الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جامع المدارك - السيد الخوانساري ج 1

جامع المدارك

السيد الخوانساري ج 1


[ 1 ]

جامع المدارك في شرح المختصر النافع لمؤلفه الفقيه سماحة الحجة آية الله الحاج السيد احمد الخوانساري مد ظله العالي علق عليه علي اكبر الغفاري الناشر مكتبة الصدوق - طهران الجزء الاول - الطبعة الثانية 1355 ه‍ ش كلمة المحشى

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم على أن أكرمتنا بالاسلام وأنقذتنا به من الهلكة وجعلت لنا أسماعا وأبصارا، فاجعلنا من الشاكرين. ونصلي على رسولك الاعظم، والهادي إلى صراطك الاقوم و على آله وعترته دعائم الاسلام، وولائج الاعتصام، الذين بهم عاد الحق في نصابه، وإنزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، هداة أبرار وأئمة أخيار. أما بعد - فمن منن الله سبحانه وإفضاله علي توفيقي لطبع هذا الاثر النفيس القيم الذي ألفه يمنى كبير من جهابذة العلم، ونمقنه أنامل الفضيلة، وخطه يراع حبر براه العلم الصحيح، وكتبته يد معتصم بالقرآن، متمسك بحجزة أهل بيت الوحي، مغترف من بحار علومهم، ودبجته يراعة فقيه من فقهاء الامة: سماحة الحجة آية الله الحاج السيد أحمد الموسوي الخوانساري - دامت بركاته -. فأفاد بأثارة من علمه الغزيز، وفضله المتدفق، وأدبه الكثار فشرح كتاب (المختصر النافع) واستقرى الادلة، فأصاب الغرض، وأتقن التأليف، وأحاط بأقطار البحث، ووفى تفاصيل الفروع، وأسماه (جامع المدارك). فهو مع إيجازه واختصاره جؤنة حافلة بنفيس الاعلاق، من علم جم، وفقه مستدل، ورأى حصيف، وقول سديد، ودعوى مدعومة بالبرهان، يناقش ما يخالف رأيه بهدوء، دون أي تحامل وتعسف،

[ 3 ]

يفصل ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، مع كمال الدقة في البحث والتنقيب، ورصافة البيان، دون إيجاز مخل، أو إسهاب ممل، معليا صروحه على أسس الحق، نائبا عن الاستبداد بالرأي ومعرته، وتافه القول ومغبته. وغير ذلك مما يحمد ويثنى عليه. فهو بغية الفقيه، وامنية المستنبط والمفتي، وطلبة الباحث، ودليل المفيد والمستفيد، مالئا نفس الراغب، سادا جوعة الناهم، فخليق بأن يطبع حقيق بأن ينشر، جدير بأن يتدارس، حري بأن يتوارث. فلما عزت على طبع الكتاب ونظرت إلى مراميه، وأكثرت الامعان فيه خطر ببالي أن أخرج أحاديثه، وأشير إلى مصادره جريا على ام تداول اليوم ليسهل لمعتنقيه ارتشاف مناهله واقتطاف ثمار محاسنه فتصفحت المطلب واستجزت سماحة المؤلف في ذلك فتفضل فأجازني، فشمرت الذلى في تخريج الكتاب وضبطه وعرضه ومقابلته على النسخة التي كتبها المؤلف - دام ظله - بخط يده ولم إل جهدا في تنميقه وترصيفه قياما بفروض التكلف وأداء لواجب الحق وخدمة للحنيفية البيضاء، فجاء الكتاب بحوله وطوله بصورة بهية زاهية يروق كل مثقف. وأما الغلط المطبعي فقلما يمكن الاحتراز منه فالمرجو من الكرام إذا مروا فيه بعثرة أو غفلة أو هفوة مروا كراما فالعصمة لله ولانبيائه ولاوليائه. وفي الختام إني أمد أكف الضراعة إلى من يجيب دعوة الداعي إذا أخلص له أن يتقبل مني هذا المشروع ويجعله ذخرا ليوم لا ينفع مال ولا بنون

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على اعدائهم اجمعين. وبعد فيقول العبد السيد احمد الموسوي الخوانساري ابن السيد العلامة الحاج الميرزا يوسف - تغمده الله برحمته -: لما وفقني الله تعالى للبحث عن مسائل الفقه احببت أن أصنع كتابا جامعا لمدارك المسائل الفقهية على نحو الاختصار، وجعلته شرحا على كتاب النافع مختصر الشرايع من مصنفات المحقق الفريد الشيخ أبى القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الملقب بالمحقق على الاطلاق، وسميته بجامع المدارك. مبتهلا إلى الله تعالى ان يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يوفقني لا تمامه وينفعني به وإخواني المؤمنين إنه ارحم الراحمين. (كتاب الطهارة وأركانه أربعة: الاول في المياه، والنظر في المطلق والمصناف والاسآر، أما المطلق فهو في الاصل طاهر ومطهر، يرفع الحدث ويزيل الخبث). ويدل على طهارته قول الصادق عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخ الثلاثة (1) - قدس الله اسرارهم - (الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر) (2) وعلى مطهريته للحدث الادلة الدالة على كيفية الوضوء والغسل، كما دل الادلة الدالة على كيفية تطهير المتنجسات على مطريته للخبث وطهارته حيث انه من المرتكزات


(1) يعنى الكليني في الكافي ج 3 ص 1، والصدوق في الفقيه ج 1 ص 6 وشيخ الطائفة في التهذيب ج 1 ص 215. (2) راجع وسائل الشيعة كتاب الطهارة أبواب الماء المطلق ب 1 ح 2.

[ 2 ]

عدم حصول الطهارة بغير الطاهر، مضافا إلى ما ورد في الكتاب والسنة وإلى الاجماع. و (كله ينجس باستيلاء النجاسة على احد أوصافه) المعروف تنجس جميع اقسام الماء بغلبة النجاسة دون المتنجس على احد اوصافه الثلاثة: الطعم والريح واللون، وادعى عليه الاجماع، ويدل على المطلوب في الجملة صحيحة ابن بزيع: (ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير ريحه أو طعمه - الخ -) (1) وما في الصحيح المحكي عن بصائر الدرجات، حيث قال عليه السلام: (جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضأ منه أولا؟ قلت: نعم، قال: توضأ من الجانب الآخر إلا أن يغلب على الماء الريح فينتن، وجئت تسأل عن الماء الراكد، فما لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة. قلت: فما التغير؟ قال عليه السلام: الصفرة، فتوضأ منه، وكلما غلب عليه كثرة الماء فهو طاهر - الخبر -) (2) أما دعوى الاجماع في جميع الموارد فيشكل مع الالتزام بطهارة ماء الاستجاء، مع أن الغالب أن ما يغسل به في الابتداء قبل حصول النقاء بعد الانفصال يكون متغيرا بحيث يعد صورة عدم التغير نادرا، نعم على القول بالعفو دون الطهارة لا إشكال، ولعل هذا يصير دليلا على العفو، وأما الاقتصار على الاوصاف الثلاثة فالظاهر أن الادلة - اعني الاخبار - لا يستفاد منها، ويشكل التمسك بالاجماع مع احتمال أن يكون نظرهم إلى الاخبار، الا ترى انه لا يؤخذ بخصوص الريح والطعم في صحيحة ابن بزيع وفي الصحيح الثاني (3) ذكر اولا التغير مطلقا فذكر الصفرة بعد ذلك من باب المثال، كما ان دعوى الانصراف مشكلة، فالعمدة هو الاجماع إن تم. وأما الاقتصار على اوصاف اعيان النجسة دون المتنجسات فمع شمول صحيحة ابن بزيع وكذا النبوي المشهور: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 14 ح 7 عن أبى الحسن الرضا عليه السلام. (2) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 9 ح 12 من حديث شهاب بن عبد ربه عن أبى عبد الله الصادق عليه السلام. (3) يعنى صحيحة شهاب.

[ 3 ]

طعمه أو ريحه) (1) يشكل، غاية ما يدعى استبعاد تنجس مثل الجارى والكر اللذين لا ينفعلان بملاقاة الاعيان النجسة بواسطة غلبة أوصاف المتنجس، وهذا ليس وجها يطمئن به، نعم قد يدعى ظهور لفظ الشئ في العنوان الاولى، والمتنجس بعنوان الاولى لا ينجس شيئا، ولا يخفى ان لازم هذا عدم نجاسة الماء القليل بملاقاة المتنجس، لعدم اندراجه في مفهوم (إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ) (2) ولا يلتزمون به، وان التزم به بعض الاكابر - قدس سره - وكيف كان فالمعروف أنه لابد أن يكون التغير حسيا ولا يكفى التقديري، ويستدل عليه بأن الظاهر من الادلة حصول عنوان التغيير بالفعل، ولا يبعد ان يقال تارة لا يحصل التغير بالفعل من وجود المانع، كمنع برودة الهواء عن التغير بحيث لو كان الهواء حارا لحصل التغير من جهة الريح مثلا، وتارة اخرى التغير حاصل لكنه لا يتميز مثلا إذا وقع مقدار من الدم في الماء الصافي يتغير لونه من جهة تصفر اجزاء الدم واجزاء الماء واختلاطها من دون أن يكتسب أجزاء الماء لونا مشابها للون الدم - كما لا يخفى - فإذا وقع هذا المقدار من الدم في الماء الذي يميل لونه إلى الحمرة أو الصفرة - مثلا - لعرض من دون خروجه عن الاطلاق، فالتغير بالمعنى المذكور حاصل وان لم يتميز اجزاء الماء من أجزاء الدم، ويري لون الماء مثل لونه السابق. (ولا ينجس الجاري منه بالملاقاة) المقصود عدم اعتبار الكرية في اعتصامه وإلا فلا وجه لاختصاصه بالذكر في المقام ويدل عليه صحيحة داود بن سرحان


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 1 ح 6 نقله عن المحقق في المعتبر وابن ادريس في السرائر مرسلا وقال: انه متفق عليه أقول: روى ابن ماجه في السنن كتاب الطهارة باب الحياض من حديث أبى امامة الباهلى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (ان الماء لا ينجسه شئ الا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) ورواه الطبراني في الاوسط والكبير أيضا كما في مجمع الزوائد، وأخرجه البيهقى في الكبرى ج 1 ص 259 كما مر، ورواه الدارقطني في السنن من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله هكذا والماء طهور الا ما غلب على ريحه أو على طعمه). كما في الجامع الصغير. (2) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 9 ح 4 و 7 و 8.

[ 4 ]

قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: ما تقول في ماء الحمام؟ قال عليه السلام: (هو بمنزلة الماء الجاري) (1) حيث يستكشف من الصحيحة ان الجاري بخصوصية الجريان موضوع للحكم بالاعتصام، فلو كان للكرية مدخلية فيه لما كان للجريان مدخلية، لتساوي الراكد والجاري حينئذ ويدل عليه اخبار اخر لو لا المناقشة في السند فلا حاجة إلى التمسك بالتعليل الوارد في صحيحة ابن بزيع، حتى يناقش باحتمال كون التعليل راجعا إلى ترتب ما ذكر: من ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح ولا منشأ لاعتبار الكرية الا مفهوم (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ) واستفادة العلية المنحصرة في القضايا الشرطية ممنوعة، كما بين في محله، وعلى فرض الظهور قابل للتصرف فيه بما هو أظهر - واما ما يقال: من أنه مع فرض التكافؤ يكون المرجع النبوي المشهور، ففيه نظر لان النبوي المتقدم ظاهره اعتصام الماء بنفسه من دون اعتبار مثل الكرية والجريان، بل يستفاد منه - بناء على اعتباره - حصر تنجسه بالتغير في الاوصاف الثلاثة الحاصلة من قبل الاعيان النجسة، وهذا خلاف ما التزموا به من تنجس الماء القليل الغير الجاري بملاقاة الاعيان النجسة والمتنجسة، سواء حصل التغير أم لم يحصل. (ولا الكثير من الراكد) ويدل عليه الاخبار الكثيرة: منها الصحيح (وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب؟ قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ) (2) ويستوي في هذا الحكم مياه الغدران والحياض والاوانى، وما ورد من النهي عن استعمال الاواني التي اصابتها يد قذرة أو قطرة بول أو خمر أو دم منصرفة عن صورة الكرية وعلى فرض الاطلاق لا يقاوم الادلة الدالة على تعيين الضابط وجعل الكرية ضابطا لعدم الانفعال ثم انه هل يعتبر في عدم الانفعال تساوي السطوح؟ أم يكفى مجرد اتصال بعضه ببعض مطلقا؟ أو مع الانحدار خاصة دون التسنيم؟ لا يخفى ان المناط صدق


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1. (2) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1.

[ 5 ]

الكر على المجموع بحيث يكون ماء واحدا يكون بمقدار الكر، وهذا قد يقع فيه الشك كما لو اتصل ماء ابريق اهرق على الكر السافل، فلو لاقى النجس من فوقه ربما لا يقال: لاقى الكر النجس فلا ينفعل، ولعله مع الانحدار يصدق، لكنه يشكل بملاحظة اخبار ماء الحمام، حيث عد ما في الحياض الصغار بعضا لما في المخزن، ولا يلتزم العرف بالتفكيك بجزئية الجزء السافل مع التسنيم والتسريح، وعدم جزئية الجزء العالي - كما لا يخفى - (وحكم ماء الحمام حكمه إذا كان له مادة) ويدل عليه صحيحة داود بن سرحان قال: قلت: لابي جعفر: ما تقول في ماء الحمام؟ قال عليه السلام: (هو بمنزلة الجاري) (1) وما في رواية ابن ابى يعفور، حيث قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا) (2). ورواية بكر بن حبيب عن ابى جعفر عليه السلام قال: (ماء الحمام لا باس به إذا كانت له مادة) (3) لا إشكال في اعتبار اتصال ما في الحياض الصغار الذى هو المراد من ماء الحمام بالمادة، كما يرشد إليه تشبيهه بماء النهر والتقييد بوجود المادة، وانما الاشكال في أنه هل يعتبر بلوغها وحدها كرا؟ أو بلوغها مع ما في الحياض الصغار كرا؟ أو لا يعتبر؟ الاشهر الاول وغاية ما يقال استدلالا عليه: انصراف الاخبار إلى ما هو المتعارف من كثرة المادة وهي الماء المجتمع في المخزن، غاية الامر العلم بعدم اعتبار الزائد على الكر ولا يخفى ان المقدار المتعارف هو الزائد على الكر وليس بمعتبر، وغير هذا لا دليل على اعتباره، فان كان الحكم على خلاف الاصل بأن لا يعد ما في الحياض الصغار من أجزاء الكر لعدم تساوي السطحين فلا بد من اعتبار الكرية في المخزن اقتصارا في الخروج عن القاعدة على القدر المتيقن لعدم الاطلق في الادلة وان قلنا إنه على القاعدة لاستعباد ان يكون للحمام خصوصية، والظاهر ان التعرض له بالخصوص لعموم الابتلاء، وقلنا: بعدم اعتبار تساوي السطحين من جهة هذه الاخبار فالظاهر كفاية كون المجموع كرا.


(1) إلى (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1 و 6 و 4 على الترتيب.

[ 6 ]

(وكذا ماء الغيث حال نزوله) فهو محكوم بحكم الجارى، ويدل عليه الاخبار، منها مرسلة الكاهلى ففي ذيلها: (كل شي يراه ماء المطر فقد طهر) (1) وفي الصحيح: (سأله عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس به) (2) ومنها الصحيح (عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به) (3) وهل يعتبر فيه الجريان أم لا؟ مقتضى كثير من الاخبار عدم الاعتبار ومقتضى بعضها اعتبار الجريان، ولا يخفى ان الصحيح المذكور اخيرا يبعد حمله على الاشتراط، لفرض السائل صورة لا تنفك عن الجريان، فان اخذ الماء منه بعد الجريان فلا يبعد حمله على اشتراط التقاطر من السماء ووجه الاشتراط ان مثل المكان المفروض لا ينفك غالبا عن الاعيان النجسة فمع انقطاع المطر ينجس، ومع الاجمال لا يرفع اليد عن العموم، وساير الاخبار لاظهور لها بحيث يوجب التقييد والاشتراط. و (ينجس القليل من الراكد بالملاقاة على الاصح) يدل على النجاسة اخبار كثيرة حتى انه قيل: تبلغ ثلاثمائة منها صحيحة إسماعيل بن جابر قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذى لا ينجسه شئ فقال: كر، قلت: وما الكر؟ - الخبر -) (4) ومنها الاخبار المستفيضة المشتملة على قوله عليه السلام: (إذا كان الماء قدركر لا ينجسه شئ) ومنها صحاح اخر واردة في شرب خنزير أو سؤر كلب أو ورود يد قذرة في الاناء، حيث أمر فيها بالغسل، وغيرها من الاخبار الكثيرة التي يستفاد منها نجاسة الماء القليل في الجملة في قبال السلب الكلى، وفى قبالها اخبار اخر لا تبلغ هذا الحد لا عددا ولا قوة بحسب السند، منها النبوي المشهور:


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5. (2) و (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 6 ح 2 وكلاهما في خبر واحد رواه على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام (4) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 9 ح 9.

[ 7 ]

(خلق الله الماء طهورا - الخبر -) ومنها حسنة محمد بن ميسر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد ان يغتسل منه وليس معه اناء يغترف به، ويداه قذرتان؟ قال: (يضع يده ثم يتوضا، ثم يغتسل هذا مما قال الله - عزوجل - (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1). ومنها اخبار اخر مذكورة، والانصاف انه لولا ذهاب المعظم إلى القول بالنجاسة لامكن الجمع بين الاخبار الواردة في الطرفين، نظير الجمع بين ما دل على طهارة ماء البئر وعدم تنجسه بشئ غير مغير وما دل على النجاسة ووجوب النزح لحصول الطهارة، فالمتعين القول بالنجاسة لما ذكر والا لكان للقائل بالطهارة وعدم تنجسه أن يقول: الاوامر الواردة في لزوم الغسل كالاوامر الواردة في لزوم النزح، والاخبار الواردة للحد الذي لا يتنجس معه الماء، كالواردة لمقادير النزح لرفع القدارة في ماء البئر ويتصور لكل من الطهارة والقذارة مراتب، ولعل اختلاف مقادير النزح في مورد واحد من هذه الجهة ولعله اختلاف مقدار الكر من حيث الوزن والمسامحة من هذه الجهة. (وفى تقدير الكر روايات اشهرها ألف ومائتا رطل، وفسره الشيخان بالعراقى) (2) ويدل عليه ما رواه ابن ابى عمير، عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الكرمن الماء الذى لا ينجسه شئ الف ومائتا رطل) (3) وجه الدلالة على خصوص الرطل العراقي الجمع بين هذه الرواية المرسلة المتلقاة بالقبول بين الاصحاب، وبين صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الكر ست مائة رطل) (4) فنقول: الرطل مرددبين المكي والمدنى والعراقي، والمكي هو الزائد على الآخرين، فالمرسلة دالة على عدم نقصان الكر عن هذا المقدار، والقدر المتيقن منه الرطل العراقي، فهي كالنص في عدم نقصان الكر


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 8 ح 4. (2) هما: الشيخ أبو جعفر الطوسى والشيخ المفيد - رحمهما الله -. (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 11 ح 1 و 3 على الترتيب.

[ 8 ]

عن ألف ومائتي رطل بالمعنى الاول، والصحيحة دالة على عدم زيادته عن هذا المقدار - اعني مسماة رطل بالمعنى الازيد - فكل من المرسلة والصحيحة له إجمال منه جهة ودلالة كالصراحة من جهة اخرى، ويرفع إجمال كل بصراحة الآخر، هذا بحسب الوزن. وأما بحسب المساحة في تقدير الكر ففيه ايضا روايات وأقوال، أشهرها ما بلغ كل من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة اشبار ونصفا، بأن يكون مجموع مساحة الماء اثنين وأربعين شبرا وسبعة اثمان شبر، ويدل عليه ما رواه في الاستبصار عن الحسن ابن صالح الثوري عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ قلت: وكم الكر؟ قال: ثلاثة اشبار ونصف طولها في ثلاثة اشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها (1) وهذه الرواية من جهة السند لا إشكال فيها، من جهة اخذ الاصحاب بها، إنما الاشكال فيها من جهة اضطراب المتن، حيث إنها مروية في الكافي (2) بحذف (ثلاثة اشبار ونصف طولها) ومن حيث الدلالة من جهة ان مورد الركى وهي غالبا مستديرة، فالمراد من عرضها البعد المفروض في وسطها الذى بمنزلة القطر للدائرة، ومجموع المساحة على هذا يقرب من ثلاث وثلاثين شبرا ونصف شبر وخمسه، واستدل على هذا القول ايضا برواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصف في مثله ثلاثة اشبار ونصف في عمقه في الارض فذلك الكر من الماء) (3) وهذه الرواية وان لم يكن فيها قرينة على كون السطح شبه الدائرة لكنها قابلة للحمل عليها، خصوصا مع ما قيل من كون الكر مكيالا مستديرا، مضافا إلى انه لم يصرح فيها بكون ثلاثة اشبار عرضه حتى يغني عن ذكر الطول هذا مع معارضتها برواية إسماعيل بن جابر قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الماء الذي


(1) الاستبصار ج 1 ص 33 تحت رقم 9 وذكر في هامش النسخة قوله: (ثلاثة أشبار ونصف طولها في) لم يرد في النسخة بيد والد (الشيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار) المصححة على نسخة المصنف. (2) المصدر ج 3 ص 2 تحت رقم 4. (3) رواه الكليني في الكافي ج 3 تحت رقم 5.

[ 9 ]

لا ينجسه شئ؟ فقال: (كر، قلت: وما الكر؟ قال: ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار) (1)، و قد يرجح الخبران عليها بأنهما مع الاعتضاد بالشهرة غير قابلين لاحتمال الزيادة في لفظ النصف، وهذه الرواية يحتمل فيها سقوط لفظ النصف، وفيه نظر لان السقوط خلاف الاصل فلا يصار إليه. وقد يقال بترجيح الخبرين من جهة عدم موافقه رواية إسماعيل بن جابر مع التحديد بحسب الوزن بخلاف الخبرين، فانهما يقربان مع ذلك التحديد ولا يخفى انه مع احتمال ان يكون النظر في الخبرين إلى شبه الدائرة لا يتم ما ذكر، مع ان القرب إلى التحديد بحسب الوزن لا يكفى في رفع المعارضة، لان بناء التحديد على المداقة فيقع التعارض، فلا بد اما من الترجيح أو التخيير أو الحمل على المراتب، كما هو المحتمل في اختلاف الاخبار في مقدار المنزوح في البئر، وما قيل من تضعيف رواية إسماعيل بن جابر، وكذا ما يؤيده من مرسلة الصدوق في المجالس حيث قال: (روي ان الكر هو ما يكون ثلاثة اشبار طولا في ثلاثة اشبار عرضا في ثلاثة اشبار عمقا) (2) - بمخالفتهما لرواية على بن جعفر في كتابه عن اخيه عليه السلام قال: (سألته عن جرة ماء فيها ألف رطل وقع فيه أوقية بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال عليه السلام: لا يصلح) (3) حيث ان الف رطل على ما اعتبر يقرب من ثلاثين شبرا، وحمله على صورة التغير بعيد، فيه نظر من جهة انه لم يعين المراد من الرطل، فهو قابل للمكي والمدني والعراقي، فمع عدم التعيين في كلام السائل لابد ان يكون الجواب واحدا على جميع التقادير، وعلى تقدير إرادة المكي والمدني يكون كرا قطعا، فلا بد أن يراد من قوله: (لا يصلح) الكراهة التنزيهية، هذا مع كون السائل والمسؤول مدنيا، وعلى تقدير تعين الحمل على العراقي يقع المعارضة بينهما مثل معارضة الخبرين السابقين، ومجرد المعارضة لا يوجب رفع اليد عن هذه الرواية المؤيدة


(1) تقدم آنفا. (2) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 10 ح 2. (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 8 ح 14.

[ 10 ]

تعيينا، كما لا يخفى. (وفى نجاسة ماء البئر بالملاقاة قولان اظهرهما التنجيس) عند اكثر قدماء الاصحاب، بل عن جماعة دعوى الاجماع عليه واشتهر بين المتأخرين عدم التنجيس احتج المتأخرون بوجوه عمدتها الاخبار الصحاح، فمنها صحيحة ابن بزيع المتقدمة، ومنها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: (سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل من عذرة رطبة أو يابسة أو زبيل من سرقين أيصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس) (1) ومنها صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: سمعته يقول: (لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر الا أن ينتن، فان انتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر) (2) إلى غير ذلك من الاخبار الظاهرة في عدم تنجس ماء البئر. حجة القائلين بالنجاسة الاخبار المستفيضة، منها صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: (كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام في البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شئ من العذرة كالبعرة ونحوها، ما الذى يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع عليه السلام بخطه في كتابي: (ينزح منها دلاء) (3) وأورد على الاستدلال بها أن إطلاق الدلاء في الجواب قرينة على الاستحباب، إذ لو حملت الجملة الخبرية على الوجوب لوجب إما الالتزام بكفاية مطلق الدلاء لكل واحد من الاشياء المذكورة في الخبر وهو مخالف للاجماع والاخبار الواردة وإما الالتزام باهمال الرواية من هذه الجهة وهو خلاف الظاهر، وفى هذا الايراد نظر، لانه مع فرض عدم التنجس و استحباب النزح ايضا يرد ما ذكر، كما لا يخفى. فنقول: يمكن على القولين الالتزام بمطلق الدلاء، وحيث انه من جموع الكثرة واقل مراتبة العشرة يكتفى


(1) و (2) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 14 ح 8 و 9 و 11. (3) رواه الكليني في الكافي ج 3 ص 5 تحت رقم 1 وفي الوسائل أبواب الماء المطلق ب 14 ح 21.

[ 11 ]

بمقتضى الصحيحة بالعشرة، ودعوى الاجماع في مثل المقام بعيدة، حيث ان مستند المجمعين ليس إلا الاخبار، غاية الامر يكون الصحيحة مخالفة لساير الاخبار من هذه الجهة، وعلى فرض التسليم يلزم عدم العمل بهذه الفقرة، فلم لا يؤخذ بظاهرها من غير هذه الجهة، ومنها صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى عليه السلام قال: (سألته عن البئر يقع فيها الحمامة والدجاجة والكلب والهرة؟ فقال عليه السلام: يجزيك أن تنزح منها دلاء فان ذلك يطهرها إن شاء الله) (1) واجيب فيها بما اجيب به عن سابقتها، وبأن المراد من الطهارة النظافة والاشكال في الجواب السابق يرد هنا، مضافا إلى أن حمل الطهارة في كلمات المعصومين - صلوات الله عليهم على النظافة لا ما يقابل النجاسة، كحمل النجاسة على القدارة العرفية، وهو كما ترى. ومنها صحيحة ابن ابي يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام (إذا اتيت البئر وانت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغترف به فتيمم بالصعيد فان رب الماء رب الصعيد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم) (2) وأورد على الاستدلال بهذه الصحيحة أنه يظهر منها أن علة النهي هي إفساد الماء على القوم، لا فساد الغسل في حد ذاته بحيث لو لا هذا المحذور لجاز الغسل، وهذا ينافي نجاسة الماء بوقوعه فيه. و فيه نظر، لانه لاظهور لها في كون العلة ما ذكر بل بقرينة العطف يظهر خلافه، فلعله نهى عن الوقوع وذكر من مفاسد الوقوع إفساد الماء على القوم، وعلى ما ذكر في الايراد يلزم جواز التيمم مع وجود ماء البئر وإباحة التصرف، مع أنه لا محذور في الغسل إلا أثارة الوحل أو تنفر الطبع الزائل بنزح مقدار منه، ولا أظن أن يلتزم به. واستدل بأخبار اخر ونوقش فيها بمناقشات لعلها لا تخلو عن الاشكال. واستدل ايضا للقائلين بالنجاسة بالاخبار المستفيضة الدالة على وجوب النزح بالوجوب الشرطي بمعنى اشتراط معاملة الطهارة بالنزح. واجيب بأن غاية الامر ظهور هذه الاخبار في نجاسة البئر، فلا بد من رفع اليد عن هذا الظاهر بالاخبار


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 17 ح 1. (2) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 14 ح 22.

[ 12 ]

المتقدمة الدالة على الطهارة، لان الظاهر لا يعارض الاظهر فضلا عما هو نص في الخلاف. أقول: لازم هذا حمل الاخبار الدالة على وجوب النزح على الاستحباب و يبعد هذا من جهة التعبير في بعضها بمثل قوله عليه السلام: (وقد طهرت) (1) وفي بعضها التصريح بأن ذلك يطهرها (2)، وسيأتي - ان شاء الله تعالى - ذكر الاخبار، وحمل الطهارة على غير المعنى المعهود بعيد جدا، ومن جهة ان كثيرا من موارد أخبار النزح شاملة لصورة التغير التي لاشبهة في لزوم النزح لحصول الطهارة، وفي بعض الموارد فصل بين صورة التغير وغيرها بحيث يكون مساق الصورتين واحدا من حيث الحكم وهل تجد من نفسك الحمل على الاستحباب مع عدم الاستفصال من حيث التغير وعدمه، وفي مورد التفصيل حمل احد الحكمين على اللزوم الشرطي لحصول الطهارة المعهودة بين المتشرعة دون الآخر مع وحدة السياق؟ فالمسألة محل إشكال وإن اشتهر القول بالطهارة بين المتأخرين - قدس الله اسرارهم - لكن في قبال هذه الشهرة؟ الشهرة بين القدماء - رحمهم الله - مع قرب عصرهم. واما التفصيل بين صورة كرية ماء البئر وبين صورة قلته فلا يخفى ما فيه، لانه ان اخذنا بالادلة الدالة على الطهارة فمثل صحيحه ابن بزيع المتدمة ظاهرها موضوعية ماء البئر كالجاري، ومع اشتراط الكرية لا يبقى له موضوعية - كما اشرنا إلى هذه الجهة في الماء الجارى - ولا مجال لدعوى الانصراف بواسطة غلبة الكرية في ماء البئر والجارى، وإن أخذنا بالادلة الدالة على النجاسة فيلزم اختصاص الادلة بالفرد النادر، فيخصص عموم (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ) على كلا التقديرين، إما من حيث المفهوم وإما من حيث المنطوق. (وينزح لموت البعير والثور وانصباب الخمر ماؤها أجمع) ففي صحيحة معاوية بن عمار، عن ابى عبد الله عليه السلام في البئر يبول فيها الصبى أو يصب فيها بول أو


(1) سيأتي في خبر عمار الساباطى. (2) تقدم آنفا في صحيحة على بن يقطين.

[ 13 ]

خمر؟ فقال: (ينوح ماء البئر كله) (1) وفي صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام: (فان مات فيها ثور أو نحوه أو صب فيها خمر نزح الماء كله) (2) وفى صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (فان مات فيها بعير أو صب فيها خمر فلينزح) (3). (وكذا قال الثلاثة (4) في المسكرات) وجهه غير واضح ولعل النظر إلى إطلاق الخمر على كل مسكر في لسان الاخبار، لكنه بعد عدم الصدق على نحو الحقيقة لابد أن يكون من باب التنزيل بلحاظ الآثار، فلا يشمل الآثار الغير الظاهرة فيلحق بمالا نص فيه. (والحق الشيخ (5) الفقاع) ولعل وجهه ما ذكر ويتوجه عليه ما ذكر، (والمني والدماء الثلاثة) والمستند غير واضح الا الالحاق بغير المنصوص مع القول بنوح الجميع فيه. (فان غلب الماء تراوح عليها قوم إثنان إثنان يوما) واستدل عليه بموثقة عمار الساباطي عن الصادق عليه السلام وهي طويلة قال في آخرها: (وسئل عن بئر يقع فيها كلب أو فارة أو خنزير؟ قال: تنزف كلها، فان غلبها الماء فلتنزف يوما إلى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت) (6) وهذه الموثقة وان لم تكن راجعة إلى ما نحن فيه لكنه بعد انقعاد الاجماع على عدم اعتبار شئ زائد وعدم حصول القطع بالطهارة على القول بالتجنس بدون ذلك يستفاد منها حكم المقام وأمثاله. (والموت الحمار والبغل كر) ويدل عليه رواية عمرو بن سعيد بن هلال قال: (سألت ابا جعفر (عليه السلام) عما يقع في البئر ما بين الفارة والسنور إلى الشاة؟


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 15 ح 3 و 2 و 5 على الترتيب (4) هم: أبو جعفر الطوسى والمفيد والسيد المرتضى - رحمهم الله -. (5) يعنى شيخ الطائفة. (6) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 23 ح 1.

[ 14 ]

فقال: وكل ذلك نقول: سبع دلاء، قال: حتى بلغت الحمار والجمل؟ فقال: كر من ماء - الخ -) (1) وعن موضع من التهذيب (2): (حتى بلغت الحمار والجمل والبغل؟ فقال: كر) وضعف السند والاشتمال على ما لا يقول به أحد لا يقدح في التمسك بعد عمل الاصحاب بمضمونه. (وكذا قال الثلاثة في الفرس والبقر) واشتهر هذا القول وادعى عليه الاجماع والمستند غير واضح وادعى دلالة الخبر المتقدم، وفيه إشكال لانه مبني على استفادة أصل كلي وهو تعين الكر في مثل ما ذكر ولا يلتزمون به، فلا بد من إلحاقهما بمالا نص فيه. (ولموت الانسان سبعون دلوا) ادعى عليه الاجماع ومستنده رواية عمار الساباطي وفيها: (ما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره الانسان ينزح منها سبعون دلوا - الخ -) (3) (وللعذرة عشرة فان ذابت فأربعون أو خمسون) والمستند رواية ابي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العذرة تقع في البئر؟ فقال: ينزح منها عشر دلاء فان ذابت فأربعون أو خمسون دلوا) (4) وربما يقال بتعين الاخير - اعني الخمسين - لاحتمال كون الترديد من الراوي، فعلى القول بالنجاسة تستصحب، وفيه نظر لانه إن كان الترديد من الراوي فلا يعبر بهذا النحو بل يقال: (أو قال: خمسون). (وفى الدم اقوال، والمروي في دم ذبح الشاة من ثلاثين إلى أربعين) والمروى صحيحا عن علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام عن رجل ذبح شاة فاضطربت فوقعت في بئر ماء وأوداجها تشخب دما هل يتوضا من ذلك البئر؟ قال: (ينزح منها ما بين الثلاثين إلى الاربعين دلوا - الحديث -) (5) (وفى القليل دلاء


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 15 ح 4. (2) ما عثرت عليه في التهذيب لكنه في الجواهر ج 1 ص 220 الطبعة الحروفية الحديثة هكذا: وفي المعتبر وموضع من التهذيب زيادة البغل. (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 21 ح 3. (4) و (5) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 20 و 21 ح 1.

[ 15 ]

يسيرة) والمروي مستفيضا في البئر الواقع فيها الطير المذبوح أو قطرة دم أو قطرات من الدم انه ينزح منه دلاء، وفى رواية علي بن جعفر قال: (ينزح منها دلاء يسيرة) (1) وقد يقال بلزوم عدم كون الدلاء أقل من العشرة، لانها أقل مراتب جمع الكثرة، وعلى هذا ففائدة التقييد غير متضحة، ولا يبعد ان يكون التقييد لجواز الاكتفاء بأقل من عشرة، فهذا اللفظ قرينة عليه فتأمل. (والموت الكلب وشبهه أربعون) والدليل عليه ما عن المعتبر عن كتاب الحسين بن سعيد (سألته عن السنور؟ فقال: اربعون دلو وللكلب وشبهه) (2) وضعف السند ينجبر بعمل المشهور وهنا روايات اخر صحيحة وغير صحيحة مخالفة لهذه الرواية. و (كذا في بول الرجل) لرواية علي بن ابى حمزة، عن ابى عبد الله عليه السلام في بول الرجل قال: (ينزح منها اربعون دلوا) (3) وضعف الرواية منجبر، وهنا اخبار اخر على خلاف هذا في خصوص القطرة منه أو قطرات أو مطلق البول لم يعمل بها المشهور. (وألحق الشيخان بالكلب موت الثعلب والارنب والشاة، ويروى في الشاة تسع أو عشر) ففي رواية إسحاق بن عمار: (فإذا كانت شاة وما اشبهها فتسعة أو عشرة) (4) وأما وجه إلحاق الشيخين لعله دخولها في قوله عليه السلام (وشبهه) في الخبر المنقول عن كتاب الحسين بن سعيد المتقدم ذكره آنفا. (وللسنور اربعون وفي رواية سبع) أما الاربعون فلما تقدم آنفا، واما رواية السبع فهي رواية عمرو بن سعيد بن هلال عما يقع في البئر ما بين الفارة والسنور إلى الشاة؟ فقال: (كل ذلك نقول سبع دلاء) (5) وبمضمون هذه أفتى الصدوق في الفقيه. (ولموت المطير واغتسال الجنب سبع) اما في موت الطير فللاخبار المستفيضة


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 21 ح 1. (2) المعتبر ص 16. (3) وسائل الشيعة أبواب الماء المطلق ب 16 ح 2. (4 الوسائل كتاب الطهارة ب 18 من أبواب الماء المطلق ح 3. (5) تقدم ص 14.

[ 16 ]

منها مضمرة سماعة عن الفارة تقع في البئر والطير؟ قال عليه السلام: (ان ادركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء) (1) وأما في اغتسال الجنب فلرواية أبي بصير قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الجنب يدخل البئر فيغتسل منها وقال: ينزح منها سبع دلاء) (2) ثم ان الحكم بالنزح بواسطة الاغتسال يمكن أن يكون من جهة نجاسة البدن غالبا، ويمكن أن يكون من جهة كون الماء مستعملا في رفع الحدث الاكبر، وعلى الثاني لاربط له بنجاسة ماء البئر. (وكذا الكلب لو خرج حيا) كما عن المشهور، لرواية ابى مريم قال: حدثنا جعفر قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: (إذا مات الكلب في البئر نزحت) وقال عليه السلام: (إذا وقع فيها ثم اخرج منها حيا نزح منها سبع دلاء) (3). (وللفارة ان تفسخت أو انتفخت والا فثلاث وقيل دلو) والمستند رواية أبى سعيد المكاري: (إذا وقعت الفارة في البئر فتسلخت فانزح منها سبع دلاء) (4) ولا يخفى عدم شموله لصورة الانتفاخ، وفي رواية معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال - بعد السؤال عن الفارة والوزغة -: (ينزح منها ثلاث دلاء) (5) فمقضتى الجمع التفصيل، والقول بكفاية دلو للصدوق ولم نقف على دليله. (ولبول الصبى سبع وفي رواية ثلاث) ودليل السبع رواية منصور بن حازم عن عدة، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (ينزح منه سبع دلاء إذا بال فيها الصبي أو وقعت فيها فارة أو نحوها) (6) والرواية الدالة على الثلاث ضعيفة وبها أخذ الصدوق (قده) (ولو كان رضيعا فدلو واحد وكذا في العصفور وشبهه) والدليل في الرضيع ما في الرضوي: (وان ان رضيعا استقى منها دلو واحد) وعدم الاخذ بالفقرة السابقة


(1) الوسائل كتاب الطهارة ب 18 من أبواب الماء المطلق ح 1. (29 المصدر أبواب الماء المطلق ب 22 ح 3. (3) المصدر ب 17 من أبواب الماء المطلق ح 1. (4) و (5) المصدر ب 19 ح 1. (6) المصدر ب 16 ح 1.

[ 17 ]

منه لا ينافي الاخذ بهذه الفقرة، وفي العصفور للموثق: (وأقله العصفور ينزح منها دلو واحد) (1) وأما الحكم في شبه العصفور فهو مشهور، ومستندهم غير واضح (ولو غيرت النجاسة ماءها نزح كله) عند المصنف، واستدل لهذا القول بالاخبار المستفيضة، ففي رواية معاوية بن عمار: (لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر الا أن ينتن فان انتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر) (2) وفي رواية ابى خديجة عن ابى عبد الله عليه السلام في الفارة تقع في البئر - قال: (وإذا انتفخت فيه أو نتنت نزح الماء كله) (3) وفي خبر منهال: (فان غلب عليها الريح بعد مائة دلو فانزحها كلها) (4). وفى قبالها اخبار دالة على لزوم النزح بمقدار يزول التغير، منها صحيح الشحام عن أبى عبد الله عليه السلام في الفارة والسنور والدجاجة والكب والطير، قال: (فإذا لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء، وان تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح) (5) ولا يخفى ان إطلاق الاخبار في الموارد المنصوصة تشمل صورة التغير، ولهذا استشكلنا سابقا في حملها على الاستحباب، فمع زوال التغير قبل نزح المقدار لابد من تتميم المقدر، بناء على النجاسة لعدم شمول هذه الاخبار تلك الصورة، ومع عدم الزوال بالمقدر لابد من التتميم بمقدار يزول به التغير، فاللازم الاخذ بأكثر الامرين، وأما الاخبار الدالة على وجوب نزح الجميع، فاما محمولة على الغالب: من عدم زوال التغير الا بنزح الجميع، أو يحمل على الاستحباب، ومع عدم إمكان الجمع فهي غير مقاومة لهذه الاخبار سندا. (ولو غلب الماء فالاولى ان ينزح حتى يزول التغير ويستوفى المقدار)


(1) التهذيب ج 1 ص 234 تحت رقم 678. (2) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 2 ح 11. (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 19 ح 3. (4) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 22 ح 4. (5) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 17 ح 6.

[ 18 ]

لا يخفى الاشكال فيما ذكر، لانه ان اخذ بالاخبار الدالة على كفاية زوال التغير فلم أفتى بلزوم نزح الجميع مع عدم الغلبة؟ وان لم يؤخذ بها فمقتضى القاعدة أن يكون حال المقام حال سائر الموارد المنصوصة التي وجب فيها نزح الجميع وتعذر لكثرة الماء (ولا ينجس البئر بالبالوعة ولو تقاربتا ما لم تتصل نجاستها بها) فيحكم حينئذ بنجاستها بناء على القول بانفعال ماء البئر بالملاقاة، واما على القول بعدم الانفعال فالامر يدور مدار التغير بل مدار العلم، ويدل على الحكم رواية محمد بن القاسم عن ابى الحسن عليه السلام في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمس أذرع أو أقل أؤ أكثر، فيتوضا منها؟ قال عليه السلام: (ليس يكره من قرب ولا بعد يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء) (1) وعلى القول بالانفعال لعل وجه اعتبار التغير كونه موجبا للعلم بالوصول. (لكن يستحب تباعدهما قدر خمس أذرع إن كانت صلبة، أو كانت البئر فوقها والا فسبع) واستدل عليه برواية قدامة بن أبى زيد الجمار عن الصادق عليه السلام قال: سألته كم ادنى ما يكون بين البئر - بئر الماء - والبالوعة؟ فقال: (ان كان سهلا فسبع أذرع وان كان جبلا فخمس أذرع ثم قال: إن الماء يجري إلى القبلة إلى يمين ويجرى عن يمين القبلة إلى يسار القبلة ويجري عن يسار القبلة إلى يمين القبلة ولا يجري من القبلة إلى دبر القبلة) (2) ورواية الحسين بن رباط عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن البالوعة تكون فوق البئر؟ قال: (إذا كانت فوق البسر فسبعة أذرع وإذا كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع من كل ناحية وذلك كثير) (3) والظاهر من الروايتين كفاية كل من الصلابة والسفل لصيانة ماء البئر عن النجاسة، واما السهولة وفوقية البالوغة فليسا الا مقتضيين للسراية، والمقتضى لا أثر له مع وجود المانع فتأمل جيدا. و (أما المضاف فهو ما يتناوله الاسم باطلاقه ويصح سلبه عنه، كالمعتصر من الاجسام والمصعد والممزوج بما يسلبه الاطلاق وكله طاهر لكن لا يرفع حدثا)


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 14 ح 4. (2) و (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 24 ح 3 و 4.

[ 19 ]

وادعى على عدم رفعه للحدث الاجماع، ويدل عليه رواية ابى بصير، عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل معه اللبن ايتوضأ منها للصلاة؟ قال: (لا إنما هو الماء والصعيد) (1) وخبر آخر (2) والامر بالتيمم عند فقدان الماء في الكتاب والسنة والخبر المخالف معرض عنه مع انه موافق للعامة. (وفي طهارة محل الخبث به قولان، أصحهما المنع) هذه المسألة حكمها - لو لا مخالفة مثل السيد والمفيد (قدس سرهما) - لعد من المسلمات، فانه لا يرتاب بملاحظة الاوامر الواردة في غسل المتنجسات في انحصار طريق التطهير بالغسل الغسل بالماء ويدل عليه قوله: (كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والارض وجعل لكم الماء طهورا) (3) وبالجملة لا شبهة في انصراف الغسل المأمور به في الكتاب والسنة بالغسل بالماء المطلق وبعض الاخبار المخالفة معرض عن العمل به يرد علمه إلى أهله. (وينجس المضاف بالملاقات وان كثر) اما نجاسة قليله فلا شبهة فيها ويستفاد من الاخبار في الموارد الخاصة بعد القطع بعدم مدخلية خصوص المورد، ويدل عليه صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها وما يليها، وكل ما بقى وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به والزيت مثل ذلك) (4) وادعى الاجماع في صورة الكثرة، ولا دليل عليها من الاخبار، بل لابد من دعوى القطع بعدم مدخلية القلة، فالمايع الكثير كالنفط المجتمع في معدنه فقد يستشكل في نجاسته، وإن نطرنا إلى القذارات العرفية فالظاهر عدم استقذارهم للمايع الكثير بمجرد ملاقاة جزء قليل منه مع القذر، فالعمدة الاجماع إن تم.


(1) و (2) الوسائل أبواب الماء المضاف ب 1 ح 1 و 2. (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 1 ح 2. (4) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 5 ح 1.

[ 20 ]

(وكل ما يمازج المطلق ولم يسلبه الاطلاق لا يخرج عن إفادة التطهير وإن غير أحد أوصافه) ووجهه واضح لدوران الحكم مدار الاسم فيشمل الاطلاقات. (وما يرفع به الحدث الاصغر طاهر ومطهر) من الحدث والخبث، يدل عليه - مضافا إلى العمومات والاطلاقات - بعض الاخبار، ففي الخبر: (اما الماء الذى يتوضا به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف فلا بأس أن يأخذ غيره ويتوضأ به) (1). و (ما يرفع به الحدث الاكبر طاهر) ومطهر من الخبث ونقل عليه الاجماع والمانع من استعماله مفقود. (وفى جواز رفع الحدث به ثانيا قولان: المروي المنع) والدليل على المنع رواية احمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل فقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه، وأما الذى يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف فلا بأس أن يأخذه غير ويتوضا به) (2) وقد ذكر قرائن كثيرة موجبة للوثوق بصدوره، فالطعن في السند في غير محله، ونوقش في دلالتها من جهة غلبة نجاسة بدن المجنب، فلعل النهي من جهة تنجس الماء باستعماله في رفع الخبث، وفى هذه المناقشة تأمل، لان غسل البدن من الخبث قبل الشروع في الغسل أو في الاثناء غسالته غير غسالة الاغتسال، نعم إذا كان الغسل والاغتسال في محل واحد يجتمعان، ومورد الحكم ماء استعمل في نفس الاغتسال لا مجموع المائين، والاصل في العناوين الموضوعية واستدل بصحيحة ابن مسلم والصحيح عن ابن مسكان (3) ولا يخفى عدم دلالتهما على المطلوب كما لا يخفى على من لاحظهما واحتج المجوزون بصحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، أغتسل من مائه؟ قال: (نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب - الخ -) (4)


(1) الوسائل أبواب الماء الضاف ب 8 ح 2 نقله عن التهذيب. (2) المصدر ب 9 ح 12. (3) أبواب الماء المطلق ب 8 ح 9. (4) الوسائل أبواب الماء المضاف ب 9 تحت رقم 2.

[ 21 ]

ولا يخفى عدم دلالتها على المقصود، لان الاغتسال إما في الحياض الكبار، أو حول الحياض الصغار، وعلى كلا التقديرين خارج عن محل الكلام واستدل أيضا بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام وفي ذيلها: (وان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه، فان ذلك يجزيه) (1) وجه الاستدلال قوله عليه السلام: (فلا عليه ان يغتسل) فانه ليس مخصوصا بحال الضرورة التي لا يتمكن معها من الغسل الا بهذا النحو، كما يظهر من ملاحظة الرواية وفيه اشكال من جهه أن الظاهران محل الكلام ما استعمل في رفع الحدث واجتمع في محل وأما الغسالة التي تنفصل في أثناء الغسل ويختلط مع الماء الغير المستعمل فليس محل الكلام، ولذا يقولون: لا بأس بالقطرات التي تقطر حال اغتسال الجنب، هذا ولا يخفى أن وجه التعدي عن المستعمل في رفع الجنابة دخول المستعمل في رفع مطلق الحدث الاكبر في قوله عليه السلام: (وأشباهه) (2). (وفى ما يزال به الخبث إذا لم تغيره النجاسة قولان: أشبههما التنجيس) والدليل عليه عموم ادلة انفعال الماء القليل من دون مخصص، ولا مجال لان يقال بأنها من جهة الاحوال لا عموم لها ولا إطلاق، فلا تعرض لها بحال ورود الماء على النجس، والقدر المتيقن حال ورود النجس عليه وهي غير مقامنا، لانه كما لا يفرق في غير الماء من المايعات وغيرها بين الورودين لا فرق في الماء ووجهه أن كيفية التنجيس مأخوذة من العرف ولذا يعتبر فيه الملاقات والسراية، ولا يرى العرف أمرا زائدا عليهما معتبرا فيه غير القابلية للانفعال، واستدل ايضا برواية عيص بن القاسم، قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طست فيه وضوء؟ فقال: ان كان من بول أو قذر فيغسل ما اصابه) (3) واستدل ايضا بموثقة عمار الواردة في الاناء والكوز القدر حيث بين فيها كيفية التطهير وانه يصب فيه


(1) الوسائل أبواب الماء المضاف ب 10 ح 1. (2) تقدم في الخبر الذى رواه عبد الله بن سنان. (3) الوسائل أبواب الماء المضاف ب 9 تحت رقم 12 نقلا عن الشهيد في الذكرى.

[ 22 ]

الماء ويفرغ ثلاث مرات. ويظهر منها توقف التطهير على الا فراغ ولا يجتمع هذا مع طهارة الغسالة. حجة القائلين بالطهارة امور: الاول: الاصل، ومعلوم انه لا يقاوم الدليل الثاني: انه لو لم يكن فرق بين ورود الماء على النجس وورود النجس على الماء لادى ذلك إلى عدم حصول الطهارة للمتنجسات الا بالكر والجارى، وحاصل الدليل انه لا يجتمع انفعال الماء المطهر مع حصول التطهير به، وحيث يحصل به التطهير يستكشف عدم انفعاله. وفيه انه لا ملازمة لا شرعا ولاعرفا، وغاية الامر لزوم طهارة المطهر قبل الملاقات وهو حاصل، الا ان يقال: الماء الملاقى صار جميع اجزائه بالملاقاة متنجسا وبعد انفصال الغسالة يبقى منه شئ في المحل فما الذى جعله طاهرا؟ ويمكن ان يجاب بأن المقدار الباقي عد من توابع المحل، فكما يطهر المحل بانفصال الغسالة كذلك تابعه، فلاحظ القذارات العرفية حيث يستفذر ما ينفصل من الماء عن المحل ولا يستقذر الاجزاء الباقية، وربما يستدل بما دل على طهارة ماء الاستنجاء معللا بأكثرية الماء، وفيه انه حكم في مورد خاص لا يتعدى عنه، ولا يمكن الاخذ بظاهر العلة على القول بانفعال الماء القليل، ومما ذكر يظهر الجواب عن سائر ما استدل به على الطهارة، حيث يلزم منه على تقدير عدم نجاسته ما لا يلتزم القائل بطهارة الغسالة. (عداماء الاستنجاء) فانه لا بأس به لاخبار مستفيضة، منها حسنة الاحول وهو محمد بن نعمان قال: قلت للصادق عليه السلام: (اخرج من الخلاء فأستنجى بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء الذى استنجيت به؟ فقال: لا بأس) (1) وفي بعض الروايات علل الحكم بأن الماء اكثر من القذر، وهل هو طاهر بحيث يجوز ان يعامل معه معاملة الماء الطاهر أو متنجس لا يترتب عليه آثار الطاهر؟ غاية الامر أنه عفي عنه بحيث لا ينجس ملاقيه فيه إشكال، قد يقال بقرينة التعليل بالطهارة فكأنه علل الطهارة باستهلاك القذر في الماء، ولا مناسبة للعلة مع العفو، وفيه إشكال لامكان ان يكون الوجه في العفو استهلاك النجس، فكأنه خفت


(1) الوسائل أبواب الماء المضاف ب 13 ح 1.

[ 23 ]

نجاسة الماء فلا تؤثر في تنجيس الملاقي، ألا ترى أن القذارات العرفية تخف بتعدد الوسائط فلا يعامل مع الملاقى للملاقى للقذر عندهم معاملته، بل يصل الامر إلى حد يعاملون معه معاملة الطاهر، ثم ان تفسير الاكثرية بالاستهلاك مشكل لانه خلاف الغالب بل الغالب مشاهدة أجزاء القذر في الماء، ويدل على النجاسة تغير الماء ابتداء الغسل غالبا، والظاهر انه من المسلمات عندهم تنجس كل ماء تغير بأوصاف النجس، ثم انه مع قطع النظر عن جميع ذلك نقول: هنا قاعدتان احداهما في طول الآخر، لاولى: كل نجس منجس ومقتضاها منجسية القذر للماء المستعمل، والاخرى: كل متنجس منجس ومقتضاها تنجس الثوب الملاقى للماء المستعمل ونقطع بتخصيص إحداهما، ولا يوجب التخصيص في الاولى أكثرية التخصيص لانه مع تخصيصها لا تخصيص في الثانية، بل لا تجرى الثانية لعدم الموضوع مكان الطولية، ولكنه مع ذلك بعد ما كان مقتضى القاعدتين ترتيب جميع الآثار المترتبة عليهما لا يرفع اليد عن الآثار الا بمقدار علم بحسب الدليل رفعه، لانه لا يرفع اليد عن الحجة الا بالحجة، ونتيجته العفو دون الطهارة فتأمل جيدا. (ولا يغتسل بغسالة الحمام إلا أن يعلم خلوها من النجاسة) ويدل على الحكم روايات، منها الموثق المروى في العلل: (اياك ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها يجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم - الخ -) (1) ولا يخفى انه يظهر منه ان النهى من جهة النجاسة، وعلى هذا فلا بد من الاقتصار إلى صورة العلم أو الاطمينان الذى هو بمنزلة العلم عند القلاء، ولو لم يكن ظاهرا في هذا فلا ظهور له في التعبد، ومنه يظهر الاشكال فيما في المتن. (وتكره الطهارة بماء اسخن بالشمس [ في الآنية ] لما رواه إبراهيم بن عبد الحميد، عن ابى الحسن عليه السلام قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على عائشة وقد وضعت


(1) الوسائل أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.

[ 24 ]

قمقمتها في الشمس، فقال: يا حميرا؟ ما هذا؟ قالت: اغسل بها رأسي وجسدي قال صلى الله عليه وآله: لا تعودي فانه يورث البرص) (1) ونظيره رواية اخرى وظاهرهما الكراهة، مضافا إلى انها مقتضى الجمع بينهما وبين ما رواه محمد بن سنان، عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا باس بأن يتوضأ الانسان بالماء الذى يوضع في الشمس) (2). وبماء اسخن بالنار في غسل الاموات. لصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام: (لا تسخن الماء للميت) وغيرها (3) ويظهر منها الكراهة كما فهمها الاصحاب منها. (وأما الاسآر فكلها طاهرة عدا سؤر الكلب والخنزير والكافر) أما طهارة سؤر ما عدا الثلاثة فللاصل والعمومات، وان كره بعضها كسؤر الحائض للنهي الوارد المحمول على الكراهة، وفى الصحيح (عن فضل الهرة والشاة والبقر والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم اترك شيئا إلا سألته عنه؟ فقال: لا بأس - الحديث -) (4) واما الكلب والخنزير والكافي فسيأتي - إن شاء الله - الكلام في أسآرها في بحث احكام النجاسات. (وفى طهارة سؤر ما لا يؤكل لحمه قولان) الاشهر الاول مع الكراهة، ويدل عليه الصحيح المذكور آنفا والاخبار المعتبرة ويجمع بينها وبين المرسل انه كان يكره سؤر كل شئ لا يؤكل لحمه، والموثق عن ماء شرب منه الحمام؟ فقال: (كل ما يوكل لحمه يتوضا من سوره ويشرب منه) (5) (وكذا في سؤر المسوخ) وكذا آكل الجيف مع خلو موضع الملاقاة من عين النجاسة. و (الطهارة في الكل أظهر) وقد عرفت وجهها وان كره لما تقدم. (وفى نجاسة الماء بما لا يدركه الطرف من الدم قولان، احوطهما النجاسة)


(1) و (2) الوسائل أبواب الماء المضاف ب 6 ح 1 و 4. (3) المصدر ب 7 ح 1. (4) الوسائل أبواب الاسآر ب 1 ح 4. (5) المصدر ب 4 ح 2.

[ 25 ]

حكي عن الشيخ في الاستبصار القول بعدم الانفعال، واستدل لقوله بصحيحة علي ابن جعفر عن اخيه عليه السلام في رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه ولم يستبن ذلك في الماء هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال عليه السلام: (أن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس - الحديث -) (1) ولا يخفى عدم دلالتها على هذا القول، من جهة انه من المحتمل ان يكون السؤال من جهة الاحتمال أو الظن الغالب باصابة الماء، فأجاب عليه السلام بما ذكر، وعلى فرض الظهور لا يقاوم الادلة الدالة على الانفعال فتأمل. (ولو نجس أحد الاناءين ولم يتعين اجتنب ماؤهما) واستدل عليه بموثقة سماعة في رجل معه إناءان وقع في احدهما قذر ولا يدرى أيهما هو وليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: (يهريقهما ويتيمم) (2) وبموثقة عمار الساباطي (3)، واستدل ايضا بلزوم الموافقة القطعية بعد العلم الاجمالي بالتكليف، وفيه إشكال من جهة التمكن من الامتثال القطعي في بعض الموارد، وذلك بأن يتوضأ باحد الاناءين للصلاة ويصلى، ثم يتوضا بالآخر بعد غسل ما اصابه الاول به ويصلي ثانيا فيقطع بالامتثال، ولا إشكال في البين إلا شبهة تكرار العمل حيث ادعى عدم إجزاء الامتثال الاجمالي الحاصل بالتكرار، والظاهر عدم الاشكال فيه، فالمقام يصير نظير الصلاة إلى أربع جهات مع اشتباه القبلة، وكالصلاة في الثوبين المشتبهين بالتكرار، ثم ان التعدي عن مورد الرواية مشكل، ودعوى لزوم الموافقة القطعية مع الاصول النقلية مشكلة، غاية الامر حرمة المخالفة القطعة عقلا، وأما جواز الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية فلا يبعد، لان حكم العقل بلزوم الموافقة القطعية بنحو الاقتضاء ولعل قاعدة التجاوز والفراغ يدل على هذا حيث اكتفى الشارع بمقتضى القاعدة بالموافقة الاحتمالية، ولعل من هذا الباب الاكتفاء بالاطاعة الظنية في مبحث الانسداد، إن قلت: هذا على تقدير تماميته لو لم يسقط الاصل بالمعارضة قلت: المعارضة مع إطلاق الترخيص ومع الاشتراط لامانع فيه، فلو


(1) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1. (2) و (3) المصدر ح 2 و 12؟

[ 26 ]

اشتبه الحرام بين الشيئين وقيل هذا المتعين لك حلال ان تركت الآخر وهو حلال ان تركت هذا فلا مانع ولا يلزم مخالفة قطعية، وغاية ما يقال: ان هذه الاحكام أحكام حيثية، بمعنى ان المشكوك الحلية والحرمة من حيث هو مشكوك الحكم حلال، وهذه الحلية لا تنافي الحرمة من جهة لزوم الموافقة القطعية للتكليف المعلوم اجمالا بحكم العقل، ولو كان حكمه بنحو الاقتضاء نظير حلية لحم الغنم - مثلا - الغير المنافية لحرمته من جهة الغصبية - مثلا -. وفيه أولا ان هذا خلاف ما يقولون من سقوط الاصول في الاطراف من جهة المعارضة، وثانيا ان مثل (كل شى لك حلال حتى تعرف أنه حرام) على هذا يصير بمنزلة ان يقال المشكوك بما هو مشكوك حلال حتى يصير معلوما، وانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه لا يحتاج إلى الغاية، مع أن ملاحظة الامثلة المذكورة في ذيلها مع انها تكون بحسب الغالب من اطراف العلم الاجمالي ربما يوجب القطع بأنها ليست من الاحكام الحيثية وثالثا نقول: هذا لايتم بملاحظة بعض الاخبار مثل قوله عليه السلام (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) حيث ان ظاهره فرض العلم الاجمالي بوجود الحرام. ان قلت: سلمنا ذلك لكن مع كون الشبهة غير محصورة، أو خروج بعض الاطراف عن محل الابتداء لا يكون العلم منجزا. قلت: اما مع كون الشبهة غير محصورة فمسلم عدم وجوب الاحتياط، ولعله من جهة موهونية احتمال التكليف بحيث يطمئن بعدم التكليف فيما هو محل ابتلاء المكلف، وهو غير الامثلة المذكورة، واما خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء فلا نعرف مانعية لوجوب الاحتياط، لان مجرد استهجان الخطاب بعثا أو زجرا لا يوجب رفع التكليف، الا ترى ان توجيه الزجر نحو بعض الاشخاص المنزهين عن ارتكاب بعض الافعال القبيحة لا يستحسن ومع ذلك هم كغيرهم مكلفون، وبعبارة اخرى لازم ذلك عدم جواز المعاملة في سوق المسلمين من جهة دخول الاموال المحرمة في السوق، ولعل الامر في مشكوك الطهارة والنجاسة

[ 27 ]

اصعب من جهة الكثرة، مع أن ملاحظة سيرة المعصومين عليهم السلام والمؤمنين على غير ذلك، وان كان مقتضى العصمة التنزه عن المحرمات الواقعية. (وكل ماء حكم بنجاسته لم يجز استعماله) في الطهارة مطلقا وفى الشرب اختيارا بلا خلاف ولا إشكال (ولو اضطر معه إلى الطهارة تيمم) لدفع الضرورة به. (الركن الثاني في الطهارة المائية) (وهي وضوء وغسل، فالوضوء يستدعى بيان امور: (الاول في موجباته وهي خروج البول والغائط والريح من الموضع المعتاد) والنظر في التقييد بالاعتياد ليس إلى الاعتياد الشخصي بل إلى الاعتياد للنوع، فالخارج عن الموضع المعتاد سبب لوجوب الوضوء ولو لم يكن معتادا لشخصه والدليل عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: (لا ينقض الوضوع الا ما خرج من طرفيك أو النوم) (1) وموثقة اديم بن الحر أنه سمع ابا عبد الله عليه السلام يقول: (ليس ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك الا سفلين) (2) وفي رواية سالم بن ابى الفضل هذا بضميمة قوله عليه السلام: (اللذين أنعم الله عليك بهما) (3) وأما مع الاعتياد بالخروج عن غير المعتاد للنوع فلا إشكال في ناقضيته، لعموم قوله تعالى: (أو جاء احد منكم من الغائط) والاخبار، ففي صحيحة زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا يوجب الوضوء الا من الغائط اوبول أو ضرطة تسمع صوتها اوفسوة تجد ريحها) (4) ولا مجال لدعوى تقييد المطلقات بالاخبار المقيدة بالخروج من السبيلين، لانه يلزم ان يكون فاقد السبيلين لا ناقض له غير النوم، لكنه لا يخفى ان هذا تمسك بالاجماع، وقد يمنع ظهور الاخبار المقيدة في التقييد بدعوى ان القيد وارد مورد الغالب، وفيه أنه يتوجه عليه أنه يمنع من ظهور المطللقات في الاطلاق للانصراف إلى الفرد الغالب الا ان يدعى ان الغلبة قد تمنع من ظهور الكلام في احترازية القيد ولا تمنع من الاطلاق،


(1) إلى (3) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 2 ح 1 و 3 و 5. (4) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 2.

[ 28 ]

وفيه تأمل مع ملاحظة ان الاصل في القيود الاحترازية، والحاصل ان الخروج من غير المخرج المعتاد للنوع مع عدم الاعتياد الشخصي لم يقم على ناقضيته دليل يطمئن به، والاحتياط طريق النجاة. (والنوم الغالب على الحاستين) اما ناقضية النوم فيدل عليه الاخبار، ففي رواية زيد الشحام قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الخفقة والخفقتين؟ فقال: (ما ادرى ما الخفقة الخفقتان؟ ان الله تعالى يقول: (بل الانسان على نفسه بصيرة ان عليا كان يقول: من وجد طعم النوم فانما اوجب عليه الوضوء) (1). وصحيحة عبد الرحمن مثلها الا انه قال: (من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء) (2) وأما وجه التقييد بالغلبة على الحاستين فاما لعدم تحقق النوم حقيقة بدونها أو من جهة التقييد في الاخبار، ففي مضمرة زرارة قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء اتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ قال: (يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، وإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء) (3). وفي موثقة ابن بكير عن ابى عبد الله عليه السلام الواردة في تفسير قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) بالقيام من النوم اعتبر غلبة النوم على السمع قال: قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: (نعم، إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت) (4) لكنه يقع الاشكال في الجمع بين مضمرة زرارة حيث جعل المدار على نوم العين والاذن والقلب وفيه: قلت: فان حرك في جنبه شئ ولم يعلم به؟ قال: (لا، حتى يستيقن انه قد نام - الخ -) وفى الموثقة جعل المدار على الغلبة على السمع دون العين والقلب ويمكن ان يقال أما عدم ذكر العين فلانه متى غلب النوم على السمع غلب على العين دون العكس ونوم السمع يلازم نوم القلب، وما في ذيل المضمرة، (فان حرك في جنبه شئ - الخ) لعل نظر السائل من جهة عدم روية الحركة


(1) و (2) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 8 و 9. (3) المصدر ب 1 ح 1. (4) المصدر ب 3 ح 7.

[ 29 ]

بالعين لا عدم سماع الصوت، والدليل على الملازمة انه لا دليل لنا على نوم القلب الا نوم الاذن، فكيف يحال الامر على ما لا طريق إليه لو لم يكن ملازمة بينهما، وفى حكم النوم الاغماء والجنون والمزيل للعقل، والدليل عليه الاجماع نقله الاكابر ولا دليل عليه غيره. (والاستحاضة القليلة) وتفصيل الكلام فيه يأتي - إن شاء الله تعالى - (وفى مس باطن الدبر أو باطن الاحليل قولان، اظهرهما انه لا ينقض) ويدل عليه - مضافا إلى الحصر المذكور في الاخبار - الاخبار الخاصة ففي صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: (ليس في القبلة ولا المباشرة ولا مس الفرج وضوء) (1) وما في بعض الروايات من الانتقاض محمول على التقية أو استحباب الوضوء لشئ من المذكور فيها. (الثاني في آداب الخلوة والواجب ستر العورة) القبل والدبر عن الناظر المحترم في كل حال، ويدل عليه الكتاب والسنة والاجماع، ففي مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام انه سئل عن قول الله عزوجل: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم)؟ فقال: (كل ما كان في كتاب الله من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا الا في هذا الموضع فانه للحفظ من ان ينظر إليه) (2) و يدل عليه ايضا السنة المستفيضة، وما وقع في بعض الاخبار بلفظ الكراهة فهو محمول على الحمرمة لا الكراهة المصطلحة للفقهاء، فان الكراهة في لسان الاخبار كثيرا ما يراد منها الحرمة. (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها ولو كان في الابنية على الاشبه) و استدل عليه بأخبار كثيرة منها رواية الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام: (أن النبي صلى الله عليه وآله قال في حديث المناهي: إذا دخلتم الغائط فتجنبوا القبلة) (3) وبهذا المضمون اخبار اخر كثيرة مع الانجبار بالشهرة، وهو يكفى من جهة


(1) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 9 تحت رقم 2. (2) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 1 ح 2. (3) المصدر ب 2 ح 3.

[ 30 ]

السند، واما بحسب الدلالة فهى ظاهرة واشتمال بعضها على بعض المكروهات لا يوجب صرف الاخبار الآخر عن ظاهرها. (ويجب غسل مخرج البول ويتعين الماء لازالته) للاخبار المعتبرة المستفيضة، منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (لاصلاة الا بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار، وبذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وأما البول فانه لابد من غسله) (1) وما في رواية سماعة (2) من كفاية التمسح بالاحجار، وما في موثقة حنان (3) كذلك محمول على التقية، والثانية غير ظاهرة. (وأقل ما يجزي مثلا ما على الحشفة) والدليل عليه رواية نشيط بن صالح عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته كم يجزى من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال: (مثلا ما على الحشفة من البلل) (4) وبعد اخذ الاصحاب بالرواية فلا مجال للاشكال من جهة السند ومن حيث الدلالة لا يبعد ظهورها في كفاية الغسلة الواحدة، من جهة ان الغسل لا يتحقق إلا بقهر الماء واستيلائه على النجس، فبالاقل من المثلين، لا يتحقق فلا يتحقق بالمثلين الا غسلة واحدة بعد كون المراد مما على الحشفة مقدار القطرة العالقة غالبا على رأس الحشفة، لا يقال: المعتبر في التطهير استهلاك النجس - اعني البول - وهو لا يحصل بالمثلين، لانه يقال: هذا لو وقع الماء عليه، وأما لو صب الماء على الطرف الا على فبجريان الماء ينقطع القطرة العالقة ويستهلك أثره، والانصاف ان الرواية لا تخلو عن ظهور وان أبيت قلنا: لا


(1) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1. (2) وهى ما رواه الشيخ في الاستبصار ج 1 ص 56 تحت رقم 165 باسناده عن سماعة قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: (انى أبول ثم أتمسح بالاحجار فيجيئ منى من البلل ما يفسد سراويلي قال: ليس به بأس) ورواه أيضا في التهذيب. (3) رواه الكليني في الكافي ج 3 ص 20 عن حنان بن سدير قال: سمعت رجلا سأل ابا عبد الله عليه السلام فقال: انى ربما بلت فلا اقدر على الماء ويشتد على ذلك فقال: (إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك). (4) الوسائل أبواب احكام الخلوة ب 26 ح 5.

[ 31 ]

مانع من الاخذ باطلاقات الغسل وان لم تكن ناظرة إلى الكيفية فتحال الكيفية إلى العرف وهم يكتفون بالغسلة الواحدة، واما ما دل على التعدد فالظاهر انصرافها عن المقام، فلا مجال للتمسك باستصحاب النجاسة بعد عدم ظهور الرواية [ و كذا غسل ] مخرج الغائط بالماء ان تعدى) للخبر: (يكفي احدكم ثلاثة احجار إذا لم يتجاوز محل العادة) (1) حيث يستفاد منه عدم الكفاية مع التعدي، فيتعين الغسل بالماء، ولا يخفى انه لا يدل إلا على عدم الكفاية لطهارة المخرج وأطرافه التي تعدى إليها، فلا مانع من الاخذ بما دل على كفاية النقاء بأي نحو كان بالنسبة إلى المخرج ويغسل ما حوله بالماء (وحده الانقاء) كما في الحسن قلت له: للاستنجاء حد؟ قال: (لا، حتى ينقى ماثمة) (2) وهذا يختلف فان كان الاستنجاء بالماء كان النقاء بذهاب العين والاثر، وان كان بغير الماء كان بذهاب العين دون الاثر، و نظير هذا يتحقق في رفع القذارات العرفية، فرفعها بالماء بذهاب العين والاثر، ورفعها بالمسح بتراب ونحوه بذهاب العين دون الاثر، فلا مجال للاشكال بأنه ان كان الاثر غائطا فيكون نجسا غاية الامر العفو عنه مع التمسح بمثل الاحجار ولا يلتزمون بهذا، وان لم يكن غائطا فلا يجب غسله بالماء والدفع بالالتزام بعدم كونه غائطا لكنه مع بقائه إذا غسل المحل بالماء لا يصدق الانتقاء ويصدق مع المسح هذا، ولكنه مع ذلك لا يخلو المقام عن الاشكال، وحيث ان الظاهر ان العرف يعاملون مع الاجزاء الصغار الباقية بعد المسح في غير مقامنا معاملة الاعيان النجسة ولذا استشكل المشهور على الشيخ - قدس سره - حيث نقل عدم تنجس الماء بوقوع ما لا يدركه الطرف من الدم فيه، وهو ليس بأزيد مما يبقى في المحل بعد المسح - كما لا يخفى - (فان لم يتعد المخرج تخير [ في التطهير ] بين االماء والاحجار) ففي صحيحة زرارة: (ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة احجار) (3) ولا اختصاص بالاحجار


(1) في المعتبر - البحث الثاني - في آداب الخلوة ص 33. (2) الوسائل أحكام الخلوة ب 35 ح 6. (3) الوسائل أحكام الخلوة ب 9 ح 1.

[ 32 ]

بل يستفاد كفاية غيرها من الاخبار الاما نهي عنه. (ولا يجزي اقل من ثلاثة احجار ولو نقى بما دونها وجب الا كمال ثلاثا) وجه ذلك ظهور الاخبار في عدم اجزاء ما دون الثلاثة، بل صريح الخبرين العاميين عدم الاجزاء وليس في قبال هذه الاخبار الا إطلاق الحسنة المتقدمة، وموثقة يونس في الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال: (يغسل ذكره ويذهب الغائط) (1) وقد يدعى ظهورهما في خصوص الغسل بالماء بشهادة القرائن، وفيه تأمل بل منع، فيدور الامر بين التقييد وحمل القيد على الغلبة والغلبة في تحقق النقاء بالثلاثة ممنوعة، فلا بد من حفظ القيد، الا أن يقال ظاهر بعض الاخبار أن الاستنجاء بالاحجار والكرسف كان متعارفا بين الناس، و هم لا يرون الا حصول النقاء من دون تعبد ولم يحرز ردعهم عن بنائهم والاحوط عدم الاقتصار بما دون الثلاثة، ويستعمل الخرق بدل الاحجار لعموم الحسن السابق حيث جعل المدار على النقاء ولذكر غير الاحجار من الكرسف والمدر والخرق والخزف وغيرها من الاعواد وغيرها في الصحاح وغيرها بحيث يستفاد منها عدم مدخلية المذكورات في الاخبار. (ولا يستعمل النجس ولا العظم ولا الروث ولا الحجر المستعمل) أما استعمال النجس فلا يجزي فلانه من المرتكزات عدم مطهرية النجس، وادعي عليه الاجماع، واما عدم جواز استعمال العظم والروث فلروايات منجبرة بالشهرة، منها: (من استنجى برجيع أو عظم فهو برئ من محمد صلى الله عليه وآله) (2) ومنها: (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فانه زاد إخوانكم) (3) و لعل المستفاد منها الحرمة التكليفية دون عدم الاجزاء في الطهارة واما الحجر


(1) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 5. (2) لم أجد الرواية من طريق الخاصة انما رواها البغوي في المصابيح ج 1 ص 27 من حديث رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) ما عثرت عليها من طريق الخاصة انما نقلها المحقق في المعتبر ص 34 من طريق العامة جحة على ابى حنيفة وقال: " لنا مارووا ". وأقول: ورواه البغوي في مصابيح السنة ج 1 ص 27 من حديث ابن مسعود وعند الترمذي والنسائي بدون " زاد اخوانكم من الجن ".

[ 33 ]

المستعمل فلا يجزى للمرسل: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة احجار أبكار) (1). (وسننها ستر البدن) تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله وللخبر في المحاسن في وصية لقمان لابنه: (إذا اردت قاء حاجتك فابعد المذهب في الارض) (2) والتقنع عند الدخول، للاخبار منها ما في مجالس الشيخ في وصية النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر: (يا أبا ذر، أستحي من الله فانى والذى نفسي بيده لاظل حين أذهب إلى الغائط متقنعا بثوبي استحياء من الملكين اللذين معى) (3) (وتغطية الرأس عند الدخول) لا دليل عليه بالخصوص حيث ان المستحب هو التقنع وهو اخص من التغطية الا أن يقال بتعدد المطلوب ولا دليل عليه) والتسمية) حال الدخول ففي مرسلة على ابن اسباط عمن رواه عن ابى عبد الله عليه السلام: (أنه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه ويقول سرا في نفسه: (بسم الله وبالله - الحديث -) (4) (وتقديم الرجل اليسرى) عند الدخول لفتوى جماعة مع المسامحة في ادلة الندب. (والاستبراء) للرجل ولا يظهر من الاخبار استحبابه، بل يستفاد منها فائدته - اعني الحكم بطهارة البلل المشتبهة - كما في الحسن في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا؟ قال: (إذا بال ثم خرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما، ثم استنجى فان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي) (5) ولعل ما حكي من فعل النبي صلى الله عليه وآله كان لهذه الفائدة لا لاستحبابه، وسيأتى - ان شاء الله تعالى - كيفيته (والدعاء عند الدخول وعند النظر إلى الماء وعند الاستنجاء وعند الفراغ) ارسل عن النبي صلى الله عليه وآله انه إذا دخل الخلاء يقول: (الحمد الله الحافظ على المؤدى) وإذا خرج مسح بطنه وقال: (الحمد الله الذى اخرج مني اذاه وابقى في قوته،


(1) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 30 ح 4. (2) المصدر ص 376. (3) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 3 ح 3. (4) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 3 ح. (5) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 13 ح 2.

[ 34 ]

فيالها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها) (1) (والجمع بين الاحجار والماء) ففي المرسل: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة احجار ابكار يتبع الماء) (2) (والاقتصار على الماء ان لم يتعد) ويدل عليه الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا معشر الانصار؟ ان الله قد احسن إليكم الثناء فماذا تصنعون؟ قالوا: نستنجي بالماء) (3). (وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج) لما تقدم (ويكره الجلوس في المشارع والشوارع ومواضع اللعن وتحت الاشجار المثمرة) للنهي عنها في جملة من الاخبار، منها صحيحة عاصم بن حميد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام أين يتوضا الغرباء؟ قال: (تتقي شطوط الانهار والطرق النافذة وتحت الاشجار المثمرة ومواضع اللعن) فقيل له: أين مواضع اللعن؟ قال: (أبواب الدور) (4) (وفى فيئ النزال) لما في مرفوعة على بن ابراهيم من قوله عليه السلام: (اجتنب افنية المساجد وشطوط الانهار ومساقط الثمار ومنازل النزال - الحديث) (5). وهذه النواهي وان كانت ظاهرة في الحرمة لكنها تصرف عن ظاهرها بقرينة الشهرة ونقل الاجماع ولا يبعد دعوى عدم ظهورها في الحرمة مع قطع النظر عن الشهرة (واستقبال الشمس والقمر) ففي رواية السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام عن أبيه، عن أبائه عليهم السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول) (6) (والبول في الارض الصلبة) لما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان اشد الناس توقيا عن البول كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع إلى الارض أو إلى مكان من الامكنة يكون فيه التراب الكثير، كراهة ان ينضح عليه البول) (7) هذا ولكن الكراهة يشكل ان يستفاد منها. (وفى مواطن


(1) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 4. (2) تقدم آنفا. (3) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 34 ح 1. (4) و (5) المصدر ب 15 ح 1 و 2. (6) المصدر ب 25 ح 1. (7) المصدر ب 22 ح 2.

[ 35 ]

الهوام) لما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه نهي ان يبال في الحجر (1). (وفي الماء جاريا وراكدا) ويدل على الاول مرسلة مسمع عن ابى عبد الله عليه السلام قال أمير المؤمنين عليه السلام: (انه نهي أن يبول الرجل في الماء الجارى الا من ضرورة وقال: إن للماء اهلا) (2) وعلى الثاني صحيحة ابن مسلم [ الفضيل ]: (لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري وكره ان يبول في الماء الراكد) (3) ومقتضى الجمع اشدية الكراهة في الراكد. (واستقبال الريح به) للخبر المروى عن الخصال عن على عليه السلام: (ولا يستقبل ببوله الريح) (4) (والاكل والشرب) واستدل له بما أرسله في الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام: (أنه دخل الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ورفعها إلى مملوك معه فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت فلما خرج قال للمملوك: أين اللقمة؟ فقال: اكلتها يا ابن رسول الله فقال: انها ما استقرت في جوف احد الا وجبت له الجنة فاذهب فانت حر فانى اكره أن استخدم رجلا من اهل الجنة) (5) وروي هذه القصة عن الحسين بن علي عليهما السلام (6) ولا يخفى عدم الدلالة لهذه المرسلة على الكراهة الا من جهة تأخير هذا الفعل مع ما فيه من الثواب الجزيل، ومن المحتمل أن يكون التأخير من جهة اخرى وهي الركاكة العرفية. (والسواك) للمرسل عن الكاظم عليه السلام: (السواك في الخلاء يورث


(1) لم أجده مسندا من طريق الخاضة وأخرجه أبو داود في السنن ج 1 ص 7، والحاكم في المستدرك ج 1 ص 186 من حديث عبد الله بن سرجس بسند صحيح عندهم. (2) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 3. (3) الوسائل أبواب الماء المطلق ب 5 ح 1 من حديث الفضيل وعنبسة بن مصعب عن أبى عبد الله عليه السلام ولم أجده من حديث ابن مسلم في أي أصل. (4) جزء من حديث الاربعمائة. (5) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 39 ح 1 وفي الفقيه باب ارتياد المكان للحديث تحت رقم 11. (6) رواه الصدوق - رحمه الله - في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام. وفي الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 39 ح 1.

[ 36 ]

البخر) (1) وفى دلالته على الكراهة تأمل ولعله من باب ذكر الخاصة للشئ (والاستنجاء باليمين) ففي مرسلة يونس عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يستنجي الرجل بيمينه) (2) (والاستنجاء باليسار وفيها خاتم عليه اسم الله تعالى) ويدل عليه اخبار مستفيضة منها الخبر المروي في الخصال: (من نقش على خاتمه اسم الله عزوجل فيحوله عن اليد التي يستنجى بها في التوضي) (3) وظاهر مثله وان كان الحرمة الا انه نرفع اليد عن هذا الظاهر بملاحظة بعض الاخبار في هذا الباب (والكلام الا بذكر الله أو للضرورة) للاخبار منها مافى العلل: (من تكلم على الخلاء لم تقض حاجته) (4) وفى آخر: (إلى أربعة ايام) وفى استفادة الكراهة منها تأمل كما قلنا آنفا واما التكلم بذكر الله فلانه حسن على كل حال كما في الصحيح وغيره (5)، ولقائل ان يقول: ا الحسن الحيثي - اعني انه ذكر الله - لا ينافي الكراهة من جهة اخرى وعن قرب الاسناد مسندا عن أبى جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: (كان ابى عليه السلام يقول: إذا عطس احدكم وهو على خلاء فليحمد الله تعالى في نفسه) (6) وأما خروج صورة الضرورة فلقاعدة الحرج والضرر. (الثالث في الكيفية والفروض سبعة: الاول: النية مقارنة لغسل الوجه) أما اعتبار النية في الوضوء كساير العبادات فهو اجماعي، ومع تحقق الاجماع لا حاجة إلى التكلم في الادلة التى استدل بها، وبعبارة اخرى الاجماع قائم على كون الوضوء من الواجبات التعبدية والواجب التعبدى لا يتحقق بدون النية وقصد إتيانه متقربا إلى الله تعالى، واما حقيقته فهي إرادة الشي والعزم عليه، ولما كانت


(1) الفقيه أبواب السواك من كتاب الطهارة تحت رقم 4 (2) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 12 ح 1. (3) جزء من حديث الاربعائة. (3) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 6 ح 2. (4) راجع الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 7 ح تحت رقم 2 و 3 و 5. (6) المصدر ب 7 ح 9.

[ 37 ]

الارادة في حقنا متوقفة على تصور الشئ وتصور غايته فاحتاجت إلى حصول صورة الشئ في الذهن، ويعبر عن الارادة المقارنة للصورة التفصيلية بالارادة التفصيلية وعن الامر الباقي في النفس بتبع الارادة التفصيلية بالداعى، فوقع النزاع في انه هل يعتبر في العبادات مقارنة الارادة التفصيلية لاول العمل ويكتفي بالداعي لاجزاء العمل إلى آخره، ويعبر عنه بالاستدامة الحكمية؟ أو يكتفى بالداعى من أول العمل إلى آخره بحيث لم يقارنه الارادة التفصيلية، فالحاجة إلى الارادة التفصيلية لعدم تحقق الداعي بدونه لامن جهة إعتبارها والحق الثاني لحصول العبادة به ولا دليل على أزيد من ذلك ويمكن أن يقال: ان حصل القطع بعدم اعتبار ما ذكر فهو، وأما مع احتمال الاعتبار فان بنينا على الاعتبار من جهة عدم حصول الغرض بدونه بحيث لا مجال للبراءة الشرعية فلا بد من الاحتياط مطلقا وان بنينا على الاعتبار شرعا ولو بتعدد الامر، ففي خصوص المقام وامثاله يجب الاحتياط بناء على ما هو كالمسلم عندهم من أنه عند الشك في المحصل يجب الاحتياط بتقريب ان الطهارة امر واقعي يحصل بهذه الافعال مع الخصوصية المعتبرة فيها، ولا يبعد دعوى القطع بعدم الاعتبار من جهة عموم البلوي وعدم تعرض المعصومين عليهم السلام لهذه الخصوصية، ثم انه لا بد من تعيين المنوي بخصوصياته التى اخذت في المأمور به، لانه بدونه لا يقع الفعل المأتى به امتثالا لامره فلا يقع المأتى به عبادة وهذا في الجملة ما لا إشكال فيه. وقد يقع الاشكال في بعض الموارد، كما لو أمر باتيان فرد من الطبيعة، ثم أمر باتيان فرد آخر منها، فلابد من أن يمتاز متعلق احد الامرين عن الآخر المتعلق به الامر الآخر وإلا لم يتعدد الامران فهل يجوزان يكتفي باتيان الفردين من دون أن يقصد متعلق الامر الاول أو الثاني لا يبعد صدق الامتثال والاطاعة والعبادة لان الامتياز بين المتعلقين نشأ من قبل الامر وليس هذا التمييز موردا للتكليف كالظهرية والعصرية مثلا فقد أتى المكلف بتمام المكلف به متقربا إلى الله وهذا كتكرر الكفارة بتكرر الموجب لها. (ويجوز تقديمها عند غسل اليدين) هذا على مختاره - قدس سره - من

[ 38 ]

لزوم الارادة التفصيلية اول العمل سواء كان الجزء الاول مستحبا أو واجبا، و قد عرفت عدم لزومها، بل يكفى الداعي، وعلى تقدير اللزوم فهذا مبني على استحباب غسل اليدين بعنوان الجزئية، وهو غير معلوم. (ويجب استدامة حكمها حتى الفراغ) هذا أيضا مبنى على كون النية المقارنة لاول العمل الارادة التفصيلية، فحيث انها لا يتمكن من إبقائها إلى آخر العمل يكتفي في بقائها بالاستدامة الحكمية: بمعنى ان لا ينتقل من تلك إلى ما يخالفها، بل بمعنى ان الحركة الصادرة تتبع تلك فلا يكفى الاتيان مع الذهول والغفلة ولو لم ينو الخلاف، وعلى المختار فحقيقة النية باقية إلى آخر العمل الا إذا عرضت الغفلة. (والثانى غسل الوجه وطوله من قصاص الشعر إلى الذقن، وعرضه ما اشتملت عليه الابهام والوسطى) هذا التحديد هو المعروف بين الاصحاب وفى المدارك هذا التحديد مجمع عليه بين الاصحاب، والمسند فيه ما رواه زرارة في الصحيح عن أبى جعفر عليه السلام (1) انه قال: اخبرني عن حد الوجهن الذى ينبغي ان يتوضا الذى قال الله عزوجل؟ فقال: (الوجه - الذى قال الله تعالى وأمر الله عزوجل بغسله الذى لا ينبغي لاحد ان يزيد عليه ولا ينقص منه إن زاد عليه لم يوجر وان نقص منه أثم - ما دارت عليه الوسطى والابهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان مستديرا فهو من الوجه وما سوي ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا). واستظهر المشهور من هذه الصحيحة ان الوجه الذي أمر المكلف بغسله هو ما أحاط به الا صبعان من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، ولعله المقصود من دوران الا صبعين من قصاص الشعر وضعهما على القصاص وفتحهما بحيث يمتلي الفرجة بينهما، ثم ادارتهما بحيث ينتهى الدورة إلى الذقن، وحمل الشيخ البهائي - قدس سره - الوجه المذكور فيها على شبه الدائرة الحاصلة من الاصبعين من


(1) الفقيه كتاب الطهارة الباب العاشر باب حد الوضوء وترتيبه وثوابه تحت رقم 1.

[ 39 ]

الكف إذا أثبت الوسط وادير على نفسها. وأورد عليه بمخالفة هذا المعنى مع النص والاجماع، والنص المخالف موثقة سماعة [ إسماعيل بن مهران ] قال: كتبت إلى الرضا عليه السلام أسأله عن حد الوجه؟ فكتب: (من أول الوجه إلى آخر الوجه وكذلك الجبينين) (1) وظاهر قوله: (كذلك الجبينين) وكذلك من أول الجبينين إلى آخر الوجه، مضاف إلى أن الظاهر من الوجه ما هو المفهوم منه عرفا وعلى ما ذكره يخرج بعض الوجه عند الحد كما لا يخفى. ويمكن أن يستشكل بأن الاجماع مع احتمال أن يكون المستند الصحيحة المتقدمة كيف يعتمد عليه؟ وأما النص - اعني الموثقة - فظهورها فيما ذكر غير مسلم من جهة ان ظاهر الجواب بيان المحدود - اعني ما بين الحدين - فلا يبعد أن يكون المعنى - والله العالم وأولياؤه العالمون - ما بين أول الشعر وآخر الوجه وجه، وكذلك الجبينان وجه، وهذا لا ينافي خروج بعض منهما عن الوجه، إن كان وجه الاستظهار المذكور جرا الجبينين فهو إشكال آخر من جهة أن مقتضى القاعدة الرفع على كل تقدير، لوقوعه مبتدا بحسب الظاهر، هذا مع أنه على ما ذكر من التفسير للصحيحة لا نفهم وجه قوله عليه السلام: (وما جرت عليه الا صبعان مستديرا) إلا استدارة الوجه في الجملة خارجا وإرادة هذا مستبعد لانه ليس امرا مخفيا، ثم لو كان الصحيحة مجملة والموثقة ظاهرة لابد من الاخذ بالموثقة وكيف كان فلا بد من الذهاب إلى ما هو المشهور أو المجمع عليه خصوصا مع موافقته للاحتياط. (ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية ولا يجب تخليلها) أما عدم وجوب غسل ما استرسل فلخروجه عند حل الوجه بمقتضى الصحيحة المتقدمة، وأما عدم وجوب تخليل ما على الوجه من اللحية فلما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: أرأيت ما كان تحت الشعر؟ قال: (كل ما أحاط به


(1) لم أجده من حديث سماعة انما رواه الكليني في الكافي ج 3 ص 28 من حديث اسماعيل بن مهران عن الرضا عليه السلام ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 55 تحت رقم 155 عن اسماعيل أيضا. وفي الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 17 ح 2 عنه أيضا.

[ 40 ]

الشعر فليس للعباد ان يغسلوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء) (1) ولا يخفى ان الملاك وهو الاحاطة فمع عدم الاحاطة يجب غسل البشرة لانها الوجه. (والثالث غسل اليدين مع المرفقين) والدليل عليه الاخبار، فمنها رواية هيثم بن عروة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق) فقلت: هكذا ومسحت من ظهر كفي إلى المرفق؟ فقال: (ليس هكذا تنزيلها انما هي فاغسلو وجوهكم وايديكم من المرافق) ثم امر يده من مرفقه إلى اصابعه) (2) وفي الصحيح الحاكي (3) لوضوء رسول الله صلى الله عليه وآله: (فوضع الماء على مرفقه فأمر كفه على ساعده) وفي الخلاف قد ثبت عن الائمة عليهم السلام أن (إلى) في الآية بمعنى (مع) ثم لا يخفى أنه ليس المراد من المرفق الفصل الشمترك بين الذراع والعضد لانه ليس قابلا لان يكون متعلق التكليف بالغسل بل الجزءان من الذراع والعضد، فيصح ان يتعلق به التكليف. (مبتدءا بهما ولو نكس فقولان، اشبههما انه لا يجزي) واستدل على عدم الاجزاء بالاخبار المتعرضة للوضوءات البيانية، منها الصحيح في بيان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (أنه غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثم غمس كفه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى) (4) مع قوله في الخبر المنجبر ضعفه بالشهرة: (هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به) (5) ومع ذلك فلا مجال لاحتمال أن يكون مثل هذه الخصوصيات جريا على العادة خصوصا مع تعرضه لهذه


(1) جزء من حديث زرارة الذى تقدم آنفا عن الفقيه. وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 46 ح 2. (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 19 ح 1. (3) الوسائل أبواب الوضوء ب 15 ح 2. (4) الكافي ج 3 ص 26 تحت رقم 5، وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 15 ح 3. (5) الفقيه كتاب الطهارة الباب الثامن باب صفة الوضوء رسول الله صلى الله عليه و آله تحت رقم 3. وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 31 ح 11.

[ 41 ]

الجهة بقوله: (لا يردها إلى المرفق) فكل امر لم يقطع بكونه جريا على العادة يوخذ به بمقتضى الذيل ومن هذه الجهة نقول بلزوم البدئة من الاعلى إلى الاسفل في غسل الوجه ويدل عليه بالخصوص رواية قرب الاسناد عن ابى جرير الرقاشى قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال عليه السلام (لا تعمق في الوضوء ولا تلطم وجهك بالماء لطما ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا وكذلك فامسح على ذراعيك ورأسك وقدميك) (1) ونوقش في دلالتها من جهة كون الامر بالغسل من الاعلى إلى الاسقل مسحا في مقابل اللطم فالامر للاستحباب، وأورد على المناقشة بأن قيام الدليل من الخارج على الاستحباب لا يوجب رفع اليد عن الظهور في الوجوب بالنسبة إلى غير ما دل الدليل على استحبابه، والانصاف انه لو كان الدليل منحصرا بهذه الرواية اشكل الحكم بالوجوب من جهة وحدة السياق. (وأقل الغسل ما يحصل به مسماه ولو كان دهنا) مقتضى الادلة الواردة في الكتاب والسنة اعتبار الغسل، ومفهومه العرفي إمرار الماء من محل إلى محل في مقابل المسح، فيجمع بينها وبين ما دل على كفاية مثل الدهن بكفاية مسمى الغسل، وعليه ينزل اخبار الكفاية كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: (ان الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه وان المؤمن لا ينجسه شئ و انما يكفيه مثل الدهن) (2) والاخبار الاخر القريبة بحسب المضمون من هذه الصحيحة والشاهد على ذلك مقابلة الغسل مع المسح في الادلة، فيحمل هذه الاخبار على عدم الغسل المعتبر في التطهير من الخبث بحيث ينفصل الغسالة. (والرابع مسح مقدم الرأس ببقية البلل بما يسمى مسحا) أما وجوب المسح فبالكتاب والسنة والاجماع واما الاكتفاء ببعض الرأس فلما دل عليه ظاهر الكتاب باعلام الامام عليه السلام بدلالة في صحيحة زرارة (3) قال: قلت لابي جعفر


(1) الوسائل أبواب الوضوء ب 15 ح 22 وب 30 ح 3. (2) الكافي ج 3 ص 21 تحت رقم 2. وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 31 ح 12 (3) الكافي ج 3 ص 30 تحت رقم 4.

[ 42 ]

عليه السلام: الا تخبرني من اين علمت؟ وقلت: ان المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك وقال: (يا زرارة قاله رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل به الكتاب من الله عزوجل لان الله عزوجل قال: (فاغسلوا وجوهكم) فعرفنا أن الوجه كله ينبغي ان يغسل، ثم قال: (وايديكم إلى المرافق) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: (وامسحوا برؤسكم) فعرفنا حين قال: برؤسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: (وارجلكم إلى الكعبين) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضها، ثم فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه عليه وآله وسلم للناس فضيعوه - الحديث -). ولا يخفى أن دلالة الآية الشريفة على كفاية المسح ببعض الرأس والرجل بعد اعلام الامام عليه السلام ليست متوقفة على مجيئ الباء للتبعيض وكونه من معانيها الحقيقية حتى يقال: انكر بعض النحويين مجيئ الباء للتبعيض، بل لعلها من جهة تغيير العبارة فان المسح يتعدى بنفسه بلا حاجة إلى حرف الجر، فذكر الباء لنكتة وهي افادة التبعيض اما لتضمين معنى في الفعل كالمرور واللصوق ويمكن ان يكون الباء للتبعيض مجازا ويدل على المطلوب ايضا صحيحة اخرى لزرارة وبكير عن ابى جعفر عليه السلام فيما حكاه عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: (أن الله تعالى يقول: (يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق - إلى أن قال: - ثم قال: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى اطراف الاصابع فقد أجزأه - الخ -) (1) وأما اختصاص المسح بمقدم الرأس المعبر عنه بالربع المحاذي للجبهة فللاخبار المستفيضة المقيدة للاطلاقات، ومنها رواية محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (مسح الرأس على مقدمه) (2) ورواية اخرى عنه ايضا قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (امسح الرأس على مقدمه) (3) وهل المراد من مقدم الرأس


(1) الكافي ج 3 ص 25 تحت رقم 5 وقد تقدم. (2) و (3) الوسائل أبواب الوضوء ب 22 ح 1 و 2 عن التهذيب.

[ 43 ]

مجموع الربع أو خصوص الناصية؟ المشهور الاول من جهة انه المتفاهم عرفا ويساعد عليه كلمات اللغويين، فان كان المراد من المقدم هو الامام في مقابل الخلف واليمين واليسار فلا إشكال، وان كان المراد منه ما تقدم الرأس ففيه إشكال، حيث ان الربع المحاذي للجبهة شئ منه مقدم وشي منه مؤخر، فكيف يجتزي بمسح المؤخر الا ان يقال مع الاجمال في المقيد يؤخذ بالاطلاقات ويحمل ما دل على خلافه على الاستحباب وهو رواية زرارة قال عليه السلام: (ان الله وتر ويحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين وتمسح ببلة يمناك ناصيتك - الحديث -) (1) وما في ذيل الرواية الاخرى (2)، ويمكن ان يقال ان تم دلالة الروايتين يقيد بهما الاطلاقات، ومع تسليم تكافؤ الظهورين فالمرجع هو الأصل فان بنينا على الاحتياط في امثال المقام مما كان الشك في المحصل، حيث ان الطهارة المأمور بها لم تحرز مع الشك كما هو المشهور فلابد من الاحتياط في المقام، وان بنينا على عدم وجوب الاحتياط لان مقتضى حديث الرفع رفع ما شك في جزئيته أو شرطيته مطلقا ولو كان ما احتمل الاعتبار فيه محصلا لامر آخر، فمع جريان حديث الرفع يرتفع الشك، فلا مجال لاستصحاب عدم الطهارة لكون الشك في حصول الطهارة مسببا عن ذلك الشك المرفوع بحديث الرفع، والظاهر الثاني، وأما لزوم كونه ببقية البلل فلا جماع الشيعة واخبارهم المتواترة وما في بعض الروايات من استيناف ماء جديد مأول أو محمول على التقية. (وقيل اقله ثلاث أصابع مضمومة) لظاهر الصحيح: (المرأة يجزيها من مسح الرأس أن يمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقي عنها خمارها) (3) وفي آخر (يجزي عن المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع وكذلك الرجل) ويحملان


(1) الوسائل أبواب الوضوء ب 31 ح 3 عن التهذيب أيضا. (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 23 ح 5. (3) الكافي ج 3 ص 30 تحت رقم 5. وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 24 ح 3 (4) الوسائل أبواب الوضوء ب 24 ح 5.

[ 44 ]

على الاستحباب لقوة الاطلاقات، خصوصا صحيحة علي بن يقطين الآتية في مسح الرجلين (ولو استقبل فالاشبه الكراهية) وفاقا للمشهور، للصحيح: (لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا) (1) وبهذا يرفع اليد عن ظهور الوضوءات البيانية، ولا يخفى انه لا دليل على الكراهة (ويجوز على الشعر أو البشرة ولا يجزى على حائل كالعمامة) اما كفاية المسح على الشعر فللغلبة، وظهور الاخبار الآمرة بالمسح على الناصية، وأما عدم جواز السمح على الحائل فهو واضح، لعدم تحقق المسح على الراس، مضافا إلى الاخبار المستفيضة (2) الدالة على لزوم رفع العمامة وادخال الاصبع تحتها ووضع الخمار والمسح على الرأس. (والخامس مسح الرجلين) ويدل على وجوبه مضافا إلى الاخبار المتواترة ظاهر الكتاب، حيث عطف الارجل على ما قبله المتصل به، ولاوجه لعطفها على السابق كما لا يخفى (من رؤوس الاصابع إلى الكعبين، وهما قبتا القدم) ويدل عليه ظاهر الكتاب وغير واحد من اخبار الوضوءات البينانية ونوقش في دلالتها بأن ظاهر الآية هو الاخبار عن كون مدخول (إلى) غاية للممسوح وهو غير لازم لجواز النكس كما سيجى، فالمراد اما الاستحباب أو أن الغاية غاية للممسوح فلا يتم الدلالة، ويرد عليه أن ظاهرها لزوم مسح المجموع ولزوم كون المسح، مبتدأ من رؤوس الاصابع منتهيا إلى الكعبين، والدليل دلى على خلاف الثاني، ولا يرفع به اليد عن الاول ويمكن أن يقال: إن ظاهر الآية كون (إلى) غاية للمسح بحيث يبتدء من رؤوس الاصابع وينتهي إلى الكعبين، ولازم هذا لزوم استيعاب المسافة، فإذا دل الدليل على عدم لزوم ذلك كيف يلتزم بلزوم لازمه؟ وبعبارة اخرى إذا كانت الدلالتان في عرض واحد تم ما افيد، وان كانت الحدى الدلالتين في طول الاخرى فمع رفع اليد عن المدلول المطابقى كيف يؤخذ بالمدلول الالتزامى؟ وبهذا يشتشكل ما يقال في تعارض الخبرين من نفي الثالث بعد


(1) الوسائل أبواب الوضوء ب 20 ح 1 و 2. (2) راجع الوسائل أبواب الوضوء ب 24 ح 1 و 2 و 3.

[ 45 ]

التعارض في المدلول المطابقى من جهة عدم المعارضة في المدلول الالتزامى فتأمل جيدا واما الكعبان فالمعروف انهما قبتان القدمين لا المفصل بين الساق والقدم فههنا احتمالات ثلاث: احدها أن يكونا العظمين النابتين عن طرفي الساق، وهو مذهب العامة، والآخر أن يكونا قبتى القدم ما بين المفصل والمشط، وهو المعروف بين الخاصة والثالث أن يكونا المفصلين بين الساق والقدم، وهو الذى اختاره العلامة - قدس سره - وحمل كلمات الاصحاب عليه، اما الاحتمال الاول فهو خلاف ما اتفق عليه الخاصة، واما الاحتمال الثاني فهو المعروف بين الفقهاء، وتأويل كلماتهم إلى مختار العلامة (قده) غير ممكن، واختفاه هذا الامر مع عموم البلوى وقرب عصر القدماء من عصر المعصومين عليهم السلام وشدة الحاجة يمكن دعوى القطع بعدمه، فالاقوى ما هو المشهور، ويؤيده الاخبار الدالة على جواز المسح على النعل من دون استبطان الشراكين، وربما يستدل بأخبار اخر كصحيحة البزنطي وغيرها (1)، والاستدلال بها لا يخلو عن المناقشة. (ويجوز منكوسا) بأن يمسح من الكعب إلى رؤوس الاصابع، ويدل عليه مضافا إلى الاطلاقات قول الصادق عليه السلام في صحيحة حماد: (لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا) (2). (ولا يجوز على حائل من خف وغيره إلا للضرورة) وجهه واضح حيث ان الادلة تدل على لزوم المسح بالا رجل، ولا خلاف فيه في الجملة، انما الاشكال والخلاف فيما يستره شراك النعل وما يشبههه، يظهر من المحكي عن الذكرى والتذكرة جواز المسح على النعل العربي، واستدل لهذا القول بما ورود في الاخبار المستفيضة من ان عليا عليه السلام وكذا الباقر عليه السلام مسحا على الكعبين ولم يستبطنا الشراكين) (3) وفى صحيحة الاخوين عن أبى جعفر عليه السلام انه قال في المسح:


(1) في الكافي ج 3 ص 30 تحت رقم 6 وراجع الوسائل أبواب الوضوء ب 24. (2) قد تقدم آنفا. (3) راجع الوسائل أبواب الوضوء ب 38 ح 11 وب 23 ح 4 و 8. ورواه الصدوق - رحمه الله - في الفقيه كتاب الطهارة ب 9 ح 3.

[ 46 ]

(تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى اطراف الاصابع فقد أجزأك) (1) ولا يخفى أن الاستدلال مبني على جعل الكعبين بمعنى المفصلين بين الساق، أو بالمعنى الآخر غير المعروف الا عند اهل التشريح واما على المختار من كون الكعب هو قبة القدم فعدم الاستبطان والاجزاء من جهة عدم الحاجة لامن جهة قيام النعل مقام البشرة، فان قوله عليه السلام: (وإذا مسحت بشئ - الخ -) بمنزلة التعليل لعدم وجوب مسح ما يقع تحت الشراك وأما خروج صورة الاضطرار فللاخبار الواردة في احكام الجبائر - وسيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى - ولما ورد في حال التقية، ففي رواية ابى الورد: فهل فيها رخصة؟ فقال: (لا، الا من عدو يتقيه أو ثلج تخاف على رجليك) (2) والضمير راجع إلى الخفين، وظاهر هذه الرواية كخبر علي بن يقطين الاجزاء عن الواقع، ولا يعارض بما في الصحيح عن زراة قال: قلت: هل في المسح على الخفين تقية؟ قال عليه السلام: (ثلاثة لا اتفي فيهن احدا: شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج) قال زرارة: ولم يقل: (الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن احدا) (3) لاختصاص الحكم بالامام. (والسادس الترتيب وهو ان يبده بالوجه باليمني ثم باليسرى ثم بالرأس ثم بالرجلين) بلا خلاف، وفى الصحيح: (تابع بين الوضوء كما قال الله - عزوجل - ابدء بالوجه ثم باليدين ثم بمسح الرأس والرجلين ولا تقدمن شيئا بين يدى شئ تخالف ما امرت به، فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدء بالوجه واعد على الذراع، وان مسحت على الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم اعد على الرجل ابدء بما بدء الله عزوجل به) (4) (والمشهور انه


(1) الوسائل أبواب الوضوء ب 23 ح 4. والمراد بالاخوين الحسن والحسين ابنا سعيد الاهواز بين. (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 38 ح 5. (3) رواه الكليني في الكافي ج 3 ص 32 وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 38 ح 1. (4) الوسائل أبواب الوضوء 34 ح 1 عن المشايخ الثلاثة.

[ 47 ]

لا ترتيب فيهما) والدليل عليه اطلاق الكتاب والسنة وعدم التعرض في الوضوءات البيانيه وفى قبالها ما رواه الكليني (1) في الحسن كالصحيح، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: وذكر المسح فقال: (امسح على مقدم رأسك وامسح على القدمين وابدء بالشق الايمن) ورواية اخرى، فيدور الامر بين التقييد أو الحمل على الاستحباب والعل الثاني اولى، ومع عدم الترجيح فالمرجع الاصل وقدم عرفت انه لا يبعد القول بالبراءة وان كان الشك في المحصل، مضافا إلى أنه لم يظهر ان الطهور الواجب في الصلاة امر وراء هذه الافعال حتى يقال بوجوب الاحتياط من جهة الشك في المحصل، هذا، مضافا إلى ما في التوقيع الشريف المروى عن الطبرسي في الاحتجاج، حيث سئل عن المسح على الرجلين يبدء باليمين أو يمسح عليهما جميعا معا؟ من قوله عليه السلام: (يمسح عليهما جميعا معا فان بدء باحداهما قبل الاخرى فلا يبدء الا باليمنى) (2). (والسابع الموالات وهوان يكمل طهارته قبل الجفاف) ويدل عليه - مضافا إلى الاجماع - صحيحة معاوية بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ربما توضأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت علي بالماء فيجف وضوئي؟ فقال عليه السلام: اعده) (3) وموثقة ابى بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوءك فاعد وضوءك فان الوضوء لا يتبعض) (4) وفى رواية حكم بن حكيم (5) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي من الوضوء الذراع والرأس؟ قال: (يعيد الوضوء إن الوضوء يتبع بعضه بعضا) وقد يقال: مقتضى الغاية المذكورة في الموثقة أن عروض الحاجة والفصل بين اجزاء الوضوء بدون حصول الجفاف لا يصر فيقيد به اطلاق العلة، بل يكون حاكما حيث انه يعين التبعيض ويفسره، وكذلك يعين


(1) في الكافي ج 3 ص 29 باب مسح الرأس والقدمين تحت رقم 2. (2) وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 34 ح 5. (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب الوضوء ب 33 ح 3 و 2 و 1. وفي الكافي ج 3 ص 35 تحت رقم 7 و 8 و 9.

[ 48 ]

المراد من العلة المذكورة في رواية حكم بن حكيم، وفيه نظر للزوم المناسبة بين العلة والمعلول، والمناسبة الموجودة بين العلة وعدم الفصل، فلعل ذكر الجفاف لتعريف مرتبة الفصل، فلو فصل بين الاجزاء في الشتاء بمقدار لو فصل بهذا المقدار في غير الشتاء لحصل الجفاف فلا يبعد البطلان من جهة العلة، وعلى تقدير تكافؤ الظهورين والاجمال في الموثقة فلا وجه لرفع اليد عن اطلاق رواية حكم بن حكيم غاية الامر تقييده ببعض الاخبار الدالة (1) على أن ناسي المسح يأخذ من بلة لحيته واشفار عينه وحاجبه من جهة الحكم، ولامانع من كون الرواية مقيدة من جهة العلة وان قيل بالاخذ باطلاقات الاخبار، بل لم يقل احد بالبطلان في صورة النسيان قبل الجفاف. (والفرض في الغسلات مرة والثانية سنة) ويدل عليه الاخبار، منها ما في ذيل خبر على بن يقطين مما كتب أبو الحسن عليه السلام: (اغسل وجهك مرة فريضة واخرى اسباغا واغسل يديك من المرفقين كذلك - الخ) (2) واما الاخبار المستفيضة الحاكية لوضوء رسول الله صلى الله عليه وآله الظاهرة في كون وضوئه مرة مرة بل بكف كف لكل من الاعضاء المغسولة، فلا يعارض تلك الاخبار لعدم دلالتها على عدم الاستحباب. (والثالثة بدعة) ففي المرسل: انها بدعة (3)، وفى الخبر: (من توضأ ثلاثا فلا صلاة له) (4) (ولا تكرار في المسح) لعدم الدليل عليه، ويمكن الاستظهار من خبر علي بن يقطين حيث خصص التكرار بالغسل دون المسح مع كونه بصدد البيان (ويحرك ما يمنع وصول الماء إلى البشرة - كالخاتم - وجوبا) للزوم القطع بحصول الامتثال والنصوص محمولة على الارشاد (ولو لم يمنع حركه


(1) راجع الكافي ج 3 ص 34. (2) رواه المفيد في الارشاد في ذكر دلائل أبى الحسن موسى عليه السلام وفي الوسائل أبواب الوضوء ب 32 ح 3. (3) الوسائل أبواب الوضوء ب 31 ح 4 وهو من مراسيل ابن أبى عمير. (4) رجال الكشى ص 200 وفي خبر داود الرقى قال عليه السلام: توضأ مثنى مثنى ولا تزد عليه وانك ان زدت عليه فلا صلاة لك) الوسائل أبواب الوضوء ب 23.

[ 49 ]

استحبابا) لا دليل على الاستحباب (والجبائر تنزع إن امكن وإلا مسح عليها ولو في موضع الغسل) اما لزوم النزع مع عدم ضرر أو حرج فللادلة الدالة على لزوم غسل البشرة والعضو أو المسح عليه، واما كفاية المسح على الجبائر للضرر والحرج فلا خلاف فيها، ويدل عليها حسنة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة فيتوضأ ويمسح عليها إذا توضأ؟ فقال عليه السلام: (إذا كان يوذية الماء فليمسح على الخرقة، وإن كان لا يؤذية الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها) (1) قال: وسألته عن الجرح كيف اصنع به في غسله؟ قال: (اغسل ما حوله) (2) وفى رواية الكليب الاسدي عن أبى عبد الله عليه السلام عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال (ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل) (3) وغيرهما، ولا يعارضها ما يستظهر من بعض الاخبار من الاقتصار بغسل ما حول الجرح، لان الظاهر أن النظر إلى الغسل الواجب بالنسبة إلى غير الجرح فلا ينافى وجوب المسح في نفس الجرح، كما انه في رواية الكليب المذكورة، كان النظر إلى المحل الذى لا يجب فيه الغسل، فلا تنافى لزوم غسل ما هو غير مكسور، نعم في قبال الاخبار المذكورة اخبار اخر دالة على انتقال التكليف إلى التيمم كصحيحة البزنطي عن أبى الحسن الرضا عليه السلام في رجل يصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح، أو يكون يخاف على نفسه البرد؟ فقال: (لا يغتسل ويتيمم) (4) ومرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام: (المبطون والكسير يؤممان ولا يغتسلان) (5) وغيرها، وقد ذكروا وجوها للجمع بينها، كلها محل الخدشة وقد يقال بالجمع ما بين الطائفتين بحمل الاخبار السابقة على ما لم يتضرر بغسل الاعضاء الصحيحة وحمل اخبار التيمم على صورة


(1) و (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 39 ح 2 في خبر واحد. (3) المصدر ح 8. (4) الوسائل أبواب التيمم ب 5 ح 7. (5) الفقيه ص 24 وفي الوسائل أبواب التيمم ب 5 ح 12.

[ 50 ]

التضرر، ولا يخفى انه وان امكن في بعض اخبار التيمم - كما ورد في شخص اصابته جنابة وهو مجدور (1) - الا انه غير ممكن بالنسبة إلى سائر الاخبار، وبعبارة اخرى لا شاهد لهذا الجمع والا فكل دليلين عامين أو مطلقين يمكن رفع تنافيهما بحمل كل دليل على بعض الافراد، ولم يعلم اعراض الاصحاب عن اخبار التيمم الا أن يقال عدم عملهم في غير المجدور وغيره بها ولو بنحو التخيير يكشف عن إعراضهم، فالمتعين العمل بالاخبار السابقة. (ولا يجوز أن يولي وضوءه غيره اختيارا) قد يتمسك في المقام بظهور الخطاب في وجوب الفعل بنفسه لا بالتسبيب، كما أنه يتبادر من مثل ضرب زيد عمرا كون زيد بنفسه فاعلا ككون عمرو مفعولا به، ويشكل بأن لازم ذلك عدم جواز النيابة والوكالة في كل مورد توصلي أو تعبدي لم يدل دليل بالخصوص على صحة النيابة فيه مع احتمال لزوم المباشرة، وفي التوصليات لا يلتزمون به وفي العبادات كثيرا تصح النيابة، فمع احتمال المحل للنيابة تكون الدلالة المذكورة موهونة، والعمدة الاجماع ان تم، وربما يستدل بقوله تعالى: (ولا يشرك بعبادة ربه احدا) مع ملاحظة ما ورد في تفسيره من الاخبار، ولا يستفاد منها ازيد من الكراهة (ومن دام به السلس يصلي كذلك) مقتضى القواعد لزوم الاحتياط عليه بأن يتوضأ قبل كل صلاة ومع عروض الحدث في الاثناء يجدد الطهارة ويبني كما حكي عن ابن ادريس - قدس سره - لانه بعد كونه مكلفا بالصلاة بالضرورة من الدين واشتراط كل صلاة بالطهارة بمقتضى الاطلاق وناقضية البول بمقتضى الاطلاق لابد في الخروج من الاقتصار على المتيقن لقيام الحجة في غيره، والظاهر ان هذا الكلام جار في كل مقام ولو كانت العمومات أو المطلقات طولية، بمعنى تحقق موضوع الدليل المتأخر بواسطة الدليل المتقدم، لانه لا يرفع عن الحجة الا بالحجة ولذا يتمسك بالعام في الشبهات المفهومية في المخصص وتردده بين الاقل والاكثر، وقدا شرنا سابقا إلى هذا، واما بملاحظة الروايات فمقتضى


(1) الوسائل أبواب التيمم ب 5 ح 4.

[ 51 ]

موثقة سماعة قال: سألته عن رجل اخذه تقطير من فرجه (1) إما دم أو غيره؟ قال: (فيضع خريطة وليتوضأ وليصل فانما ذلك بلاء ابتلى به فلا يعيدن الا من الحدث الذى يتوضا منه) (2) الاكتفاء بوضوء واحد وعدم الاعادة، والتفريع المذكور - اعني قوله: (فلا يعيدن) - نظير قول أبى عبد الله عليه السلام على ما في حسنة منصور بن حازم: (إذا لم يقدر على حبسه فالله أولى بالعذر) (3) وبما ذكر يمكن حمل صحيحة حريز الدالة بظاهرها على لزوم الجمع بين الظهرين والعشائين على الاستحباب وما ذكر هو المحكي عن الشيخ - قدس سره - في المبسوط من أنه لا يعيد الوضوء إلا للبول اختيارا، وما افيد بعد الاعتراف بظهور الاخبار فيما حكي عن الشيخ من ان عدم اعتمال المشهور موهن قوي، والاشكال على ظهورها في رفع اليد عن عموم ناقضية البول مشكل، محل نظر، لان عدم اعتماد المشهور لعله من جهة المناقشات في دلالتها، والاخذ بظواهرها لا يوجب رفع اليد عن عموم ناقضية البول، بل يمكن أن يستفاد منها أن هذا الشخص بحكم المتطهر مادام مبتلي بهذا البلاء، وتظهر الثمرة فيا لو ارتفع داؤه، فعلى الاول لا يجب عليه الوضوء دون الثاني ثم لا يخفى انه لو رفع اليد عن ظهور الاخبار للزم الاخذ بقول الحلي - قدس سره - ولا وجه للاخذ بقول المشهور - كما قيل - ثم إن لازم ما ذكر من كونه بحكم المتطهر لزوم وضع الخريطة لاحتمال دخله في الحكم، وان كان من المحتمل ان يكون الغرض التحفظ عن تنجس سائر المواضع من الثوب والبدن بحيث لو كان مأمونا من هذه الجهة لم يلزم، وذلك نظير احتمال دخل تغيير القطنة وغيره في صحة عبادة المستحاضة، فكما يحتاط هناك في المقام (وقيل يتوضأ لكل صلاة وهو حسن) وقد عرفت ما يمكن أن يقال في المقام. (وكذا الكلام في المبطون ولو فجاه الحدث في أثناء الصلاة توضأ وبنى). مقتضى القواعد ما ذكر


(1) في بعض نسخ الحديث [ تقطير في قرحه ]. (2) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 10. (3) أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 1.

[ 52 ]

وهو المشهور فيه على ما حكي انه إذا تجدد حدثه في أثناء الصلاة يتطهر ويبني على صلاته، ويدل عليه موثقة ابن مسلم عن الباقر عليه السلام قال: (صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته ويتم ما بقي) (1) وبهذا المضمون الصحيحة خلافا للعلامة - قده - في اكثر كتبه ويمكن تقوية مختاره - اعني كونه كالمسلوس في أنه لا يجدد وضوءه في أثناء الصلاة - بما استفيد من بعض الاخبار السابقة: من علية عدم القدرة على الحبس للمعذورية، وعلى هذا فلا يبعد حمل الاخبار على الاستحباب وعلى فرض الاخذ بقول المشهور في المقام، أو الاخذ بقول الحلي في المسألة السابقة لا يتوجه ما ربما يقال من لزوم الفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة وذلك لان الظاهر ان المدار فيه وقوع فعل ماح لصورة الصلاة بحسب ارتكاز اذهان المتشرعة، ومع ذهاب المشهور في المقام كيف يدعى ذلك؟ ثم لا يخفى ان محل الكلام ما لو لم يكن بنحو الاتصال، بل بحيث يمكن صون أجزاء الصلاة عن الحدث بدون لزوم الحرج وان كانت الاكوان الصلاتية غير مصونة. (والسنن عشرة: الاول وضع الاناء على اليمين) واستدل عليه بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه كان يحب التيامن في طهوره وشغله وشأنه كله) (2) والثانى الاغتراف بها واستدل عليه بما عن عمر بن اذينة عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث طويل: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما اسري بي إلى السماء اوحى الله إلى يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك، فدنى رسول الله صلى الله عليه وآله من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الا يمن فتلقى رسول الله صلى الله عليه وآله الماء بيده اليمنى فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمنين) (3). (والثالث التسمية) للاخبار المستفيضة منها صحيحه عيص بن القاسم عن ابى عبد الله عليه السلام: (من ذكر اسم الله على وضوئه فكأنما اغتسل) (4).


(1) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 3. (2) رواه العامة من حديث عائشة كما في الجامع الصغير. (3) الوسائل أبواب الوضوء ب 15 ح 5. (4) المصدر ب 26 ح 3.

[ 53 ]

(والرابع غسل اليدين مرة للنوم ومرتين للغائط قبل الاغتراف) ويدل عليه ما أرسله الصدوق - قده - عن الصادق عليه السلام: (اغتسل يدك من البول مرة ومن الغائط مرتين ومن الجنابة ثلاثا) (1)، قال: وقال عليه السلام: (اغسل يدك من النوم مرة) (2). (والخامس والسادس المضمضة والاستنشاق) ويدل على استحبابهما روايات معتبرة منها موثقة ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عنهما؟ فقال: (هما من الوضوء فان نسيتهما فلا تعد) (3) وعن علي بن جعفر عن اخيه موسى عليهما السلام أنه سأله عن المضمضة والاستنشاق؟ قال: (ليس بواجب وان تركهما لم يعد لهما الصلاة) (4). (والسابع أن يبدء الرجل بظاهر ذراعيه والمرأة بباطنهما) ويدل عليه رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام قال: (فرض الله على النساء في الوضوء للصلاة ان يبدأن بباطن اذرعهن، وللرجال بظاهر الذراع) (5) ولعل المراد من الفرض التقدير والتشريع، بقرينة غيرها من الادلة. (والثامن الدعاء عند غسل كل من الاعضاء) لما رواه الصدوق مرسلا (6) والكليني (7) عن عبد الرحمن بن كثير والشيخ عن عبد الله بن كثير الهاشمي مولى محمد بن علي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (بينا أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم جالس مع محمد بن الحنفية إذ قال له: يا محمد ايتني باناء من ماء اتوضأ للصلاة فأتاه محمد بالماء فأكفاه بيده اليمنى على يده اليسرى ثم قال: (بسم الله وبالله والحمد الله الذى جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا، قال: ثم استنجى فقال: (الهم حصن فرجي واعفه واستر عورتي وحرمها على النار) قال: ثم تمضمض فقال: (الهم لقني حجتى


(1) و (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 27 ح 4. (3) و (4) المصدر ب 29 ح 4 و 14. (5) الوسائل أبواب الوضوء ب 40 ح 1. (6) راجع كتاب الطهارة من الفقيه (ب 9) باب صفة وضوء أمير المؤمنين عليه السلام. (7) المصدر ج 3 ص 7 تحت رقم 6.

[ 54 ]

يوم ألقاك واطلق لساني بذكرك) ثم استنشق فقال: (اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها) قال: ثم غسل وجهه فقال: (اللهم بيض وجي يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه) ثم غسل يده اليمني فقال: (اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حسابا يسيرا) ثم غسل يده اليسرى فقال: (اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي وأعوذ بك من مقطعات النيران) ثم مسح رأسه فقال: (اللهم غشني برحمتك وبركاتك وعفوك) ثم مسح رجليه فقال: (اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الاقدام واجعل سعيي فيما يرضيك عني) ثم رفع رأسه فنظر إلى محمد فقال: يا محمد من توضأ مثل وضوئي وقال: مثل قولى خلق الله له من كل قطرة ماء ملكا يقدسه ويسبحه ويكبره فيكتب الله له ثواب ذلك إلى يوم القيامة) وفى طهارة الشيخ (قده) (1) بعد أن ذكر دعاء الرجلين قال: وزاد في الفقيه (2) (يا ذا الجلال والاكرام) وعند الفراغ بقوله (والحمد لله رب العالمين) (والتاسع إسباغ الوضوء) ففي الصحيح: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغستل بصاع) (3). (والعاشر السواك) ويدل على استحبابه قبل الوضوء قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام: (وعليك بالسواك عند كل وضوء) (4) وقول الصادق عليه السلام في رواية معلى بن الخنيس حين سأله عن الاستياك بعد الوضوء قال عليه السلام: (الاستياك قبل أن يتوضأ) قال: قلت: أرأيت إن نسي حتى يتوضأ؟ قال: (يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات) (5) (ويكره الاستغانة فيه والتمندل منه) والمراد الاستعانة في المقدمات لا نفس الوضوء لما عرفت سابقا من وجوب المباشرة، ففي الخبر: (أن امير المؤمنين عليه السلام كان لا يدعهم يصبون الماء على يديه ويقول:


(1) ص 137 ط 1303. (2) ليست هذه الزيادة في الفقيه طبعاته المختلفة، وموجودة في مفتاح الفلاح للشيخ البهائي لكن جعل قوله (يا ذا الجلال والاكرام) نسخة. وأما قوله (الحمد لله رب العالمين) ظاهرا من كلامه - رحمه الله - لامن الرواية (3) الوسائل أبواب الوضوء ب 50 ح 1. (4) الوسائل أبواب السواك ب 3 ح 1. (5) المصدر ب 4 ح 1.

[ 55 ]

(لا احب أن اشرك في صلاتي أحدا) (1). (وأما كراهة التمندل) فاستدل عليه بما ورد عن أبى عبد الله عليه السلام: (من توضأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوؤه كتب له ثلاثون حسنة) (2) وفى دلالته على الكراهة تأمل، وفي قبالها اخبار اخر محمولة على التقية (3). (الرابع في الاحكام، فمن تيقن الحدث وشك في الطهارة أو تيقنهما و جهل المتأخر تطهر) أما الصورة الاولى فللاستصحاب، وأما الصورة الثانية فلوجوب إحراز الطهارة بالنسبة إلى المشروط بها، نعم التكاليف المتوجهة إلى المحدث كحرمة مس كتابة القرآن لا تترتب لعدم إحراز كونه محدثا، وقد يفرق بين ما لو جهل تاريخهما وبين ما لو لم علم تاريخ احدهما المعين، ففي الصورة الاولى لا مجال للاستصحاب لعدم احراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين، بخلاف الصورة الثانية فيستصحب المعلوم التاريخ لاتصال زمان شكه بزمان يقينه، بخلاف الآخر، مثلا إذا كان المكلف في أول الظهر متطهرا أو محدثا وفي الساعة الثانية والثالثة حدث التطهر أو الحدث، والاولى ان نقول: توضأ وأحدث وشك في المتقدم و المتأخر، فلا مجال لاستصحاب الحدث المتيقن ولا لاستصحاب الطهارة المتيقنة، لاحتمال انطباق زمان الشك على الساعة الثالثة التي قد علم فيها بتحقق خلاف ما تحقق سابقا، فيصير المقام نظير مالو علمنا بتحقق فسق شخص معين واحتمل كونه عمرا كان في الزمان السابق عادلا، فهل يمكن استصحاب عدالة عمرو مع احتمال كونه ذلك الشخص المعين المعلوم الفسق؟ وفيه نظر لان مجرد احتمال انطباق موضوع تنجز التكليف بالنسبة إليه لا يوجب تنجز التكليف بالنسبة إلى موضوع شك في انطباق ذلك الموضوع عليه، الا ترى أنه في المثال المذكور لو قامت


(1) الوسائل أبواب الوضوء ب 47 ح 2. (2) المصدر ب 45 ح 4. (3) راجع وسائل الشيعة أبواب الوضوء ب 45.

[ 56 ]

البينة على أن ذلك الشخص ليس عمرا يستصحب عدالة عمرو، مثلا لو علمنا بأن الماء المخصوص في المحل المعين متنجس ثم وجدنا رطوبة تحتمل ان تكون من ذلك الماء المعين فهل يحكم بنجاسة ملا قيه، للعلم بأن ذلك الماء المعين ينجس ملاقيه، وذلك لانه لا ترفع اليد عن اليقين السابق إلا بقيام الحجة، ومجرد احتمال الحجة لا يوجب الرفع ولو كان من جهة احتمال انطباق ما قام عليه الحجة عليه، فتأمل جيدا، واستدل في المقام على وجوب التطهر بالرضوي: (وان كنت على يقين من الوضوء والحدث ولا تدرى ايهما اسبق فتوضأ) (1) وادعى انجباره بالشهرة وفيه تأمل من جهة انه يحتمل قويا ان يكون نظر الفقهاء إلى القواعد. (ولو تيقن الطهارة وشك في الحدث أو شك في شئ من افعال الوضوء بعد ا نصرافه عنه بنى على الطهارة) اما الاول فلاخبار الاستصحاب الدالة بالخصوص والعموم، واما الثاني فيدل عليه صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام: (إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدرا غسلت ذراعيك ام لا، فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى الله ما اوجب الله عليك فيه وضوئه لاشي عليك فيه، فان شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك، وان لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك وامض في صلاتك وإن تيقنت انك لم تتم وضوءك فاعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء - الحديث -) (2) وقوله عليه السلام: (فان شككت في مسح رأسك - الخ) لا يبعد أن يكون للاستحباب، ويبعد أن يكون بيانا للصدر من جهة قوله عليه السلام: (وان لم تصب بللا فلاتنقض الوضوء بالشك) وموثقة ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) (3)


(1) مستدرك الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 عن فقه الرضا عليه السلام (2) و (3) الوسائل أبواب الوضوء ب 42 ح 1 و 2.

[ 57 ]

والضمير في قوله عليه السلام: (وقد دخلت في غيره) محتمل للرجوع إلى الشئ والى الوضوء لكنه يتعين رجوعه إلى الوضوء بقرينة الصحيحة السابقة. (ولو كان قبل انصرافه عنه اتى به وبما بعده) ويدل عليه الصحيحة السابقة ولا يعارضه الموثقة لاجمالها من هذه الجهة كما اشرنا، كما أنه يخصص بالصحيحة عموم مادل على قاعدة التجاوز. (ولو تيقن ترك غسل عضو أتى بها على الحالين وبما بعده ولو كان مسحا ولو لم يبق على اعضائه نداوة اخذ من لحيته واجفانه ولو لم يبق نداوة يستأنف الوضوء) أما لزوم التدارك مع بقاء النداوة فللاخبار المذكورة في مسألة الموالات حيث جعل فيها المناط عدم الجفاف، ومع الجفاف يبطل الوضوء لفوت الموالات (ويعيد الصلاة لو ترك غسل احد المخرجين) ويدل عليه الاخبار، منها صحيحة عمر وبن ابى نصر عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: ابول وأتوضأ وأنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت؟ قال: (اغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد وضوءك) (1) ومنها خبر سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء ثم توضيت ونسيت ان تستنجي فذكرت بعد ما صليت فعليك الاعادة فان كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك، لان البول مثل البراز) (2) وفي قبالها أخبار اخر دالة على عدم الاعادة قد اعرض المشهور عن العمل بها. (ولا يعيد الوضوء) ويدل عليه الاخبار، منها الصحيحة المتقدمة وفي قبالها اخبار دالة على لزوم إعادة الوضوء لم يعمل بها المشهور، فلا بد من الحمل على الاستحباب، لرفع اليد عن الظاهر بالنص ان لم يكن فيها إشكال من جهة اخرى. (ولو كان الخارج احد الحدثين غسل مخرجه دون الآخر) وجهه واضح و قد صرح به في الموثق. وفى جواز مس كتابة المصحف للمحدث قولان اصحهما


(1) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 3. (2) الوسائل أبواب أحكام الخلوة ب 10 ح 5.

[ 58 ]

المنع. ففي الموثق عمن قرء القرآن وهو على غير وضوء؟ قال: (لا بأس ولا يمس الكتاب) (1) وفي المرسل: (لا تمس الكتابة ومس الورق) (2) ويمكن التمسك بالآية الشريفة: (لا يمسه الا المطهرون) مع تفسيرها في الخبر وان كان في الدلالة تأمل، حيث ذكر في الخبر بعض ما لا يلتزم بحرمته، حيث نهى عن التعليق مع انه لا يلتزم بحرمته. (الغسل) (أما الغسل ففيه الواجب والندب فالواجب منه ستة، الاول غسل الجنابة و النظر في امور ثلاثة الاول في موجبه وسببه والثانى في كيفيته والثالث في احكامه، أما الموجب له فأمران: الاول انزال المني يقظة أو نوما) وأما خروج المني فلا إشكال في كونه موجبا للجنابة مطلقا سواء قارن الاوصاف أم لا، للاخبار الكثيرة حيث يستفاد منها سببية الانزال للغسل من دون تقييد، وادعي عليه الاجماع ولم ينقل الخلاف إلا عن ابى حنيفة، وما في بعض الاخبار من تعليق وجوب الغسل على المرأة على إنزالها من شهوة يمكن أن يحمل على المعرفية للمني بأن يراد التعبير عن المني بالماء الذى تنزل من شهوة لعدم الانفكاك عادة، ولعل هذا الحمل اولى من الحمل على ذكر المسبب العادي ليعرف به المني، لانه على هذا يحمل لفظ الماء على المني، ومع فرض إنزال المني لا مجال للشك حتى يراد رفع الشك بخلاف الوجه الاول، حيث لا يحمل لفظ الماء على المني، ثم انه لا فرق في سببية الانزال بين الرجل والمرأة، وادعى عليه الاجماع، ويدل عليه الاخبار منها صحيحة محمد بن إسماعيل عن الرضا عليه السلام (في الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج وتنزل المرأة هل عليها الغسل؟ قال: نعم) (3) ومنها الاخبار الدالة على احتلامهن، ولا ينافيها ما ورد في الاخبار من النهى عن تحديثهن بذلك الباعث على اتخاذهن علة كما لا يخفى، وفى قبال هذه الاخبار


(1) و (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 12 ح 1 و 2. (3) الوسائل أبواب الجنابة ب 7 ح 3.

[ 59 ]

أخبار اخر دالة على عدم وجوب الغسل قد اعرض الاصحاب عنها فلا بد من رد علمها إلى اهله. (وأما لو اشتبه بغيره اعتبر بالدفق والشهوة وفتور الجسد) واجتماع هذه الاوصاف يورث القطع عادة بكون الماء الخارج منيا، والظاهر ان تحقق بعضها مع عدم احراز البعض الآخر يوجب الاطمينان به وباجتماع البعض الآخر ولعله من هذه الجهة اكتفى في بعض الاخبار بالشهوة بدون الوصفين الآخرين واما لو أحرز تخلف البعض ففيه إشكال من جهة حصول الاطمينان نوعا، ومن جهة ما ورد في بعض الاخبار من التفصيل بين الصحيح والمريض، ففي صحيحة ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث الهوين بعد فيخرج؟ قال: (إن كان مريضا فليغتسل وإن لم يكن مريضا فلاشئ عليه، قلت: فما فرق بينهما؟ قال: لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قوية وان كان مريضا لم يجئ الا بعد) (1) فمع حصول القطع يتعين الاخذ به بمقتضى ما ذكر سابقا من الاجماع، والصحيحة غير ناظرة إليه، ومع عدم حصول الاطمينان يتعين الاخذ بالصحيحة، وهو القدر المتيقن منها، ومع الاطمينان يشكل الامر من جهة كونه طريقا عند العقلاء في مقاصدهم ولم يعلم الردع في المقام، ومن جهة كونه قابلا للردع ويكفى الدليل رادعا، ولا يبعد ان يقال: إن مورد السؤال صورة عدم الاطمينان لانه مع الاطمينان لا يسأل عن الحكم مع كون خروج المني موجبا للغسل من الواضحات. (ويكفى في المريض الشهوة) والدليل عليه ما ذكر. (ولا يجب ان يغتسل المستيقظ إذا وجد منيا على جسده أو ثوبه ا لذي ينفرد به) فتارة يحصل القطع أو الاطمينان بكونه منه، فيجب عليه الغسل وعليه ينزل الموثقتان، إحداهما موثقة سماعة قال: (سألته ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل ينام ولم ير في نومه أنه قد احتلم فوجد


(1) الوسائل أبواب الجنابة ب 8 تحت رقم 7.

[ 60 ]

في ثوبه وعلى فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: نعم) (1) والثانية موثقة اخرى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يرى في ثوبه المنى بعد ما يصبح، ولم يكن رأى في منامه أنه قد احتلم؟ قال: (فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلاته) (2) وفي قبالهما رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب بثوبه منيا، ولم يعلم انه احتلم؟ قال: (ليغسل ما وجد بثوبه وليتوضأ) (3) وحمله على ما إذا كان الثوب مشتركا بينه وبين غيره، بخلاف الموثقتين لا شاهد له مع وحدة التعبير، كما أنه يبعد أيضا حمل الرواية على مورد عدم الاطمينان بحصول الاطمينان في مورد السؤال فعلى تمامية السند والتعارض كيف يرفع اليد عن الاطمينان الذي هو حجة عند العقلاء. (والثانى الجماع في القبل وحده غيبوبة الحشفة) أو قدرها في مقطوع الذكر. (وان أكسل عن الانزال. وكذا في دبر المرأة على الاشبه) أما الحكم الاول فهو إجماعى، ويدل عليه الاخبار، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ قال: (إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم) (4) وقد قيد إطلاق الاخبار بما دل على اعتبار التقاء الختانين المفسر بغيبوبة الحشفة، ففى صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال عليه السلام: (إذا التقي الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم) (5) هذا فيمن له الحشفة وأما من لا حشفة له كما إذا قطع كلها أو بعضها، فالمشهور اعتبار مقدارها، وقد يتمسك باطلاق الاخبار المطلقة المعلق فيها وجوب الغسل على الادخال والايلاج، بدعوى انصرافها إلى ادخال مقدار معتد به يساوق مقدار الحشفة، وفيه نظر لان منشأ الانصراف إن كان الغلبة


(1) و (2) الوسائل أبواب الجنابة ب 10 ح 1 و 2. (3) المصدر ب 10 ح 3. (4) و (5) الوسائل أبواب الجنابة ب 6 ح 1 و 2.

[ 61 ]

فالغالب إيلاج الكل، وهذا ينافى ما يقال في مسألة إيقاب الرجل الغلام الموجب لتحريم الام والاخت من كفاية إدخال بعض الحشفة، وبعد منع الانصراف لا تقييد الا بالمقيد والمقيد غير شامل للمقام، وما افيد من تنظير هذا بما لو قيل في جواب اهل البلاد التى لها سور إذا سئلوا عن الحد الذى يقصر فيه المسافر (إذا خفى عليكم السور البلد يجب القصر) فيه نظر، من جهة انه في المثال لا يحتمل مدخلية شئ يكون غالب المكلفين فاقدين له في الحكم بخلاف المقام، فلو لا ذهاب المشهور لكان القول بكفاية مسمى الادخال والا يلاح غير بعيد، نظر إلى الطلاق الاخبار كما يقال في مسألة ايقاب الرجل الغلام الموجب لتحريم الام والاخت مطلق الدخول ولو كان بعض الحشفقة كاف في التحريم، وأما الحكم الثاني فادعى عليه السيد (قده) الاجماع واستدل عليه بقوله تعالى: (أو لامستم النساء) وبقوله عليه السلام - على ما حكي -: (أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء) (1) ومرسل حفص بن سوقة قال: يسألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي اهله من خلفها؟ قال: (هو احد المأتيين فيه الغسل) (2) ونوقش في الجميع، أما في الاجماع فلانه منقول ولا دليل على حجيته، وأما الاستدلال بالآية فلتفسيرا - كماعن الباقر عليه السلام - بالمواقعة في الفرج،، وهي منصرفة إلى الوطي في القبل، وأما الرواية فلا مكان ان يراد ان المجامعة ملزوم لامرين: ا حدهما الحد والآخر الغسل، لا أن يراد الملازمة بين الامرين وأما المرسلة فبضعف السند، وقد يمنع دعوى الانصراف، ويقال: ضعف السند مجبور بالعمل، ولا يبعد ان يقال: ان دعوى الانصراف غير بعيدة، الا ترى انه في صحيحة زرارة السابقة (3) الحاكية لجمع عمر بن الخطاب اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وقوله: ما تقولون في الرجل اتى اهله فيخالطها ولا ينزل؟ قال عليه السلام: (إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل) فلو لا الانصراف لكان الجواب


(1) الوسائل أبواب الجنابة ب 6 ح 5. (2) المصدر ب 12 ح 1. (3) الخبر الاسبق.

[ 62 ]

جوابا لبعض موارد السؤال، وكذلك قول المهاجرين، ولا أقل من الشك في الاطلاق واما ما افيد من انجبار ضعف سند المرسل فان علم باستناد المشهور إليه فهو والا فكيف ينجبر؟ (وفى وجوب الغسل بوطي الغلام تردد وجزم علم الهدى - ره - بالوجوب) نسب إلى المشهور وجوب الغسل فيه، ولا دليل يصح الاستدلال به سوى إطلاق حسنة الحضرمي المروية في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا) (1) والخدشة في دلالتها بالانصراف إلى صورة الانزال اولا، ومغايرة الجنابة التي لا ينقيها ماء الدنيا مع الجنابة التي هي محل الكلام ثانيا، ممنوعة لان دعوى الانصراف مشكلة جدا، واما المغايرة فواضحة، لكنه لعله يستفاد منها ان ماء الدنيا لازم لهذا الجنب ولا يرفع جنابتها الباقية إلى يوم القيامة فتأمل. تفريع: الغسل من الجنابة وغيرها يجب على الكافر عند حصول سببه مقدمة للواجبات المشروطة بالطهارة، كما يجب على المسلم، لعدم اختصاص احكام الله تعالى بالمسلمين بلا خلاف ظاهرا وقد يستدل لعدم الاختصاص في الفروغ بوجوب القيام بوظائف العبودية والايتمار باوامر الله تعالى والانتهاء بنواهية عقلا، ولا يخفى ما فيه فانه لاكلام فيه بل في توجه الاوامر والنواهي والاحكام الفرعية إليهم، نعم يمكن الاستدلال بأنه لا يصح من الحكيم ان يترك الانسان مطلق العنان كالبهائم والحيوانات مع قابلية توجه الحكم إليه، وبهذا يثبت النبوة العامة لكنه لا يفيد بنحو العموم، بل يمكن عقلا توجه الاحكام أو بعضها في بعض الاوقات - كما في أول البعثة - أو بالنسبة إلى القعلاء غير البالغين مع كمال عقلهم ورشدهم، فالعمدة الاجماع وظواهر الآيات والاخبار، قال الله تعالى: (فو ربك لنسالنهم أجمعين عما كانوا يعملون) وروى أبو بصير، عن ابى عبد لله عليه السلام قال: (جعلت فداك اخبرني عن الدين الذى افترضه الله على العباد مالا يسعهم جهله ولا يقبل منهم غيره


(1) الكافي ج 5 ص 544 تحت رقم 2.

[ 63 ]

ما هو؟ فقال عليه السلام: أعد علي، فاعاد عليه فقال: (شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وصوم شهر رمضان، ثم سكت قليلا ثم قال: والولاية مرتين - الخ -) (1) واختار صاحب الحدائق (قده) عدم كون الكفار مكلفين بالفروع، وادعى دلالة أخبار كثيرة على توقف التكليف على الاسلام، منها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام فانه قال - بعد أن سئل عن وجوب معرفة الامام على من لم يؤمن بالله ورسوله -: (كيف يجب عليه معرفة الامام وهو لا يؤمن بالله ورسوله) (2) ولا يبعد أن يقال: من الممكن أن يكون المراد من الوجوب المسؤول عنه اللزوم العقلي لا الوجوب الشرعي، ومن المعلوم ان حكم العقل بلزوم معرفة الامام متفرع على معرفة الله ورسوله، لانه بعد المعرفة يعلم بأنه يتوجه إليه احكام وتكاليف لابد من مبين لها فلا بد من معرفته، كما يشهد به مناظرات اصحاب الائمة صلوات الله عليهم مع المخالفين وغير هذه الصحيحة مع فرض دلالتها لا يمكن الاخذ بظواهرها في قبال ما ذكر من الادلة واستدل ايضا بلزوم التكليف بما لا يطاق، لان تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصور أو تصديقا تكليف بغير المقدور، ولا يخفى ما فيه حيث ينتقض بتكليفه بالاسلام. واستدل ايضا بأنه لم يعلم ان النبي صلى الله عليه وآله أمر أحدا ممن أسلم بالغسل من الجنابة بعد الاسلام، ولا يخفى ما في هذا الاستدلال فان لازمه جواز دخول الانسان في الصلاة بعد الاسلام بدون الوضوء، لانه لا فرق بين الحدث الموجب للوضوء والموجب للغسل وثانيا ان لزوم الغسل غير مبتن على تكليفه بالفروع، الا ترى أن الصبي بعد البلوغ مكلف ببعض الاحكام كالوضوء والغسل مع أن السبب حدث قبل البلوغ وقد يستشكل في تكليف الكفار بالقضاء، حيث انه بدون الاسلام لا يصح منه العبادة، وإن أسلم يجب ما قبله، فلاوقت لامتثال هذا التكليف، واجيب عنه بأن الكافر في الوقت مكلف بالاداء وبالقضاء خارج


(1) الكافي ج 2 ص 22 تحت رقم 11. (2) المصدر ج 1 ص 180 تحت رقم 3.

[ 64 ]

الوقت مع تركه الاداء وصحة القضاء خارج الوقت مشروطة بالاسلام في الوقت وهو قادر عليه. لا يقال: مقتضى ما ورد من أن (الاسلام يجب ما قبله) (1) عدم وجوب الغسل والوضوء ان كان سببهما حصل قبل الاسلام، لانه يقال: ان الاسلام انما يجعل الافعال والتروك الصادرة من الكافر في زمان كفره في معصية الله تعالى كان لم يكن لا أن الاشياء الصادرة منه حال كفره يرتفع آثاره الوضعية، هكذا قيل، وفيه نظر لان لازم ذلك عدم سقوط القضاء بالنسبة إلى الصلوات لان الفوت سبب لوجوب القضاء وليس مترتبا على المعصية، ولذا يجب القضاء على من نام عن الصلاة بلا اختيار، مضافا إلى أن هذا التقييد يحتاج إلى الدليل، ولعل هذا الدليل يكون حاكما بالنسبة إلى أدلة الاحكام، فلا مجال للمعارضة بينها وبينه، ولا يبعد أن يقال على فرض عدم الاجمال في هذا الدليل ولو بواسطة عدم اخذ الفقهاء رضوان الله عليهم بعمومه، والاخذ بعمومه يمكن ان يلتزم بلزوم الوضوء والغسل في المقام من جهة احتياج الاعمال المشروطة بهما إلى الطهور وهو امر وجودي يشهد على كونه وجوديا ما ورد من (ان الوضوء نور والوضوء على الوضوء نور على نور) (2) ويلزم من هذا لزوم الغسل والوضوء لتحصيل الطهارة، فالوضوء محصل للطهارة بالنسبة إلى غير من انزل أو واقع والغسل محصل للطهارة اليهما، وليس هذا تخصيصا في الدليل، لان الاسلام يجب ما قبله لا أنه يوجب حصول الطهارة، ولا يخفى أنه على هذا لا يكون لزوم الوضوء والغسل بعد الاسلام متفرعا على كون الكفار مكلفين بالفروع. (اما الكيفية فواجبها خمسة، الاول النية مقارنة لغسل الرأس أو مقدمة عند غسل اليدين، والثانى استدامة حكمها والثالث غسل البشرة بما يسمى غسلا ولو كان كالدهن والرابع تخليل ما لا يصل إليه الماء إل به). اما الكلام في النية فقد مر في باب الوضوء واما كفاية مثل الدهن في الغسل فيدل عليها موثقة


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات من حديث الزبير وجبير بن مطعم. (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 8 ح 8.

[ 65 ]

زرارة قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن غسل الجنابة؟ قال: (افض على رأسك ثلاث أكف وعن يمينك وعن يسارك، انما يكفيك مثل الدهن) (1) وأما التخليل فعده من واجبات الغسل فيه مسامحة، وأما لزوم غسل البشرة من القرن إلى القدم فيدل عليه الاخبار، منها صحيحة زرارة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: (تبدء فتغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك ثم تمضمض واستنشق ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك ليس قبله ولا بعده وضوء، وكل شئ امسسته الماء فقد انقيته - الحديث) (2) والمستفاد منها وجوب غسل البشرة دون الشعر، لانها الظاهر من الجسد وان كان يلزم إيصال الماء إلى الشعر مقدمة للوصول إلى الجسد، فما في الحدائق من التنظر فيما ذهب إليه الاصحاب من عدم وجوب غسل الشعر لعله في غير محله، لان عمدة ما يستند إليه ما روي في صحيحة حجر بن زائدة عن الصادق عليه السلام انه قال: (من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار) (3) وما روي عنه مرسلا من قوله: (تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة) (4) أما الصحيحة فلا افهم وجه الاستدلال بها لو أبقى الشعرة على ظاهرها، لان تارك غسل الشعرة ما تركها من الجنابة بل من الغسل والطهارة وان لم يكن الظرف - اعني من الجنابة - متعلقا بقوله عليه السلام: (ترك) فالظاهر ان يحمل على ترك مقدار شعرة من الجنابة المستوعبة لجميع الجسد، واما المرسلة فلعلها على ما ذهب إليه الاصحاب ادل حيث لم تتعلق


(1) التهذيب ج 1 ص 137 تحت رقم 384. (2) الوسائل أبواب الجنابة ب 25 ح 5. (3) رواه الصدوق في عقاب الاعمال ص 22 والامالي ص 29 و الشيخ في التهذيب ج 1 ص 135 تحت رقم 373 وفي الوسائل أبواب الجنابة ب 1 تحت رقم 1 و 5. (4) ما عثرت عليه هكذا نعم في فقه الرضا ص 4 عن النبي صلى الله عليه وآله (أن تحت كل شعرة جنابة فبلغ الماء تحتها في اصول الشعر كلها.. الحديث) وفي دعائم الاسلام ص 138 قال روبنا عن على عليه السلام وعن غيره من الائمة من ولده عليهم السلام قالوا في الغسل من الجنابة - وساق إلى أن قال - وبل الشعر وأنقى البشرة - الحديث -).

[ 66 ]

الجنابة بنفس الشعر حتى يجب إنقاؤه وحكم بوجوب إنقاء البشرة دون الشعر، والظاهر ان الانقاء هنا هو الانقاء في صحيحة زرارة، والحاصل انه ليس في مقابل الاخبار الظاهرة في لزوم غسل الجسد دون غيره ما يكون ظاهرا في الوجوب النفسي لغسل الشعر، ثم انه يكون الواجب غسل ما ظهر من البشرة دون الباطن، ويدل عليه ما دل من الاخبار على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق معللا بأن الغسل على ما ظهر لا على ما بطن، ولو شك في شئ انه من الظاهر أو الباطن فقد يقال: بلزوم الاحتياط في المقام لكون الشك في المحصل ولا يبعد ان يقال: ان المحصل بعد ما كان بحكم الشرع محصلا، فبعد ما حكم بحديث الرفع بعدم دخل المشكوك في المحصل يرتفع الشك، لان الشك في حصول الطهارة مسبب عن الشك في دخل شئ في المحصل، مضافا إلى انه يظهر من بعض اخبار الباب حصول النقاء في كل جزء من البشرة، بعد الغسل، فالطهارة وان كانت بسيطة مبين المفهوم لكنها تنقسم بحسب البشرة فمن الاول يشك في جنابة الجزء المشكوك كونه من الظاهر أو الباطن، فيشك في اعتبار طهارته فيدخل في مسألة الاقل والاكثر فتأمل جيدا. (والخامس الترتيب وهو ان يبدء برأسه ثم ميامنه ثم مياسره) أما لزوم الابتداء بالرأس فيدل عليه صحيحة حريز الواردة في الوضوء قال: قلت: (فان جف الاول قبل ان اغسل الذى يليه؟ قال: جف أو لم يجف اغسل ما بقي، قلت: وكذلك غسل الجنابة؟ قال: هو بتلك المنزلة وابدء بالرأس ثم أفض على سائر جسدك، قلت: وان كان بعض يوم؟ قال: نعم) (1) وهذه الصحيحة ربما يظهر منه جواز التبعيض في الوضوء بحيث ينافى الموالاة المعتبرة فيه بحسب الاخبار إلا أن يقال عدم العمل بها من هذه الجهة لا ينافى الاخذ بظاهرها من حيث لزوم البدئة بالرأس واما الترتيب بين الجانبين، فيمكن ان يستدل عليه بالاخبار المستفيضة الواردة في كيفية غسل الميت الظاهرة في وجوب الترتيب بين الجانبين بضميمة الاخبار المصرحة بأن غسل الميت بعينه هو غسل الجنابة، وفى بعضها أنه مثله،


(1) الوسائل أبواب الوضوء ب 33 ح 4.

[ 67 ]

مثل ما روى عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: (غسل الميت مثل غسل الجنب، وان كان كثير الشعر فرد عليه الماء ثلاث مرات) (1) وفى قبال ما ذكر المطلقات الظاهرة في كفاية الغسل، بأى نحو كان، مع كونها في مقام البيان بقرينة التعرض لغير الواجب، لكن الظاهر تعين التقييد فيهما وذلك لان الحمل على الاستحباب وإن كان شايعا لكن التصرف فيما دل على كون غسل الميت مثل غسل الجنابة أو عينها بعيد جدا، خصوصا مع دعوى الاجماع خصوصا في وجوب تقديم الرأس ولا يخفى ان الرقبة داخلة في الرأس بقرينة ما دل على غسل المنكب بعد غسل لرأس، ففي حسنة زرارة قال: قلت: كيف يغتسل الجنب؟ قال: (إن لم يكن أصاب كفه شئ غمسها في الماء ثم بدء بفرجه فأنقاه بثلاث عرف ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين) (2) (ويسقط الترتيب بالارتماس) ارتماسة واحدة نصا واجماعا، ففي صحيحة زرارة: (ولو أن رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وان لم يدلك جسده) (3) ثم انه يقع الاشكال في انه هل يكون الغسل تدريجي الحصول أو آني الحصول في هذه الصورة؟ يمكن ان يقال على الاول: لا يلزم انغماس تمام البدن في آن في الماء بل يكفى انغماس كل جزء ولو كان بحيث يكون الجزء السابق حين انغماس الجزء اللاحق خارجا عن الماء ولا اظن ان يلتزم به إلا أن يكون بنحو الشرط المتأخر حصول الغسل بالنسبة إلى كل جزء مشروطا بارتماس الجزء اللاحق وحصوله بالنسبة إلى الجزء اللاحق مشروطا بانغماس الجزء السابق بنحو الشرط المقارن ولا يعين الدليل احد الامرين، ففي مقام القصد والامتثال لا بد من قصد الواقع على ما هو عليه في الواقع، واما اعتبار الدفعة العرفية فلا يستفاد من الدليل وهل الارتماسة الواحدة الا كالغسلة الواحدة في مقابل الغسلتين؟ وهل يعتبر خروج تمام البدن ثم الارتماس؟ أو يكفى خروج المعظم أو لا يلزم شئ منهما؟


(1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 3 ح 1. (2) و (3) الوسائل أبواب الجنابة ب 25 ح 3 و 5.

[ 68 ]

وعلى تقدير عدم الخروج يعتبر تحريك البدن في الماء لا دليل على شئ منها، حيث ان المعتبر نفس الارتماس لا الرمس، والارتماس معنى مطاوعى، ولا افهم الفرق بين المقام وبين الوضوء، حيث يكتفى في غسل العضو بالارتماس، نعم لو اعتبر الغسل بمعنى جريان الماء من محل إلى محل آخر للزم اعتبار التحريك ولا دليل على اعتباره، بل الظاهر اعتبار احاطة الماء بتمام البدن، وعلى القول باعتبار الخروج لابد من خروج تمام البدن، لعدم الاعتداد بالمصداق المسامحي، بلا لابد من المصداق الحقيقي كما في باب الكر حيث لا اعتداد بالناقص ولو بالمقدار اليسير الا ان يقال: ان الظاهر من الدليل حدوث الارتماس فلا يكفي بقاء الارتماس، لكنه يرد عليه انه كيف اكتفى بتحريك الذراع أو الوجه بعد الدخول في الماء بقصد الغسل الوضوئى الا ان يلتزم هناك بعدم الاكتفاء والاحتياط طريق النجاة. (ومسنونها سبعة الاول الاستبراء) والظاهر انه لا دليل عليه والا فائدة له بالنسبة إلى الغسل الا أنه إذا بال بعد الانزال يحكم بعدم كون البلل المشتبهة منيا، وإذا استبرء بعد البول يحكم ببقاء الطهارة الحدثية والخبثية وكيف كان ففي كيفيته خلاف، قد يقال: احوطه أن يمسح من المقعدة إلى اصل القضيب ثلاثا ومنه إلى رأس الحشفة ثلاثا وينتره (1) ثلاثا على الترتيب وعن علم الهدى الاكتفاء بنتر الذكر من اصله إلى طرفه ثلاث مرات وفى المقام اخبار: منها الصحيح عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يبول؟ قال: (ينتره ثلاثا ثم إن سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي) (2) ومنها ما رواه الكليني (قده) في الحسن عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل بال ولم يكن ماء؟ قال: (يعصر اصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه فان خرج بعد ذلك شئ فليس من البول والكنه من الحبائل) (3) وفى المقام اخبار اخر، ولا يبعد ان يقال: مقتضى


(1) النتر: الجذب. والاستنتار من البول: استخراج بقيته من الذكر بالاجتذاب والاهتمام به. (2) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 3. (3) الكافي ج 3 ص 19 باب الاستبراء من البول ح 1. والحبائل: عروق في الظهر وحبائل الذكر عروقه.

[ 69 ]

الجمع بينها على فرض اعتبار السند التخيير بين الكيفيات ولو لا هذا لكان اللازم الاخذ بمضمون الصحيح المذكور - كما اختاره السيد (قده) - وما ادرى مع هذا كيف يقال الاحوط ما ذكر اولا الا ان يدعى ان إطلاق الصحيح والحسن يشمل الصورة وهو بعيد كما لا يخفى ولو اتى بكيفية لم يدل دليل معتبر على صحتها فقد يقال مقتضى القاعدة عدم حصول الاستبراء الموجب للحكم ببقاء الطهارة من الخبث، ومقتضى الطهارة عن الحدث مع خروج البلل المشتبهة أخذا بالمفهوم، ولا يبعد ان يقال: ان غاية ما يستفاد من أمثال هذه القضايا المدخلية للشرط في الجزاء، وأما كونه بنحو العلة المنحصرة فلا، ففي صورة انتفاء الشرط وانتفاء ما يحتمل دخله في الجزاء يحكم بانتفاء الجزاء، وأما مع انتفاء الشرط ووجود ما يحتمل أن يكون قائما مقام الشرط فلا دليل على انتفاء الجزاء ويشهد لهذا صحة السؤال عن قيام ما يحتمل قيامه، ومع هذا الاحتمال يكون المرجع الاصل و مقتضاه عدم نقض الطهارة الحدثية وعدم النجاسة، ومجرد وجود المقتضى مع احتمال المانع لا يجدى الا ان يقال: قبل هذا لو كان البلل المشتبهة خارجا لكان محكوما بالنجاسة والناقضية للوضوء فيستصحب، وفيه اولا انه مبني على جريان الاستصحاب في الاحكام وهو محل منع، وثانيا ان الموضوع هو البلل الخارج قبل الاستبراء، والموضوعات الكلية إذا تغير بعض احوالها لا مجال لاستصحاب احكامها بخلاف الاشخاص، ولي تأمل حتى في الاشخاص، وتمام الكلام فيه في الاصول، وبما ذكر أولا ظهر وجه ما افاده بقوله (قده): (وهو ان يعصر ذكره من المقعدة إلى طرفه ثلاثا وينتره ثلاثا و) الثاني (غسل يديه ثلاثا) ويدل عليه صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمني قبل أن يدخلها في الاناء؟ فقال: (واحدة من حدث البول واثنتان من حدث الغائط وثلاث من الجنابة) (1) ومرسلة الفقيه عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (اغسل يدك من البول مرة ومن الغائط مرتين ومن الجنابة ثلاثا) (2).


(1) الوسائل أبواب الوضوء ب 27 ح 1. (2) المصدر ح 4.

[ 70 ]

(والثالث والرابع المضمضة والاستنشاق) ويدل على استحبابها روايات كثيرة، منها صحيحة زرارة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: (تبدء بغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك ثم تمضمض واستنشق ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدمك - الحديث -) (1). (والخامس امرار اليدين على الجسد، والسادس تخليل ما يصل إليه الماء والسابع الغسل بصاع) واستدل للاول بالرضوي: (ثم تمسح سائر بدنك بيديك وتذكر الله - الحديث -) (2) وللثاني بالاخبار المعتبرة، منها الصحيح: (يبالغن في الماء) (3) وفى الحسن: (يبالغن في الغسل) (4) وفى ثبوت الاستحباب بما ذكر تأمل وللثالث بأخبار مستفيضة منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع) (5). (واما أحكامه فيحرم عليه قراءة العزائم) اي السور وادعي عليه الاجماع، وعبر كثير من الاصحاب بلفظ العزائم بحيث احتمل أن يكون مرادهم خصوص أي السجدة والاخبار الدالة على الحكم منها ما حكي عن المحقق (قده) من رواية البزنطي المنقولة بالمعنى، حيث قال: ويجوز المجنب والحائض ان يقرءا ما شاءا من القرآن الا سور العزائم الاربع وهي: (اقرء باسم ربك والنجم، وتنزيل السجدة وحم السجدة وروى ذلك البزنطي ويمكن ان يكون ما قاله اولا مطابقا لعين المروى في العبارة ومنها موثقة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في حديث قال: قلت له: الحائض والجنب هل يقرآن من القرآن شيئا؟ قال: (نعم ما شاءا الا السجدة ويذكران الله على كل حال) (6) ونوقش في دلالتها باحتمال أن يكون المراد خصوص آي السجدة، ورفعت المناقشة باستثناء سور العزائم بأساميها فيما رواه


(1) الوسائل ابواب الجنابة ب 25 ح 5. (2) المستدرك أبواب الجنابة ب 17 ح 2. (3) و (4) الوسائل أبواب الجنابة ب 37 ح 1 و 2. (5) الوسائل أبواب الوضوء ب 50 ح 1. (6) الوسائل أبواب الجنابة ب 19 ح 4.

[ 71 ]

المحقق عن جامع البزنطى فبصراحته يدفع الاحتمال، ويمكن ان يقال اولا من المحتمل ان يكون رواية البزنطى مطابقا للموثقة، وكان حمل المحقق على ما ذكره بواسطة القرائن الدالة عنده، واما الموثقة فحمل لفظ السجدة على السور ربما يستبعد حيث قال زرارة في سؤاله: هل يقرأن من القرآن شيئا، والشئ يطلق على كل بعض من القرآن لاكل سورة، فأجاب عليه السلام: (نعم ما شاء الا السجدة) فحملها على الآية اولى فتأمل خصوصا مع عدم تعارف إطلاق لفظ السجدة على غير سورة السجدة، فمع تمامية الاجماع لاكلام والا فهو مشكل، ثم انه قد يدعى ان المتبادر من النهي عن قراءة السورة كقراءة القران انما هو قراءة أبعاضها كلا أو بعضا وفيه نظر لان الظاهر هو المجموع ولذا لو امر بقراءة سورة لا يجتزى بقراءة بعضها، ولفظ القرآن لعله مشترك بين الكل والبعض فلا مجال للمقايسة. (ومس كتابة القرآن) بلا خلاف فيه ظاهرا وادعي عليه الاجماع في كلام غير واحد من الفقهاء - رضوان الله عليهم - واستدل عليه بظاهر الكتاب: (انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون) بناء على رجوع الضمير إلى القرآن و كون المراد من النفي النهي، ومن لفظ (المطهرون) المطهرين من الحدث، كما يدل عليه استشهاد الامام عليه السلام بها في رواية ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال: (المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه ان الله تعالى يقول: لا يمسه الا المطهرون) (1) وهذه الرواية يتطرق فيها احتمال الكراهة لاقتران المس مع ما هو مكروه - اعني التعليق - ويمكن أن يستدل بموثقة ابى بصير أو صحيحه قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عمن قرأ من المصحف وهو على غير وضوء؟ قال: (لا بأس، ولا يمس الكتاب) (2) حيث أن الجنب على غير وضوء والغسل كاف عن الوضوء (ودخول المساجد مطلقا الا اجتيازا) ويدل عليه قوله تعالى: (ولا جنبا الا عابرى سبيل) بعد تفسيره في الحديث، ففي صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلنا له: الحائض والجنب يدخلان المسجد ام


(1) و (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 12 ح 3 و 1 على الترتيب.

[ 72 ]

لا؟ قال: (الحائض والجنب لا يدخلان المسجد الا مجتازين ان الله تبارك وتعالى يقول: ولا جنبا الا عابرى سبيل حتى يغتسلوا - الحديث -) (1) وقيل: بالكراهة وربما يستدل بخبر محمد بن القاسم قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال عليه السلام: (يتوضا ولا بأس أن ينام في المسجد ويمر فيه) (2) فيجمع بين هذه الصحيحة والاخبار الناهية بحملها على الكراهة واستشكل بأنه إن اقتصر على مورد هذه الصحيحة فهي اخص مطلقا من سائر الادلة فيجب تخصيصها بها، وهو خلاف مختار القائل بالكراهة وانت تخطى عن المورد يعارضها ظاهر الآية والاخبار الناهية و، هذا مضافا إلى ان ارتكاب التقييد بالنسبة إلى الآية الشريفة مشكل لان ذكر الاغتسال غاية للنهى يؤكد الاطلاق وكيف كان فالصحيحة بعد اعراض المشهور لا مجال للعمل بها هذا ويمكن ان يقال: اما الاعراض فان كان من جهة مخالفتها لظاهر الكتاب - كما صرح به المحقق (قده) في محكي المعتبر - فلا يوجب وهنا في الصحيحة واما ما افيد من ان تقييد الآية مشكل فيتوجه عليه انه كيف قيدت بما دل على جواز الدخول والاخذ من المسجد، فلو لا مخالفة المشهور لامكن ان يقال: يدور الامر بين التصرف في الهيئة في النواهي وبين التقييد ولا مرجح لاحدهما فلا دليل على الحرمة، هذا مع انه لم يعلم أن الوضوء المذكور في الصحيحة لاجل النوم في المسجد أو لاجل الجنابة (عدا المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله) للاخبار المستفيضة ففي صحيحة ابى حمزة الثمالى عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما، ولا بأس أن يمر في سائر المساجد ولا يجلس في شئ من المساجد) (3) وعن الكافي روايتها عن ابى حمزة بسند فيه رفع، ولكنه زاد فيها: (وكذلك الحائض إذا اصابها الحيض تفعل ذلك ولا بأس أن يمرا في سائر المساجد - الخ -) (4).


(1) و (2) الوسائل أبواب الجنابة ب 15 ح 10 و 18. (3) و (4) المصدر ب 15 ح 6 و 3 على الترتيب.

[ 73 ]

(ولو احتلم فيهما تيمم لخروجه) لما ذكر في الصحيحة. (ووضع شئ فيها على الاظهر) لصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (الحائض والجنب لا يدخلان المسجد الا مجتازين - إلى أن قال: - ويأخذان من المسجد ولا يضعان فيه شيئا، قال زرارة: قلت: فما بالهما يأخذان منه ولا يضعان فيه؟ قال: لانهما لا يقدران على أخذ ما فيه الا منه ويقدران على وضع ما بيدهما في غيره) (1) والظاهر ان الوضع بنفسه يحرم لامن جهة استلزامه للدخول المحرم لان الاصل الموضوعية، وما يقال: من ان حرمته من جهة الدخول وهو في نفسه ليس بمحرم من جهة التبادر ومن جهة التعليل المذكور في الصحيحة، حيث انه يستفاد منها ان الضرورة العرفية أباحت له الدخول للاخذ دون الوضع حيث لاضرورة فيه، فلو جعل العلة علة لحرمة الوضع وجواز الاخذ في حد ذاتها للزم حمل العلة على التعبد، محل نظر من جهة منع التبادر، والظاهر ان ما ذكر في الصحيحة بيان لحكمة الحكم ولذا لا يلتزم بحرمة الدخول للاخذ مع عدم الضرورة العرفية، كما لو كان له خادم غير جنب يأخذ من داخل المسجد، ولعل استلزام الوضع غالبا للدخول بلاضرورة صار حكمة لحرمة الوضع، مضافا إلى انه على ما ذكر لم يكن حاجة إلى ذكر عنوان الوضع لكونه داخلا في الدخول المحرم. (ويكره قراءة ما زاد على سبع آيات) والدليل عليه ما رواه الشيخ (قده) في الموثق عن سماعة قال: سألته عن الجنب هل يقرء القرآن؟ قال: (ما بينه وبين سبع آيات) (2) بحمل النهي على الكراهة جمعا بينه وبين الاخبار الدالة على الجواز، لابائها عن التقييد. (ومس المصحف وحمله) للصحيح: (الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرآن من القرآن ما شاء الا السجدة) (3) ويحمل على الكراهة


(1) الوسائل أبواب الجنابة ب 17 ح 2. (2) و (3) الوسائل أبواب الجنابة ب 19 ح 9 و 7 على الترتيب. أي غير الكتابة وأما الكتابة فقد تقدم حكمها.

[ 74 ]

بملاحظة بعض الاخبار الاخر، وادعى عليه الاجماع (والنوم ما لم يتوضا [ أو يغتسل ] ويدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يواقع اهله أينام على ذلك؟ قال: (ان الله يتوفى الانفس في منامها ولا يدرى ما يطرقه من البلية إذا فرغ فليغتسل الحديث) (1) وصحيحة عبيدالله بن على الحلبي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل اينبغى له ان ينام وهو جنب؟ فقال: (يكره ذلك حتى يتوضأ) (2) (والاكل والشرب ما لم يتمضمض ويستنشق) فعن الفقه الرضوي عليه السلام قال: (إذا أردت أن تأكل على جنابتك فاغسل يديك وتمضمض واستنشق) (3) وفى صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عن ابيه عليهما السلام قال: (إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ) (4) وظاهرها الكراهة وارتفاعها بالوضوء، والحمل على الكراهة بقرينة بعض الاخبار (والخضاب ويدل عليه الاخبار المستفيضة، منها رواية عامر بن جذاعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (لا يختضب الحائض ولا الجنب ولا تجنب وعليها خضاب ولا يجنب هو وعليه خضاب ولا يختضب وهو جنب) (5). (ولو رأى بللا بعد الغسل أعاد الا مع البول أو الاجتهاد) أما مع عدم البول فيحكم بنجاسة الخارج ويوجب الغسل لصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شئ قال: (يغتسل ويعيد الصلاة الا ان يكون بال قبل ان يغتسل فانه لا يعيد غسله) قال محمد: وقال أبو جعفر عليه السلام: (من اغتسل وهو جنب قبل ان يبول ثم وجد بللا فقد انتقض غسله وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء لان البول لم يدع شيئا) (6) وقريب من هذا المضمون الاخبار الاخر، فحيث قال عليه السلام


(1) و (2) الوسائل أبواب الجنابة ب 34 ح 4 و 1 على الترتيب (3) المستدرك ج 1 ص 68 أبواب وجوب غسل الجنابة ب 12 ح 2. (4) الوسائل أبواب الجنابة ب 20 ح 4. (5) الوسائل أبواب الجنابة ب 22 ح 8. (6) الوسائل أبواب الجنابة ب 35 ح 6 و 7.

[ 75 ]

في الموثقة: (فقد انتقض غسله) نفهم ان إعادة الغسل ليس من باب الاحتياط نظير الاعتناء بالشك في أثناء الوضوء بل هو من جهة حدوث جنابة جديدة يترتب عليها احكامها، ومقتضى قوله عليه السلام على المحكي اخيرا: (لان البول لم يدع شيئا) ان احتمال بقاء الشئ في المجرى مراعى ويرفع هذا الاحتمال البول، ولازم ذلك انه ان لم يخرج بلل مشتبهة ولكن بال بعد الغسل اختيارا يجب الغسل، لان ما يخرج اولا من الا حليل يحتمل ان يكون منيا أو مصاحبا مع البول، فما قيل: من أنه في هذه الصورة لا يجب إعادة الغسل - ولعله من جهة انصراف الاخبار محل نظر، لانه وان سلم الانصراف عنه لكن التعليل المذكورة لعله كاف لاثبات وجوب الغسل، وكيف كان فما في قبال ما ذكر من الاخبار الدالة على عدم وجوب الغسل لا مجال للعمل بها بعد اعراض المشهور، هذا كله مع عدم البول والاجتهاد وان اجتهد ولم يبل فهل يحكم على الخارج بكونه منيا ام لا؟ لا يبعد ان يقال: أما مع القطع بعدم بقاء شئ في المجرى فلا إشكال، واما مع الشك فمقتضى الاخبار حيث جعل المدار على البول اعادة الغسل. (ولو احدث بالاصغر في اثناء غسله ففيه اقوال اصحها الاتمام والوضوء) استدل لقول بوجوب اعادة الغسل بعدم ثبوت كون الغسل المتخلل بالحدث رافعا للجنابة، فيستصحب اثرها إلى ان يتحقق المزيل وهو الغسل الواقع عقيب الحدث، ومقتضى استصحاب الجنابة الاجتزاء بغسلها عن الوضوء كما لو شك في اصل الغسل، وبما رواه في المدارك من كتاب عرض المجالس للصدوق عن الصادق عليه السلام قال: (لا بأس بتبعيض الغسل، تغسل يدك وفرجك ورأس: وتؤخر غسل جسدك إلى وقت الصلاة ثم تغسل جسدك إذا اردت ذلك، فان احدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني بعد ما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فأعد الغسل من اوله) (1) وعن الفقه الرضوي عليه السلام ما يقرب منه، (2) اما الرواية فضعيف السند،


(1) الوسائل أبواب الجنابة ب 28 ح 4. (2) المستدرك ج 1 ص 69 ب 20 من أبواب غسل الجنابة ح 1.

[ 76 ]

فان كان مجبورا بالعمل فهو والا فكيف يصير دليلا واما الاستصحاب فهو مبنى على عدم رفع الشك بأصل آخر ولا يخفى ان مقتضى قوله عليه السلام في صحيحة زرارة (وكل شئ امسسته الماء فقد أنقيته) (1) حصول الطهارة بالنسبة إلى بعض الاعضاء فكيف يستصحب جنابة الكل، غاية الامر اشتراط ارتفاع جنابة البقية باعادة غسل ما غسل اولا، ومع هذا كيف يكتفى بالغسل بدون الوضوء ويمكن ان يستدل للقول بكفاية إتمام البقية مع الوضوء باطلاق بعض الاخبار البيانية، والمناقشة فيه بكونه واردا في مقام بيان حكم آخر لاأعرف وجهها، فلاحظ صحيحة زرارة المشتملة على الفقرة المذكورة آنفا، ومع قطع النظر عن ذلك فغاية الامر حصول الشك في المحصل، وقد اشرنا سابقا إلى جريان الاصل فيه والشك في بقاء الجنابة مسبب عن هذا، فإذا رفع مدخلية المشكوك في المحصل لا يبقى الشك في الجنابة حتى يستصحب، وقد يستدل ايضا باستصحاب صحة الاجزاء التالي بها، وفيه نظر لورود الاشكال فيه من جهة احتمال المدخلية في التحاق البقية بما اتى به اولا ومجرد الصحة التأهلية لا يكفي، وهذا الاحتمال لا يرفع بالاستصحاب كما لا يخفى، واما وجوب الوضوء فهو مقتضى لزومه بعد الاحداث خرج ما كان واقعا قبل الغسل إلا ان يتمسك بما دل على عدم الوضوء بعد غسل الجنابة وشموله لما نحن فيه محل تأمل، ومما ذكر ظهر حال القول بكفاية الاتمام بدون الوضوء دليلا وجوابا. (ويجزى غسل الجنابة عن الوضوء، وفى إجزاء غيره تردد اظهره أنه لا يجزى) أما كفاية غسل الجنابة عن الوضوء فاجماعي، ويدل عليه الاخبار، ففي الصحيح عن حكم بن حكيم قال: سألت الصادق عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: (أفض على كفك اليمنى - إلى ان قال: - قلت: ان الناس يقولون: يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل؟ فضحك عليه السلام وقال: أي وضوء انقى من الغسل وأبلغ) (2)


(1) تقدم ص 65. (2) الوسائل أبواب الجنابة ب 33 ح 4.

[ 77 ]

وأما أجزاء غيره من الاغسال فالمشهور عدم الاجزاء، واستدل بالآية الشريفة: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم - الآية -) فانها شاملة لمن اغتسل وغيره، خرج منه الجنب بالنص والاجماع، وما رواه في الكافي (1) في الصحيح عن ابن ابى عمير عن رجل عن الصادق عليه السلام قال: (كل غسل قبله وضوء الا غسل الجنابة) وغيره بهذا المضمون أو ما يقرب منه، والاستدلال بمثل هذا الصحيح لما ذهب إليه المشهور مشكل من جهة ظهوره في اعتبار الوضوء قبل كل غسل الا غسل الجنابة، ولا يلتزم المشهور بوجوب الوضوء قبل الغسل، بل مرادهم عدم الاكتفاء بالغسل، فمن المحتمل استحباب الوضوء قبل الغسل غير غسل الجنابة، ولا ينافى هذا إجزاء الغسل عن الوضوء والاستدلال بالآية ايضا مشكل، فان القيام من النوم موجب لوجوب الوضوء ولا ينافى كفاية الغسل عنه فتأمل، واستدل للقول الآخر بأخبار كثيرة، منها صحيح حكم بن حكيم المتقدم آنفا، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قال: (الغسل يجرى عن الوضوء واي وضوء اطهر من الغسل) (2) واجيب بأن المشهور قد اعرضوا عن العمل بها، وفيه نظر من جهة ملاحظة كلماتهم، حيث اجاب الشيخ (قده) عنها بالحمل على صورة اجتماع غير غسل الجنابة مع غسل الجنابة واجاب المحقق (قده) في المعتبر (3) بأن خبرنا يتضمن التفصيل والعمل بالمفصل اولى وأجاب العلامة (قده) (4) عما رواه الشيخ في الصحيح بالحمل على غسل الجنابة، وعن غيره تارة بضعف السند و اخرى بوجه آخر في بيان المعنى لا يخلو عن الاشكال، واجاب الشهيد (قده) بأن الروايات معارضة بمثلها والترجيح بالشهرة بين الاصحاب، فان ثبت الاعراض فهو وإلا فما ذهب إليه السيد (قده) وتبعه جماعة من متأخرى المتأخرين قوى جدا


(1) المصدر ج 3 ص 45 تحت رقم 13. (2) الوسائل أبواب الجنابة ب 32 ح 1. (3) ص 50 ط 1318 ه‍ (4) راجع مختلف الشيعة ج 1 ص 33.

[ 78 ]

(والثانى غسل الحيض والنظر فيه وفى احكامه وهو في الاغلب دم أسود أو أحمر عليظ حار له دفع) اتصاف الحيض بهذه الصفات يستفاد من الاخبار وشهادة النساء، ففي موثقة اسحاق بن جرير قال: سألتنى إمراة منا أن أدخلها على أبى عبد الله عليه السلام فاستأذنت لها فأذن لها فدخلت ومعها مولاتها - إلى ان قال: - فقالت له: ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ قال: (ان كان ايام حيضها دون عشرة ايام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة، قالت: فان الدم يستمر بها الشهرو الشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تجلس ايام حيضها ثم تغستل لكل صلاتين، قالت له: فان ايام حيضها تختلف عليها وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك فما علمها به؟ قال: دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجدين له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد - الحديث -) (1) ثم انه يقع الاشكال في انه هل هذه الاوصاف المجتمعة امارة شرعية بحيث لو لم يحصل الاطمينان والقطع منها يحكم شرعا بحيضية واجدها، أو امارة عرفية يحصل بها الوثوق والاطمينان، ومع عدم الوثوق لااعتبار بها، قد يقال: ليست هي بأمارة شرعية بحيث تكون ضابطة لمورد الشك، نعم اماريتها ثابتة في خصوص المستمرة الدم كما سيأتي - ان شاء الله تعالى - ووجهه ظهورا لفقرة المذكورة في الموثقة اعني قوله عليه السلام: (دم الحيص ليس به خفاء) فيما ذكر، وفيه نظر من جهة ان احدى السنن المذكورة في رواية يونس الطويلة الرجوع إلى الصفات وعلل ظاهر أبان دم الحيض اسود يعرف والعبارتان محمولتان على معنى واحد، مضافا إلى انه يستفاد من الفقرة المذكورة في مرسلة يونس الا مارية المطلقة لان الحمل على الا مارية في خصوص المورد خلاف الظاهر، كما في التعليلات الواردة في الاخبار. (فان اشتبه بالعذرة حكم لها بتطوق القطنة) فان خرجت مطوقة فهو دم العذرة وان خرجت منغمسة فهودم الحيض لصحيحة خلف بن حماد قال: دخلت على أبى الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام بمنى فقلت له: إن رجلا من مواليك تزوج


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 3 ح 3.

[ 79 ]

جارية معصرا لم تطمث فلما افتضها سال الدم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة ايام وان القوابل اختلفن في ذلك فقال بعضهن: دم الحيض، وقال بعضهن دم العذرة، فما ينبغى لها ان تصنع؟ قال عليه السلام: (فلتتق الله فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر وليمسك عنها بعلها، وان كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها ان احب ذلك، فقلت له: فكيف لهم ان يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغى؟ قال: فالتفت يمينا وشمالا في الفسطاط مخافة ان يسمع كلامه احد قال: فنهد إلى (1) فقال: يا خلف سر الله فلا تذيعوه ولا تعلموا هذا الخلق اصول دين الله بل ارضوا لهم ما رضى الله لهم من ضلال قال: ثم عقد بيده اليسرى تسعين ثم قال: (تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها اخراجا رقيقا، فان كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة، وان كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض - الحديث -) (2) وتطابقها في الحكم صحيحة اخرى، ثم انه قد يقال باختصاص الصحيحتين بما إذا كان الدم مرددا بين دم الحيض والعذرة بدون احتمال كونه من القرحة في الجوف أو الاستحاضة، فيكون عدم التطوق دليلا على عدم كونه من العذرة فيتعين كونه حيضا، وفيه نظر لان الصحيحة الاولى لم يتعرض فيها الا لاختلاف القوابل ومجرد ذلك لا ينفى الاحتمال والصحيحة الثانية لم يتعرض لذلك اصلا، فما وجه التخصيص؟ ولا يبعد ان يقال: مقتضى الصحيحتين ان التطوق علامة شرعية لكون الدم دم العذرة، وعدمه امارة العدم، وبعد انتفائه لم يكن الحكم بكونه دم الحيض من جهة الانغماس حتى يستشكل بأنه يجمع هذا مع كون الدم دم الاستحاضة والقرحة، بل كان الحكم بمقتضى اصالة السلامة، حيث ان دم الحيض طبيعي بخلاف دم الاستحاضة والقرحة، ويمكن ان يستفاد حكم المبتدئة منها، ولا نلتزم باختصاص الصحيحتين بمورد العلم بانتفائهما، ثم انه يستفاد من الصحيحة وجوب الاختبار عليها، والظاهر عدم


(1) أي نهض وتقدم أو قصد إلى. (2) الكافي ج 3 ص 93 باب معرفة دم الحيض.

[ 80 ]

اختصاص لزوم الاختبار بالمورد، بل بالمناسبة يستفاد الاهمية للصلاة تركا وفعلا كما انه يستفاد الحرمة الذاتية للصلاة في صورة كون الدم دم الحيض، ولو تركت الاختبار وصلت وانكشفت المطابقة للواقع فلا يبعد الصحة لولا الاستظهار من بعض الاخبار عدم جواز المضي في الصلاة مع الشك حتى لو انكشفت المطابقة للواقع لكن هذا على فرض دم الحرمة الذاتية، ومعها يقع الاشكال من جهة عدم تمشي قصد القربة، ولا يبعد التمشي حيث انه على تقدير الوجوب يكون المحرك والداعى نحو العمل الامر الا لهي فتأمل جيدا (ولا حيض بعد سن اليأس ولا مع الصغر) ما تراه المرأة من الدم بعد يأسها لا يكن حيضا بلا خلاف نصا وفتوى وانما الخلاف فيما يتحقق به اليأس، قيل: يحصل ببلوغ ستين سنة مطلقا وقيل: يتحقق في غير القرشية ببلوغ خمسين وفيها ببلوغ ستين والحق جماعة بالقرشية النبطية وقيل: يتحقق مطلقا ببلوغ خمسين، ومستند هذا القول إطلاق صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (حد التي قد يئست من المحيض خمسون سنة) (1) وصحيحة الاخرى وفى قبالهما موثقة ابن الحجاج أو حسنتة قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: (ثلاث يتزوجن على كل حال: التى قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض - الحديث -) (2) وفي قبالهما مرسلة ابن ابى عمير التي هي كالصحيحة عندهم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الا أن يكون إمراة من قريش) (3) ومقتضى القاعدة تقييد الطرفين بالمرسلة وان كان التعارض بين الطرفين باقيا وليس الجمع بينهما بما هو مفاد المرسلة جمعا عرفيا كما لا يخفى، لكنه على فرض التخيير أو الترجيح أيضا لابد من الاخذ بمفاد المرسلة الا ان يقال: على فرض الاخذ بالموثقة أو الحسنة يقع التعارض بين المرسلة وبينهما، لانه لو قيدت بالمرسلة


(1) و (2) الوسائل أبواب الحيض ب 31 ح 1 و 6. (3) الوسائل أبواب الحيض ب 31 ح 5.

[ 81 ]

يلزم حمل الموثقة أو الحسنة على النادر بالنسبة إلى النوع، وههنا إشكال وهو أنه كيف يمكن ان يحمل المرسلة على الاخبار عن الواقع مع انه يقرب أمزجة القرشيات من أمزجة غيرهن خصوصا في هذه الاعصار، وان حملت على تحديد الموضوع للآثار الشرعية فاختصاص القرشيات مستبعد، مع انه لم يعبر بعدم التحيض بل عبر بأنه لم ترحمرة، لكن وظيفتنا السمع والطاعة والله العالم وأولياؤه العالمون بمناطات الاحكام، ولا يبعد ان يراد أن القرشية ليست بحيث لم ترحمرة بعد الخمسين بل من شأنها أن ترى الحمرة وان لا ترى، وغير هذه الطائفة الغالب فيهن عدم الرؤية بعد الخمسين وهذا خلاف المشهور، وكيف كان فعلى المشهور لو شك ان المرأة قرشية أو غيرها فقد يقال: ان المرجع اصالة عدم الانتساب إلى قريش ويشكل بأنه ان اريد عدم انتساب المرأة المفروضة الوجود فلا يقين سابقا وان أريد عدم الانتساب الازلي المتحقق مع عدم الموضوع، فلم يحرز ترتب الآثار عليه شرعا بحسب الدليل، بل ظاهر الدليل أن المرأة الموجودة ان كانت قرشية تتحيض إلى ستين وإلا فالى خمسين ولا حالة سابقة معلومة لها، وقد يقال: إن المستثنى هو المرأة القرشية وبعد خروجها ان كانت المرأة الغير القرشية بنحو التقييد تحت العام فلا مجال لاثباتها بالاصل لما ذكر، لكنه لا نحتاج إلى هذا العنوان، بل نقول: الباقي تحت العام المرأة بكل عنوان سوى العنوان المخرج، فمن الباقي مرأة لم تكن بينها وبين قريش انتساب بنحو التركيب من الوجود والعدم لا التقييد، لان هذا العنوان غير العنوان المخرج، وفيه انه لابد في جريان الاصل من ترتب الاثر الشرعي ولم تكن لعدم الانتساب اثر شرعى حتى يستصحب ويمكن ان يقال لتقيد المرأة الموجودة دخل في الحكم بحسب الدليل فيستصحب عدمه من جهة حدوثه بحدوث المرأة، وما يقال: من ان التقييد وعدمه متفرعان على الموضوع وحيث لا موضوع فكيف يقال: لم يكن التقيد سابقا فيستصحب فيه ان لازم هذا ارتفاع النقيضين قبل وجود الموضوع فتأمل جيدا، ولا يخفى أن هذا على تقدير تماميته يكفى لنفي الحكم الوارد على المستثنى ولا يثبت الحكم الوارد على المستثنى منه،

[ 82 ]

ويكفينا في المقام من جهة ان التحيض إلى خمسين مفروغ عنه سواء كانت قرشية أو غير قرشية واما مع الصغر فليس الدم حيضا اجماعا يدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد الله عليها لسلام: (ثلاث يتزوجن على كل حال - وعد منها - التى لم تحض ومثلها لا تحيض، قال: قلت: متى يكون كذلك؟ قال: ما لم تبلغ تسع سنين) (1) وهنا اشكال مشهور وهو انه قد صرح الفقهاء رضوان الله عليهم بأن ما تراه الصبية قبل إكمال التسع ليس بحيض، وقد عدوا من أمارات البلوغ الحيض، فمع اشتراط البلوغ كيف يحرز الحيضية مع عدم العلم بحصول الشرط حتى يصير علامة للبلوغ وحله انه يمكن حصول الوثوق والاطمينان بملاحظة الاوصاف فمع عدم العلم بالبلوغ يستكشف الحيضية ويستكشف بها البلوغ، ومع العلم بعدم البلوغ لا اعتبار بالامارة للقطع بخلافها (وهل يجتمع الحيض مع الحمل فيه روايات اشهرها انه لا يجتمع) قيل: الاظهر الاشهر خلافه، ويدل عليه أخبار كثيرة، منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الحبلى ترى الدم وهى حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر هل تترك الصلاة؟ قال: (تترك الصلاة إذا دام) (2) واستدل للقول الاول برواية السكوني عن جعفر عن ابيه عليهما السلام انه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل، يعنى إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصلاة الا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة) (3) وبروايتين اخريين احديهما صحيحة لا تتم دلالتهما واجيب عن رواية السكوني بضعف السند استدل ايضا لهذا القول بالاخبار المستفيضة الواردة في استبراء السبايا بالحيضية، وكذا الجوارى المنتقلة ببيع أو غيره، والموطوءة بالزنا والامة المحللة للغير واجيب اولا بأنه يكفى حكمة مشروعية الاستبراء غلبة عدم الاجتماع وثانيا بأنه لا اثر للقول بالاجتماع وعدمه في هذا المقام، لانها بعد أن رأت دما مستمرا صالحا لان يكون حيضا


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 31 ح 6. (2) و (3) المصدر ب 30 ح 2 و 12.

[ 83 ]

يجب عليها ترتيب آثار الحيضية ويتحقق به الاستبراء في مرحلة الظاهر، غاية الامر انه يظهر اثر القولين بعد استبانة الحمل بالنسبة إلى بعض عباداتها التي تركتها عند رؤية الدم، واما فيما نحن فيه فلا، إذ بعد استبانة الحمل واستكشاف عدم براءة الرحم لا فرق بين أن يحكم بأن ما رأته كان حيضا أو استحاضة كما لا يخفى ويمكن أن يقال معنى الطريقية جعل الملازمة بين الطريق وذي الطريق، وانتفاء الملزوم مستلزم لانتفاء اللازم شرعا فيما كان للشارع تصرف فيه كالحيض، دون ما ليس للشارع فيه تصرف بل هو من باب خطأ الطريق وتخلفه عن الواقع، نعم لو كان الطريق إلى عدم الحمل رؤية دم يكون بنظر العرف حيضا لتم ما افيد - وهو كما ترى - وهذا لا ينافي ترتيب آثار الحيض ما لم يستبن الحمل ظاهرا، لانه بعد الاستبانة يستكشف عدم كونه حيضا بمقتضى الملازمة المجعولة وبذلك ظهر التأمل فيما افيد، حيث لا يرفع اليد عن الملازمة المجعولة الا مع القطع بالتخلف، وفيما نحن فيه لا قطع، ولعل نظر المحقق (قده) - حيث نسب القول بعدم اجتماع الحيض مع الحمل إلى أشهر الروايات - إلى هذه الروايات فليس محل التعجب، وعلى هذا يقع التعارض فيدور الامر بين رفع اليد عن تلك الاخبار الصحيحة الصريحة في جواز الاجتماع، أو التصرف في هذه بتخصيص الملازمة بصورة الشك، فكأنه قطع بالتخلف، نعم لو لم تكن تلك الاخبار كانت دلالتها تامة ثم ان هنا قولين آخرين: احدهما ما حكي عن الشيخ من التفصيل بين ما تجده المرأة الحامل في ايام عادتها وبين ما تجده بعد ذلك بعشرين يوما والآخر التفصيل بين صورة استبانة الحمل وعدمها والدليل صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف: (إذا رأت الحامل الدم بعدما يمضي عشرون يوما من الوقت الذى كانت ترى فيه الدم من الشهر الذى كانت تعتد فيه فان ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث فلتتوضأ وتحتشي بكرسف وتصلي وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذى كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فانه من الحيضة) (1) واستدل للقول الآخر أيضا بهذه


(1) الوسائل أبواب الاستحاضة ب 10 ح 7.

[ 84 ]

الصحيحة واجيب بحملها على الحكم الظاهرى في مقام العمل من دون النظر إلى الواقع تحاشيا عن التصرف في تلك الاخبار الكثيرة ولا يخفى بعد الحمل على هذا، مضافا إلى ان تلك الاخبار بعضها ظاهرة في رؤية الدم ايام عادتها وبعضها مجملة وبعضها يكون السؤال فيها عن إمكان رؤية الدم، وبعضها مطلقة فتقييدها اولى الا ان يثت لاعراض عن الصحيحة ولم يثبت. (واكثر الحيض عشرة ايام وأقله ثلاثة) وأكثر الطهر، كل ذلك ادعى عليه الاجماع ويدل عليه النص، انما الاشكال في اشتراط التوالى في الحيض بمعنى أنه هل يشترط ان تكون الثلاثة متوالية؟ أو يكفى كونها في جملة العشرة، فالمشهور على الاول وعن جماعة اختيار الثاني، بل يظهر من بعض كفاية كونها في مدة لا يتخلل بين أبعاضها الفصل بأقل الطهر، واستدل للمشهور بالاخبار المستفيضة الدالة على ان اقل الحيض ثلاثة والمتبادر منها التوالى، ففي صحيحة صفوان بن يحيى قال: سألت ابا الحسن الرضا عليه السلام عن ادنى ما يكون من الحيض؟ فقال: (ادناه ثلاثة وابعده عشرة) (1) وبهذا المضمون غيرها واطلاق الحيض على اتصاف المرأة بكونها حائضا ولو مع النقاء مجاز لا يصار إليه بدون دليل وفى قبالها مرسلة يونس عن الصادق عليه السلام قال: (ادنى الطهر عشرة ايام وذلك ان المرأة اول ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم فيكون حيضها عشرة ايام فلا تزال كلما كبرت نقصت حتى ترجع إلى ثلاثة ايام فإذا رجعت إلى ثلاثة ايام ارتفع حيضها ولا يكون اقل من ثلاثة ايام، فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فان استمر بها الدم ثلاثة ايام فهى حائض، وان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة ايام، فان رأت في تلك العشرة ايام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة ايام فذلك الذى رأته في اول الامر مع هذا الذى رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض وان مربها من يوم رأت الدم عشرة ايام ولم تر الدم فذلك اليوم واليومان الذى رأته لم يكن من الحيض انما


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 10 ح 2.

[ 85 ]

كان من علة اما من قرحة في جوفها واما من الجوف فعليها ان تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها، لانها لم تكن حائضا وفيجب ان تقضي ما تركت من الصلاة في اليوم واليومين وان تم لها ثلاثة ايام فهو من الحيض وهو ادنى الحيض ولم يجب عليها القضاء ولا يكون الطهر اقل من عشرة ايام، وإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة ايام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت، فان رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة ايام فذلك من الحيض تدع الصلاة، فان رات الدم من أول ما رات الثاني الذي رأته تمام العشرة ايام ودام عليها عدت من اول ما رأت الدم الاول والثانى عشرة ايام ثم هي مستحاضة تعمل من تعمله المستحاضة، وقال: كلما رأت المرأة في ايام حيضها من صفرة أو حمزة فهو من الحيض، وكلما رأته بعد ايام حيضها فليس من الحيض) (1) وهذه الرواية صريحة في خلاف المشهور من عدم اعتبار التوالى في الثلاثة وقد يقال بحكومتها على الاخبار الدالة على اعتبار التوالى ولا اعرف وجه الحكومة لان الحكومة المتصورة في المقام بأن يجعل الثلاثة المتفرقة ثلاثة متوالية تنزيلا ولا يستفاد من المرسلة هذا المعنى، فلا يبعد ان يقال: ان جعلنا الانصراف إلى الثلاثة المتوالية في تلك الاخبار بمنزلة التقييد اللفظى يقع التعارض بينها وبين المرسلة، فان منع من ملاحظة الترجيح والتخيير في امثال المقام مما كان بعض من كلا الطرفين معمولا به، كما في العامين من وجه حيث لا يساعد العرف على طرح السند بالنسبة إلى البعض والاخذ به بالنسبة إلى البعض الآخر، فالمرجع العمومات ان كانت على تأمل في هذا والا فالمرجع هو الاصل وقد يقال: الاصل عدم الحيض وفيه إشكال لان الموضوع الخارجي اعني ذات الموضوع بالحمل الشائع لاشبهة فيه، لانه ان كانت ثلاثة متوالية فلم يتحقق قطعا وان كانت اعم منها ومن المتفرقة فقد تحققت قطعا وقد يقال: باستصحاب احكام الطاهر من وجوب الصوم والصلاة وغيره، وهذا يتم لو فرض رؤية الدم في مثل الصلاة بعد دخول الوقت واما لو كان قبل دخول الوقت فمبني على تقدم


(1) الكافي ج 3 ص 76 تحت رقم 5.

[ 86 ]

استصحاب الحكم المتعلق على الحكم المنجز وهو محل إشكال، واما التمسك بالعمومات فهو مبنى على إجمال المخصص مفهوما وما نحن فيه ليس كذلك، لان دليل حرمة الصلاة مثلا بالنسبة إلى الحائض في ايام حيضهالا إجمال فيه، حيث ان الحيض من الموضوعات العرفية المعروفة عندهم وانما الشك في التخطئة والتحديد ومع الشك المرجع ما هو المعروف عندهم ويمكن ان يجعل هذا دليلا مستقلا للمخالفين للمشهور هذا مع انه ليس المقام من باب الرجوع إلى العام في الشبهة المفهومية، بل من باب تعارض العام والخاص مع خاص آخر، ومقتضى القاعدة تساقط الطرفين، ويمكن ان يقال: ان مادل على اعتبار التوالى غاية الامر ظهورها فيه، ومرسلة يونس مع اعتبارها نص في عدم الاعتبار، والقاعدة رفع اليد عن الظاهر بواسطة النص لو لم نقل بالحكومة، حيث حكم بكون الدم المرئى في الثلاثة الغير المتوالية من الحيض وان كان يشكل تقريب الحكومة بأنه لم يقتصر في المرسلة بهذا، بل حكم فيها بأنه ادنى الحيض، فالتعارض واقع، ومما ذكر ظهر الوجه في قوله (قده): (فلو رأت يوما أو يومين فليس بحيض ولو كملت ثلاثا في جملة عشرة فقولان المروى انه حيض وما تراه المرأة بين الثلاثة إلى العشرة فهو حيض وان اختلف لونه ما لم تعلم انه لعذرة أو قرح) وقد قيدوا الدم بكونه مما يمكن ان يكون حيضا، ولا خلاف في الحكم في الجملة، وانما الاشكال في المراد من الامكان الذى جعلوه قيدا، فهل هو مجرد احتمال، أو الامكان بالنظر إلى القواعد المقررة شرعا؟ كأن لا يكون أقل من الثلاثة والا ازيد من العشرة ولايكون بعد اليأس، وتظهر الثمرة في أنه على الاول يحكم بالحيضية ولو لم يحرز الشرائط، بحيث لو غفلت عن الشرائط واحرازها يحكم بالحيضية وعلى الثاني لا بد من احرازها ومع عدم الاحراز يعمل بالاصل، قد يقرب الاول من جهة اصالة السلامة، حيث ان دم الحيض طبيعي بخلاف سائر الدماء حتى الاستحاضة، نعم مع طرو عارضة كالافتضاض ووجود القرحة في الجوف لابد من إحراز عدم كونه من جهة العارضة

[ 87 ]

بالعلامات المقررة كالتطوق والخروج من الجانب الايمن ومن جهة ما يظهر من الاخبار الكثيرة حيث حكم فيها بالتحيض بمجرد رؤية الدم، ولا يبعد ان يقال: ان كانت التحديدات الشرعية مبينة لنفس الدم المعهود وكان الدم ملازما لتلك الحدود غالبا تم ما افيد، واما ان كانت تلك الحدود حدودا لموضوع الآثار، كما لو رأت الدم وحصل لها القطع بكونه حيضا وانقطع بالعلاج أو بجهة اخرى، حيث لا يلتزمون بترتب آثار الحيض عليه، فبواسطة اصالة السلامة كيف يحرز الحيض ولعل الحكم في الاخبار بالتحيض بمجرد الرؤية كان احتياطا بملاحظة اهمية حرمة العبادات، ألا ترى أن المرأة ذات العادة تترك العبادة مع تجاوز الدم عن العادة وتلاحظ ان انقطع إلى العشرة تجعله حيضا وان انقطع بعد العشرة تجعل ايام العادة حيضا وغيرها استحاضة، فالقدر المسلم الحكم بحيضية الدم الغير المقرون مع الموانع الشرعية الغير الفاقد للشرائط وعدم المانع وتحقق الشرط لابد من احرازهما ومجرد الشك في المانع مع احراز المقتضى لا يكفي في ترتب الاثر على المقتضى لعدم الدليل عليه. (ومع تجاوز العشرة ترجع ذات العادة إليها) فنجعل ايام العادة حيضا وما سواها استحاضة، هذا مع عدم معارضة التمييز بالصفات مسلم متفق عليه ظاهرا، ويدل عليه النصوص فان اجتمع لها مع العادة تمييز وكانا متعارضين بأن اقتضت حيضية كل منهما نفى الآخر قيل كما عن المشهور: تعمل على العادة وقيل: على التمييز كما عن الخلاف والمبسوط وقيل بالتخيير كما عن ظاهر الوسيلة، قيل المتعين القول المشهور من جهة التصريح في مرسلة يونس الطويلة بتقديم العادة على الصفات وان ذات العادة سنتها خصوص ايام عادتها، ومن جهة ما في موثقة اسحاق بن جرير من قوله عليه السلام - بعد قول القائل فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: (تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين) (1) هذا وكلنه لا يستفاد من الموثقة تقديم العادة على التمييز


(1) الكافي ج 3 ص 91 تحت رقم 3.

[ 88 ]

بل المستفاد منها تعيين ايام الحيض التى تتقدم وتتأخر بواسطة التمييز واما المرسلة الطويلة فشمولها لمطق ذات العادة محل تأمل ولننقل المرسلة متيمنا بها، فنقول: روى الكليني (قده) (1) عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن عن غير واحد انهم سألوا ابا عبد الله عليه السلام عن الحائض والسنة في وقته؟ فقال عليه السلام: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله سن في الحائض ثلاث سنن، بين فيها كل مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لا يدع لاحد فيها مقالا بالرأى اما إحدى السنن فالحائض التي لها ايام معلومة قد احصتها بلا اختلاط عليها ثم استحاضت فاستمر بها الدم وهي في ذلك تعرف ايامها ومبلغ عددها، فان امرأه يقال لها فاطمة بنت ابى حبيش استحاضت فاستمر بها الدم فأتت ام سلمة فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: تدع الصلاة قدر اقرائها أو قدر حيضها، وقال: انما هو عزف (2) فأمرها ان تغتسل وتستثفر بثوب وتصلي، قال أبو عبد الله عليه السلام: هذه سنة النبي صلى الله عليه وآله في التي تعرف ايام اقرائها ولم يختلط عليها، ألا ترى انه لم يسألها كم يوم هي ولم يقل: إ ذا زادت على كذا يوما فانت مستحاضة وانما سن لها اياما معلومة ما كانت لها من قليل أو كثير بعد ان تعرفها وكذلك افتى أبى عليه السلام وسئل عن المستحاضة فقال: انما ذلك عزف عامر أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلاة أيام اقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل الصلاة قيل: وإن سال؟


(1) الكافي ج 3 ص 83 إلى 88. (2) في النهاية: (العزف اللعب بالمعازف وهى الدفوف وغيرها مما يضرب، و قيل: ان كل لعب عزف، وفي حديث ابن عباس كانت الجن تعزف الليل كله بين الصفا والمروة، وعزيف الجن جرس اصواتها، وقيل: هو صوت يسمع كالطبل بالليل، وقيل: انه صوت الرياح في الجو فتوهمه أهل البادية صوت الجن وعزيف الرياح ما يسمع من دويها) ا ه‍. وقال صاحب الوافى: (كان المراد أنه لعب الشيطان بها في عبادتها كما يدل عليه قول الباقر عليه السلام: " عزف عامر " فان عامر اسم الشيطان). انتهى كلامه وفي روايات العامة في صحاحهم وبعض نسخ الكافي " عرق " ههنا وفي ما يأتي - بكسر العين = >

[ 89 ]

قال: وان سال مثل المثعب (1) قال أبو عبد الله عليه السلام: هذا تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وهو موافق له، فهذه سنة التي تعرف ايام اقرائها، لا وقت لها الا ايامها قلت أو كثرت، واما سنة التي قد كانت لها ايام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى اغفلت عددها وموضعها من الشهر فان سنتها غير ذلك، وذلك ان فاطمة بنت ابى حبيش أتت النبي صلى الله عليه وآله فقالت: انى أستحاض ولا أطهر؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: ليس ذلك بحيض وانما هو عزف فإذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلى وكانت تغتسل في [ وقت ] كل صلاة وكانت تجلس في مركن لاختها وكانت صفرة الدم تعلو الماء فقال أبو عبد الله عليه السلام: اما تسمع رسول الله صلى الله عليه وآله امر هذه بغير ما امر به تلك الا ترى انه لم يقل لها: دعى الصلاة ايام اقرائك ولكن قال لها: إذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي، فهذه يبين ان هذه إمرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها ولا وقتها، الا تسمعها تقول: انى استحاض ولا اطهر، وكان ابى عليه السلام يقول: انها استحيضت سبع سنين ففي اقل من هذا تكون الريبة والاختلاط فلهذا احتاجت إلى أن تعرف اقبال الدم من إدباره وتغير لونه من السواد إلى غيره، وذلك ان دم الحيض اسود يعرف، ولو كانت تعرف ايامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم لان السنة في الحيض ان تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في ايام الحيض إذا عرفت حيضا كله ان كان الدم اسود أو غير ذلك، فهذا يبين لك أن قليل الدم وكثيره ايام الحيض حيض كله إذا كانت الايام معلومة فإذا جهلت الايام وعددها احتاجت إلى النظر حينئذ إلى إقبال الدم وإدباره وتغير لونه من السواد ثم تدع الصلاة على قدر ذلك، ولا أرى النبي صلى الله عليه وآله قال لها: اجلسي كذا وكذا يوما فما زادت فأنت مستحاضة كمالم يأمر الاولى بذلك، وكذلك أبي


= > واسكان الراء والقاف - وفسره بعضهم بان معناه انه حدث لها بسبب تصدع العروق فاتصل الدم وليس ما تراه دم الحيض الذى يقذفه الرحم لميقات معلوم. (1) في الصحاح ثعبت الماء ثعبافجرته، والثعب - بالفتح - واحد مثاعب الحياض ا ه‍. وفي الوافى مثاعب المدينة مسائل مائها.

[ 90 ]

عليه السلام افتى في مثل هذا وذلك أن امرأة من اهلنا استحاضت فسألت ابى عليه السلام عن ذلك فقال: إذا رايت الدم البحراني فدعى الصلاة وإذا رأيت الطهر ولو ساعة من نهار فاغتسلي وصلى، قال أبو عبد الله عليه السلام: وأرى جواب أبى ههنا غير جوابه في المستحاضة الاولى الا ترى انه قال: تدع الصلاة ايام اقرائها لانه نظر إلى عدد الايام وقال ههنا: إذا رأت الدم البحراني فلتدع الصلاة، وامر ههنا أن تنظر إلى الدم إذا اقبل وإذا أدبر وتغير، وقوله: (البحراني) شبه معنى قول النبي صلى الله عليه وآله ان دم الحيض أسود يعرف وانما سماة ابى بحرانيا لكثرته ولونه، فهذه سنة النبي صلى الله عليه وآله في التى اختلط عليها ايامها حتى لا تعرفها وانما تعرفها بالدم ما كان من قليل الايام وكثيره، قال: واما السنة الثالثة فهي التي ليس لها أيام مقدمة ولم تر لدم قط ورأت أول ما ادركت واستمر بها، فان سنة هذه غير سنة الاولى والثانية وذلك أن امرأه يقال لها حمنة بنت جحش أتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إنى استحضت حيضة شديدة؟ فقال لها: احتشي كرسفا، فقالت: انه اشد من ذلك انى اثجة ثجا؟ فقال: تلجمي وتحيضي (1) في كل شهر في علم الله ستة ايام أو سبعة ايام، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين واغتسلي للفجر غسلا واخري الظهر وعجلي العصر واغتسلي غسلا، واخرى المغرب وعجلى العشاء واغتسلي غسلا، قال أبو عبد الله عليه السلام: فأراه قد سن في هذه غير ما سن في الاولى والثانية وذلك لان امرها مخالف لامر هاتيك، الا ترى أن ايامها لو كانت اقل من سبع وكانت خمسا أو اقل من ذلك ما قال لها: تحيضي سبعا


(1) في النهاية: الثلج: سيلان دماء الهدى والاضاحي يقال: ثجه ثجا، ومنه حديث ام معبد (تحلب منه ثجا) أي لبنا سائلا كثيرا. وقال الطريحي - رحمه الله - في حديث المستحاضة (استثعرى وتلجمى) أي اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم تشبيها باللجام في فم الدابة ومثله حديث حمنة بنت جحش: (تلجمى وتحيضى في كل شهر ستة أيام أو سبعة). قال في المغرب: التلجم: شد اللجام واللجمة وهى خرفة عريضة تشدها المرأة ثم تشد بفضل من احدى طرفيها ما بين رجليها إلى الجانب الاخر وذلك إذا غلب سيلان الدم. انتهى.

[ 91 ]

فيكون قد امرها بترك الصلاة اياما وهي مستحاضة غير حائض، وكذلك لو كان حيضها اكثر من سبع وكانت ايامها عشرا أو أكثر لم يأمرها بالصلاة وهي حائض، ثم مما يزيد هذا بيانا قوله عليه السلام لها: (تحيضي) وليس يكون التحيض إلا للمرأة التي تريد ان تكلف ما تعمل الحائض، الا تراه لم يقل لها أياما معلومة تحيضي أيام حيضك ومما يبين هذا قوله عليه السلام لها (في علم الله) لانه قد كان لها وان كانت الاشياء كلها في علم الله، فهذا بين واضح ان هذه لم تكن لها ايام قبل ذلك قط وهذه سنة التي استمر بها الدم اول ما تراه اقصى وقتها سبع واقصى طهرها ثلاث وعشرون حتى يصير لها أياما معلومة فتنتقل إليها، فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث لاتكاد ابدا تخلو من واحدة منهن ان كانت لها ايام معلومة من قليل أو كثير فهي على ايامها وخلقتها التي جرت عليها ليس فيها عدد معلوم موقت غير ايامها، فان اختلطت الايام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم الوانا فسنتها اقبال الدم وإدبار وتغير حالاته، وان لم يكن لها ايام قبل ذلك واستحاضت اول ما رأت فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون، فان استمر بها الدم اشهرا فعلت في كل شهر كما قال لها، فان انقطع الدم في اقل من سبع أو أكثر من سبع فانها تغتسل ساعة ترى الطهر وتصلي، ولا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني، فان انقطع الدم لوقته في الشهر الاول (سواء) حتى توالى عليه حيضتان أو ثلاث فقد علم (الآن) أن ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا تعمل عليه وتدع ما سواه وتكون سنتها فيما تستقبل ان استحاضت فقد صارت سنة إلى ان تحبس اقراءها وانما جعل الوقت ان توالي عليه حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله صلى الله عليه وآله للتي تعرف ايامها: (دعى الصلاة ايام اقرائك) فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول: دع الصلاة ايام قرئك ولكن سن لها الاقراء وادناه حيضتان فصاعدا، وان اختلطت عليها ايامها وزادت ونقصت حتى لا تقف منها على حد ولا من الدم على لون عملت باقبال الدم وادباره وليس لها سنة غير هذا القول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي) ولقوله

[ 92 ]

عليه السلام: ان دم الحيض اسود يعرف، كقول ابى عليه السلام: إذا رأيت الدم البحراني فان لم يكن الامر كذلك ولكن الدم اطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون، لان قصتها كقصة حمنة حين قالت: (أنى أثجة ثجا) انتهى الخبر الشريف. وجه التأمل في شمول المرسلة لمطلق ذات العادة انه صرح فيها بمعرفة القدر حيث ذكر فيها: (وهي في ذلك تعرف ايامها ومبلغ عددها) ولعله يظهر منها اعتبار معرفة الوقت ايضا، لان الظاهر منها أن العادة لا يحتاج إلى شئ آخر، ومن المعلوم ان ذات العادة العددية متحيرة إذا استحاضت في جعل العدد من أول الشهر أو وسطه أو آخره، فكيف لا يحتاج إلى شئ آخر؟ بل الظاهر من الموثقة حيث ذكر تقدم ايام العادة وتأخرها تعيين الوقت بالصفات، فلو كانت ذات عادة عددية وفرض العادة اقل من العشرة وكان الدم بلون واحد بصفة الحيض إلى العشرة فما زاد يشكل الحكم بالاقتصار بالعدد المعلوم، وجعل متمم العشرة استحاضة كما هو المطلوب. (والمبتدئة والمضطربة) ترجعان (إلى التميز) أما المبتدئة والمراد منها المعنى الاعم: اي من لم يستقر لها عادة، سواء كانت رؤيتها الدم اول رؤيتها أم لم تكن ولكن لم تستقر لها عادة، فالمعروف رجوعها أولا إلى الصفات، وادعى عليه الاجماع والمتيقن من معقده هو المبتدءة بالمعنى الاخص ويدل عليه مطلقا المعتبرة المستفيضة: منها حسنة حفص بن البخترى قال: دخلت على الصادق عليه السلام امراة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري احيض هو اغيره؟ قال: فقال لها: (ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاصة اصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة - الحديث -) (1) ومنها موثقة إسحاق بن جرير المذكورة في أول البحث وغيرها وفى قبالها مرسلة يونس الطويلة المذكورة آنفا، حيث يظهر منها أن الرجوع إلى الصفات مخصوص بالمضطربة،


(1) الكافي ج 3 ص 91 باب معرفة دم الحيض.

[ 93 ]

ووظيفة المبتدئة التحيض بالست أو السبع لا الرجوع إلى الصفات، لكنه بملاحظة ذيل الرواية، حيث فرض الدم على لون واحد وحالة واحدة يظهر اختصاص الحكم المذكور بفاقد التمييز، فمقتضى حصر السنن في الثلاث كون المبتدئة مع وجدان التمييز مشمولة للنسة الثانية، لعدم تصور كونها مشمولة للسنة الاولى الا ان يقال ان كان هذا - اعني كون الدم على لون واحد وحالة واحدة - قيدا لهذا الحكم فخصوصية الاحتلاط والاضطراب ايضا قيد للحكم السابق، نعم يقع الاشكال من جهه ان أخذ الخصوصيات مناف للحصر، ومع الاجمال فلا معارض بتلك الاخبار. وأما المضطربة فمرجعها التمييز للمرسلة الطويلة، ومرادهم من المضطربة الناسية للوقت والعدد اعم من ان يكون من جهة طول المدة أو من جهة اخرى، والمرسلة لا تشمل غير الاولى، لكن مقتضى الحصر المذكور فيها اندراج الثانية ايضا فيها، بناء على إلغاء الخصوصية المأخوذة في الموضوع من جهة حصر السنن في السنن الثلاثة، ثم ان قدر المتيقن هو الرجوع إلى التمييز مع اجتماع سائر الشرائط بأن لا يكون واجد الصفة اقل من الثلاثة ولا ازيد من العشرة، وتخلل أقل الطهر بين الموصوف وبين الدم الآخر المحكوم بالحيضية ومع عدم الاجتماع يقع الاشكال في الالحاق وعدمه، ولا يبعد ان يقال: ان الادلة وان لم تشمل صورة عدم اجتماع الشروط ولو بواسطة المقيدات الخارجية، لكنه بعد البناء على أمارية الصفات عرفا وشرعا يوخذ بمؤداها مهما أمكن، مثلا لو رأت الدم اسود خمسة عشر يوما ورأته اصفر خمسة عشر يوما يستكشف كون الحيض في النصف الاول لا الثاني، فليس لها التحيض في النصف الثاني وجعل النصف الاول استحاضة. (ومع فقده ترجع المبتدئة إلى عادة اهلها وأقرانها، فان لم يكن أو كن مختلفات رجعت هي والمضطربة إلى الروايات وهي ستة من كل شهر أو سبعة أو ثلاثة من شهر وعشرة من آخر) أما رجوع المبتدئة إلى عادة اهلها فهو المشهور ويدل عليه مضمرة سماعة قال: سألته عن جارية حاضت اول حيضها فدام دمها ثلاثة اشهر وهي لا تعرف ايأم إقرائها؟ فقال: (اقرائها مثل اقراء نسائها، فان كن

[ 94 ]

نساؤها مختلفات فاكثر جلوسها عشرة وأقله ثلاثة ايام) (1) والرواية معمول بها فلا يضرها الاضمار، وبناؤهم على تقييد المرسلة الطويلة بالمضمرة، ولا يخفى ما فيه من الاشكال من جهة اباء المرسلة عن التقييد، فتقييدها بمنزلة طرحها والحال انها معمول بها، والتأويل مشكل جدا، ومع ذلك لا مناص عن العمل بالمشهور وان كان يوجب طرح المرسلة لان المضمرة مخالف للمرسلة بنحو التباين لا التقييد، لان المصرح به في المرسلة ان اقصى وقتها سبع واقصى طهرها ثلاث وعشرون، بخلاف المضمرة فتأمل، ثم انه يبعد ان يكون المراد منها المماثلة مع اقراء جميع النساء الاقارب لندرة المماثلة، فلا يبعد ان يراد المماثلة مع المعظم، كما ان الظاهر المماثلة بحسب العدد دون الوقت، ولعلها تستظهر من ذيل المضمرة، واما الرجوع إلى الاقران فلاتجدله دليلا يعتد به الا بعض الاعتبارات الطنية، ومع عدم النساء الاقارب أو اختلافهن جعلت حيضها في كل شهرستة أو سبعة، كما في مرسلة يونس الطويلة أو تتحيض عشرة من شهر وثلاثه من شهر، كما قد يدعى استفادته من المضمرة المذكورة آنفا، أو التخيير بين الثلاثة إلى العشرة كما هو الظاهر من المضمرة، أو ثلاثة في كل شهر كما يدل عليه موثقتا ابن بكير اوليهما في المرأة (إذا رأت في اول حيضها فاستمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة عشرة ايام ثم تصلى عشرين يوما، فان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما) (2) لا يبعد ان يقال بالتخيير بين الثلاثة والعشرة برفع اليد عن ظهور ما يظهر منه التعيين بنص الآخر أو بما هو كالنص أو أظهر، وبعبارة اخرى ظهور المضمرة في جواز التحيض بالثلاثة إلى العشرة اقوى من ظهور الموثقين في تعيين الثلاثة فيقدم عليهما وقد يتأمل في تقدمه على ظهور المرسلة في تعين الستة والسبعة، لكنه لا يبعد تقدمه عليه ايضا بقرينة التعبير بلفظ (أو) مع ان الظاهر ليس الترديد للراوى، فلعل الحصر بلحاظ الافضلية، والظاهر


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 8 ح 2. (2) المصدر ج 5 و 6.

[ 95 ]

عدم إمكان المعاملة بينهما معاملة الخبرين المتعارضين من الترجيح والتخيير، حيث ان كلا منهما معمول به في الجملة، فالترجيح أو التخيير مساوق لطرح الخبر سندا من جهه بعض مدلوله والاخذ بالسند من جهة البعض الآخر، والعرف لا يساعد هذا، هذا كله في المبتدئة، واما المضطربة إذا كنت للتميز فيشكل استفادة حكمها من الادلة المذكورة لانها متعرضة لحكم المبتدئة وان كانت المرسلة متعرضة لحكم المضطربة مع وجدان التميز، فاثبات الحكم المذكور لها اما لعدم القول بالفصل بينها وبين المبتدئة واما للحصر المستفاد من المرسلة، فحيث لم تكن لها عادة ولا تمييز فلابد من الحكم بالتحيض بالستة أو السبعة فمع عدم التعين في الستة أو السبعة بقرينة سائر الاخبار، يرفع اليد عن ظهورها في التعيين بالنسبة إلى المبتدئة والمضطربة كليهما، لكنه مع هذا اثبات التخيير بين الثلاثة إلى العشرة مشكل، لعدم الدليل غير ما يدعى من عدم الفصل، وكيف يدعى هذا؟ مع ان المنقول عن المبسوط وابن حمزة القطع بتخير المبتدئة بين السبعة والثلاثة والعشرة، وإيجاب العمل بالاحتياط في المتحيرة، وبما ذكر ظهر عدم تمامية دلالة الادلة المذكورة لاثبات ما قال (قده): أو يتحيضان ثلاثة من شهر وعشرة من شهر آخر. (وتثبت العادة باستواء شهرين في ايام رؤية الدم ولا تثبت بالشهر الواحد) بلا خلاف فيه وادعى عليه الاجماع، ويدل عليه موثقه سماعة، قال فيها: (فإذا اتفق شهران عدة ايام سواء فتلك ايامها) ومرسلة يونس الطويلة، حيث قال فيها: (وان انقطع الدم في اقل من سبع أو أكثر من سبع فانها تغتسل ساعة ترى الطهر وتصلي، فلا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني - إلى ان قال: - وانما جعل الوقت ان توالى حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: للتي تعرف ايامها (دعي الصلاة ايام اقرائك) فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول لها: (دعي الصلاة ايام قرئك) ولكن سن لها الاقراء وادناه حيضتان الحديث) والموثقة صريحة في اعتبار التوافق العددى، ومجملة من جهة الوقت، و

[ 96 ]

المرسلة صريحة في اعتبار التوافق بحسب وقت الانقطاع ومجملة من جهة وقت الشروع، وكلاهما ظاهرتان في اعتبار التوافق في شهرين، فالقدر المتيقن هو صورة التوافق عددا ووقتا في شهرين، وغير هذه الصورة ان تم الاجماع على حصول العادة فيها بمجرد التوافق مرتين فيها والا ففيه اشكال، من جهة انه ربما يشك بنظر العرف في حصول العادة فيها بمجرد التوافق مرتين، لا يقال: سياق الروايتين يأبى عن التعبد خصوصا المرسلة، لانه يقال: لعل العرف يساعد في صورة التوافق عددا ووقتا، لكنه ان التزمنا بذلك فلابد من الالتزام بحصول العادة بالتوافق مرتين في شهر واحد، كما لو رأت الدم لاثة ايام ثم رأت الطهر عشرة ايام ثم رأت الدم ثلاثة ايام وانقطع، فيقال: اعتادت رؤية ثلاثة ايام بعد كل عشرة الا ان يفرق بنظر العرف بين التكرر في شهرين والتكرر في شهر، ولا يبعد ان يدعى ظهور موثقة سماعة في اعتبار التوافق العددى ولو مع الاختلاف في الوقت، ثم ان مقتضى طريقية الصفات - كما يظهر من المرسلة وغيرها - حصول العادة مع التوافق في شهرين عددا ووقتا على المبنى، ومع تحقق العادة تقدم على الصفات، كما لو رأت الدم في الشهر الثالث واجدا للصفات في غير ايام العادة الحاصلة بواسطة الصفات لتقدم العادة على الصفات، على ما دل عليه المرسلة الطويلة ولا استغراب في ذلك الا ان يقال: مقتضى اطلاق المرسلة ان كل من ليس له خلق معروف ووقت معروف بالمعنى الذى ذكر في المرسلة - اعني مالو احرز بالوجدان - سنتها ان ترجع إلى الصفات، فيقع التعارض حيث ان مقتضى طريقية الصفات كونها ذات عادة، وذات العادة سنتها أن ترجع إلى العادة دون الصفات، ومقتضى الاطلاق المذكور الرجوع إلى الصفات وليسا في مكانين منفصلين حتى يقال: يدور بين التخصيص والتخصص، والتخصص مقدم على التخصيص الا ان يقال كما يجمع بين الكلامين المنفصلين بما ذكر كذلك لو ظهر التنافى في كلام واحد يجمع بما ذكر، فتأمل جيدا. (ولو رأت الدم في ايام العادة صفرة أو كدرة وقبلها وبعدها بصفة الحيض وتجاوز العشرة فالترجيح للعادة وفيه قول آخر) ووجه ذلك ما في المرسلة الطويلة

[ 97 ]

من قوله عليه السلام: (لان السنة في الحيض ان تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في ايام الحيض إذا عرفت حيضا كله) ومنه يظهر ضعف القول الآخر. (وتترك ذات العادة الصلاة والصوم برؤية الدم) اجماعا، واستدل عليه بالاخبار الكثيرة الدالة على ان ما تراه المرأة في ايام حيضها فهو من الحيض واستشكل فيه بتقييدها بما إذا لم يكن اقل من ثلاثة ايام، فالحكم بتحيضها برؤية الدم مع عدم العلم بانه يستمر ثلاثة ايام يحتاج إلى دليل آخر، وقيل: بدلالة قوله عليه السلام في مرسلة يونس: (فإذا رأت المرأة الدم في ايام حيضها تركت الصلاة، فان استمر بها الدم ثلاثة ايام فهي حائض) وفيه نظر لامكان ان يكون ترك الصلاة احتياطا، ويرشد إلى هذا ان الحكم بكونها حائضا بعد استمرار ثلاثة ايام، هذا في ذات العادة العددية والوقتية واما ذات العادة العددية فقط أو الوقتية فقط لو رأت الدم هذه قبل وقتها بما لا يتسامح فيه فهل تتحيض بمجرد رؤية الدم؟ اوهما كالمبتدئة والمضطربة، فان ثم قاعدة الامكان فتتحيض المراة في جميع الصور والا فمقضى القاعدة الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض وافعال المستحاضة ان لم نقل بالحرمة الذاتية للعبادة، ومع قطع النظر عن اصالة عدم التحيض ومع ملاحظة هذا الاصل تحتاط للعبادة حتى تمضي ثلاثة ايام وبعد مضيها تترك العبادة لاستقرار حيضها، نعم قبل مضي ثلاثة ايام لابد لها ان تحتاط للعباده بالغسل، لانه مع عدم الحيض يتعين كون الدم استحاضة، مع عدم الغسل تقطع ببطلان الصلاة. (وفى تحيض المبتدئة والمضطربة تردد، والاحتياط للعبادة اولى حتى يتيقن الحيض) وجه الحكم بالتحيض قاعدة الامكان وقد سبق الكلام فيه، وقد يستظهر من بعض الاخبار وفى دلالتها على التحيض بحيث لو غفلت عن إحراز شروط الحيض كان الدم محكوما بالحيضية تأمل، بل من المحتمل ان يكون الامر بترك الصلاة من جهة الاحتياط حتى يتبين الامر بعد ذلك. (وذات العادة تستظهر بعد عادتها بيوم أو يومين ثم هي تعمل ما تعمله المستحاضة)

[ 98 ]

حكم ذات العادة في الواقع التحيض بعد تجاوز الدم عن العادة ان انقطع من دون تجاوز عن العشرة والعمل بما يعمله المستحاضة مع التجاوز عنها واما في مرحلة الظاهر فهى متحيرة مقتضى اخبار كثيرة - قد يدعى تواترها - انها إذا تجاوز دمها عن العادة مع كون العادة اقل من عشرة مشروعية الاستظهار بترك العبادة والاحتياط في الجملة وانما الاشكال في مقامين: احدهما تعيين مدة الاستظهار والثانى انه على نحو الوجوب أو الاستحباب. اما المقام الاول فالاخبار فيه مختلفة، ففي بعضها تعيين يوم وفى بعضها تعيين يومين وفى بعضها تعيين ثلاثة وفى بعضها إلى العشرة، ومقتضى الجمع بينها التخيير بينها واستشكل بأنه على القول بوجوب الاستظهار ما معنى التخيير؟ فانه يرجع إلى تعليق وجوب العبادة على مشية المكلف، فكيف يعقل اتصاف العبادة بالوجوب مع انه يجوز تركها لا إلى بدل؟ واجيب عنه بأنه يرجع التخيير في المقام إلى التخيير في الاخذ والبناء، ومع الاخذ يجب العمل، وفيه نظر من جهة عدم مساعدة الادلة على هذا فلاحظ، والظاهر ان الاشكال نشأ من الالتزام بوجوب الاستظهار، واما ان قلنا بالاستحباب كما هو الاظهر فلا اشكال كمراتب الاحتياط فيما لا يجب فيه، الا ترى ان مقتضى اصالة الصحة وقاعدة الفراغ صحة عبادات المكلف ومع ذلك قد يراعى الواقع فيقضيها ثانيا وثالثا واما وجه ذلك فهو ان اخبار الاستظهار وان كانت ظاهرة في الوجوب ولكن في قبالها اخبار اخر يجمع بين الطرفين بالحمل على الاستحباب ولا اقل من حصول الترديد فلنتقل بعض اخبار الطرفين فمنها رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (يجب للمستحاضة ان تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرانها ثم تستظهر على ذلك بيوم) (1) وموثقة مالك بن اعين عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال: (نعم إذا مضى له منذ يوم وضعت بقدر ايام عدة حيضها، ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعدان يغشاها زوجها يأمرها فلتغتسل ثم يغشاها ان احب) (2) وصحيحة


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 1 ح 1. (2) الوسائل أبواب النفاس ب 3 ح 4.

[ 99 ]

زرارة: (المستحاضة تكف عن الصلاة ايام اقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين، ثم تغتسل كل يوم وليلة ثلاث مرات - إلى ان قال: - فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يغشاها) (1) وفى صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (المستحاضة تنظر ايامها فلا تصلى فيها ولا يقربها بعلها، فإذا جازت ايامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت وصلت) (2) وموثقة سماعة: (المستحاضة تصوم شهر رمضان الا الايام التي كانت تحيض فيها) (3) وصحيحة زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: (النفساء تكف عن الصلاة ايامها التي كانت تمكث فيها ثم تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة) (4) ولا يخفى انه بعد ما كانت المستحاضة موضوعا في كلا الطرفين فهل يمكن حملها في احدى الطرفين على معنى وفى الطرف الآخر على معنى آخر؟ فما قيل من تقييد الصحيحة الاخيرة بالاخبار السابقة أي الاخبار الدالة على وجوب الاستظهار، وحمل المستحاضة المذكورة في الاخبار الدالة على الاقتصار بأيام العادة بدون استظهار على صورة استمرار الدم واختلاط الحيض بالاستحاضة وحمل المستحاضة في الاخبار الدالة على وجوب الاستظهار على المتسحاضة في الدورة الاولى محل نظر، ولا اقل من الدوران بين ما ذكر وبين حمل الاخبار الدالة على لزوم الاستظهار على الاستحباب، خصوصا بعد عدم لزوم حد مخصوص من اليوم واليومين إلى العشرة وخصوصا مع بعد حمل الصحيحة الاخيرة على غير ظاهرها بعد اتحاد النفسادء والحائض في هذه الاحكام، فالاظهر في المقام الثاني ما ذهب إليه عامة المتأخرين من القول بالاستحباب. (فان استمر والا قضت الصوم دون الصلاة) وجهه انه بعد الاستظهار اتت بما هو وظيفتها بحسب الظاهر لاحتمال انقطاع الدم على العشرة وكون المجموع حيضا واحتمال التجاوز وكان ما عدا أيام العادة استحاضة، كما دلت عليه مرسلة يونس، ومع


(1) و (2) الوسائل أبواب الاستحاضة ب 1 ح 12 و 1. (3) المصدر ب 2 ح 1. (4) الوسائل أبواب النفاس ب 3 ح 1.

[ 100 ]

الانقطاع على ا لعشرة لما كان المجموع محكوما بالحيضية كان صومها بعد الاستظهار واقعا في ايام الحيض وهو باطل يجب قضاؤه، ولم يتعرض المصنف (قده) لحال وقت الاستظهار، ومقتضى المرسلة ان ايام الاستظهار داخلة في ايام الاستحاضة، حيث دلت على انحصار ايام الحيض بالنسبة إلى المتسمرة الدم بأيام عادتها، ولا منافاة بينها وبين ما دل على وجوب الاستظهار أو استحبابه بحمل المرسلة على الوظيفة الواقعية، والاخبار المتعرضة للاستظهار على الوظيفة الظاهرية. (واقل الطهر عشرة ولا حد لاكثره) للاجماع والاخبار، وقد سبق رواية يونس في اوائل البحث، فانه عليه السلام قال فيها: (ادنى الطهر عشرة ايام - إلى أن قال: - ولا يكون الطهر أقل من عشرة ايام). (وأما الاحكام ولا تنعقد لها صلاة ولاصوم ولاطواف) لا إشكال في عدم انعقاد ما كان مشروطا بالطهارة ويزيد عليه الحرمة، وهل هي تشريعية أو ذاتية؟ والظاهر أنها ذاتية، ويدل عليها صحيجة خلف بن حماد المتقدمة الواردة فيمن اشتبه حيضها بدم العذرة، فان قول الامام عليه السلام بعد أن سأله السائل عن حكمها: (فلتتق الله تعالى فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر و ليمسك عنها بعلها، وإن كان من العذرة فلتتق الله تعالى ولتتوضا ولتصل) (1) تستظهر منه الحرمة الذاتية (ولا يرتفع لها حدث) ويدل عليه حسنة محمد بن مسلم سأل الصادق عليه السلام عن الحائض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله؟ فقال: (أما الطهر فلا، ولكنها توضها وقت الصلاة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله تعالى) (2) (ويحرم عليها دخول المساجد إلا اجتيازا فيما عدا المسجدين) ويدل عليه ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في حديث الجنب والحائض: (ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان ولا يقربان المسجدين الحرمين) (3). (وكذا وضع


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 2 ح 1. (2) الوسائل أبواب الحيض ب 22 ح 3. (3) الوسائل أبواب الجنابة ب 15 ح 17.

[ 101 ]

شئ فيهما على الاظهر) ويدل عليه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين - إلى أن قال -: و يأخذان من المسجد ولا يضعان فيه شيئا) - الحديث - (1) (وقراءة العزائم ومس كتابة القرآن) ويدل عليه ما تقدم في أحكام الجنب من الاخبار. (ويحرم على زوجها وطيها موضع الدم) بالادلة الثلاثة، بل صرح بعض بكفر مستحله. (ولا يصح طلاقها مع دخوله بها وحضوره) وتمام الكلام في محله إن شاء الله تعالى. (ويجب عليها الغسل مع النقاء) للمشروط بالطهارة (وقضاء الصوم دون الصلاة) وقد ورد التنصيص عليه في أخبار كثيرة، وفي رواية فضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام: (إنما صارت الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاإة لعلل شتى - الحديث -) (2) والظاهر عدم الاختصاص بل يعم نوافلها وغيرها من الفرائض الموقتة التي تصادف أيام الحيض، وما في بعض الاخبار من التعليل لعدم وجوب قضاء الصلاة، لعموم الابتلاء بها في كل يوم وليلة لا يدل على الاختصاص، لان انتقاء بعض العلل لا يوجب انتقاء علة آخرى، وعلل في رواية فضل بعلل شتى على أن الحكمة لا توجب انتقاء الحكم في غير موردها. (وهل يجوز لها أن تسجد لو سمعت آية السجدة الاشبه نعم) ويدل عليه صحيحة أبي عبيدة الحذاء سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع السجدة؟ فقال: (إن كانت من العزائم فلتسجد إذ سمعتها) (3) وغيرها من الاخبار، وفي قبالها ما يدل على عدم الوجوب، كصحيحة البصري عن الحائض تقرء القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال: (تقرء ولا تسجد) (4) وقد يجمع بين الطرفين بحمل الاخبار الآمرة على صورة الاصغاء والناهية على صورة السماع بدون الاصغاء،


(1) الوسائل أبواب الجنابة ب 17 ح 2. (2) الوسائل أبواب الحيض ب 41 ح 8. (3) و (4) الوسائل أبواب الحيض ب 36 ح 1 و 4 على الترتيب.

[ 102 ]

بشهادة موثقة ابن سنان عن رجل سمع السجدة تقرء؟ قال: (لا يسجد إلا أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها أو يصلي بصلاته - الحديث -) (1) ولا يخفى أن الجمع المذكور ليس جمعا عرفيا بين الادلة، بل العرف يعاملون مع الطرفين معاملة المتباينين، نعم مع الاخذ بكل طرف يجمع بينه وبين الموثقة، والظاهر أن الاخذ بالطرف الآمر بالسجدة متعين لعدم العمل بالطرف الآخر. (وفي وجوب الكفارة على الزوج بوطيها روايتان أحوطهما الوجوب) و استدل عليه بأخبار كثيرة: منها رواية داود بن فرقد عن الصادق عليه السلام في كفارة الطمث: (يتصدق إذا كان في أوله بدينار وفي وسطه بنصف دينار وفي آخره ربع دينار قلت: فان لم يكن عنده ما يكفر؟ قال: فليتصدق على مسكين واحد وإلا استغفر الله ولا يعود. الحديث -) (2) وعن محمد بن مسلم قال: سالت الباقر عليه السلام عن الرجل أتى المرأة وهي حائض؟ قال: (يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي وسطه نصف دينار) (3) وفي بعض الاخبار تعيين نصف الدينار (4)، وفي بعضها تعيين التصدق على مسكين بقدر شبعه (5)، ويعارض الاخبار المذكورة أخبار اخر مصرحة بعدم الوجوب: منها صحيحة عيص بن القاسم قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع إمرأه وهي طامث؟ قال: (لا يلتمس فعل ذلك وقد نهى الله أن يقربها، قلت: فإن فعل أعليه الكفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئا يستغفر الله) (6) فلو كان الاشكال من جهة تعارض الاخبار الموجبة مع هذه الاخبار لامكن القول بلزوم الاخذ بالاخبار المثبتة من جهة عمل المشهور بها وإعراضهم عن هذه الاخبار النافية، لكن الاشكال من جهة وقوع التعارض بين الاخبار المثبتة فان تقييد المجموع بالخبر الاول


(1) الكافي ج 3 ص 318 تحت رقم 3. (2) الوسائل أبواب الحيض ب 28 ح 1. (3) الكافي ج 7 ص 243 تحت رقم 20 وفيه (وفي استدباره نصف دينار) مكان (في وسطه نصف دينار). (4) و (5) الوسائل أبواب الحيض ب 28 ح 4 و 5. (6) الوسائل أبواب الحيض ب 29 ح 1.

[ 103 ]

المفصل بين الاول والوسط والآخر بعيد جدا، فلا يبعد القول بالاستحباب إلا أن يدعى أن أصل الكفارة لازمة، غاية الامر عدم الاخذ بالخصوصيات، وهذه الدعوى أيضا مشكلة لان الخصوصيات ليست من قبيل أطراف الواجب التخييري حتى يقال ظهور الدليل محفوظ، غاية الامر رفع اليد عن التعيين بدليل آخر، و على أي تقدير إثبات مذهب المشهور بهذه الاخبار مشكل جدا وقد ذهب إليه المصنف حيث قال: (وهي (1) دينار في أوله ونصف في وسطه وربع في آخره، ويستحب لها الوضوء لوقت كل فريضة وذكر الله تعالى في مصلاها بقدر صلاتها) ويدل على استحبابهما وقت كل صلاة الاخبار: منها رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (وكن نساء النبي صلى الله وعليه وآله وسلم لا يقضين الصلاة إذا حضن ولكن يتحشين حين يدخل وقت الصلاة ويتوضين ثم يجلسن قريبا من المسجد فيذكرن الله تعالى عزوجل) (2) وعن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة، وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عزوجل وتسبحه وتهلله وتحمده كمقدار صلاتها ثم تفرغ لحاجتها) (3). (ويكره لها الخضاب) للنهي عنه في جمله من الاخبار: منها ما رواه عامر ابن جذاعة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (لا تختضب التحائض ولا الجنب - الحديث -) (4) ويحمل النهي فيها على الكراهة، لنفي البأس في جملة من الاخبار. (وقراءة ما عدا العزائم) ويدل على الكراهة خبر السكوني عن الصاق عليه السلام عن آبائه عن عليهم السلام قال: (سبعة لا يقرؤن القرآن: الراكع والساجد وفي الكنيف وفي الحمام والجنب والنفساء والحائض) (5) والدليل على عدم الحرمة


(1) أي الكفارة. (2) و (3) الوسائل أبواب الحيض ب 40 ح 1 و 2. (4) الوسائل أبواب الحيض ب 42 ح 7. (5) رواه الصدوق في الخصال أبواب السبعة، وفي الوسائل كتاب الصلاة أبواب قراءة القرآن ب 47 ح 1.

[ 104 ]

الاخبار المستفيضة. (وحمل المصحف ولمس هامشه) للصحيح: (الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب) (1) وحيث ثبت عدم الحرمة للجنب فكذا الحائض. (الاستمتاع منها بما بين السرة والركبة) ويدل عليه صحيحة الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض وما يحل لزوجها منها؟ قال: تتزر بازار إلى الركبتين وتخرج سرتها ثم له ما فوق الازار) (2) وغيرها وتحمل على الكراهة بقرينة جملة من الاخبار، منها موثقة عبد الله بن بكير عن بعض أصحابه عن الصادق عليه السلام قال: (إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم) (3) وصحيحة عمر بن يزيد قال: قلت للصادق عليه السلام: ما للرجل من الحائض؟ قال: (ما بين أليتيها ولا يوقب) (4) ولعله بملاحظة هذه الصحيحة استشكل في جواز الوطي في دبرها، ولعل النهي عن الا يقاب بالخصوص من جهة شدة كراهته مع قطع النظر عن الحيض، والحمل على الكراهة من جهة ظهور الموثقة، ورواية عبد الملك بن عمرو قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال: (كل شئ ما عدا القبل منها بعينه) (5) والظاهر اعتماد الفقهاء عليها، فضعفها منجبرة بالشهرة. (ووطيها قبل الغسل) ويدل على جوازه أخبار مستفيضة منها موثقة ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا انقطع [ الدم ] ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء) (6) وغيرها، وفي قبالها أخبار دالة على المنع منه موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن إمرأة كانت طامثا فرأت الطهر أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: (لا، حتى تغتسل، قال: وسالته عن إمرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوما أو اثنين أيحل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ قال: لا يصلح حتى تغتسل) (7) والاظهر الجمع بين الطرفين بالكراهة. ثم إنه


(1) الوسائل أبواب الجنابة ب 19 ح 7. (2) الوسائل أبواب الحيض ب 26 ح 1. (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب الحيض ب 25 ح 5 و 8 و 1 على الترتيب. (6) و (7) الوسائل أبواب الحيض ب 27 ح 3 و 6 على الترتيب.

[ 105 ]

قد يقال باشتراط الحلية بغسل الفرج، بل قيل باشتراط أن يصيب الزوالشبق، من جهة صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة ينقطع عنها الدم - دم الحيض - في آخر أيامها؟ قال: (إذا أصاب زوجها شبق فليأمر فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء قبل أن تغتسل) (1) وقد يقال يبعد تقييد الاخبار المجوزة مع كونها في مقام البيان، وفيه نظر من جهة ظهور الصحيحة في اللزوم، ومع التكافؤ فالمرجع هو استصحاب الحرمة إن عملنا بالاستصحاب في الاحكام، ويمكن الاستدلال على الجواز بدون شرط بما دل على جواز نكاح الذمية مع عدم صحة الغسل لها من جهة الكفر، وعدم شمول الصحيحة لغير المسلمة إلا أن يقال ظاهر الصحيحة اشتراط الحلية بالغسل ولا مدخلية لخصوص المورد، فتأمل جيدا. (وإذا حاضت بعد دخول الوقت ولم تصل مع الامكان قضت) وجوب القضاء مع التمكن من إتيان الصلاة تامة الاجزاء والشرائط بحسب حال المرأة لا إشكال فيه، ويدل عليه - مضافا إلى العمومات الدالة على وجوب قضاء الفائتة - موثقة يونس بن يعقوب في امرأة دخل عليها وقت الصلاة وهي طاهر فأخرت الصلاة حتى حاضت؟ قال عليه السلام: (تقضي إذا طهرت) (2) وغيرها، ففي ما رواه فضل بن يونس عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: (إذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلتمسك عن الصلاة فإذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر لان وقت الظهر دخل عليها وهي طاهر وخرج عنها وقت الظهر فضيعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها) (3) وأما إذا لم تتمكن من الصلاة بالنحو المتعارف مع مقدماتها التي يتعارف إيجادها في الوقت كالطهارة والستر، فلا يجب عليها القضاء كما عن المشهور، لعموم ما دل على أن الحائض لا تقضي صلاتها، واستدل أيضاء بأن وجوب الاداء ساقط لاستحالة التكليف بما لا يطاق ووجوب القضاء تابع لوجوب الاداء، ولا يبعد أن يقال تارة لا تتمكن من الصلاة التامة الصحيحة ولو مع التفاتها


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 27 ح 7. (2) و (3) الوسائل أبواب الحيض ب 48 ح 4 و 1.

[ 106 ]

إلى طرو الحيض بأن تأتى بمقدمات الصلاة ولو قبل الوقت فلا شبهة في سقوط القضاء، لما دل على ان الحائض لا تقضي صلاتها، ولعدم حصول التضييع من قبلها، وأما مع التمكن فيشكل السقوط لصدق الفوت ووجوب الاداء، ولذا لا يتأمل في وجوب المبادرة عليها لو التفت إلى طرو الحيض، وعلى هذا فلا نظر إلى المتعارف من تحصيل المقدمات بعد الوقت، فلو كان المتعارف بحست عادتها مضي مقدار ساعتين من الوقت، وتتمكن على خلاف عادتها من الاتيان بالصلاة بامة بأقل من ساعتين يصدق التضييع الذى علل به وجوب القضاء، لان الظاهر أن المراد من التضييع المذكور في الخبر ليس ما ينسبق إلى الذهن من التهاون في الامر حتى يفوت، بل الفوت الحاصل بواسطة عدم المبادرة، ولذا لو تركنا المبادرة في مقاصدنا مع كونها في معرض الفوت يصدق التضييع ولا تلاحظ العادة الشخصية، ثم إن ما قلنا من اعتبار التمكن من الصلاة التامة في الوقت أيضا مشكل، لان غاية ما يقرب به هو أن الاداء متى كان واجبا كان القضاء بتبعه واجبا، ومع عدم التمكن من الصلاة التامة من جهة قصور الوقت لا يجب عليها الاداء، لان من شرائط وجوب الصلاة عدم الحيص بالنسبة إلى صلاه المختار، وهو مفقود وصلاة غير المختار بدل عن صلاة المختار، ومتى لم تجب صلاة المختار بل لم تكن مطلوبة من جهة الحيض لم يجب بدلها الاضطراري، وهذا بخلاف عدم التمكن من جهة عدم القدرة خارجا حيث إن المطلوبيه - أعني مطلوبية المبدل - محفوظة فيجب البدل الاضطراري و مع الترك يجب القضاء لصدق الفوت، وجه الاشكال أنه يلزم من ذلك أنه إذا بلغ المكلف وقد بقي من الوقت مقدار صلاة غير المختار فلا يجب عليه شئ، لان البلوغ من الشرائط الشرعية، ولا أظن أن يلتزم به، وثانيا نقول: ما الدليل على تبعية وجوب صلاة الغير المختار لمطلوبية صلاة المختار، بل يمكن أن يكون من باب تعدد المطلوب، فإذا وجد المانع بالنسبة إلى صلاة المختار فلا وجه لسقوط المطلوب الآخر، و ثالثا نقول: يشكل استناد عدم التمكن من صلاة المختار إلى طرو الحيض مطلقا، فإذا فرض وجود الماء والساتر مثلا عندها بحيث تتمكن من صلاة المختار في مقدار يسير

[ 107 ]

من الوقت، فمن المعلوم أنه لو لم تأت بالصلاة ليست معذورة من جهة طر والحيض، ومثل هذه إذا لم يكن الماء والساتر عندها بحيث لو ذهبت لتحصيلهما يمضي زمان أزيد من ذلك المقدار يشكل أن يقال: في حقها تركت الصلاة لطرو الحيض، بل يقال: تركت من جهة عدم وجود الماء والساتر عندها. (وكذا لو أدركت من آخر الوقت قدر الطهارة و) أداء ركعة من (الصلاة وجبت أداء) ويدل عليه العمومات بضم ما ستعرف إن شاء الله تعالى في باب المواقيت من أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، والمعتبر مقدار الطهاره المائية دون الترابية إلا إذا كانت وظيفتها التيمم مع قطع النظر عن ضيق الوقت، ويدل عليه ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام (أيما امرأة رأت الطهر وهي قادرة على أن تغتسل في وقت الصلاة ففر طت فيها حتى يدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها في وقتها وإن رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهية ذلك فجاز وقت الصلاة ودخل وقت صلاة اخرى فليس عليها قضاء، وتصلى الصلاة التي دخل وقتها فمقتضى ذيل هدا الخبر عدم وحوب القضاء إذا لم تتمكن من الغسل والصلاة وإن تمكنت من التيمم لضيق الوقت، ويمكن أن يقال تارة تزعم المرأة سعة الوقت لتحصيل الطهارة المائية وإتيان الصلاة معها، فانكشف عدم سعة الوقت وفاتت الصلاة، فهذه لا تجب عليها قضاء الصلاة الفائتة، واخرى تلتفت بعدم السعة للطهارة المائية و تقدر على الصلاة مع التيمم، وهذه لا تشملها الرواية، فان قلنا بعدم وجوب الصلاة والحال هذه، فمقتضى القاعدة عدم وجوب الصلاة قضاء لعدم وجوب الاداء، وإن قلنا بلزوم الاداء كما لو بلغت آخر الوقت، بحيث لا تتمكن إلا من الصلاة مع الطهارة الترابية، فمع وجوب الاداء كذلك لم لا يجب عليه القضاء، لصدق الفوت، والنص غير متعرض لهذه إلا أن يقطع بعدم الفرق بين صورة الالتفات والغفلة. (ويجب مع الا همال قضاء) إجماعا وبدل عليه - مضافا إلى العمومات - ما في خبر عبيد بن زرارة المذكور آنفا. (وتغتسل كاغتسال الجنب) ويدل عليه الاخبار، منها ما رواه عبيدالله بن

[ 108 ]

علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (غسل الجنابة والحيض واحد) (1) (و لكن لابد معه الوضوء) على المشهور، وقد مر الكلام فيه مستقصى. (الثالث: غسل الاستحاضة، ودمها في الاغلب أصفر بارد رقيق) والظاهر أن هذه الاوصاف المذكورة في لسان الاخبار لدم الاستحاضة حالها حال الاوصاف المذكورة لدم الحيض، فبناء على كون تلك الاوصاف أمارة شرعية بمعنى كونها أمارة اعتبرها الشارع كاعتبارها عند العرف لتشخيص الدم المعروف تكون هذه الاوصاف لدم الاستحاضة كذلك، وقد مر الكلام في ذلك في أوائل مبحث الحيض. (ولكن ما تراه بعد عادتها مستمرا وبعد غاية النفاس وبعد اليأس وقبل البلوغ، ومع الحمل على الاشهر فهي استحاضة ولو كان عبيطا) قد مر الكلام في أن الدم المتجاوز عن العادة إلى أكثر من العشرة ليس بحيض، وكذلك بعد الياس وقبل البلوغ، وكذلك مع الحمل بنظر المصنف (قده) وسيجيئ - إن شاء الله تعالى - حكم الدم بعد النفاس، ويظهر من الاخبار أن الدم الذى ليس بحيض ولم يكن من جرح أو قرح يكون دم الاستحاضة منها رواية أبي المغرا قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم؟ قال: (تلك الهراقة إن كان دما كثيرا فلا تصلين وإن كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين) (2) ولكنه لا يخفى أنه لا يستفاد منها القاعدة الكلية بحيث يشمل الدم الذي رأته الصغيرة واليأئسة إلا أنه قد ادعي مسلمية هذه القاعدة عند الفقهاء سواء كان الدم بصفة الحيض أو الاستحاضة. (ويجب اعتباره فان لطخ باطن القطنة لزمها إبدالها والوضوء لكل صلاة) أما تغيير القطنة فاستدل على لزومه بوجوه: أحدها وجوب إزالة النجاسة في الصلاة إلا ما عفي عنه، ولم يثبت العفو هنا، والثاني الاجماعات المحكية، والثالث بعض الاخبار المعتبرة الدالة على وجوب التغيير في الاستحاضة الوسطى والكبرى بانضمام


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 49 ح 1. (2) الوسائل أبواب الحيض ب 30 ح 5.

[ 109 ]

القطع بعدم الفرق، أو دعوى عدم القول بالفصل، وضعفت بمنع وجوب إزاله النجاسة عن الباطن، ومنع دلالة الخبرين على المدعى في موردهما فضلا عن المتعدي، و عدم ثبوت الاجماع، ويمكن أن يقال: لو لم يدل دليل على لزوم التبديل بالخصوص كان اللازم الاحتياط في أمثال المقام، من جهة أن المستفاد من (لا صلاة إلا بطهور) (1) عدم صحة الصلاة من المستحاضة التي هي غير طاهرة حتى مع الوضوء والغسل، خرج عن تحت هذا العموم المتيقن وهو ما لو صلت مع تبديل القطنة، ففي المقام يجب الاحتياط ولو قلنا بالبراءة في مسألة الاقل والاكثر إلا أن يقال في خصوص المستحاضة نقطع بعدم اشتراط صلاتها بالطهور، ومع هذا لا يشمله: (لا صلاة إلا بطهور) إلا أن يقال: غاية الامر القطع بصحة صلاة المستحاضة في الجملة، فالصحة إما من جهة خروجها عن العموم المذكور وإما من جهة قيام شئ آخر مقام الطهاره، فنأخذ بالعموم ونحتاط في ما يقوم مقام الطهارة إلا أن يقال أما الطهارة في مقابل الحدث فيمكن دعوى القطع بعدم مدخليه تبديل القطنة فيها وفيما يقوم مقامها، أما الطهارة عن الخبث فالقدر المتيقن لزومها في غير هذا مما يرجع إلى الظاهر، والمسألة محل إشكال خصوصا مع ذهاب الفقهاء قدس الله أسرارهم - ألى الاعتبار. وأما لزوم تجديد الوضوء لكل صلاة فلم ينقل فيه الخلاف في الفرائض إلا من ابن عقيل وابن الجنيد، ويدل عليه ما في صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام وهو قوله: (وأن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد و صلت كل صلاة بوضوء) (2) وفي قبالها أخبار ربما يظهر منها خلاف ذلك لابد من التصرف فيها لعدم عمل المشهور بظاهرها. (وإن غمسها ولم يسل لزمها مع ذلك تغيير الخرقة وغسل للغداة) والدليل على وجوب تبديل القطنة خبر البصري: (وتستدخل كر سفا فإذا ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر) (3) وقد يخدش في دلالته بامكان أن يكون الامر


(1) الفقيه باب وجوب الطهور. (2) و (3) الوسائل أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1 و 8.

[ 110 ]

بوضع القطنة الجديدة للحفظ عن تسرية النجاسة إلى الثوب والبدن أو الخرقة المشدودة عليها، وإمكان أن يكون الوجه فيه كون ظهور الدم بنفسه حدثا موجبا للغسل يجب التحفظ عنه مهما أمكن عند الصلاة، وفيه نظر، لان الاطلاق يقتضي اللزوم حتى في صورة انحفاظ الثوب والبدن عن النجاسة، مع أن لزوم الانحفاظ أمر ارتكازي عند المتشرعة لا يحتاج إلى التنبيه، وكون ظهور الدم حدثا موجبا للغسل لا يوجب التبديل، لان لزوم الغسل مفروغ عنه، وإبقاء القطنة على حالها لا يوجب حدثا آخر موجبا للغسل، مضافا إلى ما في خبر صفوان بن يحيى فيه من قول أبي الحسن عليه السلام: (هذه مستحاضة تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة) (1) وهو وإن كان ظاهرا في الاستحاضة الكثيرة بقرينة ذيله: (تجمع بين صلاتين بغسل) لكن الظاهر أنهما يعبران تعن معنى واحد. وأما لزوم تغيير الخرقة فقد الدعي عليه الاجماع، وأما لزوم تجديد الوضوء عندكل صلاة فيدل عليه موثقة سماعة المضمرة، وفيها: (وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة) (2) وموثقته الاخرى عن الصادق عليه السلام قال: (غسل الجنابة واجب، وغسل الحائض إذا طهرت واجب، غسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف وجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين وللفجر غسل وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة - الحديث -) (3) والمسلم هو وجوب الوضوء لغير صلاة الغداة والوضوء لها سيجيئ الكلام فيه - إن شاء الله تعالى - وأما لزوم الغسل عليها لصلاة الغداة فلا إشكال فيه، وقد دل عليه الاخبار، وإنما الاشكال والخلاف في الاكتفاء به أو لزوم غسلين آخرين لظهرين والعشائين، والمحكي عن جماعة الاكتفاء به،، وعن آخرين لزوم ثلاثة أغسال، واستدل لهذا القول بما رواه الشيخ (4) في الصحيح عن معاوية بن


(1) و (2) المصدر تحت رقم 3 و 6. (3) الوسائل أبواب الجنابة ب 1 ح 3. (4) التهذيب ج 1 ص 170 تحت رقم 484 وفي الكافي ج 3 ص 88 تحت رقم 2 مثله.

[ 111 ]

عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقت الكرسف اغتسلت للظهر و العصر تؤخر هذه وتعجل هذه، وللمغرب والعشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه، وتغتسل للصبح) وما رواه الكليني (ره) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر وتصلى الظهر والعصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر، ولا بأس بأن يأتيها بعلها إذا شاء إلا أيام حيضها فيعتزلها زوجها، قال وقال: لم تفعله امراة قط احتسابا إلا عوفيت من ذلك) (1) وهذه الصحيحة مطلقة يخرج منها من لم يثقب دمها الكرسف بما سبق وغيرها بمقتضاها يجب عليها الاغسلا الثلائة. واحتج المفصلون بأخبار: منها صحيحة حسين بن نعيم الصحاف وفيها: ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضا ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها، فان طرحب الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل، وإن طرحب الكرسف ولم يسل فلتتوضا ولتصل ولا غسل عليها، قال: وإن كان الدم إدا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فان عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات) (2) تقريب الاستدلال أنه عليه السلام - على المحكي - علق الاغسال الثلاثة على سيلان الدم من خلف الكرسف فاطلاق الغسل قبله محمول على الغسل الواحد واعترض عليه بانه لم يظهر من الرواية كون قوله إذا (أمسكت الكرسف - الخ -) قسيما لقوله (فان طرحت الكرسف وسال) بل الظاهر أنه قسيم لقوله: فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب - الخ -) فقسم كلا من صورتي طرح الكرسف وإمسا كه إلى قسمين في أحدهما الوضوء وفي الآخر الغسل، وفيه نظر لانه على هذا لا يظهر فائدة للتقييد بامساك الكرسف بل يكون الملاك مطلق السيلان، والاصل في القيود أن تكون احترازية، فما يقال من إمكان


(1) الكافي ج 3 ص تحت رقم 5. (2) الوسائل أبواب الاستحاضة ب 1 ح 7.

[ 112 ]

أن يدعى أن المناط إنما هو ظهور الدم سواء كان باستيلائه على القطنة أو سيلانه و خروجه بلا قطنة فيه إشكال، وعلى هذا فسواء كان وحدة الغسل في صورة السيلان على تقدير طرح الكرسف من جهة كون الاستحاضة متوسطة أو كان من جهة الانقلاب إلى القليلة بعد الغسل حتى لا يجب لها إلا الوضوء هذا مع أنه ينافي ما ذكر مع صريح موثقتي سماعة المذكورتين آنفا، وعلى أي تقدير تقع المعارضة بين الصحيحتين والموثقتين، والموثقتان مقدمتان على الصحيحة الاولى والثانيه لكونهما اعم منهما مطلقا، ولابد من تقييد الثقب في الصحيحة الاولى بصورة التجاوز والسيلان. ثم إن ههنا معارضة اخرى، حيث إن موثقة سماعة قد قيدت وجوب الغسل بكون الدم عبيطا ومع الصفرة ليس إلا الوضوء وأوجبت الغسل مع عدم جواز الدم الكرسف مطلقا سواء ثقب الكرسف أم لا، وصحيحتا زرارة ومعاوية بن عمار تدلان على أن المستحاضة تصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم أو ما لم يثقب دمها الكرسف، أما تقييد الدم بكونه عبيطا والقول بعدم إيجاب الصفرة للغسل فلم يقل به أحد، فلا بد من رفع اليد عن إطلاق الموثقتين بالصحيحتين، واستشكل بانه يلزم منه حمل المطلق على الفرد النادر خصوصا مع ملاحظة صدر الموثقة المضمرة، حيث صرح بوجوب الاغسال الثلاثة مع الثقب، والظاهر أن الذيل يكون الموضوع فيه يقتضي ما هو الموضصوع في الصدر. ولا يحفى أنه مع الالتزام بعدم مخالفة المشهور لابد مما ذكر، ومع عدم الالتزام به لا بأس بحمل ما دل على وجوب الغسل مطلقا على الاستحباب وقد يقال بعدم المنافات بين الصحيحتين والموثقتين، لان عدم تعرض الصحيحتين لغير الوضوء في صورة عدم الثقب أو عدم النفوذ لا ينافي وجوب الغسل. ولا يخفى أن هذا وإن أمكن في صحيحة معاوية بن عمار لكنه لا يتاتى في موثقة زرارة حيث صرح في ذيلها بأنه مع النفوذ اغتسلت والظاهر أنه افترقت حال النفوذ مع الحالة السابقة ومع لزوم الغسل في الحالة السابقة لا يبقى فرق بينهما، ثم إن ظاهر المتن وجوب الغسل في المتوسطة لصلاة الغداة دون سائر الصلوات فلو رات دم الاستحاضة بعد أداء صلاة الفجر لا يجب عليها الغسل، والاخبار

[ 113 ]

مطلقة ومقتضاها وجوب الغسل ولو كان رويه الدم بعد صلاة الفجر، نعم يظهر هذا من الفقه الرضوي فان كان مجبورا بالعمل يقيد المطلقات وإلا فالمتعين لزوم الغسل ولو بعد صلاة الفجر ولا يبعد أن يستفاد من المطلقات كفاية غسل واحد لخمس صلوات، فلو رات الدم بعد صلاة الظهر مثلا يكفي غسل واحد للعصر من هذا اليوم وظهر الغد والصلوات الواقعة بينهما. (وإن سأل لزمها مع ذلك غسلان: غسل للظهر والعصر تجمع بينهما وغسل للمغرب والعشاء تجمع بينهما، وكذا تجمع بين صلاة الليل والصبح بغسل واحد إن كانت متنفلة) لا إشكال في لزوم الاغسال الثلاثة في هذا القسم من الاستحاضة بل قد يدعى تواتر النصوص، وإنما الاشكال في تشخيص ما هو المناط في وجوب الاغسال لا إشكال في أنه بمجرد حدوث هذا القسم لا يجب الاغسال الثلاثة حتى في صورة الانقطاع، بل إذا اغتسلت بعد الانقطاع تكون حالها حال من لم ترى الدم من الاكتفا بالوضوء مع عدم موجب آخر للغسل كما لا إشكال في أنه لا يعتبر أن يكون رؤية الدم في وقت الصلاة لعدم دليل على اعتبار ذلك وقد يقال: إن الاظهر في معنى الاخبار أنه متى تحقق الدم الكثير لم تجز الصلاة معه إلا بغسل فإذا اغتسلت ارتفع أثره، فلها أن تصلي بعده ما شاءت لو لم تر الدم الكثير في أثناء الغسل أو بعده وإلا فلا أثر لما تراه في الاثناء أو بعده بالنسبة إلى ما يغتسل له فانه معفو عنه بالنسبة إليه دون غيره من العبادات، وهذا الاستظهار من صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف المتقدمة مؤيدا برواية الجعفي وفيها (فإذا هي رأت طهرا اغتسلت وإن هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف) (1) ولا يخفى أن الصحيحة ليست ظاهرة فيما ذكر، فلو لم بكن ظاهرة في مذهب المشهور فلا أقل من الاجمال، وأما رواية الجعفي فبعد الغض عن اعتبارها سندا لم يظهر منها أن الغسل المشار إليه للحيض السابق أو لدم الاستحاضة الذى هو محل كلامنا أو لهما، بل لعل المتعين أن يكون للحيض السابق لان الموضوع المستحاضة فحكم عليها بالقعود أيام اقرئها، ثم


(1) الوسائل ابواب الاستحاضة ب 1 ح 10.

[ 114 ]

الاحتياط بيوم أو يومين، ثم الاغتسال ان هي رأت طهر أو الاغتسال والاحتشاء ان لم تر طهرا، ومثل هذه لا بدلها من الاغتسال من جهة حيضها السابق ولا يبعد أن يقال: إشكال في ان وجوب الاغسال الثلاثة ليس دائرا مدار الوصف اعني كونها سائل الدم لان لازمه أن لا يجب عليها غسل إذا كانت الاستحاضة كثيرة ثم صارت قليلة قبل الصلوات ولا يلتزم به احد كما انه لا إشكال في أنه لا إشكال في أنه لو انقطع الدم بالمرة و اغتسلت بعد الانقطاع لا يجب عليها غسل آخر كما انه لا اشكال ظاهر في أنه لا توجب الاستحاضة الكثيرة مع انقلابها قليلة غير الاغسال الثلاثة ليومها وليلتها وغير هذه الصور مقتضى التعليق على السيلان وجوب الاغسال الثلاثة لها للاطلاق، وان ادعى عدم الاطلاق والاهمال من هذه الجهة يرجع الشك إلى الشك في حصول ما يقوم مقام الطهارة وقد مر الكلام في نظيره، ثم انه يقع الكلام في وجوب الوضوء لهذا القسم من الاستحاضة والمتوسطة أو الاجتزاء بالغسل، وربما قيل بوجوب الوضوء ولو قيل بكفاية كل غسل عن الوضوء نظرا إلى ما في جمله من الاخبار من الامر بالوضوء مع الغسل كقوله عليه السلام - على المحكى - (وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة) (1) وفى مرسلة يونس الطويلة (فلتدع الصلاة ايام اقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة قيل: وان سال؟ قال: وإن سال مثل المثعب) (2) وفي ذيل رواية إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله عليه السلام بعدأن سأله عن أنه يواقعها زوجها قال عليه السلام: (إذا طال بها ذلك فلتغسل ولتتوضأ ثم يواقعها إن أراد) (3) وعن جملة من الاساطين الاكتفاء، ولو قيل بعدم كفاية غير غسل الجنابة عن الوضوء، ويمكن الاستدلال لهذا القول بالاخبار المستفيضة الواردة في مقام بيان تكليف المستحاضة الدالة على أنه إذا جاز دمها الكرسف تعصبت واغتسلت


(1) الوسائل أبواب الاستحاضة ب 1 ح 6. (2) الكافي ج 3 ص 85 وفي الصحاح ثعبت الماء ثعبا فجرته، والمثعب - بالفتح - واحد مثاعب الحياض. (3) الوسائل أبوب المستحاضة ب 1 ح 15.

[ 115 ]

ثم صلت الغداة بغسل والظهرين بغسل وتجمع بينهما والعشائين بغسل وتجمع بينهما فيدور الامر بين الالتزام باهمال هذه الاخبار من هذه الجهة أو حمل الامر بالوضوء في الاخبار السابقة على الاستحباب، ولا ترجيح بل الثاني أولى، هذا مضافا إلى الخدشة في دلالة الروايات السابقة اما الموثقتان فموردهما الاستحاضة القليلة والغسل فيه مستحب وعلى فرض شمولهما للمتوسطة فهو بالاطلاق الذى يهون تقييده لانه على تقدير القول بالاجتزاء انما يكون ذلك فيما لو أتى بالصلاة عقيب الغسل بلا فصل فينزل الرواية على غير هذا الفرض، وأما مرسلة يونس فالمراد من الامر بالغسل فيها في هذا المورد وهو غسل الحيض، والمراد من تعميم الحكم انما هو في انها تصلي في مقابل أيام اقرائها، لا أنها تصلي بعد غسل الحيض بالوضوء مطلقا وليس الكلام في هذا المقام لبيان تكليف المستحاضة إلا في الجملة، واما الرواية الاخيرة فالامر فيها للاستحباب لا الوجوب ولا يبعد ان يقال: أما حمل الاخبار الدالة على مطلوبية الوضوء على الاستحباب فهو بعيد جدا من جهة مقارنته مع الغسل اللازم نعم حمل تلك الاخبار الاخر على الاهمال من جهة الوضوء أيضا بعيد، ومع المعارضة يرجع الشك إلى الشك في قيام الغسل بلا وضوء مقام الوضوء وقد عرفت قوة لزوم الاحتياط فيه. وأما المناقشة في الموثقتين ففيها أنه لا مانع من دلالتهما على لزوم الغسل في الاستحاضة المتوسطة وما افيد من أنه على فرض الاطلاق يقيد بما ذكر فيه نظر لانه لا يلتزم بجواز الفصل بين الغسل والصلاة حتى يحمل على صورة الفصل كما لا يخفى وأما المناقشة في المرسلة ففيها أن كون الغسل فيها غسل الحيض لا ينافي ما ذكر لامكان التداخل بل لابد من ذلك لان صورة السيلان داخل ولا إشكال فيها في لزوم الغسل للاستحاضة وما افيد من أن المراد من تعميم الحكم انما هو في انها تصلي فيه نظر من جهة أنه من المستبعد رجوع التعميم إلى غير الاقرب نظير ما يقال من أن الاستثناء عقيب الجمل المتعددة رجوعه إلى الجملة الاخيرة متعين ورجوعه إلى الجمل السابقة دون الجملة الاخيرة خارج عن المحاورات العرفية

[ 116 ]

والمقام وان كان بينه وبين المثال فرق كما لا يخفى لكنه يشبه المثال، وثانيا نقول: لا اقل من أنه لا ظهور لقول القائل في المرسلة (وان سال) ومع الاجمال فقول المعصوم صلوات الله عليه (وان سال) في جواب كلامه المجمل الظاهر انه جواب على كلا التقديرين نظير ترك الاستفصال، وبالجملة حمل المرسلة على الاستحاضة القليلة بعيد جدا ولعل عدم التعرض للوضوء في بعض فقرات المرسلة من جهة الاشكال على هذا البيان. (فإذا فعلت ذلك صارت طاهرة) يعني انها تصير بحكم الطاهر فما كان مشروطا بالطهارة جاز له إتيانه وادعى الاجماع عليه والذى يمكن أن يقال: أنه لا بد من ملاحظة الافعال التي يصدر من المستحاضة فما كان مشروطا بالطهارة عن الحدث والخبث كاتيان النوافل والطواف ان كان مشروطا بالطهارة عن الحدث والخبث فيجوز لها إتيانها، لكنه يقع الاشكال في كفاية الاغسال والوضوءات للفرائض لها، بل لعله بمقتضى الاخبار يجب شرط الوضوء لكل صلاة وللطواف من جهة كونه بمنزلة الصلاة، بل ربما يحتمل لزوم تغيير القطنة من جهة احتمال مدخلية في رافعية الوضوء لاثر الحدث أو من جهة عدم العفو عنه، وإن كان من المستبعد لزوم الوضوء لكل ركعتين من النوافل بحيث يلزم ثمان وضوءات لنوافل الظهر والعصر وما كان منوطا بالطهارة عن الحدث فاللازم مراعات الوضوء والغسل فيما يجب فيه الغسل ويجيئ فيه شبهة اعتبار تبديل القطنة لقيام الوضوء والغسل مقام ما يوجب الطهارة الحقيقية، ومقتضى القاعدة الاحتياط كما أنه قد يشك في كفاية الوضوء أول الوقت لجواز مس كتابة القرآن آخر الوقت وإثبات الجواز بالاجماع في غاية الاشكال، وأما ما لا يعتبر فيه الطهارة عن الحدث والخبث وان كان يحرم بالنسبة إلى الحائض كاللبث في المساجد ودخول المسجدين والوقاع فلا دليل على اعتبار الغسل والوضوء، نعم يظهر من بعض الاخبار في الاستحاضة الموجبة للغسل إناطة الجواز بالغسل والوضوء وعلى تقدير استفادة اللزوم لاوجه للتعدى إلى غيره، واما صومها فالمشهور بل المظنون تحقق الاجماع على توقف

[ 117 ]

صحته على الاغسال، وانها من أخلت بالاغسال الواجبة عليها لصلاتها لم يصح صومها ولم ينهض عليه دليل عدا مكاتبة ابن مهزيار (1)، قال: كتبت إليه (امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في اول يوم من شهر رمضان كله ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب عليه السلام تقضي صومها ولا تقضي صلاتها لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك) وفي رواية الكليني والشيخ - قدس سرهما - (لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة والمؤمنات بذلك) (2) ولا يخفى عدم إمكان العمل بهذه المكاتبة بظاهرها كما لا يمكن مخالفة الفقهاء رضوان الله عليهم لعلهم اطلعوا على ما لم نطلع عليه. (ولا تجمع بين صلاتين بوضوء واحد) وقد علم مما ذكر انه مع قطع النظر عن الاخبار مقتضى الاحتياط اللازم ذلك (وعليها الاستظهار في منع الدم من التعدي بقدر الامكان، وكذا يلزم من به داء السلس والبطن) قد وقع التعرض لذكر ما يوجب المنع في الاخبار ولو نوقش في الدلالة على اللزوم لامكن الاستدلال على اللزوم من وجهين احدهما ما ذكر من اقتضاء (لا صلاة إلا بطهور) الاقتصار في الخروج بالقدر المتيقن، الثاني لزوم حفظ البدن والثياب عن النجاسة، وهذا مبني على مانعية الخبث بوجوده الساري بأن يدعي أنه كما في النواهي النفسية تتوجه النهي إلى الطبيعة السارية، ويتعلق بكل فرد منها نهي كذلك في النواهي الغيرية وعليه فيغتفر من جهة الاضطرار ما لابد منه دون غيره، ونظير هذا الكلام يجرى في مصاحبة ما لا يؤكل لحمه في الصلاة وهذه الدعوى محل تأمل وان كان الظاهر تسلمها ولذا لو اضطر المصلى إلى لبس ثوب متنجس لحر أو لبرد لا يجوز له لبس غيره مع النجاسة.


(1) الفقيه كتاب الصوم باب 28 (صوم الحائض والمستحاضة) تحت رقم 2. (2) الكافي ج 3 ص 104 والتهذيب الطبع الحجرى ج 1 ص 44 والظاهر المراد بفاطمة هنا بنت أبى حبيش المذكورة في أبواب الحيض والاستحاضة في كتب العامة في صحاحهم وفي التهذيب ايضا.

[ 118 ]

(غسل النفاس) (الرابع في غسل النفاس ولا يكون الولادة نفاسا الا مع رؤية الدم ولو ولدت الولد تاما) لان الحكم متعلق على دم الولادة لا على نفس الولادة فلو لم تردما لا يبطل صومها ولا ينقض طهارتها، وادعى الاجماع من الخاصة عليه خلافا لما حكي عن بعض العامة (ثم انه لا يكون الدم نفاسا حتى تراه بعد الولادة أو معها). أما بعد الولادة فبالاجماع وأما الدم الخارج مع الولادة فيدل على كونه نفاسا رواية زريق بن الزبير الخرقاني المروي عن مجالس الشيخ عن أبى عبد الله عليه السلام (أن رجلا سأله عن أمراه حامل رأت الدم قال: تدع الصلاة، قال: قلت له: فانها رأت الدم وقد اصابها الطلق فرأته وهي تمخض قال: تصلي حتى يخرج رأس الصبى فإذا خرج رأسه لم تجب عليها الصلاة، وكلما تركته من الصلاة في تلك الحال لوجع ولما فيه من الشدة والجهد قضته إذا خرجت من نفاسها، قال: قلت: جعلت فداك ما الفرق بين دم الحامل ودم المخاض؟ قال عليه السلام: ان الحامل قذفت الحيض وهذه قذقت بدم المخاض إلى أن يخرج بعض الولد فعند ذلك يصير دم النفاس فيجب ان تدع في النفاس والحيض فأما ما لم يكن حيضا أو نفاسا فانما ذلك من فتق في الرحم) (1) وربما يظهر من موثقة عمار المروية عن الكافي عن الصادق عليه السلام (في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يومين فترى الصفرة أو دما قال: تصلي ما لم تلد فان غلبها الوجع ففاتتها صلاة لم تقدر ان تصليها من الوجع فعليها قضاء تلك الصلاة بعد ما تطهر) (2) اعتبار كون الدم بعد تمامية الولادة لكنه يجمع بينهما بحمل قوله عليه السلام على المحكي (ما لم تلد) على عدم الاخذ في الولادة،


(1) الوسائل أبواب الحيض ب 30 ح 14. (2) الكافي ج 3 ص 100 باب النفساء ترى الدم قبل أن يطهر.

[ 119 ]

من باب رفع اليد عن الظاهر بالنص ثم إنه بعد ما فسر النفاس بدم الولادة فالحكم يدور مدار الصدق وقد يتأمل في الصدق في مثل العلقة والمضغة بل مطلق سقط الجنين ما لم يتم خلقه لكنه ادعي الاجماع على انه لو وضعت شيئا تبين فيه خلق الانسان فرأت الدم فهو نفاس فان تم الاجماع فهو والا فلا وجه لترتب احكام النفاس عليه، ولا يبعد ان يستظهر من بعض الاخبار الواردة في المنع عن بيع أم الولد حيث انه يظهر منه تطبيق ام الولد على الحامل بمجرد الحمل ولو كان الحمل مضغة، واحتمال ان يكون من باب الالحاق حكما بعيد. (ولا حد لاقله) ادعى عليه الاجماع واستدل عليه برواية ليث المرادي عن النفساء كم حد نفاسها حتى يجب عليها الصلاة وكيف تصنع؟ قال: (ليس لها حد) (1) ولما كان النفاس محدودا في طرف الكثرة فالمراد نفي الحد في طرف القلة، واستشكل بأنه يظهر من قوله: (حتى يجب عليها الصلاة. وكيف تصنع) أن نظر القائل: إلى حده في طرف الكثرة ولا يبعد ان يقال: ان طرف القلة والكثرة كليهما يقع مدخولا ل‍ (حتى) الدالة على الانتهاء وبعد الخروج عن الحد تجب الصلاة، فيصح ان يكون النظر إلى طرف القلة والكثرة، غاية الامر دل الدليل على الحد في طرف الكثرة (وفي) تحديد (أكثره روايات اشهرها أنه لا يزيد عن اكثر الحيض) الاخبار الواردة على طوائف فطائفة كثيرة تعين ايام حيض المراة بمعنى ان النفساء تقعد عن الصلاة بمقدار ايام حيضها وتجعل ما سواها استحاضة، منها صحيحة زرارة المروية بعدة طرق عن احدهما عليهما السلام (النفساء تكف عن الصلاة ايامها التى كانت تمكث فيها، ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة) (2) ورواها في الكافي بسند آخر على ما في الحدائق الا انه قال فيها: (تكف عن الصلاة ايام اقرائها التي كانت تمكث فيها - الحديث) (3) وبهذا المضمون


(1) الوسائل أبواب النفاس ب 2 ح 1. (2) الوسائل أبواب النفاس ب 3 ح 1 نقلا عن التهذيب. (3) المصدر ج 3 ص 97 باب النفساء.

[ 120 ]

اخبار كثيرة وفيها ذكر الاستظهار ايضا وفى الموثق قال: قالت امرأة محمد بن مسلم وكانت ولودا إقرء أبا جعفر عنى السلام وقل له: (إنى كنت أقعدنى نفاسي اربعين يوما وإن اصحابنا ضيقوا علي فجعلوها ثمانية عشر يوما فقال أبو جعفر عليه السلام: من افتاها بثمانية عشر يوما؟ قال: قلت الرواية التي رووها في اسماء بنت عميس انها نفست بمحمد بن ابى بكر بذي الحليفة فقالت: يا رسول الله كيف اصنع؟ فقال لها: اغتسلي واحتشي وأهلي بالحج، فاغتسلت واحتشت ودخلت مكة ولم تطف ولم تسع حتى تقضي الحج، فرجعت إلى مكة فاتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله احرمت ولم اطف ولم اسع فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: وكم لك اليوم؟ فقالت: ثمانية عشر يوما، فقال: اما الآن فاخرجى فاغتسلي واحتشي وطوفى واسعى فاغتسلت وطافت وسعت واحلت، فقال أبو جعفر عليه السلام: انها لو سألت رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم قبل ذلك واخبرته لامرها به، قلت: فما حد النفساء؟ قال: تقعد ايامها التي كانت تطمث فيهن أيام قرئها فان هي طهرت والا استظهرت بيومين أو ثلاثة أيام، ثم اغتسلت واحتشت فان كان انقطع الدم فقد طهرت وان لم ينقطع الدم فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل لكل صلاتين وتصلي) (1) وطائفة اخرى اخبار مشتملة على قصة اسماء منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت الباقر عليه السلام عن النفساء كم تقعد؟ فقال: ان اسماء بنت عميس نفست فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تغتسل لثمانية عشر ولا بأس بأن تستظهر بيوم أو يومين) (2) وغيرها من الاخبار المتضمنة لهذه القصة الظاهرة في أن منتهى قعود النفساء ثمانية عشر يوما وطائفة اخرى لم يعمل بها الاصحاب وقد يجمع بين الطائفتين الاوليين بما دلت عليه الموثة المذكورة آنفا فالموثقة يصير حاكمة حيث تبين المراد من هذه الاخبار، ولا يخفى الاشكال فيه حيث ان الطائفة الثانية آبية عن هذا الحمل للزوم أن تحمل على سكوت الامام عليه السلام عن الجواب والاعراض عن الجواب بذكر قصة معروفة، وكيف تحمل


(1) الوسائل أبواب النفاس ب 3 ح 11. (2) المصدر ح 15.

[ 121 ]

على هذا مع قوله في ذيل الصحيحة (ولا بأس بأن تستظهر بيوم أو يومين) حيث إنه كالصريح في انها تستظهر بعد ثمانية عشر يوما، نعم لا يبعد الحمل على التقية وهذا طرح لهذه الاخبار، وقد يقال: بحمل الطائفة الاولى على خصوص ذات العادة وتخصيص الطائفة الثانية بغيرها وفيه إشكال لان مورد السؤال في الطائفة الاولى مطلق فذكر ايامها أو أيام اقرائها اما ان يكون من جهة الغلبة فيكون الجواب غير مطابق للسؤال لان السؤال عن المطلق والجواب راجع إلى الافراد الغالبة مع ان كون المرأة ذات العادة العددية غالبا غير معلوم، مضافا إلى انه يلزم حمل الطائفة الثانية على النادر واما أن يكون المراد من أيامها مطلق ايام الحيض سواء كانت ذات عادة عددية ام لا وهذا انسب بالسؤال فالنسبة بين الطائفتين التباين فيرجع إلى التخيير لولا المرجح ولعل الترجيح مع الطائفة الاولى، وقد يقال بالرجوع إلى استصحاب الحدث إلى ثمانية عشر يوما، وفيه انه لا يترتب عليه سقوط الصلاة الا بان يقال: وجوب الصلاة مشروط بالتمكن ومع الحدث لا تتمكن من الصلاة، لكنه محل إشكال من جهة ان اشتراط وجوب الصلاة بالتمكن من الطهارة أو ما يقوم مقامها عقلي، نعم وجوب الصلاة مترتب على عدم الحيض والنفاس والاصل من المقام لا يثبت بقاء النفاس ولا كون المرأة نفساء تكف عن الصلاة لعدم الشك فيما هو موضوع الحكم وانما الشك في حكمه، بل لا يبعد ان يتمسك بذيل صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام حيث قال عليه السلام - على المحكى -: (ولا تدع الصلاة على حال فان النبي صلى الله عليه وآله قال: الصلاة عماد دينكم) (1) ويثبت به التمكن فتأمل هذا مضافا إلى ما أرسله المفيد - قدس سره - من قول الصادق عليه السلام (لا يكون دم نفاس زمانه اكثر من زمان حيض) (2) وهذا المرسل يصير مثل مراسيل ابن ابى عمير التي تلقوها بالقبول (و) عليها أن (تعتبر حالها عند انقطاعه قبل العشرة فان خرجت القطنة نقية اغتسلت والا توقعت النقاء أو انقضاء العشرة ولو


(1) الكافي ج 3 ص 99 تحت رقم 4. (2) الجواهر ج 3 ص 378 من الطبعة الحروفية.

[ 122 ]

رأت بعدها دما فهو استحاضة) اطلاق العبارة يقتضى عدم الفرق بين ذات العادة وغيرها ومقتضى الاخبار السابقة ان مقدار النفاس ايام حيضها ومن المعلوم ان ايام الحيض في ذات العادة مع تجاوز الدم عن العشرة ايام عادتها ومع عدم التجاوز العشرة فالنفساء كذلك، واما لزوم اصل الاعتبار وان كانت الشبهة موضوعية فلعله يستفاد مما دل على الاهتمام بشأن الصلاة فعلا وتركا وقد مر في مبحث الحيض مع مشاركة الحيض والنفاس في الاحكام ولعدم الخلاف في مشاركتهما في الاحكام الا البعض منها مما شد (والنفساء كالحائض فيما يحرم عليها ويكره) والعمدة في اثبات المشاركة هذا لا ما يستدل به من ان النفاس حيض محتبس لاحتمال أن لا يكون النظر إلى التنزيل بلحاظ الاثار الشرعية بل يكون إلى جهة تكوينه كالاخبار بأن الاستحاضة من عرق عازل لكنه يشكل الامر على من يخدش في الاجماعات مع احتمال كون المجمعين معتمدين على دليل نفسي أو عقلي غير تام بنظر غيرهم، لكن هذا يوجب التشكيك في كثير من الاحكام المسلمة في الفقه فلا يعتنى به (وغسلها كغسلها في الكيفية وفى استحباب تقديم الوضوء على الغسل وجواز تأخيره عنه) أما اتحاد غسلها مع غسل الجنب والحائض في الكيفية فلانه بعد ما بين كيفية غسل الجنابة للجنب وأمر غير الجنب بالغسل ينصر ف الذهن إلى الكيفية المعهودة واما الاحتياج إلى الوضوء فهو مبني على ما تقدم سابقا من عدم كفاية غير غسل الجنابة عن الوضوء، واما على القول بالكفاية فلا حاجة إليه. (غسل الاموات) (الخامس غسل الاموات والنظر في امور أربعة الاول الاحتضار والفرض فيه استقبال الميت بالقبلة على أحوط القولين بأن يلقى على ظهره ويجعل وجهه وباطن رجليه إليها). المشهور وجوب توجيه المحتضر إلى القبلة بالنحو المذكور واستدل على الوجوب بما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا، وفى العلل مسندا عن أبى عبد الله عليه السلام

[ 123 ]

عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق قد وجه لغير القبلة فقال: وجهوه إلى القبلة فانكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة واقبل الله عزوجل عليه بوجهه، فلم يزل كذلك حتى يقبض) (1) والرواية مشهورة مقبولة فلا وجه للمناقشة في سندها ونوقش في دلالتها تارة من جهة انه قضية في واقعة واخرى من جهة ذيلها حيث انه يشعر بالاستحباب والجهة الاولى لا يخفى ما فيه خصوصا مع ان الظاهر من نقل أمير المؤمنين وابى عبد الله عليهما السلام انهما نقلا في مقام بيان الحكم، وأما الجهة الاخرى فنوقش فيها بأن هذا مسلم لو كانت العلة المذكورة راجعة إلى المكلف وأما لو كانت راجعة إلى الغير فلا وجه لصرف ظهور الامر في الوجوب عما هو ظاهر فيه، ولعل نظره - قدس سره - إلى انه في الصورة كأنه لم يعلل الحكم بشئ، لانه لا يعلل تكليف بأمر لا يرجع إليه نعم يصح ان يذكر الامر الراجع إلى الغير من جهة أنه من فوائد المأمور به فيبقى ظهور الامر في وجوب المأمور به على حاله، وفيه نظر من جهة انه كما يتعلق الغرض بأمر يرجع إلى المكلف كذلك يتعلق بأمر راجع إلى من له تعلق به ولو من جهة الاخوة الدينية فان الاخوة موجبة لان يحب لاخيه ما يجب لنفسه فحال هذا التعليل حال التعليل بأمر راجع إلى نفس المكلف، واستدل ايضا بأخبار اخر لا تدل على المطلوب اما لتعرضه لما بعد الموت واما لوروده في بيان كيفية الاستقبال من غير نظر إلى وجوب أصل الاستقبال نظير الاوامر الواردة في كيفية المستحبات منها رواية إبراهيم الشعيري وغير واحد عن الصادق عليه السلام قال: (في توجية الميت: تستقبل بوجهه القبلة وتجعل قدمية مما يلي القبلة) (2). (والمسنون نقله إلى مصلاة وتلقينه الشهادتين والاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام) ويدل على استحباب النقل إلى مصلاه رواية عبد الله بن سنان عن


(1) الفقيه كتاب الطهارة باب 22 (غسل الميت) تحت رقم 7. (2) الكافي ج 3 ص 126 باب توجيه الميت إلى القبلة.

[ 124 ]

عن أبى عبد الله عليه السلام (إذا عسر على الميت نزعه وموته قرب إلى مصلاه الذى كان يصلى فيه) (1) والظاهر من هذا الخبر كغيره من الاخبار الاستحباب في صورة تعسر النزع وشدته لا مطلقا، كما هو ظاهر المتن. ويدل على استحباب تلقين الشهادتين رواية الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا حضرت الميت قبل أن يموت قلقنه شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله) (2) وغيرها من الاخبار، وفى محكي الكافي بعد نقله رواية عن ابى خديجة دالة على استحباب تلقين الشهادتين قال: وفي رواية اخرى فلقنه كلمات الفرج والشهادتين وتسمي له الاقرار بالائمة عليهم السلام واحدا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام) (3). (وكلمات الفرج) ففي الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على رجل من بنى هاشم وهو يقضى فقال له قل: (لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلى العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين) فقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الحمدلله الذى استنقذه من النار) (4) وزيد فيها في الفقيه بعد روايته مرسلا (وما تحتهن) قبل رب العرش العظيم (وسلام على المرسلين) بعده (5). (وان يغمض عيناه ويطبق فوه وتمد ياده إلى جنبيه يغطى بثوب) ففي رواية ابى كهمش قال: حضرت موت إسماعيل وابو عبد الله عليه السلام جالس عنده فلما حضرة الموت شد لحييه وغمضه وغطى عليه الملحفة) (6) والمعروف استحباب مد اليدين بل يشعر بعض الكلمات بدعوى الاجماع عليه ويؤيده استقرار سيرة المتشرعة عليه كغيره من الآداب (وأن يقرء عنده القرآن) للتبرك واستدفاع الكرب ولم


(1) الوسائل أبواب الاحتضار ب 39 ح 1 نقلا عن الكافي والتهذيب (2) و (3) الكافي ج 3 باب تلقين الميت ص 121 تحت رقم 1 و 6. (4) الكافي ج 3 ص 124 تحت رقم 9. (5) الفقيه كتاب الطهارة باب غسل الاموات ح 1. (6) الوسائل أبواب الاحتضار ب 43 ح 3 نقلا عن التهذيب.

[ 125 ]

يصل من الاخبار ما يدل على استحباب قراءة القرآن بعد الموت نعم روي الامر بقراءة القرآن في الجملة حال النزع، قيل: روي أنه يقرء عند النازع آية الكرسي وآيتان بعدها ثم آية السخرة (ان ربكم الله الذى خلق السماوات - إلى آخرها -) ثم ثلاث آيات من آخر البقرة (ولله ما في السماوات وما في الارض - إلى آخرها -) ثم تقرء سورة الاحزاب. وعنه عليه السلام (من قرء سورة يس وهو في سكرات الموت أو قرئت عنده جاء رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فسقاه إياه وهو على فراشه فيشرب فيموت ريان ويبعث ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الانبياء) (1). (و) أن (يسرج عنده لو مات ليلا) والمعروف استحباب وضع السراج عنده في الجملة، وربما يستدل برواية سهل بن زياد ففيها امر أبى عبد الله عليه السلام بالسراج في البيت الذى كان يسكنه أبو جعفر عليه السلام (2)، ولا يخفى ما في هذا الاستدلال (و) أن (يعلم المؤمنون بموته) للنصوص منها الصحيح (ينبغي لاولياء الميت منكم أن يؤذنوا إخوان الميت بموته فيشهدون جنازته ويصلون عليه ويستغفرون له فيكتب لهم الاجر، ويكتب للميت الاستغفار ويكتسب الاجر فيهم وفيما اكتسب لميتهم من الاستغفار) (3) (و) أن (يعجل تجهيزة الا مع الاشتباه) ففي مرسلة الصدوق قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كرامة الميت تعجيله) (4) وفي رواية جابر قلت لابي جعفر عليه السلام: (إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت صلاة المكتوبة فبأيهما ابدء؟ فقال: عجل الميت إلى قبره إلا أن يخاف أن يفوت وقت الفريضة ولا تنتظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس ولا غروبها) (5) وأما مع الاشتباه فلا يجوز إذ لا يجوز الاقدام على دفن النفوس المحترمة ما لم يعلم موتها ويحصل


(1) راجع تفسير البرهان ج 4 ص 3 نقله من كتاب خواص القرآن. (2) الوسائل أبواب الاحتضار ب 44 ح 1. (3) الكافي ج 3 ص 166 باب ان الميت يؤذن به الناس. (4) الفقيه باب 22 (غسل الميت) تحت رقم 46. (5) الوسائل أبواب الاحتضار ب 46 ح 4.

[ 126 ]

العلم بتغير الريح أو مضى ثلاثة ايام. (وان كان مصلوبا لا يترك ازيد من ثلاثة ايام) وفى الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تقروا المصلوب بعد ثلاثة ايام حتى تنزل، ويدفن) (1) وفى بعض النسخ (لا تقربوا) بدل (لا تقروا) فلا يدل على المطلوب وادعي عليه الاجماع. (ويكره أن يحضره جنب أو حائض) واستدل بأخبار منها رواية يونس بن يعقوب عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا تحضر الحائض الميت ولا الجنب عند التلقين، ولا بأس ان يليا غسله) (2)، وعن علل الصدوق مرفوعا إلى الصادق عليه السلام قال: (لا تحضر الحائض والجنب عند التلقين لان الملائكة تتاذى بهما) (3) ولا يخفى انه لا يستفاد من هذه الاخبار الاطلاق (وقيل) انه (يكره ان يجعل على بطنه حديد) ولم يذكر له دليل وادعى عليه في الخلاف الاجماع عليه ولا بد ان يستند فتواهم إلى دليل لم يصل إلينا. (الثاني) في بيان (الغسل وفروضه: إزالة النجاسة عنه) ادعي عدم الخلاف والاشكال في لزوم إزالة النجاسة العارضة عن بدن الميت في الجملة قبل الغسل ويدل عليه الاخبار الواردة في بيان كيفية الغسل منها مرسلة يونس وفيها (ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغسل الانسان من الجنابة إلى نصف الذراع، ثم اغسل فرجه ونقه، ثم اغسل رأسه بالرغوة - إلى أن قال - في كيفية غسله بماء الكافور وافعل به كما فعلت في المرة الاولى ابده بيديه ثم بفرجه وامسح بطنه مسحا رفيقا، فان خرج منه شئ فانقه، ثم اغسل رأسه الحديث) (4) وفى خبر علاء بن سيابة الوارد فيمن قتل في معصية الله عن ابى عبد الله عليه السلام أنه قال: إذا قتل في معصية الله يغسل أولا منه الدم ثم يصب عليه الماء صبا الحديث) (5) ولو لا التسلم لامكن الاستشكال


(1) الكافي ج 3 ص 216 باب الصلاة على المصلوب تحت رقم 3. (2) و (3) الوسائل أبواب الاحتضار ب 42 ح 2 و 3. (4) الكافي ج 3 ص 141 تحت رقم 5، والرغوة: الزيد. (5) الوسائل أبواب غسل الميت ب 16 ح 1.

[ 127 ]

في دلالة هذه الاخبار لانها، من جهة الامر الظاهر في الوجوب الشرطي، واستفادة الوجوب منه مشكل من جهة اشتمال هذه الاخبار على الامور المستحبة ومعه لاظهور في الوجوب، والخبر المذكور اخيرا يحتمل ان يكون الامر بغسل الدم من جهة رفع الحاجب وقد يستدل على اللزوم بما دل على لزوم تطهير البدن في غسل الجنابة بضميمة الاخبار المستفيضة الدالة على أن غسل الميت مثل غسل الجنابة، بل يفهم من جملة منها أنه عينه ولنشر إلى ما يمكن ان يقال في تلك المسألة لعدم التعرض في مبحث غسل الجنابة، فقد يقال في تلك المسألة باعتبار الطهارة بمعنى اعتبار جريان ماء الغسل على المحل الطاهر، فيجوز تطهير العضو اللاحق بعد الفراغ عن غسل العضو السابق من جهة ظهور الاخبار الواردة في كيفية غسل الجنابة في وجوب رفع النجاسة وهي وان كانت ظاهرة في وجوب الرفع قبل الغسل لكن شدة المناسبة بين تطهير الموضع مقدمة لغسل نفس هذا الموضع وبعد مدخليته في صحة غسل سائر المواضع يمنع عن استفادة وجوب الرفع قبل الغسل فيكون جاريا مجرى العادة وفيه نظر لاحتمال كون الامر إرشاديا من جهة عدم الوقوع في محذور نجاسة المواضع الطاهرة من البدن ونجاسة الماء الذي به يغتسل ففي صحيحة حكم بن حكيم قال عليه السلام: (ثم اغسل ما اصاب جسدك من اذى ثم اغسل فرجك وافض على سائر جسدك فاغتسل) (1) فهل يمكن حمل هذه الاوامر المترتبة على الوجوب وهل يمكن حمل الامر بافاضة الماء على الوجوب أو يكون النظر إلى تسهيل الغسل، نعم بعد تسلم ان الماء المتنجس ولو بنجاسة البدن في غير غسل الميت لا يرفع الحدث لابد من أحد أمرين إما الاغتسال في الماء الغير المنفعل وإما التطهير قبل غسل العضو المتنجس، والحاصل انه مع عدم ظهور هذه الاوامر في الوجوب الشرطي يكون المرجع الاطلاق إن كان، والا فالاصل العملي الاحتياط أو البراءة وان كان الشك في المحصل وقد يستشكل في الاكتفاء بالغسلة الواحدة كما في الماء الغير المنفعل بلزوم التداخل حيث أن


(1) الوسائل ابواب الجنابة ب 25 ح 7

[ 128 ]

التطهير من الخبث للصلاة لازم مثلا وكذلك من الحدث، فههنا أمران يقتضيان وجودين، والتداخل خلاف الاصل، واجيب بأن المسبب عن كل من السببين أي الحدث والخبث لو كان طبيعة غسل الجسد من حيث هي من دون اعتبار قيد زائد في شئ منهما لتم ما ذكر لكنه ليس كذلك بل المسبب عن نجاسة البدن ليس الا وجوب إزالتها، وعن الحدث ليس الا رفعه، وهما مهيتان مختلفتان، فان أمكن ايجادهما بغسلة واحدة فلا مانع منه كاعطاء درهم على جاز ذي رحم فانه لشخص هذا الفعل يتحقق امتثال الامرين بالعنوانين، ومع فرض تمامية الاستدلال المذكور يلزم أنه لو اتى بالفعل اولا بقصد الغسل وقع امتثالا للامر برفع الحدث ولا يحتاج الامر الراجع برفع الخبث إلى فعل آخر اعني غسلا آخر، وفى الجواب نظر لان ما افيد من تعدد المهية لا يرفع الاشكال عما هو مقدمة للمهيتين اعني غسل العضو الذى هو مقدمة للمهيتين فان الاشكال على تقدير وجوب المقدمة شرعا والا فمن اين وجب شرعا إزالة الخبث، وثانيا نقول: إذا كان مقتضى القاعدة اقتضاء كل سبب مسببا عليحدة فكيف يجدى ما ذكر بل تعدد السبب موجب لتعدد المسبب، إن قلت: المسبب هنا الوجوب والوجوب متعدد ومع تعدد المهية لا اجتماع للوجوبين في محل واحد، قلت: هذا مبني على جواز اجتماع الامر والنهي ونظير الاشكال الوارد هناك بلزوم اجتماع الوجوب والحرمة في المجمع جار هنا توضيح ذلك أن الغصب مثلا منتزع عن الحركة مع خصوصية كونها في ملك الغير عدوانا والصلاة منتزعة عن تلك الحركة مع خصوصية كونها بكيفية مخصوصة فاجتمع في نفس الحركة الوجوب والحرمة وفى المقام يتصف المجمع بالوجوبين، واما ما افيد من انه لو تم هذا الاستدلال، ففيه أنه مقتضى القاعدة ان يكون صرف وجود الطبيعة في امثال المقام واجبا بالامر الاول، والوجود الثاني للامر الثاني، فمع تقدم الامر بازالة الخبث كيف يكون الامر الثاني متعلقا لصرف وجود الغسل حتى يتحقق امتثاله، فالاولى في الجواب عن أصل الاشكال ان يقال بعد ما يكان أحد الواجبين توصليا والآخر تعبديا فلا إشكال

[ 129 ]

في تعلق الامر التعبدى بأصل الغسل وحيث يرى المولى غرضه من الامر الآخر حاصلا لا يوجب ايجابا آخر حتى يحتاج إلى وجود آخر وليس هذا من باب التداخل حتى يرد عليه ما اورد على التقريب المذكور آنفا، إذا عرفت ذلك ظهر لك الحال في مسئلتنا بناء على استفادة المماثلة في جميع الجهات من الادلة الدالة على المماثلة لا المماثلة في الكيفية من دون النظر إلى الشرائط ثم انه لازم المماثلة أو العينية اعتبار ما اعتبر في غسل الجنابة من قصد العنوان وقصد القربة وربما يستشكل من جهة ان القرب الحاصل لابد أن يكون للمتطهر اعني الميت لا المباشر اعني الغاسل ولم يصدر من الميت امر يوجب قربة فكيف يقصد الغاسل تقرب الميت المتطهر، وهذا هو الاشكال المتوجه على العبادات الاستيجارية سوى الاشكال الآخر المتوجه هناك من جهة ان العبادة لابد ان تكون بداعي الامر الا لهي فكيف تصح مع ان الداعي للاجير اخذ الاجرة ولا يبعد ان يقال كما ان المديون بعد أداء دينه يحصل له وجه عند الدائن غير وجهه قبله، وان لم يكن هو مؤديا لدينه بل ادى الدين غيره بدون أمره وعلمه خصوصا إذا كان راضيا به وحصول هذا لا يحتاج إلى فعل راجع ولو بالتسبيب إليه ولا دليل على اعتبار ازيد من هذا، وقد ورد في الشرع كما في قصاء الولي الصلوات الفائتة من الاب فبعد قبول الشارع وحصول النفع للميت فلا وجه للاشكال ورفعه. (وتغسيله بماء السدر ثم بماء الكافور ثم بماء القراح مرتبا كغسل الجنابة) ويدل على ما ذكر جملة من الاخبار منها صحيحة ابن مسكان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن غسل الميت فقال: (اغسله بماء وسدر ثم اغسله على اثر ذلك غسلة اخرى بماء وكافور وذريرة إن كانت، واغسله الثالثة بماء قراح قلت: ثلاث غسلات لجسده كله؟ قال: نعم، قلت: يكون عليه ثوب إذا غسل؟ قال: ان استطعت أن يكون عليه قميص فغسله من تحته وقال: احب لمن غسل الميت ان يلف على يده خرقة حين يغسله) (1) وهذه الصحيحة ظاهرة في وجوب الاغسال الثلاثة وأما


(1) الكافي ج 3 ص 139. والذريرة: هي ما يفرق على الشئ للطيب، وربما = >

[ 130 ]

كيفية الغسل بماء السدر وماء الكافور بأن يكون الغسل بالماء المطلق وفيه شئ من السدر والكافور فلا ظهور لها فيها بل ربما يسبق إلى الذهن غير هذا فلو قيل اغسل الشئ بالتراب أو بالسدر ينسبق إلى الذهن نحو آخر حيث يفهم من هذه المباني غلبة الطين أو السدر على الماء المخلوط به ولا يبعد استناد ما هو المشهور من كفاية ما ذكر من بعض الاخبار الاخر مثل صحيحة يعقوب بن يقطين قال: (سالت العبد الصالح عليه السلام عن غسل الميت أفيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال: غسل الميت يبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض ثم يغسل وجهه ورأسه بالسدر، ثم يفاض الماء عليه ثلاث مرات ولا يغسل الا في قميض يدخل رجل يده ويصب عليه من فوقه ويجعل في الماء شئ من السدر وشيئا من الكافور) (1) فان الظاهر منها ما هو المشهور من كفاية ما ذكر كما أن الظاهر ان المراد من قوله عليه السلام: (ثم يفاض عليه الماء ثلاث مرات) الاغسال الثلاثة واما سائر الامور المذكورة في كثير من الاخبار فالظاهر استحبابها بقرينة الصحيحة السابقة مع كونها في مقام البيان، ثم ان المعروف كما هو المستفاد من الاخبار لزوم الترتيب في غسل الاعضاء كلزوم الترتيب بين الاغسال فلا يجزى الارتماس، وعن جملة من المتأخرين القول بجواز الارتماس لقوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم (إنه مثل غسل الجنب) (2) وفي جملة من الاخبار (أنه عينه) (3) ونوقش فيه بعدم ظهور التشبيه في الموم على وجه يشمل ذلك فيبقى الاصل يعنى قاعدة الاشتغال ولا يخفى ما في هذه المناقشة وكيف لا يؤخذ بالاطلاق هنا مع انه استدل بهذا الوجه على لزوم التطهير من الخبث وازالته قبل الغسل هذا مضافا إلى اطلاق صحيحة ابن مسكان المذكورة آنفا والى أنه مع الشك لم


= > تخص بفتات قصب الطيب وهو قصب يجاء به من الهند، كانه قصب النشاب، وقال الشيخ في المبسوط: انه يعرف بالقحة - بالقاف والحاء المهملة -. وقال ابن ادريس: هي نبات طيب غير معهود وبسمى بالقحان - بالضم والتشديد - وفى المعتبر: انها الطيب المسحوق واريد بالقراح عن الخليطين وهو بفتح القاف: الخالص، كما في الوافى. (1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 2 ح 7. (2) و (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 3.

[ 131 ]

لا يرجع إلى البراءة ولعل ما ذكر في مسألة الشك في المحصل من لزوم الاحتياط على فرض تسليمه لا يجزي في المقام، واما الاستفادة من الاخبار لزوم الترتيب فيشكل من جهة اشتمال الاخبار على المستحبات الا أن يوجد في أخبار الباب ما يدل على الترتيب مع عدم الاشتمال على المستحبات، وقد نوقش فيما ذكر من أنه يظهر من بعض الاخبار (أن غسل الميت عين غسل الجنب) بأنه لم يدل دليل على جواز الارتماس في غسل الجنابة على وجه يعم مثل الفرض لجواز أن يكون لخصوص الجنب الميت خصوصية تقتضي ايجاد غسله بكيفية خاصة، وفيه نظر لان هذا مبنى كون الميت جنبا حقيقة وهو مستعد خصوصا في متن العبارة بل لعله من باب التنزيل، ويؤيده ما دل على التشبيه، ومع التنزيل لا بأس بالمماثلة من حيث الكيفية. (ولو تعذر السدر والكافور كفت المرأة بالقراح) حيث سقط التكليف بالاولين من جهة التعذر ولقائل أن يقول: لازم ما ذكر سقوط أصل الغسل حتى بالماء القراح لكونه مرتبطا بالاولين ومرتبا عليهما، وقد يقال بلزوم الاغسال الثلاثة بالماء القراح تمسكا بقاعدة الميسور، وفيه نظر لانه حيث لا يمكن العمل بالعموم القاعدة من جهة تخصيص الاكثر فلا بد من العمل في مورد عمل المشهور بها فيه، ولم يحرز عمل المشهور بها فيه. وربما يستدل بما دل على ان المحرم كالمحل في الغسل وغيره الا أنه لا يقربه الكافور، يتقريب انه إذا لم يسقط الغسل من جهة العذر الشرعي فلم يسقط من جهة العذر العقلي وهذا الاستدلال مبني على القطع بعدم مدخلية الخصوصية في الحكم ودعواه مشكلة، وربما يستدل بأنه يجب تطهير الميت عن النجاسة، فإذا توقف القطع بالطهارة على الاغسال وجبت مقدمة لها وان لم نقل بوجوبها لذاتها وهذا يحتاج إلى دليل مستقل دال على لزوم طهارة بدن الميت حتى عن نجاسته الذاتية غير مادل على لزوم الغسل. (وفي وجوب الوضوء قولان والاستحباب أشبه) استدل للقول بالوجوب بالامر بالوضوء في جملة من الاخبار منها خبر حريز عن أبى عبد الله عليه السلام قال:

[ 132 ]

(الميت يبدء بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلاة - الحديث -) (1) وغيره من الاخبار والجواب بالحمل على الاستحباب بقرينة الاخبار المتعرضة لاحكام الميت قبل الدفن مع عدم التعرض للوضوء مع كونها في مقام البيان حتى بيان المستحبات بل لعلها يظهر منها عدم الاستحباب ايضا خصوصا صحيحة يعقوب بن يقطين (2) حيث سئل فيها عن الوضوء ولم يتعرض له الامام عليه السلام فتأمل. (ولو خيف من تغسيله تناثر جلده تيمم كالحي العاجز) بلا خلاف هرا، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، ويدل عليه رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن على صلوات الله عليهم قال: (ان قوما اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله مات صاحب لنا وهو مجدور فان غسلناه انسلخ؟ فقال: يمموه) (3) وضعف السند مجبور بالعمل، حيث ان الظاهر اعتمادهم عليها وربما يستدل بالاخبار الدالة على ان التيمم احد الطهورين بضميمة ما دل على ان الميت يغسل لصيروته جنبا بالموت، وفيه إشكال من جهة انه كما أن هذه الجنابة الخاصة على تقدير أن يراد الجنابة الحقيقية لا التنزيلية تقتضي الغسل بالنحو الخاص لا مجرد الغسل كجنابة الجنب الحي يحتمل ان يقتضي الطهور الخاص - اعني ما كان بالماء بالنحو المعهود - لا مطلق الطهور حتى توجب مع فقدان الماء الطهور بالتراب، ثم على تقدير وجوب التيمم هل يكفى تيمم واحد بدلا عن الاغسال الثلاثة، ام لابد من التيممات الثلاث؟ قد يقال بالاول من جهة ان اغسال الثلاثة طهور واحد والتيمم بمنزلته ويحتمل ان يكون كل غسل محصلا لمرتبة من الطهارة، أو يكون هو مرتبة من الطهارة فمقتضى البدلية بدلية كل تيمم لكل غسل، ولا يخفى ان لازم ما ذكر آنفا من لزوم تطهير الميت عن النجاسة الاحتياط بناء على حصول الطهارة للميت بعد التيمم، ثم ان الظاهر ان مراده - قدس سره - من ذيل العبارة ان يضرب بيد الميت


(1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 6 ح 1. (2) الوسائل أبواب غسل الميت ب 2 ح 7 عن العبد الصالح عليه السلام. (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 16 ح 3.

[ 133 ]

مع الامكان ومع التعذر يضرب المباشر بيديه والاحتياط بالجمع مع الامكان. (وسننه ان يوضع على مرتفع موجها إلى القبلة) للمرسل: (وتضعه على المغتسل مستقبل القبلة) (1) وربما علل بحفظ البدن عن التلطخ ويدل على استحباب توجيهه إلى القبلة حسنة سليمان بن خالد قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا مات لاحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة وكذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلا بباطن قدميه ووجه إلى القبلة) (2) وقيل: بالوجوب لظاهر الامر في الاخبار وهذا القول ضعيف لصحيحة يعقوب بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الميت كيف يوضع على المغتسل موجها وجهه نحو القبلة أو يوضع على يمينه ووجهه نحو القبلة؟ قال: (يوضع كيف تيسر فإذا طهر يوضع كما يوضع في قبره) (3) ويمكن ان يكون المراد من قوله: (كيف تيسر) كيف تيسر من نحو التوجه إلى القبلة، فكأنه عليه السلام قرره على معتقده من لزوم التوجيه إلى القبلة ومع الاجمال لابد من رفع اليد عن ظهور الحسنة وغيرها في لزوم التوجية بالنحو الخاص، فيدور الامر بين الاستحباب والوجوب التخييري، ولا ترجيح فتأمل، بل ربما يظهر من الصحيحة أنه من قبيل التخيير العقلي لا الشرعي. وعلى هذا فلابد من رفع اليد عن الظهور في الوجوب. (مظللا) ويدل عليه صحيحة علي بن جعفر عن اخيه أبى الحسن عليه السلام قال: (سألته عن الميت هل يغسل في القضاء؟ قال: لا بأس وان ستر بستر فهو احب إلي) (4). (وأن يفتق جيبه وينزع ثوبه من تحته) واستدل عليه بخبر عبد الله بن سنان (ثم يخرق القميص إذا فرغ من غسله وينزع من رجله) (5)


(1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 5 ح 3 و 5. (2) الوسائل أبواب الاحتضار ب 35 ح 2. (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 5 ح 2. (4) الوسائل أبواب غسل الميت ب 31 ح 1. (5) الوسائل أبواب التكفين ب 2 ح 8.

[ 134 ]

وقد يتأمل في دلالته على الحكم، ولعل وجهه ان لفظة (من) لا يدل على الكيفية كما في قولك: نزعت الثوب من بدنى، ولعل نظر المستدل إلى ان المنزوع منه ليس هو الرجل بل البدن فبدخول اللفظة على الرجل يستفاد الكيفية، وقد استشكل في اصل الخرق والشق مع عدم الاذن من الورثة أو من يتعلق حقه بالثوب، ولعل الرواية ناظرة إلى صورة جواز التصرف والا فيقع الاشكال في جواز التغسيل مع القميص، لعدم لزومه مع القميص، فالتمسك باطلاقه لعدم الحاجة إلى الاذن مشكل جدا. (وتستر عورته) الحكم بالاستحباب في صورة الا من من النظر لغير من يجوز له النظر والا فالستر لازم ولعل وجه الاستحباب الاهتمام بستر العورة مع ما فيه من احترام الميت. (وتلين اصابعه برفق) لقوله عليه السلام في خبر الكاهلي: (ثم تلين مفاصله فان امتنعت عليك فدعها - الخ -) (1) ولا يعارض بما في بعض الاخبار من النهي عن الغمز (2)، إذ لعل الغمز ما ينافى الرفق، وعلى تقدير المعارضة فالاول أرجح لاشتهارة بين الاصحاب. (ويغسل رأسه وجسده برغوة السدر) لمرسلة يونس عنهم عليهم السلام قال: (إذا أردت غسل الميت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة فان كان عليه قميص فأخرج يده من القميص واجمع قميصه على عورته وارفعه عن رجليه إلى فوق الركبة وان لم يكن عليه قميص فألق على عورته خرقة واعمد إلى السدر فصيره في طشت وصوب عليه الماء واضربه بيديك حتى ترفع رغوته واعزل الرغوة في شئ، وصب الآخر في الاجانة التي فيها الماء ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغسل الانسان من الجنابة إلى نصف الذراع، ثم اغسل فرجه ونقه ثم اغسل رأسه بالرغوة وبالغ في ذلك واجتهد ان لا يدخل الماء منخريه ومسامعه، ثم اضجعه على جانبه الايسر وصب الماء من نصف رأسه إلى قدميه ثلاث مرات، وادلك بدنه دلكا رفيقا وكذلك


(1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 2 ح 5. (2) الوسائل أبواب غسل الميت ب 11 ح 4 و 6.

[ 135 ]

ظهره وبطنه، ثم اضجعه على جانبه الايمن وافعل به مثل ذلك ثم صب ذلك الماء من الاجانة واغسل الاجانة بماء قراح واغسل يديك إلى المرفقين، ثم صب الماء في الآنية والق فيه حبات كافور وافعل به كما فعلت في المرة الاولى، ابدء بيديه ثم بفرجه وامسح بطنه مسحا رفيقا، فان خرج منه شئ فانقه، ثم اغسل رأسه، ثم اضجعه على جنبه الايسر واغسل جنبه الايمن وظهره وبطنه، ثم اضجعه على جنبه الايمن واغسل جنبه الايسر كما فعلت اول مرة، ثم اغسل يديك إلى المرفقين والآنية وصب فيه الماء القراح واغسله بماء قراح [ بالماء القراح ظ ] كما غسلته في المرتين الاوليين، ثم نشفه (1) بثوب طاهر واعمد إلى قطن فذر عليه شيئا من حنوط فضعه [ وضعه خ ل ] على فرجه قبل ودبر واحش القطن في دبره لئلا يخرج منه شئ وخذ خرفه طويلة عرضها شبر فشدها من حقويه (2) وضم فخذيه ضما شديدا ولفها في فخذيه، ثم اخرج رأسها من تحت رجليه إلى جانب الايمن واغرزها (3) في الموضع الذى لففت فيه الخرقه وتكون الخرقة [ خرقة خ ل ] طويله تلف فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفا شديدا) (4). (وأن يغسل فرجه بالحرض (5) وأن يبدء بغسل يديه ثم بشق رأسه الايمن ثم بالايسر ويدل على الاول ما في الخبر الكاهلي (6) وفيه تثلبث غسله والاكثار من الماء والامر بغسل فرجه بماء الكافور والحرض قبل الغسل بماء الكافور، والامر بغسله بماء القراح أيضا، ويدل على الثاني مرسلة يونس المذكورة، وعلى الثالث


(1) التنشيف: التجفيف. (2) الحقو: معقد الازار والخاصرة. (3) في التهذيب الطبعة الاولى ج 1 ص 86 (واعمزها) وقال المولى رفيعا - رحمه الله -: لعل هذا هو الاصح وفي الوافى: والغرز بتوسيط المهملة بين المعجمتين: الادخال والاخفاء. (4) رواه الكليني في الكافي ج 3 ص 141. (5) الحرض بالضم - الاشنان. (6) الكافي ج 3 ص 140 تحت رقم 4.

[ 136 ]

ما في الخبر: (ثم تحول إلى رأسه فابدء بشقه الايمن من لحيته ورأسه ثم ثن بشقه الايسر من رأسه ولحيته ووجهه - الخبر) (و) أن (يغسل كل عضو منه ثلاثا) لخبر يونس (1) (و) أن (يمسح بطنه برفق في الاوليين إلا الحامل) لخبر الكاهلى (2) وموثقة عمار (3) وفيها: (ثم تمر يدك على بطنه فتعصره شيئا حتى يخرج من مخرجه ما خرج - الحديث -) والدليل منصرف عن الحامل إذ لا يأمن معه الاجهاض المحرم بل ورد النهي عنه في خبر أم أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا توفيت المرأة فان أرادوا أن يغسلوها فليبتدؤوا ببطنها وتمسح مسحا رفيقا ان لم تكن حبلى وان كانت حبلى فلا تحركها) (4) (و) أن (يقف الغاسل له على يمينه) ولم نعثر على دليل يدل عليه غير أنه صرح به جملة من الاصحاب رضوان الله عليهم ولعلهم وقفوا عليه (و) أن (يحفر للماء حفيرة و) أن (ينشف بثوب) وقد ذكر الامران في الاخبار التي سبقت ذكرها (ويكره إقعاده) ويدل عليه قوله عليه السلام في خبر الكاهلي: (واياك ان تعقده) ولا يعارضه ما في صحيح الفضل (5) لاعراض الاصحاب عنه. (وقص أظفاره وترجيل شعره) واستدل للكراهة بخبر غياث عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (كره أمير المؤمنين عليه السلام ان يحلق عانة الميت إذا غسل، أو يقلم له ظفر، أو يجز له شعر) (6) وعلى ذلك حمل النهي فيما رواه ابن أبي عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا يمس من الميت شعر ولا ظهر وان سقط منه شئ فاجلعه في كفنه) (7) لكن رفع اليد عن ظهوره في الحرمة بواسطة لفظ الكراهة المذكورة مشكل لاطلاق الكراهة في لسان الاخبار على الحرمة (وجعله بين رجلى الغاسل)


(1) و (2) تقدما آنفا. (3) الكافي ج 3 ص 141 تحت رقم 5 (4) الوسائل أبواب غسل الميت ب 6 ح 3. (5) الوسائل أبواب غسل الميت ب 2 ح 9. (6) و (7) الكافي ج 3 ص 156 تحت رقم 2 و 1.

[ 137 ]

واستدل له بخبر عمار: (ولا يجعله بين رجليه في غسله) (1) وقد صرف عن ظاهره بخبر يونس بن سنان وفيه: (لا بأس ان تجعل الميت بين رجليك وان تقوم فوقه فتغسله إذا قلبته يمينا وشمالا تضبطه برجليك لئلا يسقط لوجهه) (2) (وارسال الماء في الكنيف ولا بأس بالبالوعة) واستدل على الحكمين بمكاتبة الصفار في الصحيح إلى مولينا العسكري صلوات الله عليه (هل يجوز أن يغسل الميت ومائه الذى يصب عليه يدخل إلى بئر كنيف؟ فوقع عليه السلام (يكون ذلك في بلا ليع) (3) وعن الفقيه (4) عدم الجواز في إرساله إلى الكنيف، ولولا الشهرة لم يبعد الحرمة لظهور المكاتبة في عدم الجواز. (الثالث) في (الكفن والواجب منه) ثلاث قطع (مئرز وقميص وإزار ويدل على لزوم ثلاث قطع الاخبار المستفيضة بل ادعي تواترها،، ففي رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الميت يكفن في ثلاثة أثواب سوى العمامة والخرقة يشد بها وركيه لكيلا يبدوا منها شئ والعمامة والخرقة لابد منها وليستا من الكفن) (5) وموثقة سماعة قال: سألته عما يكفن به الميت؟ قال: (ثلاثة أثواب وإنما كفن رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثة اثواب ثوبين صحاريين وثوب حبرة الصحارية تكون باليمامة وكفن أبو جعفر عليه السلام في ثلاثة أثواب) (6) إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة وفى قبالها صحيحة زرارة المروية عن بعض نسخ التهذيب قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: العمامة للميت من الكفن؟ قال: (لا، انما الكفن المفروض ثلاثة اثواب أو ثوب تام لا أقل منه يواري فيه جسده كله فما زاد فهو سنة


(1) المعتبر ص 74. (2) الوسائل أبواب غسل الميت ب 33 ح 1 من حديث العلاء بن سيابة ولم أجده من حديث يونس بن سنان كما لم أجد يونس بن سنان في كتب الرجال. (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 29 ح 1. (4) المصدر ص 37 باب المس تحت رقم 27. (5) الكافي ج 3 ص 144 تحت رقم 6. (6) الوسائل أبواب التكفين ب 2 ح 6.

[ 138 ]

إلى ان يبلغ خمسة فما زاد فمبتدع والعمامة سنة) (1) وهذه الصحيحة قد رويت في الكافي (2) بدون الهمزة في لفظ (أو ثوب تام) وعليه فيمكن أن يكون من قبيل عطف الخاص على العام فلا تعارض الاخبار الاخر، ثم ان المشهور أن الاقطاع الثلاثة: مئرز وقميص وإزار، وفسر المئزر بما يستر بين السرة والركبة واعتبر بعض كونه ساترا لهما، وحدوا القميص بما يصل إلى نصف الساق، ولا يبعد كفاية ما يصدق عليه الاسم ولو لم يصل إلى هذا الحل، والمراد بالازار هو الثوب الشامل لجميع البدن، واستشكل في كفاية المئزر بالمعنى المذكور لخلو الاخبار عن ذكره بل المذكور فيها أنه يكفن الميت في ثلاثة اثواب، كما في موثقة سماعة المذكورة وغيرها، والظاهر من الثوب ما يستر جميع البدن، غاية الامر أنه في خصوص واحد منها أعني القميص اكتفى فيه بستر بعض البدن، لانه لاريب في كفايته مع عدم كونه ساترا لجميع البدن، بل ربما يظهرمن بعض الاخبار هذا ظهورا اقوى من هذا، ففي حسنة حمران: (ثم يكفن بقميص ولفافة وبرد يجمع فيه الكفن) (3) فان المتبادر من اللفافة ما يلف جميع البدن، ولايفخى انه لا يعتبر في صدق الثوب إحاطته لجميع البدن، واما الحسنة فلم يذكر فيها الملفوف فمن المحتمل ان يكون بعض البدن، فاستظهار ما ذكر من لزوم كون القطعتين غير القميص ساترا لجميع البدن في غير محله، نعم لقائل ان يقول: استفادة لزوم خصوص المئزر أيضا مشكل، وما ذكروه من المؤيدات لعل الاستدلال بها لا يخلو عن الخدشة وعمدة ما يستدل به أن المعهود لدى المتشرعة مع شدة الاهتمام ومراعاة الاحتياط مهما امكن ما هو المشهور، وبعبارة اخرى كيف يخفى على الناس هذا الحكم مع عموم البلوى وشدة الاهتمام، نعم يمكن أن يقال: غاية الامر الاجتزاء بما هو المشهور، واما عدم كفاية غير هذا فلا يستفاد من السيرة العهودة، فلا مانع


(1) الوسائل أبواب التكفين ب 2 ح 1. (2) المصدر ج 3 ص 144 تحت رقم 5. (3) الوسائل أبواب التكفين ب 14 ح 5.

[ 139 ]

من التمسك بالاطلاقات إلا أن يخدش فيها بعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، ومع صحة هذه الخدشة فلعل المرجع هو الاصل ومقتضاه الاجتزاء بأي نحو كان مع صدق الثوب والاحوط ما هو المشهور. ويجب ان يكون (مما يجوز فيه الصلاة للرجال) هذه الكلية مما لا دليل عليها من الاخبار، واستدل لعدم جواز كونه من الحرير المحض بمضمرة حسن بن راشد في الكافي (1) وعن ابى الحسن مرسلا في الفقيه (2) قال: سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قز وقطن هل يصلح أن يكفن فيه الموتى؟ قال: (إذا كان القطن اكثر من القز فلا بأس) وبالاخبار المستفيضة الناهية عن التكفين بكسوة الكعبة (3) مع الاذن في البيع وسائر التصرفات ولا يخفى الاشكال في الاستدلال بهما، اما الاستدلال بالمضمرة فمن جهة ان مفهومها ثبوت البأس مع عدم كون القطن أكثر والظاهر عدم الالتزام به، وأما الاستدلال بتلك الاخبار فلانه لم يعلم كون النهي من جهة كون الكسوة من الحرير، فلعله من جهة كونها في معرض التنجس المنافي لحرمتها. وقد يستدل برواية محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (لا تجمروا الاكفان ولا تمسوا [ تمسحوا خ ل ] موتاكم بالطيب إلا بالكافور، فان الميت بمنزلة المحرم) (4) فإذا انضم إليه ما ورد في الاحرام من وجوب كون ما يحرم فيه من جنس ما يصلي فيه لحسنة حريز: (كل ثوب يصلى فيه فلا بأس أن تحرم فيه) (5) دل على وجوب كون الكفن مما يصلى فيه، وفيه ايضا إشكال لان بناؤهم على الكراهة ولم يأخذوا بعموم المنزلة فالعمدة الاجماع المنقول المعتضد بالشهرة، واما جلود الحيوانات


(1) المصدر ج 3 ص 149 تحت رقم 12. (2) المصدر ص 36 باب المس تحت رقم 20. (3) الوسائل أبواب التكفين ب 21. (4) الكافي ج 3 ص 147 باب كراهية تجمير الكفن وتسخين الماء. (5) الوسائل كتاب الحج أبواب الاحرام ب 27 ح 1.

[ 140 ]

المأكولة المذكورة فقد يمنع عنها من جهة عدم صدق الثوب عليها. (ومع الضرورة تجزي اللفافة) الواحدة إن أمكن وإلا فما تيسر، ويجب لقاعدة الميسور واستصحاب الوجوب وادعى الاجماع عليه، وفى جريان الاستصحاب هنا تأمل، ولو انحصر في الممنوع منه، فان كان المنع من جهة كونه حريرا اتجه المنع من جهة اطلاق دليل المنع، وان كان من جهة اخرى كأن يكون متنجسا أو جلد أو من اجزاء غير ما يؤكل لحمه، ففي الاول قد يقال بلزوم التكفين من جهة ان المدرك الاجماع والقدر المتيقن غير حال الاضطرار، وكذلك في الثالث وفي الثاني يتجه المنع لعدم صدق الثوب، ولا يخفى ان اللزوم في الصورتين فرع الاطلاق وكون المطلقات المتعرضة لذكر الثوب في مقام البيان من هذه الجهة، وهو محل تأمل كما أن جريان قاعدة الميسور في الشرائط والقيود محل تأمل. ويجب التحنيط فيمن عدا المحرم ويحصل ب‍ (إمساس مساجده بالكافور وإن قل) قيل: إن وجوب مسح المساجد بالكافور مما لا خلاف فيه على الظاهر، بل نقل عليه الاجماع واستدل عليه باخبار منها موثقة عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الحنوط للميت؟ فقال: (اجعله في مساجده) (1) ومنها ما عن الدعائم: (إذا فرغ من تغسيله [ غسل الميت خ ل ] نشف بثوب وجعل الكافور في مواضع سجوده: جبهته وانفه ويديه وركبتيه ورجليه) (2) وعن الفقه الرضوي نحوه (3)، ومنها صحيحة عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف اصنع بالحنوط؟ قال: (تصنع في فمه ومسامعه وآثار السجود من وجهه ويديه وركبتيه) (4) وروايات آخر ولا يخفى ان الموثقة ظاهرة في بيان كيفية التحنيط لا وجوبه ولا اقل من الاجمال واما رواية الدعائم والمحكي عن الفقه الرضوي فيشكل الاخذ بظاهر هما من جهة ضعف السند ولم يعلم استناد المشهور


(1) الكافي ج 3 ص 146 تحت رقم 15. (2) و (3) المستدرك ج 1 ص 106 أبواب الكفن ب 12 ح 2 (4) الوسائل أبواب التكفين ب 15 ح 3.

[ 141 ]

إليهما لتكون الشهرة جابرة واما الصحيحة فحالها حال الموثقة، مضافا إلى اشتمالها على ما لا يلتزمون بوجوبه وهذا موهن للظهور في الوجوب وهذه الجهة توهن دلالة سائر الروايات مع ضعف سند بعضها والحاصل أنه لو لا الاجماع والمسلم عندهم رضوان الله عليهم لكان استفادة الوجوب من هذه الاخبار مشكلة، ثم انه بعد القول بوجوب مسح المساجد بالكافور لا يبعد القول بوجوب مسح الانف أيضا وان لم نقل بوجوب الارغام في سجدة الصلاة، لان الاستحباب لا يخرج المحل - اعني الانف - عن كونه مسجدا، والدليل دل على وجوب مسح جميع المساجد نعم لو قيل: بأن الارغام حال السجدة واجب أو مستحب من دون ان يكون من المساجد، فهذا الدليل لا يشمله، واما المحرم فلا يحنط بالكافور بلا خلاف فيه كما عن المنتهى ويدل عليه الاخبار منها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (سألته عن المحرم إذا مات كيف يصنع به؟ قال: (يغطى وجهه ويصنع به كما يصنع بالحلال [ بالمحل خ ل ] غير انه لا يقربه طيبا) (1) ونحوه خبره الآخر عن الباقر والصادق عليهما السلام وقد ظهر من ملاحظة الاخبار أنه لا تقدير للمقدار الواجب ولذا عبر بقوله: (وان قل). (والسنن أن يغتسل الغاسل قبل تكفينه أو يتوضأ) والظاهر ان المراد غسل مس الميت فالمستحب تعجيله قبل التكفين وليس عليه دليل بالخصوص بل يظهر من بعض الاخبار استحباب التأخير، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قلت له (الذى يغمض الميت - إلى أن قال - فالذي يغسله يغتسل؟ قال؟ نعم، قلت: فيغسله ثم يلبسه اكفانه قبل ان يغتسل؟ قال: يغسله، ثم يغسل يديه من العاتق ثم يلبسه اكفانه ثم يغتسل) (2) (وأن يزاد للرجل حبرة يمنية عبرية) قيل: ان الحبرة ضرب من برد يصنع باليمن، وهذا الحكم مشهور بين الاصحاب، واستشكل في استحباب الزيادة، بل الذى يستفاد من الاخبار كون الحبرة من


(1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 13 ح 4. (2) الوسائل أبواب التكفين ب 34 ح 1

[ 142 ]

الاثواب الثلاثة المفروضة فالمستحب جعل احدها حبرة يمنية عبرية، بل ربما يدعى كون الزائد من الخمسة - التي ثلاثة منها مفروضة واثنتان منها وهما العمامة والخرقة مسنونتان - بدعة، مضافا إلى أن الزيادة تضييع للمال، ففي صحيحة زرارة بعد حصر الكفن المفروض في ثلاثة قال: (وما زاد فهو سنة إلى أن يبلغ خمسة فما زاد فمبتدع) (1) وقيل: إن هذه الصحيحة على خلاف المطلوب أدل فانه قال في صدر الرواية قلت: لابي جعفر عليه السلام: العمامة للميت من الكفن هي؟ قال: (لا، انما الكفن المفروض ثلاثة أثواب أو ثوب تام لااقل منه يوارى جسده كله فما زاد فهو سنة إلى ان يبلغ خمسة فما زاد مبتدع، والعمامة سنة - الحديث -) حيث إن ظاهرها عدم كون العمامة من الخمسة التي تعد من أجزاء الكفن، وفيه نظر فان الظاهر ان النفي يرجع إلى كون العمامة من الكفن المفروض، والشاهد عليه قوله عليه السلام بعد هذا: (انما الكفن ثلاثة أثواب - الخ -) هذا مضافا إلى عدها من الخمسة في صحيحة معاوية بن وهب حيث قال: (يكفن الميت في خسمة أثواب قميص لا يزر عليه (2)، وإزار وخرقة يعصب بها وسطه، وبرد يلف فيه وعمامة يعتم بها) (3) وإلى حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: (كتب ابى في وصيته في ان اكفنه في ثلاثة اثواب احدها رداء له حبرة كان يصلي فيه يوم الجمعة، وثوب آخر وقميص، فقلت لابي: لم تكتب هذا؟ فقال: أخاف أن يغلبك الناس، وان قالوا: كفنه في أربعة أثواب أو خمسة فلا تفعل، عممني بعمامة وليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به على الجسد) (4) والحاصل ان القول باستحباب الزيادة مشكل (وغير مطرز بالذهب) ان كان على نحو لا يجوز للرجال الصلاة فيها، فوجه اشتراطها واضح، حيث اعتبر كون الكفن من جنس ما يصلي


(1) الوسائل أبواب التكفين ب 1 ح 1. (2) أي لا يشد أزراره ان كانت له أزرار. (3) الوسائل أبواب التكفين ب 1 ح 13. (4) الكافي ج 3 ص 144 تحت رقم 7.

[ 143 ]

فيه الرجل والا فالمتجه الجواز (وخرقة لربط فخذيه) للاخبار المستفيضة منها صحيحة ابن سنان ففيها: (تؤخذ خرقة فيشد بها على مقعدته ورجليه) (1) وفي مرسلة يونس: (واعمد الي قطن فذر عليه شيئا من حنوط فضعه على فرجه قبل ودبر واحش بقطن في دبره لئلا يخرج منه شئ، وخذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدها من حقويه وضم فخديه ضما شديدا ولفها في فخذيه ثم اخرج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الايمن واغرزها [ واغمزها خ ل ] في الموضع الذى لففت فيه الخرقة وتكون الخرقة طويلة تلف فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفا شديدا) (2). (وعمامة) تشتمل على ما (تثنى عليه محنكا ويخرج طرفا العمامة من الحنك ويلقيان على صدره) ففي رواية يونس عنهم عليهم السلام: (ثم يعمم يؤخذ وسط العمامة فتثنى على رأسه بالتدوير ثم يلقى فضل الشق الايمن على الايسر والايسر على الايمن ثم يمد على صدره) (3) (وأن يكون الكفن قطنا) أبيض ففي خبر أبى خديجة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الكتان كان لبني إسرائيل يكفنون به والقطن لامة محمد صلى الله عليه وآله) (4) وفي رواية جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: (قال النبي صلى الله عليه وآله: ليس من لباسكم شئ احسن من البياض فالبسوه وكفنوا فيه موتاكم) (5) (وأن يطيب بالذريرة) للمعتبرة منها الموثق: (إذا كفنت الميت فذر على كل ثوب شيئا من ذريرة وكافور) (6) (و) أن (يكتب) بالتربة الحسينية على مشرفها أفضل صلاة وسلام وتحية (على الحبرة والقميص واللفافة والجريدتين فلان يشهد ان لا إله الا الله ويشهد ان محمدا رسول الله) والاقرار بالائمة عليهم السلام انهم ائمته ويسميهم واحد بعد واحد، ففي رواية ابى كهمس المروية عن سعد بن عبد الله أيضا مثلها (7)،


(1) الكافي ج 3 ص 144 تحت رقم 9. (2) الكافي ج 3 ص 141 وقد تقدم (3) الوسائل أبواب التكفين ب 14 ح 3. (4) و (5) الكافي ج 3 ص 148 باب ما يستحب من الثياب للكفن ح 7 و 3. (6) الكافي ج 3 ص 143 تحت رقم 3 مقتصرا على صدره. (7) الوسائل أبواب التكفين ب 28.

[ 144 ]

وعن محمد بن شعيب ايضا كذلك قال: حضرموت إسماعيل وأبو عبد الله جالس عنده - إلى أن قال - وجاء بكفنه فكتب في حاشية الكفن إسماعيل يشهد ان لا إله الا الله (1) وقد روى الطبرسي - قدس سره - في الاحتجاج في التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة في اجوبة المسائل الحميرى أنه سأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب عليه السلام: (يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه ان شاء الله تعالى) (2) وقد وقع التصريح من جملة الاصحاب بحسن ما ذكرو يعد عرفا من التوسلات (و) أن (يجعل بين اليتيه قطن) وقد ذكر في خبر يونس: (واعمد إلى قطن فذر عليه شيئا وضعه على فرجيه قبل ودبر) (3) (و) أن (تزاد للمرأة لفافة اخرى لثدييها ونمطا) ويدل عليه ما رواه في الكافي عن سهل ابن زياد عن بعض اصحابه وفيه قال: سألته كيف تكفن المرأة؟ قال: (كما يكفن الرجل غير انها تشد على ثدييها خرقة تضم الثدي إلى الصدر وتشد على ظهرها - الحديث - (4) وضعفه منجبر بعمل الاصحاب. (وتبدل المرأة بالعمامة قناعا) ففي خبر عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام في كم تكفن المرأة؟ قال: (تكفن في خمسة أثواب احدها الخمار) (5) وفى الصحيح: (يكفن الرجل في ثلاثة اثواب والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة درع ومنطق وخمار ولفافتين) (6). (و) أن (يسحق الكافور باليد) ولم يظهر دليل عليه إلا انه ذكر الشيخان واتباعهما ولعله وصل إليهم ما لم يصل الينا (وان فضل عن المساجد القي على صدره) ولا دليل عليه فيما وصل إلينا الا ما عن الفقه الرضوي انه قال: (فإذا فرغت من كفنه حنطه بوزن ثلاثة عشر درهما وثلث من الكافور وتبدء بجبهته وتمسح مفاصله كلها به وتلقي ما بقي على صدره وفي وسط راحته) (7) (وأن


(1) الوسائل أبواب التكفين ب 28. (2) الوسائل أبواب التكفين ب 12 ح 1. (3) تقدم سابقا. (4) و (5) و (6) المصدر ج 3 ص 147 تحت رقم 2 و 1 و 3 (7) المستدرك ج 1 ص 106 باب 12 ح 1.

[ 145 ]

يكون درهما أو أربعة دراهم وأكمله ثلاثة عشر درهما وثلث) درهم، أما الاول فلم يعرف مستنده من الاخبار، نعم في إحدى مرسلتي ابن ابى نجران قال: (أقل ما يجزي من الكافور للميت مثقال) (1) ونوقش في دلالتها بأن الدرهم أقل من المثقال مع انه لم يحرز ارادة الكافور لخصوص الحنوط، ويمكن ان يقال: مقتضى الاطلاق كفاية المثقال للغسل والحنوط الا أن يقال بعدم الكفاية خصوصا مع أن الظاهر ان المراد من االمثقال هو الشرعي ثمانية عشر حمصا لا الصيرفى، وكيف كان فقد صرح غير واحد به ولعله وصل إليهم دليل لم يصل إلينا، وأما الثاني فربما يستدل عليه برواية عبد الله بن يحيى الكاملي والحسين بن مختار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (القصد إلى الكافور أربعة مثاقيل) (2) والا يخفى عدم الانطباق على أربعة دراهم، واما الثالث فيدل عليه مرفوعة الكافي قال: (السنة في الحنوط ثلاثة عشر درهما وثلث اكثره، وقال: ان جبرئيل نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحنوط كان وزنه أربعين درهما فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة اجزاء: جزء له وجزء لعلي وجزء لفاطمة عليهما السلام (3) وغيرها من الاخبار (4). (و) ان (يجعل معه جريدتان إحداهما من جانبه الايسر بين قميصه وازاره والاخرى مع ترقوة جانبه الايمن يلصقها بجلده) جعل الجريدة من السنن التي استفاضت الاخبار عليها، ففي صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أرأيت الميت إذا مات لم تجعل معه الجريدة؟ قال: (يتجافي عنه العذاب والحساب مادام العود رطبا، انما العذاب والحساب كله في يوم واحد في ساعة واحدة قدر ما يدخل القبر ويرجع القوم وانما جعل السعفتان لذلك فلا يصيبه عذاب ولا حساب بعد جفوفهما ان شاء الله تعالى) (5) وأما كيفية وضعها فيدل عليها صحيحة جميل أو حسنته قال: قال: (إن الجريدة قدر


(1) و (2) الوسائل أبواب التكفين ب 3 ح 5 و 4 (3) المصدر ج 3 ص 151 تحت رقم 4. (4) راجع الوسائل أبواب التكفين ب 3. (5) الكافي ج 3 ص 152 تحت رقم 4.

[ 146 ]

شبر توضع واحدة من عند الترقوة إلى ما بلغت مما يلي الجلد الايمن والاخرى في الايسر من عند الترقوة إلى ما بلغت من فوق القميص) (1) (و) أن (تكونان من النخل وقيل: فان فقد فمن السدر، والا فمن الخلاف والا فمن غيره من الشجر الرطب) اما سعف النخل فلا خلاف نصا وفتوى في استحباب وضعه واما السدر والخلاف فالدليل عليهما ما رواه سهل بن زياد عن غير واحد من اصحابنا (2)، قالوا: قلنا له: جعلنا الله فداك إن لم نقدر على الجريدة؟ فقال (عود السدر فقلت: فان لم نقدر على السدر؟ فقال: عود الخلاف) (3) وأما الاجتزاء بشجر رطب أي شجر يكون عند فقدهما فلما رواه علي بن بلال انه كتب إلى ابى الحسن الثالث عليه السلام (الرجل يموت في بلاد ليس فيها نخل فهل يجوز مكان الجريدة شئ من الشجر غير النخل؟ فانه روى عن آبائك عليهم السلام انه يتجافى عنه العذاب ما دامت الجريدتان رطبتين وانها تنفع المؤمن والكافر؟ فأجاب عليه السلام: يجوز من شجر آخر رطب) (4). (ويكره بل الخيوط بالريق) وادعي عليه عدم الخلاف ولم يعلم مستنده (وان يعمل لما يبتدء به من الاكفان أكمام) لمرسلة محمد بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت الرجل يكون له القميص أيكفن فيه؟ فقال: (اقطع أزراره قلت: وكمه؟ قال: لا، انما ذلك إذا قطع له وهو جديد لم يجعل له كما واما إذا كان ثوبا لبيسا فلا يقطع منه إلا الازرار) (5) (وأن يكفن في الكتان) واستدل برواية أبى خديجة عن الصادق عليه السلام: (الكتان كان لبني إسرائيل


(1) و (2) الكافي ج 3 ص 152 تحت رقم 5 و 10. (3) الخلاف - ككتاب - وشده لحن -: صنف من شجر الصفصاف كما في القاموس. ويقال له بالفارسية: (بيد). (4) الوسائل أبواب التكفين ب 8 ح 1. (5) الوسائل أبواب التكفين ب 27 ح 2.

[ 147 ]

يكفنون به والفطن لامة محمد صلى الله عليه وآله) (1) ويظهر من بعض الاخبار الحرمة، والمشهور الكراهة، وما دل على الحرمة ضعيف بحسب السند (و) ان يكفن (في السواد) للخبر: (لا يحرم في الثوب الاسود ولا يكفن به) (2) وان يجمر الاكفان بالدخنة الطيبة للنهي عنه في الاخبار المستفيضة منها الخبر: (لا تجمروا الاكفان ولا تمسحوا موتاكم بالطيب الا بالكافور فان الميت بمنزلة المحرم) (3) (أو يطيب بغير الكافور والذريرة) لما تقدم (أو يكتب عليه بالسواد) ومستنده بالخصوص غير واضح (وأن يجعل في سمع الميت أو بصره شئ من الكافور) للصحيح: (لا تجمع في مسامع الميت حنوطا) (4) والمرسل: (ولا يجعل في منخريه ولا في بصره وفى مسامعه ولا على وجهه قطنا ولا كافورا) (5) (وقيل: يكره أن يقطع الكفن بالحديد) ففي التهذيب (6) سمعناه مذاكرة من الشيوخ وكان عليه عملهم وعن المعتبر (7) يستحب متابعتهم. (الرابع) في أحكام (الدفن والفرض فيه مواراته في الارض) وجوب الدفن كفاية في الجملة كاد ان يكون من الضروريات، والمشهور وجوب المواراة في الارض مواراة يكون من شأنها حفظ بدن الميت عادة عن ان يظهر بفعل السباع أو هبوب الرياح ونزول الامطار ونحوها من العوارض العادية، ولا يجزى ستره تحت الارض لا على الوجه المزبور، واستدل عليه بأنه لا ينسبق إلى الذهن الا هذا النحو، مضافا إلى معهودية هذا النحو فلايفهم أمر الشارع الا هذا النحو وهذا ملزوم غالبا لعدم انتشار ريحه الذى هو احدى فوائد الدفن كما أشار


(1) تقدم عن الكافي. (2) الكافي ج 4 ص 341 تحت رقم 13. (3) يعنى في سوى الكافور والخبر في الكافي ج 3 ص 147 تحت رقم 3 (4) الوسائل ابواب التكفين ب 15 ح 4. (5) الكافي ج 3 ص 143 تحت رقم 1. (6) ج 1 ص 294 الطبعة الحروفية بالنجف الاشرف (7) ص 78 باب المكروهات المسالة السابعة.

[ 148 ]

إليه الرضا عليه السلام فيما روي عنه عن علل فضل بن شاذان: (انه يدفن لئلا يظهر الناس على فساد جسده وقبح منظره وتغير رائحته ولا يتأذى الاحياء بريحه، وبما يدخل عليه من الآفة والفساد، وليكون مستورا عن الاولياء والاعداء فلا يشمت عدوه ولا يحزن صديقه) (1) وعن المدارك قد قطع الاصحاب وغيرهم بأن الواجب وضعه في حفيرة تستر عن الانس ريحه وعن السباع بدنه، بحيث يعسر نبشها غالبا، لان فائدة الدفن انما تتم بذلك فان تم الاجماع فهو والا فللتأمل فيما ذكر مجال، فان المستفاد من المروي عن علل فضل بن شاذان ليس إلا الحكمة واما الخصوصيات المتعارفة بين الناس فلا يوجب الانصراف غاية الامر عدم الاطلاق وهو غير موجب للزوم الخصوصية والسيرة المعمولة لا تفيد إلا الاجتزاء والكفاية لا اللزوم، ومع ذلك فالعدول عما حكي عن المدارك من قطع الاصحاب بكذا لا يجترء عليه. وان توضع (على جانبه الايمن موجها إلى القبلة) وحكي على وجوبه الاجماع واستدل باستقرار السيرة على الالتزام به، وبصحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (كان البراء بن معرور الانصاري بالمدينة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة وانه حضره الموت وكان رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس فأوصى البراء إذا دفن أن يجعل وجهه [ إلى رسول الله ] إلى القبلة فجرت به السنة - الحديث -) (2) واستدل ببعض الاخبار الاخر (3)، ولا يخفى تطرق الشبهة في الصحيحة وسائر الاخبار دلالة وسندا الا ان يكون استناد المشهور إليها بحيث تنجبر اسنادها ومع ذلك لا محيص عن العمل بما هو المشهور (ولو كان) الميت (في البحر وتعذر) النقل إلى (البر ثقل أو جعل في وعاء وأرسل إليه) واستدل على الاول بخبر وهب بن وهب عن الصادق عليه السلام قال: (قال امير المؤمينن عليه السلام:


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام ص 259 ط 1318 (2) و (3) الوسائل أبواب الدفن ب 61 تحت رقم 1 و 2 و 3 والمستدرك ج 1 ص 131.

[ 149 ]

(إذا مات الميت في البحر غسل وكفن وحنط ثم يصلى عليه ثم يوثق في رجله حجر ويرمى به في الماء) (1) وغيره من الاخبار، (2) وضعف سندها مجبور بالشهرة ويدل على الثاني صحيحه أيوب بن الحر قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل مات وهو في السفينة في البحر كيف يصنع به؟ قال: (يوضع في خابية ويوكأ رأسها وتطرح في الماء) (3) والجمع العرفي بين تلك الاخبار وهذه الصحيحة الحمل على التخيير واما وجه التقييد بالتعذر فمن جهة ظهور الانصراف فان المرتكز لزوم الدفن مهما أمكن فيتوجه النظر إلى صورة تعذر النقل إلى البر، لكنه لا يخفى ان التقييد بالتعذر في غير محله من جهة ندرته، بل لا يبعد ان يقال: مقتضى إطلاق الاخبار انه مع عدم اتمكن من الدفن بالنحو المتعارف من تأخير الدفن عن الموت ولو فرض عدم فساد البدن جواز الا لقاء في البحر (ولو كانت) الميت (ذمية حاملا من مسلم قيل: دفنت في مقبرة المسلمين يستدبر بها القبلة اكراما للولد) ففي نظر القائل صارت محكومية الولد بالاسلام سببا لامرين احدهما جواز دفن الكافرة في مقبرة المسلمين، بل عدم جواز دفنها في مقبرة الكفار، وثانيهما لزوم ان يستدبر بالميت القبلة ليصير الولد مواجها للقبلة ولا دليل عليه الا الشهرة، ولو لا الشهرة امكن القول بلزوم اخراج الولد من بطن امة لعدم احترامها ودفن الولد كما إذا كان متولدا، نعم في خبر يونس (4) التصريح بخلافه قال: سالت الرضا عليه السلام عن الرجل يكون له الجارية اليهودية والنصرانية فيواقعها فتحمل، ثم يدعوها إلى ان تسلم فتأبى عليه فدنى ولادتها فمانت وهي تطلق والولد في بطنها ومات الولد، ايدفن معها على النصرانية أو يخرج منها ويدفن على فطرة الاسلام فكتب يدفن معها) لكن السند ضعيف ولم يعلم استناد المشهور إليه، ولو أخذ به كان مقتضيا لاطلاق عدم مراعات ما ذكر من دفن الام مستدبر القبلة. (وسننه اتباع الجنازة أو مع جانبيها أو تربيعها) والتشييع مسنون فقد روى


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الدفن ب 40 ح 2 و 1 إلى 4. (4) الوسائل أبواب الدفن ب 39 ح 2.

[ 150 ]

جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: (من شيع ميتا حتى يصلي عليه كان له قيراط من الاجر، ومن بلغ معه على قبره حتى يدفن كان له قيراطان، والقيراط مثل جبل احد) (1) وعن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (أول ما يتحف المؤمن به في قبره ان يغفر لمن تبع جنازته) (2) وقد رويت اخبار اخر فيها ذكر الثواب العظيم على التشييع، ثم المسنون ان يكون المشئ خلف الجنازة أو مع جانبيها أو تربيعها، بمعنى ان يحمل الا حامل جوانب السرير الاربعة على التناوب، وان كان التربيع بمعناه الآخر ايضا مستحبا، ففي موثقة إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (المشي خلف الجنازة افضل من المشي بين يديها) (3) وفي رواية سدير عن ابى جعفر عليه السلام قال: (من احب ان يمشي ممشى الكرام الكاتبين فليمش جنبي السرير) (4) وفى صحيحة جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: (من حمل جنازة من أربع جوانبها غفر الله له أربعين كبيرة) (5) لكنه لا يخفى ان في عد التربيع من خصوصيات التشييع تأملا، فان حمل الجنازة غير تشييعها، واما التربيع بالمعنى الآخر وهو حمل أربعة أشخاص للجنازة، فقد ادعي استحبابه بالاجماع وربما استدل عليه برواية جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: (السنة ان يحمل السرير من جوابنه الاربعة وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع) (6) واستفادة استحباب حمل أربعة اشخاص لها مشكل لامكان حمل اثنين الجوانب الاربعة (وحفر القبر قدر قامة أو إلى الترقوة) ففي مرسلة ابن ابى عمير (7) عن بعض اصحابه عن الصادق عليه السلام قال: (حد القبر إلى الترقوة) وقال بعضهم: إلى الثدي، وقال بعضهم: قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر واما اللحد فبقدر ما يمكن


(1) و (2) الكافي ج 3 ص 173 تحت رقم 4 و 3. (3) الوسائل أبواب الدفن ب 4. (4) الكافي ج 3 ص 170 تحت رقم 6. (5) و (6) الوسائل أبواب الدفن ب 7 ح 1 و 2. (7) التهذيب ج 1 ص 451 تحت رقم 1469.

[ 151 ]

فيه الجلوس قال: ولما حضر علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة قال: (احفرو الي حتى تبلغوا الرشح) والظاهر ان مراده بالبعض بعض اصحابه حاكيا عن المعصوم ويشهد له ما رواه الكليني (1)، عن عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، قال: وروى اصحابنا ان حد القبر، وذكر نحوه، وكيف كان يكفى ما في الكافي مع اعتضاده بفتوى الاصحاب الكاشف عن الدليل حيث ان الوجه في مثل هذه الفتاوي ينحصر في المنقول عن المعصوم صلوات الله عليه (وان يجعل له لحد) المعروف ان اللحد افضل من الشق، واستدل عليه بصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله الحد له أبو طلحة الانصاري) (2) ومعلوم أنه لم يكن الا باذن امير المؤمنين صلوات الله عليه لكونه هو المتولي لامره صلى الله عليه وآله ولا شبهة في أن اختياره لم يكن إلا لارجحيته، وفى استفادة الاستحباب مما ذكر تأمل فان اختيار هذا النحو لعله من جهة احفظيته للبدن (وأن يتحفى النازل إليه ويحل أزراره ويكشف رأسه) ويدل عليه خبر ابن أبى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا ينبغي لاحد أن يدخل القبر في نعلين ولا خفين ولا عمامة ولارداء ولا قلنسوة) (3) وخبر أبي بكر الحضرمي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا تنزل القبر وعليك العمامة ولا القلنسوة ولا رداء ولا حذاء وحلل أزرارك، قال: قلت والخف؟ قال: (لا بأس بالخف في وقت الضرورة والتقية) (4) (ويدعو عند نزوله ولا يكون رحما الا في المرأة) ويدل على استحباب الدعاء خبر إسحاق بن عمار قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا نزلت في قبر فقل: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم تسل الميت سلا، فإذا وضعته في قبره فحل عقدته وقل: اللهم يا رب عبدك ابن عبدك نزل بك وانت خير منزول به، اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عنه وألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وصالح شيعته واهدنا واياه إلى صراط مستقيم، الله عفوك عفوك


(1) المصدر ج 3 ص 165. (2) الوسائل أبواب الدفن ب 5 ح 1. (3) و (4) الوسائل أبواب الدفن ب 18 ح 3 و 4.

[ 152 ]

الخ -) (1) واما كراهة نزول الرحم ان كان الميت رجلا ففي خصوص الاب يدل عليه أخبار. منها رواية عبد الله بن راشد، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الرجل ينزل في قبر والده ولا ينزل الوالد في قبر ولده) (2) والظاهر من الاخبار عدم البأس في نزول الولد في قبر والده، ومع ذلك افتوا بالكراهة مع خفتها فيه واستفادة كراهة نزول مطلق الرحم من اخبار الباب لم يظهر وجهها، وان كانت الميت مرأة فان الافضل أن لا يتولاه الا زوجها أو ذو رحم لها، ويدل عليه رواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله ان المرأة لايدخل قبرهما الا من كان يراها في حياتها) (3) (وان يجعل الميت عند رجلى القبر ان كان رجلا وقدامة ان كانت امرأة) ربما يستفاد الحكمان من خبر الاعمش المروي عن الخصال عن جعفر بن محمد عليها السلام في حديث شرائع الدين قال: (والميت يسل من قبل رجليه سلا والمرأة تؤخذ بالعرض من قبل اللحد - الخ -) (4) (وينقل مرتين ويصبر عليه وينزل في الثالثة سابقا برأسه والمرأة عرضا) ويدل على النقل والصبر ما رواه الصدوق - قدس سره - في العلل قال بعد نقل رواية وفى حديث آخر: (إذا أنيت بالميت القبر فلا تفدح (5) به القبر، فان للقبر أهوالا عظيمة فتعوذ بالله أو تعوذ من هول المطلع ولكن ضعه قرب شفير القبر واصبر عليه هنيئة ثم قدمه قليلا واصبر عليه ليأخذ اهبته (6) ثم قدمه إلى شفير القبر) (7) وأما السبق بالرأس بالنسبة إلى الرجل وإرسال


(1) الوسائل أبواب الدفن ب 31 ح 6. (2) و (3) الكافي ج 3 ص 193 باب من يدخل القبر ومن لا يدخل تحت رقم 1 و 5 (4) الخصال باب الواحد إلى المائة تحت رقم 8. (5) هو من الامر الفارح وهو الذى يثقل وببهض أي لا تجعل القبر ودخوله ثفيلا على ميتك بادخاله مفاجاة. (6) تأهب للشئ استعد له، واهبة الحرب - بضم الهمزه - آلتها (7) المصدر ج 3 ص 110 وفي الوسائل أبواب الدفن ب 16 ح 6.

[ 153 ]

المرأة عرضا، فقد يستفاد من الاخبار الدالة على سل الميت واخذ المرأة عرضا وفى استفادة السبق بالرأس في الرجل من السل تأمل، لكن الظاهر عدم الخلاف فيه. (ويحل عقد كفنه ويلقنه الولي ويجعل معه تربة الحسين عليه السلام) ففي رواية اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام: (فإذا وضعته في قبره فحل عقدته) (1) وفى صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا وضعت الميت في لحده فقل (بسم الله وفى سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله واقراء آية الكرسي واضرب يدك على منكبه الايمن ثم قل: يا فلان قل رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نيبا وبعلي اماما وتسمى امام زمانه - الحديث -) (2) وعن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى قال: كتبت إلى الفقيه أسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك؟ أم لا؟ فأجاب عليه السلام: (قرأت التوقيع ومنه نسخت: يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه ان شاء) (3). (ويشرج اللحد ويخرج من قبل رجليه ويهيل الحاضرون التراب بظهور الاكف مسترجعين ولا يهيل ذو رحم) اما التشريج فاستحبابه لا يبعد استفادته من صحيحة ابان قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (جعل علي عليه السلام على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله لبنا، فقلت: أرأيت ان جعل الرجل عليه آجرا هل يضر الميت؟ قال: لا) (4) واما الخروج من قبل رجليه فربما يستفاد حكمه من رواية السكوني عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (من دخل القبر فلا يخرج منه الا من قبل الرجلين) (5) وأما حكم الاهالة فيستفاد من أخبار منها ما عن محمد بن الاصبغ عن بعض أصحابنا انه قال: رأيت ابا الحسن عليه السلام وهو في جنازة فحشى التراب على القبر بظهر


(1) الوسائل أبواب الدفن ب 19 ح 4. (2) الوسائل أبواب الدفن ب 20 ح 2. (3) الوسائل أبواب التكفين ب 12 ح 1. (4) الوسائل أبواب الدفن ب 28 ح 1. (5) الوسائل أبواب الدفن ب 23 ح 1.

[ 154 ]

كفيه) (1) وأما الاسترجاع فمن الذكرى نسبته إلى الاصحاب، وأما عدم إهالة ذى رحم فيدل عليه رواية عبيد بن زرارة قال: (مات لبعض اصحاب ابى عبد الله عليه السلام ولد فحصر أبو عبد الله عليه السلام فلما الحد تقدم ابوه فطرح عليه التراب فاخذ أبو عبد الله عليه السلام بكفيه وقال: لا تطرح عليه التراب ومن كان منه ذا رحم فلا يطرح عليه التراب فان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى ان يطرح الوالد أو ذو رحم على ميته التراب - الحديث -) (2). (ثم يطم القبر ولا يوضع فيه من غير ترابه ويرفع مقدار أربع أصابع) ويدل عليه جملة من الاخبار، ففي خبر محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام: (ويرفع القبر فوق الارض أربع أصابع) والمنسبق إلى الذهن أربع أصابع مضمومة، لكنه يستفاد من بعض الاخبار أربع اصابع مفرجات، ففي راية الحلبي قال أبو عبد الله عليه السلام: (ان ابى امرني ان أرفع القبر أربع أصابع مفرجات) (4) ولا تنافى بينهما ويدل على استحباب أربع أصابع مضمومة ما رواه سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (يستحب ان يدخل معه في قبره جريدة رطبة ويرفع قبره من الارض قدر أربع أصابع مضمومة وينضج عليه الماء ويخلى عنه) (5). (ويصب عليه الماء من رأسه دورا فان فضل الماء صبه على وسطه وضع الحاضرون الايدى عليه مسترحمين) ويدل على استحباب الصب مرسلة ابن ابى عمير عن الصادق عليه السلام في رش الماء على القبر قال: (يتجافى عنه العذاب مادام الندى في التراب) ويدل على استحباب الكيفية رواية موسى بن أكيل النميري عن أبى عبد الله


(1) الوسائل أبواب الدفن ب 29 ح 5. (2) الكافي ج 3 ص 199 تحت رقم 5. (3) الكافي ج 3 ص 201 تحت رقم 10. (4) التهذيب ج 1 ص 458 تحت رقم 1494 (5) و (6) الكافي ج 3 ص 199 باب تربيع القمر ورشه بالماء من كتاب الجنائز تحت رقم 2 و 6.

[ 155 ]

عليه السلام قال: (السنة في رش الماء على القبر أن تستقبل القبلة وتبد من عند الرأس إلى عند الرجل، ثم تدور على القبر من الجانب الآخر، ثم يرش على وسط القبر فكذلك السنة) (1) واما استحباب الوضع فلقول الباقر عليه السلام في صحيحة زرارة: (وإذا حشى عليه التراب وسوى قبره فضع كفك على قبره عند رأسه وفرج اصابعك واغمض كفك عليه بعد ما ينضح بالماء) (2) واستحباب الاسترحام فلما في خبر محمد ابن مسلم عند احدهما قال: (فإذا وضعت عليه اللبن فقل اللهم صل وحدته وآنس وحشته واسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه من رحمة من سواك وإذا خرجت من قبره فقل: انا لله وانا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين، اللهم ارفع درجته في اعلى عليين واخلف على اهله من الغابرين يا رب العالمين). (ويلقنه الولي بعد انصرافهم) ويدل عليه رواية علي بن ابراهيم عن ابيه، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ينبغي ان يتخلف عن قبر الميت اولى الناس به بعد انصراف الناس عنه ويقبض على التراب بكفيه ويلقنه برفيع صوته، فإذا فعل ذلك كفى الميت المسألة في قبره) (4). (ويكره فرش القبر بالساج الا مع الحاجة) نسب القول بالكراهة إلى الاصحاب ولا بد ان يكون من جهة دليل لم يصل إلينا. (وتجصيصه وتجديده) اما كراهة التجصيص فيدل عليه رواية علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن البناء على القبر والجلوس عليه هل يصلح؟ قال: لا يصلح البناء عله ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه) (5) واما كراهة التجديد فقد صرح بها جملة من الاصحاب وكفى به دليلا في مثل المقام، وربما


(1) الوسائل أبواب الدفن ب 32 ح 1. (2) الوسائل أبواب الدفن ب 33 ح 1. (3) الوسائل أبواب الدفن ب 21 ح 2. (4) الوسائل أبواب الدفن ب 35 ح 3. (5) الوسائل أبواب الدفن ب 44 ح 1.

[ 156 ]

يستدل بخبر الاصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (من جدد قرأ أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام) (1) بناء على كون (جدد) بالجيم والدال المهملة، لكن اللفظ يحتمل انحاء اخر (2) فلا مجال للاستدلال بهذه الرواية لما ذكر. (ودفن الميتين في قبر واحد) للمرسل المحكي عن المبسوط من قولهم عليهم السلام: (لا يدفن في قبر اثنان) وربما تزول الكراهة مع الضرورة، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال للانصار يوم احد: (احفروا ووسعوا وعمقوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر الواحد) (3) (ونقل الميت إلى غير بلد موته الا إلى المشاهد المشرفة) اما كراهة النقل فقد ادعى عليه الاجماع وكفى به دليلا في مثل المقام واما النقل إلى المشاهد بعنوان التوسل والاستشفاع، فالمعروف استحبابه، بل عن المعتبر انه مذهب علمائنا خاصة وعليه عمل الاصحاب من زمن الائمة صلوات الله عليهم إلى الآن. (ويلحق بهذا الباب مسائل: الاولى كفن المرأة على زوجها ولو كان لها مال) والدليل عليه رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (على الزوج كفن المرأة إذا ماتت) (4) وفى مرسلة الفقيه قال: كفن المرأة على زوجها) (5) وضعف السند مجبور بعمل الاصحاب، وقد يستدل ببقاء علقة الزوجية وهي مقتضية لوجوب النفقة التي منها كفنها واعترض عليه بأن لازمه وجوب كفن سائري واجب النفقة ولا يلتزم به، وقد يقال بالالتزام به بمقتضى الاستصحاب ولا يبعد ان يقال: ان كان نظر المستدل إلى الادلة الدالة على وجوب الانفاق بالنسبة إلى الزوجة وغيرها، فشمولها لمثل الكفن مشكل وان كان النظر إلى الاستصحاب، فمع عدم شمول الدليل كيف يستصحب بل ربما يستصحب عدم


(1) في التهذيب ج 1 ص 459 تحت رقم 1497 وفي الوسائل أبواب الدفن ب 43 ح 1 (2) راجع التهذيب ج 1 ص 459 نقل الاختلاف فيه. (3) أخرجه أحمد في مسند هشام بن عامر الانصاري (ج 4 ص 19) (4) و (5) الوسائل أبواب التكفين ب 31 ح 2 و 1

[ 157 ]

الوجوب، وثانيا لا نسلم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميه كما بين في محله وعلى تقدير تسليم ما ذكر لا بد ان يقال في خصوص كفن الزوجة بلزوم البدل مع دفنها بكفن آخر من غير مال الزوج كما هو الحال في نفقانها مع عدم إعطاء الزوج ولا اظن الا يلتزم به. (الثانية كفن الميت من اصل تركته قبل الدين والوصية) اما الخروج عن الاصل فيدل عليه صحيحة عبد الله سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ثمن الكفن من جميع المال) (1) واما التقديم على الديون والوصايا، فادعي عليه الاجماع وبدل عليه رواية السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (اول شئ يبدء به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث) (2) وروي نحوها عن الدعائم عن أمير المؤمنين عليه السلام وصحيحة زرارة قال: سألته عن رجل مات وعليه دين وخلف قدر ثمن كفنه؟ قال: (يجعل ما ترك في ثمن كفنه الا ان يتجر عليه بعض الناس فيكفنونه ويقضى ما عليه مما ترك) (3) وقد يقال بتقدمه على حق الرهانة وحق غرماء، المفلس من جهة إطلاق مادل على تقدمه على الدين وفيه إشكال لانه تقدمه على الدين لا يوجب سقوط الحق المتعلق بالعين سابقا على الموت، كما انه استشكل في تقدمه على حق الاستيلاء المانع من البيع، نعم لازم تقدمه على مطلق الدين حتى الدين الذى عليه الرهن سقوط حق الرهانة، لانه حق إخراج الدين من العين المرهونة كما ان لازم صحة عقد الرهن وبقائه إلى ما بعد الموت المنع عن التصرف المفوت لحق الرهانة والمسألة محل إشكال، ثم ان الظاهر عدم الاقتصار بما هو الواجب من الكفن لان التقديم ليس من جهة حكم العقل بعد المزاحمة وانما هو بواسطة النص فيؤخذ بالاطلاق. (الثالثة لا يجوز نبش القبر ولا نقل الموتى بعد دفنهم) اما عدم جواز


(1) الوسائل التكفين ب 30 ح 1. (2) الوسائل الوصايا ب 28 ح 1. (3) الوسائل الوصايا ب 27 ح 2.

[ 158 ]

النبش فادعى عليه الاجماع بل إجماع المسليمن، وكفى به دليلا مع معروفية الحكم قديما وحديثا واستثنى مواضع، منها مالو دفن في أرض مغصوبة فلمالكها اخراجه وتفريغ أرضه، ومنها مالو كفن بكفن مغصوب فلمالكه نبش الارض واخذ كفنه، ومنها ما لو وقع في القبر ماله قيمة فيجوز لمالكه نبشه لاخذه، ولا يخفى انه بعد ما كان المدرك الاجماع فلابد من الاقتصار بالقدر المتيقن من معقد الاجماع، ولعله يستثنى ايصا مالو اخل ببعض الواجبات قبل الدفن كالتغسيل والتكفين وأما عدم جواز النقل فان كان من جهة استلزام النبس المحرم فلا إشكال فيه والا فلا دليل عليه بالخصوص، واللازم عدم التعرض له بالخصوص واستثنى النقل إلى المشاهد المشرفة وحيث ان دليل الحرمة ليس الا الاجماع ونقل الجواز منسوبا إلى كثير من الفقهاء في النقل إلى المشاهد فلم يبق دليل على الحرمة الا ان يجمع بين كلماتهم بأن يؤخذ باطلاق كلماتهم في حرمة النبش، وتجويز النقل يحمل على صورة عدم تحقق النبش. (الرابعة الشهيد إذا مات في المعركة لا يغسل ولا يكفن بل يصلى عليه ويدفن بثيابه وينزع عنه الخفان والفرو) أما عدم التغسيل فيدل عليه اخبار منها حسنة ابان بن تغلب قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (الذى يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسل الا ان يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت بعد فانه يغسل ويكفن ويحنط ان رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله ولكنه صلى عليه) (1) ومنها رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل الا ان يكون اصابه دم فان اصابه دم ترك ولا يترك عليه شئ معقود إلا حل) (2) ومنها رواية ابى مريم عن الصادق عليه السلام انه قال: (الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلى عليه وان لم يكن به رمق كفن في اثوابه) (3) ولا إشكال في وجوب التغسيل بالنسبة إلى المقتول في غير الجهاد، ولو كان قتله في


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 15 ح 9 و 10 و 1

[ 159 ]

سبيل الله وانما الاشكال في أنه يعتبر الشهادة - اعني ما كان باذن الامام أو نايبه الخاص - اولا تعتبر؟ وقد يقال بالتعميم تمسكا باطلاق الحنسة ويدعى عدم المنافاة بينه وبين مثل رواية ابى مريم، حيث خص فيها الحكم بالشهيد من جهة كونهما ميتين وفيه تأمل من جهة ان الاصل في العناوين المأخوذة في الموضوعات الموضوعية وهذا العنوان اخص من العنوان المأخوذ في الحسنة الا ان يمنع لزوم اذن الامام عليه السلام أو نائبه في صدق الشهيد، واما التقييد بالموت في المعركة فيدل عليه قول ابى عبد الله عليه السلام في الحسنة: (الا ان يدركه المسلمون وبه رمق) والظاهر انه ليس المراد مجرد الحضور عنده في اثناء الحرب وبه رمق، بشهادة قضية عمار (1) رضوان الله عليه فان المعروف حضور المسلمين عنده حين استسقى فسقى اللبن ولم يغسله امير المؤمنين عليه السلام لكن هذا خلاف ما يظهرمن الحسنة وغيرها، وأما الدفن مع ثيابه فيدل عليه الاخبار المذكورة وغيرها، منها صحيحة زراة واسماعيل بن جابر عن ابى جعفر عليه السلام قلت له: كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ قال: (نعم في ثيابه بدمائه ولا يحنط ولا يغسل ويدفن كما هو - الحديث -) (2) واما نزع الخفين والفرو فقد يستدل عليه بعدم صدق الثياب عليهما بل على مطلق الجلود، وفيه تأمل فان سلب الثوب عن مطلق الجلود الملبوسة خصوصا البركة مع شئ آخر من المنسوج من القطن والصوف الكتان بعيد، نعم قد استثنى في رواية عمرو بن خالد المتقدمة آنفا أشياء، لكنها مع ضعف السند لم يعمل بمضمونها، ومما ذكرنا ظهر الاشكال في استثناء الفرو أيضا وان كان المشهور استثناءه مع الخفين. (الخامسة إذا مات ولد الحامل قطع واخرج ولو ماتت هي دونه شق جوفها من الجانب الايسر وأخرج وفي رواية ويخاط بطنها) أما الحكم الاول فيد عليه رواية وهب بن وهب المروية في الكافي، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إذا ماتت المرأة وفى بطنها ولد يتحرك يشق بطنها ويخرج


(1) و (2) الوسائل أبواب غسل الميت ب 15 ح 4 و 8.

[ 160 ]

الولد) (1) وقال في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها؟ قال: (لا بأس بأن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه) (2) وعن موضع آخر من الكافي انه رواه مثله الا انه قال: (يتحرك فيتخوف عليه) وزاد في آخره: (إذا لم ترفق به النساء) (3) والرواية مقبولة ظاهرا فلا يتوجه إلى ضعف السند وقد يقيد بعدم إمكان إسقاط الولد صحيحا وتعذر تولى النساء، وتقدم الرجال المحارم عند تعذر تولى النساء على غيرهم، وهو خلاف اطلاق الرواية، نعم يستفاد من الزيادة المذكورة تقدم النساء كما ان الرجل لعل المراد منه زوجها لاكل رجل، وهذه الرواية دالة على الحكم الثاني، ولا تقييد فيها بخصوص شق الجانب الايسر كما لا تقييد في سائر الاخبار الواردة في هذا الحكم كخبر علي بن يقطين قال: سألت العبد الصالح عليه السلام عن المرأة تموت وولدها في بطهنا؟ قال: (يشق بطنها ويخرج ولدها) (4) وغيره، نعم ما عن الفقه الرضوي (5) فيه التقييد ورفع اليد عن الاطلاق من جهته مشكل واما خيط الموضع فيدل عليه مرسلة ابن أبى عمير عن ابى عبد الله عليه السلام في المرأة تموت ويتحرك الولد في بطنها أيشق بطنها ويخرج الولد؟ قال: فقال: (نعم ويخاط بطنها) (6). (السادسة إذا وجد بعض الميت وفيه الصدر فهو كما لو وجد كله وان لم يوجد الصدر غسل وكفن ما فيه عظم ولف في خرقة ودفن ما خلا من عظم، قال الشيخان: ولا يغسل السقط الا إذا استكمل شهورا اربعة ولو كان لدونها لف في خرقة ودفن) اما الحكم الاول فادعي عليه الاجماع فان تم فهو والا فلا بد من ملاحظة الاخبار الواردة، فمنها خبر الفضل بن عثمان الاعور عن الصادق (7) عن


(1) و (2) و (3) الكافي ج 3 ص 206 تحت رقم 1 و 2 و 3. (4) الوسائل أبواب الاختصار ب 45 ح 2 (5) المستدرك ج 1 ص 94 باب حكم موت الحمل دون امه وبالعكس. (6) الوسائل أبواب الاختصار ب 45 ح 5. (7) الوسائل أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 4 وكتاب القصاص أبواب دعوى القتل ب 7 ح 6.

[ 161 ]

أبيه في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة [ ووسطه خ ل ] وصدره ويداه في قبيلة والباقي منه في قبيلة؟ قال: (ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه) واستظهر من هذه الرواية ان هذه الجزء هو الجزء الذى يكون بمنزلة كل الميت في آثاره من مطالبة الدية والصلاة عليه، ولذا يفهم منها سائر التجهيزات لا خصوص الصلاة، وفيه نظر من جهة انه يستفاد منها ان الصلاة على من وجد في قبيلته الصدر واليد، لكنه لم تتعرض لان يصلى على خصوص هذا الجزء أو على المجموع بعد جمع المتفرقات، مضافا إلى عدم التعرض للصدر المجرد بدون اليدين، مضافا إلى انه كيف بظاهر الرواية من كون من وجد في قبيلته ماخوذا بالدية يعمل مع وجود بعض الاعضاء في قبيلة اخرى نعم لو رجع الضمير إلى الصدر واليد توجه ما ذكر، لكنه لا يناسب افراد الضمير ولا اقل من الاجمال، وعلى فرض تسليم الدلالة لابد من دعوى القط بعدم إرادة خصوص الصلاة بل هي وغيرها ومنها مرفوعة البزنطي المروية في المعتبر (1) قال: (المقتول إذا قطع اعضاؤه يصلى على العضو الذى فيه القلب) ومنها مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام عن رجل قتل ووجدت اعضاؤه متفرقة كيف يصلى عليه؟ قال: (يصلى على الذى فيه قلبه) (2) ومنها رواية طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (لا يصلى على عضو رجل من رجل أو يد أو رأس منفردا فإذا كان البدن فصل عليه وان كان ناقصا من الرأس واليد والرجل) (3) ولا يخفى مخالفة هذه الاخبار مع خبر الفضل بن عثمان المذكور آنفا والجمع بينها لا يخلو عن تكلف الا ان يقال أن الاخبار المذكورة ضعيفة السند تحتاج إلى الانجبار بعمل الاصحاب، وخبر الفضل هو المعمول به، وقد عرفت التأمل في دلالته فالعمدة الاجماع ان تم، وكيف يتم مع اختلاف تعبيراتهم حيث عبر بعضهم بالصدر وبعضهم بما فيه الصدر، وبعضهم بالصدر وما فيه القلب، كما انهم كلهم لم يتعرضوا في ما يجب عليه الصلاة للزوم جميع التجهيزات،


(1) ص 86. (2) و (3) الوسائل أبواب الجنازة ب 38 ح 1 و 7.

[ 162 ]

فاثباتها يحتاج إلى دعوى القطع، ثم انه يستفاد من الاخبار الاخر وجوب التجهيزات، وعلى مجرد العظام بدون اللحم، ففي صحيحة علي بن جعفر انه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهما السلام عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال عليه السلام: (يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن) (1) ثم لا يخفى ان بعض جسد الميت الذى هو بحكم كله لا مجال لاحتمال تكفينه بجميع قطع الكفن حتى القطعة التي لا تتعلق بالعضو الباقي وكذلك الحنوط. واما الحكم الثاني فادعى عليه الاجماع وعدم الخلاف وربما يستدل له بقاعدة الميسور والاستصحاب، بتقريب انه علل في بعض روايات غسل الميت بحصول الطهارة والنظافة، فقد روى محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام في علة غسل الميت: (انه يغسل ليطهر وينظف عن ادناس امراضه وما اصابه من صنوف علله لانه يلقى الملائكة ويباشر اهل الآخرة فيستحب إذا ورد على الله - عزوجل - ولقى اهل الطهارة ويماسونه ويماسهم ان يكون طاهرا نظيفا موجها إلى الله - عزوجل - الحديث) (2) فان مفاد العلة المنصوصة ان المقصود بالغسل تطهير جسد الميت فإذا تعذر تطهير الكل يجب تطهير البعض للاصل والقاعدة، وفيه نظر لانه ليس المراد تطهير البدن كتطهير أبدان الاحياء الحاصل بالغسل بالماء بأي نحو اتفق بلا قصد التقرب بل بلا قصد والتفات والا لاكتفى به، بل لابد من كيفية خاصة، الا ترى انه يستفاد من الاخبار ان غسل الميت كغسل الجنابة أو نفسها، ولعل المراد من الرواية حصول الطهارة المناسبة لمماسة الملائكة المطهرين بواسطة الغسل، وعلى هذا فكيف يتمسك بالاصل والقاعدة مع الاعتراف بعدم اتحاد الموضوع، ولو تم ما ذكر من الاخذ بالعلة المنصوصة لما احتيج إلى التمسك بالاصل والقاعدة، هذا مع الاشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية بما ذكر في محله، وأما ما يقال من ان الشاعر اوجب غسل جميع الاعضاء مطلقا واعتبر في صحته


(1) الوسائل أبواب الجنازة ب 38 ح 5 (2) الوسائل أبواب غسل الميت ب 1 ح 3 عن العيون والعلل.

[ 163 ]

امور تعبدية يجب التقييد بها بالقدر الثابت، وحيث لم يثبت الاشتراط في مثل الفرض كي يسقط التكليف بالتعذر لا يرفع اليد عما يتقضيه إطلاق محبوبية الغسل، ففيه ان هذا يتم على تقدير وجود دليل مستقل على الاشتراط، بحيث لا إطلاق فيه واما إذا أوجب الغسل كغسل الجنابة فكيف يتم ما ذكره ولا يلزم منه أنه مع تعذر غسل بعض الاعضاء مع وجود الاعضاء يتعين غسل غيره وعدم الانتقال إلى التيمم، وهو كما ترى، واما الحكم الثالث فادعى الاجماع عليه من حيث عدم وجوب الغسل ووجوب الدفن، واما الكفن فقد وقع فيه التردد وربما يتمسك في وجوبه بالاصل والقاعدة، اما الاصل فقد عرفت الاشكال فيه، واما القاعدة فجريانها في مطلاق اللحم المجرد قد عرفت الاشكال فيها، واما حكم السقط فان كان له اربعة اشهر فصاعدا يغسل ويكفن ويدفن بلا خلاف ظاهرا، وإن اختلفوا فيما يعتبر في التكفين من وجوب الكفن التام أو الاكتفاء بلفه في خرقة، ويدل عليه رواية زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (السقط إذا تم له أربعة أشهر غسل) (1) وموثقة سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ قال: (نعم كل ذلك يجب عليه إذا استوى) (2) ويستفاد منهما عدم الوجوب مع كونه لدون أربعة أشهر أو عدم استواء الخلقة، و عين الاستواء بكونه لاربعة أشهر على ما يستفاد من الاخبار، والا إشكال ولا خلاف ظاهر ا في وجوب دفنه، واما اللف في الخرقة فلا دليل عليه ظاهرا الا ما ادعى من الاجماع. (السابعة لا يغسل الرجل الا الرجل وكذا المرأة ويغسل الرجل بنت ثلاث سنين مجردة وكذا المرأة، ويغسل الرجل محارمه من وراء الثياب وكذا المرأة) أما وجوب المماثلة فهو المشهور بل ادعي عليه الاجماع، ويدل عليه صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام انه سأله عن المرأة تموت في السفر وليس معها ذو محرم ولا نساء قال: (تدفن كما هي بثيابها وعن الرجل يموت وليس معه إلا النساء ليس معهن رجال؟ قال: يدفن كما هو بثيابه) (3) وروايات اخر تدل على


(1) و (2) الوسائل أبواب غسل الميت ب 2 ح 4 و 1. (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 22 ح 1.

[ 164 ]

لزوم المماثلة، وحكي عن الشيخين والحلبي إيجاب التغسيل من وراء الثياب، و استدل بروايات منها رواية جابر عن ابى جعفر عليه السلام في رجل مات ومعه نسوة ليس معهن رجل؟ قال: (يصببن عليه الماء من خلف الثوب ويلففنه في أكفانه من تحت الستر و يصببن عليه صبا (1) ويدخلنه في قبره، والمراة تموت مع الرجال ليس معهم إمراة؟ قال: يصبون الماء من خلف الثوب ويلفونها في أكفانها ويصلون ويدفنون) (2) واجيب بأنه بعد الغض عن ضعف السند فيها، وقصور بعضها من حيث الدلالة تحمل هذه الاخبار على الاستحباب جمعا بينها وبين الاخبار الدالة على لزوم الممالثلة اقول: اما السند فبعد عمل مثل الشيخين وغيرهما مجبور، واما الحمل على الاستحباب فمستبعد من جهة انه بعد ما كان المسلم بين المسلمين لزوم التجهيز بالنحو المعهود بينهم، فعين في كلام المعصوم صلوات الله عليه تصدي غير المماثل كيف يحمل على الاستحباب، الا ترى قوله عليه السلام في رواية ابى حمزة: (لا يغسل الرجل المرأة الا أن لا توجد امرأة) (3) هل يحمل الا على غير الغسل الواجب. وأما جواز تغسيل الرجل بنت ثلاث سنين فلا خلاف فيه يعتد به، واستدل عليه بالاصل والعمومات بعد عدم صلوح الادلة الدالة على لزوم المماثلة لما نحن فيه و لا اقل من الانصراف، ورواية ابى النمير مولى الحرث بن المغيرة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: حدثنى عن الصبى إلى كم تغسله النساء؟ فقال: (إلى ثلاث سنين) (4) بعد انجبار ضعفه بالشهرة، ويمكن ان يقال: اما الاصل فيشكل التمسك به بناء على لزوم الطهار المعنوية مع الشك في محصلها بناء على المعروف من لزوم الاحتياط في مثلها، نعم لا بأس بناء على الاقوى من جريان البراءة في مثل المقام، واما العمومات فالظاهر عدم تعرضها لهذه الجهة فلاحظ واما الرواية فمختصة بموردها،


(1) كذا في الوسائل ولكن أن تكون العبارة في الواقع " ويصلين عليه صفا " كذا في هامش نسخة المؤلف دام ظله لكن الرواية منقولة عن التهذيب (ج 1 ص 1427) وفيه " ويصلين صفا " والظاهر أن ما في نسخة الوسائل تصحيف من النساخ. (2) الوسائل أبواب غسل الميت ب 23 ح 5. (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 23 ح 7. (4) الكافي ج 3 ص 160.

[ 165 ]

وعلى تقدير تمامية الاصل أو العمومات لا وجه للتحديد في تغسيل الرجل البنت إلى ثلاث سنين بل يتعدى إلى حد يمنع الادلة الدالة على اعتبار المماثلة ولا يلتزمون به، واما تغسيل الرجل محارمه من وراء الثياب وكذا المرأة فيدل عليها اخبار، منها صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله الا النساء؟ قال: (تغسله امرأته أو ذات قرابته) وفي رواية: (وذو قرابته ان كانت له وتصب النساء عليه الماء صبا، وفى المرأة إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها) (1) ومنها موثقه عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: سألت الصادق عليه السلام عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله الا النساء هل تغسله النساء؟ فقال عليه السلام: (تغسله امرأته أو ذات محرمه وتصب عليه النساء الماء صبا من فوق الثياب) (2) ومنها موثقة سماعة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل ات وليس عنده الا نساء؟ قال: (تغسله إمرأة ذات محرم منه وتصب النساء عليه الماء ولا تخلع ثوبه، وان كانت امرأة ماتت معها رجال وليس معهم إمرأة ولا محرم لها فلتدفن كما هي في ثيابها، وان كان معها ذو محرم لها يغسلها من فوق ثيابها) (3) وهذه الاخبار اعتبر فيها كون التغسيل من وراء الثياب، ولا يبعد الحمل على الاستحباب من جهة اطلاق بعض الاخبار والتعرض في بعضها لخصوص العورة. الظاهر في عدم البأس بالنسبة إلى غيرها كصحيحة منصور قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته يغسلها؟ قال: (نعم وامه واخته ونحوهما يلقى على عورتها خرقة) (4) ثم ان ظاهر المتن جواز التغسيل في ما ذكر مع عدم المماثلة اختيارا حتى في تغسيل الرجل محارمه وكذا المرأة. ونسب إلى المشهور التخصيص في تغسيل الرجل محارمه والمرأة محارمها بصورة الاضطرار، واستدل للتخصيص بقول الباقر عليه السلام في رواية ابى حمزة: (لا يغسل الرجل المرأة الا ان لا توجد امرأة) (5) وبقول الصادق عليه السلام في رواية عبد الله بن سنان: (وان لم تكن


(1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 25 ح 3. (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب غسل الميت ب 21 ح 3 و 8 و 1. (5) تقدم آنفا.

[ 166 ]

امرأته معه غسله اولاهن به) (1) فان المراد من (اولاهن) من كان محرما، لان الاجنبية لا تتولى الغسل، فإذا تأخرت عن الزوجة التي هي في مرتبة المماثل تأخرت عن المماثل، ومقتضى صحيحة منصور المذكورة عدم اعتبار الضرورة، حملها على الضرورة بعيد، فيدور الامر بين رفع اليد عن إطلاقها وترك الاستفصال مع كونها في مقام البيان بقرينة التعرض، لا لقاء الخرقة على العورة، ورفع اليد عن ظهور الروايتين ومع عدم الترجيح فالمرجح هو الاصل، ويكون من دوران الامر بين التعيين والتخيير. (الثامنة: من مات محرم كان كالمحل لكن لايقر به الكافور) ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن المحرم إذا مات كيف يصنع به؟ قال: (يغطى وجهه ويصنع به كما يصنع بالمحل [ بالحلال خ ل ] غير أنه لا يقربه طيبا) (2) ونحوها خبره الآخر عن الباقر والصادق عليهما السلام وغيرهما، والمعروف ترك الكافور حتى في ماء الغسل ولا يبعد استفادته من قوله عليه السلام: (لا يقربه طيبا) وان لم يطلق المس المذكور في ساير الاخبار، حيث عبر بلفظ (لا يمس الطيب) ونحوه، مضافا إلى انه لاخلا ف فيه ظاهرا. (التاسعة لا يغسل الكافر ولا يكفن ولا يدفن بين مقابرا لمسلمين) قد ادعى الاجماع على ذلك، واستدل بالاصل وظهور الادلة في غير الكافر، وقول الصادق عليه السلام في خبر عمار: (النصراني يموت من المسلمين لا تغسله ولا كرامة ولا تدفنه و لا تقم على قبره) (3) وقد يستدل بالاخبار الدالة على ان الوجه في غسل الميت تنظيفه وجعله اقرب إلى رحمة الله وأليق بشفاعة الملائكة وانه تطهير للميت عن الجنابة الحادثة له عند الموت إلى غير ذلك مما يفهم منه عدم استحقاق الكافر للغسل مطلقا، وفيه نظر لان لازم ذلك عدم لزوم الغسل بالنسبة إلى المخالف، وهو خلاف


(1) الوسائل أبواب غسل الميت ب 20 ح 5. (2) تقدم سابقا (3) الوسائل أبواب غسل الميت ب 19 ح 1.

[ 167 ]

المشهور بل ادعى الاجماع، والاظهر ما ذكر في الاخبار من الوجه في غسل الميت من باب الحكمة فلا يدور الحكم مدارها وجودا وعدما. (العاشرة: لو لقى كفن الميت نجاسة غسلت ما لم يطرح في القبر وقرضت بعد جعله فيه) لا دليل على وجوب غسل الكفن الا ما عن الفقه الرضوي (1): (فان خرج منه شئ بعد الغسل فلا تعد غسله ولكن اغسل ما أصاب من الكفن إلى أن تضعه في لحده، فان خرج منه شئ في لحده لم تغسل كفنه لكن قرضت من كفنه ما أصاف من الذى خرج منه ومددت احد الثوبين على الآخر) وفي قباله خبران معتبران يظهر منهما لزوم القرض مطلقا دون الغسل، احدهما ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبى عمير واحمد بن محمد عن غير واحد من اصحابنا عن الصادق عليه السلام قال: (إذا خرج من الميت شئ بعد ما يكفن فأصاب الكفن قرض من الكفن) (2). والآخر خبر ابن أبى عمير بهذا المضمون (3)، والمشهور العمل بمضمون الرضوي و تقييد الخبرين بما بعد جعله في القبر. (السادس: غسل من مس ميتا، يجب الغسل بمس الآدمى بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل على الاظهر، وكذا يجب الغسل بمس قطعة فيها عظم سواء ابينت من حي أو ميت وهو كغسل الحائض) اما وجوب الغسل بمس الآدمى بعد برده بالموت فهو المشهور، بل عن الخلاف دعوى الاجماع عليه، وحكي عن السيد (قده) القول باستحباب، والدليل على المشهور الاخبار الكثيرة منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: قلت الرجل يغمض عين الميت أعليه غسل؟ قال: (إذا مسه بحرارته فلا، ولكن إذا مسه بعد ما برد فليغتسل، قلت: فالذي يغسله يغتسل؟ قال: نعم - الحديث -) (4) ومنها حسنة حريز، أو صحيحة عن


(1) المستدرك ج 1 ص 107 باب حكم النجاسة إذا اصابت الكفن. (2) التهذيب ج 1 ص 450 تحت رقم 1458. (3) الكافي ج 3 ص 156 باب يخرج من الميت بعد أن يغسل. (4) الوسائل أبواب غسل المس ب 1 ح 1

[ 168 ]

ابى عبد الله عليه السلام قال: (من غسل ميتا فليغتسل، وان مسه مادام حارا فلا غسل عليه، وإذا برد ثم مسه فليغتسل، قلت: فمن ادخله القبر؟ قال: (لاغسل عليه انما يمس الثياب) (1) وقد يستدل للسيد بأخبار اخر يدعي ظهورها في الاستحباب، وهي بين ما لاظهور لها في الاستحباب وبين ما يحمل على التقية، واما التقييد بكون المس قبل تطهير الميت بالغسل، فيدل عليه ما عن محمد بن الحسن الصفار في الصحيح قال: (كتبت إليه رجل أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذى يلي جلده قبل ان يغتسل هل يجب عليه غسل يده أو بدنه؟ فوقع عليه السلام إذا أصاب يدك جسد اليمت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل) (2) وما عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (يغتسل الذى غسل الميت، وان قبل الميت انسان قبل موته وهو حار ليس عليه غسل، ولكن إذا مسه وقبله وقد برد فعليه الغسل، ولا بأس أن يمسه بعد الغسل ويقبله) (3) والرواية الاولى دلالتها بينة على قراءة لفظ (الغسل) المذكور اخيرا بالضم ومن المحتمل ان يكون بفتح الغين، ولعله يستفاد الحكم منه من جهة الملازمة بين طهارة البدن وعدم كون مسه موجبا للغسل، واما وجوب الغسل من جهة مس القطعة التي فيها عظم فادعي عليه الاجماع، واستدل له بما رواه المشايخ الثلاثة عن ايوب بن نوح عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة فإذا مسه إنسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه) (4) ولا يبعد استفادة حكم القطعة المبانة من الميت من جهة التفريع المذكور في الخبر - اعني فاء قوله عليه السلام: (فإذا مسه الخ -) ويشهد له ما عن الفقه الرضوي قال: (فان مسست شيئا من جسد أكيل السبع فعليك الغسل ان كان فيما مسست عظم وما لم


(1) الوسائل أبواب غسل المس ب 1 ح 14. (2) الوسائل أبواب غسل المس ب 4 ح 1. (3) الوسائل أبواب غسل المس ب 1 ح 15. (4) الوسائل أبواب غسل المس ب 2 ح 1.

[ 169 ]

يكن فيه عظم فلا غسل في مسه) (1) واما المماثلة مع غسل الحائض فمن جهة الاحتياج إلى الوضوء، وقد سبق الكلام في كفاية غير غسل الجنابة عن الوضوء فلا نعيد. (وأما المندوب من الاغسال فالمشهور غسل الجمعة، ووقته ما بين طلوع الفجر إلى الزوال وكل ما قرب إلى الزوال كان أفضل) والمشهور استحبابه ومال بعض إلى القول بالوجوب نظرا إلى ما يترأى من بعض الاخبار، ففي المرسل المحكي عن كتاب العروس (2) عن ابى عبد الله عليه السلام: (لا يترك غسل الجمعة إلا فاسق ومن فاته غسل الجمعة فليقضه يوم السبت) (3) ومنها موثقة عمار عن الصادق عليه السلام عن الرجل ينسي الغسل يوم الجمعة حتى صلى؟ قال: (ان كان في وقت فعليه ان يغتسل ويعيد الصلاة وان مضى الوقت فقد جازت صلاته) (4) إلى غير ذلك من الروايات، وفي قبالها اخبار يستفاد منها استحبابه مثل صحيحة ابن يقطين قال: (سألت أبالحسن عليه السلام عن الغسل في الجمعة والاضحى والفطر؟ قال: سنة وليس بفريضة) (5) ورواية علي بن حمزة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل العيدين أواجب هو؟ قال: هو سنة) (6) وخبر الفضل بن شاذان عن مولانا الرضا عليه السلام في كتاب كتبه إلى المأمون: (وغسل يوم الجمعة سنة، وغسل العيدين، وغسل دخول مكة، والمدينة وغسل الزيارة وغسل الاحرام واول ليلة من شهر رمضان وليلة سبع عشرة، وليلة تسع عشرة، وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان هذه الاغسال سنة، وغسل الجنابة فريضة وغسل الحيض مثله) (7) إلى غير ذلك من الاخبار، ولو كان واجبا لاشتهر وبان كوجوب غسل الجنابة والحيض.


(1) المستدرك ج 1 ص 150. (2) للشيخ جعفر بن أحمد القمى - ره -. (3) المستدرك ج 1 ص 152 باب كراهة ترك غسل الجمعة. (4) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 8 ح 1. (5) و (6) التهذيب ج 1 ص 112 تحت رقم 295 و 297. (7) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 1 ح 6.

[ 170 ]

واما تحديد وقته اما من جهة اوله فلعدم صدق غسل يوم الجمعة قبل الفجر الثاني، ولولا الاخبار الواردة في اجزائه بعد الفجر لامكن ان يكون مشروعية فعله بعد طلوع الشمس، لاحتمال ان يكون ما بين الطلوعين من الليل، وان كان المعروف المشهور عده من النهار، ويدل على إجزائه بعد الفجر اخبار، منها صحيحة زرارة والفضيل قالا: قلنا له: (أيجزى إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة؟ فقال: نعم) (1) ومنها حسنة زرارة: (إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة إلى آخره) (2) واما من طرف آخره فلا إشكال في امتداده إلى الزوال ويدل عليه صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: (لا تدع الغسل قبل الجمعة فانه سنة، شم الطيب وألبس صالح ثيابك وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم وعليك السكينة والوقار - الحديث -) (3) والمعروف انقضاء وقت الاداء بالزوال، ويبعد استفادته من بعض الاخبار مثل خبر سماعة من مهران عن الصادق عليه السلام في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في اول النهار؟ قال: (يقضيه آخر النهار فان لم يجد فليقضه يوم السبت) (4) بحمل القضاء مع المعنى المصطلح بقرينة ذيله. ويمكن ان يكون المراد من كلنا العبارتين الفعل، غاية الامر قد علم كون الفعل يوم السبت قضاء بالمعنى المصطلح، وخبر عبد الله بكير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة؟ قال: (يغتسل ما بينه وبين الليل فان فاته اغتسل يوم السبت) (5) حيث يظهر منه أنه بعد كون الفوت مفروغا عنه يأتي بينه وبين الليل، ثم على فرض دلالة الخبرين لا تعيين فيهما، لكون الزوال آخر الوقت، والذى يسهل الخطب عدم لزوم قصد الارادة والقضاء فجاز الاتيان بداعي الامر الفعلي بعد الظهر، ولا يبعد استفادة كون القرب إلى الزوال أفضل،


(1) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 11 ح 1. (2) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 30 ح 1. (3) الكافي ج 3 ص 417 تحت رقم 4. (4) و (5) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 10 ح 2 و 4.

[ 171 ]

لاتيان الغسل مما ذكر من الصحيحة. (وأول ليلة من شهر رمضان) ويدل عليه جملة من الاخبار منها خبر الفضل بن شاذان المتقدم (وليلة النصف منه) ويدل عليه المرسل المحكي عن المقنعة عن الصادق عليه السلام: (انه يستحب الغسل ليلة النصف من شهر رمضان) (1) (وليلة سبع عشرة منه وتسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث عشرين) ويدل عليه خبر الفضل بن شاذان المتقدم (وليلة الفطر) ويدل عليه رواية حسن ابن راشد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان الناس يقولون: ان المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر؟ فقال: (يا حسن ان القار يجار انما يعطى اجرته عند فراغه، وذلك ليلة العيد قلت: جعلت فداك فما ينبغي لنا ان نعمل فيها؟ فقال: إذا غربت الشمس فاغتسل - الحديث -) (2). (ويومي العيدين) ويدل عليه اخبار كثيرة، ففي خبر سماعة الوارد في بيان الاغسال: (وغسل يوم الفطر وغسل يوم الاضحى سنة لا احب تركها) (3) (ويوم عرفة) ويدل عليه الاخبار المستفيضة منها صحيحة ابن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (الغسل في سبعة عشر موطنا - وعد منها يوم التروية ويوم العرفة -) (4) (وليلة النصف من رجب) على المشهور، وحكى عن بعض نسبته إلى رواية (ويوم المبعث) على المشهور وعن العلامة والصيمري (قدهما) نسبته إلى الرواية (وليلة النصف من شعبان) ويدل عليه رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه وذلك تخفيف من ربكم ورحمة) (5). (ويوم الغدير) ويدل عليه خبر علي بن الحسين العبدى قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (صيام يوم غدير يعدل صيام عمر الدنيا - إلى ان قال -: ومن


(1) راجع التهذيب ج 1 ص 114 وفي الوسائل أبواب الاغسال المنسونة ب 14 ح 9. (2) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 15 ح 1. (3) و (4) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 1 ح 3 و 12. (5) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 13 ح 1.

[ 172 ]

صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة - الحديث -) (1). (ويوم المباهلة) ويمكن ان يستفاد مما عن مصباح الشيخ عن محمد بن صدقة العنبري عن أبى ابراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام قال: (يوم المباهلة يوم الرابع والعشرون من ذي الحجة تصلي في ذلك اليوم ما أردت ثم قال: وتقول وانت على غسل الحمدلله رب العالمين) إلى آخره (2)، وعن ظاهر الوسيلة عدم الخلاف في ثبوت غسل يوم المباهلة. (وغسل الاحرام) ويدل عليه اخبار كثيرة ويظهر من بعضها الوجوب كمرسلة يونس عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الغسل في سبعة عشر موطنا، منها الفرض ثلاثة قلت: جعلت فداك وما الفرض منها؟ قال: (غسل الجنابة وغسل من مس ميتا وغسل الاحرام) (3) لكنه ادعي الاجماع على عدم وجوبه ويدل عليه خبر الفضل بن شاذان المتقدم في غسل الجمعة. (وزيارة النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام) على المشهور، ويمكن الاستدلال عليه بالاخبار الواردة في كيفية زياراتهم، مثل الرواية المشهورة، الواردة في زيارة الجامعة والاخبار الكثيرة الدالة عليه عند زيارة النبي وامير المؤمنين وابى عبد الله وابى الحسن الرضا عليهم السلام. (وقضاء الكسوف) ويدل عليه ما عن الخصال عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: (الغسل في سبعة عشر موطنا: أحدها - إلى أن قال -: وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت ولم تصل فعليك ان تغتسل وتقضي الصلاة وغسل الجنابة فريضة - الخ -) (4). (والتوبة) على المشهور ويدل عليه رواية مسعدة بن زياد قال: كنت عند


(1) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 28 ح 1. (2) الوسائل أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 47 ح 2. (3) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 1 ح 3. (4) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 1 ح 12.

[ 173 ]

أبى عبد الله عليه السلام فقال له رجل: بأبى انت وامي إنى ادخل كنيفا ولي جيران وعندهم جوار يتغنين يضربن بالعود فربما اطلت الجلوس استماعا مني لهن؟ فقال عليه السلام: لا تفعل. فقال: الرجل والله ما اتيتهن برجلي وانما هو سماع أسمعه باذني؟ فقال عليه السلام: بالله انت اما سمعت الله يقول: (ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا)؟ فقال: بلى، والله كاني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله من عربي ولا من عجمي، لاجرم أنى لا أعود إن شاء الله، وإنى استغفر الله، فقال عليه السلام له: قم فاغتسل وصل ما بدالك فانك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوء حالك لو مت على ذلك، احمد الله وسله التوبة من كل ما يكره فانه لا يكره الا كل قبيح، والقبيح دعه لاهله فان لكل اهلا) (1). (والصلاة الحاجة والاستخارة) على المشهور بل ادعي الاجماع عليه، وربما يستشهد بما عن الفقه الرضوي (2) في تعداد الاغسال: (وغسل طلب الحوائج وغسل الاستخارة) وما في موثقة سماعة الواردة في تعداد الغسل: (وغسل الاستخارة مستحب). (ولدخول الحرم والمسجد الحرام والكعبة والمدينة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله) أما الاول فلقوله عليه السلام في موثقة سماعة: (وغسل دخول الحرم يستحب أن لا تدخله إلا بغسل) (3) واما الثاني فلما عن الغنية من دعوى الاجماع عليه، وأما الثالث فلصحيحه عبد الله بن سنان: (الغسل في سبعة عشر موطنا إلى أن قال -: ودخول الكعبة والمدينة) (4) فهي الدليل على الرابع أيضا، واما الخامس فيدل عليه رواية محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (الغسل من الجنابة - إلى أن قال -: وحين تدخل الحرم وإذا أردت دخول البيت الحرام، وإذا أردت دخول مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم). (وغسل المولود) ويدل عليه قوله عليه السلام: في موثقه سماعة في تعداد


(1) الوسائل ابواب الاغسال المسنونة ب 18 ح 1. (2) المستدرك ج 1 ص 151 أبواب الاغسال المسنونة ب 1. (3) تقدم آنفا. (4) الوسائل أبواب الاغسال المسنونة ب 1 ح 8.

[ 174 ]

الاغسال: (وغسل المولود واجب) والمشهور فيه الاستحباب، وعن المعتبر رمى القول بالوجوب بالشذوذ، وعن المنتهى بالمتروكية فلا يؤخذ بظاهرها في مقابلة ما دل على حصر الغسل الواجب في غيره. (التيمم) (الركن الثالث في الطهارة الترابية والنظر في امور أربعة: الاول شرط التيمم عدم الماء أو عدم الوصلة إلى أو حصول مانع من استعماله كالبرد والمرض) المعروف لزوم الفحص والطلب للماء واستدل عليه مضافا إلى الاجماعات المنقولة وخبر السكوني الآتي ذكره بقاعدة الاشتغال القاضية بوجوب تحصيل القطع بالخروج عن التكليف بالصلاة مع الطهور المتوقف على إحراز العجز عن الطهارة المائية الذي هو شرط في طهورية الترابية، ولا مجال لان يقال: القدرة شرط، ومع الشك فيها يرجع إلى البراءة لان اصل البراءة لا يثبت العجز مع أن القدرة من الشرائط العقلية ولا يرجع عند الشك فيها إلى البراءة - كما بين في محله - ويمكن أن يقال: إن هذا لا يفي بتمام المطلوب، حيث إنه يمكن إحراز عدم القدرة بالاستصحاب، كما لو كان في مغارة يعلم بعدم الماء فيها ثم وصل إلى مكان آخر يشك في وجود الماء فيه، ولا أظن أن يلتزم بعدم وجوب الفحص فيه، وثانيا نقول: ما افيد من أن القدرة من الشرائط العقلية منظور فيه، فإن الشرائط العقلية ما يكون التكليف مع فقدانها محفوظا، غاية الامر يكون المكلف معذورا، وفيما نحن فيه يلتزم اشتراط الصلاة بالطهارة المائية حتى مع عدم وجدان الماء، ولازمه بطلان الصلاة بدونها، نعم يمكن أن يقال: لا مجال لجريان اصالة البراءة للعلم الاجمالي بلزوم إتيان الصلاة، إما مع الطهارة المائية على تقدير وجدان الماء، وإما مع ما يقوم مقامها، ومع هذا لا تجري أصالة البراءة، لكن هذا أيضا لا يفي لانه إذا فرض أن يكون تكليف المكلف بالصلاة مع التيمم لعذر غير فقدان الماء وتيمم ثم ارتفع ذلك العذر وشك في وجود الماء، ففي الحال لا علم له بأزيد

[ 175 ]

من الصلاة، ومقتضى الاصل البراءة من جهة الوضوء أو الغسل فالاولى التمسك بالرواية وهي خبر السكوني عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن علي عليه السلام قال: (يطلب الماء في السفر إن كانت حزونة (الحزونة خ ل) فغلوة، وإن كانت سهلة [ سهولة خ ل ] فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك) (1) وضعف السند مجبور بعمل الاصحاب وافتائهم بمضمونه، لكنه يقع الاشكال في فهم المراد من الخبر، فالمعروف انه يطلب في اربع جهات في كل جهة مقدار علوة أو غلوتين، وأظن وقوع المسامحة في هذا التعبير، ولعل مرادهم - قدس الله أسرارهم - فرض دائرة يكون نصف قطرها مقدار غلوة أو غلوتين، بحيث لا يحتمل وجود الماء في مجموع الدائرة، وهذا غير ما يتر آى من ظاهر تعبيراتهم كما لا يخفى، ولا يخفى عدم ظهور الخبر في هذا المعنى بل من المحتمل أن يكون الطلب بمقدار غلوة أو غلوتين في دائرة يكون قطرها بهذا المقدار، ومع إجمال الرواية لابد من الاحتياط على إشكال في بعض الصور كما أشرنا إليه، ثم الظاهر ان وجوب الطلب ليس حكما تعبديا بحيث يلزم الفحص في كل جانب حتى مع اليأس في بعض الجوانب، ولعله يستفاد من قوله عليه السلام: (يطلب الماء) فان العاقل لا يطلب مع اليأس، وكيف كان فالمستفاد من الخبر تحديد حد الطلب فلا يعارضه حسنة زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: (إذا لم يجد المسافر الماء فيطلب مادام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل) (2) لاعراض الاصحاب عن العمل بظاهرها، مضافإ إلى ما قيل من ورود هذه الرواية باسناد آخر (فليمسك) بدل (فليطلب) حكى عن حاشية المدارك للمحقق البهبهاني (قده) ثم إن ال ظاهر ان الاقتصار على المقدار المذكور انما يكون فيما لا يعلم بوجود الماء في الخارج من الحد المذكور، فصورة العلم به يكون خارجا


(1) الوسائل أبواب التيمم ب 1 ح 2 (2) التهذيب ج 1 ص 192 تحت رقم 555 ولكن في الطبعة الاولى منه ج 1 ص 55 " فلپمسك مادام ".

[ 176 ]

عن مورد الرواية، فيجب تحصيله مقدمة الا أن يوجب ضررا أو حرجا أو يمنع مانع آخر؟ وذلك لانصراف الخبر عن هذه الصورة، فمع عدم الماء بعد الطلب أو مع اليأس يجب التيمم لما يجب له من الوضوء أو الغسل، ويستحب لما يستحب في الجملة كتابا وسنة وإجماعا، قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء: (يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ان الله كان عفوا غفورا). الثاني من السوغات للتيمم عدم الوصلة إليه وإن كان الماء موجودا، إما لتوقفه على ثمن تعذر عليه أو السير إلى مكانه المتعذر في حقه لكبر أو مرض أو ضعف أو لفقدان الآلة التى يتوصل بها إليه إلى غير ذلك من الاعذار العقلية والشرعية المانعة من استعمال الماء فعند تحقق شئ منها يتيمم ويصلى بلا خلاف ولا إشكال ويمكن استفادة الكلية من الاخبار وان كانت واردة في وارد مختلفة منها ما عن الحلبي ان سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو؟ قال (ليس عليه أن يدخل الركية لان رب الماء هو رب الارض فليتيمم) (1) ومنها ما عن عبد الله بن ابى يعفور وعنبسة بن مصعب جميعا عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا أتيت البئر وانت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغترف به فتيمم بالصعيد فان رب الماء هو رب الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم) (2) ومنها خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن على عليهم السلام أنه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس؟ قال: (يتيمم ويصلى معهم ويعيد إذا انصرف) (3) هذه مضافا إلى قاعدة نفي الحرج ونفي الضرر الحاكمة على العمومات المثبتة للتكاليف ومنها الادلة


(1) الفقيه ص 24 باب التيمم تحت رقم 5. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 185 تحت رقم 535 و 534.

[ 177 ]

الموجبة للطهارة المائية وتلزم من عدم وجوبها وجوب الطهارة الترابية بلا إشكال لعدم سقوط المشروط بالطهارة، ولا يخفى أنه لو نظرنا إلى الاخبار المذكورة لكان الامر أوسع بخلاف ما لو كان النظر إلى قاعدتي نفى الحرج والضرر، ألا ترى؟ أنه في خبر السكوني جوز التيمم مع أنه يتمكن الرجل من ترك الصلاة في المسجد أو مكان الزحام في يوم عرفة والاتيان بالصلاة في الخارج مع الطهارة المائية من دون لزوم حرج أو ضرر إلا أن يكون النظر في يوم الجمعة إلى وجوب الجمعة تعيينا من جهة اجتماع جميع شرائط الوجوب كما أن الوقوع في البئر في خبر عبد الله بن أبي يعفور المذكور لا محذور فيه إلا فساد الماء المفسر بتصيير الماء مستقذرا، ولولا الخبر لكان الوقوع مجوزا مع فرض إباحة البئر والماء حفظا للطهارة المائية، وهذه الاخبار غير نقية السند فلا بد من إحراز عمل الاصحاب مستندين إلى هذه الاخبار مع هذه التوسعة. الثالث من مسوغات التيمم حصول مانع من استعمال الماء كالبرد والمرض ونحوهما، والدليل عليه قاعدة نفي الضرر وقاعدة نفي الحرج مضافا إلى بعض الاخبار الخاصة، مثل صحيحة داود بن سرحان عن الصادق عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: (لا يغتسل ويتيمم) (1). ويظهر من هذه الصحيحة ان الحكم لا يدور مدار القطع بل الخوف يكفى، كما انه يستفاد هذا من قاعدة نفى الحرج، حيث ان التكليف بالوضوء أو الغسل مع الخوف من عروض المحذور حرجي مرفوع وقد يستشكل في جريان قاعدة نفي الضرر في مورد الخوف من وقوع الضرر من جهة عدم إحراز الضرر الذى هو موضوع، غاية الامر الاكتفاء بالظن وبمجرد الخوف لا يكفي، نعم لو كان الضرر المخوف يشق تحمله اكتفى بالخوف من جهة قاعدة نفى الحرج أيضا، ولا يخفى أنه لا يجوز التمسك في هذه الموارد بالادلة الدالة على وجوب الطهارة المائية


(1) التهذيب ج 1 ص 185 تحت رقم 531.

[ 178 ]

لكون الشبهة مصداقية الا ان تكون حالة سابقة تستصحب، وقد لا يجرى الاستصحاب كما لو توارد الحالتان وشك في المقدم والمؤخر، ولا يبعد كفاية الخوف من وقوع الضرر ولو لم يكن حرج، ويدل عليه اخبار: منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون بن القرح والجراحة يجنب؟ قال: (لا بأس بأن لا يغتسل يتيمم) (1) ومنها مرسلة ابن أبى عمير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (يتيمم المجدور والكسير بالتراب إذا أصابته جنابة) (2) ومنها صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام في الرجل يصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: (لا يغتسل ويتيمم) (3) وفي قبال هذه الاخبار اخبار منافية، منها صحيحة عبد الله بن سليمان (4) عن أبى عبد الله عليه السلام إنه سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوف إن هو اغتسل ان يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع (5)؟ قال: (يغتسل وإن اصابه ما اصابه قال: وذكر انه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة وهو في مكان بارد وكانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فقالوا انا نخاف عليك، فقلت: ليس بد فحملوني ووضعوني على خشبات ثم صبوا على الماء فغسلوني) وغيرها من الاخبار الدالة على وجوب الغسل على أي حال، وفي بعضها التفصيل بين الاجناب والاحتلام، ولا يخفى انه لا يمكن الاخذ بظاهرها حيث يعم صورة خوف التلف مع عدم إمكان الالتزام بوجوب تعريف النفس للهلكة في غير مثل باب الجهاد والقصاص والحدود، فيجب رد علمها إلى أهله. (ولو لم يوجد إلا ابتياعا وجب وإن اكثر الثمن، وقيل: ما لم يضر به في


(1) الكافي ج 3 ص 68 والتهذيب ج 1 ص تحت رقم 532. (2) و (3) الوسائل أبواب التيمم ب 5 ح 4 و 7 (4) التهذيب ج 1 ص 198 تحت رقم 575. والاستبصار ج 1 ص 162 تحت رقم 563. (5) العنت - محركة - الفساد ودخول المشقة على الانسان.

[ 179 ]

الحال وهو أشبه) والدليل على وجوب الشراء اخبار خاصة، منها صحيحة صفوان قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة وهو لا يقدر على الماء فوجد بقدر ما يتوضأ به بمائة درهم أو بألف درهم وهو واجد لها أيشترى ويتوضأ أو يتيمم؟ قال: (لا، بل يشتري، قد أصابني مثل ذلك فاشتريت وتوضأت وما يسؤني بذلك مال كثير) (1) أما التقييد بعدم الاضرار بحاله فيمكن استفادته من خبر الحسن بن أبي طلحة (2) قال: سألت عبدا صالحا عن قول الله - عزوجل -: (أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) ما حد ذلك؟ قال: (فان لم تجدوا بشراء وبغير شراء قلت: إن وجد قدر وضوء بمائة الف أو بألف وكم بلغ؟ قال: ذلك على قدر جدته) وفيه تأمل لان الكون على قدر الجدة يجتمع مع الاضرار بالحال الا أن يتمسك بقاعدة نفي الضرر والحرج، ومجرد كثرة ما يبذل بازاء المال لا يوجب الضرر والحرج حتى يقال: القاعدتان مخصصتان بالاخبار الخاصة فلا مجال للتمسك بهما فتأمل. (ولو كان معه ماء وخشي العطش تيمم إن لم يكن فيه سعة عن قدر الضرورة) ويدل عليه أخبار منها صحيحة ابن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام انه قال في رجل اصابته جنابة في السفر وليس معه إلا ماء قليل ويخاف إن هو اغتسل أن يعطش قال: (ان أخاف عطشا فلا يهريق منه قطرة وليتيمم بالصعيد، فان الصعيد أحب إلى) (3) وأما التقييد بما ذكر فوجهه واضح. (وكذا لو كان على جسده نجاسة ومعه ماء يكفيه لا زالتها أو للوضوء، وكذا من معه ماء لا يكفيه لطهارته، وإذا لم يوجد للميت ماء تيمم كالحي العاجز) أما صورة الدوران بين صرف الماء في إزالة النجاسة أو في الوضوء فادعي الاجماع على لزوم الصرف في إزالة الخبث، وربما يستشهد بصحيحة الحذاء: والحائض ترى الطهر وهي في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة؟ قال: (إذا كان معها بقدر ما يغسل فرجها فيغسله


(1) و (2) الوسائل أبواب التيمم ب 26 ح 1 و 2. (3) الكافي ج 3 ص 65 تحت رقم 1.

[ 180 ]

ثم تتيمم وتصلى) (1) حيث دلت بترك الاستفصال على تقديم غسل الفرج على وضوء الحائض، ويمكن أن يقال لزوم إزالة النجاسة غير مشروط بشرط، ولا ينافى مع لزوم الاتيان بالصلاة مع عدم التمكن من الازالة، لان الظاهر كون المقام من باب تعدد المطلوب ولزوم الطهارة المائية مشروطا شرعا بالوجدان، فمن لم يجد الماء للطهارة المائية إما لعدم وجود الماء أو لوجوب صرفه في إزالة الخبث من جهة إطلاق دليله ينتقل إلى التيمم، واما صورة عدم كفايه الماء للوضوء أو الغسل فوجه الانتقال إلى التيمم واضح لعدم وجدان الماء بمقدار يكفي للطهارة، ولا مجال للاشكال واحتمال التبعيض، مضافا إلى الاخبار المستفيضة الامرة بالتيمم بدلا من الغسل مع وجود ماء لا يكفي للغسل منها ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما عليهما السلام في رجل اجنب في سفر ومعه ماء قدر ما يتوضأ به؟ قال: (يتيمم ولا يتوضأ) (2) وأما صورة عدم وجود الماء لغسل الميت فلا إشكال في الانتقال إلى التيمم وانما الاشكال في كيفية تيممه، فقد يقال بمراعاة مرتبة العجز فان كانت يد الميت متمكنه بأن تيسر ضربهما على الارض ومسحهما على جبهته وظاهر الكفين فليأت المتولي به كذلك وإلا فيتولاه المباشر كما في الحي العاجز الذي لا قابلية له بأن يتولى شيئا ولو بمعين، وحكي عن بعض تعين الثاني، بل قيل أن هذا هو المعروف في كيفية تيممه ومع الشك لا يبعد لزوم الاحتياط بالجمع. (الثاني فيما يتيمم به وهو التراب الخالص دون ما سواه من المنسحقة كالاشنان والدقيق والمعادن، كالكحل والزرنيخ ولا بأس بأرض النورة والجص) قد اختلف الكلمات في تعيين ما يتيمم به عند الاختيار هو هل التراب الخالص أو مطلق وجه الارض، ووجه الاختلاف اختلاف تفسير الصعيد المذكور في الآية الشريفة، واختلاف الاخبار أيضا، أما الآية فبعد اختلاف اللغويين يصير مجملة، وعلى تقدير تقوية قول من فسر بمطلق وجه الارض تصير بمنزلة الاخبار التي عبر


(1) الكافي ج 3 ص 82 تحت رقم 3. (2) الوسائل أبواب التيمم ب 24 ح 4.

[ 181 ]

فيها بالارض، فللقائل بتعين التراب الخالص أن يقول بأنها مطلقة تقيد ببعض الاخبار، حيث عين فيه التراب فيحمل المطلق على المقيد، فما قيل في الرد على السيد (قده) القائل بتعين التراب على ما يظهر من بعض كلماته حيث استدل بالنقل من أهل اللغة أن الصعيد هو التراب، وبالنبوى: (جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا) (1) فلو جاز التيمم بمطلق الارض لكان لفظ (ترابها) لغوا، من أن قول بعض أهل اللغة معارض بقول من هو أوثق منه، حيث نقل من الزجاج أنه قال: لا اعلم خلافا بين اهل اللغة في أن الصعيد مطلق وجه الارض، مضافا إلى أن المتبادر من قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) إرادة القصد إلى صعيد طيب بالمضي إلى نحوه لا مجرد العزم على استعماله بأن يكون المراد من قصده قصد استعماله، وهذا المعنى لا يناسب إرادة التراب الذى هو في حد ذاته من المنقولات كالماء، والرواية ضعيفة لعدم إيرادها بهذا المتن إلا في كتب الفقهاء وأما في كتب الاخبار فقد رويت باسقاط لفظ (وترابها) (2) فعن الكافي أنه روى عن أبان بن عثمان عمن ذكره عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (ان الله - تبارك وتعالى - اعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرايع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى - إلى أن قال -: وجعل له الارض مسجدا وطهورا) - الحديث - (3) وعن الفقيه مرسلا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي جعلت لي الارض مسجدا وطهورا - الحديث -) (4) نعم عن العلل روايتها بذكر: (وترابها طهورا) مسندة إلى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله بسند جل رواتها من العامة، فلا تعويل عليها) (5) وعن المحقق في


(1) المستدرك ج 1 ص 156 نقلا عن عوالي اللئالى مرسلا. (2) راجع أمالى الصدوق وأمالى ابن الشيخ وبشارة المصطفى والمستدرك أبواب التيمم ب 5 ص 156 (3) و (4) الوسائل أبواب التيمم ب 7 ح 1 و 4. (5) روى ابن ماجه مسندا عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وأبو داود عن أبى ذر عنه صلى الله عليه وآله " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا " وروى أحمد في مسندا نس والضياء المقدسي أيضا " جعلت لى كل أرض طيبة مسجدا وطهورا " راجع انجامع الصغير ج 1 ص 144 باب الجيم.

[ 182 ]

المعتبر مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا) محل تأمل ونظر من جهة انه بعد تعارض اقوال اللغويين تصير الآية مجملة، وعلى فرض الوثوق بقول من فسر بمطلق وجه الارض تصير مطلقة قابلة للتقييد، وما ذكر من أن المتبادر القصد إلى الشئ بالمضي إلى نحوه لا ينافي إرادة التراب كما لا يخفى، فان التراب ايضا غير منقول، مضافا إلى انه لم يعتبر هذا قطعا في التيمم، وكيف تضعف الرواية مع عمل مثل السيد (قده) مع أنه لا يعمل إلا بقطعيات الروايات، حيث لا يعتمد على أخبار الآحاد مجردة عن القرائن القطعية ولم يحرز وحدة والرواية، الا ترى نقل هذا المضمون بعبارات مختلفة، فلعلها اخبار حاكية عن معنى واحد بعبارات مختلفة، هذا مع اختلاف الاخبار، ففي بعضها التعبير بالارض وفى بعضها التعبير بالتراب، فمن القسم الاول صحيحة ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الارض وليصل - الخ -) (1) ونحوها صحيحة الحلبي (2) وفي صحيحة اخرى: (إن رب الماء هو رب الارض) (3) ومن القسم الثاني ما في الصحيح عن جميل بن دراج ومحمد بن حمران انهما سألا أبا عبد الله عليه السلام عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ فقال عليه السلام: (لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلى بهم، فان الله - عزوجل - جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا) (4) وفي خبر معاوية بن ميسرة: (إن رب الماء هو رب التراب) (5) و صحيحة رفاعة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا كانت الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه فان ذلت توسيع من الله - عزوجل - قال: (فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شئ مغبر، وإن


(1) التهذيب ج 1 ص 197 تحت رقم 572. (2) و (3) الكافي ج 2 ص 63 تحت رقم 3 و 4. (4) الكافي ج 3 ص 66 تحت رقم 3. (5) التهذيب ج 1 ص 195 تحت رقم 564.

[ 183 ]

كان في حال لا يجد الا الطين فلا بأس أن يتيمم منه) (1) فبناء على حمل المطلق على المقيد لابد من التقييد، ثم على تقدير الشك قد يقال: بلزوم الاحتياط من جهة العلم بالتكليف بالصلاة مع الطهارة ويشك في التحقق مع التيمم بغير التراب، ويتوجه عليه أن هذا مبنى على كون الطهارة أمرا معنويا محصلا من الوضوء أو الغسل أو التيمم، ومع الشك في دخل شى في المحصل لابد من الاحتياط وإن قلنا بالبراءة في مسألة الاقل والاكثر الارتباطيين، ولا دليل على ما ذكر من لزوم الطهارة بالمعنى المذكور، فمن المحتمل أن يكون الطهور المعتبر في الصلاة نفس الوضوء والغسل والتيمم، وعلى تقدير التسليم لا يبعد جريان البراءة النقلية في الشك في المحصل، بتقريب أن ما شك في مدخلية في المحصل مرفوع مدخليته بمقتضى حديث الرفع، نعم لا يبعد استكشاف وجوب الاحتياط من (لاصلاة إلا بطهور) بناء على أن الطهور إما نفس الوضوء أو الغسل أو المحصل منهما دون التيمم، غاية الامر في صورة عدم وجدان الماء نزل التيمم منزلتهما فمع الشك يؤخذ بعموم: (لاصلاة إلا بطهور) ولا مجال للتمسك بحديث الرفع، وهذا مبني على عدم كون التيمم أو ما يحصل منه طهورا، فمع احتمال ذلك لا مجال للتمسك بمثل: (لا صلاة إلا بطهور) فتلخص من جميع ما ذكر قوة القول بلزوم الاحتياط بالاقتصار بالتراب الخالص مع الاختيار. وأما عدم جواز التيمم بالمنسحقة والمعادن فللخروج عن التراب والارض فعلى كلا القولين لا يجوز، واما التيمم بأرض النورة والجص فمع صدق التراب لا إشكال، ومع عدم الصدق يشكل، فالمانعون بالتيمم بالحجر كيف يجوزون بحجر النورة والجص. (ويكره بالسبخة والرمل وفي جواز التيمم بالحجر تردد، وبالجواز قال الشيخان ومع فقد الصعيد يتيمم بغبار الثوب أو اللبد وعرف الدابة ومع فقده بالوحل) لا يخفى أن القول بالكراهة في التيمم بالسبخة والرمل بعد الفراغ عن الجواز اختيارا، ومع تعيين التراب الخالص كيف يجوز التيمم بهما،


التهذيب ج 1 ص 189 تحت رقم 546

[ 184 ]

وحكي عن المعتبر والمنتهى دعوى الاجماع على جواز التيمم بهما على كراهة، و كيف يجتمع هذا مع مخالفة السيد وغيره في تلك المسألة، الا أن يراد الجواز على كراهة مع عدم التمكن من التراب الخالص، واما التيمم بغبار الثوب وغيره فيستفاد من أخبار مستفيضة، منها صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أرأيت المواقف إن لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال: يتيمم من لبده أو سرجه أو بعرفة دابته فان فيها غبارا ويصلي) (1) ومنها صحيحة رفاعة المتقدمة، ومنها يظهر جواز التيمم بالوحل مع الفقد. (الثالث في الكيفية، ولا يصح قبل دخول الوقت ويصح مع تضيقه، و في صحته مع السعة قولان: أحوطهما التأخير) أما عدم صحة التيمم قبل الوقت فلا خلاف فيه ظاهر بل نقل عليه الاجماع، والمراد إتيانه قبل الوقت لصاحبة الوقت واما لو اتى به لغاية اخرى فلا مانع من إيجاد صاحبة الوقت معه، وربما يتشكك من جهة احتمال ان يكون مستند المجمعين ان العبادة قبل وقتها لم يتعلق بها أمر، والامر بالمقدمة تابع لامرها ومع عدم الامر لا تصح العبادة فمع عدم تمامية ما ذكر كيف يتكل على الاجماع المذكور، لكنه لا يرفع اليد عن المسلمات بمثل الاحتمال المذكور، واما صحته في ضيق الوقت فهو المتيقن من أدلة تشريع التيمم فلا يحتاج إلى الدليل، واما الصحة مع سعة الوقت ففيها أقوال: قيل بالجواز مطلقا، وقيل بالمنع مطلقا وقيل بالتفصيل، فالجواز مع اليأس عن وجدان الماء وزوال العذر وعدم الجواز مع رجاء زوال العذر، واستدل للاول بقوله تعالى: (وان كنتم مرضى - الخ -) من جهة إطلاق الآية الشريفة، وبأخبار كثيرة منها ما دل على عدم الاعادة لمن صلى ثم وجد الماء فمنها موثقة ابى بصير قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل تيمم وصلى ثم بلغ الماء قبل ان يخرج الوقت؟ قال: (ليس عليه إعادة الصلاة) (2) وصحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام فان


التهذيب ج 1 ص 189 تحت رقم 544 وفي الوسائل أبواب التيمم ب 9 ح 1. (2) الوسائل أبواب التيمم ب 14 ح 11.

[ 185 ]

أصاب الماء وقد صلى بتيمم وهو في وقت؟ قال: (تمت صلاته ولا إعادة عليه) (1) واستدل للمنع بوجوه منها الاخبار، ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (إذا لم تجد ماء وأردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت فان فاتك الماء لم تفتك الارض) (2) وحسنة زرارة عن احدهما عليهما السلام: (إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه، وليتوضأ لما يستقبل) (3) ولا يخفى ان الاخبار المنانعة لا إطلاق لها يشمل صورة اليأس عن وجدان الماء، فان أخذ بظواهرها فلا بد من التقييد بصورة الرجاء، فيدور الامر بين حمل هذه الاخبار على استحباب التأخير أو تقييد الاخبار الدالة على نفى الاعادة فيمن وجد الماء في الوقت من دون استفصال، مع أن الغالب فيمن وجد الماء عدم تحقق اليأس من الاصابة ويمكن أن يقال: ان كان حمل الاخبار الآمرة بالتأخير على الاستحباب اولى من تقييد المطلقات بصورة اليأس بحيث يقدم بنظر العرف، فلا اشكال في جواز البدار، واما مع تساوي فالقائل بلزوم الاحتياط في باب التيمم يشكل عليه تجويز البدار وقد يستدل للمنع من البدار بأن ظاهر الادلة عدم وجدان الماء في تمام الوقت والشاهد عليه أنه لو علم بوجدان الماء آخر الوقت لوجب عليه التأخير ولايجوز له البدار فمع عدم احراز ذلك كيف يجوز التيمم واتيان المشروط بالطهارة ويمكن ان يمنع ذلك بل يكفى عدم الوجدان حال الفعل، غاية الامر انصراف الادلة عن صورة العلم بالوجدان في آخر الوقت، والشاهد على ذلك الاخبار الدالة على نفى الاعادة بعد وجدان الماء مع بعد حملها على خصوص صورة اليأس، هذا مضافا إلى ان هذا الوجه على تقدير تماميته لا ينافي في البدار رجاء فإذا انكشف عدم وجدان الماء إلى آخر الوقت انكشف صحة التيمم. (وهل يجب استيعاب الوجه والذراعين بالمسح فيه روايتان اشهرهما اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين) الاخبار الواردة بظاهرها مختلفة ففي


(1) و (3) الوسائل أبواب التيمم ب 14 ح 9 و 3. (2) الوسائل أبواب التيمم ب 22 ح 1.

[ 186 ]

كثير منها وقع التعبير بمسح الوجه منها صحيحة ابى ايوب الخزاز عن ابى عبد الله عليه السلام الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وفيها: (فوضع يده على الارض ثم رفعها فمسح وجه ثم مسح فوق الكف قليلا) (1) وبمضمونها صحيحة داود بن نعمان وفيها فوضع يديه على الارض ثم رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكف قليلا) (2) وحسنة الكاهلى قال: (سألته عن التيمم؟ فضرب يديه على البساط فمسح بهما وجهه ثم مسح كفيه احداهما على ظهر الاخرى) (3) وموثقة سماعة قال: (سألته كيف التيمم فوضع يده على الارض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين) (4) وهذه الاخبار يستفاد منها استيعاب الوجه من جهة كونها في مقام البيان ولم يحد فيها الوجه بحد مخصوص وفى بعضها التصريح بمسح الذراعين إلى المرفقين، فنقول: اما الذراعان فقد وقع التصريح في بعض هذه الاخبار وغيرها بعدم وجوب مسحهما، واما ما يظهر منها من استيعاب الوجه فمعارض بمثل صححية زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام (5) ألا تخبرني من أين علمت وقلت: ان المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين - وذكر الحديث إلى أن قال -: قال أبو جعفر عليه السلام: ثم فصل بين الكلام فقال: (وامسحوا برؤسكم) فعرفنا حين قال: (برؤسكم) أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم قال: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم، وأيديكم) فلما أن وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبت بعض الغسل مسحا (6) لانه قال: بوجوهكم) وفي جملة من الاخبار البيانية انه عليه السلام مسح جبينه في بعضها بلفظ الافراد وفى بعضها بالتثنية منها ما نقله ابن ادريس (قده) في آخر السرائر من كتاب النوادر عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام حاكيا عن رسول الله صلى الله عليه وآله في قضية عمار فضرب بيديه على الارض ثم ضرب إحداهما


(1) و (2) الوسائل أبواب التيمم ب 11 ح 2 و 4. (3) المصدر ج 1 وفي الكافي ج 3 ص 62 تحت رقم 2. (4) الوسائل أبواب التيمم ب 13 ح 3. (5) التهذيب ج 1 ص 61 تحت رقم 168. (6) في التهذيب (بعوض الغسل مسحا).

[ 187 ]

على الاخرى ثم مسح بجبينيه ثم مسح كفيه كل واحدة على ظهر الاخرى: ومنها موثقة زرارة المروية عن الكافي (1) وموضع من التهذيب (2) من طريق محمد ابن يعقوب قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن التيمم فضرب بيده على الارض ثم رفعها فنفضها ثم مسح بها جبينيه وكفيه مرة واحدة وعن موضع آخر من التهذيب (3) عن المفيد بطريق آخر مثله الا أنه قال: (ثم مسح بهما جبهته) فلا بد من التصرف في تلك الاخبار اما بالحمل على الاستحباب أو رفع اليد عما يظهر منه الاستيعاب بأن يراد مسح الوجه في الجملة، نعم في خصوص ما دل على مسح الذراع لو لم يحمل على الاستحباب لابد من الحمل على التقية خصوصا بعد إعراض الاصحاب عن العمل الا ما يظهر من علي بن بابويه (قده) من القول باستيعاب مسح الوجه والذراعين، وهل المعتبر مسح الجبينين مع ما بينهما من الجبهة أو خصوص الجبينين أو خصوص الجبهة، ولا يخفى انه لولا اشتهار وجوب المسح على الجبهة بل ادعى عليه الاجماع بل الضرورة لكان القول بالاكتفاء بمسح الجبينين متعينا، لكنه لم يقل به احد، كما أن الاكتفاء بخصوص الجبهة مع ملاحظة الاخبار غير ممكن، وما نسب إلى المشهور من الاكتفاء بخصوص الجبهة لابد من إرجاعه إلى ما ذكر مع اعتمادهم بالاخبار المذكورة هذا مضافا إلى اقتضاء الاحتياط الذى لا يبعد لزومه في خصوص باب التيمم، ومن هذه الجهة لا يبعد لزوم مسح الحاجبين ايضا لاحتمال دخولهما في الجبهة والجبينين. واما تحديد الممسوح من اليدين فالمعروف بين الاصحاب اختصاصه بظاهر الكفين من الزند، والاخبار المذكورة دالة عليه، وما يظهر مما ارسله في الفقه الرضوي (4) من كون المسح من اصل الاصابع، ومن مرسلة حماد ابن عيسى عن ابى عبد الله عليه السلام انه سئل عن التيمم؟ فتلا هذه الآية: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقال: (اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) قال:


(1) المصدر ج 3 ص 61 تحت رقم 1. (2) المصدر ج 1 ص 211 تحت رقم 613. (3) المصدر ج 1 ص 209 تحت رقم 601. (4) المستدرك ج 1 ص 158 باب حد يمسح من التيمم ب 11.

[ 188 ]

(فامسح على كفيك من حيث موضع القطع) وقال: (وما كان ربك نسيا) فبعد إعراض المشهور مع ما في سندهما من الضعف لا يعمل به في قبال ما ذكر من الاخبار. (وفى عدد الضربات اقوال أجودها للوضوء ضربة والغسل اثنتان، وقيل بلزوم الضربتين للوضوء والغسل، وقيل بكفاية ضربة واحدة لهما) اما القول بكفايه ضربة واحدة مطلقا فيدل عليه الاخبار المتقدمة مع كونها في مقام البيان، وحجة القول باللزوم مطلقا اخبار، منها صحيحة إسماعيل بن همام الكندى عن الرضا عليه السلام قال: (التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين) (1) ومنها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له كيف التيمم؟ فقال: (هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة تضرب بيدك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه ومرة لليدين ومتى اصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا والوضوء ان لم تكن جنبا) (2). حجة المفصلين الجمع بين الاخبار بحمل الطائفة الاولى على ما كان بدلا على الوضوء والثانية على ما كان بدلا عن الغسل بقرينة الشهرة ونقل الاجماع. ولا يخفى انه لا شاهد لهذا الجمع، وحمل الاخبار الاول على الاهمال في غاية البعد، وعلى تقديره لابد من القول بلزوم الضربتين في بدل الوضوء و الغسل، فالاوجه حمل هذه الاخبار على الاستحباب، والقول بكفاية ضربة واحدة مطلقا إلا أن يخاف من مخالفة الشهرة واحتمال أن يكون لهم مدرك لم يصل إلينا بحيث لو وصل الينا لكان اللازم الاخذ به. (والواجب فيه النية واستدامة حكمها) و الدليل على اعتبارهما ما دل في الوضوء والغسل، وقد ذكر مفصلا سابقا حقيقة، النية واستدامتها الا انه فرق التيمم بأنه صرح غير واحد بعدم جواز نية رفع الحدث في التيمم من جهة انه غير رافع للحدث، الا ترى انه ينتقض بوجدان الماء مع ان وجدان الماء ليس من نواقض الطهارة فلا يجوز فيه الا نية الاستباحة بالنسبة إلى الغايات المشروطة بالطهارة، وقد يرد على هذا بأنا نسلم انتقاض التيمم برفع العذر، ونسلم ايضا أن التمكن من استعمال الماء ليس بحدث إلا أنه من الواضح


(1) و (2) الوسائل أبواب التيمم ب 12 ح 3 و 4.

[ 189 ]

أن الشارع نزل التيممم منزلة الماء في إفادته للطهور ولم يهمل شرطية الطهور للمشروط فان أرادوا بقولهم: ان التيمم مبيح للصلاة مثلا ليس برافع أو ليس بطهور ما يؤول إلى ارتكاب التخصيص فيما يدل على أنه لا صلاة الا بطهور ففاسد جدا، وان أرادوا ما لا ينافي شرطية الطهور وان لم يسموه بالطهارة بأن التزموا بتعميم الشرط على وجه يعم اثر التيمم بدون ارتكاب التخصيص فلا مشاحة فيه، والجواب عن ناقضية وجدان الماء بأنه لا منافاة بين الامرين فان التيمم طهور للعاجز بوصف كونه عاجزا فإذا زال الوصف انتفى الحكم بانتفاء موضوعه لا بوجود المزيل والحاصل ان المستفاد من الآية الشريفة حيث قال تعالى بعد الامر بالتيمم: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهر كم) وقول النبي صلى الله عليه وآله: (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) (1) وغيرهما من الاخبار كون التيمم مثل الوضوء والغسل موجبا للطهارة والشبهة مدفوعة بما ذكر، ويمكن ان يقال كما أن الوضوء والغسل موجبان لطهارة المكلف أو هما طهارة المكلف من دون اعتبار وصف كذلك التيمم، بناء على ما يستفاد من هذه الادلة، فاخذ الوصف في الموضوع خلاف الظاهر، ونعلم ايضا بعدم كون التمكن من استعمال الماء من النواقص الذي يزيل الطهارة، فلا بد من احد التصرفين اما اخذ الوصف في الموضوع كما افيد أو الالتزام بكون التيمم بمنزلة الطهور حكما لا حقيقة نظير ما يلتزمه به القائل بالكشف الحكمي والنقل الحقيقي من الملكية الحكمية، وهذا ليس بطهارة حقيقة ولا ترجيح في البين وعلى كلا التقديرين لا يلزم تخصيص في مثل (لا صلاة الا بطهور) ولا يبعد جريان حديث الرفع فيما لو شك في مدخلية شئ شرطا أو جرءا في التيمم، وهذا بخلاف ما لو قلنا بالتخصيص فانه تؤخذ بالقدر المتيقن من المخصص ويؤخذ بالعام في مورد الشك فلا مجال للتمسك بمثل حديث الرفع الا ان يقال بناء على كون الطهارة تنزيلية أيضا يرد التخصيص لبا في العام، و هذا كما إذا دار الدليل الحاكم بين الاقل والاكثر بحسب المفهوم فالمتبع الدليل


(1) المستدرك ج 1 ص 156 وقد تقدم

[ 190 ]

المحكوم عليه في محل الشك لعدم حجية الحاكم في محل الشك والحكومة لا يقتضي التقدم على ازيد من المقدار المتيقن. (والترتيب، يبدء بمسح الجبهة ثم بظاهر اليمنى ثم بظاهر اليسرى) أما وجوب تقديم الجبهة على مسح الكفين كتقديم ضرب اليدين على الارض على مسح الجبهة فمما لا شبهة فيه وادعى عليه الاجماع، واستدل عليه بجميع الادلة الواردة في بيان كيفية التيمم، واما استفادة الترتيب بين مسح الكفين فهي مشكلة من الاخبار، وربما يستدل بالفقه الرضوي (1): (صفة التيمم ان تضرب بيديك على الارض ثم تمسح بهما وجهك موضع السجود من مقام الشعر إلى طرف الانف ثم تضرب اخرى فتمسح بهما (اليمنى) إلى حد الزند، وروي من اصول الاصابع تمسح باليسرى اليمنى، وباليمنى اليسرى على هذه الصفة، وروي إذا أردت التيمم اضرب كفيك على الارض ضربة واحدة ثم تضع احدى يديك على الاخرى، ثم تمسح بأطراف اصابعك وجهك من فوق حاجبيك وبقي ما بقي، ثم تضع أصابعك اليسرى على أصابعك اليمنى من أصل الاصابع من فوق الكف ثم تمرها على مقدمها على ظهر الكف ثم تضع اصابعك اليمنى على اصابعك اليسرى فتصنع بيدك اليمنى ما صنعت بيدك اليسرى على اليمنى مرة واحدة) ولا يبعد انجبار مثل هذه الرواية بفتوى الاصحاب واجماعهم وان كان فيه تأمل لانه لم يحرز اتكالهم بها هذا مضافا إلى ما هو قضية الاحتياط في خصوص باب التيمم فتأمل. (الرابع في احكامه وهو ثمانية الاول لا يعيد ما صلى بتيممه ولو تعمد الجنابة لم يجز التيمم ما لم يخف التلف فان خشي فتيمم وصلى ففي الاعادة تردد، اشبهه انه لا يعيد وكذا من احدث في الجامع ومنعه الزحام يوم الجمعة تيمم وصلى ففي الاعادة قولان) اما عدم وجوب اعادة ما صلى بتيممه فيدل عليه اخبار كثيرة منها صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام فان اصاب الماء وقد صلى بتيمم وهو في وقت؟ قال: (تمت صلاته ولا اعادة عليه) (2) هذا مضافا إلى


(1) المستدرك ج 1 ص 157 باب كيفية التيمم. (2) الوسائل أبواب التيمم ب 21 ح 9.

[ 191 ]

ما بين في الاصول من اقتضاء الاوامر الاضطرارية الاجزاء، واما صورة تعمد الجنابة فمع خوف التلف لا إشكال في مشروعية التيمم، ومقتضى الاخبار الدالة على الاجزاء عدم الاعادة، نعم ظاهر رواية جعفر بن بشير عمن رواه عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل اصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف إن اغتسل؟ قال: (يتيمم ويصلى فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد الصلاة) (1) وهذه الرواية كما ترى اعم من صورة التعمد فيتعين ان تحمل على الاستحباب واما الحكم بعدم جواز التيمم ما لم يخف التلف فبواسطة اخبار يظهر منها تعين الغسل ولو خاف التلف، ويرد على هذا الاستدلال انه كيف يعمل بظواهرها في قبال قاعدة نفى الحرج والضرر، وكيف يحمل الاخبار المطلقة الدالة على كفاية التيمم للمجنب على صورة عدم العمد، وقد سبق الكلام فيه ألا ترى قول النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر حين جامع امرأته على غير ماء: (يا أبا ذر يكفيك الماء عشر سنين) (2) وأما من منعه الزحام يوم الجمعة من الخروج فيدل على مشروعية تيممه واعادة الصلاة موثقة سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام عن ابيه عن علي عليهما السلام أنه سئل عن الرجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فأحدث أو ذكر انه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج من كثرة الزحام؟ قال: (يتيمم ويصلي معهم ويعيد إذا هو انصرف) (3) ونظيرها خبر السكوني (4) فان قلنا بعدم صحة هذه الصلاة من جهة ظهور أنها صلاة الجمعة مع الجمهور أو الاقتداء بهم في يوم عرفة فالاعادة على القاعدة وا قلنا بالصحة والاكتفاء بها عن الصلاة الواجبة فالاقرب حمل الروايتين على استحباب الاعادة لادلة كفاية التيمم وقد سبق الكلام في مسوغات التيمم واستبعاد كفاية مثل هذه الاعذار لجواز التيمم. (الثاني يجب على من فقد الماء الطلب في الحزنة غلوة سهم وفى السلهلة غلوة


(1) الوسائل أبواب التيمم ب 14 ح 6 (2) الوسائل أبواب التيمم ب 14 ح 12 وفيه (بكفيك الصعيد عشر سنين). (3) الوسائل أبواب التيمم ب 15 ح 1 و 2.

[ 192 ]

سهمين فان اخل بالطلب فتيمم وصلى ثم وجد الماء تطهر واعاد) قد سبق الكلام فيه مفصلا في أوائل المبحث وبقي الكلام في صورة الاخلال بالطلب، فان قلنا بلزوم الجزم بكون العمل مقربا في صحة العبادة فالتيمم باطل والصلاة باطلة وان صادف عدم وجود الماء، وان قلنا بكفاية ان يؤتى بالعمل برجاء المقربية فالصحة دائرة مدار عدم الوجدان واقعا ومع الوجدان يكون العمل باطلا، لان الظاهر أن وجوب الطلب طريقي، والظاهر ان المدار الوجود والعدم في الحدود التي يجب الطلب فيها لا الوجود والعدم خارج الحدود ولعل إطلاق المتن منزل على ما ذكر. (الثالث لو وجد الماء قبل شروعه تطهر ولو كان بعد فراغه فلا إعادة، ولو كان في اثناء الصلاة فقولان اصحهما البناء ولو على تكبيرة الاحرام) أما انتقاض التيمم قبل الشروع فلاخلاف فيه والا إشكال ويستفاد ايضا من الاخبار الآتية، وأما الوجدان بعد الفراغ فلا يوجب الاعادة للاخبار الصريحة، وقد مر ذكر بعضها في مسألة جواز البدار لاولى الاعذار، وأما الوجدان في أثناء الصلاة فقيل معه يرجع المصلى ما لم يركع، وقيل مضى ولو تلبس بتكبيرة الاحرام حسب، ويدل على القول الاول صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في حديث قال: قلت: ان أصاب الماء وقد دخل في الصلاة؟ قال: (فلينصرف فليتوضأ ما لم يركع فان [ وإن خ ل ] كان قد ركع فليمض في صلاته فان التيمم احد الطهورين) (1) وخبر عبد الله بن عاصم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقوم في الصلاة فجاء الغلام فقال: هو ذا الماء؟ فقال: ان كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ وان كان قد ركع فليمض في صلاته) (2) ويدل على الثاني صحيحة زرارة عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلى ركعتين ثم اصاب الماء اينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثم يصلي؟ قال: (لا


(1) و (2) الوسائل أبواب التيمم ب 21 ح 1 و 2

[ 193 ]

ولكنه يمضي في صلاته ولا ينقضها لمكان أنه دخلها وهو على طهر بتيمم) (1) وخبر محمد بن حمران عن أبى عبد الله عليه السلام قال له: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة؟ قال: (يمضي في الصلاة، واعلم انه ليس ينبغي لاحد أن يتيمم إلا في آخر الوقت) (2) ولعل الاظهر جواز البناء مطلقا لمكان التعليل وترك الاستفصال ولا ينافى رجحان الانصراف واستقبال الصلاة مع الطهارة المائية. (الرابع لو تيمم المجنب ثم احدث ما يوجب الوضوء أعاد بدلا من الغسل) هذا هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا ولم ينقل الخلاف الا من السيد وبعض متأخرى المتأخرين واستدل عليه بأن التيمم لا يرفع الحدث بل يستباح به الصلاة فالجنابة باقية والاستباحة قد زالت بالحدث الاصغر، والذى يجب على الجنب هو الغسل فما دام العجز يأتي ببدله، ولا يخفى ما فيهذا الاستدلال، فان الادلة الدالة على أن التيمم احد الطهورين وأنه بمنزلة الغسل فيما هو بدل له وبمنزلة الوضوء فيما هو بدل له توجب ثبوت أحكام المبدل منه للبدل، فمن أحكام الغسل أنه لا وضوء معه، اما في خصوص غسل الجنابة أو مطلقا ما لم يحدث بالحدث الاصغر، ومع الحدث يأتي بالوضوء من دون إعادة الغسل، فالاستباحة الحيثية ما زالت، كما ان الطهارة الحيثية من جهة الغسل باقية بعد الحدث الاصغر، لا ينافى الاحتياج إلى الوضوء، فظهر أنه لا فرق بين القول بحصول الطهارة الحقيقة بالتيمم - غاية لامر بالنسبة إلى المكلف العاجز - والقول بالطهارة الحكمية والقول بثبوت الاستباحة من دون طهارة حقيقية أو حكمية. واستدل عليه أيضا ببعض الاخبار، ولا يخفى على من لاحظها عدم دلالتها فالعمدة الشهرة ومع الوثوق بمستند المشهور كيف يؤخذ به وعلى تقدير لزوم الاحتياط لابد من التيممين احدهما بدل الغسل والآخر بدل الوضوء أو الاتيان بنفس الوضوء وكيف يقتصر بتيمم بدل الغسل كما ربما يظهر من المتن الا ان يراد لزوم الاعادة، والاعادة


(1) و (2) الوسائل أبواب التيمم ب 21 ح 4 و 3.

[ 194 ]

لا تطلق على الثاني. (الخامس لا ينقض التيمم الا ما ينقض الطهارة المائية ووجود الماء مع التمكن من استعماله) اما انتقاضه بما ينقض الهارة المائية فواضح لكون النواقض مستلزمة للغسل والوضوء مع التمكن وللتيمم مع العجز وأما الانتقاض بوجود الماء مع التمكن من الاستعمال فقد عرفته مفصلا، وأما عدم الانتقاض بغير ما ذكر فلعدم دليل عليه، وعموم المنزلة يقتضي العدم، وقد حكي عن بعض الجمهور القول بانتقاض التيمم بخروج الوقت وعن الشافعي القول باختصاص اثر التيمم لصلاة واحدة، وقد اجمع اصحابنا على أنه لا ينقض بخروج الوقت ما لم يحدث أو لم يجد الماء وروى حماد بن عثمان في الصحيح قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء يتيمم لكل صلاة؟ فقال عليه السلام: (لا، هو بمنزلة الماء) (1). (السادس يجوز التيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء ندبا) مع التمكن من استعمال الماء، واحتج عليه بموثقة سماعة المضمرة قال: سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال: (يضرب بيده على الحائط اللبن يتيمم) (2) وقيد بخوف فوت الصلاة والدليل على مشروعيته عند خوف فوت الصلاة مع الطهارة ايضا حسنة الحلبي أو صحيحته سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل تدركه الجنازة وهو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة عليها؟ قال: يتيمم ويصلي) (3). (السابع إذا اجتمع ميت ومحدث وجنب وهناك ماء يكفي احدهم يتيمم المحدث وهل يختص به الميت أو الجنب فيه روايتان أشهرهما انه يختص به الجنب) يدل على الاختصاص صحيحة عبد الرحمن بن ابى نجران سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن ثلاثة نفر كانوا في سفر احدهم جنب والثاني ميت


(1) الوسائل أبواب التيمم ب 23 ح 2. (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الجنازة ب 21 ح 5 و 6.

[ 195 ]

والثالث على غير وضوء وحضرت الصلاة ومعهم من الماء قدر ما يكفى احدهم من يأخذ من الماء وكيف يصنعون؟ قال: (يغتسل الجنب ويدفن الميت بتيمم ويتيمم الذى هو على غير وضوء، لان غسل الجنابة فريضة وغسل الميت سنة والتيمم للآخر جائز) (1) وفى قبالها ما رواه محمد بن علي عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الميت والجنب يتفقان في مكان لا يكون فيه الماء الا بقدر ما يكتفى به احدهما ايهما اولى ان يجعل الماء له؟ قال: يتيمم الجنب ويغتسل الميت بالماء) (2) والمشهور الاختصاص بالجنب على الاولوية والاستحباب، لان الماء اما ان يكون ملكا لهم بالاشتراك أو مختصا باحدهم أو مباحا يجوز لكل المبادرة إلى حيازته وعلى كل تقدير لا يجب على احد رفع اليد عن حقه المختص والمشترك ولا يحرم عليه المبادرة إلى الحيازة، ويمكن ان يقال: لعل المراد من الرواية انه مع عدم إباء الشركاء أو المالك كما هو المفروض على تقدير الشركة أو الاختصاص يتعين على الجنب صرفه ولايجوز له البذل، وهذا لا يوجب على احد رفع اليد عن حقه المختص أو المشترك أو عدم جواز المبادرة حتى يستنكر ويرفع اليد عن الظاهر. (الثامن روي فيمن صلى بتيمم وأحدث في الصلاة ووجد الماء قطع وتطهر واتم ونزله الشيخان على النسيان) لعل الكلام فيه يأتي في كتاب الصلاة - ان شاء الله تعالى -. (الركن الرابع في النجاسات والنظر في اعدادها واحكامها وهي عشرة ا لبول والغائط مما لا يؤكل لحمه) لا شبهة في نجاسة البول والغائط مما لا يؤكل لحمه مع كون الحيوان ذا نفس سائلة بل عدت النجاسة من الضروريات فلا حاجة إلى ذكر الادلة، وإنما الاشكال والخلاف في مقامين احدهما في خرء غير المأكول من الطير وبوله، وقد نسب إلى المشهور القول بنجاستهما وعن بعض دعوى الاجماع عليه وحكي عن الصدوق والعماني والجعفى القول بطهارتهما، وعن الشيخ في


(1) و (2) الوسائل أبواب التيمم ب 18 ح 1 و 5.

[ 196 ]

المبسوط موافقتهم الا انه استثنى الخشاف، وعن العلامة في المنتهى وشارح الدروس وغيرهم متابعتهم، حجة القول بالطهارة مطلقا بعد الاصل وعموم: (كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر) خصوص موثقة ابى بصير بل مصححته عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (كل شى يطير فلا بأس ببوله وخرئه) (1) واستدل للمشهور بحسنة عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (اغسل ثوبك بن أبوال ما لا يؤكل لحمه) (2) وفى رواية اخرى عنه: (اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل لحمه) ولا تعرض في الروايتين للخرء، لكن الظاهر عدم الفصل بين البول والخرء، و بمفهوم موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه ولكن كره أكله لانه استجار بك وآوى إلى منزلك وكل طير يستجير بك فأجره) (3) حيث علل الطهارة بأكل اللحكم لا بالطيران، والذى يمكن أن يقال: ان موثقة ابى بصير اقوى بحسب الدلالة وغير قابلة للتخصيص بالمأكول اللحم من الطير لعدم فائدة في ذكر خصوص الطير، وهذا بخلاف الحسنة وموثقة عمار حيث ان الامر بالغسل يجتمع مع عدم النجاسة في بعض الافراد، كأوامر النزح في ماء البئر كما أن التعليل بمأكولية اللحم لا ينافي مع علية الطيران أيضا، مضافا إلى أن ثبوت البأس مع عدم المأكولية يتجمع مع الكراهة كالاشياء التي يجتنب عنها لا للنجاسة، لكن عدم اخذ المشهور بالموثقة مع اعتبارها بحسب السند واقوائية ظهورها موهن قوي، ومعه كيف يجوز الاخذ بالموثقة والحكم بالطهارة هذا في غير الخشاف واما الخشاف فقد يقال بأن المتعين نجاسة بوله لرواية داود الرقى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطللبه فلا أجده؟ فقال: (اغسل ثوبك) وهذه الرواية


(1) الوسائل أبواب النجاسات والاوانى والجلود ب 8 ح 3. (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 10 ح 1. (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 9 ح 21 نقلا عن المختلف للعلامة - رحمه الله -. (4) الوسائل أبواب النجاسات ب 10 ح 4.

[ 197 ]

مستند الشيخ (قده) في استثنائه الخشاف في المبسوط على ما حكي عنه، ويعارضه ما رواه غياث عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: (لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف) (1) والروايتان ضعيفتان بحسب السند إلا انه اعتمد الشيخ (قده) في المبسوط على الاولى، فان انجبر ضعفها بعمل مثل الشيخ (قده) فهي مخصصة لموثقة ابى بصير كما التزم به الشيخ، فعلى القول بالطهارة في بول الطير وخرئه يخصص بغير بول الخشاف الا ان يقال لم يحرز البول لغير الخشاف، فتخصيص الموثقة مساوق لطرحها فيكون رواية داود معارضة للموثقة لا مخصصة. الثاني بول الرضيع والمشهور بين الاصحاب نجاسة بول الانسان من غير فرق بين الصغير والكبير، وحكي عن ابن جنيد القول بعدم نجاسة بول غير البالغ الصبى الذكر، واستدل له بما رواه السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السلام انه قال: (لبن الجارية بولها يغسل منه الثوب قبل ان يطعم لان لبنها يخرج من مثانة امها ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين) (2) ورواية اخرى نقلت في البحار) (3) والروايتان مع ضعف سندهما وشذوذهما معارضتان بصحيحة الحلبي أو حسنته قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبى؟ قال: (تصب عليه الماء فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا والغلام والجارية في ذلك شرع سواء) (4). (والمنى والميتة مما له نفس سائلة) أما نجاسة المني مما له نفس سائلة فادعي عليها الاجماع ويستفاد من جزم الفقهاء (قده) كون المسألة من المسلمات


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 10 ح 5. (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 3 ح 4. (3) في المجلد الثامن عشر نقلا عن كتاب نوادر الراوندي باسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال على عليه السلام: (بال الحسن والحسين عليهما السلام على ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ان يطعما؟ فلم يغسل بولهما من ثوبه). ونقله المحدث النوري في المستدرك ج 1 ص 160. (4) الوسائل أبواب النجاسات ب 3 ح 2.

[ 198 ]

ومع قطع النظر عن الاجماع يشكل استفادة الحكم بالنسبة إلى غير منى الانسان من الاخبار، فان أوضح ما يمكن الاستدل به للعموم صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ذكر المنى وشدده وجعله اشد من البول، ثم قال: (ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة وان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك وكذلك البول) (1) ولا يخفى عدم الاطلاق لو لم يدعى الانصارف إلا ان يقال: مجرد عدم الابتلاء بالنسبة إلى بعض افراد موضوع لا يوجب رفع اليد عن إطلاق المطلق، الا ترى أن بعض افراد الدم من الحيوانات خارج عن محل الابتلاء ولا نشك في نجاستها واما نجاسة الميتة من ذى النفس السائلة فيدل عليها - مضافا إلى الاخبار الواردة في الموارد بحيث يقطع بعدم خصوصية لتلك الموارد بل من جهة كونها مصاديق للكلي كالاخبار الكثيرة الواردة في ماء البئر والاخبار الواردة في الماء القليل الذى مات فيه شئ من الحيوانات من ذى النفس أو غيره والاخبار الواردة في السمن والزيت وغير ذلك مما وجد فيه فارة ميتة أو غيرها، وإلى مسلمية النجاسة بقول مطلق في كل عصر كعصرنا - اخبار مطلقة أو عامة منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن آنية اهل الذمة؟ فقال: (لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير) (2) ومنها صحيحة جرير عن ابى عبد الله عليه السلام أنه قال: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ ولا تشرب) (3) ومنها رواية جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: أتاه رجل فقال له: (وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: لا تأكله، فقال له الرجل: الفارة اهون علي من أن اترك طعامي من أجلها؟ قال: فقال له أبو جعفر عليه السلام: إنك لم تستخف بالفارة انما


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 16 ح 2. (2) الوسائل كتاب الاطعمة المحرمة ب 52 ح 6. (3) الكافي ج 3 ص 4 تحت رقم 3.

[ 199 ]

استخففت بدينك ان الله حرم الميتة من كل شئ) (1) ولا بد ان يراد من التحريم التحريم الخاص الناشي من النجاسة حتى يستقيم التعليل، وبالجملة بعد ملاحظة الاخبار الخاصة والعامة والتسليم بين الاصحاب لا مجال للتشكيك في الحكم وان وقع من بعض بدعوى ان المستند الاجماع، والصدوق (قده) مخالف، واما بعض الاخبار الدالة على عدم البأس كما يدل على الطارة بالدبغ فقد اعرض الاصحاب عن العمل بها، بل عن شرح المفاتيح ان عدم حصول الطهارة بالدبغ من ضروريات المذهب كحرمة القياس. (وكذا الدم) نجاسة الدم في الجملة من المسلمات بل عد من ضروريات الدين، ولكن لا ينجس منه الا ما كان من حيوان لاعرق بأن كان ذا نفس سائلة الا ما سيجئ، ولا خلاف فيه إلا ما وقع الخلاف فيه من جهة القلة والكثرة، والاخبار الدالة على نجاسة الدم فوق حد الاحصاء الا أن جلها وردت في موارد خاصة لعله يشكل الاستدلال بها على نجاسة عموم الدم، وقد يستدل بالآية الشريفة: (الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس) وفى دلالتها تأمل، ويظهر من كلمات جماعة اختصاص الحكم بالدم المسفوح وهو ما انصب من العرق، فعن المنتهى أنه استدل على طهارة دم ما ليس له نفس سائلة بأنه ليس بمسفوح، والحق به الدم المتخلف في اللحم المذكي إذا لم يقذفه الحيوان لانه ليس بمسفوح، ثم استدل في خصوص دم السمك كالمحقق في المعتبر بأنه لو كان نجسا لتوقف إباحة أكله على سفحه كالحيوان البري ولعل مرادهم من المسفوح ما من شأنه ان يكون مسفوحا وإلا فمن المسلم نجاسة دم الاسنان، والخارج بواسطة حكة الجلد وان كان هذا التوجيه لا يلائم مع الاحتراز عن الدم المتخلف في الذبيحة، لانه ايضا من شأنه أن يخرج من العرق، ويظهر من الاخبار الكثيرة الواردة في الموارد الخاصة أن الحكم بالنجاسة ليس من جهة خصوصية المورد بل لنجاسة مطلق، وهذا كالاستظهار من الاخبار الخاصة نجاسة مطلق الميتة، فلا مجال للاشكال بعدم وجود دليل على نجاسة


(1) الاستبصار ج 1 ص 24 تحت رقم 6.

[ 200 ]

مطلق الدم، هذا مضاف إلى إطلاق معاقد الاجماعات المحكية، ثم انه استثنى الدم المتخلف في الذبيحة والظاهر عدم الخلاف، ويشهد للطهارة معاملة المسلمين مع اللحوم معاملة الطهارة مع عدم انفكاكها غالبا عن مقدار من الدم بحيث يتلون الماء بعد إلقاء اللحم فيه، ولا مجال للتشكيك بأنه يمكن أن يكون الدم طاهر اما لم يظهر ومع الظهور يكون نجسا نظير التراب في مثل الحنطة فان التراب المستهلك في الحنطة يجوز أكله حال كونه مستهلكا في الخبر ونحوه وبعد التخليص يحرم أكله، وذلك لان الدم قليله وكثيره نجس واللحوم لا ينفك غالبا عن ظهور دم قليل فيه ولو كان نجسا ينجس ملاقيه، نعم هذا في المتخلف في ذبيحة ما يؤكل لحمه واما ذبيحة ما لا يؤكل لحمه فلا، لدعم الدليل بعد مسلمية نجاسة كل دم. (والكلب والخنزير والكافر وكل مسكر والفقاع) أما نجاسة الكلب والخنزير فادعى غير واحد الاجماع عليه، ويدل على نجاسة الكلب النصوص، منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل؟ قال: (يغسل مكان الذى اصابه) (1) ورواية معاوية بن شريح عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث (انه سئل عن سؤر الكلب يشرب منه أو يتوضأ؟ قال: لا، قلت: أليس هو سبع؟ قال: لا إنه نجس، لا والله إنه نجس، لا والله إنه نجس) (2). وعلى نجاسة الخنزير نصوص منها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: (إن كان دخل في صلاته فليمض وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصابه به ثوبته إلا أن يكون فيه أثر فيغسله قال: وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات) (3) وفى بعض الاخبار مما ظاهره المنافاة لما ذكر من نجاسة الكلب والخنزير، فالمتعين تأويله ورد علمه إلى اهله.


(1) و (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 12 ح 4 و 6. (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 13 ح 1.

[ 201 ]

وأما الكافر فالمشهور نجاسته بجميع أصنافه بل لم يعرف الخلاف في غير الكتابي منه من احد، وقد تواتر نقل الاجماع في غير الكتابى وأما الكتابي فالمشهور نجاسته، ولكنه حكي عن ابن الجنيد وهر العماني ونهاية الشيخ القول بالطهارة وتبعهم جماعة من متأخرى المتأخرين، واستدل للنجاسة مطلقا بقوله تعالى: (انما المشركون نجس) ونوقش بعدم صدق المشرك على نحو الحقيقة على جميع أصناف الكافر، وعدم إحراز المراد من النجس فان معناه العرفي وان كان هو القذر لكنه ليس كل قذر يجب الاجتناب عنه كما يجب الاجتناب عن النجاسات عند المتشرعة فان القذارة المعنوية الحاصلة بالحيض ونحو قذارة وليست موجبة للاجتناب فلعل الشرك قذارة معنوية اشد من سائر القذارات من دون أن يترتب عليها آثار النجس بالمعنى المعروف عند المتشرعة على المتصف به، هذا مع أن المتبادر من الآية مشركوا اهل مكة كما يهشد به القرائن. واستدل أيضا بالاخبار التي استدل بها على نجاسة اهل الكتاب فانها تدل على نجاسة سائر الكفار بالاولوية القطعية، ونوقش في هذا الاستدلال بعدم الاولوية في خصوص الكفار المنتحلين للاسلام، واستدل لنجاسة اهل الكتاب بأخبار منها موثقة سعيد الاعرج انه سئل أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني أيؤكل أو يشرب؟ قال: لا) (1) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهم السلام قال: (سألته عن رجل صافح مجوسيا؟ قال: يغسل يده ولا يتوضأ) (2) ومنها رواية ابى بصير عن أبى جعفر عليه السلام في مصافحة المسلم لليهودي والنصراني؟ قال: (من وراء الثياب فان صافحك بيده فاغسل يدك) (3) وروايات صحاح وغير صحاح لكن غالبها يمكن فيه الخدشة من جهة الدلالة بل بعضها في خلاف المطلوب ظاهر وفى قبالها أخبار اخر يظهر منها الطهارة بل لعلها صريحة في الطهارة الذاتية، وعلى فرض ظهور هذه الروايات في النجاسة الذاتية يجمع بينهما برفع اليد عن


(1) الوسائل ابواب الاسئار ب 3 ح 1. (2) و (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 14 ح 3 و 5.

[ 202 ]

الظهور. لصراحة تلك الاخبار في الطهارة الذاتية، لكن الظاهر اعراض الاصحاب عن العمل بالاخبار الدالة على الطهارة، فلا محيص من القول بالنجاسة. واما المسكر: والمراد منه المسكر الذى يكون مايعا بالاصالة فالمشهور نجاسته وعن جماعة القول بالطهارة، واستدل للطهارة بأخبار منها صحيحة ابن أبى سارة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن أصاب ثوبي شئ من الخمر اصلي فيه قبل أن أغسله؟ قال: لا بأس إن الثوب لا يسكر) (1) ومنها موثقة ابن بكير قال: (سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب؟ قال: لا بأس) (2) ومنها صحيحة علي بن رئاب المروية عن قرب الاسناد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي فأغسله أو اصلي فيه؟ قال: صل فيه إلا ان تقذره فتغسل منه موضع الاثر إن الله - تبارك وتعالى - انما حرم شربها) (3) وغيرها من الروايات واستدل للمشهور ايضا بأخبار كثيرة منها موثقة عمار بن موسى الساباطى عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء أو كامخ أو زيتون؟ قال: (إذا غسل فلا بأس - الحديث -) (4) ومنها صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في الاناء يشرب فيه النبيذ؟ فقال: (تغسله سبع مرات) (5) وموثقته الاخرى عن دواء يعجن بالخمر؟ فقال: (لا والله ما احب ان أنظر إليه فكيف أتداوي به إنه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير) (6) ومنها موثقة عمار أيضا عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر واغسله ان عرفت موضعه فان لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كله فان صليت فيه فأعد صلاتك) (7) مضافا إلى الشهرة العظيمة وقد حمل


(1) و (2) و (3) الوسائل ابواب النجاسات ب 38 ح 10 و 11 و 14. (4) الوسائل أبواب النجاسات ب 51 ح 1. (5) الوسائل كتاب الاشربة أبواب الاشربة المحرمة ب 30 ح 2. (6) الوسائل أبواب الاشربة المحرمة ب 20 ح 4. (7) الوسائل أبواب النجاسات ب 38 ح 7.

[ 203 ]

الاخبار الدالة على الطهارة على التقية ونوقش في هذا بأن المشهور بين العامة على ما حكي النجاسة، فكيف يمكن أن تحمل الاخبار الدالة على الطهارة على التقية، وقد يقدم الاخبار الدالة على النجاسة لصحيحة علي بن مهزيار بالاسناد عن سهل ابن زياد قال: قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى ابى الحسن عليه السلام: جعلت فداك روى زرارة عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام في الخمر يصيب ثوب الرجل؟ انهما قالا: لا بأس بأن يصلى فيه انما حرم شربها وروى غير زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعنى المسكر - فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله وان صليت فيه فاعد صلاتك، فاعلمني ما آخذ به؟ فوقع بخطه عليه السلام وقرأته (خذ بقول ابى عبد الله عليه السلام) (1) فان ظاهرها تعين الاخذ بقول أبى عبد الله عليه السلام المنفرد فهو المتبع، ولا يعارضها اخبار الطهارة لحكومتها عليها ويمكن أن يقال: ليست هذه الصحيحة متعرضة لترجيح احد الخبرين على الآخر بل لترجيح احد القولين بعد الفراع عن انهما مقولا الامامين ولا ينافى هذا حجيتهما فهذا نظير ان يقال: كان طريقة رسول الله صلى الله عليه وآله كذا وطريقة أمير المؤمنين عليه السلام كذا أي الطريقين أتبع؟ فيقال اتبع طريقة رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى فرض كون الصحيحة في مقام الترجيح يعارضها الاخبار الدالة على التخيير عند تعارض الخبرين فيدور الامر بين تخصيصها وبين حمل هذه الصحيحة على استحباب الترجيح وقد حمل بعض الاكابر الاخبار المرجحة على الاستحباب صونا لاطلاقات التخيير عن تخصيص الاكثر، فبعد إباء أخبار الطرفين عن الجمع العرفي واحتمال صدور كل من الطرفين على وجه التقية وعدم إحراز إعراض المشهور من جهة قوة احتمال اخذهم باحدى الطائفتين تخييرا أو ترجيحا بجهة لا نراها مرجحا يشكل الاخذ باحدى الطائفتين تعيينا، ومع ذلك لا يجترى على مخالفة المشهور مع موافقته للاحتياط.


(1) جامع أحاديث الشيعة ص 33 ب 7 تحت رقم 2 من التهذيب والاستبصار والكافي.

[ 204 ]

وأما الفقاع فعلى القول بطهارة الخمر لا مجال لاحتمال نجاسته بالخصوص وعلى القول بنجاسة الخمر فالظاهر عدم الخلاف بين القائلين في نجاسته، واستدل عليها بأخبار حكم فيها بأنه خمر منها ما رواه الكليني (1) (قده) بسنده عن الوشاء قال: كتبت إليه - يعني الرضا عليه السلام - أسأله عن الفقاع؟ قال: فكتب (حرام وهو خمر) ومنها ما رواه عن ابن فضال قال: كتبت إلى أبى الحسن عليه السلام أسئله عن الفقاع؟ قال: (هو الخمر وفيه حد شارب الخمر) (2) وعن عمار بن موسى قال: سألت أبا عبد الله عن الفقاع عليه السلام فقال لي: (هو خمر) (3) ولا يخفى أنه بعد عدم صدق الخمر حقيقة أو انصرافها عن الفقاع والا لم يحتج إلى حكم الامام عليه السلام بكونه خمرا لابد من حمل هذه الاخبار على التنزيل بلحاظ الآثار، ولما لم تكن النجاسة من الآثار الظاهرة خصوصا في تلك الاعصار، فكون التنزيل بلحاظ كل اثر حتى النجاسة مشكل بل المتيقن خصوص الحرمة ولعله لذا صرح في بعض الاخبار بأن فيه حد شارب الخمر ولا اقل من الشك، نعم ربما يستشهد بخبر أبى جميلة البصري قال: (كنت مع يونس ببغداد وأنا أمشي في السوق ففتح صاحب الفقاع فقاعه فقفز فأصحاب ثوب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس فقلت له: يا أبا محمد ألا تصلى؟ فقال: ليس اريد اصلي حتى أرجع إلى البيت فأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت: هذا رأي رأيته أو شئ ترويه؟ فقال: اخبرني هشام بن الحكم انه سأل الصادق عليه السلام عن الفقاع؟ فقال: لا تشربه فانه خمر مجهول فإذا أصاب ثوبك فاغسله) (4) فان علم اتكال المشهور بهذا الخبر حتى ينجبر ضعف سنده فهو وإلا فالتمسك به في اثبات الحكم مشكل. (وفى نجاسة عرق الجنب من الحرام وعرق الابل الجلالة ولعاب المسوخ وذرق الدجاج والثعلب والارنب الفارة والوزغة اختلاف والكراهة أظهر) أما


(1) المجلد السادس ص 423 تحت رقم 9. (2) و (3) الكافي ج 6 ص 424 تحت رقم 15 و 13. (4) الكافي ج 6 ص 423 تحت رقم 7.

[ 205 ]

عرق الجنب من الحرام فمن الصدوقين والاسكافى والشيخين والقاضي القول بنجاسته، وربما نسب إلى المشهور بين المتقدمين وعن الحلي والفاضلين وجمهور من المتأخرين القول بطهارته، واستدل للقول بالنجاسة بما عن الشهيد في الذكرى قال: روى محمد بن همام باسناده إلى إدريس بن داود [ يزداد ] الكفر توثي (1) إنه كان يقول بالوقف فدخل سر من رأى في عهد ابى الحسن عليه السلام فأراد أن يسأله عن الثوبت الذى يعرق فيه الجنب أيصلي فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظار إذ حركه أبو الحسن عليه السلام بمقرعة فقال: (ان كان من حلال فصل فيه وإن كان من حرام فلا تصل فيه) وبرواية على بن مهزيار المنقولة من كتاب المناقب لابن شهر آشوب (2)، وضعف السند مجبور بشهرة الفتوى بالمضمون بين القدماء، انما الاشكال في دلالتها حيث انه لا يستفاد من الروايتين إلا عدم جواز الصلاة في الثوب أو العرق، ومن المحتمل ان يكون النظر إلى المانعية للصلاة كمانعية فضلات ما لا يؤكل لحمه من دون النجاسة، وربما يستظهر النجاسة من جهة انه حكم في الرواية المذكورة بعدم جواز الصلاة في الثوب حتى بعد جفاف العرق بمقتضى الاطلاق، فلو كان المانع نفس العرق لكان الصلاة في الثوب بعد الجفاف جايزة لعدم وجود شئ محسوس يمنع من الصلاة، وفيه تأمل من جهة ان نظر السائل إلى أصل المنع في قبال الجواز ففصل الامام بين ما كان من حرام وما كان من حلال وعلى فرض تسليم الاطلاق لامانع من ممنوعية الصلاة في الثوب حتى بعد الجفاف إلى ان يغسل بالماء، لا يقال: هذا لا يلتزم به أحد، لانه يقال بعد ملاحظة كلمات جملة من القدماء لم يعبروا في فتاويهم الا بمضمون الروايات من حرمة الصلاة فيه لم يفرقوا بين حال الجفاف وعدمه ان قلت: لا إطلاق لكلماتهم بل هم بصدد المنع في


(1) في جامع الرواة ادريس بن زياد الكفر توثى. والخبر في الوسائل أبواب النجاسات ب 27 ح 12. وفي ضبط الكفرتوثى اختلاف راجع تنقيح المقال وقاموس الرجال. (2) المستدرك ج 1 ص 162 عن المناقب.

[ 206 ]

الجملة، قلنا: كذلك لا إطلاق في الخبر، وربما يستبعد النجاسة أو المنع عن الصلاة بأنه كيف يخفى هذا الحكم إلى زمان الهادى عليه السلام مع كثرة الابتلاء، مضافا إلى ما في جملة من الاخبار من التصريح بنفي البأس عن عرق الجنب من غير تفصيل بين كونه من حلال أو حرام، أما الاستبعاد فهو في محله لكنه لا يوجب رفع اليد عن الدليل، واما الاخبار فمع ضعف اسنادها - الا إذا ثبت اتكال المشهور في القول بالكراهة إليها لا من باب التسامح في ادلة المكروهات والمستحبات - لا تأبى عن التخصيص وان كان بعيدا. وأما عرق الابل الجلالة فمن جماعة من القدماع القول بنجاسته خلافا لكثير من المتأخرين واستدل للقول بالنجاسة بحسنة حفص بن البخترى بل مصححته عن ابى عبد الله عليه السلام: (لا تشرب من البأن الابل الجلالة وان اصابك شئ من عرقها فاغسله) (1) وبمرسلة الفقيه: (نهي عن ركوب الجلالات وشرب ألبانها وإن اصابك من عرقها فاغسله) (2) وصحيحة هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام: (لا تأكلوا لحوم الجلالة وان اصابك من عرقها فاغسله) (3) ونوقش في الاخيرتين بأن ظاهرهما عدم الاختصاص بالابل، بل يعم الحكم لكل جلال ولا قائل به عدا ما حكي عن شاذ، فلابد من الحمل على الاستحباب أو الحمل على إرادة العهد ولا أولوية. ولا يخفى انه على تقدير الاجمال فيهما لا وجه لرفع اليد عن ظهور الحسنة الا أن يقال: الحمل على العهد بعيد، لعدم القرينة فمقتضى الاطلاق استحباب الغسل بالنسبة إلى عرق كل جلال، وتخصيصه بغير الابل بعيد، مضافا إلى انه ليس باهون من رفع اليد عن ظهور الامر في الحسنة في الوجوب حتى يستفاد منه النجاسة، وحمل الامر في الصحيحة والمرسلة على مطلق الرجحان الجامع بين الوجوب والندب أيضا بعيد فتأمل.


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 15 ح 2. (2) الوسائل كتاب الاطعمة والاشربة أبواب الاطعمة المحرمة ب 27 ح 5. (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 15 ح 1.

[ 207 ]

وأما المسوخ والثعلب والارنب وغيرهما: فيدل على طهارتها اخبار، منها صحيحة فضل بن أبى العباس قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة البقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع - فلم أترك شيئا الا سألته عنه -؟ فقال: لا بأس حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا يتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب اول مرة ثم بالماء) (1) ومنها صحيحة على بن جعفر عليه السلام عن اخيه موسى عليه السلام قال: (وسألته عن العظاية والحية و الوزغ يقع في الماء فلا يموت فيه أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به) (2) وسألته عن فارة وقعت في حب دهن واخرجت قبل ان تموت ابيعه من مسلم؟ قال: (نعم، ويتدهن به) (3) واخبار اخر وفى قبالها اخبار اخر، ربما تدل على النجاسة، ومقتضى الجمع الحمل على استحباب غسل ما يباشر المذكورات أو كراهة أسئارها والصلاة فيمن يباشرها. (وأما أحكامها فعشرة: الاول كل النجاسات يجب إزالتها قليلها وكثيرها عن الثوب والبدن عدا الدم فقد عفي عما دون الدرهم سعة في الصلاة ولم يعف عما زاد عنه، وفيما بلغ قدر الدرهم مجتمعا روايتان اشهرهما وجوب الازالة، ولو كان متفرقا لم يجب إزالته، وقيل: تجب مطلقا وقيل بشرط التفاحش) تجب بالوجوب الشرطي ازالة النجاسات العينية والحكمية عن الثوب والبدن مع تنجسهما بها دون مجرد اللصوق في الصلاة بمعنى عدم صحة الصلاة بدون الازالة مع التمكن والاخبار الدالة عليه في عاية الكثرة فان من أظهر أحكام النجاسات هذا الحكم، وقليل النجاسة ككثيرها في الحكم الا في الدم بلا خلاف الا ما حكي عن الاسكافي من أنه كل نجاسة وقعت على ثوب وكانت عينها مجتمعة أو متفرقة دون سعة الدرهم الذى يكون سعته كعقد الابهام الاعلى لم ينجس الثوب بذلك الا ان يكون النجاسة


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 11 ح 1. (2) الوسائل أبواب الاسئار ب 9 ح 1. (3) الوسائل أبواب الاسئار ب 9 ح 1.

[ 208 ]

دم حيض أو ميتا فان قليلهما وكثيرهما واحد. انتهى. وهذا القول ضعيف محجوج باطلاق النصوص بل صريحها، ففي خبر الحسن بن زياد قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يبول فيصيب جسده (فخذه خ ل) قدرتكة من بوله (1) فيصلى ثم يذكر بعد انه لم يغسله؟ قال: (يغسله ويعيد صلاته) (2) والظاهر ان المراد من الثياب مطلق ما يلبسه المصلي الا ما استثنى وان لم يصدق عليه الثوب كقطعة كرباس أو جلد تلبس بها المصلى وتستر بها، والشاهد على ذلك استثناء مالا تتم به الصلاة مع عدم صدق الثوب، حيث استثنى من جهة عدم تمامية الصلاة به لامن جهة الخروج موضوعا، ثم انه قد استثنى عن النجاسات التي يجب إزالتها عن الثوب والبدن ما كان من الدم دون الدرهم سعة ولا وزنا من الدم المسفوح الذى ليس من الدماء الثلاثة: الحيض والنفاس والاستحاضة، والاخبار الواردة التي حدد فيها الدم بهذا المقدار مختصة بالثوب، والحق الفقهاء البدن بالثوب، وربما ادعى عليه الاجماع، فمنها صحيحة عبد الله بن أبى يعفور قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس، قلت: انه يكثر ويتفاحش؟ قال: وان كثر، قلت: فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى ان يغسله ويصلي ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته الا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة) (3) ومنها رواية اسماعيل الجعفي عن ابى جعفر عليه السلام قال في الدم يكون في الثوب: (إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة وان كان اكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته - الحديث -) (4) والرواية الواردة في خصوص البدن رواية مثنى بن عبد السلام عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إنى حككت جلدى فخرج منه دم؟ فقال: (إن اجتمع منه قدر حمصة فاغسله وإلا فلا) (5) وعدت هذه الرواية من الشواذ التى لا يعتمد عليها


(1) في الوسائل (قدر نكتة من بوله). (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 19 ح 2. (3) التهذيب ج 1 ص 255 تحت رقم 740. (4) و (5) في الوسائل أبواب النجاسات ب 20 ح 2 و 5.

[ 209 ]

من جهة مخالفة التحديد المذكور فيها لساير النصوص والفتاوي. ولم يبين في الاخبار المراد من قدر الدرهم قدره بحسب السعة، لكنه يدعى أن المتبادر قدره بحسب السعة لا بحسب الوزن، وعلى فرض الاجمال يكون المرجع الاطلاق أو عموم ما دل على وجوب الازالة والغسل، ثم إنه لا إشكال في عدم العفو عما زاد عن قدر الدرهم، واما مقدار الدرهم فصريح الصحيحة المذكورة عدم العفو ولا يبعد ظهور رواية الجعفي ايضا، فان الظاهر من الشرطيتين المذكورتين في كلام واحد كون الاصل الشرطية الاولى ويؤخذ بمفهومها والشرطية الثانية بمنزلة التفريع، نعم يستفاد خلاف ذلك من حسنة محمد بن مسلم مضمرة في الكافي (1) ومسندة في الفقيه (2) عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة؟ قال: (إن رأيته وعليك ثوب غير ه فاطرحه وصل، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان اقل من ذلك فليس بش ء رأيته قبله أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه) والظاهر عدم إمكان الجمع العرفي بينها، وقد يقال يكون المرجع حينئذ الاطلاق أو العموم الدال على وجوب ازالة الدم وغسل الثوب والبدن منه. ويمكن ان يقال إن كان الرجوع إلى العموم والاطلاق من جهة المرجعية لا المرجحية فأي وجه للمرجعية لانه كما يقع التعارض بين الخاصين يكون التعارض بين الخاص والعام واقعا، وليس العام أو المطلق بمنزلة الاصل العملي حيث لا يرجع إليه في مرتبة الدليل الاجتهادي فبعد تعارض الدليلين يكون مرجعا لو لا التخيير والترجيح وان كان من جهة المرجحية، فهذا مبنى على شمول ادلة التخيير والترجيح للاخبار التي يؤخذ ببعض مضمونها من جهة عدم المعارضة كالعامين من وجه حيث يأخذ بمضمون كل منهما في مادة الاقتران لان الاخذ باحد الطرفين تعيينا أو تخييرا مساوق


(1) المصدر ج 3 ص 59 تحت رقم 3. (2) المصدر ج 3 ص 67 باب ما يصلى فيه ومالا يصلى تحت رقم 8

[ 210 ]

لطرح الآخر رأسا، وكيف يطرح الآخر مع ان بعض مضمونه لا معارض له، والسند لايبعض بتبعيض بأن يؤخذ بالسند بالنسبة إلى بعض المضمون دون بعض، إلا أن يقال بعد شمول الاخبار العلاجية لكل متعارضين لا مانع من طرح احد الخبرين رأسا ولو كان بعض مضمونه بلا معارض لكنه معارض بالعرض، لان ما يلازم المعارض معارض، وعلى هذا فلا بأس بجعل العمومات والاطلاقات مرجحا فانه اخذ بموافق السنة، وإن لم نقل بذلك فالمرجع هو الاصل. ثم المراد من الدرهم ليس هو الدرهم الاسلامي الذى حدد وزنه بستة دوانيق فان الاصحاب بين ما قيده بالوافى وبين من قيده بالبغلي، ولا يبعد إتحادهما وقد حدد الوافى بدرهم وثلث، وعن الشهيد في الذكرى انه قال: ان الدرهم الوافى هو البغلي - باسكان الغين - منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في خلافته بسكة كسروية وزنه ثمانين دوانيق، وكيف كان بعد ما كان النظر إلى سعة الدرهم لا الوزن ولا الحجم لابد من تعيين السعة، وقد اختلف كلماتهم فاللازم الاخذ بالقدر المتيقن وربما يلزم الاحتياط في الزائد عليه نظرا إلى التمسك بالعموم إذا شك في المخصص بالشبهة المفهومية، وان كان الدم متفرقا فقد اختلفوا فيه على أقوال، فقيل: هو عفو فيلاحظ كل جزء جزء في حد ذاته موضوعا مستقلا، وقيل: تجب ازالته كالمجتمع، وقيل: لا تجب ازالته الا أن يتفاحش، واستدل للقول الاول بمرسلة جميل عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام انهما قالا: (لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه المنضح وان كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم) (1) وصحيحة عبد الله بن ابى يعفور قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس قلت: إنه يكثر ويتفاحش؟ قال: وان كثر قلت: فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى ان يغسله فيصلي ثم يذكر بعد ما صلى ايعيد صلاته؟ قال: (يغسله و [ لا ] يعيد صلاته الا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة) (2)


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 20 ح 4. (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 20 ح 1.

[ 211 ]

والظاهر ان وجه الاستدلال اخذ عنوان اجتماع الظاهر في فعلية الاجتماع وفى المقام الاجتماع فرضي لافعلى واقعي، ويمكن ان يقال: ان الاجتماع معنى مسبوق بالتفرق والتشتت فإذا ارتفع التفرق يصدق الاجتماع وفى المقام لم يرد هذا نعم يصح فرض المتفرقات المجتمعة فيصير معنى الروايتين ان القطعات من الدم إذا كانت مع فرض اجتماعها بمقدار الدرهم يغسله ويعيد الصلاة أو لا بأس به، ولعل الصحيحة أظهر من جهة فرض السائل نقط الدم والظاهر عدم صدق النقطة على القطعة التي تكون بمقدار الدرهم بل تصدق على القطعة الصغيرة التى يدركها الطرف فيلزم ان يكون الجواب خارجا عن محل السؤال وهو بعيد جدا فلعل الروايتين دالتان على القول الثاني، ومع الاجمال يرجع إلى مطلقات المنع. (الثاني دم الحيض يجب إزالته وان قل وألحق الشيخ به دم الاستحاضة والنفاس) اما عدم العفو عن دم الحيض قليله وكثيره فالظاهر عدم الخلاف فيه، ويدل عليه رواية ابى سعيد، عن ابى بصير، عن ابى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام قالا: (لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فان قليله وكثيره في الثوب إن رآه وان لم يره سواء) (1) وضعفها مجبور بالعمل، واما دم الاستحاضة والنفاس فلا دليل على إلحاقهما بدم الحيض إلا انه قد يقال في دم النفاس باشتراكه مع دم الحيض في الاحكام فان كان الحكم بالاشتراك من جهة الاجماع فالاجماع غير متحقق في المقام وان كان من جهة ما هو المعروف من أنه حيض محتبس فيتوقف على شمول التنزيل لمثل هذا الاثر الخفى وهو محل تأمل، مضافا إلى تطرق احتمال أن يكون هذا الكلام إخبارا عن الواقع كما قيل من أن دم الاستحاضة من عرق عادل وعلى فرض كونه إخبارا عن الظاهر انصراف الادلة عن مثله وما يدعى من انصراف ادلة العفو عن الدماء الثلاثة لا يخفى ما فيه من المنع والا لزم خروج كثير من الدماء لندرة ابتلاء المكلفين بها. (وعفي عن دم القروح والجروح التي لا ترقى) لا إشكال ولا خلاف في


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 21 ح 1.

[ 212 ]

العفو في الجملة والدليل عليه الاخبار، مضافا إلى قاعدة نفى الضرر وقاعده نفى الحرج في بعض الموارد، وانما الاشكال في اعتبار المشقة وسيلان الدم، وعلى تقدير اعتيار المشقة في ازالة النجاسة هل تعتبر المشقة الشخصية الموجبة للحرج؟ أو تكفى المشقة النوعية التي لو لا الاخبار الخاصة لا توجب رفع التكليف فلا بد من ملاحظة اخبار الباب، فمنها صحيحة ليث المرادى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دما وقيحا وثيابه بمنزلة جلده؟ فقال: (يصلي في ثيابه ولا يغسلها ولا شئ عليه) (1) ومنها صحيحة عبد الرحمن قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي؟ فقال: (دعه فلا يضرك إن لا تغسله) (2) ومنها موثقة سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرء وينقطع الدم) (3) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل يخرج به القروع فلا تزال تدمى كيف يصلي؟ فقال: يصلي ان كانت الماء تسيل) (4). فنقول: اما صحيحة ليث المرادى فالظاهر ان مورد السؤال فيها صورة لزوم الحرج والضرر فلا يستفاد من الجواب إطلاق، وأما صحيحة عبد الرحمن وان كان يستفاد من ترك الاستفصال فيها عموم الحكم لصورة عدم الضرر والحرج لكنه لا تشمل صورة عدم السيلان، وأما الموثقة فالظاهر منها مدخلية السيلان فتدل على انتفاء الحكم مع انتفاء القيد، واما الصحيحة - اعني صحيحة محمد بن مسلم - فقد يقال أن المستفاد من كلمة (إن) الوصلية فيها كون صورة عدم سيلان الدماء أولى بالحكم، وفيه تأمل من جهة احتمال ان يكون التعرض لدفع ما يتوهم من المحذور الاشد فانه بعد ما كان الدم مانعا عن الصلاة فالدم الزائد أشد منعا، ولذا ربما يلتزم بلزوم التخفيف بما أمكن في صورة الاضطرار، وربما يدعى استفادة الاطلاق من خبر أبى بصير قال: دخلت على أبى جعفر عليه السلام وهو يصلى فقال لي قائدي:


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب النجاسات ب 22 ح 5 و 6 و 7 و 4.

[ 213 ]

ان في ثوبه دما، فلما انصرف قلت له: ان قائدى اخبرني ان بثوبك دما، فقال لي: (ان بى دماميل ولست اغسل ثوبي حتى تبرء) (1) وموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة؟ قال: (يمسحه ويمسح يده بالحائط أو الارض ولا يقطع الصلاة) (2) وفيه تأمل، أما خبر ابى بصير فلم يعلم كيفية تلك الدماميل، وأما الموثقة فلا تعرض فيها للدم فلعل النظر إلى الردع عن قطع الصلاة بواسطة أمثال هذه الامور ولعله يشهد لما ذكر أنه من المسلم أن العفو بالنسبة إلى محل من الثوب والبدن يصل الدم غالبا إليه وأما لو وصل دم الرجل إلى الرأس مثلا فلا يلتزم بالعفو، ولا يدل الاخبار عليه فتلخص مما ذكر انه لم تشمل الادلة في خصوص القروح صورة عدم الحرج والمشقة، نعم لم يعتبر فيها سيلان الدم، ولعل ترك الاستفصال في صحيحة ليث المرادي ينفى اعتباره واما الجروح فقد اعتبر فيه السيلان في موثقة سماعة المتقدمة ولا دلالة لذيلها على ما يخالف الصدور، نعم لم يعتبر فيها الحرج أو الضرر الا ان يدعى الملازمة بحسب الغالب فلا إطلاق لها ايضا، هذا ما يستفاد من هذه الاخبار، ومع الشك يكون المرجع قاعدة المنع، ومما ذكرنا علم وجه قوله (قده) في المتن: (فإذا رقى اعتبر فيه سعة الدرهم) وان كان الاشكال فيه من جهة عدم اعتبار السيلان في القروح. (الثالث يجوز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه منفردا مع نجاسته كالتكة والجورب والقلنسوة) يشهد له جملة من الاخبار، منها موثقة زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: (كلما كان لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ مثل القلنسوة والتكة والجورب) (3) وعن عبد الله بن سنان عمن أخبره عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (كل ما كان على الانسان أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلى فيه وإن كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة


(1) و (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 22 ح 1 و 7. (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 31 ح 1.

[ 214 ]

والنعل والخفين وما أشبه ذلك) (1) ومقتضى هذه الرواية عدم الفرق بين كونه محمولا أو ملبوسا). (الرابع يغسل الثياب والبدن من البول مرتين إلا بول الصبى فانه يكفى صب الماء عليه ويكفى إزالة عين النجاسة وان بقي اللون) أما لزوم الغسل مرتين فيدل عليه أخبار مستفيضة منها رواية الحسين بن ابى العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال: (صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيب البول قال: اغسله مرتين. وسألته عن الصبى يبول على الثوب؟ قال: تصب عليه الماء قليلا تم تعصره) (2) وصحيحة ابن ابى يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الثوب؟ قال: (اغسله مرتين) (3) وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال: (اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة) (4) ثم ان هذا الحكم مخصوص بالماء القليل دون الكر والجارى على المشهور، بل لا خلاف ظاهرا في الغسل بالماء الجارى في كفاية الغسل مرة ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم هذه الصحيحة، ويمكن الاستدلال بها على كفاية المرة من جهة أنه اخذ في الحكم بلزوم مرتين كون الغسل في المركن يعنى القليل الراكد فبانتفاء هذا القيد ينتفى لزوم مرتين والانتفاء اما بالكرية أو بالجريان، والظاهر ان قوله: (وان غسلته) - الخ - كان تفريعا على الصدر فلا معارضة بين الصدر والذيل، وقد يستدل بالمرسل المروى عن أبى جعفر عليه السلام - مشيرا إلى غدير ماء -: (أن هذا لا يصيب شيئا الا وقد طهره) (5) وصحة الاستدلال موقوف على إحراز اتكال المشهور به


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 31 ح 2. (2) الكافي ج 3 ص 55 تحت رقم 1. (3) التهذيب ج 1 ص 251 تحت رقم 722. (4) التهذيب ج 1 ص 250 تحت رقم 717. (5) في المختلف ج 1 ص 3 عن أبى عقيل قال: ذكر بعض علماء الشيعة أنه كان بالمدينة رجل يدخل على أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام وكان في طريقه ماء فيه = >

[ 215 ]

وعلى فرض الانجبار يشكل من جهة ان النسبة بينه وبين ما دل على لزوم مرتين عموم من وجه، ومجرد كون العموم في المرسل وضعيا وفى تلك الاخبار اطلاقيا لا يوجب الترجيح، ولا يبعد التمسك بما دل على ان ماء الحمام بمنزلة الجارى، وحيث يكتفي في الغسل بالماء الجارى بالمرة يكتفي في ماء الحمام، وحيث ان الظاهر عدم الخصوصية في ماء الحمام بل يشترك معه كل ماء كر يثبت الحكم لمطلق الكر لا يقال: يقع التعارض بين عموم المنزلة وعموم ما دل على لزوم الغسل مرتين في إزالة نجاسة البول كما ذكر آنفا، لانه يقال بعد تخصيص ذلك العموم بما دل على كفاية المرة في الماء الجاري لا يلزم من الاخذ بعموم المنزلة تخصيص زائد، لانه لم يخرج بعنوان غير عنوان الماء الجارى، غاية الامر الغسل بماء الحمام ليس غسلا بالماء الجارى حقيقة بل تنزيلا، وهذا هو الملاك في تقديم الحاكم على المحكوم عليه. واما الاكتفاء في بول الصبى بالصب فيدل عليه حسنة الحلبي أو صحيحته قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبى؟ قال: (يصب عليه الماء فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا، الغلام والجارية في ذلك شرع سواء) (1) ولا يعارضها موثقة سماعة المضمرة قال: (سألته عن بول الصبى يصيب الثوب؟ فقال: اغسله، قلت: فان لم أجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كله) (2) وذلك لكون رواية الحلبي نصا في كفاية الصب والموثقة ظاهرة في لزوم الغسل، فاما ان يراد من الغسل ما يشمل الصب أو يكون اكمل، ثم إنه لم يتعرض (قده) لكيفية الغسل من سائر النجاسات، قد يقال بكفاية المرة الا ما خرج بالدليل تمسكا باطلاقات أوامر الغسل، ونوقش فيه بعدم كون أوامر الغسل في مقام البيان بل يظهر منها حصول النجاسة ولزوم الغسل من دون تعرض لكيفيتها، ولا يبعد ان يقال كيفية التطهير


= > العذرة والجيف وكان يأمر الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل به رجله إذا أصابه فابصره لى يوما أبو جعفر عليه السلام فقال: (ان هذا لا يصيب شيئا الا طهره فلا تعدمنه غسلا). (1) و (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 3 ح 2 و 3.

[ 216 ]

ككيفية التنجيس امر معروف بين الناس، الا ترى انه إذا سمع المكلف: إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ، لا يشك في طرف المفهوم في اعتبار الملاقاة وعدم حصول التنجيس بالمجاورة، وان لا يكون الماء قاهرا على النجس فلا ينجس العالي بملاقاة السافل فكذلك التطهر، ولذا ترى في غالب الموارد بعد ما سمع الراوى من الامام عليه السلام لزوم الغسل ما كان يسأل عن كيفية الغسل مع أنه كان محل الحاجة والابتلاء، فما لم يردع عن الكيفية المعهودة بينهم يؤخذ ببنائهم كسائر الموارد التي يؤخذ بناؤهم، فعلى فرض تسليم ما ذكر من عدم كون أوامر الغسل في مقام البيان مع بعد ما ذكر في غالب الاخبار مع شدة احتياج المكلف الظاهر الاكتفاء بما يزول القذارة عينية كانت أو حكية فيكفي المرة مطلقا، وأما ما ذكر في المتن من كفاية إزالة العين وإن بقي اللون فوجهه أنه مع إزالة العين حصل ما هو المطلوب من إزالة النجاسة والتطير ولم ينظر إلى الدقة العقلية، حيث يستكشف من بقاء اللون بقاء ذي اللون - أعني النجاسة - لاستحالة انتقال العرض من موضوعه، وعدم كون المحل مستعدا قابلا لعروض عرض مماثل لعرض النجاسة، فبحكم العقل النجاسة باقية، وذلك لان الخطاب مع نوع الناس الغير الملتفتين إلى هذه المداقات، فارادة خلاف ما يفهمون خلاف الحكمة، وهذا في الحقيقة يرجع إلى الاختلاف في المفهوم لا التخطئة في المصداق، فالمفهوم من الدم مثلا ليس إلا جسما محسوسا ملونا بلون الحمرة، فالاجزاء الصغار الباقية في حال بقاء اللون المستكشفة بحكم العقل خارج حقيقة عن مفهوم الدم، لان المفاهيم الكلية منتزع عن المصاديق، وعلى أي تقدير لا يتوجه الاشكال بأنه مع وجود الموضوع واقعا كيف لا يترتب عليه أحكامه، ولا عبرة بنظر العرف في تعيين المصداق. (الخامس: إذا علم موضع النجاسة غسل وإن جهل غسل كل ما يحصل فيه الاشتباه، ولو نجس أحد الثوبين ولم يعلم عينه صلى الصلاة الواحدة في كل واحدة مرة، وقيل يطرحهما وصلى عريانا) إن كان أطراف الشبهة جميعا يعتبر طهارتها كالبدن والثوب الذي يريد المكلف أن يصلي فيه، فاللازم بحكم العقل القطع بطهارتها

[ 217 ]

تحصيلا للشرط، وأما لو لم يكن كذلك بل يلزم الغسل لعدم تنجس ملاقيه - كما لو علم بنجاسة أحد الاواني ويريد أن يستعمل واحدا منها للاكل والشرب مثلا فالظاهر عدم لزوم غسل واحد منها لجواز الاستعمال، لما قرر في محله من عدم الحكم بنجاسة ملاقي الشبهة المحصورة، وإن كان بعض الاطراف يعتبر طهارته، كأن يريد أكله أو شربه مثلا أو الصلاة فيه فالمعروف لزوم الغسل إذا كان أطراف الشبهة جميعا محل الابتلاء بحيث لا يستهجن معه توجيه خطاب اجتنب، إلى المكلف، وهو محل تأمل ونظر وليس الكلام فيه، هذا كله مقتضى القاعدة، وقد وقع التعرض له في الاخبار الخاصة منها صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: (إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك مكانه فاغسله كله) (1) وأما صورة نجاسة أحد الثوبين ولم يعلم عينه فيدل على لزوم إتيان كل صلاة مرتين مع كل منهما لزوم تحصيل القطع بالفراغ، ويدل عليه أيضا حسنة صفوان بين يحيى عن أبي الحسن عليه السلام أنه كتب إليه يسأله عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: (يصلي فيهما جميعا) (2) وذهب بعض إلى لزوم الطرح والصلاة عريانا، وعمدة ما تمسك به لهذا القول اعتبار الجزم حال إتيان العمل، فالمكلف حال إتيانه بالصلاة في كل من الثوبين لا يقطع لصحة عمله والقطع بعد الصلاة بصحة إحداهما لا يجزي، هذه شبهة لو تمت لزم ترك الصلاتين لو شك المكلف في سفر أن تكليفه القصر أو الاتمام مع عدم تمكنه من الجزم، وقد وقع التعرض لهذه الشبهة ورفعها في باب النية، والحاصل أنه لا دليل على اعتبار الجزم بعد تمشي قصد القربة خصوصا مع عدم التمكن من تحصيل الجزم. (السادس: إذ لاقى الكلب أو الخنزير أو الكافر ثوبا أو جسدا وهو رطب


(1) الكافي ج 3 ص 53. (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 64 ح 1.

[ 218 ]

غسل موضع الملاقاة وجوبا وإن كان يابسا رش الثوب بالماء استحبابا) أما وجوب الغسل مع الرطوبة فللنجاسة وحصول التأثر بواسطة الرطوبة وعدم وجوب الغسل مع اليبوسة فلما ثبت أن كل يابس ذكي، وعرفت أن كيفية التنجيس معروفة عند العرف ولا يعدون التنجيس مع اليبوسة، وأما استحباب الرش فمن المعتبر أنه مذهب علمائنا، ويستشهد بجملة من الاخبار منها مرسلة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا مس ثوبك كلب فان كان جافا فانضحه وإن كان رطبا فاغسله) (1) وخبر علي بن محمد، المضمر قال: سألته عن خنزير أصاب ثوبا وهو جاف هل تصلح الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: (نعم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه - الحديث -) (2) وصحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في ثوب المجوسي؟ فقال: يرش بالماء) (3) وفي استفادة الاستحباب بالنسبة إلى مقامنا هذا نظر - كما لا يخفى -. (السابع: من علم النجاسة في ثوبه أو بدنه وصلى عامدا أعاد في الوقت وبعده ولو نسي في حال الصلاة فروايتان أشهرهما أن عليه الا عادة، ولو لم يعلم وخرج الوقت فلا قضاء، وهل يعيد مع بقاء الوقت؟ فيه قولان أشبههما أنه لا إعادة) أما وجوب الاعادة على من علم النجاسة وصلى عامدا فعلى القاعدة، فان الصلاة مشروطة بالطهارة والمشروط ينتفي بانتفاء الشرط، وربما يتأمل في إطلاق الحكم لصورة الجهل بالحكم التكليفي أو الوضعي - أعني مبطلية النجاسة للصلاة - من جهة إطلاق (لا تعاد الصلاة إلا من خمس) بناء على أن المراد من الطهور الذي هو من الخمس هو الطهارة من الحدث، ولا يشمل الطهارة من الخبث، فلا يبعد دخول هذه الصورة في المستثنى منه، بناء على شمول (لا تعاد) لصورة الجهل كما لو جهل بوجوب السورة وصلى بدون السورة عامدا فقد قوي بعض الاكابر جريان (لا تعاد) ولا استبعاد فيه وإن كان خلاف المشهور، وتمام الكلام في محله - إن شاء الله تعالى -


(1) و (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 26 ح 3 و 6. (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 73 ح 3.

[ 219 ]

وأما صورة النسيان في حال الصلاة - أعني نسيان الموضوع - ففيها أقوال أحدها لزوم الاعادة في الوقت وخارجه، وقيل: يعيد في الوقت دون خارجه، وقيل: لا يعيد في الوقت ولا في خارجه، حجة القول الاول أخبار منها حسنة محمد بن مسلم المروية في الكافي (1) قال: (قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة؟ قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه) ومنها رواية أبي بصير في الدم أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الاعادة) (2) وصحيحة الجعفي (3) في الدم أيضا قال فيها: (وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته) وغيرها من الاخبار الصحاح وغيرها حجة النافين للاعادة مطلقا صحيحة أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه فينسى أن يغسله فيصلي فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله أيعيد الصلاة؟ قال: (لا يعيد قد مضت الصلاة وكتبت له) (4) والمستفيضة النافية للاعادة عمن نسي الاستنجاء كخبر هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال؟ فقال: (يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة) (5) وموثقة عمار بن موسى قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لو أن رجلا نسي أن يستنجى من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة) (6) وغيرهما من الاخبار، وفي قبال هذه الاخبار الواردة في الاستنجاء أخبار دالة على لزوم الاعادة.


(1) المصدر ج 3 ص 59 تحت رقم 3. (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 4 ح 7. (3) يعنى اسماعيل والخبر في الوسائل أبواب النجاسات ب 20 ح 2. (4) الوسائل أبواب النجاسات ب 42 ح 3. (5) و (6) التهذيب ج 1 ص 48 و 49 تحت رقم 140 و 143.

[ 220 ]

حجة القول بالتفصيل الجمع بين الاخبار المثبتة والنافية، ولا يخفى ما فيه لعدم شاهد على الجمع بهذا النحو، والذي يمكن أن يقال: إنه إن أحرز إعراض المشهور عن العمل بالاخبار النافية تعين الاخذ بالاخبار المثبتة، وإن احتمل أن يكون أخذهم بالاخبار المثبتة من جهة التخيير أو الترجيح بالاكثرية يشكل تعين الاخذ بها لقابلية الجمع بالحمل على الاستحباب وعلى فرض إبائها عن هذا الجمع والمعاملة معاملة المتعارضين لم لا يؤخذ بالاخبار النافية تخييرا، ومجرد الاكثر لا يوجب الترجيح لما قرر في الاصول من عدم البعد في الاخذ باطلاقات التخيير ولو فرض تخصيصها يخصص بالمرجحات المنصوصة لا مطلق المزية لندرة التساوي من جميع الجهات ومع ذلك لا يجترء على التخطي عما ذهب إليه المشهور خصوصا مع ملاحظة القاعدة من انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه، واحتمال شمول الطهور المستثنى في خبر لا تعاد للطهارة من الخبث الموجب لا جماله، فلا مجال للتمسك به وأما صورة عدم العم بالنجاسة قبل الصلاة ثم علم بعد الصلاة ففيه أقوال: أحدها عدم الاعادة مطلقا للاخبار المستفيضة منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: (إن كان لم يعلم فلا يعيد) (1) وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصليت فيه ثم رأيته بعد ذلك فلا إعادة عليك وكذلك البول) (2) وغيرهما من الاخبار، وفي قبالها صحيحة وهب بن عبد ربه عن الصادق عليه السلام في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم به صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد ذلك؟ قال: (يعيد إذا لم يكن علم) (3) وغيرها، لكنها قابلة للحمل على الاستحباب ولم يعمل الاصحاب بظاهرها.


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 40 ح 5. (2) في الوسائل باب 41 رقم 2 وقد تقدم. (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 40 ح 8.

[ 221 ]

والقول الاخر التفصيل بين الوقت وخارجه جمعا بين تلك الاخبار وهذه الصحيحة وغيرها، ولا يخفى ما فيه لعدم الشاهد على هذا الجمع. والقول الثالث التفصيل بين صورة الفحص وعدمه ففي صورة الفحص لا يعيد وفي الثاني يعيد، حجة هذا القول جملة من الاخبار منها رواية الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل وصلى فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة؟ فقال: (الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وقد جعل له حدا، إن كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا إعادة عليه وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة) (1) وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة آنفا، فان مقتضى الشرطية في ذيلها ثبوت الاعادة مع عدم النظر فيخصص بهذه الاخبار مادل على عدم الاعادة مطلقا، وكذلك مادل على الاعادة وقد يقال بمعارضة هذه الاخبار لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: (أصاب ثوبي دم رعاف - إلى أن قال: قلت: - فان لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما أن صليت وجدته؟ قال: تغسله وتعيد الصلاة قلت: فان ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئا ثم صليت فرأيت فيه؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة قلت: لم ذلك؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا) (2) فان مقتضى التعليل الشامل لصورة عدم الفحص بشهادة بعض فقرات هذه الصحيحة عدم الاعادة من جهة الطهارة الظاهرية الحاصلة بالاستصحاب مطلقا، فيحمل تلك الاخبار على الاستحباب، ويمكن أن يقال: إن المستفاد من هذه الصحيحة شرطية الطهارة مطلقا، غاية الامر أن الشرط أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية، وهذا متحقق في الملتفت فان كان على يقين من الطهارة السابقة يحكم بالطهارة الاستصحابية، وإن لم يكن على يقين يحكم بالطهارة بقاعدة، وأما مع الغفلة وعدم الالتفات وعدم الطهارة واقعا لا طهارة واقعا لانه المفروض، ولا طهارة ظاهرا بناء على أن القواعد المقررة للشاك لا يشمل الغير الملتفت كالفاطع بالخلاف، هذا


(1) و (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 41 ح 3 و 1.

[ 222 ]

مع أنه من المحتمل أن يكون التعليل في الصحيحة بلحاظ اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء، وعلى هذا فحيث لا أمر من جهة عدم الالتفات لا إجزاء فلا يتم قول المشهور على الاطلاق فيدور الامر بين حمل هذه الاخبار المفصلة على الاستحباب أو تقييد الاخبار النافية للاعادة، ومع عدم الترجيح لا يبعد الرجوع إلى قاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه إلا أن يمنع عن عموم تلك القاعدة بواسطة الاخبار النافية فالمرجع البراءة. (ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة أزالها وأتم أو طرح عنه ما هي فيه إلا أن يفتقر ذلك إلى ما ينافي الصلاة فيبطلها) أما لزوم الا زالة وعدم جواز قطع الصلاة لو تمكن في الاثناء بدون حصول المنافي فيدل عليه الاخبار المستفيضة الواردة في دم الرعاف، منها صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرعاف أينقض الوضوء؟ قال: (لو أن رجلا رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فقال [ فمال خ ل ] برأسه فغسله فليبن على صلاته ولا يقطعها) (1) ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصيبه الرعاف وهو في الصلاة؟ فقال: (إن قدر على ماء عند يمينا وشمالا أو بين يديه وهو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصل ما بقي من صلاته وإن لم يقدر على ماء حتى ينصرف لوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته) (2) ويستفاد من هذه الصحيحة حكم صورة الافتقار إلى المنافي. (الثامن: المربية للصبي إذا لم يكن لها إلا ثوب واحد اجتزئت بغسله في اليوم والليلة مرة) على المشهور ويدل عليه رواية أبي حفص عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن امرأة ليس لها إلا قميص واحد ولها مولود فيبول عليه [ عليها خ ل ] كيف يصنع؟ قال: (تغسل القميص في اليوم مرة) (3) وضعف السند مجبور بالشهرة


(1) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 11. (2) الوسائل أبواب نواقض الوضو ب 7 ح 2. (3) الوسائل أبواب النجاسات ب 4 ح 1.

[ 223 ]

وعمل الاصحاب فلا يتجه الاشكال من جهة السند بل الاشكال في التعدي عن خصوص نجاسة البول إلى غيرها والتعدي من المربية إلى المربي فمع عدم القطع لابد من الاقتصار على مورد النص. (التاسع: من لم يتمكن من تطهير ثوبه ألقاه وصلى عريانا ولو منعه مانع صلى فيه وفي الاعادة قولان أشبههما أنه لا إعادة) المشهور أنه مع عدم التمكن من التطهير يصلي عريانا، واستدل عليه باطلاق النهي عن الصلاة في النجس، وبمضمرة سماعة قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض وليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: (يتيمم ويصلي عريانا قاعدا يومي إيماء) (1) هكذا رواها في محكي التهذيب، وعن الاستبصار (2) روايتها نحوها إلا أن فيه (ويصلى عريانا قائما يومي إيماء) وبخبر الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني؟ قال: يتيمم ويطرح ثوبه فيجلس مجتمعا فيصلي فيومي إيماء) (3) ويعارض الخبرين أخبار صحاح منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ قال: (إن وجد ماء غسله وإن لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا) (4) ومنها صحيحة محمد بن علي الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله؟ قال: (يصلى فيه) (5) وغيرهما، والخبران الدالان على لزوم الصلاة عريانا سندهما مجبور بعمل الاصحاب، وهذه الاخبار معتبرة بحسب السند، ولا يمكن الجمع بين الطرفين فلابد من التخيير بين الاخذ بالخبرين وهذه الاخبار، هذا في صورة التمكن من نزع الثوب


(1) الكافي ج 3 ص 396 تحت رقم 15 وفي التهذيب عن محمد بن يعقوب أيضا كما في الوسائل. (2) المصدر ج 1 ص 168 تحت رقم 583. (3) التهذيب ج 1 ص 406 تحت رقم 1278. (4) و (5) الوسائل أبواب النجاسات ب 45 ح 5 و 1.

[ 224 ]

وأما مع عدم التمكن ولو لمشقة البرد ونحوه فلا إشكال في لزوم الصلاة فيه لعدم سقوط التكليف بالصلاة، ودلالة الاخبار الصحاح التي نقلنا بعضها وقاعدة الاجزاء تقتضي عدم لزوم الاعادة بعد التمكن، وقيل بلزوم الاعادة تمسكا بموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة) (1) والاقرب حملها على الاستحباب لما أشرنا من قاعدة الاجزاء وعدم التعرض في الاخبار بحيث يظهر منها أن وظيفة المكلف منحصرة في الصلاة بالنحو المذكور. (العاشر. الشمس إذا جففت البول أو غيره من الارض والبواري والحصر جازت الصلاة عليه) والمدارك أخبار مستفيضة منها صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون عن السطح أو في المكان الذي يصلي فيه؟ فقال: (إذا جففته الشمس فصل عليه وهو طاهر) (2) وهذه الصحيحة يستفاد منها الطهارة فلا مجال لاحتمال أن يكون جواز الصلاة من جهة العفو لكن لا تعرض فيها لغير البول ومنها موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: (لا تصل عليه وأعلم موضعه حتى تغسله) وعن الشمس هل تطهر الارض؟ قال: (إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جايزة، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس، وإن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك) (3) وعن بعض نسخ التهذيب بدل (غير


(1) التهذيب ج 1 ص 407 تحت رقم 1279. [ فهو ] خ ل. (2) و (3) الوسائل ابواب النجاسات ب 29 ح 1 و 4.

[ 225 ]

الشمس) عين الشمس، وهذه الموثقة فيها التصريح بعموم الحكم لغير البول لكنها لم تصرح بالطهارة، فربما يستشهد بها للقول بالعفو لكنها بقرينة الصحيحة المذكورة تكون دليلا على الطهارة لاستبعاد أن يكون النظر إلى مجرد جواز الصلاة المستند فيما تنجس بالبول بالطهارة وفي غيره بالعفو، وأما الحصر والبواري فيستدل على حصول الطهارة لهما برواية أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر) (1) وبصحيحة علي بن جعفر عليه السلام عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلى عليه؟ قال: (إذا يبست فلا بأس) (2) وبصحيحة الاخرى عنه أيضا قال: (سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل؟ قال: نعم لا بأس) (3) ولا يخفى الاشكال في الاستدلال بهذه الروايات لطهارة الحصر والبواري، أما رواية الحضر مي فضعيف السند ولم يحرز استناد المشهور إليها ولا يمكن الاخذ بظاهرها حيث تدل على طهارة كلما أشرقت عليه الشمس وحملها على خصوص غير المنقول بعيد، وأما الصحيحتان فالاستدلال بهما مبني على إرداة السجود عليه من قوله: (أيصلى عليه) وقوله: (هل تصلح الصلاة عليها) ثم حمل الجفاف واليبس على ما حصل باشراق الشمس وهذا الحمل ليس بأولى من أن تحملان على جواز القيام للصلاة فأجاب الامام عليه السلام بالجواز لانه مع الجفاف لا مانع من الصلاة، بخلاف صورة عدم الجفاف حيث تتعدى النجاسة إلى الثوب والبدن، ولعل هذا الحمل أولى، وربما يقال في أصل المسألة بالعفو من دون حصول الطهارة، واستدل لهذا القول بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألته عن الارض والسطح يصيبه البول وما أشبه هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال: (كيف تطهر من غير ماء) (4) فهذه الصحيحة تنفي الطهارة وموثقة عمارة المتقدمة تثبت جواز الصلاة والنظر


(1) المصدر الباب ح 5 (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 30 ح 2. (3) و (4) الوسائل أبواب النجاسات ب 29 ح 3 و 7.

[ 226 ]

فيها إلى جواز السجود بقرينة أن الامام عليه السلام في صدر الموثقة حكم بعدم جواز الصلاة مع يبوسة الموضع القذر بغير الشمس فيظهر من مجموعهما العفو بدون الطهارة، فلا يخفى معارضة هذه الصحيحة مع صحيحة زرارة المذكورة في أول المسألة وهذه الحصيحة لا تكافئها للشهرة وموافقة صحيحة ابن بزيع لجماعة من العامة. على ما حكي. (وهل تطهر النار ما أحالته؟ الا شبه نعم) المشهور طهارة ما أحالته النار دخانا أو رمادا من النجاسات والمتنجسات، والظاهر مسلمية الحكم في الاعيان النجسة، وعن الوحيد البهبهاني (قده) دعوى الاجماع على إلحاق المتنجسات بها، ويظهر من بعض التردد في إلحاق المتنجس، والمستند في أصل الحكم أن الحكم إذا ثبت لموضوع لا يتعدى منه إلى ما ليس بذلك الموضوع، فإذا حكم بنجاسة الدم مثلا فلا وجه لتعدى حكم الدم إلى رماده من جهة أنه كان دما، وهذه الاختصاص له باحالة النار، بل كلما تبدل الموضوع يرتفع حكمه، ويمكن أن يقال إن تم ما ذكر لزم عدم كون أجزاء المركب محكومة بحكمه مثلا الكلب محكوم بالنجاسة فرجله أو يده منفردا يلزم أن لا يكون محكوما بالنجاسة لعدم صدق الكلب عليه، كما أنه إذا حكم بنزح مقدار من ماء البئر من جهة وقوع الكلب فيها يشكل الحكم بنزح ذلك المقدار من جهة وقوع بعض أجزائه، ولزم أنه إذا جزء الدم أو البول مثلا بالنحو الذي يعمله الاطباء من تجزية بعض الاشياء صارت التجزية موجبة لطهارة كل جزء لعدم صدق البول والدم، ولا يبعد أن يقال كما أنه في القذارات العرفية لا يرتفع الاستقذار بمجرد انقلاب الوصف العنواني كذلك في القذارات التي حكم الشرع بقذارتها ألا ترى أن البول قذر عند العرف ولا يرتفع قذارته بمجرد التجزية، نعم إذا استحيل بحيث يعد المستحال إليه أمرا مباينا للمستحيل كصيرورة النطفة حيوانا يرتفع القذارة، فمجرد انسلاب الوصف العنواني لا يوجب ارتفاع الحكم، ثم إنه استشكل في استحالة المتنجسات بأن التنجس ليس من أحكام المتنجس بما هو موصوف بوصف خاص

[ 227 ]

حتى يرتفع بارتفاعه، فالخشب مثلا إذا تنجس ليس محكوما بالنجاسة بما هو خشب بل بما هو جسم فإذا صار رمادا لم يرتفع تنجسه لعدم ارتفاع موضوعه، واجيب عن هذا الاشكال بأنه لم يعلم أن النجاسة في المتنجسات محمولة على الصورة الجنسية وهي الجسم وإن اشتهر في الفتاوي ومعاقد الاجماعات أن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما كان نجسا إلا أنه لا يخفى على المتأمل أن التعبير بالجسم لاداء عموم الحكم لجميع الاجسام من حيث سببية الملاقاة، وبتقرير آخر الحكم ثابت لاشخاص الجسم فلا ينافي ثوبته لكل واحد منهما من حيث نوعه أو صنفه المتقوم به عند الملاقاة وفيه نظر فانه إذا كان شئ قذرا عند العرف بحيث يكون ملاقاته مع الرطوبة موجبا لاستقذاره الملاقي، فالمستقذر عندهم ليس إلا الجسم لا الصنف ولا النوع فإذا لاقى ماء قليل للبول القذر عند العرف فليس المستقذر عندهم إلا الجسم المايع لامن حيث إنه ماء، فإذا حكم الشرع بقذارة شئ فالعرف لا يرى المتنجس به إلا الجسم، ويعامل المتشرعة مع الملاقي - بالفتح - ما يعاملون مع ما هو قذر عندهم، نعم لا يستقذر ما هو بنظرهم أمر مباين لم تنجس سابقا، وعلى ما ذكر في الجواب يلزم عدم الترديد في طهارة فحم خشب كان متنجسا لعدم صدق الخشب عليه مع وقوع الترديد فيه. (وتطهر الارض باطن الخف والقدم مع زوال النجاسة) والدليل عليه أخبار منها صحيحة الا حول عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال: (لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك) (1) ومنها رواية المعلى بن خنيس قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا؟ فقال: أليس وراءه شئ جاف؟ قلت: بلى قال: فلا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا) (2) ومنها صحيحة محمد الحلبي أو موثقته قال: (نزلنا في مكان بيننا زقاق قذر فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: أين نزلتم؟ فقلت نزلنا في


(1) و (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 32 ح 1 و 3.

[ 228 ]

دار فلان فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا - أو قلنا له: إن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا -؟ فقال: لا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا، فقلت: فالسرقين الرطب أطأ عليه؟ فقال: لا يضرك مثله) (1) ثم إن الظاهر اطراد الحكم في كل ما يتعارف المشي به من أسفل القدم والنعل وما جرى مجراهما لاطلاق صحيحة الاحول وترك الاستفصال في صحيحة محمد الحلبي، وقد يؤيد باطلاق العلة المنصوصة وفيه تأمل لا جمال قوله عليه السلام: (إن الارض يطهر بعضها بعضا) مضافا إلى أن اللازم تسرية الحكم إلى كل شئ تنجس بملاقاة الارض حتى مثل اليد والثوب ولا يلتزم به، ولا يبعد أن يكون التحديد بخمسة عشر ذراعا جريا على الغالب من ارتفاع اثر النجاسة بالمشي بهذا المقدار، ولا أقل من الاجمال فيؤخذ بمفاد ساير الاخبار، ثم انه لا فرق بين المشي والمسح بدون المشي، ويدل عليه صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه وهل يجب عليه غسلها؟ فقال: (لا يغسلها إلا أن يقذرها ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلى) (2). (وقيل في الذنوب يلقى على الارض النجسة بالبول أنها تطهر مع بقاء ذلك الماء على طهارته) والمستند رواية رواها أبو هريرة (3)، فلا تنهض في قبال قاعدة نجاسة الغسالة حجة وقاعدة الحرج لو فرض تحقق الحرج لا توجب الطهارة. (ويلحق بذلك النظر في الاواني، ويحرم منها استعمال أواني الذهب والفضة في الاكل [ والشرب ] وغيره) مستند الحكم أخبار مستفيضة من طرق الخاصة والعامة، فمن الجمهور انهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فانها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (4) وعن علي عليه السلام أنه قال: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة


(1) و (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 32 ح 4 و 7. (3) راجع عمدة القارى في شرح صحيح البخاري ج 1 ص 884. (4) كنز العمال للمولى على متقى ج 8 ص 16 تحت رقم 362. وراجع صحيح = >

[ 229 ]

إنما يجرجر في بطنه نارا) (1) ومن طريق الخاصة صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن آنية الذهب والفضة فكرههما، فقلت: قد روى بعض اصحابنا أنه كان لابي الحسن عليه السلام مرآة ملبسة فضة؟ فقال: (لا والله [ والحمد لله خ ل ] إنما كانت لها حلقة من فضة وهي عندي، ثم قال: إن العباس حين عذر عمل له قضيب ملبس من فضة من نحو ما يعمل الصبيان تكون فضة نحوا من عشرة دراهم فأمر به أبو الحسن فكسر) (2) في الحدائق وحسنة الحلبي أو صحيحته عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا تأكل في آنية من فضة ولا في آنية مفضضة) (3) وعن داود بن سرحان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا تأكل في آنية الذهب والفضة) (4) وعن محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام (أنه نهى عن آنية الذهب والفضة) (5) فنقول: أما استفادة حرمة خصوص الاكل والشرب فغير قابل للانكار وأما حرمة ساير التصرفات فيمكن استفادتها من رواية محمد بن مسلم ومن صحيحة محمد بن إسماعيل فان الكراهة وان كانت مجملة لكنها بقرينة ما دل على حرمة الاكل والشرب من الآينة تحمل على الحرمة ومع تعلقها بآنية الذهب والفضة لا مجال لحملها على مطلق المرجوحية الجامعة بين الحرمة والكراهة، لانه لم تتعلق الكراهة بالاستعمالات حتى تختلف باختلافها وانما تعلق بنفس الآنية وإن كان المصحح لتعلق الكراهة بها الاستعمالات، فعلى تقدير الخدشة من جهة السند في الرواية وعدم إحراز اتكال الاصحاب بها حتى ينجبر السند بالهشرة، لنا التمسك بالصحيحة، وأما بعض الاخبار الذي ورد فيه التعبير بلفظ (لا ينبغي) الظاهر في الكراهة المصطلحة فمأول لعدم عمل الاصحاب


= > البخاري ج 7 ص 146 وصحيح مسلم ج 6 ص 134 وسنن الترمذي ج 8 ص 69. و سنن أبى داود ج 2 ص 303. وسنن ابن ماجه ج 2 ص 1130 كلها كتاب الاشربة ومسند أحمد ج 2 ص 44 و 56 و 74 وج 1 ص 321. (1) المستدرك ج 1 ص 166 عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب النجاسات ب 65 ح 1 و 10 و 2 و 3.

[ 230 ]

به، هذا الكلام بحسب الحكم، وأما الموضوع فالظاهر أن الآنية جمع الاناء وتجمع على الاواني، والاناء قد فسر بالوعاء وعن جل اللغويين إيكال معرفة الاناء إلى العرف والقدر المتيقن بعض الادوات المصنوعة لان تستعمل ظرفا لدى الحاجة، وبعض هذه ايضا يشك في صدق الآنية كوعاء الحروز والتعويذات ومورد الشك محكوم بحلية التصرفات. (وفى المفضض قولان أشبههما الكراهية) يمكن استفادة الكراهة من الجمع بين الاخبار، ففي حسنة الحلبي أو صحيحته المتقدمة: (لا تأكل في آنية من فضة ولا في آنية مفضضة) وفى حسنة ابن سنان أو صحيحته عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضض واعزل فمك عن موضع الفضة) (1). (وأواني المشركين طاهرة ما لم يعلم نجاستها بمباشرتهم أو بملاقاة نجاسة لها) هذه الطهارة طهارة ظاهرية بمقتضى الاصل، والظاهر أن التعرض لخصوصها لكونها في معرض النجاسة. (ولا يستعمل من الجلود الا ما كان طاهرا في حال حياته مذكى) وجه التقييد بالطهارة والتذكية في الاستعمالات المشروطة بالطهارة كالاكل والشرب وغيرهما واضح، وأما الاستعمالات الغير المشروطة بالطهارة ففي حرمتها تأمل وكلام، وان نسب إلى ظاهر المشهور. (ويكره مما لا يؤكل لحمه حتى يدبغ على الاشبه) قد دلت الاخبار المستفيضة على جواز الانتفاع بجلود السباع وغيره مما لا يؤكل لحمه، منها موثقة سماعة المضمرة قال: (سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: ((إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأما الميتة فلا) (2) وحكي المنع من استعماله حتى يدبغ عن الشيخ والسيد - قدس سرهما - واستدل أيضا بالمرسل المروي في


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 66 ح 5 (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 49 ح 2.

[ 231 ]

كشف اللثام عن بعض الكتب عن الرضا عليه السلام (إن دباعة الجلد طهارته) ولا يخفى أن هذه الرواية بظاهرها لم يعمل الاصحاب من حيث إن ظاهره عدم الفرق بين المأكول وغيره وطهارة الجلد بمجرد الدبغ، وهذا مطابق لمذهب العامة، والحاصل أنه لا دليل على ثبوت الكراهة. (وكذا يكره من أواني الخمر ما كان خشبا أو قرعا) حكي عن الشيخ وابن الجنيد وابن البراج المنع من استعمال ما ينفذ فيه الخمر غسل أو لم يغسل، واستدل له بصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن نبيذ قد سكن غليانه؟ قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام. قال: وسألته عن الظروف؟ فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدباء المزفت وزدتم أنتم الحنتم - يعني الغضار والمزفت يعني الزفت الذي يكون في الزق فيصبب في الخوابي [ الذى في الزق ويصير في الخوابي خ ل ] ليكون أجود للخمر قال: وسألته عن الجرار الخضر والرصاص؟ فقال: لا بأس بها) (1) ورواية أبى الربيع الشامي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (نهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل مسكر فكل مسكر حرام، قلت: فالظروف يصنع فيها منه؟ قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير، قلت: وما ذاك؟ قال: (الدباء القرع، والمزفت الدنان والحنتم جرار خضر، والنقير خشب كان اهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها) (2) وفيه أن الظاهر أن النهي من جهة نفوذ اجزاء المسكر في هذه الاواني واختلاط تلك الاجزاء مع أجزاء مايع طاهر صب في هذه الاواني ولا إشكال فيه، أما لو فرض التطهير بحيث لا يحصل امتزاج واختلاط مع المايع الطاهر فما المانع من استعمالها، والدليل على قبولها للطهارة الاخبار المستفيضة كموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: (إذا غسل فلا بأس - إلى أن قال - وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال: يغسله ثلاث مرات -


(1) و (2) الكافي ج 6 ص 418 والوسائل أبواب النجاسات ب 52 ح 2 و 1.

[ 232 ]

الحديث) (1) فالحكم بالكراهة المصطلحة محل إشكال. (ويغسل الاناء من ولوغ الكلب ثلاثا اولهن بالتراب على الاظهر، ومن الخمر والفارة ثلاثا والسبع افضل ومن غير ذلك مرة والثلاث احوط) الدليل على الحكم الاول ما رواه ابن أبى العباس الفضل عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث أنه سأله عن الكلب فقال: (رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسلها بالتراب اول مرة ثم بالماء) (2) ونقل المصنف (قده) هذه الرواية بزيادة لفظ (مرتين) بعد قوله عليه السلام (ثم بالماء) فعلى الاول يكتفي بالمرة لتحقق الغسل بها وعلى الثاني لابد من المرتين، فلا بد من الاحتياط استصحابا للنجاسة بناء على عدم جريان البراءة في هذه الموارد على تأمل فيه هذا ولكن يعارض هذه الرواية صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الكلب يشرب من الاناء؟ قال: (اغسل الاناء - الحديث -) (3) فيدور الامر بين تقييد هذه الصحيحة بتلك الرواية أو حمل تلك الرواية على الاستحباب فيكون التعفير مستحبا، ولا يخفى أن التعفير أم كالمباين للغسل، فالجواب في هذه الصحيحة بقوله عليه السلام: (اغسل الاناء) سواء كان مطلقا وفى مقام البيان أو كان في مقام الاهمال لا يجتمع مع وجوب التعفير فلولا ذهاب المشهور إلى وجوب التعفير لكان الجمع باستحباب التعفير اولى إلا ان يستبعد بأن قوله عليه السلام: (ثم بالماء) معطوف على قوله: (بالتراب) فيلزم أن يكون قوله عليه السلام: (اغسله) محمولا على الاستحباب والوجوب باختلاف المتعلقين فتأمل، وعلى أي تقدير يجمع بين الروايتين وموثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام في الاناء يشرب فيه النبيذ؟ قال: (تغسله سبع مرات وكذا الكلب) (4) بالحمل على استحباب الغسل بالماء سبع مرات ويمكن أن يقال بعد ما كان


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 51 ح 1 عن الكافي ج 6 ص 427. (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 70 ح 1. (3) الوسائل أبواب الاسئار ب 1 ح 3. وأبواب النجاسات ب 12 ح 3. (4) الوسائل كتاب الاشربة أبواب الاشربة المحرمة ب 30 ح 2.

[ 233 ]

التعفير كأنه مباين للغسل فيبعد أن يكون التعفير مندرجا في السبع كبعد أن لا يكون في مقام بيان تمام ماله الدخل في تطهير الاناء، فالاولى أن يجمع بين الطرفين بالتخيير. فان اختار التعفير يكتفي بالغسل مرة أو مرتين والا فلا بد من الغسل سبع مرات، ومع قطع النظر عن هذا يتوجه الاشكال بانه كما تقيد صحيحة ابن مسلم بالرواية السابقة كذلك تقيدان بهذه الموثقة كما تقييد الموثقة بالرواية الاولى المشتملة على التعفير كما انه مع التخير في الجمع لعل المرجع استصحاب النجاسة على تأمل اشير إليه، نعم لا يمكن التقيد على تقدير وجود لفظ (مرتين) في الرواية الاولى لكنه لم يثبت. وأما الدليل على الحكم الثاني فبالنسبة إلى الخمر موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: (إذا غسل فلا بأس، وعن الابريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس. وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات، وسئل أيجزيه ان يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات) (1) فيكون هذه الموثقة مقيدة للاطلاقات على فرض كونها في مقام البيان، ويجمع بين هذه الموثقة والموثقة الاخرى عن ابى عبد الله عليه السلام في الاناء يشرب فيه النبيذ؟ قال: (يغسل سبع مرات وكذا الكلب) (2) بالحمل على الاستحباب والافضلية، ولا يخفى ان هذا يتم بناء على إتحاد الخمر والنبيذ في كيفية التطهير والا فلا وجه لما ذكر. وأما بالنسبة إلى الفارة الميتة فلم يثبت عليه بالخصوص دليل يدل على الثلاث فيكون مشمولا لما دل على وجوب غسل الاناء ثلاث مرات من غير تقييد والدليل عليه موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الكوز أو الاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: (يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 51 ح 1. (2) تقدم آنفا.

[ 234 ]

فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه وقد طهر) (1) ولا يخفى انه بمقتضى هذه الموثقة يتعين في غسل الاواني بالماء القليل ثلاث مرات وقيل يجب في خصوص ميتة الجرذ - وهو الذكر من الفئران يكون في الفلوات - غسل الاناء المتنجس بها سبع مرات، والمستند موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات) (2) ومقتضى القاعدة تقييد تلك الموثقة في خصوص الجرذ بهذه، وربما يستبعد وجوب السبع من أنه لم يجب السبع لما هو أنجس منه كموت الكلب والخنزير وهذا استبعاد في محله، ومع ذلك فرفع اليد عن ظهور الموثقة من جهته مشكل. تم كتاب الطهارة وأسأل الله - تبارك وتعالى - التوفيق لما يتلوه.


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 53 ح 1. (2) الوسائل أبواب النجاسات ب 53 ح 2.

[ 235 ]

كتاب الصلوة من كتاب جامع المدارك في شرح المختصر النافع

[ 236 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن على اعدائهم اجمعين من الآن إلى يوم الدين. (كتاب الصلاة) (والنظر في المقدمات والمقاصد، والمقدمات سبع الاولى في الاعداد والواجبات تسع: الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة والعيدين، والكسوف الزلزلة، الآيات، والطواف والاموات، وما يلتزمه الانسان بنذر وشبهه وما سواها مسنون. والصلوات الخمس سبع عشرة ركعة في الحضر وإحدى عشرة ركعة في السفر ونوافلها أربع وثلاثون ركعة على الاشهر في الحضر: ثمان للظهر قبلها وكذا للعصر وأربع للمغرب بعدها وبعد العشاء ركعتان من جلوس تعدأن بواحدة وثمان لليل وركعتان للشفع وركعة للوتر وركعتان للغداة قبلها) ويدل على عدد ركعات النوافل اخبار كثيرة: منها خبر البزنطي قال: (قلت لابي الحسن عليه السلام: (إن اصحابنا يختلفون في صلاة التطوع بعضهم يصلى أربعا وأربعين ركعة وبعضهم يصلى خمسين فأخبرني بالذى تعمل به انت كيف هو حتى أعمل بمثله فقال: اصلي بواحدة وخمسين ركعة ثم قال: امسك وعقد بيده: الزوال ثمانية وأربعا بعد الظهر وأربعا قبل العصر وركعتين بعد المغرب وركعتين قبل عشاء الآخرة وركعتين بعد العشاء من قعود تعدان بركعة من قيام وثمان صلاة الليل والوتر ثلاثا وركعتي الفجر والفرائض سبع عشرة فذلك احدى وخمسون ركعة) (1) ومنها ما عن الكليني والشيخ في الصحيح عن حارث بن المغيرة النضري قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: صلاة النهار ست عشرة ركعة ثمان إذا زالت


(1) الوسائل كتاب الصلاة أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 7.

[ 237 ]

الشمس وثمان بعد الظهر وأربع ركعات بعد المغرب - يا حارث لا تدعها في سفر ولا حضر - وركعتان بعد العشاء الآخرة كان ابى يصليها وهو قاعد وأنا اصليها وأنا قائم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل) (1) وربما يظهر من جملة من الاخبار ان المعروف في الصدر الاول ان عدد الركعات خمسون باسقاط الوتيرة ويظهر من بعض الاخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان ينام بعد العشاء ولا يأتي بالركعتين بعد العشاء ويظهر من بعض الاخبار حصر النوافل في اقل مما ذكر ويمكن الحمل على تأكد مقدار منها ولا ينافي مع استحباب المجموع وعلى فرض الاباء المعارضة مع ما دل على أن مجموع الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة لابد من العمل بتلك الطائفة لعدم العمل بمضمون الاخبار المخالفة. (ويسقط في السفر نوافل الظهرين وفي سقوط الوتيرة قولان) أما سقوط نوافل الظهرين فيدل عليه النصوص المسفيضة منها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ الا المغرب ثلاث) (2) ومنها صحيحة حذيفة بن منصور عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام انهما قالا: (الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولابعدهما شئ) (3) وظاهر هاتين الصحيحتين وغيرهما من الاخبار سقوط الوتيرة ويظهر من بعض الاخبار عدم سقوطها فمن الشيخ - قدس سره - باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في حديث أنه قال: (وانما صارت العتمة وليس تترك ركعتاها لان الركعتين ليستا من الخمسين وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع) (4) هذا مضافا إلى ما رد في خصوص الوتيرة من التأكيد في فعلها مطلقا مثل صحيحة زرارة قال قال: أبو جعفر عليه السلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر) (5) ويمكن أن يقال: إن رواية فضل بن شاذان


(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 8. (2) و (3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 3 و 2. (4) و (5) الوسائل أبواب أعداد الفرائض ب 28 ح 3 و 1.

[ 238 ]

وان كانت معتبرة في نفسها لكن إعراض المشهور يمنع عن العمل بها إلا أن يقال: بعض تلك الاخبار كالصريح في السقوط فمثل صحيحة عبد الله بن سنان حيث استثنى المغرب غير قابل للتخصيص بهذه الرواية فلعل المشهور أخذوا بتلك الاخبار ترجيحا وهذا النحو من الاخذ لا يوجب الوهن في الرواية ولا يخفى أن مثل هذه الصحيحة لا يعارضها مثل صحيحة زرارة المذكورة بل تلك الصحيحة مخصصة لهذه (ولكل ركعيتن من هذه النوافل تشهد وتسليم وللوتر بانفراده) ويدل عليه خبر علي بن جعفر عليه السلام المروي عن قرب الاسناد عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصلي النافلة يصلح له أن يصلي أربع ركعات لا يسلم بينهن؟ قال: لا إلا أن يسلم بين كل ركعتين) (1) وما عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله عن ابى بصير قال: قال أبو جعفر عليه السلام في حديث: (وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم) (2) وضعف السند في الاخبار الواردة في المسألة مجبور بعمل الاصحاب بل ادعى الاجماع عليه، ولا يخفى استفادة كيفية الوتر مما ذكر حيث انه صلاة مفصولة عن صلاة الليل والشفع ويحتاج إلى تشهد وتسليم منفردا. (الثانية في المواقيت والنظر في تقديرها ولواحقها: أما الاول فالروايات فيه مختلفة ومحصلها اختصاص الظهر عند الزوال بمقدار أدائها ثم يشترك الفرضان في الوقت والظهر مقدمة حتى يبقى للغروب مقدار اداء العصر فتختص به) والدليل على اختصاص الظهر عند الزوال بمقدار ادائها ما رواه الشيخ - قدس سره - عن داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلى المصلي أربع ركعات - الخبر -) (3) وفي قباله أخبار كثيرة تدل على اشتراك الفرضين في الوقت من أول الزوال منها صحيحة عبيد بن زرارة (إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين الظهر


(1) و (2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 2 و 3. (3) التهذيب كتاب الصلاة ج 2 ص 25 تحت رقم 70.

[ 239 ]

والعصر جميعا الا ان هذه قبل هذه، ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس) (1) ومنها خبره الآخر الذى رواه عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل قال: ان الله افترض أربع صلوات أول وقتها زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان اول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه، ومنها صلاتان اول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه) (2) ورواية داود بن فرقد وان كانت مرسلة الا انها معمول بها مضافا إلى انها بحسب السند صحيح إلى الحسن بن فضال وبنو فضال ممن امر بأخذ رواياتهم فلا إشكال من حيث السند وقيد يجمع بينهما وبين الروايات الدالة على اشتراك الوقت من أول الزوال إلى آخره بحمل الروايات على كون النوقت صالحا للفرضين لو لا حيث تقدم الظهر على العصر وبملاحظة هذه الحيثية جعل الوقت بمقدار أداء الفريضة وقتا للظهر والحاصل أنه إذا زالت الشمس دخل الوقتان بموجب الاقتضاء الذاتي الا ان قبلية الظهر على العصر اوجبت جعل مقدار من الوقت خاصا له وهذا نظير إيجاب النافلة تأخير وقت فضيلة الفريضة عن أول وقتها، ولا يخفى بعد الحمل المذكور فان مساق الاخبار الدالة على الاشتراك ليس غير مساق قوله عليه السلام في رواية داود بن فرقد فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر فكيف يحمل إحدى العبارتين على الاقتضاء الذاتي والاخرى على مقام الفعلية والحاصل ان حمل الاخبار على مقام الاقتضاء الذاتي الذى لا يترتب عليه أثر بحسب العمل بحيث يكون صلاة العصر في اول الزوال كالصلاة قبل الزوال بعيد جدا خصوصا حمل بعض روايات الباب فانظر إلى رواية إسماعيل بن مهران قال: (كتبت إلى الرضا عليه السلام ذكر اصحابنا انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة الا أن هذه قبل هذه في السفر والحضر وإن وقت المغرب إلى ربع الليل؟ فكتب: كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق وآخر وقتها ذهاب الحمرة ومصيرها إلى البياض


(1) و (2) التهذيب كتاب الصلاة ج 2 ص 25 و 24 تحت رقم 68 و 72.

[ 240 ]

في افق المغرب) (1) فهل تجد الفرق بين وقت المغرب الذى حكم الامام عليه السلام بأنه ضيق ووقت الظهرين والحاصل انه لو لا مخافة مخالفة المشهور لامكن الاخذ بظاهر الاخبار الدالة على الاشتراك ترجيحا أو تخييرا ولازمه صحة صلاة العصر لو أتى به غفلة في أول الزوال وكذلك تصح صلاة الظهر في آخر النهار اداء لو حصل الفراغ من العصر بحيث لا يجوز تأخير الظهر إلى بعد المغرب. (ثم يدخل وقت المغرب فإذا مضى مقدار أدائها اشترك الفرضان في الوقت والمغرب مقدمة حتى يبقى لانتصاف الليل مقدار أداء العشاء فتختص به) ويدل على الاختصاص ما في رواية داود بن فرقد المتقدمة آنفا ففيها (فإذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضى مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل ما يصلي المصلى أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقى وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل) والدليل على الاشتراك اخبار منها ما تقدم آنفا ومنها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: (إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهرو العصر فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة) (2) والمعارضة المذكورة آنفا تجئ هنا والكلام الكلام. ويمكن ان يقال يستفاد من قوله عليه السلام في الاخبار الدالة على الاشتراك (الا ان هذه قبل هذه) امران: احدهما شرطية الترتيب بمعنى مدخلية إتيان صلاة الظهر والمغرب قبل العصر والعشاء، والآخر اختصاص مقدار من الوقت من اوله بخصوص الظهر والمغرب ومقدار من آخره للعصر والعشاء بحيث لا يصلح الوقتان لغير صاحبه، فلو فرض سقوط الترتيب لغفلة أو نسيان أو لضيق الوقت من طرف الآخر لا يصلح الوقت إلا لصاحبته دون غير صاحبة الوقت، وتوضيح ذلك انه إذا تعلق امر مطلق بصلاة الظهر من الزوال إلى الغروب، ثم ورد امر آخر بايقاع العصر بعدها كذلك وجب


(1) رواه الكليني في الكافي ج 3 ص 281 تحت رقم 16. (2) التهذيب كتاب الصلاة (ج 2 ص 19) تحت رقم 54.

[ 241 ]

تقييد كل من الامرين بالآخر وجعلهما بمنزلة امر متعلق بكلا الفعلين على الترتيب ففي اول الوقت لا مجال لامتثال الامر الثاني لانه لم يجئ بعد زمان متعلقه وفى آخر الوقت ايضا فاتت إذ لا يقتضي بقاء الامر بها مع كون المكلف مأمورا بايقاع العصر بعدها، والظاهر ان نظر بعض الاعظام إلى هذا في الاستدلال على اختصاص آخر الوقت بخصوص العصر، واورد عليه بأن هذه العبارة يعني (إلا أن هذه قبل هذه) إما لبيان الترتيب فقط، واما لبيان دخول وقت الظهر اول الزوال قبل العصر وعلى الثاني فلا دلالة لها على تعيين خصوص العصر في آخر الوقت وعلى الاول تدل على اشتراط الترتيب بين الظهر ولازم ذلك وإن كان اختصاص الوقت الفعلي من أول الزوال بالظهر لكن اختصاص آخر الوقت بالعصر لا يفهم منه فانه بعد عدم اتساع الوقت الا لاربع ركعات لو كان اشتراط الترتيب محفوظا فلا يمكن العصر ولو كان ساقطا فالوقت صالح لهما فيحتاج تعيين احد الفرضين إلى دليل آخر ويمكن أن يقال: ان العبارة المذكورة ظاهرة في اعتبار الترتيب ومع ذلك يستفاد منهما اختصاص اول الوقت بالفرض الاول واختصاص آخر الوقت بالفرض الثاني فعند تضيق الوقت وعدم اتساعه الا لاربع ركعات وان سقط الترتيب لكن الوقت غير صالح لكلا الفرضين، هذا ولكن الظاهر منافاة هذا المعنى مع قوله عليه السلام في صحيحة عبيد بن زرارة (إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين الظهر والعصر جميعا) فانه لا يظهر فائدة للفظ (جميعا) الا صلوح وقت لكلا الفرضين، ثم لا يخفى أنه بعد صراحة الاخبار المذكورة في دخول وقت الصلاتين الظهرين والعشائين بالزوال والمغرب الا ان صلاة الظهر والمغرب قبل العصر والعشاء تحمل الاخبار الواردة الدالة بظاهرها على ان وقت الظهر يدخل بعد الزوال بقدم أو قدمين أو ذراع أو غيرها وكذا ما دل على أن وقت وجوب العشاء غيبوبة الشفق المفسر بالحمرة، وأو أن أول وقت العشاء ذهاب الحمرة على رعاية النافلة أو إرادة وقت الفضلية جمعا بين الطرفين. (فإذا طلع الفجر الثاني دخل وقت صلاته ممتدا حتى تطلع الشمس)

[ 242 ]

ويدل عليه الاخبار منها رواية زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: (وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى ان تطلع الشمس) (1) وموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه امر أن يصلي المكتوبة من الفجر ما بين أن يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس. وذلك في المكتوبة خاصة، فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته) (2) والمراد بالفجر في الروايات في الباب هو الفجر الثاني للاخبار المستفيضة منها رواية على بن عطية عن ابى عبد الله عليه السلام أنه قال: (الصبح هو الذى إذا رأيته كان معترضا كأنه بياض نهر سورى) (3) وعن الصدوق في الفقيه في الصحيح أو الحسن عن عاصم بن حميد عن ابى بصير ليث المرادى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر إ؟ فقال: (إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء، فثم يحرم الطعام على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر، قلت: أفلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس؟ قال: هيهات أين يذهب بك تلك صلاة الصبيان) (4) ثم انه قد يقال: مقتضي ظاهر الكتاب والسنة وكذا فتاوي الاصحاب اعتبار اعتراض الفجر وتبينه في الافق بالفعل فلا يكفي التقدير لو أثر القمر في تأخر تبين البياض المعترض في الافق، ولا يقاس ذلك بالغيم ونحوه، فان ضوء القمر مانع عن تحقق البياض ما لم يقهره ضوء الفجر والغيم مانع عن الرؤية لا عن التحقق، وفيه نظر لان تحقق طلوع الفجر واعتراضه بالفعل مسلم اعتباره، وأما تبينه في الافق فان كان له موضوعية في الحكم تم ما افيد واما ان كان اعتباره من باب الطريقية فمع العلم بالطلوع يترتب الحكم ولو لم يتبين بالرؤية وضوء القمر لا يمنع عن ضوء الفجر والظاهر انه كنوز ضعيف لسراج واقع في نور شديد لسراج آخر فالنور الاول موجود لكنه لاظهور له فما افيد من أن ضوء القمر مانع عن تحقق البياض


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 26 ح 6. (2) التهذيب كتاب الصلاة (ج 2 ص 38) تحت رقم 120. (3) و (4) الوسائل أبواب المواقيت ب 27 ح 2 و 1.

[ 243 ]

ممنوع، ثم نقول الحكم معلق في لسان غير واحد من الاخبار على ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ولعل المراد من الآية (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) طريقية التبين ولعله يشهد على هذا خبر علي بن مهزيار قال: كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبى جعفر الثاني عليه السلام معي جعلت فداك قد اختلف موالوك [ مواليك خ ل ] في صلاة الفجر فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الاول المستطيل في السماء ومنهم من يصلي إذا اعترض في اسفل الافق واستبان ولست اعرف افضل الوقتين فاصلي فيه فان رأيت ان تعلمني افضل الوقتين وتحده لي وكيف اصنع مع القمر والفجر لا يتبين معه حتى يحمر ويصبح، وكيف اصنع مع الغيم وما حد ذلك في السفر والحضر؟ فعلت إن شاء الله. فكتب عليه السلام بخطه وقرأته (الفجر - يرحمك الله - هو الخيط الابيض المعترض وليس هو الابيض صعدا فلا تصل في سفر ولا حضر حتى تبينه فان الله تبارك وتعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا فقال: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) فالخيط الابيض هو المعترض الذي يحرم به الاكل والشرب في الصوم وكذلك هو الذى يوجب به الصلاة) (1) وجه الاستشهاد امران: احدهما قوله عليه السلام: (فالخيط الابيض هو المعترض الذى يحرم به - الخ -) حيث يظهر منه أن المحرم والموجب نفس الخيط لا تبينه والآخر ان السائل سأل وكيف اصنع مع الغيم فجوابه عليه السلام (فلا تصل في سفر ولا حضر حتى تبينه) لا يلائم الا مع طريقية التبين لانه من المعلوم انه مع عدم ظهور الفجر بواسطة الغيم يحرم الاكل والشرب ويجب الصلاة مع طلوع الفجر واقعا، وربما يؤيد عدم مدخلية التبين في الموضوع ما ورد في بعض الاخبار من تعيين وقت بعض النوافل في الفجر الكاذب فانه مع القمر لا يظهر الفجر الكاذب والفجر الصادق يقابله فإذا قيل: لا تصل عند طلوع الفجر الكاذب وصل عند طلوع الفجر الصادق لا يفهم من هذا الكلام الا الوجود الواقعي منهما وان لم يتبينا فتأمل، ثم على تقدير الاجمال لا وجه لرفع اليد عما يظهر


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 27 ح 4.

[ 244 ]

منه موضوعية نفس طلوع الفجر واقعا ثم انه يظهر من بعض الاخبار عدم جواز تأخير صلاة الغداة إلى أن تنقضي النجوم كعدم جواز تأخير العشاء إلى ان تشتبك النجوم فلا بد من رد علمه إلى اهله لما عرفت من صراحة الاخبار في جواز التأخير (ووقت نافلة الظهر من حين الزوال حتى يصير الفيئ على قدمين، ونافلة العصر إلى أربعة اقدام، ونافلة المغرب بعدها حتى تذهب الحمرة المعربية، وركعتا الوتيره تمتد بامتداد العشاء) اما تحديد وقت نافلة الظهر والعصر بصيروة الفيئ قدمين اي سبعي الشاخص وأربعة أقدام فيدل عليه اخبار منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن وقت الظهر فقال: (ذراع من زوال الشمس ووقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك اربعة اقدام من زوال الشمس، ثم قال: ان حائط مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله كان قامة فكان إذا مضى منه ذراع صلى الظهر وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر، ثم قال: اتدرى لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت: لم جعل ذلك؟ قال: لمكان النافلة لك ان تتنفل من زوال الشمس إلى ان يمضي ذراع فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة وإذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة) (1) ويمكن ان يقال: ان مثل هذه الصحيحة لا تدل على المطلوب لانها متعرضة لوقت الفضيلة للظهرو العصر فلعل الوقت الذى عين فيها للنافلة ايضا وقت الفضيلة لا مطلق الوقت فلا تقيد الاخبار المطلقة على فرض إطلاقها وقيل بامتداد الوقت بامتداد وقت الفريضة، واستدل لهذا القول بجملة من الاخبار المتضمنة لاستحباب هذه النوافل قبل الفريضة بقول مطلق كقولهم عليهم السلام (إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، الا ان بين يديها سبحة وهي ثمان ركعات إن شئت طولت وان شئت قصرت) (2) وقولهم عليهم السلام عند تعداد النوافل (ثمان ركعات قبل الظهرو ثمان بعدها أو أربع بعدها أو أربع قبل العصر) إلى غير ذلك، وأورد عليه بأن هذه المطلقات مسوقة لبيان حكم آخر لا يصح التمسك باطلاقها لاثبات امتداد الوقت ولو سلم


(1) الفقيه باب مواقيت الصلاة تحت رقم 7 وفي الوسائل المواقيت باب 8 ح 2. (2) الوسائل أبواب المواقيت ب 5 ح 1 و 4.

[ 245 ]

إطلاقها يقيد بالاخبار المقيدة ويمكن أن يقال: اما التقييد فقد عرفت الاشكال فيه وأما منع إطلاق الاخبار فمشكل فان الظاهر كون بعض الاخبار المتعرضة لعدد ركعات النوافل في مقام البيان فلاحظ خبر الاعمش المروي عن الخصال عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث شرايع الدين قال: (وصلاة الفريضة الظهر أربع ركعات، والعصر اربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع ركعات، والفجر ركعتان، فجملة الصلاة المفروضة سبع عشرة ركعة والنسة اربع وثلاثون ركعة منها أربع ركعات بعد المغرب لا تقصير فيها في السفر والحضر وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعد ان بركعة، وثمان ركعات في السحر وهي صلاة الليل، والشفع ركعتان، والوتر ركعة، وركعتا الفجر بعد الوتر، وثمان ركعات قبل الظهر، وثمان ركعات بعد الظهر قبل العصر، والصلاة تستحب في أول الاوقات) (1) فلا مانع من الاخذ باطلاق الرواية والظاهر كونها في مقام البيان بقرينة التعرض للوقت حيث عين وقت صلاة الليل في السحر وان كان تعيين خصوصه للفضيلة، واستدل ايضا بالاخبار المستفيضة الدالة على أن صلاة التطوع بمنزلة الهدية وان المكلف مخير في الاتيان بها في أي ساعة شاء من النهار وهذه الاخبار بعضها متعرضة لمطلق صلاة التطوع فلا دخل له بمسئلتنا الا من جهة الاخذ بعمومه وبعضها متعرضة لصورة العذر والاشتغال بأمر مانع عن الاشتغال بالصلاة، وبعضها متعرضة للاتيان بعنوان القضاء وما كان منها مطلقا لم يعمل المشهور بها مع انها وصلت إلينا بتوسطهم، نعم حكي عن الشيخ - قد سره - في التهذيب أنه حمل هذه الاخبار على الرخصة في التقديم لمن علم من حالها أنه إن لم يقدمها اشتغل عنها ولم يتمكن من قضائها، قال: فأما مع عدم العذر فلا يجوز تقديمها، واما نافلة المغرب فقد اشتهر انها بحسب الوقت محدودة بذهاب الحمرة المغربية، وعن الشهيد - قدس سره - الميل إلى امتدادها بوقت المغرب، واستجوده في كشف اللثام واستدل للمشهور بأنه المعهود من فعلها من النبي صلى الله عليه وآله وغيره والمنساق مما ورد فيه من النصوص، وقد ورد في بعض


(1) الوسائل أبواب عدد الفرائض ب 13 ح 25.

[ 246 ]

النصوص التصريح بضيق وقت المغرب فكيف تتأخر نافلته، ولا يخفى ضعف ما ذكر فان المعهودية لا تفيد الا انه القدر المتيقن ولا يستفاد من النصوص غير إتيان النافلة بعد المغرب والتصريح في بعض النصوص بضيق الوقت اولا محمول على الفضيلة للاخبار الدالة على امتداد الوقت إلى انتصاف الليل وثانيا نقول: لا ملازمة بين ضيق وقت المغرب وضيق وقت النافلة نعم ان بنينا على حرمة التطوع في وقت الفريضة والاقتصار في جوازه على القدر المتيقن تم قول المشهور وقد يستدل على الامتداد بصحيحة أبان ابن تغلب قال: (صليت خلف ابى عبد الله عليه السلام المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الآخرة ولم يركع بينهما ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات ثم قام فصلى العشاء الآخرة الحديث) (1) واستدل له أيضا باطلاق الاخبار الآمرة لفعلها بعد المغرب وباستصحاب بقاء الوقت ويمكن ان يقال: أما الصحيحة فلم يعلم أن التنفل المذكور فيها كان بعنوان نافلة المغرب وأما التمسك باطلاق الاخبار فلعله ينافي مع ما اختاره المستدل في مسألة امتداد نافلتي الظهر والعصر من عدم كون الاخبار في مقام البيان من هذه الجهة وان كان الظاهر تمامية اطلاق بعض الاخبار، واما الاستصحاب فهو مبني على جريانه في الشبهات الحكمية وهو محل نظر، واما الوتيرة فلا خلاف ظاهرا في امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة واستدل له باطلاق الادلة السالمة عن المعارض وقد يقال باعتبار البعدية العرفية فلو أتى بالعشاء في اول وقته فلا يجوز ان يأتي بالوتيرة قريب نصف الليل بناء على انتهاء الوقت بانتصاف الليل، والظاهر انه من باب الانصراف البدوي والبعدية المعتبرة فيها في قبال قبلية نافلة الظهر والعصر وصلاة الغداة. (وصلاة الليل بعد انتصافه وكلما قرب من الفجر كان أفضل، وركعتا الشفع والوتر بعد الفراغ من الليل وركعتا الفجر بعد الفراع من الوتر وتأخيرهما حتى تطلع الفجر الاول أفضل وتمتد حتى تطلع الحمرة المشرقية) اما الدليل على وقت صلاة الليل فجمله من الاخبار منها صحيحة فضيل (2) عن احدهما عليهما السلام أن رسول


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 1 ح 1. (2) المصدر أبواب المواقيت ب 43 ح 3.

[ 247 ]

الله صلى الله عليه وآله كان يصلي بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة ولكنها لا يستفاد منها عدم كون ما قبل انتصاف الليل وقتا، ويمكن الاستدلال له بمرسلة الصدوق قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل إلى آخره) (1) والشهرة جابرة لضعفها واما الحكم بأنه كلما قربت من الفجر كان أفضل فلم نقف على دليل عليه بهذا العنوان نعم في غير واحد من الاخبار الامر بايقاعها في آخر الليل وفى بعضها التحديد بالثلث وأما تأخير الشفع والوتر عن صلاة الليل فيمكن الاستدلال عليه بصحيحة الحلبي أو حسنته المروية عن الكافي الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا صلى العشاء الآخرة امر بوضوئه وسواكه يوضع عند رأسه مخمرا فيرقد ما شاء الله ثم يقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي أربع ركعات، ثم يرقد فيستاك ويتوضأ ويصلي أربع ركعات، ثم يرقد حتى إذا كان في وجه الصبح قام فأوتر ثم صلى الركعتين ثم قال: (لقد كان في رسول الله اسوة حنسة) قلت: متى يقوم؟ قال: بعد ثلث الليل) (2) وقال الكليني - قدس سره -: وفي حديث آخر (بعد نصف الليل) ووأما جواز إتيان ركعتي الفجر بعد صلاة الليل اعني مجموع إحدى عشرة ركعة فيدل عليه اخبار منها صحيحة احمد بن محمد بن ابى نصر قال: سألت الرضا عليه السلام عن ركعتي الفجر قال: (احشوا بهما صلاة الليل) (3) ومنها موثقة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: (إنما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلى جملة واحدة ثلاث عشرة ثم ان شاء جلس فدعا وان شاء نام وإن شاء ذهب حيث شاء) (4) واما فضيلة الفجر الاول فيدل عليها ما رواه الشيخ - قد سره - في الصيح عن اسماعيل بن سعد الاشعري قال: سألت ابا الحسن الرضا عليه السلام عن افضل ساعات الوتر فقال: (الفجر الاول) (5) ذلك بانضمام ان ركعتي الفجر بعد الوتر، واما امتداد الوقت


(1) الفقيه ص 126 باب وقت صلاة الليل تحت رقم 1. (2) الكافي ج 3 ص 445 باب صلاة النوافل تحت رقم 13. (3) الوسائل أبواب المواقيت ب 50 ح 1. (4) الوسائل أبواب التعقيب ب 35 ح 2. (5) في الوسائل أبواب المواقيت باب 54 ح 3 عن اسماعيل بن سعد الاشعري قال: = >

[ 248 ]

إلى طلوع الحمرة فيدل عليه مرسلة إسحاق بن عمار عنه عليه السلام قال: (صل الركعتين ما بينك وبين ان يكون الضوء حذاء رأسك فان كان بعد ذلك فابدء بالفجر) (1) والظاهر مقارنة صيرورته الضوء كذلك لطلوع الحمرة. (وأما اللواحق فمسائل: الاولى يعلم الزوال بزيادة الظل بعد انتقاصه و بميل الشمس إلى الحاجب الايمن ممن يستقبل القبلة، ويعرف الغروب بذهاب الحمرة المشرقية) اما علامة الزوال فقد نبه عليها في جملة من الاخبار منها مرسلة الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام: (تبيان زوال الشمس ان تأخذ عودا طوله ذراع وأربع أصابع فتجعل أربع أصابع في الارض فإذا نقص الظل حتى تبلغ غايته ثم زاد فقد زالت الشمس وتفتح ابواب السماء وتهب الرياح وتقضي الحوائج العظام) (2) ولا يخفى ان هذه العلامة عامة الا في صورة مرور الشمس على سمت الرأس حيث ينعدم الظل عند وصولها بدائرة نصف النهار، فالعلامة حدوث الظل بعد انعدامه واما ميل الشمس إلى الحاجب الايمن فهو علامة لاهل العراق بل قد قيد بمن كان قبلته نقطة الجنوب منهم كأطراف العراق الغربية وقد وقع التنبيه عليها فيما روي عن مجالس الشيخ مسندا عن أمير المؤمنين عليه السلام (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن اوقات الصلاة فقال صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس كانت على حاجبه الايمن - الحديث -) (3) وأما معرفة الغروب بذهاب الحمرة المشرقية وإن كان الانسب خلاف هذا التعبير حيث أن النزاع في أن الوقت الذى يخرج بدخوله وقت الظهرين وبه يصير صلاة المغرب والعشاء واجبة هل هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، والامر سهل بعد معلومية المراد فقيل: هو استتار القرص ونسب هذا القول إلى غير واحد من القدماء كالصدوق في العلل وظاهر الفقيه وابن ابى عقيل والسيد المرتضى والشيخ في مبسوطه وجماعة من


= > سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن ساعات الوتر قال: أحبها إلى الفجر الاول - الحديث - وفيه في هذا الباب تحت رقم 1 عن معاوية بن وهب قال: سألت الصادق عليه السلام عن افضل ساعات الوتر فقال: الفجر أول ذلك). (1) الوسائل أبواب المواقيت ب 51 ح 7. (2) و (3) الوسائل أبواب المواقيت ب 11 ح 4 وب 10 ح 12.

[ 249 ]

المتأخرين - قدس الله اسرارهم - والمشهور أنه ذهاب الحمرة المشرقية ويدل على الاول اخبار كثيرة منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها) (1) ومنها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء) (2) ومنها خبر عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر وكنت أنا اصلى المغرب إذا غربت الشمس واصلي الفجر إذا استبان الفجر فقال لي الرجل: ما يمنعك ان تصنع مثل ما اصنع فان الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا وهي طالعة على قوم آخرين بعده فقلت: انما علينا ان نصلي إذا وجبت الشمس عنا وإذا طلع الفجر عندنا وعلى اولئك ان يصلوا إذا غربت الشمس عنهم) (3) ويدل على المشهور اخبار كثيرة منها ما عن الكليني في الكافي عن ابن أبى عمير عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (وقت سقوط القرص ووجوب الافطار من الصيام ان تقوم بحذاء القبلة وتنفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص) (4) ومنها خبر عبد الله بن وضاح قال: كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام يتواري القرص ويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا وتستر عنا الشمس وترتفع فوق الجبل حمرة وتؤذن عندنا المؤذ نون أفاصلي حينئذ وأفطر إن كنت صائما أو أنتظر حتى تذهب الحمرة فوق الجبل؟ فكتب إلى أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ الحائطة لدينك) (5) في الوسائل وغيره بدل الجبل في المقامين الليل (6) وقد حمل


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 16 ح 16. (2) الوسائل أبواب المواقيت ب 17 ح 1. (3) الوسائل أبواب المواقيت ب 16 ح 22. (4) المصدر ج 3 ص 279 باب وقت المغرب والعشاء الاخرة تحت رقم 4. (5) الوسائل أبواب المواقيت ب 16 ح 14. (6) في الوسائل المطبوع المعروف بالاميرى (فوق الجبل) كما في اصل الخبر في الموضعين.

[ 250 ]

الاخبار السابقة على التقية وقد يقال: بكون هذه الاخبار الدالة على مذهب المشهور شارحة بالنسبة إلى تلك الاخبار، ولا يخفى بعدهما، اما حديث الحكومة والشرح فبعيد من جهة ان غروب الشمس كطلوعه ليس امرا مجملا يحتاج إلى الشرح نعم قد يصح بنحو التنزيل اخراج بعض افراد حقيقة عن حكمها بلسان نفى الحقيقة أو إدراج ما ليس من افراد الحقيقة فيها حكمها بلسان انه منها وما نحن فيه لا يستقيم هذا كما لا يخفى على من لاحظ تلك الاخبار مع كون الغروب وسقوط القرص من المفاهيم الواضحة التي لا يرتاب فيها، مضافا إلى السؤال عن الداعي إلى ذكر لفظ الغروب وإرادة معنى آخر بعنوان الشرح والحكومة واما الحمل على التقية فمشكل من جهة اخذ الفقهاء - رضوان الله تعالى عليهم - بالاخبار في مقام إثبات امر آخر من اشتراك الوقت واختصاصه بل في المقام ايضا غاية الامر انهم جعلوا ذهاب الحمرة علامة المغرب فلا حظ المتن حيث جعل الحمرة طريق المعرفة فلا يكون الاخبار معرضا عنها، نعم القدر المسلم رجحان التأخير إلى ذهاب الحمرة وكانه كان من المسلمات عند الشيعة بحيث يعرف الشيعي من غيره بالتأخير إلى ذهاب الحمرة ولعل هذا هو الوجه في دعاء بعض الاصحاب حيث رأوا صلاة الامام عليه السلام قبل ذهاب الحمرة قبل أن يعرفوه والا فكيف يصلي الامام عليه السلام قبل الوقت مع عدم حضور من يتقي منه كما هو الظاهر وقد يستشهد للحمل على التقية بقوله عليه السلام في ذيل خبر عبد الله بن وضاح (وتأخذ الحائطة لدينك) حيث ان الامر بالاحتياط في الشبهة الحكمية ليس من شأن العالم بالاحكام فيحمل على الاحتياط من جهة اخرى وهي التحفظ عن المخالف وفيه نظر من جهة احتمال ان يكون الامر بالتحفظ عن فوت الفضيلة وكما ان الواجبات من الدين كذلك المستحبات ولا أقل من الاجمال، ومع ذلك كله مخالفة المشهور مشكلة والاحتياط بترك تأخير الظهر والعصر عن الاستتار والمبادرة إلى فعلهما مع التأخير وتأخير المغرب والعشاء إلى ذهاب الحمرة. (الثانية قيل: لا يدخل وقت العشاء حتى تذهب الحمرة المغربية ولا يصلى قبله إلا مع العذر والاظهر الكراهية) واحتج لهذا القول بصحيحة الحلبي قال:

[ 251 ]

(سألت أبا عبد الله عليه السلام متى تجب العتمة؟ قال: إذا غاب الشفق والشفق الحمرة) (1) وصحيحة اخرى وفيها (وأول وقت العشاء ذهاب الحمرة وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل) (2) وبعد ملاحظة الاخبار الكثيرة الدالة على دخول وقت المغرب والعشاء بمجرد الغروب الا أن المغرب قبل العشاء، وما دل بالخصوص على جواز إتيان العشاء قبل ذهاب الحمرة من المغرب لا بد من حمل الصحيحتين إما على التقية أو الافضلية وقد اشرنا إليه سابقا. (الثالثة لا تقدم صلاة الليل على الانتصاف إلا لشاب تمنعه رطوبة رأسه أو المسافر وقضاؤها أفضل) اما عدم الجواز في غيرهما فهو مقتضى التوقيت الوارد في الاخبار واما الجواز في الصورتين فاستدل عليه ابأخبار كثيرة منها ما عن يعقوب الاحمر في الصيحح قال: سألته عن صلاة الليل في الصيف في الليالي القصار في اول الليل فقال: (نعم، نعم ما رأيت ونعم ما صنعت، ثم قال: ان الشاب يكثر النوم فأنا آمرك به) ورواية ابى جرير القمى المروية عن الفقيه عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: (قال: صل صلاة الليل في السفر في اول الليل في المحمل والوتر وركعتي الفجر) (4) وموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام على ما في الحدائق وفي الوسائل انه سأل أبا الحسن الاول عليه السلام عن وقت صلاة الليل في السفر فقال: من حين تصلي العتمة إلى ان ينفجر الصبح) (5) ويظهر من بعض الاخبار جواز التقديم مطلقا لكن الظاهر عدم عمل المشهور به فيقتصر على مورد عمل الاصحاب، وقد مر نظيره في تقديم النوافل النهارية في غير يوم الجمعة. وأما افضلية فيدل عليها ما عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: (قلت له الرجل من أمره القيام بالليل يمضى عليه الليلة والليلتان والثلاث لا يقوم فيقضي احب إليك ام يعجل أول الليل؟ قال: لا بل يقضي


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 23 ح 1. (2) الوسائل أبواب المواقيت ب 17 ح 6. (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب المواقيت ب 44 ح 1 و 6 و 5.

[ 252 ]

وإن كان ثلاثين ليلة) (1). (الرابعة إذا تلبس بنافلة الظهر ولو بركعة، ثم خرج وقتها اتمها مقدمة على الفريضة وكذا العصر، اما نوافل المغرب فمتي ذهبت الحمرة ولم يكملها بدء بالعشاء) ويدل عليه موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (للرجل ان يصلى الزوال ما بين زوال الشمس إلى ان يمضى قدمان وان كان قد بقى من الزوال مقدار ركعة واحدة أو قبل أن يمضى قدمان اتم الصلاة حتى يصلي تمام الركعات، فان مضى قدمان قبل ان يصلي ركعة بد، بالاولى ولم يصل الزوال الا بعد ذلك، وللرجل ان يصلي من نوافل الاولى ما بين الاولى إلى أن تمضي أربعة اقدام فان مضت الاربعة اقدام ولم يصل من النوافل شيئا فلا يصلى النوافل، وان كان قد صلى ركعة فليتم النوافل حتى يفرغ منها ثم يصلي العصر، وقال للرجل [ ان يصلي ] إن بقى عليه شئ من صلاة الزوال إلى ان يمضى بعد حضور الاولى نصف قدم، وللرجل إذا كان صلى من نافل الاولى شيئا قبل ان يحضر العصر فله أن يتم نوافل الاولى إلى ان يمضى بعد حضور العصر قدم، وقال: القدم بعد حضور العصر مثل نصف قدم بعد حضور الاولى في الوقت سواء) (2) وأما الحكم الثاني فاستدل عليه بأن النافلة لا تزاحم غير فريضتها لما روي من انه (لا تطوع في وقت فريضة) (3) وهذا مبنى على استفادة المنع وضعا أو تكليفا من الاخبار الناهية عن التطوع في وقت الفريضة وسيجيئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (الخامسة إذا طلع الفجر الثاني فقد فاتت النافلة عدا ركعتي الفجر ولو تلبس من صلاة الليل بأربع ركعات زاحم بها الصبح واتمها ما لم يخش فات الفرض، ولو كان التلبس بما دون الاربع ثم طلع الفجر بدء بالفريضة وقضى نافلة الليل) اما الحكم الاول فيستفاد مما ورد من أن آخر الليل أفضل أوقات صلاة الليل) (4)


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 45 ح 5. (2) الوسائل أبواب المواقيت ب 40 ح 1. (3) راجع الوسائل أبواب المواقيت ب 35. (4) الوسائل أبواب المواقيت ب 54.

[ 253 ]

مع ملاحظة ما ورد في خصوص الوتر من (أن افضل وقتها الفجر الاول) ويدل عليه ايضا ما ورد من صيرورتها قضاء بعد طلوع الفجر مع ان المتبادر الفجر الصادق. وأما ركعتا الفجر فقد ورد فيها الاخبار الادلة على جواز فعلهما بعد الفجر، واما الحكم الثاني فيدل عليه ما رواه في التهذيب عن مؤمن الطاق عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا كنت صليت اربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فانم الصلاة طلع أو لم يطلع) (1) والمراد من فوات الفرض انقضاء وقت الفضيلة، واما الحكم الثالث فمستنده الاخبار الناهية عن التطوع في وقت الفريضة وربما يتمسك بمفهوم رواية مؤمن الطاق ولا يستفاد منها عدم الجواز، ثم ان ههنا اخبارا مستفيضة تدل على خلاف المشهور منها صحيحة عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن صلاة الليل والوتر بعد طلوع الفجر فقال: (صلهما بعد الفجر حتى يكون في وقت تصلي الغداة في آخر وقتها ولا تعمد ذلك في كل ليلة. وقال: أوتر أيضا بعد فراغك منها) (2) ومنها صحيحة سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (ربما قمت وقد طلع الفجر فاصلي صلاة الليل والوتر والركعتين قبل الفجر ثم اصلي الفجر، قال: قلت: أفعل أناذا؟ قال: نعم ولا يكون منك عادة) (3) وهذه الاخبار قد أخذ الشيخ والمحقق - قدس سرهما - بها نعم يعرض المشهور عن العمل بها، فعلى تقدير القول بحرمة التطوع في وقت الفريضة كون هذه مخصصة لها في موردها. (السادسة تصلى الفرائض اداء وقضاء ما لم يتضيق وقت الحاضرة، والنوافل ما لم يدخل وقت الفريضة) اما الحكم الاول فقد ادعى عليه الاجماع ويدل عليه صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: (اربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها اديتها، وصلاة ركعتي طواف الفريضة، وصلاة الكسوف، وصلاة على الميت هذه يصليهن الرجل في الساعات كلها) (4) وهذه


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 47 ح 1. (2) و (3) الوسائل ابواب المواقيت ب 48 ح 1 و 3. (4) الكافي ج 3 ص 288 تحت رقم 3.

[ 254 ]

الصحيحة وان لم تشمل جميع الفرائض لكن الحكم واحد لوجود المقتضى وعدم المانع، واما مع تضيق وقت الحاضرة فمع كون غيرها واجبا موسعا فالامر واضح ومع تضيق وقت الغير ايضا تتقدم الحاضرة لما سيجيئ ان شاء الله تعالى، واما الحكم الثاني ففيه خلاف فعن الشيخين وكثير من القدماء والمتأخرين المنع، وعن الشهيد وغير واحد من المتأخرين القول بالجواز، حجة المانعين اخبار كثيرة منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر فقال: قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل أتريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدء بالفريضة) (1) وصحيحة الاخرى ايضا عن أبى جعفر عليه السلام انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها؟ فقال: (يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها - إلى ان قال -: ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها) (2) وعن مستطرفات السرائر عن كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (لا تصل من النافلة شيئا في وقت فريضة فانه لا يقضى صلاة نافلة في وقت فريضة، فإذا دخل وقت الفريضة فابدء بالفريضة) (3) ومنها خبر زياد بن ابى عتاب عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (إذا حضرت المكتوبة فابدء بها فلا يضرك أن تترك ما قبلها من النافلة) (4) ونوقض في دلالتها اما في الصحيحة الاولى فلان الاستدلال بها للمشهور انما يتجه على تقدير العمل بظاهرها في موردها اي في ركعتي الفجر وهو خلاف المشهور للاخبار المعتبرة الدالة على جواز تأخيرها عن الفجر، واما الصحيحة الثانية فهي متعرضة للمنع بالنسبة إلى من عليه قضاء هو مسألة اخرى سيجيئ الكلام فيه ان شاء الله تعالى، وأما ساير الروايات فالمراد بوقت الفريضة فيها بحسب الظاهر هو الوقت الذى امر فيه بأن يبدء بالفريضة ويترك عنده النافلة وهو بالنسبة


(1) الوسائل ابواب المواقيت ب 50 ح 3. (2) الكافي ج 3 ص 292 تحت رقم 3. (3) و (4) الوسائل ابواب المواقيت ب 30 ح 8 و 4.

[ 255 ]

إلى الظهرين بعد الذراع والذراعين وبالنسبة إلى العشاء بعد ذهاب الشفق، فلا يستقيم حينئذ حمل وقت المكتوبة على إرادة مطلق وقتها الذى يجوز إيقاعها فيه حتى يتجه الاستدلال بها لمذهب المشهور ويمكن ان يقال: اما ما افيد من الخدشة في الاستدلال بالصحيحة الاولى ففيه نظر لانه لا يتم الا جدلا بمعنى انه من سلم جواز تأخير ركعتي الفجر عن الفجر الصادق ليس له أن يأخذ بهذه الصحيحة وهذا لا يرفع الاشكال لانه لقائل ان يقول: لا نسلم ذلك ويقع المعارضة بين هذه الصحيحة وتلك الاخبار المعتبرة وبعد التعارض يرجع إلى المعمومات الدالة على عدم جواز التطوع في وقت الفريضة لكونها مرجعا أو مرجحا ولو لم يرجع إليها فالمتعين التخيير وأما ما افيد من أن المراد بوقت الفريضة فيها الخ. ففيه نظر فان من جملة الاخبار ما عن الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا حضر وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدء بالمكتوبة، قال: فقدمت الكوفة فاخبرت الحكم بن عتيبة واصحابه فقبلوا ذلك منى فلما كان في القابل لقيت ابا جعفر عليه السلام فحدثني ان رسول الله صلى الله عليه وآله عرس في بعض أسفاره وقال: ما يكلؤنا؟ فقال بلال: انا فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس فقال: يا بلال ما أرقدك؟ فقال: يا رسول الله اخذ بنفسي الذى اخذ بأنفسكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قوموا فتحولوا عن مكانكم الذى اصابكم فيه الغفلة، وقال: يا بلال أذن فأذن فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله ركعتي الفجر وامر الصحابة فصلوا ركعتي الفجر، ثم قام فصلى بهم الصبح وقال: من نسي شيئا من الصلاة فليصلها إذا ذكرها فان الله عزوجل يقول: (واقم الصلاة لذكرى) قال زرارة فحملت الحديث إلى الحكم وأصحابه فقالوا: نقضت حديثك الاول فقدمت على أبي جعفر عليه السلام فأخبرته بما قال القوم؟ فقال: يا زرارة ألا أخبرتهم انه قد فات الوقتان جميعا وان ذلك كان قضاء من رسول الله صلى الله عليه وآله) (1) ولا يخفى ان المراد من قوله صلى الله عليه وآله إنه قد فات الوقتان جميعا ليس وقت الفضيلة بل مطلق وقت الاداء فالظاهر ان هذا هو المراد من قول


(1) الوسائل ابواب المواقيت ب 61 ح 6.

[ 256 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا حضر وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة) وكيف كان فلابد ملاحظة ادلة المجوزين في قبال المنع بقول مطلق أو في الجملة فنقول: احتج المجوزون بجملة من الاخبار منها موثقة سماعة التي رواها المشايخ الثلاثة فعن الكافي (1) باسناده عن سماعة قال: سألته عن الجرل يأتي المسجد وقد صلى اهله ايبتدء بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال: ان كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة وان كان خاف الفوت من اجل ما مضى من الوتق فليبدء بالفريضة وهو حق الله، ثم ليتطوع ما شاء الامر موسع ان يصلى الانسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل الا ان يخاف فوت الفريضة والفضل إذا صلى الانسان وحده ان يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل اول الوقت للفريضة وليس بمحظور عليه ان يصلي بالنوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت) وروي هذه الرواية في الفقيه مع إسقاط قوله (والفضل الخ) وما سواه واف بالمقصود ويمكن ان يقال الظاهر ان المراد من التطوع بالنوافل هو النوافل المرتبة فيدل الموثقة على الترخيص في إتيان النوافل المرتبة في وقت فضيلة الفريضة فغاية الامر تخصيص الادلة العاملة كالاخبار التي وردت في جواز إتيان صلاة الليل بعد الفجر الصادق فلايتم الدليل على الجواز مطلقا ومنها حسنة محمد بن مسلم قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو أبدأ بالفريضة؟ قال: ان الفضل ان تبدء بالفريضة وانما اخرت الظهر ذراعا من عند الزوال من اجل صلاة الاوابين) (2) ويتوجه على الاستدلال بها ما ذكر بالنسبة إلى الموثقة ومنها صحيحة عمر بن يزيد انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرواية التي يرون انه لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة ماحد هذا الوقت؟ قال: إذا اخذ المقيم في الافامة فقال له: إن الناس يختلفون في الاقامة قال: المقيم الذي يصلي معه وقد تجعل هذه الصحيحة حاكمة على الاخبار الناهية على التطوع في وقت الفريضة ولا يخفى ما فيه ولا يبعد أن يكون الاقامة معرفة فالوقت الذى يشتغل المصلون بالفريضة لا ينبغي التطوع فيه فغاية ما يستفاد منها تقييد إطلاق الوقت ولا يستفاد منها جواز التطوع بقول مطلق وإن


(1) و (2) المصدر ج 3 ص 288 تحت رقم 3 و 5.

[ 257 ]

كان النظر إلى قول الراوي حيث عبر بلفظ (لا ينبغي) مع تقرير الامام عليه السلام فهذا اللفظ قد يستعمل في الحرمة ولعل الحرمة كانت مسلمة بحيث يحمل اللفظ عليها فلا يحتاج إلى الردع ويمكن ان يقال إن تم ظهور أدلة المانعين في عدم جواز التطوع في وقت الفريضة فما ذكر من ادلة المجوزين يخصصها في بعض الصور ويبقى الباقي تحت عموم المنع وان لم يتم كما لا يبعد حيث يستظهر من غير الصحيحة الاولى ان النظر إلى الاهتمام بشأن الفريضة وعدم تأخيرها عن وقت فضيلتها بواسطة النافلة فلا يستفاد منها المنع الوضعي يعني عدم صحة النافلة أو التكليفى، وان شئت قلت: هذه الجهة قرينة صارفة عن ظهور تلك الاخبار فليتأمل وقد يقال بدوران الامر بين التخصيص بالاخبار المجوزة ورفع اليد عن ظهورها في عدم الجواز ولا ترجيح لكن الظاهر تقدم التخصيص واما الصحيحة الاولى فغير قابلة للحمل على ما ذكر لكنها معارضة بأخبار مجوزة فعلى فرض منع ظهور الادلة العامة في المنع ليست هي بمرجحة للصحيحة ولا مرجعا، فمع عدم المرجح ينتهي الامر إلى التخيير ثم انه يمكن ان يستشهد بالصحيحة التي ذكرها الشهيد - قدس سره - في الذكرى المذكورة آنفا على جواز التطوع لمن عليه قضاء الفريضة لا يقال ورد الدليل على عدم الجواز مطلقا واختصاص الصحيحة بخصوص نافلة الفجر يقتصر في التخصيص عليها ولا وجه للتعدي كما التزم صاحب الحدائق - قده - لانا نقول نأخذ بمقتضى التعليل المذكور في كلام الامام عليه السلام حيث قال: (الا أخبرتهم أنه قد فات الوقتان) مضافا إلى ما قد ورد في خصوص المورد الامر بالبدءة بالفريضة في صحيحة يعقوب ابن شعيب عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل ينام من الغداء حتى تبزغ الشمس أيصلى حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس فقال: يصلي حين يستيقظ قلت: ايوتر أو يصلى الركعتين؟ قال: يبدء بالفريضة) (1) ولسان هذه الصحيحة ولسان سائر الاخبار واحد فإذا صرفت هذه الصحيحة عن ظاهرها بواسطة الصحيحة المذكورة تصرف سائر الاخبار عن ظاهرها مضافا إلى ما اشير إليه آنفا من أن


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 61 ح 4.

[ 258 ]

الاهتمام قرينة صارفة. (السابعة يكره ابتداء النوافل عند طلوع الشمس وغروبها وقيامها وبعد الصبح والعصر عدا النوافل المترتبة وما له سبب) اما كراهة النوافل المبتدئة في الاوقات المذكورة فتدل عليها النصوص المستفيضة كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ذات ركوع وسجود وانما يكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود لانها تغرب بين قرنى الشيطان وتطلع بين قرنى الشيطان) (1) وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لاصلاة نصف النهار الا يوم الجمعة) (2) وخبر معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لاصلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس) (3) وفي قبالها ما يظهر منه الخلاف في الجملة فقد روى الصدوق - قدس سره - في كتاب إكمال الدين واتمام النعمة على ما حكي عنه عن جملة من مشايخه انهم قالوا: حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الاسدي قال: كان فيما ورد على الشيخ ابى جعفر محمد بن عثمان العمرى في جواب مسائل إلى صاحب الدار (وأما ما سألت عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فلان كان كما يقول الناس: ان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرنى شيطان فما ارغم أنف الشيطان بشئ افضل من الصلاة فصلها وأرغم أنف الشيطان) (4) فيشكل الجمع لان حمل ما في الجواب على عدم الحظر بعيد بل ظاهره الاستحباب وحمل الاخبار الدالة على الكراهة على التقية مع اشتهارها ايضا بعيد ورفع اليد عما هو المشهور بين العلماء أيضا مشكل. واما استثناء النوافل المرتبة فيمكن استفادته من الروايات كرواية حسان بن مهران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قضاء النوافل قال: (ما بين طلوع الشمس إلى غروبها) (5)


(1) الكافي ج 3 ص 180. (2) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 6. (3) و (4) الوسائل ابواب المواقيت ب 38 ح 2 و 8. (5) الوسائل أبواب المواقيت ب 39 ح 9.

[ 259 ]

وفى الصحيح عن احمد بن النضر قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن القضاء قبل طلوع الشمس وبعده قال: (نعم فاقضه فانه من سر آل محمد صلى الله عليه وآله) (1) وعن الحسين بن أبى العلاء عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (اقض صلاة النهار اي ساعة شئت من ليل أو نهار كل ذلك سواء) (2) ويمكن ان تكون الاخبار في مقام رفع توهم الحظر فلا تنافي المرجوحية. اما استثناء مطلق ذات السبب فاستدل عليه باطلاق ما دل على مشروعيتها عند حصول اسبابها الشامل لهذه الاوقات وغيرها والنسبة وان كانت عموما من وجه لكن ما دل على رجحان اصل الصلاة مرجع أو مرجح ولا يخفى إمكان الجمع وعدم المنافاة. (الثامنة افضل في كل صلاة تقديمها في أول وقتها إلا ما نستثنيه في مواضعه إن شاء الله تعالى) ويدل عليه اخبار كثيرة منها ما رواه الشيخ في التهذيب (3) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لكل صلاة وقتان واول الوقتين افضلهما، ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى ان يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنه وقت لمن شغل أو نسي أوسها أو نام، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى ان تشتبك النجوم وليس لاحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا الا من عذر أو من علة) ومنها ما رواه الصدوق مرسلا قال: قال الصادق عليه السلام: (أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله والعفو لا يكون الا عن ذنب) (4). (التاسعة لا يجوز صلاة الفريضة قبل وقتها فإذا صلى ظانا دخول الوقت ثم تبين اتوهم اعاد إلا أن يدخل الوقت ولما يتم وفيه قول آخر) أما بطلان الصلاة مع كونها بتمامها قبل الوقت فهو مطابق القاعدة وقد ورد التصريح بالبطلان في جملة من الاحبار، واما الصحة في صورة وقوع بعضها في الوقت فهو المشهور ظاهر أو الدليل


(1) و (2) الوسال أبواب المواقيت ب 39 ح 14 و 13. (3) المصدر ج 2 ص 39 تحت رقم 123. (4) الفقيه باب مواقيت الصلاة تحت رقم 5.

[ 260 ]

عليه رواية اسماعيل بن [ أبى ] رياح عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا صليت وانت ترى أنك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وانت في الصلاة فقد أجزأت عنك) (1) وضعف السند مجبور بالعمل لكنه لابد من التقييد بصورة العلم بدخول الوقت أو الظن المعتبر شرعا دون مطلقا الظن. (الثالثة القبلة وهي الكعبة مع الامكان والا فجهتها وان بعد، وقيل: هي قبلة لاهل المسجد والمسجد قبلة من صلى في الحرم، والحرم قبلة لاهل الدنيا وفيه ضعف) ويدل على القول الاول اما بالنسبة إلى الجزء الاول اعني وجوب استقبال الكعبة مع الامكان مضا إلى الاجماع والضرورة الاخبار منها ما روى في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلى إلى بيت المقدس؟ قال: نعم قلت: أكان يجعل الكعبة خلف ظهره؟ فقال: اما إذا كان بمكة فلا واما إذا كان هاجر إلى المدينة فنعم حتى حول إلى الكعبة) ومنها ما روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمى باسناده إلى الصادق عليه السلام (ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بمكة إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة وبعد هجرته صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعة اشهر ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة - الحديث -) (3) وبالنسبة إلى الجزء الثاني بما في جملة من الاخبار من الاشارة إلى ان البعيد يتوجه نحوها منها عن الاحتجاج عن العسكري عليه السلام في احتجاج النبي صلى الله عليه وآله على المشركين قال: (إنا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له قيما أمرنا، ننزجر عما زجرنا - إلى ان قال - فلما امرنا ان نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعنا فلم نخرج في شئ في ذلك من اتباع امره) (4). حجة القول الثاني جملة من الاخبار منها ما رواه الشيخ عن عبد الله بن محمد الحجال


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 25 ح 1. (2) المصدر ج 3 ص 286 تحت رقم 12. (3) و (4) الوسائل أبواب القبلة ب 2 ح 3 و 14.

[ 261 ]

عن بعض رجاله عن ابى عبد الله عليه السلام والصدوق في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله عليه السلام (ان الله جعل الكعبة قبلة لاهل المسجد، وجعل المسجد قبلة لاهل الحرم، وجعل الحرم قبلة لاهل الدنيا) (1) ومنها ما عن بشر بن جعفر الجعفي قال: سمعت جعفر ابن محمد عليهما السلام يقول: (البيت قبلة لاهل المسجد، والمسجد قبلة لاهل الحرم، والحرم قبلة للناس جميعا) (2) والخدشة في الاستدلال بها من جهة ضعف اسانيدها في غير محله من جبرها بالشهرة وعمل الاصحاب بها قديما وحديثا وقد يستشكل من جهة ان القائلين بهذا المضمون لا يلتزمون بظواهر هذه الاخبار حيث ادعي الاجماع حتى من اصحاب هذا القول على وجوب استقبال العين مع التمكن من مشاهدتها بل عن بعضهم التصريح بكون الكعبة قبلة لمن تمكن من العلم بها فحيث ان هذه الاخبار بظاهرها غير معمول بها يشكل الاعتماد على مأولها وجعلها قرينة لارتكاب التأويل في الاخبار الدالة على القول الاول وفيه نظر لانه بعد تمامية هذه الاخبار من حيث الظهور وكونها معمولا بها لا وجه لطرحها مجرد عدم اخذ العاملين بها بما هو ظاهرها وان تم الاجماع المدعى فهو مخصص ففي صورة التمكن من العلم لا يجتري على المخالفة لما ادعى من الاجماع، ومع عدم التمكن لا تظهر ثمرة من جهة الاكتفاء على القول الاول، ثم إنه مع مشاهدة الكعبة أو العلم بجهتها الخاصة يجب الاستقبال حقيقة بنظر العرف ولا يجوز الانحراف وهذا الاستقبال ليس بالدقة استقبالا وقد اوضح بما يشاهد من استقبال الاجرام البعيدة فانها مع القرب منها يتحقق استقبالها بنحو ومع البعد عنها يتحقق استقبالها بنحو آخر أوسع بمراتب منه مع القرب ويصدق الاستقبال العرفي حقيقة من دون تجوز وان كان بالدقة ليس استقبالا كما هو واضح، هذا هو المشهور، وفيه نظر من جهة انه مع زيادة البعد ليس الجرم مرئيا حتى يتحقق الاستقبال فلا يتحقق مع زيادة البعد الاستبقال الدقى ولا الاستقبال الحقيقي العرفي لعدم كون الجرم مرئيا حتى يتخيل الاستقبال العرفي الذى هو الموضوع للحكم، نعم يصدق انه لو كان مشاهدا لكان


(1) و (2) الوسائل أبواب القبلة ب 3 ح 1 و 3.

[ 262 ]

مستقبلا، وهذا المعنى التقديري لا يكتفى به، وثانيا نقول: كيف يحكم العرف بحصول الاستقبال حقيقة مع انهم يشاهدون ان مساحة معينة لا تقابل حقيقة مع مساحة زائدة عليها وما يتخيل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وربما يقال: بعد ما كان القبلة لا مجرد البنية بل إلى عنان السماء حيث يظهر من بعض الاخبار حيث سأل الراوي عن الصلاة فوق جبل أبى قبيس مع علوه عن الكعبة فلا يضر عدم التوجه إلى نفس البنية من جهة ان محاذي البنية يتسع جدا كلما يصعد إلى الفوق وهذا قضية كروية الارض والهواء المحيط بها إلى السماء فيتحقق الاستقبال بالدقة، ولا يخفى ان لازم هذا جواز انحراف من يشاهد الكعبة عنها، بل وعن المسجد، بل وعن الحرم لتحقق الاستقبال المذكور ولا أظن ان يلتزم به احد، وربما يستشهد للتوسعة ببعض الاخبار حيث جعل فيه الجدى علامة لاهل العراق فان أمر المعصوم عليه السلام بوضع الجدي في القفا أو بين الكتفين مع عدم تعيين نقطة حاصة منهما وعدم تعيين حالات الجدي من كونه في غاية الارتفاع أو الانحفاض يدل على التوسعة، واستشكل فيه بأن الاخبار الواردة في جدي لا يظهر منها التوسعة حتى في حق المتمكن من تحصيل الجهة الواقعية ضرورة انه غير محتاج إلى السؤال فالاخبار وان كان يظهر منها التوسعة ولكن بالنسبة إلى العاجز عن تحصيل العلم بالجهة الواقعية وفيه نظر لعدم تسليم كون السائل ممن لم يتمكن من تحصيل العلم بالجهة الواقعية، غاية الامر الرجوع إلى اهل الخبرة والا فكيف كان المسلمون في شرق الارض وغربها يصلون وعلى فرض عدم التمكن في حال السؤال فعدم تقييد الحكم بحال عدم التمكن لا ينافي الحكمة لو بقى السائل على هذه الحالة أما لو أمكن زوال هذه الحالة فكيف يحكم بقول مطلق، ثم انه يظهر من كلامه - قدس سره - جعل ما ذكر في الخبر قبلة تنزيلية لموضوع خاص فلعله يتوجه عليه عدم مطابقة الجواب مع السؤال ان كان نظر السائل إلى بيان العلامة والامارة على القبلة، و الذى يظهر منها كفاية التوجة نحو الكعبة بمعنى التوجه إلى سمت الكعبة وجانبها وان لم يصدق الاستقبال حقيقة حتى بنظر العرف والشاهد عليه الخبر المروى في

[ 263 ]

الاحتجاج المذكور آنفا والظاهر صدق هذا المعنى مع الانحراف يسيرا عن الجهة المعينة إذا فرض القطع بها الا ترى انه إذا توجه الرئيس في مجلس عام إلى سمت جلس فيه بعض يصدق انه توجه إليه مع عدم الاستقبال حقيقة فما يقال من أنه مع العلم بالجهة المعينة لا يجوز التخطي عنها ومع عدم العلم يجوز إلى سمت يعلم بعدم الخروج عنه وهذا من باب مراتب الانصراف كما لو قيل للقادر على ضرب باطن الكفين على الارض في باب التيمم: اضرب يديك على الارض فانه ينصرف إلى ضرب الباطن وإذا قيل للعاجز ينصرف إلى ضرب الظاهر ومع وحدة الدليل يتوجه إلى كل تكليفه الخاص من دون لزوم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، وما نحن فيه من هذا القبيل فالعالم بالجهة المعينة يتعين عليه التوجه إليها والعاجز يتوجه إلى السمت محل تأمل لما يلاحظ في المثال المذكور من صدق التوجة مع تعين الجهة وعلى هذا فلا يرد نقض الشيخ - قدس سره - بلزوم بطلان الصلاة مع استطالة الصف، ويؤيد ما ذكرنا عدم إلزام المكلفين بتحصيل العلم بالجهة مع أنه لعل رفع العجز في أمثال هذه الموارد يكون لازما بالرجوع إلى اهل الخبرة. (ولو صلى في وسطها استقبل اي جدرانها ولو صلى على سطحها أبرز من بين يديه شيئا منها ولو قليلا وقيل يستلقي ويصلي موميا إلى البيت المعمور) اما الصلاة في وسطها فقيل بالمنع اختيارا واستدل عليه بما روي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا تصل المكتوبة في جوف الكعبة فان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يدخلها في حج ولاعمرة ولكنه دخلها في الفتح - فتح مكة - وصلى فيها ركعتين بين ميرى العمودين ومعه اسامة بن زيد) (1) وفى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (تصل المكتوبة في الكعبة) (2) وفى قبالهما موثقة يونس بن يعقوب قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام إذا حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة أفا صلي فيها؟ قال: صل) (3) فتحمل الصحيحتان على الكراهة وبعد ملاحظة هذه الموثقة ترتفع شبهة عدم صدق الاستقبال المعتبر في الصلاة.


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب القبلة ب 17 ح 3 و 9 1.

[ 264 ]

وأما الصلاة على سطح الكعبة فمقتضى القاعدة صحة الصلاة وابراز شئ منها بين يديه وقيل: يستلقي ويصلي كما في المتن مستندا إلى رواية (1) لم يعمل بها المشهور فلا تعارض الادلة الدالة على القيام والركوع والسجود في حال الاختيار. (ويتوجه اهل كل إقليم إلى سمت الركن الذى يليهم فأهل المشرق يجعلون المشرق إلى الكتف (المنكب خ ل) الايسر والمغرب إلى الايمن والجدى خلف المنكب الايمن والشمس عند الزوال محاذية لطرف الحاجب الايمن مما يلي الانف) ولا يخفى الاختلاف في مقتضى هذه العلائم حيث ان لازم جعل المشرق والمغرب إلى الايسر والايمن التوجه إلى نقطة الجنوب واجعل الجدى خلفه هذا إذا اريد المشرق والمغرب الاعتداليان وجعل الجدى حال ارتفاعه أو انخفاضه والا فالاختلاف اكثر والذى يسهل الخطل ما عرفت من كفاية الجهة على النحو المذكور وهذه العلائم كغيرها تقريبية ولم يصل الينا نص الا بعض الاخبار الواردة في الجدى كموثقة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن القبلة فقال: (ضع الجدى في قفاك وصل) (2) ومرسلة الصدوق قال: (قال رجل للصادق عليه السلام: انى اكون في السفر ولا اهتدي إلى القبلة بالليل فقال: أتعرف الكوكب الذى يقال له الجدى؟ قلت: نعم قال: اجعله على يمينك وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك) (3) نعم في صحيحتي زرارة ومعاوية تحديد القبلة بما بين المشرق والمغرب لكنه لابد من ارتكاب التأويل فيهما لعدم التزام الاصحاب بما يظهر منهما. (وقيل: يستحب التياسر لاهل المشرق عن سمتهم قليلا وهو بناء على أن توجههم إلى الحرم) ويدل عليه خبر المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التحريف لاصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبب فيه فقال: (ان حجر - الاسود لما انزل من الجنة ووضع في موضعه جعل انصاب الحرم من حيث يلحقه النور - نور الحجر - فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال وعن يسارها ثمانية أميال كلها


(1) الوسائل أبواب القبلة ب 17 ح 7. (2) و (3) الوسائل أبواب القبلة ب 5 ح 1 و 2.

[ 265 ]

اثنا عشر ميلا فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن القبلة لقلة انصاب الحرم، وإذا انحرف الانسان ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة) (1) ومرفوع على ابن محمد (2) واستشكل فيه بضعف سند الروايات وبأن الامارات المنصوبة إن كانت مؤدية إلى محاذات عين الكعبة فالانحراف اليسير يوجب البعد الكثير بحيث يخرج عن محاذات الحرم أيضا وإلا فلا يجدى وقد يتفصى عن هذا الاشكال بأن الامارات المنصوبة للبعيد لا يحربها محاذات العين حتى يشكل الانحراف اليسير فالقول بالاستحباب كما هو المشهور قوى (وإذا فقد العلم بالجهة والظن صلى الفريضة إلى اربع جهات ومع الضرورة أو ضيق الوقت يصلى إلى أي جهة شاء) ظاهر المتن كفاية الظن مع عدم التمكن من العلم وهو المشهور ويدل عليه صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (يجزي التحري ابدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة) (3) وعن تفسير النعماني باسناده عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في قول الله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) قال: (معنى شطره نحوه إن كان مرئيا وبالدلائل والاعلام ان كان محجوبا فلو علمت القبلة وجب استقبالها والتولي والتوجه إليها ولو لم يكن الدليل عليها موجودا حتى تستوي الجهات كلها فله ان يصلي باجتهاده حيث أحب واختار حتى يكون على يقين من الدلالات المنصوبة والعلامات المبثوثة، فان مال عن هذه التوجه مع ما ذكرناه حتى يجعل الشرق غربا والغرب شرقا زال معنى اجتهاده وفسد حال اعتقاده) (4). وأما وجوب الصلاة إلى اربع جهات مع فقد العلم والظن فهو المشهور ايضا واستدل عليه برواية خراش عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت: (جعلت فداك أن هؤلاء المخالفين علينا يقولون: إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا وانتم سواء في الاجتهاد؟ فقال: ليس كما يقولون إذا كان ذلك


(1) الفقيه باب القبلة تحت رقم 2. (2) الوسائل أبواب القبلة ب 4 ح 1. (3) و (4) الوسائل أبواب القبلة ب 6 ح 1 و 4.

[ 266 ]

فليصل لاربع وجوه) (1) وعن الفقيه (2) وقد روي فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة انه يصلى إلى أربع جوانب ويبعد ان تكون هذه المرسلة من رواية خراش، وفى قبالهما اخبار اخر تدل على كفاية صلاة واحدة ومنها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المروية عن الفقيه (3) عن ابى جعفر عليه السلام قال: انه قال: (يجزي المتحير أبدا أين ما توجه إذا لم يعلم اين وجه القبلة) ومرسلة ابن أبى عمير عن بعض اصحابنا عن زرارة قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن قبلة المتحير فقال: يصلي حيث يشاء) (4) ونوقش بمناقشات لا يخفى ما فيها ولم يعلم إعراض المشهور لانه ان كان وجه الاعراض تلك المناقشات فمع ضعفها لا وجه لعدم لاخذ بمضمون هذه الروايات وحمل رواية خراش على الاستحباب فالقول بالكفاية قوي وان كان مقتضى الاحتياط الصلاة إلى أربع جهات، واما كفاية صلاة واحدة مع ضيق الوقت أو الضرورة فقد يقال: لاشبهة فيها مع عدم التقصير ومع التقصير فيها تأمل وعللت الكفاية بأن الصلاة لا تسقط بحال والاستقبال شرط في حال التمكن فتنتفي شرطيته عند عدم القدرة عليه ولو بواسطة الجهل بجهة القبلة وعدم التمكن من الاحتياط، ولا يخفى ان هذا الوجه على تقدير تمامية يتأتي مع التقصير ايضا، ويمكن أن يقال: لا مانع من إطلاق شرطية القبلة فمع التمكن يأتي المصلي بأربع صلوات وتكون بمنزلة الموافقة القطعية، ومع عدم التمكن منه يأتي بما يتمكن ثلاث صلوات أو اثنتين أو صلاة واحدة وتكون موافقة احتمالية وعدم سقوط الصلاة بحال لا ينافى مع ما ذكر كما ان التكاليف الواقعية ثابتة ومع ذلك يكتفي في مقام الامتثال بالظن ان تمت مقدمات الانسداد، ولازم ما ذكر لزوم القضاء عند تبين الخلاف هذا كله على القول المشهور من لزوم الصلاة إلى أربع جهات مع التمكن واما مع القول الآخر فلا إشكال في الكفاية.


(1) الوسائل أبواب القبلة ب 8 ح 5. (2) المصدر باب القبلة تحت رقم 14. (3) و (4) المصدر باب القبلة تحت رقم 5 وفي الوسائل أبواب القبلة ب 8 ح 2

[ 267 ]

(ومن ترك الاستقبال عمدا اعاد في الوقت وبعده ولو كان ظانا أو ناسيا وتبين الخطأ لم يعد ما كان بين المشرق والمغرب ويعيد الظان ما صلاه إلى المشرق والمغرب في وقته لا ما خرج وقته وكذا لو استدبر القبلة وقيل: يعيد وان خرج الوقت) اما صورة العمد فلا إشكال في لزوم الاعادة للاخلال بالشرط، واما صورة الظن أو النسيان ووقوع الصلاة بين المشرق المغرب بمعنى اليمين واليسار ظاهرا من جهة أنه ربما يكون القبلة نفس المشرق أو المغرب فيدل على صحة الصلاة وعدم الاعادة فيها أخبار منها صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: (الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا فقال: قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة) (1) ومنها موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل صلى لغير (على غير خ ل) القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال: (ان كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، وان كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة) (2). واما وجوب الاعادة في الوقت مع الانحراف عن ما بين المشرق والمغرب فيدل عليه اخبار منها صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا صليت وانت على غير القبلة واستبان لك انك صليت وانت على غير القبلة وانت في وقت فأعد وإن فاتك الوقت فلا تعد) (3) ومنها صحيحة سليمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون في قفر من الارض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم يضحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال: (ان كان في وقت فليعد صلاته وان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده) (4) وهذه الاخبار وإن كانت مطلقة لكن الاخبار السابقة تكون حاكمة على هذه، وربما يستشهد لهذا بصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: (لا صلاة إلا إلى القبلة، قال: قلت: أين حد القبلة قال:


(1) و (2) الوسائل أبواب القبلة ب 10 ح 1 و 4. (3) و (4) المصدر ب 11 تحت رقم 5 و 6.

[ 268 ]

(ما بين المشرق والمغرب قبلة كله، قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: يعيد) (1) وفيه إشكال من جهة أن غير القبلة الذى سئل في الاخبار عن الصلاة إليه غير هذه الصحيحة لا إشكال في أن المراد منه المعنى المعهود عندهم فيكون المراد الصلاة إلى غير الجهة التي يتوجه إليها حال الالتفات وعلى ما ذكر لابد من حملها على صورة الاستدبار أو الانحراف إلى المشرق والمغرب، ومن المستبعد هذا الحمل لان من يريد الصلاة إلى القبلة وأخطأ في تعيين القبلة يكون خطاؤه غالبا بمقدار لا يصل إلى المشرق والمغرب وبعبارة اخرى هذا حمل للمطلقات على غير الغالب والشاهد على هذا أنه في صحيحة معاوية المتقدمة حيث سئل عن الانحراف يمينا وشمالا حكم بمضي الصلاة فتأمل، فان كانت الاخبار الدالة على الاعادة في الوقت ظاهرة في بطلان الصلاة يقع التعارض بين الطرفين والا فيجمع بحمل هذه الاخبار على استحباب الاعادة والدليل على صحتها الاخبار السابقة، واما القول بوجوب الاعادة مطلقا مع الاستبدبار فأقوى ما يتمسك له موثقة عمار المتقدمة ولا يخفى أنه لا إطلاق فيها يشمل خارج الوقت والاعادة في الوقت مطابق لسائر الاخبار. (ولا يصلى الفريضة على الراحلة اختيارا ورخص في النافلة سفرا حيث توجهت الراحلة) اما عدم جواز إتيان الفريضة على الراحلة فكيفي فيه الادلة الدالة على اعتبار مثل الاستقبال والطمأنينة والركوع والسجود بالنحو المعهود مضافا إلى بعض الاخبار مثل صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا يصلى على الدابة الفريضة الا مريض يستقبل القبلة ويجزيه فاتحة الكتاب ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شئ ويومي في النافلة إيماء) (2) وأما النافلة فقد ورد فيه الرخصة في اخبار كثيرة منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن عليه السلام في الرجل يصلى النوافل في الامصار وهو على دابته حيثما توجهت به؟ قال: نعم لا بأس به) (3).


(1) الفقيه باب القبلة تحت رقم 15. (2) الوسائل أبواب القبلة ب 14 ح 1. (3) الوسائل أبواب القبلة ب 15 ح 1.

[ 269 ]

(الرابعة في لباس المصلي: لا تجوز الصلاة في جلد الميتة ولو دبع وكذا لا يؤكل لحمه ولو ذكى ودبغ ولا في صوفه وشعره ووبره ولو كان قلنسوة أو تكة ويجوز استعماله لا في الصلاة) اما عدم جواز الصلاة في جلد الميتة مطلقا فيدل عليه النصوص المستفيضة بل المتواترة ففي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: (سألته عن الجلد للميتة أيلبس في الصلاة إذا دبغ قال: لا ولو دبغ سبعين مرة) (1) ومنها مرسلة ابن ابى عمير عن ابى عبد الله عليه السلام في الميتة قال: (لا تصل في شئ منه ولا في شسع) (2) ثم إنه مع الشك في التذكية قد يقال بأصالة عدم التذكية الا أن يكون أمارة كاشفة عن التذكية واستشكل في إطلاقها بأنه إذا فرض حيوانان احدهما مذكى والآخر ميتة وشك في أن الجلد الخاص مأخوذ من المذكى أو الميتة فلا مجال لاصالة عدم التذكية لانه إذا كان مأخوذا من المذكى فقد انتقض اليقين بعدم التذكية قبل الذبح باليقين بالتذكية فيكون الشبهة مصداقية، ولا مجال للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية كما قرر في محله، وفيه ن ظر لان مجرد احتمال انطباق معلوم على شئ لا يوجب ارتفاع حكم المشكوك عنه الا ترى انه لو علمنا بمايع نجس كالبول أو متنجس كالماء المتنجس به، ثم وجدنا بلة يحتمل ان يكون نفس ذلك المايع المعين لا يحكم بنجاستها أو معاملة النجاسة معها لاحتمال أن تكون هي ذلك المايع المقطوع القذارة فلا مجرى لاصالة الطهارة، والحل أن الظاهر من أدلة الاستصحاب وأدلة ساير الاصول المغياة باليقين والعلم عدم رفع اليد من الحكم المتيقن السابق ومعاملة الطهارة والحلية إلى ان تقوم الحجة على خلافها، كانت الحجة قطعا أو غيره، ومجرد احتمال انطباق معلوم على شئ ليس حجة كما قالوا مجرد العلم بالكبرى مع عدم إحراز الصغرى لا يفيد، ولذا لا إشكال ظاهرا في حجية البينة على عدم كون هذا المشكوك ذلك المعلوم ومقتضى ما ذكر عدم حجيتها لاحتمال أن يكون المشكوك ذلك المعلوم الذى تنجز التكليف بالنسبة إليه ومتى


(1) و (2) الوسائل ابواب لباس المصلى ب 1 ح 1 و 2. وفي التهذيب ج 2 ص 203 باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس ح 1 و 2 تحت رقم 794 و 793.

[ 270 ]

شك في التكليف المنجز يجب عقلا الاحتياط لان الشك فيه مساوق لاحتمال العقوبة ومع احتمال العقوبة يحكم العقل بوجوب الاحتياط فرارا عن الضرر المحتمل، ثم انه قد يقال في موارد الشك بلزوم الاجتناب من جهة الاستصحاب ومن جهة بعض الاخبار الخاصة إلا ان يقوم أمارة على التذكية كالبينة وسوق المسلمين والاخبار الخاصة منها موثقة ابن بكير الواردة في باب الصلاة ففي ذيلها (وان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه كل شئ منه جايز إذا علمت أنه ذكى وقد ذكاه الذبح) (1) وبعض الاخبار الدالة على عدم حلية الصيد الذى ارسل إليه كلاب ولم يعلم انه مات بأخذ المعلم معللا بالشك في استناد موته إلى المعلم والاخبار المستفيضة الدالة على اشتراط العلم باستناد القتل إلى الرمي والنهي عن الاكل مع الشك فيه، وفى قبال هذه الاخبار أخبار اخر يظهر منها عدم اليأس ما لم يعلم بعدم التذكية منها صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفاف التي تباع في السوق فقال: (اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه) (2) ومنها رواية على بن ابى حمزة (أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن الرجل يتقلد السيف ويصلى فيه قال: نعم فقال الرجل: إن فيه الكيمخت فقال: وما الكيمخت؟ فقال: جلود دواب، منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة فقال: ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه) (3) ومنها خبر السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام (أن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة يكثر لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يقوم ما فيها، ثم يؤكل لانه يفسد وليس له بقاء وإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أم سفرة مجوسي؟ فقال: هم في سعة حتى يعلموا) (4) وقد يجاب بانصراف هذه


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 2 ح 1. (2) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 38 ح 2. (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 54 ح 2. (4) الوسائل كتاب اللقطة ب 23 ح 1.

[ 271 ]

الاخبار إلى صورة اشتراء من سوق المسلمين أو وجد مطروحا في أرض المسلمين ولا ينافى وجود غيرها فمثل ما ذكر أمارة شرعية على التذكية لا يجرى معها أصالة عدم التذكية ومع عدم الامارة تجرى استصحاب عدم التذكية وفيه نظر لمنع الانصراف اولا، وثانيا نقول: لازم ما ذكر عدم الاكتفاء بما ذكر من الامارة فان الانصراف المدعى محفوظا في موثقة ابن بكير المذكورة ايضا وقد قيد فيها بالعلم بحصول التذكية وحملها على صورة عدم الامارة كما ترى، وثالثا ان ظاهر هذه الاخبار الجواز والحلية من جهة عدم العلم لا من جهة وجوب الامارة فلا ترفع المعارضة بما ذكر خصوصا معارضة الموثقة مع هذه الاخبار ويمكن رفع المعارضة بين غير الموثقة وهذه الاخبار بأن مورد غير الموثقة صورة الشك في وقوع التذكية من نفس الشاك فيجب عليه الاحتياط، وهذه الاخبار المجوزة موردها غير هذه الصورة فتأمل، ثم لا يخفى أنه إذا اخذ بالاخبار المجوزة تقدم على الاستصحاب لاخصيتها وليست كالاخبار البراءة حيث تقدم ادلة الاستصحاب عليها للحكومة أو الورود أو غيرهما، واما عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل فالظاهر عدم الخلاف فيه ويشهد له جملة من الاخبار منها موثقة ابن بكير قال: (سأل زرارة ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك السنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله: أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه وكل شئ منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما احل الله أكله، ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فاحفظ ذلك يا زرارة فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائزة إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شئ منه فاسدة ذكاه الذبح أو لم يذكه) (1) ويظهر من بعض الاخبار اختصاص المانعية بالسباع كرواية مقاتل بن مقاتل قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في السمور والسنجاب والثعالب قال: لا خير في ذلك كله ما خلا السنجاب فانه دابة لا تأكل


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 2 ح 1 وقد تقدم.

[ 272 ]

اللحم) (1) لكنه لا يخفى أن الموثقة مع اعتبارها بعمل الاصحاب والاخذ باطلاقها لا مجال لرفع اليد عن ظاهرها، ثم انه مع الشك في كون شئ مما يصحب المصلي في صلاته من أجزاء ما لا يؤكل لحمه أو من أجزاء ما يؤكل لحمه يعق الاشكال والذى يمكن أن يقال: جواز الصلاة معه وذلك لان صدر الموثقة المذكورة ظاهرة في مانعية أجزاء الغير المأكول وذيلها وإن كانت يظهر منها الشرطية ولا بد من صرفه إلى الشرطية في صورة لبس الحيوانى لكن الظاهر ان الذيل متفرع على الصدر والنظر إلى المانعية والشاهد عليه سائر الاخبار التي يستفاد منها مانعية لبس أجزاء بعض الحيوانات غير المأكول اللحم وبعد الفراع عن هذا إما ان يكون المانع صرف الوجود أو الطبيعة السارية وتظهر الثمرة في صورة الاضطرار إلى لبس غير المأكول فعلى الاول يجوز للمصلى لبس أزيد مما يرفع به الاضطرار من غير المأكول وعلى الثاني لا يجوز التعدي فعلى الثاني تندرج المسألة الاقل والاكثر الارتباطيين فمقتضى حديث الرفع جواز لبس المشكوك فيه لانحلال النهي الغيرى إلى النواهي المتكثرة بعدد الافراد ففي مورد الشك يرجع إلى البراءة، وعلى الاول يقع الاشكال من جهة تعلق نهي واحد غيري بأمر واحد مبين بحسب المفهوم، غاية الامر وقوع الشك في انطباقه على اعدام قليلة أو كثيرة ومجرد هذا لا يوجب شمول حديث الرفع له فلا محيص الا عن استظهار كون متعلق النهي الطبيعة السارية كنواهي النفسية حيث لا نجد فيها غير هذا النحو هكذا قد حقق، ويمكن ان يقال على تقدير كون متعلق النهي صرف الوجود أيضا يجوز التمسك بحديث الرفع بيان ذلك أن المانع على هذا التقدير ايضا نفس الوجودات لا أمر ينطبق على الوجودات وذلك لان الطبيعي موجود في الخارج بوجودات الاشخاص فوجود كل شخص عين وجود الطبيعي غاية الامر في الصورة الاولى كل وجود بخصوصيته مورد النهي وفى هذه الصورة الخصوصيات ملغاة وما ذكر من الانطباق انما يتصور بالنسبة إلى الصور الذهنية بالنسبة إلى الخارجيات كما يقال في مسألة جواز اجتماع الامر والنهي ان الامر لم يتعلق بالخارجيات


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 3 ح 2.

[ 273 ]

وإنما تعلق بما ينطبق على الخارجيات فلم يجتمع الامر والنهي، وفيما نحن فيه الذي يفسد الصلاة ويكون مانعا عن الصلاة نفس الطبيعي المتحقق في الخارج ومن الواضح أنه ليس في الخارج وجودان أحدهما للطبيعي والآخر للفرد، غاية الامر يختلف وجود الطبيعي باختلاف الافراد قلة وكثرة فالافراد المعلومة بذواتها مورد النهي لا أقول بخصوصياتها لعدم تحقق النهي بالخصوصيات بل هي مورد النهي بالجهة المشتركة الخارجية فمع الشك في تحقق تلك الجهة في المشكوك لا مانع من شمول حديث الرفع، ومجرد تبين المفهوم مع وقوع الشك لا يمنع عن الشمول لان الشبهة موضوعية، وأما الاستظهار المذكور فلابد من دعوى القطع وإلا فلا يستفاد من نفس النهي، غاية الامر في النواهي النفسية قطعنا بما ذكر فمع عدم ظهور اللفظ وعدم القطع يشكل الامر وقد يتمسك في المقام بحديث (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) (1) بدعوى أن الحلية والحرمة في الحديث ليستا خصوص النفسيين بل تعمان الغيريين وفيه إشكال لان لازم هذا جواز الاغتسال والتوضأ بالماء المشكوك في إطلاقه وإضافته ولا أظن أحدا يلتزم به ثم لا يخفى أن الظاهر من أخبار الباب المانعية من غير فرق بين ما تتم به الصلاة من جهة الستر ومالاتتم به الصلاة كالقلنسوة والتكة، أما جواز الاستعمال لا في الصلاة فيدل عليه موثقة سماعة قال: (سألته عن لحوم السباع وجلودها، قال: أما لحوم السباع فمن الطير والدواب فانا نكرهه وأما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه) (2). (ولو كان مما يؤكل لحمه جاز في الصلاة وغيرها وإن أخذ من ميتة جزا وقلعا غسل موضع الاتصال ويجوز في الخز الخالص لا المغشوش بوبر الارانب والثعالب، وفي فرو السنجاب قولان: أظهرهما الجواز وفي الارانب والثعالب روايتان أشهر هما المنع) أما جواز الصلة فيما يؤكل فلا إشكال فيه وقد صرح في الموثقة به، وأما الصلاة في أجزاء الميتة مما لا تحل فيه الحياة إذا كان مما يؤكل لحمه فيدل عليه أخبار


(1) الوسائل أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة ب 4 ح 1 (2) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 5 ح 4.

[ 274 ]

كثيرة منها صحيحة حريز قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لزرارة ومحمد بن مسلم: (اللبن واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ ينفصل من الشاة والدبة فهو زكي وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه) (1) وأما جواز الصلاة في الخز الخالص فيدل عليه أخبار كثيرة منها صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري قال: رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام يصلي في جبة خز) (2) ومنها صحيحة علي بن مهزيار قال: رأيت أبا جعفر الثاني عليه السلام يصلي الفريضة وغيرها في جبة خز طاروني [ طاروى خ ل ] وكساني جبة خز، وذكر أنه لبسها على بدنه وصلى فيها وأمرني بالصلاة فيها) (3) ومنها صحيحة الحلبي قال: سألته عن لبس الخز فقال: لا بأس به إن علي ابن الحسين عليهما السلام كان يلبس الكساء الخز في الشتاء فإذا جاءه الصيف باعه وتصدق بثمنه وكان يقول: إني لاستحيي من ربي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه) (4) وفي قبال هذه الاخبار ما عن الالحتجاج مما كتبه محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى الناحية المقدسة وروي لنا عن صاحب العسكر أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الارانب؟ فوقع يجوز. وروي عنه أيضا أنه لا يجوز فبأي الخبرين نعمل به؟ فأجاب عليه السلام (إنما حرم في هذه الاوبار والجلود، فأما الاوبار وحد ها فكل حلال) (5) وعن نسخة (حلال كلها) وقد اجيب بقصور هذه الرواية عن المكافئة وفيه إشكال لانه إن كان النظر إلى ما اشتمل عليه الرواية من تجويز الصلاة في الوبر المغشوش مع مخالفته للاخبار وأخذ الاصحاب بالاخبار المخالفة فمجرد هذا لا يوجب رفع اليد عن الجزء الآخر أعني عدم جواز الصلاة في الجلد ولم يكن تلك الاخبار صريحة في جواز الصلاة في الجلد بل غاية الامر الاطلاق، فيمكن تقييدها بهذه الرواية وليس من باب المعارضة حتى يجاب بعدم المكافئة، وحكي عن ابن إدريس - قدس سره - القول بالمنع ونفى عنه الخلاف، وعن العلامة - قدس سره - متابعته إلا أن يستبعد حمل تلك الاخبار الكثيرة على غير الجلد وعدم التعرض لخصوص الجلد.


(1) الوسائل كتاب الاطعمة المحرمة ب 32 ح 3. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 10 ح 1 و 2 و 13 و 15.

[ 275 ]

وأما جواز الصلاة في السنجاب فيدل عليه أخبار كثيرة منها صحيحة أبي علي بن راشد قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: (ما تقول في الفراء أي شئ يصلي فيه قال: أي الفراء؟ قلت: الفنك والسنجاب والسمور، قال: فصل في الفنك والسنجاب، وأما السمور فلا تصل فيه، قلت: الثعالب يصلى فيها؟ قال: لا ولكن تلبس بعد الصلاة قلت: أيصلى في الثوب الذي يليه؟ قال لا) (1) ومنها رواية يحيى بن أبي عمران قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام في السنجاب والفنك والخز وقلت جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك، فكتب بخطه إلي صل فيه) (2) ويعارض هذه الاخبار موثقة ابن بكير المتقدمة فانها وإن كانت عامة لكنها وقعت جوابل عن السؤال عن الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر فصار الجواب كالنص في إرادته مضافا إلى اشتمال الروايات المجوزة على ما لا يجوز الصلاة فيه ففيهما رائحة التقية إلا ان يقال: لم يقصد السائل الخصوصية وإنما جرى ذكر ما ذكر من باب التمثيل فاجيب بجواب عام قابل للتخصيص كالتخصيص بما دل على جواز الصلاة في الخز وأما الارانب والثعالب فعن غير واحد دعوى الاجماع عاى المنع ويدل عليه أخبار منها الموثقة المتقدمة ومنها رواية علي بن راشد المتقدمة آنفا وغيرها وفي قبالها أخبار مجوزة ولم يعمل الاصحاب بها بل هي محمولة على التقية. (ولا تجوز الصلاة في الحرير المحض للرجال إلا مع الضرورة أو في الحرب وهل يجوز للنساء من غير ضرورة فيه قولان أظهر هما الجواز) لا شبهة في حرمة لبس الحرير المحض للرجال وقد حكي إجماع المسلمين عليه مضافا إلى النصوص وأما عدم جواز الصلاة فيه للرجال فيدل عليه النصوص ففي مكاتبة محمد بن عبد الجبار إلى أبي محمد عليه السلام سأله هل يصلي في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب عليه السلام (لا تحل الصلاة في حرير محض) (3) ورواية إسماعيل بن سعد الاحوص في حديث


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 3 ح 5 وب 7 ح 4. (2) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 3 ح 6. (3) المصدر ب 11 ح 2.

[ 276 ]

قال: (سألت الرضا عليه السلام هل يصلي الرجال في ثوب أبريشم؟ فقال عليه السلام: لا) (1) ولا يعارض هذه النصوص صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في الثوب الديباج، فقال: ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس) (2) لاعراض الاصحاب. وحملها على غير الحض بقرينة ذكر الديباج في المكاتبة المقدمة محل نظر لان الديباج على ما ذكر في اللغة ثوب سداه ولحمته أبريسم ولعلة قسم خاص ذكر بعد العام، وأما استثناء حال الضرورة والحرب فالجواز في الصورة الاولى واضح وفي الصورة الثانية يدل عليه مرسلة ابن بكير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (لا يلبس الرجل الحرير والديباج إلا في الحرب) (3) وموثقة سماعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لباس الحرير والديباج فقال: أما في الحرب فلا بأس به وإن كان فيه تماثيل) (4) ولا يخفى أنه لا يستفاد من تجويز لبس الحرير في الحرب تجويز الصلاة فيه في حال الحرب حيث إن ظاهر الادلة المانعية للصلاة مع قطع النظر عن حرمة اللبس ذاتا فارتفاع الحرمة ذاتا في حال الحرب لا يوجب رفع المانعية ويجري هذا الكلام في صورة جواز اللبس للضرورة فلو جاز اللبس في أول الوقت للضرورة ويتمكن آخر الوقت بمقدار أداء الصلاة نزع الحرير ولبس غيره يشكل الصحة لما ذكر، وأما جواز اللبس في غير حال الصلاة للنساء فلا كلام فيه، وأما في حال الصلاة فقد يقال: لا دليل بعمومه يشمل لبس النساء فلا مانع. وأما المكاتبة فحيث سئل فيها عن الصلاة في القلنسوة فلا إطلاق لها وفيه تأمل فانه يقال: العبرة بالجواب فكما يتعدى من لبس القلنسوة إلى لبس غيرها من جهة إطلاق الجواب كذلك يتعدى من إطلاق الجواب إلى لبس النساء للحرير وقد عرفت أنه لا ترتبط حرمة الغيرية بالحرمة الذاتية بحسب ظاهر الادلة، نعم لا يبعد الاستدلال على الجواز بموثقة ابن بكير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلا م قال: (النساء تلبس الحرير والديباج لا في الاحرام) (5) فان مقتضى الاستثناء جواز لبسهن


(1) و (2) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 11 ح 1 و 10. (3) و (4) المصدر ب 12 ح 2 و 3. (5) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 16 ح 3.

[ 277 ]

له في الصلاة لكنها مارضة بقول الصادق عليه السلام في حسن حريز وصحيحه (كل ثوب يصلى فيه فلا بأس بالاحرام فيه) (1) حيث أن مقتضاه. إما جواز لبس الحرير و هو مخالف لظاهر الاخبار المستفيضة أو عدم جواز لبسه في الصلاة وهو المطلوب. وقد يجاب بأخصية الموثقة من هذا الصحيح وفيه نظر لانه لو كان الموثقة نصا في جواز الصلاة في الحرير لتم ما افيد وليس كذلك ألا ترى أنه إذا قال: أكرم العلماء إلا زيدا يصح إخراج عمر وأيضا بكلام آخر، اللهم إلا أن يدعى الاظهرية في مورد التعارض، ومما يدل على عدم الجواز خبر جابر الجعفي المروي عن الخصال قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (ليس عل النساء أذان - إلى أن قال: ويجوز للمرأة لبس الحرير والديباج في غير صلاة وإحرام وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد ويجوز أن تتختم بالذهب وتصلي فيه وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد) (2) وهذه الرواية لعلها معمول بها في مسألة حرمة لبس الذهب على الرجال. (وفي التكة والقلنسوة من الحرير تردد أظهره الجواز مع الكراهية) مستند الجواز رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كل مالا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الابريسم والقلنسوة والخف والزنار يكون في السراويل ويصلى فيه) (3) وضعف السند بواسطة أحمد بن هلال مجبور بعمل الاصحاب بها مضافا إلى بعض الجهات الاخر الموجب لاعتبارها كما أنها مقدمة على العمومات نعم يعارضها خصوص صحيحتي عبد الجبار المتقدمة إحديهما حيث وقد السؤال عن خصوص القلنسوة واجيب بعدم الحلية والظاهر عدم إمكان الجمع فالتعارض باق وربما يقدم رواية الحلبي بالشهرة وبوجود أمارات التقية في الصحيحتين وفيه تأمل بل لا يبعد أن يقال بعد التعارض يرجع إلى العمومات المانعة ومع عدم الرجوع


(1) الوسائل كتاب الحج أبواب الاحرام ب 27 ح 1. (2) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 16 ح 6. (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 14 ح 2.

[ 278 ]

يتخير وأما حمل عدم الحلية على الكراهة فبعيد جدا (وهل يجوز الركوب عليه والافتراش به فيه تردد والمروي: نعم ولا بأس بثوب مكفوف به) أما جواز الركوب والافتراش فيكفي فيه عدم صلوح الادلة للمنع من جهة أن المتبادر خصوص اللبس مضافا إلى صحيحة علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الفروش الحرير ومثله من الديباج والمصلى الحرير هل يصح للرجال النوم عليه واتكائه والصلاة عليه؟ قال: (يفترشه ويقوم عليه ولا يسجد عليه) (1)، وأما عدم البأس بالثوب المكفوف به فربما يستدل عليه برواية يوسف بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بالثوب أن يكون سداه وزره وعلمه حريرا وإنما يكره الحرير البهم للرجال) (2) ورواه الصدوق باسناده عن يوسف بن محمد بن إبراهيم (3). وبخبر أبي داود يوسف بن إبراهيم قال: (دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعلي قباءة خز وبطانته خز وطيلسان خز مرتفع فقلت: إن علي ثوبا أكره لبسه، فقال: وما هو؟ قلت: طيلساني هذا، قال: وما بال الطيلسان؟ قلت: هو خز قال: وما بال الخز قلت: سداه إبريسم قال: وما بال الابريسم قال: لا تكره أن يكون سدى الثوب أبريسم ولا زره ولا علمه وإنما يكره المصمت من الابريسم للرجال ولا يكره للنساء) (4) ولا يخفى أنه مع انجبار ضعف السند لا مجال للخدشة بعدم معلومية إرادة الترخيص في حال الصلاة لان المنع في تلك الاخبار متوجه إلى الحرير الخالص وما ذكر ههنا جعل مقابلا له لكنه يقع الاشكال في التحديد المعروف باربعة اصابع حيث لا تعرض في هذه الاخبار لهذا التحديد وإنما وقع في بعض الاخبار العامية. (ولا يجوز في ثوب مغصوب مع العلم به) المعروف بطلان الصلاة في الثوب المغصوب مع العلم بالغصبية سواء كان الثوب ساترا للعورة أم لا واستدل على البطلان باتحاد الافعال الصلاتية من القيام والركوع والسجود وغيرها مع التصرف المحرم


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 15 ح 1. (2) و (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 13 ح 6. (4) ذكر صدره في الوسائل ابواب لباس المصلى ب 10 ح 2 وذيله في ب 16 ح 1.

[ 279 ]

فلا تقع تلك الافعال مقربة للمكلف ولابد في العبادة من كونها مقربة وقد يستشكل في هذا بعدم الاتحاد حيث أن الواجبات في الصلاة هيئات وأوضاع مخصوصة والحركات مقدمات لهذه الاوضاع ولا مانع من حرمة المقدمة مع رجحان ذي المقدمة واجيب عن هذا الاشكال بوجهين أحدهما أن نتيجة الافعال الاولية لا يتعلق بها التكليف إلا بملاحظة المعنى المصدري وهي ملاحظة الاضافة الخاصة إلى المكلف وهي بهذه الملاحظة تنطبق على الفعل الاولى للمكلف، الثاني أنه لا يكاد يحصل القرب من نتيجة فعل يكون محرما لان حسن الافعال وقبحها إنما يكون بملاحظة اختيار الفاعل ولو فرضنا أن الفاعل لم يتحقق منه إلا اختيار السوء فكيف يكون نتيجته مقربا، نعم لو كان بعده اختيار بالنسبة إلى الفعل صح التقرب به كما لو ركب الدابة الغصبية للحج، ويمكن أن يقال: أما الوجه الاول فهو منظور فيه لانه لا يحكم العقل في صحة التكليف إلا بكونه مقدورا عليه سواء تعلق القدرة بلا واسطة كالافعال الاولية أو مع الواسطة كالافعال التوليدية وعلى هذا فلا وجه لارجاع التكليف بالطهارة مثلا بالتكليف بالغسلات والمسحات، ويتوجه هذا على الوجه الثاني أولا منع عدم بقاء الاختيار مع حصول المقدمة فان الحركة التي تكون مقدمة للركوع مثلا لا تكون علة تامة لتحقق الركوع العبادي فإن الركوع العبادي أمر قصدي عبادي، ولذا لو انحنى لاخذ شئ أو قتل عقرب لا يعد انحناؤه ركوعا يترتب عليه أثر وثانيا أنه كيف يجتمع هذا مع ما يقول القائلون بصحة الترتب في الضدين اللذين لا ثالث لهما مع كون أحدهما الاهم حيث أنه بعد ترك الاهم وعصيانه لا يبقى اختيار بالنسبة إلى المهم، وثالثا أنه مع استناد الفعل المولد إلى الفاعل وكونه حسنا حسب الفرض فقد وقع الامر العبادي بقدرته واختياره، فالفعل المباشري مبغوض والفعل التوليدي محبوب، ولا منافاة بينهما، فإن كان نظر القائلين بالبطلان إلى الوجوه العقلية فللنظر فيه مجال، إن كان الحكم مسلما بين الاصحاب غاية الامر ذكر الوجوه العقلية تأييدا فلا بد من الاخذ به، واما لو لم يكن المصلي عالما بالغصبية وكان معذورا كما لو جهل بالموضوع فالمعروف صحة الصلاة لاشتمال الفعل أعني

[ 280 ]

الصلاة على جهة الحسن وعدم كون مخالفة النهي مبعدة لكون المكلف معذورا، وفيه نظر لانه مع فرض عدم اجتماع الامر والنهي وغلبة جانب النهي كما هو المفروض فلا يقع الفعل حسنا لغلبة النهي فمجرد عدم كون مخالفة النهي مبعدة لا يثمر في حسن الفعل وهو مما لابد منه في صحة العبادة إن لم نقل بلزوم الامر الفعلي في صحة العبادة، وما يقال في دفع ما ذكر من أنه إنما يقبح أن يأمر الحكيم بما فيه مفسدة قاهرة إذا كان أمره موجبا للوقوع في تلك المفسدة وأما إذا كان وقوعه فيها مسببا عن سبب آخر يعذر فيه المكلف ولا يتصف فعله من حيث صدوره منه بالقبح فلا مانع من الامر بايقاعه في بعض الوجوه المحسنة فقيه إشكال من جهة أن المانع من اجتماع الامر والنهي هو لزوم اجتماع المحبوبية والمبغوضية في محل واحد، وهذا لا فرق فيه بين صورة العلم وعدم المعذورية وصورة الجهل والمعذورية، ولو صح ما ذكر للزم صحة الصلاة مع العلم والالتفات بنحو الترتب بأن ينهي الامر عن النصب ويأمر على تقدير العصيان بالصلاة فان المعلوم أن الامر ما اوجب وقوع المكلف في المفسدة بل وقع فيها بسوء اختياره والا لتزام به كما ترى، والحاصل أنه إن بنينا على صحة الوجه العقلي المتمسك به لبطلان العبادة فالتفرقة بين صورة العلم والجهل مشكلة، وإن بنينا على غيره من شبهة إجماع فلتفرقة الصورتين وجه لعدم التزام القائلين بالبطلان في صورة العلم به في صورة العذر. (ولا فيما يستر ظهر القدم ما لم يكن له ساق كالخف) واستدل على المنع بما نقل عن ابن حمزة وغيره من أنه قال، وروي أن الصلاة محظورة في النعل المسندي الشمسك بدعوى انجباره بفتوى القدماء ولا يخفى أنه مع اعتبار هذا المرسل بما ذكر لا وجه للتعدي عن النعل المسندي والشمسك إلى غيرهما مع أنه يمكن أن يكون المراد من الحظر الحظر التنزيهي فتأمل. (ويستحب في النعل العربية ويكره في الثياب السود ما عدى العمامة والخف، وفي الثوب الذي يكون تحته وبر الارانب والثعالب أو فوقه، وفي ثوب واحد للرجال ولو حكي ما تحته لم يجز) أما الاستحباب في النعل العربية فيدل عليه أخبار منها ما عن الصدوق

[ 281 ]

والشيخ - قدس سرهما - في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فان ذلك من السنة) (1) لكن في التهذيب (فانه يقال ذلك من السنة) والروايات مطلقة ولا وجه للتخصيص بالنعل العربية إلا من جهة حمل المطلق على ما هو المتعارف في ذلك العصر وهذا محل إشكال، وأما الكراهة في الثياب السود فيدل عليه المرسل المروي عن الكافي قال: وروي (لا تصل في ثوب أسود فأما الخف أو الكساء أو العمامة فلا بأس) (2) ومفهوم التعليل الوارد في القلنسوة فيما رواه في الكافي عن محسن بن أحمد عمن ذكره عن أبي عبد الله (3) عليه السلام قال: قلت له: اصلى في القلنسوة السوداء فقال: لا تصل فيها فانها لباس أهل النار) (4) بانضمام ما يظهر منه أن الثياب السود لباس أهل النار، وأما الكراهة في الثوب الذي يكون تحته وبر الارانب الخ فلورود النهي عنه في المعتبرة المستفيضة ففي الصحيح قلت لابي جعفر عليه السلام: (الثعالب نصلي فيها قال: لا ولكن تلبس بعد الصلاة، قلت اصلي في الثوب الذي يليه؟ قال: لا) (5) وفيه عن رجل سأل الماضي عليه السلام عن الصلاة في جلود الثعالب فنهى عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليه فلم أدر أي الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجد؟ فوقع عليه السلام بخطه: الثوب الذي يلصق بالجلد) (6) وظاهر هذين كغيرهما عدم الجواز والاكثر على الجواز من جهة بعد احتمال تعبدية المنع ولا يبعد أن يقال: لعل وجه المنع فيما يلي الوبر التصاق شئ من الوبر به ولعل المراد من الذي يلصق بالجلد الثوب المركب من الجلد وغيره من قطن أو صوف أو غيرهما وعلى هذا توجه المنع إلى وقوع الصلاة في جلد غير المأكول اللحم وعلى التقديرين لا يستفاد حكم تعبدي لا الحرمة ولا الكراهة إلا أن يكون الكراهة محكمة عدم


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 37 ح 5. (2) الكافي ج 3 ص 403 تحت رقم 24. (3) المصدر ج 3 ص 403 تحت رقم 30. (4) لعله أشار به إلى بنى العباس لا نهم يلبسونها. (5) و (6) الكافي باب (اللباس الذى تكره الصلاة فيه وما لا تكره) ج 3 ص 397 تحت رقم 14 و 8.

[ 282 ]

التصاق بعض أجزاء الغير المأكول. وأما الكراهة في الثوب الواحد فلعلها من جهة ما حكي عن قرب الاسناد للحميري عن عبد الله بن الحسن، عن جده، عن علي بن جعفر عليه السلام (انه سأل أخاه عليه السلام عن الرجل هل يصلح أن يصلي في سراويل واحد؟ قال: لا يصلح) (1) بضم ما دل على جواز الصلاة في الثوب الواحد، ولا يخفى أن هذا الخبر لا يدل على الكراهة في مطلق الثوب الواحد، نعم قد يستفاد من بعض الاخبار كراهة الصلاة في الثوب الرقيق ففي حديث الاربعمائة المروي عن الخصال (عليكم بالصفيق من الثياب فان من رق ثوبه رق دينه، لا يقومن أحدكم بين يدي الرب جل جلاله وعليه ثوب يشف) ولا يبعد أن يكوه النهي من جهه إلا خلال بالستر الواجب. (وأن يأتزر فوق القميص، وأن يشتمل الصماء، وعمامة لا حنك لها، وأن يؤم بغير رداء، وأن يصحب معه حديدا ظاهرا، وفي ثوب يتهم صاحبه وفي قباءة فيه تماثيل أو خاتم فيه صورة). أما كراهة الاتزار فوق القميص فيدل عليه خبر أبي بصير المروي عن الكافي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا ينبغي أن تتوشح بازار فوق القميص وانت لا تصلي ولا تتزر بازار فوق القميص إذا أنت صليت فانه من زي الجاهلية) ونقل هذه الرواية في التهذيب باسقاط (وأنت تصلي ولاتتزر بازار فوق القميص) والظاهر عدم قدحه في حجية ما في الكافي لكونه أضبط مع قوة أن يكون الاسقاط من سهو القلم والنهي محمول على الكراهة ويدل عليه نفي البأس عنه في بعض الصحاح. وأما كراهة اشتمال الصماء في الصلاة فاستدل عليه بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إياك والتحاف الصماء قلت: وما التحاف الصماء؟ قال: أن تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد) (3) ولا يخفى عدم استفادة الكراهة


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 22 ح 15. (2) المصدر ج 3 ص 395 تحت رقم 7. (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 25 ح 1.

[ 283 ]

في الصلاة إلا من جهة فتوى الاصحاب ونقل إجماعهم. وأما الكراهة في عمامة لا حنك لها فاستدل عليها بدعوى الاجماع والشهرة والاخبار الواصلة إلينا مفادها كراهة ترك التحنك مطلقا منها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلو من إلا نفسه) (1). وأما الكراهة في الامامة بغير رداء فاستدل عليه بصحيحة سليمان بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أم قوما في قميص ليس عليه رادء فقال: (لا ينبغي إلا أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي به) (2) ولا يخفى أنه لا يستفاد منها ما هو المشهور لجوار أن يكون غرض لسائل السؤال عن إمامته إذا لم يكن عليه إلا قميص ولم يلبس فوق القميص شيئا لكن الحكم مشهور. وأما الكراهة مع صحبة الحديد ظاهرا فيدل عليها أخبار مستفيضة منه موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يصلي وعليه خاتم حديد؟ قال: لا ولا يتختم به الرجل فانه من لباس أهل النار) (3) ورواية أبي الفضل المدائني عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يصلي الرجل وفي تكته مفتاح حديد) (4) قال الكليني - قدس سره - (وروي إذا كان المفتاح في غلاف فلا بأس) (5). وعن التهذيب (6) قد قدمنا رواية عمار أن الحديد إذا كان في غلاف فلا بأس بالصلاة فيه. وهذه الاخبار وإن كان المستفاد منها الحرمة وفي بعضها التصريح بالحرمة إلا أنها محمولة على الكراهة بقرينة أخبار اخر والمشهور على الجواز على الكراهة منها مكاتبة الحميري المروية عن الحتجاج إلى صاحب الزمان - عجل الله تعالى فرجه - يسأله عن الفص


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 26 ح 1، وفي الكافي ج 6 ص 460 (2) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 52 ح 1. (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 32 ح 5. (4) و (5) الكافي ج 3 ص 404 تحت رقم 34 و 35. (6) المصدر ج 2 ص 227 تحت رقم 894.

[ 284 ]

الخماهن هل يجوز الصلاة فيه إذا كان في أصبعه فكتب الجواب فيه كراهية أن يصلى فيه) (1) وفيه أيضا إطلاق والعمل على الكراهية. وسأله (عن الرجل يصلي وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد هل يجوز ذلك؟ فكتب في الجواب جائز) (2) والخماهن على ما قيل الحديد الصيني. وأما الكراهة في ثوب يتهم صاحبه فيدل عليه صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي في ثوب المرأة وفي إزارها ويعتم بخماره؟ قال: نعم إذا كانت مأمونة) (3) ولعل المراد بالمأمونة الغير المتهمة، ويدل على الجواز ما دل على عدم وجوب الغسل ما لم يعلم بالنجاسة كصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر إني اعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فأغسله قبل أن اصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: (صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك فانك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه) (4). وأما الكراهة في ثوب فيه تماثيل أو خاتم فيه صورة فيدل عليها أخبار منها ما في موثقة عمار حيث أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن الثوب يكون في علمه مثال الطير أو غير ذلك أيصلي فيه؟ قال: لا، وعن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك؟ قال: لا يجوز الصلاة فيه) (5) وفي قبالها ما يظهر منه الجواز منها خبر علي بن جعفر عليهما السلام عن أخيه موسى عليه السلام المروي عن قرب الاسناد قال: (وسألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طيرأ يصلى فيه؟ قال: لا بأس) (6) والظاهر عدم القول بالفصل بينه وبين الثوب فيحمل النهي بالنسبة إلى الثوب أيضا على الكراهة. (ويكره للمرأة أن تصلي في خلخال له صوت أو متنقبة ويكره للرجال اللثام


(1) و (2) الوسائل أبواب لباس الصلى ب 32 ح 10 و 11. (3) الوسائل أبواب لباس الصلى ب 48 ح 1 (4) الوسائل أبواب النجاسات ب 74 ح 1. (5) و (6) الوسائل أبواب لباس الصلى ب 44 ح 17 و 25.

[ 285 ]

وقيل يكره في قباء يكره في قباء مشدود إلا في الحرب) واستدل على كراهة الصلاة في الخلخال وله صوت بصحيحة علي بن جعفر عليهما السلام عن أخيه موسى عليه السلام في حديث قال: (سألته عن الخلخال هل يصلح للنساء والصبيان لبسها؟ فقال: إن كن صماء فلا بأس وإن كان لها صوت فلا) (1) وحملت على حال الصلاة بقرينة وقوعه في طي أسولة متعلقة بالصلاة. وأما كراهة التنقب فربما يستدل لها برواية سماعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي فيتلو القرآن وهو ملثم فقال: لا بأس به وإن كشف عن فيه فهو أفضل، قال: وسألته عن المرأة تصلي متنقبة قال: إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به وإن أسفرت فهو أفضل) (2) فربما يستفاد منها الكراهة بقرينة كراهة اللثام للرجل جمعا بين هذه الرواية وبين صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت: لابي جعفر عليه السلام: (أيصلي الرجل وهو متلثم فقال: أما على الارض فلا، وأما على الدابة فلا بأس) (3). وأما كراهة الصلاة في قباء مشدود فقد نسب إلى المشهور ولم يعرف مستنده. (مسائل ثلاث: الاولى ما تصح فيه الصلاة يشترط فيه الطهارة وأن يكون مملوكا أو مأذونا فيه) أما الطهارة فقد سبق الكلام فيها في كتاب الطهارة. وأما اعتبار المملوكية أو الاذن فلما سبق من اعتبار عدم الغصبية فان غير ما ذكر بحكم الغصب. (الثانية يجب ستر العورة يجزي للرجل ستر قبله ودبره وستر ما بين السرة والركبة أفضل وستر جسده كله مع الرداء أكمل ولا تصلي الحرة إلا في درع وخمار ساترة جميع جسدها عدا الوجه والكفين وفي القدمين تردد أشبهه الجواز والامة والصبية تجتزيان بستر الجسد وستر الرأس مع ذلك أفضل) أما وجوب الستر في الجملة فهو من المسلمات. وأما الاكتفاء للرجل بستر القبل والدبر فيمكن أن يستدل عليه بصحيحة علي بن جعفر عليه السلام عن أخيه عليه السلام قال: (سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا وحضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال عليه السلام: إن أصاب


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 60 ح 1. (2) و (3) المصدر ب 35 ح 5 و 1.

[ 286 ]

حشيشا يستر به عورته أتم به صلاته بالركوع والسجود، وإن لم يصب شيئا يستر به عورته أو مأو هو قائم) (1) ونوقش في الاستدلال بأنه ليس في مقام بيان شرطية الستر حتى يأخذ باطلاقه، وفيه نظر حيث لا يحتمل لزوم ستر العورة في هذه الحالة وعدم لزومها في غير هذه الحالة هذا مضافا إلى مفهوم ما دل على جواز الصلاة في ثوب واحد إذا كان كثيفا وإطلاق معاقد الاجماعات ولا مجال للخدشة في الاول بالحمل على الافضلية من جهة عدم اعتبار الكثافة في غير ما يستر العورة، وبأن إطلاق معاقد الاجماعات ليس بمنزلة إطلاق كلام المعصوم صلوات الله عليه حتى يؤخذ به وذلك لان حاصل الخدشة في الاول يرجع إلى أنه لو كان النظر إلى اعتبار التستر لكان ينبغي أن يقيد بكثافة ما يستر العورة دون كثافة كل الثوب كما هو الظاهر ولا يخفى أن هذا يتوجه لو كان هذا النحو متعارفا في الثياب. وأما مع عدم التعارف في الثوب الواحد فربما يعد هذا التعبير ركيكا لا يليق بكلام المعصوم وهذا يكفي في تعين الاخذ بالظاهر وعدم دوران الامر بين التصرفين. وأما الخدشة في الثاني فيتوجه عليها أنه لو فتح هذا الباب لزم رفع اليد عن كثير من الاجماعات المسلمة وهو كما ترى. وأما وجه أفضلية ما ذكر وأكملية الزائد احتمال صدق العورة على ما بين السرة والركبة بعد تسلم وجوب ستر العورة في الصلاة واستحباب ستر سائر البدن الذى يعتاد ستره وهو الرأس وما تحت الرقبة إلى القدمين على حسب المتعارف قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) والنبوي صلى الله عليه وآله: (إذا صلى احدكم فليلبس ثوبيه فان الله احق ان يتزين له) (2) لكن العورة منحصرة في القبل والدبر على المشهور ويدل عليه مرسل أبى يحيى الواسطي عن ابى الحسن الماضي عليه السلام قال: (العورة عورتان القبل والدبر، والدبر مستور بأليتين فإذا ستر القضيب والبضتين فقد ستر العورة) (3) نعم يظهر مما عن كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 49 ح 1. (2) رواه الطبراني والبيهقي في سنة كما في الدر المنثور ج 3 ص 79. (3) الوسائل أبواب آداب الحمام ب 4 ح 2.

[ 287 ]

إنه قال: إذا زوج الرجل أمته فلا ينظرن إلى عورتها والعورة بين السرة والركبة) (1) لكنه ادعي الاجماع على خروجهما عن العورة. وأما وجوب ستر الحرة جميع البدن إلا ما استثني فللاخبار الكثيرة المتضمنة للامر بلبس ثوبين وما زاد حيث يفهم منها لزوم ستر الحرة رأسها وسائر جسدها حال الصلاة، فمنها صحيحة زرارة قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدني ما تصلي فيه المرأة قال: درع وملحفة فتنشرها على رأسها وتجلل بها) (2) وموثقة ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (تصلي المرأة في ثلاثة أثواب إزار ودرع وخمار ولا يضرها أن تقنع بالخمار، فان لم تجد فثوبين تتزر بأحدهما وتقنع بالآخر، قلت: فان كان درع وملحفة ليس عليها مقنعة؟ فقال: لا بأس إذا تقنعت بالملحفة فتلبسها طولا) (3) ولا يخفى الاشكال في استفادة وجوب ستر جميع البدن عدا الوجه والكفين وظاهر القدمين من الاخبار لكن الظاهر عدم الخلاف فيكشف عن المراد من الاخبار مع إجمالها من هذه الجهة. وأما استثناء الوجه والكفين فالوجه لاشبهة في عدم وجوب ستره ويدل عليه مضافا إلى دعوى الاجماع عليه الاخبار الدالة على جواز الصلاة في درع وخمار مع أنه لا يتحقق بهما ستر الوجه، ولا يخفى أنه مع هذه الاستدلال لا مجال لان يقال أن المدار في حدود الوجه على ما درات عليه الابهام والوسطى كما في باب الوضوء بل لابد من إخراج مقدار لا يستر بالدرع والخمار ومن هنا يظهر الوجه في استثناء الكفين والقدمين ظاهرهما وباطنهما ومع الشك في كيفية الدرع والخمار الملبوسين في تلك الاعصار يشك في وجوب الزائد على المتيقن والمرجع البراءة. وأما اجتزاء الامة بستر ما سوى الرأس فبجملة من الاخبار منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى الحسن عليه السلام قال: ليس على الاماء أن يتقنعن في الصلاة ولا ينبغى للمرأة أن تصلي إلا في ثوبين) (4) والظاهر عدم الخلاف فيه وفى


(1) الوسائل أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح ب 42 ح 2. (2) و (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 28 ح 10 و 9. (4) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 29 ح 2.

[ 288 ]

اجتزاء الصبية بما ذكر، ويمكن استفادة الحكم في الصبية من بعض الاخبار مثل صحيحة يونس بن يعقوب فعيها (ولا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار) (1) ومرسلة الصدوق قال: (قال النبي صلى الله عليه وآله (: ثمانية لا يقبل لهم صلاة منهم المرأة المدكرة تصلي بغير خمار) (2). وأما أفضلية الستر فلم يعلم وجهها ففي الامة قد وردت بعض الروايات ظاهره بل صريحة في المنع وقد حمل على الكرامة أو التقية بشهادة غيره من الروايات. (الثالثة يجوز الاستتار في الصلاة بكل ما يستر العورة كالحشيش وورق الشجر والطين ولو لم يجد ساترا صلى عريانا قائما موميا إذا أمن المطلع ومع وجوده يصلي جالسا موميا للركوع والسجود) ظاهر المتن جواز الاستتار بما ذكر حتى مع التمكن من الاستتار بالثوب ونحوه ولا يبعد استفادته من بعض الاخبار كصحيحة علي ابن جعفر عليه السلام عن أخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقى عريانا وحضرت الصلاة كيف يصلي قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بركوعه وسجوده وان لم يصب شيئا به عورته أومأ وهو قائم) (3) حيث يظهر منها أن المدار ستر العورة ولا يظهر من غيرها من الاخبار اعتبار الستر بالنحو المتعارف ومع الشك يكفى الاصل وقد يقال بعدم كفاية مثل الطين من جهة ان المنساق من الاخبار أنه يعتبر في صحة الصلاة اختيارا أن لا يكون المصلي عاريا، ومن الواضح أنه لا يخرج المصلي بطلى الطين أو الحناء مثلا عن مصداق اسم العارى مضافا إلى أنه يلزم تنزيل الاخبار الواردة في كيفية صلاة العاري على النادر من صورة عدم التمكن من مثل الطين، نعم لا يبعد الاكتفاء به في الستر الذي قصد به حفظ الفرج عن الناظر المحترم حيث إن المقصود فيه مجرد المنع عن تعلق الرؤية، وفيه نظر لانه لادليل على لزوم أزيد مما يصدق عليه ستر العورة ويمكن أن يكون الاخبار المتعرضة لكيفية صلاة العارى جماعة وفرادى متعرضة للفرد النادر، وهذا غير حمل


(1) و (2) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 28 ح 4 و 6. (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 49 ح 1.

[ 289 ]

المطلق على الفرد النادر. هذا، ولا يبعد أن يقال بالفرق بين الرجل والمرأة ولعله لابد في خصوص المرأة من التستر بما هو المتعارف لما دل على اعتبار لبس الثوبين ولو لم تلزم بخصوصية الثوب لكنه لا بد من التستر بنحو يتستر بالثوبين والطلى بالطين ونحوه خارج عن ذلك النحو. وأما كيفية صلاة العاري الذي لم يجد شيئا يستر عورته فقد اختلف الاقوال فيها ومنشأ الاختلاف اختلاف الاخبار فمنها ما يستفاد منه وجود الصلاة قائما مطلقا مثل صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، وفيها (إن لم يصب شيئا يستر به عورته أو مأ وهو قائم) ومما يدل على أنه يصلي جالسا صحيحة زرارة أو حسنته قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: (رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه ولم يجد شيئا يصلي فيه؟ فقال: يصلي إيماء، وان كانت امرأة جعلت يدها على فرجها وإن كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيوميان إيماء، ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفهما تكون صلاتهما إيماء برؤوسهما، قال: وإن كانا في ماء أو بحر لجي لم يسجدا عليه، وموضوع عنهما التوجه فيه يوميان في ذلك إيماء ورفعهما توجه ووضعهما توجه) (1) ومنها ما يدل على التفصيل وهو ما رواه ابن مسكان عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام (في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة، قال: يصلي عريانا قائما إن لم يره أحد فإن رآه أحد صلى جالسا) (2) وصحيحة عبد الله بن مسكان المروية عن محاسن البرقى عن أبى جعفر عليه السلام في رجل عريان ليس معه ثوب قال: (إذا كان حيث لا يراه احد فليصل قائما) (3) والمعروف الجمع بين الاخبار بتنزيل المطلقات على ما في الاخبار المفصلة وحمل الاخبار المفصلة على التفصيل بين صورة الامن من المطلع وعدمه ولا يخفى الاشكال فيه والاشكال في الجمع المذكور لوقوع التعارض بين المطلقات وكون المطلقات في الطرفين في مقام البيان فلو لا مخافة مخالفة المشهور لتعين الجمع بالتخيير بين الصلاة قائما وجالسا.


(1) الكافي ح 3 ص 396 تحت رقم 6. (2) و (3) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 49 تحت رقم 7 و 3.

[ 290 ]

(الخامسة في مكان المصلي. يصلى في كل مكان إذا كان مملوكا أو مأذونا فيه ولا تصح في المكان المغصوب مع العلم وفي جواز صلاة المرأة إلى جانب المصلي قولان احدهما المنع سواء صلت بصلاته أو منفردة محرما كانت أو أجنبية والآخر الجواز على كراهية) أما اعتبار المملوكية أو الاذن بالخصوص أو بالعموم في الحكم التكليفى فلا كلام فيه ويدل عليه العقل والنقل. وأما بطلان الصلاة مع العلم بالغصبية و صحتها مع الجهل فالكلام فيهما الكلام في الصلاة في اللباس المغصوب، واما صلاة المرأة إلى جانب الرجل المصلي فقيل بالمنع ولعله المشهور بين القدماء وحجتهم روايات كثيرة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن المراة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعا؟ قال: لا ولكن يصلي الرجل فإذا فرغ صلت المرأة) (1) ومنها موثقة عمار عن الصادق عليه السلام (أنه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلي وبين يديه امرأة تصلي؟ قال: لا يصلي حتى يجعل بينه وبينها أكثر من عشرة أذرع، وإن كانت عن يمينه وعن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك، وإن كانت تصلي خلفه فلا بأس وإن كانت تصيب ثوبه وان كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت) (2) وقيل بالجواز ويدل على صحيحة جميل عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس ان تصلي المراة بحذاء الرجل وهو يصلي فان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض وكان إذا أراد أن يسجد غمز رجلها فرفعت رجلها حتى يسجد) (3) وخبر ابن فضال عمن أخبره عن جميل بن دراج عن أبى عبد الله عليه السلام (في الرجل يصلى والمرأة تصلي بحذاه فقال: لا بأس) (4) وخبر عيسى بن عبد الله القمي سئل الصادق عليه السلام عن امرأة صلت مع الرجال وخلفها صفوف وقدامها صفوف قال: (مضت صلاتها ولم تفسد على أحد ولا تعيد) (5) ومما يؤيد الجواز الاخبار النافية للبأس (6) إذا كان بينهما موضع رحل أو شبر أو ذراع مع بعد الحمل


(1) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 10 ح 1. (2) المصدر ب 7 ح 1. (3) المصدر ب 4 ح 4. (4) المصدر ب 5 ح 6. (5) جواهر الكلام ج 8 ص 306. (6) راجع الوسائل أبواب مكان المصلى ب 7 و 8.

[ 291 ]

على إرادة خصوص التأخر كما يجعل اختلاف الاخبار في منزوحات البئر شاهدا على عدم نجاسة البئر، فالاقوى والاظهر القول بالجواز جمعا بين الاخبار المانعة و المجوزة برفع اليد عن ظهور المانعة بنص ما دل على الجواز والحمل على الكراهة و ارتفاع الكراهة مع فصل ما عين في الاخبار بمراتبها. (ولو كان بينهما حائل أو تباعدت عشرة أذرع فصاعدا أو كانت متأخرة عنه و لو بمسقط الجسد صحت صلاتهما ولو كانا في مكان لا يمكن فيه التباعد صلى الرجل اولا ثم المراة) أما زوال الحرمة أو الكراهة مع وجود الحائل فالظاهر عدم الخلاف فيه ويشهد له صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام في المرأة تصلي عند الرجل قال: (إذا كان بينهما حاجز فلا بأس) (1) وأما زوالهما مع فصل عشرة أذرع فيشهد له خبر علي بن جعفر عليه السلام المروي عن قرب الاسناد عن أخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصلي الضحى وأمامه امرأة تصلي بينهما عشرة أذرع قال: لا بأس ليمض في صلاته) (2) ويمكن أن يقال: لعل نفي البأس بلحاظ أصل المحاذاة لا بلحاظ الخصوصية فان الخصوصية مذكورة في كلام السائل فيكون حال هذا الخبر حال مادل على الجواز مطلقا فالاولى الاستدلال بموثقة عمار المتقدمة آنفا وحمل التعبير بأكثرمن عشرة أذرع على ما لا ينافي العشرة المحدودة، وذلك لان الحدود لا يعلم تحققها إلا بانضمام ما يزيد عليها، واما زوالهما بالتأخر المذكور فيشهد له صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (سألته عن المرأة تصلى عند الرجل قال: لا تصلي المرأة بحيال الرجل الا أن يكون قد امها ولو بصدره) (3) وأما صورة عدم التمكن من التباعد والقول بالحرمة فتقدم الرجل بالصلاة وان كان منصوصا لكن الظاهر انه م ن جهة الاولوية أو التخيير لانه من المستبعد اعتبار تقدم صلاة الرجل شرطا. (ولا يشترط طهارة موضع الصلاة إذا لم تتعد نجاسته ولا طهارة مواضع المساجد


(1) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 8 ح 2. (2) المصدر ب 7 ح 2. (3) المصدر ب 6 ح 2.

[ 292 ]

عدا موقع الجبهة) أما لزوم طهارة موقع الجبهة فقد ادعي عليه الاجماع وقد يستشكل في انعقاد الاجماع من جهة ما حكي عن المصنف - قدس سره - من أنه نقل عن الراوندي وصاحب الوسيلة القول بأن الارض والبواري والحصر إذا اصابها البول وجففتها الشمس لا تطهر بذلك لكن يجوز السجود عليها، واستجوده وقد دفع هذا الاشكال بأن هذا مرجعه إلى الخلاف في كيفية تأثير الشمس من أنها هل تؤثر الطهارة أو العفو عن السجود عليها فهو مؤكد للاجماع على عدم جواز السجود على النجس الذى لم يثبت العفو عنه، وفيه نظر من جهة أنه مع هذا الخلاف لم يثبت اعتبار الطهارة ولم يعلم أن تجويز هؤلاء الاعلام مع الجفاف من جهة العفو أو جهة يبوسة محل السجود بحيث لا تتعدى إلى البدن والثوب ومع هذا الاحتمال كيف يثبت الاجماع وقد يستدل بصحيحة ابن محبوب عن الرضا عليه السلام (أنه كتب إليه يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى يجصص به المسجد أيسجد عليه فكتب إليه إن الماء والنار قد طهراه) (1) حيث يظهر منها أن المنع من السجود على النجس من الامور المسلمة المفروغ عنها وفيه إشكال من جهه ان هذه الصحيحة بظاهرها غير معمول بها ولعل المراد منها رفع الاستقذار العرفي فلعل بالعذرة عذرة الحيوان المأكول اللحم لعدم معهودية الايقاد بغيرها والمراد بعظام الموتى عظام الحيوانات بعد يبوستها وانفصالها عن الجلد واللحم فكيف تحمل على صورتها النجاسة المعهودة بين المتشرعة ولا أقل من الاجمال، نعم يمكن الاستدلال بموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الموضع القذر يكون في البيت فلا نصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: لا يصلي عليه واعلم موضعه حتى تغسله. وعن الشمس هل تطهر الارض؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة وان أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس وان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس وإن كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فانه لا


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 81 ح 1.

[ 293 ]

يجوز ذلك) (1) لكن الاظهر حملها على الكراهة جمعا بينها وبين المعتبرة المستفيضة، منها صحيحة علي بن جعفر عليه السلام عن أخيه موسى عليه السلام (أنه سأله عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلى فيهما إذا جفا؟ قال: نعم) (2) وصحيحة الاخرى عنه أيضا قال: (سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلي عليهما؟ قال: إذا يبست فلا بأس) (3) وحمل هذه الاخبار على غير موقع الجبهة لا شاهد عليه ومن هذه يظهر عدم لزوم طهارة غير موقع الجبهة نعم مع التعدي إلى اللباس والبدن تخل بطهارة اللباس والبدن فلا بد من عدمه. (ويستحب صلاة الفرضية في المسجد الا في الكعبة والنافلة في المنزل) أما استحباب صلاة الفرضية في المسجد للرجال فلعله من الضروريات والاخبار الدالة عليه فوق حد الاحصاء ويكفيك ما عن الصدوق في الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين على ابن ابى طالب عليه السلام انه قال: (صلاة في بيت المقدس تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد الاعظم تعدل مائه صلاة، وصلاة في مسجد القبيلة تعدل خمسا وعشرين صلاة، وصلاة في مسجد السوق تعدل اثنى عشر صلاة، وصلاة الرجل في بينه صلاة واحدة) (4) واما النساء فالمعروف أفضلية صلاتها في المنزل من صلاتها في المساجد ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في خبر يونس بن ظبيان: (خير مساجد نسائكم البيوت) (5) بل عنه أيضا (صلاة المرأة في محذعها أفضل من صلاتها في بيتها وصلواتها في بيتها أفضل من صلاتها في الدار) (6). وأما استحباب فعل النافلة فهو المشهور واستدل عليه بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (7) وعنه صلى الله عليه وآله أيضا


(1) الوسائل أبواب النجاسات ب 29 ح 4. (2) و (3) المصدر ب 30 ح 1 و 2. (4) الفقيه باب فضل المساجد وحرمتها تحت رقم 26. (5) و (6) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 30 ح 4 و 1. (7) أخرجه النسائي في السنن والطبراني في المسند الكبير من حديث زيد بن ثابت بسند حسن كما في الجامع الصغير

[ 294 ]

في الوصية المروية في المجالس باسناده بعدما ذكر فضل الصلاة في المسجد الحرام و مسجده صلى الله عليه وآله: (وأفضل من هذا كل صلاة يصليها الرجل في بيته حيث لا يراه إلا الله عزوجل يطلب بها وجه الله - إلى أن قال: - يا أبا ذر إن الصلاة النافلة تفضل في السر على العلانية كفضل الفريضة على النافلة) (1) وفى قبالهما روايات يظهر منها استحباب النافلة في المسجد، منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام (ان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي صلاة الليل في المسجد) (2) وفى الصحيح عن أبن أبى عمير، عن بعض اصحابه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إنى لاكره الصلاة في مساجدهم فقال: لا تكره فما من مسجد بنى إلا على اثر نبي قتل فأصاب تلك البقعة رشة من دمه فأحب الله أن يذكر فيها، فأد فيها الفريضة والنوافل واقض فيها ما فاتك) (3) وقد يجمع بين الطرفين بأن المستفاد من مدرك المشهور أفضلية الاتيان بالنافلة سرا فلا تنافي أفضلية الاتيان بها في المسجد وقد تقع المزاحمة. (وتكره الصلاة في ا لحمام وبيوت الغائط ومبارك الابل ومساكن النمل وفى مرابط الخيل والبغال والحمير وبطون الاودية وأرض السبخة والثلج إذا لم يتمكن جبهته من السجود) أما كراهته في الحمام فيشهد لها مرسلة عبد الله بن فضل (4) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (عشرة مواضع لا تصلى فيها: الطين، والماء والحمام، و القبور، ومسان الطريق (5)، وقرى النمل، ومعاطن الابل، ومجرى الماء، والسبخ والثلج). وأما كراهتها في بيوت الغائط فيشهد لها خبر عبيد بن زرارة قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (الارض كلها مسجد الا بئر غائط أو مقبرة أو حمام) (6) بعد استظهار


(1) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 59 ح 7. (2) لم أجده. (3) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 21 ح 1. (4) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 15 ح 6. (5) أي معظمه. (6) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 31 ح 2.

[ 295 ]

أن المراد من البئر هو البيت الذى فيه بئر الغائط لعدم قابلية البئر. واما الكراهية الصلاة في مبارك الابل ومساكن النمل فيشهد لها مرسلة المذكورة وما الكراهة في مرابط الخيل والبغال والحمير فيشهد لها مضمرة سماعة قال: (سألته عن الصلاة في اعطان الابل وفي مرابض البقر والغنم فقال: إن نضحته بالماء وقد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها، وأما مرابض الخيل والبغال فلا) (1) ومقطوعته قال: (لا تصل في مرابط الخيل والبغال والحمير) (2) والظاهر أن النهي للكراهة بشهادة خبر عبيد بن زرارة المذكورة وفهم الاصحاب. واما الكراهة في بطون الاودية فيدل عليها المرسلة المتقدمة وفى حديث المناهي قال: (ونهي أن يصلي الرجل في المقابر والطرق والارحية والاودية) (3). وأما الكراهة في الارض السبخة فيشهد لها المرسلة المتقدمه كما تشهد بالكراهة في الثلج لكنها محمولة على صورة التمكن من السجود على ما تصح السجدة عليه، وعلى تقدير عدم التمكن فكيف تصح الصلاة مع الكراهة إلا ان لا يقدر ويدل عليه رواية داود الصرمي المروية عن الكافي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إنى أخرج في هذا الوجه وربما لم يكن موضع اصلي فيه من الثلج قال: إن أمكنك أن لا تسجد على الثلج فلا تسجد عليه وإن لم يمكنك فسوه واسجد عليه) (4). (وبين المقابر إلا مع حائل) ويدل عليه موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: (سألته عن الرجل يصلي بين القبور قال: لا يجوز ذلك إلا أن يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه وعشرة أذرع من خلفه وعشرة أذرع عن يمينه وعشرة أذرع عن يساره ثم يصلي إن شاء) (5) وظاهر هذه الموثقة وان كان الحرمة لكنه يتعين الحمل على الكراهة جمعا بينها وبين الاخبار النافية للبأس عنها كصحيحة على بن جعفر عليه السلام (سأل أخاه موسى عليه السلام عن الصلاة بين القبور فقال: لا بأس به) (6) واحتمال تقييد هذه الاخبار بما في ذيل الموثقة من التباعد


(1) و (2) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 16 ح 5 و 4. (3 المصدر ب 25 ح 2. (4) المصدر ب 28 ح 3. (5) و (6) المصدر ب 25 ح 5 و 4.

[ 296 ]

بمقدار عشرة أذرع من كل جانب بعيد ولا أقل من تساوي الاحتمالين فلا دليل على الحرمة وربما يستشهد لحمل الاخبار الموثقة على الكراهة ببعض الاخبار النافية للبأس إلا في صورة اتخاذ القبر قبلة فانه لو حمل الاخبار المجوزة على صورة التباعد بالمقدار المذكور في الموثقة تقع المناقضة حيث جوز في الموثقة اتخاذ القبر قبلة مع البعد المذكور، ولا يخفى أن هذا لا يوجب انصراف الاخبار المجوزة إلى غير صورة التباعد بالمقدار المذكور بحيث يجعل الاستثناء المذكور في الموثقة بمنزلة المنقطع فلا يبعد أن يقال مع عدم البعد بالمقدار المذكور وكون القبر أما المصلى تجتمع جهتان للكراهة، وأما حمل ما دل على النهي عن اتخاذ القبر قبلة على معنى آخر من إرادة التوجه إليه كالتوجه إلى القبلة فبعيد جدا لان هذا المعنى غير متصور في غير قبور الانبياء والائمة صلوات الله عليهم إلا أن يكون النظر في الاستثناء إلى هذا الصورة النادرة لكنه مع ذلك يبعد من جهة عدم توجه السائل في بعض الاخبار إلى هذه الجهة حتى يحتاج إلى الاستثناء فتأمل جيدا. (وفى بيوت المجوس، والنيران والخمور، وفي جواد الطريق، وأن يكون بين يديه نار مضرمة أو مصحف مفتوح) أما الكراهة في بيوت المجوس فمشهورة ويمكن أن يستدل لها بالاخبار التي ورد فيها الامر بالرش منها رواية ابى بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في بيوت المجوس فقال: رش وصل) (1) حيث يستفاد من مثلها أن الصلاة فيها بدون الرش فيها منقصة ترتفع بالرش، وقد فسرت الكراهة في العبادات بوجود حزازة ومنقصة فيها. وأما الكراهة في بيوت النيران فهي ايضا مشهورة ولا دليل عليها إلا بعض المناسبات التي لا يصح الاعتماد عليها لكن البناء على المسامحة لقوة احتمال عثور القائلين بما لم نعثر عليه. وأما الكراهة في بيوت الخمور فيدل عليها موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا تصل في بيت خمر أو مسكرلان الملائكة لا تدخله) (2) والتعليل يناسب


(1) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 14 ح 3. (2) الوسائل أبواب مكان النجاسات ب 38 ح 7.

[ 297 ]

الكراهة وإن كانت هذه الفقرة مقرونة بقوله عليه السلام بعد الفقرة المذكورة (ولا تصل في ثوبت قد أصابته خمر أو مسكر حتى تغسله) بناء على نجاسة المسكر واشتراط صحة الصلاة بالطهارة، ويشهد لما ذكر ما دل على جواز الصلاة في كل مكان غير ما استثني كخبر عبيدة المتقدم آنفا. وأما الكراهة في جواد الطريق فيدل عليها جملة من الاخبار منها صحيحة محمد ابن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في السفر فقال: (لا تصل على الجادة واعتزل على جانبيها) (1) وخبر فضيل بن يسار عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: (لا تصل على الجواد) (2) والنهي فيها محمولة على الكراهة لما ذكر، ولمرسلة عبد الله ابن الفضل المتقدمة حيث عد فيها مسان الطريق في عداد المواضع التي تكره فيها الصلاة. وأما الكراهة في مكان تكون بين يديه نار مضرمة فيدل عليها صحيحة على بن جعفر عليه السلام عن أخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصلي والسراج موضوع بين يديه في القبلة؟ قال: لا يصلح له أن يستقبل النار) (3) وموثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا يصلى الرجل وفى قبلته نار أو حديد، قلت: أله أن يصلي وبين يديه مجمرة شبه قال: نعم فان كان فيه نار فلا يصلي حتى ينحيها عن قبلته. وعن الرجل يصلي وبين يديه قنديل معلق وفيه نار إلا أنه يحيا له قال: إذا ارتفع كان أشر لا يصلي بحياله) (4) وهذه الموثقة وإن كانت ظاهرة في الحرمة إلا أن عطف الحديد فيها على النار يوهن ظهورها مضافا إلى مرفوعة عمرو بن إبراهيم الهمداني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا بأس أن يصلي الرجل والنار والسراج والصورة بين يديه ان الذى يصلى له أقرب إليه من الذى بين يديه) (5). واما الكراهة مع كون المصحف مفتوحا بين يديه فيدل عليها رواية عمار عن أبى عبد الله عليه السلام (في الرجل وبين يديه مصحف مفتوح في قبلته قال: لا، قلت:


(1) و (2) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 19 ح 5 و 10. (3) و (4) و (5) المصدر ب 30 ح 1 و 2 و 4

[ 298 ]

إن كان في غلاف؟ قال: نعم) (1) والنهي المستفاد من قوله عليه السلام: (لا) محمولة على الكراهة، ويرشد إليها ما في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوي عن جده علي بن جعفر عليه السلام عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الرجل هل له أن ينظر في نقش خاتمه وهو في الصلاة كأنه يريد قراءته أو في المصحف أو كتاب في القبلة؟ فقال: ذلك نقص في الصلاة وليس يقطعها) (2). (أو حائط ينز من البالوعة، ولا بأس بالبيع والكنائس ومرابض الغنم، وقيل: يكره إلى باب مفتوح أو إنسان مواجه) أما الكراهة في صورة مقابلة الحائط المذكور فيدل عليها ما رواه البزنطى عمن سأل أبا عبد الله عليه السلام عن المسجد ينز حائط قبلته من بالوعة يبال فيها فقال: ان كان نزه من البالوعة فلا تصل فيه وان كان نزه من غير ذلك فلا بأس) (3). وأما عدم البأس بالبيع والكنائس فلظهور جملة من الاخبار في عدم البأس على الاطلاق منها خبر حكم بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وسئل عن الصلاة في البيع والكنائس فقال: (صل فيها قد رأيتها من أنظفها قلت: أيصلي فيها وإن كانوا يصلون فيها؟ فقال: اما تقرء القرآن (قل كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو اهدى سبيلا) صل إلى القبلة وغربهم) (4) وصحيحة العيص قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن البيع والكنائس يصلى فيها؟ قال: نعم وسأله هل يصلح نقضها مسجدا؟ فقال: نعم) (5). واما عدم عدم البأس في الصلاة في مرابض الغنم فيدل عليه صحيحة علي بن جعفر عليه السلام المروية عن كتابه عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الصلاة في معاطن الابل قال: لا تصلح إلا أن تخاف على متاعك ضيعة فاكنسه ثم انضح بالماء ثم صل، وسألته


(1) جزء من خبر عمار الساباطى الذى تقدم آنفا. (2) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 27 ح 2. (3) الكافي ج 3 ص 388 تحت رقم 4، والتهذيب ج 2 ص 221 تحت رقم 871 (4) و (5) التهذيب ج 2 ص 222 تحت رقم 876 و 875.

[ 299 ]

عن مرابض الغنم تصلح فيها؟ قال: نعم لا بأس) (1). واما الكراهة مع مقابلة باب مفتوح أو إنسان مواجه فلم يعرف مأخذه وحكي القول به عن الحلبي - قدس سره -. (السادسة فيما يسجد عليه لا يجوز السجود على ما ليس بأرض وما أنبتته كالجلود، والصوف ولا ما يخرج باستحالته عن اسم الارض كالمعادن ويجوز على الارض وما ينبت منها ما لم يكن مأكولا بالعادة) أما المنع والجواز بالنسبة إلى المذكورات فيدل عليه صحيحة هشام بن الحكم عن ابى عبد الله عليه السلام قال له: (أخبرني عما يجوز السجود وعما لا يجوز قال: السجود لا يجوز إلا على الارض أو على ما أنبتت الارض إلا ما أكل أو لبس) (2) وعن الصدوق في العلل نحوه وزاد عليه فقلت له: (جعلت فذاك ما العلة في ذلك؟ قال: لان السجود خضوع لله عزوجل فلا ينبغى ان يكون على ما يؤكل ويلبس لان أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون وما يلبسون والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل فلا يبنغي ان يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها والسجود على الارض أفضل لانه أبلغ من التواضع والخضوع لله عزوجل) (3) وخبر الاعمش المروى عن الخصال، عن جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث شرائع الدين قال: (لا يسجد إلا على الارض أو ما أنبتت الارض إلا المأكول والقطن والكتان) (4) وبهذين وغيرهما يقيد إطلاق خبر أبى العباس الفضل بن عبد الملك قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا يسجد إلا على الارض أو ما أنبتت الارض إلا القطن والكتان) (5) ثم انه مع صدق الارض على شئ لا إشكال ومع الشك قد يقال بلزوم الاحتياط لانه من باب الشك في المحصل وقد تقرر في الاصول لزوم الاحتياط فيه هذا في الشبهة الموضوعية واضح، واما الشبهة الحكمية كما لو شك في المعدن انه من الارض أم لا فقد يقع الاشكال في جهة إجمال مفهوم الارض وترددها


(1) الوسائل أبواب مكان المصلى ب 17 ح 6. (2) التهذيب ج 2 ص 234 تحت رقم 925. (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1 و 3 و 6.

[ 300 ]

بين معنى لا يصدق على المشكوك فيه ومعنى يصدق عليه، فلقائل أن يقول: يرجع الشك إلى اعتبار امر زائد لكنه لا وقع لهذا الكلام بعدم وجود قدر متيقن حتى يرجع في اعتبار الزائد عليه إلى الاصل وهذا هو الوجه في لزوم الاحتياط وعدم جريان الاصل لا الشك في المحصل، لان الحق جريان الاصل في صورة الشك في المحصل مع وجود القدر المتيقن كما قرر في محله، وقد يتمسك باستصحاب جواز السجدة لو كان للشئ حالة سابقة بحيث يصح السجود وليس هذا استصحاب الموضوع حتى يستشكل بعدم الشك في ما هو موضوع للحكم، وفيه تأمل لان الحق عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، ثم انه كما استثني مما أنبتت المأكول كذلك استثنيت الثمرة وبعض الثمرات غير مأكول ويدل عليها صحيحه زرارة قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام: أسجد على الزفت يعنى القير؟ فقال: لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا على شئ من الحيوان ولا على طعام، ولا على شئ من ثمار الارض، ولا على شئ من الرياش) (1) فيقع المعارضة بين العقد الايجابي والسلبي من الدليلين وطريق الجمع اما بتقييد كل من المأكول والثمرة بالآخر فيكون المستثنى مما أنبتت الارض هو خصوص الثمرة المأكولة فيبقى المأكول من غير الثمرة والثمرة الغير المأكولة داخلتين في المستثنى منه، واما بحمل الثمرة في الاخبار على مطلق المأكول فيكون السر في التعبير هو الغلبة واما بحمل المأكول على مطلق الثمرة والتعبير من جهة الغلبة، واستظهر الاوسط لخلو الاول عن الشاهد فيدور الامر بين الوجهين والتعليل في بعض الاخبار بأن ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون إلخ مناسب لما ذكر ويمكن أن يقال: من المحتمل خروج كل من الثمرة والمأكول باطلاقها عما أنبتت الارض ولا داعي إلى إرجاع احدهما إلى الآخر للغلبة فان الاصل في العناوين الموضوعية الا ان يدعى الانصراف في الثمرة إلى خصوص المأكولة وهو محل منع، وهذا لا ينافى التعليل المذكور ولو شك في ما ذكر فقد يقال: مقتضى الاصل جواز السجدة في الثمرة الغير المأكولة حيث علمنا باعتبار الارضية أو النباتية، وشككنا في اعتبار كون النبات غير


(1) الوسائل أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 1.

[ 301 ]

الثمرة الغير المأكولة فيرجع الشك إلى اعتبار امر زائد على النباتية مع كون النبات غير مأكول، وفيه تأمل من جهة التأمل في كون الاستثناء بمنزلة التقييد بل كأنه لوحظ عنوان وأثبت الحكم في بعض أفراده ونفى عن بعض أفراده، فلو قال المولى: أكرم العدول من العلماء ولا تكرم الفساق منهم، فليس هذا بمنزلة أن يقول أكرم العالم الذى لا يكون فاسقا إلا أن يقال: لاريب في اعتبار امر زائد في المستثنى منه في مسئلتنا إما بجواز التقييد أو بنحو التركيب على فرض إخراج مطلق الثمرة فمع الشك يرجع إلى الاصل (وفى الكتان والقطن روايتان اشهرهما المنع إلا مع الضرورة ولا يسجد على شئ من بدنه فان منعه الحر سجد علي ثوبه، ويجوز السجود على الثلج والقير وغيره مع عدم الارض وما ينبت منها فان لم يكن فعلى كفه) قدمر ذكر الاخبار الدالة بالعموم والخصوص على المنع عن السجدة على الكتان والقطن وفى قبالهاما يدل على الجواز منها رواية داود الصرمي قال: (سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية؟ فقال: جائز) (1) وخبر الحسن بن علي بن كيسان الصنعاني قال: (كتبت إلى أبى الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة فكتب إلى: ذلك جائز) (2). وقد يقال: الجمع بين الطائفتين إما بحمل الثانية على الجواز والاولى على الكراهة، وإما بحمل الثانية على حال الضرورة والتقية للمكلف لا الامام والاولى على حال الاختيار، وإما بحمل الثانية على ما قبل النسج والاولى على ما بعده، والجمع الثاني لا يلائمه تقييد السائل بعدم الضرورة والتقية والاول يبعده عطف الملبوس على المأكول واشتراكهما في العلة المذكورة في بعض الروايات فيتعين الاخير، وفيه نظر لان الجمع الاخير وإن أمكن بين ما دل على استثناء الملبوس وما دل على جواز السجود على القطن والكتان لكنه لا يمكن بين ما دل على استثنائهما وما دل على الجواز كما أنه يمكن رفع الاستبعاد المذكور في الجمع الاول بحمل


(1) و (2) المصدر ب 2 ح 6 و 7.

[ 302 ]

الملبوس على ما بعد النسج فيكون حاله حال المأكول في عدم الجواز ويقرب هذا أنه لا يقال للثوب المنسوج من القطن إنه قطن كما لا يقال للخبز أنه حنطة، والجمع بين ما دل على استثناء القطن والكتان وما دل على الجواز بالحمل على الكراهة والجواز، ولعل هذا الجمع أقرب مما ذكر، وأما جواز السجود في صورة منع الحر على الثوب فلعله لا خلاف فيه ويدل عليه خبر أبى بصير عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: (أكون في السفر فحضرت الصلاة وأخاف الرمضاء على وجهي كيف أصنع؟ قال: تسجد على بعض ثوبك، فقلت: ليس على ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه ولا ذيله؟ قال عليه السلام: اسجد على ظهر كفك فانها أحد المساجد) (1) وأخبار اخر ولا يخفى أن مقتضى ظواهر الاخبار المذكورة في هذا المقام جواز السجدة بمجرد عدم الميسورية بالنسبة إلى الحالة الفعلية ألا ترى أن السائل في هذا الخبر لاحظ حضور الصلاة وخوف الرمضاء على الوجه مع أنه لو أخر الصلاة إلى آخر الوقت لتمكن من السجدة على الارض ولا أظن ان يلتزم الفقهاء رضوان الله عليهم به الا ترى انهم يتمسكون بقاعدة الميسور ومجرد تعسر الفعل في بعض وقته مع اتساع الوقت والتمكن من إتيان الفعل تام الاجزاء والشرائط ليس من موارد القاعدة، نعم في مقام التقية الامر أوسع ما ذكر، وكيف كان ظاهر خبر أبى بصير المذكور تقدم السجدة على الثوب على السجدة على ظهر الكف والاخبار الاخر لا يظهر منا تعين السجدة على خصوص الثوب بل يستفاد نفي البأس وحيث لا معارضة بينها وبين خبر ابى بصير يتعين الاخذ بظاهره وتقديم السجدة على الثوب، وقد يقال بتقديم القطن والكتان على الثوب لصحيحة منصور بن حازم عن غير واحد من أصحابنا قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: (إنا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أفنسجد عليه؟ قال: لا ولكن اجعل بينك وبينه شيئا قطنا أو كتانا) (2) بتقييد هذه الصحيحة للمطلقات ولكن لا يخفى أن هذه الصحيحة لم يفرض فيها حال الضرورة فيكون من الاخبار المجوزة للجسدة على القطن والكتان في حال الاختيار وقد مر الكلام فيه والانصاف أنه مع قطع النظر عن هذا ايضا يبعد


(1) و (2) الوسائل أبواب ما يسجد عليه ب 4 ح 5 و 7.

[ 303 ]

تقييد تلك الاخبار المطلقة الواردة في مقام البيان مع كون الثوب كثيرا من غير القطن والكتان هذا مضافا إلى ما ذكر آنفا من أنه لا يطلق عرفا على الثوب المنسوج من القطن القطن إلا بالمسامحة، وأما جواز السجود على الثلج والقير في صورة فقدان ما يصح السجود عليه فبالنسبة إلى القير قد دل اخبار كثيرة، منها ما عن الصدوق في الفقيه (1) في الصحيح قال: (سأل معاوية بن عمار أبا عبد الله عليه السلام عن السجود على القار، فقال: لا بأس به) وعنه في الصحيح عن منصور بن حازم انه قال: (القير من نبات الارض) (2) ولكن ظاهر هذه الاخبار جواز السجود عليه اختيارا ولم يلتزم المشهور به بل أعرض الاصحاب عن العمل بظواهرها فلا يبعد الحمل على التقية وقد يقال بلزوم الاحتياط في صورة فقدان ما يصح السجود عليه لا تقدم القير على الثوب بل الجمع بين القير والثوب إما بنحو وقوع الجبهة عليها، واما بالتكرار، ويمكن أن يقال بعد عدم حجية هذه الاخبار من جهة الاعراض يتعين الاخذ بما دل على جواز السجود على الثوب إلا أن يدعى عدم الاطلاق بالنسبة إلى هذه الصورة، وإما بالنسبة إلى إلى الثلج فيمكن أن يستدل عليه برواية داود الصرمي المروية عن الكافي (3) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إنى اخرج في هذا الوجه وربما لم يكن موضع أصلي فيه من الثلج؟ قال: إن امكنك أن لا تسجد على الثلج فلا تسجد عليه وإن لم يمكنك فسوه واسجد عليه) ويظهر من بعض الاخبار تقدم القطن والكتاب عليه فانظر إلى صحيحة منصور بن حازم لكن الاشكال في العمل به كما عرفت. (ولا بأس بالقرطاس ويكره منه ما فيه كتابة ويراعى فيه أن يكون مملوكا أو مأذونا فيه خاليا من النجاسة) جواز السجود على القرطاس في الجملة مما لا خلاف فيه ظاهرا، ويدل عليه صحيحة علي بن مهزيار قال: (سأل دادو بن فرقد أبا الحسن عليه السلام عن القراطيس والكواغذ المكتوبة عليها هل يجوز السجود عليها أم لا فكتب


(1) المصدر ص 72 باب (ما يسجد عليه ومالا يسجد) تحت رقم 11. (2) الوسائل أبواب ما يسجد عليه ب 6 ح 7. (3) المصدر ج 3 ص 390 تحت رقم 14 وقد تقدم.

[ 304 ]

يجوز) (1) وصحيحة صفوان الجمال قال: (رأيت ابا عبد الله عليه السلام في المحمل يسجد على القرطاس واكثر ذلك يومى إيماء) (2) وانما الاشكال في أنه هل يجوز السجدة على مطلق القرطاس ولو كان متخذا مما لا يصح السجود عليه كالصوف والابريسم أولا، بل لا ينصرف إلى ما كان معمولا في تلك الاعصار فلعله كان متخذا من القطن والكتان أو من بعض نباتات الارض مما يجوز السجود عليه وعلى هذا لا ينافى ما دل على عدم جواز السجود على غير الارض وما انبتته وربما يقال: لا إشكال في خروج القرطاس عن الارض ونباتها فالتخصيص وارد على أي حال وفيه نظر لمنع صدق الاستحالة، ويمكن أن يقال: لا يبتني الاشكال على ما ذكر بل لو فرضنا كون الدليل المجوز للسجود على القرطاس مخصصا لتلك الادلة لتأتي الاشكال من جهة احتمال إراده خصوص المتخذ في تلك الاعصار من شئ خاص فلا يشمل غيره، اللهم إلا أن يستبعد ذلك بأن الاحكام الصادره عنهم عليهم السلام بمنزلة القوانين الكلية لا يختص بزمان دون زمان فلو اريدت الخصوصية للزم البيان وإن كان عدم ذكرها بالنسبة إلى خصوص السائل لا تخل بشئ لعدم ابتلائه فتأمل جيدا. وأما الكراهة مع الكتابة فيدل عليه صحيحة جميل بن دراج عن أبى عبد الله عليه السلام) أنه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة) (3) والكراهة وإن كانت مجملة من حيث احتمال الحرمة لكنها بقرينة صحيحة على بن مهزيار المذكورة تحمل على الكراهة المصطلحة. واما مراعات المأذونية أو المملوكية وعدم النجاسة فقد سبق الكلام فيه في مكان المصلى. (السابعة في الاذان والاقامة والنظر في المؤذن وما يؤذن له، وكيفية الاذان ولو احقه: أما المؤذن فيعتبر فيه العقل والاسلام ولا يعتبر فيه البلوغ فالصبي المميز يؤذن والعبد وتؤذن المرأة للنساء خاصة) المراد بالمؤذن هنا الذى يتخذ للاذان ليعتد بأذانه ويكتفي به ولا خلاف في اعتبار الاسلام والعقل فيه ويشهد له موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن الاذان هل يجوز أن يكون عن غير عارف؟


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب ما يسجد عليه ب 7 ح 2 و 1 و 3.

[ 305 ]

قال: لا يستقيم الاذان ولا يجوز أن يؤذن به إلا رجل مسلم عارف فان علم الاذان وأذن به ولم يكن عارفا لم يجز أذانه وإقامته ولا يقتدي به - الحديث -) (1) وعن بعض النسخ (ولا يعتد به) والظاهر أن المراد بالعارف العارف بامامة اللائمة - صلوات الله عليهم وعليه فيعتبر الايمان أيضا ويؤيده بعض الاخبار الدالة على عدم الاعتداد بأذان من يقرء خلفه واما عدم اعتبار البلوغ بل كفاية التميز فلا خلاف فيه ايضا ويدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: (لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم) (2) وخبر إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يقول: (لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم ولا يؤم فان ام جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه) (3) ومقتضى إطلاق الموثقة المذكورة الاعتداد بأدان العبد مع كونه مسلما عارفا واما عدم الاعتداد بأذان المرأة فلان سقوط التكليف بالاذان والاقامة عن الرجال بأذان وإقامة غيرهم مخالف للاصل يحتاج إلى الدليل ولا إطلاق في البين يشمل المرأة، ولا يخفى ان لازم ذلك عدم الاعتداد للنساء ايضا وغاية ما يمكن أن يقال: إن الدليل الدال على مشروعية الجماعة لهن بامامة امرأة لمثلها يثبت المشروعية بالنحو المعهود بين الرجال ولابد أن يلاحظ ذلك الدليل من شأنه أن يثبت هذه الجهة ايضا ام لا. (ويستحب أن يكون عدلا، صيتا، مبصرا بصيرا بالاوقات، متطهرا، قائما على مرتفع مستقبل القبلة، رافعا صوته وتستر به المرأه) أما استحباب العدالة فالظاهر انه راجع إلى غير المؤذن ممن يختار المؤذن للبلد أو المحلة والمسجد واستدل عليه بما رواه الصدوق مرسلا قال: قال علي عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يؤمكم أقرؤكم ويؤذن لكم خياركم) (4). وأما استحباب كونه صيتا فقيد يتمسك بما دل على استحباب رفع الصوت


(1) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 26 ح 1. (2) و (3) المصدر ب 32 ح 1 و 2. (4) الفقيه باب الاذان والاقامة تحت رقم 18.

[ 306 ]

وفيه تأمل كما انه على استحباب أن يكون مبصرا بصيرا لا دليل إلا فتوى العلماء وقد علل ببعض الاعتبارات. واما استحباب التطهر فقد حكي عن جماعة نقل الاجماع عليه ويشهد له المرسل المروي عن كتب الفروع (لا تؤذن إلا وانت متطهر) (1) لكنه ليس بشرط كما يشهد له صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (تؤذن وانت على غير وضوء؟ في ثوب واحد قائما أو قاعداو أينما توجهت ولكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيئا للصلاة) (2) وأما استحباب القيام على مرتفع فيدل عليه رواية عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (كان طول حائط مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قامة فكان يقول لبلال: إذا دخل الوقت يا بلال اعل فوق الجدار وارفع صوتك بالاذان فان الله عزوجل قد وكل بالاذان ريحا ترفعه إلى السماء وإن الملائكة إذا سمعوا الاذان من أهل الارض قالوا: هذه أصوات امة محمد بتوحيد الله عزوجل ويستغفرون لامة محمد حتى يفرغوا من تلك الصلاة) (3). وأما استحباب استقبال القبلة حال الاذان فقد ادعي عليه الاجماع ويتأكد في الشهادتين للصحيح (عن الرجل يؤذن وهو يمشى؟ قال: نعم إذا كان في التشهد مستقبل القبلة فلا بأس) (4). وأما استحباب رفع الصوت فللصحاح المستفيضة ففي بعضها وهي صحيحة معاوية ابن وهب أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الاذان فقال: اجهر به وارفع به صوتك وإذا أقمت فدون ذلك) (5). وأما وجه إسرار المرأة بالاذان فما يقال من أن صوتها عورة يجب أو يستحب ستره عن الاجانب.


(1) كنز العمال ج 4 ص 267 تحت رقم 5496. (2) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 9 ح 1. (3) المصدر ب 16 ح 7. (4) المصدر ب 13 ح 7. (5) المصدر ب 16 ح 1.

[ 307 ]

(ويكره الالتفات به يمينا وشمالا ولو اخل بالاذان والاقامة ناسيا وصلى تداركهما ما لم يركع واستقبل صلاته ولم تعمد لم يرجع) اما كراهة الالتفات فقد نسب إلى علمائنا خلافا للشافعي وابى حنيفية، واما التدارك ما لم يركع مع النسيان فنسب إلى المهشور واستدل عليه بصحيحة الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذن وتقيم ثم ذكرت قبل أن تركع فانصرف وأذن واقم واستفتح الصلاة، وإن كنت ركعت فأتم على صلاتك) (1) وفى قبالها اخبار اخر منها صحيحة زرارة قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل نسي الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة قال: فليمض في صلاته فانما الاذان سنة) (2) ومنها صحيحة داود بن سرحان عن أبى عبد الله عليه السلام (في رجل نسي الاذان والاقامة حتى دخل في في الصلاة قال: ليس عليه شئ) (3) وقد يقال: إنه يستشعر من قوله عليه السلام في صحيحة داود ليس عليه شئ ومن التعليل في صحيحة زرارة بأن الاذان سنة كون هذه الروايات مسوقة لدفع توهم الوجوب فلا تدل الا على جواز المضى لا وجوبه فلا تنافى بينها وبين صحيحة الحلبي المتقدمة ودفع ما ذكر بأن ورودها في مقام توهم الوجوب لا يصلح مانعا عن ظهور قوله عليه السلام: (فليمض) في الوجوب وظهور قوله عليه السلام في رواية اخرى (لا يعيد) في الحرمة والتعليل يؤكد ما ذكر بعد الالتفات إلى أن السنة لا تنقض الفريضة لكنه يتعين صرف الروايتين عن ظاهرهما بالحمل على الجواز الغير المنافي لاستحباب الاعادة جمعا بينهما وبين صحيحة الحلبي وغيرها وتقييد الروايتين بما إذا دخل في الركوع في غاية البعد وفيه نظر لان ما افيد من عدم صلوح الورود في مقام توهم الوجوب للمنع عن الظهور ممنوع كما أن موكدية التعليل المذكور أيضا ممنوع لانه كما يصلح لما ذكر كذلك يصلح لرفع توهم لزوم الرجوع مع التأكيد في الاذان والاقامة وخصوصا الاقامة وما افيد من تعين صرف الروايتين عن ظاهرهما ففيه أن لازمه القول بالجواز حتى بعد الركوع ولا يلتزم به بل المعروف لزوم المضى بعد الركوع وإن قيد الجواز بما قبل الركوع فيتوجه عليه ما أورد على القول


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 29 ح 3 و 1 و 2.

[ 308 ]

بالتقييد من الاستبعاد، ولا يبعد أن يقال: إن الامر بالمضي في الصلاة والنهي عن الاعادة في الخبرين محمولان على عدم إضرار نسيان الاذان والاقامة بالصلاة من دون تعرض الجواز القطع وحرمته، ثم إنه علم من صحيحة الحلبي جواز القطع ما لم يركع بل استحبابه وبقى القطع بعد الركوع تحت قاعدة حرمة إبطال الصلاة وقطعها ويظهر من بعض الاخبار أنه لو تذكر قبل أن يقرء رجع والا مضى في صلاته كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (في الرجل ينسي الاذان والاقامة حتى يدخل في الصلاة قال: إن كان ذكر قبل ان يقرء فليصل على النبي صلى الله عليه وآله وليقم، إن كان قد قرء فليتم صلاته) (1) ويمكن الجمع بالحمل على مرتبتي الاستحباب فمع عدم القراءة استحباب الرجوع آكد. واما ما دل على جواز الرجوع مطلقا ما لم يفرغ من الصلاة فقد أعرض الاصحاب عن العمل به ويظهر من بعض الاخبار كفاية قول (قد قامت الصلاة) إذا تذكر في الركعة الثانية وهو في القراءة انه لم يقم والبناء على الصلاة ولا يخفى انه مع الاخذ به لا ينافى الاخبار السابقة نعم يشكل الاخذ به من جهة درج ما ليس بدعاء ولا ذكر في الصلاة فيجب رد علمه إلى اهله. واما وجه عدم الرجوع مع التعمد في التكر فلخروجه عن الادلة فيبقى تحت قاعدة حرمة قطع الصلاة وهذا مبنى على عدم اشتراط صحة الصلاة بالاقامة بناء على وجوبها والا فلا بد من الرجوع لعدم انعقاد الصلاة صحيحة حتى يحرم قطعها. (وأما ما يوذن له فالصلوات الخمس لاغير اداء وقضاء استحبابا موكدا للرجال وللنساء المنفرد والجامع وقيل يجبان في الجماعة ويتأكذ الاستحباب فيما يجهر فيه وآكده الغداء والمغرب) اما مشروعية الاذان والاقامة ورجحانهما للصلوات الخمس فغنية عن البيان وقد وردت فيها اخبار كثيرة منها صحيحة محمد بن مسلم قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (إنك إذا انت اذنت واقمت صلى خلفك صفان من الملائكة، وإن اقمت اقامة بغير أذان صلى خلفك صف واحد) (2) وفي بعض الاخبار (تحديد الصف بما بين


(1) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 29 ح 4. (2) المصدر ب 4 ح 2.

[ 309 ]

المشرق والمغرب) (1) وفى بعضها الآخر (اقله بذلك واكثره بما بين السماء والارض وفى بعضها بما لا يرى طرفاه) (2). واما الكلام في الوجوب والاستحباب فنقول: اما الاذان فلا ينبغى الاشكال في عدم وجوبه سواء كانت الصلاة جماعة أو فرادى اما إذا كانت فرادى فللاخبار المرخصة منها صحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل هل يجزيه في السفر والحضر اقامة ليس معها اذان؟ قال: نعم لا بأس به) (3) واما إذا كانت جماعة فلصحيحة علي بن رئاب المروي عن قرب الاسناد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: تحضر الصلاة ونحن مجتمعون في مكان واحد اتجزئنا إقامة بغير اذان؟ قال: نعم) (4) فان المراد اما خصوص الصلاة جماعة أو القدر المتيقن من الاطلاق وخبر الحسن بن زياد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا كان القوم لا ينتظرون احدا اكتفوا باقامة واحدة) (5) وربما يستدل لوجوب الاذان في الجماعة برواية ابى بصير عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته ايجزي اذان واحد؟ قال: إن صليت جماعة لم يجز الا اذان وإقامة وإن كنت وحدك تبادر امر تخاف أن يفوتك تجزيك اقامة إلا الفجر والمغرب فانه ينبغي أن تؤذن فيهما وتقيم من اجل انه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات) (6) ولا يخفى عدم ظهوره في الوجوب لان عدم الاجزاء يصدق مع الاخلال بما هو مستحب مؤكد فان المكلفين موظفون بالمستحبات كالواجبات و مراتب المستحبات مختلفة خصوصا مع التعبير في ذيله بلفظ ينبغي وعلى تقدير تسليم الظهور وحجة الخبر من جحة السند يعارضه ما تقدم من صحيحة علي بن رئاب والخبر الآخر، وقد يتمسك بخبر (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) (7) بتقريب انه لا إطلاق


(1) و (2) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 4 ح 6 و 5. (3) و (4) و (5) المصدر ب 5 ح 3 و 7 و 8. (6) الوسائل أبواب الاذان ب 6 ح 7. (7) اخرجه احمد في المسند من حديث عبادة بن صامت بسند صحيح وفي مستدرك الوسائل ج 1 ص 274 عقلا؟ عن غوالى اللئالى؟ وتفسير أبي الفتوح الرازي.

[ 310 ]

لادلة مشروعية الجماعة والقدر المتيقن خصوص الجماعة الواجدة للاذان فغيرها بمقتضى الخبر المذكور لا تصح بغير فاتحة الكتاب والجواب أن الحق وجود الاطلاق ببعض الوجوه - وسيأتى التكلم فيه إن شاء الله تعالى - وعلى فرض العدم يكفى إطلاق الروايتين وما يظهر منه عدم الرخصة في ترك الاذان لخصوص بعض الصلوات كالغداة والمغرب محمول على تأكد الاستحباب بقرينة ما ذكر آنفا. واما النساء فيدل على جواز ترك الاذان والاقامة لهما اخبار منها صحيحة جميل بن دراج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة هل عليها أذان وإقامة فقال: لا) (1) وأما الاقامة فقد يقال بوجوبها لخصوص الرجال إما نفسا من دون مدخلية في صحة الصلاة وإما شرطا للصلاة بحيث تبطل الصلاة مع الاخلال بها، ويمكن الاستدلال لهذا القول بالاخبار فمنها ما دل على ان الاقامة هي اقل ما يجزي وقد عرفت الاشكال في استفادة الوجوب منه، ومنها ما دل على نفي الاذان والاقامة للنساء ولا إشكال في مشروعيتهما لهن فلا بد من حمل النفي على نفى الوجوب فيستظهر الوجوب للرجال ولا يخفى انه بعد نفى الوجوب بالنسبة إلى الاذان لا يبقى مجال للاستظهار المذكور فيستظهر عدم الاهتمام بالنسبة إلى النساء كالاهتمام بالنسبة إلى الرجال. ومنها ما دل على جواز قطع الصلاة للتدارك ولا يخفى انه لم يحرز أن جواز القطع من باب حفظ الامر الواجب ولاجله رخص في القطع المحرم بل من الممكن أن يكون القطع غير محرم في هذه الصورة وقد يقال باستكشاف الاستحباب من الاخبار الدالة على أن من صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صفان من الملائكة ومن صلى باقامة صلى خلفه صف واحد). تقريب الاستدلال أن الصلاة المفروضة في تلك الاخبار ظاهرة في المستجمعة لجميع شرائط الصحة من قبيل الطهارة والاستقبال وغيرهما، الاقامة موجبة لاقتداء الملك ولو لا ها لم يكن المصلى مقتدى للملك ولو كانت الاقامة شر لصحة الصلاة فبعدمها تكون باطلة خارجة عما فرض في القضية فانا فرضنا أن الصلاة في تلك


(1) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 14 ح 3.

[ 311 ]

الاخبار التي جعلت الاقامة موجبة لاقتداء الملك مع قطع النظ عن الاقامة تامة من حيث الشرائط والاجزاء وتلك الصلاة المفروضة لو أتى بها مع الاقامة فلها هذه المزية ويتوجه على هذا التقريب انه مع التسليم لا ينفي الوجوب النفسي وهو احد المحتملين، وثانيا المسلم أن الصلاة التي تكون فيها اقتداء الملك هي الصلاة الصحيحة لكنه لم يحرز الصحة مع قطع النظر عن الاقامة فان كان الظنر إلى إطلاق لفظ صلى مع كون الصلاة موضوعة للمعنى الصحيح ففيه أن المراد معلوم والشك في أنه استعمل اللفظ فيه على نحو الحقيقة أو المجاز نظير (لا تعاد الصلاة الا من خمس) حيث اريد من لفظ الصلاة معنى يجتمع مع البطلان وإلا لما صح الاستثناء والمشهور أنه لا يستكشف بأصأله الحقيقة كون الاستعمال على نحو الحقيقة بل الاستعمال اعم من الحقيقة. (وقاضي الفرائض الخمس يؤذن لاول وروده ثم يقيم لكل واحدة ولو جمع بين الاذان والاقامة لكل فريضة كان أفضل، ويجمع يوم الجمعة بين الظهرين بأذان واحد وإقامتين) اما وجه الاقتصار في قضاء الفرائض الخمس فظهور الاخبار منها قول أبى جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة أو حسنته (إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدء بأولهن فأذن لها واقم ثم صلها ثم صل ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة) (1) وصحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى الصلوات وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة ثم ذكر بعد ذلك قال: يتطهر ويؤذن ويقيم في أولهن ثم يصلي ويقيم بعد ذلك في كل صلاة فيصلي بغير أذان حتى يقضى صلاته) (2). وأما وجه أفضلية الجمع بين الاذان والاقامة لكل صلاة فاطلاقات مادل على شرعية الاذان للفرائض من مثل قوله عليه السلام في موثقة عمار الواردة في ناسي الاذان والاقامة (لاصلاة إذا بأذان وإقامة) (3) واستدل أيضا بقوله عليه السلام: (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته) (4) وقد كان من حكم الفائتة استحباب تقديم الاذان والاقامة


(1) و (2) الوسائل أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 4 و 3. (3) الوسائل أبواب الاذان والاقامة باب استحباب الاذان والاقامة للمريض. (4) المصدر ب 6 ح 1.

[ 312 ]

عليها فيحمل ما دل على السقوط على إرادة التخفيف ويمكن الخدشة اما في الاستظهار من إطلاق مثل الموثقة فبمنع الاطلاق بل المتعين منه الصلاة التي كانت مشروعية الاذان والاقامة لها مفروغا عنها وفى المقام غير معلوم، واما في الاستظهار من قوله عليه السلام (من فاتته فريضة - الخ -) فبمنع الشمول لمثل الاذان والاقامة بل المتعين المماثلة في الاجزاء، والشرائط اعم من الواجبة والمندوبة وبهذا انقدح الاشكال فيما يقال من أنه إذا سقط الاذان للجامع بين الفريضتين رخصة أو عزيمة فمقتضى هذه الرواية سقوط الاذان للقضاء في صورة الجمع مضافا إلى انه على فروض الدلالة يكون الدليل اخص من المدعى حيث انه يشمل صورة الجمع بين الظهرين والعشائين لا مثل الجمع بين الصبح والظهر. واما الاكتفاء يوم الجمعة بالاقامة للعصر في الجملة فلا شبهة فيه وانما الكلام في ان سقوط الاذان رخصة أو عزيمة وانه هل هو مخصوص بمن صلى الجمعة دون الظهر ام لا بل يسقط مطلقا وانه هل يختص بمن جمع بين الفرضين ام لا؟ وانه هل يختص بيوم الجمعة على تقدير الجمع ام لا؟ استدل للسقوط بما روي في الصحيح عن رهط منهم الفضيل وزرارة عن ابى جعفر عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر باذان واقامتين وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين) (1) وبما روى عن حفص بن غياث عن ابى جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: (الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة) (2) ونوقش في الاستدلال بالرواية الثانية باجمالها وتطرق الوجوه فيها مضافا إلى ضعف السند وفى الاستدلال بالاولى بأنها لا تدل الا على جواز الجمع بين الفريضتين بأذان واحد في يوم الجمعة وغيره ولا تدل على سقوطه للعصر في صورة الجمع لا مطلقا ولا في خصوص يوم الجمعة، ويمكن أن يقال بعد ما كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي يوم الجمعة صلاة الجمعة لا الظهر فالفعل المنقول اعني الجمع بين الظهر والعصر يكون في غير يوم الجمعة، فلا يدل على سقوطه يوم الجمعة، وعلى فرض ترك صلاة الجمعة لعذر لا وجه للاستدلال بها للسقوط مع الاتيان بصلاة الجمعة،


(1) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 36 ح 2. (2) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 49 ح 1.

[ 313 ]

وأما ما افيد من مغيرة الجمع مع السقوط فهو حق لكن الظاهر أن نظر القائلين بالسقوط ليس إلا إلى عدم الاحتياج إلى اذان آخر كما في سائر الموارد ولا ينافى هذا مع عدم السقوط بمعنى كفاية اذان واحد للصلاتين، واما كون السقوط على وجه الرخصة أو العزيمة فلا يبعد أن يقال فيه بالاول اخذا بالاطلاقات إلا أن يقال: على فرض صحة ما يدعى من مواظبة المعصومين صلوات الله عليهم على ترك اذان العصر يوم الجمعة مع استقرار السيرة على جمعها مع الجمعة أو الظهر يكشف عن مرجوحيته في يوم الجمعة ولا يخفى أن مجرد هذا لا يوجب عدم الشمروعية بعد تصوير الكراهة في العبادات حتى مع عدم البدل كصوم العاشوراء فتأمل جيدا، وقد ظهر مما ذكر عدم الاختصاص بيوم الجمعة وعدم شمول الحكم لصورة التفريق. (ولو صلى في مسجد جماعة ثم جاء آخرون لم يؤذنوا ولم يقيموا ما دامت الصفوف باقية ولو انفضت أذن الآخرون واقاموا ولو أذن وأقام بنية الانفراد ثم أراد الاجتماع استحب له الاستيناف) والدليل على الحكم الاول اخبار منها خبر أبي على قال: (كنا عند ابى عبد الله عليه السلام فأتاه رجل فقال: جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر فانصرف بعضنا وجلس بعص في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فأذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك فقال أبو عبد الله عليه السلام: أحسنت ادفعه عن ذلك وامنعه اشد المنع، فقلت: فان دخلوا فأرادوا أن يصلوا فيه جماعة قال عليه السلام: يقومون في ناحية المسجد ولايبدر [ يبدو - خ ل ] لهم إمام - الحديث -) (1) وخبر أبى بصير قال: (سألته عن الرجل ينتهي إلى الامام حين يسلم فقال عليه السلام: ليس عليه أن يعيد الاذان فليدخل معهم في اذانهم فان وجدهم قد تفرقوا اعاد الاذان) (2) وخبره الآخر عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: (الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم ويؤذن ويقيم قال عليه السلام: إن كان دخل ولم يتفرق الصف صلى بأذانهم واقامتهم، وإن كان تفرق الصف أذن وأقام) (3) وفى قبال هذه الاخبار موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث أنه سئل عن الرجل ادرك الامام حين سلم قال عليه السلام: (عليه أن يؤذن ويقيم ويفتتح الصلاة) (4)


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 2. (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 25 ح 1 و 2 و 5.

[ 314 ]

وخبر معاوية بن شريح عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع أجزءه تكبيرة واحدة إلى أن قال ومن أدركه وقد رفع رأسه من السجدة الاخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة وليس عليه أذان وإقامة ومن ادركه وقد سلم فعليه الاذان والاقامة) (1) ولا يبعد أن يقال: النظر في هذين الخبرين إلى سقوط الاذان والاقامة وعدمه من جهة الايتمام والنظر في الاخبار السابقة إلى الجماعة الواقعة في المسجد فلا منافاة، ثم المراد من التفرق هل هو التفرق الحاصل بمجرد افتراق بعض مجموع المصلين ولو كان واحدا عن الكل أو الحاصل من افتراق كل بعض من بعض بحيث لو بقي اثنان لما صدق التفرق؟ قد يستظهر المعنى الثاني مؤيدا برواية ابى علي الظاهرة في أن بقاء البعض موجب للسقوط وان لم يكن بهيئة الصف والجماعة، ولا يقال: مقتضى ذلك كفاية بقاء واحد منهم في السقوط لانه يقال: هذه الراية ظاهرة في بقاء ازيد من واحد بقرينة قول الراوى (قد دخل علينا رجل المسجد فأذن) فمعناه ويمكن أن يقال: مقتضى خبر أبي بصير الثاني أن الملاك في السقوط عدم تفرق الصف ويشكل الصدق بمجرد بقاء اثنين خصوصا مع استطالة الصف وكثرتهم ولا ينافى هذا رواية ابى علي المذكورة لاحتمال أن يكون حد موضوع الحكم بالسقوط معلوما للسائل والامام عليه السلام حسن فعله وبين انه على وجه العزيمة لا الرخصة واما ما افيد أخيرا من الاستظهار بقول الراوي لعدم كفاية بقاء الواحد ففيه إشكال من جهة ان القيود المذكورة في الكلام ان كان في كلام الامام عليه السلام تكون ظاهرة في المدخلية في موضوع الحكم، واما القيود المذكورة في كلام السائل فليس كذلك، ثم ان مقتضى بعض اخبار المسألة كون السقوط على وجه العزيمة ولا يعارضه الخبر المذكور آنفا اعني موثقة عمار وخبر معاوية بن شريح لانه أما على الاحتمال المذكور آنفا فظاهر عدم المعارضة، واما على احتمال التعرض لهذه المسألة فهما معارضان لاخبار المسألة الدالة على أصل السقوط فبعد الاخذ بما دل على أصل السقوط لا وجوه للاخذ بهما وجعلهما شاهدين على كون السقوط على وجه الرخصة،


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 6.

[ 315 ]

وأما الحكم الثاني فاستدل عليه بموثقة عمار في حديث عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (وسئل عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجيي رجل آخر فيقول له: نصلى جماعة هل يجوز أن يصليا بذلك الاذان والاقامة؟ قال: لا ولكن يؤذن ويقيم) (1) وقد نوقش في الدلالة بامكان ان يكون الملحوظ في المنع عن أن يصليا بذلك الاذان هو ذلك الآخر فيكون المأمور بالاذان والاقامة ذلك لا الذى أذن واقام وهذا غير المدعى ودفع هذه المناقشة بأن المتبادر منه أنه يؤذن ويقيم لان يصليا جماعة وفيه نظر لان هذا في كلام السائل لافى كلام الامام عليه السلام ويؤيد الاحتمال المذكور في المناقشة تعبير الامام عليه السلام في الجواب بقوله (ولكن يؤذن ويقيم) الظاهر رجوع الضمير فيه إلى الرجل الآخر وإلا لكان الانسب ان يقول ولكن يؤذن ويقيم احدهما. واما كيفيته فلا يؤذن لفريضة إلا بعد دخول وقتها ويتقدم في الصبح رخصة لكن يعيده بعد دخوله) اما عدم الجواز في غير اذان الصبح فادعى عليه اجماع المسلمين وعلل بعدم تنجز التكليف به إلا بعد حصول سببه فقبله تشريع محرم وفى التعليل اشكال لامكان أن يكون الاذان بوجوده الاعم من المقدمات للصلاة والمقدمات الوجودية يكفي في تنجز التكليف بها العلم بوجود المسبب ولو بعد حين إلا أن يدل دليل بالخصوص على خلاف ذلك فالعمدة الاجماع واما الترخيص في تقديمه على الصبح فهو المشهور واستدل عليه بما عن الكافي والتهذيب في الصحيح عن عمران بن على قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاذان قبل الفجر فقال: إذا كان في جماعة فلا وإذا كان وحده فلا بأس) (2) وعن الشيج في الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: (إن لنا موذنا يؤذن بليل فقال: اما إن ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة واما السنة فانه ينادى مع طلوع الفجر ولا يكون بين الاذان والاقامة الا الركعتان) (3) ثم ان الظاهر من الصحيح الاول كفاية الاذان المذكور للصلاة ولا ينافيه الامر بالاعادة بعد الوقت في بعض الاخبار نظير مشروعية نافلة الفجر قبل


(1) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 27 ح 1. (2) و (3) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 8 ح 5 و 6.

[ 316 ]

الفجر الكاذب كما لا ينافيه ايضا ما في الصحيح الثاني من قوله عليه السلام (وأما السنة - الخ -) فلا يقال: من أن هذا الكلام مشعر بأن الماتي به قبل الفجر ليس بمسنون بل هو عمل شايع فيه منفعة الجيران فيه نظر وأما وجه الاعادة بعد دخول الوقت فما روي أن بلالا اذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يعيد الاذان) (1). (وفصولهما على اشهر الروايات خمسة وثلاثون فصلا: الاذان ثمانية عشر فصلا والاقامة سبعة عشر فصلا فكله مثنى عدا التكبير في اول الاذان فانه أربع والتهليل في آخر الاقامة فانه مرة) يشهد له خبر إسماعيل الجعفي المروي عن الكافي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول الاذان والاقمامة خمسة وثلاثون حرفا - فعدد ذلك بيده واحدا بعد واحد - الاذان ثمانية عشر حرفا والاقامة سبعة عشر حرفا) (2) وبعد معلومية المراد من الحرف في الخبر لا إشكال من هذه الجهة وبعد وضوح كونهما بهذه الكيفية عند الشيعة مع الاحتياج في كل يوم وليلة لا وجه للاشكال من جهة ما يتراءى من مخالفة بعض الاخبار (والترتيب شرط) الظاهر عدم الخلاف في اشتراط الترتيب بين الفصول لان الآتي بهما على خلاف الترتيب المعهود المذكور في الاخبار لم يكن آتيا بهما على النحو الذى تعلق بهما التكليف ويدل عليه ايضا صحيحة زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (من سها في الاذان فقدم أو أخر اعاد على الاول الذى اخره حتى يمضي على آخره) (3) وما رواه الصدوق مرسلا قال: قال أبو جعفر عليه السلام (تابع بين الوضوء - إلى ان قال - وكذلك في الاذان والاقامة فابدأ بالاول فالاول فان قلت: حي على الصلاة قبل الشهادتين تشهدت ثم قلت: حي على الصلاة) (4). واما الترتيب بين الادان والاقامة فقد ادعى في الجواهر الاجماع بقسميه على اعتباره وأنه لو نسي حرفا من الاذان يعيد من ذلك الحرف إلى الآخر واستدل عليه مضافا إلى ذلك بالاصل والتأسى، ثم قال: فما في خبر الساباطي من الاقتصار


(1) المستدرك ج 1 ص 250 باب 7 من ابواب الاذان والاقامة تحت رقم 3. (2) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 19 ح 1. (3) و (4) المصدر ب 32 ح 1 و 3.

[ 317 ]

على إعادة الاذان وحده دون الاقامة لا بد من طرحه. والخبر المشار إليه موثقة عمار قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام (عن رجل نسي من الاذان حرفا فذكره حين فرغ من الاذان والاقامة قال: يرجع إلى الحرف الذى نسيه فليقله وليقل من ذلك الحرف إلى آخره ولا يعيد الاذان كله ولا الاقامة) (1) وقد يقال: من الواضح أنه كان حين الاتيان بالاقامة مكلفا بها ولم يكن فعلها مشروطا بأن يسبقه الاذان وقد أتى به بداعي الامتثال فسقط التكليف بها لقاعدة الاجزاء واشتراط الترتيب بينهما لو سلم حتى مع السهو أو العزم على ترك الاذان فهو لا يقتضى تخصيص القاعدة العقلية ويمكن أن يقال بعد ما كان درك الفضيلة المخصوصة منوطا باتيانهما مرتبا فبعد الاتيان بالاقامة بدون الاذان عمدا أو سهوا يحتمل سقوط التكليف الاستحبابي من جهة عدم قابلية المحل، ويحتمل عدم السقوط لعدم تحقق الاقامة المترتبة على الاذان فلا بأس باتيانهما مرتبا رجاء لاحتمال كون المقام من قبيل الصلاة المعادة. (والسنة فيه الوقوف على فصوله متأنيا في الاذان حادرا في الاقامة والفصل بينهما بركعتين أو جلسة أو سجدة أو خطوة خلا المغرب فانه لا يفصل بين اذانيها إلا بخطوة أو سكتة أو تسبيحة) اما استحباب الوقف فيدل عليه ما رواه الصدوق - قدس سره - مرسلا عن خالد بن نجيح عن أبى عبد الله عليه السلام انه قال: (الاذان والاقامة مجزومان) (2) وقال في خبر آخر (موقوفان) وقد يتراءي خلاف ذلك في الاقامة مما عن الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (الاذان جزم بافصاح الالف والهاء والاقامة حدر) (3) فان مقابلة الحدر الذى هو الاسراع بالجزم الذى هو القطع مشعرة بارادة الوصل من الحدر لكنه حيث ادعي الاجماع على استحباب الوقف فيهما يحتمل ان يكون المراد من الجزم في هذه الرواية التأني والسكون في مقابل الاسراع مع الوقف فتصير هذه الرواية دليلا على استحباب التأني في الاذان في الاذن والحدر في الاقامه، ويدل عليه ايضا حسنة ابن السرى


(1) المصدر ب 33 ح 4. (2) و (3) الوسائل أبواب الاذان والاقامة 15 ح 4 و 2.

[ 318 ]

عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (الاذان ترتيل ولاقامة حدر) (1). وأما استحباب الفصل بالمذكور فهو مشهور وان كان استفادته بالتفصيل المذكور من الاخبار مشكلة فمنها صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري قال: سمعته يقول: (أفرق بين الاذان والاقامة بجلوس أو بركعتين) (2) ومنها موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن واقم وافصل بين الاذان والاقامة بقعود أو كلام أو بتسبيح) (3) وهنا اخبار اخر لا يظهر منها التفيل المذكور نعم يظهر من خبر زريق المروي عن المجالس والاخبار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (من السنة الجلسة بين الاذان والاقامة في صلاة الغداة وصلاة المغرب وصلاة العشاء ليس بين الاذان والاقامة سبحة ومن السنة ان يتنفل بين الاذان والاقامة في صلاة الظهر والعصر) (4) اختصاص التنفل في خصوص صلاة الظهر والعصر وهو على خلاف سائر الاخبار وخلاف المشهور، ويمكن أن يكون نظر المشهور إلى وقوع التزاحم بين المستحبات بملاحظة فضيلة الوقت ودرك النافلة اعني نافلة المغرب مع ضيق الوقت بملاحظة غروب الشفق المغربي ولا ينافى هذا مع استحباب النافلة فتأمل. (ويكره الكلام في خلالهما) أما في خلال الاقامة فيدل على كراهته صحيحة عمرو بن ابى نصر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام (أيتكلم الرجل في الاذان؟ قال: لا بأس، قلت: في الاقامة؟ قال: لا) (5) وظاهر هذه الصحيحة وغيرة الحرمة وبطلان الاقامة الا انه لا بد من الحمل على الحمل على الكراهة جمعا بينها وبين صحيحة حماد بن عثمان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم بعد ما يقيم الصلاة؟ قال: نعم) (6) ورواية الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم في اذانه أو في إقامته؟ فقال: لا بأس) (7) واما كراهة الكلام في خلال الاذان فمشهورة وربما يستدل عليها


(1) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 24 ح 3. (2) و (3) و (4) المصدر ب 11 ح 2 و 4 و 13. (5) المصدر ب 10 ح 4. (6) و (7) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 10 ح 9 و 8.

[ 319 ]

بمفهوم مضمرة سماعة قال: (سألته عن المؤذن أيتكلم وهو يؤذن؟ قال: لا بأس حين يفرغ من أذانه) (1) لكنه في بعض نسخ الوسائل كلمة (حتى) بدل (حين). (والترجيع إلا للاشعار وقول الصلاة خير من النوم) اختلفوا في معنى الترجيع هنا فقيل تكرار التكبير والشهادتين من اول الاذان وقيل: تكرار الفصل زيادة على الموظف وقيل: تكرار الشهادتين جهرا بعد إخفاتهما وكيف كان فان كان التكرار بقصد التوظيف فهو تشريع محرم والا فمقتضى الاصل جوازه بلا كراهة لا نصراف الكلام المكروه عن مثله الا ان يقال بالكراهة من جهة فتوى الفقهاء - رضوان الله عليهم - تسامحا لكن هذا فيما لم يقصد الاشعار والا فلا شبهة في جوازه بل رجحانه كما يدل عليه رواية ابى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لو أن مؤذنا اعاد في الشهادة أو في (حي على الصلاة) أو (حي على الفلاح) المرتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إماما يريد القوم ليجمعهم لم يكن به بأس) (2) ولا يخفى ان دلالتها على المدعى بعمومه مبني على كون الخصوصية بلا مدخلية واما قول (الصلاة خير من النوم) وقد يعبر عنه بالتثويب في الاذان فقد يظهر من بعض الاخبار جوازه بل من بعضها جزئيته لكن هذه الاخبار محمول على التقية ويشهد له صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التثويب الذى يكون بين الاذان والاقامة فقال: ما نعرفه) (3) فان كان بعنوان الجزئية يكون تشريعا محرما وان كان بقصد التنبيه فمقتضى الاصل جوازه وقد ذكر في بعض الاخبار نفي البأس مع إرادة تنبيه الناس مع عدم جعله من أصله الاذان. (واما اللواحق فمن السنة حكايته عند سماعه وقول ما يخل به المؤذن، والكف عن الكلام بعد قوله (قد قامت الصلاة) إلا بما يتعلق بالصلاة) يدل على استحباب الحكاية اخبار منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: (كان


(1) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 10 ح 6. (2) المصدر ب 23 ح 1. (3) المصدر ب 22 ح 1.

[ 320 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شئ) (1) وعن الصدوق مرسلا قال: وروي (أن من سمع الاذان فقال كما يقول المؤذن زيد في رزقه) (2) ويدل على كراهة الكلام صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليهما السلام قال: (إذا اقيمت الصلاة حرم الكلام على الامام واهل المسجد الا في تقديم إمام) (3) والتحريم محمول على الكراهة بقرينة ما دل على جواز تكلم المقيم، ويدل على الحكم الثاني صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا أذن مؤذن فنقص الاذان وانت تريد ان تصلي بأذانه فاتم ما نقص هو من اذانه - الحديث -) (4). (مسائل ثلاث: الاولى إذا سمع الامام اذانا جاز أن يجتزي به في الجماعة ولو كان المؤذن منفردا) مستند هذا الحكم خبر أبى مريم الانصاري قال: (صلى بنا أبو جعفر عليه السلام في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة فلما انصرف قلت له: عافاك الله صليت بنا بلا إزار ولارداء ولا اذان والا إقامة؟ فقال: ان قميصي كثيف فهو يجزي ان لا يكون على رداء، وانى مررت بجعفر عليه السلام وهو يؤذن ويقيم فلم اتكلم فأجز أنى ذلك) (5) وخبر عمرو بن خالد عن أبى جعفر عليه السلام قال: (كنا معه فسمع إقامة جار له في الصلاة فقال: قوموا فقمنا فصلينا معه بغير اذان ولا إقامة قال: ويجزيكم أذان جاركم) (6) وعمل الاصحاب جابر لضعفهما من جهة السند. (الثانية من أحدث في الصلاة اعادها ولا يعيد الاقامة الا مع الكلام) اما عدم إعادة الاقامة ولو استظهر شرطية الطهارة من الاخبار فلان غاية ما يستظهر اعتبار طهارة المقيم ولا دليل على إبطال الحدث لما وقع مع الطهارة كالصلاة ومن هنا يظهر انه لو أحدث في اثناء الاقامة يطهر ويبنى واما الاعادة مع التكلم فلصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا تتكلم إذا اقمت الصلاة فانك إذا تكلمت اعدت الاقامة) (7) والحكم محمول على الاستحباب لما مضى من حكم التكلم في خلالها.


(1) و (2) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 45 ح 1 و 4. (3) المصدر ب 10 ح 1 من حديث زرارة ولم أجده من حديث محمد. (4) و (5) و (6) المصدر ب 30 ح 1 و 2 و 3. (7) المصدر ب 10 ح 3.

[ 321 ]

(الثالثة من صلى خلف من لا يقتدي به أذن لنفسه وأقام ولو خشي فوات الصلاة اقتصر من فصوله علي تكبيرتين وقد قامت الصلاة) يدل على الحكم الاول خبر محمد بن عذافر عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (اذن خلف من قرأت خلفه) (1) مع انه مقتضى القاعدة لكون الاقتداء صوريا وعلى الحكم الثاني خبر معاذ بن كثير عن أبى عبد الله عليه السلام قا ل: (إذا دخل الرجل المسجد وهو لا يأتم بصاحبه وقد بقي على الامام آية أو آيتان فخشي ان هو أذن واقام أن يركع فليقل: قد قامت الصلاة الله اكبر الله اكبر لا إله الا الله وليدخل في الصلاة) (2). (واما المقاصد فثلاثة: الاول في افعال الصلاة هي واجبة ومندوبة فالواجبات ثمانية: الاول النية وهي ركن وان كانت بالشرطية اشبه فانها تقع مقارنة [ للتحريم ] ولا بد من نية القربة والتعيين والوجوب أو الندب والاداء والقضاء) لاشبهة في اعتبار النية في الصلاة كسائر العبادات بمعنى انبعاثها عن إرادة على وجه يوجب القرب سواء أتى بها بداعي الامر أم بداعي رحجانها الذاتي ام بداعي المصلحة ام بداعي التقرب أو بنحو آخر فاعتبر امران احدهما صدور الفعل عن اختيار وقد مر الكلام فيه في كتاب الطهارة والآخر ان يكون العمل صادرا على وجه قربى ولذا حكم القائلون بامتناع اجتماع الامر والنهي ببطلان العبادة من جهة عدم حصول القرب وان كان يتوجه عليهم لزوم بطلان العبادة مع الجهل بالموضوع ايضا لعدم إمكان ان يكون العمل المبغوض للمولى موجبا للتقرب وان كان الفاعل معذورا لا يعاقب، ومع انهم يقولون بالصحة لكن هذا إشكال في الصغرى والكبرى مسلمة ثم انه لا وقع للكلام في ان اعتبار النية بالمعنى المذكور بنحو الشرطية أو الجزئية لعدم ترتب ثمرة على هذا النزاع مع ان هذا الترديد على قول من اعتبر النية بأمر الشارع، واما على قول من يعتبرها عقلا من جهة عدم حصول الغرض الا باتيان العمل كذلك ما ذهب إليه بعض الاعلام - قده - فليست النية جز للمأمور به ولا شرطا. واما قصد الوجوب والندب فلا دليل على اعتباره مع وحدة المكلف به الا ترى


(1) و (2) الوسائل أبواب الاذان والاقامة ب 34 ح 2 و 1.

[ 322 ]

انه إذا أتى العبد بمطلوب المولى من دون التفات إلى نحو المطلوبية فقد اطاع وحصل له القرب نعم يمكن ان يعتبر شرعا ولو بخطاب آخر حتى لا يلزم بعض المخذورات لكنه لا دليل عليه ولا عين ولا اثر له في الكتاب والسنة. وأما مع عدم تعدد المكلف به فتارة يكون الاختلاف نظير اختلاف الظهر والعصر حيث انهما تختلفان نظير اختلاف مهيتين وان كانتا بحسب الصورة غير مختلفين ولذا لو قدم العصر وتذكر في الاثناء يتعين عليه العدول فلا بد من التعيين لعدم حصول الاطاعة والامتثال بدون قصد العنوان الذى صار متعلقا للامر، واما مع عدم اختلاف بهذا النحو كما لو فات منه صلاة الظهر وحضر وقت صلاة العصر فهل يتعين قصد الاداء والقضاء ام يكفى مجرد إتيان الصلاتين بعنوان الظهرية قد يقال بلزوم التعيين من جهة انه ليس من قبيل ما لو تعلق امر بطبيعة مقيدة وامر آ خر بمطلقها كي يقع الفرد المأتي به عند عدم قصد القيد امتثالا للمطلق، بل من قبيل تعدد المطلوب فالمطلوب عند التمكن من القيد هو المقيد بخصوصه وعند تعذره الفرد العارى عن القيد فهما لدى التحليل مطلوبان بطلبين مترتبين والطبيعة المطلقة هي القدر المشترك بينهما ليست من حيث هي متعلقة للطلب والا يحصل امتثاله في ضمن المقيد ايضا كما في صلاة الجماعة والفرادي، وفيه نظر لمنع كون وصف الاداء والقضاء مأخوذا في المكلف به كالظهرية والعصرية، بل دخول الوقت سبب الوجوب الظهر مثلا بين الروال والمغرب ومع الفوت تجب هذه الحقيقة في أي وقت شاء، والشاهد على ذلك انه لو صلى الظهر في الوقت من دون التفات إلى كونه في الوقت فالظاهر عدم الاشكال في الكفاية وهذا بخلاف ما لو قصد اربع ركعات من دون قصد الظهرية وعلى هذا فليس المقام الا من باب تعدد افراد طبيعة واحدة من جهة تعدد الاسباب فلم يبق الا شبهة انه مع تعدد الامر وعدم قصد امتثال امر معين كيف يقع الامتثال، وسقوط احد الامرين دون الآخر ترجيح بلا مرجح، ويرد عليه النقص بالاوامر التوصلية ولا يبعد ان يجاب حلا بأنه إذا تعلق امر بصرف الوجود من الطبيعة والامر الآخر لابد أن يتعلق بفرد آخر منها فالمأتى به اولا يقع امتثالا لذلك الامر المتعلق بصرف

[ 323 ]

الوجود من الطبيعة، نعم لو تحقق سبب الامرين في مرتبة واحدة من دون ترتب عقلي أو زماني فلم يتأت هذا الجواب وكيف كان فالمقام ظاهرا من قبيل قضاء صوم يومين من رمضان واحد أو رمضانين وما يقال من أنا نقطع بأن موضوع امر القضاء ليس مجرد عنوان الظهر مثلا من دون التقييد بالوقت والا كان اللازم الاكتفاء بظهر واحد في وقته ونقطع ايضا بأن تعدد الظهرين لا يكون باعتبار الوجود كان يقول الامر اوجد ظهرا واوجد ظهرا آخر فان الامر بصلاة بالنسبة إلى من عليه قضاء ظهرومن لم يكن على حد سواء فلا بد ان يكون تعددهما بملاحظة الضميمة المقرونة بهما وليس في الخارج الا كون احدهما تداركا لما فات منه سابقا والآخر اداء لفريضة اليوم فلابد ان يقصدا حتى يستقيم داعوية امر كل منهما ففيه تأمل لانه بعد تعدد السبب لا بد من تعدد المسبب فلا يكتفي بظهر واحد، واما ما افيد ثانيا بقوله - قدس سره - (ونقطع ايضا إلخ) فهو منقوض بمثل الاوامر الواردة في منزوحات البئر، فإذا فرض وقوع شئ قدر له نزح مقدار معين ووقع شئ آخر في البئر قدر له نزح ذلك المقدار ووقع هذا الشئ في بئر آخر فلا بد على القول باقتضاء كل سبب لنزح مقدار غير ما يقتضى الآخر من النزح والدليل الدال على النزح له لسان واحد ومع ذلك يقتضي في محل الوجود الثاني وفى محل آخر صرف الوجود. (ولا يشترط نية القصر والاتمام ولو كان مخيرا ويتعين استحضارها عند اول جزء من التكبير واستدامتها حكما) اما مع تعين المكلف به من القصر أو الاتمام فلا يبعد كفاية القصد الاجمالي فإذا قصد المأمور به الفعلي فقد قصد امتثال الامر المعين، واما مع تعدد المكلف به كما في اماكن التخيير فمع اختلاف المكف به وتعدد الامر حيث ان لكل منها امر غير امر الآخر يشكل صدق الامتثال من عدم التعيين إلا ان يقال: هذا نظير ما لو أمره المولى بسلوك احد الطرفين تخييرا مع اشتراكهما في الجملة فلو لم يقصد في المقدار المشترك إحدى الخصوصيتين وبعد الوصول إلى محل الافتراق اختار إحدى الخصوصيتين يصدق الامتثال مع كون الداعي والمحرك طلب المولى، والمسألة محل إشكال وما ذكر من تعين الاستحضار عند

[ 324 ]

اول جزء من التكبير يبني على اعتبار الارادة التفصيلية وقد سبق الكلام فيها. (الثاني التكبير وهو ركن في الصلاة وصورته الله اكبر مرتبا ولا ينعقد بمعناه ولا مع الاخلال ولو بحرف ومع التعذر يكفى الترجمة ويجب التعلم ما امكن والاخرس ينطق بالممكن ويعقد قلبه بها مع الاشارة، ويشترط فيها القيام ولا يجزي قاعدا مع القدرة وللمصلى الخيرة في تعيينها مع السبع) أماركنية التكبير بمعنى فساد الصلاة بتركه عمدا وسهوا فلا إشكال فيه واما بمعنى كون زيادته ايضا مخلة بها فلا يبعد كونها اجماعية ولعل الكلام فيها يأتي إن شاء الله تعالى ويدل على ركنيتها اخبار. منها صحيحة زرارة قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل ينسي تكبيرة الافتتاح قال عليه السلام: يعيد) (1) واما تعيين الصورة الخاصة فالظاهر عند العلماء تسلمه وإن كانت الوجوه التي استدل بها لا تخلوا عن الخدشة واما عدم انعقاد الاحرام والصلاة مع الاخلال ولو بحرف فهو واضح مع اعتبار الصورة الخاصة وليس من قبيل الدعاء والذكر حيث يدعى انصرافهما إلى النحو الصحيح دون الملحون ويتطرق فيه المنع ويقع الاشكال في لزوم قطع همزة اسم الجلالة وفصلها عما يتلفظ به من ذكر أو دعاء حيث انه مع عدم الفصل ربما لابد من إسقاط الهمزة لكونها همزة وصل والاسقاط خلاف المعهود وقد يقال: ان جعله وسطا ينافى صدق الافتتاحية المعتبرة في تكبيرة الاحرام وفيه منع ظاهر، واما كفاية الترجمة مع التعذر فهو مذهب علمائنا وأكثر العامة وقد يستدل عليه بقوله عليه السلام (تحريمها التكبير) (2) بناء على ظهوره في مطلق الثناء على الله تعالى بصفة الكبرياء والتقييد بالصيغة الخاصة بواسطة الادلة الخارجية والقدر المتيقن صورة التمكن وفيه إشكال من جهة عدم الاطلاق في هذا الخبر وإطلاق الادلة المقيدة لو لا الاجماع وقد يستدل بخبر عمار (لاصلاة بغير افتتاح) (3) بتقريب أن حقيقة الصلاة لاتتحقق من دون الافتتاح والعاجز عن التكبيرة باللفظ المعهود بعد فرض عدم سقوط الصلاة عنه واستحالة التكليف بالمحال يعلم بأن تكليفه الافتتاح


(1) الوسائل أبواب تكبيرة الاحرام ب 2 ح 1. (2) المصدر ب 1 ح 10. (3) المصدر ب 2 ح 7.

[ 325 ]

بشئ آخر يتمكن منه، فيجب بمقتضى الاحتياط الاتيان بالقدر المتيقن ومن المقطوع انه على تقدير وجوب شئ لا يكون الا الترجمة وفيه إشكال لانه بعد عدم الاطلاق واختصاص الافتتاح بالصيغة الخاصة وعدم متروكية الصلاة بحال لابد اما من تخصيص هذا العام بصورة التمكن أو تنزيل شئ آخر مثل الترجمة منزلة الصيغة الخاصة وان كان التنزيل ايضا تخصيصا لبا وعموم الخبر المذكور لا يفي بالتنزيل فالعمدة الاجماع. واما وجوب التعلم فهو على القاعدة في كل واجب من الواجبات الشرعية التي لا يعذر فيها المكلف مع التقصير، واما كيفية تكبير الاخرس فمع التمكن من النطق بما تيسر له ينطق بالتكبيرة بما تيسر له لانه المتبادر من ايجاب التكبيرة على عامة المكلفين كالتسليم والتشهد والقراءة فما ليس بمصداق بالنسبة إلى القادر مصداق بالنسبة إلى العاجز كما اشير إلى ذلك في موثقة مسعدة بن صدقة المروية عن قرب الاسناد قال: (سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح الخ) (1) واما مع عدم التمكن من النطق اصلا لم يسقط الفرض بلا خلاف على الظاهر بل عقد قلبه بها مع الاشارة بالاصبع أو مطلقا أو مع تحريك لسانه على حسب ما جرت به عادته في إبراز ساير مقاصده ويشهد له خبر السكوني عن ابى عبد الله قال: (تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بأصبعه) (2) إذ الظاهر عدم كون الحكم تعبدا في خصوص المورد ثم إن الظاهر ابراز الاخرس مقاصده بكل واحد من تحريك اللسان والاشارة من دون خصوصية فيها للاصبع ولازم ذلك جواز الاكتفاء بكل منهما من دون لزوم الجمع لو كان الواجب في المقام إظهار المعنى وحيث كان الواجب التلفظ بالصيغة مع التمكن كان اللازم ما يناسب ذلك مع العجز فلا بد من عقد القلب على الصيغة مع تحريك اللسان بل يمكن منع لزوم عقد القلب على لفظ (الله اكبر) واما الاشارة فلزومها على القاعدة مشكل ولعلها تكون بدلا


(1) و (2) الوسائل أبواب القراءة ب 59 ح 2 و 1.

[ 326 ]

بالنسبة إلى الاخرس الذى لم يتصور اللفظ لانتفاء السامعة بالخلقة والاحتياط بالجمع بأن يقصد التكبيرة بما يكون من التحريك والاشارة بدلا لا بكل واحد منهما لاحتمال الزيادة بكون كل واحد منهما بدلا. واما اشتراط القيام فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل عليه قول الباقر عليه السلام في صحيحة زرارة: (ثم استقبل القبلة بوجهك ولا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله عزوجل يقول لنبيه في الفريضة (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) وقم منتصبا فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من لم يقم صلبه في صلاته فلا صلاة له - الحديث -) (1) وموثقة عمار في حديث قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وجب عليه صلاة من قعود فنسي حتى قام وافتتح الصلاة وهو قائم ثم ذكر قال: يقعد ويفتتح الصلاة وهو قاعد ولا يعتد بافتتاحه الصلاة وهو قائم وكذلك ان وجب عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة وهو قاعد فعليه ان يقطع صلاته ويقوم فيفتتح الصلاة وهو قائم ولا يعتد بافتتاخه وهو قاعد) (2) وصحيحة سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام (في الرجل إذا أدرك الامام وهو راكع وكبر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الامام رأسه فقد ادرك الركعة) (3) وهذه الصحيحة نص في اعتبار القيام من اول التكبير إلى آخره في خصوص المأموم، فلا وجه للتفرقة بين المنفرد والامام والمأموم حيث قيل بعدم الاعتبار كذلك في خصوص المأموم واما اختيار المصلى في تعيين تكبيرة الاحرام مع السبع فهو المشهور، وعن جماعة التصريح بأن الافضل ان يجعلها الاخيرة وقيل بتعينها، وقيل بتعين الاولى، وقيل غير ذلك والمعروف بين الاصحاب ان تكبيرة الاحرام واحدة وهي ركن تبطل الصلاة بزيادتها ونقصانها فلو كبر ثلاثا أو سبعا فليجعل احدى التكبيرات تكبيرة الافتتاح ولو قد قصد الافتتاح بالاولى ثم بالثانية تبطل كلتاهما فيحتاج الصلاة إلى ثالثة


(1) الفقيه باب وصف الصلاة تحت رقم 2. (2) الوسائل أبواب القيام ب 13 ح 1. (3) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1.

[ 327 ]

بقصد الافتتاح وهكذا تبطل بالشفع وتصح بالوتر وقد يقال: هذا الفتوى المسلم المعروف مخالف للاخبار ففي رواية زيد الشحام قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الافتتاح؟ فقال عليه السلام (تكبيرة تجزيك، قلت: فالسبع؟ قال عليه السلام: ذلك الفضل) (1) وفى خبر ابى بصير (إذا افتتحت الصلاة فكبر ان شئت واحدة وإن شئت ثلاثا وان شئت خمسا، وان شئت سبعا وكل ذلك مجزعنك) (2) وعلى المعروف بين الاصحاب من كون الافتتاح بواحدة فربما يستدل على القول بتعين الاولى بالخبرين الواردين في علة زيادة الست على تكبيرة الاحرام وهي ان الحسين عليه السلام كان إلى جنب النبي صلى الله عليه وآله فافتتح رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحر الحسين عليه السلام بالتكبير، ثم كبر رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحر الحسين عليه السلام بالتكبير، ثم كبر رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحر الحسين عليه السلام وهكذا حتى كبر رسول الله صلى الله عليه وآله سبعا فأحار الحسين عليه السلام في السابعة) (3) وعلى القول بتعين الاخيرة برواية أبى بصير وفيها بعد ذكر الدعاء بعد التكبيرات الثلاث بقوله (اللهم انت الملك الحق المبين) (4) والدعاء عقيب الاثنتن بقوله (لبيك وسعديك) وعقيب السادسة بقوله (يا محسن قد أتاك المسي) قال عليه السلام: (ثم كبر للاحرام) ولا يخفى أن شيئا مما ذكر لا يصلح لان يكون مستند اللوجوب بل لا دليل على لزوم التعيين فلا يبعد الاكتفاء بالقصد الاجمالي بواحدة من السبع وإن كان الاحوط جعلها الاخيرة حذرا من مخالفة الاجماع المدعى في الغنية ويمكن ان يقال بعد رفع اليد عن ظواهر الاصحاب ولزوم تكبيرة واحدة للافتتاح ومغايرتها لساير التكبيرات واقعا وان ماثلتها صورة كمغايرة صلاة الظهر مع صلاة العصر فالظاهر لزوم التعيين، وفان قلنا في مثل المقام بلزوم الاحتياط من حيث تعلق التكليف بالافتتاح فيشك في حصوله بغير المتيقن كما قيل بالاحتياط في الشك في تعدد الصيغة فلا بد من التعيين اما بجعل الاولى تكبيرة الافتتاح واما بجعل الاخيرة اخذا بالخبرين المذكورين وجمعا بينهما وإن لم نقل


(1) الوسائل أبواب تكبيرة الاحرام ب 1 ح 2. (2) المصدر ب 7 ح 3. (3) الوسائل أبواب تكبيرة الاحرام ب 7 ح 1. (4) المصدر ب 8 ح 1 و 2.

[ 328 ]

بلزوم الاحتياط اما من جهة عدم تعلق التكلف بالافتتاح بل بتكبيرة الافتتاح أو قلنا مع ذلك بعدم لزوم الاحتياط حتى في الشك في المحصل والشك في اعتبار المشكوك القيدية اخذا بحديث الرفع فيختار في التعيين بين السبع كما هو المشهور. و (سننها النطق بها على وزان افعل من غير مد، واسماع الامام من خلفه وان يرفع بها المصلى يديه محاذيا وجهه) لا يخفى أنه لابد أن يكون نظره - قدس سره - إلى خصوصية كونها من غير مد ولا بد من ان لا يكون مع المد ملحونا وهو محل تأمل. وأما استحباب الاسماع فهو المشهور وربما يتمسك له بصحيحة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ينبغى للامام ان يسمع من خلفه كلما يقول - إلخ -) (1) وفى خبر أبى بصير (غير انك إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة) (2). وأما استحباب رفع اليد فيشهد له اخبار كثيرة منها ما في صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليهما السلام (إذا اقمت في الصلاة فكبرت فارفع يديك ولا تجاوز بكفيك اذنيك أي حيال خديك) (3) وصحيحته الاخرى عن احدهما عليهما السلام (ترفع يديك في افتتاح الصارة قبالة وجهك ولا ترفعهما كل ذلك) (4) والامر في الاخبار محمول على الاستحباب بملاحظة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام قال: (على الامام ان يرفع يده في الصلاة ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة) (5) وفى احتمال تخصيص الوجوب بالامام ما لا يخفى. (الثالث القيام وهو ركن مع القدرة ولو تعذر الاستقلال اعتمد ولو عجز من البعض اتى بالممكن ولو عجز اصلا صلى قاعدا) اما وجوب القيام فلا إشكال فيه ويدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة حيث قال عليه السلام: (وقم منتصبا فان رسول الله


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 51 ح 3. (2) الوسائل أبواب تكبيرة الاحرام ب 12 ح 4. (3) و (4) المصدر ب 10 ح 2 و 1. (5) المصدر ب 9 ح 7.

[ 329 ]

صلى الله عليه وآله قال: من لم يقم صلبه في صلاته فلا صلاة له) (1) واما ركنيته في الجملة في كل ركعة فلا خلاف فيه بل عن جماعة نقل الاجماع عليه والمستفاد من كلام الشيهد - قده - ان القيام الركني في الركعة الاولى القيام حال التكبيرة الاحرام والقيام المتصل بالركوع وفى سائر الركعات خصوص المتصل بالركوع فلو ركع جالسا ولو سهوا بطلت صلاته من جهة فقد القيام المتصل بالركوع بحيث لا يمكن تداركه إذ لو تداركه زاد الركوع واستشكل فيه بأن هذا مبنى على كون الركوع الركني هو الجامع بين الركوع عن قيام وقعود وأما لو كان الركن الركوع عن قيام فما وجد ليس بركن فيجب عليه بعد الالتفات القيام ثم الركوع لتحصيل الركوع الذى هو الركن والقيام المتصل به اللهم إلا أن يحكم ببطلان الصلاة من جهة أنه لم يعلم ان الركن من الركوع هل هو الجامع أو خصوص الركوع عن قيام والمعلوم ايضا وجوب القيام المتصل بالركوع الذي هو ركن للصلاة وتحققه بالقيام ثم الركوع غير معلوم لانه من المحتمل اتصاله بالركوع الزائد ومقتضى ذلك العلم الاحتياط باتيان صلاة اخرى بل مراعات جميع المحتملات ويمكن ان يقال: مقتضى كلمات الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم كون القيام المتصل بالركوع ركنا بالاستقلال فاما ان يكون هذه الركن شرطا لتحقق الركوع ايضا بحيث يكون الركوع الركني خصوص ما كان مسبوقا بالقيام فلازم ذلك صحة الصلاة في الصورة المفروضة وعدم لزوم محذور باتيان القيام والركوع. وإما أن يكون شرطا فلازمه بطلان الصلاة ومع الشك لا وجه للحكم بالبطلان للشك في مبطلية ما صار زائد من جهة احتمال عدم زيادة الركن وما افيد من أن المعلوم أيضا وجوب القيام المتصل بالركوع الذى هو ركن الخ فيه نظر من جهة عدم اخذ هذا العنوان اعني الركنية في لسان الاخبار حتى يلزم إحرازه بل اللازم اشتمال كل ركعة على قيام وركوع متصل به والمفروض حصولهما فالحكم بالبطلان إذا كان مسلما بينهم في الصورة المفروضة لا يكون من جهة الشك والعلم الاجمالي


(1) الوسائل أبواب القيام ب 2 ح 1.

[ 330 ]

كما افيد، ثم ان المشهور لزوم الاستقلال في القيام وعدم الاعتماد على شئ واستدل عليه بصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا تمسك بخمرك وانت تصلي ولا تستند إلى جدار انت تصلي الا ان تكون مريضا) (1) ورواية عبد الله بن بكير المحكية عن قرب الاسناد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة قاعدا أو متوكئا على عصا أو حائط قال عليه السلام: (لا ما شأن أبيك وشأن هذا ما بلغ أبوك هذا بعد) (2) وفى قبالهما صحيحة علي بن جعفر عن اخيه عليه السلام (عن الرجل هل يصلح له ان يستند إلى حائط المسجد وهو يصلي أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علة؟ فقال عليه السلام: لا بأس وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الاولتين هل يصلح له ان يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علة؟ فقال عليه السلام: لا بأس به) (3) ولو لا خوف مخالفة المشهور لتعين الجمع بحمل مادل على عدم جواز الاعتماد على الكراهة. واما جواز الاعتماد مع عدم التمكن وعدم الانتقال إلى القعود فالظاهر عدم الخلاف فيه ويشهد له الخبران المستدلان بهما لاعتبار الاستقلال، ولا يخفى انه لا يستفاد منهما إلا الاجتزاء بهما دون المعين الا ان يقال بعد لزوم القيام على الاطلاق يقتصر في تقييده بصورة التمكن فيبقى غيرها تحت الاطلاق ويكفى قاعدة الميسور والمقام من المقامات التي اخذ المشهور فيها بها، وانقدح بما ذكر وجه التبعيض بأن قدر على القيام في بعض الصلاة دون بعض، واما مع عدم القدرة اصلا فيصلي قاعدا كما يدل عليه اخبار كثيرة منها حسنة ابن ابى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) قال الصحيح يصلى قائما (وقعودا) المريض يصلي جالسا (وعلى جنوبهم) الذى يكون اضعف من المريض الذي يصلي جالسا) (4) وخبر محمد بن ابراهيم عمن حدثه عن ابى عبد الله عليه السلام قال:


(1) و (2) الوسائل أبواب القيام ب 10 ح 2 و 4 وب 1 ح 20 (3) المصدر ب 10 ح 1. (4) المصدر ب 1 ح 1.

[ 331 ]

(يصلى المريض قائما فان لم يستطع صلى جالسا) (1). (وفى حد ذلك قولان اصحهما مراعات التمكن ولو وجد القاعد خفة نهض قائما حتما ولو عجز عن القعود صلى مضطجعا موميا وكذا لو عجز فصلى مستلقيا ويستحب ان يتربع القاعد قارياو يثني رجليه راكعا وقيل يتورك متشهدا) المراد من التمكن الاستطاعة العرفية وهي مقابلة لتحمل المشقة الشديدة أو الضرر من زيادة مرض ويشهد له الاخبار مثل صحيحة جميل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام ما حد المرض الذى يصلي صاحبه قاعدا؟ فقال: ان الرجل ليوعك ويحرج ولكنه اعلم بنفسه إذا قوى فليقم) (2) وموثقة زرارة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن حد المرض الذى يفطر فيه الصائم ويدع الصلاة من قيام؟ فقال: بل الانسان على نفسه بصيرة هو اعلم بما يطيقه) (3) ففي صورة الحرج والضرر لا يصدق الشرط في الصحيحة كما انه لا يجب الصوم مضافا إلى دليل نفي الحرج والضرر، وقيل حد ذلك عدم التمكن من المشي بقدر زمان صلاته قائما ومستند هذا القول خبر سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه عليه السلام: (إنما يصلي قاعدا إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها على المشي مقدار صلاته إلى ان يفرغ قائما) (4) واجيب بقصور الخبر سندا ودلالة عن معارضة الاخبار المستفيضة الناطقة بأنه لا حد له وان الانسان على نفسه بصيرة وعلى فرض تمامية السند لا يبعد ان يكون ما ذكر امارة من دون نظر إلى التحديد والحكومة واما لو وجد القاعد خفة فقد يقال برفع اليد عما مضى وعدم جواز البناء فلو قرء مقدارا من القراءة قاعدا يرفع اليد عنه ويستأنف من جهة انه كان مكلفا بالقيام منجهة تمكنه واقعا ولذا لو التفت إلى حصول القدرة في آخر الوقت مثلا تعين عليه التأخير لتمكنه من صلاة المختار وتخيل الامر في المقام لا يوجب الاجزاء وقد يجاب عنه بالفرق بين صورة العلم بحصول القدرة وعدم العلم بدعوى أن المنساق من الاخبار في المقام وغيره كمواقع التقية هو إناطة الحكم بالعجز حال الفعل لا مطلقا ولو احتمل تجدد


(1) الوسائل أبواب القيام ب 1 ح 14 و 16. (2) و (3) و (4) المصدر ب 6 ح 3 و 2 و 4.

[ 332 ]

القدرة، واما صورة التعلم بتجدد القدرة فالادلة منصرفة عنها وفيه نظر لانه إذا اخذ في الدليل عدم التمكن بالنسبة إلى اصل الطبيعة فلا يصدق مع التمكن بالنسبة إلى فردما كما هو واضح وإذا اخذ عدم التمكن حال الفعل لا مطلقا فدعوى الانصراف عن صورة العلم مشكلة وقياس المقام بباب التقية مشكل من جهة ان الامر في مواقع التقية اوسع ولذا يفتون بجواز التقية مع وجود المندوحة وجواز البدار لمن لم يجد الماء والصلاة مع الطهارة الترابية على خلاف القاعدة. واما الصلاة مضطجعا مع العجز عن القعود فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه اخبار مستفيضة منها حسنة ابن ابى حمزة المتقدمة وعن تفسير النعماني بسنده عن علي عليه السلام في حديث ومثله قوله عزوجل (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) ومعنى الآية ان الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي قاعدا ومن لم يقدر ان يصلى قاعدا صلى مضطجعا ويومي ايماء فهذه رخصة جاءت بعد العزيمة) (1) وموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا كيف ما قدر صلى اما ان يوجه فيومي ايماء وقال: يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جانبه الايمن ثم يومى بالصلاة فان لم يقدر على ان ينام على جنبه الايمن فكيف ما قدر فانه له جائز ويستقبل جانبه بوجهه القبلة ثم يومي بالصلاة إيماء) (2) ثم ان مقتضى هذه الموثقة تعين النوم على الجانب الايمن والتوجه كتوجه الرجل في لحده ويمكن ان تحمل على الاستحباب جمعا بينها و بين مضمرة سماعة قال: (سألته عن المريض لايستطيع الجلوس، قال: فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فانه يجزى عنه الخ) (3) فان مقتضى إطلاقها عدم الفرق وتكون في مقام البيان بقرينة ذيلها ولعل ضعف السند والاضمار لا يضر ان بعد العمل إلا ان يقال: لم يحرز اسناد القائلين بهذا القول إلى هذه المضمرة وسائر الاخبار مما لم يتعرض لهذا القيد لم تكن في مقام البيان من هذه الجهة ومع العجز عن الاضطجاع صلى مستلقيا بلا خلاف فيه على الظاهر، ويدل عليه جملة من الاخبار منها مرسلة الفقيه


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب القيام ب 1 ح 22 و 10 و 5.

[ 333 ]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (المريض يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا فان لم يستطع صلى على جنبه الايمن، فان لم يستطع صلى على جنبه الايسر، فان لم يستطع استلقى وأومأ إيماء وجعل وجهه نحو القبلة وجعل سجوده أخفض من ركوعه) (1) ومقتضى هذه المرسلة تأخر الاستلقاء عن الصلاة على الجنب الايسر ويظهر من بعض الاخبار تأخره عن الاضطجاع عن الايمن ويظهر من بعض الاخبار تأخره عن الصلاة قاعدا. أما ظهور هذه البعض فلا يوخذ به لما تقدم من عدم الخلاف ظاهرا على تعين الاضطجاع، واما ظهور ذلك البعض فمن حجيته سندا لا يبعد أن يؤخذ به فيقال بالتخيير جمعا فمقتضى القاعدة الجمع بين الموثقة المتقدمة وهذه المرسلة بالتخيير، ويمكن ان يقال بتقديم الاضطجاع على الجانب الايسر على الاستلقاء من جهة حفظ استقبال القبلة بمقاديم البدن في هذه الصورة بخلاف صورة الاستلقاء، وأما استحباب ما ذكر فيدل عليه صحيحة حمران بن أعين عن أحدهما عليهما السلام قال: (كان أبي عليه السلام إذا صلى جالسا يربع وإذا ركع ثنى رجليه) (2) واما التورك في حال التشهد فالوجه في استحبابه ما دل على استحباب التورك في مطلق التشهد. (الرابع القراءة وهى متعينة بالحمد والسورة في كل ثنائية وفى الاوليين من كل رباعية وثلاثية ولا تصح الصلاة مع الاخلال بها عمدا ولو بحرف وكذا الاعراب وترتيب آياتها وكذا البسملة في الحمد والسورة) تعين الحمد ووجوبه في كل ثنائية وفى الاوليين من الامور المسلمة عند المتشرعة فلا يضر إجمال بعض الاخبار من حيث تعيين موضع الفاتحة كما في النبوى المرسل (لا صلاة لمن لم يقرء فيها بفاتحة الكتاب) (3) وصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام قال: سألته عن الذى لا يقرء فاتحة الكتاب في صلاته قال: (لاصلاة له إلا أن يقرءها في جهر أو إخفات الحديث) (4) ومقتضى إطلاق الخبرين وان كان البطلان بتركها عمدا وسهوا لكنه


(1) الوسائل أبواب الفيام ب 1 ح 16. (2) المصدر ب 11 ح 4. (3) تقدم سابقا عن مسند أحمد وصحيح مسلم والبخاري. (4) الوسائل أبواب القراءة ب 1 ح 1.

[ 334 ]

يجب تقييدهما بالعمد بشهادة قول المعصوم في ما رواه علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عمن ترك قراءة ام القرآن قال: إن كان متعمدا فلاصلاة له وان كان ناسيا فلا بأس) (1) وصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: (لا تعاد الصلاة الا من خمسة الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثم قال: القراءة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة) (2) وأما عدم الصحة مع الاخلال بحرف أو إعراب أوغير ذلك فوجهه ان يعتبر بحسب ادلة لزوم القراءة قراءة القرآن ومع الاخلال ليس القرآن مقروا حقيقة وان صدق على الملحون لكنه مبني على المسامحة كصدق الكر على ما نقص عن القدر المعين بمقدار يسير فلا إشكال في انه لا يجوز الاخلال عمدا بشئ من الاعراب والبناء المعتبرين في الصحة من حيث العربية فضلا عن إسقاط حرف أو تبديله في غير الموضع المجوزة كتبديل اللام بالراء في مثل (قل ربى) وتبديل النون بالميمم في مثل (من بعد) وانما الا شكال في انه هل يكفي الاتيان على النحو الصحيح بمقتضى العربية مطابقا للمنزل من الله تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وآله مادة وصورة ام يجب متابعة احد القراء السبع الذين ادعى الاجماع على تواتر قراءتهم وهم عاصم ونافع وأبو عمرو وحمزة الكسائي وابن عامر وابن كثير أو العشر وهم السبعة المذكورة وخلف ويعقوب وابو جعفر الذين حكي عن بعض الاصحاب كالشيهد ادعاء تواتر قراءاتهم؟ لا يخفى ان مقتضى القاعدة لزوم الاقتصار على ما هو المنزل بخصوصياته فانه مع التغيير لا يصدق الحكاية الا ترى انه لو حكي احد شعرا من قصيدة مع تغيير ما يتعرض عليه بل يغلط وان المستفاد من الاخبار كون القرآن المنزل على نحو واحد فدعوى كون القرآن على أنحاء لا وجه لها فلا مجال لدعوى التواتر وكون القرآن المنزل على انحاء مختلفة ولازم ما ذكر الاحتياط ولكن المستفاد من الاخبار جواز القراءة كما يقرء الناس مثل خبر سالم بن أبي سلمة قال: قرأ رجل على أبى عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 27 ح 4. (2) المصدر ب 29 ح 5.

[ 335 ]

يقرؤها الناس فقال أبو عبد الله عليه السلام: (كف عن هذه القراءة اقرء كما يقرء الناس حتى يقوم القائم عليه السلام فإذا قام القائم قرء كتاب الله على حده واخرج المصحف الذى كتبه على عليه السلام - الحديث) (1) ومنها مرسلة سليمان عن أبى الحسن عليه السلام قال: قلت له: (جعلت فداك انا نسمع الآيات من القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن ان نقرءها كما بلغنا عنكم فهل نأثم فقال: اقرؤا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم) (2) وحكي الشيخ الطبرسي - قده - قال: روى عنهم عليهم السلام جواز القراءة بما اختلف القراء فيه ويقع الاشكال في امرين احدهما لزوم الاقتصار على خصوص القراءات السبعة أو العشرة وعدم إجزاء غيرها مع انه من قراءة الناس الا ان يدعى الانصراف إلى ما هو المعروف المشهور ولم يحرز معروفيته ومشهورية مجموع ما ادعي تواترها، غاية الامر دعوى الاجماع على كفاية خصوص السبعة ولعل المستند ما ذكر من دعوى التواتر وكيف كان الظاهر تسلم كفاية القراءات السبعة المعروفة، الثاني ان الاخذ لكل قراءة منها هل هو بنحو الموضوعية أو الطريقية وعلى الثاني لا يجوز بعد الاخذ بقراءة الاخذ بقراءة اخرى للزوم المخالفة القطعية لا يخفى انه لا يستفاد مما ذكر الموضوعية وجواز القراءة (كما يقرء الناس) اعم ويؤيد ذلك أنه في مقام العمل إذا اختلفت القراءة كما في يطهرن ويطهرن بالتشديد والتخفيف لا يلتزم بالعمل بكل من القراءتين ولعل النهي الوارد في بعض الاخبار حيث قال: (كف عن هذه القراءة) كان راجعا إلى قراءة بعض ما اسقط من القرآن نعم يظهر من بعض الاخبار مخالفة ما بأيدى الناس مع ما هو المنزل كما في قوله تعالى: (كنتم خير امة) حيث ورد في بعض الاخبار (كنتم خير ائمة) هو المنزل وفى قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين اماما) انه في الاصل (واجعل لنا من المتقين اماما) ويمكن ان يقال مع فرض اعتبار السند بعدم جواز القراءة مع احراز المغايرة للمنزل الواقعي ولا يدل ما دل على جواز القراءة كما يقرء الناس على جواز القراءة حتى في هذه الصورة كما هو الشأن في سائر الامارات ومما ذكر آنفا ظهر لزوم مراعاة الاعراب وترتيب الآيات.


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 74 ح 1 و 2.

[ 336 ]

واما لزوم البسملة في الحمد والسورة الا سورة براءة فقد نقل الاجماع عليه ويشهد عليه في خصوص الحمد جملة من الاخبار منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن السبع المثاني والقرآن العظيم أهي الفاتحة؟ قال: نعم قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع المثانى؟ قال: نعم هي افضلهن) (1) ويدل عليه في سائر السور رواية يحيى بن أبى عمير الهذلي المروية عن الكافي قال: كتبت إلى أبى جعفر عليه السلام جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ به بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في ام الكتاب فلما صار إلى غير ام الكتاب من السورة تركها، فقال العياشي ليس بذلك بأس فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم انفه يعنى العياشي) (2) وعن العياشي في تفسيره عن صفوان الجمال قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (ما انزل الله ما السماء كتابا الا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم وانما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء للاخرى) (3) وعنه عن خالد بن المختار قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: (مالهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا انها بدعة إذا أظهروا وهي بسم الله الرحمن الرحيم) (4) قصور السند مجبور بالشهرة وفى قبالها أخبار تدل على عدم الوجوب مثل ما عن الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن على الحلبي ومحمد بن علي الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (انهما سألاه عمن يقرء بسم الله الرحمن الرحيم حين يقرء فاتحة الكتاب قال: نعم إن شاء سرا وان شاء جهرا، فقالا: فيقرؤها مع السورة الاخرى؟ قال: لا) (5) لكنها محمولة على التقية ويشهد لها بعض الاخبار السابقة مضافا إلى إعراض الاصحاب مع صحة السند في كثير منها. (ولا يجزي الترجمة ولو ضاق الوقت قرأ ما يحسن منها ويجب التعلم ما أمكن ولو عجز قرأ من غيرها ما تيسر له والا سبح الله وكبره وهلله بقدر القراءة) اما


(1) و (2) الوسائل ب 11 ح 2 و 6 وفيه " العباس " في الموضعين مكان " العياشي ". (3) و (4) المستدرك ج 1 ص 275 باب أن البسملة آية من الفاتحة تحت رقم 3 و 7. (5) الوسائل أبواب القراءة ب 12 ح 1.

[ 337 ]

عدم كفاية الترجمة فلانها ليست بقرآن وليست بفاتحة الكتاب التي تجب قراءتها. واما كفاية قراءة ما يحسن منها مع ضيق الوقت ولزومها فيمكن أن يستدل على اللزوم بقاعدة الميسور ثم بعد اللزوم ووجود الامر الاضطراري واجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري عن المأمور به بالامر الواقعي يحكم بالكفاية وقد يستشكل في الاجزاء في صورة التقصير من جهة ان القدرة المعتبرة في صحة التكليف هي مطلق القدرة الحاصلة في الفرض دون القدرة المستمرة إلى زمان الفعل ولا يبعد أن يقال بعد ما لم تكن القدرة من الشرائط الشرعية بل هي شرط عقلي فمع العجز قصورا يكون الانسان معذورا عقلا وتقصيرا يكون معاقبا فبعد لزوم ما يتمكن منه حيث لا تترك الصلاة بحال وقاعدة الميسور تقتضي الاتيان بما تمكن منه إن استكشفنا الاجزاء في كل مأمور به الامر الاضطراري فيحكم بالاجزاء مطلقا وإن لم يستكشف فلا بد من الاحتياط بالجمع مطلقا والاستكشاف مشكل ولا يقاس المقام بمثل ما لو صلى مع التيمم حيث انه يستفاد فيه أنه لا وظيفة له الا ما هو مكلف به فعلا من جهة الا طلاق كما بين في محله وفي المقام لا دليل بالخصوص وإنما يحكم بلزوم ما يتمكن بملاحظه مادل على عدم جواز ترك الصلاة بحال مع قاعدة الميسور واستفادة الاجزاء مما ذكر مشكل ولا مجال للتمسك بالاصل بأن يقال في الوقت لا تكليف بأزيد مما يتمكن منه بالفعل حسب الفرض وبعد الوقت لا دليل على القضاء لان لزوم القضاء مرتب على الفوت وهو غير محرز لانه منقوض أولا بما لو أتى بعمل يشك معه بالفراغ عن التكليف المتحقق مع كون الشبهة حكمية وثاثيا نقول يصدق الفوت مع ترك ما فيه المصلحة الملزمة وإن كان معذور في الترك عقلا كصدق الفوت بالنسبة إلى الافعال والامور التي تكون موارد توجه العقلاء حيث يصدق الفوت مع كونها في معرض الوقوع بخلاف ما لم تكن في معرض الوقوع، نعم لا يبعد التمسك بقاعدة لا تعاد في صورة القصور لا التقصير لو لم يدع انصراف القاعدة إلى صورة السهو والنسيان وإن كانت منصرفة عن صورة الالتفات والعمد وليست الدعوى ببعيدة، وإن كان الاقوى التعميم وقد يقال: إن الاجزاء مطلقا مسلم ثم يجاب عن الاشكال الوارد في المقام

[ 338 ]

وحاصل الاشكال أنه إن كان صلاة العاجز الذي لا يحسن القراءة وكان عجزه عن تقصير وافيا بتمام المصلحة التي في الصلاة التامة كوفاء صلاة المسافر بالمصلحة التي في الصلاه الحاضر فاللازم جواز التهاون وترك تعلم القراءة ولا يلتزم به وإن لم تكن وافية فيصدق الفوت ولازمه القضاء، وحاصل الجواب أنه لا مانع من الالتزام بعدم جواز التهاون وحصول المعصية بواسطة ترك التعلم وتنزيل الصلاة الناقصة منزلة الصلاة التامة بمقتضى الادلة اللفظية ومعاقد الاجماعات، فيقال: وإن للفوت أثرا عقليا غير قابل للرفع وهو المعذورية لو لم يكن مستندا إلى اختياره واستحقاق العقوبة لو كان مستندا إلى اختياره وأثر شرعيا وهو ثبوت القضاء وهو قابل للرفع وفيه نظر لان التسليم غير مسلم حتى في المقصر كيف وقد احتاط بعض الاعاظم بالجمع بين الصلاة الناقصة والقضاء خارج الوقت، وأما الادلة فلان كان النظر إلى قاعدة الميسور فقد عرفت الاشكال في دلالتها وإن كان النظر إلى مثل رواية مسعدة ابن صدقة المروية عن قرب الاسناد قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: (إنك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة والصلاة والتشهد وما أشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح) (1) فالظاهر منها صورة عدم التمكن أصلا لا صورة العجز عن تقصير أو قصور مع التمكن بعد انقضاء الوقت، وأيضا جعل المعذورية من الآثار العقلية للفوت محل تأمل غاية الامر حكم العقل مع القصور بمعذورية المكلف في قوت المكلف به، وهذا لا يوجب كون المعذورية من آثار الفوت ثم إنه لا ينحصر وجه الاجزاء في ما ذكر من رفع أثر الفوت أي القضاء بل يتصور أن يكون الاتيان بالناقص مسقطا بحيث لا يبقي مجال لاستيفاء مصلحة العمل التام، فالعمدة الاجماع إن تم، وأما وجوب التعلم فوجهه واضح. ثم إنه إذا فرض عدم التمكن من القراءة التامة وفرض التمكن من الايتمام بحيث يسقط عنه القراءة فهل يتعين الثاني أم لا بل يجوز الاكتفاء بالقراءة الناقصة


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 59 ح 2.

[ 339 ]

مقتضى القاعدة تعين الايتمام للتمكن من حفظ المصلحة التامة اللازمة مراعاتها فلا يعدل عنها إلى ما فيه المصلحة الناقصة الذي شرع في حال اضطرار وإن شئت قلت: لا اضطرار مع ذلك نعم ربما يظهر من مثل رواية مسعدة بن صدقة المتقدمة آنفا عدم لزوم الايتمام لان الحمل على صورة عدم التمكن من الايتمام في غاية البعد وهذا نظير ما دل على جواز طلاق الاخرس بالاشارة حيث إن حمله على صورة عدم التمكن من التوكيل في غاية البعد، لكن التعدي إلى غير العاجز أصلا كالاخرس ونحوه مشكل وقد يقرب التعدي بأن سقوط القراءة عن المأموم من الاحكام الثانوية اللاحقة للصلاة عند اختيار الايتمام فالواجب على المكلف إنما هو فعل الصلاة التي اعتبر فيها فاتحة الكتاب لدى الامكان ومع العجز عنها بدلها ولكنه لو اختار الايتمام يسقط عنه التكليف بقراءة الفاتحة وفيه نظر لان الظاهر أن الفاتحة لم تسقط بواسطة الايتمام والامام ضامن ثانيا بعد تمكن المكلف من الصلاة التامة كيف يعدل إلى الناقصة وإن شئت لا حظ طريقة العقلاء في مقاصدهم ولعل الترخيص المستفاد من مثل رواية مسعدة بن صدقة المتقدمة كان بملاحظة دفع الحرج النوعي فلا مجال للتعدي، وأما لزوم قراءة غير الفاتحة مع عدم التمكن من الفاتحة ومع عدم التمكن من غير الفاتحة وجوب التحميد والتهليل والتكبير فالظاهر عدم الخلاف فيه بالترتيب المذكور وإن كان يظهر من الشرايع التخيير ويشهد له النبوي (إذا قمت إلى الصلاة فإن كان معك قرآن فاقرء به، وإلا فاحمد الله وهلله وكبره) (1) وضعفه مجبور بظهور استناد الخاصة إليه والخبر المروى عن علل الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام أنه قال: (إنما امر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا مضيعا وليكون محفوظا مدروسا فلا يضمحل ولا يجهل وإنما بدء بالحمد في كل قراءة دون سائر السور لانه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد وذلك أن قوله عزوجل الحمد لله إنما هو أداء لما أوجب الله عزوجل على خلقه من الشكر - الحديث) (2) ولو لا الشهرة وعدم الخلاف لاشكل الاستدلال بما ذكر


(1) اخرجه البيهقى في السنن ج 2 ص 380. (2) الوسائل أبواب القراءة ب 1 ح 3.

[ 340 ]

حيث إن النبوي ظاهر في الاجتزاء بمطلق قراءة القرآن وإن قيد بالادلة الخاصة بخصوص الفاتحة لم يبق له ظهور يكون حجة على المطلوب، وأما الخبر المروي عن العلل فان كان المستفاد منه تعدد المطلوب بأن يكون المطلوب القراءة وخصوص الحمد مطلوبا آخر فلازمه جواز الاكتفاء بمطلق القراءة مع التمكن من قراءة الحمد كما هو الشأن في كل مقام يكون من باب تعدد المطلوب ولا يلتزم به أحد وإن كان من باب وحدة المطلوب فمع عدم التمكن كيف يجب قراءة غير الحمد كما أنه يشكل التمسك بصحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إن الله فرض من الصلاة الركوع والسجود ألا ترى لو أن رجلا دخل في الاسلام لا يحسن أن يقرء القرآن أجرأه أن يكبر ويسبح ويصلي) (1) إلا أن يقال بعد تقييد الصحيحة بخصوص الفاتحة والسورة جمعا بين الادلة يجزي التكبير والتسبيح من دون ترتيب. (ويحرك الاخرس لسانه بالقراءة ويعقد بها قلبه) أما لزوم تحريك اللسان فيدل عليه خبر السكوني عن الصادق عليه السلام قال: (تلبية الاخرس وتشهده وقراءة القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته باصبعه) (2) والظاهر منه اعتبار الاشارة بالاصبع زائدة على تحريك لسانه لكنه من المستبعد كون الاشارة بالاصبع لازمة تعبدا بل لا يبعد أن يكون النظر إلى ما هو المتعارف في الاخرس حيث يؤيد الاخبار أو الا نشاء أو الحكاية والظاهر عدم اعتبار الاشارة بالاصبع فيها وإن كانت تقارن تحريك اللسان كثيرا وإن كان الحكم تعبديا لزم الاقتصار على خصوص المذكورات وأما عقد القلب بالقراءة فقد فسر بتعقل القراءة تفصيلا إن أمكنه وإلا فإجمالا وحكم بلزومه من جهة تأتي قصد امتثال الامر المتعلق بالقراءة باشارته وتحريك لسانه فان كان النظر إلى لزوم تصور كلمات فاتحة الكتاب وآياتها أؤ السورة غيرها فلا دليل على لزوم تصورها تفصيلا مع الامكان بالنسبة إلى القادر على القراه فضلا عن الاخرس ويتمشى قصد الامتثال من دون حاجة إلى التصور التفصيلي وأما التصور الاجمالي فان كان


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 3 ح 1. (2) المصدر ب 59 ح 1.

[ 341 ]

المأمور به في حق الاخرس ما هو المأمورية في حق القادر بأن كان التحريك والاشارة أمرين مغايرين للمأمور به قد قبلهما الشارع في مقابل المأمور به نظير وفاء الديل بما هو مغاير لما في الذمة لزم اعتباره لما ذكر. وأما إن كان الواجب في حقه نفس التحريك والاشارة فلا دليل على اعتباره وظاهر خبر السكوني المذكور وإن كان التنزيل إلا أنه بلحاظ أصل التكليف لا بلحاظ مقام الامتثال إلا أن يقال: إن الادلة العامة تشمل كل مكلف غاية الامر في مقام الامتثال يكتفي بما ذكر ويصح التكليف بهذا النحو فتأمل جيدا. (وفي وجوب سورة مع الحمد في الفرائض للمختار مع سعة الوقت وإمكان التعلم قولان أظهرهما الوجوب) المشهور وجوب سورة كاملة في الصلاة غير الحمد وادعي الاجماع عليه وما يمكن أن يكون مستندا لذلك روايات منها رواية يحيى بن عمران الهمداني (أنه كتب إلى ابي جعفر عليه السلام يسأله عمن ترك البسملة في السورة قال: يعيد) (1) ونوقش في دلالتها بأنها لا تدل على وجوب إعادة الصلاة بل الظاهر منها إعادة البسملة فيدل على جزئيتها للسورة، ويمكن أن يقال ظاهر الرواية لزوم الاعادة كان ترك البسملة عن عمد أو سهو فلو لا لزوم السورة في الصلاة لم يلزم الاعادة مطلقا، نعم يمكن الخدشة بأن مورد السؤال يشمل الفريضة والنافلة وقد علم في النافلة عدم لزوم الاعادة فيمكن الحمل على رجحان الاعاده دون الوجوب. ومنها حسنة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يجوز للمريض أن يقرء في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل والنهار) (2) ويمكن الخدشة في دلالتها بامكان كون السورة مستحبة مؤكدة لا ينبغي تركها إلا للمريض وقاضي صلاة التطوع إرفاقا. ومنها مفهوم صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال عليه السلام: (لا باس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الاوليين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئا) (3) والخدشة المذكورة تتأتى هنا


(1) التهذيب ج 2 ص 69 تحت رقم 252. (2) و (3) الوسائل أبواب القراءة ب 2 ح 5 و 2.

[ 342 ]

ومنها ما ورد في المعتبرة من أمر المأموم المسبوق بقراءة ام الكتاب وسورة فان لم يدرك السورة تامة أجزءه ام الكتاب (1). وفي دلالتها تأمل فان الاجزاء وعدمه متحققان في الواجبات والمستحبات. ومنها ما روي عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (إنما امر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا مضيعا وليكون محفوظا مدورسا فلا يضمحل ولا يجهل وإنما بدء بالحمد في كل قراة دون سائر السور لانه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد - الحديث) (2) ويمكن منع الدلالة حيث يشمل الفريضة والنافلة ولا تجب في النافلة، ومنها ما يظهر منه اعتقاد الراوي بوجوب السورة وتقرير الامام عليه السلام إياه كصحيحة محمد بن مسلم في تارك الفاتحة وفيها بعد قوله عليه السلام: (لا صلاة له إلا أن يقرأهما في جهر أو إخفات قلت: أيهما أحب إليك إذا كان خائفا أو مستعجلا يقرء سورة أو فاتحة الكتاب؟ قال عليه السلام: فاتحة الكتاب) (3) فان هذا السوأل لا يحسن إلا بعد العلم بوجهما في حد ذاتيهما والترديد في سقوط إيهما في مقام الدوران والمفروض تقرير الامام عليه السلام وفي دلالته تأمل حيث إن الاستعجال المذكور في كلام الراوى يشمل الاستعجال للامور الدنيوية ومن يعتقد وجوب شئ خصوصا في مثل الصلاة لا يشك في عدم جواز تركه للامور الدنيوية والراوي اعتقد جواز الترك فلعله حمل قوله عليه السلام (لا صلاة له) على نفي الكمال كما في (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (4) وثانيا نقول التقرير وعدم الردع إذا كان معتقد السائل خلاف الواقع غير مجوز إذا أوجب وقوع السائل فيما لا يجوز وقوعه فيه وما نحن فيه ليس كذلك وهذا الاشكال يتاتى في سائر الاخبار التي يظهر منها اعتقاد الراوي بوجوب السورة وتقرير الامام عليه السلام إياه وفي قبال ما ذكر أخبار كثيره صريحة في جواز ترك السورة ولو لا إعراض الاصحاب لامكن الجمع بالحمل على الاستحباب إن تمت دلالة الاخبار


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4. (2) الوسائل أبواب القراءة ب 1 ح 3 وقد تقدم. (3) المصدر ب 1 ح 1 (4) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1.

[ 343 ]

المذكورة على الوجوب، وكيف كان هل يعتبر تعيين السورة قبل البسملة ام لا بل يكفي قرأة البسملة بقصد القرآن ثم قراءة أي سورة شاء وتصير البسملة المقروءة جزء لها غاية ما يقرب للاعتبار أن قراءة السورة الشخصية معتبرة والقراءة حكاية عنها فتصير السورة الشخصية بمنزلة المعنى للفظ فما لم يقصد القاري البسملة الخاصة المتخصصة بكونها جرء للسورة الخاصة لم يتحقق الحكاية بالنسبة إلى شخص السورة وإن تحقق الحكاية بالنسبة إلى القرآن لكون البسملة مشتركة لكن حكاية الجامع غير حكاية الشخص وفيه تأمل لان المركب منحل إلى الاجزاء والجزء غير مقيد بساير الاجزاء فالصلاة مثلا مع تركبها تنحل إلى تكبيرة وقراءة وركوع إلى آخر الاجزاء فمع حكاية الجزء المشترك حكى جزء من السورة الخاصة غاية الامر تخصصها لا يحصل إلا بعد انضمام ما سواه إليه غاية الامر أنه ما أوجد أولا جزء للسورة المعينة بل اعطي وصف الجرئية لها بعد الوجود نظير تحقق عنوان الزيادة لما أتى في غير محلهم ثم أتى به ثانيا في محله وهذا لا يضر لعدم الدليل على أزيد من حكاية السورة المعينة وقد حصلت، ولقائل أن يقول بعد الاعتراف بحكاية الجزء المشترك مع قصد القرآن بالبسملة فهل يبقى إلا حكاية ما يفرق ويتميز وقد حصلت. ثم إنه يجوز الاقتصار على الحمد وحده للمرض والاستعجال بل قد يجب كما في صورة الخوف وقد دلت عليه الاخبار، وهل ضيق الوقت يعد من صورة الاستعجال أم لا، وجه الاول أن إتيان الواجب في وقته المضروب له من الامور المطلوبة ومتعلق الغرض فمع الاتيان بالسورة يفوت هذا الغرض وقد رخص الشارع ترك السورة فيما لو كان المكلف مستعجلا بحيث لو أتى بالسورة لفات منه غرض ديني أو دنيوي ووجه الثاني أن مقصود المكلف ومتعلق غرضه هو الصلاة تامة الاجزاء والشرائط ومنها السورة في الوقت ولا يقدر عليها فيدور الامر بين سقوط السورة ووقوع بعض الاجزاء خارج الوقت ولا ترجيح وقد رجح الاول بأن وجوب السورة مشروط بعدم الاستعجال ولزوم سائر الاجزاء والشرائط مطلق فمع الاطلاق يلزم عليه حفظها فإذا أتى بالسورة فقد فات منه ما يلزم حفظه ومع حفظها ما فات منه شئ واجب لكون وجوبها مشروطا

[ 344 ]

وقد يتأمل فيما ذكر لانه إن استفيد مما دل على ان إدراك ركعة من الوقت كادراك كله تقبل الشارع الصلاة التي وقعت ركعة منها في الوقت مقام الصلاة التي كان مجموع ركعاتها في الوقت فلم يفت من الصلي الاتي بالسورة شئ يلزم من جهة حفظه ترك السورة بل لعل الظاهر من الادلة إدراك الركعة بجميع أجزائها ومنها السورة ومع عدم الترجيح فلا يبعد جريان استصحاب وجوب السورة إن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وإلا فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب السورة إلا أن يقال المرجع عموم أو إطلاق ما دل على وجوب السورة لانه وإن كان المقام من قبيل الشبهة المصداقية إلا أنه حيث كان رفع شخص الشبهة وظيفة الشارع كان من قبيل المفهومية فتدبر. (ولا يقرء في الفرائض عزيمة ولا ما يفوت الوقت بقراءتها) هذا هو المشهور بل ادعي الاجماع عليه واستدل عليه بخبر زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: (لا تقرء في المكتوبة بشئ من العزائم فان السجود زيادة في المكتوبة) (1) وموثقة سماعة (من قرأ (إقرء باسم ربك) فإذا ختمها فليسجد فإذا قام فليقرء فاتحة الكتاب وليركع، وقال: إذا ابتليت بها مع إمام لا يسجد فيجزيك الايماء والركوع ولا تقرء في الفريضة واقرء في التطوع) (2) وخبر علي بن جعفر عليه السلام المروي عن كتابه وعن قرب الاسناد وقد سأل أخاه موسى عليه السلام (عن الرجل يقرء في الفريضة سورة والنجم ويركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرء بغيرها قال: يسجد ثم يقوم فليقرء بفاتحة الكتاب ويركع، وذلك زيادة في الفريضة ولا يعود يقرء في الفريضة بسجدة) (3) وخبر زرارة وإن نوقش في سنده لكنه لا مجال للمناقشة بعد تلقى الاصحاب إياه بالقبول نعم يمكن الاستشكال من جهة الدلالة حيث أنه يظهر من أن وجه النهي حصول الزيادة بسبب السجدة اللازمة


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 40 ح 1 و 2. (2) ذكر صدره في الوسائل ب 37 من أبواب القراءة في الصلاة ح 2 وذيله ب 40 منها ح 2. (3) الوسائل أبواب القراءة ب 40 ح 4.

[ 345 ]

من جهة قراءة آية السجدة والمدعى بطلان الصلاة بقراءة العزيمة حتى آية السجدة، ولو لم يسجد أخر السجدة إلى أن أتم الصلاة، ولهذا يحتاج في الحكم بالبطلان بمجرد القراءة إلى أحد امرين إما إدراج قراءه سورة العزيمة تحت الكلام المحرم الذى أجمع على مبطليته للصلاة أو يكون بحسب ارتكاز المتشرعة ما حيا لصورة الصلاة، أو أن الامر بايجاد السجدة المنافية لفعل الصلاة يرجع إلى الامر بابطال الصلاة بفعل المنافي ولا يعقل معه بقاء الامر بالمضي في صلاته كما هو لازم عدم البطلان لرجوعه إلى المناقضة وهذا غير ادعاء أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده أو عدم الامر بضده كي يتوجه المنع في الاول ويصحح الامر بنحو الترتب في الثاني أو الاكتفاء بالرجحان وكلا الامرين محل منع، أما الادراج تحت الكلام المحرم فلان شمول الكلام المحرم للقرآن محل تأمل ولا أقل من الشك كما أن ما ادعي من ارتكاز المتشرعة محل تأمل ولذا تمسك بغير هذا الوجه والامر الثاني أيضا ممنوع لان رجوع الامر بايجاد السجدة إلى الامر بابطال الصلاة لا وجه له إلا من جهة المنافاة بينهما وهي محققة في كل ضدين، فلو لا خوف المخالفة المشهور لا مكن دعوى أنه لا يستفاد من هذا الخبر الشريف أزيد من النهي عن القراءة المؤدية إلى إبطال الصلاة بواسطة السجدة فمع عدم التأدية إما عصيانا بتأخير أو نسيانها يحتاج البطلان إلى دليل آخر، وأما الموثقة المذكورة فظاهر صدرها صحة الصلاة من جهة أنه عليه السلام لم يأمر بعد السجدة باستيناف الصلاة بل أمر بقراءة الفاتحة والركوع وظاهره القريب من التصريح صحة الصلاة وعدم الاستيناف بتكبيرة الاحرام والقراءة ومن هذه الجهة يكون الصدر قرينة على التصرف في الذيل أعني قوله عليه السلام ولا تقرء في الفريضة بحمل النهي على الكراهة ويمكن أن يجمع بين هذه الموثقة وخبر زرارة المذكور حيث علل فيه بالزيادة بكون المراد من الزيادة التنزيلية منها لما يقال من أن الزيادة تتحقق مع الاتيان بها بقصد الصلاة لا بقصد آخر فلا بعد في كون النهي للكراهة لوقوع أمر نازل منزلة الزيادة، وأما خبر علي بن جعفر عليه السلام فهو أيضا على خلاف المطلوب أدل بالتقريب المذكور وفي قبال الاخبار المذكورة

[ 346 ]

على فرض تمامية دلالتها أخبار أخر منها حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الرجل يقرء السجدة في آخر السورة قال: يسجد، ثم يقوم فيقرء فاتحة الكتاب ثم يركع ويسجد) (1) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل يقرء السجدة فينساها حتى يركع ويسجد قال: يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم) (2) ومنها صحيحة علي بن جعفر عليه السلام المروية عن التهذيب عن أخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن إمام قوم قرء السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع قال: يقدم غيره فيتشهد ويسجد وينصرف هو قد تمت صلاتهم) (3) وعن قرب الاسناد نحوه إلا أنه قال: يقدم غيره فيسجد ويسجدون وينصرف وقد تمت صلاتهم) (4) ويمكن المناقشة في دلالة ما سوى هذه الصحيحة وبأن نظر السائل والامام عليه السلام وظيفة القاري للعزيمة مع قطع النظر عن محل جواز قراءتها وقد ثبت اختصاص الجواز بغير الفريضة فتأمل، وأما الصحيحة فالنظر فيها ظاهرا إلى خصوص الفريضة لان الامامة في غير الفريضة نادرة، لا يقال: لا مجال لدلالتها من جهة أن الامام قرأ العزيمة وقد بطلت صلاته من جهة الحدث والمأمون صحة صلاتهم لا تدل على المقصود لانه يقال: أما في صورة جهر الامام بالقرأة فبمجرد الشروع في العزيمة تبطل صلاة الامام على المشهور بالتقريب المتقدم فتبطل القدوة فمقتضى القاعدة لزوم القراءة عليهم وظاهر الصحيحة بقاء القدوة وصحة الجماعة إلى حين إلا حداث مضافا إلى أنه مع استماع المأمومين اختيارا تجب عليهم السجدة فالعلة المذكورة في حق القاري، موجودة في حق المستمع وأما صورة الاخفات وعدم التفات المأمومين فهم معذورون من جهة ترك القراءة وعدم الالتفات إلى بطلان الاقتداء إلا أن الظاهر اعتقاد السائل صحة الصلاة وبقاء القدوة إلى حين الاحداث وقد قرر على هذه الاعتقدا وإن أبيت فاطلاق الصحيحة يشمل صورة الجهر فالمعارضه باقية ولو لا الشهرة العظيمة لامكن


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 37 ح 1. (2) الوسائل أبواب القراءة ب 39 ح 1. (3) و (4) المصدر ب 40 ح 5 و 6.

[ 347 ]

الجمع بحمل الاخبار الناهية على الكراهة لكنه معها لابد من حمل الاخبار المجوزة على التقية وإن شئت قلت: إعراض الاصحاب موهن بحيث تخرج الاخبار المجوزة عن الحجية مع قطع نظر عن المعارضة. وأما عدم جواز قرأة ما يفوت الوقت بقراءتها فهو المشهور واستدل عليه برواية سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال في حديث: (لا تقرء في الفجر شيئا من الحم) (1)؟ وجه الاستدلال ظهور كون النهي لفوت الوقت كما أفصح عن ذلك ما رواه (2) ايضا سيف بن عميرة عن عامر ابن عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (من قرأ شيئا من الحم في صلاة الفجر فاته الوقت) يمكن الخدشة بأن مثل هذه النواهي لا ظهور لها في المولوية فبناء على عدم حرمة ضد الواجب كما بين في الاصول وكفاية الرجحان الذاتي لا مانع من صحة الصلاة وإن عصى المكلف بتفويت الوقت إلا أنه لا مجال مع محالفة المشهور. (ويتخير المصلي في كل ثالثة ورابعة بين قراءة الحمد والتسبيح) والدليل عليه مع قطع النظر عن دعوى الاجماع جملة من الاخبار منها خبر علي بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته من الركعتين الاخيرتين ما أصنع فيها؟ فقال: إن شئت فاقرء فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء، قال: قلت فأي ذلك أفضل؟ فقال: هما والله سواء إن شئت سبحت وإن شئت قرأت) (3) ويظهر من بعض الاخبار تعين القراءة على من نسيها في الاوليين وهو رواية حسين بن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: (أسهو عن القراءة من الركعة الاولى قال عليه السلام: اقرء في الثانية، قلت: أسهو في الثانية قال عليه السلام: إقرء في الثالثة، قلت: أسهو في صلاتي كلها؟ قال عليه السلام: إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك) (4) وهي أخص من العمومات الدالة على التخيير أو أفضلية التسبيح لكنها معارضة بصحيحة معاوية بن عمار المروية في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: (الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين


(1) و (2) الوسائل أبواب القراءة ب 44 ح 2 و 1. (3) المصدر ب 42 ح 3. (4) المصدر ب 30 ح 3.

[ 348 ]

الاولتين فيذكر في الركعتين الاخيرتين أنه لم يقرء قال عليه السلام: أتم الركوع والسجود قلت: نعم قال عليه السلام: إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها) (1) وقد يجمع بينهما بحمل الصحيحة على كراهة قراءة الفاتحة مع السورة في الاخيرتين ولا ينافي تعين الفاتحة وحدها كما هو مفاد الرواية واستشكل في هذا الجمع أول من جهه أن مورد السؤال في كل منها السهو عن القراءة فأي وجه للحمل على الفاتحة وحدها في إحديهما وعلى مجموع الفاتحة والسورة في الاخرى، وثانيا من جهة أن المقصود لو كان قراءة المجموع دون قراءة الفاتحة وحدها لم يبين تكليف السائل لانه لم يبين تعين القراءة أو التخيير بين الفاتحة وحدها وبين التسبيح، وثالثا من جهة أن الصحيحة ناطقة بأن الوظيفة في الاخيرتين لا تتغير بواسطة النسيان، ويمكن أن يقال: إن القراءة منصرفة إلى القراءة المعهودة والمعهودة في الاوليين الفاتحة مع السورة فإذا قرئتا في الاخيرتين جعل آخر الصلاة أولها وهو مكروه، وهذا وجه حمل الصحيحة على صورة الجمع والقراءة المعهودة في الخيرتين قراءة الفاتحة وحدها وليس في الرواية الاولى ما يستفاد منه المماثلة وهذا وجه حمل الرواية على قراءة الفاتحة وحدها. أما الاشكال الثاني فيمكن أن يجب عنه بأنه بعد ما كان القراءة معهودة لا ضير في عدم التبين فكان السائل توهم لزوم تدارك القراءة الفائتة أو رجحانه فدفع توهمه بما ذكر، ويظهر منه دفع الاشكال الثالث، ثم على فرض المعارضة بين الخبرين وعدم الترجيح أو التخيير مطلقا في مبحث التعادل والترجيح قد يقال في مثل المقام بان المرجع العمومات تنظيرا للمقام بصوره تعارض الدليلين وتساقطهما والرجوع بعده إلى الاصل العملي ولا يخفي ما فيه من الاشكال لان الاصل مع وجود الدليل الاجتهادي عير معتبر موافقا كان أو مخالفا وهذا بخلاف ظهور العم أو المطلق حيث أنه معتبر مع وجود الخاص، غاية الامر مع المخالفة يؤخذ غالبا بالخاص من جهة تقديم الاظهر على الظاهر وعلى هذا فمع التكافؤ وعدم المرجح أو وجود المرجح والقول بعدم الاخذ بالمرجحات يتاتى التخيير ويظهر من بعض الاخبار تعين القراءة على الامام وتعين


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 30 ح 2.

[ 349 ]

عدمها على المأموم مثل رواية جميل بن دراج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يقرء الامام في الركعتين في آخر الصلاة فقال عليه السلام: بفاتحة الكتاب ولا يقرء الذين خلفه ويقرء الرجل فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب) (1) ومقتضى البعض الآخر العكس كراوية سالم بن أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرء في الركعتين الاولتين وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهم قيام فإذا كان في الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرووا فاتحة الكتاب وعلى الامام أن يسبح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين) (2). وقد يقال لا معارضة بينهما لان المحتمل بل المتعين حمل هذا الرواية على صورة كون اقتداء القوم في الركعتين الاخيرتين بقرينة قوله عليه السلام في ذيلها مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين ويمكن أن يقال: المعارضة باقية حتى مع الحمل المذكور من جهة أن ظاهر رواية جميل لزوم القراءة على الامام من غير فرق بين الاوليين والاخيرتين وظاهر رواية أبي خديجة صدرها اختصاص لزوم القراءة بالركعتين الاوليين وإلا لما كان وجه لتخصيص الاوليين للزوم القراءة فيها ومع قطع النظر عن هذا تكون رواية جميل معارضة برواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (لا تقر أن في الركعتين الاخيرتين مع الاربع الركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير إمام، قال: قلت فما أقول فيهما؟ قال: إذا كنت إماما أو وحدك قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر وتركع) (3) مضافا إلى الاخبار الدالة على أن الوظيفة في الاخيرتين التسبيح في قبال الاوليين المعللة تارة بأنهما فرض النبي صلى الله عليه وآله واخرى بعلة اخرى ومجموع هذه الاخبار معارضة بالخبر المتقدم المصرح بالتساوي بين القراءة والتسبيح والانصاف أنه لا مجال للجمع


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 42 ح 4. (2) المصدر ب 51 ح 13. (3) المصدر ب 51 ح 1.

[ 350 ]

العرفي بين الاخبار المذكورة والقدر المسلم إجزاء كل من القراءة والتسبيح وفي مقام الفضل يبقى التخبير وإن كانت القوة فيما دل على أفضلية التسبيح بحيث يظهر أن أفضليتها من المسلمات. (ويجهر من الخمس واجبا في الصبح وأوليي المغرب والعشاء ويسر في الباقي، وأدناه أن يسمع نفسه ولا تجهر المرأة) لا إشكال ولا خلاف في مشروعية الجهر في طائفة من الصلوات اليومية والا خفات في طايفة اخرى ويدل عليه الاخبار الحاكية عن سؤال الرواة عن علة جعل الجهر في بعضها والا خفات في البعض الآخر، إنما الكلام في أنها على نحو الوجوب بحيث لو حصل الاخلال تبطل الصلاة أولا؟ يدل على الاول كثير من الاخبار منها رواية فضل بن شاذان في ذكر العلة التي من أجلها جعل الجهر في بعض الصلوات دون بعض من أن الصلوات التي يجهر فيها إنما هي في أوقات مظلمة فوجب أن يجهر فيها - الخبر (1) ومنها رواية محمد بن عمران في ذكر العلة في ذلك أيضا من (أن النبي صلى الله عليه وآله لما اسري به إلى السماء كان أو صلاة فرض الله عليه الظهر يوم الجمعة فأضاف الله عزوجل إليه الملائكة تصلي خلفه وامر نبيه صلى الله عليه وآله أن يجهر بالقراءة ليتبين لهم فضله ثم فرض عليه العصر ولم يضف إليه احدا من الملائكة وامره أن يخفى القراءة لانه لم يكن وراء أحد، ثم فرض عليه المغرب وأضاف إليه الملائكة فأمره صلى الله عليه وآله بالاجهار وكذلك العشاء الآخرة فلما كان قرب الفجر نزل ففرض عليه الفجر فأمره بالاجهار - الخبر) (2) ومنها صحيحة زرارة قلت له عليه السلام: (رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي الاجهار فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفات فيه، قال عليه السلام: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقص صلاته وعليه الاعادة - الحديث) (3). وقيل بعدم الوجوب واستدل عليه بالاصل وقوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) وتقريب الاستدلال انه بعد امتناع انفكاك القراءة عن الجهر والاخفات والمراد بها ما ورد عن الصادق عليه السلام في تفسير الآية وهو تعلق النهي


(1) و (2) الوسائل أبواب القراءة ب 25 ح 2 1. (3) المصدر ب 26 ح 1.

[ 351 ]

بالجهر العالي الزائد عن المعتاد والاخفات الكثير الذى يقصر عن الاسماع والامر بالقراءة المتوسطة وهو شامل للصلوات كلها، وصحيحة علي بن جعفر عليه السلام عن أخيه عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصلي من فرائضه ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لا يجهر قال عليه السلام: إن شاء جهر وإن شاء لم يفعل) (1) وفيه أن الاصل لا مجال للتمسك به بعد وجود الدليل وأما الآية فكيف تشمل جميع الصلوات مع القطع بمشروعية الجهر في بعضها والاخفات في بعضها ورجحان الجهر في بعضها والاخفات في الآخر بارادة القراءة المتوسطة في جميعها فلعل المراد - والله أعلم - النهي عن الجهر الزائد في الجهرية والاخفات الكثير في الاخفاتية والامر بالتوسط في كل منهما. واما الصحيحة فمع إعراض الاصحاب كيف يعمل بها، هذا كله في غير صلاة الجمعة وظهرها وأما صلاة الجمعة فقد يقال بعدم الاشكال في رجحان الجهر فيها واستدل عليه بمثل صحيحة محمد ابن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن صلاة الجمعة في السفر؟ قال عليه السلام: (يصنعون كما يصنعون في الظهر ولا يجهر الامام فيها بالقراءة وانما يجهر إذا كانت خطبة) (2) وروي ابن أبي عمير في الصحيح عن جميل عن أبى عبد الله عليه السلام نحو ذلك (3) ويشكل اثبات الاستحباب بالصحيحة من جهة احتمال أن يكون قوله عليه السلام: (إنما يجهر من قبيل الامر الواقع في صورة توهم الحظر فلا يظهر منه الا الترخيض لا الواجب أو الاستحباب، وكيف كان مع الشك في وجوب الجهر يكفي الاصل لنفيه وأما ظهر يوم الجمعة فالمشهور استحباب الجهر فيه والمستند صحيحة عمران الحلبي قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي الجمعة أربع ركعات أيجهر فيها بالقراءة؟ قال: نعم والقنوت في الثانية) (4) وصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال عليه السلام لنا: (صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة واجهروا بالقراءة، فقلت: إنه ينكر علينا الجهر في السفر؟ قال عليه السلام: اجهروا بهما) (5) وحسنة الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 25 ح 6. (2) و (3) و (4) و (5) المصدر ب 73 تحت رقم 9 و 8 و 1 و 7.

[ 352 ]

أربعا أجهر بالقراءة؟ فقال عليه السلام: نعم - الحديث) (1) ولقائل أن يقول: لا يستفاد من من هذه الاخبار الا الترخيص لانها صدرت في مقام يكون محل توهم الحظر، ولا ينافيه قوله عليه السلام: (اجهروا بها) كما لا يخفى وعلى أي تقدير تعارضها صحيحة جميل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال عليه السلام: تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ولا يجهر إمام فيها بالقراءة إنما يجهر إذا كانت خطبة) (2) وروى نحو ذلك محمد بن مسلم في الصحيح وقد يحمل الصحيحتان على حال التقية تقية السائل ويستشهد لذلك بقوله في رواية ابن مسلم: إنه ينكر علينا، ويشكل هذا بعدم مساعدة العرف عليه فان حمل أحد المتعارضين على حال والآخر على حال اخرى مع إطلاقهما لا يساعد عليه العرف، والانكار المذكور لعل المراد منه إنكار المسلمين وإن كانوا اهل مذهبنا لعدم معهودية الاجهار في صلاة الظهر ومع قطع النظر عما ذكر قد يقال بعدم دلالة الاخبار السابقة على الوجوب غاية الامر دلالتها على مساوات حكم الظهر في يوم الجمعة مع الجمعة وقد عرف حال الجمعة وانه لا يجب الجهر فيه فاحتمال تعيين الجهر من جهة هذه الاخبار في غاية الضعف، قلت لم أفهم وجه ما افيد فانه بعد حمل الصحيحتين على صورة التقية أو الاخذ بالاخبار السابقة ترجيحا أو تخييرا وعدم الحمل على الامر في مقام توهم الحظر لاوجه لعدم الاخذ بظواهرها إلا ان يقال مثل هذا ليس مما يخفى على عموم المسلمين فيستكشف عدم الوجوب قوله - قدس سره -: (إن خافت في موضع الجهر أو عكس جاهلا أو ناسيا لم يعد) الظاهر عدم الخلاف فيه بل عن التذكرة والرياض دعوى الاجماع عليه ويدل عليه صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام (في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه وأخفى فيما لا ينبغى الاخفاء فيه فقال: اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته) (3) لا شبهة في أن الاطلاق يشمل


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 73 تحت رقم 3. (2) تقدم آنفا. (3) الوسائل أبواب القراءة ب 26 ح 1.

[ 353 ]

الحكم والموضوع وقد يستشكل في شموله لصورة الشك مع الالتفات خصوصا مع التمكن من الفحص فهذه خارجة عن الصدر لانه لم يؤت به عن عمد إلى فعل مالا ينبغي كما أنه خارجة عن السهو والنسيان وكذلك خارجة عن قوله عليه السلام: (لا يدري) لانه وإن كان مقتضى الجمود على معنى اللفظ لغة شموله له ولكن المنساق في مثل المقام خروجه عنه ويمكن ان يقال نمنع عدم شمول مثل لا يدري للشاك الملتفت وذلك لصحة التقسيم إلى العالم والجاهل على سبيل منع الخلو ومقتضى ما ذكر عدم الصحة على سبيل الحقيقة ولا خصوصية للمقام نعم قد يدعى انصراف الجهل أو الشك أو عدم العلم عن صورة التمكن من العلم وهو أيضا محل تأمل وعلى فرض التسليم يقال في مثل المقام مما يشتمل على قضيتين شرطيتين أو بحكمهما يؤخذ بمفهوم الاولى منهما، فنقول في المقام بعد اخذ العمد في الحكم بنقض الصلاة ولزوم الاعادة وكون الحكم بالصحة في صورة النسيان والسهو وعدم الدراية من فروعه لا يضر عدم صدق لا يدرى على الشاك بل يكفي عدم كونه متعمدا وبعبارة اخرى الذي يحتمل في المقام مانعيته عن الصحة هو الالتفات وقد ظهر من الصدر عدم كفايته في المنع عن الصحة ولاحكم بالنقض والاعادة لمدخلية خصوص التعمد فمع عدمه لا مانع عن الصحة وبهذا البيان ظهر عدم الحاجة إلى أخذ المفهوم بالمعني المصطلح عليه في مثل القضايا الشرطية حتى يرد المنع مطلقا أو في مثل المقام مما لم يذكر فيه أداة الشرط ثم إنه على فرض الشمول لصورة الشك لا مجال للاشكال من جهة عدم تمشي قصد القربة فان؟ الاتيان برجاء إدراك الواقع كاف ولذا يصح الاحتياط في العبادات. بقى في المقام إشكال تعرضوا في الاصول وهو أن مقتضى الصحيحة صحة صلاة الجاهل بالحكم في هذه المسألة فان كان من جهة كون شرطية الجهر والاخفات منوطة بالعلم يلزم المحال، وان كانت مطلقة يلزم بطلان العمل، ان كان من باب تقبل الشارع العمل الناقص بعد وجوده بدلا عن التام فهو ينافي ما يظهر من الاصحاب من عدم معذورية الجاهل في هذه المسألة من حيث استحقاق المؤاخدة فان إسقاط الواجب مع بقاء وقته والمؤاخذة على مخالفته يأبى عنه العقل واجيب بأن المصلحة

[ 354 ]

القائمة بالطبيعة الجامعة إي مع قطع النظر عن خصوصية الجهر والاخفات انما حدثت بعد الجهل بالحكم وفي التربية المتأخرة، وليس المقام من قبيل وجود المصلحة الملزمة في المطلق والمقيد في عرض واحد حتى يرد عليه أنه يلزم صحة الصلاة إن أتى بالطبيعة الجامعة بدون الخصوصية متعمدا، ويمكن أن يقال، ان هذا مناف لما يدعى في باب التجري من عدم انقلاب الواقع عما هو عليه من الحكم بواسطة القطع فشرب الماء المباح لا ينقلب إباحته إلى الحرمة بواسطة القطع بحرمته من جهة اعتقاد خمريته مثلا لان القطع ليس من الاعتبارات التي توجب انقلاب الحكم كضرب اليتيم ظلما وتأديبا، وثانيا نقول: الظاهر جعل حكم واحد لمجموع الصور أعنى صورة السهو والنسيان والجهل بالحكم قصورا وتقصيرا ولا يلتزم في صورة عدم التقصير بما ذكر، ولا يبعد أن يكون من باب التقبل والقول بعدم المؤاخذة وكان المناسب مع استحقاق الموأخذة التنبيه على التوبة ولعله من هذا القبيل ما ورد من التصحيح والامضاء لحج من أخل بالواجب بتقديم ما هو حقه التأخير وتأخير ما هو حقه التقديم، وأيضا قد تعرضوا في مسألة الاجزاء أنه مع عدم كون الاتيان بالمأمور به علة تامة لسقوط الغرض الاقصى لا مانع من الاتيان بالمأمور به ثانيا وتبديل الامتثال وبه يوجه ما ورد في الصلاة المعادة واستحباب إعادة المنفرد صلاته جماعة فإذا لم تكن الصلاة المأتى بها مع ترك الخصوصية الواجبة علة تامة لسقوط الغرض فلم لا يجوز الاتيان بها ثانيا بعد الالتفات بوجوب الخصوصية وعدم خروج الوقت ليرتفع عنه المؤاخذة والعقوبة. قوله - قدس سره. (يجزيه عوضا عن الحمد اثنتا عشرة تسبيحة صورتها (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا والله الكبر) ثلاثا) أقول: لا خلاف في الاجتزاء به وإنما الاشكال في تعينه فقيل بوجوب التسبيحات الاثنتى عشرة المزبورة واستدل له بالصحيح المروي في كتاب الصلاة من السرائر ناقلا عن كتاب حريز عن زراره عن أبى جعفر عليه السلام أنه قال: (لا تقرأن في الركعتين الاخيرتين من الاربع ركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير إمام، قال: قلت: فما أقول فيهما قال: إن كنت إماما فقل: (سبحان

[ 355 ]

الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) ثلاث مرات ثم تكبر وتركع - الحديث) (1) وفي خبر رجاء بن أبي الضحاك الحاكي لفعل الرضا عليه السلام في طريق خراسان فكان يسبح في الاخريين يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) ثلاث مرات ثم يركع) (2) أما خبر رجاء فمع ضعف السند قاصر الدلالة لان الفعل لا يدل على الوجوب، واما الصحيحة فقد نقلت بنحو آخر باسقاط لفظ (والله أكبر) وعلى فرض التعدد يجمع بينهما بحمل المشتمل على لفظ (والله أكبر) على الافضلية والاستحباب نعم ظهور الصحيحة على كل تقدير في لزوم التكرار ثلاثا محفوظا وفي قبالها رواية اخرى يظهر منها الاجتزاء بأربع تسبيحات وهي صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليهما السلام: (ما يجزي من القول في الركعتين الاخيرتين؟ قال: أن تقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا والله اكبر) وتكبر وتركع (3) ويجمع بينهما بحمل الصحيحة المتقدمة على الاستحباب ولعل هذا اولى من الجمع بينهما بتقييد هذه الصحيحة بثلاث مرات وعلى فرض التساوي نرجع إلى البراءة عن وجوب الزائد وقد يناقش في سند هذه الصحيحة من جهة ان في سندها محمد بن إسماعيل البندقي واختلف كلمات علماء الرجال في حاله لكنه بعد ملاحظة رواية نقل مثل ثقة الاسلام الكليني عنه كثيرا وسائر الامارات الكاشفة عن وثاقته لا مجال لهذه ا لمناقشة، ثم ان ههنا اخبار اخر يظهر من بعضها كفاية تسع تسبيحات صورتها (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) ثلاثا وهو صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام بعد نهيه عن القراءة وسؤاله عما يقول في الركعتين الاخيرتين قال عليه السلام: (إن كنت إماما أو وحدك فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات) (4) واحتمال وحدة هذه مع الصحيحة المذكورة آنفا بعيد جدا مع اختلاف العبارة ويظهر من بعضها كفاية التسبيح والتحميد وهو صحيحة عبيد بن زرارة


(1) الوسائل أبواب القراءة 51 ح 1. (2) و (3) الوسائل أبواب القراءة ب 42 ح 8 و 5. (4) الوسائل أبواب القراءة ب 51 ح 1 وقد تقدم.

[ 356 ]

قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الركعتين الاخيرتين من الظهر قال: تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء) (1) ومن بعضها كفاية قوله: (الحمد الله وسبحان الله والله أكبر) ومن بعضها كفاية قوله (سبحان الله) ثلاثا ومن بعضها كفاية مطلق الذكر ولا يبعد كفاية كل من المذكورات، نعم يشكل الاكتفاء بمطلق الذكر حيث ان دليله رواية علي بن حنظلة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الركعتين الاخيرتين ما اصنع فيهما فقال: إن شئت فاقرء فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء، قال: قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: هما والله سواء إن شئت سبحت وان شئت قرأت) (2) وجه الاشكال إمكان أن يكون المراد الذكر المخصوص لكن يبعد هذا الاحتمال انه مع اختلاف الاخبار في الكيفية والكمية كيف يكون المذكور في هذه الرواية إشارة إلى ذكر مخصوص كما أن تقييدها بساير الاخبار مشكل فان الاختلاف المذكور كاشف عن عدم لزوم الخصوصيات ومع تساوي الاحتمالين يرجع إلى الاصل، نعم لا يبعد الاشكال من جهة السند إلا أن يكون مجبورا بالعمل ان أحرز أن إشكال؟؟ القائلين بكفاية مطلق الذكر إلى هذه الرواية ثم ان المشهور وجوب الاخفات في الاخيرتين من كل رباعية والثالثة من المغرب سواء اختار الفاتحة أو الذكر، واستدل عليه بوجوه قابلة للخدشة كالاجماع المنقول عن الغنيمة والخلاف في صورة اختيار الفاتحة وما في الذكرى من عموم النص بالاخفات قال - قده - رادا على السرائر حيث أنكر النص على الاخفات أن عموم الاخفات في الفريضة بمنزلة النص، وما يشعر به صحيحة علي بن يقطين سأل أبا الحسن عليه السلام (عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أيقرء فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به فقال عليه السلام: إن قرء فلا بأس) (3) بناء على ان المراد الركعتان الاخيرتان فوصفهما بذلك وتقرير الامام ظاهر في بنائهما على الاخفات وغير ذلك فالعمدة الشهرة والاطمينان باطلاع الفقهاء الاعلام - قدس الله اسرارهم - بما لم نطلع عليه حيث أن


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 42 ح 1. (2) المصدر ب 42 ح 3. (3) المصدر ب 30 ح 13.

[ 357 ]

الامور التعبدية التي لا سبيل للعقل إليه لا بد في الفتوى بها من صدورها من قبل المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. قوله - قدس سره: (الخامس الركوع وهو واجب في كل ركعة مرة إلا في الكسوف والزلازل) فيجب في كل ركعة خمس مرات (وهو ركن في الصلاة والواجب فيه خمسة الانحناء قدر ما تصل معه كفاه إلى ركبتيه) أقول: أصل الانحناء حقيقة الركوع لغة كما يظهر من كتب اللغة ولم يعلم نقله عن المعنى اللغوي غاية الامر تحديده شرعا بحد مخصوص فهذا من قبيل تقييد المطلق لا نقل اللفظ عن معنى إلى معنى آخر كنقل الصلاة من الدعاء إلى المركب المخصوص في عرف الشارع أو المتشرعة ولا ثمرة مهمة لهذا البحث والذي يهمنا البحث عن الحد المذكور وان اللازم الانحناء بمقدار وصول الراحة إلى ا لركبتين كما حكي عن بعض أو اللازم الانحناء بمقدار وصول رؤوس الاصابع ولو لم تصل الراحة كما عن بعض آخر قد يقال بالثاني تمسكا بصحيحة زرارة وفيها (فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزاك ذلك وأحب إلى أن تمكن كفيك من ركبتيك الخبر) (1) وفيه نظر لاحتمال أن يكون النظر في قوله عليه السلام على ما في الصحيحة أجزاك إلى امر آخر غير أصل الركوع بأن يكون اللازم أمران اصل الانحناء الذي هو حقيقة الركوع وايصال اليد إلى الركبتين بأن يكون هو واجبا أو مستحبا آخر وراء اصل الركوع فالاجزاء في الثاني لا ينافي لزوم الانحناء في الركوع بمقدار لو أراد إيصال الراحة إلى الركبة لتمكن منه وقد يقال بالاول تمسكا بموثقة عمار الواردة في ناسي القنوت عن أبى عبد الله عليه السلام (عن الرجل ينسي القنوت في الوتر أو غير الوتر فقال: ليس عليه شئ وقال: وان ذكره وقد اهوى إلى الركوع قبل ان يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما وليقنت ثم ليركع وإن وضع يده على الركبتين فليمض في صلاته وليس عليه شئ) (2) بدعوى أن المقصود بهذه الرواية بيان أنه يرجع ما لم يدخل في الركوع ومتى دخل في الركوع


(1) الوسائل أبواب الركوع ب 28 ح 1. (2) الوسائل أبواب القنوت ب 15 ح 2.

[ 358 ]

يمضى ولا يرجع، والمراد من وضع اليدين بحسب التبادر الوضع على النحو المتعارف المعهود في الصلاة الذى لا ينفك غالبا عن بلوغ الراحتين وفيه تأمل لانه بعد ما لم يلزم أصل الايصال كما ادعي الاجماع عليه أو قلنا بكفاية إيصال رؤوس الاصابع ولو لم يصل الراحة لا مجال لدعوى التبادر إلا بدعوى التزام المتدينين غالبا بما هو مستحب في ذاته وهو مشكل للصدق العرفي فلا يبعد عدم اعتبار التمكن من ايصال الراحة من الركبتين غاية الامر لزوم الانحناء بمقدار يتمكن من إيصال رؤوس الاصابع ولو شككنا في الاعتبار يجري الاصل، ثم ان الظاهر عدم مدخليته إيصال الراحة أو رؤوس الاصابع في حقيقة الركوع لعدم مدخليته في معناه العرفي ولا دليل على النقل عن المعنى العرفي، فان قلنا بالاستحباب فلا إشكال في تركه، وان قلنا بالوجوب يصير على هذا واجبا آخر في حال الركوع فلا يوجب الاخلال به سهوا الاخلال بالركوع حتى يوجب البطلان، وأما الكلام في وجوبه فيمكن أن يتمسك له بما رواه الجمهور عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك) (1) وبصحيحة زرارة المتقدمة وبما في الصحيح الحاكي لفعل الامام عليه السلام تعليما لحماد (ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه إلى أن قال عليه السلام: يا حماد هكذا صل) (2) وفى الاستدلال بما ذكر تأمل اما النبوي فمع الغض عن السند وانجباره بنقل الخاصة في مقام الاستدلال يحمل الامر فيه على الاستحباب بملاحظة ما في صحيحة زرارة المتقدمة، واما الصحيحة فالظاهر منها إن وضع رؤوس الاصابع أدنى ما يجزي لكنه لا يدل على الوجوب للاهتمام بالامور المستحبة بعد الاهتمام بالواجبات، وبهذه الجهة لم يلتزم في الاقامة بالوجوب مع أن هذا التعبير كان فيها، واما الصحيح الحاكي لفعل الصادق عليه السلام فلو لم يكن مشتملا على المستحبات للزم الاخذ بظاهر قوله عليه السلام: (يا حماد هكذا صل) لكنه مشتمل عليها واما ما افيد من استظهار


(1) راجع سنن النسائي ج 2 ص 180 والمصابيح للبغوي ج 1 ص 55 اخرجاء من حديث مصعب بن سعد ورفاعة بن رافع. (2) الوسائل أبواب افعال الصلاة ب 1 ح 1.

[ 359 ]

الوجوب من أخبار الباب والحمل على الشانية حيث قال بعد حمل الاوامر الواردة على الوجوب إلا أن يقال: إن الظاهر من بعض التعبيرات الواردة في الاخبار مثل قوله عليه السلام في صحيحة زرارة (بلغ بأطراف أصابعك عين الركبة) (1) ومثل قوله عليه السلام في صحيحته الاخرى (فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك - الخ) (2) أنها في مقام بيان حد انحناء الركوع كما لا يخفى على من نظر في أمثال هذه التعبيرات، فمحل تأمل من جهة أنه بعد حمل الاوامر الواردة على الوجوب وحمل الاجزاء على الاجزاء عما هو واجب لم يظهر وجه لرفع اليد عن فعلية العنوان أعني الوصول الفعلي والحمل على التمكن والشأنية لانه خلاف الظاهر، ولا ننكر حسن التعبير إلا انه خلاف الظاهر فالعمدة منع الظهور لان ما اشتمل من الاخبار على الامر لاظهور له في الوجوب بقرينة ذكر المستحب فيه وما اشتمل على الاجزاء فقد عرفت التأمل في دلالته على الوجوب. (ولو عجز اقتصر على الممكن) الظاهر عدم الخلاف في لزوم ما تمكن منه لكن الاشكال من جهة ان المدرك ظاهرا هو قاعدة الميسور والتمسك بها مشكل في المقام لاحتمال مدخلية الحد المخصوص في حقيقة الركوع فما دونه من الانحناء يكون مقدمة وجريان قاعدة الميسور منبي على صدق المفهوم وعدم التمكن من بعض القيود، واجيب عن هذا الاشكال بأن المدار في جريان القاعدة على كون الشي ذا مراتب بنظر العرف بحيث يعد المأتي به لدى العرف نحوا من أنحاء وجودات تلك الطبيعة التي تعلق بها الطلب ولو بنحو المسامحة العرفية فما نحن فيه من أظهر مجاريها بل الظاهر كون الانحناء الغير البالغ إلى الحد المعتبر شرعا مصداقا للركوع العرفي من غير مسامحة خصوصا بالنسبة إلى غير القادر من زيادة الانحناء فيمكن أن يستدل له باطلاقات أدلة الركوع مقتصرا في تقييدها إلى القادر لا مطلقا ويمكن أن يقال: أما ما افيد من جعل المدار على كون الشئ ذا مراتب فيشكل بأنه قد يتمسك بالقاعدة في بعض


(1) الوسائل أبواب الركوع ب 1 ح 1. (2) المصدر ب 28 ح 1.

[ 360 ]

الموارد مع عدم كونه من هذا القبيل ألا ترى أن غسل اليد في الوضوء من المرفق إلى أطراف الاصابع واجب فمع قطع بعض اليد غسل الباقي واجب بمقتضى قاعدة الميسور مع أنه ليس من مراتب الواجب الاول بل كل مركب يتعذر الاتيان به بمجموع أجزائه ويقال بوجوب ما تيسر منه تمسكا بقاعدة الميسور ليس من هذا القبيل وأما ما افيد من كون الانحناء الغير البالغ إلى الحد المخصوص مصداقا حقيقيا للركوع العرفي فمحل منع، فكيف يصدق الراكع على مجرد المنحني بمقدار لا يصدق عليه القائم ومع الصدق لا وجه للاقتصار في التقييد على صورة القدرة للاطلاق، فان تمسك في هذه بقاعدة الميسور فهذا رجوع إلى قاعدة الميسور وليس وجها آخر كما هو الظاهر من كلامه - قدس سره - ثم إن لازم هذا الاقتصار بالمرتبة الدانية مع عدم التمكن من الانحناء المحدود بالحد الخاص من دون لزوم المراتب المتوسطة وهو خلاف ظاهر المتن وقد التفت - قدس سره - إلى هذا وأجاب بالتمسك بقاعدة الميسور لتقييد الاطلاق ولا يخفى ان مورد القاعدة ما لو كان لزوم المعسور مع قطع النظر عن طرو العسر أو التعذر ثابتا ومع فرض الاقتصار في التقييد على حال القدرة لا لزوم للمعسور مع قطع النظر عن طرو العسر، ثم ان ما يقال من الفرق بين الهوى للسجود والهوي للركوع فالاول لا شأن له إلا المقدمية لان السجود وضع الجبهة على الارض بخلاف الركوع فان الشروع في الهوي له شروع في الركوع فمن هذه الجهة يدخل في الواجب النفسي فمن هذه الجهة تصير مراتب الانحناء اخذا في الركوع إلى ان يتحقق الفراق منه محل تأمل لان لازم هذا كون الركوع كالصلاة مركبا من الاجزاء أو بسيطا ذا مراتب وكلاهما محل منع اما الثاني فلمنع صدق الراكع على اول مراتب الانحناء واما الاول فلصدق الراكع على من كان بالهيئة المعهودة ولو لم تكن مسبوقة بشئ من المراتب بل كان كذلك خلقة، نعم لو امر بالركوع بمعنى إيجاد الركوع لاحتاج إلى القيام وهيئة مغايرة لهيئة الركوع فلا يبعد ان يقال مع التمكن من الانحناء بحيث يصدق الركوع عرفا تعين لقاعدة الميسور وعدم الخلاف، ومع عدم التمكن من هذا المقدار فان تم الاجماع على لزوم

[ 361 ]

الميسور وتعينه فهو والا فيدخل تحت عنوان العاجز عن الركوع. (والا أوما) بدلية الايماء من الركوع والسجود في الجملة مما لا شبهة فيها، ويدل عليه أخبار كثيرة منها صحيحة الحلبي أو حسنته عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن المريض الذى لايستطيع القيام والسجود؟ قال: يومي برأسه إيماء وان يضع جبهته على الارض أحب إلى) (1) ومنها خبر إبراهيم بن أبى زياد الكرخي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود قال: ليؤم برأسه إيماء وان كان له من يرفع الخمرة فليسجد، فان لم يمكنه ذلك فليؤم برأسه نحو القبلة إيماء - الحديث) (2) ومنها موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (المريض إذا لم يقدر أن يصلي قاعدا كيف قدر صلى، إما أن يوجه فيومي إيماء - الحديث) (3) وموارد هذه الاخبار وان كانت غير ما نحن فيه إلا انه لا يبعد دعوى القطع بعدم الفرق وأنه بمجرد عدم التمكن من الركوع والسجود يكون الايماء وبدلا ولو لاشبهة الاجماع لامكن القول بتعين الايماء بمجرد عدم التمكن من الركوع والسجود الواجبين للمختار لا الاكتفاء بالميسور كما هو ا لمعروف. (ولو كان كالراكع خلقة أو لعارض وجب ان يزداد ركوعه يسيرا انحناء ليكون فارقا) استدل على هذا بأن مثل هذا الشخص يكون قيامه هذه الهيئة الفعلية فإذا وجه إليه التكليف باحداث الركوع لا بد له من ازدياد انحناء فلاحظ سيرة الخدام والعبيد بالنسبة إلى الملوك والجبابرة في مقام التعظيم فتعظيم المنحني زيادة انحنائه ولو يسيرا نعم لو كان انحناؤه بحيث لو ازداد خرج عن حد الركوع كان المنحني كذلك عاجزا عن الركوع فتكليفه الرجوع إلى المبدل والايماء وللتأمل فيما افيد مجال حيث إنه بعد البناء على لزوم الركوع بمعنى احداثه لا مجرد تحقق الهيئة الخاصة فمجرد احداث مرتبة غير المرتبة السابقة ليس احداثا للركوع فان يصدق عليه الراكع، نعم لو توجه إلى شخصه طلب الركوع بمعنى الاحداث لابد أن يوجه


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب القيام ب 1 ح 2 و 11 و 10.

[ 362 ]

بنحو ما ذكر وهذا بخلاف الطلب العام الغير الناظر إلى الخصوصيات ومن هنا ينقدح الفرق بين المقام والمثال المذكور ففي المثال يكون كل واحد من العبيد والخدام ملتزما باحداث تعظيم للمعظم لا فلا بد من الانتقال من مرتبة إلى مرتبة اخرى، واما في المقام فالطلب تعلق باحداث هيئة خاصة ومع عدم التمكن من الاحداث اما من جهة عدم القدرة على إيجاد الهيئة أو من جهة كونها حاصلة بلا اختيار لا يبعد الخروج عن تحت الطلب الفعلى والرجوع إلى البدل. (والطمأنينة بقدر الذكر الواجب) الظاهر عدم الخلاف في وجوبها بل ادعى الاجماع عليه واستدل له بأنه منقول من فعل النبي والائمة عليه وعليهم الصلاة والسلام، وبما رواه في الذكرى مرسلا من ان رجلا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام ارجع فصل فانك لم تصل فرجع فصلى فقال له مثل ذلك، فقال الرجل في الثالثة: علمني يا رسول الله فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرء ما تيسر منك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع رأسك حتى تعدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (1) وبأخبار اخر ولعل استفادة المدعي منها مع قصور السند في بعضها وقصور الدلالة في بعضها لا يخلو عن إشكال فالعمدة الاجماع فليختص اعتبارها بحال العمد والتذكر لعدم تحقق الاجماع على اعتبارها حال السهو بل المشهور عدم اختلال الصلاة بتركها سهوا فلا بد من الرجوع إلى الاصل لول م يكن عموم أو إطلاق لا يخفى أنه مع انجبار المرسل المذكور في الذكرى من جهة السند أو غيره من الاخبار بالعمل لا مجال للرجوع إلى الاصل لشمولها حالتى العمد والسهو فمع الاخلال بها سهوا يكون المرجع عموم (لا تعاد الصلاة الا من خمس) ان كانت شرطا للصلاة واما ان كانت شرطا للركوع فلا من جهة دخولها في المستثنى ومع الشك في ذلك المرجع عموم ما دل على الشرطية إلا ان يقال هذا لو كان الاجمال في الحاكم


(1) المستدرك ج 1 ص 262 عن عوالي اللئالى.

[ 363 ]

فهو نظير الاجمال في المخصص مفهوما حيث يرجع مع الدوران بين الاقل والاكثر وفى المقام الاجمال في المحكوم بمعنى أنه على تقدير يكون العموم المذكور محكوما وعلى تقدير آخر لا حكومة عليه، فالعام المذكور حيث لم يبين فيه أن الطمأنينة شرط في الركوع ليس حجة في حال النسيان حتى يقال: لا يرفع اليد عن الحجة إلا بالحجة، فمع عدم حجية (لا تعاد) لا يرفع اليد من العام الحجة وقد يقال: إن تقييد المطلقات الدالة على شرطية الطمأنينة غير معلوم اصلا، بل المعلوم أنها على تقدير كونها شرطا للصلاة مختصة بحال الالتفات فلا مانع من الاخذ بالاطلاق واستفادة الشرطية في نفس الركوع اخذا بلازم الاطلاق، قلت: مع إجمال المطلق من هذه الجهة كيف يوخذ به حتى يؤخذ بلازمه من اشتراط الطمأنينة في نفس الركوع المستثنى دون الصلاة، وهذا نظير ما لو قال المولى: أكرم زيدا وهو مشترك بين شخصين وقطع بعدم وجوب إكرام أحدهما المعين فهل يساعد العرف على الاخذ بظهور أكرم في الوجوب وتعيين أن المراد من لفظ زيد ذلك الشخص المعين غير المعلوم عدم وجوب اكرامه هذا مضافا إلى مخالفة هذا التقريب مع مشربه - قدس سره الشريف - حيث انه (قده) لا يجري استصحاب عدالة زيد مثلا مع احتمال انطباقه مع ذلك الشخص الذى فعل ما يوجب الفسق، فنقول في المقام على تقدير كون الطمأنينة شرطا للصلاة قد بين بحديث لا تعاد تقيد شرطيتها بحال العمد فلا مجال لاجراء مقدمات الحكمة، ولعل المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل، هذا ولا يبعد ان يكون المراد من حديث لا تعاد تقبل الناقص بدلا عن التام، وعلى هذا فالشرطية محفوظة على كل تقدير فيقع الشك في التقبل على تقدير دون تقدير، ولا يبعد لزوم الاحتياط فيه لوقوع الشك في المسقط بعد اشتغال الذمة، وهذا في المقام شبهة اخرى وهي أنه إذا قيد واجب ركني كالركوع بأمر خارج عن حقيقته كالطمأنينة ودل حديث (لا تعاد الصلاة) على أن الاخلال بالركوع يوجب الاعادة فهل المراد ترك أصل الركوع أو ترك الركوع المقيد الحاصل بترك المفيد؟ لا يبعد الاول ألا ترى انه لو صلى أحد وأخل ببعض واجباته لا يقال: إنه تارك الصلاة وإن كان في الحقيقة تاركا للصلاة التامة، وعلى

[ 364 ]

هذا فعلى كل تقدير لا يوجب الاخلال بالطمأنينة بطلان الصلاة، وتمام الكلام في باب الخلل ان شاء الله تعالى. (ولو كان مريضا سقطت عنه كما لو كان العذر في اصل الركوع) والظاهر أن المدرك قاعدة الميسور ولو دار الامر بين الركوع قائما بلا طمأنينة أو جالسا معها فالظاهر أن بناءهم على تقديم الاول ويقع الاشكال في وجهه حيث أنه كما يقتضي إطلاق دليل القيام سقوط الطمأنينة لعدم القدرة عليها كذلك يقتضي إطلاق دليل الطمأنينة إتيان الركوع جالسا معها، وقد يجاب عن هذا الاشكال بأنه لو قلنا بأن الطمأنينة ليست من مقدمات الركوع بل شرط للصلاة حال الركوع فالامر واضح فان الشخص المفروض قادر على الركوع عن قيام فلا وجه لتبديل فرضه بالجلوس، ولو قلنا بكونها من مقدمات الركوع فحينئذ وان كان يصدق انه عاجز عن الركوع المقيد قائما ولكن منشؤ عجزه هو العجز عن القيد، ومقتضى سقوط ما يعجز عنه سقوط القيد وهو اعتبار الطمأنينة كما يشهد لذلك استدلال الامام عليه السلام بقاعدة نفي الحرج على سقوط مماسة الماسح لبشرة الممسوح وتبديله بالمسح على المرارة لا سقوط أصل الوضوء والانتقال إلى التيمم، ويمكن أن يقال: أما على الوجه الاول فلم يظهر وجه التقديم فان الامر دائر بين ترك واجب في الصلاة هو ترك الطمأنينة حال الركوع عن قيام وترك واجب في الركوع وهو كونه عن قيام وكل واحد من الواجبين مقدور مع ترك الآخر وغير مقدور مع فعل الآخر ولم يظهر وجه لتقديم احدهما بصرف القدرة فيه دون الآخر، واما على الوجه الثاني فلابد من رفع اليد عن احد الاطلاقين من جهة العجز ومجرد طولية احد الاطلاقين لا يوجب رفع اليد عن خصوص المتأخر وهذا هو مشربه في نظائر المقام، هذا بحسب القاعدة وان كان النظر إلى رواية عبد الاعلى التي تمسك بها الشيخ - قدس سره - في الرسائل فهو مبني على كون نظر الامام عليه السلام إلى المتفاهم العرفي بحيث يستفاد منها قاعدة كلية ولم يعلم هذا بل من المحتمل ان يكون النظر إلى معرفتهم عليهم السلام هذا واشباهه من كتاب الله بطرق خاصة له مخفية عندنا فلا يستفاد قاعدة كلية

[ 365 ]

من هذه الرواية نعم لا يبعد ان يقال: إذا وجدت عمومات طولية أو إطلاقات كذلك لا يمكن حفظها جميعا بل لابد من التخصيص والتقييد في بعضها يتعين إيرادهما على خصوص الاخير من العام والمطلق مثلا إذا ورد دليل على طهارة بصاق شارب الخمر بعد زوال العين ودل دليل عام فرضا على نجاسة الخمر ودليل كذلك على منجسية كل نجس للظاهر والباطن ودليل كذلك على عدم نطهر عين النجاسة فلا يبعد أن يكون المتعين تخصيص العام الاخير لقيام الحجة في المراتب المتقدمة ولا حجة على خلافها حتى يرفع اليد عنها بواسطتها بخلاف العام الاخير حيث يقطع بخلافه، إما من جهة عدم الموضوع وإما من جهة التخصيص لكن هذا الكلام يتم في صورة الخروج بعنوان التقييد أو التخصيص من لسان الشارع دون ما لزم رفع اليد عن بعض التكاليف بواسطة العذر العقلي الغير المنافي مع بقاء الحكم الشرعي غاية الامر عدم استحقاق العقوبة إلا أن يقال اللازم بحكم العقل حفظ أوامر المولى واغراضه مع إحرازها إلا ما لابد من تركه، ثم إن ههنا إشكالا آخر وهو أن مقامنا ليس من قبيل مورد رواية عبد الاعلى المشار إليها ولا مندرجة تحت القاعدة التي ذكرناها و ذلك لان المماسة للبشرة في مسألة الوضوء ساقطة قطعا للزوم الحرج إما برفع أصل الوضوء والانتقال إلى التيمم أو برفع لزوم المماسة للبشرة والاكتفاء بمسح المرارة الواقعة على البشرة وكذلك في مسألة طهارة بصاق شارب الخمر وفى المقام لا يقطع برفع التكليف بالنسبة إلى الطمأنينة فمن المحتمل بقاء التكليف بها في حال الركوع عن جلوس نعم الطمأنينة في حال الركوع عن قيام مرفوع التكليف بها فبعد عدم تيسر اثبات المدعى بالقواعد ينتهي النوبة إلى الاصل العملي ولا يبعد لزوم الاحتياط بأن يأتي المكلف بصلاتين. (الواجب الثالث رفع الرأس منه) فلا يجوز ان يهوي للسجود قبل انتصابه منه إلا لعذر، الظاهر عدم الخلاف في وجوب رفع الرأس ويشهد له جملة من الاخبار منها المستفيضة الواردة في كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وآله في المعراج ففيها (ان الله اوحى إليه بعد أن ركع أن ارفع رأسك من الركوع) (1) وفي النبوي المقدم المروي عن


(1) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 12.

[ 366 ]

الذكرى (ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما) هذا مع عدم العذر، واما مع العذر فيسقط لانتفاء التكليف مع القدرة والصلاة لا تترك بحال، واما مع النسيان فيسقط اعتباره ايضا بمقتضى حديث (لا تعاد الصلاة الا من خمس). (الواجب الرابع الطمأنينة في الانتصاب) وهو أن يعتدل قائما ويسكن و لو يسيرا، الظاهر عدم الاخلاف بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه ولو لا الاجماع المدعى لكان إثبات وجوبه مشكلا، لعدم ظهور الاخبار الواردة في وجوبه وإن ادعى، بل ربما يشهد على خلافه فراجع المرسل المذكور في الذكرى حيث وقع التعرض فيه لطمأنينة الركوع والسجود وما وقع التعرض للطمأنينة في حال الانتصاب بعد الركوع مع كونه صلى الله عليه وآله في مقام البيان. (الواجب الخامس التسبيح وقيل يكفى الذكر) المشهور في ما بين القدماء - قده - بل نسب إلى الاكثر تعين التسبيح وقيل بكفاية مطلق الذكر، وقواه غير واحد من المتأخرين - قده - يدل على القول الاول الاخبار الكثيرة (1) الظاهرة في تعين التسبيح وأن أدنى ما يجزي في الركوع ثلاث تسبيحات مترسلا أو واحدة تامة وفى قبالها صحيحتا هشام بن الحكم وهشام بن سالم سألا أبا عبد الله عليه السلام (أنه يجري عني أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود (لا اله إلا الله والحمد لله والله اكبر)؟ قال عليه السلام: نعم كل هذا ذكر الله) (2) ومقتضى هذا التعليل كفاية مطلق الذكر وبعد صراحة هاتين الصحيحتين تحمل تلك الاخبار على الفضل إلا أن يستشكل بأنه مع هذه الصراحة كيف صار القول الاول من متفردات الامامية كما ادعى والحاصل انه يقرب إعراض القدماء من الاصحاب ومع هذا لا تفيد صحة السند إلا ان يقال: لعلهم فهموا المعارضة بين الطرفين وأخذوا بتلك الاخبار تخييرا أو ترجيحا ثم إنه على تقدير كفاية مطلق الذكر الظاهر أنه يجب أن يكون مقدار ثلاث صغريات أو الواحدة الكبرى فلا يجزي (الله اكبر) مرة لرواية مسمع عن


(1) راجع الوسائل أبواب الركوع ب 4. (2) المصدر ب 7 ح 1.

[ 367 ]

أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا يجزي الرجل في صلاته اقل من ثلاث تسبيحات [ أ ] و قدرهن) (1) وقد حمل قوله عليه السلام (قدرهن) على القدر بحسب العدد كأن يكبر ثلاث مرات لا بحسب الحروف ويشكل من جهة الاجمال فاللازم مراعاة الجهتين، ثم إنه على تقدير حمل القدر عليه بحسب العدد يقع التعارض بين هذه الرواية وما دل على كفاية التسبيحة الكبرى الواحدة كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له عليه السلام (ما يجزي من القول في الركوع والسجود؟ فقال عليه السلام: ثلاث تسبيحات في ترسل وواحدة تامة تجزي) (2) والظاهر ان من التامة الكبرى إذ لا مناسبة في توصيف الواحدة من الصغريات بها وما يقال: من أن التسبيحة الكبرى تشتمل على ثلاثة أذكار محل تأمل لان التوصيف بالعظيم والاعلى ليس ذكرا مستقلا بل هما جزء الذكر الاول، ويعارضها ايضا صحيحة علي بن يقطين عن أبى الحسن الاول عليه السلام قال: (سألته عن الركوع والسجود كم يجزي فيه من التسبيح؟ فقال عليه السلام: ثلاثة وتجزيك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الارض) (3) وصحيحة الاخرى عنه عليه السلام ايضا قال: (سألته عن الرجل يسجد كم يجزيه من التسبيح في ركوعه وسجوده؟ فقال: ثلاث وتجزيه واحدة) (4) وقد حمل التسبيح التام لشيوع استعمال التسبيح في الاذكار المصدرة به كالتسبيحات الاربع ولا يخفى ان مجرد ذلك لا يوجب رفع اليد عن الاطلاق فالمعارضة باقية، ولو لاخوف مخالفة المشهور لامكن الجمع بحمل تلك الرواية على عدم الاجزاء في مقام درك الفضل ألا ترى أن هاتين الصحيحتين بناء على حمل التسبيح فيهما على التام يظهر من صدرهما مدخلية العدد المخصوص في الاجزاء بحيث لولا الذيل كان ظاهرهما عدم إجزاء ما دون الثلاث ويؤيد ما ذكر المرسل المحكي عن الهداية عن الصادق عليه السلام وفيه فان قلت: (سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله) اجزاك وتسبيحة واحدة تجزي للمقل والمريض والمستعجل) و ما عن غير واحد من التصريح بكفاية تسبيحة واحدة صغرى عند الضرورة واستدل


(1) الوسائل أبواب الركوع ب 5 ح 4. (2) و (3) و (4) المصدر ب 4 ح 2 و 3 و 4.

[ 368 ]

عليه بحصيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ادنى ما يجزي المريض من التسبيح في الركوع والسجود قال: تسبيحة واحدة) (1). (وهل يجب التكبير للركوع فيه تردد) منشأ التردد تعلق الامر به في عدة من الاخبار كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام: (إذا أردت أن تركع فقل وانت منتصب: (الله اكبر) ثم اركع وقل: اللهم لك ركعت - الحديث) (2) وفى صحيحته الاخرى المروية عن الكافي (إذا اردت ان تركع وتسجد فارفع يديك وكبر ثم اركع واسجد) (3) وعن الشيخ نحوه إلا أنه ترك قوله: (وكبر) ومع ما ورد فيها الامر على كثير من المستحبات فلا يبقى ظهور للامر في الوجوب والقول بعدم الوجوب هو المشهور شهرة عظيمة كادت إجماعا ويمكن الاستدلال لعدم الوجوب بموثقة ابى بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ادنى ما يجزي من التكبير في الصلاة قال: تكبيرة واحدة والظاهر عدم الاشكال في دلالتها فانه إن كان اللازم عدا تكبيرة الاحرام تكبيرا آخر لكان اللازم البيان وتعيين محله. (والمسنون في هذا القسم ان يكبر للركوع قائما) ويدل عليه ما في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله عليه السلام: (إذا أردت أن تركع فقل وانت منتصب: الله أكبر ثم اركع) وقوله عليه السلام في صحيحة الاخرى (فارفع يديك وكبر ثم اركع) وربما يظهر من المتن عدم اعتبار القيام في التكبير المشروع في هذا المقام بنحو الشرطية في صحته، ولا يبعد أن يكون من جهة الاخذ بالاطلاق في قوله عليه السلام على ما في صحيحة زرارة غير الصحيحتين المذكورتين الواردة فيما يجزي من القول في الركعتين الاخيرتين (وتكبر وتركع) بناء على ما هو المعروف بين الفقهاء - رضوان الله عليهم - من عدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات. (رافعا يديه بالتكبير محاذيا اذنيه ويرسلهما ثم يركع يضعهما على ركبتيه


(1) الوسائل أبواب الركوع ب 4 ح 8. (2) المصدر ب 1 ح 1. (3) المصدر ب 2 ح 1.

[ 369 ]

مفرجات الاصابع) اما استحباب رفع اليد حال هذه التكبيرة في الصلاة فيدل عليه أخبار منها صحيحة صفوان قال: (رأيت أبا عبد الله عليه السلام إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى كاد تبلغ اذنيه) (1) وعن الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام (لما نزلت هذه السورة قال النبي صلى الله عليه وآله لجبرئيل: ما هذا النحيرة التي أمرني بها ربى؟ قال: يا محمد إنها ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فانه صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع، وان لكل شئ زينة وان زينة الصلاة رفع الايدى عند كل تكبيرة) (2) والسورة المشار إليها سورة الكوثر، وأما استحباب وضع اليدين على الركبتين مفرجات الاصابع فيشهد له صحيحتا زرارة وحماد ففي الاولى (وتمكن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى فبل اليسرى وبلغ أطراف أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك - الحديث) (3) وفي صحيحة حماد الواردة في صفة صلاة الصادق عليه السلام لتعليم حماد، ثم قال: (الله الكبر) وهو قائم ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه مفرجات ورد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صبت عليه قطرة ماء اودهن لم تزل لاستواء ظهره، ورد ركبتيه إلى خلفه ونصف عنقه وغمض عينيه - الحديث) (4) (رادا ركبتيه إلى خلفه، مستويا ظهره، مادا عنقه موازيا لظهره) صحيحة حماد شاهدة على ما ذكر. (السادس السجود ويجب في كل ركعة سجدتان وهما معا ركن في الصلاة) تبطل بالاخلال بهما في كل ركعة عمدا وسهوا ولا تبطل بالاخلال بواحدة سهوا اما وجوب السجود فمن الضروريات، واما ركنية كلتيهما وعدم البطلان بالاخلال بالواحدة فالكلام فيهما سيأتي ان شاء الله تعالى في مبحث الخلل، والسجود قيل معناه لغة الخضوع وعند العرف خضوع خاص فاعتبر فيه الانكباب على وجه الارض بقصد


(1) و (2) الوسائل أبواب تكبيرة الاحرام ب 9 ح 1 و 12. (3) الوسائل أبواب الركوع ب 1 ح 1. (4) الوسائل أبواب افعال الصلاة ب 1 ح 1.

[ 370 ]

الخضوع وهل يعتبر فيه وضع الجبهة أو يكفى مطلق الانكباب كل منها محتمل وتظهر الثمرة فيما لو امر بالسجود من غير اعتبار امر آخر ومع الشك المرجع الاصل العملي والامور المحتمل اعتبارها يمكن أن تكون معتبرة في حقيقة السجود ويمكن اعتبارها في تحقق السجود مع تبين مفهومه بأن يقال السجود غاية الخضوع ونشك في تحققه بخفض الرأس أو لابد من الانكباب على الارض ولو بوسائط بخصوص الجبهة أو يكفى غيرها كالذقن، وقد يفرق بين الصورتين بحسب الاصل العملي ثم ان ههنا إشكالا مشهورا يرد على تفسير الركن بالمعنى المعروف على المشهور حيث حكموا بكون السجدتين ركنا بمعنى أنه تبطل الصلاة بتركهما رأسا وان كان سهوا ولا تبطل بترك إحديهما سهوا لعدم كونها ركنا وحكموا أيضا بأن الركن تبطل زيادته السهوية كما تبطل نقيصته كذلك فيقال: ان كان الركن مجموع السجدتين فاللازم بطلان الصلاة بترك إحديهما سهوا لانتفاء الكل بانتفاء جزئه، وان كان الركن الحقيقة المتحققة بالواحدة فاللازم بطلان الصلاة بزيادة السجدة الثالثة ولا يلتزمون باللازم الاول والثانى، وقد يجاب عنه بأن أركان الصلاة عبارة عن الاجزاء التي تكون عمدة في هذه الحقيقة بحيث يكون قوامها بها ومعنى زيادة الركن زيادة شئ غير واجب ولا مستحب مجانس لاحد تلك الاجزاء وحينئذ لو فرضنا ان السجدتين كانتا بحيث يصلع كل واحدة منهما لان يكون عمادا لتلك الحقيقة فاللازم انه لو وجدت واحدة وتركت اخرى سهوا تقوم الحقيقة بالواحدة الموجودة، ولو وجدت اثنتان تقوم بالمجموع لصلاحية كل واحدة منهما كما هو المفروض والسجدة الثالثة لا تتحقق إلا بعد تحقق اثنتين، فالثالثة متحققة في صورة تقوم الحقيقة بالمجموع فالركن في هذا المركب الموجود هو السجدتان معا وقد عرفت أن زيادة الركن عبارة عن زيادة شئ مجانس لما هو عماد الحقيقة فزيادة الواحدة ليست زياده شئ مجانس لما هو عماد الصلاة فعلا وفيه نظر فانه بعد تقوم الحقيقة بالواحدة فلا مجال لتقومها بالاثنتين لانهما لم توجد ادفعه فلا نسلم ان الركن في هذه المركب الموجود هو السجدتان معا حتى يكون زيادته بزيادة السجدتين فتأمل، والامر سهل بعد عدم ورود هذا العنوان في

[ 371 ]

لسان لاخبار واستفادة ما ذكروه من البطلان وعدم البطلان بترك السجدتين و زيادتهما وترك إحديهما وزيادتها من الادلة. (وواجباته سبعة) الاول (السجود على الاعضاء السبعة الجبهة والكفين والركبتين ابهامى الرجلين) ويدل عليها جملة من الاخبار منها صحيحة زرارة المروية عن التهذيب قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، والابهامين، وترغم بأنفك إرغاما، أما الفرض فهذه السبعة وأما الارغام بالانف فسنة من النبي صلى الله عليه وآله) (1) وعن الصدوق باسناده عن زرارة نحو الا انه قال: (والكفين) (2) وفي صحيحة حماد (3) الواردة في كيفية صلاة الصادق عليه السلام لتعليم حماد (وسجد على ثمانية اعظم الجبهة والكفين والركبتين وانامل ابهامي الرجلين والانف، وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها وهي التي ذكرها الله في كتابه (وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا) وهي الجبهة والكفان والركبتان والابهامان، ووضع الانف على الارض سنة) واما الكلام في تحديد هذه المواضع وبيان المقدار الذى يعتبر السجود عليه فالجبهة على ما صرح به غير واحد: مابين قصاص الشعر إلى طرف الانف طولا وبين الجبينين عرضا، والجبين على ما في المصباح ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها والذى يظهر من كلمات اللغويين ان المراد من الجبهة هو مجموع العضو المستوي الواقع بين الحاجبين لا خصوص جزئه الواقع فيما بينهما إلى الناصية كما ربما يوهمه كلمات بعضهم كالخليل وصاحب القاموس، ويشهد العرف بأوسعية الجبهة عن خصوص الواقع فيما بين الحاجبين إلى الناصية، ويدل عليه جملة من الاخبار مثل ما رواه زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: (سألته عن حد السجود قال: ما بين قصاص الشعر إلى موضع الحاجب ما وضعت منه أجزأك) (4) وعنه أيضا في الصحيح عن أبى جعفر عليه السلام قال: (الجبهة كلها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين


(1) و (2) الوسائل أبواب السجود ب 4 ح 2. (3) تقدم كرارا. (4) المصدر ب 9 ح 2.

[ 372 ]

موضع السجود فأيما سقط من ذلك إلى الارض أجزأك مقدار الدرهم أو مقدار طرف الانملة) (1) ولابد من تقييد مثل هذه الاخبار ككلمات بعض بخصوص المستوى من العضو لا مجموع ما بين الطرفين ولعله لمعروفية الجبهة ما وقع التصريح به وعلى هذا فيمكن ان يستشكل في دلالة الاخبار وكلمات اللغويين على المدعى بأن يقال لعل نظرهم في التعبير بالقصاص إلى خصوص الناصية ولم يعينوا خصوص الناصية لمعروفية الجبهة ووجه التعبير بالقصاص ان النزعتان ليستا منبت الشعر فان تمت شهادة العرف بالتوسعة فهو والا يتعين الاحتياط وربما يظهر من بعض الاخبار التحديد بما بين القصاص إلى طرف الانف كخبر عمار الساباطي عن الصدوق عليه السلام قال: (ما بين قصاص الشعر إلى طرف الانف مسجد فما اصاب من الارض منه فقد أجزأك) (2) وخبر بريد عن أبى جعفر عليه السلام قال: (الجبهة إلى الانف أي ذلك أصبت به الارض في السجود أجزأك والسجود عليه كله أفضل) (3) لكنه لابد من الحمل على بيان التحديد بحسب الطول حيث اطلق في الاخبار الكثيرة مع كونها في مقام البيان مع معروفية الجبهة، واما الكفان فهما من الزندين إلى رؤوس الاصابع من جهة أنه إما أن يكون معنى الكف مجموع ما بين الزند إلى رؤوس الاصابع أو خصوص ما فوق الاشاجع وعلى تقدير الثاني يؤخذ باطلاق اليد ويبعد حمل المطلقات الواردة في مقام البيان على المقيد للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وان لم يلزم منه محذور عقلي كما بين في الاصول، ويمكن ان يقال: اطلاق الكف على المجموع لا ننكره لكن كونه على وجه الحقيقة بحيث يتعين عند عدم القرينة محل تأمل والفرس ظاهرا أخذوا ظاهر اللفظة من العرب ويستعملونه في الراحة، واما إطلاق اليد فالظاهر عدم الالتزام به فان لازمه كفاية مثل المرفق والذراع ولا يلتزم به هذا مضافا إلى ما يستفاد من المحكي عن العياشي في تفسيره عن أبى جعفر عليه السلام (أنه سأله المعتصم عن السارق من أي موضع يجب ان يقطع فقال: ان القطع يجب ان يكون من مفصل اصول الاصابع فيترك الكف. قال: واما الحجة في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (السجود على سبعة اعضاء


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب السجود ب 9 ح 6 و 5 و 3.

[ 373 ]

الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين) فإذا فطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها وقال الله تبارك وتعالى: (ان المساجد لله) يعني بها الاعضاء السبعة التي يسجد عليها (فلا تدعوا مع الله احد) ومع كان الله لا يقطع) (1) ولا يخفى انه لا مجال لاحتمال صدور مثل هذا الكلام عن غير الامام فلا مجال للمناقشة بضعف السند وقد حكى عن العلامة - قدس سره - في بعض كتبه التعبير عما يجب السجود عليه من اليد ببطون راحته وعلى هذا فيشكل الاكتفاء بالاصابع وان لم نقل بلزوم الاستيعاب ثم إن المعروف عدم لزوم الاستيعاب في الكفين واستشكل عليه بأنه اريد الاجتزاء بأى جزء كما هو المنصوص في الجبهة فاظاهر انه خلاف المتعارف إذ كما ينصرف في المقام لفظة اليد إلى باطنها مع كونها اعم وهكذا تنصرف إلى ما دون الزند مع كونها اعم من ذلك كذلك تنصرف إلى ازيد مما يكتفي في الجبهة ولو قال احد: إذا هويت إلى الارض فضع يدك عليها فهل يظن انه يكفي في صدق ذلك وضع شئ من الاصابع وان كان قليلا، وان أرادوا عدم لزوم الاستيعاب بحيث لا يكفي خروج جزء قليل فالانصاف انه حق لا محيص عنه ولكن كلماتهم يأبى عن ذلك، ويمكن أن يقال: على فرض تسليم الانصراف المذكور في المثال لا نسلم الانصراف في العبارات الواردة في الاخبار مثل قوله صلى الله عليه وآله: (السجود علي سبعة اعظم) وقوله عليه السلام (يسجد ابن آدم على سبعة اعظم) وقوله عليه السلام: (سبعة منها فرض يسجد عليها) وعلى فرض تسليم الانصراف يرفع اليد عن المنصرف إليه بقرينة الاقتران مع الجبهة التي يكفي فيها جزء منها ألا ترى أن المعروف ظهور الامر في الوجوب بالتبادر الاطلاقى الذى يرجع إلى الانصراف وإذا اقترن بالامر الاستحبابي في كلام واحد يمنع ظهوره في الوجوب ومن هذه الجهة لا يلتزم بالاستيعاب ولو لا ذلك لكان اللازم الاستيعاب كما في ضرب الكفين على الارض في باب التيمم. واما الركبتان فالمحكي عن اهل اللغة في تفسير الركبة انها موصل ما بين اسافل الفخذ واعالي الساق ويمكن ان يستفاد من بعض الاخبار أن طرفي عظم الساق والفخذ اللذين يتواصلان حال القيام والركوع وينفصلان


(1) الوسائل أبواب حد السرقة من كتاب الحدود والديات ب 4 ح 5.

[ 374 ]

من طرف المقدم عند ثني الرجلين والجلوس عليهما من الركبة ففي صحيحة زرارة (وتمكن راحتيك من ركبتيك - إلى ان قال - وبلغ اطراف أصابعك عين الركبة) وفي ذيلها وإذا قعدت في تشهدك فألصق ركبتيك بالارض وفرج بينهما شيئا) فان الصاق الركبة بالارض بالصاق طرف الساق ولا مجال لاحتمال استعمال الركبة فيما ذكر مجازا وجعل القرينة الالصاق بالارض فانه مستبعد جدا ويشهد لذلك عمل المتشرعة فلا مجال لاحتمال لزوم مد الرجلين بحيث يتمكن مع وضع العظم المستدير الواقع فوق المفصل وكيف كان فلا يجب الاستيعاب لما اشير ليه آنفا واما الابهامان فلا إجمال في مفهومهما ويكفى في وضعهما المسمى من غير فرق بين ظاهرهما وباطنهما أو رؤوسهما لاطلاق صحيحة زرارة المتقدمة التي وقع فيها بيان مواقع السجود وسجود الامام الصادق عليه السلام على أنامل ابهامي الرجلين كما في خبر حماد لا يدل على التعيين ثم إن المذكور في بعض الاخبار الامر بارغام الانف حال السجود مع التصريح بأن الفرض ينحصر في السبعة واما الارغام فهو سنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ذكر في صحيحة زرارة وصحيحة حماد وفى قباله قوله عليه السلام في رواية محمد بن مصادف (انما السجود على الجبهة وليس على الانف سجود) (1) ويظهر من الاخبار المعرضة للارغام عدم الفرق بينه وبين سائر المساجد إلا الجبهة المذكورة فوجوب الارغام أو استحبابه يكون بعنوان السجود فإذا دل دليل على عدم السجود للانف بمعنى عدم الوجوب فيكون الامر للاستحباب وبهذا البيان لا مجال لاحتمال كون الارغام واجبا مستقلا ولو لم يكن بعنوان السجدة هذا مضافا إلى دعوى الاجماع على عدم وجوبه قوله: الثاني (وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه) من الارض ونباتها على التفصيل المذكور في محله والذى وقع هنا محل الكلام انه هل يجب انفصال المسجد عن محل السجدة ام لا يعتبر وهل الاتصال مانع عن صدق السجود عليه أو مانع عن صدق التعدد المعتبر في السجود قد يقال بعدم اعتبار الانفصال لان صرف الاتصال في صدق السجدة غير كاف بل لابد من الاعتماد ولا يخفى ان هذا لا يفيد المطلوب لامكان توقف السجدة على امرين: انفصال المسجد


(1) الوسائل أبواب السجود ب 4 ح 1.

[ 375 ]

عن ما يسجد عليه، والاعتماد عليه ومع الشك في الصدق يلزم الاحتياط نعم هذا في خصوص الجبهة وأما غيرها من المساجد فالوجه المذكور للمنع يجري فيها الا انه لا مانع بالتفافها بشئ كاللباس فمثل الركبتين والابهامين يصدق السجود بالنسبة إليها مع الانفصال عن الارض وان كانت محفوفة بما يسترها وتكون حائلا بينها وبين الارض أو ما في حكمها وقد يستظهر الجواز وعدم لزوم الفصل بما عن مستطرفات السرائر من كتاب جامع البزنطي صاحب الرضا عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يسجد ثم لا يرفع يديه من الارض بل يسجد الثانية هل يصلح له ذلك؟ قال: ذلك نقص في صلاته) (1) وعن الحميري نحوه (2) بدعوى ظهوره النقص في الكراهة وفيه تأمل الا ترى ان الرواية الواردة فيما لو اجهر في موضع الاخفات أو أخفى موضع الجهر محتملة ان يكون النقص المذكور فيها بالجملة الفعلية بالصاد المهملة دون الضاد المعجمة ومع ذلك اجتمع مع لزوم الاعادة من ذيله. قوله: الثالث (أن ينحني للسجود حتى يساوي موضع جبهته موقفه إلا ان يكون علو يسيرا بمقدار لبنة) الظاهر عدم الخلاف في اعتبار عدم العلو في الجملة والمعروف تقديره بالمقدار المذكور واستدل عليه بما عن الشيخ باسناده عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن السجود على الأرض المرتفعة فقال: (إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس) (3) وعن الكليني مرسلا قال في حديث آخر - في السجود على الارض المرتفعة قال: (إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن رجليك قدر لبنة فلا بأس) (4) واحتمل بعض ان يكون العبارة المذكورة في رواية ابن سنان (إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع يديك قدر لبنة) ويبعده فتوى الفقهاء قديما وحديثا بمضمونها على النحو الاول واستدلالهم بها مضافا إلى المرسل المذكور المعتضد بمعروفية هذا التحديد عند الفقهاء وبما ذكر يرفع اليد عن ظاهر ما رواه ايضا عبد الله بن سنان في الصحيح قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن


(1) و (2) الوسائل أبواب السجود ب 24 ح 1. (3) و (4) المصدر ب 11 ح 1 و 3.

[ 376 ]

موضع جبهة الساجد أن يكون أرفع من مقامه فقال: لا ولكن مستويا) وفى بعض النسخ (فليكن مستويا) (1) فتحمل الصحيحة إما على الاستحباب أو الاستواء القابل للارتفاع المعتد به الذى هو أزيد من لبنة، والمراد من موضع البدن هل هو موضع البدن حال الجلوس أو حال السجود أو مطلقا حتى حال القيام قد يقال بعدم الاعتبار حال القيام، فلو كان محل الرجلين حال القيام أخفض من مسجد الجبهة أزيد من اللبنة وانتقل حال السجدة إلى مقدار اللبنة أو أقل لم يضر من جهة ان الظاهر ان النظر إلى تحديد الانحناء اللازم للسجود وهو يتحقق بملاحظة موضع الجبهة مع الموقف حين الجلوس وفيه تأمل من جهة عدم معلومية ان يكون النظر إلى ما ذكر فلا مانع من الاخذ بالاطلاق مضافا إلى المرسل المحكي عن الكليني - قدس سره - الشريف - والى الصحيح المذكور إذا لم يحمل على الاستحباب بل قيد بالزائد عن المقدار المعين ويمكن ان يستشهد على كون الاعتبار من جهة التقيد بالخبر الدال على عدم استقامة انخفاض مسجد الجبهة من مقامه ازيد من آجرة وهو موثقة عمار عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن المريض ايحل له أن يقوم على فراشه ويسجد على الارض؟ قال: فقال: إذا كان الفراش غليظا قدرآجرة أو اقل استقام له أن يقوم عليه ويسجد على الارض، وإن كان اكثر من ذلك فلا) (2) قوله - قدس سره -: (و) الواجب (الذكر فيه وقيل: يختص بالتسبيح كما قلناه في الركوع) الكلام في ذكر السجود هو الكلام في ذكر الركوع وقد سبق الا انه في التسبيحة الكبرى يبدل لفظ العظيم بالاعلى. الواجب الخامس (الطمأنينة بقدر الذكر الواجب) الا مع الضرورة المانعة الظاهر عدم الخلاف في وجوب الطمأنينة بقدر الذكر الواجب ويدل عليه في الجملة جملة من الاخبار المذكورة المتقدمة في الركوع، ويؤيده أيضا ما في خبر موسى الهمداني المروي عن أربعين الشهيد - قدس سره - عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: (فإذا سجدت فمكن جبهتك من الارض ولا تنقر كنقر الديك) (3) وفى صحيح على


(1) الوسائل أبواب السجود ب 10 ح 1. (2) المصدر 11 ح 2. (3) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 18.

[ 377 ]

ابن يقطين في ذكر الركوع (وتجزيك واحدة إذا امكنت جبهتك من الارض) (1) وبعد تسليم لزوم الطمأنينة لاضرر في الخدشة في دلالة مثل هذين الخبرين أو الخدشة في سند ساير الاخبار أو دلالتها، وقد حكى عن الشيخ - قدس سره - في الخلاف القول بركنيتها كما حكي عنه القول بركنيتها في الركوع والكلام فيها ههنا هو الكلام فيها في الركوع واما مع الضرورة فتسقط اعتبارها في السجود ولا دليل على سقوط الذكر الواجب فيه بسقوطها لا طلاق ادلة الذكر والقدر المتيقن لزوم الطمأنينة في حال الذكر صورة التمكن مضافا إلى قاعدة الميسور. الواجب السادس (رفع الرأس من السجدة الاولى حتى يعتدل مطمئنا) هذا مذهب علمائنا كافة كما اعترف به في الحدائق ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله في النبوى المتقدم في الركوع (2) (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما) وفى صحيحة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (إذا رفعت رأسك من الركوع فاقم صلبك حتى ترجع مفاصلك وإذا سجدت فاقعد مثل ذلك وان كنت في الركعة الاولى والثانية فرفعت رأسك من السجود فاستتم جالسا حتى ترجع مفاصلك) (3). (وفى وجوب التكبير للاخذ فيه والرفع منه تردد كما في التكبير للركوع) هذا الاتحاد البحث دعوى ودليلا وإن كان الاظهر الاستحباب (ويستحب فيه ان يكبر للسجود قائما) هذا هو المشهور ويشهد له صحيحة حماد الحاكية لفعل الصادق عليه السلام قال: (ثم كبر وهو قائم ورفع يديه حيال وجهه ثم سجد) وصحيحة زرارة أو حسنته عن أبى جعفر عليه السلام قال: (إذا أردت ان تركع وتسجد فارفع يديك وكبر ثم اركع واسجد) (4) وفى قبالها خبر المعلى بن خنيس عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (كان على بن الحسين عليهما السلام إذا اهوى ساجدا انكب وهو يكبر) (5)


(1) الوسائل أبواب الركوع ب 4 ح 3. (2) ص 362. (3) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 11. (4) الوسائل أبواب الركوع ب 2 ح 1. (5) الوسائل أبواب السجود ب 23 ح 2.

[ 378 ]

وقد عمل المشهور بمضمون الحصيحتين (ثم يهوى للسجود سابقا بيديه إلى الارض) ويشهد له ما عن الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: (رأيت أبا عبد الله عليه السلام يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد، وإذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه) (1) وفي صحيحة زرارة الطويلة (إذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير وخر ساجدا وابدأ بيديك فضعها على الارض قبل ركبتيك... الحديث) (2). (وأن يكون موضع سجوده مساويا أو أخفض وان يرغم أنفه) اما استحباب المساواة فلقوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان أو حسنة المتقدمة، واما الاخفضية فقيل باستحبابها معللا بأنه أدخل في الخضوع ولا يخفى ما فيه بل مخالف لظاهر الامر بالاستواء في الصحيحة أو الحسنة، واما الارغام فقد مر الكلام فيه من جهة استحبابه وإن كان ظاهر بعض الاخبار وجوبه ومقتضى الاحتياط عدم تركه. (و أن يقعد متوركا) ويشهد له صحيحة حماد (3) ففيها (قال: ثم قعد على فخذه الايسر ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى وقال: أستغفر الله ربى وأتوب إليه، ثم كبر وهو جالس) وفى صحيحة زرارة الطويلة في صفة الجلوس في التشهد و (وإذا قعدت في تشهدك فألصق ركبتيك بالارض وفرج بينهما شيئا وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الارض وظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى وأليتاك على الارض وأطراف إبهامك اليمنى على الارض - الحديث) (4) وملاحظة مضمونها يغنى عن تفسير التورك بما فسروه به (وأن يجلس عقيب السجدة الثانية مطمئنا) المشهور استحباب هذه الجلسة المسماة بجلسة الاستراحة، وحكي عن السيد - قدس سره - القول بوجوبها ومال إليه كاشف اللثام وفى الحدائق تقويته لظاهر الامر في موثق ابى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا رفعت رأسك في السجدة الثانية من الركعة الاولى حين تريد أن تقوم فاستو جالسا ثم قم) (5) وهو عمدة ما استدل


(1) الوسائل أبواب السجود ب 1 ح 1. (2) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3. (3) و (4) قد تقدما. (5) الوسائل أبواب السجود ب 5 ح 3.

[ 379 ]

به للوجوب والامر في ساير الاخبار معللا بالتعليلات المناسبة للاستحباب لاظهور له في الوجوب بل من الشواهد على الاستحباب ويعارض الموثق المذكور بما رواه الشيخ (قده) عن زرارة قال: (رأيت ابا جعفرو ابا عبد الله عليهما السلام إذا رفعا رؤوسهما من السجدة نهضا ولم يجلسا) (1) ومقتضى الجمع حمل الامر في الموثق على الاستحباب واستشكل بان حكاية زرارة فعل أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام بمثل قوله (إذا رفعا رؤوسها - الخ) مما يدل على بنائهما عليهما السلام على ذلك دائما وهذا بعيد غاية البعد بل الظاهر انه مما يقطع بخلافه إذ كيف يحتمل ذلك مع صراحة الاخبار المتعددة في أن بناءهم عليهم السلام على الجلوس مستويا قبل النهوض، ويمكن أن يقال لاظهور للرواية فيما ذكر حتى يصير هذه الجهة من موهنات الرواية فانا لانفهم فرقا بين العبارة المذكورة وبين قول القائل: رأيت زيدا وقت رفع رأسه من السجدة نهض ولم يجلس نعم التعبير بانه كان يفعل كذا ظاهر في التكرار والاستمرار مدة وعلى تقدير الاشعار أو الظهور لا بد من رفع اليد عن ظهوره والاخذ بما هو صريح فيه من الجواز وأما احتمال التقية مع ذهاب المعظم إلى الاستحباب مع وجود الامر الظاهر في الوجوب في الموثق المذكور بعيد جدا هذا مضافا إلى التعليلات المذكورة في الاخبار المناسبة للاستحباب والاحتياط طريق النجاة. (وأن يدعو بالمأثور عند القيام) يعني حال النهوض للقيام من الركعة و يدل عليه صحيحة ابى بكر الحضرمي المروية عن التهذيب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام (إذا قمت من الركعتين الاولتين فاعتمد على كفيك وقل: (بحول الله وقوته أقوم وأقعد) فإن عليا كان يفعل ذلك) (2) وعن الكافي نحوه الا انه قال: (إذا قمت من الركعة) (3) ويظهر من بعض الاخبار مشروعيته بعد القيام نحو صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا جلست في الركعتين الاولتين فتشهدت ثم قمت فقل: (بحول الله وقوته اقوم واقعد) (4) ولا منافاة لكن المعروف


(1) الوسائل أبواب السجود ب 5 ح 2. (2) و (3) و (4) المصدر ب 13 ح؟ 5 و 2.

[ 380 ]

هو المشروعية حال النهوض. (وأن يعتمد على يديه سابقا برفع ركبتيه) اما استحباب الاعتماد فيدل عليه صحيحة الحضرمي المذكورة واما استحباب السبقة المذكورة فيشهد له صحيحة محمد بن مسلم قال: (رأيت ابا عبد الله عليه السلام يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد وإذا اراد ان يقوم رفع ركبتيه قبل يديه) (1). (ويكره الاقعاء بين السجدتين) ويدل عليه موثقة ابى بصير المروية عن التهذيب عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا تقع بين السجدتين إقعاء) (2) والمروى عن انس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعى الكلب) (3) والنهى محمول على الكراهة حيث ورد نفي البأس في المستفيضة كصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بالاقعاء في الصلاة فيما بين السجدتين) (4) وقد فسر الاقعاء بتفسيرين احدهما للفقهاء والآخر للغويين اما تفسير الفقهاء فهو وضع الاليتين على العقبين معتمدا على صدر القدمين وقد ذكر وجوه لحمل الاقعاء المذكور في الاخبار على هذا المعنى أحدها ورد النهي في بعض الاخبار عن الاقعاء على القدمين ولاشك ان المعنى الذى يقول به أهل اللغة ليس هو الاقعاء على القدمين. الثاني التعليل الوارد في صحيح زرارة من التاذى وعدم الصبر للتشهد والدعاء وعدم القعود على الارض بل هو قعود بعض على بعض مما لا ينطبق الا على المنسوب إلى الفقهاء. الثالث ان هذا النحو من الجلوس معروف عند العامة وسنة عندهم والظاهر أن النصوص الناهية تكون إشارة إلى فعلهم. الرابع ذيل رواية معاني الاخبار (5) (والاقعاء أن يضع الرجل ألييه على عقبيه في تشهديه)) بناء على كون هذا التفسير


(1) الوسائل أبواب السجود ب 1 ح 1. (2) المصدر ب 6 ح 1. (3) أخرجه ابن ماجه في السنن تحت رقم 894. (4) الوسائل أبواب السجود ب 6 ح 3. (5) المصدر ص 301.

[ 381 ]

من تتمه الرواية مضافا إلى اتفاق الفقهاء وهو يوجب القطع بكون هذا المعنى مراد من الاخبار واما تفسير اللغويين فهو إلصادق الالية بالارض ونصب الساقين والفخذين ووضع اليدين على الارض فالمجموع إقعاء، قال ابن الاثير في النهاية: فيه انه نهى عن لاقعاء في الصلاة: الاقعاء ان يلصق الرجل أليتيه بالارض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الارض كما يقعي الكلب. وبعضهم جعل مكان وضع يديه على الارض التساند على الظهر وللتأمل في الوجوه المذكورة لحمل النهي عن الاقعاء المذكور في الاخبار على المعنى المعروف بين الفقهاء مجال، واما الوجه الاول فوجه التأمل فيه انه لم يعلم وجه عدم الصدق على تفسير اللغويين فان الاقعاء على كل من التفسيرين عبارة عن هيئة خاصة ولها نسبة إلى القدمين مصححة للاضافة إليها مضافا إلى احتمال كون العبارة (ولا تقع على قدميك بفتح التاء من الوقوع فان هذه العبارة في صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا قمت إلى الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك ما اقبلت ولا تعبث بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك إلى ان قال: - ولا تقع على قدميك ولا تفترش وتفرقع اصابعك فان ذلك كله نقصان من الصلاة) (1) ووجه التأمل في الوجه الثالث انه مجرد احتمال ظنى ليس بحجة، وفى الرابع احتمال ان لا يكون التفسير من تتمة الرواية نعم الوجه الثاني يقوى ما ذكر الا انه يتم ان كانت العبارة (اياك والاقعاء على قدميك) والعبارة المذكورة في صحيح زرارة (واياك والقعود على قدميك فتأذى بذلك) ومن المستبعد جدا عدم اطلاع اللغويين على المعنى العرفي كما ان تكلم المعصوم بلفظ وارادة غير مفهومه العرفي بلا قرينة بعيد جدا، وقد ذكر في بعض الاخبار العامية ما يناسب المعنى اللغوى حيث شبه باقعاء الكلب فبعد تسلم الكراهة بالمعنى الذى ذكره الفقهاء - رضوان الله عليهم - لا يبعد الكراهة بالمعنى اآلخر ايضا تسامحا وإن لم تقم الحجة عليه. (مسائل ثلاث: الاولى من به ما يمنع من وضع الجبهة على الارض كالدمل


(1) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 7

[ 382 ]

إذا لم يستغرق الجبهة يحتفر حفيرة ليقع السليم من جبهته على الارض) وجه لزوم هذا العمل واضح حيث انه يتمكن من اداء الواجب بالنحو المذكور ويشهد له مضافا إلى ذلك خبر مصادف المروى عن الكافي والتهذيب قال: (خرج بى دمل فكنت اسجد على جانب فرأى أبو عبد الله عليه السلام اثره فقال: ما هذا؟ فقلت: لا أستطيع أن اسجد من أجل الدمل فانما اسجد منحرفا فقال عليه السلام: لا تفعل ذلك احتفر حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الارض) (1) (فإن تعذر سجد على احد الجبينين فإن كان هناك مانع سجد على ذقنه) هذا هو المشهور بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه فان تم فهو والا فللاشكال فيه مجال لعدم الدليل على تقديم احد الجبينين على الذقن بل قد يقال بتقديم الذقن لما رواه الكليني - رحمه الله - عن علي بن محمد باسنادله قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها قال عليه السلام: يضع ذقنه على الارض ان الله تبارك وتعالى يقول: ويخرون للاذقان سجدا) (2) وليس في البين ما يقيد اطلاق هذه الرواية لكنه على فرض عدم الاشكال من حيث السندو لم يعلم استناد المشهور في السجدة على الذقن بهذه الرواية بل الظاهر عدم العمل بهذه الرواية من جهة تقديم الجبينين وربما يستدل للمشهور بموثقة اسحاق بن عمار المروية عن كتاب على بن ابراهيم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل بين عينيه قرحة لايستطيع ان يسجد؟ قال: يسجد ما بين طرف شعره، فان لم يقدر سجد على حاجبه الايمن فان لم يقدر فعلى حاجبه الايسر، فان لم يقدر فعلى ذقنه، قلت: على ذقنه؟ قال: نعم أما تقرء كتاب الله عزوجل: يخرون للاذقان سجدا) (3) بدعوى ان المراد بالحاجبين الجبينان بعلاقة المجاورة ولا يخفى ما فيه والظاهر انه مع تعذر السجدة على الجبينين لم يستشكل احد في لزوم السجدة على الذقن وقد يقال مع التمكن من وضع الجبين بالاحتياط بالجمع بين وضع الجبين وضع الذقن ولو بالتكرير ولما كان


(1) الوسائل أبواب السجود ب 12 ح 1. (2) و (3) المصدر ب 12 ح 2 و 3.

[ 383 ]

بقصد الاحتياط لم يستلزم الزيادة والقصد الاجمالي كاف في تحقق السجود هذا يتصور بأن يقصد بوضع كل منهما ان كان سجوده هذا فهو والا كان فعلا مجوزا غير مانع عن صحة الصلاة. (المسألة الثانية سجدات القرآن خمس عشرة اربع منها واجب وهى سجدة الم تنزيل وحم تنزيل، ووالنجم، واقرء باسم، واحدى عشرة مسنونة وهي في الاعراف، والرعد، والنحل و، وبني اسرائيل، ومريم، والحج في موضعين، والفرقان، والنمل، وص، وإذا السماء اشقت) هذا هو المشهور بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه فعن الذكرى انه قال: اجمع الاصحاب على ان سجدات القرآن خمس عشرة ثلاثة في المفصل وهي في النجم، وانشقت، واقرء واثنتي عشرة في باقى القرآن وعد الموارد المقدمة ويؤيده ما عن الخلاف المنتهى ونهاية الاحكام والذكرى وغيرها من روايته عن طرق العامة عن عمرو بن العاص قال: اقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله خمس عشرة سجدة ثلاث في المفصل وسجدتان في الحج (1)، اما وجوب الاربع وانحصار الواجب فيها فمما لاشبهة فيه ويدل عليه اخبار مستفيضة كصحيحة عبد الله ابن سنان المروية عن الكافي والتهذيب عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك ولكن تكبر حين ترفع رأسك والعزائم أربع حم السجدة وتنزيل والنجم وقرأ باسم ربك) (2) (والسجود واجب في العزائم الاربع على القارى والمستمع ويستحب للسامع) اما وجوب السجدة على القارئ فيدل عليه اخبار كثيرة كادت تكون متواترة وتدل على وجوبه على المستمع ايضا جملة من الاخبار منها صحيحة عبد الله بن سنان قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل سمع السجدة يقرء؟ قال: لا يسجد الا ان يكون منصتا لقراءته مستمعا لها أو يصلى بصلاته فأما ان يكون يصلى في ناحية وانت تصلى في


(1) أخرجه ابن ماجه وأبو داود والدار قطني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه من حديث عمرو. كما في الدار المنثور ج 3 ص 158. (2) الوسائل أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة ب 42 ح 1.

[ 384 ]

ناحية اخرى فلا تسجد لما سمعت) (1) ومنها ما عن دعائم الاسلام مرسلا عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال: (من قرأ السجدة أو سمعها من قار يقرؤها وكان يستمع قراءته فليسجد - الحديث) (2) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يعلم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا في المقعد الواحد قال: عليه ان يسجد كلما سمعها وعلى الذى يعلمه ايضا ان يسجد) (3) واما الاستحباب على السامع فالمحكي عن بعض أنه مذهب الاكثر وحكي عن الحلى وغير واحد من القدماء وجملة من المتأخرين القول بالوجوب، واحتج القائلون بالوجوب بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة، وخبر أبي بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (إذا قرء شئ من العزائم الاربع فسمعتها فاسجد وان كنت على غير وضوء) (4) وصحيحة ابى عبيدة الحذاء قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع السجدة؟ فقال: ان كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها) (5) وغيرها من الاخبار واستدل للقول بعدم الوجوب بصحيحة ابن سنان المذكورة ونوقش في هذه الصحيحة سندا ومتنا، اما من حيث السند فمن جهة أن في طريق الرواية محمد بن عيسى عن يونس، وقد نقل الصدوق - رحمه الله - عدم اعتماد شيخه ابن الوليد - رحمه الله - على ما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس وان قال - قدس سره -: ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول، واما من حيث المتن فمن جهة ما فيه من الصلاة مع من يقرأ سورة العزيمة وقرأة العزيمة لا يجوز في الفرائض. والظاهر عدم الاشكال لامن حيث السندو لامن جهة المتن اما السند فلا اشكال فيه من جهة ما ذكر وعمل الاصحاب الجابر للاخبار الضعاف فضلا عن مثل هذا الصحيحة، واما المتن فمن جهة المشروعية الصلاة مع المخالف الذى يقرأ العزيمة في الصلاة فلا بعد في ان يكون النظر إلى هذه الصورة فلا بأس بالجمع بين الصحيحة


(1) الوسائل أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة ب 43 ح 1. (2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 303. (3) الوسائل أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة ب 45 ح 1. (4) المصدر ب 42 ح 2. (5) الوسائل أبواب الحيض ب 36 ح 1.

[ 385 ]

والاخبار الدالة على الوجوب بالحمل على الاستحباب أو مطلق الرجحان الجامع بين الوجوب والاستحباب حيث لا يبعد شمول هذه الاخبار لصورة الاستماع بل بعضها ظاهرة في الاستماع فان صحيحة محمد بن مسلم المذكورة التعليم والاعادة مرارا المذكورين فيها لا يناسبان غير صورة الاستماع وعلى هذا فلا مانع من حملها بالخصوص على الوجوب، واما النهي أو النفى المذكور في ذيل صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة فالظاهر عمد منافاته للاستحباب من جهة النهى في مقام توهم الوجوب واما البواقى فالسجود لها مستحب اما مسنونية الاحدى عشرة فالظاهر انه موضع وفاق انما الكلام في الانحصار فالظاهر من كلماتهم الانحصار وقد حكي عن الصدوق - قدس سره - استحباب السجود في كل سورة فيها سجدة ربما مال إليه بل قال به غير واحد من متأخرى المتأخرين لقوله عليه السلام في ذيل صحيحة محمد بن مسلم المروية عن مستطرفات السرائر: (وكان على بن الحسين عليه السلام يعجبه ان يسجد في كل سورة فيها سجدة) (1) والمروي عن العلل بسنده عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال: (ان ابى علي بن الحسين عليهما السلام ما ذكر الله نعمة عليه الا ان سجد ولا قرأ آية من كتاب الله عزوجل فيها سجدة - إلى أن قال - فسمى السجاد لذلك) (2) وكيف كان فاستحباب السجود للبواقي على القاري هو المتيقن، واما على السامع فيمكن ان يستدل له بخبر ابى بصير قال: قال: (إذا قرء شى من العزائم الاربع فسمعتها فاسجد، وان كنت على غير وضوء وان كنت جنبا وان كانت المرأة لا تصلى وسائر القرآن انت فيه بالخيار ان شئت سجدت وان شئت لم تسجد) (3) (وليس في شئ من السجدات تكبير ولا تشهد ولا تسليم) الظاهر عدم الخلاف ويكفى عدم الدليل على الاعتبار حيث انها غير معتبرة في حقيقة السجود نعم مثل اباحة المكان واعتبار عدم العلو بما يزيد على اللبنة واعتبار وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه لابد من الالتزام بها اما الاباحة فلتحقق العبادة واما عدم العلو والوضع على ما يصح السجود عليه فللاطلاق في


(1) و (2) الوسائل أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة ب 44 ح 2 و 1. (3) المصدر ب 42 ح 2. عن أبى عبد الله عليه السلام.

[ 386 ]

الدليل واما ساير ما يعتبر في سجدة الصلاة من طهارة المحل ووضع سائر المساجد والطهارة من الحدث والخبث وغيرها فلا يدل على اعتبارها في هذه السجدة دليل فمقتضى الاصل عدم وجوب شى منها بل الاخبار مصرحة بعدم اعتبار الطهارة عن الحدث بقسميه ولا يبعد القول باعتبار وضع سائر المساجد لاطلاق بعض الاخبار وادعاء الانصراف إلى خصوص سجدة الصلاة غير مسموع والا لجرى في اعتبار عدم العلو واعتبار وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه نعم يعارض تلك الروايات الدالة على عدم اعتبار الطهارة في خصوص حدث الحيص ما رواه عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت السجدة قال عليه السلام: لا تقرء ولا تسجد) (1) وما رواه غياث عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السلام قال: (لا تقضي الحائض الصلاة ولا تسجد إذا سمعت السجدة) (2) ولا يبعد حمل الخبرين على التقية لموافقتهما مذهب العامة كما قيل ويشكل الجمع بينهما وبينها بالحمل على الاذن في الترك من دون رجحان فيه بل لدفع توهم الوجوب وذلك للعطف على لاتقرء وعلى لا تقضي في الخبرين واما الذكر فالمشهور عدم وجوبه في هذه السجدة وقد ورد في جملة من الاخبار الامر بالذكر أو الدعاء ففي صحيحة ابى عبيدة الحذاء عن ابى عبد الله عليه السلام عليه إذا قرء احدكم السورة من العزائم فليقل في سجوده سجدت لك يا رب تعبدا ورقا لا مستكبرا عن عبادتك ولا مستنكفا ولا مستعظما بل انا عبد ذليل خائف مستجير) (3) ولا يبعد القول بعدم الوجوب كما هو المشهرو لانه وان لم يرد الترخيص في الترك بالصراحة واختلاف الاذكار في الاخبار الواردة ايضا لا يصير شاهدا على عدم الوجوب لاحتمال لزوم القدر الجامع بينها الا ان السكوت في كثير من الاخبار عن الذكر والدعاء وكون بعضها في مقام البيان حيث تعرض للتكبير وتعرض لحالات الساجد من كونه على الطهارة وعدم كونه على الطهارة دليل على عدم الوجوب ويؤيده الامر بالايماء إذا كان في حال الصلاة من


(1) و (2) الوسائل أبواب الحيض ب 36 ح 4 و 5. (3) الوسائل أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة ب 46 ح 1.

[ 387 ]

دون تعرض لذكر أو دعاء مع انهما غير منافيين للصلاة ومن هنا يظهر ايضا عدم وجوب التكبيرة بعد رفع الرأس منها (ولو نسى السجدة اتى بها فيما بعد للاطلاقات) ويشهد له ايضا صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل يقرء السجدة فينساها حتى يركع ويسجد قال عليه السلام: يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم) (1) (المسألة السادسة سجدتا الشكر مستحبان عند تجدد النعم ودفع النقم وعقيب الصلوات) يدل عليه خبر جابر المروى عن كتاب العلل قال: قال أبو جعفر محمد بن على الباقر عليهم السلام: (ان ابى على بن الحسين عليهما السلام ما ذكر الله عزوجل نعمة عليه الا سجد ولا قرأ آية من كتاب الله عزوجل فيها سجود الا سجد ولا دفع الله عنه سواء يخشاة اوكيد كائد الا سجد ولافرغ من صلاة مفروضة الا سجد ولا وفق لاصلاح بين اثنين الا سجد وكان اثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمى السجاد لذلك) (2). (السابع التشهد وهو واجب في كل ثنائية مرة وفى الثلاثية والرباعية مرتين) الظاهر عدم الخلاف في وجوبه يدل عليه جملة من الاخبار وهو عبارة عن الشهادتين ويشهد له جملة من الاخبار منها خبر سورة بن كليب المروي عن الكافي قال: (سألت ابا جفعر عليه السلام عن ادنى ما يجزي من التشهد فقال: الشهادتان) (3) ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: التشهد في الصلوات قال: مرتين، قال: فقلت: وكيف مرتين، قال: إذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لاإله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم تنصرف - الحديث -) (4). ومنها خبر يعقوب بن شعيب المروى عن التهذيب، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (التشهد في كتاب على عليه السلام شفع) (5) والظاهر ان المراد من الشفع هو المرتان وقع التصريح بهما في الصحيحة ولا يخفى انه بعد التسليم لا بد من رفع اليد عما


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 39 ح 1. (2) قد تقدم. (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب التشهد ب 4 ح 6 و 4 و 5.

[ 388 ]

يخالفها بحسب الظاهر ورد علمها إلى اهله كموثقة زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الاخير فقال: تمت صلاته واما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد) (1) ومن هنا ظهر انه لو اخل بهما أو باحدهما سواء كان التشهد الاول أو الثاني عامدا بطلت صلاته كغيرهما من واجبات الصلاة. (والواجب في كل واحد منهما خمسة اشياء) الاول (الجلوس بقدره) ويدل على لزومه الاخبار منها صحيحة محمد ابن مسلم المذكورة آنفا ومنها صحيحة زرارة المروية عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: (لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين ولا ينبغى الاقعاء في موضع التشهد انما التشهد في الجلوس وليس المقعى بجالس) (2) (والثانى والثالث الشهادتان) ويشهد بوجوبهما الاخبار منها الاخبار المذكورة آنفا ولا خلاف يعتد به في وجوبهما، والاخبار المخالفة لا مجال للعمل بها ولا بد من رد علمها إلى اهله (والرابع والخامس الصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله بلا خلاف محقق فيها وادعى الاجماع من جماعة، ويدل عليه جملة من الاخبار المروية من طرق العامة والخاصة فمن طرق العامة ما روى عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا تقبل صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي) (3) وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله (إذا تشهد احدكم في صلاة فليقل اللهم صلى على محمد وآل محمد) (4) ومن طرق الخاصة ما رواه في الوسائل (5) عن الصدوق باسناده عن


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 13 ح 1. (2) المصدر ب 1 ح 1. (3) لم أجده من طريق عائشة ورواه ابن ماجه في سننه تحت رقم 400 من حديث سهل بن سعد الساعدي عن أبينه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلى على النبي، ولا صلاة لمن لا يحب الانصار). (4) المستدرك للحاكم النيشابوري ج 1 ص 296 (5) الوسائل أبواب التشهد ب 10 ح 1.

[ 389 ]

حماد بن عيسى عن حريز عن ابى بصير وزرارة جميعا قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: (ان الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله من تمام الصلاة ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله) وغيرها من الاخبار وبعد تسلم الوجوب والمدخلية في الصلاة بواسطة الاجماعات المنقولة بل الاجماع المحقق لم يبق اشكال من جهة قصور الاخبار المذكورة عن إفادة المطلوب اما من حيث السند أو الدلالة فان الرواية الاخيرة قد نقلت بهذا السند مشتملة على تشبيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله بالنسبة إلى الصلاة بالزكاة بالنسبة إلى الصوم ومن المسلم عدم بطلان الصوم بترك الزكاة فعلى تقدير تعدد الرواية توهن دلالتها على المطلوب، ثم انه لا تتم الصلاة عليه صلى الله عليه وآله الابضم آله إليه و ويدل عليه اخبار مستفيضة من طرق العامة والخاصة فمن طرق العامة ما رووه عن كعب الاحبار (1) انه قال للنبى صلى الله عليه وآله عند نزول الآية: (قد عرفنا السلام عليك يا رسول الله فكيف الصلاة؟ قال: اللهم صل على محمد وآل محمد) ومن طرق الخاصة اخبار منها ما عن ابان بن تغلب عن ابى جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من صلى على ولم يصل على آلي لم يجد ريح الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام) (2) (فقيل صورتهما (أشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمد رسول الله) وقيل: لابل يجب زيادة (وحده لا شريك له) في الشهادة الاولى والتعبير عن الثانية بأشهد ان محمدا عبده ورسوله) ولا يبعد ان يكون القول الثاني اشهر من القول الاول وان نسب الاول إلى ظاهر الاكثر أو المشهور وكيف كان فالمتبع هو الدليل وقد استدل للقول الاول مضافا إلى الاصل باطلاق بعض الاخبار كخبر سورة المتقدم ذكره وصحيحة زرارة قال: (قلت: فما يجزي من التشهد في الركعتين


(1) لم أجده من حديث كعب الاحبار أنما أخرجه الشيخان في صحيحهما وأبو داود في سننه ج 2 ص 224 والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن مردوية وعبد بن حميد و ابن أبى حاتم وابن جرير كلهم من حديث كعب بن عجرة الا ان في رواية بعضهم زيادة لفظ " على " بين " محمد " و (آل محمد). (2) الوسائل كتاب الصلاة أبواب الذكر ب 42 ح 7.

[ 390 ]

الاخيرتين؟ قال: فقال: الشهادتان) (1) وصحيحة الفضلاء (إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته الحديث) (2) وخبر الحسن بن الجهم قال: (سألته يعنى ابا الحسن عليه السلام عن رجل صلى الظهر أو العصر فاحدث حين جلس في الرابعة قال: إن كان قال: اشهد أن لا اله الا الله واشهد أن محمدا رسول الله) فلا يعيد وإن كان لم يتشهد قبل أن يحدث فليعد) (3) وخبر اسحاق بن عمار الحاكي لصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المعراج وفيه (ثم قال له: يا محمد ارفع رأسك ثبتك الله واشهد إن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وأن الساعة آتية لاريب فيها) (4) واستشكل في الاستدل بهذه الاخبار من جهة أن خبر سورة ليس في مقام الاطلاق بل هو واد في مقام نفى وجوب الزائد من الادعية والتحيات ويمكن أن يقال نظير هذا السؤال واقع في صدر صحيحة زرارة الذى استدل بذيلها لهذا القول قال: قلت لابي جعفر عليه السلام (ما يجزي من القول في التشهد في الركعيتن الاولتين قال: أن تقول اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) (5) فإن حمل سؤال الراوي على السؤال عن لزوم الادعية والتحيات وعدمه فما وجه تعرض الامام للكيفية وايضا نظير هذا السؤال سؤال محمد بن مسلم في صحيحته قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: التشهد في الصلوات؟ قال: مرتين، قال: فقلت: كيف مرتين قال: إذا استويت جالسا فقل: (اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله) تم تنصرف - الحديث -) (6) والحاصل انه لم يظهر وجه لكون نظر السائل إلى جهة خاصة من وجوب الادعية والتحيات حتى يكون الجواب في مقام دفع ما هو محل الشبهة في نظره فقط بدون لحاظ ساير الجهات، و اما صحيحة زرارة فيحمل الشهادتان على المعهودة في الصدر ولا يخفى الاشكال في هذا


(1) و (2) الوسائل أبواب التشهد ب 4 ح 1 و 2. (3) الاستبصار ج 1 ص 401 تحت رقم 1531. (4) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 13. (5) الوسائل أبواب التشهد ب 4 ح 1. (6) الوسائل أبواب التشهد ب 4 ح 4.

[ 391 ]

حيث إن المذكورة في الصدر ليست إلا الشهادة بالوحدانية والمعهود بين المسلمين في الشهادتين ليس خصوص الصيغتين الخاصتين المذكورتين في صحيح ابن مسلم فلا مانع من الاخذ بالاطلاق واستشكل في الاستدلال بخبر الحسن بن الجهم بمنافاته للاخبار الدالة على أن تحليل الصلاة بالتسليم ولفتاوي العلماء كلا الا من شذ بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فلابد من طرح هذه الرواية ويمكن أن يقال لعل نظر السائل إلى وقوع الحدث لاعن عمد ولابعد في الحكم بالصحة صحة الصلاة، بل يمكن استفادته من حديث لا تعاد حيث وقع الخلل في الصلاة المفروضة من غير الخمسة، وهذا نظير مسألة وقع التعرض لها وهي مالو سهي أو نسي التسليم حتى اتى بما يوجب بطلان الصلاة سهوا وعمدا حيث قيل بالصحة وان استشكل بعض فيه، ولا منافاة مع الحكم بالاعادة في صورة نسيان التشهد مع جريان هذا الوجه فيه لامكان ان يكون مزيد عناية به يوجب رجحان الاعادة وان لم تجب بمقتضى القاعدة وقد يقال: ان هذه الرواية يشكل العمل بها من جهة عدم تكرر الشهادة فيها وهذا مما يشكل الالتزام به إذ لم ينقل القول بجواز حذف لفظ الشهادة من الثانية والاكتفاء بالعطف الاعن العلامة في القواعد ولا يخفى انه مع عدم تحقق الاجماع لامانع من الاخذ به، واستدل للقول الثاني بجملة من الاخبار اظهرها دلالة صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وفى ذيلها قوله: (ثم تنصرف) فان حمل على الانصراف من الصلاة توجه الاشكال المتقدم في رواية الحسن بن الجهم ولا يتأتى التوجية المقدم وحمله على الانصراف من جزء إلى جزء آخر لا يخلو عن بعد والظاهر ان الصلاة على النبي والآل صلى الله عليهم محسوب من التشهد واظن تعرض الفقهاء لهذا المطلب في مسألة نسيان التشهد ولزوم القضاء على الثاني ومع قطع النظر عن هذا لا بأس بالحمل على ذكر بعض الافراد من دون تعين الخصوصية جمعا بينها وبين اطلاق ما دل على القول الاول حيث لم يظهر توجه الاشكال عليه ومع عدم الترجيح المرجع الاصل. (ثم يأتي بالصلاة على النبي وآله) قد عرفت وجوبها وهل يتعين كونها

[ 392 ]

بصيغة (اللهم صلى على محمد وآل محمد) كما صرح به بعض بل ربما نسب إلى الاكثر أو المشهور ام لا؟ واستدل للاول بالخبر المروي عن طرق العامة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا تشهد احدكم في صلاة فليقل: اللهم صلى على محمد وآل محمد) (1) المجبور ضعفه باستدلال اصحابنا به لاثبات وجوب الصلاة وصيغتها ويمكن ان يقال: كما استدل بهذا الخبر لاثبات وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله استدل بأخبار اخر لا مانع من الاخذ باطلاقها وهي مجبورة من جهة ضعف السند الا ان يقال بعدم كونها في مقام البيان نعم في جملة الاخبار التى ذكر لاثبات وجوب الصلاة: الصحيح أو الحسن عن ابن اذينة والاحول وسدير الصيرفى المروي عن العلل المحكي فيه فعل النبي صلى الله عليه وآله في حديث المعراج قال: (وذهبت ان أقوم فقال يا محمد اذكر ما انعمت عليك وسم باسمى فألهمني الله ان قلت: بسم الله وبالله لا إله الا الله والاسماء الحسنى كلها لله، فقال لي: يا محمد صل عليك وعلى اهل بيتك فقلت صلى الله على وعلى اهل بيتى وفد فعل، ثم التفت فإذا انا بصفوف من الملائكة والنبيين والمرسلين فقال لى: يا محمد سلم فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) (2) وهذه الرواية وان لم يستفد منه الوجوب لاشتمالها على ما ليس بواجب الا انه تدل على الاجتزاء بالصيغة المذكورة نعم يشكل التمسك بها من جهة عدم التعرض للشهادتين ولعل تشريعهما بعد ذلك كان ويمكن أن يقال: ان العمدة في وجوب الصلاة عليه والآل صلى الله عليه وآله الاجماع والقدر المتيقن اصل الصلاة ولا دليل على الخصوصية فالمرجع اصالة البراءة. (ومن لم يحسن التشهد وجب عليه الاتيان بما يحسن منه مع ضيق الوقت ثم يجب عليه تعلم ما لم يحسن منه) اما وجوب الاتيان بما يحسن فلقاعدة الميسور واما وجوب التعلم فوجهه واضح ثم ان من لم يحسن إن كان عاجزا بحيث لا يقدر الا على الملحون أو لا يقدر على تأدية بعض الحروف عن المخرج فالظاهر تعين ما


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك ج 1 ص 269 وفيه (وعلى آل محمد) بزيادة " على ". (2) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 12.

[ 393 ]

يقدر عليه بأي نحو كان والاجتزاء به ويدل عليه رواية مسعدة بن صدقة المروية عن قرب الاسناد قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: انك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح - الحديث -) (1) واما مع القدرة والتهاون أو بدون التهاون من جهة ضيق الوقت ونحوه بدون تقصير فالكلام فيه هو الكلام في القراءة وقد سبق. (الثامن التسليم وهو واجب في اصح القولين) اختلف في وجوب التسليم فالمعروف وجوبه وذهب جماعة إلى استحبابه واستدل للوجوب بالاخبار الكثيرة منها ما رواه الشيخ والمرتضى وابن بابويه - قدس الله تعالى اسرارهم - عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه انه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (2) ولا مجال للخدشة من جهة السند من جهة ذكره في الكافي مسندا (3) ومن جهة انه قد عمل به من لا يعمل الا بالقطعيات من الاخبار وجه الاستدلال انه يدل على انحصار التحليل بالتسليم لظهور هذا التركيب فيه وهذا لا يستقيم إلا بكون المنافيات للصلاة المحرمات بواسطة التكبير إذا وقعت قبل التسليم كانت واقعة في اثناء الصلاة فالتسليم جزء للصلاة أي ماهيتها وهو المطلوب وحيث ان ادلة حرمة المنافيات تدل على حرمتها إذا وقعت في اثناء الصلاة فاحتمال كون السلام امرا خارجا عن المهية يوجب التحليل مندفع مضافا إلى مادل على جزئيته من الاخبار كما انه لا مجال لاحتمال كونه جزء مستحبيا يوجب التحليل لان الاوامر بالتسليم ظاهرها الوجوب وانما يحملها القائل بالندب على الاستحباب من جهة بعض الادلة الظاهرة في عدم توقف التحليل على التسليم وبعد رفع اليد عن المعارض وحمله على ما لا ينافى ما دل على انحصار التحليل في التسليم لا وجه لرفع اليد عن ظهور الاوامر


(1) الوسائل أبواب قراءة القرآن ب 59 ح 2. (2) الوسائل أبواب التسليم ب 1 ح 1 و 8 الا أن فيه (افتتاح الصلاة الوضوء الخ) (3) المصدر ج 3 ص 69 تحت رقم 2 وفيه أيضا افتتاح الصلاة الوضوء الخ)

[ 394 ]

في وجوب التسليم ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى إثبات الحصر بل كون التسليم محللا في الجملة يكفى لانه على فرض كون التسليم مندوبا يحصل التحلل دائما قبل السلام وقد نبه عليه بعض الاعلام - قدس سره - هذا عمدة ما يمكن ان يستدل به على الوجوب واستدل للقول بعدم الوجوب بجملة من الاخبار منها بعض الاخبار الدالة على تمامية الصلاة بالتشهد الاخير مثل صحيحة الفضلاء (إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف أجزأه) (1) وصحيحة ابن مسلم (إذا استويت جالسا فقل: اشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم تنصرف) (2) وغيرهما من الاخبار الدالة على تمامية الصلاة بالتشهد، والاخبار المستفيضة (3) الدالة على ان الحدث بعد التشهد لا يوجب بطلان الصلاة، واجيب عن الصحيحة الاولى بأن ذيلها أدل على وجوب التسليم من صدرها على الاستحباب وعن الثانية ان الانصراف فيها محمول على الانصراف بالتسليم أو يكون المراد من الانصراف التسليم فقوله: (ثم تنصرف) معناه ثم تسلم ويؤيده ما ورد من انه (إذا قلت السلام علينا الخ فهو الانصراف) (4) ويؤيد احد الحملين ان الظاهر من الجملة الخبرية وجوب الانصراف بعد التشهد ولا يجب الا بالتسليم، واما عن الاخبار الاخر فكلما يتضمن الامر بالانصراف فحاله حال الصحيحة السابقة وكلما لا يتضمن الامر بالنصراف فالتشهد فيه محمول على ما يعم التسليم بقول: (السلام علينا وعلى عباده الصالحين) ويؤيد ذلك رواية ابى بصير حيث قال عليه السلام بعد ذكرما ينبغى ان يقال في التشهد الاخير: ثم قال: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على انبياء الله ورسله، السلام على جبرئيل وميكائيل والملائكة المقربين، السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبى بعده، السلام علينا وعلى عبد الله الصالحين، ثم تسلم) (5) وفيما ذكر تأمل وإشكال، اما ما


(1) و (2) الوسائل أبواب التشهد ب 4 ح 2 و 4. (3) راجع المصدر ب 13. (4) الوسائل أبواب التسليم ب 4 ح 1 وفيه (فقد انصرفت). (5) الوسائل أبواب التشهد ب 3 ح 2.

[ 395 ]

اجيب به عن الصحيحة الاولى فالاشكال فيه انه فرع في الصحيحة الذيل على الصدر فكيف يكون الذيل ادل على وجوب التسليم فانه كيف يكون التسليم واجبا بنحو الجزئية والمتممية للصلاة كما هو المدعى وقد صرح في الصدر بمضي الصلاة فلعل الاظهر انه بعد الفراغ من التشهد تمت الصلاة فان كان مستعجلا يكفيه التسليم لدرك الفضل وإن لم يذكر التحيات وما ورد به التشهد قبل التسليم، واما ما اجيب به عن الصحيحة الثانية ففيه أن الانصراف معناه العرفي واضح لا وجه لرفع اليد عنه الا بدليل ومجرد التنزيل في رواية لا يوجب رفع اليد عن المعنى الحقيقي وظهور المادة في معناه الحقيقي يمنع عن استظهار الوجوب من الهيئة تأييدا لما ذكر، واجيب عن الاستدلال بالاخبار المستفيضة الدالة على أن الحدث بعد التشهد لا يوجب بطلان الصلاة بامكان الجمع بينها وبين ما دل على وجوب السلام ومحللية بأن يقال: السلام واجب ومحلل لكنه خارج من أجزاء الصلاة بل تتم أجزاء الصلاة بتمامية التشهد المشتمل على الصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وعليهم فالواجب مركب من الصلاة وما هو خارج منها وهو التسليم فلو لم يأت به عمدا لم يأت بالمأمور به وإن جاء بتمام الصلاة وقبل التسليم لا يجوز له ارتكاب المحرمات التي حرمت على المصلي عمدا فانه قضية كونه محللا واما ارتكاب بعضها من غير اختيار فليس بمبطل من جهة الادلة وبعضها الآخر مبطل وإن كان من غير عمد كزيادة الركعة مثلا كما انه قبل تمامية التشهد الاخير بعض المنافيات يكون مبطلا مطلقا كالحدث وبعضها يكون مبطلا إذا صدر عن عمد كالتكلم مثلا ومن الجائز أن يكون مانعية الحدث بنحو الاطلاق إذا وقع في أثناء الصلاة لا بعدها وقبل وقوع المحلل وأما لو وقع بعد الصلاة من غير عمد فلا يكون مبطلا وإن كان قبل التسليم المحلل، وبهذا يحصل الايتلاف بين الباب ويشكل ما افيد بأنه قد علل في هذه الاخبار الصحة بتمامية الصلاة ومضيها على الظاهر فلاحظ الاخبار ولازم ذلك انه متى تمت الصلاة لا يضر المنافيات وهذا خلاف ما هو لازم المركب الارتباطي وبعبارة اخرى وجه الحكم بالصحة وعدم ضرر الحدث أو النوم أو الالتفات الفاحش المذكورة في

[ 396 ]

الاخبار ليس وقوعها لاعن عمد في المأمور به المركب من الصلاة وغيرها بل وجهها تمامية الصلاة ومضيها ولازم هذا أنه مع تمامية الصلاة لا يضر الحدث بوحه عمدا كان أو سهوا، وثانيا نقول: هذا خلاف ما يظهر من بعض الاخبار من كون ختم الصلاة بالتسليم وآخر الصلاة التسليم والحمل على انتهاء الصلاة به من دون الجزئية بعيد جدا، والحاصل ان هذه التصرفات والتوجيهات في الاخبار ليست بأهون مما يلتزم به القائل بعدم الجزئية وعدم الوجوب من كون التسليم جزء اللفرد مستحبيا يتوقف التحلل ورفع المنع التنزيهى عليه واما التحليل الذى يقابله التحريم فلا يتوقف عليه وحمل الجزئية المستفادة من الاخبار على الجزئية للفرد الكامل لا الجزئية للحقيقة وحمل الاوامر الدالة على الوجوب على الاستحباب جمعا بين الادلة فان كان الجمع بهذا النحو عرفيا مقبولا للطباع فهو وإلا فالمعارضة بين الادلة باقية و الظاهر ان لا يعامل في مثل هذه المعارضة ما يعامل في ال متباينين من الترجيح والتخيير في الاخذ حيث يعمل بأدلة الطرفين في الجملة والتبعيض في السند غير معهود فلا يبعد الرجوع إلى الاصل وهو موافق للقول بعدم الوجوب هذا ولكن مخالفة الاعاظم مشكلة فكيف يقال بعدم الوجوب وقد حكي عن الامالي نسبة الوجوب إلى دين الامامية (وصورته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبأيهما بدء كان الثاني مستحبا) بعد البناء على وجوب التسليم وتوقف الخروج عن الصلاة والتحلل عليه يكون المكلف مخيرا بين الخروج والتحلل بالعبارة الاولى والثانية اما بالاولى فللاخبار المستفيضة الدالة عليه ففي صحيحة الحلبي (وإن قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت) (1) وفى خبر ابى كهمش) ولكن إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف) (2) واما بالثانية فلا جماع المسلمين بل يدعى أن التسليم المطلق منصرف إلى العبارة الثانية ولا مجال لاحتمال وجوب الثاني وإن حصل التحلل بالاولى لان المستفاد من بعض الاخبار أن علة وجوب السلام كونه تحليلا فمع حصوله لا يبقى وجه


(1) و (2) الوسائل أبواب التسليم ب 4 ح 1 و 2.

[ 397 ]

لوجوب السلام الثاني فعن العلل بسنده عن المفضل بن عمر قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العلة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة؟ قال: لانه تحليل الصلاة - إلى أن قال: - قلت: فلم صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال: لانه تحية الملكين وفى إقامة الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها وتسليمها سلامة العبد) (1) بل يستفاد من الاخبار انه لا شئ على المصلى بعد الانصراف بالتسليم فلا مجال للترديد من جهة المناقشة في سند الرواية المذكورة نعم لاإشكال في مشروعية الثاني بعد حصول الخروج والتحلل بالاول لورود الجمع بين الصيغتين بهذه الكيفية في غير واحد من الاخبار ولو اقتصر على الصيغة الثانية فهل يجب إضافة (ورحمة الله) أم يجوز الاكتفاء ب‍ (السلام عليكم) فيه خلاف نسب إلى الاكثر عدم اعتبار الزيادة والمنقول عن بعض لزوم (ورحمة الله) فقط، وعن بعض آخر لزوم (وبركاته) وادعى العلامة - قدس سره - عدم الخلاف في جواز السلام عليكم ورحمة الله وان لم يزد وبركاته ومستند القول بالكفاية مضافا إلى الاصل وعموم ادلة التسليم خصوص رواية الحضرمي، عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: (إنى اصلي بقوم فقال: تسلم واحدة ولا تلتفت قل: (السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته) - الحديث -) (2) وفى خبر عبد الله بن ابى يعفور المروى عن جامع البزنطي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تسليم الامام و هو مستقبل القبلة قال: يقول: (السلام عليكم) (3) ولا يخفى عدم الاطلاق في الادلة ولذا لا يلتزمون بكفاية مثل (سلام عليكم) بدون التعريف باللام فالعمدة التمسك بالاخبار لو لم ترد الخدشة في السن أو الدلالة، أو بالاصل. فرع بعد الالتزام بوجوب التسليم وعدم كونه ركنا يوجب تركه ولو سهوا بطلان الصلاة فلو سهى عنه وتذكر بعد إتيان شئ من المنافيات عمدا أو سهوا أو بعد فوات الموالاة، فقد يقال بتمامية الصلاة على الاقوى من جهة أن ظاهر (لا تعاد الصلاة الا من خمس) صحة الصلاه من حيث الاجزاء والشرائط فمن كان في علم


(1) الوسائل أبواب التسليم ب 1 ح 11. (2) و (3) المصدر ب 2 ح 9 و 11.

[ 398 ]

الله ساهيا عن بعض الاجزاء يكون المأمور به في حقه الباقي ولا يلزم منه محذور كما بين في الاصول، فبعد خروج التسليم عن الجزئية بواسطة السهو لم يقع المنافى كالحدث في اثناء الصلاة حتى يوجب البطلان وإن كان عن سهو، نعم لو كان مفاد (لا تعاد) العفو عما سهى عنه فالعفو عن التسليم لا يوجب العفو عن المنافي الواقع في الاثناء فتبطل الصلاة، ويمكن أن يقال بالصحة في هذا التقدير ايضا بأن يقال: معنى مبطلية المنافى مطلقا عدم امكان ارتباط الجزء اللاحق بالسابق مع تخلل المنافى لااشتراط صحة الاجزاء السابقة بعدم تخلله فمع العفو عن الجزء اللاحق من جهة السهو لا حاجة إلى الارتباط المذكور فصحت الصلاة بلا إشكال والاحتمال المذكور الموجب للبطلان لا دليل عليه بل مقتضى الدليل اعتبار قيد الطهارة عن الحدث للمصلي والمفروض انه بعد وقوع المنافى لا يكون مصليا فعلا ويمكن أن يقال اولا: لا نسلم ظهور حديث لا تعاد في المعنى المذكور اولا فعلى الاحتمال الثاني نسبة السهو إلى ترك التسليم ووقوع المنافي على حد سواء بمعنى ان السهوين في مرتبة واحدة وليس سهو ترك التسليم مقدما يوجب العفو عنه فيكون المنافى واقعا خارج الصلاة ومثله لا تبطل الصلاة فإذا كانا في مرتبة واحدة فمقتضى السهو عن الجزء وان كان الصحة لكن مقتضى السهو عن المنافى يوجب البطلان فلا مجال للصحة لان الصحة من جهة لا ينافى البطلان من جهة اخرى، واما على الاحتمال الاول فالذي يتصور عليه أن يقال بمدخلية السهو الواقع في محله بنحو الشرط المتأخر في حكم الشارع باسقاط جزئية ما سهى عنه عن المركب والامر بالمركب من أجزاء غير ما سهى عنه ولو لم يعلم المكلف بأنه يسهو هذا الامر متوجه إليه فللسهو الواقع في ظرفه مدخلية في الامر بالمركب الكذائي فإذا كان هذا السهو ملحوظا مع السهو بالنسبة إلى وقوع المنافى الموجب للبطلان كيف يأمر لانه من قبيل أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه الا ترى أنه من كان في علم الله لا يقدر على إتمام الصلاة وفعل اركانها لموت ونحوه هل يكون ملكفا فعلا بما يأتي به قبل وقوع ما يقع في محله غاية الامر ترتيب آثار الصحة بحسب الظاهر والعمدة كون السهوين في

[ 399 ]

مرتبة واحدة والحاصل ان الصحة متفرعة على حكم الشارع بعدم الجزئية أو العفو عن الجزء الواجب أولا والحكم متأخر عن موضوعه الذي هو السهو فإذا كان السهو الآخر في مرتبة موضوع ذلك الحكم فلا مانع من عروض حكمه أعني البطلان لعدم حالة منتظرة ويؤيد ما ذكر حكمهم بالبطلان في صورة وقوع الحدث قبل التشهد الاخير. (والسنة فيه أن يسلم المنفرد تسليمة واحدة إلى القبلة ويومي بمؤخر عينيه إلى يمينه) ويدل على الاول صحيحة عبد الحميد بن عواض، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: إن كنت تؤم قوما أجزاك تسليمة واحدة عن يمينك وإن كنت مع إمام فتسليمتين وإن كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة) (1) وقد ينافيها صحيحة على ابن جعفر عليه السلام قال: رأيت أخوتي موسى عليه السلام وإسحاق ومحمد بن جعفر عليه السلام يسلمون في الصلاة عن اليمين وعن الشمال (السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله) (2) وحملها على الرواية احيانا حال كونهم مأمومين لا يخلو عن بعد وأما استحباب الايماء بمؤخر العين إلى يمينه فإثباته من جهة الاخبار لم يعرف وجهه ولعل من قال به نظر إلى حفظ الاستقبال المعتبر في الصلاة والاولى ان يحمل على نحو لا ينافي الاستقبال المعتبر في الصلاة وقد يقال بتقييد دليل الاستقبال لكن هذا لا يضر إذا كان النظر إلى السلام المستحب لا السلام الواجب. (والامام يومى بصفحة وجهه إلى يمينه والمأموم بتسليمتين بصفحة وجهه يمينا وشمالا) ويمكن الاستدلال عليه بصحيحة عبد الحميد بن عواض المتقدمة آنفا هذا هو المشهور وقد يستظهر من بعض الاخبار خلافه. خاتمة يقطع الصلاة ما يبطلل الطهارة ولو كان سهوا وقيل: لو أحدث ما يوجب الوضوء سهوا تطهر وبنى) اما مبطلية الحدث عن عمد فالظاهر عدم الخلاف فيه بل عن بعض عده من ضروريات المذهب كما ان الظاهر عدم الخلاف في مبطلية ما


(1) الوسائل أبواب التسليم ب 2 ح 3. (2) المصدر ب 2 ح 2.

[ 400 ]

يوجب الغسل لاعن عمد إنما الكلام في ما يوجب الوضوء مع وقوعه لا عن عمد سواء كان عن سهو اولا عن اختيار فالمشهور انه كالعمد يوجب البطلان ومقابل المشهور ما نسب إلى السيد والشيخ - قدس سرهما - من القول بعدم المبطلية وإن المصلى يتطهرو يبني على ما مضى من صلاته وفرق المفيد - قده - في المقنعة بين المتيمم وغيره فأوجب البناء في المتيمم إذا سبقه الحدث ووجد الماء والاستيناف في غيرة واختاره الشيخ في النهاية والمبسوط وابن ابى عقيل وقواه في المعتبر وكيف كان فمما يدل على المشهور موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال: إن كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوءه وإن خرج متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء وإن كان في صلاته قطع الصلاة واعاد الوضوء والصلاة) (1) ومنها خبر الحسن بن الجهم عن ابى الحسن عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى الظهر والعصر فاحدث حين جليس في الرابعة قال: إن كان قال: اشهد أن لا اله الا الله واشهد أن محمدا رسول الله فلا يعد، وإن كان لم يتشهد قبل أن يحدث فليعد) (2) ومنها خبر علي بن جعفر عليهما السلام المروي عن قرب الاسناد وكتاب المسائل عن اخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون في الصلاة فيعلم أن ريحا قد خرجت فلا يجد ريحها ولا يسمع صوتها؟ قال: يعيد الوضوء والصلاة ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا) (3) وغير ما ذكر من الاخبار، وبازاء هذه الاخبار اخبار اخر دالة على عدم بطلان الصلاة بالحدث الواقع في الاثناء في الجملة منها صحيحة فضيل بن يسار قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: (أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا؟ فقال عليه السلام: انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا وإن تكلمت ناسيا فلاشئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا، قلت: وإن قلب وجهه عن القبلة؟ قال: نعم وإن قلب وجهه عن القبلة) (4)


(1) الوسائل أبواب نواقض الوضوء ب 5 ح 5. (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ح 6 و 7 و 9.

[ 401 ]

ومنها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الاخيرة وقبل أن يتشهد قال: ينصرف فيتوضأ فإن شاء رجع إلى المسجد وإن شاء ففي بيته وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته) (1) ومنها صحيحة زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: قلت له: (رجل دخل في الصلاة وهو متيمم فصلى ركعة ثم احدث فأصاب ماء قال عليه السلام: يخرج ويتوضأ ثم يبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم) (2) وعن الفقيه باسناده عن زرارة، ومحمد بن مسلم قالا: (قلنا لابي جعفر عليه السلام في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلى ركعتين ثم اصاب الماء اينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثم يصلي قال عليه السلام: لا ولكن يمضي في صلاته ولا ينقضهما لمكان انه دخلها على طهور بتيمم قال زرارة: فقلت له: دخلها وهو متيمم فصلى ركعة واحدة و احدث فأصاب ماء؟ قال عليه السلام: يخرج ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلي بالتيمم) (3) وقد يقال: لو بنينا على ملاحظة الروايات المذكورة فالانسب حمل الاولى منها صورة ا لعمد والاختيار والثانية على صورة السهو والاضطرار ولكن اعراض المشهور عن الطائفة الثانية مع صحة أسانيدها مع الاشتمال على جواز الانصراف عن القبلة ولو بالاستدبار بل جواز الفعل الكثير يوجب سكون النفس بورودها مورد التقية، ويمكن ان يقال مع قطع النظر عن إعراض المشهور يشكل الجمع بين الطائفتين بما ذكر لانصراف الطرفين عن حال العمد والاختيار كما لا يخفى فان مبطلية ما ذكر في الاخبار حال العمد والاختيار من الضروريات فكيف تصير مورد السؤال لمثل على بن جعفر عليه السلام واضرابه، وعلى فرض عدم الانصراف والاطلاق ايضا لا يكون الجمع المذكور مما يساعد عليه العرف كما لا يخفى لوجود الاطلاق


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 13 ح 2. (2) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 10. (3) صدره في الوسائل أبواب التيمم ب 21 ح 4 وذيله في أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 11.

[ 402 ]

في الطرفين، وعلى هذا يشكل حصول القطع بالاعراض لمكان احتمال أن يكون اخذ المشهور بالطائفة الاولى من باب التخيير أو الترجيح نعم بعض الاخبار المذكورة في الطائفة الثانية مما لم يقل بمضمونه احد مورد الاعراض ولا يجوز العمل بها لمخالفتها الاجماع القطعي إن لم يكن لها معارض وما يقال في غير هذا القسم من اخبار الطائفة الثانية من عدم صحة كونها مستندة لما نسب إلى خلاف المشهور لان منها ما يدل على تحديد الصلاة بما وقع قبل الحدث وهو ما يدل على صحة الصلاة لو أحدث بعد رفع الرأس من السجدة الاخيرة وحاصل مضمونه تحقق الامتثال بالصلاة الخالية عن التشهد الاخير عبد تحقق أركانها كلها لو وقع الحدث عن غير اختيار المصلى كما هو الظاهر من مورد الرواية ويؤيد ذلك التعليل في بعض الروايات بأن التشهد سنة (1) ومنها ما ورد في المتيمم الذى يصيب الماء في أثناء الصلاة بعد أن صار محدثا وهذا يمكن تخصيصه بخصوص المتيمم والتفريق بينه وبين المتوضى كما ذهب إليه المفيد واختاره الشيخ وابن ابى عقيل - ره - إذ كما يمكن أن تصح صلاة المتيمم الذي اصاب الماء في اثناء الصلاة مع انه محدث واجد للماء فعلا كذلك يمكن أن يكون تجدد حدث آخر بين صلاته غير موجب لبطلان ما وقع منه قبل الحدث بل يكون رافعا لكونه مبيحا بالنسبة إلى البقية، ومن هنا يمكن القول بأن المتيمم لو أحدث بين الصلاة ولم يجد الماء يتيمم لبقية الصلاة محل نظر لان مثل صحيحة زرارة المذكورة آنفا ظاهرها عدم تمامية الصلاة بعد فيما لو احدث بعد رفع الرأس من السجدة الاخيرة ولذا خصص مضى الصلاة بما لو وقع بعد التشهد نعم قد حكم في غير واحد من الاخبار بتمامية الصلاة لو وقع الحدث بعد رفع الرأس من السجدة الاخيرة فلعل النظر إليه لا إلى الصحيحة المذكورة نعم يمكن الاشكال على المتمسك بمثلها بأخصية الدليل عن المدعى لامكان الفرق واقعا بين صورة وقوع الحدث بعد تمامية الاركان كما هو المفروض وبين صورة وقوعه قبلها ولازم ما افيد من إمكان كون تجدد حدث آخر غير موجب لبطلان ما وقع إلخ صحة


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 13 ح 2 و 3.

[ 403 ]

الصلاة ولو كان وقوع الحدث عن عمد لانه لا يوجب حدثا جديداو الاستباحة الحاصلة بالتيمم قد ارتفعت بواسطة وجدان الماء فعلا نعم الاشكال المذكور آنفا يتوجه هنا أيضا ومع ذلك لا محيص عن عدم مخالفة المشهور حتى في مورد الروايتين. (وفى وضع اليمين على الشمال قولان اظهرهما البطلان) المشهور حرمة التكفير المفسر بما ذكر بمعنى كونه مبطلا للصلاة إذا كان عن عمد واختيار قيل بالكراهة وقيل بالحرمة التكليفية من دون إبطال الصلاة واستدل للمشهور بجملة من الاخبار منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (قلت له: الرجل يضع يده في الصلاة، اليمنى على اليسرى؟ فقال عليه السلام: ذلك التكفير لا يفعل) (1) ومنها رواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: وعليك بالاقبال على صلاتك - إلى أن قال -: ولا تكفر، فانما تصنع ذلك المجوس) (2) ومرسلة حريز عن ابى جعفر عليه السلام أيضا بهذا المضمون) (3) والمروي عن قرب الاسناد عن علي بن جعفر عليه السلام قال: قال أخي عليه السلام قال علي بن الحسين عليهما السلام: (وضع الرجل إحدى يديه على الاخرى في الصلاة عمل وليس في الصلاة عمل) (4) ولا يخفى أن النواهي الواردة حيث علل بما يوهن ظهورها في المنع التحريمي الغيري يشكل الاخذ بظواهرها من حيث هي بل التعليل يرشد إلى الكراهة، وأما الخبر الاخير فيشكل التمسك به من جهة إجمال مفهومه وغاية تقريبه أنه بعد العلم بان كل عمل ليس ممنوعا في الصلاة فاللازم حمل العمل الذي في الصغرى على العمل المقصود به أنه من الصلاة أو من آدابها كما يزعمه العامة ويكون الكبرى أن كل عمل يكون كذلك فهو منفي في الصلاة والمقصود من النفي هنا المنع الوضعي لوجهين أحدهما ظهور النواهي المتعلقة بشئ في الصلاة في كونه مبطلا ولا ينافيه التعليل لا مكان تعدد جهة المنع بعضها يوجب المنع نفسا وبعضها الآخر يوجب المنع الغيري الوضعي، الثاني أن المنع النفسي لمثل هذا العمل الغير المشروع بقصد المشروعية لااختصاص له بحال الصلاة فالتخصيص بها يقتضي كون المنع وضعيا ويمكن أن يقال: إن محل الكلام بين الفقهاء - ره - ليس صورة التشريع وإلا فما


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 1 و 3 و 4 و 5.

[ 404 ]

معنى قول مثل المحقق - قدس سره - بالكراهة لان هذا المعنى مما يحكم العقل بحرمته واما ما افيد من إمكان تعدد جهة المنع الخ فيشكل من جهة أنه في بعض الاخبار يظهر أن علة المنع في الصلاة هو التشبه باهل الكفر وكونه تكفير أهل الكتاب فعن الصدوق في الخصال، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يجمع المؤمن يديه في صلاته وهو قائم بين يدي الله عزوجل يتشبه بأهل الكفر يعني المجوس) (1) وعن كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (إذا قمت قائما في الصلاة فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى ولا اليسرى على اليمنى فان ذلك تكفير أهل الكتاب ولكن أرسلهما إرسالا فأنه أحرى أن لا تشغل نفسك عن الصلاة) (2) وأما الوجه الثاني ففيه أيضا إشكال من جهة احتمال اختصاص هذا العمل عند أهله بخصوص حال الصلاة فهذا من حيث أن التخصيص من جهة غلبة الابتلاء قالقول بالكراهة قوي لو لا مخالفة المشهور. (والالتفات دبرا) التفات إما بنحو يخرج عما بين المشرق والمغرب أو بنحو لا يخرج وعلى كل تقدير إما أن يكون عن عمد إولا، فان كان بحيث لا يخرج عن ما بينهما ولم يكن عن عمد فقد يقرب عدم مبطيته للصلاة من جهة ما دل على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة المحمول على غير حال الاختيار والعمد ويشكل بأن هذا تنزيل بلا ريب ولذا لم يجوزوا الانحراف بهذا المقدار مع العمد والالتفات ولا إطلاق له والقدر المتيقن من مورده صورة وقوع الصلاة إلى مابين المشرق والمغرب من غير تعمد وهذا غير ما نحن فيه من فرض وقوع الصلاة إلى القبلة ولالتفات منها بمقدار لم يخرج عما بين المشرق والمغرب للمصلي فلقائل أن يقول: نأخذ بإطلاق الاخبار الدالة على بطلان الصلاة مع الانحراف الفاحش أو بالكل على اختلاف التعبيرات فمنها صحيحة زرارة أنه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول: (الالتفات


(1) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 7. (2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 405.

[ 405 ]

يقطع الصلاة، إذا كان بكله) (1) ومنها حسنة الحلبي أو صحيحته عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: قال (إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الاتفات فاحشا، وإن كنت قد تشهدت فلا تعد) (2) ومنها ما عن الصدوق في الخصال باسناده عن علي عليه السلام في حديث الاربعمائة قال: الالتفات الفاحش يقطع الصلاة) (3) وينبغي لمن يفعل ذلك أن يبدء بالصلاة بالاذان والاقامة و التكبير وإن كان الاتفات عن عمد أو كان خارجا عما بين المشرق والمغرب فمقتضى الاخبار البطلان ولا مجال للشبهة بان القدر المتيقن اعتبار الاستقبال في الافعال الصلاتية لشمول الاطلاقات الاكوان الصلاتيه ولو لم يكن مشغولا بشئ من الافعال أو الاقوال ونسب إلى المشهور القول بعدم الابطال إذا كان الالتفات لا عن عمد واستدل لهذا القول بحديث رفع الخطأ والنسيان والسهو حيث أن الظاهر منه رفع جميع الآثار الشرعية دون خصوص المؤاخذة، ونوقش بأن حديث الرفع لا يرفع إلا الاثار الشرعية المجعولة لذات ما صدر سهوا من حيث هي فعلا كان أو تركا دون ما يترتب على لوازمه العقلية أو العادية فلو لم يكن بطلان الصلاة بالالتفات من مقتضيات شرطية الاستقبال بل من آثار قاطعية الالتفات من حيث هو لا غير لاتجه الاستدلال باختصاص قاطعيته بحال العمد بحديث الرفع ولكنه ليس كذلك لان الاستقبال شرط في الصلاة وليس معنى رفع السهو أن ما تركه سهوا يترتب عليه أثر وجوده بل معناه أنه لا يترتب عليه أثر تركه لو كان لتركه من حيث هو أثر قابل للرفع فهذا كترك جزء أو شرط في العقود والايقاعات سهوا حيث لا يترتب الاثر الوجودي على الفاقد له من جهة حديث الرفع ولقائل أن يقول: الساهي كما أنه ساه عن الالتفات يكون ساهيا عن حفظ الشرط الذي هو الاستقبال فما المانع من رفع هذا الشرط بواسطة السهو، وهذا نظير اشتراط مباشرة الماء للبشرة في باب الوضوء حيث كانت حرجية كما في رواية عبد الاعلى (4) حيث حكم فيها


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 3 و 2 و 7. (4) الكافي ج 3 ص 33 باب الجبائر والقروح والجراحات تحت رقم 4.

[ 406 ]

بالمسح على المرارة وعدم لزوم المباشرة من جهة عدم جعل الحرج في الدين وكما يستظهر من حديث لا تعاد نفي جزئية ما وقع السهو بالنسبة إليه نعم يشكل التمسك بحديث الرفع من جهة معارضة الاخبار المذكورة فإن تخصيصها بصورة العمد بالخصوص بعيد جدا فإن المرتكز عند المتشرعة حفظ الاستقبال من أول الصلاة إلى آخرها فالمصلي لا يلتفت عمدا فإذن تكون هذه الاخبار مخصصة لحديث الرفع على فرض شموله للمقام ومن هذه الجبهة ربما يقع المعارضة بين هذه الاخبار وما دل على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة بناء على شموله لصورة الالتفات عن القبلة مع وقوع الصلاة إلى القبلة من جهة أن تخصيص هذه الاخبار بصورة الاستدبار حمل للمطق على الفرد الغير الغالب وحمل القبلة فيها على القبلة التنزيلية بعيد جدا وقد يقرب الاستدلال لما نسب إلى المشهور بحديث لا تعاد الصلاة إلا من خمس بأن مقتضى أدلة اعتبار القبلة في الصلاة وأدلة قاطعية الانحراف شرطية القبيلة للصلاة بمعنى عدم جواز أفعال الصلاة منحرفا عن القبلة التي هي ما بين المشرق والمغرب مطلقا ولا ينافي ذلك تقييد قاطعية الانحراف بكونه عمدا ووجهه الدخول فيما عدا الخمسة المستثناة في حديث لا تعاد واستشكل فيه أولا بأنه لا يكاد يفهم من الاخبار الدالة على قاطعية الانحراف إلا أن جهة قاطعيته كيفية اعتبار القبلة ولو لم تكن معتبرة في اكوان الصلاة لما كان الانحراف عنها قاطعا للصلاة وثانيا بأنه لا معنى لقاطعية الانحراف عن القبلة عقلا سوى اعتبار القبلة في الصلاة على نحو يقطع صلاة انحراف المصلي عنها فانا لو فرضنا أن المركب المأمور به قد أتى بجميع ماله دخل فيه من الا جزا والشرائط فلا يعقل كون شئ آخر أجنبي عنه مبطلا له من دون أن يرجع إلى تقييد ذلك المركب بعدمه مادام مشتغلا به ويمكن أن يقال: أما ما افيد من عدم المعقولية فالظاهر إمكان النقض بالضدين فان كلا منهما يمنع عن الآخر مع أنه ليس عدمه من شروط الآخر وقيوده وإلا للزم سراية الطلب منه إليه ولا يلتزمون به فيتصور أن يكون النهي عن الالتفات لا من جهة شرطية الاستقبال بل من جهة المضادة أو نقول: الاستقبال شرط خصوص الافعال والاقوال الصلاتية بحيث لو لا الاخبار

[ 407 ]

الخاصة الدالة على مبطلية الالتفات ما كنا نستفيد اعتبار الاستقبال إلا فيما دون الاكوان الصلاتية مع عدم الاشتغال بفعل أو ذكر أو قراءة كما يقال في اشتراط الطمأنينة والا خلال به هو مورد الاستثناء في حديث لا تعاد واعتبر مانعية الالتفات أيضا بمعنى اعتبار عدمه قيدا للصلاة والاخلال به داخل في المستثنى منه لكن هذا فيما لو كان الالتفات في غير الافعال والاقوال الصلاتية وأما الالتفات في حال الاشتغال بها يكون داخلا في المستثنى في الحديث وبهذا يظهر الاشكال فيما افيد أولا ولكن مع ذلك الاشكال المذكور آنفا في التمسك بحديث الرفع آت هنا. (ومنها الكلام بحرفين فصاعدا) مبطلية الكلام بما ليس بدعاء وذكر وقرآن إجماعي ويدل عليه أخبار مستفيضة منها صحيحة محمد بن مسلم المروية بعدة طرق عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن الرجل ياخذه الرعاف أو القي في الصلاة كيف يصنع؟ قال: ينتقل فيغسل أنفه ويعود في صلاته وإن تكلم فليعد صلاته وليس عليه وضوء) (1) وفي صحيحة الحلبي أو حسنته (إن لم يقدر على ماء حتى ينصرف لوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته) (2) فلا إشكال في الحكم بحسب الكبرى، واما تشخيص الصغرى فقد حكي عن بعض عدم الخلاف بين العلماء، وكذا بين اللغويين في صدق الكلام على ما تركب من حرفين وظاهر هم عدم الفرق بين المهمل والمستعمل ويظهر من بعض أهل اللغة اشتراط كونه موضوعا ويظهر من بعض العلماء التأمل في صدق الكلام على ما تركب من حرفين إذا كان مهملا وقد يقال: إن المعتبر في صدق الكلام أن يوتى به على نحو الحكاية عن معنى سواء كان موضوعا له أم لا، و على الثاني كان بين المعنى المحكي وبين المعنى الحقيقي للفظ علاقة أم لا و على الثاني سواء كان من الاستعمالات الصحيحه عند العرف مثل التكلم بالالفاظ المهملة بقصد الحكاية عن نوعها كلفظ ديز في قولك ديز مهمل أم كان الاستعمال غلطا، ويمكن أن يقال: إن كان النظر إلى ما يستفاد من الاخبار فالظاهر انصرافها إلى ما هو المتعارف فاللفظ المهمل خارج مع عدم قصد الحكاية ولا يبعد خروج المستعمل


(1) و (2) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 4 و 7.

[ 408 ]

غلطا أيضا بحيث يكون خارجا عن التكلمات العرفية بل يمكن دعوى الانصراف عما لا يشتمل على النسبة التامة ولو حكما فلا يرد اللنقض بصورة نداء أحد نحو يا زيد لانه بمنزلة أدعو زيدا ومع الشك في صدق التكلم على نحو الحقيقة مقتضى الاصل البراءة وصحة الاستعمال أعم من الحقيقة وإن كان النظر إلى الاجماع فلابد من الاخذ بالقدر المسلم ولا يبعد دعوى الاجماع في غير واحد من موارد الشك بحسب الاخبار ولكنه يقع الاشكال من جهة أنه بعد ما علم المدرك أو احتمل أن يكون مدرك المجمعين الاخبار الواصلة كيف يتمسك بإجماعهم ومع ذلك لا مناص عن عدم المخالفة، وأما الذكر والدعاء والقرآن فلا ريب في جوازها مطلقا وإن لم يقصد بها التقرب بل أمرا آخر كايقاظ أحد أو تنبيهه على أمر ويدل على ذلك جملة من الاخبار منها صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (كلما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله وعليه وآله وسلم فهو من الصلاة - الحديث -) (1) ومنها مرسلة الفقيه (كلما ناجيت به ربك في الصلاة فليس بكلام) (2) ومنها ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسمع صوتا بالباب وهو في الصلاة فيتنحنح لتسمع جاريته أو أهله لتأتيه فيشير إليها بيده ليعلمها من بالباب لتنظر ما هو؟ قال: لا بأس به) (3) وفيه (عن الرجل والمرأة يكونان في الصلاة فيريدان شيئا أيجوز لهما أن يقولا: سبحان الله؟ فقال: نعم ويوميان إلا لي ما يريدان، والمرأة إذا أرادت شيئا ضربت على فخذها وهي في الصلاة) (4) وصحيحة معاوية بن وهب الدالة على قراءة أمير المومنين عليه الصلاة والسلام القرآن في جواب ابن الكواء لما قرأ (ولقد اوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فأنصت أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن كان في الثالثة فقرأ أمير المومنين عليه السلام في جوابه: (وإصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) (5) ثم إنه


(1) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 2. (2) الفقيه باب وصف الصلاة تحت رقم 45. (3) و (4) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 4 و 5. (5) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 2.

[ 409 ]

حيث جاز قراءة القرآن لبعض الاغراض قد يقرء بقصدرد التحية كما لو سلم أحد على المصلي بالسلام الملحون وأراد المصلي الجواب بالقرآن فإن كان رد مثل هذه التحية الملحونة واجبا فقد أتى به وإن لم يكن واجبا لم يكن المصلي متكلما بكلام الآدميين حيث أنه قرا القرآن، وقد يستشكل على هذا بأن قراءة القرآن لا تصدق إلا إذا صدر الالفاظ من القاري بعنوان الحكاية ورد التحية يتوقف على توجيه السلام إلى المسلم مخاطبا إياه وهذا مغاير لقصد الحكاية فيلزم استعمال اللفظ في معنيين وهذا على فرض جوازه غير مقصود هنا فإن نظر القائل بجوازه رد التحية إلى جواز قصد الرد بالتبع لا بالاصالة في عرض قصد الحكاية للكلام المنزل ودفع الاشكال بأن التكلم بسلام عليكم إنما يقصد بلفظه حكاية الكلام المنزل مع قصده من الكلام المحكي الخطاب إلى المسلم لا انه يسلم على المخاطب باللفظ مع الصادر منه ونظير دلك كتابة السلام عليكم لشخص تريد أن ترسل المكتوب إليه فإن المكتوب إنما قصد به الحكاية عن السلام الملفوظ ويقصد من الملفوظ الخطاب إلى المخاطب المخصوص ولا يبعد أن يقال: إن القاري، يقصد باللفظ الحكاية عن الكلام المنزل على النبي صلى الله وعليه وآله وسلم ويقصد بالحاكي عن المحكي رد التحية كما أنه لو سبح أو حمد بقصد التنبيه قصد باللفظ التنزيه والثناء وباللفظ المقصود به التنزيه والثناء التنبيه وذلك لعدم المناسبة بين نفس التنزيه والثناء وتنبه الغير ليكون وسيلة إليه فنفس اللفظ مجردا شأنه الحكاية وهو موصوفا بكونه حاكيا رد للتحية، ثم إن العبرة في قاطعية الكلام بوقوعه عمدا والكلام السهوي ليس بقاطع كما يشهد به جملة من الاخبار منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم قال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين فقلت: سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعده؟ قال: عليه السلام: بعد) (1). (وكذا القهقهة) ويدل على مبطليتها مضافا إلى دعوى الاجماع عليه غير واحد من الاخبار منها صحيحة زرارة أو حسنته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (القهقهة


(1) الكافي ج 3 ص 356 باب من تكلم في صلاته تحت رقم 4.

[ 410 ]

لا تنقض الوضو وتنقض الصلاة) (1) وموثقة سماعة قال: (سألته عن الضحك هل يقطع الصلاة قال عليه السلام: أم التبسم فلا يقطع الصلاة وأم القهقهة فهي تقطع الصلاة) (2) ومضمرة ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول: (إن التبسم في الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء إنما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة) (3)، ثم إن القهقهة قد فسرت بالترجيع في الضحك وشدته أو الاغراق والمبالغة فيه كما نقل من أهل اللغة فالضحك المشتمل على الصوت بدون الشدة والترجيع خارج عن التبسم الغير الناقض والقهقهة الناقضة ومقتضى الاصل عدم مبطليته، وقد يقال بلحوقة بالقهققة حكما وإن خرج عنها موضوعا من جهة أن السؤال في بعض أخبار الباب مثل موثقة سماعة المذكورة عن قاطعية حقيقة الضحك وتفصيل الامام عليه السلام في الجواب بين التبسم والقهقهة مع وجود فرد آخر غير داخل فيهما تقتضي أن يكون النظر إلى تحديد الضحك الغير القاطع بالتبسم المذكور أولا وأما قاطعية القهقهة فهو من باب خروجها عن التبسم وإنما خصت بالذكر للغبلة ويمكن أن يقال: هذا يتم مع قطع النظر عن سائر الاخبار فلاحظ مضمرة ابن أبي عمير قوله: (إنما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة) وهل يناسب هذا التعبير غير مدخلية خصوصية القهقة في الحكم؟ بل يمكن الاستظهار من صحيحة زرارة أو حسنته المذكورة أولا حيث تعرض الامام للقهقهة ابتداء والاصل في العناوين الموضوعية واحتمال أن يكون وجه الذكر الغلبة بعد خروج الضحك عن مرتبة التبسم بعيد بمنع الغلبة أولا، وعلى فرض التسليم ليست بحد يوجب صرف ظهور العنوان في الموضوعية، ثم إن الضحك المبطل لو وقع سهوا فمقتضى حديث لا تعاد عدم مبطليته، وأما لو وقع عن غير سهو فاما أن يكون قادرا على كف النفس عن حصوله مع تحقق موجبة أولا، قد يقال: مقتضى العمومات قاطعية القسمين ولا مجال لاحتمال مدخلية الاختيار بدعوى أن الظاهر من الافعال المنسوبة إلى الفاعل المختار كون صدورها عن اختيار لان هذا الظهور مسلم في الافعال التي يمكن حصولها بواسطة بأثير إرادة الفاعل لا مثل الضحك و


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 1 و 2 و 3.

[ 411 ]

إن كان مختارا في إيجاد مقدماته أحيانا وفيه تأمل لمنع اختصاص حديث لا تعاد بخصوص السهو بل الظاهر الشمول لغير صورة العمد، ولا يبعد التمسك بحديث الرفع أيضا إلا أن يقال: حيث إن القهقهة غالبا تكون عن اضطرار فخروج صورة الاضطرار خروج الافراد الغالبة، نعم إن قلنا بمبطلية الضحك المشتمل على الصوت مع عدم بلوغه إلى حد القهقهة لا يبعد فيه منع الغلبة وعدم المبطلية من جهة حديث الرفع وحديث لا تعاد بل لا يبعد في القهقهة أن تكون ماحية لصورة الصلاة فلا مجال لما ذكر. (والفعل الكثير الخارج عن الصلاة) قد ادعي عليه الاجماع بل قيل: إنه من المسلمات بين الخاصة والعامة واختلف في تحديده فقيل: ما يسمى كثيرا في العرف، وقيل: م يخرج به فاعله عن كونه مصليا، وقيل: إنه لو اطلع على فاعله يقال: إنه معرض عن الصلاة فمع القطع بصدق هذا العنوان المجمع على مبطليتة لا إشكال ومع الشك قد يقال بأن المرجع الاصل من البراءة أو الاحتياط على الخلاف المعروف، ويمكن أن يقال: بعد تسليم تحقق الاجماع على مبطلية العنوان المذكور الظاهر أنه ليس من قبيل سائر العناوين التي ينحل المنهي عنها إلى النواهي المتكثرة بتكثر المصاديق بل يكون صرف الطبيعة بوجودها مبطلا و على هذثا فالقائل بلزوم الاحتياط في هذه الصورة يلزمه الاحتياط في المقام وإن قال بالبراءة في مسألة الاقل والاكثر، نعم على ما هو الاقوى من عدم الفرق بين الصورتين لا مانع من جريان البراءة. (والبكاء لامور الدنيا) والدليل عليه مضافا إلى الشهرة بل قيل بعدم ظهور الخلاف فيه ما رواه الشيخ - قدس سره - في التهذيب (1) باسناده عن النعمان بن عبد السلام عن أبي حنيفة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة فقال عليه السلام: إن بكي لذكر جنة أو نار فذلك هو أفضل الاعمال في الصلاة وإن كان ذكر ميتا له فصلاته فاسدة) وضعف الرواية مجبور باشتهارها بين الاصحاب و


(1) المصدر ج 2 ص 317 تحت رقم 1294.

[ 412 ]

استنادهم إليها، ثم إنه فسر بعض أهل اللغة البكاء الممدود بما يشتمل على الصوت دون مجرد خروج الدمع والواقع في النص هو الممدود ولا أقل من أنه المتيقن وهو وإن كان في كلام السائل إلا أنه لا بد من انطباق الجواب على مورد السؤال فلا دليل على مبطلية مجرد خروج الدمع بدون الصوت واستشكل على هذا بأن لفظي البكاء والبكى بالمد والقصر ليسا من الالفاظ الجامدة حتى يحتمل كون كل منها موضوعا لمعنى بل من المصادر المأخوذ ة من مادة مهملة ودلالة المصدر على المعنى المصدري كدلالة باقي المشتقات على معانيها إنما هي من جهة تركيب تلك المادة مع هيئة خاصة، ولا إشكال في أن هيئة المصدر لا تقيد إلا قيام المبدء بفاعل ما، فان كان معنى المادة هو المشتمل على الصوت فاللازم أن يكون المصدر مفيداله، ممدودا كان أو مقصورا، وإن كان معناها شيئا آخر كان المصدر ايضا مفيدا له وبالجملة القول باختصاص المبطل بالمشتمل على الصوت من هذه الجهة لا وجه له نعم يمكن دعوى التبادر بمناسبة القام إلى ما يشتمل على الصوت فإن مجرد خروج الدمع من العين من دون صوت ليس مما يعتد به حتى يحتمل كونه من قواطع الصلاة وطريق الاحتياط غير خفي، ويمكن أن يقال: أما الاشكال المذكور فهو وارد إن لم يحتمل نقل اللفظ عن المعني المصدري إلى المعنى الخاص وهو المشتمل على الصوت ومع تفسير أهل الخبرة لا يمكن دفع هذا الاحتمال، وأما ما افيد أخيرا من دعوى التبادر ففيه إشكال من عدم الاطلاع بالملاك. (ويحرم قطع الصلاة إلا لخوف ضرر مثل فوات غريم أو تردى طفل) الظاهر عدم الخلاف في عدم جواز قطع الصلاة اختيارا من دون مجوز كخوف الضرر ونحوه واستدل عليه بثلاث طوائف من الاخبار الاولى نصوص التحريم والتحليل بدعوى ظهورها في حرمة المنافيات من حين التلبس بتكبيرة الاحرام إلى تحقق التسليم ولا يكفي مجرد المنع الشرطي وإلا لصح هذا الاطلاق في سائر المركبات الشرعية مما يكون لها في الشرع منافيات مع أنه لم يعهد هذا الاطلاق إلا في الصلاة والحج والعمرة، والثانيه ما دل على التوبيخ على الاخلال ببعض

[ 413 ]

الامور المعتبرة في الصلاة الشخصية بحيث يستظهر منه عله التوبيخ نفس هذا العنوان لا ما يلازم الاكتفاء بالصلاة المذكورة من ترك الصلاه الصحيحة مثل مصححة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (بينا رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم جالس في المسجد إذا دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال رسول الله صلى الله وعليه وآله: نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني) (1) ورواية عبد الله بن ميمون القداح عن محاسن البرقي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أبصر علي بن أبي طالب عليه السلام رجلا ينقر صلاته فقال عليه السلام منذكم صليت بهذه الصلاه فقال له منذ كذا وكذا فقال عليه السلام مثلك عند الله مثل الغراب إذا نقر، لو مت مت على غير ملة أبي القاسم محمد صلى الله وعليه وآله وسلم، ثم قال: إن أسرق الناس من سرق من صلاته) (2) موضع الاستشهاد قوله صلى الله وعليه وآله وسلم في الاولى (وهكذا صلاته) وقوله عليه السلام في الثانية (منذكم صليت بهذه الصلاة) وقوله عليه السلام (أسرق الناس من سرق من صلاته) تقريب الاستشهاد بالفقرتين الاوليين أن الظاهر منها كون الموجب للخروج عن الدين والملة أمرا وجوديا هو صدور الصلاة الشخصية منه بالوصف المذكور لا ما يلازم الاكتفاء به من ترك الصلاة المفهومية ولا يخفى الاشكال في الاستدلال بهذه الطائفة من الاخبار بالتقريب المذكور من جهة أن الظاهر من هذه التعبيرات كامثالها في العرفيات التوبيخ على إتيان المكلف بشئ ليس مصداقا لما عليه بعنوان الامتثال والوفاء بالنسبة إلى ما عليه كما لو رأى عالم جاهلا يتوضا بنحو لا يصح معه يقول له: ويل لك هكذا وضوؤك منذكم سنة توضأت بهذا النحو، ويقال لمن أضاف قوما لا على ما ينبغي: هكذا ضيافتك، وثانيا نقول الخروج عن الدين والملة على أي تقدير ليس موجبه أمر ا وجوديا لان الصلاة الفاسدة لا توجب الخروج عن الدين و الملة بل الموجب هو ترك الجزء والشرط وهو أمر عدمي


(1) الوسائل أبواب الركوع ب 3 ح 1. (2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض ب 9 ح 2. وفي المحاسن ص 82.

[ 414 ]

يوجب انعدام المركب وبالاخرة ينتهي إلى ترك الطبيعة ويستحق العقوبة عليه لا ترك الفرد الخاص، وأما ما افيد في الفقرة الاخيرة ففيه أيضا إشكال لان الصلاة الشخصية ليست متعلقة للامر والطلب وإطلاق السرقة حقيقة فيما كان شئ بالخصوص راجعا إلى الغير لا مثل المقام فالتعبير على نحو التجوز على أي تقدير وبالجملة استفادة المطلوب مما ذكر في غاية الاشكال. الثالثة ما دل على تعليق جواز القطع بالمعنى الاعم المقابل للحرمة على بعض الامور كالخوف من الحية ونحوه مثل ما رواه الصدوق في الصحيح عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد أبق أو غريما لك عليه مال أو حية تتخو فها على نفسك فاقطع الصلاة وابتغ غلامك أو غريمك و اقتل الحية) (1) تفريب الاستدلال أنه حيث علق جواز القطع على الامور المذكورة يستفاد منه احتياج الجواز إلى أمر وجودي كالامور المذكورة وإن لم تنحصر علة الجواز بالمذكورات فليس جواز القطع من آثار نفس الصلاة من حيث ذاتها وإلا كان التعليق على الامر الخارجي بلا وجه، ويمكن أن يقال: لا مانع من كون القطع أمر مرغوبا عنه يكون مكروها ترتفع كراهته بطرو عنوان مثل لزوم الحرج كارتفاع الحرمة بواسطته، ثم إنه على تقدير استفادة الحرمة والاحتياج إلى المجوز يقع الاشكال فيما لو كان الشك من جهة طرو عنوان يشك في تجويزه للقطع وحيث لا مجال لاستصحاب عدم المجوز لعدم الشك فيما يمكن أن يكون مصداقا له فالمرجع استصحاب حرمة القطع قبل وجود ذلك الشئ إن جرى في الشبهات الحكمية وقد يقرب لزوم الاحتياط في هذه الموارد مع قطع النظر عن الاصل بدعوى أن بناء العقلاء على عدم الاقدام بالنسبة إلى أمر يحتاج جواز الاقدام فيه إلى أمر وجودي مع عدم إحراز ذلك الامر الوجودي بحيث يذم العقلاء على الاقدام فلا مجال للرجوع إلى البراءة العقلية والشرعية وفي هذا التقريب نظر من جهة أنا لا نفهم منه إلا ما يدعى من قاعدة المقتضي والمانع وأنه متى أحرز المقتضي يرتب عليه المقتضى بالفتح ما لم يحرز


(1) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 1.

[ 415 ]

المانع وهو محل المنع، وعلى تقدير التسليم ليس إلا حكما اقتضائيا نظير حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية قابل لرفع اليد عنه بواسطة البراءة الشرعية، و يمكن أن يقال بعد استفادة حرمة القطع من دليل محللية التسليم واستفادة الحصر لا حاجة إلى التمسك بهذه الوجوه. وأما الجواز أعني جواز القطع في مورد الضرورة فيدل عليه مضافا إلى عمومات أدلة نفي الحرج الحاكمة على أدلة التكاليف بعض الاخبار بالخصوص منها الصحيح المذكور آنفا ومنها موثقة سماعة قال: (سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسي كيسه أو متاعا يتخوف ضياعه أو هلاكه قال: يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة قلت: فيكون في الصلاة الفريضة فتغلب عليه دابة أو تغلب دابته فيخاف أن تدهب أو يصيب فيها عنت؟ فقال: لا بأس بأن يقطع صلاته ويتحرز و يعود إلى صلاته) (1). (وقيل يقطعها الاكل والشرب إلا في الوتر لمن عزم الصوم ولحقه عطش) أصل الحكم ذكره الشيخ - قدس سره - وادعى عليه الاجماع و تبعه أكثر من تأخر عنه ومنعه المحقق في المعتبر وطالبه بالدليل، والحق أن بطلان الصلاة بها بالخصوص لا دليل عليه إلا أن يندرجا تحت الفعل الكثير والماحي لصورة الصلاة في نظر المتشرعة حسب ارتكازهم ولهذا صرحوا بعدم المانع من ابتلاع ما يبقى من الغذاء بين الاسنان وأما الصورة المستثناة فيدل على عدم الابطال فيها النص فقد روى الشيخ باسناده عن سعيد الاعرج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إني أبيت وإريد الصوم فأكون في الوتر فأعطش فأكره أن أقطع الدعا وأشرب وأكره أن أصبح وأنا عطشان وأمامي قلة بيني وبينها خطوتان أو ثلاث، قال: تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء) (2) واحتمال مدخلية الخصوصيات المذكورة في الرواية بتمامها بعيد نعم لا يبعد الاختصاص بخصوص النافلة من دون السراية إلى الفريضة إلا أن يمنع


(1) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 2. (2) المصدر ب 23 ح 1

[ 416 ]

كون مثل هذا الشرب ماحيا لصورة الصلاة والشاهد عليه أنه لم يستنكر الراوي بعد ما سمع من الامام عليه السلام والظاهر عدم الفرق عندهم في الماحي بين الفريضة والنافلة. (وفي جواز الصلاة والشعر معقوص قولان أشبهها الكراهية) استدل للقول بالحرمة بخبر مصادف عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل صلى بصلاة الفريضة وهو معقوص الشعر، قال: يعيد صلاته) (1) واجيب بضعف السند وقضاء العادة بصيرورة مثل هذا الحكم مع عموم الابتلاء به في تلك الاعصار كثيرة الدوران في السنة الرواة والائمة عليهم السلام. (ويكره الالتفات يمينا وشمالا) الالتفات إذا كان فاحشا يخرج به المصلي عن الاستقبال تبطل الصلاة، وأما مع عدم البلوغ إلى هذا الحد فيدل على كراهته خبر عبد الملك قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الالتفات في الصلاة أيقطع الصلاة فقال: لا وما احب أن يفعل) (2) بعد حمل هذا الخبر على غير الفاحش جمعا بينه وبين غيره. (والتثأب والتمطي والعبث ونفخ موضع السجود والتنخم والبصاق وفرقعة الاصابع وألتأوه بحرف ومدافعة الاخبثين ولبس الخف ضيقا) والدليل على كراهة ما ذكر جملة من الاخبار منها صحيحة زرارأة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا قمت إلى الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فإنما يحسب لك منها ما أقبلت عليه، ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك، ولا تحدث نفسك، ولا تتثأب، ولا تتمط، ولا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس، ولا تلثم، ولا تحتفز، ولا تفرج كما يتفرج البعير، ولا تقع على قدميك، وتفترش ذراعيك، ولا تفرقع أصابعك فإن ذلك كله نقصان من الصلاة - الحديث) (3) ومنها رواية أبي بصير قال: قال


(1) الوسائل أبواب لباس المصلى ب 36 ح 1. (2) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 5. (3) والوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 7.

[ 417 ]

أبو عبد الله عليه السلام (إذا قمت إلى الصلاة فاعلم أنك بين يدي الله فإن كنت لا تراه فاعلم أنه يراك فأقبل قبل صلاتك ولا تمتخط لا تبزق ولا تنقض أصابعك ولا تتورك فان قوما قد عذبوا بنقض الاصابع - الحديث) (1) وأما التأوه فإن ظهر منه كلام فهو داخل في كلام الآدميين ومع عدم الظهور لم نعرف دليلا على كراهته إلا فتوى الاعاظم وأما مدافعة الاخبثين فالدليل على كراهتها أخبار مستفيضة منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة وهو بمنزلة من هو في ثوبه) (2) وعن إسحاق بن عمار أنه نقله (لا صلاة لحاقن ولا لحاقب) وفسر الحاقن بحابس البول والحاقب بحابس الغائط (3) ومنها رواية أبي بكر الحضرمي عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن رسوال الله صلى الله وعليه وآله وسلم قال: لا تصل وأنت تجد شيئا من الاخبثين) (4) والدليل على عدم الحرمة مضافا إلى عدم الخلاف فيه ظاهرا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه أيصلي على تلك الحال، أولا يصلي؟ قال: فقال: إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر) (5) وأما كراهة لبس الخف الضيق في الصلاة فمستندها ما عن الصدوق - ره - في كتاب معاني الاخبار (6) والمجالس عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لا صلاة لحاقن ولا لحاقب ولا لحازق، فالحاقن الذي به البول، والحاقب الذي به الغائط والحازق الذي به ضغظة الخف) (ويجوز للمصلي تسميت العاطس ورد السلام بمثل قوله سلام عليكم والدعاء في أحوال الصلاة بسؤال المباح دون المحرم) أما جواز التسميت للمصلي فالظاهر عدم الدليل على استحبابه أو جوازه للمصلي بالخصوص واستناد القائلين إلى ما دل على الستحبابه بضم أنه دعاء والدعاء لا يبطل الصلاة ويشكل بأن الدعاء الذي لا يضر بالصلاة هو ما كان من قبيل المناجاة


(1) الوسائل أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 11. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 2 و 5 و 3 و 1. (6) المصدر ص 237.

[ 418 ]

مع الرب تبارك وتعالى دون ما كان من سنخ المكالمة مع المخلوقين كالسلام عليهم فإنه وإن كان دعاء من جهة إلا أنه مخاطبة وتكلم مع المسلم عليه ويشكل الاعتماد على الشهرة والاجماع المدعى مع معلومية المستند فالجواز مشكل جدا، وأما جواز رد السلام بالنحو المذكور بمعنى عدم كونه مبطلا مع كونه من كلام الآدميين فيدل عليه أخبار منها موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة قال: يرد يقول: (سلام عليكم) ولا يقل (وعليكم السلام) فإن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم كان قائما يصلي فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه عمار فرد عليه النبي وصلى الله وعليه وآله وسلم هكذا) (1) ومنها صحيحة محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يسلم على القوم في الصلاة فقال: (إذا سلم عليك مسلم وأنت في الصلاة فسلم عليه تقول: (السلام عليك) وأشر بأصبعك) (2) ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: (دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو في الصلاة فقلت: السلام عليك فقال عليه السلام: السلام عليك، فقلت: كيف أصبحت فسكت فلما انصرف قلت: ويرد السلام وهو في الصلاة فقال عليه السلام: نعم مثل ما قيل له) (3) والظاهر أن المماثلة التي اعتبرت في هذه الصحيحة المماثلة من حيث التقديم والتأخير في المبتدأ والخبر أعني الظرف لا المماثلة من التعريف والتنكير والافراد والجمع والشاهد عليه ترك الاستفصال في للموثقة وجواز الرد بقول: سلام عليكم مع احتمال أن يكون تسليم المسلم بنحو التعريف أو الافراد ولكنه يرد الاشكال من جهة أنه إذا كان من صيغ التسليم عليك السلام بتقديم الظرف فمقتضى الموثقة عدم جواز الرد بهذا النحو ومقتضى الصحيحة الاخيرة لزوم المماثلة إلا أن يدعى أن تقديم الظرف في السلام الابتدائي غير متعارف فلا يشمل الموثقة هذه الصورة، وفيه منع، ويشهد له مضافا إلى مساعدة العرف ما رواه الصدوق بإسناده عن عمار الساباطي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النساء كيف يسلمن إذا دخلن على القوم قال: المرأه تقول: عليكم السلام


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 2 و 5 و 1.

[ 419 ]

والرجل يقول: السلام عليكم) (1) وأما جواز الدعاء بسؤال المباح فالظاهر عدم الخلاف فيه ويدل أخبار كثيره منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كلما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلي الله وعليه وآله وسلم فهو من الصلاة - الحديث) (2) ومنها صحيحة ابن مهزيار قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يتكلم في الصلاة الفريضة بكل شئ يناجي ربه قال: نعم) (3) ومنها مرسله حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (كل ما كلمت الله به في صلاة الفريضة فلا بأس (4) وليس بكلام) وأما عدم جواز الدعاء بسؤال المحرم فهو في ذاته أرسلوه إرسال المسلمات والمشهور مبطليته للصلاة واستدل عليه بالاجماع المحكي عن التذكرة وببعض الوجوه المخدوشة، والمحكم بها مشكل والعمل على المشهور.


(1) الوسائل أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج ب 39 ح 2. (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 2 و 1 و 3.

[ 420 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين قوله - قدس سره -: (المقصد الثالث في التوابع وهي امور خمسة الاول في الخلل الواقع في الصلاة وهو يكون إما من عمدا وسهو اوشك أما العمد فمن أخل معه بواجب أبطل صلاته شرطا كان أو جرءا أو كيفية ولو كان جاهلا بالحكم عدا الجهر والاخفات فإن الجهل عذر فيهما وكذا تبطل لو فعل ما يجب تركه) لزوم البطلان بواسطة الاخلال عن (؟؟؟؟) يحتاج إلى دليل بل لازم الاعتبار في المأمور به فحيث لم يأت المكلف بالمأمور به على الوجه المطلوب يكون باقيا في عهدة التكليف هذا واضح لو اريد من البطلان ما يقابل الصحة بمعنى تمامية الاجزاء والشرائط أو بمعنى موافقة الامر المتعلق بالكل وأما لو اريد به ما يقابل الصحة بمعنى موافقة الامر في الجملة أو بمعنى سقوط القضاء والاعادة فعدم البطلان مع الاخلال متصور بأن يكون المأتي به الناقص أيضا مأمورا به، والامر بالكل بنحو تعدد المطلوب أو بأن يحدث مصلحة كما قيل في صورة الاخلال بالجهر أو الاخفات جهلا أو بأن يكون المأتي به الناقص مضاد للمأمور به التام بمعنى أنه مع الاتيان به لا مجال لاستيفاء المصلحة التامة بالمركب التام كما تصور في مسألة الاجزاء وهذا نظير ما لو أمر الطبيب بشرب دواء مركب فأخل المريض ببعض الاجزاء وشرب المركب الناقص فيرى الطبيب أنه مع شرب هذا لا مجال للشرب ثانيا لعدم إمكان استيفاء المصلحة لكنه حيث تكون هذه الامور على خلاف الاصل ويحتاج في مرحلة الاثبات إلى الدليل، والاشتغال اليقيني يحتاج إلى البراءة اليقينية فالبطلان بمقتضى الاصل وحيث كان البطلان مقتضى الاصل إلا إذا دل الدليل على خلافه فالقدر المسلم في الصلاة صورة الاخلال بالجهر في موضعه وبالاخفات في موضعه مع الجهل بالحكم أو السهو أو النسيان و

[ 421 ]

الدليل عليه مضافا إلى الاجماع المدعى من غير واحد صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه وأخفي فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقال: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته) (1) وقد مر تمام الكلام في مبحث القراءة وهل يمكن التعدي إلى غير هذه الصرة كما لو أخل الجاهل بالحكم ببعض الواجبات الغير الركنية لا يبعد تمسكا بحديث (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة) واستشكل في الاستدلال به تارة بأنه لا يشمل الاخلال العمدي قطعا فيدور أمرها بين أن يكون المراد به الاخلال الغير العمدي مطلقا بحيث يشمل صورة الجهل بالحكم قصورا أو تقصيرا أو الاخلال الصادر عن سهو ونسيان كما فهمه الاصحاب ولا معين لارادة الاول فيتعين قصره عى خصوص الناسي والساهي إبقاء للادلة النافية له على ظواهرها واخرى بأن ظاهر (لا تعاد) صحة الصلاة وتماميتها مع الاخلال بغير الخمسة ولا يتصور أخذ العلم بالحكم في الشرطية والجزئية ويمكن أن يجاب عن كلا الاشكالين أما عن الاشكال الاول فبأنه لا مانع من الاطلاق وظهوره مقدم على ظهور الادلة الدالة على الاجزاء والشرائط ولو لا هذا لوقعت المعارضة بينه وبينها في صورة السهو والنسيان أيضا من جهة شمول إطلاقات الادلة لصورة السهو النسيان وليس كذلك، وأما عن الاشكال الثاني فبمنع ما ذكر من ظهور لا تعاد في تماميتها لان عدم لزوم الاعادة يناسب مع الصحة والتمامية ويناسب مع تقبل الشارع الناقص بدلا عن التام إذا كان النقص عن سهو أو نسيان أو جهل بالحكم بل لعل هذا أولى حفظا لظهور الادلة الدالة على اعتبار الاجزاء والشرائط مطلقا حتى في صورة السهو والنسيان ولا استبعاد في هذا كما في صورة الجهل بالنسبة إلى الجهر والاخفات وصورة الجهل بلزوم التقصير على المسافر وما ورد في الحج حيث أخلوا بالترتيب الواجب وأمضى عملهم، نعم قد يستوحش من جهة مخالفة المشهور ولكنه ترتقع الوحشة من جهة عدم التزامهم ظاهرا بلزوم الاعادة في صورة الخطأ


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 26 ح 1.

[ 422 ]

في الاجتهاد مع أنه لا فرق إلا من جهة عدم التقصير في هذه الصورة أعني صورة الخطأ في الاجتهاد وفي غيره يتصور القصور والتقصير. (وتبطل الصلاة في الثوب المغصوب أو الموصع المغصوب والسجود على الموضع النجس مع العلم لا مع الجهل بالغصبية والنجاسة) قد مر الكلام في ذلك كله سابقا في كتاب الطهارة وبعض مباحث الصلاة فلا موقع لاعادة وقد سبق ظاهرا الاشكال في الصحة في صورة الجهل بالغصبية وإن كانت مشهورة مع معذورية المكلف. (وأما السهو فإن كان عن ركن وكان محله باقيا أتى به وإن كان دخل في آخر أعاد كمن أخل بالقيام حتى نوى أو بالنية حتى افتتح) الصلاة (أو بالافتتاح حتى قرأ، أو بالركوع حتى سجد، أو بالسجدتين حتى ركع) أما الصحة و لزوم الاتيان مع بقاء المحل بأن لم يدخل في ركن آخر فقد يقال: بأنها مقتضى القاعدة حيث إن الامر بالنسبة إلى ما وقع السهو عنه باق ويتمكن من الاتيان به بدون لزوم محذور غير أنه يلزم الغاء ما تلبس به من الاجزاء الغير الركنية ولا محذور فيه وإن اعيد ذلك الجزء المأتي به في غير محله لانه بعد الاتيان به ثانيا تحصل زيادة سهوية في غير الاركان وهي لا توجب البطلان وعلى فرض صدق الزيادة العمدية أيضا لا تضر لان ما دل على كون الزيادة مبطلة لا يشمل هذه الصورة أعني صورة اتصاف الجزء بوصف الزيادة بعد وجوده بل هو مخصوص بما لو وقع في أول وجوده متصفا بالزيادة كما لو زاد جزءا بعد وجوده بأن يؤتى به ثانيا وفيه إشكال لمنع كون الزيادة سهوية لان محقق وصف الزيادة فيما أتى به أولا مع كونه في غير محله تحقق عن عمد وإن كان وجوده أولا لا عن عمد وهذا كاف في صدق العمد كما أن عدم شمول ما دل على مبطلية الزيادة العمدية أيضا محل منع لما قد سبق في القراءة من أنه يستفاد مما دل على عدم جواز قراءة العزيمة في الصلاة بواسطة التعليل بأن السجدة زيادة في المكتوبة أن كل زيادة مبطلة لان هذه الكبرى الغير المذكورة مناسبة للصغرى المذكورة وكون السجدة لقراءة

[ 423 ]

العزيمة زيادة تنزيلية لا حقيقية حيث لم يؤت بها بقصد الجزئية للصلاة لا يضر بالمقصود وعلى هذا فما هو المعروف في الاركان وغيرها من أنه إذا وقع السهو عنها و كان المحل باقيا لا موجب لبطلان الصلاة بل يجب الاتيان وإعادة ما وقع في غير محله على القاعدة لعدم لزوم محذور بالبيان المذكور محل تأمل، نعم إن دل الدليل على التدارك فهو المتبع والصورة المفروضة في المتن نقول فيها أما الاخلال بالنية فمعه لا يتحقق عنوان الصلاتية والتعبير بالاعادة مسامحة وأما الاخلال بتكبيرة الاحرام والقيام حالها فقد مضى الكلام في ركنيتهما ولزوم الاعادة من جهة الاخلال بهما، وأما الركوع والسجود فيدل على لزوم الاعادة بالاخلال بهما الاخبار الدالة على إعادة الصلاة بنسيانهما ومفهوم قول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود) (1) هذا على تقدير عدم التذكر إلى آخر الصلاة، وأما مع التذكر بعد الدخول في ركن آخر فحيث يوجب إعادة الركن الآخر زيادة الركن تبطل الصلاة من جهة الزيادة المبطلة مطلقا عمدا وسهوا ثم إن بعض الصور المفروضة يلزم الاعادة فيها بالاخلال لا من جهة لزوم زيادة الركن كمن ترك الافتتاح حتى قرأ يجب عليه الاعادة من جهة أنه لم يدخل بعد في الصلاة ومن ترك الركوع حتى دخل في السجدة الاولى مقتضى قاعدة المذكورة آنفا عدم لزوم الاعادة لانه لو رجع إلى الركوع ويأتي به ويسجد بعده السجدتين لا يلزم محذور إلا زيادة السجدة الواحدة وزيادتها السهوية لا توجب البطلان هذا على المسلك المعروف، وأما على ما ذكر من الاشكال فالبطلان على القاعدة ويمكن استفادة البطلان ولزوم الاعادة من النص ففي موثقة إسحاق ابن عمار قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل ينسي أن يركع قال عليه السلام: يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك مواضعه) (2) وفي خبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن رجل نسي أن يركع قال عليه السلام: عليه الاعادة) (3) واستشكل


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 7 ح 1 وقد تقدم كرارا. (2) و (3) الوسائل أبواب الركوع ب 10 ح 2 و 4.

[ 424 ]

بأنه من الواضح أن قول السائل: (الرجل نسي أن يركع) يراد منه أن صلاته صارت خالية من الركوع من جهة النسيان ومن المعلوم وجوب استيناف الصلاة المفروضة، ولا يفهم من السؤال والجواب أن مجرد تحقق نسيان الركوع من مبطلات الصلاة وإن كان محل تداركه باقيا وفيه نظر لانه بعد صدق النسيان بمجرد الترك في محله وعدم الاستفصال يكفي الاطلاق والشاهد على هذا الاستفصال الواقع في بعض الاخبار وإن لم يكن مربوطا بالمقام مثل صحيحة سليمان بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الاولتين فقال: إن ذكر قبل أن يركع فليجلس وإن لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم ويسجد [ وليسجد خ ل ] سجدتي السهو) (1) فلو لا الاطلاق لم يحتج إلى التفصيل وفي غير ما ذكر من الصور التي لم يدخل في ركن آخر ويعبر ببقاء المحل فمع قطع النظر عن القاعدة يستفاد من الاخبار صحة الصلاة وإعادة الجزء دون الصلاة في بعض الصور، وفي بعض يصح على القاعدة وفي بعضها يحتاج إلى القاعدة وقد عرفت الاشكال فيها فالصورة الاولى نسيان سجدة واحدة مع التذكر قبل الركوع والدليل عليه صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد قال: فليسجد ما لم يركع فأذا ركع وقد ذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء - الحديث) (2) وصحيحة ابي بصير قال: (يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فإن كان قدر ركع فليمض على صلاته فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو) (3) والصورة الثانية ما لو نسي الركوع وذكر قبل أن يسجد فالصحة على القاعدة لانه لم يدخل في شئ من أجزاء الصلاة ومثل الهوي للسجود من المقدمات ولا يفهم مما دل على بطلان الصلاة بنيسان الركوع البطلان حتى


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 7 ح 3. (2) و (3) الوسائل أبواب السجود ب 14 ح 1 و 4.

[ 425 ]

مع إمكان التدارك بلا محذور، وأما الصورة الثالثة فهي ما لو ترك السجدتين من الركعة السابقة ولم يدخل بعد في ركوع الركعة اللاحقة فالمشهور على ما نسب إليهم الصحة ولزوم الرجوع ما لم يركع لاصالة بقاء التكليف وعدم وجود ما يمنع واستظهر من غير واحد من القدماء كالمفيد في المقنعة وأبي الصلاح وابن إدريس القول بالبطلان واستدل له بالروايات الدالة على بطلان الصلاة بنسيان السجود خرج منها نسيان سجدة واحدة نصا وإجماعا وبقي الباقي، وفيه إشكال كما اشير إليه آنفا فالعمدة الاشكال من جهة الاشكال في القاعدة. (وقيل: إن كان في الاخيرتين من الرباعية أسقط الزائد وأتى بالفائت) حكي هذا القول عن الشيخ محتجا في التهذيب على البطلان في الركعتين الاولتين وثالثة المغرب بالاخبار الدالة على مذهب المشهور القائلين بأنه لو ترك الركوع حتى دخل في السجود يجب عليه إعادة الصلاة منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل ينسي أن يركع حتى يسجد و يقوم قال: يستقبل) (1) وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة) (2) وعلى إسقاط زائد والاتيان بالفائت في الركعتين الاخيرتين برواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع قال: قال: فإن استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبني على صلاته على التمام، وإن كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ وانصرف فليقم فليصل ركعة وسجدتين ولا شئ عليه) (3) وبصحيحة العيص بن القاسم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع قال: يقوم فيركع ويسجد سجدتي السهو) (4) وعن المصنف - قدس سره - في المعتبر أنه أجاب عن الرواية الاولى بأن ظاهرها الاطلاق وهو متروك وتخصيصها بالاخيرتين تحكم، وعن الثانية بأنها


(1) و (2) الوسائل أبواب الركوع ب 10 ح 1 و 3. (3) و (4) المصدر ب 11 ح 2 و 3.

[ 426 ]

غير دالة على مطلوبه وإنما تدل على وجوب الاتيان بالمنسي خاصة وهو لا يذهب إليه بل يوجب به وبما بعده انتهى. والعمدة إعراض الشهور عن العمل برواية محمد بن مسلم المنقولة بطريق صحيح أيضا مع اختلاف ما وإلا لامكن الجمع بينهما والاخبار السابقة بحمل ما دل على لزوم الاعاده على الاستحباب. (ويعيد الصلاة لو زاد ركوعا أو سجدتين عمد أو سهوا) بطلان الصلاة بزيادة ما ذكر، لا خلاف فيه على الظاهر إلا ما سمعت في المسألة السابقة من القول بجواز حذف السجدتين لتدارك الركوع المنسي المستلزم لوقوع المحذوف زائدا بعد إعادته، نعم قد يغلب على الظن أن القائل بعدم بطلان الصلاة بزيادة الخامسة إذا جلس عقيب الرابعة بقدر أن يتشهد قد يلتزم بعدم البطلان بزيادة الركوع والسجدتين أيضا لو وقعت كذلك واستدل عليه مضافا إلى الاجماع بعموم قوله عليه السلام في خبر أبي بصير (من زاد في صلاته فعليه الاعادة) (1) واستشكل في الاستدلال به بأنه لابد أن يراد منه الزيادة العمدية وإلالزم تخصيص الاكثر إذ الغالب حصول الزيادة سهوا وهو في غير الاركان غير مبطلة إجماعا وتارة اخرى بأن المحتمل قريبا أن يكون هذه العبارة من قبيل الزيادة في العمر في قولك زاد الله في عمرك فيكون المقدر الذي جعلت الصلاة ظرفا له هو الصلاة فينحصر المورد بما كان الزائد مقدارا يطلق عليه الصلاه مستقلا كالركعة وهذا المعنى إن لم يكن اللفظ ظاهر فيه فلا أقل من أنه المتيقن في مقابل أن يقدر شئ من الصلا ة ركعة كانت أو بعضها أو غيرهما، ويمكن أن يجاب عن الاشكال الاول بأن غاية الامر حال هذه الرواية نظير دليل قاعدة الميسور وقاعدة القرعة وقاعدة الضرر حيث أنها لا يعمل بعمومها وإطلاقها بل يقتصر بموارد عمل المشهور، وعن الثاني بأنه بعد تسليم الاجماع على مبطلية زيادة الركوع والسجدتين لا تبقى الموضوعية للركعة في الابطال فإن زيادتها مسبوقة بزيادة الركوع الموجبة للبطلان بالاستقلال بلا حاجة إلى شئ آخر والاصل في العناوين الموضوعية فهذا الاحتمال بعيد، وثانيا ثمنع كون المثال أيضا من هذا القبيل فإن العمر عبارة عن


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 19 ح 2.

[ 427 ]

مدة الحياة وقول القائل: زاد الله في عمرك. لا يراد منه أن يزيد على عمره ما يصدق عليه العمر بل امتداده بأن يزيد عليه من سنخ ما يكون جزءا للعمر وهذا المعنى صادق بزيادة أبعاض الركعة، ويمكن الاستدلال أيضا بما دل على عدم جواز قراءة العزيمة من جهة حصول الزيادة بالسجدة اللازمة وقد سبق وجه الاستدلال وعدم ورود إشكال عليه فتأمل. (ولو نقص من عدد) ركعات (الصلاة ثم ذكر أتم ولو تكلم على الاشهر) تذكر النقص تارة يكون بعد السلام قبل فعل ما يبطل الصلاة واخرى بعد فعل ما يبطلها عمدا وسهوا كالحدث وثالثة بعد فعل ما يبطل الصلاة سهوا لا عمدا أما الصورة الاولى فالظاهر عدم الخلاف في صحة الصلاة ويدل عليه جملة من الاخبار منها ما عن الشيخ في الصحيح عن الحرث بن المغيرة النصري قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (إنا صلينا المغرب فسهى الامام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة قال: ولم أعدتم أليس قد انصرف رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم في ركعتين فأتم بركعتين ألا أتممتم) (1) ومنها موثقة عمار في حديث قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن أنها أربع فلما سلم ذكر أنها ثلاث قال: يبني على صلاته متى ما ذكر ويصلي ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو وقد جازت صلاته) (2) وأما الصورة الثانية فالمشهور لزوم الاعادة وبطلان الصلاة بل ما حكي الخلاف إلا عن الصدوق - قده - واستدل للمشهور مضافا إلى ما دل على انقطاع الصلاة وبطلانها بالحدث ونحوه بجملة من الاخبار منها ما عن الشيخ في الصحيح عن جميل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ركعتين ثم قام قال: يستقبل، قلت: فما يروي الناس فذكر له حديث ذي الشمالين فقال: (إن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم لم يبرح من مكانه ولو برح استقبل) (3) وعن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سئل عن رجل دخل مع الامام في صلاته وقد سبقه بركعة فلما فرغ الامام خرج مع الناس ثم ذكر أنه قد فاتته ركعة قال: (يعيد ركعة واحدة يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الخلل ب 3 ح 2 و 14 و 7.

[ 428 ]

عن القبلة فإذا حول وجهه عن القبله فعليه أن يستقبل الصلاة استقبالا) (1) ويشهد للقول المحكي عن الصدوق - قده - أخبار كثيره منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن رجل صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر وهو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أنه صلى ركعتين قال: يصلي ركعتين) (2) ومنها موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث (الرجل ذكر بعد ما قام وتكلم ومضى في حوائجه أنه إنما صلى ركعتين في الظهر والعصر والعتمة والمغرب قال: يبني على صلاته فيتمها ولو بلغ الصين ولا يعيد الصلاة) (3) ولا مجال للجمع بين الطائفتين ولم يعمل بالطائفة الثانية أحد إلا ما ينقل من الصدوق مع أنه حكي عنه موافقته للمشهور فيتعين الاخذ بالمشهور. وأما الصورة الثالثه فقد اختلف الاصحاب في حكمها والمشهور الصحة ويشهد لها أخبار مستفيضة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى أنه قد أتم الصلاة وتكلم ثم ذكر أنه لم يصل غير ركعتين؟ فقال: يتم ما بقي من صلاته ولا شئ عليه) (4) ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل يسهو في الركعتين ويتكلم فقال: (يتم ما بقي من صلاته، تكلم أو لا يتكلم، ولا شئ عليه) (5) والظاهر أن المراد السهو في عدد الركعات لا السهو في التكلم في أثناء الصلاة والدليل عليه (تكلم أو لم يتكلم) في الخبر، والشبهة التي توجب التردد عدم كون هذا المصلي ساهيا في الكلام بل هو بشهادة العرف مندرج في الموضوع الذي خرج بالتسليم عن الصلاة وتلبس بالافعال المنافية عن قصد وشعور فقد يرى العرف منه تحقق المنافي وما يمحو صورة الصلاة فعلى هذا لابد من القول بعدم كون الماحي لصورة الصلاة ماحيا في حال السهو ولا يبعد أن يقال: أما صورة تحقق الماحي فيشكل الحكم بالصحة لان الظاهر أن ما هو ماح عند المتشرعة حسب ارتكازهم الناشي مما تلقوه من قبل الشرع وإن لم يرد


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الخلل ب 3 ح 1 و 1 و 19 و 20. (4) و (5) المصدر تحت رقم 9 و 5.

[ 429 ]

فيه نص بالخصوص لا يفرق فيه بين صورة العمد والسهو فالسكوت الطويل ماح و لو كان عن سهو فان ظهر من بعض أخبار الباب الصحة في هذه الصورة يكون حاله حال الاخبار في الصورة السابقة فكأنه تحقق الاجماع على خلافه ولابد من رد علمه إلى أهله وأما صورة عدم تحقق الماحي كما لو تكلم فلا مانع من القول بالصحة ولو لم يكن في البين هذه الاخبار الدالة على الصحة لانه وإن كان يتراءى وقوعه عن عمد ويكون السهو ومنسوبا إلى الركعتين والركعة لكنه لا دليل على مبطلية مثل هذا لانه في الحقيقة لم يتحقق عن عمد والشاهد عليه عدم استحقاق العقوبة مع أن قطع الصلاة محرم يكون موجبا لاستحقاق العقوبة، ولا حظ باب الصوم كما لو غفل عن أنه في شهر رمضان واشتغل بالاكل والشرب. (ويعيد لو استدبر القبلة) ويدل عليه مضافا إلى ما مر سابقا خبر محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام المذكور آنفا والاخبار المخالفة الدالة على الصحة غير معمول بها (وإن كان السهو عن غير ركن فمنه ما لا يوجب تداركا ومنه ما يقتصر معه على التدراك) خاصة (ومنه مالا يتدارك مع سجود السهو فالاول من نسي القراءة) كلا أو بعضا (أو الجهر أو الاخفات أو الذكر في الركوع أو الطمأنية فيه أو رفع الرأس منه أو الطمأنينة في الرفع أو الذكر في السجود أو السجود على الاعضاء السبعة أو الطمأنينة فيه أو رفع الرأس منه أو الطمأنينة في الرفع من الاولى أو الطمأنينة في الجلوس للتشهد) أما نسيان القراءة كلا أو بعضا حتى يركع فيدا على صحة الصلاة معه بدون التدارك مضافا إلى الاجماع على الصحة ودلالة حديث (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إن الله عزوجل فرض الركوع والسجود وجعل القراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته ولا شئ عليه) (1) وأما نسيان الجهر و الاخفات فقد سبق الكلام فيه والظاهر عدم لزوم التدارك باعادة القراءة ولو لم يركع بعد لظاهر دليله وأما نسيان الذكر في الركوع فهو ايضا كذلك لعدم دخله


(1) الكافي ج 3 ص 347 باب السهو في القراءة تحت رقم 1.

[ 430 ]

في حقيقة الركوع وعدم إمكان التدارك لان محله الركوع، وأما نسيان الطمأنينة فيه حتى رفع الرأس منه بحيث خرج عن مسمى الركوع ولزم من تداركه زيادة الركن فاستفادة الصحة معه من حديث لا تعاد مشكل لانه مع كونها من شرائط الركوع قد حصل الاخلال بالركوع الواجب فيكون مندرجا تحت المشتثنى في الحديث لا المستثنى منه، لكنه قد يقال بالصحة من جهة قصور دليل اعتبار الطمأنينة حتى حال السهو عنها وفيه تأمل من جهة أن من جملة أدلة اعتبارها الخبر المذكور في الذكرى مرسلا كما سبق في مبحث الركوع والظاهر شموله باطلاقه حال السهو إن لم يكن خدشة فيه من جهة السند وكان مجبورا بالعمل كما أن الظاهر إطلاق معقد الاجماع وقول المجمعين في هذا المقام بالصحة لعله من جهة استظهارهم من حديث لا تعاد أن الاخلال المضر الاخلال بنفس الركوع بمعنى الانحناء لا الاخلال بشرطه أو من جهة احتمال كونها واجبا في حال الركوع من دون اشتراط الركوع به وهنا يظهر الاشكال في صورة الاخلال ببعض واجبات السجود كوضع المساجد السبعة خصوصا الا خلال بوضع الجبهة وكذلك الاخلال بالطمأنينة في حال السجود وما يقال: من أن الركن الذي تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا هو مسمى السجود وما زاد على ذلك ككونه على سبعة أعظم مطمئنا باقيا بمقدار أداء الذكر الواجب فهي امور اعتبرها الشارع لدى التمكن والتذكر لا مطلقا، محل نظر لانه على فرض تسليم ما ذكر في خصوص الطمأنينة لم نعرف وجها لرفع اليد عن إطلاق ما دل على اعتبار لزوم وضع المساجد السبعة في مقام بيان الاجزاء والشرائط، والدليل على عدم الضرر بواسطة الاخلال في غير ما ذكر من الموارد المذكورة في كلام المصنف - قده - حديث لا تعاد. (الثاني من ذكر لم يقرء الحمد وهو) آخذ (في السورة قرأ الحمد وأعادها أو غيرها، ومن ذكر قبل السجود أنه لم يركع قام فركع، وكذا من ترك السجود أو التشهد وذكر قبل ركوعه قعد فتداركه ومن ذكر أنه لم يصل على النبي صلى الله عليه وآله بعد أن سلم قضاها) أما لزوم تدارك الحمد فيدل عليه موثقة

[ 431 ]

سماعة قال: (سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسي فاتحة الكتاب قال: فليقل أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ان الله هو السميع العليم ثم ليقرءها مادام لم يركع فانه لا صلاة له حتى يبدء بها في جهر أو إخفات فانه إذا ركع أجزأه إن شاء الله) (1) وأما لزوم إعادة السورة فلحفظ الترتيب ومقتضى إطلاق ما دل على عدم لزوم سورة معينة بقاء التخيير ولا وجه للزوم عين السورة المقروءة إلا ما يستظهر من الرضوي عليه السلام (وإن نسيت حتى قرأت السورة ثم ذكرت قبل أن تركع فاقرء الحمد واعد السورة) (2) واستشكل من جهة السند والدلالة. واما لزوم الركوع بعد التذكر قبل أن يسجد فهو على القاعدة وقد مر الكلام فيه ومقتضى إطلاق المتن عدم الفرق بين حصول النسيان حال القيام فهوى للسجود أو حصوله حين هويه للركوع بأن هوى أولا للركوع ونسي في الاثناء فعليه حينئذ أيضا أن يقوم ويركع خلافا لما حكي عن بعض من تقييده بما إذا حصل النسيان حال القيام وأما إذا حصل بعد الوصول إلى حد الراكع فلا يقوم منتصبا بل منحيا إلى حد الراكع، فان قلنا بأن الوصول إلى الحد المخصوص كاف في تحقق الركوع إذا كان الهوي إلى ذلك عن قصد للركوع وان لم يقف في ذلك الحد من جهة النسيان فالركوع متحقق وقد فات الذكر والطمأنينة سهوا ولا مجال لاعادة الركوع للزوم الزيادة المبطلة ويحكم بصحة الصلاة إن قلنا بكفاية مسمى الركوع ولو حصل الاخلال ببعض الواجبات فيه، وإن قلنا بعدم كفاية الوصول بل لابد من المكث والتوقف في الجملة في صدق الركوع فلا بد من الانتصاب ليحصل القيام بالركوع والركوع، وعلى التقدير الاول فالقول بالقيام منحنيا إلى حد الراكع يشكل من جهة لزوم زيادة الركوع حيث حصل الفصل الموجب للتعدد بينهما بالهوي مع التجاوز عن حد الركوع ومع الشك وعدم الجزم بأحد الطرفين يشكل الامر، قد يقال: إن اعتبار الانتهاء في صدق الركوع حيث لا جزم به يكون من الصور المشكوكة التي


(1) الوسائل أبواب القراءة ب 28 ح 2 (2) مستدرك الوسائل أبواب الخلل ج 1 ص 281.

[ 432 ]

تدفعها البراءة الاصلية وفيه تأمل من جهة أنه لا إشكال في وجوب المكث والتوقف سابقا إما للمدخلية في صدق الركوع وإما لحفظ الطمأنينة وأداء الذكر الواجب فالشك يرجع إلى جهة الوجوب فكيف يرفع بالاصل فان قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فلا يبعد جريان الاستصحاب في المقام، ثم ان ما ذكر من الكفاية على تقدير على اخذ التوقف في حقيقة الركوع مبنى على عدم إضرار الاخلال بشرائط الركوع ومع الاضرار واحتمال شرطية الطمأنينة يشكل وأما لزوم تدارك السجدة ما لم يركع ففي صورة نسيان سجدة واحدة لا إشكال فيه ويدل عليه مضافا إلى الاجماع صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبى عبد الله عليه السلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد قال: فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء - الحديث) (1) وأما صورة نسيان السجدتين فالمشهور أنه كذلك خلافا لما استظهر من غير واحد من القدماء والذى يصح الاستناد به للمشهور اصالة بقاء التكليف وعدم وجود مانع من فعله وقد مضى التأمل فيه إلا أن يدعى انه بعد ملاحظة ورود النص في كثير من الموارد قبل الدخول في ركن آخر بالصحة ولزوم التدارك يحصل القطع بعدم الضرر من جهة الزيادة الحاصلة بواسطة إعادة ما أتى به على خلاف الترتيب ومستند القائلين بالبطلان صدق الاخلال بالسجود بمجرد ترك السجدتين في محلهما خرج الاخلال بسجدة واحدة بالنص وبقي الباقي وأورد عليه بأن الذى يستفاد من صحيحة زرارة الحاصرة لما يوجب إعادة الصلاة بالخمسة أن نسيان السجود الذى هو أحد الخمسة موجب لاعادتها لكن لا من حيث هو نسيان بل من حيث كون السجود معتبرا في ماهية الصلاة ويكون الاخلال إخلالا بالمهية ولا إخلال مع التدارك بلا تخلل المنافى وللتأمل فيما ذكر مجال لانه كما اعتبر السجود في ماهية الصلاة اعتبر كونه في محل مخصوص بنحو وحدة المطلوب و المستفاد من حديث لا تعاد أن الاخلال بالخمسة يوجب الاعادة وكما يصدق الاخلال


(1) الوسائل أبواب السحود ب 14 ح 1.

[ 433 ]

بواسطة ترك أصل السجود نسيانا يصدق بنسيان أو يؤتى به في محله ولذا قيل بأن الاخلال بما يكون من الشرائط الركوع والسجود ربما يعد اخلالا بهما واستشكل في التمسك بحديث لا تعاد كما ان دعوى القطع بعدم الضرر من الزيادة الحاصلة من جهة إعادة ما أتى به على خلاف الترتيب ايضا مشكل الا ترى أنه لو نسى الركوع وقد دخل في السجدة الاولى يحكم فيه بالبطلان على المشهور واستفيد من النص كما سبق الكلام فيه مع انه لا يلزم محذور الا زيادة السجدة الواحدة وزيادتها لا عن عمد لا يضر بالصلاة، واما صورة نسيان التشهد والتذكر قبل ان يركع فالظاهر عدم الخلاف في لزوم التدارك وصحة الصلاة ويدل عليه جملة من الاخبار منها صحيحة سليمان بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الاولتين فقال: إن ذكر قبل أن يركع فليجلس وان لم يذكر حتى ركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم ويسجد سجدتي السهو) (1) ومنها حسنة الحلبي أو صحيحة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس فتشهد وقم فأتم صلاتك فان لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك حتى تفرغ فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلم) (2) واما لزوم قضاء الصلاة عى النبي صلى الله عليه وآله فاستدل عليه بوجوده قابلة للخدشة مثل أن المصلي مأمور بالصلاة عليه وآله عليهم الصلاة والسلام ولم يأت بالمأمور به فيبقى في عهدته ومثل أن التشهد يقضى بالنص فكذا أبعاضه تسوية بين الكل والجزء، نعم لما حكي القول به عن الشيخ وجمع من الاصحاب ومن المستبعد كون اعتمادهم بوجه غير معتبر فيظن بعثورهم بدليل لم نعثر عليه فلا مجال لترك الاحتياط. (الثالث من ذكر بعد الركوع أنه لم يتشهد أو ترك سجدة قضى ذلك بعد التسليم) وسجد (سجدتين للسهو) اما وجوب قضاء التشهد في الصورة المفروضة


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 7 ح 3. (2) المصدر ب 9 ح 3.

[ 434 ]

فهو المشهور واستدل عليه بأخبار منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام (في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف فقال: إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد والا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه، وقال عليه السلام: إنما التشهد سنة في الصلاة) (1) ومنها خبر علي بن ابى حمزة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا قمت في الركعتين الاولتين ولم تتشهد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهد وان لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذى فاتك) (2) واستشكل في الاستدلال أما في الصحيحة فلا مكان أن يكون المراد من التشهد فيها هو الاخير أو الحمل على الاستحباب جمعا بينها وبين الاخبار المتكثرة الواردة في مقام البيان المقتصرة على سجدتي السهو و أما في خبر علي بن أبى حمزة فلا مكان أن يكون المراد من التشهد المذكور هو التشهد بعد سجدتي السهو وانه يكون موجبا لتدارك المنسي، ويشهد لذلك ذكر التشهد في هذا الخبر بعد السجدتين ولو كان المراد التشهد المستقل لكان المناسب الامر بايقاعه قبل السجدتين كما هو المشهور وفيه نظر لعدم ما يمنع عن صرف المطلق في كلام السائل في الصحيحة عن إطلاقه بل لا يبعد حمله على نسيان كلا التشهدين وأما الحمل على الاستحباب فلقائل أن يجعل هذه الصحيحة المقتصرة على خصوص قضاء التشهد مع كونها في مقام البيان قرينة على استحباب سجدتي السهو لفوت التشهد ولا يلتزم به، بل يقولون: إن وجوب سجدتي السهو لفوت التشهد خال عن الاشكال وأما حمل التشهد في رواية علي بن أبى حمزة على التشهد لسجدتي السهو فهو بعيد جدا مع التقييد بالذي فاتك ومجرد تقديم المشهور القضاء على سجدتي السهو لا يوجب رفع اليد عن الظهور وفى قبال الاخبار الدالة على وجوب القضاء اخبار كثيرة يستظهر منها عدم وجوب القضاء، منها موثقة ابى بصير قال: (سألته عن الرجل ينسى أن يتشهد قال: يسجد سجدتين يتشهد فيهما) (3) ومنها صحيحة أبي بصير


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 7 ح 2. (2) الوسائل أبواب الخلل ب 26 ح 2. (3) الوسائل أبواب التشهد ب 7 ح 6.

[ 435 ]

عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصلي ركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما؟ فقال عليه السلام: إن كان ذكره وهو قائم في الثالثة فليجلس وإن لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يتكلم) (1) وجه الاستظهار عدم التعرض للقضاء مع كونها في مقام البيان فالقول بعدم وجوب قضاء التشهد قوي لكنه يشكل مخالفة المعظم، واما وجوب سجدتي السهو للتشهد المنسي فهو المشهور ويدل عليه المستفيضة التي ذكر بعضها الا أن تجعل صحيحة محمد بن مسلم المذكورة آنفا قرينة على الاستحباب بالتقريب المذكور آنفا لكنه لا مجال أيضا لمخالفة المشهور، وأما وجوب قضاء السجدة المنسية فيدل عليه روايات كثيرة منها ما رواه الشيخ في الصحيح، عن إسماعيل بن جابر عن أبى عبد الله عليه السلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم انه لم يسجد؟ قال عليه السلام: فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء - الحديث) (2) ومنها ما رواه ابن بابويه - قدس سره - في الصحيح عن أبن مسكان عن أبى بصير بهذا المضمون مع زياده قوله عليه السلام (وليس عليه سهو) والظاهر عدم الفرق بين كون السجدة من الاولتين أو الاخيرتين بل هي كالنص في الاولتين لانها واردة فيما عدا الاخيرة وحملها على خصوص الثالثة من الرباعية بعيد جدا وقال الشيخ - قدس سره -: إن كان الاخلال من الركعتين الاولتين اعاد واستدل بما رواه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن نصر قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يصلي ركعتين ثم ذكر في الثانية وهو راكع انه ترك سجدة في الاولى قال عليه السلام: كان أبو الحسن عليه السلام يقول: إذا تركت السجدة في الركعة الاولى فلم تدر واحدة أو اثنتين استقبلت حتى يصح لك ثنتان، وإذا كنت في الثالثة أو الرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود) (3) وقد


(1) الوسائل أبواب التشهد ب 9 ح 1 عن الفضيل بن يسار عن ابى جعفر عليه السلام، وب 7 ح 4 عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام ولم أجده من رواية أبى بصير. (2) و (3) الوسائل أبواب السجود ب 14 ح 1 و 3.

[ 436 ]

يقال: إن هذه الرواية وإن كانت صحيحة الا انها لا تقاوم تلك الاخبار ولا مجال للجمع بينهما فرد علم أمثال هذه الروايات إلى أهلها اولى، فالاقوى في المسألة ما عليه المشهور، ويمكن أن يقال أولا بامكان الجمع بحمل هذه الصحيحة على استحباب الاستقبال في نسيان السجدة من الاولتين ومع استبعاد هذا تبقى المعارضة بحالها ولم يثبت إعراض المشهور فلعلهم اخذوا بتلك الاخبار من باب الترجيح فان لم يؤخذ بالترجيحات واخذ باطلاقات ادلة التخيير لنا أن نأخذ بهذه الصحيحة و حكي عن العماني وثقة الاسلام بطلان الصلاة مطلقا، ولعل مستند هذا القول مرسلة معلي بن خنيس قال: (سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسي السجدة من صلاته قال عليه السلام: إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وان ذكرها بعد ركوعه اعاد الصلاة ونسيان السجدة في الاولتين والاخيرتين سواء) (1) واجيب بضعف السند بالارسال اولا وعدم ظهور المخالفة للاخبار السابقة ثانيا لاحتمال أن يكون المراد من نسيان السجدة نسيان جنسها لا نسيان سجدة واحدة إذ فرق واضح بين قولنا نسي سجدة من صلاته وقولنا نسي السجدة من صلاته، هذا مضافا إلى ندرة القائل به وفيه نظر وجهه أن ضعف السند إن لم يحرز اعتماد مثل الكليني - قده - إليه موجب لعدم الحجية ومع الاحراز يكون اعماد مثله جابرا له والخدشة في الدلالة غير واردة من جهة أو نسيان جنس السجدة في الاولتين أو الاخيرتين بتركها في الركعتين وفى هذه الصورة تكون الصلاة باطلة ولو تذكر قبل ركوع الثالثة فكيف حكم بالصحة مع التذكر قبل الركوع ومع فرض الاجمال في كلام فجواب الامام عليه السلام بدون الاستفصال والاستفسار يكون جوابا على كل تقدير ويشهد لعدم الظهور في نسيان جنس السجدة وقوع مثل هذا التعبير في نسيان التشهد في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة آنفا حيث عبر السائل بقوله: (يفرغ من صلاته وقد نسى التشهد) وحمل التشهد هنا على التشهد الاخير وإن استشكل في هذا الحمل ومع ذلك كله لا مجال لرفع اليد عما هو المشهور، واما وجوب سجدتي


(1) الوسائل أبواب السجود ب 14 ح 5.

[ 437 ]

السهو لفوت السجدة الواحدة فهو المشهور أيضا بل ادعى الاجماع عليه واستدل له بمرسلة سفيان بن السمط عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان) (1) وبخبر جعفر بن بشير المروي عن المحاسن قال: سئل احدهم عليهم السلام عن رجل ذكر انه لم يسجد في الركعتين الاولتين الا سجدة وهو في التشهد الاول قال عليه السلام: فليسجدها ثم ينهض وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم فليسجدها ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو) (2) وبخبر منهال القصاب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام أسهو في الصلاة وانا خلف الامام فقال عليه السلام: إذا سلم فاسجد سجدتين) (3) وبصحيحة فضيل بن يسار قال عليه السلام: (من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو وإنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها) (4) ونحوها موثقة سماعة (5) وتقريب الاستدلال في الاخير انه إما ان يراد الشك في الخصوصية بعد العلم بأحدهما كما هو الظاهر من مثل هذه العبارة وإما ان يكون الشك في الزيادة وعدمها وفى النقيصة وعدمها وعلى كل حال ينفع للمقام اما على الاول فللعلم بعدم مدخلية الشك في الخصوصية بل الملاك وقوع الزيادة أو النقيصة سهوا، واما على الثاني فلانه إذا وجب سجدة السهو في حال الشك في النقيصة ففي حال العلم اولى وقد وقع النظر في الكل فيقال: اما ما دل بالعموم فهو مخصص بما دل على نفى سجدتي السهو في خصوص الموارد كصحيحة ابى بصير المقدمة آنفا واما ما دل بالخصوص كخبر جعفر بن بشير فيمكن حمله على الاستحباب جمعا بينه وبين الصحيحة النافية للسهو صريحا ويمكن أن يقال: إن الصحيحة مع صراحتها في النفي لم يعمل الاصحاب بها فمن هذه الجهة يشكل العمل بها فما يقال: في مرسلة سفيان بن السمط من أنه حيث خرج بعض الموارد عن عمومها كنسيان القراءة


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 32 ح 3. (2) الوسائل أبواب السجود ب 14 ح 7. (3) الوسائل أبواب الخلل ب 24 ح 6. (4) و (5) الوسائل أبواب الخلل ب 23 ح 6 و 4.

[ 438 ]

فيدور الامر بين التخصيص وبين حمل المرسلة على استحباب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة فلا دليل على وجوب سجدتي السهو في المقام إذ لو فرض عدم العمل بالصحيحة يشكل اولا من جهة انه بعد قيام الحجة على وجوب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة لا يرفع اليد عنها الا بحجة اخرى فإذا قامت الحجة على عدم الوجوب في بعض الموارد كنسيان القراءة فلا وجه لرفع اليد عن الحجة في غيره بدون حجة وهذا هو الوجه في الرجوع إلى العام في الشبهة المفهومية في المخصص مع انفصاله ودورانه بين الاقل والاكثر، وثانيا نقول: كيف تحمل المرسلة على الاستحباب وبعض مصاديقه يجب فيه سجدتا السهو فلا بد من التخصيص أو الحمل على الرجحان الجامع بين الوجوب والاستحباب. (اما الشك فمن شك في عدد الثنائية أو الثلاثية أعادو كذا من لم يدركم صلى أو لم يحصل الاوليين من الرباعية) المشهور بطلان الصلاة ولزوم الاعادة إذا شك في عدد الثنائية أو الثلاثية في غير النافلة بل ادعي الاجماع عليه ويدل عليه اخبار منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي ولا يدري واحدة صلى أم ثنتين قال: يستقبل حتى يستيقن أنه قد اتم وفي الجمعة وفى المغرب وفي الصلاة في السفر) (1) ومنها مضمرة سماعة قال: (سألته عن السهو في صلاة الغداة فقال: إذا لم تدر واحدة صليت ام اثنتين فأعد الصلاة من أولها، و الجمعة ايضا إذا سهى فيها الامام فعليه ان يعيد الصلاة لانها ركعتان والمغرب إذا سهى فيها فلم يدركم ركعة صلى فعليه ان يعيد الصلاة) (2) وخبر زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: قلت له: (رجل لا يدري واحدة صلى أو ثنتين قال: يعيد) (3) وكذا يجب الاعادة إذا لم يدركم صلى أو شك في الاوليين من الرباعية ويدل على الاول خبر صفوان عن ابى الحسن عليه السلام قال: (إن كنت لا تدرى كم صليت ولم


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 1 ح 7. (2) المصدر ب 2 ح 8. (3) المصدر ب 1 ح 6.

[ 439 ]

يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة) (1) وخبر ابن أبى يعفور عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (ان شككت فلم تدر في الثلاث أنت أم في اثنتين أم في واحدة أو في أربع فأعد ولا تمض على الشك) (2) هذا مضافا إلى عموم ما دل على وجوب حفظ الاوليين و حكي عن علي بن بابويه الخلاف فيه واستدل له باخبار تناسب مذهب العامة و اقرب المحامل في توجيهها الحمل على التقية. وعلى الثاني جملة من الاخبار منها خبر فضل بن عبد الملك قال: قال لي: (إذا لم تحفظ الركعيتن الاولتين فاعد صلاتك) (3) ومنها رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا سهوت في الاولتين فأعدهما حتى تثبتهما) (4) ومنها صحيحة رفاعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل لا يدري أركعة صلى ام ثنتين قال: يعيد) (5) ثم إن الظاهر أن مجرد عروض الشك لا يوجب البطلان فلا يبعد الصحة لو زال الشك في الموارد المذكورة ويشهد له قوله عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم المذكورة (يستقبل حتى يستيقن انه قد اتم) وفى خبر زرارة (فمن شك في الاولتين اعاد حتى يحفظ ويكون على يقين) (6) فإن الغاية إما ان تكون غاية لوجوب الاستقبال والاعادة فمع حصول الغاية لا يجب الاستقبال والاعادة واما ان تكون غاية لنفس الاستقبال والاعادة فمع حصولها حصل المقصود، ولا مجال ان يكون المطلوب الحفظ الحاصل من جهة الاعادة لان الحفظ قد يكون حاصلا بدون الاعادة كما لو لم يعرض الشك وهو كاف في صحة الصلاة الا ان يقال: انه بعد عروض الشك الحفظ الحاصل بواسطة الاعادة لازم لا مطلق الحفظ ومع الاجمال يكفي الاطلاقات للحكم بالبطلان بمجرد طرو الشك ويمكن منع إطلاقها وظهورها في الشك الباقي فيرجع إلى الشك في قاطعية مجرد الشك والمرجع البراءة، ثم ان المعروف لزوم التروي فلا حكم للشك بمجرد عروضه قبل التروي وادعي ان المتبادر من الشك في النصوص والفتاوي هو التحير الحاصل للنفس بعد إعمال الروية في الجملة اي الشك المستقر لا التردد البدوي الحاصل


(1) و (2) الوسائل أبواب الخلل ب 14 ح 1 و 2. (3) و (4) و (5) و (6) المصدر ب 1 ح 13 و 15 و 12 و 1.

[ 440 ]

بمجرد التفات الذهن. وفيه تأمل فإن الظاهر عدم التزام الفقهاء - قده - بهذا القيد في غير باب شكوك الصلاة كالشك المأخوذ في الاستصحاب وقاعدة الطهارة واصالة البراءة والحلية في الشبهات الموضوعية بل ربما يظهر من بعض اخبار الاستصحاب الحكم في محل الشك مع تمكن الشاك من رفع شكه بمجرد النظر والروية و مع ذلك كله لا مجال للتخطي عن المعروف. (ولو شك في فعل فان كان في موضعه اتى به واتم فلو ذكر انه كان قد فعله استأنف صلاته إن كان ركنا، وقيل في الركوع إذا ذكر وهو راكع أرسل نفسه ومنهم من يخصه بالاخيرتين والاشبه البطلان، ولو لم يرفع رأسه ولو كان بعد انتقاله مضى في صلاته ركنا كان أو غيره) اما لزوم الاتيان مع الشك في الموضع فيدل عليه جملة من الاخبار منها ما عن الشيخ في الصحيح عن عمران الحبلى قال: قلت: (الرجل يشك وهو قائم فلا يدري أركع ام لا قال: فليركع) (1) وعن عبد الرحمن بن أبى عبد الله في الصحيح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوي جالسا فلم يدرأسجد ام لم يسجد؟ قال: يسجد: قلت: فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أسجد ام لم يسجد؟ قال: يسجد) (2) ومنها خبر أبى بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل شك وهو قائم فلا يدري أركع أم لم يركع؟ قال: يركع ويسجد) (3) وهذه الاخبار وامثالها وإن كانت في موارد مخصوصة لكنه يفهم منها عدم الخصوصية ويستفاد ايضا مما دل على الضابط الكلى لعدم الاعتناء بالشك اعني التجاوز عن المحل والموضع فمع عدم التجاوز لابد من الاتيان، ويدل على عدم الالتفات إلى شكه بعد التجاوز والانتقال عن موضع المشكوك فيه صحيحة زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة؟ قال: يمضي، قلت: رجل شك في الاذان والاقامة


(1) الوسائل أبواب الركوع ب 12 ح 1. (2) الوسائل أبواب السجود ب 15 ح 6. (3) الوسائل أبواب الركوع ب 12 ح 2.

[ 441 ]

وقد كبر؟ قال: يمضي، قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ؟ قال: يمضي، قلت: شك في القراءة وقد ركع؟ قال: يمضي، قلت: شك في الركوع وقد سجد؟ قال: يمضى على صلاته، ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ [ فشككت فليس بشئ خ ل ]) (1) ثم انه هل يعتبر في قاعدة التجاوز المستفادة من الاخبار الدخول في الغير ام لا بل الملاك التجاوز عن المحل الشرعي أو العادي على اشكال؟ قد يقال: مقتضى الاطلاق عدم الاعتبار، والتقييد في بعض الاخبار لا يدل على الاعتبار بل احتمال ورود القيد مورد الغالب قريب جدا، ولا يخفى انه لا بد من دعوى عدم كون الغلبة بحيث توجب انصراف المطلق إلى الافراد الغالبة وإلا لاشكل الاخذ بالاطلاق من جهة الانصراف ومع ذلك يشكل الامر من جهة أن الاصل في القيود الاحترازية خصوصا إذا كان المتكلم بصدد إعطاء الضابط القاعدة الكلية كصحيحة زرارة المذكورة ألا ترى أن مجرد الغلبة لا يصحح ذكر القيد في التعريفات المذكورة في كل فن بل يكون القيد احترازيا، نعم لا يبعد الاخذ باطلاق الغير من دون تقييد بكون الغير من اجزاء المأمور به أو من المقدمات كالهوي للسجود والنهوض للقيام إلا إذا دل الدليل على خلافه كالشك في السجود حال النهوض للقيام، ثم ان المتيقن من مثل الاخبار المذكورة الشك في الاجزاء بعد تجاوز المحل واما الشك في الشرائط والكيفيات المعتبرة في الاجزاء وفى اصل الصلاة فيشكل التمسك بمثل هذه الاخبار لعدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز المحل وجهه ان الشئ ظاهر في الامور الخارجية دون الامور الاعتبارية ولهذا يستشكل في وجوب سجدتي السهو لنقصان الشرط ولو قيل بلزوم سجدتي السهو لكل زياد ونقيصة لظهورهما في الزيادة والنقيصة الخارجيين ولا اقل من الشك وقد يقال ان الشك في الشرط يرجع إلى الشك في إتيان الصحيح المشروط فيندرج تحت القاعدة ولا يخفى ما فيه ألا ترى أن من شك في صحة صلاته المأتي بها لا يقال: إنه شاك في أنه صلى أم لا، ودعوى الاولوية ممنوعة نعم إن كان الشك بعد الفراغ


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 23 ح 1.

[ 442 ]

يكون مشمولا لقاعدة الفراغ ويستدل عليها بمثل موثقة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) (1) ونحوها خبره الآخر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (كل ما مضى من صلاتك فذكرته تذكرا فامضه كما هو ولا إعادة عليك فيه) (2) وللكلام في انهما قاعدتان أو قاعدة واحدة محل آخر، ثم انه بناء على شمول قاعدة التجاوز للشك في الشرائط والكيفيات فلو شك في الشرط المعتبر في الصلاة فإن كان قبل الشروع فيها فلا إشكال في لزوم احرازه وإن كان بعد الفراغ فالشك فيه بالنسبة إلى الصلاة المأتي بها شك بعد انقضاء المحل واما بالنسبة إلى الصلوات الاخر شك في الشئ قبل انقضاء المحل فيجب إحرازه، ويمكن أن يقال: إن كان مفاد القاعدة البناء على تقييد المشروط أو صحته فلا مانع من التفكيك في البناء في مرحلة الظاهر بأن يقال: مفاد القاعدة أنه يبنى على تقيد الصلاة الماضية أو صحتها من جهة الشرط المشكوك فيه من جهة انقضاء المحل الشرعي ولا يبني على التقيد والصحة بالنسبة إلى الصلوات الآتية لعدم انقضاء المحل الشرعي بالنسبة إليها وأما إن كان مفادها وجود الشرط لانقضاء محل الشرط فكيف يمكن التفكيك لانه وإن كان لا مانع فيه حيث أن الوجود تنزيلي لا حقيقي لكن هذا لا يلائم مع ما يدعى من أنه إذا قال المولى ابن بابوة زيد لعمرو مثلا فهو يلازم تنزيلا آخر وهي البناء على بنوة عمرو لزيد فيترتب عليها آثارهما وان لم يكن صادرا من المولى إلا أحد التنزيلين، وأما لو التفت في إثناء الصلاة فهل يمكن القول بوجود الشرط لهذه الصلاة أو لا يمكن القول بالاول نظرا إلى أن الاجزاء اللاحقة وإن كانت مشروطة بالشرط كالسابقة وذلك الشرط بملاحظة الاجزاء الآتية محله باق الا أن محل احراز ما يكون شرط لمجموع الصلاة ليس إلا قبل الصلاة فهو بهذه الملاحظة مما قد انقضى محله، وببيان آخر اما أن يكون الشرط نفى الغسلات والمسحات فمحلها قبل الصلاة وقد انقضى فلا إشكال إن كان الشرط


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 23 ح 3. (2) الوسائل أبواب الوضوء ب 42 ح 6.

[ 443 ]

الطهارة المحصلة منها فمحلها بالنسبة إلى الجزاء الآتية وإن لم ينقض لكن محل المحصل لها قد مضى فمع التجاوز عن محل المحصل يحكم بالطهارة لمجموع الصلاة ويحتاج للصلوات الآتية إلى الطهارة ويمكن أن يقال بعد البناء على عدم الاعتبار بالمحل العادى فلا بد من اعتبار المحل الشرعي أو العقلي إن بنينا على الاول يشكل الامر لانه يمكن منع جعل الشرع محل محصل الطهارة قبل الشروع في الصلاة لانه من الممكن أن يكون المجعول شرعا اعتبار نفس الطهارة من اول الصلاة إلى آخرها وحفظ هذا المعنى موقوف على الغسلات والمسحات قبلها بحكم العقل من دون أن يكون هذا بجعل شرعي، وإن بنينا على الثاني فلازمه أنه إذا لم يبق من الوقت الا مقدار ثمان ركعات مثلا للظهر والعصر وشك في الوضوء والغسل قبلها يحكم بالطهارة لان مثل هذا الشخص مع ملاحظة ضيق وقته لابد له عقلا من الغسل والوضوء قبل شروعه في صلاتين فقد انقضى المحل العقلي لمحصل الطهارة بالنسبة إلى الصلاتين معا وكذا لو لم يبق الا مقدار ركعتين مثلا لصلاة الصبح وشك في تحصيل الطهارة لها للزم بمقتضى البيان المزبور عدم الاعتناء بالشك والدخول في الصلاة لا بدون تحصيل طهارة جديدة لانقضاء المحل العقلي، ثم ان بنينا على اعتبار الدخول في الغير في قاعدة التجاوز فحيث أن ذلك الغير لا يعتبر أن يكون من الاجزاء المعتبرة في المأمور به بل يكفي المقدمات كالهوي للسجود والنهوض للقيام للاطلاق فمقتضى القاعدة عدم الاعتناء مع الدخول في الغير مطلقا الا انه خرج بالنص الشك في السجود ما لم يستو جالسا أو قائما فحكم بالرجوع وهو رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل أن يستوى جالسا فلم يدرأسجد أم لم يسجد؟ قال عليه السلام: يسجد، قلت: فرجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال عليه السلام: يسجد) (1) و حينئذ يجب الاقتصار على موارد النص فلو شك في التشهد مثلا وهو آخذ في القيام لم يلتفت لاطلاق القاعدة، واما بطلان الصلاة فيما لو شك في إتيان الركن وأتى به،


(1) الوسائل أبواب السجود ب 15 ح 6 وقد تقدم.

[ 444 ]

ثم تذكر إتيانه اولا فهو على القاعدة حيث تحقق زيادة الركن وقد سبق أن زيادته عمدا وسهو توجب البطلان. (فان حصل الاوليين من الرباعية عددا وشك في الزائد فإن غلب بنى على ظنه وإن تساوى الاحتمالان فصوره اربع أن يشك بين الاثنين والثلاث، أو بين الثلاث والاربع، أو بين الاثنين والاربع، أو بين الاثنين والثلاث والاربع. ففي الاول يبني على الاكثر ويتم ثم يحتاط بركعتين جالسا أو ركعة قائما على رواية وفي الثاني كذلك، وفي الثالث بركعتين من قيام، وفي الرابع بركعتين من قيام ثم بركعتين من جلوس كل ذلك بعد التسليم) ظاهر المتن عدم اعتبار الظن في الاوليين والمشهور اعتباره واستدل على الاعتبار مطلقا بالنبوي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا شك احدكم في الصلاة فلينظر أي ذلك احرى فليبن عليه) (1) بناء على أن المراد الشك المتعلق بالركعات أو الاعم منها ومن الافعال للاجماع على عدم اعتبار الظن في أصل الصلاة وبمصححة صفوان (إذا لم تدركم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة) (2) واستشكل في الاستدلال بالنبوي صلى الله عليه وآله بضعف السند ولم يعلم استناد المشهور به حتى ينجبر وفى الاستدلال بالمصححة باحتمال أن يكون المراد من قوله عليه السلام: (إذا لم تدركم صليت) كثرة الاحتمالات فيكون النسبة بينها وبين ما دل على لزوم الحفظ عموما من وجه، نعم لو استفيد من أدلة اعتبار الظن في الركعات طريقيته يكون دليلا اعتباره حاكما على ادلة اعتبار العلم في الاوليين ولكنه في غاية الاشكال وفيه تأمل لان الظاهر انجبار ضعف سند النبوى صلى الله عليه وآله بل النبويين باستدلال الفقهاء بهما ولا طريق لنا إلى الاستناد الا بذكرهم في مقام الاستدلال والا لاشكل انجبار ضعف كثير من الاخبار، واما الاشكال في الاستدلال بالمصححة فحملها على كثرة الاحتمالات ليس من جهة ظهورها فيها بل لعله من جهة صحة الصلاة في الشكوك الغالبة


(1) أخرجه النسائي في السنن باب التحرى ج 3 ص 28. والبيهقي في الكبرى ج 2 ص 330. (2) الوسائل أبواب الخلل ب 15 ح 1.

[ 445 ]

كالشك بين الاثنين والثلاث، والثلاث والاربع، فتقول بعد خروج هذه الشكوك الغالبة قطعا بمقتضى الاخبار الدالة على صحة الصلاة والبناء على الاكثر و الاتيان بصلاة الاحتياط من دون غلبة الظن باحد الطرفين لو خرج الشك بالنسبة إلى الاوليين ايضا بأن يوخذ في مقام التعارض بين ما دل على لزوم الحفظ في الاوليين والمصححة بما دل على لزوم الحفظ في الاولتين، وخصصت المصححة بالاخيرتين لزوم خروج غالب افراد الشك عن تحت المصححة ووجه ذلك شمول المصححة باطلاقها الشكوك الغالبة كالشك بين الاثنين والثلاث، والثلاث والاربع وغيرهما، ولا يخفى ان النبوى صلى الله عليه وآله المذكور يؤيد ما ذكر سابقا من منع انصراف الشك إلى ما يكون بعد التروي فانه فيه مع فرض تحقق الشك امر بالتحري وطلب الاحرى ولا يصح طلب الاحرى إلى الصواب إلا مع رجاء الوصول إليه وهو قبل التروي واما اعتبار الظن في الاخيرتين فلا إشكال فيه، و يدل عليه الاخبار ومنها المصححة والنبويان المذكور أحدهما آنفا ومنها قوله عليه السلام في خبر عبد الرحمن بن سيابة وابي العباس: (إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث وإن وقع رأيك على الاربع فابن على الاربع فسلم وانصرف، وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس) (1) ومنها صحيحة الحلبي (إذا لم تدرأثنتين صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين - الحديث) (2) إلى غيرها من الاخبار الدالة عليه مفهوما ومنطوقا وظاهرها انه يعامل مع الظن معاملة القطع من دون حاجة إلى شئ آخر فلا يجب معه صلاة احتياط ولا سجود سهو خلاف لما حكي عن علي بن بابوية - ره - وما حكي عن ولده الصدوق - ره - وبعد شذوذ القولين لا مجال لرفع اليد عما ذكر وإن شهد بعض الروايات على خلافه. واما لزوم البناء على الاكثر في الصورة الاولى من الصور الاربع والاحتياط بركعتين جالسا أو ركعة قائما على رواية فيدل عليه


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 10 ح 1. (2) المصدر ب 11 ح 1.

[ 446 ]

موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام انه قال له: (يا عمار أجمع لك السهو كله في كلمتين متى شككت فخذ بالاكثر فإذا سلمت فاتم ما ظننت انك نقصت) (1) وموثقته الاخرى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (كل ما دخل عليك من الشك في صلاته فاعمل على الاكثر قال: فإذا انصرفت فأتم ما ظننت انك نقصت) (2) وظاهرهما كغيرهما وإن كان تعين صلاة الاحتياط باتيان ركعة قائما لانها اتمام لما نقص على تقدير النقص لكنه حيث دلت الاخبار في الشك بين الثلاث والاربع على إتيان صلاة الاحتياط بركعتين جالسا ودلت بعض الاخبار على التخيير وادعي الاجماع على عدم الفصل بين الصورتين في كيفية صلاة الاحتياط حكم بالتخيير وإن كان الاحوط في هذه الصورة اتيان ركعة قائما وفى الصورة الثانية إتيان ركعتين جالسا ثم انه بعد ما اعتبر احراز الاوليين والفراغ منهما فيقع الكلام فيما تتحقق به والذى ينبغى أن يقال: إن ظاهر ما دل على لزوم حفظ الاوليين وجوب العلم بحصول تمام الاجزاء الواجبة للركعة الحاصل بالعلم بالفراغ من الذكر الواجب للسجدة الثانية ولو لم يفرغ من المستحبات بعد ولم يرفع رأسه ولا ينافي هذا كونه مشغولا بالاوليين ما لم يرفع رأسه كما لا يخفى ولو فرض الشك فلا يبعد الرجوع إلى عموم ما دل على البناء على الاكثر فلا يتوجه القول بلزوم الاحتياط من جهة عدم وجود طريق للعلاج وفى قبال الاخبار الدالة على مذهب الشمهور اخبار اخر لا مجال للاخذ بها بعد اعراض المشهور فيرد علمها إلى اهلها. واما لزوم البناء على الاكثر في الصورة الثانية والاحتياط بركعتين جالسا أو ركعة قائما فهو المشهور ايضا شهرة كادت ان تكون إجماعا ويدل عليه مضافا إلى العمومات المذكورة في الصورة السابقة خصوص صحيحة عبد الرحمن بن سيابة وابى العباس عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث وان وقع رأيك على الاربع فابن على الاربع فسلم وانصرف وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وانت جالس) (3) ومرسلة جميل عن بعض اصحابنا عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (فيمن لا


(1) و (2) الوسائل أبواب الخلل ب 8 ح 1 و 4. (3) المصدر ب 7 ح 1.

[ 447 ]

يدرى أثلاثا صلى أم أربعا ووهمه في ذلك سواء قال: فقال: إذا اعتدل الوهم في الثلاث والاربع فهو بالخيار إن شاء صلى ركعة وهو قائم وإن شاء صلى ركعتين و أربع سجدات وهو جالس - الحديث) (1) واما الصورة الثالثة فالمشهور فيها أيضا البناء على الاربع والاتيان بركعتين من قيام بعد التسليم ويدل عليه مضافا إلى عموم ما دل على البناء على الاكثر و إتمام ما احتمل نقصه بصلاة الاحتياط خصوص صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ركعتين فلا يدري ركعتان هي أو أربع؟ قال: يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين بفاتحة الكتاب ويتشهد وينصرف وليس عليه شئ) (2) وصحيحة الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا لم تدر اثنتين صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين وأربع سجدات تقرء فيهما بأم الكتاب ثم تشهد وتسلم، فإن كنت انما صليت ركعتين كانتا هاتان تمام الاربع، وإن كنت صليت اربعا كانتا هاتان نافلة) (3) وفي قبال ما ذكر بعض الاخبار بين ما يظهر منها البناء على الاقل وما يظهر منها لزوم الاعادة وقد اعرض الاصحاب عن العمل بها فلا مجال للقول بالتخيير بين البناء على الاقل والبناء على الاكثر جمعا بين الطرفين كما انه لا مسرح للقول بالتخيير بين العمل على النحو المشهور والاعادة جمعا ايضا لان الجمع كذلك وإن كان مما يساعد عليه العرف بحمل الاخبار الآمرة بالبناء على الاكثر على الترخيص وبيان العلاج للشك المفروض من دون أن يكون على نحو العزيمة لكنه مع إعراض المشهور لا يصار إليه، واما الصورة الرابعة، فلزوم البناء على الاكثر والاحتياط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس فهو المشهور أيضا ويدل عليه مرسلة ابن أبي عمير التي هي في حكم الصحيح (عن الصادق عليه السلام في رجل صلى فلم يدر اثنتين صلى ام ثلاثا ام أربعا قال: يقوم فيصلي ركعتين من قيام ويسلم ثم يصلى ركعتين من جلوس ويسلم، فإن كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة وإلا تمت الاربع) (4) وظاهره هذه


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 10 ح 2. (2) و (3) المصدر ب 11 ح 6 و 1. (4) المصدر ب 13 ح 4.

[ 448 ]

المرسلة تعين الاحتياط بهذا النحو مع تقديم الركعتين من قيام لعطف الركعتين من جلوس بثم، ولا يبعد ان يقال بجواز تبديل الركعتين من جلوس بركعة من قيام وجواز تقديمها على الركعتين من قيام اخذا بالمطلقات الدالة على البناء على الاكثر وتتميم ما يحتمل نقصه، لا يقال: من المحتمل كون الصلاة المأتي بها ركعتين فاحتاجت في تتميمها إلى الركعتين من قيام فمع تقديم الركعة عن قيام حصل الفصل بين الصلاة والمتمم، لانه يقال: اولا لا نسلم اضرار الفصل بدعوى ظهور الادلة في كون صلاة الاحتياط صلاة مستقلة انفصلت بالتسليم وليست من قبيل الركعة الموصولة وثانيا بعد شمول المطلقات للمقام اقتضت التخيير في كيفية التتميم لاطلاقها، ويمكن ان يقال: يدور الامر بين تقييد المطلقات بالمرسلة ورفع اليد عن ظهور المرسلة في تعيين الاحتياط بالنحو الخاص وحيث لا ترجيح لا بد من الاحتياط تحصيلا للفراغ عما اشتغلت الذمة به، ولا يحصل الا بالعمل على طبق المرسلة. (ولا سهو على من كثر سهوه، ولا على من سها في سهو، ولا على المأموم، و لا على الامام إذا حفظ عليه من خلفه) من جملة الشكوك التي لااعتبار بها شك كثير الشك سواء كان في الركعات أو الافعال أو الشرائط ويدل عليه الاخبار منها حسنة زرارة وابى بصير أو صحيحتهما قالا: قلنا له: (الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقى عليه؟ قال: عليه السلام: يعيد، قلنا: فانه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك؟ قال عليه السلام: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث من انفسكم بنقض الصلاة - الحديث) (1) ومنها صحيحة محمد بن المسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك فانه يوشك ان يدعك إنما هو من الشيطان) (2) ومنها موثق عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدرى أركع أم لا ويشك في السجود فلا يدي أسجد أم لا؟ فقال: لا يسجد ولا يركع ويمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا - الحديث) (3) والظاهر ان المراد بالمضي هو البناء على وقوع المشكوك ما لم يكن


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الخلل ب 16 ح 2 و 1 و 5.

[ 449 ]

مفسدا فانه المتبادر من الامر بالمضي ويفصح عن ذلك موثق عمار المذكور والظاهر ان المراد من السهو المذكور في اخبار الباب هو خصوص الشك دون النسيان، ألا ترى لو ترك ركعة أو ركوعا نسيانا فهل يلتزم احد بالمضي وعدم الاعتناء واستعمل هذا اللفظ في الشك بحد لا يبقى له ظهور في النسيان ومجردا هذا يكفى لعدم رفع اليد عن المطلقات المتعرضة لاحكام السهو بمعنى النسيان وهل المرجع في تحقق الكثرة العرف والعادة كما صرح به غير واحد أو لابد في تحقق الكثرة من أن يسهو ثلاث مرات متوالية كما حكي عن ابن حمزة، أو لابد ان يسهو في شئ واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات كما حكي عن ابن إدريس؟ والاظهر الاول لان العرف هو المحكم ما لم يرد تحديد من الشرع وربما يستظهر التحديد بالثلاث في الصحيح عن محمد بن أبى حمزة عن أبى عبد الله عليه السلام: انه قال: (إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو) (1) والظاهر بيان ما يتحقق به مسماه لا الحصر وما تضمنه ليس منافيا للعرف فانه وان لا يخلو عن إجمال إلا ن أظهر ما يحتمل إرادته منه كما قيل هو أن لا يسلم من السهو في كل ثلاث صلوات متتالية وهذا مما يتحقق به مسمى الكثرة عرفا سواء اتحد محل سهوه ام لا، واما عدم السهو في السهو فهذه عبارة قد اشتهر في ألسنة الفقهاء - قدس الله تعالى أسرارهم - و واقتبست من الاخبار والعبارة (لا سهو في سهو) (2) وفى بعض الاخبار (لا سهو على سهو) (3) والظاهر ان المراد بالسهو الشك بقرينة الفقرات الآخر الواردة في الاخبار فعن الشيخ في الصحيح أو الحسن عن حفص البختري،، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (ليس على الامام سهو ولا على من خلف الامام سهو ولا على السهو سهو ولا على الاعادة إعادة) (4) وفي رواية إبراهيم بن هاشم المروية عن الكافي والتهذيب عن رجل عن أبى عبد الله عليه السلام: (ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه بإتفاق منهم، وليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام ولم سهو في سهو،


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 16 ح 7. (2) و (3) و (4) المصدر ب 25 ح 2 و 3 و 1.

[ 450 ]

وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الاوليين من كل صلاة سهو [ ولا سهو في نافلة ] فإذا اختلف على الامام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الاعادة والاخذ بالجزم) (1) وعن الصدوق باسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن إمام يصلي بأربع نفر أو بخمس فيسبح اثنان على أنهم صلوا ثلاثا ويسبح ثلاثة على انهم صلوا أربعا يقول هؤلاء: قوموا، وهؤلاء: اقعدوا والامام مائل مع احدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليهم؟ قال: ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتقاق منهم، وليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام ولا سهو في سهو - الحديث) (2) والظاهر ان المراد من السهو المنفى هو البناء على الاكثر والايتان بما احتمل نقصه وهذا يجتمع مع الصحة كما في صورة شك الامام أو المأموم مع حفظ الآخر ومع الفساد كما في الشك في المغرب والاوليين من الرباعية فما هو المعروف من استفادة عدم الاعتناء بالشك والبناء على الصحة والتمامية في خصوص الشك في ركعات الاحتياط من هذه العبارة المذكورة في تلك الاخبار لم يعرف وجهه، نعم إن تم الاجماع على ما ذكر فهو المتبع واما عدم السهو على الامام والمأموم مع حفظ الآخر فهو في الجملة مما لا إشكال فيه، ويدل عليه جملة من الاخبار منها ما ذكر آنفا ومنها صحيحة علي بن جعفر عليه السلام عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصلي خلف إمام لا يدري كم صلى هل عليه سهو: قال: لا) (3) والقدر المتيقن رجوع الشاك منهما إلى القاطع وهل يرجع الظان إلى القاطع ام لا؟ قد يقال: الظاهر الثاني لظهور الاخبار في أن موردها من كان وظيفته الرجوع إلى قواعد الشك لولا هذا الحكم ولا يبعد أن يقال: ان الاخذ بالطرف المظنون ايضا من احكام الشك فالشك وعدم الدراية مقسم لقسمين احدهما غلبة الوهم إلى طرف وحكمه الاخذ به والآخر اعتدال الوهم وحكمه الاخذ بالاكثر أو البطلان ولزوم الاعادة فان كان المراد من السهو المضي في مثل قوله عليه السلام: (ليس على الامام سهو) الشك وعدم الدراية فقد بقي


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الخلل ب 24 ح 8 و 1.

[ 451 ]

جميع احكام الشك بلسان نفى الموضوع وعلى فرض عدم الشمول والاختصاص بأحكام الشك الذى تساوى طرفاه يمكن ان يقال في المقام بوقوع التعارض بين دليل اعتبار الظن ودليل اعتبار حفظ كل من الامام والمأموم من جهة ان قوله عليه السلام (ليس على الامام سهو) متكفل لامرين احدهما نفي احكام الشك من البناء على الاكثر كما في نفى السهو في المغرب وصلاة الصبح والآخر اعتبار حفظ الآخر بمعنى رجوع الشاك إليه فلو فرض الظن على خلاف حفظ الآخر فمقتضى هذه الاخبار لزوم الاخذ بحفظ الآخر ومقتضى ادلة اعتبار الظن لزوم الاخذ به ولا وجه لتقديم احد الدليلين على الآخر بل لا يبعد تقديم هذه الادلة من جهة الظهور في الطريقية ولم يسلم طريقية الظن وعلى فرض طريقية كل منهما فالمعارضة باقية. وهل يرجع الشاك إلى الظان ام لا؟ قيل بالثاني لان مفاد الاخبار الارجاع إلى الحافظ والحفظ التام يساوق العلم، واستشكل فيه بأن دليل حجية الظن يجعل الظان كالحافظ، ولا يخفى ابتناء هذا على طريقية الظن وقد سبق الاستشكال فيه في مسألة اعتبار الظن في الاوليين والمغرب والصبح. (ولو سها في النافلة تخير في البناء) من جملة الشكوك التي لااعتبار بها الشك في النافلة والمعروف التخيير بين البناء على الاقل والاكثر ولم يعرف دليل عليه، وقد يقال: البناء على الاقل مقتضى الاصل لعدم العلم بانقطاعه في غير الفريضة، وفيه إشكال من جهة احتمال ان يكون عدد الركعات في الفرائض والنوافل قد اعتبرت بشرط لا وأصالة عدم الاتيان بالمشكوك فيه لا يثبت القيد المشكوك، نعم روى في الكافي مرسلا قال: (وروى انه إذا سها في النافلة بنى على الاقل) (1) (وتجب سجدتا السهو على من تكلم ناسيا، ومن شك بين الاربع والخمس ومن سلم قبل إكمال الركعات وقيل: لكل زيادة ونقصان وللقعود في موضع القيام والقيام في موضع قعود وهما بعد التسليم على الاشهر ويجب عقيبهما تشهد خفيف وتسليم ولا يجب فيهما ذكر، وفي رواية الحلبي انه سمع أبا عبد الله عليه السلام


(1) المصدر ج 3 ص 359 في حديث تحت رقم 9.

[ 452 ]

يقول فيهما: (بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد) وفى نسخة (اللهم صل على محمد وآل محمد) وسمعه مرة اخرى يقول: (بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) (1) والحق رفع منصب الامامة عن السهو في العبادة) المعروف وجوب سجدتي السهو من جهة التكلم في الصلاة سهوا بغير قرآن أو ذكر أو دعاء و يدل عليه اخبار منها صحيحة عبد الرحمن بن حجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: اقيموا صفوفكم قال عليه السلام يتم صلاته ثم يسجد سجدتين، فقلت له: سجدتا السهو قبل التسليم هما أم بعد؟ قال عليه السلام: بعد) (2) وفى قبال الاخبار الظاهرة في الوجوب صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام (في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم، فقال عليه السلام: يتم ما بقى من صلاته تكلم أو لا يتكلم ولا شئ عليه) (3) وقد حملت هذه الصحيحة على نفى الاثم والاعادة جمعا بينها وبين ما دل على وجوب السجود، واستشكل فيه بامكان الجمع بحمل تلك الاخبار على الاستحباب ولكنه بعد ذهاب العلماء - قده - إلى الوجوب وحكاية العلامة - قده - اتفاق اصحابنا عليه يشكل العدول عن المعروف، واما وجوب سجدتي السهو للشك بين الاربع والخمس فيدل عليه رواية عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك، ثم سلم بعدهما) (4) وخبر ابى بصير، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسلميك وانت جالس ثم سلم بعدهما) (5) وحكي عن الصدوق القول بوجوب صلاة ركعتين ولعل مستنده مضمرة شحام قال: (سألته عن رجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات قال: إن استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد وان كان لا يدرى ازاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم ليركع ركعتين يقرء فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد - الحديث) (6) لكنها لا تصلح


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 20 ح 1. (2) الكافي ج 3 ص 356. (3) الوسائل أبواب الخلل ب 3 ح 5. (4) و (5) و (6) المصدر ب 14 ح 1 و 3 و 5.

[ 453 ]

معارضة لتلك النصوص التي كالصريحة في عدم وجوب الركعتين جالسا مع كونها معمولا بها عند الاصحاب. واما وجوب سجدتي السهو للسلام قبل إكمال الركعات فيمكن أن يستدل عليه بموثقة عمار قال: في حديث: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن انها أربع فلما سلم ذكر انها ثلاث قال: يبني على صلاته متى ما ذكر ويصلي ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو وقد جازت صلاته) (1) وصحيحة العيص قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها، ثم ذكر انه لم يركع؟ قال: يقوم فيركع ويسجد سجدتين) (2) ونوقش بأنه لا شاهد على كون لزوم سجدتي السهو من جهة السلام في غير محله ولعله من جهة اخرى وفى قبال ما ذكر صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام (في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى انه قد اتم الصلاة وتكلم ثم ذكر أنه لم يصل غير ركعتين؟ فقال: يتم ما بقى من صلاته ولا شئ عليه) (3) ولكنه لم يعمل المشهور بظاهر هذه الصحيحة كما لم يعملوا بظاهرها في قبال ما دل على وجوب السجدتين للكلام فلا محيص عن الاخذ بالمشهور. اما لزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة فيمكن الاستدلال له بأخبار كثيرة عمدتها مرسلة سفيان بن السمط عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان) (4) واستشكل في الاستدلال بها بورود اخبار دالة على عدم وجوب سجدتي السهو أو عدم شئ على المصلي في موارد فلا بد إما من التخصيص أو حمل المرسلة على الاستحباب ولا أولوية للاول وقد سبق الكلام في ترجيح الاول بأنه بعد قيام الحجة لا يرفع اليد عنها الا بحجة اخرى فالمرسلة حجة وما قامت الحجة على خلافها الا في موارد مخصوصة فلا وجه لرفع اليد عنها، نعم تعارضها صحيحة فضيل ابن يسار (سأل ابا عبد الله عليه السلام عن السهو فقال: من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب الخلل ب 3 ح 14 و 8 و 9. (4) قد تقدم.

[ 454 ]

سجدتا السهو وانما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته ام نقص عنها) (1) حيث حصر محل السهو على ما ذكر، ولكنه لم يعمل المشهور بها كما لا يخفى وهكذا الكلام في غيرها مما يكون من هذا القبيل، واما الاخبار الواردة في موارد خاصة الدالة على عدم الوجوب فالجمع بينها وبين المرسلة بالتخصيص لعله اولى الا ان يلاحظ كثرة الموارد الخارجة عن تحت المرسلة حيث توجب وهن ظهورها في الوجوب، واما القول بوجوبهما للقيام في موضع القعود وبالعكس فيمكن أن يستدل له بموثقة عمار سئل الصادق عليه السلام (ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: إذا اردت ان تقعد فقمت، أو أردت ان تقوم فقعدت، أو أردت ان تقرء فسبحت، أو أردت أن تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو وليس في شئ مما تتم به الصلاة سهو - الحديث) (2) لكنه قد قيد في ذيلها القعود والقيام في غير موضعهما بالتكلم بشئ والظاهر ان المراد بالتكلم القراءة والاذكار لا التكلم الخارجي والكلام فيها هو الكلام في المرسلة. وأما محل سجدتي السهو فالمشهور شهرة كادت تكون إجماعا أنه بعد التسليم سواء كانت للزيادة أو النقصان ومستند المشهور اخبار مستفيضة منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبى عبد الله عليه السلام (عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: اقيموا صفوفكم، قال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين، فقلت له: سجدتا السهو قبل التسليم هما أم بعد؟ قال بعد) ومنها خبر القداح، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: (سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام) (4) ومنها صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا كنت لا تدرى أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما) (5) ويشهد للقول بأن محلهما قبل التسليم ما رواه الشيخ عن محمد بن سنان عن أبى الجاورد قال: قلت


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 23 ح 6. (2) المصدر ب 32 ح 2. (3) المصدر ب 4 ح 1 وتقدم عن الكافي ج 3 ص 356. (4) و (5) الوسائل أبواب الخلل ب 5 ح 3 و 2.

[ 455 ]

لابي جعفر عليه السلام: متى اسجد سجدتي السهو؟ قال: قبل التسليم فانك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك) (1) واستدل للقول بالتفصيل بين الزيادة والنقيصة بصحيحة سعد بن سعد الاشعري قال: قال الرضا عليه السلام في سجدتي السهو: (إذا نقصت قبل التسليم وإذا زدت فبعده) (2) ونحوها صحيحة صفوان (3) والمتجه حمل الصحيحتين والرواية على التقية للموافقة لكثير من العامة على ما صرح به الشيخ - قده - في الاستبصار، واما كيفيتهما فهي أن يكبر مستحبا، ثم يسجد ثم يرفع ثم يسجد ويرفع ويتشهد تشهدا خفيفا ثم يسلم، اما استحباب التكبير فهو منسوب إلى المشهور واستدل عليه بموثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: لا إنهما سجدتان فقط فان كان الذى سها هو الامام كبر إذا سجد وإذا رفع رأسه ليعلم من خلفه أنه قدسها وليس عليه أن يسبح فيهما ولا فيهما تشهد بعد السجدتين) (4) ولا يخفى انه لا يستفاد استحباب التكبير غاية الامر عدم وجوبه واما الرفع فهو بمقدار يتحقق به التعدد فلا إشكال فيه، واما الزائد عليه بأن يجلس بينهما مطمئنا كما في سجدتي الصلاة فاثباته بالادلة مشكل وليس من قبيل وضع المساجد السبعة الذى يمكن اثبات وجوبه باطلاق دليله كلزوم كون المسجد مما يصح السجود عليه في الصلاة لكنه ادعي عدم الخلاف فلا محيص عن الالتزام به، واما التشهد بعدهما فنسب إلى المشهور وجوبه ويشهد له اخبار مستفيضة منها قول الصادق عليه السلام في صحيحة الحلبي الواردة فيمن لا يدرى أربعا صلى أو خمسا (واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا) (5) وصحيحة علي بن يقطين قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا قال عليه السلام: بنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا) (6) وحكي عن العلامة في المختلف القول باستحباب


(1) الوسائل أبواب الخلل ب 5 ح 5. (2) و (3) المصدر ب 5 ح 4 و 6. (4) و (5) المصدر ب 20 ح 3 و 2. (6) المصدر ب 15 ح 6.

[ 456 ]

التشهد والتسليم وقواه بعض متأخرى المتأخرين جمعا بين هذه الاخبار والموثقة المذكورة آنفا ويؤيدة الاصل واطلاق الاخبار الواردة في مقام البيان وقد يستشكل بأن الموثقة بظاهرها معارضة مع تلك الاخبار ولا تقاومها لرميها بالشذوذ وحكي عن بعض حملها على التقية، واما اطلاق الاخبار فلا يعارض تلك الاخبار مع امكان الخدشة فيه بالورود مورد حكم آخر، وفيه نظر لمنع شذوذ الموثقة مع التمسك بها لاستحباب التكبير وعدم وجوبه كما سبق والحمل على التقية فرع عدم امكان الجمع العرفي ولامانع لان حمل الجملة الخبرية الظاهرة في الوجوب على الاستحباب شايع، واما الاطلاقات فمع كونها في مقام البيان ليس ظهورها في الاطلاق أضعف من ظهور الجملة الخبرية في الوجوب لكنه مع ذلك لا مجال لمخالفة المشهور ثم انه قد ورد في جملة من الاخبار تقييد التشهد بالخفيف فهل هو رخصة أو عزيمة؟ الظاهر الاول لا لورود القيد في مقام توهم وجوب الزيادات المتعارفة في تشهد الصلاة كما قيل لعدم توهم هذا كما لا يخفى بل لورود المطلقات في مقام البيان من دون تعرض للخصوصية فلعل ذكر القيد من باب التخفيف والظاهر ان المراد منه الاقتصار على الواجب ومنه الصلاة على محمد وآل محمد صلى الله عليهم اجمعين ولذا ادعى الاجماع على وجوبها ولا يبعد اعتبار الصيغة الخاصة المعودة في تشهد الصلاة ولو لا هذا لاشكل استفادة وجوب الصلاة على محمد وآل محمد لخروجها على مفهوم الشهادتين، واما التسليم فالمشهور ايضا وجوبه بل ادعى الاجماع عليه ويشهد له صحيحة ابن سنان عن ابى الله عليه السلام قال: (إذا كنت لا تدري أربعا صليت ام خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما) (1) وعن العلامة في المختلف القول باستحبابه كالتشهد وقواه بعض من تأخر عنه جمعا بين ما دل على الوجوب وبين الموثقة المذكورة واستشكل فيه بما سبق ولا يبعد القول بالاستحباب لعدم ذكره في كثير من المطلقات حتى الدالة على وجوب التشهد مع كونها في مقام البيان والتعرض للخصوصيات ككون التشهد خفيفا واما وجوب الذكر فيهما فقد


(1) المصدر ب 14 ح 1.

[ 457 ]

يتردد فيه من جهة إطلاق الامر بالسجدتين في مقام البيان من دون تعرض للذكر مضافا إلى خصوص الموثقة المذكورة ومن جهة ما عن الكافي والتهذيب في الصحيح، عن الحلبي، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تقول في سجدتي السهو (بسم الله وبالله اللهم صلى على محمد وآل محمد) قال الحلبي: وسمعته مرة اخرى يقول فيهما (بسم الله وبالله السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته) هكذا رواه في الحدائق والمستند ورواه في الوسائل وغيرها نحوه باسقاط لفظ (فيهما) (1) وعن الصدوق فيه الفقيه في الصحيح عن الحلبي - الحديث. الا ان فيه (وصلى الله على محمد وآل محمد) وعن بعض نسخ الفقيه مثل ما نقل عن الكافي ايضا وعن الشيخ عن عبيدالله الحلبي، عن ابى عبد الله عليه السلام مثل ما نقل عن الفقيه لكن فيه (والسلام) بإضافة الواو ولا يبعد عدم الوجوب لقوة الاطلاقات وتطرق الاشكال في استفادة الوجوب من الصحيحة المذكورة لان الصحيح المذكور يحتمل كون لفظ تقول فيه بصيغة الغيبة كما هي مرسومة في بعض النسخ بل يعينه رواية التهذيب على ما نقلها في المدارك فليس إلا حكاية فعل الامام كالخبر الآخر ولم يعلم وجهه من الوجوب والاستحباب فالقول بعدم الوجوب ولعله المشهور بين المتأخرين قوى جدا. (الثاني في القضاء من أخل بالصلاة عمدا أو سهوا أو فاتته بنوم أو سكر مع بلوغه وعقله واسلامه وجب عليه القضاء عدا ما استثنى) المعروف ان وجوب القضاء يحتاج إلى دليل غير دليل وجوب الاداء لان الثاني قد تعلق بالمقيد وبسحب الظاهر يكون للقيد مدخلية في اصل الطلب فمع انتفائه ينتفي، ولا مجال لاستصحاب بقاء الطلب لانه مع بقائه يكون متعلقا بأمر مغاير لما تعلق به سابقا فلا مجال للاستصحاب للزوم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة عرفا في جريان الاستصحاب، ولقائل أن يقول: هذا مع اخذ الوقت قيدا واما مع اخذه ظرفا فاتحاد القضيتين عرفا محفوظ ولذا اورد على المحقق النراقى - قدس سره - حيث أورد وقوع التعارض بين الاستصحابين في مثل ما لو امر المولى بالجلوس في المسجد مثلا إلى الظهر حيث يستصحب وجوب


(1) قد تقدم.

[ 458 ]

الجلوس بعد الظهر ويستصحب عدم وجوب الجلوس بعد الظهر وحاصل الايراد عليه انه إن اخذ الوقت قيدا فلا مجال لاستصحاب وجوب الجلوس بعد الظهر لانه من قبيل اسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر وإن اخذ ظرفا فلا يعارضه استصحاب الجلوس المقيد بكونه بعد الظهر بنحو يكون الموضوع مقيدا لا أن يكون خصوصية البعدية ظرفا وإن كان الظرفية ايضا ترجع عقلا إلى القيدية لكن الفرق بنظر العرف يكفى في المقام ومع قطع النظر عما ذكر وفرض القيدية لا مانع من استصحاب وجوب الطبيعة المهملة، وقد يقال بمعارضته مع استصحاب وجوب الطبيعة المطلقة بل يكون الثاني حاكما على الاول فان الشك في بقاء الكلى مسبب من جعل هذا الشخص من الوجوب لانه لا طريق إلى إبقاء الكلى إلا جعل هذا الشخص من الوجوب، وفيه تأمل لان وجوب الطبيعة المطلقة معناه لزوم اصل الذات مع قطع النظر عن الخصوصيات ولازمه المطلوبية مع أي خصوصية تحققت فتارة يتعلق الطلب بالطبيعة السارية فالمطلوب الوجودات المتكثرة بتكثر الاشخاص واخرى بصرف وجودها المعبر عنه بناقض العدم فوجوب هذه ليس امرا مغايرا لوجوب الطبيعة المهملة حتى يقال بوقوع المعارضة بينهما ومع قطع النظر عما ذكر فمجرد ما ذكر وجها للحكومة لا يوجب الحكومة لان الطبيعي موجود بعين وجود الفرد فكيف يتحقق السببية، نعم حيث ان تلازمهما غير مختص بالواقعيين فنفي كل منهما ملازم لنفي الآخر ولو ظاهرا وهذا غير الحكومة والذين ينبغى ان يقال: ان الاستحصاب في الشبهات الحكمية لا يجري وتمام الكلام في الاصول فالعمدة في هذا الباب الادلة المثبتة للقضاء والظاهر منهم ان استفادة عموم وجوب القضاء بالنسبة إلى الفائتة من الاخبار من المسلمات وعلى هذا فالمعيار صدق الفوت ويكفي فيه ثبوت ملاك الوجوب باستجماع الشرائط الشرعية كالبلوغ والعقل والطهر من الحيص و النفاس وان لم يتنجز التكليف من جهة الاعذار العقلية وقد يقال: إن استفادة العموم من الاخبار المذكورة في باب القضاء محل نظر إذ هي بين ما يدل على وجوب القضاء إذ تركت الصلاة نسيانا وما يدل على وجوبه إذا تركت أو نام عنها وما ليس

[ 459 ]

له إطلاق يفيد لما نحن فيه كالاوامر الواردة بوجوب قضاء الفائت كما فات فحينئذ ينبغي الاقتصار على القول بالوجوب فيما ذكر في الاخبار وما الحق به من الاجماع القطعي والقول بالبراءة في غير ما ذكر وفيه نظر لانه لا مانع من الاخذ باطلاق النبوى صلى الله عليه وآله المشهور (من فاتته فليقضها كما فاتته) (1) وبعد تمسك الفقهاء به لا مجال للخدشة من جهة السند ولا مجال للاشكال من جهة الدلالة بأن النظر إلى خصوصية المماثلة بين ما فات والقضاء من جهة الكيفية فان الجزاء قضاء الفائتة كما فاتت لا خصوصية المماثلة، ويمكن استفادة لزوم قضاء ما فات مما دل على عدم وجوب القضاء في بعض الموارد معللا بأنه ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر فعن الكليني والشيخ - قدس سرهما - في الصحيح عن الحفص بن البختري عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول في المغمي عليه: (ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر) (2) و عن الصدوق في العيون والعلل في الصحيح عن فضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في حديث قال: (وكذلك كلما غلب الله عليه مثل المغمى عليه الذى يغمى عليه في يوم وليلة فلا يجب عليه قضاء الصلاة كما قال الصادق عليه السلام كلما غلب الله على العبد فهو أعذر له) (3) على هذا فالقاعدة لزوم القضاء إلا ما خرج بالدليل ولو صدق الفوت وكذلك ما لا بصدق فيه الفوت كما لو تركت الصلاة لصغر أو جنون وذلك لان البلوغ والعقل من الشرائط الشرعية ومع انتفاء الشرط الشرعي لا يصدق الفوت ويمكن منع عدم الصدق بالنسبة إلى الصغير العاقل بناء على شرعية عبادات الصبى بل ربما يقال باجزاء ما فعله قبل البلوغ كما لو صلى قبل البلوغ في أول الوقت فبلغ آخر الوقت والوقت باق، غاية الامر عدم توجه التكليف الايجابي وبعبارة اخرى الملاك في صدق الفوت ان يفوت من الانسان شئ حال كونه معرضا لان لا يفوت عنه، وكيف كان لا إشكال في سقوط القضاء عن الصبى وعن المجنون في الجملة وربما يستشكل


(1) ما عثرت على هذا اللفظ في كتب أخبار العامة والخاصة. نعم يستفاد ذلك من مضمرة زرارة المروية في الكافي ج 3 ص 435 تحت رقم 7. (2) و (3) الوسائل أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 12 و 6.

[ 460 ]

في صورة حصول الجنون بفعل نفسه مع الالتفات إلى الترتب لان العلة التي ذكرت في الاخبار منتفية هنا لانه ليس مما غلب الله وعلى هذا فلا يحتاج إلى التمسك بحديث (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتت) حتى يتأمل في شموله للمقام ولو من جهة عدم اتصاف الصلاة بكونها فريضة، إلا ان يقال حديث (ما غلب الله) يدل على رفع القضاء بالنسبة إلى المغمى عليه ولا ينافى كون رفعه من جهة الجنون يكون الجنون في حد ذاته علة لرفع القضاء ولو لم يكن مما غلب الله على العباد فاثبات وجوب القضاء منوط بشمول النبوى صلى الله عليه وآله ومع الشك ا لمرجع البراءة ولو لم نقل بكون القضاء بأمر جديد بل بالامر الاول لعدم الامر حال الجنون من جهة حديث الرفع الا ان يتأمل في شموله للمقام كما في صورة زوال العقل بشرب المسكر اختيارا واما لزوم القضاء مع الاخلال عمدا أو سهوا فلا إشكال فيه، وادعى عليه لاجماع ودلالة النص وان كانت النصوص غالبا منصرفة عن صورة تعمد الترك لكنه لعل وجوب القضاء من الضروريات التى لاشبهة فيها وكذا الترك الناشي من جهة النوم واطلاق كلماتهم يشمل مالو استوعب الوقت وكان زائدا عن المتعارف إلا أنه حكي عن الشهيد - قده - في الذكرى أنه بعد ان ذكر مما يوجب القضاء النوم المستوعب وشرب المرقد قال: لو كان النوم على خلاف العادة فالظاهر إلحاقة بالاغماء وقد نبه عليه في المبسوط. انتهى، وفيه نظر من جهة ان غاية ما يدعى انصراف ما دل على وجوب القضاء من جهة الترك الناشئ من جهة النوم وهو ممنوع لانه لاوجه له إلا ندرة الوجود وهي لا توجب الانصراف وعلى فرض التسليم يكفينا عموم ما دل على وجوب القضاء بالنسبة إلى الفائت، والفوت صادق في المقام لعدم كون النوم من الموانع الشرعية بل هي من الاعذار العقلية ولو حصل الترك من جهة شرب المسكر فالظاهر عدم الخلاف في وجوب القضاء لصدق الفوت ولابد من التقييد بما لم يصل إلى الحد الجنون ومعه يشكل لان الجنون من الاعذار الشرعية ومعها قلنا بعدم صدق الفوت ولو كان منشاؤه فعل نفسه ولعله لذا قيد في المتن بالبلوغ والعقل والاسلام، نعم لو حصل السكر لا بفعل نفسه عن عمد فلا يبعد كونه مشمولا لحديث ما غلب الله على العباد

[ 461 ]

ولازمه سقوط القضاء كما في صورة الاغماء. (ولا قضاء مع الاغماء المستوعب للوقت الا ان يدرك الطهارة والصلاة ولو ركعة، وفى قضاء الفائتة لعدم ما يتطهر به تردد احوطه القضاء) اما عدم وجوب القضاء مع الاغماء المستوعب فهو المشهور ويدل عليه اخبار كثيرة منها ما عن الشيخ في الصحيح عن ايوب بن نوح قال: (كتبت إلى أبى الحسن الثالث عليه السلام عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلوات اولا؟ فكتب لا يقضى الصوم ولا يقضي الصلاة) (1) وعن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن المريض هل يقضى الصلوات إذا اغمى عليه؟ فقال: لا إلا الصلاة التي أفاق فيها) (2) وما يدل على القضاء في قبال الاخبار الدالة على السقوط محمول على الاستحباب جمعا، ثم انه لا يبعد انصراف اخبار الباب إلى الاغماء الحاصل لا باختيار المكلف خصوصا مع ملاحظة التعليل الوارد في بعض الاخبار بان ما غلب الله على العباد فالله اولى بالعذر فلا مجال للاخذ بالاطلاق، هذا كله مع الاستيعاب للوقت، واما مع إدارك الطهارة والصلاة ولو ركعة فان قلنا بشرطية عدم الاغماء لوجوب الصلاة أداء كسائر الشرائط الشرعية فيمكن أن يقال فيه ما يقال في صورة التمكن من درك الصلاة مع الطهارة الترابية للحائض بعد الوقت مع عدم سعة الوقت لها مع الطهارة المائية من سقوط القضاء والاداء لان الواجب اولا هو الصلاة التامة الاجزاء والشرائط، ومنها الطهارة المائية، فهذا الواجب مسقط من الذمة من جهة فقدان الشرط الشرعي وهو الطهارة عن الحيض فلا يجب عليها الاقتصار بالصلاة مع الطهارة الترابية لانها بدل عن الواجب الاصلي فمع سقوط التكليف بالنسبة إليه كيف يجب البدل ولا يجب القضاء ايضا لانه فرع الفوت وهو موقوف على اجتماع الشرائط الشرعية ومع عدمه لا يصدق الفوت، وفيه نظر لانه لا نسلم أن وجوب البدل تابع لوجوب الاصل ألا ترى ان الصلاة مع الطهارة المائية و الساتر الطاهر لو كانت ضررية أو حرجية يرتفع التكليف عنهما لارتفاع التكليف بواسطة الحرج والضرر ولا يسقط التكليف بالصلاة مع الطهارة الترابية والساتر


(1) و (2) الوسائل أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 2 و 1.

[ 462 ]

المتنجس أو الصلاة عريانا فمع وجوب البدل فان اتى به فهو الاداء وإن ترك يصدق الفوت وإن قلنا بعدم شرطية عدم الاغماء لوجوب الصلاة غاية الامر شرطية للتنجز كشرطية الاستيقاظ وعدم النوم ولازم هذا خروج المغمى عليه مع استيعاب الوقت عن تحت عموم (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتت) تخصيصا لا تخصصا فالامر اوضح لانه يصير حاله حال المستيقظ بعد النوم فيأتى بما يتمكن في الوقت ومع عدم الاتيان يقتضى ما فات، واما قضاء ما فات لعدم ما يتظهر به فالظاهر لزومه لتحقق الفوت لاعتبار الطهارة في الصلاة مطلقا حيث (لاصلاة الا بطهور) ولم تكن القدرة من الشرائط الشرعية بل شرط لتنجز التكليف، فحيث يكون التكليف بالنسبة إلى الاداء ساقطا لعدم القدرة وفاتت الصلاة تشمله العمومات من النبوى صلى الله عليه وآله المشهور ومن قول الباقر عليه السلام في صحيحة زرارة: (ومتى ذكرت صلاة فاتتك صليتها) (1) وفى صحيحته الاخرى (أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أديتها) (2) ولا مجال للاشكال بعدم الاطلاق في خبر النبوى صلى الله عليه وآله لانه يفهم من مجموع الاخبار الواردة في باب القضاء ان وجوب القضاء بالنسبة إلى الفرائض كان من الامور المعهودة والسقوط يحتاج إلى علة كالحيض والاغماء مثلا. (وتترتب الفوائت كالحواضر والفائتة على الحاضرة، وفى وجوب ترتب الفوائت على الحاضرة تردد اشبهه الاستحباب) اما وجوب الترتب فيما لو كان الفائتتان شريكتين في الوقت كالظهرين من يوم واحد والعشائين من ليلة واحدة فالظاهر عدم الاشكال فيه والترتيب بينهما داخل في كيفيتهما كخصوصية القصر و الاتمام والجهر والاخفات فيشمله من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته واما الترتب بين الفوائت بأن يأتي بما فات اولا ثم ما يتلوه في الفوت مع عدم الترتب بينهما في حد ذاتيهما كتقدم صلاة العصر من اليوم الماضي على صلاة الصبح من اليوم الحاضر فهو المعروف ايضا وجوبه واستدل عليه بأخبار منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 62 ح 1. (2) الوسائل أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 1.

[ 463 ]

عليه السلام قال: (إذا نسيت الصلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدء بأولهن فأذن لها واقم ثم صلها ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة) (1) ومنها مرسلة جميل عن الصادق عليه السلام قال: (قلت له: تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب وذكرها عند العشاء الآخرة؟ قال: يبدء بالوقت الذى هو فيه فانه لا يأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت ثم يقتضي ما فاته الاولى فالاولى) (2) ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى الصلاة وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة، ثم ذكر بعد ذلك قال: يتطهر ويؤذن ويقيم في أولهن ثم يصلي ويقيم بعد ذلك في كل صلاة - الحديث) (3) ومنها النبوى صلى الله عليه وآله المشهور وفى دلالتها على المطلوب نظر اما النبوى صلى الله عليه وآله فالظاهر منه اعتبار المماثلة في الخصوصيات المعتبرة في الصلاة كالجهرية والاخفاتية ونحوهما، واما صحيحة زرارة فسوقها للاستحباب بقرينة الامر بالاذان والاقامة مع استحبابهما مضافا إلى عدم استفادة الترتيب فيما بعد الاولى منها فتأمل، وهكذا الكلام في صحيحة محمد بن مسلم ومرسلة جميل فان الابتداء بالحاضرة لا يلتزم بلزومه، واما ترتب الفوائت على الحاضرة بمعنى تقديم الفوائت على الحاضرة ففي لزومه خلاف، فقيل بوجوب التقديم وقيل بعدمه، والاستحباب، احتج القائلون بجواز تقديم الحاضرة بامور عمدتها الروايات منها رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إن نام رجل أو نسي أو يصلي المغرب والعشاء الآخرة فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما وان خاف ان تفوت احديهما فليبدء بالعشاء وان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس) (4) ونحوها خبر ابى بصير والمرسل المروي عن الفقه الرضوي عليه السلام والاولى منع دلالة ما استدل


(1) الوسائل أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 4. (2) المصدر ب 2 ح 5. (3) المصدر ب 1 ح 3. (4) الوسائل أبواب المواقيت ب 62 ح 4.

[ 464 ]

به على المنع فيكفينا الاصل، فنقول: العمدة في هذا المقام روايات منها صحيحة زرارة (عن رجل صلى بغير طهور أو نسى صلاة لم يصلها أو نام عنها فقال عليه السلام يقضيها إذا ذكرها في اي ساعة ذكرها من ليل أو نهار فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت وهذه احق فليقضها فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى ولا يتطوع بركعة حتى يقضى الفريضة كلها) (1) ومنها صحيحة زرارة أو حسنته عن أبى جعفر عليه السلام قال: (إذا نسيت الصلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدء باولهن فاذن لها واقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة وقال: قال أبو جعفر عليه السلام: وان كنت قد صليت الظهر وقد فاتتك الغداء فذكرتها فصل الغداة اي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها قال: إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر فانما هي اربع مكان أربع، وان ذكرت انك لم تصل الاولى و انت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاولى ثم صل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر، وان كنت قد ذكرت انك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب، فان كنت صليت المغرب فقم فصل العصر وان كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر، ثم قم فأتمها ركعتين ثم تسلم، ثم تصلى المغرب، فان كنت قد صليت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصل المغرب، وان كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم، ثم قم فصل العشاء الآخرة، فان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصل العشاء الآخرة وان كنت قد ذكرتها وانت في الركعة الاولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثم قم فصل الغداة واذن واقم، وان كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدء بهما قبل ان تصلي الغداة وابدء بالمغرب ثم العشاء، فان خشيت ان


(1) الوسائل أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

[ 465 ]

تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدء بالمغرب ثم صل الغداة ثم صل العشاء، وإن خشيت ان تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصل الغداة ثم صل المغرب والعشاء ابدء بأولهما لانهما جميعا قضاء ايهما ذكرت فلا تصلهما الا بعد شعاع الشمس، قال: قلت: ولم ذلك؟ قال: لانك لست تخاف فوتها) (1) واخبار اخر مضامينها قريبة مما ذكر. وجه المنع أن المستفاد من هذه الاخبار انه مع خوف فوت الفريضة الحاضرة في وقتها تقدم على الفائتة ومن المعلوم أن الوقت المذكور هو وقت الفضيلة كما هو واضح ظاهر، ومن المعلوم أن تأخير الفريضة عن وقت فضيلتها لا مانع منه بل هو ترك امر مستحب فما وقع في قباله ايضا مستحب بقرينة المقابلة، وبعبارة اخرى قد فصل في هذه الاخبار بين صورة فوت الفريضة في وقت فضيلتها أو خوف الفوت و صورة عدم الفوت وعدم خوفه فحكم بتقديم الحاضرة في الصورة الاولى وتقديم الفائتة أو الفوائت في الصورة الثانية، ومن المعلوم عدم وجوب المبادرة في اتيان الحاضرة في وقت فضيلتها فلا يجب المبادرة في إتيان الفائتة أو الفوائت في الصورة الاخرى بقرينة المقابلة وقد ظهر مما ذكر عدم وجوب القضاء فورا ففورا كما يقول القائل بالمضايقة وعدم شرطية الاتيان بالفائتة أو الفوائت لصحة الحاضرة فيما تقدم على الحاضرة وعدم الفرق بين الفائتة الواحدة والفوائت فيما ذكر فلا يتم التفصيل الذى يظهر من المتن وغيره من لزوم تقديم الفائتة الواحدة واستحباب تقديم الفوائت فلا يتوجه الاشكال بأن ما ذكر من الاخبار المجوزة غاية ما يستفاد منها جواز تقديم الحاضرة على الفوائت دون الفائتة الواحدة وذلك لمنع دلالة الاخبار المذكورة على لزوم تقديم الفائتة أو الفوائت على الحاضرة ولا يستفاد من الصحيحة الطويلة المذكورة آنفا وجوب العدول من الحاضرة إلى الفائتة لما عرفت ومع الشك المرجع الاصل. (ولو قدم الحاضرة على الفائتة مع سعة وقتها ذاكرا اعادو لا يعيد لو سها


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

[ 466 ]

ويعدل عن الحاضرة إلى الفائتة لو ذكر بعد التلبس ولو تلبس بنافلة ثم ذكر فريضة ابطلها واستأنف الفريضة) اما عدم لزوم الاعادة مع تقديم الحاضرة على الفائتة سهوا فالظاهر عدم الاشكال ولو قلنا بلزوم التقديم مع التذكر والشرطية لصحة الحاضرة لانه مشمول لحديث (لا تعاد الصلاة) المذكور في مبحث الخلل وأما لزوم الاعادة مع التذكر فهو مبنى على لزوم المبادرة بالقضاء وشرطية الاتيان بالفائتة لصحة الصلاة الحاضرة وقد ظهر الاشكال فيه واما لزوم العدول فهو أيضا مبني على القول المذكور ويستظهر من الصحيحة الطويلة المذكورة آنفا وقد عرفت الاشكال في الاستظهار المذكور. واما صورة التلبس بالنافلة وتذكر الفريضة فلزوم الابطال واستيناف الفريضة مبنى على حرمة التطوع مع اشتغال الذمة بالفريضة، فعلى القول بالجواز لا يلزم بل على القول بالحرمة ايضا يشكل بناء على حرمة قطع النافلة، واما احتمال العدول عن النافلة إلى الفريضة فلا مجال له لان العدول خلاف الاصل فيقتصر فيه على مورد النص. (ويقضي ما فات سفرا قصرا ولو كان حاضرا وما فات حضرا تماما ولو كان مسافرا ويقضى المرتد زمان ردته) اما لزوم قضاء الفائتة كما فاتت فهو مذهب العلماء كافة ويدل عليه النبوى صلى الله عليه وآله المشهور وصحيحة زرارة أو حسنته قال: (قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر فقال يقضي ما فاته كما فاته إن كانت صلاة السفر اداها في الحضر مثلها وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته) (1) وغيرهما من الاخبار واما وجوب قضاء المرتد فيدل عليه عموم ما دل على لزوم قضاء الفائتة بعد تسلم كون الكفار مكلفين بالفروع كالاصول وليس في البين ما يدل على السقوط الا الحديث المعروف المشهور (الاسلام يجب ما قبله) (2) وهو منصرف عن المرتد بدعوى أنه منزل على الغالب المتعارف في عصر النبي صلى الله عليه وآله ولا يخفى مجال المنع في دعوى الانصراف والتنزيل على


(1) قد تقدم. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات من حديث الزبير وحبير بن مطعم.

[ 467 ]

الغالب المتعارف في ذلك العصر فالعمدة عدم الخلاف ظاهرا وكون الحكم مع المسلمات. (ومن فاتته فريضة من يوم ولا يعلمها صلى اثنتين وثلاثا وأربعا ولوفاته ما لم يحصه قضى حتى يغلب على ظنه الوفاء) اما الصورة الاولى فجواز الاكتفاء بها فيها من دون لزوم قضاء الخمس احتياطا فيدل عليه مرفوعة الحسين بن سعيد قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسي صلاة من الصلوات لا يدري ايها هي قال: يصلى ثلاثة وأربعة وركعتين فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء كان قد صلى أربعا وإن كانت المغرب أو الغداة فقد صلى) (1) ومرسلة علي بن اسباط عن غير واحد من اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا) (2) وضعف الخبرين من جهة السند مجبور بالعمل ومقتضاهما كفاية القصد الاجمالي بالنسبة إلى الرباعية والتخيير بين الجهر والاخفات فلا يجب الاحتياط من الجهتين، واما الصورة الثانية فلا يخفى انه ان كان المقام من موارد لزم الاحتياط فلابد من تحصيل العلم والظن غير كاف وان كان من موارد جريان البراءة من جهة انحلال العلم الاجمالي فاللازم القول بالبراءة بالنسبة إلى المشكوك ولا يجب تحصيل الظن والظاهر كون المقام من موارد جريان البراءة لدوران الامر بين الاقل والاكثر الاستقاليين من دون ارتباط بينهما كدوران الدين بين عشرة وعشرين وقد يقال بالتفصيل بين صورة ينحل علمه الاجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي كما لو تأمل بعد علمه الاجمالي فذكر فوات عدة صلوات مفصلة وشك فيما زاد عليها فلا يبقى بعد ذلك اجمال في متعلق علمه وبين صورة اخرى وهى ما لا يزيده التأمل في اطراف العلم الا مزيد تحير كما لو حصل له العلم ببطلان كثير من صلواته في الازمنة المتطاولة، ولا يخفى الاشكال فيه لان الانحلال في الصورة الثانية ايضا محفوظ فالمرجع الاصل وقد يقال بأنه يلزم الاحتياط مطلقا من جهة انه حال الفوت والالتفات تنجز التكليف بالقضاء وفى الحال يشك في التكليف المنجز والشك فيه مساوق لاحتمال استحقاق العقوبة والعقل مستقل


(1) و (2) الوسائل أبواب قضاء الصلوات ب 11 ح 1 و 2.

[ 468 ]

بوجوب دفع الضرر المحتمل، ويرد النقض بمثل ما لو شك في الحدث بعد الطهارة فيقال: حال حدوث الحدث تنجز عليه التكليف بالطهارة فكيف يستصحب الطهارة بل لازم هذا وجوب الاحتياط في صورة الشك البدوي في الفوت والحل ان العلم يؤثر ما دام باقيا فمع ارتفاعه كيف يؤثر. (ويستحب قضاء النوافل الموقتة ولو فات بمرض لم يتأكد القضاء ويستحب الصدقة عن كل ركعتين بمد فان لم يتمكن فعن كل يوم بمد) يدل على استحباب النوافل الرواتب ولعلها المراد من الموقتة خبر عبد الله بن سنان قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام اخبرني من رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدرى ما هو من كثرتها كيف يصنع؟ قال: فليصل حتى لا يدرى كم صلى من كثرتها فيكون قد قضى بقدر علمه، قلت له: فإنه لا يقدر على القضاء من كثرة شغله؟ فقال: إن كان شغله في طلب معيشة لابد منها اوجاجة لاخ مؤمن فلاشئ عليه وإن كان شغله الجمع لدنيا والتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء والا لقى الله تعالى وهو مستخف متهاون مضيع لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله - الحديث) (1) ويدل على عدم تأكد الاستحباب لو فات بمرض خبر مرازم قال: (سأل اسماعيل بن جابر ابا عبد الله عليه السلام فقال: اصلحك الله ان على نوافل كثيرة فكيف اصنع؟ فقال اقضها، فقال له: انها اكثر من ذلك؟ قال: اقضها، قلت: لا احصيها؟ قال: توخ) (2) قال مرازم: (وكنت مرضت أربعة اشهر لم اتنفل فيها فقلت: أصلحك الله وجعلت فداك انى مرضت اربعة اشهر لم اصل فيها نافلة فقال: ليس عليك قضاء ان المريض ليس كالصحيح كلما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر فيه) (3) والشاهد على اصل الاستحباب رواية محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (قلت له: رجل مرض فترك النافلة فقال: يا محمد ليست بفريضة ان قضاها فهو خير يفعله وان لم يفعل فلا شئ عليه) (4) وأما استحباب الصدقة فيشهد له ما رواه عبد الله بن سنان في تتمة الخبر المتقدم قال: (قلت فإنه لا يقدر


(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 18 ح 2. (2) المصدر ب 19 ح 1. (3) و (4) المصدر ب 20 ح 2 و 1.

[ 469 ]

على القضاء فهل يجزي ان يتصدق فسكت مليا، ثم قال: فليتصدق بصدقة قلت: فما يتصدق قال: بقدر طوله ادنى ذلك مد لكل مسكين مكان كل صلاة، قلت: وكم الصلاة التي يجب فيها مد لكل مسكين؟ فقال: لكل ركعتين من صلاة الليل مد ولكل ركعتين من صلاة النهار مد، قلت: لا يقدر؟ فقال: مد إذا لكل أربع ركعات من صلاة النهار وأربع ركعات من صلاة الليل، فقلت: لا يقدر؟ فقال: فمد إذا لصلاة الليل ومد لصلاة النهار والصلاة افضل والصلاة افضل والصلاة افضل) ولا يخفى مخالفة ما في المتن مع المذكور في الرواية لان ظاهر المتن التصدق عن كل يوم وليلة بمد مع عدم التمكن الا ان يتمسك بقاعدة الميسور. (الثالث في الجماعة والنظر في اطراف: الاول الجماعة مستحبة في الفرائض متأكدة في الخمس ولا تجب الا في الجمعة والعيدين مع الشرائط والاتجمع في نافلة عدا ما استثنى) اما استحباب الجماعة في خصوص الفرائض اليومية وتأكده فهو من ضروريات الدين كما لا يخفى والظاهر شمول الاطلاقات الواردة للفوائت منها مع ان الظاهر انه مما لا خلاف فيه بل عن ظاهر الذكرى دعوى إجماع المسلمين و يشهد له ايضا الاخبار المستفيضة الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله في قضاء صلاة الصبح وإن استشكل فيها بأنه كيف يصح ان ينام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن فريضة الصبح ويشهد له أيضا بعض الروايات في مسألة العدول من الحاضرة إلى الفائتة كقوله عليه السلام في خبر عبد الرحمن (وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب اتمها بركعة ثم صلى المغرب) (1) واما استحبابها فيما عداها من الفرائض فعن المنتهى نسبته إلى علمائناو هذا بالنسبة إلى صلاة الآيات والاموات مما لاريب فيه للاخبار الخاصة الواردة فيهما، واما بالنسبة إلى ما عداها سوى الجمعة والعيدين مع اجتماع الشرائط فقد يتأمل فيه مع عدم تمامية الاجماع ويقال: الاستدلال عليه بالاطلاقات الواردة في باب الجماعة مثل قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان (الصلاة في جماعة تفضل على كل


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 63 ح 2.

[ 470 ]

صلاة فذ بأربع وعشرين درجة) (1) وصحيحة زرارة والفضيل قالا: قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي فقال الصلوات فريضة وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها ولكنه سنة من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له) (2) ضعيف لان المطلقات واردة مورد حكم آخر غير مسوقة لبيان الحكم من هذه الجهة وقد يقال في الصحيحة بانصراف الصلاة فيها إلى اليومية فيحتاج في اثبات المشروعية إلى دليل آخر، ولا يبعد ان يقال: اما مثل الصحيحة فليس إطلاقها واردا مورد حكم آخر ودعوى انصرافها إلى خصوص اليومية بعيدة جدا الا ترى إذا قال: الاجتماع سنة في الصلوات كلها أو قال الاجتماع سنة في الصلوات الفريضة كلها هل يمكن دعوى الانصراف إلى خصوص اليومية واما المطلقات الواردة مورد حكم آخر فلا بأس بالتمسك بها للمطلوب من جهة الملازمة بيان ذلك أن مثل صحيحة ابن سنان وإن كانت في مقام تفضيل صلاة الجماعة إلا أنه حيث إن الفضل بالدرجات ليس الا مع الصحة والمشروعية فإذا كان الدليل مطلقا من تلك الجهة الملازمة مع الصحة والمشروعية فباطلاقه تثبت الجهة الثانية، واما عدم مشروعية الجماعة في شئ من النوافل عدا الاستسقاء والعيدين مع اختلال شرائط الوجوب فيدل عليه اخبار كثيرة منها خبر الاعمش المروى عن الخصال، عن جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث شرايع الدين قال: (ولا يصلى التطوع في جماعة لان ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) ومنها خبر فضل بن شاذان المروي عن العيون عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون قال: (لا يجوز أن يصلى تطوع في جماعة لان ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وفى قبالها اخبار دالة على الجواز محمولة على التقية واعرض الاصحاب عن العمل بها (ويدرك المأموم الركعة بادراك الركوع و بادراكه راكعا على التردد واقل ما تنعقد بالامام والمأموم) ادراك الجماعة بادراك الركوع وبادراك الامام راكعا هو المشهور ويدل عليه اخبار مستفيضة منها


(1) و (2) الوسائل أبواب صلوة الجماعة ب 1 ح 1 و 2. (3) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 6.

[ 471 ]

صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (إذا أدركت الامام وقد ركع فكبرت وركعت قبل ان يرفع الامام رأسه فقد ادركت الركعة وإن رفع الامام راسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة) (1) ومنها صحيحة سليمان بن خالد، عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (في الرجل إذا ادرك الامام وهو راكع وكبر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الامام رأسه فقد ادرك الركعة) (2) خلافا لما حكي عن الشيخين والقاضي من انهم اعتبروا إدراك تكبيرة الركوع وانه إذا أدركه راكعا فقد فاتت الركعة والمستند روايات محمد بن مسلم المصححة ففي احداها (إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة) (3) وفى اخرى (لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام) (4) ورواية الحلبي الواردة في الجمعة (إذا أدركت الامام قبل ان يركع الركعة الاخيرة فقد ادركت الصلاة وإن أدركته بعد ما ركع فهي اربع بمنزلة الظهر) (5) وقد يجمع بين الطرفين عدا الرواية الاخيرة بالحمل على الكراهة بمعنى اقلية الثواب وحمل الرواية الاخيرة على صورة الفراغ من الركوع، ولا يخفى الاشكال فيه. واما في حمل رواية الحلبي فالاشكال من جهة ان الظاهر ان ملاك الحكم الصدر والذيل متفرع عليه واما في حمل سائر الاخبار على الكراهة فلمنافاة هذا مع الامر في بعض الاخبار (6) بالتكبير والركوع فيمن دخل المسجد والامام راكع وظن أنه إن مشى إليه رفع رأسه الا أن يحمل على الارشاد إلى إمكان درك الجماعة الممكن اجتماعة مع الكراهة بمعنى اقلية الثواب، ومع عدم مساعدة العرف على الجمع المذكور فالمعارضة باقية، ولنا الاخذ بالمشهور اما من جهة رجحان تلك الاخبار المجوزة واما من جهة التخيير، ثم إن مقتضى إطلاق النصوص والفتاوى عدم الفرق


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 2. (3) و (4) المصدر ب 43 ح 2 و 3. (5) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 26 ح 3. (6) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 3.

[ 472 ]

بين إدراك المأموم ذكرا قبل رفع الامام وعدمه خلافا للمحكي عن التذكرة ونهاية الاحكام فاشترطا ادراك الذكر قبل رفع الامام ولعل المستند الخبر المروى عن الاحتجاج (1) (عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن صاحب الامر عجل الله تعالى فرجه انه كتب إليه يسأله عن الرجل يلحق الامام وهو راكع فيركع معه ويحتسب بتلك الركعة فان بعض اصحابنا قال: ان لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة فأجاب عليه السلام إذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وان لم يسمع تكبيرة الركوع) وقد يقال بحمل الشرطية في هذا الخبر على ان يكون جارية مجرى العادة من عدم حصول الجزم بادراكه راكعا في الغالب الا في مثل الفرض ولا يخفى ما فيه بل لعل تقييد تلك الاخبار اولى إلا ان يثبت إعراض الاصحاب مع ملاحظة الخبر ولزوم التقييد وعلى فرض قوة إطلاق تلك الاخبار وإبائها لكونها في مقام التحديد عن التقييد تقع المعارضة ان لم يستشكل في السند وأما انعقاد الجماعة بالامام والمأموم فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه اخبار كثيرة منها حسنة زرارة أو صحيحته قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما يروي الناس ان الصلاة في جماعة افضل من صلاة الرجل وحده بخمسة و عشرين صلاة؟ فقال: صدقوا، فقلت: الرجلان يكونان جماعة قال: نعم ويقوم الرجل من يمين الامام) (2). (ولا تصح بين الامام والمأموم ما يمنع المشاهدة وكذا بين الصفوف ويجوز في المرأة) الظاهر عمد الخلاف فيه والاصل فيه صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: (إذا صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام واي صف كان اهله يصلون بصلاة امام وبينهم وبين الصف الذى يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة فان كان بينهم وبين الامام سترة أو جدار فليس


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 5. (2) صدره في الوسائل في باب تأكد استحباب الجماعة ح 3، وذيلة في باب أقل ما تنعقد به الجماعة ح 1.

[ 473 ]

تلك لهم بصلاة الا من كان حيال الباب، قال: قال: وهذه المقاصير لم يكن في زمن احد من الناس وانما احدثها الجبارون وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة قال: وقال أبو جعفر عليه السلام: ينبغي ان تكون الصفوف تأمه متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد انسان إذا سجد، قال: وقال: ايما امرأة صلت خلف امام وبينها وبينه وما لا يتخطى فليس لها تلك بصلاة، قال: قلت: فان جاء انسان يريد ان يصلى كيف يصنع وهي إلى جانب الرجل؟ قال: يدخل بينها وبين الرجل وتنحدر هي شيئا) (1) والظاهر من الصحيحة ان مطلق ما يستر فعلا جدارا كان أو غير جدار بين الامام والمأموم وبين اهل صف متأخر والمتقدم منهم وبين اهل صف واحد بعضهم مع بعض مانع عن صحة الجماعة والاقتداء والصف الواقع خلف المقاصير من كان من اهله محاذيا للباب يشاهد الامام يصح اقتداؤه ومن في جانبي المشاهدين ممن لا يشاهد الامام لا يصح اقتداؤه، وهذا هو الذى صرح به الوحيد البهبهانى - قدس سره - ناسبا إلى النص وكلام الاصحاب وقد يقال بصحة اقتداء من في الجانبين بل لعله المشهور من جهة انه من المعلوم ان اعتبار عدم السترة والجدار في الرواية الشريفة على طبق اعتبار عدم البعد بما لا يتخطى بين المأموم والامام وبين المأموم في الصف اللاحق وبين السابق ومن المعلوم في اعتبار عدم البعد ملاحظة عدم البعد بين الامام وبين مجموع الصف لابينه وبين كل واحد من اهله، فلا بد ان يحمل العبارة المشتملة على اعتبار عدم الستر على هذا المعنى فان اعتبارهما على نهج واحد، وفيه نظر من جهة انه بعد ما كان كل واحد من عدم البعد بالمقدار المذكور وعدم الستر شرطا مستقلا و لا تلازم في شرطيتهما حيث يعتبر الاول في اقتداء الرجال والنساء دون الثاني حيث اختص بالرجال فما وجه التلازم في كيفية اعتبارهما اولا وثانيا؟ نقول: بعدما كان المتعارف ان يكون الصف الاول مركبا من الواقعين بحيال باب المقصورة ومن


(1) الفقيه باب الجماعة وفضلها تحت رقم 55 و 56 بتقديم وتأخير وبدون قوله (لم يكن في زمان أحد من الناس).

[ 474 ]

في جانبيهم فعلى فرض صحة اقتداء من في الجانبين مع عدم مشاهدتهم للامام ما معنى تخصيص الصحة بصلاة من بحيال الباب وفرض وقوع صف مقدم على هذا الصف يلازم كون ذلك الصف محاذيا للامام وهذا على فرض صحته مع عدم مراعاة تقدم الامام على المأموم نادر لا مجال لحمل الرواية عليه فان النظر إلى الجماعات المتعارفة. واما الجواز في المرأة بأن تكون المأموم امرأة فهو المشهور ويدل عليه موثقة عمار قال: (وسألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى بالقوم وخلفه دار وفيها نساؤه هل يجوز لهن ان يصلين خلفه قال: نعم ان كان الامام اسفل منهن، قلت: فان بينهن وبينه حائطا أو طريقا فقال: لا بأس) (1). (ولا يأتم بمن هو اعلى منه بما يعتد به كالابنية على رواية عمار (2) ويجوز لو كان على ارض منحدرة ولو كان المأموم اعلى منه صح) اما اشتراط عدم العلو علوا دفعيا لا انحداريا فيدل عليه موثقثة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يصلى بقوم وهم في موضع اسفل من موضعه الذى يصلى فيه فقال: ان كان الامام على شبه الدكان أو على موضع ارفع من موضعهم لم تجز صلاتهم فان كان ارفع منهم بقدر اصبع أو اكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل فان كان أرضا مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع وقام من خلفه اسفل منه والارض مبسوطة الا انهم في موضع منحدر فلا بأس، قال: وسئل فان قام الامام اسفل من موضع من يصلى خلفه؟ قال لا بأس، وقال: ان كان رجلا فوق بيت أو غير ذلك دكانا كان أو غيره وكان الامام يصلي على الارض اسفل منه جاز ان يصلى خلفه ويقتدى بصلاته وان كان أرفع منه بشئ كثير) قوله (إذا كان الارتفاع ببطن مسيل) مروي عن الكافي وبعض نسخ التهذيب، وعن بعض اخرى (بقطع مسيل) وعن ثالثة (بقدر يسير) ورابعة (بقدر شبر) وعن الفقيه (بقطع سيل) وقد يقال: إن المرجع في العلو المانع العرف والظاهر عدم البأس بوقوف الامام في الطرف الاعلى من الارض المنحدرة لعدم صدق العلو عرفا ويدل على ذلك ما في


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 61 ح 2 و 1.

[ 475 ]

ذيل الموثقة فان كان أرضا مبسوطا - الخ - واما العلو الدفعي فليس في الموثقة ما يوضحه مع اختلاف النسخ فالمرجع الاصل وهو عدم صحة الاقتداء لانه بعد عدم الاطلاق في أدلة صحة الجماعة واقتضاء حديث (لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب) بطلان الصلاة الفاقدة لها إلا ما علم خروجه وهو الصورة التي قطع فيها بصحة الجماعة لابد من القول بعدم الصحة وعدم صحة الصلاة مع الاخلال بوظيفة المنفرد، و يمكن أن يقال أما في صورة العلو الانحداري لا الدفعي ولا التسنيمي فمع صدق العلو عرفا بعيد جدا كيف وقد حكم في الخبر بأنه إن كان أرضا مبسوطة لا بأس بقيام الامام في الموضع المرتفع ففي فرض كون الارض مبسوطة حكم بعدم البأس في الارتفاع فلا بد من ملاحظة الخبر وما يستفاد منه، والخبر مجمل لاحتمال أن يكون (إن) في قوله عليه السلام وإن كان أرفع منهم بقدر اصبع الخ) شرطية مستقلة لا وصلية ولم يكن الجزاء محذوفة مثل فلا بأس ونحوه بل الجزاء مجموع (فان كان أرضا مبسوطة - إلى قوله عليه السلام - فلا بأس) وعلى هذا فلا مجال للقول بعدم البأس مع الانحدار بمقتضي الخبر ولو بلغ الارتفاع ما بلغ إلا ان يثبت الاجماع على عدم البأس، واما صورة العلو الدفعي أو التسنيمى فاستفادة حكمها من الخبر لا مجال لها إلا انه بعد ما ذكر في صدر المبحث من تمامية الاطلاقات فالمرجع الاطلاق إلا ما علم خروجه عن تحته لا حديث (لاصلاة الا بفاتحة الكتاب). وأما صحة الجماعة فيما إذا كان المأموم أعلى من الامام فيدل عليها ذيل الخبر. (ولا يتباعد المأموم بما يخرج عن العادة إلا مع اتصال الصفوف) قد يستظهر من صحيحة زرارة المتقدمة حيث نفى فيها الامامة والصلاة مع البعد بما لا يتخطى كون التباعد بهذا المقدار مبطلا ولا مجال للحمل على الكراة بقرينة لفظ ينبغى في ذيلها لان سياقه مع مانعية الحائل واحد، والانصاف أنه كذلك إلا انه لا مجال للالتزام به لانه خلاف السيرة المسلمة بين المسلمين، فان هذا يساوق وقوع رؤس الصف المتأخر متصلة بأعقاب الصف المقدم ومناف لمافى موثقة عمار من جواز اقتداء النساء مع حيلولة الطريق أو الجدار فانها مساوقة للبعد بما لا يتخطى وحكم

[ 476 ]

الرجل والمرأة في الصحيحة واحد، وأما احتمال أن التحديد بعدم التخطي في أول الصحيحة لو حظ باعتبار المحل الذى اخذه المصلى للصلاة أي المقدار من القضاء الذى يتمكن معه من اتيان جميع افعال صلاته التي منها السجود واعتبار المسافة اللازم مراعاتها انما هو بين مسجد اللاحق وموقف السابق والتحديد به في الديل لوحظ باعتبار الصفين فبعيد كما لا يخفى، وعلى هذا فيشكل التحديد لانه ان لوحظت الجماعة المتعارفة بين الخاصة وادعى انصراف المطلقات إليها فالظاهر انه ليس بين المسجد للاحق والموقف للسابق أزيد من هذا المقدار وان لو حظت المتعارفة بين العامة فالمتعارف بينهم في هذه الاعصار غير ذلك ومعه يشكل دعوى الانصراف إلا ان يكون هذا السيرة مستحدثة وهو بعيد فالمرجع في محل الشك هو المرجع في سائر موارد اطلاق ادلة الجماعة أو إطلاق (لاصلاة الا بفاتحة الكتاب). (ويكره القراءة خلف الامام في الاخفاتية على الاشهر وفى الجهرية لو سمع ولو همهمة ولو لم يسمع قرأ) الكلام في هذه المسألة يقع في مواضع: الاول في الاوليين من الاخفاتية، الثاني الاوليين من الجهرية، والثالث في الاخيرتين من الاخفاتية، والرابع في الاخيرتين من الجهرية، اما الاوليان من الاخفاتية فقد ورد النهي عن القراءة فيها في اخبار منها ما روى عن الصدوق - قده - في الصحيح عن الحلبي وعن الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي ايضا، عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (إذا صليت خلف امام تأتم به فلا تقرء خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع الا ان يكون صلاة تجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرء) (1) ومنها صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف الامام اقرء خلفه؟ فقال: اما الصلاة التي لا تجهر فيها بالقراءة فان ذلك جعل إليه فلا تقرء خلفه، واما الصلاة التى يجهر فيها فانما امر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فأنصت وان لم تسمع فاقرء) (2) وعن المشايخ الثلاثة باسنادهم عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا: (قال أبو جعفر عليه السلام: كان امير المومنين عليه السلام يقول: من قرأ خلف امام يأنم به فمات بعث


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 1 و 5.

[ 477 ]

على غير الفطرة) (1) وفى قبالها ما رواه الشيخ باسناده عن ابراهيم المرافقى، وعمرو ابن الربيع البصري، عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال: إذا كنت خلف امام تتولاه وترضى فانه تجزئك قراءة وإن احببت أن تقرأ فاقرء فيما يخافت فيه فإذا جهر فانصت قال الله تعالى: (وانصتوا لعلكم ترحمون) الحديث) (2) وضعف سنده منجبر بالشهرة، وخبر سليمان بن خالد قال (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيقرء الرجل في الاولى والعصر خلف الامام وهو يعلم أنه يقرء؟ فقال لا ينبغي له أن يقرأ يكله إلى الامام (3) ويجمع بين الطرفين بحمل النهي في الاخفاتية على الترخيص في الترك من جهة كون القراءة موكولة إلى الامام ربما يجعل خبر ابراهيم شارحا وان المراد بالنواهي الواردة الترخيص في ترك القراءة من جهة كونها موكولة إلى الامام، واما في الجهرية فلا يجوز القراءة مع سماع القراءة أو الهمهمة للانصات الواجب بمقتضى الآية، هذا ولكن يشكل ما ذكر من جهة ان لازمه عدم حرمة القراءة حتى في الجهرية مع السماع، نعم يتوجه على هذا النهي إليه بالعرض والمجاز من جهة التضاد بين الانصات والقراءة حيث أنه لابد مع الانصات من ترك القراءة وهذا خلاف ظاهر قوله عليه السلام (من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة) حيث إن ظاهره حرمة نفس القراءة كما ان القول بوجوب الانصات أيضا مشكل حيث يظهر من بعض الاخبار جواز الدعاء خلف امام يجهز بالقراءة ففي خبر أبى المغرا حميد بن المثنى قال: (كنت عند أبى عبد الله عليه السلام فسأله حفص الكلبي فقال: أكون خلف الامام وهو يجهر بالقراءة فأدعو وأتعوذ، قال: نعم فادع) (4) ويشهد له ايضا صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يكون مع الامام فيمر بالمسألة أو بآية فيها ذكر جنة أو نار؟ قال: لا بأس أن يسأل عند ذلك ويتعوذ من النار ويسأل الله الجنة) (5) وحملها على صورة استماع القراءة


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 4. (2) و (3) المصدر ح 15 ح 8. (4) المصدر ب 31 ح 2. (5) مصباح الفقيه ج 2 ص 640.

[ 478 ]

الاخفاتية بعيد كما أن التخصيص في جواز ترك الانصات بالاشتغال بالدعاء والتعوذ ايضا بعيد. واما الاوليان من الجهرية فظاهر الاخبار الكثيرة حرمة القراءة فيهما مع السماع منها قول امير المؤمنين صلوات الله عليه في الرواية المذكورة وهو وإن كان مطلقا لكنه لابد من تقييده بالجهرية مع عدم السماع، منها صحيحة ابن الحجاج المتقدمة، ومنها رواية علي بن جعفر عليه السلام عن أخيه عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يكون خلف الامام يجهر بالقراءة وهو يقتدي به هل له أن يقرأ من خلفه؟ قال عليه السلام: لا ولكن ينصت للقرآن) (1) ومنها صحيحة زرارة (وإن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الاولتين وانصت لقراءته، ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين إن الله عز وجل يقول للمؤمنين: (وإذا قرء القرآن) الخ) (2) ومنها صحيحة قتيبة أو حسنته عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا كنت خلف إمام ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرء انت لنفسك وان كنت تسمع الهمهمة قلاتقرء) (3) ولا يبعد أن يقال: لا إشكال في أن خبر المرافقي المذكور صدره يعم الجهرية والاخفاتية بقرينة التفصيل المذكور في الذيل وشرح ما يترتب على ضمان الامام قراءة المأموم وما يترتب على الضمان ليس الا جواز الترك والاذن في القراءة الا لمانع و هو في صورة الجهر والسماع حيث بجب الانصات وعلى هذا فلا مجال لحمل النواهي على الحرمة ومع إباء بعض اخبارها تقع المعارضة والآبي منها كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ولا يبعد ان يكون إشارة إلى صورة القراءة بقصد التعيين واللزوم كما حكي عن جماعة من العامة فيكون نظير التبري عمن يؤخر المغرب إلى اشتباك النجوم وعلى ما ذكر فيكون النهي بالنسبة إلى القراءة بالعرض والمجاز إن قلنا بوجوب الانصات ومع استحبابه لا يكون النهي إلا لملازمة القراءة مع ترك الانصات المستحب ومع ذلك كله فالاحتياط في الترك لا ينبغي خلاف، واما الاخيرتان سواء كانتا أخيرتي الجهرية أو الاخفاتية فقد سبق الكلام


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 16 و 2 و 7.

[ 479 ]

فيها والتخيير بين القراءة والتسبيح أو مطلق الذكر بقول مطلق واما صورة عدم سماع قراءة الامام حتى الهمهمة في الاوليين من الجهرية فلا إشكال في جواز قراءة المأموم فيها بل عن الرياض انه اطبق الكل على الجواز لورود الامر بها في جملة من الروايات ففي ذيل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (فان سمعت فأنصت وإن لم تسمع فاقرء) والظاهر انه على سبيل الاستحباب لانه مقتضى الجمع بين الروايات المشتملة على الامر بها وبين صحيحة علي بن يقطين قال: (سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن الرجل يصلي خلف إمام يقتدي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة قال: لا بأس إن صمت وإن قرء) (1). (ويجب متابعة الامام فلو رفع رأسه قبله ناسيا أعاد ولو كان عامدا استمر ولا يقف قدامه ولابد من نية الايتمام) وجوب المتابعة في الافعال الظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بالنبويين المرويين عن مجالس الصدوق وغيره من كتب الاصحاب المنجبرين بالشهرة احدهما (انما جعل الامام إماما ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا) (2) وعن بعض طرق العامة (3) نحوه إلا أنه قال: (فإذا كبر فكبروا وإذا ركع - الحديث) والآخر (اما يخشى الذى يرفع رأسه والامام ساجد ان يحول الله رأسه رأس حمار (4) ويمكن الاستشهاد بتوقف صدق الايتمام والقدوة المعتبرة في مفهوم الجماعة عرفا على المتابعة وبعد لزوم أصل المتابعة يقع الكلام في أنه على نحو الشرطية أو النفسية فنقول: إن كان المدرك النبوي فظاهره الشرطية واحتمال أن يكون نظر فيه إلى عدم التأخر الفاحش فلا ربط له بمقامنا من دون نظر إلى لزوم المتابعة لا نعرف وجهه غاية الامر استفادة كلا


(1) المصدر ب 30 ح 11. (2) الحدائق باب وجوب متابعة المأموم في الافعال. (3) كنز العمال على متقى ج 4 ص 250 تحت رقم 5224. (4) رواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 28. ورواه الطبراني في الاوسط من حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله هكذا (ما يؤمن أحدكم إذا رفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه كلب) راجع الزوائد ج 2 ص 77.

[ 480 ]

الامرين على نحو الشرطية وقد يتمسك بما عن جامع الاخبار ومضمونه أن من المأمومين من لاصلاة له وهو من يركع ويرفع قبل الامام ومنهم من له صلاة واحدة وهو من يركع معه ويرفع معه ومنهم من له أربع وعشرون صلاة وهو من يركع بعده ويرفع بعده) وأفتى به الصدوق وهو كاشف عن أنه من الاصول المشهورة وقد يستشكل بأنه على فرض صحة السند لا يدل على المطلوب فانه لو كان المراد من قوله عليه السلام: (لاصلاة له) في القسم الاول نفي حقيقة الصلاة الذي هو عبارة عن بطلانها، فاللازم أن يكون المراد من قوله عليه السلام: في القسم الثاني (له صلاة واحدة) انه ليس له فضيلة الجماعة وهذا مناف لصحة الجماعة فلا بد من حمل الفقرة الاولى على عدم الصلاة له جماعة، والثانية على أن له جماعة واحدة، والثالثة على أن له أربعا وعشرين جماعة، وفيه نظر لان عدم حصول فضيلة الجماعة لا ينافي صحتها الا ترى أن كثيرا من الصلوات تصح بمعنى إسقاطها للاعادة والقضاء مع عدم مقبوليتها ولازم عدم المقبولية عدم ترتب الثواب، وان جعل المدرك الاجماع فلا يظهر أحد الامرين من الوجوب الشرطي والنفسي ولا أصل يعين إحدى الخصوصيتين فمع الاخلال بالمتابعة يشكل صحة الجماعة بل صحة الصلاة لو أخل بوظائف المنفرد فما في المتن من أنه إذا رفع رأسه قبل الامام عامدا استمر، يشكل لانه إن اريد بقاء الجماعة على صحتها مع هذا فمع استظهار الشرطية بل مع العلم الاجمالي بين اللزوم الشرطي واللزوم النفسي كيف يحكم بالصحة، وإن اريد صحة الصلاة فمع الاخلال بوظائف المنفرد كيف يحكم بالصحة، واما وجوب الاعادة مع السهو فيدل عليه اخبار منها خبر علي بن يقطين قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يركع مع الامام يقتدي به ثم يرفع رأسه قبل الامام قال: يعيد ركوعه معه) ومنها صحيحة الفضيل بن يسار انه (سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى مع إمام يأتم به ثم رفع رأسه من السجود قبل ان يرفع الامام رأسه من السجود؟ قال: فليسجد)

[ 481 ]

ومنها موثقة محمد بن علي بن فضال عن ابى الحسن عليه السلام قال: (قلت له: اسجد مع الامام فأرفع رأسي قبله اعيد؟ قال: اعد واسجد) وحيث ان هذه الاخبار منصرفة عن صورة العمد حكم بلزوم العود مع السهو دون العمد، نعم يعارضها ما رواه الشيخ في الموثق عن غياث بن ابراهيم قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل رفع رأسه من الركوع قبل الامام أيعود فيركع إذا أبطأ الامام ويرفع رأسه معه؟ قال: لا) ولا مجال للحمل على صورة العمد لان الانصراف يمنع منه كما في تلك الاخبار ويمكن الجمع بحمل (لا) في هذه الرواية على الترخيص في ترك العود حيث توهم السائل وجوبه فلا ظهور له في لزوم عدم العود، وحمل تلك الاخبار على رجحان العود، لكن هذا الجمع خلاف المشهور فربما يستكشف الاعراض عن العمل بهذه الرواية، واما المتابعة في الاقوال فنقول: اما تكبيرة الاحرام فالظاهر عدم الاشكال في عدم صحة الاقتداء إذا تقدم المأموم فيها لعدم كون الامام إماما له مع عدم تلبسه بالتكبيرة نعم لا مانع من صحة الصلاة إذا اتمها مراعيا لوظائف المنفرد بناء على ماه والظاهر من عدم كون صلاة الجماعة وصلاة المنفرد مختلفتين كالظهر والعصر، وأما صورة المقارنة فربما يقال بصحة الاقتداء معها، وفيه اشكال بل ظاهر احد النبويين إعتبار وقوع التكبيرة بعد فراغ الامام بل يشك في تحقق الاقتداء عرفا لو لم يؤخر ومعه يشكل ترتب أحكام الجماعة وصحة الصلاة مع الاخلال بوظائف المنفرد ولو قلنا بتمامية الاطلاق في باب الجماعة وان المرجع عند الشك في اعتبار شي المطلقات وذلك لان ما ذكر بعد الفراغ عن صدق الجماعة والايتمام، واما غير التكبيرة من الاقوال فقد يقال بأنه لا دليل على اعتبار المتابعة بالمعنى المتقدم في الافعال ولا مجال للتمسك بالنبوي لان ذكر التكبيرة لعله من جهة عدم انعقاد الجماعة بالدخول فيها قبل الامام ومع الشك في الاعتبار هنا لا يرجع إلى الاصل المقرر في باب الجماعة من الحكم بالبطلان حتى الصلاة مع الاخلال بوظائف المنفرد من جهة عموم (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) وعدم إطلاق في باب الجماعة وذلك من جهة كون

[ 482 ]

الاعتبار مغفولا عنه بالنسبة إلى نوع الناس ولم يرد في الاخبار سؤال عنه فيستكشف عدم الاعتبار كما في نظاهره ويمكن ان يقال: اما منع دلالة النبوى صلى الله عليه وآله فيشكل لان الظاهر منه ان سوق التكبيرة والركوع والسجود واحد، وما يقال من أن الاقوال والاذكار حيث إنها مرددة بين ما يتحمله الامام وحده كالقراءة وبين ما يكون الراجح فيها مخالفة المأموم الامام كما في الاخيرتين وبين ما هو مخير فيه في اختيار خصوص الفرد الذى اختاره الامام أو غيره كما في ساير الاذكار غير التكبيرة و التشهد وبين ما لا يجب من اصله كالاذكار المستحبة وخروج هذه الاذكار من العموم بدليل خارجي وإبقاء ما لا يدل عليه دليل خاص على لزوم المتابعة يوجب التخصيص المستهجن فيستكشف ان النبوى صلى الله عليه وآله لا تعرض له للاقوال محل نظر لان خروج ما يتحمله الامام من باب التخصص وفى ما كان الراجح المخالفة لا يعلم خروجه لامكان حفظ المتابعة كأن يكون شروع المأموم في التسبيحات الاربع بعد شروع الامام في القراءة وكذلك يمكن ان يكون شروع المأموم في القنوت و ذكره متأخرا عن الامام، والحاصل انه لم يظهر لزوم تخصيص الاكثر المستهجن نعم لا يبعد دعوى السيرة على عدم مراعاة المتابعة في غالب الاقوال بل لا يمكن المراعات فيما لو تباعد المأموم عن الامام بحيث لا يسمع صوته ولا يلتزم بلزوم الصبر إلى حصول القطع بشروع الامام، ويحتمل ان يكون النظر في النبوى صلى الله عليه وآله التعرض للتكبيرة إلى خصوص الافتتاح وعده فعلا من الافعال كالركوع والسجود لا باعتبار كونها ذكرا وقولا، واما السلام فقد ورد فيه الترخيص في التقدم في صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام (في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد قال عليه السلام: يسلم من خلفه وليمض في حاجته إن أحب) ويحتمل أن يكون الترخيص بلحاظ رفع اليد عن الاقتداء وقصد الانفراد فهو خارج عن محل كلامنا. واما عدم جواز الوقوف قدام الامام فالظاهر عدم الخلاف فيه مضافا إلى السيرة المستمرة على الالتزام بعدم تقدم المأموم على الامام في الموقف ولا يبعد وجوب

[ 483 ]

التأخر وعدم جواز المساوات للسيرة ولبعض الاخبار كموثقة إسحاق بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: قوم قطع عليهم الطريق واخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصلاة كيف يصنعون قال: يتقدمهم إمام فيجلس ويجلسون خلفه فيومي إيماء للركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون على وجوهههم مع المحافظة على عدم بدو عورته) وصحيحة ابن سنان، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة قال: يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس) والروايات الواردة المشتملة على الامر بتقديم في مسألة ما لو مات الامام في أثناء الصلاة، أو حدث له مانع عن إتمام الصلاة، أو ذكرانه على غير وضوء. واما لزوم نية الايتمام فلا خلاف فيه ولا إشكال لان عنوان الاقتداء الذى هو مناط ترتب الآثار من سقوط القراءة ونحوه لا يتحقق الا بالنية فلو لم ينوه كان منفردا وعلى رعاية احكام الانفراد ومع عدم المراعاة تبطل صلاته مع التعمد. (ولو صلى اثنان وقال كل منهما كنت مأموما أعادا ولو قالا كنت إماما لم يعيدا، ولا يشترط تساوي الفرضين، ويقتدي المفترض بمثله وبالمتنفل، والمتنفل بمثله وبالمفترض) اما لزوم الاعادة في الصورة الاولى فالظاهر عدم الخلاف فيه و الذى يصح الاستناد إليه في المقام هو النص الخاص وهو خبر السكوني عن أبى عبد الله عليه السلام عن آبائه عن علي عليهم الصلاة والسلام انه قال: (في رجلين اختلفا فقال احدهما كنت إمامك وقالا الآخر: أنا كنت إمامك إن صلاتهما تأمه، قال: قلت: فان قال كل واحد منهما: كنت ائتم بك قال: صلاتهما فاسدة وليستأنفا) وضعف الخبر مجبور باشتهاره بين الاصحاب فتوى ورواية، وقد يعلل البطلان بالاخلال بالقراءة الواجبة وفيه إشكال إذ مقتضى حديث (لا تعاد الصلاة - إلخ) الصحة ولا وجه لحمله على خصوص السهو، وظهر من هذا الخبر الصحة في الصورة الثانية وهي ايضا مقتضى القاعدة لعدم الاخلال بشى. واما عدم اشتراط تساوي الفرضين فمع كونهما من

[ 484 ]

اليومية كالايتمام في صلاة الظهر بامام يصلي العصر وبالعكس الظاهر عدم الاشكال فيه ويشمله بعض الاطلاقات الواردة في باب الجماعة وان قلنا بانصرافها إلى خصوص اليومية واما مع الاختلاف كالايتمام في صلاة الظهر مثلا بامام يصلي صلاة الطواف فمع منع الاطلاق وعدم الشمول لغير اليومية يشكل الصحة بل يقال بمقتضى (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ببطلان صلاة المأموم وقد سبق الكلام في صدر المبحث وان الحق تمامية الاطلاق بالتقريب المذكور إلا أن يدعي الانصراف عن مثل المثال المذكور ولو سلم الاطلاق في مثل ما لو صلى الامام والمأموم صلاة الطواف، واما اقتداء المفترض بالمتنفل وبالعكس واقتداء المتنفل بمثله فمكان اقتداء المفترض بالمتنفل ما إذا كان المأمومن مؤديا فرضه والامام معيدا صلاته إما لادراك فضيلة الجماعة أو لغير ذلك من الوجود المسوغة للاعادة أو قضاء عن ميت ومكان اقتداء المنتنفل بالمتنفل ما إذا كان المأموم ايضا كذلك وصحة الجماعة وترتب آثارها في جميع الصور مشكلة فإذا فرض رجحان الاحتياط واحتاط الامام باعادة صلاة فاقتداء المأموم المفترض كيف يصح مع عدم اشتغال ذمة الامام واقعا فان الامام يحتمل القراءة في الصلاة الصحيحة كما انه مع تنفل المأموم بأن يحتاط في إعادة صلاته بدون انطباق عنوان صلاة المعادة عليها كما لو كان آتيا بها قبلا جماعة كيف يرجع الامام في شكه إلى المأموم الحافظ. (ويستحب أن يقف الواحد عن يمين الامام والجماعة خلفه، ولا يتقدم العارى اما العراة بل يجلس وسطهم بارزا بركبتيه ولو امت المرأة للنساء وقفن معها صفا ولو امهن الرجل وقفن خلفه ولو كانت واحدة) اما استحباب وقوف الواحد عن اليمين والجماعة خلفه فهو المشهور ويشهد له الاخبار منها صحيحة محمد ابن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (الرجلان يؤم احدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا اكثر من ذلك قاموا خلفه) وظاهر اخبار الباب الوجوب لكنه رفع اليد عن الظاهر بقرينة فهم المشهور، واما عدم تقدم العاري فيدل عليه صحيحة

[ 485 ]

عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة؟ قال: يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس) وفي قبالها موثقة إسحاق بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: قوم قطع عليهم الطريق و اخذت ثيابهم فبقوا عراة وحضرت الصلاة كيف يصنعون قال: يتقدمهم إمام فيجلس ويجلسون خلفه فيومي إيماء للركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون على وجوههم) وقد يجمع بينها بحمل الموثقة على الجري مجرى العادة من كون الامام بين يدي المأمومين، والصحيحة على الافضلية. واما استحباب وقوف النساء مع المرأة إذا امتهن فيدل عليه اخبار منها قول الصادق عليه السلام في مرسلة ابن بكير جوابا عن السوال (عن ان المرأة تؤم النساء نعم تقوم وسطا بينهن ولا تتقدمهن) وأما استحباب وقوف المرأة ولو كانت واحدة خلف الامام إذا كان رجلا فيدل عليه أخبار منها مرسل ابن بكير عن أبى عبد الله عليه السلام (في الرجل يؤم المرأة؟ قال: نعم تكون خلفه - الحديث) والاخبار الواردة في هذه الموارد وان كانت ظواهرها الوجوب لكن المشهور حملها على الاستحباب فمن لا يعتمد على الشهرة يشكل عليه الحمل على الاستحباب. (ويستحب أن يعيد المنفرد صلاته إذ وجد جماعة اماما كان أو مأموما، و أن يختص بالصف الاول الفضلاء وان يسبح المأموم حتى يركع الامام ان سبقه بالقراءة، وان يكون القيام إلى الصلاة إذا قيل قد قامت الصلاة ويكره ان يقف المأموم وحده الا مع العذر وان صلى نافلة بعد الاقامة) اما استحباب إعادة المنفرد فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه اخبار منها صحيحة ابن بزيع قال: (كتبت إلى أبى الحسن عليه السلام أنى احضر المساجد مع جيراني وغيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صليت قبل أن آتيهم وربما صلى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف

[ 486 ]

والجاهل فأكره أن أتقدم وقد صليت لحال من يصلي بصلاتي ممن سميت لك فمرني في ذلك بأمرك انتهي إليه واعمل به إن شاء الله؟ فكتب عليه السلام: صل بهم) ومنها موثقة عمار قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟ قال: نعم، وهو أفضل قلت: فان لم يفعل؟ قال: ليس به بأس) واما استحباب أن يكون في الصف الاول الفضلاء فاستدل عليه بخبر جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: (ليكن الذين يلون الامام منكم اولي الاحلام منكم والنهي فان نسي الامام أو تعايا قوموه وأفضل الصفوف اولها وافضل اولها ما دنى من الامام) ومن طريق العامة قوله صلى الله عليه وآله: (ليليني منكم اولو الاحلام ثم الذين يلونهم ثم الصبيان ثم النساء) في المدارك والاحلام جمع حلم بالكسر وهو العقل ومنه قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) والنهي بالضم العقل أيضا وتعايا اي لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق احكامه. اما استحباب التسبيح إن سبق المأموم الامام بالقراءة فيدل عليه موثقة عمرو بن ابى شعبة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (قلت له أكون مع الامام فأفرع قبل ان يفرع من قراءته قال: (فأتم السورة ومجد الله واثن عليه حتى يفرغ) واما استحباب القيام إلى الصلاة إذا قيل: قد قامت الصلاة فهو المشهور

[ 487 ]

لخبر معاوية بن شريح عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: (إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة ينبغي لمن في المسجد ان يقوموا على أرجلهم ويقدموا بعضهم) واما كراهة وقوف المأموم وحده فاستدل عليها بخبر السكوني عن جعفر عن ابيه عليهما لاسلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تكونن في العثكل، قلت: وما العثكل؟ قال: ان تصلي خلف الصفوف وحدك فان لم يمكن الدخول في الصف قام حذاء الامام أجزأه فان هو عاند الصف فسدت عليه صلاته) والنهي محمول على الكراهة لدلالة اخبار اخر صريحة في الجواز كصحيحة ابى الصباح قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقوم في الصف وحده فقال: لا بأس انما يبدو واحد بعد واحد) واما كراهة النافلة إذا اقيمت الصلاة فلصحيحة عمر بن يزيد انه (سأل ابا عبد الله عليه السلام عن الرواية التي يروون انه لا ينبغي ان يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال: إذا أخذ المقيم في الاقامة فقال له: إن الناس ويختلفون في الاقامة؟ قال المقيم الذى تصلى معه). (الطرف الثاني يعتبر في الامام العقل والايمان، والعدالة، وطهارة المولد والبلوغ على الاظهر). اما اعتبار العقل فيدل عليه مضافا إلى انه لا عبادة للمجنون صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام (لا يصلين احدكم خلف المجنون وولد الزنا - الحديث) وصحيحة أبي بصير (خمسة لا يؤمون الناس على كل حال وعد منهم المجنون وولد الزنا) واما اعتبار الايمان بمعنى كونه قائلا بامامة الائمة الاثنى عشر صلوات الله تعالى عليهم فلا خلاف فيه بل لعله من ضروريات المذهب ويدل عليه صحيحة البرقى قال: (كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام أيجزي

[ 488 ]

جعلت فداك الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك صوات الله عليهم؟ فأجاب لا تصل وراءه) واما اعتبار العدالة فلا خلاف فيه في الجملة وادعى عليه الاجماع كثير من الاصحاب ويدل عليه مضافا إلى ذلك جملة من الاخبار منها ما رواه الشيخ باسناده عن علي بن راشد قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام: ان مواليك قد اختلفوا فاصلي خلفهم جميعا فقال: لا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته) إذا المتبادر منه إرادة من تطمئن بتدينه وصلاحه وهو معنى العدالة، وعن الكافي نقلها باسقاط قوله (وأمانته) ومنها مضمرة سماعة قال: (سألته عن رجل كان يصلى فخرج الامام و قد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال: إن كان إماما عدلا فليصل اخرى فينصرف ويجعلها تطوع أو ليدخل مع الامام في صلاته كما هو وان لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلى ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول: (اشهد ان لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله) ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة الحديث) واستدل ايضا بما عن مستطرفات السرائر نقلا من كتاب ابى عبد الله السياري صاحب موسى والرضا عليهما السلام قال: (قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: قوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة فيقدم بعضهم فيصلي بهم جماعة؟ فقال: ان كان الذى يؤمهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل، قال: وقلت له مرة اخرى: ان القوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة فيؤذن بعضهم ويتقدم احدهم فيصلى بهم؟ فقال: ان كانت قلوبهم كلها واحدة فلا بأس، قال: ومن لهم بمعرفة ذلك؟ قال فدعوا الامامة لاهلها) ويمكن أن يقال: اما تحصيل الاجماع على اعتبار العدالة بالمعنى المعروف عند المتأخرين فمشكل مع انها مفسرة عند بعض بغير هذا، واما الاخبار فدلالتها غير واضحة فان الوثوق بالديانة و الامانة يجتمع مع ارتكاب الكبيرة وعدم التوبة والظاهر عندهم منافاته مع العدالة

[ 489 ]

كما أن مضمرة سماعة الظاهر منها كون الامام العدل في مقابل المخالف بقرينة ذيله إلى قوله (فان التقية واسعة) وأما المحكي عن مستطرفات السرائر فالرواية الاولى لعل المراد منها اشتراط ما تضمنته لكمال الجماعة فان الشرط المذكور يتلوا العصمة، الثانية لعل المراد منها خلوص قلوبهم عن النفاق الموجب لعدم الامن من إذاعة سرهم والا فلا إشكال في عدم اعتبار العدالة في المأموم ومع تمامية الاجماع والادلة لابد من معرفتها وطريقها والعمدة في ذلك صحيحة ابن ابى يعفور فقد روي الصدوق - قده - باسناده عن عبد الله بن أبى يعفور قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان وتعرف باجتناب الكبائر التى أو عدالله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربوا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك والدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ويجب عليه تزكيته واظهار عدالته في الناس ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم الا من علة فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلات الخمس فإذا سئل عنه في قبيلة ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا، مواظبا على الصلوات متعاهدا لاوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين وذلك ان الصلاة ستر وكفارة للذنوب وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلى إذا كان لا يحضر مصلاه ويتعاهد جماعة المسلمين وانما جعل الجماعة الاجتماع إلى الصلاة لكى يعرف من يصلى ممن لا يصلي، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع ولو لا ذلك لم يمكن احدا ان يشهد على آخر بصلاح لان من لا يصلي لاصلاح له بين المسلمين فان رسول الله صلى الله عليه وآله هم بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور في جماعة المسلمين و قد كان فيهم من يصلي في بيته فلم يقبل منه ذلك وكيف يقبل شهادة أو عدالة بين

[ 490 ]

المسلمين ممن جرى الحكم من الله عزوجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله فيه بالحرق في جوف بيته بالنار وقد كان يقول صلى الله عليه وآله: (لا صلاة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين إلا من علة - الخبر). وقد يحتمل في الصحيحة ان يكون ما ذكر فيها من قوله عليه السلام (أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان) بيانا لمفهوم العدالة ويكون معرفا منطقيا لاشتماله على الملكة التي هي العدالة فانه لا يقال: رجل ستير أو عفيف الا بالنسبة إلى من كان الستر والعفاف ملكة له ودفع هذا الاحتمال بأنها لا تدل على الملكة الخاصة التي هي الديأنه، والحكم بأن العدالة محققة مع وجود الاوصاف المذكورة ليس الا من جهة التعبد، ويقال الظاهر من الرواية بيان معرفة العدالة في الخارج لابيان مفهومها وحمل الكلام على المعرف المنطقي خلاف الظاهر وايضا ظاهر السوال عن طريق تشخيص العدالة ان يكون مفهومها معلوما معينا عند السائل لانها عرفا هي الاستقامة والاستواء في مقابل الاعوجاج، وإذا اطلق الشارع فلا يشك في ان المراد هو الاستقامة في جادة الشرع الناشئة من الحالة النفسانية و هي التدين الباعث له على ملازمة فعل الواجبات وترك المحرمات، ويمكن أن يقال: ان جعل المراد هو الاستقامة في جادة الشرع فما الحاجة إلى تعيين المنشأ فإذا فرض إنسان اتى بالواجبات واجتنب المعاصي وكان هذا ملكة له وكان المنشأ حكم عقله لا شئ آخر فلا أظن عدم صدق العدالة في حقه فان حسن الاطاعة وقبح المعصية عقليان وحكم العقل كاف في ذلك، بل لو فرض حصول الملكة من جهة المحجوبية عند الناس وعدم المذمومية عندهم لا نسلم عدم صدق العدالة لان العدالة ليست من الامور التعبدية التي تحتاج إلى داعوية امر الله تبارك وتعالى أو رجحانه عنده تبارك وتعالى وعلى هذا فالقرق بين العدالة وفى كلامه عليه السلام من قوله عليه السلام: (ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان) بالاجمال والتفصيل فكان العدالة امر مركب من ملكات وجعل معرفة الملكات طريقا إلى معرفة المركب منها ولا ينافى هذا مع عدم كون ما ذكر معرفا منطقيا كما لا يخفى ثم إن المعروف

[ 491 ]

اعتبار الملكة وهي كيفية نفسانية راسخة بحيث لاتزول بسرعة وقد يعبر عنه بالخلق والظاهر احتياجها إلى طول مدة كسائر الاخلاق حيث ان الخلق والعادة لا يصدق في أول الامر واستفادة اعتبار هذه الخصوصية من الادلة مشكلة فإذا فرض إنسان لم يلتزم بشئ من إتيان الواجبات وترك المحرمات قبل بلوغه لالتفاته إلى رفع القلم عنه والتزم اول بلوغه بعدم التخطي عن جادة الشرع فهذا لم يحصل له بعد عادة وخلق ولازم ما ذكر ان يعامل معه معاملة الفاسق مع انه كثيرا ما يحصل له بعد عادة وخلق ولازم ما ذكر ان يعامل معه معاملة الفاسق مع انه كثيرا ما يحصل الوثوق بدينانته وامانته حيث علم من حاله ان ما عزم عليه يكون باقيا عليه ومقتضى ما دل على صحة الصلاة جماعة خلف من يوقق بديانته وامانته صحة الصلاة خلفه، ثم انه في قبال ما ذكر اخبار ربما يستظهر منها خلاف ما ذكر منها صحيحة حريز عن ابى عبد الله عليه السلام (في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران فقال إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم جميعا واقيم الحد على الذي شهدوا عليه انما عليهم ان يشهدوا بما ابصروا وعلموا وعلى الوالي ان يجيز شهادتهم الا ان يكونوا معروفين بالفسق) ومنها رواية علقمة المروية عن أمالي الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام وقد قلت: يا ابن رسول الله اخبرني عمن تقبل شهادته ومن لاتقبل؟ فقال: (يا علقمه كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته، قال: فقلت له تقبل شهادة مقترف الذنوب؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الانبياء والاوصياء عليهم السلام لانهم المعصومون دون سائر الخلق فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من اهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنبا ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله داخل في ولاية الشيطان - الحديث) ومنها ما روى عن علي عليه السلام انه قال لشريح: (واعلم ان المسلمين عدول بعضهم على بعض الا محدودا بحد لم يتب منه أو معروفا بشهادة زور اوظنين) والظاهر انه لا إشكال في عدم كون الانسان بمجرد عدم المعروفية بالفسق أو عدم رؤية الذنب أو عدم

[ 492 ]

المعروفية بشهادة الزور عدلا بحسب الواقع والا لزم كون شخص واحد عن اهل بلد مثلا ما رأوا منه ذنبا عادلا وعند اهل بلد آخر رأوا منه الذنب فاسفا فالظاهر ان النظر إلى ترتيب آثار العدالة ظاهرا ما لم ينكشف الخلاف فامعارضة بين الطرفين في هذه الجهة حيث انه يظهر مما ذكر من الاخبار إناطة ترتيب آثار العدالة على الوثوق والاطمينان والمعروفية بالستر والعفاف أو الاجتناب عن الكبائر أو مواظبة الصلوات في اوقاتهن بالجماعة والظاهر من هذه الاخبار عدم الحاجه إلى ما ذكر، بل كفاية عدم ظهور الفسق أو شهادة الزور أو المحدودية مع عدم التوبة أو عدم رؤية الذنب. وما يقال: على فرض تسليم ظهور هذه الاخبار وجب صرفها عن هذا بالحمل على ما لا ينافي اعتبار كون الشاهد بظاهره صالحا عفيفا ساترا لعيوبه جمعا بينها وبين غيرها. لم نفهم وجهه. ثم انه قد يعتبر في العدالة الاجتناب على منافيات المروية بأن يفعل ما يتنفر عنه عادة ويختلف ذلك باختلاف الاشخاص والازمنة والامكنة، وربما يستدل عليه بقوله عليه السلام في صحيحة ابن ابى يعفور (ان يعرفوه بالستر والعفاف) بناء على أن يكون المراد منه ستر العيوب الشرعية والعرفية وفيها ايضا (وكف البطن والفرج واليد واللسان) بناء على أن منافيات المروة غالبا من شهوات الجوارح وفيهما ايضا (والدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه) فان ارتكاب منافيات المروة عيب في العرف، وربما يستدل عليه ايضا بأن العدالة عرفا ولغة الاستواء والاستقامة والغير المبالي بما يستنكر عرفا لا يعد من اهل الاستقامة، ونوقش فيما ذكر بأن المنساق من اطلاق العدل في كلمات الشارع ليس الا من كان مستقيما معتدلا في الدين دون العرف والعادة وكذا المراد بالستر و العفاف بحسب الظاهر هو التعفف باجتناب المحارم وعدم التجاهر بالفسوق والعصيان وكذا المراد بكف البطن والفرج واللسان الكف عن المحارم لا مطلق مشتهياتها وكذا المراد بعيوبه على الظاهر ما يعد منقصة في الشرع وان ابيت عن ذلك فنقول قوله عليه السلام: في رواية علقمة (فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا ولم يشهد عليه بذلك

[ 493 ]

شاهدان فهو من اهل العدالة والستر) حاكم على جميع ذلك وفيما ذكر تأمل فان انصراف العيوب إلى ما يعد منقصة في الشرع محل تأمل الا ترى انه إذا قال المولى: لا تتعرض ليعوب الناس. فهل يقبل دعوى الانصراف إلى ما يعد منقصة في الشرع كما انه لو قيل: في مدح احد انه ستير عفيف فهل ينصرف إلى الستر والعفاف بالنسبة إلى خصوص المحرمات، واما التمسك بمثل رواية علقمة فمع عدم الاشكال من جهة السند ففيه الاشكال من جهة ظهور التعارض كما سبق ولا مجال للحكومة فان ظاهر الادلة السابقة اعتبار الوثاقة بالديانة والامانة واعتبار العدالة مع بيان الطريق من اجتناب الكبائر وستر العيوب والكف ومواظبة الصلوات الخمس فمع كفاية ما في رواية علقمة ما الفائدة فيما ذكر وما الداعي إلى التفصيل المذكور، نعم يمكن الخدشة في الاستدلال بما ذكر على اعتبار اجتناب ما ينافي المروة بأن ظاهر الصحيحة اعتبار ستر العيوب في معرفة العدالة وسترها غير الاجتناب عنها بل صدق الستر فيما كان شئ في الواقع وستر عن الغير ومع فرض ظهور سائر الفقرات في اعتبار الاجتناب تقع المعارضة فلا يبقي للصحيحة ظهور فيما ذكر، ثم انه قد اشتهر ان الصغيرة لا تنافي العدالة وان كان ارتكابها محرما، واستشكل فيه واستبعد بأنه كيف يرضى احد ان يقول لمرتكب الحرام والمعاصي لامر الله انه عادل فان صدور الذنب احيانا وان كان لا ينافي بقاء الحالة النفسانية ولكن ليست العدالة مجرد تلك الحالة بل هي عبارة عن كيفية باعثة فعلا على ملازمة التقوى نعم بعد الندامة والتوبة الحقيقة واتصافه بعدها بالستر والعفاف يقال: انه عادل كما في صورة ارتكاب الكبيرة ويقال: عمدة ما يمكن أن يستدل به لعدم منافاة ارتكاب الصغيرة للعدالة قوله عليه السلام: في صحيحة ابن أبى يعفور (ويعرف باجتناب الكبائر التي اوعد الله عليها النار) وهو انما يتم لو كانت القضية لبيان المعرف المنطقي واما لو حمل على المعرف الشرعي فمقتضاها ان الاجتناب على الكبائر دليل شرعا على انه يعمل بالواجبات ويترك المحرمات والامارة يؤخذ بها ما لم يعلم الخلاف، ويمكن أن يقال: اما ما افيد اولا من الاستبعدا المذكور فلازمه كون العدالة مساوقة للعصمة

[ 494 ]

وما يتلوها ومناف لقول الصادق عليه السلام في رواية علقمة المذكورة (يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين اللذنوب لما قبلت الا شهادة الانبياء والاوصياء عليهم السلام لانهم المعصومون الخ) وهل يتمشى من غير المعصومين عليهم السلام ومن يتلوهم العزم على عدم ارتكاب كل معصية مادام العمر ولو صادف مع شهوة حيوانية أو غضب أو جهة اخرى و ومع قطع النظر عما ذكر لا يبعد التمسك بالصحيحة من دون ابتناء على كون الفقرة المذكورة معرفا منطقيا حتى يقال: إنه خلاف الظاهر بل لان التقييد بخصوص الكبائر يستفاد منه أن عدم الاجتناب عن الصغيرة لا يضر، والظاهر ان الفرق بين العدالة والتى تشمل هذه الفقرة عليها بالاجمال والتفصيل ومن طرق معرفة المركب عند العقلاء معرفة اجزائه وعلى هذا فليس من الطرق المجعولة شرعا بل طريق عقلي وقد مر وجه ما ذكر، ثم إنه بعد ما جعل المناط في صحيحة ابن ابى يعفور معرفة اجتناب الكبائر لابد من انقسام المعاصي إلى الكبائر والصغائر والتمييز بينهما فقد يقال في مقام التمييز حيث أن الاخبار دلت على أن الكبائر ما اوعد الله تعالى ووجب عليه النار فكل معصية يدل الكتاب على كونها موجبة للدخول في النار يحكم بأنها كبيرة وكذا كل مادل الخبر على انه مما اوجب الله عليه النار وكذا تعرف بالنص المعتبر على انها كبيرة كما ورد في الحسن كالصحيح المروي عن الرضا عليه السلام فانه كتب إلى المأمون (من محض الايمان اجتناب الكبائر) وعد منها نيفا وثلاثين وتعرف ايضا باشدية معصية مما اوجب الله عليه النار كما دل الدليل على ان الغيبة اشد من الزنا وتعرف ايضا بورود النص على عدم قبول شهادة فاعلها بناء على عدم قدح فعل الصغيرة في العدالة إذ يستكشف منه كون تلك المعصية منافية للعدالة فيحكم بعدم جواز الاقتداء ايضا كما انه بناء عليه ايضا إذا ورد نص على عدم جواز الاقتداء بمن يرتكب عملا مخوصا يشتكشف عن ذلك كونها كبيرة منافية للعدالة فلا يسمع شهادته ايضا، ويمكن ان يقال: بناء على ما ذكر يشكل تمييز الكبائر من جهك‍ ان كثيرا من المحرمات لا يعلم المكلف انها مما أو عدا الله تعالى أو

[ 495 ]

اوجب عليه النار فكيف يحال الامر على أمر لا يمكن تشخيصه ولعله من هذه الجهة ذهب المشهور ظاهرا إلى انها مما اوجب الله تعالى أو عد عليه النار في كتابه العزيز ويلزم مما ذكر طرح اخبار كثيرة منها صحيحة محمد (الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا، وقذف المحصنة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة واكل مال اليتيم ظلما واكل الربوا بعد البينة وكل ما اوجب الله عليه النار) و منها صحيحة عبيد عن الكبائر فقال: (هن في كتاب علي سبع: الكفر بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين واكل الربوا بعد البينة واكل مال اليتيم ظلما، و الفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، قال: فقلت: هذا اكبر المعاصي؟ فقال: نعم، قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظلما اكبر ام ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة، قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر؟ قال: اي شى اول ما قلت لك؟ قال: قلت: الكفر، قال: فان تارك الصلاة كافر يعنى من غير علة) ومنها رواية عبد الرحمن بن كثير (الكبائر سبع فينا انزلت ومنها استحلت فأولها الشرك بالله العظيم، وقتل النفس التي حرم الله واكل مال اليتيم وعقوق الوالدين وقذف المحصنة واكل الربوا بعد البينة والفرار من الزحف وانكار حقنا) ومنها موثقة ابى بصير (الكبائر سبعة منها قتل النفس متعمدا والشرك بالله العظيم، وقذف المحصنة، واكل الربوا بعد البينة، والفرار من الزخف، والتعرب بعد الهجرة، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلما، قال: والتعرب والشرك واحدة) ومنها رواية مسعدة قال: (الكبائر القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والامن من مكر الله، وقتل النفس التي حرم الله، و عقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربوا بعد البينة، والتعرب بعد وقذف المحصنة، والفرار من الزحف - الحديث) وقد يقال هذه الاخبار وان تعارضت بحسب المفهوم لكنه لا تعارض بينها بحسب المنطوق فيقدم المثبت

[ 496 ]

لكون التعارض مع مفهوم الحصر التعارض بالعموم والخصوص المطلقين، ولا يخفى الاشكال فيه لعدم مساعدة العرف على هذا الجمع بل حال الطرفين حال المتباينين واخذ المشهور على ما قيل بما دل على انها ما اوعد الله عليه النار في الكتاب العزيز، نعم قد يستبعد انحصارها فيها كما انه قد يعدى القطع بكون بعض المعاصي اشد أو مساويا لما اوعد الله عليه النار، لا يوجب ما ذكر رفع اليد عن الاخبار مع اعتبار السند واستفاضة الروايات واخذ المشهور بها ومع التعدي لا يبعد الاقتصار على خصوص صورة ا لقطع واما الاخذ بمضمون جميع الاخبار وعدم الاقتصار فيما اوعد الله على خصوص ما اوعد في الكتاب العزيز فمشكل جدا للمعارضة وعدم مساعدة العرف على الجمع بالطريق المذكور واستبعاد احالة الامر إلى ما لا طريق إليه جدا وقد يقال: ان تعيين الكبائر الاخبار بمثل السبع ونحوه يكون النظر فيه إلى اكبر الكبائر فان لها مراتب أو من باب التمثيل لا الحصر ولا يخفى بعدهما. واما اعتبار طهارة المولد فالظاهر عدم الخلاف فيه ويشهد له أخبار مستفيضة منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (لا يصلين احدكم خلف المجنون وولد الزنا - الحديث) واما اعتبار البلوغ فهو الاشهر بل المشهور اما على القول بعدم شرعية عبادة الصبى فواضح واما على القول بالشرعية فقد يدعى انصراف ادلة الجماعة إلى المكلفين وفيه تأمل وقد يستدل بخر إسحاق ابن عمار عن جعفر، عن ابيه عليه السلام ان عليا عليه السلام كان يقول: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل ان يحتلم ولا يؤم فان أم جاز صلاته وفسدت صلاة من خلفه) المنجبر ضعفه بالشهرة، وعن الشيخ في الخلاف تجويز امامة المراهق ويشهد له اخبار منها موثقة سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (يجوز صدقة الغلام وعتقه ويوم الناس إذا كان له عشر سنين) واستشكل بمخالفتها لفتوى الكل هنا حتى القائلين بالجواز حيث لم يحددوه بهذا الحد وفى باب الصدقة والعتق لفتوى المعظم، والحق

[ 497 ]

ان يقال: ان ثبت الاعراض فهو والا فلا وجه لعدم الاخذ بها. (ولا يؤم القاعد القائم، والامي القارئ، ولا المؤوف اللسان بالسليم، ولا المرأة ذكرا ولا الخنثى وصاحب المسجد والمنزل والامارة اولى من غيره وكذا الهاشمي، وإذا تشاح الائمة قدم من يختاره المأموم، ولو اختلفوا قدم الاقرء، فالافقه، فالاقدم هجرة، فالاسن، فالاصبح وجها) اما عدم جواز امامة القاعد للقائم فهو المشهور ويشهد له ما عن الصدوق مرسلا قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى باصحابه جالسا فلما فرغ قال: لا يومن احدكم بعدى جالسا) (1) وضعف السند مجبور بالشهرة، واما عدم جواز امامة الامي للقارئ فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بأن المستفاد من الروايات الدالة على أن الامام ضامن بقراءة من خلفه وان المأموم يكل القراءة إلى الامام أن الاخبار الناهية عن القراءة خلف الامام ليست مخصصة لعموم قوله عليه السلام (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) من باب ان الامام يتحمل القراءة عنه ومع عجزه لا يتحقق التحمل فتفسد صلاة المأموم لخلوه عن القراءة الواجبة مع قدرته عليها وعدم تحمل الامام عنه وفيه تأمل فان معنى الضمان عدم كون المضمون في عهدة المضمون له عنه فتأدية الضامن ليس شرطا، مضافا إلى أن هذا فيما كان الايتمام في الاوليين قبل الركوع وأما في غير هذه الصورة فتحمل القراءة بعيد بل الظاهر انه من باب سقوط القراءة فان منع الاطلاق في باب الجماعة يكفي عموم (لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب) دون حاجة إلى ما ذكر وان لم يمنع فلا يبعد التمسك بالاطلاقات لصحة الجماعة ولا مانع من تحمل الامام القراءة عن المأموم مع كون قراءته ناقصة بعد فرض صحتها في حقه وكونها مجزية كما هو المفروض إن لم يكن إجماع على خلافه. وما ذكر هو الوجه في عدم جواز إمامة المؤوف اللسان بالسليم والكلام فيه هو الكلام فيه. وأما عدم جواز إمامة المرأة للرجل فالظاهر عدم الخلاف فيه واستدل عليه بما روى


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 1.

[ 498 ]

عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تؤم امرأة رجلا) (1) وعن كتاب دعائم الاسلام مرسلا عن على عليه السلام قال: (لا تؤم المرأة الرجال ولا تؤم الخنثى الرجال ولا الاخرس المتكلمين، ولا المسافر المقيمين) (2) وضعف السند مجبور بالشهرة ومما ذكر ظهر وجه عدم جواز إمامة الخنثى للرجال. واما اولوية المذكورين في المتن فيدل عليها ما عن موضع من كتاب الفقه الرضوي عليه السلام قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: صاحب الفراش احق بفراشه وصاحب المسجد احق بمسجده) (3) وما عن كتاب دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (يؤمكم أكثركم نورا والنور القرآن، وكل اهل مسجد احق بالصلاة في مسجدهم الا ان يكون امير حضر فانه احق بالامامة من أهل المسجد) (4) وخبر أبى عبيدة عن الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يتقدم القوم أقرؤهم للقرآن، فان كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فان كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا، فان كانوا في السن سواء فليؤمهم اعلمهم بالنسة وافقههم في الدين ولا يتقدمن احدكم الرجل في منزلة ولاصاحب السلطان في سلطانه) (5) واما تقدم الهاشمي فقد نسب إلى المشهور ولا دليل يعتد به عليه إلا انه اكرام لاجداده الكرام. واما تقديم من يختاره المأمومون عند التشاح فربما يشهد له خبرالسحين ابن زيد، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي، قال: (ونهي ان يؤم الرجل قوما الا باذنهم، وقال: من ام قوما باذنهم وهم به راضون فاقتصد بهم في حضوره وأحسن صلاتهم بقيامة وقراءته وركوعه وسجوده وقعوده فله مثل اجر القوم ولا ينقص عن اجورهم شئ) (6) ويؤيده ايضا خبر زكريا صاحب


(1) أخرجه البيهقى في السنن ج 3 ص 90. (2) البحار ج 18 ص 634 طبع الكمبانى. (3) و (4) مستدرك الوسائل ج 1 ص 492 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 4 و 1. (5) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 27 ح 1. (6) المصدر ب 26 ح 2.

[ 499 ]

السابري، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ثلاثة في الجنة على المسك الاذفر: مؤذن اذن احتسابا، وامام ام قوما وهم به راضون، ومملوك يطيع الله ويطيع مواليه) (1) واما تقديم المذكورين مع الاختلاف على الترتيب المذكور في المتن فيشهد له ما عن الفقه الرضوي عليه السلام قال: (ان اولى الناس بالتقدم في الجماعة أقرؤهم للقرآن فان كانوا في القراءة سواء فأفقههم، وان كانوا في الفقه سواء فأقربهم هجرة، وان كانوا في الهجرة سواء فأسنهم، فان كانوا في السن سواء فأصبحهم وجها، وصاحب المسجد اولى بمسجده) (2). (ويستحب للامام ان يسمع من خلفه الشهادتين ولو احدث الامام قدم من ينوبه ومات أو اغمي عليه قدموا من يتم بهم، ويكره ان يأتم الحاضر بالمسافر والمتطهر بالمتيمم وان يستناب المسبوق وان يؤم الاجذم والابرص والمحدود بعد توبته والاغلف ومن يكرهه المأموم والاعرابي بالمهاجرين) اما استحباب إسماع الامام من خلفه الشهادتين فيدل عليه صحيحة حفص بن البخترى، عن أبى عبد الله عليه السلام قال فيها: (ينبغي للامام ان يسمع من خلفه التشهد ولا يسمعونه هم شيئا) (3) ويدل على استحباب إسماع كل ما يقول مما يسوغ الاجهار به رواية ابى بصير، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ينبغي للامام ان يسمع من خلفه كلما يقول: ولا ينبغي لمن خلف الامام ان يسمعه شيئا مما يقول) (4) واما الاستنابة في صورة الاحداث فيدل على جوازها جملة من الاخبار منها ما عن الصدوق مرسلا قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (ما كان من إمام يقدم في الصلاة وهو جنب ناسيا أو أحدث حدثا أو رعف رعافا أو اذى في بطنه فليجعل ثوبه على انفه ثم لينصرف و ليأخذ بيد رجل فيلصل مكانه، ثم ليتوضأ وليتم ما سبقه به من الصلاة وإن كان


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 26 ح 5. (2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 492 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 3. (3) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 51 ح 1. (4) الجواهر طبع النجف ج 13 ص 367.

[ 500 ]

جنبا فليغتسل فليصل الصلاة كلها) (1) ومنها صحيحة علي بن جعفر عليه السلام عن أخيه موسى عليه السلام (عن الامام احدث فانصرف ولم يقدم احدا ما حال القوم؟ قال: لاصلاة لهم الا بامام فليتقدم بعضهما فليتم بهم ما بقي منها وقد تمت صلاتهم) (2) وفى نسخة الوسائل (فليقدم) بدل (فليتقدم). ومنها اخبار اخر لم تتعرض للاحداث لكنه يظهر منها عدم الخصوصية للاعذار المذكورة فيها. واما جواز الاستنابة في صورة الموت والاغماء فلا خلاف فيه ويشهد له صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (انه سئل عن رجل ام قوما فصلى بهم ركعة ثم مات قال: يقدمون رجلا آخر ويعتدون بالركعة ويطرحون الميت خلفهم ويغتسل من مسه) (3) وما روى الطبرسي في الاحتجاج قال: (ما خرج عن صاحب الزمان عليه السلام إلى محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميرى حيث كتب إليه عليه السلام انه روي لنا عن العالم عليه السلام انه سئل عن امام قوم يصلى بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال: عليه السلام يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغستل من مسه التوقيع ليس على من مسه الا غسل اليد وإذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تتم صلاته مع القوم) (4). واما ايتمام الحاضر بالمسافر فكراهته مشهورة وكذلك العكس وان لم يشر إليه في المتن، ويدل على المشهور موثقة ابى العباس البقباق عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا يؤم الحضري المسافر ولا المسافر الحضرى، فان ابتلي بشئ من ذلك فأم قوم حضريين فإذا اتم الركعتين سلم ثم اخذ بيد بعضهم فقدمه فامهم وإذا صلى المسافر خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين ويسلم وان صلى معهم الظهر فليجعل الاوليين الظهر والاخيرتين العصر) (5) والنهى وان كان متوجها إلى الامام لكنه لا يبعد استفادة الكراهة بالنسبة إلى اصل الجماعة فلا تختص بخصوص


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 69 ح 2 و 1. (3) المصدر ب 42 ح 1. (4) الوسائل أبواب غسل المس ب 3 ح 4. (5) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6.

[ 501 ]

الامام وكون النظر في قوله عليه السلام: (وإذا صلى المسافر - الخ) إلى صورة الابتلاء المذكور كما ان هذه العبارة شاهدة على كون النهى تنزيهيا. واما كراهة ايتمام المتطهر بالمتيمم فهي مشهورة، ويدل عليها خبر عباد بن صهيب قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (لا يصلى المتيمم بقوم متوضين) (1) وعن السكوني عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام في حديث: لا يؤم صاحب التيمم المتوضين) (2) والنهى محمول على الكراهة بشهادة المعتبرة المستفيضة منها صحيحة جميل قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن امام قوم اصابته جنابة في السفر وليس معه الماء ما يكفيه للغسل ومعهم ما يتوضون به أيتوضأ بعضم ويصلى بهم؟ فقال: لا ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم فان الله عزوجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا) (3). واما كراهة استنابة المسبوق فيدل عليها خبر معاوية بن ميسرة عن الصادق عليه السلام قال: (لا ينبغي للامام إذا احدث ان يقدم الا من ادرك الاقامة) (4) وصحيحة سليمان بن خالد قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤم القوم فيحدث ويقدم رجلا قد سبق بركعة كيف يصنع؟ فقال: لا يقدم رجلا قد سبق بركعة، ولكن يأخذ بيد غيره فيقدمه) (5) النهى محمول على الكراهة والشاهد عليه اخبار مستفيضة منها صحيحة معاوية بن عمار قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الامام بركعة أو اكثر فيعتل الامام فيأخذ بيده ويكون ادنى القوم إليه فيقدمه فقال: يتم صلاة القوم، ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهد أو مأ إليهم بيده عن اليمين والشمال وكان الذى أو ما إليهم بيده التسليم وانقضاء صلاتهم واتم هو ما كان فاته أو بقى عليه) (6) واما كراهة امامة المذكورين فيدل عليها اخبار منها صحيحة زرارة أو حسنته عن ابى جعفر عليه السلام في حديث * (1) و (2) (3) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 6 و 5 و 1. (4) و (5) المصدر ب 40 ح 3 و 1. (6) المصدر ب 39 ح 3.

[ 502 ]

قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلين احدكم خلف المجذوم والابرص والمجنون والمحدود وولد الزنا، والاعرابي لا يؤم المهاجرين) (1) ومنها رواية اصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (ستة لا ينبغى ان يؤم الناس: ولد الزناء و المرتد، والاعرابي بعد الهجرة وشارب الخمر، والمحدود والاغلف - الحديث) (2) وحملت الاخبار على الكراهة لخبر عبد لله بن يزيد قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المجذوم والابرص يؤمان المسلمين؟ قال: نعم، قلت: هل يبتلي الله بهما المؤمن؟ قال: نعم وهل كتب الله البلاء الا على المؤمن) (3) وضعف السند منجبر بالشهرة. واما المحدود بعد توبته والاغلف فلم يرد فيما وصل الينا ترخيص على جواز امامتهما بالخصوص الا ان يمنع ظهور الاخبار في عدم الجواز حيث انهما وقعا في سياق من يكرهه إمامته كما انه لم يرد ترخيص بالخصوص بالنسبة إلى الاعرابي، ويحتمل قريبا ان يكون وجه المنع في الاخبار فقدانه ما يشترط في الجماعة وان كان لا يقصر واقتران المطلق في غالب افراده بعلة مقتضية للمنع مانع عن ظهور اطلاق النهي المعلق به في إرادة بالنسبة إلى الافراد الغير الغالبة المفارقة لهذه العلة. واما كراهة امامة من يكرهه المأموم فقد نسبت إلى المشهور لاخبار منها ما عن الصدوق مرسلا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (ثمانية لا يقبل الله لهم صلاة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مولاه، والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط، ومانع الزكاة وامام قوم يصلى بهم وهم له كارهون، وتارك الوضوء، والمرأة المدركة تصلى بغير خمار، والزبين وهو الذى يدافع البول والغائط، والسكران) (4) ومنها خبر عبد الملك المروى عن الخصال عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (اربعة لاتقبل لهم صلاة: الامام الجائر، والرجل يوم القوم وهم له كارهون، والعبد الآبق من مولاه من غير ضرورة، و المرأة تخرج من بيت زوجها بغير اذنه) (5).


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 6. (2) المصدر ب 14 ح 6. (3) المصدر ب 15 ح 1. (4) و (5) المصدر ب 26 ح 1 و 3.

[ 503 ]

(الطرف الثالث في الاحكام ومسائله تسع الاولى لو علم فسق الامام أو كفره أو حدثه بعد الصلاة لم يعد ولو كان عالما اعادها) اما صورة انكشاف الكفر والحدث فيستفاد حكمها من الاخبار ففي صورة الكفر يدل عليه مرسلة ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام (في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة علموا انه يهودي قال: لا يعيدون) (1) وقد يقال: ان هذه المرسلة تدل على حكم ما لو تبين كونه فاسقا أو غير متطهر بطهارة حدثية أو خبثية بالاولوية القطعية وعدم القول بالفصل وفيه تأمل لعدم احراز المناط وبعدم القول بالفصل لا يثبت الاجماع الكاشف وفى صورة انكشاف الحدث يدل عليه اخبار منها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يؤم القوم وهو على غير طهر فلا يعلم حتى تنقضي صلاتهم قال: يعيدو لا يعيد من صلى خلفه وإن أعلمهم أنه كان على غير طهر) (2) وصحيحة الاخرى عن الصادق عليه السلام عن رجل ام قوما وهو على غير طهر فأعلمهم بعد ما صلوا فقال: يعيد هو ولا يعيدون) (3) وفى قبال هذه الاخبار اخبار ضعيفة بسحب النسد لا تقاوم هذه مع ما في بعضها من المنافاة مع العصمة وعلى فرض تماميتها سندا ودلالة الاوجه حملها على استحباب الاعادة جمعا بين الطرفين، نعم ربما يستظهر معارضة ما تقدم بصحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله: (أيضمن الامام صلاة الفريضة فان هؤلاء يزعمون انه يضمن فقال: لا يضمن أي شئ يضمن الا ان يصلى بهم جنبا أو على غير طهر) (4) وقد يحمل الصحيحة على ان الامام ليس بضامن ومتعهد للمأمومين إلا ان لا يصلى بهم جنبا أو على غير طهره والحاصل ان الامام متعهد بان لا يصلى على غير طهر ويتفرع على هذا الضمان لزوم الاعلام لو تبين للامام حاله في الاثناء وهذا بعيد فان الظاهر ان الاستثناء يرجع إلى قوله عليه السلام (لا يضمن) فيضمن في صورة كونه جنبا أو على غير طهر، ولازم الضمان بطلان صلاة المأمومين لترتب الصحة في بعض الاخبار على


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 1. (2) و (3) و (4) المصدر ب 35 ح 4 و 3 و 6.

[ 504 ]

عدم الضمان فلابد من التخيير أو الترجيح ولا يبعد التمسك بحديث (لا تعاد الصلاة الخ) الا إذا حصل الاخلال بزيادة الركن، وأما ما يقال من أن الاجزاء من جهة ان الشرط الوثوق بالديانة والامانة وقد حصل سواء كان في الواقع كافرا أو فاسقا ففيه إشكال لان الظاهر كون الشرائط شرائط واقعية والاحراز طريق إليها وقد يقال بكفاية احراز العدالة تمسكا بما ورد في صحة الاقتداء باليهودى بتقريب أن المعتبر في امام الجماعة امران في عرض واحد: احدهما الايمان والآخر العدالة فان العدالة وان كانت لا يمكن وجودها في الخارج الا بعد وجود الايمان ولكن اعتبارهما في امام الجماعة في عرض واحد بمكان من الامكان فلاوجه لرفع اليد عن ظاهر الادلة المعتبرة لهما كما في ساير الشرائط المعتبرة في الامام فحينئذ نقول: لو كان المعتبر في جانب العدالة هو الوجود الواقعي كان اللازم بطلان الاقتداء اليهودي من جهة فقدان العدالة واقعا كما انه لو كان المعتبر فيها وفى الايمان كليهما هو الوجود الواقعي كان اللازم بطلان الاقتداء باليهودى من جهة فقدان كلا الامرين فحيث حكم الامام عليه السلام بصحة الاقتداء دل على ان المعتبر في كل منهما هو الاحراز، وفيه نظر لانه من المحتمل ان يكون كل من الايمان والعدالة شرطا بوجوده الواقعي والحكم بعدم الاعادة مع ظهور الكفر من جهة كون المأتى به مسقطا قد تقبله الشارع عن الصلاة الواقعية والتقبل والاسقاط مخصوصان بصورة تبين الكفر، وفى صورة تبين الفسق مع الايمان لا دليل على الاسقاط والتقبل بل لا يبعد استظهار هذا ما دل على انه (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) فانه في صورة الكفر لا تصح القراءة من الكافر فلم يتحمل القراءة عن من صلى خلفه ومقتضى الحديث بطلان الصلاة فإذا دل الدليل على عدم لزوم الاعادة يستكشف ان المأئى به ليس بصلاة ولكنه مسقط لها ثم انه استشكل بانه ان بنينا على كفاية احراز العدالة فلا يمكن اثباتها بالبينة والاستصحاب فان موردهما يختص بما كان للواقع اثر شرعي والمفروض في المقام ان العدالة الواقعية ليست موضوعا للاثر بل موضوعه هو الاحراز ودفع هذا الاشكال بأن كون الاحراز موضوعا لا ينافي كون العدالة ايضا موضوعا للحكم و

[ 505 ]

قد عرفت ان الادلة ظاهرة في اشتراط العدالة واقعا فلو دل الدليل على كفاية الاحراز فمقتضى الجمع كفاية احد الامرين ويمكن ان يقال: ان دل الدليل بالخصوص على حجية البينة أو الاستصحاب في خصوص العدالة يستكشف كون العدالة الواقعية ايضا موضوعا اما ان كان من جهة العموم والاطلاق فاستكشاف ما ذكر مشكل لتوقف الشمول على كون العدالة موضوعا وموضوعية بالوجود الواقعي تتوقف على الشمول والاستكشاف من نفس دليل الاعتبار لا يخلو عن اشكال لان الوثوق بالديانة والامانة اما ان يلحظ طريقا بلا دخل في الموضوع واما ان يلحظ بنحو الموضوعية بدون لحاظ الطريقية فكيف يجمع بين النظرين، اللهم الا ان يقال بحمل بعض الادلة على شرطية العدالة الواقعية وحمل بعضها على اشتراط الاحراز ولعل هذا الاحتمال بعيد بدعوى ظهور الادلة في مقام بيان امر واحد، هذا كله مع انكشاف الكفر أو الفسق أو الحدث بعد الصلاة، واما لو كان عالما من اول الامر أو حال الصلاة ففي صورة الالتفات لا إشكال في عدم جواز ترتيب آثار الجماعة وان كان الامام غير ملتفت واما مع عدم الالتفات فلا يبعد صحة صلاة المأموم تمسكا بحديث لا تعاد الا ان يزيد ركن. (الثانية إذا خاف فوت الركوع عند دخوله فركع جاز ان يمشي راكعا ليلحق بالصف) الظاهر عدم الخلاف فيه في الجملة ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام (أنه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف ان تفوته الركعة؟ فقال: يركع قبل ان يبلغ القوم ويمشى وهو راكع حتى يبلغهم) (1) ويجوز أيضا ان يتم ركوعه وسجوده في مكانه ثم يلحق بالصف بعد ان قام إلى الثانية، كما تدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت انك ان مشيت إليه رفع رأسه قبل ان تدركه فكبر واركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف، وفاذا جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف) (2) وهل يختص جواز الدخول في الصلاة في


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 1 و 3.

[ 506 ]

مكانه بما إذا لم يكن مانع من الاقتداء كالبعد الذى لا يصح معه الاقتداء وعدم الحائل وغيرهما اولا وجهان بل قولان وفصل بين البعد وغيره فقيل بالجواز مع البعد المانع وبعدم الجواز مع وجود سائر الموانع، اما الجواز مع البعد فلان الظاهر من صحيحة عبد الرحمن هو بعد المأموم عن اهل الجماعة وكون هذا الحكم من باب الرخصة في الاقتداء مع البعد المانع في غير المقام، واما عدم الجواز في غيره فلعموم ادلة منعها الا ان يقال: غاية الامر وقوع التعارض بينها وبين اطلاقات المسألة فيرجع إلى اطلاقات الجماعة لكنه مبني على وجود مثل هذه الاطلاقات ويمكن ان يقال: مع تسليم ان يكون المتيقن في صحيحة عبد الرحمن رفع مانعية البعد دون سائر الموانع لا يجري هذا الكلام في صحيحة محمد بن مسلم المذكورة لان السائل لم يذكر وجه إشكاله فمع ترك استفصال الامام يوخذ بالاطلاق والظاهر تقدم هذا الاطلاق على اطلاقات ادلة الموانع لان الظاهر ان نظر السائل إلى أنه مع تحقق المانع كيف يصنع فاطلاق الجواب مع هذا الفرض لا يعارض باطلاق دليل المانع كما لا يخفى، ثم ان ما ذكر من انه مع تعارض الاطلاقات يرجع إلى إطلاق ادلة الجماعة محل تأمل لوقوع التعارض بين اطلاق ادلة المسألة واطلاقات الموانع اطلاق ادلة الجماعة في مرتبة واحدة وليس اطلاق ادلة الجماعة من جهة الاعمية المطلقة من قبيل الاصل الذى لا يرجع إليه الا بعد تعارض الدليلين الا ان يكون النظر إلى مرجحيته لا المرجعية وهو ايضا محل تأمل وخلاف ظاهر الكلام المذكور، ثم انه على فرض الاخذ باطلاقات اخبار المسألة وتقديمها على إطلاقات ادلة الموانع يبعد القول بجواز المشى للالتحاق في حال الاشتغال بالذكر أو القراءة لمنع اطلاقها بحسب الجهات الغير الراجحة إلى الجماعة الا ان يمنع شمول دليل اعتبار الطمأنينة لمثل هذه الصورة والمنع ايضا محل تأمل. (الثالثة إذا كان الامام في محراب داخل لم يصح صلاة من إلى جانبيه في الصف الاول) قد تقدم الكلام فيه في مسألة عدم جواز الجماعة مع الحائل. (الرابعة إذا شرع المأموم في نافلة فاحرم الامام قطعها ان خشى الفوات و

[ 507 ]

لو كان في فريضة نقل نيته إلى النفل واتم الركعتين استحبابا ولو كان إمام الاصل قطعها واستأنف معه ولو كان ممن لا يقتدي به استمر على حاله) الظاهر عدم الخلاف في استحباب قطع النافلة عند خوف فوات الجماعة ولا يبعد التمسك بصحيح عمر بن يزيد (انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرواية التي يروون انه لا يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال: إذا اخذ المقيم في الاقامة فقال له: ان الناس يختلفون في الاقامة، فقال: المقيم الذى يصلى معه) (1) بناء على إرادة الاعم من الابتداء والاستدامة من التطوع لكنه يشكل بناء على حرمة قطع الصلاة بقول مطلق الا ان يتمسك للجواز في صورة خوف الفوت بالاجماع ان تم ومع هذه الشبهة يشكل القول بالاستحباب من جهة التسامح في ادلة السنن تمسكا ببعض الروايات مع ضعف السند واما نقل النية من الفريضة إلى النافلة واتمام ركعتين فهو المشهور ويدل عليه صحيحة سليمان بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلى إذا اذن المؤذن واقام الصلاة قال: فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام ولتكن الركعتان تطوعا) (2) وموثقة سماعة قال: (سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال: ان كان اماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا و ليدخل مع الامام في صلاته كما هو وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول (اشهد ان لا إله إلا الله وحد لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله) ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة وليس شئ من التقية الا وصاحبها مأجور عليها ان شاء الله) (3) واما جواز القطع مع ادراك امام الاصل عليه السلام فهو المشهور كما قيل بل عن البيان نفي الخلاف فيه فقد يوجه بأن مدرك حرمة قطع الفريضة هو الاجماع وهو في غير مثل المقام و لا مجال لاستصحاب حرمة القطع لانه من قبيل الشك في المقتضى بل لا مجال للعمل


(1) الوسائل أبواب المواقيت ب 35 ح 9. (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1 و 2.

[ 508 ]

باللاصل مع الحضور مع التمكن من السؤال عنه عليه السلام. وأما الاستمرار على حاله مع كون الامام ممن لا يقتدي به فوجهه واضح وقد تعرض في ذيل الرواية المذكورة له. (الخامسة ما يدركه المأموم يكون اول صلاته فإذا سلم الامام اتم هو ما بقى) لا خلاف معتد به في ما ذكر خلافا للمحكى عن ابى حنيفة وبعض العامة وابى على من الخاصة فقالوا بانه يتبع الامام في ذلك ثم يتدارك ما فاته من الاول محتجين بما رووه عنه صلى الله عليه وآله انه قال: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) (1) ولعل هذه الرواية على تقدير صحتها لا تأبى عن الحمل على ما يوافق مذهبنا و قد ورد في جملة من الاخبار الطعن على هذا المذهب ويدل على الحكم المذكور جملة من الاخبار، منها صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا فاتك شئ مع الامام فاجعل اول صلاتك ما استقبلت منها ولا تجعل اول صلاتك آخرها) (2) و منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام وهي له الاولى كيف يصنع إذا جلس الامام؟ قال: يتجافى ولا يتمكن من القعود فإذا كانت الثالثة للامام وهي له الثانية فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يتشهد ثم يلحق بالامام، قال: وسألته عن الرجل الذى يدرك الركعتين الاخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة قال: اقرء فيهما فانها لك الاوليان ولا تجعل اول صلاتك آخرها) (3) ومنها موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يدرك الامام وهو يصلي اربع ركعات وقد صلى الامام ركعتين قال: يفتتح الصلاة فيدلخل معه ويقرء معه في الركعتين) (4) و لا يخفى ان المستفاد من اخبار الباب وجوب القراءة على المأموم المسبوق وما دل على ضمان الامام للقراءة قاصرة عن شمول ما نحن فيه فلا مجال لدعوى المعارضة ولا قرينة صارفة لظهور الاخبار في الوجوب مع انه لا صلاة الا بفاتحة الكتاب فما


(1) روى نحوه الطبراني في المسند الكبير من حديث أبى بكرة كما في مجمع الزوائد ج 2 ص 76 (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 1 و 2. (4) مصباح الفقيه ج 2 ص 697.

[ 509 ]

عن غير واحد من القول بجواز ترك القراءة ضعيف. (السادسة إذا ادركه بعد انقضاء الركوع كبر وسجد معه فإذا سلم الامام استقبل المأموم الصلاة وكذا لو ادركه بعد السجود) اما مشروعية ما ذكر فيدل عليه رواية معلى بن خنيس عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا سبقك الامام بركعة فأدركته فقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها) (1) وخبر معاوية بن شريح عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، ومن ادرك الامام وهو ساجد كبر وسجد معه ولم يعتد بها، ومن ادرك الامام وهو في الركعة الاخيرة فقد ادرك فضل الجماعة ومن ادركه وقد رفع راسه من السجدة الاخيرة وهو في التشهد فقد ادرك الجماعة وليس عليه اذان ولا إقامة، ومن ادركه وقد سلم فعليه الاذان والاقامة) (2) و صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت له: (متى يكون يدرك الصلاة مع الامام قال: إذا ادرك الامام وهو في السجدة الاخيرة من صلاته فهو مدرك الفضل الصلاة مع الامام) (3) وقد يتراءى معارضة هذه الاخبار بموثقة عمار قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل ادرك الامام وهو جالس بعد الركعتين قال: يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الامام حتى يقوم) (4) لكن مورد هذه الرواية التشهد الاول الذى يتمكن معه من ادراك فضيلة الجماعة بمتابعة الامام فيما بقى من صلاته، ولا يبعد الحمل على الرخصة في ترك المتابعة للامام لورودها في مقام توهم الوجوب فلا تنافي رجحانها المستداد من الاخبار. واما استقبال الصلاة بمعنى اعادة تكبيرة الاحرام فيشكل استفادة لزومه لانه من المحتمل قريبا حمل ما ورد في الاخبار من عدم الاعتداد على ما اتى به بعنوان المتابعة من أجزاء الركعة لا مجموع ما اتى به من التكبيرة ولعل هذا ظاهر في رواية معلى ابن خنيس فان الظاهر ان الضمير في قوله عليه السلام على ما في الخبر (ولا تعتد بها) راجع إلى خصوص السجدة المفهومة من قوله (فاسجد معه) أو إلى الركعة التي ادرك سجدة منها مع الامام هذا مع احتمال زيادة التكبيرة ولا يمكن الاحتياط الا


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 3 و 6 و 1 و 4.

[ 510 ]

بالجمع بين صلاتين بأن يكتفى بالتكبيرة الاولى ويتم الصلاة ويعيدها بتكبيرة اخرى وقد ظهر من بعض الاخبار ادراك فضيلة الجماعة بالمتابعة في التشهد. (السابعة يجوز ان يسلم قبل الامام مع العذر أو نية الانفراد) يدل عليه روايات منها صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد قال: يسلم من خلفه ويمضى في حاجته ان احب) (1) وصحيحة ابى المغرا عنه عليه السلام أيضا (في الرجل يصلى خلف الامام فيسلم قبل الامام قال: ليس بذلك بأس) (2). (الثامنة النساء يقفمن وراء الرجال فلو جاء رجال تأخرون وجوبا إذا لم يكن لهم موقفا امامهمن) اما على القول بعدم جواز محاذات الرجل والمرأة في الصلاة بحسب المكان فلا اشكال في الحكم، واما بناء على الكراهة فلا يبعد القول بعدم الجواز في باب الجماعة لما يستفاد من بعض الروايات كصحيحة زرارة الطويلة المتقدمة في مسألة اشتراط ان لا يكون بين الامام والمأموم حائل ولا يبعد القول بعدم الفرق وما اشير إليه في باب الجماعة ناظهر إلى اصل المحاذاة في الصلاة من دون خصوصية للجماعة، فبناء على القول بالكراهة لا فرق بين الجماعة والانفراد. (التاسعة إذا استنيب المسبوق فانتهت صلاة المأمومين أو ما ليسلموا ثم يتم) يشهد له صحيحة معاوية بن عمار قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الامام بركعة أو أكثر فيعتل الامام فيأخذ بيده ويكون ادنى القوم إليه فيقدمه فقال: يتم صلاة القوم ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهد أو مأ إليهم بيده عن اليمين والشمال وكان الذى أو ما إليهم بيده التسليم وانقضاء صلاتهم واتم هو ما كان فاته أو بقى عليه) (3). (خاتمة يستحب ان يكون المساجد مكشوفة والميضأة على ابوابها والمنارة مع حائطها، وان يقدم الداخل يمينه ويخرج بيساره، ويتعاهد نعله ويدعوا داخلا


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 3 و 4. (3) المصدر ب 39 ح 3.

[ 511 ]

وخارجا، وكنسها، والاسراج فيها، واعادة ما استهدم، ويجوز نقص المستهدم خاصة واستعمال آلته في غيره من المساجد) الاولى التعبير بكراهة كون المساجد مسقفة كما يدل عليها جملة من الروايات منها حسنة عبد الله بن سنان، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله بني مسجده بالسميط ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله لو امرت بالمسجد فزيد فيه؟ فقال: نعم فأمر به فزيد فيه وبناء بالسعيدة ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله لو امرت بالمسجد فزيد فيه وبنى جداره بالانثى والذكر، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله لو امرت بالمسجد فظلل فقال: نعم فأمر به فاقيمت فيه سواري من جذوع النخل ثم طرحت عليه العوارض والخصف والاذخر فعاشوا فيه حتى اصابتهم الامطار فجعل المسجد يكف عليهم فقالوا: يا رسول الله لو امرت بالمسجد فطين؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا عريش كعريش موسى عليه السلام، فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وكان جداره قبل ان يظلل قامة قال: وكان إذا كان الفي ذراعا وهو قدر مربض عنز صلى الظهر فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر وقال: والسميط لبنة لبنة، و السعيدة لبنة ونصف، والذكر والانثى لبنتان مختلفتان) (1) والمستفادة من هذه الرواية كراهة التسقيف دون التظليل وعن بعض القول بكراهة مطلق التظليل ولعل المستند حسنة الحلبي أو صحيحته قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المساجد المظللة اتكره الصلاة فيها؟ فقال: نعم، ولكن لا يضركم اليوم ولو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك - الحديث) (2) ولعل المراد من المساجد المظللة خصوص المسقفة جمعا بينها وبين الحسنة المذكورة. واما استحباب كون الميضاة على ابوابها فيدل عليه رواية عبد الحميد عن ابى ابراهيم عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشراءكم واجعلوا مظاهر كم على ابواب مساجدكم) (3) واما كون المنارة مع الحائط فلم نقف على نص يدل على استحبابه


(1) و (2) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 9 ح 1 و 2 وفي الكافي ج 3 ص 295 (3) التهذيب ج 3 ص 254 تحت رقم 702 وفي الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 27 ح 2.

[ 512 ]

لكنه المشهور. اما استحباب تقديم الداخل رجله اليمنى والخارج رجله اليسرى فلما رواه الكليني - قده - باسناده عن يونس عنهم عليهم السلام قال: (الفضل في دخول المسجد ان تبدء برجلك اليمنى إذا دخلت وباليسرى إذا خرجت) (1) واما استحباب تعاهد النعل فلخبر عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر عن ابيه عليهما السلام ان عليا عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم الحديث) (2) واما استحباب الدعاء داخلا وخار جا فللتأسي بفعل النبي صلى الله عليه وآله المحكي في خبر عبد الله بن الحسن عن امه فاطمة عن جدته فاطمة عليهما السلام المروى عن مجالس الطوسى قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل المسجد صلى على النبي صلى الله عليه وآله وقال: (اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب فضلك) وإذا خرج من الباب صلى على النبي صلى الله عليه وآله وقال: (اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب فضلك) (3) وخبر عبداللن بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: (إذا دخلت المسجد فصل على النبي صلى الله عليه وآله وإذا خرجت فافعل ذلك) (4) واما استحباب الكنس فلخبر سلام بن غانم المروي عن امالي الصدوق ومحاسن البرقى عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من قم مسجدا كتب الله له عتق رقبة، ومن اخرج منه ما يقذي عينا كتب الله عزوجل له كفلين من رحمته) (5) واما استحباب الاسراج فيها فلما رواه الشيخ عن انس قال: قال رسول صلى الله عليه وآله: (من اسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم يزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في ذلك السمجد ضوء من ذلك السراج) (6) واما جواز نقص ما استهدم فلانه في الحقيقة اصلاح للوقف ووقاية لطرو الضرر على الآلة أو المارين


(1) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 40 ح 1، وفي الكافي ج 3 ص 308. (2) التهذيب ج 3 ص 258 تحت رقم 709. وفي الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 24 ح 1. (3) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 42 ح 2. (4) مصباح الفقيه ج 2 ص 703. (5) قم المسجد: كنسه. والخبر في الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 32 ح 2. (6) المصدر ب 34 ح 1 وفي التهذيب ج 3 ص 261 تحت رقم 733.

[ 513 ]

بواسطة الانهدام. واما غير المستهدم فلا يجوز نقضه بلا ترتب المصلحة لمنافاته للوقفية ومعه لا يبعد الجواز لفعل النبي صلى الله عليه وآله المحكي في الخبر المتقدم، وأما استعمال الآلة في غيره من المساجد فمع حاجة المسجد المنقوض إليها إذا عمر لاوجه لجواز لانه خلاف ما أوقف والوقوف على حسب ما يوقفها اهلها، ومع عدم الحاجة الظاهر اتفاق الكلمات على الجواز، وقد يعلل بأنه اولى من إبقائها معطلة وأوفق بغرض الواقف. (ويحرم زخرفتها ونقشها بالصور، وان يؤخذ منها إلى غيرها من طريق أو ملك ويعاد لو اخذ، وادخال النجاسة إليها وغسلها فيها واخراج الحصى منها و يعاد لو اخرج) اما حرمة الزخرفة والنقش فلا دليل يعتد به عليه عدا الشهرة ومخالفة المشهور مشكل والفتوى بلا دليل اشكل. واما حرمة الاخذ منها ووجوب الاعادة فلمنافاة الاخذ للوقفية على الجهة المأخوذة واللازم حينئذ وجوب الاعادة كما في الاموال المغصوبة. واما حرمة إدخال النجاسة إليها إذا كانت سارية وازالة النجاسة فيها إذا كانت موجبة لتلويث المسجد فلو جوب ان تجنب المساجد عن النجاسات مطلقا كما حكي القول به عن الكثراهل العلم بل عن الخلاف والسرائر نفى الخلاف عنه والقدر المتيقن صورة سراية النجاسة ولعله يستفاد من الاخبار كون اصل الحكم مفروغا عنه منها صحيحة عبد الله بن سنان في حديث قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المكان يكون حشا زمانا فينظف يتخذ مسجدا فقال: الق عليه من التراب حتى يتوارى فان ذلك يطهره ان شاء الله) (1) ومنها رواية سعدة بن صدقة عن جعفر ابن محمد عليهما السلام (انه سئل أيصلح مكان حش ان يتخذ مسجدا؟ فقال: إذا القي عليه من التراب ما يواري ذلك ويقطع ريحه فلا باس، وذلك لان التراب يطهره وبه مضت السنة) (2) ومنها خبر علي بن جعفر عليهما السلام عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن بيت كان حشا زمانا هل يصلح ان يجعل مسجدا؟ قال: إذا نظف واصلح فلا بأس) (3) ومقتضى هذه الاخبار اختصاص الحكم بظاهر المسجد دون باطنه. واما حرمة اخراج الحصى فاستدل لها بكونه من أجزاء الوقف فلا يجوز إتلافه وبأحبار منها


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 11 ح 1 و 5 و 7.

[ 514 ]

خبر وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: (إذا اخرج احدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها أو في مسجد آخر فانها تسبح) (1) ومنها ما رواه الشيخ باسناده عن زيد الشحام قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: اخرج من المسجد حصاة قال: فردها أو اطرحها في مسجد) (2) وعن الكليني باسناده عن زيد الشحام نحوه الا أنه قال: (وفي ثوبي حصاة) (3) ومنها خبر معاوية بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنى اخذت سكا من سك المقام وترابا من تراب البيت وسبع حصيات فقال: بئس ما صنعت اما التراب والحصى فرده) (4) ونوقش فيما ذكر اما عدم جواز إتلاف أجزاء الوقف فانطباقه على المقام موقوف على كون مثل هذه التصرفات اليسيرة منافية للوقف وليس كذلك واما الاخبار فالخبر الاول ضعيف السند و دلالته قاصرة مع ما في ذيله، والخبر الثاني محمول على الكراهة من جهة احتمال كون الصادر المنقول عن الكافي وحرمة اخراج هذا المقدار ولزوم إعادته مخالف للسيرة القطعية ولجواز كنس المسجد، والخبر الثالث حيث فصل فيه ظاهر ا بين التراب و الحصى وبين السك فيمكن ان يحمل على الحرمة ولزوم الاعادة في خصوص البيت بلا تعد إلى ساير المساجد. (ويكره تعليتها وان تشرف أو يجعل محاريبها داخلة، أو يجعل طريقا ويكره فيها البيع والشراء وتمكين المجانين والصبيان وانفاذ الاحكام وتعريف الضوال، و اقامة الحدود انشاد الشعر، وعمل الصنايع، والنوم ودخولها وفى الفم رائحة الثوم أو البصل، وقتل القمل، وكشف العورة، والبصاق فان فعله ستره بالتراب) اما كراهة التعلية فالظاهر عدم دلالة نص عليها لكنها نص عليها كثير من الاصحاب و لعلهم اطلعوا على ما لم نطلع عليه واما عمل الشرف فيدل على كراهته خبر طلحة ابن زيد عن جعفر عن ابيه عن آبائه عن علي عليهم السلام (أنه رأى مسجدا بالكوفة قد شرف فقال: كأنه بيعة وقال: إن المساجد تبنى جما لاتشرف) (5) واما جعل المحاريف داخلة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 26 ح 4 و 3 و 2. (5) التهذيب ج 3 ص 253 تحت رقم 697 وفي أحكام المساجد ب 15 و 31.

[ 515 ]

فاستدل على كراهته بخبر طلحة بن زيد، عن جعفر، عن ابيه عن علي عليهم السلام (أنه كان يكسر المحاريف إذا رآها في المساجد ويقول: كأنها مذابح اليهود) (1) ويشكل استفادة الحكم من هذا الخبر، ومن المتحمل ان يراد من المحاريث الداخلة المقاصير، ويدل على كراهتها التوبيخ الوارد في صحيحة زرارة المذكورة في أحكام الجماعة من قوله عليه السلام (وهذه المقاصير لم تكن في زمن احد من الناس، وانما احدثها الجبارون - الحديث) (2). واما كراهة جعله طريقا بمعنى استطراقه فيشهد لها قول النبي على المحكي في خبر المناهي (لا تجعلوا المسادج طرقا حتى تصلوا فيها ركعتين) (3) واما كراهة المذكورات فيدل عليها رواية علي بن اسباط عن بعض رجاله قال قال أبو عبد الله عليه السلام: (جنبوا مساجدكم البيع والشراء والمجانين والصبيان والاحكام والضالة والمحدود ورفع الصوت) (4) وفى حديث المناهى عن الصادق عليه السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ان ينشد الشعر أو تنشد الضالة في المسجد) (5) وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سل السيف في المسجد، وعن بري النبل في المسجد، وقال: انما بني لغير ذلك) (6) ولا يبعد استفادة كراهة عمل الصنايع والنوم من ذيل هذه الصحيحة. واما كراهة دخول من في فمه رائحة البصل أو الثوم وغيرهما مما فيه رائحة موذية فيشهد لها خبر أبى بصير عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: (من اكل شيئا من المؤذيات ريحها فلا يقر بن المسجد) (7) وأما كراهة البصاق فيدل عليها خبر غياث بن إبراهيم


(1) التهذيب ج 3 ص 253 تحت رقم 696 وفي الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 15 و 31. (2) قد تقدم ص 473. (3) من لا يحضره الفقيه باب ذكر جمل من مناهى النبي صلى الله عليه وآله أوائل الباب. (4) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 27 ح 1. (5) الفقيه باب جمل من مناهى النبي صلى الله عليه وآله. (6) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 17 ح 1. (7) المصدر ب 22 ح 7.

[ 516 ]

عن جعفر، عن ابيه عليهما السلام ان عليا عليه السلام قال: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه) (1) وخبر طلحة بن زيد، عن جعفر، عن ابيه عليهما السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رد ريقه تعظيما لحق المسجد حبس ريقه صحة في بدنه وعوفي من بلوى في جسده) (2) واما كراهة قتل القمل فقد حكيت عن جماعة ولم نقف على ما يصح الاستناد إليه وربما يستشعر كراهته من صحيحة محمد بن مسلم قال: (كان أبو جعفر عليه السلام إذا وجد قملة في المسجد دفنها بالحصى) (3) واما كراهة كشف العورة فلعلها لمنافاته للتوقير الذى ورد الحث عليه في الاخبار (4). (المقصد الثاني في بقيه الصلوات وهي واجبة ومندوبة فالواجبات منها الجمعة وهي ركعتان يسقط معهما الظهر ووقتها ما بين الزوال حتى يصير ظل كل شئ مثله، وتسقط بالفوات وتقضى ظهرا ولو لم يدرك الخطبتين أجزأته الصلاة وكذا لو ادرك مع الامام الركوع ولو في الثانية ويدرك الجمعة بادراكه راكعا على الاشهر، ثم النظر في شروطها ومن تجب عليه ولو احقها وسننها. والشرائط خمسة: الاول السلطان العادل) اما كون وقتها من الزوال فيدل عليه اخبار مستفيضة منها صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (وقت صلاة الجمعة عند الزوال - الحديث) (5) ومنها صحيحة زرارة قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (ان من الامور امورا مضيقة وامورا موسعة، وان الوقت وقتان ان الصلاة مما فيه السعة فربما عجل رسول الله صلى الله عليه وآله وربما اخر الا صلاة الجمعة فان صلاة الجمعة من الامر المضيق انما لها وقت واحد حين تزول - الحديث) (6) فالقول بجواز تقديمها على الزوال ضعيف محجوج بما عرفت، واما التحديد من طرف الآخر بصيرورة ظل كل شئ مثله فهو المشهور فلا يبعد استفادته


(1) و (2) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 19 ح 4 و 6. (3) الوسائل أبواب قواطع الصلاة ب 20 ح 4. (4) راجع الوسائل أبواب المساجد ب 60 والمستدرك ج 1 ص 240 ب 53. (5) و (6) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 5 و 3.

[ 517 ]

مما دل على تحديد وقت الظهر للفضيلة أو للمختار على الخلاف بالمثل حيث ان صلاة الجمعة هي صلاة الظهر في الحقيقة غاية الامر سقط الركعتان فيها لمكان الخطبتين الا انه ربما ينافيه ما في الاخبار من ان وقت العصر في يوم الجمعة هو وقت الظهر في ساير الايام والظاهر ان النظر الى وقت الفضيلة فيقوى في النظر لولا خوف مخالفة الشهور ما حكي عن السيد ابن زهرة وابى الصلاح من القول بأن وقتها من الزوال بمقدار ما يتسع للاذان والخطبتين وصلاة الجمعة، وهذا هو الظاهر من الاخبار ففي صحيحة زرارة (فان صلاة ا لجمعة من الامر المضيق انما لها وقت واحد حين تزول، ووقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في ساير الايام) (1) وعن ابى جعفر عليه السلام في خبر الفضيل بن يسار قال: ان من الاشياء اشياء موسعة واشياء مضيقة فالصلاة مما وسع فيه تقدم مرة وتؤخر اخرى والجمعة مما ضيق فيها فان وقتها يوم الجمعة ساعة تزول، ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها) (2) وجه الاستظهار انه حيث لم يبين فيها آخر الوقت واكتفى ببيان اوله يستكشف ان آخره الفراغ عن الصلاة حيث ان هذا المقدار لابد منه والزائد عليه حيث انه خارج لم يذكر. وأما فوت الجمعة بفوات الوقت وقضائها ظهرا فالظاهر عدم الخلاف فيه و يدل عليه قوله عليه السلام في حسنة الحلبي (فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا) (3) وفى صحيحة عبد الرحمن العرزمي (إذا أدركت الامام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة فأضف إليها ركعة اخرى واجهر فيها فان ادركته وهو يتشهد فصل اربعا) (4) ولا مجال للاستشكال بأن مورد الروايتين من لم يدرك الصلاة مع الامام والكلام في المقام فيما لو فاتت من اصلها بفوات وقتها حيث انه عليه السلام ما فصل بين صورة التمكن من صلاة الجمعة مع شرائطها وصورة عدم التمكن على ان المسألة اجماعية ظاهرا، نعم لو قلنا بامتداد الوقت إلى صيرورة الفيئ مثل الشاخص وقلنا


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 3 و 1. (3) و (4) المصدر ب 26 ح 3 و 5.

[ 518 ]

بوجوب الجمعة تعيينا وتمكن من الوصول إلى محل آخر وادراك الجمعة فيه فالظاهر لزومها فالروايتان مقيدتان بغير هذه الصورة، أو مؤيدتان لما دل على ان وقت الجمعة بمقدار ادائها فالصورة المفروضة نادرة، وأما ادراك الجمعة بادراك الامام راكعا ولو في الركعة الثانية ولو لم يدرك الخطبتين فيدل عليه اخبار دالة على ان إدراك الامام في حال الركوع ادراك للركعة منضمة إلى ما دل على كفاية ادراك الركعة لدرك الجمعة فمن الطائفة الثانية صحيحة الفضل بن عبد الملك عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا ادرك الرجل ركعة فقد ادرك الجمعة وان فاتته فليصل اربعا) (1) وصحيحة عبد الرحمن المذكورة ومن الطائفة الاولى صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (إذا ادركت الامام وقد ركع فكبرت وركعت قبل ان يرفع الامام راسه فقد ادركت الركعة وان رفع الامام رأسة قبل ان تركع فقد فاتتك الركعة) (2) وفى قبال هذه الطائفة ما يخالفها ظاهرا كصحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال لى: (ان لم تدرك القوم قبل ان يكبر الامام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة) (3) وما في رواية الحلبي (إذا ادركت الامام قبل ان يركع الركعة الاخيرة فقد ادركت الصلاة فأن انت ادركت بعد ما ركع فهي الظهر اربع) (4) وقد سبق الكلام في باب الجماعة ولو لا شبهة تحقق الاجماع على عدم الفرق بين الجمعة وغيرها لكان الانسب تخصيص تلك الاخبار برواية الحلبي كما في المدارك، وقد حمل صحيحة محمد بن مسلم على الكراهة جمعا بينها وبين الطائفة الاولى من الاخبار. واما اشتراط الوجوب أو الصحة بالسلطان العال أو من نصبه فهو المشهور بل قيل بعدم خلاف محقق بين قدماء الاصحاب واستدل بوجوه منها طوائف من الاخبار


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 26 ح 2 (2) المصدر ب 44 ح 2. (3) المصدر ب 43 ح 2. (2) المصدر ب 26 ح 3.

[ 519 ]

منها المستفيضة الدالة على وجوب السعي إليها على كل من كان منها على فرسخين و عدم وجوبها على من بعد عنها بفرسخين مثل صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليهما السلام (الجمعة واجبة على من ان صلى الغداة في اهله ادرك الجمعة - الحديث) (1) وخبر فضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (انما وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لاأكثر - الحديث) (2) في صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجمعة فقال: تجب على من كان منها على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شئ) (3) وجه الدلالة الحكم فيها بسقوط السعي على من بعد عن المصر الذى ينعقد فيه الجمعة أزيد من فرسخين فلو كان صلاة الجمعة واجبة عينا على كل احد لوجب اقامة المؤمنين في محلهم، ولا مجال للحمل على صورة عدم وجود عدة اشخاص تنعقد بهم الجمعة لندرته. ومنها الاخبار النافية لوجوبها على اهل القرى اما مطلقا كما في رواية حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: (ليس على اهل القرى جمعة ولا خروج في العيدين) (4) أو على تقدير إن لم يكن لهم من يخطب بهم كصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: نعم ويصلون اربعا إذا لم يكن من يخطب) (5) وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فان كان لهم من يخطب بهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفر، وانما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين) (6) وجه الاستدلال بمثل هاتين الصحيحتين ان المراد بمن يخطب اما المنصوب من قبل الوالى فيتم المطلوب واما مطلق من يقوم بهذه الوظيفة لا مطلق من يقدر لان كل من يقدر على الصلاة يقدر على الاتيان بأدنى ما يجزى من الخطبتين فلو كان وجوب عينى كما بقول به الطرف لكانت معرفة الخطبة وادائها واجبا كفائيا على الكل فلا يصح حينئذ التعليق على وجود من يخطب. ومنها الروايات الدالة على ان الصلاة ركعتين انما هو فيما إذا كانت مع الامام مثل


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 1 و 4 و 6. (4) و (5) و (6) المصدر ب 3 ح 4 و 1 و 2.

[ 520 ]

موثقة سماعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة يوم الجمعة فقال: اما مع الامام فركعتان واما من صلى وحده فهي أربع ركعات - إلى أن قال -: وإن صلوا جماعة) (1) فانه يستفاد ان الامام المنصوب للجمعة غير امام الجماعة ومنها الروايات الدالة على ان الجمعة من مناصب الامام عليه السلام كالخبر المروي عن دعائم الاسلام عن على عليه السلام (انه قال: لا يصلح الحكم ولا الحدود والا الجمعة الا للامام أو من يقيمه الامام) (2) والمروى عن كتاب الاشعثيات مرسلا (ان الجمعة والحكومة لامام المسلمين) (3) وعن رسالة الفاضل ابن عصفور مرسلا عنهم عليهم السلام (أن الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا) (4) وكذا روى عنهم (لنا الخمس ولنا الانفال ولنا الجمعة ولنا صفوا المال) (5) ونبوي آخر (ان الجمعة والحكومة لامام المسلمين) (6) وفى الصحيفة السجادية عليه السلام في دعاء الجمعة وثاني العيدين (اللهم ان هذا المقام لخلفائك واصفيائك ومواضع امنائك في الدرجه وثاني العيدين (اللهم ان هذا المقام لخلفائك واصفيائك ومواضع امنائك في الدرجه الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وانت المقدر لذلك - إلى ان قال: - حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا - إلى ان قال: - اللهم العن أعداهم من الاولين والآخرين ومن رضي بفعالهم واشياعهم لعنا وبيلا). حجة القول بالوجوب العيني الكتاب والسنة التي ادعوا تواترها وأنها


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 8. (2) المستدرك ج 1 ص 408 باب اشتراط وجوب الجمعة بحضور السلطان العادل أو من نصبه. (3) الجعفريات والا شيعثيات المطبوع ص 42 وأخبار هذا الكتاب مسندة برمتها و روى هذا الخبر مسندا هكذا (أخبرنا محمد حدثنى موسى حدثنا أبى عن أبيه عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده على بن الحسين، عن أبيه أن عليا عليه السلام قال: " لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا بالامام " انتهى وقائل (أخبرنا) أبو على محمد بن محمد بن الاشعث الكوفى عن أبى الحسن موسى بن اسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه اسماعيل عن آبائه عليهم السلام. (4) و (5) و (6) مصباح الفقيه ج 2 ص 438.

[ 521 ]

مبلغ ما ئتى حديث اما الكتاب فقوله تعلى (يا ايها الذين آمنوا إذ نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (1) واجيب بوجوه احسنها انه بعد تسليم كون اللام للاشارة إلى جنس صلاة الجمعة من غير اختصاص بما كان في عهد النبي صلى الله عليه وآله فلا تدل الآية على وجوب عقدها كما يقول القائل بالوجوب العينى، بل تدل على وجوب السعي إليها بعد انعقادها ولا تنافى اشتراط الانعقاد بشرط هو تصدي الامام أو من يكون منصوبا من قبله، واما السنة فأخبار منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر الباقي عليهما السلام قال: (انما فرض الله عزوجل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله عزوجل في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين) (2) ومنها صيحة ابى بصير ومحمد بن سلم جميعا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ان الله عزوجل فرض في كل سبعة ايا م خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبى) (3) ومنها صحيحة اخرى لهما ايضا، عن ابى جعفر عليهما السلام قال: (من ترك الجمعة جمع متوالية طبع الله على قلبه) (4) ومنها صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر عليهما السلام: (الجمعة واجبة على من ان صلى الغداة في اهله أدرك الجمعة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله انما يصلى العصر في وقت الظهر في ساير الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله رجعوا إلى رحالهم قبل الليل وذلك سنة إلى يوم القيامة) (5) ومنها صحيحة منصور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد، فان كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم والجمعة واجبة على كل احد لا يعذر الناس فيها الا خمسة المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبى) (6) والجواب


(1) الجمعة: 10. (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 1 و 13 و 14. (5) المصدر ب 4 ح 1. (6) المصدر ب 2 ح 7.

[ 522 ]

أنه لاشبهة في وجوب الجمعة في الجملة بل هو من الضروريات وانما الكلام في انه هل يعتبر فيها الامام أو المنصوب من قبله كما يعتبر سائر الشروط ام لا وهذه الاخبار كغيرها اما لم تكن متعرضة لهذه أو تكون مطلقة وعلى فرض الاطلاق يقيد بما دل على الاشتراط والشاهد ان كثيرا منها صادرة في عصر لم يكن الائمة عليهم الصلاة والسلام متصدين للامور وكان المخالفون لهم هم المقيمون لصلاة الجمعة فان كان الترغيب والتحريص بالصلاة معهم فهو مناف لاشتراط الايمان والعدالة في الامام وان كان باقامتهم بينهم فكيف يمكن هذا مع قلتهم وخوفهم من السلطان ومخالفتهم فلعل النظر في امثال هذه الاخبار إلى لزوم صلاة الجمعة على كل احد بأن يرجعوا الى المعصومين صلوات الله عليهم الجمعين كلزوم الرجوع إليهم في جميع الامور الدينية كتعلم الاحكام منهم والتحاكم إليهم وان كان التكليف ساقطا مع اعراض الجمهور عن الحق ومقهورية من شذ وندر من المؤمنين وان كان النظر إلى خصوص الشيعة فلابد من تقييدها بصورة عدم الخوف والتقية فليقيد بحضور الامام عليه السلام وتصديه للامور. ثم بعد الفراغ عن عدم الوجوب العينى مع عدم التمكن من اقامتها مع الامام عليه السلام أو المنصوب من قبله فهل تكون واجبة بالوجوب التخييري بحيث كان للمؤمنين إقامتها بينهم وتسقط صلاة الظهر مع الاتيان وان كانت فاقدة لهذا الشرط ام لا؟ قد يقرب الاول بملاحظة بعض الاخبار كخبر الفضل بن عبد الملك قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول (إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمسه نفر وانما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين) (1) حيث ان صدر هذه الرواية يدل على أن الساكنين في قرية من القرى يجب عليهم في يوم الجمعة صلاة الظهر اربع ركعات ووجه التقييد بكونهم في قرية مع ان الاحكام لا تختص باهل الامصار هو ان القرى ليس فيها السلطان أو نائبه بحيث يسوقهم إلى الاجتماع للجمعة ولكن اقامة الجمعة باختيارهم مع إمام منهم كانت راجحة كما يدل عليه بعض الاخبار


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 6.

[ 523 ]

الاخر، والحاصل ان مضمون الرواية - والله اعلم - ان الساكنين في محل لا يسوقهم الامام العادل أو نائبه إلى الاجتماع لصلاة الجمعة الواجب عليهم ابتداء من دون الاشتراط بشئ هو صلاة الظهر اربع ركعات من غير فرق بين وجود العدد المعتبر في صلاة الجمعة وبين وجود الازيد بمراتب كما هو الغالب في القرى المسكون فيها، وبعد القول بأن التكليف المتوجة إلى قرية سكن فيها جمع كثير فيهم من يصلح للامامة والخطبة صلاة الظهر أربع ركعات فاللازم حمل الفقرة الاخيرة المشتملة على إيجاب الجمعة ان كانوا خمسة وفيهم من يخطب على الوجوب المشروط بحضور العدد المخصوص والواجب المشروط بشئ يكون شرطا للوجوب لا يقتضي وجوب ايجاد شرطه، فان قلت: مضمون الرواية تقسيم اهل القرى على قسمين احدهما عدم وجود العدد المعتبر في صحة الجمعة والآخر وجود العدد المذكور وفيهم من يخطب والقسم الاول يتعين عليه الظهر أربع ركعات والقسم الثاني يتعين عليه الجمعة، قلت: ليس في القضية الاولى اشتراط كون العدد اقل من خمسة بل تدل على وجوب صلاة الظهر اربع ركعات على اهل القرى الذين عددهم غالبا اكثر من خمسة وتقييد القضية الاولى بالثانية المستقلة المنفصلة خلاف رسم التكلم والمحاورات العرفية فبعد عدم تقييد القضية الاولى يحمل قوله عليه السلام في القضية الثانية (إذا كانوا خمسة) على أن الخمسة إذا كانوا حاضرين لانعقاد الجماعة وفيهم من يتصدى للخطبة يصلون ركعتين جماعة ويصح منهم الجمعة من دون تعين لاطللاق وجوب الظهر وحال الشيعة في زمن عدم بسط يد الامام عليه السلام حال اهل القرى وهذا مطابق مع الوجوب التخييري الذى يقول به جم غفير من علمائنا الامامية رضوان الله عليهم. ويمكن أن يقال: ما ذكر من حمل القضية الاولى على وجوب الظهر أربع ركعات على اهل القرى الذين عددهم ازيد من خمسة بمراتب لاستهجان ان يراد منها من هم اقل من خمسة مع غلبة الزيادة في اهل القرى من هذا العدد بمراتب وفيهم من يخطب مبني على ان يكون النظر إلى المكلفين وان يراد ممن يخطب كل من يتمكن من الخطبة، واما ان كان النظر إلى من يتبعهم من الشيعة فلابعد

[ 524 ]

في ارادة الاقل حيث ان كثيرا من البلاد القرى لا يوجد فيها احد من الشيعة خصوصا في تلك الاعصار كما ان حمل من يخطب على ما ذكر بعيد فان اقل ما يجزى من الخطبة يقدر عليه نوع من يقدر على الصلاة فما الوجه في اشتراط وجوده بل لعل المحتمل قريبا ارادة من يكون منصوبا من قبل الامام، ثم انه ليس في القضية الثانية اشتراط الحضور بل ظاهرها وجوب اقامة الجمعة بمجرد وجود من يخطب وتعينها وهذا مويد لارادة المنصوب ممن يخطب ويبعد المعنى المذكور ايضا انه بعد حمل المذكور في القضية الاولى على من كان عددهم ازيد بمراتب على الخمسة وفيهم من يخطب كيف يشترط في القضية الثانية مع رجوع الضمير إلى المفروض اولا ان يكون لهم من يخطب وحمل كون من يخطب لهم على حضوره لاقامة الجمعة كما ترى، ثم انه قد يجمع بين الاخبار التى تمسك بها لمشروعية اقامة الجمعة مع عدم المنصوب من قبل الامام عليه السلام وبين ما يستفاد منه عدم مشروعية الجمعة الا مع الامام عليه السلام أو من يكون منصوبا من قبله بأن يكون وجوب صلاة الجمعة بحسب الجعل الاولى مشروطا بأن يقيمها النبي صلى الله عليه وآله أو خلفاؤه عليهم السلام أو من يكون منصوبا من قبلهم فإذا دعوا إليها يجب السعي إليها على كل مكلف الامن استثنى وفى زمن عدم حضورهم أو كونهم غير مبسوطى اليد يجب على الناس في يوم الجمعة صلاة اربع ركعات وفى تلك الحالة إذا اجتمعوا للجمعة بالعدد المعتبر يصح منهم الجمعة مع بقاء مشروعية الظهر باطلاق المادة ونتيجته التخيير ويشكل الجمع المذكور لاباء بعض الاخبار عنه فلاحظ الاخبار المانعة حيث ان النسبة عموم من وجه أو التباين، ثم على تقدير الحمل على ما ذكرما وجه الحاجة إلى التمسك باطلاق المادة فإن الهيئة محفوظة فإنه قد تحمل الهيئة على الوجوب التخييري، وقد يستدل للاستحباب بمعنى افضلية بعض افراد الواجب التخييري بصحيحة زرارة قال: (حثنا أبو عبد الله على صلاة الجمعه حتى ظننت انه يريد ان نأتية فقلت نغدوا عليك؟ فقال: لا إنما عنيت عندكم) (1) كما أنه استدل ايضا للوجوب بصحيحة


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 1.

[ 525 ]

اخرى لزرارة قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام على من تعجب الجمعة قال: على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة لا قل من خمسة احد هم الامام فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا امهم بعضهم وخطبهم) (1) ويمكن أن يقال: اما الصحيحة الاولى فحث ابى عبد الله عليه السلام إذن منه. واما الصحيحة الثانية فظاهرها الوجوب التعييني بدون ان يكون مع الامام ومن يكون منصوصا من قبله وهذا لا يجتمع مع ما سبق مما دل على عدم الوجوب كذلك كما انه لا مجال للحمل على الوجوب التخييري لا باء ما دل عدم مشروعية الجمعة إلا مع المعصوم عليه السلام أو المنصوب من قبله عنه، والفقهاء - رضوان الله عليهم - لم يعملوا بظواهر مثل هذه الاخبار مع انها وصلت بتوسطهم إلينا. (الثاني العدد وفي اقله روايتان أشهر هما خمسة الامام أحدهما، الثالث الخطبتان ويجب في الاولى حمدالله والثناء عليه والوصية بتقوى الله وقراءة سورة خفيفة وفى الثانية حمدالله والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وعلى آله عليهم السلام وعلى ائمة المسلمين والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، ويجب تقديهما على الصلاة وأن يكون الخطيب قائما مع القدرة: وفي وجوب الفصل بينهما بالجلوس تردد احوطه الوجوب، ولا يشترط فيهما الطهارة، في جواز إيقاعهما قبل الزوال روايتان أشهرهما الجواز) الاشهر أو المشهور وجوب الجمعة بمجرد اجتماع الخمسة وقيل: لا تجب باجتماع الخمسة بل هي شرط لمشروعيتها واما الوجوب فهو مشروط بالسبعة ويشهد للقول الاول صحيحة البقباق عن الصادق عليه السلام (إذا كان القوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فان كان لهم من يخطب جمعلوا إذا كانوا خمسة نفر - الحديث) (2) وصحيحة منصور بن حازم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد فان كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم - الحديث) (3) ويشهد للقول الثاني صحيحة محمد ابن مسلم عن الباقر عليه السلام (تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم الامام وقاضيه - الخ) (4) وصحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 4. (2) و (3) و (4) المصدر ب 2 ح 6 و 7 و 9.

[ 526 ]

(على من تجب الجمعة؟ فقال عليه السلام على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة لا قل من خمسة احدهم اإلامام فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا امهم بعضهم وخطبم) (1) ولا يبعد قوة القول الثاني حيث صرح في صحيحة محمد بن مسلم بعدم الوجوب على أقل من سبعة، ومثل صحيحة البقباق ظاهره في الوجوب إذا كانوا خمسة فيرفع اليد عن الظاهر بالنص الا أن يقال: بعد ما كان المرتكز في أذهان المتشرعة وجوب إحدى الصلاتين الظهر والجمعة فمع عدم وجوب الظهر تجب الجمعة فتصير الصحيحة مقسمة فيتعين الظهر على الاقل من خمسه ويتعين الجمعة على الخمسة فما زاد فعلى فرض التعارض يتعين التخيير أو الترجيح إن وجد المرحج وأما الحمل على الاختلاف بحسب الفضل فمشكل كيف وقد وقع التصريح في بعض الاخبار بعدم الوجوب مع كون العدد اقل من السبعة وأما الخطبتان فليستا من شرائط الوجوب بل تجبان كاصل الصلاة بلا خلاف ظاهرا، وروى الشيخ باسناده عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال (إنما جعلت الجمعة ركعتين من اجل الخطبتين فهى صلاة حتى ينزل الامام) (2) وفى خبر ابى العباس المروى عن جامع البزنطى، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لاجمعة إلا بخطبة وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين) (3). واما كيفية الخطبتين ففى موثقة سماعة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (ينبغى الامام الذى يخطب بالناس يوم الجمعة ان يلبس عمامة في الشتاء والصيف ويتردى ببرد يمينة أوعدنى ويخطب بالناس وهو قائم يحمد الله ويثنى عليه ثم يوصى بتقوى الله ثم يقرء سورة من القرآن صغيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه ويصلى على النبي وآله وعلى ائمة المسلمين ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإذا فرغ من هذا قام المؤذن فصلى بالناس ركعتين يقرء في الاولى بسورة الجمعة وفي الثانية بسورة المنافقين) (4) وقد اخذ المشهور بمضمونها ولا يخلو إثبات وجوب الكيفية المذكورة


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 4. (2) و (3) المصدر ب 6 ح 4 و 9. (4) ذكر صدره في الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 24 ح 1 وذيله ب 25 ح 2.

[ 527 ]

بها عن إشكال لا شتمالها على مالا يجب وكذا ساير الروايات التى انشاتها الائمة صلوات الله عليهم أجمعين ومقتضى الموثقة لزوم تقديم الخطبتين على الصلاة ويدل على التقديم روايات آخر. واما اعتبار القيام مع القدره فيدل عليه النصوص المستفيضة الورادة في كيفية الخطبتين وانه يجلس بينهما جلسة خفيفة قدر ما يقرء قل هو الله احد ونحوه، ثم يقوم فيأتى بالثانية. وصحيحة معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن اول من خطب وهو جالس معاوية واستاذن الناس في ذلك من وجع كان بر كبتيه، وكان يخطب خطبة وهو جالس وخطبة وهو قائم يجلس بينهما، ثم قال: الخطبه وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين) (1) هذا كله مع القدرة على القيام واما مع الجعز قد يقال بسقوط القيام مع وجوب الخطبتين تمسكا بقاعدة الميسور ويشكل في صورة وجود من يقدر على القيام مع اجتماع الشرائط المعتبرة بل يشكل الامر في صورة عدم وجود من يقدر مع إجتماع الشرائط فيه من جهة ان قاعدة الميسور محتاجه إلى العمل واستناد المشهور إليها في المقام غير محرز لامكان ان يكون فتواهم أخذا باطلاق ما دل على لزوم الخطبة واقتصارا في تقييد المطلق بصورة التمكن فإذا استشكل أحد في الاطلاق يشكل عليه الامر ومقتضى العلم الاجمالي بوجوب الجمعة بهذا النحو أو الظهر الاحتياط، وأما وجوب الجلوس بينهما فهو الاشهر بل المشهور ويدل عليه المعتبرة المستفيضة منها صحيحة معاوية بن وهب المذكورة. واما الطهارة فلا دليل على اعتبارها فيها خلافا للشيخ في المبسوط والخلاف واستدل له بصحيحة عبد الله بن سنان وفيها (إنما جعلت الجمعة ركعتين من اجل الخطبتين فهى صلاة حتى ينزل الامام) (2) لعدم ظهورها في التنزيل بلحاظ جميع آثار الصلاة وشرائطها ولا أقل من الشك الا ترى انه لا يعتبر فيهما الاستقبال مع انه من شرائط الصلاة بحيث يوجب الاخلال به البطلان عمدا كان أو سهوا ولكن ينبغى الاحتياط في غير ما علم عدم اعتباره. واما إيقاعهما قبل الزوال فيدل على جوازه صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 16 ح 1. (2) قد تقدم.

[ 528 ]

(كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدرشراك ويخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل: يا محمد قد زالت الشمس فأنزل فصل - الحديث) (1) وقيل: لا يصح إلا بعد الزوال كما عن جماعة من الفقهاء - قدس الله تعالى أسرارهم - واستدل له بقوله تعالى (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعو إلى ذكر الله) اوجب السعي بعد النداء فلا يجب قبله، وما رواه محمد بن مسلم في الحسن قال: (سألته عن الجمعة فقال: اذان وإقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلى الناس مادام الامام على المنبر، ثم يقعد الامام على المنبر قدر ما يقره قل هو الله احد ثم يقوم فيفتح خطبة، ثم ينزل فيصلى بالناس فيقرء بهم في الركعة الاولى بالجمعة وفى الثانية بالمنافقين) (2) وبان الخطبتين من الصلاة فكما لا يشرع الصلاة قبل الوقت فكذا البدل، ويمكن المناقشة في الجميع اما الاستدلال بالاية فيتوجه عليه ان غاية ما يستفاد منها وجوب السعي بعد الاذان ولا تدل على عدم المشروعية للخطبة قبل الوقت، واما الاستدلال بخبر محمد بن مسلم فيتوجه عليه انه حيث اشتمل على امور مستحبه لا يستفاد منه لزوم كون صعود المنبر بعد الاذان واما البدية مما يدل عليها فلا يستفاد منها البدلية على وجه يعتبر في البدل جميع ما يعتبر في المبدل منه، وعلى فرض الطهور يكفى لاخراج هذا الشرط صحيحة ابن سنان المذكور (ويستحب ان يكون الخطيب بليغا مواظبا على الصلاة متعمما مترديا ببرد معتمدا في حال الخطبة على شئ وان يسلم اولا ويجلس امام الخطبة ثم يقوم فيخطب جاهرا) أما استحباب التعمم والارتداء فتدل عليه موثقة سماعة المتقدمة آنفا. واما استحباب الاعتماد فلما في صحيحة عمر بن يزيد عن أبى عبد الله عليه السلام وفيها (وليلبس (الامام) البرد والعمامة ويتوكا على قوس أو عصا - الحديث) (3) واما استحباب السلام فلم رواه الشيخ عن عمرو بن جميع رفعه عن على عليه السلام انه قال: (من السنة إذا صعد الامام المنبر ان يسلم إذا استقبل الناس) (4) واما كونه بليغا


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 15 ح 1. (2) المصدر ب 6 ح 7. (3) المصدر ب 24 ح 2. (4) المصدر ب 28 ح 1.

[ 529 ]

مواظبا على الصلاة فقد استحسن بأوقعية الكلام في القلوب وابلغية تأثيره في النقوس. واما استحباب الجلوس امام الخطبة فلا يبعد استفادته مما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الله بن ميمون، عن ابى جعفر عليه السلام قال (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون) (1) وأما الجهر بالخطبة فقد علل بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وبالتحصيل لفائدة الخطبة من الابلاغ والانذار. (الرابع الجماعة فلا تصح فرادى، الخامس أن لا يكون بين الجمعتين أقل من ثلاثة أميال) اما اشتراط الجماعة فلا شبهة فيه بل كاد أن يكون من الضروريات واما إشتراط أن لا يكون بينهما اقل من ثلاثة أميال فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه حسنة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليهما السلام قال: (يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال يعنى لا تكون جمعة إلا فيما بينه وبين ثلاثة أميال وليس تكون جمعة إلا بخطبة قال فإذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء) (2) وموثقته ايضا عن ابى جعفر عليهما السلام قال: (تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين ومعنى ذلك إذا كان إمام عادل وقال: وإذا كان بين الجماعتين ثلاثة اميال فلا بأس أن يجمع هولاء ويجمع هؤلاء ولا يكون بين الجماعتين أقل ن ثلاثة أميال) (3). (والذى تجب عليه فهو كل مكلف حرذكرسليم من المرض والعرج والعمى وغيرهم ولا مسافر وتسقط عنه لو كان بينه وبين الجمعه ازيد من فرسخين ولو حضرا أحد هؤلاء وجبت عليه عدا الصبى والمجنون والمراة) الظاهر عدم الخلاف في استثناء المذكورين عدا ما يشار إليه ففى الصحيح عن زرارة بن أعين عن أبى جعفر عليه السلام قال: (إنما فرض الله عزوجل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها الله عزوجل في جماعة وهى الجمعة ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير و المجنون والمسافر والعبد والمراة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين) (4) وفي


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 28 ح 2. (2) و (3) المصدر ب 7 ح 1 و 2. (4) المصدر ب 1 ح 1.

[ 530 ]

خطبة امير المؤمينن صلوات الله عليه (والجمعة واجبة على كل مؤمن إلا على الصبى والمريض والمجنون والشيخ الكبير والاعمى والمسافر والمرأه والعبد المملوك ومن كان على رأس فرسخين) (1) ولم يوجد التعرض في الاخبار لاستثناء العرج إلا ما عن السيد في مصباحه مرسلا من أنه قال وقد روي (أن العرج عذر) ولا يبعد دعوى انجباره بالشهرة إلا ان يقال: لم يظهر استناد المشهور إلى هذا المرسل فلا مجال للاخذ باطلاقه بل يقتصر بالقدر المتيقن وهو ما إذا بلغ إلى حذ الاقعاد وقد قيد في محكى التذكرة معقد الاجماع بما إذا بلغ حد الاقعاد بل عن صريح جماعة وظاهر آخرين انه إذا لم يكن مقعدا يجب عليه الحضور، واما عنوان الاعمى والشيخ الكبير والمريض فقد يعتبر فيه المشقة النوعية ولو لم تصل إلى حذ الحرج الموجب للسقوط من جهة المناسبة بين الحكم والموضوع لكنه لا يظهر له وجه بعد وجود الاطلاق وان كانت في الاستثناء تحقق المشقة ولو لا ذلك لا شكل السقوط حتى في صورة تحقق الحرج المستلزم لسقوط كثير من التكاليف الا ترى ان الصلوات اليومية لا تسقط عن المكلف وإن استلزمت الحرج كما في صورة شدة المرض فلا مانع من كون الاهتمام بصلاة الجمعة بحيث يكون دليل وجوبها مخصصة لدليل الحرج الا ان في كل مورد ثبت بدليل قطعي تخصيص دليل الحرج يرفع اليد عن إطلاقه وما لم يثبت يؤخذ باطلاق المحكم على اذلة التكاليف، واما الوجوب على المذكورين مع الحضور عداما استثنى فقد يوجه بشهادة القرائن الداخلية والخارجية بان المناط في الرخصة في ترك الجمعة لهم مشقة السعي كما فيما لو بعد المكلف بأزيد من فرسخين دون الانتظار للصلاة وزحام الجمعة، وبعبارة اخرى بعض المذكررين كمن بعد عن الجمعة بازيد من فرسخين والشيخ الكبير والاعمى حيث تتحقق لهم المشقه النوعية في الحضور للصلاة وصلحت المشقة النوعية في حقهم لان تكون مناطا للرخصة تمنع هذه الجهة من ظهور اخبار الرخصة بالنسبة إليهم في الاطلاق الاحوالي بحيث يفهم منها الحكم في هذا الحال فيبقى إطلاق ادلة الوجوب مثل قوله عليه السلام في صحيحة منصور


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 5.

[ 531 ]

ابن حازم (الجمعة واجبة على كل احد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة المراءة والمملوك والمسافر والمريض والصبى) (1) سليمة عن المقيد بالنسبة إليهم في هذه الحالة واما المسافر والمراة والعبد فيشكل تعين الجمعة عليهم مع الحضور لعدم معلومية المناط ولا يخفى ان مجرد صلوح جهة لان يكون مناطا لا يوجب رفع اليد عن الاطلاق بحسب الحالات كما نرى بناء الفقهاء على الاخذ بالاطلاق كثيرا مع عدم انتفاء ما يحتمل ان يكون مناطا للحكم نعم من كان على رأس أزيد من فرسخين إذا حضر محل انعقاد الجمعة يشمله الادلة لتبدل عنوانه كالمسافر إذا حضر وقد يستفاد من بعض الاخبار وجوب الجمعة عل المذكورين إذا حضر وامثل خبر حفص بن غياث قال: (سمعت بعض مواليهم سئل ابن ابى ليلى عن الجمعة هل تجب على العبد والمرأة المسافر فقال ابن ابى ليلى: لا تجب الجمعة على احد منهم ولا الخائف فقال: ما تقول إن حضر واحد منهم الجمعة مع الامام فصليها معه هل تجزيه تلك الصلاة عن ظهر يومه؟ فقال: نعم، فقال له الرجل: فكيف تجزى ما لم يفرضه الله عليه عما فرضه الله عليه وقد قلت: إن الجمعة لا تجب عليه ومن لم تجب عليه الجمعة فالفرض عليه ان يصلى اربعا ويلزمك فيه معنى أن الله فرض أربعا فكيف أجزأ عنه ركعتان مع ما يلزمك أن من دخل فيما لم يفرضه الله عليه لم يجزعنه مما فرضه الله عليه فما كان عند أبي ليلى فيها جواب وطلب إليه ان يفسرها له فأبى ثم سألته أنا عن ذلك ففسر ها لى فقال الجواب عن ذلك ان الله عزوجل فرض على جميع المؤمنين والمؤمنات و رخص المرأة والعبد والمسافر أن لا يأتوها فلما حضروا سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الاول فمن أجل ذلك أجزأ عنهم، فقلت: عمن هذا فقال: عن مولينا أبي عبد الله عليه السلام) (2) ونوقش في الاستدلال بهذه الرواية من جهة أنه وإن سلم عمل الاصحاب بروايات حفص بن غياث حكى عن الشيخ في العدة ان الطائفة عملت بمارواه حفص عن أئمتنا عليه السلام ولم ينكروه إلا أنه لا يجدى بالنسبته إلى مثل هذه الرواية


(1) قد تقدم مرارا. (2) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 18 ح 1.

[ 532 ]

التى ارسلها عن بعض غير معروف مضافا إلى معارضته في المراة بخبر أبى همام عن ابى الحسن عليه السلام قال: (إذا صلت المراة في المسجد مع الامام يوم الجمعة الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها وإن صلت في المسجد اربعا نقصت صلاتها، لتصل في بيتها أربعا أفضل) (1) ومما يدل على وجوب الجمعة على النساء خبر على بن جعفر عليه السلام المروى عن قرب الاسناد (أنه سأل أخاه عليه السلام عن السناء هل عليهن من صلاة العيدين والجمعة ما على الرجال قال: نعم) (2) ولكنه معارض بالاخبار المعتبرة الدالة على انه ليس على النساء جمعة وحمل تلك الاخبار على عدم لزوم السعي والحضور، وهذا الخبر على الوجوب على تقدير الحضور لا شاهد له فتحصل الاشكال في صحة الجمعة والاجتزاء بها عن الظهر في مورد الاستثناء مع تكلف الحضور إلا في من كان على رأس ازيد من فرسخين وتكلف الحضور حيث تبدل عنوانه بخلاف غيره، وإن كان المشهور صحة الجمعة في حقهم وإجزائها عن الظهر بل قيل: لا خلاف فيه ظاهرا والمحكى عن المدارك انه مقطوع به بين الاصحاب. (واما اللوا حق فسبع: الاولى إذا زالت الشمس وهو حاضر حرم السفر لتعين الجمعة ويكره بعد الفجر) الظاهر عدم الخلاف في حرمة السفر بعد الزوال واستدل عليه بانه بعد الزوال قد تنجز التكليف بالجمعة فلا يجوز إيجاد ما يكون سببا لفوتها وفيه نظر لا نه بعد خروج المسافر عن الحكم لم يكن المسافرة موجبة لتفويت الواجب، وما يقال من انصراف ما دل على عدم وجوب الجمعة على المسافر عن هذه الصورة بعيد كمالا يخفى لازمه وچوبها على من طرأ له أحد العناوين المخرجة كالعمى والمرض بعد الزوال ولا أظن أن يلتزم به والحاصل أن المسلم تنجز التكليف على الواجد للعناوين المعتبرة في تعلق الوجوب من اول الزوال إلى مقدار أداء الجمعة لا تنجزه بمجرد دخول الوقت ثم إنه يقع الاشكال في حرمه السفر لولا الاجماع من جهة انه لا نجد وجها لها إلا المضادة بين السفر


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 22 ح 1. (2) المصدر ب 18 ح 2.

[ 533 ]

والحضر والمضادة لا تقتضي الحرمة، وعلى فرض الحرمة فان قلنا بانصراف الادلة إلى خروج المسافر الغير المحرم الموجب للقصر فيلزم من الحرمة عدم الحرمة و استدل ايضا ببعض الروايات الناهية عن السفر يوم الجمعة مثل النيوى (من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة لا يصحب في سفره ولايعان على حاجته) (1) والمروى في نهج البلاغة (2) (ولا تسافر في يوم جمعه حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل الله (3) أو في أمر تعذر به) واستدل بصحيحة ابى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وانت بالبلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد) (4) بدعوى اولوية حرمة بعد الزوال يوم الجمعة منها بعد الفجر في العيد. واستشكل في الجميع اما الاستدلال بالروايتين فمن جهة انه بعد تسليم السند ليس تخصيصهما بما بعد الزوال أولى من الحمل على الكراهة، وأما خبر ابى بصير فعلى فرض الالتزام بظاهره فهو حكم تعبدي مخصوص بمورده، وإلحاق الجمعة به قياس لا نقول به فالعمدة عدم الخلاف، والاجماع إن تم ولم يناقش فيه باحتمال كون نظر القائلين بالحرمة إلى الجهة العقلية المذكورة ومعه لا يستكشف رضا المعصوم صلوات الله عليه، وأما الكراهة بعد طلوع الفجر فيدل عليها رواية السرى عن أبى الحسن على بن محمد عليهما السلام قال: (يكره السفر والسعي في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلاة، فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به) (5) وعن مصباح الكفعمي عن الرضا عليه السلام قال: (ما يومن من سافر يوم الجمعة قبل الصلاة أن لا يحفظه الله في سفره ولا يخلفه في اهله ولا يرزقه من فضله) (6) ويحتمل ان يكون المراد من هذه الرواية كراهة السفر يوم الجمعة قبل الصلاة ولو لم يكن موديا لصلاة الجمعة.


(1) المستدرك ج 1 ص 425 باب كراهة السفر بعد طلوع الفجر يوم الجمعة. (2) قسم الكتب والرسائل تحت رقم 69 من كتاب له (ع) إلى الحارث الهمداني (3) أي خارجا ذاهبا في سبيل الله تعالى. (4) الوسائل أبواب صلاة العيد ب 27 ح 1. (5) و (6) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 51 ح 1 و 5.

[ 534 ]

(الثانية يستحب الاصغاء إلى الخطبة، وقيل يجب، وكذا الخلاف في تحريم الكلام معها) قد يقوى وجوب الاصغاء بأن المقصود بشرع الخطبة إنما هو الوعظ والانذار وغير ذلك من الحكم التى وقع التنبيه عليها في خبر لعلل مؤيدا بما عن دعائم الاسلام مرسلا عن امير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: (يستقبل الناس الامام بوجوههم ويسغون إليه) (1) وبما روى في قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستعموا له وأنصتوا) انها وردت في الخطبة (2) وسميت قرآنا لاشتمالها عليه، وفيه إشكال لان كون ما ذكر غرضا لا يوجب لزوم الاصغاء لان تحصيل الغرض غير لازم ما لم يوجب على المكلف، ومن الممكن أن يكون الغرض التمكن وهو حاصل والمرسلة على فرض عدم الاشكال في سندها يشكل التمسك لها لان لازمها وجوب استقبال الناس الامام بوجههم ولا أظن إن يلتزم به، فإذا حمل على الاستحباب فوحدة السياق توجب حمل الفقرة الاخرى أيضا على الاستحباب، واما الرواية الاخرى فمع تفسير الاية بقراءة إمام الجماعة حال الصلاة بالدليل المعتبر كيف يؤخذ بها و احتمال إرادة الجامع بينهما بعيد، واما حرمة الكلام في أثناء الخطبة على السامعين فمشكلة أيضا لان الاخبار التى تمسك بها للحرمة بين ما يكون ضعيف السند و ما يكون ضعيف الدلالة وكذا الكلام بالنسبة إلى الخطيب وربما يشهد للكراهة على المستمعين صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا خطب الامام يوم الجمعة فلا ينبغى لا حدان يتكلم حتى يفرغ الامام من خطبته فإذا فرغ الامام من الخطبتين تكلم ما بينه وبين أن يقام الصلاة فإن سمع القراة أو لم يسمع أجزأه) (3).


(1) المستدرك ج 1 ص 409 باب وجوب استماع الخطبتين تحت رقم 5. (2) الاية في سورة الاعراف ولم أجد خبرا مرفوعا فيه نعم نقله السيوطي في الدار المنثور ج 3 ص 157 عن ابن مردويه عن ابن عباس وعن عبد الرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ ابن حبان كلهم عن مجاهد (3) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 14 ح 1.

[ 535 ]

(الثالثة الاذان الثاني بدعة وقيل: مكروه الرابعة يحرم البيع بعد النداء ولو باع انعقد، الخامسة إذا لم يكن الامام مبسوط اليد وأمكن الاجتماع والخطبتان استحبت الجمعة ومنعه قوم) الا ذان الثاني وقد يعبر عنه بالاذان الثالث بدعة إذ لم يعهد لفريضة واحدة إلا أذان وإقامة فما زاد عليه بدعة كما وقع التصريح به في خبر حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أنه قال: (الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة) (1) والمتبادر من اطلاق البدعة الحرمة ويشهد له قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء (الا فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار) (2) ووجه القول بالكراهة استضعاف الرواية وعموم البدعة للحرام وغيره ولا يخفى انه إذا قصد به الاذان على نحو مشروعية أذان الصلوات يكون بدعة ولو لم يرد الرواية ومقتضى الصحيحة حرمتها. واما حرمة لبيع وقت النداء فقيل: إجماع العلماء عليها بعد النداء للجمعة والقرأن الكريم ناطق به قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم) فإن تم إلاجماع على الحرمة فلا إشكال ولا وجه للتعدى إلى غير البيع لانه وإن كان الظاهر ان وجه الحرمة لزوم التفويت لكن هذا الوجه لا يوجب الحرلامة لعدم إيجاب وجوب شئ حرمة ضده كما قرر في الاصول ولو لا الاجماع أشكل استفادة الحرمة من مثل الآية الشريفة لاحتمال كونه للارشاد لما ذكر ولا ظهور للاوامر والنواهي الواردة في أمثال المقام في الوجوب والحرمة المولويين. واما انعقاد البيع مع الحرمة فلما تقرر في الاصول من عدم اقتضاء النهى كذلك للفساد إلا أن يقال: إذا كان النهى مولويا كما ادعى عليه الاجماع لا من باب اقتضاء الامر للنهى عن الضد فلا يبعد الالتزام بالفساد حيث يستظهر من بعض الاخبار الفساد حيث عصى الله وعلل صحة نكاح العبد مع إجازة سيده بانه ما عصى الله وإنما عصى سيده وتمام الكلام في محله في الاصول، واما استحباب صلاة الجمعة بمعنى أفضلية الجمعة التى هي أحد


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 49 ح 1. (2) الوسائل أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 1.

[ 536 ]

فردي الواجب التخييري في الصورة المفروضة فقد ظهر وجه استدلال القوم به وعرفت الاشكال فيه فلا نعيد. (السابعة لو ركع مع الامام في الاولى ومنعه الزحام عن السجود لم يركع مع الامام في الثانية فإذا سجد الامام سجد معه ونوى بهما الاولى ولو نوى بهما للاخيرة بطلت الصلاة وقيل: يحذفها ويسجد للاولى) اما عدم جواز الركوع فللزوم أحد الامرين من ترك السجود للركعة الاولى أو زيادة الركوع قبلهما، وأما السجدة مع نية كونها للركعة الاولى فالظاهر عدم الخلاف في صحة الصلاة معها بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه ويشهد له خبر حفص بن غياث قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل أدرك الجمعة وقد ازدحم الناس وكبر مع الامام وركع ولم يقدر على السجود وقام الامام والناس في الركعة الثاينة وقام هذا معهم فركع الامام ولم يقدر هذا على الركوع في الثانية من الزحام وقد على السجود كيد يصنع؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: اما الركعة الاولى فهى إلى عند الركوع تامة فلما لم يسجد لها حتى دخل في الركعة الثانية لم يكن ذلك له فلما سجد في الثانية فإن كان نوى هاتين السجدتين للركعة الولى فقدتمت له الاولى فإذا سلم الامام قام فصلى ركعة ثم يسجد فيها ثم يتشهد ويسلم وإن كان لم ينو السجدتين للركعة الاولى لم تجزعنه للاولى ولا للثانية وعليه ان يسجد سجدتين وينوى انهما للركعة الاولى وعليه بعد ذلك ركعة تامه يسجد فيها) (1) وأما البطلان مع النية بهما الثانيه فقد علل بانه إن اكتفى بهما اللاولى وأتى بالركعة الثانية خالف نيته و إنما الاعمال بالنيات وإن الغاهما واتى بسجدتين غيرهما للاولى واتى بركعة اخرى تامة زاد في الصلاة ركنا وإن اكتفى هما ولم يأت بعد هما إلا بالتشهد والتسليم نقص من الركعة الاولى السجدتين ومن الثانيه ما قبلهما ولا يخفى انه بعد اعتبار الرواية المذكورة سندا من جهة اعتماد الكليني والشيخ قدس سرهما عليها واشتهارها بين الاصحاب كما حكى عن الذكرى وظهورها في الصحة مع عدم القصد للاولى


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 17 ح 2.

[ 537 ]

وشمول هذا لما قصد للثانية لا مجال للقول بالبطلان إلا من جهة زيادة الركن وما دل على مبطليته قابل للتخصيص كزيادته في الجماعة للتبعية. (وسنن الجمعة التنفل بعشرين ركعة: ست عند انبساط الشمس، وست عند ارتفاعها، وست قبل الزوال، وركعتان عنده، وحلق الراس، وقص الاظفار والاخذ من الشارب، ومباكرة المسجد على سكنية ووقار متطيبا لابسا افضل ثيابه والدعاء أمام التوجه) أما استحباب التنفل بعشرين وزيادة اربع ركعات في يوم الجمعة على النوافل النهارية في ساير الايام فيدل عليه اخبار منها ما رواه الصدوق في العلل والعيون باسناده عن الفضل بن شادان عن الرضا عليه السلام قال: إنما زيد فى صلاة السنة يوم الجمعة اربع ركعات تعظيما لذلك اليوم وتفرقة بينه وبين سائر الايام) (1) ومنها صحيحة أحمد بن محمد بن أبى نصر قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن التطوع يوم الجمعة، قال: ست ركعات في صدر النهار، وست ركعات قبل الزوال، وركعتان إذا زالت، وست ركعات بعد الجمعة الحديث) (2) ويظهر من بعض الاخبار زياده ست ركعات على الست عشرة ركعة، واما الاتيان بها بالكيفية المذكورة فهو المشهور كما قيل واستفادته من الاخبار مشكلة فان صريح هذه الصحيحة الاتيان بست ركعات بعد الجمعة، ويظهر من بعض الاخبار كونها بعد الظهر ولعله استنبط من القرائن الخارجية ككراهه التنفل بعد العصر وبين الطلوعين واستحباب الجمع بين الصلاتين وما دل على أفضلية تقديم النافلة يوم الجمعة على الفريضة كصحيحة على بن يقطين، عن أبيه قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن النافلة التى تصلى يوم الجمعة وقت الفريضة قبل الجمعة أفضل أو بعدها؟ قال: قبل الصلاة) (3) لكنه مع ذلك لا مجال لرفع اليد عن الاخبار الصريحة في غير الكيفية المذكورة المشهورة منها صحيحة سعيد الاعرج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة النافلة يوم الجمعة فقال: (ست عشرة ركعة قبل العصر، ثم قال: وكان على عليه السلام يقول: ما زاد فهو خير. وقال: إن شاءء رجل ان يجعل منا ست ركعات في صدر النهار و ست ركعات في نصف النهار ويصلى الظهر ويصلى معها أربعة ثم يصلى العصر) (4)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6 و 1 و 3 و 7.

[ 538 ]

وخبر زريق عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (كان ربما يقدم عشرين ركعة يوم الجمعة في صدر النهار فإذا كان عند زوال الشمس أذن وجلس جلسه ثم اقام وصلى الظهر وكان لا يرى صلاة عند الزوال يوم الجمعة الا الفريضة ولا يقدم صلاة بين يدي الفريضة إذا زالت الشمس - إلى أن قال -: وربما كان يصلي يوم الجمعة ست ركعات إذا ارتفع النهار، وبعد ذلك ست ركعات آخر، وكان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال اذن وصلى ركعتين فما يفرغ الا مع الزوال، ثم يقيم للصلاة فيصلي الظهر ويصلي بعد الظهر اربع ركعات ثم يؤذن ويصلي ركعتين ثم يقيم فيصلى العصر) (1) وأما استحباب حلق الرأس فلعله من جهة كونه من الزينة المحبوبة يوم الجمعة، واما استحباب قص الاظفار والاخذ من الشارب فتدل عليه صحيحة حفص بن البخترى عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (تقليم الاظفار واخذ الشارب من الجمعة إلى الجمعة امان من الجذام) (2) وفي استفادة الاستحباب من مثل هذه التعبيرات تأمل بل يستفاد منها الخاصة نعم ربما يستفاد من رواية عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (من أخذ من شاربه وقلم من أظفاره وغسل رأسه بالخطمي يوم الجمعة كان كمن عتق نسمة) (3) فتأمل. واما استحباب المباكرة فيدل عليه خبر جابر قال: (كان أبو جعفر عليه السلام يبكر إلى المسجد يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك وكان يقول: إن لجمع شهر رمضان على جمع ساير الشهور فضلا كفضل رمضان على ساير الشهور) (4) واما استحباب الكون على السكينة والوقار الخ - فتدل عليه رواية هشام بن الحكم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (ليتزين احدكم يوم الجمعة يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته ويلبس انظف ثيابه وليتهيأ للجمعة وليكن عليه في ذلك اليوم السكينة والوقار وليحسن عبادة ربه وليفعل الخير ما استطاع فان الله يطلع إلى الارض فيضاعف الحسنات) (5) واما استحباب الدعاء


(1) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 13 ح 4. (2) المصدر ب 33 ح 10 (3) المصدر ب 32 ح 2. (4) المصدر ب 27 ح 3. (5) المصدر ب 47 ح 2.

[ 539 ]

اما التوجه إلى المسجد فيدل عليه ما رواه أبو حمزة الثمالى عن ابى جعفر عليه السلام قال: (ادع في العيدين ويوم الجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء تقول: (اللهم من تهيأ وتعبا واعد واستعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وطلب نائله وجوائزه وفواضله ونوافله فاليك يا سيدي وفادتي وتهيئتي وتعبيتي وإعدادي واستعدادى رجاء رفدك وجوائزك ونوافلك فلا تخيب اليوم رجائي، يا من لا يخيب عليه سائل ولا ينقصه نائل فان لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته ولا شفاعة مخلوق رجوته، ولكن آتيتك مقرا بالظلم والاساءة ولا حجة لي ولا عذر فأسألك يا رب أن تعطيني مسألتي وتقلبني برغبتي ولا تردني مجبوها ولا خائبا يا عظيم يا عظيم ارجوك للعظيم اسألك يا عظيم ان تغفر لي العظيم لا إله الا انت اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقني خير هذا اليوم الذى شرفته وعظمته وتغسلني فيه من جميع ذنوبي وخطاياي وزدنى من فضلك انك أنت الوهاب) (1). (ويستحب الجهر جمعة وظهرا وان يصلي في المسجد ولو كانت ظهرا وان يقدم المصلي ظهره إذا لم يكن الامام مرضيا ولو صلى معه ركعتين واتمهما بعد تسليم الامام جاز) اما استحباب الجهر فقد مر الكلام فيه، واما استحباب الصلاة في المسجد فلعموم ادلته. واما استحباب تقديم المصلي ظهره مع عدم كون الامام مرضيا فيدل عليه ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: كيف تصنع يوم الجمعة قال: كيف تصنع انت قلت اصلي في منزل ثم اخرج فاصلي معهم قال: كذلك أصنع انا) (2) وفي استفادة الاستحباب منه تأمل إلا من جهة مراعاة اول الوقت، واما جواز الصلاة مع الغير المرضى والاتمام فيدل عليه ما عن الشيخ باسناده عن زرارة عن حمران عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (في كتاب علي عليه السلام إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين آخرتين، قلت: فأكون قد صليت اربعا لنفسي لم اقتد به؟ فقال: نعم) (3).


(1) البلد الامين للشيخ ابراهيم الكفعى ص 241 (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الجمعة ب 29 ح 3 و 1.

[ 540 ]

(ومنها صلاة العيدين وهي واجبة جماعة بشروط الجمعة ومندوبة مع عدمها جماعة وفرادى ووقتها ما بين طلوع الشمس إلى الزوال ولو فاتت لم تقض) أما وجوبها جماعة بشروط الجمعة فيستفاد من مجموع ما يدل على كونها فريضة وما يدل على اشتراطها، فمما يدل على وجوبها صحيحة جميل قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن التكبير في العيدين، قال: عليه سبع وخمس، وقال: صلاة العيدين فريضة) (1) وعنه ايضا في الصحيح قال: (صلاة العيدين فريضة) (2) ومما يدل على اشتراطها في وجوبها بوجود السلطان العادل الاخبار المستفيضة الدالة على نفى صلاة العيدين الا مع امام عادل أو مع الامام الظاهر في كون المراد هو الامام الاصلى لا مطلق من يأنم به الناس وتشهد له موثقة سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: متى نذبح قال: إذا انصرف الامام، قلت: فإذا كنت في أرض ليس فيها إمام فاصلي بهم جماعة؟ فقال: إذا استقلت الشمس، وقال: لا بأس ان تصلي وحدك ولا صلاة الا مع إمام) (3) وقد يستشهد برواية اخرى لسماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لاصلاة في العيدين الا مع الامام فان صليت وحدك فلا بأس - الحديث) (4) بتقريب ان حمل الامام في هذه الرواية على مطلق امام الجماعة ينافي قوله عليه السلام بعد ذلك (فان صليت وحدك فلا بأس) للزم التناقض ويمكن ان يقال: لا يبعد حمل النفي على نفى الكمال على نحو الادعاء كما في زيد اسد على قول وكما يصح في مثل (لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد) (5) ذلك في من جهة الترخيص في كلام منفصل في الصلاة في الدار مثلا لجار المسجد من دون لزوم تناقض كذلك في المقام والافتراق باتصال الترخيص وانفصاله لا يوجب الفرق لان الاخبار الصادرة عنهم عليهم السلام بمنزلة كلام صادر عن متكلم واحد ولذا يكون بعضها مخصصا لبعض آخر أو يكون مقيدا أو قرينة


(1) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 10 ح 4. (2) المصدر ب 1 ح 1. (3) و (4) المصدر ب 2 ح 6 و 5. (5) الوسائل أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1.

[ 541 ]

على التجوز في الآخر، ومن هنا ينقدح الاشكال في التمسك بالرواية الاولى لسماعة، وقد يقال: بأن ادلة وجوب صلاة العيد قاصرة عن إثباته في محل الكلام لانها مسوقة لبيان اصل المشروعية فمع احتمال مدخلية شرائط وجوب الجمعة لا مجال للاخذ بالاطلاق وقد ادعى الاجماع على اعتبار سائر الشرائط المعتبرة في وجوب الجمعة، واما استحباب الاتيان بها مع فقد الشرائط جماعة وفرادى فيدل عليه مضافا إلى ما سبق مما دل على جواز الاتيان بها منفردا صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل في بينه وحده كما يصلي في جماعة) (1) وما رواه الشيخ باسناده عن عبد الله بن المغيرة عن بعض اصحابنا قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الفطر والاضحى فقال: صلهما ركعتين في جماعة وغيرهما وكبر سبعا وخمسا) (2) والمروي عن اقبال سيد بن طاووس عن محمد بن ابى قرة باسناده عن الصادق عليه السلام (أنه سئل عن صلاة الاضحى والفطر فقال: صلهما ركعتين في جماعة وغير جماعة) (3) والامر محمول على الاستحباب بقرينة ما سبق مضافا إلى عدم الخلاف ظاهرا. واما التوقيت بما بين طلوع الشمس إلى الزوال فهو المشهور ويدل على أن أول وقتها طلوع الشمس صحيحة زرارة أو حسنته قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (ليس يوم الفطر والاضحى اذان ولا إقامة أذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا - الحديث) (4) ويؤيده ايضا موثقة سماعة قال: (سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر والاضحى فقال: بعد طلوع الشمس) (5) ويدل على انتهاء وقتها بالزوال صحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا شهد عند الامام شاهدان انهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بالافطار في ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس فان شهدا بعد زوال الشمس امر الامام بافطار ذلك اليوم وأخر الصلاة إلى الغد فصلى بهم) (6)


(1) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 3 ح 1. (2) المصدر ب 5 ح 1. (3) المصدر ب 3 ح 4. (4) و (5) المصدر ب 29 ح 1 و 2 (6) المصدر ب 9 ح 1.

[ 542 ]

واما عدم مشروعية القضاء مع الفوت فهو المشهور واستدل عليه بقول ابى جعفر عليهما السلام في صحيحة زرارة أو حسنته (ومن لم يصل مع امام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه السالم عن معارضة عموم (من فاتته) بعد تنزيله بالاجماع وغيره على اليومية أو على غيرها وفيه اشكال لانه لا يستفاد منه عدم صحة الصلاة مع الامام بعد الوقت فان اخذ بما في ذيل صحيحة محمد بن قيس المذكورة (يؤخر الصلاة إلى الغد) والظاهر كونها قضاء للخروج عن العيد وان حمل على التقية ولم يؤخذ به فمع عدم عموم من فاتته فريضة يشكل في مشروعية القضاء لكونه بأمر جديد فلا دليل على المشروعية ولعل مقتضى الاصل عدمها. (وهي ركعتان يكبر في الاولى خمسا وفى الثانية اربعا بعد قراءة الحمد والسورة وقبل تكبير الركوع على الاشهر ويقنت مع كل تكبيرة بالمرسوم استحبابا) اما وجوب تكبيرة الاحرام وقراءة الحمد فمما لاشبهة فيه بل لا خلاف فيه ظاهرا إذ لاصلاة بغير افتتاح ولا صلاة الا بفاتحة الكتاب، واما السورة فقد يقال: ان الخلاف في وجوبها في الصلوات اليومية آت هنا وقد يقال: لم ينقل خلاف في وجوب السورة هنا وقد يستظهر من الاخبار كخبر اسماعيل الجعفي عن ابى جعفر عليه السلام في صلاة العيدين قال: (تكبر واحدة تفتتح بها الصلاة ثم تقرأ ام الكتاب وسورة ثم تكبر خمسا تقنت بينهن ثم تكبر واحدة وتركع بها ثم تقوم فتقرء ام الكتاب وسورة تقرء في الاولى سبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية والشمس وضحيها ثم تكبر اربعا وتقنت بينهن ثم تركع بالخامسة) (1) وصحيحة جميل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التكبير في العيدين قال: سبع وخمس. وقال: صلاة العيدين فريضة. قال: وسألته عما يقرء فيهما قال: والشمس وضحيها وهل اتيك حديث الغاشية واشباههما) (2) وللتأمل في الاستظهار من مثل هذين الخبرين مجال لاحتمال ان يكون حال السورة حال هذه السور واشباهها حيث ان التعيين يكون للفضل لا للزوم، واما لزوم كون التكبير بعد القراءة فهو الاشهر بل المشهور


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 10 ح 10 و 4.

[ 543 ]

وحكي عن ابن الجنيد انه ذهب إلى ان التكبير في الاولى قبل القراءة وفى الثانية بعدها، وعن الشيخ المفيد أنه يكبر للقيام إلى الثانية قبل القراءة ثم يكبر بعد القراءة ثلاثا ويقنت ثلاثا وهذا القول مما لم يعرف مستندة ويدل على الاول اخبار مستفيضة منها خبر اسماعيل الجعفي المتقدم ومنها خبر معاوية بن عمار قال: (سألته عن صلاة العيدين فقال: ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شى وليس فيهما اذان ولا اقامة تكبر فيهما اثنتي عشرة تكبيرة تبدء فتكبر وتفتتح الصلاة، ثم تقرء فاتحة الكتاب، ثم تقرء والشمس وضحيها، ثم تكبر خمس تكبيرات، ثم تكبر وتركع فتكون تركع بالسابعة وتسجد سجدتين، ثم تقوم فتقرء فاتحة الكتاب وهل اتيك حديث الغاشية، ثم تكبر اربع تكبيرات وتسجد سجدتين وتتشهد و وتسلم، قال: وكذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وآله - الحديث) (1) وصحيحة محمد عن احدهما في صلاة العيدين قال: (الصلاة قبل الخطبة والتكبير بعد القراءة سبع في الاولى وخمس في الاخيرة) (2) ويشهد للقول المحكي عن ابن جنيد صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (التكبير في العيدين في الاولى سبع قبل القراءة وفى الاخيرة خمس بعد القراءة) (3) واخبار اخر. واجاب الشيخ - قدس سره - بالحمل على التقية لانها موافقة لمذهب العامة وقيل: بترجيح تلك الاخبار الدالة على المشهور لاشهريتها بين الاصحاب وقد دلت على اعتبار هذه التكبيرات على النهج المسطور اخبار ظاهرها الوجوب وادعي نسبته إلى الاكثر وحكي عن المفيد في المقنعة انه قال: من اخل بالتكبيرات التسع لم يكن مأثوما الا أنه يكون تاركا سنة ومهملا فضيلة، واستدل له الشيخ في التهذيب على ما حكي بصحيحة زرارة قال: (إن عبد الملك بن اعين سأل أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة في العيدين فقال: الصلاة فيهما سواء يكبر الامام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة ثم يزيد في الركعة الاولى ثلاث تكبيرات وفى الاخرى ثلاثا سوى تكبير الصلاة والركوع والسجود إن شاء ثلاثا وخمسا وان شاء خمسا وسبعا بعد ان يلحق ذلك إلى


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 10 ح 2 و 5 و 18.

[ 544 ]

الوتر) (1) وربما يؤيد بغيرها مضافا إلى التأمل في استفادة الوجوب من تلك الاخبار من جهة اشتمالها على المستحب، والظاهر إعراض المشهور عن العمل بالصحيحة المذكورة وما يوافقها وحملت على التقية لموافقتها لمذهب كثير من العامة ويدل على اعتبار القنوت عقيب كل من التكبيرات التسع الزائدة جملة من الاخبار منها روايتا إسماعيل بن جابر المقتدمة وعلي بن ابى حمزة عن ابى عبد الله عليه السلام في صلاة العيدين قال: يكبر، ثم يقرء ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر السابعة ويركع بها، ثم يسجد ثم يقوم في الثانية فيقرء ثم يكبر اربعا وليقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر ويركع بها) (2) وصحيحة يعقوب بن يقطين قال: (سألت العبد الصالح عليه السلام عن التكبير في العيدين أقبل القراءة أو بعدها؟ وكم عدد التكبير في الاولى وفى الثانية والدعاء بينهما وهل فيهما قنوت ام لا؟ فقال: تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة تكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة ثم تقرأ وتكبر خمسا وتدعو بينها، ثم تكبر اخرى وتركع بها فذلك سبع تكبيرات بالتي افتتح بها، ثم تكبر في الثانية خمسا فيقوم فيقرأ، ثم تكبر اربعا ويدعو بينهن ثم تكبر التكبيرة الخامسة) (3) وليس تعرض فيها لعدد القنوتات وانه يأتي في الاولى بالخمس وفى الثانية بالاربع فيشكل حينئذ استفادة مشروعية القنوت بين تكبيرة الركوع وما قبلها من التكبيرات الزائدة ولا يبعد ا ستفادة ما ذكر من خبر محمد بن عيسى بن ابى منصور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين (اللهم اهل الكبرياء والعظمة واهل الجود والجبروت واهل العفو والرحمة واهل التقوى والمغفرة أسالك بحق هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا ان تصلي على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت على عبد من عبادك، وصل على ملائكتك ورسلك واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات، اللهم إنى أسألك من خير ما سألك عبادك المرسلون واعوذ بك من شرما عاذبك منه عبادك


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 10 ح 17 و 3 و 8.

[ 545 ]

المرسلون) (1) وهل هي واجبة ام مستحبة؟ فيه خلاف وقد نسب إلى الاكثر بل المشهور القول بالوجوب للامر به في جملة من الروايات وحكي عن الشيخ والمصنف - قدس سرهما - القول بالاستحباب لخلو عدة من الروايات الواردة في بيان الكيفية عنه وعدم نصوصية ما تعرض له في الوجوب بل عدم ظهورها فيه ايضا بعد شهادة سوقها بتعلق الغرض ببيان ما هو اعم من الواجب والمندوب ولا يجب فيه ذكر مخصوص كما تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الكلام الذي يتكلم به بين التكبيرات في العيدين فقال: ما شئت من الكلام الحسن) (1). (وسننها الاصحاربها، والسجود على الارض، وان يقول المؤذن: الصلاة ثلاثا وخروج الامام حافيا على سكينة ووقار وان يطعم قبل خروجه في الفطر و بعد عوده في الاضحى مما يضحى به وان يقرأ في الاولى بالاعلى وفى الثانية بالشمس والتكبير في الفطر عقيب اربع صلوات اولها المغرب وآخرها صلاة العيد وفى الاضحى عقيب خمس عشرة اولها ظهر يوم العيد لمن كان بمنى وفى غيرها عقيب عشر صلوات يقول: الله اكبر، الله اكبر، لا إله إلا الله والله اكبر، الله أكبر و لله الحمد، الله اكبر على ما هدانا، الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام، و الحمدلله على ما ابلانا، وفى الفطر يقول: الله اكبر - ثلاثا - لا إله إلا الله والله اكبر، ولله الحمد، الله اكبر على ما هدانا، وله الشكر على ما اولينا) اما استحباب الاصحار بها فقد ادعى الاجماع عليه وتدل عليه اخبار كثيرة منها رواية ابن بابويه في الصحيح عن علي بن رئاب عن ابى بصير يعنى ليث المرادى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا ينبغي ان يصلى صلاة العيدين في مسجد مسقف ولافى بيت إنما يصلى في الصحراء أو في مكان بارز) (3) واما استحباب السجود على الارض فيدل عليه صحيحة الفضيل عن ابى عبد الله عليه السلام قال (: اتي أبي بالخمرة يوم الفطر فامر بردها، ثم قال: هذا يوم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب ان يظنر إلى آفاق السماء ويضع جبهته على الارض) (4) واما استحباب ان يقول المؤذن الصلاة ثلاثا فتدل عليه صحيحة إسماعيل


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 26 ح 2 و!. (3) و (4) المصدر ب 16 ح 2 و 1.

[ 546 ]

ابن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: أرأيت صلاة العيدين هل فيها اذان و اقامة؟ قال: ليس فيهما اذان ولا اقامة ولكن ينادى الصلاة ثلاث مرات الحديث) (1) واما استحباب الخروج حافيا على سكينة ووقار فيدل عليه حديث خروج الرضا عليه السلام المروي عن الكافي وغيره من كتب الصدوق عن ياسر الخادم وفيه انه قال: لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا عليه السلام يسأله أن يركب ويحضر العيد ويصلي - إلى ان قال: - فقال: يا امير المؤمنين إن عفيتني عن ذلك فهو احب إلى وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، فقال المأمون: اخرج كيف شئت، وامر المأمون القواد والناس ان يركبوا ويبكروا إلى باب ابى الحسن عليه السلام فقال: فحدثني ياسر الخادم انه قعد الناس لابي الحسن عليه السلام في الطرقات والسطوح النساء والصبيان واجتمع القواد والجند على باب ابى الحسن عليه السلام فلما طلعت الشمس قام فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه وتشمرثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت ثم اخذ بيده عكازاثم خرج ونحن بين يديه وهو حاف قد شمر سروايله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة فلما مشى ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبر اربع تكبيرات فخيل لنا ان السماء والحيطان تجاوبه والقواد والناس على الباب وقد تهيؤوا ولبسوا السلاح وتزينوا بأحسن الزينة فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة وطلع الرضا عليه السلام ووقف على الباب وقفة ثم قال: (الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر على ماهدينا، الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام، والحمد لله على ما أبلانا) نرفع بها اصواتنا قال: فتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج والصياح لما نظروا إلى ابى الحسن عليه السلام و سقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما رأوا أبا الحسن عليه السلام حافيا وكان يمشى ويقف على كل عشر خطوات ويكبر ثلاث [ مرات خ ل ] قال ياسر: فتخيل لنا ان السموات والارض والجبال تجاوبه وصارت مروضجة واحدة بالبكاء وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين: يا أمير المؤمنين ان بلغ الرضا عليه السلام المصلى


(1) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 7 ح 1.

[ 547 ]

على هذا السبيل افتتن به الناس والرأى ان تسأله ان يرجع، فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن عليه السلام بخفه فلبسه وركب ورجع) (1) واما استحباب ان يطعم كما ذكر فتدل عليه اخبار منها مرسلة الفقيه قال: قال أبو جعفر عليه السلام (كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يأكل يوم الاضحى شيئا حتى يأكل من اضحيته ولا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ويؤدى الفطرة، ثم قال: وكذلك نفعل نحن) (2) واما قراءة السورتين المذكورتين فيدل على رجحانها بعض الاخبار التي سبق ذكرها. واما استحباب التكبير على النحو المذكور فتدل عليه رواية سعيد النقاش المروي عن الكافي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لي: اما ان في الفطر تكبيرا ولكنه مسنون قال: قلت: وأين هو؟ قال: في ليلة الفطر في المغرب والعشاء الآخرة وفي الفجرو في صلاة العيد ثم يقطع، قال: قلت: كيف أقول؟ قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد الله أكبر على ما هدينا، والحمد لله على ما أبلانا. وهو قال الله عزوجل (ولتكملوا العدة) يعني الصيام (ولتكبروا لله على ما هديكم) (3) ويظهر من رواية الاعمش المروية عن الخصال عن جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث شرايع الدين قال: والتكبير في العيدين واجب أما في الفطر ففي خمس صلوات يبدأ به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر من يوم الفطر وهو أن يقال: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدينا، والحمد لله على ما أبلانا) يقول الله عزوجل (ولتكملوا العدة والتكبروا الله على ما هديكم) وبالاضحى في الامصار في دبر عشر صلوات يبتدأ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الغداة يوم الثالث وفي منى في دبر خمس عشرة صلاة مبتدءا به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الغداه يوم الرابع ويزداد في هذا التكبير (و والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام) (4) الوجوب لكنه محمول على الاستحباب


(1) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 19 ح 1. (2) المصدر ب 12 ح 2. (3) و (4) المصدر ب 20 ح 2 و 6.

[ 548 ]

المؤكد والشاهد عليه صحيحه علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهما السلام قال: (سألته عن التكبير أيام التشريق أو اجب هو [ أم لا خ ل ]؟ قال: يستحب فان نسي فليس عليه شئ) (1) وهذه الصحيحة وإن وردت في خصوص تكبير أيام التشريق لكنه توجب صرف الوجوب بالنسبة إلى العيدين عن ظاهره من الوجوب المصطلح مضافا إلى قوله عليه السلام على المحكي في خبر سعيد النقاش ولكنه مسنون لان النسة قد يطلق على ما لم يثبت في الكتاب وقد يطلق على المقابل للوجوب المصطلح، والظاهر هنا الثاني كمالا يخفى ولا يخفى مخالفه الصورة المذكورة في المتن مع ما في الاخبار فخبر النقاش على ما ذكر ليس فيه التكبيرة الثالثة في الا بتداء، وعن بعض نسخ التهذيب ذكرها ولا بأس بالا يتان بها من باب الاحتياط والقربة المطلقة لا التوظيف. (ويكره الخروج بالسلاح وأن يتنفل قبل الصلاة وبعدها إلا بمسجد النبي صلى الله عليه وآله قبل خروجه) أما كراهه الخروج بالسلاح فلخبر الكسوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله أن يخرج بالسلاح في العيدين إلا أن يكون عدو حاضر) (2) وأما كراهه التنفل فيدل عليهما ما رواه الشيخ بسند صحيح عن رزارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (صلاة العيدين مع الامام سنة وليس قبلهما ولا بعدهما صلاة ذلك اليوم إلى الزوال) (3) وأما استثناء الصلاة بسمجد النبي صلى الله عليه وآله فهو المشهور ويدل عليه خبر محمد بن الفضل الهاشمي المروي عن الكافي والفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ركعتان من السنة ليس تصليان في موضع إلا في المدينة، قال تصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في العيد قبل أن يخرج إلى المصلى ليس ذلك إلا بالمدينة لان رسول الله صلى الله عليه وآله فعله) (4) (مسائل خمس الاولى قيل: التكبير الزائد واجب والاشبه الاستحباب وكذا القنوت) قد مر الكلام فيهما الثانية من حضر العيد فهو بالخيار في حضور الجمعة ويستحب للامام إعلامهم


(1) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 21 ح 10 (2) المصدر ب 16 ح 1. (3) المصدر ب 1 ح 2. (4) المصدر ب 7 ح 9.

[ 549 ]

بذلك) أما الخيار فلصحيحه الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الفطر والاضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة فقال: (اجتمعا في زمان علي عليه السلام فقال: من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت ومن قعد فلا يضره وليصل الظهر - الحديث) (1) وأما ستحباب الاعلام فيدل عليه خبر إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهم السلام (أن على بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فانه ينبغي للامام أن يقول للناس في خطبته الاولى أنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أصليهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فاحب أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له) (2). الثالثة الخطبتان بعد صلاة العيدين وتقديهما بدعة ولا يجب استماعهما، الرابعة لا ينقل المنبر إلى الصحراء ويعمل منبر من طين، والخامسة إذا طلعت الشمس حرم السفر حتى يصلي العيد ويكره قبل ذلك) أما نأخير الخطبتين فلا خلاف فيه وتدل عليه الاخبار منها صحيحة محمد بن سملم عن أحدهما عليهما السلام في صلاة العيدين قال: (الصلاة قبل الخطبتين والكبير بعد القراءة سبع في الاولى وخمس في الاخيرة و كان أول من أحدثها بعد الخطبة عثمان لما أحدث أحداثه كان إذا فرغ من الصلاة قام الناس ليرجعوا فلما رأى ذلك قد الخطبيتن واحتبس الناس للصلاة) (3) وأما عدم وجوب الاستماع فقيل: إنه مجمع عليه بين المسلمين وروى العامة عن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله العيد فلما قضى الصلاة قال: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبه فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب) (4) وأما عدم نقل المنبر وعمل منبر من الطين فيدل عليه رواية إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة قال: (ليس فيهما أذان ولا إقامة ولكن ينادي الصلاة - ثلاث مرات - وليس فيهما منبر المبنر لا يحول من موضعه ولكن يصنع ل لامام شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب بالناس ثم ينزل) (5)


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 15 ح 1 و 3. (3) المصدر ب 11 ح 2. (4) المصدر ب 30 ح 2. نقله عن أمالى الشيخ باسناده عن ابن جريج عن عبد الله. (5) أورد صدرها في الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 7 ح 1 وذيلها ب 33 ح 1.

[ 550 ]

وأما حرمة السفر المفوت للصلاة الواجبة عليه حتى يصلي صلاة العيدين فالكلام فيها نحو الكلام المذكور سابقا في صلاة الجمعة إن كانت واجبة. وأما الكراهة قبل ذلك فهي مبنية على كون المسافر قبل ذلك خارجا عن متعلق التكليف كالمسافر في الليل حيث يكون الحضور من شرائط الوجوب وإلا فمع العلم بتحقق الشرط في ظرفه لا يجوز تفويت مقدماته الوجودية كما قرر في محله وقد تدل على المنع صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أرادت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت بالبلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد) (1) والمشهور حملها على الكراهة بل عن بعض دعوى إطباق الاصحاب على عدم الحرمة ويشكل مع عدم إعراضهم عن أصلها (ومنها صلاة الكسوف والنظر في سببها وكيفيتها وأحكامها وسببها كسوف الشمس أو خسوف القمر أو الزلزلة وفي رواية يجب لاخاويف السماء) أما وجوبها في الجملة من جهة السكوف والخسوف فلا خلاف فيه ظاهرا وتدل عليه أخبار مستفيضة منها ما رواه الصدوق - ره بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (صلاة العيدين فريضة وصلاه السكوف فريضة) (2) ومنها خبر علي بن عبد الله المروي عن الكافي قال: (سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: إنه لما قبض إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال - فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال: أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان له لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا، ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف - الحديث (3) " وقد يقال بأن متقضى إطلاق النصوص وأكثر الفتاوي شمول الحكم لا نكساف الشمس بباقي الكواكب غير القمر إذا ظهر للحس على وجه شهدا العرف بتحقق الكسوف كما حكي أنه رأيت الزهره في جرم الشمس كاسفة لها، وفيه تأمل لانه لا يبعد انصراف الا طلاق إلى غير هذه الصورة ولا أقل من


(1) الوسائل أبواب صلاة العيدين ب 27 ح 1. (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الكسوف والايات ب 1 ح 2 و 10.

[ 551 ]

الشك مع عدم الظهور إلا لبعض الناس نعم لو كان مخوفا لاواسط الناس يندرج تحت المخوف السماوي، وأما وجوبها من جهة الزلزلة فلم ينقل خلاف محقق ويدل عليه خبر سليمان الديلمي المروي في العلل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزلزلة ما هي؟ قال: آية، قلت: وما سببها؟ قال: إن الله تبارك وتعالى وكل بعروق الارض ملكا فإذا أراد الله أن يزلزل أرضا أوحى إلى ذلك الملك أن حرك عروق كذا وكذا، قال: فيحرك ذلك الملك عروق تلك الارض التي أمره الله فتحرك باهلها، قال: قلت: فإذا كان ذلك فما أصنع؟ قال: صل صلاة السكوف - الحديث) (1) وضعفه مجبور، ومنها مرسل المروي عن دعائم الاسلام عن جعفر ابن محمد عليهما السلام قال: (يصلي في الرجفة والزلزلة والريح العظيمة والظلمة والآية تحدث وما كان مثل ذلك كما يصلى في صلاة كسوف الشمس والقمر سواء) (2) واما الوجوب لاخاويف السماء فهو المشهور وتدل عليه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لابي جعفر عليه السلام (أرأيت هذه الرياح والظلم التي تكون هل يصلي لها؟ فقال: كل اخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزغ فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن) (3) ولا يبعد ان يقال بوجوب الصلاة بكل آية مخوفة ولو لم تكن سماوية تمسكا بعموم مرسلة الدعائم إن كانت يتمسك الاصحاب بها، واما التمسك بمفهوم التعليل الواقع في خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: (انما جعلت للكسوف صلاة لانه من آيات الله لا يدرى الرحمة ظهرت أم لعذاب؟ الحديث) (4) فمشكل لاحتمال كون النظر إلى الحكمة فيشكل التعدي إلى غير المورد. (ووقتها من الابتداء إلى الاخذ في الانجلاء ولا قضاء مع الفوت وعدم العلم بالكسوف واحتراق بعض القرص ويقضي لو علم وأهمل أو نسي وكذا لو احترق القرص كله على التقديرات) ههنا امور احدها ان صلاة الكسوف من الواجبات


(1) الوسائل أبواب الكسوف ب 2 ح 3. (2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 436 ب ح 2. (3) الوسائل أبواب الكسوف ب 2 ح 1. (4) المصدر ب 1 ح 3.

[ 552 ]

الموقتة، الثاني انه بمجرد الكسوف يدخل وقتها، الثالث أنه يمتد الوقت إلى تمام الانجلاء أو الاخذ في الانجلاء اما الامر الاول فتدل عليه الاخبار الدالة على عدم لزوم القضاء أو لزومه إذا فاتت حيث إن الفوت لا يتحقق بدون التوقيت وقد وقع التصريح به في خبر دعائم عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن الكسوف يكون والرجل نائم إلى ان قال: - هل عليه أن يقضيها؟ فقال: لاقضاء في ذلك وانما الصلاة في وقته فإذا انجلى لم تكن له صلاة) (1) واما الثاني فتدل عليه صحيحة جميل المروية عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها - الحديث) (2) وقوله عليه السلام في مرسلة المقنعة (فإذا رأيتم ذلك (أي كسوف الشمس وخسوف القمر) فافزعوا إلى الله بالصلاة) (3) وأما الثالث فاستدل للقول بامتداد الوقت إلى تمام الانجلاء مضافا إلى الاستصحاب بصحيحة الرهط عن كليها أو احدهما عليهما الصلاة والسلام قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وخلفه الناس في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها) وموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ان صليت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فان ذلك افضل، وان احببت ان تصلي فتفرغ من صلاتك قبل ان يذهب الكسوف فهو جائز - الحديث) (4) ويمكن أن يقال: غاية ما يستفاد من مثل الروايتين جواز تطويل الصلاة إلى تمام الانجلاء ولا ينافى لزوم المبادرة قبل الاخذ بالانجلاء ولعله يستظهر من صحيحة جميل المذكورة ويؤيده ما في مرسلة النهاية (فإذا انكسف احدهما فبادروا إلى مساجدكم) (5) ومع هذا لا مجال للتمسك بالاستصحاب مضافا إلى التأمل في جريانه في الشبهات الحكمية كما قدر في محله، نعم يمكن أن يقال: لو التفت المكلف إلى


(1) المستدر ك ج 1 ص 437 صلاة الايات ب 9 ح 2. (2) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 4 ح 2. (3) المصدر ب 6 ح 3. (4) المصدر ب 8 ح 2. (5) المصدر ب 6 ح 3 عن الصدوق - رحمه الله -.

[ 553 ]

الكسوف ولم ينجل بعد فعليه ان يصلي لما في مرسلة المقنعة (فإذا رأيتم ذلك - الخ) فانه كثيرا ما يلتفت الانسان إلى الكسوف بعد الاخذ في الانجلاء فتحصل انه لا يبعد استظهار لزوم المبادرة بمجرد حصول الكسوف ومع الالتفات بعد الاخذ في الانجلاء وليست الصلاة في حكم الفائتة التي يجب قضائها إلى في صورة احتراق كل القرص وعلى كل تقدير يجوز تطويل الصلاة إلى تمام الانجلاء، نعم لا يبعد الاستظهار من ذيل خبر الدعائم اعني قوله: (وانما الصلاة في وقته فإذا انجلى لم يكن له صلاة) حيث يظهر منه ان ذهاب الوقت بحصول الانجلاء الظاهر في تمامه دون الاخذ فيه لكنه على فرض انجبار ضعف السند بالعمل، واما القول الآخر فاستدل له بالاحتياط وبصحيحة حماد بن عثمان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (ذكروا انكساف القمر وما يلقى الناس من شدته قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا انجلى منه شئ فقد انجلى) (1) وهذا الاستدلال كما ترى، ثم انه قد يقال: ان مقتضى بعض الاخبار الدالة على ان وقت الصلاة هو الانكساف ان الوقت المفروض وقت لمجموع العمل وفرع عليه امور احدها انه لوضاق وقت الانكساف عن إتيان تمام العمل لم يجب الاداء ولا القضاء ولو تمكن من إتيان ركعة في الوقت لعدم شمول دليل من ادرك ما لم يكن الوقت متسعا للعمل من اول الامر واما القضاء فلانه تابع للفوت وصدقه تابع لوجود المقتضى وهو المطلوبية من قبل الشارع، والثانى انه لو كان وقت الكسوف متسعا ولكنه ما علم بذلك حتى بقي منه مقدار لم يتسع لمجموع الصلاة وكان الانكساف جزئيا لم يجب الاداء ولا القضاء ايضا لعين لم ذكر. ثم لو فرضنا عدم الاستكشاف من الادلة لتحديد وقت الصلاة بالمعنى المذكور فالمرجع الاصل لعدم اطلاق يدل على ان وقت الكسوف يجب الصلاة ولو لم يتسع لتمام الصلاة، فنقول: لو ضاق زمان الانكساف عن إتيان مجموع الصلاة فمقتضى الاصل هو البراءة عن الاداء والقضاء وكذلك لو كان الوقت متسعا ولكنه ما علم به حتى بقي منه مقدار لم يتسع لمجموع الصلاة. وفيه نظر من جهة منع اقتضاء ما دل على التوقيت كون الوقت المفروض


(1) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 4 ح 3.

[ 554 ]

وقت مجموع العمل الا ترى توقيت الجمعة بالزوال مع أنه لا يتسع لمجموع صلاة الجمعة وثانيا نقول على فرض عدم شمول ما دل على التوقيت للصورة المفروضة لم لا يشمل ما دل على وجوب الصلاة من جهة الكسوف أو من جهة كونه آية حيث ان إطلاقه يشمل هذه الصورة فلا ينتهى الامر إلى الاصل ثم انه تمسك في بعض الصور كما لو كان الوقت متسعا ولكنه ما علم به حتى بقي مقدار لم يتسع لمجموع الصلاة باستصحاب بقاء الوجوب المتعلق بالصلاة مهملة وان لم يجز الاستصحاب بالنسبة إلى الوجوب الثابت للصلاة في الوقت لمبانية تلك الصلاة للصلاة في خارج الوقت فيكون من إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر، وأما الوجوب المتعلق بالمهملة فلا مانع من استصحابه وفيه أيضا تأمل لانه بعد فرض عدم الاطلاق في الادلة وانتهاء الامر إلى الاصل وجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، أو لا نمنع جريان الاستصحاب في المقام لاحتمال مدخلية الالتفات في وجوب الاداء وذلك لانه بعد العلم بعدم وجوب القضاء إذا التقت المكلف بعد الانجلاء مع عدم احتراق مجموع القرص لابد من تقييد احد الدليلين اما ما دل على وجوب الصلاة من جهة الكسوف بتقييده بصورة الالتفات، واما ما دل على عدم وجوب القضاء في صورة الفوت، ولا مرجح لاحدهما على مسلكه - قدس سره - وان كان الاقوى ورود التقييد على الثاني كما بين في بعض أمثال المقام ومع الغض عن هذا الظاهر عدم المانع من جريان الاستصحاب بالنسبة إلى وجوب نفس ما وجب في الوقت لا وجوب المهملة لان اعتبار الوقت من باب الظرفية لا القيدية وان كان بحسب اللب قيدا ومثل هذه لا توجب المباينة وصورة المقام من قبيل إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر، واما عدم القضاء مع عدم العلم واحتراق بعض القرص فتدل عليه اخبار منها ما عن الكليني والشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا انكسفت الشمس كلها واحترقت ولم تعلم ثم علمت بعد ذلك فعليك القضاء وان لم تحترق كلها فليس عليك قضاء) (1) وعن الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم والفضيل بن يسار انهما قالا: قلنا لابي جعفر عليهما السلام: (أتقضي صلاة الكسوف من إذا أصبح فعلم وإذا أمسى فعلم قال: إن كان القرصان


(1) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 10 ح 2.

[ 555 ]

احترقا كلها قضيت وان كان انما احترق بعضهما فليس عليك قضاء) (1) وفى المقام اخبار اخر بعضها يدل على نفي الوجوب مطلقا وبعضها على الوجوب مطلقا فمن الاول صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى عليهما السلام قال: (سألته عن صلاة الكسوف وهل على من تركها قضاء قال: إذا فاتتك فليس عليك قضاء) (2) ومن الثاني مرسلة حريز عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل ان يصلي فليغتسل من غد وليقض الصلاة، وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل) (3) وقد يجمع ما دل على نفى القضاء على صورة احتراق البعض وحمل مادل على ثبوته على احتراق الكل بشهادة الاخبار المفصلة ولا يخفى ان المعارضة باقية على ان حمل ما دل على الثبوت على احتراق تمام القرص لعله حمل على الفرد النادر أو الغير الغالب وهو بعيد فالاولى الحمل على الاستحباب. واما وجوب القضاء مع العلم بالكسوف وإهمال الصلاة أو نسيانها حتى مع احتراق البعض فتدل عليه موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: (إن لم تعلم حتى يذهب الكسوف ثم علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، وان اعلمك احد وانت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل فعليك قضاؤها) (4) والمرسل المروي عن الكليني قال: وفي رواية (إذا علم بالكسوف ونسي أن يصلي فعليه القضاء - إلى أن قال - هذا إذا لم يحترق كله) (5) ويدعى ثبوت القضاء مع العلم والاهمال بالفحوى وحيث قيد هذه الموثقة النافية للقضاء مع عدم العلم بصورة احتراق البعض من جهة الاخبار المفصلة فتصير كالنص في خصوص احتراق البعض فتقدم على اطلاق هو قوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر عليهما السلام (إذا فاتتك فليس عليك قضاء) (6) ويشكل هذا بأن المقرر أن يلاحظ النسبة بين الدليلين في حد ذاتيهما مع قطع النظر عن التخصيص والتقييد الخارجين، ويمكن أن يقال: يدور الامر بين تقييد إطلاق الصحيحة ولا محذور فيه ورفع اليد عن الاخبار المفصلة مع كونها نصوصا ورفع اليد عن الموثقة مع كونها نصا في مقدار فتعين الاول.


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 10 ح 1 و 11 و 5. (4) و (5) و (6) المصدر ب 10 ح 3 و 7.

[ 556 ]

(وكيفيتها ان يكبر ويقرء الحمد وسورة أو بعضها ثم يركع فإذا انتصب قرء الحمد ثانيا وسورة إن كان اتم في الاولى وإلا قرأ من حيث قطع فإذا أكمل خمسا سجد اثنتين ثم قام بغير تكبير فقرأ وركع معتمدا على ترتيبه الاول ثم يتشهد ويسلم) الصلاة بهذه الكيفية لا خلاف ظاهرا في كونها مجزية فمن جملة النصوص الدالة عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن اذينة عن رهط عن الباقر والصادق عليهما السلام ومنهم ما رواه عن احدهما عليهما السلام (ان صلاة كسوف الشمس والقمر والرجفة والزلزلة عشر ركعات وأربع سجدات صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله والناس خلفه في كسوف ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها. ورووا ان الصلاة في هذه الآيات كلها سواء و اشدها واطولها كسفو الشمس تبدء فتكبر بافتتاح الصلاة، ثم تقرء ام الكتاب و سورة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرء أم الكتاب وسورة، ثم تركع الثانية ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرء ام الكتاب وسورة، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرء ام الكتاب وسورة، ثم تركع الثالثة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرء ام الكتاب وسورة ثم تركع الرابعة، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرء ام الكتاب وسورة ثم تركع الخامسة فإذا رفعت رأسك قلت: (سمع الله لمن حمده) ثم تخر ساجدا فتسجد سجدتين، ثم تقوم فتصنع كما صنعت في الاولى. قال: قلت: وإن هو قرء سورة واحدة في الخمس ركعات ففرقها بينها؟ قال: أجزأه ام القرآن في اول مرة فان قرء خمس سور فمع كل سورة ام الكتاب والقنوت في الركعة الثانية قبل الركوع إذا فرغت من القراءة، ثم تقنت في الرابعة مثل ذلك، ثم في السادسة ثم في الثامنة، ثم في العاشرة) (1) والرهط الذين رووه الفضيل وزرارة وبريد و محمد بن مسلم. ومنها ما عن الكافي في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن صلاة الكسوف كم هي ركعة وكيف نصليها؟ فقال: هي عشر ركعات وأربع سجدات تفتتح الصلاة بتكبيرة وتركع بتكبيرة وترفع رأسك بتكبيرة الا في الخامسة التي تسجد فيها وتقول: (سمع الله لمن حمده) فيها وتقنت في كل ركعتين


(1) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 1 و 6.

[ 557 ]

قبل الركوع وتطيل القنوت والركوع السجود على قدر القرءة والركوع و السجود فان فرغت قبل ان ينجلي فاقعد وادع الله حتى ينجلى فان انجلى قبل ان تفرغ من صلاتك فاتم ما بقي وتجهر بالقراءة. قال: قلت: كيف القراءة فيها؟ فقال: ان قرأت سورة في كل ركعة فاقرء فاتحة الكتاب فان نقصت من السورة شيئا فاقرء من حيث نقصت ولا تقرء فاتحة الكتاب قال: وكان يستحب ان يقرأ فيها بالكهف والحجر إلا ان يكون إماما يشق على من خلفه استطعت أن تكون صلاتك بارز لا يجنك بيت فافعل وصلاة كسوف [ كسف خ ل ] الشمس أطول من صلاة كسوف [ كسف خ ل ] القمر وهما سواء في القراءة الركوع والسجود) (1) ومنها ماعن الصدوق في الصحيح قال: (سأل الحلبي أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الكسوف كسوف الشمس والقمر قال: عشر ركعات وأربع سجدات تركع خمسا، ثم تسجد في الخامسة ثم تركع خسما ثم تسجد في العاشرة وان شئت قرأت سورة في كل ركعة، وان شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة، وإذا قرأت سورة في كل ركعة فاقرء فاتحة الكتاب، وان قرأت نصف سورة أجزأك ان لا تقرء فاتحة الكتاب إلا في اول ركعة حتى تستأنف اخرى ولا تقل (سمع الله لمن حمده) في رفع رأسك من الركوع إلا في الركعة التي تريد ان تسجد فيها) (2) ثم انه يمكن استفادة امور من هذه الاخبار احدها احتياج كل من خمس ركعات الواقعة قبل السجدتين والواقعة بعدها تحتاج إلى قراءة الحمد ويشهد له قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي وان قرأت نصف سورة أحزأك ان لاتقرء فاتحة الكتاب إلا في اول ركعة حتى تستأنف اخرى وبه يقيد اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم و (ان نقصت من السورة شيئا فاقرء من حيث نقصت ولا تقرء فاتحة الكتاب) إن سلم: الثاني انه يجوز تكرير واحدة في جميع الركعات بمقتضى الاطلاق فقوله عليه السلام في ذيل صحيحة الرهط (فان قرأ خمس سور فمع كل سورة ام الكتاب) لا يوجب التقييد، الثالث التخيير بين قراءة سورة كاملة في كل ركعة وبين تفريق سورتين على العشر ركعات بأن يكون في كل خمس


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 6 و 7.

[ 558 ]

سورة أو تفريقها على ركعتين أو ثلاث أو أربع، الرابع جواز أن يفرق سورة بين بعض الركعات الخمس الاول وبعض من الخمس الاخيرة ويشهد له قوله عليه السلام: (وان قرأت نصف سورة أجزأك ان لا تقرء فاتحة الكتاب الا في اول ركعة). (ويستحب فيها الجماعة والاطالة بقدر الكسوف وإعادة الصلاة ان فرغ قبل الانجلاء وان يكون ركوعه بقدر قراءته وان يقرء السور الطوال مع السعة ويكبر كلما انتصف من الركوع الا في الخامس والعاشر فانه يقول (سمع الله لمن حمده) وأن يقنت خمس قنوتات) اما استحباب الجماعة فيدل عليه قوله عليه السلام في صحيحة الرهط المتقدمة (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بأصحابه الكسوف) ويدل على استحباب الاطالة بقدر الكسوف موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ان صليت الكسوف إلى ان يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فان ذلك أفضل - الحديث) (1) واما استحباب الاعادة ان فرغ قبل الانجلاء فيدل عليه قول الصادق عليه السلام في صحيحه معاوية بن عمار (إذا فرغت قبل ان ينجلي فأعد) (2) والامر محمول على الاستحباب بقرينة ما في ذيل الموثقة المذكورة، واما استحباب كون الركوع بقدر القراءة وقراءة السور الطوال واستحباب التكبير وقول (سمع الله لمن حمده) و خمس قنوتات فيشهد لجميع المذكورات الاخبار المذكورة. (والاحكام فيها اثنتان الاول إذا اتفق في وقت حاضرة تخير في الاتيان بأيهما شاء على الأصح ما لم تتضيق الحاضرة فيتعين الاداء ولو كانت الحاضرة نافلة فالكسوف اولى ولو خرج وقت النافلة. الثاني تصلى هذه على الراحلة وماشيا وقيل بالمنع الا مع العذر وهو اشبه) إذا حصل الكسوف أو غيره في وقت فريضة حاضرة فتارة يتسع الوقت لكليهما فمقتضى القاعدة التخيير واخرى يتسع وقت احدهما دون الآخر فمقتضاها تقديم المضيق ومع تضيق وقتهما فمقتضاهما التخيير الا إذا احرز أو احتمل اهمية احدهما ومن الاخبار الواردة في المقام صحيحة محمد بن مسلم وبريد ابن معاوية عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام قالا: (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه


(1) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 8 ح 2. (2) المصدر ب 8 ح 1.

[ 559 ]

الآيات فصلها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة فان تخوف فابدء بالفريضة واقطع ما كنت بدأت فيه من صلاة الكسوف فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت واحتسب بما مضى) (1) وهذه الصحيحة قد يظهر منها لزوم البدأة مع سعة الوقت لادائهما بصلاة الآية ولكنه يشكل باحتمال كون الامر لرفع توهم الحظر فلا يستفاد منها الا الترخيص واما لزوم تقديم الفريضة الحاضرة مع خوف فوتها فهو الظاهر منها بلا مانع إلا ان يقال، إذا حمل الامر الاول على الترخيص فلا يبقى ظهور للامر الثاني في الوجوب لوحدة السياق وقد يقال يحتمل ان يكون المراد من وقت الفريضة وقت الفضيلة فالامر بالبداءة بالفريضة محمول على الاستحباب وكذلك الامر الاول لما ذكر وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (جعلت فداك ربما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة فان صلينا الكسوف خشينا ان تفوتنا الفريضة فقال: إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك واقض فريضتك ثم عد فيها الخ) (2) وفيه تأمل لان حمل الوقت في الصحيحة الاولى على وقت الفضيلة بلا قرينة مشكل فان لازم ما ذكر جواز تقديم الفريضة الحاضرة مع سعة وقت الاجزاء على صلاة الآيات ولو فات وقتها وهذا يحتاج إلى الدليل لكونه على خلاف القاعدة ولا يتوجه هذا الاشكال على ما احتمل اولا من حمل ما دل بظاهره على لزوم تقديم الحاضرة مع تضييق وقت الاجزاء على الاستحباب لانه مانع من استحباب تقديم الحاضرة مع تضيق الوقت بالنسبة إلى كلتا الصلاتين إلا ان يقال: يمكن دعوى القطع باهمية الصلوات اليومية إذا زاحمت مع واجب آخر وان كان صلاة الآيات فلا مجال لحمل الامر في هذه الصورة على الاستحباب ثم انه بعد ما لم يبق لما دل على تقديم صلاة الكسوف ظهور في الوجوب فلا إشكال في جواز تقديم الحاضرة مع سعة الوقت وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة فقال: ابدء بالفريضة - الحديث) (3) واما صلاة الكسوف في وقت النافلة فمع تضيق وقتيهما لا إشكال في لزوم تقديم صلاة الكسوف واما مع سعة الوقت


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة الكسوف ب 5 ح 4 و 2 و 1.

[ 560 ]

فتقدم أيضا بصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الكسوف في وقت الفريضة؟ فقال: ابدء بالفريضة، فقيل له في وقت صلاة الليل فقال: صل صلاة الكسوف قبل صلاة الليل) وفى صحيحته الاخرى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (فإذا كان الكسوف آخر الليل فصلينا صلاة الكسوف فاتنا صلاة الليل فبأيهما نبدء؟ فقال: صل صلاة الكسوف واقض صلاة الليل حين تصبح) (1) فان بنينا على جواز التطوع في وقت الفريضة فالظاهر حمل الامر في الصحيحتين على الاستحباب لا الوجوب، و اما جواز ان يصلى صلاة الكسوف على الراحلة وماشيا فقد نسب إلى ظاهر ابن الجنيد وفاقا للمحكي عن الجمهور والمشهور عدم الجواز الا مع الضرورة لان الاصل مشاركة هذه الصلاة مع سائر الصلوات المفروضة الا فيما دل الدليل على خلافه مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في صحيحة عبد الرحمن (لا يصلى على الدابة الفريضة الا مريض - الحديث) (2) وخبر عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (أيصلى الرجل شيئا من المفروض راكبا فقال: لا إلا من ضرورة) (3). (ومنها صلاة الجنائز والنظر فيمن يصلي عليه والمصلي وكيفيتها واحكامها يجب الصلاة على كل مسلم ومن كان بحكمه ممن بلغ ست سنين فصاعدا ويستوي الحر والعبد والذكر والانثى). أما وجوب الصلاة على كل مسلم فالظاهر عدم الخلاف فيه، وأما ما عن جمع من عدم وجوبها على المخالفين فالظاهر أنه من جهة ذهابهم إلى كفرهم وبعد الحكم باسلامهم لا مجال للاشكال ويدل عليه عموم خبر طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عليه السلام عن ابيه عليه السلام قال: (صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله) (4) وخبر السكوني، عن جعفر، عن ابيه، عن آبائه عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (صلوا على المرجوم من امتي وعلى القاتل نفسه من امتي لا تدعوا احدا من امتي بلا صلاة) (5)


(1) المصدر ب 5 ح 2. (2) و (3) الوسائل كتاب الصلاة أبواب القبلة ب 14 ح 1 و 4. (4) و (5) الوسائل كتاب الطهارة أبواب صلاة الجنازة ب 37 ح 2 و 3.

[ 561 ]

وغيرهما، وضعف السند مجبور بالعمل، واما وجوبها على من كان بحكم المسلم ممن بلغ ست سنين فهو المشهور وتدل عليه صحيحة زرارة قال: (مات ابن لابي جعفر عليه السلام فأخبر بموته فامر به فغسل وكفن ومشى معه وصلى عليه وطرحت خمرة فقام عليها ثم قام على قبره حتى فرغ منه ثم انصرف وانصرفت معه حتى دنى لامشي معه فقال: أما انه لم يكن يصلى على مثل هذا وكان ابن ثلاث سنين و كان علي عليه السلام يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه ولكن الناس صنعوا شيئا فنحن نصنع مثله قال: قلت: فمتى تجب عليه الصلاة؟ فقال: (إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين - الحديث) (1) وصحيحة الحلبي وزرارة جميعا عن ابى عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن الصلاة على الصبى متى يصلي عليه؟ قال: إذا عقل الصلاة قلت: متى تجب الصلاة عليه فقال: إذا كان ابن ست سنين والصيام إذا أطاقه) (2) وظاهر الصحيحة الاولى اعتبار امرين كون الصبى عاقلا للصلاة وابن ست سنين وبه يقيد صحيحة الحلبي لان الظاهرن وجوب الصلاة عليه فيها متعلق على صرف تعقل الصلاة وثبوت الصلاة عليه بمعنى إتيانه متعلقا على كونه ابن ست سنين حكم آخر وهذا خلاف المشهور حيث انهم لم يعتبروا ظاهرا امرا وراء بلوغ الصبي ست سنين ولو لم يعقل الصلاة ويعارض الصحيحة بصحيحة علي بن جعفر عليهما السلام عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الصبى أيصلى عليه إذا مات وهو ابن خمس سنين؟ فقال: إذا عقل الصلاة صلي عليه) (3) فان الظاهر ان الضمير في عقل راجع إلى الصبى المفروض كونه خمس سنين لا مطلق الصبي بل ولو فرض رجوع إلى الصبى يبعد تقييده بأمر آخر كما لا يخفى إلا ان يحمل على الاستحباب كما حمل عليه اخبار اخر يظهر منها وجوب الصلاة على المستهل وغير من يسقط لغير تمام وان كان الاظهر في مثل هذه الاخبار الحمل على التقية بشهادة صحيحة زرارة وفعل الامام عليه السلام لما ذكر فيها واستدل للقول بعدم وجوب الصلاة على الصبى حتى يبلغ بموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (انه سئل عن المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلي عليه قال:


(1) و (2) و (3) الوسائل كتاب الطهارة أبواب صلاة الجنازة ب 13 ح 3 و 1 و 4.

[ 562 ]

لا إنما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليهما القلم) (1) وخبر هشام المروى عن الكافي قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان الناس يكلموننا ويردون علينا قولنا انه لا يصلى على الطفل لانه لم يصل فيقولون: لا يصلى إلا على من صلى، فنقول: نعم، فيقولون: أرأيتم لو أن رجلا نصرانيا أو يهوديا اسلم ثم مات من ساعته فما الجواب فيه؟ فقال: قولوا لهم: أرأيتم لو أن هذا الذى اسلم الساعة ثم افترى على انسان ما كان يجب عليه في فريته فانهم سيقولون يجب عليه الحد فإذا قالوا هذا، قيل لهم: فلو ان هذا الصبى الذى لم يصل افترى على انسان هل كان يجب عليه الحد فانهم سيقولون لا، فيقال لهم: صدقتم إنما يجب أن يصلى على من وجبت عليه الصلاة والحدود ولا يصلى على من لم تجب عليه الصلاة ولا الحدود) (2) و المشهور أعرضوا عن العمل بهما فلا مجال للاخذ بمفادهما، واما استواء الذكر و الانثى والحر والعبد فالظاهر عدم الخلاف فيه لقاعدة الاشتراك. (ويستحب على من لم يبلغ ذلك ممن ولد حيا ويقوم بها كل مكلف على الكفاية واحق الناس بالصلاة على الميت اولاهم بميراثه والزوج اولى من الاخ ولا يؤم الولي الا وفيه شرائط الامامة والا استناب) اما استحباب الصلاة على المذكور فلصحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (لا يصلي على المنفوس وهو المولود الذي لم يستهل ولم يصح ولم يورث من الدية ولا من غيرها وإذا استهل فصل عليه وورثه) (3) وصحيحة علي بن يقطين قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام لكم يصلى على الصبى إذا بلغ من السنين والشهور؟ قال: يصلى عليه على كل حال الا ان يسقط لغير تمام) (4) وغير هما من الاخبار، ولا يبعد حملها على التقية لما ذكر آنفا وقد يقوى خلاف ذلك والحمل على الاستحباب ويقال: وان لم يكن الاستحباب ثابتة فيا صل الشرع كما يستفاد من الصحيحة التي استدل بها لقول المشهور لكنه لامانع من ثبوت الاستحباب لطرو عنوان ثانوي وهو تعارفه بين الناس، وهذا


(1) الوسائل أبواب صلاة الجنازة ب 14 ح 5. (2) المصدر ب 15 ح 3 (3) و (4) المصدر ب 14 ح 1 و 2.

[ 563 ]

التوجيه بعيد كما لا يخفى، واما أحقية من ذكر فيدل عليه في خصوص المقام ما رواه الكليني باسناده، عن ابن ابى عمير، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (يصلى على الجنازة اولى الناس بها أو يأمر من يحب) (1) وأولى الناس بالميراث هو اولى الناس بالمورث. ويشهد له صحيحة الكناسى، عن ابى جعفر عليه السلام قال: (ابنك اولى بك من ابن ابنك، وابن ابنك اولى بك من اخيك، قال: واخوك لابيك وامك اولى بك من اخيك لابيك، قال: واخوك لابيك اولى بك من اخيك لامك، قال: وابن اخيك لابيك وامك اولى بك من ابن اخيك لابيك، قال: وابن اخيك لابيك اولى بك من عمك، قال: وعمك اخو ابيك من ابيه وامه اولى بك من عمك اخي ابيك من ابيه، قال: وعمك اخو ابيك من ابيه اولى بك من عمك اخى ابيك لامه، قال: وابن عمك اخي أبيك من ابيه وامه اولى بك من ابن عمك اخي ابيك لابيه، قال: وابن عمك أخى ابيك من ابيه اولى من ابن عمك اخي ابيك لامه) (2) فان الاولوية كما ترى دائرة مدار الارث فالوارث اولى من غيره ومع تعدد الورثة وكونهم في مرتبة واحدة قد يكون بعضهم اولى من جهة اشدية العلاقة ومن هنا قيل: ان العم اولى من الخال مع انهما في مرتبة واحدة ومع ذلك المشهور اولوية الاب من الابن مع ان الابن اكثر نصيبا منه وقد علل بوجوه استحسانية فان تم الاجماع فهو والا فهو مشكل، واما أحقية الزوج من الاخ فتدل عليه موثقة إسحاق بن عمار (الزوج احق بامراته حتى يضعها في قبرها) (3) ولا يعارضها صحيحة حفص عن الصادق عليه السلام (في المرأة تموت ومعا اخوها وزوجها ايهما يصلى عليها فقال: اخوها احق بالصلاة عليها) (4) و خبر عبد الرحمن عن الصادق عليه السلام (سألته عن الصلاة على المرأة الزوج احق بها أو الاخ؟ قال: الاخ) (5) لاعراض الاصحاب عن العمل بهما وموافقتها للعامة


(1) الكافي ج 3 ص 177 تحت رقم 5. (2) الكافي ج 7 ص 76. (3) و (4) و (5) الوسائل أبواب صلاة الجنازة ب 24 ح 3 و 4 و 5.

[ 564 ]

واما عدم امامة الولى مع عدم اجتماع الشرائط فوجهه واضح وقد يتأمل في اشتراط العدالة في المقام. (ويستحب تقديم الهاشمي ومع وجود الامام فهو اولى بالتقدم، وتؤم المرأة النساء وتقف في وسطهن ولا تبرز وكذا العارى إذا صلى بالعراة ولا يؤم من لم يأذن له الولي) اما تقديم الهاشمي الجامع لشرائط الامامة فقد نسب إلى المشهور ولم نعثر على دليل عليه بالخصوص ومع حضور امام الاصل فهو اولى من كل احد بالضرورة ويدل عليه خبر طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا حضر الامام الجنازة فهو احق الناس بالصلاة عليها) (1) واما جواز إمامة المرأة فتدل عليه صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: (المرأة تؤم النساء؟ قال: لا إلى على الميت إذا لم يكن احد اولى منها، تقوم وسطهن في الصف معهن فتكبر ولا يكبرن) واما صلاة العراة فيشكل جوازها بالنحو المذكور هنا لان الظاهر ان الكيفية المذكورة مخصوصة بما لو صلوا جماعة الصلوات اليومية فمشروعيتها في المقام يحتاج إلى الدليل، واما الاحتياج إلى اذن الولي فقد مر وجهه. (وهي خمس تكبيرات بينها اربعة ادعية ولا يتعين وأفضله ان يكبر ويتشهد الشهادتين ثم يكبر ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله ثم يكبر وبدعو للمؤمنين وفى الرابعة يدعو للميت وينصرف بالخامسة مستغفرا، وليس الطهارة من شروطها وهي من فضلها، ولا يتباعد عن الجنازة بما يخرج عن العادة، ولا يصلى على الميت الا بعد تغسيله وتكفينه، ولو كان عاريا جعل في القبر واستترت عورته ثم صلى عليه) اما وجوب خمس تكبيرات على المؤمن فالظاهر عدم الخلاف فيه وتدل عليه روايات منها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (التكبير على الميت خمس

[ 565 ]

تكبيرات) وصحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا عليه السلام قال: (سألته عن الصلاة على الميت فقال: اما المؤمن فخمس تكبيرات واما المنافق فأربع ولاسلام فيها) واما الادعية فالمشهور وجوبها بلا تعيين وقيل بعدم وجوبها تمسكا بالاصل واطلاق بعض الاخبار كصحيحة اسماعيل بن سعد المذكورة واختلاف النصوص في كيفية الاذكار والادعية واجيب بأن الاصل مقطوع بالدليل والاطلاق يقيد بألاخبار الدالة على اعتبارها واختلاف الاخبار لا يوجب عدم وجوبها بدل تدل على عدم اعتبار الخصوصيات في الصلاة، وربما يشهد على اخذ الذكر والدعاء في مهية الصلاة خبر ابى بصير قال: (كنت عند ابى عبد الله عليه السلام جالسا فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنائز فقال: خمس تكبيرات، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة الجنائز فقال: أربع صلوات فقال الاول: جعلت فداك سألتك فقلت خمسا وسألك هذا فقلت أربعا؟ فقال: إنك سألتني عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة ثم قال: إنها خمس تكبيرات بينهن اربع صلوت - الحديث) وخبر الفضل بن شاذان المروي، عن العلل والعيون، عن الرضا عليه السلام قال: (انما جوزنا الصلاة على الميت بغير وضوء لانه ليس فيها ركوع ولا سجود وانما هي دعاء ومسألة - الحديث) والانصاف ان صحيحة اسماعيل بن سعد ظهورها في مقام بيان المهية بتمامها في غاية القوة والشاهد عليه تعرضها في ذيلها لعدم السلام فيكون معارضة لمثل هذين الخبرين وموجبا لحمل الاخبار المتعرضة للاذكار والادعية على الفضل والاستحباب ومع ذلك لا مجال لمخالفة المشهور ونسب إليهم وجوب الشهادتين بعد التكبيرة الاولى والصلاة علي النبي وآله صلى الله عليه وآله بعد الثانية والدعاء للمؤمنين بعد الثالثة وللميت بعد الرابعة، ويمكن أن يستظهر من خبر محمد بن مهاجر المروي عن الكافي والتهذيب عن امة ام سلمة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبر وتشهد ثم كبر وصلى على الانبياء ودعا، ثم

[ 566 ]

كبر ودعا للمؤمنين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ثم كبر الرابعة ودعا للميت، ثم كبر الخامسة وانصرف فلما نهاه الله عزوجل عن الصلاة على المنافقين كبر وتشهد ثم كبر وصلى عن النبيين، ثم كبر ودعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة وانصرف ولم يدع للميت) وعن الصدوق في الفقيه مرسلا وفى العلل مسندا نحوه إلا انه قال في التكبير الثاني في الموضعين (ثم كبر فصلى على النبي وآله) ولا يخفى انه لا مجال للالتزام به بملاحظة سائر الاخبار مثل ما عن الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم وزرارة ومعمر بن يحيى واسماعيل الجعفي عن ابى جعفر عليه السلام قال: (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت تدعو بما بدالك واحق الموتى ان يدعى له المؤمن وان يبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وما عن الشيخ عن زرارة ومحمد بن مسلم انهما سمعا ابا جعفر عليه السلام يقول: (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت الا ان تدعو بما بدالك واحق الموتى ان يدعى له أن تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله) كما انه ربما يشكل استفادة وجوب الدعاء للميت ايضا فما يقال من لزوم الدعاء للميت في الجملة بملاحظة نوع الاخبار تشهد بخلافه موثقة يونس بن يعقوب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنازة اصلي عليها على غير وضوء فقال: نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل - الحديث) واشتمال كثير من اخبار الباب على الدعاء للميت لا يوجب لزومه بعد حملها على بيان الفرد من الذكر والدعاء من دون تعين للكيفيات المذكورة فيها والاستشهاد بخبر الفضل بن شاذان المروى عن العلل والعيون عن الرضا عليه السلام قال: (انما امروا بالصلاة على الميت ليشفعوا له وليدعوا بالمغفرة لانه لم يكن في وقت من الاوقات احوج إلى الشفاعة فيه والطلبة والاستغفار من تلك الساعة - الحديث) مشكل فان الصلاة على كل مسلم واجب وليس طلب المغفرة لكل منهم واجب فليس

[ 567 ]

الدعاء للميت مأخوذا في حقيقة الصلاة الا ان يقال بلزومه في الصلاة على خصوص المؤمنين، ولا يستفاد هذا من هذه الرواية. اما الاستفغار بعد الخامسة فلعل استحبابه مستفاد من ذيل موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها فإذا كبرت الخامسة فقل: (اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات وألف بين قلوبهم، وتوفني على ملة رسولك، اللهم اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤف رحيم، اللهم عفوك اللهم عفوك) وتسلم) واما عدم اشتراط الطهارة فلا خلاف فيه ظاهرا وتدل عليه اخبار منها موثقة يونس بن يعقوب قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الجنازة، اصلي عليها على غير وضوء فقال: نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء) واما حصول الفضل مع الطهارة فيدل عليه ما رواه الكليني والشيخ عنه عن صفوان بن يحيى عن عبد الحميد بن سعد قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: (الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فان ذهبت اتوضا فاتتني الصلاة اتجزيني ان اصلي عليها وانا على غير وضوء؟ فقال: تكون على طهر احب إلى) واما عدم جواز التباعد بما يخرج عن العادة فيمكن استفادته من التعبيرات بالوقوف عنده أو في وسطه أو عند صدره الواردة في بيان موقف المصلي حيث يستفاد من مجموعها اعتبار عدم التباعد عن الميت أو عن الجماعة التي هو من جملتهم إذا كان مأموما بمقدار يعتد به مخل بالهيئة المعهودة عن المتشرعة، واما لزوم كون الصلاة بعد التغسيل والتكفين فقيل: انه قول العلماء كافة لان النبي صلى الله عليه وآله هكذا فعل وكذا الصحابة والتابعون، ونوقش في هذا الدليل باجمال وجه الفعل فلا يصلح مقيدا لاطلاق الادلة الآمرة بالصلاة على الميت مضافا إلى ما تقرر في محله من انه إذا شك في الشرطية والجزئية يرجع إلى البراءة، واجيب عن المناقشة بورود الاطلاق مورد حكم آخر والرجوع إلى البراءة انما هو فيما

[ 568 ]

ثبت اصل الفعل وشك في اشتراطه بشئ وفى المقام نشك في مشروعية أصل الصلاة قبل التغسيل والتكفين مضافا إلى ظهور غير واحد من الاخبار في الترتيب مثل ما رواه الصدوق باسناده عن علي بن جعفر عليه السلام انه سئل اخاه موسى بن جعفر عليهما السلام (عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به قال: يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن) ويمكن ان يقال: استفادة لزوم الترتيب من مثل هذا الخبر مشكل لما هو المعروف من ان الواو لمطلق الجمع فلو قال: اكرم زيدا واضف عمرا هل يلتزم بوجوب الاضافة بعد الاكرام واما الاشكال في جريان البراءة فلم يدر وجهه فانه لا إشكال في وجوب الصلاة على الميت ومشروعيتها وانما الشك في اشتراط الصلاة الواجبة بهما كما لو شك في اشتراط الصلوات اليومية بالاقامة، ولا إشكال في جريان البراءة فالعمدة الاجماع ان لم يناقش فيه واما صورة عراء الميت عن الكفن فيدل على الحكم المذكور فيها موثقة عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر وهم عراة ليس لهم الا إزار كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم فضل ثوب يكفنونه به، قال: يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته ويستر عورته باللبن وبالحجر ثم يصلى عليه ثم يدفن؟ قلت: فلا يصلى عليه إذا دفن فقال: لا يصلى على الميت بعد ما يدفن ولا يصلى عليه وهو عريان حتى توارى عورته) ورواية محمد بن أسلم عن رجل قال: (قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: قوم كسر بهم في بحر فخرجوا يمشون على الشط فاذاهم برجل ميت عريان والقوم ليس عليهم الا مناديل متزرين بها وليس عليهم فضل ثوب يوارون الرجل فكيف يصلون عليه وهو عريان؟ فقال: إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا قبره ويضعوه في لحده يوارون عورته بلبن أو احجار أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره، قلت: ويصلون عليه وهو مدفون بعد

[ 569 ]

ما يدفن قال: لا لو جاز ذلك لاحد لجاز لرسول الله صلى الله عليه وآله فلا يصلى على المدفون ولا على العريان). (وسننها وقوف الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة ولو اتفقا جعل الرجل إلى يلي الامام والمرأة إلى القبلة ويحاذى بصدرها وسطه ولو كان طفلا فمن ورائها، ووقوف المأموم وراء الامام ولو كان واحدا، وإن يكون المصلى متطهرا حافيا رافعا يديه بالتكبير كله داعيا للميت في الرابعة إن كان مومنا، وعليه ان كان منافقا وبدعاء المستضعفين ان كان مستضعفا وأن يحشره مع من يتولى ان جهل حاله وفى الطفل (اللهم اجعله لنا ولابويه سلفا وفرطا وأجرا) ويقف موقفه حتى ترفع الجنازة والصلاة في المواضع المعتادة). اما استحباب الوقوف عند الوسط والصدر فتدل عليه مرسلة عبد الله بن المغيرة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: من صلى على امرأة فلا يقوم في وسطها ويكون مما يلي صدرها وإذا صلى على الرجل فليقم في وسطه) وخبر جابر عن ابى جعفر عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقوم من الرجال بحيال السرة ومن النساء من دون ذلك قبل الصدر) وفى قبالها ما روى الشيخ عن موسى بن بكر، عن ابى الحسن عليه السلام قال: (إذا صليت على المرأة فقم عند رأسها وإذا صليت على الرجل فقم عند صدره) ولا يبعد الجمع بالتخيير، واما صورة الصلاة على الرجل والمرأة دفعة فيدل على استحباب الكيفية المذكورة فيها اخبار منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل والمرأة كيف يصلي عليهما؟ قال: (يجعل الرجل وراء المرأة ويكون الرجل مما يلي الامام) واما استحباب جعل الطفل من ورائها فتدل عليه مرسلة ابن بكير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام في جنائز الرجال والنساء والصبيان قال: (يضع

[ 570 ]

النساء مما يلى القبلة والصبيان دونهم والرجال دون ذلك ويقوم الامام مما يلى الرجال) واما استحباب وقوف المأموم ولو كان واحدا وراء الامام فيدل عليه خبر اليسع بن عبد الله القمى قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى على جنازة وحده؟ قال: نعم، قلت: فاثنان يصليان عليها؟ قال: نعم ولكن يقوم الآخر خلف الآخر ولا يقوم بجنبه) وهذه الرواية قابلة للحمل على كراهة ان يقوم المأموم بجنب الامام الا ان يقال: المناط الصدر والذيل يتفرع عليه، واما استحباب كون المصلي متطهرا فيدل عليه خبر عبد الحميد بن سعد قال: (قلت لابي الحسن عليه السلام: الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فان ذهبت اتوضا فاتتني الصلاة أتجزيني أن اصلي عليها وانا على غير وضوء فقال: تكون على طهر أحب إلي) واما استحباب كونه حافيا فهو مذهب الاصحاب ويدل عليه خبر سيف بن عميرة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا يصلى على الجنازة بحذاء ولا بأس بالخف) ولا يخفى ان المستفاد من هذا الخبر بعد صرفه عن ظاهره من الحرمة لمخالفته لفتوى الاصحاب الكراهة لا الاستحباب واما استحباب رفع اليدين في كل تكبيرة فيدل عليه صحيحة عبد الرحمن العرزمى قال: (صليت خلف ابى عبد الله عليه السلام على جنازة فكبر خمسا يرفع يديه في كل تكبيرة) وفى قبالها ما يخالفها وقد حمل على التقية. واما الدعاء للميت بالكيفية المذكورة فبالنسبة إلى المؤمن فقد سبق الاخبار الدالة عليه وقد حملت على الوجوب. واما الدعاء للمذكورين فبالنسبة إلى المنافق قد ورد اخبار منها الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا صليت على عدو الله فقل (اللهم انا لا نعلم منه الا انه عدو لك ولرسولك، اللهم فاحش قبره نارا واحش جوفه نارا وعجل به إلى النار فانه كان يوالى اعداءك ويعادي اولياءك ويبغض اهل بيت نبيك اللهم ضيق عليه قبره) فإذا رفع فقل: اللهم لا ترفعه ولا تزكه) واما بالنسبة إلى المستضعف فتدل عليه

[ 571 ]

صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: الصلاة على المستضعف والذى لايعرف مذهبه يصلى على النبي صلى الله عليه وآله ويدعى للمؤمنين والمؤمنات يقال: (اللهم اغفر للذين تابوا واتسعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) واما بالنسبة إلى الطفل فيدل عليه ما رواه الشيخ عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن على عليهم السلام في الصلاة على الطفل انه كان يقول: (اللهم اجعله لابويه ولنا سلفا وفرطا واجرا) واما استحباب الوقت حتى ترفع الجنارة فيدل عليه خبر حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عليهما السلام (ان عليا عليه السلام كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مصلاه حتى يراها على ايدي الناس) واحتمل تخصيص الحكم بالامام واما رجحان كون الصلاة في المواضع المعتادة فلان يكثر المصلون والداعون له ففي الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (إذا مات المؤمن فحضر جنازته اربعون رجلا من المؤمنين فقالوا (إنا لا نعلم منه إلا خيرا وانت اعلم به منا) قال الله تبارك وتعالى: قد اجزت شهادتكم وغفرت له من اعلمت مما لا تعلمون). (ويكره الصلاة على الجنازة مرتين. وأحكامها أربعة: الاول من أدرك بعض التكبيرات أتم ما بقي ولاء وإن رفعت الجنازة ولو على القبر، والثانى لو لم يصل على الميت صلى على قبره يوما وليلة حسب، الثالث يجوز أن تصلى هذه في كل وقت ما لم يتضيق وقت الحاضرة، الرابع لو حضرت جنازة في اثناء الصلاة تخير في الاتمام على الاولى والاستيناف على الثانية وفي ابتداء الصلاة عليهما) اما كراهة الصلاة مرتين فهي المشهور واستدل عليها بخبر وهب بن وهب، عن جعفر، عن ابيه عليهما السلام (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاءه ناس فقالوا: يا رسول الله لم ندرك الصلاة لعيها فقال: لا يصلى على جنازة مرتين ولكن ادعوا لها) وغيره من

[ 572 ]

الاخبار وهي محمولة على الكراهة ما دل على الجواز كموثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وان كان قد صلي عليه) وربما يحمل الاخبار المانعة على التقية لموافقتها للعامة ويبعد مع أخذ المشهور بها. واما الحكم الاول من الاحكام الاربعة فتدل عليه صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: (إذا ادرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقى متتابعا) وغيرها من الاخبار واستظهر منها الاقتصار بالتكبيرات من دون ذكر ودعاء ولا يبعد ان يكون المراد التكبيرات مع الذكر والدعاء، وربما يشهد له خبر علي بن جعفر عليهما السلام المروي عن كتابه عن اخيه موسى عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يدرك تكبيرة أو تكبيرتين على ميت كيف يصنع؟ قال: يتم ما بقى من تكبيرة ويبادر رفعه ويخفف) فان الظاهر من قوله عليه السلام على المحكي (ويخفف) تخفيف الذكر والدعاء، ومن أخبار الباب خبر القلانسي عن رجل عن ابى جعفر عليه السلام قال: (سمعته يقول في الرجل يدرك مع الامام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين فقال: يتم التكبير وهو يمشي معها فإذا لم يدرك التكبير كبر عند القبر فان كان ادركهم وقد دفن كبر على القبر). واما الحكم الثاني فيدل عليه في الجملة اطلاق قوله عليه السلام: (لا تدعو ا احد من امتي بلا صلاة) بعد الفراغ عن عدم مانعية الدفن عن الصلاة للاخبار ففي صحيح هشام بن سالم (لا بأس أن يصلي الرجل على الميت بعد ما يدفن) واستدل للقول بالسقوط بجملة من الاخبار منها ما عن الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم أو زرارة قال: (الصلاة على الميت بعد ما يدفن انما هو دعاء، قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله فقال: لا انما دعا له) وخبر محمد بن اسلم عن رجل

[ 573 ]

من اهل الجزيرة، قال: (قلت للرضا عليه السلام: يصلى على المدفون بعد ما يدفن؟ قال: لا لو جاز لاحد لجاز لرسول الله صلى الله عليه وآله، قال: بل لا يصلى على المدون بعدما يدفن ولا على العريان) ولا يخفى معارضة هذه الاخبار مع ما دل على الجواز بعد الدفن وقد اخذ المشهور على ما حكي بما دل على الجواز فمع الجواز لا مجال لرفع اليد عن اطلاق ما دل على عدم جواز ترك الميت بلا صلاة ولو بعد مدة طويلة، واما الاقتصار بيوم وليلة فلم نجد له دليلا وقد يدعى ان المنساق من الروايات الدالة على الجواز انما هو ارادتها عقيب دفن الميت بلا مضى مدة فغاية ما يمكن استفادته منها مشروعيتها في اليوم الذى دفن فيه وليله، وفيه تأمل فان هذا لا يبعد بالنسبة إلى مشروعية الصلاة بعد الدفن على من صلى عليه لا بالنسبة إلى من لم يصل عليه المشمول لما دل على عدم جواز ترك الميت بلا صلاة. واما الحكم الثالث فالمراد منه عدم الكراهة في وقت كبعض النوافل وتدل عليه جملة من الاخبار منها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: (يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع ولا سجود انما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود لانها تغرب بين قرني الشيطان وتطلع بين قرني الشيطان) ومع تضيق وقت الحاضرة بحيث يمكن الاتيان بصلاة الجنازة بعد الحاضرة فتقدمها واضح ومع المزاحمة بحيث لا يمكن الجمع وتفوت صلاة الميت قبل الدفن إذا قدمت الحاضرة، فالمشهور تقديم الحاضرة لاهميتها والظاهر عدم تحقق الخلاف فيه. واما الحكم الرابع فاستدل عليه بحصحية على بن جعفر عليهما السلام عن اخيه موسى عليه السلام (في قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين ووضعت معها اخرى؟ قال: ان شاؤوا تركوا الاولى حتى يفرغوا من التكبير على الاخيرة وإن شاووا رفعوا الاولى واتموا ما بقى على الاخيرة كل ذلك لا بأس به) ولا يخفى قصور

[ 574 ]

هذه الصحيحة عن افادة المدعى بل لعل الظاهر منها ان ما بقى من تكبيرة الاولى محسوب للجنازتين فإذا فرغ من تكبيرة الاولى تخيروا بين تركها بحالها حتى يكلموا على الاخيرة وبين رفعها من مكانها والاتمام على الاخيرة، نعم يمكن تصحيح المشهور اما الاتمام على الاولى والاستيناف للثانية فعلى القاعدة، واما جواز القعط فلعدم الدليل على حرمته، واما جواز استيناف الصلاة عليهما فلجواز الجمع بين الجنازتين بصلاة واحدة بمقتضى هذه الصحيحة إلا ان يقال: غاية ما يستفاد من هذه الصحيحة جواز التشريك في بعض التكبرات دون الكل. (الخامس في صلاة المسافر والنظر في الشروط والقصر، اما الشروط فخمسة الا؟ ول المسافة وهي اربعة وعشرون ميلا والميل ارعبة آلاف ذراع تعويلا على المشهور بين الناس أو قدر مد البصر من الارض تعويلا على الوضع ولو كانت اربعة فراسخ و الراد الرجوع ليومه قصر) قد فسر الميل بأربعة آلاف ذراع بذراع اليد وبقدر مد البصر من الارض لكنه فسر بعض اللغويين الميل الهاشمي بألف باع والبع ما بين اليد بعد مدها فألف باع يقصر عن اربعة آلاف ذراع بمقدار معتد به كما لا يخفى، فان كان المراد من الميل المذكور في تفسير الفرسخ الميل الهاشمي فيكون الاختلاف في الفرسخ كما في القاموس معنويا لا لفظيا كما في كلام بعض الاعلام نعم في صريح المدارك ان التحديد المذكور متطوع به بين الاصحاب ثم إنه على تقدير ان يكون المراد من الميل مد البصر من الارض ولعله الاشهر بين اللغويين فجعله امارة خلاف الظاهر بل الظاهر الموضوعية وما يقال من انه حيث يكون مقولا بالتشكيك لا يناسب إرادته في مقام تحديد مقدار مسافة البريد ونحوه، فيه نظر حيث يمكن كون الملاك أدنى المراتب حيث تصدق الطبيعة به كصدق البياض والنور ونحوهما على المرتبة الدانية منها والا فيشكل الامر في التحديد بالذرع وتدل على التحديد اخبار منها ما عن ابى بصير في الصحيح قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: في كم يقصر الرجل؟ قال: في بياض يوم أو بريدين) وعن عبد الله بن يحيى الكاهلي في الحسن

[ 575 ]

قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في التقصير في الصلاة قال: بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا) وعن سماعة في الموثق قال: (سألته عن المسافر كم يقصر الصلاة فقال: في مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ - الحديث) وروى الصدوق - قده - بسند معتبر عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: (إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لاأقل من ذلك ولا اكثر - الحديث) وفى قبالها ما يخالف هذه الاخبار وقد حمل على التقية وانما تحديد الميل فقد روى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن ابى ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن حد الاميال التي يجب فيها التقصير؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله جعل حد الاميال من ظل عير إلى ظل وعير، وهما جبلان بالمدينة فإذا طلعت الشمس وقع ظل عير إلى ظل وعير وهو الميل الذى وضع رسول الله صلى الله عليه وآله على التقصير) وروى في الكتاب المذكور ايضا، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن بعض اصحابنا، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (بينا نحن جلوس وابى عند وآل لبني امية على المدينة إذ جاء ابى فجلس فقال: كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير، فقال قائل منهم: في ثلاث، وقال قائل منهم: يوما وليلة، و قال قائل منهم: روحة، فسألني فقلت له: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي صلى الله عليه وآله: في كم ذالك؟ فقال: في بريد، فقال: واي شئ البريد؟ قال: ما بين ظل عير إلى فيئ وعير، قال: ثم قال: عبرنا زمانا ثم رأى بنو امية يعلمون اعلاما على الطريق وانهم ذكروا ما تكلم به أبو جعفر عليه السلام فذرعوا ما بين ظل عير إلى فيئ وعير، ثم جزوه على اثنى عشر ميلا فكانت ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كل ميل فوضعوا الاعلام فلما ظهر امر بنى هاشم غيروا أمر بنى امية غيره لان الحديث هاشمي فوضعوا إلى جنب كل علم علما) وروى في الفقيه مرسلا

[ 576 ]

قال الصادق عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: في كم ذلك فقال: في بريد، قال: وكم البريد؟ قال: ما بين ظل عير إلى فيئ وعير فذرعته بنو امية ثم جزأوه على اثنى عشر ميلا فكان كل ميل الفا وخمسمائة ذراع وهو اربعة فراسخ) وحمل رواية الفقيه على السهو في الحديث ولا يخفى انه مع الاخذ بالرواية السابقة ايضا لا يتم قول المشهور إذا حمل الذراع المذكور على ذراع اليد والذراع بمعنى آخر غير معهود مضافا إلى انه قيل: ان البعد ما بين ظل الجبلين ازيد من فرسخ ونصف بكثير وهذا لا ينطبق مع ما هو المشهور، فالعمدة نظر المشهور ولعلهم اطلعوا على ما لم نطلع عليه. واما وجوب القصر فيما لو سافر بمقدار اربعة فراسخ واراد الرجوع ليومه، وبعبارة اخرى وجوب القصر بثمانية فراسخ ملفقة من الذهاب والاياب مع كون الاياب في ذلك اليوم فهو المعروف بين الفقهاء بل عن الامالي انه من دين الامامية ويدل عليه اخبار منها صحيحة معاوية بن عمار انه قال لابي عبد الله عليه السلام: (ان اهل مكة يتمون الصلاة بعرفات فقال: ويلهم - أو ويحهم - واي سفر اسد منه لا تتم) وعن بعض النسخ (لاتتموا) وصحيحته الاخرى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (اهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم ثم رجعوا إلى منى اتموا الصلاة وان لم يدخلوا منازلهم قصروا) والظاهر ان المراد بالرواية بيان حكمهم إذا رجعوا من عرفات. وصحيحة الحلبي أو حسنته عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ان اهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصروا وإذا زاروا ورجعوا إلى منازلهم اتموا) ولا يخفى انه لا فرق بحسب ظاهر الاخبار بين العود ليومه والعود في غير ذلك اليوم في اثناء العشرة، بل الاخبار الراجعة إلى اهل مكة صريحة في صورة عدم الرجوع لليوم فلا وجه للتقييد المذكور وعمدة ما يستدل به على اعتبار الرجوع ليومه ومع عدمه يتم الصلاة موثقة محمد بن مسلن عن ابى جعفر عليه السلام قال: (سألته عن التقصير، قال: في بريد، قلت: بريد؟ قال: انه إذا ذهب

[ 577 ]

بريدا ورجع بريدا فقد أشغل يومه) وظهور الاخبار الدالة على التحديد في ثمانية فراسخ امتدادية والمتيقن خروجه ما كان العود ليومه، ورواية عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة) ومرسلة عبد الله بن بكير عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (في الرجل يخرج من منزله يريد منزلا له آخر أو ضيعة له اخرى قال: ان كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر وان كان دون ذلك اتم) ويمكن ان يقال: اما الموثقة فلا ظهور لها في اعتبار ان يكون السفر شاغلا ليومه بالفعل من جهة ان الصدر مطلق بل لعل الغالب ان الذاهب اربعة فراسخ لا يرجع ليومه والذيل علة لما ذكر أو لا ولعله لرفع استعجاب السائل ولا اقل من الاجمال فلا يوجب رفع اليد عن الادلة المطلقة واما ما دل على التحديد بثمانية الظاهرة فيا لامتدادية فالاخبار الدالة على كفاية الثمانية التلفيقية حاكمة عليها وتكون بمنزلة الشارحة فيؤخذ باطلاق الشارح، واما الروايتان الاخيرتان فهما بظاهرهما معارضتان مع ما دل على كفاية التلفيقية سواء كان الرجوع في اليوم الذى ذهب اربعة فراسخ أو بعده ولا يلتزم به فيرد علمهما الى اهله. (ولابد من كون المسافة مقصودة، ولو قصد ما دونها ثم قصد مثل ذلك أو لم يكن له قصد فلا قصر ولو تمادى في السفر ولو قصد مسافة فتجاوز سماع الاذان ثم توقع رفقة قصر ما بينه وبين شهر ما لم ينو الاقامة ولو كان دون ذلك اتم) اما اعتبار القصد فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه خبر صفوان قال: (سألت الرضا عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان وهي اربعة فراسخ من بغداد أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصر قال: لا يقصر ولا يفطر


(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9. (2) المصدر ب 5 ح 3. (3) المصدر ب 14 ح 3.

[ 578 ]

لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذى بلغ ولو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا لكان عليه أن ينوى من الليل سفرا والا فطاهر فان هو اصبح ولم ينو السفر فبدا له بعد أن أصبح في السفر قصر ولم يقطر يومه ذلك) (1) و موثقة عمار المتقدمة آنفا حيث حكم فيها باتمام الصلاة مع ان الرجل المفروض قد سار أزيد من ثمانية فراسخ، واما صورة حصول الترديد في الاثناء فمع حصول الترديد قبل الوصول إلى حد الترخص لا إشكال في الاتمام وكذا بعد الوصول إذا لم تبلغ مقدار المسافة ولو التلفيقية ومع البلوغ يقصر مع الترديد ثلاثين يوما و ذلك لاعتبار بقاء القصد، وتدل عليه الرواية الواردة في منتظر الرفقة قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوم خرجوا في سفر فلما انتهوا إلى الموضع الذى يجب عليهم فيه التقصير قصروا من الصلاة فلما صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلا به فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم وهم لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئة إليهم فاقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون أينبغي لهم ان يتموا الصلاة أم يقيموا على تقصيرهم؟ قال عليه السلام: ان كان بلغوا مسيرة اربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، وإن كانوا ساروا اقل من اربعة فراسخ فليتموا الصلاة اقاموا أو انصرفوا فإذا مضوا فليقصروا) (2) وكون التردد من قواطع السفر كما سيجي ان شاء الله تعالى. (ما لم ينو الاقامة ولو كان دون ذلك اتم) اما عدم التقصير مع قصد الاقامة فلما يتعرض من كون قصد الاقامة من القواطع، واما عدم البلوغ إلى حد الترخص فلان احكام المسافر من التقصير والافطار مترتبة على الوصول إلى حد الترخص مضافا إلى حصول الترديد المنافى لبقاء القصد المعتبر.


(1) الكافي أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 1. (2) الكافي ج 3 ص 433 تحت رقم 4 من حديث اسحاق بن عمار عن أبى الحسن موسى عليه السلام.

[ 579 ]

(الثاني ان لا ينقطع السفر بعزم الاقامة فلو عزم مسافة وله في اثنائها منزل قد استوطنه ستة اشهر فصاعدا أو عزم في اثنائها اقامة عشرة ايام اتم ولو قصد مسافة فصاعدا وله على رأسها منزل قد استوطنه القدر المذكور قصر في طريقه واتم في منزله) عزم الاقامة في محل يترتيب عليه أمر ان أحدهما عدم تحقق السفر الموجب للقصر والثانى انقطاع السفر المتحقق، وتدل على قاطعيته صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليهما السلام قال: (من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة اهل مكة فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير فإذا زار البيت اتم الصلاة وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر) (1) وما رواه في الكافي والتهذيب: عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام قال: (قلت: أرأيت من قدم بلدة إلى متى ينبغي له أن يكون مقصرا ومتى ينبغي له ان يتم؟ فقال: إذا دخلت ارضا فأيقنت ان لك بها مقاما عشرة ايام فاتم الصلاة وان لم تدرما مقامك بها تقول غدا أخرج أو بعد غد فقصر ما بينك وبين ان يمضى شهر فإذا تم لك شهرفاتم الصلاة وان أردت ان تخرج من ساعتك) (2) وغيرهما من الاخبار، واستشكل بأن غاية ما يستفاد من اخبار الباب لزوم الاتمام على المسافر في محل قصد فيه اقامة عشرة ايام والمدعى كون قصد الاقامة موجبا لعدم القصر فيما قبله إذا لم يكن بمقدار المسافة والاحتياج إلى قصد سفر جديد فيما بعده، واخبار الباب لا تفي بالمدعى إلا أن يتمسك بالاجماع المنقول وغاية ما يستدل به للمدعى الصحيحة الاولى حيث نزل فيها من قدم قبل التروية بعشرة ايام بمنزلة اهل مكة ويمكن المناقشة بأن المتيقن التنزيل في الاحكام المذكورة في الصحيحة من دون أن يكون القاصد للاقامة بمنزلة من يكون في بلده ووطنه في جميع الاحكام كما استشكلوا في بعض الموارد في عموم المنزلة مع وجود القدر المتيقن المذكور في الكلام فالعمدة التسليم بين الاصحاب وعدم الخلاف واما انقطاع السفر بالوطن فلا إشكال فيه والوطن معروف لا يحتاج إلى التفسير وإنما الاشكال فيما يعبرون عنه بالوطن الشرعي المفسر بمحل قد استوطنه


(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 2. (2) المصدر ب 5 ح 9.

[ 580 ]

ستة أشهر وكان له فيه ملك ولو نخلة واحدة فقد يستظهر من بعض الاخبار كونه وطنا ولو من باب التنزيل الموجب لجريان أحكام الوطن العرفي فيه وادعى ثبوته بمقتضى الجمع بين الاخبار فطائفة من الاخبار يستفاد منها لزوم التمام في ملكه وضيعته من غير تقييد بكونه منزلا له، منها صحيحة اسماعيل ابن الفضل قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسافر من أرض إلى أرض وإنما ينزل قراه وضيعته قال: إذا نزلت قراك وضيعتك فاتم الصلاة وإذا كنت في غير ارضك فقصر) (1) وفى قبالها اخبار اخر منها صحيحة علي بن يقطين قال: قلت لابي الحسن الاول عليه السلام: (الرجل يتخذ المنزل فيمر به ايتم ام يقصر؟ قال: كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل وليس لك ان تتم فيه) (2) وصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أو يقصر؟ قال: يقصر انما هو المنزل الذى توطنه) (3) واستشهد للجمع بين الطائفتين بصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن ابى الحسن الرضا عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يقصر في ضيعته؟ فقال: لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا ان يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها) (4) ولا يخفى إباء الطائفتين من الحمل على ما يستفاد من هذه الصحيحة بل تأبى هذه الصحيحة ايضا من الحمل على غير الوطن المعروف، و الشاهد أنه على ما في الخبر قال: (إلا ان يكون له فيها منزل يستوطنه) والظاهر انه عليه السلام كان يكتفى بما قال لو لا سؤال الراوي عن الاستيطان ولا إشكال في انه لو لا هذا السؤال لكان الكلام محمولا على المعنى المعروف. (وإذا قصر ثم نوى الاقامة لم يعد، ولو كان في الصلاة اتم) اما عدم الاعادة في الصورة الاولى فوجهه واضح لان تكليف المسافر القصر ما لم ينو الاقامة واما الاتمام في الصورة الثانية فيدل عليه صحيحة على بن يقطين أنه سأل أبا الحسن الاول عليه السلام (عن الرجل يخرج في السفر ثم يبدو له في الاقامة وهو في الصلاة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 2 و 6 و 8 و 11.

[ 581 ]

قال: يتم إذا بدت له الاقامة) (1). (الثالث ان يكون السفر مباحا فلا يترخص العاصى بسفر كالمتبع للجائر واللاهى بصيده ويقصر لو كان الصيد للحاجة، ولو كان الصيد للتجارة قيل يقصر صومه ويتم صلاته) اما اشتراط كون السفر سائغا فلا خلاف فيه في الجملة ويدل عليه أخبار منها صحيحة عمار بن مروان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (من سافر قصر وأفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله أو رسولا لمن يعصى الله عزوجل أو في طلب شحناء أو سعاءية؟ أو ضرر على قوم من المسلمين) (2) و منها موثقة عبيد بن زرارة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصر أو يتم؟ قال: يتم لانه ليس بمسير حق) (4) لا إشكال في دلالة الاخبار على لزوم الاتمام وعدم التقصير في سفر كان لغاية محرمة، وأما ما كان بنفسه محرما فقد يستظهر من الاخبار ايضا فيه عدم التقصير ففي موثقة سماعة قال: (سألته عن المسافر - إلى ان قال: - من سافر قصر الصلاة وافطر الا ان يكون رجلا مشيعا لسلطان جائز أو خرج إلى صيد - الحديث) (5) فالمسافرة بقصد التشييع للسلطان الجائر يتحقق بنفس المسافرة وليس غاية لها كما أن قوله عليه السلام في صحيحة عمار (وفى معصية الله) والتعليل في الموثقة بأنه ليس بمسير حق يستظهر منها عدم الفرق بين كون السفر بنفسه معصية وكونه لغاية محرمة، ومع ذلك يمكن التأمل في الاستفادة المذكورة، اما ما يستفاد منه عدم القصر لو سافر بقصد التشييع فيمكن ان يكون من جهة كون التشييع المذكور مقدمة لترويج الباطل والتقرب إلى الجائر واما التعليل بأنه ليس بمسير حق فان كان لفظ (حق) صفة للمسير تم ما افيد وان كان بنحو الاضافة فاستفادة ما ذكر منه مشكل، وقد يستظهر من عطف قوله عليه السلام على ما في الخبر في صحيحة عمار (أو رسولا) على ما سبق بدعوى أنه


(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 1. (2) المصدر ب 8 ح 3. (3) و (4) المصدر ب 9 ح 4 و 5. (5) المصدر ب 8 ح 4.

[ 582 ]

قرينة على أن المراد من قوله عليه السلام (أو في معصية الله) السفر الذى يكون بنفسه معصية وفيه تأمل لاحتمال أن يكون العطف لبيان الفرد الخفى، وأما سفر اللاهى بصيده فمقتضى النصوص لزوم الاتمام فيه وإن لم يلتزم بالحرمة فلا إشكال في الحكم وأما لو كان سفره للصيد للحاجة إلى الصيد فمقتضى بعض الاخبار ان حكمة القصر مثل خبر عمران بن محمد بن عمران القمى عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصر أو يتم فقال: إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصر، وإن خرج لطلب الفضول فلا، ولا كرامة) (1) والظاهر أن ذكر الخروج لقوت نفسه وقوت عياله من باب المثال والشاهد عليه ظهور بعض الاخبار في كون المناظ الخروج في لهو ففي صحيحة زرارة، عن ابى جعفر عليه السلام قال: (سألته عمن يخرج عن أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه الليلة الليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته ام لا يقصر؟ قال: إنما خرج من لهو لا يقصر الحديث) (2) ومع ظهور كون المناط الخروج في لهو يخرج ما لو كان للتجارة ولازمه لزوم التقصير والافطار لتلازمهما الا في بعض الموارد الا انه اشتهر بين المتقدمين كما قيل التفصيل المذكور وتطمئن النفس بعثور هم على حجة على ذلك فيشكل مخالفتهم وان كان المشهور بين المتأخرين خلافه. (الرابع أن يكون سفره اكثر من حضره كالراعي والبدوي والمكاري والملاح والتاجر والامير والبريد وضابطه ان لا يقيم في بلده عشرة ايام ولو أقام في بلده أو غير بلده ذلك قصر، وقيل: هذا يختص بالمكاري فيدخل فيه الملاح والاجير ولو اقام خمسة قيل: يقصر صلاته نهارا ويتم ليلا ويصوم شهر رمضان على رواية) اما اشتراط عدم كون السفر عمله الملازم غالبا لكون سفره اكثر من حضره فالمدرك له اخبار مستفيضة منه صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر المكارى والكرى والراعي والاشتقان لانه


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 5 و 1.

[ 583 ]

عملهم) (1) ومنها خبر ابن ابى عمير المروي عن الخصال مرفوعا إلى ابى عبد الله عليه السلام قال: (خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر المكارى والكرى والاشتقان وهو البريد والراعي والملاح لانه عملهم) (2) ومنها رواية اسحاق بن عمار قال: (سألته عن الملاحين والاعراب هل عليهم تقصير؟ قال: لابيوتهم معهم) (3) ومنها مرسلة سليمان ابن جعفر الجعفري عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الاعراب لا يقصرون وذلك أن منازلهم معهم) (4) والمستفاد من الاخبار ترتب الحكم اعني لزوم الاتمام والصوم على احد الامرين احدهما كون السفر عملا للمسافر والآخر ان يكون بيته معه فلابد من انطباق احد العنوانين حتى يترتب الحكم ولازم هذا عدم اعتبار كون السفرا اكثر من الحضر فان من يشتغل بالمسافرة في نصف السنة لا يبعد صدق انه عمله وان لم يكن سفره اكثر من حضره كما انه يلزم منه خروج السفر الذى هو خارج عن عمله كالمكارى الذى يسافر للحج أو الزيارة من دون ان يكون السفر لهما عمله ويمكن أن يتأمل في الخروج بدعوى عدم الفرق بين ما ذكر وبين ما كان تردده بين بلدتين بالخصوص فسافر بين غيرهما ووجهه ان الملاك ظاهرا كون اصل السفر عملا له من دون ملاحظة الخصوصيات فتأمل، ثم انه قد ورد في عدة اخبار ان المكارى إذا جد به السير يقصر منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (المكارى والجمال إذا جد بهما السير فليقصرا ومنها مرسلة عمران بن محمد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (الجمال والمكارى إذا جد بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين ويتما في المنزل) (5) وعن الكليني مرسلا قال: وفى رواية اخرى المكارى إذا جد به السير فليقصر، قال: ومعنى جد به السير جعل المنزلين منزلا) (6) والظاهر عدم اختصاص هذا بصورة جعل المنزلين منزلا بل الظاهر الاسراع والعنف في السير بأى نحو حصل الا أن الاصحاب لم يلتزموا بهذا الظاهر ظاهرا، وهذا لا يجعل الروايات الواردة من الشواذ الغير المعمول بها كما ان تقييدها بمرسلة عمران مشكل مع عدم معلومية جابرلها، وأما


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 1 و 12 و 5 و 6. (5) و (6) المصدر ب 13 ح 2 و 4.

[ 584 ]

اشتراط عدم الاقامة في بلده أو غير بلده عشرة أيام في لزوم التمام والصوم فاستدل عليه بما رواه الشيخ - قد - بإسناده عن يونس بن عبدالرحن عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن حد المكارى الذي يصوم ويتم قال: (أيما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبدا وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والافطار) (1) وعن عبد الله بن سنان بسند غير صحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام وأو أقل قصر في سفره بالنهار، و أتم صلاة الليل، وعليه صوم شهر رمضان، وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة ايام أو أكثر قصر في سفره وأفطر) (2) وعن الصدوق في الفقيه أنه روى هذه الرواية في الصحيح بنحو آخر قال: (المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتى صلاة الليل وعليه صوم شهر رمضان وإن كان له مقام في البلد الذي يدهب إليه عشرة أيام أو أكثر وينصرف إلى منزله ويكون له مقام عشرة ايام أو اكثر قصر في سفره أو افطر) (3) ولا مجال للمناقشة في الاخبار تارة من حيث السند واخرى من جهة الاشتمال على ما لا يقول به احد، ويمكن الدفع اما من حيث السند فبانجبار الضعف بعمل الاصحاب واخذهم مع ان يونس على ما قيل من اصحاب الاجماع، نعم لابد من تقييد اقامة عشرة ايام في غير بلده بما لو كان مع قصد لنقل الاجماع على اعتبار القصد فيه ففي رواية يونس كفاية للمدعى فلا تحتاج في استدلال بغيرها للمدعى إلى التوجية ببعض الوجوه الخارج عن الظهور، وهذه الرواية وان كانت مطلقة في اعتبار الاقامة عشرة ايام في لزوم القصر والافطار والاعتماد بالاجماع المنقول في تقييدها مشكل الا ان معهودية اعتبار القصد في اقامة عشرة ربما توجب التشكيك في إطلاقها لكن لازم هذا التقييد حتى في صورة الاقامة في بلده ولا يلتزمون به مضافا إلى أن معهودية اعتبار القصد في إقامة عشرة أيام في


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 1 و 5. (3) المصدر باب صلاة السفر تحت رقم 13.

[ 585 ]

حكم آخر غير مرتبط بمقامنا هذا لا يوجب رفع اليد عن إطلاق الدليل لكنه مع ذلك مخالفة المشهور مشكة، ثم إنه إذا وجب عليه التقصير من جهة إقامة عشرة أيام فهل هو مخصوص بالسفرة الاولى فيتم في الثانية ام يقصر في الثانية ايضا فلا يعود حكمه إلا في الثالثة؟ قولان قد يستدل للاول بأن مقتضى اطلاق ما دل على لزوم التمام والصوم على المكارى وجوب التمام والصوم في السفرة الثانية والقدر المتيقن خروجه هو السفر الاولى، واستشكل عليه بأنه يصح لو جعلنا الحكم بالقصر في السفرة الاولى من باب التخصيص الحكمي لا الا خراج عن موضوع من كان عمله السفر تعبدا وتوضحيحه ان سؤال السائل عن الحد وأراد السائل فهم مقدار من التكرر الذى لا وقوف معه عن العمل وان اي مقدار من الوقوف يخرجه عن كونه عملا له أو يمنع عن تحقق عنوانه الشغلية فبين الامام عليه السلام فبعد خروجه عن العنوان تعبدا يحتاج في العود إلى التكرار، وفى هذا الاشكال نظر لان التحديد ليس في كلام الامام عليه السلام والمذكور في كلام الراوي ايضا لا يستفاد منه ذلك، بل المستفاد منه زيادة قيد في الموضوع وهو عدم الاقامة في منزله أو البلد الذى يدخله عشرة ايام و اين هذا من الخروج الموضوعي، ولازم ما ذكر حصول التكرر بمقدار يصدق معه أنه شغله لو كان مقيدا ولعله لا يكتفى بنظر العرف بمرتين بل وثلاثة والظاهر عدم التزام الفقهاء بهذا فالقول الاوى أقوى ثم التقييد بعدم الاقامة عشرة ايام وارد في خصوص المكارى والمشهور التعدي إلى غيره بل ادعى الاجماع عليه فان تم فهو المتبع والا ففيه اشكال، واما ما قيل: من التقصير في الصلوات النهارية والاتمام في الليلية والصيام مع إقامة خمسة ايام فهو محكي عن الشيخ وابنى حمزة والبراج لقوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان المتقدمة لكن الرواية شاذة فلا مجال لرفع اليد عن مرسلة يونس المتقدمة. (الخامس أن يتوارى جدران البلد الذى يخرج منه أو يخفى اذانه فيقصر في صلاته وصومه وكذا في العود من السفر على الاشهر) تدل على شرطية المذكور أخبار، منها صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل

[ 586 ]

يريد السفر فيخرج متى يقصر؟ قال: إذا توارى من البيوت الحديث) (1) ومنها صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن التقصير قال: (إذا كنت في الموضع الذى تستمع فيه الاذان فاتم وإذا كنت في الموضع الذى لا تسمع فيه الاذان فقصر وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك) (2) ومنها المروى عن محاسن البرقى في الصحيح عن حماد بن عثمان، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا سمع الاذان اتم المسافر) (3) ولا يعارض هذه الاخبار بعض الاخبار الذى ربما يظهر منه عدم اشتراط الوصول إلى الحد المذكور لعدم العمل به فيرد علمه إلى اهله ثم انه قد استشكل في المقام بأن عدم سماع الاذان يكون متخلفا غالبا عن خفاء الجدران المعبر به عن التوارى من البيوت فلا يمكن الجمع بين الدليلين فحيث يكون خفاء الجدران اخص يلغو اعتباره لكونه مسبوقا بخفاء الاذان، وقد يجاب عن هذا الاشكال بأن المعتبر في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة توارى الانسان عن البيوت، لا توارى البيوت عن الانسان كما وقع في التعبيرات بتواري الجدران وهذا ايضا مشكل فان الظاهر ان توارى الانسان عن البيوت ايضا اخص ونظير هذا الاشكال وقع في تحديد الكر بالوزن والمساحة حيث قيل بخلف احد الحدين عن الآخر وقد يقال: هناك بالحمل على مترتبتي النظافة نظير الاختلاف في مقادر منزحات البئر بل الاختلاف بين ما دل على عدم تنجس ماء البئر وما دل على نجاسته بوقوع الاعيان النجسة فيها فلا يبعد ان يقال في المقام بأن الوصول إلى حد لا يسمع الاذان مرخص للافطار وقصر الصلاة واحسن منه ان يوخر المسافر إلى الوصول إلى حد من البعد يكون متواريا عن الجدران والبيوت بحيث لا يشاهده من في البيوت وهذا احتمال لم اجد لاحد التعرض له، ثم انه يظهر من ذيل صحيحة ابن سنان والمروي عن محاسن البرقى اعتبار ما ذكر في الرجوع عن السفر ايضا وهو المشهور ولا يعارض بما دل على خلافه لاعراض المشهور عن العمل به، فمما دل على الخلاف رواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (ان اهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم اتموا وإذا


(1) و (2) و (3) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 1 و 4 و 7.

[ 587 ]

لم يدخلوا منازلهم قصروا) (1) ورواية عيص عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته) (2). (واما القصر فهو عزيمة الا في احد المواطن الاربعة وهي مكة، والمدينة، وجامع الكوفة والحائر فانه مخير في قصر الصلاة والاتمام افضل، وقيل: من قصد اربعة فراسخ ولم يرد الرجوع ليومه تخير في القصر ولاتمام ولم يثبت) اما كون القصر عزيمة فلا خلاف فيه بل لعله من ضروريات المذهب وهو المستفاد من الاخبار، واما التخيير في المواطن الاربعة مع كون الاتمام افضل فهو المشهور خلافا لما حكي عن الصدوق والسيد المرتضى - قدس سرهما - وتدل على المشهور صحيحة على بن مهزيار المروية عن التهذيب قال: (كتبت إلى ابى جعفر الثاني عليه السلام ان الرواية قد اختلفت عن آبائك في الاتمام والقصر للصلاة في الحرمين فمنها بأن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها ان يقصر ما لم ينو عشرة ايام ولم أزل على الاتمام فيهما إلى ان صدرنا في حجنا في عامنا هذا فان فقهاء اصحابنا أشاروا إلى بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة ايام فصرت إلى التقصير وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك؟ فكتب عليه السلام إلى: قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فانا احب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر وتكثر فيهما من الصلاة - الحديث) (3) ومنها صحيحة حماد بن عيسى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (ان من مخزون علم الله الاتمام في اربعة مواطن حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير - المؤمنين عليه السلام، وحرم الحسين بن علي عليهما السلام) (4) وعن الصدوق مرسلا عن الصادق عليه السلام قال: (من الامر المذخور إتمام الصلاة في اربعة مواطن مكة والمدينة، و مسجد الكوفة، وحائر الحسين عليه السلام) (5) وفى قبال هذه الطائفة من الاخبار اخبار اخر يظهر منها وجوب التصير فمنها صحيحة معاوية بن وهب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة


(1) و (2) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 1 و 4. (3) و (4) و (5) المصدر ب 25 ح 4 و 1 و 25.

[ 588 ]

ايام، فقلت: ان اصحابنا رووا عنك انك امرتهم بالتمام، فقال: اصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون، والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام) (1) ومنها صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: (سألت الرضا عليه السلام عن الصلاة بمكة والمدينة بتقصير أو إتمام، فقال: قصر ما لم تعزم على مقام عشرة ايام) (2) ولا مجال للجمع العرفي بين الطرفين الا ان الظاهر صدور الطائفة الثانية تقية، ويشهد له ما دل من الاخبار ان الاتمام في المواطن الاربعة من مخزون علم الله أو من الامر المذخور، فالطائفة اللثانية بملاحظة ما ذكر محمولة على التقية، ويدل على التخيير وافضلية الاتمام مضافا إلى ما ذكر رواية على بن يقطين قال: (سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن التقصير بمكة فقال عليه السلام: اتم؟ وليس بواجب الا انى احب لك ما احب لنفسي) (3) ورواية الحسين بن المختار عن ابى ابراهيم عليه السلام قال: (قلت له: انا إذا دخلنا مكة والمدينة نتم أو نقصر؟ قال عليه السلام: ان قصرت فذلك وان اتممت فهو خير تزداد) (4) واما تعيين المواطن فالظاهر ان المراد من الحرمين الشريفين تمام البلدين لصحيحة علي بن مهزيار المتقدمة آنفا ففي ذيلها (فقلت له: بعد ذلك بسنتين مشافهة: إنى كتبت اليك بكذا واجبتني بكذا؟ فقال: نعم، فقلت: اي شئ تعني بالحمرمين؟ فقال عليه السلام: مكة والمدينة - الخبر) وعلى هذا فما ورد فيه التعبير بالمسجدين لعله من باب الغلبة فلا يوجب التقييد، واما الموطنان الآخران فقد يقال: ان محل التخيير مجموع البلدين للتعبير في بعض الاخبار بحرم أمير المؤمنين وحرم الحسين عليهما السلام كما في صحيحة حماد المقتدمة آنفا، واستشكل بأنه لا يصح حمل هذه الكلمة على كل موضع صار محترما لاجلهما عليهما السلام والشاهد على ذلك ان الموضع الذى صار محترما بواسطة القرب إلى البيت الشريف ما كان يخفى على مثل ابن مهزيار، ومع ذلك سئل عن المراد من الحرمين ومثل هذا السؤال والجواب ما وقع في مورد حرم أمير المؤمنين وحرم الحسين عليهما السلام وفى هذا الاشكال نظر لان الحرم ليس له معنى


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 34 و 32 و 18 و 15.

[ 589 ]

اصطلاحي مغاير للمعنى اللغوى والعرفي ولو كان كذلك للزم البيان فالا كتفاء بالذكر من دون تفسير يكشف عن ارادة المعنى العرفي ومقتضى اطلاقه عدم دخل قيد زائد والاستشهاد بما ذكر لا يوجب رفع اليد عن الظهور فانه ربما يكون كلام المتكلم ظاهرا في معنى غير صريح فيه قابل لاحتمال ارادة الخلاف فيسأل المخاطب لرفع الاحتمال وحصول التصريح مع تمامية الحجة بدون ذلك، كما لو قال المولى: اكرم علماء البلد فيسأل العبد تريد اكرام كلهم؟ لرفع الاحتمال، و يؤيد ما ذكر وحدة السياق وفى بعض الاخبار مثل رواية حسان بن مهران قال: (سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام: مكة حرم الله ومدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله والكوفة حرمى لا يريدها جبار بحادثة إلا قصمه الله) (1) وأما الحائر فالتصريح به في مرسلة الصدوق المتقدمة وعبر في غيرها بحرم الحسين عليه السلام وفى بعضها بعند قبر الحسين عليه السلام فبناء على الاخذ بالقدر المتقين يقتصر على اطراف الضريح المقدس، واما التخيير فيما لو سافر اربعة فراسخ ولم يرد الرجوع ليومه فقد مضى الكلام فيه. (ولو اتم المقصر عامدا اعاد ولو كان جاهلا لم يعد والناسي يعيد في الوقت لا مع خروجه ولو دخل وقت صلاة فسافرو الوقت باق قصر على الاشهر وكذا لو دخل من سفره اتم مع بقاء الوقت ولو فاتت اعتبر حال الفوات لاحال الوجوب) اما لزوم الاعادة لو اتم مع كون تكليفه التقصير فلا خلاف فيه ظاهرا ويدل عليه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قالا: قلنا له: (رجل صلى في السفر اربعا ايعيد ام لا؟ قال: ان كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى اربعا اعادو ان لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا اعادة عليه) (2) ومن هذه الصحيحة يستفاد حكم الجاهل وعدم الاعادة عليه ولا يعارضها صحيحة العيص عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة قال: ان كانت في وقت


(1) الكافي ج 4 ص 563 باب تحريم المدينة (2) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 4.

[ 590 ]

فليعد وإن كان الوقت قد مضى فلا) (1) لانصراف هذه إلى صورة النسيان ومع قطع النظر عن هذا فالصحيحة السابقة القدر المتقين منها نفى الاعادة في الوقت فتكون صريحة في عدم وجوب الاعادة في الوقت ويستفاد من هذه الصحيحة حكم الناسي لانه القدر المتقين منها واما حكم المسافر بعد الوقت ففيه خلاف فقيل الاعتبار بحال الاداء، وقيل باعتبار حال الوجوب، وقيل بالتخيير وقيل: يتم في السعة ويقصر مع الضيق، فمما يدل على اعتبار حال الاداء صحيحة اسماعيل بن جابر قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: يدخل على وقت الصلاة وانا في السفر فلا اصلى حتى ادخل اهلي؟ فقال: صل واتم الصلاة، قلت: فدخل على وقت الصلاة وانا في اهلي اريد السفر فلا اصلي حتى اخرج؟ فقال: فصل وقصر فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه وآله) (2) وغيرها كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس فقال: إذا خرجت فصل ركعتين) (3) وبازاء هذه الطايفة اخبار اخر يظهر منها اعتبار حال الوجوب منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل الصلاة وهو في الطريق، قال: يصلي ركعتين وان خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل اربعا) (4) ومنها موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن الرجل إذ زالت الشمس وهو في منزلة ثم يخرج في السفر فقال: يبدء بالزوال فيصليها ثم يصلى الاولى بتقصير ركعتين لانه خرج من منزله قبل أن تحضر الاولى، وسئل فان خرج بعد ما حضرت الاولى، قال: يصلي الاولى اربع ركعات ثم يصلى بعد النوافل ثمانية ركعات لانه خرج من منزله بعد ما حضرت الاولى فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير وهي ركعتان لانه خرج في السفر قبل ان تحضر العصر) (5) ولا مجال للجمع الدلالى بين الطائفتين ولا مجال للتخيير


(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 1. (2) و (3) و (4) المصدر ب 21 ح 2 و 1 و 5. (5) الوسائل أبواب الفرائض ونوافلها ب 23 ح 1.

[ 591 ]

لامكان ورود الطائفة الثانية تقية كما يشهد له صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمه بل يمكن إدراجها في الاخبار المخالفة للكتاب والسنة واما حكم القضاء مع الفوت فملاحظة حال الفوت فيه مشكلة فان الفوت مستند إلى مجموع التركين الترك حال الوجوب والترك في آخر الوقت فما وجه ملاحظة حال الفوت الا ان يقال: ان العرف يلاحظ حالة المسافرة حالته الاخيرة فمقتضى قوله عليه السلام (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته) القضاء موافقا لحال المسافر حالته الاخيرة التي يستند الفوت إلى الترك فيها. (وإذا نوى المسافر الاقامة في غير بلده عشرة ايام اتم ولو نوى دون ذلك قصر ولو تردد قصر ما بينه وبين الثلاثين يوما ثم اتم ولو صلاة واحدة ولو نوى الاقامه ثم بداله قصر ما لم يصل على التمام ولو صلاة واحدة) اما لزوم الاتمام مع قصد العشرة فتدل عليه اخبار مستفيضة منها صحيحة زرارة المروية عن الكافي والتهذيب عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: (أرأيت من قدم بلده إلى متى ينبغى له ان يكون مقصرا ومتى ينبغى له ان يتم؟ فقال: إذا دخلت ارضا فايقنت ان لك بها مقام عشرة ايام فاتم الصلاة وان لم تدر ما مقامك بها تقول غدا اخرج أو بعد غد فقصر مابيك و بين ان يمضى شهر، وفاذا تم لك شهر فاتم الصلاة وان اردت ان تخرج من ساعتك) (1) ثم انه قد يقال بعدم منافاة الخروج إلى غير محل الاقامة بشرط ان يرجع قريبا فمع العزم على الاقامة في محل بهذا النحو يصدق العنوان الموضوع للحكم، وفيه إشكال لعدم الفرق بين المقام وسائر المقامات كحد الكر وحد غسل الوجه فلازم ما هو بناؤهم على عدم الاعتناء هناك بالصدق العرفي المبنى على المسامحة عدم الاعتناء في المقام، ثم انه قد يقال بلزوم القصد بالنسبة إلى الاقامة عشرة ايام تفضيلا لا اجمالا فمن قصد اقامة مقدار من الزمان يأخذ حقه من غريمه مثلا ليس قاصدا للاقامة عشرة ايام وان كان مطاباق لعشرة ايام بل هو مصداق من يقول غدا اخرج أو بعد غد ويكون مصداقا للمتردد المحكوم بوجوب القصر وهكذا الكلام فيمن


(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 9 وقد تقدم.

[ 592 ]

نوى المقام إلى آخر الشهر وقد بقى عشرة ايام واقعا، وفيه تأمل لسؤال الفرق بين المقام وبين قصد المسافة حيث يقال: يكفي في قصد المسافة قصد التابع للسير بمقدار سير المتبوع، ثم ان المعروف بل ادعى الاجماع عليه ان عزم الاقامة بمقدار عشرة ايام قاطع للسفر بمعنى ان لزوم القصر في حقه يحتاج إلى سفر جديد و استدل عليه بالاخبار الدالة على وجوب القصر على الخارج من مكة إلى عرفات المعلله بكون المشى إليها سفر وفى بعضها (واى سفر اشد منه) وهذه الاخبار وان كانت واردة فيمن اقام بمكة عشرة ايام ولا تدل على ان مجرد عزم الاقامة إلى تلك المدة قاطعة للسفر ولكنها توجب ظهور الخبر المنزل قادم مكة منزلة اهلها في عموم الآثار، وفيه نظر، وجه ذلك ان وجه دلالة تلك الاخبار أنه لو لم ينقطع السفر بالاقامة لما احتاج التقصير إلى كون الذهاب إلى عرفات والرجوع منها مسافة توجب التقصير بل يكفى مجرد الخروج من مكة، والاشكال فيه من جهة ان الحكم في غالب تلك الاخبار راجع إلى اهل مكة المقيمين فيها ومعلوم انهم يحتاجون إلى انشاء سفر في التقصير وبعض تلك الاخبار دلت على وجوب التقصير بعد الخروج إلى عرفات لكنه لم يعلل لزوم التقصير يكون التقصير من جهة السفر الجديد حتى يتم الاستدلال فلاحظ اخبار الباب. واما لزوم القصر مع التردد ما بينه وبين ثلاثين يوما فيدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة آنفا وغيرها لكن، تعبير في الصحيحة بمضي الشهر دون ثلاثين يوما لكنه قيد في بعض الاخبار بثلاثين يوما وهو خبر ابن ابى ايوب قال: (سأل محمد بن مسلم ابا عبد الله عليه السلام وانا اسمع عن المسافر إذا حدث نفسه باقامة عشرة ايام فليتم الصلاة فان لم يدرما يقيم يوما أو اكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم - الحديث) (1) فهذه الحسنة اما مبين أو مقيد لسائر الاخبار الا ان يستشكل من جهة السند، ثم ان الترديد في ان ثلاثين يوما أو الشهر قاطع للسفر بحيث يحتاج في التقصير إلى سفر جديد أو يكون المسافر محكوما بالاتمام في محل التوقف فقط ولم يخرج عن عنوان المسافر يأتي في


(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 12.

[ 593 ]

المقام وإثبات القاطعية بحسب الادلة مشكلة، واما وجوب القصر في صورة البداء مع عدم الاتيان بصلاة تامة ولزوم الاتمام مع الاتيان بها فتدل عليه صحيحة ابى ولاد الحناط قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى كنت نويت حين دخلت المدينة ان اقيم بها عشرة ايام واتم الصلاة، ثم بدالي بعد ان لا اقيم بها فما ترى لى اتم ام اقصر؟ قال ان كنت دخلت المدينة وصليت بها صلاة واحدة فريضة بتمام فليس لك ان تقصر حتى تخرج منها وان كنت حين دخلتها على نية التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدالك ان لا تقيم فانت في تلك الحال بالخياران شئت فانوا المقام عشرا واتم وان لم تنوا المقام عشرا فقصر ما بينك وبين شهر فإذا مضى لك شهر فاتم الصلاة) (1). (ويستحب ان يقول عقيب الصلاة (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) ثلاثين مرة جبرا للقصر، ولو صلى المسافر خلف المقيم لم يتم واقتصر على فرضه ويسلم منفردا ويجمع المسافر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ولو سافر بعد الزوال ولم يصل النوافل قضاها سفرا وحضرا) اما استحباب التسبيحات الاربع فيدل عليه خبر سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه العسكري: (يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) - ثلاثين مرة لتمام الصلاة) (2) وخبر آخر (3) ولابد ان يكون المراد من الوجوب خلاف معناه المصطلح من جهة عدم التزام المتشرعة به مع عموم البلوى. واما الصلاة خلف المقيم فلا اشكال في انها تؤدى بحسب وظيفة المقصر ولا يجب عليه المتابعة، وتدل عليه الاخبار منها صحيحة حماد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسافر يصلى خلف المقيم؟ قال: يصلى ركعتين ويمضى حيث شاء) (4) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام (إذا صلى المسافر


(1) الوسائل أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 1. (2) و (3) المصدر ب 24 ح 1 و 2. (4) الاستبصار ج 1 ص 425 باب المسافر يصلى خلف المقيم ح 2.

[ 594 ]

خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين ويسلم وان صلى معهم الظهر فليجعل الاوليين الظهر والاخيرتين العصر) (1) واما الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فان كان النظر إلى جوازه فلا إشكال فيه كما تقدم في باب المواقيت وان كان النظر إلى الاستحباب فاستدل عليه بالنبوي صلى الله عليه وآله كان صلى الله عليه وآله وسلم (إذا كان في سفر أو عجلت به حاجة يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة) (2) ولا يبعد استفادة الاستحباب من جهة ظهوره في المداومة. وأما استحباب قضاء النوافل لو سافر بعد الزوال فتدل عليه موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن الرجال إذا زالت الشمس وهو في منزله ثم يخرج في السفر فقال: يبدء بالزوال فيصليها ثم يصلي الاولى بتقصير ركعتين لانه خرج من منزله قبل ان تحضر الاولى، وسئل فان خرج بعد ما حضرت الاولى؟ قال: يصلي الاولى أربع ركعات ثم يصلى بعد النوافل ثمانية ركعات لانه خرج من منزله بعد ما حضرت الاولى - الحديث) (3) والمراد بالثمان ركعات التي أمر بفعلها بعد أداء الظهر تامة بحسب الظاهر هي نافلتها التي فات وقتها بحضور وقت الفريضة وقد عرفت سابقا حمل هذه الموثقة واشباهها على التقية في قبال ما دل من الاخبار على ان المدار على السفر والحضر وقت أداء الفريضة ويمكن أن تكون محمولة على التقية في ذلك الحكم دون غيره. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم أجمعين. وقد فرغ مؤلفه الفقير في الليلة الاولى من شهر ربيع الاول سنة تسع وستين بعد الف وثلاثمائة


(1) الاستبصار ج 1 ص 425 باب المسافر يصلى خلف المقيم ح 4. (2) الوسائل أبواب المواقيت ب 31 ح 3 بسند حسن عن الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) قد تقدم ص 590. إلى هنا تمت تعاليقنا على كتاب الطهارة والصلاة ويتلوه كتاب الزكاة ان شاء الله تعالى. على اكبر الغفاري .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية