الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح العروة الوثقى - السيد محمد باقر الصدر ج 4

شرح العروة الوثقى

السيد محمد باقر الصدر ج 4


[ 1 ]

بحوث في شرح العروة الوثقى تأليف السيد محمد باقر الصدر دامه ظله الجزء الرابع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إذا كان تكريس الجهود وحشد الطاقات لخدمة العلم والشريعة من التوفيقات الربانية فالعمل في تحقيق هذا الكتاب الجليل والعناية بابحاثه القيمة وافكاره العميقة نعمة عظيمة وفرصة ثمينة اتاحها لي سيدي الاستاذ المجدد - ابقاه الله نورا يضئ درب الامة - فعقدت العزم على تدقيق هذه البحوث المنحدرة من منبع فياض بالفكر الناضج والاستدلال المتكامل فخرجت ما بين من نصوص الروايات وذكرت ما اجمل فيه منها وصرحت بمصادر ما ذكر من كلمات فقهائنا - رضوان الله عليهم - وفصلت ما اشير إليه من الابحاث السندية على ضوء النظريات الرجالية التي يرتضيها السيد الاستاذ - رعاه الباري عز وجل بعينه - الى غير ذلك مما يتطلبه التحقيق ومنه تعالى النصر وله الحمد. زهير الحسون

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام (1). (1) ذهب جماعة من فقهائنا المتقدمين الى نجاسته (1)، بل نسب ذلك الى المشهور بين المتقدمين (2)، بل ادعي في بعض الكلمات - كما في الغنية - الاجماع عليها (3). وما ينبغي ان يتأمل في كونه مدركا لذلك هو الروايات لا الاجماع، لان جملة من المتقدمين الذين نسب إليهم القول بالنجاسة لم يظهر من كتبهم سوى عدم جواز الصلاة في الثوب الذي عرق فيه الجنب من الحرام (4)، ولا نعلم باستلزام ذلك في نظرهم للنجاسة.


(1) منهم المفيد في المقنعة حيث قال كما ذكره في التهذيب الجزء الاول ص 268 من الطبعة الحديثة " ولا بأس بعرق الحائض والجنب ولا يجب غسل الثوب منه الا ان يكون الجنابة من حرام فيغسل ما اصابه من عرق صاحبها من جسد وثوب " ومنهم الشيخ في النهاية في باب تطهير الثياب من النجاسة حيث قال " ولا بأس بعرق الجنب والحائض في الثوب واجتنابه افضل اللهم الا ان يكون الجنابة من حرام فانه يجب عليه غسل الثوب إذا عرق فيه ". (2) نسب ذلك صاحب شرح المفاتيح على ما نقله عنه صاحب الجواهر في كتابه الجزء السادس ص 71 من الطبعة الحديثة. (3) قال في الغنية في اخر الفصل الثاني " وقد الحق اصحابنا بالنجاسات عرق الابل الجلالة وعرق الجنب إذا جنب من الحرام ". (4) فمثلا قال في التنقيح الجزء الثاني ص 162 " بل عن الامالي ان من دين الامامية الاقرار بنجاسته وظاهره ان النجاسة اجماعية عندنا " =

[ 6 ]

وظاهر عبارة الحلي الاجماع على الطهارة، وان كل من ذهب الى النجاسة عدل عن ذلك (1)، وهذا ينفي على الاقل ثبوت الاجماع على النجاسة. ومهم الروايات ثلاث: - الاولى: - رواية علي بن مهزيار عن العسكري، وقد ورد فيها انه اراد ان يسأله عن عرق الجنب إذا عرف في الثوب. فقال عليه السلام " ان كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا تجوز الصلاة فيه، وان كانت جنابته من حلال فلا بأس " (2). الثانية: - رواية الكفر ثوثي الذي اراد ان يسأل أبا الحسن عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب ايصلي فيه؟. فقال (ع) " ان كان من حلال فصل فيه، وان كان من حرام فلا تصل فيه " (3). الثالثة: - رواية الفقه الرضوي: " ان عرقت في ثوبك وانت جنب وكانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه، وان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى تغسل " (4). وهذه الروايات الثلاث مفادها المباشر هو عدم جواز الصلاة في الثوب لا النجاسة، ومن هنا قد يقال بدلالتها على المانعية دون النجاسة، فلابد


= مع ان الصدوق قال في الامالي المجلس 93 ص 578 - 579 عند ذكر دين الامامية " وإذا عرق الجنب في ثوبه وكانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة في الثوب وان كانت من حرام فحرام الصلاة فيه ". (1) السرائر كتاب الطهارة باب تطهير الثياب من النجاسات. (2) مستدرك الوسائل باب 20 من ابواب النجاسات حديث 5. (3) الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 12. (4) البحار الجزء الثمانون ص 117 من الطبعة الحديثة والمجلد الثامن عشر ص 27 من الطبعة الحجرية.

[ 7 ]

لاستفادة النجاسة من ابراز عناية، وذلك اما بتقريب: ان السائل وان سأل عن جواز الصلاة في الثوب، ولكن لما كان عدم جواز الصلاة المحتمل لا منشأ لا حتماله بحسب الارتكاز المتشرعي سوى النجاسة كان السؤال ظاهرا في الاستعلام عن حال الثوب في الصلاة من هذه الناحية، فيدل الجواب على النجاسة. واما بتقريب: ان اطلاق الجواب يقتضي عدم جواز الصلاة في الثوب حتى مع جفاف العرق أو ازالته بالمسح، وهذا يكشف عن انه بنكتة النجاسة لا بنكتة المانعية الاستقلالية للعرق التي لا معنى لبقائها عرفا بعد زواله. واما بتقريب: ان جعل الغسل غاية لعدم الجواز في رواية الفقه الرضوي ظاهر في ثبوت النجاسة، لان الغسل هو ازالة القذر عرفا، وكذلك الامر في غيرها لوضوح ان النهي فيها لا يؤخذ على اطلاقه جزما فاما ان يقيد بعدم مطلق الازالة، أو بعدم الازالة بالغسل، والقدر المتيقن هو التقييد الثاني، لكونه اقل من التقييد الاول، فبضم ارتكازية عدم كون الثوب الذي اصابه العرق المذكور كعين النجس ينتج التقييد المذكور فإذا تم الاستدلال باحد هذه التقريبات ثبتت النجاسة، وكانت هذه الروايات مقيدة لاطلاق ما دل على نفي البأس عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب (1). وقد يستبعد التقييد، اما باعتبار ان عدم ورود اي سؤال عن عرق الجنب من حرام من قبل الرواة مع شيوع الجنابة من الحرام كاشف عن ارتكاز طهارته، إذ لو كان في معرض احتمال النجاسة بحسب تصورات


(1) من قبيل رواية أبي بصير " قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص فقال: لا بأس " الحديث: الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حيدث 8.

[ 8 ]

المتشرعة وقتئذ لكثر السؤال عنه. واما باعتبار ما يتراءى من بعض المطلقات من اصرار الامام (ع) على الفتوى بنفي البأس، كما في رواية علي بن أبي حمزة (1)، حتى بعد الحاح السائل على احتمال البأس بنحو تأثر الامام من اصرار السائل على ان يسمع منه النهي، فلو كان في العرق تفصيل لكان من المناسب جدا ان يذكر في مقام ارضاء نزعة السائل، فمثل هذا الاطلاق يأبى عن التقييد. ويندفع هذا الاستبعاد بكلاشقيه، بان اسئلة الرواة كانت على الاكثر تعبيرا عن الحاجات التي يواجهونها مباشرة، والجنابة من حرام لم تكن شائعة في طبقة الرواة، ومن النادر ان يتفق لهم احراز صغراها في غيرهم فعدم توافر الاسئلة عن عرق الجنب من حرام لا يوجب استبعاد التقييد. كما ان نظر السائل في الاصرار على ان يسمع من الامام النهي كان الى ما هو المتعارف من عرق الجنابة، وحينما اراد ان يستدرج الامام للفتوى بالبأس فرض كثرة العرق وقال " انه يعرق حتى لو شاء ان يعصره عصره " ولم يفرض خصوصية في الجنابة. فالمهم اذن ملاحظة التقريبات التي ذكرناها كمحاولة لتتميم الاستدلال. اما التقريب الاول، فهو يتوقف على انحصار الجهة المحتملة للسؤال بحسب ارتكاز اذهان المتشرعة بالنجاسة، وهذا غير معلوم، فان المدقق في اسئلة الرواة فيما يتصل بالجنب وعرقه يمكنه ان يحدس انهم كانوا


عن علي بن أبي حمزة قال " سئل أبو عبد الله عليه السلام وانا حاضر عن رجل اجنب في ثوبه فيعرق فيه فقال: ما ارى به بأسا قال: انه يعرق حتى لو شاء ان يعصره عصره قال: فقطب أبو عبد الله عليه السلام في وجه الرجال فقال: ان ابيتم فشئ من ماء فانضحه به " الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 4.

[ 9 ]

يجوزون وجود محذور ناشئ لا من سراية النجاسة، بل من سراية حدث الجنابة، ويحتملون ان الجنابة بنفسها قد تسري الى الثوب أو الماء بنحو يوجد محذورا في استعماله، والشاهد على هذا الحدس ان اسئلة الرواة في أمثال المقام من الصعب تفسيرها جميعا على اساس استعلام الحال من حيث النجاسة والطهارة، وذلك لعدة امور: - منها - انه لو كان النظر الى احتمال نجاسة الثوب بعرق الجنب فلماذا اتجهت الاسئلة في عرق الجنب الى الثوب خاصة، ولم يسأل عن بدن الجنب، مع انه من الواضح ان عرقه إذا كان ينجس ثوبه فهو ينجس بدنه ايضا؟!. واما إذا كان النظر الى احتمال سراية الجنابة الى الثوب فالسكوت عن البدن متعين، لان البدن جنب، وانما الشك في ترشح الجنابة منه بالعرق على الثوب بنحو يحتاج الى الغسل " بالفتح "، كما يحتاج بدن الجنب الى الغسل " بالضم ". ومنها - رواية محمد بن مسلم " قال: سألته عن الرجل يبول ولم يمس يده شئ ايغمسها في الماء؟. قال: نعم وان كان جنبا " (1) فان من البعيد في حق محمد بن مسلم انه كان يحتمل ان يد المجنب الذي يبول تنجس الماء دون ان يكون قد اصابها شئ، وانما الاقرب الى الافتراض احتمال سراية الحدث الى الماء. ومنها - اسلوب التعبير في جملة من الروايات، من قبيل قوله: " لا يجنب الثوب الرجل ولا يجنب الرجل الثوب (2)، فان هذا اللسان


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاسئار حديث 4. (2) كما في معتبرة حمزة بن حمران: الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 5.

[ 10 ]

واضح في رفع احتمال سراية الجنابة لا سراية النجاسة، ولهذا لم يقل لا ينجس المجنب الثوب. ومن قبيل ما عن النبي (ص) إذ سئل عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما فقال: " ان الحيض والجنابة حيث جعلهما الله عز وجل، ليس في العرق، فلا يغسلان ثوبهما " (1). وهذا ايضا واضح في نفي احتمال سراية الجنابة دون النجاسة. وفي رواية اخرى قال: " ليس الماء جنابة " (2). وهكذا يبدو ان فكرة سراية الحدث لم تكن بعيدة عن اذهان المتشرعة وعليه فلا ينصرف السؤال الى حيثية النجاسة. واما التقريب الثاني، فهو يكفي لدفع احتمال المانعية المستقلة للعرق، ولكنه لا ينفي احتمال كون عدم الجواز بلحاظ سراية الجنابة المحرمة - بمعنى من المعاني - بتوسط العرق الى الثوب، فكأن الثوب يصبح فيه شئ من الجنابة يحتاج الى الغسل، كحاجة البدن الجنب الى الاغتسال، فان هذا الاحتمال يلائم مع بقاء عدم الجواز بعد زوال العرق ايضا. وبما ذكرناه يظهر حال التقريب الثالث. هذا كله مضافا: الى سقوط الروايات المذكورة سندا (3)، وعليه


(1) كما في رواية زيد بن علي: الوسائل باب 27 من ابواب النجاسات حديث 9. (2) كما في رواية ميمونة: الوسائل باب 7 من ابواب الاسئار حديث 6. (3) اما رواية علي بن مهزيار فقد نقلها ابن شهراشوب في المناقب عن كتاب المعتمد في الاصول وطريقه إليه مجهول واما رواية الكفرثوثي فقد نقلها الشهيد (ره) في الذكرى عن محمد بن همام باسناده الى ادريس الكفرثوثي وطريق الشهيد الى محمد بن همام مجهول كما ان طريق ابن همام الى الكفرثوثي مجهول واما رواية الفقه الرضوي فساقطة لعدم اعتبار كتاب الفقه الرضوي.

[ 11 ]

سواءا خرج حين الجماع أو بعده (1) فالظاهر هو الطهارة عملا بالاصول، وبالمطلقات الدالة على طهارة عرق الجنب مطلقا، وان كان الاحتياط بعدم الصلاة في الثوب لا ينبغي تركه، نظرا لاشتهار الفتوى بذلك بين المتقدمين (1)، غير انه احتياط استحبابي ولو كان وجوبيا لاشكل الرجوع الى مطلقات الباب أو بعضها على اقل تقدير لاثبات طهارة عرق الجنب مطلقا، لورودها بلسان الاذن في الصلاة فيه صريحا أو انصرافا (2)، فمع عدم الالتزام والجزم بانطباق هذا الاذن في محل الكلام لا يمكن التمسك بها لاثبات الطهارة. (1) وذلك لا طلاق الروايات بناءا على صلاحيتها لاثبات النجاسة. ويمكن ان يستشكل في اطلاق رواية علي بن مهزيار (3) المتقدمة، بناءا


حتى ادعي الاجماع من قبل الصدوق في الامالي كما مر في هامش ص 1 والشيخ في الخلاف المجلد الاول ص 180 من الطبعة الحديثة قال " إذا كانت الجنابة من حرام يحرم الصلاة فيه " ثم قال " دليلنا اجماع الفرقة ". (2) من المطلقات ما هو صريح في جواز الصلاة من قبيل رواية الجعفريات عن علي (ع) في حديث قال " لو ان رجلا جامع في ثوبه ثم عرق فيه منه حتى ينعصر لامرناه بالصلاة فيه ولم نامره بغسل ثوبه لان الثوب لا ينجسه شئ " (مستدرك الوسائل باب 20 من ابواب النجاسات حديث 1). ومنها ما ليس كذلك كرواية أبي بصير المذكورة في هامش ص 7 وهذه وان لم تكن صريحة كالسابقة ولكنها كالصريحة لان المنظور فيها هو محذور الصلاة في القميص الحاوي على العرق انصرافا أو لكونه القدر المتيقن. (3) مرت في ص 6.

[ 12 ]

من الرجل أو المرأة (1) على ان تكون (كان) في قوله (ان كان عرق الجنب في الثوب) ناقصة، ويكون عرقه اسمها، وتكون كلمه جنابته معطوفة على الاسم، ويكون الخبر كلمة (من حرام). فان معنى الحديث حينئذ: انه ان كان العرق والجنابة من حرام فلا تجوز الصلاة والعرق الناشئ من حرام لا اطلاق فيه للمتأخر كما هو واضح. الا انه قد يقال مع هذا: بان المستفاد من الرواية - بقرينة قوله بعد ذلك وان كانت جنابته من حلال - ان المناط هو نشوء الجنابة من حرام أو حلال، وان نظر الشرطيتين معا الى ذلك، واشتمال الاولى على فرض نشوء العرق من حرام مجرد تعبير. كما انه قد يستشكل في اطلاق رواية الكفرثوثي (1)، بناءا على ان اسم كان في قوله (وان كان من حرام فلا تصل فيه) هو العرق، فيرجع الى ان العرق إذا كان ناشئا من الاتصال المحرم فلا تصل فيه فلا يشمل العرق المتأخر، واما إذا كان اسم كان هو الرجل أو حدث الجنابة وكان الضمير المجرور راجعا الى الثوب فلا اشكال في الاطلاق. (1) وذلك لان مدرك الحكم ان كان احدى الروايتين الاوليين (2) فاطلاقها اللفظي تام، لان الجنب يوصف به الرجل والمرأة، وان كان الرواية الثالثة (3) فاطلاقها اللفظي وان كان قابلا للمناقشة، ولكن الاطلاق المتحصل من الغاء خصوصية الرجل بالارتكاز ومناسبات الحكم والموضوع المركوزة حاصل.


(1) مرت في ص 6. (2) مرتا في ص 6. (3) مرت في ص 6.

[ 13 ]

سواءا كان من زنا أو غيره (1)، كوطي البهيمة أو الاستمناء أو نحوهما مما حرمته ذاتية، بل الاقوى ذلك في وطي الحائض والجماع في يوم الصوم الواجب المعين، أو في الظهار قبل التكفير (2)


(1) إذ لم يفرض في الروايات المذكورة خصوص الزنا فالاطلاق محكم. نعم هناك بحث صغروي في حصول الجنابة في وطئ البهيمة موكول الى مجله في بحث غسل الجنابة. (2) الحرمة تارة تكون ذاتية، واخرى عرضية والمراد بثبوت هذين الوصفين للحرمة في المقام الذاتية والعرضية بلحاظ عالم الادلة ولسان الشارع فالحرمة الثابتة بعنوان ابتدائي ذاتية، والحرمة الثابتة بعنوان الاستثناء والتخصيص عرضية، لا الذاتي بالمعنى المقصود في الجنس والفصل أو في لوازم الماهية كما هو واضح. فان كانت الحرمة ذاتية من قبيل مواقعة الاجنبية، فهو القدر المتيقن من نجاسة عرق الجنب من حرام على القول بها. وان كانت الحرمة عرضية، فهي اما ان تكون عرضية متعلقة بنفس العنوان الاولي لما يوجب الجنابة، كالحرمة المتعلقة بالجماع في حال الحيض أو في نهار شهر رمضان، واما ان تكون حرمة عرضية متعلقة بعنوان ثانوي منطبق على الجماع الموجب للجنابة، كما لو انطبق على الجماع عنوان حنث النذر أو الضرر فحرم بهذا العنوان، فهل النجاسة على القول بها تشمل فرض الحرمة العرضية بكلا قسميها، أو يفصل بين القسمين، أو لا تشمل شيئا منها؟. ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - ان ثبوت النجاسة في مورد الحرمة العرضية وعدمه يتفرع على ان الحرمة المأخوذة في موضوع الدليل هل الحرمة الفعلية أو الحرمة الذاتية بمعنى كونه بحسب طبعه حراما؟ فعلى

[ 14 ]

الاول يترتب امران: احدهما انه لو عرض مجوز على الحرام الذاتي - كما لو زنى عن اكراه - لم تثبت النجاسة، لعدم الحرمة الفعلية والاخر: ثبوت النجاسة في مورد الحرمة العرضية، لان الحرمة فعلية. وعلى الثاني يترتب عكس الامرين السابقين، ففي مورد الاكراه على الزنا تثبت النجاسة، وفي مورد الحرمة العرضية لا تثبت، لانها تدور مدار الحرمة الذاتية، وهي حاصلة في الاول دون الثاني (1). وتحقيق الحال بنحو يتضح معنى الحرمة الذاتية والفعلية، ويتضح عدم امكان المساعدة على ما افيد من الملازمة بين المسألتين، وان كلا منهما تتبع مبانيها الخاصة. هو اننا تارة نتكلم في الفرع الاول، وهو الزنا عن اكراه. واخرى في الفرع الثاني الذي هو عنوان المسألة في الاساس، اي الحرمة العرضية. اما الفرع الاول، فالنجاسة في تتفرع على ملاحظة ان الحرمة هل اخذت موضوعا لنجاسة العرق بنحو الموضوعية، أو بنحو المعرفية التي مرجعها الى ان موضوع الحكم بالنجاسة ليس هو الحرمة بل ذوات المحرمات التي يشار إليها بهذا العنوان وهذا سنخ ما يقال في (اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه)، من ان موضوع نجاسة البول هل هو حرمة اكل لحم الحيوان أو نفس العناوين الخاصة للحيوانات، كالهر والفارة مثلا، وعنوان الحرام أو ما لا يؤكل اخذ مشيرا إليها. ونفس الشئ يقال ايضا عن موضوع المانعية في (لا تصل فيما لا يؤكل لحمه). والحاصل: ان هذين الاحتمالين سيالان في جملة من الموارد، فان بنينا على المعرفية كان عرق الزاني المكره نجسا لان الموضوع - على هذا - ذوات العناوين التي يشار إليها بالحرمة واحدها الزنا وهو ثابت، نظير ما يقال على المعرفية ايضا من نجاسة بول ما لا يؤكل


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 168.

[ 15 ]

لحمه وان حل لعارض. وان بنينا على الموضوعية تساءلنا ان الحرمة المأخوذة موضوعا هلى هي ذات الحرمة الفعلية أو الوجود المشروط للحرمة، اي الحرمة لولا الاضطرار، وهذا يعبر عنه الاستاذ بالحرمة الذاتية؟. فعلى الاول ترتفع نجاسة العرق بارتفاع الحرمة، دونه على الثاني، لان صدق الشرطية لا يستدعي صدق طرفيها. هذه مباني الفرع الاول. والصحيح منها ان الحرمة مأخوذة في موضوع النجاسة بنحو الموضوعية وبوجودها الفعلي، اما الموضوعية في مقابل المعرفية فهو ظاهر اخذا اي عنوان في موضوع الحكم، بمققتضى اصالة التطابق بين مقام الاثبات ومقام الثبوت، ما لم تأب مناسبات الحكم والموضوع عن ذلك فتصبح بنفسها قرينة على المعرفية، ولا اباء من قبلها في المقام. واما كون الموضوع الحرمة الفعلية لا الشرطية، فلأن ظاهر اخذ اي عنوان في موضوع الحكم لزوم ثبوته بالفعل، لان الوجود التقديري للشئ ليس فردا حقيقيا له، ما لم تقم قرينة على ملاحظته. وعليه فالمكره على الزنا لا ينجس عرقه. واما الفرع الثاني، فالحرمة العرضية اما ثابتة لعنوان ثانوي ينطبق على الجماع كعنوان حنث النذر، أو ثابتة لنفس العنوان الاولى للجماع في حالة مخصوصة كحالة الحيض. اما في القسم الاول. فالمسألة مبنية على ان الموضوع للنجاسة هل هو حرمة العمل الموجب للجنابة - الجماع مثلا - بعنوانه، أو حرمته ولو بعنوان ثانوي منطبق عليه. فعلى الاول لا تثبت النجاسة في القسم الاول، لان الحرمة لم تثبت فيه للجماع بعنوانه، من دون فرق بين ان يبنى في الفرع الاول على الموضوعية أو المعرفية وعلى الفعلية أو الذاتية، فانه على اي حال يكون الموضوع أو المعرف حرمة الجماع بعنوانه، وهي منتفية في الفرض. وعلى الثاني يصبح حال هذا القسم حال القسم الثاني.

[ 16 ]

والصحيح في المقام هو الاول، لأن الظاهر من اخذ الحكم المضاف الى عنوان في موضوع حكم فرض كونه ثابتا لذلك العنوان بنفسه، لا بعنوان آخر منطبق عليه، وعليه فالحكم في هذا القسم هو الطهارة. واما في القسم الثاني، وهو ما إذا كانت الحرمة العرضية ثابتة للجماع بعنوانه، فالمسألة تتفرع على أن نرى ان موضوع الحكم بالنجاسة هل هو مطلق الحرمة بنحو يشمل الحرمة الاستثنائية، أو الحرمة المطلقة بمعنى الحرمة الاصلية والمجعولة ابتداءا لا استثناءا؟. فعلى الاول تثبت النجاسة هنا على جميع المباني المتقدمة في الفرع الاول التي كان بعضها يقتضي النجاسة هناك وبعضها يقتضي الطهارة. وعلى الثاني تثبت الطهارة هنا على جميع تلك التقادير ايضا. والصحيح هنا هو الاول، لان تقييد الحرمة المأخوذة في موضوع الدليل بخصوص الحرمة الاصلية واخراج الحرمة الاستثنائية منها خلاف اطلاق الدليل. وبما ذكرناه اتضحت اوجه النظر في افادات السيد الاستاذ - دام ظله -، إذا اتضح: اولا: أنه لا ملازمة بين الطهارة في الفرع الاول والنجاسة في الفرع الثاني بحسب المباني. وثانيا: ان الصحيح في الفرع الاول الطهارة وفي الفرع الثاني التفصيل بين القسمين، فيحكم بالطهارة في الاول وبالنجاسة في الثاني. وثالثا: أن تعليله - دام ظله - للطهارة في الفرع الثاني بظهور الدليل في كون الحرمة متعلقة بنفس عنوان المواقعة انما يناسب القسم الاول منه ولا يصدق على القسم الثاني، فان فرض الحرمة العرضية لا يساوق دائما فرض تعلقها بعنوان ثانوي كما عرفت. بقي الكلام في تشخيص الصغريات، وتمييز الحرمة العرضية المتعلقة بالعنوان الثانوي عن الحرمة العرضية المتعلقة بالجماع بعنوانه.

[ 17 ]

(مسألة 1) العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس (1) وعلى هذا فليغتسل في الماء البادر، وان لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار والمتيقن دخوله في القسم الثاني الجماع المحرم في ايام العادة، والمتيقن دخوله في الحرمة بعنوان ثانوي الجماع المحرم بوصفه حنثا للنذر واليمين أو باب الضرر، وتبقى امثلة لا يخلو حالها عن شوب اشكال. منها المقاربة المحرمة بملاك صوم واجب معين، فقد يتخيل انها بعنوان ثانوي وهو الافطار. وفيه ان عنوان الافطار منتزع من كون الصوم في الرتبة السابقة عبارة عن الامساك عن امور معينة، فليس هذا حراما لانه مفطر، بل هو مفطر لانه اخذ الامساك عنه في الصوم الواجب، فالجماع إذن حرام على الصائم بعنوانه. ومنها الايلاء. والظاهر انه بعنوان ثانوي، لان الايلاء نحو من العهد واليمين امضاه الشارع ولكن بنحو مخصوص. ومنها الجماع في الظهار قبل التكفير. وتحقيق حاله يدور مدار استظهار نكتة من دليل الظهار، فان قيل: ان المستفاد منه الامضاء لإنشاء المظاهر من قبيل امضاء النذر كان الحكم بالعنوان الثانوي، وان قيل: انه تحريم ابتدائي ولو من باب العقوبة و الزجر كان الحكم بالعنوان الاولى.


(1) لانه ما لم يتم الاغتسال يكون مجنبا فيدخل تحت الاطلاق. وهذا بناءا على ان الجنابة لا ترتفع عن أي عضو الا بانتهاء الغسل في غاية الوضوح، وكذلك الامر لو فرض انها امر قابل للتجزئة في الاعضاء، فكل عضو غسل ترتفع جنابته، فان عنوان الجنب لا يزال صادقا على المكلف ولو بلحاظ سائر اعضائه، وموضوع النجاسة عرق الجنب لا عرق العضو الجنب.

[ 18 ]

وينوي الغسل حال الخروج، أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل (1).


(1) فلا يبتلى بالعرق النجس في اثناء الغسل المانع عن صحة الغسل، لانه ما دام في الماء لا يعرق عادة اولا يكون لعرقه وجود عرفي إذ يستهلك وهذا بخلاف ما إذا اراد ان يغتسل ترتيبا بنحو الصب فيبتلى بالعرق المانع عن صحة الغسل. وتحقيق الكلام هنا: انه تارة الاول يراد بالعرق المتجدد اثناء الغسل العرق فيما تم غسله. واخرى الثاني: يراد فيما لم يغسل بعد. 1 - غير مضر، لان الطهارة المعتبرة في صحة الغسل فيها اربعة احتمالات، إذ يحتمل كفاية الطهارة المعلولة لنفس غسلة الغسل، بدعوى انه المتيقن من دليل الشرطية الذي هو الاجماع. 2 - ويحتمل لزوم تقدم الطهارة في كل عضو على غسله، اخذا بظهور ما دل (1) على الامر بغسل الفرج ثم الغسل 3 - ويحتمل اشتراط غسل كل عضو بالطهارة المسبقة لذلك العضو وما بعده، جمودا على الظهور الاولى لدليل الامر بغسل الفرج ثم الغسل. 4 - ويحتمل اشتراط غسل كل عضو بان تكون تمام الاعضاء طاهرة حينه، استنادا الى نفس ذلك الظهور مع الغاء خصوصية التقدم والتأخر. واوجه الاحتمالات الثاني، واضعفها الرابع على ما يأتي في محله. والعرق المفروض في العضو المفروغ عن غسله انما يضر على الاحتمال الرابع، دون الاحتمالات الثلاثة الاولى. واما الثاني، اي العرق فيما لم يغسل بعد، فتارة 1 - يفرض استمراره.

(1) من قبيل صحيحة زرارة " قلت كيف يغتسل الجنب فقال ان لم يكن اصاب كفه شئ غمسها في الماء ثم بدأ بفرجه فانقاه بثلاث غرف ثم صب على راسه ثلاث اكف... " الوسائل باب 26 من ابواب الجنابة حديث 2.

[ 19 ]

2 - يفرض انقطاعه وتوقفه مادام الماء ينصب بسبب ضغط الماء. 3 - يفرض انقطاعه في آن حدوث الصب وتجدده في الآن الثاني ولو استمر الصب. ففي الفرض 1 - لا يصح الغسل على جميع الاحتمالات الاربعة المتقدمة، إذ حتى لو قيل بكفاية الطهارة الخبثية المعلولة لنفس الغسل - بضم الغين - لا يمكن الالتزام بحصول ذلك في المقام، لان مطهرية الغسل مع وجود عين النجس وهو العرق غير معقولة، إلا ان يقال: بان الغسل - بضم الغين - له معلولان طوليان، احدهما: رفع حدث الجنابة، والثاني: رفع النجاسة عن البدن حتى مع استمرار العرق، إذ لم يعد نجسا بعد رفع حدث الجنابة. ولما كان المعلول مقارنا لعلته زمانا فالغسل والطهارة من الخبث والطهارة من الحدث تحصل جميعا في وقت واحد. ولابد مع هذا من الالتزام بان الشرط في ترتب الطهارة الحدثية على الغسل ليس هو الطهارة الخبثية لئلا يلزم الدور، بل عدم كون البدن نجسا بنجاسة غير قابلة للارتفاع يرفع الجنابة، وذلك لان مدرك الاحتمال الاول هو دعوى ان دليل الشرطية الاجماع ولزوم الاقتصار على المتيقن منه والمتيقن هو ما ذكرناه. وفي الفرض الثاني، لا اشكال في صحة الغسل ولو باستمرار الصب، فتحصل الطهارة من الخبث اولا ثم الطهارة من الحدث، ويكون الشرط متوفرا حتى مع الالتزام بلزوم سبقه الزمني. وفي الفرض الثالث، لا يصح الغسل بناءا على عدم كفاية الطهارة الخبثية المعلولة لنفس الغسل الغسلي، ويصح بناءا على كفاية ذلك كما هو مقتضى الاحتمال الاول من الاحتمالات الاربعة المتقدمة. ولا يحتاج في هذا الفرض إلى ارجاع شرطية الطهارة إلى كون الغسل منوطا بعدم نجاسة غير

[ 20 ]

(مسألة 2) إذا اجنب من حرام ثم من حلال، أو حلال ثم من حرام، فالظاهر نجاسة عرقه ايضا خصوصا في الصورة الاولى (1). قابلة للارتفاع برفع الجنابة كما ذكرنا في الفرض الاول، بل تصحيح الغسل في هذا الفرض يلائم مع شرطية الطهارة بعنوانها، ولا يلزم دور لعدم نشوء الطهارة الخبثية من رفع الحدث ليلزم من اخذها شرطا فيه محذور وانما تنشأ الطهارة الخبثية والطهارة الحدثية معا من الغسل الغسلي. واما العلاجات التي ذكرها في المتن من نية الغسل حال الخروج، أو بتحريك البدن تحت الماء، فكأن النظر فيها الى افتراض ان العرق يتوقف عرفا ما دام جسم الانسان مغموسا في الماء فيطهر بدنه اولا ثم ينوي الغسل بالخروج أو التحريك، ولكنها علاجات غير صحيحة بناءا على ما يأتي من اشتراط صحة الغسل باحداث الغسل، وبالتحريكات أو الدخول والخروج لا يتعدد الغسل.


(1) توضيح الحال في ذلك: انه ان قيل: بان الجنابة امر تكويني من لوازم خروج المني مثلا، كما قد يترائى من بعض الروايات الضعيفة الواردة في تعليل غسل الجنابة بانها تخرج من كل البدن (1)، فينبغي القول بالنجاسة في كلا فرضي هذه المسألة، لان الامر التكويني حاصل على أي حال. وان قيل بان الجنابة امر اعتباري ولكنها اخذت في موضوع دليل النجاسة بما هي معرف لذوات الاسباب المحرمة من الزنا ونحوه، فالامر كذلك ايضا، لان ذات السبب المحرم حاصل على اي حال. وان قيل

(1) من قبيل رواية محمد بن سنان " علة غسل الجنابة النظافة ولتطهير الانسان مما اصابه من اذاه وتطهير سائر جسده لان الجناية خارجة من كل جسده فلذلك وجب عليه تطهير جسده كله " الوسائل باب 2 من ابواب الجنابة حديث 1.

[ 21 ]

بان الجنابة امر اعتباري عقلائي جرى الشارع على طبقه لوضوح ان كلمة جنب كانت مستعملة لغويا وعربيا قبل الشريعة، وان الجنابة المأخوذة في موضوع دليل النجاسة هنا هي بهذا المعنى العقلائي وعلى نحو الموضوعية، فلابد من ملاحظة الاعتبار العقلائي للجنابة، فان كانت الجنابة قد لو حظت فيه بحسب المرتكز العقلائي على نحو قابل للتكرر فالامر كما تقدم ايضا، والا تعين التفصيل بين الفرضين، والحكم بالنجاسة فيما إذا كان السبب المحرم هو السابق خاصة. وان قيل: بان الجنابة المأخوذة في موضوع الدليل قد اخذت على وجه الموضوعية بما هي اعتبار شرعي مترتب على اسباب مخصوصة، فلابد من ملاحظة دليل هذا الاعتبار من ناحية شموله للوجود الثاني للسبب وعدمه، فان تم فيه اطلاق يقتضي تكرر الجنابة بتكرر وجود السبب فالحكم هو النجاسة في الفرضين، والا تعين التفصيل على ما تقدم. والظاهر ان الجنابة المأخوذة في موضوع النجاسة قد اخذت بما هي حكم شرعي وضعي لا يقبل التكرار، وان اخذها على نحو الموضوعية، فيتعين التفصيل بين الفرضين. اما انها حكم شرعي وضعي، فلما يأتي ان شاء الله تعالى في بحث الجنابة من انها من الاعتبارات العقلائية التي امضاها الشارع مع نوع من التصرف سعة وضيقا، وكل امر اعتباري عقلائي إذا امضاه الشارع ثم اخذه في موضوع حكم فظاهره النظر الى امضائه هو سعة وضيقا لا الى النظر العقلائي. ومثاله الملكية التي هي عقلائية وامضاها الشارع بتصرف فحين يأخذها موضوعا لحرمة التصرف في مال الغير يراد بها ما كان ملكا للغير شرعا. واما عدم قبولها للتكرار فلقصور دليل ترتب الجنابة على الاسباب

[ 22 ]

(مسألة 3) المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه (1)، وان كان الاحوط الاجتناب عنه ما لم المخصوصة عن الشمول للوجود الثاني للسبب. لا لاستحالة اجتماع جنابتين عقلا. ولا لاستلزامه تعدد الغسل بتعدد موجب الجنابة، نظرا الى ان الجنابة استفيدت من لسان الامر بالغسل فما لم يتعدد الأمر بالغسل لا تكثر الجنابة، ومع تعدده يجب غسلان ولا للزوم لغوية جعل الجنابة الثانية بعد وضوح عدم وجوب غسل آخر. إذ يرد على الاول ان الجنابة اعتبار ولا محذور في اعتبار وجوده مرتين. وعلى الثاني بان الامر بالغسل ارشاد إلى حصول الجنابة، وان المطهر هو الغسل، وفي الاوامر الارشادية القاعدة تقتضي التداخل لا عدمه. وعلى الثالث بامكان دعوى اندفاع اللغوية فيما إذا كان للجنابة الثانية أثر زائد، كما فيمن اجنب من حرام بعد الجنابة من حلال. بل لقصور الدليل، اما لعدم الاطلاق في نفسه، واما لتحكيم المرتكز العقلائي القاضي بعدم التكرر بعد ان عرفت ان الجنابة اعتبار عقلائي، وتفصيل الكلام يأتي في محله. نعم قد يقال ان دليل نجاسة عرق الجنب من حرام لا يشمل باطلاقه اللفظي من زنى بعد ان اجنب من حلال، ولكنه يتعدى من مورده إليه بالفحوى العرفية، لان العرف يأبى بمناسباته المركوزة عن التفرقة بين هذا الزاني ومن زنا قبل ان يجنب من حلال، لان سبق الجنابة من حلال لا يتعقل عرفا تأثيره في تخفيف أثر الزنا المتأخر. ولكن يرجع تحكيم هذا الارتكاز - لو سلم - إلى حمل الجنابة على المعرفية، واما مع التسليم بالموضوعية فواضح ان التفرقة بسبب عدم حصول الجنابة بالزنا المتأخر، لا بسبب سبق جنابة على جنابة. (1) وذلك لانه خرج بالتيمم عن كونه جنبا خروجا موقتا ما دام

[ 23 ]

يغتسل، وإذا وجد الماء ولم يغتسل بعد فعرقه نجس، لبطلان تيممه بالوجدان. العذر باقيا، فمع بقاء العذر يكون عرقه طاهرا لعدم كونه عرق الجنب، وإذا ارتفع العذر ولم يغتسل عادت النجاسة إلى عرقه لحصول الجنابة من جديد، لا بمعنى ان وجدان الماء - مثلا - من موجبات الجنابة، بل ان نفس السبب السابق يقتضي الجنابة، والتيمم يزاحم اقتضاؤه ويغلبه فترة العذر خاصة، ومرجعه الى جعل الجنابة مترتبة على السبب السابق باستثناء الفترة الواقعة بين التيمم وزوال العذر. وقد يقال بنجاسة عرق الجنب المتيمم في المقام، ويقرب بعدة وجوه: الاول: وهو مبني على انكار طهورية التيممم وكونه مبيحا، فيقال ان لازم ذلك شمول اطلاق دليل النجاسة لعرق المتيمم. ويرد عليه: ان المبنى باطل لظهور الادلة كتابا (1) وسنة في كون التيمم مطهرا (2) وكون التراب احد الطهورين (3). الثاني بعد التسليم بان التيمم مطهر يقال: بان مطهريته تنزيلية لا حقيقية، والتنزيل انما يكون بمقدار ما لوحظ من الآثار في مقام التنزيل، والمتيقن إنما هو ملاحظة جواز الدخول في الصلاة ونحوه لا طهارة العرق.


(1) ففي الآية 6 من سورة المائدة " فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ". (2) ففي معتبرة سماعة " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته قال: يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فان الله عز وجل جعلهما طهورا الماء والصعيد " الوسائل باب 25 من ابواب التيمم حديث 3. (3) ففي معتبرة زرارة " فان التيمم احد الطهورين " الوسائل باب 21 من ابواب التيمم حديث 1.

[ 24 ]

وفيه: اولا: ان ظاهر ادلة طهورية التراب والتيمم الطهورية الحقيقة لا الحكمية التنزيلية. وثانيا: أن اطلاق دليل التنزيل يقتضي سوقه بلحاظ جميع الآثار. الثالث: وهو مبني ايضا على ان دليل مطهرية التيمم مفاده التنزيل فيقال: ان اطلاقه وان كان يقتضي ترتيب كل آثار الطهارة الحدثية، غير ان طهارة العرق ليست من آثار الطهارة الحدثية، بل من آثار نفي ضدها وهو حدث الجنابة، وتنزيل شئ منزلة احد الضدين لا يستلزم تنزيله منزلة عدم ضده في الاثار المترتبة على عدم الضد، فالطهارة واقعا مساوقة لعدم الجنابة، ولكن الطهارة تنزيلا لا تساوق الحكم بعدم الجنابة تنزيلا. ويرد عليه - مضافا الى ان دليل طهورية التيمم ظاهر في الطهورية التشريعية الواقعية لا التنزيلية -: ان الطهارة ليست ضدا للجنابة بحسب ما هو المجعول فيها، فان مرجعها الى اعتبار النقاء والنظافة من الحدث المقابل لها، فإذا نزل شئ منزلة الغسل في كونه نقاءا من الجنابة ترتب على ذلك بمقتضى اطلاق التنزيل كل ما لعدم الجنابة والنقاء منها من آثار. الرابع: ان يقال بان دليل طهورية التيمم مفاده الطهورية الحقيقية لا التنزيلية غير انه لا يقتضي رفع الجنابة، فالمتيمم المذكور جنب ومتطهر وحيث ان نجاسة العرق من آثار الجنابة فهي باقية ببقاء موضوعها. وهذا ما اختاره السيد الاستاذ - دام ظله - (1) حيث بنى على ان التيمم يوجب الطهارة ولكنه لا يرفع حدث الجنابة، ولا حدث الموت فيما إذا يمم الميت وفرع على ذلك وجوب غسل المس بمسه بعد التيمم. ويرد عليه: انه ان رجع ذلك في المقام إلى التفكيك بين الحدث والجنابة بافتراضهما امرين متغايرين، وان الغسل يرفعهما معا، والتيمم لا


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 174 - 175.

[ 25 ]

يرفع الا الحدث، إذ لم يثبت الا كونه طهورا، ولا يقتضي ذلك الا ازالة الحدث دون الجنابة. فيرد عليه: ان هذا التفكيك ليس مفهوما عرفا من الادلة، بل ليس الحدث الا عنوانا للجنابة نفسها، لا ان هناك اعتبارين متغايرين للجنابة وللحدث. وهذا التفكيك لو تعقلناه. في مورد الجنابة فكيف يمكن تصويره في الميت، لوضوح انه لا يتصور بشأنه الا أمر واحد وهو حدث الموت. وان رجع ذلك - بعد التسليم بوحدة الحدث والجنابة - إلى ان طهورية التيمم لا تعني كونه رافعا لشئ، وان الرافعية تحتاج الى دليل خاص كما في الغسل، ومع عدمه في التيمم يكون مقتضى الجمع بين الادلة الالتزام ببقاء الحدث وحصول الطهارة للمتيمم. فهذا اغرب، لان الطهارة معناها النقاء والنظافة من شئ، فالرافعية مستبطنة فيها، واعتبارها شرعا للتيمم عبارة اخرى عن جعله رافعا ومنظفا من شئ. وهل استفيدت رافعية الغسل للجنابة من قوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) (1) إلا بلحاظ ان مادة الطهارة بنفسها مساوقة للنقاء والنظافة؟!، فالامر بها بعد افتراض الجنابة ظاهر عرفا في كون الغسل رافعا لها. والشي نفسه يقال في دليل طهورية التيمم. واما وجوب غسل المس بمس الميت الميمم فهو غير مبني على ما ذكر بل على اطلاق دليله، إذ لم يؤخذ في موضوعه سوى عنوان الميت وانه لم يغسل، فلا بد من بحث في ان التغسيل المأخوذ عدمه هل لوحظ بعنوانه أو بوصفه طهورا أو رافعا للحدث، فعلى الاول يجب غسل المس في الفرض المذكور، دونه على الثاني. الخامس: ان يقال ان دليل طهورية التيمم مفاده الطهورية التشريعية


(1) المائدة آية 6.

[ 26 ]

(مسألة 4) الصبي غير البالغ إذا اجنب من حرام ففي نجاسة عرقه اشكال، والاحوط أمره بالغسل إذ يصح منه قبل البلوغ على الاقوى (1). الحقيقية لا التنزيلية، لكن بلحاظ بعض مراتب الحدث، بان يفترض ان لحدث الجنابة مراتب وبعضها يزول بالتيمم دون بعض. وهذا التبعيض وان كان على خلاف اطلاق دليل طهورية التيمم، ولكنه يتعين بلحاظ ما دل على سقوط التيمم عن التأثير عند وجدان الماء، إذ لو كان التيمم رافعا لتمام مراتب الحدث فلا يعقل عوده، واما مع كونه رافعا لبعضها فسقوطه عن التأثير عند وجدان الماء لمكان وجوب رفع ما تبقى من مراتب الحدث لا لعود ما ارتفع، وعليه يمكن الالتزام بنجاسة عرق المتيمم في المقام لانه لا يزال جنبا. ويرد عليه: ما اشرنا إليه من ان الحدث يعود عند ارتفاع العذر بنفس السبب السابق، فان كان الاستنكار لاجل استحالة عود المعدوم فهو اجنبي عن باب الاعتبار الذي مرجعه الى ان الحدث المجعول في دليله مجعول على نحو يشمل فترة ما بعد زوال العذر، وان كان الاستنكار لاجل ان وجدان الماء ليس من موجبات الحدث فحله ان الحدث الحاصل عنه ارتفاع العذر ناشئ من نفس السبب السابق على ما بيناه. وتلخص من مجموع ما ذكرناه ان الصحيح ما عليه الماتن " قدس سره "


(1) الكلام يقع تارة: في اصل نجاسة عرق هذا الصبي بعد افتراض كبرى النجاسة في عرق الجنب من حرام، واخرى: في انه على فرض نجاسة عرقه فهل ينفع الغسل منه في رفع النجاسة؟ فهنا إذن جهتان: اما الجهة الاولى، فقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - انها مبنية على انه هل يستظهر من روايات النجاسة ان الحرمة اخذت بنحو المعرفية أو اخذت بنحو الحرمة الفعلية واستحقاق العقاب، فعلى الاول - ينجس عرق الصبي في المقام، وعلى الثاني لا ينجس لعدم فعلية الحرمة وعدم

[ 27 ]

العقاب (1). وحول ما افيد عدة تساؤلات: فأولا: ما معنى ايقاع التقابل بين المعرفية والفعلية، مع ان التقابل انما يكون بين المعرفية والموضوعية، ثم الموضوعية تارة تكون باخذ الحرمة الفعلية موضوعا، واخرى بأخذ الحرمة الذاتية أو الشأنية كذلك؟!. وثانيا: ما الموجب لادخال استحقاق العقاب في موضوع الحكم بالنجاسة بناءا على الفعلية، مع ان فعلية الحرمة شئ واستحقاق العقاب المتوقف على تنجزها شئ آخر، ويكفي في المقام لنفي نجاسة عرق الصبي ان يكون الموضوع الحرمة الفعلية ولو لم يؤخذ استحقاق العقاب؟!. وثالثا: انه إذا فرض ان موضوع الدليل هو الحرمه الفعلية المستبطنة لاستحقاق العقاب أو مطلق الحرمة الفعلية، فلماذا يحكم - دام ظله - بنجاسة عرق الزاني عن اكراه (2)، مع انه لا استحقاق ولا حرمة فعلية بشأنه؟!. والتحقيق: ان الحرمة ان أخذت بنحو المعرفية إلى ذوات العناوين فالحكم هو نجاسة عرق الصبي المذكور وعرق الزاني المكره. وان اخذت الحرمة بنحو الموضوعية فهنا ثلاثة فروض: أحدها: أن تكون الحرمة المأخوذة بنحو الموضوعية هي الحرمة التي تكون فعلية من ناحية ذات الفعل ولو لم تكن فعلية من ناحية الفاعل، اي ان الفعل لا قصور فيه من حيث الانصاف بالحرمة وان كان قد لا يتصف بالحرمة باعتبار عدم تمامية شرائط الحرمة الراجعة الى الفاعل. ويترتب على ذلك نجاسة عرق الصبي المذكور وعرق الزاني المكره معا، لان فعلهما من حيث هو جماع بلا ملك يمين ولا عقد يكون حراما بقطع النظر عن فقدان شرائط


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 176 - 177. (2) قال في التنقيح الجزء الثاني ص 169 " نعم إذا اكره على الزنا أو اضطر إليه حكم بنجاسة عرقه ".

[ 28 ]

الحرمة الراجعة الى الفاعل كالبلوغ والاختيار. ثانيها: ان تكون الحرمة المأخوذة بنحو الموضوعية بمعنى الحرمة الفعلية بلحاظ الفعل والفاعل معا، فلا ينجس عرق الصبي ولا المكره. ثالثها: اشتراط الفعلية في الحرمة بلحاظ ذات الفعل وكذلك الفعلية بلحاظ الفاعل، من غير ناحية الطوارئ والعوارض، فلا يضر عدم الحرمة الناشئ من هذه الطوارئ كالاكراه مثلا، بخلاف عدم الحرمة الناشئ من الصغر، فيفصل حينئذ بين المكره والصغير. وهذا الفرض هو الذي يناسب فتاوى السيد الاستاذ - دام ظله - إذ حكم في الصبي بالطهارة وفي المكره بالنجاسة. والصحيح استظهار الموضوعية والفعلية على الاطلاق من الدليل، كما هي القاعدة في كل موضوع يؤخذ في دليل حكم، فالصحيح طهارة عرق الصبي والمكره معا. واما الجهة الثانية، فقد يقال: ان غسل الصبي غير نافع، لتوقف صحته على وقوعه بوجه قربي، وهو متوقف على مشروعيته في حق الصبي ولا دليل على ذلك بعد اختصاص الخطابات الواقعة بالبالغين. ويجاب عن ذلك، تارة: بان الامر وان كان يختص بالبالغ ولكن الملاك يعم الصبي تمسكا بالدلالة الالتزامية لدليل الامر، وهو كاف في المشروعية. واخرى: بما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - وغيره: من ان الولي مأمور بامر الصبي بالعبادة، وهذا مع ضم كبرى اصولية وهي: ان الامر بالامر بشئ امر بذلك الشئ، ينتج المطلوب (1). وثالثة: بان المخصص لادلة الخطابات الواقعية بالبالغ انما يجدي لنفي الالزام لا لاصل الطلب بنحو ينتج الاستحباب وهو كاف للمشروعية. اما الاول، فيرد عليه: انه مبني على صحة التمسك بالدلالة


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 179.

[ 29 ]

الالتزامية في موارد سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية. واما الثاني، فيرد عليه أولا: ان هذا الوجه تطويل للمسافة بلا طائل، إذ استعين فيه بالكبرى الاصولية، مع ان جملة من الروايات التي يشار إليها توجه الامر الى الصبي راسا، منها صحيحة محمد بن مسلم " في الصبي متى يصلي؟. قال: إذا عقل الصلاة. قلت: متى يعقل الصلاة وتجب عليه؟. قال: لست سنين " (1). ومثلها: رواية اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) " قال إذا اتى على الصبي ست سنين وجب عليه الصلاة، وإذا اطاق الصوم وجب عليه الصيام " (2). والوجوب هنا بمعنى الثبوت، فهو انشاء متعلق بالصبي مباشرة. وكأن السيد الاستاذ - دام ظله - ينظر الى رواية من قبيل معتبرة الحلبي: (فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين) (3)، الا اننا لسنا بحاجة الى مثل هذه الرواية التي لا يتم الاستدلال بها الا بضم تلك الكبرى الاصولية. وثانيا: ان الروايات التي تأمر الولي بان يأمر الصبي بالصلاة مثلا اما ان يستظهر منها ان المقصود امر الولي للصبي بالصلاة الحقيقية الصحيحة، أو يستظهر ان المقصود امره للصبي بصورة الصلاة. فعلى الاول تكون هذه الروايات بنفسها دليلا على مشروعية صلاة الصبي بمقدماتها، بلا حاجة الى ضم تلك الكبرى الاصولية، لوضوح ان امر الصبي بالصلاة الصحيحة فرع مشروعية الصلاة في حقه، وعلى الثاني لا يستفاد منها مطلوبية غسل الجنابة، لان اداء صورة الصلاة لا يتوقف على غسل الجنابة، فغايته استفادة محبوبية صدور صورة الصلاة من الصبي، واما محبوبية الغسل فلا تستفاد


(1) الوسائل باب 3 من ابواب اعداد الفرائض حديث 2. (2) الوسائل باب 3 من ابواب اعداد الفرائض حديث 4. (3) الوسائل باب 3 من ابواب اعداد الفرائض حديث 5.

[ 30 ]

ولا وجه لالغاء خصوصية الصلاة والتعدي الى الغسل وغيره من العبادات بدعوى الجزم بعدم الفرق، كما لعله ظاهر كلام السيد الاستاذ، وذلك لوجود الفرق بين الصلاة والغسل من ناحية ان الصلاة المتقنة تحتاج الى تمرين طويل، بخلاف الغسل، ومن ناحية ان الصلاة يبتلي بها الصبي في أول بلوغه وكثيرا ما لا يبتلي بالغسل كذلك. واما الوجه الثالث، فقد يستشكل فيه بان المخصص هو حديث رفع القلم، وظاهره قلم التسجيل الشرعي، وهو اعم من الالزام. ويمكن الجواب على ذلك: بأن الاطلاق وان كان مقتضى الجمود على اللفظ، ولكن ورود الحديث مورد الامتنان مع اختصاص الامتنان برفع الالزام دون الاستحباب قرينة على التقييد. هذا، مضافا الى امكان المناقشة في حجية روايات رفع القلم، لضعف سند بعضها كرواية أبي البختري الضعيفة به (1)، ورواية ابن ظبيان (2) المشتملة على ضعفاء عديدين (3)، واشتمال بعضها على ما لا يلتزم به، كما في معتبرة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) " قال سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال إذ اتى عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم والجارية مثل ذلك... الحديث " (4). والحديث مشتمل منطوقا على مالا يلتزم به، فإذا ادعي عدم امكان التفكيك في الحجية بين مداليل عبارة الحديث سقط عن الاعتبار، وانحصر


(1) الوسائل باب 36 من ابواب القصاص في النفس حديث 2. (2) الوسائل باب 4 من ابواب مقدمة العبادات حديث 11. (3) وهم الحسن بن محمد السكوني والحضرمى وابراهيم بن أبي معاوية وابوه وابن ظبيان. (4) الوسائل باب 4 من ابواب مقدمة العبادات حديث 12.

[ 31 ]

المخصص في الاجماع والروايات الخاصة، ولا يكون له اطلاق حينئذ لرفع غير الالزام. وقد تعرض السيد الاستاذ - دام ظله - الى هذا الوجه واعترض عليه باعتراضين (1): احدهما: ان الاحكام بسائط، فإذا ارتفع الالزام ارتفع الجامع، وليس مركبا من مراتب يرتفع بعضها ويبقى البعض. اقول: ان هذا إنما يبطل التمسك بادلة الاحكام الالزامية، ولا ينحصر اثبات المقصود بذلك، بل يكفي التمسك بادلة المستحبات التي تتكفل جعل الاستحباب ابتداءا، كدليل الاستحباب النفسي لغسل الجنابة (2) ولبعض غاياته (3)، فبها نثبت مشروعية غسل الصبي، إذ المفروض ان المخصص لا يرفع عن الصبي سوى الالزام. والاعتراض الآخر، ان دليل التخصيص لا يرفع الالزام، لانه ليس مجعولا شرعيا، وانما هو منتزع من حكم العقل عند عدم الاذن في المخالفة ولابد ان ينصب الرفع الشرعي على ما هو المجعول الشرعي وهو اصل الطلب. ويرد عليه - بعد تسليم مبناه الاصولي -. اولا: ان الرفع وان كان ينصب على الطلب، ولكنا ندعي اختصاصه بتلك الحصة من الطلب غير المقرونة بالترخيص، لانه وارد مورد الامتنان ولا امتنان برفع الحصة الاخرى من الطلب المقرونة بالترخيص.


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 178. (2) من قبيل قوله تعالى " ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " البقرة آية 222. (3) من قبيل رواية أبي بصير " لا ينام المسلم وهو جنب ولا ينام الا على طهور " الوسائل باب 25 من ابواب الجنابة حديث 3 ومن قبيل سائر ادلة الصلوات المستحبة.

[ 32 ]

(الثاني عشر) عرق الابل الجلالة، بل مطلق الحيوان الجلال على الاحوط (1). وثانيا: ان اللزوم وان فرض عقليا، لكنه قابل للوضع والرفع شرعا بتبع منشأ انتزاعه، كما هو الحال في كل آثار الاحكام الشرعية كالسببية والشرطية ونحو ذلك، فإذا استظهرنا من دليل التخصيص انه رفع للالزام كان مرده الى رفع منشأ انتزاعه، ورفع المنشأ برفع المجموع من الطلب وعدم الترخيص لا رفع الجميع، فان الالزام منتزع من المجموع. وقد تحصل مما تقدم ان الوجه الثالث تام، فعلى الاقل نتمسك بادلة الاحكام الاستحبابية، ويؤيد المدعى: ما قد يستشعر من نفس حديث رفع القلم من ثبوت المقتضي والملاك في نفسه، فتثبت المشروعية على مستوى الملاك فتدبر جيدا. (1) توجد في المقام روايتان - باستثناء مرسلة الصدوق (1) التي لا تعويل عليها - يمكن دعوى الاستدلال بهما للنجاسة. احداهما: رواية حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): " قال لا تشرب من ألبان الابل الجلالة، وان اصابك شئ من عرقها فاغسله " (2). والاخرى: رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله: " قال لا تأكل اللحوم الجلالة، وان اصابك من عرقها شئ فاغسله " (3). والكلام يقع تارة: في عرق الابل الجلالة بالخصوص، واخرى: في


(1) ونصها " ونهى عليه السلام عن ركوب الجلالة وشرب ألبانها وقال: ان اصابك شئ من عرقها فاغسله " الوسائل باب 27 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 6. (2) الوسائل باب 15 من ابواب النجاسات حديث 2. (3) الوسائل باب 15 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 33 ]

عرق غيره من الحيوانات الجلالة، فهنا فرعان: اما الفرع الاول فالكلام في الروايتين، تارة من حيث السند، واخرى من حيث الدلالة. اما سندا فالرواية الاولى معتبرة، واما الثانية فهي كذلك، على خدشة تنشأ من انها رواها الشيخ الطوسي بطريقه الى الكليني على نحو تنتهي بهشام بن سالم (1)، وكذلك رواها في الوسائل عن الكافي مباشرة (2) غير ان الموجود في المطبوع من الكافي انتهاؤها الى هشام بن سالم عن أبي حمزة (3)، فان عين بالانصراف والشهرة في أبي حمزة الثمالي الثقة فهو، وان ابدي احتمال انطباقه على أبي حمزة سالم البطائني الذي لم يثبت توثيقه حصل نحو تهافت في السند. وحله: ان النسخ التي ثبتت ابا حمزة في السند لا معول عليها الا من باب الاطمئنان، لعدم وجود طريق شخصي معتبر الى كل نسخة، بينما يوجد للشيخ طريق معتبر الى الكليني وقد روى عنه باسقاط أبي حمزة، فيزول الاطمئنان عن تلك النسخ، ويكون التعارض من تعارض الحجة واللا حجة (4).


(1) التهذيب الجزء الاول ص 263. (2) الوسائل باب 15 من ابواب النجاسات حديث 1. (3) الكافي الجزء السادس ص 250. (4) توجد بيانات اخرى منها: ان نقل صاحب الوسائل عن الكافي بدون أبي حمزة يعارض نسخ الكافي الموجودة فنرجح ما في الوسائل لان له طريقا صحيحا الى الكليني كما صرح به في خاتمة الوسائل وفي اجازاته. ومنها: ان نقل صاحب الوسائل بدون أبي حمزة عن الكافي يكشف على الاقل عن تعارض نسخ الكافي فتسقط فنأخذ بنقل التهذيب عن الكليني. ومنها: ان تتبع الكتب التي نقلت عن الكافي قبل قرون يثبت عدم =

[ 34 ]

واما دلالة فقد يستدل بالروايتين على النجاسة، لظهور الامر بالغسل في الارشاد إليها. وكبرى هذا الظهور مسلمة، ولكن قد يناقش فيه في خصوص المقام، بدعوى امكان حمل الامر بالغسل على كونه بلحاظ المانعية، لان عرق الجلال من تبعات ما لا يؤكل لحمه فلا تجوز الصلاة فيه وهذا الحمل وان كان خلاف ظاهر الامر بالغسل في نفسه، ولكن قد يدعى وجود قرينتين عليه توجبان على الاقل الاجمال وعدم الظهور في النجاسة. احداهما: تفريع الامر بالغسل على الحكم بحرمة الجلال. والاخرى: ان الامر بالغسل لو كان منصبا على الشئ الذي اصابه


= وجود أبي حمزة في الكافي فيبرهن على حدوث التحريف بعد ذلك فمثلا في الروضة الجزء السابع ص 290 ينقل الرواية بدون أبي حمزة عن الكافي بقرينة ذكره لعبارة (وهي التي تأكل العذرة) الموجودة في الكافي فقط وفي شرح الارشاد للمحقق الاردبيلي في كتاب الاطعمة والاشربة كذلك وفي جامع الرواة لم ينقل ان هشام بن سالم روى عن أبي حمزة وفي الحبل المتين بدون أبي حمزة ايضا. وذكر في الهامش ان في الكافي بدل الجلالة الجلالات فلو كان اختلاف في نسخة الكافي لبينه. ومنها: انه لو فرض تعارض نسخ الكافي مع ما ينقله في التهذيب عن الكليني فيتساقطان فنرجع الى ما نقله الشيخ باسناده عن احمد بن محمد في التهذيب الجزء التاسع ص 45 وليس فيه أبو حمزة ومنها: ان نفترض ان الرواية واردة في الكافي في موردين احدهما فيه أبو حمزة والاخر ليس فيه فناخذ به والذي يشهد على هذه الفرضية هو المحدث الكاشاني في الوافي حيث نقل الرواية عن الكافي والتهذيب بدون أبي حمزة ثم نقلها عن الكافي مع أبي حمزة ولكني لم اعثر على رواية ليس فيها أبو حمزة في الكافي.

[ 35 ]

العرق لقيل انه يكشف عن النجاسة ولا يلائم المانعية لا طلاقه حتى لحالة جفاف العرق وزواله، ولكنه قد انصب في الروايتين على نفس العرق فالمأمور بغسله هو العرق، فلا اطلاق فيه لفرض زواله لكي يجعل هذا الاطلاق شاهدا على انه بلحاظ النجاسة لا المانعية. وكلتا القرينتين غير مانعتين عن الاستدلال. اما الاولى، فلعدم وجود ما يدل على التفريع اصلا، وانما هناك ترتب في الذكر، وهو بمجرده لا يكون قرينة على التفريع وكون الامر بالغسل ناظرا الى مانعية ما لا يؤكل لحمه، خصوصا ان الرواية ليس فيها ذكر للصلاة أو افتراض للتهيوء لها، والعرق الذي يصيب الانسان من الابل الجلال يجف عادة في مدة قصيرة، وكبرى مانعية مالا يؤكل لحمه ليست امرا مر كوزا وقتئذ في اذهان المتشرعة ارتكازا يساعد على انصراف الذهن إليها من الامر بالغسل. واما الثانية، فلأن دلالة الامر بالغسل على النجاسة لا مجرد المانعية ليست نكتتها منحصرة بالاطلاق المذكور، ليقال بعدم تأتي هذه النكتة في المقام، بل يمكن ان يكون بنكتة ظهور نفس مادة الغسل في قذارة المغسول أو بنكتة ظهور الامر في تعين الغسل، مع ان النظر لو كان الى المانعية لما انحصر دفع المحذور بذلك كما هو واضح. وعليه فالمصير الى دلالة الروايتين على النجاسة ليس ببعيد. واما الفرع الثاني، فمدرك النجاسة فيه الروايتان السابقتان ايضا. اما الاولى، فبما تقدم مع ضم دعوى ان الابل اخذ بنحو المثالية، وان مناسبات الحكم والموضوع المركوزة تلغي خصوصيته. واما الثانية، فبلحاظ اطلاقها. وقد يناقش في هذا الاطلاق، تارة: بالحمل على خصوص الابل الجلالة، بناءا على اختصاص الرواية الاولى بها، من باب حمل المطلق

[ 36 ]

(مسألة - 1) الاحوط الاجتناب عن الثعلب، والارنب والوزغ، والعقرب، والفأر، بل مطلق المسوخات، وان كان الاقوى طهارة الجميع (1). على المفيد. واخرى: بابداء احتمال ان اللام في قوله (اللحوم الجلالة) للعهد، وقد اشير به الى الابل الجلالة. وثالثة: بان مرجع الضمير في قوله وان اصابك من عرقها شئ غير مصرح به في الرواية، إذ لا يناسب ارجاعه الى اللحوم الجلالة، لان العرق شأن الحيوان لا اللحم، ومع عدم التصريح بالمرجع يكون مجملا فيقتصر فيه على المتيقن. ورابعة: بان الاجماع على الطهارة في غير الابل يمنع عن الاخذ بالاطلاق، بل لابد من التقييد أو الحمل على التنزه. أما الاول، فيرد عليه: ان المقام ليس من موارد حمل المطلق على المقيد، لعدم التنافي. واما الثاني، ففيه: ان العهدية تحتاج الى قرينة ولا يجدى مجرد الاحتمال. واما الثالث، ففيه: ان المرجع هو نفس اللحوم الجلالة، إذ المراد باللحوم هنا الحيوانات بقرينة توصيفها بالجلالة، مع ان الجلل شأن الحيوان لا اللحم. ولو سلم عدم تعين ذلك للمرجعية فان ذلك لا يوجب الاجمال، بل يقدر ما يناسب العنوان المصرح به من حيث الاطلاق واما الرابع، فهو العمدة في المقام، وان كان لا ينبغي رفع اليد عن الاحتياط لا حتمال كونه مدركيا ومستندا إلى بعض ما تقدم. (1) الحيوان إما انسان أو غيره، وهذا الغير إما مأكول اللحم أو غيره، وغير مأكول اللحم اما من المسوخ أو السباع أو غيرهما. ولا شبهة في طهارة الانسان، على كلام تقدم في الكافر منه. كما لا شك في طهارة ما يؤكل لحمه من الحيوان. وإنما الكلام في الحيوان الذي لا يؤكل لحمه اما

[ 37 ]

مطلقا أو بلحاظ اقسام خاصة منه كالسباع والمسوخ. وتحقيق ذلك بالكلام اولا: عن وجود عموم يدل على نجاسة ما لا يؤكل لحمه، بحيث يكون هو المرجع في كل مورد لم يدل دليل خاص على الطهارة. وبعد افتراض عدم وجود عموم من هذا القبيل يقع الكلام ثانيا: في افتراض عموم كذلك في المسوخ. وثالثا: في البحث عن وجود العموم المذكور في السباع. ورابعا: نفتش عن ادلة خاصة على النجاسة في حيوانات خاصة، كالثعلب والارنب والعقرب، ونحوها. فهنا حسب هذه المنهجة اربعة مقامات: المقام الاول: ويمكن ان يستدل فيه على نجاسة كل ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات بمفهوم بعض الروايات الواردة فيما يؤكل لحمه، كمعتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " قال: لا بأس أن تتوضأ مما شرب منه ما يؤكل لحمه " (1). ومعتبرة عمار بن موسى عن أبي عبد الله (ع) " قال: سئل عما تشرب منه الحمامة. فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب... الحديث " (2) وتقريب الاستدلال: أنها تدل بالمفهوم على النهي عن سؤر مالا يؤكل لحمه، وهو ظاهر عرفا في الارشاد الى النجاسة. ويرد عليه: اولا: ان ظهوره في ذلك مرده إلى انسباق ذهن العرف الى كون الامر بالغسل بنكتة النجاسة، فان هذا الانسباق هو منشأ ظهور النهي في الارشاد الى النجاسة، وهذا الانسباق انما يتم في مورد لا يوجد فيه احتمال عرفي لنكتة اخرى للنهي غير النجاسة، وهذا الاحتمال العرفي موجود في المقام، بلحاظ ان السؤر ما يتقبل العرف امكان اكتسابه منقصة أو شأنا بلحاظ صاحب السؤر، فاحتمال كون سؤر ما لا يؤكل لحمه بعنوانه


(1) الوسائل باب 5 من ابواب الاسئار حديث 1. (2) الوسائل باب 4 من ابواب الاسئار حديث 2.

[ 38 ]

مانعا عن الوضوء والشرب من الماء امر عرفي في اذهان المتشرعة. ويدل على ذلك: تتبع اخبار السؤر وملاحظة ما ورد من السؤال عن سؤر ما يؤكل لحمه، مع ان طهارة ما يؤكل لحمه من الحيوانات واضحة وليست موردا للسؤال (1). ورواية عمار المتقدمة نفسها ورد فيها السؤال عن سؤر الحمامة، مع وضوح طهارتها متشرعيا، وكل ذلك ينفي انحصار الجهة في الذهن المتشرعي والعرفي العام بالنجاسة. وثانيا: ان من الواضح طهارة عدد كبير من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، حتى ان الامام في بعض الروايات (2) يقرب طهارة السئور بانه سبع، والسائل في بعض الروايات (3) يستشكل في نجاسة الكلب بقوله: أليس هو سبع؟، مما يكشف عن ارتكازية طهارة السباع. وهذا الوضوح المرتكز يشكل قرينة متصلة على صرف العبارة المذكورة عن النجاسة، على تقدير ظهورها في نفسها في ذلك. وثالثا: لو سلم عدم الوضوح المرتكز فلا اقل من استلزام الحمل على النجاسة لتقييد الاكثر في طرف المفهوم. هذا مضافا إلى انه لا مفهوم للعبارة المذكورة بنحو ينتج سالبة كلية، اما معتبرة عبد الله بن سنان فلو ضوح


(1) من قبيل معتبرة جميل بن دراج! " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن سؤر الدواب والغنم والبقر ايتوضأ منه ويشرب؟. قال: لا بأس " الوسائل باب 5 من ابواب الاسئار حديث 4. (2) كما في رواية أبي الصباح عن أبي عبد الله (ع) قال " كان علي (ع) يقول: لا تدع فضل السئور ان تتوضأ منه انما هي سبع " الوسائل باب 2 من ابواب الاسئار حديث 4. (3) كما في معتبرة معاوية بن شريح: الوسائل باب 1 من ابواب الاسئار حديث 6.

[ 39 ]

عدم الشرطية، واما معتبرة عمار فقد تستشم الشرطية من التفريع بالفاء، ولكن ذلك لا يكفي لظهور الجملة في الشرطية بنحو ينتج المفهوم، خصوصا ان الشرط فيها نفس موضوع الحكم، وفي مثل ذلك لا مفهوم. المقام الثاني في المسوخ: وقد يستدل على نجاستها برواية أبي سهل القرشي " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن لحم الكلب. فقال: هو مسخ. قلت: هو حرام؟ قال: هو نجس. اعيدها ثلاث مرات كل ذلك يقول: هو نجس " (1). وتقريب الاستدلال بها: ان السؤال عن الكلب لم يصرح بالحيثية المنظورة فيه، فهي اما حيثية تكوينية " أو حيثية الحرمة، أو حيثية النجاسة. والاول خلاف الظهور المقامي للسؤال من الامام (ع). والثاني ينصرف عنه الذهن، لعدم كون الكلب في معرض الاكل من لحمه عرفا فان لحمه لا يتعاطى عرفا في سائر المجتمعات، والسؤال العرفي ينبغي ان يحمل على جهة عرفية، فيتعين الثالث بحسب الانسباق العرفي، ومعه يكون الجواب بانه مسخ كأنه اعطاء للحكم بالنجاسة ببيان ضابط كلي وهو المسخ، فيدل على نجاسة كل مسخ. ويرد عليه: ان لفظ السؤال بنفسه قرينة على تعين الثاني، لانه يسأل عن لحم الكلب لا عن الكلب نفسه، والسؤال عن اللحم ظاهر في النظر الى حيثية الحرمة، ويؤيده قول السائل بعد ذلك " هو حرام " (2). المقام الثالث في السباع: وما يمكن ان يدعى الاستدلال به على نجاستها رواية يونس عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (ع) " قال: سألته هل يحل أن يمس الثعلب، والارنب، أو شيئا من السباع، حيا أو ميتا؟.


(1) الوسائل باب 2 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 4. (2) مضافا الى ضعف سند الرواية بسهل بن زياد وأبي سهل القرشي.

[ 40 ]

قال: لا يضره ولكن يغسل يده " (1). وذلك لدلالة الامر بالغسل على النجاسة. وقوله " لا يضره " وان كان يشمل باطلاقه نفي النجاسة، ولكن الامر بالغسل يكون مقيدا له. والجواب: بلزوم حمل الامر بالغسل على التنزه بقرينة ما دل على طهارة السباع، وهو عدة طوائف: منها - ما دل على طهارة السباع وجواز سؤرها صريحا، كمعتبرة معاوية بن شريح (2). ومنها - ما دل على ذلك بلسان الحكم بطهارة السنور وجواز سؤره وتبرير ذلك بانه سبع، كرواية محمد بن مسلم (3) ورواية أبي الصباح (4). ومنها - الروايات الواردة في جواز استعمال جلود ما لا يؤكل لحمه والاستفادة منها في غير حالة الصلاة (5)، فان سكوتها عن التنبيه على النجاسة - مع أن السباع هي اوضح افراد مالا يؤكل لحمه واكثرها دخولا في محل الابتلاء بجلودها - ان لم يدل


(1) الوسائل باب 34 من ابواب النجاسات حديث 3. (2) الوسائل باب 1 من ابواب الاسئار حديث 6 وجاء فيها " سأل عذافر أبا عبد الله (ع) وانا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه فقال: نعم اشرب منه وتوضأ منه " الحديث. (3) الوسائل باب 2 من ابواب الاسئار حديث 3. (4) مر ذكرها في هامش صفحة 38. (5) من قبيل معتبرة سماعة قال " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن جلود السباع فقال اركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه " الوسائل باب 5 من ابواب لباس المصلي حديث 4.

[ 41 ]

بالاطلاق المقامي على الطهارة فلا اقل من التأييد. المقام الرابع في الموارد الخاصة: وفيه جهات: الجهة الاولى في الثعلب والارنب: وما قد يستدل به على نجاستهما مرسلة يونس المتقدمة وقد عرفت تعين حملها على التنزه بلحاظ ما دل على طهارة السباع. ودعوى: امكان التبعيض في الامر بالغسل، فيرفع اليد عن لزومه بالنسبة الى سائر السباع ويلتزم بلزومه بالنسبة الى الثعلب والارنب خاصة، لعدم الدليل الخاص فيها على الترخيص. مدفوعة: بأن هذا التبعيض مبني على مسلك المحقق النائيني " قدس سره " في دلالة الامر على الوجوب وانها بحكم العقل، وهو غير تام في نفسه كما حققناه في موضعه وغير منطبق على محل الكلام لانه انما ينطبق على الاوامر المولوية، لا الاوامر الارشادية التي مفادها اعتبار وضعي كالنجاسة " فان مرتبة اللزوم من الحكم الوضعي مدلول للدليل اللفظي. هذا كله مضافا الى سقوط الرواية سندا، وامكان استظهار طهارة الثعلب مما ورد في جواز لبس جلده بالخصوص في غير حال الصلاة (1) باطلاقه المقامي. ويمكن ان يستدل لنجاسة الثعلب بما ورد في ابواب لباس المصلي من النهي عن الصلاة في جلده وفي الثوب الذي يليه، فان النهي عن هذا الثوب ليس بلحاظ المانعية، بل بلحاظ النجاسة، كمعتبرة أبي علي بن راشد في حديث: " قال: قلت لأبي جعفر (ع) الثعالب يصلي فيها؟ قال: لا، ولكن تلبس بعد الصلاة. قلت: اصلي في الثوب الذي يليه؟ قال: لا " (2). ومعتبرة علي بن مهزيار عن رجل سأل الرضا (ع) عن الصلاة في جلود الثعالب فنهى عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليه


(1) من قبيل معتبرة أبي علي بن راشد الاتية بعد قليل. (2) الوسائل باب 7 من ابواب لباس المصلي حديث 4.

[ 42 ]

فلم أدر اي الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد؟ فوقع بخطه: الثوب الذي يلصق بالجلد. قال: وذكر أبو الحسن - يعني علي بن مهزيار - أنه سأله عن هذه المسألة فقال: لا تصل في الذي فوقه، ولا في الذي تحته " (1). والظاهر عدم تمامية الدلالة في ذلك على النجاسة، إذ لو كان النظر الى النجاسة لكان الانسب التنبيه ايضا على سراية النجاسة الى البدن، حيث يتعرض مع طول الزمان الى الملاقاة مع جلود الثعالب الملبوسة، فلم تعرف مزية للثوب الذي يليه على البدن من ناحية هذا المحذور، خصوصا مع رطوبة اليد بين حين وآخر ووقوعها على الملابس عادة. وهذا بخلاف ما إذا كان النظر الى ما يكتسبه الثوب الذي يليه من اجزاء ما لا يؤكل لحمه خصوصا إذا كان مما يليه من جانب الوبر، فانه سنخ محذور غير متجه في اليد ونحوها. وهذا إن لم يصلح قرينة على صرفه عن النجاسة فلا اقل من اقتضائه للاجمال. ومما يمكن ان يستدل به ايضا على نجاسة الثعلب - وامثاله من السباع التي ترد الحياض الواقعة بين مكة والمدينة عادة - الروايات الواردة في تحديد الكر، كمعتبرة صفوان بن مهران الجمال قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي ما بين مكة الى المدينة (و - خ ل)، تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب، ويتوضأ منها؟. قال: وكم قدر الماء؟ قال: الى نصف الساق والى الركبة. فقال: توضأ منه " (2) ومثلها غيرها (3).


(1) الوسائل باب 7 من ابواب لباس المصلي حديث 8. (2) الوسائل باب 9 من ابواب الماء المطلق حديث 12. (3) وهي رواية اسماعيل بن مسلم عن جعفر عن ابيه عليهما السلام =

[ 43 ]

وتقريب الاستدلال: إما بلحاظ ظهور كلام السائل في ارتكاز نجاسة السباع في ذهنه، وظهور سكوت الامام (ع) عن ذلك في امضاء هذا الارتكاز وإما بلحاظ ظهور كلام الامام في التفصيل بين القليل والكثير، الذي يعني الحكم بانفعال الماء بذلك إذا كان قليلا. وكلا اللحاظين قابل للمنع. اما الاول: فلعدم ظهور كلام السائل في ان المحذور من السباع نجاستها الذاتية، بل قد يكون المحذور تلوث فمها بالدم والميته أو معرضيته لذلك، ومما يشهد به عطف الحمير على السباع مع انه لا يحتمل فيها النجاسة الذاتية عادة. واما الثاني فلأن كلام الامام (ع) يدل على التفصيل بين حالتي القلة والكثرة في النفعال وعدمه، ولكنه ليس في مقام البيان من ناحية موجبات الانفعال حتى يتمسك باطلاق ما يستفاد منه من الانفعال في القليل لاثبات النجاسة الذاتية للسبع الجهة الثانية في الفارة: ويمكن ان يستدل على نجاستها بعدة روايات: منها - رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع): " قال: سألته عن الفارة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب، ايصلى فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من اثرها، وما لم تره انضحه بالماء " (1) والرواية تامة سندا. واما من حيث الدلالة فالامر بالغسل فيها يدل على النجاسة بتقريبات تقدمت. والاثر المذكور فيها قد يكون بمعنى الاثر العيني كالشعر والوسخ، فيكون الامر بالنضح مع عدم الاثر دالا على


= " ان النبي (ص) اتى الماء فاتاه اهل الماء فقالوا يا رسول الله ان حياضنا هذه تردها السباع والكلاب والبهائم قال: لها ما اخذت بافواهها ولكم سائر ذلك " الوسائل باب 9 من ابواب الماء المطلق حديث 10 والرواية ضعيفة بموسى بن عيسى ومحمد بن سعيد لانها لم يوثقا. (1) الوسائل باب 33 من ابواب النجاسات حديث 2.

[ 44 ]

النجاسة أيضا. وقد يكون بمعنى يشمل الرطوبة، فيكون الامر بالنضح في فرض عدم الاثر محمولا على التنزه لعدم سراية النجاسة بدون رطوبة، بل قد يجعل ذلك حينئذ موهنا لظهور الامر بالغسل في الحكم اللزومي. ومنها - روايات الامر بنزح شئ لدى وقوعها في البئر، كمعتبرة معاوية بن عمار: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الفارة، والوزغة تقع في البئر؟ قال: ينزح منها ثلاث دلاء " (1). غير ان الاستدلال بها يتوقف اولا: على عدم البناء على اعتصام ماء البئر، والا لتعين حمل الامر بالنزح على التنزه، ومعه لا تبقى فيه دلالة على نجاسة الحيوان الساقط وثانيا: على ان يكون نظر السائل في سؤاله الى استعلام حال الحيوان الساقط من حيث طهارته ونجاسته، واما إذا كان النظر إلى استعلام حال ماء البئر من حيث انه ينفعل أو لا ينفعل بعد الفراغ عن كون الساقط منجسا لغير المعتصم، فلا يمكن التمسك بالرواية حينئذ لا ثبات نجاسة الفارة لان الامام (ع) يكون في مقام البيان من ناحية انفعال ماء البئر بعد الفراغ عن كون الساقط منجسا، ولو من ناحية انه يكون ميتة لغلبة موت الفارة في البئر إذا وقعت فيه، وليس الكلام مسوقا لحكم الفارة ليتمسك بالاطلاق من هذه الناحية لفرض عدم موتها. ولا نسلم كلا الامرين، فالاستدلال غير تام. ومنها - رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (ع): " قال: سألته عن الفارة والعقرب، واشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا، هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة... الحديث " (2). وتقريب


(1) الوسائل باب 19 من ابواب الماء المطلق حديث (2) ويمكن =

[ 45 ]

الاستدلال: ان ظاهر الرواية اناطة جواز الوضوء والشرب بسكب شئ من الماء، ولا موجب لذلك الا انفعاله بتلك الاشياء الكاشف عن نجاستها ويكون السكب نحوا من التطهير كالنزح من البئر على القول به. ويرد عليه: ان السكب ليس الا تقليلا من الماء، وتقليل النجس ليس صالحا لمطهريته بحسب الارتكاز العرفي، فهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة على ان النظر الى حزازة نفسية لا الى الانفعال والنجاسة. ولا يقاس بالنزح، لانه يوجب تجديد الماء باعتبار ما للبئر من مادة. ومما يؤيد الحمل على الحزازة النفسية التصريح بتعميم الحكم للقليل والكثير، مع وضوح ان الكثير لا يتنجس، فلو حمل على النظر الى النجاسة لزم حمل الكثير على الكثير النسبي مع فرض عدم كريته. ومنها - حديث المناهي المعتبر سندا (1)، وقد ورد فيه: " ان النبي (ص) نهى عن أكل سؤر الفار " (2). وفيه: ان النهي عن الاكل إنما يكون ظاهرا في النجاسة إذا لم يوجد احتمال عرفي لمنشأ آخر على نحو يؤدي الى انسباق فهم النجاسة عرفا. والمنشأ الآخر محتمل عرفا في المقام وهو حزازة السؤر في نفسه على ما تقدم نظيره مرارا. ومنها - معتبرة علي بن جعفر (3) عن اخيه موسى (ع): " قال:


= اضافة المناقشة السندية الى الدلالية فانها ضعيفة بيزيد بن اسحاق إذ لم يثبت توثيقه. وسيشير السيد الاستاذ - دام ظله - الى ضعفها في ص 51. (1) لان في سنده من لم يوثق مثل حمزة بن محمد وعبد العزيز بن محمد وشعيب بن واقد. (2) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 7. (3) قد يقال بضعفها لان في سندها عبد الله بن الحسن وهو غير مذكور في الرجال ولكن يمكن تصحيحها باعتبار ان صاحب الوسائل =

[ 46 ]

سألته عن الفارة، والكلب إذا اكلا من الجبن وشبهه، ايحل اكله؟. قال: يطرح منه ما اكل، ويحل الباقي. قال: وسألته عن فارة أو كلب شربا من زيت أو سمن؟. قال: ان كان جرة أو نحوها فلا تأكله، ولكن ينتفع به لسراج أو نحوه، وان كان اكثر من ذلك فلا بأس باكله الا ان يكون صاحبه موسرا يحتمل ان يهريقه فلا ينتفع به في شئ " (1). والاستدلال: اما بالفقرة الواردة في صدر الرواية: " يطرح منه ما اكل ويحل الباقي "، لدلالته على حرمة ما باشره الحيوان المذكور. واما بالفقرة المتأخرة: " فلا ينتفع به في شئ "، لان سلب الانتفاع والامر بالاراقة وما بهذا المضمون لسان من السنة الحكم بالنجاسة عرفا. أما الفقرة الاولى فلا دلالة فيها، لان مجرد النهي عن الاكل لعله بلحاظ نكتة السؤر، وهي نكتة عرفية كما تقدم. واما الفقرة الاخيرة فهي وان كانت اوضح لبعد تنزيلها على نكتة السؤر، لان لسانها سلب الانتفاع، لا مجرد عدم الاكل، ولكن التفصيل بين الفقير والغني - مع ارتكاز ان فقر المالك وغناه لا دخل له في الطهارة والنجاسة - يصلح ان يكون قرينة على صرف الدليل عن النجاسة الى ضرب من التنزه. هذا في حال الروايات التي يمكن ان يستدل بها على النجاسة مع تحقيق حالها. وهناك روايات يمكن ان يستدل بها على طهارة الفارة في مقابل ذلك:


= ذكر بان هذه الرواية في كتاب علي بن جعفر وقد شهد بان الكتب التي ينقل عنها في الوسائل وصلت له عن طريق الشيخ الطوسي (ره) وطريقه الى الشيخ صحيح كما ان طريق الشيخ الى كتاب علي بن جعفر صحيح كما ذكره في فهرسته. (1) الوسائل باب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 2.

[ 47 ]

منها - معتبرة سعيد الأعرج: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الفارة والكلب، يقع في السمن والزيت ثم يخرج منه حيا؟. قال: لا بأس بأكله " (1). وتقريب دلالتها: انها تدل على جواز الاكل من السمن الملاقي للفارة المساوق لطهارته، وبضم ارتكاز سراية النجاسة بالملاقاة من عين النجس يكون البيان المذكور ظاهرا عرفا في نفي نجاسة الفارة. وبيان آخر: انه بعد دلالة الرواية على طهارة السمن نضم إليه الدليل الخارجي على سراية النجاسة من عين النجس بالملاقاة، فيثبت طهارة الفارة. وليس هذا من التمسك بدليل السراية لاثبات التخصص عند الدوران بينه وبين التخصيص، لان التخصيص والتفرقة بين نجس ونجس آخر في السراية غير محتمل فقهيا. نعم هنا اشكال في الرواية ينشأ من عطف الكلب على الفارة، مع الدليل القطعي على نجاسته، وهو يوجب وهنا في الرواية: إما للتشكيك في جريان اصالة الجد بلحاظ جزء من الكلام بعد سقوطها بلحاظ جزء آخر، لا ختلال الكشف النوعي الذي هو ملاك حجيتها عقلائيا بالاطلاع على تواجد حالة التقية في شخص ذلك الكلام، واما لكون الرواية مخالفة للسنة القطعية بلحاظ جزء من مفادها، وبعد عدم امكان التفكيك عرفا في التعبد بالصدور بين كلمة وكلمة تسقط الرواية بتمامها عن الحجية. ولكن يمكن ان يقال: ان عطف الكلب ورد في طريق الكليني ولم يرد في المتن الذي رواه الشيخ، فيتعين هذا بعد سقوط المتن المشتمل على الكلب عن الحجية في نفسه. ومنها - ما رواه علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) في حديث... " وسألته عن فارة وقعت في حب دهن واخرجت قبل ان تموت، ايبيعه


(1) الوسائل باب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 1.

[ 48 ]

من مسلم؟ قال: نعم وبدهن منه " (1). فان مفاده اللفظي أو اطلاقه المقامي يقتضى الطهارة وهي ضعيفة السند (2). ومنها - رواية أبي البختري الضعيفة به عن جعفر بن محمد عن ابيه: " ان عليا (ع) قال: لا بأس بسؤر الفار ان تشرب منه وتتوضأ ". ورواية اسحاق بن عمار المعتبرة (3) عن أبي عبد الله (ع): " ان أبا جعفر (ع) كان يقول: لا بأس بسؤر الفارة - إذا شربت من الاناء - ان تشرب منه وتتوضأ منه " (4). ودلالتها على طهارة الفارة، إما بضم ارتكاز انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة المنتج لظهور الكلام في طهارة الفارة، أو ضم ادلة انفعال الماء القليل من خارج بعد العلم بعدم الفرق بين نجس ونجس، فيتعين ان


(1) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 1. (2) لانها وردت في قرب الاسناد كما نقلها عنه في الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 1 والسند ضعيف بعبد الله بن الحسن ووردت في التهذيب الجزء الاول ص 419 باسناد الشيخ الى العمركي وطريقه إليه غير معروف لانه لم يذكره لا في مشيخته ولا في الفهرست ووردت في الاستبصار الجزء الاول ص 24 باسناد الشيخ الى علي بن جعفر وطريقه إليه في المشيخة ضعيف باحمد بن محمد بن يحيى. ولكن لليشخ طريق آخر الى من وقع بعد احمد بن محمد بن يحيى وهو محمد بن احمد بن يحيى بن عمران ولكن الكلام في ثبوت الرواية بهذا السند في الاستبصار فراجع (3) رواها الصدوق باسناد ضعيف بعلي بن اسماعيل عن اسحاق ورواها الشيخ في التهذيب عن اسحاق ولا طريق له إليه في المشيخة الا انه ذكر فيها انه اقتصر على بعض الطرق واحال الباقي على الفهرست وله فيه طريق صحيح الى اسحاق فنصحح الرواية على اساسه. (4) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 8.

[ 49 ]

يكون جواز استعمال الماء لطهارة الفارة. وقد يستشهد للطهارة ايضا ببعض ما تقدم الاستدلال به على النجاسة ايضا، كما في رواية علي بن جعفر ورواية الغنوي، فلاحظ. الجهة الثالثة في العقرب. وما يمكن ان يستدل به على النجاسة إضافة الى رواية الغنوي المتقدمة (1) التي توهم الاستدلال بها على نجاسة الفارة - روايتان هما: رواية أبي بصير عن أبي جعفر (ع): " قال: سألته عن الخنفساء تقع في الماء، ايتوضأ به؟ قال: نعم لا بأس به. قلت: فالعقرب قال: ارقه " (2). ورواية سماعة: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن جرة وجد فيه خنفساء قد مات؟ قال: ألقه وتوضأ منه، وإن كان عقربا فأرق الماء وتوضأ من ماء غيره " (3). اما رواية الغنوي فقد تقدم حالها، واما الروايتان فهما تامتان سندا، وان وقع في السند عثمان بن عيسى لو ثاقته باعتبار نقل بعض الثلاثة عنه (4) ولكن الامر بالاراقة فيهما لا ينسبق منه النجاسة عرفا، ما دام احتمال الحزازة بلحاظ آخر عرفيا: على اساس سمية العقرب وامكان افسادها


(1) مرت في الكلام عن حكم الفارة. (2) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 5. (3) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 6. (4) فقد روى عنه صفوان كما في الوسائل باب 8 من ابواب الايلاء حديث 4 والطريق إليه صحيح مضافا الى امكان توثيق عثمان بن عيسى بوجهين اخرين الاول تصريح الشيخ في العدة ص 56 طبعة بمباي بعمل الطائفة برواياته باعتبار وثاقته والثاني تصريح الكشي في رجاله ص 556 من الطبعة الحديثة بكونه من اصحاب الاجماع على قول بعض وهذا كاف في الكشف عن وثاقته.

[ 50 ]

للماء من هذه الناحية. وقد يستدل في مقابل ذلك على الطهارة برواية الغنوي المتقدمة الساقطة سندا، وبرواية ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله (ع): كل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس واشباه ذلك فلا بأس " (1) والاستلال بها، اما بناءا على انفعال البئر بملاقاة مطلق النجس فواضح، واما بناءا على عدم انفعاله فقد يقال ايضا: ان المستظهر من الدليل نفي البأس بملاك عدم نجاسة الساقط، سواء كان البأس المنفي لزوميا أو تنزيهيا فيدل على ان العقرب ليست نجسة ذاتا، والا فلا تأثير لعدم كونها ذات نفس سائلة في طهارتها. ويشكل سند هذه الرواية برواية الحسين بن سعيد لها عن ابن سنان، الممكن أو المتعين انطباقه بلحاظ الطبقة على محمد بن سنان. وبرواية علي بن جعفر عن اخيه (ع): " قال: سألته عن العقرب والخنفساء واشباههن تموت في الجرة أو الدن، يتوضأ منه للصلاة؟. قال: لا بأس به " (2) وتقريب الاستدلال يتضح من بعض البيانات السابقة. غير ان الرواية ليست تامة سندا بعبد الله بن الحسن العلوي. وقد افاد السيد الاستاذ - دام ظله - في مقام تبعيد القول بالنجاسة: ان مما يبعد القول بالنجاسة كون العقرب ليس لها نفس، وقد ثبت ان ميتة ما لا نفس له لا يكون محكوما عليه بالنجاسة (3). وهذا غريب، لأن ما دل على طهارة ميتة ما لا نفس له انما ينفي النجاسة من ناحية الموت، ولا نظر فيه الى نفي النجاسة الذاتية للحيوان بما هو ان قيل: ان قوله في رواية حفص بن غياث " لا يفسد الماء


الوسائل باب 10 من ابواب الاسئار حديث 3. (2) الوسائل باب 10 من ابواب الاسئار حديث 5. (3) التنقيح الجزء الثاني ص 185.

[ 51 ]

الا ما كانت له نفس سائله " (1) يشمل باطلاقه العقرب حال حياتها ايضا، فيدل على طهارتها الذاتية. قلنا: ان الكلام المذكور في مقام نفي النجاسة التي كانت محتملة في نفسها، ومن الواضح ان ما ليس له نفس سائلة لم يكن يحتمل نجاسته الذاتية بهذا العنوان، وانما يحتمل نجاسته بالموت، فينصرف النفي الى ذلك، ولهذا لا يتوهم شمول الاثبات في عقد المستثنى للحيوانات الحية ذات النفس السائلة. الجهة الرابعة في الوزغ. وقد تقدم ما يمكن ان يستدل به على النجاسة فيه وهو رواية الغنوي (2)، ومعتبرة معاوية بن عمار (3). ومضى الكلام عنها. ومما يمكن ان يستدل به على طهارة الوزغ رواية على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) في حديث... " قال: سألته عن العظاية والحية والوزغ يقع في الماء فلا يموت، ايتوضأ منه للصلاة؟ قال لا بأس به... الحديث " (4). وهي صحيحة سندا (5)، ودالة


(1) الوسائل باب 10 من ابواب الاسئار حديث 2. (2) مرت في ص 44. (3) مرت في ص 44. (4) الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار حديث 1. (5) في سندها اشكال وهو انها وردت في قرب الاسناد كما نقلها عنه في الوسائل باب 9 من ابواب الاسئار والسند ضعيف بعبدالله بن الحسن ووردت في التهذيب الجزء الاول ص 419 من الطبعة الحديثة باسناد الشيخ الى العمركي وطريقه إليه غير معروف لأنه لم يذكره لا في مشيخة التهذيب ولا في الفهرست ورواها الشيخ في الاستبصار الجزء الاول ص 23 من الطبعة الحديثة عن الحسين بن عبيد الله عن احمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن احمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر والطريق =

[ 52 ]

(مسألة - 2) كل مشكوك طاهر، سواءا كانت الشبهة لا حتمال كونه من الاعيان النجسة، أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الاعيان الطاهرة. والقول بان الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة ضعيف، نعم يستثنى مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات، أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول، فانها مع الشك محكومة بالنجاسة (1) على طهارة الوزغ على نحو تقدم على ما تقدم لو تمت دلالته في نفسه على النجاسة. ولا يمكن دعوى تقييد هذه الرواية بفرض الماء الكثير جمعا، لانه تقييد بفرد نادر، ولان السؤال ظاهر في استعلام حال تلك الاشياء التي تقع في الماء وحكمها، فلا معنى لحمل الجواب على فرض اعتصام الماء. (1) اما الكلام عن اصل قاعدة الطهارة فتقدم مفصلا في الجزء


= ضعيف باحمد بن محمد بن يحيى ولكن هذا الاشكال يمكن دفعه بناءا على كبرى يلتزم بها السيد الاستاذ - دام ظله - وهي انه لو كان سند الرواية ضعيفا ولكن كان للشيخ الطوسي (ره) في فهرسته الى احد الرواة الذين يقعون فوق الراوي الضعيف طريقان الى جميع كتبه ورواياته احدهما شخص طريق الرواية والاخر صحيح فانه يعلم بظاهر عبارة الشيخ بان تمام ما وصل إليه بالطريق الضعيف وصل بالطريق الصحيح وهنا للشيخ في الفهرست طريقان الى جميع كتب وروايات محمد بن احمد بن يحيى احدهما شخص طريق الرواية اي عن الحسين بن عبيدالله عن احمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن احمد ابن يحيى والاخر عن جماعة عن محمد بن علي بن علي بن الحسين عن أبيه عن احمد بن ادريس عن محمد بن احمد بن يحيى وهو صحيح.

[ 53 ]

الثاني من هذا الشرح (1) ومر هناك البحث عن شمولها لموارد الشبهة الحكمية ولموارد الشك في النجاسة الذاتية. واما ما اشير إليه في عبارة المتن المذكورة من الاستثناء فهو في موردين احدهما رفضه السيد الماتن " قدس سره " والآخر اقره. اما المورد الاول فهو مورد الشك في ان الدم من النوع النجس أو الطاهر. فقد ادعي تارة: ان الحكم في ذلك - مطلقا - هو البناء على الاجتناب، تخصيصا لدليل القاعدة. وادعي اخرى: بأن ذلك الحكم في خصوص الدم المرئ على منقار الطير. والاصل في هاتين الدعويين موثقة عمار، حيث ورد فيها: "... وعن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا ان ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب " (2) وهذه الفقرة تشتمل على جملتين، وقوله " فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب هو الذي يدعى كونه مخصصا لقاعدة الطهارة، لأنه حكم بالاجتناب بمجرد رؤية الدم، مع انه قد لا يكون من القسم النجس. واما قوله قبل ذلك: (كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه)، فلا يعارض قاعدة الطهارة بل يؤيدها، وانما قد يتوهم معارضتها للاستصحاب، حيث انها تقتضي باطلاقها عدم الاجتناب حتى مع رؤية الدم سابقا إذا لم يكن مرئيا فعلا واحتمل زواله، مع ان مقتضى الاستصحاب حينئذ وجوب الاجتناب. ففي الرواية المذكورة - إذن - جهتان من البحث: الاولى: في توهم معارضتها أو تخصيصها لقاعدة الطهارة. وتوضيح


بحوث في شرح العروة الوثقى الجزء الثاني ص 189 - 214. (2) الوسائل باب 4 من ابواب الاسئار حديث 2.

[ 54 ]

ذلك: ان مفاد الجملة الملزمة بالاجتناب إن كان حكما واقعيا كانت دليلا على نجاسة كل دم واقعا، ويكون ما دل على طهارة بعض اقسامه مقيدا لها ولا معنى حينئذ لدعوى كونها مقيدة لقاعدة الطهارة، لعدم كونها من سنخها مفادا. وان كان مفاد الجملة المذكورة حكما ظاهريا، بلحاظ حال الشك في هوية الدم امكن ان تكون مقيدة لاطلاق القاعدة. ومقتضى طبع كل دليل لم يؤخذ في موضوعه الشك هو الحمل على الحكم الواقعي، وحيث لم يؤخذ الشك في هوية الدم في الجملة المذكورة فظاهرها الاولي الحكم الواقعي فلابد من ابراز قرينة صارفة عن ذلك، وما يدعى كونه كذلك في المقام انها لو حملت على الحكم الواقعي لزم تقييدها بخصوص الدم النجس، وهذا وان لم يكن تقييدا بفرد نادر ولكن احراز ذلك نادر، فيلزم كون الحكم المفاد في الجملة غير عملي ولا مؤثرا فعلا لان موضوعه المتحصل بعد التقييد مشكوك ومؤمن عنه غالبا. وهذا خلاف ظهور الكلام في اتجاهه الى افادة الوظيفة الفعلية فلابد إذن إما من حمل مفاده على الحكم الظاهري ابتداءا، أو ابقائه على افادة الواقع مع إفادة حكم ظاهري بالاجتناب عند الشك التزاما، حفاظا على الظهور في الوظيفة الفعلية. وعلى اي حال يثبت المقيد لقاعدة الطهارة. ويرد عليه: اولا: ان الشك في كون الدم المرئي على المنقار من النجس أو الطاهر، تارة: للشك في كونه دما متخلفا من حيوان مذكى أو غيره، واخرى: للشك في كونه لذي نفس سائلة أو لغيره. وفي الشك الاول لا تجري قاعدة الطهارة بقطع النظر عن الموثقة، حيث يرجع الى الشك في تذكية الحيوان الذي نهش فيه الطير، فيجري استصحاب عدم التذكية بناءا على ان الطاهر هو الدم المتخلف في الحيوان المذكى بهذا العنوان، فبأستصحاب عدم تذكية الحيوان ينفى كون الدم من الطاهر

[ 55 ]

وينقح به موضوع النجاسة. واما في الشك الثاني، فالرجوع الى قاعدة الطهارة في نفسها مبني على تشخيص ان موضوع النجاسة هل هو أمر وجودي، أي كونه دما لذي نفس سائلة، أو أمر مطلق وخرجت منه عناوين وجودية كالبق والسمك ونحوها؟. فعلى الاول تكون الاصول مؤمنة بقطع النظر عن موثقة عمار، وعلى الثاني يجري استصحاب عدم كون الدم من تلك العناوين الوجودية الخارجة فثبتت النجاسة. وثانيا: ان الحمل على الحكم الواقعي هو مقتضى الظهور الاولي. وما ادعي قرينة صارفة من لزوم وروده عمليا بلحاظ الفرد النادر مدفوع بان حصول الاطمئنان بان الدم الذي على منقار الصقر من القسم النجس ليس امرا غريبا، لوضوح ان الصقر ليس طائرا اهليا، فهو يعيش في اجواء غير سكنية عادة، وفي مثلها لا يتواجد اللحم المذكى المطروح لنهش الطيور. كما ان بيئة الواقعة إذا كانت بيئة صحراوية بعيدة عن البحر كما في كثير من المواضع فبالأمكان ان يحصل الوثوق بأن هذا الصقر لا يتيسر له سمك أو حوت. فالظروف إذن كثيرا ما تبعث على الاطمئنان بأن الدم من القسم النجس، فلا محذور في الحمل على الحكم الواقعي. وثالثا: إنا لو سلمنا ندرة حصول الاطمئنان بان الدم من القسم النجس فلا ضرر في ذلك، إذا لم يكن المقصود من قوله: " فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب " بيان حكم آخر " بل تأكيد نفس ما تقدم من عدم الاجتناب بحصر غايته بأن يرى الدم على منقار الطير فان هذا بنفسه اسلوب عرفي للتأكيد على الاطلاق في المستثنى منه. وهو نظير ما وقع في فقرة أخرى من الرواية بالنسبة إلى حكم الدجاجة، إذ رخص في سؤرها مع عدم العلم بالقذر ومنع معه إذ قال ان كان في منقارها قذر

[ 56 ]

فلا تتوضأ منه ولا تشرب منه وان لم تعلم ان في منقارها قذرا توضأ منه واشرب والقذر هو النجس، فليس الامام (ع) في هذه الفقرة بصدد بيان النجاسة الظاهرية، بل في مقام بيان ان الطهارة لا يرفع اليد عنها إلا بالعلم بالقذر تأكيدا على شمولها ورحابة صدرها. الثانية: في توهم منافاتها لدليل الاستصحاب بالبيان المتقدم وتقريبه اما بدعوى: كونها معارضة لدليل الاستصحاب بالعموم من وجه، لشمولها لصورة العلم بالدم سابقا مع الشك في زواله. وإما بدعوى: كونها بحكم الاخص منه، لأن الغالب هو العلم عادة بتلوث منقار الصقر ونحوه في وقت متقدم. أما الدعوى الاولى فيرد عليها: انه لو سلم التعارض كذلك فدليل الاستصحاب مقدم في مادة الاجتماع، إما لكونه بالعموم بلحاظ كلمة ابدا والعام مقدم على المطلق ولو للاظهرية. وإما لكونه اصلا موضوعيا متضمنا للعلم تعبدا ببقاء الدم، فيدخل بالحكومة تحت الجملة الثانية القائلة " فان رأيت في منقاره دما "، بعد استظهار ان الرؤية مأخوذة بأعتبار الكاشفية وكونها مساوقة للعلم بوجود الدم، واستصحاب بقائه علم تعبدي بوجوده فعلا. وأما الدعوى الثانية فيرد عليها: ان وجود الدم على المنقار سابقا وان كان معلوما في الجملة ولكن عدمه سابقا معلوم في الجملة ايضا، إذ من الواضح ان منقار الطير لا يكون ملوثا بالدم دائما فيكون من توارد الحالتين، ويتعارض الاستصحابان. هذا كله لو بني على ان الاستصحاب في نفسه يجري بقطع النظر عن الموثقة المعارضة. ولكن قد يستشكل في جريانه: إما بناءا على ان بدن الحيوان لا يتنجس بالنجاسة العرضية في حال وجود العين، فلتعذر اجراء الاستصحاب في النجاسة العينية والنجاسة الحكمية. أما في الاولى فلان ابقاء الدم استصحابا لا يثبت ملاقاة الماء للدم إلا بالملازمة، وأما في الثانية فلعدم الحالة السابقة

[ 57 ]

بحسب الفرض. واما بناءا على ان بدن الحيوان يتنجس بالنجاسة الحكمية ما دامت العين موجودة، فقد يقال: بأجراء الاستصحاب في النجاسة الحكمية، ويترتب على ذلك نجاسة الماء، لأنه ملاق للمنقار بالوجدان وهو نجس بالاستصحاب فينجس الماء. ولكن يشكل ذلك تارة: في خصوص الماء المطلق بناءا على المختار من عدم انفعاله بملاقاة المتنجس، فان الاستصحاب المذكور لا ينقح موضوع الانفعال فيه حينئذ. واخرى: مطلقا حتى بناءا على ان المتنجس ينجس، وذلك للعلم بان المنقار في المقام غير منجس بما هو متنجس، لأن الدم ان كان باقيا فهو اسبق ملاقاة وتنجيسا للماء والمتنجس لا يتنجس، وان لم يكن باقيا فلا نجاسة حكمية اصلا. وقد يدفع هذا الاشكال: بان مقتضى اطلاق دليل السراية ان الوجود الثاني للملاقاة منجس كالوجود الاول، ولا يلزم من ذلك تعدد التطهير والغسل الواجب، لأن إصالة عدم التداخل انما تجري في الاوامر المولوية لا الاوامر الارشادية الى النجاسة، لوضوح ان تعدد الارشاد الى النجاسة لا يستوجب تعدد النجاسة المرشد إليها على ما أو ضحناه اكثر من مرة. وانما لا يلتزم بالاطلاق المذكور في دليل السراية للغوية بعد معلومية وحدة الغسل، وهذا انما يتم فيها إذا لم يكن للمتنجس الثاني أثر عملي كما في المقام، حيث يمكن بلحاظه اثبات النجاسة بالاستصحاب. غير ان دفع اللغوية بمثل هذا الأثر قد لا يكون في محله، لان المقصود بها اللغوية لا العقلية، واللغوية العرفية لا تندفع إلا بأثر عرفي مصحح في مرتكزات العرف للجعل المذكور، وليس الاثر العملي المقصود في المقام من هذا القبيل. على انه لو سلم الدليل على تنجيس المتنجس

[ 58 ]

فيشكل اطلاقه - حتى بقطع النظر عن اللغوية - للوجود الثاني من الملاقاة، كما يظهر بالتتبع. واما المورد الثاني للاستثناء فهو البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء، إذ يحكم عليه بالنجاسة - كما يحكم بالناقضية - على خلاف اطلاق قاعدة الطهارة، لروايات خاصة (1). وتحقيق حال هذه الروايات دلالة وسندا موكول الى محله، وانما نتكلم الآن بعد الفراغ عن تماميتها في امكان اثبات النجاسة بها في مقابل قاعدة الطهارة. وقد ذهب صاحب الحدائق قدس سره - خلافا للمشهور - الى قصور روايات الاستبراء عن اثبات النجاسة الخبثية، واختصاصها بأثبات الناقضية وهذا الاتجاه بالامكان تقريبه بأحد نحوين: الاول: ان يقال بقصور المقتضي في دلالتها، لأن مفادها التعبد بالنقض، ولا ملازمة بينه وبين التعبد بالنجاسة في مرحلة الحكم الظاهري. والثاني: ان يقال - بعد تسليم دلالتها بالاطلاق على التعبد بالنجاسة أيضا - ان هذه الروايات معارضة لكل من دليل الاستصحاب وقاعدة الطهارة، غير انها اخص من دليل الاستصحاب لانها منافية له بتمام مدلولها واما مع القاعدة فالنسبة بينهما العموم من وجه، لأن القاعدة تثبت الطهارة ولا تنفى النقض ظاهرا، وروايات الاستبراء تنفي الطهارة في البلل المشتبه ولا تتعرض لحال مشتبه آخر. وعليه فاما ان يقدم دليل القاعدة لكونه بالعموم ودلالة الروايات على النجاسة باطلاق التنزيل، واما ان يتساقطا في مادة الاجتماع ويرجع الى اصول مؤمنة أخرى ادنى مرتبة. اما الاتجاه الاول فقد يجاب بعدة وجوه:


(1) لاحظ وسائل الشيعة باب 13 من ابواب نواقض الوضوء وباب 11 من ابواب احكام الخلوة.

[ 59 ]

اولها: ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - من ان هذه الروايات دلت على ناقضية البلل المشتبه للوضوء، وقد ثبت بالادلة القاطعة ان الناقض للوضوء من البلل منحصر بالبول، فتدل هذه الروايات على ان البلل المشتبه بول فتثبت النجاسة الخبثية (1). وهذا البيان بظاهره غريب ما لم يؤول على ما يأتي، وذلك لان هذين الدليلين ليسا في مرتبة واحدة لكي يجمع بينهما بالنحو المذكور ويضم أحدهما الى الآخر في قياس فقهي، فان أدلة حصر النواقض بالبول مفادها الحكم الواقعي، وروايات البلل المشتبه تنظر الى الحكم الظاهري المضروب كقاعدة في موارد الشك في ناقضية البلل، فلا يلزم من ثبوت هذه الناقضية ظاهرا - مع عدم ثبوت البولية - ما ينافي أدلة حصر النواقض واقعا بالبول لان الحصر الواقعي لا ينثلم إلا بجعل ناقض آخر واقعي كما هو واضح. ثانيها: إن في روايات الاستبراء ما يتعرض للنجاسة الخبثية. ففي موثقة سماعة قال: " سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل أن يبول فيجد بللا بعدما يغتسل. قال: يعيد الغسل، فان كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي " (2). وتقريب الاستدلال: ان هذه الرواية تأمر بالاستنجاء من البلل المشتبه، وهو ارشاد الى الحكم بنجاسته ظاهرا. وقد يناقش في ذلك بان الرواية واردة في بلل مشتبه يحتمل كونه منيا، ولهذا أمر بالغسل منه إذا صدر قبل البول. والبلل المحتمل لكونه منيا تارة: يكون مرددا بين المني والبول، وأخرى: يتردد بنحو يحتمل فيه غير البول والمني معا. والامر بالاستنجاء يشمل كلتا هاتين الصورتين،


(1) التنقيح الجزء الثالث ص 435. (2) الوسائل باب 36 من أبواب الجنابة حديث 8.

[ 60 ]

وهو انما يعارض قاعدة الطهارة بلحاظ اطلاقه للصورة الثانية " لأن النجاسة في الصورة الأولى معلومة، فيكون التعارض بنحو العموم من وجه مع دليل قاعدة الطهارة. وسيأتي علاج ذلك في مناقشة الاتجاه الثاني. ثالثها: - وهو تطوير أو تأويل للتقريب الاول الذي نقلناه عن السيد الاستاذ - دام ظله - وحاصله: ان مفاد روايات الأستبراء وان كان هو النقض الحدثي، والتعبد بالحدث لا يلزم منه التعبد بالنجاسة أو البولية - فما أكثر التفكيك بين المتلازمات في مؤديات الاصول، ولهذا لا يثبت بأصالة الحل في المائع المردد بين الخمر والخل خليته - غير ان هذا المعنى ينبغي التفصيل فيه بين ما إذا كان الدليل على الحكم الظاهري عاما كأصالة الحل، وما إذا كان رواية في موضع خاص وبلحاظ أثر خاص. ففي الأول لا يكون للدليل نظر الى موضوع حكم بالخصوص، فيثبت به الحكم الظاهري ولا يثبت به تعبدا موضوع الحكم الواقعي المماثل لذلك الحكم الظاهري لان التعبد يستكشف بقدر إفادة الدليل له. وفي الثاني لما كان دليل الحكم الظاهري مسوقا بلحاظ تنجيز حكم واقعي معين وهو النقض واثباته تعبدا، فبضم أرتكاز كون البول موضوعا لهذا الحكم واقعا وارتباط الحكم بالأنتقاض به شرعا، يكون لدليل التعبد بالنقض ظهور عرفي ولو إلتزاما في التعبد بالموضوع وأثبات البولية ظاهرا. وعلى هذا فالمقتضى أثباتا لاستفادة النجاسة من روايات الاستبراء تام. يبقى علينا بحث الاتجاه الثاني القائل بايقاع المعارضة بين اطلاقها واطلاق القاعدة. ويمكن دفع ذلك. تارة: بتقديم مفاد روايات الأستبراء لكونه بمثابة الأصل الموضوعي لانه يتكفل بالتعبد بالبولية، إما بلحاظ الوجه الثالث المتقدم في دفع الاتجاه الاول، وإما بلحاظ التعبير بالاستنجاء في موثقة سماعة المخصوص بمورد

[ 61 ]

(مسألة 3) الاقوى طهارة غسالة الحمام وان ظن نجاستها (1) لكن الاحوط الاجتناب عنها. غسل البول بأعتبار ملازمته الغالبية للنجو، فالأمر بالاستنجاء يتكفل التعبد بالبولية. واخرى: بتقديمها لا ستظهار الا مارية بمناسبات الحكم والموضوع، وكون الحكم بناقضية البلل المشتبه بلحاظ جعل العادة كاشفة عن تخلف شئ في المجرى وخروجه بعد ذلك. والتبعيض في الا مارية بين النقض والنجاسة غير عرفي، لان نسبة الكاشفية الى الاثرين على نحو واحد، ولا يفهم العرف فرقا بين الاثرين من هذه الناحية. اللهم إلا زيادة اهتمام الشارع بأحدهما دون الآخر، على نحو يحكم الكاشف الظني على الاصول المؤمنة من ناحية النقض لا على الاصول المؤمنة من ناحية النجاسة. وثالثة: بتقديم الاطلاق في موثقة سماعة، لان حملها على خصوص مورد العلم بكون الخارج بولا أو منيا حمل على فرد نادر، فتكون بحكم الاخص من دليل قاعدة الطهارة. (1) وذلك عملا باطلاق قاعدة الطهارة غير انه قد يدعى وجود المقيد في الروايات الخاصة. وقد يدعى في مقابل ذلك ان المقيد مبتلى بالمعارض فيرجع على فرض التكافؤ الى اطلاق القاعدة. فهنا جهتان من البحث: الجهة الاولى: في الروايات المدعى كونها مقيدة وهي عديدة: منها: - رواية حمزة بن احمد عن أبي الحسن الاول (ع) قال: " سألته - أو سأله غيري - عن الحمام. قال: ادخله بميزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " (1).


الوسائل باب 11 من ابواب الماء المضاف حديث 1.

[ 62 ]

والاستدلال بها يتوقف على أمرين احدهما: ان يستظهر كون الملحوظ حيثية النجاسة لا حيثية كون الماء من الماء المستعمل، ولو بقرينة عطف الناصب وولد الزنا على الجنب. والآخر: ان يستظهر كون الملحوظ معرضية الماء لسؤر هؤلاء الموجب للشك، لا كونه سؤرا بالفعل على أي حال، وإلا فقد يدخل في معلوم النجاسة ولا ينفع للمستدل. والرواية ساقطة سندا لعدم ثبوت وثاقة الراوي. ومنها: مرسلة علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (ع) (في حديث) "... انه قال لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " (1) وتقريب الأستدلال بها كما تقدم، وسندها ساقط بالارسال. ومنها: - معتبرة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) "... قال: وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وإن الناصب لنا اهل البيت لا نجس منه " (2). وتقريب الاستدلال بها كما تقدم. ومنها: - رواية أخرى في طريقها ارسال تنتهي الى ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع): " قال لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر الى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب... " (3).


(1) نفس المصدر السابق حديث 3. (2) نفس المصدر السابق حديث 5. (3) نفس المصدر السابق حديث 4.

[ 63 ]

وهناك رواية أخرى وهي معتبرة محمد بن مسلم عن احدهما (ع): " قال: سألته عن ماء الحمام فقال: أدخله بأزار ولا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيهم (فيه خ ل) جنب، أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا " (1). وقد تقدم الكلام عنها في بحث الماء المستعمل من هذا الشرح (2)، وان المستظهر منها ارادة ماء الحياض الصغار من ماء الحمام، وعليه تكون خارجة عن محل الكلام، وهو غسالة الحمام أي المياه التي تتجمع في الحفرة نتيجة ما ينفق من ماء الحياض الصغار. ولو سلم ورودها في محل الكلام فلا دلالة فيها على النجاسة، لان عدم جواز الاغتسال كما يناسب ذلك كذلك يناسب افتراض مجذور في الماء المستعمل. ومرد الفرق بين هذه الرواية والروايات السابقة من هذه الناحية الى أقتصارها على ذكر الجنب على نحو لا يتم الامر الاول من الامرين المشار اليهما في تقريب الاستدلال. واما الروايات السابقة فالاستدلال بها على تخصيص قاعدة الطهارة غير تام " من ناحية ان كلمة الشريه المأخوذة في تلك الروايات ظاهرة في الحزازة المعنوية لانها مقابلة للخير، على عكس النجاسة المقابلة للنظافة فأنها ظاهرة في الحزازة المادية، وهذا على الاقل يوجب اجمالا في الروايات وعدم ظهورها في الحكم بالنجاسة بالمعنى المصطلح. ومن ناحية ثانية: ان من جملة المذكورات في بعض تلك الروايات ولد الزنا، ومن المعروف بين المسلمين طهارته، وهذه المعروفية والارتكاز بنفسه يمكن ان يكون بمثابة القرينة المتصلة على أن النظر في النهي ليس الى النجاسة بل الى حزازة معنوية، فيوجب الاجمال على أقل تقدير. ومن ناحية ثالثة: ان الادلة التي دلت على طهارة أهل الكتاب


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الماء المطلق حديث 5. (2) الجزء الثاني من البحوث صفحة 144 - 148.

[ 64 ]

بنفسها تشكل قرينة منفصلة على أن النهي في هذه الروايات تنزيهي. ومن ناحية رابعة: انه إن بني على نجاسة العناوين المذكورة في الروايات فيمكن دعوى الاطمئنان بنجاسة ما في الحفرة غالبا، لان ماء الحفرة يتراكم بعضه على بعض ويبقى مددا طويلة، فلا تكون الروايات المذكورة معارضة لقاعدة الطهارة إلا بلحاظ فروض نادرة يمكن الالتزام فيها بتقديم القاعدة، بل لو بني على ان المتنجس ينجس الماء القليل فيمكن ان يدعى الجزم بنجاسة ماء الحفرة دائما، لان نفس الحفرة متنجسة وهي لا تطهر عادة أو يجرى أستصحاب عدم تطهيرها، فتكون منجسة لما يرد إليها من ماء. الجهة الثانية: في الروايات المدعى نفيها للنجاسة الظاهرية الآنفة الذكر وهي عديدة: منها: - رواية محمد بن مسلم. قال: " رأيت أبا جعفر (ع) جائيا من الحمام وبينه وبين داره قذر، فقال: لولا ما بيني وبين داري ما غسلت رجلي، ولا يجنب ماء الحمام " (1). ومنها: - رواية زرارة قال: " رأيت أبا جعفر (ع) يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتى يصلي " (2). والروايتان معا معتبرتان سندا. وأما من حيث الدلالة فمصب النظر فيهما الى ماء الحمام المبثوث في الممر والى أنه ليس بنجس، وهذا غير ماء الغسالة المتجمع في الحفرة الذي يدعى اجراء اصالة النجاسة فيه، فلا يمكن الأستدلال في المقام بمثل هاتين الروايتين إلا مع الجزم بعدم الفرق، مع ان الفرق محتمل لأن أحتمال نجاسة الماء الواقع في الممر رهين بأحتمال أن


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الماء المطلق حديث 3. (2) الوسائل باب 9 من ابواب الماء المضاف حديث 2

[ 65 ]

يكون هذا الماء قد انحدر من جسد انسان نجس، وأما النجاسة في ماء الحفرة فيكفي فيه أن يكون شئ منه قد انحدر من جسم انسان نجس إليه، إذ بوقوعه فيها يتنجس تمام ماء الحفرة. ومن الواضح ان احتمال ان يكون هذا الماء الموجود في الممر فعلا نجسا اضعف من احتمال أن يكون واحد على الأقل من المياه التي تجمعت في الحفرة نجسا. هذا إذا لم نقل بأن المتنجس ينجس الماء وإلا فالأمر كما ذكرناه سابقا. ومنها: - معتبرة محمد بن مسلم قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغسل من مائه؟. قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه وجئت فغسلت رجلي وما غسلتهما إلا بما لزق بهما من التراب " (1). والأستدلال بها قد يكون بلحاظ صدرها، وهو قول السائل: " الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغسل من مائه "، بدعوى اطلاق ماء الحمام فيه لماء الغسالة. وقد يكون بلحاظ قوله " ولقد اغتسلت فيه "، الظاهر في احتواء الماء له بقرينة الظرفية المناسب لماء الغسالة لا ماء الحياض الصغار. وقد يكون بلحاظ قوله: وما غسلتهما إلا بماء لزق بهما من التراب "، الظاهر في نفي المحذور من سائر الجهات. ويرد على اللحاظ الأول: ظهور عنوان ماء الحمام في الماء المعد للأستحمام وهو يختص بماء الحياض، فلا يراد به مطلق ما في الحمام من ماء ليتمسك بأطلاقه لماء الغسالة. ويرد على اللحاظ الثاني: ان الضمير في قوله " ولقد اغتسلت فيه " يرجع الى الحمام لا الى ماء الحمام، ولا أقل من الأحتمال الموجب لسقوط القرينة المدعاة. ويرد على اللحاظ الثالث: أنه ناظر الى الممر، وبصدد بيان ان الاستطراق انما اوجب الغسل لأستقذار عرفي لا لنجاسة شرعية.


(1) المصدر السابق حديث 3.

[ 66 ]

(مسألة 4): يستحب رش الماء إذا اراد أن يصلي في معابد اليهود والنصارى مع الشك في نجاستها وان كانت محكومة بالطهارة (1). هذا مضافا الى انه لو تمت دلالة هذه الرواية بالأطلاق، وتمت الروايات السابقة بنحو الخصوصية، كانت مقيدة لهذا الاطلاق. واما لو تم الدليلان معا بدون افتراض الأخصية فقد يجمع بينهما بحمل تلك الروايات على الرجحان والتنزه، ولكنه لا يناسب مع لسان مثل هذه الرواية الذي لا يقتصر مفادها على نفي اللزوم، بل تفيد بظاهرها نفي الموجب رأسا. ومنها: - رواية الواسطي عن بعض اصحابه عن أبي الحسن الماضي (ع) قال: " سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب. قال: لا بأس " (1) ومع الجمود على مدلول هذه الرواية لا يمكن جعلها معارضة لحاق مدلول الروايات السابقة المستدل بها على المنع، لأن مفاد تلك النهي عن الاغتسال ومفاد هذه الحكم بطهارة الثوب الملاقي، والتفكيك بين الآثار في مرحلة الظاهر معقول. فلكي تتم المعارضة والقرينية - مثلا - لابد أن تضم دعوى الملازمة العرفية بين الحكم بطهارة الثوب وطهارة الماء الملاقي له في مرحلة الظاهر كالتلازم في مرحلة الواقع. والرواية على أي حال ساقطة سندا بالارسال. وعلى أي حال فقد اتضح من مجموع ما تقدم ان الصحيح ما في المتن. (1) الكلام تارة يقع في الحكم بالرش ثبوتا واستحبابا، وأخرى في مورده. اما الكلام في الحكم فأصل ثبوته يستند الى عدة روايات: منها: - صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال:


(1) الوسائل باب 9 من ابواب الماء المضاف حديث 9.

[ 67 ]

" سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس. فقال: رش وصل " (1) وفي صحيحته الاخرى قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في البيع والكنائس. فقال: رش وصل. قال: وسألته عن بيوت المجوس. فقال: رشها وصل " (2). وهذا المفاد يحتمل فيه بدوا: أن يكون الأمر بالرش بلحاظ الاستقذار المعنوي، فيثبت حتى مع القطع بالطهارة الحسية. وان يكون بلحاظ نجاسة الكنيسة بما هي كنيسة بالمعنى المصطلح من النجاسة، وهذا يعني أنها نجاسة ذاتية غاية الأمر أنها تزول بالغسل كنجاسة الميت من الانسان. وان يكون بلحاظ الشك في النجاسة المصطلحة العرضية، وهذا ما عليه الماتن ولعله الذي فهمه المشهور من الامر بالرش. غير أن السيد الاستاذ - دام ظله - أستظهر الاحتمال الاول، واستشهد له بأن الرش مرتبة أدنى من الغسل فلا يكون مطهرا بل ناشرا للنجاسة، وبأن الامر به مطلق شامل حتى لصورة العلم بعدم النجاسة (3). وما أفيد موضع للنظر. أما الاستشهاد بأن الرش ليس مطهرا فهو مدفوع بأن الرش بمرتبة منه غسل بلا اشكال، والذي يدل على ذلك الرويات الآمرة بالرش ولو استحبابا في موارد احتمال النجاسة، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في حديث: " قال: رأيته في المنازل التي في طريق مكة يرش أحيانا موضع جبهته، يسجد عليه رطبا كما هو، وربما لم يرش المكان الذي يرى أنه نظيف ". (4) فانها كالصريحة في أن الحزازة المنظور إليها والداعية الى الرش هي القذارة المادية التي تقابل النظافة


(1) و (2) الوسائل باب 13 من ابواب مكان المصلي حديث 2 و 4. (3) التنقيح الجزء الثاني ص 193 (4) الوسائل باب 22 من أبواب مكان المصلي حديث 1.

[ 68 ]

لا القذارة المعنوية، وكذلك ما ورد من الروايات الآمرة بالرش والنضح عند الصلاة في مرابض البقر والغنم واعطان الابل (1)، ويقرب منها الروايات الآمرة بالنضح عند اصابة الكلب للثوب إذا لم تجد أثره (2)، والروايات الآمرة برش ثوب المجوسي عند الصلاة فيه (3) واما اصل اختيار الاحتمال الاول فيبعده ارتكاز ان القذارة المعنوية انما تزول بزوال سببها وهو كون المكان محلا للباطل لا بالرش، فعدم كون الرش مناسبا للمطهرية من القذارة المعنوية يبعد الأحتمال الاول، بل يوجب - بمناسبات الحكم والموضوع - انسباق الذهن الى كون الرش بملاك النجاسة العرضية التي يترقب عادة زوالها بالتطهير بالماء. وإذا تم هذا الظهور - ولو بضم مناسبات الحكم والموضوع - كان بنفسه مقيدا لأطلاق الأمر بالرش بصورة ترقب النجاسة واحتمالها، فلا يتم الاستشهاد بالأطلاق لتعيين الاحتمال الأول في مقابل الثالث. وبعد استظهار الاحتمال الثالث يتعين حمل الأمر


(1) من قبيل معتبرة سماعة قال: " سألته عن الصلاة في اعطان الابل وفي مرابض البقر والغنم؟ فقال: ان نضحته بالماء وقد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها " الوسائل باب 17 من ابواب مكان المصلي حديث 4. (2) من قبيل معتبرة علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال " سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب ايصلى فيها؟ قال: اغسل ما رايت من اثرها وما لم تره بالماء " ثم قال: " وفي رواية أبي قتادة عن علي بن جعفر: والكلب مثل ذلك " الوسائل باب 33 من ابواب النجاسات حديث 2 - 3. (3) من قبيل معتبرة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في ثوب المجوسي؟ فقال: يرش بالماء " الوسائل باب 73 من ابواب النجاسات حديث 3.

[ 69 ]

بالرش على الأستحباب، لأن رش المكان المعلوم النجاسة ليس واجبا أو شرطا في الصلاة فيه مع عدم سراية النجاسة ووجود مسجد طاهر للجبهة فضلا عن المكان المشكوك حاله. نعم لو حمل الأمر بالرش على الأحتمال الأول فلايد من تكلف قرينة على نفي الوجوب. وبالأمكان الاستناد الى قرينتين في نفي الوجوب: أحداهما: معتبرة العيص بن القاسم قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن البيع والكنائس يصلى فيها؟ قال: نعم. وسألته هل يصلح بعضها مسجدا؟ فقال: نعم " (1). والمناقشة فيها تارة: بأن الملحوظ نفي المحذور من حيث كونها بيعة وكنيسة لا من حيثية أخرى، وأخرى: بأنها مطلقة قابلة للتقييد بالرش مدفوعة: بأن حيثية المعرضية للنجاسة لما كانت حيثية محفوظة غالبا في فرض السؤال فلا معنى لعدم نظر الجواب إليها، إلا بان يكون حيثيا بحتا وهو خلاف الظاهر، والتقييد بالرش اليس عرفيا أما لان المنع المحتمل عرفا انما هو بمعنى لزوم الرش فكيف يقيد ما هو بظاهره بديل هذا المنع بالرش، وأما لان مؤونة التقييد بهذا القيد الذي فيه عناية فائقة خارجا أشد من مؤونة حمل الامر بالرش على التنزه. والاخرى: رواية حكم بن الحكم قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: وسئل عن الصلاة في البيع والكنائس فقال: صل فيها قد رأيتها ما أنظفها " (2). الحديث، وهذه الرواية سليمة عن المناقشتين السابقتين، غير انها ضعيفة سندا بكلا طريقي الشيخ والصدوق (3).


(1) الوسائل باب 13 من ابواب مكان المصلي حديث 1. (2) الوسائل باب 13 من مكان المصلي حديث 3. (3) أما الصدوق فرواها عن صالح بن الحكم الذي ضعفه النجاشي =

[ 70 ]

واما الكلام في مورد الحكم فقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله -: بان الحكم لا يختص بمعابد الكفار بل يشمل دورهم ايضا (1). وهذا التعميم يمكن ان يقرب تارة: بدعوى الغاء الخصوصية للكنيسة والبيعة بمناسبات الحكم والموضوع، واخرى: بالتمسك بما ورد من الأمر بالرش في بيوت المجوس مع الغاء خصوصية المجوسية (2). وكلا التقريبين محل الأشكال، اما الأول فلا يتم على مبناه - دام ظله - من حمل الرش على انه بلحاظ القذارة المعنوية، لوضوح ان القذارة


= واما الشيخ فرواها عن حكم بن الحكم وهو مجهول. وقد يصحح ما رواه الشيخ اما بدعوى: الوحدة بين الحكم بن الحكم والحكم بن حكيم الذي وثقه النجاشي كما في معجم رجال الحديث الجزء السادس ص 166 ولكن ترجمة الشيخ في رجاله للحكم بن الحكم والحكم بن حكيم كل منهما في عنوان مستقل ظاهر في التعدد ولا قرينة تامة على خلافه. واما بدعوى: ان الراوي هنا الحكم بن حكيم الثقة لتطابق نسخ التهذيب على ذلك ولو جودها كذلك في الوافي المجلد الثاني ص 72 وله طريق صحيح الى التهذيب ولكن التطابق منخرم بورودها عن الحكم بن الحكم في الوسائل باب 13 من ابواب المصلي حديث 3 وفي تفسير البرهان المجلد الثاني ص 444 وفي المعتبر ص 158 واما نقل الوافي بطريق صحيح فمعارض بنقل صاحب الوسائل بطريق صحيح ذكره في خاتمة الوسائل وبنقل صاحب البرهان بطريق صحيح ذكره في آخر البرهان. (1) التنقيح الجزء الثاني ص 193. (2) من قبيل معتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس؟ فقال: رش وصل " الوسائل باب 13 من ابواب مكان المصلي حديث 2.

[ 71 ]

(مسأله - 5) في الشك في الطهارة والنجاسة لا يجب الفحص بل يبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة ولو امكن حصول العلم بالحال في الحال (1). المعنوية في المعابد الباطلة لعلها اشد بمرات منها في بيوت سكنى الرواد للتلك المعابد. نعم قد يتم ذلك بناءا على ان يكون الرش بلحاظ المعرضية للنجاسة العرضية. واما الثاني فيرد عليه: اولا: ان الغاء خصوصية المجوسي لا يوجد ارتكار يقتضيه، خصوصا على مبناه من حمل الرش على لحاظ القذارة المعنوية، لأن احتمال كون المجوسية اشد قذارة بهذا المعنى موجود، فكيف يتعدى منه الى الكتابي بالمعنى الأخص. وثانيا: ان عبارة بيوت المجوس يحتمل ان يراد بها بيوت النار، التي هي بالنسبة الى المجوس كالبيع والكنائس بالنسبة الى اليهود والنصارى كما يناسبه عطفها عليها في بعض تلك الروايات (1) واضافتها الى المجوس كجماعة لا الى المجوسي كمفرد. ومما يشهد لامكان التفكيك بين بيوت المجوسي وبيت النصراني واليهودي رواية أبي اسامة عن أبى عبد الله (ع): " قال: لا تصل في بيت فيه مجوسي، ولا بأس بان تصلي وفيه يهودي أو نصراني " (2). والرواية وان كانت ضعيفة سندا (3)، ولكنها تكفي للتأييد واثبات احتمال التفكيك. (1) إما تمسكا بأطلاق دليل قاعدة الطهارة ونحوه من أدلة الاصول المؤمنة التي لا مقيد لها بالفحص في الشبهات الموضوعية، أو استنادا الى لسان مخصوص من ألسنة القاعدة من قبيل لسان: " ما أبالي أبول اصابني


(1) كما في معتبرة عبد الله بن سنان المتقدمة. (2) الوسائل باب 16 من مكان المصلي حديث 1. (3) لان في سندها ابا جميلة وهو لم يثبت توثيقه.

[ 72 ]

أو ماء إذا لم أعلم " (1). فانه لو شكك في اطلاق أدلة الأصول العامة وادعي ان الغاية فيها ليست هي العلم بالفعل بل العلم كلما أريد تحصيله، فلا يتطرق مثل هذا التشكيك الى هذا اللسان لوضوح انه في مقام بيان عدم الأهتمام بالواقع المحتمل، المساوق لعدم لزوم الفحص عنه بأي مرتبة من مراتب الفحص حتى ما لا يعتبر من تلك المراتب فحصا عرفا، لأن مدرك عدم الوجوب ليس دليلا قد أخذ في موضوعه عنوان الفحص ليجمد على حدود هذا العنوان، بل ما عرفت. وتتمة الكلام في المسألة تترك الى موضعها من علم الاصول.


(1) كما في معتبرة حفص بن غياث المروية في الوسائل باب 37 من ابواب النجاسات حديث 5.

[ 73 ]

فصل طريق ثبوت النجاسة أو التنجس العلم الوجداني أو البينة العادلة. وفي كفاية العدل الواحد إشكال فلا يترك مراعاة الاحتياط. وتثبت أيضا بقول صاحب اليد (1) بملك أو اجارة أو اعارة أو أمانة، بل أو غصب (2). (1) تقدم في الجزء الثاني من هذا الشرح (1) الكلام عن وسائل إثبات النجاسة، وإثبات حجية الأمور المذكورة من العلم والبينه وشهادة الثقة وقول صاحب اليد، فلاحظ ما ذكرناه هناك. (2) تقدم منا إثبات حجية قول صاحب اليد كبرويا (2) واستعراض مسلكين في إثباتها، أحدهما: الاستدلال بالسيرة على ذلك، إما بأدعاء قيامها على ذلك بنحو ابتدائي، أو بأرجاعها إلى سيرة أعم، أو الى قاعدة ان من ملك شيئا ملك الاقرار به. والآخر: الاستدلال بالروايات. وقد محصنا كلا المسلكين بالنحو الذي تطلبه المقام، وبقيت بعض التفاصيل بعد الفراغ عن كبرى حجية قول صاحب اليد، تعرض السيد الماتن قد سره لبعضها هنا، من قبيل انها هل تشمل قول الغاصب أو تختص بقول صاحب اليد الشرعية؟. والكلام في هذه التفاصيل يقع في عدة جهات: الجهة الاولى: في سعة دائرة الحجية من حيث اقسام اليد. فان اليد تارة تكون شرعية، واخرى يد الغاصب. كما انها تارة تكون


صفحة 77 - 113. (2) الجزء الثاني ص 102 - 113.

[ 74 ]

استقلالية، واخرى ضمنية، كيد الشريك. اما من الناحية الاولى: فالظاهر التعميم، وتفصيله: ان المدرك في الحجية على ما تقدم هو السيرة العقلائية المنعقدة على العمل بخبر صاحب اليد، بنكتة الاخبرية، وهذه النكتة ليس لشرعية اليد دخل فيها، كما انه لا يكفي فيها مجرد كون الشئ مملوكا للشخص شرعا أو داخلا تحت سلطانه خارجا، بل هي متقومة باليد بمعنى كون الشئ تحت تصرفه ومباشرته، وهذا معنى محفوظ حتى في الغاصب. نعم لو كان مدرك الحجية الاخبار وقطعنا النظر عن تحكيم المرتكزات العقلائية في مفادها، فقد يدعى قصور اطلاقها عن الشمول للغاصب. وقد يكون الأمر كذلك لو كان المدرك هو السيرة بمعنى بناء المتشرعة خارجا لا بمعنى السيرة العقلائية لأن الجزم بوجود بناء متشرعي على العمل بقول الغاصب صادر من المتشرعة بما هم متشرعة في غاية الأشكال، وهذا خلافا للسيرة العقلائية التي يدور تشخيص سعتها مدار سعة نكاتها المرتكزة الممضاة. وأما من الناحية الثانية: فالظاهر التعميم أيضا. ولا يقاس المقام على قبول قول صاحب اليد إذا ادعى ملكية ما تحت يده، حيث لا يثبت لصاحب اليد الضمنية إلا ملكية النصف، وذلك لان اليد التي هي موضوع قاعدة اليد المثبتة للملكية بمعنى الحيازة والسيطرة، ومن الواضح أن الشريك ليس متسلطا على تمام المال. وأما اليد التي يكون أخبار صاحبها حجة في المقام فهي يد المباشرة والتصرف، ومن الواضح ان الشريك يمارس تمام المال من خلال تصرفه في النصف المشاع، فتجري بشأنه نكتة الأخبرية التي هي ملاك الحجية في المرتكز العقلائي. الجهة الثانية: في سعة دائرة الحجية من حيث أقسام الخبر. لأن خبر صاحب اليد تارة: يكون قبل الاستعمال، وأخرى، بعد الاستعمال والخروج

[ 75 ]

عن يده، وثالثة بعد الاستعمال مع بقاء اليد. والحالة الاولى هي المتيقنة من دائرة الحجية. وأما الحالة الثانية فقد استشكل في حجية خبر صاحب اليد فيها جماعة من الفقهاء (1). وهذا الاستشكال قد يكون بتقريب: ان حجية خبر صاحب اليد فرع فعليه الموضوع لهذه الحجية، فما لم تكن اليد فعلية لا يكون الخبر خبرا من صاحب اليد ليشمله دليل الحجية. وقد يكون بتقريب: مقايسة المقام باخبار صاحب اليد بعد بيعه للمال بانه كان لزيد مثلا، ففي كل من المقامين لا يقبل قول صاحب اليد الصادر منه بعد انتفاء اليد، ويقبل منه حالة وجود اليد، لانه يصدق فيما يرجع إلى ما تحت يده بالفعل من خصوصيات. وقد يكون بتقريب: مقايسة المقام بأقرار الشخص بما يكون مسلطا عليه من تصرف فكما ان أخبار الزوج بالرجوع السابق لا يقبل منه إذا وقع الاخبار بعد أنتهاء العده، كذلك أخبار صاحب اليد بالنجاسة بعد خروج الشئ عن حيازته. أما التقريب الاول فيرد عليه: ان هذا انما يناسب افتراض دليل لفظي على حجية خبر صاحب اليد بهذا العنوان والجمود على حاق مفاده، غير ان الصحيح ثبوت الحجية المذكورة بدليل لبي وهو السيرة العقلائية بنكتة الاخبرية كما ذكرنا سابقا، فلابد من الرجوع الى مرتكزاتها ومدى سعتها، ولا ينبغي التشكيك في انها ما دامت بنكتة الاخبرية فلا يفرق فيها بين بقاء اليد وارتفاعها مادام الخبر ناظرا الى ظرف فعلية اليد. واما التقريب الثاني، فهو مبني على إرجاع الحجية لكل من أخبار


(1) كالعلامة (ره) في التذكرة على ما نقل عنه في مفتاح الكرامة المجلد الأول ص 131 حيث قال: " ونص في التذكرة على أن اخباره بالنجاسة ان كان قبل الاستعمال قبل وإلا فلا ".

[ 76 ]

صاحب اليد على المال بانه لزيد واخباره بانه نجس إلى كبرى واحدة، وهي: حجية الشهادة من صاحب اليد فيما يرجع الى ما في يده من خصوصيات، وحيث ان شهادته بأن المال لزيد لا تقبل منه بعد اخراجه للمال من حوزته فيقال بان شهادته بالنجاسة كذلك ايضا. ويرد عليه أولا: ما ذكرناه في محله من ان ثبوت كون المال لزيد باخبار صاحب اليد بذلك ينحل الى اقرار بان المال ليس له، وشهادة بانه لزيد، فان بني على ان هذه الشهادة حجة كما بنى عليه في المستمسك (1) - زائدا على حجية الاقرار - بملاك انه صاحب يد امكن ارجاع الحجيتين الى كبرى واحدة، وتنظير احداهما بالاخرى في السقوط بعد انتفاء اليد، ولكن قد نبني على ما حققناه في محله (2) من ان ثبوت كون المال لزيد باخبار صاحب اليد بذلك ليس من باب حجية الشهادة، بل من باب التلفيق بين الاقرار واليد، حيث ان اليد لها مدلولان عرفيان ثابتان بها شرعا، احدهما: ان المال ليس لأحد غير صاحب اليد، والآخر: أن المال لصاحب اليد، والمفاد الثاني يسقط بالاقرار الحاكم على اليد، واما المفاد الاول فلا موجب لسقوطه بالنسبة الى غير زيد، فينفي به مالكية غير زيد، وانما يسقط نفيه لمالكية زيد لأن حجية اليد مشروطة بعدم اخبار صاحبها على خلافها وينتج بضم الاقرار الى اليد ان المال ليس لصاحب اليد وليس لأحد آخر سوى زيد، فيتعين كونه لزيد، إما لحجية الدلالة الالتزامية بهذا المقدار أو لانه يدخل في كبرى الدعوى بلا معارض. وعلى هذا الاساس إذا باع صاحب اليد ماله ثم اخبر بانه كان لزيد مثلا يكون من الواضح عدم ثبوت ذلك بهذا الاخبار، إذ لا يمكن التلفيق المذكور حيث لا يوجد ما ينفي


(1) المستمسك الجزء الاول ص 208 من الطبعة الرابعة. (2) الجزء الثاني من هذا الشرح ص 104 - 105 .

[ 77 ]

كون المشترى مالكا، لان اليد السابقة تؤكد هذه الملكية في طول ملكية صاحب اليد ولا تنفيها، والاخبار اللاحق ليس حجة في نفسه من باب الشهادة كما هو المفروض. وبناءا على ذلك لا معنى لجعل شهادة صاحب اليد بالنجاسة واخباره بان المال لزيد من باب واحد، لما عرفت من ان هذا الاخبار ليس حجة من باب الشهادة بل من باب التلفيق بين اليد والاقرار، فالقول بان هذا الاخبار ليس حجة بعد خروج المال عن اليد لعدم امكان التلفيق المذكور لا يستلزم عدم حجية الشهادة بنجاسة الشئ بعد خروجه عن اليد، بل لابد من النظر الى ما دل على حجية هذه الشهادة على النحو الذي عرفت. وثانيا: انا لو سلمنا رجوع الحجية في كل من الموردين الى كبرى واحدة وهي: ان شهادة صاحب اليد حجة فيما يرجع الى ما في حوزته، ولكن حيث ان هذه الكبرى ثابتة بسيرة العقلاء ومر تكزاتهم، فلا بعد في ان يكون الارتكاز في بعض موارد تلك الكبرى مساعدا على بقاء الحجية حتى بعد انتفاء اليد دون بعض آخر. فبالنسبة الى اخبار صاحب اليد بان المال لزيد إذا صدر منه هذا الاخبار والمال في حوزته فلا يوجد من قبله ما يناقضه فيكون حجة، واما إذا تصرف المالك فوهبه لعمرو ثم اخبر بان المال كان لزيد فالشهادة هنا يوجد ما يناقضها من قبله، وهو ظهور تصرفه السابق في نفي كون المال لزيد، فمن هنا يتجه افترض التفصيل وعدم حجية الاخبار المتأخر بما هو شهادة، وان كان حجة بما هو اقرار وبمقدار ما يقتضيه قانون الاقرار. وهذا بخلاف الاخبار عن النجاسة فانه لا يوجد ما يناقضه من قبل صاحب اليد سواءا صدر منه حال فعلية اليد أو بعد انتفائها، فلا غرو إذا افترضنا اطلاق الحجية هنا. نعم لو كان قد صدر منه ما يدل بظاهره قولا أو فعلا على الاخبار عن عدم النجاسة فيلتزم بعدم

[ 78 ]

الحجية للتعارض. واما التقريب الثالث، فيرد عليه ما عرفت في محله (1): من أن قبول خبر صاحب ليد في اثبات النجاسة ليس من صغريات قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، فلا يصح أن يقاس بمواردها، لان تلك القاعدة ليست الا مجرد توسيع لقاعدة ان اقرار العقلاء على أنفسهم نافذ الناظرة الى الآثار التحميلية، فلا تشمل اثبات الطهارة والنجاسة ولو فرض اخذها كقاعدة مستقلة فمفادها نفوذ الاقرار بما يملك فمن يملك البيع أو الطلاق ينفذ اقراره به، والاقرار في المقام تعلق بالنجاسة ولا معنى لملكها. ودعوى: ان المالك لشئ يملك تنجيسه فينفذ اقراره بالتنجيس. مدفوعة: بأن لازم تطبيق القاعدة على هذا النحو نفوذ الاقرار المذكور من كل من له ان ينجس الشئ ولو لم يكن في حيازته أو ملكا له، كما لو كان مأذونا من قبل المالك في ذلك، ولازمه أيضا نفوذ الاقرار من المالك بالتنجيس لا بوقوع النجاسة فيها، لان ما يملكه هو ذاك. وكل ذلك واضح البطلان، وهو يكشف عن ان قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به انما هي في ملك التصرفات المعاملية التي يتصور لها نفوذ وصحة وبطلان، لا ان كل من له ان يعمل شيئا يصدق في اخباره به ولو كان اجنبيا عن ذلك. وعليه فلا موجب لمقايسة المقام بموارد القاعدة المذكورة. فالصحيح ما عليه السيد الماتن - قدس سره - من حجية أخبار صاحب اليد إذا صدر منه بعد ارتفاع يده وكان ناظرا الى زمان فعلية اليد، وذلك لان السيرة العقلائية على العمل به شاملة لهذا الفرض، لا نحفاظ نكتتها الارتكازية فيه وهي الاخبرية. ويؤيد ذلك: امكان دعوى الاطلاق في بعض الروايات المستدل بها على الحجية أيضا، كمعتبرة عبد الله بن بيكر قال:


(1) الجزء الثاني من هذا الشرح ص 103.

[ 79 ]

" سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل اعار رجلا اعار رجلا ثوبا فصلى فيه، وهو لا يصلي فيه. قال: لا يعلمه. قال قلت: فإن أعلمه. قال يعيد " (1)، حيث ان الاخبار هنا يفرض بعد الاستعارة المساوقة لا نتفاء اليد، فان انتقال الثوب بالاستعارة يوجب انتفاء بالمعنى المقصود في المقام وهو الممارسة والتصرف، وان كانت اليد بالمعنى المراد في قاعدة اليد باقية. غير ان الاستدلال بالروايات غير تام كما تقدم في محله (2). ثم انه لو لم يتم اطلاق في دليل الحجية امكن التمسك بأستصحاب الحجية الثابتة حال فعلية اليد، بناءا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وصحة اجراء الاستصحاب التعليقي. ومن مجموع ما ذكرناه ظهر حكم الحالة الثاثة وهي ما إذا كان الاخبار بعد الاستعمال مع فعلية اليد، فانه حجة على ضوء ما تقدم، بل لو قيل بعدم حجيته بلحاظ الاستعمال السابق مع كونه حجة بلحاظ الاستعمال اللاحق للزم التفكيك بين الوضوء السابق من الحوض الذي اخبر صاحبه الآن بانه نجس والوضوء اللاحق، مع ان هذا التفكيك على خلاف المرتكز العقلائي الملحوظ فيه جهة كاشفية الاخبار التي نسبتها الى كل من الوضوءين على نحو واحد. ثم ان اخبار صاحب اليد قد يكون ناظرا الى زمان ما قبل وقوع الشئ في يده، فهل يقبل أو يشترط ان يكون المخبر به معاصرا لليد زمانا؟. الظاهر هو الثاني، لان المدرك هو السيرة العقلائية، ونكتتها الاخبرية النوعية: ولا اخبرية كذلك في المقام بلحاظ ذلك الزمان. ومجرد ان الشئ انتقل الى حوزته وملكه بعد ذلك لا يؤثر في درجة كاشفية خبره


(1) الوسائل باب 47 من ابواب النجاسات حديث 3. (2) الجزء الثاني من البحوث ص 107 - 112.

[ 80 ]

عما مضى، فلو التزم بانه يؤثر في حجية اخباره لكان مقتضاه حمل الحجية على التعبد الصرف وهو خلاف المرتكزات العقلائية. نعم لو بني على التمسك بالروايات والجمود على مداليلها بدون تحكيم للمرتكزات العرفية عليها امكن التمسك باطلاق بعضها لا ثبات الحجية في المقام. وعلى ضوء ما تقدم يمكن ان نعرف ايضا: ان صاحب اليد إذا اخبر بنجاسة ما في يده بدعوى مبنية على منشأ نسبته إليه والينا على نحو واحد فلا يعلم بشمول دليل الحجية لمثل ذلك، فلو قال - مثلا - عباءتي نجسة لانها وقعت على عباءة فلان فتنجست بها، فهذا الكلام لا يثبت به نجاسة عباءة فلان جزما لعدم كونه صاحب اليد عليها، ولكن هل يثبت بها نجاسة عباءته؟، الاقرب العدم، لأن نكتة الخبرية النوعية غير محفوظة حينئذ، وانما تحفظ في غير هذه الصورة. الجهة الثالثة: في سعة دائرة الحجية لاقسام صاحب اليد، وهي تشتمل على مسائل: الأولى: في انه هل تختص الحجية بالثقة أو تشمل غيره. والجواب واضح، وهو عدم الاختصاص، سواءا استندنا في الحجية الى السيرة العقلائية أو الى الروايات، لان العنوان المأخوذ فيها عنوان صاحب اليد، ولو قيد بالثقة لزم - بعد البناء على حجية خبر الثقة مطلقا - الغاء خصوصية كونه صاحب يد رأسا، وهو على خلاف الارتكاز والظهور. نعم في روايات البختج (1) قد أخذ فيها ما يدل على اعتبار الوثاقة، وسوف نتعرض لها في المسألة الاخيرة ان شاء الله تعالى. الثانية: في انه هل تختص الحجية بالمسلم أو تشمل الكافر؟. وتحقيق ذلك: انا إذا بنينا على المدرك العقلائي وان نكتته الاخبرية


(1) لاحظ وسائل الشيعة باب 7 من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 81 ]

النوعية كما تقدم، فلا يفرق بين المسلم والكافر، فان كونه أخبر بوقوع الدم عباءته لا دخل لاسلامه وكفره في ذلك. نعم هنا امران. احدهما: ان الكافر يكون عادة جاهلا بالاحكام المصطلحات الشرعية، فلا معنى لشهادته بالنجاسة وهو جاهل بمغزاها الشرعي، بخلاف الشهادة بأسبابها. والثاني: ان كفر صاحب اليد قد يكون قرينة على انه ليس جادا في شهادته، بل هزلا أو متهكما أو محرجا وهذا معناه وجود القرينة على التهمة في اخباره، وقيام القرينة على التهمة تمنع عن الحجية مطلقا. وكلا هذين الامرين لا اختصاص لهما بالكافر، بل يمكن افتراضهما في المسلم البعيد عن دينه والمستهتر بشريعته، ومرجعها الى عدم تمامية الصغرى احيانا، لا الى التفصيل في كبرى الحجية. وإذا بنينا على الاستدلال بالروايات، فقد يقال: تارة بوجود ما يدل على اشتراط الاسلام. ويقال تارة اخرى - بعد فرض عدم الدال على التقييد - انه لا اطلاق في الروايات للكافر وهو يكفي في منع الحجية. اما الدعوى الاولى، فقد يستشهد لها برواية الجبن (1) التي قال فيها الامام (ع): " اشتر من رجل مسلم ". ويندفع ذلك: بان هذا التقييد كان بلحاظ دخل الاسلام في ظهور حال البيع الصادر من بائع الجبن في كونه مذكى، لا بلحاظ دخله في حجية اخباره. واما الدعوى الئانية، فنقريبها: ان الروايات لا اطلاق فيها، كما


(1) وهي رواية بكر بن حبيب قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الجبن وانه توضع فيه الانفحة من الميتة؟ قال: لا تصلح ثم ارسل بدرهم فقال: اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شئ " الوسائل باب 61 من ابواب الاطعمة المباحة حديث 4. ومضافا الى المناقشة الدلالية فهي ضعيفة السند ببكر بن حبيب لانه لم يوثق.

[ 82 ]

يظهر بمراجعة ما تقدم منها عند البحث عن اصل الحجية، فروايات بيع الدهن المتنجس الآمرة بالاخبار (1) المتيقن منها اخبار السائل الرواي وهو مسلم، ورواية شراء الجبن (2) اخذ فيها قيد الاسلام، ورواية إعارة الثوب ممن لا يصلي في الثوب (3) لا تعم غير المسلم، لانها فرضت المعير مصليا... وهكذا، ولكن توجد رواية واردة في المشركين خاصة، إذا تمت دلالتها كانت دالة على التعميم، وقد ورد فيها " عليكم انتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " (4) فإذا بني على ان المقصود من السؤال السؤال من المشركين والتعبد بالجواب فهي واردة في غير المسلم. الثالثة: في ان الحجية هل تختص بالبالغ أو تشمل غيره إذا كان مميزا والكلام عن ذلك، تارة: حول تمامية المقتضى اثباتا في دليل الحجية للشمول. واخرى: حول وجود المانع عن الاخذ بأطلاقه لو تم في نفسه فهنا مقامان: اما الاول: فتفصيله: ان المدرك إذا كان هو السيرة العقلائية فمرتكزاتها تأبى عن دخل البلوغ على نحو الموضوعية في الحجية. نعم قد يكون دخيلا بوصفه طريقا الى احراز النضج والرشد، ونحن نتكلم الآن مع فرض احراز ذلك في غير البالغ.


(1) من قبيل معتبرة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام " في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به " الوسائل باب 6 من ابواب ما يكتسب به حديث 4. (2) مرت في هامش ص 81. (3) مرت في ص 79. (4) الوسائل باب 50 من ابواب النجاسات حديث 7.

[ 83 ]

وإذا كان المدرك هو الاخبار فلا بد من ملاحظة دلالاتها اللفظية، ووجود الاطلاق في جملة منها مشكل لو قطع النظر عن المناسبات العقلائية للحكم، لان عنوان الرجال مأخوذ فيها اما سؤالا، واما جوابا، واما بحكم كون مورد الحجية فرض صدور الاخبار من الراوي المخاطب وهو بالغ، فلا يمكن التعدي الى الصبي لعدم صدق عنوان الرجل عليه، بل قد يشكل حينئذ الاطلاق للمرأة ايضا. نعم هناك مالا بأس بالتمسك باطلاقه لو تمت دلالته، من قبيل ما ورد من قوله " عليكم انتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك " (1)، فان عنوان المشرك مطلق يشمل البالغ والصبي المشرك ومزاولة الصبيان للبيع امر معروف فلا ينصرف عنه الدليل. واما المقام الثاني، فقد يستشهد للتقييد تارة: برواية عبد الاعلى عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الحجامة أفيها وضوء؟. قال لا، ولا تغسل مكانها، لان الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا " (2) واخرى بحديث رفع القلم من الصبي (3) وثالثة: بما دل على ان عمد الصبي خطأ (4). اما الاستشهاد بالاول، فهو مبني على أن يراد بكلمة (صغيرا) مجرد


(1) الوسائل - باب 50 من أبواب النجاسات حديث 7. (2) الوسائل باب 56 من أبواب النجاسات حديث 1. (3) من قبيل رواية ابن ظبيان في حديث " فقال علي عليه السلام: اما علمت ان القلم يرفع عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم... " الوسائل باب 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث 11. (4) من قبيل معتبرة اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه " ان عليا عليه السلام كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة " الوسائل باب 11 من ابواب العاقلة حديث 3.

[ 84 ]

تأكيد وتوضيح، لا تقييد الصبي بقسم خاص منه، والا أمكن حمله على غير المميز بمناسبات الحكم والموضوع، ويكفي الاجمال واحتمال ذلك لعدم تمامية الاطلاق في عقد المستثنى للمميز. هذا إضافة الى سقوط الرواية سندا (1) وأما الاستشهاد بالثاني، فيدفعه - بقطع النظر عما تقدم من المناقشة في سند الحديث (2) - ان ظاهره - بقرينة التقابل بين الرفع عنه والوضع عليه - ان المرفوع هو الآثار التحميلية، وهذا يشمل حجية الاقرار لانها اثر تحميلي، ولكنه لا يشمل حجية الاخبار عن النجاسة. واما الاستشهاد بالثالث، فيرد عليه أولا: ان ظاهر التنزيل اسراء حكم المنزل عليه للمنزل: فيختص بمورد يكون للخطأ بعنوانه اثر شرعي ليسرى بالتنزيل الى العمد كما في باب الجنايات، ولا يشمل باب المعاملات ونظائره الذي يكون الاثر الشرعي فيه دائرا مدار العمد وجودا وعدما، لا مدار عنواني العمد والخطأ. وثانيا: بانه لو سلم أن المستفاد من ذلك تنزيل العمد منزلة اللاعمد، فهذا انما ينفع في باب المعاملات لابطال معاملة الصبي وعقده، لدخالة العمد والقصد فيه شرعا، والمفروض انه نزل منزلة العدم، ولكنه لا ينفع في محل الكلام، لان القصد والعمد هنا وان كان مقوما للحكاية إذ لا يصدق الاخبار والحكاية بدون قصد وعمد، ولكن موضوع الحجية ليس هو نفس عنوان الاخبار والحكاية، بل الكشف النوعي الملازم لذلك تكوينا، بدليل ان المدلول الالتزامي يثبت ايضا ولو مع عدم التفات المخبر إليه رأسا. فلو اخبر صاحب اليد بنجاسة ثوبه، ونحن نعلم بان نجاسته على تقدير ثبوتها توأم مع نجاسة العباءة، ثبتت بذلك نجاسة العباءة لتحقق الكشف


لان في سندها على بن يعقوب الهاشمي الذي لم يثبت توثيقه. (2) تقدم ذلك في ص 30.

[ 85 ]

النوعي، وان لم يصدق عنوان الاخبار والحكاية المدلول الالتزامي، فما هو موضوع الحكم الشرعي بالحجية لازم تكويني للاخبار المتقوم بالقصد والعمد لا لنفسه، فالغاء القصد وتنزيل العمد منزلة عدمه انما يوجب نفي الآثار الشرعية التي كانت مترتبة على نفس القصد والعمد، لا المترتبة على امر هو لازم تكويني للقصد والعمد، لان دليل التنزيل ظاهر في النظر إلى الآثار الشرعية للمنزل عليه لا لوازمه التكوينية. الجهة الرابعة - في التفصيل من حيث النجاسة المخبر عنها بين بعض النجاسات وبعض فيقبل قول صاحب اليد في بعضها مطلقا ولا يقبل في بعضها الآخر الا ضمن شروط. وهذا التفصيل مأخوذ من روايات البختج التي قيدت جملة منها حجية قول ذي اليد بان يكون عادلا أو عارفا أو غير ذلك فيقال حينئذ بان اخبار صاحب اليد بحلية البختج بذهاب ثلثيه وبطهارته بذلك على القول بانه ينجس كما يحرم بالغليان بالنار ليس حجة مطلقا بل بقيود خاصة. ويمكن تصنيف تلك الروايات التي يتراءى منها ذلك الى ثلاث طوائف. الطائفة الاولى - مادل على اشتراط خصوصية في العصير زائدا على اخبار ذي اليد من قبيل صحيحة معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد الله (ع) عن البختج فقال إذا كان حلوا يخضب الاناء وقال صاحبه قد ذهب ثلثاه وبقي الثلث فاشربه (1) ومفادها إناطة جواز الشرب من العصير العنبي المغلي وقبول اخبار صاحب اليد بذهاب ثلثيه بوجود امارة تدعم شهادته وهي ان يكون العصير بنحو من الثخونة بحيث يصبغ الاناء وهذا يعني ان حجية خبر صاحب اليد ليست ثابتة على الاطلاق. والتحقيق ان حلاوة العصير وكونه يخضب الاناء تارة يكون ماخوذا


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث 3.

[ 86 ]

باعتباره قيدا في موضوع التحليل الواقعي بحيث يكون التحليل واقعا منوطا بذلك وبذهاب الثلثين معا، واخرى يفترض ان تمام الموضوع للتحليل واقعا ذهاب الثلثين، فعلى الأول لا شهادة في الرواية على تقييد في حجية خبر صاحب اليد لان الخصوصية المذكورة تكون مأخوذة لدخلها في الحكم الواقعي لا بوصفها إمارة، وعلى الثاني يكون اخذها بلحاظ جهة كشفها ولكن حيث أن وجودها يسبق غالبا ذهاب الثلثين فيمكن ان يكون اخذ هذا القيد بلحاظ ان عدم كون العصير بنحو يخضب الاناء يكون قرينة عرفية على عدم ذهاب الثلثين فتسقط حجية خبر صاحب اليد لان كل حجية من هذا القبيل منوطة بعدم قيام قرائن عقلائية نوعية على الكذب فيها كما ذكرناه في حجية خبر الثقة ايضا. الطائفة الثانية مادل على اشتراط الاسلام والعدالة بل الورع في قبول خبر صاحب اليد كمعتبرة عمار عن أبي عبد الله (ع) في حديث انه سئل عن الرجال يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث قال إن كان مسلما ورعا مؤمنا (مأمونا) فلا بأس ان يشرب (1) وتقريب الاستدلال بها على تقييد الحجية واضح غير انها معارضة بالطائفة الثالثة الصريحة في عدم اعتبار الايمان والعدالة وان قول المخالف يقبل إذا كان لا يستحله على النصف ومقتضى الجمع العرفي حينئذ حمل هذه العناوين المأخوذة في رواية عمار على الطريقة الى عدم الاستحلال فيسقط الاستدلال بها. الطائفة الثالثة - مادل على اشتراط ان لا يكون صاحب اليد مستحلا للعصير المغلي بالنار قبل ذهاب الثلثين أو ممن يشربه كذلك من قبيل معتبرة عمر بن يزيد قال قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يهدى إليه البختج من غير اصحابنا فقال: ان كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه وان كان ممن


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث 6.

[ 87 ]

يستحل فاشربه، (1) ومعتبرة معاوية بن عمار قال سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجال من اهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وانا اعرف انه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف فقال لا تشربه، قلت فرجل من غير اهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه قال قال نعم (2). ونلاحظ انه في هذه الطائفة تارة اخذ فيها قيد عدم الاستحلال واخرى قيد انه لا يشربه على النصف ومقتضى الجمع بمناسبات الحكم والموضوع حمل الاول على الطريقية للثاني فان الاستحلال بما هو مع الامتناع عن الشرب خارجا لا يضر بالحجة التي لم يكن يضر بها استحلال انكار الامامة الذي هو اشد بمراتب فالمتحصل من هذه الطائفة بعد ارجاع احد العنوانين الى الآخر اسقاط حجية الخبر الصادر من صاحب اليد إذا كان ممن يشربه على النصف ويستحل ذلك عملا ومن الواضح ان من كان يشربه كذلك ويطبخ العصير من اجل الحصول على الشراب المذكور يكون متهما في دعوى ذهاب الثلثين لان ذهابهما يفوت عليه العصير المطلوب وحجية خبر صاحب اليد منوطة بعدم التهمة الناشئة من قرينة من هذا القبيل. الجهة الخامسة - في التفصيل بلحاظ نوع الشئ المخبر عن نجاسته فقد ذهب جماعة الى عدم الفرق فيما يقع تحت اليد بين ان يكون انسانا أو غيره وذهب بعض الفقهاء ومنهم السيد الاستاذ - دام ظله - (3) الى التفصيل وعدم حجية خبر صاحب اليد فيما يخص ما تحت يده من


(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاشربة المحرمة حديث 1. (2) الوسائل باب 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث 4. (3) التنقيح الجزء الثاني ص 228.

[ 88 ]

ولا اعتبار بمطلق الظن وان كان قويا فالدهن واللبن والجبن المأخوذ من اهل البوادي محكوم بالطهارة وان حصل الظن بنجاستها (1) رجل أو امرأة. والصحيح ان خروج هذه الحالة تخصص وليس تخصيصا وتفصيلا لان المراد باليد هنا المباشرة والتصرف لا مجرد الدخول في الحوزة واليد التي تفترض على العبد أو الجارية الكبيرين من قبيل الثاني لا الأول عادة. ومن هنا ظهر ايضا ان عدم الحجية التعبدية لاخبار مالك الدار بان القبلة في هذه الجهة من داره ليس تخصيصا في قاعدة حجية خبر صاحب اليد فيما يرجع الى ما تحت يده من خصوصيات بل هو تخصص ايضا لان مالك الدار وان كانت الدار في حوزته وتصرفه إلا ان الجهة علاقة بين طرفين احدهما الدار والاخر الكعبة وهي خارجة عن استيلائه فاخباره بان هذه الجهة هي القبلة كأخباره بان بيته مجاور لمسجد فانه لا يثبت مسجدية الارض المجاورة ولا احكام جيران المسجد على بيته. (1) لما تقدم عند الحديث عن قاعدة الطهارة (1) بما يفهم منه اطلاق الطهارة الظاهرية المجعولة فيها وفي دليل الاستصحاب لموارد الظن بل ورود جملة منها في موارد التعرض الشديد للنجاسة والتصريح فيها باناطة التنجز بحصول اليقين بالنجاسة (2) يجعل الدليل كالنص غير القابل


(1) تقدم الحديث عن قاعدة الطهارة في الجزء الثاني من البحوث ص 189 وما بعدها. (2) من قبيل معتبرة عبد الله بن سنان قال " سال أبي أبا عبد الله عليه السلام وانا حاضر اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر وياكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان اصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام =

[ 89 ]

بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها (1). بل قد يكره أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواس (2). للتقييد بغير حالة الظن ومعه لو تم دليل على الامر بالاجتناب في حالة المعرضية الظنية أو الغالبية (1) تعين حمله على التنزه والاستحباب. (1) لا شك في حسن الاحتياط في نفسه على القاعدة فلابد لنفي رجحان الاحتياط اما من افتراض عنوان ثانوي مرجوح ينطبق على الاحتياط كالاسراف مثلا أو افتراض سببيته لامر مرجوح كما لو كان مولدا للوسواس فيقع التزاحم بين الحيثيتين أو استفادة عدم اهتمام الشارع بالتحفظ الاحتمالي على الواقع المشكوك من دليل شرعي كما لا يبعد استفادته من مثل لسان " ما ابالي ابول اصابني أو ماء إذا لم اعلم " (2) فان هذا اللسان يكشف عرفا عن عدم الاهتمام بالتحفظ الاحتمالي على الواقع ويعطى ان ديدن الامام عليه السلام كان على عدم رعاية النجاسة المشكوكة والتحرز منها وهو لا يناسب مع افتراض رجحان الاحتياط. (2) قد يقال بحرمة الوسواس اما بما هو حالة نفسية من التشكك


= صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه " الوسائل باب 74 من ابواب النجاسات حديث 1 ومن قبيل معتبرة زرارة الواردة في الوسائل باب 37 من ابواب النجاسات حديث 1 ومعتبرة عمار باب 4 من ابواب الماء المطلق حديث 1. (1) من قبيل معتبرة علي بن جعفر التي مر الكلام عنها في الجزء الثالث من البحوث ص 268. (2) كما ورد في معتبرة حفص بن غياث: الوسائل باب 37 من ابواب النجاسات حديث 5.

[ 90 ]

إذا كانت اختيارية واما باعتباره عنوانا ثانويا للعمل الذي يأتي به الوسواسي نتيجة لذلك، وقد يفرع على ذلك حرمة الاحتياط المؤدي بطبعه الى الوسواس باعتباره سببا توليديا للحرام فيحرم ولكن الصحيح انه لا مدرك لحرمة الوسواس غير دعوى كونه من ايحاءات الشيطان كما دلت عليه الروايات (1) مع حرمة اتباع خطواته وطاعته التي هي نحو من العبادة العملية له وهي مدفوعة بان الطاعة واتباع الخطوات و العبادة العملية وما يساوق ذلك من العناوين متقومة بقصد امتثال الشيطان ولو بمعنى الكيان الباطل واتخاذه قدوة ومطاعا فلو فرض ان هذه العناوين محرمة فلا يعنى ذلك حرمة احتياط الوسواسي الذي يقصد به الله سبحانه وتعالى ولا يريد به الانصياع لاي كيان شيطاني فمجرد الاتيان بذات ما يطلبه الشيطان بداع آخر لا يحقق عنوان الطاعة والعبادة للشيطان لا موجب لحرمته ما لم يكن الفعل في نفسه مما دل الدليل على حرمته. هذا على ان المنساق من جميع ما دل على النهي عن اتباع الشيطان الارشاد لا المولوية كما هو الحال فيما دل على الامر بأتباع الله سبحانه وتعالى ونكتة ذلك ان الشيطان ليس كائنا حسيا كزيد وعمرو يمكن التعرف على ما يريد وما لا يريد بقطع النظر عن الشارع ليحمل النهي على المولوية كما لو صدر النهي عن اتباع زيد مثلا وانما المعروف لما يريده الشيطان وما يغوى به عادة هو الشارع باعتبار انه يريد نقيض ما يريده الشارع فعن


(1) كما في معتبرة عبد الله بن سنان قال " ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد الله عليه السلام: واي عقل له وهو يطيع الشيطان فقلت: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي ياتيه من اي شئ هو فانه يقول لك: من عمل الشيطان " الوسائل باب 10 من ابواب مقدمة العبادات حديث 1

[ 91 ]

(مسألة 1) لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة والنجاسة. طريق النقيض يعرف نقيضه فيرجع النهي عن اتباع الشيطان عرفا الى وجه آخر للامر باتباع الشارع لأن تحدد امر الشيطان في طول تحدد امر الشارع عادة وان اتفق احيانا تحدده بصورة مستقلة كما في المقام فهذه الطولية في التحدد عادة تجعل النهي عن اتباع الشيطان تعبيرا عرفيا آخر عن الامر باتباع الشارع ويكون ارشاديا حينئذ. واما الامر بالمضي بالنسبة الى كثير الشك ونهيه عن الاعتداد بشكه (1) فهو امر وارد مورد توهم الحظر فلا يدل على اكثر من الأذن في الاكتفاء بالمشكوك. (1) الوسواسي هو عبارة عن الشخص الذي نفسيا اتجاها غير متعارف نحو جانب التحميل في التكاليف عند امتثالها بحيث يصبح طرف الالزام اقرب الى قلبه وماثلا في خياله ووهمه بدرجة تؤثر في مداركه حتى يخرج عن الوضع العقلائي المتعارف فيشك غالبا ويحتمل الكلفة حيث لا يحتملها غيره عادة أو يحصل له الجزم بها كذلك خلافا لغيره من الناس فالاول شك الوسواسي والثاني علمه وهو في موقفه هذا متأثر بتشبث وهمي بالالزام ناشئ عن حالة نفسيه وهي خوفه منه وشدة حرصه على امتثاله، وهناك من يشابه الوسواسي في الخروج عن الوضع العقلائي المتعارف ولكن لا بسبب التشبث الوهمي بالالزام والكلفة والتخوف منهما بل للتشبث العقلي باضعف الاحتمالات وأتفهها التي تنفى عادة بجساب الاحتمالات ومن هنا لم يكن هذا شاذا في طرف الالزام فقط بل في طرف الترخيص ايضا فكما يبطئ بقينه بالتطهير كذلك يبطئ يقينه بان تنجس لانه لا يسد الاحتمالات التي تسد عادة بحساب الاحتمالات ارتكازا بينما الوسواسي بالمعنى المتقدم


(1) كما في معتبرة محمد بن مسلم الاتية في هامش ص.

[ 92 ]

لا يبطئ اليقين بالالزام عنده عن المتعارف وانما يبطئ عنده التصديق بنفي الالزام لشدة السيطرة الوهمية للالزام على نفسه. وفي مقابل هذا الاخير القطاع وهو شخص يسد بسرعة الاحتمالات التي لا تسد عادة بحساب الاحتمالات على العكس من سابقه فيلغى من ذهنه احتمالات معتد بها عقلائيا وبذلك يسرع الى اليقين وهى حالة عقلية ايضا نسبتها الى طرف الالزام والترخيص على نحو واحد. فهناك إذن ثلاثة انواع غير متعارفة. والوسواسي ومن لا يؤثر ضعف الاحتمال في زواله من نفسه ومن يزول الاحتمال بأدنى ضعف أو ملاحظة من نفسه والاول يختص شذوذه بطرف الالزام بخلاف الاخيرين كما ان الطرفين يتصور شذوذهما في اليقين بينما الوسط لا يشذ في اليقين بل في الشك فهو يشكك حيث لا ينبغي ان يشك لا انه يتيقن حيث لا ينبغي ان يتيقن والاولان يتصور شذوذهما في الشك بمعنى انهما يتشككان حيث لا ينبغي ولا يتصور ذلك في الاخير. وهناك فارق آخر بين الانواع الثلاثة وهو ان الوسواسى لا يكنه ان يصدق بالنسبة الى شخص حالة معينة من حالات شكه أو يقينه بانها وسواس لان ذلك مساوق للاعتراف بنشوئها من الوهم ووجود الدليل على خلافها واليقين بذلك يساوق زوال تلك الحالة عادة نعم قد يعترف الوسواسي بانه وسواسي بصورة عامة ولكنه حينما يعيش حالة معينة من الشك أو القطع لا يمكنه ان يعنقد بانه وسواسي في تلك الحالة، وهذا بخلاف بطئ اليقين الذى لا يؤثر ضعف الاحتمال في فنائه في نفسه إذ قد يعترف هذا الشخص الشكاك بان هذا الاحتمال يلغيه غيره ولا يستقر في ذهنه لأن قيمته ضئيلة ومع هذا يبقى مصرا على الاحتفاظ به وذلك لأن هذا الاعتراف لا يساوق التنازل عن الاحتمال المذكور لأن كونه يغنى عند غيره بسبب

[ 93 ]

الضآلة لا يبرهن على ضرورة ذلك فان هذا الفناء ليس امرأ برهانيا كما اوضحناه في الاسس المنطقية للاستقرار (1) وانما هو مصادرة مشتقه من تركيب ذهن الانسان الذي خلق بنحو لا يحتفظ بالاحتمالات الضئيلة جدا فلو وجد ذهن يختلف في خلقته عن ذلك طبعا أو تطبعا فلا محذور في ان يلتفت الى ذلك، نعم لو كان البطؤ في اليقين نتيجة عدم الالتفات الى البديهيات ومشتقاتها فلا يمكن لهذا الشكاك ان يعتقد بهذا الواقع بشأن شكه وأنه نشأ من عدم الالتفات الى تلك البديهات. واما من يسرع إليه اليقين وهو القطاع فهو لا يمكنه ان يعترف بان يقينه هذا بلا مبرر والا لفقده ولكن بامكانه ان يلتفت الى انه اسرع يقبنا من غيره وان غيره لا يشاركه في يقينه من دون ان يفقده ذلك يقينه إذ قد يفسر ذلك على أساس أنه يتميز بتجارب وخبرات تجعله يلغى جملة من الاحتمالات التي يحتفظ بها غيره. وعلى أي حال فالكلام يقع في جهات: الجهة الاولى - في الشك غير العقلائي في طرف الالزام اي التشكيك حيث يحصل للانسان الاعتيادي اليقين أو الاطمئنان بعدم الالزام ويفرض ذلك في مورد يكون الشك فيه منجزا كمورد الشك في الامتثال فهل يجب على الوسواسي مراعاة احتماله غير المتعارف لعدم الامتثال أولا الظاهر عدم وجوب المراعاة باحد التقريبات التالية. الاول: المنع عن جريان اصالة الاشتغال في نفسها بدعوى انها تعني منجزية التكليف بالاحتمال المذكور وهو فرع ان يكون للمولى حق الطاعة بهذه المرتبة التي يسد بها باب هذه الاحتمالات غير العقلائية وبالامكان انكار هذا الحق رأسا وهو أمر واضح بالنسبة الى الموالي العرفيين فإذا تم انكاره فلا موضوع لاصالة الاشتغال في نفسها لأن مرجع حكم العقل بوجوب الامتثال


(1) الاسس المنطقية للاستقراء ص (364 - 366).

[ 94 ]

حينئذ إلى حكمه بلزوم التحفظ من المخالفة من غير ناحية تلك الاحتمالات غير العقلائية ولا ينفع في مثل ذلك استصحاب عدم الاتيان لأنه انما يجري حيث يكون الواقع المشكوك صالحا لتنجيز ومع ضيق دائرة حكم العقل بوجوب الامتثال من اول الامر فلا اثر لاجرائه إلا إذا رجع إلى جعل حكم واقعي مستقل وهو خلف. الثاني: بعد تسليم جريان اصالة الاشتغال في نفسها يقال بوجود المؤمن الشرعي الحاكم عليها وهذا المؤمن يثبت بدليل السيرة العقلائية على عدم محاسبة المأمور في مقام الامتثال على مثل تلك الاحتمالات غير العقلائية مع امضاء الشارع لها وإذا تم ذلك كان هذا المؤمن واردا على اصالة الاشتغال ومخصصا لدليل الاستصحاب المقتضى لاجراء استصحاب عدم الاتيان لو لم نقل بخروج المورد عنه تخصصا باستظهار ان الغاية المأخوذة في دليله ليست هي اليقين بالانتقاض على وجه الوصفية ليقال بانها لم تحصل بل على وجه الكاشفية ومرجعها حينئذ بحسب الفهم العرفي الى ان الغاية هي توفر اليقين العقلائي بالنقض وهو حاصل. الثالث: التمسك بالروايات الخاصة (1) الدالة على عدم لزوم الاعتناء بشك كثير الشك الشاملة للوسواسي بمنطوقها أو بالاولوية على اساس انه أسوا حالا من كثير الشك وهذه الروايات واردة في خصوص باب الصلاة ومن هنا يمكن ان يفرق بين التقريبات الثلاثة ويقال انه على الاوليين يكون عدم لزوم الاعتناء عاما لسائر الموارد، وعلى الثالث يختص بالابواب الخاصة


(1) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال " إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك... " الوسائل باب 16 من ابواب الخلل حديث 1.

[ 95 ]

المنصوصة في تلك الروايات كالصلاة والوضوء (1) ولكن لا يبعد مساعدة العرف على الغاء الخصوصية في روايات كثير الشك بمناسبة الحكم والموضوع خصوصا بلحاظ جعل ذلك من الشيطان في مقام تقريب الحكم وتعليله الى سائر الموارد لأن ما كان من الشيطان لا يفرق في رفضه بين مورد ومورد فان قيل لعل خصوص كثيرة الشك في مورد الصلاة من الشيطان فلا يكون هذا التعليل موجبا للتعدي قلنا ان ظاهر الامام عليه السلام الاشارة الى امر عرفي واضح ولهذا يطلب من الراوي ان يسأل الوسواسي عن حاله لينزع منه الاعتراف بان حالته من الشيطان ومن الواضح ان ما هو مركوز لا يفرق فيه بين مورد وآخر فحمله على الكشف عن امر تعبدي غيبي في خصوص باب الصلاة خلاف الظاهر. ويمكن ان يفرق بين التقريبات الثلاثة المتقدمة من ناحية اخرى وهي أن التقريب الاول والثاني ينفعان بطئ اليقين وهو الثاني من الانواع الثلاثة لغير المتعارف لأنه يمكن ان يلتفت إلى كون شكه غير عقلائي بمعنى ان غيره من العقلاء لا يشك على هذا النحو ولا ينفعان الوسواسي الذي ينشأ شكه من غلبة الوهم عليه مع وجود المبرر الكافي لا زالته عقليا لما تقدم من انه لا يمكنه ان يصدق بان شكه هذا من هذا القبيل نعم قد ينتفع بهما إذا خيل له انه من النوع الثاني وان شكه غير المتعارف ينشأ من بطئ اليقين لا من وسوسة الوهم. واما التقريب الثالث ينفع الوسواسي لأنه يلغى شك كثير الشك لا خصوص الشك غير المتعارف، والوسواسي قد يلتفت الى حالته النوعية وانه وسواسي وكثير الشك ويكفى هذا لشمول الاخبار له وان لم يحرز ان شخص هذا الشك كان من هذا القبيل نعم لو قيل بان مفاد السيرة العقلائية المدعاة متطابق مع مفاد الاخبار من هذه الناحية


(1) كما في معتبرة عبد الله بن سنان المارة في الهامش ص 185.

[ 96 ]

لم يبق فرق بين التقريبين الثاني والثالث. الجهة الثانية - في الشك غير العقلائي في طرف الترخيص بان يظل المكلف، وهذا يتصور في النوع الثاني دون الاول والثالث والظاهر فيه ان هذا الاحتمال اما الاول فلو قيل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا ينبغي ان يفرض موضوعها عدم العلم بمعناه الصفتي بل عدم تلك الدرجة من الوضوح والتجلي التي توجب العلم للانسان الاعتيادي لوضوح ان العقل لا يحكم بقبح العقاب مع توفر تلك الدرجة وان لم تؤثر في حصول اليقين فعلا. واما الثاني فهو عبارة عن الاصول الشرعية المؤمنة وبعد حمل الغاية فيها على العلم بنفس المعنى المذكور آنفا لا يكون في ادلتها اطلاق للشك المذكور فلا يكون مؤمنا. الجهة الثالثة أو بالطهارة وقد اشرنا سابقا الى ان القطع غير المتعارف بالنجاسة يتصور من الوسواسي وسريع اليقين واما القطع غير المتعارف بالطهارة فيتصور من سريع اليقين ولا يتصور من الوسواسي، في 1 في نفسه 2 في امكان الردع عنه 3 في البحث عن وقوع الردع بعد فرض امكانه فهنا ثلاث نقاط. 1 - في حجيته والصحيح حجيته بمعنى لزوم الجري على طبقه عقلا سواء قبل بان موضوع حكم العقل بالحجية طبيعي القطع أو القطع الخاص الذي لم ينشأ من جهة غير موضوعية كالقطع المتولد من الوسواس والوهم أو من العجلة في الغاء الاحتمالات وغض النظر عنها، اما على الاول فواضح، واما على الثاني فلأن القاطع لا يعقل ان يصدق بان قطعه وليد وهم أو عجلة والا لفقده فهو يراه مصداقا للقطع الخاص على اي حال

[ 97 ]

ومعه يستقل عقله بلزوم التحرك على طبقه ولا نريد من الحجية الا ذلك 2 - في امكان الردع عنه وقد يدعى امكان الردع تارة ببيان يقتضى امكان الردع عن القطع الطريقي عموما واخرى يدعى امكانه في المقام بوجه آخر مع التسليم باستحالة الردع عن القطع الطريقي، اما الاول فتحقيقه موكول الى علم الاصول، وأما الثاني فيمكن أن يقرب امكان الردع باحد وجهين: - الاول - ان يحول القطع من الطريقي الى الموضوعي بأن يؤخذ عدم العلم غير المتعارف قيدا في موضوع النجاسة أو في موضوع النجاسة أو في موضوع المانعية مثلا، وقد يستشكل في ذلك بان هذا الشاذ حيث انه لا يصدق بان قطعه بلا مبرر فلا ينفعه التقييد المذكور ان اريد به التقييد بعدم العلم الذي لا مبرر له وأما إذا اريد به التقييد بعدم مطلق العلم الصادر من انسان يكثر منه اليقين بلا مبرر فهذا امر قد يلتفت الوسواسي الى انطباقه عليه ولكنه غير مفيد في المقام لان لازمه ردع الوسواسي عن العمل بقطعه مطلقا حتى ما كان منه متعارفا ويندفع هذا الاشكال بامكان فرضية ثالثة وذلك بان يقيد موضوع الحكم بعدم العلم الذي يستهجن العقلاء عادة حصوله، والوسواسي قد يلتفت الى ذلك في شخص هذا اليقين أو ذاك على الرغم من زعمه وجود مبرر لما حصل له من يقين. الثاني - ان يفترض وجود حكم واقعي بتحريم الاعتناء بالوسواس بمعنى ما يستهجنه العقلاء من معتقدات، وهذا الحكم محفوظ مع الحكم بمانعية النجس في الصلاة على الاطلاق ويمكن فرض وصولهما معا الى المكلف الوسواسي وعليه فمن بنى وسواسا على نجاسة بعض ثيابه وقطع بذلك وهو ملتفت الى ان قطعه هذا مما يستهجنه العقلاء إن كان لديه صارف شخصي عن لبس ذلك البعض من الثياب فلا تزاحم بين الحكمين المفترضين وان

[ 98 ]

لم يكن لديه صارف عن لبسه إلا الاعتناء بالوسوسة وقع التزاحم بين حرمة الاعتناء بالوسواس ووجوب اجتناب النجس في الصلاة فإذا فرض ان الحكم الاول اهم سقط الحكم الثاني مع بقاء اصل وجوب الصلاة لانها لا تسقط بحال ونتيجة ذلك ان يكون هذا الوسواسي مكلفا بالصلاة في ما يراه نجسا وهذه نتيجة الردع عن العمل بقطعه. 3 - في وقوع الردع باحد الوجهين السابقين والصحيح عدم وقوعه اما الاول فلانه على خلاف اطلاق ادلة الاحكام الواقعية ولا موجب للتقييد وأما الثاني فلما تقدم من عدم الدليل على حرمة الوسواس في نفسه (1)، نعم الانصاف ان قطع الفقيه بان بعض مراتب الوسواس مما لا يرضى بها الشارع كما لا يرضى بالمحرمات ليس مجازفة، والله العالم بالحال. ثم انه قد يستدل على الردع عن قطع الوسواس باطلاق مادل على عدم لزوم اعتناء المبتلي بالوسوسة بوسواسه بقريب انه يشمل باطلاقه من كانت وسوسته تتمثل في القطع أيضا لانه مصداق لعنون المبتلي كمعتبرة عبد الله بن سنان قال ذكرت لابي عبد الله رجلا مبتلي بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد الله (ع) وأي عقل له وهو يطيع الشيطان فقلت له وكيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو فانه يقول لك من عمل الشيطان (2) وامتياز هذه الرواية انه لم يؤخذ في موردها الشك ونحوه من العناوين بل عنوان المبتلى بالوضوء والصلاة فبالامكان ان يقال باطلاقه لموارد قطع الوسواس أيضا لأنه ابتلاء فيثبت الردع ولابد حينئذ من ارجاعه ثبوتا إلى


(1) تقدم في ص 87 وما بعدها (2) الوسائل باب 10 من ابواب مقدمة العبادات حديث 1

[ 99 ]

(مسألة 2) العلم الاجمالي كالتفصيلي فإذا علم بنجاسة احد الشيئين يجب الاجتناب عنهما (1) وجه معقول وقد يجعل استشهاد الامام بالرجل المبتلى في ان ما ابتلى به من الشيطان قرينة على عدم الشمول لحالة القطع لأن القاطع لا يرى شخص قطعه حين يجري عليه من الشيطان والا لزال كما تقدم ويندفع بان نفس الشئ يصدق في الشاك ايضا فانه لا يمكن أن يصدق بان شكه بلا مبرر وللوسوسة وإلا لزال، والمقصود من الاستشهاد الاستشهاد بلحاظ حالته النوعية والوسواسي يمكن ان يعترف بحالة نوعية من هذا القبيل. كما انه قد يجعل ظهور حال الامام في ان الارتداع أمر عقلائي ينافي خلافه العقل قرينة على اختصاص بالشك لأن الارتداع في فرض القطع مرده الى تقييد الشارع لموضوع حكمه وهذا امر شرعي لا سبيل لاحالته على الادراك العقلائي اللهم الا ان يقال ان نكتة هذا التقييد لما كانت مركوزة في الاذهان صحت الاحالة المذكورة وينبغي أن يعلم بهذا الصدد ان البناء على حجية علم الوسواسي بالنسبة إليه لا يعني حجيته بلحاظ الآخرين وشمول دليل الحجية لشهادته لان دليل الحجية موضوعه خبر الثقة والوثاقة المعتبرة هي الوثاقة من حيث الصدق بمعنى التورع عن الكذب والوثاقة من حيث الحسن والادراك بمعنى عدم كونه كثير الغفلة والخطأ في معتقداته على نحو غير متعارف وهذا المعنى عن الوثاقة غير موجود في المقام نعم شهادة الوسواسي بالطهارة حجة لأن قطعه بذلك جار حسب المتعارف كما اشرنا سابقا. (1) وتحقيق ذلك كبرويا موكول الى ما حققناه في علم الاصول غير انه من الجدير الاشارة هنا الى بعض التطبيقات لالفات النظر إلى بعض

[ 100 ]

النكات، فمن القواعد المقررة في الاصول ان من شرائط تنجيز العلم الاجمالي ان يكون علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير ومن التصورات الثابتة لدى مدرسة المحقق النائيني قدس سره على ما يبدو أن حرمة شرب النجس أو حرمة الصلاة فيه اللتين تترتبان على النجاسة ككل حكم آخر لا يكون فعليا في مرحلة المجعول الا حينما يتحقق الموضوع ويصبح فعليا، فما لم يتحقق مشروب نجس بالفعل أو لباس نجس كذلك لا يكون الحكم بحرمة شربه أو الصلاة فيه فعليا. وعلى هذا إذا علم اجمالا بنجاسة احد المائين أو الطعامين أو الثوبين أو نجاسة هذا الماء أو ذلك الثوب فهو علم اجمالي منجز لانه علم اجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير، واما إذا علم اجمالا بنجاسة هذا الماء أو ذلك الاناء الفارغ فلا ينجز هذا العلم لانه ليس علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير من اجل ان نجاسة الاناء الفارغ ليست موضوعا لتكليف فعلي، وكذلك الحال في كل حالة يكون طرف العلم الاجمالي فيها شيئا مما لا يشرب أو يؤكل أو يلبس فان استشباع نجاسته لتكليف فعلي يكون تقديريا لافعليا أي معلقا على ملاقاة ما يشرب أو ما يؤكل أو ما يلبس له. نعم قد بنينا في الاصول على ان حرمة الصلاة في النجس التي مردها الى المانعية فعلية بفعلية نفس الأمر بالمقيد - اي الامر بالصلاة المقيدة بعدم النجاسة - وان تنجس الثوب خارجا ليس قيدا في فعلية المانعية بل في متعلقها بمعنى ان المكلف بالفعل - قبل ان يتنجس ثوبه - مامور بان لا يصلي صلاة مقرونة مع نجاسة الثوب وعلى هذا الاساس يكون العلم الاجمالي بنجاسة الماء أو الاناء الفارغ منجرا أيضا لأن مرجعه الى العلم الاجمالي بحرمة شرب ذلك الماء أو بطلان الطلاة في الثوب الذي يلاقي هذا الاناء وهو بطلان فعلي وان لم تكن الملاقاة فعلية لأن مرده الى المانعية المنتزعة

[ 101 ]

إلا إذا لم يكن احدهما محلا لا بتلائه فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضا (1) من الامر بالمقيد والفعلية بفعليته، وتفصيل الكلام عن ذلك في مباحث الاشتغال من علم الاصول. (1) والمقصود من الخروج عن محل الابتلاء مرتبة متوسطة بين التيسر والتعذر العقليين والتي قد يعبر عنها بالتعذر العرفي، وتفصيل الكلام في هذه المسألة موكول الى موضعه من علم الاصول غير اننا نذكر موجزا بالنحو الذي يناسب المقام وحاصله ان هناك ثلاثه مسالك: الاول - مسلك المشهور حيث ذهبوا الى عدم تنجيز العلم الاجمالي المذكور لعدم كونه علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير لان التكليف في الطرف الخارج عن محل الابتلاء ليس فعليا لاخطابا ولا ملاكا اما الخطاب فلانه مشروط بالقدرة ويراد بها هنا المعنى العرفي للقدرة تنزيلا للخطاب على الفهم العرفي. وأما الملاك فلان الكاشف عنه هو الخطاب ومع قصور اطلاقه لا كاشف عنه ويرد عليه: ان القدرة لم تؤخذ بعنوانها في الخطاب لتنزل على المعنى العرفي وانما هي شرط بحكم العقل وكشفه لبا عن التخصيص بملاك استحالة التكليف بغير المقدور وهذا المخصص اللبي لا يخرج سوى موارد العجز الحقيقي لا العرفي، وغاية ما يتوهم كونه ملاكا لالحاق العجز العرفي به في هذا التخصيص اللبي العقلي دعوى لغوية التكليف في موارد الخروج عن محل الابتلاء إذ ما فائدته مع فرض انصراف المكلف بطبعه عن الشئ الذي يراد نهيه عنه، وهي مندفعة: بانه يكفي فائدة للتكليف انه يحقق صارفا

[ 102 ]

ثانيا للمكلف في عرض الصارف الطبيعي يمكن المكلف من التعبد والنقرب على اساسه المسلك الثاني - للسيد الحكيم في المستمسك (1) " قدس سره " حيث انه اعتراف بفعلية التكلف في موارد الخروج عن محل الابتلاء ولكنه تصور مرتبة بعد فعلية التكليف سماها بشغل الذمة وثقل العهدة فهو يرى ان التكليف بالاجتناب عما هو خارج عن محل الابتلاء لا يدخل في الذمة ويشبهه بالتكليف في موارد عدم قيام الحجة عليه وعليه فالعلم الاجمالي ليس علما اجماليا بتكليف تشتغل به ذمة المكلف على كل تقدير فلا يكون منجزا. ويرد عليه: ان شغل الذمة ان اراد به المنجزية التي هي حكم عقلي فهذا غير معقول لان المنجزية معناها حكم العقل باستحقاق العقاب على تقدير المخالفة ومن الواضح انه لا معنى لان يدعى في المقام ان الماء النجس الخارج عن محل الابتلاء لا يستحق المكلف العقاب على تقدير شربه ومخالفته للنهي لان فرض الشرب والمخالفة هو بنفسه فرض الدخول في محل الابتلاء وبذلك يتضح ان تنظير هذا بموارد عدم قيام الحجة على التكليف في غير محله لان مخالفة الواقع الذي لاحجة عليه لا يساوق تمامية الحجة عليه، وأما مخالفة النهي الخارج مورده عن محل الابتلاء فهو يساوق دخوله في محل الابتلاء، وان اراد بشغل الذمة معنى عرفيا اي ان العرف لا يرى كلفة وثقلا على المكلف في موارد الخروج عن محل الابتلاء فكأن التكليف لم يشغل ذمته فهذا المعنى صحيح غير انه لا دخل له في المقام لأن صدق عنوان الثقل والتحميل عرفا لا دخل له بباب الطاعة وقانون منجزية العلم الاجمالي. المسلك الثالث - ما ذهب إليه السيد الاستاذ - دام ظله - من الاعتراف بفعلية التكليف في موارد الخروج عن محل الابتلاء وان العلم الاجمالي في المقام منجز وان كان احد طرفيه خارجا عن محل الابتلاء لانه علم بالتكليف


(1) المستمسك الجزء الاول ص 451 وما بعدها الطبعة الرابعة

[ 103 ]

الفعلي على كل تقدير فلا يجري الاصل المؤمن في الطرف الداخل في محل الابتلاء. ونقتصر في تحقيق حال هذا المسلك على تعليقين مع احالة الباقي الى علم الاصول. أحدهما - مبنائي وهو انا نرى عدم المحذور العقلي في الترخيص في اطراف العلم الاجمالي كلها وانما المحذور عقلائي بمعنى ان العقلاء بحسب ارتكازاتهم النوعية يرون ان ترخيص المولى في كل اطراف العلم الاجمالي مساوق لرفع يده عن التكليف المعلوم رأسا فمع الحفاظ عليه لا يرون شمول دليل الاصول المؤمنة لا طراف العلم الاجمالي معا وعليه نقول انه في موارد خروج احد الطرفين عن محل الابتلاء لا يرى العقلاء الترخيص في كلا الطرفين بمثابة رفع اليد عن التكليف الواقعي والاستخفاف به بل هو في قوة الترخيص في طرف واحد فقط من الناحية العملية فالتنافي الارتكازي غير موجود وتحقيق الاصول الموضوعية للمبنى متروك الى محله ايضا. والتعليق الآخر - انا لو سلمنا ان المحذور في الترخيص في كلا الطرفين عقلي لا عقلائي فقط كما عليه مدرسة الميرزا " قدس سره " نقول ان ملاك التنجيز بلحاظ الموافقة القطعية تساقط الاصول بالمعارضة ولا تساقط في المقام بل الاصل المؤمن يجرى في الطرف المبتلى به بلا معارض لقصور أدلة الاصول المؤمنة عن الشمول للطرف الخارج عن محل الابتلاء حتى ولو كان الشك فيه شبهة بدوية فضلا عن الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي وذلك اما بتقريب يجرى في تمام ادلة الاصول وهو اللغوية العقلائية لجعل الاصول لان النكتة التي صححنا بها جعل الحكم الواقعي في الموارد الخارجة عن محل الابتلاء عند دفع المسلك الاول لا تجري في جانب الترخيص الظاهري الذي لا يطلب منه الا اطلاق العنان والتأمين عند المخالفة واطلاق العنان في مورد يكون المكلف بطبعه مقيد العنان بالنسبة إليه يكون لغوا عرفا واللغوية العرفية صالحة للقرينية على نحو لا يمكن التمسك بالاطلاق. وأما بتقريب يجري في أدلة الاصول المسوقه مساق الامتنان وهو انه لا امتنان

[ 104 ]

(مسألة 3) لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها (1) عرفي في جعل الترخيص في الموارد الخارجة عن محل الابتلاء. وبذلك كله يتحقق ما هو المختار مسلكا رابعا وهو عدم تنجيز العلم الاجمالي في موارد خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء بالملاك الذي أو ضحناه وهو عدم تعارض الاصول في الاطراف نعم إذا كان يعلم بان هذا المورد الخارج سيدخل في محل الابتلاء في المستقبل تشكل علم اجمالي. تدريجي منجز وكذلك إذا كان للطرف الخارج بنفسه عن محل الابتلاء اثر فعلي داخل فيه كما لو كان له ملاق قد دخل في محل الابتلاء. (1) المعروف انه لا يعتبر في حجية البينة حصول الظن الفعلي بصدقها ولا عدم الظن بخلافها، وهذا كلام صحيح ان اريد بالظن المذكور الظن الشخصي فإذا كان الشخص بطيئ الظن لسبب من الاسباب فلم يحصل له ظن على طبق البينة أو مجازفا في ظنه فحصل له الظن بالخلاف لم يضر ذلك بحجية البينة لان السيرة العقلائية انما تعتبر الخبر بلحاظ طريقيته وموصليته الى الواقع وهذه الحيثية مرهونة بكشفه العقلائي وهو محفوظ في المقام لا بكشفه الشخصي، والادلة اللفظية على الحجية مطلقة ايضا ولا موجب لتقييدها سواءا فرضت امضائية أو تأسيسية وقطع النظر عن السيرة. واما اقتران البينة بكاشف نوعي على الخلاف يزاحم كاشفية البينة عند العقلاء على العموم ويوجب قصورها عن افادة الظن لديهم أو حصول الظن على خلافها فالظاهر انه يوجب سقوط البينة عن الحجية لعدم الموجب اثباتا لحجيتها حينئذ اما بلحاظ السيرة فلأن العقلاء انما يبنون على حجية الخبر بلحاظ الكاشفية والموصلية والمفروض زوالها وكونها حكمه لاعلة مرجعه إلى كون الحجية تعبدية وتابعة لصفة نفسية في الخبر وهي كونه لولا المانع كاشفا وهذا على خلاف المرتكزات العقلائية في باب الحجج والطرق، وقد ذهبنا الى ذلك بالنسبة الى حجية خبر الثقة في الشبهات

[ 105 ]

نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها (1) الحكمية ايضا فأنطنا حجيته بعدم الكاشف النوعي المزاحم بالنحو المذكور ومن هنا قلنا بان اعراض المشهور عن الرواية بلحاظ حيثية صدورها إذا لم يكن اعراضا اجتهاديا بميزان من موازين التقديم والترجيح يوجب سقوطها عن الحجية. ومن اجل هذا ايضا قلنا في مسألة رؤية الهلال وثبوته بالبينة ان الروايات الواردة في اسقاط حجية البينة المتفردة بالرؤية (1) ليست تخصيصا لقاعدة حجية البينة بل هي جارية على القاعدة لان التفرد المذكور مع كثرة المستهلين وصفاء الجو يوجب وجود امارة نوعية على الخلاف وهو ما اشير إليه في تلك الروايات بلسان انه إذا رآه واحد رآه مائة، وكما تكون السيرة قاصرة في حالة من هذا القبيل كذلك الادلة اللفظية اما لظهورها في الامضاء الموجب لحملها على نفس النكتة المنعقدة عليها السيرة وبذلك تكون محدودة بحدودها واما لاستظهار كون الحجية المجعولة فيها بملاك الطريقية والكاشفية لا لنكتة نفسية وحيثية سببية والطريقية غير محفوظة في امثال المقام. (1) وقد تقدم الكلام عن فرض تعارض البينتين وحكمه في الجزء الثاني من هذا الشرح فلاحظ (2)


(1) من قبيل معتبرة ابي أيوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال " قلت له: كما يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني وليس رؤية الهلال ان يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته ويقول الاخرون لم نره إذا راه واحد راه مائة وإذا رآه مائة رآه الف... " الوسائل باب 11 من ابواب احكام شهر رمضان حديث 10 (2) البحوث الجزء الثاني ص 117 وما بعدها.

[ 106 ]

(مسألة 4) لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة نعم لو ذكر مستندها وعلم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة (1) (1) بل وكذلك الامر مع عدم ذكر المستند مع العلم بالاختلاف في الشبهات الحكمية للتنجيس أو مع احتمال ذلك لان حجية الشهادة انما هي بمقدار اثباتها للصغرى الحسية وهي ملاقاة النجس وليست حجة في اثبات الكبرى التي هي الحكم الشرعي الكلي لعدم كونها حسية بالنسبة الى البينة وما لم يحرز ان الصغرى التي تثبت بالشهادة هي نفس الصغرى التي نرى انطباق الكبرى عليها لا يكون لها أثر ولا يتوهم التمسك في المقام باصالة عدم خطأ الشاهد أو باصالة الحسية في شهادته عند الشك فان اصالة عدم الخطأ انما تجري بعد العلم بحسية الشهادة حيث ان الخطأ في الحسيات منفي عقلائيا وفي المقام لا نحتمل الخطأ في الحس وانما نحتمل كون المشهود به حسا مما لا اثر له عندنا شرعا، واصالة الحسية انما تجري في مورد يكون في معرض الادراك الحسي في نفسه فتحمل الشهادة به على انها شهادة حسية به وفي المقام الملاقاة مع شئ معين يراه الشاهد نجسا حسية للبينة بلا اشكال وكون ذلك منجسا حدسي لها بلا اشكال ايضا فلا ينفع اصل الحسية في شئ. بل يتضح مما ذكرناه انه لو علم الاختلاف بيننا وبين البينة على نحو الشبهة الموضوعية لا الحكمية بان اطلعنا على انها تبني على نجاسة ملابس الطفل بتخيل اصابة البول لها ونحن نعلم بطهارتها واحتملنا ان شهادتها بنجاسة الاناء مستندة الى ملاقاته لملابس الطفل فلا حجية للشهادة ايضا لنفس النكتة السابقة حيث ان مرجعها الى ان شيئا مما تراه البينة نجسا قد لاقى الاناء وهذا عنوان قابل للانطباق على ملابس الطفل ولا مجال لاصالة

[ 107 ]

(مسألة 5) إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى وإن لم يكن موجبا عندهما أو أحدهما: فلو قالا ان هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة كفى عند من يقول بنجاستهما وإن لم يكن مذهبهما النجاسة (1) (مسألة 6) إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما كفى في ثبوتها وإن لم تثبت الخصوصية كما إذا قال احدهما ان هذا الشئ لاقى البول وقال الآخر انه لاقى الدم فيحكم بنجاسته لكن لا تثبت النجاسة البولية ولا الدمية بل القدر المشترك بينهما عدم الخطأ هنا للعلم بوقوع البينة في خطأ باعتقادها لنجاسة تلك الملابس وانما الشك في ابتناء الشهادة على ذلك الاعتقاد وفي مثل ذلك لا تجري اصالة عدم الخطأ نعم لو لم يعلم بخطأ بعينه واحتمل ان البينة تبني على نجاسة ملابس الطفل خطأ وان ذلك هو مستندها في الشهادة بنجاسة الاناء لم يضر هذا الاحتمال في الحجية لاجراء أصالة عدم الخطأ ولولا ذلك لانسد باب العمل بالشهادة كما لا يخفى. (1) وذلك لان شهادة البينة انما تكون حجة لا في اثبات النجاسة بعنوانها بما هي حكم شرعي ليقال انها لا تشهد في هذا الفرض بالنجاسة بل في اثبات الصغرى وهي ذات الملاقاة وأما حكم الملاقاة فيجب أن يرجع فيه كل من الشاهد والمشهود له الى مبانيه اجتهادا أو تقليدا ويكفي في جعل الحجية كون الخبر قابلا للتنجز بلحاظ من تجعل الحجية عليه ويكفي في ذلك ان يكون المشهود به ذا أثر الزامي بالنسبة إليه فلا موجب للتشكيك في حجية البينة في الفرض المذكور.

[ 108 ]

لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الآخر بان اتفقا على اصل النجاسة واما إذا نفاه كما إذا قال احدهما انه لاقى البول وقال الآخر لا بل لاقى الدم ففي الحكم بالنجاسة اشكال (1) (1) فصل السيد الماتن - قدس سره - في صورة اختلاف مستند الشاهدين بالنجاسة بين فرضي التكاذب وعدمه ففي فرض عدم التكاذب ذهب الى ثبوت اصل النجاسة وان لم تثبت الخصوصية وفي فرض التكاذب استشكل في ثبوت اصل النجاسة. وقد علق السيد الاستاذ - دام ظله - على ذلك بما يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط (1): الأولى: ان من شروط حجية البينة ان تتعلق بواقعة واحدة وإلا لم يصدق عنوان البينة ومع اختلاف المستند تتعدد الواقعة لا محالة نعم بينهما امر مشترك غير انه جامع انتزاعي ومدلول التزامي أو تحليلي والمحقق في محله ان حجية مثل هذا المدلول تابعة لحجية الدلالة المطابقية وساقطة بسقوطها. الثانية: ان التفصيل بين فرضي التكاذب وعدمه لا وجه له لانه ان بني على عدم استقلال الدلالة الالتزامية في الحجية تعين المصير الى عدم الحجية حتى في فرض عدم التعارض كما تقدم وان بني على استقلالها امكن الالتزام بحجية البينة بلحاظ المدلول الالتزامي المشترك حتى مع فرض التعارض لأن التعارض انما هو بالنسبة الى الخصوصية لا إلى ذلك المدلول المشترك. الثالثة: ان الاختلاف في الخصوصية انما يضر بالحجية فيما إذا كان


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 214 وما بعدها.

[ 109 ]

اختلافا فيما له دخل في موضوع الحكم الشرعي بان شهد هذا بقطرة بول وذاك بقطرة دم لافيما إذا كان في خصوصيات لادخل لها في الحكم كما إذا شهد هذا بقطرة دم اسود وذاك بقطرة دم احمر لأن اللون لا دخل له فلا تعارض بينهما بلحاظ ما هو موضوع الاثر. وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقتضي عفد مقامين نتكلم في احدهما بناءا على انحصار الحجية بالبينة وفي الآخر بناءا على حجية خبر الواحد في الموضوعات ايضا. أما المقام الاول - فيقع الكلام فيه في جهتين. الاولى: فيما إذا اختلف المستند من دون افتراض التعارض والاخرى: في ان افتراض التعارض هل يغير من الحكم شيئا أو لا. اما الجهة الاولى - فقد عرفت ذهاب الماتن إلى حجية البينة وأن السيد الاستاذ استشكل في ذلك كما مر في النقطة الاولى من كلامه (1) ومثله جملة من الفقهاء بدعوى عدم وحدة الواقعة المشهود بها. والتحقيق: ان الأخبار له عدة مراكز - منها 1 الاثر الشرعي الملحوظ المراد اثباته كالنجاسة أو الملكية، ومنها 2 موضوع الاثر كالهبة أو الصلح بلا عوض اللذين هما موضوعات لتملك الآخر للمال مجانا، ومنها 3 الواقعة الحسية التي أحس بها الشاهد وعلى اساسها يشهد كعقد الهبة الخاص الذي وقع في مشهد من السامع في زمان مخصوص ومكان مخصوص. فالكلام يقع في ان البينه بعد الفراغ عن لزوم ان تنصب الشهادتان فيها على مصب 1 - يعتبر فيها وحدة المركز بلحاظ الواقعة الحسية فلو شهدا معا بعقد البيع ولكن احدهما شهد بوقوع البيع في المسجد والآخر شهد بوقوع


(1) مر في ص 108.

[ 110 ]

البيع في البيت لم تتحقق البينة لتعدد الواقعة الحسية بل وكذلك لو شهدا على وجه الاهمال لأن احتمال التعدد يكفى لعدم احراز كون البينة حجة 2 - أو يعتبر وحدة المركز بلحاظ ما هو موضوع الحكم الشرعي ففي المثال السابق تقبل البينة لأن ما هو موضوع الحكم ذات البيع والشهادتان متفقتان عليه، نعم لو شهد احدهما بالهبة والآخر بالصلح بلا عوض لم تتم البينة لان كلا منهما موضوع مستقل. 3 - أو يعتبر وحدة المركز بلحاظ نفس الاثر الشرعي الملحوظ ففي المثال المشار إليه أخيرا تتم البينة لأن الهبة والصلح بلا عوض لهما أثر شرعي واحد وهو التملك المجاني مثلا، نعم لو شهد احدهما بالهبة والآخر بالبيع لم تتم البينة لأن اثر احدهما التملك المجاني واثر الآخر التملك بعوض وهما متغايران وان كان بينهما جامع انتزاعي أو تحليلي وهو أصل الملكية. 4 - أو يعتبر وحدة المشهود به بلحاظ العنوان المأخوذ في كلام الشاهد فلو شهدا معا بان هذا المال ملك لزيد قبل ولو كان احدهما يرى ان هذا التملك بسبب البيع والآخر يراه بسبب الهبة ماداما متطابقين في العنوان المأخوذ في مقام الشهادة. وكلمات الفقهاء لا تخلو من تهافت كما يظهر من ملاحظة الفروع التي تعرضوا لها، ففي فرض شهادة احد الشاهدين على شخص بانه أقر بالعربية وشهادة الآخر بانه أقر بالفارسية مع وحدة المقر به يظهر منهم قبول البينة وهذا يناسب الاكتفاء بوحدة المصب بلحاظ ما وراء الواقعة الحسية من الأثر الشرعي ونحوه وان تعددت الواقعة الحسية المشهود بها، وفي فرض شهادة احدهما بان المال غصب منه في المسجد وشهادة الآخر بانه غصب منه في البيت يظهر منهم عدم قبول البينة وهذا يناسب اشتراط وحدة المصب بلحاظ الواقعة الحسية وعدم الاكتفاء بوحدته بلحاظ الأثر الشرعي

[ 111 ]

وموضوعه وإلا لزم الاكتفاء في هذا المثال، وقد حاول بعض المحققين كالنراقي " قدس سره " في مستنده (1) ان يضبط الفروع المختلفة بضابط كلي حاصله انه يكتفى بوحدة المصب ولو بلحاظ اللازم على ان يكون للازم المشترك وجود مستقل مشخص كما في مثل الاقرار فلا يكفي ان يكون لكل من الأمرين لازم واللازمان متغايران وجودا ولكنهما مشتركان في جزء تحليلي. وبعبارة اخرى: ان الاشتراك في جزء تحليلي لا يكفي على مستوى المدلول المطابقي فضلا عن الالتزامي والاشتراك في وجود مشخص كاف سواءا كان مدلولا مطابقيا أو التزاميا. ولكن هذا الضابط لا يفسر كل مواقفهم لانه يقتضي في مثال الغصب قبول البينة. كما ان اشتراط وحدة المصب بلحاظ الواقعة الحسية كأنه لا يتناسب مع الفتاوى والنصوص عموما إذ يلزم من ذلك عدم قبول البينة في جل الموارد عمليا لتطرق احتمال اختلاف الواقعة الحسية المشهود بها والاحتياج الى سؤال كل من الشاهدين عن الزمان والمكان والخصوصيات من اجل احراز وحدة الواقعة مع ان بناء النصوص والفتاوى ليس على ذلك جزما وأما الا كتفاء بوحدة العنوان المشهود به فقد يراد 1 به الاكتفاء بذلك حتى مع العلم من الخارج بتعدد الواقعة المقصودة للشاهدين بحيث يكون الميزان التطابق بلحاظ المقدار المصرح به في الشهادة. بدعوى: ان الطبيعي الواقع محلا لشهادتهما معا واحد وهو مدلول مطابقي لكل من الشهادتين لا التزامي أو تحليلي فيثبت. بخلاف ما إذا اختلف الشاهدان في الخصوصيات في مقام اداء الشهادة فان الطبيعي حينئذ مدلول ضمني أو تحليلي للبينة وليس مدلولا مطابقيا. غير ان هذا يرد عليه: انه في فرض تعدد الواقعة


(1) مستند الشيعة المجلد الثاني - كتاب القضاء والشهادات ص 681

[ 112 ]

لا فرق من حيث الكاشفية والطريقية بين أن يكون العنوان المأخوذ في مقام الشهادة واحدا أو لا فاما ان نقول بالحجية فيهما معا فيرجع الى القول بكفاية وحدة المصب بلحاظ الحكم الشرعي، وإما ان نقول بعدم الحجية فيهما معا فيرجع الى القول باشتراط وحدة الواقعة الحسية، وإما ان نقول بالحجية فيما إذا كان العنوان واحدا وبعدمها فيما إذا لم يكن واحدا مع العلم من الخارج بتعدد الواقعة في كلتا الصورتين فهذا خلاف الفهم العرفي في باب الحجج والإمارات القاضي بان اعتبارها بلحاظ كاشفيتها وطريقيتها ودعوى: انه إذا كان العنوان المشهود به واحدا فالطبيعي مدلول مطابقي للبينة ومجرد العلم من الخارج بتعدد الواقعة لا يخرج الطبيعي عن كونه مدلولا مطابقيا في عالم الشهادة. مدفوعة: بان الشهادة انما تكون حجة بحسب المرتكز العرفي للطريقية باعتبارها كاشفة عن اعتقاد الشاهد ولهذا لو فرض اننا احرزنا الاعتقاد الحسي للشاهد من دون ان يخبر لكان حجة بلا اشكال وفي مرحلة اعتقاد الشاهد لا يكون الطبيعي مدلولا مطابقيا بل تضمنيا في حالة تعدد الواقعة على اي حال سواءا تغاير العنوان المصرح به في مقام الشهادة أو لا. ومن هنا يظهر الوجه في المصير الى انعقاد البينة مع وجود مشترك بين الشهادتين ولو ضمنا أو تحليلا لأن اناطة انعقادها على شئ بكونه مدلولا مطابقيا للشهادة في مرحلة الكلام خلف كون الكلام ملحوظا بما هو طريق الى اعتقاد الشاهد وان تمام الموضوع للحجية هو اعتقاد الشاهد المكتشف بحكايته عنه بكلامه واناطة انعقادها على شئ بكونه مدلولا مطابقيا للشهادة في مرحلة اعتقاد الشاهد بحيث يكون المعتقد به للشاهدين معا شيئا واحدا فهذا معناه اشتراط وحدة الواقعة الحسية وقد عرفت عدم

[ 113 ]

ملائمة للنصوص والفتاوى فلابد من المصير إذن إلى كفاية كون الشئ مدلولا تحليليا للبينة في انعقادها بالنسبة إليه وبذلك يتجه ما افيد في المتن من ثبوت النجاسة مع اختلاف الواقعة الحسية المشهود بها في كلام الشاهدين لأن النجاسة مدلول تحليلي مشترك، وقد يقال ان المرتكز عرفا ان اشتراط التعدد في البينة انما هو من اجل تأكيد الطريقية والكاشفية ومع تعدد الواقعة الحسية لا يكون للتعدد اثر في تأكيد الطريقية فمثل هذا التعدد تنصرف عنه ادلة حجية البينة المنزلة على المرتكز العرفي والجواب على ذلك: ان التعدد يؤثر بحساب الاحتمال في تقوية احتمال المدلول المشترك حتى مع افتراض تعدد الواقعة الحسية لوضوح ان احتمال الخطأ أو الكذب بالنسبة الى المدلول المشترك يكون اضعف مما لو لم تتوفر الا شهادة واحدة عليه. ومحصل الكلام ان عدم شمول دليل حجية البينة للبينة بلحاظ مدلول تحليلي مشترك إن كان من اجل عدم صدق عنوان البينة، فيرد عليه ان البينة ليست الا شهادة شخصين بشئ فلو فرض اشتراك الشهادتين في اثبات شئ لو تحليلا وضمنا أو التزاما فقد تمت البينة عليه، وان كان من اجل ان البينة متقومة بالتعدد المؤثر في تقوية الكاشفية وتعدد الشهادة مع تغاير الواقعة لا يؤثر في ذلك فيرد عليه ما تقدم من انه يؤثر في تقوية الكاشفية في الجملة وان كانت التقوية مع وحدة الواقعة اكبر ومن اجل ذلك كان التواتر اللفطي اقوى من المعنوي والمعنوي اقوى من الاجمالي، وان كان من أجل ان المدلول التحليلي والضمني والالتزامي لا تتكون الامارة حجة فيه الا بتبع حجيتها في المدلول المطابقي ومع تعدد الواقعة لا تكون كل من الشهادتين حجة في المدلول المطابقي فلا حجية بالنسبة الى المدلول الضمني ايضا، فيرد عليه أولا ان تبعية الدلالة الالتزامية والضمنية للمطابقية

[ 114 ]

في الحجية ليست مدلولا لدليل بهذا العنوان وانما هي بنكتة فلابد من ملاحظة ان تلك النكتة تنطبق على محل الكلام أو لا، وثانيا انه لو سلم انها مدلول دليل بهذا العنوان لم يكن هذا الدليل منطبقا على محل الكلام ايضا، اما الأول فحاصله ان نكتة تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية ان المدلول الالتزامي هو الحصة الخاصة الملازمة للمدلول المطابقي فما يكون معارضا للمدلول المطابقي ومسقطا للدلالة المطابقية عن الحجية يكون معارضا لا محالة للمدلول الالتزامي ومسقطا للدلالة الالتزامية عن الحجية أو بتعبير آخر انه إذ فرض خطأ المخبر في المدلول المطابقي فلا يلزم من فرض بطلان المدلول الالتزامي خطأ آخر لينفي باصالة عدم الخطأ الزائد كذبا أو اشتباها وهذا البيان بكلا تقريبيه انما يتعقل فيما إذا سقطت الدلالة المطابقة عن الحجية من اجل وجود حجة معارضة أو للعلم ببطلان المدلول المطابقي لا فيما إذا كان عدم ثبوت المدلول المطابقي لقصور في نفس دليل الحجية عن اثباته وشموله كما في المقام حيث ان موضوع دليل الحجية عنوان البينة وما اخبر به الشاهدان وكل من المدلولين المطابقيين في الفرض لم يخبر به الشاهدان فعدم ثبوته لعدم صدق عنوان الحجة وهو البينة على كل من الدلالتين المطابقيتين وفي مثل ذلك لا يبقى محذور في تطبيق دليل الحجية على المدلول الالتزامي إذا صدق عنوان الحجة عليه بسبب كونه محكيا بكلتا الشهادتين ولو التزاما. وأما الثاني فلان المدلول المطابقي للبينة بما هي بينة ليس الا المدلول التحليلي المشترك فهو انما يكون ضمنيا بلحاظ كل خبر بخصوصه مع ان الحجة ليس الا اجتماع الخبرين وهما لم يجتمعا إلا عليه فهو تمام المدلول للبينة بما هي بينة. ومع كل هذا يمكن أن يقال: بان المستفاد عرفا من دليل حجية البينة

[ 115 ]

اشتراط وجدة الواقعة الحسية على الرغم من ان الجمود على اطلاقه قد يقتضي ما هو اوسع من ذلك والنكتة في فهم الاشتراط المذكور من الدليل ان المنسبق عرفا منه ان التعدد المقوم للبينة انما يلحظ بالنسبة إلى ما تكون الشهادة حجة فيه بالذات بمعنى ان مصب التعدد هو نفس مصب الحجية بالذات ومصب حجية الشهادة بالذات انما هو الواقعة الحسية نفسها فالشهادة بنجاسة الثوب انما تكون حجة بما هي اخبار عن واقعة حسية وهي ملاقاة الدم للثوب لا بما هي اخبار عن الحكم الشرعي بالنجاسة كما تقدم في المسألة الرابعة (1) فإذا دل الدليل على اناطة حجية الشهادة بالتعدد فهم منه عرفا اعتبار تعدد الشهادة بلحاظ نفس مصب الحجية بالذات اي الواقعة الحسية وان شئت قلت ان البينة ليست مجرد اخبار شخصين بشئ حتى يقال بشموله لأخبار شخصين عن مدلول التزامي مشترك مع اختلاف الواقعة الحسية بل هي شهادة شخصين بشئ والشهادة انما تصدق بالنسبة الى الواقعة الحسية لأنها هي المشهودة دون لوازمها فمتى ما حصلت شهادتان بواقعة حسية واحدة صدقت البينة وثبتت تلك الواقعة بكل ما يرى المشهود لديه لها من لوازم، وأما إذا اخبر احد الشخصين بنجاسة الثوب بالدم واخبر الآخر بنجاسته بالبول فلم تجتمع شهادتان على شئ واحد وان تحقق اخباران بشئ واحد لأن النجاسة وان اخبر بها الاثنان ولكنها ليست هي الواقعة المشهودة فلا يسمى الأخبار بها شهادة بما هو أخبار بها والملاقاة للبول والملاقاة للدم واقعتان حسيتان لم يتعلق بكل منهما الا شهادة واحدة وعلى هذا الاساس فلا اطلاق في دليل حجية البينة لموارد اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسية غير انا لا نضايق في امكان الالتزام باصالة وحدة الواقعة


(1) مرت في ص 106

[ 116 ]

الحسية بمعنى البناء عقلائيا أو شرعيا على ان الواقعة الحسية المنظورة للشاهدين واحدة ما لم تقم قرينة في نفس الشهادتين على التغير أو تحصل تهمة معينة تستدعي الاستنطاق وهذا البناء على وحدة الواقعة الحسية اما ان يلتزم به مطلقا كلما احتمل ذلك وامكن افتراض انطباق الشهادتين على مصداق واحد أو يلتزم به في خصوص الحالات التي يعلم فيها من الخارج عادة بانه على تقدير صدق الشاهدين معا فالواقعة واحدة كما في الامور التي لا يحتمل تكررها عقلا أو عادة كما لو شهد اثنان بوفاة انسان أو ببيع الدار من زيد والفرق بين هذين التقديرين يظهر في مثل اخبار الشاهدين بالنجاسة مع السكوت عن ذكر السبب واحتمال اختلافهما لو طلب منهما ذكر السبب فانه على الاول يؤخذ بهذه البينة وعلى الثاني لا يؤخذ بها لأن الملاقاة واقعة قابلة للتكرر والتنوع خارجا فليس صدق الشاهدين مساوقا لوحدة الواقعة حينئذ وعلى اي حال فلا تكون البينة تامة عند اختلاف الشاهدين في السبب لثبوت تعدد الواقعة الحسية هذا كله في الجهة الاولى اي في حكم اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسية مع عدم التعارض بينهما. وأما الجهة الثانية - وهي في تحقيق حال التعارض بين الشاهدين فقد فصل السيد الماتن " قدس سره " بين فرضي التعارض وعدمه فالتزم بحجية البينة في فرض عدم التعارض لو مع الاختلاف في الواقعة وبعدم حجيتها مع التعارض، واعترض عليه السيد الاستاذ - دام ظله - بما تقدمت الاشارة إليه (1) من ان مبنى الحجية ثبوتا ونفيا استقلال الدلالة الالتزامية في الحجية وتبعيتها فعلى الاول يقال بالحجية حتى مع فرض التعارض إذ لا تعارض بلحاظ المدلول الالتزامي وعلى الثاني لا يقال بالحجية حتى مع عدم التعارض فالتفصيل لاوجه له.


(1) تقدم في ص 108

[ 117 ]

ويرد عليه اولا أن تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في السقوط عن الحجية ليست هي مبنى عدم الحجية في موارد اختلاف الشاهدين في السبب لما اوضحناه في الجهة السابقة من ان هذه التبعية لا يراد بها انه متى لا تجعل الحجية للدلالة المطابقية لا تجعل للدلالة الالتزامية ايضا بل يراد بها انه متى ما سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية للعلم ببطلان المدلول المطابقي أو لوجود حجة معارضة نافية للمدلول المطابقي سقطت ايضا الدلالة الالتزامية لأن مفادها مثلا الحصة الخاصة الملازمة للمدلول المطابقي فتسري إليها نفس نكتة السقوط وهذا لا ينطبق على محل الكلام فان الكلام فان نكتة عدم حجية الدلالة المطابقية هنا لا تسري الى الدلالة الالتزامية وهذه النكتة هي عدم تعدد الاخبار بالنسبة الى المدلول المطابقي فقد يقال بحجية الدلالة الالتزامية حينئذ لان المدلول الالتزامي قد اجتمع عليه اخباران فالقول بتبعية الدلالة الالتزامية لا يستلزم القول بعدم حجية البينة في موارد اختلاف السبب مطلقا. وثانيا: ان القول بعدم تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية لا يكفى مبنى لحجية البينة في موارد اختلاف الشاهدين في السبب لما تقدم في الجهة السابقة من امكان استظهار ان التعدد المعتبر في البينة بمعنى ورود الشهادتين على شئ واحد بما هما شهادتان وكل من الاخبارين إذا لوحظ بما هو شهادة فلا ينسب الا الى الواقعة الحسية التي يخبر عنها ولا تعدد في الاخبار عنها. وثالثا: انه إذا قيل بحجية البينة في موارد اختلاف الشاهدين في السبب مع عدم التعارض لوجه من الوجوه فلا يلزم من ذلك القول بحجيتها في موارد اختلاف الشاهدين مع التعارض لامكان التفصيل بين فرضي التعارض وعدمه وذلك بان يقال ان اشتراط التعدد في البينة ليس تعبديا صرفا بل

[ 118 ]

هو بنكتة كونه مؤثرا في قوة احتمال المطابقة للواقع والكشف عنه لأن لأن هذا هو الملاك النوعي العام في باب الطرق والامارات عموما القاضي بأن حجيتها باعتبار الطريقية وعلى هذا الاساس يكون المستفاد من دليل حجية البينة المستبطنة للتعدد ان اجتماع الشهادتين يكون حجة فيما إذا كان تعدد الشهادة سببا في قوة احتمال المطابقة للواقع فإذا شهد شاهد بالنجاسة من اجل الدم وآخر بالنجاسة من اجل البول ولم ينف كل منهما ما حكاه الآخر فالتعدد هنا بلحاظ الأخبار باصل النجاسة حاصل ولا شك انه يوجب تقوى احتمال النجاسة في نفسه فقد يفترض من اجل ذلك شمول دليل حجية البينة لهذا، واما إذا تعارض هذان الشاهدان فلن يكون للتعدد الحاصل من ضم شهادة احدهما الى الآخر تأثير في قوة احتمال النجاسة لأن كلا من الشهادتين بمقدار ما تقرب النجاسة من ناحية المستند الذي تشهد به تبعدها بنفيها لمستند الشهادة الأخرى وما دام التبعيد مكافئا للتقريب فيكون هذا التعدد يحكم العدم فلا يشمله اطلاق دليل حجية البينة المستبطنة للتعدد بملاك زيادة الكشف إذ لا زيادة في الكشف بهذا التعدد بخلافه في فرض عدم التعارض مع اختلاف المستند. ورابعا ان بالامكان توجيه التفصيل المذكور بين فرضي التعارض وعدمه بوجه آخر على القول بتبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في السقوط عند التعارض وحاصله انا لو تنزلنا عن التقريب السابق للتفصيل وافترضنا ان التعدد المأخوذ في البينة من باب التعبد الصرف فمع هذا نقول ان دليل حجية البينة ليس دليلا تأسيسيا يثبت الحجية للبينة ابتداء وانما هو روحا ولبا، تخصيص في ادلة حجية خبر الثقة العامة للشبهات الحكمية والموضوعية حيث يخصصها في خصوص الشبهات الموضوعية باشتراط التعدد فهو بالنسبة الى دليل حجية خبر الثقة على وزان أدلة الشرطية، ومن

[ 119 ]

الواضح ان ادلة الشرطية لا تشمل إلا ما يشمله دليل المشروط لأنها ناظرة إليه ومحددة لموضوعه فلو قيل مثلا لاصلاة إلا بطهور لا يراد بذلك تأسيس صلاة جديدة تصح مع الطهارة وبدون استقبال مثلا بل ينظر الى نفس الموضوع المشمول لدليل الصلاة ويثبت فيه شرطا جديد وعلى هذا الاساس نقول بانه لو لم يكن تعارض بين الشهادتين في المستند فهما مشمولتان في نفسيهما لدليل حجية خبر الثقة فيشملهما دليل الشرطية وهو دليل حجية البينة ايضا واما إذا كانت الشهادتان متعارضتين في ذاتيهما فهما لا تكونان مشمولتين لدليل حجية خبر الثقة في نفسيهما باعتبار التعارض وسريان التعارض الى المدلول الالتزامي بحسب الفرض فلا يشملما دليل الشرطية ايضا لانه انما يثبت نفس الحكم المشروط في المورد الذي يشمله دليل المشروط لكنه يثبته مع الاشتراط لا انه يثبت الحكم لموضوع لم يكن مشمولا في نفسه لدليل المشروط فان قيل إذا بنى على تبعية الدلالة الالتزامية فلا تكون البينة حجة عند الاختلاف في السبب مطلقا وإذا بني على عدم التبعية فحتى مع التعارض يكون كل من الخبرين مشمولا في نفسه بلحاظ المدلول الالتزامي لدليل حجية الخبر فلا مانع من اطلاق دليل حجية البينة له فلا يتم التفصيل، كان الجواب ما عرفت من ان تبعية الدلالة الالتزامية بمعنى سراية التعارض إليها من الدلالة المطابقية لا يستدعي عدم حجية البينة في موارد الاختلاف في السبب مطلقا لان عدم حجية الدلالة المطابقية في هذه الموارد ليس من اجل التعارض ليسري الى الدلالة الالتزامية. ثم ان هذا التعارض الذي فرضناه في هذه الجهة حتى الآن قصدنا به التعارض على نحو تكون الواقعة الخارجية متعددة ويثبت كل من الشاهدين

[ 120 ]

واقعة وينفي الواقعة الاخرى، وأما إذا كانت الواقعة المشهودة للشاهدين واحدة وقد تعارضا فيها بان ادعيا معا انهما رأيا قطرة دم تقع في الاناء غير ان احدهما قال بانها جاءت من هذه الجهة والآخر قال بانها جاءت من تلك الجهة أو ادعيا معا ان شيئا وقع في الماء غير ان احدهما قال انه دم والآخر قال انه قطعة ميتة فتحقيق الكلام في ذلك ان المقدار الذي اتفق عليه كلا الشاهدين تارة يفرض انه قابل للادراك الحسي بشكل منفصل مستقل عن ادراك الخصوصيات المختلف فيها كما في المثال الأول واخرى يفرض انه غير قابل لذلك كما في المثال الثاني ففي الفرض الاول يلتزم بحجية البينة ولا يضر وقوع التعارض لأن ادراك الواقعة الحسية المتفق عليها لا تكاذب فيه وانما التكاذب في الاحساس الزائد، وفي الفرض الثاني يلتزم بعدم الحجية إذ لا يوجد ادراك حسي متفق عليه والجامع بين البول والميتة ليس ادراكه واقعة حسية مستقلة بل هو اما في ضمن ادراك البول أو في ضمن ادراك المبته وكل منهما مورد للتخطئة بين الشاهدين، وبذلك يتضح ان الميزان في الحجية وجود واقعة حسية واحدة متفق عليها بين الشاهدين لا كون الاختلاف في خصوصية غير دخيلة في موضوع الحكم كما مر نقله عن السيد الاستاذ - دام ظله - في النقطة الثالثة (1) ففصل بين ان يقول احدهما انها قطرة بول والآخر يقول انها قطرة دم وبين ان يقول احدهما انها دم احمر والآخر يقول انها دم اسود فيقال بالحجية في الثاني دون الاول فان مجرد كون الخصوصية المختلف فيها غير دخيلة في موضوع الحكم الشرعي لا يكفي في حجية البينة إذا كان ادراكها الحسي بنفس ادراك ما هو موضوع الحكم الشرعي بحيث تكون التخطئة في ادراك


(1) مر في ص 108

[ 121 ]

الخصوصية مساوية للتخطئة في ادراك موضوع الحكم إذ في هذه الحالة ينفي كل من الشاهدين ادراك الآخر لموضوع الحكم وان كان لا ينفي موضوع الحكم نفسه وبذلك تكون طريقية كل من الشهادتين مبتلاة بالمزاحم ولا يكون ضم احداهما الى الاخرى موجبا لتقوى الطريقية ومثل ذلك لا يشمله اطلاق دليل حجية البينة كما عرفت سابقا. هذا كله بناء على انحصار الحجية بالبينة. وأما المقام الثاني - وهو الكلام على تقدير القول بحجية خبر الواحد الثقة فلا اشكال في الحجية مع فرض عدم التعارض. وأما مع فرض التعارض فقد يقال: بان المسألة مبنية على مسألة تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية فان قلنا بالتبعية لم يثبت شئ في المقام وإلا كانت كل من الشهادتين حجة في اثبات المدلول الالتزامي، فإذا قال احدهما ان البول لاقى هذا الماء لا الدم وقال الآخر عكس ذلك ثبتت النجاسة باعتبارها مدلولا التزاميا لخبر الثفة ولكن الصحيح عدم امكان اثبات المدلول الالتزامي في المقام حتى بناء على القول بعدم التبعية وتوضيحه ان المدلول التزامي للشاهد بملاقاة البول مثلا اما ان يكون هو الحصة الخاصة من النجاسة الناشئة من البول كما يدعي القائل بالتبعية واما أن يكون هو جامع النجاسة، فعلى الاول يكون المعارض للمدلول المطابقي معارضا للمدلول الالتزامي لا محالة، وعلى الثاني يكون المجموع من نفي الأول للدم ونفي الثاني للبول معارضا للمدلول الالتزامي لأن الجامع انما يوجد بسبب أحد هذين الأمرين فحجية كل من الخبرين في مدلوله الالتزامي يقابلها حجية مجموع الخبرين في اثبات مجموع النفيين وإذ لا مرجح تسقط جميع تلك الدلالات عن الحجية فالصحيح في المقام ان

[ 122 ]

(مسألة 7) الشهادة بالاجمال كافية ايضا كما إذا قالا احد هذين نجس فيجب الاجتناب عنهما (1) يفصل نظير ما سبق فيقال ان كان ادراك مايستتبع الاثر الشرعي ويستلزمه عين الادراك الذي وقع موقع التكذيب من قبل الشاهد الآخر فيسقط عن الحجية وإن كانا ادراكين على نحو لو تخلفا معا عن الواقع لكانا خطأين أو كذبين لاخطأ واحدا أو كذبا واحدا فلا مانع من شمول دليل الحجية للخبر بلحاظ الادراك الاول واثبات صحته سواء كان المدرك بهذا الادراك بنفسه موضوعا للحكم الشرعي أو مستلزما له بوجه من الوجوه. (1) وهذا فيما إذا احرز انهما معا يشيران بهذا العنوان الاجمالي الى واقع واحد لا اشكال فيه لشمول دليل حجية البينة حينئذ، واما إذا لم يحرز ذلك بان احتمل تعدد الاناء المشار إليه بالعنوان الاجمالي لكل منهما فان اكتفى في صدق البينة بوحدة العنوان المشهود به في مقام اداء الشهادة فلا يضر الاحتمال المذكور في الحجية لوجود الوحدة المذكورة وان اعتبرت وحدة الواقعة الحسية وبني على اصالة وحدة الواقعة في موارد احتمال الاختلاف فقد يقال بان المتيقن من هذا الاصل غير ما يحتمل فيه تغاير المحل رأسا أو ما يكون احتمال التعدد فيه ناشئا من خصوصيات كلام الشاهدين. ثم انه متى ما قيل بتحقق البينة القائمة على نجاسة العنوان الاجمالي وحجيتها كانت منجزة لأحتمال النجاسة في الطرفين بقوانين العلم الاجمالي إذ لا فرق في التنجيز بين العلم الاجمالي الوجداني والحجة الاجمالية ولكن قد يقال في مثل المقام بان هذه الامارة القائمة على النجاسة بمقدار الجامع لا يمكن أن تكون حاكمة على اصل الطهارة في كل من الطرفين بعنوانه إذ

[ 123 ]

وأما لو شهد احدهما بالاجمال والآخر بالتعيين كما إذا قال احدهما احد هذين نجس وقال الآخر هذا معينا نجس ففي المسألة وجوه وجوب الاجتناب عنهما ووجوبه عن المعين فقط وعدم الوجوب اصلا (1) انها انما تكون علما بالتعبد بمقدار موردها وهو الجامع فكل من الطرفين بخصوصه ليس معلوم النجاسة ولو تعبدا فيكون مشمولا لدليل قاعدة الطهارة وبهذا تحصل المعارضة بين اطلاق دليل قاعدة الطهارة للطرفين معا واطلاق دليل الحجية للبينة القائمة على العنوان الاجمالي ولا يتوهم ان حال الطرفين في المقام حال طرفي العلم الاجمالي الوجداني بالنجاسة وذلك لأن الاصول المؤمنة لا يمكنها ان تعارض مع قانون تنجيز العلم الاجمالي الوجداني لكونه عقليا ولا ان تزيل نفس العلم الوجداني لكونه تكوينيا، وهذا بخلافه في المقام فان حجية البينة بنفسها حكم شرعي ظاهري كقاعدة الطهارة وبعد فرض عدم حكومة احد دليلهما على الآخر يتعارضان، وهذه الشبهة انما ترد لو قيل بان مدرك تقديم دليل حجية البينة أو الخبر على دليل القاعدة هو الحكومة فقط واما لو قيل بالاخصية عرفا فمن الواضح ان اطلاق الأخص مقدم على اطلاق الاعم دائما. (1) اما وجوب الاجتناب عن المعين فقط فبدعوى ان المعين قامت البينة على وجوب الاجتناب عنه فان احد الشاهدين شهد بنجاسته والآخر شهد بنجاسة احدهما وهذا يستتبع وجوب الاجتناب عنهما معا فوجوب الاجتناب عن المعين متفق عليه بين الشاهدين بخلاف الآخر، ويرد عليه ان وجوب الاجتناب الواقعي عن المعين لا تستدعيه شهادة الشاهد بالاجمال

[ 124 ]

اصلا ووجوب الاجتناب العقلي بملاك المنجزية عنه فرع تمامية البينة وقيامها على الوجوب الواقعي فلا يمكن أن يكون مدلولا لها ومحكيا بها. وأما وجوب الاجتناب عنهما معا فلأن الجامع مشهود به لأحدهما استقلالا وللآخر ضمنا فتثبت النجاسة بمقدار الجامع فيجب الاجتناب عن كلا الطرفين بمقتضى قوانين العلم الاجمالي وقد اعترض عليه السيد الاستاذ دام ظله بان الشاهد بالتفصيل شهادته على الجامع ضمنية تحليلية و هي لا تكون معتبرة بعد سقوط اعتبارها في المدلول المطابقي ومنه يتضح وجه القول بعدم وجوب الاجتناب عنهما معا. غير ان الصحيح هو التفصيل في المقام ذلك لأن الشاهدين ان كانا متفقين على واقعة حسية واحدة بان ادعيا معا انهما ابصرا قطرة دم واحدة بعينها غير ان احدهما يخبر بانها وقعت في المعين والآخر لم يستطع ان يميز موضع وقوعها من الانائين فالظاهر حجية هذه البينة في اثبات تلك الواقعة الحسية وبهذا يثبت لدينا وقوع قطرة دم في احد الانائين ولا يثبت وقوعها في المعين خاصة لعدم قيام البينة على ذلك بناء على اختصاص الحجية بالبينة كما هو مفروض المسألة فيجب الاجتناب عن كلا الانائين، ودعوى ان النجاسة بمقدار الجامع مدلول تحليلي لا استقلالي للشاهد بالتفصيل فلا تثبت بشهادته مدفوعة بان الميزان في الاستقلالية والتحليلية ليس هو عالم التعبير واللفظ بل عالم الشهادة والاحساس فإذا فرضنا الاستقلالية بلحاظ عالم الشهود كفى ذلك وان كان لفظ الشاهد دالا عليه بالتضمن والتحليل والمفروض في المقام ان الشاهد بالتفصيل يعبر بشهادته عن واقعتين حسيتين اتجاه القطرة نحو الانائين ووقوعها في هذا المعين وان الآخر يشهد باحدهما دون الاخرى فيثبت ما اتفقا عليه من واقعة، واما إذا لم يكن الامر كذلك

[ 125 ]

(مسألة 8) لو شهد احدهما بنجاسة الشئ فعلا والاخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلا فالظاهر وجوب الاجتناب وكذا إذا شهدا معا بالنجاسة السابقة لجريان الاستصحاب (1) بان كانت الواقعة مختلفة أو احتمل اختلافها فلا يجب الاجتناب عن شئ منهما ولا تجري مع احتمال الاختلاف اصالة وحدة الواقعة لان المتيقن من موردها ما إذا احرز كون المحل واحدا ولم يكن في نفس كلام الشاهدين ما يوجب احتمال التعدد. هذا كله بناءا على انحصار الحجية بالبينة واما لو قيل بحجية خبر الواحد ابضا فلا اشكال في ثبوت نجاسة المعين لشهادة احدهما بذلك تعيينا واما الآخر فلا يجب الاجتناب عنه إلا إذا شكلت الشهادة الاجمالية الاخرى علما اجماليا تعبديا غير منحل حكما بلحاظ تلك الشهادة التفصيلية قواعد الانحلال في باب العلم الاجمالي. (1) وتوضيح الحال في ذلك بناءا على اختصاص الحجية بالبينة ان الشاهدين تارة يشهدان بالنجاسة في الزمان الفعلي واخرى بالنجاسة في وقت معين سابق وثالثة يشهد احدهما بالنجاسة فعلا والآخر بالنجاسة سابقا ولا اشكال في الصورة الأولى وأما الصورة الثانية فلا اشكال في ثبوت النجاسة السابقة بالبينة وحينئذ فان كان عدم طرو المطهر معلوما ثبتت النجاسة الفعلية بها لكونه مدلولا التزاما وان كان مشكوكا جرى الاستصحاب وقد يستشكل بان النجاسة الواقعية غير متيقنة الحدوث لتستصحب والنجاسة الظاهرية المجعولة بلسان الامر بتصديق البينة غير محتملة البقاء لعدم نظر البينة الى نفي المطهر. ويجاب من قبل مدرسة المحقق النائيني " قدس سره " عادة بان الامارة

[ 126 ]

تقوم مقام العلم بالحدوث فيجري استصحاب النجاسة الواقعية بهذا اللحاظ حيث ان المجعول في دليل حجية الامارة الطريقية والكاشفية، والتحقيق ان دفع الاستشكال المذكور لا يتوقف على الالتزام بهذا المبنى بل يمكن دفعه بقطع النظر عن المبنى المذكور من قيام الامارة مقام القطع الموضوعي وذلك اولا بالتمسك بالاستصحاب الموضوعي وهو استصحاب عدم اصابة الماء للشئ المشهود بنجاسته سابقا فان اركان الاستصحاب في عدم الاصابة ثابتة وجدانا والحكم بالنجاسة فعلا مترتب شرعا على موضوع مركب من جزئين احدهما حدوث الملاقاة للنجس والآخر عدم طرو المطهر والأول يثبت بالبينة والثاني بالاستصحاب. وثانيا بالتمسك باستصحاب النجاسة الظاهرية المجعولة على طبق البينة بناء على ان مفاد دليل الحجية جعل الحكم المماثل فان هذه النجاسة الظاهرية معلومة الحدوث وجدانا وليست مقطوعة الارتفاع لان الحكم الظاهري يجعل بمقدار مطابق مع مقدار الحكم الواقعي المؤدي والمحكي بالامارة والبينة في المقام تحكي عن حدوث نجاسة مستمرة إلى حين طرو المطهر فالمجعول على طبقها نجاسة ظاهرية كذلك فإذا شك في طرو المطهر فقد شك في بقاء تلك النجاسة المجعولة على طبق البينة فيجري استصحابها. وثالثا بانكار موضوعية اليقين بالحدوث للاستصحاب واستظهار كفاية نفس الحدوث في جريانه على ما يظهر من التعليل في معتبرة عبد الله ابن سنان (1) وتفصيل ذلك موكول الى بحث الاستصحاب. وأما الصورة الثالثة فينبغي ان يفصل فيها بين ان يكون الاختلاف في الزمان ناشئا من تعدد الواقعة المشهود بها أو من الاختلاف في استذكار


(1) مرت في هامش ص 183.

[ 127 ]

(مسألة 9) لو قال احدهما انه نجس وقال الاخر انه كان نجسا والآن طاهر فالظاهر عدم الكفاية وعدم الحكم بالنجاسة (1) زمانها مع الاتفاق على واقعة واحدة ففي الحالة الأولى لا تثبت البينة على ما تقدم وفي الحالة الثانية تثبت بالبينة الواقعة الحسية المدعاة لكلا الشاهدين لأن التعارض انما هو في استذكار زمانها وكل من الواقعة وزمانها له ادراك خاص لا يساوق الخطأ في احدهما الخطأ في الآخر وقد عرفت ان الميزان في صحة التحليل وثبوت بعض مدلول الشهادة ورفض البعض ان يكون كل من البعضين مستقلا في مقام الادرك والشهادة ثبوتا ولو كانا ضمنيين في مقام التعبير واداء الشهادة وعليه فان كان طرو المطهر معلوم العدم ثبتت النجاسة فعلا بنفس البينة بلا حاجة الى الاستصحاب لأن النجاسة الفعلية تكون مدلولا مطابقيا لاحدى الشهادتين والتزاميا للاخرى وان كان طرو المطهر بين زماني الشهادتين محتملا جرى الاستصحاب الحكمي أو الموضوعي، وان كان معلوما كان من موارد تعارض الحالتين فيكون استصحاب النجاسة الثابتة عند حدوث الواقعة المتفق عليها معارضا باستصحاب الطهارة الثابتة عند العلم بطرو المطهر. هذا كله بناءا على اختصاص الحجية بالبينة واما بناء على حجية خبر الثقة فلا اشكال في ثبوت النجاسة فعلا في الصور الثاث، اما في الاولى والثالثة فبنفس شهادة الثقة واما في الصورة الثانية فبضم الاستصحاب إذا احتمل طرو المطهر وبدون ضمه مع عدم احتمال طروه. (1) اضاف السيد الماتن " قدس سره " في هذه المسألة عنصرا جديدا على ما هو المفترض في المسألة السابقة وهو ان الشاهد على النجاسة السابقة ينفى

[ 128 ]

النجاسة فعلا وعلى هذا الاساس حكم قدس سره بعدم ثبوت النجاسة بمثل ذلك. وتحقيق الحال في هذه المسألة - بناء على انحصار الحجية بالبينة - ان الشاهدين ان فرض اتفاقهما على واقعة حسية واحدة وهي ملاقاة الدم للثوب قبل ساعة مئلا غاية الامر ان احدهما يدعى طرو المطهر والآخر يدعى عدمه ولهذا يشهد بالنجاسة الفعلية فتثبت تلك الواقعة بالبينة ويجرى استصحاب عدم طرو المطهر بناء على اختصاص الحجية بالبينة إذ لا بينة على طروه. وان فرض عدم وحدة الواقعة وان احدهما يخبر عن ملاقاة سابقة للنجس وطهارة فعلية والآخر يخبر عن ملاقاة فعلية للنجس مثلا فلا تتم البينة اما بناء على اشتراط وحدة الواقعة فواضح واما بناء على عدم اشتراط ذلك وكفاية كون الأثر الشرعي الملحوظ واحدا فانما يمكن تتميم البينة لو كان الشاهد بالملاقاة السابقة ساكتا عن الملاقاة الفعلية التي يشهد بها الشاهد الآخر واما إذا كان ينفيها فلا يكون مجموع الشهادتين مشمولا لدليل حجية البينة نظير ما تقدم في فرع سابق وهو ان يشهد احدهما بالملاقاة مع البول دون الدم والآخر بالعكس وان كان التنافي في المقام من طرف واحد فقط حيث ان الشاهد الحالى لا ينفى الملاقاة السابقة وقد تقدم توجيه عدم شمول دليل حجية البينة لا مثال المقام مما كان ضم احدى الشهادتين الى الاخرى فيه يبعد الجامع المطلوب اثباته بالبينة بمقدار ما يقر به فلاحظ. وأما إذا قيل بحجية خبر الثقة فان فرضت وحدة الواقعة المشهود بها لكلا الشاهدين فالحكم هو ما سبق من ثبوتها بالبينة إذ لا تعارض بين الشاهدين بالنسبة إليها. وجريان استصحاب النجاسة الثابتة بسبب تلك الواقعة إذ ليس في مقابل هذا الاستصحاب الا شهادة احد الشاهدين بالطهارة فعلا وهي معارضة بشهادة الآخر بالنجاسة كذلك فلا حاكم على

[ 129 ]

(مسألة 10) إذا اخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة وكذا إذا اخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه بل وكذا لو اخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته (1) (مسألة 11) إذا كان الشئ بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته (2) نعم لو قال احدهما انه طاهر وقال الآخر انه نجس تساقطا كما ان البينة تسقط مع التعارض ومع معارضتها بقول صاحب اليد تقدم عليه (3) (مسألة 12) لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة


استصحاب ما هو مفاد البينة وإن فرض اختلاف الشاهدين في الواقعة فلا يحكم بالنجاسة فعلا لتعارض الشهادتين بلحاظ الزمان الفعلي وعدم ثبوت جامع النجاسة لكي يجري استصحابه. (1) على ما يظهر بمراجعة الجهة الثانية من جهات التفصيل في بحثنا المتقدم عن حجية خبر صاحب اليد. (2) وقد تقدم في الجهة الثانية المشار إليها في التعليقه السابقة ما يوضح ذلك. (3) تقدم الحديث عن التعارض بين البينة وخبر صاحب اليد في الجزء الثاني من هذا الشرح لاحظ ص 113 وما بعدها.

[ 130 ]

بين أن يكون فاسقا أو عادلا بل مسلما أو كافرا (1) (مسألة 13) في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبيا اشكال وان كان لا يبعد إذا كان مراهقا (2). (مسألة 14) لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال كما قد يقال فلو توضأ شخص بماء مثلا وبعده اخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه وكذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده فلو اخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان ومع الشك في زوالها تستصحب (3). (1) وقد تقدم تحقيق الكلام عن ذلك في الجهة الثالثة من جهات التفصيل في البحث المتقدم عن حجية خبر صاحب اليد. (2) وقد تقدم تحقيق ذلك في الجهة الثالثة المشار إليها آنفا. (3) وقد مر تحقيق الكلام عن ذلك في الجهة الثانية من تلك الجهات التي تقدمت في البحث عن حجية خبر صاحب اليد.

[ 131 ]

فصل في كيفية تنجس المتنجسات يشترط في تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس أن يكون فيهما أو في احدهما رطوبة مسرية فإذا كانا جافين لم ينجس (1) (1) الكلام في اشتراط الرطوبة في سراية النجاسة يقع في مقامين احدهما في أصل اشتراطها، والثاني في المقدار المشترط منها بعد الفراغ عن أصل الاشتراط أما المقام الاول فلا شك في ان مقتضى الاصول العملية المؤمنة عدم سراية النجاسة في فرض عدم الرطوبة لاصالة الطهارة واستصحابها فلا بد للقول بالسراية مع عدم الرطوبة من مخرج عن هذه الاصول وما يدعى كونه كذلك هو الاطلاقات ومن هنا يقع الكلام تارة: في أصل تمامية الاطلاقات في نفسها واخرى: في وجود المقيد لها وعدمه فهنا جهتان. أما الجهة الاولى - فيقال ان ادلة الانفعال الواردة في النجس المائع أو الملاقي المائع لا اشكال في عدم اطلاقها لمحل الكلام وانما الذي قد يدعى اطلاقه مادل على الانفعال في غير المائع من قبيل ما يدل على الأمر بغسل ما يمس الكلب (1) إذ يتمسك باطلاقه لاثبات السراية في فرض الجفاف ايضا.


(1) كما في معتبرة محمد بن مسلم قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب السلوقي فقال: إذا مسسته فاغسل يدك " الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث 9

[ 132 ]

وقد ناقش السيد الاستاذ - دام ظله - في اطلاق الانفعال بان الغسل عبارة عن ازالة الأثر والأثر انما يتحقق بملاقاة النجس مع الرطوبة المسرية فالأمر بالغسل لا اطلاق فيه لصورة الجفاف (1) ويرد على هذه المناقشة: أولا - بان ادلة الانفعال لا ننحصر بلسان الأمر بالغسل ليستظهر من مادة الغسل افتراض اثر للنجس في الملاقي بل قد يكون دليل الانفعال بلسان النهي عن الصلاة في الثوب (2) ونحو ذلك، وثانيا - بان مجرد الأمر بالغسل لا يدل على افتراض اثر عينى في الشئ الذي يؤمر بغسله إذا كان الغسل مضافا الى نفس الثوب لا إلى ما أصاب الثوب من النجاسة بل يكفي لتصحيح الامر بالغسل وجود أثر حكمي يتوقف زواله على ايصال الماء الى المتنجس ولولا عدم توقف الغسل على وجود أثر عيني للزم عدم وجود اطلاق في ادلة الامر بالغسل لفرض جفاف النجاسة وزوال اثرها عن المتنجس بالمسح مع انه لا أشكال في اطلاق الأمر بالغسل لما بعد المسح وبمثل هذا الاطلاق نثبت عدم مطهرية المسح كما انه لا اشكال في اطلاق ادلة الغسل لفرض الملاقاة مع الرطوبة في الملاقي لافي النجس مع انه في هذا الفرض كثيرا مالا ينتقل من النجس اثر عيني الى الملاقى بل ينتقل من الملاقي الى النجس فلو كان فرض الغسل مختصا بفرض اثر عيني من النجس على المغسول لما صح هذا الاطلاق.


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 235. (2) كما في معتبرة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من انسان أوسنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد " الوسائل باب 40 من أبواب النجاسات حديث 5.

[ 133 ]

وأما الجهة الثانية - فهي في البحث عن المقيد بعد فرض تمامية الاطلاق فما يدعى كونه مقيدا احد أمور: الأول - ارتكاز عدم السراية بدون رطوبة وهذا الارتكاز باعتباره كالقرينة المتصلة لبا يكون مقيدا للاطلاق حيث تكون الدلالة على السراية في صورة الجفاف بالاطلاق ويكون قرينة لحمل الامر بالغسل على التنزه حيث يكون الامر بالغسل واردا في موضوع لا يمكن تقييده بفرض الرطوبة لكونه فرضا نادرا كما في مثل مصافحة الكتابي مثلا (1) ويكون قرينة على افتراض الرطوبة في كلام السائل حين يسأل عن السراية من دون أن يفرض الرطوبة صريحا لان وضوح عدم السراية بدون رطوبة عرفا يوجب انصراف السؤال الى فرض الرطوبة فلا يبقى حينئذ في جواب الامام عليه السلام اطلاق لفرض الجفاف وهذا التقريب للتقييد والتصرف في المطلقات تام وعليه المعول في عدم السراية في حالات الجفاف. الثاني - رواية عبد الله بن بكير قال: قلت لأبي عبد الله (ع) الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط قال كل شئ يابس زكي (2) والاستدلال بها يتوقف على ان المراد بكون اليابس زكيا انه زكي في مقام التأثير والفاعلية بمعنى انه لا ينجس غير ان الرواية ليست ظاهرة في ذلك لاحتمال ان يكون مفادها كون التجفيف موجبا لطهارة الشئ المتنجس في نفسه فتخرج بذلك عن محل الكلام وحملها على هذا الاحتمال


كما في معتبرة أبي بصير عن احدهما عليهما السلام " في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك " الوسائل باب 14 من ابواب النجاسات حديث 5. (2) الوسائل باب 31 من ابواب احكام الخلوة حديث 5.

[ 134 ]

يناسبه توصيف نفس اليابس بانه زكي وهو وصف يساوق الطهارة لا مجرد عدم كونه منجسا كما انه هو الأقرب بلحاظ السؤال فان ظاهر كلام الراوي السؤال عن اثر المسح بالنسبة الى نفس الشئ الممسوح لا بالنسبة الى ما يلاقيه ولهذا اقتصر الراوي في صياغة سؤاله على ذكر المسح دون ان يشير الى ملاقاة العضو المتنجس لشئ آخر ولو لم يكن هذا ظاهر كلام السائل فلا اقل من احتماله له بنحو موجب للاجمال فيسري الاجمال الى الجواب ايضا لظهور المحاورة في التطابق بين السؤال والجواب ومما يؤيد حمل الرواية على كون المسح مطهرا انها لو كانت ناظرة الى عدم السراية في حالة جفاف المتنجس للزم اطلاقها لفرض رطوبة الملاقي ايضا. اللهم الا ان يقال: ان المستفاد من قوله كل يابس زكي كون هذه الزكاة لليابس بما هو يابس بحيث تكون اليبوسة حيثية تقييدية لها فكأنه قال كل يابس زكي مادام يابسا ومثل هذا المفاد لا يناسب مطهرية المسح بل عدم المنجسية إذ لا معنى لكون مطهرية المسح منوطة بدوام اليبوسة بخلاف عدم المنجسية فاستظهار كون اليبوسة حيثية تقييدية قرينة على أن المراد عدم المنجسية فيثبت المطلوب. ومما يؤيد ذلك شمول العموم حتى لعين النجس مع وضوح ان عين النجس لا يطهر باليبوسة ولكنه لا ينجس وان اليبوسة غير زوال العين بالمسح وما يمكن ان يكون مطهرا عرفا هو زوال العين بالمسح وهو أمر مغاير لليبوسة وغير ملازم لها واما عدم افتراض السائل ملاقاة العضو الممسوح لشئ آخر فهو قد يكون باعتبار كونه افتراضا مفهوما ضمنا من فرض اصل المسألة كما هو واضح وعليه فلا يبعد دلالة الخبر المذكور على ما هو المطلوب غير انه لا يخلو من اشكال سندي وذلك

[ 135 ]

باعتبار محمد بن خالد الواقع في السند (1) الثالث - معتبرة محمد بن مسلم قال: " كنت مع ابي جعفر عليه السلام إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه فقلت جعلت فداك قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك فقال أليس هي يابسة فقلت بلى فقال لا بأس.. " (2) والاستدلال بها واضح باعتبار ان نفي الباس عن ملاقاة العذرة اليابسة مع الثوب معللا بانها يابسة ظاهر في اعطاء قاعدة كلية هي عدم السراية مع الجفاف غير ان الرواية ذكرت في الوسائل تحت عنوان المسألة المبحوث عنها مقطوعة عن ذيلها (3) وهو قوله (فان الارض يطهر بعضها بعضا) وهذا الذيل يوجب نحوا من الاجمال في الرواية إذ لا تعرف كيفية تطبيق كبرى مطهرية الأرض في المقام مع وضوح أن الثوب ليس مما يطهر بالارض فعدم الاتساق بين اجزاء الكلام يولد نحوا من الاجمال الذي قد يمنع من التعويل عليه. الرابع - معتبرة الفضل ابي العباس قال " قال: أبو عبد الله (ع) ان اصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله وان مسه جافا فاصبب عليه الماء.. " (4) وقد استدل بها في المستمسك (5) على عدم السراية مع


في السند يروي محمد بن خالد عن عبد الله بن بكير ومحمد بن خالد مردد بين محمد بن خالد البرقي الثقة ومحمد بن خالد الاصم المجهول وكلاهما رويا عن عبد الله بن بكير فلا مميز بينهما. (2) الوسائل باب 32 من أبواب النجاسات حديث 2 (3) ذكرها كذلك في الوسائل باب 26 من ابواب النجاسات حديث 14. (4) الوسائل باب 12 من ابواب النجاسات حديث 1. (5) المستمسك الجزء الاول ص 466 من الطبعة الرابعة.

[ 136 ]

الجفاف حيث لم يأمر الامام (ع) بالغسل في فرض الجفاف وكأن الاستدلال بها على ذلك مبني على افتراض ان الصب بقرينة مقابلته للغسل المتقوم باستيلاء الماء على الشئ يراد به مرتبة ادنى من الاستيلاء وهي غير مطهرة فالأمر بها في فرض الجفاف دال على عدم السراية ويرد على ذلك: ان مقابلة الصب للغسل لا ينحصر وجهها بما ذكر بل قد يكون بلحاظ اشتمال الغسل على شئ من الفرك والعصر بخلاف الصب بعد الفراغ عن كونهما معا مساوقين لا ستيلاء الماء لأن ما هو ادنى من ذلك لا يسمى غسلا ولا صبا للماء ومن اجل ذلك امر بالصب وجعل مقابلا للغسل في موارد لاشك في ان الشئ الذي أمر بصب الماء عليه متنجس كما في معتبرة الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن البول يصيب الجسد قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء وسألته عن الثوب يصيبه البول قال اغسله مرتين (1) فانت ترى انه قوبل الصب على البدن. بالغسل في الثوب مع انهما نجسان معا ولابد من استيلاء الماء عليهما وليس ذلك الا بعناية ان الثوب بحاجة الى فرك وعصر لنفوذ النجاسة فيه بخلاف البدن ويشهد لذلك تعليل الاكتفاء بالصب بان البول ماء بمعنى انه ليس شيئا لزجا محتاجا الى الفرك والدلك كالمني مثلا وعليه فمجرد جعل الصب في مقابل الغسل في المقام لا يكون قرينة على عدم ارادة التطهير بالصب. الخامس - الروايات الآمرة بالنضح عند اليبوسة كرواية حريز عمن اخبره عن أبي عبد الله (ع) قال إذا مس ثوبك كلب فان كان يابسا فانضحه وان كان رطبا فاغسله (2) ومعتبرة علي بن جعفر (3) قال: سألته


(1) الوسائل باب 1 من ابواب النجاسات حديث 4. (2) الوسائل باب 26 من ابواب النجاسات حديث 3. (3) الاظهر ان الرواية لعلي بن جعفر لالعلي بن محمد.

[ 137 ]

عن خنزير اصاب ثوبا وهو جاف هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله قال نعم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه " (1) وغيرهما (2)، وتقريب الاستدلال بها ان النضح لما كان لا يحقق الغسل المطهر فالامر به في حالة الجفاف كاشف عن عدم السراية وكونه لمجرد التنزه ويؤيد ذلك ورود الامر بالنضح في جملة من موارد التنزه (3). السادس - معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: " سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل يصلح له الصلاة فيه قبل ان يغسله قال ليس عليه غسله وليصل فيه ولا بأس " (4) ومثلها معتبرة اخرى لعلي بن جعفر ايضا قال: " سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت قال: ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس " (5) وتقريب الاستدلال اما بدعوى. الانصراف الى فرض الجفاف لكونه الفرض المعتاد في مورد الاستدلال - اولان خفاء نجاسة الميتة وسراية النجاسة منها بالرطوبة في عصر صدور الراوية وعلى مثل علي بن جعفر بعيد جدا، وأما بعد افتراض


(1) الوسائل باب 26 من أبواب النجاسات حديث 6. (2) من قبيل ما في حديث الاربعمائة عن علي (ع) قال ".. فمن اصاب الكلب وهو رطب فليغسله وان كان جافا فلينضح ثوبه بالماء " الوسائل باب 12 من ابواب النجاسات حديث 11. (3) كما في معتبرة الحسين بن أبي العلاء قال " سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب قال: لا بأس به، فلما رددنا عليه قال: ينضحه بالماء " الوسائل باب 17 من ابواب النجاسات حديث 2. وغيرها من الروايات الكثيرة. (4) و (5) الوسائل باب 26 من ابواب النجاسات حديث 5 - 7

[ 138 ]

الاطلاق بايقاع التعارض بين هذا المطلق وما دل بالاطلاق على السراية حتى في حال الجفاف وتقييد هذا المطلق باخراج صورة الرطوبة منه بادلة السراية الواردة في فرض الرطوبة فيختص هذا المطلق بفرض الجفاف وتنقلب النسبة بينه وبين مطلقات السراية بناءا على انقلاب النسبة، واما بافتراض التعارض والتساقط فلا يبقى مطلق في ادلة السراية. السابع - الروايات الواردة في المتنجس الدالة على عدم سراية النجاسة منه إلى ملاقيه إذا كان جافا من قبيل معتبرة علي بن جعفر قال: سألته عن المكان يغتسل فيه من الجنابة أو يبال فيه أيصلح أن يفرش فقال نعم إذا كان جافا (1) والاستدلال بها على تمام المطلوب مع انها واردة في المتنجس يتوقف على التعدي إلى مورد الملاقاة لعين النجس مع الجفاف ايضا ولو بانسياق نكتة عامة بقرينة الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع. الثامن - ولعله احسن المقيدات اللفظية معتبرتا علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل يمشي في العذرة وهي يابسة فتصيب ثوبه ورجليه هل يصلح له أن يدخل المسجد فيصلي ولا يغسل ما أصابه قال: إذا كان يابسا فلا بأس (2) وقال: سألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه يصلي فيه قبل ان يغسله؟ قال: نعم ينفضه ويصلي فلا بأس (3) وبقرينة النفض والتعبير بهبوب الريح يعرف ان المفروض كون العذرة يابسة فتدل الروايتان على عدم السراية مع الجفاف ولا ضير في ورودهما في خصوص العذرة لامكان استفادة الحكم بالغاء الخصوصية بالفهم العرفي ومناسبات الحكم والموضوع أو بضمها إلى روايات اخرى


(1) الوسائل باب 26 من ابواب النجاسات حديث 11 (2) و (3) الوسائل باب 26 من ابواب النجاسات حديث 8 - 12

[ 139 ]

واردة في النجاسات الاخرى على نحو تستنتج القاعدة الكلية من مجموعها ومن ذلك ايضا معتبرة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) في الرجل يمس أنفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أينصرف قال ان كان يابسا فليرم به ولا بأس (1) التاسع - معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به قال: إن كان دخل في صلاته فليمض فأن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه الا أن يكون فيه أثر فيغسله (2) فانها دلت على جواز المضي في الصلاة مع الملاقاة المذكورة إذا لم يكن في الثوب اثر - بناءا على رجوع الاستثناء (الا أن يكون فيه أثر فيغسله) الى تمام ما تقدمه بما في ذلك الامر بالمضي - وهو يقتضي عدم الانفعال مع الجفاف بعد ضم معلومية اشتراط الصلاة بالطهارة وعدم كون النسيان مصححا للصلاة خصوصا مع ارتفاعه في الاثناء. نعم لو كان الاستثناء راجعا الامر بالنضح فقط لكان الامر بالمضي بقول مطلق مساوقا للترخيص في استمرار الصلاة بالنجاسة تفاديا لقطعها ولا يكون ذلك مفيدا في المقام. العاشر - معتبرة علي بن جعفر عن أخيه قال: " سألته عن الفراش يصيبه الاحتلام كيف يصنع به؟ قال: اغسله وان لم تفعل فلا تنم عليه حتى ييبس فان نمت عليه وأنت رطب الجسد فاغسل ما اصاب من جسدك... " (3) وهذه الرواية تمتاز بالنظر الى جفاف الملاقى والملاقي معا فتنيط عدم


(1) الوسائل باب 24 من أبواب النجاسات حديث 2. (2) الوسائل باب 13 من أبواب النجاسات حديث 1. (3) الوسائل باب 26 من ابواب النجاسات حديث 9.

[ 140 ]

السراية بجفاف الامرين معا وتدل على السراية مع رطوبة احدهما. ومن هنا قد يقال: بانها معارضة بجملة من الروايات المتقدمة التي اناطت عدم السراية بكون النجس يابسا أو جافا لأن مقتضى اطلاقها عدم السراية حينئذ حتى مع رطوبة الملاقي فلا بد من الالتزام بتقييد ذلك بلحاظ مثل هذه الرواية. وقد يقال: بان لا معارضة لأن فرض الرطوبة المسرية في الملاقي مساوق لفرض رطوبة النجس إذ تسري إليه الرطوبة فلا يكون يابسا أو جافا ليشمله اطلاق مادل على عدم السراية في تلك الروايات، ولكن ظاهر تلك الروايات اناطة السراية وعدمها بكون النجس في نفسه رطبا أو يابسا أو جافا اي بقطع النظر عن الملاقاة بحيث تكون الملاقاة ملاقاة للرطب أو لليابس على أن فرض الرطوبة المسرية في الملاقي لا يلزم منه خروج النجس عن كونه جافا إذ لا يلزم انتقال الرطوبة بما هي مسرية إلى النجس وما لم تنتقل كذلك لا يخرج عن كونه جافا، نعم يمكن ان ينزل ما في تلك الروايات على الارتكاز ويقال بان اطلاقها لفرض الرطوبة في الملاقي ساقط لمنافاته للارتكاز القاضي بكفاية الرطوبة في احد المتلاقيين والذي يشكل ما يشبه القرينة المتصلة على ان النظر في اناطة السراية بالرطوبة الى ما هو المركوز. وعلى اي حال، فقد يستشكل في حال هذه الرواية ويقال: بانها ربما تعارض بصحيحة زرارة قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله؟ فقال نعم لا بأس به الا ان تكون النطفة فيه رطبة فان كانت جافة فلا بأس (1) لدلالتها على انه مع جفاف النطفة لا تسري النجاسة


(1) الوسائل باب 27 من أبواب النجاسات حديث 7

[ 141 ]

ولو مع رطوبة الملاقي وحمل نفي البأس في هذه الصحيحة على فرض عدم ملاقاة النطفة ليس عرفيا وليس مناسبا للتفصيل بين فرض جفافها وعدمه بل الاقرب من ذلك حمل ما ينافيها على التنزه ولكن الصحيح ان صحيحة زرارة معارضة بما لا يقبل الحمل على التنزه وهو معتبرة عمار المعروفة في مطهرية الشمس إذ سأله عن الشمس هل تطهر الارض قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة وإن اصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس وان كانت رجلك رطبة وجبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس وان كان غير (عين) الشمس أصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك (1) فان التعبير الذي ورد في ذيلها (فانه لا يجوز ذلك) يدل على عدم جواز الصلاة على الموضع القذر الجاف إذا كان بدن الانسان رطبا وهذا التعبير غير قابل للحمل على التنزه وبعد التعارض بين صحيحة زرارة وهذه المعتبرة لعمار يرجع إلى الأدلة الطولية ومقتضاها دوران السراية مدار الرطوبة في احد المتلاقيين. وبذلك يتلخص: ان الرطوبة في احد المتلاقيين شرط في السراية ولا فرق في رطوبة المنجس بين الرطوبة الاصلية للنجاسة التي تنجس بها والرطوبة الطارئة فاليد المتنجسة بالبول لو جف ما عليها من بول ثم اصابها الماء لكانت منجسة لما يلاقيها لوجود الرطوبة فيشمله اطلاق بعض ما تقدم واما ما ورد في مثل معتبرة حكم بن حكيم انه سأل ابا عبد الله (ع) فقال له أبول فلا أصيب الماء وقد أصاب يدي شئ من البول فأمسحه بالحائط


(1) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 4.

[ 142 ]

وان كان ملاقيا للميتة لكن الا حوط غسل ملاقي ميت الانسان قبل الغسل وان كانا جافين (1) وبالتراب ثم تعرق يدي فامسح (فامس) به وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي قال لا بأس به (1) فهو ظاهر في عدم تنجيس المتنجس بضم ارتكاز كفاية مطلق الرطوبة في السراية فيكون أجنبيا عن محل الكلام، ولو سلمت دلالة الرواية على اشتراط وجود الرطوبة الأصلية فهي معارضة بما دل على كفاية رطوبة الملاقي - بالكسر - في السراية لانها رطوبة متجددة كما هو واضح فلو قيل بالتساقط كان المرجع المطلقات الدالة على السراية في المقام. هذا كله في المقام الاول لاثبات اصل اشتراط الرطوبة في السراية وأما المقام الثاني في تحديد مقدار الرطوبة المعتبرة فيأتي الكلام عنه ان شاء الله تعالى (1) ومنشأ ذلك اختصاص ميت الانسان بما يدل باطلاقه أو ظهوره على الامر بغسل الملاقي له مع عدم الرطوبة ويتمثل ذلك في مكاتبتين للحميري احداهما - كتب إليه: روي لنا عن العالم (ع) انه سئل عن امام قوم يصلي بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه فقال يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه. التوقيع: ليس على من مسه الا غسل اليد وإذا لم تحدث حادثة تقطع السلاة تمم صلاته مع القوم (2)


(1) الوسائل باب 6 من ابواب النجاسات حديث 1 (2) الوسائل باب 3 من ابواب غسل المس حديث 4

[ 143 ]

والاخرى - انه كتب إليه " وروي عن العالم ان من مس ميتا بحرارته غسل يده ومن مسه وقد برد فعليه الغسل وهذا الميت في هذه الحال لا يكون الابحرارته فالعمل في ذلك على ما هو ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه فكيف يجب عليه الغسل. والتوقيع: إذا مسه على (في) هذه الحال لم يكن عليه الا غسل يده " (1) وأما مثل معتبرة ابراهيم بن ميمون (2) ومعتبرة الحلبي (3) فقد ورد فيهما الامر بما اصاب الثوب من الميت وهذا مختص بظاهره بفرض الرطوبة وسراية شئ إلى الثوب من الميت بالملاقاة فالمهم المكاتبتان السابقتان والكلام في تقييد اطلاقهما تارة يقع بلحاظ الارتكاز القاضي باشتراط الرطوبة في السراية واخرى بلحاظ عموم كل شئ يابس زكى (4) وثالثة بلحاظ سائر الروايات المقيدة المتقدمة. أما التقييد بلحاظ الارتكاز فيمكن ان يقال: ان الارتكاز لا يصلح ان يقيد هذا الاطلاق وان صلح لتقييد الاطلاق الوارد في غير ميت الانسان


(1) الوسائل باب 3 ابواب غسل المس حديث 5. (2) وهي " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت قال ان كان غسل الميت فلا تغسل ما اصاب ثوبك منه وإن كان لم يغسل فاغسل ما اصاب ثوبك منه يعنى إذا برد الميت " الوسائل باب 34 من أبواب النجاسات حديث 1. (3) وهي عن ابي عبد الله (ع) في حديث " قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال: يغسل ما أصاب الثوب " الوسائل باب 34 من ابواب النجاسات حديث 2. (4) الوارد في رواية عبد الله بن بكير المتقدمة في ص 292.

[ 144 ]

لا بدعوى ان المسألة في ميت الانسان خلافية فلا ارتكاز لاشتراط الرطوبة لأن المدعى هو الارتكاز العرفي لا الفقهي: ولا بدعوى: ان نجاسة الميت بنفسها على خلاف الارتكاز فحين تجعل النجاسة له خلافا للارتكاز لا يأبى العرف حينئذ عن ان تكون سراية النجاسة منه على نحو يختلف عما هو المألوف لدية. لان المدعى ارتكاز كبرى ان النجاسة لا تسري من القذر الا مع الرطوبة وكون الصغرى غير مألوفة لا ينافي ارتكازية الكبرى وشمولها لها. بل بدعوى ان المرتكز كبرويا هو اناطة السراية بالرطوبة في ملاقاة الاشياء النجسة التي تكون قذارتها بلحاظ الجانب المادي منها كالفضلات والدم والمني ونحو ذلك. واما ما حكم بنجاسته لنكتة معنوية واستقذار معنوي فلا يوجد هذا الارتكاز بالنسبة الى نحو السراية منه ومن ذلك ميت الانسان فانه لما كان غير مستقذر عرفا فالمفهوم من دليل نجاسته الشرعية انه بنكتة معنوية كنجاسة الكافر والمسكر وعليه فلا يشمله الارتكاز المذكور. وأما التقييد بعموم كل شئ يابس زكى فقد يستشكل فيه بان النسبة بين الدليلين العموم من وجه فلا موجب للتقييد. ويمكن الالتزام بالتقييد - ولو نتيجة - اما للالتزام بالتعارض والتساقط والرجوع الى الاصول النافية للسراية مع الجفاف. واما للالتزام بتقدم العام على اطلاق المكاتبتين لان عمومه بالوضع واطلاقهما بمقدمات الحكمة. واما لدعوى حكومة العام فانه بوصفه دليلا على اشتراط الرطوبة في السراية يكون ناظرا إلى أدلة السراية كما هو شأن دليل الشرطية بالنسبة إلى دليل المشروط فيتقدم عليها بالحكومة بملاك النظر. ولا يتوهم: ان العام حاكم على ادلة السراية بملاك التصرف في عقد الوضع باعتبار انه ينزل اليابس منزلة الزكي الطاهر فيخرج بذلك تنزيلا عن موضع دليل السراية لان هذا يندفع: بان دليل السراية المتمسك

[ 145 ]

باطلاقه في المقام لصورة الجفاف لم يؤخذ في موضوعه عنوان ملاقاة النجس بل ملاقاة الميت غاية الامر انه يعلم بان الامر بغسل الملاقي انما هو لنجاسة الميت فيكون بنفسه دليلا على نجاسة الميت لا انه مشروط بنجاسته لتتم الحكومة المذكورة. وعلى اي حال فقد تقدم ان رواية عبد الله بن بكير لم تتم سندا فلا مجال للتقييد بها. واما التقييد بالروايات الخاصة المتقدمة فهو غير ممكن بعد ورودها في مورد الملاقاة مع نجاسات اخرى غير ميت الانسان وعدم اقتضاء الارتكاز التعدي كما عرفت وعلى هذا فتحصيل المقيد لا طلاق المكاتبتين مشكل اللهم الا ان نتمسك بمعتبرة ابراهيم بن ميمون ومعتبرة الصفار فقد جاء في الاولى (وان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت) فان هذه الرواية قد فرض فيها وجود الرطوبة بقرينة قوله (ما أصاب ثوبك منه) ومع هذا حكم بعدم وجوب الغسل قبل ان يبرد الميت وهذا دليل على طهارة الميت حينئذ وان نجاسته منوطة ببرودته كما هو قول جماعة من الفقهاء وحيث ان المكاتبة موردها الملاقاة حين الموت أو عقيبه مباشرة وذلك يكون في الغالب قبل برد الميت فيحمل الغسل فيها على التنزه والاستحباب ولكن هذا البيان يتوقف على ان تكون الجملة الاخيرة في رواية ابن ميمون من كلام الامام (ع) مع قوة احتمال ان تكون تفسيرا من الرواي كما يناسبه كلمة (يعني) ومع الاجمال من هذه الناحية يسقط هذا التقريب. واما معتبرة الصفار فقد جاء فيها انه كتب إليه (ع) رجل أصاب يده وبدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل ان يغسل هل

[ 146 ]

يجب غسل يديه أو بدنه. فوقع: إذا اصاب بدنك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل (1) وموضع الاستدلال قوله (ع) (فقد يجب عليك الغسل) فانه إن اريد الغسل بفتح الغين فهو يدل على ان السراية ليست ثابتة مطلقا بقرينة (قد) فاما ان يكون عدم السراية في صورة الجفاف أو في صورة حرارة الميت وعلى الاول يثبت المقيد المطلوب وعلى الثاني تكون منافية ايضا مع المكاتبة لورودها في حالة يكون الغالب فيها حرارة الميت، وان اريد الغسل بضم الغين فحيث ان السائل كان يسأل عن الغسل بالفتح فعدول الامام عن الحيثية المسؤول عنها وبيانه ان مس نفس الجسد قد يوجب الغسل بالضم يكون ظاهرا عرفا في نفي الغسل بالفتح وانه بصدد تنبيه السائل على خطأه في احتمال كون ملاقاة ثوب الميت مؤثرة وفي احتماله ان يكون الاثر هو غسل الملاقي إذ لو لم يكن العدول إشعارا بهذا المعنى لما تطابق الجواب مع السؤال ولبقي منظور السائل بلا جواب وهو خلاف الظاهر، هذا كله مضافا الى ان سند المكاتبتين غير واضح وان كان لا يبعد تماميته (2) ودلالتها غير واضحة في نفسها


(1) الوسائل باب 1 من ابواب غسل المس حديث 5. (2) قد يقال بعدم تمامية سند المكاتبتين لانهما وردتا في الاحتجاج وطريقه اليهما مجهول لانه لم يذكره ووردتا في الغيبة وسند الشيخ الى مكاتبات الحميري هو " اخبرنا جماعة عن ابي الحسن محمد بن احمد بن داود القمي قال: وجدت بخط احمد بن ابراهيم النوبختي واملاء ابي قاسم الحسين ابن روح - رضي الله عنه - على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل... " (الغيبة ص 228 من الطبعة الثانية في النجف) وهذا السند غير تام لانه لا يعلم ان الشهادة بان اجوبة المكاتبات باملاء الحسين بن روح (رض) صادرة من محمد بن احمد بن داود الذي هو ثقة ام من احمد بن ابراهيم =

[ 147 ]

لامكان المناقشة في دلالة الاولى بلحاظ ما ورد في ذيلها من قوله (وإذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تم صلاته مع القوم) فان الترخيص في اتمام الصلاة مع ان النجاسة من المركوز متشرعيا مانعيتها في الافعال والاكوان معا اما ان يكون تخصيصا في مانعيتها في الاكوان مع حمل الترخيص على فرض غسل اليد واما ان يكون قرينة على حمل الغسل على التنزه وان لم يكن الثاني هو الاقرب بضم الارتكاز المشار إليه فلا اقل من الاجمال وامكان المناقشة في دلالة الثانية بان ظاهر التقابل بين غسل اليد والغسل في صدرها ان الوظيفة اما هذا أو ذلك مع انه على فرض النجاسة يجتمع الامران عند الملاقاة بعد البرودة فهذا التقابل يصلح ان يكون قرينة على ان غسل اليد لوحظ بما هو مرتبة من الغسل و المنظور في كل من الوظيفتن التنزه عن حالة معنوية غاية الامر ان هذا التنزه بعد البرودة يكون الغسل وقبلها يكون بغسل موضع الاصابة. وبكلمة اخرى انه لابد اما من رفع اليد عن ظهور غسل اليد في التطهير من الخبث أو عن ظهرر الكلام في التقابل واختصاص كل من الحالتين بوظيفة معينة ويكفي عدم الترجيح ايضا في اسقاط الاستدلال لحصول الاجمال حينئذ.


= النوبختي المجهول ولذا ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - ان سندهما غير واضح الا انه تممه باعتبار قول الشيخ في الغيبة ص 229 " وقال ابن نوح: اول من حدثنا بهذا التوقيع أبو الحسين محمد بن علي بن تمام وذكر انه كتبه من ظهر الدرج الذي عند ابي الحسن بن داود فلما قدم أبو الحسن بن داود قرأته عليه وذكر ان هذا الدرج بعينه كتب به اهل قم الى الشيخ ابي القاسم وفيه مسائل فأجابهم على ظهره بخط احمد بن ابراهيم النوبختي وحصل الدرج عند ابي الحسن بن داود " ولا يأتي في هذه العبارة الاشكال السابق.

[ 148 ]

وكذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في احدهما رطوبة غير مسرية " 1 " - " 1 " هذا هو المقام الثاني الذي اشرنا إليه وهو في تحديد مقدار الرطوبة المشترطة في السراية لانها تارة تكون بمرتبة تعتبر نداوة عرضية وليست جرما مستقلا ولا قابلة للانتقال واخرى تكون بمرتبة تعتبر نداوة عرضية عرفا ولكنها قابلة للانتقال بالملاقاة فان انتقال العرض العرفي معقول وان امتنع انتقال العرض الحقيقي وثالثة تكون بمرتبة يصدق عليها انها ماء وجرم مستقل على نحو يكون موضوعا مستقلا للملاقاة وليس عرضا عرفيا للجسم المرطوب والمتيقن من الرطوبة الكفيلة بالسريان المرتبة الثالثة واما ما قبلها فمحل الاشكال وتحقيقه انه ان لوحظ الارتكاز بوصفه مقيدا للمطلقات فلابد من تحديد ما هو المرتكز وتحليل جذوره فهل يقوم هذا الارتكاز العرفي على اساس ان العرف يرى ان المنجس هو الرطوبة دائما لا الجسم المرطوب، أو على اساس ان المنجس هو الجسم المرطوب ولكن القذارة عرفا سنخ صفة لا تنتقل الا بالتبع فلابد من حامل لها وهو الرطوبة، أو على اساس ان المنجس هو الجسم وان دخل الرطوبة انما هو باعتبار تأثيرها في شدة نجاسة الشئ الموجبة لصلاحيته للتنجيس فالنجس الجاف اخف نجاسة وبهذه النكتة عبر عنه بانه زكي فلا يكون منجسا، فعلى الاول تختص الرطوبة المعتبرة بالمرتبة الثالثة إذ غيرها ليس شيئا مستقلا وجرما عرفا لكي يكون قذرا في نفسه وبالتالي مقذرا، وعلى الثاني قد يكتفى بالمرتبة الثانية فضلا عن الثالثة دون الاولى لان المرطوب بالرطوبة من المرتبة الاولى لا يسري منه شئ بالملاقاة لتسرى القذارة بتبعه بخلاف

[ 149 ]

المرطوب بالرطوبة من المرتبة الثانية والثالثة، وعلى الثالث تكون للقذارة مراتب تبعا لجفاف الجسم القذر أو درجة رطوبته فلابد ان يعين اي مرتبة من تلك المراتب تكون منجسة وكيف كان فلا اشكال في عدم صحة الاساس الاول والمنبه على ذلك قبول العرف تنجيس الجامد للملاقي الرطب ولعل هذا المنبه نفسه يبعد الاساس الثاني ايضا لان الملاقي المرطوب للقذر اليابس تنتقل منه الرطوبة الى القذر لا العكس فلا حامل للقذارة المنقولة من القذر الى ملاقيه فالاقرب هو الاساس الثالث وهو يفترض مراتب للقذارة ولا ينبغي الاستشكال في اقتضاء الارتكاز خروج حالة اليبوسة وحالة الرطوبة من الدرجة الاولى عن صلاحية التنجيس عرفا وفي اقتضائه صلاحية المرتبة الثالثة من الرطوبة للتنجيس واما المرتبة الثانية فلا ارتكاز بالنسبة إليها على سراية النجاسة ولا على عدم السراية وهذا يكفي للتمسك بالمطلقات حينئذ نعم لو كان الارتكاز مجملا ومرددا لسرى الاجمال الى الاطلاقات لانه بحكم القرينة المتصلة. وان لو حظت الروايات الخاصة المقيدة للاطلاقات فمن الصعب تحصيل اطلاق في المقيد يقتضي حصر المطلقات بالمرتبة الثالثة من الرطوبة لان عنوان الرطوبة والاثر يصدق على المرتبة الثانية وعنوان الجاف واليابس لا ينطبق عليها فالمرتبة الثانية إذن غير مشمولة للمقيد فتبقى تحت المطلقات الاولية بل ان المقيدات نفسها تقتضي الانفعال مع الرطوبة واطلاقه يشمل المرتبة الثانية بل قد يدعى شمول المطلقات الاولية والمقيدات بالرطوبة للرطوبة من المرتبة الاولى ايضا ولكن الظاهر عدم السراية في هذه المرتبة لان في روايات الباب ما ينيط السراية بوجود اثر النجس في الملاقي كما في معتبرة علي بن جعفر المتقدمة في اصابة الخنزير للثوب وهذا لا يتصور

[ 150 ]

الا في الرطوبة من المرتبتين الاخيرتين هذا مضافا الى شواهد اخرى في الروايات ايضا والى الارتكاز العرفي الذي ينيط السراية بالرطوبة المقابلة للجفاف بمعناه الشامل للمرتبة الاولى من الرطوبة لا بالرطوبة المقابلة لليبوسة المتقومة بعدم الرطوبة بمراتبها الثلاث، وعليه فالاقرب اشتراط السراية بالرطوبة المسرية القابلة للانتقال سواءا صدق عليها عنوان الماء أو لا. ولكن قد يستشكل في ذلك بلحاظ رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى قال: سألته عن رجل مر بمكان قد رش فيه خمر قد شربته الارض وبقي نداوته أيصلي فيه قال إن اصاب مكانا غيره فليصل فيه وان لم يصب فليصل ولا بأس (1). فان الترخيص في الصلاة على ذلك المكان مع عدم الامر بغسله أو وضع ما يمنع الملاقاة يدل على عدم سراية النجاسة منه الى المصلي بالملاقاة مع ان نداوة الخمر فيه ومقتضى اطلاقه الشمول للمرتبة الثانية من الرطوبة نعم لا يشمل المرتبة الثالثة لان فرضها فرض وجود الخمر في المكان وهو خلف قوله (قد شربته الارض) فتكون هذه الرواية دالة باطلاقها على عدم كفاية المرتبة الثانية من الرطوبة في السراية فلابد من ملاحظة نسبتها الى ما يفرض دلالته بالاطلاق على كفاية المرتبة الثانية فقد توقع المعارضة بين اطلاق هذه الرواية للمرتبة الثانية واطلاق ما دل على اناطة السراية بالاثر ونحوه لتلك المرتبة وبعد التساقط يرجع الى المطلق الفوقاني الدال على السراية مطلقا ولكن الانصاف ان هذه الرواية قد يدعى الاطلاق فيها للمرتبة الثالثة ايضا حيث ان شرب الارض للخمر لا ينافي بقاء اجزاء ضئيلة منه وعليه فهي ظاهرة في طهارة الخمر وتكون


(1) الوسائل باب 30 من ابواب النجاسات حديث 7.

[ 151 ]

اجنبية عن محل الكلام هذا مضافا الى ضعف سند الرواية (1). بقيت هنا امور. منها - ان السيد الاستاذ - دام ظله - اختار هنا ان الرطوبة المعتبرة في السراية هي ما يصدق عليها عنوان الماء (2) وهذا يعني اعتبار المرتبة الثالثة كما انه يختار ان المائع يتنجس وينجس إذا تنجس بدون تفصيل بين المتنجس الاول وغيره (3) ولكنه في المتنجس الجامد يحتمل الفرق بين المتنجس الاول والمتنجس الثاني فالاول ينجس جزما واما الثاني فتنجيسه عنده محل اشكال (4) ومن هنا اتجه السؤال بان المتنجس الثاني الذي قد لا يكون منجسا لملاقيه ما هو هل هو المتنجس الثاني الواجد لرطوبة يصدق عليها انها ماء أو غير الواجد لمثل هذه الرطوبة اما الواجد فالملاقي له يكون ملاقيا للرطوبة ايضا فانها ما دامت بنحو يصدق عليها انها ماء تعتبر جرما متميزا وتصدق الملاقاة بالنسبة إليها وحيث ان تنجس المائع وتنجيسه مجزوم به مطلقا فلابد من الجزم حينئذ بتنجس الملاقي في المقام ولا يبقى فرق بين ملاقي المتنجس الاول وملاقي المتنجس الثاني، واما غير الواجد فهو لا ينجس جزما بناءا على ما اختاره من اناطة السراية بالرطوبة التي يصدق عليها عنوان الماء فلا يتصور موضع الاستشكال ومنها - ان ما ذهب إليه جماعة من الاعلام (5) من اناطة السراية بالمرتبة الثالثة يلزم منه بعض النتائج الغريبة لاننا نتساءل هل المنجس


(1) لان في سندها عبد الله بن الحسن وهو لم يثبت توثيقه. (2) التنقيح الجزء الثاني ص 236 - 237. (3) (4) التنقيح الجزء الثاني ص 278 - 279. (5) كالسيد الخوئي - دام ظله - كما في التنقيح الجزء الثاني ص 236 - 237، والسيد الحكيم - قدس سره - في المستمسك الجزء الاول ص 467 من الطبعة الرابعة.

[ 152 ]

نفس الرطوبة أو الجسم المرطوب اما الاول فهو غريب وعلى خلاف المنساق من كلمات الفقهاء من ان الرطوبة شرط في السراية لا انها هي موضوع التنجيس ومن النصوص الآمرة بالغسل عند ملاقاة الشئ (1) الظاهرة في سراية النجاسة من الجسم نفسه لا من رطوبته واما الثاني فكيف يتعقل مع ان الجسم المرطوب إذا كان واجدا للرطوبة من المرتبة الثالثة فهي تشكل طبقة ذات جرم متميز ويكون ملاقاتها والانفعال بها قبل ملاقاة الجسم دائما وإذا لم يكن واجدا للرطوبة من المرتبة الثالثة فلا سراية بحسب الفرض، ومثل هذا التحليل للنتائج يشهد لعدم اناطة السراية بالمرتبة الثالثة وكفاية المرتبة الثانية. ومنها - ان المقصود من كفاية الرطوبة من الدرجة الثانية في السراية ان الجسم النجس أو المتنجس إذا لاقى غيره نجسه بشرط وجود الرطوبة ولو من المرتبة الثانية وهذا يعني ان المرتبة الثانية من الرطوبة تكفي لتحقيق شرط تنجيس الجسم النجس لملاقيه لا انها هي المنجسة فانها عرض عرفا ولا يعقل عرفا كون العرض قذرا ومقذرا، وعلى هذا فإذا فرض انه سرت الرطوبة من المرتبة الثانية من الجسم النجس الى الجسم الطاهر من دون ملاقاة بين الجسمين كما في المناطق المجاورة للبالوعة وللاماكن المرطوبة ففي مثل ذلك لا وجه للقول بنجاسة الاطراف لان الرطوبة وان سرت ولكن الملاقاة مع النجس لم تتحقق وبذلك ظهر ما في كلام السيد الحكيم " قدس سره " في المستمسك حيث انه بعد ان استظهر اشتراط الرطوبة من المرتبة الثالثة فرع على ذلك بانه منه يعلم عدم نجاسة الجدران عندما تسري


(1) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم قال " سألت ابا عبد الله " ع " عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل، قال: يغسل المكان الذي اصابه " الوسائل باب 12 من ابواب النجاسات حديث.

[ 153 ]

ثم إن كان الملاقي للنجس أو المتنجس مايعا تنجس كله كالماء القليل المطلق والمضاف مطلقا والدهن المايع ونحوه من المايعات " 1 ". إليها الرطوبة من البالوعة (1)، فان هذا التفريع في غير محله إذ حتى إذا قيل بكفاية الرطوبة من المرتبة الثانية لا يترتب على ذلك نجاسة الجدران المذكورة. " 1 " لا اشكال في اختلاف المائعات عن الجوامد في التنجس فإذا لاقى النجس شيئا جامدا برطوبة لم يتنجس منه الا الجزء الملاقي بينما المائع يتنجس كله بملاقاة النجس لجزء منه، والكلام في تخريج هذه التفرقة بين البابين تارة بلحاظ الدليل الاولي على الانفعال واخرى بلحاظ الروايات الخاصة الواردة في المائعات كالسمن والدهن والزيت ونحوهما. اما بالنسبة الى الدليل الاولى فتارة يطبق هذا الدليل على المائعات لاثبات نجاستها كلها بالملاقاة مع الاستعانة في ذلك بالارتكاز العرفي القاضي بالتفرقة بين البابين واخرى يراد استفادة هذا التفريق بين البابين من نفس دليل الانفعال بقطع النظر عن الارتكاز فلنتكلم في التقريبات التي تحاول استفادة الفرق من نفس دليل الانفعال فان لم يتم شئ منها استعنا بالرجوع الى الارتكاز العرفي باعتباره قرينة على التصرف في مدلول الدليل بالنسبة لخصوص المائعات. التقريب الاول - أن المائع يعتبر كله شيئا واحدا عرفا فينجس كله بالملاقاة وهذا بخلاف الجامد فكأن الفارق بين البيان ناجم عن كون عنوان الملاقي ينطبق في باب المائع على كل المائع من اجل الوحدة المذكورة بينما


(1) المستمسك الجزء الاول ص 467 - 468 من الطبعة الرابعة.

[ 154 ]

لا يصدق في الجامد الا على خصوص الجزء الملاقي لان كل جزء منه يعتبر شيئا مستقلا نعم لو فرضنا المائع بنحو لا يعتبر واحدا عرفا كما في المائين المختلفين بالسطح فالسافل حينئذ غير العالي ولهذا لا نلتزم بسراية النجاسة الى العالي لو لاقت النجاسة مع السافل. وهذا التقريب لا يخلو من غموض وتأرجح فهل يراد به الاستعانة بالارتكاز في مقام تطبيق الدليل أو دعوى التفرقة بلحاظ حاق الدليل بدون ضم الارتكاز فحين يقال ان عنوان الملاقي في المائعات ينطبق على تمام المائع بخلاف الجوامد ان قصد بذلك ان عنوان الملاقي لغة وبقطع النظر عن عالم ادلة الانفعال بالملاقاة يقال على تمام المائع ولا يقال على تمام الجامد فهذا يعني تطبيق حاق الدليل بلا ضم الارتكاز ولكن مثل هذه الدعوى غريبة في بابها إذ لا اشكال في ان عنوان الملاقي بالحقيقة لا ينطبق على الكل لا في الجامد ولا في المائعات وانما ينطبق على الجزء الملاقي خاصة، واما بلحاظ النظر المسامحي والعنائي. فيطلق عنوان الملاقي على تمام الجسم مائعا كان أو جامدا فيقال مثلا لاقت يدي ثوبك نعم لو اعمل النظر العنائي في تطبيق عنوان الملاقي على المائع والنظر الدقيق في تطبيقه على الجامد تمت التفرقة ولكن هذا لا وجه له الا بتحكيم الارتكاز على دليل الانفعال وبذلك يرجع هذا التقريب الى تحكيم الارتكاز ولا يعود تفسيرا للتفرقة على اساس حاق دليل الانفعال. وبما ذكرناه ظهر الحال فيما هو ظاهر كلام السيد الاستاذ - دام ظله - إذ أفاد ان الوجه في تنجس كل المائع بالملاقاة وحدته واما الجامد فان كانت الرطوبة المسرية مختصة بموضع الملاقاة منه فعدم سراية النجاسة الى سائر اجزاء الجسم واضح لان السراية فرع الرطوبة المسرية وان كان الجسم كله مرطوبا برطوبة مسرية فلا تسري النجاسة ايضا لان الظاهر ان

[ 155 ]

الاتصال بما انه كذلك لا يكفي في الحكم بالنجاسة وانما الموضوع للحكم بها الاصابة والملاقاة واصابة النجس مختصة بجزء من الجامد وغير متحققة في الجميع (1). ونلاحظ ان هذا البيان لم يبرز وجها للفرق بين المائع والجامد يفسر على اساسه كون المائع شيئا واحدا يطبق عنوان الملاقي على تمامه بينما لا يطبق في الجامد الا على الجزء المماس مباشرة فبالنسبة الى الجامد المرطوب كله تارة يتساءل انه لماذا لم ينجس كله بنفس اصابة النجاسة لجزء منه واخرى يتساءل لماذا لم تسر النجاسة من جزء منه الى جزء آخر بالاتصال والبيان المذكور انما نظر الى الجواب على التساؤل الثاني ولم يجب على التساؤل الأول بابراز فرق بين المائع والجامد من هذه الناحية. التقريب الثاني - ان ملاقاة النجس لا توجب الا نجاسة الجزء الملاقي غير ان هذا الجزء في الجامد يكون ساكنا فلا تسري منه النجاسة الى غيره الا بعناية بخلافه في المائع لان اجزاء المائع سيالة متغلغلة فالجزء المتنجس منه يسري ويتوزع في المائع فينجس كله. وهذا التقريب - لو تم لا ستغنى عن ضم الارتكاز ولكنه لا يفي بتفسير المقصود لان اللازم منه كون سراية النجاسة في المائع تدريجية مع ان المقصود اثبات نجاسة المائع في آن واحد وستأتي تتمة الكلام عن ذلك. التقريب الثالث ان يقال إن دليل الانفعال في الجوامد والمائعات على نحو واحد لا يدل الا على نجاسة الجزء الملاقي فقط ولكن نجاسة الجزء الملاقي في المائع تستدعي نجاسة الاجزاء الاخرى ايضا دفعة واحدة لانها كلها متلاقية مع وجدان الرطوبة وهذا بخلاف اجزاء الجامد فانها وان كانت متلاقية ولكن بدون رطوبة وهذا التقريب يفسر نجاسة جميع اجزاء


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 238 وما بعدها.

[ 156 ]

المائع في وقت واحد ولكن مع فرض الطولية في المرتبة وبذلك يسلم من الاعتراض الذي اتجه على التقريب السابق ولكن اورد عليه المحقق الهمداني " قدس سره " بانه مبني على امكان الجزء الذي لا يتجزأ والا لم يتم هذا التقريب بدون ضم الارتكاز لان الجزء الملاقي للنجس بنفسه قابل للتجزئة الى جزئين احدهما أقرب الى النجس من الآخر فهل الآخر ينجس بنفس النجس أو بملاقاته للجزء الأول، فعلى الأول كان معناه الرجوع الى الارتكاز في توسيع نطاق السراية فليرجع إليه ابتداءا، وعلى الثاني ننقل الكلام الى الجزء الأول من الجزئين فانه بدوره ينقسم الى جزئين ايضا وهكذا (1). وهذا الاعتراض يمكن الجواب عليه: بان عدم انتهاء التقسيم الى جزء لا يمكن ان يتجزأ فلسفيا وواقعيا لا يعني عدم انتهائه إلى جزء لا يمكن ان يتجزأ بما هو قابل للنجاسة عرفا فالجزء الذي يتحمل النجاسة ويقبل سرايتها ينتهي إلى ما لا يقبل التجزئة بمعنى ان اجزاءه إذا لو حظت مستقلة لم تقبل النجاسة لعدم كونها اجراما في نظر العرف كما هو الحال في ذرات البخار مثلا ومن هنا قيل بان البخار لا يمكن ان يتنجس وعليه فيمكن لصاحب التقريب المذكور ان يقول بان الذي يتنجس بالنجس مباشرة هو الجزء الصغير الذي يتحمل النجاسة ولا يقبل الانقسام الى جزئين يتحملان النجاسة بالانفراد. نعم قد أورد المحقق الهمداني " قدس سره " اعتراضا آخر على التقريب المذكور حاصله ان الذي يتنجس حتى على فرض امكان الجزء الذي لا يتجزأ هو سطحه الملاقي للنجس والجزء الثاني انما يلاقي السطح الآخر من ذلك الجزء وتنجسه فرع سراية النجاسة إلى ذلك السطح وهو بلا


مصباح الفقيه - كتاب الطهارة - ص 19.

[ 157 ]

موجب بدون ضم الارتكاز ومعه لا حاجة إلى هذه العناية بل لماذا لا نعمل من اول الأمر الارتكاز في دليل الانفعال لتطبيقه على المائع كله (1). وهذا الاعتراض بالمقدار الذي يرتبط برد التقريب المذكور صحيح إلا أن ما فرعه " قدس سره " عليه بانه لو اريد اعمال الارتكاز فلنعمله بنحو نثبت بنفس الملاقاة نجاسة مستوعبة للمائع كله محل نظر لان تحكيم الارتكاز بنحو ينتج توسعة النجاسة الحاصلة من الملاقاة وشمولها للجزء الأول بكلا سطحيه أو للمائع بتمام اجزائه ليس جزافا بل لابد في تعين أحد الأمرين من ملاحظة المناسبات الارتكازية والعرفية لنجد مقدار اقتضائها ولا يبعد ان المناسبات العرفية تقتضي الاول لان سراية القذارة الحكمية ليست في نظر العرف امرا تعبديا بل هي بلحاظ سراية اثر القذارة الى الملاقي كما هو الحال في القذارات العرفية وبهذا الاعتبار اشترطنا الرطوبة في السراية ارتكازا وحيث ان اثر القذر الملاقي لا معنى لسرايته الى الجزء الثاني من المائع الا بتوسط الجزء الاول لعدم تعقل الطفرة عرفا فلابد ان نفهم السراية على ضوء هذه العناية ومقتضاه تدرج النجاسة السارية وكون وصولها إلى كل جزء في طول وصولها الى الجزء الاسبق ومن شواهد اقتضاء الارتكاز العرفي لذلك ما نجده من اختلاف مراتب الاستقذار العرفي بلحاظ مدى قرب الجزء المائع الى الملاقي النجس فكلما كان ابعد يرى أمره أهون وليس ذلك الا لارتكازية ان السراية الى الابعد بتوسط الاقرب فكأنه تنجس مع الواسطة. وبذلك اتضح ان التطبيق الدقيق لدليل الانفعال لا يقتضي التفرقه بين الجوامد والمائعات وانما تقوم التفرقة على اساس تحكيم الارتكاز العرفي في


(1) مصباح الفقيه - كتاب الطهارة - ص 19.

[ 158 ]

دليل الانفعال فقد يتم التقريب الثالث بعد اعمال تلك العناية الارتكازية. ولكن قد يقال: ان التقريب الثالث لا يمكن تتميمه باعمال الارتكاز العرفي المذكور لان سراية القذارة إذا كانت في المرتكز العرفي بلحاظ سراية الاثر وسراية الأثر امر تدريجي في الأجزاء لاستحالة الطفرة فهذا يتطلب التدرج الزماني لا الرتبي فقط ولا يناسب مع نجاسة جميع المائع في آن واحد فالتحليل الارتكازي المذكور يناسب التقريب الثاني وقد تكون ضآلة الزمان الذي يتطلبه سريان الأثر وعدم امكان ضبطه عادة حكمة لاستقرار الارتكاز العرفي في باب المائعات على البناء على نجاسة المائع وقذارته بالملاقاة دفعة واحدة واعمال مثل هذه الحكمة لا يجعل الحكم بالسراية تعبديا بحتا كما هو واضح. هذا كله في تطبيق دليل الانفعال في المائعات واما تطبيقه في الجامد فمقتضى الجمود على العنوان المأخوذ فيه تطبيق عنوان الملاقي على الجزء خاصة فلا تسري النجاسة الى سائر الأجزاء ولا يوجد ارتكاز عرفي للسراية هنا ليحكم على الدليل ويؤخذ قرينة على تطبيق عنوان الملاقي على الجسم الجامد كله كما كان الحال في المائعات وعليه فلا موجب لاستفادة نجاسة ما عدا الجزء الملاقي وهذا فيما إذا لم تكن الأجزاء الأخرى مرطوبة برطوبة مسرية في غاية الوضوح وكذلك إذا كانت فيها رطوبة ولكن يفصل بينها وبين الجزء الملاقي منطقة جافة إذ لو قيل بنجاسة سائر الأجزاء المرطوبة فان كان كذلك في ضمن نجاسة الجسم بتمامه بما فيه المنطفة الجافة فهذا خلف اشتراط الرطوبة في السراية وان كان ذلك مع الحكم بطهارة المنطقة الجافة فهذا معناه طفرة النجاسة وهو على خلاف المرتكز العرفي جزما. واما إذا كان الجسم كله رطبا برطوبة مسرية فقد يتوهم تطبيق عنوان الملاقي عليه بتمامه وحينئذ يقتضي دليل الانفعال نجاسته

[ 159 ]

كله ولكنك عرفت ان مقتضى النظر المطابق للواقع في مقام تطبيق الدليل تطبيق عنوان الملاقي على الجزء الذي اصابته النجاسة خاصة وانما توسعنا في باب المائعات لقرينة الارتكاز ولا ارتكاز كذلك في باب الجوامد ان لم يكن الارتكاز على خلافه فلا موجب للتوسع بل لا ينجس سوى الجزء الملاقي. ولكن هنا شبهة قد تثار في هذا الفرض لاثبات تنجس تمام الاجزاء بنفس دليل الانفعال وذلك من باب السراية بالوسائط ويمكن تقريب الشبهة بأحد بيانين. الأول: ما أفاده السيد الاستاذ - دام ظله - من ان النجس الملاقي لجزء من الجامد سوف ينجسه وهذا الجزء باعتباره مرطوبا وملاقيا للجزء الثاني المرطوب ايضا فتسري النجاسة منه إليه وكذلك الأمر في الثالث وهكذا وقد أجاب السيد الاستاذ على هذا البيان بجواب يتأرجح بين دعويين حيث أنه في صدر التقريب كأنه يريد التمييز والتفرقة بين عنواني الملاقاة والاتصال بين الأجزاء وان ما هو موضوع الحكم بالسراية الملاقاة وهي غير حاصلة الا بلحاظ الجزء المماس للنجس واما الاتصال الثابت فيما بين الأجزاء نفسها فهو ليس بموضوع للسراية والتنجيس وفي آخر التقريب كأنه يريد مطلبا آخر هو التفرقة بين الاتصال قبل التنجس بالملاقاة والاتصال بعد ذلك فيستشهد بالوجوان العرفي لاثبات ان ما هو المؤثر في السراية الاتصال بعد الملاقاة مع النجس كما لو تنجس جزء بالملاقاة للنجس ثم لاقى جسما آخر واما الاتصال الثابت بين الأجزاء قبل الملاقاة للنجس فليس بمنجس (1). وكلا هذين الجوابين غير واضح اما الأول فلاننا لا نتعقل فرقا بين


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 239 - 240.

[ 160 ]

الاتصال والملاقاة لأن الملاقاة ليست الا عبارة عن تلاقي الجسمين وذلك لا يكون الا بالاتصال والمماسة فملاقاة جسم لجسم آخر من أي جهة أو جزء هي عين اتصاله به في تلك الجهة أو الجزء. واما الثاني فلان الاتصال بما هو اتصال بعد الملاقاة أو اتصال قبل الملاقاة لا دخل له في السراية لوضوح اننا لو قطعنا الجسم الجامد المرطوب كالخشبة التي لاقت الكلب مثلا بجزء منها وجعلناه قطعا عديدة ثم أعدناها الى هيئتها الأولى واوصلنا بعضها ببعض فلا تسري النجاسة الى غير الجزء النجس مع ان الاتصال هنا بعد الملاقاة كما ان المائع في داخل الاناء إذا انقلب الى خمر سرت النجاسة منه الى الاناء بلا اشكال مع ان الاتصال هنا بين الماء والاناء حاصل قبل الملاقاة كل هذا يوضح ان المسألة غير مرتبطة بكون الاتصال قبل الملاقاة أو بعدها بل هناك نكتة اخرى للسراية إذا وجدت سرت النجاسة سواءا كان الاتصال قبل الملاقاة أو بعدها وإذا لم توجد فلا سراية مطلقا وتلك النكتة التي بتحديدها يتوضح الجواب على هذه الشبهة ان الاتصال والملاقاة بين النجس والجامد ليس الا بلحاظ السطح المواجه للجنس والمماس له لا السطح الآخر الملاقي للجزء الثاني من اجزاء الجسم الجامد وبهذا يعرف السبب في عدم التنجس عندما نقطع اجزاء الجسم الواحد ثم نعيدها الى هيئتها الأولى والسبب في سراية النجاسة من المائع الى الاناء عند تحوله الى خمر. الثاني: وهو بيان احسن من سابقة وحاصله اننا حينما نفرض رطوبة الجسم الجامد بالمرتبة الثالثة من الرطوبة التي اعتبرها جماعة من الاعلام شرطا في السراية فمعنى ذلك ان طبقة مائية لها جرم يفترض وجودها على الجسم المرطوب فإذا لاقى النجس الجسم المرطوب فقد لاقى تلك الطبقة فيحكم وفقا لقاعدة السراية في المائعات بنجاسة تمام تلك الطبقة

[ 161 ]

المائية وإذا تنجست كذلك تنجس بها الجسم الجامد بتمامه لأنه بكل جزء منه يلاقي جزءا من تلك الطبقة المائية وهذا البيان لا يرد عليه شئ مما تقدم بل ينحصر وجه التخلص منه بالرجوع الى مسألة السراية في المائعات وتحليلها على نحو يقتضى اخراج هذه الصورة منها وتوضيح ذلك ان السراية في باب المائعات لم تكن من باب التطبيق الصناعي والدقيق لدليل الانفعال بل كان بتوسط ضم الارتكاز العرفي إليه القاضي بالسراية ولدى تحليل هذا الارتكاز نجد ان من المعقول ان ندعي ان حكمته ونكتته كون اجزاء المائع متحركة سيالة نافذة بطبعها بخلاف الجامد فان تلك الحركة والسيولة في اجزاء المائع اوجبت توسعة العرف لدائرة السراية بمجرد الملاقاة ومن المعلوم ان هذه النكتة غير موجودة في محل الكلام أي في الطبقة المائية الفوقية التي تشكل صفة الرطوبة للجسم الجامد فانها لضالة سمكها وحجمها لا يرى فيها تبادل الأجزاء وحركتها فيما بينها بل يعتبر كل جزء منها ملتصقا بالجزء الجامد الذي تحته ومثل هذا المائع لا تشمله نكتة الارتكاز القاضي بتوسعة دائرة السراية ولا أقل من الشك في ذلك الموجب لعدم امكان التمسك بدليل الانفعال لاثبات سراية النجاسة الى تمام الرطوبة لان اقتضاء دليل الانفعال للسراية الى تمام اجزاء المائع موقوف على تمامية الارتكاز ومع الشك فيه لا يمكن التمسك بالدليل. والى هنا كنا نتكلم عن حال المسألة بلحاظ دليل الانفعال العام ولو بضم الارتكاز واما حالها بلحاظ الأخبار الخاصة فلا شك في صحة ذكرها واستعراضها كمؤيد للنتائج التي انتهينا إليها واما الاعتماد عليها كدليل مستقل فلا يخلو من اشكال بمعنى انه إذا لم نستفد من دليل الانفعال سراية النجاسة الى تمام المائع فيشكل اثبات ذلك بالأخبار الخاصة وإذا تسجلت الشبهة التي أثرناها في الجامد المرطوب والتي تستهدف اثباب السراية الى تمام اجزاء

[ 162 ]

الجامد عن طريق السراية في الرطوبة نفسها فيشكل ابطال الشبهة بالاخبار الخاصة اما الأول فلأن ما يستدل به على السراية من الأخبار الخاصة هو مادل على الأمر باراقة الماء (1) أو المائع (2) بملاقاة النجاسة لشئ منه والنهي عن الوضوء منه ونحو ذلك ومن المعلوم انا إذا قطعنا النظر عن الارتكاز فهذه الأخبار كما يمكن ان يكون الأمر بالاراقة والنهي عن الاستعمال فيها بلحاظ سراية النجاسة الى تمام المائع بنفس الملاقاة للنجس كذلك يمكن ان يكون بلحاظ اشتمال المائع على الجزء النجس وتكثرة بالملاقاة من خلال تحركة ونفوذه. ولا يقال - ان ظاهر مفاد هذه الأخبار انه حكم واقعي لا حكم ظاهري بالاجتناب بلحاظ اختلاط النجس بالطاهر - لانه يقال ان كون الحكم واقعيا يثبت بظهور الدليل فيما إذا كان له اطلاق لفرض عدم الشك وفي المقام لا يعقل عرفا الاطلاق المذكور فلا معين لكونه واقعيا. واما الثاني فالأخبار الخاصة الواردة في مثل الثوب الملاقي للنجس (2)


(1) من قبيل معتبرة سماعة قال " سألت أبا عبد الله عن رجل معه اناءان وقع في احدهما قذر لا يدري ايهما هو وليس يقدر على ماء غيره قال: يهريقهما جميعا ويتيمم " الوسائل باب 8 من ابواب الماء المطلق. حديث 2. (2) من قبيل رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عليهما السلام " ان عليا عليه السلام سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فارة قال: يهريق مرقها ويغسل اللحم ويأكل " الوسائل باب 5 من ابواب الماء المضاف. حديث 3. (2) من قبيل معتبرة زرارة " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني.. قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد =

[ 163 ]

نعم لا ينجس العالي بملاقاة السافل إذا كان جاريا من العالي (1) بل لا ينجس السافل بملاقاة العالي إذا كان جاريا من السافل كالفوار من غير فرق في ذلك بين الماء وغيره من المائعات " 2 " وان دلت على عدم السراية إذ أمرت بغسل موضع الملاقاة خاصة واطلاقها وان كان يقتضي ذلك حتى في فرض كون الجسم الجامد مرطوبا بتمامه الا ان هذا الاطلاق انما ينفي تنجس سائر اجزاء الجسم الجامد بنفس الملاقاة للنجس المفروضة فيها ولا ينفي تنجسها عن طريق سراية النجاسة الى تمام الرطوبة ومنها الى الجسم على النحو الذي تقدم في البيان الثاني للشبهة والسر في ذلك ان تلك الاخبار لم ترد في مورد الجسم المرطوب رطوبة مسرية بتمامه وانما تشمل هذه الحالة بالاطلاق ونظرها انما هو الى النجاسة التي تحصل بنفس الملاقاة المفروضة فيها وليست في مقام البيان من ناحية ما قد يحدث احيانا بسبب ذلك فلا يمكن التمسك باطلاقها من غير ناحية النجاسة الحاصلة بنفس ملاقاة النجس المفروضة فيها. (1) تقدم تحقيقه مفصلا في الجزء الأول من هذا الشرح في ص 123 - 137. " 2 " لأن المناط في الاستثناء العلو المعنوي فانه هو ملاك النكتة في عدم سراية النجاسة من السافل الى العالي باعتبار عدم صلاحية السافل للتغلغل فيه، ثم انه كما لا ينجس العالي بملاقاة النجس للسافل فهل الأمر كذلك في العكس ايضا فلا ينجس السافل بملاقاة النجس للعالي ما دام لم ينزل الجزء المتنجس فلو لاقى شئ مع الجزء السافل من الماء في حين ملاقاة نجس للجزء العالي فهل يحكم ببجاسته أم لا؟ قد يستشعر من كلماتهم


= اصابها.. " الوسائل باب 7 من ابواب النجاسات. حديث 2.

[ 164 ]

وان كان الملاقي جامدا اختصت النجاسة بموضع الملاقاة سواءا كان يابسا كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزءا منه أو رطبا كما في الثوب المرطوب أو الارض المرطوبة فانه إذا وصلت النجاسة الى جزء من الارض أو الثوب لا يتنجس ما يتصل به وان كان فيه رطوبة مسرية بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة ومن هذا القبيل الدهن والدبس الجامدان نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثم اتصل تنجس موضع الملاقاة منه فالاتصال قبل الملاقاة لا يؤثر في النجاسة والسراية بخلاف الاتصال بعد الملاقاة وعلى ما ذكر فالبطيخ والخيار ونحوهما مما فيه رطوبة مسرية إذا لاقت النجاسة جزءا منها لا تتنجس البقية بل يكفي غسل موضع الملاقاة الا إذا انفصل بعد الملاقاة ثم اتصل " 1 ". القول بالانفعال في المقام لعدم تصريحهم باستثناء هذه الصورة من قاعدة السراية في المائعات ولكن الأقرب هو عدم السراية هنا ايضا اما بناءا على تخريج السيد الاستاذ للسراية وعدمها بوحدة المائع الساكن وتعدد الماء الجاري فمن الواضح ان تعدده إذا سلم في نفسه يقتضي عدم السراية من الطرفين واما بناءا على تخريجنا للسراية وعدمها بنفوذ الجزء الملاقي من المائع الساكن فيه وعدم نفوذ السافل في العالي فلأن العالي أيضا وان كان مستعليا ولكنه بلحاظ هروب السافل منه باستمرار لا يكون له صلاحية النفوذ فيه كما لا يكون للسافل صلاحية النفوذ في العالي فلا سراية في الطرفين. " 1 " قد اتضح الحال في ذلك كله مما تقدم وتبين حكم الجامد

[ 165 ]

(مسألة 1) إذا شك في رطوبة احد المتلاقين أو علم وجودها وشك في سرايتها لم يحكم بالنجاسة " 1 " واما إذا علم سبق وجود المسرية وشك في بقائها فالا حوط الاجتناب وان كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه " 2 ". واختصاص انفعاله بالجزء الملاقي خاصة ومبانيه كما تبين ايضا انه لا وجه للتفرقة بين اتصال واتصال لمجرد كون احدهما قبل الملاقاة والآخر بعدها. (2) لجريان الاصول المؤمنة المنقحة للطهارة ولا يوجد ما يتوهم كونه اصلا مثبتا للنجاسة ليكون حاكما على تلك الاصول أو معارضا لها. (2) لعدم جريان استصحاب بقاء الرطوبة فلا حاكم على الاصول المؤمنة. وتحقيق الحال في ذلك مبني على الرجوع الى التخريجات التي على اساسها قيل بدخل الرطوبة المسرية في التنجيس. فان بنى على دخلها بدعوى ان الرطوبة هي المنجسة دائما دون الجسم الجامد فالاستصحاب في المقام لا يجري لأنه إذا اريد به استصحاب بقاء الرطوبة فهو مثبت لأن لازم ذلك عقلا حصول الملاقاة للرطوبة وإذا أريد به استصحاب القضية التعليقية القائلة انه لو كان قد لاقاه سابقا للاقى الرطوبة والآن كما كان بالاستصحاب فهذا استصحاب تعليقي في الموضوعات والتحقيق عدم جريانه ولا يصححه جعل الجزاء في القضية التعليقية النجاسة بأن يقال هذا لو كان قد لاقاه سابقا لتنجس فان الاستصحاب التعليقي في الأحكام انما يجري إذا كان الحكم معلقا على نفس موضوعه الذي جعل عليه بحكم الشارع لا على ملازمه والا لم يجر لنفس نكتة عدم جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات.

[ 166 ]

(مسألة 2) الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص وان كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس ومجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله لا حتمال كونها مما لا تقبلها وعلى فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات (1). وان بني على ان المنجس هو الجسم والشرط وجود الرطوبة بنحو تسري فعلا من النجس الى الملاقي فلا يجري الاستصحاب ايضا بكلتا صيغتيه لمثبتية الصيغة الاولى لأن السراية لازم عقلي لبقاء الرطوبة وتعليقية الصيغة الثانية. وان بني على ان المنجس هو الجسم والشرط ذات الرطوبة الصالحة للسريان في نفسها لا بقيد السريان الفعلي جرى الاستصحاب لأن الملاقاة محرزة وجدانا والشرط يحرز بالاستصحاب فيترتب الانفعال ولكن مع هذا قد يشكل الأمر فيما لو اريد بالرطوبة المذكورة خصوص المرتبة الثالثة التي يصدق عليها انها ماء وجرم عرفا إذ قد يقال حينئذ بان الاستصحاب لا يجري لأنه ان اريد به اثبات تنجس الملاقي بالملاقاة لنفس الرطوبة المستصحبة فهو مثبت وان اريد به اثبات تنجس الملاقي بالملاقاة لنفس الجسم ذي الرطوبة فهذا مقطوع العدم سواءا كانت الرطوبة باقية ام لا؟ اما على الثاني فواضح واما على الأول فلان الملاقي يتنجس بالرطوبة باعتبارها جرما قبل أن يصل الى الجسم المرطوب لان ملاقاته لها اسبق زمانا والمتنجس لا يتنجس ثانية. (1) حاصل النظر في هذه المسألة انه بعد الفراغ عن عدم بقاء النجاسة في بدن الحيوان بعد زوال العين يتكلم في حكم الملاقي له في حالة

[ 167 ]

الشك في زوالها فهل يجري استصحاب بقاء النجاسة على بدن الحيوان على نحو تثبت به نجاسة الملاقي أو لا؟ والكلام في ذلك تارة يقع على القاعدة بلحاظ نفس دليل الاستصحاب واخرى - بعد افتراض اقتضاء دليل الاستصحاب لجريانه في المقام - في وجود المخصص لهذا الدليل وقد تقدم تحقيق الحال في جريان الاستصحاب واتضح انه غير جار في نفسه سواءا قيل بأن بدن الحيوان لا ينجس اصلا أو ينجس ولكن يطهر بزوال العين فلاحظ (1) كما تقدم ايضا بعض ما يتوهم كونه مخصصا لدليل الاستصحاب لو فرض اقتضاؤه لجريان الاستصحاب في المقام وهو معتبرة عمار (2) الواردة في منقار الطير والتي تنيط الاجتناب برؤية الدم على المنقار فلا يكفي اثباته بالاستصحاب وقد ذكرنا هناك ان الصحيح عدم صلاحية الموثقة لكونها مخصصة لو تم اطلاق دليل الاستصحاب في نفسه. ومثل المعتبرة معتبرتان لعلي بن جعفر قد يستدل بهما لتخصيص دليل الاستصحاب، احداهما قال: " سألته عن الدود يقع من الكنيف على الثوب أيصلي فيه قال لا بأس الا ان ترى فيه أثرا فتغسله " (3) فانها تدل على الطهارة مع عدم رؤية الأثر ولو كان معلوم الملاقاة للنجس قبل وقوعه في الثوب بل قد تكون الرواية واردة في مورد العلم بملاقاة دود للنجس سابقا باعتباره في الكنيف فتعتبر من هذه الناحية اخص مطلقا من دليل الاستصحاب، والاخرى قال: " سألته عن الفارة والدجاجة والحمام واشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل قال ان كان استبان من اثره


(1) تقدم في شرح مسألة ان كل مشكوك طاهر. (2) الوسائل باب 82 من ابواب النجاسات حديث 2. (3) الوسائل باب 80 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 168 ]

(مسألة 3) إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه وإلقاء ما حوله ولا يجب الاجتناب عن البقية وكذا إذا مشى الكلب على الطين فانه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله إلا إذا كان وحلا والمناط في الجمود والميعان انه لو أخذ منه شئ فان بقي مكانه خاليا حين الاخذ وان امتلأ بعد ذلك فهو جامد وان لم يبق خاليا اصلا فهو مائع (1). شئ فاغسله والا فلا بأس " (1) وهذه اقوى من سابقتها لان كونها واردة في مورد وجود حالة سابقة هي الملاقاة للنجس واضح فتكون اخص من دليل الاستصحاب ولكن الصحيح ان هاتين الروايتين ان لم يدع ظهورها في ان نفي الغسل مع عدم رؤية الأثر أو استبانته من اجل عدم احراز الرطوبة المسرية فلا اقل من ان يكون النفي مطلقا شاملا لفرض الشك في الرطوبة المسرية وفرض العلم بها وحينئذ يكون معارضا لدليل الاستصحاب بالعموم من وجه لا بالاخصية لوضوح ان الاستصحاب لا ينفع لا ثبات النجاسة في مورد الشك في الرطوبة المسرية كما تقدم في المسألة السابقة ومعه يقدم دليل الاستصحاب لكونه بالعموم وكون شمول النفي بالاطلاق وهكذا يتضح ان دليل الاستصحاب لو كان مقتضيا لاجراء استصحاب بقاء عين النجس فلا مخصص له الا ان هذا الاستصحاب في نفسه لا يجري. (1) لا شك في ان المائع مفهوم مشكوك له مراتب فلو فرض ان الحكم بتوسعة دائرة الانفعال وشمولها للجميع في المائع كان بتحكيم الارتكاز


(1) الوسائل باب 37 من ابواب النجاسات حديث 3.

[ 169 ]

على دليل الانفعال وتنزيل للدليل على المناسبات المركوزة فلابد من ملاحظة هذه المناسبات ومدى اقتضائها للتوسعة نعم لو كان ذلك حكما تعبديا معلقا في دليله على عنوان المائع كان دائرا مدار صدق هذا العنوان. وتفصيل الكلام - اما بلحاظ الارتكاز فقد اتضح سابقا ان نكتة السراية في المائع كون اجزائه مما ينفذ بعضها في البعض ومن هنا يمكن ان يقال بأن التنجيس في الجامد والمائع يمتد على نحو واحد إذ يشمل الملاقي المباشر ودائرة صلاحية هذا الملاقي للانتشار والنفوذ ولما كانت هذه الدائرة في الجامد لا تزيد على نفسه فلا سراية ولما كانت في المائع تزيد عليه ثبتت السراية ولما كان الميعان هو الميزان في توسعة هذه الدائرة فكلما كان الميعان اكمل واشد كانت دائرة السراية أوسع وهذا التحليل الارتكازي قد ينتهي بنا الى ميزان عملي كلي واحد وهو ان السراية انما تمتد الى المقدار الذي يمكن عرفا عزله وفصله عن الباقي بحيث يرى عرفا ان النجاسة قد طوقت ضمن ذلك المقدار فلا ينجس ما زاد عليه والضابط المذكور في المتن يجب ان يفهم حينئذ باعتباره تطبيقا لهذا الميزان فبقاء مكان المأخوذ خاليا مشير عرفا الى تحدد دائرة النفوذ وامكان تطويق النجاسة ضمن هذا المقدار. والروايات الخاصة الواردة في اقسام المائع وكيفية انفعالها لا تخرج في مفادها عما ذكرناه وذلك لانها على قسمين احدهما - ما لم يعلق فيه الحكم بالسراية بعنوان الميعان من قبيل معتبرة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (ع) قال " قلت: جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل فقال اما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله والزيت يستصبح به " (1) فقد فرق بين الزيت وبين السمن والعسل دون ان تذكر نكتة الفرق فينزل على المرتكز العرفي وهو يناسب قوله (فيؤخذ الجرذ وما حوله) إذ يفهم منه عرفا


(1) الوسائل باب 6 من ابواب ما يكتسب به حديث 1.

[ 170 ]

جعل الميزان امكان تطويق النجاسة عرفا المرتبط بمدى النفوذ لا الجمود والميعان بعنوانيهما. ومن هذا القبيل ايضا معتبرة الحلبي قال " سألت ابا عبد الله (ع) عن الفارة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه فقال ان كان سمنا أو عسلا اؤ زيتا فانه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله وان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به وان كان ثردا فاطرح الذي كان عليه ولا تترك طعامك من اجل دابة ماتت عليه " (1) ففي هذه الرواية لم ينط الحكم بالسراية بعنوان الميعان بل بالشتاء والصيف ومدخلية الفصلين وان كانت بلحاظ الانجماد والميعان ولكنه يناسب مع التنزيل على المرتكز العرفي حيث ان المائع في الصيف تتسع دائرة نفوذه بينما تضيق في الشتاء بحيث يمكن تطويق النجاسة فيه ولهذا ورد التعبير بقوله (فانزع ما حوله) وقد يشعر بعدم النفوذ قوله في آخر الرواية (ولا تترك طعامك من اجل دابة ماتت عليه) إذ قيل بانها ماتت عليه لا فيه. بقي شئ يرتبط بفقه هذا الحديث حيث جاء فيه قوله (وان كان ثردا) والكلمة مرددة بين (ثردا) (2) و (بردا) (3) وقد استظهر انه الثرد بمعنى الثريد بتقريب انه على الاحتمال الآخر يكون تكرارا لنفس الجملة السابقة التي تفترض حكم الشتاء ويمكن ان يناقش في ذلك بانه وان استلزم التكرار ولكنه تكرار عرفي في امثال المقام من اجل توضيح ان الشتاء انما اخذ بنحو المعرفية الى البرد لا على وجه الموضوعية وكون ذلك مفهوما بمناسبات الحكم والموضوع لا يمنع عن تصدي المتكلم لتفهيمه وكان الاولى


(1) الوسائل باب 43 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 4. (2) كما في الوسائل والتهذيب الجزء التاسع حديث 361. (3) كما في الوافي كتاب المطاعم باب 16.

[ 171 ]

ان يذكر في اثبات الاحتمال الاول انه عليه يكون قوله المذكور معطوفا على قوله في صدر الكلام (ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا) بلا مؤونه واما على الاحتمال الآخر فلا يمكن ان يكون معطوفا على قوله فان كان الشتاء وان كان الصيف لان كان هناك تامة لا ناقصة فلابد على هذا التقدير من تقدير اسم لكان في قوله كان بردا ننتزعه بالعناية من مجموع الكلام، وعلى هذا يكون الاحتمال الأول أولى بالكلام. هذا ولكن الصحيح ان كل هذا الكلام مما لا مجال له لان ذكر المقربات والشواهد انما يفيد في مجال تحديد المراد الاستعمالي بعد الفراغ عن تحديد الكلمة. واما إذا كان الشك في اصل تعيين الكلمة الصادرة فلا تفيد تلك المقربات في تعيينها كما هو واضح واما المقصود على اي حال الأمر بطرح ما كان النجس عليه من الطعام سواء كان ثريدا أو غيره في مقابل ان يطرح الطعام كله. نعم في بعض الروايات انيطت السراية بعنوان الذوبان كما في رواية اسماعيل بن عبد الخالق عن ابي عبد الله (1) ومعتبرة زرارة عن ابي جعفر (2) فقد جاء في الاولى قوله (فان كان ذائبا) وجاء في الثانية قوله (فان كان جامدا فالقها وما يليها وكل ما بقي وان كان ذائبا فلا تأكله) فقد يدعى جمودا على العبارة فيهما ان مجرد صدق الذوبان عرفا يكفي في الحكم في السراية بدون فرق بين مراتبه ولكن لو تم هذا الاطلاق ولم يحكم عليه ارتكاز عرفي بالنحو المتقدم لوقع طرفا للمعارضة مع اطلاق معتبرة معاوية بن وهب السابقة التى فصلت بين السمن والعسل وبين الزيت


(1) الوسائل باب 6 من ابواب ما يكتسب به حديث 5. (2) الوسائل باب 43 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 3.

[ 172 ]

(مسألة 4) إذا لاقت النجاسة جزءا من البدن المتعرق لا يسري الى سائر اجزائه الا مع جريان العرق (1). (مسألة 5) إذا وضع ابريق مملوء ماءا على الارض النجسة وكان في اسفله ثقب يخرج منه الماء فان كان لا يقف تحته بل ينفذ في الارض أو يجري عليها فلا يتنجس ما في الابريق من الماء وان وقف الماء بحيث يصدق اتحاده مع ما في الابريق بسبب الثقب تنجس وهكذا الكوز والكاس والحب ونحوها (2). ودلت على عدم السراية الى كل اجزاء السمن والعسل إذا كان بالامكان تطويق النجاسة وفصلها مع محلها عما حولها من سائر الاشياء سواءا صدق عليه عنوان الذائب ولو بلحاظ ادنى مراتب الذوبان أولا ومادة التعارض هي حالة الذوبان التي لا تمنع عن تطويق النجاسة ومحلها وبعد التساقط نرجع الى مقتضى القاعدة فنحكم بالطهارة لان دليل الانفعال العام لا يقتضى السراية الا في حدود عدم امكان التطويق عرفا. (1) تقدم تحقيق الكلام فيها في ص 353 وما بعدها. (2) تارة يفرض بين الثقب والموضع النجس فجوة يتقاطر فيها الماء واخرى يفرض التصاق الثقب بالارض ففي الاول قد يقرب الحكم بالطهارة تارة باعتبار انه من باب ملاقاة السافل للنجس فلا ينفعل العالي واخرى باعتبار تعدد الماء وعدم كون الاتصال من خلال الثقب موجبا لوحدته، ويرد على الاول انه لا يتم بعد فرض امتلاء الفجوة إذ يكون من ملاقاة الساكن لا المتدفع من الماء الذي لا تسري النجاسة فيه الى الاعلى، ويرد على الثاني ان مجرد عدم الوحدة لا يكفي إذ يكفي في السراية الملاقاة وهي حاصلة بين

[ 173 ]

(مسألة 6) إذا خرج من انفه نخاعة غليظة وكان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله من سائر اجزائها فإذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الانف لا يجب غسله وكذا الحال في البلغم الخارج من الحلق (1). (مسألة 7) الثوب أو الفراش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه ولا يجب غسله ولا يضر احتمال بقاء شئ منه بعد العلم بزوال القدر المتيقن (2). ماء الابريق والماء الذي ملأ الفجوة نعم إذا كان الثقب ضيقا على نحو لا يرى هناك اتصال ويرى ان ما في فوهة الثقب مجرد رطوبة اتجه الحكم بالطهارة. وفي الثاني لا يجري الوجهان المتقدمان حتى لو سلمنا في الفرض السابق بل ينحصر وجه الحكم بالطهارة في المنع عن صدق الملاقاة لعدم كون الفتحة في الثقب موجودة وجودا عرفيا يحقق الملاقاة. (1) هذه المسألة تطبيق للكبريات التي فرغنا عنها فالنخاعة لغلظتها لا تسري النجاسة الى تمامها من نقطة الدم ومع عدم سريانها لا موجب للحكم بنجاسة الانف ما لم يعلم بملاقاة نقطة الدم. (2) الكلام في هذه المسألة يقع في فروع: الاول: في ان الغبار إذا كان متنجسا أو من عين النجس فهل ينجس ما يصيبه من فراش أو ثوب، والجواب انه لا ينجسه ولو تراكم عليه مع فرض عدم الرطوبة المسرية كما تقدم. الثاني: انه بعد فرض عدم التنجيس هل يكون مانعا عن الصلاة في الثوب الحامل لذلك التراب النجس مع عدم سراية النجاسة بالملاقاة أو انه

[ 174 ]

لا مانعية له ما دامت النجاسة الحكمية غير سارية الى الثوب. ويمكن دعوى عدم المانعية لان الثابت من ادلة مانعية النجس في الصلاة كون المانع هو نجاسة البدن أو نجاسة اللباس والمفروض في المقام عدم سراية النجاسة الى الثوب فالنجس هنا محمول لا ملبوس فلا يشمله دليل مانعية النجس. وفي مقابل ذلك يمكن ان تقرب المانعية في مثل هذا المحمول الذي يتلطخ به ثوب المصلي أو بدنه اما باستفادة ذلك من نفس ادلة عدم جواز الصلاة في الثوب الذي اصابته النجاسة أو الثوب المتنجس باعتبار ان كون الثوب متنجسا ومتقذرا كما يكون بلحاظ اتصافه بالنجاسة الحكمية كذلك يكون بلحاظ تلطخه بعين نجسة أو متنجسة فان هذه العين بالدقة وان كانت شيئا محمولا لا صفة ولكنها بالنظر العرفي صفة للثوب وقذارة له. واما بلحاظ معتبرة علي بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتلقى عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه يصلي قبل ان يغسله قال نعم ينفضه ويصلي فلا بأس (1) فانها تضمنت الامر بالنفض وهو ظاهر في مانعيته. اللهم الا ان يقال: ان الامر بالنفض ليس له ظهور في المولوية والالزام لاحتمال ان يكون المقصود منه نفي وجوب الغسل لان أصل التخلص من القذارة أمر مفروض عرفا وانما التردد في اسلوب التخلص ودورانه بين الاسلوب الابسط وهو النفض أو الاشد وهو الغسل فيكون الامر بالاسلوب الابسط بعد المفروغية عن اصل التخلص ارشادا الى عدم وجوب الغسل وليس في مقام الالزام بالنفض.


(1) الوسائل باب 26 من ابواب النجاسات حديث 12.

[ 175 ]

ولكن البناء على المانعية ولزوم النفض لو لم يكن الغسل هو الاقرب فلا شك في انه هو الأحوط لان مجرد الاحتمال المذكور لا يسوغ رفع اليد عن ظهور الأمر بالنفض في المانعية خصوصا مع تعقيب الأمر بالنفض بقوله (ويصلي). الثالث: انه لو شك في زوال الغبار المتراكم على الثوب بالنفض جرى استصحاب بقائه وترتب على ذلك الحكم ببقاء المانعية تعبدا وهل يترتب عليه الحكم بنجاسة المائع الذي يقع فيه ذلك الثوب أو لاوجهان، فقد يقال بعدم ترتب ذلك على الاستصحاب المذكور لانه لا يثبت ملاقاة الغبار النجس للمائع الا بالملازمة حيث ان بقائه في الثوب الى حين طرح الثوب في المائع يستلزم ملاقاته للمائع وقد يقال بالترتب وذلك لاننا نثبت بالاستصحاب المذكور نجاسة نفس الثوب فان نجاسته مترتبة على ملاقاته للنجس وكونه رطبا وملاقاته للتراب النجس بنفسها مورد الاستصحاب وكون الثوب رطبا وجداني حالة القائه في المائع وإذا ثبتت نجاسة الثوب ثبتت نجاسة المائع بملاقاته للثوب. فان قيل. كيف كان الاستصحاب مثبتا بالنسبة الى احراز ملاقاة المائع للتراب النجس ولم يكن مثبتا بالنسبة الى احراز ملاقاة الثوب للتراب النجس؟ فانه يقال: ان اصل ملاقاة المائع للتراب النجس ليس موردا للاستصحاب بل هو لازم عقلي لبقاء المستصحب واما ملاقاة الثوب للتراب النجس فهي بنفسها مورد للاستصحاب نعم هنا شئ وهو انه إذا قيل بان رطوبة الملاقي للنجس بمجردها ليست كافية بل بحيثية سريان الرطوبة منها الى النجس فمن الواضح ان استصحاب ملاقاة الثوب للنجس الى حين رطوبة الثوب لا يثبت سراية الرطوبة من الثوب الى النجس الا بالملازمة ومن هنا كنا نقول بان استصحاب رطوبة النجس لا يكفي لنجاسة ملاقيه لانه لا يثبت سراية الرطوبة الا بالملازمة ولكن

[ 176 ]

يمكن التفكيك بدعوى ان الرطوبة الدخلية في التنجيس إذا كانت في النجس فلا يكفي مجرد وجودها بل لابد ان تكون بنحو تسري منه فعلا الي الملاقي ومن هنا لا يجري استصحاب رطوبة النجس واما إذا كانت في الملاقي للنجس فلا يعتبر فيها السريان الى النجس لان اعتبار سريان الرطوبة في التنجيس يتطابق مع المرتكزات العرفية في جانب النجس لافي جانب الطاهر إذ ما معنى ان الطاهر المرطوب لا ينجس إلا إذا سرى منه شئ الى النجس فان مناط سراية القذارة عرفا ان يكتسب غير القذر شيئا من القذر لا العكس الا ان يلتزم باعتبار سراية الرطوبة من الطاهر الى النجس بدرجة توجب السراية مرة اخرى من النجس الى الطاهر وهذا معناه ان الرطوبة التي تفي بالشرط في جانب الملاقي يحب ان تكون اشد من الرطوبة التي تفي بالشرط في جانب القذر وهو بعيد عن اتجاه المسألة فتوى وعرفا بل قد يقال: ان اعتبار كون الرطوبة في النجس مسرية انما هو من اجل ان المناط في السراية حقيقة رطوبة الملاقي لان الملاقي الجاف لا يتأثر فالملاقي ان كان رطبا في نفسه تأثر على اي حال ولو لم تكن رطوبته مسرية وان لم يكن رطبا كذلك وكان النجس رطبا فلابد من ان تكون رطوبته مسرية لكي يصبح الملاقي رطبا وبالتالي صالحا للتأثر وعليه لا يكون الاستصحاب في المقام مثبت نعم قد يتأمل في ترتب نجاسة الماء على الاستصحاب المذكور بنحو يشبه التأمل في ترتب نجاسة الملاقي لبدن الحيوان على استصحاب بقاء عين النجاسة عليه حتى لو قيل بان بدن الحيوان ينجس ثم يطهر بزوال العين فلاحظ. الرابع: انه إذا شك في بقاء القذر الجاف على الثوب من ناحية الشك في مقداره فهل يجري استصحاب بقائه، والتحقيق:، ان ما علم بارتفاعه ان كان معلوم الانطباق على الاقل المتيقن حدوثا فلا معنى لاجراء

[ 177 ]

(مسألة 8) لا يكفي مجرد الميعان في التنجس بل يعتبر ان يكون مما يقبل التأثر وبعبارة اخرى يعتبر وجود الرطوبة في احد المتلاقيين فالزئبق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس وان كان مائعا وكذا إذا أذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة أو صب بعد الذوب في ظرف نجس لا ينجس الا مع رطوبة الظرف أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج (1). الاستصحاب لان ما زاد عليه مشكوك بدوي من اول الامر واستصحاب الجامع يكون من استصحاب القسم الثالث من الكلي، واما إذا لم يكن معلوم الارتفاع مما يعلم بانطباقه على الاقل المتيقن حدوثا فلا بأس بجريان استصحاب واقع ذلك الجزء الذي كان قد تيقن به حدوثا ولا يدري بزواله وليس هذا من استصحاب الفرد المردد بل هو من قبيل ما إذا علم بدخول زيد الذي هو موضوع الاثر الشرعي الى المسجد ثم علم بخروج شخص منه لا يدري هل هو زيد أو غيره فانه في مثل ذلك يجري استصحاب بقاء زيد في المسجد بلا اشكال. (1) قد يقرب الحكم بالنجاسة في حالة الميعان بدون رطوبة كما في الزئبق والذهب المذاب بالتمسك باطلاقات ادلة الانفعال لعدم شمول المقيد لمثلى المقام لان المقيد ان كان هو الاجماع على عدم السراية مع الجفاف فلا يعلم بشموله لمحل الكلام وان كان هو الروايات الخاصة الواردة في مثل السمن والزيت التي اناطت السراية بالذوبان والميعان فمن الواضح ان ذوبان ما وقع موضوعا للكلام فيها من السمن والزيت ونحوهما انما هو ذوبان مائي مساوق للرطوبة الموجبة للتلوث فلا موجب للتعدي الى مورد الكلام.

[ 178 ]

ويمكن أن يقرب الحكم بعدم النجاسة تارة بالتمسك باطلاق مقيد من قبيل (كل يابس زكي) (1) بدعوى ان اليبوسة في مقابل نداوة ماء لا في مقابل مطلق الميعان، واخرى بدعوى ان المقيد اللبي وهو الارتكاز القاضي بعدم السراية مع الجفاف يشمل جزما أو احتمالا هذا النحو من الميعان غير المائي ومع احتمال شموله لا يمكن التمسك باطلاق دليل الانفعال لانه من موارد المقيد المتصل الدائر امره بين الاقل والاكثر، وثالثة بدعوى انكار وجود مطلقات في ادلة الانفعال رأسا لان دليل الانفعال المطلق إما ان يكون متصيدا من الروايات الواردة في الموارد المتفرقة أو معتبرة عمار (2) الآمرة بغسل كل ما أصابه ذلك الماء والمتصيد لا يمكن ان يعمم لمحل الكلام والموثقة موردها ملاقاة الماء. وبما ذكرناه ظهر ان الذهب المذاب ونحوه إذا كان مرطوبا برطوبة مائية ولاقى النجس سطحه ولم تسر النجاسة الى تمامه شأنه شأن الحامد لان سراية النجاسة الى تمام المائع بالملاقاة على خلاف القاعدة ويحتاج الى دليل من نص خاص أو تحكيم الارتكاز على دليل الانفعال وكلاهما لا يفي باثبات السراية في المقام. وعلى هذا الاساس فان الرطوبة التي توجب الانفعال بالملاقاة هي الرطوبة المسرية التي توجب التلوث سواء كانت مائية في نظر العرف كرطوبة الماء والماء المضاف أو غير مائية كرطوبة النفط والزيت كما ان الميعان الذي يوجب انفعال تمام المائع بالملاقاة هو الميعان الذي يحقق تلك الرطوبة المسرية.


(1) كما ورد في رواية عبد الله بن بكير المذكورة في الوسائل باب 31 من ابواب احكام الخلوة حديث 5. (2) الوسائل باب 4 من ابواب الماء المطلق حديث 1.

[ 179 ]

(مسألة 9) المتنجس لا يتنجس ثانيا ولو بنجاسة اخرى لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما فلو كان لملاقي البول حكم ولملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معا ولذا لو لاقى الثوب دم ثم لاقاه البول يجب غسله مرتين وان لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم وقلنا بكفاية المرة في الدم وكذا إذا كان في اناء ماء نجس ثم ولغ فيه الكلب يجب تعفيره وان لم يتنجس بالولوغ ويحتمل ان يكون للنجاسة مراتب في الشدة والضعف وعليه فيكون كل منهما مؤثرا ولا اشكال (1). (1) إذا لاقى الشئ مع قذرين بأن لاقى مثلا الدم اولا ثم البول فهل يجري عليه في مقام التطهير اشد الوظيفتين فيجب التعدد في هذا المثال نظرا الى ملاقاته للبول أو يجري عليه اضعفهما فلا يجب التعدد لان التعدد حكم ما تنجس بالبول والشئ المفروض تنجسه بالدم اولا لا يتنجس بعد ذلك بالبول لان المتنجس لا يتنجس وتحقيق الحال في ذلك يقع في مقامين. احدهما: في تحقيق الحال بناء على ان المتنجس لا يتنجس. والآخر: في تحقيق كبرى أن المتنجس لا يتنجس. اما المقام الاول فيمكن ان يقرب وجوب التعدد مغ البناء المذكور باحد وجهين: الاول: ما ذكره السيد الاستاذ " دام ظله " من التمسك باطلاق الامر في دليل اشد الوظيفتين كالامر بغسل ملاقي البول مرتين فان موضوعه ينطبق سواء قلنا بان المتنجس يتنجس ثانية أو لا فانه ملاق للبول على

[ 180 ]

اي حال (1). ويمكن التأمل في هذا الوجه على اساس ان الامر بالغسل مرتين من البول كما هو معلوم ارشاد الى امرين، احدهما نجاسة الملاقي بسبب البول والآخر ان المطهر له هو الغسل مرتين وعليه فان قيل بدلالة الامر بالغسل على هذين الامرين بنحو طولي بحيث يكون مرجع الثاني منهما الى كيفية التطهير من النجاسة المقررة في الامر الاول منهما فمع سقوط دلالة الدليل على الامر الاول كما هو المفروض لا يمكن التمسك به لاثبات الامر الثاني كما هو واضح، وإن قيل بدلالة الدليل على كلا الامرين في عرض واحد فهذا يعني ان مرجع الثاني منهما الى بيان ان الغسل مرتين يطهر الشئ بدون نظر الى كونه مطهرا من النجاسة البولية بالخصوص لئلا تلزم الطولية بين الامرين ولاشك في ان ذلك خلاف المتفاهم العرفي من الدليل ولكن بناء عليه يلزم التعارض بالعموم من وجه بين اطلاق الامر بالغسل مرتين من البول واطلاق الامر بالغسل مرة من الدم فان ما لاقى الدم ثم البول مشمول لكلا الاطلاقين ومقتضى شمول اطلاق الامر بالتعدد له انه لا يطهر بالمرة الواحدة ومقتضى شمول اطلاق الامر الآخر انه يطهر بالمرة ولكل من الاطلاقين مادة افتراق عن الآخر وبعد التساقط يرجع الى المطلقات الفوقية أو الى استصحاب النجاسة، فان قيل ان اطلاق الامر بالغسل مرة من الدم انما يدل على الاكتفاء بالمرة في مقام التطهير من الدم فلا ينافي الاحتياج الى التعدد من ناحية البول، قلنا ان هذا يعني الطولية بين الامرين ونحن انما اوقعنا المعارضة بين الاطلاقين على فرض عدم الطولية واما مع الطولية المفروضة فلا يمكن التمسك باطلاق دليل الامر بالغسل مرتين من البول لاثبات الامر الثاني مع فرض عدم الامر الاول كما عرفت.


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 261.

[ 181 ]

الثاني ان يقال بان اطلاق الامر بالغسل مرتين من البول وان كان لا يشمل بلفطه محل الكلام إلا انه يستفاد منه الحكم بالاولوية العرفية لان ملاقي البول المسبوق بملاقاة الدم ليس اقل قذارة عرفا من ملاقي البول غير المسبوق بملاقاة الدم. ويرد عليه انا افترضنا ان العرف يعترف بالمبنى وهو ان المتنجس بالدم لا ينفعل ثانية بالبول بخلاف الطاهر الملاقي للبول ابتداءا فمن المعقول لديه عندئذ عدم لزوم تعدد الغسل الا في الملاقي مع البول ابتداءا لانه المنفعل به دون الملاقي مع الدم وانما يحكم وجداننا بغرابة هذه النتيجة باعتبار غرابة المبنى نفسه وهكذا يتضح انه على مبنى عدم تنجس المتنجس لا يوجد طريق فني لاثبات وجوب التعدد. المقام الثاني: في تحقيق كبرى تنجس المتنجس وحاصل ذلك ان مقتضي اطلاق ادلة الانفعال هو أن المتنجس يتنجس ثانية بالملاقاة فلابد لابطال هذا الاطلاق من اثبات وذلك بأحد الوجوه التالية: الاول: ان تنجس المتنجس ثانيا يلزم منه اجتماع المثلين، ويرد عليه ان محذور اجتماع المثلين انما يتم في الصفات الحقيقية والعرفية لا في الاعتباريات فقد ينطبق المحذور على القذارة الحقيقية العرفية فيمتنع اجتماع فردين منها ولكن لا استحالة في وقوع مثل ذلك في القذارات الاعتبارية. ولو قيل: بأن الدليل اعتبار القذارة لسانه لسان التنزيل منزلة القذارة العرفية فما لا يمكن افتراضه في القذارة العرفية لا يفي دليل التنزيل باثباته. قلنا: ان القذارة العرفية بنفسها قابلة للاشتداد فليكن الامر بالغسل عند الملاقاة ارشادا الى حدوث نجاسة بالنحو المناسب مرتبة أو ذاتا والاشتداد في الاعتبار وان كان مستحيلا ولكن تعلق الاعتبار الشديد ممكن كما لا يخفى.

[ 182 ]

(مسألة 10) إذا تنجس الثوب مثلا بالدم مما يكفي فيه غسله مرة وشك في ملاقاته للبول ايضا مما يحتاج الى التعدد يكتفي فيه بالمرة ويبني على عدم ملاقاته للبول (1) الثاني: ان تنجس المتنجس ثانيا لغو ثبوتا بعد الفراغ عن عدم تعدد الغسل وهذا لا يتم فيما إذا اختلفت الوظيفة كما في المتنجس بالدم إذا لاقى البول. الثالث: ان تنجس المتنجس ثانيا لا موجب له اثباتا ولو امكن ثبوتا لان الدليل دل على النجاسة بلسان الامر بالغسل ومن المعلوم عدم تعدد الامر بالغسل وإلا لاقتضى تعدد الغسل بتعدد الملاقاة ومعه لا كاشف عن النجاسات المتعددة والتحقيق ان الامر بالغسل باعتباره ارشاديا الى النجاسة والتطهير فمقتضى القاعدة فيه عدم التداخل في الاسباب مع التداخل في المسببات لان نكتة عدم التداخل في الاسباب محفوظة فيما لو كان الجزاء امرا ارشاديا ايضا وهي ظهور الجملة الشرطية في الحدوث عند الحدوث واما عدم التداخل في المسببات فباعتبار استحالة تعلق طلبين بموضوع واحد واقتضاء محل واحد منهما انبعاثا مستقلا وهذا إنما يكون في الطلب المولوي لافي الارشاد إذ لا مانع من الارشاد بامرين بالغسل الى نجاستين والى ان طبيعي الغسل مطهر منهما معا من دون ان يلزم تعدد الغسل أصلا وعليه فما هو المعلوم في المقام الالتزام بالتداخل في المسببات وهذا لا يستلزم التداخل في الاسباب. (1) وتقريب ذلك ان استصحاب بقاء النجاسة في الثوب بعد الغسل مرة وان كان جاريا في نفسه ولكنه محكوم لاستصحاب عدم الملاقاة للبول فيحكم بالطهارة بعد الغسلة الاولى وتحقيق ذلك يكون بالكلام عن جريان

[ 183 ]

استصحاب النجاسة في نفسه اولا وعن كونه محكوما لاستصحاب آخر ثانيا. اما الاول: فان بني على ان المتنجس لا يتنجس ثانيا فاستصحاب النجاسة شخصي ولا اشكال في جريانه في نفسه وكذلك ان بني على اشتداد النجاسة بالملاقاة الثانية وان بني على تعدد النجاسة واجتماع النجاستين معا فيكون المقام من استصحاب القسم الثالث من الكلي وان فرض تضادهما كان من القسم الثاني من استصحاب الكلي. واما الثاني: فقد ذكر السيد الاستاذ في تقريب ذلك ان استصحاب النجاسة من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلي وكلما كان للكلي المردد حالة سابقة بحيث يعلم بوجوده في ضمن القصير سابقا وحصل التردد فيه بقاء كان استصحاب بقاء ذلك الفرد القصير بحده حاكما والمقام من هذا القبيل لان النجاسة الدمية القصيرة معلومة سابقا فتستصحب بحدها ويحكم ذلك على استصحاب كلي النجاسة ويثبت انتهاء امدها بالغسل مرة (1). ويرد عليه ان التردد بين الفردين وان كان قد حصل في المقام بقاءا لا حدوثا الا ان هذا بمجرده لا يكفي ملاكا للتفصيل في استصحاب الكلي من القسم الثاني ولا يجدي في حكومة استصحاب بقاء الفرد القصير على استصحاب الكلي وذلك باعتبار ان انتقاء الكلي ليس أثرا شرعيا لثبوت الفرد القصير بحده كي يترتب على استصحابه وانما هو لازم عقلي لا يثبت بالاصل. والتحقيق انه إذا بنى على ان المتنجس لا يتنجس ثانية فاستصحاب النجاسة شخصي لا كلي إذ هناك نجاسة واحدة معينة وهي على تقدير ترتفع بالغسل مرة وعلى تقدير لا ترتفع الا بالتعدد وفي مثل ذلك يجري استصحاب عدم الملاقاة للبول ويكون حاكما على ذلك الاستصحاب الشخصي لانه ينقح ذلك التقدير الذي يترتب عليه شرعا التطير بالغسل مرة فان التطهير


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 261 - 262.

[ 184 ]

بذلك موضوعه مركب من ملاقاة الدم وعدم طرو ملاقاة البول والأول وجداني والثاني استصحابي وإذا بنى على ان المتنجس يتنجس وتجتمع النجاستان فلا يجري استصحاب النجاسة في نفسه كما عرفت وإذا بنى على ذلك وعلى انهما لا تجتمعان كان من استصحاب الكلي من القسم الثاني وفي حالات هذا الاستصحاب يكون استصحاب عدم الفرد الطويل أو عدم سببه الشرعي حاكما على استصحاب الكلي فيما إذا رتب في دليل عدم الكلي على عدم الفرد الطويل ذاتا أو سببا ولا تتم الحكومة بغير ذلك ففي المقام إذا استظهر من دليل الأمر بالغسل للدم ان مفاده حصول الطهارة وارتفاع كلي النجاسة بالغسل المذكور غاية الأمر يلتزم بان عدم طرو الملاقاة للبول مأخوذ في موضوع هذا الارتفاع كان استصحاب عدم ملاقاة البول منقحا لموضوع حكم الشارع بارتفاع كلي النجاسة بالغسل مرة فيحكم على استصحاب النجاسة، واما إذا قيل بان مفاد الأمر بالغسل مرة للدم هو الحكم بارتفاع النجاسة الدمية بذلك وهو امر ثابت على اي حال سواء لاقى البول أو لا فلا يجدى استصحاب عدم الملاقاة للبول في نفي كلي النجاسة إذ لم يقع هذا النفي مفادا لدليل ومترتبا على موضوع ليحرز تعبدا باحراز ذلك الموضوع كما لا يجدي حينئذ ايضا الاستصحاب التعليقي اي استصحاب انه كان يطهر لو غسل مرة لأن مفاد هذه القضية ليس مجعولا شرعيا على هذا التقدير وعليه فلا حاكم على هذا التقدير - على استصحاب كلي النجاسة لكن قد يستشكل في اصل جريان هذا الاستصحاب لأن الأثر الشرعي كالمانعية ليس مترتبا على صرف وجود النجاسة بل هو انحلالي يتعدد بتعدد افرادها ولهذا يجب تقليل النجاسة مهما امكن في حالات الاضطرار فصرف الوجود ليس موضوعا للحكم واستصحاب القسم الثاني من الكلي انما يجري فيما إذا كان الأثر الشرعي مترتبا على صرف

[ 185 ]

وكذا إذا علم نجاسة اناء وشك في انه ولغ فيه الكلب ايضا أم لا، لا يجب فيه التعفير ويبنى على عدم تحقق الولوغ نعم لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم أو إما بالولوغ أو بغيره يجب إجراء حكم الاشد من التعدد في البول والتعفير في الولوغ (1). الوجود لا على الحصص والا لكان استصحاب ما هو موضوع للاثر من استصحاب الفرد المردد وكان استصحاب عدم حدوث الفرد الطويل كافيا لاحراز نفي الحكم بعد ضمه الى وجدانية عدم الفرد القصير بقاء لأن الحكم مترتب على الحصص وقد احرز عدمها بخلاف ما لو كان الحكم مترتبا على صرف الوجود فان نفي صرف الوجود باستصحاب عدم الفرد الطويل لا يكون إلا بالملازمة. (1) ويمكن تفسير الفرق بين الفرعين بالبناء على حكومة الاستصحاب الموضوعي على استصحاب النجاسة هناك وعدمها هنا بان جريان الاستصحاب الحاكم في هذا الفرع يتوقف على مؤونتين اضافيتين فمن تمت عنده مبادئ هذا الاستصحاب المتقدمة ولم تتم عنده احدى هاتين المؤونتين اتجه لديه الفرق بين الفرعين. المؤونة الاولى وهي فقهية وحاصلها امكان الحصول على عموم فوقي يدل باطلاقه على طهارة الملاقي مع كل قذر بالغسل مرة واحدة لأن دليل الغسل مرة واحدة من الدم لا يمكن التمسك به في المقام لأن موضوعه - وهو الملاقاة للدم - مشكوك ولا يمكن احرازه بالاصل أما لو حصل مطلق فوقي كذلك فموضوعه محرز غاية الأمر انه قد خرج منه بالتخصيص البول مثلا وهنا يأتي دور المؤونة الثانيه وهي البناء على اجراء الاستصحاب في الاعدام

[ 186 ]

(مسألة 11) الاقوى ان المتنجس منجس كالنجس (1). الازلية فيجري استصحاب عدم بولية القذر المردد فينقح بذلك موضوع الحكم بكفاية الغسل مرة واحدة لان هذا الموضوع - بعد تخصيص العام الفوقي بدليل التعدد في البول - يكون مركبا من ملاقاة قذر وعدم كون القذر بولا والأول وجداني والثاني استصحابي ولا يعارض استصحاب عدم البولية باستصحاب عدم الدمية لعدم الأثر إذ لو اريد به نفي اصل الغسل فهو غير معقول للعلم بلزومه وان اريد به اثبات البولية فهو غير ممكن لانه من الأصل المثبت. (1) بعد الفراغ عن سريان النجاسة من عين النجس - بقرينة كل ما يدل على عدم كفاية زوال العين في حصول الطهارة - يتكلم في ان المتنجس الذي لم يكن عليه عين النجس هل يكون منجسا أم لا ويخرج عن كل الكلام موضوعا ما إذا كان على المتنجس الملاقي شئ من عين النجس ويخرج عنه حكما ما إذا كان المتنجس بعين النجس هو الماء ونحوه من المائعات فان تنجيسه حينئذ ليس محل خلاف ولا ينبغي ان يقع موضعا للاشكال، ويشمل محل الكلام فرض وجود الرطوبة في المتنجس أو في الطاهر ولا وجه لاخراج الفرض الأول عنه كما قيل لأن مساق الفرضين واحد بلحاظ ادلة الباب كما سنرى. وعلى أي حال فالكلام في تنجيس المتنجس يقع في جهات. الاولى: في تنجيس المتنجس إذا كان مائعا. والروايات التي يمكن أن يستدل بها في هذه الجهة عديدة: منها: الروايات الواردة في تنجس ملاقي الماء الذي شرب منه الكلب أو الخنزير من قبيل رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد لله (ع) قال:

[ 187 ]

" سألته عن الكلب يشرب من الاناء قال اغسل الاناء.. " (1) ودلالة الرواية واضحة باعتبار أن الأمر بالغسل في امثال المقام ارشاد الى النجاسة على ما تقدم مرارا غير انه لا اطلاق فيها للمائع المتنجس بغير عين النجس لو تم دليل على تنجس المائع بغير عين النجس لان مفادها تنجيس المائع المتنجس بعين النجس والتعدي الى المراتب الطولية لا يقتضيه الارتكاز العرفي بخلاف التعدي الى المراتب العرضية لان الارتكاز لا يأبي عن تنازل النجاسة وضعفها بتعدد المراتب الطولية كما هي الحالة في القذارات العرفية اللهم الا ان يضم الى ذلك دعوى ان الأمر بغسل الاناء يدل على ان الاناء ينجس ايضا لو لم يغسل مع انه متنجس بالمتنجس ويكون التعدي حينئذ الى المائع المتنجس بالمتنجس بلحاظ المراتب العرضية لا الطولية وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله تعالى (2). ومن روايات هذه الجهة موثقة عمار (3) الواردة في ماء الاناء الذي توضأ منه وصلى ثم وجد فيه فارة متسلخة فأمر الامام (ع) باعادة الوضوء والصلاة وغسل ثيابه وكل ما أصابه ذلك الماء وفقرة الاستدلال قوله (واغسل كل ما اصابه ذلك الماء) والكلام فيها كما سبق من حيث الدلالة على تنجيس الماء ومن حيث الاستشكال في التعدي الى المراتب الطولية من المائع المتنجس. ومنها: رواية العيص بن القاسم قال: " سألته عن رجل اصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال: ان كان من بول أو قذر فيغسل ما


(1) الوسائل باب 1 من ابواب الاسئار حديث 3. (2) ولكن على أي حال الرواية ضعيفة بالحسين بن الحسن بن ابان. (3) الوسائل باب 4 من ابواب الماء المطلق حديث 1.

[ 188 ]

أصابه " (1) وهي في دلالتها على نجاسة الملاقي كما سبق وفي اطلاقها للمائع المتنجس بغير عين النجس كلام مبني على ان القذر هل هو بالمعنى المصدري فيختص بعين النجس أو بالمعنى الوصفي فيشمل المتنجس واللفظ وان لم يكن ظاهرا في عين النجس كفى الاجمال في عدم الجزم بالاطلاق هذا مضافا الى سقوط الرواية سندا إذ رواها المحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى مرسلة عن العيص. ومنها: رواية معلى بن خنيس قال: " سألت ابا عبد الله (ع) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا فقال: أليس وراءه شئ جاف قلت بلى قال: فلا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا " (2) وهي تدل على تنجس قدم الرجل بقرينة احتياجها الى المطهر والضمير في (امر عليه) ان رجع الى الماء دل على تنجيس الماء للقدم وان رجع الى الطريق المرطوب فمع فرض امتصاص الارض للماء يدل على تنجيس الماء للارض وتنجيسها للقدم ومع فرض عدم الامتصاص واصابة القدم للماء نفسه يدل على تنجيس الماء نفسه وعلى اي حال فتنجيس الماء المتنجس بعين النجس هو القدر المتيقن على كل حال غير انها كسابقتها في عدم الاطلاق لاثبات ان المائع المتنجس منجس مطلقا ولو كان قد تنجس بالمتنجس على كلام اشرنا إليه سابقا (3). ومنها: ما ورد في بل القصب بالماء القذر كمعتبرة عمار قال:، " سألت ابا عبد الله (ع) عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز


(1) الوسائل باب 9 من ابواب الماء المضاف حديث 14. (2) الوسائل باب 32 من ابواب النجاسات حديث 3. (3) مضافا الى ضعفها بالمعلى بن خنيس الدي لم يثبت توثيقه.

[ 189 ]

الصلاة عليها فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها " (1) ونظيرها معتبرة علي بن جعفر عن اخيه (2). فان اناطة الجواز بالجفاف يدل على تنجيس الماء القذر للبارية والا لجازت الصلاة عليها مطلقا من دون فرق بين ان يكون الملحوظ في عدم الجواز مع عدم الجفاف تعرض المصلي للنجاسة أو اشتراط طهارة المكان ولو بلحاظ موضع السجود غايته انه على الثاني لابد من تقييد الجفاف بالجفاف بالشمس بناء على مطهريتها كما هو واضح. وتمتاز هاتان الروايتان بالاطلاق لشمولهما لكل ماء قذر حتى ولو كان قد تقذر بالمتنجس اللهم الا ان يقال بانصراف القذارة الى القذارة العينية وانصرافها عن النجاسة الحكمية وعليه فالقذر ما كان مبتلى بقذارة عينية لا مطلق ما حكم بنجاسته ثم على فرض الاطلاق فان تم دليل من الخارج على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس شمله الاطلاق المذكور فيثبت انه منجس وان لم نقل بانفعال الماء القليل بالمتنجس فقد يستشكل في فائدة الاطلاق المذكور في الروايتين إذ موردهما الماء ولا مصداق للماء القذر سوى الماء الملاقي لعين النجس وما يمكن ان يتنجس بملاقاة المتنجس وهو المضاف مثلا ليس موردا للروايتين ويندفع بان ظاهر الروايتين اعطاء الضابط الكلي في التنجيس وهو ان يكون الماء قذرا وانحصار هذا العنوان في خصوص الماء بالملاقي لعين النجس لا ينافي تعدد مصاديقه بلحاظ مطلق المائعات وشمول الاطلاق لها بعد الغاء خصوصية الماء في مقابل اقسام المائع الأخرى. الجهة الثانية: في تنجس المائع بالملاقاة للمتنجس وهذه عكس الجهة السابقة إذ كنا نتكلم عن منجسية المائع المتنجس وهنا نتكلم عن تنجس المائع بالمتنجس وقد تقدم الكلام عن ذلك تفصيلا في ابحاث المياه من هذا


(1) و (2) الوسائل باب 30 من ابواب النجات حديث 5 - 2.

[ 190 ]

الشرح واتضح ان الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس (1) وان غيره من المائعات ان قيل بانفعالها فانما تنفعل بملاقاة المتنجس الأول (اي المتنجس بعين النجس) (2) ولا دليل على انفعاله بملاقاة المتنجس الثاني لأن مدرك الانفعال بالمتنجس الأول رواية عمار الواردة في دن الخمر والدالة على المنع عن وضع الخل فيه قبل ان يغسل وهذا المنع يدل على ان الدن منجس وهو متنجس اول فلا تقتضي الرواية اكثر من تنجيس المتنجس الأول للمائع. الجهة الثالثة: في أن المتنجس غير المائع هل ينجس الجامد ونخصص الكلام هنا بالمتنجس الاول (وهو المتنجس بعين النجس) واما منجسية المتنجس الثاني (اي المتنجس بالمتنجس) فيأتي الكلام عنها في الجهة الرابعة. ولكن قبل الدخول في بحث هاتين الجهتين بلحاظ روايتهما لابد من الالتفات الى نكتة وهي انه يمكن ان يقال بناء على مباني جماعة من الفقهاء كالسيد الاستاذ وغيره بعدم الحاجة الى استئناف بحث في هاتين الجهتين لكفاية النتائج التي خرجوا بها من الجهتين السابقتين للحكم بالتنجيس في هاتين الجهتين وذلك بأحد وجهين: الوجه الاول: ان هؤلاء الاعلام افترضوا في الجهة الاولى ان المائع المتنجس ينجس على كل حال وفي الجهة الثانية ان الماء القليل فضلا عن غيره من المائعات ينفعل بملاقاة المتنجس مطلقا فإذا جمعنا بين هذين المبنين نتج انا لو جعلنا ماءا قليلا يلاقي ثوبا متنجسا سواء كان متنجسا اولا أو متنجسا ثانيا للتنجس الماء القليل بحكم ما بنوا عليه في الجهة الثانية من


(1) تقدم في الجزء الاول من البحوث ص 392 - 407. (2) تقدم في الجزء الاول من البحوث ص 111 - 114.

[ 191 ]

انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس مطلقا ثم ان هذا الماء القليل لو لاقى جسما طاهرا جامدا كالقلم لنجسه بحكم ما بنوا عليه في الجهة الاولى من تنجيس الماء المتنجس مع ان هذا الماء لم يكتسب نجاسته الا من الثوب المتنجس بحسب الفرض فنضم الى ذلك دعوى اولوية عرفية واضحة وهي ان القلم إذا كان يتنجس بملاقاة ذلك الماء فهو اولى بالتنجس بملاقاة ما تنجس به ذلك الماء ابتداء اي بملاقاة الثوب إذ لا يزيد الفرع على الاصل وهذا معناه كفاية نفس تلك النتائج التي انتهى إليها هؤلاء الاعلام في الجهتين السابقتين لاثبات التنجيس في هاتين الجهتين: وهذا البيان لا يرد عل مبانينا في الجهتين السابقتين الا في خصوص غير الماء من المائعات وبالنسبة الى المتنجس الاول فقط حيث يقال بان متنجسا اولا لو لاقى مائعا مضافا لنجسه لما اختير في الجهة الثانية وكان المائع منجسا للقلم بالملاقاة لما ذكر في الجهة الاولى فالقلم اولى بان يتنجس إذا لاقى ذلك المتنجس الاول مباشرة. والتحقيق ان هذا البيان غير تام لاننا ننكر الاولوية المدعاة عرفا بين تنجس القلم بالماء المتنجس وتنجسه بما نجس ذلك الماء لأن الماء - والمائع عموما - يتعقل فيه عرفا نحو اسرعية للتأثير واسراء النجاسة من الجامد كما هو اسرع في التأثر بالنجس فلا المائع على هذا الأساس من الالتزام بتنجس القلم بالملاقاة المائع المتنجس باعتبار شدة تأثر المائع وما فيه من قوة الاسراء بينما لا يتنجس القلم ما تنجس به ذلك المائع مباشرة لكونه جامدا فاقدا لتلك الخصوصية من النفوذ والسريان ونظير ذلك أن الجسم الجامد اليابس لا يتنجس بملاقاة العذرة اليابسة ولكنه يتنجس بملاقاة الماء الذي اصابته تلك العذرة. الوجه الثاني: ان المتنجس الذي نبحث عن كونه منجسا لملاقيه ان لم نفترض في حالة الملاقاة رطوبا في احد المتلاقيين فلا معنى للبحث

[ 192 ]

عن ذلك إذ لا سراية بدون رطوبة حتى من عين النجس وإذا افترضنا الرطوبة وأخذنا بعين الاعتبار ما بني عليه السيد الاستاذ وغيره من الاعلام من ان الرطوبة المسرية الدخيلة في التنجيس لابد ان يصدق عليها عنوان الماء اي تكون جوهرا عرفا لا عرضا ومجرد صفة كالرطوبة غير المسرية واخذنا بعين الاعتبار ايضا ما بنوا عليه من انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس مطلقا فينتج ان الرطوبة المفترضة في المقام في احد المتلاقيين تكون ماء وبالتالي تتنجس بملاقاة المتنجس وإذا تنجست نجست الجامد الطاهر من المتلاقبين لما بنوا عليه من كون الماء القذر منجسا للجامد مطلقا وهكذا يثبت ان الجامد الطاهر متى ما لاقى الجامد المتنجس مع الرطوبة المسرية يحكم بنجاسته بدون حاجة الى استئناف بحث في ذلك وإذا لم نبني على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس أجرينا هذا الكلام فيما إذا كانت الرطوبة من غير الماء واما إذا لم نشترط في الرطوبة المسرية ان تكون على نحو يصدق عليها عنوان الماء ونحوه فلا يتجه هذا البيان رأسا لاننا نفترض البحث في الجهة الثالثة والرابعة فيما إذا كانت هناك رطوبة مسرية غير واصلة الى تلك المرتبة فلا معنى لتنجسها بما هي رطوبة وانما القابل لان يتنجس حينئذ الجسم الجامد الملاقي فيقع الكلام عن تنجيس المتنجس له. وعلى اي حال فالكلام الآن يقع في الجهتين الثالثة و الرابعة اي في تنجيس المتنجس الأول الجامد للجامد وتنجيس المتنجس الثاني الجامد وما بعده من الرتب للجامد ونلحق بالبحث في الجهة الثالثة المتنجس الأول بالماء المتنجس حيث تقدم في الجهة الاولى ان الماء المتنجس ينجس ملاقيه فإذا حصلنا على دليل على تنجيس الجامد المتنجس بملاقاة المائع المتنجس كان بنفسه دليلا على تنجيس الجامد المتنجس الأول بعين النجس ايضا إذ لا يحتمل فقهيا وعرفا ان يكون المتنجس بالمائع المتنجس اشد تنجيسا

[ 193 ]

وحالا من المتنجس بعين النجس نعم يحتمل الفرق بينه وبين المتنجس الثاني وما بعده من الرتب بان يكون تنجسه بالمائع سببا لمزيد قذارته ويشمل البحث فرض وجود الرطوبة في المتنجس كما يشمل فرضها في الملاقي له خلافا للسيد الاستاذ الذي حصر الكلام بالفرض الثاني ونفي الاشكال في التنجيس في الفرض الأول. والروايات التي يمكن ان يستدل بها على التنجيس في كل من هاتين الجهتين عديدة نستعرضها فيما يلي مع الاشارة الى الحدود التي يمكن ان تثبت بكل منها: فمنها: روايات غسل الاواني التي ورد فيها الأمر بغسل الاناء الذي شرب منه الكلب أو الخنزير أو وقعت فيه الميتة أو غير ذلك (1) وهي تختلف في درجة اهتمامها وتأكيدها على الغسل مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثا أو سبعا مع التعفير أو بدونه حسب اختلاف مراتب القذارات الملاقية للاناء وقد اعتبر البعض (2) هذه الطائفة العمدة في اثبات تنجيس المتنجس الاول وتقريب هذه الدلالة انا لو نظرنا الى حاق المدلول اللفظي المستفاد


(1) من قبيل معتبرة علي بن جعفر قال: ".. وسألته عن خنزير يشرب من اناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات " الوسائل باب 13 من ابواب النجاسات حديث 1. ورواية الفضل ابي العباس عن ابي عبد الله (ع) في حديث انه سأله عن الكلب فقال: " رجس نجس لا يتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب اول مرة ثم بالماء " الوسائل باب 70 من ابواب النجاسات حديث 1. ومعتبرة عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: ".. اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات " الوسائل باب 53 من ابواب النجاسات حديث 1. (2) كالسيد الخوئي - دام ظله - في التنقيح الجزء الثاني ص 269.

[ 194 ]

من هذه الطائفة فغاية ما يثبت بها كون عين النجس منجسة للاناء أو للمائع وهو بدوره ينجس الاناء لان هذه هي مرتبة الاواني التي ورد الأمر بغسلها ارشادا الى نجاستها وكيفية تطهيرها وليس في ذلك ما يقتضى تنجيس المتنجس الاول الجامد ولكن هناك دلالة عرفية اقتضائية يستفاد منها تنجس الجامد بالجامد المتنجس وتلك هي ان الآنية المتنجسة لو لم تكن منجسة لما يلاقيها لم يكن وجه لاهتمام الشارع بغسلها وامره بتطهيرها وبيان مراتب هذا التطهير شدة وضعفا لانها لا تقع بنفسها موردا للاستعمال المشروط بالطهارة وانما الذي يقع كذلك ما يلاقيها وما يوضع فيها من طعام فلو لم تكن منجسة لكانت تلك الالسنة المختلفة الواردة في تطهيرها لغوا عرفا فصونا لكلام الشارع عن اللغوية العرفية وبدلالة الاقتضاء ينعقد ظهور في انها منجسة وبذلك يثبت ان المتنجس الاول الجامد منجس وهذه هي ميزة روايات غسل الاواني على روايات غسل الثياب والبدن حيث ان الغسل هناك واضح الحكمة باعتبار وقوع نفس البدن والثوب مورد الاستعمال مشروط بالطهارة حتى لو لم يكن منجسا. وقد نوقش في هذا الاستدلال بمناقشات لا ترجع الى محصل نقتصر على ذكر اثنتين منها: الأولى: دعوى احتمال كون النكتة في الأمر بغسل الاواني هو الرجحان النفسي للاكل والشرب من الاواني الطاهرة وهذه المناقشة واضحة الفساد إذ كيف يمكن ان تكون مثل هذه الاوامر - المشددة والمؤكدة والمركوز عرفا كونها بملاك التخلص عن المحاذير اللزومية - مجرد استطراف الى ادب شرعي في نفسه ليس واضحا ولا مركوزا في الاذهان بعنوانه فهذا احتمال عقل ثبوتي لا عرفي اثباتي. الثانية: دعوى ان الامر بالغسل لعله من اجل تحصيل الاطمئنان

[ 195 ]

بزوال ما تبقى من اجزاء عين النجاسة في الآنية وهذا الاحتمال ايضا غير عرفي. اما اولا: فلان بعض القذارات المفروضة في مورد هذه الاوامر ليس مما تبقى منه اجزاء في الاناء عادة من قبيل الميتة الملاقية للاناء مثلا. وثانيا: لان بعض هذه الروايات قد أمرت بالغسل مرارا مع انه لو كان النظر الى مجرد ازالة عين النجس واجزائه لا زوال النجاسة الحكمية كفى في ذلك الغسل مرة واحدة حيث لا تبقى الاجزاء العينية العرفية عادة بعد الغسلة الأولى. وثالثا: ان هذا على خلاف موضوعية عنوان الغسل الذي هو الميزان دائما لاستفادة النجاسة الحكمية فان حمل هذا العنوان على انه مجرد طريق الى ازالة الأجزاء العينية خلاف المتفاهم العرفي والفقهي. هذا ولكن التحقيق مع ذلك عدم تمامية الاستدلال بهذه الطائفة من الأخبار على منجسية المتنجس الاول الجامد وذلك لوجهين يتم احدهما مطلقا وعلى جميع المباني ويتم الآخر على مباني بعض الفقهاء كالسيد الاستاذ على الرغم من استدلاله بتلك الطائفة. اما الوجه الاول: فحاصله، ان اثبات تنجيس الآنية بهذه الطائفة لم يكن بدلالة لفظية كاطلاق أو عموم حتى يتمسك به وانما كان بلحاظ قرينة الاقتضاء وصون كلام الشارع عن اللغوية العرفية. ومن الواضح ان قرينة اللغوية ودلالة الاقتضاة لا تثبت المنجسية المطلقة بل مطلق المنجسية اي القضية المهملة التي هي في قوة الجزئية إذ يكفي ثبوت القضية الجزئية لاشباع هذه الدلالة وعندئذ نقول: ان ثبوت منجسية الآنية في المقام بنحو القضية الجزئية مفروغ عنه حيث فرغنا في الجهة السابقة عن ان المائع مطلقا أو خصوص غير الماء المطلق منه يتنجس بالمتنجس وانما البحث الآن في منجسية المتنجس

[ 196 ]

الجامد للجامد فيكفي فائدة لأوامر غسل الآنية التخلص عن محذور السراية في المائعات التي توضع في الاناء ويلاقيها والذي هو أمر شائع في استعمالات الأواني في الامراق ونحوها. الوجه الثاني: لو قطعنا النظر عما تقدم وافترضنا ان الآنية في معرض الملاقاة مع الجوامد لا المائعات فيمكن القول ايضا بان هذه الروايات لاتدل على ان الآنية تنجس الجامد مطلقا بل تدل على ان التنجيس بمقدار مصحح للفائدة من الأمر بالغسل عرفا ويكفي لذلك افتراض التنجيس في حالة كون الرطوبة في نفس الآنية بناءا على ما نقلناه عن السيد الاستاذ من ان التنجيس في هذا الفرض مفروغ عنه فإذا كان مفروغا عنه حقا فليكن هذا المقدار كافيا لاخراج الأمر بغسل الآنية عن اللغوية فلا موجب لاثبات التنجيس في فرض كون الرطوبة في الملاقي الذي أدعي انه هو محل الكلام نعم إذا بني على عدم احتمال الفرق بين الصورتين عرفا لم يتم هذا البيان. ومن جملة الروايات التي قد يستدل بها لاثبات تنجيس المتنجس الجامد ما ورد من الأخبار في بيان كيفية غسل الفراش من قبيل معتبرة ابراهيم بن ابي محمود قال: " قلت للرضا (ع) الطنفسة والفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما وهو ثخين كثير الحشو قال يغسل ما ظهر منه في وجهه " (1) وتقريب الاستدلال كما تقدم في الطائفة السابقة حيث ان الفراش المتنجس لو لم يكن موجبا للتنجيس لم يكن هناك موجب للاهتمام بتطهيره. ويمكن ان يناقش بان الحيثية الموجبة للاهتمام لم تذكر في هذه الروايات وانما فرغ عن وجود داع للتطهير وبينت كيفيته فلعله لاجل التحفظ على طهارة مكان المصلي وهي ان لم تكن شرطا في مكان المصلي بعنوانها كما


(1) الوسائل باب 5 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 197 ]

ذهب الى ذلك فقهاء العامة في الجملة فلا شك في كونها ادبا من الآداب المركوزة في اذهان المتشرعة إذ يهتمون بالصلاة في مكان نظيف بقطع النظر عن محذور السراية. ومن جملة ما يستدل به في المقام ايضا رواية معلى بن خنيس المتقدمة في الجهة الأولى إذا حمل الضمير في قوله (امر عليه حافيا) اي على الطريق لا على الماء إذ على الثاني تدل على تنجيس المائع المتنجس كما تقدم واما على الاول فتدل على تنجيس الجامد اما لاستظهار كون المنجس نفس العنوان المأخوذ في السؤال وهو الطريق أو لاطلاقه لفرض امتصاص الطريق للماء وعدم بقاء عينه مع وجود النداوة وقد يعين الاول بقرينة قوله (ع) (ان الارض يطهر بعضها بعضا) فان هذا التعليل وان كان لا يخلو من اجمال ولكن بعد حمله على ان الارض يطهر بعضها ما يتنجس بالبعض الآخر يناسب الاحتمال الأول حينئذ ولكن إذا احتمل الفرق في تنجيس المتنجس بين فرض الرطوبة فيه أو في ملاقيه واولوية الفرض الاول بالتنجيس كما عليه السيد الاستاذ بل المفروغية عنه فلا يمكن الاستدلال بالرواية على التنجيس في فرض جفاف المتنجس ورطوبة الملاقي، وعلى اي حال فالرواية ساقطة سندا ولا يمكن التعويل عليها. ومن جملة الروايات معتبرة الأحول عن ابي عبد الله (ع) " في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك " (1) ومثلها روايات اخرى في نفس الباب.


(1) الوسائل باب 32 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 198 ]

وتقريب الاستدلال بها انها دلت على تنجس الرجل بالأرض المتنجسة التي عبر عنها بالموضع الذي ليس بنظيف وهو عنوان يشمل المتنجس الخالي من عين النجس بل طبيعي المتنجس ولو بالمتنجس لصدق عنوان (ليس بنظيف) على ذلك جميعا. ويرد عليه: بعد تسليم ان النظافة هنا في مقابل القذارة الحكمية لا العينية. ان الرواية سؤالا وجوابا ليست ناظرة الى اصل سراية النجاسة من المتنجس الجامد الى ملاقيه اثباتا ونفيا ليتمسك باطلاقها لفرض المتنجس الخالي من عين النجس بل قد فرض فيها الفراغ من سراية النجاسة من الارض المتنجسة الى الرجل وتمام النظر متجه الى مسألة مطهرية الارض النظيفة وحدودها ولهذا تصدى الامام (ع) الى بيان الحد الذي يحصل به التطهير. ومن جملة الروايات روايات بل القصب التي تقدم الاستدلال بها في الجهة الاولى كمعتبرة علي بن جعفر " سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلي عليه قال: إذا يبست فلا بأس ". ولا اشكال في دلالتها - كما تقدم - على منجسية المائع القذر واما دلالتها على منجسية الجامد المتنجس فقد تدعى بتقريب: ان الجواب يدل بمفهومه على البأس في الصلاة على البارية المذكورة مع عدم الجفاف ولا وجه لذلك الا السراية والتنجيس لان الصلاة على البارية أعم من السجود عليها فحمل البأس على محذور نجاسة موضع الجبهة خلاف اطلاق العنوان فتدل الرواية على منجسية البارية. والتحقيق: ان عنوان (أيصلي عليه) تارة: يقال بانه ظاهر في ايقاع الصلاة بتمامها عليه بما فيها السجود واخرى: يقال بانه ظاهر في اتخاذه

[ 199 ]

مكانا للمصلي ومطلق من حيث انه يسجد عليه أو لا. فعلى الاول يتعين تقييد اليبوسة في جواب الامام (ع) بالجفاف الناشئ من الشمس لئلا يلزم الترخيص في السجود على النجس الجاف ومعه يسقط الاستدلال بالمفهوم لان البأس في المفهوم يكون بلحاظ وقوع السجود على النجس. وعلى الثاني قد يقال بان الامر دائر بين تقييد العنوان المذكور في السؤال بفرض عدم السجود على البارية أو تقييد اليبوسة في الجواب باليبوسة بالشمس إذ مع عدم التقييدين يلزم جواز السجود على النجس والاستدلال انما يتم لو قدم التقييد الاول على الثاني مع انه بلا موجب فيسقط الاستدلال بالرواية. فان قيل: ان الرواية لو خليت ونفسها تدل منطوقا على نفي البأس في الصلاة على البارية اليابسة سواءا مع السجود عليها أو بدونه وسواءا كانت اليبوسة بالشمس أو بغيرها فهذه صور اربع منفي عنها البأس بالمنطوق وتدل مفهوما على البأس في الصلاة على البارية غير اليابسة سواءا السجود عليها أو بدونه وما هو لازم بلحاظ دليل بطلان السجود على النجس تقييد اطلاق المنطوق باخراج صورة واحدة من الصور الاربع وهي صورة السجود على البارية مع كون اليبوسة بغير الشمس وما هو محط الاستدلال اطلاق المفهوم لصورة الصلاة على البارية غير اليابسة من دون سجود عليها فلا موجب لسقوط دلالة الرواية. قلنا: ان عنوان الصلاة على البارية ظاهر في الصلاة المشتملة على السجود عليها ايضا لا في مجرد اتخاذها موقفا ولو سلم الاطلاق فليس ما ذكر من لزوم الاقتصار في التصرف على اخراج صورة واحدة من الصور الاربع للمنطوق صحيحا لان هذا معناه ان الصور الثلاث الباقية تحت اطلاق الرواية لا يكون الحكم منفي البأس فيها ثابتا بلحاظ عنوان كلي

[ 200 ]

واحد بل نفي البأس في صورة الصلاة بلا سجود بلحاظ مطلق الجفاف ونفيه في صورة الصلاة مع السجود بلحاظ الجفاف بالشمس وليس هذا من التقييد العرفي بشئ وهذا بخلاف ما إذا قيدت اليبوسة باليبوسة بالشمس بلحاظ تمام مورد السؤال ومعه يسقط الاستدلال. ومن جملة روايات التنجيس معتبرة عمار وقد جاء فيها " إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فاصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة وان اصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس وان كانت رجلك رطبة وجبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس وان كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك " (1) ولعل هذه الرواية من اقوى روايات الباب مع انني لم أر من استدل بها في المقام وفقرة الاستدلال فيها الجزء الاخير منها حيث حكم الامام (ع) بعدم الصلاة على الموضع القذر مع رطوبة الرجل أو غير ذلك حتى لو كان الموضع قد يبس ولكن بغير الشمس ويتعين محذور ذلك في السراية وحيث ان المفروض جفاف البول السماوق لزوال عين النجاسة فالسراية حينئذ تعني تنجيس المتنجس الخالي من عين النجس إذا كان ملاقيه مرطوبا وهو المقصود في المقام وهذا الاستدلال تام بل يمكن ان يقال بدلالة الرواية على تنجيس المتنجس مطلقا ولو كان متنجسا بالواسطة تمسكا باطلاق قوله (أو غير ذلك) وبعبارة اخرى: ان المراد بغير ذلك ما كان منجسا بالملاقا وحيث ان الرواية تثبت بالبيان السابق ان المتنجس الاول ينجس فيكون لقوله (أو غير ذلك) اطلاق للمتنجس الاول فيثبت بالاطلاق ان الموضع القذر بملاقاة المتنجس الاول منجس ايضا


(1) الوسائل باب 29 من ابواب النجاسات حديث 4

[ 201 ]

وهو معنى ان المتنجس الثاني منجس ايضا وهكذا. ولكن يندفع ذلك: بان (غير ذلك) لا اطلاق فيه للمتنجس الجامد الخالي من عين النجاسة لان الجامع المأخوذ هو القذر حيث قبل (قذرا من البول أو غير ذلك) وكون الموضع قذرا لا يشمل صورة ملاقاة الموضع لليد المتنجسة الخالية من عين النجاسة حتى لو قيل بالسراية لان السراية الحكمية لا تحقق عنوان القذارة عرفا وحمل القذارة في قوله (قذرا) على القذارة الحكمية عناية محتاجة الى القرينة خصوصا ان مناسبات العاطف والمعطوف حين يذكر البول ويقال (أو غير ذلك) تناسب ان يراد ما هو من قبيل البول من القذارات العينية ولا اقل من احتمال ذلك بنحو يوجب الاجمال وعدم تعين ارادة مطلق النجس من كلمة الغير بعد وضوح عدم ارادة الغير على اطلاقه. ومن جملة الروايات ما ورد فيها عن مصافحة الكتابي والأمر بغسل اليد منها (1) وتقريب الاستدلال بها انها إذا حملت على النجاسة الذاتية للكافر كما عليه المشهور فهي اجنبية عن محل الكلام ولكن لو فرض تقديم ما دل على الطهارة الذاتية تعين حمل هذه الروايات اما على اصالة النجاسة العرضية في الكافر، أو على التنزه الاستحبابي لاحتمال النجاسة وعلى كلا التقديرين يتم الاستدلال في القام. اما على الأول فلان المتنجس الأول لو لم يكن منجسا لم يكن فرض النجاسة العرضية للكافر يستتبع نجاسة الملاقي. واما على الثاني فلان التنزه المذكور معناه عرفا رعاية احتمال السراية من باب الاحتياط للشك في تنجس الكافر دائما فلو لم يكن المتنجس


(1) من قبيل معتبرة ابي بصير عن احدهما (ع) " في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني، قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك " الوسائل باب 14 من ابواب النجاسات حديث 5

[ 202 ]

منجسا لم يكن معنى لهذا التنزه. ويمكن الجواب على ذلك، بان هذا فرع ان نستظهر كون المحذور الملحوظ لزوميا أو تنزيهيا هو النجاسة بالمعنى المقصود في المقام، واما إذا احتملنا عرفا ان الأمر بالاجتناب وغسل اليد تنزيه بلحاظ حزازة معنوية فلا ينعقد للامر بالغسل ظهور في الارشاد الى النجاسة كي يدل على المقصود في المقام. وهناك طائفة من روايات مساورة الكتابي لا يتطرق إليها هذا الايراد وهي التي امر فيها الكتابي نفسه بان يغسل يده كمعتبرة ابراهيم بن ابي محمود قال: " قلت للرضا (ع) الجارية النصرانية تخدمك وانت تعلم انها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة قال: لا بأس تغسل يديها " (1) ومعتبرة العيص قال: " سألت ابا عبد الله (ع) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي فقال: إذا كان من طعامك وتوضأ فلا بأس " (2). فان الظاهر منها خصوصا الاولى التسليم بالسراية والانفعال مع ان الكتابي ليست عين النجاسة والا لم يجب غسلها ولا يحتمل ان يكون الأمر بغسلها بلحاظ الحزازة المعنوية لانها لا ترتفع عن جسم الكافر بالغسل فمثل هذه الروايات تدل على منجسية المتنجس، هذا ولكن يمكن ان يقال ان غاية ما يستفاد منها المفروغية عن ثبوت محذور السراية في فرض عدم غسل الكتابي ليده لكن ما هو هذا المحذور وهل هو منجسيته لكل ما يلاقيه أو لخصوص المائعات والاطعمة المائعة والتي هي في معرض مساورة الجارية أو المؤاكل المشارك للانسان في طعامه وشرابه فلا يمكن اثبات الاول من هذين الوجهين بالتمسك بالاطلاق لعدم تصدي الروايات المذكورة


(1) الوسائل باب 14 من ابواب النجاسات حديث 11. (2) الوسائل باب 54 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 203 ]

لاثبات التنجيس ليتمسك باطلاقها لاثبات التنجيس المطلق وانما يفهم منها ان الجارية أو المؤاكل في معرض التنجيس وان ذلك هو نكتة امرهما بغسل اليد ويكفي في صدق هذه المعرضية كون المتنجس منجسا للمائع والاطعمة المائعة حيث ان خدمة الجارية تستدعي عادة الاتيان بماء الوضوء ونحو ذلك ومؤاكلة الكتابى تستدعي التناول من كل ما على المائدة المشتملة غالبا على بعض المائعات. ومن جملة الروايات رواية حكم بن حكيم عن ابى عبد الله (ع) في حديث كيفية غسل الجنابة قال فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك وان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك. " (1) فان الامر بالغسل يدل على السراية وقد يتمسك باطلاق الرواية لاثبات السراية من مطلق المتنجس لان كل متنجس ليس بنظيف ولو كان بالواسطة. ولكن الانصاف ان هذا الاطلاق غير واضح لان نظيف يقابل القذر والقذر ظاهر فيما كان محلا للقذارة العينية نفسها (2). ومثلها معتبرة هشام بن سالم عن ابى عبد الله (ع) قال: " قلت له: اغتسل من الجنابة وغير ذلك في الكنيف الذي يبال فيه وعلي نعل سندية فاغتسل وعلي النعل كما هي؟ فقال إن كان الماء الذي يسيل من جسدك يصيب اسفل قدميك فلا تغسل قدميك " (3). فان ما يدل عليه بالمفهوم من الأمر بغسل القدمين كاشف عن السراية ومقتضى الاطلاق ثبوت السراية حتى مع عدم فعلية نفس البول وملاقاته فيدل على السراية من المتنجس الأول. اللهم الا ان يقال: ان مثل هاتين الروايتين في مقام البيان من ناحية ان اصابة الماء من خلال غسل الجنابة


(1) و (3) الوسائل باب 27 من ابواب غسل الجنابة حديث 1 - 2 (2) مضافا الى ضعفها بالحسين بن الحسن بن ابان.

[ 204 ]

هل يكفي في التطهير أو يحتاج الخبث الى غسل مستقل بعد الفراغ عن السراية فلا يمكن التمسك بالاطلاق. ومن جملة الروايات معتبرة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام انه سأله " عن البيت والدار لا تصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلي فيهما إذا جفا؟ قال نعم " (1). وتقريب الاستدلال: ان ظاهر الرواية افتراض السائل وجود المحذور في حالة عدم الجفاف وامضاء الامام (ع) لذلك وهذا المحذور هو السراية لا السجود على النجس - والا لم يرتفع بفرض الجفاف بغير الشمس ولناسب السؤال عن الصلاة عليه لا فيه - فيدل على ان الارض المتنجسة تنجس بدن المصلي في حالة عدم الجفاف. ولكن يمكن ان يقال: ان كلام الامام عليه السلام لو كان قد اناط الجواز بالجفاف على نحو يكون له مفهوم دال عدم الجواز مع الرطوبة وفرض شمول الرطوبة للنداوة العرضية وعدم اختصاصها بالرطوبة العينية لتم الاستدل باطلاق المفهوم على ان المتنجس الخالي من عين النجس منجس ولكن الملحوظ ان كلام الامام (ع) ليس له مفهوم وانما حكم بالجواز في فرض سؤال السائل وهو فرض الجفاف ولم يكن بلسان الجملة الشرطية ليكون له مفهوم غاية الأمر ان يستظهر منه امضاء الامام لما يظهر من الراوي من وجود محذور في فرض عدم الجفاف وهذا المحذور المستظهر قابل للحمل على سراية النجاسة الى المصلي من نفس الرطوبات البولية والمائية إذا كانت بنحو لها عينية عرفا. ومن جملة الروايات مرسلة محمد بن اسماعيل عن ابى الحسن (ع) " في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلاثة ايام الا ان يعلم انه قد نجسه شئ بعد المطر فان اصابه بعد ثلاثة ايام فاغسله وان كان


(1) الوسائل باب 30 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 205 ]

الطريق نظيفا لم تغسله " (1). وفقه الرواية ان الطين يطهر بنزول المطر طهارة واقعية وكلما اصاب الثوب بعد نزول المطر الى ثلاثة ايام يبنى على طهارته الا ان يعلم بقذارته واما بعد ذلك فباعتبار معرضيته الشديدة للتنجس يعتبر الاصل هو النجاسة الا ان يعلم نظافته. وكيفية الاستدلال بها في المقام واضح فانه امر بغسل ملاقي الطين بعد ثلاثة ايام وفرضه هو فرض عدم عين النجس عليه والا لم يكن هناك فرق بين الأيام الثلاثة وما بعدها وليس ذلك الا لان المتنجس ينجس ملاقية والرواية مطلقة تشمل المتنجس الثاني وما بعده حيث انها تدل على تنجيس الطين وهو متنجس اول على اقل تقدير فيكون فرض تنجس الطين بالمتنجس الاول مشمولا لاطلاق قوله الا ان يعلم انه قد نجسه شئ وهذا يعني ان الطين المتنجس بالمتنجس يكون منجسا. ولكن الرواية لا يمكن التعويل عليها حتى لو تمت دلالتها لسقوط سندها بالارسال. ومنها ايضا معتبرة عمار بن موسى قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه؟ فقال ليس عليها شئ الا ان يصيب شئ من مائها أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذي اصابه بعينه " (2). والاستدلال بقول (من مائها - اي دم الحيض - أو غير ذلك من القذر) بناءا على اطلاق عنوان القذر للنجاسات الحكمية وعدم اختصاصه بالقذارة العينية فيدل عندئذ على منجسية كل متنجس يصيب البدن أو الثوب


(1) الوسائل باب 75 من ابواب النجاسات حديث 1. (2) الوسائل باب 28 من ابواب النجاسات حديث 5.

[ 206 ]

ولكن الاطلاق المذكور محل الاشكال لظهور القذر في القذارة العينية خصوصا مع ملاحظة مناسبات العاطف والمعطوف لوضوح ان المقصود من الغير ليس مطلق الغير بل الغير المشترك مع دم الحيض في جامع ملحوظ يعين بالمناسبات المذكورة. ومن قبيل هذه الرواية مرسلة حماد بن عثمان عن ابى عبد الله (ع) " في الرجل يصلي في الخف الذي قد اصابه القذر؟ فقال إذا كان ما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس " (1) بناءا على اطلاق القذر للنجاسات الحكمية فيدل على تنجس الخف بالمتنجس غير ان الاطلاق المذكور ليس واضحا مضافا الى عدم امكان التمسك بالاطلاق في هذه الرواية حتى لو تم في نفسه لعدم كونها في مقام بيان سراية النجاسة من القذر الى الخف ليتمسك باطلاقها وانما فرغ فيها عن السراية وكان النظر سؤالا وجوابا متجها الى مانعية وقوع الصلاة مع الخف المفروغ عن نجاسته هذا على ان الرواية ساقطة سندا بالارسال. ومن جملة الروايات ايضا معتبرة زرارة التي يستدل بها على الاستصحاب في الاصول قال: " قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني.. الخ " (2) وذلك تمسكا باطلاق كلمة الغير في قوله (دم رعاف أو غيره) الشامل لمطلق النجاسات. ويرد عليه: اولا - ان كلمة الغير معطوف على الرعاف لا على الدم والمقصود دم رعاف أو دم غير الرعاف وليس المقصود الدم أو غير الدم ولهذا عطف المني على ذلك ولا اقل من احتمال كون الغير معطوفا على هذا النحو فلا يبقى اطلاق.


(1) الوسائل باب 31 من ابواب النجاسات حديث 2. (2) الوسائل باب 37 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 207 ]

وثانيا: ان مناسبات العاطف والمعطوف تمنع عن فعلية الاطلاق المذكور كما تقدم. وثالثا: ان الرواية ليست مسوقة لبيان السراية وحدودها وانما فرغ عن ذلك وكان النظر الى حدود المانعية. ومنها: معتبرة محمد بن مسلم قال: " سألت ابا جعفر (ع) عن آنية اهل الذمة والمجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في انيتهم التى يشربون فيها الخمر " (1) وفي هذه الرواية ثلاثة من النواهي فقد يستدل بالنهي الاول بدعوى حمله على محذور حرمة أكل النجس واطلاقه لفرض كون المأكول جامدا فان ذلك يدل حينئذ على ان الآنية منجسة للجامد ولا موجب لذلك الا تنجيس المتنجس وقد يستدل بالنهي الاخير بنفس التقريب. ومثل هذه الرواية أو احسن منها معتبرة اخرى لمحمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: " سألته عن آنية اهل الكتاب فقال لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير " (2) فانها واضحة في النظر الى محذور النجاسة وان النهي قد صدر بهذا الملاك لا بلحاظ حزازات معنوية فاطلاق هذا النهي لفرض كون الطعام جامدا يكشف عن كون الآنية المتنجسة تنجس الجامد ولا فرق في ذلك بين ان يحمل النهي على كونه واقعيا أو يحمل - كما هو الظاهر - على النهي الظاهري أو التنزيهي بلحاظ معرضية اوانيهم للخمر والدم والميتة إذ لو لا تنجيس المتنجس لم يكن لهذه المعرضية أثر غير ان المتيقن من الدلالة المذكورة هو تنجيس المتنجس الاول ولا اطلاق فيها للمتنجس الثاني وما بعده لأن قوله مثلا


(1) الوسائل باب 14 من ابواب النجاسات حديث 1. (2) الوسائل باب 54 من ابواب الأطعمة المحرمة حديث 6.

[ 208 ]

(إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير) سواءا اريد به فعلية وقوع ذلك أو كونه في معرض الوقوع ناظر الى تنجس الاناء بالنجاسات العينية ولا يشمل حالة ملاقاة الاناء للمتنجس الجامد الخالي من عين النجاسة ومن جملة الروايات معتبرة علي بن جعفر إذ " سأل اخاه (ع) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام قال: إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام الا يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل " (1) وتوضيح الحال في تقريب الاستدلال اثباتا ونفيا انا إذا بنينا على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية في المقام حيث لم يفرض فيها ملاقاة النصراني للحوض نفسه وانما القدر المتيقن هو ملاقاته للماء الذي يستعمل من الحوض فلعل الأمر بغسل الحوض باعتبار تنجس الماء بملاقاة النصراني النجس بحسب الفرض وتنجيس الماء للحوض ايضا ثم تنجس الماء الذي يريد المسلم الاغتسال منه بالحوض المتنجس حيث افترضنا انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس فلا يستكشف من امر الامام (ع) بغسل الحوض انه لدفع محذور منجسية نفس الحوض لبدن المسلم لكي يثبت تنجيس الجامد المتنجس للجامد. وإذا بنينا على نجاسة اهل الكتاب ذاتا وانكرنا انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس امكن الاستدلال بالرواية على منجسية الجامد المتنجس للجامد إذ لا يبقى وجه لامر الامام (ع) بغسل الحوض - الذي هو متنجس - الا انه قد يلاقي بدن المسلم وينجسه فيثبت ان المتنجس بعين النجس أو بالمائع المتنجس منجس ولا يشمل ذلك المتنجس الثاني. وإذا بنينا على عدم نجاسة الكتابي ذاتا وقلنا بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس كما هو الصحيح فيتعين حمل الامر بغسل الحوض في المقام


(1) الوسائل باب 14 من ابواب النجاسات حديث 9.

[ 209 ]

على ضرب من التنزه والاستحباب لان الكافر حتى لو فرضت نجاسته العرضية لا موجب لتنجس الحوض به إذ لم يفرض في الرواية ملاقاته لحيطان الحوض مباشرة وماء الحوض لا ينفعل بملاقاة الكافر بحسب الفرض فلا موجب ايضا لتنجيسه لنفس الحوض. ومن جملة الروايات رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: " سألته عن اكسية المرغزي والخفاف تنقع في البول أيصلي عليها قال: إذا غسلت بالماء فلا بأس " (1). فانها تدل على البأس في فرض عدم الغسل ومقتضى اطلاقها ثبوت البأس في فرض الجفاف ايضا وليس هذا البأس بلحاظ السجود إذ لا يجوز السجود على الكساء على كل حال ولا بلحاظ اعتبار طهارة موقف المصلى لما دل على عدم اعتبار ذلك فيثبت ان البأس بلحاظ السراية ولو سلم هذا فهو غير مفيد لان الرواية ضعيفة سندا بعبد الله بن الحسن. هذه تمام الروايات التي يمكن الاستناد إليها في اثبات تنجيس المتنجس لم نترك منها الا ما ذكرنا اختها التي تشترك معها في نكتة الاستدلال والدلالة. واتضح من مجموع ذلك ان بالامكان الحصول على دليل في بعض تلك الروايات على تنجيس المتنجس الأول الجامد للجامد ولا اقل من موثقة عمار الواردة في الصلاة على الموضع القذر ومعتبرتي محمد بن مسلم الواردتين في النهي عن الاكل في آنية اهل الكتاب التي يأكلون فيها الميتة والدم والخمر. ويبقى البحث عن التنجيس في حالات اخرى على ضوء ما تقدم من الروايات.


الوسائل باب 71 من ابواب النجاسات حديث 2.

[ 210 ]

الحالة الاولى: ان المائع المتنجس بالمتنجس هل ينجس بعد الفراغ عن منجسية المائع المتنجس بعين النجس على ما تقدم في صدر المسألة. وحاصل الكلام في ذلك ان الدليل اللفظي على منجسيته ينحصر في احد طريقين: الأول:، الاستدلال بروايات بل القصب بالماء القذر بناء على دعوى ان عنوان الماء القذر يصدق على مطلق المائع المتنجس وقد عرفت الاشكال فيها وان القذارة عرفا ظاهرة في القذارة العينية وتعميمها للنجاسة الحكمية يحتاج الى عناية. الثاني: التمسك برواية علي بن جعفر المتقدمة الواردة في الاغتسال مع النصراني في الحمام بناء على احد تقديراتها السابقة وهو ما إذا بنينا على نجاسة النصراني عرضا لا ذاتا وعلى انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس حيث يكون الماء في الحوض متنجسا بالمتنجس - وهو بدن الكتابي - والمفروض انه نجس الحوض وهذا الطريق غير كامل لما تقدم. فينحصر اثبات المنجسية بعد عدم تمامية هذين الطريقين في الرجوع الى الاجماعات المنقولة والشهرات المستفيضة الواردة في ان المائع المتنجس منجس الامر الذي يوجب الحكم بمنجسية المائع المتنجس بالمتنجس ولو على مستوى الاحتياط الوجوبي. الحالة الثانية: ان المتنجس الاول بالمائع المتنجس بعين النجس هل يكون منجسا كالمتنجس الأول بعين النجس ام لا قد يستدل على التنجيس بروايات بل قصب البارية بماء قذر بناء على ان المحذور الملحوظ هو السراية

[ 211 ]

وبرواية معلى بن خنيس (1) في الخنزير الذي يخرج من الماء فيسيل منه الماء على الطريق فيمر عليه حافيا فان الارض المفروضة فيها متنجس اول بالماء المتنجس بعين النجس فلو ثبت بالرواية كون الارض منجسة كانت من ادلة المقام لكنها ساقطة سندا (2). وقد يستدل بمعتبرة عمار السابقة الواردة في الموضع القذر بالبول وغيره بدعوى شمول الغير لغسالة الجنب لان العادة كانت جارية على اتخاذ مثل ذلك المكان مغتسلا ايضا وقد عطفت الغسالة على البول في بعض الروايات (3) وغسالة الجنب ماء متنجس والارض متنجسة بها وقد حكم بانها منجسة. وكذلك معتبرة علي بن جعفر المتقدمة في الاغتسال مع النصراني في الحمام على بعض التقادير كما إذا بني على نجاسة الكتابي ذاتا وعلى عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس حيث ينحصر وجه الأمر بغسل الحوض في تنجسه بملاقاة الماء الملاقي للكافر النجس. الحالة الثالثة: انه إذا قيل بالتنجيس في الحالة الاولى وان المائع المتنجس بالمتنجس ينجس فهل ان المتنجس المباشر بهذا المائع منجس ايضا أم لا والصحيح ان اثبات منجسيته موقوف على احد امرين اما الاطلاق في عنوان ماء قذر الوارد في روايات البارية أو التمسك بمعتبرة


(1) الوسائل باب 32 من ابواب النجاسات حديث 3. (2) باعتبار عدم ثبوت وثاقة المعلى بن خنيس. (3) من قبيل رواية عمر بن يزيد قال: " قلت لابي عبد الله (ع): اغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة فيقع في الاناء ما ينزو من الأرض فقال: لا بأس " الوسائل باب 9 من ابواب الماء المضاف حديث 7.

[ 212 ]

علي بن جعفر الواردة في الاغتسال مع الكتابي في الحمام وكلا الطريقين غير ثابتين. الحالة الرابعة: انه بعد الفراغ عن ان المتنجس الأول الجامد ينجس نتكلم عن الجامد الذي تنجس به وانه هل يكون منجسا لملاقيه ام لا؟ والصحيح انه لا دليل على كونه منجسا لان جميع الروايات التي اثبتت بها تنجيس المتنجس الأول لا اطلاق فيها المتنجس الثاني كما تقدمت الاشارة الى ذلك لدى التعرض لها (1). وقد يتوهم التعامل مع قضية تنجيس المتنجس المستفادة من الروايات المذكورة كما يتعامل مع قضية حجية الخبر فكما ان هذه القضية تثبت بشمولها للخبر الواصل الينا فردا جديدا من موضوعها وهو الخبر المنقول به فتشمله الحجية وهكذا. كذلك قضية تنجيس المتنجس تحقق بتطبيقها على ملاقي المتنجس الأول فردا جديدا من موضوعها متمثلا في هذا الملاقى فتشمله القضية نفسها وهكذا. وهذا التوهم واضح البطلان لان الاشكال ليس ثبوتيا ليقال بامكان تصويره بالقضية الحقيقية التي يكون لها تطبيقان طولية وانما هو اثباتي بمعنى ان الروايات السابقة لا يستفاد منها كون طبيعي المتنجس منجسا بل المتيقن من مواردها كون المتنجس بعين النجس منجسا وهذا المعنى يجعل من ملاقي المتنجس المذكور متنجسا لا متنجسا بعين النجس ليدخل في نطاق القدر المتيقن. ولا يبقى بعد ذلك الا دعوى كون تنجيس طبيعي المتنجس لما يلاقيه


(1) لان ما تم سندا ودلالة على تنجيس المتنجس الاول لا اطلاق فيها للمتنجس الثاني وهي معتبرة عمار ومعتبرنا محمد بن مسلم المتقدمتان وما تم دلالة على تنجيس المتنجس الاول والثاني لم يتم سندا كمرسله محمد ابن اسماعيل.

[ 213 ]

معقد الاجماع قطعي تعبدي وهي مدفوعة بعدم ثبوت مثل هذا الاجماع في المتقدمين من علمائنا بعد وضوح عدم تعرض كثير من كلماتهم لتنجيس المتنجس وورود بعض الكلمات الدالة ظهورا أو صراحة على ما ينافي كلية تنجيس المتنجس من قبيل كلمات الشيخ الطوسي في المبسوط وابن ادريس في السرائر. فقد قال الشيخ في الخلاف في احكام ماء الغسالة (إذا اصاب الثوب نجاسة فغسل بالماء فانفصل الماء عن المحل واصاب الثوب أو البدن فانه ان كانت من الغسلة الأولى فانه نجس ويجب غسل الموضع الذي اصابه وان كانت من الغسلة الثانية لا يجب غسله... دليلنا على القسم الأول انه ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه فوجب ان يحكم بنجاسته... والذي يدل على القسم الثاني ان الماء على اصل الطهارة ونجاسته تحتاج الى دليل...) (1) ومراده بالغسلة الأولى ما لاقى عين النجاسة بقرينة قوله في مقام تعليل نجساتها (معلوم حصول النجاسة فيه) ومراده بالغسلة الثانيه ما لم يلاق عين النجس وقد علل طهارته بعدم الدليل على النجاسة فلو كانت قاعدة تنجيس المتنجس ثابتة بنحو كلي لكانت هي الدليل. وقال ابن ادريس في السرائر في باب غسل الأموات (وكذلك إذا لاقى جسد الميت من قبل غسله اناء ثم افرغ في ذلك الاناء قبل غسله مائع فانه لا ينجس ذلك المائع وان كان الاناء يجب غسله لانه لاقى جسد الميت وليس كذلك المائع الذي حصل فيه لانه لم يلاق جسد الميت وحمله على ذلك قياس وتجاوز في الاحكام بغير دليل والأصل في الأشياء الطهارة الى ان يقوم دليل قاطع للعذر وان كنا متعبدين بغسل ما لاقى جسد الميت


(1) الخلاف المجلد الأول ص 48 - 49 مسألة 135.

[ 214 ]

لان هذه نجاسات حكميات وليست عينيات... الخ) (1). وهذا الكلام واضح في ان النجس الحكمي ليس منجسا وبيان ابن ادريس لذلك باللحن الذي صدر منه مع عدم الاشارة الى اي خلاف في المسألة لا يلائم اطلاقا كون تنجيس المتنجس امرا مركوزا ومعتدا للاتفاق من سلفه من الفقهاء وإذا لوحظ اضافة الى ذلك ان جملة من الفقهاء المتقدمين تعرضوا في احكام النجاسات لكيفية التنجيس وانحائه واقتصروا على بيان التنجيس الحاصل من ملاقاة عين النجس ولم يشيروا الى ما سوى ذلك لم يعد بالامكان دعوى الجزم بالاجماع من قبل فقهائنا المتقدمين على تنجيس المتنجس كيف واصل السراية الحكمية وتنجس المتنجس ليس محلا للاجماع فضلا عن تنجيسه حيث ذهب السيد المرتضى الى كفاية المسح والازالة لعين النجس ومحل الكلام في المقام انما هو المتنجس الخالي من عين النجس بمسح ونحوه فهذا اذن يعتبر طاهرا في نظر السيد المرتضى على ما توحى به طريقة استدلاله على حصول التطهير بالمضاف فإذا لم تكن نجاسته الحكمية معقدا للاجماع فكيف يكون تنجيسه كذلك. هذا كله في تحقيق حال ادلة التنجيس ومقدار اقتضائها. ويقع الكلام بعد ذلك في الروايات التي قد يدعى دلالتها على عدم التنجيس وهي عديدة. منها معتبرة حكم بن حكيم " انه سأل ابا عبد الله (ع) فقال له: أبول فلا اصيب الماء وقد اصاب يدعى شئ من البول فامسحه بالحائط وبالتراب ثم تعرق يدي فامسح (فأمس) به وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي: قال لا بأس به " (2).


(1) السرائر ص 31. (2) الوسائل باب 6 من ابواب النجاسات حديث 1.

[ 215 ]

وتقريب الاستدلال بها انها قد فرضت اليد متنجسة بالبول وحكمت بعد ذلك على ملاقيها بالطارة وهذا يقتضي عدم تنجيس المتنجس سواء استظهر اختصاص السؤال بفرض كون العرق في نفس محل اصابة البول لليد أو لا اما على الأول فواضح واما على الثاني فللتمسك باطلاق الجواب لفرض ما إذا علم بذلك وبهذا يظهر انه لا موجب للمناقشة في دلالة الرواية بانه لم يفرض في الرواية كون العرق والبول في محل واحد من اليد فيكون الحكم فيها بطهارة الملاقي من جهة القاعدة إذ يكفي فرض وجود الاطلاق في الرواية لصورة العلم بوحدة محل العرق والبول كما لا موجب للمناقشة في دلالة الرواية بامكان نظرها الى مطهرية المسح لوضوح ظهور السؤال في ان النظر ليس الى ذلك بل الى السراية والا لما كان هناك موجب لافتراض ملاقاة اليد للثوب أو الوجه مثلا مع ان حكم اليد بنفسه محل الابتلاء فدلالة الرواية في نفسها لا بأس بها ولكنها بالاطلاق أو بما يشبهه فتكون قابلة للتقييد بلحاظ ادلة تنجيس المتنجس الأول فتحمل في مقام الجمع على صورة الشك في وحدة محل العرق والبول. ومنها ما رواه الشيخ " قدس سره " في التهذيب والاستبصار بسنده الى علي بن مهزيار قال كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك انه اصابه ولم يره وانه مسحه بخرقة ثم نسي ان يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى فأجابه بجواب قرأته بخطه: أما ما توهمت مما اصاب يدك فليس بشئ الا ما تحقق فان حققت ذلك كبب حقيقا أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن فمن وقتها وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل ان الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة الا ما كان في وقت وإذا كان

[ 216 ]

جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لأن الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك ان شاء الله " (1). وفقه الرواية ان الامام (ع) اعطى حكمين كليين احدهما ان من صلى مع الحدث الاكبر أو الأصغر وبعد ذلك التفت يجب عليه اعادة الصلاة في الوقت وقضاؤها في خارجه والثاني أن من صلى مع الخبث ثم التفت بعد ذلك فلا يقضي إذا التفت بعد خروج الوقت ولكن يعيد إذا التفت في الوقت وهذا الحكم وان كان مطلقا يشمل صورتي الجهل والنسيان ولكن يقيد باخراج صورة الجهل منه بقرينة ما دل على عدم وجوب الاعادة على الجاهل (2) فيختص الحكم الثاني في الرواية بالنسيان كما هو مورد سؤال الراوي. ثم انه (ع) حكم بان سليمان داخل تحت الحكم الثاني دون الأول لأنه قد صلى مع الوضوء فالعيب في صلاته ليس الحدث بل الخبث فيشمله الحكم الثاني. هذا فقه الرواية واما كيفية الاستدلال بها في المقام فتوضيحها انه إذا بنينا على اشتراط طهارة الأعضاء في صحة الوضوء كما يشترط طهارة ماء الوضوء فهذه الرواية تكون مجملة لابد من رد علمها الى اهلها لان وضوء السائل المفروض في موردها باطل على هذا التقدير فيدخل تحت الحكم الأول لا الثاني.


(1) الوسائل باب 42 من ابواب النجاسات حديث 1. (2) من قبيل معتبرة عبد الله بن سنان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل اصاب ثوبه جنابة أو دم، قال: ان كان قد علم انه اصاب ثوبه جنابة أو دم قبل ان يصلي فيه ولم يغسله فعليه ان يعيد ما صلى وان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة.. " الوسائل باب 40 من ابواب النجاسات حديث 3.

[ 217 ]

واما إذا بنينا على عدم اشتراط طهارة اعضاء الوضوء في صحته كانت الرواية واضحة في مدلولها وينفتح مجال للاستدلال بها على عدم تنجيس المتنجس ويتحصل من كلمات السيد الاستاذ في المقام تقريبان للاستدلال بالرواية (1): التقريب الأول: انه لو كان المتنجس بنجس تنجس الماء بالملاقاة للعضو المتنجس حال الوضوء فيبطل الوضوء ويندرج السائل تحت الحكم الأول وهذا بخلاف ما إذا لم يكن الموضع المتنجس منجسا إذ يصح الوضوء حينئذ لبقاء الماء على طهارته غاية الأمر ان العضو نجس فيندرج تحت الحكم الثاني كما هو صريح الرواية. وهذا التقريب لا يجدي في المقام لأن غايته ان المتنجس لا ينجس الماء فتكون الرواية من ادلة عدم انفعال الماء القليل بالتنجس وتلك مسألة غير ما نبحث عنه من تنجيس المتنجس للجامد ولا ملازمته بين المسألتين بحسب المدارك والمباني فلا تكون الرواية دليلا على عدم تنجيس المتنجس للجامد. التقريب الثاني: ان الرواية تفرق بين ما صلاه بذلك الوضوء وما صلاه بوضوء آخر فيعيد في الأول دون الثاني وهذا لا يمكن توجيهه الا على القول بعدم تنجيس المتنجس لانه لو قيل بالتنجيس فاعضاء الوضوء متنجسة بالملاقاة مع الكف المتنجسة بالبول وعليه تجب الاعادة حتى للصلاة التي صلاها بوضوء آخر لوقوعها مع النجاسة الخبثية لان الكف إذا افترضنا طهارتها بعد الوضوء الثاني لتعدد الغسل بالنسبة إليها مثلا فماذا نفترض بالنسبة الى سائر الأعضاء التي تنجست ولا تزال باقية على النجاسة بعد الوضوء الثاني ايضا فعدم وجوب اعادة ما صلاه بوضوء آخر دال على عدم


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 291 - 294.

[ 218 ]

تنجيس المتنجس. وهذا التقريب غير تام فاننا نستطيع ان نجري مع هذا التصور ومع ذلك نوجه الرواية بدون الالتزام بعدم تنجيس المتنجس وذلك باعتبار ان سائر اعضاء الوضوء وان افترضنا تنجسها وبقائها على النجاسة حتى بعد الوضوء الثاني ولكن مع هذا لا تجب اعادة الصلاة على المكلف لان هذه النجاسة مجهولة وليست منسية كما في نجاسة الكف فان ملاقي النجس المنسي نجس مجهول لا منسي ولا تجب الاعادة حينئذ للتفصيل بين الجاهل والناس كما تقدمت الاشارة إليه وعليه فالتفصيل بين ما اتى به المكلف مع الوضوء الأول وما اتى به مع وضوء مجدد في محله فان الصلاة في الحالة الأولى تقع مع نجاسة الكف المنسية فتجب الاعادة بينما الصلاة في الحالة الثانية والتي تطهر فيها الكف بحسب الفرض تضع مع نجاسة سائر الاعضاء المجهولة فلا تجب اعادتها كما هو المقرر في محله. واما سند الرواية فقد اعترض عليه السيد الاستاذ بالاضمار وحيث ان الاضمار ليس من علي بن مهزيار وامثاله من الكبار بل من سليمان بن رشيد الذي لا يأبى شأنه وحاله عن الرواية عن غير الامام فلا طريق الى اثبات ان المكاتبة كانت مع الامام ومجرد اعتقاد علي بن مهزيار بذلك ليس حجة (1). ويرد عليه اولا ان علي بن مهزيار - بعد الاعتراف بانه كان يعتقد بان المكاتبة مع الامام - يكون قوله (وقد قرأته بخطه) شهادة بانه رأى خط الامام (ع) وتجرى فيها اصالة الحس فتكون حجة واحتمال ان يكون الضمير في كلمة (بخطه) راجعا الى سليمان بن رشيد خلاف الظاهر


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 294.

[ 219 ]

جدا إذ لا اثر للتأكيد على كونه قد رآه بخط سليمان مع ان سياق التعبير ظاهر في ان التأكيد المذكور لاجل نكتة. ولو لا هذه الشهادة من علي ابن مهزيار بان المكاتبة بخط الامام لكانت الرواية ساقطة سندا بقطع النظر عن اضمارها من قبل سليمان بن رشيد لان سليمان هذا لم يثبت توثيقه. وثانيا: ان ما ذكره من التفصيل في اضمار رواة الشيعة غير تام لان الاضمار من قبلهم عموما غير مضر لان العهد النوعي يعين مرجع الضمير حينئذ في الامام عليه السلام لان الاتيان بالضمير المساوق للتعيين والذي لا يستغنى عن ذكر مرجعه اثباتا ظاهر عرفا في رجوعه الى مرجع هناك دال عليه في مقام التخاطب ومع الاطلاق وعدم التنصيص لا يوجد ما يصلح ان يكون دالا على المرجع سوى العهد النوعي ومعهودية كون الامام هو المرجع في الأحكام والحاصل ان فرض عدم المرجع رأسا في مقام الاثبات خلاف طبع الضمير عرفا وفرض مرجع غير الامام متعذر لعدم وجود دال اثباتي عليه بخلاف فرض مرجعية الامام واحتمال وجود دال على مرجعية غير الامام وقد حذفه الناقل للرواية عن الراوي مدفوع باصالة الامانة في الناقل الثقة وعدم حذف ما له دخل في المقصود. ومن جملة الروايات معتبرة العيص بن القاسم قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه قال يغسل ذكره وفخذيه قال: وسألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصابه ثوبه يغسل ثوبه؟ قال: لا " (1). والفقرة الاولى ظاهرة في تنجيس المتنجس للامر بغسل فخذه والفقرة الثانية هي موضع الاستدلال لظهورها في عدم سراية النجاسة الى الثوب


(1) صدر الرواية في الوسائل باب 31 من ابواب احكام الخلوة وذيلها في باب 6 من ابواب النجاسات حديث 2.

[ 220 ]

ومن هنا قد يدعي التعارض بين الفقرتين. وتفصيل الكلام ان السؤال الوارد في الفقرة الثانية يحتمل فيه بدوا ثلاثة احتمالات: الأول - ان يكون المقصود يمسح ذكره بيده مسحه للاستنجاء من البول وازالته نظير مسحه بالحجر الوارد في الفقرة الأولى وعلى اساس هذا الاحتمال يترتب امران احدهما تمامية الاستدلال بهذه الفقرة على عدم تنجيس المتنجس والآخر وقوع التعارض بين الفقرتين. الثاني - وهو الاحتمال الذي ابداه السيد الاستاذ - دام ظله - في مقام مناقشة الاستدلال بها (1) - ان يكون المقصود من المسح بيده مجرد المماسة للذكر لا المسح الاستنجائي المزيل للبول ويكون الداعي الى السؤال احتمال ان تكون مماسة اليد للذكر توجب نجاستها نظير ما توهمه بعض العامة من ان مس الذكر يوجب انتقاض الطهارة الحدثية ويترتب على هذا الاحتمال امران احدهما ان الفقرة الثانية لا دخل لها بمسألة تنجيس المتنجس والآخر انه لا تعارض بين الفقرتين. الثالث - ان يكون السؤال في الفقرة الثانية متفرعا على السؤال في الفقرة الاولى بمعنى انه بعد ان مسح ذكره بحجر وعرق ذكره مسحه بيده ثم لاقت يده وهي مرطوبة ثوبه ويترتب على هذا الاحتمال امران احدهما ان الفقرة الثانية تكون دليلا على ان المتنجس الثاني لا ينجس لان اليد بموجب هذا الاحتمال لاقت الذكر بعد ازالة البول عنه بالحجر فهي من المتنجس الثاني ولا يتنجس بها الثوب والآخر انه لا تعارض بين الفقرتين لان الأولى تدل على تنجيس المتنجس الأول والثانية تدل على عدم تنجيس المتنجس الثاني.


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 288.

[ 221 ]

والمتعين من هذه الاحتمالات الاول لان الاخيرين مخالفان للظهور. اما نكتة مخالفة الاحتمال الثاني للظهور فلأن الملحوظ للسائل من السؤال في الفقرة الثانية لو كان هو الاستفهام عن تنجس اليد بمماسة الذكر تعبدا لما كان هناك معنى لافتراض ملاقاة اليد للثوب وصياغة السؤال بلسان هل يغسل ثوبه فان السؤال عن نجاسة شئ بافتراض ملاق له والاستفهام عن حكم الملاقي انما يسوغ عرفا فيما إذا كان ذلك الشئ المراد الاستفهام عن نجاسته ليس من البدن والثياب ونحوهما مما تكون طهارته ونجاسته متعلقا للتكليف مباشرة من قبيل ما إذا اريد السؤال عن نجاسة الكلب أو الثعلب أو الهرة فانه يحسن حينئذ ان يفرض اصابة الثوب له وصياغة السؤال عن نجاسة تلك الحيوانات بلسان انه هل يغسل ثوبه أو لا لان نجاستها ليست متعلقا للتكليف مباشرة واما إذا كان محط السؤال عن النجاسة نفس البدن كيد الانسان مثلا فلا معنى عرفا لافتراض ملاقاة اليد للثوب والسؤال عن نجاسة اليد بلسان انه هل يغسل الثوب الملاقي لها اولا بعد ان كان غسل نفس اليد وتطهيرها واجبا مباشرا على تقدير نجاستها وعليه فحيث فرض السائل في المقام اصابة اليد للثوب وسأل عن غسل الثوب مع ان اليد بنفسها مطلوبة الطهارة دل ذلك على ان الملحوظ في السؤال ليس استعلام حال اليد بل حال الثوب بعد الفراغ عن نجاسة اليد فلا معنى لحمل السؤال على الاحتمال الثاني. واما الاحتمال الثالث فهو خلاف الظاهر لظهور السؤال الثاني في كونه سؤالا مستقلا لا تفرعا على الفرضية المذكورة في السؤال الأول فان هذا التفريع مؤونة زائدة ومع عدم نصب قرينة عليه يكون الظاهر استقلالية السؤال الثاني عن الأول وعليه فتتم دلالة الفقرة الثانية على عدم التنجيس وتكون معارضة بالفقرة الأولى على حد معارضتها بسائر روايات التنجيس

[ 222 ]

لان كلا من الفقرتين تمثل كلاما مستقلا نسبته الى الآخر نسبة المنفصل. ومن الروايات رواية حفص الاعور قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل عليه الخل قال: نعم " (1) فالدن متنجس وقد حكم بانه لا ينجس الخل وقد ناقش السيد الاستاذ - دام ظله - في الدلالة تارة باجمال الرواية لاحتمال نظرها الى عدم نجاسة الخمر واخرى بانها مطلقة من حيث غسل الدن قبل وضع الخل وعدمه والاستدلال انما هو بلحاظ هذا الاطلاق لفرض عدم الغسل مع انه مقيد بالروايات الدالة على تنجيس المتنجس بما فيها معتبرة عمار الواردة في دن الخمر قال: " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء كافح أو زيتون قال إذا غسل فلا بأس.. " (2) ومع تقييده بالغسل لا يمكن الاستدلال برواية حقص الأعور على عدم تنجيس المتنجس (3). ويرد على المناقشة الأولى ان هذا الاجمال يرتفع بضم دليل نجاسة الخمر الى الرواية فالرواية تدل على الجامع بين طهارة الخمر وعدم تنجيس المتنجس ودليل نجاسة الخمر ينفي الفرد الأول فيتعين الثاني. ويرد على المناقشة الثانية بان ذلك ليس تقييدا بل هو الغاء للعنوان الذي اخذه الراوي حيث سأل عن مسوغية التجفيف لوضع الخل في دن الخمر وتقييده بالغسل معناه الغاء دخل التجفيف رأسا إذ مع الغسل لا محصل للتجفيف وبدونه لا يكفي التجفيف وهو معنى الالغاء وليس هذا من التقييد العرفي اللهم الا ان يلتزم بان التجفيف لازم في الدن ولا يكفي الغسل لأن الخمر ينفذ فيه ويتسرب الى اعماقه فلابد من التجفيف والغسل معا ولكن


(1) الوسائل باب 51 من ابواب النجاسات حديث 2. (2) الوسائل باب 51 من ابواب النجاسات حديث 1. (3) التنقيح الجزء الثاني ص 290 - 291.

[ 223 ]

التقييد حينئذ معناه ان مراد الامام كان بيان نفى البأس في صورة اجتماع التجفيف والغسل معا فقد يبعد ذلك بان يقال ان هذه الصورة ليست منشأ للاشكال عادة عند السائل وانما حيثية سؤاله هي ان التجفيف يكفي أو لابد من الغسل فالجواب ب‍ (نعم) مساوق للافتاء بالكفاية ولا يقبل التقييد بالغسل وعلى أي حال فلا تعويل على الرواية حتى لو تمت دلالتها لضعف سندها (1). ومنها معتبرة حنان بن سدير قال: " سمعت رجلا سأل ابا عبد الله (ع) فقال اني ربما بلت فلا اقدر على الماء ويشتد ذلك علي فقال إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك " (2) وتقريب الاستدلال بها ان المشكلة الملحوظة للسائل هي خروج البلل المشتبه والمحكوم عليه بكونه بولا ونجسا حيث لم يفرض الاستبراء ومن الواضح ان الطريقة التي اقترحها الامام عليه السلام لا يمكن ان تدفع المشكلة من ناحية النجاسة الا إذا قيل بعدم تنجيس المتنجس إذ لو لا ذلك لكان وضع ماء الريق على الذكر المتنجس موجبا لاتساع النجاسة وسرايتها فتدل الرواية على عدم تنجيس المتنجس. وقد يقال ان المشكلة الملحوظة للسائل ليست هي ما ذكر بل هي مشكلة محفوظة حتى مع فرض الاستبراء وحاصلها الابتلاء بخروج الحبائل وحيث ان الموضع متنجس فبخروجها تتنجس وتوجب سراية النجاسة وعلى هذا تكون الرواية مبنية على تنجيس المتنجس ويقرب هذا الافتراض الثاني في تفسير الرواية بامر ين احدهما ان المشكلة لو كانت بلحاظ الرطوبة المشتبهة لكان المناسب بالامام (ع) تعليم الاستبراء بدلا عن تلك الطريقة


(1) باعتبار ان حفص الأعور لم تثبت وثاقته. (2) الوسائل باب 13 من ابواب نواقض الوضوء حديث 7.

[ 224 ]

الغريبة والآخر ان ظاهر قول السائل فلا اقدر على الماء دخل عدم وجدان الماء في المشكلة ولا يتم ذلك الا على الافتراض الثاني في تفسيرها. ويمكن دفع الامر الأول بان عدول الامام (ع) عن تعليم الاستبراء الى الطريقة الاخرى لعله باعتبار شمول فائدتها حتى لحالة من يعلم بان ما يخرج منه بول كما فيمن هو مبتلى بتقاطر البول احيانا ويمكن دفع الامر الثاني بان دخل عدم وجدان الماء لعله من اجل ان التطهير بالماء يؤدي نفس المهمة التي يتوسل بماء الريق لادائها وعلى اي حال فان كان في ذلك شئ من التقريب للافتراض الثاني للمشكلة ففي مقابله قوة ظهور كلام الامام في كون ماء الريق يوضع على نفس مخرج البول من الذكر فانما يلائم افتراض الاول للمشكلة واما الافتراض الثاني لها فيستدعي ان لا يوضع ماء الريق الا على الموضع الطاهر من الذكر لا على مخرج البول مع ان التقييد بذلك خلاف ظاهر الرواية جدا ولا يؤدي الغرض غالبا إذ الغالب في الحبائل ان يحس بها في نفس الموضع المتنجس. ومنها رواية سماعة قال: قلت لابي الحسن موسى (ع) اني ابول ثم اتمسح بالأحجار فيجئ مني البلل ما يفسد سراويلي قال: ليس به بأس " (1). وتقريب الاستدلال ان المتنجس لو كان منجسا لكان في مجموع البلل بأس لان البلل المذكور يوجب حينئذ سراية النجاسة من الموضع المتنجس بخلاف ما لو قيل بعدم تنجيس المتنجس وحملت الرواية على ما بعد الاستبراء اما بمقيد منفصل (2) إذا فرض اطلاقها كما في الاستبصار


(1) الوسائل باب 13 من ابواب نواقض الوضوء حديث 4. (2) من قبيل معتبرة حفص بن البختري عن ابي عبد الله (ع) " في الرجل يبول قال: ينتره ثلاثا ثم ان سال حتى يبلغ السوق فلا =

[ 225 ]

وبعض نسخ التهذيب أو بمقيد متصل كما ورد ذلك في الصيغة المنقولة في بعض نسخ التهذيب الاخرى (1). وقد يعترض على ذلك بعدة وجوه. الاول: ابراز احتمال ان يكو نظر السائل الى جهة الحدث وناقضية البلل الخارج للوضوء وفيه انه لو كان النظر الى ذلك لم تكن حاجة لما افترضه الراوي من التمسح بالحجر فان ظاهره دخل ذلك في منظوره ودخله انما يكون بلحاظ الخبث لا الحدث. الثاني: ابراز احتمال ان يكون نفي البأس بلحاظ الحكم بطهارة موضع البول بالمسح فيكون اجنبيا عن محل الكلام والغريب ان السيد الاستاذ ذكر هذه الرواية هنا (2) فناقش بابداء احتمال كونها ناظرة الى مطهرية المسح وذكرها في مسائل الاستنجاء (3) دليلا على مطهرية المسح وناقش في ذلك بابداء احتمال كونها ناظره الى عدم تنجيس المتنجس مع انه على فرض الاجمال وتساوى الاحتمالين تقع الرواية طرفا للمعارضة مع المجموع المركب مما دل على تنجيس المتنجس وعدم كفاية المسح في تطهير موضع البول ولابد من ادخالها في الحساب في مقام علاج التعارض ولكن التحقيق ان حملها على مطهرية المسح خلاف الظاهر لان السائل لو كان نظره إلى السؤال عن مطهرية المسح لم يكن هناك وجه عرفي لافتراض خروج البلل


= يبالي " الوسائل باب 13 من ابواب نواقض الوضوء حديث 3. (1) فقدت وردت فيها هكذا " اني ابول ثم امسح بالأحجار فيجئ مني البلل ما يفسد سراويلي بعد استبرائي، قال: ليس به بأس " راجع التهذيب الجزء الاول حديث 150. (2) التنقيح الجزء الثاني ص 286 - 288. (3) التنقيح الجزء الثالث ص 388.

[ 226 ]

بمقدار يفسد سراويله بل مجرد افتراض انه بال وتمسح بحجر يكفى لابراز ما يراد الاستعلام عنه حيث ان طهارة موضع البول بالمسح وعدمها داخل في محل الابتلاء مباشرة فلا معنى للسؤال عن مطهرية المسح لشئ من بدنه بلسان انه لو وقعت عليه رطوبة فهل ينجس أولا فهذا اللسان ظاهر في ان الحيثية المستعلم عنها لايتم افتراضها الا بذلك فيتعين حمل الرواية بالظهور العرفي على النظر سؤالا وجوابا الى تنجيس المتنجس بعد الفراغ عن بقاء النجاسة في الموضع الممسوح. الثالث المناقشة في سندها بما عن السيد الاستاذ من ضعفها بالحكم بن مسكين والهيثم بن ابي مسروق النهدي لعدم ثبوت توثيقهما (1) مع انه ينبغي توثيقهما على منباه لورودهما معا في اساتيد كامل الزيارات (2) غير ان ذلك لا يكفي عندنا ولكن يمكن مع هذا توثيق الحكم من مسكين بنقل اكثر الثلاثة عنه (3). وأما الهيثم بن أبى مسروق فلا يوجد توثيق واضح له نعم ذكر الكشي عن حمدويه انه قال: " لأبي مسروق ابن يقال له الهيثم سمعت


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 286 - 287 (2) فقد وقع الحكم بن مسكين في سند الحديث 2 من باب 28 من كامل الزيارات وذكر ذلك نفس السيد الخوئي - دام ظاله - في معجم الرجال الجزء السادس ص 179 ووقع الهيثم بن أبي سند الحديث 3 من باب 70 منه. (3) فقد روى عنه ابن أبي عمير في الوسائل باب 2 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 11 وروى عنه احمد بن محمد بن أبي نصر في الوسائل باب 30 من أبواب نكاح العبيد حديث 8.

[ 227 ]

لكن لا يجري عليه جميع احكام النجس فإذا تنجس الاناء بالولوغ يجب تعفيره لكن إذا تنجس اناء آخر بملاقاة هذا الاناء أوصب ماء الولوغ في اناء آخر لا يجب فيه التعفير اصحابي يذكرونهما كلاهما فاضلان " (1) والفضل في نفسه وان كان لا يستلزم التوثيق ولكن قد يستظهر ذلك في امثال المقام فان تم هذا صح سند الرواية وإلا سقطت عن الاعتبار. وإذا تم بعض ما يستدل به من روايات لنفي تنجيس المتنجس وبعض ما يستدل به لاثبات التنجيس وقعت المعارضة بين الطائفتين فان كانت دلالة احداها بالاطلاق (2) دون الاخرى قيد الاطلاق بالطائفة الاخرى ولكن يوجد في كل من الطائفتين ما يكون دلالته على المستدل به عليه بالخصوصية لا بالاطلاق (3). وقد يجمع بحمل الروايات الظاهرة في التنجيس على التنزه والكراهة ولكنه لا يلائم بعض تلك الروايات كمعتبرة عمار التي تصرح بان الصلاة في المكان المتنجس مع الرطوبة غير جائزة فان حمل عدم الجواز على مجرد التنزه ليس عرفيا والظاهر ان التعارض مستحكم فإذا ثبت ان موقف العامة على العموم مطابق لمفاد الطائفة الدالة على عدم تنجيس المتنجس الاول كان ذلك مرجحا لما دل على التنجيس والا تعارضت الطائفتان وكان المرجع هو الاصول المؤمنة.


(1) تنقيح المقال المجلد الثالث ص 305. (2) كما في معتبرة حكم بن حكيم المتقدمة في ص 494 (3) كما في معتبرة حنان بن سدير المتقدمة

[ 228 ]

وان كان أحوط خصوصا في الفرض الثاني وكذا إذا تنجس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لا يجب فيه التعدد (1) وكذا إذا تنجس شئ بغسالة البول بناء على نجاسة الغسالة. لا يجب فيه التعدد (1) سراية النجاسة من نجس الى ملاقيه لا تستلزم سراية سائر أحكامه إليه كوجوب التعفير والتعدد ونحو ذلك فلابد من ملاحظة حال تلك الاحكام الاضافية وذلك على مراحل. الاولى: ملاحظتها بلحاظ دليل ثبوتها ليرى هل له اطلاق للملاقى أولا اما دليل وجوب التعدد في المتنجس بالبول فلا اشكال في عدم اطلاقه في نفسه للمتنجس بهذا المتنجس لعدم صدق العنوان المأخوذ في موضوع رواياته (1) عليه إذ أمر بالتعدد في غسل ما اصابه البول ولا يصدق ذلك الا على المتنجس الاول وأما دليل وجوب التعفير (2) فعدم شموله للمتنجس بنفس اناء الولوغ واضح واما عدم شموله للاناء الذي صب فيه ماء الولوغ فهو ايضا مقتضى الجمود على حاق اللفظ ومورده حيث ان مورده الاناء الذي


(1) من قبيل معتبرة محمد عن أحدهما (ع) قال " سألته عن البول يصيب الثوب، قال: اغسله مرتين " الوسائل باب 1 من ابواب النجاسات حديث 1. (2) من قبيل رواية الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله (ع) في حديث انه سأله عن الكلب فقال " رجس نجس لا يتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغلسله بالتراب اول مرة ثم بالماء، الوسائل باب 70 من أبواب النجاسات حديث 1.

[ 229 ]

شرب منه الكلب وهذا العنوان لا يصدق على الاناء الثاني بصب ماء الولوغ فيه فلو احتمل عرفا مدخلية هذا العنوان في الحكم لزم الاقتصار على مورده نعم إذا الغى احتمال مدخلية هذا العنوان بمناسبات الحكم والموضوع عرفا وقيل بان العرف يفهم من الدليل ان مناط الحكم في الاناء تنجسه بماء الولوغ لا بملاقاة الكلب مباشرة ولا بصدق عنوان شرب الكلب منه اما الاول فلان ملاقاة الكلب للاناء لم تفرض في الرواية وأما الثاني. فلأن هذا عنوان انتزاعي وسراية النجاسة لا تكون عرفا إلا بالملاقاة فالمناط المذكور محفوظ في الاناء الثاني ايضا فيشمله الحكم. الثانية ملاحظته بلحاظ دليل السراية بان يدعى ان المستظهر منه ان السراية ليست من باب التأثير والعلية بل من باب الانتشار والتوسع فتكون نجاسة المتنجس الجديد عين نجاسة المتنجس الاول فيشملها اطلاق الادلة الواردة في المتنجس الاول. والصحيح ان الاستظهار المذكور بلا محصل بل وغير نافع ايضا حتى لو تعقلناه لان مجرد كون النجاسة الجديدة انتشارا للنجاسة الاولى يكفي لاثبات أحكامها لها لان احتمال اختصاص تلك الاحكام بمرتبة معينة من وجود تلك النجاسة موجود عقلا وعرفا. الثالثة بعد فرض عدم الاطلاق في دليل وجوب التعدد والتعفير يلاحظ انه هل يوجد اطلاق يقتضي كفاية الغسل مرة واحدة أولا سواء تمثل هذا الاطلاق في اطلاقات فوقانية للاوامر بالغسل (1) أوفي اطلاق في خصوص


(1) من قبيل معتبرة ابراهيم بن أبي محمود قال " قلت للرضا (ع): الطنفسة والفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما وهو ثخين كثير الحشو؟ قال: يغسل ما ظهر منه في وجهه " الوسائل باب 5 من أبواب النجاسات حديث 1 ورواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال " سألته عن =

[ 230 ]

دليل تطهير المتنجس بالمتنجس كما في معبرة العيص المتقدمة حيث قال يغسل ذكره وفخذيه فان مقتضى اطلاقه كفاية المرة في الذكر والفخذ والتقييد بالتعدد في الاول لا يمنع عن التمسك بالاطلاق بلحاظ الفخذ الذي هو متنجس بالمتنجس وتتمة الكلام في ذلك تأتي في بحث المطهرات ان شاء الله تعالى الرابعة ملاحظة نفس دليل السراية ليرى انه هل له اطلاق ازماني يقتضي في نفسه بقاء النجاسة بحيث يرجع إليه عند الشك في ارتفاعها بالغسلة الواحدة اولا ولا شك في عدم الاطلاق المذكور إذا كان الدليل هو الاجماع بل قد يقال بعدمه في الادلة اللفظية ايضا إذا تمت لان ارتكازية وجود المطهر في الجملة تكون قرينة على ان النظر في ادلة السراية إلى بيان حدوث النجاسة على نحو تحتاج الى مطهر وليس لها نظر الى بقائها في موارد الشك في المطهرية. الخامسة بعد فرض عدم الاطلاق في دليل السرايه ايضا تنتهى النوبة الى الاصول العملية فيرجع الى استصحاب النجاسة إذا قلنا به في الشبهة الحكمية كما هو الصحيح والا جرت قاعدة الطهارة لو قيل بشمول دليلها في نفسه لموارد الشك في بقاء النجاسة وقد تكرر منا منع ذلك (1) وان قاعدة الطهارة لا تشمل موارد الشك في بقاء النجاسة بقطع النظر عن حكومة الاستصحاب عليها.


= الكلب يشرب من الاناء قال: اغسل الاناء.. الوسائل باب 12 من أبواب النجاسات حديث 3 (1) كما في الجزء الثاني من البحوث ص 206

[ 231 ]

(مسألة 12) قد مر انه يشترط في تنجيس الشئ بالملاقاة تأثره فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثر بالرطوبة اصلا كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الماء لا يتبلل اصلا يمكن أن يقال انه لا يتنجس بالملاقاة ولو مع الرطوبة المسرية ويحتمل أن تكون رجل الزنبور والذباب والبق من هذا القبيل (1) (مسألة 13) الملاقاة في الباطن لا توجب التنجس فالنجاسة الخارجة من الانف طاهرة وان لاقت الدم في باطن الانف نعم لو ادخل فيه شئ من الخارج ولاقى الدم في الباطن فالاحوط فيه الاجتناب (2) (1) اما الكبرى وهي اشتراط السراية بالرطوبة المسرية المؤثرة فقد تقدم تحقيقها وأما الصغريات التي ادعي انها غير واجدة للشرط فهذه الدعوى فيها محل اشكال بل منع نعم الدهن إذا كان جامدا ومحيطا بالجسم فهو مانع عن اصل الملاقاة كما هو واضح. (2) وقد تقدم تحقيق الكلام في انحاء الملاقاة من حيث كون المتلاقيين داخليين معا أو كان النجس منها داخليا أو كان الملاقي الطاهر منها داخليا أو كانا معا خارجيين وحصلت الملاقاة في الداخل فراجع احكام هذه الانحاء مفصلا في الجزء السابق من هذا الشرح (2)


(1) تقدم تحقيقها في بداية هذا الفصل. (2) الجزء الثالث من البحوث ص 39 - 44

[ 232 ]

فصل يشترط في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة ازالة النجاسة عن البدن حتى الظفر والشعر واللباس (1) (1) لا اشكال في اعتبار الطهارة من الخبث في الصلاة على وجه الاجمال نصا واجماعا بل ضرورة والروايات الدالة على ذلك بشكل وآخر متواترة وانما الكلام في تحقيق جهات: الجهة الاولى: في انه هل يعتبر الطهارة من كل انواع النجاسات أو يختص هذا الحكم ببعضها دون بعض، قد يقال بان الروايات الواردة في مقام بيان اعتبار الطهارة قد جاءت في موارد متفرقة ولا يستفاد منها التعميم المذكور الا بضم الاجماع. وقد تصدى السيد الاستاذ دام ظله إلى اثبات التعميم بالدليل اللفظي (1) وذلك بلحاظ عدة روايات: منها معتبرة زرارة المعروفة في بحث الاستصحاب والتى جاء فيها قال: (قلت له اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المنى فعلمت أثره.. الخ) (2) والاستدلال باطلاق قوله (أو غيره) بناء على رجوع الضمير الى دم الرعاف لا الى كلمة رعاف فان غير دم الرعاف يشمل سائر النجاسات والصحيح انه لا يمكن الاستدلال بهذا الاطلاق على كل حال لان الكلمة واردة في كلام الراوي في مقام السؤال والسؤال لم يكن متجها الى أصل اعتبار الطهارة وحدوده ليكون للسؤال اطلاق لسائر انواع النجاسات بل


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 302 - 304 (2) الوسائل باب 7 من أبواب النجاسات حديث 2

[ 233 ]

السائل بعد افتراض الاعتبار متجه للاستعلام عن حال الصلاة التي وقعت مع مالا يجوز من النجاسة فلا اطلاق في الكلام من الجهة المبحوث عنها في المقام. وقد كان الافضل الاستشهاد من تلك الرواية بفقرة اخرى وهي قوله: " تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك ". وذلك بدعوى ان قوله حتى تكون على يقين من طهارتك يدل على اللازم في الصلاة تحصيل الطهارة بعنوانها لا التخلص من هذا النجس بالخصوص أو ذاك ومنها معتبرة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال " لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار بذلك جرت السنة من رسول الله (ص) وأما البول فانه لابد من غسله " (1) وتقريب الاستدلال بها ان المراد بالطهور في صدرها ما يعم الطهارة الخبثية بقرينة الذيل فتدل على أن الطهارة على الاطلاق معتبرة. ويرد عليه ان كلمة (طهور) إذا كانت بمعنى المصدر اي الطهارة ثم ما افيد ولكن إذا كانت بمعنى آلة التطهير أي انه لاصلاة الا بمطهر كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (2) عند من استدل بها على المطهرية فلا يستفاد من الرواية اعتبار الطهارة من كل انواع النجاسات في الصلاة وانما تفيد ان كل مصل لابد له من استعمال الماء المطهر ويكفي في هذه اللابدية لزوم التخلص من قذر البول والغائط عند الاستنجاء.


(1) الوسائل باب 9 من أبواب احكام الخلوة حديث 1 (2) الفرقان (48)

[ 234 ]

ومما يشهد على ان كلمة طهور في الرواية بهذا المعنى ما ورد في ذيل الحديث من قوله " ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار " فان المجزى لابد من مجز عنه وليس هو الطهارة لان الاحجار لا تجزي عنها وانما تحققها بل هو الماء المطهر فان الاحجار تجزى عنه وهذا يعنى ان قوله في صدر الحديث " لاصلاة إلا بطهور " بعمنى لاصلاة الاباستعمال ماء مطهر. ومنها مادل من الروايات على العفو عن النجاسة في اللباس إذا كان مما لا تتم به الصلاة وحده حيث تدل بالمفهوم على عدم جواز النجاسة مطلقا في غير ذلك. وهذا ايضا لا يخلو من اشكال لأن بعض روايات تلك المسألة ساقطة سندا كمرسلة حماد بن عثمال (1) و بعضها وان تم سنده الا ان لسانه لسان الاستثناء من دليل المانعية ومتمحض في بيان المستثنى وليس متعرضا للمستثنى منه مباشرة ليتمسك باطلاقه من هذه الناحية كما في معتبرة زرارة (2) عن احدهما (ع) فلاحظ وتتمه الكلام في روايات تلك المسألة وتحقيها تأتي في محله. ومنها حديث " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة " (3) حيث ذكر الطهور في الخمسة وهو يشمل الطهارة الخبثية باطلاقه ثم استشكل في هذا الاطلاق لأن ظاهر ذيل الحديث ان الخمسة مما فرض في الكتاب والطهارة الخبثية لم تفرض في الكتاب. ويرد على التمسك باطلاق الطهور ان حديث لا تعاد ليس بنفسه من أدلة الجزئية الشرطية ليتمسك باطلاقة من هذه الناحية وانما هو ناظر إليها


(1) (2) الوسائل باب 31 من ابواب النجاسات حديث 2 - 1 (3) كما ورد في معتبرة زرارة المذكورة في الوسائل باب 3 من أبواب الوضوء حديث 8

[ 235 ]

ووارد بعد افترضها في مقام التمييز بين ما يكون الاخلال به نسيانا أو جهلا موجب للبطلان ومالا يكون كذلك ولهذا كانت له الحكومة على تلك الادلة. فكل هذه الوجوه لاثبات التعميم غير تامة فلابد من الرجوع الى وجوه اخرى وبالامكان ان نذكر الوجوه التالية في المقام لاثبات التعميم فان لم تتم جميعا فبعضها تام. فمنها معتبرة عمار السابقة التي جاء فيها " إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك.. " الى أن يقول: " وان كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك " أي الصلاة عليه مع رطوبة في البدن توجب السراية وتقريب الاستدلال بها واضح حيث يستفاد منها ان الموضع القذر بالبول أو غيره من القذارات لا يجوز الصلاة عليه مع وجود الرطوبة المسرية تحفظا على الطهارة المعتبرة في الصلاة وهذا يدل باطلاقه على عدم جواز الصلاة مع نجاسة البدن مهما كان سببها ويشمل النجاسة السارية من المتنجس ايضا لأنها مورد الرواية فهذه الرواية احسن وجه لاثبات التعميم المطلوب. ومنها رواية خيران الخادم التي جاء فيها " كتبت الى الرجل (ع) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلي فيه ام لا فان اصحابنا قد اختلفوا فيه.. " الى أن يقول فيها الامام (ع) " لا تصل فيه فانه رجس " (1) والاستدلال بالفقرة الاخيرة منها حيث انه علل الحكم بالمنع بانه رجس ومقتضى قانون التعليل استفادة كبرى مانعية كل نجس في الصلاة


(1) الوسائل باب 13 من أبواب النجاسات حديث 2

[ 236 ]

ولكن يشكل مضافا الى ضعف السند بسهل ان الرجس مرتبة شديدة من الخباثة لا تطلق على كل متنجس فلا يستفاد المطلوب من كبرى التعليل ومنها معتبرة علي بن جعفر السابقة قال " سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلي عليه قال إذا يبست فلا بأس ". بناء على أن النظر في البأس الى محذور السراية لا السجود على النجس فيدل على ان سراية النجاسة الى البدن أو الثوب محذور في الصلاة ولما كان عنوان القذر يشمل ما تقذر باي عين من الاعيان النجسة ثبت التعميم المطلوب ومنها معتبرة العلا عن أبي عبد الله (ع) قال " سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه فينسى أن يغسله... الخ " (1) والاستدلال بها مبني على دعوى ان الظاهر من عبارة السائل ان المركوز في ذهنه ان النجاسة بعنوانها لا بما هي نجاسة من هذا بالخصوص أو من ذاك مانعة عن الصلاة وسكوت الامام عن ذلك يدل على امضاء هذا الارتكاز فيدل على التعميم. وفيه ان استفادة كون المركوز لدى السائل مانعية النجاسة بنحو الموجبة الكلية من اطلاق كلامه محل اشكال لانه لم يكن في مقام البيان من هذه الناحية وانما كان السائل والمسؤول قد فرغا عن مانعية النجاسة واتجها الى حال نسيان تلك النجاسة المانعة. ومنها معتبرة عبد الله بن سنان قال " سأل أبي أبا عبد الله (ع) وانا حاضر اتى اعير الذمي ثوبي " الى أن يقول الامام (ع) " حتى تستيقن انه نجسه " (2). فانه يدل بمفهوم الغاية انه إذا استيقنت بالنجاسة فلا تصل فيه واطلاقه


(1) الوسائل باب 42 من أبواب النجاسات حديث 3 (2) الوسائل باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1

[ 237 ]

شامل لكل انواع النجاسة ولا اشكال في صحة هذا الإشعار ولكن الدلالة قد يتأمل فيها بدعوى ان الرواية مسوقة لبيان حكم الشك ومدى امارية حيازة الكتابى للثوب على النجاسة وليست في مقام البيان من ناحية اصل الحكم الواقعي في المانعية ليتمسك باطلاقها من هذه الناحية. ومنها معتبرة عمار في الرجل إذا قص أظفاره بالحديد أو جز شعره أو حلق قفاه فان عليه ان يمسحه بالماء قبل أن يصلي سئل فان صلى ولم يمسح من ذلك بالماء قال يعيد الصلاة لان الحديد نجس... " (1) والاستدلال بالكبرى المقدرة في التعليل حيث صرح فيه بالصغرى وقدرت الكبرى وهي ان كل نجس يجب الاجتناب عنه في الصلاة وهذه الرواية احسن حالا من رواية خيران إذ الموضوع في الكبرى النجس لا الرجس وأما تطبيق الكبرى على الحديد فهو اما جدي واما عنائي واما صوري وعلى كل حال فلا موجب لرفع اليد عن دلالة الكبرى على المطلوب اما على الاول فواضح واما على الاخيرين فلأن تطبيق كبرى لزومية جدية على فرد عنائي أو صوري لا يضر بظهورها في اللزوم والجدية. ومثل هذه الرواية رواية موسى بن اكيل النميري ايضا عن أبي عبد الله (ع) قال "... لا تجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ " (2) لكن هناك فارقان احدهما ان رواية عمار تامة سندا وهذه ضعيفة بالارسال والآخر ان التعليل في هذه الرواية ورد فيه قيد زائد وهو انه ممسوخ فلا بد اما من القول بان عطف الممسوخ على النجس من باب


(1) الوسائل باب 14 من أبواب نواقض الوضوء حديث 5 (2) الوسائل باب 32 من ابواب لباس المصلي حديث 6

[ 238 ]

عطف ملاك على ملاك أو الالتزام بالتعميم في حدود اجتماع الصفتين فلا يفيد المطلوب. ومنها التمسك بنفس الروايات المتفرقة الواردة في المواضع الخاصة (1)


(1) وهي ثلاث طوائف: الاولى تدل على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجس ووردت في البول والعذرة والمني والدم والخنزير والخمر والكافر - على القول بنجاسته فمثلا في البول والمني معتبرة محمد بن مسلم (الوسائل باب 16 من ابواب النجاسات حديث 2) وفي العذرة معتبرة عبد الرحمان بن أبي عبد الله (الوسائل باب 40 من أبواب النجاسات حديث 5) وفي الدم معتبرة سماعة (الوسائل باب 42 من أبواب النجاسات حديث 5) وفي الخنزير معتبرة على بن جعفر الوسائل باب 13 من ابواب النجاسات حديث 1) وفي الخمر معتبرة علي بن مهزيار (الوسائل باب 38 من ابواب النجاسات حديث 2) وفي الكافر معتبرة علي بن جعفر (الوسائل باب 14 من أبواب النجاسات حديث 10) والثانية تامه بغسل ما يصيبه النجس من دون ذكر الصلاة فلتتميم الاستدلال بها على شرطية الطهارة في الصلاة لابد من اضافة المطلب الذي ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - ووردت في الميتة والكلب وعرق الجلال فمثلا في الميتة معتبرة الحلبي (الوسائل باب 34 من ابواب النجاسات حديث 2) وفي الكلب معتبرة الفضل ابي العباس (الوسائل باب 12 من ابواب النجاسات حديث 1) وفي عرق الجلال معتبرة هشام بن سالم (الوسائل باب 15 من ابواب النجاسات حديث 1) وقد يتوهم ورود روايات في الميتة والكلب تدرجها في الطائفة الاولى وهي رواية ابي القاسم الصيقل وولده (الوسائل باب 38 من أبواب ما يكتسب به حديث 4 ورواية قاسم الصيقل (الوسائل باب 34 من أبواب النجاسات حديث 4) ومعتبرة علي بن جعفر (الوسائل =

[ 239 ]

فانها بعد جمعها وضم بعضها الى بعض نلاحظ انها تستوعب كل النجاسات العشر المعروفة وكذلك المتنجس بحيث لا يبقى بعد ذلك ما هو خال من الدليل غير ان هذا موقوف على التسليم بمطلب وهو ان الامر بغسل الثياب واللباس ظاهر عرفا في اعتبار تطهيرها في الصلاة لان مجرد نجاستها بما هي حكم وضعي لا معنى لها عرفا ولا موجب للاهتمام بازالتها وغسل الثوب منها فالامر بالغسل وان كان ارشاد الى النجاسة ولكنه ظاهر عرفا في ان النجاسة محذور يهتم بازالته بالغسل والمحذور المتبادر في باب الطعام هو الاكل والمحذور المتبادر في مثال الثياب هو الاستعمال فيما هو مشروط بالطهارة فبا عمال هذه النكتة العرفية في روايات الباب نستطيع الحصول على اطلاق اعتبار الطهارة من كل انواع النجاسات اما بلسان النهي عن الصلاة في النجس أو بلسان الامر بغسل الثوب المتنجس ومنها التمسك بما دل على عدم جواز الصلاة مع نجاسة البدن أو الثوب الناشئة من ملاقاة المتنجس ببعض الاعيان النجسة بدعوى ان ذلك يدل بالاولوية العرفية على مانعية نجاسة البدن أو الثوب الناشئة من ملاقاة اي عين من الاعيان النجسة إذ لا يحتمل عرفا كون المتنجس بعين نجسة اشد من عين اخرى من الأعيان النجسة لارتكازية كون النجس العيني اشد


= باب 33 من ابواب النجاسات حديث 3) ولكن الاوليين ضعيفتان بابي القاسم الصيقل وولده القاسم وغيره والثالثة غير تامة دلالة لانها اعتبرت الكلب مثل الفارة التي يعلم بعدم وجوب غسل الثوب الذي تصيبة والطائفة الثالثة تدل على عدم جواز الصلاة عند تنجس البدن ووردت في المتنجس وتمثلها معتبرة عمار (الوسائل باب 29 من ابواب النجاسات حديث 4) وبضم دعوى الملازمة بين اشتراط الطهارة في الثوب والبدن - لعدم التفكيك بينهما فقهيا - يتم العموم في كليهما.

[ 240 ]

من النجس العرضي ومثال ذلك معتبرة علي بن جعفر " انه سأل اخاه موسى بن جعفر (ع) عن البيت والدار لا تصيبها الشمس ويصيبها البول ويغتسل فيها من الجنابة أيصلي فيها إذا جفا قال نعم " (1) بناء على دلالتها بالمفهوم على عدم جواز الصلاة في مكان يغتسل فيه من الجنابة مع عدم الجفاف من اجل محذوه السراية فان النجاسة التي يترقب سرايتها سببه عن ماء الغسالة المتنجس فإذا كانت هذه مانعة عن الصلاة فهم بالاولوية العرفية بضم الارتكاز المشار إليه ان النجاسة الناشئة من ملاقاة عين النجس مانعة ايضا مطلقا. هذا إذا لم نقل بان خصوصية كون النجاسة في الثوب ناشئة من ملاقاة هذه العين أو تلك ملغية من اول الامر بالارتكاز العرقي القاضي بمناسبات الحكم والموضوع بان تمام الموضوع للحكم ذات النجاسة بلا دخل للخصوصيات المذكورة وانها مجرد مورد. الجهة الثانية في أن الطهارة هل هي معتبرة في مطلق البدن بنحو يشمل حتى مثل الشعر وفي مطلق اللباس الا ما خرج بدليل. ومن المعلوم ان اصل اعتبارها في البدن واللباس معلوم من النصوص لانهما القدر المتيقن في الجملة وانما الكلام في تحصيل اطلاق في البدن بنحو يثبت به اعتبارها الشعر ايضا المعدود من توابع البدن وتحصيل اطلاق مماثل في اللباس وبهذا الصدد يمكن ذكر الوجوه التاليه: منها معتبرة زرارة قال ".. تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد أصابها حتى تكون على يقين طهارتك.. " (2) وقد اضيفت الطهارة هنا الى نفس المصلى وظاهر ذلك اعتبار طهارة المصلي وطبق ذلك


(1) الوسائل باب 30 من ابواب النجاسات حديث 1 (2) الوسائل باب 7 من ابواب النجاسات حديث 2

[ 241 ]

على طهارة الثوب فمن هنا يعلم ان اضافة الطهارة الى المصلي بعناية تشمل توابعه ايضا وما كان من قبيل الثوب ومقتضى ذلك اطلاقها لطهارة الشعر والظفر ايضا لانها طهارة للمصلي بهذه العناية بلا اشكال فيتم الاستدلال بالرواية لو لم نقل بان التمسك باطلاقها من ناحية سعة دائرة الاعتبار الواقعي للطهارة متعذر لانها ليست في مقام البيان من هذه الناحية بل في مقام بيان مقدار يتنجز من التكليف في مورد الشك والتردد. ومنها رواية خيران الخادم المتقدمة حيث ورد فيها النهي عن الصلاة في الثوب الذي اصابه لحم الخنزير قائلا " لا تصل فيه فانه رجس " ومقتضى قانون التعليل اقتناص كبرى عدم جواز الصلاة في الرجس وبالغاء خصوصية الثوب يتعدى الى كل ما يكون من اللباس ظرفا للمصلي وملبوسا له ولو بلحاظ جزء من بدنه ولا فرق في ذلك بين ان نحمل قوله لا تصل فيه على ملاحظة الثوب ظرفا للمصلي أو ظرفا للفعل باسراء ظرف الفاعل الى الفعل نفسه غير ان الرواية ضعيفة السند. ومنها رواية النميزي المتقدمة عن أبي عبد الله (ع) " لا تجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ " والكلام فيه كما في الرواية السابقة مع مزية هنا وهي ان الحديد لا تتخذ منه الثياب عادة بل السيف والخاتم ونحو ذلك فالكبرى المقتنصة بقانون التعليل يكون لها اطلاق يشمل مثل ذلك أيضا غير ان الرواية ضعيفة سندا كما تقدم. ومنها معتبرة عمار المتقدمة الواردة في الارض القذرة فقد جاء

[ 242 ]

فيها " وان كانت رجلك رطبة وجبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع " وذلك بالتمسك باطلاق قوله " أو غير ذلك منك " فان من هنا إن كان يراد بها البعض والجزء الحقيقي ففي العبارة اطلاق يشمل حتى للشعر والظفر فانه من الانسان حقيقة وان لم يشمل الثياب وان اريد بها ما يكون من الانسان ولو بلحاظ شؤونه المعتبرة عرفا بمثابة الجزء منه فالاطلاق يشمل اللباس ايضا. ربما ذكرناه يظهر ان استفادة الاطلاق للشعر لا تتوقف على دعوى كونه جزءا من الجسد كما قيل بل يكفي صدق كونه من الانسان على ما عرفت. ومنها معتبرة ابن الحجاج إذ جاء فيها قوله " يغسل ما استبان انه قد أصابه وينضح ما يشك فيه من جسده وثيابه وبنشف قبل أن يتوضأ " (1) فان الامر بالنضح وان كان تنزيهيا ولكنه يكشف بالدلالة الالتزامية العرفية عن ان الجسد والثياب مصب لاعتبار الطهارة ولهذا أمر بالنضح ننزها في حالة الشك وقد استدل باطلاق كلمة الجسد للشمول للشعر ونحوه وهو غريب فان الشعر ليس من الجسد ولهذا لا يشمل جسد الميت أو غسل جسد الجنب على مس شعر الميت أو غسل شعر الجنب والاولى الاستدلال بكلمة ثياب حيث جاءت بصيغة الجمع على أن المقصود مطلق الالبسة لا خصوص الثوب الكامل الذي يحيط بكامل الجسد لعدم تعارف استعمال ثياب عديدة منه وإذا ثبت الاطلاق لمطلق اللباس ثبت في مثل الشعر بالاولوية العرفية ومنها رواية وهب بن وهب عن جعفر بن محمد ان عليا (ع) قال


(1) الوسائل باب 37 من ابواب النجاسات حديث 2

[ 243 ]

" السيف بمنزلة الرداء تصل فيه ما لم تر فيه دما " (1) فانها تعتبر الطهارة في السيف مع انه لباس من المرتبة الثانية فيدل ذلك على اعتبار الطهارة في مطلق اللباس ولو لم يكن من قبيل الرداء وهذا يتوقف على الغاء خصوصية السيف بان يقال ان التنزيل ليس تعبديا ليقال بعدم التعدي عن مورده بل هو في مقام توسعه دائرة موضوع الاعتبار وتحديده، فالعرف يفهم منه ان الموضوع لاعتبار الطهارة هو العنوان الجامع بين السيف والرداء وهو مطلق اللباس ولكن الرواية ضعيفة سندا بوهب بن وهب. وقد تحصل مما تقدم انه يوجد اطلاق لفظي يدل على اعتبار الطهارة في البدن حتى لمثل الشعر والظفر منه واما بالنسبة الى اللباس فالقدر المتيقن من اطلاقات الباب ما يتلبس به المكلف ولو بجزء من بدنه على حد تلبس البدن بالثوب فيعتبر الطهارة فيه الا ما يخرج بدليل الجهة الثالثة: بعد فرض اعتبار الطهارة في الصلاة يبحث عن كيفيته وهل هو بنحو شرطية الطهارة أو بنحو مانعية النجاسة والكلام في ذلك يقع في مقامات. المقام الاول في تعقل الفرق ثبوتا بين شرطية الطهارة ومانعية النجاسة وتحقيق ذلك ان الطهارة اما ان تكون امرا وجوديا مقابلا للنجاسة تقابل التضاد أو امرا ثبوتا منتزعا بلحاظ عدم النجاسة اوامرا عدميا محضا هو نفس عدم النجاسة فيكون التقابل بين الطهارة والنجاسة من قبيل السلب والايجاب. فإذا بني على الاول أو الثاني كان الفرق بين مانعية النجاسة وشرطية الطهارة واضحا لان الاولى مردها الى اخذ عدمها قيدا والثانية مردها الى اخذ ثبوتها شرطا وأما على الثالث فقد يقال بعدم تعقل الفرق بين المانعية


(1) الوسائل باب 83 من أبواب النجاسات حديث 3

[ 244 ]

والشرطية إذ كلاهما يرجع الى تقييد المأمور به بعدم النجاسة ولكن مع هذا يمكن افتراض بعض الوجوه للشرطية في مقابل المانعية من قبيل ان يكون الشرط هو استعمال الطهور لا الطهارة المسببة من قبيل ما يقال في الوضوء ان الشرط نفس افعال الوضوء لا امر مسبب عنه أو ان تكون الشرطية بمعنى اعتبار العدم النعتي للنجاسة والمانعية بمعنى اعتبار العدم المحمولي لها. المقام الثاني في تعيين ما هو المستظهر من الادلة من الشرطية أو المانعية والتحقيق ان هناك عدد من الروايات يمكن ان تستفاد منها مانعية النجاسة وهناك عدد آخر منها يمكن ان تستفاد منها شرطية الطهارة. أما ما قد يدل على مانعية النجاسة فبالامكان تقسيمه الى طوائف من الروايات: الطائفة الاولى: ما انيط فيه البطلان بالنجاسة وقد يحتمل لذلك برواية الحسن بن زياد قال " سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل يبول فيصيب بعض جسده (فخذه) قدر نكتة من بوله فيصلى ثم يذكر بعد انه لم يغسله قال يغسله ويعيد صلاته " (1) وهناك روايات اخرى في هذا السياق غير ان هذه الروايات لم ينط فيها البطلان بالنجاسة في كلام الايام وانما هي المورد المفروض في كلام السائل فالاولى التمثيل لذلك بمثل معتبرة محمد ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال " ذكر المنى وشدده وجعله اشد من البول ثم قال: ان رأيت المنى قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة... " (2)


(1) الوسائل باب 19 من ابواب النجاسات حديث 2 (2) الوسائل باب 16 من ابواب النجاسات حديث 2

[ 245 ]

وتحقيق الحال في هذه الطائفة ان هذه الروايات قد انيط فيها البطلان بوجدان عين النجس في الثوب أو البدن وبعد الفراغ عن ان وجدانه بعنوانه ليس هو المحذور المنظور ولهذا قد يقال بجواز حمل النجس مع الجفاف وعدم السراية يعلم ان المحذور هو ما يترتب على ذلك ومن الواضح انه يترتب عليه النجاسة الحكمية وارتفاع الطهارة الحكمية فكما قد يكون بلحاظ الاول فيناسب المانعية كذلك قد يكون بلحاظ الثاني فيناسب الشرطية. الطائفة الثانية: مادل على إناطة البطلان والاعادة بوجود النجاسة الحكمية لا العينية وظاهره حينئذ المانعية من قبيل معتبرة علي بن مهزيار المتقدمة وفيها " من قبل ان الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة الا ما كان في وقت " ولا يرد هنا ما تقدم من الايراد في الطائفة الاولى لأن الاناطة هنا بالنجاسة الحكمية الطائفة الثالثة: ما دل على استثناء بعض النجاسات العينية كدم الجروح (1) والدم القليل (2) بعد استظهار ان العفو المجعول يختص بفرض عدم تنجس الموضع بسبب آخر وإلا فلا عفو فان جعل العضو حيثيا وبلحاظ النجاسة الدمية فقط امر عرفي مفهوم بناء على المانية لا نحلالها وان كان


(1) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال " سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي؟ فقال: يصلي وان كانت الدماء تسيل " الوسائل باب 22 من ابواب النجاسات 4 (2) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم " قلت له: الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة قال:... وما كان اقل من ذلك (أي من الدرهم) فليس بشئ.. " الوسائل باب 20 من ابواب النجاسات حديث 6

[ 246 ]

سلبها عن بعض النجاسات دون بعض واما بناء على الشرطية فالتبعيض المذكور غير عرفي إذ ليس هناك الا طهارة واحدة والمفروض عدم اعتبارها لجواز الصلاة في الدم النجس ومعه لا يبقي وجه للمنع عن فرض النجاسة في الموضع بملاك آخر اللهم الا ان يتصور تعدد الطهارات بعدد النجاسات ففي مقابل كل نجاسة طهارة مقابلة لها ويكون الشرط مجموع الطهارات عدا ما استثنى. الطائفة الرابعة: مارد بلسان النهي عن الصلاة في الثوب المتنجس فانه لا اشكال في كونه انسب بالمانعية منه بالشرطية من قبيل رواية خيران الخادم المتقدمة والتي ورد فيها النهي عن الصلاة في ثوب أصابه الخمر لانه رجس غير انها ضعيفة السند ومعتبرة عمار "... ولا تصل في ثوب قد اصابه خمر أو سكر حتى تغسله " (1) فان ظاهر النهي فيها ان النجاسة الناتجة من المسكر هي المانعة في الصلاة ولا يرد هنا ما اوردناه على الطائفة الثانية لانه لم يفرض فيها وجود المسكر بالفعل ومثلها ايضا معتبرة عبد الله ابن سنان (2) المستدل بها على الاستصحاب حيث تدل بمفهوم الغاية على


(1) لوسائل باب 38 من ابواب النجاسات حديث 7 (2) وهي انه قال " سال أبي ابا عبد الله (ع) وانا حاضر اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر وياكل لحم الخنزير فيره علي فاغسله قبل ان اصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (ع): صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا باس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه " الوسائل باب 74 من ابواب النجاسات حديث 1

[ 247 ]

انه لا تجوز الصلاة فيه إذا استيقنت انه نجسة وهذا ظاهر في مانعية النجاسة الحكمية. ويلحق بهذه الطائفة معتبرة بكير قال سئل أبو جعفر وأبو عبد الله (ع) فقيل لهما انا نشترى ثيابا يصيبها الخمر وورك الخنزير عند حاكتها انصلي فيها قبل ان نغسلها فقالا نعم لا بأس ان الله انما حرم اكله وشربه ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه " (1) وهي مما يستدل بها على طهارة الخمر والمقصود الان الاستدلال بها على ان الاعتبار في المقام على نحو المانعية لان النفي فيها جاء بلسان انه ليس بحرام وهو يعني ان ما كان يترقب هو حرمة الصلاة فيه باعتبار نجاسته ومرد هذه الحرمة الى المانعية. واما ما قد يستدل به لشرطية الطهارة فعدة روايات منها ما دل على انه لاصلاة الا بطهور (2) ويشكل اولا باحتمال ارادة اداة التطهير من الطهور بمعنى الماء فيدل على لزوم استعمال المال وهو يلائم استعماله لتوفير الشرط أو لازالة المانع وثانيا: باحتمال ارادة الطهارة الحدثية ولا معنى للتمسك بالاطلاق لشمول كلتا الطهارتين لان الاطلاق الشمولي انما يجري في موضوع القضية ولهذا لو قيل لاصلاة الا بذكر لا يتمسك باطلاق الذكر لاثبات وجوب كل انواع الذكر. ومنها معتبرة زرارة المتقدمة التي جاء فيها نفس التعبير مع زيادة قوله " ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار... " بدعوى ان ذيلها قرينة على ان الملحوظ الطهور فيها الطهارة الخبيثة فتكون أوضح دلالة من غير


(1) الوسائل باب 38 من ابواب النجاسات حديث 13 (2) كما في معتبرة زرارة المذكورة في الوسائل باب 1 من ابواب الوضوء حديث 1

[ 248 ]

المذيل بهذا الذيل ويرد عليه ان الذيل قرينة على ان المراد بالطهور الماء لان الاحجار انما تجزي عنه لاعن الطهارة فيكون مفادها لزوم استعمال الماء وهو لا يعين الشرطية كما تقدم فان قيل لتكن الشرطية بمعنى اشتراط استعمال الماء كما يقال ذلك في باب الطهارة الحدثية كان الجواب ان الطهارة من الخبث لما كانت مسببا عرفيا للغسل بخلاف الطهارة الحدثية وكان استعمال الماء في نظر العرف مقدمة لتحصيل ذلك المسبب كان حمل الامر باستعمال الماء في مورد الخبث على شرطية نفس الاستعمال بعنوانه على خلاف الارتكاز العرفي بخلافه في مورد الحدث. ومنها معتبرة زرارة قال " سألت أبا جعفر (ع) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلي فيه فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر " (1) حيث انيط جواز الصلاة بالطهارة بعنوانها وهذا إنما يتم لو سلم تكفل هذه الرواية شرطية مكان المصلي بالطهارة وقيل بعدم امكان التفكيك بين المكان واللباس والبدن في كيفية الاعتبار وإما إذا لم يبني على لزوم الطهارة في مكان المصلي فلابد من حمل الرواية على النظر الى محذور السراية ولا يتم الاستدلال ومنها معتبرة زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: "... فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه والبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت انه ذكي وقد ذكاه الذبح.. " (2) بتقريب ظهور الجملتين المتعاطفتين في وجود شرطين فلابد من حمل قوله " إذا علمت انه ذكي " على الطيب والطهارة ليكون مغايرا لمفاد الجملة الثانية فيدل على اعتبار الطهارة بعنوانها.


(1) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 1 (2) الوسائل باب 2 من أبواب لباس المصلي حديث 1

[ 249 ]

ويرد عليه ان هذا مبني على اشتمال الرواية على اداة العطف بين الجملتين كما في الوسائل بخلاف ما إذا بني على عدم وجود هذه الاداة - كما هو الظاهر لخلو الرواية منها في الكافي (1) والتهذيب (2) والاستبصار (3) جميعا - فان الظاهر حينئذ اومن المحتمل عرفا ان تكون الجملة الثانية تفسير للجملة الاولي. ومنها معتبرة زرارة التي جاء فيها " تغسل ولا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا " (4) فان قوله " لانك كنت على يقين من طهارتك " تعليلا لصحة الصلاة ظاهر في اناطة الصحة بالطهارة بعنوانها وهو معنى الشرطية ولعل هذا أوضح ما يستدل به على الشرطية. وعلى الرغم من وجود دلالات من هذا القبيل على الشرطية أو المانعية يشكل التعويل عليها لشدة التصاق عدم النجاسة بالطهارة وكون ابراز كل واحد منها في مقام التعبير عن الشرطية أو المانعية امرا عرفيا وإذا لم تتم في الروايات دلالة على أحد الوجهين تعين الرجوع الى الاصول العملية فيقال بوجد علم اجمالي بالشرطية أو المانعية فان كان لاحدهما اثر زائد على الآخر بخلاف العكس امكن اجراء البراءة عن موضوع الاثر الزائد ولا يعارض بالبراءة عن الطرف الآخر للعلم الاجمالي اذلا أثر زائد له والأثر المشترك معلوم وجدانا وهذا ما يستضح عند بيان الثمرة. المقام الثالث في الثمرة بين الشرطية والمانعية مع وضوح وجود اثر


(1) الكافي الجزء الثالث ص 397 (2) التهذيب الجزء الثاني حديث 818 (3) الاستبصار الجزء الأول حديث 1454 (4) الوسائل باب 37 من أبواب النجاسات حديث 1

[ 250 ]

مشترك وهو بطلان الصلاة في النجاسة فقد يقال بان للشرطية كلفة زائدة تظهر في حالتين احداها ما إذا شك في النجاسة الذاتية لشي من أول الامر بناء على عدم جريان قاعدة الطهارة في امثال ذلك كما تقدم مرارا (1) فانه بناء على شرطية الطهارة يتعذر احراز الشرط وبناء على مانعية النجاسة يكن استصحاب عدمها الازلي وتصح الصلاة حينئذ والحالة الاخرى ما إذا علم اجمالا بنجاسة ثوب أو تراب بنحو سقطت اصالة الطهارة في الطرفين فانه بناء على الشرطية لامصحح للصلاة في ذلك الثوب لعدم احراز الشرط وأما بناء على المانعية وكون موضوعها انحلاليا بمعنى ان كل ثوب نجس مثلا فرد من موضوع المانعية فتجرى البراءة عن مانعية هذا الثوب المشكوك ولا توجد براءة معارضة في الطرف الآخر. الجهة الرابعة: انه بعد الفراغ عن اعتبار الطهارة في الصلاة واجبة كانت أو مندوبة بمقتضى الاطلاق في ادلة الاعتبار الشامل للصلاة المستحبة ايضا يقع الكلام في اعتبار الطهارة في ملحقات الصلاة ونريد بها صلاة الاحتياط وسجود السهو والاجزاء المنسية من الصلاة التى تقضي بعدها. أما صلاة الاحتياط فاعتبار الطهارة فيها واضح سواء قيل بانها مكملة لاصل الصلاة على فرض النقصان أو قيل بانها صلاة مستقلة على كل حال مرددة بين الوجوب والاستجاب إذ على الأول كما هو ظاهر يكفي دليل اشتراط الطهارة في الصلاة المراد تكميلها للالزام بذلك وعلى الثاني يتمسك باطلاق ادلة اعتبار الطهارة في الصلاة الشامل لصلاة الاحتياط باعتبارها نوعا من الصلاة وأما سجود السهو فبعد البناء على كون موضعه بعد التسليم لادليل


(1) تقدم في الجزء الثاني من البحوث ص 199

[ 251 ]

على اعتبار الطهارة فيه الا إذا استفيد من دليله (1) كونه جزءا من الصلاة أو استفيد من منع التكلم قبل الفراغ منه (2) المنع عن مطلق ما يبطل الصلاة بحمل التكلم على المثالية وكلتا الاستفادتين غير تامه. اما الاولى فلأن إناطة سجود السهو بالنسيان تناسب ان يكون الامر به امرا مولويا مستقلا لامن قبيل الاوامر الارشادية الى الجزئية والشرطية في باب المركبات على ان مثل قوله " يتم صلاة ثم يسجد سجدتين " السهو ظاهر في عدم الجزئية. وأما الثانيه فلأن التكلم لو حمل على المثالية فهو لا يقتضي التعدي الى كل ما يوجب البطلان بل لعل مثال لما يكون قاطعا للهيئة الاتصالية لصلاة بحيث يراد ابقاء هذه الهيئة ولا دخل للطهارة الخبثية في ابقائها وان كانت بنفسها شرطا في صحة الصلاة. وأما الاجزاء المنسية التي يوتى بها بعد الصلاة فقد احتمل فيها بدوا ثلاث احتمالات احدها ان تكون واجبة أداء بان يكون الشارع قد رفع اليد عن خصوصية محلها لا اصلها. ثانيها ان تكون واجبة بعنوان القضاء للجزء المنسي ثالثها أن تكون واجبة بوجوب مستقل كسجود السهو فعلى الاول لا اشكال في اعتبار


(1) من قبيل معتبرة عبد الرحمان بن الحجاج قال " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول أقيموا صفوفكم فقال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين.. " الوسائل باب 4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 1 (2) كما في معتبرة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) ".. فإذا فرغب فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلم " الوسائل باب 9 من أبواب التشهد حديث 3

[ 252 ]

الطهارة وعلى الاخير لادليل على اعتبارها بل اطلاق دليل الامر بتلك الاجزاء المنسية (1) ينفي ذلك وأما على الثاني فقد قبل بانه يقتضي اعتبار الطهارة لان القضاء هو الاتيان بما يماثل المقضي في سائر ما يعتبر فيه والتحقيق ان الاحتمال الثاني في نفسه معقول لان جزئية الجزء المنسي اما أن تكون باقية بحدها اي بقيد وقوع الجزء في محله المخصوص وأما أن تكون باقية لا بحدها كذلك وأما أن تكون ساقطة فعلى الاول يتعين بطلان الصلاة وعلى الثاني يكون الاتيان بالجزء المنسي بعد التسليم اداء الاقصاء وعلى الثالث تتعين صحة الصلاة بلا حاجة الى تدارك بحيث لو ثبت وجوب لايقاع السجدة بعد الصلاة لكان وجوبا مستقلا لاقضاء لما فات وهذا برهان على ان القضاء للواجب الضمني بصورة مستقلة عن الواجب النفس الاستقلالي امر غير معقول فالامر دائر بين الاحتمالين الأول والثالث والمستظهر من الدليل كون الاتيان بالسجدة أو التشهد لتكميل الصلاة فيتعين الاول ويثبت اعتبار الطهارة. هذا على انه لو تعقلنا الامر القضائي بالواجب الضمنى فهذا لا يكفي لاعتبار الطهارة في الجزء المقضي الا إذا ثبت ان الطهارة شرط فيه بما هو سجود مثلا لا انها معتبرة في الصلاة رأسا في عرض اعتبار السجود فان قضاء السجود انما يقتضى التحفظ على ما اعتبر فيه من خصوصيات كوضع الجبهة على ما يصح السجود عليه لا ما اعتبر في اصل الصلاة


(1) من قبيل معتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) انه قال " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاقض الذي فاتك سهوا " الوسائل باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 7

[ 253 ]

الجهة الخامسة في اشتراط الطهارة في مقدمات الصلاة من الاذان والاقامة ولما كانا خارجين عن الصلاة فلا يبقى بالاعتبار نفس دليل الشرطية في الصلاة الا بضم دعوى وجود دليل حاكم على دليل الشرطية ينزل المؤذن أو المقيم منزلة المصلي في الاحكام كما يمكن أن يدعى ذلك في الاقامة تمسكا برواية سليمان بن صالح التي جاء فيه " وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة فانه إذا أخذ في الاقامة فهو في الصلاة " (1) ورواية يونس الشيباني "... إذا أقمت الصلاة فاقم مترسلا فانك في الصلاة... " (2) ورواية أبي هارون المكفوف " يا ابا هرون الاقامة من الصلاة... " (3) وبما ذكرناه يندفع ما عن السيد الاستاذ - دام ظله - (4) من أن هذه الروايات معارضة بما دل على أن الصلاة افتتاحها تكبيرة الاحرام ولابد من حملها حينئذ على الحث والترغيب ووجه الاندفاع ان المستظهر من لسانها التنزيل لا كون المقيم مصليا حقيقة فلا تنافي بين الطائفتين أصلا ألا تلاحظ انه قيل في الرواية الاولى " وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة " ثم قيل " إذا أخذ في الاقامة فهو في الصلاة " وهذا يعني فرض المغايرة بين الاقامة والصلاة اولا وهذا يناسب حمل الفقرة الثانية على التنزيل بلحاظ الاحكام غير ان الروايات الثلاث ضعيفة لضعف صالح ابن عقبة الموجود في سندها جميعا ولغير ذلك في بعضها (5)


(1) (2) الوسائل باب 13 من أبواب الاذان والاقامه حديث 12 - 9 (3) الوسائل باب 10 من أبواب الاذان والاقامة حديث 12 (4) التنقيح الجزء الثاني ص 306 (5) فان الرواية الثانية ضعيفة ايضا بيونس الشيباني

[ 254 ]

ساترا كان أو غير ساتر (1) عدا ماسيجيئ من مثل الجورب ونحوه مما لا تتم الصلاة فيه وكذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط وقضاء التشهد والسجدة المنسيين وكذا في سجدتي السهو على الاحوط (2) ولا يشترط في ما يتقدمها من الاذان والاقامة (3) والادعية التي قبل تكبيرة الاحرام ولا فيما يتأخرها من التعقيب ويلحق باللباس على الاحوط اللحاف الذي يتغطى به المصلي مضطجعا ايماء سواء كان متسترا به اولا وان كان الاقوى في صورة عدم التستر به - بان كان ساتره غيره - عدم الاشتراط (4) فلا دليل على الاعتبار (1) وذلك للاطلاق المتقدم في الجهة الثانية من الجهات الخمس المتقدمة في هذا الفصل (2) تقدم الكلام عن اعتبار الطهارة في ملحقات الصلاة في الجهة الرابعة (3) تقدم تحقيق ذلك في الجهة الخامسة (4) قد يقال بعدم الاشتراط مطلقا وتقريبه عدم وجود اطلاق في أدلة اعتبار الطهارة لأن المأخوذ فيها عنوان الثوب أو الثياب وهو مختص بما يعد للبس عادة فلا يشمل محل الكلام. وقد يقال بالتفصيل على النحو

[ 255 ]

المذكور في المتن وتوجيهه أن يعترف بوجود اطلاق في دليل الاعتبار يشمل كل ما يصدق عليه اللباس والملابس ويقال باناطة صدق اللباس على اللحاف بان يكون هو الساتر وأما إذا تلحف به فوق ملابسه الاعتيادية فلا يصدق عليه ذلك وبهذا يندفع ما اورد على المتن بان الدليل الاعتبار لم يرد في الساتر بعنوانه ليفصل بين صورة التستر به وغيرها ووجه الاندفاع حمل التستر به على اتخاذه بدلا عن الملابس الاعتيادية الامر الذي يجعله لباسا بالنسبة إليه بخلاف مالو اتخذه فوق الملابس. وقد يقال باناطة هذه المسألة بتشخيص ان الستر المعتبر في الصلاة هل هو بمعنى مطلق التغطية أو التغطية بالملابس فعلى الأول يكون اللحاف محققا للستر المعتبر وتجب فيه الطهارة مطلقا وعلى الثاني لا يفي بالستر الواجب ولا تعتبر فيه الطهارة إلا إذا تلحف به المصلي كالمئزر فيكون لباسا حينئذ. وفيه انه لا ملازمة بين المسألتين فقد يقال بكفاية مطلق التغطية في الستر الواجب وتمسكا باطلاق دليله ويقال بعدم اعتبار الطهارة الا فيما صدق عليه عنوان اللباس لعدم الاطلاق في دليل الاعتبار لما عدا ذلك فالميزان إذن هو ملاحظة روايات الباب ليرى مقدار دلالتها ومحط الاعتبار فيها والتحقيق ان دليل الاعتبار ان كان مادل على الاعتبار في عنوان الثوب أو الثياب (1) فالمتعين عدم الاشتراط في اللحاف مطلقا لعدم كونه ثوبا وان كان ما دل على النهي عن الصلاة في النجس كرواية النميري التي نهت عن الصلاة في شئ من الحديد لانه نجس فالظاهر اعتبار الطهارة مطلقا لصدق الصلاة فيه على اي حال وان كان مثل معتبرة زرارة التى اعتبرت طهارة


(1) من قبيل رواية خيران الخادم المتقدمة

[ 256 ]

ويشترط في صحة الصلاة ايضا إزالتها عن موضع السجود دون المواضع الاخر فلا بأس بنجاستها الا إذا كانت مسرية الى بدنه أو لباسه (1) المصلي وطبقتها على طهارة ثوبه بنحو من العناية فالقدر المتيقن من هذا الفرد العنائي ما كان لباس وثوبا لامثل اللحاف وان كان المدرك مفهوم مثل مرسلة عبد الله بن سنان والتي جاء فيها " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس ان يصلي فيه وان كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك " (1) فهو مطلق للحاف لانه على المصلي أو معه ومما تجوز الصلاة فيه وحده إذا المراد من جواز الصلاة فيه وحده كونه مما يصلح لذلك باعتباراته أو وسعته وبهذا اتضح مدرك القول بالاعتبار مطلقا وهو الاستناد الى الوجه الثاني أو الرابع من وجوه ادلة الاعتبار كما اتضح ان الأقرب هو عدم الاعتبار مطلقا لعدم تمامية الوجهين المذكورين على ما تقدم في بحث أصل الاعتبار وادلته (1) البحث عن طهارة مكان المصلي يقع في ثلاث مسائل: الاولى: في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة وقد استدل لذلك بعدة روايات: منها معتبرة الحسن بن محبوب قال " سألت أبا الحسن (ع) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه


(1) الوسائل باب 31 من أبواب النجاسات حديث 5

[ 257 ]

فكتب إلي بخطه: إن الماء والنار قد طهراه " (1) وتقريب الاستدلال بالرواية ان قوله " أيسجد عليه " ان كان سؤالا عن الحكم الفعلي للسجود فهو ظاهر في الاستفهام عن جوازه فيدل الجواب بالمفهوم على عدم جوازه في حالة عدم وجود المطهر وبذلك يثبت المطلوب وان كان سؤالا عن طهارة الجص في الحالة المذكورة بهذا اللسان فهو ظاهر في الفراغ عن كبرى عدم جواز السجود على النجس وسكوت الامام عن ذلك ظاهر في امضاء هذه الكبرى المفروغ عنها وحمل الكبرى المفروغ عنها على مطلق الحزازة في السجود على النجس خلاف الظاهر. وقد يستشكل باعتبار سقوط المدلول المطابقي منطوقا فيسقط المدلول الضمنى أو المفهومي حيث ان الجص ليس من التراب أو الارض ويندفع بان مجرد الطبخ لا يخرجه عن عنوان الارض ولو سلم كانت الرواية بنفسها دليلا على التوسعة من هذه الناحية فلا موجب لسقوط المدلول المطابقي. ولكن المهم الاستشكل في المدلول المطابقى من ناحية اخرى وهي انه كيف يتصور التطهير بالماء والنار في مفروض المسألة. وقد يوجه بان النار توجب استحالة العظام والعذرة إلى رماد والماء يطهر الجص بناء على عدم الاحتياج الى العدد في الغسل (2) ويندفع اما بناء على ما يلتزم به هذا الموجه وغيره من اشتراط انفصال ماء الغسالة في حصول التطهير فواضح لان الماء الملقى على الجص في مقام البناء به لا ينفصل عنه.


(1) لوسائل باب 81 من ابواب النجاسات حديث 1 (2) التنقيح الجزء الثاني 312

[ 258 ]

وأما بناء على عدم اشتراط ذلك فالأمر ايضا كذلك لأن الماء يلقى عليه الجص عادة بالتدريج فيخرج في الاثناء عن الاطلاق بسبب اختلاصه مع مقدار من الجص الملقى ولا يصدق عليه في اواخر عملية القاء الجص فيه إلا انه مجرد رطوبات فكيف يفرض كفايتها في صدق عنوان الغسل بالماء. ومنها النبوي " جنبوا مساجدكم النجاسة " (1) ويرد عليه اولا ضعف السند بالارسال وثانيا ان المساجد غير ظاهرة في مسجد الجبهة إذلا أقل من احتمال ان تكون بمعنى الا ماكن المعدة للسجود والصلاة التي هي بيوت الله ومع الاجمال لا يمكن الاستدلال إذ غاية ما يفيده الحديث حينئذ تشكيل العلم الاجمالي بوجوب تطهير المسجد باحد المعنيين وهو منحل بالعلم التفصيلي بوجوب تطهير المسجد بالمعنى الثاني بل لا يبعد القول بان الحديث ظاهر في المساجد بالمعنى الثاني لظهوره في كون المسجد معنى ثابتا محفوظا في حالتي الطهارة والنجاسة ويؤمر بابعاد النجاسة عنه نظير ما ورد من " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " (2) وهذا لا يلائم - مسجد الجبهة الذي هو غير متعين في مكان خاص فالانسب لو كان النظر إليه ان يعبر بالنهي عن السجود على الموضع النجس. وثالثا ان الحديث لما كان نبويا ومنقولا عن غير طريق الائمة عليهم السلام ولا يعلم تاريخ صدوره فالاستدلال به يتوقف على اثبات تأخره عن انعقاد الحقيقة الشرعية للنجاسة ولا سبيل إليه. ومنها الروايات الواردة في سياق النهي عن الصلاة على النجس كمعتبرة زارة قال " سألت أبا جعفر (ع) عن البول يكون على السطح


(1) الوسائل باب 24 من أبواب احكام المساجد حديث 2 (2) الوسائل باب 27 من أبواب احكام المساجد حديث 4

[ 259 ]

أو في المكان الذي يصلي فيه فقال إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر " (1) ونحوها معتبرة عمار التي جاء فيها بعد فرض الموضع القذر اليابس قوله " لا يصلي عليه " وهذه الروايات معارضة بما دل على الجواز كرواية علي بن جعفر المتقدمة في البارية التي تبل بماء قذر والتعارض بنحو التساوى غير ان مادل على جواز الصلاة على الشاذكونة التي اصابتها الجنابة (3) يكون موجبا لانقلاب النسبة لانه ناظر الى غير حيثية السجود بقرينة ان الشاذكونة لا يجوز السجود عليها على اي حال فتكون مقيدة لمطلقات المنع وبذلك تكون هذه المطلقات اخص من مطلقات الجواز ويثبت بها عدم جواز الصلاة على النجس من ناحية السجود وهذا البيان مبني على انقلاب النسبة ومع عدم قبول ذلك فلا موجب للاخصية المذكورة بل يعامل مع المتعارضين معاملة التساوي فيحمل مادل على المنع على الكراهة في مقام الجمع العرفي ولا يتم الاستدلال به في المقام وسيأتي مزيد تحقيق لعلاج هذين المتعارضين عند الكلام حول اعتبار الطهارة في مكان المصلي بعنوانه. وعلى هذا فالمهم في اثبات اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة هو التسالم والارتكاز. المسألة الثانية: في اعتبار الطهارة في المساجد الستة الاخرى بعد الفراغ عن اعتبارها في مسجد الجبهة وحاصل الكلام في ذلك ان مدرك الاعتبار


(1) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 1 (2) الوسائل باب 29 من ابواب النجاسات حديث 4. (3) من قبيل معتبرة زرارة الاتية في ص 571.

[ 260 ]

في الجبهة ان كان هو الاجماع فمن الواضح عدم شموله لها وان كان هو النبوي أو مادل على عدم جواز الصلاة على النجس فقد يتوهم اقتضاؤه اعتبار الطهارة في سائر المساجد غير انك عرفت الحال في ذلك بل لا يصح في المقام التمسك باطلاق المساجد في النبوي لأن مسجدية الستة امر عنائي فلا يشمله الاطلاق عرفا كما لا يصح التمسك باطلاق ما دل على المنع من الصلاة على النجس بعد فرض المعارض ونكتة رفع المعارضة في مسجد الجبهة إنما كان بلحاظ مخصص لدليل المنع اوجب انقلاب النسبة وهذا المخص بنفسه يقتضي اطلاقه جواز وضع المساجد الستة على الشاذ كونة النجسة فلا يبقى تحت دليل المنع بعد التخصيص الا مسجد الجبهة. المسألة الثالثة: في اعتبار الطهارة في مكان المصلي بعنوانه اي بما هو مصلى لا بما هو مسجد. ويمكن الاستدلال لذلك بعدة روايات احسنها معتبرة عبد الله بن بكير قال " سألت أبا عبد الله (ع) عن الشاذ كونه يصيبها الاحتلام أيصلي عليها فقال لا " (1) وهي في نفسها ظاهرة في الاعتبار ولكنها معارضة بما دل على الترخيص في موردها كمعتبرة زرارة عن أبي جعفر قال " سألته عن الشاذ كونه يكون عليها الجنابة ايصل عليها في المحمل قال لا بأس " (2) فلابد من علاج هذا التعارض باحد الوجود التالية: الاول: حمل الرواوية المانعة على الكراهة بقرينة الرخصة وهذا فرع عدم امكان الجمع بالتخصيص.


(1) (2) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 6 - 3

[ 261 ]

الثاني: حمل الرواية المانعة على فرض الصلاة بنحو يسجد على الشاذ كونه وحمل الرواية المرخصة على ما إذا لم يكن السجود عليها كما في المستمسك (1) ويرد عليه اولا ان حمل المنع على فرض السجود الشاذ كونه لا يصح لأن السجود عليها لا يصح حتى مع طهارتها مع كون المنع واضحا في كونه بلحاظ النجاسة ومن هنا قلنا ان معتبرة عبد الله بن بكير احسن ما يستدل به لاعتبار الطهارة في مكان المصلي فهي تتميز على روايات اخرى يمكن الاستدلال بها في المقام كمعتبرة عمار قال سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر قال لا يصلي عليه... " (2) ومثلها معتبرة زرارة الواردة في مطهرية الشمس (3) ومعتبرة زرارة وحديد المقاربة لها (4) فان هذه الروايات دلت منطوقا أو مفهوما على النهي عن الصلاة على الأرض النجسة لكن لما كانت الأرض مما يصح السجود عليها بخلاف الشاذ كونه لم تكن في هذه الروايات تلك القرينة الخاصة على ان النظر الى اعتبار الطهارة في مكان المصلي من غير ناحية مسجد الجبهة بينما معتبرة عبد الله بن بكير تشتمل على تلك القرينة. وثانيا: انه لو فرض جواز السجود على الشاذ كونه فالجمع بما ذكر جمع تبرعي ولا يمكن الاخذ به بلا قرينة. الثالث: ان تحمل رواية المنع على فرض النجاسة مع الرطوبة ورواية الترخيص على صورة النجاسة مع الجفاف بقرينة مادل على التفصيل المذكور كمعتبرة عمار الآتية في البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها


(1) المستمسك الجزء الأول ص 491 من الطبعة الرابعة. (2) (3) (4) الوسائل باب 29 من أبواب النجاسات حديث 4 - 1 - 2

[ 262 ]

فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها ومعتبرة اخرى لعلى بن جعفر بنفس المضمون و - هذا الجمع انما يتجه فيما لو كان قصر دليل المنع على فرض الرطوبة والسراية تخصيصا وأما إذا قيل انه ليس تخصيصا بل هو الغاء لعنوان الدليل رأسا بحيث يكون النهي عن الصلاة على النجس لا من أجل هذا العنوان بل من أجل محذور السراية الى الثوب والبدن وهذا تأويل فلا موجب لتقديمه على الوجه الاول في مقام الجمع العرفي. وقد يقال ان هذا المحذور انما يلزم لو فرض ان قصر دليل المنع على فرض الرطوبة كان يعني ان المحذور هو تنجس المصلي بدتا أو ثوبا وأما إذا قيل بان مرجع ذلك إلى مانعية اخرى وراء مانعية نجاسة البدن والثوب وهي مانعية نجاسة المكان غير ان موضوع هذه المانعية حصة خاصة من نجاسة المكان وهي النجاسة المقترنة بالرطوبة المسرية فلا يلزم المحذور المذكور حيث يتحفظ على العنوان فيكون القصر المذكور تخصيصا لا الغاء. وقد يشكل على ذلك باشكال ثبوتي حاصله لغوية جعل هذه المانعية لانها مساوقه لبطلان الصلاة من ناحية اخرى بسبب سراية النجاسة الى البدن والثياب ويمكن دفع هذا الاشكال بتصوير ثمرات لها منها فيما إذا كانت السراية الى مالا تتم فيه الصلاة من لباس المصلي. ومنها فيما إذا كانت السراية الى موضع نجس بالفعل والمكلف مضطر الى الصلاة فيه ولكنه غير مضطر الى الصلاة في ذلك المكان. ومنها فيما إذا بني على عدم تنجيس المتنجس وكان المكان المرطوب متنجسا خاليا من عين النجس أو متنجسا ثانيا ومنها في مجال الاحراز الظاهري لو كانت الرطوبة مشكوكة البقاء إذ يجرى استصحاب بقائها إذا كان موضوع المانعية نجاسة المكان مع الرطوبة ولا يجرى إذا كان المانع نجاسة الثوب

[ 263 ]

إذ لا تثبت السراية بالاستصحاب المذكور على ما تقدم في محله (1). فالصحيح توجيه الاشكال اثباتا وذلك بان يقال ان المانعية لنجاسة المكان المقارنة مع الرطوبة ان اريد استفادتها من نفس مادل على التفصيل بين حالتي الرطوبة والجفاف كمعتبرة عمار وغيرها (2) فمن الواضح ان ارتكاز إناطه السراية بالرطوبة واعتبار الطهارة في الثوب والبدن يوجب انصراف الذهن عرفا عند تلقى مثل هذا الدليل الى كون الملحوظ ذلك الامر المركوز لا جعل مانعية جديدة وان اريد استفادة هذه المانعية من نفس المطلقات المنع بعد رفع اليد عن اطلاقها لفرض جفاف المكان بمقيد منفصل وهو معتبرة عمار وغيرها فقد يوجه ذلك بان المطلقات في نفسها ظاهرة في مانعية نجاسة مكان المصلي بعنوانه لعدم اناطة المانعية فيها بالرطوبة المسرية وتقييدها بذلك بمقيد منفصل غاية ما يوجبه رفع اليد عن اطلاقها لاقلب ظهورها فينتج المطلوب، إلا أن هذا إنما يتجه فيما لو لم نقل بان قرينية المخصص والمقيد المنفصل على التخصيص والتقييد منوطة بصلاحيته لذلك على فرض الاتصال وقد عرفت انه على فرض الاتصال ينقلب الظهور فلا يتم الوجه المذكور. الرابع ان يقال باخصية معتبرة زرارة من معتبرة عبد الله بن بكير لانها وردت في الصلاة على الشاذ كونه في المحمل والصلاه التي تصلي في المحمل عادة في حالة الاختيار انما هي صلاة النافلة فتجعل هذه العبارة قرينة على النظر الى النافلة فتكون اخص موضوعا من رواية المنع فليزم بالتفصيل بين الفريضة والمندوبة.


(1) تقدم في بحث السراية في أول فصل كيفية تنجس المتنجسات. (2) وهي معتبرة علي بن جعفر الاتية

[ 264 ]

ولكن لو سلم ذلك فقد يعوض عن معتبرة زرارة المرخصة بغيرها مما لا تختص بالمحمل كرواية ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (ع) قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): اصل على الشاذكونه وقد اصابتها الجنابة فقال: لا بأس " (1) ومعتبرة علي بن جعفر المشار إليها مرارا عن أخيه موسى قال " سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذرا يصلي عليه قال إذا يبست فلا بأس " (2) ومثلها معتبرة عمار الساباطي (3) بنفس المضمون فهذه الروايات مطلقة للفريضة والنافلة بل يصح عرفا تخصيصها بالنافلة خاصة فتعارض معتبرة عبد الله بن بكير. ولكن رواية محمد بن أبي عمير ضعيفة السند بصالح النيلي لانه وان روى عنه صفوان غير انه مضعف من النجاشي وبمحمد بن أبي عمير لانه غير ابن أبي عمير الثقة جزما أو احتمالا ولم تثبت وثاقته فان ابن ابي عمير الثقة من اصحاب الكاظم وممن يروى عن عدد كبير من اصحاب الصادق وهذا ممن يروى عن الامام الصادق مباشرة وهناك قرائن تؤيد تعدد محمد ابن ابي عمير من جملتها ان النجاشي قد أرخ وفاة محمد بن أبي عمير الثقة بسنة مأتين وسبعة عشر أي في اواخر حياة الامام الجواد عليه السلام مع أن الكليني ذكر في الكافي في باب الرجل يموت ولا يترك الا امرأته بسنده الى محمد بن نعيم الصحاف رواية تدل على موت محمد بن أبي عمير بياع السابري ومراجعة العبد الصالح بشأن تركته (4) والعبد الصالح ظاهر


(1) الوسائل باب 30 من ابواب النجاسات حديث 4 (2) (3) الوسائل باب 30 من ابواب النجاسات حديث 2 - 5 (4) نقلها عنه وعن الشيخ في الوسائل باب 4 من أبواب ميراث الازواج حديث 2.

[ 265 ]

في الامام الكاظم فان تم سند هذه الرواية وثبت توثيق محمد بن نعيم على احد الاحتمالين في كلام للنجاشي في ترجمة الحسين بن نعيم (1) فهو دليل شرعى واضح على التعدد وإلا امكن ايضا الاعتماد عليها بتقريب ان محمد بن أبى عمير كان شخصا شهورا ومرجعا في الطائفة ولا يخفى امره عادة ومن الواضح عموما حياته بعد الامام الكاظم فغير الثقة لا يقدم ايضا على الاخبار عن وفاة شخص من هذا القبيل في وسط الرواة الذين يعرفون حال محمد بن أبى عمير فلو لم يكن التعدد امرا مفترضا أو ممكنا لما صدرت مثل هذه الرواية. ومما يوضح التعدد أيضا ما نقله الكشي من محمد بن ابراهيم الوراق عن علي بن محمد بن يزيد القمي عن بنان بن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن محمد بن أبي عمير قال دخلت الى أبي عبد الله... الحديث (2) فقد جاء ابن أبي عمير مرتين في السند وهو دليل التعدد وكون الواسطة غير ثقة (3) لا يضر لجريان التقريب السابق. وأما معتبرتا علي بن جعفر وعمار فالاستدلال بهما لا يصح ممن يقول


(1) قال النجاشي في ترجمته " الحسين بن نعيم الصحاب مولى بني اسد ثقة واخواه علي ومحمد رووا عن أبي عبد الله (ع).. " حيث حكي عن المجلسي الاول اسفادة توثيق الحسين وعلي ومحمد من هذه العبارة فكأنهما بمعنى " ثقة هو واخواه " وحكم الاخرون بعدم استفادة توثيق غير الحسين منها (2) الوسائل باب 9 من أبواب المواقيت حديث 14 ورجال الكشي حديث 224. (3) باعتبار عدم ثبوت وثاقة محمد بن ابراهيم الوراق وعلي بن محمد القمي وبنان بن محمد بن عيسى.

[ 266 ]

(مسألة 1) إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب فلا يضر كون البعض الآخر نجسا وان كان الاحوط طهارة جميع ما يقع عليه (1) ويكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا وإن كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجسا فلو وضع التربة محل نجس وكانت طاهرة ولو سطحها الطاهر صحت صلاته بمطهرية الشمس للبواري إذ بناء على ذلك تكونان معارضتين لمعتبرة عبد الله ابن بكير باطلاقها لصورة استناد اليبوسة الى غير الشمس فتقيدان بها ولعل احسن ما يمكن جعله معارضا مع رواية المنع مع خلوه من شبهة الاختصاص بالنافلة معتبرة علي بن جعفر انه سأل اخاه موسى بن جعفر (ع) عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلي فيهما إذا جفا قال نعم " (1) فانها ترخص في فرض اليبوسة بغير الشمس ولا يمكن تخصيصها بافلة وعليه فاما ان يجمع بينها وبين مادل على المنع يحمل المنع على الكراهة أو بتخصيص دليل الترخيص بغير مسجد الجبهة فيكون اخص مطلقا من دليل المنع بناء على انقلاب النسبة وعلى اي حال فقد اتضح انه لا موجب للقول باعتبار الطهارة في مكان المصلي بعنوانه. (1) تحقيق الكلام في ذلك ان مدرك الاعتبار ان كا هو الاجماع فالمتيقن منه اعتبار الطهارة في المقدار الواجب وان كان رواية الحسن بن محبوب الواردة في الجص النجس فالمتيقن من المنع فيها ما إذا كان


(1) الوسائل باب 30 من أبواب النجاسات حديث 1

[ 267 ]

(مسألة 2) تجب إزالة النجاسة عن المساجد (1) داخلها وسقفها لا سطحها وطرف الداخل من جدرانها المسجد بتمامه نجسا فلا يثبت بها لزوم الطهارة إلا بمقدار الواجب ايضا وان كان المدرك النبوي فلا بأس بالتمسك به لاعتبار الطهارة في تمام يسجد عليه لان ظاهره النظر الى ما هو مسجد بالفعل لا ما جعل شرعا مجزيا في السجود لانه على خلاف الاطلاق. وان كان المدرك مادل على النهي عن الصلاة على الموضع القذر بعد تقييده بما دل على جواز اتخاذ الشاذ كونه النجسة مكانا للمصلي الموجب لاختصاص النهي المذكور بحيثية السجود على النجس فيمكن التمسك باطلاقه ايضا لاعتبار الطهارة في تمام ما يسجد عليه فانه صلاة عليه ولا صلاة على النجس الا في حدود ما خرج بدليل وقد اتضح بما ذكرناه ان ما في المتن هو الصحيح. (1) الحكم بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد وحرمة تنجيسه هو المشهور بين العلماء بل لم ينقل عن أحد الذهاب الى الخلاف بل نقل عدم الخلاف كما في خلاف الشيخ الطوسي قدس سره إذ ذكر انه لا خلاف في انه يجب أن يجنب المساجد من النجاسات وفي سرائر ابن ادريس إذ ذكر ايضا انه لا خلاف في ذلك بين الامة كافة (1) وقد استدل على ذلك بعدة روايات. منها رواية علي بن جعفر عن أخيه قال " سألته عن الدابة تبول فتصيب بولها المجسد اوحائطه أيصلي فيه قبل ان يغسل قال إذا جف


(1) راجع مفتاح الكرامة المجلد الاول ص 157

[ 268 ]

فلا بأس " (1) وقد نقلها الشيخ الحر عن كتاب علي بن جعفر فهي صحيحة السند (2) وتقريب الاستدلال بها بوجوه: الاول: ان الرواية تدل بالمفهوم على وجوب التطهير من النجاسة غير الجافة وباعتبار عدم القول بالفصل بين حالة الجفاف وعدمها يقيد المنطوق بالجفاف بالشمس المساوق للطهارة بناء على مطهريتها ويرد عليه أن دعوى الاجماع على عدم الفصل غير واضحة وقد تكون دعوى الاجماع البسيط على اصل المطلوب أوضح. الثاني: ان ظاهر السؤال عن الصلاة قبل الغسل أن أصل لزوم الغسل مفروغ عنه وانما الكلام عن تأخيره وقد أمضي ذلك في مقام الجواب وفيه ان ظاهره افتراض وقوع الغسل لا الفراغ عن لزومه ويكفي في الافتراض المذكور جريان العادة على ذلك واقتضاء السنة له. الثالث: أن صيغة السؤال " أيصلي فيه " ظاهرة في السؤال عن جواز الصلاة كما هو الحال اشباه هذا التركيب ولما كان المسؤول عنه هو جواز الصلاة قبل الغسل لا جواز الصلاة بلا غسل رأسا دل بظاهره على ان اهمال الغسل رأسا مما قد فرغ عن عدم جوازه عند السائل فيدل الجواب على وجوب الغسل بالامضاء ولكن هذا يتوقف على أن يكون المفروغ عنه عدم جواز اهمال الغسل بلحاظ النجاسة فيثبت حينئذ وجوب التطهير من النجاسة ولا يضر بذلك عدم كون بول الدابة نجسا لان رفع اليد عن إصالة الجد بلحاظ التطبيق لا يلزم منه رفع اليد عنها بلحاظ الكبرى المستفادة


(1) الوسائل باب 9 من أبواب النجاسات حديث 18. (2) لان كتاب المسائل لعلي بن جعفر وصل الى الشيخ بطريق معتبر ذكره في ترجمة علي بن جعفر في الفهرست ثم وصل الى الشيخ الحر بطرقه المعتبرة الى الشيخ كما ذكر ذلك في خاتمة الوسائل.

[ 269 ]

وأما إذا كان المفروغ عنه عدم جواز اهمال الغسل لا بلحاظ النجاسة بل تنزيلها للمسجد عن كل ما يشين فلا يتم الاستدلال لان مثل هذه الكبرى أوسع من المدعى فإذا كان من المعلوم عدم وجوب التنزيه بهذا العرض العريض فلا يبقى ما يدل على المطلوب وقد يقرب ان الملحوظ في الغسل ليس هو النجاسة تارة باستبعاد عدم معرفة علي بن جعفر لطهارة بول الدابة واخرى بام الملحوظ لو كان هو النجاسة فاى فرق بين فرضي الجفاف وعدمه ويمكن دفع المقرب الاول بعدم التسليم بان طهارة بول الدواب كان واضحا في ذلك الزمان مع كثرة ما صدر منهم من الامر بالغسل منه وشيوع السؤال عنه من كبار الرواة من امثال محمد بن مسلم وزرارة بل من علي بن جعفر في روايتين (1) ايضا ويمكن دفع المقرب الثاني بان احتمال كون الجفاف مؤثرا في عدم وجوب الاسراع بالغسل وجواز تأخيره الى ما بعد الصلاة ليس على خلاف الارتكاز العرفي ولو سلم كونه كذلك فليكن هذا الارتكاز مقيدا بما إذا جف بالشمس بناء على مطهرية الشمس ولكن يبقى على اي حال احتمال ان تكون الكبرى المفروغ عنها هي كبرى التنزيه عن كل ما يشين التي لا يمكن الالتزام بالوجوب فيها اللهم الا ان يقال انه لا مانع من الالتزام بالوجوب في حدود هذه الكبرى ايضا الا ما خرج بدليل والتطهير من النجس الشرعي هو المتيقن منها ومما استدل به في المقام روايتان للحلبي ولعلها واحدة رويت بطريقين احداها ما ينقله الكليني بسنده عن محمد الحلبي قال " نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد الله (ع) فقال: اين نزلتم؟ فقلت: نزلنا في دار فلان: ان بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا. وقلنا له


(1) الوسائل باب 9 من أبواب النجاسات حديث 5 - 6 - 7 - 19 - 21

[ 270 ]

إن بيننا وبين المسجد زقاق قذرا فقال: لا بأس ان الارض تطهر بعضها بعضا.. " (1) والآخر ما جاء في السرائر نقلا عن نوادر احمد بن محمد بن علي أبي نصر عن المفضل بن عمر عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال " قلت له ان طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه فر بما مررت فيه وليس على حذاء فيلصق برجلي من نداوته فقال: أليس تمش بعد ذلك في ارض يابسة قلت: بلى فلا بأس ان الارض تطهر بعضها بعضا قلت: فاطأ على الروث الرطب؟ قال: لا بأس انا والله ربما وطئت عليه ثم أصل ولا اغسله " (2). والاستدلال بالروايتين بلحاظ ما يظهر من وجود محذور في الدخول الى المسجد بعد المرور بالزقاق القذر وليس ذلك الا من ناحية حرمة التنجيس نعم لا يدل ذلك على وجوب التطهير بينما ما يدل من للروايات على هذا الوجوب يدل عرفا على حرمة التنجيس كما هو واضح. والظاهر عدم تمامية الاستدلال لسقوط الروايتين سندا ودلالة اما السند فلسقوط الاولى بمحمد بن اسماعيل الواقع بين الكليني والفضل بن شاذان وهو لم يتعين في الثقة. نعم لو بني على تصحيح اساتيد كامل الزيارات امكن تصحيحه لوروده على هذا النحو هناك (3) ولسقوط الثانية لعدم معلومية طريق السرائر الى النوادر. وأما الدلالة فلان تعارف قصد المسجد للصلاة فيه لا يبقى ظهورا في ان المحذور المنظور هو تنجيس المسجد لامكان ان يكون هو وقوع الصلاة في النجس خصوصا في الرواية الثانية حيث صرح فيها بكون الشخص حافيا وجاء فيها قوله: " اصل ولا اغسله " ودعوى ان هذا


(1) الوسائل باب 32 من ابواب النجاسات حديث 4 (2) الوسائل باب 32 من ابواب النجاسات حديث 9. (3) كامل الزيارات الباب السادس حديث 1.

[ 271 ]

الاحتمال خلاف الظاهر في الرواية الاولى لان العادة جارية على عدم المشئ حافيا ونجاسة الحذاء لا اثر لها بالنسبة الى الحذاء مدفوعة بان هذه العادة لم تكن بدرجة توجب الانصراف العرفي لشيوع المشي حافيا في ذلك العصر ايضا على أن النعل لا تصون نفس القدم من وصول النجاسة إليها غالبا مضافا إلى ان الرواية تعبر عن قضية معينة خارجية ويحتمل اطلاع الامام (ع) بصورة عادية على حال الجماعة من هذه الناحية. ومن الروايات المستدل بها ما ورد في كيفية اتخاذ الكنيف مسجدا كمعتبرة الحلبي " في حديث " انه قال لابي عبد الله (ع) " فيصلح المكان الذي كان حشا زمانا ان ينظف ويتخذ مسجدا؟ فقال: نعم إذا القي عليه من التراب ما يواريه فان ذلك ينظفه ويطهره " (1) ومثلها معتبرة ابن سنان (2) ورواية مسعدة بن صدقه (3) وغيرها (4) والاستدلال بها إن كان بلحاظ ما تدل عليه من الزوم تنظيف الكنيف عند اتخاذه مسجدا فمن الواضح ان هذا أعم من وجوب التطهير المراد اثباته لان ذاك من المقتضيات الواضحة لحرمة المسجد واعتباره وان كان بلحاظ التعليل بانه يطهره والتعدى بقانون التعليل الى وجوب التطهير مطلقا ففيه ان هذا التطهير لم يرد به التطهير الشرعي كما هو واضح لان اخفاء التراب النجس ليس مطهرا له بل اريد به اصلاح حال المكان بنحو يليق للمسجدية. وقد يستدل بالنبوي المتقدم " جنوا مساجدكم النجاسة " بناء


(1) (2) (3) الوسائل باب 11 من ابواب احكام المساجد حديث 1 - 4 - 5. (4) كرواية ابي الجارود المذكورة في الوسائل باب 11 من ابواب احكام المساجد حديث 3 وغيرها.

[ 272 ]

على ان المراد بالمساجد المعنى المقصود هنا كما هو الظاهر وان يراد بالنجاسة ما يعم الحكمية اي صفة النجاسة لاعينها وإلا لاختص الوجوب بتجنب عين النجس وعلى اي حال فالاستدلال ساقط لضعف السند بالارسال. وقد يستدل بمعتبرة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر في حديث طويل " ان الله اوحى الى نبيه ان طهر مسجدك واخرج من المسجد من يرقد فيه بالليل " الحديث (1) حيث دل مفادها على وجوب التطهير وهو يدل على حرمة التنجيس بالفحوى العرفية كما تقدم ويرد عليه: اولا ان مورد الرواية مسجد النبي (ص) والتعدى منه - مع احتمال الفرق - بلا موجب وثانيا ان الامر للبني بالتطهير لعله بلحاظ الولاية والمنصب كما يشهد له الامر باخراج الراقدين فلا يثبت به حكم شرعي عام. وقد يستدل بآيتين كريمتين احداهما قوله تعالى مخاطبا ابراهيم " وطهر بتي للطائفين والقائمين السجود " (2) والاستدلال بذلك يتوقف. اولا على امكان التعدي من بيته وهو الكعبة الشريفه إلى مطلق المساجد اما بدعوى ان المراد بالبيت في الآية طبيعي بيته فيكون مادل على ان المساجد بيوت الله حاكمة أو بدعوى ان المراد ببيته وان كان هو الكعبة ولكن الاضافة ظاهره في العليه فكأنه قال طهره لأنه مضاف لي بهذا العنوان فيعم سائر المساجد بلحاظ مال على انها بيوت الله أو بدعوى ان مورد الآية وان كان هو الكعبة ولكن التطهير من أجل القائمين والركع والسجود لا يختص بها فيعم الحكم كل المحال المعدة لهؤلاء إعدادا شرعيا


(1) الوسائل باب 15 من أبواب الجنابة حديث 1 (2) الحج " 26 ".

[ 273 ]

وكل هذه الوجوه محل نظر كما هو واضح. وثانيا على أن يكون التكليف لابراهيم (ع) لا باعتبار المنصب والولاية والا لم يكف لاثبات حكم شرعي عام. وثالثا على اثبات ان كلمة الطهارة عند نزول الآية الكريمة كانت ظاهرة في المعنى الشرعي ولا يحتاج إلى اثبات هذا التطور للكلمة في عصر ابراهيم كما قيل لأن الآية الكريمة لا تنقل الخطاب الموجه لابراهيم باللفظ بل بالمعنى فلو فرض ان الكلمة كانت ظاهرة في المعنى الشرعي عند نزول الآية كفى ذلك في معرفة المعنى المقصود الذي خوطب به ابراهيم وحمله على المعنى الشرعي: والآية الاخرى قوله تعالى " انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام " (1) وبقرينة التفريع يعرف ان كل نجس لا يقرب المسجد الحرام غير ان الاستدلال بها يتوقف. اولا: على امكان التعدي من المسجد الحرام الى غيره مع احتمال الفرق عرفا لا ختصاص المسجد الحرام باحكام احترامية معينة كحرمة استطراق الجنب مثلا. وثانيا: على ان يراد بالنجس النجاسة الشرعية للمشرك لاقذارته المعنوية على ما تقدم في بحث نجاسة الكافر ومع افتراض كلا هذين الامرين فالآية لا تشمل التنجيس بالمتنجس لعدم كونه نجسا ومن ناحية اخرى تشمل مطلق ادخال النجاسة ولو لم تكن منجسة. وعلى كل حال فاحسن هذه الوجوه دلالة على المقصود رواية علي ابن جعفر الاولى المدعمة بعدم الخلاف والارتكاز المتشرعى العام.


(1) التوبة (28).

[ 274 ]

بل والطرف الخارج على الاحوط (1) لا ان لا يجعلها الواقف جزءا من المسجد بل لو لم يجعل مكانا مخصوصا منها جزءا لا يلحقه الحكم ووجوب الازالة فوري (2) فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي ويحرم تنجيسها ايضا (1) هذا الاحتياط ينبغي أن يكون استحبابيا لأن المدارك التقدمة يشكل اطلاقها للطرف الخارج سواء كان المدرك الاجماع أو معتبرة علي بن جعفر أو رواية الحلبي في الزقاق الفذر أو مادل على الامر بتطهير البيت اما الاول فواضح لكونه لبيا، وأما الثاني فلان الارتكاز المكتشف ضمنا ليس له اطلاق ليتمسك به لان الرواية لم تكن مسوقه لبيانه وأما الثالث فلأن فرضه هو الدخول الى المسجد بالنجاسة لامس الطرف الخارج فحسب وأما الرابع فلأن تطهير عنوان البيت عرفا لا يشمل الطرف الخارجي له لخروجه عادة عن محل الاستعمال فلا يجب تطهير الطرف الخارج من المسجد ما لم يلزم من تركه الاهانة والهتك المحرم (2) قد يقال ان الأمر بشئ لا يدل على الفور ولكن التحقيق دلالته في المقام لأن الأمر ان كان ناشئا عن مصلحة في متعلقه فلا ظهور له في الفور لا مكان قيام المصلحة بالجامع بين الافراد الطولية وأما إذا استظهر من دليله انه من أجل وجود المفسدة في ترك متعلقة فحيث ان المفسدة انحلالية بحسب الارتكاز العرفي فينعقد له ظهور في الفور لأجل التخلص من تمام افراد المفسدة ومقامنا من هذا القبيل ولكن هذا لو فرض ورود

[ 275 ]

بل لا يجوز ادخال عين النجاسة فيها وان لم تكن منجسة إذا كانت موجبة لهتك حرمتها بل مطلقا على الاحوط (1) وأما ادخال المتنجس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك دليل لفظي آمر بالغسل أو التطهير والامر اوضح لو كان مستند وجوب التطهير النهي عن قرب النجس من المسجد فان النهي باعتبار انحلاليته يقتضي اعدام القرب في كل آن. وأما مع عدم تمامية دليل لفظي بهذا اللسان أو بذاك فينحصر اثبات وجوب الفور بالاستناد الى الاجماع والارتكاز أو إلى ما يفهم من معتبرة علي بن جعفر من عدم جواز تأخير الغسل الغسل الى ما بعد الصلاة في فرض عدم الجفاف (1) الظاهر الجواز مع عدم الهتك كما يظهر وجهه مما تقدم لأن ما يمكن على الاستناد إليه في اثبات الحكم يختص بفرض كون النجاسة منجسة فان هذا هو المتيقن من التسالم وهو مورد معتبرة علي بن جعفر كما ان الرواية الحلبي لو تمت دلالتها لم يكن للمحذور الملحوظة فيها ضمنا اطلاق يتمسك به في المقام لانها لم تكن في مقام البيان من ناحيته نعم لو تم الاستدلال بالنبوي المتقدم أو بآية " إنما المشركون نجس " لأمكن ان يدعى التعميم ففي الأول ان لو حظت النجاسة بما

[ 276 ]

(مسألة 3) وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي ولا اختصاص له بمن نجسها أو صار سببا فيجب على كل احد (1) هي عين فدعوى التعميم واضحة وان لوحظت بما هي صفة فكذلك لأن العين النجسة تلحظ عرفا صفة للمكان المتلوث بها وفي الثاني حيث ان الغالب أو المتعارف عدم سراية النجاسة من المشرك بمجرد قربة أو استطراقه فتكون الآية الكريمة ظاهرة في حرمة ادخال النجاسة ولو مع عدم التنجيس ولكن كلا هذين المدركين لو تم لا يشمل المتنجس ولهذا لم يستشكل فيه. (1) لا اشكال في ان وجوب ازالة النجاسة كفائي فيما إذا لم يستند التنجيس الى مكلف معين وذلك اما بان يكون المخاطب هو الجامع أو الجميع ولكن مع ادخال نتيجة التطهير أو جامعه في عهدة كل مكلف أو الجميع وادخال نفس العملية في العهدة ولكن مع اشتراط تكليف كل فرد بعدم قيام الآخرين إذ بدون إدخال احدى هذه العنايات الثلاث يلزم ان كل مكلف لابد له من منع تطهير الآخر تحفظا على صدور الامتثال من قبله وهو معلوم العدم، وأما إذا استند التنجيس إلى مكلف بعينه فقد نسب الى الشهيد في الذكرى (1) ان وجوب التطهير في هذه الحالة عيني ثابت على المكلف المنجس وقيل في الرد عليه انه ان اريد ان هذا المكلف يجب عليه عينا التطهير وعلى فرض عصيانه يجب على الآخرين كفاية فهو معقول ولكن لا دليل عليه وان اريد انه يختص به الوجوب على نحو لو عصى لا يجب على غيره شئ فهو خلاف الأدلة اللفظية واللبية لوجوب التطهير وهذا الرد محط نظر من وجوه منها ان ما قيل انه معقول من الوجوب العيني ان اريد به


(1) المستمسك الجزء الاول ص 496 من الطبعة الرابة.

[ 277 ]

وجوب التطهير على المنجس بنحو يلزمه ان يحول دون تصدي الآخرين لذلك تمكينا لنفسه من مباشرة التطهير فهو غريب وغير محتمل في نفسه وان اريد على نحو لا يلزمه ذلك فلابد من افتراض احدى العنايات المتقدمة للوجوب الكفائي. ومنها ان ما قيل من منافاة انكار الوجوب الكفائي في هذه الحالة للادلة اللفظية محل اشكال لأن مهم الدليل اللفظي معتبرة علي بن جعفر وهي واردة في غير هذه الحالة ولا اطلاق فيها بل وكذلك الامر ايضا في رواية الحلبي فانها انما تدل لو تمت على حرمة التنجيس لا على وجوب التطهير لأن حرمة التنجيس لا تستلزم عرفا وجوب التطهير لأن فيه عناية زائدة وفي التنجيس من الحزازة عرفا مالا يوجد في ترك التطهير. ولو سلم استفادة وجوب التطهير مما دل على حرمة التنجيس فليس مثل رواية الحلبي في مقام البيان من ناحية حرمة التنجيس فضلا عن وجوب التطهير ليتمسك باطلاقه نعم لو كان المدرك مثل النبوي ونحوه لا مكن التمسك باطلاقه لاثبات الوجوب الكفائي في هذه الحالة ولا انحصر مدركه فيها بالادلة اللبية. ومنها انه قد لوحظ في هذا البيان خطاب وجوب التطهير فقيل ان نسبته الى المنجس وغيره على نحو واحد ولكن يمكن ان يوجه ما عن الشهيد قدس سره بملاحظة خطاب حرمة التنجيس بدعوى ان المتفاهم منه عرفا كون المحرم والمبغوض الاثر الحاصل وهو النجاسة وهو مما له حدوث وبقاء فكما ان حدوثه مستند الى المنجس كذلك بقاؤه وكلاهما محرم ولهذا

[ 278 ]

(مسألة 4): إذا رأى نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة تجب المبادرة الى ازالتها مقدما على الصلاة مع سعة وقتها ومع الضيق قدمها ولو ترك الازالة مع السعة واشتغل بالصلاة عصى لترك الازالة لكن في بطلان صلاته اشكال والأقوى الصحة (1) يفرق العرف بلحاظ خطاب حرمة التنجيس في درجة التمرد بين ما إذا اقدم على التنجيس عالما بانه يطهر بعد لحظة بنزول المطر وما إذا اقدم عليه عالما بان النجاسة ستبقى وليس ذلك الا لفهم ان المصب الحقيقي للحرمة هو الاثر الذي له بقاء لا نفس عملية التنجيس التي هي على نحو واحد في كلتا الحالتين. (1) في هذه المسألة فروع: الاول: فرض التزاحم مع ضيق وقت الفريضة ولا اشكال في تقديم الفريضة حينئذ اما تطبيقا لقانون باب التزاحم من تقديم الاهم علما أو احتمالا وهو الصلاة التي هي مما بني عليها الاسلام أو لقصور في اطلاق دليل وجوب الازالة أو وجوب فوريتها في نفسه بنحو لا يصلح للمزاحمة مع دليل وجوب الفريضة. الثاني: فرض سعة وقت الفريضة ولا اشكال حينئذ في وجوب تقديم الازالة لان هذا هو مقتضى فورية وجوبها. الثالث: انه في هذا الفرض لو عصى المكلف فلم يزل واشتغل بالصلاة فلتصحيح الصلاة ثلاثة اوجه احدها تصحيحها بنفس الامر الاول المتعلق بالجامع بين الافراد الطولية وهو موقوف على امكان الواجب المعلق إذ لا يوجد في تلك الحالة ما هو مقدور من افراد الجامع عقلا وشرعا ففعلية

[ 279 ]

هذا إذا امكنه الازالة واما مع عدم قدرته مطلقا أو في ذلك الوقت فلا اشكال في صحة صلاته (1) ولا فرق في الاشكال في الصورة الاولى بين ان يصلى في ذلك المسجد أو في مسجد آخر (2) وإذا اشتغل غيره بالازالة لا مانع من مبادرته الى الصلاة قبل تحقق الازالة (3) وجوب الجامع والحالة هذه تفترض امكان سبق الوجوب على زمان القدرة على الواجب وثانيها - بعد فرض عدم تمامية الوجه السابق - الالتزام بالامر الترتيبي بالجامع لئلا يلزم محذور سبق الوجوب على زمان القدرة على الواجب وثالثها - بعد افتراض استحالة الترتب - الالتزام بتصحيح الصلاة بالملاك بناء على امكان التقرب بلحاظ الملاك وامكان احرازه مع سقوط الخطاب بلحاظ اطلاق المادة أو الدلالة الالتزامية وقد تكلمنا عن تفصيل ذلك في الاصول. هذا كله بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده الخاص وإلا دخل خطاب صل وأزل في باب التعارض وخرج عن باب التزاحم لا ستلزام الجمع بينها الجمع بين الوجوب والحرمة في فعل واحد ولا يتم حينئذ الوجه الاول ولا الثاني لعدم امكان اجتماع الامر والنهي واما الوجه الثالث فهو مربوط حينئذ بان النهي الغيرى هل يوجب سلب صلاحية متعلقة للتقرب به كالنهي النفسي أولا وتحقيق الكلام في ذلك في الاصول (1) لعدم فعلية الأمر بالازالة لكي يزاحم اطلاق الأمر بالفريضة (2) باعتباران طرف المزاحمة هو الصلاة في نفس الوقت من دون تقييد بمكان دون مكان (3) لان ذلك هو مقتضى كفائية وجوب التطهير نعم يشكل فيما

[ 280 ]

(مسألة 5) إذا صلى ثم تبين له كون المسجد نجسا كانت صلاته صحيحة (1) لو كان الغير المباشر ضعيف الحال والطول بحيث يؤدى الاتكال عليه الى استمرار بقاء النجاسة مقدارا معتدا به عرفا ففي مثل ذلك لا يكون اشتغال مثل هذا الغير مسقطا للتكليف بلحاظ هذا المقدار المعتد به من الفرق. (1) اما إذا بني على التشكيك في اطلاق دليل وجوب التطهير لفرض عدم العلم بالنجاسة لقصور اللبي منها وعدم كون اللفظي منها من معتبرة علي بن جعفر ورواية الحلبي مسوقه لبيان اصل الحكم ليتمسك باطلاقها فالامر واضح وأما إذا بني على الاطلاق في الدليل المذكور وبني على بطلان الصلاة من العالم بالنجاسة فهذا البطلان ان كان بملاك التزاحم الموجب لسقوط الأمر بالصلاة وعدم تعقله ولو على وجه الترتب فلا يجرى ذلك في فرض الجهل إذ لا محذور في فعلية الأمر بالضدين مع عدم تنجز احدهما وان كان البطلان بملاك التعارض بين خطابي صل وأزل بلحاظ اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن ضده وتقديم خطاب أزل الموجب لسقوط الأمر بالصلاة فيحكم ببطلانها لعدم احراز الملاك مع سقوط الأمر فهذا المدرك لا يفرق فيه بين حالتي العلم والجهل وان كان مدرك البطلان في صورة العلم مع الاعتراف بامكان احراز الملاك بدون أمر هو مانعية النهي الغيري عن العبادة عن وقوعها على وجه قربى فهذه المانعيته ان كانت بلحاظ استحالة التقرب بالمبغوض فلا يفرق بين حالتي العلم والجهل لا نخفاظ النهي الغيري وما يكشف عنه من مبغوضية وان كانت بلحاظ

[ 281 ]

وكذا إذا كان عالما بالنجاسة ثم غفل وصلي (1) استحالة التقرب بما هو مبعد ومعصية للنهي فهذا يختص يفرض العلم إذ لا معصية في فرض الجهل. (1) إذا بني على الفرق بين الشاك والغافل من ناحية اطلاق الخطاب للاول دون الثاني بدعوى قابلية الشاك للتحرك ولو عن احتمال التكليف بخلاف الغافل فصحة الصلاة من الغافل أوضح حينئذ من صحتها من الشاك لعدم فعلية خطاب الازالة في حق الغافل حتى مع الالتزام باطلاق ادلة وجوب التطهير للشاك وإذا بني على ان الغفلة كالشك عذر عن الجري على طبق التكليف مع فعلية خطابة فحال الغافل كالشالك ولعل المعروف التفرقة بين الشك والغفلة والظاهر عدم الفرق وشمول الخطابات الواقعية للغافل أيضا كالشاك لأن المدلول التصديقي لها من الجعل بمبادئه من الارادة والكراهة والمصلحة والمفسدة قابل للشمول للغافل بدون محذور عقلي وانما المحذور في الشمول للغافل ينشأ من ظهور الخطاب في كونه ابراز للحكم ولتلك المبادئ بداعي تحريك المكلف لا لمجرد اعلامه بها فلولا هذا الظهور العرفي في الخطاب لم يكن في مدلول الخطاب ما يأبى الشمول للغافل بل للعاجز عن ذات الفعل ايضا واستحالة الشمول لبعض الأفراد انما هي من نتائج هذا الظهور التصديقي في الخطاب فلا بد من تحديد مفاده العرفي وتوضيحه ان المكلف تارة يكون عاجزا عن ذات الفعل كالمشكوك واخرى يكون قادرا على ذات الفعل ولكنه غير قادر على الانبعاث عن التكليف به اما لغفلته ونسيانه أولا عتقاده بعدمه وثالثه يكون قادرا على ذات الفعل وعلى الانبعاث وهذا يشمل الشاك الملتفت فان كان مفاد ذلك الظهور العرفي قصد ان يكون الخطاب محركا لكل من يشمله فيستحيل ان يكون شاملا

[ 282 ]

واما إذا علمها أو التفت إليها في اثناء الصلاة فهل يجب اتمامها ثم الازالة أو ابطالها والمبادرة الى الازالة وجهان أو وجوه والاقوى وجوب الاتمام (1) للعاجز وللغافل وللمعتقد بالعدم للزم كون المقصود تحريكهم بالخطاب وهو غير معقول وان كان مفاد ذلك الظهور - كما هو الظاهر - قصدان يكون الخطاب محركا لكل من يصل إليه ممن يشملهم بأي مرتبة من الوصول فلا يكون الظهور المذكورة قرينة على عدم شمول الخطاب للغافل وللمعتقد بالعدم لأن شموله لهما لا يعني قصد تحريكها بالخطاب فعلا بل قصد تحريكها به لو وصل اليهما فالميزان في شمول الخطاب لفرد أن يكون ممن يعقل تحريكه بالخطاب على فرض وصوله إليه لا ممن يعقل تحريكه به بمجرد شموله له وهذا الميزان ينطبق على الغافل والمعتقد بالعدم ولكنه لا ينطبق على العاجز عن ذات الفعل فانه لا يعقل قصد تحريكه بالخطاب ولو منوطا بوصوله ومن هنا يفرق بين العاجز والغافل والمعتقد بالعدم فيبنى على عدم شمول الخطاب للاول وشموله للاخيرين. (1) ومحل الكلام فرض عدم امكان الفرار من محذور قطع الصلاة ومحذور التراخي معا واما مع امكان التحرز من كلا المحذورين فلا اشكال كما إذا لم تستدع الازالة ابطال الصلاة أو كان المصلي في آخر صلاته بنحو لم يستدع اكمالها التراخي العرفي وكيف كان فقد يقال في فرض الدوران بين المحذورين المذكورين ان دليل الفورية في الازالة لا يقتضي الفورية بنحو يوجب قطع الصلاة المبدؤه بها بوجه شرعي لانه اما الاجماع أو معتبرة علي بن جعفر المتقدمة والاول قاصر عن اثبات ذلك والثاني انما يمنع عن الاقدام على الصلاة بدلا عن الازالة ولا يلزم من ذلك المنع عن اتمامها

[ 283 ]

بدلا عن الازالة وعليه فيتعين اكمال الصلاة. وقد يقال ان دليل حرمة القطع يرتفع موضوعه بدليل وجوب الفورية لان تحريم القطع في دليله منوط بعدم وجود حاجة لازمة يخشى فوتها ووجوب الفورية يجعل الاسراع بالازالة حاجة تفوت باتمام الصلاة وقد يقال ان كلا من دليل حرمة القطع ودليل الفورية لا اطلاق له لمحل الكلام لكون المعول فيه على الاجماع والارتكاز ولا اطلاق فيه فتجرى إصالة البراءة عن القطع بالازالة واصالة البراءة عن ترك الازالة لاكمال الصلاة مع الالتزام بحرمة القطع بغير الازالة وعدم جواز ترك الازالة بدون اكمال الصلاة هذا فيما إذا لم يوجد استصحاب حاكم كالاستصحاب حرمة قطع الصلاة فيما إذا كانت النجاسة حادثة في الاثناء أو استصحاب وجوب الازالة فورا فيما إذا كانت النجاسة حادثة قبل الصلاة وقيل بصحة اجراء استصحاب الفورية على الرغم من انحلالها الى وجوبات متعددة حدوثا وبقاء لمكان وحدتها العرفية وقد يقال بادخال محل الكلام في باب التزاحم غير ان ذلك يتوقف على افتراض الاطلاق في كل من دليل حرمة القطع ووجوب الفورية وإذا صح هذا الافتراض وقع التزاحم بين الحكمين وكان من التزاحم بين وجوب الشئ وحرمة مقدمته لان التطهير الفوري واجب وهو يتوقف على الاستدبار أو الفعل الكثير الذي يكون إبطالا للصلاة فحرمة المقدمة تنافي وجوب ذى المقدمة، وعليه فان قدمت حرمة القطع بقوانين باب التزاحم اقتضى ذلك رفع اليد عن اطلاق خطاب وجوب الازالة وتقيده بفرض القطع مع الالتزام بحرمة القطع على الاطلاق وان بني على مساواة الخطابين لعدم اقوائية احتمال الاهمية في احدهما اقتضى ذلك رفع اليد عن اطلاق كل من الخطابين فيلتزم بوجوب الازالة مشروطا بالقطع وبحرمة القطع مشروطا بترك الازالة وان بني على تقديم وجوب الازالة كان خطاب وجوب

[ 284 ]

الازالة فعليا ومطلقا وكانت حرمة القطع مشروطة بفرض ترك الازالة نعم لو فرض إضافة إلى البناء على تقديم وجوب الازالة البناء على ان وجوب الشئ المتوقف على مقدمة محرمة يستلزم الوجوب الغيرى لطبيعي تلك المقدمة بالحصة الموصلة خرج عن باب التعارض وطبقت عليه قوانين باب التزاحم. فان قيل هذا صحيح مع انكار الوجوب المقدمى رأس وأما مع القول بوجوب المقدمة الموصلة فيلزم من الجمع بين الحكمين في عالم الجعل اتصاف مطلق المقدمة بالحرمة واتصاف حصنه منها بالوجوب وهو غير معقول قلنا ان الحرمة مشروطة - كأي حكم الزامي آخر - بعدم الاشتغال بالمزحم المساوى اوالاهم وفرض المقدمة الموصلة هو فرض الاشتغال بالمزاحم المساوى أو الاهم فلا تنافي بين الحرمة المشروطة كذلك ووجوب المقدمة الموصلة وهذه النكتة هي التي تميز الموارد التي تدخل في باب التعارض من حالات التزاحم عن غيرها فانه في كل حالة من حالات التزاحم " اي العجز عن امتثال مجموع تكليفين " لابد ان يلاحظ المجعول بوجوده المشروط ادى ذلك إلى دخول المقام في باب التعارض لان الخطاب الاهم في هذه الحالة ينافي الخطاب المهم ويأبى عن ثبوته ولو بنحو الترتب لا ستحالة اتصاف القطع بالحرمة النفسية ولو على وجه الترتب مع وجوب الغيري وكلما استحال الترتب في موارد التزاحم دخل الدليلان المتزاحمان في باب التعارض كما بينا نكتة في أبحاثنا في الاصول وهذا بخلاف مالو بني على إنكار الوجوب الغيري رأسا فان فعلية وجوب الازالة على الاطلاق تلائم حينئذ مع الحرمة الترتبية للقطع وكذلك لو بني على اختصاص الوجوب الغيرى بالحصة الموصلة لان فرضها هو فرض الازالة فلا ينافي هذا الوجوب حرمة القطع الترتبية اي المقيدة بنفسها أو بمتعلقة بفرض

[ 285 ]

(مسألة 6) إذا كان موضع من المسجد نجسا لا يجوز تنجيسه ثانيا بما يوجب تلويثه بل وكذا مع عدم التلويث إذا كانت الثانية اشد واغلظ من الاولى وإلا ففي تحريمه تأمل بل ترك الازالة ويهذا يتضح انه كلما كان هناك تزاحم بين وجوب ذى المقدمة وحرمة المقدمة وبنى على تقديم الوجوب وقيل بالوجوب الغيري لمطلق المقدمة دخل المورد في باب التعارض لان المحذور حينئذ ليس بلحاظ عدم امكان فعلية الخطابين معابل لعدم امكان جعل حرمة المقدمة ولو على وجه الترتب مع فرض اطلاق وجوب ذيها. ثم انه إذا فرض في المقام كون الدليل على كل من حرمة القطع ووجوب الازالة مطلقا في نفسه على نحو دخل في باب التزاحم فالمتعين هو الالتزام بالترتب من الجانبين لعدم تعين احدهما للتقديم لان احتمال الاهمية في كل منهما موجود بنحو مكافئ لا حتمالها في الآخر فيثبت التخيير. بعدم الاشتغال بالمزاحم المساوى أو الاهم فان لم يكن هناك تناف بين المجعولين المشروطين بما هما مشروطان فلا تصادم بين الجعلين ولا تعارض بين الدليلين وانما التنافي بينهما في مرحلة فعلية المجعول وان كان هناك تناف بين المجعولين المشروطين بماهما مشروطان فلا محالة يقع التصادم بين الجعلين والتعارض بين الدليلين وهذا معنى ما حققناه في بحث التزاحم (1) من ان احد شروط خروج التزاحم عن باب التعارض القول بامكان الترتب أي الملائمة بين الحكمين المشروط كل منها بعدم الاشتغال بالمزاحم المساوى أو الاهم.


(1) تعارض الادلة الشرعية ص 26 - 27

[ 286 ]

منع إذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر لكنه احوط (1) تتصور المسألة ضمن صور: الاولى أن تكون النجاسة الثانية موجبة لاتساع دائرة النجاسة ولا اشكال في عدم الجواز حينئذ. الثانية أن تكون موجبة لتلوث يعتبر هتكا واهانة والحكم كما سبق الثالثة ان لا تكون الملاقاة الثانية موجبة للاتساع أو التلوث والاهانة وانما هي مماثلة للملاقاة الاولى من سائر الوجوه فقد يقال بناء على ان المتنجس لا يتنجس ثانية كما سبق انه لا موجب لتحريم الملاقاة الثانية لعدم كونها تنجيسا بل لو سلم ان المتنجس يتنجس اشكل التحريم ايضا لأنه يتوقف على أن تكون النجاسة ماخوذه في موضوع دليل الحرمة بنحو مطلق الوجود لاصرف الوجود وذلك خلاف المتيقن من الدليل فان المتيقن من مثل معتبرة علي بن جعفر ورواية الحلبي تحريم الوجود الاول من التنجيس. وقد يقال بالتحريم باحد وجوه: منها ان يني على ان المتنجس يتنجس ثانية ويدعى كون النجاسة مأخوذة في موضوع دليل الحرمة بنحو مطلق الوجود اما تمسكا بالاطلاق اللفظي لمثل النبوي أو بضم مناسبات الحكم والموضوع التي تلغى

[ 287 ]

خصوصية الفرق بين الوجود الاول من التنجيس والوجود الثاني ويرد عليه ان الاطلاق اللفظي غير تام والمناسبات العرفية للالغاء غير واضحة إذ لعل المقصود بحرمة التنجيس التحفظ على طهارة المسجد وهي مما تزول بالتنجيس الاول سواء وقع الفرد الثاني من التنجيس أولا. ومنها ان يبني على ان المتنجس يتنجس ثانية ويعوض عن التمسك باطلاق دليل الحرمة باجراء الاستصحاب بان يقال ان هذا التنجيس كان حراما جزما لو وقع قبل الملاقاة الاولى فتستصحب حرمته ويرد عليه ان الاستصحاب المذكور لا يجرى مع احتمال أن يكون الثابت من اول الأمر حرمة إزالة الطهارة عن المسجد فالتنجيس يكون حراما بما هو مصداق لذلك لا بعنوانه فلا معنى لاثبات حرمة التنجيس الثاني بالاستصحاب المذكور. ومنها التمسك بما دل على النهي عن قرب النجس من المسجد كالآية الكريمة لو تم الاستدلال بها بتقريب أن موضوع التحريم في هذا الدليل ليس عنوان التنجيس بل قرب النجس من المسجد غاية الامر ان صورة عدم الملاقاة المسجد برطوبة خرجت بقرينة مادل من نص (1)


(1) من قبيل معتبرة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال " الحائض والجنب لا يدخلان المسجد الا مجتازين (الى ان قال) وياخذان من المسجد ولا يضعان فيه شيئا.. " الوسائل باب 17 من أبواب الجنابة حديث 2. ومعتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال " سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة ايطاها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ قال: تقعد قرؤها (الى ان قال) وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت) الوسائل باب 1 من أبواب المستحاضة حديث 8.

[ 288 ]

أو سيرة على جواز دخول المستحاضة واستطراق الجنب ومكث المسلوس والمبطون ونحو ذلك ويبقى محل الكلام مشمولا لا طلاق دليل التحريم ولو لم يتحقق التنجيس بعنوانه لكنك عرفت سابقا حال دلالة الآية الكريمة الرابعة ان يكون للملاقاة الثانية اثر زائد بحيث يجب التعدد في الغسل من ناحيتها كما إذا قيل بوجوب التعدد في الغسل من البول مطلقا وفرض ملاقاة البول بعد التنجس بالدم فقد يقال هنا بالحرمة حتى مع نفيها في الصورة السابقة استناد إلى ان المتنجس يتنجس ثاينة إذا كان لذلك اثر زائد فيشمله اطلاق دليل الحرمة أو يجرى الاستصحاب ولكن عرفت الاشكال في الاطلاق والاستصحاب معا نعم لا يبعد ان يدعى ان دليل حرمة التنجيس وان لم يثبت كون النجاسة ملحوظة في موضوعه بنحو مطلق الوجود بلحاظ الافراد المتماثلة ولكنها لو حظت كذلك بالنسبة إلى مراتبها المتفاوته فكل مرتبة اضافية موضوع مستقل للحرمة ففي المقام حتى لو لم نقل بتعدد النجاسة بالملاقاة الثانية لا شك في اشتدادها من حيث المرتبة بسبب ذلك وهذه المرتبة بنفسها فرد من موضوع دليل الحرمة ولو بمعونة الارتكاز والمناسبات العرفية في فهم الدليل. ثم ان الشخص في مفروض هذه الصورة يسبب لا محالة إلى زيادة مكث النجاسته فيما إذا اريد تطهير المسجد بالماء القليل إذ تبقى النجاسة بعد الغلة الاولى بسبب ما وقع منه من التنجيس بالبول المستوجب للتعدد بحسب الفرض فإذا الغيت عرفا خصوصية الحدوث والبقاء كان التسبيب الى بقاء النجاسة محرما كالتسبيب الى احداثها والتخلص عن ذلك يكون بعدم الاصابة الثانية أو بالتطهير بالمعتصم على نحو لا يستوجب طول مكث للنجاسة بوجه. الخامسة ان يتنجس المسجد ثم يلقى عليه عين النجس بدون ان يلزم

[ 289 ]

(مسألة 7) لو توقف تطهير المسجد على حفر ارضه جاز بل وجب وكذا لو توقف على تخريب شئ منه ولا يجب طم الحفر وتعمير الخراب نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن رده بعد التطهير وجب (1) من ذلك اتساع النجاسة أو هتك المسجد أو شدتها والحرمة في هذه الصورة موقوفة على أن نستفيد من أدلة المسألة وجود محذورين محرمين في المقام احدهما التنجيس والثاني التلويث بعين النجاسة وما يمكن أن نثبت به كون الثاني محذورا محرما في عرض المحذور الاول احد أمرين اولهما النبوى المتقدم بناء على ان يراد بالنجاسة عينها لا التنجس والآخر الآية الكريمة الناهية عن قرب المشركين من المسجد بعد تعميم مفادها لكل نجس فان وضع عين النجس على نفس ارض المسجد على خلاف النهي المذكور فيحرم ولو لم يسبب تنجيسا جديدا وقد عرفت سابقا حال النبوي والآية. (1) في هذه المسألة فروع: الاول: انه لو توقف التطهير على مرتبة معتد بها من التخريب والتعطيل للمسجد فهل يجب التطهير في هذه الحالة والتحقيق ان الوجوب يتوقف اولا على افتراض اطلاق في دليله وثانيا على افتراض احد امور في دليل حرمة تخريب المسجد والاضرار به أولها نفي الاطلاق فيه بتقريب ان هذا الدليل ان كان هو مادل على وجوب تعظيم المسجد والعناية به (1) فمن الواضح ان التخريب من أجل التطهير لا يعتبر منافيا للتعظيم عرفا وان


(1) من قبيل رواية أبي بصير قال " سألت أبا عبد الله (ع) عن العلة في تعظيم المساجد فقال: إنما امر بتعظيم المساجد لانها بيوت الله في الارض " الوسائل باب 70 من أبواب احكام المساجد حديث 1

[ 290 ]

كان مادل على تحريم السعي في خرابها من قبيل قوله تعالى " ومن اظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها " (1) فهو منصرف الى التخريب الاعتدائي لا التخريب لمصلحة شرعية من مصالح المسجد وإن كان مادل على تحريم التصرف في مال أحد الا بأذنه (2) بدعوى ان حيطان المسجد وبناءه ملك لنفس المسجد فلا يجوز التصرف فيه بتخريب ونحوه فمن الواضح ان موضوع هذا الدليل لا يشمل مالكا من قبيل المسجد والتعدى انما يكون بمقدار ما تقتضيه المناسبات العرفية الارتكازية وهو لا يشمل محل الكلام ولو سلم لما اقتضى الا عدم الجواز بدون إذن ولي المسجد فلو رأى ولي المسجد المصلحة في ان يأذن كان التصرف باذن ولي المالك فيجوز وكذلك إذا كان الحائط وقفا على المسجد لاملكا طلقا فان غاية ما تقتضيه وقفيته على عدم جواز حرمان المسجد من منافعه لاالزام المسجد بابقائه إذا كان على خلاف مصحلته وموجبا لضرره ونقصه ثانيها بعد افتراض الاطلاق يدعى وجود المقيد وهو مادل على جواز تخريب المسجد لمصلحة (3) من قبيل اعادة بنائه على وجه افضل وذلك لان طهارة المسجد وان لم تكن مصلحة عرفية ابتدائية للمسجد بقطع النظر عن الجعل


(1) البقرة (114). (2) من قبيل معتبرة محمد بن جعفر الاسدي ".. فلا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه.. " الوسائل باب 3 من أبواب الانفال حديث 6. (3) من قبيل معتبرة طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي (ع) " انه كان يكسر المحاريب إذا راها في المساجد ويقول كأنها مذابح اليهود " الوسائل باب 31 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

[ 291 ]

الشرعي لكن إذا ضم الى ذلك استفادة كون الطهارة من شؤون احترام المسجد اللازم بحكم الشارع وان وجوب التطهير وجوب احترامي كان التخريب من أجل مصلحة المسجد لان احترامه من مصالحه ولكن انما يكون كذلك مع الوثوق باستعادة المسجد لوضعه وإلا كان من دوران الامر بين مصلحتين ثالثها بعد افتراض الاطلاق وعدم المقيد يدعى ان حرمة التخريب لا يحتمل اهميتها بينما يحتمل اهمية وجوب التطهير فيتقدم في مقام التزاحم بملاك الاهمية المحتملة إذا لم نقل بدخول مورد التزاحم بين وجوب ذى المقدمة وحرمة المقدمة في باب التعارض لعدم امكان الترتب في بعض التقادير على تفصيل تقدمت الاشارة إليه ولكن نفي احتمال الاهمية في حرمة التخريب بلا موجب كما ان اصل افتراض اطلاق في دليل وجوب التطهير ممنوع اما إذا كل لبيا كالاجماع فواضح واما إذا لوحظت الادلة اللفظية فالمهم منها معتبرة رواية علي بن جعفر ورواية الحلبي والاولى لا اطلاق فيها لعدم كونها مسوقه لبيان وجوب التطهير ابتداء ليتمسك باطلاقها والثانية غايتها الدلالة على حرمة التنجيس لا وجوب التطهير وعليه فلا اطلاق في دليل كان من الحكمين وعليه فالشبهة حكمية ومقتضى القاعدة التخيير عملا بالاصول المؤمنة ما لم يوجد اصل حاكم وهو موجود غالبا ونعنى به استصحاب حرمة التخريب لان النجاسة متأخرة عن بناء المسجد غالبا ويمكن التفصيل بين فرض كون التخريب متداركا خارجا وغيره ففي الفرض الاول يحكم بجواز التخريب للتطهير وجواز ابقاء المسجد على حاله اما الاول فلعدم وجود اطلاق في دليل الحرمة لمثل هذا التخريب بعد تقييده بالتخريب لمصلحة لو كمالية واما الثاني فلعدم الاطلاق في دليل وجوب التطهير ولا ينفع هنا استصحاب حرمة التخريب لان هذا النحو من التخريب المتدارك الذي ينطبق عليه عنوان الرعاية لبعض شؤون المسجد لا يعلم بحرمته من

[ 292 ]

اول الامر وفي الفرض الثاني يحكم بعدم وجوب التخريب بل بحرمته أما عدم الوجوب فلعدم الاطلاق في دليل وجوب التطهير وأما الحرمة فللتمسك باطلاق دليل الحرمة فان التخريب غير المتدارك مع عدم الملزم شرعا به يعتبر اعتداء على المسجد عرفا لان المركوز في ذهن العرف ان مفسدة التخريب غير المتدارك اشد من مصلحة الطهارة بلحاظ ذلك المسجد وعليه فان لم يكن الحكم بحرمة التخريب غير المتدارك اقوى في المقام فهو الاحوط الثاني: انه لو خرب شيئا من المسجد لأجل التطهير بعد البناء على جواز ذلك أو وجوبه فهل يضمن تداركه قد يقال بالضمان تمسكا بقاعدة الضمان بالاتلاف وقد يقال بعدمه أما لقصور في المقتضى بالنسبة الى القاعدة المذكورة وأما لوجود مقيد أما القصور في القتضي فيمكن ان يبين تارة بان دليل هذه القاعدة لا اطلاق فيه للتخريب الذي يكون لرعاية حال من يراد التضمين له فمن أتلف زرع الغير لاجل انقاذه لا يضمن لان دليل القاعدة ان كان هو السيرة العقلائية فهي غير شاملة لامثال ذلك جزما وان كان هو الروايات المتفرقة فهي واردة في موارد خاصة مشتركة جميعا في عدم كون الاتلاف من اجل المالك وان كان هو الضابط المشار إليه في بعضها بلسان (بما جنت يده (1)) فهذا الضابط يفترض الجناية والمفروض عدم الجناية في المقام بعد فرض إذن الشارع في التخريب أو حكمه بوجوبه. ويبين القصور في المقتضى تارة اخرى بان القاعدة مختصة بفرض عدم الاذن من المالك في الاتلاف وقد حصل الاذن في المقام لمكان حكم


(1) كما في رواية اسماعيل بن الصباح " عن القصار يسلم إليه المتاع فيخرقه أو يحرقه أيغرمه؟ قال: غرمه بما جنت يده " الوسائل باب 29 من أبواب الاجارة حديث 8.

[ 293 ]

الله سبحانه بوجوب التطهير بحسب الفرض ويرد عليه ان الاذن في الاتلاف المسقط للضمان هو الاذن في الاتلاف على وجه المجانية لا مطلق الاذن في الاتلاف مع ان المالك لما اتلف ليس هو الشارع بل هو نفس المسجد أو المصلون كجهة عامة ويبين ثالثة بان القاعدة موضوعها اتلاف مال الغير والمسجد ليس ملكا لأحد لأن مرد وقفه إلى تحريره وفكه من الملك ويرد عليه بان هذا لايتم بناء على ان بناء المسجد مملوك لنفس المسجد طلقا أو وقفا أو مملوك لجهة عامة وما يكون غير مملوك انما هو المسجد بمعنى المكان لا بمعنى الجدران والشابيك على أن الضمان بمعنى الدخول في العهدة كما يتصور في المملوك للغير كذلك يتصور في غيره بمعنى كون الانسان مسؤولا عن اعادة المسجد إلى وضعه السابق فان ساعدت السيرة العقلائية على ذلك فلا مانع من الالتزام به. وقد ظهر بما ذكرناه ان الصحيح هو البيان الاول في اثبات قصور المقتضى. وأما المقيد بعد فرض وجود دليل لفظي مطلق لقاعدة الضمان فهو مادل من الكتاب الكريم على نفي السبيل على المحسنين (1) والاحسان مفهوم عرفي فإذا صدق عرفا على الاتلاف في مورد انه احسان لمن أتلف ماله فلا ضمان لأن الضمان سبيل وهو منفي ولكن عنوان الاحسان انما يصدق عرفا على اتلاف يدرك العرف ان المصلحة الملحوظة فيه أهم من مفسدة الاتلاف على نحو لا يتصور عقلائيا خلاف ذلك وفي صدقه على محل الكلام إشكال. الثالث: انه إذا توقف تطهير جزء من بناء المسجد على اخراجه


(1) وهو قوله تعالى في سورة التوبة آية (91) " ما على المحسنين من سبيل ".

[ 294 ]

وتطهيره خارجا فهل يجب بعد ذلك ارجاعه إليه وتوضيح ذلك ان الوجوب تارة يدعى بلحاظ الروايات الخاصة واخرى على مقتضى القاعدة اما اثباته باللحاظ الاول فلا يخلو من اشكال وان استدل عليه بالروايات الدالة على لزوم رد ما اخذ من المسجد من حصاة أو آجر غير ان بعض هذه الروايات وارده في المسجد الحرام والكعبة والتعدى منها بلا موجب كمعتبرة محمد بن مسلم قال " سمعت ابا عبد الله (ع) يقول لا ينبغي لاحد ان يأخذ من تربة ما حول الكعبة وان اخذ من ذلك شيئا رده " (1) هذا إذا لم يكن التعبير بلا ينبغي موجبا لسقوط ظهور الامر بالرد في الوجوب والا فالامر أوضح ومعتبرة معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد الله (ع) " اني اخذت سكا من سك المقام وترابا من تراب البيت وسبع حصيات فقال بئس ما صنعت اما التراب والحصى فرده " (2). وأما ما قد يترائ فيه الاطلاق من هذه الروايات فمن قبيل رواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (ع) قال " إذا اخرج احدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها أو في مسجد آخر فانها تسبح " (3) وهذه الرواية ضعيفة بوهب مضافا الى ان التعليل فيها لا يناسب الحكم الالزامي وباب العهدة والضمان بل هو أقرب إلى الآداب فيوجب المنع عن انعقاد ظهور لها في الحكم المقصود إذ لا يجب التسبيب الى جعل الحصاة تسبح كما هو واضح. واحسن رواية في الباب رواية زيد الشحام قال قلت لأبي عبد الله (ع) أخرج من المسجد حصاة قال فردها أو اطرحها في مسجد " (4) بعد استظهار لام الجنس من كلمة المسجد


(1) الوسائل باب 26 من أبواب احكام المساجد حديث 1 (2) (3) (4) الوسائل باب 26 من أبواب احكام المساجد حديث 2 - 4 - 3

[ 295 ]

وللرواية طريقان احدهما طريق الصدوق وهو ضعيف بابي جميلة والآخر طريق الكليني وفيه الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد فان امكن تطبيق احدى النكات المهمة التي ادخلناها على علم الرجال وطبقنا فيها حساب الاحتمالات لتصحيح الرواية فهو وإلا فالامر مشكل (1) (1) هناك بيانان لتصحيح السند: الأول: ان نجري حساب الاحتمالات في مشايخ الحسن بن محمد بن سماعة وقد ظهر بالاستقراء ان نسبة الذين لم تثبت وثاقتهم الى مجموع مشايخه هي (9 / 26) فإذا استظهرنا ان التعبير ب‍ (غير واحد) ظاهر عرفا في الجماعة واقلها ثلاثة كان مقدار احتمال كون احدهم - على الأقل - ثقة هو (96 %) فيتم سندها ان أوجب هذا الظن القوي الاطمئنان. الثاني: الا نأخذ مطلق مشايخ الحسن بن محمد بن سماعة بل ناخذ خصوص مشايخه الذين هم في الوقت نفسه تلاميذ ابان بن عثمان باعتبار ان السند هكذا (الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن أبان) فيتم تحديدهم بلحاظ الراوي والمروي عنه وعلى هذا لانحتاج الى حساب الاحتمالات لان كون احدهم ثقة 100 % باعتبار ان من لم يثبت وثاقته منهم اثنان فقط وهم احمد بن عديس والحسن بن عديس والبقية وهم تسعة ثقات ولما كان التعبير ب‍ (غير واحد) ظاهرا في الجماعة واقلها ثلاثة كان احدهم - على الاقل - ثقة جزما ولكن يشكل ذلك بوجود احتمال ان يكون للحسن شيخ آخر غير من وصلت الينا روايته عنهم ولعله غير ثقة فلابد من ضم حساب الاحتمال لتضعيف ذلك وهذا الاحتمال لابد من اخذه بعين الاعتبار في البيان الاول ايضا وطريق التخلص ان نثبت بحساب الاحتمال ان نسبة الثقاة الى غيرهم في المشايخ الواصلين محفوظة في غيرهم ايضا فيكون احتمال

[ 296 ]

(مسألة 8) إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره (1) أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك أصلح من اخراجه وتطهيره كما هو الغالب (مسألة 9) إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع وأما اثباته باللحاظ الثاني فقد يبين بتقريب ان هذا الجزء المخرج من المسجد وقف ويحرم التصرف في الوقف في غير الجهة التي أوقف لاجلها وهذا التقريب غير كاف لان عدم الرد بنفسه ليس تصرفا والاخراج وان كان تصرفا ولكن المفروض انه مأذون فيه فالاولى ان يبين بتقريب دخوله في العهدة فيجب رده الى المسجد كما هو مقتضى العهدة في سائر الموارد ومجرد الاذن في الاخراج والتطهير لا ينبفي دخوله في العهدة المستتبع لوجوب الرد. (1) لا اشكال في حرمة تنجيسه لانه موقوف للعبادة والصلاة وهذا تصرف خارج عن ذلك بل مناف له بنحو من المنافاة وأما وجوب التطهير فمشكل لأنه ليس جزءا من المسجد والتبعية بحسب مناسبات الحكم والموضوع لو سلمت فانما تفيد في اعطاء الظهور للدليل اللفظي لا لمثل ادلة المسألة نعم لو ثبت تحريم تقريب المتنجس الى المساجد بالآية أو النبوى مع وضوح لزوم حفظ الحصير للمسجد يتعين وجوب تطهيره ولكن عرفت الحال في ذلك.


وثاقة الشخص الآخر مالا يقل عن 17 / 26 وبهذا صحح سيدنا الاستاذ دام ظله مرسلة يونس الطويلة تطبيقا لما أسسه من قواعد حساب الاحتمال في علم الرجال

[ 297 ]

كما إذا كان الجص الذي عمر به نجسا أو كان المباشر للبناء كافرا فان وجد متبرع بالتعمير بعد الخراب جاز وإلا فمشكل (1) (مسألة 10) لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا وإن لم يصل فيه احد ويجب تطيره إذا تنجس (2) (1) حال هذا التخريب الكلي كحال التخريب الجزئي المتقدم في الفرع الاول من المسألة السابعة فمع فرض التدارك يجوز التخريب لانه من مصلحة المسجد فلا يشمله دليل حرمة التخريب ولكن لا يجب التطهير لقصور دليل وجوبه بل عدم وجوب التطهير هنا أوضح لعدم انحفاظ المسجد بعد التطهير كما هو المنصرف أو المتيقن من ادلة وجوب التطهير ومع فرض عدم التدارك يحرم التخريب للاطلاق في دليل حرمته وعدم الاطلاق في دليل وجوب التطهير كما عرفت بل لو سلم الاطلاق فيه ايضا يقع التزاحم ويقدم التحريم على الوجوب لان مفسدة التخريب الكلي مع عدم التدارك أهم جزما أو احتمالا. (2) كان ذلك اما للتمسك بالاطلاق اللفظي لدليل حرمة التنجيس ووجوب التطهير وأما للتعميم بمناسبات الحكم والموضوع بعد الفرض عدم الاطلاق اللفظي كما لو كان المدرك مثل معتبرة علي بن جعفر لوضوح انها ليست في مقام بيان اصل الحكم ليتمسك باطلاقها من هذه الناحية وكذلك رواية الحلبي الواردة في مورد قصد المسجد المعمور وأما للتمسك باستصحاب حرمة التنجيس أو استصحاب وجوب التطهير ولو تعليقيا فيما إذا لم يتم الاطلاق في الدليل اللفظي ولو بضم المناسبات ولم يحرز شمول الاجماع لحالة الخراب فان الاستصحاب يجري ومجرد الخراب لا يوجب تغير الموضوع عرفا.

[ 298 ]

(مسألة 11) إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه إن امكن إزالته بعد ذلك كما إذا أراد يطهيره بصب الماء واستلزم ما ذكر (1) (مسألة 12) إذا توقف توقف التطهير على بذل مال وجب (2) وهل يضمن من صار سببا للتنجيس؟ وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة (3) (1) وذلك أما للمنع عن وجود اطلاق في ادلة حرمة التنجيس لمثل ذلك وأما لوقوع التزاحم بينها وبين وجوب التطهير وتقديم الوجوب لوضوح اهميته ملاكا والفرق بين هذين الوجهين انه على الثاني ليختص الجواز بما إذا توقف التطهير على ذلك وعلى الاول قد يقال بالجواز حتى مع عدم التوقف كما لو أمكنت إزالة العين قبل صب الماء أو أمكن الغسل بالماء المعتصم لان مثل هذا التنجيس الواقع في طريق التطهير وفي سياق الاحترام لا يعلم بشمول دليل الحرمة له. (2) وذلك في الحدود التي لا يصدق معها الضرر أو الحرج وأما مع صدقهما فلا يبعد عدم الوجوب اما لقصور في اطلاقات ادلة وجوب التطهير لانها لبيه أو واردة في النفريعات على وجوب التطهير بعد الفراغ عنه كما في معتبره علي بن جعفر وأما لحكومة قاعدة نفي الضرر وقاعدة نفي الحرج على اطلاقها لو سلم في نفسه هذا فيما إذا لم يفرض هناك ضمان ولوحظ الحكم بوجوب التطهير التكليفي فقط وإلا فالامر يختلف كما يأتي. (3) بل الاقرب هو الحكم بالضمان ولتوضيح الحال نذكر حكم تنجيس مال الغير اولا ثم نطبق ذلك على تنجيس المسجد فنقول ان تنجيس مال الغير له صور:

[ 299 ]

الاولى ان لا تكون الطهارة بالنسبة الى ذلك المال دخيلة في ماليته فلا ضمان كما في تنجيس جذع النخلة مثلا. الثانية: ان تكون دخيلة ولكن اعادتها ليس فيها مؤونة ولا تسبب نقصا فلا ضمان ايضا لعدم دخل الوصف في المالية حينئذ. الثالثة: أن تكون الطهارة دخيلة في ماليته واعادتها لا تؤدى الى نقصه ولكن فيها مؤنة مالية كالبارية يتوقف تطهيرها على حملها الى النهر مثلا وفي هذه الصورة يضمن المنجس والضمان بمقدار اجرة التطهير لا اكثر لان المضمون قيمة الوصف الفائت ولما كان الوصف الفائت ممكن الاعادة تلك الاجرة فلا تزيد قيمته على ذلك ولكن قد تقل كما إذا كان دخل وصف الطهارة في الاغراض النوعية من ذلك المال يمثل نسبة ضئيلة ولكن كلفة التطهير توقفت صدفة على حمله الى مكان بعيد وبذل مال كثير فلا موجب للضمان إلا بمقدار نسبة النقص. ولكن في هذه الحالة تكون المالية السوقية العقلائية لعلمية التطهير اقل من كلفتها ولهذا لا تكون هذه الكلفة كلفة سوقية لهذه العملية لان مالية التطهير انما تتحدد وفقا للرغبة النوعية في وصف الطهارة فلا يمكن ان تكون ماليتها اكبر من مالية هذا الوصف وهكذا نعرف انه في الحالة التي تكون فيها عمليه التطهير عملية سوقية ولها اجرة المثل تكون اجرتها متطابقة مع ماليتها وماليتها متطابقة مع مالية الوصف الذي تنجزه ولا يمكن أن تكون اجرة المثل اقل من مالية الوصف بقدر معتد به كما لا يمكن ان تكون اكثر كما هو واضح. الرابعة: أن تكون الطهارة دخيلة في ماليته والتطهير ليس فيه مؤونه في نفسه ولكن تتضرر به العين كما في بعض اقسام الفراش والمنسج يضمن هنا النقص الحاص في قيمة العين بسبب فعله وحيث ان العين يدور أمرها

[ 300 ]

بسبب فعله بين نقصين اما النجاسة وأما التأثر الحاصل بعملية الغسل بالماء فالمضمون على المنجس أقل النقصين لانه الذي لابد منه بسببه فان كان النقص الذي يحصل بالتطهير ينقص قيمة المال بدرجة اكبر مما ينقص قيمته نفس التنجيس لم يضمن الا بمقدار ما يفوت من المالية بالتنجيس. الخامسة: نفس الصورة السابقة مع افتراض المؤونة في نفس عملية التطهير ايضا والحكم كما في الصورة السابقة الا ان نفقات التطهير واجرته تدخل هنا في الحساب في تحديد اقل النقصين. وعلى هذا الاساس إذا لا حظنا المسجد نجد ان المسجد نسبته الى حيطانه وعمارته نسبة المالك الى مملوكه كما تقدم فالنقص الحاصل بسبب شخص في عمارة المسجد وممتلكاته مضمون عليه ولما كان زوال الطهارة نقصا عرفا بالنسبة إلى المسجد فيكون مضمونا فإذا كانت لعملية التطهير اجرة سوقية فهي تمثل دائما درجة مالية الوصف الفائت كما تقدم فان اريد بعدم الضمان عدم ضمان ما يزيد على ذلك فهو صحيح لما تقدم من ان المنجس في الصورتين الرابعة والخامسة لا يضمن اشد النقصين بل اقلهما وان اريد انه لا يضمن اجرة التطهير حتى لو كانت متطابقة مع مالية الوصف الفائت فهو غير صحيح وإذا ثبت الضمان وجب الخروج عن عهدته وان امتنع الضامن عن ذلك جاز إجباره وان قام شخص آخر بالصرف باذنه أو باذن وليه مع امتناعه رجع عليه وإلا فلا موجب للرجوع ولكن يمكن ان يقال في مورد المسجد ان المنجس يضمن سنخ الوصف لا قيمته وذلك لان هذا هو الاصل في الضمان وانما يرفع اليد عنه في القيميات باعتبار تعلق الغرض النوعي العقلائي فيها بالمالية إلا ان هذا إنما يكون في غير مثل المسجد الذي يكون الغرض النوعي في طهارة بنائه قائما بشخص الوصف لا بماليته وأما في مثل ذلك فالمضمون

[ 301 ]

سنخ الوصف الفائت لا ماليته فلو توقف تسليم الوصف الفائت واعادته على بذل اجرة اكبر من المقدار المتعارف وجب ذلك خروجا عن عهدة الضمان والحاصل ان وصف الطهارة في مثل المسجد مثلى لا قيمى فلابد من تسليم المثل وذلك باعادة الطهارة ولو كلف ذلك أجرة كبيرة كما لابد ان تكون إعادتها بنحو لا يساوق نقصا من ناحية اخرى في بناء المسجد والا كان القص الآخر مضمونا أيضا لا هذا هو مقتضى ضمان الشخص ان يعود المسجد كما كان وبهذا ظهر الفرق بين الضمان في حالة تنجيس مال الغير والضمان في حالة تنجيس المسجد فتدبر جيدا. ثم ان هذا كله تصوير لضمان المنجس على نحو يكون المضمون له هو المسجد وهناك تصوير آخر بقطع النظر عما تقدم يكون الضمان فيه من قبل المنجس للمطهر إبتداء بحيث يكون المطهر الذي خسر مالا في مقام التطهير هو المضمون له ابتداء وذلك بالتمسك بقاعدة التسبيب مع كون السبب اقوى من المباشر فان شخصا لو حفر حفرة وسترها فجاء آخر وبيده قدح من لبن فسقط في الحفرة واريق اللبن وانكسر الاناء كان الضامن هو الحافر والمقصود في المقام تعميم نفس هذه الفكرة بدعوى ان وجوب التطهير يجعل المطهر مسلوب الاختيار تشريعا بحيث يرى صدور العمل منه امرا حتميا وليس من قبيل من يأمر شخصا آخر باتلاف مال فيمتثله باختياره مع تمكنه عرفا وعقلا من عدم الامتثال فإذا تمت السببية بهذا اللحاظ وكانت ارارة المطهر مضمحلة باعتبار القهر التسريعي فكأن المنجس هو الذي أوقع المطهر في الخسارة فيضمن ولا يفرق الحال حينئذ بين ان يكون هذا المطهر قد طهر المسجد في طول امتناع المنجس عن التطهير والاستئذان من وليه أو ابتداء وبدون مراجعة له ولوليه وقد ينقض على ذلك ويقال انه لو التزم بصدق

[ 302 ]

(مسألة 13) إذا تغير عنوان المسجد بأن غصب وجعل دارا أو صار خرابا بحيث لا يمكن تعميره ولا الصلاة فيه وقلنا بجواز جعله مكانا للزرع ففي جواز تنجيسه وعدم عنوان الاتلاف في موارد توسط ارادة الفاعل المختار من اجل كونها تحت القهر التشريعي لزم الالتزام بالضمان في موارد لا يحتمل فيها ذلك كما إذا أبرأ شخص آخر من دين مانع عن الاستطاعة فترتب على الابراء كونه مستطيعا ووجب عليه الحج فهل يضمن الذي أبرأ نفقات الحج بالتسبيب وكذلك إذا أولد فقير اولادا لا يتمكن من الانفاق عليهم فوجب القيام بنفقتهم على الآخرين فانفقوا عليهم فهل يضمن الوالد هذه النفقة لانه هو المسبب وهكذا ويمكن دفع هذه النقوض بعد الالتزام بان التسبيب مضمن بان يقال ان ضمان المال بالتسبيب الى الاتلاف ليس له دليل لفظي يتمسك باطلاقه حتى لهذه الحالات وانما هو متصيد والقدر المتيقن منه ما كان الفعل التسبيبي تعديا محرما وجناية في نفسه ليشمله ماكان مثل قوله (بما جنت يده) (1) واما إذا لم يكن جناية عرفا ولا شرعا فلا اطلاق في دليل الضمان يقتضي الضمان يمثل ذلك التسبيب والحالات التي ينقض بها من هذا القبيل فتدبر جيدا. وسيأتي مزيد كلام عن هذا في المسألة الثانية والعشرين من هذا الفصل إن شاء تعالى


(1) كما في رواية اسماعيل بن الصباح المتقدمة

[ 303 ]

وجوب تطهيره - كما قيل - اشكال والاظهر عدم جواز الاول بل وجوب الثاني ايضا (1) (1) الكلام في ذلك اما بلحاظ الدليل الاجتهادي فمن الواضح عدم الاطلاق في الادلة اللبية كالاجماع والارتكاز وكذلك في مثل روايتي علي بن جعفر والحلبي لما مر مرارا من قصور اطلاقهما وأما ما كان من قبيل " جنبوا مساجدكم النجاسة " لو تم الاستدلال به وبامثاله فحاله مبني على ان موضوعه هل هو ما كان مسجدا بالوقف أو مسجدا بحسب عنوانه العرفي فعلى الاول يتم الاطلاق لبقاء المسجدية الوقفية وعلى الثاني لا يتم لزوال العنوان العرفي بطرو عنوان الدكان أو المزرعة وإذا لم يستظهر الثاني كفى الاجمال في منع الاطلاق أيضا. وأما بلحاظ الاصل العملي فقد يتمسك باستصحاب حرمة التنجيس ووجوب التطهير وقد يورد على ذلك تارة بمنع اجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية واخرى بمنع الاستصحاب لوجوب التطهير باعتباره تعليقيا وان كان استصحاب حرمة التنجيس جاريا لكونه تنجيزيا وثالثة بأنه قد لا تكون هناك حالة سابقة للحرمة كما لو لم يكن المكلف بالغا قبل خراب المسجد تحوله الى دكان. ويندفع الاول بالبناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما حققناه في محله ويندفع الثاني بان المستفاد من الادلة عرفا خصوصا إذا لوحظ مثل لسان " جنبوا مساجدكم النجاسة " ان وجوب التطهير وحرمة التنجيس مرجعها الى حكم واحد وهو لزوم إبعاد المسجد عن النجاسة مع الغاء خصوصية الحدوث والبقاء فهو حكم فعلي تنجيزي يقتضى دفع النجاسة تارة وفعها أخرى ويندفع الثالث بانه اشكال لا يختص بالمقام بل يجرى في

[ 304 ]

سائر موارد الشبهة الحكمية وجوابه ان المستصحب في الشبهة الحكمية ان كان هو المجعول الكلي اي الجعل منظورا إليه بما هو مجعول وله حدوث وبقاء فالحدوث هنا والبقاء ليس بمعنى حدوث الحرمة لهذا المكلف وبقائها بل حدوث الحرمة الكلية على موضوعها الكلي وبقائها عليه فيقال ان البالغ العاقل يحرم عليه تنجيس المسجد في حالة ما قبل الخراب والاصل بقاء هذه الحرمة الى ما بعد الخراب وهذا البقاء وان لم يكن بقاء حقيقيا بل مرده الى سعة دائرة المجعول العرضي واتساع الجعل غير انه بقاء عنائي بذاك النظر الذي لوحظ فيه المجعول بما هو فان في الخارج على ما حققناه في تصوير جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وأما إذا لم يبن على ذلك وقيل باجراء الاستصحاب في نفس الحرمة الفعلية الثابتة في حق المكلف بنحو يكون المكلف هو المجرى للاستصحاب اتجه الاشكال المذكور وأمكن التخلص عنه حينئذ باجراء الاستصحاب التعليقي بان يقول ان هذا كان حراما على تقدير بلوغي فاستصحب حرمته على تقدير البلوغ الى ما بعد وقوع الحادثة الموجبة للشك بناء على جريان الاستصحاب التعليقي وعدم معارضتة بالاستصحاب التنجيزي. نعم قد يشكل استصحاب حرمة التنجيس ووجوب التطهير في المقام بعدم احراز بقاء الموضوع إذ بعد ان كان عمدة الدليل على الحكم المذكور هو الاجماع وغيره من الروايات لا يتحصل منه ما يزيد على مفاد الاجماع فمن المحتمل يكون الحكم ثابتا بوصفه احتراما شرعيا للمسجد فالتطهير ليس بعنوانه واجبا بل بما هو احترام شرعي لعنوان المسجد وحيث ان العنوان العرفي للمسجد زائل جزما وان بقي العنوان الوقفي له فلا يمكن اجراء الاستصحاب لا حتمال عدم بقاء الموضوع وان شئت قلت أن التطهير

[ 305 ]

لو كان واجبا بعنوانه لكان موضوعه نفس الحائط والجدار لا العنوان وذاك محفوظ وان زال العنوان فيشار إليه ويقال هذا كان يجب تطهيره والآن كما كان بالاستصحاب. ولكن إذا كان التطهير واجبا بوصفه احتراما شرعيا للعنوان واحتمل كون هذا العنوان هو العنوان العرفي للمسجد فلا يفيد استصحاب بقاء وجوب ذلك الاحترام للعنوان الذي كان يجب احترامه لعدم احراز بقاء ذلك العنوان وانطباقه على الخربة فعلا. يبقى في المقام شئ ذكر هنا استطرادا وهو جعل المسجد مكانا للزرع ولا اشكال في عدم جوازه مع منافاته للجهة المعد لها المسجد واما مع عدم المنافاة بان كان المسجد معطلا بطبعه ومهجورا لا ضمحلال القرية التي حوله مثلا فقد يقال بالجواز ويفرق بين المسجد وغيره من الاوقاف باعتباران المسجد ليس مملوكا لاحد أو لجهة ليشمله حرمة التصرف في ملك الغير ولهذا يقال ايضا بعدم جواز اجارته لذلك لان الاجارة انما تكون من مالك المنافع والمسجد ليس مملوكا لاحد فلا تصح اجارته. ويرد عليه ان صحة الاجارة لا ينحصر ملاكها بملكية المنافع لوضوح ان الحر يجوز له ان يملك منافعه بالاجارة مع انها ليست مملوكة له بالملكية الاعتبارية وانما هي مضافة إليه تكوينا وعقلائيا بكونها منافع له وتحت سلطانه وعلى هذا الاساس فإذا فرض للمسجد بما هو مكان شخصية معنوية بالارتكاز العقلائي وصححت بذلك ملكيته للحيطان والبناء امكن ان يقال ان اضافة المنافع له على حد اضافة منافع الحر له فتكون تحت سلطانه وهذا السلطان يمارسه ولي المسجد الخاص أو العام في حدود عدم المنافاة مع الجهة المعد لها المسجد ومع حيثية المسجدية وما تقتضيه من احترام.

[ 306 ]

(مسألة 14) إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فان امكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها (1) والا فالظاهر وجوب التأخير الى ما بعد الغسل لكن يجب المبادرة إليه حفظا للفورية بقدر الامكان وان لم يمكن التطهير الا بالمكث جنبا فلا يبعد جوازه بل وجوبه وكذا إذا استلزم التأخير إلى أن يغتسل هتك حرمته (2) (1) لعدم المحذور حيث لا يلزم المكث ولا مانع من المرور في غير المسجدين الشريفين وأما فيهما فحال المرور حال المكث في غيرهما (2) تارة يفرض ان اغتسال الجنب يفوت عليه اصل تطهير المسجد فيبقى المسجد نجسا واخرى يفرض انه يفوت عليه الفورية في تطهير المسجد ففي الصورة الاولى ان كان بقاء النجاسة مستدعيا لاهانة المسجد وهتكه وجب تطهير المسجد على اي حال وحينئذ فان أمكن التيمم ولم يكن التيمم منافيا لتطيهر المسجد كالغسل وجب التيمم لدخول المسجد واما إذا لم يكن بقاء النجاسة مساوقا لهتك المسجد فالظاهر تقديم حرمة المكث على وجوب التطهير ويمكن ان يبين ذلك باحد وجهين: الاول انه لا اطلاق في دليل وجوب التطهير يشمل الجنب المذكور لأن المتيقن من الاجماع غيره ومعتبرة علي بن جعفر وامثالها (1) لا يمكن التمسك باطلاقها كما تقدم مرارا بخلاف دليل حرمة مكث الجنب في المسجد


(1) كرواية الحلبي المتقدمة.

[ 307 ]

كتابا (1) وسنة (2) فانه مطلق وهذا بيان تام الثاني انه على تقدير تسليم الاطلاق فالمقام من موارد التزاحم فيقدم تحريم المكث على وجوب التطهير إذا احتملت الاهمية في التحريم دون العكس أو كان احتمال الاهمية فيه اكبر ولو بلحاظ اهتمام القرآن الكريم ببيان شخص هذا الحكم ولكن هذا على فرض التزاحم بين الحكمين في عالم الامتثال وأما لو فرض ان تقديم وجوب التطهير يستدعى حفظ امتثال حرمة مكث الجنب ايضا فلا تنتهي النوبة إلى الترجيح المذكور باحتمال الاهمية وبيانه انه لو فرض فعلية وجوب التطهير لكان المكلف الجنب من فاقد الماء بحكم الشارع فيصح منه التيمم فيتيمم ويدخل المسجد طاهرا وبطهره مادام التيمم لا يزاحم تطهير المسجد وبهذا يحفظ امتثال كلا التكليفين وهذا يعنى ان المزاحم لوجوب التطهير ليس هو حرمة مكث الجنب في المسجد بل وجوب الغسل على الجنب وهذا الوجوب يرتفع بنفس فعلية وجوب التطهير المؤدي الى امكان امتثال حرمة المكث ووجوب التطهير معا. وأما الصورة الثانية فالظاهر فيها تعين الغسل ووجوبه حتى لو قيل في الصورة السابقة بعدم وجوبه وبوجود اطلاق في دليل وجوب التطهير لان طرف المزاحمة هنا مع الغسل ليس اصل التطهير بل الفورية ولا دليل على الفورية إلا بمقدار لا ينافي الاشتغال بمقدمات التطهير والمفروض في


كقوله تعالى " لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا (النساء - 43) (2) من قبيل معتبرة جميل قال " سالت ابا عبد الله (ع) عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا.. " الوسائل باب 15 من ابواب الجنابة حديث 2

[ 308 ]

(مسألة 15) في جواز تنجيس مساجد اليهود والنصارى اشكال (1) وأما مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فرقهم. المقام ان التطهير يتوقف على المكث والمكث له حصتان احدهما محرمة وهي المكث مع الجنابة فيترشح الوجوب الغيرى لا محالة على الحصة المحللة وهي المكث مع الطهارة فيكون الاشتغال بالغسل تحصيلا لهذه الحصة ولا يكون منافيا للفوية الثابتة بالاجماع أو يمثل معتبرة علي بن جعفر نعم لو قيل بالفورية بلحاظ اللسان الوارد في مثل " جنبوا مساجدكم النجاسة " فيكون للنهي اطلاق لكل آن عرفي ففي فرض استلزام الغسل تأخيرا معتدا به يكون مقتضى ذلك اللسان المنع من مثل هذا التأخير وبذلك يتعين على على المكلف التيمم الذي لايستبطن عادة تأخيرا كذلك والمبادرة الى التطهير وان فرض كون التيمم كالغسل من حيث استلزام التأخير وقع التزاحم بين دليل " جنبوا مساجدكم النجاسة " ودليل حرمة مكث الجنب وتعين اعمال قواعد باب التزاحم وهي تقتضي تقديم حرمة مكث الجنب لا حتمال الاهمية اولا قوائية احتمالها كما تقدم. (1) والاقرب الجواز وذلك لوجهين. الاول: عدم احراز صدق عنوان المسجد المأخوذ في موضوع دليل حرمة التنجيس ووجوب التطهير لأن المسجد ليس مطلق ما أعد اعدادا شخصيا أو وقفيا للعبادة ولهذا لو أوقف الانسان مكانا ليصلى فيه لم يكن مسجدا بل ما أوقف لهذا العنوان الذي هو بنفسه من شعائر الله تعالى ومعابد اليهود والنصارى لا يعلم كونها موقوفة لهذا العنوان بل لعلها موقوفة لممارسة شعائر وعبادات معينة من قبيل المصلي. الثاني: لو سلم كونها موقوفة مسجدا فلا اطلاق في دليل وجوب

[ 309 ]

(مسألة 16) إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءا من المسجد لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير وحرمة التنجيس (1) بل وكذا لو شك في ذلك وان كان الاحوط اللحوق التطهير وحرمة التنجيس لكل مسجد بل المتيقن منه مساجد المسلمين خاصة اما الاجماع فواضح وكذلك الامر في مثل معتبرة علي بن جعفر ورواية الحلبي وروايات تحويل البالوعة الى مسجد والنبوي الظاهر في إضافة المساجد الى المسلمين أو احتمال ذلك في قوله " جنبوا مساجدكم " على نحو لا يبقى اطلاق يتمسك به كما ان الآية الكريمة التي تنهى عن قرب المشركين مختصة بالمسجد الحرام والتعدى منه - إذا امكن - فانما يصح الى بقية مساجد المسلمين لا الى غيرها (1) إذا لم يجعل صحن المسجد من المسجد فلا يشمله الحكم لعدم انطباق موضوع الحكم عليه وهو المسجدية كما انه مع الشك وعدم وجود ظهور حال للواقف في الالحاق أو ظهور حال ليد المسلمين في البناء على المسجدية أو أي حجة شرعية اخرى نجرى البراءة واستصحاب عدم المسجدية لان الشبهة موضوعية هذا في الصحن ونحوه واما بالنسبة الى جدران نفس المسجد فالظاهر انه يحرم تنجيسها ويجب تطهيرها على أي حال اما إذا قلنا ان المسجدية اعتبار قائم بالمكان لا بالحائط والجدران وان الحائط حائط المسجد لا نفس المسجد فلا معنى اذن لجعل الحائط المسجد بل يكون موضوعا لحرمة التنجيس ولوجوب التطهير بما هو حائط المسجد لا بما هو مسجد وأما إذا قيل بان اعتبار المسجدية يشمل الحيطان والجدران فيمكن ملاحظتها في مقام جعل المسجدية ويمكن اخراجها وجعل المسجدية للارض فقط

[ 310 ]

(مسألة 17) إذا علم اجمالا بنجاسة احد المسجدين أو احد المكانين مسجد وجب تطهيرهما (1) (مسألة 18) لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا (2) وأما المكان الذى اعده للصلاة في داره فلا يلحقة الحكم فايضا يمكن الالتزام بحرمة التنجيس ووجوب التطهير بلحاظ الارتكازات اللبية أو بلحاظ ان الوارد في الدليل اللفظي عنوان حائط المسجد كما في معتبرة علي بن جعفر فإذا أمكن التمسك بها بدعوى ان المستظهر منها كون المحذور قائما بعنوان حائط المسجد سواء كان الحائط مسجدا أولا ثبت الحكم في المقام (1) تطبيقا لقواعد العلم الاجمالي (2) هذا صحيح إذا اريد بالخاص ما كان كذلك عرفا كمسجد المحلة والقبيلة لا ما كانت مسجديته ووقفيته منشأة على عنوان خاص وإلا فلا يشمله الحكم وذلك اولا لبطلان المسجدية بالتخصيص المذكور وذلك لان المسجدية اما ان تكون عبارة عن فك الملك وتحريره. أو عن تمليك الله تعالى بملكية اعتبارية على حد الملكيات العقلائية أو عن تمليك المسلمين ذاتا أو حيثية كحيثية العبادة كما يوقف البئر لحيثية سقاية الحاج فعلى الاول والثاني لا معنى للتخصيص المذكور فان التحريره ليس امر نسبيا كما ان تمليك الله تعالى لا معنى لان يتخصص ويتقيد بطائفة دون طائفة وأما على الثالث فالتخصيص في الوقف معقول في نفسه ثبوتا غير انه ليس صحيحا اثباتا حيث لا يمكن تصحيح مثل هذا الوقف على ان يكون مسجدا لان المسجدية من الاعتبارات الشرعية التي لا يعلم انطباقها بمثل هذا الوقف المشتمل على التخصيص ولا يمكن التمسك لاثبات المسجدية بدليل صحة الوقف لانه

[ 311 ]

(مسألة 19) هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكن من الازالة؟ الظاهر العدم إذا كان مما لا يوجب الهتك (1) وإلا فهو الاحوط لا يثبت الانفوذ الوقف بمعنى ان كل انسان مسلط على ما يقف لا انه مسلط على الاعتبارات الشرعية والتوسيع في نطاقها كما لا يمكن التمسك بادلة الحث على انشاء المساجد (1) لعدم الاطلاق فيها لمثل هذا الوقف الخاص فانها تحت على انشاء المسجد وليست في مقام بيان ما يكون به المكان مسجدا: وثانيا انه لو سلمت صحة وقف المسجد المذكور فشمول حكم المسجد له فيه اشكال لان المدارك اللبية للحكم من الاجماع والارتكاز لا يعلم بشمولها لهذا النحو من المسجد خصوصا مع عدم الاجماع على اصل المسجدية والمدارك اللفظية التي يتصيد منها الحكم تصيدا لااطلاق فيها أيضا لانها وردت في مقام التفريع على الحكم وليست في مقام بيان اصله ليتمسك باطلاقها وما دل على وجوب تطهير المسجد الحرام أو النهي عن قرب المشركين منه لو تمت دلالته وصح التعدي عنه فلا يمكن التعدي إلا الى ما كان مسجدا عاما كالمسجد الحرام. (1) وذلك لأن ما هو متعلق التكليف غير مقدور فيسقط التكليف بالتعذر ولا دليل على وجوب الاعلام بعنوانه وقد يقرب وجوب الاعلام في المقام تارة بما في المستمسك من ان الواجب منذ البدء ليس هو خصوص الازالة بنحو المباشرة بل الاعم منها ومن التسبيب ولهذا جازت الاجارة


(1) من قبيل معتبرة أبي عبيدة الحذاء قال " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة... " الوسائل باب 8 من أبواب احكام المساجد حديث 1

[ 312 ]

لازالة النجس فما دام الاعلام المؤدي للازالة ممكنة فلا يكون التكليف الاولى ساقطا (1) ويرد عليه ان متعلق التكليف هو الازالة الصادرة من المكلف بالمباشرة أو التسبيب ولهذا تشمل الازالة بالاجارة لانها تسبيب بحيث يصدق معها ان المستأجر أزال النجاسة كما يصدق على المستأجر لبناء داره انه بنى داره واما مجرد الاعلام فلا يحقق نسبة الازالة الصادرة من الغير الى المعلم فلا يقال انه ازال النجاسة بذلك بل هو محاولة لا يجاد الداعي لدى الآخر فلا يكون مصداقا للواجب الاولى فيحتاج وجوبه الى دليل آخر. وقد يقرب وجوب الاعلام تارة اخرى بما عن السيد الاستاذ من ان المتفاهم عرفا من ادلة وجوب التطهير ان المقصود هو حصول النتيجة لا خصوصية الصدور من المكلف ولهذا يسقط الواجب بحصول الطهارة ولو بفعل صبي أو نزول مطر (2) وهذا المقدار لا اشكال فيه وانما الاشكال في ان الغرض له انحاء من الحفظ ولا يلزم ان تكون كل انحائه لزومية فلا محذور عقلا أو عرفا في ان تكون المراتب اللازمة من حفظ هذا الغرض لا تشمل مرتبة الاعلام ألا ترى ان هناك غرضا لزوميا في ان يصلي المكلف مع الطهارة من الحدث ولكن لا يجب على الآخر اعلامه ببطلان طهارته لو رآه يصلي بغسل أو وضوء باطل فالتفكيك بين مراتب الحفظ معقول ومحتمل فلا يحكم الا بما دل الدليل على وجوبه من تلك المراتب وليس الاعلام منها اللهم الا في حالة ترتب الهتك على بقاء النجاسة للعلم من الخارج حينئذ بان الشارع لا يرضى بحال بهتك تلك الشعائر ويوجب الحيلولة دون ذلك باي وجه ممكن.


(1) المستمسك الجزء الاول ص 514 - 515 من الطبعة الرابعة (2) التنقيح الجزء الثاني ص 367 - 370

[ 313 ]

(مسألة 20) المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس بل وجوب الازالة إذا كان تركها هتكا بل مطلقا على الاحوط لكن الاقوى عدم وجوبها مع عدمه ولا فرق فيها بين الضرائح وما عليها من الثياب وسائر مواضعها الا في التأكد وعدمه (1) (1) يمكن تقريب الحاق المشاهد الشرفة بالمساجد في حرمة التنجيس أو في كلا الحكمين بوجوه: الاول: ما ذكره السيد الاستاذ من ان المشاهد المشرفة مزارات موقوفة لاجل أن تكون كذلك سواء كان الموقوف عليه هو الامام المزور أو الزائرين ووصف الطهارة باعتباره من الاوصاف الملحوظة ارتكازا يستكشف ملاحظة الواقف لها في الوقف بحيث اوقف المشهد مزارا بما هو طاهر فلا بد من حفظ الوصف ويحرم التصرف في الوقف بازالة الوصف المذكور وبهذا تثبت حرمة التنجيس وان لم يثبت وجوب التطهير (1) ويرد عليه اولا: ان الوقفية في جملة من الموارد سابقة على صيرورة المكان مشهدا كما هو الحال في مشاهد الائمة الذين دفنوا في مقابر عامة كالكاظم والجواد (ع) فان الوقفية هنا سابقة على المشهدية والمزارية لا في طولها فكيف يعرف ملاحظة وصف الطهارة وهي حال وقف مقابر قريش الاكحال وقف سائر المقابر المعروفة فهل يلتزم بحرمة تنجيسها جميا. وثانيا: انا لا تحرز اصل صدور وقف من هذا القبيل فانه فرع ان يكون المشهد ملكا لشخص في زمان ثم يقفه مزارا ملاحظا وصف الطهارة بينما جملة من المشاهد والقبور حصلت في اراض موات أحييت بنفس الدفن كما هو المتعارف في حالات الدفن في ارض الموات وتكون الارض محياة


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 371

[ 314 ]

للدفن وبذلك تصبح ملكا للميت بما هو ميت لا للمحيى ولا تنتقل الى ورثة المحيى بعد وفاته فاين الدليل على وجود واقف ليجب التقيد بنظره الوقفي. وثالثا: انالو سلمنا الوقف المذكور فمجرد كون الطهارة وصفا مرغوبا فيه للمتشرعة لا يكفي دليلا على ملاحظة الواقف له عنوانا لوقفه بحيث كما يقف العرصة بما هي دار فيجب الحفاظ على عنوان الدار فيها كذلك يقف المشهد بما هو طاهر فان الرغبة في الوصف شئ واخذه قيدا مقوما للوقف شئ آخر خصوصا مع الجهل بحال الواقف وأعرافه. الثاني: ان المشاهد المشرفة مضافة الى الائمة تكوينا باعتبارها قبورا لهم وهم مضافون الى الله تعالى وبذلك ينطبق عليها عنوان شعار الله بلا حاجة الى جعل خاص كما هو الحال فيما ليس له تلك الاضافة التكوينية كالصفا والمروة وشعائر الله يجب تعظيمها ومن تعظيمها الحفاظ على طهارتها وفيه ان المدعى ان كان وجوب تمام مراتب التعظيم فالكبرى غير ثابتة بل بعض المراتب يعلم بعدم وجوبها وان كان المدعى وجوب بعض المراتب فهو صحيح الا ان اثبات كون التطهير والحفاظ على الطهارة من المراتب الواجبة يحتاج الى دليل. الثالث: وهو مركب من مقدمتين احداهما ان المستفاد من أدلة حرمة التنجيس ووجوب التطهير في المساجد ان هذا الحكم لاجل احترام المسجد ومكانته عند الله تعالى لا لمجرد كونه معدا للصلاة والاخرى ان السمتفاد من مجموع مادل على الحث على زيارة المشاهد المشرفة مما لم يرد مثله في عموم المساجد وعلى فضيلة الصلاة فيها مما يثبت انها افضل من الصلاة في جل المساجد حتى جاء في بعض الروايات ان الصلاة في بيت فاطمة افضل من الصلاة

[ 315 ]

(مسألة 21) تجب الازالة عن ورق المصحف الشريف (1) وخطه بل عن جلده وغلافه مع الهتك كما انه معه يحرم مس خطه أو ورقه بالعضو المتنجس وإن كان متطهرا من الحدث واما إذا كان احد هذه بقصد الاهانة فلا اشكال في حرمته في الروضة (1) التي هي اعظم المساجد بعد المسجد الحرام الى غير ذلك اقول ان المستفاد من مجموع ذلك كون المشاهد المشرفة لا تقل مكانة واحتراما عن المسجد الاعتيادي على اقل تقدير فإذا تمت هاتان المقدمتان ثبت جريان الحكم بحرمة التنجيس ووجوب التطهير الى المشاهد المشرفة هذا فيما إذا لم يلزم الهتك والا فلا اشكال في ثبوت الحكم لان صيانة المشهد الشريف من الهتك والاهانه داخلة في المراتب المتيقن وجوبها ممن مراتب تعظيم شعائر الله تعالى (1) اما مع الهتك فلا اشكال واما بدونه فقد يستدل على الوجوب مضافا إلى ما يشبه الوجهين الاخيرين في المسألة السابقة بوجوه اخرى: منها الفحوى العرفية لما دل على حرمة مس المحدث (2) على الرغم من عدم سريان الحزازة بمسه بخلاف مس النجس المرطوب وهذه الفحوى لو تمت لا قتضت حرمة تنجيس الخط فقط دون غيره فضلا عن وجوب التطهير


(1) من قبيل معتبرة يونس بن يعقوب قال " قلت لأبي عبد الله (ع) الصلاة في بيت فاطمة افضل أو في الروضة؟ قال: في بيت فاطمة " الوسائل باب 59 من أبواب احكام المساجد حديث 1 (2) من قبيل معتبرة أبي بصير قال " سألت أبا عبد الله (ع) عمن قرء في المصحف وهو على غير وضوء قال: لا بأس ولا يمس الكتاب " الوسائل باب 12 من أبواب الوضوء حديث 1

[ 316 ]

وهي تتوقف على أن يكون الحدث في نظر العرف مصداقا للقذارة والنجاسة غير ان مصبها ليس هو البدن بل الانسان بما هو وأما إذا كانت اعتبارا مستقلا فالتعدي منه الى اعتبار آخر متعذر خصوصا مع عدم عرفيه ذلك الاعتبار على نحو لا يكون للعرف طريق الى تمييز الاشد محذورا منهما. ومنها التمسك برواية محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (ع) قال " سألته أقرأ المحصف ثم يأخذني البول فأقوم فابول واستنجي واغسل يدى واعود إلى المصحف فاقرأ فيه قال لا حتى تتوضأ للصلاة " (1) بدعوى ان قول السائل " واغسل يدى واعود الى المصحف " دال على المفروغية عن لزوم تطهير اليد عند امساك المصحف الشريف بها وليس ذلك الا حفاظا على طهارته ويرد على ذلك ان كلام السائل هذا لا يدل على الفراغ عن وجوب ذلك وغاية ما يستفاد منه الايماء الى حسنه ورجحانه ومنها التمسك بقوله تعالى " لا يمسه الا المطهرون " (2) بدعوى شمول ذلك لغير المتطهر من الحدث أو من الخبث ولما كان عدم التطهر من الخبث يساوق نجاسة ذلك الموضع خاص لاتمام البدن فيستفاد بمناسبات الحكم والموضوع المنع من المس به خاصة ويرد على ذلك ان الطهارة هنا بمعنى الطهارة المعنوية سواء رجع الضمير المفعول الى القرآن أو الكتاب المكنون إذ على الاول يراد مس القرآن بما هو كلام الله تعالى لا بما هو نقوش وعلى الثاني يراد السجل الغيبي للقرآن الذي يعبر عنه بالكتاب المكنون لا هذه الاوراق الاعتيادية وعلى كلا التقديرين لا يكون المس ولا الطهارة بالمعنى المبحوث عنه هنا ومما يؤيد ذلك مجيئ العبارة بصيغة


(1) الوسائل باب 13 من أبواب القراءة القرآن حديث 1 (2) الواقعة (79)

[ 317 ]

المفعول لا الفاعل مع ان التطهر من الخبث والحدث فعل للانسان لا انه شئ يفعل به بخلاف الطهارة المعنوية من الادناس والعصمة من الخطأ وسياق الآية سياق الحديث مع الكفار الذين لا يؤمنون بالتشريع القرآن وهو ويناسب بيان الخصائص التكوينية للقرآن الكريم لا شرفه المنتزع من التشريعات المجعولة من قبله. ومنها الاستدلال بما ورد في تفسير الآية الكريمة وهو رواية ابراهيم ابن عبد الحميد عن ابي الحسن (ع) قال " المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه ان الله تعالى يقول بلا يمسه الا المطهرون " (1) والاستدلال بذلك اما بلحاظ النهي عن مس المصحف على غير طهر بتعميم الطهر لما يقابل الحدث والخبث واما بلحاظ استشهاده بالآية الكريمة الدال على ان الطهارة فيها بالمعنى الشرعي فيتم الاستدلال بالآية وهذا الاستدلال غير صحيح لضعف سند الرواية باعتبار وقوع طريق الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال في سندها (2) وعدم تمامية الدلالة إذ لو سلم كون الطهارة في الآية الكريمة بالمعنى الشرعي فظاهرها الطهارة الحدثية لانها اضيفت الى نفس الشخص وما يكون قائما بالشخص الحدث وما يقابله من الطهارة واما الخبث وما يقابله من الطهارة فهما قائمان بالموضوع الخاص ومنه يعرف ان قوله (على غيو طهر) ظاهر ايضا في


(1) الوسائل باب 12 من أبواب الوضوء حديث 3 (2) في سند هذه الرواية موقعان للضعف: الاول ان الشيخ رواها باسناده عن علي بن الحسن بن فضال وهو ضعيف بعلي بن محمد بن الزبير والثاني ان ابن فضال روها عن ابراهيم بن عبد الحميد بتوسط جعفر بن محمد بن حكيم وجعفر بن محمد بن ابي الصباح معا وهما لم تثبت وثاقتهما

[ 318 ]

(مسألة 22) يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس ولو كتب جهلا أو عمدا وجب محوه كما انه إذا تنجس خطه ولم يمكن تطهيره يجب محوه (مسألة 23) لا يجوز اعطاؤه بيد الكافر وان كان في يده يجب أخذه منه (2) عدم الطهارة الحدثية كما في الجنب والحائض. (1) حكم هذه المسألة يظهر مما تقدم فإذا بني مثلا على تمامية الاستدلال بالآية الكريمة امكن المصير الى التحريم المذكور بدعوى ان المفهوم منها عرفا ان النجاسة لا تلائم بوجه المصحف الشريف ومنه يعرف ان المحو ليس من باب التطهير ليقال ان هذا اعدام للموضوع وليس تطهيرا بل لأجل عدم الملائمة والمنافرة المستفادة من الآية الكريمة بين المصحف والنجاسة على تقدير تمامية الاستدلال بها وقد يتوهم ان صيانة المصحف من النجاسة لما كانت بملاك احترام المصحف فلا يتصور وجوبها في مورد يتطلب اعدام النجاسة فيه اعدام المصحف رأسا بمحوه كما في المقام ويندفع بان الملحوظ في الاحترام ليس شخص هذه النسخة بل كتاب الله في نفسه فان من احترامه ان لايجسد نقشه في شئ نجس. (2) إذا افرض كون وجوده بيد الكافر مستلزما للهتك والمهانة فلا اشكال في الحكم المذكور والا فلا يخلو من اشكال وغاية ما يمكن ان يقرب به ان مس الكافر لخطه المصحف حرام لكونه محدثا ومسه بالرطوبه لاي شئ منه حرام لكونه منجسا. فتسليم المصحف له والحالة هذه حرام اما لكونه إعانة على الاثم بناء على حرمتها في امثال المقام واما بناء على تمامية الاستدلال بالآية الكريمة " لا يمسه الا المطهرون " إذ يقال حينئذ بان

[ 319 ]

هذا منع لوقوع المس من غير المتطهر ولا يختص المنع بغير المتطهر فكل فرد مكلف بان لا يقع مس للمصحف من غير المتطهر فتدبر جيدا وبهذا يظهران وجوب اخذ المصحف من الكافر حينئذ ليس بلحاظ ان الكافر يحرم عليه المس فيؤخذ منه من باب نهيه عن المنكر ليقال بان ذلك خلاف اقرار الكافر الذمي على وضعه كما عن السيد الاستاذ (1) بل باعتباره امتثال لنفس التكليف الاول المتوجه إلى المكلف وهو بان يكون المصحف الشريف مصانا من مس غير المتطهر ثم ان هذا كله في حكم مجرد اعطاء المصحف بيد الكافر من دون فرض عناية تسليطه عليه لأن مجرد اعطائه له قد يكون لا يصاله الى مكان مثلا وأما التسليط فهو حيثية اخرى قد يقع الكلام في جوازها وحرمتها بقطع النظر عن حرمة التنجيس وحرمة مس الكافر للمصحف إذ قد يستفاد من دليل عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر (2) عدم جواز بيع المصحف منه وبالتالي عدم جواز تسليطه عليه ولو بغير بيع وقد اشار إلى بعض هذه الاستفادة جملة من الفقهاء في ذيل بحث بيع العبد المسلم من الكافروا شرنا في محله الى عدم تمامية الاستفادة المذكورة.


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 376 - 377 (2) من قبيل مفهوم الموافقة لرواية حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (ع) " ان امير المؤمنين (ع) اتى بعبد ذمي قد اسلم فقال اذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا ثمنه الى صاحبه ولا تقروه عنده " الوسائل باب 28 من أبواب عقد البيع حديث 1

[ 320 ]

(مسألة 24) يحرم وضع القرآن على العين النجسة كما انه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه وان كانت يابسة (1) (مسألة 25) يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية (2) بل عن تربة الرسول وسائر الائمة صلوات الله عليهم المأخوذة من قبورهم ويحرم تنجيسها ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك والاستشفاء وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لاجل الصلاة (1) اثبات حرمة ذلك في فرض عدم الهتك والاهانة مع انه لا سراية بحسب الفرض لعدم الرطوبة يمكن ان يقرب بوجهين: أحدهما ان يكون مدرك مدرك حرمة التنجيس ما يدل على حرمة مس المحدث للكتاب الكريم الدال بالفحوى على حرمة تنجيسه فيدعى انه يدل بالفحوى ايضا على حرمة امساس عين القذارة له لانه اشد عرفا من مس المحدث والآخر أن يكون المدرك الآية الكريمة (لا يمسه الا المطهرون) بناء على استفادة اشتراط الطهارة الخبثية في مس الكتاب فانه إذا ثبت بها حرمة مس الانسان بيده المتنجسة مثلا للكتاب ولو كانت جافة كما هو مقتضى الاطلاق يثبت ايضا حرمة امساس عين النجس له بعد الغاء خصوصية المس وكون الماس إنسانا. (2) وذلك فيما إذا ستلزم الهتك والاهانة واضح واما في غير هذه الحالة فقد يقرب الحكم تارة بانه لما كان حكما احتراميا وقد فهم من أدلة فضيلة التربة الحسينية وكون السجود عليه افضل من السجود على نفس

[ 321 ]

(مسألة 26) إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعة وجب اخراجه ولو باجرة (1) وان لم يمكن فالاحوط والاولى سد بابه وترك التخلي الى ان يضمحل (2) (مسألة 27) تنجيس مصحف الغير موجب لضمان ارض المسجد وما حباها الله تعالى به من خصائص (1) انها لا تقتل احتراما عن المسجد فيشملها حكمه ويقرب اخرى باستصحاب الحكم فيما إذا كان ماخوذا من الغير الشريف إذ كان الحكم ثابتا عليه قبل اخذه من القبر فيستصحب إذا لم يدع تغير الموضوع عرفا. (1) وذلك لان في عدم في عدم الاخراج في هذه الحالة اهانة وهتك لحرمة تلك الورقة الشريفة فيجب الاخراج ولو توقف على خسارة المال ولا يرتفع مثل هذا الوجوب بلا ضرر إذا استتبع ضررا ماليا للعلم بعدم رفع الشارع يده عن حرمة هذه المقدسات بالضرر المالي ما لم يبلغ الى درجة الحرج. (2) غير ان ذلك ليس بواجب عنده - قدس سره - لان وجوب سد الباب ان كان بلحاظ محذور التنجيس فمن الواضح انه لاتنجيس جديد وان كان بلحاظ محذور الاهانة والهتك فهو غير معلوم لأن سد الباب مادام لا يؤثر في تقليل النجاسة الواقعة وما دام اخراج الورقة غير متيسر فلا يعلم ان مجرد استعمال تلك البالوعة يكون هتكا والشك وعدم العلم يكفي ايضا لاجراء البراءة لان الشبهة موضوعية.


(1) راجع الوسائل باب 16 من أبواب ما يسجد عليه وغيرها.

[ 322 ]

نقصه الحاصل بتطهيره (1) (1) تارة يتكلم عن ضمان المنجس لصاحب المصحف واخرى عن ضمانه للمطهر بقطع النظر عن حيثية الضمان الاول بان تفترض مثلا ان المصحف ليس له مالك ونجسه شخص فطهره آخر وبذل مؤونة مالية في التطهير فان الكلام في مثل ذلك ينحصر في الضمان للمطهر ما خسره بسبب عملية التطهير فهنا مقامان: اما المقام الاول وهو الضمان لصاحب المصحف فلا اشكال (على العموم - في ان الأوصاف مضمونة كالاعيان إذا كانت لها مالية وكونها ذات مالية يتقوم اولا بان تكون موردا للغرض النوعي وثانيا بان تكون إعادة الوصف بعد زواله موجبة لمؤونة وخسارة اما بلحاظ كلفة نفس عملية الاعادة أو بلحاظ طرو نقص آخر على العين بهذه الاعادة أو بلحاظ كلا الامرين واما إذا لم تكن الاعادة ذات مؤونة اصلا فهذا يعنى انه لا مالية للوصف الفائت وان كان موردا للغرض النوعي بمعنى ان العين لا تقل قيمتها بفواته لسهولة استرجاعه بلا مؤونة كما هو واضح وعليه ففي المقام لا اشكال في ان الطهارة وصف مرغوب نوعيا في المصحف الشريف فان فرض تطهير المصحف بعد تنجسه ليس فيه مؤونة لامن ناحية كلفة نفس التطهير ولا من ناحية استتباعه لنقص آخر فلا مالية لوصف الطهارة في هذه الحالة ولا ضمان واما إذا فرض ان التطهير كان ذا مؤونة فيكون وصف الطهارة مضمونا على المنجس بالتفوبت ويقع الكلام حينئذ في مقدار المالية أو القيمة المضمونة بعد الفراغ عن الاوصاف مضمونة في مثال المقام قيميا لا مثليا بمعنى ان ما تشتغل به ذمة الضامن هو مقدار النقص الحاصل في قيمة العين بسبب زوال الوصف المضمون لا انه مشغول الذمة باعادة نفس الوصف الى العين

[ 323 ]

مع الامكان ومع التعذر ينتقل الى قيمة هذه الاعادة. والكلام في تقدير القيمة المضمونة تارة يقع بناء على عدم القول بوجوب التطهير والاقتصار على الالتزام بحرمة التنجيس واخرى بناء على الالتزام بوجوب التطهير: اما على القول بعدم وجوب التطهير فقد عرفت ان ضمان الوصف قيميا معناه ضمان قيمة الوصف وحيث ان الوصف ليست له قيمة مستقلة فمرجع ذلك الى ضمان ماخسرته العين من قيمة نتيجة لفقدان الوصف لأن الأوصاف حيثيات تعليلية لزيادة قيمة العين وعليه فيكون المتلف لوصف الطهارة في المصحف الشريف ضامنا للتفاوت السوقي بين قيمة المصحف النجس وقيمة المصحف الطاهر وهذا التفاوت يحدد في السوق قهرا باقل النقصين واقصد بهما نقص بقاء المصحف نجسا ونقص مؤونة التطهير التي تشتمل على نفقة نفس عملية التطهير أو على ما تسببه من نقص آخر في المصحف كزوال الصفرة الذهبية مثلا أو على كلا الأمرين فانه لا وجه لأن يتنزل السعر السوقى النوعي للسلعة باكثر من أقل الضررين والنقصين فيما إذا كان الأمر مرددا بينهما ولم يكن احدهما متعينا كما لو تعين نقص زوال وصف الطهارة لعدم امكان التطهير مثلا فان ذلك يعني ان النقص الوارد انما هو بمقدار الجامع بين الضررين الاقل والاكثر فيتعين في الاقل لا محالة فلو كانت مؤونة التطهير أو خسارة وصف الصفرة الحاصلة به أو مجموعهما اقل من خسارة وصف الطهارة تعين الضمان بمقدارها لا محالة لأن العين تتنزل قيمتها السوقية في تلك الحالة بمقدار ذلك لا اكثر فمثلا إذا كانت قيمة المصحف الطاهر دينارا وقيمة المصحف المتنجس الذي لا يمكن تطهيره نصف دينار وكانت كلفة تطهير المصحف الذي يمكن تطهيره ربع دينار مع اخذ مؤونة نفس التطهير وما يخلفه من نقص في اللون والخصوصيات

[ 324 ]

وفرضنا ان شخصا نجس المصحف الشريف مع امكان التطهير ففي هذه الحالة سوف تنقص قيمته عن الدينار ويكون النقص بقدر ربع دينار لا اكثر نعم قد يفرض ان عملية التطهير بما تستتبع من مقدمات وتجفيف ونحو ذلك تتطلب زمانا فهذا نقص آخر تتضمنه مؤونة التطهير ومن اجله قد يكون نقصان القيمة في الحالة المذكورة ازيد من اجرة نفس التطهير وقيمة الصفرة الزائلة بالتطهير وهذه الزياد تمثل ذلك النقص الذي يدخل في مؤونة التطهير. وقد يفرض مثال على العكس كما إذا فرضنا ان قيمة المصحف المتنجس الذي لا يمكن تطهيره ثلاثة ارباع الدينار وان مؤونة التطهير بما فيها النقص الطارئ على العين بسببه كانت نصف دينار ففي هذه الحالة إذا نجس شخص المصحف الشريف ضمن بمقدار ربع دينار لانه هو الذي يمثل نقص بقاء المصحف نجسا بحسب الفرض وهو اقل النقصين الذين يدور الامر بينها بسبب فعل المنجس فلا موجب لتضمينه ازيد من ذلك نعم لو قيل بان الوصف مضمون ضمانا مثليا لرجع الضمان المثلي للوصف الى شغل الذمة باعادة الوصف الى العين على نحو تعود العين كما كانت إذ لا معنى لضمان المثل في باب الاوصاف - لو تعقلناه - الا ذلك وينتقل مع التعذر الى قيمة إعادة العين كذلك. فيكون المنجس في هذا المثال مشغول الذمة بما تساوى ماليته نصف دينار ولكن الصحيح ان ضمان الأوصاف قيمى لا مثلي بل الالتزام بمثليته على خلاف الارتكاز العقلائي من جهات شتى إذ قد يتفق مثلا ان تكون كلفة الاعادة اكبر من قيمة العين رأسا. وأما على القول بوجوب تطهير المصحف فيرد كل ما تقدم باضافة

[ 325 ]

مطلب آخر وهو ان تحديد اقل النقصين يتدخل فيه في المقام الوجوب الشرعي في سوق المتشرعة لأنه لا يمكن ابقاء المصحف نجسا بل لابد من تطهيره بنجو يفقد صفرته الذهبية مثلا وهذا يعني ان الصفرة الذهبية واجبة الاعدام ففي حالة عدم وجوب التطهير كنا نقارن بين بقاء المصحف فاقدا للطهارة وواجدا للصفرة الذهبية وبين استرجاعه للطهارة مع فقده للصفرة الذهبية وكانت قيمة للصفرة الذهبية تخفف من النقص الاول ولكن في حالة البناء على وجوب التطهير تقل قيمة هذه الصفرة لأنها صفرة واجبة الاعدام شرعا كما هو واضح. ثم ان ضمان هذا النقص اعني نقص زوال الصفرة الذهبية على تقدير القول بوجوب التطهير يثبت حتى لو فرض عدم المالية لوصف الطهارة وعدم المؤونة في نفس عملية التطهير لان التنجيس يؤدي الى كون الصفرة واجبة الاعدام فهو بمثابة اتلاف مباشر لها بمرتبة من المراتب فيضمن بمقدار الفارق بين قيمة مصحف ذهبي قابل لابقاء لونه شرعا وقيمة مصحف ذهبي يجب ازالة صفرته الذهبية شرعا. وايضا كنا نفترض بناء على عدم وجوب التطهير ان المضمون بالتنجيس قد يكون اقل قيمة من كلفة عملية التطهير بان يفرض ان المصحف بالتنجس يباع بثلاث ارباع قيمته الاعتيادية واما نفقات تطهيره فتساوى نصف قيمته الاعتيادية فالمضمون ربع القيمة لانصفها الا ان الحساب قد يتغير في سوق المتشرعة المبني على وجوب التطهير لأن شراء المصحف المتنجس حينئذ يتيح للمشتري ان يطهره فيتنجز عليه وجوب التطهير المستدعى لبذل ما يساوى نصف قيمته الاعتيادية بحسب الفرض وهذا يوجب عدم الاقدام نوعا من المتشرعة بشرائه باكثر من النصف فقد يتصور

[ 326 ]

(مسألة 28) وجوب تطهير المصحف كفائي لا يختص بمن نجسه ولو استلزم صرف المال وجب ولا يضمنه من نجسه إذا لم يكن لغيره وان صار هو للسبب للتكليف بصرف المال وكذا لو القاه في البالوعة فان مؤونة الاخراج الواجب على كل احد ليس عليه لان الضرر انما جاء من قبل التكليف الشرعي ويحتمل ضمان المسبب - كما قيل - بل قيل باختصاص الوجوب به ويجبره الحاكم عليه لو امتنع أو يستأجر آخر ولكن ياخذ الاجرة منه (1) حينئذ أن تكون القيمة المضمونة على المنجس اقل من كلفة عملية التطهير بمقدار معتد به. هذا كله في المقام الاول واما المقام الثاني فيأتي الكلام عنه ان شاء الله تعالى في المسألة التالية: (1) في هذه المسألة فروع: الاول: في اختصاص وجوب التطهير بالمنجس وعدمه وقد تقدم نظير ذلك بالنسبة الى المنجس للمسجد وقلنا انه بلحاظ دليل وجوب التطهير لا اختصاص لأن نسبته الى الجميع على نحو واحد ولكن قد يتميز المنجس بلحاظ خطاب حرمة التنجيس كما أو ضحنا هناك وذلك لأن الوجود البقائي للنجاسة كالوجود الحدوثي يحمل على المنجس ويكون مسؤولا عنه باعتبار استناده إليه فلاحظ. الثاني: في وجوب صرف المال لو تطلب تطهير المصحف ذلك وقد تقدم نظيره في احكام تطهير المسجد والكلام متقارب.

[ 327 ]

الثالث: انه إذا قيل بوجوب صرف المال للتطهير فطهر المصحف غير المنجس وبذل المال فهل يضمن له المنجس ما بذل من مال بلحاظ كونه هو المسبب لذلك والمعروف عند السيد الماتن والمعلقين على المتن عدم الضمان بمثل هذا التسبيب. وقد افيد في تقريب ذلك ان الضمان له ملا كان احدهما اليد والآخر الاتلاف والضمان بالتسبيب انما يثبت إذا ادى التسبيب الى صدق إسناد الاتلاف الى المسبب وهذا إنما يكون فيما إذا لم يتوسط بين التسبيب وتلف المال ارادة الفاعل المختار اما بان لا تكون هناك ارادة في الوسط اصلا كمن يحفر حفيرة فيعثر بها الآخر فيقع أو ان تكون هناك ارادة متوسطة ولكنها بحكم العدم كارادة الدابة المرسلة لاتلاف الزرع أو الصبي المرسل لاتلاف المال وأما مع توسط ارادة الفاعل المختار فلا يستند الاتلاف الى المسبب فلا موجب لضمانه. والتحقيق: ان موجب ضمان المال لا ينحصر باحد الامرين من إليه والاتلاف بل التسبيب بعنوانه ولو في الجملة ملاك ثالث للضمان وذلك ما يستفاد من مما دل على الضمان بالتسبيب في موارد تتوسط فيها ارادة الفاعل المختار بين التسبيب وتلف المال خارجا من قبيل معتبرة أبي بصير وغيره (1) عن أبي عبد الله (ع) " في امرأة شهد عندها شاهدان بان زوجها مات فتزوجت ثم جاء زوجها الاول، قال: لهما المهر بما استحل من


(1) كمعتبرة ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي عبد الله (ع) في شاهدين شهدا على امرأة بان زوجها طلقها فتزوجت ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق قال: يضربان الحد ويضمنان الصداق للزوج... " الوسائل باب 13 من أبواب الشهادات حديث 1.

[ 328 ]

فرجها ويضرب الشاهدان ويضمنان المهر لها " بما غرا الرجل " (1) فان بين تسبيب الشاهدين وتلف المهر على الزوج توسطت ارادة الفاعل المختار ومن قبيل معتبرة جميل عن أبي عبد الله (ع) " في شاهد الزور قال ان كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه وان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل " (2) فقد حكم هنا بضمان الشاهد واسند الاتلاف إليه مع انه يتوسط بين الشهادة وتلف المال ارادة فاعل مختار وهو القاضي الذى حكم على طبق الشهادة غير ان القاضي مغرر به كما ان الزوج هناك كان مغررا به وقوله في الرواية الاولى (بما غرا) ظاهر عرفا في التعليل بنحو يتعدى عن مورده كما ان قوله " بقدر ما أتلف من مال الرجل " لا يبعد أن يكون في قوة التعليل ومرجعه حينئذ الى انه يضمن لانه أتلف ويراد بالاتلاف هذا النحو من الاستناد الذي لا يضر به توسط ارادة الفاعل المختار فيتعدى عن مورده أيضا وعلى اي حال يستفاد من هذه الروايات وغيرها ملاك ثالث للضمان وهو التسبيب ولكنه يختص بالتسبيب بالتغرير لانه مورد تلك الروايات فكأن ارادة الفاعل المختار المتوسطة في البين لما كانت مغررا بها فهي بحكم العدم فغاية ما تقتضيه تلك الروايات تعميم الضمان بالتسبيب لموارد توسط الارادة المغرر بها واما موارد توسط ارادة غير مغرر بها غير انها ملزم بها بأمر شرعي كارادة التطهير في المقام فالتعدي إليها مشكل ومتوقف اما على دعوى صدق اسناد الاتلاف عرفا الى المسبب بعد تنزيل الادارة المقهورة تشريعا منزلة الارادة الواقعة تحت الجبر حقيقة أو على التعدي من التغرير الى مثل ذلك بان يقال ان عنوان


(1) الوسائل باب 13 من أبواب الشهادات حديث 2 (2) الوسائل باب 11 من ابواب الشهادات حديث 2.

[ 329 ]

الاتلاف وان لم يسند عرفا الى المسبب مع توسط ارادة الفاعل المختار ولكن اسناده إلى المسبب في موارد التغرير مع توسط ارادة الفاعل المختار كما في الروايات يكشف عن توسعة في دائرة الاتلاف الموجب للضمان. وقد يورد على الالتزام بالضمان بالتسبيب مع توسط ارادة الفاعل المختار الملزم بها تشريعا ببعض النقوض كما اشرنا الى ذلك سابقا مع كيفية التخلص منها. أو على الالتزام بان التسبيب في حالات توسط الارادة المقهورة تشريعا يوجب بعنوانه الضمان بالسيرة العقلائية وان لم يفرض صدق عنوان الاتلاف وكما ثبت ضمان اليد بالسيرة كذلك يثبت ضمان التسبيب في مثل هذه الحالات بها فان مطالبة المسبب بتدارك الخسارة فيها عرفية ومطابقة للمرتكزات العقلائية فالظاهر هو الضمان. ثم ان السيد الماتن - قدس سره - قال (ولا يضمنه من نجسه إذا لم يكن لغيره) وكان ظاهره التفصيل بين أن يكون المصحف للمنجس أو لغيره فعلى الاول لا يضمن للمطهر اجرة التطهير وكذلك إذا كان من المباحات وعلى الثاني يضمن الاجرة المذكورة وقد استشكل في ذلك بان التسبيب في الحالتين على نحو واحد فأي موجب للتفصيل وحمل السيد الاستاذ عبارة الماتن على ان المقصود نفي طبيعي الضمان منوطا بما إذا لم يكن المصحف للغير إذ مع كونه للغير يكون المنجس ضامنا للنقص الحاصل بالتنجيس لا لكلفة التطهير فالتفصيل انما هو بلحاظ طبيعي الضمان لا بلحاظ ضمان كلفة التطهير خاصة المنفي على اي حال (1) وهذا تأويل على خلاف ظاهر العبارة لان ظاهر الضمير في قوله


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 385.

[ 330 ]

(ولا يضمنه) رجوعه الى صرف المال من اجل التطهير فيكون التفصيل بهذا اللحاظ لا بلحاظ ضمان آخر غير منظور إليه في العبارة ويمكن توجيهه بان المصحف إذا كان للغير فالمنجس يضمن النقص الحاصل بالتنجيس كما هو معلوم وقد عرفت سابقا ان قيمة هذا النقص في سوق المتشرعة بناء على وجوب التطهير لا تقل عن مؤونة التطهير وان كانت قد تقل عنها لو لم نقل بوجوب التطهير وهذا يعني ان المنجس يضمن لمالك المصحف مؤونة التطهير فان قام المالك بالتطهير رجع على المنجس بالمؤنة وان قام به شخص آخر لا بعنوان الوفاء عن المنجس فالضمان على حاله وللمالك مطالبة المنجس بقيمة الوصف الفائت التي لا تقل عن كلفة التطهير وان قام به شخص آخر بعنوان الوفاء عن المنجس مع قبول المالك بمثل هذا الوفاء فلا يبقى حق للمالك في الرجوع على المنجس واما من قام بالوفاء عن المنجس فان كان متبرعا فلا حق له في الرجوع عليه وان كان بأمره وإذنه رجع عليه. هذا كله إذا كانت عبارة الماتن كما ذكرناه اما إذا كانت عبارته " ولا يضمنه من نجسه إذا كان لغيره " فهي تعني ان المنجس لا يضمن للمطهر أجرة التطهير إذا كان المصحف لغيره ويضمنها إذا كان المصحف له وعدم الضمان في الاول مبني على أن التسبيب لا يوجب الضمان والضمان في الثاني مبني على الاستيفاء لأن المنجس هو صاحب المصحف وقد استوفى منفعة عمل المطهر إذ حصل على طهارة مصحفه فيضمن قيمة ما استوفاه من منفعة الآخر بينما لا استيفاء كذلك في فرض كون المصحف للغير ولكن الاستيفاء انما يوجب الضمان فيما إذا كان باستدعاء من المستوفى ولم يفرض في المقام استدعاء من المالك للتطهير نعم هناك استدعاء من قبل الشارع ومن هنا قد يتوهم كونه بمثابة الاستدعاء من قبله لانه استدعاء

[ 331 ]

(مسألة 29) إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه اشكال إلا إذا كان تركه هتكا ولم يمكن الاستئذان منه فانه حينئذ لا يبعد وجوبه (1) من وليه فيوجب الضمان عليه ولكن يرد عليه انه استدعاء من الشارع بوصفه شارعا لا بما هو ولي للمالك. وقد يحتمل أن تكون العبارة في المتن كما اشرنا إليه اخيرا مع كون الضمير في كان راجعا الى المال لا المصحف وحينئذ لا غموض في المعنى أصلا. (1) إذا كان بالامكان الاستئذان وتحصيل الاذن أو دفع المالك الى التصدى للتطهير فلا اشكال في عدم جواز مباشرة الغير للتطهير بدون استئذان إذ لا موجب لارتفاع حرمة التصرف في مال الغير في المقام بعد فرض امكان التوفيق بينها وبين وجوب التطهير فيكون متعلق الوجوب هو الحصة المأذون فيها من التطهير ومع صدور الاذن ووقوع التطهير على طبقه فهل يضمن المطهر النقص الذي قد يحصل بسبب التطهير؟ قد يدعى الضمان في المقام باعتبار الاتلاف المستتبع للضمان والاذن في الاتلاف اعم من الاذن في الاتلاف على وجه المجانية إذ يتصور الاذن في الاتلاف على وجه الضمان والصحيح أن يقال ان هذا المطهر تارة يسبب الى نقص اتفاقى واخرى يكون النقص ملازما للتطهير حتى لو مارسه المالك نفسه ففي الحالة الاولى يضمن هذا النقص الاتفاقي وفي الحالة الثانية لا يضمنه لانه سنخ نقص يجب على المالك ايجاده في ماله لو لم يفعله غيره وكل نقص أو اتلاف من هذا القبيل لا اطلاق في دليل قاعدة الضمان بالاتلاف عقلائيا وروائيا له.

[ 332 ]

وأما إذا تعذر الاستئذان وتحصيل الاذن فتارة يفرض عدم ترتب الهتك والمهانة على ترك التطهير واخرى يفرض ترتب ذلك على الترك. فعلى الاول يقع التنافي بين دليل وجوب التطهير ودليل حرمة التصرف في مال الغير وقد قيل ان هذا التنافي يدخل في باب التزاحم ويقدم الحكم بحرمة التصرف في مال الغير لا حتمال اهميته ولكن إذا فرض ان متعلق الوجوب نفس التطهير بما هو فعل المكلف لا الاثر الحاصل منه فالمقام يدخل في باب التعارض فدخوله في مسألة اجتماع الامر والنهي لان التطهير والتصرف في مال الغير ينطبقان على شئ واحد فلا بد من تطبيق قواعد باب التعارض اللهم الا أن يدعى كون ملاك كل من الحكمين محرزا في مادة الاجتماع فيدخل في التزاحم الملاكي وفي التزاحم الملاكي يقدم معلوم الاهمية ولا يكفي احتمال الاهمية للتقديم كما حققناه في محله من الاصول. هذا كله إذا سلمنا بوجود اطلاق في دليل وجوب التطهير على فرض وجوده وأما إذا لم نسلم باطلاقه لان مهم مايفترض دليلا عليه هو الارتكاز أو الاشتهار والمتيقن منه غير هذه الحالة فلا اشكال حينئذ في الاخذ باطلاق دليل الحرمة. وأما على الثاني فحيث ان بقاء النجاسة يساوق هتك المصحف الشريف واهانته يقع التزاحم بين حرمة التصرف في مال الغير ووجوب صيانة المصحف من الهتك والاهانة المتوقفة على التصرف المذكور ويقدم هذا الوجوب للعلم باهميته هذا فيما إذا لم يكن امتناع المالك عن الاذن بداعي اهانة المصحف الشريف وعداوة له والا كان ممن ينصب العداء للقرآن الكريم وهو كالناصب لاهل البيت لا حرمة لماله. وليعلم انه في كل حالة حكمنا فيها بعدم وجوب التطير تقديما لحرمة

[ 333 ]

(مسألة 30) يجب ازالة النجاسة عن المأكول وعن ظروف الاكل والشرب إذا استلزم استعمالها تنجس المأكول والمشروب (1) التصرف في مال الغير يجب امر المالك بالتطهير من باب الامر بالمعروف وبمراتبه وحسب قواعده كما انه في كل حالة حكمنا فيها بوجوب تطهير مصحف الغير على خلاف إذنه تقديما لحرمة المصحف الشريف يثبت الضمان للنقص الحاصل بالتطهير تمسكا بقاعدة الضمان بالاتلاف اللهم الا ان يقال ان هذه القاعدة متصيدة ولا اطلاق في دليلها العقلائي أو موارد تصيدها من الروايات لمورد كان يجب فيه على المالك ان يباشر نفس العمل أو يأذن فيه وعليه فيحكم بعدم الضمان لامن اجل مزاحمته مع حرمة هتك المصحف حتى يقال لنا يزاحم حرمة الهتك انما هو الحكم التكليفي بحرمة التصرف في مال الغير لا الحكم الوضعي بالضمان بل من اجل عدم شمول دليل الضمان بالاتلاف لمحل الكلام لأنه اتلاف يجب على المالك ان يمارسه لو لم يؤده غيره. (1) وذلك لحرمة اكل النجس وشربه المستدعية لوجوب ازالة النجاسة عن المذكورات بنحو الوجوب الشرطي ومدرك هذه الحرمة عدة طوائف من الروايات من قبيل ما ورد في القدر تقع فيه الفارة (1) وما ورد في الماء تقع فيه النجاسة (2) وما ورد في السمن والزيت والعسل


(1) كما في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (ع) " ان عليا " ع " سئل عن قدر طبخت وإذا في القدرة فارة قال: يهرق مرقها.. " الوسائل باب 5 من أبواب الماء المضاف حديث 3 (3) كما في معتبرة أبي بصير عنهم (ع) قال " إذا ادخلت يدك

[ 334 ]

(مسألة 31) الاحوط ترك الانتفاع بالاعيان النجسة خصوصا الميتة بل والمتنجسة إذا لم تقبل التطيهر الا ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات وغيرها للتسميد والاستصباح يموت فيه الجرذ (1) إذ أمر باهراق المرق واراقة الماء وتخصيص الزيت للاستصباح وغير ذلك. وما اشرنا إليه من روايات وان كان يختص بما كان متنجسا بعين النجس أو المائع المتنجس ولكن يوجد في الروايات ما يدل على حرمة اكل المتنجس بالمتنجس الجامد ايضا من قبيل روايات النهي عن الاكل في أواني الخمر والميتة والكفار (2) فان الانية متنجسة والطعام يتنجس بها فيرحم وهكذا يستفاد بلحاظ مجموع الروايات ان الضابط في الحرمة طبيعي الانفعال والسراية.


في الاناء قبل ان تغسلها فلا باس الا ان يكون اصابها قذر بول أو جنابة فان ادخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق ذلك الماء " الوسائل باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 4 (1) كما في معتبرة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) قال " قلت: جزذ مات في زيت أو سمن أو عسل فقال: اما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله والزيت يستصبح به " الوسائل باب 6 من ابواب ما يكتسب به حديث. 1 (2) كمعتبرة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) " سألته عن أنيه أهل الكتاب فقال: لا تأكل في انيتهم إذا كانوا ياكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير " الوسائل باب 54 من أبواب الاطعمة المحرمة حديث 6.

[ 335 ]

بالدهن المتنجس لكن الاقوى جواز الانتفاع بالجميع حتى الميتة مطلقا في غير ما يشترط فيه الطهارة نعم لا يجوز بيعها للاستعمال المحرم وفي بعضها لا يجوز بيعه مطلقا كالميتة العذرات (1) (1) تنحل هذه المسألة الى ثلاث نقاط: النقطة الاولى في حرمة الانتفاع بالعين النجسة وما دل على ذلك بعنوانه رواية تحف العقول (1) الساقطة سندا (2) نعم قد يدعى ورود الدليل على ذلك في بعض النجاسات بخصوصها وذلك في المسكر والميتة أما المسكر فما قد يكون دليلا على ذلك فيه مناطه الاسكار لا النجاسة فلو تمت الدلالة تثبت حرمة الانتفاع بالمسكر ولو قيل بطهارته وما يمكن أن يستند إليه في حرمة مطلق الانتفاعات بالمسكر وجوه: الاول روايات تحريم الاكتحال بالخمر كرواية هرون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (ع) " في رجل اشتكي عينيه فنعت له بكحل يعجن بالخمر فقال هو خبيث بمنزلة الميتة فان كان مضطرا فليكتحل به " (3) فاتها


(1) حيث جاء فيها ".. أو البيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش والطير أو جلودها أو الخمر أو شى من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لأن ذلك كله منهي عن اكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام " الوسائل باب 2 من ابواب ما يكتسب به حديث 1 (2) باعتبار الارسال. (3) الوسائل باب 21 من ابواب الاشربة المحرمة حديث 5.

[ 336 ]

تدل على أن الحرمة لا تختص بالشرب لشمولها للاكتحال ولكن الاكتحال لما لم يكن اجنبيا عن الشرب بالمرة لانه نحو استدخال للمسكر إلى الباطن فتحريمه لا يستلزم تحريم مطلق الانتفاع حتى تدهين الاخشاب به مثلا لان احتمال الفرق موجود. الثاني: مادل على حرمة انتاج المسكر وصنعه (1) فانه دال عرفا على حرمة الانتفاع به إذ لو كانت له منافع محلله لما حرم صنعه بلحاظها. الثالث: مادل على الأمر باراقة المسكر وان النبي (ص) كان يأمر باراقته (2) فانه يدل على سقوط عن قابلية الانتفاع من سائر الوجوه وكلا هذين الوجهين مخدوش فيهما لأن الأمر بالاراقة أو النهي عن صنع الخمر انما يدل على سقوط الانتفاعات بالشئ فيما إذا لم تكن هناك مفسدة معينة فيه تغرى الناس على الاقدام عليها وممارستها وأما في هذه الحالة فقد يكون الأمر بالاراقة وتحريم الصنع تحفظا من تلك المفسدة وهي مفسدة الشرب في المقام. الرابع: مادل على تحريم تمام مراتب ومقدمات اعداد الخمر واستعماله كما في رواية جابر عن أبي جعفر (ع) قال " لعن رسول الله (ص) في


(1) من قبيل معتبرة زيد بن علي عن آبائه (ع) قال " لعن رسول الله (ص) الخمر وعاصرها ومعتصرها.. " الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 3 (2) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) "... ان رجلا من ثقيف اهدى الى رسول الله (ص) راويتين من خمر فامر بهما رسول الله (ص) فاهريقتا.. " الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 1.

[ 337 ]

الخمر عشرة غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآجل ثمنها " (1) فان اطلاق لعن الحامل والمحمول إليه يدل على حرمة مطلق الانتفاع والا فلماذا يحرم الحمل لاجل المنفعة المحللة وفيه ان الظاهر من الرواية والعناوين المأخوذة فيها ان النظر الى تلك العناوين بوصفها استطراقا الى الشرب لافي نفسها ولو لم تكن في طريق منفعة الشرب المحرمة ويشهد لذلك عنوان (غارسها) فان الخمر لا تغرس وانما يغرس العنب وهو ليس بمحرم قطعا إذا لم يكن من أجل الشرب فلا بد أن يكون النظر في الرواية الى تحريم الانتفاعات الاستطراقية الى الشرب وهكذا يظهر عدم الدليل على حرمة تدهين الاخشاب بالمسكر مثلا ونحو ذلك من الانتفاعات. وأما حرمة الانتفاع بالميتة فقد وردت فيها روايات عديدة تدل بظاهرها على ذلك من قبيل رواية علي بن أبي مغيرة قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ فقال لا.. " (2) ومثل معتبرة سماعة قال: " سألته عن جلود السباع ينتفع بها قال إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأما الميتة فلا " (3) وغيرها وفي مقابل ذلك ما يدل على الجواز كمعتبرة سماعة قال: " سألته عن جلد الميتة المملوح وهو الكيمخت فرخص فيه وقال: ان لم تمسه فهو افضل " (4) ومقتضى الجمع العرفي حمل المنع على الكراهة.


(1) الوسائل باب 55 ما يكتسب به حديث 4. (2) الوسائل باب 61 من أبواب النجاسات حديث 2. (3) الوسائل باب 49 من أبواب النجاسات حديث 2. (4) الوسائل باب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة حديث 8.

[ 338 ]

النقطة الثانية في سقوط العين النجسة عن المالية الذي يترتب عليه عدم الضمان بالاتلاف وعدم جواز البيع بناء على اشتراط المالية فيه وهذا السقوط تارة يدعى بلحاظ دليل تحريم تمام المنافع باعتباران المالية تنتزع من المنافع فإذا جرد المال منها تشريعا وفي عالم الزجر المولوي فكأنه لا منفعة له بالنظر المولوي التشريعي ويتوقف هذا على تمامية النقطة السابقة. واخرى يدعى بلحاظ دليل وجوب الاتلاف (1) ويرد عليه ان لزوم الاتلاف لا يساوق الاخراج من المالية إذ قد يجب اتلاف المال كالعبد الجاني في مقام القصاص مثلا مع كونه مالا تجوز المعاوضة عليه قبل القصاص. وثالثة يدعى بلحاظ دليل عدم جواز البيع (2) فانه وان كان أعم من اسقاط المالية ولكن قد يستفاد من لسانه ذلك كما إذا عبر بان الثمن سحت واستظهر منه ان هذا النجس مما لا يليق ان يكون له ثمن ويرتبط هذا بالنقطة الآتية: النقطة الثالثة في جواز بيع الاعيان النجسة وعدمه والظاهر انه لم يرد دليل على عدم جواز ذلك بعنوانه الا رواية تحف العقول الساقطة سندا ومقتضى القاعدة هو الجواز مع فرض وجود منفعة محللة عقلائية مصححة للمالية وعدمه مع عدم وجود منفعة كذلك لكن خرجنا عن هذه القاعدة في الكلب غير الصيود وفي الخنزير وفي الخمر بوصفه مسكرا لا بوصفه


(1) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم المتقدمة (2) من قبيل معتبرة سماعة قال " السحت انواع كثيرة منها كسب الحجام واجر الزانية وثمن الخمر، الوسائل باب 5 من ابواب ما يكتسب به حديث 6.

[ 339 ]

نجسا حيث دلت الروايات الخاصة على عدم جواز بيع هذه الاشياء (1) وأما الميتة ففيها ثلاث طوائف من الروايات: احداها ما يدل على ان ثمنها سحت (2) والاخرى ما ورد في مقام النهي عن بيع جلود الميتة وشحومها التي ينتفع بها في الاستصباح (3) والثالثة روايات بيع الميتة ممن


(1) اما في الكلب غير الصيود فكمعتبرة محمد بن مسلم وعبد الرحمن ابن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت.. " الوسائل باب 14 من أبواب ما يكتسب به حديث 3 وأما في الخمر فكمعتبرة زيد بن علي عن آبائه (ع) قال " لعن رسول الله (ص) الخمر وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومشتريها وساقيها واكل ثمنها... " الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 3 واما في الخنزير فكمعتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) " في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمرا وخنازير وهو ينظر فقضاه فقال: لا بأس به اما للمقتضي فحلال وأما للبايع فحرام " الوسائل باب 60 من أبواب ما يكتسب به حديث 2. (2) وهي رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: السحت ثمن المينة.. " ومرسلة الصدوق ".. وثمن المبتة سحت.. " ورواية حماد ابن عمرو محمد أبي انس ".. من السحت ثمن الميتة.. " الوسائل باب 5 من أبواب ما يكتسب به حديث 5 - 8 - 9 (3) وهي رواية البزنطي صاحب الرضا (ع) وعلي بن جعفر " سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي احياء ايصلح له ان ينتفع بما قطع قال: نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها " الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 6 رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع)

[ 340 ]

يستحلها الواردة في موارد اختلاط المذكى بالميتة (1) وهي وان كانت واردة في فرض الاختلاط ولكن يستفاد منها عرفا ان نكتة الجواز كون المشترى مستحلا للميتة ولا خصوصية لتمييز الميتة أو اختلاطها مع المذكى وانما الاختلاط مورد الرواية ويلغى دخله في حكمها بمناسبات الحكم والموضوع وهذه الطائفة تدل أيضا على عدم جواز بيع الميتة من غير المستحل غير ان الظاهر منها عرفا كون عدم الجواز باعتبار اعتراف المشترى بعدم حلية المنافع وهذا الظهور يكون قرينة على اختصاص الحرمة فيها بما ليس له منفعة محللة كلحم الميتة فلا تشمل بيع الجلد ونحوه مما ثبت جواز الانتفاع به وبهذا يظهر ان هذه الطائفة يتطابق مفادها من هذه الناحية مع ما هو مقتضى القاعدة ولا يستفاد منها ازيد من عدم جواز البيع في فرض عدم المالية الناشئ من عدم استحلال المنافع. وأما الطائفة الاولى فظاهرة في نفسها في عدم جواز بيع الميتة مطلقا حتى مع فرض وجود الانتفاع المحلل والطائفة الثانية أوضح في ذلك لورودها في مثل الجلود ولكنا لم نجد في روايات الطائفتين الاولى والثانية ما يتم سندا (2) فالمعول على الطائفة الثالثة المطابقة لمقتضى القاعدة.


(1) من قبيل معتبرة الحلبي قال " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة وأكل ثمنه " الوسائل باب 7 من أبواب ما يكتسب به حديث 1 (2) اما الطائفة الاولى فرواية السكوني رواها الكليني والشيخ بسند ضعيف بالنوفلي ورواها الصدوق بسند ضعيف بموسى بن عمر ومرسلة الصدوق ضعفية بالارسال ورواية حماد بن عمرو ومحمد أبي انس ضعيفة بعدة من المجاهيل وأما الطائفة الثانية فرواية البزنطي وعلي بن جعفر لهما طريقان الاول ضعيف بالارسال والثاني بعبد الله بن الحسن.

[ 341 ]

(مسألة 32) كما يحرم الاكل والشرب للشئ النجس كذلك يحرم التسبب لأكل الغير أو شربه وكذا التسبب لا ستعماله فيما يشترط فيه الطهارة فلو باع أو أعار شيئا نجسا قابلا للتطهير يجب الاعلام بنجاسته واما إذا لم يكن هو السبب في استعماله بان رأى ان ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلي فيه نجس فلا يجب إعلامه (1) (1) البحث تارة يقع في كبرى التسبيب واخرى في صغراه. أما البحث عن الكبرى فيقع في فرعين احدهما ما إذا تسبب الى اكل النجس أو استعماله من قبل من يكون مكلفا والاخر ما إذا تسبب الى صدور ذلك من غير المكلف كالصبي والمجنون. أما الفرع الاول فلا اشكال في عدم الجواز في صورة تنجز التكليف على الغير الذي يتسبب الى صدور الحرام منه فانه يجب ردعه عن الحرام فكيف يجب تشويقه إليه كما لا ينبغي الاشكال في الجواز في صورة كون العلم دخيلا في الملاك الواقعي كما إذا استفيد مثلا من دليل اجزاء الصلاة في النجاسة من الجاهل ان الاجزاء يعنى استيفاء تمام الملاك في هذه الحالة فلم يقع تسبيب إلى تفويت شئ من الملاك وانما الاشكال فيما إذا كان التكليف الواقعي فعليا بملاكه في حق الجاهل مع عدم التنجز والبحث في ذلك على مستوى القاعدة الاولية تارة وعلى مستوى الروايات الخاصة اخرى. أما على مستوى القاعدة الاولية " ونريد بها تعيين الحكم بلحاظ ما يقتضيه نفس الخطابين الواقعيين الموجهين إلى المسبب والمباشر " فتارة

[ 342 ]

نلحظ الخطاب الواقعي الموجه نحو المسبب - خطاب لا تشرب النجس مثلا - لنرى انه هل يقتضي تحريم التسبيب منه إلى شرب الغير للنجس ايضا واخرى نلحظ الخطاب الموجه نحو المباشر لنرى ان توجه خطاب لا تشرب النجس نحو شخص هل يقتضى تحريم التسبيب من الغير الى شربه. أما خطاب لا تشرب النجس الموجه نحو المسبب فالظاهر من كلمات السيد الاستاذ دام ظله انه يمكن أن نستفيد منه حرمة التسبب ايضا كما نستفيد حرمة المباشرة لأن النهي عن الفعل أعم من النهي عن ارتكابه المباشري والتسبيبي كما لو قال يا زيد لا تضرب احدا فانه يستفاد منه حرمة مباشرة الضرب من زيد والتسبيب إليه معا لان الفعل التسبيبي مستند الى المسبب فيشمله اطلاق الخطاب (1) وهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه وذلك باعتبار ان الافعال التي تؤخذ متعلقات للاحكام على قسمين فتارة تكون اضافتها إلى المكلف اضافة صدورية فحسب من قبيل الضرب الذي نسبته الى الضارب نسبة الصدور منه واخرى تكون اضافتها حلولية ايضا كما لو حرم لبس الاسود على زيد فلو سلم في القسم الاول دلالة الخطاب على حرمة إصدار الفعل ولو بالتسبيب لانه مضاف إليه بالاضافة الصدورية فلا اشكال في ان الخطاب في القسم الثاني لا يكون دالا على حرمة تسبيب زيد للبس عمرو للسواد لان الخطاب قد حرم الفعل المضاف الى زيد اضافة الصدور والحلول فالحرام هو اللبس الحال في زيد لا الحال في عمرو وان كان بتسبيب من زيد لان التسبيب المذكور انما يحفظ الاضافة الصدورية دون الاضافة الحلولية وحرمة الشرب من الماء النجس وامثالها في محل الكلام قبيل الثاني - اعني لبس السواد -


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 395.

[ 343 ]

فإذا قيل يا زيد لا تشرب النجس فلا يكون شرب عمرو الواقع بتسبيب زيد مصداقا للحرام بهذا الخطاب لان اضافة الشرب الى الشارب ليست اضافة صدورية فقط بل هي متقومة بكونه محلا للشرب والتسبيب لا يجعل المسبب محلا للشرب كما هو واضح. وأما الخطاب الثاني الموجه نحو المباشر فيمكن تقريب دلالته على حرمة التسبيب من الغير له باحد وجهين: الاول: انه كاشف عن وجود غرض لزومي في اجتناب المباشر عن النجس فيجب على غيره ايضا حفظ هذا الغرض اللزومي المولوي بحكم العقل. وفيه ان الغرض المولوي القائم بفعل مع كونه غرضا واحدا يتصور له انحاء من التفويت. وقد يكون بعض هذه الانحاء مما لا يرضى المولى بها دون بعضها الآخر تبعا لدرجة اهتمام المولى بذلك الغرض وكل خطاب لا يكشف عن عدم رضا المولى الا بالتفويت الذي تستلزمه مخالفة ذلك الخطاب لا بالانحاء الاخرى من التفويت فغاية ما يدل عليه خطاب المباشر عدم جواز التفويت المباشري من قبله لا لزوم عدم التفويت من قبل غيره. الثاني: أن يقال ان التفكيك بين التفويت المباشري والتسبيبي وان كان معقولا لكنه ليس بعرفي بل المتفاهم عرفا التلازم بينهما في عدم الرضا وبذلك ينعقد للخطاب دلالة التزامية عرفية على حرمة التسبيب. وهذا الوجه صحيح وعلى اساسه نبني على حرمة التسبيب الى الحرام هذا هو الكلام على مقتضى القاعدة. واما على مستوى الروايات الخاصة الواردة في بيع الدهن المتنجس

[ 344 ]

والآمرة باعلام المشترى لكي يستصبح به (1) فهي دالة على حرمة التسبيب أيضا باعتباران لزوم الاعلام ليس الا دفعا للتسبيب في وقوع المشترى في الانتفاع المحرم وبذلك تكون مؤكدة لمقتضى القاعدة ايضا نعم في خصوص التسبيب الى وقوع المستعمل في الحرام الواقعي كما في موارد بيع الميتة من المستحل يلتزم بعدم حرمة التسبيب لما عرفت من مذاق الشارع على معاملته وفق مذهبه ودينه. ثم ان السيد الحكيم - قدس سره - في المستمسك ذكر ان النسبة بين حرمة التسبيب على القاعدة وحرمة التسبيب بالروايات الخاصة عموم من وجه لشمول الاولى فقط لغير النجس من المحرمات وشمول الثانية فقط لما إذا علم بعدم استعمال المشترى - المباشر - للشئ في الانتفاع المحرم (2). وهذا الكلام غير تام لوضوح ظهور الروايات في ان الحرمة بملاك التسبيب الى الانتفاع المحرم حيث ورد فيها تعليل الاعلام بانه ليستصبح به وواضح ان الاستصباح ليس واجبا وانما هو كناية عن التجنب عن الانتفاع المحرم فلا يستفاد منها الوجوب التعبدى للاعلام بل الاستطراقي لصيانة غرض المولى وأما قصر الروايات على موردها وهو المتنجس خاصة فهو مبني على عدم الغاء خصوصية المورد بمناسبات الحكم والموضوع وانصراف الروايات إلى الاشارة إلى حرمة التسبيب إلى الحرام التي هي امر عقلائي مركوز. وأما الفرع الثاني وهو فيما إذا لم يكن المباشر مكلفا فالكلام فيه


من قبيل معتبرة معاوية بن وهب وغيره عن أبي عبد الله (ع) " في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به " الوسائل باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 4 (2) المستمسك الجزء الاول ص 523 - 524 من الطبعة الرابعة.

[ 345 ]

يبتني على الكلام في الفرع السابق فإذا قيل هناك بعدم حرمة التسبيب كان الجواز هنا أوضح وان قلنا هناك بالحرمة استنادا الى الخطاب الاول اعني خطاب لا تشرب النجس المتوجه الى المسبب كما قرره السيد الاستاذ فلا خطاب لا تشرب النجس المتوجه الى المسبب كما قرره السيد الاستاذ فلا ينبغي التفريق بين تسبيب المسبب للمكلف أو لغيره لفعلية الخطاب بالنسبة الى المسبب على أي حال والغريب انه - دام ظله - التزم في المقام بعدم الحرمة (1) مع بنائه على الحرمة في الفرع السابق بلحاظ الخطاب الاول وان قيل بالحرمة في الفرع السابق بلحاظ الخطاب المتوجه الى المباشر نفسه فمن الواضح عدم الحرمة هنا لعدم ثبوب ذلك الخطاب في حق المباشر بحسب الفرض وان قيل هناك بالحرمة للروايات الخاصة فالجزم باطلاقها مشكل لورودها في سوق المسلمين الذي يكون البيع فيه عادة من البالغين ويؤيده قوله (وبينه لمن اشتراه ليستصبح به). فانه ظاهر في ان المشتري يجب إعلامه ممن يتأثر بالاعلام وينحصر أمره بعد الاعلام بالاستصباح وليس ذلك الا المكلف. نعم قد يستفاد حرمة اعطاء الطعام النجس الى الاطفال في الجملة من روايات الامر بالاراقه على ما يأتي ان شاء الله تعالى. وأما البحث في صغرى التسبيب وانه بماذا يتحقق فتحديد ذلك يرتبط بالمدرك الذي يستند إليه في حرمة التسبيب لأن كلمة التسبيب بعنوانها لم ترد في دليل حتى يقع الكلام في مفادها لغة أو عرفا وانما استفدنا الحكم من المدارك المتقدمة فلا بد من ملاحظة مقدار ما يستفاد منها فان كان المدرك هو الخطاب المتوجه للمسبب ببيان تقدم عن السيد الاستاذ فلابد من الاقتصار في الحرمة على مورد يسند فيه الفعل الى المسبب عرفا ليكون


(1) التنقيح الجزء الثاني ص 398

[ 346 ]

(مسألة 33) لا يجوز سقي المسكرات للاطفال بل يجب ردعهم وكذا سائر الاعيان النجسة إذا كانت مضرة لهم بل مطلقا واما المتنجات فان كل التنجس من جهة كون أيديهم نجسة فالظاهر عدم البأس به وان كان من جهة تنجس سابق فالاقوى جواز التسبب لأكلهم وان كان الأحوط تركه واما مشمولا للخطاب فمجرد الترغيب في الحرام لا يكفى للحرمة لعدم كفايته في اسناد الفعل الى المرغب نعم في خصوص باب الظلم بحرم الترغيب فيه لانه نحو من الظلم ايضا وان كان المدرك خطاب المباشر نفسه بالدلالة الالتزامية كما استقر بناه فيجب الاقتصار على القدر المتيقن من تلك الدلالة الالتزامية العرفية وهو ما إذا كان التسبيب بنحو الاجبار العرفي أو الاغراء الفعلي واما إذا كان المدرك روايات الاعلام الواردة في بيع الدهن المتنجس فيستفاد منها حرمة مجرد التسليط على مورد الانتفاع المحرم تسليطا يعرض الغير للانتفاع المحرم به لان البائع لا يصدر منه الا مجرد تسليط المشتري على النجس نعم لا يكفي في الحرمة مجرد اعداد الموضوع وتهيئة كما لو وضع الماء النجس على الرف مثلا مع علمه بعطش الآخر. ويتلخص من مجموع ما ذكرناه. ان كبرى حرمة التسبيب تامة وان الحرام بعد ضم المدارك بعضها الى بعض التسبيب بالجبر العرفي أو التشويق والترغيب أو التسليط. وبهذا اتضح حكم الاعلام وانه لو لم يوجد شي من الوجوه الثلاثة في ترك الاعلام فلا يجب كما لو جاء المباشر بنفسه ليشرب النجس أو يأكله فانه لا يجب اعلامه لقصور تمام مدارك حرمة التسبيب عن شموله.

[ 347 ]

ردعهم عن الاكل أو الشرب مع عدم التسبب فلا يجب من غير اشكال (1) (1) في المقام فروع: الفرع الاول في حرمة سقي المسكر للطفل ويمكن الاستدلال عليه بتقريبات عديدة: التقريب الأول: التمسك بفحوى أدلة حرمة اطعام المتنجس - ولو المتنجس بعين النجس - للطفل. إما باعتبار نجاسة المسكر بنفسه أو باعتبار كون حرمة المسكر ولزوم الاجتناب عنه آكد وأشد من لزوم الاجتناب عن النجس فانه لم يرد فيه ما ورد في شرب المسكر من التشنيع وما رتب عليه من نتائج وآثار بحيث يفهم العرف اولوية الاجتناب عنه من الاجتناب عن النجس حتى بلحاظ سقي الطفل. وقد تقدم البحث عن حكم سقي الماء النجس للطفل (1) التقريب الثاني: التمسك بالروايات الخاصة الدالة على حكم المسألة بعنوانها كرواية أبي ربيع الشامي الذي جاء فيه " ولا يسقيها عبدلي صبيا صغيرا أو مملوكا الا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيام معذبا أو مغفورا له " (2). وهي وان تمت دلالة ولكنها ضعيفة سندا بأبي ربيع الشامي حيث لم يوثق.


(1) تقدم في الجزء الثاني من البحوث ص 135. (2) الوسائل باب 10 من أبواب الاشربة المحرمة حديث 1

[ 348 ]

حتى لو أمكن رفع الضعف بلحاظ خالد بن جريد (1) اللهم إلا أن يقال بتوثيقه باعتبار رواية البزنطي عن أبي الربيع (2) الذي ينصرف الى أبي الربيع الشامي ومثلها رواية عجلان أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله (ع): المولود يولد فنسقيه الخمر. فقال: لامن سقى مولوا مسكرا سقاه الله من الحميم وان غفر له " (3). وهي ضعيفة بأبي صالح العجلان (4) ومثلها الرواية الاخرى لعجلان أبي صالح (5) ايضا وهو ممن لم يثبت توثيقه وشهادة علي بن الحسن بن علي بن فضال بوثاقة عجلان أبي صالح كما في كتاب الكشي (6) لا ينفع لتعدد هذا العنوان وعدم تعيين مصب الشهادة كما يظهر بمراجعة رجال الشيخ (7) ومنها أيضا رواية الخصال باسناده عن علي (ع) في حديث


(1) خصالد بن جرير لم يوثقه الشيخ والنجاشي الا أن الكشي روى في رجاله (حديث 191) عن محمد بن مسعود قال: " سألت علي بن الحسن عن خالد بن جرير الذي يروي عنه الحسن بن محبوب فقال: كان من بجيلة وكان صالحا ". (2) روى عنه في علل الشرائع الجزء الاول باب 77 حديث 7. (3) الوسائل باب 10 من أبواب الاشربة المحرمة حديث 2. (4) مضافا الى ضعفها ببشير الهذلي. (5) الوسائل باب، 1 من أبواب الاشربة المحرمة حديث 3. (6) روى في رجاله (حديث 378) عن محمد بن مسعود قال: " سمعت علي بن الحسن بن علي بن فضال يقول: عجلان أبو صالح ثقة قال: قال له أبو عبد الله (ع): يا عجلان كاني انظر اليك الى جنبي والناس يعرضون علي ". (7) ذكر الشيخ في رجاله ثلاثة من أصحاب الصادق (ع) وهم

[ 349 ]

الاربعمائة انه قال: " من سقى صيبا مسكرا وهو لا يعقل حبسه الله عز وجل في طينة خبال حتى يأتي مما صنع بمخرج " (1) وهي أيضا ضعيفة السند لوجود مثل قاسم بن يحيى فيه. التقريب الثالث: التمسك باطلاق دليل حرمة سقى الخمر للناس بدعوى شموله للطفل أيضا لأنه من الناس أيضا خصوصا الطفل المميز المقارب للبلوغ من قبيل رواية عقاب الاعمال باسناده الى النبي (ص) في حديث " ومن شرب الخمر سقاه الله من السم الأساود ومن سم العقارب " الى ان قال: " ومن سقاها يهوديا أو نصرانيا أو صابئا أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها " (2). وهذا الاستدلال ساقط ايضا لضعف الرواية سندا ودلالة فهي منقولة عن النبي (ص) بسند يشتمل على وسائط مجهولة (3). كما أن دلالتها يمكن المناقشة فيها بأنه لا أطلاق فيها بالنسبة الى سقي الطفل بقرينة قوله: فيها (فعليه كوزر من شربها) فانه دال على النظر الى سقي المكلف الذي يحرم عليه الشرب ويكون وزرا عليه اللهم إلا أن يقال بأن المقصود ان على الساقي وزر الشارب المكلف ولو كان في واقعة اخرى من الشرب غير التي وقع فيها السقي فيبقى الاطلاق على حاله.


عجلان أبو صالح السكوني الازرق الكوفي وعجلان أبو صالح المدائني وعجلان أبو صالح الخباز الواسطي مولى بني تيم الله ولم يوثق احدهم. (1) الوسائل باب 10 من أبواب الاشربة المحرمة حديث 6. (2) الوسائل باب 10 من أبواب الاشربة المحرمة حديث 7. (3) رواها الصدوق عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة بسند جميع رجاله لم يثبت توثيقهم.

[ 350 ]

التقريب الرابع: التمسك بروايات حرمة حمل الخمر من أجل الشرب بدعوى اطلاقه للحمل من أجل مطلق الشرب ولو من الصبي فان مزاولة ذلك من الصبيان وبالاخص المقاربين للبلوغ كما في أولاد السلاطين المترفين امر معروف لا بأس بدعوى تمامية أطلاق الحمل في الروايات له أيضا. غير أن هذه الروايات لا تخلو من تشويش سندي فان من جملتها رواية جابر عن أبي جعفر (ع) قال " لعن رسول الله في الخمر عشرة غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه... " (1) وهي ضعيفة بعمرو بن شمر الذي ضعف واتهم بالكذب (2) ومن جملتها رواية زيد بن علي (3) عن آباءه (ع) بنفس المضمون تقريبا وهي قد تكون ضعيفة بالحسين بن علوان الواقع في السند حيث لا يخلو توثيقه عن تأمل وإن كان الظاهر وثاقته ورجوع. توثيق النجاشي إليه (4). وعليه فتدل على حرمة سقي الصبي لأن حمل الخمر إليه إذا كان محرما فسقيه إياها أوضح حرمة عرفا. التقريب الخامس: الاستدلال بأدلة حرمة الجلوس على موائد شرب


(1) الوسائل باب 55 من أبواب ما يكتسب به حديث 4. (2) قال النجاشي في ترجمته " ضعيف جدا زيد احاديث في كتب جابر الجعفي ينسب بعضها إليه والامر ملتبس " وقال في ترجمة جابر " روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا منهم عمرو بن شمر.. ". (3) الوسائل باب 55 من ابواب ما يكتسب به حديث 3. (4) قال النجاشي " الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي واخوه الحسن يكنى أبا محمد ثقة رويا عن أبي عبد الله عليه السلام " والظاهر ان التوثيق يرجع الى الحسين لا الى اخيه الحسن.

[ 351 ]

الخمر ومداولتها. من قبيل معتبرة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن المائدة إذا شرب عليها الخمر أو مسكر قال: حرمت المائدة.. " (1) وهي مطلقة من حيث الدلالة شاملة لما إذا كان على المائدة طفل غير مكلف كما في أطفال الملوك والسلاطين. فإذا حرم الجلوس معهم على المائدة كان سقيهم بذلك أولى بالتحريم عرفا كما ان الرواية تامة من حيث السند ايضا ويسند ذلك ويعززه ما يستفاد من مجموع روايات الباب من شدة اهتمام الشارع باجتناب الخمر وقمع مادتها الفاسدة عن المجتمع فانها تكشف عن ذوق حاسم يأبى عن سقيها للاطفال بدون شك. الفرع الثاني: في وجوب ردع الطفل عن شرب المسكر وهذا الحكم أخفى من الحكم في الفرع السابق فان جملة من التقريبات السابقة لا ترد هنا وغاية ما يمكن أن يقرب به الحكم في هذا الفرع وجوه ثلاثة: الاول: ويتركب من مقدمتين: احداهما: استكشاف مبغوضية شرب الصبي للمسكر من دليل حرمة السقي في الفرع السابق باعتبارها حرمة طريقية اي انه حرم السقي بملاك مبغوضية ان يشرب الصبي المسكر لا أن هناك ملاكا نفسيا في عنوان السقي كما لو قيل لا تعط الصبي الكتاب فيثبت بدليل الفرع السابق مبغوضية شرب الصبي للمسكر وان لم يكن هنالك خطاب بالنسبة إليه. الثانية: انه إذا ثبت مبغوضية الفعل وجب عقلا على المكلفين الحيلولة دون وقوع ذلك المبغوض ومن انحاء ذلك رع الطفل عن شرب المسكر. وهذا الوجه تقدمت المناقشة سابقا في المقدمة الثانية منه حيث تقدم أن مبغوض المولى لا يجب الحيلولة دون وقوعه من جميع الجهات والاشخاص


(1) الوسائل باب 33 من أبواب الاشربة المحرمة حديث 1.

[ 352 ]

لان المغوضية على درجات عديدة وليست كلها تستلزم الاهتمام بحيث يقتصى أمر الشارع بسد أبواب عدمه جميعا. الوجه الثاني: الاستدلال بفحوى معتبرة عمار المتقدمة في الفرع السابق أيضا التى دلت على حرمة الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر حيث كانت شاملة باطلاقها لمائدة شرب الصبي المسكر فإذا كانت مغادرة المائدة التي يشرب عليها الصبي المكسر واجبة كان ردعه عنه أيضا واجبا ولو بضم عناية عرفية واعمال فهم عقلائي حاصله أن مثل هذا الحكم يفهم من مناسباته أنه بملاك التأديب والتأنيب والمقاطعة والردع. لان مغادرة المائدة والاجتناب عن الجلوس عليها يعتبر بحسب العرف والعادة اسلوبا من اساليب الردع فيثبت بعد اعمال هذه العناية العرفية لزوم ردع الصبي عن تناول المسكر أيضا ان أمكن. الوجه الثالث: الاستفادة الاجمالية من مجموع ما ورد في الباب من الأدلة المختلفة والتشريعات العديدة التي تشرف الفقيه على الجزم بان مرام الشارع ومذاقه هو قطع مادة هذا الفساد عن المجتمعات وسد منافذ تسربها إليها. وهذه الوجوه الثلاثة وبالأخص الأخيرين منها ان لم تستوجب الفتوى بوجوب الردع فلا أقل من ايجابها الاحتياط فيه. الفرع الثالث: في اعطاء العين النجسة من غير المسكر الى الصبي وينبغي ان نفترض فيه من أجل ان لا تختلط الجهات بعضها مع بعض أنه لا يترتب ضرر بمرتبة محرمة من ذلك كما لو افترضنا اعطاءه ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها الذي لا يترتب عليه ضرر مادي محرم فهل يحرم ذلك أم لا؟ وجهان: أما وجه عدم جواز الاعطاء فأحسن ما يمكن أن يقرب به امكان

[ 353 ]

استفادة ذلك من روايات الامر باراقة المرق الذي وقع فيه النجس (1) - ان تم سندها - (2) بأستظهار دلالتها على سقوط المرق المتنجس مثلا عن الانتفاع المستلزم عدم جواز اعطاءه حتى للصبي، وإلا كان الانتفاع به ممكنا. إلا ان هذا الوجه لا يقتضي أكثر من الاحتياط في المسألة وفي خصوص عين النجس أو المتنجس به مباشرة أما كونه لا يقتضي الحرمة الجزم فلا مكان دعوى ان غاية ما يستفيده العرف ان الأمر بالاراقة كناية عن سقوط انتفاع السائل المكلف بذلك المرق اي لبيان سقوط الانتفاع المباشر بذلك المرق دون الانتفاع غير المباشر القائم على أساس أمور ثانوية اخرى كالتسبيب الى انتفاع


(1) وهي روايتان السكوني عن جعفر عن أبيه (ع) " ان عليا (ع) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فارة، قال: يهرق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " الوسائل باب 5 من أبواب الماء المضاف حديث 3. ورواية زكريا بن ادم قال " سألت أبا الحسن (ع) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب واللحم اغسله وكله.. " الوسائل باب 38 من ابواب النجاسات حديث 8 مضافا الى ما قد يدعى شموله للمرق بالعموم وهي رواية احمد بن محمد بن أبي نصر قال " سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة قال: يكفي الاناء " الوسائل باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 7. (2) الظاهر عدم تمامية سندها اما رواية السكوني فضعيفة بالنوفلي وأما رواية زكريا بن ادم فضعيفة بالحسن بن مبارك وأما رواية احمد بن محمد بن أبي نصر فضعيفة بالحسين بن الحسن بن أبان.

[ 354 ]

الغير، وبعبارة اخرى يكفي في تمامية الكناية في الامر بالاراقة ان تكون العين ساقطة عن الانتفاع المباشر من قبل المكلف فلا يمكن استفادة السقوط المطلق حتى عن طريق الانتفاعات الثانوية كاعطائه للغير الذي لا يحرم عليه في نفسه الانتفاع المباشر به. وأما اختصاص الحكم المذكور بالمتنجس بيعن النجس، أو عين النجس فلأنه مورد تلك الروايات. ولا يمكن الحاق مطلق المتنجس ولو لم يكن بعين النجس به لاحتمال الفرق. وأما وجه الجواز فقد يبين بلحاظ الاصل العملي الذي يكون محكوما لدليل عدم الجواز وهو الاستظهار من روايات الاراقة. ولكن يمكن أن يبين وجه للجواز لا يكون محكوما لدليل عدم الجواز وذلك بأحد تقريبين: الأول: دعوى انعقاد السيرة المتشرعية جيلا بعد جيل على عدم الاهتمام بتطهير الصبيان وعدم المبالات بمطعمهم وشؤونهم من حيث الملاقات مع النجاسة التي غالبا ما يكون الصبي في معرض التلوث بها مما يكشف عن جواز ذلك وعدم حرمته. وهذه السيرة لو كانت منعقدة وتامة - وسوف نتعرض لذلك فيما بعد - فلا اشكال في أنها غير منعقدة علي اعطاء الطفل عين النجس أو المتنجس بها وإنما يمكن دعوى أنعقادها بالنسبة الى المتنجسات الطولية اعني المتنجس بالمتنجس. الثاني: التمسك بروايات جواز أسترضاع الكافرة (1) وهي نجسة


(1) من قبيل معتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال " لبن

[ 355 ]

فيكون حليبها عين النجاسة ايضا لواعتبر جزءا منها أو متنجسا بعين النجاسة لو لم نقل بجزئية الحليب ونحوه والاستدلال بهذه الروايات موقوف على تتميم امور: الأول: أن يبنى على نجاسة الكافر وهذا الامر وان كان غير ثابت لدينا في النصراني واليهودي بل المجوسي أيضا ولكنه مع ذلك يمكن تتميمه برواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سئلت أبا عبد الله (ع) هل يصلح للرجل أن ترضع له اليهودية والنصرانية والمشركة قال لا بأس.. " (1) فانها واردة في المشركة التي لا نقول بطهارتها فهي تامة من حيث الدلالة وأما من حيث السند فتتميمها موقوف على دعوى ان من ينقل عنه الحسن ابن محمد بن سماعة اعني قوله عن غير واحد يكون فيهم ثقة وذلك بتطبق الفائدة العامة الموقوفة على استعراض تاريخ هذا الراوي الجليل وملاحظة نسبة الثقات في مشايخه. وثانيا: على أن لا نحتمل خصوصية في مورد لبن المرضعة الكافرة فلو احتمل الفرق بينه وبين غيره من النجاسات ولو بملاك الحاجة الى اللبن بخلاف غيره من النجاسات أو بملاك الفرق بين النجاسة بملاك غير القذارة الحسية والخبث الخارجي الثابت في القذارات العرفية فلا يتم الاستدلال بالرواية المذكورة ليعمم الحكم الى كل النجاسات. وثالثا: ان لا يوجد ما يصلح للتقيد بصورة الاضطرار وإلا فلا يثبت الحكم المذكور في غير تلك الحالة وما يمكن دعوى كونه مقيدا.


اليهودية والنصرانية والمجوسية احب الي من ولد الزنا.. " الوسائل باب 76 من أبواب احكام الاولاد حديث 2. (1) الوسائل باب 76 من أبواب احكام الاولاد حديث 5.

[ 356 ]

ما رواه الصدوق بسنده عن ابن مسكان عن الحلي قال: " سألته عن رجل دفع ولده الى ظئر يهودية أو نصرانية أو مجوسية ترضعه في بيتها أو ترضعه في بيته قال: ترضعه لك اليهودية والنصرانية وتمنعها من شرب الخمر وما لا يحل مثل لحم الخنزير ولا يذهبن بولدك الى بيوتهن والزانية لا ترضع ولدك فانه لا يحل لك والمجوسية لا ترضع لك ولدك الا أن تضطر إليها " (1). وهي معتبرة سند افتقع المعارضة بينها وبين رواية عبد الرحمن المجوزة فإذا لم يمكن تقييد رواية عبد الرحمن بصورة الاضطرار لكونها ظاهرة في النظر الى صورة الاختيار أو بأعتبار كون صورة الاضطرار فردا نادرا في بلاد المسلمين لندرة المشركين في بلاد المسلمين في عصر الرواية فيتعين ان تحمل معتبرة الحلبي على الكراهة لمكان صراحة الاخرى في نفي البأس كما هو مقتضى القاعدة في كل مقام من هذا القبيل ولكن تبقى على كل حال دعوى التعدي من الارضاع بالحليب النجس الى غيره على عهدة مدعيها. وعليه فبناء على تمامية رواية الاسترضاع في الدلالة على جواز اعطاء الصبي حليب المشركة النجسة إن قلنا بنجاسة الحليب وانه جزء من المرأة النجسة كانت الرواية دالة على جواز اعطاء عين النجاسة للطفل فضلا عن المتنجس بها وان قلنا بان حليب المشركة متنجس بعين النجس. دلت الرواية على جواز اعطاء المتنجس بعين النجس ولا يبقى معها ما يدل على المنع من اعطاء النجس لان المنع كان بلحاظ روايات الامر بالاراقة الدالة بالمطابقة على المنع من اعطاء المتنجس وبالالتزام والاولوية على المنع من اعطاء النجس فإذا سقط المدلول المطابقي عن الظهور في اللزوم لا يبقى مجال للاخذ باللزوم في المدلول الالتزامي.


(1) الوسائل باب 76 من أبواب احكام الاولاد حديث 6.

[ 357 ]

وهكذا يثبت انه لو تمت رواية استرضاع المشركة كانت نعم الدليل على تقييد اطلاق الامر بالاراقة في رواية المنع. ثم انه ربما يفصل بين ما إذا كان الطعام المعطى للطفل متنجسا من ناحيته وما إذا كان متنجسا من غير ناحيته فالأول يجوز اعطاؤه له دون الثاني. ويمكن أن يستدل لذلك بتقريبين. الأول: دعوى قصور دليل المنع عن صورة تنجس الطعام من ناحية الطفل نفسه لأن المدرك انما هو روايات الامر بالاراقة وهي لا اطلاق فيها لهذه الصورة لان موردها المتنجس من غير ناحية الطفل فلا اطلاق للمقام. ولكن بعد أن أوضحنا فيما سبق أن مورد الروايات المذكورة هو المتنجس بعين النجس فلا مجال لهذا الاستدلال لان المتنجس من ناحية الطفل ان كان بعين النجس فالظاهر شمول الروايات للقطع بعدم الفرق وان كان متنجسا بالمتنجس فلا دلالة للروايات المذكورة على المنع فيه حتى لو كان من غير ناحية الطفل. الثاني: دعوى السيرة على عدم الاهتمام بالمتنجس من ناحية الطفل نفسه فتكون مخصصة لدليل المنع لو كان عاما. وفيه ايضا عدم تمامية مثل هذه السيرة بناء على انقطاع السراية وعدم انتقال النجاسة في تمام المراتب لان الغالب في يده انها ليست من المتنجس الأول كى تكون منجسة فلعل انعقاد السيرة كان بلحاظ عدم سراية النجاسة غالبا. الفرع الرابع: في وجوب ردع الطفل عن النجس، والصحيح انه لا دليل على وجوبه لان غاية مارجعنا إليه في اثبات حرمة التسبيب الى تناوله النجس انما هو روايات الامر بالاراقة بالاستظهرار السابق ومن

[ 358 ]

الواضح ان ذلك الاستظهار غاية ما يثبته هو سقوط الانتفاع بالنجس حتى بلحاظ الاطفال اما عدم ردع الطفل عن تناوله فليس انتفاعا كي يستفاد من سقوط كل الانتفاعات بالمتنجس حرمته ووجوب الردع. الفرع الخامس: في اعطاء النجس الى الطفل إذا كان مضرا بحاله وصحته والأولى جعل العنوان اعطاء ما يضر به وان لم يكن نجسا، فحيثية البحث في هذا الفرع انما هي الاضرار ولا اشكال في عدم الجواز باعتبار ادلة حرمة الاضرار بالنفس المحترمة والتي منها " حديث لا ضرر ولا ضرار " (1) بناء على ما اخترناه من تفسيره على ما حققناه في محله من علم الاصول. وهذا الحكم لا يختلف فيه الولي وغيره لأن حرمة الاضرار لا يختص بالولي خاصة. الفرع السادس: في لزوم حفظ الطفل عما يضره وردعه عنه، وهنا يصح التفصيل المذكور بين الولي وغيره فيجب على الولي حفظه عما يضره وردعه عنه لانه مقتضى قاعدة ولايته عليه وجعله متمما لنقصان رشده نعم لا يجب عليه ان يحفظه عما لا يكون ضررا عرفا ككونه كثير الاكل مثلا ونحو ذلك. واما غير الولي فان كان الضرر المترتب موجبا للخطر على حياة الطفل بان يفقده الحياة أو جزء مهما في وجوده كأن يوجب شلله مثلا فيجب عليه الحفظ والردع ايضا لانه مما علمنا من ذوق الشارع واحكامه من كتاب الديات والقصاص انه لا يرضى بوقوعه ويريد حيلولة المكلفين دونه مهما أمكن. وأما مالا يكون ضررا بهذه المرتبة فلا يجب الردع فيه الا إذا صار


(1) الوسائل باب 12 من أبواب احياء الموات حديث 3

[ 359 ]

(مسألة 34) إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا فورد عليه ضيف وباشره بالرطوبة المسرية ففي وجوب اعلامه اشكال وان كان احوط بل لا يخلو عن قوة وكذا إذا احضر عنده طعاما ثم علم بنجاسته بل وكذا إذا كان الطعام للغير وجماعة مشغولون بالاكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة وان كان عدم وجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوة لعدم كونه سببا لاكل الغير بخلاف الصورة السابقة (1) وليا له كما لو فرض كون الطفل عنده من دون وجود الولي معه حيث انه لا يبعد في مثله دخوله تحت عنوان الولي حسبه فيجب في مثل ذلك ان يردعه عما يستوجب الضرر عليه ولو باعتبار عدم وجود الولي فعلا كي يردعه عنه. (1) وفيها ثلاثة فروع: الفرع الاول: وجوب اعلام الضيف بالنجاسة فيما يساوره عند المضيف من دون أن يكون ذلك بتقديم المضيف وتسبيبه والا كان داخلا في المسائل السابقة، بل الضيف بنفسه يساور المكان النجس من بيت المضيف وربما يقال بدوران ذلك مدار صدق عنوان التسبيب وعدمه فإذا كانت المساورة من حيث الظروف والملابسات بحيث يصدق انه بتسبيب من المضيف وجب الاعلام دون غيره. وفيه ان عنوان التسبيب لم يرد بعنوانه في الخطاب الشرعي كما يبحث

[ 360 ]

عن صدقه وعدمه وانما الدليل على لزوم الاعلام هو روايات الاستصباح (1) فلابد من ملاحظة دلالتها على المقام ومن هنا قد يقال بأنها شاملة لمحل الكلام أيضا لانها تأمر بالاعلام في فرض تسليط الغير على النجس بالبيع ومن المعلوم عدم خصوصية في البيع بعنوانه بل المتفاهم منها عرفا ان موضوع الحكم المذكور مطلق التسليط على النجس سواء كان بالبيع أو الهبة أو اباحة التصرف كما في محل الكلام ولكن الصحيح عدم تمامية هذا الاستدلال أيضا لان المستفاد من روايات الاستصباح وان كان هو حرمة التسليط من دون اعلام ولكن التسليط تارة يكون في مورد يكون معرضا لا بتلاء المسلط بالنجاسة بترتيب أثر الطهارة عليه في مقام الاكل والشرب وأخرى لا يكون التسليط مؤديا الى ابتلائه بالنجاسة في مقام الاكل والشرب ومورد روايات الاستصباح هو الدهن المتنجس الواضح ابتلاء المكلف بالنجاسة فيه لو لم يعلم لانه يستعمله عادة في الطعام فلا يمكن ان يستفاد منها لزوم الاعلام فيما إذا لم يكن عدم الاعلام موجبا لذلك. ومن هنا ينبغي التفصيل بين ما يكون في معرض ابتلاء الضيف باكله أو شربه أو نحو ذلك من الاستعمالات المشروطة بالطهارة واقعا لو لم يعلمه فيجب فيه الاعلام وبين غيره فلا يجب. الفرع الثاني: ان يعلم بنجاسته بعد تقديم الطعام إليه فهل يجب الاعلام أيضا فقد يدعى بعدم وجوبه وان قيل بحرمة التسبيب لانه لم يكن يعلم حين تقديم الطعام والتسبيب فهو معذور وحينما علم بعد ذلك كان


(1) من قبيل معتبرة معاوية بن وهب وغيره عن أبي عبد الله (ع) " في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح بها " الوسائل باب 6 من ابواب ما يكتسب به حديث 4

[ 361 ]

(مسألة 35) إذا استعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجس عنده هل يجب عليه اعلامه عند الرد؟ فيه اشكال والاحوط الاعلام بل لا يخلو عن قوة إذا كان مما التسبيب واقعا فلا دليل على وجوب الاعلام حينئذ. وفيه: انا اما ان نقول بحرمة عنوان التسبيب أو نقول بأن الحرام هو التسليط على ما يكون موجبا لابتلاء المكلف بأكل النجس أو شربه فعلى الأول يكون من الواضح ان المضيف وان كان قد صدر منه تقديمه الطعام اولا حين جهله بالنجاسة غير انه لو يعلمه بالنجاسة فلن يتحقق التسبيب لانه فرع ان لا يلحقه الاعلام وبعبارة اخرى ان التسبيب ليس مساوقا مع التقديم كي يقال بوقوعه بل هو متقوم بان لا يكون مع التقديم اعلام ولو لاحقا فلو وقع ذلك لم يكن في البين تسبيب اصلا. وأما روايات الاستصباح فلا اشكال في دلالتها على لزوم الاعلام في المقام لأنها تدور مدار التسليط على النجس فلو كان النجس مما يبتلى به المكلف ويستعمله في الاكل والشرب ونحوه وجب عليه اعلامه ولو علم بعد التقديم ومجرد كونه جاهلا حين التسليط لا يرفع لزوم الاعلام الذى ملاكه صيانة المكلف من الابتلاء بالنجاسة ولو بقاء إذ لا فرق بين الابتلاء حدوثا أو بقاء. الفرع الثالث: ان يعلم احد الجماعة بنجاسة الطعام من دون أن يكون هو المسبب أو المقدم للطعام وهنا يكون الحكم بعدم وجوب الاعلام اولى واوضح لعدم صدق عنوان التسبيب لو كان عليه المدار ولا عنوان التسليط على النجس المستفاد من روايات الاستصباح كما هو واضح.

[ 362 ]

يستعمله المالك فيما يشترط فيه الطهارة (1) (1) والوجه فيه ظاهر إذ لافرق بين المالك وغيره من اصحاب اليد كالمستعير لان الميزان في وجوب الاعلام سواء كان هو التسبيب أو التسليط على النجس والاغراء به محفوظ في المقام ولا دخل لمالكية المسبب أو المسلط في ملاك وجوب الاعلام أو حرمة التسبيب. هذا تمام ما تيسر ايراده فعلا في الجزء الرابع من هذا الشرح وهو تلخيص وايجاز لما كنا قد القيناه في مجلس الدرس الى اواسط سنة 1393 هجرية ومنه تعالى نستمد الاعتصام واليه نبتهل ان ينظر الينا بعين لطفه وكرمه ويجعل سعادتنا وراحتنا في لقائه ومجاورته والحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على سيد خلقه محمد وعلى الهداة الميامين والائمة المعصومين من آله الطاهرين وقد تم الفراغ من كتابة هذه الاوراق وتنقيحها في اليوم الرابع عشر من جمادى الاولى سنة 1397 هجرية والله ولي التوفيق.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية