الله عليه شيئا فبلغ جهده فليس عليه شئ) (1) ورواه ابن إدريس (ره) في المحكي من مستطرفات السرائر نحو ذلك) (2). فنقول: أما السياق فمقتضى الخبر الاخير المعدود من الموثق أن يكون مستحبا وأما الحج راكبا فلولا صحيح رفاعة لامكن حمل الامر به على الندب لو حدة السياق مع الامر بالسياق المحمول على الندب لكنه بملاحظته يشكل لظهور الامر في الوجوب ففيما لو كان النذر على نحو تعدد المطلوب يكون على طبق القاعدة فيدور الامر بين حمل الامر في الصحيح على مورد تعدد المطلوب وحفظ القاعدة، وبين التعبد ورفع اليد عن القاعدة وطريق الاحتياط واضح. { القول الثالث في النيابة في الحج ولها شرائط منها ما يتعلق بالنائب و وهي ثلاثة الاسلام وكمال العقل وإن لا يكون عليه حج واجب فلا تصح نيابة الكافر لعجزه عن نية القربة }. لا إشكال ولا خلاف في مشروعية النيابة، وأما الشروط الراجعة إلى النائب فمنها الاسلام واستدل على اعتباره بعدم صحة عمله وعجزه عن نية القربة و اختصاص أجره في الاخرة بالخزي والعقاب وادعي الاجماع عليه أما الاجماع فمع تحققه لا من جهة الوجوه المذكورة فلا كلام فيه، وأما الوجوه المذكور ففيها التأمل للنقض بتغسيل أهل الكتاب للمسلم مع عدم المماثل، وأما الاجر والثواب فللمنوب عنه لا للنائب فالنائب المؤمن الذي يعمل العمل للاجرة لا للثواب لا محذور في عدم استحقاقه للمثوبة وأما العجز عن نية القربة بمعنى تقرب المنوب عنه لا النائب فممنوع بالنسبة إلى جميع الكفار بل متصورة بالنسبة إلى أهل الكتاب ومن هنا


(1) الوسائل كتاب النذر والعهد ب 8 ح 5. (2) المصدر ص 466.

[ 304 ]

ظهر الاشكال في المنع عن نيابة المخالف معللا بعدم صحة عمله فالاولى الاستدلال له مع قطع النظر عن الاجماع بعدم كون أدلة صحة النيابة التي على خلاف الاصل مطلقة يشمل غير المؤمن، لكن عدم شمولها لغير الاثنى عشري محل تأمل فلابد من التمسك بالاجماع إن تم مضافا إلى ما لعله المسلم من ممنوعية دخول الكفار المساجد وغلبة ابتلائهم بالجنابة مع عدم صحة الغسل منهم، ومن هذه الجهة يقع الاشكال في دخول المخالفين ومكثهم في المساجد مع ما هو المعروف من عدم صحة أعمالهم العبادية، ومنها الغسل للجنابة والحيض والنفاس مع أنه لا إشكال في جواز تمكينهم في دخول المساجد. { ولا يجوز نيابة المسلم عن الكافر ولا عن المسلم المخالف إلا أن يكون أب النائب }. علل عدم الجواز عن الكافر بعدم انتفاعه واختصاص جزائه في الاخرة بالخزي والعقاب والنهي عن الاستغفار له والموادة لمن حاد الله تعالى، وللمناقشة فيما ذكر مجال فإنه يمكن أن يرفع عن الكافر عقاب تارك الحج فإن الكافر مكلف بالفروع فإذا أدى عنه واجب من الواجبات وصح يرفع عنه عقاب ترك ذلك الواجب ألا ترى الفرق بين من أدى الخمس من الارض المشتراة للذمي ومن ترك فالاول يرفع عنه عقاب ترك الخمس ظاهرا بخلاف الثاني وهذا غير الاستغفار وغير الموادة ومما ذكر ظهر وجه عدم الجواز بالنسبة إلى المخالف والاشكال فيه وقد حكي الخلاف بالنسبة إلى المخالف الغير الناصب لصحة عباداته ولذا لا يعيدها إذا استبصر وأما بالنسبة إلى أب النائب فيدل على صحة النيابة عنه صحيح وهب بن عبد ربه أو حسنه سأل الصادق عليه السلام (أيحج الرجل عن الناصب فقال: لا قال: فإن كان أبي قال: إن كان أباك فنعم) (1) واستشكل في صحة النيابة عن المخالف مضافا إلى ما ذكر آنفا بالاصل الذي هو مقتضى قوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) ولا يخفى أن دليل النيابة أخص من الاية الشريفة على فرض الاخذ بإطلاق


(1) الكافي ج 4 ص 309. التهذيب ج 1 ص 565.

[ 305 ]

الاية الشريفة. { ولا نيابة المجنون لانغمار عقله بالمرض المانع عن القصد، وكذا الصبي الغير المميز، وهل تصح نيابة المميز؟ قيل: لا لاتصافه بما يوجب رفع القلم، و قيل: نعم لانه قادر على الاستقلال بالحج ندبا }. ملازمة الجنون مع عدم القصد غير معلومة فمع تمشي القصد يكون حاله حال المميز وقد بنى صحة نيابة الصبي المميز على كون عباداته شرعية فكما تصح عباداته لنفسه كذلك تصح لغيره وإن بنينا على كون عباداته تمرينية فلا تصح نيابته عن الغير بطريق أولى. ولقائل أن يقول: يمكن القول بكون عبادات الصبي المميز شرعية لاطلاق ما دل على ترتب المثوبات على الافعال العبادية وحديث رفع القلم لا ينافيها خصوصا مع ملاحظة كونه في مقام الامتنان، ومع ذلك يشكل نيابته بملاحظة الشك في إطلاق دليل النيابة كما أنه يمكن القول بصحة النيابة إن كان لدليلها إطلاق ولو قيل: بكون عباداته تمرينية. { ولابد من نية النيابة وتعيين المنوب عنه والقصد }. وذلك لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتعين لاحدها إلا بالقصد كما أنه لا يتعين مع تعدد المنوب عنه إلا بالقصد هكذا قيل، ولقائل أن يمنع لزوم التعيين ألا ترى أنه لو كان عليه دينان تساوي مقدارهما وكان لاحدهما رهن فأدى المدين أحدهما ولم يعين فهل يمكن القول بعدم كونه وفاء لاحدهما بل لا يبعد فيما لو كان دينان لاحد على شخصين فأدى أحدهما من دون تعيين كونه وفاء لدينه أو دين غيره، ولا فرق بين العبادات وغيرها إلا باحتياج العبادات إلى قصد القربة، نعم ادعي عدم الخلاف في المسألة ولا إشكال في كفاية القصد إجمالا وما في بعض الاخبار مما ظاهره لزوم التسمية محمول على الاستحباب بقرينة البعض الاخر. { وتصح نيابة المملوك بإذن مولاه ولا تصح نيابة من وجب عليه الحج و استقر إلا مع العجز عن الحج ولو مشيا }.

[ 306 ]

أما صحة نيابة المملوك فلاطلاق دليل جواز النيابة، وأما عدم صحة نيابة من وجب عليه الحج فلما مضى سابقا وقد عرفت الاشكال فيه، وأما استثناء صورة العجز فلتجويز النيابة في الخبرين المذكورين سابقا للصرورة إذا لم يجد المال و ههنا إشكال وهو أنه لابد أن يكون المراد من المال الذي اشترط عدم وجدانه في صحة النيابة ما يعتبر في الاستطاعة فإن لم يجد هذا المقدار بالفعل ولو كان واجدا سابقا واستقر عليه الحج صحت النيابة وإن كان قادرا على الحج لنفسه مشيا، والمذكور في المتن عدم صحة نيابته حينئذ وإن كان المدار على الوجدان وعدم الوجدان سابقا لا الحالة الفعلية، فاللازم عدم جواز النيابة لمن استقر عليه حجة - الاسلام ولو كان عاجزا عن المشي، ثم إنه قيل بصحة النيابة مع العجز حتى عن المشي ولو تمكن اتفاقا في الاثناء لم تنفسخ الاجارة كما لا تنفسخ بتجدد الاستطاعة لو آجر نفسه للحج والظاهر أن المفروض من باب التزاحم ومجرد السبق الزماني لعقد الاجارة لا يوجب تقدمه ولعل أهمية حجة الاسلام توجب التقدم وتنفسخ الاجارة لان الامتناع الشرعي كالامتناع العقلي إلا أن يقال: هذه الجهة مناف لاطلاق مثل خطاب أوفوا بالعقود وفي صورة ترك الاهم لا مانع في البين لكن هذا مبني على صحة الترتب، وللكلام فيه محل آخر. { وكذا لا يصح حجة تطوعا، فلو تطوع قيل يقع عن حجة الاسلام و هو تحكم، ولو حج عن غيره لم يجز عن أحدهما }. قد مر الكلام فيما ذكر وعرفت أنه على فرض مغايرة حجة الاسلام للحج التطوعي كمغايرة الصلاة الفريضة مع النافلة لا مانع من صحة التطوع غاية الامر بناء على فورية حجة الاسلام لا مجال للامر الفعلي بالتطوع إلا على صحة الترتب والرجحان الذاتي كاف في صحة العبادة وعلى تقدير عدم المغايرة و الاتيان بالعمل بداعي المطلوبية لا يبعد الاجزاء عن حجة الاسلام وأما عدم الاجزاء عن أحدهما فعدم الاجزاء عن غيره علم وجهه وعن نفسه فلعدم القصد. { ولمن حج أن يعتمر عن غيره إذا لم تجب عليه العمرة، وكذا من اعتمر

[ 307 ]

واجبا أن يحج عن غيره إذا لم يجب عليه الحج ويصح نيابة من لم يستكمل الشرائط وإن كان صرورة }. بعد شمول إطلاق دليل النيابة لابد من ملاحظة ما خرج بالدليل والمخرج بحسب الخبرين السابقين مع قطع النظر عن الاشكال المذكور نيابة الصرورة المستطيع المتمكن من الحج لنفسه في الحج لغيره حيث لا يمكن الجمع بين العملين فصورة الاعتمار نيابة عن الغير في وقت لا ينافى مع عمرته الواجبة عليه خارجة عن مورد دليل المنع مع أنه مخاطب بخطاب العمرة، ولم يأت بها بعد، كما أن مورد الخبرين نيابة من عليه حجة الاسلام لا من عليه الحج بالنذر وشبهه، فإطلاق المصنف (قده) محل إشكال. وأما نيابة الصرورة فيدل عليها إطلاق الادلة وخصوص بعض الاخبار فمن الاولى صحيح رفاعة عن الصادق عليه السلام (المرأة تحج عن أخيها وأختها، و قال تحج عن أبيها) (1) وسأله معاوية بن عمار أيضا (عن الرجل يحج عن المرأة والمرأة تحج عن الرجل؟ قال: لا بأس) (2) ومن الثاني خبر سليمان بن جعفر (سألت الرضا عليه السلام عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة؟ قال: لا ينبغي) (3) بناء على ظهور (لا ينبغي) في الكراهة. وفي قبالها أخبار اخر: منها خبر الشحام عن الصادق عليه السلام (سمعته يقول يحج الرجل الصرورة ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة) (4) و منها خبر مصادف (سألت أبا عبد الله عليه السلام أتحج المرأة عن الرجل قال: نعم إذا كانت فقيهة مسلمة وكانت قد حجت، رب امرأة خير من رجل) (5). والمشهور الحمل على الكراهة ويشكل من جهة عدم صراحة لفظ لا ينبغي في الكراهة


(1) التهذيب ج 1 ص 565 والكافي ج 4 ص 307 تحت رقم 4 و 2. (2) الكافي ج 4 ص 307 تحت رقم 2 والتهذيب ج 1 ص 565 والاستبصار ج 2 ص 322. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 565 والاستبصار ج 2 ص 323. (5) التهذيب ج 1 ص 565 والاستبصار ج 2 ص 322.

[ 308 ]

فيشكل رفع اليد عن ظهور ساير الاخبار في عدم الجواز كما أن تخصيص الاخبار المطلقة لعله أهون من حمل الاخبار المانعة على الكراهة ومع التكافؤ يشكل الامر من جهة أن النيابة على خلاف الاصل. { ومن استوجر ومات في الطريق فإن أحرم ودخل الحرم فقد أجزئت عمن حج عنه }. ادعي عليه الاجماع واستدل عليه بالخبرين المذكورين سابقا في من مات بعد الاحرام ودخول الحرم مضافا إلى موثق إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يموت فيوصى بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج، ثم أعطى الدراهم غيره؟ فقال: إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزي عن الاول) (1) والانصاف عدم خلو المسألة عن الاشكال لان الاجزاء خلاف الاصل والخبران واردان في الحج لنفسه والموثق المذكور لا يمكن الاخذ بظاهره إلا أن يتم الاجماع ثم على فرض الاجزاء قد يقال بعدم استحقاق المستأجر رد ما قابل المتخلف من الاجرة، ولا يخفى ما فيه من الاشكال حيث أن الاجير لم يأت بتمام العمل، وتقبل الشارع الاحرام ودخول الحرم عن الحج لا يوجب استحقاق الاجير تمام الاجرة ألا ترى أن الضامن بإذن المضمون عنه لا يستحق على المضمون عنه إلا ما أدى ولو حصل البراءة بغير الاداء لا يستحق شيئا، ومقايسة المقام بنسيان بعض الامور مع الفارق مع إمكان القول بالتوزيع هناك أيضا. { ولو مات قبل ذلك لم يجز وعليه أن يعيد من الاجرة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهبا وعايدا }. محل الكلام صورة التقييد بمباشرة الاجير ومع عدم التقييد لا وجه لانفساخ الاجارة وفي صورة الانفساخ تاره كان الاجرة في مقابل نفس العمل أعني الحج فلا يستحق الاجير إذا مات في الطريق قبل الشروع في العمل. وأخرى كانت في


(1) الكافي ج 4 ص 306 تحت رقم 4، والتهذيب ج 1 ص 566.

[ 309 ]

مقابل الذهاب والعمل فيقسط ويشكل من جهة عدم الفائدة للمستأجر والعمل الذي لا يترتب عليه فائدة كيف يستحق فاعله أجرة العمل عليه، وقد يتمسك باحترام عمل المسلم ويشكل من جهة أن إقدام الاجير ناش من جهة لزوم الوفاء بالعقد فيما لو وقع العقد وأقدم على العمل وفاء بالعقد، فمع عدم انطباق ما عقدا عليه على المأتي به كيف يستحق احتراما لعمله مع أنه ما عمل بأمر المستأجر بل يتوهم الامر بالوفاء، وبهذا يستشكل في استحقاق أجرة المثل فيما لو عمل المستأجر بتوهم صحة الاجارة وتوجه خطاب (أوفوا) عليه مع كون الاجارة فاسدة لجهة نعم لو وقع العمل بأمره بتوهم الوصول إلى الغرض مع عدم الوصول لا يبعد الاستحقاق لاحترام عمله وما يقال من ترتب الفائدة من جهة كفاية الاستيجار مما بعد محل وصول الاجير الاول محل إشكال للشك في كفاية هذا النحو في الحج البلدي إذا كان واجبا على ان هذا الوجه لا يجري في جميع الموارد. { ومن الفقهاء من اجتزى بالاحرام والاول أظهر }. قد سبق الكلام في مسألة من أحرم لنفسه والمسئلتان من باب واحد. { ويجب أن يأتي بما شرط عليه من تمتع أو إفراد أو قران، وروي أنه إذا أمر أن يحج مفردا أو قارنا فحج متمتعا جاز لعدوله إلى الافضل وهذا يصح إذا كان الحج مندوبا أو قصد المستأجر الاتيان بالافضل لا مع تعلق الغرض بالقران والافراد }. مقتضى القاعدة عدم التخطي عما اشترط على النائب للزوم الوفاء بالعقد على النحو الذي تعاقدا عليه إلا أنه روي جواز العدول إلى التمتع لكونه عدولا إلى الافضل ففي رواية أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام قال: (في رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها عنه حجة مفردة أيجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم إنما خالف إلى الفضل) (1) وعن الشيخ (قده) وجماعة الفتوى بمضمونها وقيل مقتضى التعليل الواقع فيها


(1) التهذيب ج 1 ص 565 والكافي ج 4 ص 307 تحت رقم 1.

[ 310 ]

اختصاص الحكم بما إذا كان المستأجر مخيرا بين الانواع كالمتطوع وذي المنزلين المتساويين في الاقامة بمكة لان التمتع لا يجزي مع تعين الافراد فضلا عن أن يكون أفضل منه قلت: ما ذكر مبني على عدم جواز التطوع لمن عليه الحج الواجب وعلى تقدير تسليمه مخصوص بصوره المباشرة للمزاحمة بخلاف صورة الاستنابة بأن استناب شخصين أحدهما للحج الواجب عليه والاخر للحج المندوب ولا مزاحمة في البين، ثم إنه تارة يراد تطبيق الرواية على القاعدة ومن هذه الجهة قيد المصنف بما إذا كان الحج مندوبا أو قصد المستأجر الاتيان بالافضل ولا يخفى الاشكال فيه لانه مع اختلاف أنواع الحج ووقوع العقد على نوع خاص كيف يكون الاتيان بنوع آخر وإن كان أفضل وفاء، وأما صورة قصد المستأجر الاتيان بالافضل بأن يكون ذكر الخصوصية من باب الاكتفاء بمرتبة مع كون النظر إلى المرتبة الاخرى فهي غير قابلة للسؤال عن حكمها لوضوح الامر، نعم يشكل الاخذ باطلاق الرواية في صورة تعين الافراد على المنوب عنه لاباء التعليل المذكور فيها عن الشمول لها واخرى لايراد تطبيق الرواية على القاعدة ويكون السند مجبورا بعمل الاكابر فلا إشكال من غير الجهة الاخيرة، ثم إنه لا يبعد إشعار الرواية حلية الدراهم المأخوذة واستحقاق النائب، ويبعد أن يكون النظر إلى صحة العمل من دون استحقاق الدراهم. { ولو شرط على طريق معين لم يجز العدول إن تعلق بذلك عرض وقيل: يجوز مطلقا }. وجه عدم جواز العدول عموم (أوفوا) و (المؤمنون عند شروطهم) ووجه التقييد بتعلق غرض انصراف الادلة عما لا غرض فيه وهل المدار على الغرض الذي محل توجه العقلاء أو الغرض الشخصي وإن لم يكن محل توجه العقلاء؟ للكلام فيه محل آخر، وحكي عن مبسوط الشيخ جواز العدول مطلقا لصحيح حريز (سأل الصادق عليه السلام عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من

[ 311 ]

البصرة، فقال: لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجة) (1) واستشكل في دلالته تاره من جهة احتمال أن يكون قوله (من الكوفة) من قيود الرجل وأخرى من جهة أن الصحيح متعرض لتمامية الحج ولا منافاة بين تمامية الحج وعدم جواز العدول عما شرط عليه، ويمكن أن يقال: الاحتمال المذكور بعيد ومعه إذا أجيب من دون سؤال عن مراد السائل يكون الجواب شاملا لكلا الاحتمالين وبهذا الوجه يجاب عن الاشكال الثاني حيث إن سؤال السائل يمكن أن يكون من جهة كفاية الحج المأتي به للمنوب عنه، ويحتمل أن يكون من جهة جواز المخالفة الواقعة فقوله عليه السلام: على ما في الصحيح (لا بأس) قابل للجواب عن الجهتين لكنه لا يثبت جواز العدول مطلقا لان الغرض في مثل محل السؤال واحد لا يوجب المخالفة فوته حيث أن ميقات أهل العراق واحد وهذا بخلاف صورة اختلاف الميقات فالاخذ بعموم (أوفوا) و (المؤمنون عند شروطهم) متعين، نعم يقع الاشكال من جهة استحقاق تمام الاجرة مع المخالفة وحصول الغرض إذا كان سلوك الطريق أيضا منظورا إليه في مقابل الاجرة والظاهر عدم الاشكال إذا كان ذكر الطريق الخاص من جهة أنه أحد الافراد كما لو أمر أحد عبيده باسمه بأمر من دون مدخلية شخصه فالاخر أيضا مأمور معاقب مع عدم الاتيان بالمأمور به. { وإذا استوجر لمباشرة حجة لم يجز أن يوجر نفسه لمباشرة أخرى حتى يأتي بالاولى، ويمكن الجواز إن كانت السنة غير الاولى }. وجه عدم الجواز عدم القدرة على التسليم ولازم هذا عدم صحة الاجارة مع وجوب واجب فوري عليه كأداء الدين أو حفظ نفس محترمة بل لازم هذا عدم صحة معاملة من تعين عليه صرف ماله في الديون المطالب بها مع عدم القدرة على مال آخر وهل يمكن الالتزام به بل يمكن أن يقال: إذا التزم إنسان بإتيان عمل في وقت معين فخالف وعصى فصرف وقته في عمل آخر فلا مانع من استحقاق الاجرة على العمل الثاني والقدرة مع ترك العمل محفوظة كالقدرة على الواجب المهم مع


(1) التهذيب ج 1 ص 565 والكافي ج 4 ص 307 تحت رقم 2.

[ 312 ]

ترك الاهم، نعم مع كون عمل الحر مملوكا للمستأجر لا تصح الاجارة الاخرى لعدم الملكية لا لعدم القدرة وهذا غير تعهد عمل كلي في وقت معين لا يمكن الجمع بينه وبين عمل آخر في وقته وفي هذه الصورة أيضا أعني صورة مملوكية عمله لاحد لو فرض المخالفة والاتيان بعمل آخر مباين له بدون عقد الاجارة لا يبعد استحقاقه أجرة المثل وصحة العمل لاخر وتمام الكلام في كتاب الاجارة. { ولو صد الاجير عن الحج وفعله في سنة معينة قبل الاحرام ودخول الحرم استعيد من الاجرة بنسبة المتخلف بل لو ضمن الحج في المستقبل لم يلزم }. أما التقييد بكون الصد قبل الاحرام ودخول الحرم فمبني على مشاركة المقام مع الموت والنص مخصوص بالثاني، فلا وجه للمشاركة وإن قيل بها، وأما انفساخ عقد الاجارة فهو من جهة عدم القدرة في علم الله على العمل وهذا مسلم في صورة الانحصار، وأما لو فرض تعدد الطريق بحيث لو كان سلك طريقا آخر لما كان مصدودا فلم أعرف وجها للانفساخ ومجرد ترك العمل في وقت معين لا يوجب الانفساخ كما لو شرط في ضمن عقد خياطة ثوبه في وقت معين ولم يف بالشرط فلا يبعد استحقاق القيمة عليه وعلى فرض الانفساخ الحكم باستعادة الاجرة بالنسبة مبني على التوزيع وكون الاجرة على مجموع سلوك الطريق وعمل الحج وقد سبق الكلام فيه. { وإذا استوجر فقصرت الاجرة عن نفقة الحج لم يلزم الاتمام وكذا لو فضل عن النفقة لم يرجع عليه بالفاضل }. وجه ما ذكر واضح ولعله تعرض (قده) لتعرض النصوص وللتنبيه على خلاف أبي حنيفة حيث زعم بطلان الاجارة. { ولا تجوز النيابة في الطواف الواجب للحاضر إلا مع العذر كالاغماء أو البطن وما شابههما }. استدل عليه بالاصل والاخبار منها مرسل ابن أبي نجران (عن الصادق عليه السلام سئل الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكة؟ قال: لا ولكن يطوف

[ 313 ]

عن الرجل وهو غائب) (1) ومنها صحيح معاوية بن عمار وفيه قول الصادق عليه السلام (الكبير يحمل ويطاف به والمبطون يرمى ويطاف عنه ويصلى عنه) (2) وتمامية الاصل المذكور مبني على ما يقال من التفرقة بين المعاملات والعبادات لجريان النيابة في الاولى ولو لم يدل دليل خاص على صحتها دون الثانية وهو محل إشكال وأما المرسل المذكور فغير نقي السند ولم يحرز اتكال الاصحاب إليه، وأما الصحيح فغير واف بتمام المدعى، وأما الجواز مع العذر فيدل عليه المعتبرة المستفيضة كصحيح حبيب الخثعمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يطاف عن المبطون والكبير) وصحيح حريز عنه أيضا (المريض والمغمى عليه يطاف عنه و يرمى عنه) (3) ونقل هذا الصحيح (والمغمى عليه يطاف به) ومع الاختلاف يشكل التمسك به له، والتمسك بالاولوية بالنسبة إلى المبطون من جهة عدم الطهارة حتى الاضطرارية له بخلاف المبطون مشكل لعدم العلم بالملاك، ومنه ظهر الاشكال في ثبوت الحكم لمطلق ذي العذر وبعد الشك في ثبوت الحكم بالنسبة إلى المغمى عليه لا مجال للتكلم في جواز الطواف عنه مع إذنه السابق أو بدون إذنه، نعم مقتضى القاعدة الاحتياج إلى إذنه السابق إذا أريد الطواف به لكونه عبادة محتاجة إلى القصد كما أن مقتضى القاعدة الجمع بين النيابة بإذنه والطواف به بإذنه لاختلاف الصحيح المذكور وعدم حصول العلم بالبراءة بدون الطوافين. { ويجب أن يتولى ذلك بنفسه ولو حمله حامل فطاف به أمكن أن يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه }. وجهه أن هناك حركتين ذاتية وعرضية فبالحركة الذاتية يقصد الطواف لنفسه وبالحركة الاخرى يقصد الاخر المحمول الطواف لنفسه قال الهيثم بن عروة التميمي للصادق عليه السلام على المحكي: (إنى حملت امرأتي ثم طفت بها وكانت مريضة وإني طفت بها في البيت في طواف الفريضة وبالصفا والمروة وأحتسب بذلك لنفسي فهل


(1) التهذيب ج 1 ص 566. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 482 والاستبصار ج 2 ص 226

[ 314 ]

تجزيني، قال: نعم) (1) وقد يقال بصحة الاحتساب حتى لو كان المباشر لنية الطواف للغير نفس الحامل كما لو كان المحمول مغمى عليه أو صبيا كما نطق به صحيح حفص بن البختري عن الصادق عليه السلام (في المرأة تطوف بالصبي وتسعى به هل يجزي ذلك عنها وعن الصبي؟ قال: نعم) (2) وربما يتأمل في الصحة مع قطع النظر عن هذا الصحيح من جهة عدم استقلال الامر الراجع إلى نفسه و الامر الراجع إلى غيره في الداعوية بل الامران دعيا إلى الفعل، وفي الفعل العبادي يشكل كفاية هذا، وهذا كما لو وجب عليه الانغماس في الماء للتبريد لحفظ النفس فقصد امتثال أمرين هذا والغسل الواجب عليه للجنابة مثلا، وأما الصحيح المذكور فإن كان الصبي المذكور فيه مميزا ينوي هو بنفسه الطواف وهو خارج عن محل كلامنا وإن كان غير مميز فلعله صورة الطواف شرعت لحكمة لا نعرفها فالتعدي إلى طواف المغمى عليه المكلف مشكل. ومما ذكر ظهر الاشكال في أخذ الاجرة. { ولو تبرع إنسان بالحج عن غيره بعد موته برئت ذمته }. ادعي عليه الاجماع ودلالة النصوص المستفيضة من غير فرق بين وجود المأذون من قبل الميت وعدمه لاطلاق النصوص وثبوت مشروعية النيابة عنه مع تعذر الاذن وإن الحج مع شغل الذمة به كالدين ولا إشكال في جواز التبرع به مع عدم الاذن. وأما النيابة عن الحي في الحج الواجب فالظاهر عدم الاشكال في عدم جوازها مع تمكن المنوب عنه، وأما مع عدم تمكنه فمع الاذن لا إشكال للنص ومع عدم الاذن فيه إشكال لاصالة عدم المشروعية وما ورد من أن دين الله أحق أن يقضى إنما هو في الميت. قلت: لعل التعبير عنه بالدين من جهة الاية الشريفة (ولله على الناس


(1) التهذيب ج 1 ص 482 والفقيه كتاب الحج ب 152 (باب نوادر الحج) تحت رقم 14 واللفظ له. (2) الكافي ج 4 ص 429. التهذيب ج 1 ص 482.

[ 315 ]

حج البيت - الاية) من جهة اللام والظاهر عدم الفرق بين حال الموت والحياة في صدق الدين ولو بنينا على الاقتصار على القدر المتيقن من الادلة لاشكل الامر في الصلوات الاستجارية للميت لان القدر الثابت بالدليل هو قضاء الولي الصلوات الفائتة وقضاء غيره بالاجرة من دون إذن يحتاج إلى الدليل. { وكلما يلزم للنائب من كفارة ففي ماله ولو أفسده حج من قابل و هل تعاد بالاجرة على صاحبها أو لا يبنى ذلك على القولين }. أما كون الكفارة في ماله دون المنوب عنه فادعي عليه عدم الخلاف مضافا إلى أنها عقوبة على فعل صدر منه فإن تم الاجماع فهو وإلا يشكل فيما لو أتى ببعض المحرمات للمحرم لعذر حيث أن فعله فعل المنوب عنه، وربما يستأنس له بما قيل في إرتكاب الصبي في حال الاحرام بعض المحرمات بل في خبر زرارة (فإن قتل صيدا فعلى أبيه) بل عن المفيد (قده) وجوب الفداء على السيد في صيد المملوك الذي حج بإذن السيد، ويشهد له قول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (كل ما أصاب العبد وهو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن له)) (1) وإن كان يعارضه بعض الاخبار الاخر. وأما صورة الافساد فلا إشكال في لزوم الحج من قابل بلا خلاف، وإنما الاشكال في عود الاجرة وقد بنى في المتن على القولين أحدهما أن الفرض الحج الاول الذي يعبر فيه بالافساد فلا يعاد الاجرة لحصول برأءة الذمة للمنوب عنه الثاني أن الفرض الثاني فيعاد الاجرة لانفساخ عقد الاجارة وهذا يتم في صورة تعيين الوقت في ذلك العام الذي أفسد فيه الحج وأما مع توسعة الوقت فلا وجه لانفساخ العقد، ثم إن ههنا إشكالا آخر وهو أنه لم يلتزموا في صورة الانفساخ بالتقسيط من جهة سلوك الطريق وقد التزموا سابقا بالتقسيط فيما لو مات النايب في الطريق قبل الاحرام ودخول الحرم وفي المقام خبران يستفاد منهما الاجزاء للمنوب عنه


(1) الكافي ج 4 ص 304 تحت رقم 7، والتهذيب ج 1 ص 554 والاستبصار ج 2. ص 216.

[ 316 ]

أحدهما مضمر إسحاق بن عمار قال: قلت (فان ابتلي بشئ يفسد عليه حجة حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الاول؟ قال: نعم، قلت: لان الاجير ضامن للحج؟ قال: نعم) (1) وفي خبره الاخر سأل الصادق عليه السلام (عن رجل يحج عن آخر فاجترح في حجة شيئا يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة؟ قال: هي للاول تامة وعلى هذا ما اجترح) (2) فإن استفيد منهما إجزاء الحج الاول إما لصحته وإما من باب التفضل فكيف يقال بعود الاجرة مع أنه التزم بعدم العود فيما لو مات بعد الاحرام ودخول الحرم معللا بفراغ ذمة المنوب عنه ومع قطع النظر عما يستفاد من الخبرين يشكل الجمع بين أمرين: انفساخ الاجارة ولزوم الحج في العام القابل نيابة عن المنوب عنه، والانصاف أن المسألة مشكلة من جهة التعبير بالافساد في الحج الاول الظاهر في فساده والتعبير بالتمامية والاجزاء في الخبرين فلا مجال لاختيار أحد القولين. ومع الشك الاصل عدم الانفساخ إن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية هذا مع قطع النظر عن ما ذكر سابقا من التأمل في الانفساخ بترك العمل في وقته كما لو شرط في ضمن عقد خياطة ثوب في وقت معين بل لعله يستحق قيمة العمل المتروك. { وإذا أطلق الاجارة اقتضى التعجيل ما لم يشترط الاجل }. غاية ما يوجه هذا أنه كما أن عقد البيع مع الاطلاق يقتضي استحقاق الثمن والمثمن بحيث للمالك المطالبة في الحال، كذلك للمستأجر استحقاق المطالبة أول زمان إمكان العمل لكنه مع التأخير لا تنفسخ الاجارة لعدم التوقيت، ويمكن أن يقال بعد ما كان العمل قابلا لان يقع في العالم الاول وغيره ويختلف باختلاف الوقت الغرض والقيمة فمع الاطلاق يحصل الغرر الجاري في الاجارة بالاجماع إلا أن يكون انصراف موجب لتعيين العام الاول أو الثاني أو غيرهما فهو بمنزله التقييد وهذا بخلاف مثل الثمن في البيع إذا كان عينا، فإن الاعيان لا يتميز


(1) الكافي ج 4 ص 306 تحت رقم 4 والتهذيب ج 1 ص 566. (2) الكافي ج 4 ص 544 تحت رقم 23 والتهذيب ج 1 ص 579.

[ 317 ]

بالاوقات والنسية والسلف يرجعان إلى عدم استحقاق المطالبة إلى أجل معين، وعلى هذا فيدور الامر في المقام بين البطلان والصحة وعلى تقدير الصحة ليس للاجير التأخير ومع التأخير تنفسخ الاجارة إن قلنا بإنفساخ الاجارة بعدم الاتيان بالعمل في وقته. { ولا يصح أن ينوب لاثنين في عام واحد }. لا إشكال ولا خلاف في عدم صحة النيابة في الحج الواجب لاثنين لعدم المشروعية بهذا النحو، وقيل بالصحة في الحج المندوب ولابد من إثبات المشروعية بهذا النحو. { فلو استأجراه لعام صح الاسبق ولو اقترن العقدان وزمان الايقاع بطلا }. وجه بطلان الثاني عدم القدرة لاشتغال الذمة به سابقا. ولقائل أن يقول: لازم ذلك عدم صحه الاجارة إذا زاحم مع مثل أداء الدين المطالب به لوجوبه في زمان التمكن ومعه لا يقدر على إتيان الحج فإن صححنا هناك بأن كان بانيا على ترك الاداء ومع هذا البناء يقدر على العمل المستأجر عليه فلم لا يقال في المقام بأن كان بانيا على عدم الوفاء بالعقد السابق نعم قد يفرق بين المقامين بعدم مملوكية العمل في المقام بخلاف صورة لزوم وفاء الدين لكن هذا غير مسلم فإنه ليس في المقام إلا تعهد عمل كالدين ألا ترى أنه لو عمل عملا مباينا للعمل المستأجر عليه يستحق الاجرة فتأمل جيدا. وأما صورة تقارن العقدين فوجه البطلان عدم إمكان صحتهما والصحة لاحدهما ترجيح بلا مرحج لكنه إن كان إجماع في أمثال المقام، وإلا فللاشكال فيه مجال ألا ترى يحكمون بصحة الوصية بأحد العبدين فكل واحد منهما قبل التعيين مردد بين أن يكون ملكا للموصى له وأن يكون ملكا للوارث، وكذلك لو أسلم مع زوجاته الزائدة على الاربع حيث يكون كل واحدة منها مرددة بين أن تكون زوجة وغير زوجة وبعد الاختيار يحصل التعين.

[ 318 ]

{ وإذا أحصر تحلل بالهدي ولا قضاء عليه }. لعل نظره (قده) إلى عدم وجوب القضاء من جهة عدم إتمام الحج كما يجب في صورة الافساد الحج في العام القابل وإلا فمع إطلاق الاجارة وعدم انفساخها لا وجه لعدم وجوب العمل المستأجر عليه. { ومن وجب عليه حجان مختلفان كحجة الاسلام والنذر } أو غيرهما: { ومنعه عارض جاز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد }. ادعي في المسألة عدم الخلاف والاجماع ولانهما فعلان متباينان غير مترتبين بل استظهر الصحة حتى لو أحرم النائب في الحج المندوب قبل إحرام الاخر لحجة الاسلام لوقوعها في عام واحد ويشكل إن بنينا على عدم صحة الحج المندوب مع اشتغال الذمة بالحج الواجب أو خصوص حجة الاسلام لان وجه الاشكال في تقديم نفسه الحج المندوب على حجة الاسلام ان لم نقل بالانصراف ليس عدم القدرة وإلا لزم عدم صحة عبادة أخرى في زمان الحج الواجب بل الظاهر أن وجه عدم الصحة اشتغال الذمة بالواجب نظير ما قالوا في الصلوات من عدم جواز التطوع في وقت الفريضة فكيف يصح إحرام النائب للحج المندوب مع اشتغال الذمة بحجة الاسلام وفعل النائب فعل المنوب عنه بل لعل الاشكال جار مع التأخير أيضا لعدم فراغ الذمة عن الواجب نعم لا إشكال مع عدم الاشكال هناك. { ويستحب أن يذكر النائب من ينوب عنه باسمه في المواطن وعند كل فعل من أفعال الحج والعمرة }. لصحيح ابن مسلم (سأل أبا جعفر عليه السلام ما يجب على الذي يجج عن الرجل؟ قال: يسميه في المواطن والمواقف) (1) المحمول على الندب بقرينة صحيح البزنطي (أن رجلا سأل الكاظم عليه السلام عن رجل يحج عن الرجل يسميه باسمه؟ فقال: إن الله تعالى لا تخفى عليه خافية) (2) وخبر المثنى بن عبد السلام عن الصادق


(1) الكافي ج 4 ص 310 تحت رقم 2. والتهذيب ج 1 ص 566 والاستبصار ج 2 ص 324. (2) الفقيه كتاب الحج ب 117 ح 3.

[ 319 ]

عليه السلام (في الرجل يحج عن الانسان يذكره في جميع المواطن كلها فقال: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، الله يعلم أنه قد حج عنه ولكن يذكره عند الاضحية إذا ذبحها) (1) { وكذا } أن { يعيد ما يفضل معه من الاجرة بعد حجه وأن يعيد المخالف حجته إذا استبصر وإن كانت مجزية ويكره أن تنوب المرأة إذا كانت صرورة }. أما استحباب إعادة ما يفضل فلما عن المقنعه أنه قد جاءت رواية أنه إن فضل مما أخذه فإنه يرده وإن كانت نفقة واسعة وإن كان قتر على نفسه لم يرده بعد حملها على الاستحباب بملاحظة بعض الاخبار الاخر وللقاعدة. وأما كراهة نيابة المرأة الصرورة فلخبر سلمان بن جعفر (سألت الرضا عليه السلام عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة قال: لا ينبغي) (2) وأما استحباب إعادة المخالف فمقتضى الجمع بين ما دل على الاجزاء وما دل على الاعادة ذلك وقد سبق الكلام فيه. { مسائل ثمان: الاولى إذا أوصى أن يحج عنه ولم يعين الاجرة انصرف ذلك إلى أجرة المثل ويخرج من الاصل إذا كانت واجبة ومن الثلث إذا كانت ندبا }. هذا مع الامكان بأن يوجد من يستأجره بأجرة المثل ويشكل الامر مع عدم قبول المستأجر والانحصار في من يأخذ الزائد من جهة لزوم تنفيذ الوصية و من جهة الانصراف المذكور وما يقال: من أنه مع الانحصار يكون أجرة المثل هو المقدار الزائد لا يخفى الاشكال فيه ومقتضى تنظير المقام بباب التوكيل عدم لزوم التنفيذ كما لو وكل أحدا في ابتياع شئ بثمن معين ولم يتيسر للوكيل الاشتراء بذاك الثمن، نعم إذا كانت الحجة الموصى بها حجة الاسلام فلابد من إخراج الحجة من صلب المال لا من باب الوصية بل لكونه دينا ولا يبعد القول


(1) التهذيب ج 1 ص 566 والاستبصار ج 2 ص 324 والفقيه كتاب الحج ب 117 ح 4. (2) التهذيب ج 1 ص 565 والاستبصار ج 2 ص 323.

[ 320 ]

بتقييد الانصراف بصورة الامكان بأن يقال: الوصية منصرفة إلى الاستيجار بأجرة المثل ومع عدم الامكان إلى ما أمكن ولا يبعد أن يقال نظير هذا في التوكيل نعم يقع الاشكال إذا دار الامر بين حفظ الفورية في تنفيذ الوصية والاستيجار بالازيد والتأخير إلى عام آخر والاستيجار بأجرة المثل. { ويستحقها الاجير بالعقد فإن خالف ما شرط قيل كان له أجرة المثل و الوجه أنه لا أجرة له }. أما استحقاق الاجرة بنفس العقد فواضح حيث أنه لازم صحة العقد وكونه تمام السبب من دون حاجة إلى أمر آخر، وأما صورة المخالفة فالقول باستحقاق أجرة المثل لعله من جهة انفساخ العقد بالمخالفة مع احترام عمل المسلم ووجه مختار المتن الانفساخ وعدم كون العمل المخالف بأمر المستأجر فلا احترام لعمله ويمكن أن يقال: إما مع التوسعة في وقت العمل بحيث أمكن أن يأتي الاجير العمل موافقا للشرط فلا وجه للانفساخ بل يجب الوفاء بالعقد، وإما مع عدم التوسعة وانقضاء الوقت فتارة يكون العمل مباينا كما لو عين حج التمتع وأتى الاجير بالافراد فلا وجه لاستحقاق شئ على القول بانفساخ العقد مع ترك العمل والتعذر، وإن قلنا بعدم الانفساخ يستحق الاجير الاجرة المسماة ويستحق المستأجر قيمة العمل المطابقة مع أجرة المثل وإن لم يكن مباينا بل خالف الاجير شرطا شرط عليه فالمخالفة يوجب خيار الفسخ ومع عدم الفسخ لا يقسط الاجرة لعدم تقسيط الاجرة على المشروط والشرط وإذا كانت في شي ة يقسط عليه الثمن تنقص الاجرة بالنسبة، نعم قد يقال بأن الكلي الموصوف بوصف خاص إذا عقد عليه يكون المأتي به المخالف له في الوصف مباينا له عرفا وإن كان العين الشخصية الموصوفة بوصف مع فقدان الوصف غير مباين مع ما عقد عليه ومع تسليم هذا الكلام يكون المقام مع كونه من قبيل الكلي الموصوف من قبيل الاتيان بالمباين الذي عرفت الكلام فيه، ثم إن ما ذكر من عدم انفساخ العقد مع التوسعة في الوقت يتم مع قابلية المحل فلو فرض الاستيجار على حجة الاسلام وأتى الاجير بها

[ 321 ]

مخالفا لما شرط عليه فمع فراغ ذمة المنوب عنه لا مجال للاتيان ثانيا، نعم يتصور في الحج المندوب. { المسألة الثانية: من أوصى أن يحج عنه ولم يعين المرات فإن لم يعلم منه إرادة التكرار اقتصر على المرة وإن علم إرادة التكرار حج عنه حتى يستوفى الثلث من تركته }. أما الصورة الاولى فوجه الاقتصار الاطلاق، كما لو أمر المولى بالصلاة مثلا حيث أن الاطلاق في مثل المقام يقتضي الاقتصار بصرف الوجود بخلاف مثل (أحل الله البيع) ولو فرض عدم الاطلاق يقتصر على المرة تمسكا بأصالة البراءة عما زاد، ويمكن أن يقال كما يصدق الطبيعة بالمرة بأن يحج واحد كذلك تصدق بأن يحج أشخاص في سنة واحدة وليس خروجا عن الوصية بأصل الطبيعة وما يقال من حصول المزاحمة مع حق الوارث واللازم حينئذ الاقتصار على أقل ما يتحقق به الوصية فيه أن الارث بعد الوصية وبعد الاعتراف بعدم الخروج عن الوصية كيف تتحقق المزاحمة وهذا كما لو أذن المولى في إطعام وأمكن حصول الاطعام بصرف دينار وصرف دنانير واختار العبد صرف الدنانير فهل تعدى عن مورد إذن المولى، وأما التمسك بأصالة البراءة ففيه إشكال من جهة أصالة عدم إنتقال ما شك فيه أنه داخل في الوصية إلى الوارث نعم الظاهر عدم العمل بهذا الاصل كما لو شك في أصل الوصية، ولعل نفي هذا داخل في الاصول المثبتة المعمول بها كأصالة عدم الوارث في صورة الشك في وارث آخر غير المعلوم. { وإن علم إرادته التكرار حج عنه حتى يستوفى الثلث من تركته }. ذكر في المقام أخبار أحدها خبر محمد بن الحسن الاشعري (قلت لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك إني سألت أصحابنا عما أريد أن أسألك فلم أجد عندهم جوابا وقد اضطررت إلى مسألتك وإن سعد بن سعد أوصى إلي فأوصى في وصيته حجوا عني مبهما ولم يفسر فكيف أصنع؟ قال: يأتيك جوابي في كتابك فكتب

[ 322 ]

إلي: يحج عنه مادام له مال يحمله) (1). والاخر خبر محمد بن الحسين (قال لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك قد اضطررت إلى مسألتك فقال: هات، فقلت: سعد بن سعد أوصى حجوا عني مبهما و لم يسم شيئا ولا ندري كيف ذلك؟ فقال: يحج عنه مادام له مال) (2) والاخر خبر محمد بن الحسين بن أبي خالد (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهما فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثة شئ) (3) وعن الشيخ وجماعة العمل بهذه النصوص وإن لم يعلم إرادة التكرار، ولا يبعد أن يقال جواب الامام عليه السلام إما من جهة الاستظهار من كلام الموصي وإن لم يستظهر السائل حيث أن قول الموصي (حجوا عني) ظاهر في غير حجة واحدة وحيث لا تعين لغير المرة يحمل على آخر المراتب، وإما من جهة الاحتياط في الموضوع وتظهر الثمرة فيما أحرز عدم كون الموصى في مقام البيان، فعلى الاحتمال الاول لا يكرر بل يقتصر على القدر المتيقن وعلى الثاني يكرر ومع إجمال الروايات يشكل الامر ولا يبعد الاقتصار على القدر المتيقن لعدم الاستظهار من كلام الموصي وعدم الدليل على لزوم الاحتياط وحمل الروايات على صورة العلم بإرادة التكرار على النحو المستوعب من كلام الموصي بعيد جدا ألا ترى تعبير السائل بالابهام. { المسألة الثالثة: إذا أوصى أن يحج عنه كل سنة بقدر معين فقصر ذلك القدر عن الحج جمع نصيب سنتين واستوجر به لسنة وكذا لو قصر ذلك أضيف إليه نصيب الثالثة }. في المدارك هذا الحكم مقطوع به في كلامهم، واستدل بخبر إبراهيم بن مهزيار قال: كتب إليه على بن محمد الحصيني (أن ابن عمى أوصى أن يحج عنه بخمسة عشر دينارا في كل سنة وليس يكفي ما تأمرني في ذلك؟ فكتب عليه السلام تجعل حجتين في حجة فإن الله تعالى عالم بذلك) (4) وخبر إبراهيم بن مهزيار (قال: كتبت إليه


(1) و (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 564 والاستبصار ج 2 ص 319 وج 4 ص 137. (4) التهذيب ج 1 ص 563 وج 2 ص 396 (باب وصية الانسان لعبده) والكافي ج 4 ص 310 تحت رقم 2

[ 323 ]

عليه السلام أن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة صير ربعها لك في كل سنة حجة بعشرين دينارا وأنه قد انقطع طريق البصرة فتضاعف المؤن على الناس فليس يكتفون بعشرين دينارا وكذلك أوصى عدة من مواليك في حجهم، فكتب عليه السلام: تجعل ثلاث حجج حجتين إن شاء الله) (1) وضعفهما منجبر بالعمل بل إنهما صحيحان في طريق الفقيه، وقد يحملان على صورة معلومية كون الوصية من باب تعدد المطلوب ولا يخفى أن مورد السؤال قابل لتعدد المطلوب ولوحدته ولذا لو وكل بهذا النحو لا يجوز للوكيل التخطي عما عين الموكل فلا يبعد أن يكون من باب الاحتياط في حفط غرض الموصي وإذا علم من حاله كون الوصية بنحو وحدة المطلوب يتأتى فيه الوجوه التي ذكروها من الرجوع إلى الورثة أو الصرف في مطلق وجوه البر أو ما هو أقرب إلى مصرف الوصية. { المسألة الرابعة: لو كان عند إنسان وديعة ومات صاحبها وعليه حجة - الاسلام وعلم أن الورثة لا يؤدونها عنه جاز أن يقتطع منها قدر أجرة الحج فيستأجر به هو لانه خارج عن ملك الورثة }. والدليل عليه صحيح بريد العجلي عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن رجل استودعني مالا فهلك وليس لولده شئ ولم يحج حجة الاسلام؟ قال: حج عنه وما فضل فأعطهم) (2) وقد يقال: من المحتمل اعتبار إذن الحاكم وأمر الامام إذن ففي غير هذا المورد يحتاج إلى إذن الحاكم أو عدول المؤمنين مع تعذر الاذن من الحاكم. قلت: لا يبعد أن يقال: كلام الامام عليه السلام على ما في الصحيح قابل لان يكون إذنا منه في التصرف وأن يكون بيانا لحكم المسألة، وعلى الاول لابد أن يكون عمله كعمل الوكيل والمأذون في مال الغير حيث يعد تصرفه تصرف


(1) الكافي ج 4 ص 310 تحت رقم 1 والتهذيب ج 2 ص 396 والفقيه كتاب الحج ب 106 ح 2. (2) الكافي ج 4 ص 306 تحت رقم 6 والتهذيب ج 1 ص 566 و 578 والفقيه كتاب الحج ب 107 ح 1.

[ 324 ]

الغير، وعلى الثاني يتصرف كتصرفه في مال نفسه فمع عدم التنبيه لهذه الجهة لعله يستفاد كونه على النحو الثاني والصحيح المذكور لم يذكر فيه العلم بأن الورثة لا يؤدونها ولا الظن فلا يبعد جريان الحكم مع الشك إن قلنا بخروج صورة القطع بتأديتهم إذا التفتوا لان هذه الصورة غير قابلة للسؤال لانه بحسب الارتكاز معلوم أن الاختيار بيد الوصي والورثة، وإن قلنا بخروج هذا المقدار عن ملك الورثة لانه دين فهذه الجهة يعين أصل الاستيجار لا كون الاختيار بيد الودعي. ثم أنه قد يلحق بالوديعة التي هي مورد الرواية غيرها من الحقوق المالية حتى الغصب والدين كما أنه يلحق بحجة الاسلام غيرها كالخمس والزكاة و الديون ولا يبعد حيث أنه علم من طريقة الشرع عدم ذهاب الواجبات والحقوق ومطلوبية احتفاظها غاية الامر الاحتياط بالاستيذان من الحاكم ومع التعذر من عدول المؤمنين ومع التعذر من غيرهم ومع التعذر يباشر بنفسه، بل لا يبعد كون عدول المؤمنين في مرتبة الحاكم وليس ما ذكر مبنيا على ثبوت الولاية العامة بل من جهة أنه بعد ما علم من طريقة الشرع مطلوبية أمر ودار الامر بين أن يكون الاختيار بيد كل واحد أو بيد الحاكم أو عدول المؤمنين تعين الاحتياط لدوران الامر بين التعيين والتخيير والاحتياط في ملاحظة نظر من عنده الحق أيضا. { المسألة الخامسة: إذا عقد الاحرام عن المستأجر عنه ثم نقل النية لنفسه لم يصح وإذا أكمل الحج وقعت عن المستأجر عنه ويستحق الاجرة ويظهر لي أنها لا تجزي عن أحدهما }. تقريب القول بالصحة للمستأجر عنه وقوع الاحرام نيابة عنه وكون الافعال مستحقة له فلا يؤثر العدول بعد أن صار كالاجير الخاص الذي استحقت منفعته الخاصة ويدل عليه خبر أبي حمزة (عن الصادق عليه السلام في رجل أعطاه رجل مالا ليحج عنه فحج عن نفسه؟ قال: هي عن صاحب المال) (1) بل هذا الخبر يدل


(1) التهذيب ج 1 ص 579.

[ 325 ]

على الصحة حتى لو أحرم لنفسه وتقريب عدم الاجزاء عن أحدهما أما عن المستأجر له فلعدم النية والاعمال بالنيات وأما عن نفسه فللاحرام عن غيره وعدم صحة النقل إتفاقا، والرواية ضعيفة ومتروكة الظاهر، واستشكل على هذا التقريب بأن عدم النية في باقي الافعال غير الاحرام لا يضر بعد صيرورة الاجير كالاجير الخاص وكون العمل ملكا للمستأجر وعلى هذا فالرواية مع تنزيلها على هذه الصورة ليست متروكة الظاهر وسندها مجبورة بالعمل. قلت: أولا لو سلمنا في الاجير الخاص كون كل ما يعمل ملكا للغير المستأجر فليس كل أجير من هذا القبيل بل كثيرا ما يكون من باب تعهد أمر كلي من دون أن يكون أعماله الخارجية ملكا للمستأجر وهذا على فرض تسلمه يتم في صورة عدم المباينة وأما مع المباينة فكيف يقع للمستأجر؟ الا ترى أنه لو استأجر دابة لعمل مخصوص ثم استعملها بعد القبض غاصب في عمل آخر لا يملك المستأجر أجرة مثل ذلك العمل بل المعروف رجوع المالك إليهما وفي المقام العمل المأتي به لنفسه مباين للعمل المستأجر عليه ألا ترى أنه لو آجر نفسه لعملين متماثلين لشخصين في وقت يسع لهما فعمل لاحدهما لم يقع لغيره الاخر خصوصا في العبادات المحتاجة إلى قصد القربة للمنوب عنه و لازم ما قيل الصحة حتى لو أحرم لنفسه ولا أظن أن يلتزم به أحد والرواية ظاهرة في هذه الصورة فتكون متروكة الظاهر وثانيا يشكل الامر بناء على عدم الصحة لاحدهما من جهة أن المحرم لا يتحلل إلا بعد وقوع الاعمال بنحو الصحة فمع عدم الصحة كيف يتحلل ولا يتصور الصحة مع عدم وقوعها لا لنفسه ولا عن المستأجر له إلا أن يلتزم القائل بالبطلان بأن هذا الشخص بمنزلة من فات منه الركن فيجعل حجه عمرة مفردة قهرا أو بالنية وهذا بعيد عن كلماتهم في هذه المسألة. { المسألة السادسة: إذا أوصى أن يحج عنه وعين المبلغ فإن كان بقدر ثلث التركة أو أقل صح واجبا كان أو مندوبا وإن كان أزيد وكان الحج واجبا ولم تجز الورثة كانت اجرة المثل من أصل المال والزائد من الثلث وإن كان

[ 326 ]

ندبا حج عنه من بلده إن احتمل الثلث وإن قصر حج عنه من بعض الطريق وإن قصر عن الحج حتى لا يرغب فيه أجير صرف في وجوه البر، وقيل: يعود ميراثا }. وفي المدارك قد جعل صور المسألة ثمانا فقال: الاولى أن يعين الاجير و الاجرة معا ويكون الحج واجبا ويجب إيقاع ما عينة الموصي، ثم إن كانت الاجرة المعينة مقدار اجرة المثل أو أقل نفذت من الاصل وإن زادت كانت اجرة المثل من الاصل والزيادة من الثلث إن لم تجز الورثة، ولو امتنع الموصى له من الحج بطلت الوصية واستوجر غيره بأقل ما يوجد من يحج به عنه، واستشكل عليه بأنه لا وجه لبطلان الوصية إذا لم يظهر منها تقييد المبلغ المعين بخصوصية الاجير المخصوص بل ينفذ لغيره المساوي له، وبهذا استشكل في الصورة الثانية و هي الصورة بحالها مع كون الحج مندوبا حيث حكم ببطلان الوصية مع امتناع الموصى له الحج مطلقا، قلت: بعد ما كان الاصل في القيود الاحترازية لا مجال للتخطي عما عين الموصي ولذا لا يتخطى في باب الوكالة عما عين الموكل إلا إذا علم إرادة الاطلاق ويكون من باب تعدد المطلوب، ومع الشك يشكل إلا أن يستفاد من الخبرين المذكورين في المسألة الثالثة مراعاة الوصية من باب الاحتياط وإنه مع الشك يعمل بالوصية مهما أمكن ولو كان العمل على خلاف ما عين الموصي، ثم إنه لو سلم أن الحج الواجب الخارج من الاصل يخرج أجرة مثله من الاصل دون الزائد والزيادة يخرج من الثلث ومع القصور يحتاج إلى امضاء الورثة فإن كان وجهه الانصراف كما لو وكل الموكل في اشتراء متاع فاللازم الاشتراء بثمن المثل دون الزائد فلازم ذلك عدم الخروج مع عدم وجدان من يستأجر بأجرة المثل ولا أظن أن يلتزم بذلك ويمكن منع الانصراف في المقام و إن سلم في باب الوكالة وذلك لانصراف الاذن هناك إلى ما فيه الغبطة والصلاح للموكل بخلاف المقام وكذلك الكلام في قيمة الكفن الخارج من صلب المال وعلى تقدير تسليم الانصراف يمكن الجواب عن اللازم المذكور آنفا بالتزام مرتبة أخرى

[ 327 ]

للانصراف فمع وجود من يقبل بأجرة المثل يتعين ومع عدم الوجدان ينصرف إلى ما أمكن، وأما ما في المتن من الحج من بعض الطريق مع القصور فلا يخلو لزومه عن الاشكال لان الانصراف المدعى في صورة الاطلاق إلى البلد أو مع التصريح لا يثبتان هذا، وأما صورة القصور عن أصل الحج فلا يبعد فيها التفصيل بين صورة القابلية وطرو القصور وصورة عدم القابلية أصلا ففي الصورة الثانية مقتضى القاعدة بطلان الوصية فلم يخرج الثلث عن ملك الورثة بخلاف الصورة الاولى وهذا هو المحكي عن المحقق الثاني قدس سره. { المسألة السابعة: إذا أوصى في حج وغيره قدم الواجب فإن كان الكل واجبا وقصرت التركة قسمت على الجميع بالحصص }. قد مر سابقا نظير هذا ولا يبعد تقديم الحج - حجة الاسلام - لاهميته وكذا تقديم حجة الاسلام على الحجة الواجبة بالنذر، وأما التقسيم بالحصص فقد عرفت الاشكال فيه من جهة أن الواجبات الارتباطية غير قابلة للتبعيض فلا يبعد مع القصور وعدم الترجيح التخيير. ولا يبعد الاكتفاء بالحج الميقاتي. { المسألة الثامنة: من كان عليه حجة الاسلام ونذر أخرى ثم مات بعد الاستقرار لهما أخرجت حجة الاسلام من الاصل والمنذورة من الثلث }. أما خروج حجة الاسلام من الاصل فهو المستفاد من النصوص وأما خروج المنذورة من الثلث فيدل عليه صحيح ضريس بن أعين (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل عليه حجة الاسلام نذر نذرا في شكر ليحجن رجلا إلى مكة، فمات الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام ومن قبل أن يفي لله بنذره الذي نذر، فقال: إن كان ترك مالا حج عنه حجة الاسلام من جميع المال ويخرج من ثلثه ما يحج به عنه للنذر وقد وفى بالنذر وإن لم يكن ترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الاسلام حج عنه حجة الاسلام مما ترك وحج عنه وليه النذر فإنما هو مثل دين عليه) (1) وصحيح ابن أبي يعفور قال: (قلت للصادق عليه السلام: رجل نذر لله إن عافى الله


(1) الفقيه كتاب الحج ب 90 ح 1 والتهذيب ج 1 ص 563 بادنى اختلاف.

[ 328 ]

ابنه من وجه ليحجنه إلى بيت الله الحرام فعافى الله الابن ومات الاب فقال: الحجة على الاب يؤديها عنه بعض ولده. قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الاب من ثلثه أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه) (1) ويشكل الاستدلال بهما لخروج المنذورة من الثلث مع عدم الوصية حيث أنه لا يلتزم بوجوب الحج على الولي ومع وحدة السياق لا يستفاد الوجوب و كذلك تطوع الابن إلا أن يقال: الصحيح الثاني ظاهر في الوجوب والخروج من الثلث إلا أن يتطوع الابن كما أن حجة الاسلام مع تطوع أحد بها تبرء ذمة الميت من جهته ولا يخرج من ماله شئ. { ولو ضاق المال إلا عن حجة الاسلام اقتصر عليها ويستحب أن يحج عنه للنذر، ومنهم من ساوى بين المنذورة وحجة الاسلام في الاخراج من الاصل والقسمة مع قصور التركة وهو أشبه }. قد ظهر وجه ما ذكر أولا من الاقتصار على حجة الاسلام واستحباب أن يحج للنذر، وأما ما ذكر أخيرا فوجهه أن كلا من حجة الاسلام وما وجبت بالنذر واجب مالي بمنزلة الدين وفيه منع كون الحجة المنذورة ومتساوية مع حجة الاسلام وإن كانت بمنزلة الدين خصوصا بعدم دلالة صحيح ضريس المذكور، وأما القسمة فقد عرفت الاشكال فيها مع تسليم عدم الترجيح وقد ظهر ما يمكن أن يقال في قوله قدس سره: { وفي الرواية إذا نذر أن يحج رجلا ومات وعليه حجة الاسلام أخرجت حجة الاسلام من الاصل وما نذر من الثلث والوجه التسوية لانهما دين }. { أقسام الحج } { المقدمة الثالثة: في أقسام الحج وهي ثلاثة تمتع، وقران، وإفراد }. دلت النصوص على تثليث أقسام الحج ومشروعية التمتع إلى يوم القيامة وما خالف فيه إلا من قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنا محرمهما


(1) التهذيب ج 1 ص 563.

[ 329 ]

ومعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج). { أما التمتع فصورته أن يحرم من الميقات بالعمرة المتمتع بها إلى الحج ثم يدخل مكة فيطوف لها سبعا بالبيت ويصلي ركعتين بالمقام، ثم يسعى لها بين الصفا والمروة سبعا ويقصر، ثم ينشأ إحراما للحج من مكة يوم التروية على الافضل وإلا فبقدر ما يعلم أنه يدرك الوقوف ثم يأتي إلى عرفات فيقف بها إلى الغروب ثم يفيض إلى المشعر ويقف به بعد طلوع الفجر، ثم يفيض إلى منى فيحلق بها رأسه يوم النحر ويذبح هديه ويرمي جمرة العقبة، ثم إن شاء أتى مكة ليومه أو لغده وطاف طواف الحج ويصلي ركعتيه ويسعى سعيه وطاف طواف النساء ويصلي ركعتين ثم عاد إلى منى لرمي ما تخلف عليه من الجمار فيبيت بها ليالي التشريق، وإن شاء أقام بمنى حتى يرمى جمارة الثلاث يوم الحادي عشر ومثله يوم الثاني عشر ثم ينفر بعد الزوال وإن أقام إلى النفر الثاني جاز أيضا وعاد إلى مكة للطوافين والسعي وهذا القسم فرض من كان بين منزله وبين مكة اثنى عشر ميلا فما زاد من كل جانب وقيل: ثمانية وأربعون ميلا }. أما ما ذكر - قدس سره - من أول كلامه إلى قوله: وهذا القسم الخ فهو صورة حج التمتع بنحو الاجمال وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله. وأما ما ذكر أخيرا فالظاهر أن المشهور هو القول الثاني وهو الاقوى، واستدل للقول الاول بنص الاية الشريفة على أنه فرض من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ومقابل الحاضر هو المسافر وحد السفر أربعة فراسخ مؤيدا باطلاق ما دل على وجوب التمتع خرج منه الحاضر وما الحق به مما هو دون ذلك قطعا، فيبقى الباقي، ولا يخفى الاشكال فيما ذكر لان الحاضر قد يطلق في مقابل المسافر، وقد يطلق في مقابل البادي، وقد يطلق في مقابل الغائب، فمع الاجمال كيف يستدل به مضافا إلى أن حد السفر ثمانية فراسخ غاية الامر تحصل بالتلفيق بحسب أخبار الباب وقول جماعة من الفقهاء رضوان الله عليهم. وأما التمسك بالاطلاق في صورة إجمال المخصص مفهوما مع دورانه بين

[ 330 ]

الاقل والاكثر فتصل النوبة إليه مع عدم دليل على التعيين والدليل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (قلت له: قول الله عزوجل في كتابه (ذلك لمن - الاية) فقال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الاية وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة) (1) ولا إشكال في أن ذات عرق بعدها من مكة أزيد من أربعة فراسخ ولا مجال للاشكال بأن بعد ذات عرق من مكة مقدار مرحلتين والمرحلتان مقدار ثمانية فراسخ لان ما ذكروا تقريبي ولا ينافي النقصان بمقدار نصف فرسخ أو أقل كما أنه في السفر إذا نقصت المسافة بأقل ما يكون لم يترتب عليه الحكم فبقول الامام عليه السلام يستكشف أن ما هو المعروف تقريبي، والصحيح عن عبد الله الحلبي وسليمان بن خالد وأبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: ليس لاهل مكة ولا لاهل مرو ولا لاهل سرف متعة وذلك لقول الله عزوجل: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري - الخ) (2) ونحوه خبر سعيد الاعرج بناء على ما في المعتبر من أنه معلوم كون هذه المواضع أكثر من اثني عشر ميلا. وفي قبال ما ذكر أخبار لم يعمل بها بعضها فيه التحديد بثمانية عشر ميلا من الجوانب الاربع ومنها ما فيه التحديد بما دون المواقيت إلى مكة { فإن عدل هؤلاء إلى القران أو الافراد في حجة الاسلام اختيارا لم يجز ويجوز مع الاضطرار }. ادعي الاجماع على عدم جواز العدول اختيارا وجواز العدول اضطرارا ويدل على الثاني النصوص المستفيضة. { وشروطه أربعة: الاول النية، الثاني وقوعه في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل: عشرة من ذي الحجة، وقيل: تسعة أيام من ذي الحجة، وقيل: إلى طلوع الفجر من يوم النحر وضابط وقت الانشاء ما يعلم أنه يدرك المناسك، والثالث أن يأتي بالحج والعمرة في سنة واحدة }.


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 455 والاستبصار ج 2 ص 157

[ 331 ]

لا إشكال في اعتبار النية لان الحج من العبادات ولابد في حصول الامتثال بالنسبة إلى الامر المتعلق بكل نوع من أنواعه نية ذلك النوع ونسب إلى الشيخ (قدس سره) الاكتفاء بنية الاحرام المطلق ثم تعيين النوع ولا يبعد أن يكون كلامه هنا في قبال الشيخ ولا يبعد قول الشيخ من جهة أن الاحرام جزء مشترك بين عمرة التمتع وحجه وحج القران والافراد والمركب يلتئم من الصرف و ذوات الاجزاء صرفا من دون تقيد وتضيق ولذا قيل: لا يلزم تعيين السورة في الصلاة قبل البسملة بل يجوز قراءة البسملة بقصد القرانية وتعيين السورة بعدها وتصير البسملة جزءا للسورة المقروءة ولا دليل على اعتبار أزيد من هذا في العبادات. وأما الشرط الثاني فالاختلاف المذكور فيه لفظي ظاهر الان الكل متفقون ظاهرا على الضابط المذكور. وأما الشرط الثالث فالظاهر عدم الخلاف فيه وربما يستظهر من الاخبار مثل صحيح حماد أو حسنه عن أبي عبد الله عليه السلام (من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج، فلا يزال على إحرامه فإن رجع إلى مكة رجع محرما ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى. قال: فإن جهل وخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثم رجع في إبان الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرما أو بغير إحرام فقال عليه السلام: إن رجع في شهره دخل [ مكة ] بغير إحرام وإن دخل [ مكة ] في غير الشهر دخل محرما، قال: فأي الاحرامين والمتعتين متعة الاولى أو الاخيرة؟ قال: الاخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجه) (1) وغيره وغاية ما يستفاد منها ارتباط عمرة التمتع بحجه واشتباكهما وعدم الخروج من مكة إلا بعد إتيان الحج ولا يخفى أن هذا غير المقصود أعني لزوم كونهما في سنة واحدة


(1) الكافي ج 4 ص 441 تحت رقم 1 والتهذيب ج 1 ص 493.

[ 332 ]

فلو فرض بقاء المعتمر للتمتع في مكة مدة سنة بعد الاحلال بالتقصير أو بقي محرما إلى زمان الحج وأتى بحج التمتع فلا دليل على بطلان عمله الواجب أعني حج التمتع، ولذا قال في كشف اللثام: ودلالة الجميع ظاهرة الضعف فإن تم الاجماع فهو وإلا يشكل إثبات ذلك بالاخبار. { الرابع: أن يحرم بالحج له من بطن مكة، وأفضل مواضعه منها المسجد ولا يتعين الاحرام منه، وأفضله المقام }. أما لزوم الاحرام من بطن مكة شرفها الله تعالى فقد ادعي عليه الاجماع مع الاختيار لكن قال إسحاق (سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجئ فيقضي متعته ثم تبدوله الحاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج. قلت: فإنه دخل في الشهر الذي خرج فيه فقال: كان أبي مجاورا ههنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج) (1) وظهوره في جواز الاحرام من الميقات للحج وجواز الاحرام من ذات عرق اختيارا غير قابل للانكار، وإن قيل: لا صراحة فيه بحيث ينافي ما هو المسلم. وأما أفضلية كونه في المسجد فقد استدل عليها بقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم ألبس ثوبيك وأدخل المسجد حافيا، وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام أو في الحجر ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين إحرامك من الشجرة ثم أحرم بالحج) (2) وفي خبر أبي بصير (إذا أردت أن تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين أردت أن تحرم - إلى أن قال - ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات - الخ) (3) ولا يخفى أن استفادة الافضلية لنفس الاحرام في المسجد مجردا عن الخصوصيات


(1) الكافي ج 4 ص 442 تحت رقم 2 والتهذيب ج 1 ص 493. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 454. والتهذيب ج 1 ص 494

[ 333 ]

المذكورة مشكلة مضاف إلى ما هو المعروف من أن الواو لمطلق الجمع. وأما وجه عدم التعين فالاتفاق المحكي عن التذكرة وفي خبر عمرو بن حريث (سأل عن الصادق عليه السلام من أين أهل بالحج فقال: إن شئت من رحلك وإن شئت من الكعبة، وإن شئت من الطريق) (1). وأما أفضلية المقام فقد استدل عليها بقول الصادق عليه السلام في خبر عمر بن يزيد (إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة ثم صل ركعتين خلف المقام ثم أهل بالحج فإن كنت ماشيا فلب عند المقام وإن كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك) (2). { ولو أحرم بالعمرة التمتع بها في غير أشهر الحج لم يجز له التمتع بها وكذا لو فعل بعضها في أشهر الحج ولم يلزم الهدي }. أما لزوم وقوع عمرة التمتع في أشهر الحج فاتفاقي ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في خبر عمر بن يزيد (ليس يكون متعة إلا في أشهر الحج ويترتب عليه عدم لزوم الهدي الذي هو من توابع التمتع ثم إنه يقع الكلام في صحة العمرة مع عدم وقوعها جزءا لحج التمتع قيل بعدم الصحة مع قصد التمتع لان المقصود غير واقع والواقع غير مقصود ولا يبعد القول بالصحة لخبر الاحول عن أبي - عبد الله عليه السلام (في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج قال: يجعلها عمرة) (3) ويمكن أن يكون مراد السؤال ما لو أحرم للحج جهلا في غير أشهر الحج فلا يدل على المطلوب ولا يبعد صحة الاستدلال بصحيح حماد أو حسنه السابق حيث فرض فيه إتيان العمرة والخروج إلى الخارج والدخول في شهر آخر غير الشهر الذي اعتمر فيه مع فرض التمتع أولا. { والاحرام من الميقات مع الاختيار فلو أحرم لحج التمتع من غير مكة


(1) التهذيب ج 1 ص 493 والكافي ج 4 ص 455 تحت رقم 4. (2) التهذيب ج 1 ص 594. (3) الفقيه كتاب الحج ب 115 ح 5.

[ 334 ]

لم يجز به ولو دخل مكة بإحرامه على الاشبه ووجب استينافه منها نعم لو تعذر ذلك قيل: يجزيه والوجه أنه يستأنفه حيث أمكن ولو بعرفة أن يتعمد ذلك }. أما عدم إجزاء الاحرام لحج التمتع من غير مكه اختيارا فالظاهر عدم خلاف محقق فيه وهو موافق للقاعدة فإن إجزاء ما يخالف الامر يحتاج إلى الدليل نعم قد سبق الرواية المتضمنة لنقل إحرام الامام صلوات الله عليه من ذات عرق بعد خروجه من مكة في مقام جواب السائل لكنها غير معمول بها بظاهرها، وأما مع التعذر ولو لضيق الوقت فالمحكي عن الشيخ (قده) الاجزاء وإثباته بالدليل مشكل هذا كله مع عدم الجهل بالحكم وأما معه فقد يقال بالصحة تمسكا بإخبار واردة في ترك الاحرام من الميقات غير مكة للجهل بالحكم، قال زرارة (عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الوقت وهي لا تصلي فجهلوا أن مثلها ينبغى أن تحرم، فمضوا بها كما هي حتى قدمت مكة وهي طامث حلال فسألوا بعض الناس فقالوا: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه وكانت إذا فعلت لم تدرك الحج فسألوا أبا جعفر عليه السلام فقال: تحرم من مكانها قد علم الله نيتها) (1) ولا يبعد استفادة الاجزاء في المقام مع عدم التمكن بقرينة الذيل أعني قوله عليه السلام (قد علم الله نيتها) ومما ذكر يظهر الاشكال فيما في المتن من كفاية الاحرام من عرفة مع التعذر مع التعمد في الترك والعلم بالحكم ولعله يجئ تتمة الكلام في المسائل الواجبة إلى الاحرام إن شاء تعالى. { وهل يسقط الدم والحال هذه فيه تردد }. وجه التردد أن الدم أعني النحر والذبح يوم العيد اختلف في أنه من المناسك كالطواف وغيره أو يكون جبرانا لعدم الاحرام من المواقيت المعروفة؟ والمعروف بين الخاصة أنه من المناسك، وقيل: إنه جبران لعدم الاحرام من الميقات، ويظهر الثمرة فيما لو أحرم من أحد المواقيت فعلى القول الاول لا يسقط الدم، وعلى الثاني يسقط ولعله يأتي الكلام فيه ان شاء الله.


(1) الكافي ج 4 ص 324.

[ 335 ]

{ ولا يجوز للمتمتع الخروج من مكة حتى يأتي بالحج لانه صار مرتبطا به إلا على وجه لا يفتقر إلى تجديد عمرة }. أما وجه عدم جواز الخروج فالاخبار المذكورة في بيان الشرط الثالث أعني لزوم وقوع العمرة والحج في سنة واحدة وقد ذكرنا صحيح حماد أو حسنه. ومنها خبر معاوية بن عمار (قلت لابي عبد الله عليه السلام: من أين يفترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: إن المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء وقد اعتمر الحسين عليه السلام في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق و الناس يروحون إلى منى) (1). ومنها مرسل أبان عن أبي عبد الله عليه السلام (المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج إلى الحج إلا أن يأبق غلامه أو تضل راحلته فيخرج محرما ولا يتجاوز إلا على قدر ما لا يفوته عرفة) (2). ومنها صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (قلت: كيف أتمتع؟ قال تأتى الموقف فتلبي - إلى أن قال -: وليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج) (3). وفي قبالها خبر إسحاق بن عمار (سأل أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجئ فيقضي متعتة، ثم تبدوله الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق وإلى بعض المعادن قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج) (4) ومرسل الصدوق عن الصادق عليه السلام (إذا أراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا أن يعلم أنه لا يفوته الحج وإن علم وخرج [ ثم رجع ] وعاد في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلا وإن دخلها في غير ذلك الشهر


(1) الكافي ج 4 ص 535، والتهذيب ج 1 ص 572، والاستبصار ج 2 ص 328. (2) الكافي ج 4 ص 443. (3) التهذيب ج 1 ص 470. (4) الكافي ج 4 ص 442، والتهذيب ج 1 ص 493.

[ 336 ]

دخل محرما) (1) ويشكل استفادة حرمة الخروج مع عدم فوت الحج للمرسل المذكور وخبر إسحاق حيث إنه مع الخروج كان ارتهانه بالحج محفوظا ولو كان ارتهانه منافيا للخروج لم يكن ارتهانه محفوظا، بل لو استشكل بعضف السند قلنا دلالة الاخبار المانعة ليست قوية لقوة احتمال كون النظر إلى عدم فوت الحج فلا تدل على حرمة الخروج مع عدم الفوت فإن الارتهان بالحج والاحتباس به لا ينافي الخروج بهذا النحو، وعن جماعة القول بالكراهة للاصل والجمع بين النصوص بشهادة قوله: (ما أحب) في خبر حفص منها، ومما ذكر ظهر وجه الجواز في صورة الخروج والدخول في ذلك الشهر حيث لا يفتقر إلى تجديد العمرة. { ولو جدد عمرة تمتع بالاخيرة }. هذا مستفاد من رواية حماد السابقة لكنها لا يستفاد منها كون الاولى مفردة خصوصا بعد ملاحظة عدم معلومية وجوب الثانية حيث علل بأن لكل شهر عمرة ومن المعلوم عدم وجوب العمرة لكل شهر فلا يبعد أن يكون نظير الصلاة المعادة حيث أنها مع عدم وجوبها قابلة لاختيارها في مقام القبول، وفي المقام يتعين وإن كانت مستحبة وهذا لا يوجب صيرورة العمرة الاولى مفردة حتى يستشكل من جهة احتياج العمرة المفردة إلى طواف النساء وعدم ذكر له في المقام، ويشهد لما ذكر أنه لو لم يخرج من مكة وانقضى من زمان تحلله من العمرة شهر لم يدل دليل على وجوب عمرة أخرى مع انقضاء الشهر. { ولو دخل بعمرة وخشي ضيق الوقت جاز له نقل النية إلى الافراد وكان عليه عمرة مفردة }. لا إشكال في العدول إلى الافراد مع ضيق الوقت بحيث لا يتمكن من إتمام العمرة والحج، ويدل عليه الاخبار، إنما الاشكال في تحديد الضيق المجوز، فقيل: حد الضيق خوف فوت اختياري الركن من وقوف عرفة وقيل: حد فوات السعة زوال الشمس من يوم التروية. وعن بعض أنه غروب الشمس منه قبل


(1) الفقيه كتاب الحج ب 61 ح 1.

[ 337 ]

الطواف وعن بعض في حجة الاسلام ونحوها مما تعين فيها المتعة لم يجز العدول ما لم يخف فوات اضطراري عرفة، ومنشأ الاختلاف اختلاف النصوص. فمنها مرسل ابن بكير عن بعض أصحابنا فيه (أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن المتعة متى تكون؟ قال: يتمتع ما ظن أنه يدرك الناس بمنى). (1) ومنها خبر يعقوب بن شعيب الميثمي (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس للمتمتع ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوات الموقفين) (2) وعن بعض النسخ (إنه يحرم من ليله عرفة) مكان (أن لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له). وفي المرسل عن أبي بصير (قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فتكون طهرها ليلة عرفة فقال: إن كانت تعلم أنها تطهر وتطوف بالبيت وتحل من إحرامها وتلحق بالناس فلتفعل) (3). ومنها خبر مرازم بن حكيم (قلت لابي عبد الله عليه السلام: المتمتع يدخل ليلة عرفة مكة أو المرأة الحائض متى تكون لهما المتعة فقال: ما أدركوا الناس بمنى) (4) ومنها صحيح جميل عن أبي عبد الله عليه السلام (المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر) (5) ويظهر من هذه الاخبار وغيرها أنه متى زاحم المتعة مع الوقوف الواجب في عرفات لا خصوص الركن منه يرفع اليد عن العمرة ويبدل الحج بالافراد وفي قبالها أخبار أخر. منها خبر العيص بن القاسم (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتمتع يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر تفوته المتعة؟ قال: لا، له ما بينه وبين غروب الشمس، وقال: قد صنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).


(1) الكافي ج 4 ص 443 والتهذيب ج 1 ص 495 والاستبصار ج 2 ص 246. (2) الكافي ج 4 ص 444 والتهذيب ج 1 ص 495 والاستبصار ج 2 ص 247. (3) التهذيب ج 1 ص 559 والاستبصار ج 2 ص 311. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 495 والاستبصار ج 2 ص 247. (6) التهذيب ج 1 ص 495 والاستبصار ج 2 ص 248. واللفظ له.

[ 338 ]

ومنها خبر زكريا بن آدم (قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة قال: لا متعة له، يجعلها عمرة مفردة) (1) وهي مرمية بالشذوذ نادة القائل. { وكذا الحائض والنفساء إذا منعهما عذرهما عن التحلل وإنشاء الاحرام بالحج لضيق الوقت عن التربص لقضاء أفعال العمرة }. هذا هو المشهور شهرة عظيمة ويدل عليه صحيح جميل (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر وتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة) (2) ولا مجال للاخذ بإطلاق الصدر حيث يشمل ما لو طهرت ليلة أو أول اليوم - يوم عرفة - بحيث تدرك الوقوف لقوله عليه السلام (ثم تقيم حتى تطهر) حيث فرض بقاء الحيض إلى زمان الوقوف مضافا إلى لزوم تقييده ببعض الاخبار المذكورة آنفا وخبر إسحاق عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات؟ قال: تصير حجة مفردة، قلت عليها شئ؟ قال: دم تهريقه وهى أضحيتها) (3) والمحكي عن الاسكافي وعلي بن بابوية وأبي الصلاح بقاء الحائض على متعتها فتفعل حينئذ غير الطواف من أفعالها وتقصر ثم تحرم بالحج من مكانها ثم تقضي ما فاتها من الطواف بعد أن تطهر لخبر العلاء بن صبيح وابن الحجاج وابن رئاب وعبد الله بن صالح كلهم يروونه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " (المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية فإن طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة وإن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت ثم سعت بين


(1) التهذيب ج 1 ص 495 والاستبصار ج 2 ص 249 وفيه زكريا ابن عمران. (2) التهذيب ج 1 ص 558. والفقيه كتاب الحج ب 62 ح 6. (3) التهذيب ج 1 ص 558 والاستبصار ج 2 ص 310 والفقيه كتاب الحج ب 62 ح 7.

[ 339 ]

الصفا والمروة ثم خرجت إلى منى فإذا قضت المناسك وزارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها ثم طافت طوافا للحج، ثم خرجت فسعت فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شئ يحل منه المحرم إلا فراش زوجها فإذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها) (1). وغيرها من الاخبار وحكي التخيير بين الامرين ولولا خوف مخالفة المشهور لامكن القول بالتخيير حيث أن كلا من الطرفين من الاخبار نص في الاجزاء، وظاهر في التعيين، فيرفع اليد عن كل من الظهورين بالنص، وقيل بالتفصيل بين صورة الاحرام حال طهارتها وبين صورة الاحرام حال الحيض، ففي الاولى تقضي طوافها بعد ذلك وفي الثانية تبطل متعتها، والشاهد عليه خبر أبي بصير قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في المرأة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهرة ثم حاضت قبل أن تقضي متعتها سعت ولم تطف حتى تطهر ثم تقضي طوافها وقد تمت متعتها وإن هي أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر) (2) والظاهر أن الرواية غير معمول بها. { ولو تجدد العذر وقد طافت أربعا صحت متعتها وأتت بالسعي وببقية المناسك، وقضت بعد طهرها ما بقي من طوافها }. واستدل عليه بعموم ما دل على إحراز الطواف بإحراز الاربعة منه و خصوص النصوص: منها خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، فإن هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله) (3).


(1) الكافي ج 4 ص 445 تحت رقم 1، وفيه: (فإذا طافت اسبوعا آخر حل لها). (2) التهذيب ج 1 ص 260 والاستبصار ج 2 ص 315. (3) الكافي ج 4 ص 448 تحت رقم 2، والتهذيب ج 1 ص 560 والاستبصار ج 2 ص 315.

[ 340 ]

ومنها صحيح سعيد الاعرج (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن امرأة طافت بالبيت أربعة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت قال: يتم طوافها فليس عليها غيره ومتعتها تامة فلها أن تطوف بين الصفا والمروة وذلك لانها زادت على النصف وقد قضت متعتها ولتستأنف بعد الحج) (1) وزاد في الفقيه بعد أن رواه مرسلا (وإن هي لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر) (2) ومنها خبر إسحاق بياع اللؤلؤ (عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم رأت الدم فمتعتها تامة) (3) وزاد في التهذيب والاستبصار (وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وتخرج إلى منى قبل أن تطوف الطواف الاخر) (4). قلت: أما الرواية الاولى فالمستفاد منها ليس إلا الاكتفاء بالبقية لا الاستيناف وإطلاقه يشمل ما لو أخر عن أفعال الحج وإطلاق ما دل على لزوم وقوع الحج بعد العمرة وتماميتها ينافي ذلك الاطلاق فلا مجال للتمسك بها للمدعى، وأما صحيح الاعرج فظاهره إتمام الطواف مع الابتلاء بالطمث ولا أظن أن يلتزم به أحد وقوله في ذيله (وتستأنف بعد الحج) إن قرء بإضافة لفظ (بعد) إلى لفظ (الحج) فمعناه عدم الاكتفاء بما مضى وإن قرء بالضم فمناسبة لفظ الاستياف لا نعرفها لان الحج حينئذ لا يعد مستأنفا. وأما رواية إسحاق فلا ننكر ظهورها لكن الاشكال من جهة السند فإن كان اتكال المشهور عليها بحيث ينجبر ضعف السند وإلا يشكل. ثم إنه الحق بالمقام ما لو عرض الحيض بعد تمام الطواف وقبل الصلاة بالاولوية وقد يستدل بصحيح الكناني (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة طافت


(1) التهذيب ج 1 ص 559 والاستبصار ج 2 ص 313. (2) الفقيه كتاب الحج ب 62 ح 15. (3) الكافي ج 4 ص 449 تحت رقم 4. (4) التهذيب ج 1 ص 559 والاستبصار ج 2 ص 313.

[ 341 ]

بالبيت في حج أو عمرة ثم حاضت قبل أن تصلي الركعتين قال: إذا طهرت فلتصل ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام وقد قضت طوافها) (1) والاولوية بحيث توجب القطع بالحكم محل تأمل ألا ترى أن القليل من الدم الاقل من الدرهم معفو عنه في الصلاة وما تنجس من جهته لا يعفى عنه، والصحيح المذكور وكذا مضمر زرارة القريب المضمون منه وإن كان إطلاقهما يشمل المقام لكنه يعارض بالاطلاق الاخر وقد أشرنا آنفا. { وإذا صح حج التمتع سقطت العمرة المفردة }. ادعي الاجماع عليه قال الصادق عليه السلام على المحكي في الصحيح (إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة) (2) { وأما صورة حج الافراد فهو أن يحرم من الميقات أو من حيث يسوغ له الاحرام بالحج، ثم يمضى إلى عرفات فيقف بها ثم يفيض إلى المشعر فيقف به، ثم إلى منى فيقضي مناسكه بها ثم يأتي مكة فيه أو بعده إلى آخر ذي الحجة فيطوف بالبيت ويصلي ركعتين ويسعى بين الصفا والمروة ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتين، وعليه عمرة مفردة بعد الحج والاحلال منه، ثم يأتي بها من أدنى الحل، ويجوز وقوعها في غير أشهر الحج ولو أحرم بها من دون ذلك ثم خرج إلى أدنى الحل لم يجزه الاحرام الاول وافتقر إلى استينافه، وهذا القسم والقرآن فرض أهل مكة ومن بينه وبينها دون اثنى عشر ميلا من كل جانب أو ثمانية و أربعين ميلا }. سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى تفصيل هذه المباحث في محالها. { فإن عدل هؤلاء إلى التمتع اضطرارا جاز }. ادعي الاتفاق عليه واستدل عليه بإطلاق ما دل على جواز العدول بحج -


(1) الكافي ج 4 ص 448 تحت رقم 1 والتهذيب ج 1 ص 560. (2) الكافي ج 4 ص 533 تحت رقم 1، والتهذيب ج 1 ص 171، والاستبصار ج 2 ص 325.

[ 342 ]

الافراد إلى التمتع كصحيح معاوية بن عمار (سأل الصادق عليه السلام عن رجل لبى بالحج مفردا ثم دخل مكة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، قال: فليحل وليجعلها متعة إلا أن يكون ساق الهدي فلا يستطيع أن يحل حتى يبلغ الهدي محله) (1) وغيره واستشكل فيه بأن الصحيح المذكور يدل على مشروعية العدول لا تجويز العدول لمن كان فرضه الافراد ومخصوص بالافراد دون القران هذا مضافا إلى إمكان العدول في ذلك إلى العمرة المفردة والاحرام بالحج من منزله أو الميقات إن تمكن منه وليس فيه إلا تقديم العمرة على الحج ولا بأس به مع الضرورة بل لا دليل على وجوب تأخيرها عنه مع الاختيار ففي مرسل الفقيه عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام (أمرتم بالحج والعمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم) (2). وسئل الصادق عليه السلام في خبر إبراهيم بن عمر اليماني (عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده، قال: لا بأس وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم) (3). قلت: أما الاتفاق فلنفيه وجه لنقل الخلاف عن جماعة، وأما إنكار إطلاق الصحيح المذكور فمشكل من جهة ترك الاستفصال فإن الرجل المذكور فيه يمكن أن يكون حجه حجة الاسلام فجواب الامام صلوات الله عليه بدون استفصال يدل على جواز العدول فإن قام إجماع على عدم الجواز مع الاختيار قيد بصورة الاضطرار، وجواز تقديم العمرة إضطرارا لا ينافي رفع الاضطرار بالعدول فيجوز دفع الاضطرار بأحد النحوين إن جوز رفع الاضطرار بتقديم العمرة. وأما حال الاختيار فادعي الاجماع على عدم جواز التقديم والمدعون للاجماع كان الاخبار المجوزة للتقديم بمرأى ومسمع منهم، فلا مجال للاخذ


(1) التهذيب ج 1 ص 471. (2) المصدر كتاب الحج ب 152 ح 22. (3) الكافي ج 4 ص 535 تحت رقم 3، والتهذيب ج 1 ص 571، والاستبصار ج 2 ص 327.

[ 343 ]

بظواهرها. { وهل يجوز لغير النائي أن يؤدي (فرضه متمتعا) اختيارا؟ قيل: نعم وقيل: لا، وهو الاكثر }. المشهور عدم الجواز وعن الشيخ ويحيى بن سعيد القول بالجواز، واستدل للشيخ بصحيح عبد الرحمن بن الحجاج وعبد الرحمن بن أعين (سألا الكاظم عليه السلام عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الامصار، ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله صلى الله عليه وآله أله ان يتمتع؟ فقال: ما أزعم أن ذلك ليس له، و الاهلال بالحج أحب إلي، ورأيت من سأل أبا جعفر عليه السلام وذلك أول ليلة من شهر رمضان فقال له: جعلت فداك إنى قد نويت أن أصوم بالمدينة قال: تصوم إن شاء الله قال له: وأرجو أن يكون خروجي في عشر من شوال فقال: تخرج إن شاء الله، فقال له: إنى نويت أن أحج عنك أو عن أبيك فكيف أصنع؟ فقال له: تمتع، فقال له: إن الله تعالى ربما من علي بزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وزيارتك و السلام عليك وربما حججت عنك وربما حججت عن أبيك وربما حججت عن بعض إخوانى أو عن نفسي فكيف أصنع؟ فقال: تمتع فرد عليه القول ثلاث مرات يقول له: إنى مقيم بمكة وأهلي بها؟ فيقول: تمتع - الحديث) (1). وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الامصار، ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل وكان الاهلال أحب إلي) (2) ونوقش في الاستدلال بهما بأنهما واردان في غير ما نحن فيه، والحمل على الحج الندبي. قلت: المناقشة في الصحيح الاول متوجه بقرينة نقل الامام عليه السلام كلام من سأل أبا جعفر عليه السلام وإن أمكن أن يقال بعدم المنافاة مع الاطلاق في الصدر، وأما الصحيح الثاني فلا مانع من إطلاقه، ومجرد ندرة عدم إتيان الساكن في


(1) التهذيب ج 1 ص 455 والاستبصار ج 2 ص 158. (2) الكافي ج 4 ص 300 ح 5.

[ 344 ]

مكة حجة الاسلام لا يوجب رفع اليد عن الاطلاق، إلا أنه يعارض هذا الاطلاق على فرض تسليمه بإطلاق النصوص الكثيرة الدالة على أنه ليس لاهل مكة ولا لاهل مر ولا لاهل سرف متعة. وظاهر الاية الشريفة المصرح في النصوص بإرادة الاشارة إلى التمتع فالاحوط الاخذ بالمشهور. { ولو قيل: بالجواز لم يلزمهم هدي }. علل عدم اللزوم بعدم فوات ميقات الاحرام لهم، واستشكل بأنه نسك لا جبران لاطلاق ما دل من الكتاب والسنة وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. { وشروطه ثلاثه النية، وأن يقع في أشهر الحج، وأن يعقد إحرامه من ميقاته أو من دويرة أهله إن كان منزله دون الميقات }. لا خلاف بيننا ظاهرا فيما ذكر ويقع الكلام في اعتبار الاقربية بالنسبة إلى مكة أو إلى عرفات وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. { وأفعال القارن وشروطه كالمفرد غير أنه يتميز عنه بسياق الهدي عند إحرامه }. هذا هو المشهور واستدل عليه بقول الصادق عليه السلام في خبر منصور (الحج عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتع وحاج مفرد سايق للهدي وحاج مفرد للحج) (1) والسائق هو القارن. وفي خبره الاخر عن الصادق عليه السلام (لا يكون القارن قارنا إلا بسياق الهدي، وعليه طوافان بالبيت وسعي بين الصفا والمروة كما يفعل المفرد و ليس بأفضل من المفرد إلا بسياق الهدي) (2) وفي خبر معاوية (لا يكون القران إلا بسياق الهدي وعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم عليه السلام وسعي بين الصفا والمروة وطواف بعد الحج وهو طواف النساء - إلى أن قال - وأما المفرد للحج فعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم عليه السلام وسعي بين الصفا و


(1) الكافي ج 4 ص 291 والاستبصار ج 2 ص 153 وفي التهذيب ج 1 ص 453 و فيه (حاج مقرن سائق للهدى) (2) الكافي ج 4 ص 295 والتهذيب ج 1 ص 458.

[ 345 ]

المروة وطواف الزيارة وهو طواف النساء وليس عليه هدي ولا أضحية) (8) خلافا للمحكي عن ابن أبي عقيل من أن القارن معتمر أو لا ولا يحل من العمرة حتى يفرغ من الحج، ونزل عليه أخبار حج النبي صلى الله عليه وآله المشتملة على طوافه و صلاة الركعتين وسعيه بين الصفا والمروة حين قدومه مكة وكذا أصحابه ولكن لم يحل هو لانه سائق وأمر غيره ممن لم يسق بالاحلال وجعلها عمرة وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم ولكني سقت الهدي وليس لسايق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله وشبك أصابعه بعضها إلى بعض و قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (9) ويؤيده خلو النصوص أجمع من اعتمار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الحج بل روى الصدوق في محكي العلل مسندا إلى فضيل بن عياض (أنه سأل الصادق عليه السلام عن الاختلاف في الحج فبعضهم يقول: خرج رسول الله مهلا بالحج، وقال بعضهم مهلا بالعمرة، وقال بعضهم: خرج قارنا، وقال بعضهم: ينتظر أمر الله عزوجل. فقال أبو عبد الله عليه السلام: علم الله عزوجل أنها حجة لا يحج رسول الله صلى الله عليه وآله بعدها فجمع الله له ذلك كله في سفرة واحدة ليكون جميع ذلك سنة لامته فلما طاف بالبيت وبالصفا والمروة أمره جبرئيل أن يجعلها عمرة إلا من كان معه هدي فهو محبوس على هدية لا يحل لقوله عزوجل (يبلغ الهدي محله) فجمعت له العمرة والحج وكان خرج على خروج العرب الاول لان العرب كانت لا تعرف الحج وهو في ذلك ينتظر أمر الله وهو عليه السلام يقول: الناس على أمر جاهليتهم إلا ما غيره الاسلام وكانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج. فشق على أصحابه حين قال: اجعلوها عمرة، لانهم لا يعرفون العمرة في أشهر الحج وهذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وآله إنما كان في الوقت الذي أمرهم بفسخ الحج فقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وشبك بين أصابعه يعني في أشهر الحج [ و قال فضيل ] قلت: أفيعتد بشئ من الجاهلية؟ قال: إن أن أهل الجاهلية ضيعوا


(1) التهذيب ج 1 ص 458. (2) الكافي ج 4 ص 246.

[ 346 ]

كل شئ من دين إبراهيم عليه السلام إلا الختان والتزويج والحج فانهم تمسكوا بها ولم يضيعوها) (1) وفي المرسل الانكار من عثمان على أمير المومنين صلوات الله عليه بقرنه بين الحج والعمرة، وقوله (لبيك بحجة وعمرة معا) والانصاف قوة ما حكي عن ابن أبي عقيل وظاهر الصدوقين (قده) وغيرهم لامكان الخدشة في أدلة المشهور، فأما الرواية الاولى فليس فيها إلا تثليث الاقسام ولا يستفاد منها اتحاد الافراد والقران. وأما الرواية الثانية فالمستفاد منها توقف القران على سياق الهدي وما في ذيلة من عدم الافضيلة إلا بسياق الهدي لم يحرز كون الافضلية بحسب الاجزاء بل يحتمل الافضلية من حيث المثوبة نظير فضل التمتع على الافراد والقران، وخبر معاوية يجري الكلام في خبر منصور فيه والتفصيل المذكور فيه يفيد المغايرة، نعم يظهر من صحيح الحلبي أن الفضل بالنظر إلى الاجزاء منفي ففيه عن الصادق عليه السلام (إنما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد وليس بأفضل منه إلا بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وصلاة على ركعتين خلف المقام: وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحج. وقال: أيما رجل قرن بين الحج والعمرة فلا يصلح إلا أن يسوق الهدي قد أشعره أو قلده، والاشعار أن يطعن في سنامها بحديدة حتى يدميها وإن لم يسق الهدي فليجعلها متعة) (2) ولا يخفى أنه يستفاد من قوله (أيما رجل الخ) أن القران يتحقق بالجمع بين الحج والعمرة بنية واحدة غاية الامر عدم الصلوح إلا مع سياق الهدي، والحمل على عدم صلوح ذلك وانحصار الصلوح بسياق الهدي كما ترى لان الظاهر أن ما فرض أولا يصلح مع سياق الهدي كما أن قوله عليه السلام (وإن لم يسق الهدي فليجعلها متعة) لا يتصور إلا مع الجمع بين العمرة و الحج وتقديم العمرة وهذا بخلاف الافراد الذي عمرته متأخرة. ويمكن التمسك للمشهور بصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قلت له: (ما أفضل ما حج الناس؟


(1) العلل ب 151 ص 144. (2) التهذيب ج 1 ص 458.

[ 347 ]

فقال: عمرة في رجب وحجة مفردة في عامها، فقلت: فما الذي يلي هذا؟ قال: المتعة، قلت: وكيف يتمتع؟ فقال: يأتي الوقت فيلبي بالحج فإذا أتي مكة طاف وسعى وأحل من كل شئ وهو محتبس وليس له أن يخرج من مكة حتى يحج قلت: فما الذي يلي هذا؟ قال: القران والقران أن يسوق الهدي - الحديث) (1). { ويتخير القارن بالتلبية والاشعار والتقليد }. ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (يوجب الاحرام ثلاثة أشياء التلبية والاشعار والتقليد فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم) (2) وفي خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: من أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) (3) وفي خبر جميل (ولا يشعر أبدا حتى يتهيأ للاحرام لانه إذا أشعر وقلد وجلل وجب عليه الاحرام وهي بمنزلة التلبية) (4) ونحوه صحيح حريز (5) عنه عليه الصلاة والسلام أيضا. { وإذا لبى استحب له إشعار ما يسوقه من البدن }. لقول الصادق عليه السلام في خبر الفضيل بن يسار (إذا انتهى إلى الوقت فليحرم ثم يشعرها ويقلدها - الحديث) (6) وقال له يونس بن يعقوب: (إنى قد اشتريت بدنة فكيف أصنع بها؟ فقال: انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة فافض عليك من الماء والبس ثوبيك، ثم أنخها مستقبل القبلة ثم ادخل المسجد فصل، ثم افرض بعد صلاتك، ثم اخرج إليها فأشعرها من الجانب الايمن من سنامها - الحديث) (7) وعن كاشف اللثام القول بالوجوب وإن تحقق الاحرام بالتلبية تمسكا بإطلاق الاوامر والتأسي، أما التأسي فمع اشتمال أفعال المعصومين صلوات الله وسلامه


(1) التهذيب ج 1 ص 455. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 459. (4) الكافي ج 4 ص 297. (5) التهذيب ج 1 ص 459. (6) الفقيه كتاب الحج ب 54 ح 4. (7) الكافي ج 4 ص 296 والفقيه كتاب الحج ب 54 ح 8.

[ 348 ]

عليهم على الواجب والمستحب لا يلزم وأما إطلاق الاوامر فلا يبعد أن يحمل على الاستحباب بقرينة خبر ابن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل ساق هديا ولم يقلده ولم يشعره؟ قال: قد أجزأ عنه، ما أكثر ما لا يشعر ولا يقلد ولا يجلل) (1) ولا يبعد التمسك بصحيح معاوية المذكور آنفا حيث يستفاد منه أن الاشياء الثلاثة لتحقق الاحرام فمع تحقق الاحرام بالتلبية لا يجب شئ آخر والاحتياط طريق النجاة. { ويشق ويطعن سنامه من الجانب الايمن ويلطخ صفحته بدمه وإن كان معه بدن كثيرة دخل في ما بين اثنين منهما وأشعره يمينا وشمالا }. قال الصادق عليه السلام على ما حكي في صحيح جميل (إذا كانت البدن كثيرة قام فيما بين اثنين، ثم أشعر اليمنى ثم أشعر اليسرى - الحديث) (2) كما أنه إذا كان البدنة واحدة يستفاد من النصوص الكيفية المذكورة أولا لها. { ويستحب التقليد وهو أن يعلق في رقبة المسوق نعلا خلقا قد صلي فيه }. قال الصادق عليه السلام: في المحكي (ثم يقلدها بنعل خلق قد صلي فيها) (3). { والتقليد والاشعار للبدن ويختص البقر والغنم بالتقليد }. في صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (كان الناس يقلدون البقر والغنم و إنما تركه الناس حديثا ويقلدون بخيط أو بسير) (4) ولا يخفى عدم الدلالة و الامر سهل بعد كون التقليد مندوبا من أصله كالاشعار لدعوى الاتفاق على عدم وجوب شئ منهما. { ولو دخل المفرد أو القارن مكة وأراد الطواف قبل (الوقوف بعرفات) جاز لهما }. الطواف المندوب فقد حكي الاتفاق على جوازه، واستدل بعموم ما دل


(1) الفقيه كتاب الحج ب 54 ح 3. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 297. (4) الفقيه كتاب الحج ب 54 تحت رقم 2.

[ 349 ]

على رجحان الطواف والطواف بالبيت صلاة لكن هذا يتم مع عدم المخصص و استدل أيضا بحسنة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال، نعم ما شاء ويجدد التلبية بعد الركعتين والقارن بتلك المنزلة يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية) (1) وظاهر هذا الجواز بشرط التجديد ولا يبعد استفادة الكراهة من الاخبار جمعا بين حسن الحلبي (سألته عن الرجل يأتي المسجد الحرام فيطوف بالبيت؟ قال: نعم ما لم يحرم) (2) وصحيح ابن أذينة عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال: في هؤلاء الذين يفردون الحج إذا قدموا مكة وطافوا بالبيت أحلوا وإذا لبوا أحرموا فلا يزال يحل ويعقد حتى يخرج إلى منى بلا حج ولا عمرة) (3) وصحيح زرارة المذكور سابقا وفيه (قلت: فما الذي يلي هذا؟ قال: ما يفعل الناس اليوم يفردون الحج فإذا قدموا مكة وطافوا بالبيت أحلوا وإذا لبوا أحرموا فلا يزال يحل ويعقد حتى يخرج إلى منى بلا حج ولا عمرة) (4) حيث أن الظاهر من هذا الصحيح الصحة حيث يلي القران المحكوم بالصحة وكذلك الكلام في التمتع. { ولكن يجددان التلبية عند كل طواف لئلا يحلا على قول وقيل: إنما يحل المفرد دون القارن، والحق أنه لا يحل إلا بالنية لكن الاولى تجديد التلبية عقيب صلاة الطواف }. القول الاول محكي عن الشيخ (قدس سره) والثاني محكي عن الذخيرة


(1) التهذيب ج 1 ب 459. (2) الكافي ج 4 ص 455 والتهذيب ج 1 ص 494 وفي نسخة طبع النجف والكافي بزيارة (وقد ازمع بالحج) بعد قوله (يأتي المسجد الحرام) قبل قوله (يطوف بالبيت). وقوله (ازمع) قال الجوهرى: قال الخليل: أزمعت على امر فأنا مزمع عليه: إذا ثبت عليه عزمه. (3) الكافي ج 4 ص 541. (4) التهذيب ج 1 ص 455.

[ 350 ]

وصاحب الرياض (قدس سرهما) والثالث للحلي والمصنف والفاضل (قدس الله أسرارهم) ومنشأ الاختلاف اختلاف الاخبار فمنها غير ما سبق ذكره صحيح ابن الحجاج (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنى أريد جواز مكة كيف أصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فأحرم منها بالحج، فقلت له: كيف أصنع إذا دخلت مكة أقيم بها إلى يوم التروية ولا أطوف بالبيت؟ قال: تقيم عشرة لا تأتي الكعبة، إن عشرا لكثير، إن البيت ليس بمهجور ولكن إذا دخلت فطف بالبيت واسع بين الصفا والمروة، فقلت: أليس كل من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل قال: إنك تعقد بالتلبية، ثم قال: كلما طفت طوافا وصليت ركعتين فاعقد على طوافك بالتلبية) (1) وغيره من الاخبار الكثيرة قريبة المضمون بعضها مع بعض. ومنها حسن معاوية بن عمار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل لبى بالحج مفردا فقدم مكة وطاف بالبيت وصلى ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام وسعى بين الصفا والمروة، فقال: فليحل وليجعلها متعة إلا أن يكون ساق الهدي) (2) قلت: مثل هذا الخبر الاخير صريح في عدم حصول الاحلال بمجرد الطواف، فلابد من حمل تلك الاخبار على معنى لا ينافية أو على التقية ألا ترى أن الامام عليه السلام في صحيح ابن الحجاج المذكور أجاز الطواف وبعد سؤاله (أليس - الخ -) قال: (إنك تعقد بالتلبية) بحيث لولا سؤاله لعله لا يأمره بالتلبية كما أنه قرره أولا بكون التلبية بعد السعي فيظهر منه أن الطواف بمجرده ليس يلزم بعده التلبية فإن الظاهر لزوم كون السعي من المحرم وإن أبيت عن الجمع بهذا النحو فيجئ التخيير التخيير الاصولي ولو بملاحظة مثل صحيح زرارة (جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السلام وهو خلف المقام فقال: إنى قرنت بين حجة وعمرة فقال له: هل طفت بالبيت قال: نعم، فقال: عليه السلام: هل سقت الهدي؟ قال: لا، قال: فأخذ


(1) التهذيب ج 1 ص 459 والكافي ج 4 ص 300. (2) الكافي ج 4 ص 298.

[ 351 ]

أبو جعفر عليه السلام بشعره وقال: أحللت والله) (1) ثم إن عبارة المصنف (قدس سره) حيث قال: والحق أنه لا يحل إلا بالنية مجملة بل ظاهرة فيما حملها عليه المحقق الثاني (قدس سره) من نية الاحلال بالطواف وحملها على أنه لا يحل الحاج المقدم طوافه وسعيه إلا بنية العدول بذلك إلى العمرة حيث يسوغ له ذلك كما إذا كان الحج إفرادا غير متعين عليه وبعيد جدا. { ويجوز للمفرد إذا دخل مكة أن يعدل إلى التمتع }. ادعي عدم الخلاف بل الاجماع على جواز العدول اختيارا لغير من كان فرضه الافراد بالذات أو بالعرض واستدل له بالاخبار وخصوص أخبار حجة الوداع حيث أمر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه من لم يسق الهدي بالتمتع ولا شبهة في أن كثيرا منهم كانوا قد أدوا حجة الاسلام، فلا مجال للاشكال بأن العدول كان واجبا عليهم حيث أن غالبهم كانوا ممن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وهذا غير محل كلامنا، ثم إنه حيث كان أمر النبي صلى الله عليه وآله شاملا لجميع أصحابه حتى من كان فرضه الافراد يقع التعارض بينه وبين ما دل على تعين الافراد فيرجع بعد التعارض إلى أصالة عدم الجواز لان جواز العدول خلاف الاصل. هذا ما يستفاد من كلام صاحب الرياض (قدس سره) وفيه نظر من جهه الفرق بين ذكر عام أو مطلق يشمل إفراد أو تخصيصه بإفراد خاصة حيث أنه من باب ضرب القانون لا ينافى خروج بعض الافراد منه وبين خطاب جماعة بأمر فإن هذا ليس من باب ضرب القانون حتى يمكن تخصيصه ببعض الافراد، وثانيا نقول: إن كان ما دل على مشروعية العدول مخصصا لما دل على تعين الافراد بالذات أو بالعرض فكذلك يكون مخصصا لما دل على مشروعية الافراد واستحبابه، والنسبة عموم من وجه فما المرجح لترجيح دليل جواز العدول. إن قلت: لو لم يرجح دليل جواز العدول لم يبق مورد لجواز العدول، قلت: يمكن رفع هذا المحذور بالتزام تخصيص ما دل على تعين الافراد


(1) الفقيه كتاب الحج ب 50 ح 3.

[ 352 ]

غاية الامر العلم الاجمالي بتخصيص أحد الدليلين فما عن المسالك من بعد التخصيص في محله خصوصا مع استثناء من ساق الهدي. { ولا يجوز ذلك } اختيارا { للقارن }. الظاهر عدم الخلاف فيه بل ادعي عليه الاجماع وقد سبق الاخبار الدالة على عدم الجواز. { والمكي إذا بعد عن أهله وحج حجة الاسلام على ميقات، أحرم منه وجوبا }. بلا خلاف لان رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لاهلها ولمن أتى عليها من غير أهلها، وفيها رخصة لمن كان به علة فلا يجاوز الميقات إلا من علة، ويمكن أن يقال: لا يستفاد مما ذكر إلا الوجوب التكليفي لا الوضعي بحيث يحكم بعدم صحة الاحرام لو أحرم بميقات آخر وميقات من كان منزله دون المواقيت دويرة أهله. وعن الشيخ والفاضلين (قده) جواز التمتع حينئذ بل نسب إلى المشهور لصحيح عبد الرحمن بن الحجاج (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الامصار، ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم ان ذلك ليس له لو فعل وكان الاهلال أحب إلي) (1) وصحيحه الاخر وعبد الرحمن بن أعين قالا: (سألنا أبا الحسن عليه السلام عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الامصار ثم رجع في بعض المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله أله أن يتمتع؟ فقال: ما أزعم أن ذلك ليس له، والاهلال بالحج أحب إلي الحديث) (2) والرواية الاولى بل والرواية الثانية صدرهما يشمل حجة - الاسلام ومجرد بعد عدم إتيان المكي حجة الاسلام لا يوجب رفع اليد عن الاطلاق وترك الاستفصال لكنه يقع التعارض بينهما وبين ما دل تعين الافراد على من كان أهله حاضري المسجد الحرام ومع التعارض يشكل التمسك بما دل على


(1) الكافي ج 4 ص 301 وهو جزء من الخبر الذى مر سابقا. (2) التهذيب ج 1 ص 455 والاستبصار ج 2 ص 158.

[ 353 ]

وجوب الحج على المكلفين لانه مبني على المرجعية أو المرجحية عند تعارض الاخصين وفيهما إشكال كما قرر في محله وإن قلنا بالمرجحية في مورد التعارض بين المتباينين مضافا إلى أن الظاهر أن الخطابات الراجعة إلى وجوب الحج على المكلفين ليست في مقام البيان بل هي في مقام بيان أصل التشريع فيتعين في مقام العمل إفراد الحج لعدم الشبهة في صحته. { ولو أقام من فرضه التمتع بمكة سنة أو سنتين لم ينتقل فرضه وكان عليه حينئذ الخروج إلى الميقات إذا أراد حجة الاسلام ولو لم يتمكن من ذلك خرج إلى خارج الحرم فإن تعذر أحرم من موضعه }. ادعي عدم الخلاف فيه وإطلاق الكلام يشمل ما لو قصد التوطن وأعرض عن وطنه الاصلي وقد يتمسك بالاصل فإن تم الاجماع فهو وإلا يشكل لشمول الاية الشريفة (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) فإن مثل هذا يصدق عليه من يكون أهله حاضري المسجد الحرام، فتأمل صاحب المدارك (قده) فيه في محله، ثم على فرض التسليم يقع الكلام في تعيين ميقاته فعن جماعة ميقاته ميقات أهل أرضه ويدل عليه خبر سماعة عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم يخرج إلى مهل أرضه فليلبي إن شاء) (1) وعن جماعة له الخروج إلى أي ميقات للمرسل عن أبي جعفر عليه السلام (من دخل مكة بحجة عن غيره، ثم أقام سنة فهو مكي فإن أراد أن يحج من نفسه أو أراد أن يعتمر بعد ما انصرف من عرفة فليس له أن يحرم من مكة لكن يخرج إلى الوقت وكلما حول رجع إلى الوقت) (2) وخبر إسحاق بن عبد الله (سألت أبا الحسن عليه السلام عن المقيم بمكة يجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى؟ قال: يتمتع أحب إلي، وليكن إحرامه مسيرة ليله أو ليلتين) (3) ويبعد شمول هذه الاخبار حجة -


(1) التهذيب ج 1 ص 463. (2) الكافي ج 4 ص 302. والتهذيب ج 1 ص 463. (3) التهذيب ج 1 ص 503، والاستبصار ج 2 ص 259 وفيه (المعتمر المقيم)

[ 354 ]

الاسلام ومحل كلامنا حجة الاسلام إلا أن يدعى القطع بعدم الفرق وكيف يحصل مع ما سيأتي إن شاء الله تعالى من أن من كان منزله أقرب من المواقيت كان ميقاته دويرة أهله، وعن الحلي الخروج إلى أدنى الحل، واحتمله في المدارك بل عن شيخه أنه استظهره لصحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام لاهل مكة أن يتمتعوا؟ قال: لا ليس لاهل مكة أن يتمتعوا، قال: قلت: فالقاطنون؟ قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإن أقاموا شهرا كان لهم أن يتمتعوا قلت: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم، قلت من أين يهلون بالحج؟ قال: من مكة نحوا مما يقول الناس) (1). وخبر حماد (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أهل مكة أيتمتعون؟ قال: ليس لهم متعة، قلت: فالقاطن بها؟ قال: إذا قام بها سنة أو سنتين صنع كما يصنع أهل مكة، قلت: فإن مكث الشهر؟ قال: يتمتع، قلت: من أين يحرم؟ قال: يخرج من الحرم، قلت: من أين يهل بالحج؟ قال: من مكة نحوا مما يقول الناس) (2). وصحيح عمر بن يزيد عنه أيضا (من أراد أن يخرج من مكة فيعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية وما أشبههما) (3) ولا يخفى أن محل الكلام من أقام بمكة سنة أو سنتين وقد صرح في صحيح الحلبي وخبر حماد بأنه بمنزلة أهل مكة فكيف يستدل بهما لمحل كلامنا وقد يقوي القول الاول لخبر سماعة المنجبر ضعف سنده بالعمل وبه يقيد إطلاق المرسل المذكور، قلت: أولا مع قطع النظر عما ذكر في خبر سماعة في تعيين مهل أرضه ليس أقوى من ظهور المطلق في إطلاقه، نعم مع عدم الترجيح لا يبعد لزوم الاحتياط لكن لازم هذا عدم صحة إحرام العراقي إذا سافر من طريق المدينة لانه ليس مسجد الشجرة مهل أرضه


(1) التهذيب ج 1 ص 456. (2) الكافي ج 4 ص 300. (3) الفقيه كتاب الحج ب 114 ح 1.

[ 355 ]

ولا أظن أن يلتزم به مضافا إلى أن كثيرا من الناس نسبتهم إلى المواقيت على السواء ولا مهل لارضهم، وثالثا التقييد المذكور لا يتمشي بالنسبة إلى خبر إسحاق بن عبد الله فإن المدني أين مهل أرضه من مسيرة ليلة أو ليلتين واحتمال تخصيص هذا الخبر بغير المدني كما ترى، وفي المدارك هنا عن المشهور أنه اعتبر في وجوب الحج الاستطاعة من البلد إلا مع انتقال الفرض فتنتقل الاستطاعة، ثم قال: ولو قيل: إن الاستطاعة تنتقل مع نية الدوام من ابتداء الاقامة أمكن ثم مال إلى عدم الاعتبار حيث أن اعتبار الزاد والراحلة مع الحاجة، ومع عدم الحاجة لا يعتبر، وروى معاوية بن عمار في الصحيح (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يمر مجتازا يريد اليمن وغيرها من البلدان وطريقه مكة فيدرك الناس وهم يخرجون إلى الحج فيخرج معهم إلى المشاهد أيجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال: نعم) (1). واستشكل عليه باعتبار الاستطاعة شرعا وعرفا من بلده وإلا لاجتزى بحج المتسكع إذا تمكن من أداء المناسك مع الرجوع إلى بلده، وفيه نظر لعدم الدليل على اعتبار التمكن من البلد بمعنى الوطن وإلا لزم القول بعدم الاستطاعة لمن سافر إلى بلد غير بلده بقصد التجارة أو غيرها من الاغراض وتمكن من الزاد والراحلة وجميع ما يعتبر في الاستطاعة من صحة البدن وتخلية السرب ولو كان في بلده كان فاقدا لبعضها وهو كما ترى والنقض المذكور غير وارد للفرق بنظر العرف بين من تكلف ومشى إلى مكان يقرب من مكة بقصد الحج ووصل إلى مكان يتمكن فيه وبين من وصل إلى ذلك المكان لا بهذا القصد بتكلف أو غير تكلف وصار متمكنا حينئذ ففي الاول يقال: إنه غير مستطيع وحج متسكعا فلا يجزي عن حجة - الاسلام وفي الثاني يقال: هو مستطيع وحج عن استطاعة والصحيح المذكور دال على هذا دون الاول وإن لم نجد فرقا بينهما بحسب الدقة العقلية. { فإن دخل في الثالثة مقيما، ثم حج انتقل فرضه إلى القران والافراد }.


(1) الكافي ج 4 ص 275 تحت رقم 6.

[ 356 ]

نسب إلى المشهور عدى الشيخ (قده) واستدل عليه بصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له. فقلت لابي جعفر عليه السلام: أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة؟ قال: فلينظر أيهما الغالب عليه فهو من أهله) (1). وصحيح عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام (المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاور سنتين كان قاطنا وليس له أن يتمتع) (2) وفي بعض النسخ جاوز بالزاي دون الراء، ومقابل هذا القول القول بانتقال الفرض بالدخول في السنة الثانية لخبر عبد الله بن سنان (المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة (قال الراوي: يعني يفرد بالحج مع أهل مكة) وما كان دون السنة فله أن يتمتع) (3) ومرسل حريز من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي) وخبري الحلبي وحماد السابقين. ولا يخفى التعارض بين الروايات بحسب ظواهرها وحمل الصحيحين السابقين على سنتي الحج بمضي زمان يسع حجتين بعيد جدا، لا يصار إليه فلابد من الترجيح أو التخيير، ويمكن أن يقال: تارة تكون الاقامة سنة أو سنتين أو أزيد أو أقل بقصد التوطن فالظاهر صدق كونه من أهل مكة، ولعله يصدق الوطن المستجد بالاقامة ستة أشهر بقصد التوطن فيكون مشمولا للاية الشريفة (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وأخرى تكون الاقامة لا بقصد التوطن فيكون مشمولا للروايات ولا تنافي بين ما ذكر والروايات حيث أن القدر المتيقن منها الاقامة لا أقل من سنة لتعدد العنوانين أحدهما الوطن وكون الانسان محسوبا من أهل محل وكونه من حاضري المسجد الحرام عرفا والاخر الاقامة سنة أو سنتين أو ستة أشهر كما في بعض الاخبار وإن لم يؤخذ بمضمونة ولا تلازم بين العنوانين حتى يلزم مع سبق أحد العنوانين دائما لغوية الاخر


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 456 و 587 والاستبصار ج 2 ص 159. (3) الكافي ج 4 ص 301.

[ 357 ]

فمع التعارض في الصورة الثانية يجئ التخيير، ولا يبعد حمل بعض الاخبار الذي يستفاد منه الاكتفاء بستة أشهر على صورة قصد التوطن والاقامة دائما كصحيح حفص عن أبي عبد الله عليه السلام (في المجاور بمكة يخرج إلى أهله، ثم يرجع إلى مكة بأي شئ يدخل؟ فقال: إن كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع، وإن كان أقل من ستة أشهر فله أن يتمتع) (1). { ولو كان له منزلان ووطنان منزل بمكة ومنزل في غيرها من البلاد لزمه فرض أغلبهما عليه }. لا خلاف فيه، ويدل عليه صحيح زرارة المذكور سابقا وقد يقال: إنه في صورة الاقامة في مكة بالمقدار التي حكم فيه بأنه من أهل مكة محكوم بحكم أهل مكة وإن كان الغالب إقامته في غير مكة واستشكل صاحب الحدائق (قدس سره) بأن ههنا عمومين قد تعارضا أحدهما ما دل على أن ذا المنزلين متى غلب عليه الاقامة في أحدهما وجب عليه الاخذ بفرضه أعم من أن يكون أقام بمكة سنتين أو لم يقم، وثانيهما ما دل على أن المقيم بمكة سنتين ينتقل فرضه إلى أهل مكة أعم من أن يكون منزل ثان أم لا زادت إقامته فيه أم لا، وتخصيص أحد العمومين بالاخر يحتاج إلى دليل واستشكل عليه بأن المستفاد من الادلة السابقة كون مجاورة المدة المزبورة جهة مستقلة لانتقال الفرض وليست هي من أفراد أحد العمومين فعدم إجراء حكم المنزل عليه من حيث غلبة نزوله في الاخر لا يقتضي انتفاء جريان حكم أهل مكة من حيث المجاورة المذكورة إلا أن يدعى اختصاص حكمها بذي المنزل الواحد وهو مناف لاطلاق النص والفتوى. قلت: فيه نظر لان كون المجاورة في المدة المزبورة جهة مستقلة لا يوجب الترجيح فإن ههنا جهتين المجاورة في المدة المزبورة وهي مقتضية لكون المجاور محكوما بحكم أهل مكة وغلبة الاقامة في البلد الاخر وهي مقتضية لكونه محكوما بحكم آخر ولا ترجيح في البين ولا يبعد أن يقال: بعد كون العمومين في كلام واحد


(1) التهذيب ج 1 ص 583 و 587.

[ 358 ]

يحصل الاجمال لعدم انعقاد الظهور فلا مجال للاخذ بإطلاق ما دل على اعتبار الغلبة ونأخذ بإطلاق ما دل على كون المجاورة في المدة المزبور موجبا لكونه محكوما بحكم أهل مكة من غير هذا الصحيح من الاخبار لعدم المعارض له بعد إجمال الصحيح المذكور. { فان تساويا كان له الحج بأي الانواع شاء }. ادعي عدم الخلاف فيه وعلل لعدم المرجح واندراجه في إطلاق ما دل على وجوب الحج بعد خروجه عن المقيدين ولو لظهورهما في غير ذي المنزلين بل لو سلم اندراجه فيهما كان المتجه التخيير أيضا للعلم بعدم وجوب الجمع في سنتين و لكن مع ذلك كله الاولى اختيار التمتع لاستفاضة النصوص على رجحانه، قلت: بعد عدم معلومية تحقق الاجماع على التخيير يشكل القول بالتخيير ولا يبعد أن يقال مقتضى الاية الشريفة (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) تعين الافراد من جهة عدم صدق من لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام على مثل هذا وهذا نظير ما قالوا من صدق الطبيعة بوجود فرد منها وانتفائها بانتفاء جميع الافراد وإن أبيت فاللازم الاحتياط بإتيان النوعين للعلم الاجمالي بوجوب أحدهما كما لو علم بوجوب الصلاة مرددة بين القصر والاتمام أو حصل الشك في مسألتنا من جهة الترديد في الغالب من جهة الاقامة وكانت الشبهة موضوعية والتمسك بإطلاق الاخبار مشكل مع عدم كونها في مقام البيان بل في مقام أصل التشريع. { ويسقط الهدي عن القارن والمفرد وجوبا، نعم لا يسقط الاضحية استحبابا }. لا إشكال في ما ذكر وسيجئ إن شاء الله تعالى تفصيله. { ولا يجوز القران بين الحج والعمرة بنية واحدة }. بعد البناء في المسألة السابقة على أن حج القران هو حج الافراد والامتياز بصرف سياق الهدي وليس القرآن عبارة عن الجمع بين العمرة والحج بنية واحدة وإحرام واحد، يجئ الكلام في أنه لو قصد الجمع صح العمل الذي أتى به صحيحا من غير هذه الجهة بأن يكون ما أتي به من أعمال العمرة صحيحا أم لا؟ وجه

[ 359 ]

البطلان كون العمل منهيا عنه بقصد التشريع فيكون فاسدا، وفيه نظر لعدم جريان هذا الوجه مع عدم التفات المكلف بالحكم وثانيا نقول: إن كان قصده إلى الجمع بين العملين بأن يقصد الاحرام للعمرة وإتيان أعمالها والاكتفاء بهذا الاحرام للحج فالتشريع يرجع إلى الاكتفاء به للحج وهو أمر خارج عن العمرة فما الوجه في بطلان العمل الصحيح بحيث لو رجع عن قصده وتحلل من العمرة وأحرم للحج وأتى بأعماله حكم ببطلان مجموع العمرة والحج بل لو قصد الاحرام لمجموع العمرة والحج بنحو تعدد المطلوب يرجع قصده إلى الاحرام للعمرة ويكون ضم الحج إليها من جهة الاحرام لغوا فلم يفسد الاحرام للعمرة نظير بيع ما يملك وما لا يملك مع عدم العلم للبايع والمشتري أو لاحدهما، فلا يقاس المقام بإتيان ركعات الصلاة بقصد الظهر والعصر حيث أنه في المثال بناء على تسلم البطلان لعله يستفاد من الادلة اعتبار قصد عنوان الظهرية والعصرية بشرط لا فإن استفيد في المقام أيضا فهو وإلا فما وجه البطلان والتشريع يرجع إلى أمر خارج. { ولا يجوز إدخال أحدهما على الاخر ولا يجوز نية حجتين ولا عمرتين فلو فعل قيل ينعقد واحدة منهما وفيه تردد }. أما ادخال أحدهما على الاخر فقيل هو أن ينوي الاحرام قبل التحلل من العمرة أو بالعمرة قبل الفراغ من أفعال الحج وعلل الفساد بأنه بدعة وادعي الاجماع على بطلان الداخل لا المدخول فيه، وفيه نظر لان مجرد النية كيف توجب حرمة العمل حتى يترتب عليه الفساد في العمل وهل هذا إلا كنية ترك بعض أجزاء المركب فلو انصرف عنها وأتي بتمام الاجزاء في محلها فهل يحكم بالبطلان ومدرك المجمعين إن كان ما ذكر فهو كما ترى وإن كان المراد من الادخال الادخال عملا فهو راجع إلى المخالفة للمأمور به والقاعدة تقتضي الفساد إلا أن يثبت بالدليل خلافه، ولا يخفى أن التعليل بكونه بدعة يصح مع العلم و أما مع الجهل فلا وبهذا علل الفساد في صورة نية حجتين أو عمرتين والكلام فيه هو الكلام في القران بمعنى الجمع بين الحج والعمرة بنية واحدة.

[ 360 ]

(المواقيت) { المقدمة الرابعة: في المواقيت والكلام في أقسامها وأحكامها: المواقيت ستة }. اختلف الكلمات في تعداد المواقيت فقيل: خمسة وقيل ستة وقيل سبعة وقيل عشرة وقيل: أحد عشر ولكل وجه فباعتبار الامكنة المخصوصة تكون خمسة كما قال الصادق عليه السلام في حسن الحلبي على المحكي (الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها. وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة تصلى فيه وتفرض الحج. ووقت لاهل الشام الجحفة، ووقت لاهل النجد العقيق، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل، ووقت لاهل اليمن يلملم. ولا ينبغي لاحد أن يرغب عن مواقيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (1) وباعتبار الذكر في التوقيت وإن لم يكن مكانا مخصوصا تكون ستة كما في صحيح معاوية بن عمار، وعن أبي عبد الله عليه السلام (من تمام الحج والعمرة أن يحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لا تجاوزها إلا وأنت محرم فإنه وقت لاهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق من قبل العراق، ووقت لاهل اليمن يلملم، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل، ووقت لاهل المغرب الجحفة وهي مهيعة، ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله) (2) وباعتبار زيادة الاحرام من مكة وزيادة فخ لحج الصبيان ومحاذاة الميقات لمن يمر به وأدنى الحل أو مساواة أقرب المواقيت إلى مكة لمن لم يحاذ ميقاتا تزيد العدد. { فلاهل العراق العقيق وأفضله المسلخ وتليه غمرة وآخره ذات عرق }. المعروف بين الاصحاب صحة الاحرام من المواضع الثلاثة اختيارا وادعي عليه الاجماع ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في مرسل الصدوق على المحكي (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل العراق العقيق وأوله المسلخ ووسطه غمرة وآخره ذات


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 319 و 318. والتهذيب ج 1 ص 462 و 527.

[ 361 ]

عرق، وأوله أفضل) (1) ونحوه عن كتاب فقه الرضا عليه السلام وقال: أيضا على المحكي في خبر أبي بصير (حد العقيق أوله المسلخ و آخره ذات عرق) (2) وقال الكاظم عليه السلام على المحكي لاسحاق بن عمار (كان أبي مجاورا ههنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع وبلغ ذات عرق أحرم بالحج) (3) وعن ظاهر الصدوقين والشيخ (قده) عدم جواز الاحرام من ذات عرق إلا لتقية أو مرض ولعله للجمع بين ما سمعته وبين صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل الشرق العقيق نحوا من بريد ما بين بريد البعث إلى غمرة - الحديث) (4) وصحيح معاوية بن عمار عنه عليه السلام أيضا (أول العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال مما يلى العراق وبينه، وبين غمرة أربعة و عشرون ميلا بريدان) (5) وفي حسنه الاخر أيضا (آخر العقيق بريد أوطاس، وقال: بريد البعث دون غمرة بريدين) (6) وقد يرشد إلى حمل الخبرين الاولين على التقية خبر الحميري المروي عن الاحتجاج فيما كتبة إلى صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف (يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم يحج ويأخذ عن الجادة ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر إحرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخافه من الشهرة أم لا يجوز أن يحرم إلا من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب يحرم من ميقاته ثم يلبس


(1) الفقيه كتاب الحج باب المواقيت 48 تحت رقم 5. (2) التهذيب ج 1 ص 462. (3) الكافي ج 4 ص 442، والتهذيب ج 1 ص 439. (4) التهذيب ج 1 ص 426. (5) الكافي ج 4 ص 321 والتهذيب ج 1 ص 462. (6) الكافي ج 4 ص 320، والتهذيب ج 1 ص 462.

[ 362 ]

الثياب ويلبي في نفسه فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره) (1). والانصاف عدم إمكان الجمع ووقوع التعارض فمع إمكان التقية بالنحو المذكور كيف أخر الامام في خبر إسحاق بن عمار الاحرام إلى ذات عرق، ولعل الترجيح مع الخبرين الاولين للشهرة القريبة من الاجماع، وخبر الحميري يمكن أن يكون من باب الارشاد إلى درك الفضل وليس بحيث لا يقبل الجمع بينه وبينهما. { ولاهل المدينة مسجد الشجرة }. ويدل عليه الاخبار منها صحيح ابن رئاب المروي عن قرب الاسناد عنه (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة) (2) وفي خبر قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام المروي عنه أيضا (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة) (3) وقد سبق الاخبار في تعداد المواقيت، ثم إنه يقع الاشكال في أن الميقات خصوص المسجد أو الموضع المعروف بذي الحليفة وإن كان خارجا عن المسجد والظاهر أنه لا مجال للشك مع التعيين في الاخبار في خصوص المسجد لكنه بعد التسالم في جواز الاحرام من محل يكون محاذيا للميقات لم أعرف وجه التأمل في الاحرام من خارج المسجد حتى أنه قيل بلزوم إحرام الحائض والجنب في المسجد مجتازين. وفي صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام (من أقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بداله أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء) (4). { وأما عند الضرورة فالجحفة }.


(1) الاحتجاج ص 270 وفي الوسائل أبواب المواقيت ب 2 ح 10. (2) قرب الاسناد ص 76. (3) لم يوجد في قرب الاسناد وفي الوسائل عن الامالى للصدوق وفيه ص 386. (4) الكافي ج 4 ص 321 تحت رقم 9 والتهذيب ج 1 ص 462.

[ 363 ]

ويدل عليه خبر أبي بكر الحضرمي عن الصادق عليه السلام (إني خرجت بأهلي ماشيا فلم أهل حتى أتيت الجحفة وقد كنت شاكيا فجعل أهل المدينة يسألون عني فيقولون: لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون وقد رخص رسول الله صلى الله عليه وآله لمن كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة) (1). وخبر أبي بصير عنه أيضا (قلت له خصال عابها عليك أهل مكة قال: وما هي قلت: قالوا أحرم من الجحفة ورسول الله صلى الله عليه وآله أحرم من الشجرة، فقال: الجحفة أحد الوقتين فأخذت بأدناهما وكنت عليلا) (2) وصحيح الحلبي عنه أيضا (من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال: من الجحفة ولا يجاوز الجحفة إلا محرما) (3) ولا يبعد استفادة صحة الاحرام من الجحفة اختيارا من هذا الصحيح وإن لم يستفد منه جواز التأخير لغير المريض والضعيف ولا منافاة بين عدم جواز التأخير عن مسجد الشجرة وصحة الاحرام من الجحفة لغير ما ذكر كالصلاة مع التيمم لضيق الوقت مع التأخير العمدي. { ولاهل الشأم الجحفة، ولاهل اليمن يلملم، ولاهل الطايف قرن المنازل وميقات من منزله أقرب من الميقات منزله }. لا خلاف ظاهرا فيما ذكر وقد سبق النصوص الدالة على تعيين المواقيت ويدل على الاخير النصوص المستفيضة كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (من كان منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله) (4) وعن التهذيب أنه في حديث (إذا كان منزله دون الميقات إلى مكه فليحرم من دويرة أهله) (5) وصحيح مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من منزله) (6) قلت: هذا الصحيح مما يمكن أن يستشهد به لما هو المشهور من دخول ذات عرق في المواقيت، وهل حكم أهل مكة حكم من كان


(1) الكافي ج 4 ص 324 تحت رقم 3. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 462. (4) و (5) و (6) التهذيب ج 1 ص 463.

[ 364 ]

منزله أقرب إلى مكة؟ فيه إشكال من جهة عدم شمول النصوص، ودعوى القطع بإتحاد حكمهما مشكلة خصوصا مع الامر بالخروج في بعض الاخبار بالنسبة إلى المجاور فلابد من الاحتياط بالجمع بأن يخرج ويحرم ويجدد الاحرام من مكة أو بالعكس. { وكل من حج على ميقات لزمه الاحرام منه ولو حج على طريق لا يفضى إلى أحد المواقيت قيل: يحرم إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة }. لابد أولا من إقامة الدليل على كفاية المحاذاة والدليل عليه صحيح ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام (من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بداله أن يخرج في غير طريق المدينة فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها) (1) بضم عدم اعتبار الخصوصية المذكورة وكون النظر إلى كل ميقات لكنه بنظر العرف لا يصدق الحذاء مع زيادة البعد بين المحاذيين فحينئذ مع عدم الصدق لابد من العبور إلى أحد المواقيت أو ما يحاذيه، وإن قلنا بعدم جواز المرور بأحد المواقيت بدون الاحرام منه لا يبعد القول بعدم جواز المرور من المحاذي بدون الاحرام كما عين في الصحيح المذكور الاحرام من محاذي الشجرة دون الجحفة. وأما التمسك بأصالة البراءة وغيرها فلا يخفى ما فيه، نعم مع قطع النظر عن التكليف لا يبعد صحة الاحرام مع المحاذاة لكل من الواقيت بشرط صدق المحاذاة عرفا ومع عدم التمكن لا محيص من النذر للاحرام كما سيجئ إن شاء الله تعالى. { وكذا من حج في البحر وكل من حج (على ميقات لزمه الاحرام منه) والحج والعمرة يتساويان في ذلك). ظاهر العبارة عدم جواز العبور من الميقات إلا محرما فإن كان النظر إلى الحكم التكليفي فلا كلام وأما بالنظر إلى الحكم الوضعي بمعنى عدم صحة


(1) الفقيه كتاب الحج ب 48 ح 11.

[ 365 ]

الاحرام وإن كان الاحرام من ميقات آخر فممنوع كما عرفت والتسوية بنحو الاطلاق أيضا مشكلة كما لا يخفي على أنه ذكر غير واحد اعتبار الخروج إلى أدنى الحل في العمرة المفردة للقارن والمفرد بعد الحج، بل ادعي عدم الخلاف فيه للنصوص وهي بين ما اعتبر الخروج والاحرام من الجعرانة أو من الحديبية أو من التنعيم أو أدنى الحل. { وتجرد الصبيان من فخ }. ودليله صحيح ابن الحر (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصبيان من أين نجردهم فقال: كان أبي يجردهم من فخ) (1) وهل التجريد المذكور في الصحيح كناية عن أحرامهم أو يكون الاحرام من أحد المواقيت وتجريدهم من فخ؟ نسب إلى الاكثر الاول وقد يقوي الثاني لعموم نصوص المواقيت والنهي عن تأخير الاحرام عنها وعبادة الصبي مثل عبادة المكلفين، قلت: لقائل أن يقول: لابد من أحد التخصيصين إما تخصيص ما دل على تعيين المواقيت أو تخصيص ما دل على لزوم نزع المخيط ولبس ثوبي الاحرام وعلى الاول لا يلزم التخصيص الثاني بل من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع ولا مرجح في البين ويمكن أن يقال بعد قيام الحجة على لزوم الاحرام أعني اللزوم الشرطي من الميقات لا يرفع اليد عنها إلا بالحجة والحجة ما قامت إلا على جواز تأخير تجريدهم إلى فخ، وأما جواز تأخير إحرامهم إليه فلا. { وأما احكامها ففيها مسائل الاولى من أحرم قبل هذه المواقيت لم ينعقد إحرامه إلا لناذر الاحرام بشرط أن يقع الحج في أشهره ولمن أراد العمرة المفردة في رجب وخشي تقضيه }. أما عدم انعقاد الاحرام قبل الميقات فادعي عليه الاجماع والنصوص به مستفيضة قال: ميسرة على المحكي (دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا متغير اللون فقال لي: من أين أحرمت؟ فقلت: من موضع كذا وكذا، فقال: رب طالب خير


(1) الكافي ج 4 ص 303 والتهذيب ج 1 ص 564.

[ 366 ]

يزل قدمه ثم قال: أيسرك ان صليت الظهر في السفر أربعا؟ قلت لا، قال: فهو والله ذاك) (1). وأما الانعقاد بالنذر فيدل عليه المعتبرة ولو بالشهرة منها صحيح الحلبي المروي عن الاستبصار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل جعل لله عليه شكرا أن يحرم من الكوفة؟ قال: فليحرم من الكوفة وليف لله بما قال) (2) ولا معارض لها إلا قاعدة اعتبار مشروعية متعلق النذر في نفسه التي يجب الخروج عنها بالاخبار قلت: لقائل أن يقول يرجع هذا الكلام إلى تخصيص القاعدة بالاخبار ولا مانع منه لكن هنا شبهة أخرى وهي أنه كيف يتحقق الشكر بأمر غير مشروع ففي الحقيقة المعارض ما دل من النصوص على عدم مشروعية الاحرام قبل الميقات فليس الاستناد إلى القاعدة كما عن جماعة (قده) كالاجتهاد في مقابلة النص كما قيل، وأما اشتراط وقوع الحج في أشهره وكذا عمرة التمتع فلما عرفت من الاجماع على عدم جواز وقوعهما في غيرها مضافا إلى قوله تعالى (الحج أشهر معلومات) وأما انعقاد الاحرام لمريد العمرة في رجب فاستدل عليه بصحيحة معاوية ابن عمار (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس ينبغى أن يحرم دون الوقت الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن يخاف فوت الشهر في العمرة) (3) وصحيح إسحاق ابن عمار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان قال: يحرم قبل الوقت لرجب فان لرجب فضلا) (4) وحمل الاطلاق في الصحيح الاول على خصوص شهر رجب بعيد جدا ولعل النظر فيه إلى ما يستفاد من بعض الاخبار من أن لكل شهر عمرة لكن الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم لم يعملوا به في غير شهر رجب فيكون دليل المقام


(1) التهذيب ج 1 ص 261 والاستبصار ج 2 ص 161. (2) و (3) الاستبصار ج 2 ص 162 والتهذيب ج 1 ص 461. (4) الكافي ج 4 ص 323 والتهذيب ج 1 ص 461 والاستبصار ج 2 ص 162 و 163.

[ 367 ]

مخصصا لعموم ما دل على عدم جواز الاحرام قبل الميقات. { الثانية إذا أحرم قبل الميقات لم ينعقد إحرامه ولا يكفي مروره فيه ما لم يجدد إحرامه منه من رأس }. أما عدم انعقاد الاحرام فلما مر من أن الاحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت خرج منه صورة النذر وغيرها بالنص، وأما لزوم تجديد الاحرام فمبني على عدم تحقق الاحرام بمجرد قصد الدخول في العمرة أو الحج واحتياجه إلى التلبية أو الاشعار أو مع لبس ثوبي الاحرام أو توطين النفس على ترك المحرمات على المحرم أو قصد دخوله في حالة يحرم معها المحرمات على اختلاف كلماتهم مع التلبية أو الاشعار أو مع لبس الثوبين، ويشكل الاحتياج إلى التلبية من جهة ما دل على عدم جواز المرور من الميقات بدون الاحرام مع ما دل على تأخير التلبية ويشكل الاحتياج إلى لبس الثوبين من جهة ما دل على الاحرام وجوبا أو ندبا قبل الوصول إلى ذات عرق مع الابتلاء بمصاحبة العامة وتأخير لبس الثوبين إلى ذات عرق، فإن استفيد مما ذكر خروج التلبية ولبس الثوبين عن حقيقة الاحرام فلا يبقى إلا القصد وهو باق مع عدم الغفلة لكفاية الارادة الاجمالية وعدم الحاجة إلى الارادة التفصيلية كما بين في الطهارة والصلاة فما معنى لزوم التجديد إلا أن يرجع الكلام إلى لزوم هذا المقدار وهو كما ترى، ولا يبعد أن يقال عقد الاحرام باللفظ أو الاضمار في القلب في الميقات، وأما حرمة المحرمات فهي موقوفة على التلبية فيجمع بين ما دل على عدم جواز المرور من المقيات بغير إحرام وما دل على جواز تأخير التلبية بحمل الاول على مجرد العزم على عمرة أو حج، والثاني على عدم حرمة المحرمات بدونها، وأما لزوم توطين النفس أو الدخول في حالة كذا فلا دليل على لزومه وبعض الاخبار المتعرضة لما ذكر لم يذكر فيها إلا تحريم الطيب والنساء ولبس الثياب مع أنه محمول على الاستحباب بل يشهد بعدم لزوم ما ذكر ولا يبعد أن يقال على فرض لزوم تحريم المحرمات على النفس لا منافاة بين هذا التحريم والعزم على ارتكاب بعض المحرمات وهذا

[ 368 ]

نظير عقد البيع وغيره مع العزم على عدم الوفاء بل يشكل الامر عليها مع أن الغالب عدم الوثوق بعدم ارتكاب بعض المحرمات والفرق بين المقام وقصد الامساك في الصوم غير خفى. { قال في المختصر النافع: الثانية: لا يتجاوز الميقات إلا محرما ويرجع إليه لو لم يحرم منه فإن لم يتمكن فلا حج له أن كان عامدا }. إن كان النظر إلى ترك الاحرام عامدا من جميع المواقيت فلا إشكال وإن كان النظر إلى ترك الاحرام من خصوص ميقاته وإن كان مارا بميقات آخر وأحرم منه ففيه إشكال لظهور صحيح الحلبي المذكور سابقا في تعداد المواقيت في الاجتزاء بالاحرام من الجحفة مع التجاوز من الشجرة إلا أن يقال: لعل الاجتزاء به من جهة كون الجحفة أحد الميقاتين لاهل المدينة فاللازم الاحتياط لكن السؤال في الصحيح عن الرجل من غير تقييد بكونه من أهل المدينة وحمل الاهل في أخبار تعيين المواقيت على من مر من تلك البلاد بعيد جدا فلعل التعيين من باب الجري على العادة وإلا لزم عدم صحة إحرام الشامي مثلا من المسجد الشجرة ولا أظن أن يلتزم به، ثم إن المراد من العامد التارك للاحرام من المواقيت غير الجاهل بالحكم، وأما الجاهل بالحكم وإن كان عامدا في الترك فهو خارج عن الحكم المذكور بل حكمه الرجوع إلى الميقات مع الامكان ومع عدم الامكان يرجع إلى ما قدر عليه، ويدل عليه صحيحة ابن عمار (عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا ما ندري أعليك إحرام أم لا وأنت حائض فتركوها حتى دخلت الحرم قال: إن كان عليه مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه وإن لم تكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها الحج لتحرم) (1) وصحيحة الحلبي) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم؟ فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم وإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه فان استطاع أن يخرج من


(1) الكافي ج 4 ص 325 تحت رقم 10، والتهذيب ج 1 ص 558.

[ 369 ]

الحرم فليخرج ثم ليحرم) (1) ولا يبعد الاكتفاء بالخروج من الحرم وإن قدر على الازيد ثم إنه لا يبعد شمول هذه الصحيحة صورة العمد أعني صورة الالتفات إلى الحكم ودعوى الانصراف إلى غير هذه الصورة ممنوعة إلا أن يدعى الاجماع على خلافه وقد ظهر مما ذكر وجه الحكم الاول أعني قوله ويرجع إليه لو لم يحرم منه. { ويحرم من موضعه إن كان ناسيا أو جاهلا أو لا يريد النسك }. أما صورة النسيان فيدل عليه صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي الاحرام حتى دخل الحرم قال: يخرج إلى ميقات أهل أرضه فإن خشى أن يفوته الحج أحرم من مكانه فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج) (2) وأما صورة الجهل فيدل عليه صحيح عبد الله بن سنان (سألت أبا عبد الله عن رجل مر على الوقت الذي يحرم منه الناس فنسي أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة فخاف إن يرجع إلى الوقت أن يفوته الحج؟ قال: يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك) (3) وأما صورة عدم إرادة النسك والمراد صورة عدم وجوب الاحرام كالحطاب ونحوه ممن يتكرر دخوله وإلا لكان داخلا في العامد فيدل عليه صحيح الحلبي المذكور آنفا، ولا يخفى أن هذه النصوص يظهر منها لزوم الخروج من الحرم مع تعذر الخروج إلى الميقات فلابد من التقييد بتعذر الخروج من الحرم. { ولو دخل مكة خرج إلى الميقات ومع التعذر من أدنى الحل ومع التعذر يحرم من مكة }. أما صورة النسيان والجهل فيدل عليه صحيح عبد الله بن سنان المذكور آنفا، وأما صورة عدم إرادة الاحرام من جهة عدم إرادة النسك فلا يبعد كونها مشمولة لصحيحة الحلبي لكون مكة من الحرم، والشاهد عليه اتحاد الحكم في


(1) الكافي ج 4 ص 323 والتهذيب ج 1 ص 463. (2) التهذيب ج 1 ص 463 مع اختلاف في لفظه. (3) الكافي ج 4 ص 324 والتهذيب ج 1 ص 463.

[ 370 ]

باب الكفارات ومع الشك يشكل الامر ومجرد عدم الخلاف غير كاف كما أنه مع دعوى انصراف الصحيحة عن صورة العمد يشكل الحكم بالنسبة إلى الغير المريد للنسك سواء أراد الحج بعد دخول الحرم أو بعد دخول مكة ثم إن مقتضى الاطلاق عدم وجوب العود إلى ما أمكن من الطريق فيحمل ما دل على وجوبه على الاستحباب جمعا. { الثالثة: لو نسي الاحرام أو جهله حتى أكمل مناسكه فالمروي أنه لا قضاء }. ههنا روايات أحدها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: (سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى يرجع إلى بلاده قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه) (1) والاخرى (عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكره وهو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك، فقد تم إحرامه) (2) ومرسلة جميل عن أحدهما عليهما السلام (في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها أو طاف وسعى قال: يجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجة وإن لم يهل) (3) ويمكن أن يقال: أما الصحيحتان فهما مختصان بإحرام الحج. وأما المرسلة فلعل المراد منها صورة قصد الاحرام ونسيان التلبية أو الجهل بوجوبها وتركها حيث لا يبعد أن يكون المشار إليه في قوله عليه السلام (إذا كان قد نوى) ذلك الاحرام وحيث أنه لا يتحقق إلا بالتلبية فقد تحقق نسيانه أو جهله بنسيان و الجهل بالتلبية فلا يرد أنه كيف يتعقل النية من الناسي والجاهل فالدليل أخص من المدعى. { وفيه وجه بالقضاء مخرج }. هذا قول ابن ادريس (قده) وتوجيه مذهبه إما باعتبار احتياج الاعمال بالنيات فمع عدم النية للاحرام واحتياج المناسك إلى الاحرام كيف يتم الحج


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 584. (3) الكافي ج 4 ص 235 والتهذيب ج 1 ص 463.

[ 371 ]

وإما بملاحظة عدم حجية الاخبار الاحاد عنده ويجب الاتيان بالمأمور به على وجهه ويرد عليه أنه بعد البناء على حجية الاخبار الاحاد وانجبار ضعف السند بالعمل لا مجال لما ذكر وإن كان إشكال فهو من جهة الدلالة على تمام المدعى. { افعال الحج } { المقصد الاول: في أفعال الحج وهي الاحرام والوقوف بعرفات و المشعر والذبح بمنى والطواف وركعتاه والسعي وطواف النساء وركعتاه وفي وجوب رمي الجمار والحلق والتقصير تردد أشبهه الوجوب }. ما ذكر صورة الحج بنحو الاجمال وسيأتي إن شاء الله تعال تفصيلها. { ويستحب الصدقة أمام التوجه وصلاة ركعتين وأن يقف على باب داره ويدعو ويقرء فاتحة الكتاب أمامه وعن يمينه وشماله وآية الكرسي كذلك و أن يدعو بكلمات الفرج وبالادعية المأثورة }. أما استحباب الصدقة فقد استدل عليه بفعل علي بن الحسين عليهما السلام إذا أراد الخروج إلى بعض أمواله اشترى السلامة من الله عزوجل بما تيسر له ويكون ذلك إذا وضع رجله في الركاب وإذا سلمه الله فانصرف حمد الله عزوجل وشكره وتصدق بما تيسر له. (1) وبقول الصادق عليه السلام (تصدق وأخرج أي يوم شئت) (2) وغيرهما من الاخبار. وفي استفادة الاستحباب المصطلح من مثل هذه الاخبار تأمل، وأما استحباب الصلاة فاستدل عليه بما عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما استخلف رجل على أهله بخلافة أفضل من ركعتين يركعهما إذا أراد الخروج إلى سفر، ويقول: اللهم إني أستودعك نفسي وأهلي ومالي وذريتي ودنياي وآخرتي وأمانتي وخاتمة عملي إلا أعطاه الله ما سأل) (3) وغيره من


(1) المحاسن ص 348. (2) الكافي ج 4 ص 283 ج 1 ص 460 والمحاسن ص 348. (3) الكافي ج 4 ص 283 تحت رقم 1 والفقيه كتاب الحج ب 11 ح 1 والمحاسن ص 349 والتهذيب ج 1 ص 460.

[ 372 ]

الاخبار. وأما استحباب القراءة والدعاء فاستدل عليه بقول أبي الحسن عليه السلام في خبر الحذاء المروي في الفقيه وموضع من الكافي (لو كان الرجل منكم إذا أراد سفرا قام على باب داره تلقاء وجهه الذي يتوجه إليه فقرأ (الحمد) أمامه وعن يمينه وعن شماله، وآيه الكرسي أمامه وعن يمينه وعن شماله، ثم قال: اللهم احفظني واحفظ ما معي وسلمني وسلم ما معي وبلغني وبلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل. حفظه الله وحفظ ما معه وبلغه وبلغ ما معه وسلمه وسلم ما معه، أما رأيت الرجل يحفظ ولا يحفظ ما معه ويسلم ولا يسلم ما معه ويبلغ ولا يبلغ ما معه) (1) ورواه في الكافي في موضع آخر بزيادة قراءة المعوذتين والتوجيد أيضا أمامه وعن يمينه وعن شماله) (2) وأما استحباب الدعاء بكلمات الفرح والادعية المأثورة فلقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (إذا خرجت من بيتك تريد الحج والعمرة إن شاء الله فادع دعاء الفرج وهو: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن و رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين) (3) وفي الصحيح المزبور قال فيه بعد ما سمعت: (ثم قل: اللهم كن لي جارا من كل جبار عنيد ومن كل شيطان رجيم، قل: بسم الله دخلت وبسم الله خرجت وفي سبيل الله، اللهم إني أقدم بين يدي نسيان وعجلتي بسم الله ما شاء في سفري هذا ذكرته أو نسيته، اللهم أنت المستعان على الامور كلها وأنت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل اللهم هون علينا سفرنا واطو لنا الارض وسيرنا فيها بطاعتك وطاعة رسولك،


(1) المحاسن ص 350 والفقيه كتاب الحج ب 12 ح 1 والتهذيب ج 1 ص 460 والكافي ج 4 ص 283 تحت رقم 1. (2) المصدر ج 2 ص 543 تحت رقم 9. (3) الكافي ج 4 ص 284 والتهذيب ج 1 ص 460.

[ 373 ]

اللهم أصلح لنا ظهرنا وبارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الاهل والمال والولد، اللهم أنت عضدي وناصري بك أحل وبك أسير، اللهم إني أسألك في سفري هذا السرور والعمل لما يرضيك عني، اللهم اقطع عني بعده ومشقته وأحجني فيه واخلفني في أهلي بخير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إني عبدك وهذا حملائك والوجه وجهك والسفر إليك وقد اطلعت على ما لم يطلع عليه أحد غيرك، فاجعل سفري هذا كفارة لما قبله من الذنوب وكن عونا لي واكفني وعثه ومشقته ولقني من القول والعمل رضاك فإنما أنا عبدك وبك ولك. فإذا جعلت رجلك في الركاب فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله والله أكبر. فإذا استويت على راحلتك واستوى بك محملك فقل: الحمد لله الذي هدانا للاسلام ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وآله سبحان الله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين، اللهم أنت الحامل على الظهر والمستعان على الامر اللهم بلغنا بلاغا يبلغ إلى خير، بلاغا نبلغ به إلى مغفرتك ورضوانك، اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا حافظ غيرك (1). { الاحرام } { القول في الاحرام والنظر في مقدماته وكيفيته وأحكامه، ومقدماته كلها مستحبة وهي توفير شعر رأسه من أول ذي القعدة إذا أراد التمتع ويتأكد إذا أهل ذي الحجة وتنظيف جسده وقص أظفاره والاخذ من شاربه وإزالة الشعر عن جسده وإبطيه بالنورة ولو كان مطليا أجزأه ما لم يمض خمسة عشر يوما و الغسل ولو أكل أو لبس ما لا يجوز له أعاد غسله استحبابا. وقيل: يجوز تقديم الغسل على الميقات لمن خاف عوز الماء ويعيد لو وجده }. أما استحباب توفير الشعر فيدل عليه أخبار منها ما عن الصادق عليه السلام في


(1) الكافي ج 4 ص 284 والتهذيب ج 1 ص 460.

[ 374 ]

صحيح ابن مسكان (لا تأخذ من شعرك وأنت تريد الحج في ذي القعدة ولا في الشهر الذي تريد فيه الخروج إلى العمرة) (1) وظاهره كغيره الوجوب لكنه محمول على الاستحباب بملاحظة غيره كصحيح على بن جعفر عن أخيه عليهما السلام (سألته عن الرجل إذا هم بالحج يأخذ من شعر رأسه ولحيته وشاربه ما لم يحرم؟ قال: لا بأس) (2) لكنه لا يخفى أن صحيح ابن مسكان يشمل مطلق الشعر وما في بعض الاخبار من التخصيص بالرأس واللحية كخبر سعيد الاعرج (لا يأخد الرجل إذا رأى هلال ذي القعدة وأراد الخروج من رأسه ولا من لحيته) (3) لا ينافي الاطلاق المذكور كما لا يخفى. وأما تأكد الندب إذا أهل من ذي الحجة فمن جهة خبر جميل بن دراج (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن متمتع حلق رأسه بمكة قال: إن كان جاهلا فليس عليه شئ وإن تعمد ذلك في أول الشهور للحج بثلاثين يوما فليس عليه شئ وإن تعمد بعد الثلاثين يوما التي يوفر فيها الشعر للحج فإن عليه دما يهريقه) (4) وفي دلالته تأمل لان شوال أيضا من شهور الحج من جهة صحة وقوع العمرة فيه. وأما استحباب ساير ما ذكر فللاخبار المستفيضة في غير التنظيف قال الصادق عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار (إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق أو إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الاحرام إن شاء الله فانتف إبطيك وقلم أظفارك واطل عانتك وخذ من شاربك ولا يضرك بأي ذلك بدأت ثم استك، واغتسل و ألبس ثوبك وليكن فراغك من ذلك إن شاء الله عند زوال الشمس فإن لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرك) (5) ولم نعثر على دليل استحباب التنظيف بالخصوص.


(1) التهذيب ج 1 ص 459 وفي نسخة ابن سنان وص 574 وفيه عبد الله بن سنان. (2) الوسائل أبواب الاحرام ب 6 ح 6. (3) الكافي ج 4 ص 284 والتهذيب ج 1 ص 460. (4) الفقيه كتاب الحج ب 60 ح 11، والكافي ج 4 ص 441، والتهذيب ج 1 ص 460 و 491. (5) الفقيه كتاب الحج ب 49 ح 1. والكافي ج 4 ص 326.

[ 375 ]

وأما إجزاء الطلي ما لم يمض خمسة عشر يوما فاستدل عليه بخبر علي بن أبي حمزة قال: (سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر قال: إذا طليت للاحرام الاول فكيف أصنع في الطلية الاخيرة، وكم بينهما؟ قال: إذا كان بينهما جمعتان خمسة عشر يوما فاطل) (1) ولم يظهر وجه دلالته على المدعى فلابد أن يكون الاطلاء للاحرام حاله حال تقليم الاظفار والاخذ من الشارب وإن كان الفصل بين الطليين أزيد من الفصل بين التقليمين. وأما إستحباب إعادة الغسل مع الاكل أو اللبس لما لا يجوز للمحرم فلقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (إذا لبست ثوبا لا ينبغي لك لبسه أو أكلت طعاما لا ينبغي لك أكله فأعد الغسل) (2). وأما جواز تقديم الغسل على الميقات مع خوف عوز الماء فيدل عليه صحيح هشام بن سالم: (أرسلنا إلى أبي عبد الله عليه السلام ونحن جماعة بالمدينة: إنا نريد أن نوذعك؟ فأرسل إلينا أن اغتسلوا بالمدينة فإنى أخاف أن يعوز عليكم الماء بذي الحليفة فاغتسلوا بالمدينة وألبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها، ثم تعالوا فرادى أو مثاني - إلى أن قال: - فلما أردنا أن نخرج، قال: لا عليكم أن تغتسلوا إذا وجدتم ماء إذا بلغتم ذا الحليفة) (3) ويظهر من أخبار آخر جواز التقديم من دون التقييد بخوف عوز الماء. { ويجزي غسل النهار ليومه وكذا غسل الليل لليله ما لم ينم، ولو أحرم بغير غسل أو بغير صلاة أعاد وإن يحرم عقيب فريضة الظهر أو عقيب فريضة من الفرايض ولو لم يتفق فعقيب ست ركعات وأقلة ركعتان يقرء في الاولى الحمد


(1) الكافي ج 4 ص 326 تحت رقم 3، والتهذيب ج 1 ص 464 والفقيه كتاب الحج ب 49 ح 5. (2) التهذيب ج 1 ص 466. (3) الكافي ج 4 ص 328 والتهذيب ج 1 ص 533 و 464 والفقيه كتاب الحج ب 49 ح 6.

[ 376 ]

والصمد وفي الثانية الحمد والجحد ويصلي نافلة الاحرام ولو في وقت الفريضة ما لم يتضيق }. والدليل على إجزاء غسل النهار له وغسل الليل له صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام (من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلا كفاه غسله إلى طلوع الفجر) (1) وفي صحيح جميل عنه أيضا أنه قال: (غسل يومك يجزيك لليلتك وغسل ليلتك يجزيك ليومك) (2) فيحمل الصحيح الاول على الافضلية. وأما التقييد بعدم النوم فيدل عليه صحيح النضر بن سويد عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يغتسل للاحرام ثم ينام قبل أن يحرم؟ قال: عليه إعادة الغسل) (3) ولا يخفى بعد تقييد الصحيحين المتقدمين آنفا حيث أن ترك النوم في الليل خلاف العادة مضافا إلى صحيح العيص بن القاسم (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يغتسل للاحرام بالمدينة ويلبس ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم قال: ليس عليه غسل) (4) فيجمع باستحباب الاعادة لا انتقاض الغسل. وأما إعادة الاحرام لو أحرم بغير غسل أو بغير صلاة فيدل عليها صحيح الحسن بن سعيد (كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن عليه السلام رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب عليه السلام: يعيده) (5) بعد حمل الامر فيه على الندب لعدم شرطية الغسل والصلاة في صحة الاحرام واستشكل في المقام بأن الاعادة فرع بطلان العمل بنفسه أو


(1) التهذيب ج 1 ص 464، وفي نسخة عثمان بن يزيد. (2) الفقيه كتاب الحج ب 49 ح 12. (3) الكافي ج 4 ص 328 تحت رقم 3، والتهذيب ج 1 ص 465، والاستبصار ج 2 ص 164. (4) التهذيب ج 1 ص 465 والاستبصار ج 2 ص 164 والفقيه كتاب الحج ب 49. تحت رقم 15. (5) الكافي ج 4 ص 327. والتهذيب ج 1 ص 468.

[ 377 ]

بإبطاله كما في صورة نسيان الاذان والاقامة والتذكر قبل الركوع وفي المقام ليس الاحرام باطلا ولا يجوز إبطاله لعدم قبوله إلا بالاتمام أو ما يقوم مقامه إذا صد المحرم أو حصر، والجواب منع ما ذكر ألا ترى أنه يعيد المنفرد صلاته جماعة مع صحة صلاته، وقد بين في محله صحة الاعادة مع وقوع العمل صحيحا. وأما استحباب أن يكون الاحرام بعد الصلاة بالنحو المزبور فيدل عليه صحيحة ابن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل - إلى أن قال - ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم أو في الحجر ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة فأحرم بالحج - الحديث) (1) وفي صحيحة الحلبي (لا يضرك بليل أحرمت أم نهار إلا أن أفضل ذلك عند زوال الشمس) (2) ولا يخفى عدم دلالته على استحباب كونه بعد الصلاة إلا أن يكون هذا بملاحظة الانضمام مع صحيحة ابن عمار كما أنه بملاحظة انضمامها بهذه يستفاد التعميم لاحرام العمرة الواقع في المواقيت فتأمل، ورواية أبي بصير (تصلي للاحرام ست ركعات تحرم في دبرها) (3) و صحيحة ابن عمار (لا يكون الاحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة فإن كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، وإن كانت نافلة صليت ركعتين وأحرمت في دبرهما - الحديث) (4). وأما كيفية القراءة فاستدل عليها بخبر معاذ بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام (لا تدع أن تقرء قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون في سبعة مواطن في الركعتين قبل الفجر وركعتي الزوال وركعتين بعد المغرب وركعتين في أول صلاة الليل


(1) راجع الوسائل أبواب أحرام الحج ب 1 ح 1، وقد تقدم. (2) الكافي ج 4 ص 331، والتهذيب ج 1 ص 468. (3) التهذيب ج 1 ص 468 والاستبصار ج 2 ص 166. (4) الكافي ج 4 ص 331.

[ 378 ]

وركعتي الاحرام والفجر إذا أصبحت بها وركعتي الطواف) (1) ولكن في التهذيب بعد أن أورد ذلك قال: وفي رواية أخرى (أن يقرء في هذا كله بقل هو الله أحد وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون إلا في الركعتين قبل الفجر فإنه يبدء بقل يا أيها الكافرون ثم يقرء في الركعة الثانية بقل هو الله أحد) (2). وأما جواز الاتيان بنافلة الاحرام ولو في وقت الفريضة فعلى القول بجواز التطوع في وقت الفريضة مطلقا فواضح وعلى فرض القول بالحرمة أيضا لا إشكال لكونها من ذوات الاسباب. { وأما الكيفية فتشتمل على الواجب والندب فالواجب ثلاثة الاول النية وهي أن يقصد بقلبه إلى الجنس من الحج أو العمرة والنوع من التمتع أو غيره والصفة من واجب أو غيره وحجة الاسلام أو غيرها ولو نوى نوعا ونطق بغيره فالمعتبر النية }. اختلف في حقيقة الاحرام فقد يقال: إنه العزم على ترك المحرمات على المحرم من النساء والطيب ولبس الثياب وغيرها مستمرا إلى آخر العمل من العمرة والحج، فقصد الاحرام مناف مع العزم على ارتكاب بعضها، وقد يقال: أنه الالزام على نفسه بترك المحرمات، وقد يقال: هو الدخول في حالة يحرم عليه المحرمات، ولم نعثر على ما يدل على هذه الاقوال بل الدليل على خلافه، نعم يصح القول الاخير لا بمعنى لزوم قصد ما ذكر بل بمعنى حصول الحالة الكذائية قهرا كما في الاحرام للصلاة حيث أنه بعد تكبيرة الاحرام يحرم على المكلف المنافيات من دون لزوم قصد ما ذكر حال التكبيرة، فالتلبية في المقام كالتكبيرة فيها ويدل على ما قلنا صحيحة معاوية بن وهب (عن التهيؤ للاحرام فقال: في مسجد الشجرة فقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ترى ناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى


(1) في الخصال أبواب الخصال السبعة تحت رقم 15، وفي الكافي ج 3 ص 316 و التهذيب ج 1 ص 145. (2) المصدر ج 1 ص 145.

[ 379 ]

البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم تقول لبيك اللهم لبيك - الخ) (1) حيث يظهر من مثل هذه الصحيحة أن الاحرام نفس التلبية. نعم يظهر من أخبار آخر مغايرة الاحرام مع التلبية ففي صحيح ابن - الحجاج (في الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الاحرام ولم يلب قال: ليس عليه شئ) (2). وفي صحيحه مع حفص بن البختري (أن الصادق عليه السلام صلى ركعتين في مسجد الشجرة وعقد الاحرام فأتي بخبيص فيه زعفران فأكل منه) (3). وأيضا من المسلم عدم جواز التجاوز من الميقات بدون الاحرام وقد وردت أخبار بتأخير التلبية فإن كان المراد الاحرام بالتلبية فكيف تؤخر التلبية عن الميقات وإن كان المراد من الاحرام نفس النية فالنية حاصلة لمريد العمرة والحج قبل الوصول إلى الميقات فما معنى عدم صحة الاحرام قبل الميقات وإن الاحرام قبله كالصلاة قبل الوقت (4) فلابد إما من طرح الاخبار الدالة على تأخير التلبية الواجبة المحققة للاحرام عن الميقات أو الحمل على التلبيات المستحبة أو الاجهار بها وحمل ما دل على عقد الاحرام بدون التلبية وجواز أكل ما فيه الزعفران على التهيؤ للاحرام لدعوى الاجماع على عدم تحقق الاحرام بدون التلبية، و أما اعتبار القصد بالنحو المزبور فوجهه لزوم التعيين في مقام الامتثال فلابد من إثبات المغايرة وعدم كفاية التعيين الاجمالي. وقد يستدل على اعتبار التعيين بالاخبار المتعرضة للتعيين، مثل صحيح معاوية ابن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة الخ). وفيه (اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك فإن عرض لي شئ يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي


(1) التهذيب ج 1 ص 470 والاستبصار ج 1 ص 169. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 469 والاستبصار ج 1 ص 188. (4) يمكن أن يكون التأخير من جهة حفظ المحاذاة. (منه قدس سره).

[ 380 ]

اللهم إن لم تكن حجة فعمرة أحرم لك شعري وبشري ولحمي - الحديث). ومثل صحيح البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال: ينوي العمرة ويحرم بالحج) (1) وغيرهما ولا يخفي أن أمثال هذه الاخبار حيث أنها متعرضة لامور مستحبة لا يستفاد منها وجوب التعيين وفي بعضها يكون نظر السائل بعد قصده المعين إلى كيفية القول وهذا غير محل البحث ولا يبعد استفادة عدم وجوب التعيين من الصحيح الاول حيث يقول: إن لم تكن حجة فعمرة و على فرض لزوم التعيين ولو من باب لزوم الاحتياط في المقام لكونه من باب الشك في حصول الامتثال فالظاهر كفاية التعيين الاجمالي ويؤيده ما حكي من فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه أهل أهلالا كإهلال النبي صلى الله عليه وآله. وأما قصد الصفة من الوجوب والندب فلا دليل على لزومه. وأما عدم اعتبار النطق بغير المنوي فوجهه واضح حيث أنه يكفي النية و تعتبر هي ليس غير، وسبق اللسان بغيره لا اعتبار به. { الثاني التلبيات الاربع ولا ينعقد الاحرام للمفرد والمتمتع إلا بها أما القارن فله أن يعقده بها أو بالاشعار أو التقليد على الاظهر وصورتها (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) وقيل يضيف إلى ذلك (ان الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك لبيك) وما زاد مستحب }. قد ادعي الاجماع على عدم انعقاد الاحرام إلا بالتلبيات ويدل عليه الاخبار الدالة على عدم حرمة المحرمات على المحرم قبل التلبية منها قول الصادق عليه السلام على المحكى في صحيح معاوية بن عمار (لا بأس أن يصلي الرجل في مسجد الشجرة ويقول الذي يريد أن يقوله ولا يلبي ثم يخرج فيصيب من الصيد وغيره فليس عليه فيه شئ) (2) وفي خبر ابن سنان المروي عن مستطرفات السرائر (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاهلال بالحج وعقدته؟ قال: هو التلبية إذا لبى وهو متوجه فقد وجب عليه


(1) التهذيب ج 1 ص 469 والاستبصار ج 2 ص 166. (2) التهذيب والاستبصار ج 2 ص 188.

[ 381 ]

ما يجب على المحرم) (1) وقد مر الكلام في الاشكال المتوجه من جهة ما دل على جواز تأخير التلبية عن الميقات مع أنه المسلم بينهم عدم جواز تأخير الاحرام عن المواقيت وقد يجمع بعدم لزوم مقارنة النية للتلبية فالنية حاصلة في الميقات و التلبية متأخرة بخلاف تكبيرة الاحرام في الصلاة حيث يعتبر فيها مقارنة النية معها، ولا يخفى توجه الاشكال من جهة أنه إن كان المراد من الاحرام اللازم في الميقات مجرد النية فالنية حاصلة من ابتداء الشروع في السفر فما معنى عدم جواز الاحرام قبل الميقات ولزومه في الميقات، وأما تخيير القارن بين التلبية و الاشعار والتقليد فاستدل عليه بالاخبار المعتبرة المستفيضة. منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (يوجب الاحرام ثلاثة أشياء التلبية والاشعار والتقليد فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم) (2) وقوله عليه السلام في صحيح عمر بن يزيد (من أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) (3) وأما صورة التلبيات فاختلفت الاخبار فيها منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن معاوية بن عمار وصحيحه (والتليية أن تقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك ذا المعارج لبيك - إلى قوله - واعلم أنه لابد لك من التلبيات الاربع التي كن في أول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبى المرسلون) (4). ومنها صحيح عاصم بن الحميد المروي عن قرب الاسناد للحميري قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما انتهى إلى البيداء حيث الميل قربت له ناقته فركبها فلما انبعث به لبى بالاربع فقال: لبيك اللهم لبيك


(1) المصدر ص 473. (2) التهذيب ج 1 ص 459 وقد تقدم. (3) التهذيب ج 1 ص 514 والعلل ص 150. (4) التهذيب ج 1 ص 472 و 528.

[ 382 ]

اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك. ثم قال: ههنا يخسف بالاخابث) (1) ومنها صحيح عمر بن يزيد إذا أحرمت من مسجد الشجرة فإن كنت ماشيا لبيت من مكانك من المسجد تقول: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك لبيك ذا المعارج لبيك لبيك بحجة تمامها عليك) وأجهر بها كلما ركبت وكلما نزلت وكلما هبطت واديا أو علوت أكمة أو لقيت راكبا وبالاسحار) (2) والجمع بينها بوجوب التلبيات الاربع بالنحو المذكور في المتن واستحباب الباقي لدلالة ذيل رواية معاوية بن عمار المذكورة على عدم وجوب الزائد ولا مجال لاحتمال كون ما بعد لبيك الرابع من متممات الرابع كما أن ما بعد الثلاثة السابقة من متمماتها لعدم ذكره في صحيح عمر بن يزيد المذكور، مع أنه لا يجب الازيد من التلبيات الاربع بالنص والاجماع ثم إنه بناء على وجوب الزائد كما يظهر من صحيح عاصم بن الحميد المذكور أو استحبابه، المعروف صحة التلفظ - بفتح همزة (ان) وكسرها من جهة صحة كليهما ويشكل بناء على الوجوب من جهة احتمال لزوم الاقتصار على المروي وعدم ملاحظة الصحة بحسب القوانين العربية كما يحتاط في تكبير الاحرام بعدم الوصل بما قبله من دعاء أو ذكر وعدم الوصل بما بعده اقتصارا على المتيقن فيجمع بينهما. { ولو عقد إحرامه ولم يلب لم يلزمه كفارة بما يفعله، والاخرس يجزيه تحريك لسانه والاشارة بيده }. قد سبق ذكر الاخبار الدالة على عدم لزوم الكفارة قبل التلبية، وأما التعبير بعقد الاحرام مع عدم التلبية فهو مسامحة كما عرفت، وأما كفاية تحريك اللسان والاشارة للاخرس فاستدل عليها بقول أبي عبد الله عليه السلام في خبر السكوني المنجبر بالعمل (إن عليا عليه السلام قال: تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بأصبعه) (3) وظاهر المتن لزوم الامرين ومن


(1) قرب الاسناد ص 59. (2) التهذيب ج 1 ص 472. (3) الكافي ج 3 ص 315، والتهذيب ج 1 ص 473

[ 383 ]

المحتمل لزوم أحد الامرين حيث أن الاخرس في بيان مقاصده لا يحتاج إلى الامرين بل يكتفي بأحدهما كما أنه يبعد لزوم الاشارة بالاصبع في حال السجدة مع استقرار المساجد السبعة كما يبعد اختلاف التشهد وذكر السجود، وعن كشف اللثام لزوم النيابة أيضا تمسكا بخبر زرارة (أن رجلا قدم حاجا لا يحسن أن يلبي فاستفتى له أبو عبد الله عليه السلام فأمر أن يلبى عنه) (1) وهو بعيد جدا لانه مع فرض اعتبار هذه الرواية سندا الظاهر إعراض الاصحاب عن العمل بها. { الثالث لبس ثوبي الاحرام وهما واجبان والمعتبر ما تصح فيه الصلاة للرجل ويجوز لبس القباء مع عدمهما مقلوبا وفي جواز لبس الحرير للمرأة روايتان أشهرهما المنع }. ادعي الاجماع على وجوب لبس ثوبي الاحرام ولولا الاجماع لامكن الخدشة في دلالة الاخبار المتعرضة له من جهة كونها مسوقة لبيان المستحبات نعم في الدروس بعد أن أوجب لبس الثوبين فيه قال: ولو كان الثوب طويلا فاتزر ببعضه وارتدى بالباقي أو توشح أجزأ، ويشكل بأنه مع تسليم الاجماع لابد من لبس الثوبين و مع عدمه أمكن منع وجوب أصل الثوب والاحتياج إلى لبس شئ للصلاة أو للعادة أو التحفظ عن الحرارة والبرودة خارج وعلى فرض الوجوب يقع الكلام في اعتباره في صحة الاحرام وعدمه والظاهر عدم اعتباره في صحة الاحرام، والدليل عليه ما دل على حصول الاحرام بالتلبية وما دل على وجوب أو استحباب الاحرام قبل الوصول إلى ذات عرق ولبس الثوبين بعد الوصول إليها تقية من العامة وقد يستدل على مدخليته في صحة الاحرام بما يظهر من بعض الاخبار من التفصيل بين ما لو أحرم في قميص فلا يشقه وينزعه من طرف رأسه وما لو لبس القميص بعد الاحرام فيشقه ولا ينزعه من طرف رأسه فيقال في الصورة الاولى: لم يتحقق الاحرام بعد فلا مانع من نزعه من طرف الرأس حيث لا مانع من ستر الرأس، وفي الصورة الثانية لا يجوز من جهة تحقق الاحرام، ويمكن أن يقال: لعل هذا


(1) التهذيب ج 1 ص 516 والكافي ج 4 ص 504.

[ 384 ]

حكم تعبدي لا نعرف وجهه فإن بعض الاخبار المتعرضة لهذا التفصيل يشمل ما لو كان المحرم لابسا لثوبي الاحرام. فمنها صحيح معاوية بن عمار وغير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أحرم وعليه قميصه فقال: ينزعه ولا يشقه، وإن كان لبسه بعد ما أحرم شقه و أخرجه مما يلي رجليه) (1) ومنها حسنه عنه عليه السلام أيضا (إذا لبست ثوبا في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلب وأعد غسلك وإن لبست قميصا فشقه وأخرجه من تحت قدميك) (2) إن حمل على اللبس بعد الاحرام فإن الامام عليه الصلاة والسلام لم يستفصل فهذا حكم تعبدي راجع إلى لبس ما لا يجوز للمحرم لبسه وأين هذا من اشتراط لبس ثوبي الاحرام في صحة الاحرام وإن حمل ذيل الحسن المذكور على اللبس قبل الاحرام كان دالا على وجوب أو استحباب الشق والاخراج من تحت القدمين وهذا مناسب مع تحقق الاحرام معه، وقد يتمسك لعدم المدخلية بأنه لو كان دخيلا لوجب تجديد النية والتلبية، وفيه نظر لامكان أن يلتزم بالمدخلية مع عدم لزوم تجديد ما ذكر كما التزم المستدل بتوقف الاحرام على التلبية وتأخيرها عن نية الاحرام الحاصلة في الميقات. وأما اشتراط كون الثوبين مما يجوز فيه الصلاة فاستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن حريز وصحيحه (كل ثوب تصلى فيه فلا بأس بالاحرام فيه) (3) بناء على إرادة المنع من البأس في مفهومه وادعي عدم الخلاف فيه. وأما جواز لبس القباء مقلوبا مع عدم الثوبين فاستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح الحلبي (إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا، ولا يدخل يده في يد القباء) (4) وصحيح عمر بن يزيد (يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين، وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباه بعد أن ينكسه) (5) وغيرهما من الاخبار لكن الذي يظهر من أخبار الباب


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 348 تحت رقم 1 و 3 والتهذيب ج 1 ص 466. (3) التهذيب ج 1 ص 465. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 466.

[ 385 ]

أن لبس القباء مقلوبا ليس من باب البدلية من ثوبي الاحرام بل النظر إلى الترخيص في لبس المخيط الممنوع في حال الاحرام، فلا يناسب ذكره في هذا المقام، و الشاهد على هذا ترخيص لبس الخفين مع عدم وجدان نعلين فإن لبس النعلين لا مدخلية له في الاحرام، بل النظر إلى جواز ما يستر ظهر القدم مع عدم وجدان النعلين وعلى هذا فيدور الامر مدار الاضطرار العرفي المجتمع مع وجدان الازار وفقدان الرداء كما يظهر من الصحيح أعني صحيح عمر بن يزيد المذكور، و يجمع بينه وبين صحيح الحلبي المتقدم بحمله على عدم وجدان ثوب غيره مما يقوم مقام القباء أي الرداء. ومما ذكر يظهر أنه لا مجال لحمل الامر على الوجوب بل الامر في مقام توهم الحظر أو بلحاظ خصوصية القلب والنكس، ثم إن المراد من القلب و النكس هل هو جعل الذيل على الكتف كما عن بعض أو جعل الظاهر الباطن كما عن بعض آخر؟ لا يبعد أن يقال بكفاية كل منهما من جهة ذكر كل منهما في الاخبار ولا إشكال في تحقق النكس بجعل الذيل على الكتف، بل لا يتحقق النكس بغير هذا كما أنه لا يتحقق القلب ظاهرا بهذا النحو، والمتيقن منه جعل الظاهر الباطن، وأما لبس المرأة الحرير فقيل بالجواز لها في الاحرام، و القائل المفيد وابن إدريس والعلامة في القواعد - قدس الله تعالى أسرارهم - لجواز لبسها في الصلاة ومقتضى حسن حريز وصحيحه المذكور سابقا صحة الاحرام و واستدل عليه أيضا بصحيح يعقوب بن شعيب (قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة تلبس القميص تزره عليها وتلبس الحرير والخز والديباج؟ فقال: نعم لا بأس وتلبس الخلخالين والمسك) (1) وبخبر النضر بن سويد عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن المرأة المحرمة أي شئ تلبس من الثياب؟ قال: تلبس الثياب كلها إلا المصبوغة بالزعفران أو الورس ولا تلبس القفازين ولا حليا تتزين به لزوجها


(1) التهذيب ج 1 ص 467 والاستبصار ج 2 ص 309. والمسك - بفتحتين - اسورة من ذبل أو عاج. وقيل عظم السلحفات البحرية.

[ 386 ]

ولا تكتحل إلا من علة ولا تمس طيبا ولا تلبس حليا ولا فرندا ولا بأس بالعلم في الثوب) (1) وقيل بعدم الجواز والقائل الشيخ والصدوق - قدس سراهما - و استدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح العيص (المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين) (2) وبموثق ابن بكير عن بعض أصحابنا عنه أيضا النساء تلبس الحرير والديباج إلا في الاحرام) (3) و بأخبار اخر، وطرف المعارضة لهذه الاخبار حسن حريز وصحيحه المذكور، وأما صحيح يعقوب المذكور فلا تعرض فيه للاحرام ولعل النظر فيه إلى حال الصلاة فلا مجال لاستبعاد السؤال عن أصل الجواز فيدور الامر بين تخصيص الخبرين بهذه الاخبار وحمل هذه الاخبار على الكراهة ولا ترجيح، ومقتضى الاصل عدم المنع، ومع إمكان الجمع بأحد النحوين لا معارضة حقيقة، فترجيح الاخبار المانعة بالاشهرية فرع وقوع المعارضة. { ويجوز أن يلبس أكثر من ثوبين، وأن يبدل ثياب إحرامه ولا يطوف إلا فيهما استحبابا، والندب رفع الصوت بالتلبية للرجل إذا علت راحلته البيداء إن حج على طريق المدينة وإن كان راجلا فحيث يحرم، ولو أحرم من مكة رفع بها صوته إذا أشرف على الابطح، وتكراره إلى يوم عرفة عند الزوال للحاج و للمعتمر بالمتعة حتى يشاهد بيوت مكة، وبالمفردة حتى يدخل الحرم إن كان أحرم من خارجه، وحتى يشاهد الكعبة إن أحرم من الحرم. وقيل بالتخيير و هو أشبه }. أما جواز أن يلبس أكثر من ثوبين فيدل عليه حسن معاوية أو صحيحه عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي أحرم فيها؟ قال:


(1) الكافي ج 4 ص 344 تحت رقم 3، والتهذيب ج 1 ص 467 والاستبصار ج 2 ص 309. (2) الكافي ج 4 ص 344 تحت رقم 1. والتهذيب ج 1 ص 467 والاستبصار ج 2 ص 308 (3) الكافي ج 6 ص 454

[ 387 ]

لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة) (1) وحسن الحلبي أو صحيحه (سالت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يتردى بالثوبين قال: نعم والثلاثة إن شاء يتقي بها البرد و الحر) (2) هذا مضافا إلى الاصل المقتضي للجواز، وأما جواز التبديل فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن الحلبي أو صحيحه (لا بأس بأن يحول المحرم ثيابه) (3) وعن الحلبي في حديث قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يحول ثيابه؟ فقال: نعم، وسألته عليه السلام يغسلها إذا أصابها شئ؟ قال: نعم) (4) وقوله أيضا على المحكي في حسن معاوية (لا بأس بأن يغير المحرم ثيابه ولكن إذا دخل مكة لبس ثوبي إحرامه اللذين أحرم فيهما وكره أن يبيعهما) (5) مضافا إلى الاصل. ومن ذيل الخبر الاخير يستفاد رجحان الطواف في الثوبين اللذين أحرم فيهما لكن الاحتياط في عدم الترك بل إذا دخل مكة لعدم دليل على جواز الترك مع ظهور الخبر في الوجوب، وأما استحباب رفع الصوت بالتلبية في الاماكن و الاوقات المذكورة فللامر بها في النصوص الواردة المحمول على الندب بقرينة ما في صحيح عمر بن يزيد (وأجهر بها كلما ركبت وكلما نزلت وكلما هبطت واديا أو علوت أكمة أو لقيت ركبا وبالاسحار) (6) وفي خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام (ليس على النساء جهر بالتلبية) (7) وفي صحيح عمر بن يزيد


(1) التهذيب ج 1 ص 466. (2) الكافي ج 4 ص 341 تحت رقم 10، والتهذيب ج 1 ص 466. (3) الكافي ج 4 ص 343 تحت رقم 20. (4) التهذيب ج 1 ص 466. (5) الكافي ج 4 ص 341 تحت رقم 11 والتهذيب ج 1 ص 466 والفقيه كتاب الحج ب 57 ح 27. (6) تقدم سابقا. (7) الكافي ج 4 ص 405 تحت رقم 8 وص 336 تحت رقم 7.

[ 388 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (إن كنت ماشيا فأجهر بإهلالك وتلبيتك من المسجد وإن كنت راكبا فإذا علت راحلتك البيداء) (1) وقال الصادق عليه السلام على المحكي في حسن معاوية بن عمار (إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك أو ادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام أو في الحجر ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة فأحرم بالحج ثم امض وعليك السكينة والوقار فإذا انتهيت إلى الرقطاء دون الردم فلب فإذا انتهيت إلى الردم وأشرفت على الابطح فارفع صوتك بالتلبية) (2). وأما أستحباب تكرار التلبية بالتفصيل المذكور في المتن فيدل على استحباب أصل التكرار أخبار، منها ما في صحيح معاوية بن عمار (تقول هذا في دبر كل صلاة مكتوبة أو نافلة وحين ينهض بعيرك وإذا علوت شرفا أو هبطت واديا أو ليقت راكبا واستيقظت من منامك وبالاسحار وأكثر ما استطعت) (3). وأما انقطاع التلبية للحاج يوم عرفة عند زوال الشمس فلصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس) (4). وأما انقطاعها للمعتمر بمتعة بمشاهدة بيوت مكة فلما في حسن معاوية (إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية، وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين فإن الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن فاقطع التلبية وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله عزوجل ما استعطت) (5).


(1) التهذيب ج 1 ص 470 والاستبصار ج 2 ص 180. (2) الكافي ج 4 ص 454 وفيه (الرفضاء) وفي بعض نسخة (الروحاء) وفي التهذيب ج 1 ص 494 والفقيه (الرقطاء) كما في المتن. (3) التهذيب ج 1 ص 472 و 528 والكافي ج 4 ص 335. (4) الكافي ج 4 ص 462. (5) التهذيب ج 1 ص 473 والاستبصار ج 2 ص 176.

[ 389 ]

وأما قطع المعتمر بالمفردة بدخول الحرم أو مشاهدة الكعبة فيدل عليه أخبار منها حسن مرازم عن أبي عبد الله عليه السلام (يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الابل أخفافها في الحرم) (1) وقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر معاوية بن عمار (من اعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد) (2) وصحيح عمر بن يزيد (من خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة) (3) وأما وجه التخيير فالجمع بين خبر يونس ابن يعقوب (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية؟ قال: إذا رأيت بيوت مكة ذي طوى فاقطع التلبية) (4) ومرسل المفيد (أنه سئل عن الملبي بالعمرة المفردة بعد فراغه من الحج متى يقطع التلبية؟ قال: إذا رأى البيت) (5) وبين صحيح عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام (من دخل مكة مفردا للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الابل أخفافها في الحرم) (6) هذا ولكنه يقع الاشكال في التخيير سواء قيل بوجوب القطع أم لا فإنه مع مرجوحية التلبية بعد وضع الابل أخفافها في الحرم بمقتضى صحيح عمر بن يزيد كيف تكون راجحة قبل رؤية بيوت مكة أو قبل روية البيت، نعم يتصور التخيير الاصولي وهو غير مراد. وأما القطع وإن كان يظهر من أخبار الباب وجوبه لكنه لا يبعد حملها على نفي تأكد الاستحباب نظير النهي الواقع عقيب الوجوب أو الواقع في مقام توهم الوجوب كما قد يحمل النهي عن الاذان والاقامة في موارد سقوطهما على الترخيص لا العزيمة ولا أقل من الاحتمال فيبقى عموم ما دل على استحباب التلبية على حاله بل يكفي احتمال الرجحان المجوز لها رجاء، وأما ما في خبر أبان بن تغلب


(1) الكافي ج 4 ص 537. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 473 والاستبصار ج 2 ص 177. (5) المقنعة ص 71 وفيه (متى يقطع تلبيته؟ فقال: إذا زار البيت). (6) التهذيب ج 1 ص 473 والاستبصار ج 2 ص 177.

[ 390 ]

في الحسن (كنت مع أبي جعفر عليه السلام في ناحية من المسجد وقوم يلبون حول الكعبة فقال: أترى هؤلاء الذين يلبون والله لاصواتهم أبغض إلى الله من أصوات الحمير) (1) فلا شهادة فيه لعدم جوازها لاحتمال أن يكون من جهة تركهم الولاية التي لا يقبل مع تركها عمل إلا أن يقال عدم القبول لا يوجب مبغوضية الاصوات والاحتياط طريق النجاة. { والتلفظ بما يعزم عليه والاشتراط بأن يحل حيث حبسه وإن لم تكن حجة فعمرة، وأن يحرم في ثياب القطن وأفضله البيض }. أما استحباب التلفظ بما يعزم عليه من حج مفرد أو تمتع أو عمرة مفردة أو عمرة تمتع فاستدل عليه بالامر في النصوص منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (تقول: لبيك بمتعة بعمرة إلى الحج) (2) وفي صحيح عمر بن يزيد (تقول: لبيك بحجة تمامها عليك) (3) وسأله عليه السلام يعقوب بن شعيب في الصحيح (كيف ترى أن أهل فقال: إن شئت سميت وإن شئت لم تسم شيئا، فقال: كيف تصنع قال: أجمعهما فأقول: لبيك بحجة وعمرة معا) (4). وأما استحباب الاشتراط فاستدل عليه بالنصوص منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر الفضيل بن يسار (المعتمر عمرة مفردة يشترط على ربه أن يحله حيث حبس، ومفرد الحج يشترط على ربه إن لم تكن حجة فعمرة) (5) وفي صحيح ابن سنان (إذا أردت الاحرام والتمتع فقل: اللهم إنى أريد ما أمرتني به من التمتع بالعمرة إلى الحج فيسر ذلك لي وتقبله مني وأعني عليه وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي) (6) وأما استحباب الاحرام في الثياب


(1) الكافي ج 4 ص 540 باب النوادر. (2) التهذيب ج 1 ص 470 والاستبصار ج 2 ص 169. (3) الكافي ج 4 ص 454 وتقدم. (4) التهذيب ج 1 ص 471 والاستبصار ج 2 ص 173. (5) الكافي ج 4 ص 335 والتهذيب ج 1 ص 469. (6) التهذيب ج 1 ص 468 والاستبصار ج 2 ص 167.

[ 391 ]

القطن فاستدل عليه بالتأسي وبالمروي عن خصال الصدوق (قده) (البسوا ثياب القطن فإنها لباس رسول الله صلى الله عليه وآله وهو لباسنا ولم يكم يلبس الشعر والصوف إلا من علة) (1) ويشكل استفادة الاستحباب بالنسبة إلى ثوبي الاحرام مما ذكر غاية الامر استحباب لبس القطن في جميع الحالات وكذا الكلام في أفضلية البيض. { وأما أحكامه فمسائل الاولى المتمتع إذا طاف وسعى ثم أحرم بالحج قبل التقصير ناسيا مضي في حجته ولا شئ عليه وفي رواية عليه دم ولو أحرم عامدا بطلت متعته على رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام }. أما صحة عمرته وصحة إحرامه للحج في صورة النسيان فيدل عليها الاخبار المعتبرة منها صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل متمتع نسي أن يقصر حتى أحرم بالحج، قال يستغفر الله) (2) ومنها صحيح ابن الحجاج (سألت أبا - إبراهيم عليه السلام عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل مكة فطاف وسعى ولبس ثيابه وأحل ونسي أن يقصر حتى خرج إلى عرفات قال: لا بأس به يبنى على العمرة وطوافها وطواف الحج على أثره) (3) ومقتضاهما عدم شئ عليه وفي القبال موثق إسحاق بن عمار، قلت لابي إبراهيم عليه السلام: (الرجل يتمتع فينسى أن يقصر حتى يهل بالحج قال: عليه دم يهريقة) (4) ويجمع بحمل الموثق على الاستحباب. وأما بطلان المتعة مع التعمد فاستدل عليه بموثق أبي بصير أو صحيحه عن أبي عبد الله عليه السلام (المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبى قبل أن يقصر فليس له أن يقصر وليس له متعة) (5) وخبر محمد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل (سألته عن


(1) ورواه الكليني في الكافي ج 6 ص 450 من حديث أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) الكافي ج 4 ص 440 تحت رقم 1 والفقيه كتاب الحج ب 60 ح 3. (3) الكافي ج 4 ص 440 تحت رقم 4. (4) الفقيه كتاب الحج ب 60 ح 2. (5) التهذيب ج 1 ص 491 والاستبصار ج 2 ص 243.

[ 392 ]

رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل أن يقصر؟ قال: بطلت متعة وهي حجة مبتولة) (1) ويمكن أن يقال إطلاق الخبرين يشمل صورة النسيان خصوصا الثاني منهما حيث أن مريد الحج لا يفعل على خلاف المأمور به إلا عن جهل أو نسيان بل حملهما على خصوص صورة العمد بعيد جدا فإنه كيف يتمشى للعامد قصد القربة بالاحرام للحج فيقع المعارضة بينهما وبين الاخبار السابقة الدالة على صحة العمرة وصحة الحج إلا أن يجمع بين الطرفين بحمل الخبرين على صورة الجهل بالحكم والاخبار السابقة كانت مخصوصة بصورة النسيان والحاصل أن حمل هذين الخبرين على صورة الالتفات والعلم بالحكم بعيد جدا، ففي هذه الصورة لا يبعد الاخذ بقول ابن إدريس والفاضل في التلخيص والشهيد في الدروس - قدس الله تعالى أسرارهم - من البناء على إحرامه الاول وبطلان الثاني على القاعدة. { الثانية إذا أحرم الولي بالصبي فعل به ما يلزم المحرم وجنبه ما يجتنب المحرم وكل ما يعجز عنه يتولاه الولي، ولو فعل ما يوجب الكفارة ضمن عنه، ولو كان مميزا جاز إلزامه بالصوم عن الهدي ولو عجز صام الولي عنه }. أما ما ذكر أولا فيدل عليه صحيح زرارة عن أحدهما عليهما السلام (إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فإنه يأمره أن يلبي ويفرض الحج فإن لم يحسن أن يلبي لبوا عنه ويطاف به ويصلى عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون عنه، قال: يذبح عن الصغار ويصوم الكبار ويتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب والطيب، فإن قتل صيدا فعلى أبيه) (2) والظاهر لزوم الاتقاء بالنسبة إلى جميع ما يحرم على المحرم من دون اختصاص بخصوص الثياب والطيب بقرينة قوله عليه السلام: على المحكي (فان قتل صيدا فعلى أبيه فداؤه)، وأما ضمان الولي لو فعل الصبي ما يوجب الكفارة فبالنسبة إلى قتل الصيد فقد دل عليه الصحيح المذكور. وأما بالنسبة إلى غيره مما يفرق فيه بين العمد والخطأ فقد يشكل من جهة أن عمد الصبي خطأ


(1) التهذيب ج 1 ص 472 والاستبصار ج 2 ص 175. (2) الكافي ج 4 ص 303.

[ 393 ]

ومع الخطأ لا شئ عليه ودعوى اختصاص هذه القاعدة بخصوص باب الديات لم يعرف وجهها، وعلى فرض عدم الشمول للمقام لم يظهر وجه لضمان الولي لاختصاص الصحيح المذكور بخصوص الصيد فالتعدي إلى مطلق ما يوجب الكفارة لا وجه له، ومجرد أمر الولي بإحرامه وإحجاجه لا يوجب شيئا حتى يقال صار الولي سببا فيضمن. وأما إلزام الصبي بالصوم مع التمكن وإن كان يظهر من الصحيح المذكور إلا أنه يظهر من بعض الاخبار لزومه على الولي ففي خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام (يصوم عن الصبي وليه إذا لم يجد هديا وكان متمتعا) (1) فمع اعتباره سندا يجمع بالتخيير وأما مع عدم التمكن عن الهدي وعجز الصبي عن الصوم فالظاهر عدم الاشكال في تعيين الصوم على الولي. { الثالثة لو إشترط في إحرامه ثم حصل المانع تحلل ولا يسقط هدي التحلل بالشرط بل فائدته جواز التحلل للمحصور من غير تربص ولا يسقط عنه الحج لو كان واجبا }. اختلف كلمات الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - في صورة الاشتراط فقيل: مع الاشتراط يسقط الهدي وهو المحكي عن جماعة وادعي عليه الاجماع واستدل عليه بصحيح ذريح المحاربي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل متمتع بالعمرة إلى الحج واحصر بعد ما أحرم كيف يصنع؟ قال: فقال: أو ما اشترط على ربه قبل أن يحرم أن يحله من إحرامه عند عارض عرض له من أمر الله تعالى؟ فقلت: بلى قد اشترط ذلك قال: فليرجع إلى أهله حلالا لا إحرام عليه إن الله تعالى أحق من وفى ما اشترط عليه، قال: فقلت: أفعليه الحج من قابل؟ قال: لا) (2) وصحيح البزنطي قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن محرم انكسرت ساقه أي شئ يكون حاله وأي شئ عليه؟ قال: هو حلال من كل شئ فقلت: من


(1) التهذيب ج 1 ص 564. (2) التهذيب ج 1 ص 469 والاستبصار ج 2 ص 169.

[ 394 ]

النساء والثياب والطيب؟ فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم وقال: أو ما بلغك قول أبي عبد الله عليه السلام: وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي) (1) وحمل إطلاق الاية (فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) على من لم يشترط وقيل: لا يسقط الهدي، وفائدة الاشتراط جواز التحلل من غير تربص واستدل عليه بإطلاق الاية الشريفة، وخبر عامر بن عبد الله ابن جذاعة على ما نقله في الجواهر المروي عن الجامع من كتاب المشيخة لابن محبوب (في رجل خرج معتمرا فاعتل في بعض الطريق وهو محرم قال: ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النساء فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما فإن برء [ من مرضه ] اعتمر إن كان لم يشترط على ربه في إحرامه وإن كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر إلا أن يشاء فيعتمر ويجب أن يعود للحج الواجب المستقر وللاداء إن استمرت الاستطاعة في قابل والعمرة الواجبة كذلك في الشهر الداخل وإن كانا متطوعين فهما بالخيار) مؤيدا بقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (أن الحسين بن علي عليهما السلام خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا عليه السلام ذلك وهو بالمدينة فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا وهو مريض فقال: يا بني ما تشتكي قال: أشتكي رأسي فدعا علي عليه السلام ببدنه فنحرها وحلق رأسه و رده إلى المدينة) (2) بناء على أنه كان قد اشترط باعتبار كونه مستحبا فلا يتركه الحسين عليه السلام. قلت: أما التأييد بالصحيح الاخير فمشكل من جهة عدم إحراز الاشتراط في إحرام الحسين عليه السلام لعدم التزامهم بكل أمر مستحب وعلى فرض الاشتراط لم يحرز وجه فعل أمير المؤمنين عليه السلام وأن نحر البدنة كان واجبا أو مستحبا. وأما رواية عامر فعلى فرض عدم الاشكال فيه من جهة السند تكون معارضة بالصحيحين السابقين حيث دلت هي على عدم حلية النساء وهما صريحان خصوصا


(1) الكافي ج 4 ص 369 والتهذيب ج 1 ص 580. (2) التهذيب ج 1 ص 567 والكافي ج 4 ص 369.

[ 395 ]

الاخير منهما في الحلية وليست المعارضة من قبيل معارضة المطلق والمقيد حتى يقال بالتقييد. وأما إطلاق الاية فقد قيد بغير صورة الاشتراط على كلا القولين لان القائلين بالقول الثاني قائلين بحصول التحلل من دون تربص، وظاهر الاية الشريفة التربص حتى يبلغ الهدي محله ومحله مكة أو منى ومع عدم إمكان الجمع لابد من الترجيح أو التخيير ولعل الترجيح مع الصحيحين. وقد نقل أقوال أخر مع وجوه لا حاجة إلى ذكرها. وأما عدم سقوط الحج عنه لو كان واجبا فللعمومات وما في خبر ذريح المحاربي السابق من عدم وجوب الحج من قابل لعله من جهة رفع توهم أن حال المحرم حال من أفسد حجه ويجب عليه الحج من قابل وذلك لان مورد السؤال المتمتع أعم من أن يكون عمله واجبا أو مستحبا ولا أقل من الاحتمال ومعه لا يرفع اليد عن العمومات لكن فيه اشكال لاحتمال كون المقام بعد الاحرام ودخول الحرم { ومن اللواحق التروك وهي محرمات ومكروهات فالمحرمات أربعة عشر صيد البر اصطيادا وإمساكا وأكلا ولو صاده محل وإشارة ودلالة وإغلاقا وذبحا ولو ذبحه كان ميتة حراما على المحل والمحرم }. استدل على حرمة صيد البر بقوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقوله تعالى: (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح الحلبي (لا تستحلن شيئا من الصيد وأنت حرام ولا وأنت حلال في الحرم، ولا تدلن عليه محلا ولا محرما فيصطاده ولا تشر إليه فيستحل من أجلك فإن فيه فداء لمن تعمده) (1) وقال عليه السلام: على المحكي في خبر عمر بن يزيد (واجتنب في إحرامك صيد البر كله، ولا تأكل ما صاده غيرك ولا تشر إليه فيصيده غيرك) (2) والظاهر أن المراد من الصيد في هذه العبارات هو المصيد فيمكن


(1) الكافي ج 4 ص 381. (2) التهذيب ج 1 ص 532.

[ 396 ]

الاستدلال بها على حرمة جميع ما ذكر حتى الامساك بالنسبة إلى ما صيد قبل الاحرام أو صاده غيره مضافا إلى الاجماع المدعى في المقام، نعم لا يبعد تقييد الدلالة والاشارة إلى ما كان مقدمة لاصطياد الغير، كما أنه قد يشك في شمول الادلة ما لو أشار أو دل بهذا القصد وما صاده الغير وما استحله. وأما كون المذبوح ميتة فهو المشهور بل ادعي عليه الاجماع واستدل عليه بأخبار منها خبر وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحرام والحلال وهو كالميتة وإذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلال ذبحه أو حرام) (1) وخبر إسحاق عن جعفر عليه السلام أيضا (إن عليا عليه السلام كان يقول: إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم، و إذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميته لا يأكله محل ولا محرم) (2) و ضعف السند منجبر بعمل الاصحاب. وفي القبال أخبار صحيحة تدل على خلافهما منها صحيحة معاوية بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب صيدا وهو محرم أيأكل منه الحلال؟ فقال: لا بأس، إنما الفداء على المحرم) (3) وصحيحة حريز قال: (سألت أبا - عبد الله عليه السلام عن محرم أصاب صيدا أيأكل منه المحل؟ قال: ليس على المحل شئ إنما الفداء على المحرم) (4) ونقل العلامة (قده) في المختلف عن الشيخ المفيد و السيد المرتضى (قده) القول بعدم البأس بأكل المحل وكذا نقل عن ابن الجنيد وربما يستشعر من قوله عليه السلام في رواية وهب وهو كالميتة أن يكون النظر إلى التنزيل، والقدر المتيقن حرمة أكله لا جميع الاثار حتى النجاسة وبالجملة إن تحقق إعراض الاصحاب عن الصحاح الدالة على الخلاف فهو وإلا فيشكل ومن المحتمل أن يكون أخذهم بالخبرين من باب الترجيح على الاخبار الصحاح.


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 555 والاستبصار ج 2 ص 214. (3) الكافي ج 4 ص 382. (4) التهذيب ج 1 ص 554 والاستبصار ج 2 ص 215.

[ 397 ]

{ والنساء وطيا وتقبيلا ولمسا ونظرا بشهوة وعقدا له ولغيره وشهادة على العقد }. أما حرمة الوطي فهي مجمع عليها ويدل عليه قوله تعالى (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) والرفث هو الجماع بالنص عن الصادق والكاظم عليهما السلام قال الاول عليه السلام علي المحكي في صحيح ابن عمار: (إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله وقلة الكلام إلا بخير فإن إتمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلا من خير كما قال الله تعالى (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فالرفث الجماع والفسوق الكذب والسباب والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله) (1) وقال الثاني عليه السلام على المحكي بعد أن سأله أخوه علي في الصحيح عن الرفث والفسوق والجدال ما هو وما على من فعله: الرفث جماع النساء والفسوق الكذب والمفاخرة والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله، فمن رفث فعليه بدنة ينحرها وإن لم يجد فشاة، وكفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله وهو محرم) (3) ولعله سقط من الخبر شئ كما احتمله في الوافي وأما حرمة التقبيل واللمس والنظر بشهوة فيدل عليها ما عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على أمراته؟ قال: نعم يصلح عليها خمارها ويصلح عليها أثوابها ومحملها، قلت له: و يمسها وهي محرمة؟ قال: نعم، قلت: المحرم يضع يده بشهوة؟ قال: يهريق دم شاة، قلت: فإن قبل؟ قال هذا أشد ينحر بدنة) (3). وعن أبي بصير في الموثق قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل محرم نظر إلى ساق امرأة فأمنى؟ فقال: إن كان موسرا فعليه بدنة وإن كان وسطا فعليه بقرة وإن كان فقيرا فعليه شاة، ثم قال: أما إني لم أجعل عليه هذا لانه أمنى إنما


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 531. (2) الكافي ج 4 ص 376.

[ 398 ]

جعلته عليه لانه نظر إلى ما لا يحل له) (1) ورواه الشيخ في الموثق والصدوق (قده) مثله. وأما حرمه العقد فمجمع عليها ويدل عليها الاخبار منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (ليس للمحرم أن يتزوج ولا يزوج فإن تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل) (2). وأما حرمة الشهادة فيدل عليها ما رواه الكليني والشيخ (قده) عن الحسن ابن علي في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب ولا يشهد النكاح وإن نكح فنكاحه باطل) (3). { والاستمناء والطيب، وقيل: لا يحرم إلا أربع المسك والعنبر والزعفران والورس، وأضاف الشيخ في الخلاف العود والكافور }. أما حرمة الاستمناء فالظاهر عدم الخلاف فيها ويدل عليها صحيح ابن الحجاج عن الصادق عليه السلام (سألته عن الرجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان؟ فقال: عليها جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (4) وخبر إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام (قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى: قال: أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم بدنة والحج من قابل) (5). وأما حرمة الطيب فيدل عليها صحيح زرارة عن الباقر عليه السلام (من أكل زعفرانا متعمدا أو طعاما فيه طيب فعليه دم، فإن كان ناسيا فلا شئ عليه ويستغفر الله ويتوب إليه) (6) وقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية عن أبي


(1) الكافي ج 4 ص 377 وفيه (وان كان بين ذلك) مكان قوله (وسطا). وفى التهذيب ج 1 ص 540 مثل ما في المتن. (2) التهذيب ج 1 ص 541 والاستبصار ج 2 ص 193. (3) الكافي ج 4 ص 372 والتهذيب ج 1 ص 541. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 541 و 540 والكافي ج 4 ص 376. (6) الكافي ج 4 ص 354.

[ 399 ]

عبد الله (لا تمس شيئا من الطيب وأنت محرم ولا من الدهن واتق الطيب و أمسك على أنفك من الريح الطيبة ولا تمسك عليها من الريح المنتنة فإنه لا ينبغي للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة. وأتق الطيب في زادك فمن ابتلي بشئ من ذلك فليعد غسله وليتصدق بصدقة بقدر ما صنع، وإنما يحرم عليك من الطيب أربعة اشياء المسك والعنبر والورس والزعفران غير أنه يكره للمحرم الادهان الطيبة - الخ) (1) ومن هذا الصحيح يظهر وجه ما قيل من الاختصاص بالاربع مضافا إلى خبر عبد الغفار عنه عليه السلام أيضا الطيب المسك والعنبر والزعفران و الورس، وخلوق الكعبة لا بأس به) (2) وادعي في الحدائق أن ذيل هذه الرواية وخلوق الكعبة لا بأس به ليس جزء الخبر بل هو من كلام الشيخ (قده) ولا يبعد الاخذ بهما وحكومتهما على سائر الاخبار المطلقة خصوصا مع عدم إباء الاخبار المطلقة عن التصرف فيها حيث أن كثيرا من الاشياء التي تكون طيبة الريح لا مانع من استعمالها بحسب الاخبار الخاصة ففي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: قال: أبو عبد الله عليه السلام: (لا بأس أن تشم الاذخر والقيصوم والخرامى والشيح و أشباهة وأنت محرم) (3) وعن ابن أبي عمير في الصحيح عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن التفاح والاترج والنبق وما طاب ريحه فقال: يمسك عن شمه ويأكله) (4) وفي الكافي عن عمار بن موسى في الموثق عن أبي عبد الله -


(1) الكافي ج 4 ص 353 والتهذيب ج 1 ص 532 والاستبصار ج 2 ص 178. (2) التهذيب ج 1 ص 532 والاستبصار ج 2 ص 180 وفيه بدون قوله (وخلوق الكعبة لا بأس به). (3) الكافي ج 4 ص 455 والتهذيب ج 1 ص 534. والاذخر - بكسر الهمزة والخاء - نبات معروف ذكى الرائحة واذا جف ابيض. والقيصوم - فيعول - من نبات البادية معروف. والخرامى - بالف التأنيث - من نبات البادية. قال الفاربي هو خيرى البر، وقال الازهرى: بقلة طيبة الرائحة لها نور كنور البنفسخ. كذا في المصباح المنير وقال الجوهرى: الشيح نبت. (4) الكافي ج 4 ص 356 والتهذيب ج 1 ص 534، والنبق ثمر السدر.

[ 400 ]

عليه السلام قال: (سألته عن المحرم يأكل الاترج؟ قال: نعم، قلت: له رائحة طيبة؟ قال: الاترج طعام ليس هو من الطيب) (1) غاية الامر لابد من التعدي من الاربعة المذكورة وإلحاق العود والكافور من جهة ما دل على عدم تقريب الكافور من الميت المحرم وقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر ابن أبي يعفور (الطيب المسك والعنبر والزعفران والعود) (2) مع ما ادعي من عدم الخلاف في الحرمة، ومجرد هذا لا يوجب رفع اليد عن الاخبار الحاكمة على الاخبار المطلقة لان غاية الامر وقوع المعارضة فمع الاخذ بأي طرف لا تصل النوبة إلى الاخذ بالاطلاقات فتأمل. { ولبس المخيط للرجال وفي النساء قولان أصحهما الجواز ولا بأس بالغلالة للحائض تتقي بها على القولين، ويلبس الرجل السروايل إذا لم يجد إزارا ولا بأس بالطيلسان وإن كان له إزرار فلا يزره عليه }. ادعي عدم الخلاف في حرمة لبس المخيط ولم يوجد رواية دالة على الحرمة بهذا النحو من العنوان وإنما نهي عن القميص والقباء والسراويل وعن ثوب تزره أو تدرعه، لا يبعد جواز التمسك بما ورد في كيفية الاحرام من قول المحرم (أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي وعصبي من النساء والطيب والثياب) وبالجملة الظاهر عدم الاشكال في حرمته وإن ورد الترخيص في بعض الاخبار. وقال في التذكرة: ألحق أهل العلم بما نص النبي صلى الله عليه وآله ما في معناه فالجبة والدراعة وشبههما تلحق بالقميص، والتبان والران (3) وشبههما ملحق بالسراويل، والقلنسوة وشبهها مساو للبرنس، والساعدان والقفازان وشبههما مساو للخفين، والظاهر أن مراده من النص ما روي العامة (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ما يلبس المحرم من الثياب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يلبس القميص


(1) المصدر ج 4 ص 356 تحت رقم 17، وفي الاستبصار ج 2 ص 183. (2) التهذيب ج 1 ص 532 والاستبصار ج 2 ص 179. (3) الران: حذاء الخف الا انه اطول منه.

[ 401 ]

ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحدا لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) (1) قال: قدس سره -: إذا عرفت هذا فيحرم لبس الثياب المخيط وغيرها إذا شابهها كالدرع المنسوج والمعقق كجبة الملبد والملصق بعضه ببعض حملا على المخيط ولمشابهته له في المعنى من الرفه، و الحق أن يقال: إن اندرج شئ من المذكورات في النص المذكور، وقلنا باعتباره من جهة أخذ الفقهاء - رضوان الله عليهم - به أو تحقق إجماع فلا إشكال وإلا فما الوجه في حرمته كما أنه قد يوهن دعوى الاجماع من جهة ذكر مدرك المجمعين إلا ان يتمسك بما ذكرت من قول المحرم في حال الاحرام، هذا كله للرجال. وأما النساء ففي حرمة لبس المخيط عليهن خلاف والاصح عند المصنف (قده) الجواز بل المشهور شهرة عظيمة وقد خالف الشيخ (قدس سره) في النهاية وقال في بعض كتبه: ويحرم على المرأة في حال الاحرام من لبس الثياب جميع ما يحرم على الرجل ويحل لها جميع ما يحل له ثم قال بعد ذلك وقد وردت رواية بجواز لبس القميص للنساء والافضل ما قدمناه وأما السراويل فلا بأس بلبسه لهن على كل حال. وعن بعض النسخ (والاصل ما قدمناه) مكان قوله (والافضل ما قدمناه) ولقائل أن يقول بعد عدم تحقق الاجماع كما قد يدعى وأخذ الفقهاء بالرواية العامية المذكورة آنفا وتعدينا إلى كل مخيط وكون مورد السؤال المحرم الشامل للرجل والمرأة يظهر وجه قول الشيخ غاية الامر خروج القميص و السراويل وقد اعترف هو به، نعم لو تمسك في حرمة لبس المخيط بما ورد في حال الاحرام من قول المحرم أحرم لك شعري وبشري الخ لم يشمل المرأة لذكر النساء فيه، ومما يؤيد قول الشيخ استثناء المجوزين لبس القفازين لهن، نعم يمكن الاستدلال للمشهور بما رواه في الكافي في الصحيح عن عيص بن القاسم قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين


(1) رواه ابو داود السجستاني في السنن ج 1 ص 423 ومسلم في صحيحه ج 4 ص 2.

[ 402 ]

وكره النقاب - الحديث) (1) فيخصص به تلك الرواية. وأما الغلالة وهي بكسر الغين ثوب يلبس تحت الثياب للحائض فجائز لبسها بلا إشكال وادعي عليه الاجماع ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح ابن سنان (تلبس المرأة الحائض تحت ثيابها غلالة) (2). وأما جواز لبس الرجل السراويل إذا لم يجد إزارا فادعي عليه الاجماع ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار وحسنه عن أبي عبد الله عليه السلام (لا تلبس وأنت تريد الاحرام ثوبا تزره ولا تدرعه ولا تلبس سراويل إلا أن لا يكون لك إزار ولا خفين إلا أن لا يكون نعلان) (3). وأما عدم البأس بالطيلسان فيدل عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (في المحرم يلبس الطيلسان المزرور؟ قال: نعم وفي كتاب علي عليه السلام قال: لا تلبس طيلسان حتى تنزع إزراره، وقال: إنما كره ذلك مخافة أن يزره الجاهل، فأما الفقيه فلا بأس بأن يلبسه) (4). { ولبس ما يستر ظهر القدم كالخفين والنعل السندي، فإن اضطر جاز وقيل: يشق من ظهر القدم }. استدل على الحرمة إلا في حال الاضطرار بصحيحة الحلبي وفيها (أي محرم هلكت نعلاه ولم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفين إذا اضطر إلى ذلك و الجوربين يلبسهما إذا اضطر إلى لبسهما) (5) وغيرها من الاخبار والاخبار ليس فيها ذكر بهذا العنوان أعني ما يستر ظهر القدم إلا أن يدعى القطع بالمناط وهو


(1) المصدر ج 4 ص 344. (2) التهذيب ج 1 ص 468. والفقيه كتاب الحج ب 58 ح 37. والغلالة: شعار يلبس تحت الثوب. (3) التهذيب ج 1 ص 466. (4) الكافي ج 4 ص 340 تحت رقم 8، والعلل ص 142. (5) التهذيب ج 1 ص 556.

[ 403 ]

لا يخلو عن إشكال، لاحتمال كون جهة الحرمة كون الخف مخيطا والجورب شبيها بالمخيط فلا مجال للقطع بالمناط، وعلى تقدير التعميم فلا دليل على حرمة ما يستر بعض الظهر. وأما وجه لزوم الشق من ظهر القدم فظهور بعض الاخبار فقد روى الصدوق عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في المحرم يلبس الخف إذا لم يكن له نعل؟ قال: نعم ولكن يشق ظهر القدم) (1) ويدل عليه أيضا رواية أبى بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل هلكت نعلاه ولم يقدر على نعلين؟ قال: له أن يلبس الخفين إذا اضطر إلى ذلك فيشق عن ظهر القدم - الحديث) (2) فيدور الامر بين تقييد المطلقات أو الحمل على الاستحباب مع عدم الاشكال من جهة السند ولا ترجيح و مقتضى الاصل عدم اللزوم. { والفسوق وهو الكذب والجدال وهو الحلف وقتل هوام الجسد ويجوز نقله ولا بأس بالقاء القراد والحلم }. لا إشكال في حرمة الفسوق على المحرم ويدل عليه الاية الشريفة والنصوص إنما الكلام في المراد منه فهو الكذب عند جماعة ويدل عليه ما رواه الصدوق (قده) في معاني الاخبار عن زيد الشحام قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرفث والفسوق والجدال قال: أما الرفث فالجماع، وأما الفسوق فهو الكذب اما تسمع لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنباء) والجدال هو قول: لا والله و بلى والله، وسباب الرجل الرجل) (3). وما رواه العياشي في تفسيره عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله في قول الله عزوجل (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فالرفث الجماع والفسوق الكذب والجدال قول الرجل


(1) الفقيه كتاب الحج ب 57 ح 24. (2) الكافي ج 4 ص 346. (3) المصدر ص 294 بأدنى اختلاف.

[ 404 ]

لا والله وبلى والله) (1) والسند مجبور، وقيل: هو الكذب والسباب، وقيل: هو الكذب والبذاء واللفظ القبيح لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية: (إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله تعالى وقلة الكلام إلا بخير فإن تمام الحج و العمرة أن يحفظ المرء لسانه إلا من خير كما قال الله تعالى (فإن الله تعالى يقول فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، فالرفث الجماع والفسوق الكذب والسباب والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله) (2). وفي صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليهما السلام (أنه الكذب والمفاخرة) (3) و قد يجتمع بين النصوص بأنه جميع ما ذكر فيها من الكذب والسباب والمفاخرة بتحكيم منطوق كل منها على مفهوم الاخر وفيه نظر حيث أن السؤال في أمثال هذه الاخبار كأنه سؤال عن حد الشئ والجواب كأنه بيان للحد ولا مجال لما ذكر في مقام بيان الحد ويحترز في الحد عما لا يحترز عنه في غيره فالظاهر بقاء المعارضة، ويمكن أن يقال على تقدير الاخذ بما فسر فيه بالكذب والسباب أو الاخذ بما فسر فيه بالكذب والسباب والمفاخرة بالتخصيص بخصوص المحرم، وكذلك الكذب فإنه مع عدم الحرمة كيف يصدق الفسوق فإن الظاهر اعتبار كون القول فسوقا مع قطع النظر عن تحريمه حال الاحرام، وبهذه الملاحظة لا يترتب أثر عملي غاية الامر شدة الحرمة في حال الاحرام وذلك لعدم الكفارة للفسوق لما رواه الحلبي ومحمد بن مسلم في الصحيح (أنهما قالا لابي عبد الله عليه السلام: أرايت من ابتلي بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل الله له حد يستغفر الله تعالى و يلبي) (4) نعم في بعض الاخبار (فإذا دخلت مكة فطفت بالبيت تكلمت بكلام طيب فإن ذلك كفارة لذلك) (5) وأما الجدال فهو محرم بالكتاب والسنة وهو


(1) الوسائل أبواب تروك الاحرام ب 32 تحت رقم 9. (2) التهذيب ج 1 ص 531 وقد تقدم. (3) قد تقدم. (4) الكافي ج 4 ص 337. (5) الفقيه كتاب الحج ب 56 ح 11.

[ 405 ]

قول: لا والله وبلى والله، وتدل عليه الاخبار منها صحيح معاوية بن عمار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يقول: لا لعمري وبلى لعمري وهو محرم؟ فقال: ليس بالجدال إنما الجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله، وأما قوله (لاها) فإنما طلب الاسم وقوله: (يا هناه) فلا بأس به، وأما قوله: (لابل شانيك) فإنه من قول الجاهلية) (1). وفي صحيحة الاخر عنه أيضا (والجدال وهو قول الرجل: لا والله وبلى والله، وأعلم أن الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان في مقام واحد وهو محرم فقد جادل فعليه دم يهريقه ويتصدق به وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه ويتصدق به) (2). وفي خبر يونس بن يعقوب (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يقول: لا والله وبلى والله وهو صادق عليه شئ؟ قال: لا) (3). وفي خبر أبي بصير (سألته عن المحرم يريد أن يعمل العمل فيقول له صاحبه والله لا تعمله (4)، فيقول: والله لاعمله فيحالفه مرارا أيلزمه ما يلزم الجدال؟ قال: إنما أراد بهذا إكرام أخيه إنما كان ذلك ما كان [ لله ] فيه معصية) (5). ثم إنه يقع الكلام في أنه هل يكفي في تحقق الجدال مطلق اليمين؟ أو هو الخصومة المتأكدة باليمين؟ لا يبعد الثاني من جهة عدم صدق الجدال بدون الخصومة فلا يبعد أن يقال إطلاق الاخبار مثل صحيح معاوية بن عمار المذكورة وغيرها ناظر إلى عدم تحقق الجدال بدون اليمين لا أن مجرد اليمين كاف في تحقق الجدال نعم الظاهر تحققه بالخصومة المتأكدة بالحلف بالله تعالى ولو لم يكن بلفظ لا والله


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 543 والكافي ج 4 ص 337 و 338. (3) التهذيب ج 1 ص 543 والاستبصار ج 2 ص 197. (4) أي يريد أن يخدمهم على وجه الاكرام وهم يقسمون عليه على وجه التواضع ان لا تفعل. (5) الكافي ج 4 ص 338 تحت رقم 5.

[ 406 ]

وبلى والله لاطلاق الاخبار ففي صحيح معاوية بن عمار (أن الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد وهو محرم فقد جادل وعليه دم يهريقه ويتصدق به) (1). وأما الحصر المذكور في الصحيح الاول فلعله في مقام عدم تحققه بقوله لعمري ولا أقل من الاحتمال والاجمال فلا يرفع اليد عن الاطلاق في سائر الاخبار وأما ما في الاخبار من التكرر في الحلف أو كون اليمين كاذبة فالظاهر أنه بلحاظ الكفارة المخصوصة ولا منافاة بين تحقق الجدال باليمين مرة بدون الكفارة وتحققه بالحلف مرتين أو ثلاث مرات أو مع كون الحالف كاذبا في حلفه مع الكفارة على اختلافها، كما أن مقتضى الاطلاق تحققه بأحد اللفظين من قول: لا والله وبلى والله لا بالمجموع. وأما حرمة قتل هوام الجسد فقد استدل عليها بصحيح حماد بن عيسى (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها؟ قال: يطعم مكانها طعاما) (2) وقال هو أيضا في خبر حسين بن أبي العلاء (في المحرم لا ينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمدا وإن قتل شيئا من ذلك خطاء فليطعم مكانها طعاما قبضة بيده) (3) بدعوى أن القتل أولى من الالقاء والنزع، والاولى الاستدلال بصحيح زرارة (سألته عن المحرم هل يحك رأسه أو يغتسل بالماء قال: يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة ولا بأس بأن يغتسل بالماء ويصب على رأسه ما لم يكن ملبدا فإن كان ملبدا فلا يفيض على رأسه الماء إلا من الاحتلام) (4). وفي صحيح معاويه المحكي عن المقنع الفتوى بمضمونه قال عليه السلام: (إذا أحرمت فاتق قتل الدواب كلها إلا الافعي والعقرب والفارة) (5).


(1) التهذيب ج 1 ص 543، باختلاف يسير. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 543 والاستبصار ج 2 ص 169. (4) المقنع ص 20 والكافي ج 4 ص 366 وفي النهاية. تلبيد الشعر أن يجعل فيه شئ من صمغ عند الاحرام لئلا يشعث ويقمل وانما يلبد من يطول مكثه في الاحرام. (5) الكافي ج 4 ص 363 تحت رقم 2 والمقنع ص 20 والتهذيب ج 1 ص 551.

[ 407 ]

وفي قبالها أخبار أخر منها صحيح معاوية عن الصادق عليه السلام (لا بأس بقتل القملة في الحرم) (1) وغيره ومرسل ابن فضال (لا بأس بقتل البرغوث والقملة والبقة في الحرم) (2) ومنها خبر حرة مولى خالد (إنه سأل الصادق عليه السلام عن المحرم يلقي القملة؟ فقال: ألقوها أبعدها الله غير محمودة ولا مفقوده) (3) ولولا شبهة إعراض الاصحاب لامكن الجمع بحمل الاخبار السابقة على الكراهة كما أن الظاهر أن الصحيح الاخير منها يكون المستثنى منه المذكور فيه من جنس المستثنى فلا يشمل هوام الجسد ولا أقل من الشك، وحمل صحيح معاوية على غير المحرم ليس بأولى من حمل تلك الاخبار على الكراهة. وأما البق والبرغوث فالظاهر أنه لا بأس بقتلهما في صورة الايذاء للصحيح المروي عن آخر السرائر (عن المحرم يقتل البقة والبرغوث إذا أذاه؟ قال: نعم) (4) وأما جواز النقل فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في الصحيح عن معاوية ابن عمار (المحرم يلقي عنه الدواب كلها إلا القملة فإنها من جسده فإذا أراد أن يحول قملة من مكان إلى آخر فلا يضره) (5) وهذا الصحيح شاهد على جواز إلقاء القراد والحلم ويدل عليه صحيح ابن سنان سأل الصادق عليه السلام (أرايت إن وجدت علي قرادا أو حلمة أطرحهما؟ فقال نعم وصغار لهما إنهما رقيا في غير مرقاهما) (6) { ويحرم استعمال الدهن فيه طيب ولا بأس بما ليس بمطيب مع الضرورة }.


(1) التهذيب ج 1 ص 552. (2) الكافي ج 4 ص 364 تحت رقم 11. (3) التهذيب ج 1 ص 543 والاستبصار ج 2 ص 197. (4) المصدر ص 466 ومثله في الكافي ج 4 ص 364. (5) التهذيب ج 1 ص 543 والفقيه كتاب الحج ب 58 ح 58. (6) الكافي ج 4 ص 362 والعلل ص 156.

[ 408 ]

أدعي الاجماع علي حرمة الادهان بما فيه طيب بعد الاحرام ونسب إلى الاكثر حرمته قبله إذا كان يبقى ريحه إلى الاحرام واستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن الحلبي وصحيحه (لا تدهن حين تريد أن تحرم بدهن فيه مسك وعنبر من أجل أن رائحته تبقى في رأسك بعد ما تحرم وادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل) (1) وأما استعمال ما ليس بمطيب مع الاختيار فلذيل هذا الخبر، وأما مع الاضطرار فيجوز بصحيح ابن مسلم عن أحدهما (سألته عن محرم تشققت يداه فقال: يدهنها بزيت أو بسمن أو إهالة) (2) وصحيح هشام عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا خرج بالمحرم الخراج أو الدمل فليبطه وليداوه بسمن أو زيت) (3). وأما أكل الدهن الذي ليس فيه طيب فلا إشكال فيه وادعي عليه الاجماع. { ويحرم إزالة الشعر قليله وكثيره ولا بأس به مع الضرورة }. ادعي الاجماع على الحرمة واستدل عليه بالاية الشريفة (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وبصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليه، ومن فعله متعمدا فعليه دم) (4) وفي حسن الحلبي (إن نتف المحرم من شعر لحيته وغيرها شيئا فعليه أن يطعم مسكينا في يده) (5) بناء على اقتضاء الفدية الاثم بالفعل وبعد تحقق الاجماع لا مجال للخدشة بعدم دلالة ما ذكر على تمام المدعى. وأما الجواز مع الضرورة فاستدل عليه بقاعدة نفي العسر والحرج ونفي الضرر وقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (6) وصحيح حريز عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الكافي ج 4 ص 329 والتهذيب ج 1 ص 523. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 533. (4) و (5) الكافي ج 4 ص 361 والتهذيب ج 1 ص 544. (6) البقرة: 195.

[ 409 ]

على كعب بن عجرة الانصاري والقمل يتناثر من رأسه فقال: أتؤذيك هوامك؟ فقال: نعم فنزلت الاية فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بحلق رأسه وجعل عليه الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدان، والنسك شاة، وقال أبو عبد الله عليه السلام: وكل شئ في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يتخير ما شاء وكل شئ في القرآن: فمن لم يجد كذا فعليه كذا، فالاول الخيار) (1) قوله عليه السلام: (والاول الخيار) يعنى الاول هو المختار وما بعده عوض عنه مع عدم إمكانه. { وتغطية الرأس للرجل دون المرأة وفي معناه الارتماس ولو غطى ناسيا ألقاه واجبا وجدد التلبية استحبابا، وتسفر المرأة عن وجهها، ويجوز أن تسدل خمارها إلى أنفها }. أما حرمة التغطية على الرجل فقد ادعي عليه الاجماع ودلت عليها النصوص منها قول أبي جعفر عليه السلام في خبر القداح (إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه) (2) ومنها صحيح إبن سنان (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لابي وشكى إليه حر الشمس وهو محرم وهو يتأذى به، وقال: أترى أن أستتر بطرف ثوبي؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك) (3) وأما حرمة الارتماس فهي أيضا إجماعية في كلماتهم (قدس أسرارهم) ويدل عليها قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح (لا يرتمس المحرم في الماء) (4). قلت: لا يبعد شمول مثل هذا الصحيح للمرأة ومن الممكن حرمة الارتماس في الماء مستقلة من دون اندراج الارتماس في التغطية حتى يقال باختصاص حرمتها بالرجل. وأما وجوب إلقاء الغطاء لو غطى ناسيا فلعدم الاشكال والخلاف في الحرمة ابتداء واستدامة


(1) الكافي ج 4 ص 358 والتهذيب ج 1 ص 537. (2) الكافي ج 4 ص 345. (3) الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 37. (4) الكافي ج 4 ص 353، والفقيه ب 58 ح 33.

[ 410 ]

وأما استحباب التلبية فلصحيح الحلبي (سأل الصادق عليه السلام عن المحرم يغطي رأسه نائما أو ناسيا فقال: يلبى إذا ذكر) (1) وظاهره الوجوب لكنه لا قائل به كما قيل لكنه حكي عن ظاهر الشيخ وابني حمزة وسعيد (قدس أسرارهم). وأما وجوب الاسفار على المرأة وعدم جواز تغطيتها الوجه فادعي عليه الاجماع وفي حسن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام (مر أبو جعفر عليه السلام بامرأة متنقبة وهي محرمة فقال: أحرمي واسفري وأرخي ثوبك من فوق رأسك فإنك إن تنقبت لم يتغير لونك، فقال رجل: إلى أين ترخيه؟ فقال: تغطى عينيها. قال: قلت يبلغ فمها؟ قال: نعم) (2). وأما جواز السدال أو وجوبه بناء على وجوب ستر المرأة وجهها فيدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (تسدل المرأة ثوبها على وجهها من أعلاها إلى النحر إذا كانت راكبة) (3) وفي صحيح زرارة (المحرمة تسدل ثوبها إلى نحرها) (4). ثم إنه يقع الاشكال في كيفية الجمع بين الحكمين من جهة أن السدل خصوصا إلى النحر مناف للسفور الواجب عليها، وقد يجمع بأن المحرم هو تغطية الوجه بحيث يكون الغطاء مباشرة للوجه والسدل الجائز أو الواجب ما كان غير مباشر له، واستشكل عليه بأن الدليل خال عن ذكر التغطية وإنما فيه الاحرام بالوجه والامر بالاسفار عن الوجه والسدل سواء كان بالمباشرة أو بغيرها تغطية عرفا فالجمع بإخراج السدل بقسميه وغير السدل أعم من أن يكون بالنقاب أو المروحة أو غيرهما محرم عليها، ويشكل بأنه علل الامام عليه السلام في حسن الحلبي المذكور آنفا عدم جواز التنقب بعدم تغير اللون وعلى هذا فالسدل الذي يكون


(1) الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 39. (2) الكافي ج 4 ص 344. وقرب الاسناد ص 160، والتهذيب ج 1 ص 467. (3) الفقيه كتاب الحج ب 57 ح 34. (4) الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 43.

[ 411 ]

بنحو المباشرة مساو للتنقب في عدم حصول تغير اللون فاللازم على هذا اختياره بالنحو الاخر كما هو الغالب، ولعل الغلبة صارت باعثة لعدم ذكر الخصوصية. { ويحرم تظليل الرجل المحرم سائرا ولا بأس به للمرأة وللرجل نازلا ولو اضطر جاز، ولو زامل عليلا أو امرأة اختصا بالظلال دونه }. المشهور بين الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - حرمة التظليل ويدل عليها أخبار صحيحة منها صحيح ابن المغيرة (قلت لابي الحسن الاول عليه السلام: أظلل وأنا محرم قال: لا، قلت: فأظلل وأكفر؟ قال: لا، قلت فإن مرضت قال: ظلل و كفر، ثم قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قال: ما من حاج يضحى ملبيا حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه معها) (1) ومنها صحيح هشام بن سالم (سألت أبا - عبد الله عليه السلام عن المحرم يركب في الكنيسة؟ فقال: لا وهو للنساء جائز) (2) ومنها خبر جعفر بن المثنى قال لابي محمد: ألا أبشرك [ ألا أسرك خ ل ] يا ابن مثنى فقلت: بلى فقمت إليه فقال: وخل هذا الفاسق آنفا فجلس قبالة أبي الحسن عليه السلام ثم أقبل فقال: يا أبا الحسن ما تقول في المحرم يستظل على المحمل؟ فقال له: لا، قال: فيستظل في الخباء؟ فقال له: نعم، فأعاد عليه القول شبه المستهزء يضحك يا أبا الحسن فما الفرق بين هذين؟ فقال عليه السلام: يا أبا يوسف إن الدين ليس بقياس كقياسكم أنتم تلعبون إنا صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وقلنا كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله كان رسول الله صلى الله عليه وآله يركب راحلته فلا يستظل عليها وتؤذيه الشمس فيستر بعض جسده ببعض، وربما يستر وجهة بيده فإذا نزل استظل بالخباء وفي البيت وبالجدار) (3). ويظهر من بعض الاخبار عدم الحرمة منها صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يركب في القبة؟ قال: ما يعجبني ذلك إلا أن يكون مريضا) (4)


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 536 والاستبصار ج 2 ص 187. (3) الكافي ج 4 ص 350 والتهذيب ج 1 ص 536. (4) التهذيب ج 1 ص 634 والاستبصار ج 2 ص 186.

[ 412 ]

ومنها صحيح جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بالظلال للنساء وقد رخص فيه للرجال) (1). لكن المشهور لم يأخذوا بظاهر هذه الاخبار فهي إما مؤولة بما لا ينافى تلك الاخبار أو مطروحة لموافقتها مع العامة وقد سبق خبر جعفر المثنى. وأما الجواز مع الاضطرار فلا خلاف فيه وادعي عليه الاجماع ويدل عليه الاخبار منها موثق إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن المحرم يظلل عليه وهو محرم؟ قال: لا إلا مريضا أو من به علة والذي لا يطيق الشمس) (2) و صحيح حريز عن على أبي عبد الله عليه السلام (3) وموثق عثمان بن عيسى (قلت لابي الحسن الاول عليه السلام: إن علي بن شهاب يشكو رأسه والبرد شديد ويريد أن يحرم؟ فقال: إن كان كما زعم فليظلل، فأما أنت فاضح لمن أحرمت له) (4). ثم إن الامر ليس دائر مدار وجود الشمس حتى يجوز كون المحرم تحت القبة بالليل والشاهد صحيح ابن بزيع عن الرضا عليه السلام (سألة رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وأنا أسمع فأمرة أن يفدي شاة ويذبحها بمنى) (5) ورواه الصدوق بزيادة (6) (أو قال من علة) قبل قوله (فأمر) وزيادة (وقال نحن إذا أردنا ذلك ظللنا وفدينا) وخبر إبراهيم قلت للرضا عليه السلام (المحرم يظلل على محمله ويفتدي إذا كانت الشمس والمطر يضران به؟ قال: نعم، قلت: كم الفداء؟ قال: شاة) (7).


(1) التهذيب ج 1 ص 536. (2) التهذيب ج 1 ص 536 والاستبصار ج 2 ص 185. (3) راجع الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 33 والتهذيب ج 1 ص 536 وفي الكافي بسند آخر ج 4 ص 351. (4) و (5) الكافي ج 4 ص 351 تحت رقم 7 والتهذيب ج 1 ص 536. (6) الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 32. (7) الكافي ج 4 ص 351 والتهذيب ج 1 ص 536 والاستبصار ج 2 ص 187.

[ 413 ]

وأما عدم البأس للرجل نازلا وللمرأة فقد ظهر من الاخبار، وأما اختصاص الظلال بالزميل إذا كان عليلا أو امرأه فهو على القاعدة ويظهر من خبر بكر بن صالح أو صحيحه (كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أن عمتي معي وهي زميلتي ويشتد عليها الحر إذا أحرمت أفترى أن أظلل علي وعليها فكتب ظلل عليها وحدها) (1). { ويحرم قص الاظفار وقطع الشجر والحشيش إلا أن ينبت في ملكه و يجوز قطع الاذخر وشجر الفواكه والنخل }. أما حرمة قص الاظفار فادعي عليه الاجماع ويدل عليها صحيح معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المحرم تطول أظفاره قال: لا يقص منها شيئا إن استطاع فإن كانت تؤذيه فليقصها وليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام) (2). وأما حرمة قطع الشجر والحشيش من الحرم فهي أيضا إجماعية وتدل عليه الاخبار منها صحيح حريز وحسنه على ما رواه الصدوق عن أبي عبد الله عليه السلام (كل وشق ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين إلا ما أنبته أنت أو غرسته) (3). ومنها صحيح معاوية (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شجرة أصلها في الحرم وفرعها في الحل فقال: حرم فرعها لمكان أصلها، قلت: فإن أصلها في الحل وفرعها في الحرم قال: حرم أصلها لمكان فرعها) (4) وأما جواز قطع ما نبت في ملكه فيدل عليه خبر حماد بن عثمان أو قويه


(1) التهذيب ج 1 ص 536 والاستبصار ج 2 ص 185، والفقيه كتاب الحج ب 58 ح 30. (2) التهذيب ج 1 ص 537 والفقيه كتاب الحج ب 58 ح 46. وفيه بعد قوله (تطول اظفاره) (أو ينكسر بعضها فيؤديه ذلك). (3) و (4) الفقيه كتاب الحج ب 4 ح 47 و 46 والتهذيب ج 1 ص 555 والكافي ج 4 ص 231.

[ 414 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (في الشجرة يقلعها الرجل من منزله في الحرم فقال: إن بنى المنزل والشجرة فيه فليس له أن يقلعها وإن كان نبتت في منزله وهو له فليقلعها) (1) وصحيحه الاخر وأخبره عنه عليه السلام أيضا (سألته عن الرجل يقلع الشجرة من مضربه أو داره في الحرم، فقال: إن كانت الشجرة لم ترل قبل أن تبنى الدار أو يتخذ المضرب فليس له أن يقلعها، وإن كانت طرئت عليه فله قلعها) (2) لكنه لا يخفى أن الخبرين كغيرهما من الاخبار لا يشملان كل ما نبت في ملكه إلا أن يدعى عدم القول بالفصل، وتحقق الاجماع على عدم الفرق مشكل. وفي التهذيب بعد أن روى صحيح حريز المذكور قال: متصلا بقوله (إلا ما أنبته أنت أو غرسته) (وكل ما دخل على الانسان فلا بأس بقلعه فإن بنى هو في موضع يكون فيه نبت لا يجوز له قلعه) ولم يعلم أن هذه الزيادة من الخبر أو هو فتوى له (قده). وأما جواز قطع شجر الفواكه فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه حسن سليمان بن خالد (سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقطع من الاراك الذي بمكة؟ قال: عليه ثمنه يتصدق به، ولا ينزع من شجر مكة شيئا إلا النخل وشجر الفواكه) (3) ونحوه موثقته، وكذا الاذخر بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه قول أبي جعفر عليه السلام في خبر زرارة على المحكي (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قطع عودي المحالة، وهي البكرة التي يستقى بها من شجر الحرم والاذخر) (4) { وفي الاكتحال بالسواد، والنظر في المرآة، ولبس الخاتم للزينة، و لبس المرأة ما لم تعتد من الحلي، والحجامة إلا للضرورة، وحك الجسد، و لبس السلاح إلا للضرورة قولان أشبههما الكراهية }. وأما الاكتحال فالمشهور فيه القول بالتحريم ويمكن الاستدلال له بأخبار منها


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 555. (3) الفقيه كتاب الحج ب 4 ح 49. (4) التهذيب ج 1 ص 556.

[ 415 ]

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الاسود إلا من علة) (1) وعن حريز في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، إن السواد زينة) (2) وما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن حريز في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تنظر في المرآة وأنت محرم لانه من الزينة ولا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد إن السواد زينة) (3) وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عنه يعني أبا عبد الله عليه السلام قال: (لا تكتحل المرأة بالكحل كله إلا الكحل الاسود للزينة) (4) وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس أن تكتحل وأنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد فيه ريحه وأما للزينة فلا) (5). وفي قبال هذه الاخبار قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار (لا بأس أن تكتحل وأنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه) وقوله عليه السلام في الصحيحة أو الحسنة: (لا بأس أن تكتحل وأنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه) و قد يجمع بين الطرفين بتخصيص الروايتين الاخيرتين بغير السواد ولقائل أن يقول ليس هذا الجمع أولى من الجمع بحمل النهي على الكراهة خصوصا مع استثناء ما فيه طيب في الخبرين، ثم على القول كما هو المشهور تقع معارضة أخرى بين الاخبار الناهية حيث يظهر من بعضها الحرمة معللة بأنه زينة ويظهر من بعضها التحريم إذا كان للزينة وظاهره اعتبار القصد فمع الاخذ بالاطلاق يلزم لغوية القصد فلا يبعد القول بالكراهة وعلى القول بالحرمة الاقتصار بصورة القصد. وأما النظر في المرآة فقد ظهر من رواية حريز المذكورة وجه حرمته، نعم إن بنينا على كراهة الاكتحال بالاسود بقرينة الخبرين يحمل النهي فيه أيضا على الكراهة لوحدة السياق ولكن في المقام أخبار أخر ظاهرها الحرمة ولا معارض


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 532 و 533. (3) الكافي ج 4 ص 356. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 532 و 533.

[ 416 ]

لها، منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تنظر في المرآة وأنت محرم فإنها من الزينة) (1) وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام (لا تنظر المرأة المحرمة في المرآة للزينة) (2) إلا أن يقال: إن بنينا على الكراهة في الاكتحال بالسواد مع كون الحكم معلقا بالزينة يظهر عدم حرمة الزينة، ومع ذلك يشكل الحرمة في المقام من جهة التعليل ثم على تقدير القول بالحرمة تقع المعارضة من حيث إن الصحيح الثاني ظاهر في مدخلية القصد بل وعلى الكراهة في المسألتين تقع المعارضة. وأما لبس الخاتم فمع كونه لا للزينة بل للسنة لا إشكال في جوازه ويدل عليه ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل قال: (رأيت العبد الصالح عليه السلام وهو محرم وعليه خاتم وهو يطوف طواف الفريضة) (3). وما رواه في الكافي في الصحيح عن أحمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن عليه السلام قال: (لا بأس بلبس الخاتم للمحرم) (4) وأما للزينة فالمعروف حرمته واستدل عليها بما رواة في الفقيه عن مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن المحرم أيلبس الخاتم؟ قال: لا يلبسه للزينة) (5) والكلام السابق آت هنا فلا يبعد القول بالكراهة حتى مع قصد الزينة. وأما لبس المرأة ما لم تعتده من الحلي فالظاهر أن حرمتها مشهورة ويمكن الاستدلال لها بمفهوم قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح حريز (إذا كان للمرأة حلي لم تحدثه للاحرام لم ينزع عنها) (6) وقوله في حسن الحلبي (المحرمة


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 533 وقد تقدما. (3) التهذيب ج 1 ص 467 والاستبصار ج 2 ص 165. (4) المصدر ج 4 ص 343 تحت رقم 22. (5) لم أجده في الفقيه في مظانه ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 467 والاستبصار ج 2 ص 165. (6) الفقيه ب 57 ح 47 وفيه (لم ينزع حليها).

[ 417 ]

لا تلبس الحلي ولا المصبغات إلا صبغا لا يردع) (1) وروى في الفقيه عن عبد الله ابن يحيى الكاهلي في الحسن عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: (تلبس المرأه الحلي كله إلا القرط المشهور والقلادة المشهورة) (2) وفيه (وسأله يعقوب بن شعيب عن المرأة تلبس الحلي؟ قال: تلبس المسك والخلخالين) (3) ويمكن الجمع بحمل النواهي على الكراهة والتخصيص ليس أولى منه ومع عدم الترجيح مقتضى الاصل البراءة. وأما ما تعتاده فالظاهر عدم الاشكال في الجواز ويدل عليه صحيح حريز إلا أن يقال بتقييده برواية عبد الله بن يحيى الكاهلي المذكور وبما كان بقصد الزينة لما روي في الفقيه والتهذيب من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (المحرمة تلبس الحلي كله إلا الحلي المشهور للزينة) (4) وليس التقييد أولى من حمل النهي عن الكراهة وأما الحجامة مع عدم الضرورة فعن جماعة القول بالحرمة لخبر الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المحرم يحتجم؟ قال: لا إلا أن يخاف التلف ولا يستطيع الصلاة، وقال: إذا أذاة الدم فلا بأس به ويحتجم ولا يحلق الشعر) (5) و حسن الحلبي (سألته عليه السلام أيضا عن المحرم يحتجم؟ فقال: إلا أن لا يجد بدا فليحتجم ولا يحلق مكان المحاجم) (6) وعن الشيخ (قدس سره) في الخلاف القول بالكراهة ولعله للجمع بين الاخبار المانعة وبين صحيح حريز عن أبي عبد الله عليه السلام (لا بأس بأن يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر) (7) وكذا الكلام


(1) التهذيب ج 1 ص 467، والكافي ج 4 ص 344. (2) و (3) المصدر كتاب الحج ب 57 ح 40 و 44. (4) الفقيه ب 57 ح 42 والتهذيب ج 1 ص 467 والاستبصار ج 2 ص 310. (5) التهذيب ج 1 ص 534، والاستبصار ج 2 ص 183. (6) الكافي ج 4 ص 360. (7) التهذيب ج 1 ص 534، والاستبصار ج 2 ص 183، والفقيه ب 58 ح 5.

[ 418 ]

في حك الجسد المفضي إلى إدمائه حيث يظهر من بعض الاخبار حرمته كقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر عمر بن يزيد (ويحك الجسد ما لم يدمه) (1)، وصحيح معاوية بن عمار (سأله عن المحرم كيف يحك رأسه؟ قال: بأظافيره ما لم يدمه أو يقطع الشعر) (2) لكنه إن استفيد من الاخبار عدم حرمة الادماء يحمل الظاهر على الكراهة إلا أن يقال: غاية الامر جواز الادماء في الاحتجام وفي حال الضرورة كما في صورة الابتلاء بالجرب أو الدمل أو قلع الضرس، و في غير تلك الموارد لا دليل على الجواز ومقتضى روايات الباب عدم جواز الادماء. وأما لبس السلاح لغير ضرورة فالظاهر أن حرمته مشهورة واستدل عليه بصحيح ابن سنان (سألت أبا عبد الله عليه السلام أيحمل السلاح المحرم فقال: إذا خاف المحرم عدوا أو سرقا فليلبس السلاح) (3) وقيل بالكراهة للاصل وضعف المفهوم من جهة احتمال أن يكون التعليق على خوف العدو أو السرق لا من جهة انتفاء الحكم أعني الجواز بانتفاء المعلق عليه بل من جهة عدم الحاجة إلى اللبس والاصل لا يؤخذ به في قبال الدليل والاحتمال المذكور بعيد ولا يبعد أن يقال مقتضى قول أمير المومنين صلوات الله عليه في خبر الاربعمائة المروي عن الخصال (لا تخرجوا بالسيوف إلى الحرم) وقول الصادق عليه السلام في حسن حريز وصحيحة (لا ينبغي أن يدخل الحرم بسلاح إلا أن يدخله في جوالق أو يغيبه) (4) أن الحرمة بملاحظة الحرم، فالاحرام في حد ذاته لا يوجب الحرمة. { والمكروهات: الاحرام في غير البياض ويتأكد ذلك في السواد وفي الثياب الوسخة وفي المعلمة، والحناء للزينة، والنقاب للمرأة، ودخول الحمام وتلبية المنادي، واستعمال الرياحين، ولا بأس بحك الجسد والسواك ما لم يدم }.


(1) التهذيب ج 1 ص 537. (2) التهذيب ج 1 ص 537 والفقيه كتاب الحج ب 58 ح 53. (3) التهذيب ج 1 ص 557. (4) الكافي ج 4 ص 228 والفقيه ب 4 ح 38.

[ 419 ]

في خبر الدعائم عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (يتجرد المحرمة في ثوبين أبيضين فإن لم يجد فلا بأس بالصبغ ما لم يكن بزعفران أوورس أو طيب وكذلك المحرمة لا تلبس مثل من الصبغ) (1). وعن أبان بن تغلب (سأل أبا عبد الله عليه السلام أخي وأنا حاضر عن الثوب يكون مصبوغا بالعصفر ثم يغسل ألبسه وأنا محرم؟ فقال: نعم ليس العصفر من الطيب و لكن أكره أن تلبس ما يشهرك به الناس) (2) ويدل على كراهة خصوص الثوب الاسود موثق الحسين بن المختار (قلت لابي عبد الله عليه السلام يحرم الرجل في الثوب الاسود قال: لا يحرم في الثوب الاسود، ولا يكفن به الميت) (3) وهذه الموثقة وإن كانت ظاهرها الحرمة إلا أنه يرفع عن هذا من جهة تسلم جواز التكفين بالاسود و الملازمة بين جواز الصلاة وجواز الاحرام والصلاة في الثوب الاسود جايزة قطعا. وأما كراهة الاحرام في الثياب الوسخة فيدل عليها صحيح ابن مسلم (سأل أحدهما عليهما السلام عن الرجل يحرم في ثوب وسخ قال: ولا أقول: إنه حرام ولكن تطهيرة أحب إلي وطهوره غسله) (4) ويدل على كراهة الثوب المعلم لبسه في الاحرام قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (لا بأس أن يحرم الرجل في الثوب المعلم وتركه أحب إلي إذا قدر على غيره) (5) نعم في صحيح ليث المرادي (سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب المعلم هل يحرم فيه الرجل؟ قال: نعم إنما يكره الملحم) (6) وظاهره نفي الكراهة. وأما كراهة استعمال الحناء للزينة فيمكن الاستدلال عليها بمفهوم تعليل المنع عن الاكتحال بالسواد والنظر في المرآة بأنه زينة ولازمه وإن كان الحرمة


(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 122. (2) التهذيب ج 1 ص 466، والاستبصار ج 2 ص 165. (3) و (4) الكافي ج 4 ص 341 والتهذيب ج 1 ص 465 و 466. (5) الفقيه كتاب الحج ب 57 ح 12. (6) الكافي ج 4 ص 342.

[ 420 ]

إلا أنه بواسطة ما دل على الجواز لا نقول بها وهو صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (سألتة عن الحناء فقال: إن المحرم ليمسه ويداوي به بعيره، وما هو بطيب وما به بأس) (1) ولا يخفى مع التخصيص لا يبقى دليل على الكراهة فالاولى الاستدلال بخبر الكناني سأل الصادق عليه السلام (عن امرأة خافت الشقاق وأرادت أن تحرم هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك؟ قال: ما يعجبني أن تفعل ذلك) (2) بناء على مساوات الرجل والمرأة ومساواة ما قبل الاحرام لما بعده ولازمه الكراهة حتى مع عدم الزينة. وأما كراهة النقاب للمرأة فاستدل عليها بصحيح العيص عن الصادق عليه السلام (المراة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين وكره النقاب) (3) والكراهة في الاخبار كثيرا تطلق على الحرمة لكنه لا يبعد في المقام الظهور في المقابلة مع الحرمة بقرينة التفرقة إلا أنه يعارض بما دل على حرمة تغطية وجهها وأن إحرام المرأة في وجهها إلا أن يخصص تلك الادلة بغير النقاب لهذا الصحيح كما جاز إسدال الثوب مع أنه تغطية والمسألة محل تأمل وتردد. وأما كراهة دخول الحمام فلخبر عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المحرم يدخل الحمام؟ قال: لا يدخل) (4) المحمول على الكراهة للاجماع على الجواز وصحيح معاوية بن عمار عنه أيضا (لا بأس أن يدخل المحرم الحمام ولكن لا يتدلك) (5). وأما كراهة التلبية لمن يناديه فلقول الصادق عليه السلام في صحيح حماد (ليس للمحرم أن يلبي من دعاه حتى يقضى إحرامه، قال: قلت: كيف يقول؟ قال: يقول: يا سعد) (6) وفي رواية عن أبي جعفر عليه السلام (لا بأس أن يلبي


(1) الكافي ج 4 ص 356 والتهذيب ج 1 ص 532 والاستبصار ج 2 ص 181. (3) الكافي ج 4 ص 342، والمقنعة ص 71. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 557 و 537 والاستبصار ج 2 ص 184. (6) الكافي ج 4 ص 366 تحت رقم 4 والتهذيب ج 1 ص 557.

[ 421 ]

المجيب) (1) وضعفها منجبرة والجمع بينهما يقتضي الكراهة. وأما كراهة استعمال الرياحين فيمكن الاستدلال عليها بقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (لا ينبغى للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة) (2) وفي صحيح ابن سنان لا تمس ريحانا وأنت محرم) (3) وفي صحيح معاوية قول الصادق عليه السلام (لا بأس أن تشم الاذخر والقيصوم والخزامى والشيح وأشباهه وأنت محرم) (4) والجمع يقتضي الحمل على الكراهة. وقيل بالحرمة لقول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (لا يمس المحرم شيئا من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به فمن ابتلي بشئ من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعة. يعني من الطعام) (5) ولا يخفى أنه ليس التخصيص أولى من الحمل على الكراهة ومع عدم الترجيح مقتضى الاصل البراءة. وأما عدم البأس بحك الجسد ما لم يدم فقد سبق بعض الاخبار الدالة على الجواز وكذا الكلام في السواك في صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يستاك؟ قال: نعم ولا يدمي) (6). { مسئلتان: لا يجوز لاحد أن يدخل مكة إلا محرما إلا المريض أو من يتكرر كالحطاب والحشاش ولو خرج بعد إحرامه ثم عاد في شهر خروجه أجزأ وإن عاد في غيره أحرم ثانيا }. ادعي الاجماع على عدم جواز دخول مكة بغير إحرام وفي خبر على بن أبي حمزة (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل يدخل مكة في السنة المرة والمرتين والثلاث كيف يصنع؟ قال: إذا دخل فليدخل ملبيا وإذا خرج فليخرج محلا) (7) وفي


(1) لم أجده ولعله تصحيف ما في الفقيه باب التلبية تحت رقم 5 (لا بأس أن يلبى الجنب) كذا في جميع نسخ الفقيه والوسائل. وفى الجواهر (لا بأس أن يلبى المحرم). (2) و (3) و (4) الكافي ج 4 ص 353 باب الطيب للمحرم تحت رقم 1 و 12 و 14. (5) التهذيب ج 1 ص 532 والاستبصار ج 2 ص 178. (6) التهذيب ج 1 ص 537. (7) الكافي ج 4 ص 534 والفقيه كتاب الحج ب 61 ح 3.

[ 422 ]

صحيح ابن مسلم (سألت أبا جعفر عليه السلام هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: لا إلا مريضا أو من به بطن) (1) واستدل أيضا بصحيح عاصم بن حميد (قلت لابي عبد الله عليه السلام أيدخل أحد الحرم إلا محرما قال: لا إلا مريض أو مبطون) (2) و استدل أيضا بحسن معاوية بن عمار قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض وهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لاحد قبلي ولا تحل لي إلا ساعة من نهار) (3) بناء علي أن المراد من تحريمها عدم جواز الدخول إليها إلا بإحرام. أقول: أما هذه الرواية فالظاهر أنه لا مجال للاستدلال بها على المطلوب لابائه عن التخصيص كما لا يخفى، وقد جوز الدخول لغير واحد بغير إحرام، وأما رواية علي بن أبي حمزة فيشكل الاستدلال بها لمعارضتها مع حسن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج فلا يزال على إحرامه فإن رجع إلى مكة رجع محرما ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى، قلت: فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثم رجع في إبان الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرما أو بغير إحرام؟ قال: إن رجع في شهره دخل مكة بغير إحرام وإن دخل في غير الشهر دخل محرما قلت، فأي الاحرامين والمتعتين متعة الاولى أو الاخيرة؟ قال: الاخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته) (4). فإن التفصيل بين الرجوع في شهره، والدخول في غير الشهر معلل بأن لكل شهر عمرة كما يظهر من بعض الاخبار. فإذا كان وجه الاحرام مع الدخول في غير الشهر الاتيان بالعمرة. وعلم من الخارج عدم لزوم العمرة


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 493 و 581 والاستبصار ج 2 ص 245. (3) الكافي ج 4 ص 226. والفقيه كتاب الحج ب 4 ح 19. (4) الكافي ج 4 ص 441 والتهذيب ج 1 ص 493.

[ 423 ]

لكل شهر (1) فكيف يكون الاحرام واجبا لكل دخول مكة كما يظهر من الرواية والصحيح المذكور وغيرهما، ولا مجال لان يقال: وجه التفصيل إطلاق ما دل على لزوم الفصل بين العمرتين بشهر لان الظاهر أنه علل الاحرام بعد الشهر بأن لكل شهر عمرة لا عدم الاحرام مع الرجوع في الشهر إلى لزوم الفصل بين العمرتين بشهر وبينهما فرق واضح، والحاصل أنه إن تم الاجماع على لزوم الاحرام إلا في موارد الاستثناء فهو وإلا يشكل بالنظر إلى الادلة المذكورة ثم إن الظاهر أنه بعد الاحرام لا يحصل الاحلال إلا ما يحصل به الاحلال في إحرام العمرة والحج لما دل على عدم حصول الاحلال إلا بإتمام النسك. وأما استثناء المريض من الحكم المذكور فيدل عليه خبر عاصم المذكور. وأما استثناء من يتكرر دخوله فادعي الاتفاق عليه للحرج ولقول الصادق عليه السلام على المحكي. في صحيح رفاعة إن الحطابة والمجتلبة أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه فأذن لهم ان يدخلوا حلالا) (2) أما التمسك بقاعدة نفي الحرج فله وجه لكن المدار على الحرج الشخصي ويدور الحكم مداره ولا يفيد العموم وأما الصحيح فالتعدي من جهته إلى كل من تكرر دخوله مشكل، وأما التفصيل بين دخل في شهره وغيره فلحسن حماد المذكور وموثق إسحاق (سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجئ فيقضى متعته ثم تبدوله الحاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج، قلت: فإنه دخل في الشهر الذي خرج فيه قال: كان أبي مجاورا ههنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج) (3). واستشكل في هذا الموثق من وجهين أحدهما أن ظاهر التعليل المذكور فيه اعتبار مضي الشهر من حين الاحلال ليتحقق تخلل الشهر بين العمرتين وهو


(1) يمكن أن يقال: يمكن الجمع بين عدم وجوب العمرة ووجوب الاحرام لدخول مكة كما يستفاد من نفس الاحرام عدم جواز الدخول في الصلاة بدون الطهارة. (منه قدس سره) (2) التهذيب ج 1 ص 394 والاستبصار ج 2 ص 245. (3) الكافي ج 4 ص 442.

[ 424 ]

خلاف ما صرحت به الاخبار من أنه إن رجع في شهر خروجه دخل محلا وإلا دخل محرما، وثانيهما أنه دل على جواز الاحرام بالحج من غير مكة وهو خلاف ما استفاضت به الاخبار. أقول: لم أفهم كيف استظهر من التعليل المذكور اعتبار مضي الشهر من حين الاحلال فإنه لو أتى بعمرة في وسط الشهر أو آخره وأتي بعمرة أخرى في أول شهر آخر يصدق أنه أتى في كل شهر بعمرة مع عدم تخلل شهر بين العمرتين وأما الوجه الثاني فيمكن الجواب عنه بأن الامام عليه السلام لعله أجاب بمشروعية الاحرام لمن دخل في الشهر الذي خرج فيه وحكى فعل أبيه عليه السلام ولعل أباه عليه السلام كان مفردا في حجه. { الثانية إحرام المرأة كإحرام الرجل إلا ما استثني ولا يمنعها الحيض من الاحرام لكن لا تصلي له ولو تركته ظنا أنه لا يجوز حتى جاوز الميقات رجعت إلى الميقات وأحرمت منه، ولو دخلت مكة فإن تعذرت أحرمت من أدنى الحل ولو تعذرت أحرمت من موضعها }. قد سبق موارد الاستثناء. وأما جواز الاحرام مع الحيض فلا خلاف فيه و لا إشكال ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض تحرم وهي حائض؟ قال: نعم تغتسل وتحتشي وتصنع كما يصنع المحرم ولا تصلي) (1). وأما وجوب الرجوع مع الترك فهو مطابق للقاعدة، وأما مع عدم التمكن فاستدل على لزوم الخروج إلى أدنى الحل مع الامكان بصحيح معاوية (سألت أبا - عبد الله عليه السلام عن أمرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا: ما ندري عليك إحرام أم لا وأنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم فقال: إن كان عليها مهلة فليرجع إلى الوقت فلتحرم منه وإن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت


(1) التهذيب ج 1 ص 558.

[ 425 ]

عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها) (1) ولا يخفى أن مقتضاه لزوم الخروج إلى ما قدرت من الطريق مع عدم الوقت لا الخروج إلى أدنى الحل، نعم في قبالها موثق زرارة عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الوقت وهي لا تصلي فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال فسألوا الناس فقالوا تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه وكان إذا فعلت لم تدرك الحج فسألوا أبا جعفر عليه السلام فقال: تحرم من مكانها قد علم الله نيتها) (2) فيدور الامر بين حمل الصحيح على الاستحباب من هذه الجهة وتقييد الموثق بصورة عدم إمكان الخروج إلى خارج الحرم ولا ترجيج فهل المرجع حينئذ البراءة أو الاحتياط من جهة لزوم الاحرام من الميقات عليها أولا لا يبعد الرجوع إلى البراءة من جهة اتفاق الخبرين على سقوط التكليف بالاحرام من الميقات إلا أن يقال بدوران الامر بين التعيين والتخيير فلابد من الاحتياط والذي يقوى في النظر الاخذ بمضمون الموثق من جهة ترك الاستفصال من جهة الفرق بين المطلق وترك الاستفصال في مثل المقام فإن المطلقات كثيرا ما تصدر وتكون من باب ضرب القانون فإذا ورد مقيد يرفع اليد عن إطلاقها، وأما الحكم الشخصي في مورد خاص بدون الاستفصال كيف يكون من باب ضرب القانون. وجوب الوقوف بعرفات { القول في الوقوف بعرفات والنظر في المقدمة والكيفية واللواحق. أما المقدمة فتشتمل على مندوبات خمسة الخروج إلى منى بعد صلاة الظهرين يوم التروية إلا لمن يضعف عن الزحام والامام يتقدم ليصلي الظهر بمنى والمبيت حتى تطلع الفجر ولا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس، ويكره الخروج قبل الفجر إلا المضطر كالخائف والمريض. ويستحب للامام الاقامة بها حتى تطلع الشمس و الدعاء عند نزولها وعند الخروج منها }. أما استحباب الخروج إلى منى يوم التروية فيدل عليه حسن معاوية (إذا


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 324 و 325 تحت رقم 5 و 10.

[ 426 ]

كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار وصل ركعتين عند مقام إبراهيم أو في الحجر ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من مسجد الشجرة وأحرم بالحج وعليك السكينة والوقار) (1) المحمول على الندب قطعا لاشتماله على الامور المندوبة، وأما استحباب كون الاحرام بعد الظهرين فلا دليل على الاستحباب بهذه الخصوصية والمكتوبة المذكورة في هذه الرواية تصدق على خصوص الظهر إلا أن تحمل على الجنس وهو بعيد خصوصا مع ملاحظة استحباب التفريق بين الظهرين والمسلم هو استحباب إيقاع الاحرام بعد فريضة وفي دعائم الاسلام روينا عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (يخرج الناس من مكة إلى منى يوم التروية وهو يوم الثامن من ذي الحجة وأفصل ذلك بعد صلاة الظهر ولهم أن يخرجوا غدوة وعشية إلى الليل ولا بأس أن يخرجوا قبل يوم التروية) (2) والمحكي عن السيد (قدس سره) تقديم الاحرام على الظهرين ولعله لنحو قول الصادق عليه السلام: في حسن معاوية أو صحيحه (إذا انتهيت إلى منى فقل (اللهم هذه منى وهذه مما مننت به علينا من المناسك فأسئلك أن تمن علي بما مننت به على انبيائك فإنما أنا عبدك وفي قبضتك) ثم تصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة والفجر والامام يصلي بها الظهر لا يسعه إلا ذلك وموسع لك أن تصلي بغيرها إن لم تقدر، ثم تدركهم بعرفات - الحديث) (3) وقد يجمع بين الاخبار بالفرق بين الامام وغيره ولا يخفى الاشكال فيه فإن التعبير في هذه الرواية بقوله عليه السلام: (إذا انتهيت إلى منى - الخ) راجع إلى غير الامام وإن حمل الامام على أمير الحاج وإن كان يبعد هذا الحمل وإن صرح غير واحد به، وما في خبر حفص المؤذن قال: (حج إسماعيل بن علي بالناس سنة أربعين ومائة فسقط أبو عبد الله عليه السلام من بغلته


(1) الكافي ج 4 ص 454. (2) المستدرك ج 2 ص 162. (3) الكافي ج 4 ص 461 والتهذيب ج 1 ص 497.

[ 427 ]

فوقف عليه إسماعيل فقال له أبو عبد الله عليه السلام: سر فإن الامام لا يقف) (1) محمول على التقية نظير قول الامام عليه السلام في مجلس أبي العباس السفاح في يوم آخر شهر رمضان ما مضمونه (ذاك إلى الامام إن صام صمنا وإن أفطر أفطرنا) (2) ولاى بعد التخيير نعم تستفاد من هذه الرواية وغيرها كصحيح معاوية (على الامام أن يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف ويصلي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام) (3). التفرقة بين الامام وغيره ومال بعض إلى الوجوب بالنسبة إلى الامام وهو بعيد لدعوى الاجماع على خلافه والتعبير في بعض الاخبار بلفظ (لا ينبغي). وأما استثناء من يضعف للزحام فاستدل عليه بموثق إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يكون شيخا كبيرا أو مريضا يخاف ضغاط الناس وزحامهم يحرم بالحج ويخرج إلى منى قبل يوم التروية؟ قال: نعم، قلت: يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكانا أو يتروح بذلك؟ قال: لا، قلت: يتعجل بيومين؟ قال: نعم، قلت: يتعجل بثلاثة، قال: نعم، قال: قلت: أكثر من ذلك:؟ قال: لا) (4) وروى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن بعض أصحابه قال: (قلت لابي الحسن عليه السلام: يتعجل الرجل قبل يوم التروية بيوم أو يومين من أجل الزحام وضغاط الناس فقال: لا بأس) (5). وأما استحباب المبيت بمنى ليلة عرفة فلعله مستفاد من قوله عليه السلام: في حسن معاوية أو صحيحه المذكور حيث قال: (ثم تصلي بها الظهر والعصر والمغرب و


(1) الكافي ج 4 ص 541 واسماعيل هو ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وهو أمير الحاج في سنة 138 وكان على الموصل على ما نقله الطبري في تاريخه ج 2 ص 138 عن الواقدي ولم يذكره في سنة 140 في امراء الحاج ولعله كان اميرا في تلك السنة أيضا ولم يذكروه. (2) تقدم في كتاب الصوم. (3) التهذيب ج 1 ص 496 والاستبصار ج 2 ص 254. (4) الكافي ج 4 ص 460 والتهذيب ج 1 ص 496. (5) التهذيب ج 1 ص 496 والاستبصار ج 2 ص 253.

[ 428 ]

العشاء الاخرة والفجر) وإن أمكن أن يكون النظر إلى استحباب الاتيان بهذه الصلوات في منى كاستحباب الاتيان بالظهرين فيها لكنه يحسن التعبير عن استحباب المبيت بها بهذه العبارة. وأما عدم جواز وادي محسر وهو من حدود منى إلا بعد طلوع الشمس فلصحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس) (1) المحمول على الكراهة لاستحباب المبيت بمنى ولصحيح هشام بن سالم وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال: في التقدم من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس لا بأس) (2) وأما كراهة الخروج قبل الفجر فاستدل عليها ببعض أخبار لا يستفاد منها الكراهة بل استحباب الاتيان بصلاة الغداة فيها ولا يبعد استفادتها مما دل على النهي عن جواز وادي محسر قبل طلوع الشمس. ولم نعثر على ما يدل على خروج مثل المريض والخائف عن الحكم المذكور. وأما استحباب إقامة الامام إلى طلوع الشمس فيدل عليه صحيح جميل (على الامام أن يصلي الظهر بمنى فيبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس) (3) المحمول على الاستحباب بالتقريب السابق. وأما استحباب الدعاء عند النزول والخروج فلحسن معاوية أو صحيحه السابق ولما في صحيحه عنه أيضا (إذا غدوت إلى عرفة فقل وأنت متوجه إليها) اللهم إليك صمدت، وإياك اعتمدت، ووجهك أردت، فأسئلك أن تبارك لي في رحلتي وتقضي لي حاجتي، وأن تجعلني اليوم ممن تباهي به من هو أفضل منى - الخ) (4). { وأما الكيفية فالواجب فيه النية والكون بها إلى الغروب ولو لم يتمكن من الوقوف بها نهارا أجزء الوقوف ليلا ولو قبل الفجر ولو أفاض قبل الغروب


(1) التهذيب ج 1 ص 497. (2) التهذيب ج 1 ص 501 والاستبصار ج 2 ص 256. (3) الفقيه كتاب الحج ب 119 ح 2، والكافي ج 4 ص 460. (4) الكافي ج 4 ص 461 والتهذيب ج 1 ص 497.

[ 429 ]

عامدا عالما بالتحريم لم يبطل حجة وجبره ببدنة ولو عجز صام ثمانية عشر يوما و لا شئ عليه لو كان جاهلا أو ناسيا ونمرة وثوية وذو المجاز وعرنة والاراك حدود ولا يجزي الوقوف بها }. أما اعتبار النية فهو مجمع عليه على النحو الذي اعتبرت في سائر العبادات ولابد من أن يكون الوقوف من أوله إلى آخره مع النية والمعروف وجوب الوقوف من الزوال إلى الغروب ويظهر من بعض الاخبار خلاف هذا مثل قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار المشتمل على صفة حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (حتى انتهى إلى نمرة وهي بطن عرنة (1) بحيال الاراك فضرب قبته وضرب الناس أخبيتهم عندها فلما زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ثم مضى إلى الموقف فوقف به) (2). ولا يخفى أن الكلام يرجع إلى تعيين أول وقت الوقوف لا إلى اعتبار النية وعدمه بالنسبة إلى مقدار من الوقوف وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وأما لزوم الكون بها إلى الغروب فهو أيضا مجمع عليه، وقال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (إن المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأفاض بعد غروب الشمس) (3) وقال له يونس بن يعقوب في الموثق (متى نفيض من عرفات؟ فقال: إذا ذهبت الحمرة من ههنا - وأشار به إلى المشرق وإلى مطلع الشمس -) (4) والكلام في المقام هو الكلام في مواقيت الصلاة. وأما إجزاء الوقوف ليلا مع عدم التمكن من الوقوف نهارا فتدل عليه أخبار منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات فقال: إن كان في مهل حتي يأتي


(1) بضم العين وفتح الراء -: كهمزة -: بحذاء عرفات. (2) التهذيب ج 1 ص 499 والكافي ج 4 ص 245. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 499 والكافي ج 4 ص 467 وفيه (متى الافاضة).

[ 430 ]

عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، وإن قدم رجل وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فإن الله تعالى أعذر لعبده فقدتم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل) (1). وأما عدم بطلان الحج مع الافاضة قبل الغروب عامدا والجبر ببدنة فيدل عليه صحيح ضريس عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن رجل أفاض من عرفات من قبل أن تغيب الشمس قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله) (2) خلافا للصدوقين (قده) فشاة. وفي محكي الجامع الاستناد إلى رواية واستند أيضا إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خبر ابن عباس (من ترك نسكا فعليه دم) والمرسل المذكور والنبوي لا يقاومان الصحيح المذكور وغيره، وأما عدم لزوم شئ مع الافاضة قبل الغروب جهلا أو نسيانا فادعي عليه الاجماع ويدل عليه في صورة الجهل قول الصادق عليه السلام في صحيح مسمع (في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس؟ قال: إن كان جاهلا فلا شئ عليه وإن كان متعمدا فعليه بدنة) (3). وأما خروج المواضع المذكورة من عرفات وعدم إجزاء الوقوف بها فادعي عليه الاجماع وفي خبر سماعة واتق الاراك ونمرة وهي بطن عرنة وثوية وذي المجاز فإنه ليس من عرفة ولا تقف فيه) (4) ثم إنه وقع الاختلاف في أنه هل يحب الوقوف من أول الزوال إلى الغروب بحيث لو أخل بجزء منه أثم وإن كان الركن المسمى أو يكفي المسمى؟ حكي الاول من الشهيدين والمحقق الكركي


(1) التهذيب ج 1 ص 529 والاستبصار ج 2 ص 301. (2) الكافي ج 4 ص 467 تحت رقم 4 والتهذيب ج 1 ص 499. (3) التهذيب ج 1 ص 499. (4) الفقيه كتاب الحج ب 120 ح 4 والتهذيب ج 1 ص 497.

[ 431 ]

وغيرهم - قدس الله تعالى أسرارهم - من غير إشارة إلى الخلاف في المسألة، وعن غير واحد التوقف والترديد بل عن بعض القول بكفاية المسمى والحق أن يقال: لا مجال لدعوى الاجماع على الاول وهذا ظاهر لمن لاحظ كلماتهم المنقولة فلابد من ملاحظة ما يستفاد من الاخبار والذي يظهر منها عدم وجوب الوقوف من أول الزوال بل بعد مضي مقدار من أول الزوال فلاحظ صحيح معاوية بن عمار المشتمل على صفة حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم المذكور آنفا وكذا قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسنه أو صحيحه (وإنما تعجل الصلاة وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فإنه يوم دعاء ومسألة ثم تأتي الموقف - الحديث) (1) وقوله عليه السلام أيضا في خبر أبى بصير (لا ينبغى الوقوف تحت الاراك وأما النزول تحته حتى تزول الشمس وتنتهض إلى الموقف فلا بأس) (2) وحمل الموقف في الاخبار على المكان المخصوص المستحب فيه الوقوف أو التشاغل بما يقتضيه من الدعاء والتحميد وغيرهما كما ترى، وعلى فرض الاجمال والشك المرجع الاصل. { والمندوب أن يضرب خباه بنمرة وأن يقف في السفح مع ميسرة الجبل في السهل وأن يجمع رحله ويسد الخلل به وبنفسه والدعاء قائما ويكره الوقوف في أعلى الجبل وقاعدا وراكبا }. أما استحباب ضرب الخباء بنمرة فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة - ونمرة هي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة - فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل - الحديث) (3) وأما استحباب الوقوف في السفح فلقوله عليه السلام في خبر مسمع (عرفات كلها موقف وأفضل المواقف سفح الجبل) (4) وعن القاموس السفح عرض الجبل المضطجع


(1) التهذيب ج 1 ص 498 والكافي ج 4 ص 245. (2) التهذيب ج 1 ص 498. (3) الكافي ج 4 ص 461، والتهذيب ج 1 ص 497. (4) الكافي ج 4 ص 463 تحت رقم 1.

[ 432 ]

أو أصله أو أسفله. وأما استحباب ميسرة الجبل فلقول الصادق عليه السلام (قف في ميسرة الجبل فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف بعرفات في ميسرة الجبل - الحديث) (1) والمراد من ميسرة الجبل بالنسبة إلى القادم من مكة. وأما خصوصية السهل فلا دليل على استحبابها في الوقوف إلا من جهة رجحان الاجتماع في الموقف فيكون الرجحان بالعرض. وأما استحباب سد الخلل وجمع الرحل بضم الامتعة وانضمام الانسان بأصحابه بحيث لا تبقى بينه وبينهم فرجة فاستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (فإذا رأيت خللا فسده بنفسك وبراحلتك فإن الله يحب أن تسدلك الخلال) (2) وعن بعض احتمال كون الجار متعلقا بمحذوف صفة للخلل والمعنى أن يسد الخلل الكائن بنفسه وبرحلة بأن يأكل إن كان جائعا أو يشرب إن كان عطشانا وهكذا يفعل ببعيره ويزيل الشواغل المانعة عن الاقبال. ولا يخفى بعد هذا المعنى عن ظاهر الصحيح المذكور. وأما استحباب الدعاء قائما فلا دليل عليه بالخصوص وقد يقرب بأنه أحمز وإلى الادب أقرب. وأما كراهة الوقوف في أعلى الجبل فاستدل عليها بموثق إسحاق (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب إليك أو على الارض فقال على الارض) (3) ولا يخفى أنه لا يستفاد منه الكراهة بل أفضلية الارض ولا دليل أيضا على كراهة الوقوف قاعدا أو راكبا إلا دعوى الاتفاق من التذكرة { وأما اللواحق فمسائل الاولى الوقوف ركن فإن تركه عامدا بطل حجة ولو كان ناسيا تداركه ليلا ولو إلى الفجر ولو فات اجتزأ بالمشعر }. أما ركنية الوقوف فادعي عليها الاجماع وفي النبوي العامي (الحج


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 463 تحت رقم 4. (3) التهذيب ج 1 ص 495.

[ 433 ]

عرفة) (1) وفي صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الموقف: (ارتفعوا عن بطن عرنة، وقال: أصحاب الاراك لا حج لهم) (2) والمراد بالركن في المقام كون تركه عن عمد موجبا للبطلان بخلاف الركن في الصلاة حيث يكون تركه عمدا وسهوا موجبا للبطلان. وأما التدارك ليلا مع النسيان فادعي عليه الاجماع والنصوص خالية عن ذكر النسيان، نعم يكون ذيل خبر الحلبي الصحيح المذكور دليلا لاجزاء الادراك ليلا مع عدم التمكن من الوقوف نهارا فإن الله تعالى أعذر لعبده، فيمكن الاستدلال للمقام لكنه من المحتمل ان يكون علة لكفاية الوقوف بالمشعر لا لوجوب التدارك ليلا كغير المتمكن فينحصر الدليل بالنسبة إليه في الاجماع إلا أن يتمسك بعموم قول النبي صلى الله عليه وآله (من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج) (3) إن لم يكن إشكال من جهة السند. وأما الاجتزاء بالمشعر فادعي عليه الاجماع واستدل عليه أيضا بالصحيح المذكور من جهة ذيله. { الثانية: لو فاته الوقوف الاختياري وخشي طلوع الشمس لو رجع اقتصر على المشعر ليدركه قبل طلوع الشمس وكذا لو نسي الوقوف بعرفات أصلا اجتزأ بإدراك المشعر قبل طلوع الشمس، ولو أدرك عرفات قبل الغروب ولم يتفق له المشعر حتى طلعت الشمس أجزأه الوقوف به ولو قبل الزوال }. أما الاقتصار على المشعر مع خوف طلوع الشمس فاستدل عليه بخبر إدريس ابن عبد الله (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أدرك الناس بجمع وخشي إن مضى إلى عرفات أن يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها، فقال: إن ظن أن يدرك


(1) أورده السيوطي في الجامع الصغير عن مسند أحمد وسنن البيهقى ومستدرك الحاكم (2) الكافي ج 4 ص 463 والتهذيب ج 1 ص 529. (3) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير بسند حسن كما في الجامع الصغير. وفيه (من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد ادرك الحج).

[ 434 ]

الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات فإن خشي أن لا يدرك جمعا فليقف بجمع، ثم ليفيض مع الناس، فقد تم حجه) (1) وفي صحيح معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فإذا شيخ كبير قال: يا رسول الله ما تقول في رجل أدرك الامام وهو بجمع؟ فقال له: إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف بها قليلا، ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، وإن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتها وقد تم حجه) (2) ويشكل الاقتصار بمجرد الخوف فإنه علق في الصحيح وجوب الرجوع إلى عرفات على الظن بإدراك عرفات وكذلك علق عدم الرجوع على الظن فصورة الترديد المتحقق فيه الخوف خارخ عن الحكمين والتمسك بخبر ابن إدريس المذكور مشكل لعدم إحراز اعتبار السند أولا وفي نسخة من الحدائق بدل قوله (فإن خشي) (وإن ظن) ويمكن أن يقال في أشباه هذا: المدار على الصدر، والذيل متفرع عليه. وأما الاجتزاء مع نسيان الوقوف بعرفة فادعي عليه الاجماع ويدل عليه صحيح الحلبي. وأما الاجتزاء بالوقوف بالمشعر ولو قبل الزوال مع إدراك عرفات قبل الغروب فادعي عليه الاجماع ويدل عليه صحيح معاوية (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل أفاض من عرفات إلى منى؟ قال: فليرجع فليأت جمعا فيقف بها و إن كان وجد الناس قد أفاضوا من جمع) (3) ولا يخفى أن هذا الصحيح وغيره لا إطلاق لها يشمل ما لو أدرك عرفات قبل الغروب بقدر المسمى بل القدر المتيقن ما لو أدرك الوقوف الواجب من أول الزوال إلى الغروب على المعروف أو بعد صلاة الظهرين على احتمال. { الثالثة: لو لم يدرك عرفات نهارا وأدركها ليلا ولم يدرك المشعر حتى طلعت الشمس فقد فاته الحج، وقيل: يصح حجه ولو أدركه قبل الزوال }.


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 529 والاستبصار ج 2 ص 301 و 302. (3) الكافي ج 4 ص 472 والتهذيب ج 1 ص 529.

[ 435 ]

استدل لفوات الحج في الصورة المفروضة بالمعتبرة المستفيضة المتضمنة (أن من لم يدرك الناس بالمشعر قبل طلوع الشمس من يوم النحر فلا حج له) (1) خرج منها صورة إدراك اختياري عرفة وأجيب بمعارضتها بالمعتبرة المستفيضة المتضمنة (أن من أدراك المشعر قبل الزوال من يوم النحر فقد أدرك الحج) (2) ولا يخفى أنه لا يرفع الاشكال بمجرد المعارضة حيث لا وجه لتقديم الطائفة الثانية ومجرد الشهرة بحسب الفتوى لا تفيد في تقديم أحد المتعارضين في مثل المقام، فالاولى التمسك بخصوص صحيح الحسن العطار عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر فأقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد أفاضوا فليقف قليلا بالمشعر الحرام وليلحق الناس بمنى ولا شئ عليه) (3) للقول الثاني. { القول في الوقوف بالمشعر والنظر في مقدمته وكيفيته ولواحقه. والمقدمة تشتمل على مندوبات خمسة الاقتصاد في السير والدعاء قائما عند الكئيب الاحمر، وتاخير المغرب والعشاء إلى المزدلفة ولو صار ربع الليل والجماع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وتأخير نوافل المغرب حتى يصلي العشاء قال الصادق عليهم السلام على ما نقله في الحدائق في صحيح معاوية (إن المشركين كانوا يفيضون من قبل أن تغيب الشمس فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأفاض بعد غروب الشمس قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا غربت الشمس فأفض مع الناس وعليك السكينة والوقار وأفض بالاستغفار إن الله عزوجل يقول: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) فإذا انتهيت إلى الكثيب الاحمر عن يمين الطريق فقل: (اللهم ارحم موقفي وزد في عملي وسلم لي ديني و تقبل مناسكي) وإياك والوجيف الذي يصنعه الناس فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:


(1) التهذيب ج 1 ص 529 و 530. (2) الكافي ج 4 ص 476 والتهذيب ج 1 ص 530. (2) التهذيب ج 1 ص 530 والاستبصار ج 2 ص 305.

[ 436 ]

(أيها الناس إن الحج ليس بوجيف الخيل ولا بإيضاع الابل ولكن اتقوا الله تعالى وسيروا سيرا جميلا لا توطئوا ضعيفا، ولا توطئوا مسلما وتؤدوا واقتصدوا في السير) فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكف ناقته حتى أنه كان يصيب رأسها مقدم الرحل ويقول أيها الناس عليكم بالدعة فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله تتبع) (1). وأما استحباب تأخير المغرب فيدل عليه قول أحدهما عليهما السلام في صحيح محمد ابن مسلم (لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا وإن ذهب ثلث الليل) (2) ومضمر سماعة (لا تصلهما حتى تنتهي إلى جمع وإن مضى من الليل ما مضى) (3) المحمولين على الاستحباب لقول الصادق عليه السلام في صحيح هشام بن الحكم (لا بأس أن يصلي الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة) (4) والتخصيص بربع الليل لم يظهر وجهه. وأما استحباب الجمع فلقول الصادق عليه السلام في صحيح منصور (صلاة المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين، ولا تصل بينهما شيئا، وقال: هكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله) (5) والنهي محمول على رجحان الترك بقرينة صحيح أبان بن تغلب ففيه (صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الاخرة ولم يركع فيما بينهما ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات) (6). وأما تأخير النوافل فلخبر عنبسة بن مصعب (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الركعات التي بعد المغرب ليلة المزدلفة فقال: صلها بعد العشاء الاخرة أربع


(1) الكافي ج 4 ص 467. والكثيب الطل من الرمل. والوجيف: ضرب من سير الابل والخيل. وايضاع الابل: حملها على العدو السريع. و (توءدوا) هو أمر من توأد - تفعل - إذا تأنى. والتؤدة - بضم التاء وفتح الهمزة والدال: الرزانة والتأنى. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 500 والاستبصار ج 2 ص 254. (4) التهذيب ج 1 ص 500 و 508 والاستبصار ج 2 ص 255. (5) التهذيب ج 1 ص 584 والاستبصار ج 2 ص 255. (6) التهذيب ج 1 ص 500 والاستبصار ج 2 ص 256.

[ 437 ]

ركعات) (1). { وفي الكيفية واجبات ومندوبات، فالواجبات النية والوقوف به، وحده ما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر، ويجوز الارتفاع إلى الجبل مع الزحام ويكره لامعه، ووقت الوقوف الاختياري ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمضطر إلى الزوال، ولو أفاض قبل الفجر عامدا عالما جبره بشاة و لم يبطل حجه إن كان وقف بعرفات ويجوز الافاضة ليلا للمرأة والخائف }. أما اعتبار النية فلان الوقوف جزء عبادي يحتاج إلى قصد القربة كسائر الاجزاء العبادية، وقد يقال: لا تجزي النية عند الاحرام كما عساه يظهر من المحكي عن الشيخ (قده) لكونه نسكا مستقلا فإن كان المراد أنه يجب أن يكون الحاج بحيث لو سأل عما يفعله أجاب بأنه مشتغل بعبادته كالاشتغال بأفعال الصلاة فلا أظن أحدا ينكر هذا فيخالف المقام مع الامساك الصومي حيث إنه يصح الصوم مع غفلة الصائم كما في حال نومه وإن كان المراد أمرا أزيد من هذا فلا تتصور أمرا زائدا على هذا إلا الارادة التفصيلية الغير اللازمة في العبادات المستقلة كالصلاة والطهارة من الحدث. وأما تحديد المشعر بالحد المذكور فادعي عليه الاجماع وفى صحيح معاوية حد المشعر الحرام من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر والمأزمان الجبلان بين عرفات والمشعر) (2). وأما جواز الارتفاع إلى الجبل أي المأزمين مع الزحام فادعي عليه الاجماع وفي موثق سماعة (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إذا كثر الناس بجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون إلى المأزمين) (3) فبعد ما كان المأزمان حدا للمشعر والحد خارج عن المحدود كما في حدود عرفات لابد من القول بعدم


(1) الكافي ج 4 ص 469 والتهذيب ج 1 ص 500 والاستبصار ج 2 ص 255. (2) التهذيب ج 1 ص 501. (3) الكافي ج 4 ص 471 تحت رقم 7.

[ 438 ]

جواز الوقوف على الجبل اختيارا أي بدون الزحام ومعه جاز بالنص والاجماع ويكون من باب التخصيص، وقد يقال: إن المراد من خبر سماعة الانتهاء إلى المأزمين لا الصعود على الجبل ولذا أتي ب‍ (إلى) دون (على) وحينئذ فلا يكون منافيا للنصوص من خروج المأزمين من المشعر ولا حاجة إلى ارتكاب جواز الوقوف عليه مع خروجه للضرورة أو مطلقا مع الكراهة وبدونها، وفيه نظر لان ظاهر كلام المجمعين خلاف هذا، وظاهر موثق سماعة أيضا خلاف هذا من جهة لفظ (يرتفعون) المناسب مع الصعود على الجبل لا الانتهاء إليه وعلى هذا فالتعبير ب‍ (إلى) لعله من جهة تضمين (يرتفعون) معنى يناسب مع إلى فجواز العصود يكون من باب التخصيص في صورة الزحام ومع عدمه لا وجه للجواز ولا مجال للقول بالكراهة. وأما لزوم كون الوقوف الاختياري ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فادعي عليه الاجماع واستدل له أيضا بصحيح معاوية قول الصادق عليه السلام: (أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر فقف إن شئت قريبا من الجبل وإن شئت حيث شئت - الحديث) (1) وبمفهوم مرسل جميل (لا بأس بأن يفيض الرجل بليل إذا كان خائفا) (2) ولا يخفى أن الصحيح المذكور من جهة اشتماله على المستحب يشكل استفادة الوجوب منه والمرسل مع قطع النظر عن إرساله لا يفهم منه إلا ثبوت البأس مع عدم الخوف ويجتمع مع الكراهة فالعمدة عدم الخلاف والاجماع إن تم، و عن بعضهم إن الوقت الاختياري من ليلة النحر إلى طلوع الشمس من يومها لاطلاق قول الصادق عليه السلام في صحيح هشام وغيره (في التقدم من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس لا بأس به، والتقدم من المزدلفة إلى منى يرمون الجمار ويصلون الفجر في منازلهم بمنى لا بأس) (3) وإطلاق النصوص (إن من أدرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج) (4) وروى علي بن عطية قال: (أفضنا من المزدلفة بليل أنا و


(1) الكافي ج 4 ص 469 تحت رقم 4 والتهذيب ج 1 ص 501. (2) الكافي ج 1 ص 474. والتهذيب ج 1 ص 502. (3) التهذيب ج 1 ص 501 والاستبصار ج 2 ص 265. (4) الكافي ج 4 ص 474 والتهذيب ج 1 ص 530 وقد تقدم.

[ 439 ]

هشام بن عبد الملك الكوفي وكان هشام خائفا فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع الفجر فقال لي هشام: أي شئ أحدثنا في حجنا، فبينما نحن كذلك إذ لقينا أبا الحسن موسى عليه السلام وقد رمى الجمار وانصرف فطابت نفس هشام) (1) فإن تم الاجماع فلابد من حمل ما ذكر على حال الاضطرار والخوف، أو على الصحة مع حصول الاثم والجبر بالكفارة، ويتفرع عليه أنه لو أفاض قبل الفجر عامدا عالما جبره بشاة. وهذا هو المشهور ويدل عليه حسن مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل وقف مع الناس بجمع ثم أفاض قبل أن يفيض الناس، فقال: إن كان جاهلا فلا شئ عليه وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة) (2) المنجبر بالشهرة و صحيح هشام المذكور آنفا بعد حمل نفي البأس فيه على الصحة مع الجبر بشاة للعامد. ويمكن أن يقال: يدور الامر بين هذا وبين حمل الحسن المذكور على استحباب دم شاة ولا رجحان. وأما التقييد بوقوفه بعرفات فقد يوجه بعدم الاطلاق في المقام فيبقى ما دل على وجوب الوقوف بعرفة وأنه الحج بحاله. وأما جواز الافاضة ليلا للمرأة والخائف فيدل عليه الاخبار منها صحيحة معاوية بن عمار الواردة في صحة حج النبي صلى الله عليه وآله (ثم أفاض وأمر الناس بالدعة حتى انتهى إلى المزدلفة وهي المشعر الحرام، فصلى المغرب والعشاء الاخرة بأذان واحد وإقامتين ثم قام فصلى بها الفجر وعجل ضعفاء بنى هاشم بالليل و أمرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس) (3) ومنها صحيح أبي بصير عن الصادق عليه السلام (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله للنساء والصبيان أن يفيضوا بليل و أن يرموا الجمار بليل وان يصلوا الغداة في منازلهم فإن خفن الحيض مضين إلى


(1) التهذيب ج 1 ص 521. (2) الكافي ج 4 ص 473 والتهذيب ج 1 ص 501 والاستبصار ج 2 ص 256. (3) تقدم غير مرة.

[ 440 ]

مكة ووكلن من يضحى عنهن) (1) وفي الكافي عن جميل بن دراج في الصحيح أو الحسن عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام قال: (لا بأس بأن يفيض الرجل بالليل إذا كان خائفا) (2). { والندب صلاة الغداة قبل الوقوف والدعاء، وأن يطأ الصرورة المشعر برجله، وقيل: يستحب الصعود على قزح وذكر الله عليه، ويستحب لمن عدا الامام الافاضة قبل طلوع الشمس، ولا يتجاوز محسرا حتى تطلع الشمس و الهرولة في الوادي داعيا بالمرسوم، ولو نسي الهرولة رجع فتداركها، والامام يتأخر بجمع حتى تطلع الشمس }. أما استحباب كون الوقوف بعد صلاة الغداة فلصحيح معاوية (3) الذي استدل به على تعيين وقت الوقوف المشتمل على الدعاء. وأما استحباب أن يطأ الصرورة المشعر برجله ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار وحماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا فصل بها المغرب والعشاء الاخرة بأذان واحد وإقامتين وأنزل ببطن الوادي عن يمين الطريق قريبا من المشعر ويستحب للصرورة أن يقف على المشعر الحرام ويطأ برجله ولا يجاوز الحياض ليلة المزدلفة - الحديث) (4). وأما ما قيل من استحباب الصعود على قزح فلما روته العامة عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وآله ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فرقى عليه واستقبل القبلة فحمد الله تعالى وهلله وكبره ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا) (5) ورووا أيضا أنه أردف الفضل بن العباس ووقف على قزح


(1) (2) الكافي ج 4 ص 474، والتهذيب ج 1 ص 502 و 501، والاستبصار ج 2 ص 257. (3) الكافي ج 4 ص 468 وقد تقدم. (4) الكافي ج 4 ص 468. (5) أخرجه مسلم ج 4 ص 39 وابن ماجه في باب حج النبي صلى الله عليه وآله. وقوله: (أسفر) الضمير فيه يعود إلى الفجر السابق ذكره في الحديث.

[ 441 ]

وقال: هذا قزح وهو الموقف، وجمع كلها موقف) (1) وأما استحباب الافاضة لمن عدا الامام قبل طلوع الشمس فلما رواه في الكافي عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السلام أي ساعة أحب إليك أن أفيض من جمع؟ قال: قبل أن تطلع الشمس بقليل فهو أحب الساعات إلي، قلت فإن مكثنا حتى تطلع الشمس؟ قال: لا بأس) (2) وعن هشام بن الحكم في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس) (3) وعن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ينبغي للامام أن يقف بجمع حتى تطلع الشمس، وسائر الناس إن شاؤوا عجلوا وإن شاوؤا أخروا) (4) وعن الصدوقين - قدس سراهما - وجوب التأخير إلى أن تطلع الشمس، ولعل المدرك ما في كتاب الفقه الرضوي عليه السلام (وإياك أن تفيض منها قبل طلوع الشمس ولا من عرفات قبل غروبها فيلزمك الدم) (5) و روي (أنه يفيض من المشعر إذا انفجر الصبح وبان في الارض أخفاف البعير وآثار الحوافر). وحمل بعض الاخبار الدالة على الافاضة قبل طلوع الشمس على التقية لموافقتها لقول الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، وهذا مبنى على الوثوق بصدور الكتاب المذكور من المعصوم عليه السلام وليس بناء الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم على الاخذ بما تفرد به، نعم ربما يتمسكون بما فيه من باب التأييد وكيف خفي عليهم أمر الكتاب المذكور مع براعتهم وكثرة اطلاعاتهم، وقد استدل أيضا بقول الامام عليه السلام في صحيح معاوية (ثم أفض حين يشرق لك ثبير وترى الابل موضع


(1) أخرجه أبو داود في السنن ج 1 ص 449 باب الصلاة بجمع. (2) و (3) المصدر ج 4 ص 470 والتهذيب ج 1 ص 501 والاستبصار ج 2 ص 257. (4) التهذيب ج 1 ص 501 والاستبصار ج 2 ص 258. (5) المستدرك ج 2 ص 170.

[ 442 ]

أخفافها) (1) بناء على إرادة طلوع الشمس من الاشراق فيه بقرينة تمام الخبر قال: أبو عبد الله عليه السلام (كان أهل الجاهلية يقولون (أشرق ثبير [ كيما يغير ]) (يعنون الشمس كما تسفر) وإنما أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله خلاف أهل الجاهلية) (2) المحمول على عدم الوجوب لدعوى الاجماع على عدم الاثم من العلامة (قدس سره) في التذكرة والمنتهى وإن أشكل دعواه من جهة مخالفة جماعة من الاكابر لكنه لا يبعد التخيير بملاحظة الاخبار السابقة. وأما استحباب الهرولة فلقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (إذا مررت بوادي محسر وهو واد عظيم بين جمع ومنى وهو إلى منى أقرب فاسع فيه حتى تتجاوزه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله حرك ناقته وقال: اللهم سلم لي عهدي - إلى آخر الدعاء) (3). وأما استحباب الرجوع مع تركها فلحسن حفص بن البختري وغيره عن الصادق عليه السلام (إنه قال لبعض ولده: هل سعيت في وادي محسر فقال: لا فأمره أن يرجع حتى يسعى) (4) وأما استحباب تأخر الامام فلرواية جميل المذكورة آنفا. { واللواحق ثلاثة: الاول الوقوف بالمشعر ركن فمن لم يقف به ليلا و لا بعد الفجر عامدا بطل حجه، ولا تبطل لو كان ناسيا، ولو فاته الموقفان بطل ولو كان ناسيا }. أما البطلان مع ترك الوقوف ليلا وبعد الفجر عامدا فهو مجمع عليه ودلت عليه النصوص، ومع الترك نسيانا مع الوقوف الاختياري بعرفات لم تبطل لما عرفت سابقا، ولو فاته الموقفان بطل إجماعا والظاهر أن مراده الاعم من الاختياري والاضطراري لا خصوص الاختياريين لما عرفت من القول بالصحة مع درك


(1) الكافي ج 4 ص 469 والتهذيب ج 1 ص 501. (2) التهذيب ج 1 ص 501 وعلل الشرايع ص 152. (3) الكافي ج 4 ص 470 والتهذيب ج 1 ص 501. (4) الكافي ج 4 ص 470.

[ 443 ]

الاضطراريين. الثاني: من فاته الحج سقطت عنه أفعاله ويستحب له الاقامة بمنى إلى انقضاء أيام التشريق، ثم يتحلل بعمرة مفردة ثم يقضي الحج إن كان واجبا }. أما سقوط أفعال الحج في السنة الحاضرة فواضح للتعبير في الاخبار بأنه لا حج له، وأما سقوط الافعال بمعنى عدم الاجتزاء بإحرامه إذا بقي إلى العام القابل على إحرامه وأتى بسائر الافعال غير الاحرام فمبني على استفادته من الاخبار الدالة على جعل حجه عمرة، وفيه إشكال لاحتمال أن يكون إرشادا إلى رفع مشقة البقاء على حالة الاحرام وعلى فرض اللزوم أيضا لا يستفاد منه عدم الاجتزاء به إلا أن يتمسك بقول أبي الحسن عليه السلام في أخبار محمد بن سنان وابن فضيل وعلي بن فضل الواسطي (1) فهي عمرة ولا حج له إن كان المراد صيرورتها عمرة قهرا. وأما التحلل بعمرة مفردة فيدل عليها أخبار منها صحيح معاوية (قلت لابي - عبد الله عليه السلام رجل جاء حاجا ففاته الحج ولم يكن طاف؟ قال: يقيم مع الناس حراما أيام التشريق، ولا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل وعليه الحج من قابل ويحرم من حيث أحرم) (2) وقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية والحلبي (فليجعلها عمرة) (3) وفي صحيح حريز (ويجعلها عمرة) (4) وهذا التعبير وإن كان يناسب الاحتياج إلى النية أعني نية الاعتمار بمعنى قلب الاجزاء بالنية نظير العدول في الصلاة لكنه بحسب بعض الاخبار يصير عمرة قهرا من دون حاجة إلى النية، ولعل التعبير بالجعل بملاحظة ما يأتي به


(1) التهذيب ج 1 ص 529 و 530 و 531 والاستبصار ج 2 ص 303 و 304 و 306 وقرب الاسناد ص 176 وفيه (الفضل الواسطي) لا ابنه. (2) التهذيب ج 1 ص 531 والاستبصار ج 2 ص 307. (3) التهذيب ج 1 ص 529 والاستبصار ج 2 ص 301. (4) التهذيب ج 1 ص 531 والاستبصار ج 2 ص 307.

[ 444 ]

من أفعال العمرة. وأما استحباب الاقامة إلى انقضاء أيام التشريق فلصحيح معاوية المذكور. وأما لزوم الحج من قابل مع استقرار الوجوب أو بقاء الاستطاعة إلى العام القابل فيكون على القاعدة، كما أن مقتضاها عدم الوجوب مع كون الحج الفائت ندبيا. وأما ما يظهر من ذيل صحيحة معاوية وصحيح ضريس (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر فقال: يقيم على إحرامه ويقطع التلبية حين يدخل مكة فيطوف فيسعى بين الصفا والمروة و يحلق رأسه) (1) وفي الفقيه (2) (ويذبح شاته وينصرف إلى أهله إن شاء. وقال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فإن لم يكن اشترط فعليه الحج من قابل) فغير معمول به بين الاصحاب ويشهد لعدم الوجوب عدم التعرض له في سائر الاخبار ووقع التعرض له في ما لو أفسد حجه بمباشرة النساء. { الثالث: يستحب التقاط الحصى من جمع وهو سبعون حصاة ويجوز من أي جهات الحرم شاء عدا المساجد، وقيل: عدا المسجد الحرام ومسجد الخيف ويشترط أن يكون أحجارا من الحرم أبكارا. ويستحب أن تكون رخوة برشا بقدر الانملة ملتقطة منقطة وتكره الصلبة والمكسرة }. أما استحباب الالتقاط من جميع فمجمع عليه ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في حسن معاوية وربعي (خذ حصى الجمار من جمع وإن أخذته من رحلك بمنى أجزأك) (3). وأما المقدار فسيأتي تفصيله. وأما جواز الاخذ من غيره فللخبر المذكور لكن من الحرم لا من غيره لقول الصادق عليه السلام في حسن زرارة (حصى الجمار إن


(1) التهذيب ج 531 والاستبصار ج 2 ص 308. (2) المصدر ب 63 ح 5. (3) الكافي ج 4 ص 477 تحت رقم 1 و 3 والتهذيب ج 1 ص 502.

[ 445 ]

أخذته من الحرم أجزأك وإن أخذته من غير الحرام لم يجزيك، وقال: لا ترم الجمار إلا بالحصى) (1) وأما استثناء حصى المساجد والمسجدين فلخبر حنان عن أبي عبد الله عليه السلام (يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلا من المسجد الحرام ومسجد الخيف) (2) ولعل ذكر المسجدين من باب المثال وخصا لانهما الفرد المتعارف. وأما اشتراط أن تكون أحجارا فللنهي عن الرمي إلا بالحصى في الخبر المذكور بل لابد من التقييد بما يصدق عليه الحصى. وأما اشتراط أن تكون أبكارا أي لم يرم بها الجمار رميا صحيحا، فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه ما في مرسلة حريز (لا تأخذه من موضعين: من خارج الحرم، ومن حصى الجمار) (3) وفي رواية عبد الاعلى (ولا يأخذ من حصى الجمار) (4) وربما يستظهر من الخبرين اشتراط عدم الرمي أعم من أن يكون بالرمي الصحيح أو الفاسد. أقول: لو أخذ بالاطلاق لزم اشتراط أن لا يكون مأخوذا من نفس الجمرة ولو لم يكن مرميا، وأما استحباب ما ذكر فلحسن هشام بن الحكم عن أبي - عبد الله عليه السلام في حصى الجمار، قال: (كره الصم منها وقال: خذ البرش) (5) وخبر البزنطي عن الرضا عليه السلام (حصى الجمار تكون مثل الانملة ولا تأخذها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء، وخذها كحلية منقطة تخذفهن خذفا وتضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابة) (6) وفي دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام


(1) الكافي ج 4 ص 477 تحت رقم 5 والتهذيب ج 1 ص 502. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 478. (4) الكافي ج 4 ص 483. (5) الكافي ج 4 ص 477، الصم جمع الاصم وهو الصلب المصمت من الحجر كان المستحب منها الرخوة. والبرش جمع الابرش وهو ما فيه نكت صغار تخالف سائر لونه. كما في الوافى. (6) الكافي ج 4 ص 478 والتهذيب ج 1 ص 502.

[ 446 ]

أنه قال: (تلتقط حصى الجمار التقاطا كل حصاة منها بقدر الانملة ويستحب أن تكون زرقاء أو كحلية منقطة، ويكره أن تكسر من الجمارة كما يفعله كثير من الناس، واغسلها فإن لم تغسلها وكانت نقية لم يضرك) (1) ولعل الحكم باستحباب الرخوة من جهة كراهة الصم، ولعل الفرق بين البرش والمنقطة بأن البرش ما اختلط لونه حمرة وبياضا والمنقط ما فيه نقط تخالف لونه فهما وصفان قد يجتمعان وقد يختلفان والظاهر أن المراد من الملتقطة ما تقابل المكسرة فلعل الاستحباب منتزع من كراهة المكسرة لانه لا واسطة بينهما فكيف يجتمع استحباب إحديهما مع كراهة الاخرى. { مناسك منى } { القول في مناسك منى يوم النحر وهي رمي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق، أما الرمي فالواحب فيه النية والعدد وهو سبع وإلقاؤها بما يسمى رميا وإصابة الجمرة بفعله فلو تممها بحركة غيره لم يجز }. أما وجوب الرمي فهو المشهور وقيل: لا خلاف فيه بين المسلمين ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها) (2) وصحيح سعيد الاعرج قلت لابي عبد الله عليه السلام (جعلت فداك معنا نساء قال: أفض بهن بليل - إلى أن قال - ثم أفض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة - الحديث) (3) وأما اعتبار النية فلكونه جزءا عباديا يحتاج إلى قصد القربة. وأما اعتبار العدد السبع فلا خلاف فيه، وقال أبو بصير لابي عبد الله عليه السلام: (ذهبت أرمي فإذا في يدي ست حصيات؟ فقال: خذ واحدة من تحت رجلك) (4).


(1) المستدرك ج 2 ص 170. (2) الكافي ج 4 ص 478 والتهذيب ج 1 ص 503. (3) الكافي ج 4 ص 474 والتهذيب ج 1 ص 502 (4) الكافي ج 4 ص 483 والتهذيب ج 1 ص 522 .

[ 447 ]

وقال هو أيضا في صحيح معاوية (في رجل أخذ إحدى وعشرين حصاة فرمى بها فزادت واحدة فلم يدر من أيتهن نقصت؟ قال: فليرجع فليرم كل واحدة بحصاة) (1) وعن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (وقال في رجل رمى الجمار فرمى الاولى بأربع والاخيرتين بسبع سبع قال يعود فيرمي الاولى بثلاث وقد فرغ - الحديث) (2). وأما لزوم الالقاء بما يسمى رميا مع الاصابة بفعله مستقلا فلعدم صدق المأمور به بدون ما ذكر. { والمستحب الطهارة والدعاء وأن لا يتباعد بما يزيد عن خمسة عشر ذراعا وأن يرمى خذفا والدعاء مع كل حصاة ويستقبل جمرة العقبة ويستدبر القبلة وفي غيرها يستقبل الجمرة والقبلة }. أما استحباب الطهارة فلقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (ويستحب أن ترمي الجمار على طهر) (3) ويجمع بينه وبين ما يظهر منه الوجوب مثل ما في صحيح ابن مسلم (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجمار فقال: لا ترم الجمار إلا وأنت على طهر) (4) بحمل ما فيه على تأكد الاستحباب وأما استحباب الدعاء وعدم التباعد ففي صحيح معاوية عن الصادق عليه السلام (خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها ولا ترمها من أعلاها، وتقول والحصى في يدك (اللهم هؤلاء حصياتي فاحصهن لي وارفعهن في عملي) ثم ترمي وتقول مع كل حصاة (الله أكبر اللهم ادحر عني الشيطان، اللهم تصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك اللهم اجعله حجا مبرورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا وذنبا مفغورا) وليكن فيما بينك وبين الجمرة قدر عشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعا، فإذا أتيت رحلك ورجعت من الرمي فقل:


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 483 والتهذيب ج 1 ص 522. (3) الكافي ج 4 ص 479 والتهذيب ج 1 ص 503. (4) الكافي ج 4 ص 482، والتهذيب ج 1 ص 503.

[ 448 ]

(اللهم بك وثقت وعليك توكلت فنعم الرب ونعم المولى ونعم النصير) (1) وما في هذا الصحيح وإن كان ظاهرا في الوجوب لكنه محمول على الاستحباب من جهة المطلقات الواردة في هذا الباب. وأما استحباب الرمي خذفا فيدل عليه قول الرضا عليه السلام في خبر البزنطي المروي صحيحا عن قرب الاسناد قال: (حصى الجمار تكون مثل الانملة ولا تأخذها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء خذها كحلية منقطة تخذفهن خذفا تضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابة) (2) المحمول على الندب من جهة السياق ومطلقات الباب، وظهر من الصحيح السابق استحباب الدعاء مع كل حصاة. وأما استحباب استقبال جمرة العقبة واستدبار القبلة فيدل عليه ما عن الشيخ من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رماها مستقبلا لها مستدبرا للكعبة) (3). وأما استحباب استقبال القبلة في غيرها فلما عن بعض أنه ورد الخبر باستدبار القبلة في الرمي يوم النحر واستقبالها في غيره (4). { وأما الذبح ففيه أطراف الاول في الهدي وهو واجب على المتمتع خاصة مفترضا ومتنفلا ولو كان مكيا، ولا يجب على غير المتمتع، ولو تمتع المملوك كان لمولاه إلزامه بالصوم أو أن يهدي عنه ولو أدرك أحد الموقفين متمتعا لزمه الهدي مع القدرة والصوم مع التعذر }. أما وجوب الهدي على المتمتع فهو مجمع عليه ويدل عليه الكتاب (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) (5) والاخبار المستفيضة منها قول أبي جعفر عليه السلام في صحيح زرارة المتضمن صفة التمتع إلى أن قال: (وعليه الهدي؟ فقلت: وما الهدي؟ قال: أفضله بدنة وأوسطة بقرة وأخفضه شاة).


(1) الكافي ج 4 ص 478 والتهذيب ج 1 ص 503. (2) المصدر ص 158 وفي التهذيب ج 1 ص 502. (3) نقله الشيخ في المبسوط. (4) لم أجده (5) البقرة: 195. (6) التهذيب ج 1 ص 456.

[ 449 ]

ومنها ما رواه في الكافي عن سعيد الاعرج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة ومن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم إنما هي حجة مفردة وإنما الاضحى على أهل الامصار) (1). ومنها ما في التهذيب عن إسحاق بن عبد الله قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن المعتمر المقيم بمكة يجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى؟ فقال: يتمتمع أحب إلي وليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتن، فإن اقتصر على عمرته في رجب لم يكن متمتعا وإذا لم يكن متمتعا لا يجب عليه الهدي) (2) وظهر مما ذكر عدم وجوب الهدي على غير المتمتع ووجوب الهدي على المتمتع من غير فرق بين المفترض والمتنفل وأما صحيح العيص بن القاسم عن الصادق عليه السلام (في رجل اعتمر في رجب فقال: إن كان أقام بمكة حتى يخرج منها حاجا فقد وجب عليه الهدي وإن خرج من مكة حتى يحرم من غيرها فليس عليه هدي) (3) يمكن تقييده بالاخبار المفصلة أو على الندب أو على التقية. وأما لو كان المتمتع مكيا فالمشهور شهرة عظيمة وجوب الهدي عليه، وعن الشيخ - قدس سره - الخلاف احتمالا، بناء على رجوع اسم الاشارة في قوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) إلى الهدي لا إلى التمتع، ولا مجال لهذا الاحتمال بعد التفسير في النصوص كصحيح زرارة المشتمل على سؤاله لابي جعفر عليهما السلام عن قول الله عزوجل (ذلك لمن - الاية) فقال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة) (4) فالمكي مشمول للاطلاق. وأما المملوك المتمتع بإذن مولاه فمولاه مخير بين الامرين لصحيح جميل (سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع، قال: فمره فليصم


(1) الكافي ج 4 ص 487 والتهذيب ج 1 ص 503. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 503 والاستبصار ج 2 ص 259. (4) التهذيب ج 1 ص 455 والاستبصار ج 2 ص 157.

[ 450 ]

وإن شئت فاذبح عنه) (1) وفي قباله خبر علي بن أبي حمزة (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن غلام أخرجته معي فأمرته فتمتع، ثم أهل بالحج يوم التروية ولم أذبح عنه أفله أن يصوم بعد النفر؟ فقال: ذهبت الايام التي قال الله تعالى، ألا كنت أمرته أن يفرد الحج، قلت: طلبت الخير، فقال: كما طلبت الخير فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة. وكان ذلك يوم النفر الاخير) (2). وقد حمل على الندب، وعلى تقدير امتناع المولى عن الذبح يتعين الصوم على العبد وليس للمولى منعه فإنه (لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق) ولا يبعد أن يقال مع امتناع العبد عن الصوم يتعين على المولى الذبح لكونه أحد فردي الواجب إلا أن يقال: التكليف راجع إلى المملوك وذبح المولى عنه من قبيل تأدية دين الغير. وأما صورة إدراك أحد الموقفين متمتعا فلزوم الهدي مع القدرة ولزوم الصوم مع التعذر على القاعدة ولا خلاف فيه ظاهرا. { ويشترط النية في الذبح ويجوز أن يتولى بنفسه وبغيره ويجب ذبحه بمنى، ولا يجزي الواحد إلا عن واحد في الواجب، وقيل يجزي عن سبعة وعن سبعين عند الضرورة لاهل الخوان الواحد ولا بأس به في الندب، ولا يباع ثياب التجمل في الهدي }. أما اعتبار النية وقصد القربة فلانه جزء عبادي، وأما جواز تولي الغير نيابة فلما دل على جواز النيابة وقد سبق خبر أبي بصير المتضمن للرخصة للنساء والصبيان في الافاضة من المشعر بالليل وأن يرموا الجمار فيه وأن يصلوا الغداة في منازلهم فإن خفن الحيض مضين إلى مكة ووكلن من يضحي عنهن (3). ويدل عليه أيضا خبر علي بن أبي حمزة (عن أحدهما عليهما السلام أي امرأة أو


(1) التهذيب ج 1 ص 503 والاستبصار ج 2 ص 262. (2) الكافي ج 4 ص 304، والتهذيب ج 1 ص 504 والاستبصار ج 2 ص 263. (3) التهذيب ج 1 ص 502 والاستبصار ج 2 ص 257 والكافي ج 4 ص 475 و 474.

[ 451 ]

رجل خائف أفاض من المشعر ليلا فلا بأس فليرم الجمرة ثم ليمض وليأمر من يذبح عنه) (1). وأما وجوب كون الذبح بمنى فقيل: إنه مقطوع به في كلام الاصحاب، ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في خبر إبراهيم الكرخي عنه عليه السلام (في رجل قدم بهديه مكة في العشر؟ فقال: إن كان هديا واجبا فلا ينحره إلا بمنى وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء، وإن كان قد أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم الاضحى) (2). وفي قباله صحيح ابن عمار عن الصادق عليه السلام (في رجل نسي أن يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة ثم ذبح؟ قال: لا بأس قد أجزأ عنه) (3) وحسن معاوية بن عمار قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إن أهل مكة أنكروا عليك أنك ذبحت هديك في منزلك بمكة فقال: إن مكة كلها منحر) (4) وحملا على غير الهدي الواجب. ولا يخفى الاشكال في هذا الحمل بالنسبة إلى الصحيح لما سبق من الفرق بين المطلق وترك الاستفصال في الامر الواقع فتقييد المطلق لا بأس به بخلاف الثاني فالعمدة عدم العمل بظاهره. وأما عدم إجزاء الواحد إلا عن واحد فيدل عليه صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النفر تجزيهم البقرة؟ قال: أما في الهدي فلا، وأما في الأضحى فنعم) (5) مضافا إلى اقتضاء دليل وجوب الهدي لعدم إجزاء الواحد إلا عن واحد.


(1) التهذيب ج 1 ص 502 والاستبصار ج 2 ص 257. (2) الكافي ج 4 ص 488 والتهذيب ج 1 ص 504. (3) الفقيه كتاب الحج باب 145 ح 2 والكافي ج 4 ص 505. (4) الكافي 4 ص 488 والتهذيب ج 1 ص 504. (5) التهذيب ج 1 ص 506 والاستبصار ج 2 ص 268.

[ 452 ]

وأما ما قيل من إجزاء الواحد عن سبعة أو سبعين عند الضرورة فمن جهة نصوص، منها خبر حمران قال: (عزت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مائة دينار فسئل أبو جعفر عليه السلام عن ذلك فقال: اشتركوا فيها، قال: قلت: وكم؟ قال: ما خف فهو أفضل، فقال: قلت: عن كم تجزي؟ (فقال: عن سبعين) (1). ومنها خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (تجزي البقرة عن خمسة بمنى إن كانوا أهل خوان واحد) (2) ومنها خبر سوادة قال: (كنا جماعة بمنى فعزت علينا الاضاحي فنظرنا فإذا أبو عبد الله عليه السلام واقف على قطيع غنم يساوم بغنم ويماكسهم مكاسا شديدا فوقفنا ننظر فلما فرغ أقبل علينا وقال، أظنكم قد تعجبتم من مما كستي؟ فقلنا: نعم فقال: إن المغبون لا محمود ولا مأجور، ألكم حاجة قلنا: نعم أصلحك الله إن الاضاحي قد عزت علينا قال: فاجتمعوا واشتروا جزورا فانحروها فيما بينكم، قلنا: فلا تبلغ نفقتنا ذلك، قال: فاجتمعوا واشتروا بقرة فيما بينكم، قلنا: فلا تبلغ نفقتنا؟ قال: فاجتمعوا واشتروا شاة واذبحوها فيما بينكم، قلنا: تجزي عن سبعة؟ قال: نعم وعن سبعين) (3) وقد حملت هذه الاخبار كغيرها على الاضحية المندوبة. ولا يخفى ما في هذا الحمل بل الجمع العرفي بينها وبين الاخبار السابقة الاجزاء مع الضرورة، وعن جماعة من الاكابر العمل بمضونها. وأما عدم البأس في الندب فقد ظهر من بعض الاخبار. وأما عدم وجوب بيع الثياب للهدي فيدل عليه مرسل على بن أسباط المجبور بعمل الاصحاب عن الرضا عليه السلام (سئل عن رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وفي عيبته ثياب أله أن يبيع من ثيابه شيئا ويشتري هديه؟ قال: لا هذا يتزين به المؤمن يصوم ولا يأخذ من ثيابه شيئا) (4).


(1) الكافي ج 4 ص 494 والتهذيب ج 1 ص 506. (2) التهذيب ج 1 ص 505 والاستبصار ج 1 ص 266. (3) الكافي ج 4 ص 496 والتهذيب ج 1 ص 506. (4) التهذيب ج 1 ص 516 والكافي ج 4 ص 508.

[ 453 ]

{ ولو ضل فذبح لم يجز عنه. ولا يخرج شيئا من لحم الهدي عن منى ويجب صرفه في وجهه. ويذبح يوم النحر وجوبا مقدما على الحلق ولو قدم الحلق أجزء ولو كان عامدا وكذا لو ذبحه في بقية ذي الحجة }. لا دليل على عدم الاجزاء إلا القاعدة والاصل لكنه دل النص على الاجزاء في الجملة وهو صحيح منصور بن حازم (في رجل ضل هديه فيجده رجل آخر فينحره؟ فقال: أن كان نحره في منى فقد أجزء عن صاحبه الذي ضل عنه، وان كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه). وفي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (إذا وجد الرجل هديا ضالا فليعرفه يوم النحر واليوم الثاني واليوم الثالث ثم ليذبحه عن صاحبه عشية الثالث) (2) وقد يقال: بتقييد الصحيح الاول بهذا حتى يكون الاجزاء منوطا بالتعريف بهذا النحو، ولا يخفى بعده خصوصا مع الفرق بين الاطلاق وترك الاستفصال بالنسبة إلى الفعل الواقع كما سبق بيانه كما لا يخفى ظهور الصحيح الثاني في ترتب جوار الذبح على التعريف المذكور خصوصا مع كونه تصرفا في ملك الغير بدون الاذن ولا يبعد أن يقال: نأخذ بظاهر الصحيح الثاني ونقول بعدم جواز الذبح بدون التعريف لكنه لو ذبح جاهلا بهذا الحكم أجزأ عن صاحبه، وتظهر الثمرة في صورة الالتفات إلى هذا الحكم حيث لا يتصور قصد القربة فكيف يجزي عن صاحبه بخلاف صورة الجهل حيث إنه و إن كان الذبح تصرفا في ملك الغير وحرمته معلومة لكل أحد لكنه قد يتصور في مثل المقام الجواز حسبة حيث أن الذبح أمر واجب في وقت معين فكأنه إعانة لصاحبه الضعيف نظير حفظ مال الغائب عن التلف. وأما عدم جواز إخراج شئ من لحم الهدي عن منى فاستدل عليه بصحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (سألته عن اللحم أيخرج به من الحرم؟ فقال: لا يخرج


(1) الكافي ج 4 ص 495 والتهذيب ج 1 ص 509. (2) التهذيب ج 1 ص 508 والكافي ج 4 ص 494.

[ 454 ]

منه بشئ إلا السنام بعد ثلاثة أيام) (1) وصحيح معاوية قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا يخرجن شيئا من لحم الهدي) (2) وخبر علي بن أبي حمزة عن أحدهما عليهما السلام (لا يتزود الحاج من أضحيته وله أن يأكل منها بمنى أيامها، قال: وهذه مسألة شهاب كتب إليه فيها) (3) ونوقش بعدم دلالة الصحيح الاول على المطلوب بل ولا الثاني مع فرض كون المراد به ما في الاول من عدم الخروج من الحرم وكذا الثالث، ويمكن أن يقال: لا وجه للخدشة في دلالة الصحيح الثاني فإن المتبادر عدم الاخراج من محله، وهذا كما لو نهى المولى عن خروج العبد فإنه منصرف إلى الخروج عن محل يكون هو فيه، نعم لو كان النهى عن الخروج عن الحرم ابتداء في الصحيح الاول من كلام الامام عليه السلام غير مسبوق بسؤال السائل لتوجه أن يقال لا مانع من الخروج من منى إلى حد الحرم فيتصرف في الصحيح الثاني للزوم لغوية خصوصية الحرم وذلك للفرق بين قول المولى: اكرم العالم أبتداء وبين قوله هذا بعد سؤال العبد: أكرم العالم، ففي الاول يستفاد من قوله مدخلية الوصف العنواني في الحكم دون الثاني. وأما وجوب الصرف فلعله يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وأما وجوب الذبح يوم النحر بمعنى عدم جواز التقديم عليه فهو مسلم و لعله مجمع عليه، وأما بمعنى عدم جواز التأخير فغير مسلم ولم يذكروا الدليل عليه إلا التأسي وفيه إشكال لعدم معلومية وجه الفعل، وأما تقديمه على الحلق فاستدل على لزومه بقوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وموثق عمار سأله يعني الصادق عليه السلام - إلى أن قال - (وعن رجل حلق قبل أن يذبح قال: يذبح ويعيد الموسى لان الله تعالى يقول: ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) (4) وغيرهما من الاخبار وليس في قبالها إلا ما دل على عدم


(1) التهذيب ج 1 ص 511 والاستبصار ج 2 ص 274. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 511 والاستبصار ج 2 ص 275. (4) التهذيب ج 1 ص 585.

[ 455 ]

الحرج أو عدم البأس المحمول على التقديم جهلا بالحكم مثل صحيح عبد الله بن سنان (سأل الصادق عليه السلام عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحى قال: لا بأس وليس عليه شئ ولا يعودن) (1) وخبر أحمد بن محمد بن أبي نصر قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: (جعلت فداك إن رجلا من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر وحلق قبل أن يذبح؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان يوم النحر أتاه طوائف من المسلمين فقالوا: يا رسول الله ذبحنا من قبل أن نرمي وحلقنا من قبل أن نذبح فلم يبق شئ مما ينبغي لهم أن يقدموه إلا أخروه ولا شئ مما ينبغي لهم أن يأخروه إلا قدموه فقال صلى الله عليه وآله: لا حرج) (2). وأما الاجزاء مع التقديم مع الجهل بالحكم فلا إشكال لما ذكر ومع العلم بالحكم مبني على الاطلاق فيما ذكر ولا يبعد أن يستشكل من جهة عدم تمشي قصد القربة اللازم في العبادات مع العلم بالحكم. وأما إجزاء الذبح طول ذي الحجة فالظاهر عدم الخلاف فيه بل ادعي عليه الاجماع فإن تم فهو، وإلا يشكل في جميع الصور لاختصاص ما استدل به من الاخبار ببعض الصور منها حسن حزير عن الصادق عليه السلام (في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم؟ قال: يخلف الثمن عند بعض أهل مكة ويأمر من يشترى له ويذبح عنه وهو يجزي عنه فإن مضى ذو الحجة أخر ذلك إلى قابل من ذي الحجة) (3). ومنها صحيح معاوية بن عمار عنه عليه السلام (في رجل نسي أن يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة ثم ذبح قال: لا بأس قد أجزأ عنه) (4) وفي صحيح علي ابن جعفر (سأل أخاه عن الاضحى كم هو بمنى؟ قال: أربعه أيام) (5) ولعله


(1) التهذيب ج 1 ص 514 والاستبصار ج 2 ص 284. (2) الكافي ج 4 ص 504 والاستبصار ج 2 ص 284 والتهذيب ج 1 ص 514. (3) الكافي ج 4 ص 508 والتهذيب ج 1 ص 457. (4) الفقيه كتاب الحج ب 145 ح 2 والكافي ج 4 ص 505 وقد تقدم. (5) التهذيب ج 1 ص 504 والاستبصار ج 2 ص 264.

[ 456 ]

يأتي الكلام في البدل. { الثاني في صفته يشترط أن يكون من النعم ثنيا غير مهزول ويجزي من الضأن خاصة الجذع لسنة وأن يكون تاما فلا يجزي العوراء ولا العرجاء ولا العضباء ولا ما نقص منها شئ كالخصي ويجوز المشقوقة الاذن وأن لا يكون مهزولة بحيث لا يكون على كليتيها شحم لكن لو اشتراها على أنها سمينة فبانت مهزولة أجزأة، والثني من الابل ما دخل في السادسة ومن البقر والغنم ما دخل في الثانية }. أما لزوم كونه من النعم الثلاثة فالظاهر أنه مجمع عليه ويدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في المتمتع قال: وعليه الهدي قلت: وما الهدي فقال: أفضله بدنة وأوسطه بقرة وأخسه شاة) (1) وأما لزوم السن المذكور فالظاهر عدم الخلاف فيه في الحكم والتفسير للاول الذي هو المعروف عند أهل اللغة ويدل على الحكم صحيح العيص عن أبي - عبد الله عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول: (الثنية من الابل والثنية من البقر والثنية من المعز والجذعة من الضأن) (2) بناء على ظهوره في أنه أقل المجزي. وأما تفسير الثني في البقر والغنم بما ذكر فهو المشهور في كلام الاصحاب إلا أن المعروف في اللغة هو ما دخل في الثالثة ومع الشك لابد من الاحتياط ولا يبعد الرجوع إلى البراءة للشك في الشرطية في المقامين كما أنه لو شك في المراد من الجذع لاختلاف الكلمات واحتمال كمال السنة لابد من الاحتياط. وأما لزوم أن يكون تاما فادعي عليه الاجماع وفي صحيح على بن جعفر عليه السلام (سأل أخاه عليه السلام عن الرجل يشتري الاضحية عوراء فلا يعلم إلا بعد شرائها هل تجزي عنه؟ قال: نعم إلا أن يكون هديا واجبا فإنه لا يجوز أن يكون ناقصا) (3) وروى البراء بن عازب قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله خطيبا فقال: أربع لا تجوز


(1) التهذيب ج 1 ص 456 وقد تقدم. (2) التهذيب ج 1 ص 505. (3) الفقيه كتاب الحج ب 139 ح 25.

[ 457 ]

في الاضحى العوراء بين عورها، والمريضة بين مرضها، والوجاء بين عرجها، والكسير التى لا تنقى) (1) فإن اعتبر هذا الخبر من جهة السند بأن يكون مجبورا بالعمل به يكون مقيدا للصحيح المذكور بتقييد النقص في المذكورات بما كان بينا وإلا فلابد من الاخذ بإطلاق الصحيح المذكور، ويؤيد النبوي المذكور خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم الصلاة والسلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يضحى بالعرجاء بين عرجها، ولا بالعوراء بين عورها. ولا بالعجفاء ولا بالجرباء ولا بالجدعاء ولا بالعضباء) (2) وفي خبر آخر له إبدال العوراء بالجرباء إلا أن يقال مع تمامية السند النسبة بينهما وبين صحيح علي بن جعفر عليه السلام عموم من وجه فكما يمكن تقييد الصحيح يمكن تقييدهما بغير الهدي الواجب فالمرجح الاصل ولا يبعد الرجوع إلى البراءة للشك في الشرطية. ومقتضى الصحيح المذكور عدم إجزاء الخصي ويدل عليه أيضا خصوص صحيح ابن مسلم (سئل أحدهما عليهما السلام أيضحى بالخصي فقال: لا، (3) وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج (سأل الكاظم عليه السلام عن الرجل يشتري الهدي فلما ذبحه إذا هو خصي مجبوب ولم يكن يعلم أن الخصي لا يجزي في الهدي، هل يجزيه أم يعيده؟ قال: لا يجزيه إلا أن يكون لا قوة به عليه) (4) ويمكن أن يناقش في دلالة صحيح ابن مسلم لشموله للاضحية المندوبة وقد دل صحيح علي بن جعفر على إجزاء الناقص في غير الهدي الواجب، فيدور الامر بين التخصيص وحمل قوله عليه السلام: (لا على الكراهة) كما أنه يخصص إطلاق صحيح علي بن جعفر بما في صحيح عبد الرحمن المذكور من قوله عليه السلام: (إلا أن يكون لا قوة له عليه).


(1) أخرجه أبو داود في السنن كتاب ايجاب الاضاحي ج 2 ص 87 و 87. (2) التهذيب ج 1 ص 507 والفقيه كتاب الحج ب 139 ح 7 وفيه العضياء - هي المكسورة القرن والجدعاء مقطوعة الاذن. وفي الكافي ج 4 ص 491 (الحذاء) وهى التى قصر عن شعر ذنبها. وزاد فيه (الخرقاء) وهى التى في اذنها وشفيتها خرق. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 550 و 506 والكافي ج 4 ص 494.

[ 458 ]

وأما جواز مشقوقة الاذن فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل بإطلاق الادلة وخصوص مرسل ابن أبي نصر عن أحدهما عليهما السلام (سئل عن الاضاحي إذا كانت مشقوقة الاذن أو مثقوبة بسمة فقال: ما لم يكن منها مقطوعا فلا بأس) (1) وفي حسن الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الضحية تكون مشقوقة الاذن؟ فقال: إن كان شقها وسما فلا بأس، وإن كان شقا فلا يصلح) (2). ويمكن أن يقال: إن كان الشق نقصا فمقتضى الصحيح السابق عدم إلاجزاء فيخصص المرسل والحسن بالمندوب إلا أن يقال: النسبة عموم من وجه وحيث لا ترجيح مقتضى الاصل الاجزاء. وأما اشتراط عدم المهزولية فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بصحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (سئل عن الاضحية فقال: أقرن فحل سمين عظيم العين والاذن - إلى أن قال: - إن اشترى أضحية وهو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يضحى بكبش أقرن عظيم سمين فحل يأكل في سواد وينظر في سواد فإن لم يجدوا من ذلك شيئا فالله أولى بالعذر) (3). وحسن الحلبي عن أبي عبد الله (إذا اشترى الرجل البدنة مهزولة فوجدها سمينة فقد أجزأت عنه فإن اشتراها مهزولة فوجدها مهزولة فإنها لا تجزى عنه) (4) ويشكل استفادة المطلوب من نحو هذين الخبرين لشمولها للهدي الواجب والمندوب فمع عدم الاشتراط في المندوب يشكل الاشتراط في الواجب، وتفسير المهزولة بما ذكر لخبر الفضل قال: (حججت بأهلي سنة فغرت الاضاحي فانطلقت فاشتريت شاتين بغلاء فلما ألقيت أهابيهما ندمت ندامة شديدة لما رأيت بهما من الهزال فأتيته


(1) التهذيب ج 1 ص 507. (2) الكافي ج 4 ص 491. (3) التهذيب ج 1 ص 505 وقوله (أقرن فحل) قال في المنتفى ج 2 ص 551 لم أقف فيما يحضرني من كتب اللغة على تفسير الاقرن نعم ذكر العلامة في المنتهى أن الاقرن معروف وهو ما له قرنان. (4) الكافي ج 4 ص 490.

[ 459 ]

فأخبرته بذلك فقال: إن كان على كليتيهما شئ من الشحم فقد أجزأت) (1) والظاهر عمل الاكابر بمضمونه. وأما الاجزاء مع الاشتراء على أنها سمينة فبانت مهزولة فيدل عليه خبر منصور عن أبي عبد الله عليه السلام (وإن اشترى الرجل هديا وهو يرى أنه سمين أجزأ عنه وإن لم يجده سمينا، ومن اشترى هديا وهو يرى أنه مهزول فوجده سمينا أجزأ عنه وإن اشتراه وهو يعلم أنه مهزول لم يجز عنه) (2). ولا يخفى أن هذا الخبر مع فرض عدم الاشكال من جهة السند معارض بصحيح ابن مسلم المذكور حيث صرح فيه بعدم الاجزاء إلا أن يقال: بعد التعارض لا دليل على اعتبار عدم المهزولية بنحو الشرطية الواقعية. { ويستحب أن تكون سمينة تنظر في السواد وتمشي في السواد وتبرك في مثله أي لها ظل تمشي فيه، وقيل: أن يكون هذه المواضع سودا وأن يكون مما عرف به إناثا من الابل أو البقر وذكرانا من الضأن أو المعز، وأن تنحر الابل قائمة مربوطة بين الخف والركبة ويطعنها من الجانب الايمن. وأن يتولاه بنفسه وإلا جعل يده مع يد الذابح والدعاء. وقسمته ثلاثا يأكل ثلثه ويتصدق ثلثه ويهدي ثلثه، ويطعم القانع والمعتر ثلثه وقيل: يجب الاكل منه ويكره التضحية بالثور والجاموس والموجوء }. أما استحباب كونها بالاوصاف المذكورة فيستفاد من أخبار منها صحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يضحي بكبش أقرن عظيم فحل يأكل في سواد وينظر في سواد ويمشي في سواد) (3) ولعله يستفاد منها البروك في سواد بكلا المعنيين والمراد من السواد شدة الاخضرار لكثرة النبات في تلك المواضع. وأما استحباب كونه مما عرف به فيدل عليه صحيح ابن أبى نصر قال: (سئل


(1) التهذيب ج 1 ص 507 والكافي ج 4 ص 492. (2) التهذيب ج 1 ص 507. (3) الكافي ج 4 ص 489.

[ 460 ]

عن الخصي يضحى به قال: إن كنتم تريدون اللحم فدونكم وقال: لا يضحى إلا بما قد عرف به) (1) المحمول على الندب بقرينة خبر سعيد بن يسار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن اشترى شاة لم يعرف بها؟ قال: لا بأس بها عرف أم لم يعرف) (2). وأما استحباب الاناث من الابل أو البقر والذكران من الضأن أو المعز فتدل عليه أخبار منها صحيح معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام (أفضل البدن ذوات الارحام من الابل والبقر وقد تجزي الذكورة من البدن والضحايا من الغنم الفحولة) (3). وأما استحباب النحر بالكيفية المذكورة فيدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (فاذكروا اسم الله عليها صواف) قال: ذلك حين تصف للنحر يربط يديها ما بين الخف إلى الركبة ووجوب جنوبها إذا وقعت على الارض) (4) وقال أبو الصباح الكناني: (سألت أبا عبد الله عليه السلام كيف ينحر البدنة؟ قال: تنحر وهي قائمة من قبل اليمين) (5). وأما استحباب التولي بنفسه للذبح ومع عدم التولي بنفسه يجعل يده مع يد الذابح فللتأسي بالنبي والائمة صلى الله عليهم وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (كان علي بن الحسين عليهما السلام يضع السكين في يد الصبي ثم يقبض على يديه الرجل فيذبح) (6). وأما استحباب الدعاء فلقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية وحسن صفوان وأبن أبي عمير (إذا اشتريت هديك فاستقبل به القبلة وانحره أو اذبحه وقل (وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلوتي


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 505 والاستبصار ج 2 ص 265. (3) التهذيب ج 1 ص 504 والمقنعة ص 71. (4) و (5) الكافي ج 4 ص 497، والتهذيب ج 1 ص 509، والفقيه كتاب الحج باب 141 ح 4 و 5. (6) الكافي ج 4 ص 497.

[ 461 ]

ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم، منك ولك بسم الله وبالله، اللهم تقبل مني) ثم تمر السكين ولا تنخعها حتى تموت) (1). وفي الكافي عن أبي خديجة قال: (رأيت أبا عبد الله عليه السلام وهو ينحر بدنته معقولة يدها اليسرى، ثم يقوم به من جانب يدها اليمنى ويقول: (بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبله مني) ثم يطعن في لبتها ثم يخرج السكين بيده فإذا وجبت قطع موضع الذبح بيده) (2). وأما استحباب التقسيم بالنحو المذكور فلعله يستفاد من خبر أبي الصباح القريب من الصحيح في الاضاحي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لحوم الاضاحي فقال: كان على بن الحسين عليهما السلام وأبو جعفر عليه السلام يتصدقان بثلث على جيرانهما وثلث على السؤال وثلث يمسكانه لاهل البيت) (3) بناء على إرادة الاهداء من التصدق على الجيران بناء على شمول الاضاحي للهدي الواجب وإن كان الظاهر أن عمل الامامين عليهما السلام كان في الاضحية المندوبة في البلد، وورد أخبار أخر راجعة إلى خصوص هدي القران كصحيح سيف التمار قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: إن سعيد بن عبد الملك قدم حاجا فلقى أبي فقال: إنى سقت هديا فكيف أصنع به؟ فقال له أبي: أطعم أهلك ثلثا، وأطعم القانع والمعتر ثلثا، وأطعم المساكين ثلثا، فقلت: المساكين هم السؤال؟ فقال: نعم، وقال: القانع الذي يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها والمعتر ينبغي له أكثر من ذلك هو أغنى من القانع يعتريك فلا يسألك) (4). وروى الشيخ عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا ذبحت هديا


(1) الفقيه كتاب الحج ب 141 ح 6 والكافي ج 4 ص 498. (2) المصدر ج 4 ص 498. (3) الكافي ج 4 ص 499، والمقنع ص 23، والفقيه ب 139 ح 14. (4) التهذيب ج 1 ص 510، ومعانى الاخبار ص 208.

[ 462 ]

أو نحرت فكل وأطعم كما قال الله تعالى: (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر فقال: القانع الذي يقنع بما أعطيته، والمعتر الذي يعتريك والسائل الذي يسألك في يديه والبائس الفقير) (1) لكنه، لا تعرض فيه للتثليث بل يستفاد من بعض الاخبار خلافه ففي حسن معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله حين نحر أن يؤخذ من كل بدنة جذوة من لحمها ثم تطرح في برمة ثم تطبخ وأكل رسول الله وعلي عليه السلام منها وحسيا من مرقها) (2). ثم إنه قد يقال بوجوب الاكل لظاهر الاية الشريفة وظاهر الامر في بعض الاخبار واستشكل من جهة أن الامر في الكتاب العزيز في مقام توهم الحظر بعد أن كان المحكى عن الجاهلية تحريم ذلك على أنفسهم فلا ظهور له في الوجوب ويمكن أن يقال: هذا لو كان النظر إلى الاية الشريفة. وأما بملاحظة الامر في الاخبار مستشهدا بالاية فيبعد حيث أن السائل كان نظره إلى تعيين الوظيفة لكنه يشكل استفادة الوجوب من جهة الشمول للاضحية المندوبة ولا أظن أن يلتزم بوجوب الاكل منها مضافا إلى أن الخطاب راجع إلى صاحب الهدي والاضحية وفي الرواية أطعم أهلك ثلثا وإطعام الاهل ليس أكل نفسه مضافا إلى أنه كيف يجب أصل الاكل مع أن الخصوصية غير واجبة لما ذكر من فعل النبي صلى الله عليه وآله. ومن المحتمل أن يكون ذكر المذكورين والاية الشريفة والاخبار بيانا للمصرف من دون لزوم البسط والتقسيم كمصارف الخمس والزكاة وعلى هذا فلا منافاة بين وجوب الصرف وعدم لزوم الاكل. وأما كراهة التضحية بما ذكر أما في الثور فلما في مضمر أبي بصير (ولا تضح بثور ولا جمل) (3) ويستدل به على كراهة الجاموس ولا يخفى ما فيه. وأما كراهة الموجوء أي رضوض الخصيتين حتى تفسد فاستدل عليها بالنصوص الدالة على أن الفحل من الضأن خير منه والنص والفتوى وإن كانا في التضحية


(1) التهذيب ج 1 ص 510. (2) الكافي ج 4 ص 499 تحت رقم 1. وحسى المرق: شربه شيئا بعد شئ. (3) التهذيب ج 1 ص 505.

[ 463 ]

لكنه لا يبعد إرادة ما يشمل الهدي. { الثالث في البدل ولو فقد الهدي ووجد ثمنه استناب في شرائه ودبحه طول ذي الحجة وقيل: ينتقل فرضه إلى الصوم، ومع فقد الثمن يلزمه الصوم وهو ثلاثة أيام في الحج متواليات وسبعة في أهله }. ما اختاره - قدس سره - من وجوب الاستنابة وعدم الانتقال إلى الصوم هو المشهور ويدل عليه الحسن كالصحيح [ وهو حسن حريز ] عن أبي عبد الله عليه السلام (في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم، قال: يخلف الثمن عند بعض أهل مكة و يأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزي عنه فإن مضى ذو الحجة أخر ذلك إلى قابل من ذي الحجة) (1) المؤيد بخبر النضر بن قرواش قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فوجب عليه النسك فطلبه فلم يصبه وهو موسر حسن الحال وهو يضعف عن الصيام فما ينبغي له أن يصنع؟ فقال: يدفع ثمن النسك إلى من يذبحه بمكة إن كان يريد المضي إلى أهله وليذبح عنه في ذي الحجة، فقلت: فإنه دفعه إلى من يذبحه عنه فلم يصب في ذي الحجة نسكا وأصابه بعد ذلك؟ قال لا يذبح عنه إلا في ذي الحجة ولو أخره إلى قابل) (2) ومقابل المشهور قول ابن إدريس والمصنف - قدس سرهما - في الشرايع من الانتقال إلى البدل من جهة صدق عدم الوجدان فيشمله قوله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام - الاية) وأجيب بأنه كالاجتهاد في مقابل النص، ويمكن أن يقال: أما الخبر الذي ذكر مؤيدا بعد انجبار ضعف السند فيشكل التمسك له لفرض الضعف عن الصيام ومن المحتمل مدخليته في الحكم، وأما الحسن المذكور فلسانه ليس لسان الحكومة بأن يكون الفاقد المذكور فيه بمنزلة الواجد حتى يقدم غاية الامر صراحته في الاجزاء وظهوره في تعين ما ذكر فيه والاية الشريفة دالة على بدلية الصيام وظاهرة في تعين البدل فيرفع اليد بصراحة كل منهما عن ظهور الاخر


(1) الكافي ج 4 ص 508 والتهذيب ج 1 ص 457، والاستبصار ج 2 ص 260. (2) التهذيب ج 1 ص 457 والاستبصار ج 2 ص 260

[ 464 ]

ونتيجته التخيير إلا أن يمنع صدق عدم الوجدان وهو كما ترى. ثم إنه قد يقال بجواز دفع الثمن إلى البعض من أهل مكة ولو لم يكن ثقة تمسكا بإطلاق الخبر ولا يخفى أنه لا إطلاق فيه من هذه الجهة بل الذي يجزي عنه هو الذبح ولا يبعد كفاية الوثوق ولو لم يكن ذاك الشخص ثقة لكنه يثق بفعله من الاشتراء والذبح عنه لبناء العقلاء ومع فرض صدق عدم الوجدان المتحقق بفقدان الثمن عند المشهور يلزم الصوم بالنحو المذكور بلا خلاف وادعي عليه الاجماع للاية الشريفة و الاخبار المعتبرة المستفيضة منها صحيح معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام (سألته عن متمتع لم يجد هديا؟ قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج يوما قبل التروبة ويوم التروية ويوم عرفة، قال: قلت فإن فاته ذلك قال: يتسحر ليلة الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده قلت: فإن لم يقم عليه جماله أيصومها في الطريق؟ قال: إن شاء صامها في الطريق وإن شاء إذا رجع إلى أهله) (1) وروى في الفقيه مرسلا قال: روى عن النبي والائمة عليهم السلام (أن المتمتع إذا وجد الهدي ولم يجد الثمن صام ثلاثة أيام في الجج يوما قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، تلك عشرة كاملة لجزاء الهدي، فإن فاته صوم هذه الثلاثة الايام تسحر ليلة الحصبة وهي ليلة النفر وأصبح صائما وصام يومين من بعد، فإن فاته صوم هذه الثلاثة الايام حتى يخرج وليس له مقام صام هذه الثلاثة في الطريق إن شاء وإن شاء صام العشرة في أهله، ويفصل بين الثلاثة والسبعة بيوم وإن شاء صامها متتابعة - إلى آخره) (2). { ويجوز تقديم الثلاثة من أول ذي الحجة بعد التلبس بالحج ولا يجوز قبل ذي الحجة ولو خرج ذو الحجة ولم يصم الثلاثة تعين عليه الهدي في القابل بمنى ولو صام الثلاثة في الحج ثم وجد الهدي لم يجب لكنه أفضل }.


(1) الكافي ج 4 ص 507 تحت رقم 3 والتهذيب ج 1 ص 457. (2) المصدر كتاب الحج ب 148 ح 1. وليست فيه جملة (عن النبي) ولكن موجودة في الوسائل أبواب الذبح ب 46 تحت رقم 12.

[ 465 ]

أما جواز التقديم فاستدل عليه بخبر زرارة أو موثقة عن أحدهما عليهما السلام (من لم يجد الهدي وأحب أن يصوم الثلاثة الايام في أول العشر فلا بأس) (1). وأما التقييد بكونه بعد التلبس بالحج فعلل بأنه مع عدم التلبس يكون الصيام من باب تقديم الواجب على وقته والمسبب على سببه، واستشكل عليه بأنه كالاجتهاد في مقابل النص، قلت: إن كان المراد التلبس بالحج مقابل العمرة فتلبس المتمتع به بإحرامه يوم التروية فما معنى اشتراطه في الصيام أول ذى - الحجة؟ وإن كان المراد التلبس بعمرة المتمتع بها بأن يكون محرما بها في مقابل من لم يحرم بها بعد فاعتباره لابد منه لان الموضوع من تمتع فمع عدم التلبس كيف يصدق عنوان المتمتع، إلا أن يقال بجواز الاحرام للحج من أول ذي الحجة مع الفراغ عن العمرة في ذي القعدة الحرام، وعلى هذا فلا دليل على لزوم التلبس بالحج بل يكفي التلبس بالعمرة لاطلاق الدليل. وأما عدم جواز التقديم على ذي الحجة فادعي عليه الاجماع ويدل عليه صحيح رفاعة بن موسى قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتمتع لم يجد الهدي؟ قال: يصوم قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، قلت: فإنه قدم يوم التروية؟ قال يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق، قلت لم يقم عليه جماله؟ قال: يصوم يوم الحصبة وبعده يومين، قال: قلت: وما الحصبة؟ قال: يوم نفره، قلت يصوم وهو مسافر؟ قال: نعم أليس هو يوم عرفة مسافرا: إنا أهل بيت نقول ذلك لقول الله عزوجل (فصيام ثلاثة أيام في الحج) يقول في ذي الحجة) (2) وأما تعين الهدي مع عدم الصيام في ذي الحجة فادعي عليه الاجماع و استدل عليه بصحيح ابن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام (من لم يصم في ذي الحجة حتى يهل هلال المحرم فعليه دم شاة وليس له صوم ويذبحه بمنى) (3) وإطلاقه يشمل


(1) الكافي ج 4 ص 507 تحت رقم 2. (2) الكافي ج 4 ص 506 تحت رقم 1 واللفظ له والتهذيب ج 1 ص 457. (3) الكافي ج 4 ص 509 تحت رقم 10، وفي التهذيب ج 1 ص 457 والاستبصار ج 2 ص 278.

[ 466 ]

الهدي والكفارة. وصحيح عمران الحلبي قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يصوم الثلاثة الايام التي على المتمتع إذا لم يجد الهدي حتى يقدم أهله قال: يبعث بدم) (1) وفي قبالهما أخبار. منها صحيح معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم من كان متمتعا فلم يجدها هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فإن فاته ذلك وكان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة أيام بمكة وإن لم يكن له مقام صام في الطريق أو في أهله وإن كان له مقام بمكة فأراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا ثم صام) (2). ومنها صحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (الصوم الثلاثة الايام إن صامها فآخرها يوم عرفة وإن لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في أهله ولا يصومها في السفر) (3) وقد يجمع بين الطرفين بحمل هذه الطائفة على عدم خروج ذي الحجة للشهرة والاجماعات المنقولة وظاهر الكتاب والسنة. ويمكن أن يقال الجمع المذكور ليس جمعا عرفيا ومجرد الامكان مع عدم الشاهد عليه لا يكفي، وظاهر الكتاب غير متعرض للصورة المفروضة فمع عدم إمكان الجمع يجئ التخيير الخبري إن قلنا به في مثل المقام ومع عدمه لابد من الاحتياط بالجمع بين الصيام والدم للعلم الاجمالي وما قلنا من عدم إمكان الجمع العرفي من جهة أن الصحيح الاول قابل للحمل على الكفارة ول‍ لا هذا لكان أخص من الاخبار المعارضة فبهذه الجهة صارت النسبة عموما من وجه. وأما صحيح عمران الحلبي فيمكن الجمع بينه وبين الاخبار المعارضة.


(1) التهذيب ج 1 ص 513، والاستبصار ج 2 ص 279 و 283، والفقيه كتاب الحج ب 148 ح 8. (2) التهذيب ج 1 ص 513 واللفظ له. والاستبصار ج 2 ص 283. (3) التهذيب ج 1 ص 513 والاستبصار ج 2 ص 283.

[ 467 ]

بالتخيير لكنه نقل في الحدائق ما رواه الشيخ في الموثق عن منصور بن حازم قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام من لم يصم الثلاثة الايام في الحج حتى يهل الهلال فقال: عليه دم يهريقة وليس عليه صيام) (1) فإذا كان المراد منه الثلاثة التي تكون جزءا للبدل عن الهدي يتعين الاخذ به لاخصيته بالنسبة إلى تلك الاخبار، لكنه لم يشر إليه في الجواهر. وأما تعين البعث بمنى فلما في الصحيحين الاولين مع تقييد الثاني بالاول ولعل التقييد بكونه في العام القابل لان وقت الذبح بمنى الوقت الذي يذبح فيه الهدي، ولعله يجئ التعرض لهذا إن شاء الله العزيز. وأما عدم وجوب الهدي لو صام الثلاثة ووجد الهدي فاستدل عليه بخبر حماد بن عثمان (سأل الصادق عليه السلام عن متمتع صام ثلاثة أيام في الحج ثم أصاب هديا يوم خرج من منى؟ قال: أجزأه صيامه) (2) وفي قباله خبر عقبة (سأل الصادق عليه السلام عن رجل تمتع وليس معه ما يشترى به هديا فلما أن صام ثلاثة أيام في الحج أيسر أيشترى هديا فينحره أو يدع ذلك ويصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله؟ قال: يشتري هديا فبنحره ويكون صيامه الذي صامه نافلة له) (3) و قد حمل على الندب لصراحة ما ذكر وغيره في الاجزاء، وضعف السند منجبر بالعمل ويشكل الحمل المذكور من جهة صراحة خبر عقبة المذكور في أن الواجب الدم وكون الصوم نافلة إلا أن يقال: يكون من باب تبديل الامتثال نظير المعادة في الصلاة فلا يجب الدم لكنه بعد أن نحر أو ذبح يكون هو الواجب ويصير الصيام نافلة.


(1) التهذيب ج 1 ص 417. (2) الكافي ج 4 ص 509 تحت رقم 11، والتهذيب ج 1 ص 457، والاستبصار ج 2 ص 260. (3) الكافي ج 4 ص 510 تحت رقم 14. والتهذيب ج 1 ص 457، والاستبصار ج 2 ص 261.

[ 468 ]

{ ولا يشترط في صوم السبعة التتابع ولو أقام بمكة انتظر أقل الامرين من وصوله إلى أهله ومضي شهر، ولو مات ولم يصم صام الولي عنه الثلاثة وجوبا دون السبعة ومن وجب عليه بدنة في كفارة أو نذر وعجز أجزأه سبع شياة ولو تعين عليه الهدي ومات أخرج من أصله تركته } أما عدم وجوب التتابع فاستدل عليه بخبر إسحاق بن عمار (إنه سأل أبا - الحسن عليه السلام أنه قدم الكوفة ولم يصم السبعة حتى نزع في حاجة إلى بغداد، فقال عليه السلام: صمها ببغداد، فقلت: أفرقها؟ قال: نعم) (1) المنجبر بالعمل المعتضد بالعموم في حسن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين) (2) وفي قبال ما ذكر خبر على بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام (سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج أنصومها متوالية أو نفرق بينها؟ قال: تصوم الثلاثة لا تفرق بينها والسبعة لا تفرق فيها) (3) وخبر آخر، ويشكل الطرح من جهة السند لشهادة الفاضل - قدس سره - بصحة الروايات التى وقع محمد بن أحمد العلوي الواقع في طريق الخبر الاول في طريقها فمع عدم إمكان الجمع يجئ التخيير الخبري. وأما انتظار أقل الامرين فإن أقام بمكة انتظر مقداره مدة وصوله إلى أهله ما لم تزد على شهر ثم صام السبعة كما أنه يصومها إذا مضى الشهر واستدل عليه بقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (من كان متمتعا فلم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قال: فإن فاته ذلك وكان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة أيام بمكة، وإن لم يكن له مقام صام في الطريق أو في أهله، وإن كان له مقام بمكة وأراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا ثم صام بعده) (4).


(1) التهذيب ج 1 ص 512، والاستبصار ج 2 ص 280. (2) الكافي ج 4 ص 140. (3) التهذيب ج 1 ص 441، والاستبصار ج 2 ص 280. (4) التهذيب ج 1 ص 513، والاستبصار ج 2 ص 283.

[ 469 ]

وقيد به إطلاق ما رواه الصدوق في محكي المقنع عن معاوية أنه سأل الصادق عليه السلام (عن السبعة الايام إذا أراد المقام فقال: يصومها إذا مضت أيام التشريق) (1) وصحيح أبي بصير المضمر (رجل تمتع فلم يجد ما يهدي فصام الثلاثة الايام فلما قضى نسكه بداله أن يقيم بمكة سنة قال فلينتطر مهل أهل بلده فإذا ظن أنهم دخلوا بلدهم فليصم السبعة الايام) (2) وصحيح ابن أبي نصر (في المقيم إذا صام الثلاثة الايام ثم يجاور ينظر مقدم أهله فإذا ظن أنهم قد دخلوا فليصم السبعة الايام) (3) ولا يخفى الاشكال في التقييد المزبور، فإن الصحيح الاول من الثلاثة جعل المدار على مضي أيام التشريق وأين هذا من مضي شهر أو دخول أهله بلدهم كما أن الصحيحين الاخرين جعل المدار على الظن بدخول الاهل سواء كان المدة شهرا أو شهرين أو أكثر أو أقل. وأما وجوب قضاء الثلاثة دون السبعة لو مات قبل أن يصوم فاستدل على وجوب الثلاثة بعموم ما دل على وجوب قضاء ما فات الميت من الصيام وخصوص صحيح معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام (من مات ولم يكن له هدي لمتعة فليصم عنه وليه) (4) وما ذكر يشمل السبعة أيضا لكنه بملاحظة حسن الحلبي عن الصادق عليه السلام (سأله عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فلم يكن له هدي فصام ثلاثة أيام في ذي الحجة ثم مات بعد أن رجع إلى أهله قبل أن يصوم السبعة الايام، أعلى وليه أن يقضي عنه؟ قال: ما أرى عليه قضاء) (5) يخصص بغير السبعة، ولا مجال لحمل هذه الرواية على صورة الموت قبل التمكن من الصيام لترك الاستفصال الذي


(1) المقنع ج 1 ص 91 من طبع الحروفى. (2) الكافي ج 4 ص 509 والفقيه كتاب الحج ب 148 ح 3 وفي التهذيب ج 1 ص 441 عن ابن مسكان. (3) التهذيب ج 1 ص 458. (4) الكافي ج 4 ص 509 والتهذيب ج 1 ص 457. (5) الكافي ج 4 ص 509.

[ 470 ]

هو أقوى من الاطلاق كما سبق فيرفع اليد به عن عموم ما دل على وجوب قضاء ما فات الميت من الصيام، ويحمل صحيح معاوية المذكور على الاستحباب جمعا بل يمكن دعوى ظهور الحسن المزبور في نفي القضاء حتى بالنسبة إلى الثلاثة إذا مات قبل صيامها، والنكرة في سياق النفي يفيد العموم فيخصص به العموم، ويحمل الصحيح على الاستحباب حتى بالنسبة إلى الثلاثة. وأما إجزاء سبع شياه عن البدنة مع العجز فاستدل عليه بخبر داود الرقي عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يكون عليه بدنة واجبة في فداء قال: إذا لم تجد بدنة فسبع شياه، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في منزله) (1) المنجبر بالعمل. وأما خروج الهدي المتعين من أصل التركة فلكونه من الحقوق المالية التي هي كالديون تخرج من صلب المال { الرابع في هدي القارن ويجب ذبحه أو نحره بمنى إن قرنه بالحج، و بمكة إن قرنه بالعمرة، وأفضل مكة فناء الكعبة بالحزورة، ولو هلك لم يقم بدله، ولو كان مضمونا لزمه البدل، ولو عجز عن الوصول نحره أو ذبحه وأعلمه }. أما وجوب الذبح أو النحر فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه قوله تعالى (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد) وخبر الحلبي أو صحيحه (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها أو يقلدها فلا تجدها حتى يأتي منى فينحر فيجد هديه؟ قال: إن لم يكن أشعرها فهي ماله إن شاء نحرها وإن شاء باعها وإن كان أشعرها نحرها) (2). وأما وجوب الذبح أو النحر بمنى مع السياق لاحرام الحج فادعي عليه الاجماع مضافا إلى التأسي وإن كان لاحرام العمرة فبمكة وادعي عليه الاجماع ويدل عليه موثق العقرقوفي (سأله سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال:


(1) التهذيب ج 1 ص 514 و 584. (2) التهذيب ج 1 ص 509 والاستبصار ج 2 ص 271.

[ 471 ]

بمكة) (1) وفي الصحيح (من ساق هديا وهو معتمر نحر هديه في المنحر وهو بين الصفا والمروة وهي الحزورة) (2) والجمع بينه وبين الموثق المذكور يمكن بالتقييد، ويمكن بحمل الصحيح على الاستحباب، ولا ترجيح. وأما عدم وجوب إقامة البدل لو هلك فلا خلاف فيه ظاهرا إلا عن بعض و تدل عليه الاخبار منها صحيح ابن مسلم (سأل أحدهما عليه السلام عن الهدي الذي يقلد أو يشعر ثم يعطب، فقال: إن كان تطوعا فليس عليه غيره وإن كان جزاء أو نذرا فعليه بدله) (3). وأما لزوم البدل مع كونه مضمونا بأن كان واجبا أصالة لا بالسياق كالكفارات والمنذور فلما في الصحيح الاتي ذكره وغيره من التفصيل وقد فسر المضمون بما كان واجبا وجوبا مطلقا لا مخصوصا بفرد وعلى هذا فلو تعلق النذر بفرد خاص وهلك لا يجب بدله وهذا يتم إن كان المدرك القاعدة من جهة أن تعذر فرد خاص للواجب الكلي لا يوجب سقوط الكلي، وأما بالنظر إلى النص والتفصيل فيه فلا فرق بين ما كان متعلق النذر فردا خاصا معينا أو كليا بل في الصورة الثانية ليس ما يحسب بدلا بدلا بل هو عين الواجب وأما صورة العجز عن الوصول فالظاهر عدم الخلاف فيها في الحكم المذكور وتدل عليه الاخبار منها صحيح حفص (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به عليه ولا يعلم أنه هدي؟ قال ينحره ويكتب كتابا أنه هدي يضعه عليه ليعلم من مر به أنه صدقة) (4) ومنها صحيح الحلبي عنه عليه السلام أيضا (أي رجل ساق بدنة فانكسرت قبل أن تبلغ محلها أو عرض


(1) الكافي ج 4 ص 488 والتهذيب ج 1 ص 504 و 584. (2) الكافي ج 4 ص 539 وهو مضمون مأخوذ. والحزورة - بالحاء المهملة والزاى المعجمة وزان قسورة. (3) التهذيب ج 1 ص 507، والاستبصار ج 2 ص 269. (4) والفقيه كتاب الحج ب 140 ح 4

[ 472 ]

لها موت أو هلاك فلينحرها إن قدر على ذلك ثم ليلطخ نعلها التي قلدت به بدم حتى يعلم من مر بها أنها قد زكيت فيأكل من لحمها إن أراد وإن كان الهدي الذي انكسر أو هلك مضمونا فإن عليه ان يبتاع مكان الذي انكسر أو هلك و المضمون هو الشئ الواجب عليك في نذر أو غيره وإن لم يكن مضمونا وإنما هو شئ تطوع به فليس عليه أن يبتاع مكانه إلا أن يشاء أن يتطوع) (1) { ولو أصابه كسر جاز بيعه والصدقة بثمنه أو إقامة بدله ولا يتعين الصدقة إلا بالنذر وإن أشعره أو قلده ولو ضل فذبح عن صاحبه أجزأ ولو ضل فأقام بدله ثم وجده فإن ذبح الاخير استحب ذبح الاول }. أما جواز بيع المكسور فلما روى الشيخ (ره) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أيبيعه صاحبه ويستعين بثمنه في هدي آخر قال: لا يبيعه، فإن باعه تصدق بثمنه و ليهد هديا آخر) (2). وفي الحسن عن الحلبي قال: (سألته عن الهدي الواحب إذا أصابه كسر أو عطب أيبيعه صاحبه ويستعين بثمنه في هدي آخر قال: يبيعه ويتصدق بثمنه و يهدي هديا آخر) (3) والاستدلال بهذين الخبرين مبني على حمل الهدي الواجب في كلام السائل على الواجب نحره ولو بالاشعار لا ما كان واجبا بنذر أو كفارة، ومع الاجمال يشكل والقدر المتيقن الثاني إلا أن يقال: مع إجمال كلام السائل يحمل كلام الامام عليه السلام على كلا التقديرين لكنه يشكل من جهة ظهور الخبرين في لزوم إقامة هدي آخر مقامه مع أنه غير واجب كما سبق إلا أن يحمل على الاستحباب فربما يقع المعارضة بين الصدر والذيل فيصير الكلام مجملا، وعلى تقدير


(1) علل الشرايع ص 153. (2) التهذيب ج 1 ص 508 وفيه سقط وتصحيحف وصححناه من التهذيب الطبعة الحروفية الحديثة ج 5 ص 216. (3) الكافي ج 4 ص 494 تحت رقم 4، والتهذيب ج 1 ص 508.

[ 473 ]

الاطلاق يجمع بين الخبرين وما سبق بالتخيير بين ما فيهما وما سبق من الذبح أو النحر والتسليم بالكيفية المذكورة سابقا. وأما الاجزاء لو ضل ونحر أو ذبح عن صاحبه فاستدل عليه بصحيح منصور أبن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره فقال: إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه وإن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه) (1) وهذا الخبر مخصوص بما يجب نحره بمنى دون ما يجب نحره أو ذبحه بمكة إلا أن يتمسك بصحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (إذا وجد الرجل هديا ضالا فليعرفه يوم النحر والثاني والثالث ثم ليذبحه عن صاحبه عشية الثالث) (2) وأما استحباب ذبح الاول لو ضل واقام بدله ثم وجد الاول وقد ذبح البدل فيمكن الاستدلال له بالامر مع وقوع الامتثال والخروج عن العهدة ففي صحيح الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها أو يقلدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر ويجد هدية قال: إن لم يكن قد أشعرها فهي من ماله إن شاء نحرها وإن شاء باعها وإن كان أشعرها نحرها) (3) وفي خبر أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى كبشا فهلك منه؟ قال: يشتري مكانه آخر، قلت: فإن كان اشترى مكانه آخر ثم وجد الاول؟ قال: إن كانا جميعا قائمين فليذبح الاول وليبع الاخير وإن شاء ذبحه، وإن كان قد ذبح الاخير ذبح الاول معه) (4) وقد يستشكل بأن ظاهر الصحيح المذكور بل وخبر أبي بصير لزوم النحر والذبح ولا صارف له ويمكن أن يقال: ظاهر الخبرين جواز قيام البدل مقام الضال فمع الاجتزاء


(1) التهذيب ج 1 ص 509 والاستبصار ج 2 ص 272، والكافي ج 4 ص 495 تحت رقم 8، والفقيه كتاب الحج ب 140 ح 2 (2) التهذيب ج 1 ص 508 والكافي ج 4 ص 494 تحت رقم 5. (3) والتهذيب ج 1 ص 509. والاستبصار ج 2 ص 271. (4) الكافي ج 4 ص 494 والتهذيب ج 1 ص 508.

[ 474 ]

به كيف يجب الجمع بمعنى لزوم النحر أو الذبح بعد حصول الامتثال، فليتأمل. { ويجوز ركوبه وشرب لبنه ما لم يضر به وبولده ولا يعطي الجزار من الهدي الواجب كالكفارة والنذر ولا يأخذ الناذر من جلودها ولا يأكل منها فإن أخذ ضمنه، ومن نذر بدنة فإن عين موضع النحر لزم وإلا نحرها بمكة }. أما جواز ما ذكر فالظاهر أنه موضع وفاق ويدل عليه صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه (إن نتجت بدنتك فاحلبها ما لم يضر بولدها ثم انحرهما جميعا، قلت: أشرب من لبنها وأسقي؟ قال: نعم، وقال: إن أمير - المؤمنين عليه السلام إذا رأى أناسا يمشون قد جهدهم المشي حملهم على بدنة وقال: إن ضلت راحلة الرجل أو هلكت ومعه هدي فليركب على هديه) (1). وأما عدم جواز إعطاء الجزار فيدل عليه صحيح معاوية عن الصادق عليه السلام (سأله عن الاهاب فقال: تصدق به أو تجعله مصلى وتنتفع به في البيت ولا تعطه الجزارين، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعطى جلالها وجلودها وقلائدها الجزارين، وأمر أن يتصدق بها) (2). ومضمر أبي بصير (سألته عن رجل أهدى هديا فانكسر؟ قال: إن كان مضمونا - والمضمون ما كان في يمين يعنى نذرا أو جزاء - فعليه فداؤه قلت: أيأكل منه؟ قال: لا إنما هو للمساكين فان لم يكن مضمونا فليس عليه شئ، قلت: يأكل منه؟ قال: يأكل منه) (3) وغيرهما من الاخبار. ويمكن أن يقال: الاستدلال إن كان بالنظر إلى النهي فوروده يشمل الهدي الواجب والمندوب، فإذا لم يكن بالنسبة إلى المندوب تحريميا فكيف يستفاد التحريم بالنسبة إلى الواجب مع وحدة النهي وإن كان بالنظر إلى عدم جواز الاكل بالنسبة إلى الواجب حيث أن أجرة الجزار على من عليه الهدي فإعطاؤه


(1) الكافي ج 4 ص 493. والتهذيب ج 1 ص 509. (2) التهذيب ج 1 ص 511 والاستبصار ج 2 ص 276. (3) الكافي ج 4 ص 500 والتهذيب ج 1 ص 510 والاستبصار ج 2 ص 272.

[ 475 ]

يعد أكلا، فهذا مبنى على استفادة هذا من الادلة ومجرد التكليف لا يفيد هذه الجهة ألا ترى أن المتولي للوقف يجب عليه صرف الثمرة في مصرف الوقف ولا يجب عليه صرف ماله في شئ، هذا مضافا إلى خبر صفوان بن يحيى المروي عن العلل أنه سأل الكاظم عليه السلام (الرجل يعطي الاضحية من يسلخها بجلدها؟ قال: لا بأس به، قال الله عزوجل (فكلوا منها وأطعموا) والجلد لا يؤكل ولا يطعم) (1) والمحكي عن ابن إدريس (قده) كراهة إعطاء الجزار الجلد، ولعله للجمع بين الاخبار، ومع تسليم دلالة ما سبق يشكل مع الاشكال في الخبر المذكور من حيث السند، وقد ظهر مما ذكر عدم جواز أخذ الناذر من جلود ما ذكر وعدم جواز الاكل. وأما الضمان فيدل عليه ما في رواية حماد عن حريز في حديث يقول في آخره (إن الهدي المضمون لا يؤكل منه إذا عطب فإن أكل منه غرم) (2) وخبر السكوني عن أبي جعفر عليه السلام أذا أكل الرجل من الهدي تطوعا فلا شئ عليه و إن كان واجبا فعليه قيمة ما أكل) (3) لكن في الكافي روي أيضا (أنه يأكل منه مضمونا كان أو غير مضمون) (3) بل في خبر عبد الملك القمي عن الصادق (يؤكل من كل هدي نذرا كان أو جزاء) (5). ويمكن أن يقال: إثبات الضمان بحسب هذه الاخبار مع المعارضة والاشكال من حيث السند مشكل. وإن أريد إثباته من جهة ما دل على عدم جواز الاكل فمجرد هذا لا يوجب الضمان لعدم الخروج من ملكه ولم يحرز تعلق حق مالى كحق الرهانة بالهدي الواجب، غاية الامر لزوم الصرف تكليفا ومجرد هذا


(1) علل الشرايع ص 151 وفي الوسائل كتاب الحج أبواب الذبح ب 43 ح 8. (2) الفقيه كتاب الحج ب 140 ح 10. (3) الاستبصار ج 2 ص 273. (4) الكافي ج 4 ص 500 والتهذيب ج 1 ص 510 والاستبصار ج 2 ص 273. (5) التهذيب ج 1 ص 585.

[ 476 ]

يشكل استفادة الضمان منه ولزوم النحر والذبح حيث عين على القاعدة ويدل عليه بعض الاخبار كخبر محمد عن أبي جعفر عليه السلام قال: (عليه بدنة ينحرها بالكوفة) فقال: عليه السلام: إذا سمي مكانا فلينحر فيه) (1) ومع الاطلاق وعدم التسمية نحرها بمكة لخبر إسحاق الازرق الصائغ (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل جعل لله تعالى عليه بدنة ينحرها بالكوفة في شكر فقال عليه السلام لي: عليه أن ينحرها حيث جعل لله تعالى عليه وإن لم يكن سمي بلدا فإنه ينحرها قبالة الكعبة منحر البدن) (2) مقتضى القاعدة جواز النحر والذبح في كل مكان أراد لعدم التقييد إلا إذا كان انصراف أو كان اللفظ موضوعا أو منصرفا عند الاطلاق لا ينحر أو يذبح في قبال الكعبة، وعلى فرض الوضع والانصراف التخصيص بخصوص قبال الكعبة دون مكة ودون منى مشكل إلا أن يقال باعتبار الرواية من حيث انجبار السند بالعمل و كون الحكم تعبديا وإلا فالتطبيق على القاعدة مشكل. { الخامس الاضحية وهي مستحبة، ووقتها بمنى يوم النحر وثلاثة بعده وفي الامصار يوم النحر ويومان بعده. ويكره أن يخرج من أضحيته شيئا عن منى ولا بأس بالسنام ومما يضحيه غيره ويجزي هدي التمتع عن الاضحية و الجمع أفضل ومن لم يجد الاضحية تصدق بثمنها ولو اختلفت أثمانها جمع الاول والثاني والثالث وتصدق بثلثها ويكره التضحية بما يربيه، وأخذ شئ من جلودها وإعطائها الجزار }. أما استحبابها استحبابا مؤكدا فهو من المسلمات ويدل عليه النصوص المستفيضة منها صحيح ابن مسلم عن الباقر عليه السلام قال: (الاضحية واجبة على من وجده من صغير أو كبير وهي سنة) (3) وقال الصادق عليه السلام على المحكي في جواب السؤال عنها (هو واجب على كل مسلم إلا من لم يجد، فقال له السائل: ما تري في


(1) الوسائل كتاب النذر ب 11 ح 1. (2) التهذيب ج 1 ص 514 و 515. (3) الفقيه كتاب الحج ب 139 ح 1.

[ 477 ]

العيال، فقال: إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل فأما أنت فلا تدعه) (1) وسأله أيضا عبد الله بن سنان (عن الاضحى أو اجب على من وجد لنفسه ولعياله؟ فقال: أما لنفسه فلا يدعه، وأما لعياله إن شاء تركه) (2) والاخبار مجمولة على الندب لدعوى الاجماع عليه مضافا إلى النبوي (كتب علي النحر ولم يكتب عليكم) (3). وأما التوقيت بما ذكر فيدل عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام (سألته عن الاضحى كم هو بمنى؟ فقال: أربعة أيام، وسألته عن الاضحى في غير منى فقال: ثلاثة أيام، فقلت: ما تقول في رجل مسافر قدم بعد الاضحى بيومين أله أن يضحي في اليوم الثالث قال: نعم) (4) وقد حمل الذيل على الثالث من يوم النحر بقرينة الصدر، قلت: يبعد هذا أنه إن كان المراد اليوم الثالث من يوم النحر ما احتاج إلى السؤال لعدم خروجه عن الثلاثة فيكون قضاء لما فات بقرينة الصدر، وظاهر بعض النصوص يخالف ما ذكر كقول أبي جعفر عليه السلام في حسن ابن مسلم (الاضحى يومان بعد يوم النحر ويوم واحد بالامصار) (5) وخبر كليب الاسدي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النحر فقال: أما بمنى فثلاثة أيام و أما في البلدان فيوم واحد) (6) ولا يبعد الحمل على الفضل. وأما كراهة الاخراج فاستدل عليهما بخبر علي بن أبي حمزة عن أحدهما عليهما السلام قال: (لا يتزود الحاج من أضحيته وله أن يأكل منها بمنى أيامها، و قال: هذه مسألة شهاب كتب إليه فيها) (7) وخبره الاخر عن أبي إبراهيم عليه السلام


(1) الفقيه كتاب الحج ب 139 ح 2. (2) الكافي ج 4 ص 487. (3) أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن عباس وفيه (كتب على الاضحى). (4) التهذيب ج 1 ص 504 والاستبصار ج 2 ص 264. (5) و (6) الكافي ج 4 ص 486. والتهذيب ج 1 ص 504. (7) التهذيب ج 1 ص 511 والاستبصار ج 2 ص 275.

[ 478 ]

الذي رواه أحمد بن محمد (لا يتزود الحاج من أضحيته وله أن يأكل منها أيامها إلا السنام فإنه دواء) (1). وقد حمل النهي على الكراهة بقرينة الاخبار المجوزة منها صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن إخراج لحوم الاضاحي من منى فقال: كنا نفول: لا يخرج منها بشئ لحاجة الناس إليه وأما اليوم فقد كثر الناس فلا بأس بإخراجه) (2) ولا يخفى أن هذا التعبير غير مناسب للكراهة، وظهر مما ذكر وجه استثناء السنام، ووجه استثناء ما يضحيه غيره مما أهدى عدم شمول النهي له. وأما إجزاء هدي التمتع عن الاضحية فيدل عليه قول أبي جعفر عليهما السلام في صحيح ابن مسلم (يجزيه في الاضحية هديه) (3) وقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (يجزي الهدي عن الاضحية) (4) ولعل من قال بأن الجمع أفضل نظر إلى التعبير بلفظ الاجزاء وفيه تأمل. وأما التصدق بالثمن مع عدم الوجدان بالنحو المذكور فلخبر عبد الله بن عمر قال: (كنا بمكة فأصابنا غلاء في الاضاحي فاشترينا بدينار ثم بدينارين ثم بلغت سبعه ثم لم يوجد بقليل ولا كثير فوقع هشام المكاري رقعة إلى أبي الحسن عليه السلام فأخبرة بما اشترينا، ثم لم نجد بقليل ولا كثير، فوقع عليه السلام انظروا إلى الثمن الاول والثاني والثالث ثم تصدقوا بمثل ثلثه) (5). وأما كراهة التضحية بما يربيه فلخبر محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام (قلت: جعلت فداك كان عندي كبش سمين لاضحي به، فلما أخذته وأضجعة نظر إلي فرحمته ورققت له ثم إني أذبحته، فقال: لي ما كنت أحب لك أن تفعل


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 511. والاستبصار ج 2 ص 275. والكافي ج 4 ص 500. (3) التهذيب ج 1 ص 514. (4) في الجواهر قبل أحكام الحلق والتقصير بأسطر. (5) الكافي ج 4 ص 544 والتهذيب ج 1 ص 514 والفقيه كتاب الحج ب 139 ح 30.

[ 479 ]

لا تربين شيئا من هذا ثم تذبحه) (1). وأما كراهة أخذ شئ من جلودها وإعطائها الجزار فقد سبق ما يدل عليها فلا نعيده. { وأما الحلق فالحاج مخير بينه وبين التقصير ولو كان صرورة أو ملبدا على الاظهر والحلق أفضل، والتقصير متعين على المرأة ويجزي لهن، ولو بقدر الانملة والمحل منى ولو رحل قبله عاد للحلق أو التقصير، ولو تعذر حلق أو قصر حيث كان وجوبا وبعث بشعره إلى منى ليدفن بها استحبابا }. المعروف بين الاصحاب وجوب النسك المزبور ويدل عليه الاخبار منها الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل برأسه قروح لا يقدر على الحلق قال: إن كان قد حج قبلها فليجز شعره وإن كان لم يحج فلابد له من الحلق) (2) وما رواه الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (على الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصر إنما التقصير لمن قد حج حجة الاسلام) (3) وما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن سعيد الاعرج في حديث (إنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النساء فقال: إذا لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن من أظفارهن) (5) ومما ذكر ظهر تعين الحلق على الصرورة. وفي قباله ما رواه ابن إدريس في الصحيح من نوادر أحمد بن محمد بن أبي - نصر البزنطي عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: من لبد شعره أو عقصه فليس له أن يقصر وعليه الحلق، ومن لم يلبده تخير إن شاء قصر وإن شاء حلق والحلق أفضل) (5) فيدور الامر بين التقييد وبين رفع اليد عن ظهور ما ذكر


(1) الكافي ج 4 ص 544 والتهذيب ج 1 ص 576. (2) التهذيب ج 1 ص 585. (3) المصدر ج 4 ص 503. والتهذيب ج 1 ص 585 و 516. (4) المصدر ج 4 ص 474، والتهذيب ج 1 ص 502. (5) السرائر ص 466.

[ 480 ]

من الاخبار في تعين الحلق على الصرورة ولعل التقييد أولى (1) وإن كان المشهور خلاف هذا، وظهر مما ذكر تعين التقصير على المرأة. وأما الاجتزاء بمقدار الانملة فيدل عليه مرسلة ابن أبي عمير (تقصر المرأة عن شعرها لنفسها مقدار الانملة) (2) مضافا إلى إطلاق الاخبار. وأما لزوم كون الحلق والتقصير بمنى فيدل عليه ما رواه الشيخ (ره) في الصحيح عن الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يقصر من شعر رأسه أو يحلق حتى ارتحل من منى؟ قال: فليرجع إلى منى حتى يحلق شعره بها أو يقصر، وعلى الصرورة أن يحلق) (3). نعم في خبر مسمع (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يحلق رأسه أو يقصر حتى نفر؟ قال: يحلق في الطريق أو أين كان) (4) ويظهر من خبر أبي - بصير عن الصادق عليه السلام (في رجل زار البيت ولم يحلق رأسه قال: يحلق بمكة و يحمل شعره إلى منى وليس عليه شئ) (5) عدم وجوب الرجوع والعود للحلق إلا أن اطلاق الاصحاب على خلافه، وقد حمل خبر مسمع على صورة التمكن من العود وأما صورة عدم التمكن من العود فالظاهر عدم الخلاف في أصل وجوب التقصير أو الحلق لما ذكر، إنما الكلام في لزوم البعث إلى منى أو استحبابه، فقيل بالندب لقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (ما يعجنبي أن يلقى شعرة إلا بمنى) (6) وفي صحيح معاوية (كان علي بن الحسين عليهما السلام يدفن شعره في فسطاطه [ بمنى ] ويقول: كانوا يستحبون ذلك، قال: وكان أبو عبد الله عليه السلام يكره أن يخرج الشعر من منى ويقول: من أخرجه فعليه أن يرده) (7) لكن ظاهر الاخبار


(1) ويمكن أن يقال: ظهور ما رواه ابن ادريس - قدس سره - اقوى لتعرضه لمن لبد شعره أو عقصه) ألا ترى أنه يرفع اليد عن ظهور رواية البزنطى في باب المسح الظاهرة في لزوم المسح بتمام الكف من جهة ما رواه على بن يقطين عن الكاظم (ع) حيث تعرض لبعض المستحبات ولم يذكر هو لزوم المسح بتمام الكف (منه قدس سره). (2) التهذيب ج 1 ص 561. والكافي ج 4 ص 503. (3) و (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 515 والاستبصار ج 2 ص 286. (6) و (7) التهذيب ج 1 ص 515 والاستبصار ج 3 ص 286.

[ 481 ]

الاخر وجوب البعث وما ذكر لا ينافيه، منها خبر أبي بصير المذكور آنفا، ومنها خبر على بن أبي حمزة وفيه (وليحمل الشعر إذا حلق بمكة إلى منى) (1) و في صحيحة عبد الله بن مسكان (ليس أن يلقى شعره إلا بمنى) (2) والاستحباب المذكور في صحيح معاوية راجع إلى الدفن، والكراهة في الاخبار ليست مقابلة للحرمة بل يجتمع معها. { ومن ليس على رأسه شعر يجزيه إمرار الموسى عليه، والبدأة برمي جمرة العقبة ثم بالذبح ثم بالحلق واجب، فلو خالف أثم ولم يعد، ولا يزور البيت لطواف الحج إلا بعد الحلق أو التقصير، فلو طاف قبل ذلك عامدا لزمه دم شاة، ولو كان ناسيا لم يلزمه شئ وأعاد طوافه ويحل من كل شئ عند فراغ مناسكه بمنى عدا الطيب والنساء والصيد }. ظاهر كلامه أن الامرار قائم مقام الحلق فيجزي مع التمكن من التقصير واستدل عليه بما رواه ثقة الاسلام (قدس سره) عن زرارة قال: (إن رجلا من أهل خراسان قدم حاجا وكان أقرع الرأس لا يحسن أن يلبي فاستفتي له أبو - عبد الله عليه السلام فأمر أن يلبى عنه وأن يمر الموسى على رأسه فإن ذلك يجزي عنه) (3) وما رواه الشيخ عن أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه؟ قال: عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر أمر الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق) (4) وخبر عمار الساباطي عنه عليه السلام أيضا في حديث قال: (سألته عن رجل حلق قبل أن يذبح قال: يذبح ويعيد الموسى لان الله تعالى يقول (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) (5) فإن كان الاخبار المذكورة ضعف


(1) الكافي ج 4 ص 474 والتهذيب ج 1 ص 502. (2) الفقيه كتاب الحج ب 144 ح 1. (3) الكافي ج 4 ص 504 تحت رقم 13. (4) التهذيب ج 1 ص 491 والاستبصار ج 2 ص 242. (5) التهذيب ج 1 ص 585.

[ 482 ]

سندها مجبورا بالعمل فلا إشكال وإلا فلابد في غير الصرورة من التقصير وكذا في الصرورة إن قلنا بالتخيير تعين أحد فردي الواجب التخييري عند تعذر الاخر وإن قلنا في الصرورة بتعين الحلق فلابد من الجمع بين الامرين إمرار الموسى والتقصير لاحتمال اختصاص الحكم بمن تمكن من الحلق وأما لزوم الترتيب المذكور فاستدل عليه بالاخبار منها موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته - إلى أن قال -: وعن رجل حلق قبل أن يذبح؟ قال: يذبح ويعيد الموسى لان الله تعالى يقول: (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) (1) وصحيحة معاوية بن عمار أو حسنته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا رميت الجمرة فاشتر هديك - الحديث) (2) وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: لا بأس بأن تقدم النساء إذا زال الليل فيقفن عند المشعر الحرام ساعة، ثم ينطلق بهن إلى منى فيرمين الجمرة، ثم يصبرن ساعة ثم يقصرن وينطلقن إلى مكة إلا أن يكن يرون أن يذبح عنهن فإنهن يوكلن من يذبح عنهن) (3). واحتج القائلون بالاستحباب بما رواه الشيخ وابن بابويه (قدس سرهما) في الصحيح عن جميل بن دراج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق؟ قال: لا ينبغي إلا أن يكون ناسيا، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه أناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح، وقال: بعضهم حلقت قبل أن أرمي فلم يتركوا شيئا ينبغي لهم أن يقدموه إلا أخروه ولا شيئا كان ينبغى لهم أن يؤخروه إلا قدموه فقال: لا حرج) (4) وخبر آخر قريب من هذا المضمون وأجيب بالحمل على صورة الجهل والنسيان ولا كلام في الصحة والاجزاء، وأما


(1) متحد مع سابقه. (2) الكافي ج 4 ص 491. (3) الكافي ج 4 ص 474. (4) الكافي ج 4 ص 504 والتهذيب ج 1 ص 514، والاستبصار ج 2 ص 285. والفقيه كتاب الحج ب 145 ح 1. وقد تقدم.

[ 483 ]

لو خالف فهو آثم من جهة مخالفة الواجب. وأما عدم الاعادة فلما ذكر في الخبرين من الحكم بعدم الحرج لكنه يشكل في حال العمد والالتفات إلى الحكم حيث أنه كيف يتمشي منه قصد القربة المعتبرة في العبادة إلا أن يقال بسقوط التكليف وإن كان آثما. وأما لزوم تأخير طواف الحج عن الحلق والتقصير فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويمكن استفادته من صحيح جميل وإن كان التعبير بلفظ (لا ينبغي) لكن الظاهر إرادة عدم الجواز بقرينة ذكره في عداد أمور أخر لابد فيها من الترتيب ولزوم الكفارة (1) ففي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام (في رجل زار البيت قبل أن يحلق فقال: إن كان زار البيت قبل أن يحلق رأسه وهو عالم أن ذلك لا ينبغي له فإن عليه دم شاة) (2) وظهر منه لزوم الدم مع العلم وعدم لزومه مع عدم العلم، ولا يبعد اندارج صورة النسيان أعني السهو بالنسبة إلى الموضوع مع العلم بالحكم الكلي تحت عنوان عدم العلم بأن يكون ذلك إشارة إلى الحكم الشخصي لا الكلي، ولا أقل من الشك الموجب لعدم الدليل على لزوم الدم مع الغفلة عن شخص الحكم، ويمكن الاستدلال له بصحيح على بن يقطين (سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة رمت وذبحت ولم تقصر حتى زارت البيت وطافت وسعت من الليل ما حالها وما حال الرجل إذا فعل ذلك؟ قال: لا بأس به يقصر ويطوف للحج، ثم يطوف للزيارة، ثم قد أحل من كل شئ) (3) ومنه ظهر لزوم إعادة الطواف مع النسيان، ويمكن أن يقال: إطلاق صحيح على بن يقطين وإن شئت قلت ترك الاستفصال يشمل صورة العلم والعمد فتكون مما لا بأس به من جهة الدم فيحمل الصحيح الاول الظاهر في وجوب الدم على الاستحباب فدار الامر بين التقييد في الصحيح الثاني وحفظ ظهور الاول وبين حفظ ترك الاستفصال الموجب للاطلاق وحمل الاخر على الاستحباب، ولا ترجيح بل الترجيح للثاني لما مر من أن


(1) يمكن منع استفادة الحرمة من لزوم الكفارة الا ترى جواز الاستظلال للمريض مع لزوم الكفارة. ويستفاد من بعض الاخبار لزوم الصوم على من نام عن العشاء ولزوم الكفارة على القاتل خطأ. (2) الكافي ج 4 ص 505. (3) التهذيب ج 1 ص 515.

[ 484 ]

ترك الاستفصال أقوى من الاطلاق إلا أن يقال لم يكن نظر السائل إلى الامر الواقع بل إلى الصورة المفروضة ومع الاخذ بإطلاق صحيح علي بن يقطين لابد من القول بلزوم إعادة الطواف على كل تقدير ومع عدم الترجيح أيضا لابد من الاشتغال والاحتياط والاعادة حفظا للترتيب الواجب بحسب الادلة الاولية. وأما الاحلال بعد الفراغ فيدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية ابن عمار (إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء والطيب فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء فإذا طاف طواف النساء فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا الصيد) (1) أي الحرمي لا الاحرامي وغيره من الاخبار. وفي قبالها أخبار اخر يظهر منها حلية الطيب بعد الفراغ من مناسك منى منها صحيح سعيد بن يسار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتمتع إذا حلق رأسه قبل أن يزور البيت فيطليه بالحناء؟ قال: نعم الحناء والثياب والطيب وكل شئ إلا النساء - رددها علي مرتين أو ثلاثا -. وقال: وسألت أبا الحسن عليه السلام عنها فقال: نعم الحناء والثياب والطيب وكل شئ إلا النساء) (2) كذا عن الكافي ورواه الشيخ (قده) عنه أيضا ولم يذكر فيه (قبل أن يزور) ومن هنا حمله على أنه عليه السلام أراد أن الحاج متى حلق وطاف طواف الحج وسعى فقد حل له هذه الاشياء وإن لم يذكرهما في اللفظ لعلمه عليه السلام بأنه عالم بذلك، أو تعويلا على غيره من الاخبار. وأخبار أخر إما محمولة على غير المتمتع وإما محمولة على التقية مثل هذا الصحيح على ما رواه في الكافي بل وعلى ما رواه الشيخ لبعد التوجيه المذكور وكيف كان لم يعمل الاصحاب - رضوان الله عليهم - بظواهرها فيرد علمها إلى أهلها. وعن ابن بابويه وولده (قدس سراهما) التحلل بالرمي إلا من الطيب


(1) الفقيه كتاب الحج ب 147 ح 1. (2) الكافي ج 4 ص 505، والتهذيب ج 1 ص 516 والاستبصار ج 2 ص 287.

[ 485 ]

والنساء ولم يعرف الدليل لهذا القول إلا خبر الحسين بن علوان عن أمير المؤمنين عليه السلام المروي عن قرب الاسناد (وإذا رميت جمرة العقبة فقد حل لك كل شئ حرم عليك إلا النساء) (1) وما يحكى عن الفقه المنسوب إلى الرضا - علية آلاف التحية والثناء - وهذا القول مخالف لما هو المعروف وللاخبار. ثم إنه لا مجال للاشكال في حلية الصيد من جهة الاحرام وإن كان محرما من جهة الحرم لما في الصحيح المذكور أعني صحيح معاوية بن عمار وغيره من الحلية من كل شئ إلا النساء والطيب ومع هذا البيان لا مجال للتمسك بإطلاق الاية الشريفة (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) بتقريب أنه لم يخرج بعد عن حالة الاحرام لحرمة الطيب والنساء ولا ينافيه ذيله من استثناء الصيد لوضوح أنه بعد طواف النساء خرج عن الاحرام فحرمة الصيد فيه لابد أن يكون من جهة الحرم لا من جهة الاحرام. { فإذا طاف لحجه حل له الطيب فإذا طاف طواف النساء حلل له ويكره المخيط حتى يطوف للحج والطيب حتى يطوف طواف النساء ثم يمضي إلى مكة للطواف والسعي ليومه أو من الغد ويتأكد في جانب المتمتع ولو أخر أتم، و موسع للمفرد والقارن طول ذي الحجة على كراهية، ويستحب له إذا دخل مكة الغسل وتقليم الاظفار وأخذ الشارب والدعاء عند باب المسجد }. أما حصول الحلية بطواف الحج وطواف النساء فقد ظهر من صحيح معاوية ابن عمار المذكور آنفا. وأما كراهة لبس المخيط للمتمتع حتى يفرغ من طواف الزيارة فلخبر إدريس القمي قلت: لابي عبد الله عليه السلام (إن مولى لنا تمتع فلما حلق لبس الثياب قبل أن يزور البيت فقال: بئس ما صنع، فقلت: أعليه شئ؟ قال: لا، قلت: فإنى رأيت ابن أبي سماك يسعى بين الصفا والمروة وعليه خفان وقباء و


(1) قرب الاسناد ص 51.

[ 486 ]

منطقة؟ فقال: بئس ما صنع؟ قلت: أعليه شئ قال: لا) (1) المحمول على الكراهة جمعا بينه وبين ما سمعت من النص. وأما كراهة الطيب فلصحيح محمد بن إسماعيل (كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام هل يجوز للمحرم المتمتع أن يمس الطيب قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال: لا) (2) المحمول على الكراهة جمعا. وأما تأكد المضي ليومه للمتمتع فلصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في زيارة البيت يوم النحر قال: (زره فإن اشتغلت فلا تضرك أن تزور البيت من الغد، ولا تؤخر أن تزور من يومك فإنه يكره للمتمتع أن يؤخره وموسع للمفرد أن يؤخره) (3). وأما حصول الاثم مع التأخير فقد يستدل عليه بالنهي عنه في بعض الاخبار كصحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال: يوم النحر أو من الغد ولا يؤخر والمفرد والقرن ليسا بسواء موسع عليهما) (4) والاظهر الحمل على الكراهة لشهادة بعض الاخبار مثل صحيح هشام ابن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا بأس إن أخرت زيارة البيت إلى أن تذهب أيام التشريق إلا أنك لا تقرب النساء ولا الطيب) (5) المحمول على المتمتع بقرينة النهي عن الطيب إلا أن يقال: لعل النهي عن الطيب من جهة الكراهة، ويمكن التمسك بصحيح الحلبي المروي في المحكي عن مستطرفات السرائر عن نوادر البزنطي (سأل الصادق عليه السلام عن رجل أخر الزيارة إلى يوم النفر؟ قال:


(1) التهذيب ج 1 ص 517، والاستبصار ج 2 ص 289. (2) التهذيب ج 1 ص 517 والاستبصار ج 2 ص 290. (3) الكافي ج 4 ص 511 والتهذيب ج 1 ص 518 والاستبصار ج 2 ص 292. (4) التهذيب ج 1 ص 517 والاستبصار ج 2 ص 291. (5) الفقيه كتاب الحج ب 66 ح 5.

[ 487 ]

لا بأس) (1) مع عدم الاستفصال فيه وقد ظهر مما ذكر التوسعة للمفرد والقارن وقد يتمسك لجواز التأخير طول ذي الحجة بالاية الشريفة (الحج أشهر معلومات) وذو الحجة من أشهر الحج، ويشكل لان الظاهر أنه ليس في مقام البيان وأنه يجوز الاتيان بأعمال الحج طول ذي الحجة خرج ما خرج بالدليل. وفي بعض الاخبار جواز التأخير إلى أن تذهب أيام التشريق. وفي بعضها إلى يوم النفر. وأما الكراهة فلعلها من جهة خبر عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام (لا بأس أن يؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر إنما يستحب تعجيل ذلك مخافة الاحداث و المعاريض) (2) واستفادة الكراهة من هذا التعبير مشكلة وأما استحباب ما ذكر فلقوله عليه السلام في خبر عمر بن يزيد (ثم احلق رأسك واغتسل وقلم أظفارك وخذ من شاربك وزر البيت فطف به أسبوعا) (3) وأما الدعاء فبما في صحيح معاوية عن الصادق عليه السلام في حديث قال: (فإذا أتيت البيت يوم النحر فقمت على باب المسجد قلت: (اللهم أعني على نسكك وسلمني له و سلمه لي أسألك مسألة العليل الذليل المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنوبي وأن ترجعني بحاجتي، اللهم إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك، متبعا لامرك، راضيا بقدرك، أسألك مسألة المضطر إليك، المطيع لامرك، المشفق من عذابك، الخائف لعقوبتك أن تبلغني عفوك وتجيرني من النار برحمتك ثم تأتي الحجر الاسود فتستلمه وتقبله - الحديث) (4). { القول في الطواف والنظر في مقدمته وكيفيته وأحكامه. أما المقدمة فيشترط فيه تقديم الطهارة وإزالة النجاسة عن الثوب والبدن والختان في الرجل


(1) السرائر ص 466. (2) التهذيب ج 1 ص 518. والاستبصار ج 2 ص 291، والفقيه كتاب الحج ب 66 ح 2. (3) التهذيب ج 1 ص 518. (4) الكافي ج 4 ص 511 والتهذيب ج 1 ص 518.

[ 488 ]

ويستحب مضغ الاذخر قبل دخول مكة ودخولها من أعلاها حافيا على سكينة و وقار مغتسلا من بئر ميمون أو فخ ولو تعذر اغتسل بعد الدخول من باب بني شيبة والدعاء عنده } أما اشتراط الطهارة في الطواف الواجب فلا خلاف فيه وادعي عليه الاجماع ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (لا بأس أن تقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف بالبيت والوضوء أفضل) (1) وصحيح علي عن أخيه عليه السلام (سألته عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر وهو في الطواف قال: يقطع طوافه لا يعتد بشئ مما طاف. وسألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء فقال: يقطع طوافه ولا يعتد به) (2) وصحيح ابن مسلم (سألت أحدهما عليهما السلام (عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور قال: يتوضأ ويعيد طوافه و إن كان تطوعا توضأ وصلى ركعتين) (3) وربما يستظهر من هذا الصحيح عدم اشتراط الطواف المندوب بالطهارة من الحدث، واستدل أيضا له بصحيح حريز عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل طاف تطوعا وصلى ركعتين وهو على غير وضوء؟ قال: يعيد الركعتين ولا يعيد الطواف) (4) وخبر عبيد بن زرارة عنه أيضا (لا بأس أن يطوف الرجل النافلة على غير وضوء ثم يتوضأ ويصلي، وإن طاف متعمدا على غير وضوء فليتوضأ وليصل، ومن طاف تطوعا وصلى ركعتين على غير وضوء فليعد الركعتين ولا يعيد الطواف) (5) قلت: أما الرواية الاخيرة فهي وإن كانت صريحة في عدم اشتراط الطهارة لكن الاشكال فيها من جهة السند. وأما صحيح


(1) الفقيه كتاب الحج ب 73 ح 1. (2) الكافي ج 4 ص 420 تحت رقم 4، والبحار ج 10 ص 268، والتهذيب ج 1 ص 582 و 480، والاستبصار ج 2 ص 222 وقرب الاسناد ص 104. (3) الكافي ج 4 ص 420 والفقيه كتاب الحج ب 73 ح 2، والتهذيب ج 1 ص 479 والاستبصار ج 2 ص 222. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 480. والفقيه كتاب الحج ب 73 ح 3.

[ 489 ]

حريز فيمكن أن يكون عدم الاعادة فيه من جهة عدم وجوب الاصل والامر بإعادة الصلاة تعبدي وإلا فعلى القاعدة كانت باطلة ولا تجب إعادتها إلا أن يقال يستظهر منه تحقق الطواف المندوب ومن هذه الجهة لا يلزم لمن أراد هذا المستحب إعادته بخلاف الصلاة حيث أنها فاسدة فاللازم لمن أراد الوصول إلى مقصده إعادتها لكن الظاهر منه صورة السهو والنسيان لان اشتراط مطلق الصلاة بالطهارة من الضروريات فالحكم بالصحة مخصوص بصورة الغفلة، إلا أن يقال: يشمل الاطلاق ما لو طاف متوجها إلى عدم الطهارة وصلى الصلاة غافلا عن الطهارة، والانصاف أن رفع اليد عن ترك الاستفصال في صحيح علي بن جعفر عليهما السلام الظاهر في البطلان مطلقا مشكل لما سبق من أقوائيته من المطلق مضافا إلى ما دل بإطلاقه على اعتبار الطهارة في مطلق الطواف ومنه النبوي المعروف (الطواف بالبيت صلاة) (1) وأجاب في الحدائق حيث اختار - قدس سره - عدم اشتراط الطواف المندوب بالطهارة عن التمسك بالنبوي بعدم ثبوت الرواية بطرقنا وعلى فرض القبول فالتشبيه لا يقتضي المساواة من كل وجه، وعن الروايات المطلقة بالتقييد. قلت: يشكل من جهة أن التنزيل لابد أن يكون بلحاظ أظهر الاثار و الخواص ولا أظهر في المقام من الطهارة وأما الاعتبار من جهة السند فمع قبول الاصحاب والتمسك به فلا مجال للاشكال فيه، وأما المطلقات فيشكل تقييدها لما ذكر آنفا من أن المقابل لها ترك الاستفصال ومن جهة ما في بعضها من التعليل بوجود الصلاة ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (لا بأس أن يقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف فإن فيه صلاة والوضوء أفضل) (2) وأما اشتراط إزالة النجاسة عن الثوب والبدن فاستدل عليه بالنبوي (الطواف بالبيت صلاة) (1) وبخبر يونس بن يعقوب (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يرى في ثوبه


(1) الفقيه كتاب الحج ب 73 ح 1. (2) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند والحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية كما في الجامع الصغير ج 2 ص 57.

[ 490 ]

الدم وهو في الطواف قال: ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثم يخرج فيغسله ثم يعود فيتم طوافه) (1) وضعف السند منجبر بالعمل بل الثاني من الموثق وفي قبالهما مرسل البزنطي عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: (رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه فقال: أجزأه الطواف فيه ثم ينزعه ويصلي في ثوب طاهر) (2) واستشكل الاخذ (3) وحمل الموثق على الاستحباب بضعفه من جهة الارسال. ويمكن أن يقال: لا ظهور في الموثق المذكور في الاشتراط لاحتمال أن يكون الامر بالخروج والغسل من جهة احترام المسجد وهذا غير اشتراط الطهارة في الطواف وثانيا الحكم مخصوص برؤية الدم في الثوب دون البدن، نعم يمكن التمسك بالنبوي وعلى تقديره فلا مجال للتفرقة بين الطواف والصلاة حيث يقال بعدم العفو عما دون الدرهم في الطواف أخذا بإطلاق خبر يونس و استشكالا في إطلاق النبوي حيث لم يعلم بأخذ الفقهاء بمضمونه حتى في هذه الجهة وأما اعتبار الختان في الرجل فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (الاغلف لا يطوف بالبيت ولا بأس أن تطوف المرأة) (4). وفي صحيح حريز وإبراهيم بن عمر (لا بأس أن تطوف المرأة غير مخفوظة وأما الرجل فلا يطوفن إلا وهو مختون) (5). وأما استحباب مضغ الاذخر فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن معاوية (إذا دخلت الحرم فخذ من الاذخر فامضغه) (6) وفي خبر أبي بصير فتناول من الاذخر فامضغه قال الكليني (سألت بعض أصحابنا عن هذا فقال: يستحب ذلك


(1) التهذيب ج 1 ص 482. (2) التهذيب ج 1 ص 482، والفقيه كتاب الحج ب 152 ح 12. (3) لا مجال للاشكال في المرسل المذكور حيث ان البزنطى من اصحاب الاجماع. (4) التهذيب ج 1 ص 482. (5) الكافي ج 4 ص 281 والتهذيب ج 1 ص 482 والفقيه كتاب الحج ب 74 ح 1. (6) الكافي ج 4 ص 398 تحت رقم 4.

[ 491 ]

ليطيب به الفم لتقبيل الحجر) واستفادة الاستحباب لخصوص دخول مكة مما ذكر لا يخلو عن تأمل والامر سهل. وأما استحباب الدخول من أعلا مكة فيمكن استفادته من جهة التأسي بفعل النبي صلى الله عليه وآله الذي حكاه الصادق عليه السلام في الصحيح قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين) (1) وخبر يونس قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام من أين أدخل مكة وقد جئت من المدينة فقال: أدخل من أعلى مكة وإذا خرجت تريد المدينة فاخرج من أسفل مكة) (2). وأما استحباب كونه حافيا على سكينة ووقار فلا يبعد استفادته من خبر إسحاق (لا يدخل مكة رجل بسكنية إلا غفر له، قلت: ما السكينة؟ قال: بتواضع) (3) ولعل دخولها حافيا من التواضع وقيل: أحدهما الخضوع الصوري والاخر المعنوي. وأما استحباب الغسل لدخول الحرم فلما روى الشيخ في التهذيب عن أبان ابن تغلب قال: (كنت مع أبي عبد الله عليه السلام ومزامله فيما بين مكة والمدينة، فلما انتهى إلى الحرم نزل واغتسل وأخذ نعليه بيديه ثم دخل الحرم حافيا فصنعت مثل ما صنع فقال: يا أبان من صنع مثل ما رأيتنى صنعت تواضعا لله محى الله عنه مائة ألف سيئة وكتب له مائة ألف حسنة وبنى الله عزوجل له مائة ألف درجة وقضى له مائة ألف حاجة) (4). وأما استحبابه لدخول مكة فلرواية الكليني (قده) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (أمرنا أبو عبد الله عليه السلام أن نغتسل من فخ قبل أن ندخل مكة) (5) و


(1) التهذيب ج 1 ص 578. (2) الكافي ج 4 ص 399، والتهذيب ج 1 ص 474. (3) الكافي ج 4 ص 401 تحت رقم 10. (4) المصدر ج 1 ص 474، والكافي ج 4 ص 398، والمحاسن ص 67. (5) الكافي ج 4 ص 400 تحت رقم 5. والتهذيب ج 1 ص 474.

[ 492 ]

في الحسن عن أبان عن عجلان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام (إذا انتهيت إلى بئر ميمون أو بئر عبد الصمد فاغتسل واخلع نعليك وامش حافيا وعليك السكينة و الوقار) (1). وأما الاغتسال بعد الدخول فلما روى في الكافي في الصحيح عن ذريح قال: (سألته عن الغسل في الحرم قبل دخوله أو بعد دخوله؟ قال: لا يضرك أي ذلك فعلت، وإن اغتسلت بمكة فلا بأس، وإن اغتسلت في بيتك حين تنزل بمكة فلا بأس) (2) لكنه لا تقييد فيه بالتعذر وأما استحباب الدخول من باب بني شيبة فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر سليمان بن مهران في حديث المأذمين قال: (إنه موضع عبد فيه الاصنام ومنه أخذ الحجر الذي نحت منه هبل الذي رمى به علي عليه السلام من ظهر الكعبة لما علا ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر به فدفن من عند باب بني شيبة فصار الدخول إلى المسجد من باب بني شيبة سنة لاجل ذلك) (3). وأما استحباب الدعاء فلما في صحيح معاوية (إذا انتيهت إلى باب المسجد فقم وقل (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بسم الله وبالله ومن الله وما شاء الله، السلام على أنبياء الله ورسله والسلام على رسول الله والسلام على إبراهيم خليل الله والحمد لله رب العالمين) فإذا دخلت المسجد فارفع يديك و استقبل البيت وقل: اللهم إنى أسألك في مقامي هذا في أول مناسكي أن تقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي وتصنع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام، اللهم إنى أشهد أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وأمنا ومباركا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك مطيعا لامرك راضيا بقدرك، أسألك مسألة المضطر إليك، الخائف


(1) الكافي ج 4 ص 400 تحت رقم 6 والتهذيب ج 1 ص 474. (2) المصدر ج 4 ص 398 تحت رقم 5، والتهذيب ج 1 ص 474. (3) الوسائل أبواب مقدمات الطواف ب 9 ح 1.

[ 493 ]

لعقوبتك اللهم أفتح لي أبواب رحمتك واستعملني بطاعتك ومرضاتك (1). { وأما الكيفية فواجبها النية والبدأة بالحجر والختم به والطواف على اليسار وإدخال الحجر في الطواف وأن يطوف سبعا ويكون بين المقام والبيت. ويصلي ركعتين في المقام فإن منعه زحام صلى حياله، ويصلي النافلة حيث شاء من المسجد }. أما اعتبار النية فلا خلاف فيه وحيث أن الطواف جزء عبادي لابد فيه من اعتبار جميع ما يعتبر في سائر العبادات. وأما وجوب البدأة بالحجر فادعي عليه الاجماع ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الاسود إلى الحجر الاسود) (2) وقيل بلزوم الابتداء بنحو يكون ابتداء البدن من البطن والانف وإبهام الرجل باختلاف الاشخاص محاذيا لابتداء الحجر ويبتدء بالطواف ويختم بالوصول إلى ما شرع منه بحيث لا يزيد ولا ينقص وحيث يتعذر هذا يشرع الطائف في الحركة ويقصد الطواف بما يقع بهذا النحو ولا يقصد الطواف بما هو خارج، ولا يخفى أن هذا حسن مع لزوم النحو المذكور لكنه لا يساعد الدليل على النحو المذكور، ألا ترى لو أمر المولى عبده بالسير من البصرة إلى الكوفة لا يجب الخروج من البصرة لتحقق البدأة منها نعم لابد من الاختتام بنحو يتحقق سبعة أشواط والقصد المذكور كاف لتحقق الاختتام وما ذكر من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينافي ما ذكر لتمشي القصد المذكور سواء كان الطائف ماشيا أو راكبا. وأما وجوب كون الطواف على اليسار فلا خلاف فيه ظاهرا بل ادعي عليه الاجماع واستدل عليه بالتأسي وادعي استفادته من قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوذ وهو إذا قمت في دبر الكعبة


(1) الكافي ج 4 ص 401، والتهذيب ج 1 ص 275. (2) الكافي ج 4 ص 419، والفقيه كتاب الحج ب 71 ح 2.

[ 494 ]

حذاء الباب فقل: اللهم - إلى أن قال - ثم استلم الركن اليماني ثم ائت الحجر فاختم به) (1) ومن غيره مما اشتمل على استحباب ما لا يحصل إلا بالطواف على اليسار ولا يخفى عدم استفادة الوجوب لا من التأسي ولا من مثل الصحيح المذكور فالعمدة الاجماع إن تم فالغير المعتني بالاجماعات في المسائل الفقهية يشكل عليه الحكم بالوجوب. وأما لزوم إدخال الحجر في الطواف فلا خلاف فيه ظاهرا وادعي عليه الاجماع وتدل عليه النصوص منها صحيح الحلبي قلت لابي عبد الله عليه السلام (رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر كيف يصنع؟ قال: يعيد الطواف الواحد) (2) ومنها صحيح معاوية المذكور آنفا، ولا فرق في الحكم المذكور بين القول بخروجه من البيت أو دخوله فيه. وأما لزوم السبع فهو مجمع عليه وتدل عليه النصوص منها ما رواه الشيخ - قدس سره - في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ثم تطوف بالبيت سبعة أشواط - الحديث) (3). وأما لزوم كون الطواف بين المقام والبيت فاستدل عليه بخبر حريز عن ابن مسلم قال: (سألته عن حد الطواف بالبيت، الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت قال: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت فكان الحد موضع المقام اليوم فمن جازه فليس بطائف، والحد قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحى البيت كلها فمن طاف متباعدا من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لانه طاف في غير حد ولا طواف له) (4) المنجبر


(1) الكافي ج 4 ص 410 تحت رقم 3، والتهذيب ج 1 ص 477. (2) الفقيه كتاب الحج ب 71 ح 1 والتهذيب ج 1 ص 477، والسرائر ص 466. (3) الكافي ج 4 ص 406 والتهذيب ج 1 ص 476. (4) الكافي ج 4 ص 413، والتهذيب ج 1 ص 477.

[ 495 ]

بعمل الاصحاب، وعن بعض إجزاء الطواف خارج المقام مع الضرورة لصحيح الحلبي سأل الصادق عليه السلام (عن الطواف خلف المقام فقال: ما أحب ذلك وما أرى به بأسا فلا تفعله إلا أن لا تجد منه بدا) (1) ولا يخفى أن هذا الصحيح ظاهره الكراهة مع الاختيار لا الجواز مع الاضطرار، والاصحاب ما عملوا بظاهره نعم عن الصدوق الفتوى به ثم إن مضمون خبر حريز اعتبار المقدار المذكور من جميع الجوانب. وأما لزوم الركعتين في المقام على المشهور، ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن معاوية أو صحيحه (إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم عليه السلام وصل ركعتين واجلعه أماما وأقرء في الاولى منهما سورة التوحيد (قل هو الله أحد) وفي الثانية قل يا أيها الكافرون ثم تشهد واحمد الله واثن عليه و صل على النبي عليه السلام واسأله أن يتقبل منك، وهاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك ان تصليهما في أي الساعات شئت، عند طلوع الشمس وعند غروبها ولا يؤخرهما ساعة تطوف وتفرغ فصلهما) (2). وأما جواز الصلاة حياله مع الزحام فاستدل عليه بخبر الحسين بن عثمان الصحيح في الكافي والضعيف في التهذيب (رأيت أبا الحسن موسى عليه السلام يصلي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريبا من ظلال المسجد) (3) وفي التهذيب (قريبا من الظلال لكثرة الناس) (4). وأما جواز إتيان ركعتي الطواف النافلة في المسجد حيث شاء فتدل عليه النصوص منها قول أحدهما عليهما السلام في خبر زرارة (لا ينبغي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة إلا عند مقام إبراهيم) (5).


(1) الفقيه كتاب الحج ب 72 ح 1. (2) الكافي ج 4 ص 423، والتهذيب ج 1 ص 485. (3) الكافي ج 4 ص 423. (4) المصدر ج 1 ص 486. (5) الكافي ج 4 ص 424، والتهذيب ج 1 ص 485.

[ 496 ]

وأما التطوع فحيث شئت من المسجد ومنها قول الباقر عليه السلام في خبر إسحاق ابن عمار (من طاف بهذا البيت أسبوعا وصلى ركعتين في أي جوانب المسجد شاء كتب الله له ستة آلاف حسنة) (1) بعد تقييده بغير الفريضة { ولو نسيهما رجع فأتى بهما فيه ولو شق صلاهما حيث ذكر، ولو مات قضى عنه الولي، والقران مبطل في الفريضة على الاشهر ومكروه في النافلة، ولو زاد سهوا أكمل اسبوعين وصلى ركعتي الواجب منهما قبل السعي وركعتي الزيادة بعده }. أما وجوب الرجوع والصلاة عند المقام مع عدم المشقة فيدل عليه صحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سئل عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا والمروة، ثم طاف طواف النساء ولم يصل أيضا لذلك الطواف حتى ذكر وهو بالابطح؟ قال: يرجع إلى المقام فيصلي ركعتين) (2) وأما جواز إتيانهما حيث شاء مع المشقة فاستدل عليه بصحيح أبي بصير (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام و قد قال الله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) حتى ارتحل؟ فقال: إن كان ارتحل فإني لا أشق عليه ولا آمره أن يرجع ولكن يصلي حيث يذكر) (3) ولا يخفى أن مقتضى هذا الصحيح اعتبار المشقة النوعية بخلاف قاعدة نفي الحرج، حيث يعتبر هناك المشقة الشخصية وهذا خلاف ظاهر المتن، ويظهر ما ذكرنا من سائر أخبار الباب. وأما قضاء الولي إذا مات ولم يصلهما فيدل عليه صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام (من نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة حتى خرج من مكة فعليه أن يقضي أو يقضي عنه وليه أو رجل من المسلمين) (4).


(1) الكافي ج 4 ص 411 تحت رقم 2. (2) التهذيب ج 1 ص 486 والاستبصار ج 2 ص 234. والكافي ج 4 ص 426. (3) والتهذيب ج 1 ص 486 والاستبصار ج 2 ص 235. (4) التهذيب ج 1 ص 487.

[ 497 ]

وأما إبطال القران بأن يجمع بين أسبوعين في طواف الفريضة بدون فصل الصلاة فقد يستدل عليه بقول الصادق عليه السلام في صحيح زرارة (إنما يكره أن يجمع الرجل بين الاسبوعين والطوافين في الفريضة فأما في النافلة فلا بأس) (1) وفي خبر عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام (إنما يكره القران في الفريضة فأما النافلة فلا والله ما به بأس) (2) بملاحظة كراهة القران في النافلة فالتفرقة بينهما لابد أن تكون بحمل الكراهة في الفريضة على الحرمة، ويمكن أن يقال: من الممكن أن يكون الفرق بشدة الكراهة وخفتها وعلى فرض استفادة الحرمة غاية ما يستفاد حرمة ما به يتحقق القران وهو الاسبوع الثاني دون الاول مع فرض تجدد القصد إلى الاسبوع الثاني بعد الاتيان بالاسبوع الاول إلا أن يقال: يتحقق عنوان الزيادة، ومقتضى النبوي البطلان، بل يمكن أن يقال: القران يتحقق بالاسبوعين. وأما الكراهة في النافلة فللجمع بين ما ذكر والاخبار المطلقة وصرح في بعض الاخبار بعدم القران في الفريضة والنافلة وهو قول أبي جعفر عليه السلام في خبر زرارة المروي في مستطرفات السرائر عن كتاب حريز (ولا قران بين أسبوعين في فريضة ونافلة) (3) ومن الاخبار المطلقة خبر البزنطي (سأل رجل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يطوف الاسباع جمعا فيقرن؟ فقال: لا إلا الاسبوع وركعتان وإنما قرن أبو الحسن عليه السلام لانه كان يطوف مع محمد بن إبراهيم بحال التقية) (4). وأما الاكمال مع الزيادة سهوا فهو المشهور واستدل عليه بما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبي أيوب في الصحيح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل


(1) الفقيه كتاب الحج ب 75 ح 1، والكافي ج 4 ص 418، والتهذيب ج 1 ص 479. والاستبصار ج 2 ص 220. (2) الكافي ج 4 ص 419، والتهذيب ج 1 ص 479 والاستبصار ج 2 ص 220. (3) المصدر ص 472. (4) التهذيب ج 1 ص 479. والاستبصار ج 2 ص 221.

[ 498 ]

طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة؟ قال: فليضم إليها ستا ثم يصلي أربع ركعات) قال: وفي خبر آخر (" إن الفريضة هي الطواف الثاني والركعتان الاوليان لطواف الفريضة والركعتان الاخيرتان والطواف الاول تطوع) (1). وما رواه الشيخ (ره) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (إن في كتاب علي عليه السلام (إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستا وكذا إذا استيقن أنه سعى ثمانية أضاف إليها ستة) (2) والصحيحان المذكوران كغيرهما وإن كان إطلاقهما يشمل صورة العمد إلا أنه قيد بحال السهو حيث أن مقتضى القاعدة بطلان الطواف بالزيادة العمدية، ويدل عليه قول أبي الحسن عليه السلام في خبر عبد الله بن محمد (الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة فإذا زدت عليها فعليك الاعادة، وكذا السعي) (3) و المحكي عن مقنع الصدوق (قده) البطلان في الطواف المفروض لما ذكر ولخبر أبي بصير (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض؟ قال: يعيده حتى يثبته) (4) ومع اعتبار هذين الخبرين بحسب السند يشكل الجمع بينهما وبين أدلة المشهور، وقد يجمع بين الطرفين بحمل ما دل على الاعادة على بطلان الاسبوع الاول بزيادة الشوط الثامن، وصحة الشوط الثامن بانضمام ستة أشواط وتعين الاسبوع الثاني للصحة ووقوعه فرضا أو نفلا، وكون الطائف بالخيار بالنسبة إلى الاسبوع الاول بين إلغائه أو البناء على الصحة والاتيان بركعتيه، وفيه إشكال فإن المعاملة المذكورة في الخبر الاول من الخبرين تقتضي بطلان المزيد والمزيد عليه من دون تخيير للمكلف، وكذا الخبر الثاني يظهر منه إعادة أصل الطواف الواقع ثمانية أشواط فمع الاعتبار بحسب السند كما قيل


(1) الفقيه كتاب الحج ب 72 ح 2. (2) التهذيب ج 1 ص 582. (3) التهذيب ج 1 ص 489 والاستبصار ج 2 ص 217 و 239. (4) الكافي ج 4 ص 417 وفي التهذيب ج 1 ص 478 وفيه (حتى يستتمه).

[ 499 ]

لابد من التخيير أو الترجيح، والمشهور أخذوا بالطائفة الاولى. وأما إيقاء ركعتي الطواف الواجب قبل السعي فيظهر من بعض الاخبار ففي خبر جميل (سأل الصادق عليه السلام عمن طاف ثمانية أشواط وهو يرى أنها سبعة؟ قال: فقال: إن في كتاب علي عليه السلام أنه إذا طاف ثمانية أشواط يضم إليها ستة أشواط ثم يصلي الركعات بعد، قال: وسأل عن الركعات كيف يصليهن أو يجمعهن أو ماذا، قال: يصلي ركعتين للفريضة، ثم يخرج إلى الصفا والمروة فإذا رجع من طوافه بينهما رجع يصلي ركعتين للاسبوع الاخر) (1) ولا يبعد حمل هذا الخبر على الاستحباب لاطلاق سائر الاخبار بالنسبة إلى الركعات. { ويعيد من طاف في ثوب نجس مع العلم، ولا يعيد لو لم يعلم ولو علم في أثناء الطواف أزال وأتم وتصلي ركعتاه في كل وقت ما لم يتضيق وقت حاضرة ولو نقص من طوافه وقد تجاوز النصف أتم، ولو رجع إلى أهله استناب ولو كان دون ذلك استأنف، وكذا من قطع الطواف لحدث أو لحاجة }. أما اعادة الطواف مع العلم فهي مقتضى الشرطية وقد سبق دليلها ومقتضى النبوي (الطواف بالبيت صلاة) البطلان حتى مع النسيان فما يقال من عدم البطلان مع النسيان تمسكا بحديث الرفع مشكل إلا أن يستشكل في شمول النبوي لمثل هذا الحكم. وأما عدم الاعادة مع عدم العلم فلعدم الدليل على الشرطية حتي مع الجهل بالنجاسة وثبوت الصحة في الصلاة، والطواف مثلها بمقتضى النبوي، ومرسل البزنطى عن الصادق عليه السلام (رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه فقال: أجزأه الطواف فيه ثم ينزعه ويصلي في ثوب طاهر) (2) وأما الازالة مع العلم في الاثناء والبناء على ما أتى به من الاشواط فلخبر يونس بن يعقوب (سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطواف؟ قال: ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثم يخرج فيغسله ثم يعود فيتم


(1) السرائر ص 466. (2) التهذيب ج 1 ص 482.

[ 500 ]

طوافه) (1) وقد يؤيد بخبر حبيب بن مظاهر قال: (ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطا واحدا فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه فخرجت فغسلت ثم جئت فابتدأت الطواف فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: بئس ما صنعت كان ينبغي لك أن تبني على ما طفت، ثم قال: أما إنه ليس عليك شئ) (2) وفيه نظر لعدم القطع بالملاك ولا إطلاق لخبر يونس يشمل صورة النسيان حتى يحكم بالصحة على خلاف الصلاة، ثم إنه لا يبعد شمول الخبر الاول بإطلاقه ما لو علم بعد تجاوز النصف وما لو علم قبله كما لا فرق فيه بين ما لو توقف الازالة على قطع الطواف أو لم يتوقف فيقع التعارض بينه وبين ما دل على أن قطع الطواف قبل إكمال أربعة أشواط يوجب الاستيناف. وقد يقال: إن الخبرين متعرضان لعدم قدح تخلل إزالة النجاسة أو نزع الثوب النجس أو نحو ذلك على حسب ما هو متعارف أما إذا احتيج إلى حال ينقطع به الطواف فحكمه ما تسمعه وفيه نظر فإن المدار في المسألة الاتية على عدم الخروج عن المطاف وعدم الفصل المفوت للموالات ومع الخروج أو الفصل يفصل بين إكمال أربعة أشواط وعدمه وكيف يتيسر لمزيل النجاسة بالغسل عدم الخروج عن المطاف وعدم الفصل مع أن خبر يونس صريح في الخروج إما عن المطاف أو عن المسجد. وبالجملة لا مجال لجعل الحكم في المقام من الاحكام الحيثية والاخذ بإطلاق الحكم المذكور في المسألة الاتية بل إن كان الخبر الثاني مدركا للحكم كان مقتضى ترك الاستفصال عدم الفرق وقد عرفت سابقا أقوائيته من الاطلاق فمع عدم الترجيح لابد من الاحتياط في صورة عدم إكمال أربعة أشواط من الجمع بين إكمال ما نقص والاستيناف على نحو لا يحصل زيادة على تقدير كون الواجب هو البناء والاتمام. وأما جواز الصلاة في كل وقت ولو في الاوقات التي تكره لابتداء النوافل فلاطلاق الادلة وقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار أو حسنه قال: (قال


(1) التهذيب ج 1 ص 482. (2) الفقيه كتاب الحج ب 69 ح 6.

[ 501 ]

أبو عبد الله عليه السلام: إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم عليه السلام فصل ركعتين - إلى أن قال: وهاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لكل أن تصليهما في أي الساعات شئت عند طلوع الشمس وعند غروبها ولا تؤخرهما ساعة تطوف وتفرغ فصلهما) (1) وقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في صحيح زرارة (أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة صلاة فاتتك متى ذكرتها أديتها وصلاة ركعتي طواف الفريضة وصلاة الكسوف والصلاة على الميت) (2) فما في صحيح ابن مسلم (سألت أبا جعفر عليهما السلام عن ركعتي طواف الفريضة فقال: وقتها إذا فرغت من طوافك واكرهه عند اصفرار الشمس وعند طلوعها) (3) محمول على التقية فلا ينافيه ما في الموثق كالصحيح (ما رأيت الناس أخذوا عن الحسن والحسين عليهما السلام إلا الصلاة بعد العصر وبعد الغداة في طواف الفريضة) (4) لظهوره في موافقة العامة لما في هذه المسألة اقتداء بهما عليهما السلام لامكان الفرق بين فعلهم وفعلنا المحمول عندهم على الجواز مطلقا بأن يكون أخذهم بقول الامامين عليهما السلام في أصل الجواز المجتمع مع الكراهة وبناؤهم على الكراهة فما دل على الكراهة يكون موافقا لنظرهم، هكذا يمكن أن يوجه ويشكل بأن بناء الشيخ (قده) وغيره على الكراهة في ركعتي طواف التطوع في الوقتين وذكر في وجه الكراهة صحيح ابن بزيع سألت الرضا عليه السلام عن صلاة التطوع بعد العصر فقال: لا، فذكرت له قول بعض آبائه عليهم السلام (إن الناس لم يأخذوا عن الحسن والحسين عليهما السلام إلا الصلاة بعد العصر بمكة) فقال: نعم ولكن إذا رأيت الناس يقبلون على شئ فاجتنبه، فقلت، إن هؤلاء يفعلون فقال: لستم مثلهم) (5) فإن ظاهر هذا الصحيح إقبال العامة على فعل ركعتي الطواف بعد العصر. وهذا لا يجتمع مع البناء على الكراهة وظاهر المتن عدم الكراهة مطلقا.


(1) الكافي ج 4 ص 423. والتهذيب ج 1 ص 485. (2) الكافي ج 4 ص 288 باب الصلاة التى تصلى في كل وقت. (3) التهذيب ج 1 ص 486، والاستبصار ج 2 ص 236. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 487، والاستبصار ج 2 ص 237.

[ 502 ]

وأما مع تضيق وقت الحاضرة بحيث تفوت فلا ينبغي الاشكال في تقديمها على ركعتي الطواف لعدم فواتهما بالتأخير وإن قيل بإشعار بعض الاخبار فوريتهما. وأما إتمام ما نقص من الطواف مع تجاوز النصف فاستدل عليه بأخبار منها خبر إبراهيم بن أبي إسحاق (عمن سأل أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة طافت بالبيت أربعة أشواط وهي معتمرة، ثم طمثت؟ قال: تتم طوافها فليس عليها غيره ومتعتها تامة فلها أن تطوف بين الصفا والمرة وذلك لانها زادت على النصف وقد مضت متعتها ولتستأنف بعد الحج) (1) وهذا الخبر وأن كانت مخصوصة بالحائض لكنه يؤخذ بعموم العلة فيه وبهذا يجاب عما استشكل به من أن أخبار الباب بعضها متعرض لمن طاف ستة أشواط وانصرف منها صحيح حسن بن عطية (سأله سليمان بن خالد وأنا معه عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط فقال أبو عبد الله عليه السلام: وكيف طاف ستة أشواط؟ قال: استقبل الحجر وقال: الله أكبر وعقد واحدا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يطوف شوطا، فقال سليمان: فإن فاته ذلك حتى أتى أهله؟ قال: يأمر من يطوف عنه) (2). ومنها صحيح الحلبي عنه أيضا قلت: (رجل طاف بالبيت واختصر شوطا واحدا في الحجر قال: يعيد ذلك الشوط) (3) وبعضها ساكت عن التفصيل المذكور وهو ما رواه المشايخ الثلاثة - قدس أسرارهم - في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل طاف بالبيت ثم خرج إلى الصفا فطاف بين الصفا والمروة فبينما هو يطوف إذ ذكر أنه ترك بعض طوافه بالبيت قال: يرجع إلى البيت فيتم طوافه ثم يرجع إلى الصفا والمروة فيتم


(1) الفقيه كتاب الحج ب 62 ح 15. واللفظ له. وفي التهذيب ج 1 ص 559. بادنى اختلاف. (2) التهذيب ج 1 ص 477، والكافي ج 4 ص 418. (3) التهذيب ج 1 ص 477. والسرائر ص 466.

[ 503 ]

ما بقي) (1) قلت: لا يبعد الاخذ بهذا الصحيح وتقييده بما لو تجاوز النصف. وأما حملة على صورة ترك شوط واحد فلا أعرف له وجها؟ ثم لا يخفى أنه مع ملاحظة التعليل المذكور لابد من دوران الامر مدار تجاوز النصف وإن لم يكمل أربعة أشواط فيشكل تفسير تجاوز النصف بإكمال أربعة أشواط والرواية المذكورة أعني رواية إبراهيم بن أبي إسحاق نقل في الصحيح عن سعيد الاعرج و زاد في الفقيه بعد أن رواه مرسلا وهي (إن لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج فإن أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر) (2) وأما جواز الاستنابة فقد ظهر من صحيح حسن بن عطية كما أنه ظهر لزوم الاستيناف مع عدم تجاوز النصف. وأما صورة القطع لحدث أو حاجة ففيها التفصيل المذكور ويدل عليه في الاول قول أحدهما عليهما السلام في مرسل ابن أبي عمير وجميل المنجبر (في الرجل يحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه أنه يخرج ويتوضأ فإن كان جاوز النصف بنى على طوافه وإن كان أقل من النصف أعاد الطواف) (3) وقول الرضا عليه السلام لاحمد ابن عمر الحلال (إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو الصفا والمروة و جاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله) (4) وفي الثاني لا دليل على التفصيل المذكور بل الاخبار فيه مختلفة، فمنها صحيح أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام (في رجل طاف شوطا أو شوطين ثم خرج مع رجل في حاجة قال: إن كان طواف نافلة بنى عليه وإن كان طواف فريضة لم يبن) (5).


(1) الكافي ج 4 ص 418. والتهذيب ج 1 ص 478، والفقيه كتاب الحج ب 70 ح 1. (2) تقدم سابقا عن الفقيه ب 62 ح 15. (3) الكافي ج 4 ص 414، والتهذيب ج 1 ص 480. (4) الكافي ج 4 ص 449. (5) التهذيب ج 1 ص 480 والاستبصار ج 2 ص 223.

[ 504 ]

ومنها خبره أيضا قال: (كنت مع أبي عبد الله عليه السلام في الطواف فجاء رجل من إخواني فسألني أن أمشي معه في حاجة ففطن بي أبو عبد الله عليه السلام فقال: يا أبان من هذا الرجل؟ قلت: رجل من مواليك سألني أن أذهب معه في حاجة فقال: يا أبان اقطع طوافك وانطلق معه في حاجته فاقضها له، فقلت: إنى لم أتم طوافي قال: احص ما طفت وانطلق معه في حاجته فقلت: وإن كان طواف فريضة؟ فقال: نعم وإن كان طواف فريضة) (1) وهذا الخبر وإن اقتضى إطلاقه جواز البناء ولو لم يتجاوز النصف لكنه مقتضى التعليل المذكور في صحيح سعيد الاعرج التقييد بصورة التجاوز عن النصف. ولقائل أن يقول: غاية ما يستفاد من التعليل المذكور أن تجاوز النصف يوجب البناء وعدم الاستيناف ولا مانع من أن يكون شئ آخر ولو الخروج لحاجة أخيه موجبا لجواز البناء وعدم الاستيناف أخذا بإطلاق أخبار الباب، غاية الامر خروج ما لو أتى بشوط أو شوطين وليس دليل البناء منحصرا بالخبر المذكور، فقد روي ابن بابويه في الصحيح عن صفوان الجمال قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يأتي أخاه وهو في الطواف فقال: يخرج معه في حاجته ثم يرجع ويبني على طوافه) (2) وما يقال: من أنه بعد التقييد يلحق ما زاد على الشوطين إلى النصف لعدم قائل بالفرق، لا نسلم لعدم تحقق إجماع على عدم الفرق وعدم القول بالفصل غير القول بعدم الفصل. { ولو قطعه لصلاة فريضة حاضرة صلى ثم أتم طوافه ولو كان دون الاربع وكذا للوتر ولو دخل في السعي فذكر أنه لم يطف استأنف الطواف ثم استأنف السعي، ولو ذكر أنه طاف ولم يتم قطع السعي وأم الطواف ثم أتم السعي } أما القطع لصلاة فريضة حاضرة أو الوتر والبناء فيدل عليه أخبار منها صحيحة عبد الله بن سنان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كان في طواف النساء فأقيمت الصلاة قال: يصلى الفريضة معهم فإذا فرغ بنى من حيث قطع) (3) ومنها حسنة هشام


(1) التهذيب ج 1 ص 481. (2) الفقيه ب 69 ح 7. (3) الكافي ج 4 ص 415، والتهذيب ج 1 ص 481.

[ 505 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (إنه قال في رجل كان في طواف الفريضة فأدركته صلاة فريضة قال: يقطع الطواف ويصلي الفريضة ثم يعود فيتم ما بقي عليه من طوافه) (1). ومنها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يكون في الطواف قد طاف بعضه وبقي عليه بعضه فطلع الفجر فيخرج من الطواف إلى الحجر أو إلى بعض المسجد إذا كان يوتر فيوتر، ثم يرجع إلى مكانه فيتم طوافه أفترى ذلك أفضل أم يتم طوافه ثم يوتر وإن أسفر بعض الاسفار قال: ابدء بالوتر واقطع الطواف إذا خفت ذلك ثم أتم الطواف بعد) (2). وهذه الاخبار مطلقة في جواز القطع والبناء سواء كان قبل النصف أو بعده، والخبران الاولان صريحان في خصوص طواف الفريضة والاخير مطلق إلا أن يقال: مقتضى النبوي (الطواف بالبيت صلاة) اعتبار الموالاة فيه فلا يرفع اليد إلا بالدليل (3) والدليل دل في خصوص طواف النساء فلا وجه للتعدي إلى غيره بل مع قطع النظر عن النبوي لو لم تكن الموالاة معتبرة لما أمر بالاستيناف في القطع لطواف الفريضة مع عدم تجاوز النصف في بعض الموارد ولما علل جواز البناء بتجاوز النصف فإذا استفيد مما ذكر لزوم الموالاة ما لم يتجاوز النصف فتقع المعارضة بين هذه القاعدة وبين إطلاق صحيحة عبد الرحمن المذكورة فدار الامر بين تخصيص القاعدة والاخذ بإطلاق الصحيحة أو الاخذ بالقاعدة وتقييد المطلق بطواف النافلة، و بما ذكر ظهر التأمل في ما قلنا في الخروج لحاجة أخيه من الاخذ بإطلاق الاخبار فتأمل جيدا وأما لو دخل في السعي فذكر أنه لم يطف، فيدل على وجوب الطواف و استيناف السعي موثق إسحاق بن عمار (سأل الصادق عليه السلام عن رجل طاف بالبيت ثم خرج إلى الصفا فطاف به ثم ذكر أنه قد بقي عليه من طوافه شئ فأمره أن يرجع إلى البيت ليتم ما بقي من طوافه ثم يرجع إلى الصفا فيتم ما بقي، قال: فانه طاف بالصفا وترك البيت؟ قال: يرجع إلى البيت فيطوف به ثم يستقبل طواف


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 415 والتهذيب ج 1 ص 481. (3) ويمكن أن يقال بعد كون النبوى أعم مطلقا يتعين الاخذ باطلاق الصحيحة، نعم لا مجال للتعدى إلى غير فعل الوتر فتكون هذه الصورة الطواف أربعة أشواط أو النصف (منه رحمه الله).

[ 506 ]

الصفا قال: فما الفرق بين هذين فقال عليه السلام: لانه دخل في شئ من الطواف و هذا لم يدخل في شئ منه) (1) وقد ظهر منه وجه الحكم الاخر. { ومندوبها الوقوف عند الحجر والدعاء واستلامه وتقبيله، فإن لم يقدر أشار بيده، ولو كانت مقطوعة فموضع القطع، ولو لم يكن له يد أشار برأسه، و أن يقتصد في مشيه ويذكر الله سبحانه في طوافه، ويلتزم المستجار وهو بحذاء الباب من وراء الكعبة، ويبسط يديه وخده على حائطه ويلصق بطنه به ويذكر ذنوبه، ولو جاوز المستجار رجع والتزم، وكذا يستلم الاركان وآكدها ركن الحجر واليماني }. ويدل على ما ذكر ما رواه الشيخ (ره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا دنوت من الحجر الاسود فارفع يديك واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله واسأل الله أن يتقبل منك ثم استلم الحجر و قبله فإن لم تستطع أن تقبله فاستلمه بيدك فإن لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر إليه وقل (اللهم أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت واللات والعزى وعبادة الشيطان وعبادة كل ند يدعى من دون الله) فإن لم تستطع أن تقول هذا فبعضه وقل (اللهم إليك بسطت يدي وفيما عندك عظمت رغبتي فاقبل سيحتي واغفر لي وارحمني، اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الخزي في الدنيا والاخرة) (2). وأما استحباب الاقتصاد في المشي فلخبر عبد الرحمن بن سيابة (سأل أبا - عبد الله عليه السلام فقال: أسرع وأكثر أو أمشي وأبطئ قال: امش بين المشيين) (3).


(1) الفقيه كتاب الحج ب 77 ح 1. (2) التهذيب ج 1 ص 475، وفي الكافي ج 4 ص 402. السيحة والسياحة: الذهاب في الارض للعبادة. (3) الكافي ج 4 ص 413، والتهذيب ج 1 ص 477.

[ 507 ]

وأما الدكر في طوافه فيدل عليه ما في صحيح معاوية (طف بالبيت سبعة أشواط وتقول في الطواف (اللهم إنى أسألك باسمك الذي يمشى به على طلل الماء كما يمشى به على جدد الارض، وأسألك باسمك الذي يهتز له عرشك، وأسألك باسمك الذي تهتز له أقدام ملائكتك، وأسألك باسمك الذي دعاك به موسى من جانب الطور فاستجبت له وألقيت عليه محبة منك، وأسألك باسمك الذى غفرت به لمحمد صلى الله عليه وآله ما تقدم من ذنبه، وما تأخر وأتممت عليه نعمتك أن تفعل بي - كذا و كذا -) وكلما انتهيت إلى باب الكعبة فصل على النبي صلى الله عليه وآله وتقول فيما بين الركن اليماني والحجر الاسود (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار) وقل في الطواف (اللهم إني إليك فقير وإنى خائف مستجير فلا تغير جسمي ولا تبدل اسمي) (1). وأما استحباب التزام المستجار فيدل عليه قول الصادق عليه السلام في خبر معاوية (ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط - إلى أن قال - فإذا انتهيت إلى مؤخر الكعبة و هو المستجار دون الركن اليماني بقليل في الشوط السابع فابسط يديك على الارض والصق خدك وبطنك بالبيت، ثم قل (اللهم البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مكان العائذ بك من النار) ثم أقر لربك بما عملت من الذنوب فإنه ليس عبد مؤمن يقر لربه بذنوبه في هذا المكان إلا غفر له إن شاء الله تعالى، فإن أبا عبد الله عليه السلام قال لغلمانه: أميطوا عني حتى أقر لربي بما عملت، وتقول: (اللهم من قبلك الروح والفرج والعافية، اللهم إن عملي ضعيف فضاعفه لي واغفر لي ما اطلعت عليه منى وخفي على خلقك) وتستجير من النار، وتتخير لنفسك من الدعاء، ثم استقبل الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الاسود واختم به فإن لم تستطع فلا يضرك وتقول (اللهم متعني [ قنعني - خ ل ] بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني) (2).


(1) الكافي ج 4 ص 406، والتهذيب ج 1 ص 476. (2) التهذيب ج 1 ص 476. واللفظ له، وفي الكافي ج 4 ص 411 مثله.

[ 508 ]

وأما الرجوع للالتزام فلعله لاطلاق بعض النصوص وعدم زيادة الطواف به بعد عدم نيته بما بعد ذلك إلى موضوع الرجوع. وأما استحباب استلام الاركان فلصحيح جميل (رأيت أبا عبد الله عليه السلام يستلم الاركان كلها) (1). وأما آكدية الركن اليماني والذي فيه الحجر فلقول الصادق عليه السلام في صحيج جميل (كنت أطوف بالبيت فإذا رجل يقول: ما بال هذين الركنين يستلمان ولا يستلم هذان؟ فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله استلم هذين ولم يتعرض لهذين فلا تعرض لهما إذا لم يتعرض لهما رسول الله صلى الله عليه وآله قال جميل: ورأيت أبا عبد الله عليه السلام يستلم الاركان كلها) (2). { ويتطوع بثلاث مائة وستين طوافا فإن لم يتمكن جعل العدة أشواطا ويقرء في كل ركعتي الطواف بالحمد والصمد في الاولى وبالحمد والجحد في الثانية، ويكره الكلام فيه بغير الدعاء والقراءة }. يدل عليه صيحح ابن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (يستحب أن يطوف ثلاثمائة وستين أسبوعا على عدد أيام السنة فإن لم يستطع فثلاثمائة وستين شوطا، فإن لم يستطع فما قدرت عليه من الطواف) (3). وأما استحباب قراءة السورتين فلقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم فصل ركعتين واجعله أماما واقرء في الاولى منهما سورة التوحيد قل هو الله أحد، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون - الحديث) (4). وأما كراهة الكلام فلخبر محمد بن فضيل عن الجواد عليه السلام (طواف الفريضة لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بالدعاء وذكر الله وتلاوة القرآن قال: والنافلة يلقى الرجل أخاه فيسلم عليه ويحدثه بالشئ من أمر الدنيا والاخرة لا بأس به) (5).


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 408، والتهذيب ج 1 ص 476، والاستبصار ج 2 ص 217. (3) الكافي ج 4 ص 429، والفقيه كتاب الحج ب 80 ح 6. (4) الكافي ج 4 ص 423، والتهذيب ج 1 ص 485 و 476. (5) التهذيب ج 1 ص 483 والاستبصار ج 2 ص 227.

[ 509 ]

والرواية مخصوصة بالفريضة وقد يدعى إمكان القطع بمساواة النافلة في أصل الكراهة وإن كانت أخف. { وأما أحكامه فثمانية الاول الطواف ركن فلو تركه عامدا بطل حجه ولو كان ناسيا أتى به ولو تعذر العود استناب فيه وفي رواية إن كان على وجه جهالة أعاده وعليه بدنة }. استدل للبطلان مع التعمد بقاعدة انتفاء المركب بانتفاء جزئه وبفحوى صحيح ابن يقطين (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة قال: إن كان على وجه جهالة في الحج أعاد وعليه بدنة) (1) وخبر علي ابن أبي حمزة (سأل عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتى يرجع إلى أهله قال: إن كان على وجه جهالة أعاد الحج وعليه بدنة) (2). واستشكل في البطلان في صورة الجهل من جهة عموم نفي الشئ عن الجاهل ورفع القلم مطلقا أو في خصوص الحج وأجيب بإرادة العقاب لا القضاء الاعادة وعلى تقدير التسليم فهو مخصوص من جهة الخبرين، ويمكن أن يقال أما اختصاص حديث الرفع بخصوص العقاب والمؤاخذة فمنوع بل يستظهر رفع الجزئية والشرطية كما بين في الاصول، وأما التخصيص من جهة الخبرين فلا يبعد أن يقال النسبة عموم من وجه لانصراف حديث الرفع عن صورة التقصير لكون المقصر معاقبا كما دل عليه بعض الاخبار والجهالة في الخبرين يشمل صورة التقصير والقصور بعدم الالتفات إلى الحكم أصلا ففي صورة الجهل القصوري يقع التعارض لو لم يكن وجوب البدنة شاهدا على كون الجهل عن تقصير وعليه فعموم حديث الرفع محكم (3) ويقدم على قاعدة انتفاء المركب بانتفاء جزئه بقي الكلام فيما يتحقق به الترك والظاهر أنه تركه طول ذي الحجة سواء كان التأخير مكروها أو محرما للحكم بصحة


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 483 والاستبصار ج 2 ص 228. (3) ويمكن أن يقال: لا اشكال في أنه لا مجال في الديون التمسك بحديث الرفع، والحج إذا كان دينا أو بمنزلة الدين كيف يتمسك فيه بحديث الرفع ولو كان الجهل من جهة التصور. (منه قدس سره)

[ 510 ]

الطواف مع التأخير ولو كان اثما لكن هذا في ترك طواف الحج. وأما ترك طواف العمرة المتمتع بها فقيل بتركه إلى ضيق الوقت وقت الوقوف بعرفة وفي العمرة بالمفردة المجردة إلى تمام العمر بل وكذا المجامعة لحج الافراد والقران بناء على عدم وجوبها في سنتهما وإلا فالمدار على تركها في تلك السنة و تعميم الكلام بالنسبة إلى طواف العمرة إن كان بالنظر إلى قاعدة انتفاء المركب بانتفاء جزئة فله وجه إن لم يستفد من حديث الرفع في صورة الجهل قصورا نفي الجزئية، وإن كان بالنظر إلى الخبرين فيشكل شمولهما لطواف العمرة كما أنه على الاول تبطل العمرة لا الحج، ثم الظاهر خروج طواف النساء، عن ذلك لعدم الخلاف ظاهرا وخروجه عن حقيقة الحج بمقتضى بعض الاخبار قال الصادق عليه السلام في صحيج الحلبي (وعليه - يعني المفرد - طواف بالبيت وصلاة ركعتين خلف المقام وسعي واحد بين الصفا والمروة وطواف بالبيت بعد الحج) (1) ونحوه صحيح معاوية في القارن، ويدل عليه صحيج الخزاز قال: (كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل فقال: أصلحك الله إن معنا امرأة حائضا ولم تطف طواف النساء ويأبى الجمال أن يقيم عليها قال: فأطرق وهو يقول: لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها ولا يقيم عليها جمالها ثم رفع رأسه إليه فقال: تمضى فقد تم حجها) (2) وفي استفادة عدم المدخلية مما ذكر تأمل لاختصاص الصحيح الاخير بحال الاضطرار والاولان لا يستفاد منهما عدم المدخلية فإن تم إلاجماع فهو وإلا فحال طواف النساء حال غيره من طواف الفريضة لاحتمال المدخلية، وإن كان خارجا كما في الشرائط المتأخرة وعموم صحيح علي بن يقطين وخبر ابن أبي حمزة يشمل طواف النساء إلا أن يقال: هما ظاهران في ترك طواف الفريضة بالمرة نظير النكرة في سياق النفي لكن لازم هذا عدم شمول الخبرين لما لو طاف طواف النساء ولم يطف طواف الزيارة لعدم صدق ترك طواف الفريضة بالمرة.


(1) التهذيب ج 1 ص 458. (2) الكافي ج 4 ص 451، والفقيه كتاب الحج ب 67 ح 2

[ 511 ]

وأما صورة نسيان الطواف فالمعروف صحة الحج وقضائه متى تذكر ومع التعذر يستنيب أحدا يطوف عنه ويدل عليه صحيح هشام بن سالم (سأل الصادق عليه السلام عمن نسي طواف زيارة البيت حتى يرجع إلى أهله فقال: لا يضره إذا كان قد قضى مناسكه) (1) وصحيح علي بن جعفر عن أخيه عن موسى عليهما السلام (سأله عن رجل نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده وواقع النساء كيف يصنع قال: يبعث بهدي، إن كان تركه في حج يبعث به في حج، وإن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة، ويوكل من يطوف عنه ما تركه من طواف الحج) (2) والصحيح الاول دال على صحة الحج وساكت عن قضاء الطواف بنفسه أو بالاستنابة والثاني متعرض للقضاء لكن قضاء طواف الحج لا العمرة وأيضا مقتضاه جواز الاستنابة حتى مع التمكن من العود فالتقييد بالتعذر مشكل مع الاطلاق. { الثاني من شك في عدده بعد الانصراف فلا إعادة عليه ولو كان في أثنائه وكان بين السبعة وما زاد قطع ولا إعادة ولو كان في النقيصة أعاد في الفريضة و بنى على الاقل في النافلة ولو تجاوز الحجر في الثامن وذكر قبل بلوغ الركن قطع ولم يعد }. أما صورة الشك بعد الانصراف فعدم الالتفات مقتضى القاعدة لانه شك بعد التجاوز واستدل أيضا بصحيح ابن حازم (سأل الصادق عليه السلام عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة قال: فليعد طوافه، قال: ففاته؟ قال: ما أرى عليه شيئا والاعادة أحب إلي وأفضل) (3) ونحوه غيره وفي بعضها (إلاعادة أحب إلي وأفضل) ويمكن أن يقال: أما قاعدة التجاوز فالتمسك به موقوف على تجاوز المكلف عن المحل الشرعي للشئ فمع جواز انصراف الطائف بعد تجاوز النصف لمثل قضاء حاجة أخيه والرجوع والبناء على طوافه ما مضى المحل


(1) الفقيه كتاب الحج ب 66 ح 5. (2) التهذيب ج 1 ص 483، والاستبصار ج 2 ص 228. (2) الكافي ج 4 ص 416.

[ 512 ]

الشرعي، وأما التمسك بالصحيح المذكور فمبني على طرو الشك بعد الفوت ولا ظهور له فيه والاجماع على الالتفات مع طرو الشك مع عدم الانصراف لا يوجب ظهور الصحيح فيما ذكر، غاية الامر يكون الاجماع موجبا لعدم الاخذ بظاهره فلا يبقى إلا القاعدة، والاخذ بها في جميع موارد الانصراف لا يخلو عن الاشكال. وأما لو كان في أثنائه وكان بين السبعة وما زاد فاستدل على الاخذ بالسبعة وعدم الاعتناء باحتمال الزيادة بصحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية قال: أما السبعة فقد استيقن و إنما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين) (1) ولو كان في النقيصة استأنف في الفريضة للاخبار المستفيضة منها صحيح منصور بن حازم السابق ومنها خبر أبي بصير (سأل الصادق عليه السلام عن رجل شك في طواف الفريضة قال، يعيد كلما شك) (2) ومنها خبره الاخر (قال: قلت له: رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة أم ثمانية؟ قال: يعيد طواف حتى يحفظه) (3) ومنها قول الصادق عليه السلام في الموثق لحنان بن سدير (فمن طاف فأوهم فقال: طفت أربعة أو طفت ثلاثة إن كان طواف فريضة فليلق ما في يديه وليستأنف، وإن كان طواف نافلة فاستيقن ثلاثة وهو في شك من الرابع أنه طاف فليبن على الثلاثة فإنه يجوز له) (4) و قد عرفت الاشكال في الاخذ بظاهر صحيح ابن حازم لكن في سائر الاخبار كفاية. وفي قبالها أخبار أخر ربما يظهر منها عدم وجوب الاستيناف ويشكل العمل بها مع إعراض الاصحاب عن العمل بها فلابد من رد علمها إلى أهله، وظهر من هذا المؤثق البناء على الاقل في طواف النافلة. وأما القطع مع التجاوز فهو المشهور لخبر أبي كهمس المنجبر بالعمل (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي فطاف ثمانية أشواط؟ قال: إن كان ذكر قبل أن


(1) التهذيب ج 1 ص 479، والاستبصار ج 2 ص 220. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 417 والتهذيب ج 1 ص 479. (4) الكافي ج 4 ص 417، والتهذيب ج 1 ص 478.

[ 513 ]

يأتي الركن فليقطعه وقد أجزاه عنه، وإن لم يذكر حتى بلغه فليتم أربعة عشر شوطا، ثم ليصل أربع ركعات) (1) وفي قباله خبر عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام (سمعته يقول: من طاف بالبيت فوهم حتى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطا، ثم ليصل ركعتين) (2) وحكي صحته سندا وقد حمل على إرادة إتمام الشوط ولا يخفى بعده لكنه لم يعمل به المشهور فيرد علمه إلى أهله. { الثالث: لو ذكر أنه لم يتطهر أعاد طواف الفريضة وصلاته ولا يعيد طواف النافلة ويعيد صلاته استحبابا ولو نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله وواقع عاد وأتى به، ومع التعذر يستنيب فيه، وفي الكفارة تردد أشبههه أنها لا تجب إلا مع الذكر. ولو نسي طواف النساء استناب، ولو مات قضاه الولي عنه }. قد سبق اشتراط الطهارة في طواف الفريضة وأما الصلاة فواضح اشتراط الطهارة فيها فإن كان الطواف واجبا يعيدها وصلاتها مع الطهارة وإن كان الطواف ندبا فلا يعيد الطواف بناء على عدم اشتراطه بالطهارة ويعيد صلاته ندبا مع الطهارة. وأما صورة نسيان الطواف (3) والرجوع إلى الاهل فقد سبق لزوم الرجوع والاتيان بالطواف والاستنابة مع التعذر وإن كان الاظهر بحسب الاخبار جواز الاستنابة حتى مع عدم التعذر. وأما الكفارة فقيل بوجوبها البدنة لحسن معاوية بن عمار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن متمتع وقع على أهله ولم يزر البيت قال: ينحر جزورا وقد خشيت أن يكون ثلم حجه إن كان عالما وإن كان جاهلا فلا بأس عليه) (4) بأن يقال يشمل صورة النسيان ويكون قوله عليه السلام (إن كان عالما) قيدا لقوله: (وقد خشيت الخ).


(1) التهذيب ج 1 ص 478 والاستبصار ج 2 ص 219 (2) التهذيب ج 1 ص 478، والاستبصار ج 2 ص 218. (3) والمراد من طواف الزيارة طواف الحج. (4) التهذيب ج 1 ص 539 والكافي ج 1 ص 378.

[ 514 ]

وصحيح علي بن جعفر الدال على مساواة الحج والعمرة في ذلك (1) و صحيح العيص (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع أهله حين ضحى قبل أن يزور البيت؟ قال يهريق دما) (2) وفي استفادة الوجوب مما ذكر نظر لاحتمال أن يكون قوله عليه السلام (إن كان عالما شرطا) لمجموع قوله: (ينحر - الخ) نظير ما يقال في الاستثناء عقيب الجمل المتعددة من احتمال رجوع الاستثناء إلى مجموع الجمل فلا يبقى لما سوى الجملة الاخيرة عموم أو إطلاق ولا أقل من الاجمال. وأما صحيح العيص فمورد السؤال فيه غير محل كلامنا للفرق بين وقوع الوقاع قبل الزيارة عالما أو جاهلا أو ناسيا، وبين نسيان الطواف ووقوع المباشرة من جهة نسيان الطواف، والعمدة عدم الدليل على وجوب الكفارة. وأما الاستدلال بما دل على عدم الكفارة مع الاتيان بالمحرمات على المحرم إذا كان خطاء إلا في الصيد فلا يفي بالمراد للفرق بين إرتكاب محرم خطاء وبين ارتكابه عامدا مبنيا على نسيان واجب لا يجوز ارتكاب ذلك قبل الاتيان به، وأما مع التذكر فتجب الكفارة بحسب الرواية المذكورة. وأما جواز الاستنابة إذا نسي طواف النساء فلصحيح الحلبي المروي عن المستطرفات (سأل الصادق عليه السلام عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله قال: يرسل فيطاف عنه) (3) ونحوه صحيح معاوية بن عمار أو حسنه (سأله أيضا عن ذلك فقال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت وقال: يأمر من يقضي عنه إن لم يحج فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليه) (4) أو غيره. { الرابع: من طاف فالافضل له تعجيل السعي، ولا يجوز تأخيره إلى غده. الخامس: لا يجوز للمتمتع تقديم طواف حجه وسعيه على الوقوف وقضاء المناسك


(1) تقدم في ص 511 رقم 2. (2) التهذيب ج 1 ص 539، والكافي ج 4 ص 379. (3) المصدر ص 466. (4) التهذيب ج 1 ص 519.

[ 515 ]

إلا لمرأة تخاف الحيض أو مريض أو هم (1) وفي جواز تقديم النساء مع الضرورة روايتان أشهرهما الجواز }. أما أفضلية التعجيل فلم نعثر على دليل بالخصوص عليها ولعل النظر إلى الامر بالمسابقة والمسارعة إلى الخيرات. وأما جواز التأخير في الجملة لا إلى الغد فيدل عليه صحيح ابن مسلم (سأل أحدهما عليهما السلام عن رجل طاف بالبيت فأعيى أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة قال: نعم) (2). وأما عدم جواز التأخير إلى الغد فيدل عليه صحيح العلاء بن رزين سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيى يؤخر الطواف بين الصفا والمروة إلى غد، قال: لا) (3) وأما عدم جواز تقديم طواف الحج وسعيه للمتمتع على الوقوف فادعي عليه الاجماع ويدل عليه خبر أبي بصير المنجبر بالعمل (قلت: رجل كان متمتعا فأهل بالحج قال: لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات فإن هو طاف قبل أن يأتي منى من غير علة فلا يعتد بذلك الطواف) (4) وفي قباله صحيح ابن يقطين (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل المتمتع يهل بالحج ثم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى قال: لا بأس به) (5) وصحيج حفص بن البختري عنه أيضا (في تعجيل الطواف قبل الخروج إلى منى فقال: هما سواء أخر ذلك أو قدمه) (6). يعنى للمتمتع وغيره، واجيب بتقييدهما بمورد الاستثناء ولا يخلو من بعد فالعمدة عدم أخذ الاصحاب بإطلاقهما وإلا كان مقتضي الجمع العرفي حمل خبر أبي بصير


(1) الهم - بكسر الهاء: الشيخ الفاني. (2) التهذيب ج 1 ص 483. والاستبصار ج 2 ص 229. (3) الكافي ج 4 ص 422. والتهذيب ج 1 ص 483. (4) الكافي ج 4 ص 458، والتهذيب ج 1 ص 484 والاستبصار ج 2 ص 329. (5) التهذيب ج 1 ص 484، والاستبصار ج 2 ص 230. (6) الفقيه كتاب الحج ب 65 ح 2.

[ 516 ]

على المرجوحية وأما استثناء ما ذكر فيدل عليه الموثق أو الصحيح عن إسحاق بن عمار قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع إذا كان شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض تعجل طواف الجح قبل أن تأتى منى؟ قال: نعم من كان هكذا يعجل) (1) وخبر إسماعيل بن عبد الخالق عن الصادق عليه السلام (لا بأس أن يعجل الشيخ الكبير والمريض والمرأة والمعلول طواف الحج قبل أن يخرج إلى منى) (2). وأما جواز تقديم النساء للضرورة فاستدل له بصحيح ابن يقطين أو خبره المنجبر بالشهرة (لا بأس بتعجيل طواف الحج وطواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى وكذلك لا بأس لمن خاف أمرا لا يتهيأ له الانصراف إلى مكة أن يطوف ويودع البيت ثم يمر كما هو من منى إذا كان خائفا) (3). وفي قباله عموم قوله عليه السلام لاسحاق بن عمار (إنما طواف النساء بعد أن يأتي منى) (4) وخبر علي بين أبي حمزة (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يدخل مكة ومعه نساء وقد أمرهن فتمتعن قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة فخشي على بعضهن الحيض؟ فقال: إذا فرغن من متعتهن وأحللن فلينظر إلى التي يخاف عليها الحيض فيأمرها فتغتسل وتهل بالحج من مكانها، ثم تطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فإن حدث بها شئ قضت بقية المناسك وهي طامث، فقلت: أليس قد بقى طواف النساء؟ قال: بلى قلت: فهي مرتهنة حتى تفرغ منه؟ قال: نعم، قلت: فلم لا يتركها حتى تقضي مناسكها؟ قال: يبقى عليها منسك واحد أهون عليها من أن يبقى عليها المناسك كلها مخافة الحدثان، قلت: أبى الجمال أن يقيم عليها و الرفقة؟ قال: ليس لهم ذلك تستعدى عليهم حتى يقيم عليها حتى تطهر وتقضي مناسكها) (4) والمشهور العمل بما سبق.


(1) الفقيه كتاب الحج ب 65 ح 4 والكافي ج 4 ص 457. (2) الاستبصار ج 2 ص 230، والتهذيب ج 1 ص 484، والكافي ج 4 ص 458. (3) التهذيب ج 1 ص 484، والاستبصار ج 2 ص 230. (3) و (4) الكافي ج 4 ص 457، والتهذيب ج 1 ص 484

[ 517 ]

{ ويجوز للقارن والمفرد تقديم الطواف اختيارا، ولا يجوز تقديم طواف النساء للمتمتع ولا غيره، ويجوز مع الضرورة، والخوف من الحيض، ولا يقدم على السعي، ولو قدمه ساهيا لم يعد }. أما جواز التقديم للقارن والمفرد فيدل عليه النصوص المعتبرة، منها صحيح حماد بن عثمان (سأل الصادق عليه السلام عن مفرد الحج يقدم طوافه أو يؤخره؟ فقال: هو والله سواء عجله أو أخره) (1). ومنها نصوص حجة الوداع. وأما عدم جواز تقديم طواف النساء فلا خلاف فيه ظاهرا وتدل عليه النصوص منها صحيح معاوية بن عمار (ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بهما سبعة أشواط، تبدء بالصفا وتختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شئ أحرمت منه إلا النساء ثم أرجع إلى البيت وطف به أسبوعا آخر ثم تصلي ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام) (1). و (ثم) للترتيب، ومرسل أحمد بن محمد (قلت لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك متمتع زار البيت فطاف طواف الحج، ثم طاف طواف النساء، ثم سعى؟ قال: لا يكون السعي إلا من قبل طواف النساء) (3) ونحوهما غيرهما. وأما الجواز مع الضرورة والخوف من الحيض فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بقاعدة نفي الحرج وفحوى ما تقدم من نظائره، ومؤثق سماعة ابن مهران عن أبى الحسن الماضي عليه السلام (سألته عن رجل طاف طواف الحج وطواف النساء قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فقال: لا يضره يطوف بين الصفا والمروة وقد فرغ من حجه) (4) بعد حمله على حال الضرورة ولا يخفى الاشكال في الاستدلال بما ذكر لان الموثق فيه ترك الاستفصال وهو ليس من قبيل المطلق القابل للتقييد بل إمضاء وتصحيح لما وقع بأي نحو كان.


(1) الكافي ج 4 ص 459، والتهذيب ج 1 ص 484. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 512 والاستبصار ج 2 ص 231. (4) التهذيب ج 1 ص 484 و 586 والاستبصار ج 2 ص 231.

[ 518 ]

وأما قاعدة نفي الحرج فلا يعين التقديم لامكان حفظ الترتيب ولو بالاستنابة والملاك غير معلوم حتى يتمسك بالفحوى، وقد ظهر مما ذكر عدم جواز تقديم الطواف على السعي. وأما التقديم ساهيا فاستدل عليه بموثق سماعة المذكور وقد عرفت الاشكال فيه. { السادس قيل: لا يجوز الطواف وعليه برطلة والكراهة أشبه ما لم يكن الستر محرما، السابع: كل محرم يلزمه طواف النساء رجلا كان أو امرأة أو صبيا أو خصيا إلا في العمرة المتمتع بها، الثامن من نذر أن يطوف على أربع قيل: يجب عليه طوافان، وروي ذلك في امرأة نذرت، وقيل: لا ينعقد لانه لا يتعبد بصورة النذر }. أما القول بعدم الجواز فلقول الصادق عليه السلام في خبر يحيى الحنظلي (لا تطوفن بالبيت وعليك برطلة) (1) وخبر آخر (2) وفيه التعليل بأنه من زي اليهود، واستشكل بعدم جمعهما شرائط الحجة على وجه التحريم بل التعليل في الاخير يناسب الكراهة وفيه إشكال مع عمل مثل الشيخ به، والتعليل المذكور يوجب الاجمال في خصوص ذلك الخبر دون غيره، نعم لا إشكال في الحرمة إذا كان في طواف العمرة لحرمة تغطية الرأس، بخلاف طواف الحج المتأخر عن الحلق أو التقصير الذي يحل معهما من كل شئ إلا الطيب والنساء والصيد. وأما وجوب طواف النساء على كل محرم إلا في العمرة المتمتع بها فادعي عليه الاجماع وتدل عليه النصوص ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف بالبيت وسعيان بين الصفا والمروة فعليه إذا قدم مكة طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم عليه السلام وسعي بين الصفا والمروة ثم يقصر، وقد أحل هذا للعمرة وعليه للحج طوافان وسعي بين


(1) الكافي ج 4 ص 427، والتهذيب ج 1 ص 485. (2) التهذيب ج 1 ص 485 والفقيه كتاب الحج ب 80 ح 5.

[ 519 ]

الصفا والمروة، ويصلي عند كل طواف بالبيت ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام) (1) وصحيح الحلبي عنه عليه السلام أيضا (إنما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلا بسياق الهدي وعليه طواف بالبيت وصلاة ركعتين خلف المقام وسعي واحد بين الصفا والمروة وطواف بالبيت بعد الحج) (2) و صحيح محمد بن عيسى قال: (كتب أبو القاسم محمد بن موسى بن مخلد الرازي إلى الرجل يسأله عن العمرة المبتولة هل على صاحبها طواف النساء؟ وعن العمرة التي يتمتع بها إلى الحج فكتب أما العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء، وأما التى يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء) (3) وفي المقام أخبار أخر ربما يظهر منها عدم الوجوب بالنسبة إلى المفرد ولم يعمل بظاهرها الاصحاب كما أنه يظهر من بعض الاخبار عدم حلية النساء للمتمتع بعد التقصير ومقتضى غير واحد حلية كل شئ حتى النساء وعليه العمل دون ما يظهر منه عدم الحلية وظهر من إطلاق الاخبار عدم الفرق بين الرجال والنساء والخناثى والصبيان والخصيان، وأما نذر الطواف على أربع فالقول بوجوب الطوافين محكي عن جماعة لخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (وقال أمير المؤمنين عليه السلام في أمرأة نذرت أن تطوف على أربع قال: تطوف أسبوعا ليديها وأسبوعا لرجليها) " (4) وخبر أبي الجهم بهذا المضمون (5). وأما القول بعدم الانعقاد فلعدم مشروعية الطواف بهذا النحو فالنذر غير منعقد فلا يجب الوفاء به، ولا يخفى أن عمل جمع من الاكابر يكون جابرا لسند الخبرين فلا وجه لعدم انعقاد النذر كما أن احتمال اختصاص الحكم بخصوص المرأة بعيد جدا (6).


(1) الكافي ج 4 ص 295، والتهذيب ج 1 ص 156. (2) التهذيب ج 1 ص 458. (3) الكافي ج 4 ص 538، والتهذيب ج 1 ص 519 و 492. (4) و (5) الكافي ج 4 ص 430 و 429. والتهذيب ج 1 ص 485. (6) ويمكن أن يقال: مع التفات المرأة إلى عدم مشروعية الطواف بهذا النحو فكيف يتصور النذر، ولهذا يقولون بعدم الاعتبار بالشروط التى لا يتوجه العقلاء إليها في العقود فلابد من فرص توهم الناذر المشروعية فيكون المقام نظير صورة الانقياد، كما لو توهم

[ 520 ]

{ السعي } { القول في السعي والنظر في مقدمته وكيفيته وأحكامه، المقدمة فمندوبات عشرة: الطهارة، واستلام الحجر، والشرب من زمزم، والاغتسال من الدلو المقابل للحجر، والخروج للسعي من باب الصفا، وصعود الصفا، واستقبال ركن الحجر والتكبير سبعا، والتهليل سبعا، والدعاء بالمأثور }. أما استحباب الطهارة فلقول الكاظم عليه السلام في خبر ابن فضال (لا تطوف ولا تسعى إلا على وضوء) (1) وصحيج الحلبي (سأل الصادق عليه السلام عن المرأة تطوف بين الصفا والمروة وهي حائض قال: لا، إن الله تعالى يقول: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (2) المحمولين على الندب أو الكراهة لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (لا بأس بأن تقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف فان فيه صلاة والوضوء أفضل) (3) وصحيحه الاخر أيضا (سأله عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى قال: تسعى) (4). وأما استحباب استلام الحجر والشرب من زمزم فلقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (إذا فرغت من الركعتين فائت الحجر الاسود فقبله أو استلمه أو أشر إليه فإنه لابد من ذلك، وقال: إن قدرت أن تشرب من ماء زمزم قبل أن تخرج إلى الصفا فافعل، وتقول حين تشرب: (اللهم اجعله علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وسقم) قال: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال حين نظر إلى


العبد طلب المولى الماء للشرب مع عدم الطلب واقعا (منه قدس سره) (1) الكافي ج 4 ص 438، والتهذيب ج 1 ص 490، والاستبصار ج 2 ص 241. (2) التهذيب ج 1 ص 559 والاستبصار ج 2 ص 314. وفيهما (لالان الله). (3) الفقيه كتاب الحج ب 73 ح 1. والتهذيب ج 1 ص 490. (4) الفقيه كتاب الحج ب 62 ح 4.

[ 521 ]

زمزم: (لولا أن أشق على امتي لاخذت منه ذنوبا أو ذنوبين) (1) وقال الصادق و الكاظم عليهما السلام في صحيح حفص وعبيد الله الحلبي يستحب أن يستقي من ماء زمزم دلوا أو دلوين فتشرب منه وتصب على رأسك وجسدك وليكن ذلك من الدلو الذي بحذاء الحجر) (2) ولا يخفى أنه لا يستفاد مما ذكر استحباب ما ذكر مقدمة للسعي بل لعله يستفاد استحباب ما ذكر ولو لم يرد السعي بعده والامر سهل. وأما استحباب الخروج من باب الصفا وهو الباب الذي يقابل الحجر لما رواه في الكافي في الصحيح عن صفوان بن يحيى بن عبد الحميد بن سيعد قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن باب الصفا قلت: إن أصحابنا قد اختلفوا فيه بعضهم يقول: الذي يلي السقاية، وبعضهم يقول: الذي يلي الحجر، فقال: هو الذي يلي الحجر، والذي يلي السقاية محدث صنعه داود - أو فتحه داود -) (3) ولرواية معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام (أن رسول الله عليه السلام حين فرغ من طوافه وركعتيه قال: ابدؤوا بما بدأ الله عزوجل به من إتيان الصفا، إن الله عزوجل يقول: (إن الصفا والمروة من شعائر الله)، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ثم اخرج إلى الصفا من الباب الذي خرج منه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الباب الذي يقابل الحجر الاسود حتى تقطع الوادي وعليك السكينة والوقار - الحديث) (4) قال في المدارك: واعلم أن الباب الذي خرج منه رسول الله صلى الله عليه وآله قد صار الان في داخل المسجد باعتبار توسعته، وقال الشهيد - قده - في الدروس: إنه معلم بأسطوانتين معروفتين فتخرج من بينهما، والظاهر استحباب الخروج من الباب الموازي لهما. انتهى. وأما استحباب صعود الصفا فلقول الصادق عليه السلام (فاصعد على الصفا حتى


(1) الكافي ج 4 ص 430 والتهذيب ج 1 ص 487. (2) التهذيب ج 1 ص 487. (3) المصدر ج 4 ص 432 واللفظ له والتهذيب ج 1 ص 487 (4) الكافي ج 4 ص 431 والتهذيب ج 1 ص 487

[ 522 ]

تنظر البيت) (1) وفي محكي التذكرة والمنتهى إجماع أهل العلم على عدم وجوب الصعود إلا من شذ. وأما استحباب استقبال ركن الحجر فلقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (فاصعد على الصفا حتى تنظر البيت وتستقبل الركن الذي فيه الحجر الاسود فاحمد الله تعالى واثن عليه واذكر من آلائه وبلائه وحسن ما صنع إليك ما قدرت على ذكره، ثم كبر الله تعالى سبعا واحمده سبعا وهلله سبعا وقل: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير) ثلاث مرات، ثم صل على النبي صلى الله عليه وآله وقل: (الله اكبر، الحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، والحمد الله الحي القيوم، والحمد لله الحي الدائم) ثلاث مرات وقل: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره المشركون) ثلاث مرات (اللهم إني أسألك العفو والعافية واليقين في الدنيا و الاخرة) ثلاث مرات (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار) ثلاث مرات، ثم كبر الله مائة مرة وهلل الله مائة مرة وسبح الله مائة مرة وتقول: (لا إله إلا الله وحده وحده، أنجز وعده، ونصر عبده وغلب الاحزاب وحده، فله الملك وله الحمد، وحده وحده، اللهم بارك لي في الموت وفيما بعد الموت، اللهم أعوذ بك من ظلمة القبر ووحشته اللهم أظلني في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك) وأكثر من أن تستودع ربك دينك ونفسك وأهلك، ثم تقول: (أستودع الله الرحمن الرحيم الذي لا تضيع ودائعه دينى ونفسي وأهلي، اللهم استعملني على كتابك وسنة نبيك وتوفني على ملته وأعذني من الفتنة). ثم تكبر ثلاثا، ثم تعيدها مرتين ثم تكبر واحدة ثم تعيدها، فان لم تستطيع هذا فبعضه) (2). { وأما الكيفية ففيه الواجب والندب فالواجب أربعة النية والبدأة بالصفا.


(1) و (2) الكافي ج 4 ص 431، والتهذيب ج 1 ص 487.

[ 523 ]

والختم بالمروة والسعي سبعا يعد ذهابه شوطا وعوده آخر، والمندوبات أربعه المشي في طرفيه، والاسراع ما بين المنارة إلى زقاق العطارين، ولو نسى الهرولة رجع القهقرى وتدارك، والدعاء، وأن يسعى ماشيا، ويجوز جلوسه في خلاله للراحة }. أما وجوب النية فلا خلاف فيه ظاهرا بل ادعي عليه الاجماع لكون السعي أمرا عباديا يحتاج إلى ما يحتاج إليه سائر العبادات. وأما وجوب البدأة بالصفا والختم بالمروة فوجوبهما أيضا إجماعي ظاهر و تدل عليه النصوص منها قوله عليه السلام في موثقة معاوية بن عمار (تبدء بالصفا وتختم بالمروة، ثم قصر - الحديث) (1) ويدل عليه أيضا ما دل على أن من بدأ بالمروة أعاد ففي صحيج معاوية بن عمار (من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعي ويبدء بالصفا قبل المروة) (2). وأما السعي سبعا يعد ذهابه شوطا وعوده آخر فالظاهر أنه أيضا إجماعي وتدل عليه النصوص منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (فطف بينهما سبعة أشواط تبدء بالصفا وتختم بالمروة) (3). وأما استحباب المشي في طرفيه والاسراع ما بين المنارة إلى زقاق العطارين فيدل عليه ما روى في الكافي (4) في الموثق عن سماعة قال: (سألتة عن السعي بين الصفا والمروة قال: إذا انتهيت إلى الدار التي على يمينك عند أول الوادي فاسع حتى تنتهي إلى أول زقاق عن يمينك بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة، فإذا انتهيت إليه فكف عن السعي وامش مشيا - إلى أن قال - وإنما السعي على الرجال وليس على النساء سعي).


(1) التهذيب ج 1 ص 488 والكافي ج 4 ص 434 و 435. (2) التهذيب ج 1 ص 489. (3) التهذيب ج 1 ص 488 والكافي ج 4 ص 435. (4) المصدر ج 4 ص 434.

[ 524 ]

وما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ثم انحدر ماشيا وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المنارة، وهي طرف المسعى فاسع ملا فروجك وقل: (بسم الله والله أكبر وصلى الله على محمد وأهل بيته، اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الاعز الاجل الاكرم). حتى تبلغ المنارة الاخرى فإذا جاوزتها فقل: (يا ذا المن والفضل والكرم و النعماء والجود اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ثم امش وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المروة فاصعد عليها حتى يبدو لك البيت فاصنع عليها كما صنعت على الصفا، وطف بينهما سبعة أشواط تبدء بالصفا وتختم بالمروة) (1). وأما رجوع القهقرى عند نسيان الهرولة فلقول الصادقين عليهما السلام فيما أرسل عنهم الصدوق والشيخ (قده) (من سهى عن السعي حتى يصير من المسعى على بعضه أو كله ثم ذكر فلا يصرف وجهه منصرفا ولكن يرجع القهقرى إلى المكان الذي يجب فيه السعي) (2) أما استحباب فاشتمال صحيح الحلبي على الدعاء. أما استحباب السعي ماشيا فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: (المرأه تسعى بين الصفا والمروة على دابة أو على بعير؟ قال: لا بأس بذلك، قال: وسألته عن الرجل يفعل ذلك؟ قال: لا بأس به والمشي أفضل) (3) وأما جواز الجلوس للراحة فلصحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يطوف بين الصفا والمروة أيستريح؟ قال: نعم إن شاء جلس على الصفا والمروة وبينهما فيجلس) (4). { وأما الاحكام فأربعة: الاول السعي ركن يبطل الحج بتركه عمدا و لا يبطل سهوا، ويعود لتداركه فإن تعذر استناب فيه. الثاني يبطل السعي.


(1) الكافي ج 4 ص 434، والتهذيب ج 1 ص 488. (2) الفقيه كتاب الحج ب 125 ح 9، والتهذيب ج 1 ص 576. (3) التهذيب ج 1 ص 490. (4) الكافي ج 4 ص 437 والتهذيب ج 1 ص 490.

[ 525 ]

بالزيادة عمدا ولا يبطل بالزيادة سهوا، ومن تيقن عدد الاشواط وشك فيما به بدأ فإن كان في الفرد على الصفا أعاد ولو كان على المروة لم يعد وبالعكس لو كان سعيه زوجا، ولو لم يحصل العدد أعاد، ولو تيقن النقصان أتى به }. أما ركنية السعي بالمعني المذكور فلا خلاف فيها وادعي عليه الاجماع و تدل عليه النصوص منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (من ترك السعي متعمدا فعليه الحج من قابل) (1) وهذا هو مقتضى القاعدة في كل ما وجب جزء أو شرطا للعبادة ويدل على وجوبه وفرضه ما رواه في الكافي في الحسن عن الحسن ابن علي الصيرفي عن بعض أصحابنا قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السعي بين الصفا والمروة فريضة أم سنة؟ فقال: فريضة، فقلت: أو ليس قد قال الله عزوجل (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قال: كان ذلك في عمرة القضاء إن رسول الله صلى الله عليه وآله شرط عليهم أن يرفعوا الاصنام عن الصفا والمروة فتشاغل رجل حتى انقضت الايام واعيدت الاصنام، فجاؤوا إليه وقالوا: يا رسول الله إن فلانا لم يسع بين الصفا والمروة وقد أعيدت الاصنام فأنزل الله عزوجل (إن الصفا والمروة من شعائر الله - إلى قوله - فلا جناح عليه أن يطوف بهما) أي وعليهما الاصنام) (2). وأما صورة السهو فلا يبطل فيها بل يعود أو يستنيب ويدل عليه حسن معاوية ابن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: (قلت له رجل نسي السعي بين الصفا والمروة؟ قال: يعيد ذلك، قلت: فإنه خرج؟ قال: يرجع فيعيد السعي - الحديث) (3) وصحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا و المروة حتى رجع إلى أهله؟ قال: يطاف عنه) (4) وقد جمع بين ما دل على لزوم المباشرة والاستنابة بحمل ما دل على جواز الاستنابة على صورة التعذر بمعنى


(1) الكافي ج 4 ص 436 والتهذيب ج 1 ص 489. (2) المصدر ج 4 ص 435، والتهذيب ج 1 ص 489. (3) التهذيب ج 1 ص 489 والاستبصار ج 2 ص 238. (4) التهذيب ج 1 ص 528 والفقيه كتاب الحج ب 81 ح 1.

[ 526 ]

المشقة كما في المتن، ولا يخفى عدم كون هذا جمعا عرفيا بل المتجه لولا مخالفة الفتاوي التخيير برفع اليد عن ظهور كل بنص الاخر. وأما بطلان السعي بالزيادة عمدا فيدل عليه الاخبار، منها قول أبي الحسن عليه السلام في خبر عبد الله بن محمد (الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة إذا زدت عليها فعليك الاعادة وكذلك السعي) (1). وأما عدم البطلان بالزيادة سهوا فادعي عليه الاجماع والنصوص فيتخير بين إهدار الشوط الزائد مما زاد والبناء على السبعة وبين الاكمال أسبوعين جمعا بين الامر بهما في النصوص ففي صحيح ابن الحجاج، عن أبي إبراهيم عليه السلام في رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال: إن كان خطاء طرح واحدا واعتد بسبعة) (2) وصحيح جميل بن دراج قال: (حججنا ونحن صرورة فسعينا بين الصفا والمروة أربعة عشر شوط فسألنا أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: لا بأس سبعة لك وسبعة تطرح) (3) وفي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (إن في كتاب علي عليه السلام إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن أنه سعى ثمانية أضاف إليها ستا وكذا إذا استيقن أنه سعى ثمانية أضاف إليها ستا) (4). ولا يخفى أن الزيادة في صحيج جميل ونحوه ليس من باب السهو والخطاء في الموضوع بل الظاهر أنه من باب الجهل بالحكم كما أن ما دل على أن الزيادة فيه كالزيادة في الصلاه تبطل حمله على صورة العلم بالحكم بعيد فيقع التعارض. ثم إنه قد استشكل في المقام بأن التخيير المذكور في كلام الاصحاب مستلزم لامرين يشكل الالتزام بهما: أحدهما وقوع السعي كالطواف واجبا ومستحبا وهذا غير معهود ولم نقف على دليل عليه غير الخبر المذكور في هذا الباب، والثاني كون الابتداء من المروة وإطلاق الاخبار وكلمات الاصحاب يقتضي كون الابتداء من الصفا، وأجيب بأن


(1) التهذيب ج 1 ص 489، والاستبصار ج 2 ص 217 و 239. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 436، والتهذيب ج 1 ص 582 و 489. (4) التهذيب ج 1 ص 489. والاستبصار ج 2 ص 240.

[ 527 ]

ما ذكر كالاجتهاد في قبال النص فإنه بعد وجود الدليل نلتزم بما ذكر، قلت: مقتضى صحيج معاوية عن الصادق عليه السلام (إن طاف الرجل بين الصفا والمروة تسعة أشواط فليسع على واحد ويطرح ثمانية وإن طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط فليطرحها ويستأنف السعي) (1) عدم الاعتداد بالشوط المبتدء من المروة فيكون هذا الصحيح معارضا في المقام لما دل على الاعتداد به فبعد المعارضة يكون عموم ما دل على لزوم البدأة من الصفا مرجعا أو مرجحا. وبالجملة المسألة غير خالية عن شوب الاشكال. وأما صورة تيقن عدد الاشواط والشك فيما بدأ به فإن كان في الفرد على الصفا أعاد لحصول العلم بوقوع الابتداء من المروة وإن كان على المروة لم يعد لحصول العلم بوقوع الابتداء من الصفا، وبالعكس لو كان سعيه زوجا وربما يظهر من العبارة إعادة أصل السعي وعدم الاعتداد بما وقع أصلا في صورة لزوم الاعادة و يشكل بأن اللازم بطلان الشوط المبتدأ من المروة دون بطلان سائر الاشواط و يؤيده تنظير المقام في بعض الاخبار بباب الوضوء وإنه كمن بدأ بشماله قبل يمينه. وأما لزوم الاعادة مع عدم تحصيل العدد فقد خصص بصورة حصول الشك في الاثناء قبل الفراغ وعدم إحراز السبعة لدوران الامر بين الزيادة والنقصية الموجبتين للبطلان ولا اعتماد على أصالة الاقل واستدل أيضا بالصحيح قال سعيد ابن يسار: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط ثم رجع إلى منزله وهو يرى أنه قد فرغ منه وقلم أظافيره وأحل ثم ذكر أنه سعى ستة أشواط؟ فقال لي: يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فإن كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطا وليرق دما، فقلت: دم ماذا؟ قال: بقرة قال: وإن لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد فليبتدء السعي حتى يكمل سبعة أشواط، ثم ليرق دم بقرة) (2) ويمكن أن يقال أما صورة الشك بعد الفراغ


(1) التهذيب ج 1 ص 490 و 582 والاستبصار ج 2 ص 240. (2) التهذيب ج 1 ص 490.

[ 528 ]

فمقتضى القاعدة عدم الالتفات بالشك لكن بعد التجاوز عن المحل الشرعي بالدخول فيما رتب على العمل لا مجرد الانصراف بناء على عدم اعتبار الموالات في الاشواط ومع ذلك مقتضى إطلاق الصحيح المذكور لزوم الاعادة ولا استبعاد في تخصيص القاعدة بالصحيح المذكور مع فرض الخروج عن العمل في الصحيح. وأما صورة حصول الشك في الاثناء فلولا الصحيح المذكور لامكن التصحيح بدون لزوم محذور بأن يسعى عدة أشواط يقطع معها بحصول المأمور به بقصر حصول المأمور به بما كان لازما مع إلغاء ما كان زائدا نظير ما قيل في الطواف لاحراز البدأة بأول البدن مع أول الحجر الاسود مع عدم تيسر إحراز الجزء الاول منهما فالحكم بالاستيناف في الصحيح يمكن أن يكون من جهة عدم الاعتداد بما ذكر، ويمكن أن يكون من جهة سهولة الاستيناف وعدم الاعتداد بالاشواط السابقة فالمتعين الاخذ به. وأما صورة إحراز السبعة فقد يقال بعدم الاعتناء بالشك لاصالة عدم الزيادة وهذا مبني على اعتبار عدم الزيادة بنحو التركيب لا بنحو التقييد بأن يكون السبعة بشرط لا واجبة ومع ذلك إطلاق الصحيح المذكور يقتضي الاستيناف، و أما صورة تيقن النقصان فيأتي بالنقيصة لعدم اعتبار الموالاة من غير فرق بين تجاوز النصف وعدمه، وقد يقال بالفرق نحو ما سمعته في الطواف لقول أبي الحسن عليه السلام لاحمد بن عمر الحلال (إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا و المروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله) (1) ونحوه قول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير وفي السند والدلالة ضعف. { الثالث: لو قطع سعيه لصلاة أو لحاجة أو لتدارك ركعتي الطواف أو غير ذلك أتم لو كان شوطا: الرابع لو ظن إتمام سعيه فأحل وواقع أهله أو قلم أظفاره ثم ذكر أنه نسي شوطا أتم، وفي بعض الروايات يلزمه دم بقرة }.


(1) الكافي ج 4 ص 449.

[ 529 ]

المشهور جواز قطع السعي للمذكورات في المتن واستدل عليه بصحيح معاوية (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيدخل وقت الصلاة أيخفف أو يقطع ويصلي ثم يعود أو يثبت كما هو على حاله حتى يفرغ قال: لا بل يصلي ثم يعود أو ليس عليهما مسجد) (1) أي موضع صلاة. وخبر الحسن بن علي بن فضال قال: (سأل محمد بن على أبا الحسن عليه السلام فقال له: (سعيت شوطا واحدا ثم طلع الفجر فقال: صل ثم عد فأتم [ فأعد - خ ل - ] سعيك) (2) وموثق محمد بن فضيل عن محمد بن علي الرضا عليهما السلام قال له: (سعيت شوطا ثم طلع الفجر قال: صل ثم عد فأتم سعيك) (3) وخبر يحيى بن عبد الرحمن الازرق (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثم يلقاه الصديق له فيدعوه إلى الحاجة أو إلى الطعام قال: إن أجابه فلا بأس) (4) وزاد في الفقيه (ولكن يقضي حق الله عزوجل أحب إلى من أن يقضى حق صاحبه) (5). ويمكن أن يقال: غاية ما يستفاد من الاخبار المذكورة جواز القطع لما ذكر تكليفا بمعنى عدم الحرمة لا بمعنى عدم لزوم الموالات وجواز البناء إلا أن يدعى ظهور قوله عليه السلام في موثق محمد بن فضيل (فأتم سعيك) في البناء لكنه معارض بقوله عليه السلام في خبر الحسن بن علي بن فضال (فأعد سعيك) فإنه ظاهر في إعادة السعي السابق، ويمكن أن يراد من إتمام السعي السعي التام في قبال السعي الناقص الصادر منه فبعد عدم تسليم دلالة الاخبار المذكورة على جواز البناء ربما يفصل بين صورتي مجاوزة النصف وعدمها لقول أبي الحسن عليه السلام لاحمد بن عمر الحلال


(1) التهذيب ج 1 ص 491، والكافي ج 4 ص 438، والفقيه كتاب الحج ب 83 ح 1. (2) التهذيب ج 1 ص 491، والفقيه كتاب الحج ب 83 ح 3. (3) التهذيب ج 1 ص 483، والاستبصار ج 2 ص 227. (4) و (5) التهذيب ج 1 ص 491، والفقيه كتاب الحج ب 83 ح 2.

[ 530 ]

(إذا حاضت المرأه وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله) (1). وقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير نحوه وقد عمل بهذا المضمون جماعة من القدماء فلعل عملهم يكون جابرا لضعف السند، ولا يستشكل باختصاص الخبرين بالحائض ومعلوم عدم إضرار الحيض بالسعي لامكان أن يقال: لعل المراد أنه جاز لها القطع ومع القطع فرق بين الصورتين فيستفاد أنه متى جاز القطع يفصل بين الصورتين فالمسألة محل إشكال. وأما صورة الظن بإتمام السعي فالاحلال والمواقعة أو التقليم، ثم التذكر فاستدل فيها على الحكمين برواية عبد الله بن مسكان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط، وهو يظن أنها سبعة فذكر بعد ما أحل وواقع النساء أنه إنما طاف ستة أشواط فقال: عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطا آخر) (2) وعن الشيخين وابني إدريس وسعيد وجماعة العمل بها وفي صحيح سعيد بن يسار قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط ثم رجع إلى منزله وهو يرى أنه قد فرغ منه وقلم أظافيره وأحل، ثم ذكر أنه سعى ستة أشواط فقال لي: يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فإن كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطا وليرق دما، فقلت: دم ماذا؟ قال: بقرة، قال: وإن لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد فليبتدء السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثم ليرق دم بقرة) (3). أما جواز البناء وإتمام السعي بشوط واحد فلا كلام فيه. وأما لزوم دم بقرة فيمكن أن يستشكل فيه بملاحظة ما دل على عدم وجوب


(1) تقدم آنفا. (2) التهذيب ج 1 ص 490 والفقيه كتاب الحج ب 81 ح 1. (3) التهذيب ج 1 ص 490.

[ 531 ]

الكفارة على الناسي في غير الصيد فيدور الامر بين التخصيص وحمل الخبرين بالنسبة إلى الدم على الاستحباب ولا ترجيح في البين. { القول في أحكام منى بعد العود، يجب المبيت بمنى ليلة الحادي عشر و الثاني عشر ولو بات بغيرها كان عليه شاتان إلا أن يبيت بمكة متشاغلا بالعبادة و لو كان ممن يجب عليه المبيت ليالي الثلاث لزمه ثلاث شياه، وحد المبيت أن يكون بها ليلا حتى تجاوز نصف الليل وقيل: لا يدخل مكة حتى يطلع الفجر }. ادعي الاجماع على وجوب المبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر و استدل عليه بنصوص كثيرة منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (لا تبت ليالى [ أيام خ ل ] التشريق إلا بمنى فإن بت في غيرها فعليك دم وإن خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلا وأنت في منى إلا أن تكون تخللك [ شغلك خ ل ] نسكك إذ قد خرجت من مكه وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تصبح في غيرها) قال: وسألته عن رجل زار عشاء فلم يزل في طوافه ودعائه وفي السعي بين الصفا والمروة حتى يطلع الفجر، قال: ليس عليه شئ كان في طاعة الله تعالى) (1) والمروي من طرق العامة عن ابن عباس (أنه لم يرخص النبي صلى الله عليه وآله لاحد أن يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته) (2) والمروي عن العلل بسنده عن مالك بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام (أن العباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبيت بمكة ليالي منه فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل سقاية الحاج) (3) والمحكي عن تبيان الشيخ والطبرسي (قدس سرهما) القول باستحباب المبيت، فإن تم الاجماع فلا كلام وإلا فاستفادة الوجوب مما ذكر مشكلة لانه يظهر من ذيل الصحيح المذكور أنه مع اشتغال بطاعة الله تعالى ولو كان الاشتغال بالعبادات المستحبة لا شئ عليه


(1) التهذيب ج 1 ص 520، والاستبصار ج 2 ص 293، والكافي ج 4 ص 514. (2) راجع صحيح مسلم ج 4 ص 86. وصحيح البخاري كتاب 25 ب 75. وموطأ مالك باب البيتوتة بمكة ليالى منى. وسنن أبى داود ج 1 ص 454. (3) علل الشرايع ص 155.

[ 532 ]

وإن احتمل أن يكون النظر إلى الدم لكنه لا يبعد أن يكون النظر إلى سقوط المبيت، ويؤيده الترخيص للعباس للسقاية والمعروف أنه لا يسقط الفرض بالنقل ولا تنافي بين لزوم الدم وعدم وجوب المبيت كما التزم به في تأخير قضاء رمضان من وجوب الكفارة وعدم حرمة التأخير بل في الحج في بعض الموارد يجب الكفارة مع عدم فعل محرم، ثم إنه لا نص على لزوم النية وكفاية الداعي كما في سائر العبادات واستفادة العبادية من الاوامر مشكلة ولا تلازم بين عبادية الحج وعبادية كل ما اعتبر فيه ولم يذكر وجه لها إلا أنها الاصل في كل مأمور به إلا أن يكون إجماع في البين. وأما لزوم الدم بالنحو المذكور بأن يجب لكل ليلة شاة فهو المشهور ويدل عليه خبر جعفر بن ناجية (سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن بات ليالي منى بمكة فقال عليه ثلاثة من الغنم يذبحهن) (1) وقد جمع بينه وبين ما أطلق فيه الدم أو الشاة ففي خبر علي، عن أبي إبراهيم عليه السلام (سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت و بالصفا والمروة ثم رجع فغلبته عيناه في الطريق فنام حتى أصبح قال عليه شاة) (2). بحمل المطلق على الجنس وفيه تأمل لانه لا يبعد حمل الخبر المذكور على الاستحباب من جهة العدد لو لم نقل باستحباب أصل الدم كما يظهر من بعض الاخبار، ففي صحيح العيص بن القاسم (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى قال: ليس عليه شئ وقد أساء) (3)، ونحوه صحيح آخر والظاهر عدم عمل الاصحاب بمضمونهما فيشكل رفع اليد عما دل على لزوم الدم لكنه لا ملازمة بين لزوم ثلاث شياه ولزوم شاتين لليلتين بناء على الوجوب لعدم دليل يساعد عليه. نعم هنا شبهة أخرى وهي أنه إن بنينا على أن ترك المبيت بمنى معصية و


(1) التهذيب ج 1 ص 520 و 586، والاستبصار ج 2 ص 292، والفقيه كتاب الحج ب 131 ح 1 (2) التهذيب ج 1 ص 520. والاستبصار ج 2 ص 294. (3) التهذيب ج 1 ص 520. والاستبصار ج 2 ص 292.

[ 533 ]

يكون الدم كفارة لها فبعد استحقاق العقوبة والشك في رفعه بمجرد التوبة يحكم العقل بتحصيل المؤمن فلابد من الاحتياط ونظير هذا ما قيل في باب الغيبة من لزوم استرضاء المغتاب وإن دل الدليل على كفايه التوبة وأما تحديد المبيت بأن يكون بمنى ليلا حتى تجاوز نصف الليل فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في خبر عبد الغفار الجازي (فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شئ) (1) وفي خبر جعفر بن ناجية (إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلا وهو بمنى وإذا خرج بعد نصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها) (2) وفي صحيح العيص (إن زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى وإن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة) (3) ولا يخفي أن المستفاد من الاخبار الواردة في المقام لزوم الكون بمنى حال انتصاف الليل. وأما لزوم الكون بها في النصف الاول أو مطلق النصف فلا فإن هذا الصحيح يستفاد منه جواز الزيارة بعد نصف الليل كخبر عبد الغفار كما أن المستفاد من صحيح معاوية السابق جواز الخروج أول الليل مع الكون بمنى وقت انتصاف الليل، وحمل الاخبار على صورة الخروج عصيانا بعيد، وهذا غير ما يقال من أن أقصى ما يستفاد من النصوص ترتب الدم على مبيت الليالي المذكورة في غير منى بحيث يكون خارجا عنها من أول الليل إلى آخره فيقال: إن الواجب هذا المقدار وما ذكر وإن كان خلاف المشهور إلا أنه مع عدم مساعدة الدليل كيف يلتزم به، ومما ذكر ظهر ضعف ما قيل من عدم دخول مكة حتى يطلع الفجر. { ويجب } ثلاث { رمي الجمار في الايام التي يقيم بها كل جمرة بسبع حصيات مرتبا يبدء بالاولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة ولو نكس أعاد على الوسطى و


ويمكن أن يقال: لازم هذا وجوب الاحتياط فيما لو دل عام على حرمة شئ ودل المخصص على خروج بعض افراد العام، فالحجة قائمة على حرمة جميع الافراد، ومن المحتمل عدم صدور المخصص مع صدور العام فلا مؤمن بالنسبة إلى الفرد المخرج فيمكن أن يقال حجية المخصص من طرف الشرع مؤمن. (منه قدس سره). (1) و (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 520 والاستبصار ج 2 ص 294 و 292.

[ 534 ]

جمرة العقبة ويحصل الترتيب بأربع جمرات بأربع حصيات . أما وجوب الرمي في الحادي عشر والثاني عشر فلا خلاف محقق ظاهرا وادعي تواتر الاخبار به وفي محكى الخلاف الاجماع على وجوب الترتيب بين رمي الثلاث وتفريق الحصا ووجوب القضاء، وفي محكي التذكرة والمنتهى لا نعلم فيه مخالفا قال الصادق عليه السلام في حسن ابن أذينة (الحج الاكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار) (1) والظاهر عدم الخلاف أيضا في وجوب الرمي في اليوم الثالث عشر إن أقام ليلته فيها وأما العدد فقد سبق الكلام فيه. وأما الترتيب فادعي عليه الاجماع ويدل عليه الاخبار منها خبر معاوية ابن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (إرم في كل يوم عند زوال الشمس وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة فابدء بالجمرة الاولى فارمها عن يسارها من بطن المسيل، و قل كما قلت يوم النحر، ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله، ثم تقدم قليلا فتدعو وتسأله أن يتقبل منك، ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية واصنع كما صنعت بالاولى وتقف وتدعوا لله كما دعوت. ثم تمضي إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار فارم ولا تقف عندها) (2) فان الامر بالبدأة والعطف بثم ظاهر في الترتيب ويمكن المناقشة في دلالة هذا الخبر على الوجوب من جهة اشتماله على المستحب فالاولى الاستدلال بصحيح ابن محبوب أو حسنه عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل نسي رمي الجمار يوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الاولى قال: يؤخر ما رمى بما رمى و يرمي الجمرة الوسطى ثم جمرة العقبة) (3). وصحيح معاوية عنه أيضا قلت له: (الرجل يرمي الجمار منكوسة؟ قال: يعيدها على الوسطى وجمرة العقبة) (4).


في المصدر (بأربع حصيات على الوسطى وجمرة العقبة). (1) الكافي ج 4 ص 264 تحت رقم 1. (2) الكافي ج 4 ص 480، والتهذيب ج 1 ص 521. (3) الكافي ج 4 ص 483، والتهذيب ج 1 ص 522. وفيه عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن مسمع. (4) الكافي ج 4 ص 483. والتهذيب ج 1 ص 522.

[ 535 ]

وأما حصول الترتيب برمي أربع حصيات فيدل عليه صحيح معاويه عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل رمى الجمار فرمى الاولى بأربع والاخيرتين بسبع سبع قال: يعود فيرمي الاولى بثلاث وقد فرغ وإن كان رمى الاولى بثلاث ورمى الاخيرتين بسبع سبع فليعد فليرمهن جميعا بسبع سبع وإن كان رمى الوسطى بثلاث ثم رمى الاخرى فليرم الوسطى بسبع، وان كان رمى الوسطى بأربع رجع فرمى بثلاث) (1) والصحيح الاخر عنه أيضا (في رجل رمى الجمرة الاولى بثلاث و الثانية بسبع والثالثة بسبع قال: يعيد فيرميهن جميعا بسبع سبع، قلت: فإن رمى الاولى بأربع والثانية بثلاث والثالثة بسبع قال: يرمي الجمرة الاولى بثلاث و الثانية بسبع ويرمي جمرة العقبة بسبع، قلت: فإنه رمى الجمرة الاولى بأربع و الثانية بأربع والثالثة بسبع قال: يعيد فيرمي الاولى بثلاث والثانية بثلاث ولا يعيد على الثالثة) (2) والظاهر عدم الفرق بين صورة النسيان والجهل بالحكم للاطلاق ولا يبعد الانصراف عن صورة العمد. { ووقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها ولو نسي رمي يوم قضاه من الغد مرتبا ويستحب أن يكون ما لامسه غدوة وما ليومه بعد الزوال ولا يجوز الرمي ليلا إلا لعذر كالخائف والرعاة والعبد ويرمي عن المعذور كالمريض } أما التوقيت بالمذكور فهو المشهور ويدل عليه صحيح منصور بن حازم و أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها) (3) وصحيح جميل عنه أيضا في حديث (قلت له: إلى متى يكون رمي الجمار فقال: من ارتفاع النهار إلى غروب الشمس) (4) وصحيح زرارة أو حسنة عن أبي جعفر عليه السلام (أنه قال للحكم بن عيينة: ما حد رمى الجمار؟ فقال الحكم: عند الزوال فقال


(1) الكافي ج 4 ص 483 تحت رقم 5، والفقيه كتاب الحج ب 129 ح 2. (2) التهذيب ج 1 ص 522. الكافي ج 4 ص 481. (4) الفقيه كتاب الحج ب 134 ح 12.

[ 536 ]

أبو جعفر عليه السلام: يا حكم أرأيت لو كانا رجلين فقال أحدهما لصاحبه: احفظ علينا متاعنا حتى أرجع أكان يفوته الرمي، هو والله ما بين طلوع الشمس إلى غروبها) (1) والاستدلال بالصحيح السابق يشكل من جهة أن ارتفاع النهار غير طلوع الشمس ولا يبعد حمله على الندب كصحيح معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام (إرم في كل يوم عند زوال الشمس) (2). وأما وجوب القضاء مرتبا مع النسيان فادعي عليه الاجماع ويدل عليه صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أفاض من جمع حتى انتهى إلى منى فعرض له عارض فلم يرم الجمرة حتى غابت الشمس؟ قال: يرمي إذا أصبح مرتين مرة لما فاته والاخرى ليومه الذي يصبح فيه، وليفرق بينهما يكون إحديهما بكرة وهي للامس والاخرى عند زوال الشمس) (3) وصحيح معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: (الرجل ينكس في رمي الجمار فيبدء بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم العظمى؟ قال: يعود ويرمى الوسطى ثم جمرة العقبة وإن كان من الغد) (4). ولا يخفى أن هذا الصحيح مطلق لا يستفاد منه وجوب الترتيب والصحيح الاول وإن كان يستفاد منه الترتيب لكنه مع اشتماله على القيد المحمول على الاستحباب يشكل استفادة وجوب الترتيب منه مضافا إلى أنه يشكل حمله على صورة النسيان بل الظاهر منه صورة تعمد الترك لعروض العارض فالعمدة الاجماع إن ثبت، وقد ظهر مما دل على التوقيت عدم جواز الرمي ليلا لا لعذر. وأما مع العذر فيجوز لقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح ابن سنان


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 521، والاستبصار ج 2 ص 296، والكافي ج 4. ص 481 و 480. (3) التهذيب ج 1 ص 521. (4) الوسائل أبواب رمى الجمار ب 5 ح 4.

[ 537 ]

(لا بأس أن يرمي الخائف بالليل ويضحى ويفيض بالليل) (1) وفي موثق سماعة (رخص للعبد والخائف والراعي في الرمي ليلا) (2) وفي حسن زرارة ومحمد بن مسلم في الخائف (لا بأس أن يرمي الجمار بالليل ويضحى بالليل ويفيض بالليل) (3) و سأله أبو بصير أيضا (عن الذي ينبغي له أن يرمي بليل من هو؟ قال: الخاطبة و المملوك الذي لا يملك من أمره شيئا والخائف والمدين والمريض الذي لا يستطيع أن يرمي يحمل إلى الجمار فإن قدر على أن يرمي وإلا فارم عنه وهو حاضر) (4) والتعميم لمطلق العذر من جهة الحمل على المثال من دون لحاظ الخصوصية لكنه يشكل حيث أن بعض المذكورات في هذه الاخبار كالعبد والحاطب ليس معذورا بنظر العرف فالتعدي إلى مثلهما عرفا مشكل وإن أخذنا بالخصوصيات فالتعميم لكل عذر عرفي مشكل. وأما الرمي عن المعذور فيدل عليه حسن معاوية وابن الحجاج عن أبى عبد الله عليه السلام (الكسير والمبطون يرمى عنهما، قال: والصبيان يرمى عنهم) (5) وفي موثق إسحاق بن عمار (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن المريض يرمى عنه الجمار قال: نعم يحمل إلى الجمرة ويرمى عنه) (6) ولا يخفي أن المعذور المذكور غير صاحب العذر الذي حكم فيه بجواز رميه ليلا، وقد ظهر من صحيح ابن سنان المذكور استحباب أن يكون ما لامسه عدوة وما ليومه بعد الزوال بملاحظة الجمع بينه وبين غيره من الاخبار. { لو نسي رمي جمرة وجهل موضعها رمى على كل جمرة حصاة، ولو نسي حصاة أعاد على الجميع إن لم يتعين ويستحب الوقوف عند كل جمرة، ورميها عن يسارها مستقبل القبلة ويقف داعيا عندها عدى جمرة العقبة فإنه يستدبر


(1) و (2) التهذيب ج 2 ص 521. (3) الكافي ج 4 ص 485، والفقيه كتاب الحج ب 129 ح 3. (4) الفقيه كتاب الحج ب 130 ح 1. (5) و (6) الفقيه كتاب الحج ب 131 ح 1 و 2. والتهذيب ج 1 ص 523، و الكافي ج 4 ص 485.

[ 538 ]

القبلة ويرميها عن يمينها ولا يقف عندها، ولو نسي الرمي حتى دخل مكة رجع وتداركه ولو خرج فلا حرج لو فلو حج في القابل استحب القضاء ولو استناب جاز }. إن كان الفائت رمي جمرة غير معينة فقد يقال بوجوب الاعادة على الثلاث مرتبا فيها لامكان كونها الاولى فيبطل الاخيرتان بعدها، وكذا لو فاته أربع حصياة فصاعدا وجهلها وفيه نظر لجريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الاولى و الثانية والشك في المحل بالنسبة إلى الاخيرة، وأما لو كان الفائت أقل من أربع فقد يقال بوجوب التكميل مرتبا وفيه النظر المذكور إلا أن يتمسك بإطلاق الصحيح (رجل أخذ إحدى وعشرين حصاة فرمى بها فزادت واحدة فلم يدر أيهن نقص قال: فليرجع فيلرم كل واحده بحصاة - الخبر) (1) فيدور الامر بين تخصيص قاعدة التجاوز وبين حمل هذا الصحيح على الاستحباب. وأما استحباب الوقوف ورمي كل جمرة بالنحو المذكور فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (إرم في كل يوم عند زوال الشمس وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة فابدء بالجمرة الاولى من يسارها من بطن المسيل وقل كما قلت يوم النحر، ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم تقدم قليلا فتدعو تسأله أن يتقبل منك، ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية واصنع كما صنعت في الاولى وتقف وتدعو الله كما دعوت ثم تمضى إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار فارم ولا تقف عندها) (2) والظاهر أن المراد بيسار الجمرة جانبها اليسار بالنسبة إلى المتوجه إلى القبلة فيجعلها حينئذ عن يمينه فيكون ببطن المسيل لانه عن يسارها، ومقتضى إطلاق هذا الصحيح عدم اعتبار استدبار القبلة في الجمرة الاخيرة وهو خلاف ما في المتن والمحكي عن المنتهى أنه قول أكثر أهل العلم واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم


(1) التهذيب ج 1 ص 522. (2) التهذيب ج 1 ص 521، والاستبصار ج 2 ص 296.

[ 539 ]

أنه رماها كذلك. وأما صورة النسيان ودخول مكة فمع عدم انقضاء زمان الرمي وبقاء أيام التشريق فلا إشكال في لزوم الرجوع والرمي ويدل عليه حسن ابن عمار عن الصادق عليه السلام قلت: (رجل نسي أن يرمي الجمار حتى أتى مكة قال: يرجع فيرميها فيفصل بين كل رميتين بساعة قلت: فاته ذلك وخرج؟ قال: ليس عليه شئ) (1) وصحيحه الاخر عنه، (قلت له: رجل نسي رمي الجمار؟ قال: يرجع فيرميها، قلت: فان نسيها حتى أتي مكة؟ قال يرجع فيرمي متفرقا يفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فإن نسي أو جهل حتى فاته وخرج؟ قال ليس عليه أن يعيد) (2). ولقائل أن يناقش في دلالة الخبرين على الوجوب من جهة اشتمالهما على الفصل بين كل رميتين والظاهر عدم التزامهم بوجوبه، فمع وحدة السياق يشكل استفادة الوجوب. نعم في الصحيح الاخر (سألته ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتى نفرت إلى مكة؟ قال: فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمي، و الرجل كذلك) (3) لكنه مخصوص بصورة الجهل وإطلاق الخبرين المذكورين يقتضي وجوب الرجوع بناء عليه حتى بعد أنقضاء أيام التشريق مع عدم الخروج من مكة، وقيل بتقييد الخبرين بأيام التشريق ومع انقضائها يجب القضاء في القابل، واستدل عليه في التهذيب بخبر عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام (من أغفل، رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيام التشريق فعليه أن يرميها من قابل فإن لم يحج رمى عنه وليه فإن لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمي عنه فإنه لا يكون رمي الجمار إلا أيام التشريق) (4) وهذه الرواية مع انجبار


(1) الكافي ج 4 ص 484. (2) التهذيب ج 1 ص 522، والاستبصار ج 2 ص 297. (3) الكافي ج 4 ص 484، والفقيه كتاب الحج ب 129 ح 4، والتهذيب ج 1 ص 522، والاستبصار ج 2 ص 296. (4) المصدر ج 1 ص 522، والاستبصار ج 2 ص 297.

[ 540 ]

سندها بالشهرة محمولة على الندب جمعا بينها وبين الخبرين المذكورين مما ذكر ظهر وجه استحباب القضاء وجواز الاستنابة كما في المتن. { ويستحب الاقامة بمنى أيام التشريق ويجوز النفر في الاول وهو الثاني عشر من ذي الحجة لمن اتقى الصيد والنساء وإن شاء في الثاني وهو الثالث عشر ولو لم يتق تعين عليه الاقامة إلى النفر الاخير وكذا لو غربت الشمس في ليلة الثالث عشر وهو بمنى }. أما استحباب الاقامة بمنى أيام التشريق فهو مقتضى الاخبار بعد الجمع ففي صحيح عيص بن القاسم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزيارة بعد زيارة الحج في أيام التشريق؟ فقال: لا) (1) وخبر ليث المرادي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي مكة أيام منى بعد فراغه من زيارة البيت فيطوف بالبيت تطوعا؟ فقال: المقام بمنى أفضل وأحب إلي) (2) ولا ينافيه صحيح رفاعة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزور البيت في أيام التشريق؟ قال: نعم إن شاء) (3) وغيره من الاخبار. وأما جواز النفر في الاول في الجملة فالظاهر عدم خلاف معتد به فيه و الاصل فيه قوله تعالى (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) إنما الاشكال في المراد من الاتقاء فيظهر من بعض الاخبار اتقاء الصيد ومن بعضها اتقاء النساء ومن بعضها غير ما ذكر، وأخبار الباب. منها خبر حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله عزوجل: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد يعني في إحرامه فإن أصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الاول) (4)


(1) الكافي ج 4 ص 515، والتهذيب ج 1 ص 521، والاستبصار ج 2 ص 295. (2) الكافي ج 4 ص 515، والفقيه كتاب الحج ب 133 ح 2، والتهذيب ج 1. ص 521، والاستبصار ج 2 ص 295. (3) التهذيب ج 1 ص 521. والاستبصار ج 2 ص 295 (4) التهذيب ج 1 ص 524.

[ 541 ]

ومنها خبر محمد بن المستنير عنه أيضا (من أتى النساء في إحرامه لم يكن أن ينفر في النفر الاول) (1). ومنها ما في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول في قول الله عزوجل (فمن تعجل - الاية) يتقى الصيد حتى ينفر أهل منى في النفر الاخير) (2). وفي المقام أخبار أخر واردة في تفسير الاية والمشهور الاخذ بمضمون الخبرين الاولين فلا مجال للاشكال من جهة السند للانجبار بعمل المشهور، ويجمع بينهما بتقييد الاول بمضمون الثاني لكنه يشكل الجمع مع الصحيح المذكور حيث أن ظاهر خبر حماد تفسير الاية باتقاء الصيد قبل النفر، وظاهر الصحيح المذكور حمل الاية على لزوم الاتقاء بعد النفر ولا جامع يين المعنيين وقد فسر الاتقاء في سائر الاخبار بغير ما ذكر. وقد روي في الكافي عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف فقال: أترى يخيب الله هذا الخلق كله؟ فقال أبي: ما وقف بهذا الموقف أحد إلا غفر الله له مؤمنا كان أو كافرا إلا أنهم في مغفرتهم على ثلاثة منازل مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعتقه من النار وذلك قوله عزوجل: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) ومنهم من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وقيل له أحسن فيما بقي من عمرك وذلك قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) يعني من مات قبل أن يمضي فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الكبائر. وأما العامة فيقولون: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه يعني في النفر الاول ومن تأخر فلا إثم عليه يعني لمن اتقى الصيد، أفترى أن الصيد يحرمه الله بعد ما أحله في قوله عزوجل (وإذا حللتم فاصطادوا) وفي تفسير العامة معناه وإذا حللتم فاتقوا الصيد، وكافر وقف هذا الموقف زينة الحيوة الدنيا


(1) الكافي ج 4 ص 522 والتهذيب ج 1 ص 524. (2) الفقيه كتاب الحج ب 134 ح 1.

[ 542 ]

غفر الله ما تقدم من ذنبه إن تاب من الشرك فيما بقي من عمره وإن لم يتب وفاه أجره ولم يحرمه أجر هذا الموقف وذلك قوله عزوجل: (من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) (1) وهذه الرواية الشريفة قد تجعل شاهدا لكون الصحيح المذكور موافقا للعامة وظاهر أنه لا مجال للجمع بينها وبين خبري حماد وابن المستنير (2) خصوصا مع التعميم في الصيد والنساء بين الاصابة عمدا ونسيانا وجهلا كما قيل فمع الاخذ بهذه الرواية مع موافقتها لغيرها مما يكون صريحا في تفسير الاتقاء باتقاء الكبائر لا مجال للتخصيص باتقاء الصيد والنساء، ومع عدم الاخذ بها لا مجال لرفع اليد عن الصحيح المذكور. وأما جواز النفر في الثاني فيدل عليه الكتاب والسنة والاجماع ومع عدم الاتقاء تعين الاقامة إلى الثاني وادعي عليه الاجماع وقد مر الكلام فيه. وأما التعين مع غروب الشمس وهو بمنى ليلة الثالث عشر وإن اتقى فادعى عليه الاجماع وتدل عليه الاخبار منها خبر ابن عمار (إذا جاء الليل بعد النفر الاول فبت بمنى فليس لك أن تخرج منها حتى تصبح) (3) ومنها قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن الحلبي (فإن أدركه المساء بات ولم ينفر) (4). { ومن نفر في الاول لا ينفر إلا بعد الزوال وفي الاخير يجوز قبله و يستحب للامام أن يخطبهم ويعلمهم ذلك والتكبير بمنى مستحب، وقيل: يجب ومن قضى مناسكه فله الخيرة في العود إلى مكة والافضل العود لوداع البيت و دخول الكعبة خصوصا للصرورة ومع عوده تستحب الصلاة في زوايا الكعبة وعلى


(1) المصدر ج 4 ص 521. (2) التهذيب ج 1 ص 524، والفقيه كتاب الحج ب 134 ح 2. (3) الكافي ج 4 ص 521، والتهذيب ج 1 ص 425. (4) الكافي ج 4 ص 520، والتهذيب ج 1 ص 524.

[ 543 ]

الرخامة الحمراء، والطواف بالبيت واستلام الاركان والمستجار والشرب من زمزم، والخروج من باب الحناطين، والدعاء والسجود مستقبل القبلة والدعاء و الصدقة بتمر يشتريه بدرهم }. أما عدم جواز النفر في الاول إلا بعد الزوال فاستدل عليه بقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس وإن تأخرت إلى آخر أيام التشريق وهو يوم النفر الاخير فلا عليك أي ساعة نفرت ورميت قبل الزوال أو بعده) (1) وسئل أيضا في صحيح الحلبي (عن الرجل ينفر في النفر الاول قبل أن تزول الشمس فقال: لا ولكن يخرج ثقله إن شاء ولا يخرج هو حتى تزول الشمس) (2) وفي قبال ما ذكر ما في خبر زرارة من قول أبي جعفر عليهما السلام (لا بأس أن ينفر الرجل في النفر الاول قبل الزوال) (3) وقد حمل على الضرورة مضافا إلى ضعف السند وعدم الجابر. وأما استحباب الخطبة للامام والتعليم فلم يذكر لهما وجه ومن ذكرهما من الاعلام لعلهم عثروا بما لم نعثر عليه. وأما التكبير فقد مر الكلام فيه في كتاب الصلاة. وأما الاختيار بعد قضاء المناسك في العود إلى مكة والانصراف حيث يشاء فلا خلاف فيه ولا إشكال وتدل عليه النصوص كخبر الحسين بن على السري (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تري في المقام بمنى بعد ما ينفر الناس فقال: إن كان قضى نسكه فليقم ما شاء وليذهب حيث شاء) (4). وأما استحباب العود لوداع البيت فللصحيح عن معاوية بن عمار عن


(1) الكافي ج 4 ص 520، والفقيه كتاب الحج ب 134 ح 1، والتهذيب ج 1 ص 524. والاستبصار ج 2 ص 300. (2) الفقيه كتاب الحج ب 134 ح 8. (3) التهذيب ج 1 ص 524 والاستبصار ج 2 ص 301. (4) التهذيب ج 1 ص 524، والكافي ج 4 ص 541.

[ 544 ]

أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أردت أن تخرج من مكة فتأتي أهلك فودع البيت وطف بالبيت أسبوعا - الحديث) (1). وأما استحباب دخول الكعبة فيدل عليه ما روي في الكافي عن علي بن خالد عمن حدثه عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كان يقول الداخل الكعبة يدخل والله راض عنه ويخرج عطلا عن الذنوب) (2) وعن ابن القداح عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: (سألته عن دخول الكعبة؟ قال: الدخول فيها دخول في رحمة الله، و الخروج منها خروج من الذنوب، معصوم فيما بقي من عمرة، مغفور له ما سلف من ذنوبه) (3). ويدل على تأكده بالنسبة إلى الصرورة ما رواه ثقة الاسلام (قده) في الصحيح عن سعيد الاعرج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لابد للصرورة أن يدخل البيت قبل أن يرجع - الحديث) (4) وعن أبان بن عثمان عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام وأن يدخل البيت) (5) وحمل بعض الاخبار الظاهر في نفي الاستحباب لغير الصرورة على عدم تأكد الاستحباب. وأما استحباب الصلاة في زوايا الكعبة بعد العود فيدل عليه ما رواه ثقة - الاسلام (قده) في الصحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أردت دخول الكعبة فاغتسل قبل أن تدخلها ولا تدخلها بحذاء، وتقول إذا دخلت: اللهم إنك (قلت ومن دخله كان آمنا) فآمني من عذاب النار. ثم تصلي ركعتين


(1) الكافي ج 4 ص 530، والتهذيب ج 1 ص 526. (2) و (3) المصدر ج 4 ص 527 وفى القاموس: عطلت المرأة كفرح - عطلا - بالتحريك - إذا لم يكن عليها حلى فهى عاطل وعطل - بضمتين - والاعطال من الخيل و الابل التى لا قائد عليها ولا أرسان لها والتى لاسمه عليها. والرجال لاصلاح معهم واحدة الكل عطل - بضمتين. (4) الكافي ج 4 ص 529. (5) الكافي ج 4 ص 496، والتهذيب ج 1 ص 526.

[ 545 ]

بين الاسطوانتين على الرخامة الحمراء تقرء في الركعة الاولى حم السجدة وفي الثانية عدد آياتها من القرآن وتصلي في زواياه - الحديث) (1) وأما الطواف والاستلام فيدل على استحبابهما الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا أردت أن تخرج من مكة فتأتي أهلك فودع البيت وطف بالبيت أسبوعا وإن استطعت أن تستلم الحجر الاسود والركن اليماني في كل شوط فافعل) (2) والصحيح عنه في دعاء الولد قال: (افض عليك دلوا من ماء زمزم ثم ادخل البيت، فإذا قمت على باب البيت فخذ بحلقة الباب ثم قل: (اللهم إن البيت بيتك والعبد عبدك وقد قلت (من دخله كان آمنا) فآمني من عذابك و أجرني من سخطك) ثم ادخل البيت فصل على الرخامة الحمراء ركعتين ثم قم إلى الاسطوانة التي بحذاء الحجر وألصق بها صدرك - الحديث) (3) وعن معاوية في الصحيح قال: (رأيت العبد الصالح عليه السلام دخل الكعبة فصلى ركعتين على الرخامة الحمراء ثم قام فاستقبل الحائط بين الركن اليماني والغربي فرفع يده عليه ولصق به ودعا، ثم تحول إلى الركن اليماني فلصق به ودعا، ثم أتى الركن الغربي فرفع يده عليه، ثم خرج) (4) وعن أبي إسماعيل قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: هو ذا أخرج جعلت فداك فمن أين أودع البيت؟ قال: تأتي المستجار بين الحجر والباب فتودعه من ثمة، ثم تخرج فتشرب من ماء زمزم ثم تمضي، فقلت: أصب على رأسي؟ فقال: لا تقرب الصب) (5) وعن علي بن مهزيار في الصحيح قال: (رأيت أبا جعفر الثاني عليه السلام في سنة خمس عشرة ومائتين ودع البيت بعد ارتفاع الشمس فطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كل شوط، فلما


(1) الكافي ج 4 ص 528 والتهذيب ج 1 ص 525. (2) و (3) الكافي ج 4 ص 530 تحت رقم 11 و 1. على الترتيب. والتهذيب ج 1 ص 526. (5) الكافي ج 4 ص 529، والتهذيب ج 1 ص 526 وفيه عن الحسين بن سعيد. (4) الكافي ج 4 ص 532.

[ 546 ]

كان في الشوط السابع استلمه واستلم الحجر ومسح بيده، ثم مسح وجهه بيده ثم أتى المقام وصلى خلفه ركعتين ثم خرج إلى دبر الكعبة إلى الملتزم فالتزم البيت وكشف الثوب عن بطنه، ثم وقف عليه طويلا ثم خرج من باب الحناطين وتوجه - الحديث) (1). أقول: استفادة استحباب الخروج من باب الحناطين بخصوصه من مثل هذا الخبر مشكل لان الخروج من باب لابد منه فاختيار باب خاص لا دليل على استحبابه، وعن إبراهيم بن أبي محمود في الصحيح قال: (رأيت أبا الحسن عليه السلام ودع البيت فلما أراد أن يخرج من باب المسجد خر ساجدا ثم قام فاستقبل الكعبة فقال: (اللهم إنى أنقلب على ألا إله إلا أنت) (2). وروي الصدوق في الصحيح عن معاويه بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يستحب للرجل والمرأة أن لا يخرجا من مكة حتى يشتريا بدرهم تمرا فليتصدقا به لما كان منهما في إحرامهما ولما كان منهما في حرم الله عزوجل). (3) { ومن المستحب التحصيب، والنزول بالمعرس على طريق المدينة، وصلاة ركعتين به، والعزم على العود، ومن المكروهات المجاورة بمكة، والحج على الابل الجلال، ومنع دور مكة من السكنى، وأن يرفع البناء فوق الكعبة و الطواف للمجاور بمكة أفضل من الصلاة، والمقيم بالعكس }. أما استحباب التحصيب أي النزول في وادي المحصب فقد صرح به غير واحد من الاصحاب قال معاوية بن عمار في حديث قال: (إذا نفرت وانتهيت إلى الحصبا وهي البطحاء وشئت أن تنزل قليلا فإن أبا عبد الله عليه السلام قال: (كان أبي عليه السلام ينزلها ثم يرتحل فيدخل مكة من غير أن ينام بها، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما نزلها حيث بعث بعائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت لمكان العلة التي أصابتها فطافت بالبيت ثم سعت، ثم رجعت فارتحل من


(1) الكافي ج 4 ص 532. (2) الكافي ج 4 ص 531. (3) الفقيه كتاب الحج ب 135 ح 1.

[ 547 ]

يومه) (1) وفي خبر أبي مريم، عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سأل عن الحصبة فقال: كان أبي عليه السلام ينزل الابطح قليلا ثم يجئ فيدخل البيوت من غير أن ينام بالابطح فقلت له: أرأيت من تعجل في يومين إن كان من أهل اليمن عليه أن يحصب؟ قال: لا) (2) و (قال كان أبي ينزل الحصبة قليلا ثم يرتحل وهو دون خبط وحرمان) (3) وفي الفقة المنسوب إلى الرضا عليه السلام (فإذا رميت الجمار يوم الرابع ارتفاع النهار فامض منها إلى مكة فإذا بلغت مسجد الحصبة دخلته استلقيت فيه على قفاك على قدر ما تستريح) (4) وفي دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (يستحب لمن نفر من منى أن ينزل بالمحصب وهي البطحاء فيمكث بها قليلا، ثم يرتحل بها إلى مكة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك فعل وكذلك كان أبو جعفر عليه السلام يفعله وفسر التحصيب بالنزول بمسجد الحصبة) (5) وقال ابن إدريس (قده): ليس للمسجد أثر الان فتأدى هذه السنة بالنزول في المحصب من الابطح وهو ما بين العقبة وبين مكة انتهى. والمستفاد من النصوص استحباب النزول في المحصب الذي هو الوادي لا المسجد. وأما استحباب النزول بالمعرس وصلاة ركعتين فتدل عليه النصوص منها حسن معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام (إذا انصرفت من مكة إلى المدينة فانتهيت إلى ذي الحليفة وأنت راجع إلى المدينة من مكة فائت معرس النبي صلى الله عليه وآله فإن كنت في وقت صلاة مكتوبة أو نافلة فصل فيه، وإن كان في غير وقت صلاة مكتوبة فأنزل فيه قليلا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان يعرس فيه ويصلي فيه) (6) وفي


(1) الكافي ج 4 ص 520 تحت رقم 3، والتهذيب ج 1 ص 525 واللفظ له. (2) التهذيب ج 1 ص 525، والكافي ج 4 ص 523، والفقيه كتاب الحج ب 135 ح 1. (3) الفقيه كتاب الحج ب 135 ح 1. (4) مثله في المقنع كما في المستدرك ج 2 ص 186. (5) المستدرك ج 2 ص 186. (6) الفقيه كتاب الحج ب 155 نزول معرس النبي صلى الله عليه وآله، والكافي ج 4 ص 565.

[ 548 ]

الموثق عن ابن فضال قال: (قال علي بن أسباط لابي الحسن عليه السلام: إنا لم نكن عرسنا فأخبرنا ابن القاسم بن الفضيل أنه لم يكن عرس وأنه سألك فأمرته بالعود إلى المعرس ليعرس فيه؟ فقال: نعم، فقال له: فإذا انصرفنا فعرسنا فأي شئ نصنع؟ فقال: تصلي فيه وتضطجع وكان أبو الحسن عليه السلام يصلي بعد العتمة فيه، فقال له محمد: فإن مربه في غير صلاة مكتوبة، قال: بعد العصر، فقال: سئل أبو - الحسن عليه السلام عن ذا فقال: ما رخص في هذا إلا في ركعتي الطواف فإن الحسن ابن علي عليهما السلام فعله فقال: يقيم حتى يدخل وقت الصلاة قال: فقلت له: جعلت فداك فمن مر به بليل أو نهار يعرس فيه أو إنما التعريس بالليل، فقال: إن مر به بليل أو نهار فليعرس فيه) (1). وأما استحباب العزم على العود فلاخبار الدعاء بأن لا يجعله آخر العهد به وقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر عبد الله بن سنان (من خرج من مكة و هو ينوي الحج من قابل زيد في عمره) (2). وأما كراهة المجاورة بمكة فقد عللت بوجوه كخوف الملالة وخوف ملابسة الذنب وغيرهما مما هو مذكور في الاخبار مضافة إلى قول الباقر عليه السلام على المحكي في صحيح ابن مسلم (لا ينبغى للرجل أن يقيم بمكة سنة، قلت: كيف يصنع؟ قال: يتحول عنها) (3) وإلى صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) فقال كل الظلم فيه إلحاد حتى لو ضربت خادمك ظلما خشيت أن يكون إلحادا) (4) ولا يخفى بالفرق بين الكراهة الذاتية والعرضية، ولعل ما في صحيح ابن مسلم أيضا ناظر إلى


(1) الكافي ج 4 ص 566. (2) الكافي ج 4 ص 281. (3) الكافي ج 4 ص 230، والفقيه كتاب الحج ب 4 ح 43، وعلل الشرايع ص 153، والتهذيب ج 1 ص 575. (4) التهذيب ج 1 ص 567.

[ 549 ]

العرضية فلا منافاة بينها وبين صحيح ابن مهزيار (سألت أبا الحسن عليه السلام المقام بمكة أفضل أو الخروج إلى بعض الامصار؟ فكتب عليه السلام المقام عند بيت الله أفضل) (1). وأما كراهة على الابل الجلالة فلخبر إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (أن عليا عليه السلام كان يكره الحج والعمرة على الابل الجلالات) (2). وأما كراهة منع دور مكة من السكنى فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن الحسين بن أبي العلاء أن معاوية أول من علق على بابه المصراعين بمكة فمنع حاج بيت الله ما قال الله عزوجل (سواء العاكف فيه والباد) وكان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على الحاضر حتى يقضى حجه - الحديث) (3) وقال أيضا في حسنه الاخر على المحكي في قوله تعالى (سواء - الاية) كانت مكة ليس على شئ منها باب وكان أول من علق على بابه المصراعين معاويه بن أبي سفيان وليس ينبغي لاحد أن يمنع الحاج شيئا من الدور والمنازل) (4). وأما كراهة رفع البناء فوق الكعبة فلقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في صحيح ابن مسلم لا ينبغي لاحد أن يرفع بناء فوق الكعبة) (5). وأما أفضلية الطواف للمجاور من الصلاة وأفضلية الصلاة من الطواف للمقيم فلخبر حريز أو صحيحه (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطواف لغير أهل مكة ممن جاور بها أفضل أو الصلاة؟ قال: الطواف للمجاورين أفضل والصلاة لاهل مكة والقاطنين بها أفضل من الطواف) (6) وصحيح حفص وحماد وهشام عنه


(1) التهذيب ج 1 ص 583. (2) التهذيب ج 1 ص 572، والكافي ج 4 ص 543. والفقيه كتاب الحج ب 152 ح 3. (3) الكافي ج 4 ص 243 ونحوه في التهذيب ج 1 ص 567. (4) التهذيب ج 1 ص 567. (5) الكافي ج 4 ص 230 والفقيه كتاب الحج ب 4 ح 43. (6) التهذيب ج 1 ص 574.

[ 550 ]

أيضا (إذا قام الرجل بمكة سنة فالطواف أفضل، وإذا قام سنتين خلط من هذا وهذا وإذا قام ثلاث سنين فالصلاة أفضل) (1) ويظهر منه تحديد المجاورة بسنة. { واللواحق أربعة: الاول من أحدث والتجأ إلى الحرم لم يقم عليه حد لجنايته ولا تعزير وضيق عليه في المطعم والمشرب ليخرج ولو أحدث في الحرم قوبل بما يقتضيه جنايته }. ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا في الحل، ثم دخل في الحرم فقال: لا يقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد، قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق؟ قال: يقام عليه الحد في الحرم صاغرا لانه لم ير للحرم حرمة وقد قال الله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فقال: هذا هو في الحرم، وقال (لا عدوان إلا على الظالمين) (2) وسأله الحلبي أيضا في الحسن عن قول الله عزوجل (ومن دخله كان آمنا) قال: إذا أحدث العبد جناية في غير الحرم ثم فر إلى الحرم لم يسع لاحد أن يأخذه في الحرم ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فإنه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ. وإذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لانه لم يرع للحرم حرمة) (3) ولا يخفى أن ظاهر الخبرين كغيرهما المنع من الاطعام والسقي والبيع وغيرهما لا التضيق. { الثاني لو ترك الحاج زيارة النبي صلى إليه عليه وآله وسلم أجبروا على ذلك وإن كانت ندبا لانه جفاء، الثالث للمدينة حرم وحده من عائر إلى وعير لا يعضد شجره


(1) التهذيب ج 1 ص 574. (2) الكافي ج 4 ص 227 والتهذيب ج 1 ص 579. (3) الوسائل كتاب الحج ابواب مقدمات الطواف ب 14 ح 13 دون قوله (لانه لم يرع الخ) وهذه الزيادة في حديث حفص البخترى المروى عن علل الشرايع في الوسائل الباب تحت رقم 1.

[ 551 ]

ولا بأس بصيده إلا ما صيد بين الخرتين. الرابع يستحب الغسل لدخولها، وزيارة النبي صلى الله عليه وآله استحبابا موكدا، وزيارة فاطمة عليها السلام من الروضة والائمة عليهم السلام بالبقيع، والصلاة بين القبر والمنبر وهو الروضة، وأن يصام بها الاربعاء ويومان بعده للحاجة، وأن يصلي ليلة الاربعاء عند أسطوانة أبي لبابة، وليلة الخميس عند الاسطوانة التي تلي مقام الرسول صلى الله عليه وآله، والصلاة في المساجد كلها وإتيان قبور الشهداء خصوصا قبر حمزة }. أما الاجبار في صورة الترك فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح حفص وهشام وحسين الاحمسي وغيرهم (لو أن الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي صلى الله عليه وآله لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين) (1) وقد يستظهر من هذا الصحيح وجوب الاجبار على الوالي وعلى الحاج وعلى المقام في الحرمين على الكفاية، ونوقش فيه بأن ذلك لا يدل على الوجوب الذي عقابه أخروي بخلافه فإن عقابه وهو الاجبار دنيوي، وأجيب بوضوح فساد المناقشة ضرورة عدم مشروعية الاجبار على غير الواجب، ويمكن أن يقال: لا منافاة بين الاجبار وعدم وجوب الشئ المجبر عليه ألا ترى أن الولي يمنع الصغير عن بعض الامور مع عدم الحرمة عليه كما أدعي الاتفاق على إجبار أهل البلد على الاذان مع ترك الكل. وقد يستدل بكون الترك جفاء محرما للنبوي (من أتى مكة حاجا ولم يزرني إلى المدينة جفاني) (2) وفي خبر أبي حجر الاسلمي عن أبي عبد الله عليه السلام المروي في الكافي قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من أتى مكة حاجا ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائرا وجبت له شفاعتي، ومن أوجبت له شفاعتي وجبت له الجنة، ومن مات في أحد الحرمين مكة والمدينة لم يعرض ولم يحاسب، ومن


(1) الكافي ج 4 ص 272، والتهذيب ج 1 ص 573، والفقيه كتاب الحج ب 86 ح 1. (2) الهداية طبع قم ص 67 نحوه.

[ 552 ]

مات مهاجرا إلى الله عزوجل حشر يوم القيامة مع أصحاب بدر) (1). ولا يخفى الاشكال في استفادة الوجوب مما ذكر والشاهد عليه الاخبار الراجعة إلى استحباب الكون على الطهارة حيث عبر بالجفاء فيمن أحدث ولم يتوضأ ومن توضأ ولم يصل مع أنه لا إشكال في الاستحباب، وأما ثبوت الحرم للمدينة فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية قال: رسول الله صلى الله عليه وآله (إن مكة حرم الله تعالى شأنه حرمها إبراهيم عليه السلام، وإن المدينة حرمي ما بين لابتيها حرم لا يعضد شجرها وهو ما بين ظل عائر إلى ظل وعير، وليس صيدها كصيد مكة يؤكل هذا ولا يؤكل ذلك وهو بريد) (2) ولعل المراد بظل وعير فيئه كما رواه الصدوق مرسلا. (3) قيل: والتعبير بظلهما للتنبيه على أن الحرم داخلهما بل بعضه، وقال أيضا في خبر الصيقل قال (قال أبو عبد الله عليه السلام: كنت جالسا عند زياد بن عبد الله وعنده ربيعة الرأي، فقال له زياد: يا ربيعة ما الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة؟ فقال له: بريد في بريد، فقال لربيعة: وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أميال؟ فسكت ولم يجبه، فأقبل علي زياد فقال: يا أبا عبد الله فما تقول أنت؟ قلت: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة ما بين لابتيها، قال: وما بين لابتيها؟ قلت: ما أحاطت به الحرار، قال: وما حرم من الشجر؟ قلت: من عير إلى وعير، قال صفوان قال ابن مسكان قال الحسن: فسأله رجل وأنا جالس فقال له: وما بين لابتيها؟ قال: ما بين الصورين إلى الثنية) (4). وروى الصدوق (قده) في كتاب معاني الاخبار في الصحيح عن معاوية ابن عمار قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما بين لابتي المدينة ظل عائر إلى ظل.


(1) المصدر ج 4 ص 548 تحت رقم 5، والفقيه كتاب الحج ب 157 ح 1. (2) الكافي ج 4 ص 564، والتهذيب ج 2 ص 5. (3) الفقيه كتاب الحج ب 156 ح 3. (4) الكافي ج 4 ص 564، والتهذيب ج 2 ص 5. ومعانى الاخبار باب العرق و اللابتين ص 337.

[ 553 ]

وعير حرم، قلت: طائرة كطائر مكة؟ قال: لا ولا يعضد شجرها) (1) والاخبار المذكورة ظاهرة في تحريم قطع الشجر ولا تعارض بينها وأما الصيد فيحرم بحسب بعضها ويظهر من بعضها عدم الحرمة. وما يقال من التفصيل بين الصيد وأكل اللحم فيحرم الاول دون الثاني وصحيح معاوية السابق يدل على الجواز الاكل دون الصيد يشكل من جهة أن قوله عليه السلام على المحكي (ليس صيدها كصيد مكة) ظاهر في نفى حرمة الاصطياد وغيره من الاكل والامساك فلعل قوله عليه السلام بعده يؤكل هذا متفرع عليه لا أن يكون صارفا لقوله إلى خصوص الاكل وثانيا لا مجال لما ذكر مع قوله عليه السلام على المحكي في الصحيح الثاني (لا) بعد قول السائل (طائره كطائر مكة) ولا بأس بالحمل على الكراهة جمعا، كما أنه يشكل التفصيل المذكور في المتن حيث حكم بحرمة ما صيد بين الحرمين، ولعل المستند قول الصدوق رحمه الله تعالى (وروي أنه يحرم من صيد المدينة ما صيد بين الحرتين) (2) وما في التهذيب عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يحرم من صيد المدينة صيد ما بين الحرتين) (3). ونحوه صحيح آخر وذلك لبعد تخصيص الاخبار المجوزة فلابد إما من حمل الحرمة على الكراهة أو التعارض. وأما استحباب الغسل لدخول المدينة فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في خبر عمار (إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها، ثم تأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله - الحديث) (4). وأما استحباب زيارة النبي صلى الله عليه وآله فقد عد من ضروريات الدين ولذا يجبر الامام عليه السلام لو تركوها قال هو صلى الله عليه وآله على المحكي (من زار قبري بعد موتى كمن هاجر إلي في حياتي فإن لم يستطيعوا فابعثوا إلى السلام فإنه يبلغني) (5).


(1) و (2) المصدر ص 338. (3) التهذيب ج 2 ص 5 والفقيه كتاب الحج ب 156 ح 5. (4) الكافي ج 4 ص 550، وكامل الزيارات ص 15. (5) التهذيب ج 2 ص 2، والمقنعة ص 72.

[ 554 ]

وقال أيضا (من زارني أو زار أحدا من ذريتي زرته يوم القيامة فأنقذته من أهوالها) (1) ومنه يستفاد استحباب زيارة غير المعصومين عليهم السلام من ذريته وقال صلى الله عليه وآله أيضا لعلي صلوات الله عليه: (يا علي من زارني في حياتي أو بعد موتي أو زارك في حياتك أو بعد موتك أو زار ابنيك في حياتهما أو بعد مماتهما ضمنت له يوم القيامة أن أخلصه من أهوالها وشدائدها حتى أصيرة معي في درجتي) (2). وأما استحباب زيارة فاطمة عليها الصلاة والسلام من الروضة فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في مرسل ابن أبي عمير (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة لان قبر فاطمة عليها السلام بين قبره ومنبره، وقبرها روضة من رياض الجنة وإليه ترعة من ترع الجنة) (3) وفي صحيح البزنطي الذي رواه المشايخ الثلاثة بل رواه الصدوق منهم في الفقيه والعيون ومعاني الاخبار (سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قبر فاطمة عليها السلام قال: دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد) (4). وأما استحباب زيارة الائمة عليهم السلام بالبقيع فهو من ضروريات المذهب مضافا إلى النصوص المتواترة وقيل للصادق عليه السلام (ما لمن زار واحد منكم فقال: كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله (5) وقال الرضا عليه السلام على المحكي في خبر الوشاء (إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته، وإن من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة) (6).


(1) كامل الزيارات ص 11. (2) المصدر ص 11 والكافي ج 4 ص 579، والفقيه كتاب الحج ب 158 ح 6. (3) معاني الاخبار ص 267. (4) الكافي ج 1 ص 461، والتهذيب ج 1 ص 326. والفقيه كتاب الحج ب 157 ح 6. والعيون ص 173 والمعاني 268. (5) الكافي ج 4 ص 579 والتهذيب ج 2 ص 28 و 32. (6) كامل الزيارات ص 122.

[ 555 ]

وقال الحراني قلت لابي عبد الله: (ما لمن زار الحسين عليه السلام؟ قال: من أتاه و زاره وصلى عنده ركعتين كتبت له حجة مبرورة، فإن صلى عنده أربع ركعات كتبت له حجة وعمرة، قلت: جعلت فداك: وكذلك كل من زار إماما مفترضة طاعته؟ قال: وكذلك كل من زار إماما مفترضة طاعته) (1). وأما استحباب الصلاة بين القبر والمنبر فلم نقف عليه بالخصوص غير جهة وقوعها في مسجد النبي صلى الله عليه وآله حيث (أن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام) (2) على دليل نعم قال جميل بن دراج لابي عبد الله عليه السلام (الصلاة في بيت فاطمة عليها السلام مثل الصلاة في الروضة؟ قال: وأفضل) (3). وأما استحباب أن يصام بها فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الاربعاء وتصلي ليلة الاربعاء عند أسطوانة أبي لبابة وهي أسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء، وتقعد عندها يوم الاربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ليلتك ويومك وتصوم يوم الخميس، ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي ومصلاة ليلة الجمعة فتصلي عندها ليلتك ويومك وتصوم يوم الجمعة، فإن استطعت أن لا تتكلم بشئ في هذه الايام فافعل إلا ما لابد لك منه، ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة ولا تنام في ليل ولا نهار فافعل فإن ذلك مما يعد فيه الفضل، ثم أحمد الله في يوم الجمعة واثن عليه، وصل على النبي صلى الله عليه وآله حاجتك وليكن فيما تقول (اللهم ما كانت لي إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع سألتكها أن لم أسألكها فإني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وآله في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها فإنك حري أن تقضى حاجتك إن شاء الله) (4) ومنه يظهر استحباب الصلاة ليلة الاربعاء الخ.


(1) كامل الزيارات ص 160، والتهذيب ج 2 ص 28. (2) التهذيب ج 2 ص 5. (3) راجع الوسائل ابواب احكام المساجد. (4) التهذيب ج 2 ص 6.

[ 556 ]

وقال الصادق عليه السلام على المحكي في صحيحه الاخر (صم الاربعاء والخميس والجمعة وصل ليلة الاربعاء ويوم الاربعاء عند الاسطوانة التي تلي رأس النبي صلى الله عليه وآله وليلة الخميس ويوم الخميس عند اسطوانة أبي لبابة وليلة الجمعة ويوم الجمعة عند الاسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله وادع بهذا الدعاء لحاجتك وهو (اللهم إنى أسألك بعزتك وقوتك وقدرتك وجميع ما أحاط به علمك أن تصلي على محمد وآل محمد [ وعلى أهل بيته - خ ل ] وأن تفعل بي كذا وكذا) (1). وأما استحباب الصلاة في المساجد كلها فلعله لقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (لا تدع إتيان المساجد كلها مسجد قبا فإنه المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، ومشربة أم إبراهيم، ومسجد الفضيخ وقبور الشهداء ومسجد الاحزاب وهو مسجد الفتح، قال: وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله إذا أتى قبور الشهداء قال: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) وليكن فيما تقول عند مسجد الفتح (يا صريخ المكروبين، ويا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي كما كشفت عن نبيك همه وغمه وكفيته هول عدوه في هذا المكان) (2) بل ينبغي ملاحظة الترتيب الذي رواه عقبة بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام أنا نأتي المساجد التى حول المدينة فبأيها أبدء، فقال: ابدء بقبا فصل فيه وأكثر فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه العرصة، ثم ائت مشربة أم إبراهيم فصل فيها فإنها مسكن رسول الله صلى الله عليه وآله ومصلاة، ثم تأتي مسجد الفضيخ فتصلي فيه فقد صلى فيه نبيك صلى الله عليه وآله فإذا قضيت هذا الجانب أتيت جانب أحد فبدأت بالمسجد الذي دون الحيرة فصليت فيه ثم مررت بقبر حمزة بن عبد المطلب فسلمت عليه، ثم مررت بقبور الشهداء فقمت عندهم فقلت: (السلام عليكم يا أهل الديار أنتم لنا فرط وإنا بكم لا حقون) ثم تأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جنب الجبل عن يمينك حتى تأتي أحدا فتصلي فيه فعنده خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى أحد حين لقى المشركين فلم يبرحوا حتى حضرت الصلاة فصلى


(1) الكافي ج 4 ص 558. (2) الكافي ج 4 ص 560. وكامل الزيارات ص 24، والتهذيب ج 2 ص 6.

[ 557 ]

فيه ثم مر أيضا حين ترجع فصل عند قبور الشهداء ما كتب الله لك، ثم امض على وجهك حتى تأتي مسجد الاحزاب فتصلى فيه - الحديث) (1). { المقصد الثاني في العمرة وهي واجبة في العمر مرة على كل مكلف بالشرائط المعتبرة في الحج وقد تجب بالنذر وشبهه والاستيجار والافساد والفوات وبدخول مكة عدا من يتكرر كالحطاب والحشاش والمريض وأفعالها ثمانية: النية والاحرام والطواف وركعتاه والسعي وطواف النساء وركعتاه والتقصير أو الحلق، وتصح في جميع أيام السنة وأفضلها رجب ومن أحرم بها في أشهر الحج ودخل مكة جاز أن ينوي بها التمتع ويلزمه الدم }. أما وجوب العمرة في الجملة فلا إشكال فيه ويدل عليه قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) قال زرارة في الصحيح: (قلت لابي جعفر عليه السلام: ما الذي يلى الحج في الفضل قال: العمرة المفردة ثم يذهب حيث شاء وقال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج فان الله تعالى يقول (وأتموا الحج والعمرة لله) وإنما نزلت العمرة في المدينة فأفضل العمرة عمرة رجب، وقال المفرد للعمرة إن اعتمر في رجب ثم أقام للحج بمكة كانت عمرته تامة وحجته ناقصة) (2) وقال الصادق عليه السلام على المحكي في قول الله عزوجل (وأتموا الحج والعمرة لله) قال: (هما مفروضان) (3) ولا إشكال أيضا في اشتراط وجوبها بشرائط وجوب الحج (4)، وإنما الاشكال في أنه مع استطاعة المكلف للعمرة وعدمها للحج هل تجب بالاستقلال أو يكون وجوبها منوطا باستطاعته للحج؟ قد يستظهر من أخبار الباب الاول بدعوى إطلاق الاخبار والاية ويستبعد هذا من عدم التعرض لخروج العمرة من أصل المال إذا مات المكلف ولم يأت بالعمرة مع استطاعته لها وعدم التعرض


(1) الكافي ج 4 ص 560. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 570 و 578. (4) يمكن أن يقال على فرض وجوب العمرة بالاستقلال لا دليل على اشتراط وجوبها بما اشترط في وجوب الحج بل يكون كالواجبات المطلقة الاخرى كأداء الدين ولا أظن أن يلتزم به، ثم ان ما ذكر في المتن من جعل النية من أفعال العمرة محل كلام ذكر في الاصول كما أن ما ذكر من كون طواف النساء وركعتيه في حقيقة العمرة يشكل حيث ان العمرة المتمتع بها لا يحتاج إلى طواف النساء وركعتيه كما أن العمرة التى بها يخرج من فسد حجه عن الاحرام لم يذكر فيها طواف النساء وركعتيه (منه رحمه الله).

[ 558 ]

لوجوبها على الاجير، مع أنه بعد قضاء العمل قادر على العمرة المفردة فلا يبعد أن يقال بعدم الاطلاق وإن الاية والاحبار في مقام أصل التشريع كالامر بالصلاة والصوم والزكاة في الكتاب العزيز وقد يفرق بين غير النائي والنائي بالوجوب على الاول مع عدم الاستطاعة للحج دون الثاني، ولا يخفى الاشكال فيه حيث إنه إن سلم الاطلاق فلابد من الالتزام بالوجوب عليهما ومع عدمه لا وجه للتفصيل، ومما يستشكل على الملتزمين بالوجوب أنهم قائلون بالفورية كما أنهم قائلون بوجوبها في العمر مرة واحدة فيلزم أن تجب على المستطيع للحج قبل أشهر الحرم مرتين. وأما الوجوب بالنذر وشبهه والاستيجار فوجهه واضح من جهة رجحانها في ذاتها وجواز أخذ الاجرة عليها كسائر العبادات، وأما الوجوب بالفوات أي فوات الحج فلان من فاته وجب عليه التحلل بعمرة ومن وجب عليه التمتع مثلا فاعتمر وفاته الحج فعليه حج التمتع من قابل وهو إنما يتحقق بالاعتمار قبله وكذلك من أفسد، ويمكن أن يقال ما دل على لزوم التحلل بعمرة إرشاد إلى كيفية خروجه عن الاحرام من بدون لزوم العمرة فإن بقي على الاحرام إلى العام القابل فلا بأس. وأما الوجوب لدخول مكة عدا ما ذكر فإن وجب الدخول وجبت العمرة مقدمة للواجب ومع عدم وجوب الدخول يكون وجب العمرة كوجوب الطهارة للنافلة بمعنى اشتراط جواز الدخول بالاعتمار، وأما أفعالها الثمانية فلا خلاف في شئ منها فتوى ونصا إلا في وجوب طواف النساء وقد سبق الكلام في العمرة التي يتحلل بها بعد فوت الحج حيث لا تعرض للاخبار فيها لطواف النساء. وأما الصحة في جميع أيام السنة وأفضلية ما وقع في رجب فلقول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (المعتمر يعتمر في أي شهور السنة شاء وأفضل العمرة عمرة رجب) (1) وفي صحيحة الاخر عنه أيضا (سئل عليه السلام أي العمرة أفضل عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان؟ قال: لا بل عمرة في شهر رجب أفضل) (2) وأما


(1) الكافي ج 4 ص 536 تحت رقم 6. (2) الفقه كتاب الحج ب 113 ج 1.

[ 559 ]

جواز نية التمتع أحرم بها في أشهر الحج فللاخبار المعتبرة منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في قوي عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من دخل مكة معتمرا مفردا للعمرة فيقضي عمرته، ثم خرج كان له ذلك وإن أقام إلى أن يدرك الحج كانت عمرته متعة. وقال: وليس تكون متعة إلا في أشهر الحج) (1). وسأله أيضا يعقوب بن شعيب في الصحيح عن المعتمر في أشهر الحج فقال - على المحكي -: هي متعة) (2) وفي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام (من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله متي شاء إلا أن يدركه خروج الناس يوم التروية) (3) وظاهرة تعين عمرة التمتع إلا أنه يحمل على الاستحباب من جهة قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح ابن سنان (لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله) (4) وفي خبر اليماني بعد أن سأله عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم رجع إلى بلاده قال: (لا بأس وإن حج من عامه ذلك وأفراد الحج فليس عليه دم فإن الحسين بن علي عليهما السلام خرج يوم التروية إلى العراق وقد كان دخل معتمرا) (5) ويظهر خروجه عليه السلام يوم التروية من صحيح معاوية (" قلت لابي عبد الله عليه السلام: من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: إن المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء وقد اعتمر الحسين عليه السلام في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج) (6). { ويصح الاتباع إذا كان بين العمرتين شهر، وقيل: عشرة أيام، وقيل: لا يكون في السنة الا عمرة واحدة، ولم يقدر (عمل الهدى) بينهما حدا، و المتمتع بها تجزي عن المفردة، وتلزم من ليس من حاضري المسجد الحرام، ولا


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 571. (3) الفقيه كتاب الحج ب 111 ح 2. (4) و (5) الكافي ج 4 ص 535 والتهذيب ج 1 ص 571، والاستبصار ج 2 ص 327. (6) التهذيب ج 1 ص 527، والاستبصار ج 2 ص 328 والكافي ج 4 ص 535.

[ 560 ]

تصح إلا في أشهر الحج، ويتعين فيها التقصير، ولو حلق قبله لزمه شاة، وليس فيه طواف النساء } أما صحة الاتباع إذا كان بين العمرتين شهر فيدل عليه النصوص منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (كان علي عليه السلام يقول: لكل شهر عمر) (1) وفي صحيح ابن الحجاج عنه أيضا (في كتاب علي عليه السلام في كل شهر عمرة) (2). وأما القول بأنه لا يكون في السنة إلا عمرة واحدة فهو المحكي عن العماني لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (العمرة في كل سنة مرة) (3) وقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في صحيح حريز وزرارة: (لا يكون عمرتان في سنة) (4) وقد حملا على خصوص عمرة التمتع بملاحظة الاخبار المستفيضة. وأما القول بأن لكل عشرة عمرة فيدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في الموثق (السنة اثنى عشر شهرا يعتمر لكل شهر عمرة) (5) وعن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: (لكل شهر عمرة، قال: فقلت له: أيكون أقل من ذلك؟ قال: لكل عشرة أيام عمرة) (6) ولا تنافي بين مثله وبين ما دل على أن لكل شهر عمرة كما جمع بين الشهر والعشرة في هذا الخبر (7). وأما القول بعدم الحد من جهة الاطلاق وأنها الحج الاكبر والنبوي


(1) التهذيب ج 1 ص 455 و 571، والاستبصار ج 2 ص 156 و 326. (2) الكافي ج 4 ص 534. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 571، والاستبصار ج 2 ص 326. (5) و (6) الفقيه كتاب الحج ب 116 ح 1 و 2. (7) ويمكن أن يقال بعد ما لزم الاحرام لدخول مكة المشرفة لغير من استثنى والتفرفة بين من خرج من مكة المشرفة وأراد الرجوع في الشهر وبين من أراد الرجوع في الشهر الاخر وعدم لزوم الاحرام في الاول دون الثاني نستكشف مشروعية العمرة ولو كان يفصل بين العمرتين أقل من عشرة أيام كما لو أحرم في آخر شهر وأحل ثم خرج في أول شهر آخر واراد الرجوع إلى مكة المشرفة قبل انقضاء عشرة أيام، والظاهر أن الاخبار ناظرة إلى استحباب العمرة لا إلى المشروعية فلا تعارض بينها. (منه قدس سره).

[ 561 ]

(العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) (1) ويشكل استفادة الاطلاق مما ذكر. وأما إجزاء عمرة التمتع عن المفردة فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي (حيث سأله يعقوب بن شعيب في الصحيح عن قول الله عزوجل: (وأتموا الحج والعمرة لله) يكفي الرجل إذا تمتع بالعمرة إلى الحج مكان تلك العمرة المفردة قال: كذلك أمر رسول الله صلى إليه عليه وآله وسلم أصحابه (2)). وأما لزومها لمن لم يكن من حاضري المسجد الحرام فقد سبق الكلام فيه و كذلك عدم الصحة إلا في أشهر الحج كما أنه لا إشكال في لزوم التقصير فيها بالاجماع ويدل عليه النصوص منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية (ليس في المتعة إلا التقصير) (3). وأما لزوم الشاة مع الحلق فهو المشهور واستدل عليه بخبر أبي بصير (سأل الصادق عليه السلام عن المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه قال: عليه دم يهريقه فإذا كان يوم النحر أمر الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق) (4) وصحيح جميل عنه عليه السلام أيضا (في متمتع حلق رأسه بمكة إن كان جاهلا فليس عليه شئ وإن تعمد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شئ وإن تعمد بعد الثلاثين يوما التي يوفر فيه الشعر للحج فإن عليه دما يهريقه) (5) ولا يبعد حمل خبر أبي بصير الظاهر في عدم التعمد على الاستحباب والاخذ بمضمون الصحيج المذكور بالتفصيل المذكور فيه كما لا يبعد الاخذ بإطلاق الدم وعدم تعين الشاة وجواز الاكتفاء


(1) أخرجه احمد في المسند من حديث عامر بن ربيعة ج 3 ص 447 وج 2 ص 246 و 462. (2) التهذيب ج 1 ص 571، والاستبصار ج 2 ص 325. (3) التهذيب ج 1 ص 492. (4) التهذيب ج 1 ص 491، والاستبصار ج 2 ص 242، والفقيه كتاب الحج ب 60 ح 7. (5) الفقيه كتاب الحج ب 60 ح 11، والكافي ج 4 ص 441، والتهذيب ج 1 ص 491 و 460، والاستبصار ج 2 ص 242.

[ 562 ]

بالجدي. وأما عدم وجوب طواف النساء فلا إشكال فيه وقد تقدم الكلام فيه. { وإذا دخل مكة متمتعا كره له الخروج لانه مرتبط بالحج ولو خرج وعاد في شهره فلا حرج. وكذا لو أحرم بالحج وخرج بحيث إذا أزف الوقوف عدل إلى عرفات، ولو خرج لا كذلك وعاد في غير الشهر جدد عمرة وجوبا ويتمتع بالاخيرة دون الاولى }. قد سبق الكلام فيما ذكر. { المقصد الثالث: في اللواحق وهي ثلاثة الاولى في الاحصار والصد. المصدور من منعه العدو فإذا تلبس بالاحرام فصد نحر هديه وأحل من كل شئ أحرم منه ويتحقق الصد مع عدم التمكن من الوصول إلى مكة أو الموقفين بحيث لا طريق غير موضع الصد أو كان، لكن لا نفقة له ولا يسقط الحج الواجب مع الصد ويسقط المندوب، وفي وجوب الهدي على المصدود قولان أشبههما الوجوب فلا يصح بالتحلل إلا بالهدي ونية التحلل، وهل يسقط الهدي لو شرط حله حيث حبسه ففيه قولان أظهرهما أنه لا يسقط وفائدة الاشتراط جواز التحلل من غير توقع، وفي إجزاء هدي السياق عن هدي التحلل قولان أشبههما أنه يجزى }. أما التحلل بمحله مع صد العدو بعد التلبس بالاحرام فادعي عليه الاجماع مع عدم الطريق غير موضع الصد أو قصور النفقة ويدل عليه رواية معاوية بن عمار (أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين صده المشركون يوم الحديبية نحر و أحل ورجع إلى المدينة) (1) كرواية حمران عن أبي جعفر عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين صد بالحديبية قصر وأحل ونحر ثم انصرف منها) (2) وخبر زرارة عنه عليه السلام أيضا (المصدور يذبح حيث يشاء ويرجع صاحبه فيأتي النساء) (3) ثم إنه لا إشكال في تحقق الصد مع انحصار الطريق وأما مع عدم الانحصار وقصور


(1) التهذيب ج 1 ص 568، والفقيه كتاب الحج ب 151 ح 1. (2) الكافي ج 4 ص 368. (3) الكافي ج 4 ص 371 وفيه (المصدود يذبح حيث صد).

[ 563 ]

النفقة فيشكل حيث أنه كمن فقد النفقة بعد الاحرام والصد عن طريق خاص ليس صدا مطلقا شمول الاخبار لهذه الصورة ويشكل تحصيل الاجماع في هذه الصورة مع معلومية المدرك كما أنه مع عدم قصور النفقة وطول الطريق الابعد غير المصدود عنه بحيث يفوت ا لحج مع سلوكه لا يصدق الصد بل يندرج فيمن فاته الحج فيتحلل بالعمرة. وأما عدم سقوط الحج الواجب بأن كان الحج مستقرا وجوبه سابقا أو كان مستطيعا في السنة فوجهه واضح لعدم الاتيان بالمأمور به. وأما وجوب الهدي فهو المشهور واستدل باستصحاب حكم الاحرام إلى أن يعلم حصول التحلل وبالمرسل عن الصادق عليه السلام (المحصور والمضطر يذبحان بدنتيهما) (1) وبقوله تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) بناء على شمول الاحصار للصد وقيل: لا خلاف بين أهل التفسير في نزولها في حصر الحديبية و يشكل ما ذكر للاشكال في حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية وللكلام فيه محل آخر، والمرسل فمع الشبهة من جهة السند لا ظهور له بحيث يشمل المقام للتفرقة بين المحصور والمصدود بحسب بعض الاخبار والاضطرار وإن كان يصدق بوجه، لكنه بقرينة المقابلة مع المحصور لعله لم يرد المعنى الشامل للمصدود بل غير المحصور والمصدود كمن اضطر إلى الرجوع لعروض عارض، نعم لو حصل الوثوق من جهة إتفاق المفسرين بأن المراد من الاية الشريفة المعنى الاعم لكنه كيف يحصل الوثوق مع قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح معاوية بن عمار (المحصور غير المصدود، وقال: المحصور هو المريض والمصدود هو الذي يرده المشركون كما ردوا رسول الله صلى الله عليه وآله ليس من مرض، والمصدود تحل له النساء والمحصور لا تحل له النساء) (2) ويمكن الاستدلال للمشهور بما دل على توقف


(1) الفقيه كتاب الحج ب 150 ح 2. (2) معاني الاخبار ص 222، والفقيه كتاب الحج ب 150 ح 1، والكافي ج 4 ص 369، والتهذيب ج 1 ص 580.

[ 564 ]

التحلل على الاتيان بالمناسك فلا تحلل قبل الاتيان بها والقدر المتيقن خروجه عن تحته صورة ذبح الهدي ومعه لا مجال للتمسك بأصالة البراءة ولا حاجة إلى التمسك بالاستصحاب المقدم عليها هذا مضافا إلى موثق زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتي النساء - الحديث) (1) ثم إن لازم ما ذكر وإن كان الاحتياط عدم الاكتفاء بذبح المصدود أو نحره في محل صده بل لزوم البعث لكنه يكتفي به من جهة الاخبار الحاكية لفعل النبي صلى الله عليه وآله حيث صده المشركون والموثق المذكور آنفا. وأما نية التحلل فلم نجد وجها لوجوبها وما قيل في وجهه من أن الاعمال بالنيات، وأن التحلل عن إحرام فكما يفتقر الاحرام إلى القصد فيفتقر التحلل إلى القصد وأن الذبح يقع على وجوه فلا يتخصص إلا بالنية مخدوش بأن الاول لا يدل على اعتبار قصد التحلل، والثاني بأنه مصادرة، والثالث بكفاية قصد امتثال الامر الصادر من قبل الشارع في التخصص مع عدم الاشتراك، هذا أيضا مع تسليم لزوم قصد القربة فيه فحال الذبح والنحر في المقام حال التسليم في الصلاة ويكفي في رفع الشك إطلاق بعض الاخبار. وأما سقوط الهدي مع الاشتراط وعدمه فقد مر الكلام فيه في بحث أحكام الاحرام وأن الاظهر السقوط. وأما عدم إجزاء هدي السياق عن هدي التحلل فهو المنقول عن الصدوقين (قدهما) واستدل عليه بأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب والمحكي عن فقه الرضا صلوات الله عليه (فإذا قرن الرجل الحج أو العمرة فاحصر بعث هديا مع هديه ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله فإذا بلغ محله أحل، وانصرف إلى منزله وعليه الحج من قابل ولا يقرب النساء حتى يحج من قابل وإن صد رجل عن الحج وقد أحرم فعليه الحج من قابل ولا بأس بمواقعة النساء لان هذا مصدود وليس كالمحصور) (2) والمشهور كفاية ما ساقه مطلقا وإن وجب بإشعار وغيره و


(1) الكافي ج 4 ص 371. (2) ذيله في المستدرك ج 2 ص 135.

[ 565 ]

استدل عليه بقوله تعالى (فما استيسر من الهدي) حيث يصدق على المسوق مطلقا بعد الاتفاق ظاهرا على عدم الفرق بين المحصور والمصدود في المقام وخبر رفاعة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث (قلت: رجل ساق الهدي ثم أحصر قال: يبعث بهديه؟ قلت: هل يستمتع من قابل؟ قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) (1) وصحيحه عنه (2) وصحيج محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنهما قالا: (القارن يحصر وقد قال واشترط فحلني حيث حبستني؟ قال: يبعث بهديه، قلنا: هل يتمتع من قابل؟ قال: لا ولكن يدخل بمثل ما خرج منه) (3). ويمكن أن يقال أما التمسك بالاطلاق في الاية الشريفة فمبني على التداخل وعلى القول بعدم التداخل كيف يتمسك بالاطلاق، وأما الروايات فلعل نظر السائلين إلى حكم الهدي المسوق فأجيبوا بالبعث لكنه يبعد هذا بالنسبة إلى الصحيحين ومع هذا تبتنى المسألة على تحقق الاجماع على عدم الفرق بين المحصور والمصدود ومع الشك فيه لابد من التعدد وعدم التداخل، لكن في المقام إشكال آخر وهو أنه بناء على عدم الحاجة إلى الذبح والنحر مع الاشتراط كما هو الاقوى فلابد من حمل الصحيحين على الاستحباب فلا يكونان دليلين في صورة وجوب الذبح والنحر من جهة عدم الاشتراط. { والبحث في المعتمر إذا صد عن مكة كالبحث في الحاج والمحصور هو الذي يمنعه المرض فهو يبعث هديه لو لم يكن ساق ولو ساق اقتصر على هدي السياق، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله وهو منى إن كان حاجا، ومكة إن كان معتمرا، فهناك يقصر ويحل إلا من النساء حتى يحج في القابل إن كان واجبا أو يطاف عنه طواف النساء إن كان ندبا }. أما مساواة المعتمر مع الحاج فلاطلاق الاخبار ومورد الحكم من تلبس بالاحرام مع الاتيان بوظائفه سواء كان الاحرام للعمرة المفردة أو المتمتع بها أو الحج.


(1) الكافي ج 4 ص 371. (2) سيأتي. (3) التهذيب ج 1 ص 568.

[ 566 ]

وأما لزوم بعث الهدي على المحصور لو لم يكن ساق والاقتصار على هدي السياق وعدم التحلل إلى بلوغ الهدي محله فالظاهر أنه المشهور واستدل عليه بالاية الشريفة (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وبالاخبار منها صحيج معاويه بن عمار قال: (سألته عن رجل أحصر فبعث بالهدي؟ قال: يواعد أصحابه ميعادا فإن كان في الحج فمحل الهدي يوم النحر فإدا كان يوم النحر فليقص من رأسه ولا يجب عليه الحلق حتى يقضى المناسك، وإن كان في عمرة فلينتظر مقدار دخول أصحابه مكة والساعة التي يعدهم فيها فإذا كان تلك الساعة قصر وأحل وإن كان مرض في الطريق بعد ما أحرم فأراد الرجوع إلى أهله رجع ونحر بدنة أو أقام مكانه حتى يبرء إذا كان في عمرة، فإذا برء فعليه العمرة واجبة وإن كان عليه الحج فرجع أو أقام ففاته الحج فإن عليه الحج من قابل - إلى أن قال -: فإن الحسين بن علي عليهما السلام خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا عليه السلام ذلك وهو في المدينة فخرج في طلبه وأدركه بالسقيا وهو مريض بها فقال: يا بنى ما تشتكي قال: أشتكي رأسي فدعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها و حلق رأسه ورده إلى المدينة، فلما برء من وجعه اعتمر، قلت: أرأيت حين برء من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حلت له النساء؟ قال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا وبالمروة، قلت: فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله حين رجع من الحديبية حلت له النساء ولم يطف بالبيت؟ قال: ليسا سواء كان النبي صلى الله عليه وآله مصدودا والحسين عليه السلام محصورا) (1) ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا أحصر الرجل بعث بهديه فإذا أفاق ووجد من نفسه خفة - الحديث) (2) ومنها ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام وعن رفاعة في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام أنهما قالا: (القارن يحصر وقد قال واشترط فحلنى حيث حبستني؟ قال: يبعث بهديه، قلنا:


(1) التهذيب ج 1 ص 567، والكافي ج 4 ص 369. (2) الكافي ج 4 ص 370، والتهذيب ج 1 ص 567.

[ 567 ]

هل يتمتع من قابل قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) (1) ومنها ما رواه في التهذيب عن زرعة قال: (سألته عن رجل أحصر في الحج قال: فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه ومحله أن يبلغ الهدي محله ومحله منى يوم النحر إذا كان في الحج وإن كان في عمرة نحر بمكة وإنما عليه أن يعدهم لذلك يوما فإذا كان ذلك اليوم فقد وفي وإن اختلفوا في الميعاد لم يضره إن شاء الله تعالى - الحديث) (2). وفي قبال هذه الاخبار ما يدل على خلافها منها ما في ذيل صحيح معاوية المذكور حيث ذكر فيه اعتمار الحسين عليه السلام وما فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه من النحر في ذلك المكان، ومنها ما رواه الصدوق (قده) في الصحيح عن رفاعة ابن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (خرج الحسين عليه السلام معتمرا وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه، ثم أقبل حتى جاء فضرب الباب، فقال علي عليه السلام ابني ورب الكعبة افتحوا له، وكانوا قد حموا له الماء فأكب عليه وشرب ثم اعتمر بعد) (3) ومنها ما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (في المحصور ولم يسق الهدي قال: ينسك ويرجع فإن لم يجد ثمن هدي صام) (4) ولا يبعد الجمع بحمل ما دل على وجوب البعث على صورة سياق الهدي وما دل على جواز الذبح والنحر في مكانه على غير هذه الصورة، والشاهد عليه التقييد المذكور في الصحيح المذكور آنفا حيث قال في المحصور ولم يسق الهدي، (5) وما في الرواية المروية بنقل الشيخ والكافي عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام حيث حكى حج رسول الله صلى الله عليه وآله من قول رسول الله صلى الله عليه وآله إن هذا جبرائيل - وأوما بيده إلى خلفه - يأمرني أن آمر من لم يسق منكم هديا أن يحل ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم ولكني سقت الهدي، ولا ينبغى لسايق الهدي أن يحل حتى


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 568. (3) الفقيه كتاب الحج ب 150 ح 5. (4) الكافي ج 4 ص 370، وحج الفقيه ب 150 ح 3. (5) هذا يتم ان كان التقييد في كلام الامام عليه السلام واما لو كان في كلام الراوى فلا يفيد. (منه قدس سره).

[ 568 ]

يبلغ الهدي محله) (1) نعم ربما ينافى هذا صحيح رفاعة المذكور، ولعله محمول على الاضطرار من ابتلاء الحسين عليه السلام بالمرض بحيث يشق عليه الصبر إلى بلوغ الهدي المسوق إلى محله. وأما حمل جميع الاخبار المذكورة على صورة الاضطرار فبعيد جدا ويمكن أن يكون ما في صحيح رفاعة من جهة اشتراط الحسين صلوات الله عليه (2). وأما تعيين المحل وعدم حلية النساء فقد ظهرا مما ذكر من الاخبار. وأما كفاية طواف النائب في الحج المندوب فقد يستدل عليها بمشروعية الاستنابة في صورة نسيان طواف النساء، والبقاء على تحريم النساء ضرر عظيم و الحج المندوب لا يجب العود فيه لاستدراكه فيتعين جواز الاستنابة، واستشكل في المدارك لاطلاق قوله عليه السلام (لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة) وأورد عليه بأن الاطلاق المزبور لا ينافي التقييد بطواف النائب فيه بعد معلومية مشروعية النيابة مع التمكن من الرجوع في غير المقام حتى في الحج الواجب، قلت: مجرد مشروعية النيابة في صورة النسيان أو غيرها لا يثبت بها مشروعيتها النيابة مطلقا ألا ترى أن مشروعية النيابة في الحج الواجب عن العاجز لا تثبت مشروعيتها عن غير العاجز ولذا لم يلتزموا بجواز الاستنابة في المقام في الحج الواجب، وما قيل من أن الحج المندوب لا يجب العود فيه لاستدراكه مصادرة حيث يمكن أن يجب العود فيه كما يجب إتمامه بعد الاحرام. { ولو بان أن هديه لم يذبح لم يبطل تحلله ويذبح في القابل، وهل يمسك عما يمسك عنه المحرم؟ الوجه لا، ولو أحصر فبعث هديه ثم زال العارض التحق بأصحابه، فإن أدرك أحد الموقفين صح حجه وإن فاتاه تحلل بعمرة ويقضي الحج إن كان واجبا، لا ندبا }. أما عدم بطلان التحلل بمعنى عدم الاثم وعدم الكفارة فيما فعله من منافيات الاحرام ولزوم الذبح في القابل فالظاهر عدم الخلاف فيهما ويدل عليه قول


(1) تقدم كرارا. (2) الظاهر أن حكاية ما وقع لبيان الحكم فلا مدخلية لغير المذكور.

[ 569 ]

الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح ابن عمار المتقدم المزيد عليه في التهذيب (فإن ردوا الدراهم عليه ولم يجدوا هديا ينحرونه وقد أحل لم يكن عليه شئ ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا) وقول أبي جعفر عليهما السلام على المحكي في خبر زرارة (المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتى النساء، والمحصور يبعث بهديه فيعدهم يوما فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه، قلت: أرأيت إن ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحل فأتي النساء؟ قال: فليعد وليس عليه شئ و ليمسك الان على النساء إذا بعث) (1). وأما الامساك فيظهر وجوبه من الخبرين فيحتمل أن يكون وجوبه من جهة بقاء المكلف على الاحرام السابق غاية الامر جواز الاتيان بمنافيات الاحرام ظاهرا فبعد انكشاف الخلاف يمسك عن المنافيات، وهذا لبعد أن يجب عليه الامساك تعبدا مع كونه محلا في الواقع، ولا يبعد الاخذ بظاهر الخبرين من حصول الحلية وحمل الامر بالامساك على الاستحباب مع استبعاد التعبد أو على الوجوب مع عدمه (2)، ويؤيد هذا أن المحرم كما لا يجوز له مباشرة النساء حال الاحرام كذلك لا يجوز العقد كما سبق في محله فمع عدم التحلل واقعا يكون العقد فاسدا فكان الانسب التنبيه عليه ولا إشارة في الاخبار إليه، وعلى الاحتمال الاول لابد من وجوب الامساك من حين الانكشاف وعلى الثاني يقع الاشكال في مبدء وجوب الامساك، ولا يبعد أن يكون المبدء حين انكشاف عدم الذبح والنحر أخذا باطلاق. وأما صورة زوال العارض قبل التحلل فيجب الالتحاق فيها لارتفاع العذر، فمع إدراك أحد الموقفين صح حجه وإن فاتاه تحلل بعمرة ويقضي الحج إن كان واجبا، ويمكن أن يقال: إن كان حكم المحصور مقصورا على المريض إلى زمان الوقوفين ثم ما ذكر، وأما إذا كان شاملا لمن كان مريضا إلى زمان لا يتمكن بعده من إدراك أحد الموقفين فلا وجه لكونه محكوما بحكم المذكور.


(1) تقدم عن الكافي ج 4 ص 371. (2) يشكل ما ذكر لان غاية ما يستفاد من صحيح ابن عمار عدم الاثم ولا يبعد أن يكون ما في الصحيح من قوله عليه السلام على المحكى (وقد أحل) محمول على الاحلال باعتقاده لا الاحلال واقعا، فمقتضى ظاهر الاية الشريفة عدم الاحلال واقعا.

[ 570 ]

وأما وجوب القضاء فهو في صورة استقرار الوجوب أو استمرار الاستطاعة لا إشكال فيه للزوم امتثال التكليف. { والمعتمر يقضى عمرته عند زوال المنع، وقيل في الشهر الداخل، وقيل: لو احصر القارن حج في القابل قارنا وهو على الافضل إلا أن يكون القران متعينا بوجه، وروي استحباب بعث الهدى والمواعدة لاشعاره وتقليده واجتناب ما يجتنب المحرم وقت المواعدة حتى يبلغ محله، ولا يلبي لكن يكفر لو أتى بما يكفر له المحرم استحبابا }. أما وجوب قضاء العمرة بمعنى لزوم تداركه مع استقرار الوجوب أو استمرار الاستطاعة فلا إشكال فيه، ومع عدمها يكون ندبا، فان بنينا على جواز التوالى و عدم اعتبار الفصل بين العمرتين أو على بطلان ما أحصر فيه جاز القضاء بمجرد زوال العذر بلا إشكال وان بنينا على لزوم الفصل فصل شهر بين العمرتين وكون المحصور فيه بمنزلة العمرة الصحيحة تعين الفصل (1)، ولا يخفى أنه مع البناء على لزوم الفصل بين العمرتين بشهر لا وجه للقول به في المقام لعدم تحقق العمرة من جهة الحصر ولا دليل على لزوم الفصل بين الاحرامين. وأما لزوم الحج قارنا إذا أحصر القارن فتحلل، فهو المحكي عن الاكثر بل المشهور واستدل عليه بصحيحتي محمد بن مسلم ورفاعة عن الصادقين عليهما السلام أنهما قالا: (القارن يحصر وقد قال واشترط فحلني حيث حبستني قال: يبعث بهدية، قلنا هل يتمتع في قابل؟ قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) (2) ويمكن أن يقال: بناء على استحباب بعث الهدي مع الاشتراط يوهن ظهور النفي في الحرمة التكليفية أو الوضعية، نعم يمكن الاستدلال بخبر رفاعة عن أبي عبد الله قال: (قلت: رجل ساق الهدى ثم أحصر؟ قال: يبعث بهديه، قلت: هل يتمتع من قابل؟ قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) (3) لو لم يكن اشكال من


(1) قد سبق الاشكال آنفا في لزوم الفصل بين العمرتين حيث جوز لمن أحرم لدخول مكة وخرج عن مكة المشرفة بعد الاحلال من العمرة واراد دخول مكة المشرفة في الشهر الاخر الاحرام مع عدم انقضاء عشرة أيام ولا أقل منها، واستظهر أن المدة المذكورة في الاخبار لبيان المستحب لا لبيان المشروعية وهذا نظير ما ذكر من أن الصلاة خير موضع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر. (2) التهذيب ج 1 ص 568. (3) الكافي ج 4 ص 371 والمشهور أنه يتعين عليه القران إذا كان قارنا واحصرو المحكى عن المنتهى حمل هذا الرواية على الاستحباب. (منه رحمه الله)

[ 571 ]

جهة السند لكنه قد يستبعد الوجوب الشرطي مع عدم وجوب الاصل فمع الاطلاق الشامل لصورتي فرض الاصل وندبه كيف يقال باللزوم بقول مطلق، نعم مع تعين القران لابد من القضاء قارنا. وأما استحباب البعث للهدي والمواعدة الخ فقد روي عن الصادق عليه السلام بعدة طرق فيها الصحيح وغيره منها صحيح معاوية بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبعث بالهدي تطوعا [ اليس بواجب ] قال: يواعد أصحابه يوما فيقلدون فيه فإذا كان تلك الساعة اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى يوم النحر فإذا كان يوم النحر أجزأ عنه - الحديث) (1). ومنها ما عن عبد الله بن سنان قال في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن ابن عباس وعليا عليه السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثم ينحران وإن بعثا به من أفق من الافاق واعدا أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوما معلوما ثم يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كل ما يمسك عنه المحرم ويجتنبان كل ما يجتنبه المحرم إلا أنه لا يلبي إلا من كان حاجا أو معتمرا) (2) ومنها خبر أبي الصباح الكناني (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث بهدي مع قوم وواعدهم يوما يقلدون فيه هديهم وينحرون فيه فقال: يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم فيه حتى يبلغ الهدي محله، فقلت: أرأيت إن اختلفوا في ميعادهم وأبطأوا في السير عليه جناح في اليوم الذي واعدهم قال: لا يحل في اليوم الذي واعدهم) (3). وعن الشيخ روايته صحيحا عن الحلبي (4) ولا يخفى أن المستفاد من هذه الاخبار وجوب الاجتناب مما يجتنب عنه المحرم. وأما الكفارة مع ارتكاب شئ من المحرمات فلا دليل على وجوبها ولا على


(1) التهذيب ج 1 ص 568، والكافي ج 4 ص 540. والفقيه كتاب الحج ب 151 ح 1. (2) التهذيب ج 1 ص 568. (3) الكافي ج 4 ص 539. (4) التهذيب ج 1 ص 568.

[ 572 ]

استحبابها، نعم يظهر من بعض الاخبار نحر البقرة للبس الثياب مع الاضطرار و لا يلتزمون بوجوبه على الحاج والمعتمر، ولا يبعد أن يقال: إن كان الكفارة لرفع العقوبة التي استحقها المرتكب من جهة المخالفة فهي واجبة بحكم العقل نظير التوبة فمع استفادة حرمة محرمات الاحرام من الاخبار المذكورة لا يبعد وجوب الكفارة عقلا. { احكام الصيد } { الثاني في الصيد وهو الحيوان المحلل الممتنع إن كان امتناعه بالاصالة، ولا يحرم صيد البحر وهو ما يبيض ويفرخ فيه ولا الدجاج الحبشي ولا بأس بقتل الحية والعقرب والفارة، ورمي الغراب والحدأة }. ظاهر المتن تعريف الصيد بالحيوان المحلل الممتنع بالاصالة وقد يقرب بأن المتبادر من قوله تعالى (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) أكله ولا اختصاص لحرمة المحرم منه بالمحرم وكذا قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فإن المحرمات ليست كذلك بل يظهر من الاية الاخيرة التلازم بين حرمة قتل الصيد ولزوم الكفارة كما يظهر هذا من الاخبار الكثيرة كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تستحلن شيئا من الصيد وأنت حرام ولا وأنت حلال في الحرم ولا تدلن عليه محلا ولا محرما فيصطاده ولا تشر إليه فيستحل من أجلك فإن فيه الفداء لمن تعمده) (1). وقد يناقش فيما ذكر بأنه لا ينافي العموم في مفهوم الصيد لغة وعرفا بعد تسليم كون المنساق من الكتاب خصوصا الاية الاخيرة إرادة خصوص المأكول منه إذ أقصاه ثبوت الجزاء له على الاطلاق بخلاف غيره فإنه يتوقف على الدليل و إن كان اصطياده محرما على المحرم لاندراجه في مفهوم الصيد المحرم عليه بغير الايه ومع تسليم عدم اندراجه في الصيد يمكن الاستناد في حرمته إلى نحو قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية الذي عبر بمضونه في المقنع (إذا أحرمت فاتق


(1) الكافي ج 4 ص 381.

[ 573 ]

قتل الدواب كلها إلا الافعي والعقرب والفارة فأما الفارة فإنها توهى السقا و تضرم أهل البيت، وأما العقرب فإن نبي الله صلى الله عليه وآله مد يده إلى جحر فلسعته العقرب فقال: لعنك الله لا تذرين برا ولا فاجرا، والحية إذا أرادتك فاقتلها وإذا لم تردك فلا تردها والكلب العقور والسبع إذا أراداك فاقتلهما فإن لم يريداك فلا تؤذهما. والاسود الغدر فاقتله على كل حال وارم الحدأة والغراب رميا على ظهر بعيرك) (1) وفي صحيح حريز (كل ما خاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله ولو لم يردك فلا ترده) (2) قلت: إن كان النظر إلى إثبات صدق الصيد على المحرم الاكل من الحيوانات من جهة العرف واللغة فلا يبعد لكنه بعد تسليم ظهور الايات الواردة في الكتاب العزيز في خصوص المحلل منه لا مجال للاخذ بالاطلاق لان الظاهر أن الاخبار ناظرة إلى خصوص ما في الكتاب العزيز فالاحكام المترتبة على خصوص الصيد لا تشمل غيره وإن كان النظر إلى إثبات ذلك من جهة الاخبار فغاية ما يستفاد منها حرمة المذكورات فيها ومجرد هذا لا يوجب ترتب أحكام الصيد. وأما حلية صيد البحر فمسلمة من الكتاب والسنة والاجماع وأما تعريف صيد البحر بما ذكر فقد تقدم الكلام فيه. وأما حلية الدجاج الحبشي المسمى بالسندي فقد حكي الاجماع عليها و يدل عليها النصوص منها صحيحا معاوية (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدجاج الحبشي فقال عليه السلام: ليس من الصيد إنما الطير ما طار بين السماء والارض وصف) (3) وروى عن الحسن الصيقل (أنه سأل عن دجاج مكة وطيرها فقال: ما لم يصف فخل سبيله) (4).


(1) المصدر ج 1 ص 77. ط 1377. (2) التهذيب ج 1 ص 551، والاستبصار ج 2 ص 208، والكافي ج 4 ص 363. (3) الفقيه كتاب الحج ب 6 ح 2. والكافي ج 4 ص 232. (4) الفقيه كتاب الحج ب 6 ح 4.

[ 574 ]

وأما عدم البأس بقتل المذكورات فادعي عليه الاجماع وقد دلت الاخبار المذكورة على الجواز في الجملة لكنه ورد التقييد بإرادتهن المحرم فلابد إما من تقييد الجواز بالارادة وأما حمل النهي في غير صورة الارادة على الكراهة و مجرد الشهرة لا توجب ترجيح الثاني. وأما رمي الغراب والحدأة فيدل على جوازه ما رواه الكليني (قده) في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يقتل في الحرم والاحرام الافعي و الاسود الغدر وكل حية سوء والعقرب والفارة وهي الفويسقة وترجم الغراب والحدأة رجما) (1) وفي حسنة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يقتل المحرم الاسود الغدر والافعي والعقرب والفارة - ويقذف الغراب) (2) ثم إنه قد يستشكل في المقام بناء على القول بحلية بعض أقسام الغراب ودخوله في الصيد المحرم بالكتاب والسنة فلابد من تخصيص ما دل على حرمة مطلق الصيد بغير الغراب المحلل أو تقييد ما دل على جواز الرمي بالغراب المحرم وأجيب بأن الصيد المحرم غير مختص بالمحلل أكله بل يشمل المحرم أكله لكنه مطلق من جهة القتل والتنفير وغيرهما فما دل على جواز الرمي أخص مطلقا بل إن قلنا إن المحرم في الكتاب خصوص أكل الصيد أو قتله كانت النسبة التباين فلا مانع من الاخذ بإطلاق ما دل على جواز الرمي من غير فرق بين المحلل والمحرم، قلت: قد عرفت الاشكال في دلالة ما دل على حرمة الصيد على حرمة الاعم من المحلل و إن صدق لفظ الصيد وإطلاق أخبار المسألة يشمل ما لو أفضى الرمي إلى القتل فيقع التعارض، والنسبة عموم من وجه إلا أن يمنع حليه الغراب بقول مطلق و على فرض التعارض لا يبعد الرجوع إلى البراءة الاصلية. { ولا كفارة في قتل السباع، وروي في الاسد كبش إذا لم يرده، وفيها ضعف، ولا كفارة في قتل الزنبور خطأ وفي قتله عمدا صدقة بشئ من طعام و يجوز شراء القمارى والدباسي وإخراجها من مكة لا ذبحها }.


(1) المصدر ج 4 ص 363. (2) التهذيب ج 1 ص 551.

[ 575 ]

أما عدم الكفارة في قتل السباع غير الاسد فالظاهر عدم الخلاف فيه ويكفي فيه الاصل، وأما الاخبار الواردة في إباحة قتلها إذا أرادته أو خشيها على نفسه فلا يستفاد منها نفي الكفارة لعدم التلازم بين الامرين. وأما الاسد فالخبر الوارد فيه خبر أبي سعيد المكاري (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل قتل أسدا في الحرم؟ قال: عليه كبش يذبحه) (1) ولا يخفى أن الخبر المذكور مع قطع النظر عن ضعف سنده مخصوص بالحرم ومطلق بالنسبة إلى المحل والمحرم وبالنسبة إلى الارادة وعدمها ولا مجال للتقييد بعدم الارادة جمعا بينه وبين ما دل على جواز القتل مع الارادة لما عرفت من عدم التلازم. وأما قتل الزنبور فيدل على حكمه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (0 سألته عن محرم قتل زنبورا؟ قال: إن كان خطأ فليس عليه شئ قلت: لابل متعمدا؟ قال: يطعم شيئا من الطعام، قلت: إنه أرادني؟ قال: كل شئ أرادك فاقتله) (2). وأما جواز شراء القمارى والدباسي وإخراجهما من مكة فاستدل عليها بحسنة العيص بن القاسم أو صحيحة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء القمارى يخرج من مكة والمدينة قال: لا أحب أن يخرج منهما) (3) بحمل قوله عليه السلام على المحكي (لا أحب) على الكراهة وقد خالف في المسألة جماعة للنصوص الدالة على عدم جواز إخراجهن من مكة قال علي بن جعفر على المحكي في الصحيح (سألت أخي موسى عليه السلام عن رجل أخرج حمامة من حمام الحرم إلى الكوفة أو غيرها قال: عليه أن يردها فإن ماتت فعليه ثمنها يتصدق به) (4) وقال يونس بن يعقوب (أرسلت إلى أبي الحسن عليه السلام أن أخالي اشترى حماما من المدينة فذهبنا بها إلى مكة فاعتمرنا وأقمنا إلى الحج ثم أخرجنا الحمام معنا من مكة إلى الكوفة


(1) الكافي ج 4 ص 234. والتهذيب ج 1 ص 552، والاستبصار ج 2 ص 208. (2) الكافي ج 4 ص 364. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 547. والفقيه كتاب الحج ب 5 ح 9.

[ 576 ]

فعلينا في ذلك شئ؟ فقال للرسول: إنى أظنهن كن فرهة فقال: قل له: يذبح مكان كل طير شاة) (1) وسأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل أخرج طيرا له من مكة إلى الكوفة قال: يرده إلى مكة) (2) والامر دائر بين تخصيص رواية العيص بخصوص مورد السؤال والحكم بحرمة الاخراج والكفارة في غيره وحمل قوله عليه السلام (لا أحب) على الحرمة والاخذ بمضمون الاخبار الدالة على عدم الجواز، و يشكل الاول من جهة لزوم التخصيص المستهجن حيث أن النكرة في سياق النفي يفيد العموم ويشكل الثاني من جهة عطف المدينة على مكة فاللازم حمل لا أحب على الجامع بين الكراهة والحرمة فيلزم الاجمال فاللازم الاخذ بمضمون الاخبار الاخر ولا يخفى أن مع غمض العين عما ذكر وحمل لفظ (لا أحب) على الكراهة يكون الحكم مخصوصا بالقمارى ودعوى عدم القول بالفصل يحيث يكون عدم الفراق مجمعا عليه مشكلة. وأما عدم جواز الذبح فقد ادعي الاجماع عليه ويدل عليه العمومات. { وإنما يحرم على المحرم صيد البر، وينقسم قسمين الاول ما لكفارته بدل على الخصوص وهو خمسة الاول النعامة وفي قتلها بدنة فإن لم يجد فض ثمن البدنة على البر وأطعم ستين مسكينا كل مسكين مدين، ولا يلزم ما زاد عن ستين ولا ما زاد عن قميتها فإن لم يجد صام عن كل مدين يوما فإن عجز صام ثمانية عشر يوما }. أما لزوم البدنة في قتل النعامة فهو مجمع عليه ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيح حريز على المحكي (في قول الله عزوجل (مثل ما قتل - الاية) في النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاة وفي البقرة بقرة) (3) وقال أيضا على المحكي في صحيح زرارة وابن مسلم: (في محرم قتل نعامة عليه


(1) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 8. والكافي ج 4 ص 235. (2) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 24. والكافي ج 4 ص 234 تحت رقم 9. (3) التهذيب ج 1 ص 544.

[ 577 ]

بدنة فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينا، فإن كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكينا لم يزد على إطعام ستين مسكينا وإن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة) (1) وهل المراد من البدنة هي الانثى أو ما يشمل الذكر؟ ومنشأ الترديد اختلاف كلمات اللغويين، ويظهر من بعضهم إلاطلاق البدنة على البقرة أيضا، والقول بشمولها للذكر منقول عن الشيخ وجماعة واستدلوا عليه بما رواه الشيخ عن أبي الصباح قال: (سألت أبا عبد الله عن قول الله عزوجل في الصيد (من قتله متعمدا فجزاؤه مثل ما قتل من النعم) قال: في الظبي شاه وفي حمار الوحش بقرة وفي النعامة جزور) (2) والجزور يشمل الانثى والذكر، فإن تمت هذه الرواية من جهة السند ولو من جهة عمل الاعلام فلا إشكال وإلا فالظاهر لزوم الاحتياط بالاقتصار بخصوص الانثى من الابل خصوصا مع مدخلية الكفارة في رفع العقوبة المستحقة حيث يحكم العقل باللزوم، ثم إن المحكي عند التذكرة اعتبار المماثلة بين الصيد وفدائه ففي الصغير من الابل ما في سنه، وفي الكبير كذلك، وفي الذكر ذكر، وفي الانثي أنثى، ولعل نظره إلى كونه المرداد من المماثلة في الاية الشريفة، واعترض عليه بأنه كالاجتهاد في مقابلة النص حيث أنه يستفاد من الاخبار كون مسمى البدنة مثلا مماثلا للنعامة على كل حال، ويمكن أن يقال: إن الاخبار غير منافية لما ذكر حيث أن ظاهر الاية اعتبار المماثلة من حيث نوع الحيوان ومن جهات أخر من السن والذكورة والانوثة والمماثلة من حيث النوع حقيقة غير واقعة فاحتيج إلى السؤال فبين في الاخبار وهذا لا ينافي اعتبار المماثلة من سائر الجهات لكن هذا بإطلاقه يتم على تقدير شمول البدنة للذكر من الابل. وأما لزوم فض الثمن على البر مع عدم الوجدان بالنحو المذكور في المتن فيدل على لزوم المدين مع عدم الوجدان ما رواه ثقة الاسلام والشيخ (قده) في


(1) الفقيه كتاب الحج ب 59 ح 1. (2) التهذيب ج 1 ص 544.

[ 578 ]

الصحيح عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم دراهم ثم قومت الدراهم طعاما ثم جعل لكل مسكين نصف صاع فإن لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما) (1) وعلى تعين البر حديث الزهري عن علي بن الحسين عليهما السلام وفيه (أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري؟ قال: قلت: لا أدري قال: يقوم الصيد قيمة عدل ثم تقض تلك القيمة على البر ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما) (2) ونحوه الفقه المنسوب إلى الرضا صلوات الله عليه وربما يدعي انصراف الطعام إلى البر، أما الصحيح المذكور فلا يبعد حمله على الاستحباب جمعا بينه وبين ما دل على كفاية المد كصحيح ابن عمار عن الصادق عليه السلام (من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الابل فإن لم يجد ما به يشتري بدنة فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستين مسكينا لكل مسكين مد، فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام) (3) وأما تعين البر فبعد منع الانصراف المدعى والاشكال في الرواية من جهة السند وبعد تقييد المطلقات مع كونها في مقام البيان بملاحظة التعرض للامور المذكورة فيها مشكل والاقوى كفاية مد لكل مسكين بما يسمى طعاما، وأما عدم وجوب الزائد ولا إكمال الناقص فالظاهر عدم الخلاف فيه. ويدل عليه صحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام (في محرم قتل نعامة قال: عليه بدنة فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينا، قال: فإن كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكينا لم يزد على إطعام ستين مسكينا، وإن كانت قيمة البدنة اقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة) (4) ونحوه مرسل جميل عنه (5) أيضا وعلى هذا يحمل


(1) الكافي ج 4 ص 387، والتهذيب ج 1 ص 403. (2) لم أجده الا في الجواهر نقلا عن المقنع والهداية. (3) التهذيب ج 1 ص 545. (4) الفقيه كتاب الحج ب 59 ح 1. والكافي ج 4 ص 386. (5) الفقيه كتاب الحج ب 59 ح 1.

[ 579 ]

صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (عدل الهدي ما بلغ يتصدق به) (1). وأما الصيام مع العجز بالنحو المذكور فيمكن الاستدلال على وجوب الصيام عن كل مدين يوما بصحيح أبي عبيدة المذكور وفي قباله ما دل على وجوبه عن كل مد يوما وما دل على الاكتفاء بثمانية عشر يوما وحمل الاخير على صورة العجز عن الصيام عن كل مدين أو عن كل مد يوما لا شاهد له مع إمكان الجمع بحمل الاولين على الفضل والاستحباب إلا أن يقال بعد استحقاق العقوبة من جهة التعمد واحتمال مدخلية الصيام عن كل مد يوما في رفع العقوبة يلزم عقلا الاحتياط كما ذكرنا سابقا. { الثاني في بقرة الوحش بقرة أهلية فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا لكل مسكين مدين ولو كانت قيمة البقرة أقل اقتصر على قيمتها فإن لم يجد صام عن كل مسكين يوما فإن عجز صام تسعة أيام وكذا الحكم في الحمار الوحشي على الاشهر }. أما لزوم البقرة الاهلية في بقرة الوحش فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في صحيح سليمان بن خالد (في الظبي شاة، وفي البقرة بقرة، وفي الحمار بدنة، وفي النعامة بدنة، وفيما سوى ذلك قيمته) (2). وأما لزوم إطعام ثلاثين مسكينا مع العجز فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه صحيح معاوية عن الصادق عليه السلام (من كان عليه شئ من الصيد فداؤه بقرة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا فإن لم يجد فليصم تسعة أيام) (3). وأما الاقتصار على قيمة البقرة بحيث لو نقص لا يجب عليه الاتمام فلاطلاق الاجتزاء بالقيمة في صحيح أبي عبيدة المذكورة سابقا. وأما وجوب الصيام كما في المتن فهو مبني على حمل ما دل على وجوب الصوم لكل مد أو مدين على الوجوب وما دل على الاقتصار بثمانية عشر يوما


(1) التهذيب ج 1 ص 545. (2) التهذيب ج 1 ص 544. (3) التهذيب ج 1 ص 545.

[ 580 ]

أو تسعة في هذه المسألة على صورة العجز، وقد عرفت الاشكال فيه إلا أن يتمسك بالاحتياط والدليل على الاقتصار بالتسعة ما في خبر أبي بصير قال: (وسألته عن محرم أصاب بقرة؟ قال: عليه بقرة، قلت: فإن لم يقدر على بقرة؟ قال: فليطعم ثلاثين مسكينا، قلت: فإن لم يقدر على أن يتصدق به قال: فليصم تسعة أيام الحديث) (1) وما في ذيل صحيح معاوية المذكور آنفا. وأما الحكم في حمار الوحشي فمقتضى بعض الاخبار لزوم البدنة كصحيح سليمان بن خالد المذكور، ومقتضى البعض الاخر لزوم البقرة كصحيح حريز المذكور، ومقتضى القاعدة التخيير إلا أن المشهور خصوص البقرة. { الثالث الظبي وفيه شاة فإن لم يجد فض ثمن الشاة على البر وأطعم عشرة مساكين كل مسكين مدين، ولو قصرت قيمتها اقتصر عليها، فإن لم يجد صام عن كل مسكين يوما، فإن عجز صام ثلاثة أيام. والابدال في الاقسام الثلاثة على التخيير، وقيل: الترتيب، وهو أظهر، وفي الثعلب والارنب شاة وقيل البدل فيهما كالظبي }. أما لزوم الشاة في الظبي فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه رواية سليمان ابن خالد المذكورة. وأما التصدق بإطعام عشرة مساكين فيدل عليه خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام قلت (فإن أصاب ظبيا ما عليه؟ قال: عليه شاة، قلت: فإن لم يقدر؟ قال: فإطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد ما يتصدق به فعليه صيام ثلاثة أيام) (2) و مقتضى إطلاقة الاكتفاء بمد، ويدل عليه خبر عبد الله بن سنان المروي عن تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن قول الله عزوجل (فمن قتله منكم متعمدا فجزاء - الاية -) ما هو؟ قال: ينظر إلى الذي عليه الجزاء ما قتل فإما أن يهديه، وإما أن يقوم فيشتري به طعاما فيطعمة المساكين، يطعم كل مسكين


(1) الكافي ج 4 ص 385. والفقيه كتاب الحج ب 59 ح 3. (2) الكافي ج 4 ص 385 والفقيه كتاب الحج ب 59 ح 3. والتهذيب ج 1 ص 545.

[ 581 ]

مدا، وإما أن ينظركم يبلغ عدد ذلك من المساكين فيصوم مكان كل مسكين يوما) (1) ولا يخفى أنه مقتضى إطلاق خبر أبي بصير المذكور آنفا الاجتزاء بصيام ثلاثة أيام من دون التقييد بالعجز عن عشرة فلا يبعد الجمع بالحمل على الاستحباب بل لولا التسالم لامكن الاجتزاء بأقل من مد حيث يطلق الاطعام ولا مجال للاخذ بظهور رواية عبد الله بن سنان المذكورة في لزوم المد لانه بعد حمل ما فيه من صيام عشرة أيام بعدد المساكين على الاستحباب جمعا بينه وبين الخبر المذكور، لا يبقى للرواية ظهور. نعم مقتضى الاحتياط ما ذكر. وأما الابدال الثلاثة فعلى التخيير عند جماعة لظهور (أو) في الاية فيه ولو لقول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (كل شئ في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء وكل شئ في القرآن (فمن لم يجد - فعليه كذا فالاول الخيار) (2) ولا يخفى مع عدم الظهور في الاية الشريفة يكون الصحيح المذكور مبينا لمعنى أو ولا يكون موجبا لظهورها ويمكن الاستدلال بخبر عبد الله بن سنان المذكور أيضا ونسب إلى المشهور الترتيب وجعله في المتن أظهر لظاهر النصوض المذكورة المنزل عليه ما في الاية، ويمكن الجمع بحمل الاخبار على الفضل والاستحباب وإلا فلابد من طرح صحيح حريز المذكور أو تخصيصه بغير ما نحن فيه ولا ترجيح للتخصيص على الحمل المذكور. وأما الثعلب والارنب فالظاهر عدم الخلاف في لزوم الشاة فيهما وهو المروي في صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الارنب يصيبه المحرم فقال: شاة هديا بالغ الكعبة) (3) وخبر أبي بصير (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل ثعلبا قال: عليه دم، قلت: فأرنبا؟ قال: مثل ما في الثعلب) (4) والخبر منجبر بالعمل والمماثلة في الاية الشريفة


(1) الوسائل أبواب كفارات الصيد وتوابعها ب 2 ح 12. (2) تقدم عن الكافي والتهذيب كرارا. (3) الفقيه كتاب الحج ب 59 ح 6 وفيه عن ابن مسكان عن أبى عبد الله عليه السلام. (4) التهذيب ج 1 ص 545، والكافي ج 4 ص 386، والفقيه كتاب الحج ب 59 ح 7.

[ 582 ]

كاف في إثبات الحكم في الثعلب ويظهر من جماعة عدم بدل لفدائهما للاصل بعد اقتصار نصوص المسألة على الشاة خاصة، ويظهر من جماعة أخرى أن فيهما ما في الظبي ويمكن الاستدلال للقول الثاني بإطلاق صحيح أبي عبيدة المذكورة سابقا ورواية عبد الله بن سنان المتقدمة المعتضدة بظاهر الاية الشريفة إلا أن يمنع شمول الصيد في الاية الشريفة والاخبار المفسرة لها لمثل الارنب والثعلب من المحرم الاكل { الرابع في بيض النعام إذا تحرك الفرخ لكل بيضة بكرة من الابل وإن لم يتحرك أرسل فحولة من الابل في الاناث منها بعدد البيض فما ينتج كان هديا للبيت، فإن عجز فعن كل بيضة شاة. فإن عجز فإطعام عشرة مساكين. فإن عجز صام ثلاثة أيام } أما لزوم البكرة لكل بيضة مع تحرك الفرخ فهو المشهور وادعي عليه الاجماع ويدل عليه خبر سليمان بن خالد عن الصادق عليه السلام أن (في كتاب علي عليه السلام في بيض القطاة بكارة من الغنم إذا أصابه المحرم مثل ما في بيض النعام بكارة من الابل) (1). وصحيح علي بن جعفر عليه السلام (سأل أخاه عليه السلام عن رجل كسر بيض نعام وفي البيض فراخ قد تحرك؟ فقال عليه السلام: لكل فرخ تحرك بعير ينحره في المنحر) (2) وقد حمل الصحيح على إرادة الكامل في الاجزاء حيث أن الكبر هو الفتى ولعله المعروف عند أهل البيت وهذا قبل أن يسمى بعيرا، كما أنه يقيد إطلاق خبر سليمان بما بعد التحرك من جهة هذا الصحيح، ويتوجه الاشكال من جهة أن الكلام في صورة تلف الفرخ من جهة كسر البيضة ولا تعرض في الروايتين لهذه الجهة فإطلاقهما بمعنى ترك الاستفصال يشمل صورة عدم التلف ومن جهة أنه يمكن الجمع بين الخبرين بلزوم البعير في صورة تحرك الفرخ ولزوم البكر في


(1) التهذيب ج 1 ص 548، والاستبصار ج 2 ص 202، والكافي ج 4 ص 389. (2) التهذيب ج 1 ص 549، وبحار الانوار ج 10 ص 269 الطبع الحروفى، و قرب الاسناد ص 104، والاستبصار ج 2 ص 203

[ 583 ]

صورة عدم التحرك. غاية الامر وقوع المعارضة بينه وبين ما سيأتي، ولحاصل أنه إن تم الاجماع في المسألة فهو وإلا فإثبات الحكم بالخبرين المذكورين مشكل. وأما لزوم الارسال الخ مع عدم التحرك فهو المشهور أيضا بل ادعي عليه الاجماع ويدل عليه صحيح الكناني عن الصادق عليه السلام أنه قال في حديث: (في رجل وطئ بيض نعام ففدغها (1) وهو محرم، قال: قضى فيه علي أن يرسل الفحل على مثل عدد البيض من الابل فما لقح وسلم حتى ينتج كان النتاج هديا بالغ الكعبة) (2) ونحوه صحيحه الاخر مع زيادة قول الصادق عليه السلام له فيه (ما وطئته أو وطئه بعيرك أو دابتك وأنت محرم فعليك فداؤه) (3) والمرسل الذي رواه الشيخان (قدهما) (أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أمير الؤمنين إني خرجت محرما فوطئت ناقتي بيض نعام فكسرته هل علي كفارة؟ فقال له: امض فاسأل ابني الحسن (عليه السلام) عنها وكان بحيث يسمع كلامه فتقدم إليه الرجل فسألة فقال له الحسن عليه السلام: يجب عليك أن ترسل فحولة الابل في إناثها بعدد ما انكسر من البيض فما نتج فهو هدي لبيت الله تعالى. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا بني كيف قلت ذلك وأنت تعلم أن الابل ربما أزلقت أو كان فيها ما يزلق؟ فقال عليه السلام: يا أمير المؤمنين والبيض ربما أمرق أو كان فيه ما يمرق، فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: صدقت يا بني ثم تلا: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (4) وهذه الروايات وإن كانت مطلقة تشمل صورة تحرك الفرخ إلا أن كلام الحسن عليه السلام في المرسل المذكور وكذلك كلام الصادق عليه السلام في صحيح آخر مشتمل على مثل ما قال الحسن عليه السلام على المحكي ظاهران أو صريحان في صورة كسر البيض المجرد عن الفرخ التحرك ويمكن أن يقال: من البعيد حمل الاخبار على خصوص صوره عدم ترك الفرخ بعد الاطلاع عليه بعد الكسر خصوصا في صورة وطاء البعير والدابة ويبعده أيضا


(1) الفدغ بالفاء والدال المهملة والغين المعجمة: كسر الشئ المجوف كالشدخ. (2) الكافي ج 4 ص 389. (3) و (4) التهذيب ج 1 ص 548 والاستبصار ج 2 ص 202.

[ 584 ]

ترك الاستفصال حيث إنه ليس من قبيل ضرب القانون القابل لان يخصص بكلام آخر، وما في كلام الحسن والصادق عليهما السلام لعله من قبيل بيان الحكمة إلا أن يكون النظر إلى استصحاب الحالة السابقة أعني عدم تحرك ما في البيضة ولعل الاخبار ناظرة إلى بيان الحكم الواقعي. ويظهر من بعض الاخبار خلاف ما ذكر منها قول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (في بيضة النعامة شاة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فمن لم يستطع فكفارة إطعام عشرة مساكين إذا أصابه وهو محرم) (1) ومنها قول أبي جعفر عليه السلام لابي - عبيدة في الصحيح وغيره (إذ سأله عن محرم أكل بيض نعامة لكل بيضة شاة) (2) لكن الظاهر عدم عمل الاصحاب إلا ما نسب إلى الصدوقين، ويمكن أن يكون أخذهم بالاخبار السابقة من باب التخيير لا من جهة الاعراض. وأما لزوم الشاة عن كل بيضة مع العجز فيدل عليه خبر علي بن أبى حمزة عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن رجل أصاب بيض نعامة وهو محرم قال: يرسل الفحل في الابل على عدد البيض، قلت: فإن البيض يفسد كله ويصلح كله قال: ما ينتج من الهدي فهو هدي بالغ الكعبة وإن لم ينتج فليس عليه شئ فمن لم يجد إبلا فعليه لكل بيضة شاة، فإن لم يجد تصدق على عشرة مساكين لكل مسكين مد فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام) (3) وضعف السند منجبر بالعمل وما يخالفه كخبر أبي بصير المتقدم وغيره غير معمول به وظهر من الرواية حكم صورة العجز من الشاة وعن الاطعام. { الخامس في بيض القطاة والقبج إذا تحرك الفرخ من صغار الغنم، وفي رواية عن البيضة مخاض من الغنم، وإن لم يتحرك أرسل فحولة الغنم في الاناث منها بعدد البيض فما ينتج كان هديا، ولو عجز كان فيه ما في بيض النعام }.


(1) التهذيب ج 1 ص 549. (2) الكافي ج 4 ص 388، والتهذيب ج 1 ص 549 و 580. (3) الكافي ج 4 ص 387، والتهذيب ج 1 ص 548، والاستبصار ج 2 ص 202.

[ 585 ]

أما لزوم صغار الغنم في كسر بيض القطاة والقبج فاستدل عليه بالمماثلة في الاية الشريفة وخبر سليمان بن خالد المذكور سابقا وفيه (إن في كتاب علي عليه السلام في بيض القطاة بكارة من الغنم إذا أصابه المحرم) (1) بناء على إرادة الصغار من البكارة وصحيحه الاخر (في بيض القطاة كفارة كما في بيض النعام) (2) و لا يخفى الاشكال في المماثلة والرواية لم يفرق فيها بين صورة تحرك الفرخ و غيرها ومجرد التفرقة في بيض النعامة بحسب سائر الاخبار لا يفيد وإن ذكر المماثلة في الرواية بين بيض القطاة وبيض النعامة حيث إنه حكم فيهما بلزوم بكارة الابل في بيض النعامة مطلقا ثم على تقدير التسليم لا ذكر لبيض القبج. وأما القول الاخر فهو منسوب إلى جماعة واستدل عليه بمضمر سليمان بن خالد (سأله عن رجل وطئ بيض قطاة فشدخه؟ قال: يرسل الفحل في عدد البيض من الغنم كما يرسل الفحل في عدد البيض من الابل ومن أصاب بيضة فعليه مخاض من الغنم) (3) واستشكل في الاستدلال به بالاضمار وعدم ذكر تحرك الفرخ فيه وظهوره في الفرق بين الوطي والاصابة المفسرة بالاكل وكون المذكور فيه بيضة لابيض قطاة فيحتمل بيضة النعامة كما يحتمل في المخاض إرادة بنت المخاض من الابل، والمعارضة مع ما سمعت من صحيحه وغيره، ولا يخفى أن الاضمار مع أخذ الاعلام بالخبر لا يضر، وعدم ذكر تحرك الفرخ مشترك والفرق بين الوطي والاصابة لا يضر، وحمل البيضة على غير بيضة القطاة حمل للكلام على غير كلام أهل المحاورة فبيضة القطاة تكون متيقنة. وأما المعارضة فقد تدفع بحمل المخاض على البكرة ولذا استدل العلامة (قده) بخبر البكارة فلولا أن في نفس القطاة حملا لحملنا البكارة على المخاض و الذي يبعد أن في نفس القطاة حملا والمخاض أكبر فكيف يكون الاكبر كفارة


(1) التهذيب ج 1 ص 548، والاستبصار ج 2 ص 202 والكافي ج 4 ص 389. (2) التهذيب ج 1 ص 548. والاستبصار ج 2 ص 204. (3) التهذيب ج 1 ص 549، والاستبصار ج 2 ص 203.

[ 586 ]

للبيض والاصغر كفارة للبايض، لكن هذا ليس أمرا يعول في الاحكام الشرعية. وأما حكمه مع عدم التحرك فيدل عليه صحيح سليمان بن خالد ومنصور ابن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قالا: (سألناه عن محرم وطئ بيض القطاة فشدخه فقال: يرسل الفحل في مثل عدة البيض من الغنم كما يرسل الفحل في عدة البيض للنعام من الابل) (1) المحمول على غير ذي الفرخ المتحرك بقرينة ما سمعته في بيض النعام، وفيه إشكال لان اختصاص الحكم في الابل بصورة عدم التحرك لا يوجب الاختصاص فيما نحن فيه كما لا يخفى والعمدة الشهرة وعدم خلاف معتد به. وأما صورة العجز فالواجب في كل بيضة أن يطعم عن كل بيضة عشرة مساكين فإن عجز صام عن كل بيضة ثلاثة أيام لصحيح سليمان بن خالد (في بيض القطاة كفارة مثل ما في بيض النعام) (2) والاطلاق يقتضي المشابهة والمماثلة في جميع المراتب ولا مجال للاستبعاد المذكور حيث أن الحمل كفارة للقطاة ولكل بيضة شاة بحسب هذا الصحيح. { الثاني ما لا بدل لفديته وهو خمسة الحمام وهو كل طائر يهدر ويعب الماء، وقيل: كل مطوق. ويلزم المحرم في قتل الواحدة شاة، وفي فرخها حمل، و في بيضها درهم. وعلى المحل فيها درهم، وفي فرخها نصف درهم، وفي بيضها ربع درهم }. أما تفسيره بما ذكر فهو مذكور في كلام الفقهاء واللغويين وقيل: التفاوت بين المعنيين قليل أو منتف فاللازم الاخذ بالقدر المتيقن والاحتياط في مورد الشك في صورة التعمد ومع عدم التعمد الرجوع إلى الاصل إلا أن يثبت الحكم بعنوان الطير وشبهه الشامل للقسمين. وأما لزوم الشاة في قتل الواحدة فهو المشهور ويدل عليه المعتبرة المستفيضة


(1) التهذيب ج 1 ص 549، والاستبصار ج 2 ص 203. الكافي ج 4 ص 389. (2) التهذيب ج 1 ص 549، والاستبصار ج 2 ص 203.

[ 587 ]

منها قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن حريز (المحرم إذا أصاب حمامة ففيها شاة وإن قتل فراخه ففيه حمل وإن وطئ البيض فعليه درهم) (1) وفي موثق الكناني (في الحمام وأشباهها إن قتلها المحرم شاة وإن كان فراخا فعدلها من الحملان) (2) وخبر سليمان بن خالد (قلت له أيضا: رجل أغلق بابه على طائر فمات؟ فقال: إن أغلق الباب بعد ما أحرم فعليه شاة إلا أن عليه لكل طائر شاة ولكل فرخ حملا وإن لم يكن تحرك فدرهم وللبيض نصف درهم) (3). وأما وجوب الحمل في الفرخ ووجوب الدرهم فقد ظهر مما ذكر. وأما وجوب الدرهم على المحل إذا قتلها في الحرم فهو المشهور ويدل عليه قول الرضا عليه السلام على المحكي في صحيح صفوان (من أصاب طيرا في الحرم وهو محل فعليه القيمة والقيمة درهم يشتري به علفا لحمام الحرم) (4) ويظهر من بعض الاخبار لزوم القيمة مثل صحيح منصور بن حازم قال: (حدثني صاحب لنا ثقة قال: كنت أمشي في بعض طرق مكة فلقيني إنسان فقال لي: اذبح لي هذين الطيرين فذبحتهما ناسيا وأنا حلال ثم سألت أبا عبد الله عليه السلام قال: عليك الثمن) (5). وصحيح معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل أهدي له حمام أهلي جئ به وهو في الحرم؟ فقال: إن أصاب منه شيئا فيتصدق بثمنه نحوا مما كان يسوى في القيمة) (6) فيدور الامر بين الاخذ بإطلاق ما دل على لزوم الدرهم وحمل ما دل على لزوم الثمن مع زيادته عليه على الفضل والاستحباب والاخذ بإطلاق ما دل علي لزوم الثمن وحمل ما دل على لزوم الدرهم على صورة مطابقته


(1) الكافي ج 4 ص 389 والتهذيب ج 1 ص 546، والاستبصار ج 2 ص 200. (2) الكافي ج 4 ص 389، والتهذيب ج 1 ص 546. (3) التهذيب ج 1 ص 547. والفقيه كتاب الحج ب 5 ح 2 صدره. (4) الكافي ج 4 ص 233. (5) التهذيب ج 1 ص 546. والاستبصار ج 2 ص 201. (6) الكافي ج 4 ص 232.

[ 588 ]

مع الثمن في ذلك العصر وكونه أحد أفراد الثمن ومع التعمد لا يبعد وجوب الاحتياط. وأما لزوم نصف درهم في الفرخ والربع في البيض فيدل عليه صحيح ابن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام (في قيمة الحمامة درهم وفي الفرخ نصف درهم وفي البيض ربع درهم) (1) وصحيحه الاخر (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فرخين مسرولين ذبحتهما وأنا بمكة محل؟ فقال لي: لم ذبحتهما؟ قلت: جاءتني بهما جارية قوم من أهل مكة فسألتني أن أذبحهما فظننت أني بالكوفة ولم أذكر أني بالحرم فذبحتهما؟ فقال: [ عليك قيمتهما ] تصدق بثمنها، قلت: فكم قيمتها؟ فقال: درهم وهو خير منهما) (2) ولا يخفى أن ظاهر هذا الخبر لزوم القيمة الواقعية بحيث لو لم يسأل بقوله (كم قيمتهما) كان اللازم بحسب الجواب هو القيمة الواقعية، فلا يبعد أن يحمل قوله عليه السلام (درهم) على كون القيمة في ذلك العصر درهما فيشكل الاكتفاء بالدرهم مطلقا، والصحيح الاول وإن كان مطلقا يشمل حاله الاحرام والاحلال لكنه محمول على حال الاحلال بملاحظة غيره من الاخبار. { ولو كان محرما في الحرم اجتمع عليه الامران [ كفارتان ] ويستوي فيه الاهلي وحمام الحرم غير أن حمام الحرم يشترى بقيمته علف الحمامه، وفي القطاة حمل قد فطم ورعى الشجرة، وكذا في الدراج وشبهها، وفي رواية دم شاة }. أما اجتماع الامرين فيدل عليه قول الصادق عليه السلام على المحكي في حسن الحلبي أو صحيحة (إن قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة وثمن الحمام درهم أو شبهه، يتصدق به أو يطعمه حمام الحرم) (3) وقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب ولا يخفى عدم تعدد السبب بل من باب تعدد الجهة فسببية فعل واحد لامرين


(1) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 29. (2) التهذيب ج 1 ص 546 والاستبصار ج 2 ص 201 والكافي ج 4 ص 237، و الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 23. (3) الكافي ج 4 ص 395. والتهذيب ج 1 ص 553.

[ 589 ]

تحتاج إلى الدليل، وأما أخبار الباب فجلها أو كلها واردة في خصوص الحمامة فالتعدي إلى غيرها يحتاج إلى الدليل. وفي قبال الخبر المذكور وغيره من الاخبار المطابقة له في الحكم خبران أحدهما قول الصادق عليه السلام على المحكي في الحسن أو الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (إن أصبت الصيد وأنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك وإن أصبته وأنت حلال في الحرم فقيمة واحدة، وإن أصبته وأنت حرام في الحل فإنما عليك فداء واحد) (1) وقوله عليه السلام في الموثق (وإن أصبته وأنت حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفا) (2) وقد ينزل الخبران على ما يستفاد من الاخبار المشار إليها، ولا يخفى بعد هذا التنزيل فلا يبعد التخيير أو التقييد إن لم يثبت الاعراض والمحكي عن الشيخ (قدس سره) وجوب تضاعف الفدية ما لم يبلغ بدنة فلا يجب غيرها لخبر الحسن بن علي بن فضال عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه السلام (في الصيد مضاعفة ما بينه وبين البدنة فإذا بلغ البدنة فليس عليه التضعيف) (3) ومرسله الاخر، والمحكي عن ابن إدريس إيجابه مطلقا بل، قال: إن باقي أصحابنا أطلق التضعيف، وأما الاستواء المذكور فهو مقتضى إطلاق الادلة. وأما اشتراء العلف لحمام الحرم فيدل عليه خبر حماد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل أصاب طيرين واحد من حمام الحرم والاخر من حمام غير الحرم؟ قال: يشترى بقيمة الذي من حمام الحرم قمحا فيطعمه حمام الحرم ويتصدق بجزاء الاخر) (4). ويمكن حمله على الاستحباب واختيار أفضل فردي التخيير حيث أطلق في بعض الاخبار التخيير بين التصدق واشتراء العلف. وأما وجوب الحمل لما ذكر فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه صحيح سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام (وجدنا في كتاب علي عليه السلام: في القطاة


(1) الكافي ج 4 ص 395. (2) التهذيب ج 1 ص 553. (3) التهذيب ج 1 ص 553. (4) التهذيب ج 1 ص 548، والكافي ج 4 ص 390.

[ 590 ]

إذا أصابها المحرم حمل قد فطم من اللبن وأكل من الشجر) (1) وخبر سليمان أيضا عن أبي جعفر عليه السلام قال: (في كتاب علي عليه السلام من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظيرهن فعليه دم) (2) بعد حمل الدم فيه على الحمل ولو لقاعدة التقييد. والظاهر أن نظر المصنف (قدس سره) في قوله: (وفي رواية) إلى هذه الرواية. { وفي الضب جدي وكذا في القنفذ واليربوع وفي العصفور وشبهه مد من طعام، وكذا في القبرة والصعوة، وفي الجرادة كف من طعام، وكذا في القملة يلقيها عن جسده، وكذا قيل في قتل العظاءة ولو كان الجراد كثيرا فدم شاة، ولو لم يمكن التحرز منه فلا إثم ولا كفارة }. أما لزوم الجدي فيما ذكر فيدل عليه حسن مسمع أو صحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام (في اليربوع والقنفذ والضب إذا أصابه المحرم فعليه جدي والجدي خير منه وإنما جعل عليه هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد) (3). وأما لزوم المد فيما ذكر فيدل عليه مرسل صفوان المنجبر بالشهرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (القبرة والصعوة والعصفور إذا قتله المحرم فعليه مد من الطعام عن كل واحد منهم) (4) وقد خالف الصدوقان (قده) فأوجبا لكل طائر عدى النعامة شاة لصحيح ابن سنان عنه أيضا (أنه قال في محرم ذبح طيرا: إن عليه دم شاة يهريقه فإن كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن) (5) وقد جمع بينهما يتخصيص الصحيح بالمرسل وفيه نظر فإن عموم الصحيح بعد ما كان بترك الاستفصال يشكل تخصيصه كما مر مرارا فلا يبعد التخيير مع أفضلية ما في الصحيح المذكور.


(1) التهذيب ج 1 ص 545. (2) الكافي ج 4 ص 390، والتهذيب ج 1 ص 545. (3) التهذيب ج 1 ص 545 والكافي ج 4 ص 387. (4) الكافي ج 4 ص 390، والتهذيب ج 1 ص 580. (5) التهذيب ج 1 ص 546 والاستبصار ج 2 ص 201.

[ 591 ]

وأما لزوم كف من الطعام لما ذكر فلصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن محرم قتل جرادة؟ قال: كف من طعام وإن كان كثيرا فعليه دم شاة) (1). وقيل بلزوم تمرة لصحيح زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام (في محرم قتل جرادة؟ قال: يطعم تمرة والتمرة خير من جرادة) (2) وقيل بعدم صحة الخبر الاول، ولا يخفي أنه مع عمل الاكابر لا وجه للمناقشة من جهة السند فمقتضى القاعدة التخيير. وأما لزوم كف من طعام لالقاء القملة فلخبر حماد بن عيسى أو صحيحة (سأل الصادق عليه السلام عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها قال: يطعم مكانها طعاما) (3) بناء على إرادة الكف لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحسين بن أبي العلاء (المحرم لا ينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمدا وإن قتل شيئا من ذلك خطأ فليطعم مكانها طعاما قبضة بيده) (4) ولكنه في القتل، وخبر إبن مسكان عن الحلبي قال: (حككت رأسي وأنا محرم فوقع منه قملات فأردت ردهن فنهاني وقال: تصدق بكف من طعام) (5) ويظهر من صحيح ابن عمار (سأل الصادق عليه السلام عن المحرم يحك رأسه فيسقط عنه القملة والثنتان فقال؟: لا شئ عليه ولا يعود) (6) عدم الوجوب ويمكن الجمع بحمل الاخبار على الاستحباب. وأما قتل العظاءة فمقتضى الصحيح عن معاوية قال: فقلت لابي عبد الله عليه السلام (محرم قتل عظاية قال: عليه كف من طعام) (7) لزامه. وأما لزوم الشاة مع كثرة الجراد فلصحيح ابن مسلم المذكور. وأما عدم الاثم الكفارة مع عدم إمكان التحرز فلقول الصادق عليه السلام في


(1) الكافي ج 4 ص 393. (2) التهذيب ج 1 ص 551 والاستبصار ج 2 ص 207. (3) التهذيب ج 1 ص 543 والاستبصار ج 2 ص 196. (4) الكافي ج 4 ص 362 والتهذيب ج 1 ص 543 والاستبصار ج 2 ص 196. (5) التهذيب ج 1 ص 543. (6) التهذيب ج 1 ص 543 والاستبصار ج 2 ص 197. (7) التهذيب ج 1 ص 545.

[ 592 ]

جواب معاوية في الصحيح قال معاوية: (الجراد يكون على ظهر الطريق والقوم محرمون فكيف يصنعون؟ قال عليه السلام: يتنكبونه ما استطاعوا، قلت: فإن قتلوا منه شيئا فما عليهم؟ قال: لا شئ عليهم) (1). { وأسباب الضمان إما مباشرة وإما إمساك وإما تسبيب، أما المباشرة فمن قتل صيدا ضمنه ولو أكله أو شيئا منه لزمه فداء آخر، وكذا لو أكل ما ذبح في الحل ولو ذبحه المحل، ولو أصابه ولم يؤثر فيه فلا فدية }. لا إشكال في إيجاب قتل الصيد لفديته بعد تطابق الكتاب والسنة والاجماع عليه وإنما الاشكال والخلاف في أنه إذا أكل الصيد أو بعضه هل عليه فداء آخر أو عليه القيمة استدل للاول بأخبار كثيرة منها المعتبرة المستفيضة التي فيها الصحيح والموثق (في مسألة اضطرار المحرم إلى الميتة والصيد أنه يأكله ويفديه) (2). ومنها صحيح أبي عبيدة في مسألة ما لو اشترى محل لمحرم بيض نعام فأكله المحرم فإنه (سأله عن محل اشترى لمحرم بيض نعام فأكله المحرم فقال: على الذي اشتراه للمحرم فداء وعلى المحرم فداء، قال: وما عليهما؟ قال: على المحل جزاء قيمة البيض لكل بيضة درهم وعلى المحرم الجزاء لكل بيضة شاة) (3) ومنها صحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام (من أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم متعمدا فعليه دم شاة) (4) واستدل للقول الثاني بقول الصادق عليه السلام على المحكي في موثق ابن عمار (وأي قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فإن على كل إنسان منهم قيمته، فإن اجتمعوا في صيد فعليهم مثل ذلك) (5) وحسن منصور بن حازم أو صحيحه عنه أيضا (قال: أهدي لنا طائر مذبوح بمكة فأكله أهلنا فقال: لا يرى


(1) التهذيب ج 1 ص 551، والاستبصار ج 2 ص 208. (2) راجع الوسائل ابواب كفارات الصيد وتوابعها ب 43. (3) الكافي ج 4 ص 387. (4) في التهذيب ج 1 ص 552 نحوه. (5) التهذيب ج 1 ص 553.

[ 593 ]

به أهل مكة بأسا؟ قال: فأي شئ تقول أنت؟ قال: عليهم ثمنه) (1) وأجيب بحمل الموثق على إرادة الفداء من القيمة فيه كما أريد منها في آخره بل يشهد له أن الموثق المذكور مروي بطريق صحيح هكذا (إذا اجتمع قوم محرمون على صيدة وأكلوا منه فعلى كل واحد منهم قميته) (2) حيث إنه لا ريب في إرادة الفداء من القيمة في القتل فكذا في الكل وأجيب عن الحسن أو الصحيح بخروجه مما نحن فيه من أكل المحرم، ويمكن أن يقال: أما ما قيل من حمله القيمة على الفداء مع أنه خلاف الظاهر لا دليل عليه ولا شهادة لاخره بل لعله يرجع الاشارة إلى الصيد مطابقا للاية الشريفة ولم يظهر اتحاد الموثق المذكور مع المروي بالطريق الصحيح وإن اتحد الراوي عنه، والمروي عنه، وعلى فرض التسليم أيضا لا شهادة لامكان أن يكون النظر في الصحيح المذكور إلى ثبوت القيمة بعد الفراغ عن لزوم الفداء. وأما الجواب عن الحسن أو الصحيح بما ذكر ففيه إشكال من جهة أن ترك الاستفصال كاف بل هو أقوى من العموم ومن أين علم أن الاهل المذكور فيه كانوا محلين وحمل القيمة على الفداء ليس بأهون من حمل الفداء على ما يشمل القيمة وربما يشهد له صحيح أبي عبيدة المذكور حيث أثبت عليه السلام على المشتري فداء هو قيمة البيض، وأثبت للمحرم المشترى له فداء لكل بيضة شاة نعم يظهر منه تعين الشاة فلا يبعد التخيير جمعا بين الطرفين ومقتضى عموم الدليل ترتب الفداء أو القيمة على الاكل ولو كان الذبح في الحل أو كان الذابح المحل. وأما عدم لزوم الفدية مع الاصابة وعدم التأثير فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه خبر أبى بصير عن الصادق عليه السلام (سأله عن محرم رمى صيدا فأصاب يده فعرج فقال: إن كان مشى عليها ورعى وهو ينظر إليه فلا شئ وإن كان الظبي


(1) التهذيب ج 1 ص 554، والاستبصار ج 2 ص 213، والفقيه كتاب الحج ب 5 ح 15، والكافي ج 4 ص 236. (2) التهذيب ج 1 ص 547، والكافي ج 4 ص 391.

[ 594 ]

ذهب على وجهه وهو رافعها فلا يدري ما صنع فعليه فداؤه لانه لا يدري لعله قد هلك) (1) وعن بعض نسخ التهذيب (وجرح فعرج) وعن بعض آخر كالاستبصار الاقتصار على قوله: (فعرج). { ولو جرحه أو كسر رجله أو يده ورآه سويا فربع الفداء. ولو جهل حاله ففداء كامل. قيل: وكذا لو لم يعلم حاله، أثر فيه أم لا. وقيل في كسر يد الغزال نصف قيمته، وفي يديه كمال القيمة، وكذا في رجليه وفي قرنيه نصف قيمته، وفي كل واحد ربع وفي المستند ضعف. ولو اشترك جماعة في قتله لزم كل واحد منهم فداء، ولو ضرب طيرا على الارض فقتله لزم ثلاث قيم. وقال الشيخ - رحمه الله - دم وقيمتان. ولو شرب لبن ظبية لزم دم وقيمة اللبن }. أما لزوم ربع الفداء في الصورة المذكورة فلصحيح علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليهما السلام (سأله عن رجل رمى صيدا وهو محرم فكسر يده أو رجله فمضى الصيد على وجهه فلم يدر الرجل ما صنع الصيد قال: عليه الفداء كاملا إذا لم يدر ما صنع فإن رأى بعد أن كسر يده أو رجله وقد رعى وانصلح فعليه ربع قيمته) (2) وخبره الاخر عنه أيضا (سألته عن رجل رمى صيدا فكسر يده أو رجله وتركه فرعى الصيد قال: عليه ربع الفداء) (3) والظاهر أن المراد من قوله في الصحيح (فعليه ربع قيمته) ربع قيمة الفداء لا الصيد لاقربية الفداء في الكلام، ويحمل رفع الفداء في الخبر الثاني عليه. وأما صورة الجهل بحال الصيد فلزوم الفداء الكامل فيه يظهر من الصحيح المذكور، والظاهر أنه حكم ظاهري ما دام لم يررعي وانصلاح الصيد. وأما مع الجهل بحاله أثر فيه أم لا فلا دليل على لزوم الفداء الكامل لعدم الدليل ومقتضى الاصل البراءة.


(1) التهذيب ج 1 ص 549. والاستبصار ج 2 ص 205. (2) التهذيب ج 1 ص 549، وفي قرب الاسناد ص 107 نحوه. (3) التهذيب ج 1 ص 550، والاستبصار ج 2 ص 205 وقرب الاسناد ص 107.

[ 595 ]

وأما التعليل المذكور في خبر أبي بصير المذكور فيشكل شموله للمقام لرجوع الضمير إلى الصيد الذي عرج إلا أن يقال: هذا نظير تعليل حرمة الخمر بإسكارها حيث أن المناسبة بين الحكم والموضوع يقتضي سراية الحكم إلى كل مسكر و الظاهر الفرق بين المقامين. وأما ما قيل في كسر يد الغزال - الخ) فالمستند فيه رواية أبي بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قلت: ما تقول في محرم كسر أحد قرني الغزال في الحل؟ قال: عليه ربع قيمة الغزال، قلت؟ فإن كسر قرنيه؟ قال: عليه نصف قيمته يتصدق به، قلت: فإن هو فقأ عينيه؟ قال: عليه قيمته، قلت: فإن كسر إحدى يديه؟ قال: عليه نصف قيمته، قلت: فإن هو كسر إحدى رجليه؟ قال: عليه نصف قيمته، قلت: فإن هو قتله؟ قال: عليه قيمته، قلت: فإن هو فعل به وهو محرم في الحرم قال: عليه دم يهريقه وعليه هذه القيمة إذا كان محرما في الحرم) (1) وضعف السند مجبور بعمل الاعلام ومن لا يعمل إلا بالقطعيات إلا أنها معارضة بصحيح علي بن جعفر عليه السلام المذكور وخبر أبي بصير (قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل رمى ظبيا وهو محرم فكسر يده أو رجله فذهب الظبي على وجهه فلم يدر ما صنع فقال، عليه فداؤه قلت: فإنه رآه بعد ذلك مشى؟ قال: عليه ربع ثمنه) (2) ولا يبعد الجمع بين الطرفين بحمل الزائد على الفضل كالجمع بين ما دل على لزوم نصف الصاع في الاطعام وما دل على لزوم المد. وأما صورة اشتراك الجماعة في قتل الصيد فالظاهر عدم الخلاف في ضمان الكل ويدل عليه النصوص منها صحيح عبد الرحمن (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان الجزاء بينهما أم على كل واحد منهما جزاء؟ قال: لا بل عليهما أن يجزي كل منهما الصيد، قلت:؟ إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال: إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى


(1) التهذيب ج 1 ص 557. (2) التهذيب ج 1 ص 550، والاستبصار ج 2 ص 205.

[ 596 ]

تسألوا عنه فتعلموا) (1) ومنها خبر أبي بصير الذي رواه المشايخ الثلاثة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم محرمين اشتروا صيدا فاشتركوا فيه فقالت رفيقة لهم: اجعلوا لي فيه بدرهم، فجعلوا لها؟ فقال: على كل إنسان منهم فداء) (2) وفي محكي الفقيه والتهذيب (شاة) ومورد النصوص اشتراك المحرمين فالتعدي إلى غيرهم مشكل. وأما صورة ضرب الطير على الارض فيلزم ثلاث قيم فيها لخبر معاوية بن عمار (سألت أبا عبد الله عليه السلام يقول في محرم اصطاد طيرا في الحرم فضرب به الارض فقتله؟ قال: عليه ثلاث قيمات قيمة لاحرامة وقيمة للحرم وقيمة لاستصغاره إياه) (3) المنجبر بالشهرة وعدم الخلاف واستشكل في الاخذ بمضمونه من جهة ما ثبت من الدم في بعض الطيور التي يمكن دعوى انصراف الحمام من مفردها هنا وقد تقدم أن فيه شاة ولعل نظر الشيخ (قده) إلى هذه الجهة فعبر بالدم وقيمتين لكنه يبعد جدا حمل القيمة في الخبر على الدم كما أنه يبعد أن يكون وجه الحكم القتل بهذا النحو أعني الضرب به الارض لما في الخبر من ثبوت كل قيمة لجهة وقد يدعى شيوع إطلاق القيمة على الفداء والجزاء فإن تم يرتفع الاشكال. وأما صورة شرب لبن الظبية فيدل على لزوم ما ذكر فيها خبر يزيد بن عبد الملك عن الصادق عليه السلام (في رجل مر وهو محرم في الحرم فأخذ عنق [ عنز خ ل ] ظبية فاحتلبها وشرب من لبنها؟ قال: عليه دم وجزاء في الحرم ثمن اللبن) (4) وضعفه منجبر بالعمل لكنه لابد من حفظ القيدين المذكورين فيه من كونه محرما و وقوع ما فيه في الحرم.


الكافي ج 4 ص 391، والتهذيب ج 1 ص 580. (2) الكافي ج 4 ص 392، والتهذيب ج 1 ص 547. والفقيه كتاب الحج ب 59 ح 16. (3) التهذيب ج 1 ص 553. (4) الكافي ج 4 ص 388 و 395 وفيه (وجزاؤه في الحرم)، والتهذيب ج 1 ص 580.

[ 597 ]

{ وأما الامساك: فإذا أحرم ومعه صيد زال عنه ملكه ووجب إرساله، ولو تلف قبل الارسال ضمنه ولو كان الصيد نائيا لم يخرج عن ملكه، ولو أمسكه محرم في الحل وذبحه مثله لزم كلا منهما فداء أو لو كان أحدهما محلا ضمنه المحرم وما يصيده المحرم في الحل لا يحرم على المحل }. ادعي الاتفاق على خروج الصيد عن ملك المحرم، واستدل عليه بقول الصادق عليه السلام في خبر أبي سعيد المكاري (لا يحرم أحد ومعه شئ من الصيد حتى يخرجه من ملكه، فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخليه، فإن لم يفعل حتى يدخل الحرم ومات لزمه الفداء) (1) وخبر بكير بن أعين (0 سألت أبا جعفر عليه السلام (عن رجل أصاب ظبيا فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم؟ فقال: إن كان حين أدخله الحرم خلى سبيله فلا شئ عليه، فإن أمسكه حتى مات فعليه الفداء) (2). ولا يخفى عدم دلالة الخبرين على المدعى بل ربما يظهر من النصوص الواردة في مسألة الاضطرار إلى أكل الميتة أو الصيد المصرحة بأولوية أكل الصيد لانه ما له بخلاف الميتة خلافه فالعمدة الاجماع إن تم. وأما وجوب الارسال فلا إشكال فيه ويدل عليه الخبر الاول. وأما الضمان مع التلف قبل الارسال فقد ادعي الاجماع عليه ويدل عليه الخبران، ولقائل أن يقول: مجرد لزوم الفداء ليس ضمانا كلزوم الفداء في ساير الموارد فإن الضمان المصطلح في القيميات مغاير لما عبروا عنه في المقام والامر سهل بعد وضوح المراد والقدر المتيقن ثبوت ذلك في الحرم دون الحل إلا أن يثبت الاجماع ولا يبعد استفادة الاطلاق من قوله عليه السلام في الخبر الثاني (فإن أمسكه حتى مات فعليه الفداء) حيث لم يفرق بين الموت في الحرم والموت في الحل، نعم يستفاد منهما مدخلية دخول الحرم في تحقق الضمان فلو لم يدخل الحرم بعد ومات لا ضمان


(1) التهذيب ج 1 ص 550. (2) الكافي ج 4 ص 238، والتهذيب ج 1 ص 551.

[ 598 ]

وأما عدم الخروج مع كون الصيد نائيا فاستدل عليه بصحيح جميل (سأل الصادق عليه السلام عن الصيد يكون عند الرجل من الوحش في أهله أو من الطير يحرم وهو في منزله قال: وما به بأس لا يضره) (1) وصحيح ابن مسلم (سأله عن الرجل يحرم وعنده في أهله صيد إما وحش وإما طير؟ قال: لا بأس) (2). ولا يخفى أنه لا يستفاد من الخبرين اعتبار كون الصيد نائبا عنه بل يمكن أن يكون في أهله الصيد ويكون إحرامه من دويرة أهله كما هو ميقات من يكون منزله أقرب إلى مكة المشرفة من المواقيت، والخبران السابقان يثبتان الضمان في صورة كون الصيد مع المحرم وأدخله الحرم وهذا مغاير لكون الصيد في منزله. ولا يخفى أن ما ذكر مع المماشاة وتسليم استفادة الخروج من الملك بمجرد الحكم. وأما مع المنع وإثبات الخروج بالاجماع فلابد من الاقتصار بمحل الاجماع، ولا إجماع في الصورة المذكورة. وأما صورة إمساك المحرم في الحل وذبح المحرم ففيها ادعي الاجماع على ضمان كل منهما الفداء ولو كان أحدهما محلا كان الضمان على المحرم وما يصيده المحرم في الحل لا يحرم على المحل لعدم ما يوجب حرمته عليه بلا خلاف ولا إشكال. { وأما التسبيب فإذا أغلق على حمام وفراخ وبيض ضمن بإغلاق الحمامة بشاة، والفرخ بحمل، والبيضة بدرهم، ولو أغلق قبل إحرامه ضمن الحمامة بدرهم والفرخ بنصف، والبيضة بربع، وشرط الشيخ مع الاغلاق الهلاك }. والدليل عليه خبر يونس أو موثقة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أغلق بابه على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض فقال: إن كان أغلق عليها قبل أن يحرم فإن عليه لكل طير درهما ولكل فرخ نصف درهم ولكل بيضة ربع درهم وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم فإن عليه لكل طائر شاة ولكل فرخ حملا،


(1) التهذيب ج 1 ص 551، والكافي ج 4 ص 382. (2) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 6.

[ 599 ]

وإن لم يكن تحرك فدرهم وللبيض نصف درهم) (1) والصحيح (عن إبراهيم بن عمر اليماني وسليمان بن خالد قالا: قلنا لابي عبد الله عليه السلام رجل أغلق بابه على طائر فقال: إن كان أغلق الباب بعد ما أحرم فعليه شاة وإن كان أغلق الباب قبل أن يحرم فعليه ثمنه) (2) ورواه الصدوق بزيادة (فمات) في السؤال وخبر الواسطي عن أبي إبراهيم عليه السلام (سألتة عن قوم قفلوا عن طائر من حمام الحرم الباب فمات؟ قال: عليهم قيمة كل طير درهم يعلف به حمام الحرم) (3) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (في رجل أغلق باب بيت على طير من حمام الحرم فمات قال: يتصدق بدرهم أو يطعم به حمام الحرم) (4). والاخبار المذكورة بعضها في خصوص حمام الحرم من غير تقييد بالهلاك و بعضها في خصوص صورة الهلاك من غير تقييد بحمام الحرم، فالحكم على مطلق الحمام مطلقا هلك أو لم يهلك كما في المتن مشكل، وصحيح إبراهيم وسليمان وإن كان ينقل خاليا عن ذكر الموت في السؤال لكنه بحسب رواية الصدوق ذكر الموت في السؤال فلا مجال للاخذ بالاطلاق وترك الاستفصال فمقتضى إطلاق خبر يونس عدم الفرق بين صورة الهلاك وعدمه كما أن صريحه كفاية نصف درهم للبيض وما يقال: من أنه بعد ما حكم في صورة الرمي وعدم الهلاك بعدم الضمان ففى صورة الاغلاق وعدم الهلاك عدم الضمان أولى، لا يخفى ما فيه لعدم القطع بالمناط. { وقيل: إذا نفر حمام الحرم ولم يعد فعن كل طير شاة، ولو عاد فعن الجميع شاة، ولو رمى إثنان فأصاب أحدهما ضمن كل واحد فداء، ولو أوقد جماعة نارا فأحرقت فيها حمامة أو شبهها لزمهم فداء، ولو قصدوا ذلك لزم كل واحد


(1) التهذيب ج 1 ص 547. (2) التهذيب ج 1 ص 547. والفقيه كتاب الحج ب 5 ح 2. (3) التهذيب ج 1 ص 547، والكافي ج 4 ص 234 واللفظ له. (4) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 3.

[ 600 ]

فداء، ولو دل على صيد أو أغرى كلبه فقتل ضمنه }. الحكم المذكور للتنفير لا مدرك له إلا ذكر علي بن الحسين بن بابويه (قده) وقد يفهم من عبارة التهذيب أن فيه خبرا غير مسند فيكون منجبرا بفتوى الاكثر الذين فيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات، ثم التنفير والعود محتملان عن الحرم وإليه و عن الوكر وإليه وعن كل مكان يكون فيه وإليه، ولعل القدر المتيقن التنفير عن الحرم إلى الحل إلا أن يتمسك بإطلاق كلماتهم ويستكشف منه وجود خبر مطلق. وأما صورة رمي اثنين فوجه الحكم فيها صحيح ضريس بن أعين (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجلين محرمين رميا صيدا فأصابه أحدهما؟ قال: على كل واحد منهما الفداء) (1) ويدل عليه خبر آخر (2) ولا يخفى أنه بعد ملاحظة هذين الخبرين وفتوى الاصحاب على طبقهما لا وجه لدعوى القطع في المسألة السابقة بأنه مع عدم هلاك المغلق عليه لا ضمان ولعله من جهة الاستبعاد علل الحكم في بعض كلماتهم (قده) بالاعانة ولا يخفي أنه لا إشارة في الخبرين إليهما كما أنه لابد من الاقتصار على المحرمين فلا يجري على المحلين في الحرم. وأما صورة إيقاد الجماعة النار فالظاهر عدم الخلاف في الحكم المذكور فيها ويدل عليه صحيح أبي ولاد الحناط (قال: خرجنا ستة نفر من أصحابنا إلى مكة فأوقدنا نارا عظيمة في بعض المنازل أردنا أن نطرح عليهما لحما نكببه، وكنا محرمين فمر بنا طائر صاف مثل حمامة أو شبهها فاحترق جناحاه فسقط في النار فمات فاغتممنا لذلك فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام بمكة فأخبرته وسألته فقال: عليكم فداء واحد دم شاة تشتركون فيه جميعا لان ذلك كان منكم على غير تعمد، ولو كان ذلك منكم تعمدا ليقع فيها الصيد فوقع فيها ألزمت كل رجل منكم دم شاة، قال أبو ولاد وكان ذلك منا قبل أن ندخل الحرم) (3) والظاهر أن كلام أبي ولاد الاخير


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 547. (3) الكافي ج 4 ص 392، والتهذيب ج 1 ص 548.

[ 601 ]

أعنى قوله (وكان ذلك الخ) حكاية لغير المعصوم فلا يبعد إطلاق الحكم لترك الاستفصال ولا ينافي الحكم المذكور تضاعف الجزاء إذا كان في الحرم مع القصد فتأمل جيدا. وأما صورة الاغراء فالظاهر عدم الخلاف وعدم الاشكال فيها في الضمان لان الاغراء بمنزلة رمي السهم ويتصور فروض في المقام يستشكل في أحكامه. منها ما لو أغرى الكلب المحل في الحل فدخل الصيد الحرم فتبعه الكلب فأخذه فيه، ومنها ما لو أغرى الكلب بصيد في الحل فدخل الحرم فأخذ غيره، ومنها حل الكلب المربوط في الحرم وهو محرم والصيد حاضر، ومنها ما لو حل الصيد المربوط فتسبب ذلك لاخذ الكلب أو الغير، ومنها ما لو انحل رباط الكلب لتقصيره في الربط، ومع الشك في تحقق التسبيب الموجب للضمان مقتضى الاصل البراءة وعدم الضمان والسبب المذكور في الديات الموجب للضمان بحسب النصوص لا تقتضي الضمان في المقام. { ومن أحكام الصيد فمسائل الاولى ما يلزم المحرم في الحل والمحل في الحرم يجتمعان على المحرم في الحرم ما لم يبلغ بدنة، الثانية يضمن الصيد بقتله عمدا وسهوا وجهلا، وإذا تكرر خطا دائما ولو تكرر عمدا ففي ضمانه في الثانية روايتان، أشهرهما أنه لا يضمن }. أما اجتماع ما يلزم المحرم والمحل فهو المشهور واستدل عليه بقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب وقد مر الاشكال فيه، وبالاخبار المذكورة في الحمام و الطير والفرخ والبيض، وقد سبق الكلام فيهما. وبقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية بن عمار (إن أصبت الصيد وأنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك و إن أصبته وأنت حلال في الحرم فقيمة واحدة، وإن أصبته وأنت حرام في الحل فإنما عليك فداء واحد) (1) بناء على أن المراد من المضاعفة اجتماع الامرين ولا يخفى الاشكال فيه كما مر سابقا مضافا إلى كلام الجواد عليه السلام في مسألة يحيى بن أكثم القاضي الاتي (2) وفيه (فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة) حيث إنه لا يلائم


(1) الكافي ج 4 ص 395. والتهذيب ج 1 ص 553. (2) راجع الصفحة الاتية.

[ 602 ]

قوله عليه السلام (هديا بالغ الكعبة) مع ما هو المشهور، وقد يدفع احتمال الجمع باعتبار المضاعفة في الفداء في غير الحمام ونحوه بعدم القائل إذ الاصحاب بين قائل بما ذكر وهو المشهور وبين قائل بتضاعف الفداء مطلقا أو مردد، فالتخصيص خارج عن جميع الاقوال. وفيه إشكال لعدم تحقق الاجماع على نفى ما هو خارج عن الاقوال. وأما عدم التضاعف إذا بلغ الجزاء إلى البدنة فلقول الصادق عليه السلام في مرسل ابن فضال (إنما يكون الجزاء مضاعفا فيما دون البدنة حتى يبلغ البدنة فإذا بلغ البدنة فلا تضاعف لانه أعظم ما يكون) (1) ونحوه مرسله الاخر (2) وضعف السند منجبر بالشهرة. وفي قبالهما قول الجواد عليه السلام في مسألة يحيى بن أكثم القاضي (إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل وكان الصيد من ذوات الطير، وكان الطير من كبارها فعليه شاة، وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، وإذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل فطيم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنه، وإن كان ظبيا فعليه شاة، وإن كان قتل من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة) (3) وادعي اشتمال هذه الرواية على قرائن دالة على صحة صدورها عنه عليه السلام وقد يجمع بينهما وبين المرسلتين بحمل هذه على الندب وقد مر سابقا أنه على تقدير التعمد واستحقاق العقوبة ومدخلية الكفارة في رفع العقوبة المستحقة يحكم العقل بلزوم الاحتياط. وأما ضمان الصيد بقتله عمدا وسهوا وجهلا فادعي عليه الاجماع ودل عليه النصوص.


(1) الكافي ج 4 ص 395. (2) التهذيب ج 1 ص 553. (3) احتجاج الطبرسي ص 245 وتحف العقول ص 109 تفسير القمى ص 170، ارشاد المفيد ص 342.

[ 603 ]

وأما تكرر الكفارة مع تكرر القتل خطأ فادعي عليه الاجماع ويدل عليه الكتاب والسنة. وأما صورة التكرر عمدا فلا إشكال في لزوم الكفارة أولا إنما الاشكال في لزوم الكفارة ثانيا حيث أن ظاهر ما في الاية الشريفة (ومن عاد فينتقم الله منه) أن الجزاء مع العود انتقام الله تعالى في مقابل جزاء الابتداء الفدية ومرجعه إلى أن الجزاء للتكفير لا للعقوبة ولا تكفير بالفدية مع العود مضافا إلى ما في النصوص من التصريح بكون المراد من الاية ذلك قال الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه ويتصدق بالصيد على مسكين، فإن عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاء وينتقم الله منه والنقمة في الاخرة) (1) وفي حسنه (إذا أصاب آخر فليس عليه كفارة قال الله عزوجل (ومن عاد فينتقم الله منه) (2) ولم يكن عليه كفارة، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ما ذكر. وقد يستدل للقول الاخر بقول الصادق عليه السلام في حسن ابن عمار (عليه الكفارة في كل ما أصاب) (3) وفي صحيحه (عليه كلما عاد كفارة) (4) و بصحيح البزنطي سأل الرضا عليه السلام (عن المحرم يصيب الصيد بجهالة أو خطأ أو عمد أهم فيه سواء؟ قال: لا، قال: جعلت فداك ما تقول في رجل أصاب الصيد بجهالة وهو محرم، قال: عليه الكفارة، قال: فإن أصاب خطأ؟ قال: عليه الكفارة، قال: فإن أخذ ظبيا متعمدا فذبحه؟ قال: عليه الكفارة، قال: جعلت فداك ألست قلت إن الخطأ والجهالة والعمد ليسوا بسواء فبأي شئ يفضل المتعمد الجاهل والخاطي قال: بأنه أثم ولعب بدينه) (5) بتقريب أن العامد


(1) التهذيب ج 1 ص 553، والاستبصار ج 2 ص 211. (2) الكافي ج 4 ص 394. (3) و (4) الكافي ج 4 ص 394، والتهذيب ج 1 ص 553، والاستبصار ج 2 ص 210. (5) الكافي ج 4 ص 381. والتهذيب ج 1 ص 550 مع اختلاف.

[ 604 ]

لو فضل بغير ذلك لبينة وأجيب بأن الاخبار المذكورة مع تسليم دلالتها مطلقات وبعد تحكيم المقيد عليها لا مجال للاستدلال بها ولا يبعد أن يقال: إن كان النظر إلى وجوب الكفارة وعدمه فمع صراحة تلك الاخبار لا مجال للقول بوجوبها فيحمل الاخبار الاخر على فرض صراحتها في ثبوت الكفارة على الاستحباب وإن كان النظر إلى أصل الثبوت والمشروعية فلابد من حمل مثل قوله عليه السلام (عليه كلما عاد كفارة) على العود بغير عمد وهو بعيد ولعله لما ذكر صرح في المتن بقوله (ففي ضمانه في الثانية روايتان أشهرهما - الخ). { الثالثة لو اشترى محل لمحرم بيض نعام فأكله المحرم ضمن المحرم كل بيضة بشاة وضمن المحل عن كل بيضه درهما. الرابعة لم يملك المحرم صيدا معه ويملك ما ليس معه. الخامسة لو اضطر إلى أكل صيد وميتة فيه روايتان أشهرهما أنه يأكل الصيد ويفديه، وقيل: إن لم يمكنه الفداء أكل الميتة }. أما ضمان كل من المحل والمحرم فيدل عليه صحيح أبي عبيدة (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل محل اشترى لمحرم بيض نعام، فأكله المحرم فما على الذي أكله؟ فقال: على الذي اشتراه فداء لكل بيضة درهم وعلى المحرم لكل بيضة شاة) (1)، وقد يقال بظهور الفتاوي في عدم وجوب غير الشاة حتى مع وقوع الاكل في الحرم على خلاف قاعدة التضاعف لذكرهم هذه المسألة مستقلة عن مسألة التضاعف قلت: لا فرق بين هذا الصحيح وسائر الاخبار المثبتة للجزاء والفداء فكما لا تنافي بينهما وبين ما يدل على التضاعف كذلك لا تنافي في المقام. وأما عدم ملكية المحرم صيدا معه فقد سبق الكلام فيه وإنه لا يستفاد مما دل على حرمته ووجوب إرساله عدم الملكية بل المستفاد مما دل على ترجيح أكل الصيد للمحرم المضطر على أكل الميتة معللا بالملكية خلافة، وأما ملكية ما ليس معه فقد سبق الكلام فيها، وأما صورة الاضطرار ودوران الامر بين أكل الصيد واكل الميتة فيدل على ترجيح أكل الصيد فيها صحيحا ابن بكير وزرارة (عن


(1) الكافي ج 4 ص 388. والتهذيب ج 1 ص 550 مع اختلاف.

[ 605 ]

أبي عبد الله عليه السلام في رجل اضطر إلى ميتة وصيد وهو محرم قال: يأكل الصيد ويفدي) (1) وصحيح الحلبي عنه أيضا (سألته عن المحرم يضطر فيجد الميتة و الصيد أيهما يأكل؟ قال: يأكل من الصيد أما يحب أن يأكل من ماله؟ قلت: بلى؟ قال: إنما عليه الفداء فليأكل وليفده) (2) وغيرهما من الاخبار. وفي قبالهما خبر عبد الغفار الجازي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها ووجد صيدا فقال: يأكل الميتة ويترك الصيد) (3) وخبر إسحاق عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (إن عليا عليه السلام كان يقول: إذا اضطر المحرم إلى الصيد وإلى الميتة فليأكل الميتة التي أحل الله له) (4) والخبران محمولان على التقية وإطلاق الاخبار يقتضي عدم الفرق بين صورة التمكن من الفداء وصورة عدم التمكن غاية الامر مع عدم التمكن يكون الفداء في الذمة كما في مورد لزوم الجزاء والفداء غير هذا المورد. { السادسة إذا كان الصيد مملوكا ففداؤه للمالك ولو لم يكن مملوكا تصدق به. وحمام الحرم يشتري بقيمته علفا لحمامه، السابعة ما يلزم المحرم يذبحه أو ينحره بمنى إن كان حاجا ولو كان معتمرا فبمكة، الثامنة من أصاب صيدا فداؤه شاة، فإن لم يجد أطعم عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج }. في المسالك هكذا أطلق الاكثر والمفهوم من الفداء ما يلزم المحرم بسبب الجناية عن الصيد من مال أو صوم أو إرسال وهو شامل أيضا لما إذا زاد عن قيمة الصيد المملوك أو نقص، ولما إذا كانت الجناية غير موجبة لضمان الاموال كالدلالة على الصيد مع المباشرة، ولما كان للمالك فيه نفع وغيره كالارسال إذا لم ينتج والصوم ولما إذا كانت من المحرم في الحل أو في الحرم أو من الحمل في الحرم


(1) الكافي ج 4 ص 383. (2) الكافي ج 4 ص 383، والتهذيب ج 1 ص 552، والاستبصار ج 2 ص 209. (3) التهذيب ج 1 ص 580 و 552، والاستبصار ج 2 ص 210. (4) التهذيب ج 1 ص 552، والاستبصار ج 2 ص 209.

[ 606 ]

فيشمل ما يجتمع فيه القيمة والجزاء ومقتضاه أنه لا يجب الله تعالى سوى ما يجب للمالك مع أن القواعد المستقرة تقتضي ضمان الاموال بالمثل أو القيمة، كيف كان وقد يقتضي الحال في هذه المسألة ضمان ما هو أزيد من ذلك كما إذا زاد الجزاء عن القيمة أو اجتمع عليه الامران وقد يقتضى ضمان ما هو أقل بل ما لا ينتفع به المالك فلا يكون الاحرام موجبا للتغليظ زيادة عن الاحلال فيتحصل في هذه المسألة مخالفة في أمور - الخ. انتهى. أقول: لا إشكال في عدم إرادة الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم من كلامهم إذا كان الصيد مملوكا ففداؤه للمالك معنى يشمل مثل الصوم أو الارسال فإن أجزاء الكلام يقيد بعضه بعضا، نعم يمكن مطالبة الدليل على ما نسب إليهم من كون الجزاء المالي اللازم من جهة الاحرام والحرم للمالك فالذي يلزم من جهة اليد والاتلاف والتسبيب من دون مدخلية للاحرام والحرم يرجع إلى المالك وغير المالك في بعض الموارد كاليد على العين المرهونة حيث أنه يحصل الضمان بالنسبة إلى المرتهن أيضا مع أنه ليس بمالك، والذي يلزم من جهة الاحرام والحرم يكون حاله حال الصيد الغير المملوك وهذا مقتضى الجمع بين الادلة، ومما ذكر ظهر عدم الفرق بين كون الصيد مملوكا أو غير مملوك بالنسبة إلى الفداء اللازم من جهة الاحرام أو الحرم ولا ربط لهذه الجهة بالضمان اللازم من جهة اليد و غيرها مما يوجب الضمان للمالك، ويدل على لزوم التصدق قول أبي جعفر عليه السلام على المحكي في صحيح زرارة (إذا أصاب المحرم في الحرم حمامة إلى أن يبلغ الظبي فعليه دم يهريقة ويتصدق بمثل ثمنه) (1) وقال الصادق عليه السلام على المحكي في حسنة الحلبي (إن قتل المحرم حمامة من حمام الحرم فعليه شاة وثمن الحمامة درهم أو شبهه) (2) وقد سبق بعض الاخبار الدال على اشتراء علف الحمامة بالثمن.


الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 1. (2) التهذيب ج 1 ص 553، والكافي ج 4 ص 395. وفيهما (ان قتل المحرم حمامة في الحرم).

[ 607 ]

وأما ذبح أو نحر ما يلزم بمنى إن كان حاجا وبمكة إن كان معتمرا فيدل عليه قول الجواد عليه السلام للمأمون فيما رواه المفيد في محكي الارشاد عن الريان بن شبيب عنه عليه السلام (إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه بالحج نحره بمنى وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة) (1) وفي المروي عن تفسير علي بن إبراهيم عن محمد بن الحسن عن محمد بن عون النصيبي وفيما أرسله الحسن بن على بن شعبة في محكي تحف العقول (والمحرم بالحج ينحر الفداء [ بمنى حيث ينحر الناس والمحرم بالعمرة ينحر الفداء ] بمكة) (2) وفي خصوص جزاء الصيد مضافا إلى الاية والاطلاق المزبور قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (من وجب عليه فداء صيد أصابه محرما فإن كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى وإن كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة) (3) والمحكي عن المحقق الاردبيلي (قدس سره) تجويز فداء الصيد في موضع الاصابة وإن كان الافضل التأخير إلى مكة ومنى تمسكا بقول الصادق عليه السلام (في كفارة قتل النعامة إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر في موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاءه الحديث) (4) وبقوله عليه السلام أيضا في خبر محمد (فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه) (5) وغيرهما وأورد عليه بإمكان دعوى الاجماع على خلافه، ولا يخفى أنه إن لم يثبت الاعراض اتجه القول بالجواز جمعا بين الاخبار، واستشكل في المدارك بعد القول بما قال المحقق الاردبيلي بأن هذه الروايات كما ترى مختصة بفداء الصيد،


(1) الارشاد ص 342، والاحتجاج ص 245. (2) تفسير القمى ص 170 و 171 وفي تحف العقول الطبع الحجرى ص 109 و الطبع الحروفى ص 453 وفي آخر ص 477. وما جعل بين القوسين ليس في طبعاته الثلاث ولكن موجود في منقوله في الوسائل. والظاهر في النسخ المطبوعة من التحف سقط. (3) التهذيب ج 1 ص 553، والاستبصار ج 2 ص 211 والكافي ج 4 ص 384. (4) الكافي ج 4 ص 387، والتهذيب ج 1 ص 544. (5) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 11. والتهذيب ج 1 ص 546.

[ 608 ]

ويمكن أن يقال: إن الاخبار المطلقة بعد حملها على الاستحباب بالنسبة إلى فداء الصيد بقرينة الاخبار المذكورة إن أخذنا بظهورها ينصدم ظهورها في التعين مضافا إلى صحيح ابن حازم (سأل الصادق عليه السلام عن كفارة العمرة المفردة أين تكون؟ فقال: بمكة إلا أن يشاء صاحبها أن يؤخرها إلى منى ويجعلها بمكة أحب إلي و أفضل) (1) والتقييد بفداء الصيد ليس أولى من حمل ما دل على التعيين على الاستحباب. وأما وجوب إطعام عشرة لمن أصاب صيدا فداؤه شاة وعجز. وصيام ثلاثة أيام مع العجز فالدليل عليه صحيح معاوية بن عمار قال أبو عبد الله عليه السلام: (من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الابل فإن لم يجد ما يشتري بدنة فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستين مسكينا كل مسكين مدا فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام ومن كان عليه شئ من الصيد فداؤه بقرة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا فإن لم يجده فليصم تسعة أيام ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين فمن لم يجد صام ثلاثة أيام) (2). وأما التقييد المذكور بقوله (في الحج) فليس في نسخة التهذيب كما اعترف به في كشف اللثام والمدارك ولعل المصنف والعلامة (قدهما) كان ذكرهما من جهة العثور بما لم نعثر عليه. { ويلحق بهذا الباب مسائل الاولى في صيد الحرم وحده وهو بريد في بريد من قتل فيه صيدا ضمنه ولو كان محلا وهل يحرم الصيد وهو يؤم الحرم الاشهر الكراهية ولو أصابه فدخل الحرم ومات لم يضمن على أشهر الروايتين }. أما تحديد الحرم ببريد وهو أربعة فراسخ في بريد مثلها، فالظاهر عدم خلاف فيه بين المسلمين وهو محدود بعلامات هناك وروى الشيخ (قده) في الموثق عن زرارة قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: حرم الله تعالى حرمه بريدا في بريد


(1) التهذيب ج 1 ص 554 والاستبصار ج 2 ص 212. (2) التهذيب ج 1 ص 545 و 555

[ 609 ]

أن يختلى خلاه ويعضد شجره الخ) (1) لعله مر في بحث شجر الحرم ومن قتل فيه صيدا ضمنه ولو كان محلا وقد سبق الكلام فيه. وأما حرمة الصيد وهو يؤم الحرم فهي محكية عن الشيخ لمرسل ابن أبي عمير عن الصادق عليه السلام (كان يكره أن يرمي الصيد وهو يؤم الحرم) (2) بناء على إرادة الحرمة من الكراهة فيه وصحيح الحلبي عنه أيضا قال: (إذا كنت محلا في الحل فقتلت صيدا فيما بينك وبين البريد إلى الحرم فإن عليك جزاؤه فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه تصدقت بصدقة) (3) وعن جماعة القول بالكراهة لعدم ظهور الكراهة في الحرمة وعدم التلازم بين الضمان والحرمة على أنه معارض بصحيح ابن الحجاج (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل رمى صيدا في الحل وهو يؤم الحرم فيما بين البريد والمسجد فأصابه في الحل فمضى برميته حتى دخل الحرم فمات من رميته هل عليه جزاء؟ فقال: ليس عليه جزاء إنما مثل ذلك مثل من نصب شركا في الحل إلى جانب الحرم فوقع فيه صيد فاضطرب حتى دخل الحرم فمات فليس عليه جزاء لانه نصب حيث نصب وهو له حلال ورمى حيث رمى وهو له حلال فليس عليه فيما كان بعد ذلك شئ، فقلت: هذا القياس عند الناس، فقال: إنما شبهت لك الشئ بالشئ لتعرفه) (4) وبهذا الصحيح ظهر عدم الضمان في صورة الاصابة ودخول الحرم والموت ويجمع بينه وبين صحيح الحلبي بحمل ذلك على الندب. { ويكره الصيد بين البريد والحرم ويستحب لصدقة بشئ لو كسر قرنه أو فقأ عينه. والصيد المربوط في الحل يحرم إخراجه لو دخل الحرم. ويضمن المحل لو رمى الصيد من الحرم فقتله في الحل، وكذا لو رمى من الحل فقتله في الحرم }.


(1) التهذيب ج 1 ص 556. (2) التهذيب ج 1 ص 555. (3) الكافي ج 4 ص 232 والتهذيب ج 1 ص 550، والاستبصار ج 2 ص 207. (4) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 12، وعلل الشرايع ص 155.

[ 610 ]

أما الكراهة في الجملة فهي مقتضاة مرسل ابن أبي عمير المذكور بعد حمله على الكراهة في مقابل الحرمة جمعا بينه وبين صحيح ابن الحجاج المذكور لكن الاشكال في التحديد بما بين البريد والحرم حيث لم يظهر من المرسل المذكور و غيره التحديد. وأما استحباب الصدقة فيدل عليه صحيح الحلبي المذكور بعد حمله عليه جمعا بينه وبين صحيح ابن الحجاج. وأما تحريم إخراج الصيد المربوط فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) لاستدلال الصادق عليه السلام به لما سأله محمد بن مسلم (عن ظبى دخل في الحرم؟ فقال: لا يؤخذ ولا يمس، إن الله تعالى يقول: ومن دخله كان آمنا) (1) وخصوص خبر عبد الاعلى بن أعين (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب صيدا في الحل فربطه إلى جانب الحرم فمشى الصيد بربطه حتى دخل الحرم والرباط في عنقه فاجتره الرجل بربطه حتى أخرجه والرجل في الحل من الحرم فقال: ثمنه ولحمه حرام مثل الميتة) (2). وأما ضمان المحل لو رمي الصيد من الحرم فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه حسن مسمع أو صحيحه عن الصادق عليه السلام في رجل حل في الحرم ورمى صيدا خارجا من الحرم فقتله؟ فقال: عليه الجزاء لان الافة جاءت الصيد من ناحية الحرم) (3) وكذا صورة الرمي من الحل إلى الحرم حيث ادعي الاجماع عليه ويدل عليه عموم أدلة الجزاء على القاتل في الحرام. { ولو كان الصيد على غصن في الحل وأصله في الحرم ضمنه القاتل و من أدخل في الحرم صيدا وجب عليه إرساله، ولو تلف في يده ضمنه، وكذا لو أخرجه من الحرم فتلف قبل الارسال، ولو كان طائرا مقصوصا حفظه حتى يكمل


(1) التهذيب ج 1 ص 550، والفقيه كتاب الحج ب 5 ح 19. (2) التهذيب ج 1 ص 550 وفيه (بحبله) مكان (بربطه). (3) التهذيب ج 1 ص 550، والكافي ج 4 ص 235.

[ 611 ]

ريشه ثم أرسله }. أما ضمان الصيد الكائن على الغصن فادعي عليه الاجماع ويدل عليه قوي السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (أنه سئل عن شجرة أصلها في الحرم وأغصانها في الحل على غصن منها طير رماه رجل فصرعه؟ قال: عليه جزاؤه إذا كان أصلها في الحرم) (1). وأما وجوب إرسال الصيد المدخل في الحرم والضمان مع التلف، فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه الصحيح عن شهاب بن عبد ربه (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنى أتسحر بفراخ أوتي بها من غير مكة فتذبح في الحرم فأتسحر بها، قال: بئس السحور سحورك أما علمت أن ما دخلت به الحرم حيا فقد حرم عليك ذبحه وإمساكه) (2) وقال بكير بن أعين في الصحيح: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب ظبيا فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم؟ فقال: إن كان حين أدخله خلى سبيله فلا شئ عليه، وإن كان أمسكه حتى مات فعليه الفداء) (3) وقال معاوية أيضا في الصحيح: قال الحكم بن عيينة (سالت أبا جعفر عليه السلام ما تقول في رجل أهدي له حمام أهلى وهو في الحرم من غير الحرم فقال: أما إن كان مستويا خليت سبيله، وإن كان غير ذلك أحسنت إليه حتى استوى ريشه خليت سبيله) (4) وإطلاق خبر بكير بن أعين يشمل صورة الاخراج من الحرم. وأما لزوم حفظ الطائر المقصوص ثم الارسال فيدل عليه هذا الخبر وصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام (فيمن أصاب طيرا في الحرم، قال: إن كان مستوى الجناج فليخل عنه، وإن كان غير مستونتفه وأطعمه وأسقاه فإذا


(1) التهذيب ج 1 ص 557. (2) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 21. (3) التهذيب ج 1 ص 551. والكافي ج 4 ص 238. (4) التهذيب ج 1 ص 546. والمقنعة ص 71.

[ 612 ]

استوى جناحاه خلى عنه) (1) { وفي تحريم حمام الحرم في الحل تردد أشبهه الكراهة. ومن نتف ريشة من حمام الحرم فعليه صدقة يسلمها بتلك اليد التي تنف بها، وما يذبح من الصيد في الحرم ميتة، ولا بأس بما يذبح المحل في الحل، وهل يملك المحل صيدا في الحرم الاشبه أنه يملك، ويجب إرسال ما يكون معه }. استدل لعدم تحريم حمام الحرم بما في الصحيح عن قول الله عزوجل (و من دخله كان آمنا) قال: من دخل الحرم مستجيرا كان آمنا من سخط الله تعالى ومن دخله من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج ويؤذي حتى يخرج من الحرم) (2) فان مفهومه جواز الايذاء بعد الخروج ويمكن أن يقال: هذا الخبر لا يشمل حمام الحرم بل مورده ما كان خارجا عن الحرم ودخل الحرم فلا يعارض قول الكاظم عليه السلام لاخيه في الصحيح (لا يصاد حمام الحرم) (3) حيث كان إذا علم أنه من حمام الحرم. وأما لزوم الصدقة على نتف ريشة فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه خبر إبراهيم ابن ميمون المنجبر (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل نتف ريشة من حمام الحرم؟ قال: يتصدق بصدقة على مسكين ويعطي باليد التي نتف بها فإنه قد أوجعه) (4). وأما كون المذبوح ميتة فادعي عليه الاجماع ويدل عليه خبر وهب بن وهب، عن جعفر عن أبيه، عن علي عليهم السلام (إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحرام والحلال، وهو كالميتة وإذا ذبح الصيد فهو ميتة حلال ذبحه أو حرام) (5). ولقائل أن يقول: إن تم الاجماع فهو، وإلا فقد يتأمل من جهة التعبير في الخبر بأنه كالميتة، والتعبير الثاني بقوله فهو ميتة مع سبق التشبيه لا ظهور له في كونه ميتة حقيقة بحيث يترتب عليه جميع الاحكام حتى النجاسة وحرمة مطلق


(1) الفقيه كتاب الحج ب 5 ح 5. (2) الكافي ج 4 ص 226. (3) التهذيب ج 1 ص 546. (4) التهذيب ج 1 ص 547، والفقيه كتاب الحج ب 5 ح 14. (5) التهذيب ج 1 ص 555، والاستبصار ج 2 ص 214.

[ 613 ]

الاستعمالات، وربما يؤيد أن يكون من باب التنزيل وترتيب بعض الاثار ما تقدم من تقديم أكله عند الاضطرار على أكل الميتة ولا خلاف ولا إشكال في عدم حرمة ما يذبح المحل في الحل مع إدخاله الحرم عليه. وأما ملكية المحل صيدا في الحرم فقد يقال بعدمها باصطياد أو شراء أو نحو ذلك باعتبار كون الصيد في الحرم أخرجه الله تعالى عن التملك أو مأ إليه الصادق عليه السلام بقوله عليه السلام (لا يمس) (1) وبالامر بتخلية السبيل، وفي استفادة الاخراج مما ذكر نظر كما لا يخفى فالاخذ بعموم أو إطلاق أسباب الملكية لا مانع منه وإن وجب إرساله وحرم مسه. { كفارات الاستمتاع } { الثالث في باقي المحظورات وهي تسعة: الاستمتاع بالنساء، فمن جامع أهله قبل أحد الموقفين قبلا أو دبرا عامدا عالما بالتحريم أتم حجه ولزمه بدنة والحج من قابل، فرضا كان حجة أو نفلا، وهل الثانية عقوبة؟ قيل: نعم والاولي فرضه، وقيل: الاولى فرضه والثانية عقوبة والاول هو المروي }. لا خلاف ظاهر فيما ذكر أولا في الجملة وادعي عليه الاجماع ويدل عليه النصوص ففي صحيح معاوية (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل محرم وقع على أهله فقال: إن كان جاهلا فليس عليه شئ وإن لم يكن جاهلا فإن عليه أن يسوق بدنة ويفرق بينهما حتى يقضي المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا وعليهما الحج من قابل) (2) ومنها صحيح زرارة أو حسنه (سألته عن محرم غشى امرأته وهي محرمة؟ فقال: جاهلين أو عالمين؟ فقلت: أجبني على الوجهين جميعا، فقال: إن كانا جاهلين استغفرا ربهما ومضيا على حجهما وليس عليهما شئ، وإن كانا عالمين فرقت بينهما من المكان الذي أحدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا مناسكهما ويرجعا


(1) التهذيب ج 1 ص 546، والفقيه كتاب الحج ب 5 ح 18. (2) التهذيب ج 1 ص 538.

[ 614 ]

إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال: الاولى التي أحدثا فيها ما أحدثا والاخرى عليهما عقوبة) (1) وظاهر الروايتين التفصيل بين صورة العلم والجهل، والظاهر أن النظر إلى العلم والجهل بالحكم فصورة العلم بالحكم والغفلة عن حالة الاحرام مشمولة لوجوب الاتمام والحج من قابل إلا أن يستفاد من قوله عليه السلام (والاخرى عليهما عقوبة) أن الحكم مخصوص بصورة الالتفات إلى حاله الاحرام إلا أن يقال: هذا نظير المؤاخذة المرفوعة في حديث الرفع حيث إنه قد يحصل الغفلة من جهة التهاون وترك التحفظ ومعه لا مانع من استحقاق العقوبة عقلا لولا حديث الرفع ولعله لذا قال عليه السلام (إن كانا جاهلين استغفرا ربهما) مع أن الجهل كثيرا ما يكون عن قصور، نعم روى الصدوق في الفقيه مرسلا قال: وقال الصادق عليه السلام إن وقعت على أهلك بعد ما تعقد الاحرام وقبل أن تلبي فلا شئ عليك، وإن جامعت وأنت محرم قبل أن تقف بالمشعر فعليك بدنة والحج من قابل، وإن جامعت بعد وقوفك بالمشعر فعليك بدنة وليس عليك الحج من قابل. وإن كنت ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليك) (2). ثم إن إطلاق هذه الاخبار يشمل مطلق حال الاحرام لكنه قيد بمفهوم قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (إذا وقع الرجل بإمرأته دون المزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة فعليه الحج من قابل) (3) وغيره من الاخبار، وأما التعميم بحيث يشمل الوطي في الدبر فقد يتأمل فيه من جهة الانصراف ولا أقل من الشك كالشك في شمول الاخبار صورة الوطي في القبل دون الحشفة. وأما تعيين الفرض والعقوبة فقد أشكل من جهة أنه يستفاد من بعض الاخبار فساد الحج من جهة الوقاع ففي صحيح سليمان بن خالد عن الصادق عليه السلام (والرفث فساد الحج) (4) وصحيح زرارة المذكور صريح في أن الفرض الاولى فلابد من حمل


(1) الكافي ج 4 ص 373، والتهذيب ج 1 ص 538. (2) المصدر كتاب الحج ب 56 ح 3. (3) التهذيب ج 1 ص 538. (4) الكافي ج 4 ص 339، والتهذيب ج 1 ص 531.

[ 615 ]

الفساد على معنى لا ينافي الصحة وكونها فرضا والاشكال في صحيح زرارة بالاضمار في غير محله لانه أجل شأنا من أن يروي من غير الامام. { ولو أكرهها وهي محرمة حمل عنها الكفارة ولا حج عليها في القابل، و لو طاوعته لزمها ما يلزمه، ولم يحمل عنها كفارة وعليهما الافتراق إذا وصلا موضع الخطيئة حتى يقضيا المناسك، ومعناه أن لا يخلوا إلا مع ثالث }. أما صحة حجها وعدم وجوب الحج في القابل وحمل الكفارة فلا خلاف فيها ظاهرا ويدل على حمل الكفارة عنها خبر أبي حمزة قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن محرم واقع أهله؟ قال: قد أتى عظيما، قلت: قد ابتلى فقال: استكرهها أو لم يستكرهها؟ قلت أفتني فيهما جميعا، فقال: إن كان استكرهها فعليه بدنتان، وإن لم يكن استكرهها فعليه بدنة وعليها بدنة، يفترقان من المكان الذي كان فيه ما كان حتى ينتهيا إلى مكة وعليهما الحج من قابل لابد منه - الحديث) (1) فإن كان مجموع قوله عليه السلام (فعليه بدنة إلى قوله - وعليهما الحج من قابل) معلقا على عدم الاستكراه استفيد منه عدم وجوب الحج من قابل في صورة الاستكراه وإلا يشكل استفادته والظاهر أن ضعف السند مجبور لكنه يستفاد من صحيح معاوية ابن عمار وجوب الحج من قابل عليها حتى مع الاستكراه قال: (سالت أبا عبد الله عليه السلام عن محرم وقع على أهله فيما دون الفرج؟ قال: عليه بدنة وليس عليه الحج من قابل وإن كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه وإن كان استكرهها فعليه بدنتان وعليهما الحج من قابل) (2) فإن الظاهر أن الجماع المذكور ثانيا أريد به الجماع في الفرج بقرينة وجوب الحج من قابل فمع احتمال خروج قوله عليه السلام في خبر أبي حمزة المذكور (وعليهما الحج من قابل) عن الجزاء لابد من الاخذ بظاهر هذا الصحيح من وجوب الحج من قابل عليها حتى مع الاستكراه إلا أن يتحقق الاجماع على خلافه، وظهر مما ذكر أن حكم المرأة مع المطاوعة حكم


(1) التهذيب ج 1 ص 538، والكافي ج 4 ص 374. (2) التهذيب ج 1 ص 538. والاستبصار ج 2 ص 192.

[ 616 ]

الرجل في وجوب البدنة عليها والحج من قابل. وأما وجوب الافتراق بالنحو المذكور في المتن فللاخبار المذكورة مع ما ورد في كيفية مرفوع أبان بن عثمان عن أحدهما عليهما السلام (قال: معنى يفرق بينهما أي لا يخلو ان وإن يكون معهما ثالث) (1) ومرفوعه الاخر إلى أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام قال: (المحرم إذا وقع على أهله يفرق بينهما يعني بذلك لا يخلوان إلا أن يكون معهما ثالث) (2). { ولو كان ذلك بعد الوقوف بالمشعر لم يلزمه الحج من القابل وجبره ببدنة، ولو استمنى بيده لزمه البدنة حسب، وفي رواية والحج من قابل ولو جامع أمته المحرمة بإذنه محلا لزمه بدنة أو بقرة أو شاة ولو كان معتمرا فشاة أو صيام ثلاثة أيام }. أما عدم لزوم الحج فقد سبق الكلام فيه. وأما لزوم الجبر ببدنة فادعي عليه الاجماع ويدل عليه ما رواه الصدوق مرسلا قال: وقال الصادق عليه السلام: (إن وقعت على أهلك بعد ما تعقد الاحرام و قبل أن تلبي فلا شئ عليك وإن جامعت وأنت محرم قبل أن تقف بالمشعر فعليك بدنة والحج من قابل، وإن جامعت بعد وقوفك بالمشعر فعليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، وإن كنت ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليك) (3) وأما الاستمناء بيده فلزوم البدنة فيه لا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار في الموثق عن أبي الحسن عليه السلام قال: (قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى قال: أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم بدنة والحج من قابل) (4) إلا أن يستشكل بأنه بعد رفع اليد عن ظهوره كما في المتن


(1) الكافي ج 4 ص 373. (2) التهذيب ج 1 ص 537. الكافي ج 4 ص 373. (3) الفقيه كتاب الحج ب 56 ح 3. (4) الكافي ج 4 ص 376، والتهذيب ج 1 ص 540، والاستبصار ج 2 ص 192.

[ 617 ]

في وجوب الحج من قابل يشكل الاخذ بظهوره في لزوم الكفارة المذكورة، وأما عدم وجوب الحج من قابل فاستدل عليه بالاصل المعتضد بما في صحيحي ابن عمار من عدم القضاء على من جامع فيما دون الفرج الذي هو أغلظ من الاستمناء أو أنه فرد منه. ولا يخفى الاشكال فيه لعدم التلازم والاغلظية والمساواة في جهة لا توجب ثبوت الحكم في المقام ومع وجود الدليل لا مجال للاصل فلا مجال لرفع اليد عن ظهور الموثق المذكور إلا أنه فرق بين العنوان المذكور في الموثق والعنوان المذكور في كلمات الفقهاء، فلابد من الاقتصار على ما هو مذكور في الموثق. وأما مجامعة الامة المحرمة بإذن السيد الخ، فالظاهر عدم الخلاف في الاحكام المذكورة لها والدليل عليها موثق إسحاق بن عمار أو صحيحه (قلت لابي الحسن عليه السلام: أخبرني عن رجل محل وقع على أمة محرمة قال: موسرا أو معسرا؟ قلت: أجبني عنهما، قال: هو أمرها بالاحرام أو لم يأمرها وأحرمت من قبل نفسها؟ قلت أجبني فيهما، قال: إن كان موسرا وكان عالما أنه لا ينبغي له وكان هو الذي أمرها بالاحرام كان عليه بدنة وإن شاء بقرة وإن شاء شاة، و إن لم يكن أمرها بالاحرام فلا شئ عليه موسرا كان أو معسرا، وإن كان أمرها وهو معسر فعليه دم شاة أو صيام) (1) ولعل تعيين ثلاثة أيام في كلماتهم لانها هي المعروفة بدل الشاة، ولا يخفى أنه مجرد اعتبار لا دليل عليه وفي قبال الموثق المذكور صحيح ضريس (سأل الصادق عليه السلام عن رجل أمر جاريته أن تحرم من الوقت فأحرمت ولم يكن هو أحرم فغشيها بعد ما أحرمت؟ قال: يأمرها فتغتسل ثم تحرم ولا شئ عليه) (2) والظاهر عدم العمل به وقد حمل على أنها لم تكن لبت كخبر وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل كانت معه أم ولد فأحرمت قبل سيدها له أن ينقض إحرامها ويطأها قبل أن يحرم؟ قال: نعم) (3)


(1) الكافي ج 4 ص 374. والتهذيب ج 1 ص 538، والاستبصار ج 2 ص 190 والمحاسن ص 310. (2) التهذيب ج 1 ص 538. والاستبصار ج 2 ص 191. (3) الفقيه كتاب الحج ب 53 ح 11.

[ 618 ]

المحمول على صورة عدم الاذن لها. ثم إن ظاهر الموثق المزبور ما صرح به غير واحد من عدم الفرق بين المطاوعة والمكرهة لكن ذكر الفاضل ومن تبعه (قده) أن عليها مع المطاوعة الاثم والحج من قابل وعلى المولى إذنها فيه إن كان قبل المشعر والصوم ستين يوما أو ثمانية عشر يوما عوض البدنة إن قلنا بالبدل لهذه البدنة لعجزها عنها وإن لم نقل بالبدل توقعت العتق والمكنة، ولعله لاطلاق النصوص السابقة مع عموم الاهل والمرأة للامة، قيل: ولا ينافيها الموثق المزبور لانه متعرض لحكم المولى ولا نظر له إلى حكم الامة والمسألة محل إشكال والاحتياط طريق النجاة. { ولو جامع قبل طواف الزيارة لزمه بدنة فإن عجز فبقرة أو شاة ولو طاف من طواف النساء خمسة أشواط، ثم واقع لم تلزمه الكفارة وأتم طوافه و قيل: يكفي في البناء مجاوزة النصف }. أما لزوم البدنة فقد عرفته وعرفت صحة الحج، وأما لزوم البقرة أو الشاة فإدعى عدم الخلاف فيه وإن اختلفوا من جهة التخيير والترتيب. وأما الاخبار المربوطة بالمسألة منها صحيح العيص بن القاسم (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع امرأته حين ضحى قبل أن يزور البيت؟ قال: يهريق دما) (1) ومقتضاه الاجتزاء بمطلق الدم أو خصوص الشاة بناء على أنها المفهوم منه عند الاطلاق. ومنها خبر أبي خالد القماط (سألته عمن وقع على أهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: إن كان وقع عليها بشهوة فعليه بدنة، وإن كان غير ذلك فبقرة، قلت: أو شاة؟ قال: أو شاة) (2). ومنها خبر خالد بياع القلانس (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أتى أهله وعليه طواف النساء قال: عليه بدنة، ثم جاء آخر فسأله عنها فقال عليه بقرة، ثم جاء آخر فسأله عنها، فقال: عليه شاة، فقلت بعد أن قاموا: أصلحك الله كيف قلت عليه بدنة؟ فقال: أنت موسر عليك


(1) الكافي ج 4 ص 379، والتهذيب ج 1 ص 539. (2) الكافي ج 4 ص 378، والتهذيب ج 1 ص 539.

[ 619 ]

بدنة، وعلى المتوسط بقرة، وعلى الفقير شاة) (1) ولا يبعد ان يؤخد بإطلاق صحيح العيص ويمنع استفادة خصوص الشاة ويحمل سائر الاخبار المشتملة على التفصيل على الاستحباب ولازمه التخيير لا الترتيب إلا أن يتمسك بالاحتياط اللازم بحكم العقل في مثل المسألة. وأما عدم لزوم الكفارة لو كان الوقاع بعد خمسة أشواط من طواف النساء فيدل عليه خبر حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن رجل كان عليه طواف النساء وحده، فطاف منه خمسة أشواط ثم غمزه بطنه فخاف أن يبدره فخرج إلى منزله فنفض (2) ثم غشى جاريته؟ قال: يغتسل ثم يرجع فيطوف بالبيت طوافين تمام ما كان بقي عليه من طوافه ويستغفر ربه ولا يعود، وإن كان طاف طواف النساء وطاف منه ثلاثة أشواط ثم خرج فغشي فقد أفسد حجه وعليه بدنة، ويغتسل ثم يعود فيطوف أسبوعا) (3) وضعف السند إن كان منجبر بأخذ الاصحاب به و به يخصص عموم الاخبار الدالة على وجوب البدنة على من لم يطف طواف النساء على فرض شمولها للمقام وذكره عليه السلام عليه البدنة في الصورة الثانية دون الاولى دليل على عدم لزومها في الصورة الاولى، ولا يخفى أن مقتضى الشرطية المذكورة في كلام الامام سقوط الكفارة في غير الصورة المفروضة، خرج بالاجماع صورة عدم تجاوز النصف، فالاقوى كفاية مجاوزة النصف. { ولو عقد المحرم لمحرم على امرأة فدخل فعلى كل واحد كفارة، وكذا لو كان العاقد محلا على رواية سماعة، ومن جامع في إحرام العمرة قبل السعي فعليه بدنة وقضاء العمرة، ولو أمنى بنظره إلى غير أهله فبدنة إن كان موسرا، وبقرة إن كان متوسطا، وشاة إن كان معسرا }.


(1) الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 69. (2) في النهاية الاثيرية (فيه) أبغني أحجار أستنفض بها أي استنجى بها وهو من نفض الثوب لان المستنجى ينفض عن نفسه الاذى بالحجر أي يزيله ويدفعه. (3) الكافي ج 4 ص 379 والتهذيب ج 1 ص 539. والفقيه كتاب الحج ب 67 ح 3.

[ 620 ]

أما لزوم الكفارة في صورة عقد المحرم لمحرم والدخول فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بفحوى الموثق الاتى وأما الصورة الثانية فيدل على لزوم الكفارة فيها رواية سماعة الموثقة أو الصحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام (لا ينبغي للرجل الحلال أن يزوج محرما وهو يعلم أنه لا يحل له، قلت: فإن فعل فدخل بها المحرم قال: إن كانا عالمين فإن على كل واحد منهما بدنة وعلى المراة إن كانت محرمة بدنة وإن لم تكن محرمة فلا شئ عليها إلا أن تكون قد علمت أن الذي تزوجها محرم، فإن كانت علمت ثم تزوجت فعليها بدنة) (1) ولا مجال للاستبعاد من جهة إباحة العقد للمحل وحمل الرواية على الاستحباب. وأما وجوب البدنة وقضاء العمرة على من جامع في إحرام العمرة فقد صرح غير واحد به ويدل عليها الاخبار: منها صحيح بريد العجلي (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشى أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه؟ قال: عليه بدنة لفساد عمرته وعليه أن يقيم إلى الشهر الاخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة مفردة) (2) ومنها حسن مسمع أو صحيحه عنه عليه السلام أيضا في الرجل يعتمر عمرة مفردة ثم يطوف بالبيت طواف الفريضة ثم يغشي أهله قبل أن يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: قد أفسد عمرته وعليه بدنة، وعليه أن يقيم بمكة محلا حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه، ثم يخرج إلى الوقت الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله لاهله فيحرم منه ويعتمر) (3) والخبران كغيرهما مخصوصان بالعمرة المفردة وإن نسب إلى ظاهر الاكثر عدم الفرق بينها وبين عمرة التمتع وعلى فرض عدم الفرق وفساد العمرة المتمتع بها فمع عدم سعة الوقت لعمرة أخرى هل ينتقل الفرض إلى الحج المفرد أو لزوم التأخير إلى العام القابل؟ قد يقال بالانتقال مع عدم السعة ومع السعة تعين إنشاء عمرة أخرى.


(1) الكافي ج 4 ص 372، والتهذيب ج 1 ص 541. (2) التهذيب ج 1 ص 540. (3) الكافي ج 4 ص 538، والتهذيب ج 1 ص 539.

[ 621 ]

ولا يخفى أنه مع عدم تحقق الاجماع لا مجال لما ذكر ولا يبعد إنشاء عمرة أخرى احتياطا فمع فساد الاولى صحت الثانية ومع عدم الفساد لم يأت بما يخل بالاولى، ومع عدم السعة يجمع بين وظيفة التمتع والمفرد مراعاة لما هو تكليفه من التمتع والافراد إن لم يتوجه إشكال آخر. وأما وجوب البدنة على من نظر إلى غير أهله فأمنى فهو خيرة الاكثر ويدل عليه موثق أبي بصير (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل محرم نظر إلى ساق امرأته فأمنى قال: إن كان موسرا فعليه بدنة، وإن كان متوسطا فعليه بقرة، وإن كان فقيرا فعليه شاه. ثم قال عليه السلام: أما إنى لم أجعل عليه لانه أمنى إنما جعلته عليه لانه نظر إلى ما لا يحل له) (1) ويعارضه صحيح زرارة سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل محرم نظر إلى غير أهله فأنزل؟ قال: عليه جزور أو بقرة، فإن لم يجد فشاة) (2) وحسن معاوية بن عمار (في محرم نظر إلى غير أهله فأنزل؟ قال: عليه دم لانه نظر إلى غير ما يحل له وإن لم يكن أنزل فليتق الله تعالى ولا يعد و ليس عليه شئ) (3) فإن ثبت الشذوذ وإعراض الاصحاب فلا كلام وإلا فلا يبعد الجمع بالاكتفاء بشاة بناء على حجية الخبر الحسن ومع عدم حجية الاخذ بمضمون الصحيح المذكور وحمل الموثق المذكور على الاستحباب والفضل من جهة التفصيل المذكور. { ولو نظر إلى امرأته لم يلزمه شئ إلا أن ينظر بشهوة فيمنى فعليه بدنة، ولو مسها بشهوة فشاة أمنى أو لم يمن، ولو قبلها بشهوة كان عليه جزور، وكذا لو أمنى عن ملاعبة، ولو كان عن تسمع على مجامع أو استمتاع إلى كلام امرأة من غير نظر لم يلزمه شئ }. أما عدم لزوم شئ في النظر إلى امرأتة فلا خلاف ظاهرا فيه ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى


(1) الفقيه كتاب الحج ب 56 ح 7. (2) التهذيب ج 1 ص 540. (3) الكافي ج 4 ص 377

[ 622 ]

أو أمذى وهو محرم قال: لا شئ عليه) (1) وزاد في الكافي (ولكن ليغتسل ويستغفر ربه وإن حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى فلا شئ عليه وإن حملها أو مسها بشهوة فأمن أو أمذى فعليه دم، وقال في المحرم ينظر إلى امرأته وينزلها بشهوة حتى ينزل قال: عليه بدنة). (2) وأما لزوم البدنة مع النظر بشهوة فادعي عليه الاجماع ويدل عليه حسن مسمع بن أبي سيار عن الصادق عليه السلام (ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور) (3) بناء على اتحاد الجزور والبدنة كما يشهد له ذيل الصحيح المذكور على نقل الكافي. وحكي عن المفيد والمرتضى (قدهما) نفي الكفارة ولعله لاطلاق الصحيح المذكور المقيد بالخبر المذكور. وأما وجوب الشاة مع المس بشهوة فيدل عليه حسن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته؟ قال: نعم يصلح عليها خمارها ويصلح عليها ثوبها ومحملها، قلت: أفيمسها وهي محرمة؟ قال: نعم، قلت: المحرم يضع يده بشهوة قال: يهريق دم شاة، قلت قبل؟ قال: هذا أشد ينحر بدنة) (4) وخبر محمد بن مسلم (سألت أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل حمل امرأته وهو محرم فأمنى أو أمذى وقال: إن كان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو لم يمن أو أمذى أو لم يمذ فعليه دم يهريقه) وعن الفقيه (فعليه دم شاة يهريقه. فإن حملها أو مسها بغير شهوة فأمنى أو لم يمن فليس عليه شئ) (5) ومما ذكر علم حكم التقبيل بشهوة والتقبيل في الرواية وإن لم يقيد بالشهوة إلا أن السياق يقتضي ذلك إن لم نقل بالانصراف إلى ما كانت بشهوة بحكم الغلبة.


(1) التهذيب ج 1 ص 540، والاستبصار ج 2 ص 191 والكافي ج 4 ص 375. (2) الكافي ج 4 ص 377. (3) الكافي ج 4 ص 376. والتهذيب ج 1 ص 540. والاستبصار ج 2 ص 191. (4) الكافي ج 4 ص 375. (5) الفقيه كتاب الحج ب 56 ح 8. والتهذيب ج 1 ص 540. والمقنع ص 20.

[ 623 ]

وأما الامناء عن ملاعبة بإمرأته فيجب فيه أيضا الجزور لصحيح ابن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام (سألت عن الرجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (1) ولا يخفى أن مقتضاه وجوب البدنة إلا أن يتحدا. ولو كان الامناء عن تسمع أو استمتاع أو كلام امرأة لم يلزمه شئ بلا خلاف ظاهرا ويدل عليه موثق سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال في محرم استمع على رجل يجامع أهله فأمنى قال: ليس عليه شئ) (2) وخبر أبي بصير (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يسمع كلام امرأة من خلف حائط وهو محرم فتشاهى حتى أنزل قال: ليس عليه شئ) (3). { والطيب ويلزم باستعماله شاة صبغا أو إطلاء وبخورا أو أكلا في الطعام ولا بأس بخلوق الكعبة وإن مازجه الزعفران }. ادعي الاجماع على لزوم الشاة باستعمال الطيب ومن النصوص الدالة في الجملة صحيح زرارة (من أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ ومن فعله متعمدا فعليه شاة) (4) وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (من أكل زعفرانا متعمدا أو طعاما فيه طيب فعليه دم فإن كان ناسيا فلا شئ عليه ويستغفر الله ويتوب إليه) (5) والصحيح المضمر (في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج؟ فقال: إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين وإن كان بعمد فعليه دم شاة) (6) ويظهر من بعض الاخبار الامر بالتصدق بقدر ما صنع


(1) التهذيب ج 1 ص 541، والكافي ج 4 ص 376. (2) التهذيب ج 1 ص 541. (3) الكافي ج 4 ص 377، والتهذيب ج 1 ص 541. (4) التهذيب ج 1 ص 552. (5) الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 17، والكافي ج 4 ص 354. (6) التهذيب ج 1 ص 533.

[ 624 ]

فإن تم الاجماع على العموم وإلا فإثباته بحسب الاخبار مشكل وقد حمل الاخبار المخالفة على صورة السهو أو الضرورة، وعن الصدوق في المقنع الفتوى بمضمون بعض الاخبار المخالفة وقد تقدم بعض الكلام الراجع إلى الطيب عند التعرض لتروك الاحرام. وأما عدم البأس بشم خلوق الكعبة وإن مازجه الزعفران فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه الصحاح منها صحيح حماد بن عثمان (سأل الصادق عليه السلام عن خلوق الكعبة وخلوق القبر يكون في ثوب الاحرام، فقال: لا بأس به وهما طهوران) (1) وسأله أيضا ابن سنان في الصحيح (عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم قال: لا بأس به ولا يغسله فإنه طهور) (2) ومنها صحيح يعقوب بن شعيب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام (المحرم يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة؟ قال: لا يضره ولا يغسله) (3). { والقلم. وفي كل ظفر مد من الطعام وفي يديه ورجليه شاة، إذا كان في مجلس، ولو كان كل منهما في مجلس فدمان ولو أفتاه مفت بالقلم فأدمى ظفره فعلى المفتى شاة } أما لزوم المد لكل ظفر الخ فيدل عليه صحيح أبي بصير (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قلم ظفرا من أظفاره وهو محرم؟ قال: عليه مد من طعام حتى يبلغ عشرة وإن قلم أصابع يديه كلها فعليه دم شاة، قلت فإن قلم أظفارة يديه ورجليه جميعا فقال: إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم وإن كان فعله متفرقا في مجلسين فعليه دمان) (3) وعن نسخة بدل مد من الطعام قيمته إلا أن النسخة الاولى هي الموافقة لفتوى المعظم. وخبر الحلبي (سألته عن محرم قلم أظافيره؟


(1) الفقيه كتاب الحج ب 57 ح 19، والتهذيب ج 1 ص 532. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 466. (4) التهذيب ج 1 ص 542. والاستبصار ج 2 ص 194، والفقيه كتاب الحج ب 58 ح 44.

[ 625 ]

قال: عليه مد في كل أصبع فإن هو قلم أظافيره عشرتها فإن عليه دم شاة) (1) وفي قبالهما صحيح حريز عن الصادق عليه السلام (في المحرم ينسي فيقلم ظفرا من أظافيره قال يتصدق بكف من الطعام، قال: قلت اثنين؟ قال: كفين قلت: فثلاثة؟ قال: ثلاثة أكف حتى تصير خمسة فإذا قلم خمسة فعليه دم واحد خمسة كان أو عشرة أو ما كان) (2) وبهذا المضمون مرسله من دون ذكر النسيان في السؤال والصحيح المذكور مورده النسيان وادعي الاجماع على عدم لزوم شئ في صورة النسيان و المرسل لا جابر له. وأما صحيح ابن عمار أو حسنه (سأل الصادق عليه السلام عن المحرم تطول أظفاره أو ينكسر بعضها فيؤذيه قال: لا يقص شيئا منها إن استطاع فإن كانت تؤذيه فليقصها وليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام) (3) فمحمول على الضرورة ويمكن أن يقال: الضرورة ترفع التكليف إذا بلغت إلى حد الحرج ولا توجب سقوط الكفارة فالمعارضة باقية إلا أن يلتزم بالتقييد والظاهر عدم التزام الفقهاء به، بل الظاهر كونه من الشواذ التي لم يعمل بها. وأما لزوم الشاة على المفتي فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه خبر إسحاق عن أبي ابراهيم عليه السلام (إن رجلا قلم أظفاره فكانت أصبع له عليلة فترك ظفره لم يقصه فأفتاه رجل بعد ما أحرم فقصه فأدماه قال: على الذي أفتاه شاة) (4). المنجبر بعمل الاصحاب. { المخيط يلزم به دم ولو اضطر به جاز، ولو لبس عدة في مكان فعليه شاة، وحلق الشعر فيه شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدان أو عشرة لكل مسكين مد أو صيام ثلاثة أيام مختارا أو مضطرا }. أما لزوم الدم على لابس المخيط فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه


(1) التهذيب ج 1 ص 542، والاستبصار ج 2 ص 194. (3) الفقيه كتاب الحج ب 58 ح 46، والتهذيب ج 1 ص 537، والكافي ج 4 ص 360. (4) التهذيب ج 1 ص 542.

[ 626 ]

النصوص منها صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا أو ساهيا فلا شئ عليه ومن فعله متعمدا فعليه دم) (1) وأما صورة الاضطرار ففيها جاز اللبس للاضطرار وعليه الدم ويدل على لزوم الدم إطلاق الصحيح المذكور مضافا إلى صحيح ابن مسلم (سألت أبا جعفر عليه السلام عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال: عليه لكل صنف فيها فداء) (2). ومن هذا الصحيح ظهر حكم لبس عدة في مكان لكن ظاهر الصحيح تعدد الفداء لكل صنف وهذا خلاف ما في المتن. وأما لزوم الشاة أو إطعام ستة مساكين الخ، فالظاهر عدم الخلاف فيه و يدل على الفداء مرسل حريز عن الصادق عليه السلام مر رسول الله صلى الله عليه وآله على كعب بن عجرة والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم فقال: أتؤذيك هو امك؟ فقال: نعم فأنزل الله تعالى هذه الاية (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله أن يحلق رأسه وجعل الصيام ثلاثة أيام والصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدين والنسك شاة قال أبو عبد الله عليه السلام وكل شئ في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء وكل شئ في القرآن (فمن لم يجد كذا فعليه كذا) فالاول بالخيار) (3) أي الاول المختار والثاني بدل عنه. وروى الشيخ عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال الله تعالى في كتابه (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى مالا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة أيام والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، والنسك شاة


(1) الكافي ج 4 ص 368. (2) التهذيب ج 1 ص 556 وفي الكافي ج 4 ص 348 نحوه. (3) التهذيب ج 1 ص 542. والاستبصار ج 2 ص 195. ورواه في الكافي ج 4 ص 358 باختلاف في لفظه.

[ 627 ]

يذبحها فيأكل ويطعم وإنما عليه واحد من ذلك) (1). وفي المقام إشكال من جهتين: إحديهما أن مورد الروايات الحلق أو تعاطى ما لا ينبغي للمحرم للاذى فصورة التعمد وعدم الاذى خارج. الثانية أن رواية عمر بن يزيد بعد جبر سنده بالعمل إن كان هو مستندهم غير متعرضة للمد بل التكليف بإشباعهم، نعم لولا هذه الجهة أمكن الجمع بينهما وبين مرسل حريز بالتخيير. { وفي نتف الابطين شاة، وفي أحدهما إطعام ثلاثة مساكين ولو مس لحيته أو رأسه فسقط من رأسه شعر تصدق بكف من طعام ولو كان بسبب الوضوء والصلاة فلا كفارة }. أما لزوم الشاة في نتف الابطين فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بصحيح حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا نتف الرجل إبطيه بعد الاحرام فعليه دم) (2) وبه يقيد إطلاق ما في صحيح زرارة سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (من حلق رأسة أو نتف إبطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليه ومن فعله متعمدا فعليه دم) (3) وصحيحه الاخر عنه عليه السلام أيضا (من نتف إبطه أو قلم أظفاره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فلا شئ عليه، ومن فعله متعمدا فعليه دم شاة، وإن نتف أحد الابطين فلا يوجب دم الشاة) (4) كما أنه بالصحيح الاخير يتعين الدم المطلق في خصوص دم الشاة، كما أنه لا يبعد استفادة لزوم خصوص دم الشاة في صورة حلق الرأس متعمدا لا لدفع الاذي من دون تخيير واختصاص التخيير بغيرها. وأما لزوم إطعام ثلاثة مساكين بنتف أحدهما فالظاهر أنه أيضا لا خلاف فيه إلا من بعض المتأخرين، ويدل عليه خبر عبد الله بن جبلة عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) التهذيب ج 1 ص 542. والاستبصار ج 2 ص 196. (2) التهذيب ج 1 ص 544. والاستبصار ج 2 ص 199. (3) الكافي ج 4 ص 361 والتهذيب ج 1 ص 552. (4) التهذيب ج 1 ص 552.

[ 628 ]

(في محرم نتف إبطه قال: يطعم ثلاثة مساكين) (1) وضعف السند منجبر بالعمل. وأما عدم الكفارة في ما لو سقط من جهة الوضوء فيدل عليه صحيح الهيثم ابن عروة التميمي قال: (سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يريد إسباغ الوضوء فيسقط من لحيته الشعرة والشعرتان؟ فقال: ليس بشئ، ما جعل عليكم في الدين من حرج) (2) ولقائل أن يقول لعل نظره عليه السلام إلى عدم الحرمة ولا ينافي ثبوت الكفارة إلا أن يقال: إن السائل لم يذكر وجه سؤاله وأنه جهة الحرمة أو جهة الكفارة، والجواب شامل لكلتا الجهتين نظير ترك الاستفصال. { والتظليل فيه سائرا وفيه شاة، وكذا في تغطية الرأس ولو بالطين أو الارتماس أو حمل ما يستره }. ذهب الاكثر إلى وجوب الشاة في التظليل للمعتبره المستفيضة قال إبراهيم ابن أبي محمود قلت للرضا عليه السلام: (المحرم يظلل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضره؟ قال: نعم، قلت: كم الفداء؟ قال: شاة) (3) وقال ابن بزيع (سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى لمطر أو شمس وأنا أسمع فأمره أن يفدي شاة يذبحها بمنى) (4) وضعف السند في بعضها منجبر بالعمل وفي قبالها خبر أبي - بصير (سأله عن المرأه عليها الظلال وهي محرمة قال: نعم، قال: فالرجل يضرب عليه الظلال وهو محرم؟ قال: نعم إذا كانت به شقيقة ويتصدق بمد لكل يوم) (5) والمحكي عن الصدوق العمل بمضمونه وخبر عمر بن يزيد المتقدم في تفسير الاية الشريفة، وأجيب بعدم الجابر لرواية أبي بصير وبالتخصيص بالنسبة إلى خبر عمر بن يزيد. ويشكل مع تسليم عدم الجابر لرواية أبي بصير مع عمل مثل الصدوق


(1) التهذيب ج 1 ص 544 والاستبصار ج 2 ص 200. (2) التهذيب ج 1 ص 544 والاستبصار ج 2 ص 198. (3) و (4) الكافي ج 4 ص 351. والتهذيب ج 1 ص 536. والاستبصار ج 2 ص 187 و 186. (5) الكافي ج 4 ص 351. والفقيه كتاب الحج ب 58 ح 31.

[ 629 ]

بها تقديم التخصيص على التخيير بالنسبة إلى رواية عمر بن يزيد مع العمل بمضمونها ظاهرا حيث كانت هي المدرك للتخيير المذكور في المسألة السابقة واشتمالها علي ما لا يلتزم به من أكل شئ من الشاة التي يذبحها لا يضر بحجيتها. ثم إن ظاهر كلماتهم عدم الفرق بين المختار والمضطر لكن الاخبار ناظرة إلى صورة الاضطرار وجواز التظليل فالتعدي يحتاج إلى الدليل إلا أن يثبت الاتفاق وثبوته مشكل. وأما لزوم الشاة في صورة التغطية الخ فالظاهر أنه لا خلاف فيه ويظهر من محكي الخلاف وجود رواية فيه قال: (إذا حمل مكتلا أو غيره لزمه الفداء - إلى أن قال - دليلنا ما روي فيمن غطى رأسه أن عليه الفداء. ولقائل أن يقول: بعد تسليم كون ما ذكر بمنزلة رواية مجبورة لا يثبت بها خصوص الشاة، وثانيا لا دلالة فيها على لزوم الفداء بتغطية بعض الرأس الحاصلة بحمل شئ علي الرأس كما لا يخفى الاشكال في التمسك بما في صحيح زرارة من (أن على من لبس ثوبا لا ينبغى له لبسه) وقول الكاظم عليه السلام لاخيه في المروي عن قرب الاسناد (لكل شئ خرجت به من حجك فعليك دم تهريقه حيث شئت) (1) حيث إن ظاهر الصحيح المذكور النظر إلى مثل لبس المخيط لا التغطية كما أن المروي عن قرب الاسناد كيف يمكن الاخذ بعمومه مع اختلاف الكفارات ولعل الالتزام بالتخصيص كالالتزام بتخصيص الاكثر. { والجدال ولا كفارة فيما دون الثلاث صادقا وفي الثلاث شاة وفي المرة كذبا شاة، وفي المرتين بقرة وفي الثلاث بدنة، قيل: في الدهن الطيب شاه، وكذا قيل في قلع الضرس }. أما عدم الكفارة فيما دون الثلاث صادقا ولزوم الشاة في الثلاث وفي المرة كذبا فيمكن استفادتهما من خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام (إذا حلف الرجل ثلاثة أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة


(1) المصدر ص 104.

[ 630 ]

فقد جادل فعليه دم يهريقه) (1) بدعوى انصراف الدم إلى دم شاة وثبوت الدم الثلاثة أيمان مستلزم لعدمه مع الواحدة والاثنين، وقد وقع التصريح في موثق يونس بن يعقوب (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يقول: لا والله وبلى والله وهو صادق عليه شئ؟ فقال: لا) (2) كما أنه وقع التصريح بالشاة وفي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن الجدال في الحج فقال: إن زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم فقيل له: الذي يجادل وهو صادق؟ قال: عليه شاة والكاذب عليه بقرة) (3) وظاهر هذه الرواية عدم الكفارة ما لم يزد على مرتين ولو كان كاذبا إلا أن يقيد بالخبر السابق والتقييد ليس أولى من حمل خبر أبي بصير على الندب، بل يمكن استفادة عدم الوجوب من صحيح الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) إلى أن قالا: أرأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل الله له حدا يستغفر الله ويلبي، فقالا: ومن ابتلى بالجدال فقال: إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه شاة وعلى المخطي بقرة) (4). وأما لزوم البقرة في المرتين كذبا والبدنة في الثلاث كذبا فيمكن استفادته من خبر إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى عليه السلام من جادل في الحج فعليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع إن كان صادقا أو كاذبا فإن عاد مرتين فعلى الصادق شاة وعلى الكاذب بقرة) (5) وخبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام (إذا جادل الرجل وهو محرم فكذب متعمدا فعليه جزور) (6) بحمل الجزور على البدنة. ولا يخفى أنه مع ملاحظة الاخبار السابقة يشكل الاخذ بظهورهما


(1) و (2) التهذيب ج 1 ص 543 والاستبصار ج 2 ص 197. (3) التهذيب ج 1 ص 543. (4) الفقيه كتاب الحج ب 56 ح 1، وفى الكافي ج 4 ص 337 عن الحلبي فقط. (5) الوسائل أبواب بقية كفارات الاحرام ب 1 ح 10 عن تفسير العياشي. (6) التهذيب ج 1 ص 543.

[ 631 ]

خصوصا مع اشتمال خبر إبراهيم بن عبد الحميد على ما لا يلتزمون به من لزوم الاطعام، وبالجملة إثبات ما في المتن بحسب الاخبار مشكل جدا، وأما ما قيل في الدهن الطيب فاستدل عليه بالصحيح المضمر (في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج فقال: إن فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، وإن كان بعمد فعليه دم شاة يهريقه) (1) ونوقش بكونه مقطوعة، ودفعت بالانجبار بالعمل كدفع المناقشة بالاخصية من المدعى بعدم الفصل وللتأمل فيما ذكر مجال. وأما ما قيل في قلع الضرس فاستدل عليه بخبر محمد بن عيسى عن عدة من أصحابنا عن رجل من أهل خراسان (أن مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شئ: محرم قلع ضرسه فكتب يهريق دما) (2) ونوقش هنا أيضا بالاضمار و احتمال أن يكون أدمى بالقلع، وقد قيل في الادماء شاة ورفعت المناقشة بالانجبار بعمل الاعلام. { مسائل ثلاث } { الاولى في قلع شجرة من الحرم الاثم عدا ما استثني، سواء كان أصلها في الحرم أو فرعها وقيل فيها بقرة، وقيل في الصغيرة شاة وفي الكبيرة بقرة }. أما حرمة القلع عدا ما استثنى فقد مر الكلام فيه سابقا، وأما الكفارة فاستدل عليها بما رواه الشيخ (قده) عن موسى بن القاسم قال: (روى أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم لم تنزع، فإذا أراد نزعها نزعه وكفر بذبح بقرة يتصدق بلحمها على المساكين) (3) ونوقش بالارسال ورفعت المناقشة بالانجبار حيث ادعى الشيخ (قده) الاجماع، ولا يخفى أنه لا دلالة فيه على التفصيل بين الصغير والكبير كما لا دلالة في صحيح منصور بن حازم (سأل الصادق عليه السلام عن الاراك يكون في الحرم فأقطعه؟ قال: عليك فداؤه) (4) كالموثق


(1) التهذيب ج 1 ص 533. (2) التهذيب ج 1 ص 557. (3) التهذيب ج 1 ص 556. (4) الفقيه كتاب الحج ب 4 ص 52.

[ 632 ]

أو الصحيح عنه أيضا عن الرجل يقطع من الاراك الذي بمكة؟ قال: عليه ثمنه يتصدق به) (1) ولعل المراد في هذه الرواية قطع بعض الاراك. { الثاني لو كرر الوطي تكررت الكفارة، ولو كرر اللبس فإن اتحد المجلس لم تكرر، وكذا لو تكرر الطيب وتكرر مع اختلاف المجلس. الثالثة إذا أكل المحرم أو لبس ما يحرم عليه لزمه شاة، وتسقط الكفارة عن الناسي و الجاهل إلا في الصيد }. أما تكرر الكفارة بتكرر الوطي فهو الاشهر بل المشهور وادعي عليه الاجماع والظاهر أن النظر إلى قاعدة مبنية في الاصول أعني تعدد المسبب بتعدد الاسباب سواء كانت الاسباب أفراد سبب واحد نوعا أو أنواعا، ولا مجال لما يقال: من أن الجماع الاول أفسد الحج فيترتب عليه الكفارة بخلاف الثاني الذي تعقب الفساد لما اجيب بأن الحج وإن كان فسد لكن حرمته باقية، ولهذا أوجب المضي فيه فجاز أن تتعلق به الكفارة. والحق أن يقال: لا مانع من لزوم الكفارة مع فساد الحج كما يلتزم في صوم شهر رمضان بأنه مع فساد الصوم لو أتى بالمفطر يجب عليه الكفارة ومع القول بصحة الحج وكون الثاني عقوبة كما هو مضمون الخبر فالامر أوضح لكن الاشكال في شمول الدليل حيث أثبت الاحكام المذكورة من وجوب المضي والبدنة والحج من قابل للحج الغير المقرون بالوقاع فإن تم الاجماع فهو وإلا فإثبات المدعى بالقاعدة المذكورة مشكل. وأما عدم تكرر الكفارة مع اتحاد المجلس في اللبس فوجهه عدم التعدد بنظر العرف، ويمكن أن يقال: إذا كانت الكفارة دائرة مدار الحرمة فمع تعلق الحرمة بالطبيعة السارية لا صرف الوجود يشكل الاكتفاء بكفارة واحدة خصوصا لو كفر بمجرد اللبس فهل يمكن القول بعدم الكفارة مع بقاء اللبس مع حرمة البقاء هذا مع وحده الملبوس، وأما مع التعدد فالامر أشكل ويظهر من صحيح


(1) الفقيه كتاب الحج ب 4 ح 49.

[ 633 ]

ابن مسلم (سأل أبا جعفر عليه السلام (عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب فقال: عليه لكل صنف منها فداء) (1). وأما التكرر مع اختلاف المجلس الموجب للتعدد فللقاعدة المذكورة وأما لزوم الشاة مع أكل ما يحرم على المحرم أو لبسه فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (من نتف إبطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ، ومن فعله متعمدا فعليه دم شاة) (2) وأما سقوط الكفارة عن الناسي والجاهل فهو المشهور واستدل عليه بالاصل و حديث رفع القلم ونحو قول الصادق عليه السلام في خبر عبد الصمد بن بشر (أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه) (3) وفي حسن عمار (وليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلا الصيد فإن عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد) (4) وقول أبي جعفر الجواد عليه السلام فيما أرسل عنه علي بن شعبة في المحكي عن تحف العقول (كل ما أتى به المحرم بجهالة أو خطأ فلا شئ عليه إلا الصيد فإن عليه الفداء بجهالة كان أم بعلم، بخطأ كان أم بعمد، وكل ما أتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شئ عليه) (5). ولا يخفى أن التمسك بمثل حديث الرفع مشكل في المقام لان كلامهم في المقام يشمل الجهل عن تقصير ومثل حديث الرفع لا يشمل صورة التقصير وإلا لزم معذورية المقصرين فالاولى التمسك بسائر الاخبار الواردة في الحج والعمرة.


(1) التهذيب ج 1 ص 556 والفقيه كتاب الحج ب 57 ح 31. (2) التهذيب ج 1 ص 552 وقدم تقدم. (3) تقدم عن التهذيب سابقا. (4) الكافي ج 4 ص 381، والتهذيب ج 1 ص 537. (5) تقدم سابقا.

[ 634 ]

وأما بعض الاخبار الواردة (1) في بعض الموارد الظاهرة في لزوم الكفارة فمحمول على الاستحباب إلا أن يقال: هذا فيما ورد التصريح بنفي الفداء يتم. وأما فيما لم يرد فيه التصريح وكان المدرك العموم أو الاطلاق فالحمل على الاستحباب ليس أولى من التخصيص خصوصا فيما لم يكن معذورا أعني الجاهل المقصر. وأما الصيد فقد سبق الكلام فيه وفي ثبوت الكفارة حتى مع عدم العمد. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا والصلاة على محمد وآله الطاهرين.


(1) راجع الوسائل كتاب الحج أبواب بقية الكفارات. إلى هنا تمت تعاليقنا على كتاب جامع المدارك والحمد لله أولا وآخرا على اكبر غفاري ع 1 - 1385 ه‍ ق. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية