الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح العروة الوثقى - السيد محمد باقر الصدر ج 3

شرح العروة الوثقى

السيد محمد باقر الصدر ج 3


[ 1 ]

بحوث في شرح العروة الوثقى تأليف محمد باقر الصدر الجزء الثالث مطبعة الآداب في النجف الأشرف

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

[ فصل النجاسات اثنتا عشرة الأول والثاني - البول والغائط من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه (1). ] (1) يشرع الماتن - قده - في ذكر النجاسات مدعيا أنها اثنتا عشرة وسوف يتضح خلال لبحث أنها أقل من ذلك. ثم يبدأ باستعراض كل قسم منها، فيذكر البول والغائط من كل حيوان لا يؤكل لحمه. أما البول فنجاسته في الجملة من الواضحات، بل من الضروريات، إلا أن الكلام في إطلاق هذا الحكم لجملة من الموارد، إذ قد يقال أن عمدة الدليل على نجاسة البول هو الإجماع القطعي، لأن الأخبار التي استدل بها على نجاسة البول بوجه عام مفادها الأمر بالغسل، وهو أعم من النجاسة، إذ قد يكون ملاكه التخلص من فضلات غير المأكول فلا يبقى إلا الإجماع وهو دليل لبي لا يصلح لإثبات النجاسة في موارد الخلاف والكلام. ويرد عليه: أولا - أن دليل نجاسة البول من الأخبار لا ينحصر بما ورد فيها بلسان الأمر بالغسل، بل من جملة أدلتها الأخبار الواردة في انفعال الماء القليل بملاقاة البول (1) وهي تدل على نجاسة البول. وكذلك ما ورد في تشديد البول، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع). قال: " ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول " (2). وثانيا أن أوامر الغسل تقتضي بإطلاقها وجوب الغسل حتى مع


(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 16 من أبواب النجاسات.

[ 6 ]

زوال الأثر، وهذا لا يبقى له وجه إلا النجاسة، فتثبت النجاسة بإطلاق الأمر بالغسل. وثالثا - إن بعض تلك الأوامر نص في وجوب الغسل مع زوال العين، خصوصا ما كان منها مشتملا على الأمر بالتعدد في الغسل، لوضوح عدم بقاء الأثر بعد الغسلة الأولى. ورابعا - أن المتيقن من مطلقات الأمر بالغسل هو بول الإنسان، ومانعية ما لا يؤكل لحمه لا يشمل موضوعها الإنسان. والتفكيك في مفاد الأمر بالغسل غير عرفي. نعم إذا كان النظر في الاستشكال إلى الأمر بالغسل فيما لا يؤكل لحمه فقد يدعى أن موضوعه مطابق لموضوع المانعية، ولكن الأمر لا ينحصر بذلك. وخامسا - أن الأمر بالغسل يدل عرفا على النجاسة في المقام وفي سائر المقامات المماثلة. وهذه الدلالة إما باعتبار ظهور الغسل المأمور به بمادته في أنه تنظيف وتخلص من القذر لدخل ذلك في مدلول المادة لغة أو دخله فيها عرفا باعتباره الاستعمال المطهر عرفا، أو بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع حيث إن مركوزية كبرى وجود النجاسات في الشريعة وكبرى أن الماء مطهر ومزيل لها شرعا وعدم ارتكازية نكتة أخرى للغسل كبرويا، يوجب انسباق ذهن الإنسان العرفي المتشرعي من خطاب اغسل إلى كون الغسل بملاك النجاسة. وهذا الملاك بكلا تقريبيه هو الوجه العام في استفادة النجاسة من الأمر بالغسل في مختلف الموارد. وعليه، فالأخبار الدالة على الأمر بالغسل تصلح لإثبات النجاسة، ودليل النجاسة لا ينحصر بالإجماع. وعلى هذا الأساس لا بد من ملاحظة العناوين الواقعة موضوعا للنجاسة في الروايات لنرى ما إذا كان بالإمكان

[ 7 ]

تحصيل مطلق يرجع إليه في إثبات نجاسة كل بول ليكون مرجعا في موارد الخلاف والشك. وحاصل ما دل على نجاسة البول من الأخبار طوائف: الأولى: ما دل على نجاسة البول بلا تخصيص أو إضافة، كرواية ابن أبي يعفور. قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن البول يصيب الثوب. قال: اغسله مريتن " (1) وخبر أبي بصير. قال: " إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة " (2). الثانية: ما دل على نجاسة بول الدواب، كخبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) " سئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان قدر كر لم ينجسه شئ " (3). بدعوى أن ظاهر الجواب إمضاء التنجس في فرض قلة الماء وعدم ردع السائل عما في ذهنه من كون ما ذكره موجبا للانفعال. وعنوان الدواب ينطبق على كل حيوان يدب على وجه الأرض إذا لم يسلم بالانصراف إلى الدابة العرفية. ولو نوقش بعدم إمكان التمسك بإطلاق الإمضاء المقتنص لعدم كون الإمام (ع) في مقام البيان من تلك الجهة، أمكن الاستدلال - لولا الخدشة في السند - برواية أخرى لأبي بصير عن أبي عبد الله (ع) " أنه سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه " (4). مع ضم العلم من الخارج بأن التغير بغير النجس لا ينجس. الثالثة: ما دل على نجاسة بول كل دابة لم تعد للأكل وإن حلل أكلها


(1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب النجاسات. (2) سائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق. (3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق. (4) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق.

[ 8 ]

شرعا كخبر زرارة عن أحدهما (ع) " في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه. فقلت: أليس لحوهما حلالا. فقال: بلى ولكن ليس مما جعله الله للأكل " (1). بناء على استفادة النجاسة من لفظ الكراهة في الرواية. الرابعة: ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه. كخبر عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله (ع). قال: " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (2). أما الطائفة الأولى، فباعتبار فرض الإصابة فيها للثوب ونحوه وكون البول الذي يكون في نطاق ذلك عادة هو بول الإنسان، لا يبعد انصراف البول فيها إلى بول الإنسان. وأما الطائفة الثانية، فلو تمت فيها رواية سندا ودلالة أمكن الإشكال في إطلاقها لاحتمال انصراف كلمة الدواب إلى الدابة الخاصة. ويبقى بعد ذلك عنوانان. أحدهما عنوان بول ما لا يؤكل، والآخر عنوان بول ما لا يكون معدا للأكل. فإن كان ما لا يؤكل ظاهرا فيما يحرم أكله اختلف العنوانان وأمكن حينئذ دعوى: رفع اليد عن هذا الظهور وتنزيل عنوان ما لا يؤكل على عنوان ما لا يكون معدا للأكل، بدعوى: حكومة خبر زرارة لما فيه من النظر إجمالا إلى القضية المركوزة في الذهن التي يناط فيها حكم النجاسة بالمأكولية. وسيأتي في بحث أبوال الخيل والبغال والدواب تتمة تحقيق لذلك. وعلى أي حال، يتحصل إطلاق يدل على النجاسة في حدود بول ما يحرم أكل لحمه على كل حال، لأنه أضيق العنوانين.


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات.

[ 9 ]

وأما الخرء، فلم نعثر على ما يصلح جعله مطلقا يرجع إليه في مورد الشك. وما قد يدعى كونه مطلقا صالحا للرجوع إليه في إثبات الموجبة الكلية أحد أمور. الأول: صحيح ابن بزيع. قال: " كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (ع) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيه قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها. فوقع (ع) بخطه في كتابي: ينزح دلاء منها " (1) بدعوى: أن لفظ العذرة وإن كانت منصرفة إلى خرء الإنسان خاصة إلا أنها مستعملة هنا في الأعم بقرينة التشبيه بالبعرة. وفيه: بعد الإغماض عن أن التشبيه لعله بلحاظ تحديد الكمية لا بيان جنس العذرة. والإغماض عن أنها واردة في بئر تكون في المنزل للوضوء، مما يكون بعيدا عادة عن خرء غير الإنسان والدواب المأكولة. أن البعرة خرء الحيوان المأكول. ولا إشكال في عدم نجاسته فدلالتها على النجاسة ساقطة في موردها فلا يمكن استفادة النجاسة منها في غيره. أضف إلى ذلك، أن الأمر بالنزح وإن كان صالحا للإرشاد إلى النجاسة وانفعال البئر - على ما تقدم في أبحاث ماء البئر - إلا أننا أثبتنا بملاحظة مجموع روايات الباب اعتصام البئر فتحمل أومر النزح على درجة من الحزازة والتنزه، وهو غير كاشف عن نجاسة الملاقي معه. نعم، الإنصاف أن هذا لا يمنع عن ظهور شخص هذه الرواية في أن السائل كان المرتكز في ذهنه نجاسة العذرة وانفعال البئر بها. خصوصا بقرينة قوله (ما الذي يطهرها) وظاهر سكوت الإمام (ع) هو إمضاء


(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق.

[ 10 ]

كلا هذين الارتكازين وقد سقط ظهور السكوت في الإمضاء عن الحجية - بلحاظ انفعال ماء البئر وهذا لا يمنع عن التمسك بظهوره في الإمضاء لإثبات نجاسة العذرة. إلا أن هذا التقريب للاستدلال بالرواية لا يجدي في إثبات نجاسة الخرء من كل حيوان بنحو الموجبة الكلية، إذ لا يوجد دال على أن الارتكاز كان منعقدا بنحو الموجبة الكلية في ذهن السائل. الثاني: نفس دليل نجاسة البول. بدعوى الملازمة بين نجاسة البول من حيوان ونجاسة خرئه. فتكون الروايات الدالة على نجاسة البول من الحيوان مطلقا - لو كان فيها إطلاق - أو في الموارد الخاصة دالة على نجاسة خرئه أيضا. وفيه: أنه لو أريد الملازمة المتشرعية باعتبار أنهم يرون أن نكتة قذارة البول والخرء مشتركة. فهي وإن كانت غير بعيدة في الجملة، إلا أنها لا جزم ببلوغها مرتبة تشكل ظهورا لدليل نجاسة البول في نجاسة الخرء أيضا، كيف وقد ثبت التفصيل بين الروث والبول في كثير من الموارد، فحكم بكراهة بول الخيل والحمير والبغال وورد الأمر بالغسل منها في روايات كثيرة مع عدم ورود شئ من ذلك في روثها. وثبت أيضا أن بول الإنسان أشد قذارة من خرئه، وأن الغسل من بوله لا بد فيه من التعدد بخلافه في خرئه بل يكتفى في التطهير منه بالحجر عند الاستنجاء. فمع ثبوت مثل هذه الأحكام كيف يمكن الجزم بوجود ارتكاز متشرعي على عدم الفرق لكي يشكل لدليل نجاسة البول مدلولا التزاميا عرفيا؟ ولو أريد عوى الملازمة العرفية الأعم من المتشرعية ففسادها أوضح، إذ العرف لا يملك ارتكازا على أصل استقذار بول كل حيوان أو خرئه

[ 11 ]

فضلا عن ارتكاز الملازمة بينهما في القذارة. الثالث: رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن كتابه، حيث جاء فيه، أن الصادق (ع) قال: " خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه ولكن كره أكله لأنه استجار بك وآوى إلى منزلك وكل طير يستجير بك فأجره " (1). وتقريب الاستدلال بها: أن قوله (هو مما يؤكل لحمه) ظاهر في كونه تعليلا للحكم بنفي البأس عن خرء الخطاف الذي هو نوع من الطيور، وليس جملة مستقلة تبرع بها الإمام (ع) لبيان حلية أكل لحم الخطاف، إذ لو كان الأمر كذلك لناسب عرفا الإتيان بما يدل على كون الجملة مستأنفة ومنفصلة عن سابقتها مع أنه لم يؤت بشئ من ذلك، بل جعلت الجملة تتمة وفضلة لما قبلها ولم يفصل بينهما بالعطف فيكون هذا سببا في ظهورها في الارتباط بالحكم السابق وأنه تعليل له. وعليه، يدل التعليل بمفهومه على أن ما لا يحل أكله في خرءه بأس. وهذا يحقق المطلوب. ويرد عليه: أن التعليل لا يدل على العلية الانحصارية المستلزمة لانتفاء الحكم المعلل عند انتفاء العلة، فلو قيل أكرم زيدا لأنه عالم لم يدل على عدم وجوب إكرامه لكونه جارا ولو لم يكن عالما فلا ينعقد للرواية المذكورة مفهوم دال على الانتفاء عند الانتفاء. ومن ذلك يظهر الحال أيضا في مثل رواية عمار عن أبي عبد الله (ع): قال: " كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (2). فإن لسانها ليس لسان الحصر لينتزع منها المفهوم ويجعل دالا على نجاسة مطلق ما يخرج من


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

[ 12 ]

الحيوان غير مأكول اللحم. الرابع: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة. قال: لا إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء " (1). بدعوى أن كلمة العذرة مطلقة شاملة لتمام أفراد المدفوع. ويرد عليه: مضافا إلى منع شمول كلمة العذرة لأنها لو لم تكن مختصة بعذرة الإنسان فلا أقل من إجمالها وكون عذرة الإنسان بنفسها معنى عرفيا لها بحيث يكون إرادتها من اللفظ من باب إرادة معنى اللفظ منه لا من باب التقييد. أن الرواية ناظرة سؤالا وجوابا إلى تحقيق حال انفعال الماء وعدمه وليست في مقام البيان من ناحية نجاسة العذرة ليتمسك بإطلاق جواب الإمام (ع) من هذه الجهة. ومنه يظهر الحال في مثل رواية موسى بن القاسم عن علي بن محمد (ع) في حديث قال: " سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام وأشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال: إن كان استبان من أثره شئ فاغسله وإلا فلا " (2). فإنه مضافا إلى المناقشة في إطلاق كلمة العذرة في نفسها، يلاحظ ظهور الرواية في النظر إلى حيثية قابلية الحيوان لنقل النجاسة إلى الثوب وهذا يعني أن أصل النجاسة للعذرة مفروغ عنه فلا يمكن التمسك بإطلاق الجواب لإثبات نجاسة مطلق العذرة. الخامس: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (ع) قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات.

[ 13 ]

[ إنسانا أو غيره (1) ] كلب أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد " (1). بدعوى: أن الترديد بين الإنسان والسنور والكلب قرينة عرفا على أن هذه العناوين مجرد أمثلة وأن المقصود جنس العذرة بمعناها العام الشامل لمدفوع الإنسان وغيره وبعد حمل العناوين المذكورة على المثالية يثبت الإطلاق. ويرد عليه: أن الحمل على المثالية لا يقتضي أكثر من ملاحظة جامع عرفي بين العناوين الثلاثة وهذا لا يعين تقديره بنحو من السعة بحيث يشمل الطير مثلا أو السمك ليكون مطلقا فوقيا يرجع إليه في موارد الشك. هذا مضافا إلى النكتة التي أشرنا إليها سابقا، وهي كون النظر متجها إلى حكم آخر مترتب على النجاسة وهو بطلان الصلاة مع الجهل، فحيثية السؤال أن ما يبطل الصلاة مع العلم هل يبطلها مع الجهل أو لا. وكلما كان هناك حكمان طوليان من قبيل نجاسة العذرة وانفعال الماء بالنجس منها، أو نجاسة العذرة ومانعية نجاستها في حق المصلي الجاهل بوجودها وكان النظر إلى استطلاع حال الحكم الثاني وحدوده كان للرواية بقرينة هذا النظر ظهور في الفراغ عن أصل الحكم الأول وافتراضه، فلا يتمسك بإطلاقها من ناحيته. وهكذا يتبين: أنه لا يوجد ما يصلح أن يكون مرجعا للحكم بالنجاسة إلا في البول من الحيوان غير المأكول خاصة. وأما في غير ذلك من البول والخرء فلا بد فيه من ملاحظة الأدلة الخاصة في كل مورد فإن ثبت بها النجاسة فهو وإلا كان المرجع قاعدة الطهارة أو غيرها من الأصول المؤمنة. (1) لا إشكال في أن بول الإنسان هو القدر المتيقن من أدلة نجاسة البول. إلا أنه ربما يقع الإشكال في بول الصبي قبل أن يطعم حيث


(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب النجاسات.

[ 14 ]

نسب إلى الإسكافي القول بطهارته ولا ريب في أن مقتضى إطلاق أدلة نجاسة البول شمولها لبول الصبي أيضا بحيث لا بد في القول بالطهارة من التماس مقيد لها. وما يتوهم كونه مقيدا رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا (ع) قال: " لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل أن يطعم، لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " (1). حيث يستفاد من نفي الغسل عن الثوب الملاقي مع بوله الإرشاد إلى الطهارة وقد يورد على ذلك أن الغسل إن كان لا يشمل الصب فنفيه لا يدل على الطهارة لإمكان افتراض نجاسة تطهر بالصب وإن قيل بشموله للصب فهو إنما يدل على الطهارة بإطلاق النفي لتمام مراتب الغسل بما فيها الصب فيقيد هذا الإطلاق بما دل على وجوب الصب في بول الصبي غير المتغذي. ولكن دلالة الرواية على الطهارة ليست بلحاظ مجرد نفي الغسل بل بلحاظ تعليل هذا النفي في الصبي وتعليل ثبوت الغسل في الجارية بما يناسب أن يكون النظر إلى أصل الطهارة والنجاسة. هذا غير أن الصحيح عدم إمكان التعويل على الرواية، باعتبار سقوطها سندا ومتنا ومضمونا. أما السند فلأنه قد ورد فيه النوفلي وهو ممن لا طريق لإثبات توثيقه عدا مجيئه في رجال كامل الزيارات ونحن لا نقول بوثاقة جميع رجال كامل الزيارات. وأما المتن، فلأن مفاد الرواية الحكم بنجاسة لبن الجارية أيضا وهذا مما لم يفت به فقيه ولا يحتمل في نفيه فقهيا، مما يكشف عن وجود وهن


(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب النجاسات الحديث 4.

[ 15 ]

[ بريا أو بحريا صغيرا أو كبيرا (1) بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح (2)، نعم في الطيور المحرمة الأقوى عدم النجاسة لكن الأحوط فيها أيضا الاجتناب (3). ] في الرواية من جهة من الجهات ومعه لا يمكن التعويل عليها ولو كانت نقية السند. وأما المضمون ففي نفسه غريب وبعيد وذلك باعتبار أن بول الغلام لو كان طاهرا في نفسه لا يحتاج إلى التطهير منه ولا التجنب عنه لاشتهر هذا الحكم وذاع بين المتشرعة وكثرت الروايات الدالة عليه باعتبار شدة الحاجة والابتلاء في حياة الناس به مع أن الأمر على العكس تماما مضافا إلى غرابة نفس التعليل الوارد فيها من أن لبن الجارية تخرج من مثانة الأم ولبن الغلام من بين عضديها ومنكبيها، مع وضوح خلافه. فالصحيح ما أفتى به الماتن - قده - من عدم الفرق في نجاسة البول بين الصبي وغيره وإن كان بوله أخف مؤونة في مقام التطهير منه على ما سوف يأتي البحث عنه مستوعبا في فصول المطهرات. (1) بمقتضى إطلاق ما تمت دلالته على نجاسة بول غير المأكول وأما الخرء فقد قلنا أنه لا يوجد مطلق يمكن التمسك به في تمام الموارد بل لا بد من الرجوع إلى القدر المتيقن من الضرورة الفقهية والارتكازات المتشرعية وما يمكن التعدي إليه من الموارد المنصوصة بنكتة عدم الفرق عرفا وأثر ذلك يظهر في موارد الخلاف على ما سيأتي. (2) سوف يأتي وجه هذه الشرطية. (3) اختلفت كلمات الفقهاء في نجاسة بول وخرء غير المأكول من الطير بين قائل بنجاستهما معا وقائل بطهارتهما معا ومتردد في نجاسة بوله

[ 16 ]

مع الجزم بطهارة خرءه. والسبب في ذلك يرجع إلى كيفية الاستفادة من الروايات المتعارضة بهذا الشأن، فهناك موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: " كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه " (1). الواضحة في الدلالة على عدم النجاسة في مطلق الطير فتقع طرفا للمعارضة مع ما دل على نجاسة بول غير المأكول. ومورد التعارض هو البول من الطير غير المأكول بناء على ارتكاز الملازمة بين نجاسة البول ونجاسة الخرء. وهو مع الخرء بناء على الملازمة. ويمكن أن تذكر عدة وجوه في علاج هذا التعارض. الأول - أن يقال بتقديم دليل النجاسة باعتبار موافقته مع السنة الدالة على نجاسة البول مطلقا تطبيقا لكبري الترجيح بموافقة الكتاب والسنة. وفيه: أولا - ما حققناه فيما سبق من عدم وجود مطلق دال على نجاسة البول، وكل ما ورد من الروايات الدالة على نجاسة البول من دون تقييد كانت منصرفة إلى بول الآدمي خاصة. فلا تكون موافقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول في مورد تعارضه مع دليل طهارة بول الطير كي ترجح بها، بل لا تكون موافقة معه حتى في غير مورد التعارض أيضا لمكان دعوى انصراف دليل نجاسة بول غير المأكول إلى غير الإنسان من الحيوان غير المأكول فيختص كل من دليل نجاسة البول من دون تقييد ودليل نجاسة بول غير المأكول بموضوع غير الموضوع الآخر. وثانيا - أن ترجيح أحد المتعارضين على الآخر إنما يكون بموافقة السنة القطعية، بناء على إلغاء خصوصية الكتابية في الترجيح بموافقة الكتاب واستظهار أن مناط الترجيح هو موافقة دليل قطعي السند. وفي المقام لم يبلغ ما دل على نجاسة البول بقول مطلق مبلغ القطع والتواتر.


(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب النجاسات.

[ 17 ]

وثالثا - أن الترجيح بموافقة الكتاب والسنة من الترجيح السندي الذي مورده ما إذا كان التعارض بين الدليلين بحسب سنديهما كما في مورد التباين، فلا يجري في مورد تكاذب الدليلين بحسب الدلالة فقط كما فيما نحن فيه، على ما حقق في محله. ورابعا - إن الرجوع إلى المرحجات المذكورة في أخبار العلاج إنما يكون بعد فقد الجمع الدلالي بين المتعارضين، فإذا تم شئ من وجوه الجمع الدلالي الآتية لم تصل النوبة إلى هذا العلاج. ثم إن السيد الأستاذ - دام ظله - بعد أن ذكر هذا الوجه أورد عليه بأن المقام ليس من موارد الترجيح بموافقة الكتاب والسنة، لأن ذلك إنما يكون فيما إذا كان عموم الكتاب أو السنة لفظيا لا بالإطلاق ومقدمات الحكمة لأن مقدمات الحكمة ليست من الكتاب والسنة كي تكون موافقتها موافقة الكتاب وروايات نجاسة البول في المقام لو سلم دلالتها فهو بالإطلاق ومقدمات الحكمة لا بالعموم (1). وهذا بيان يطبقه الأستاذ - دام ظله - في تمام موارد المعارضة مع إطلاق الكتاب الثابت بمقدمات الحكمة. إلا أن هذه المناقشة غير صحيحة. إذ مضافا إلى عدم تمامية التفصيل المذكور بين العموم والإطلاق في نفسه على ما أوضحناه مفصلا في بعض الأبحاث السابقة من هذا الشرح. أن تطبيقه في المقام على موافقة السنة قياسا على الكتاب في غير محله. إذ الإطلاق ومقدمات الحكمة في الكتاب لو سلم أنه ليس قرآنا فلا ريب في أن الإطلاق في السنة سنة أيضا إذ السنة تعم القول والفعل والسكوت كما هو واضح.


(1) التنقيح ج 1 ص 406. (1) راجع هامش الجرء الأول ص 73.

[ 18 ]

الثاني - أن يقال بتعارض الموثقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول وتساقطهما والرجوع بعد ذلك إلى مطلقات نجاسة البول بوصفها عموما فوقيا. وقد اعترض عليه السيد الأستاذ - دام ظله -: بأن تلك المطلقات على القول بانقلاب النسبة تكون هي أيضا طرفا للمعارضة بالعموم من وجه مع موثقة أبي بصير للعلم بتخصيص المطلقات بما دل على طهارة بول ما يؤكل لحمه من البقر والغنم فيكون حالها بعد هذا التخصيص حال ما دل على نجاسة بول غير المأكول (1). وهذا الاعتراض غريب في بابه. ذلك أن القائلين بانقلاب النسبة لا يقولون به فيما إذا كان هناك عام ومخصصان إذ لا موجب لملاحظة العام أولا مع أحد الخاصين ثم ملاحظته مع الآخر كي تنقلب النسبة بينهما. مقامنا من هذا القبيل إذ كل من دليل طهارة بول المأكول وموثقة أبي بصير مخصص في عرض واحد لمطلقات النجاسة. والصحيح في إبطال هذا العلاج أن يقال: أولا - بعدم تمامية مطلق دال على نجاسة البول في نفسه على ما تقدم تحقيقه. ثانيا - بعدم الانتهاء إلى هذا الموقف فيما إذا صح شئ من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين. الثالث - إيقاع المعارضة بين موثقة أبي بصير ورواية عبد الله بن سنان اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه (2) باعتبار أنهما معا بالعموم وبعد التساقط نرجع إلى رواية عبد الله بن سنان الأخرى " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (3) باعتبارها بالإطلاق المحكوم في نفسه لموثقة


(1) التنقيح ج 1 ص 406. (2) و (3) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات.

[ 19 ]

أبي بصير لولا ابتلائها بالمعارض فيكون مرجعا بعد التساقط بنفس نكتة الرجوع إلى العام الفوقاني. وهذا الوجه في العلاج أيضا غير تام، وذلك: أولا - لعدم تمامية سند رواية عبد الله بن سنان الدالة على النجاسة بالعموم لأنها منقولة في الكافي عن علي بن محمد عن عبد الله بن سنان، ونحن نعلم بأن علي بن محمد الذي ينقل عنه صاحب الكافي إن كان هو شيخه فقد وقع بينه وبين عبد الله بن سنان سقط في السند للعلم بعدم معاصرته له. وإن كان شخصا آخر مما يمكن افتراضه معاصرا مع ابن سنان فيعلم أن نقل صاحب الكافي عنه لا يكون إلا مع الواسطة فيكون في السند إرسال على كل حال. وثانيا - أنه موقوف على أن لا يتم وجه من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين. الرابع - تقديم رواية أبي بصير على رواية عبد الله بن سنان باعتبار أن دلالتها بالعموم ودلالة الأخيرة بالإطلاق والعموم مقدم على الإطلاق على ما حقق في محله - ولو فرض تساويهما في الظهور أيضا كانت النتيجة التساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة. وهكذا يكون هذا الوجه للعلاج، خلافا للوجوه السابقة مثبتا لطهارة البول والخرء من الطير غير المأكول. الخامس - دعوى حكومة موثقة أبي بصير على أدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، باعتبار ظهورها في الاستثناء والتقييد، لأنها تفترض ثبوت النجاسة للبول بنحو القضية المهملة فتتعرض لنفي إطلاقها لبول الطير والقرينة على هذا الافتراض هي أن كل نفي للحكم عن حصة إذا لم يكن من المحتمل عادة اختصاص الحكم المنفي بها يكون له ظهور في أنه نفي استثنائي وأنه

[ 20 ]

استثناء من الحكم الثابت على المطلق. ولهذا قلنا بأن لسان لا ضرر - مثلا - لسان الاستثناء لأن ما هو المحتمل في نفسه شمول الحكم لحال الضرر لا تشريع الأحكام الضررية خاصة فيكون للسان لا ضرر نظر إلى أدلة الأحكام وبذلك يحكم عليها وهكذا في المقام فإن المحتمل في نفسه شمول الحكم بنجاسة البول لبول الطائر لا اختصاصها به، فيكون النفي ظاهرا عرفا في اللسان الاستثنائي المساوق للنظر إلى دليل نجاسة البول وهو يقتضي الحكومة. السادس: تقديم دليل طهارة بول الطير وخرئه على دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه باعتبار أن العكس يؤدي إلى إلغاء عنوان الطير المأخوذ موضوعا في دليل الطهارة حيث يتقيد الحكم بما إذا كان الطير حلال اللحم والطهارة ثابتة على عنوان ما لا يوكل لحمه في نفسه سواء كان طيرا أم لا. وتوضيح هذا الوجه وتمحيصه أن: هنالك ظهورين لكل عنوان يؤخذ في موضوع حكم. أحدهما: الظهور في دخالته في الحكم وعدم كونه أجنبيا عنه بالمرة. الثاني: ظهوره في كونه دخيلا بنحو تمام الموضوع للحكم وأنه كلما صدق ذلك العنوان صدق الحكم أيضا. والظهور الأول ظهور عرفي ناشئ من أخذ عنوان وإيراده في موضوع الكلام والثاني إطلاق معتمد على مقدمات الحكمة وعلى هذا الأساس كلما وقع التعارض بين الظهور الأول في دليل مع الظهور الثاني في دليل آخر قدم الأول على الأخير لأن رفع اليد عن إطلاق موضوعية عنوان للحكم أخف مؤونة من إلغاء العنوان المأخوذ في موضوع الكلام عن الموضوعية رأسا ومقامنا من هذا القبيل، فإن دليل طهارة بول الطير لو قيد بالمأكول كان ذلك إلغاء لعنوان الطير عن الموضوعية رأسا وجعل موضوع الحكم عنوانا

[ 21 ]

آخر قد يكون طيرا وقد لا يكون. وهذا بخلاف ما لو قيد دليل نجاسة بول غير المأكول بما إذا لم يكن طيرا، إذ غاية ما يلزم هو رفع اليد عن إطلاق موضوعيته للنجاسة. وهذا البيان موقوف على أن يكون كل ما يحل أكل لحمه من الحيوان طاهر البول وأما لو قيل باختصاص الطهارة بما إذا كان الحيوان المحلل غير الطير مما يتعارف أكله لا من قبيل الخيل والبغال - كما اختار صاحب الحدائق - قده - فلا يلزم من تخصيص طهارة بول الطير بما إذا كان محلل الأكل طاهر البول بل لا بد إما أن يكون مما يتعارف أكله أو طائرا فيحفظ بذلك دخل عنوان الطير في موضوع الحكم. وعلى أي حال يرد على هذا الوجه أنه موقوف على أن يكون عنوان ما يؤكل لحمه ملحوظا على نحو الموضوعية لا المعرفية إلى واقع العناوين التي تثبت فيها الحلية. ومقتضى الطبع الأولي في أخذ عنوان وإن كان هو الموضوعية لا المعرفية إلا أن المقام خاصة يستظهر فيه العرف بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة لديه أن الطهارة والنجاسة لا تكون بملاك الحرمة التكليفية وحليتها إنما تكون بملاك الطيب والاستقذار الذي يثبت لواقع تلك العناوين التفصيلية في عرض الحلية والحرمة. وبناء على هذا الفهم لا يلزم من تخصيص الحكم بطهارة بول الطير بما إذا كان حلالا إلغاء عنوان الطير عن الموضوعية بل لعل طهارة بول الطير الحلال إنما كان بلحاظ كونه طيرا كما هو مقتضى دليل طهارة بول الطير وطهارة بول ما لا يؤكل لحمه ليس إلا معرفا إلى ما يثبته دليل طهارة بول الطير. ثم إن هنا رواية أخرى ربما يستدل بها على التفصيل في الطير بين ما يؤكل وما لا يؤكل، وهي رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن

[ 22 ]

كتابه عن الصادق (ع) قال: " خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه ولكن كره أكله لأنه استجار بك وآوى إلى منزلك وكل طير يستجير بك فأجره " (1). وتقريب الاستدلال بها مبني على أن يكون جملة (هو مما يؤكل لحمه) تعليلا للحكم بطهارة خرء الخطاف لا جملة مستقلة تبرع بها الإمام (ع) وقد تقدم أن هذا هو ظاهر السياق حيث لم يأت بما يدل على كون الجملة مستأنفة ومنفصلة عن سابقتها وإنما ذكرت في سياق واحد ظاهر في الارتباط والتعليل للحكم بالطهارة. وحينئذ يقال: بأنه لو كان الطير طاهر الخرء من حيث هو طير لم يكن وجه للتعليل المذكور بعد افتراض كون السؤال عن الخطاف الذي هو نوع من الطير لأن العدول عن الأمر الذاتي في مقام التعليل إلى الأمر العرضي ليس عرفيا فالتعليل المذكور دليل على أن الميزان في طهارة خرء الطيور ونجاسته أيضا هو حلية الأكل وحرمته، فتقيد بها موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير وخرئه فيحكم بنجاسة خرء الطير غير المأكول بل بنجاسة بوله أيضا. إما لتمامية الملازمة بين نجاسة الخرء ونجاسة البول وإن لم تتم الملازمة بين نجاسة البول ونجاسة الخرء. وإما لعدم احتمال الفرق بين الخرء والبول بأن يكون الميزان في نجاسة الأول هو حلية اللحم وحرمته دون نجاسة الثاني مع كون روايات التفصيل واردة في البول. وإما بدعوى أن الطيور تدفع البول والخرء معا من مخرج واحد وكثيرا ما تكون أبوالها مختلطة مع خرءها فلا يفهم العرف إرادة خصوص الخرء المجرد عن البول في الحكم المذكور بل يفهم أن المراد بخرء الطير الفضلات التي تخرج منه سواء كانت خرءا خالصا أو بولا أو مختلطا وقد يجاب عن ذلك بأن العدول في مقام التعليل عن الأمر الذاتي إلى الأمر العرضي إنما لا يصح عرفا إذا


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

[ 23 ]

[ خصوصا الخفاش وخصوصا بوله (1) ] كان دخلهما على حد واحد وأما إذا كان دخل الأمر العرضي من باب نفي المقتضي ودخل الأمر الذاتي من باب وجود المانع فلا بأس بالعدول والمقام من هذا القبيل فإن حرمة اللحم هي المقتضي للحكم بالنجاسة ولو بحسب مقام الإثبات وألسنة الروايات. والصحيح في الجواب على الاستدلال المذكور هو التشكيك في سند الرواية ومتنها أما الأول فلعدم معلومية طريق العلامة إلى كتاب عمار وأما الثاني فلأنها منقولة بطريق الشيخ عن كتاب عمار مع حذف كلمة الخرء مما يجعلها بيانا لحكم الخطاف في نفسه وأنه لا بأس به من حيث الحلية وجواز الأكل فتكون بهذا المتن أجنبية عن محل الكلام ومع هذا التهافت لا يمكن الاعتماد على نقل العلامة بعد استبعاد تعدد المنقول مع التشابه المطلق في فقراتها من غير ناحية كلمة الخرء وكونها منقولة عن كتاب واحد وهو كتاب عمار. وهكذا يتلخص أن الصحيح هو طهارة بول الطير وخرئه مطلقا. (1) البحث عن خرء الخفاش وبوله يقع تارة بلحاظ دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه باعتبار كونه من الحيوان محرم الأكل، وأخرى بلحاظ دليل طهارة بول الطير باعتبار كونه طائرا، وثالثة بلحاظ الروايات الخاصة، فالكلام في مقامات. أما المقام الأول - فقد يقال فيه إن دليل اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل شامل لبول الخفافيش أيضا فلا بد من الحكم بنجاسته لولا الدليل المخصص وأما خرءه فشمول الدليل له مبني على الملازمة المتقدمة. إلا أن هذا الإطلاق يمكن منعه بأحد وجهين.

[ 24 ]

الأول ما أفاده السيد الأستاذ - دام ظله -. من أن الخفاش مما لا نفس سائلة له - على ما شهد بذلك جماعة - فيحكم بطهارة بوله وخرءه من باب أنه لا نفس له. ولو فرض الشك في كونه كذلك كفى ذلك أيضا في عدم إمكان التمسك بعموم النجاسة لكون الشبهة مصداقية بالنسبة إليه فتجري أصالة الطهارة أو استصحاب عدم كونه ذا النفس. بناء على جريانه في الأعدام الأزلية (1). وهذا الوجه موقوف على تمامية كبرى طهارة بول وخرء ما لا نفس له. وهي غير تامة على ما يأتي إن شاء الله تعالى. الثاني - أن موضوع الإطلاق هو ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات فلا يشمل الحيوان غير اللحمي عرفا. والخفاش لا يكون حيوانا لحميا عند العرف فإسراء الحكم إليه يحتاج إلى إلغاء خصوصية اللحمية وجعل تمام الموضوع حرمة الأكل وهو بلا موجب بعد احتمال الفرق عقلا وعرفا بينهما. وهذا الوجه صحيح وبه يثبت في هذا المقام عدم تمامية مقتضي النجاسة في نفسه لبول الخفاش وخرئه. وأما المقام الثاني - فلو افترض تمامية الإطلاق في المقام الأول لدليل نجاسة البول لبول الخفاش يقع البحث عن النسبة بينه وبين موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير. حيث قد يقال بأنه في خصوص الخفاش لا بد من تقديم الموثقة والحكم بطهارة بوله ولو فرض عدم تقدمها على دليل النجاسة في غير الخفاش من الطيور المحرمة. وذلك بدعوى انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش إذ سائر الطيور لا بول لها بصورة منفصلة عن الخرء، فتكون الموثقة كالنص في طهارة بول الخفاش. وفيه أنه لو سلم انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش، وسلم أن


(1) التنقيح الجرء الأول ص 409.

[ 25 ]

المايع الخارج مع الخرء ليس بولا عرفا إلا بالعناية. فلا بد من حمل قوله (ع) كل شئ من الطير فلا بأس ببوله، على إرادة هذا المايع نفسه الذي يكون بولا عناية إذ لا يمكن أن يكون مثل هذا الخطاب المشتمل على أداة العموم والواضح في إعطاء قاعدة عامة في باب الطير. ناظرا إلى خصوص بول الخفاش كما هو واضح. وأما المقام الثالث - فقد استدل على نجاسة بول الخفاش برواية داود الرقي " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده. فقال: اغسل ثوبك. " (1) حيث يستفاد من الأمر بغسل الملاقي في أمثال المقام الإرشاد إلى نجاسة الملاقي وفيه: أن الرواية ضعيفة سندا لا باعتبار داود الرقي فإنه وإن لم يوثق ولكنه ممن روى عنه الأزدي بسند صحيح ولكن باعتبار غيره كيحيى بن عمر الواقع في السند والإرسال الواقع في طريق السرائر إلى داود مضافا إلى أنها معارضة مع ما لا يقل عنها شأنا - وإن كان غير نقي السند أيضا - وهي رواية غياث " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (2) فتكون قرينة على إرادة مرتبة من التنزه والاستحباب في الأمر بغسل الثوب بناء على ما هو الصحيح من ثبوت مراتب التنزه والاستحباب عرفا في مثل النجاسة رغم كونها حكما وضعيا. هذا. مضافا إلى إمكان منع دلالتها على النجاسة حيث لم يسأل فيها عن نجاسة بول الخشاف أو طهارته وإنما افترض إصابته للثوب وتصديقه لتشخيص موضعه والتنزه عنه ولكنه لم يجده فكأن النظر إلى كيفية الموافقة القطعية وأن الجهل لا يرفع الحكم سواء كان ذلك الحكم لزوميا أو تنزيهيا. ومعه لا يمكن


(1) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات.

[ 26 ]

[ ولا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصليا كالسباع ونحوها أو عارضيا كالجلال وموطوء الإنسان والغنم الذي شرب لبن الخنزيرة (1). ] أن يستظهر من الأمر بالغسل الإرشاد إلى لزومية المحذور. وهكذا يتضح عدم دليل تام على نجاسة بول الخفاش فضلا عن خرئه. (1) وذلك تمسكا بإطلاق الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه بعد استظهار أن المراد ما لا يؤكل بحسب نظر الشارع أي ما يحرم أكل لحمه. وقد يمنع عن هذا الإطلاق بدعوى أن عنوان ما لا يؤكل معرف إلى العناوين التفصيلية من الحيوانات التي لا يؤكل لحومها كالسباع ونحوها والتمسك بالإطلاق المذكور مبني على أن يكون عنوان ما لا يؤكل بنحو الموضوعية وهذا خلاف الظاهر كما تقدم فيما سبق أيضا ولهذا لا يتوهم إطلاقه لما إذا حرم أكل الحيوان لجهة طارئة كالغصبية مثلا. وفيه: أن المستظهر من روايات نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه أن موضوع الحكم هو الحيوان حرام اللحم الذي تكون حرمته ثابتة للحمه بما هو لحم لا بما هو غصب أو ضرر أو نحو ذلك، وهذا شامل للحيوان الذي حرم لحمه ولو كانت الحرمة لطرو حالة في اللحم كالجلال. ولا يمنع عنه كون عنوان ما لا يؤكل مشيرا إلى العناوين التفصيلية الواقعة من الحيوان فإن العناوين الواقعية التفصيلية قد تكون دائمية وقد تكون عارضة كالجلال والموطوء. وقد يتوهم أن الإطلاق على تقدير تسليمه معارض بالعموم من وجه مع مثل ما دل على طهارة بول الشاة الشامل بإطلاقه للجلال منها، وبعد التعارض والتساقط وعدم وجود مطلق فوقي للنجاسة يرجع إلى أصالة الطهارة. ويندفع بأن ما دل على طهارة بول الشاة يتكفل حكما ترخيصيا وهو

[ 27 ]

[ وأما البول والغائط من حلال اللحم فطاهر حتى الحمار والبغل والخيل (1). ] نفي النجاسة وغاية ما يقتضيه عدم كون العنوان المأخوذ موضوعا فيه مقتضيا للنجاسة وهو لا ينافي ثبوت المقتضي لها بعنوان آخر. نعم لو كان يدل على اقتضاء العنوان المأخوذ في موضوعه للنفي لحصلت المعارضة ولكن ارتكازية نشوء الأحكام الترخيصية من عدم المقتضي لا مقتضي العدم تكون قرينة عرفية على تعيين مفاد الدليل في بيان عدم المقتضي من ناحية عنوان بول الشاة لا لمقتضي للعدم. وهذه هي النكتة العامة في عدم المعارضة بين أدلة الأحكام الترخيصية وأدلة الأحكام الإلزامية في أمثال المقام. وعلى هذا، فالإطلاق تام. ويمكن أن نضيف إليه أيضا ما دل على نجاسة عرق الجلال بضم الملازمة العرفية المتشرعية بين العرق والبول في النجاسة، ولو باعتبار ارتكازية أهونية العرق من البول فما يدل على نجاسة العرق يدل على نجاسة البول بالفحوى العرفية. ثم إن هذا كله في بول الجلال وأما خرءه فالإطلاق غير تام بالنسبة إليه كما تقدم، فإن أمكن إجراء الفحوى العرفية التي أشرنا إليها أمكن إثبات نجاسة خرء الجلال بلحاظ دليل نجاسة عرقه على القول بتمامية ذلك الدليل. (1) لا إشكال في طهارة بول وخرء الحيوان المحلل شرعا والمأكول خارجا كالشاة. وإنما البحث والإشكال في بول الحمار والبغل والخيل من ناحيتين إحداهما من ناحية كونه بول ما لا يعتاد أكله والأخرى من ناحية كونه بول هذه الأشياء بعناوينها التفصيلية. أما الناحية الأولى: فيقع البحث عنها تارة بلحاظ مقتضي النجاسة

[ 28 ]

وأخرى بلحاظ المانع فهنا مقامان. أما مقام المقتضي للنجاسة فهو يرتبط بكيفية فهم الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل. وتفصيل الكلام في ذلك: أن جملة ما لا يؤكل لحمه تارة تحمل على كون عدم الأكل بلحاظ الذوق العرفي ولو كان من ناحية استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا وأخرى تحمل على ما لا يجوز أكل لحمه شرعا وثالثة تحمل على الجامع بينهما أي مطلق وجود نكتة لعدم الأكل سواء كانت عرفية أو شرعية فعلى الأول والثالث يتم الإطلاق لدليل النجاسة لبول الحمار والبغل والخيل لأنها مما لا تؤكل بحسب الذوق العرفي. وعلى الثاني لا يتم الإطلاق والاحتمال الأول من هذه الاحتمالات غير وارد في نفسه إذ لا يحتمل أن يكون عنوان (ما لا يؤكل) الوارد في لسان الشارع غير ناظر إلى ذوقه هو ولا يبعد دعوى أن مناسبات الحكم والموضوع العرفية تقتضي أن نكتة الحكم بالنجاسة هي الحزازة في لحم الحيوان التي تكون الحرمة كاشفة عنها لا مجرد عدم المأكولية عرفا ولو من جهة استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا. ولا أقل من احتمال ذلك المساوق للإجمال وعدم انعقاد الإطلاق. لا يقال: مثل رواية عبد الرحمن عن أبي عبد الله (ع) " قال: يغسل بول الحمير والفرس والبغل فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (1) قرينة على أن المراد من عنوان ما يؤكل لحمه في ألسنة الروايات ما يكون حلالا شرعا ومأكولا عرفا حيث جعل مقابلا للحمير والبغال. فإنه يقال: غاية ما تدل عليه الرواية إرادة المعنى الأخص من الحلية الشرعية في شخص الاستعمال الواقع في هذه الرواية ولا يمكن أن يستظهر منها اصطلاح عام للشارع يقصده من عنوان ما لا يؤكل دائما، فالصحيح


(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات.

[ 29 ]

عدم تمامية المقتضي لنجاسة غير المأكول الحلال من الحيوان. وأما المقام الثاني - فلو سلمنا تمامية المقضتي للنجاسة فهنالك ما يمنع عنه وهو رواية عبد الله بن بكير التي جاء فيها: " فأخرج (ع) كتابا زعم أنه إملاء رسول الله (ص) أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذابح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شئ منه فاسد ذكاه الذابح أو لم يذكه " (1) فإنها وإن كانت ناظرة إلى حكم المانعية لا النجاسة إلا أن تجويزها الصلاة في كل شئ مما أحل الله أكله حتى بوله وروثه يدل على عدم نجاستهما أيضا وهي واضحة الدلالة على أن ما أخذ في موضوع الحكم إنما هو حلية الأكل وأن لا يكون مما قد نهينا عن أكله أو حرم علينا أكله، ولو فرض كونه غير متعارف الأكل. وحينئذ يقع التعارض بين إطلاقها وإطلاق ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل وبعد التساقط يرجع إلى أصالة الطهارة. فالصحيح هو طهارة بول وخرء غير المأكول من الحيوان المحلل شرعا. وأما الناحية الثانية - وهي في حكم بول الحمير والبغال والخيل بلحاظ عناوينها. فقد وقع الخلاف بين الأصحاب في نجاسة بولها بعد التسالم تقريبا على طهارة أرواثها استنادا إلى عدة نصوص ادعي دلالتها على نجاسة أبوالها.


(1) وسائل الشيعة باب 2 من لباس المصلي.

[ 30 ]

والإنصاف أن هنالك في الروايات الواردة بهذا الشأن ما لا ينبغي الاستشكال في تماميتها سندا ودلالة على التفصيل بين أبوال الخيل والبغال والحمير وأرواثها. من قبيل رواية الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن أبوال الخيل والبغال، فقال: اغسل ما أصابك منه " (1) ورواية أخرى عنه أيضا " عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بروث الحمير واغسل أبوالها " (2) ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عن الرجل يمسه بعض أبوال البهائم أيغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار والفرس والبغل فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (3). نعم مثل رواية أبي مريم " ما تقول في أبوال الدواب وأرواثها قال: أما أبوالها فاغسل ما أصاب ثوبك وأما أرواثها فهي أكثر من ذلك " (4) ونحوها رواية عبد الأعلى (5). لا يمكن أن يستفاد منها النجاسة وذلك باعتبار ما جاء في ذيلها من قوله (ع) " وأما أرواثها فهي أكثر من ذلك " فإنه سواء حمل على التفصيل بين البول والروث بأن يراد من الأكثرية الكثرة في الكم الموجب لعسر التجنب عنه، أو حمل - ولو بعيدا - على أن الروث أولى بالغسل باعتباره أكثر قذارة وأشد، كان شاهدا على عدم المحذور اللزومي في الغسل من البول أما على الأول فلوضوح أن مجرد الأكثرية لا تكون موجبة بحسب المناسبات العرفية لرفع اليد عن الحكم بالنجاسة إلا في الأحكام التنزيهية مما يجعل الأمر بالغسل عن البول ظاهرا في التنزه وأما على الثاني، فبعد البناء المتشرعي فتوى ونصا على طهارة الروث من الحيوانات المذكورة لا يبقى للأمر بالغسل من البول الذي هو أقل محذورا من الروث


(1) (2) (3) (4) (5) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

[ 31 ]

دلالة على غير التنزه والاستحباب. ومثلهما أيضا رواية محمد بن مسلم التي جاء فيها " فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله وإن شككت فانضحه " (1) حيث قد يقال إن المستفاد من أمره بالنضح في فرض الشك أن المحذور المراد التخلص عنه ليس محذور النجاسة اللزومية فإنها لا ترتفع بالنضح بل تزداد وتتسع وباعتبار وحدة السياق يفهم أن الأمر بالغسل في فرض العلم أيضا ليس لزوميا ولا أقل من صلاحيته للإجمال وعدم ظهوره في اللزوم. وعلى أي حال. ففي الروايات الأولى الواضحة في الدلالة على نجاسة البول كفاية. غير أن المشهور ذهبوا إلى القول بالطهارة حيث لم ينقل القول بالنجاسة عن غير ابن جنيد (ره) والشيخ (ره) في بعض كتبه من المتقدمين وصاحب الحدائق والمحقق الأردبيلي - رهما - من المتأخرين. وما يمكن أن يذكر لتخريج فتوى المشهور أحد طريقين. الأول - ما أفاده السيد الأستاذ - دام ظله - بعد أن ناقش في سند بعض الروايات التي استدل بها لإثبات الطهارة من دعوى قيام السيرة القطعية على معاملة أبوال هذه الحيوانات وأرواثها معاملة الطاهر فلا بد من حمل ما يأمر بالغسل منها على التنزه. والتحقيق: أن السيرة المدعاة في المقام بالإمكان تقريبها بأحد أنحاء النحو الأول - أن يراد بها السيرة العملية لدى المتشرعة بما هم متشرعة ويستند في ثبوت هذه السيرة في عصر الأئمة عليهم السلام إلى قيامها في العصور المتأخرة التي تعلم حالها مباشرة فيستكشف من قيامها في هذه العصور أنها كانت قائمة منذ عصر الأئمة، وعمل المتشرعة في ذلك العصر


(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات.

[ 32 ]

يكشف إنا عن الدليل على الطهارة. وهذا الطريق في إثبات السيرة عهدته على مدعيه. لأن تكون السيرة في زمان متأخر بمجرده وبدون ضم نكتة خاصة لا يكشف عن ذلك إذ قد يكون متأثرا بعوامل حادثة كانتشار الفتوى بالطهارة تدريجا ونحو ذلك لا إلى انعقادها منذ عصر الأئمة عليهم السلام. ومما يؤيد ذلك ذهاب بعض العلماء المتقدمين إلى النجاسة - كما أشرنا إليه - فإنه لا يناسب استقرار السيرة القاطعة منذ ذلك الزمان على الطهارة. النحو الثاني أن يقال إن مقتضى الطبع العقلائي أو مقتضى شدة ابتلاء الناس بأبوال الدواب وصعوبة التحرز عنها هو مساورتها، وكل ما توفرت الدوافع النوعية على الإقدام عليه لو كان ممنوعا شرعا لحصل الردع عنه وحيث لم يحصل ردع عن ذلك في المقام فيستكشف إمضاء ما يقتضيه طبع القضية من مساورة تلك الأبوال. وهذا استدلال بالسيرة العقلائية، ولهذا يحتاج إلى ضم دعوى عدم الردع بينما التقريب السابق استدلال بسيرة المتشرعة التي هي بنفسها دليل إني على الطهارة. والجواب عليه، أن أوامر الغسل الواردة في الروايات صالحة للردع لو سلم اقتضاء طبع القضية للإقدام على مساورة تلك الأبوال. النحو الثالث - أن يدعى ثبوت سيرة المتشرعة في عصر الأئمة (ع) على الطهارة لكن لا يستدل على هذه السيرة بقيامها في العصور المتأخرة كما هو الحال في النحو الأول بل ببيان آخر، وحاصله: أن هذه المسألة حيث إنها كانت محل ابتلاء المتشرعة آنذاك كثيرا فلا بد وأن يكون الحكم فيها واضحا عندهم، كما هي العادة في المسائل التي يعم فيها الابتلاء ويكثر التعرض لها. وعليه نتساءل: ما هو الحكم الذي كان واضحا عندهم

[ 33 ]

وثابتا في ارتكازهم؟ فإن كان هو الطهارة ثبت المطلوب، وإن كان هو النجاسة فكيف نفسر ذهاب مشهور فقهاء الإمامية إلى الحكم بالطهارة رغم تظافر الروايات الآمرة بالغسل والمطابقة لارتكاز النجاسة المفترض. وبقدر ما يضعف احتمال ذهاب المشهور إلى خلاف ارتكاز متشرعي عام متطابق مع روايات عديدة يقوى الظن بأن الارتكاز كان منعقدا على الطهارة. ولكن في قبال ضعف احتمال ذهاب المشهور إلى خلاف ارتكاز متشرعي عام مطابق لعدد من الروايات يوجد استبعاد آخر وهو استبعاد قيام ارتكاز متشرعي عام على الطهارة مع أن الارتكازات تعتمد في نشوئها عادة على بيان الأئمة (ع). وما وصلنا من بياناتهم مما يدل بظاهره على النجاسة لعله أضعاف ما وصل مما يدل على الطهارة. ولكن هذا على أي حال إن أزال وثوقنا بانعقاد الارتكاز المتشرعي المعاصر للنصوص على الطهارة بنحو يمتنع الاستدلال بالسيرة مباشرة فلا يزيل احتمال ذلك بنحو معتد به. وهذا الاحتمال ينفع حينئذ لا في تتميم الاستدلال بالسيرة، بل في إيجاد الإجمال في البيانات الآمرة بالغسل المروية، لأن الارتكاز المذكور على تقدير ثبوته يصلح أن يكون بمثابة القرينة اللبية المتصلة للحمل على التنزه والاستحباب فيكون احتماله من احتمال القرينة المتصلة. واحتمال القرينة المتصلة كاحتمال قرينية المتصل يوجب الإجمال عندنا حيث لا يكون المحتمل من سنخ القرائن اللفظية ونحوها مما تدخل في نطاق تعهد الراوي بنقلها ويعتبر عدم نقله لها شهادة بعدمها. وذلك كما في القرائن اللبية الارتكازية التي لا يوجد من الراوي تعهد بالتعرض لها ليكون سكوته شهادة بعدمها. اللهم إلا أن يقال: إن بعض الروايات الدالة على النجاسة قوية الظهور في ذلك على نحو لا يصلح الارتكاز المفترض أن يكون قرينة على تأويل ظهورها أو إسقاط صراحتها. من قبيل ما يأتي مما دل على أن أبوالها كبول

[ 34 ]

الإنسان، فإن حمل مثل هذا اللسان على التنزه بعيد جدا. الثاني: تصحيح ما يدل على الطهارة من الروايات. من قبيل رواية أبي الأغر النحاس قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) إني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه. فقال: ليس عليك شئ " (1) وهي واضحة الدلالة في نفي المحذور عن أبوالها وأرواثها، والاشكال في سندها بأبي الأغر النحاس يمكن دفعه بالتوثيق العام لمن يروي عنه أحد الثلاثة، فإنه قد روى عنه ابن أبي عمير وصفوان والطريق صحيح. فتتم الرواية سندا ودلالة وبها يحمل الأمر بالغسل في الروايات الأخرى على التنزه والاستحباب. ومنها رواية عبد الله بن أبي يعفور قال: " كنا في جنازة وقدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا فدخلنا على أبي عبد الله (ع) فأخبرناه. فقال: ليس عليكم بأس " (2) وهي كسابقتها في الدلالة. كما أن الاشكال في سندها بالحكم بن مسكين يندفع برواية ابن أبي عمير والبزنطي عنه فتصح وتكون قرينة على حمل الأمر بالغسل على الاستحباب. نعم هنا إشكال. وهو أن هاتين الروايتين إذا صحتا لا تصلحان قرينة في مقابل رواية سماعة قال: " سألته عن أبوال السنور والكلب والحمار والفرس قال: كأبوال الإنسان " (3). لقوة ظهورها في النجاسة على نحو يكون حمل تشبيه بول الحمار ببول الإنسان على مجرد التنزه غير عرفي. وحينئذ تحصل المعارضة بين رواية سماعة


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

[ 35 ]

[ وكذا من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل كالسمك المحرم ونحوه (1). ] وما دل على الطهارة وبعد التساقط يمكن الرجوع إلى الأوامر بالغسل في سائر الروايات. لأن تلك الأوامر لا تقع طرفا في هذه المعارضة لصلاحية ما دل على الطهارة للقرينية بالنسبة إليها، فتكون بمثابة العام الفوقي فتثبت النجاسة. وقد يمكن التخلص عن ذلك بدعوى عدم تسليم التساقط ولزوم ترجيح روايات الطهارة لأنها مخالفة للعامة، ومع وجود المرجح العلاجي لا تصل النوبة إلى التساقط. (1) مما استثني عن كبرى نجاسة بول ما لا يؤكل، ما لا نفس سائلة له. والبحث فيه يقع تارة بلحاظ مقتضي النجاسة وإطلاقه له في نفسه، وأخرى بلحاظ ما نخرج به عن ذلك. أما البحث عن المقتضي. فالظاهر تمامية الإطلاق في روايات اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل فإنه شامل لكل حيوان لحمي محرم الأكل شرعا. ولا وجه لدعوى الانصراف عما ليس له نفس سائلة منه. نعم الحيوان غير اللحمي قد أشرنا فيما سبق إلى أنه لا يبعد انصراف العنوان المذكور عنه فالمقتضي لنجاسة بول مثل السمك المحرم تام. وأما الخرء منه فنجاسته مبنية على دعوى الملازمة المتقدمة، أو عدم القول بالفصل. وأما البحث عن المانع الذي نرفع اليد به عن إطلاق دليل النجاسة فيتمثل في إحدى روايتين. الأولى: رواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه - عليهما السلام - قال: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (1).


(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات.

[ 36 ]

وتقريب الاستدلال بها، هو دعوى إطلاقها لما إذا لاقى الماء مع بول أو خرء ما ليس له نفس سائلة. وفيه بقطع النظر عن الاشكال في سند الرواية الذي سوف يأتي حله في بعض الأبحاث المقبلة أنها لا تدل على المدعى فإن تمام النظر فيها إلى حيثية فساد الماء بالحيوان أو بميتته من حيث كونه حيوانا ذا نفس أو ليس ذا نفس، فلا تكون الرواية في مقام بيان فساد الماء بنجاسة حيثيات الحيوان ذي النفس وعدم فساده بشئ من حيثيات الحيوان غير ذي النفس كي يتمسك بالإطلاق فيها. ثم لو فرضنا إطلاقها تقع طرفا للمعارضة مع عموم نجاسة بول الحيوان غير المأكول بنحو العموم من وجه، فهل تقدم الرواية أو ذاك العموم؟ الصحيح: أن تقديمها على ذلك العموم موقوف على تمامية أحد وجهين: الوجه الأول - دعوى حكومتها عليه بملاك النظر المستفاد من ظهور سياقها في الاستثناء بعد الفراغ عن ثبوت النجاسة في الجملة بنحو القضية المهملة. الوجه الثاني - دعوى أن هذه الرواية أخص مطلقا من مجموع أدلة نجاسة الميتة وأدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، لأن تقديم هذا المجموع عليها يوجب إلغاءها. وحينئذ، فتارة نقول بأن أخصية دليل من مجموع دليلين توجب صلاحيته للقرينية عليهما وتقدمه عليهما معا بلحاظ أن الأخص من مجموع الدليلين لو فرض اتصالهما واتصاله بهما لكان صالحا للقرينية على تقييد كل منهما، وكل ما كان كذلك في فرض الاتصال فهو موجب لهدم الحجية والتقدم بالقرينية في فرض الانفصال. وأخرى نقول: بأن الدليل الأخص من مجموع دليلين يستحق التقدم بملاك الأخصية على المجموع بما هو مجموع لا على الجميع، وبعد التقديم على المجموع يحصل التعارض بين إطلاق الدليلين المكونين للمجموع الأعم. فعلى الأول تقدم الرواية على كل من دليلي نجاسة الميتة ونجاسة البول

[ 37 ]

ابتداء. وعلى الثاني تقدم الرواية على مجموع الدليلين لا جميعهما، وتقع المعارضة بعد ذلك بين إطلاق دليل نجاسة الميتة وإطلاق دليل نجاسة البول فيتساقطان وتكون النتيجة هي الطهارة أيضا. إلا أن جعل المعارضة بين الرواية ومجموع دليلي نجاسة الميتة ونجاسة البول يتوقف أولا، على افتراض وجود إطلاق في كل من الدليلين. مع إمكان نفي الإطلاق في أدلة نجاسة الميتة لمثل ميتة السمك ونحوها مما لا نفس له سائلة، كما سيأتي. وثانيا: بعد فرض تسليم الإطلاق في كل منهما، على أن تكون نسبة الرواية إلى كل من الإطلاقين على حد واحد، مع أن الرواية صريحة في نفي نجاسة الميتة، فإطلاق دليل نجاسة الميتة ساقط على كل حال وليس الأمر دائرا بين سقوطه وسقوط إطلاق دليل نجاسة البول. الرواية الثانية - موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس " (1) وتقريب دلالتها: أنها نفت البأس عن موت ما ليس له نفس وتفسخه في شبه الزيت والسمن من المايعات فتدل على طهارته وطهارة ما في جوفه من البول أو سائر الفضلات (2). ويرد عليه: أن المنفي عنه البأس في قوله (كل ما ليس له دم فلا بأس) إما أن يكون هو الميت من الحيوان بمعنى أن كل ما ليس له دم فلا بأس بميتته. وإما أن يكون هو موت الحيوان في الزيت والسمن بمعنى أنه لا بأس بموت الحيوان الذي ليس له دم في الزيت ونحوه. فعلى الأول تكون الرواية بمدلولها المطابقي دالة على نفي النجاسة عن الميتة الواقعة في


(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات. (2) التنقيح ص 418 ج 1.

[ 38 ]

[ (مسألة - 1) ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة كالنوى الخارج من الإنسان أو الدود الخارج منه إذا لم يكن معه شئ من الغائط، وإن كان ملاقيا له في الباطن. نعم لو أدخل من الخارج شيئا فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان إن علم ملاقاتها له الأحوط الاجتناب عنه، وأما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان ولم ] الزيت التي ليس لها دم، ولا تكون ناظرة إلى نفي النجاسة عن بولها وخرئها. ولا معنى للتمسك بإطلاقها لصورة تفسخ الميتة واشتمالها على البول والخرء لأن الإطلاق إنما يقتضي تعميم ما هو المنظور والمقصود بالإفادة في الرواية وهو طهارة الميتة لا طهارة شئ آخر. نعم لو ثبتت الملازمة العادية أو الغالبية بين اشتمال الزيت على الميتة وتفسخها وظهور مدفوعها بولا وخرءا أمكن جعل الرواية دليلا بالالتزام على طهارة المدفوع لئلا يلزم كون الحكم بالطهارة ونفي البأس جهتيا محضا. ولكن هذه الملازمة غير ثابتة خصوصا أن مورد الرواية هو الذباب والجراد ونحوهما. وأما على الثاني، فمن الواضح أن موت ما ليس له دم في الزيت بما هو ليس مما يحتمل كونه محذورا وإنما يحتمل كونه منشأ للمحذور فنفي البأس يعني نفي نشوء محذور منه. فإن ادعي انصراف هذا المحذور المنفي إلى محذور الميتة فالأمر كما تقدم. وإن أنكرنا هذا الانصراف وتمسكنا بالإطلاق أمكن تتميم الاستدلال في المقام. وهكذا يتضح عدم وجود ما يمكن أن يخرج به عن إطلاق دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه من الحيوان غير ذي النفس السائلة، وإن كانت الشهرة منعقدة على الطهارة فيكون الحكم بالنجاسة هو الأحوط.

[ 39 ]

[ يعلم خلطه في الغائط ولا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته (1). ] (1) بعد الفراغ عن تنجس الملاقي مع النجس في الخارج يقع البحث عن النجاسة الداخلية والملاقاة في الداخل. وتحقيق هذه المسألة يقع في جهات: الأولى: فيما إذا كان النجس الملاقى - بالفتح - داخليا بالمعنى الأخص أي على نحو لا يمكن إدراكه والوصول إليه عادة، كالبول في المثانة ونحو ذلك. والظاهر في مثل ذلك عدم انفعال الملاقي - بالكسر - سواء كان داخليا أو خارجيا، وذلك لعدم ثبوت نجاسة تلك الأعيان في حالة كونها داخلية لكي يترتب على ذلك انفعال الملاقي لها. لأن أدلة نجاسة النجاسات كالبول والغائط والدم وغيره لم تدل عليها بعناوينها المطلقة المنطبقة على مصداقها في الداخل أيضا وإنما هي روايات خاصة واردة كلها في موارد النجاسات في الخارج وليس لها إطلاق للمصداق الداخلي المذكور، ولا يقتضي الارتكاز العرفي التعدي وإلغاء الخصوصية لاحتمال الفرق عرفا بين الداخلي والخارجي على حد الفرق بين ماء الريق والبصاق، وعليه فلا مقتضي لنجاسة الملاقي في مثل ذلك بل مقتضى القاعدة الطهارة سواء كان الملاقي داخليا أو خارجيا. وقد يستدل على طهارة الملاقي الداخلي بالخصوص بتقريبات أخرى كما في كلمات السيد الأستاذ - دام ظله -. منها - الاستناد إلى ما دل على طهارة المذي أو البلل الخارج من فرج المرأة (1) فإنه يلاقي مجرى البول والدم والمني فلو كانت ملاقاة شئ من ذلك موجبة لنجاسة مواضعها الداخلية لكان البلل الملاقي لتلك المواضع محكوما عليه بالنجاسة لا محالة.


(1) وسائل الشيعة باب 55 من أبواب النجاسات.

[ 40 ]

ومنها - الاستناد إلى ما دل على عدم وجوب غسل ما عدا الظاهر في الاستنجاء وفي دم الرعاف، ففي رواية إبراهيم بن أبي محمود " إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه " (1) مع أن البواطن ملاقية للدم والغائط وهذا يدل على عدم انفعالها. ومنها - أن النجاسة تستفاد من الأمر بغسلها ولم يرد أمر بغسل البواطن فيستكشف من ذلك عدم انفعالها بالملاقاة (2). أما التقريب الأول، فهو لا يثبت عدم انفعال الملاقي الداخلي وإنما يثبت - على أفضل تقدير - أنه على فرض انفعاله ليس مما تبقى نجاسته بعد انفصاله عن عين النجاسة وزوالها عنه. وهذا متيقن على أي حال سواء قيل بالنجاسة أو لا، للفراغ عن أن البواطن إذا لاقت مع النجاسة لا تحتاج إلى غسل لكي تطهر فأي محذور في فرض نجاسة المجرى بالملاقاة للبول وارتفاع النجاسة عنه بزوال عين النجاسة عنه، بل في فرض نجاسة الرطوبة الخارجة نفسها عند ملاقاتها للبول وزوال النجاسة عنها بانفصالها عن البول. والحاصل أن تنجس الباطن بالملاقاة شئ وعدم بقاء النجاسة بعد انفصال عين النجاسة شئ آخر، وما يثبت بالتقريب المذكور الثاني وما يراد نفيه الأول. فإن قيل: إن مقتضى إطلاق دليل طهارة البلل الخارج من فرج المرأة طهارته ولو كان المجرى متلوثا بالبول فعلا وهذا يعني عدم انفعاله بملاقاة البول وهو المراد. قلنا: إن الإطلاق المذكور لو سلم لا ينفي انفعال البلل عند ملاقاته للبول، غاية الأمر أنه يطهر بانفصاله عن عين النجاسة باعتباره شيئا باطنيا


(1) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب الماء المطلق. (2) التنقيح الجزء الأول ص 420.

[ 41 ]

ما لم يخرج فيكون زوال العين عنه من المطهرات، وهذا غير عدم الانفعال رأسا. هذا على أن دليل طهارة البلل المذكور ناظر مطابقة إلى نفي النجاسة الذاتية ولا ينفي فرض النجاسة العرضية أحيانا. نعم لو التزم بنجاسته العرضية غالبا للزم حمل دليل الطهارة على أمر جهتي وحيثي غير مفيد في مقام العمل وهو خلاف ظاهر الدليل، فبدلالة الاقتضاء العرفية تنفى النجاسة العرضية أيضا بمقدار يخرج به مفاد الدليل عن كونه مجرد أمر جهتي غير عملي، ويكفي في ذلك الالتزام بعدم النجاسة العرضية في موارد عدم العلم بالملاقاة مع البول في الداخل وإن علم بالملاقاة مع المجرى لأن المجرى لو تنجس يطهر بزول العين. وأما التقريب الثاني، فيرد عليه: أن نفي الأمر بغسل البواطن كما قد يكون بنكتة طهارة تلك الأشياء الداخلية وعدم تنجس البواطن كذلك قد يكون بنكتة أن نجاسة البواطن غير مضرة بالوظايف العملية الشرعية لأن المطلوب في الصلاة طهارة الظاهر فقط. وأما التقريب الثالث ففيه أن نجاسة الباطن على تقدير ثبوتها لا إشكال في عدم احتياجها في مقام التطهير إلى الغسل لكفاية زوال العين في طهارتها فلا يمكن أن يستكشف من عدم ورود أمر بغسل البواطن أنها لا تتنجس أصلا. فالعمدة في إثبات عدم النجاسة الرجوع إلى الأصل بعد قصور أدلة النجاسات عن الشمول للبول والدم الداخليين وأمثالهما. الجهة الثانية: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم من قبيل الدم المتكون في فضاء الفم أو في داخل الأنف وكان الملاقي داخليا أيضا كالأسنان الملاقية لذلك الدم. وفي مثل ذلك إذا منعنا من إطلاق أدلة نجاسة الدم ونحوه لمثل هذا المصداق الداخلي أيضا فلا إشكال في عدم الانفعال، وإذا سلمنا بالإطلاق المذكور فلا موجب أيضا للحكم بانفعال الملاقي لأن الحكم

[ 42 ]

بانفعاله وإنما يثبت بإطلاقات الأمر بالغسل وحيث إن من المفروغ عنه في البواطن عدم توقف طهارتها على الغسل وكفاية زوال العين في ارتفاع النجاسة عنها على تقدير انفعالها فلا تشملها الإطلاقات المزبورة، ومع عدم الشمول لا يبقى دليل على انفعال البواطن بالملاقاة، فيرجع إلى القاعدة المقتضية للطهارة. الجهة الثالثة: فيما إذا كان النجس خارجيا وكان الملاقي باطنيا ولو بالمعنى الأعم، وفي مثل ذلك لا إشكال في نجاسة الملاقى - بالفتح - لفرض كونه خارجيا، ولكن لا دليل على انفعال الباطن بملاقاته لنفس التقريب السابق حيث إن دليل الانفعال هو إطلاقات الأمر بالغسل وهي غير شاملة للبواطن حتى لو قيل بانفعالها بالملاقاة فلا يبقى دليل على تنجس الباطن بالملاقاة. الجهة الرابعة: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم كما فرض في الجهة الثانية وكان الملاقي خارجيا، كما إذا أدخل الإنسان إصبعه إلى فمه فلاقى مع الدم في الداخل ولم يعلق به شئ عند إخراجه. وثبوت التنجيس هنا موقوف على أمرين: أحدهما شمول دليل نجاسة الدم للدم الداخلي بالمعنى الأعم. والآخر، عدم الفرق في الملاقاة المنجسة بين الملاقاة الواقعة في الخارج والملاقاة الواقعة في الداخل. والأمر الثاني تام على ما يأتي، وإنما الكلام في الأمر الأول، إذ قد يقال: إن دليل نجاسة الدم كما يكون قاصرا عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأخص كذلك يقصر عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأعم. وقد يقال: بأن إطلاقات روايات الأمر بغسل ما أصابه الدم كافية لإثبات نجاسة الدم المفروض في المقام وانفعال الأمر الخارجي بملاقاته، إذ يصح أن يقال حين يدخل الشخص إصبعه في فمه فيلاقي الدم أن إصبعه أصابه الدم فتشمله إطلاقات الأمر بالغسل. ولكن الإنصاف، أن الحصول على إطلاقات تشمل محل الكلام في غاية الإشكال لأن الروايات التي فرض فيها

[ 43 ]

أن الثوب ونحوه أصابه الدم مسوقة على الأكثر لبيان حكم طولي بعد الفراغ عن النجاسة، من قبيل الحكم بوجوب الإعادة على من صلى في ذلك الثوب وعدم وجوبها. ويأتي في بحث نجاسة الدم الاستشكال في أصل وجود إطلاق يدل على نجاسة كل دم فضلا عن أن يشمل الدم الداخلي. ولعل أحسن ما يدعى هناك من إطلاق قوله في موثقة عمار: " إلا أن ترى في منقاره دما فلا تتوضأ ولا تشرب " (1) ومن الواضح أن هذا الإطلاق لو تم شموله لكل دم خارجي فلا يشمل محل الكلام. الجهة الخامسة: فيما إذا كان الملاقي والملاقى معا خارجيين غير أن ظرف ملاقاتهما كان في الباطن، كما لو أدخل الإنسان إصبعه النجس إلى فمه فلاقى مع إصبعه الآخر داخل فضاء الفم. والحكم بعدم التنجيس هنا موقوف على أن تتم دعوى احتمال الفرق عرفا بين الملاقاة بين شيئين في الخارج والملاقاة بينهما في الداخل، بعد افتراض عدم الإطلاق اللفظي في أوامر الغسل. وكلا المطلبين محل تأمل بل منع. إذ لا وجه للمنع عن إطلاق الأمر بالغسل في رواية عمار لكل ما أصابه ذلك الماء من الأمور الخارجية سواء كانت الإصابة في الخارج أو الداخل. كما أن دعوى إلغاء العرف خصوصية الخارج وكون الملاقاة في هذا المكان أو ذاك لا غبار عليها. لا يقال: هذا الارتكاز مناقض بارتكاز عدم الفرق بين ملاقاة الخارجيين في الباطن كملاقاة الإصبع مع دم محمول إلى جوف الفم من الخارج وبين ملاقاة الخارجي مع الدم الداخلي في جوف الفم التي حكم فيها بعدم الانفعال كالدم الخارج من الأسنان فإن كليهما حسب النظر العرفي من سنخ واحد، ولعله إليه استند من أفتى بالطهارة في هذه الجهة.


(1) وسائل الشيعة باب 4 من الأسسئار.

[ 44 ]

[ (مسألة - 2) لا مانع من بيع البول والغائط من مأكول اللحم (1) وأما بيعها من غير المأكول فلا يجوز (2) نعم يجوز ] فإنه يقال - أولا: إنه يوجد احتمال الفرق بينهما، لما تقدم من اختلاف النظر العرفي في باب الاستقذارات بين المادة الخارجة عن موطنها وغير الخارجة. وثانيا: لو سلم ارتكاز عدم الفرق فهو يقتضي الحكم بالنجاسة في الصورتين لا الطهارة، لوضوح أن الحكم بالطهارة في المسألة الثانية لم يكن من جهة عدم الدليل عليه وإنما كان من جهة عدم الدليل المثبت للنجاسة فلو فرضت الملازمة عرفا بينهما كانت أوامر الغسل دالة على النجاسة في المسألتين معا كما هو واضح. (1) تمسكا بإطلاقات أدلة حلية البيع بعد فرض وجود المالية بلحاظ بعض المنافع المحللة، أو فرض إنكار دخل المالية في مفهوم البيع، أو تمسكا بإطلاقات صحة العقود والتجارات لو سلم تقوم عنوان البيع بالمالية وعدمها في المقام، ولا مقيد لكل تلك الإطلاقات إلا النبوي المرسل " إذا حرم الله أكل شئ حرم ثمنه " (1) وهو ساقط عن الحجية. وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. (2) إما للإجماع، أو لعدم المالية، أو لقيام دليل على عدم جواز بيع النجس بعنوانه، أو للملازمة بين تحريم الشئ وتحريم ثمنه المستفادة من النبوي المرسل، أو للروايات الخاصة المانعة في العذرة المبتلاة بالمعارض. وكل هذه الوجوه لا يمكن التعويل عليها كما حققناه في محله، فالظاهر جواز بيعها.


(1) المستدرك باب 6 من أبواب ما يكتسب به.

[ 45 ]

[ الانتفاع بها في التسميد ونحوه (1). (مسألة - 3) إذا لم يعلم كون حيوان معين أنه مأكول اللحم أو لا لا يحكم بنجاسة بوله وروثه (2). ] (1) لعدم تمامية ما استدل به المانعون على عدم جواز الانتفاع بالنجس ولو تم الدليل على ذلك لاقتضى سلب المالية عنه وبطلان بيعه والصحيح عدم وجود دليل يقتضي المنع من سائر الانتفاعات بالنجس على نحو يحتاج جواز الانتفاع إلى مخصص بل الأصل جواز الانتفاع إلا حيث يقوم دليل على حرمته ولم يقم دليل على ذلك في المقام. وتفاصيل هذه المسائل موكولة إلى محلها. (2) تارة يكون الشك في نجاسة البول والخرء من جهة الشك في كون الحيوان شاة فيكون مأكول اللحم أو ذئبا فلا يكون مأكولا، وهذه شبهة موضوعية. وأخرى يكون من جهة الشك في أن الحيوان المتولد من أبوين حلال وحرام هل يلحق بالحرام أو الحلال وهذه شبهة حكمية من حيث حلية اللحم وحرمته وإن كانت بلحاظ النجاسة قد يترائى أنها شبهة موضوعية دائما لدليل نجاسة بول غير المأكول، غير أنه سوف يتضح أنه ليس بصحيح على إطلاقه. وتفصيل الكلام في هذا الفرع: أنا تارة نفترض أخذ عنوان غير المأكول في دليل النجاسة بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية من الحيوان المحرم، وأخرى نفترضه بنحو الموضوعية فالبحث يقع على تقديرين. الأول: ما لو كان عنوان المأكول مأخوذا بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية للحيوان، فوقع الشك في حلية لحم حيوان وحرمته بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية. والبحث على هذا التقدير على مستوى الأصل اللفظي

[ 46 ]

تارة والأصل العملي أخرى. أما الأصل اللفظي ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية من جهة تردد الحيوان بين الشاة والذئب مثلا، لا يوجد أصل لفظي يمكن أن يثبت به النجاسة أو الطهارة، لأن الشك في موضوع دليل النجاسة فلا يمكن التمسك به. وأما إذا كانت الشبهة حكمية من جهة تردد الحيوان بين اللحوق بالحرام أو الحلال من أبويه، فالشبهة تكون حكمية أيضا بلحاظ دليل نجاسة غير المأكول لأن موضوعه واقع الحيوان غير المأكول من الذئب والسبع ونحوه، كما إذا قال اغسل من أبوال الكلب والذئب والسبع. وحينئذ إن تم مطلق فوقاني على نجاسة كل بول وخرج عنه بول المأكول، كان المقام من موارد الشك في التخصيص الزائد بعد إجمال المخصص المنفصل. فيتمسك فيه بالعام لإثبات النجاسة. وإذا منعنا عن وجود مطلق فوقاني وكان المطلق الثابت في حدود غير المأكول من الحيوان أصبح المقام من موارد الشك في شمول العام وإجماله بالنسبة للمشكوك، فلا يمكن التمسك به لإثبات النجاسة. وأما الأصل العملي فلا يفيد لإثبات الطهارة أو نفي النجاسة إجراء استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي الثابت قبل وجود الحيوان - على القول به في الأعدام الأزلية - أو إجراء أصالة الحل، إذ المفروض عدم ترتب الحكم على عنوان الحرام أو الحلال. بل التحقيق أن يقال: إن الشك إن كان من جهة الاشتباه الخارجي وتردد الحيوان بين أن يكون ذئبا أو شاة، أمكن إجراء استصحاب عدم كونه ذئبا لنفي موضوع النجاسة لو كان دليل نجاسة البول موضوعه ما يحرم أكله بالخصوص، أو استصحاب عدم كونه شاة لإثبات موضوع

[ 47 ]

النجاسة لو كان موضوعه مطلق البول خرج منه ما يحل أكله. وقد يتوهم: عدم جريان هذه الاستصحابات للأعدام الأزلية في المقام على أساس أن المشكوك عنوان ذاتي وليس عرضيا، بناء على التفصيل في جريان استصحاب العدم الأزلي بين العناوين الذاتية وغيرها. ويندفع هذا التوهم: بأن موضوع الحكم هو العنوان العرفي للذئب والشاة مثلا، ولا شك في تقومه بجملة من الخصوصيات العرضية القابلة لاستصحاب العدم الأزلي حتى عند من يقول بالتفصيل المذكور. وأما إذا كانت الشبهة من جهة الشك في حلية الحيوان المتولد من أبوين مخلتفين - والمفروض عدم تحصيل دليل اجتهادي على الحلية إثباتا ونفيا - فبالإمكان إثبات الحكم بالطهارة باستصحاب عدم نسخها الثابت في أول عصر التشريع حيث أمضى ما كان على العرف والعقلاء أولا ثم استثنى عنه شيئا فشيئا. بناء على أن لا يكون هنالك استقذار عرفي لبول الحيوان المتولد على نحو يمنع عن استفادة إمضاء الحكم بالطهارة. وأما التمسك بأصالة الطهارة فسوف نبحث عن تماميتها في التقدير الآتي. التقدير الثاني: أن يكون عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو الموضوعية في دليل النجاسة والبحث هنا أيضا فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية تارة، والأصل العملي أخرى. أما الدليل الاجتهادي، فقد يقال فيه بأن التمسك بمطلقات نجاسة البول الفوقانية - بناء على القول بها - متعذر حتى لو كانت الشبهة في حلية الحيوان وحرمته الحكمية، لأن الشبهة بلحاظ ما هو موضوع نجاسة البول وطهارته مصداقية بين العام ومخصصه، لأن الحرمة والحلية موضوعان للنجاسة والطهارة. ولكن الصحيح إمكان التمسك بعموم نجاسة البول - لو تم في نفسه -

[ 48 ]

إذا كانت الشبهة في حرمة الحيوان وحليته حكمية - كما في المتولد من أبوين مختلفين - وذلك بناء على ما سلكناه وحققناه في الأصول من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه فيما إذا كانت الشبهة حكمية في نفسها (1). وفي المقام الشك في حلية الحيوان وحرمته شبهة حكمية في نفسها وإن كانت مصداقية بلحاظ العام المخصص فيجوز التمسك فيها بالعام. غير أن هذا البيان موقوف على أن يكون دليل نجاسة البول قد دل على ذلك بالعموم لا بالإطلاق فإنا إنما صححنا التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه في العمومات دون المطلقات. مع أنك عرفت عدم تمامية ما يدل على نجاسة البول بالإطلاق فضلا عن العموم. وعليه فلا أصل على مستوى الأدلة الاجتهادية يمكن التمسك به لإثبات النجاسة أو الطهارة في المقام. وأما الأصل العملي. فإن كانت الشبهة حكمية كالحيوان المتولد من حلال وحرام، فإن فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان أو حرمته إلا ما خرج بالتخصيص كان هو المرجع وبه يتنقح موضوع دليل الطهارة أو النجاسة. وإن لم يكن هناك عموم من ذك القبيل فالمرجع استصحاب عدم الحرمة الثابت ولو في صدر التشريع، بناء على جريان استصحاب عدم النسخ، وبه يتنقح موضوع نفي النجاسة أو الحكم بالطهارة، ولو لم نبن على جريان استصحاب عدم النسخ كان المرجع أصالة الحل وحيث أنها أصل تنزيلي فيترتب عليها آثار الحلية الواقعية التي منها طهارة المدفوع. نعم لو لم نبن على تنزيليتها، أو بنينا على أصالة الاحتياط في اللحوم تعذر تنقيح موضوع الحكم بالطهارة بالأصل وتعين الرجوع إلى أصل حكمي كأصالة الطهارة على تقدير جريانها في أمثال المقام على ما سنشير إليه.


(1) راجع الجزء الأول من هذا الكتاب هامش ص 45.

[ 49 ]

وإن كانت الشبهة موضوعية، فإن فرض عدم وجود عموم يدل على حرمة كل حيوان وخرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم الغنمية مثلا، وبذلك يثبت موضوع الحرمة وفي طول ذلك يثبت موضوع النجاسة، وإن فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان، خرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم السبعية مثلا وبذلك يثبت موضوع الحلية وفي طول ذلك تثبت الطهارة. وإن فرض عدم العموم من الطرفين وإنما دل الدليل على حلية بعض الحيوانات وحرمة بعضها فالمرجع حينئذ استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي أو أصالة الحل، وفي كيفية إثبات الطهارة ونفي النجاسة بهما إشكال حتى مع فرض أصالة الحل أصلا تنزيليا، لأن إجراءهما في شخص هذا الفرد المشكوك يثبت حليته الواقعية تعبدا، فإن كان موضوع نفي النجاسة عدم حرمة الحيوان شخصا ثبت هذا الموضوع وأما إذا كان الموضوع عدم حرمته نوعا أي عدم كونه من نوع محرم فلا يثبت هذا الموضوع بإجراء الأصل في شخص هذا الحيوان، بل لا بد من محاولة إجراءه حينئذ في نوع هذا الفرد المردد على إجماله وتردده بين ما هو معلوم الحلية وما هو معلوم الحرمة فإن منع عن مثل ذلك في أصالة الحل أيضا كما يمنع عن استصحاب الفرد المردد تعين الرجوع إلى الأصول الحكمية كاستصحاب عدم النجاسة الأزلي وكأصالة الطهارة في مدفوع الحيوان المشكوك، بناء على جريان القاعدة في موارد الشك في النجاسة الذاتية وفي حالة كون المشكوك النجاسة من أول الأمر. وقد مر تحقيق ذلك مفصلا في مباحث قاعدة الطهارة في الجزء الثاني من هذا الشرح (1).


(1) راجع الجزء الثاني ص 199.

[ 50 ]

[ وإن كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل (1) ] (1) لأن الأصل سواء أريد به أصالة الاحتياط في اللحوم أو استصحاب الحرمة الثابتة قبل الذبح لا يثبت الحرمة الذاتية الواقعية ولو تعبدا لكي يكون منقحا لموضوع الحكم بالنجاسة، أما أصالة الاحتياط فواضح، لأن مفادها وجوب الاحتياط وهو لا يثبت الحكم الواقعي ولو تعبدا، وأما الاستصحاب المذكور فلأنه يثبت الحرمة الفعلية بعد ذبح الحيوان ولا يثبت كونها حرمة بعنوانه الذاتي إلا من باب الملازمة والأصل المثبت. وتحقيق الكلام في حكم أكل لحم الحيوان المشكوك: أنه لو أحرز قابليته للتذكية وشك في حليته وحرمته الذاتية فالمرجع العملي أصالة الإباحة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية. والمرجع الاجتهادي عمومات وإطلاقات الحل إذا كانت الشبهة حكمية من قبيل قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي.. إلخ (1). ولا يوجد في مقابل الرجوع إلى أصالة الإباحة إلا دعوى تخصيص أدلتها بأصالة الحرمة في اللحوم أو دعوى حكومة استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة قبل تذكيته فإنه كان محرما قبل التذكية على أي حال ويشك في زوال تلك الحرمة بالتذكية فتستصحب حرمته. أما الدعوى الأولى فلا دليل عليها لعدم ثبوت أصالة الحرمة في اللحوم بدليل معتبر ليخصص به عموم أصالة الحل. وأما الدعوى الثانية، فقد يورد عليها بوجوه. الأول - أن الحرمة المعلومة حال حياة الحيوان كانت بعنوان عدم التذكية والمفروض قابلية الحيوان لها ووقوعها، ومعه يقطع بارتفاع تلك الحرمة بارتفاع موضوعها فيمتنع استصحابها (2).


(1) الأنعام: 145. (2) التنقيح ج 1 ص 437.

[ 51 ]

والتحقيق أن حيثية عدم التذكية المأخوذة في موضوع الحرمة المجعولة على هذا العنوان إما أن تكون حيثية تعليلية عرفا غير مكثرة للموضوع وإما أن تكون حيثية تقييدية وموجبة لتعدد الموضوع، فعلى الثاني يمتنع جريان الاستصحاب لأجل عدم وحدة الموضوع. وعلى الأول يكون الموضوع واحدا وبوحدته تعتبر الحرمة المشكوكة بقاء للحرمة المعلومة وإن كان كل منهما مجعولا بجعل مغاير لجعل الآخر، لأن مناط الحدوث والبقاء في استصحاب المجعول إنما هو الموضوع الذي له حدوث وبقاء ويكتسب المجعول بتبعه الحدوث والبقاء فالمجعول إذا لوحظ في عالم وجود الموضوع فلا يتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع والجعل يرى عرفا كحيثية تعليلية لوجوده على موضوعه والمفروض وحدة الموضوع في المقام. وإذا لوحظ في عالم الجعل فليس له حدوث وبقاء أصلا في هذا العالم ولا معنى لإجراء استصحابه بلحاظ هذا العالم. وبتعبير آخر: أن المجعول إذا لوحظ وجوده الحقيقي بالذات الثابت بنفس الجعل فلا محالة يتعدد ويتغاير بتعدد الجعل وتغايره ولكنه بهذا اللحاظ لا يتصور له حدوث وبقاء فلا يمكن إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية بهذا اللحاظ، وإذا لوحظ ما للمجعول من نحو ثبوت تابع لفعلية وجود موضوعه فهذا النحو من الثبوت يتصف بالحدوث والبقاء تبعا لاتصاف الموضوع بذلك وهذا النحو من الثبوت يكون الجعل بالنسبة إليه بمثابة الحيثية التعليلية فلا يتغاير ويتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع فمع تعدد الجعل تنحفظ الوحدة في الحرمة المجعولة ويجري استصحابها كما هو الحال فيما إذا كان بياض الجسم ثابتا حدوثا بعلة واحتمل بقاؤه بعلة أخرى فيجري استصحابه. الثاني - أن الاستصحاب المذكور من القسم الثالث من استصحاب الكلي وذلك لأن الحرمة المحتملة التي يراد تنجيزها بالاستصحاب هي الحرمة

[ 52 ]

الذاتية، ومن الواضح أنها على تقدير ثبوتها تكون موجودة من أول الأمر مع وجود الحرمة الأخرى التي كانت ثابتة بعنوان عدم التذكية ومتى كان المشكوك على تقدير وجوده ثابتا من أول الأمر على نحو يكون معاصرا للمتيقن السابق، فيمتنع إجراء استصحاب شخص الحرمة السابقة المتيقنة ويتعين إجراء استصحاب جامع الحرمة وهو من القسم الثالث من استصحاب الكلي لأنه جامع بين فرد معلوم الارتفاع وفرد مشكوك الوجود من أول الأمر. والفرق بين هذا الوجه وسابقه أن نكتة امتناع استصحاب شخص الحرمة المتيقنة سابقا في ذلك الوجه هو تعدد الجعل بقطع النظر عن المعاصرة بين المجعولين، والنكتة هنا أن المعاصرة بين المشكوك والمتيقن تمنع عن صدق كون أحدهما بقاء للآخر. ويرد عليه: أن هذا مبني على أن يكون دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية شاملا للحيوانات المحرمة ذاتا أيضا، وأما إذا قيل باختصاصه بالحيوان الذي يحل بالتذكية لوروده في ذلك المورد فلا تحتمل المعاصرة بين الحرمتين بل يعلم إجمالا بثبوت إحدى حرمتين على الحيوان المشكوك قبل الذبح إما حرمة بملاك العنوان الذاتي وإما حرمة بملاك عدم التذكية، وهذا المعلوم الإجمالي يحتمل بقاؤه لأنه على تقدير باق وعلى تقدير مرتفع فيجري استصحابه. هذا مضافا إلى أننا لو التزمنا بشمول دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية للحيوانات المحرمة ذاتا فهذا لا يقتضي ثبوت الحرمة المتيقنة والحرمة المشكوكة في وقت واحد قبل الذبح على الحيوان المشكوك لو كان حراما ذاتا في الواقع لكي يمتنع أن يكون المشكوك بقاء للمتيقن بل يلتزم بثبوت حرمة واحدة مؤكدة بناء على التأكد عند اجتماع فردين من حكم واحد وهذا يوجب بطلان النكتة التي كانت تسبب عدم صدق عنوان البقاء على الحرمة

[ 53 ]

المشكوكة إذ لا يكون في الحيوان المشكوك قبل الذبح إلا حرمة واحدة وهي إما حرمة مؤكدة إذا كان الحيوان محرم الأكل ذاتا وإما حرمة غير مؤكدة إذا لم يكن الحيوان كذلك وتعتبر الحرمة المشكوكة بعد الذبح بقاء لها وإن لم يكن لها ذلك التأكد المحتمل في الحرمة المتيقنة فيجري الاستصحاب. ودعوى استحالة التأكد بين الحرمتين في أمثال المقام لأن الحرمة الناشئة من الخصوصية الذاتية ليست في رتبة الحرمة الناشئة عن الجهة العرضية وهي عدم التذكية فلا يمكن تأكدهما المساوق لوحدتهما مع تعدد الرتبة. مدفوعة، بأنه لا موجب للطولية بين الحرمتين رتبة لمجرد الطولية بين الموضوعين فإن كلا من الحرمتين في طول موضوعها وفي طول ما يكون موضوعها متأخرا عنه رتبة وليست في طول الحرمة الأخرى. الثالث - أن الاستصحاب المذكور إنما يجري لو سلم في مقابل أصالة الحل ولا يجري في الشبهة الحكمية في مقابل عمومات الحل ولا في الشبهة الموضوعية في مقابل الاستصحاب الموضوعي المنقح لموضوع الحلية وذلك لأن كل حيوان حكم عليه بالحلية بمقتضى العمومات إلا ما خرج فيجري استصحاب العدم الأزلي للعنوان المخصص ويكون هذا الاستصحاب موضوعيا وحاكما على استصحاب الحرمة. الرابع - ما ذكره السيد الأستاذ - دام ظله - من إنكار الحالة السابقة رأسا لعدم قيام الدليل على حرمة أكل الحيوان الحي، وإنما الثابت حرمة أكل الميت إلا ما ذكي فالحرمة بملاك عدم التذكية موضوعها ليس مطلق الحيوان بل موضوعها الحيوان الميت غير المذكى فلا علم بالحرمة السابقة لكي تستصحب (1). وهذا اعتراض متين، ومعه يسقط الاستصحاب المذكور. هذا كله فيما إذا كان الشك في حلية الحيوان وحرمته بعد إحراز


(1) التنقيح ج 1 ص 437.

[ 54 ]

قابليته للتذكية، فقد اتضح أن المرجع في الشبهة الحكمية عمومات الحل، وفي الشبهة الموضوعية أصالة الحل وكذلك يجري أيضا الاستصحاب الموضوعي المثبت للحلية واستصحاب عدم الحرمة، بناء على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية. وأما إذا كان أصل قابلية الحيوان للتذكية مشكوكة، فتارة تكون الشبهة موضوعية كما إذا شك في أن الحيوان غنم أو خنزير، وأخرى تكون حكمية ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية، إن قلنا بأن التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح بلا قيد فهو خلف الفرض لأن معناه إحراز القابلية للتذكية والشك في الحرمة من غير تلك الناحية فيدخل في الكلام المتقدم. وإن قلنا بأن التذكية عبارة عن فعل الذابح المقيد بخصوصية في الحيوان، أو عن اعتبار شرعي مترتب على ذلك الفعل مع تلك الخصوصية كان استصحاب عدم تلك الخصوصية - ولو بنحو العدم الأزلي - تام الأركان في نفسه وكذلك استصحاب عدم ذلك الاعتبار الشرعي المسبب، ونسبة الاستصحاب الثاني إلى الاستصحاب الأول نسبة الاستصحاب الحكمي إلى الموضوعي. ولكن الكلام في أن هذا الاستصحاب الموضوعي أو الحكمي النافي للتذكية هل تترتب عليه الحرمة أو لا أثر له فيلغو جريانه؟ وتفصيل ذلك: أن موضوع الحكم بالحرمة إن أخذ مركبا من موت الحيوان وعدم تذكيته أمكن إثبات الحرمة في المقام بإجراء الاستصحاب المذكور، إذ يحرز به الجزء الثاني والجزء الأول محرز وجدانا، ويكون الاستصحاب الحكمي، أي استصحاب عدم المسبب، جاريا حتى عند من لا يقول بالاستصحاب في الأعدام الأزلية. نعم الاستصحاب الموضوعي وهو استصحاب عدم الخصوصية الدخيلة في التذكية يكون من استصحاب العدم الأزلي إذا كانت الخصوصية المشكوكة من الخصوصيات المحتمل حدوثها

[ 55 ]

مع الحيوان. وإذا كان موضوع الحرمة عدم تذكية الميت، أي عدم التذكية المضافة إلى الميت بما هو ميت جرى الاستصحاب أيضا وثبت به الحرمة، غير أنه يكون من استصحاب العدم الأزلي على أي حال لأن عدم تذكية الميت غير محرز إلا بانتفاء الموت. وإذا كان موضوع الحرمة عدم التذكية المضاف إلى الميت بما هو ميت أي العدم النعتي للتذكية الملحوظ بما هو وصف للميت فلا يمكن إثبات الحرمة باستصحاب عدم التذكية، لأنه من إثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي وهو متعذر. وعلى جميع هذه المحتملات لا يمكن إثبات النجاسة بالاستصحاب المذكور، لأن موضوعها في أدلتها عنوان الميتة لا مجرد عدم التذكية، ولا يثبت عنوان الميتة باستصحاب عدم التذكية. ولا شك أن الأخير من الاحتمالات المذكورة ساقط جدا، لأن لسان (إلا ما ذكيتم) لا يقتضي أخذ العدم النعتي للتذكية في موضوع الحكم بالحرمة، بل غاية ما يقتضيه الاستثناء أخذ نقيض المستثنى في موضوع حكم العام فيكون المأخوذ العدم المحمولي للتذكية، وحينئذ إن كانت التذكية المأخوذ عدمها المحمولي في الموضوع قد لوحظت مضافة إلى الميت بما هو ميت تعين الاحتمال الثاني، وإن كانت قد لوحظت مضافة إلى ذات الحيوان تعين الاحتمال الأول، وهناك تتمة تفصيل وتحقيق سوف تأتي الإشارة إليها في أبحاث الميتة. وأما إذا كانت الشبهة حكمية كما إذا شك في قابلية نوع مخصوص من الحيوان للتذكية - بناء على أن التذكية ليست مجرد فعل الذابح الذي لا شك في قابلية الحيوان له - فإن كانت هناك عمومات دالة على قابلية الحيوان للتذكية إلا ما خرج فهي المرجع، وإلا فإن كانت التذكية اعتبارا مسببا عن فعل الذابح جرى استصحاب عدم التذكية مع أخذ الاحتمالات

[ 56 ]

السابقة في دليل حرمة غير المذكى بعين الاعتبار، وإن كانت التذكية نفس فعل الذابح مع الخصوصية امتنع إجراء استصحاب عدم التذكية، إذ لا شك في خصوصيات الحيوان وإنما الشك في تقيد التذكية شرعا بغيرها، فالمتعين حينئذ هو الرجوع إلى أصالة الحل. وأما تحقيق الحال في وجود عمومات دالة على قابلية الحيوانات للتذكية فقد استدل السيد الأستاذ - دام ظله - على وجود عموم كذلك برواية علي ابن يقطين قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود. قال: لا بأس بذلك " (1) بتقريب أن معنى نفي البأس في جميع الجلود أنه لا مانع من لبسها مطلقا ولو في حال الصلاة فتدل بالدلالة الالتزامية على تذكيتها، إذ لو لم تكن كذلك لم يجز لبسها، إما مطلقا لو قلنا بعدم جواز الانتفاع بالميتة، أو في خصوص حال الصلاة. وكل ما ثبت من الخارج عدم قابليته للتذكية يكون خارجا بالتخصيص عن العموم المذكور (2). ويرد على ذلك: أولا - أنه إذا بني على عدم حرمة الانتفاع بالميتة في غير حال الصلاة لا يتم هذا الاستدلال، لوضوح أن النظر في السؤال والجواب إلى لبس تلك الأشياء من حيث الجواز التكليفي والحرمة، ولا نظر إلى الجواز الوضعي لاستعمالها في الصلاة. ولهذا حكم الإمام (ع) بنفي البأس مع أن جملة من العناوين المأخوذة في مورد السؤال مما لا يؤكل لحمه وهو مما لا تجوز الصلاة فيه على أي حال ولو كان قابلا للتذكية، فحال الرواية حال ما لو سأل شخص عن شرب الحليب فأجيب بالجواز فإنه لا يستفاد من ذلك جوازه وضعا في الصلاة أيضا، وإن كانت الاستفادة


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب لباس المصلي. (2) التنقيح ج 1 ص 439.

[ 57 ]

[ وكذا إذا لم يعلم أن له دما سائلا أم لا (1). ] في المقام أقل غرابة منها في هذا المثال. لأن من يلبس الشئ يصلي فيه عادة فقد يقال على هذا الأساس أن النظر المطابقي وإن كان إلى الحكم التكليفي ولكن يدل بالملازمة العرفية على عدم بطلان الصلاة في تلك الملابس أيضا. وثانيا - أن الرواية المذكورة تدل على جواز استعمال كل الجلود، ولا شك في أن دليل عدم جواز استعمال غير المذكى يكون مخصصا لذلك العموم فإذا شك في كون حيوان مذكى أو لا للشك في قابليته للتذكية كان شبهة مصداقية لذلك العموم فمن يقول بعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية مطلقا لا يمكنه أن يتمسك في المقام بالعام لنفي عنوان المخصص عن الفرد المشكوك. نعم من يرى جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيما إذا كانت الشبهة مصداقية للعام شبهة حكمية في نفسها جاز له التمسك المذكور، لأن الشك في قابلية الحيوان للتذكية في المقام شبهة حكمية في نفسها وإن كانت شبهة مصداقية بلحاظ العام المخصص. والأولى اقتناص عموم دال على قابلية الحيوان للتذكية من مثل موثقة سماعة قال: " سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا " (1) غير أن هذا العموم مخصوص بالسباع ويتعدى منه بمقدار ما تساعد عليه القرائن المتصلة أو المنفصلة، فإن ظاهر جواب الإمام (ع) بقرينة المقابلة بين الرمي والتسمية وبين الميتة أن الحكم بعدم البأس في الانتفاع بالجلد في فرض الرمي والتسمية إنما هو بلحاظ حصول التذكية بذلك وهذا هو المطلوب. ولا يؤثر فيه أن يكون النهي عن الانتفاع في غير فرض الرمي والتسمية إلزاميا أو تنزيهيا. (1) لقاعدة الطهارة إذا قيل بجريانها في أمثال المقام من موارد الشك


(1) وسائل الشيعة باب 59 من أبواب النجاسات.

[ 58 ]

[ كما أنه إذا شك في شئ أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه (1) أو شك في أنه من الحيوان الفلاني حتى يكون نجسا أو من الفلاني حتى يكون طاهرا، كما إذا رأى شيئا لا يدري أنه بعرة فأر أو بعرة خنفساء (2) ففي جميع هذه الصور يبنى على طهارته. (مسألة - 4) لا يحكم بنجاسة فضلة الحية لعدم العلم ] في النجاسة الذاتية للشئ، أو لاستصحاب عدم النجاسة الأزلي، أو لاستصحاب موضوعي هو استصحاب عدم كون الحيوان ذا نفس سائلة نظرا إلى أن موضوع النجاسة أمر وجودي وهو كونه ذا نفس سائلة كما يتحصل من ضم عموم نجاسة البول إلى المخصص الذي حصر النجاسة بعنوان وجودي هو عنوان ذي النفس السائلة، فمع الشك يجري استصحاب عدمه الأزلي وتنفى بذلك النجاسة. وكل ذلك بناء على عدم شمول أدلة النجاسة لمدفوع ما لا نفس له وإلا فلا مجال لفرض المسألة. (1) كما إذا شك في أنه من فضلة الغنم أو الهرة فتجري قاعدة الطهارة بناء على شمولها لأمثال المقام. كما يجري استصحاب عدم النجاسة الأزلي الثابت قبل صيرورة الشئ المشكوك فضلة. (2) فتجري قاعدة الطهارة أو استصحاب العدم الأزلي للنجاسة ويشكل في المقام الاستصحاب الموضوعي الذي أشرنا إليه فيما إذا شك في كون الحيوان ذا نفس سائلة أم لا، إذ لا شك هنا في كون الفأر ذا نفس والخنفساء ليست كذلك، وإنما الشك في انتساب العذرة إلى أحدهما، فيكون إجراء الاستصحاب المذكور في الحيوان هنا من استصحاب الفرد المردد بخلافه في الفرض الأول من فروض المسألة الذي يتعين فيه انتساب الفضلة إلى حيوان ويشك في حاله.

[ 59 ]

[ بأن دمها سائل (1). نعم حكي عن بعض السادة أن دمها سائل ويمكن اختلاف الحيات في ذلك وكذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح للشك المذكور وإن حكي عن الشهيد أن جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلا التمساح، لكنه غير معلوم والكلية المذكورة أيضا غير معلومة. الثالث - المني من كل حيوان له دم سائل حراما كان أو حلالا، بريا أو بحريا (2) ] (1) يندرج الشك المذكور في الفرض الأول من الفروض المتقدمة في ذيل المسألة السابقة. (2) تارة يتكلم في نجاسة المني بنحو القضية المهملة وأخرى يبحث عن حدودها، فهنا مقامان. المقام الأول: في إثبات نجاسته في الجملة وهو ما لا إشكال فيه فتوى بين الأصحاب. وقد استدل عليه بعدة روايات. كرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: " ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول. ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك وكذلك البول " (1). وهي باعتبار تشبيهها للمني بالبول، بل جعله أشد منه تكون واضحة الدلالة على نجاسته. وفى قبال هذه الروايات طائفة أخرى يظهر منها عدم نجاسة المني. ففي صحيحة زرارة أنه قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف


(1) وسائل الشيعة باب 16 من أبواب النجاسات.

[ 60 ]

فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به إلا أن تكون النطفة فيه رطبة، فإن كانت جافة فلا بأس " (1) فإنه يستفاد من نفي البأس عن التجفيف مع افتراض رطوبة البدن عدم نجاسة الثوب الملاقي مع المني وأما استثناءه صورة رطوبة النطفة في الثوب فلعله للتنزه عن علوقها، لوضوح عدم الفرق في السراية بين فرضي رطوبة الملاقي أو الملاقى. وحملها على ما إذا لم يكن التنشف بموضع المني - كما فعله الشيخ قده - في غاية البعد، إذ يأباه تفصيل الإمام (ع) بين صورتي جفاف النطفة ورطوبتها. ومثلها رواية أبي أسامة قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) تصيبني السماء وعلي ثوب فتبله وأنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني فأصلي فيه؟ قال: نعم " (2). وهي أيضا واضحة الدلالة على نفي البأس عن الصلاة في ملاقي المني مع الرطوبة فتدل على عدم نجاسته. وكذلك أيضا روايتا الشحام وأبي أسامة عن أبي عبد الله (ع): " عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل علي؟ قال: لا بأس " (3). وحمل قوله - يكون فيه الجنابة - على وقوع الجنابة فيه لا وجود أثر الجنابة عليه فعلا فيكون محط النظر فيها الحزازة النفسية في ذلك بعيد، لظهور قوله - يكون فيه الجنابة - في فعلية الجنابة في الثوب لا مجرد حدوثها فيه وذلك لا يكون إلا بأن يراد بالجنابة الأثر الذي يتقذر به الثوب لا حدث الجنابة - وكذلك يبعد حملها على أن نفي البأس بملاك تطهير المطر للثوب،


(1) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 16، 27 من أبواب النجاسات.

[ 61 ]

باعتبار أن الجنابة في الثوب من البعيد زوالها بمجرد الابتلال بالمطر من دون فرض شئ من الفرك والعناية في مقام التطهير. والتحقيق: أن في الروايات المذكورة جميعا توجد قرينة عرفية على أن النظر سؤالا وجوابا ليس إلى الحكم بنجاسة أصل المني وطهارته. وتفصيل ذلك: أن السائل قد فرض المني في ثوبه تارة، كما في الأولى والثالثة، أو في بدنه أخرى، كما في الثانية، وبعد ذلك فرض ملاقاة الجسد للثوب الذي فيه المني، أو الثوب للجسد الذي عليه المني، فلو كان نظر السائل إلى الاستفهام عن أصل حكم المني لما احتاج التعبير عن هذا الاستفهام إلى فرض ملاقاة الجسد للثوب أو الثوب للجسد وراء فرض ملاقاة المني لأحدهما مباشرة، بل يكفي للتعبير عن ذلك نفس الفرض الأول لوقوع المني على أحد الأمرين، لأن المكلف بحاجة إلى طهارة بدنه وثوبه معا، وإنما تصح الاستعانة بفرض ملاقاة أخرى في مقام الاستفهام فيما إذا كانت الملاقاة الأولى مع شئ لا يدخل في محل الابتلاء طهارته ونجاسته، فلو قال السائل: أصاب البول الأرض فوقع ثوبي عليها أمكن أن يكون النظر إلى استعلام حال البول من حيث الطهارة والنجاسة، ويفسر افتراضه للملاقاة الثانية وعدم اكتفائه بفرض ملاقاة البول للأرض بأنه يقصد إيصال الملاقاة إلى ما يلزم طهارته وهو الثوب والبدن. وأما لو قال: أصاب البول بدني فأصاب بدني الثوب لم يفهم منه عرفا كون النظر إلى استعلام حال أصل البول، إذ يكفي في ذلك فرض الملاقاة الأولى، بل يكون ضم فرض الملاقاة الثانية في كلام السائل قرينة على أن المقصود استعلام حيثية كانت تتوقف على فرض الملاقاة الثانية من قبيل حيثية أن المتنجس بالبول ينجس أو لا. ومقامنا من هذا القبيل، فيكون ما ذكرناه قرينة على الفراغ في تلك الروايات عن أصل نجاسة المني وكون النظر إلى حيثية أخرى كحيثية

[ 62 ]

أن الثوب المتنجس بالمني ينجس أو لا، أو حيثية تشخيص الوظيفة عند الشك في الملاقاة مع فرض الرطوبة ونحو ذلك. وعليه، فإن تمت هذه القرينة ولو بنحو توجب الإجمال على أقل تقدير فلا إشكال، وإلا وقعت المعارضة بين روايات النجاسة وروايات الطهارة، والتخلص من مأزق هذه المعارضة يكون بأحد وجوه. الأول: حمل روايات الطهارة على التقية، باعتبار موافقتها مع فتاوى الشافعية والحنابلة. وفيه: أن هذين المذهبين قد نشئا في زمان متأخر عن صدور هذه الروايات، حيث إنها صادرة عن الصادق (ع) بينما نشأة المذهبين متأخرة عن زمانه (ع). وأما احتمال كون الفتوى المتأخرة بالطهارة امتدادا لشيوع ذلك بين فقهاء العامة المعاصرين للإمام الصادق على نحو يصح حينئذ معه حمل روايات الطهارة على التقية فيرد عليه أولا أن الأمر كان على العكس في أيام الإمام الصادق فإن الحنفي والمالكي معا كانا يفتيان بالنجاسة (1). وثانيا: أنه لو لم يمكن التأكد من واقع الحال في أيام الإمام الصادق لم يكف مجرد احتمال ذلك لإسقاط أخبار الطهارة عن الحجية لإمكان إجراء استصحاب عدم كونها موافقة للعامة ولو بنحو العدم الأزلي. الثاني: سقوط روايات الطهارة عن الحجية في نفسها، باعتبار حصول الظن الاطمئناني ولو نوعا على خلافها من اتفاق علماء الإمامية في تمام العصور والأزمنة على النجاسة ولم يشذ عنهم أحد في حدود المنظور من كلماتهم. وكذلك الاتفاق العملي من المتشرعة على الاحتراز من المني والتجنب عنه حتى عد نجاسة المني من ضروريات المذهب، وقد حققنا في الأصول سقوط الخبر عن الحجية إذا ما حصل الوثوق ولو نوعا بوجود


(1) راجع المحلى لابن حزم.

[ 63 ]

خلل فيه. ومعه تبقى روايات النجاسة بلا معارض، فيعول عليها، وإن كان الاتفاق المذكور قولا وعملا قد يكفي بنفسه للقطع أو الاطمئنان الشخصي بنجاسته أيضا بنحو القضية المهملة. الثالث: إيقاع المعارضة بين روايات الطهارة الصريحة في نفي النجاسة مع الصريح من روايات النجاسة، كرواية محمد بن مسلم التي ورد فيها التشديد على المني وأنه أشد من البول، فإنها لا تقبل الحمل على التنزه، ويرجع بعد التساقط إلى سائر روايات النجاسة الظاهرة فيها ظهورا قابلا للحمل على التنزه في نفسه بقرينية روايات الطهارة لولا ابتلاءها بالمعارض، تطبيقا للقاعدة التي استخلصناها من الرجوع إلى العام الفوقاني بعد تساقط الأدلة الخاصة على ما تقدم توضيحها مرارا. وهكذا يثبت نجاسة المني بنحو القضية المهملة التي قدرها المتيقن مني الإنسان. المقام الثاني: في تشخيص حدود تلك القضية. ويقع البحث عنه ضمن جهات. الجهة الأولى: في شمولها للحيوان ذي النفس غير المأكول. ولا إشكال في أن أكثر روايات الباب منصرفة إلى المني من الإنسان بقرينة ما ورد فيها من فرض الإصابة للثوب أو البدن أو نحو ذلك مما لا يكون عادة بغير مني الإنسان. غير أن رواية محمد بن مسلم المتقدمة حيث لم يفرض في صدرها الملاقاة مع الثوب أو البدن وإنما ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول، قد يدعى إطلاقها للمني من غير الإنسان أيضا وكون الحكم بالنجاسة المستفاد من قوله ذكر المني فشدده من شؤون طبيعة المني بما هو. وقد منع عن الإطلاق المذكور المحقق الهمداني (ره) باعتبار ما ورد

[ 64 ]

في ذيل الرواية " إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك وكذلك البول " حيث يكون قرينة على أن النظر فيها أيضا إلى مني الإنسان كما هو الحال في سائر الروايات. ويرد عليه: أنه فرق بين أن يأتي الحكم بالنجاسة على فرض إصابة المني للثوب وبين أن يأتي على طبيعي المني ثم يفرع عليه أنه إن أصاب الثوب فالصلاة فيه حكمها كذا. ففي الأول لا يكون للحكم بالنجاسة إطلاق لغير المني الذي يتعارف إصابته للثوب وهو مني الإنسان، وأما الثاني فلا يكون فرض الإصابة بلحاظ حكم آخر مترتب على النجاسة وهو البطلان قرينة على اختصاص موضوع الحكم الأول وهو النجاسة بمني الإنسان. وهكذا يثبت بمثل هذا الإطلاق في الأدلة اللفظية على نجاسة المني الشمول لمني الحيوان غير المأكول إذا كان ذا نفس سائلة. الجهة الثانية - في حكم مني ما يؤكل لحمه من الحيوانات ذات النفس السائلة، والبحث فيه تارة يقع بلحاظ المقتضي للحكم بالنجاسة إثباتا، وأخرى بلحاظ المانع عن ذلك. أما البحث بلحاظ الأول، فأكثر روايات الباب وإن كان من الممكن دعوى انصرافها عن مني غير الإنسان كما عرفت، إلا أن إطلاق رواية محمد ابن مسلم لا بأس به للشمول لمني ما يؤكل لحمه أيضا، لأن موضوع التشديد هو طبيعي المني الشامل بإطلاقه لذلك. ودعوى اختصاص نجاسة المني المستفادة من هذه الرواية بمني الحيوان الذي يكون بوله نجسا لأن ذلك مقتضى الأشدية. وأما حيث يكون البول طاهرا فأشدية المني منه لا تقتضي نجاسته. مدفوعة، بأن الرواية لم تقتصر على الحكم بأشدية المني من البول، بل شددته وجعلته أشد من البول، والنجاسة تستفاد من التشديد المذكور

[ 65 ]

أولا والذي موضوعه طبيعي المني والأشدية من البول التي بينت ثانيا وإن كانت لا تقتضي نجاسة مني حيوان طاهر البول ولكنها لا تأبى عن نجاسته أيضا، إذ لا يستفاد منها الملازمة بين النجاستين فيبقى إطلاق التشديد الدال على النجاسة على حاله. وأما البحث عن وجود المانع على تقدير تمامية الإطلاق، فقد ذكر السيد الأستاذ - دام ظله - في المقام روايتين اعترف بمعارضة أحدهما مع الإطلاق ومنعها في الأخرى (1). أما التي قبل معارضتها، فهي ما تقدم في بحث نجاسة البول مما دل على أن ما يؤكل لحمه لا بأس بما يخرج منه، كرواية عمار عن أبي عبد الله (ع) " قال: كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " وهي شاملة بإطلاقها للمني الذي يخرج منه أيضا، فيقع التعارض بينها وبين إطلاق رواية محمد ابن مسلم في نجاسة المني بنحو العموم من وجه ويرجع بعد التساقط إلى الأصول العملية. وفيه: أن هذه الرواية حاكمة بإطلاقها على إطلاق دليل النجاسة، باعتبار ما أشرنا إليه فيما سبق من أن لسانها لسان الاستثناء عن المحذور المفروغ عن ثبوته فيما يخرج من الحيوان بنحو القضية المهملة، ودليل الاستثناء يكون ناظرا إلى دليل المستثنى منه فيتقدم عليه بالحكومة. وأما الرواية التي لم يقبل معارضتها مع دليل النجاسة فصحيحة ابن بكير المتقدمة في " أن ما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وشعره وبوله وكل شئ منه جائز " حيث يشمل عمومها المني أيضا وإنما منع عن إيقاع المعارضة بينها وبين دليل النجاسة بدعوى أنها ناظرة إلى حيثية المانعية ونفيها فلا يستفاد منها نفي النجاسة.


(1) التنقيح الجزء الأول ص 244.

[ 66 ]

[ وأما المذي والوذي والودي فطاهر من كل حيوان إلا نجس العين (1) ] والصحيح أن هذه الرواية أيضا معارضة مع دليل النجاسة، فإن المحذور المنظور فيه في الرواية وإن كان هو المانعية في الصلاة إلا أن تجويز الصلاة في كل شئ مما يؤكل لحمه يدل بالالتزام على نفي محذور النجاسة فيها أيضا، إذ لولا ذلك لكان الحكم بالجواز جهتيا وهو خلاف ظاهر حال المولى وتصديه بنفسه بالعموم لبيان جواز الصلاة في كل شئ منه. نعم لو كان الجواز معلقا على عنوان ما يخرج من المأكول من دون استعمال أدوات العموم لم يكن يستفاد منه ذلك إذ لا يقتضي أكثر من الجواز وعدم المانعية من ناحية ذلك العنوان. وهكذا يتلخص تمامية المانع إثباتا عن الحكم بنجاسة المني مما يؤكل لحمه على تقدير تمامية المقتضي. الجهة الثالثة - في حكم مني ما لا نفس له من الحيوانات. والبحث فيه من ناحية المقتضي هو البحث في الجهة السابقة، إذ لا بأس بالإطلاق في رواية محمد بن مسلم، إلا إذا شكك في أصل صدق عنوان المني حقيقة على ماء الحيوانات التي ليس لها نفس سائلة، وهو تشكيك ليس بالبعيد. وأما البحث من ناحية المانع فالمقيد للإطلاق إما الإجماع المدعى على الطهارة، وإما مثل قولهم (ع) لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة، حيث يتمسك بإطلاق المستثنى منه للمني من الحيوان غير ذي النفس. غير أنه قد تقدم النظر في الاستدلال به على طهارة بول ما لا نفس له فراجع. (1) المعروف بين فقهائنا هو الحكم بطهارة المذي والوذي والودي الخارج من حيوان طاهر العين، بل لا يبعد دعوى حصول الاطمئنان

[ 67 ]

الشخصي بالطهارة حيث لم نجد مخالفا عدا ما نسب إلى ابن الجنيد من الحكم بنجاسة المذي إذا كان عن شهوة، وهو غير ضائر بحصول الوثوق أو الجزم من إجماع فقهاء الطائفة. وبه يحمل بعض الروايات التي قد يستظهر منه نجاسة المذي ولزوم الغسل منه على التنزه والاستحباب وذلك من قبيل رواية الحسين بن أبي العلاء قال: " سألت أبا عبد الله عن المذي يصيب الثوب؟ قال (ع): إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله " (1) فإن الأمر بغسل الملاقي دال عرفا على نجاسته ونجاسة الملاقى، ولو قطع النظر عن الإجماع يتعين أيضا حمل الأمر بالغسل على التنزه، بقرينة الروايات الظاهرة في عدم وجوب الغسل ونفي النجاسة، كرواية محمد بن مسلم " عن المذي يصيب الثوب، فقال (ع): ينضحه بالماء إن شاء " (2) ورواية الحسين بن أبي العلاء " سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب؟ قال: لا بأس به، فلما رددنا عليه فقال: ينضحه بالماء " (3). وأما دعوى حمل الرواية الآمرة بالغسل على فرض خروج المذي بشهوة والروايات النافية على فرض خروجه بدون شهوة، فمدفوعة: بأن هذا الحمل إن كان بلحاظ تقييد كل من الإطلاقين بالمتيقن من معارضه فهو جمع تبرعي كما حقق في محله، مضافا إلى أن التقييد بعدم الشهوة تقييد بالفرد النادر. وإن كان بلحاظ وجود مفصل بين الفرضين وهو يوجب تقييد مطلقات الأمر بالغسل بفرض الشهوة ومطلقات نفيه بفرض عدمها، فيرد عليه: مضافا إلى عدم صحة التقييد الثاني لندرة فرض عدم الشهوة، أن ما يتوهم كونه مفصلا كذلك رواية أبي بصير " قال: قلت لأبي عبد الله (ع): المذي يخرج من الرجل؟ قال: أحد لك فيه حدا؟


(1) (2) (3) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب النجاسات.

[ 68 ]

[ وكذا رطوبات الفرج والدبر ما عدا البول والغائط (1) ] قال: قلت نعم جعلت فداك. فقال: إن خرج منك على شهوة فتوضأ، وإن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء " (1) بعد حمل الوضوء فيها على الغسل، ولكنه حمل بلا قرينة، ومع فرض إرادة الوضوء المقابل للغسل منها تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام. وأما الوذي والودي، فلا يوجد ما يتوهم دلالته على نجاستهما فيكفي في نفي نجاستهما الأصل، مضافا إلى ما دل على طهارة البلل المشتبه بالبول الكاشف عن عدم نجاسة البديل المحتمل للبول واقعا. ورواية زرارة " عن أبي عبد الله (ع) قال: إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي أو وذي وأنت في الصلاة فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك فإنما ذلك بمنزلة النخامة وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل أو من البواسير وليس بشئ فلا تغسله من ثوبك إلا أن تقذره " (2). (1) كما دلت على ذلك رواية زرارة المتقدمة، ورواية إبراهيم بن أبي محمود " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن المرأة عليها قميصها، أو إزارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب أتصلي فيه؟ قال إذا اغتسلت صلت فيهما " (3) وقد يدعى الإطلاق في هذه الرواية لمني الرجل الذي يدخل إلى فرج المرأة بالجماع ثم يخرج بالتدريج، فتكون الرواية دليلا على طهارة المني المذكور إذا خرج من فرج المرأة، وقد يؤيد ذلك فرض المرأة جنبا الذي قد يكون إشارة إلى ترقب خروج مني الرجل من فرجها. ولكن وجود مثل هذا الإطلاق محل إشكال، لاحتمال النظر في الرواية


(1) (2) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب نواقض الوضوء. (3) وسائل الشيعة باب 55 من أبواب النجاسات.

[ 69 ]

[ الرابع: - الميتة من كل ما له دم سائل حلالا كان أو حراما (1). ] إلي رطوبات الفرج بما هي لا إلى ما يدخل إليه من خارج، وفرض المرأة جنبا قد يكون لاحتمال الاختلاف في حكم رطوبات الفرج بين الجنب وغيرها. ولو سلم الإطلاق فهو معارض بإطلاق ما دل على نجاسة المني لعدم حصول الاستحالة بمجرد مكثه في فرج المرأة أو خروجه منه ومع التساقط يرجع إلى استصحاب النجاسة. (1) قد اختلفت كلمات الأصحاب في مدرك الحكم بنجاسة الميتة، بين من يقول باستفاضة الأخبار الدالة عليها، وبين من ينكر وجود دليل واحد لفظي تام الدلالة على النجاسة، كصاحب المدارك والمعالم - قدهما -. حيث ادعيا: انحصار مدرك القول بالنجاسة في الإجماع، والتسالم الفقهي الذي يكون دليلا لبيا. ونحن نذكر فيما يلي الروايات التي استدل بها على النجاسة، ثم نذكر ما قد يجعل معارضا لها. فالكلام في مقامين: (المقام الأول) في الروايات التي يستدل بها على النجاسة، وهي طوائف: الأولى: - روايات النزح من البئر إذا وقعت فيه الميتة (1) وهي لو لاحظناها في نفسها لا ينبغي الارتياب في دلالتها عرفا على نجاسة الميتة التي لاقت الماء، كما يدل الأمر بالغسل على نجاسة ملاقي الغسول. ولا يصغى إلى ما قد يقال: من أن النزح الذي هو مجرد تقليل من الماء المتنجس لا يكون تطهيرا كالغسل، كي يرشد إلى نجاسة الملاقى. فإنا قد أوضحنا في أبحاث ماء البئر: أن نزح البئر غير تقليل الماء، بل هو


(1) وردت جملة منها في باب (17) من أبواب الماء المطلق من وسائل الشيعة.

[ 70 ]

نوع تطهير للبئر بحسب النظر العرفي، لأن البئر لا يكون مجرد مستودع للماء، وإنما هو منبع له بحيث كلما نزح منه نبع فيه الماء النقي ثانيا فيكون بهذا الاعتبار تنظيفا. غير أن الإشكال على الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات، معارضتها بما دل على اعتصام البئر من الروايات التي استعرضناها في أبحاث ماء البئر. وهذه المعارضة إن فرض استحكامها بدرجة تؤدي إلى سقوط روايات النزح عن الحجية سندا، إما وحدها لمرجح في أخبار الاعتصام، أو معها، فلا إشكال حينئذ في عدم إمكان الاستدلال بها في المقام على نجاسة الميتة. وإن فرض عدم سريان التعارض إلى سندها، بل غاية ما يلزم سقوط ظهور الأمر بالنزح فيها وحمله على التنزه والاستحباب. فينفتح حينذاك بحث في المقام عن إمكان الاستدلال بها على نجاسة الميتة وعدمه. وتفصيل الكلام في ذلك: أن هناك وجوها ثلاثة لتقريب دلالتها على نجاسة الميتة، بعد سقوط دلالتها على نجاسة ماء البئر. الوجه الأول: - دعوى كفاية الأمر بنزح ماء البئر ولو تنزها في الإرشاد إلى وجود محذور النجاسة في الملاقي، وأن النزح المذكور كان بملاكه، وإن كان الماء معتصما مما أدى إلى عدم لزوم النزح. وفيه أن الأمر التنزيهي بالنزح لا يدل على وجود حزازة تنزهية في الملاقي دون اللزومية، ومن هنا لم يستكشف من الأمر بالنزح فيما إذا لاقاه الجنب نجاسة بدنه. الوجه الثاني: - دعوى أن جهة السؤال في هذه الروايات لم تكن هي الشك في نجاسة الميتة وعدمها، كي يقال بأن الأمر التنزيهي بالنزح لا يستلزم الإرشاد إلى نجاستها، وإنما السؤال عن ماء البئر واعتصامه، وهذا لا يكون إلا بعد فراغ السائل عن نجاسة الملاقي معه، لاستكشاف اعتصام

[ 71 ]

الماء وعدمه والإمام عليه السلام قد أمضى ما فرغ عنه السائل ارتكازا من نجاسة الميتة الملاقية مع الماء. فيكون ذلك دليلا على النجاسة، وإن لم تكن منجسة للبئر باعتبار اعتصامه. والحاصل: أن في روايات النزح ظهورين عرضيين: ظهورا في إمضاء ما ارتكز في ذهن السائل وفرغ عنه من نجاسة الميتة، وظهورا للأمر بالنزح في انفعال ماء البئر. والساقط من الظهورين هو الأخير بقرينة روايات الاعتصام دون الأول. وفيه: أن استظهار كون جهة السؤال في هذه الروايات هو اعتصام البئر وعدمه مع المفروغية عن نجاسة الميتة يتوقف على ثبوت ارتكازية نجاسة الميتة في ذهن المتشرعة، على حد بعض النجاسات الأخرى المعروفة المركوزة لديهم. ومثل هذا الارتكاز المتشرعي وإن لم يكن ببعيد، إلا أنه لو كان فهو بنفسه كاف للكشف القطعي عن الحكم بالنجاسة، دون حاجة إلى استئناف الاستدلال عليه بالروايات. وأما حيث لا يدعى الجزم بثبوته فلا يبقى ما يعين جهة السؤال لروايات النزح فيما ذكر، بل لعل السائل كان يسأل عن حكم الميتة بلسان السؤال عن ملاقياتها التي أحدها ماء البئر، فلا يستفاد من النزح التنزهي عندئذ محذور النجاسة. الوجه الثالث: - إنا نثبت نجاسة الميتة حتى لو فرض أن حيثية السؤال عن الميتة ونجاستها، وذلك بقانون حجية الدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية. فإن روايات النزح تدل بالمطابقة على لزوم النزح، وبالالتزام على نجاسة الميتة. والذي يسقط بأدلة اعتصام ماء البئر هو حجية المدلول المطابقي مع بقائه ذاتا فيكون المدلول الالتزامي أيضا باقيا ذاتا، فيشمله دليل الحجية بلا مانع. وفيه: أنا أوضحنا في محله من علم الأصول أن الدلالة الالتزامية كما هي تابعة للمطابقية ذاتا كذلك هي تابعة لها حجية.

[ 72 ]

وهكذا يتلخص إن الاستدلال بروايات نزح البئر من الميتة على نجاستها غير تام. الطائفة الثانية: - الروايات الدالة على نجاسة البئر بالتغير بالميتة. وتمتاز هذه الطائفة على سابقتها بعدم معارضتها مع أدلة اعتصام البئر، فتكون حجة في كلا مدلوليها المطابقي والالتزامي، فتكون سليمة عن الاعتراض السابق. وربما يناقش في الاستدلال بهذه الطائفة: بأن الأمر بالنزح في هذه الطائفة لم يرد منفصلا عن الطائفة السابقة، وإنما الروايات تكفلت بيان حكم صورة الملاقاة من دون تغير والملاقاة مع التغير معا، مع التفريق بينهما في مقدار النزح، فإذا فرض أن الأمر بالنزح بلحاظ فرض الملاقاة من دون تغير تنزيهي لا لزومي، بقرينة أدلة الاعتصام، لا ينعقد للأمر بالنزح في فرض التغير ظهور في الإلزام، كي يستفاد منه الإرشاد إلى نجاسة الميتة، لاتحاد سياقه مع سياق الأمر بالنزح في صورة عدم التغير. وفيه عدم انحصار روايات هذه الطائفة فيما يكون ظاهرا في وحدة سياق الأمر بالنزح للصورتين، بل هناك عدة روايات يمكن الأخذ بظاهر الأمر فيها بالنزح لصورة التغير. منها: ما ورد في فرض التغير فقط، كرواية محمد بن مسلم " أنه سأل أبا جعفر (ع) عن البئر يقع فيها الميتة. فقال إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا " (1) إذ هي مختصة بصورة التغير، بناء على رجوع الضمير في (لها ريح) إلى البئر لا إلى الميتة.


(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الماء المطلق.

[ 73 ]

ومنها: ما تكفل حكم الصورتين معا، ولكن مع عدم اتحاد السياق فيه، كرواية سماعة " قال: سألت أبا عبد الله عن الفأرة تقع في البئر أو الطير. قال: إن أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء، وإن كانت سنورا أو أكبر منه نزحت منه ثلاثين دلوا أو أربعين دلوا، وإن أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء " (1) بناء على أنه يستظهر من الترديد والتخيير في النزح بين الثلاثين والأربعين دلوا أن النزح في صورة عدم التغير تنزهي، بخلاف صورة التغير فإنه لا بد من النزح حتى يذهب النتن الظاهر في اللزوم. ومنها: ما أمر فيها بالنزح فيما إذا وقعت الميتة في البئر من دون تفصيل بين ما إذا تغير الماء بها أم لم يتغير، وهي بعد تخصيصها بصورة التغير - بقرينة أدلة الاعتصام - تكون دالة على النجاسة لا محالة. الطائفة الثالثة: - وهي أحسن الطوائف الثلاث في مقام الاستدلال على نجاسة الميتة - ما دل على انفعال المائع غير المعتصم بملاقاة الميتة، من قبيل ما ورد من الروايات المتفرقة الآمرة بإراقة المايعات الملاقية مع الميتة، وهي روايات عديدة تامة الدلالة على نجاسة الميتة عرفا (2). لأن الأمر بإراقة مثل السمن والزيت والمرق لو كان ذائبا يفهم منه عرفا، بقرينة ارتكازية سراية النجاسة في فرض الذوبان، أن الأمر المذكور من جهة النجاسة السارية، لا لجهة تعبدية نفسية، كما هو واضح. ومن جملة روايات هذه الطائفة ما دل على إفساد الميتة للماء، من قبيل: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة ". ودليل منجسية شئ يدل


(1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب ما يكتسب به وباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة وباب 4 من الماء المطلق.

[ 74 ]

بالالتزام العرفي على نجاسته. الطائفة الرابعة: - ما دل على تنجيس الميتة أو المائع الملاقي للميتة لما يلاقيه من الجامدات، من قبيل ما دل على الأمر بغسل كل ما أصابه الماء الذي وقعت فيه الميتة، وما دل على النهي عن الأكل في آنية أهل الكتاب إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير، كما في رواية محمد ابن مسلم عن أحدهما (ع) " قال: سألته عن آنية أهل الكتاب فقال: لا تأكل في آنيتهم، إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير " (1) بناء على ظهور النهي - سواء كان إلزاميا أو تنزيهيا - في كونه بلحاظ الصفة المشتركة، المنسبقة إلى الذهن من عناوين الميتة والدم ولحم الخنزير وهي النجاسة. وهناك طائفة خامسة ربما يستدل بها على النجاسة، وهي الروايات الناهية عن الصلاة في الميتة، فيؤخذ ذلك إرشادا إلى نجاستها. غير أن الاستدلال المذكور غير وجيه، بعد وضوح احتمال أن يكون النهي المذكور بملاك المانعية النفسية في الصلاة في الميتة، كما هو كذلك فيما لا يؤكل لحمه ولو كان طاهرا. ولذلك ذهب بعض الفقهاء إلى المنع عن الصلاة في الميتة ولو كانت طاهرة، كميتة ما لا نفس سائلة له. وعليه ففيما تقدم من الطوائف الدالة على النجاسة، وغيرها من الروايات المتفرقة التي لم نذكرها، علاوة على التسالم الفقهي والارتكاز المتشرعي على نجاسة الميتة كفاية لإثبات تمامية المقتضي للنجاسة. المقام الثاني: في الروايات التي قد يدعى معارضتها لما تقدم وهي روايتان: الأولى: مرسلة الصدوق التي ذكرها الفقهاء في المقام، وهي قوله في الفقيه: " سئل الصادق (ع) عن جلود الميتة، يجعل فيها اللبن والماء


(1) وسائل الشيعة باب 54 من الأطعمة المحرمة.

[ 75 ]

والسمن ما ترى فيه؟ قال: لا بأس أن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، وتتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تصل فيها " (1). وهي واضحة الدلالة على طهارة الميتة، خصوصا وقد عطف فيها اللبن والسمن على الماء، مما يسد باب احتمال أن يكون الحكم بجواز الوضوء أو الشرب من الماء الملاقي مع الميتة باعتبار عصمة الماء مثلا وعدم انفعاله حتى بعين النجاسة، لو احتمل ذلك في نفسه. وقد ادعى صاحب المدارك: أن نقل الصدوق لهذه الرواية ثلم للإجماع والتسالم على نجاسة الميتة، إذ قد تعهد في صدر كتابه أنه لا يروي إلا ما يعتمد عليه في مقام الإفتاء، فيدل على أنه كان يفتي بعدم النجاسة. ومن هنا ينفتح البحث حول هذه المرسلة، تارة: من ناحية الاستدلال بها كرواية معارضة مع الروايات الظاهرة في نجاسة الميتة. وأخرى: من ناحية ثلمها للإجماع والتسالم الفقهي. أما الاستدلال بها فيرد عليه: - أولا: ضعف السند، باعتبار الإرسال. والصدوق (ره) وإن كان يرويها بنحو الجزم، حيث يقول سئل الصادق (ع)، إلا أن ذلك لا يكفي في شمول دليل الحجية له، ما دام لا يحتمل في حق مثل الصدوق أن ينقل الرواية عن الصادق (ع) بالحس، أو ما يكون بحكمه، كأن تكون الرواية المذكورة متواترة النقل إلى زمانه، وأن النقل المذكور يكشف عن تأكد الصدوق من صدور الرواية، وهذا لا يكفي لحجيتها ثانيا: - لو فرض صحة سندها - لا تكون - أيضا - مشمولة لدليل الحجية، باعتبار ما لدينا من الظن القوي والوثوق بخلاف مضمونها، على ضوء ملاحظة مجموعة الفتاوى والنصوص الدالة على النجاسة.


(1) وسائل الشيعة باب 24 من النجاسات.

[ 76 ]

وأما ثلم نقل الصدوق لها في كتاب من لا يحضره الفقيه للإجماع، فقد أجيب عليه تارة: بعدم قدح مخالفة الواحد، وأخرى بأن نقل الصدوق له غاية ما يدل عليه أنها لم تكن من الروايات الشاذة الضعيفة، فإن المستفاد من تعهده في أول كتابه أنه لا يروي إلا ما يكون صحيحا في نفسه، وهذا لا يلزم أن تكون الرواية تامة الجهات في نظره - سندا ودلالة - مع عدم المعارض لها، ولا قرينة على خلافها، كي يستفاد من ذلك إفتاؤه بمضمونها، فيلزم انثلام الإجماع. والواقع: أن كلا هذين الجوابين مما لا تقنع النفس به، بل يبقى لكلام صاحب المدارك شئ من الوجاهة. إذ دعوى عدم قدح مخالفة الواحد ليست صحيحة في كل مقام، بحيث يمكن فرضه قاعدة كلية، بل لا بد من ملاحظة خصوصيات ذلك المخالف ومركزه وموقعه. فمخالفة مثل الصدوق (ره) القائم على رأس حوزة يكثر فيها الفقهاء والمشايخ قد تكشف عن عدم التسالم الارتكازي على النجاسة. كما أن دعوى: عدم إفتائه بمضمون ما يرويه في كتابه، أيضا خلاف ظاهر تعهده في أول الكتاب: بأنه ينقل فيه ما يعتمد عليه في مقام الإفتاء. ويدل عليه: أنه صنف ذلك الكتاب لمن لا يحضره الفقيه من مقلديه، الذين يبغون الإطلاع على فتاواه. نعم ربما يدعى: عدم الجزم باعتماده على إطلاقها، فلعله كان يحملها على فرض كون الميتة مما لا نفس سائلة له، وإن كان يوحي عدم تقييده بذلك اعتماده على إطلاقها. وعلى أي حال: فلو فرض قدح مثل هذه العبارة في كتاب الصدوق في التسالم والإجماع، يكفينا لإثبات النجاسة الأدلة اللفظية المتقدمة. الثانية: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع): " قال:

[ 77 ]

سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: ليس عليه غسله، وليصل فيه ولا بأس (1) " فإن نفي الأمر بالغسل، مع ضم ارتكاز سراية النجاسة بالملاقاة، يدل عرفا على عدم نجاسة الميتة. ويمكن أن يدفع هذا الاستدلال: بأن مورد الرواية مطلق من حيث وجود الرطوبة وعدمها، ونفي الأمر بالغسل إنما يدل على عدم النجاسة بإطلاقه لفرض الرطوبة، وعليه يتعين تقييد هذا الإطلاق بما دل على نجاسة الميتة وعلى انفعال المائعات بها، فتختص هذه الرواية بفرض عدم الرطوبة. ودعوى: أن هذه الرواية ليست مطلقة بل هي منصرفة إلى فرض وجود الرطوبة، لأن نفس ارتكاز عدم السراية بدون رطوبة، قرينة على أن استشكال السائل في لزوم غسل الثوب الداعي إلى سؤاله إنما هو منصب على فرض الرطوبة، ولا أقل من كون ذلك منظورا إليه بصورة أساسية، على نحو لا يمكن تقييد الجواب بفرض الجفاف الذي هو خارج عن معرض استشكال الإنسان العرفي في السراية. مدفوعة: بأن هذا إنما يتم لو استظهر كون نظر الراوي إلى جهة سراية النجاسة بالملاقاة حسب قواعد السراية العرفية، أما لو افترضنا أن نفس الملاقاة مع الميتة بما هي ملاقاة معها كانت موضوع استشكال لدى المتشرعة، فلا يتجه ما تقدم من دعوى اختصاص الرواية بفرض السراية وهكذا الافتراض يوجد عليه شاهد بلحاظ شخص علي بن جعفر راوي الرواية، حيث جاء في صحيحة أخرى له: " أنه سأل عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال: ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس " (2) فإنه


(1) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 26 من النجاسات.

[ 78 ]

بعد استبعاد خفاء نجاسة الكلب على مثل علي بن جعفر يتعين أن يكون السؤال ناظرا إلى فرض عدم الرطوبة، للاحتمال أن يكون مجرد الملاقاة مع الميت موضوعا لأثر شرعي، بلحاظ خصوصية في الموت. بقي الكلام في الميتة من الإنسان: فهل يحكم بنجاستها مطلقا أيضا، أو بطهارتها كذلك، أو فيهما تفصيل؟. الحق هو التفصيل بين ميتته قبل الغسل وميتته بعده، فيحكم بالنجاسة في الأول والطهارة في الثاني، للروايات الآمرة بغسل ما يلاقي ميتة الإنسان إذا كان قبل الغسل، كرواية إبراهيم بن ميمون، عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت. قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، وإن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت " (1) ويحمل عليه أيضا ما ورد فيه الأمر بالغسل مطلقا، كرواية الحلبي، عن أبي عبد الله: " قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت. فقال: يغسل ما أصاب الثوب " (2). وقد يشك في دلالة روايات الباب الآمرة بالغسل على النجاسة. إما بلحاظ ارتكازية أن نجس العين لا يطهر مع وضوح أن الميت ليس بنجس بعد التغسيل، فيكون الارتكاز المذكور قرينة على رفع اليد عن ظهور الأمر بالغسل في نجاسة الميت، وحمله على كونه حكما تعبديا. وإما باعتبار البناء على ثبوت الأمر بغسل الملاقي لميت الإنسان مطلقا مع الرطوبة أو الجفاف، فيكون ارتكاز عدم سراية النجاسة مع عدم الرطوبة قرينة على أن الأمر بالغسل ليس بلحاظ نجاسة الميت، وإلا لاختص بحال الرطوبة.


(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات.

[ 79 ]

وإما بدعوى أن المراد بغسل الثوب غسل ما لصق به من رطوبة الميت وقذارته، ولا يدل ذلك على النجاسة الحكمية. وكل ذلك مدفوع: أما الأول فيرد عليه: أولا: أن ارتكاز عدم زوال النجاسة عن نجس العين إلا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع - من قبيل طهارة الكلب بصيرورته ملحا، أو طهارة الكافر بصيرورته مسلما - إنما يتم في الموارد التي تكون النجاسة الشرعية فيها بنكتة القذارة، لا بنكات معنوية، كما في المقام وكما في نجاسة الكافر والخمر، لأن زوال تلك النكتة المعنوية بالتطهير ليس على خلاف الارتكاز، بخلاف خروج ما تكون بذاته قذرا عن القذارة. وثانيا: أنه كما ينافي مع الارتكاز ارتفاع النجاسة عن نجس العين، كذلك ينافي مع الارتكاز حمل الأمر بالغسل على نجاسة الثوب الملاقي مع طهارة الملاقى - بالفتح - لأن الارتكاز يقتضي بعدم منجسية الطاهر. وكذلك يعتبر إيجاب غسل النظيف والطاهر تعبدا على خلاف الارتكاز. فإذا كانت كل المحتملات على خلاف الارتكاز فليؤخذ بظهور الأمر بالغسل في النجاسة. وأما الثاني فيرد عليه: أولا: أن ما تقدم من الروايات مشتمل على ما هو مختص بفرض الرطوبة، إذ قد فرض فيه أن شيئا ما قد أصاب الثوب من الميت، وهذا لا يتصور مع الجفاف. ووجود ما يدل على الأمر بالغسل مطلقا لا يكون مضرا. وثانيا: لو سلم الإطلاق فظهور مادة الغسل في ثبوت النجاسة في مورده، مع ارتكاز عدم سراية النجاسة بلا رطوبة، يكون كالقرينة المتصلة على تقييد الإطلاق. وأما الثالث: فيرد عليه: أن حمل الأمر بغسل الثوب على إرادة إزالة العين التي التصقت به من الميت خلاف الظاهر، لأن المفهوم عرفا

[ 80 ]

[ وكذا أجزائها المبانة منها، وإن كانت صغارا (1). ] من الأمر بالغسل ملاحظة الغسل لا بوصفه مجرد مزيل، بل باعتباره منظفا للمحل. واعتباره كذلك يساوق النجاسة عرفا. ومن جملة ما يمكن أن يستدل به على النجاسة موثقة عمار: " قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر فقال: ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا. وما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه: فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا، وأقله العصفور ينزح منها دلو واحد، وما سوى ذلك فيما بين هذين " (1). فإن هذه الرواية تفرق بين جيفة المذكى وجيفة الميتة، والمنسبق إلى الذهن العرفي المتشرعي من هذه التفرقة أنها بلحاظ نجاسة الميتة، بعد أن كان أهم فارق مركوز بين الجيفتين نجاسة الميتة وطهارة المذكى. وحيث جعلت ميتة الإنسان معطوفة على ميتة غيره، بل أشد منها، استفيد من ذلك نجاستها سواء كان الأمر بالنزح إلزاميا أو تنزيهيا. ومثل هذا التقريب لم يكن بالإمكان إجراؤه فيما تقدم عند محاولة الاستدلال بروايات النزح على أصل نجاسة الميتة لأن هذا التقريب يعتمد على افتراض المفروغية عن ارتكاز نجاسة ميتة الحيوان. (1) قد يشك في الحكم بنجاسة الجزء المبان، بدعوى أن العنوان المأخوذ في موضوع روايات النجاسة هو الميتة، والجزء من الحيوان الميت لا يصدق عليه هذا العنوان، فلا يشمله دليل النجاسة. ويمكن دفع هذا التشكيك: تارة: بأن اتصال بعض الأجزاء ببعض لما كان دخله في النجاسة على


(1) وسائل الشيعة باب 21 من أبواب الماء المطلق.

[ 81 ]

خلاف الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع، فتلغى هذه الخصوصية، ويكون للدليل إطلاق لفرض الانفصال. وأخرى بالتمسك بمثل رواية قاسم الصيقل - لو تم سندها - " قال: كتبت إلى الرضا (ع): إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فيصيب ثيابي، أفأصلي فيها؟ فكتب إلى: اتخذ ثوبا لصلاتك.. إلخ " (1) فإن النظر في الرواية إلى سراية النجاسة إلى الثوب بالملاقاة، فهي تدل على أن الجلد المنفصل نجس فكذلك سائر الأجزاء المبانة. وثالثة: بالتمسك بظهور ما دل على طهارة الأجزاء التي لا تحلها الحياة، كرواية حريز قال: " قال أبو عبد الله لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن، واللباء، والبيضة، والشعر، والصوف، والقرن، والناب، والحافر، وكل شئ يفصل من الشاة والدابة. فهو ذكي وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (2). فإن أمره بالغسل على تقدير الأخذ بعد الموت قرينة على النظر إلى الطهارة في قوله: (فهو ذكي). وحينئذ يدل على أن الجزء المبان في الجملة محكوم بالنجاسة، وإلا لم يكن هناك معنى للتنصيص على هذه الأجزاء فقط. ورابعة: بالاستناد إلى ما دل على أن القطعة المبانة من الحيوان الحي ميتة، بدعوى: التعدي عرفا، وكون ذلك الدليل قرينة على أن الميتة عنوان لوحظ موضوعا للحكم الشرعي بنحو ينطبق على الجزء أيضا. وخامسة: بلحاظ ما دل على نجاسة الميتة، معلقا للحكم على عنوان الجيفة، من قبيل: قوله - في رواية حريز - " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء، وتغير الطعم فلا تتوضأ


(1) وسائل الشيعة باب 34 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

[ 82 ]

منه ولا تشرب " (1). بدعوى: أن الجيفة كما تصدق على الكل تصدق أيضا على القطعة المبانة من الميت، فيتمسك بإطلاقها. وسادسة: بصحيحة محمد بن مسلم، الناهية عن الأكل من آنية أهل الكتاب، معللة ذلك بأنهم يأكلون فيها الميتة (2). مع وضوح أنهم إنما يأكلون فيها جزءا من الميتة بعد اقتطاعه، فلو لم يكن نجسا لما تنجس الإناء. وسابعة: بالاستناد إلى استصحاب النجاسة الثابتة قبل فصل الجزء عن الميتة. والمهم هو التقريب الأول. وأما التقريبات الأخرى فأكثرها قابلة للمناقشة أما الثاني: فلضعف سند الرواية. وأما الثالث: فلأن قوله: (فهو ذكي) لعله في مقام بيان التذكية في مقابل الميتة وآثارها، فلو التزم بأن القطعة المبانة طاهرة مطلقا لا يلزم من ذلك إلغاء خصوصية العناوين المذكورة في الرواية، إذ يكفي في خصوصيتها جواز الصلاة فيها. وأما الرابع: فلإمكان منع التعدي عرفا من تنزيل القطعة المبانة من الحي منزلة الميتة إلى تنزيل القطعة المبانة من الميت، لأن الموت بالنحو المناسب للجزء عرض على تلك القطعة مستقلا، وعرض على هذه ضمنا، فلا غرابة - بقطع النظر عن الارتكاز الملحوظ في التقريب الأول - في أن تكون النجاسة في القطعة المبانة من الحي استقلالية، وتكون النجاسة في القطعة من الميتة منوطة باتصالها. اللهم إلا أن يقال: إن مثل ما جاء عن أبي عبد الله (ع) في رواية أبي بصير - لو تم سندها - من أنه قال " في إليات الضأن تقطع وهي أحياء: أنها ميتة " قد علق فيه الحكم بالميتة


(1) وسائل الشيعة باب 3 من الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 54 من الأطعمة المحرمة.

[ 83 ]

وما تستتبع من نجاسة على عنوان (إليات الضأن تقطع)، وهذا العنوان كما ينطبق على الإلية المقطوعة حال اتصالها كذلك ينطبق عليها بعد تقطيعها، فيثبت بالإطلاق أنها ميتة ونجسة بعد التقطعة أيضا، وإذا ثبت هذا في الإلية المقطوعة يثبت في أصل الميتة أيضا. وأما الخامس: فلأن تلك الروايات ليست في مقام البيان من ناحية أصل نجاسة الجيفة، يتمسك بإطلاقها، بل هي في مقام بيان انفعال الماء وعدم انفعاله. نعم لا بأس بالتقريب السادس. وأما السابع، وهو الاستصحاب فقد يستشكل في جريانه فيما إذا حصل الانفصال والموت في آن واحد، إلا أن يتمسك بالاستصحاب التعليقي ويقال: بأن هذا لو مات قبل ساعة لكان نجسا، فتستصحب هذه القضية التعليقية إلى حين الانفصال. وهكذا نعرف: أن أوضح التقريبات في دفع التشكيك هو الأول، أي إلغاء خصوصية الاتصال والهيئة التركيبية بالارتكاز العرفي. بل يمكن أن يقال في دفع التشكيك: أن ميتة الحيوان إذا قسمت إلى أجزاء فكل جزء وإن كان لا يصدق عليه عنوان الميتة فلا يكون فردا مستقلا من موضوع دليل النجاسة، ولكن مجموع الأجزاء يصدق عليها أنها ميتة ذلك الحيوان، لأن كونها كذلك غير موقوف على اتصال بعضها ببعض، فيثبت بإطلاق الدليل نجاسة المجموع، من دون حاجة إلى الاستعانة بالارتكاز العرفي لإلغاء دخل الهيئة التركيبية في موضوع النجاسة، وإنما نحتاج إليه لإلغاء دخل ما يكون دخله أوضح بطلانا، وهو انحفاظ سائر الأجزاء وعدم تلفها، فإنه بعد تجزئة الميتة إلى أجزاء تثبت النجاسة للمجموع على تجزئته لكونه ميتة. ولا يحتمل عرفا دخل بقاء جزء وعدم تحلله في بقاء النجاسة في الجزء

[ 84 ]

[ عدا ما لا تحله الحياة منها (1) كالصوف، والشعر، والوبر، والعظم، والقرن، والمنقار، والظفر، والمخلب، والريش، والظلف، والبيضة إذا اكتست القشر الأعلى. ] الآخر المنفصل عنه، وبذلك يثبت المطلوب. (1) دراسة حكم ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة تارة: يكون بلحاظ أدلة نجاسة الميتة الأولية. وأخرى: بلحاظ الروايات الخاصة الواردة فيما لا تحله الحياة. فهنا مقامان: أما المقام الأول: فقد يقال: بأن المستفاد من الأدلة الأولية نجاسة الميتة، ومقتضى ذلك نجاستها بتمام أجزائها، فتثبت النجاسة بالإطلاق للصوف والشعر ونحوهما أيضا. ويمكن التشكيك في هذا الإطلاق بدعوى: أن نجاسة الميتة استفيدت من روايات من قبيل: ما فرض فيه وقوع الميتة في الماء، أو تفسخ الفأرة في الإناء، أو سقوط الحيوان وموته في السمن والزيت ونحو ذلك، وأمر فيه بنزح الماء، أو إراقة المائع، أو غسل ما أصابه ذلك الماء، ونحو هذا. ومن الواضح أن ذلك لا يستكشف منه نجاسة تمام أجزاء الميتة حتى صوفها وشعرها، لأن نجاسة ما عدا ذلك من أجزائها التي تحلها الحياة تكفي لتصحيح الأمر بالنزح أو الإراقة أو الغسل، لأن المفروض وقوع الميتة في الماء أو السمن لا وقوع شعرها أو صوفها خاصة. نعم لو تم ما كان بلسان الفقه الرضوي: " إن مس ثوبك ميتا فاغسل ما أصاب، وإن مسست ميتة فاغسل يديك " (1) فقد يقال بإطلاقه لمس صوف الميتة، لأن مس صوفها مس لها، فيثبت بإطلاق الأمر بالغسل


(1) مستدرك الوسائل باب 26 من النجاسات.

[ 85 ]

نجاسة الصوف أيضا. وكذلك لو قيل بالتوسعة في مفهوم جسد الميت في قوله: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت "، بدعوى: أن شعر الميت من جسده. ولكن الرضوي ساقط سندا. والتوسعة المذكورة غير واضحة عرفا. والروايات التي ذكرناها في المسألة السابقة لإثبات نجاسة جزء الميتة، والتي أخذ في موضوعها عنوان الجلود أو إليات الغنم المقتطعة من الحي أو الجيفة أو الميتة التي توجد في أواني أهل الكتاب، لا تشمل مثل الصوف والشعر مما لا تحله الحياة كما هو واضح. ولا يمكن التعدي من القدر المتيقن لدليل النجاسة وهو ما تحله الحياة إلى ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة، بعد فرض عدم وجود الإطلاق اللفظي، لأن الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع توجب احتمال الفرق وجدانا، بل قد يدعى: أنه لو تم دليل نجاسة الميتة بعنوانها لما اتجه الأخذ بإطلاقه لإثبات نجاسة مثل الصوف والشعر: إما لخروج مثل ذلك العنوان موضوعا بعد عدم شمول الموت له في نظر العرف، وإما لخروجه حكما لو سلم شمول لفظ الميتة اصطلاحا حتى لما لا يشمله الموت للتبعية وذلك بمناسبات الحكم والموضوع. فعلى أي حال للتشكيك في وجود الإطلاق في نفسه - بقطع النظر عن الأخبار الخاصة - مجال، ومعه يكون المرجع الأصول النافية للنجاسة. المقام الثاني: فيما تقتضيه الروايات الخاصة. والكلام في ذلك يقع في جهتين إحداهما: في الروايات التي يستدل بها على طهارة ما لا تحله الحياة من الميتة والأخرى: في الروايات التي قد يستدل بها على نجاسة تلك الأجزاء، إما على نحو النجاسة العينية المطلقة، أو على نحو النجاسة


(1) وساائل الشيعة باب 34 من النجاسات.

[ 86 ]

العينية التي تزول بالغسل، كنجاسة ميتة الإنسان. أما الجهة الأولى: فروايات الطهارة طائفتان: الأولى: ما دلت على طهارة العناوين المذكورة واستثنائها من حكم الميتة بدون إعطاء العنوان الكلي الجامع لها، من قبيل رواية الحسين بن زرارة: قال: " كنت عند أبي عبد الله (ع) وأبي يسأل عن اللبن من الميتة، والبيضة من الميتة، وأنفحة الميتة. فقال: كل هذا ذكي " (1) ورواية الصدوق: " قال الصادق (ع) عشرة أشياء من الميتة ذكي: القرن، والحافر، والعظم، والأنفحة، واللبن، والشعر، والصوف، والريش، والبيض " (2). وهذه الطائفة - والتي فيها ما هو معتبر السند - لا إشكال في دلالتها على الطهارة. ولكن قد يستشكل في دلالتها على الضابطة الكلية وهي طهارة كل ما لا تحله الحياة، ويقال: بلزوم الاقتصار على العناوين المذكورة فيها غير أنه لا يبعد دعوى: استفادة قاعدة كلية منها بحمل ما ورد فيها من العناوين على المثالية، واقتناص الجامع المنتزع منها بحسب فهم العرف والمناسبات التي يراها للحكم المذكور وجعله هو موضوع الحكم بالطهارة، فمن القريب أن يقال: إن العرف يفهم من العناوين المذكورة أنها كلها بنكتة مشتركة قد حكم عليها بالطهارة، وهي كونها مما لا تحلها الحياة ولم تكن مصب الروح الحيوانية، وإن كانت بالنظر العقلي الدقيق فيها شئ من الحياة وبذلك يستفاد من هذه الطائفة ما يستفاد من الطائفة الثانية من الحكم بطهارة كل ما لا تحله الحياة من أجزاء الحيوان.


(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

[ 87 ]

الثانية: ما دلت على الطهارة بعنوان كلي ينطبق على ما ليس فيه روح ولا تحله الحياة من الأجزاء، من قبيل رواية الحلبي عن أبي عبد الله (ع) " قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، إن الصوف ليس فيه روح " (1) ودلالتها على القاعدة الكلية واضحة. كما أن المقصود من الروح فيها الحياة الحيوانية، لا مجرد النمو كما هو واضح عرفا، فيشمل كل جزء غير لحمى من الحيوان، لأنه ليس فيه روح، إما بالإطلاق اللفظي لو قيل بأن ما فيه الروح تعبير عرفي عن اللحم، أو بالإطلاق المقامي باعتبار أن العرف يفهم أن ما فيه الروح والحياة الحيوانية هو اللحم فقط، وقد أمضى ذلك في الرواية ولم ينبه على خلافه. ومن جملة روايات هذه الطائفة أيضا صحيحة حريز قال: " قال أبو عبد الله (ع) لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن، واللباء، والبيضة، والشعر، والصوف، والقرن، والناب، والحافر، وكل ما ينفصل من الشاة والدابة فهو ذكي. وإن أخذته بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (2). فإنها تدل على طهارة عنوان كلي هو (كل ما يفصل عن الدابة) أي ما يعتاد فصله عنه خارجا أو ما يكون من شأنه ذلك، كناية عن كل ما كان عارية في جسم الحيوان بحسب الفهم العرفي، وهو ضابط قريب عرفا مع عنوان ما لا تحله الحياة من الحيوان، وإن كانا يفترقان في صدق الأخير على العظم دون الأول. ولا يقدح في الاستدلال بها اختصاص صدرها بحال الحياة، فإن ذيلها قد دل على عدم النجاسة بعد الموت أيضا، وإن أمر فيها بالغسل بلحاظ النجاسة العرضية، التي سوف يقع الكلام


(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

[ 88 ]

فيها إنشاء الله تعالى. كما أن ورود عنوان الشاة في موردها لا يضر بالاستدلال أيضا، إذ يتعدى منها - عرفا - إلى غيرها إما بقرينة عطف الدابة عليها بعد حملها على مطلق ما يدب على الأرض، أو بالفهم العرفي وارتكازهم عدم الفرق المستوجب لحمل المورد على المثالية. ولكن قد يستشكل في دلالة هذه الرواية: بأن صدرها وارد فيما أخذ من الحيوان وهو حي، وما هو محل الكلام - وهو المأخوذ من الميت من الأجزاء التي لا تحلها الحياة - تعرضت له الرواية في الفقرة الأخيرة في قوله: " وإن أخذته بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " وهذه الفقرة - بقرينة افتراضها للصلاة في المأخوذ - تختص بمثل الصوف والشعر، فلا يستفاد منها طهارة جميع الأشياء المذكورة. وهذا الإشكال يمكن دفعه بأن ظاهر قوله: (وإن أخذته) كون مرجع الضمير تمام ما ذكر في الفقرة الأولى. وإرادة خصوص الصوف والشعر مما ذكر قبله وبعده أشياء أخرى في صدر الرواية خلاف المتفاهم العرفي جدا، على نحو لا يصح قوله: (وصل فيه) قرينة عليه، بل يكون ظهور الضمير قرينة على أن المراد بالصلاة المثال للانتفاع به على نحو ما ينتفع بالطاهر، فيتم الاستدلال. ومن جملة روايات هذه الطائفة أيضا: الرواية التي ينقلها الشيخ بإسناده عن صفوان عن حسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال: العظم والشعر والصوف والريش وكل ذلك نابت لا يكون ميتا " (1) وقد أرسلها الكليني عن صفوان، غير أنه ورد فيها عنوان: " أن كل


(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 12.

[ 89 ]

نابت لا يكون ميتة " (1) وهو أظهر في الدلالة على الضابط العام وهو: (أن كل نابت ليس بميتة) مما ورد في نقل الشيخ، إذ أنه قد يمنع دلالته على ذلك، حيث لم ينف الميتة عن كل نابت وإنما نفى العناوين المذكورة. إلا أن الصحيح استفادة العموم منه أيضا بحسب المتفاهم العرفي، حيث يفهم منه أن النابتية هي علة الحكم عليها بأنها ليست بميتة. الجهة الثانية: في الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة، فمن تلك الروايات رواية الحلبي قال: " سألته (ع) عن الثنية تنفصم وتسقط، أيصلح أن تجعل مكانها سن شاة؟ قال: إن شاء فليضع مكانها سنا، بعد أن تكون ذكية " (2). فقد اشترط عدم كون السن من الميتة، فلو كان السن من الميتة طاهرا، لما وجد مبرر لهذا الاشتراط. ويرد عليه أن الاشتراط ليس له ظهور في كونه ناظرا إلى ناحية النجاسة، فلعله بلحاظ وجود حزازة في الانتفاع بسن الميتة، أو حزازة في الصلاة معه، ولا يكفي ذلك لإثبات النجاسة. وغاية الأمر: أن ذلك يكون مقيدا لعموم التعليل في مثل رواية الحلبي، المتكفلة لتعليل جواز الصلاة في الصوف بأنه ليس فيه روح، بإخراج السن من عموم التعليل فيه، دون أن تثبت النجاسة، بعد قصور أدلة النجاسة في نفسها كما عرفت. هذا مضافا إلى أن الناب صرح به في رواية حريز، ومعه يتعين حمل الاشتراط في رواية الحلبي على الاستحباب. ومن تلك الروايات رواية مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه " قال: قال جابر بن عبد الله: إن دباغة الصوف والشعر غسله بالماء، وأي


(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 8. (2) وسائل الشيعة باب 68 من أبواب النجاسات.

[ 90 ]

شئ يكون أطهر من الماء " (1). فإن التعبير بالدباغة إنما هو انسياق مع ما اشتهر من مطهرية الدباغة للجلود. ومفاد الرواية هو أن الصوف والشعر يطهر بالماء، وحيث لم تفرض نجاسة عرضية للصوف والشعر كانت الرواية دالة على النجاسة الذاتية، ولكنها سنخ نجاسة ترتفع بالغسل، كنجاسة الميت من الإنسان التي ترتفع بتغسيله. ويرد عليه - مضافا إلى ضعف سند الرواية، حيث لم تثبت وثاقة مسعدة بن صدقة، وغرابة رواية الأئمة عن جابر - أن الرواية في مقام بيان المطهر للصوف والشعر، وليست في مقام البيان من ناحية أصل نجاستهما ليتمسك بالإطلاق لفرض عدم الملاقاة مع الرطوبة، فلعل النجاسة الملحوظة هي النجاسة العرضية الحاصلة من الملاقاة بالرطوبة في فرض النتف. ولكن هذا لا يخلو من تأمل: لأن الظاهر من الرواية كونها في مقام دفع استغراب مطهرية الماء، ولهذا تقول: وأي شئ يكون أطهر من الماء، ولا غرابة في مطهرية الماء من النجاسة العرضية، الحاصلة بالملاقاة، فنفس ذلك قد يكون قرينة على أن النظر إلى ارتفاع النجاسة الذاتية بالماء، وهو أمر غريب يناسب سياق الرواية الوارد في مقام دفع الاستغراب. غير أن المتعين حينئذ الحمل على المطهرية التنزيهية جمعا بينها وبين روايات الطهارة. ومن تلك الروايات رواية حريز المتقدمة، التي ورد فيها قوله: " وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " بدعوى: أن الأمر بالغسل حيث لم يفرض في موضوعه الملاقاة مع الرطوبة يدل على النجاسة الذاتية للصوف ونحوه. ويرد عليه: أن ارتكازية عدم ارتفاع النجاسة الذاتية بالغسل، تكون بنفسها قرينة على أن الأمر بالغسل، إنما هو في مورد الملاقاة مع ما تحله الحياة


(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات.

[ 91 ]

من أجزاء الميتة بالرطوبة، لا مطلقا. هذا مضافا: إلى تعين الحمل على الاستحباب والتنزه في مقام الجمع مع مثل رواية الحلبي، لأبعدية الجمع بينهما بحمل رواية الحلبي على ما بعد الغسل. وإن فرض تساوي الجمعين في نظر العرف كفى ذلك في الحكم بعدم النجاسة، لعدم الدليل. وهكذا نعرف أن العناوين التي ذكرها السيد الماتن (قده) من أجزاء الميتة التي لا تحلها الحياة كلها محكوم عليها بالطهارة. غير أنه ينبغي البحث في خصوص البيضة منها، حيث إنهم اشترطوا في الحكم بطهارتها اكتسابها القشر الأعلى، فنقول: أما وجه الحكم بالطهارة فيها: فأولا: عدم تمامية مقتضي النجاسة، حيث ناقشنا في تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الميتة كي يشمل البيضة. وثانيا: أنه لو سلم الإطلاق لكل جزء من الميتة فالبيضة خارجة عن أجزائها عرفا، خصوصا بعد اكتساب القشرة. وثالثا: الروايات التي استثنت البيضة عن الميتة تفصيلا، أو باعتبار اندراجها في الضوابط العامة المستثناة فيها. والمهم من البحث في البيضة يقع في جهتين: الأولى: في حكمها قبل اكتساب القشرة. الثانية: في شمول الحكم المذكور للبيض من الحيوان حرام اللحم. أما الجهة الأولى: فلا إشكال في نجاسة البيضة قبل اكتساب القشر، ولو من جهة الملاقاة مع النجس من أجزاء الميتة. وأما بعد اكتسابه بنحو يمنع عن السراية فمقتضى ما ذكرناه الآن هو الحكم بطهارتها، دون فرق بين أن تكون قد اكتسب القشر الأعلى أم لا. والمشهور بين الفقهاء: اشتراط القشرة الصلبة، مستندين في ذلك إلى رواية غياث عن أبي عبد الله (ع): " في بيضة خرجت من أست

[ 92 ]

[ سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام (1). ] دجاجة ميتة. قال (ع): إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها " (1). والاستدلال بها موقوف على تمامية سندها، وأن يكون البأس الملحوظ فيها هو النجاسة، لا حرمة الأكل قبل اكتساب القشر ولو بملاك كونها من الخبائث كالميتة نفسها. ولا قرينة على أن الملحوظ في البأس هو النجاسة، لأن حرمة الأكل نحو بأس وشدة أيضا. والنجاسة تستتبع حرمة الأكل، وبهذا كانت حرمة الأكل متيقنة، فتنفى النجاسة بالأصل، أو بالفحوى من أدلة طهارة ما ليس فيه روح. (1) هذه هي الجهة الثانية في شمول الحكم بالطهارة لما إذا كانت من حرام اللحم الطاهر العين في حال الحياة، ذلك أنه نسب إلى بعض القول باختصاص الحكم بالبيض من حلال اللحم. ويمكن توجيهه بدعوى أن مدرك الحكم بالطهارة هو الروايات المخصصة لأدلة النجاسة الواردة في البيض، أو في مطلق ما لا تحله الحياة وهذه الروايات لا تشمل بيض حرام اللحم، لأنه قد ورد بعضها في أكل بيض الدجاج (2)، وبعضها في جواز الصلاة (3) وورد في بعضها التعبير بأن فيها منافع الخلق (4)، المنصرفة عرفا إلى منفعة الأكل، وعطف في بعضها البيض على اللبن واللباء (5) مما قد يدعى إيجابه للانصراف إلى البيض الذي يكون في معرض الاستعمال والغذاء. ولكن الصحيح أن هذا لا يكفي للحكم بنجاسة البيضة من حرام اللحم الطاهر العين وذلك: أولا: لعدم تمامية مقتضي النجاسة في نفسه، على ما مضى من عدم


(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 6. (2) و (3) و (4) و (5) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

[ 93 ]

[ وسواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما. نعم يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة (1). ] تمامية الإطلاق. وثانيا لأنه لو فرض تمامية الإطلاق في روايات النجاسة لكل جزء من الميتة، فالبيضة ليست منها عرفا. وثالثا: - لتمامية الإطلاق في بعض روايات الاستثناء، كرواية الحسين ابن زرارة المتقدمة، لخلوها من تلك القرائن المدعاة. (1) يمكن أن يستدل على التفصيل بين النتف والجز بوجوه: الأول: إن الأخذ بالنتف يوجب قطع أصول الشعر وهي مما تحله الحياة فيتعين الحكم بالنجاسة. وفيه أولا: - أن غايته الحكم بنجاسة أصول الشعر المنتوف، كما هو واضح. وثانيا: أن الصحيح هو الحكم بطهارة أصوله أيضا، إذ لو سلمنا أنها مما تحله الحياة في نظر العرف فلا يمكن إثبات نجاستها، لعدم وجود إطلاق في دليل النجاسة على ما تقدم. الثاني: الاستدلال برواية الجرجاني عن أبي الحسن (ع) قال: " كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا. فكتب: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب وكلما كان من السخال الصوف إن جز، والشعر، والوبر، والأنفحة، والقرن، ولا يتعدى إلى غيرها إن شاء الله " (1) وهي المكاتبة التي يدعى وجود السقط فيها حيث إنها بعد أن استثنت " كلما كان من السخال... إلخ " لم يصرح بحكمها، وإن كان يفهم من


(1) فروع الكافي كتاب الأطعمة باب ما ينتفع به من الميتة ج 6 الحديث 6 وقد نقلت في الوسائل من الكافي بتوسيط أبي إسحاق بين الجرجاني وأبي الحسن (ع).

[ 94 ]

[ ويلحق بالمذكورات الأنفحة (1) ] السياق أن حكمها نقيض ما ذكر أولا: أي جواز الانتفاع بها. وتقريب الاستدلال بها هو: التمسك بمفهوم قوله: " الصوف إن جز " لما إذا نتف الصوف عن جلد الميتة، حيث يكون دالا على المنع من الانتفاع به، فيكون ظاهرا عرفا في نجاسته بناء على انصراف دليل عدم جواز الانتفاع إلى النجاسة. وفيه أولا: ضعف سندها. وثانيا: أنها معارضة برواية حريز المتقدمة التي جاء فيها قوله: " وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " إذا فرض ظهور تلك الرواية في النظر إلى النجاسة العرضية الحاصلة بالملاقاة بالرطوبة لما تحله الحياة من الميتة على ما تقدم، لأن من الواضح حينئذ كون موردها هو النتف، إذ في حالة الجز لا توجد الملاقاة المزبورة عادة، فيكون الأمر بالغسل بنفسه دليلا على نفي النجاسة الذاتية. (1) وذلك للروايات العديدة التي استثنت الأنفحة ضمن ما استثنت من العناوين لو فرض تمامية المقتضي للنجاسة فيها كصحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) " قال: سألته عن الأنفحة تخرج من الجدي الميت قال: لا بأس به قلت اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت. قال: لا بأس به الحديث " (1) فالحكم باستثناء الأنفحة عن الميتة مما لا ينبغي الإشكال فيه. ومهم البحث في المقام عن جهتين: الجهة الأولى: في تشخيص الصغرى، فإن الأنفحة قد اختلف في أنها اسم الظرف، أو المظروف، أو هما معا. وقد خرجت الكلمة المذكورة عن مجال المحاورات العرفية اليوم،


(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.

[ 95 ]

وتحديدات اللغويين لها أيضا لا تخلو من تشويش واختلاف، كما يظهر لمن راجع كلماتهم. فالمدلول اللغوي للكلمة في عصر صدور هذه الروايات مجمل لدينا لا يمكن تحديده. وبناء على ذلك ينبغي أن يقال: إنه تارة: يبنى على إنكار وجود إطلاق في دليل النجاسة يشمل كل جزء جزء من الميتة. وأخرى: يفترض تمامية الإطلاق. فعلى التقدير الأول: يكون الحكم هو طهارة الظرف والمظروف معا، تمسكا بالأصول المؤمنة. وعلى الثاني: فإما أن يستفاد من استثناء الأنفحة أن المظروف متيقن الإرادة فيها على كل حال، باعتبار نظرها إلى ما فيه منافع الناس، ويستعمل في الجبن ونحو ذلك من التعبيرات الواضحة في النظر إلى المظروف. أو يقال بالإجمال فيها أيضا، واحتمال أن يكون نظرها إلى الظرف فقط. فعلى الأول: يقتصر في الحكم بالطهارة على المظروف فقط، ويبقى الظرف مشمولا لإطلاق أدلة النجاسة. لا يقال: على هذا يمكن التمسك بدليل تنجيس النجس لملاقيه، لإثبات نجاسة المظروف أيضا. فإنه يقال: دليل استثناء الأنفحة وإن كانت ناظرة إلى النجاسة الذاتية الناشئة من الميتة، إلا أنه لا إشكال في ظهورها بل صراحتها في الطهارة الفعلية المسوغة للانتفاع بها، فلو كانت نجاسة الظرف تسري إلى المظروف لسقط عن الانتفاع الفعلي، بمجرد موت الحيوان عادة. لا يقال: يقع التعارض بين دليل نجاسة الميتة ودليل تنجيس المتنجس، حيث يكون دليل استثناء الأنفحة تخصيصا لأحدهما، وبعد التساقط يحكم بطهارة الظرف أيضا. فإنه يقال: دليل التنجيس نعلم بسقوط إطلاقه في المقام، إما تخصيصا

[ 96 ]

أو تخصصا، فلا يمكن أن يعارض به الإطلاق من دليل نجاسة الميتة، إلا بناء على جواز التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصص، وهو باطل عندنا. لا يقال: ارتكازية السراية بين المتلاقيين مع الرطوبة توجب ظهور روايات استثناء الأنفحة في طهارة الظرف والمظروف معا. فإنه يقال: هذا الارتكاز وإن كان ثابتا في ذهن العرف والمتشرعة، وعلى أساسه نستفيد طهارة المتلاقيين في سائر الموارد، إلا أنه في خصوص المقام لا يمكن التعويل عليه، باعتبار أن ارتكازية السراية يقابلها ارتكاز عدم الفرق في نجاسة الميتة بين هذا الجزء وسائر الأجزاء، وكما أن الالتزام بطهارة المظروف دون الظرف يعني تحديد الارتكاز الأول، كذلك الالتزام بنجاسة الظرف يعني تحديد الارتكاز الثاني. وأما على التقدير الثاني وهو إجمال روايات استثناء الأنفحة وترددها بين الظرف والمظروف، وهذا ما لا نقول به فتارة: يفرض أن كلا من الظرف والمظروف جزء من الميتة مشمول لإطلاق دليل النجاسة وأخرى: يفرض أن الجزء هو الظرف فقط، وأما المظروف فهو كالبيض ليس من أجزاء الميتة. أما على الفرض الأول فيمكن إثبات طهارة المظروف بدعوى: أن العرف لا يحتمل نجاسة المظروف مع طهارة الظرف، باعتبار أن جزئية الظرف والتصاقه بالميتة، واقتضاء الموت لنجاسته بحسب المناسبات المركوزة لدى العرف آكد وأشد من المظروف، فتنعقد ببركة هذا الفهم العرفي دلالة عرفية في دليل الاستثناء لشمول المظروف، حتى لو كان النظر فيه إلى الظرف خاصة. ولو أنكرنا هذا الوجه اندرج المقام في موارد دوران أمر المخصص

[ 97 ]

المنفصل بين المتباينين - وهما الظرف والمظروف - فلو قيل في مثله: بأن عموم العام لكل من الفردين يعارض عمومه للآخر فيسقطان معا، حكم بطهارة الظرف والمظروف معا، رجوعا إلى الأصول العملية وإن قيل: بسقوط أحد الإطلاقين وبقاء الآخر بإجماله على حجيته، لزم الاحتياط لا محالة، باعتبار العلم بالحجية على النجاسة في أحدهما. وأما على افتراض عدم جزئية المظروف للميتة، فبالإمكان إثبات طهارته مع الاستغناء عما سبق بأحد وجهين آخرين: الأول: التمسك بإطلاق دليل النجاسة في الظرف لرفع إجمال دليل الطهارة وتعيينه في المظروف. الثاني: التمسك بالأصول المؤمنة بعد عدم شمول دليل النجاسة له، فيحكم بعدم نجاسة المظروف ذاتا وعرضا، ونجاسة الظرف ذاتا. أما عدم نجاسة المظروف ذاتا فللأصل، وأما عدم نجاسته عرضا فلدليل الاستثناء، فإنه سواء كان شاملا للظرف أو المظروف يدل على عدم النجاسة العرضية للمظروف كما هو واضح، وأما نجاسة الظرف فللتمسك بإطلاق دليل النجاسة فيه. الجهة الثانية من البحث في شمول الحكم بالطهارة لأنفحة ما لا يؤكل لحمه ويمكن تقريب الحكم بطهارتها بأحد وجوه: الأول: أن الأنفحة بمعنى المظروف ليست جزءا من الميتة، فلا مقتضي للحكم عليها بالنجاسة، فيرجع فيها إلى أصالة الطهارة. وفيه: أنه لو أريد بهذا الوجه نفي النجاسة الذاتية عن الأنفحة من غير المأكول باعتبار قصور مقتضيها عنها فهو صحيح، غير أنه لا ينتج الطهارة الفعلية. وإن أريد به نفي النجاسة العرضية أيضا - بدعوى: أن دليل انفعال ملاقي الميتة مخصوص بموارد الملاقاة الخارجية مع الميتة، فلا

[ 98 ]

إطلاق له لمثل الملاقاة الداخلية في محل الكلام فهو فاسد، إذ لو سلم عدم وجود إطلاق لفظي في أدلة انفعال ملاقي الميتة فلا إشكال في أن العرف يلغي خصوصية الملاقاة مع النجس من خارج أو من داخل، ويفهم من الدليل مدلولا أوسع من مورد الملاقاة الخارجية. الثاني: دعوى قصور دليل نجاسة الميتة في نفسه عن الأنفحة بكلا جزئيها الظرف والمظروف، أما المظروف فلعدم كونه من أجزاء الميتة، وأما الظرف فلأنه وإن كان جزء منها غير أنه لا يوجد في دليل النجاسة إطلاق لكل جزء من الميتة، كي يشمل مثل هذا الجزء أيضا. وهذا الوجه يتوقف تماميته على قصور الإطلاق في أدلة نجاسة الميتة لأجزائها، وعدم كونه من القدر المتيقن بضم ارتكاز عدم الفرق. الثالث: بعد افتراض تمامية المقتضي للنجاسة في نفسه يتمسك بعموم الضابط الكلي الذي استثني من النجاسة في روايات الاستثناء، من قبيل ما ورد في رواية الحلبي المتقدمة " لا بأس بالصلاة في صوف الميتة إن الصوف ليس فيه روح " فإنها مطلقة وغير مختصة بمأكول اللحم. وفيه: أن روايات الاستثناء لا تنفي إلا النجاسة الذاتية الناشئة من الموت، فهي تدل على أن النجاسة التي تحصل بالموت لا تكون إلا فيما له روح من أجزاء الحيوان، وأما النجاسة العرضية الحاصلة بالملاقاة مع الميتة برطوبة فلا نظر إلى نفيها، فلا بد في نفي النجاسة العرضية للمظروف من التشبث ببعض ما سبق. الرابع: التمسك بالإطلاق في بعض روايات استثناء الأنفحة لما إذا كانت من غير المأكول، فإن جملة منها وإن كانت ناظرة إلى الانتفاع بها ووضعها في الجبن مما يعني اختصاصها بالمأكول، غير أن هنالك ما يمكن دعوى الإطلاق فيه، من قبيل رواية الحسين بن زرارة المتقدمة، حيث

[ 99 ]

[ وكذا اللبن في الضرع. ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس، لكن الأحوط الاجتناب (1). ] كان السؤال فيها عن الأنفحة من الميتة بقول مطلق. وهذا الوجه يتوقف على أمرين: الأول: عدم استظهار انصراف عنوان الأنفحة إلى خصوص ما كان متعارفا وضعه في الجبن، وهو الأنفحة من المأكول. الثاني: أن يكون المراد من الأنفحة الظرف أو الظرف والمظروف معا أما لو أريد منها المظروف فقط، فغاية ما يثبت بالإطلاق المذكور هو انتفاء النجاسة الذاتية التي تنشأ من الموت، ولا يثبت به الطهارة الفعلية والوجه في ذلك هو: أنه وإن كان المستظهر دلالتها على الطهارة الفعلية لا الحيثية، إلا أن ذلك لم يكن باعتبار ظهور الخطاب لفظا، وإنما كان بنكتة دفع اللغوية فيما لو كان الجواب حكما جهتيا حيثيا لا ينفع السائل في وظيفته العملية، ومن الواضح أن هذه النكتة لا تقتضي الإطلاق إذ يكفي لدفع اللغوية المذكورة أن يكون الحكم فعليا بلحاظ ما هو المتيقن من الخطاب ومحل ابتلاء المكلفين، وهو الأنفحة من مأكول اللحم، وعليه فلا بأس بالتمسك بإطلاق أدلة الانفعال في أنفحة غير المأكول. (1) يقع البحث أولا عن طهارة اللبن في ضرع الميتة من مأكول اللحم، وبعد الفراغ عن ذلك يبحث عن لبن الميتة من غير المأكول. والبحث عن لبن الميتة من الحيوان المأكول، تارة: على مستوى القاعدة والروايات العامة. وأخرى: على مستوى الروايات الواردة في لبن الميتة خاصة. أما على مقتضى القواعد العامة: فالصحيح هو عدم ثبوت النجاسة

[ 100 ]

الذاتية إما لعدم الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لكل جزء منها، أو لعدم كون اللبن من أجزائها، أو لشمول ضابط ما ليس له روح المستثنى من دليل النجاسة للبن أيضا. وأما النجاسة العرضية - باعتبار الملاقاة مع الضرع - فنفيها مبني على الالتزام بأحد الأمرين: من دعوى قصور دليل الانفعال للملاقاة الداخلية مع الميتة، أو دعوى عدم نجاسة الضرع لقصور دليل نجاسة الميتة عن شمول كل جزء منها وكلاهما ممنوع. وأما الروايات الخاصة: فهي متنافية فيما بينها. فمثل رواية الحسين ابن زرارة المتقدمة دلت على طهارة اللبن، ومثلها رواية زرارة المتقدمة وغيرها، ومفادها نفي النجاسة الذاتية والعرضية للبن معا. وهناك من الروايات الخاصة ما قد يجعل معارضا لذلك، من قبيل رواية وهب: " إن عليا (ع) سئل عن شاة ماتت فحلب منها اللبن. فقال (ع): ذلك الحرام محضا " (1). ودلالتها وإن كانت على الحرمة دون النجاسة، غير أن هذا لا يرفع التعارض بينها وبين الطائفة الأولى الدالة على الطهارة، وذلك باعتبار أن دلالتها عن ذكاة اللبن في الضرع وأنه لا بأس به بلحاظ الحلية وجواز الانتفاع به، لا مجرد الطهارة المستوجبة لعدم غسل ملاقيه فحسب. ورواية الجرجاني المتقدمة، حيث حصرت المستثنى من الميتة في عناوين ليس اللبن منها، ثم ذيلت بأنه لا يتعدى إلى غيرها، وهو مما يأبى عن التخصيص عرفا، فيكون دليلا على عدم الانتفاع بغيرها، فيعارض أخبار الطهارة بالتقريب المتقدم. ولكن رواية وهب ساقطة سندا بوهب. وكذلك لا اعتبار برواية الجرجاني سندا، لعدم ثبوت وثاقته. وبهذا تبقى روايات الطهارة بلا معارض


(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة. ح 11.

[ 101 ]

[ خصوصا إذا كان غير مأكول اللحم (1) ] فلا تصل النوبة إلى إيقاع التعارض بين الطائفتين من الروايات، ليعالج التعارض تارة: بالالتزام باستحكامه، وترجيح روايات النجاسة لموافقتها للسنة القطعية الدالة بالإطلاق على نجاسة اللبن باعتباره جزءا من الميتة أو ملاقيا لها بالرطوبة. وأخرى: بالالتزام بالجمع العرفي بحمل روايات المنع على التنزه، وثالثة: بالالتزام باستحكام التعارض بين دليل الحلية ورواية وهب لصراحتها في الحرمة على نحو يأبى عن الحمل على التنزه، ويرجع بعد ذلك إلى إطلاق قوله - في رواية الجرجاني - (ولا يتعدى إلى غيرها) بدعوى: أن هذا الإطلاق في نفسه قابل لأن يقيد بروايات الطهارة، فيكون كالمرجع الفوقاني بعد تساقط الخاصين. (1) والحكم بطهارته على مقتضى القاعدة مبني على نفي النجاسة الذاتية والعرضية فيه. والأول وإن كان ممكنا باعتبار قصور في دليل النجاسة الذاتية في نفسه، إلا أن نفي النجاسة العرضية بحاجة إلى ضم الضميمة المتقدمة في لبن ميتة المأكول، وقد تقدم عدم تماميته. وأما مقتضى الروايات الواردة في لبن الميتة: فما ورد منها بعنوان جواز الشرب والانتفاع وإن كان خاصا بميتة المأكول، إلا أن مثل رواية حسين بن زرارة المتقدمة - " يسأله عن اللبن من الميتة والبيضة من الميتة وأنفحة الميتة. فقال: كل هذا ذكي " - يمكن دعوى إطلاقها للبن من ميتة غير المأكول أيضا. غير أنه مع ذلك يمكن المنع عن الإطلاق المذكور من جهتين: الأولى: دعوى انصراف عنوان اللبن فيها إلى لبن المأكول، باعتبار أن النظر إلى حيثية الانتفاع باللبن وليس النظر إلى الطهارة من حيث هي، ومن الواضح أن الانتفاع المتعارف باللبن يكون بالشرب ونحوه، وهو

[ 102 ]

[ ولا بد من غسل ظاهر الأنفحة الملاقي مع الميتة (1) هذا في غير نجس العين، وأما فيها فلا يستثنى شئ (2) ] مخصوص بالمأكول. الثانية: إن غاية ما يستفاد من الرواية هو طهارة اللبن في نفسه، أي عدم نجاسته ذاتا، وأما نفي نجاسته العرضية من جهة ملاقاة الضرع فإنما يكون بملاك دفع اللغوية عرفا، ومن الواضح أن هذا لا يقتضي العموم، إذ يكفي في دفع ذلك نفي النجاسة العرضية في ما هو القدر المتيقن وهو لبن المأكول: فيبقى دليل انفعال ملاقي النجس شاملا له. وهكذا يكون الحكم بالطهارة الفعلية في لبن الميتة من غير المأكول محل إشكال. (1) باعتبار وجود الرطوبة عادة. (2) على ما هو المشهور، بل المتفق عليه بين الأصحاب عدا ما ينسب إلى السيد المرتضى (قده). وتفصيل البحث عن وجه عدم الاستثناء يقتضي أن يتكلم في جهتين: الجهة الأولى: أنه لا إشكال في عدم اقتضاء أدلة النجاسة العينية في الكلب والخنزير - التي جاءت بلسان الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب والخنزير - لنجاسة كل منهما، بحيث يشمل مثل الشعر، لوضوح عدم انطباق ذلك العنوان على الملاقاة مع الشعر. واحتمال الفرق موجود عرفا. ولكنه مع ذلك يمكن استفادة الإطلاق من مثل ما ورد بلسان الأمر بغسل ما أصابه الكلب أو الخنزير (1)، فإنه صادق أيضا فيما إذا أصابه بشعره ونحوه مع الرطوبة، فيدل على نجاسته أيضا. ويلحق به مثل العظم


(1) وسائل الشيعة باب 12 و 13 من النجاسات.

[ 103 ]

أو غيره من الأجزاء الداخلية بالفهم العرفي، وارتكازية عدم الفرق وأن الملاك كونه من الكلب. وكذلك يمكن الاستدلال بمثل قوله في الكلب: " رجس نجس " (1) فإن مقتضى إطلاق كونه رجسا نجسا كونه كذلك بتمام أجزائه. وهكذا يثبت نجاسة كل أجزاء الحيوان النجس العين في حال الحياة. وأما بعد الموت فحيث ثبتت نجاسة جميع أجزائه في حال الحياة بلا استثناء تثبت نجاستها بعد الموت أيضا، لا من جهة شمول عنوان الكلب أو الخنزير له كي يقال: بأنه متقوم بالحياة، بل من جهة أن العرف لا يحتمل أن يكون الموت مطهرا للنجس، وإنما العكس هو المركوز عرفا ومتشرعيا، مما يجعلنا نفهم من دليل النجاسة العينية أن موضوع الحكم هو جسم الحيوان المذكور من دون دخل حياته فيه، فيكون باقيا بعد الموت أيضا. الجهة الثانية: أن روايات استثناء العناوين السابقة إنما تنفي النجاسة الثابتة في الميتة بملاك الموت، وأما النجاسة العينية الثابتة للحيوان في نفسه فلا نظر فيها إلى نفيها. وعليه فحتى لو تم الإطلاق في روايات الاستثناء للميتة من نجس العين لا يقتضي ذلك إلا الحكم بارتفاع النجاسة عن المستثنيات من جهة الميتة مع بقاء نجاستها العينية على حالها. وهكذا يتضح عدم تمامية الاستثناءات المذكورة في الميتة من نجس العين، غير أنه في خصوص شعر الخنزير ربما يستدل بروايتين على الطهارة: الأولى: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته: عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس " (2).


(1) وسائل الشيعة باب 12 و 13 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق.

[ 104 ]

[ (مسألة - 1) الأجزاء المبانة من الحي مما تحله الحياة كالمبانة من الميتة (1) ] وتقريب الاستدلال بها مبني على: أن يكون نظر السائل إلى الماء القليل في الدلو بعد افتراض أن الماء يتقاطر عادة من الحبل فيه، وافتراض ارتكازية سراية النجاسة وعدم اعتصام الماء القليل. وقد تقدمت الاحتمالات المتصورة في الرواية، وما هو الظاهر منها في مباحث المياه، فراجع. الثانية: ذيل رواية الحسين بن زرارة المتقدمة، حيث جاء فيها " قلت له: فشعر الخنزير يعمل حبلا ويستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها. فقال: لا بأس به " (1). وهي أظهر في أن حيثية السؤال فيها نجاسة الشعر، باعتبار وقوعه في سياق السؤال عن نجاسة شعر الميتة، فتكون دالة على طهارة شعر الخنزير فإذا أمكن إلغاء خصوصية الخنزير والتعدي منه إلى الكلب، بل إلى غير الشعر أيضا من الأجزاء غير اللحمية من الحيوان، ثبت الحكم بطهارة المستثنيات من الحيوان النجس العين أيضا. إلا أن مثل هذا التعدي مشكل، بل ممنوع في مثل الأنفحة واللبن واللباء ونحوها، لوضوح احتمال الفرق بينها وبين الشعر الخارجي للحيوان عرفا. هذا مضافا إلى أن ذهاب الأصحاب - كلا أو جلا - إلى عدم استثناء شئ عن نجس العين يمنع عن الرجوع إلى هذه الرواية، إذ ربما يوجب الوثوق والاطمئنان بخلافها، فالاحتياط متعين. (1) وذلك لا لصدق عنوان الميتة بنحو تشمله الإطلاقات لو تمت، فإن الميتة عرفا هي الحيوان الذي ذهبت عنه روحه فلا تشمل الجزء المبان


(1) وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق.

[ 105 ]

منه. بل للتمسك بإطلاق دليل التنزيل المتمثل في عدة روايات: منها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال في إليات الضأن تقطع وهي أحياء: أنها ميتة " (1) ورواية محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): " قال: قال أمير المؤمنين (ع): ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا ورجلا فذروه فإنه ميت " (2). وقد يستشكل في الاستدلال بهذه الروايات: تارة بدعوى: أن التنزيل منصرف إلى كونه بلحاظ الحكم بالحرمة، فلا تثبت به نجاسة المنزل وأخرى بدعوى: أن هذا ليس تنزيلا بل تطبيقا حقيقيا لما يقصده الشارع من عنوان الميتة، ومعه يكون كل أثر من آثار الميتة ثابتا له بإطلاق دليله لا بنفس تلك الروايات، وفي المقام لا إطلاق في دليل نجاسة الميتة يشمل هذا المصداق من الميتة، فلا موجب لنجاسته. أما الدعوى الأولى فتندفع: بأن ظاهر التعليل في قوله: " ذروه فإنه ميت " المغايرة بين العلة والمعلول، فلو كان مفاد العلة هو التنزيل بلحاظ الحرمة خاصة لما حفظ ظهور التعليل في المغايرة عرفا، بخلاف ما إذا بني على كلية التنزيل فإن المغايرة بالجزئية والكلية تكون محفوظة بين المعلول والعلة. هذا مضافا إلى أن مجرد كون الحرمة أظهر من النجاسة بالنسبة إلى الميتة لا ينافي إطلاق التنزيل، ما لم تكن الأظهرية بالغة إلى درجة توجب انصراف الذهن عن النجاسة إلى الحرمة رأسا. وأما الدعوى الثانية فقد أجيب عليها: بأن بيان الأفراد الحقيقية لما لم يكن من وظيفة الشارع فتعرضه لذلك إنما يكون لأجل تعميم الحكم، وليس الحال كما لو علم بفردية فرد له لا من قبل الشارع، فإنه لا يعمه


(1) وسائل الشيعة باب 62 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 24 من الصيد والذباحة.

[ 106 ]

الحكم إلا إذا كان الدليل في نفسه عاما له. فبيان الشارع للفرد الحقيقي كبيانه للفرد التنزيلي يقتضي عموم الحكم له ولو كان الدليل قاصرا عن إثبات ذلك. ولا يخلو هذا الجواب من تأمل، لأن غاية ما يقتضيه هذا التقريب: أن بيان الشارع للفرد الحقيقي ظاهر عرفا في كونه استطراقا إلى إثبات الحكم، بنكتة أن بيان الأفراد الحقيقة بما هو ليس من وظيفة الشارع. ولكن هذه الدلالة السياقية الحالية ليس لها إطلاق بلحاظ تمام الأحكام التي يترقب ثبوتها للعنوان الذي تصدى الشارع لبيان مصداقه، فإن الظهور في الاستطراقية يكفي في حفظه في المقام أن يكون بيان الفرد الحقيقي بقصد تعميم الحكم بالحرمة، ولا قرينة على تعميم النجاسة ملحوظا أيضا. وهذا بخلاف ما إذا حملنا العبارة على التنزيل، لأن مفادها حينئذ أن حكم الميتة يجري عليه، فيتمسك بإطلاقه لإثبات كل ما يصدق عليه أنه حكم الميتة للمنزل. فالأحسن في دفع الدعوى الثانية: إنكار أصلها الموضوعي واستظهار كون التطبيق تنزيليا، فإن نفس عدم كون القطعة المبانة مصداقا عرفا لعنوان الميتة يوجب ظهور الدليل الشرعي في التنزيل، لا في التطبيق الحقيقي لمعنى غير عرفي للكلمة على القطعة المبانة. ومما يؤيد الحكم بالنجاسة رواية الحسن بن علي قال: " سألت أبا الحسن (ع) فقلت: إن أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فيقطعونها قال: هي حرام. قلت: فنصطبح بها. فقال: أما تعلم أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام " (1) وهي بقرينة ما فرضه من محذور في إصابة اليد والثوب يعلم أنها تتكفل الحكم بالنجاسة. وإنما جعلناها مؤيدة لضعف سندها بالمعلى بن محمد.


(1) وسائل الشيعة باب 32 من الأطعمة المحرمة.

[ 107 ]

[ إلا الأجزاء الصغار (1) كالثالول، والبثور، وكالجلدة التي تفصل من الشفة، أو من بدن الأجرب عند الحك، ونحو ذلك ] (1) وذلك لقصور دليل النجاسة، وهو الروايات السابقة المتكفلة لتنزيل القطعة المبانة من الحي منزلة الميتة، لورودها في اليد والرجل وإلية الغنم ونحو ذلك. ويؤيد ذلك رواية علي بن جعفر: " عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح أن يقطع الثالول وهو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه. قال (ع): إن لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، وإن تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله " (1). وتقريب الاستدلال بالرواية: إما بدعوى: أنها رخصت في قطع الثالول مع عدم التخوف من خروج الدم، وقطع الثالول يساوق عادة حمله، فلو كان في نظر الشارع ميتة لكان من حمل الميتة في الصلاة، وهو غير جائز. وإما بدعوى: أن قطع الثالول يعرض المصلي عادة لمس الثالول بيده، فلو كان الثالول نجسا عند اقتطاعه لتنجست يده مع الملاقاة بالرطوبة، فإطلاق نفي البأس يدل على عدم النجاسة. ولا بأس بالاستعانة بهذه الرواية كمؤيد، وأما جعلها كدليل على نحو يصلح لتقييد دليل النجاسة لو تم إطلاقه فهو محل إشكال، لإمكان المناقشة في الدعويين المذكورتين: أما الدعوى الأولى فيرد عليها أولا: أنها تتوقف على الالتزام بقيام دليل على عدم جواز حمل الميتة في الصلاة، وأما إذا قيل بأن الممنوع في الدليل الصلاة في الميتة ولو في شسع منها لا ما يشمل الحمل فلا تتجه الدعوى المذكورة. وثانيا: أنه لو سلم قيام دليل لفظي على عدم جواز


(1) وسائل الشيعة باب 63 من النجاسات.

[ 108 ]

[ (مسألة - 2) فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الأقوى (1) ] حمل الميتة، فغاية ما تدل عليه الرواية جواز حمل الثالول، وهذا لا يعارض دليل النجاسة لو فرض أنه يقتضي بإطلاقه نجاسة هذا الثالول، لأن الدليل المفترض للنجاسة إن كان هو نفس دليل نجاسة الميتة، بدعوى انطباق عنوان الميتة حقيقة على القطعة المبانة فلا بأس بالالتزام بإطلاقه إذا تمت هذه الدعوى، مع البناء على جواز حمل الثالول في الصلاة واستلزام الجمع بين النجاسة وجواز الحمل التخصيص في دليل عدم جواز حمل الميتة، مندفع بأن دليل عدم جواز الحمل إن كان موضوعه طبيعي الميتة فالتخصيص معلوم على كل حال بعد فرض أن الثالول ميتة، وإن كان موضوعه الميتة النجسة فالأمر فيه بالنسبة إلى الثالول يدور بين التخصيص والتخصص، ولا معين حينئذ للتخصص المقتضي للطهارة. وإن كان دليل النجاسة المفترض إطلاقه للثالول روايات القطعة المبانة، فمن الواضح أن الخروج عن إطلاق التنزيل فيها بلحاظ جواز الحمل في الصلاة لا يبرر رفع اليد عن اقتضائه للحكم بالنجاسة. وأما الدعوى الثانية فيرد عليها: أن الملاقاة مع الرطوبة ليست أمرا ملازما عادة لقطع الثالول، وإنما هو أمر اتفاقي. والسؤال ليس ناظرا إلى ما قد يتفق وقوعه من المحاذير المحتملة، بل إلى ما هو ملازم لعملية قطع الثالول من إيقاع فعل أجنبي في الصلاة أو أمر غالب الاتفاق كخروج الدم، فنفي البأس لا يكون نافيا للمحذور من ناحية الأمور الاتفاقية التي قد تترتب على قطع الثالول، من قبيل سراية النجاسة بسبب الملاقاة مع الرطوبة رغم عدم خروج الدم. (1) المسك: اسم لمادة متجمدة من دم الغزال، يحوطها جلد يسمى

[ 109 ]

بفأرة المسك. وهي تؤخذ من الحيوان - تارة - بعد تذكيته، وأخرى في حياته، وثالثة حال كونه ميتة. فإذا أخذت بعد التذكية، فلا إشكال في طهارتها وطهارة المسك داخلها أيضا، حتى لو كان دما غير مستحيل باعتباره من الدم المتخلف. وأما إذا أخذت منه حيا، فقد سبق أن القطعة المبانة من الحي لا يشملها إطلاق أدلة نجاسة الميتة، وإنما حكم بنجاستها على أساس الروايات الواردة في إليات الغنم وما قطعته الحبالة من يد ورجل. وعليه فقد يفصل في المقام بين الفأرة التي يلقيها الغزال بطبعه، وما ينتزع منه انتزاعا قبل أوان انفصاله، فالأول غير مشمول لمفاد تلك الروايات، لاحتمال الفرق عرفا بينه وبين مواردها التي كانت القطعة المبانة فيها غير متهيئة بطبعها للانفصال، كالفأرة، فلا يبقى فيها دليل على النجاسة. وأما الثاني فلا بأس بدعوى: أن تلك الروايات - بعد إلغاء ما يساعد العرف على إلغائه من خصوصيات المورد فيها - شاملة له. اللهم إلا أن يقال: إن تلك الروايات موردها هو الأجزاء التي تحلها الحياة من الحيوان، وليست فأرة المسك كذلك إما لأنها ليست جزءا من الحيوان رأسا، بل نسبتها نسبة البيضة إلى الدجاجة. وإما لأنها ليست مما تحلها الحياة من أجزائها، فإنها وإن كانت من قبيل الجلد، ولكن تهيأها بحسب طبعها للسقوط تدريجا يجعل نسبتها إلى الحياة أضعف من نسبة سائر الأجزاء. وبتعبير آخر: إن روايات الحبالة وإليات الغنم ناظرة إلى الجزء الذي لو كان متصلا بالحيوان حين موت ذلك الحيوان يحكم بنجاسته، فتدل على نجاسته بفصله عنه حال الحياة أيضا، فلا بد في الرتبة السابقة من إثبات أن فأرة المسك مما يتنجس إذا مات الغزال وهي متصلة به، فإذا منع من ذلك لعدم الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لمثل ذلك، فلا تشملها روايات الحبالة أيضا.

[ 110 ]

وأما طهارة المسك فيها فيمكن تقريبها من وجوه: الأول: إنه ليس بدم عرفا، سواء كان دما بحسب تحليله العلمي، أو مادة مغايرة للدم حقيقة - كما هو كذلك عرفا - على ما نقل عن بعض الخبراء بذلك. الثاني: قصور مقتضي النجاسة لشمول المسك ولو فرض أنه دم، لما سوف يأتي من عدم تمامية مطلق أو عموم على نجاسة دم الحيوان، وإنما الدليل قد دل على نجاسته في موارد مخصوصة لا يمكن التعدي منها إلى مثل هذا الدم الذي يحتمل فيه الفرق قويا. الثالث: أنه لو فرض تمامية إطلاق على نجاسة كل دم من الحيوان، يقال: بعدم الشمول لهذا الدم، باعتباره متكونا من مواد في داخل الفأرة - نظير الدم المتكون في البيضة - فلا يكون دم الحيوان. الرابع: التمسك بسيرة المتشرعة على معاملة المسك بل وفأرته أيضا معاملة الطاهر في استعمالاتهم الكثيرة، مما يكشف عن تجويز الشارع ذلك وإمضائه. وهذا الوجه باعتباره دليلا لبيا يقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو المتخذ من الحي وكان منفصلا بنفسه. وأما فأرة المسك من ميتة الغزال فقد يتمسك لإثبات نجاستها بإطلاق دليل نجاسة الميتة، باعتبارها جزءا من الميتة. ويمكن التشكيك في ذلك: إما بتقريب: أن دليل نجاسة الميتة لا إطلاق فيه من ناحية الأجزاء على نحو يشمل فأرة المسك، كما يظهر من مراجعة ما تقدم من الروايات، إلا إذا بني على أن الفأرة مما تحلها الحياة، واستفيد المفهوم بنحو الموجبة الكلية من أخبار استثناء ما لا تحله الحياة، بحيث كانت تدل على أن غيرها محكوم بالنجاسة مطلقا، وهو في غاية الإشكال،

[ 111 ]

لأن استثناء شئ لا ينفي استثناء شئ آخر. وعليه فاحتمال الفرق بين فأرة المسك وغيرها من الأجزاء موجود عرفا، ولو بعناية أن كونها متهيئة بطبعها للانفصال يجعل نسبتها إلى الحياة أضعف من نسبة سائر الأجزاء، بنحو لا يلزم عرفا من نجاسة سائر الأجزاء نجاستها، ولا إطلاق ينفي هذا الاحتمال. وإما بتقريب: أن فأرة المسك ليست جزء من الميتة أصلا، بل نسبتها إلى الحيوان نسبة البيضة إلى الدجاجة، فلا تثبت نجاستها ولو تم إطلاق على نجاسة الميتة. وربما يستدل على طهارتها: بالمدلول الالتزامي العرفي لما دل على طهارة المسك الملاقي معها من الداخل، بعد ظهوره في إثبات الطهارة الفعلية لا الجهتية، فلو كانت نجسة لتنجس المسك في داخلها بالعرض. وفيه أولا: ما تقدم في مسألة اللبن في الضرع وأنفحة الميتة، من عدم تمامية مثل هذه الدلالة الالتزامية. وثانيا: إن روايات طهارة المسك تثبت طهارته الذاتية فعلا، وأما عدم نجاسته بالسراية فليس مدلولا لها، وإنما تدل عليه لو فرض أن المسك كان كاللبن في الضرع مائعا، وأما لو كان منجمدا حين الموت - إن كان مائعا قبل ذلك - فلا تنعقد الدلالة المزبورة لنفي نجاسته العرضية لو لاقى النجس مع الرطوبة. وأما المسك المتخذ من الميتة فأيضا يحكم بطهارته بالوجوه التي تقدمت في إثبات طهارة المسك المتخذ من الحي، عدا الوجه الأخير كما أشرنا سابقا. هذا كله على مقتضى القاعدة الأولية. وأما في ضوء الروايات الخاصة: فقد وردت عدة روايات أهمها ثلاث: الأولى: رواية علي بن جعفر سأل أخاه موسى (ع) " عن فأرة المسك تكون مع من يصلي، وهي في جيبه أو ثيابه؟ فقال: لا بأس

[ 112 ]

بذلك " (1) فإنها تدل بالمطابقة على جواز حمل فأرة المسك في الصلاة، وبالملازمة على عدم نجاستها حيث لا يجوز حمل النجس في الصلاة، وحيث أطلق فيها فأرة المسك دون تفصيل بين ما يتخذ من الحي وما يتخذ من الميتة فيستفاد منها - لولا دعوى كون المتعارف خارجا أخذها من الحي لا الميتة - طهارتها حتى لو كانت من الميتة. وهذا الاستدلال في غير محله: ذلك أن الملازمة المذكورة بين جواز حمل شئ في الصلاة وعدم نجاسته، إن أريد بها الملازمة العرفية فهي ممنوعة إذ لم يثبت مركوزية هذا الحكم عند العرف بدرجة ينعقد ببركتها ظهور للفظ في نفي النجاسة. وإن أريد بها الملازمة الثبوتية شرعا، فإما أن يفترض ثبوتها بدليل قطعي، أو يفترض ثبوتها بإطلاق في دليل لفظي: فعلى الأول تقع المعارضة بين المدلول الالتزامي المذكور مع دليل نجاسة الميتة المفترض إطلاقه لفأرة المسك. وهذه المعارضة بين الرواية ودليل نجاسة الميتة بنحو العموم من وجه، لأن شمول الرواية للمتخذ من الميتة إنما كان بالإطلاق ومقدمات الحكمة، ومعه ربما يرجح دليل النجاسة، إما لكونه قطعي الصدور إجمالا، أو لكونه أقوى دلالة. وعلى الثاني لا يثبت بهذه الرواية سوى جواز الحمل في الصلاة. وأما إثبات طهارتها فهو موقوف على التمسك بإطلاق دليل عدم جواز حمل النجس في الصلاة للمقام أيضا، كي نثبت به أنها ليست من النجس، وهذا من التمسك بالعام في مورد دورانه بين التخصيص والتخصص، حيث يعلم بانتفاء هذا الإطلاق إما تخصيصا أو تخصصا، وإثبات التخصص بأصالة عدم التخصيص غير صحيح عندنا، على ما أشرنا إليه مرارا.


(1) وسائل الشيعة باب 41 من لباس المصلي.

[ 113 ]

إلا أن الصحيح عدم ثبوت الملازمة الشرعية المذكورة في نفسها على ما يأتي تحقيقه في محله. الرواية الثانية: ما في مكاتبة الحميري إلى أبي محمد (ع) " يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب (ع): لا بأس به إذا كان ذكيا " (1) وهي تفصل بين فرض التذكية وعدمها. ومن هنا وقع الاستدلال بها على نجاسة فأرة المسك من الميتة، بل من الحي أيضا تمسكا بإطلاق المفهوم. غير أن الإنصاف أن استفادة مثل هذا الإطلاق على خلاف الفهم العرفي بحسب مناسبات الحكم والموضوع، لأن الذكاة بحسب الفهم العرفي ليست صفة أولية للحيوان في عرض صفة الموت والحياة، بل صفة ثانوية في طول زهاق روحه، ويقابلها في مرتبتها الميتة التي هي القسم الآخر للحيوان الذي زهقت روحه. فالتعليق على مثل هذه الصفة الثانوية يكون ظاهرا عرفا في افتراض الصفة الأولية في أصل الموضوع، واقتناص المفهوم في حق البديل المناسب للصفة الثانوية الوقع في مرتبتها، وهذا يعني أن مورد مفهوم قوله: " إذا كان ذكيا " هو فرض الموت فلا يشمل الحي. فالمهم ملاحظة دعوى دلالتها بالمفهوم على نجاسة المتخذ من الميتة بتقريب: أنها تدل بالمفهوم على عدم جواز حمل فأرة المسك من الميتة في الصلاة، ولا وجه له إلا كونها ميتة نجسة، فتكون الرواية دليلا على النجاسة. غير أن هذا الاستدلال غير تام: لأن المنع عن حمل فأرة المسك من الميتة في الصلاة لا يلزم أن يكون من جهة نجاستها، لاحتمال أن يكون


(1) وسائل الشيعة باب 41 من لباس المصلي.

[ 114 ]

من جهة كونها من غير المذكى ولو كانت طاهرة في نفسها، لإمكان أن يكون موضوع المانعية أوسع من الميتة النجسة. والعنوان الوارد في هذه الرواية أيضا مقتضى الأخذ به اعتبار عنوان التذكية في صحة الصلاة إيجابا وسلبا، لا أنه مشير إلى حيثية النجاسة والطهارة، وبناء على هذا تكون الرواية الدالة على عدم جواز حمل غير المذكى في الصلاة ولو لم يصدق عليه عنوان اللبس. وربما يناقش في الاستدلال بالرواية بوجه آخر حاصله: دعوى قوة احتمال أن يكون المقصود من قوله: " إن كان ذكيا " أن يكون المسك ذكيا، أي طاهرا، وبناء عليه لا تكون دليلا على نجاسة الفأرة بوجه من الوجوه، وإنما تكون من أدلة عدم جواز حمل النجس في الصلاة. وقد استقرب هذا التفسير في المستمسك، باعتباره أوفق مع التذكير في اسم كان وخبره، دون أن نحتاج إلى تأويل أو تقدير (1). إلا أن هذا الوجه للنقاش في الاستدلال بالرواية غير صحيح. وتفصيل الكلام في ذلك: أن محتملات اسم كان ثلاثة: أن يكون هو الظبي نفسه، فإنه وإن كان غير مصرح بذكر إلا أنه باعتبار ذكر أثر من آثاره ومستلزماته يمكن إرجاع الضمير إليه. أو فأرة المسك، وتذكير الضمير باعتبار ملاحظة عنوان مذكر ينطبق عليه، كعنوان ما يكون معه في الصلاة، أو المسك. ومحتملات معنى الذكاة ثلاثة أيضا: التذكية الشرعية المقابلة للموت حتف الأنف. والطهارة الذاتية في قبال النجاسة ذاتا والطهارة الفعلية. والمستخلص من ذلك بدوا تسعة احتمالات في تفسير جملة " إذا كان ذكيا ". غير أن الاحتمال الأول في اسم كان وهو إرادة الحيوان نفسه لا ينسجم إلا مع المعنى الأول للتذكية دون الأخيرين، لأن الظبي طاهر ذاتا


(1) المستمسك الجزء الأول ص 316 ط 4.

[ 115 ]

وليس فيه نوعان طاهر ونجس. والنجاسة العرضية وإن كانت قد تعرض على الحيوان بالملاقاة، إلا أنها لا ربط لها بجواز حمل فأرته في الصلاة كي يعلق على عدمها. فلا يبقى من الاحتمالات إلا سبعة لا بد من ملاحظة النتيجة على كل منها. الأول: أن يراد باسم (كان) الظبي وبالذكاة ما يقابل الموت حتف الأنف. والمعنى: أنه لا بأس بحمل فأرة المسك في الصلاة إذا كان الظبي المتخذ منه الفأرة مذكى شرعا. ولا يبعد أن يكون هذا الاحتمال هو المستظهر عرفا من الرواية، لأن هذا هو المعنى المتبادر من الذكاة في عرف المتشرعة - وإن كان قد يطلق على الطهارة أيضا - وهو من صفات الحيوان حقيقة حيث يطلق عليه أولا، وإن كان قد يطلق على جزئه أيضا بالعناية، وهي عناية لا يبعد أن تكون أشد عرفا من عناية إرجاع الضمير إلى الظبي مع عدم ذكره صريحا لو سلمت العناية فيه. وبناء على هذا الاحتمال تكون دلالة مفهوم الجملة على عدم جواز حمل فأرة المسك المتخذة من الميتة في الصلاة واضحة. وحينئذ لو اعترف بالملازمة المدعاة بين ذلك وبين النجاسة لاستفيد من الرواية نجاسة فأرة المسك من الميتة ذاتا لا محالة، فإن التعليق المذكور لا يمكن أن يصح إلا بذلك. ودعوى: أن الملحوظ في التفصيل بين ذكاة الحيوان وعدم ذكاته لعله كان تنجس فأرة المسك بالملاقاة مع الميتة في فرض عدم التذكية، ولو فرض طهارتها ذاتا. مدفوعة: بأنها إلغاء لظاهر الجملة في أخذ عدم التذكية بنحو الموضوعية في المحذور، وتحويل له إلى عنوان آخر مفارق وهو عنوان النجاسة الحاصلة بالملاقاة، التي قد تحصل في المتخذ من المذكى أيضا. الثاني: أن يكون اسم (كان) فأرة المسك، ويراد بالذكاة التذكية،

[ 116 ]

باعتبار أنها وإن كانت صفة للحيوان حقيقة، إلا أنها تطلق عرفا على أجزائه أيضا باعتبار ما يرى من أنها صفة لبدنه ولحمه، فتنحل بلحاظ كل جزء منه. وبناء على هذا الاحتمال أيضا تكون النتيجة كما في الاحتمال السابق. الثالث: أن يكون اسم (كان) فأرة المسك، ويراد بذكاتها طهارتها ذاتا، فيكون معنى الجملة: أنه يجوز حملها في الصلاة إذا كانت طاهرة ذاتا. وبناء على هذا الاحتمال وإن لم تكن الرواية ناظرة إلى المتخذ من الميتة إلا أنه مع ذلك يستفاد منها نجاسته، باعتباره المتيقن لو كان في فأرة المسك ما يكون نجسا ذاتا. بل - لولا أن هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرواية - كان الاستدلال بها على النجاسة سالما عما أوردناه عليه، إذ على هذا لا يكون ثبوت النجاسة من ناحية ملازمتها مع عدم جواز الحمل في الصلاة، وإنما يكون بملاك ما يستبطنه تفصيل الإمام (ع) من وجود فأرة المسك النجسة ذاتا، بعد وضوح أن القدر المتيقن لذلك هو المتخذ من الميتة، حيث لا يحتمل طهارتها وأن يكون غيرها نجسا. الرابع: أن يكون الاسم فأرة المسك، ويراد بالذكاة الطهارة الفعلية، والمعنى: أنه يجوز حملها في الصلاة لو كانت طاهرة. وبناء على هذا لا يستفاد من مفهوم الرواية نجاسة المتخذ من الميتة كما هو واضح. الخامس: أن يكون الاسم المسك نفسه، ويراد بالذكاة التذكية قبال الميتة، باعتبار أن المسك أيضا يتصف بها لكونه جزءا من الحيوان. وهذا الاحتمال من حيث النتيجة كالاحتمال الثاني من حيث دلالة المفهوم على النجاسة الذاتية في المتخذ من الميتة، غاية الأمر أن ذلك الاحتمال لا يثبت فيه أكثر من نجاسة الفأرة نفسها، بينما الثابت على هذا الاحتمال نجاسة المسك والفأرة معا، لعدم احتمال طهارة الفأرة مع نجاسة مسكها لكونه غير مذكى، فإن عدم التذكية في الفأرة أولى منه في المسك، فالدال على الثاني يدل بالأولوية

[ 117 ]

على الأول. إلا أن هذا الاحتمال بنفسه بعيد غايته، إذ السؤال عن حمل الفأرة، فالأولى أن يعلق الحكم على ذكاتها مباشرة. مضافا إلى أن الذكاة بالمعنى المقابل للميتة أنسب عرفا بالفأرة منها بالمسك. السادس: أن يراد من اسم (كان) المسك، ومن الذكاة الطهارة الذاتية. والمعنى: أنه يجوز حمل فأرة المسك لو كان مسكها طاهرا ذاتا. وعلى هذا الاحتمال تارة: يفترض انحصار المسك في الطبيعي المتخذ مع الفأرة من الحيوان. وأخرى: نفرض اتخاذ المسك أيضا عن طرق أخرى، كغمس الفأرة في دم الظبي وحفظ شئ منه فيه ثم وضعه حتى ينجمد فيصبح مسكا. فعلى الأول: يكون هذا الاحتمال كالاحتمال الثالث من حيث دلالة التفصيل المذكور في الرواية على وجود النجس الذاتي في المسك، وقدره المتيقن ما يتخذ من الميتة. نعم هذا الاحتمال موهون في نفسه. لما قلنا في الاحتمال السابق من أن المناسب إسناد التذكية إلى الفأرة نفسها بعد أن كان السؤال عنها. وعلى الثاني: يمكن أن يكون النظر إلى ذلك المسك المصنوع المتخذ من دم الغزال، ويكون المقصود أنه لو كان المسك الموجود في الفأرة قد اتخذ من دم الغزال النجس ذاتا فلا يجوز حمله في الصلاة. وحينئذ لا يمكن أن يستفاد من الشرطية المذكورة نجاسة المتخذ من الميتة، إلا أن إرادة مثل هذا المعنى من الحديث في نفسه بعيد. السابع: أن يراد من اسم (كان) المسك، ومن الذكاة الطهارة بالفعل. وبناء عليه لا تثبت نجاسة فأرة المسك المتخذ من الميتة، كما هو الحال مع الاحتمال الرابع المتقدم. إلا أن هذا الاحتمال موهون غايته، إذ لا وجه لاعتبار طهارة المسك في حمل فأرته أثناء الصلاة، والحال أن نفس

[ 118 ]

الفأرة قد تبتلى بالنجاسة ولو كان مسكها طاهرا. الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) " قال: كانت لرسول الله (ص) ممسكة، إذا هو توضأ أخذها بيده وهي رطبة، فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول الله (ص) برائحته " (1). ودلالتها على الطهارة باعتبار حجية عمل النبي، وظهور استشهاد الإمام (ع) وعنايته في نقل عمل النبي (ص) مصرحا بأنه كان يمسه برطوبة في أن نظره إلى الطهارة مما لا ينبغي إنكاره. إلا أن الكلام في نقطتين فيها: الأولى: في تشخيص المراد بالممسكة. فإن أريد منها محل المسك الطبيعي، أي الفأرة، كانت الرواية دليلا على طهارتها، فضلا عن طهارة المسك فيها. وإن أريد منها الوعاء الذي يجعل فيه المسك ويحفظ، فلا يكون فيها دلالة على طهارة الفأرة، وإنما تدل على طهارة المسك نفسه، باعتبار أن المسك إنما يراد من أجل الاستعمال والتطيب به، وهو ملازم عادة مع مساورته. فالرواية تدل على أن النبي (ص) كان يقوم بذلك بعد الوضوء مما يدل على طهارته. مضافا إلى أن العناية التي جاءت في الرواية من أنه كان يأخذها بيده وهي رطبة دليل على النظر إلى جهة المحذور، ومن الواضح أن ما يحتمل فيه المحذور لم يكن هو الممسكة بما هي وعاء، فإذا لم يكن النظر إلى فأرة المسك فيتعين أن يكون النظر إلى المسك الملوث به الوعاء. الثانية: أنه هل يستفاد من الرواية طهارة الفأرة أو المسك مطلقا، أم لا بد من الاقتصار فيها على القدر المتيقن، وهو المتخذ من المذكى، باعتبار أن القضية المروية قضية خارجية لا يمكن استظهار الإطلاق منها. والصحيح: أن الرواية وإن كانت تنقل عملا خارجيا للنبي (ص)،


(1) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب النجاسات.

[ 119 ]

[ وإن كان الأحوط الاجتناب عنها (1) نعم لا إشكال في طهارة ما فيها من المسك. وأما المبانة من الميت ففيها إشكال، وكذا في مسكها (2). نعم إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها، ولو لم يعلم أنها مبانة من الحي أو الميت (3). ] إلا أن كون الرواي لها هو الإمام (ع) الذي ظاهر حاله أنه في مقام بيان الحكم الشرعي، لا مجرد نقل القصة والتاريخ، وظهور سياق الرواية أيضا في أنه كان بصدد الاستشهاد بعمل النبي (ص)، واقتناص الحكم الشرعي منها حيث فرض فيها عناية رطوبة يده حين استعماله للممسكة، يكسب الرواية ظهورا - على أقل تقدير - في أن ما كان متعارفا في زمان صدور هذا النص لدى الناس من المسك، أو الممسكة - على تقدير إرادة الفأرة بها - كان طاهرا - فإذا استطعنا أن نثبت من الخارج أن المسك المتخذ من الحي أيضا كان متعارفا في الاستعمالات العرفية آنذاك - كما هو الظاهر - كانت الرواية دليلا على طهارته. نعم المسك وفأرته المتخذ من الميتة إثبات طهارته بالرواية مشكل. (1) قد ظهر خلال ما تقدم من الأبحاث ما يمكن أن يكون وجها للاحتياط. (2) قد اتضح مما سبق أن فأرة المسك ومسكها طاهرتان مطلقا فالاستشكال المذكور منحل. (3) لا موضوع للبحث عن فرض الشك في كون الفأرة متخذة من الحي أو الميت، بناء على القول بطهارتها مطلقا وإنما يتأتى هذا البحث إذا قيل بالتفصيل وهناك تفصيلان محتملان: أحدهما: التفصيل بين المتخذ من المذكى، وغيره حتى المتخذ من الحي.

[ 120 ]

الثاني: التفصيل بين المتخذ من المذكى أو الحي، والمتخذ من الميت. فإذا اختير التفصيل الأول وأن موضوع الطهارة هو المتخذ من المذكى تمسكا بظاهر قوله في المكاتبة " إذا كان ذكيا " - فعند الشك وفقدان أمارة مثبتة للتذكية من يد أو سوق يكون مقتضى الأصل هو النجاسة، تمسكا باستصحاب عدم التذكية، بناء على أن نجاسة الفأرة مترتبة على عدم تذكيتها، لا على عنوان الميتة الذي هو أمر وجودي لا يثبت باستصحاب عدم التذكية. وتحقيق ذلك: أن نجاسة فأرة غير المذكى تارة: تثبت بلحاظ أدلة نجاسة الميتة وأدلة نجاسة القطعة المبانة من الحي. وأخرى: بلحاظ مفهوم قوله: " إذا كان ذكيا " في رواية علي بن جعفر. فعلى الأول: تكون النجاسة مترتبة على عنوان الميتة، فلا تثبت باستصحاب عدم التذكية. وعلى الثاني: يكون العنوان المأخوذ في الدليل عدم التذكية، إلا أن المفهوم في الرواية لا يدل بصورة مباشرة على النجاسة ليثبت ترتبها على عنوان عدم التذكية، وإنما يدل المفهوم مباشرة على عدم جواز حمل الفأرة المأخوذة من غير المذكى في الصلاة، فإن احتمل عدم الجواز ولو مع الطهارة فلا دلالة على النجاسة، وإن علم من الخارج بانتفاء هذا الاحتمال - كما هو المفروض - دل المفهوم بالالتزام على النجاسة. ولكن الدلالة الالتزامية حينئذ لا تعين أن موضوع النجاسة هل هو نفس العنوان الواقع موضوعا لعدم جواز الصلاة، لأن غاية ما ثبت الملازمة بين ذاتي الحكمين، لا تطابقهما في العنوان، وما لم يحرز كون النجاسة مترتبة على عدم التذكية لا يمكن إثباتها باستصحاب عدم التذكية. نعم لو استظهر من رواية علي بن جعفر أنها ناظرة ابتداء - سؤالا وجوابا - إلى النجاسة والطهارة، وأن الاستفهام عن الصلاة مع الفأرة تعبير عرفي في مقام السؤال عن النجاسة، كان نفي البأس المعلق على التذكية

[ 121 ]

في منطوق الجواب يعني الطهارة، ويدل المفهوم حينئذ على تعليق النجاسة على عنوان عدم التذكية. وقد يوقع حينئذ نحو من التعارض بين ظهور رواية علي بن جعفر في موضوعية عدم التذكية للنجاسة المساوق لعدم دخل عنوان الميتة الوجودي فيها، وبين ظهور أدلة نجاسة الميتة في دخل هذا العنوان بعد عدم وجود احتمال عرفي للتفكيك بين نجاسة الفأرة ونجاسة غيرها من أجزاء الميتة من حيث الموضوع، والفراغ عن وحدة النجاسة المجعولة في سائر تلك الأدلة. ومع التعارض المذكور يتعذر أيضا إجراء الاستصحاب لإثبات النجاسة. وإذا اختير التفصيل الثاني - كما هو مختار السيد الماتن قده - فتارة: يعلم بأن الفأرة متخذة من حيوان زهق روحه، ولكن يشك في كونه مذكى أو ميتة. وأخرى: يشك في كونها من الحي أو من الميتة. وثالثة: يشك في كونها من الحي أو المذكى أو الميتة. وعلى كل واحد من هذه التقادير، تارة: يفترض وجود أمارة في البين، كما لو اشتريت من السوق أو أخذت من يد مسلم. وأخرى: لا يوجد شئ من ذلك. أما على تقدير وجود يد مسلم أو سوقه فلا بد وإن ينظر إلى دليل الحجية، ليرى حدود مفاده، فإذا استفيد منه - ولو بمناسبات الحكم والموضوع العرفية - أن اليد أو السوق اعتبرت أمارة على أن المشكوك مما لا محذور فيه شرعا، لأن كونه مما فيه المحذور شرعا خلاف ما يقتضيه إسلام صاحب اليد أو السوق، فلا إشكال في شئ من الصور الثلاث للشك، حيث يكون قيام اليد أو السوق أمارة على عدم المحذور في فأرة المسك. وأما إذا استفدنا من دليل أمارية اليد والسوق أماريتهما في إثبات التذكية في قبال الميتة فقط، فأيضا لا إشكال في صحة الاستناد إليهما لإثبات الطهارة في الصورة الأولى، حيث يدور الأمر بين كون الحيوان المتخذ

[ 122 ]

منه الفأرة مذكى أو ميتة. كما لا إشكال في عدم إمكان الاستناد إليهما في الصورة الثانية، حيث يقطع بعدم التذكية فيها، وإنما يحتمل أخذها من الحي أو أخذها من الميتة. وأما الصورة الثالثة: فالصحيح أيضا إمكان الاستناد فيها إلى الأمارة لإثبات الطهارة، فإن الأمارية وإن كانت ثابتة بمقدار إثبات التذكية في قبال الميتة، مما يعني أن موضوعها ما إذا أحرز زهاق الروح وشك في كونها بنحو التذكية أو بغيرها، إلا أن ذلك لا يقدح في المقام لإثبات الطهارة، حيث يقال: إن المشكوك لو كان متخذا من الحي فهو طاهر. ولو فرض أنه كان متخذا من حيوان زهق روحه فأمارية اليد أو السوق تقتضي أن يكون مذكى، وبذلك يحرز موضوع الطهارة على كل تقدير. لا يقال: المفروض استظهار اختصاص الأمارية بما إذا كان الشك في التذكية مع إحراز زهاق روح الحيوان، فالتعدي منه إلى مورد دوران الاحتمال بين ثلاثة أطراف - كما في المقام - غير صحيح، حيث لا يحرز فيه أصل زهاق الروح. فإنه يقال: لا وجه لاستظهار الاختصاص المذكور، وإنما غاية ما يثبت من الاختصاص أن الأمارية مجعولة في مورد الشك في التذكية وعدمها لإثبات التذكية، قبال احتمال الموت. وفي المقام يوجد شك في التذكية فتثبت التذكية قبال احتمال الموت، وإن لم تثبت التذكية في قبال الحياة، كما هو واضح. وأما على تقدير عدم وجود أمارة في المقام من قبيل اليد أو السوق، فلا بد من الرجوع إلى الأصل فنقول: تارة: يفرض أن الحكم بنجاسة المتخذ من الميتة باعتباره بنفسه ميتة، حيث يصدق عنوان الميتة والمذكى على جزء الحيوان أيضا بلحاظ الحياة الضمنية فيه. وأخرى: يفرض أن ذلك

[ 123 ]

باعتباره بنفسه غير مذكى، كما لو أرجع الضمير في قوله: إذا كان ذكيا إلى الفأرة نفسها، وثالثة: باعتبار كون الحيوان المتخذ منه غير مذكى، كما لو أرجع الضمير إلى الحيوان لا الفأرة، أو باعتبار كون ذلك الحيوان ميتة. فعلى الأول: لا إشكال في جريان استصحاب عدم كون المشكوك ميتة باعتبارها عنوانا وجوديا. وعلى الثاني: يجري استصحاب عدم التذكية في المشكوك. بناء على جريانه لإثبات آثار عدم التذكية - وسوف يأتي تحقيق ذلك - فتثبت النجاسة حينئذ. ولا فرق في حكم هذين الفرضين بين ما إذا علم اتخاذه من حيوان وشك في كونه ميتة أو لا، وبين ما إذا شك في أخذه من الحيوان المعلوم كونه ميتة أو من غيره. وعلى الثالث: لا بد من إجراء الأصل في الحيوان المتخذ منه الفأرة، لأن تذكيته أو موته موضوع للحكم بطهارة الفأرة أو نجاستها. وعليه فهناك صور: الأول: أن يعلم بكون الفأرة مأخوذة من حيوان معين، ويشك في حال هذا الحيوان حين أخذ الفأرة منه فلا يعلم هل كان حيا، أو مذكى، أو ميتا، ولا يزال هذا الشك قائما بشأن ذلك الحيوان حتى الآن فيجري استصحاب حياة الحيوان لنفي نجاسة الفأرة. الثانية: الصورة السابقة نفسها، ولكن يعلم بأن الحيوان ميتة فعلا. فيجري في نفسه استصحاب بقاء الحيوان حيا إلى حين أخذ الفأرة منه، لنفي موضوع النجاسة. وقد يعارض باستصحاب بقاء الفأرة على الحيوان إلى حين موته لإثبات النجاسة. وهذا إنما يتم إذا كان موضوع النجاسة مركبا من اتصال الفأرة بحيوان، وعدم كونه حيا، وعدم كونه مذكى في ذلك الزمان. فإنه - حينئذ - باستصحاب اتصال الفأرة بالحيوان إلى زمان عدم حياته، واستصحاب عدم تذكيته إلى ذلك الزمان، يثبت موضوع

[ 124 ]

[ (مسألة - 3) ميتة ما لا نفس له طاهرة (1) ] النجاسة. وبعد التعارض بين الاستصحابين يرجع إلى قاعدة الطهارة. الثالثة: أن يعلم بأخذ الفأرة من حيوان معين بعد موته، ويشك في كونه مذكى. فيجري استصحاب عدم التذكية إذا كانت نجاسة الفأرة مترتبة على عدم تذكية الحيوان، لا على كونه ميتة. الرابعة: أن تتردد الفأرة بين أن تكون مأخوذة من هذا الحيوان أو من ذاك، وكل من الحيوانين لا يشك في حاله، وإنما الشك في أخذ الفأرة من هذا أو ذاك. فلا يجري الاستصحاب في الحيوان الذي اتخذت الفأرة منه، لأنه من استصحاب الفرد المردد، فتجري قاعدة الطهارة. (1) المعروف بين الفقهاء استثناء ميتة ما لا نفس له من الحكم بالنجاسة، حتى ادعي الإجماع على ذلك في كثير من كلماتهم. والبحث في ذلك: تارة فيما تقتضيه عمومات النجاسة. وأخرى: فيما تقتضيه الروايات الخاصة. أما البحث الأول: فروايات نجاسة الميتة، وإن كان أكثرها واردا في موارد ما له نفس سائلة، غير أنه بالإمكان دعوى الإطلاق في مثل روايات النهي عن أكل طعام أهل الكتاب وفي أوانيهم، معللة ذلك بأن فيه الميتة، مع وضوح أنهم لا يقتصرون على أكل ميتة ما له نفس سائلة، بل يأكلون مثل السمك مما لا نفس سائلة له أيضا. ومقتضى إطلاق التعليل ثبوت النهي حتى في موارد أكلهم الميتة التي لا نفس لها، فيستفاد منه الإرشاد إلى نجاستها أيضا. اللهم إلا أن يدعى الفراغ في تلك الروايات عن كبرى نجاسة الميتة، بنحو لا تكون في مقام البيان من تلك الناحية، ليتمسك بإطلاقها. وأما البحث الثاني: فالروايات الخاصة التي قد تصلح لتقييد الإطلاق في دليل النجاسة - على فرض ثبوته - عدة أخبار.

[ 125 ]

الأول: رواية حفص بن غياث عن الصادق (ع) " عن أبيه أنه قال لا يفسد الماء إلا ما كان له نفس سائلة " (1). ودلالتها على طهارة ميتة ما لا نفس له واضحة، فإنها - بقرينة التفصيل بين ما له نفس وما ليس له نفس - تكون ناظرة إلى نفي النجاسة مما ليس له نفس، لا إلى اعتصام مطلق الماء، وإلا لم يكن فرق بين ما ليس له نفس وغيره. وهذه النجاسة المنفية ليس المراد بها النجاسة الذاتية للحيوان، لأن وضوح أن الحيوان الحي ليس نجسا ولا منجسا حتى فيما له نفس يصرف ظهور الرواية عن ذلك. وليس المراد بها نجاسة ما قد ينضم إلى الحيوان من فضلاته، لأن إضافة الإفساد المنفي إلى نفس الحيوان قرينة على كون المنظور بدن الحيوان، أو كونه على الأقل هو القدر المتيقن على نحو لا يمكن حمل الرواية على غيره، فيتعين اتجاه نظر الرواية نحو نجاسة الحيوان باعتبار موته. ولكن في الرواية إشكالا من ناحية السند، لأن الشيخ ينقلها في التهذيب: عن المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد ابن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن حفص. وأحمد بن محمد الذي يروي عنه المفيد غير ثابت التوثيق. وينقلها الشيخ في الاستبصار: عن الحسين بن عبد الله، عن أحمد ابن محمد بن يحيى، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى... إلخ. وقد وقع فيه أحمد بن محمد أيضا. ولكن التحقيق إمكان دفع هذا الإشكال السندي، باعتبار أن الشيخ له ثلاث طرق في الفهرست إلى جميع كتب وروايات محمد بن أحمد بن يحيى الواقع بعد الضعف في سلسلة السند، وأحدها صحيح قد اشتمل بدلا عن


(1) وسائل الشيعة باب 35 من النجاسات.

[ 126 ]

أحمد بن محمد على الصدوق، فتصح الرواية. فإن قيل: كيف نثبت أن الشيخ ينقل هذه الرواية بذلك الطريق الصحيح إلى محمد بن أحمد بن يحيى ما دام قد صرح في كتابيه بطريق معين إليه في مقام نقل تلك الرواية؟. قلنا: إن الظاهر من عبارة الفهرست وحدة المنقول بالطرق الثلاثة، وحيث إن الطريق المصرح به في الاستبصار هو أحد الطرق الثلاثة المذكورة في الفهرست، ثبت أن رواية محمد بن أحمد بن يحيى لخبر حفص واصلة إلى الشيخ بالطرق الثلاثة جميعا. وهذا هو المقدار الذي نقبله من نظرية التعويض. ومن جملة الروايات موثقة عمار: " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنمل، يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه؟ فقال (ع): كل ما ليس له دم فلا بأس " (1) وقريب من مضمونها رواية أبي بصير: " كل شئ وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب والخنافيس وأشباه ذلك فلا بأس " (2) ودلالتها علي طهارة ميتة ما لا دم له أوضح من سابقتها، لصراحة نظرها إلى محذور الميتة ونجاستها. غير أنه ربما يقال: بدلالتها - بمقتضى إطلاق المفهوم - على نجاسة ميتة ما له نفس غير سائلة، كالسمك مثلا. فتقع طرفا للمعارضة مع رواية حفص المتقدمة بنحو العموم من وجه، وبعد التساقط يرجع فيما له نفس غير سائلة إلى عموم نجاسة الميتة باعتباره مرجعا فوقانيا. وفيه: أولا: إن الجملة التي استعملها الإمام (ع) غير مشتملة على أدوات المفهوم، وغاية ما يوهم كونه مقتضيا للمفهوم استظهار سياق التحديد منها. ومن الواضح: أنه يكفي لإشباع الحاجة إلى التحديد أن يذكر ما يكون جامعا محددا للأمثلة التي سأل عنها السائل، والتي كلها مما لا


(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الماء المطلق.

[ 127 ]

[ كالوزغ والعقرب والخنفساء والسمك (1) ] نفس له أصلا. وثانيا: لو فرض تمامية المفهوم فيها، فلا محيص عن تقديم رواية حفص على إطلاق هذا المفهوم، وذلك لورود قيد السيلان في رواية حفص بحيث يكون الالتزام بإطلاق المفهوم - المقتضي لنجاسة دم ما له دم غير سائل - إلغاء لخصوصية القيد المذكور المأخوذ في رواية حفص، وهذا ليس تقييدا، وإنما هو رفع لليد عن موضوعية قيد مأخوذ في الحكم. وهناك روايات أخرى وردت في موارد خاصة من ميتة بعض الحيوانات التي لا نفس سائلة لها، وهي تدل على الطهارة. إلا أن الاستدلال بها على القضية الكلية بحاجة إلى ضم نكات ومناسبات عرفية، تقتضي إلغاء خصوصية تلك الموارد. وسوف يأتي التعرض لجملة منها، إلا أن في رواية حفص المطلقة والتامة سندا ودلالة غنى وكفاية. (1) تمسكا بإطلاق ما دل على طهارة ميتة ما ليس له نفس سائلة، بعد فرض طهارة هذه الحيوانات في أنفسها، وعدم نجاستها الذاتية بقطع النظر عن الموت. وقد يدعى نجاسة مثل الوزغ والعقرب، تمسكا ببعض الروايات، إلا أنها - لو تمت دلالتها - فهي ناظرة إلى النجاسة الذاتية لا إلى حدوث النجاسة بالموت، إذ لم يفرض في موضوعها ملاقاة الماء ونحوه لميتة الوزغ والعقرب، بل لنفسها، فيكون ذلك أجنبيا عن محل الكلام، إذ لا يرجع إلى تخصيص في دليل طهارة ميتة ما لا نفس له. وسوف يأتي تفصيل الكلام في احتمال النجاسة الذاتية لهذه الحيوانات في آخر بحث النجاسات. فإن قيل إن ما دل على نجاسة الوزغ أو العقرب - مثلا - أو انفعال البئر به، وإن لم يؤخذ في موضوعه فرض الموت، ولكن إذا ضم إلى ذلك

[ 128 ]

[ وكذا الحية والتمساح، وإن قيل بكونهما ذا نفس، لعدم معلومية ذلك، مع أنه إذا كان بعض الحيات كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك (1) ] ما دل على طهارته في حال حياته تعين تقييد دليل النجاسة بما بعد الموت، فيكون تخصيصا في دليل طهارة الميتة. قلنا: إن هذا ليس تقييدا عرفيا لظهور تلك الروايات في أن ملاك الحزازة نفس سقوط الوزغ أو العقرب في الماء، والتقييد يعني إلغاء هذا الملاك رأسا، وجعل هذا السقوط مقدمة لأمر مطوي وهو موت الحيوان في الماء، وافتراض هذا الأمر المطوي ملاكا للحزازة. ومن الواضح أن الحمل على التنزه أولى من هذا التأويل عرفا. (1) ذهب بعض إلى نجاسة ميتة الحية والتمساح، لا باعتبار ورود دليل خاص على ذلك، فإنه لم يرد ما يدل على نجاستها، بل بدعوى كونهما مما له نفس سائلة. والجدير بالبحث الفقهي أن نلاحظ حكم الشك في كون حيوان مما له نفس سائلة أو لا؟ فنقول: قد يشك في أن الحيوان ذو نفس سائلة بنحو الشبهة المفهومية، بأن يشك في صدق العنوان المزبور على درجة معينة من الدم في الحيوان. وقد يشك فيه بنحو الشبهة المصداقية، بأن لا يعلم مقدار الدم وسيلانه. أما الفرض الأول: فحكمه التمسك بعموم نجاسة الميتة على فرض وجوده، بناء على ما هو المقرر في محله من التمسك بالعام في الشبهة المفهومية لمخصصه المنفصل. وأما الفرض الثاني فتارة: يفرض أن الحيوان المشكوك متعين نوعا،

[ 129 ]

كميتة الحية التي يشك بنحو الشبهة الموضوعية في سيلان دمها. وأخرى: يفرض عدم تعين نوعه، كميتة مرددة بين الحية والفأرة. فهنا صورتان: أما الصورة الأولى: فإن بني على عدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي جرت في المقام أصالة الطهارة، حتى إذا افترض وجود العموم في دليل نجاسة الميتة، لوضوح عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وإن بني على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فإما أن يلتزم بوجود العموم في دليل نجاسة الميتة، وإما أن يلتزم بعدمه. فإن التزم بعدمه كان المتيقن نجاسته هو عنوان ما له دم، فيجري استصحاب العدم الأزلي لهذا العنوان وأصالة الطهارة. وإن التزم بوجود العموم في دليل نجاسة الميتة، فلا بد من ملاحظة ما هو الخارج بالتخصيص. فإن كان الخارج موضوعا مركبا من ميتة حيوان وعدم كونه ذا نفس سائلة، أمكن إحراز عنوان الخارج باستصحاب العدم الأزلي، لكونه ذا نفس سائلة. وإن كان الخارج موضوعا مقيدا - وهو ميتة الحيوان المتصف بعدم سيلان الدم - فهذا يعني أن عدم السيلان المأخوذ في العنوان الخارج لوحظ بنحو العدم النعتي، فلا يمكن إثباته باستصحاب العدم الأزلي، بل يمكن نفيه بهذا الاستصحاب بنحو يثبت موضوع العام، فيحكم بالنجاسة. هذه هي تقادير المسألة. وأما تشخيص الواقع منها: فمن ناحية وجود العموم في دليل نجاسة الميتة وعدمه تقدم الحال في ذلك. ومن ناحية تشخيص العنوان الخارج بالتخصيص، قد يقال: إن المخصص هو مثل قوله: " كل ما ليس له دم فلا بأس به " وظاهره أخذ العدم بنحو العدم النعتي. ويرد عليه - مضافا إلى إمكان منع هذا الظهور - أن دليل التخصيص لا ينحصر بذلك بعد أن صح سند رواية حفص، وهي تحصر النجاسة بعنوان وجودي، فتعطي هذا العنوان لنفس العمومات، ويكون المستصحب عدمه الأزلي.

[ 130 ]

[ (مسألة - 4) إذا شك في شئ أنه من أجزاء الحيوان أم لا؟ فهو محكوم بالطهارة (1). وكذا إذا علم أنه من الحيوان لكن شك في أنه مما له دم سائل أو لا؟ (2). (مسألة - 5) المراد من الميتة: أعم مما مات حتف أنفه، أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي (3). ] وأما الصورة الثانية فتوضيح الحال فيها أن: موضوع الحكم بالنجاسة، إن كان هو ميتة الحيوان الذي له بشخصه نفس سائلة، فاستصحاب العدم الأزلي يجري لنفي موضوع النجاسة، كما هو الحال في الصورة السابقة. وإن كان هو ميتة الحيوان الذي يكون نوعه ذا نفس سائلة، بحيث لو اتفق وجود النفس السائلة في فرد من السمك مثلا بنحو الشذوذ، لم يستوجب نجاسة ميتة ذلك الفرد، لأن العبرة بالنوع، فيشكل جريان الاستصحاب لأنه إن أريد إجراؤه في واقع النوع الذي ينتسب إليه هذا الحيوان المردد فهو من استصحاب الفرد المردد، لأن واقعه إما الحية التي يعلم بعدم النفس لها أو الفأرة التي يعلم بثبوت النفس السائلة لها. وإن أريد إجراؤءه في هذا الشخص الخارجي من الحيوان، فهو لا أثر له، لأن المفروض أخذ صفة السيلان للنوع لا للفرد، فيرجع إلى أصالة الطهارة. (1) لاستصحاب عدم كونه من الحيوان، ولأصالة الطهارة. (2) لاستصحاب عدم كونه من الحيوان ذي النفس السائلة، ولأصالة الطهارة. (3) كما هو المتفق عليه فتوى وارتكازا فما مات بقتل أو ذبح غير شرعي يحكم عليه بالحرمة والنجاسة ويشهد لذلك ما دل من الأخبار على النهي عن أكل ما تقطعه الحبال معللا بأنه ميتة بعناية عدم وقوع التذكية عليه وقد

[ 131 ]

[ (مسألة - 6) ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة، وإن لم يعلم تذكيته (1) ] يستشهد لذلك بروايات أخرى أيضا وهذا المقدار لا كلام فيه وإنما الكلام في تحقيق أن موضوع الحكم بالحرمة أو النجاسة هل هو عنوان الميتة بهذا المفهوم العام أو ما لا يكون مذكى وقد اخترنا في موضع آخر من هذا الشرح التفصيل بين الحرمة والنجاسة فالأولى موضوعها أمر عدمي ولهذا يمكن إثباته بالاستصحاب والثانية موضوعها عنوان وجودي فيتعذر إثباتها باستصحاب عدم التذكية فلاحظ. (1) يقع الكلام أولا: في استصحاب عدم التذكية ومقدار ما يمكن أن يثبت به من آثار. وثانيا: في الأمارات الخاصة الحاكمة عليه. أما تحقيق حال استصحاب عدم التذكية: فمحصل ما ينبغي إيراده في المقام، أنه تارة: يراد إثبات الحرمة تكليفا أو وضعا في الصلوة بالاستصحاب المذكور. وأخرى: يراد إثبات النجاسة. فالكلام في مقامين: المقام الأول: في إثبات الحرمة بالاستصحاب المذكور. وهو موقوف على ملاحظة موضوع الحكم بالحرمة، وهل هو عنوان وجودي أو عدمي بنحو العدم النعتي أو المحمولي؟ فهنا صور لا بد من ذكر كل منها، وملاحظة أن الاستصحاب فيها هل يكون من استصحاب العدم الأزلي أم لا؟ الصورة الأولى: أن يكون موضوع الحرمة الميتة بما هي أمر وجودي، مسبب عن الأسباب غير الشرعية للموت. وبناء عليه لا يجري استصحاب عدم التذكية بوجه أصلا، لأنه لا يثبت عنوان الموت إلا على القول بالأصول المثبتة، لأن هذا الموضوع الوجودي ملازم عقلا لعدم التذكية. الصورة الثانية: أن يكون موضوع الحرمة عنوانا عدميا هو عدم

[ 132 ]

الموت بسبب شرعي بنحو العدم المحمولي، وقد أضيف إلى ذات الحيوان لا الحيوان الميت، فيكون موضوع الحرمة مركبا من زهاق روح الحيوان وعدم تذكيته. وهذا يعني أن القيدين عرضيان في نسبتهما إلى ذات الحيوان، دون أخذ تقييد بينهما. وبناء على هذا يجري استصحاب عدم التذكية لإثبات الحرمة، حتى لو أنكرنا الاستصحاب في الأعدام الأزلية، لأن عدم تذكية الذابح للحيوان له حالة سابقة للموضوع الذي هو ذات الحيوان بحسب الفرض، فيجري استصحابه، ويضم إلى القيد الآخر للموضوع المحرز بالوجدان وهو زهاق روحه، ويلتئم به الموضوع المركب. الصورة الثالثة: نفس الصورة مع افتراض العدم نعتيا لا محموليا. والحكم فيها كما في الصورة السابقة، لأن العدم النعتي أيضا له حالة سابقة حال حياة الحيوان، فيحرز بالاستصحاب، ويضم إليه الجزء الآخر المحرز بالوجدان، فيثبت المركب. الصورة الرابعة: أن يكون عدم التذكية مضافا إلى الحيوان الزاهق روحه، لا إلى نفس الحيوان، مع كونه بنحو العدم المحمولي. وهذا معناه أن قيدي زهاق الروح وعدم التذكية طوليان لا عرضيان. وبناء عليه يجري أيضا استصحاب عدم كون هذا الحيوان الزاهق روحه مذكى. ولكنه من الاستصحاب في العدم الأزلي، إذ لا حالة سابقة للحيوان الزاهق روحه بما هو كذلك. الصورة الخامسة، نفس الصورة من حيث طولية القيدين، ولكن مع افتراض عدم التذكية بنحو النعتية، أي الحيوان الزاهق روحه الموصوف بأنه غير مذكى. وبناء عليه لا يمكن إجراء الاستصحاب، حتى على القول بالأصل في الأعدام الأزلية، لأنه لا يثبت العدم النعتي إلا بناء على الأصل

[ 133 ]

المثبت، فالمرجع حينئذ أصالة الحل والإباحة لا محالة. هذه هي صور المسألة ثبوتا. والمترائى من ألسنة أدلة الحرمة - إثباتا - الصورة الرابعة منها. ذلك: أن الآية الكريمة قد رتبت الحكم بالحرمة - أولا - على كل حيوان زهقت روحه، ثم استثنت المذكى بقوله تعالى: " إلا ما ذكيتم ". وقد حققنا في محله أن القيد الوارد بالتخصيص يؤخذ عدمه المحمولي في موضوع العام. وهذا يعني جريان استصحاب عدم التذكية عند الشك، بناء على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية. هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية العامة عند الشك في التذكية بنحو الشبهة الموضوعية. غير أن في المقام روايات ظاهرة في خلاف ذلك: كرواية علي بن حمزة التي ورد فيها: " ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه " (1) ورواية ابن مهران: " لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة " (2)، حيث رتب فيهما الجواز على فرض عدم العلم بالميتة الذي يعني إلغاء استصحاب عدم التذكية في مورد الشك. وقد استند صاحب المدارك - قده - إلى هذه الروايات في إبطال استصحاب عدم التذكية. وهناك محاولتان للجواب على ذلك: الأولى: إن هذه الروايات - كأدلة أصالة الحل والبرائة - تكون محكومة للاستصحاب، باعتباره علما تعبديا بموضوع الحرمة، فتتحقق الغاية في هذه الأدلة. وفيه: أولا - عدم تمامية كبرى حكومة الاستصحاب على الأصول العملية الأخرى - على ما حققناه في علم الأصول - وإنما نقدمه عليها بنكات الجمع العرفي المقتضي لملاحظة النسبة بين دليله وأدلتها.


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات.

[ 134 ]

وثانيا: لو سلمنا حكومة الاستصحاب على أصالة الحل في مطلق الشبهات، فلا نسلم حكومته على هذه الروايات باعتبارها واردة في مورد الشك في التذكية الذي يكون مسبوقا دائما بالحالة السابقة لعدم التذكية، فيكون تقديمه عليها بالحكومة طرحا لها، والدليل الحاكم إنما يتقدم على محكومه فيما إذا لم يستلزم منه الطرح، وإلا خصص الحاكم بالمحكوم. لا يقال: هذه الروايات أعم من دليل الاستصحاب من جهة، حيث إنها تشمل موارد العلم الوجداني بالتذكية، فلا يلزم من تحكيم الاستصحاب عليها في مورد الشك إلغائها. فإنه يقال: صريح الروايات أخذ عدم العلم بموضوع الحرمة موضوعا للحلية، والتحكيم المذكور إلغاء لهذا العنوان، فيكون بحكم الطرح والتأويل عرفا. فإن قيل: إن الأعمية من جهة محفوظة على أي حال بلحاظ شمول الروايات المذكورة لحالات قيام الأمارة على التذكية، وعدم شمول دليل الاستصحاب لها. قلنا: إن المغيى في تلك الروايات، إن كان مخصوصا بموارد الأمارة على التذكية - فلا يعقل حكومة الاستصحاب على الغاية وتحقيقه فردا تعبديا لها، وإلا يلزم حكومته على الأمارة المثبتة للتذكية، وهو خلاف المقصود وإن كان المغيى شاملا لموارد الشك المجرد من الأمارة، فهذا بنفسه يعني شمول الترخيص لمورد الاستصحاب، وبالتالي عدم تحقق الغاية المجعولة للترخيص في تلك الروايات. وثالثا: إن الحرمة أنيطت في الروايات المذكورة بالعلم بأنه ميتة، لا بالعلم بعدم التذكية. فإن استظهر منها كونها بصدد إناطة الجواز بالعلم بما هو موضوع الحرمة وكون ذكر الميتة بما هي موضوع لها كانت بنفسها ظاهرة في موضوعية الميتة للحرمة. وهذا يبطل جريان الاستصحاب في

[ 135 ]

نفسه، فضلا عن حاكميته، لأن عنوان الميتة لا يثبت باستصحاب عدم التذكية وإن لم يستظهر منها ذلك واحتمل كونها بصدد إناطة الجواز بالعلم بالميتة، وإن كان موضوع الحرمة أمرا عدميا، فاستصحاب عدم التذكية في نفسه وإن كان يثبت الحرمة، ولكن تمتنع حكومته على تلك الروايات، لأن مفاده العلم التعبدي بعدم التذكية لا بعنوان الميتة، وما جعل غاية، العلم بالميتة. والمحاولة الثانية التي يفرض فيها الاعتراف بعدم الحكومة المدعاة في المحاولة الأولى أن: هذه الروايات واردة في موارد الأمارة الشرعية على التذكية، كما يظهر من ورود السؤال في بعضها عن الجلد يؤخذ من السوق، ولا جريان للاستصحاب في مواردها كي يتعارض مع هذه الروايات، فتبقى موارد الشك وعدم الأمارة مجرى للاستصحاب. وهذه المحاولة، إن أريد بها أن هذه الروايات منصرفة انصرافا كليا إلى موارد الأمارة على التذكية من سوق أو يد، فهذا الانصراف - إذا ثبت - يصلح أن يكون جوابا، ولكنه في نفسه غير صحيح إذ لا موجب لهذا الانصراف بعد فرض الإطلاق في جواب الإمام (ع) لكل ما لا يعلم أنه ميتة. وإن أريد بها أن هذه الروايات أعم من موارد اليد وغيرها، ودليل الاستصحاب إنما يقتضي إجراء استصحاب عدم التذكية في غير مورد اليد، فتخصص بدليل الاستصحاب، فيخرج عنها موارد الشك وعدم السوق أو اليد، فيرد عليها: أولا: إن خروج موارد اليد والسوق عن إطلاق دليل الاستصحاب بدليل منفصل، لا يخرجه عن كونه أعم مطلقا من الروايات المذكورة، بل يكون من قبيل العام الذي ورد في مقابله خاصان: أحدهما دليل أمارية اليد والسوق، والآخر الروايات المذكورة، فيخصص بهما معا.

[ 136 ]

وثانيا: لو فرض خروج موارد اليد والسوق موضوعا عن دليل الاستصحاب، كما لو كان الخروج بنحو حكومة موجبة لرفع الموضوع حقيقة بالتعبد، فهذا لا يكفي لإنتاج أخصية دليل الاستصحاب، بل تكون النسبة بينه وبين الروايات العموم من وجه، لشموله لسائر الشبهات، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى أصالة الحل. فإن قيل: بل يقدم دليل الاستصحاب مع ذلك، للقرينية، كما يقدم على دليل البراءة، ولو لم نقل بالحكومة. قلنا: إن قرينية دليل الاستصحاب على دليل البراءة متقومة بكون مفاد الاستصحاب مطابقا مع مفاد الغاية، وهذا التطابق غير موجود في المقام، لأن مفاد الاستصحاب التعبد بعدم التذكية، ومفاد الغاية إحراز عنوان الميتة، فلا تتم القرينية. فالصحيح: أن هذه الروايات لو لوحظت وحدها لأنتجت أصالة التذكية في موارد الشك. غير أن هناك روايات أخرى دلت على الخلاف من قبيل: موثقة ابن بكير: " فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه، جائز إذا علمت أنه ذكي " (1) فإنها دالة على عدم الجواز في فرض عدم العلم بالتذكية. وهي مطلقة من حيث وجود أمارة عليها أم لا. وحينئذ لو قلنا بانقلاب النسبة، كانت الرواية - بعد تخصيصها بإخراج موارد الأمارة - أخص مطلقا من الروايات المتقدمة، الدالة على الجواز مطلقا، وإلا فالتعارض والتساقط. وعلى كلا التقديرين تثبت أصالة عدم التذكية في موارد الشك. ومثل رواية ابن بكير، نفس ما دل على أمارية أرض الإسلام وحجيته في إثبات الجواز، فإن هذا دال على أن المرجع - لولا الحجية - سنخ أصل منجز، وإلا لم يكن هناك


(1) وسائل الشيعة باب 2 من لباس المصلي.

[ 137 ]

معنى عرفا لجعل مثل تلك الأمارية. المقام الثاني: في إثبات النجاسة باستصحاب عدم التذكية وقد ذكر أن إثباتها بالاستصحاب مبني على تمامية أحد أمرين: أن يكون موضوعها عدم التذكية، أو أن يكون موضوعها عنوان الميتة مع إرجاعها إلى الموت لا بالسبب الشرعي. أما الأمر الأول فهو خلاف ظاهر روايات الباب الدالة على النجاسة، حيث أخذ في موضوعها عنوان الميتة. إلا أن المحقق الهمداني (قده) حاول إثباته بمثل رواية الصيقل قال: " كتبت إلى الرضا (ع): إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فتصيب ثيابي فأصلي فيها؟ فكتب إلي: اتخذ ثوبا لصلاتك. وكتب إلى أبي جعفر الثاني (ع): إني كنت كتبت إلي أبيك (ع) بكذا وكذا. فصعب علي ذلك، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية. فكتبت إلي: كل أعمال البر بالصبر يرحمك الله، فإن كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس " (1) حيث يمكن أن يستدل بالجملة الأخيرة على أن البأس - وهو النجاسة بحسب فرض السائل المستفاد من قوله: " فتصيب ثيابي فأصلي فيها " - موضوعه أن لا يكون ذكيا. وفيه: أن الشرطية المذكورة مسوقة في قبال الشق الأول المفروض في كلام السائل، وهو اتخاذه أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، والذي عدل عنه إلى جلود الحمر الوحشية الذكية بعد عدم تجويز الإمام الرضا (ع) الصلاة في الثوب الملاقي معها. فالشرطية في المقام في قوة قوله: إن كان ما تعمله هو فرضك الثاني فلا بأس. ومفهومها حينئذ: أن الفرض الأول في كلام السائل وهو جلود الحمر الميتة فيه بأس. والشاهد على ذلك أنه


(1) وسائل الشيعة باب 49 من أبواب النجاسات.

[ 138 ]

وردت في كلام الإمام (ع) كلمة (وحشيا) التي كانت واردة في فرض السائل نفسه دون أن يكون له دخل في الحكم الشرعي، مما يشهد على أن نظر الإمام (ع) إلى فرض السائل. فالصحيح: عدم تمامية الأمر الأول، لأن أدلة النجاسة قد رتبتها على عنوان الميتة لا عدم التذكية. وأما الأمر الثاني، فقد قيل في عدم تماميته: أن الميتة عنوان وجودي عرفا وليس مجرد عدم التذكية، ولو فرض الشك والإجمال كفى ذلك في عدم جريان استصحاب عدم التذكية أيضا. والصحيح: أنا حتى لو جزمنا بكون الميتة عبارة عن الموت لا بالسبب الشرعي الذي هو عنوان عدمي، لم يجد ذلك في جريان استصحاب عدم التذكية، لوضوح أن هذا الوصف العدمي مأخوذ في عنوان الميتة بنحو وحداني نعتي مضاف إلى الموت، وهو الصورة الخامسة من الصور المتقدمة، لا بنحو التركيب، وإلا لم تكن الميتة عنوانا واحدا. واستصحاب عدم التذكية إنما يجدي فيما إذا كان الموضوع مركبا بأحد الأنحاء المتقدمة في الصورة الثانية والثالثة والرابعة من الصور الخمس السابقة. فبناء المسألة على الأمر الثاني كما فعله جماعة في غير محله. وقد اتضح من كل ما تقدم: أن الأصل عند الشك في التذكية هو عدمها بلحاظ حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة، وأصالة الطهارة بلحاظ النجاسة. وأما ما ادعي الخروج به عن الأصل المذكور باعتبار أماريته على التذكية فهي اليد، والسوق، وأرض الإسلام. والمدرك في أمارية هذه العناوين روايات الباب، ويمكن تصنيفها إلى طوائف: الأولى: ما دل على الحلية حتى يعلم أنه ميتة. وهذه الطائفة أجنبية

[ 139 ]

عن المقصود، لأن مفادها أصالة الحل لا جعل الأمارية. وقد تقدم أنها مبتلاة بالمعارض في رتبتها، مما دل على عدم الجواز حتى يعلم بالتذكية. الثانية: ما دل على ترتيب أثر التذكية، وكان مختصا موردا بما يؤخذ من السوق، كرواية الحلبي " سألت أبا عبد الله (ع): عن الخفاف التي تباع في السوق. فقال: اشتر وصل فيها، حتى تعلم أنه ميتة بعينه " (1) فإن مورد هذه الرواية هو المأخوذ من السوق، ولهذا كان الحكم بجواز ترتيب أثر التذكية عليه قابلا للتعبير عن جعل الأمارية للسوق، كما أنه قابل لأن يكون تعبيرا عن أصالة التذكية في المشكوك. الثالثة: ما كان ظاهرا في جعل الأمارية للسوق، مثل رواية الفضيل، وزرارة، ومحمد بن مسلم: " إنهم سألوا أبا جعفر (ع): عن شراء اللحوم من الأسواق ولا يدري ما صنع القصابون. فقال: كل، إذا كان ذلك في سوق المسلمين، ولا تسأل عنه " (2) فإن إناطة الحلية بالسوق ظاهرة في أنها بملاك أمارية السوق، لا لجعل أصالة التذكية في المشكوك. الرابعة: ما كان ظاهرا في جعل الأمارية للصنع في أرض الإسلام، كرواية إسحاق بن عمار عن العبد الصالح: " لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني، وفيما صنع في أرض الإسلام. قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس " (3). الخامسة: ما كان ظاهرا في اعتبار إسلام البائع دليلا على التذكية، وهو خبر إسماعيل بن عيسى: " سألت أبا الحسن (ع): عن الجلود


(1) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 29 من الذبائح. (3) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات.

[ 140 ]

والفراء، يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " (1). السادسة: ما دل على إناطة الجواز بكون التذكية مضمونة ومتعهدا بها من قبل البائع، كخبر محمد بن الحسين الأشعري: " كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (ع): ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: إذا كان مضمونا فلا بأس " (2). والطائفة السادسة - مضافا إلى الإشكال السندي فيها، لعدم ثبوت وثاقة محمد المذكور - لا بد من حملها على الاستحباب، جمعا بينها وبين ما هو صريح عرفا في عدم وجوب السؤال. والطائفة الخامسة ساقطة سندا، لعدم ثبوت وثاقة إسماعيل بن عيسى. وعلى هذا فالمهم إنما هو الطوائف الثانية والثالثة والرابعة. وقد تكفلت عنوانين أحدهما: ما صنع في أرض الإسلام. والآخر: السوق. وهو مخصوص بسوق المسلمين، وإن ورد مطلقا في بعض الروايات. إما لأن ارتكاز مجرد كون المحل سوقا لا يكفي لإثبات التذكية قرينة على حمل مفاد تلك الروايات على القضية الخارجية والإشارة إلى ما هو المعهود وما هو المعهود خارجا أسواق المسلمين، أو على القضية الحقيقية مع تقييدها بنحو يجعلها غير منافية للارتكاز وذلك بإرادة سوق المسلمين خاصة. وإما للتقييد الوارد في بعض روايات السوق كما تقدم. والكاشفية المجعولة في تلك الروايات للسوق أو للصنع في أرض الإسلام عن التذكية يمكن تصويرها ثبوتا بعدة أنحاء:


(1) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات.

[ 141 ]

الأول: أن يكون ذلك كاشفا عن تذكية المشكوك ابتداء، باعتبار أن المشكوك لو كان في سوق المسلمين أو صنع في بلادهم فالغالب أنه يصنع حسب طريقتهم الشرعية المقتضية للتذكية. الثاني: أن يكون ذلك كاشفا عن إسلام من بيده مشكوك التذكية، باعتبار أن الغالب في السوق أو البلد المسلمون فتكون هذه الغلبة في السوق أو البلد أمارة إسلام البائع: وتكون يده هي الأمارة على التذكية. الثالث: أن يكون كاشفا عن مرور المشكوك على يد مسلم، إما صنعا أو بيعا أو غير ذلك، ولو فرض أن من بيده المشكوك في السوق لم يكن بمسلم، وتكون الأمارة على التذكية تلك اليد المسلمة التي كشف إجمالا وقوع المشكوك تحت حيازتها. وتختلف هذه الاحتمالات في نتائجها. فإنه بناء على الأول منها يحكم بتذكية المشكوك في السوق أو أرض المسلمين، ولو فرض كفر صاحب اليد بل والعلم بعدم سبق يد المسلم عليه أيضا. ولا يحكم بذلك في الأخيرين كما أنه لو احتمل مرور يد المسلم وسبقها على يد الكافر حكم بالتذكية على الاحتمال الثالث، دون الثاني. ولعل المنصرف إثباتا من الروايات هو النحو الثاني، خصوصا بلحاظ ارتكازية أمارية الغلبة على إلحاق الفرد المشكوك بالأعم الأغلب، ولا أقل من احتمال هذا الانصراف الموجب للزوم الاقتصار على المتيقن. وعليه: فتكون يد المسلم هي الأمارة، والسوق أو أرض الإسلام التي يغلب فيها المسلمون هي الأمارة على الأمارة. وهنا أمور لا بد من التنبيه إليها: الأول: أنه بناء على استظهار جعل الأمارة على الأمارة من روايات الباب، تكون يد المسلم أمارة ولو لم يكن موجودا في ضمن سوق أو في

[ 142 ]

أرض الإسلام. نعم لو بنينا على إجمال الروايات، وعدم استظهار أحد الأنحاء الثلاثة، فيشكل ذلك، لاحتمال كون سوق المسلمين هو الأمارة ابتداء. الأمر الثاني: أن أمارية اليد على التذكية المستفادة من هذه الروايات لا إطلاق فيها يثبت: أن مجرد وقوع الشئ تحت يد المسلم وفي حيازته أمارة على التذكية ولو كان مهملا من قبله، بل لا بد من فرض نحو اعتناء لصاحب اليد بالشئ من قبيل ترتيب آثار التذكية عليه أو صنعه أو عرضه للبيع ونحو ذلك، لقصور الروايات عن شمول غير هذه الموارد. الأمر الثالث: أن يد المسلم إذا كانت مسبوقة بيد الكافر، فإن احتمل أن يكون المسلم قد أعمل عناية في التعرف على كونه مذكى شمله إطلاق الروايات، وإلا فلا، لأن ظهورها في كون ترتيب الآثار على يد المسلم من باب الأمارية يكون قرينة على تقييد إطلاقها والمنع عن شمولها لهذه الحالة، لوضوح عدم الأمارية فيها ليد المسلم رأسا. ولو جاز ترتيب الآثار على يد المسلم في هذه الحالة، لأمكن لكل شخص أن يتسلم المشكوك تذكيته من الكافر ابتداء، ثم يسلمه إلى المسلم، وبعد ذلك يتسلمه منه. أو يكلف المسلم بأن يأخذ المشكوك من الكافر، ثم يتسلمه منه. ومن الواضح أن الارتكاز العرفي - المحكم في فهم روايات الباب - يأبى عن التفكيك بين أن يأخذه المسلم مباشرة من الكافر، أو أن يكلف مسلما آخر بأخذه وهو يأخذه منه. الأمر الرابع: أن أمارية يد المسلم تشمل غير المؤمن أيضا، ممن يستحل الجلود بالدبغ ويعتبره ذكاة لها أيضا. وقد يستشكل في ذلك: تارة: بدعوى قصور الروايات عن الشمول، لأن المستحل لا كاشفية ليده عن التذكية المطلوبة، وهي ظاهرة في اعتبار اليد من باب الكاشفية. وأخرى بدعوى: وجود المقيد لإطلاقها.

[ 143 ]

أما الدعوى الأولى: فيدفعها أن كون الغالب في سوق المسلمين وقتئذ المسلم المستحل وندرة المؤمن قرينة عرفا على شمول إطلاق الروايات له، ولكن لا بمعنى إسقاط ظهورها في الكاشفية رأسا، بل بمعنى إعمال عناية في مقام تطبيق الكاشف على هذا المورد. وأما الدعوى الثانية فتتمثل في روايتين: الأولى: رواية أبي بصير " قال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة في الفراء فقال: كان علي بن الحسين (ع) رجلا صردا لا يدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه فكان يسئل عن ذلك فقال إن أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته " (1) وقد يناقش في الاستدلال بها بوجهين: أحدهما: أن عمل السجاد (ع) لا يدل على الحرمة بل يلائم مع التنزه. ويندفع بأن الاستدلال ليس بعمله مباشرة، بل بنقل الإمام الصادق (ع) له في مقام الجواب عن الجواز وعدمه، فيكون ظاهرا في عدم الجواز. والآخر: أن سؤال الراوي إنما هو عن جواز لبس الفرو بنحو الشبهة الحكمية لا عن حكم الشبهة الموضوعية، فيتم الظهور المذكور في نقل الإمام الصادق (ع) لعمل الإمام السجاد (ع) والجواب: أن حمل السؤال على ذلك خلاف ظاهر الجواب، لأن ظاهر الجواب الاهتمام الخاص بنقل تفصيل عمل الإمام السجاد (ع) واجتنابه عن الفرو العراقي حال الصلاة، والمنصرف عرفا من ذلك كونه دخيلا في الجواب لا مجرد استطراد. فلو حمل السؤال على استعلام حال الشبهة الموضوعية كان بيان الإمام في مقام الجواب مطابقا للسؤال، ولو حمل على الشبهة الحكمية لزم كون الجواب مقتنصا من بيان الإمام، مع اتجاه بيان


(1) وسائل الشيعة كتاب الصلاة باب 61 من أبواب لباس المصلي.

[ 144 ]

الإمام إلى جهة استطرادية، وهو خلاف الظاهر عرفا. والصحيح، بطلان الاستدلال بالرواية، لضعف سندها بغير واحد من رجالها، كمحمد ابن سليمان الديلمي وغيره. مضافا إلى تعين حملها على التنزه في مقام الجمع، بعد عدم إمكان إخراج المستحل من إطلاق روايات الجواز على ما تقدم. الرواية الثانية: ما عن عبد الرحمن بن الحجاج: " قلت لأبي عبد الله (ع): إني أدخل سوق المسلمين، أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام، فأشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟. فقال: لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية. قلت: وما أفسد ذلك. قال: استحلال أهل العراق للميتة، وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا حتى أن كذبوا في ذلك على رسول الله (ص) " (1). وهي قد يستدل بها على عدم الاعتبار بيد البايع المستحل حتى مع شهادته بذكاته. إلا أنه قد يناقش فيها - دلالة - بدعوى: أن ظاهرها عدم جواز التعهد والشهادة بأن المشكوك مذكى استنادا إلى يد المستحل أو قوله، لا الحكم ظاهرا بأنه ليس مذكى، خصوصا مع ظهور الكلام في جواز البيع، بناء على عدم جواز بيع غير المذكى. فإن تمت هذه المناقشة فهو. وإلا كفى في سقوط هذه الرواية ضعفها سندا بمحمد بن هلال. وهكذا يتضح تمامية المقتضي وعدم المانع عن شمول الروايات ليد المستحل. الأمر الخامس: أن يد غير المسلم - بعد الفراغ عن عدم أماريتها على التذكية - هل توجب حجية إخبار صاحبها بالتذكية أو لا؟ قد يستدل على الحجية بوجوه: الأول: خبر الأشعري قال كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر


(1) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات.

[ 145 ]

الثاني (ع): " ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال إذا كان مضمونا فلا بأس " (1) بناء على أن المراد بالضمان تعهد البائع وإخباره بالتذكية. ولما كان مورد الرواية مطلقا وشاملا للبائع الكافر دلت على حجية خبر البائع الكافر أيضا. وبعد إلغاء الخصوصية عرفا يستفاد حجية خبر صاحب اليد بالتذكية مطلقا ولو لم يكن في مقام البيع، لأن النكتة المركوزة عرفا للحجية كونه صاحب يد لا كونه بائعا. وقد يقال: إن هذه الرواية مع روايات حجية يد المسلم من قبيل الشرطيتين المتحدتين جزاء المختلفتين شرطا، فلا بد من الجمع بينهما بجعل المجموع شرطا، أو بجعل الجامع بينهما شرطا (التقييد بالواو أو بأو). ويندفع ذلك: بأن التقييد بالواو غير ممكن، لوضوح روايات يد المسلم في أن حجيتها غير منوطة بالإخبار. وقد يقال: بناء على هذا بأن المتعين تخصيص هذه الرواية بروايات حجية يد المسلم، لأن هذه الرواية أعم منها. ويندفع: بأن تخصيصها بالكافر مع غلبة المسلمين وندرة الكافر في أسواقهم ليس عرفيا. ومنه يظهر وقوع التعارض. غير أن هذه الرواية ساقطة سندا بسهل ابن زياد على أن بالإمكان حمل البأس المنوط نفيه فيها بالضمان على البأس التنزيهي، جمعا بين الرواية وروايات أمارية يد المسلم. الوجه الثاني: التمسك بخبر إسماعيل بن عيسى " قال: سألت أبا الحسن (ع): عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه


(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات.

[ 146 ]

فلا تسألوا عنه " (1) والاستدلال به مبني على أن يكون المراد بالسؤال السؤال من البايع، فيدل ذلك على حجية شهادته لا محالة. وفيه: - مضافا إلى سقوط الرواية سندا بإسماعيل بن عيسى وغيره - سقوطها دلالة، لأن الظاهر كون المقصود من السؤال هو الفحص عن كونه مذكى أم لا، وليس مجرد تحصيل شهادة البائع وإخباره، ولا أقل من قوة احتمال ذلك الموجب للإجمال. الوجه الثالث: التمسك بسيرة المتشرعة على الاعتبار والاعتناء بشهادة صاحب اليد. وهذه السيرة المدعاة وإن كانت مقبولة في الجملة، غير أنه لا يمكن الجزم بها بنحو القضية المطلقة الشاملة لصاحب اليد الكافر أيضا. كيف وهناك قرائن في بعض الروايات تدل على تحرج الشيعة من المسلمين غير الشيعة فيما تحت أيديهم من الجلود، بل تقدم في رواية عبد الرحمن بن الحجاج ما قد يدل على عدم حجية إخبار صاحب اليد المسلم المستحل، فضلا عن صاحب اليد الكافر. الأمر السادس: قد يدعى أمارية يد الكافر على كون الشئ ميتة. ويستدل على ذلك بمفهوم قوله: " إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس "، الدال على ثبوت البأس والمحذور على تقدير كون صاحب اليد كافرا. وفيه: أن المفهوم هو انتفاء الحكم بانتفاء الشرط، أي ثبوت نقيضه لا ثبوت ضده. وعليه فلو كان المستفاد من هذه الرواية أنها بصدد جعل الأمارية لليد إذا كانت لمسلم، فمفهومها هو عدم الأمارة على التذكية في فرض كون صاحب اليد كافرا، بحيث يرجع إلى الأصول العملية في المورد، لا أمارية يد الكافر على كونه ميتة.


(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات.

[ 147 ]

[ وكذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا إذا كان عليه أثر الاستعمال (1) ولكن الأحوط الاجتناب. (مسألة - 7): ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة (2) إلا إذا علم سبق يد المسلم عليه (3). (مسألة - 8) جلد الميتة لا يطهر بالدبغ (4). ] (1) وجه التقييد هو دفع احتمال أن تكون فريسة حيوان فإن مجرد الطرح في أرض المسلمين لا يكون أمارة على التذكية، وإنما الأمارة هي اليد المستعملة والتي يستكشف إسلام صاحبها بغلبة المسلمين على تلك الأرض. (2) لا من جهة أمارية ذلك على العدم بل من أجل الأصول العملية، وقد عرفت أن مقتضاها الطهارة وعدم التذكية. فلا بد من التفصيل بين أثار النجاسة فلا ترتب، وآثار عدم التذكية كحرمة الأكل والصلاة فيه فترتب. (3) باعتبار أماريتها على حد أمارية يد المسلم المباشر، ولا معنى لفرض الأمارية في يد الكافر اللاحق كي يدعى تعارض الأماريتين والرجوع إلى استصحاب عدم التذكية. (4) اختلف الفريقان الإمامية ومشهور العامة في طهارة جلد الميتة بالدبغ، وقد أجمعت الإمامية على عدم طهارته بذلك، عدا ما ينسب إلى ابن الجنيد من المتقدمين، وما استنتج من الفقيه حيث نقل الصدوق رواية تدل على طهارة الميتة وباعتبار وضوح عدمها فسر بالحمل على طهارتها بالدبغ، إلا أن مثل هذه النسب لعلها لا تضر بحصول مقدار معتد به من اتفاق الطائفة. وقد يستدل على مطهرية الدبغ بروايات: منها: رواية الفقه الرضوي: " دباغة الجلد طهارته " (1) ودلالتها على مطهرية الدبغ واضحة.


(1) الفقه الرضوي ص 41.

[ 148 ]

ومنها: خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فأشرب منه وأتوضأ؟ قال: نعم، وقال: يدبغ فينتفع به ولا يصلى فيه " (1) وهي أيضا واضحة الدلالة على الطهارة إذ لو كان نجسا بعد الدبغ لتنجس الماء أو اللبن بملاقاته. ومنها: رواية الصدوق قال: سئل الصادق (ع) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال: " لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، وتتوضأ منه وتشرب ولكن لا تصلي فيها " (2) وهي وإن كانت مطلقة من حيث الدبغ إلا أن الوضوح والتسالم على نجاسة الميتة في نفسها يكون قرينة على إرادة المدبوغ، خصوصا وأن الجلد من غير الدبغ لا يتخذ زقا للاستعمال وحفظ اللبن أو السمن فيه، هذه روايات الطهارة، والعمدة منها رواية الحسين بن زرارة لسقوط الباقي سندا. وقد عورضت هذه الروايات بطائفة أخرى من الروايات أدعي دلالتها على النجاسة من قبيل رواية محمد بن مسلم، قال: سألته عن جلد الميتة أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: لا. وإن دبغ سبعين مرة " (3) ورواية علي بن أبي المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (ع) جعلت فداك الميتة ينتفع بها بشئ؟ فقال: لا. قلت: بلغنا أن رسول الله (ص) مر بشاة ميتة فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها (بجلدها)؟ فقال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي (ص) وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال رسول الله (ص): ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أي تذكى (4).


(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات. (4) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات.

[ 149 ]

[ ولا يقبل الطهارة شئ من الميتات سوى ميت المسلم فإنه يطهر بالغسل (1). ] ومنها: رواية عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة، والتي جاء فيها: " إن أهل العراق استحلوا الميتة وزعموا أن دباغه ذكاته ثم لم يرضوا حتى أن كذبوا في ذلك على رسول الله (ص) ". غير أن المتيقن ثبوته بمثل هذه الروايات إنما هو نفي كون الجلد مذكى بالدبغ بحيث ترتب سائر آثار التذكية عليه بما فيها جواز الصلاة، لا نفي الطهارة عن الجلد المدبوغ، ورواية الحسين بن زرارة لا تثبت كون الجلد المدبوغ مذكى بل تثبت طهارته وجواز الانتفاع به في غير الصلاة فلا تقع طرفا للمعارضة إلا اللهم مع إطلاق المنع عن الانتفاع بالميتة في رواية علي بن أبي المغيرة الشامل بإطلاقه للجلد المدبوغ إلا أن بالإمكان حمل المنع على الكراهة جمعا إن لم يفرض التقييد، فلو لوحظت الروايات وحدها لكان إثبات نجاسة المدبوغ بها لا يخلو عن إشكال غير أن التسالم على المسألة وارتكاز موقف الطائفة منها في مقابل موقف الآخرين يوجب تعذر المصير إلى الحكم بالطهارة. (1) تمسكا بالروايات المفصلة، كرواية إبراهيم بن ميمون قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه وإن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه، يعني إذا برد الميت " (1) فإن نفي غسل الملاقي يكون إرشادا إلى عدم نجاسة الملاقى كما يكون الأمر بغسله إرشادا إلى نجاسته. وكذلك رواية محمد بن الحسن الصفار قال: " كتبت إليه: رجل


(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات.

[ 150 ]

أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقع إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (1). وقد تضعف الرواية الأولى سندا بإبراهيم بن ميمون الذي لم يثبت توثيقه ويندفع ذلك بثبوت وثاقته لرواية البجلي عنه. وأما الرواية الثانية فقد يناقش في دلالتها على نفي النجاسة بأحد وجهين: الأول - إجمال كلمة (الغسل) وترددها بين الغسل والغسل بالمعنى الرافع للحدث، وعلى التقدير الثاني يكون مفهوم الرواية عدم وجوب غسل المس لو كان الميت مغسلا، وهو أجنبي عن محل الكلام. وهذه المناقشة يمكن دفعها، باستظهار إرادة الغسل الخبثي لا الحدثي من الكلمة، بقرينة أن السائل إنما سأل عن غسل اليدين والبدن، ولا بد من حمل الجواب على معنى يكون معه مطابقا للسؤال. الثاني - إنكار المفهوم في الرواية، لأن الشرطية مسوقة لتحقق الموضوع وهو أصل الإصابة، فلا دلالة فيها على نفي لزوم الغسل في فرض إصابته بعد الغسل. ويرد عليه أن الشرط هو الإصابة الخاصة الواقعة قبل تغسيل الميت، وفرض عدمها في طرف المفهوم يلائم مع الإصابة بعد الغسل، فلا يكون النفي بلحاظ ذلك من السالبة بانتفاء الموضوع بل يتم المفهوم، هذا مضافا إلى إمكان التمسك بمفهوم القيد والوصف لقوله " قبل أن يغسل " لأن أخذ القيد ولو بنحو الوصف يدل على الانتفاء عند الانتفاء ولو في الجملة، وحيث لا نحتمل فقهيا الفرق في حالات ما بعد التغسيل يثبت المطلوب. وإضافة إلى كل ذلك يمكن فهم الحكم بطهارة الميت المغسل عرفا


(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب غسل المس.

[ 151 ]

[ (مسألة - 9) السقط قبل ولوج الروح نجس، وكذا الفرخ في البيض (1). ] من نفس أدلة تغسيل الميت على ما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى. (1) لا إشكال في نجاسة السقط بعد ولوج الروح، وكذا الفرخ في البيض، لكونه ميتة، وإنما الكلام فيهما قبل ولوج الروح، وقد أفتى الماتن (قده) بالنجاسة فيهما أيضا. ويمكن أن يقرب ذلك بأحد وجوه: الأول: التمسك بمطلقات نجاسة الميتة بدعوى صدقها عليهما عرفا وذلك بتقريب أن الموت هو عبارة عن فقد الحياة بمعناها الأعم الشامل للحياة الشأنية القريبة من الفعل أيضا الموجودة في هذا السقط قبل سقوطه وهذا أحسن من تقريب المقصود بدعوى أن التقابل بين الموت والحياة تقابل العدم والملكة فالموت هو عدم الحياة فيما من شأنه الحياة، فلا يشترط في صدق عنوان الموت سبق الحياة، إذ ما لم تعمم الحياة للحياة الشأنية لا يمكن الالتزام بذلك، وإلا للزم صدق عنوان الميتة على الجنين قبل أن يكون سقطا أيضا لعدم الحياة الفعلية فيه، ومع تعميم الحياة للشأنية لا يتوقف تتميم المدعى على إنكار دخل الحياة السابقة وارتفاعها في عنوان الموت كما هو واضح. وهذا الوجه وإن كان متينا صغرى لكنه ممنوع كبرى، إذ لا يوجد لدينا مطلقات تدل على نجاسة كل ميتة كي يرجع إليها، وإنما هي روايات متفرقة في موارد مختلفة كلها من الموت بعد ولوج الروح وفعليتها، واحتمال الفرق بينها وبين المقام موجود عقلا وعرفا. ودعوى التمسك بإطلاق كلمة الجيفة في رواية حريز عن الصادق

[ 152 ]

عليه السلام: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب " (1) حيث دلت بإطلاقها على نجاسة كل جيفة وهو شامل للجنين الذي لم تلجه الروح، مدفوعة: بأن هذه الرواية ليست مسوقة لبيان نجاسة الميتة، وإنما هي مسوقة لبيان حكم آخر هو اعتصام الماء وعدم انفعاله إلا بالتغير فلا يكون في مقام البيان من ناحية النجاسة ليتمسك بإطلاقها، ولذا عبر بالجيفة وهو عنوان كما ينطبق على الميتة ينطبق على المذكى الطاهر أيضا. الثاني: التمسك بروايات الحبالة الدالة على نجاسة القطعة المبانة من الحي، بدعوى أن السقط قبل الولوج قطعة مبانة من الحي عرفا فتشمله رواياتها. وفيه: أن السقط قبل الولوج - فضلا عن الفرخ - نسبته إلى أمه نسبة البيض إلى الأصل لا نسبة الجزء المفصول من الحي إلى أصله، وروايات القطعة المبانة كلها واردة فيما يكون من قبيل الثاني والتعدي منه إلى المقام مما لا يحتمله العقل ولا العرف، ولو سلمت جزئية السقط فلا إطلاق في روايات القطعة المبانة لمثل ذلك الجزء. الثالث: الاستدلال بالحديث المستفيض " ذكاة الجنين ذكاة أمه " (2) بتقريب أنها تدل على أن الجنين يكتسب من أمه عنوان الذكاة والميتة فإذا ماتت الأم حتف أنفها كان الجنين ميتة أيضا، وبما أنه لا يحتمل الفرق بين جنين ماتت أمه وبين غيره فقهيا بل ولا عرفا يحكم بنجاسته مطلقا. وبتقريب آخر أن قوله (ع) " ذكاة الجنين ذكاة أمه " ينحل إلى قضيتين إحداهما مقدرة وهي أن الجنين بحاجة إلى التذكية، والثانية مصرح


(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 18 من أبواب الذبائح.

[ 153 ]

[ (مسألة - 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى وإن كان الأحوط غسل الملاقي، خصوصا في ميتة الإنسان قبل الغسل (1). ] بها وهي أن تذكيته بتذكية أمه لا بذبحه مستقلا بالنحو المخصوص، فيستدل بالقضية الأولى على أن الجنين ما لم يذك ولو بذكاة أمه يعتبر ميتة. ويرد على التقريب الأول أن غاية ما تدل عليه الرواية أن ذكاة الجنين إنما تحصل بذكاة أمه، فمع عدم تذكية الأم لا يكون الجنين مذكى، لكن ذلك لا يكفي لإثبات كونه ميتة لأن كون شئ ميتة يتقوم بموته وعدم تذكيته معا، والكلام في المقام إنما هو في صدق عنوان الموت وعدمه، لا في حصول التذكية له مع الفراغ عن كونه ميتا. ويرد على التقريب الثاني أن القضية الأولى المقتنصة لما لم يكن الحديث مسوقا لبيانها فلا يمكن التمسك بإطلاقه من هذه الناحية، فلا يستفاد من الرواية عرفا سوى قضية شرطية وهي أن الجنين كلما احتاج إلى تذكية، فذكاته ذكاة أمه، وليس متعرضا مباشرة لإثبات حاجة الجنين إلى التذكية ليتمسك بإطلاقه من هذه الناحية. (1) تارة: يتكلم في ملاقاة ميتة غير الإنسان بلا رطوبة مسرية. وأخرى: في ملاقاة ميتة الإنسان. أما ميتة غير الإنسان، فقد يدعى إطلاق روايات الغسل منها لصورة الجفاف أيضا من قبيل رواية عمار: " اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ " (1) ورواية قاسم الصيقل قال: " كتبت إلى الرضا (ع): أني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فأصلي فيها؟ فكتب (ع): اتخذ ثوبا لصلاتك " (2)


(1) وسائل الشيعة باب 53 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 49 من أبواب النجاسات.

[ 154 ]

وفيه: أن ارتكازية عدم السراية مع الجفاف عرفا ومتشرعيا تصلح أن تكون كالقرينة المتصلة بالخطاب الصارفة له سؤالا وجوابا إلى فرض الرطوبة، بعد افتراض أن الأمر بالغسل إرشاد إلى النجاسة وليس أمرا تعبديا. ثم إنه ربما يمنع عن الإطلاق المذكور - على فرض تماميته في نفسه - بمثل صحيحة علي بن جعفر: " عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟. قال: ليس عليه غسله، وليصل فيه، ولا بأس " (1)، وموثقة ابن بكير: " كل يابس ذكي " (2). أما الصحيحة فلو فرض إطلاقها كانت معارضة مع المطلقات السابقة، فإما أن يحكم بتساقطهما والرجوع بعد ذلك إلى ما دل على سراية النجاسة من الميتة في صورة الرطوبة، أو يقال بانقلاب النسبة بينها - بعد إخراج صورة الرطوبة منها - وبين المطلقات المتقدمة، فتقيد بها، وتكون النتيجة هو التفصيل بين صورتي الجفاف والرطوبة أيضا، بناء على كبرى انقلاب النسبة. إلا أن في النفس من إطلاقها شيئا، فإن ما أشرنا إليه من ارتكازية عدم السراية مع الجفاف عرفا يتحكم فيها أيضا، ويصرف السؤال إلى فرض الرطوبة، بحيث لا يمكن تخصيص نظر السائل فيها بفرض الملاقاة مع الجفاف. ومعه تكون الرواية من أدلة طهارة الميتة. ولا بد حينئذ من إعمال قواعد التعارض بينها وبين أدلة نجاستها. وأما الرواية الثانية، فهي وإن كانت بحسب اللفظ أعم من وجه مع المطلقات المتقدمة، إلا أنها تتقدم: إما بنكتة النظر والحكومة، حيث أنها تفترض الفراغ عن ثبوت النجاسة والسراية بنحو القضية المهملة، وتستثنى منها صورة اليبوسة. أو باعتبارها عموما أداتيا، فيتقدم على


(1) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 31 من أحكام الخلوة.

[ 155 ]

الإطلاق الحكمي. غير أن الاستناد إلى هذه الرواية للمنع عن تلك المطلقات في غير محله أيضا، لأنه موقوف على أن يكون النظر فيها إلى نفي المحذور في صورة الملاقاة مع الجفاف، وهو خلاف الظاهر، فإن الرواية جاءت بالنحو التالي: " قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: كل شئ يابس ذكي ". وكما يمكن أن يكون نظر السائل إلى الاستفهام عن سراية النجاسة من اليابس، كذلك يمكن أن يكون نظره إلى التعرف على مطهرية المسح بالحائط وكونه استنجاء شرعيا، خصوصا بعد معروفية الفتوى بكفاية المسح بالأحجار إلى حد الإنقاء في موضعي البول والغائط معا بين العامة، فيكون الجواب ظاهرا في طهارة الموضع، ولا أقل من احتمال ذلك على نحو يوجب الإجمال. فالأولى الاستناد في الحكم بعدم لزوم غسل الملاقي مع الجفاف إلى ما قلناه من عدم تمامية الإطلاق في نفسه. وأما ملاقي ميتة الإنسان مع الجفاف - فبعد الفراغ عن نجاستها قبل الغسل، وتنجيسها لملاقيها على حد سائر النجاسات - ربما يدعى أشديتها في النجاسة من غيرها، بحيث يجب غسل ملاقيها مع الجفاف أيضا، وذلك: إما استنادا إلى إطلاق بعض روايات النجاسة، كرواية الحلبي: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: يغسل ما أصاب الثوب " (1) أو استظهارا من التوقيعين الواردين فيما إذا مات الإمام أثناء الصلاة وزحزح عن محله، وأنه " ليس على من مسه إلا غسل اليد " (2) مع وضوح أن الغالب في مثل هذه الفروض الجفاف وعدم الرطوبة، على


(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب غسل الميت.

[ 156 ]

[ (مسألة - 11): يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده، فلو مات بعض الجسد ولم تخرج الروح من تمامه لم ينجس (1). ] نحو لا تصلح رواية ابن بكير لتقييدها بصورة الرطوبة بملاك الحكومة، لو سلمت عن المناقشة في نفسها، لأن ندرة فرض الرطوبة تجعل هذا التقييد غير عرفي. كما أنه مع الندرة المذكورة لا يفيد ارتكاز عدم سراية النجاسة مع الجفاف في التقييد، بل يكون ظهور التوقيعين ردعا عن الارتكاز المذكور. وفيه: أن كلا المستندين غير تام. إذ رواية الحلبي، لو فرض استفادة النجاسة منها لا غسل ما يعلق بالثوب من الميتة - وقد تقدم الكلام عن ذلك في بحث نجاسة ميتة الإنسان - فذلك بملاك استظهار أن الإصابة توجب سراية أثر من النجس إلى ملاقيه بحسب النظر العرفي يتخلص منه بالغسل، ومن الواضح أن ذلك لا يكون إلا مع فرض الرطوبة دون الجفاف. وأما التوقيعان فهما ساقطان سندا، مضافا إلى أنه لو تم سندهما، وسلمنا عدم إمكان تقييدهما بفرض الرطوبة وظهورهما عرفا في فرض الجفاف باعتباره الفرض المتعارف - يصبح ارتكاز عدم سراية النجاسة مع الجفاف قرينة على كون الأمر بالغسل تعبديا، على نحو يوجب ظهوره في ذلك أو سقوط ظهوره في النجاسة على أقل تقدير. (1) إذ مطلقات نجاسة الميتة من الحيوان لا تشمل الجسم الذي مات بعضه، لأنه ليس بحيوان ميت. كما لا تشمل الجزء الفاقد للحياة منه أيضا وإنما حكمنا بنجاسة الجزء المبان لروايات خاصة، وهي واردة في صورة الانفصال ولا يمكن التعدي منه إلى فرض بقاء الجزء متصلا بما فيه الحياة، فيحكم بطهارته على القاعدة.

[ 157 ]

[ (مسألة - 12): مجرد خروج الروح يوجب النجاسة، وإن كان قبل البرد، من غير فرق بين الإنسان وغيره (1). نعم وجوب غسل المس للميت الإنسان مخصوص بما بعد برده. ] (1) لا إشكال في وجود الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لما قبل البرد، غير أنه توهم دلالة بعض الروايات على عدم نجاسة ميتة الإنسان بالخصوص قبل برده، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس فيها بأس " (1) والاستدلال بالفقرة الأولى منها بتقريب: أن المقصود من المس عند الموت هو المس في اللحظات الأولى بعد الموت التي هي لحظات ما قبل البرد عادة، ولا يراد منه مسه في لحظات النزع وقبل الموت، لأنه فرض أن المس مس للميت الذي لا يكون إلا مع استقرار الموت. وقد نفى الإمام (ع) البأس عنه مطلقا غسلا وغسلا، فيدل على عدم النجاسة، وإلا كان لا بد من الأمر بالغسل في صورة الرطوبة. والغريب أن السيد الأستاذ - دام ظله - أجاب على الاستدلال بهذه الرواية بأنها مطلقة شاملة لصورتي الجفاف والرطوبة، فنقيدها بصورة الجفاف، بمثل رواية الحلبي المتقدمة في غسل ما أصاب الثوب من الميت المختصة بصورة الرطوبة، انصرافا أو بعد تقييدها بما دل على أن كل يابس ذكي (2) مع أن مثل رواية الحلبي لا تكون أخص مطلقا من الصحيحة، حتى لو اختصت بفرض الرطوبة انصرافا، لأنها مطلقة من ناحية ما قبل البرد وما بعده، والصحيحة مخصوصة بفرض ما قبل البرد، فالنسبة عموم


(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب غسل المس. (2) التنقيح ج 1 ص 495.

[ 158 ]

[ (مسألة - 13): المضغة نجسة (1) وكذا المشيمة (2) ] من وجه. فلو فرض تمامية دلالة الصحيحة كان لا بد من إيقاع التعارض بينها وبين ما دل على النجاسة، ثم التساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة أو تقديم الصحيحة بملاك النظر والحكومة المستفادة من لسان الاستثناء فيها إلا أن الشأن في أصل دلالتها على نفي النجاسة، لقوة احتمال أن تكون الجهة المنظور فيها هو المحذور في مس الميت بما هو مس، المستوجب لحكم الغسل، وهو الذي كثر السؤال عنه في الروايات، ولذلك لم تفرض الرطوبة فيها أيضا، مع أنها شرط في السراية لو كان الملحوظ حيثية الخبث والنجاسة. وقد يستدل على الطهارة قبل البرد بما ورد في ذيل رواية إبراهيم ابن ميمون المتقدمة، الآمرة بالغسل من قوله " يعني إذا برد الميت " فإن ذلك يدل على عدم لزوم الغسل قبل البرد، وهو دال على الطهارة، ولا يضر عدم ورود الذيل المذكور في أحد طريقي الكليني للرواية، لأن الطريق الذي تجرد فيه متن الرواية عن هذا الذيل ضعيف بسهل بن زياد، بخلاف الطريق المشتمل على الذيل. إلا أن هذا إنما يتم لو سلم أن هذا الذيل جزء من الرواية، وليس من الراوي بلحاظ كلمة: (يعني)، التي توجب على الأقل الاحتمال الموجب للإجمال على نحو يسقط الاستدلال. فالصحيح: ما عليه المشهور - وأفتى به الماتن (قده) - من عدم الفرق في النجاسة بين ما قبل البرد وبعده. (1) المضغة: مرحلة من مراحل تكون الجنين، وهي تدخل تحت مسألة السقط قبل ولوج الروح والحكم بنجاستها مبني على الحكم بنجاسته. (2) وهي كيس يدخل فيه الجنين، أو برقع على وجهه، والحكم

[ 159 ]

[ وقطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل. (مسألة - 14): إذا انقطع عضو من الحي وبقي معلقا متصلا به طاهر ما دام الاتصال، وينجس بعد الانفصال. نعم لو قطعت يده مثلا وكانت معلقة بجلدة رقيقة فالأحوط الاجتناب (1). ] بنجاسته مبني: إما على القول بكونه جزء من الأم، فيكون من القطعة المبانة من الحي. أو على القول بكونه جزء من الجنين فينجس أيضا بناء على القول بصدق الميتة عليه لو مات. وكلا الأمرين محل تأمل. لأن نسبتها إلى الأم كنسبة البيضة إلى الدجاجة، وإلى الجنين نسبة الظرف إلى المظروف، لا الجزء إلى الكل، فيشكل التمسك فيها بأدلة النجاسة، لا بروايات نجاسة الميتة لعدم صدقها مستقلا عليه، ولا بروايات القطعة المبانة. نعم لو انفصلت عن الأم قطعة لحم من بدنها مع الطفل، فلا إشكال في شمول روايات القطعة المبانة لها. (1) الحكم بالطهارة في العضو غير المنفصل إذا اعتبر جزء من الحي واضح، فإنه ليس ميتة مستقلا، ولا تشمله روايات القطعة المبانة. وأما العضو المقطوع بنحو لا يعد جزء من الحي فالحكم بنجاسته مبني على القول بعدم الفرق بينه وبين مورد روايات الحبالة والقطعة المبانة، وهو مما لا جزم به في أكثر الفروض، وعليه فلا فرق بين صورتي اعتبار المنقطع جرءا من الحي وعدمه، إلا من ناحية إمكان إثبات الطهارة في صورة كونه جزءا من الحي بالدليل الاجتهادي الدال على طهارة ذلك الحيوان الشامل بإطلاقه لتمام أجزائه. اللهم إلا أن يمنع ذلك أيضا بدعوى: أن نظر ذلك الدليل الاجتهادي إلى نفي النجاسة الذاتية للحيوان، لا إلى نفي

[ 160 ]

[ (مسألة - 15): الجند المعروف كونه خصية كلب الماء، إن لم يعلم ذلك، واحتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر وحلال. وإن علم كونه كذلك فلا إشكال في حرمته. لكنه محكوم بالطهارة لعدم العلم بأن ذلك الحيوان مما له نفس سائلة (1). (مسألة - 16): إذا قطع سنه أو قص ظفره فانقطع منه شئ من اللحم، فإن كان قليلا جدا فهو طاهر (2)، وإلا فنجس. ] النجاسة المحتملة بملاك خروج الروح. (1) الجند: مادة تستعمل في طبخ بعض الحلويات، ولا يعلم أنه الجند الحقيقي الذي هو خصية كلب الماء. ومع الشك يحكم بالطهارة والحلية تمسكا بالأصول العملية. وأما إذا علم كونه من كلب الماء فيبنى على حرمته وعدم نجاسته. أما الحرمة فلعدم حلية كلب الماء، بل الجند - باعتبار خصيته - حرام حتى لو كان من مأكول. وأما عدم النجاسة فلعدم المقتضي له، لا من ناحية الكلبية، ولا من ناحية الميتة. إذ الكلب النجس هو البري خاصة، والميتة إنما تكون نجسة لو كانت مما له نفس سائلة، والحيوانات البحرية ادعي كونها قاطبة مما لا نفس سائلة لها، والشك كاف في جريان الأصول العملية المؤمنة. (2) لاختصاص دليل النجاسة بغير الأجزاء الصغار، على ما تقدم شرحه، بل وتقدم أن الجزء الصغير لا يمكن الجزم باندراجه في دليل النجاسة حتى لو كان لحميا، لأنه موقوف على إلغاء خصوصية الحجم في مورد روايات الحبالة والقطعة المبانة من الحي، وهو مما لا جزم بإلغائه عرفا.

[ 161 ]

[ (مسألة - 17): إذا وجد عظما مجردا وشك في أنه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة (1). حتى لو علم أنه من الإنسان، ولم يعلم أنه من كافر أو مسلم (2). ] (1) وذلك تمسكا بالأصول المؤمنة، وإن كان التمسك بقاعدة الطهارة بالخصوص في المقام مبنيا على القول بجريانها في موارد كون النجاسة المحتملة ذاتية، وقد تقدم الكلام في ذلك. (2) تمسكا بقاعدة الطهارة ونحوها من الأصول المؤمنة، غير أنه قد يقرب الحكم بالنجاسة بوجوه: الأول: إجراء استصحاب عدم الإسلام إما بدعوى: أن موضوع النجاسة هو من لم يكن مسلما أو بدعوى: أن موضوع النجاسة هو الكافر، والكفر أمر عدمي يقابل الإسلام بتقابل التناقض فيمكن إثباته بالاستصحاب. أو بدعوى: أن الكفر مقابل للإسلام تقابل العدم والملكة، فهو مركب من عدم وملكة، والملكة محرزة وجدانا والعدم محزر بالاستصحاب، فيثبت الكفر الذي هو موضوع النجاسة. ويرد عليه: أن الاستصحاب المذكور لا يثبت النجاسة، إذ لم ترتب النجاسة في أدلتها - على تقدير تماميتها - إلا على الكافر، والكفر عنوان ثبوتي متحصل من العدم والملكة، فلا يثبت باستصحاب العدم إلا بنحو مثبت، كما لا يثبت عنوان العمى باستصحاب عدم البصر. وليس العدم والملكة مأخوذين بنحو التركيب لكي يمكن إحراز أحدهما بالوجدان والآخر بالتعبد، لأن ذلك خلف وحدة المفهوم. الثاني: إثبات نجاسته من جهة الموت، باستصحاب حكمي أو موضوعي وذلك: أن الميت نجس قبل غسله، والدليل إنما دل على ارتفاع النجاسة بغسل ميت المسلم، وحيث يشك في كونه من مسلم أو كافر فيجري استصحاب بقاء النجاسة المقطوعة بعد الموت، بل ويجري استصحاب عدم

[ 162 ]

[ (مسألة - 18): الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك - مثلا - محكوم بالطهارة (1). (مسألة - 19): يحرم بيع الميتة (2)، لكن الأقوى جواز الانتفاع فيما لا يشترط فيه الطهارة. ] كونه مسلما لنفي طهارته بالغسل أيضا، وبذلك ينقح موضوع النجاسة بملاك الموت بقاء، وإن لم يمكن إثبات النجاسة بملاك الكفر. وهذا التقريب صحيح لولا بطلان مبناه، حيث تقدم في أبحاث الميتة طهارة ما لا تحله الحياة من الأجزاء ومنها العظم. الثالث: أن يقال: إن العظم يعلم أنه لاقى مع الرطوبة الأجزاء التي تحلها الحياة من بدن ذي العظم، وهذا يكفي في الحكم بنجاسته ولو عرضا ولا مطهر إلا الغسل الواقع على المسلم، والمفروض نفي إسلام ذي العظم بالاستصحاب، ومعه لا مجال لقاعدة الطهارة. ويرد عليه: أن النجاسة العرضية للعظم معلومة العدم فعلا، لأن ذا العظم إن كان كافرا فالعظم نجس ذاتا، وإلا فهو طاهر فعلا لوقوع الغسل المطهر عليه، فلا يمكن إثبات النجاسة العرضية له بالتعبد الاستصحابي. (1) قد تقدم البحث عن هذا الفرع في فروض الشك في كون الحيوان مما له نفس أم لا. (2) الصحيح هو جواز بيعها، حيث تكون لها فائدة محللة عقلائية. لأن ما يستدل به على الحرمة بين ما يكون ضعيف السند أو الدلالة، وبين ما هو مبتلى بالمعارض. وحتى رواية البزنطي الواردة في إليات الغنم المقطوعة (1) - والتي عبر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة - ليست تامة السند، لأنها


(1) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب ما يكتسب به.

[ 163 ]

[ الخامس: الدم من كل ما له نفس سائلة، إنسانا كان أو غيره، كبيرا أو صغيرا (1). ] مروية بطريقين أحدهما: ابن إدريس في مستطرفات سرائره عن جامع البزنطي والآخر: الحميري في قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي ابن جعفر عن أخيه. والأول ضعيف بعدم معلومية طريق ابن إدريس إلى كتاب الجامع، والثاني ضعيف بعبد الله بن الحسن. وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله من المكاسب المحرمة. (1) يقع البحث عن نجاسة الدم في جهتين: الجهة الأولى: في إثبات نجاسته بنحو القضية المهملة. وهي رغم كونها من الوضوح الفقهي على مستوى الضروريات قد استدل عليها بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله به... " (1). بناء على رجوع التعليل بالرجس إلى كل ما سبقه من العناوين لا خصوص لحم الخنزير، وكونه بمعنى النجاسة أو ما يساوقها. وكلا الأمرين محل منع. أما الأول: فلأنه لا يمكن الجزم برجوع التعليل إلى غير لحم الخنزير من العناوين، لو لم يستقرب من موضعه في السياق ظهوره في ذلك باعتبار إيراده قبل إكمال تمام العناوين، خصوصا وقد كان لحم الخنزير موضع الخلاف بين أصحاب الديانات. وأما الثاني: فقد يمنع عنه بدعوى: أن الرجس معنى يطلق على


(1) الأنعام 145.

[ 164 ]

الفعل أيضا، كما في قوله تعالى: " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان "، والنجاسة لا يوصف بها إلا الأعيان. غير أن هذا الوجه للمنع غير سديد، إذ مضافا إلى أن مجرد استعمال الكلمة في معنى لا يمكن اتخاذه دليلا على معناها الحقيقي، لا شاهد في الآية على إطلاق الرجس على الفعل، لقوة احتمال أن يكون المراد من الميسر والأنصاب والأزلام آلاتها وأدواتها، كالأصنام والكعاب المستعملة في الرهان، وقد فسرت بذلك أيضا في بعض الروايات. مع أنه لو فرض إطلاق الكلمة بمعنى يصح انطباقه على الفعل فغايته أنها ذات معنى قابل لاتصاف الفعل والعين معا به، وهو الأمر المستقبح والمستنكر، كما فسر به في اللغة. ويكون استفادة الاستقذار منه حينما يطلق على العين، باعتباره المساوق مع ذلك المعنى في العين بحسب المناسبات. والصحيح في المنع أن يقال: أن كلمة الرجس لم يثبت لها وقتئذ حقيقة شرعية في النجاسة الشرعية الحكمية، كي تحمل عليه الآية، وإنما غاية ما يمكن افتراضه أنه إخبار عن القذارة التكوينية الثابتة عرفا أيضا في هذه العناوين، فلا يمكن أن يستدل بالآية على النجاسة الشرعية الحكمية وهذا تشكيك قد أبرزناه حتى في كلمة النجس المستعملة في صدر الإسلام كما في قوله تعالى " إنما المشركون نجس... ". وأما السنة، فقد ادعي تواترها واستفاضتها على نجاسة الدم. وهي وإن كانت - جلا أو كلا - ليست في مقام بيان أصل النجاسة، وإنما تبين أحكاما طولية متفرعة على النجاسة، إلا أنها تكفي لإثبات القضية المهملة على كل تقدير. وأما الإجماع فتوى وعملا، فلا إشكال في ثبوته على القضية المهملة أيضا. الجهة الثانية: في نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة في عموم أو إطلاق

[ 165 ]

يصلح للرجوع إليه في موارد الشك. والصحيح في هذه الجهة: هو عدم إمكان إثبات النجاسة للدم بنحو القضية المطلقة، لأن المعتبر من روايات الباب على قسمين: الأول: ما ورد في موارد خاصة، كدم الرعاف، والحكة، والقروح والجروح، ونحوها. ومن الواضح عدم الإطلاق فيها إلا بمقدار ما يلغي العرف من خصوصيات المورد ويساعد على التعدي. الثاني: ما ورد الحكم فيه على عنوان الدم بقول مطلق، ولكنه في سياق بيان ما يتفرع على نجاسته من الآثار، كروايات بطلان الصلاة نسيانا أو جهلا في الدم، أو مع العلم إذا كان أكثر من درهم. وكذلك روايات نزح البئر لو وقع فيه الدم. وكل تلك الروايات لا إطلاق فيها لعدم كونها في مقام البيان من ناحية أصل النجاسة، وإنما هي - بعد الفراغ عن أصل النجاسة - في مقام بيان حدود المانعية في الصلاة أو الاعتصام في البئر، أو غيرهما من الأحكام المتفرعة. وقد حاول السيد الأستاذ (دام ظله): استفادة القضية المطلقة من رواية عمار الساباطي، قال: " سئل عما تشرب منه الحمامة؟ فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب. وعن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب " (1)، لورودها في الدم بقول مطلق، فتصلح أن تكون مرجعا في مورد الشك. والتحقيق: أن السؤال ليس فيه أي ظهور في كون الحيثية المسؤول عنها هي حكم الدم نجاسة وطهارة، إذ لم يذكر الدم في السؤال أصلا


(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الأسئار.

[ 166 ]

بل الحيثية الملحوظة إما: كون الباز والصقر في معرض التنجس بالدم والميتة ونحوهما، بعد الفراغ عن نجاسة هذه الأشياء في نفسها، فاقتضت هذه المعرضية السؤال عن سؤرها، وإما: الشك في جواز استعمال سؤرها في نفسه لاحتمال وجود حزازة في سؤر هذه الحيوانات، كما يناسب صدر الرواية المتكفل للسؤال والجواب بشأن سؤر الحمامة. فعلى الأول: يكون أصل نجاسة الدم مفروغا عنها في السؤال، ويكون الجواب متجها إلى علاج حكم المعرضية، فلا يصح التمسك بالإطلاق فيه من ناحية نجاسة الدم في نفسه. وعلى الثاني: يكون الإمام في مقام نفي الحزازة عن سؤر هذه الحيوانات، غير أنه التفت أيضا إلى محذور الدم فبين عدم جواز استعمال الماء مع رؤية الدم على منقار الطائر. والرؤية المذكورة إذا حملناها على الطريقية الصرفة كان موضوع عدم الجواز هو وجود الدم على منقار الطائر وكان عدم الجواز حكما واقعيا. فقد يدعى حينئذ إطلاقه المقتضي لنجاسة كل دم إلا ما خرج بالتخصيص. وأما إذا حملناها على الموضوعية، كان موضوع عدم الجواز العلم بالدم، وموضوع الجواز عدم العلم بالدم، لا عدم الدم واقعا، وهذا يناسب مع حمل الجواز - إثباتا ونفيا - على الوظيفة الفعلية، لا الحكم الواقعي. وحيث إن من الوضح أن مجرد إحراز الدم لا يكفي لترتب الوظيفة الفعلية بعدم الجواز، لأن الدم بعضه طاهر كما علمنا من الأدلة الخارجية، فلا بد من الالتزام بتقييد العلم بالدم بالعلم بكونه من القسم النجس أو بأن المولى جعل وجوده على منقار الطائر المفترس أمارة شرعية على كونه من النجس. والأول يستلزم التقييد بفرد نادر، لأن كون الدم من القسم النجس وإن لم يكن نادرا، ولكن العلم بذلك في مثل مورد الرواية نادر عادة، فيتعين الثاني. ومعه يتعذر الاستدلال بإطلاق الرواية على النجاسة الواقعية لكل دم، لأنه يفترض وجود دم طاهر ودم نجس ويكون الكلام

[ 167 ]

مسوقا لبيان الأمارة على أحدهما، لا لبيان نجاسة الدم واقعا. ويلاحظ بهذا الصدد: أن السيد الأستاذ (دام ظله) - رغم حمله للرواية على النظر إلى أمارية وجود الدم في المنقار على كونه من النجس - استفاد منها الدلالة على نجاسة الدم مطلقا، مع أن النظرين متهافتان. وقد يدعى: أن مجئ الدم مطلقا في كلام السائلين والرواة، قرينة على ارتكازية نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة في أذهانهم. ويندفع ذلك: بأن جل الروايات - كما عرفت - متجهة إلى أحكام ثانوية، بعد الفراغ عن أصل نجاسة الدم، وفي مثل ذلك لا يريد الراوي بكلمة الدم إلا مجرد الإشارة إلى ما يعهد نجاسته، فلا يكشف ذكر الكلمة بلا قيد عن الارتكاز المذكور، خصوصا أن طهارة بعض أقسام الدم - كالدم المتخلف - من الواضحات، عملا وسيرة، فمن البعيد افتراض ارتكاز خلافه. وعليه فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو ما دلت عليه الروايات، وما يمكن التعدي عرفا وإسراء حكم الروايات إليه. وفي غير ذلك يكون مقتضى الأصل هو الطهارة. ثم إنه ربما يتوهم دلالة بعض الروايات على طهارة الدم، بحيث يخيل معارضتها مع روايات النجاسة. من قبيل رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سمعته يقول: لو رعفت دروقا، ما زدت على أن أمسح مني الدم وأصلي " (1) والدروق: اسم مقدار. حيث إنها بإطلاقها الشامل لما إذا كان الدم أكثر من درهم بحيث يجب التطهير منه، دلت على كفاية مسح الدم، مع العلم بعدم كفاية زوال العين في التطهير، فيكون ذلك دليلا عرفا على طهارة الدم، إذ عدم نجاسة الملاقي دليل على طهارة الملاقى بعد ارتكازية السراية.


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 168 ]

إلا أن الظاهر - أو المحتمل بنحو يوجب الإجمال على أقل تقدير - أن النظر في هذا الحديث إلى مسألة ناقضية الرعاف للوضوء التي كانت مسألة معنونة في الفقه العام، وكانت هناك فتوى عامية فيها بالناقضية وقد ردع عنها الأئمة (ع) بهذه الرواية وأمثالها. وعليه فلا يكون قيد المسح مذكورا فيها قبال الغسل، بل قبال لزوم الوضوء والإعادة. أضف إلى ذلك: أن الرواية لو كانت غير ناظرة إلى تلك المسألة فغايته الإطلاق لما إذا كان الدم أكثر من درهم، وهذا لا ينافيه عنوان الدروق، فإن دم الرعاف يأتي تدريجا لا دفعة، بحيث يمكن فيه التحفظ عن الإصابة بأكثر من درهم. ومعه يمكن التصرف فيها بقرينة الأدلة الصريحة في النجاسة، إما بحمل عنوان المسح فيها على أنه في مقابل الوضوء لا الغسل، أو بتقييدها بما إذا كان أقل من الدرهم ويكون ذكر المسح من أجل التحرز عن التلوث بالدم. إلا أن التصرف الأخير مبني على القول بالعفو عن التنجس بالدم الأقل من الدرهم مع زوال العين. ومن هذه الروايات ما نقله الحسن بن علي الوشا قال: " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: كان أبو عبد الله (ع) يقول: في الرجل يدخل يده في أنفه فيصيب خمس أصابعه الدم قال: ينقيه ولا يعيد الوضوء " (1). حيث لم يؤمر فيها بالغسل من الدم، فيكشف عن عدم نجاسته. إلا أن هذه أوضح من سابقتها في ورود المناقشة الأولى فيها، حيث صرح فيها بعدم إعادة الوضوء، كما إن التنقية بمعنى التنظيف الصادق على الغسل أيضا، فلا يمكن أن يكون في قباله حتى يستفاد منها عدم لزوم الغسل، بل عنوان التنقية والتنظيف بنفسه دال على قذارة ما ينقى عنه كما هو واضح، فهي على النجاسة أدل.


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 169 ]

ومن هذه الروايات أيضا رواية عبد الأعلى عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته: عن الحجامة أفيها الوضوء؟ قال: لا، ولا يغسل مكانها، لأن الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا " (1) حيث اكتفى فيها بالتنظيف، ولم يلزم بالغسل خاصة. إلا أن هذه الرواية أوضح من السابقة في كونها من روايات النجاسة لا الطهارة، لأن المراد من التنظيف فيها الغسل والمنفي لزومه إنما هو غسل نفس الإنسان لموضع حجامته في مقابل غسل الحجام، لا أصل الغسل في مقابل غيره. ولو فرض أن التنظيف أريد به ما يعم غير الغسل أيضا، فغايته دلالتها على كفاية غير الغسل في التطهير، مع الدلالة على أصل نجاسة الدم ولزوم التطهير منها. ومن الروايات رواية أبي حمزة قال: " قال أبو جعفر (ع): إن أدخلت يدك في أنفك وأنت تصلي فوجدت دما سائلا ليس برعاف ففته بيدك " (2) فإنها دلت على كفاية الفت وعدم لزوم الغسل. إلا أن الرواية لا يخلو متنها من تشويش، لأن الفت الذي أمر به فيها لا يكون إلا في الدم الجامد، مع أنه قيد الدم بأنه وجد سائلا فالمظنون أن الأصل وجدته غير سائل، ومعه لا تكون هناك سراية كي يجب الغسل. مضافا إلى أنها واردة بلحاظ حال الصلاة، فتكون من أدلة عدم ناقضيته في الصلاة، فتحمل على الأقل من درهم. ومن جملة الروايات أيضا رواية عمار الساباطي: " سألته عن الدمل


(1) وسائل الشيعة باب 56 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب قواطع الصلاة ح 13 وفيه محمد بن سنان وأبو خالد.

[ 170 ]

يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة؟ قال: يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض، ولا يقطع الصلاة " (1). وتقريب دلالتها أنها تشمل بإطلاقها أو ظهورها ما إذا كان في الدمل دم، وقد حكم بكفاية مسح اليد الملاقية معها بالحائط، فيكون كاشفا عن عدم نجاسته. والجواب: أن الرواية ناظرة إلى حال الصلاة وناقضية خروج الدم فيها، ومعه فلعل إطلاق الحكم المذكور فيها من جهة العفو عن دم الجروح والقروح، ولو مع السراية إلى الأطراف كاليد، كما أفتى به بعض. ولو فرض عدم ذلك، فيحمل إطلاق الرواية على ما إذا كان الدم أقل من درهم كما تقدم في غيرها. ومن الروايات رواية الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع): عن دم البراغيث يكون في الثوب، هل يمنع ذلك من الصلاة؟ فقال: لا وإن كثر، فلا بأس أيضا بشبهه من الرعاف، ينضحه ولا يغسله " (2) حيث نفى لزوم الغسل في دم الرعاف أيضا، فيكون دليلا على طهارة الدم المسفوح. وفيه: أنه يحتمل رجوع جملة ينضحه ولا يغسله إلى دم الرعاف خاصة وبذلك يكون دليلا على نجاسته، ولكن يكتفى في التطهير منه إذا كان ضئيلا بالنضح، كما يحتمل رجوع ذلك إلى دم البراغيث. ثم إن هذه الروايات جميعا واردة في موارد يقطع فيها بالنجاسة لأنها من القدر المتيقن من نجاسة الدم، فيكشف عن خلل فيها، إما سندا أو دلالة، أو من جهة، فلا يمكن الاعتماد عليها حتى لو تم ظهورها في نفسها.


(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب النجاسات ح 8. (2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات.

[ 171 ]

[ قليلا كان أو كثيرا (1) ] وقد اتضح من مجموع ما ذكرناه عدم ثبوت إطلاق يمكن أن يرجع إليه عند الشك في نجاسة الدم في كل مورد. (1) إما تمسكا بإطلاق رواية عمار لو قيل بالإطلاق فيها لكل دم. وإما باعتبار عدم الفرق عرفا بين القليل والكثير من حيث النجاسة وإن كان يحتمل الفرق في الآثار، فالقلة في الكم قلة في النجس لا في النجاسة، وبضم هذا الارتكاز إلى ما دل على نجاسة الدم من الروايات التي لا إطلاق لفظي لها، يستفاد إطلاق النجاسة عرفا للقليل أيضا. وإما باعتبار كون الدم القليل موردا لبعض روايات النجاسة، كما فيما دل على نجاسة الدم على منقار الطير فإنه من القليل عادة أو ما ورد من النزح فيما لو وقع قطرات من الدم في البئر، أو ما أمر فيه بالغسل من الدم أقل من الدرهم مع العفو عنه في الصلاة. نعم لو فرض الدم قليلا إلى درجة بحيث لا يكاد يرى بالعين المجردة لخرج بذلك عن صدق مفهوم الدم عليه عرفا، فلا يكون نجسا باعتبار عدم انطباق عنوان الدم عليه، فإن للكم والمقدار دخلا في صدق المفهوم عرفا. فالصحيح وفاقا للسيد الماتن (قده) عدم التفصيل فيما يطلق عليه اسم الدم بين قليله وكثيره. غير أن هنا أقوالا تتجه إلى التفصيل بين الدم القليل والدم الكثير لا بد من استعراضها: القول الأول: ما نسب إلى الشيخ (قده) من التفصيل بين ما يدركه الطرف وما لا يدركه. وعنوان ما لا يدركه الطرف لو أريد به الدم الذي لا يدرك بالطرف لقلته وضئالته جدا فالحكم بطهارته صحيح، ولكنه ليس تفصيلا في نجاسة الدم، وإنما هو من جهة عدم صدق الدم عليه كما عرفت ولذلك يجري في سائر النجاسات أيضا لاطراد النكتة فيها.

[ 172 ]

وأما إذا أريد به ما يدركه الطرف في نفسه إلا أنه باعتبار قلته وعروض حالة عليه كوقوعه في الماء واستهلاكه فيه - على ما هو مورد الرواية - عبر عنه بما لا يدركه الطرف، فهو محكوم عليه بالنجاسة بمقتضى الإطلاق اللفظي أو اللبي الذي نقحناه في مستهل البحث، ولا بد في الحكم بطهارته من التماس دليل مقيد. ومن هنا وقع الاستدلال على الطهارة برواية علي بن جعفر المتقدمة في مسألة انفعال الماء القليل: " سألته: عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إنائه، هل يصلح له الوضوء منه فقال (ع): إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس، وإن كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه " (1). وقد اعترض جملة من الفقهاء على الاستدلال بالرواية، بإبداء احتمال أن يكون السؤال فيها عن الشبهة الموضوعية لملاقاة الدم مع الماء، حيث لم يفرض في سؤال السائل أكثر من إصابة الدم للإناء لا للماء، وعليه فيحمل جواب الإمام (ع) على بيان الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية، وتكون الرواية على ذلك أجنبية عن محل الكلام. ولكن الظاهر عدم وجاهة هذا الجواب، لظهور كلام الإمام عليه السلام وكلام السائل معا في الشبهة الحكمية: أما كلام الإمام فلأنه أناط الحكم بكون الشئ مما يستبين أو لا يستبين، وهذا ظاهر في ملاحظة الاستبانة بما هي صفة وتقدير للشئ نفسه، لا بما هي صفة للمكلف من حيث إنه قد يعلم أو يشك، فهو من قبيل قوله تعالى: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ". وأما كلام السائل فهو وإن لم يفرض إلا إصابة الدم للإناء، غير أن قوله عقيب ذلك: " هل يصلح الوضوء منه "، مع ظهور السياق في أن مرجع الضمير المجرور هو نفس


(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق.

[ 173 ]

ما أصاب الدم، يوجب ظهور الإناء في ماء الإناء فيكون السؤال عن إصابة الدم لماء الإناء. والصحيح في المناقشة: أن غاية ما يثبت بجواب الإمام (ع) هو نفي البأس عن الماء القليل الملاقي مع قدر ضئيل من الدم لا يستبين في الماء. والنتيجة كما يمكن أن تكون بسبب طهارة الدم القليل، كذلك يمكن أن تكون من جهة عدم تأثيره في انفعال الماء، ولا معين لإحدى الحيثيتين قبال الأخرى، إن لم ندع تعين الثانية، باعتبار ما تقدم من أن الكمية لا دخل لها عرفا في قذارة القذر، وإنما يتعقل العرف دخلها في آثاره وأحكامه. وقد يقال: بأن احتمال كون الملاك في الرواية عدم انفعال الماء القليل منفي بأدلة انفعال الماء القليل ولكن الصحيح: أن الرواية إذا بني على حجيتها فهي توجب العلم بسقوط تلك الأدلة في موردها، إما تخصيصا وإما تخصصا، فلا يمكن التمسك بها، وتبقى أدلة نجاسة الدم بلا معارض. نعم لو كان مدركنا في نجاسة الدم القليل مثل إطلاق موثقة عمار الآمرة بالاجتناب عن الماء الملاقي مع الدم على المنقار، صح أن يقال: بأن الكاشف عن نجاسة الدم القليل إنما هو إطلاق دليل انفعال الماء الملاقي للدم، ورواية علي بن جعفر تدل على كل التقادير على عدم انفعال الماء الملاقي لدم لا يستبين، وبعد سقوط إطلاق الموثقة لا يبقى كاشف عن نجاسة الدم القليل. إلا أن أدلة نجاسة الدم القليل لما تكن منحصرة في الإطلاق اللفظي لهذه الموثقة، بل يكفي في الحكم بالنجاسة الرجوع إلى الإطلاقات الحاصلة بقرينة إلغاء خصوصية الكثرة والقلة عرفا في سائر الروايات. القول الثاني: هو القول بطهارة الدم إذا كان أقل من درهم وذلك استنادا إلى روايات العفو في الصلاة عن الدم الذي يكون أقل من درهم

[ 174 ]

إذ كما يكون ترتيب آثار النجاسة على شئ إرشادا إلى نجاسته، كذلك يكون نفيها عنه إرشادا إلى عدم نجاسته. وفيه: أن روايات العفو تتضمن بنفسها قرائن متصلة تدل على أن العفو يعني نفي المانعية لا النجاسة، فقد ورد في بعضها التصريح بالأمر بالغسل إلى جانب الحكم بالعفو (1). هذا مضافا إلى نفي أثر النجاسة والحكم بالعفو في المقام إن لم ندع الظهور في كونه بملاك رفع المانعية لا النجاسة - باعتبار ما قلناه من الارتكاز القاضي بعدم تأثير القلة في قذارة القذر، وإنما تؤثر عرفا في التهاون بآثاره - فلا أقل من أنه لا يكون نفي هذا الأثر في خصوص المقام كاشفا عن عدم النجاسة، بل مجملا من هذه الناحية. فإن كاشفية نفي أثر النجاسة عن عدمها إنما يصح في المورد الذي لا يتعقل العرف وجها له إلا عدم النجاسة، كما هو واضح. القول الثالث: التفصيل بين ما يكون أقل من الحمصة فيحكم بطهارته وما يكون بقدرها أو أكثر فيحكم بنجاسته. وذلك استنادا إلى خبر المثنى ابن عبد السلام عن أبي عبد الله (ع) قال: " قلت له: إني حككت جلدي فخرج منه دم، قال إذا اجتمع قدر الحمصة فاغسله، وإلا فلا " (2). والاستدلال بها أحسن حالا من الاستدلال بأخبار العفو في التفصيل المتقدم لعدم ورودها في الصلاة كي تحمل على العفو عن المانعية. ولكنه مع ذلك لا يمكن التعويل عليها وذلك:


(1) كرواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) في حديث " قلت: فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة " وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات.

[ 175 ]

[ وأما دم ما لا نفس له فطاهر (1)، كبيرا كان أو صغيرا كالسمك والبق والبرغوث. ] أولا: باعتبار ضعفها سندا. وثانيا: أن الارتكاز العرفي القاضي: بأن قلة القذر لا تؤثر في ارتفاع قذارته وإنما يمكن أن تؤثر في تخفيف أحكامه، بنفسه يشكل قرينة لبية متصلة، إن لم تستوجب ظهور الرواية في كون الحيثية الملحوظة فيها هي المانعية لا النجاسة، فلا أقل من أنها تستوجب إبطال ظهور نفي الغسل في عدم النجاسة. ومما يؤيد عدم الفرق بين قليل الدم وكثيره في النجاسة: ورود جملة من روايات النجاسة في الدم القليل، كموثقة عمار الواردة في الدم على منقار الطير الذي هو أقل من قدر الحمصة عادة، وروايات العفو عن الدم أقل من الدرهم مع التأكيد على لزوم الغسل منه. وهكذا اتضح أن الصحيح ما هو المشهور وأفتى به الماتن (قده): من عدم التفصيل في الحكم بنجاسة الدم بين وكثيره وقليله. (1) لا إشكال في طهارة دم ما لا نفس له بناء على ما حققناه في البحث السابق من عدم وجود مطلق في أدلة نجاسة الدم، وإنما هي روايات خاصة وردت كلها في موارد الدم المسفوح مما له نفس سائلة واحتمال الفرق بينها وبين المقام موجود، كيف وقد ادعى بعضهم أنه ليس بدم وإنما هو رجيع. فيكون الحكم بطهارته على القاعدة الأولية. وإنما الكلام فيما يدل على استثنائه لو فرض الفراغ عن ثبوت الإطلاق وهو أحد وجوه: الأول: الإجماع المستفيض نقله على الطهارة، ولا يقدح فيه ما ورد

[ 176 ]

في تعبير الشيخ (قده) في المبسوط من: التمثيل للدم المعفو عنه في الصلاة بدم البق والجراد، وهما مما لا نفس له. المشعر بأنه كدم الرعاف معفو عنه وليس بطاهر. وما ورد في تعبير سلار (ره) من: تقسيم النجاسة إلى ثلاثة أقسام: ما تجوز الصلاة في قليله وكثيره، وما لا تجوز الصلاة في قليله وكثيره وما تجوز في قليله ولا تجوز في كثيره ومثل للقسم الأول بدم البق مما يدل على انطباق المقسم وهو النجس عليه أيضا وما ورد في التعبير المنسوب إلى ابن الجنيد (ره) من: أن كل دم نجس، وأما دم السمك فليس بدم وإنما هو رجيع. الدال أيضا على عدم استثناء شئ من أقسام الدم من الحكم بالنجاسة. فإن مثل هذه العبائر لا ينبغي جعلها نقضا على الإجماع - لو تم في نفسه - لقوة احتمال أن تكون من المسامحة في التعبير، وكون تمام النظر إلى النتيجة العملية المؤثرة في حال المكلف. ولذلك نرى الشيخ (قده) بنفسه يصرح في الخلاف - في قبال فتوى العامة بالنجاسة - بإجماع الطائفة على الطهارة - مع أن مثل التعبير الذي ذكره في المبسوط يورده في الخلاف أيضا. فالمهم إذن: ملاحظة نفس الإجماع ليرى أنه هل يمكن أن يستكشف به حجة على الطهارة أم لا؟ فنقول: إن الاستدلال بالإجماع على الطهارة، إما أن يكون بلحاظ كاشفيته عن وجود رواية لدى المجمعين واضحة السند والدلالة على طهارة دم ما لا نفس له، باعتبار عدم كون المسألة عقلية كي يحتمل استنادهم فيها إلى وجوه صناعية عقلية. وإما أن يكون بلحاظ كشف الاتفاق عن مركوزية الحكم المذكور في عصر المعصومين (ع). وكلا التقريبين قابل للمنع. إذ يرد على الأول: أنه يستبعد وجود رواية واردة بعنوان استثناء دم ما لا نفس له اطلع عليها أولئك المجمعون، ثم لم تنقل في شئ من مجاميع الحديث وكتبهم

[ 177 ]

التي ألفها نفس هؤلاء المجمعين. أضف إلى ذلك عدم انحصار المدرك في أن يكون هناك رواية على الطهارة، بل يكفي أن يكون مدرك بعضهم هو عدم الدليل على نجاسة كل دم، ومدرك بعض آخرين قوله تعالى (أو دما مسفوحا) الذي وقع الاستدلال به على طهارة غير المسفوح، أو الاستفادة من الروايات الخاصة الواردة في بعض الموارد. وبهذا البيان أيضا يناقش في التقريب الثاني لكاشفية الإجماع، فإنه مع وجود مثل هذه المدارك المحتملة لا ينحصر وجه الاتفاق في ارتكاز موروث من الأئمة (ع) على الطهارة. وعليه فقد لا يحصل من الإجماع المذكور اطمئنان بأن الحكم الواقعي هو طهارة دم ما لا نفس له، كي يرفع اليد به عن إطلاق النجاسة على القول به. الثاني: الآية المباركة: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا " (1) حيث يستدل بمفهوم الوصف فيها على حلية الدم غير المسفوح، وهي تلازم طهارته لا محالة. ودم ما لا نفس له ليس من المسفوح، إذ المسفوح ما ينصب من العرق انصبابا. وهذه الآية يستدل بها أيضا على طهارة الدم المتخلف وسوف تأتي لدى التعرض لتلك المسألة، المناقشات المشتركة على الاستدلال بها في المسألتين، فنقتصر هنا على الإشارة إلى أمر يختص بالمقام، وهو: أن الاستدلال بالآية موقوف على القول بحلية دم ما لا نفس له. وأما لو أريد الحكم بطهارته فقط مع كونه حراما كما هو المعروف فالاستدلال بالآية غير متجه، لأن المدلول المطابقي لها هو حلية الدم غير المسفوح، فلو سقط عن الاعتبار لم يثبت مدلوله الالتزامي أيضا. نعم لو كان فتواهم بحرمته


(1) الأنعام 147

[ 178 ]

لا بما هو دم، بل باعتباره من الخبائث صح الاستدلال بالآية، لأنها تنفي الحرمة بحيثية كونه دما، فلا ينافي ثبوت الحرمة بملاك آخر. لا يقال: حمل الآية على الحكم الحيثي دون الفعلي خلاف الظاهر إذ لا فائدة عرفية فيه. فإنه يقال: يكفي صيرورتها فعلية في بعض الموارد، كما في الدم المتخلف، ما دام الحكم ثابتا على العنوان، ولم يتصد المولى بنفسه لتطبيقه على هذا الفرد. الثالث: الروايات المتفرقة التي ادعي استفادة ضابط كلي منها وهو طهارة دم الحيوان الذي ليس له نفس سائلة. منها رواية عبد الله بن أبي يعفور: " قال: قلت لأبي عبد الله (ع) ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس. قلت: إنه يكثر ويتفاحش قال: وإن كثر " (1). وفيه: أن التعدي من موردها وهو البرغوث إلى كل الحيوانات التي لا نفس لها مما لا يساعد عليه العرف، بل غاية ما يساعد عليه هو التعدي إلى ما يكون كالبرغوث من الحشرات والحيوانات الصغيرة غير ذات اللحم، لا مثل السمك والتمساح. ومنها: رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: " إن عليا (ع) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك، يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك " (2). وفيه: - مضافا إلى ضعف الرواية سندا - أنها تدل على العفو عنه في الصلاة. وهو لا يكشف عن الطهارة في مثل الدم الذي ثبت فيه إجمالا التفكيك بين النجاسة والمانعية. ولو سلم دلالتها على الطهارة فهي


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات.

[ 179 ]

مخصوصة بما لم يذك من الحيوان، أي دم ما لا يحتاج إلى التذكية كالسمك، فلا يمكن التعدي منه إلى دم محرم الأكل. ومنها: رواية محمد بن ريان قال: " كتبت إلى الرجل (ع): هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟، وهل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على دم البرااغيث فيصلي فيه؟، وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع (ع): يجوز الصلاة، والطهر منه أفضل " (1). وفيه: - مضافا إلى ضعف الرواية سندا - أن مدلولها المطابقي نفي المانعية، وهو لا يكشف عن االطهارة في المقام كما تقدم. ولو سلم فهي كرواية ابن أبي يعفور من حيث عدم إمكان التعدي من موردها إلى كل ما لا نفس له. ومنها: رواية الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟. قال: لا وإن كثر لا بأس أيضا بشبهه من الرعاف ينضحه ولا يغسله " (2). وفيه: وضوح كون النظر فيها إلى المانعية بقرينة عطف دم الرعاف عليه. مضافا إلى ورودها في مثل البرغوث فلا يمكن التعدي منه إلى كل ما لا نفس له. ومنها: رواية غياث عن جعفر عن أبيه (ع) قال: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (3). وفيه: أنها كرواية ابن أبي يعفور من حيث اختصاصها بالبراغيث والبق ونحوهما.


(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب النجاسات.

[ 180 ]

وهكذا يتضح أن هذه الروايات لا يمكن الاستدلال بشئ منها على حكم كلي هو: طهارة دم كل ما لا نفس له من الحيوانات. بيد أن الأستاذ - دام ظله - حاول الاستناد في إثبات القضية الكلية إلى رواية حفص المتقدمة في أبحاث الميتة عن الصادق عن أبيه (ع) " أنه قال لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (1). وهي - لو صح الاستدلال بها - عامة لكل حيوان لا نفس له، كما هو واضح. وقد تقدم الكلام عن ضعف سندها وإمكان تصحيحه في أبحاث الميتة فالمهم الآن ملاحظة دلالتها في المقام. ولا ينبغي الريب في أن المتيقن من مدلولها، النظر إلى ميتة الحيوان وإفسادها للماء وعدمه ولكن جملة من الفقهاء حاول استفادة أكثر من ذلك من مدلولها، ولهذا وقع الاستدلال بها على طهارة ما يرتبط بالحيوان غير ذي النفس في عدة مقامات، حيث استدل بها على طهارة بوله وخرئه ودمه. ولا يبعد أن يكون الاستدلال بها على طهارة دمه أحسن حالا من غيره باعتبار أنه يعد جزءا من الميتة فيشمله إطلاق: لا يفسد الماء ميتة ما لا نفس له، وباعتبارها ناظرة إلى أدلة النجاسة يكون إطلاقها مقدما على إطلاق دليل النجاسة. ولكن الصحيح - مع ذلك - عدم تمامية الاستدلال المذكور: لأن غاية ما يستفاد منها أن ما لا نفس له لا ينفعل الماء بملاقاة ميتته، وهو لا يدل على أكثر من نفي النجاسة الناشئة بملاك الموت عنها، فلو فرض إطلاق الميتة لمثل الدم من الأجزاء كان مقتضاه عدم انفعال الماء بملاقاته من حيث كونه ميتة، وأما من حيثية أخرى ككونه دما فلا دلالة للحديث على نفيه. ولم يتصد الحديث لتطبيق هذا الحكم على ملاقاة الدم بالخصوص، كي يدعى لغوية كون الحكم فيه حيثيا. كما أنه ليست فريضية وقوع الميتة في الماء


(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات.

[ 181 ]

ملازمة غالبا لملاقاة شئ من دمها كي ينعقد فيها ظهور - بدلالة الاقتضاء وصونا للكلام عن اللغوية العرفية - في الحكم الفعلي. ودعوى: أن المركوز أشدية قذارة الميتة من الدم فما لا يحكم بنجاسة ميتته أولى بالحكم بطهارة دمه. مدفوعة: بأن ثبوت ارتكاز من هذا القبيل بدرجة تشكل دلالة التزامية في الدليل محل منع، وحصول القطع بأولوية المناط عهدته على مدعيه. وهكذا يتضح: أن العمدة في المصير إلى طهارة دم ما لا نفس سائلة له قصور المقتضي من أول الأمر، لعدم تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الدم. غير أن هنا نكتة لا بد من التنبيه عليها وهي: أن عدم تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الدم إنما يكفي وحده لعدم البناء على النجاسة في دم حيوان غير ذي نفس كالسمك ونحوه، وأما ما لا نفس له وكان دمه مكتسبا كالبق والبرغوث فقد يقال: إنه إذا امتص دم الإنسان أمكن الحكم بنجاسته تمسكا باستصحاب النجاسة حتى لو لم يتم الإطلاق، فلا بد من دليل اجتهادي محكم عليه لإثبات الطهارة. ومن هنا يقع الكلام تارة: في جريان هذا الاستصحاب في نفسه، وأخرى: في وجود الدليل الحاكم على الطهارة. وأما الكلام في الأول: فقد يشكل تارة: بدعوى تغير الموضوع. وأخرى: بدعوى نفى الحالة السابقة فيما إذا امتص البق الدم من الإنسان رأسا، بناء على طهارة الدم في الباطن، فإنه لا علم حينئذ بنجاسته لتستصحب. وقد يدفع الإشكال الأول بأن اللازم في الاستصحاب انحفاظ ما هو المعروض عرفا والمعروض عرفا للنجاسة، الجسم لا عنوان دم الإنسان ودم البق وقد يتخلص من الإشكال الثاني بتحويل الاستصحاب إلى استصحاب تعليقي وذلك للعلم حدوثا بأن هذا الدم حدوثا كان على نحو لو سفح لكان نجسا لأن ذلك هو المتيقن من دليل نجاسة الدم، فيستصحب ذلك بشأنه. وهذا إنما

[ 182 ]

يتم - بعد البناء على جريان الاستصحاب التعليقي - فيما إذا كان المعلق عليه في القضية المتيقنة المستصحبة ذات السفح، فإنه المتيقن فعلا، لا سفح دم ما له نفس سائلة، وإلا فلا يجري الاستصحاب المذكور، لأن المعلق عليه حينئذ غير محرز فعلا. وأما الكلام في الثاني فقد تقدم ذكر عدة روايات قد تدل على طهارة دم البق والبرغوث، كرواية محمد بن ريان، ورواية الحلبي، ورواية غياث ورواية ابن أبي يعفور وأهمها الرواية الأخيرة، لأن الأولى ضعيفة بسهل بن زياد، والثانية محل الإشكال سندا بابن سنان لاحتمال إرادة محمد بن سنان منه خصوصا بلحاظ رواية مثل أحمد بن محمد عنه، ودلالة باحتمال أنها في مقام نفي المانعية مستقلا لا نفيها بنفي النجاسة، ويؤيد ذلك عطف الرعاف المعلوم نجاسته عليه والثالثة قد يستشكل فيها باعتبار ورود محمد بن يحيى في سندها ناقلا عن غياث، وهو محتمل الانطباق: على محمد بن يحيى الخزاز الثقة الذي ينقل عن أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وعلى محمد بن يحيى الفارسي الذي يناسب أن ينقل عن الإمام الصادق عليه السلام بواسطة ومع التردد تسقط الرواية عن الحجية إذا لم يدع الانصراف إلى الأول. وأما الرواية الأخيرة فلا إشكال في دلالتها على المطلوب، وأما سندها فقد رواها الشيخ بإسناده إلى الصفار عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن زياد بن أبي الحلال عن عبد الله بن أبي يعفور ولا إشكال في هذا السند إلا من ناحية علي بن الحكم المردد بين أربعة أشخاص بعضهم ثبتت وثاقته دون البعض الآخر فإن عين هذا في الثقة أو ثبتت وحدة الكل فهو وإلا سقطت الرواية عن الحجية. وأما أولئك الأربعة فهم كما يلي: 1 - علي بن الحكم، بقول مطلق. ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب

[ 183 ]

الجواد، ولم يضف إليه أدنى تعبير، ولم يذكره الشيخ في الفهرست ولا النجاشي ولا الكشي بهذا العنوان المطلق. 2 - علي بن الحكم بن زبير النخعي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع) قائلا: " علي بن الحكم بن زبير مولى النخع كوفي ". وذكر هذا الشخص أيضا النجاشي بعنوان: " علي بن الحكم بن زبير " بإسقاط كلمة مولى النخع، وذكر له كتابا كما سوف يأتي إن شاء الله تعالى. 3 - علي بن الحكم الكوفي لم يترجمه بهذا العنوان الكشي ولا النجاشي ولا الشيخ في رجاله، وترجمه الشيخ في فهرسته قائلا: " ثقة جليل القدر له كتاب، أخبرنا جماعة عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه، عن محمد بن هشام، عن محمد بن سندي، عن علي بن الحكم. ورواه محمد ابن علي، عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم. وأخبرنا ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار وأحمد بن إدريس والحميري ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم وعليه فهذا الشخص بهذا العنوان ثقة بشهادة الشيخ. 4 - علي بن الحكم الأنباري، لم يذكره بهذا العنوان النجاشي ولا الشيخ في فهرسته ولا في رجاله، وإنما ذكره الكشي ونقل عن حمدويه عن محمد بن عيسى: " أن علي بن الحكم هو ابن أخت داود بن النعمان بياع الأنماط، وهو نسيب (ينسب إلى) بني الزبير الصيارفة. وعلي بن الحكم تلميذ ابن أبي عمير، ولقي من أصحاب أبي عبد الله (ع) الكثير، وهو مثل ابن فضال وابن بكير " وقوله: " علي بن الحكم تلميذ ابن أبي عمير إلخ " - سواء كان من كلام الكشي كما هو الأقرب، أو من كلام محمد بن عيسى - معتبر، لوثاقة كليهما، فلا بد من ملاحظة أنه هل يستفاد منه توثيق لعلي ابن الحكم أو لا؟. فقد يقال: بالاستفادة، باعتبار جعله مثل ابن فضال

[ 184 ]

وابن بكير المفروغ عن وثاقتهما. وقد يخدش ذلك بإبداء احتمال كون ذلك تمثيلا للكثير، أي لقي كثيرا مثل ابن فضال. ولكن هذا كما ترى لا ينسجم مع ظاهر كلمة (وهو). نعم نقل ابن داود ما مضى من عبارة الكشي مع حذف كلمة (وهو)، فقد يؤدي ذلك إلى احتمال تهافت في نسخ كتاب الكشي. إلا أنه حتى مع حذفها لا يمكن أن يجعل ذلك تمثيلا للكثير، لأن ابن فضال ليس من أصحاب الصادق عليه السلام، بل يطلق هذا على شخصين: أحدهما من أصحاب الكاظم (ع)، والآخر ابنه وهو من أصحاب الهادي. وعليه فيتعين كون التمثيل لعلي بن الحكم وهو يحمل على التشبيه في أهم الصفات الملحوظة رجاليا التي منها الوثاقة. ودعوى: أن التشبيه كما قد يكون بلحاظ الوثاقة قد يكون باعتبار الاشتراك في ملاقاة الكثير من أصحاب أبي عبد الله، فلا تثبت وثاقة المشبه قد تدفع بدعوى: انصراف ابن فضال إلى ابن فضال الابن، الذي هو من أصحاب الإمام الهادي عليه السلام ولم يلق أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، دون ابن فضال الأب الذي هو من أصحاب الكاظم ولقي أصحاب الصادق فينتفي احتمال كون المقصود التشبيه في ملاقاة الكثير من أصحاب أبي عبد الله. هذا مضافا إلى أن ظاهر كلمة (وهو) لا يناسب كون المقصود التشبيه في ذلك. وإطباق نسخ الكشي والنقل عن الكشي على حفظ كلمة (وهو) يوجب استبعاد زيادتها والاطمئنان بوقوع اختصار أو سهو في كتاب ابن داود، خصوصا أنه أسقط جملة من العبارات في مقام النقل ونقل المعنى فيرجح أنه أسقط كلمة (وهو) أيضا، إذ لم ير أهمية في ذكرها، وعليه فتثبت وثاقة علي بن الحكم المذكور. وعلى هذا الأساس يقع الكلام في إمكان إثبات وحدة هذه العناوين

[ 185 ]

المتعددة لعلي بن الحكم، أو على الأقل إرجاع الأولين إلى الأخيرين أو أحدهما لتكون الرواية حجة. وقبل الشروع في ذكر أمارات الوحدة لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد أمارة تمنع عن الحمل على الاتحاد في المقام، لا من ناحية تعدد الطبقات، ولا من ناحية تعدد التوصيفات، ولا من ناحية ذكر الشيخ له مرتين في رجاله. أما الأول: فلأن هذه العناوين الأربعة يمكن افتراضها في طبقة واحدة، لأن الأول ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد (ع) والرابع قد مضى أنه تلميذ ابن أبي عمير، ومن يكون تمليذا لابن أبي عمير الذي هو من أصحاب الكاظم إلى الجواد يمكن أن يكون من أصحاب الجواد (ع). والثاني من أصحاب الرضا (ع) وهو يناسب الصحبة للجواد أيضا والنجاشي نقل كتابه بواسطة أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وهو ممن يروي عن أصحاب الجواد. والثالث روى الشيخ في كتابه بواسطة أحمد بن محمد كما مضى وهو البرقي، أو أحمد بن محمد بن عيسى، وكلاهما في طبقة واحدة وقد عرفت حال البرقي. وإذا لاحظنا الرواة عن عناوين علي بن الحكم وجدنا أنهم في طبقة واحدة أو متقاربون على نحو يناسب وحدته. وأما الثاني فتوصيف الكشي له بالأنباري وتوصيف الشيخ له في رجاله بالنخعي وفي فهرسته بالكوفي، ليس قرينة على التعدد. فإن النخعية والكوفية ليستا متنافيين لأن النخعية نسبة إلى عشيرة فلا تنافي كون بعضهم كوفيا، بل الشيخ في رجاله جمع بين النخعية والكوفية. وأما الأنبارية فهي أيضا لا تنافي الكوفية إذ يقال: إن الأنبار قرية على شاطئ الفرات فيعتبر الأنباري كوفيا، إما لقرب الأنبار من الكوفة واندكاكها في جنبها وإما لهجرة الأنباري إلى الكوفة، كما ينسبه كونه تلميذا لابن أبي عمير.

[ 186 ]

وأما الثالث: فذكر الشيخ الطوسي له في رجاله تارة من أصحاب الرضا وأخرى من أصحاب الجواد ليس قرينة على التعدد، لأن طريقة الشيخ في رجاله هي أنه إذا كان شخص من أصحاب إمامين أو ثلاثة ذكره عدة مرات - بترتيب الأئمة (ع) - في أصحاب كل إمام هو من أصحابه ويلاحظ أن الشيخ عادة يذكر الشخص لأول مرة بعنوان تفصيلي، وعند التكرار في إمام بعده يذكره إجمالا وهكذا صنع في المقام إذ ذكره في أصحاب الرضا بعنوان علي بن الحكم بن زبير مولى النخع كوفي، وفي أصحاب الجواد بعنوان علي بن الحكم. ونبدأ الآن بذكر قرائن تتجه إلى إبطال تكثر علي بن الحكم على النحو المضر بالاستدلال. ولا يلزم بهذا الصدد إثبات وحدة الجميع، بل من جملة الأساليب النافعة إثبات رجوع الأولين إلى أحد الأخيرين اللذين ثبتت وثاقتهما. القرينة الأولى: مجئ علي بن الحكم مطلقا وبلا تقييد في الكثرة من الروايات والطرق التي وقع فيها، فلو كان متعددا لكان من البعيد أن يلتزم كل أولئك الرواة بالإطلاق في مقام التعبير عنه، فيستقرب فرض الوحدة أو فرض الانصراف غير المحوج إلى التقييد مع التعدد أيضا. ومن الواضح بعد افتراض الانصراف عن علي بن الحكم الكوفي الثقة الذي له كتاب ورواه جماعة عنه وللشيخ طريق إليه. القرينة الثانية: أن الثالث وهو علي بن الحكم الكوفي الثقة الذي ذكره الشيخ في فهرسته لو كان غير علي بن الحكم الذي ذكره النجاشي في فهرسته للزم إهمال النجاشي لشخص من المؤلفين المستحقين للدخول في فهرسته وهذا بعيد، خصوصا مع نظر النجاشي إلى فهرست الشيخ ونقله عنه وتبحره في هذا الفن وكونه كوفيا يجعله أولى بمعرفة الكوفيين. وإذا اتحد الثالث مع الثاني بقي الرابع وهو ثقة على أي حال. والأول وهو وإن لم يكن

[ 187 ]

راجعا إلى غيره فاللفظ منصر ف عنه، لأنه لم يذكره النجاشي ولا الكشي ولا الشيخ في فهرسته ولم يذكر له كتاب ولا علاقات، بخلاف الثالث الذي ذكر أنه ثقة جليل القدر وله كتاب ينقله جماعة وللشيخ طرق عديدة إليه، وذكره النجاشي أيضا لما عرفت من اتحاده مع الثاني، وإذا وحدنا الثاني مع الرابع فقد ذكره النجاشي أيضا، وذكر الكشي أنه مثل ابن فضال وابن بكير وأنه لقي من أصحاب أبي عبد الله الكثير. القرينة الثالثة: تتلخص في عدة مراحل: الأولى: في إثبات وحدة الثاني والرابع. والثانية: في إثبات وحدة الثاني والثالث. والثالثة: في نفي احتمال إرادة الأول بنحو يغاير مع غيره. أما المرحلة الأولى: فإن النجاشي قد ترجم في كتابه - كما مر بنا - علي بن الحكم بن زبير من دون توصيفه بالأنباري أو الكوفي. وترجم صالح ابن خالد المحاملي تارة في باب الأسماء وأخرى في باب الكنى ففي باب الأسماء قال: " صالح بن خالد المحاملي أبو شعيب مولى علي بن الحكم بن زبير " وفي باب الكنى قال: " أبو شعيب المحاملي كوفي ثقة من رجال أبي الحسن موسى (ع)، مولى علي بن الحكم بن الزبير الأنباري ". ونلاحظ في هذا المجال: أولا: استبعاد المغايرة بين علي بن الحكم بن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في ترجمة أبي شعيب، وعلي بن الحكم الأنباري الرابع الذي ذكره الكشي، إذ يلزم من ذلك كون الاتحاد في الاسم واسم الأب والأنبارية صدفة، وهو بعيد. وثانيا: استبعاد المغايرة بين علي بن الحكم ابن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في ترجمة أبي شعيب، مع علي ابن الحكم بن الزبير الذي ترجمه النجاشي، وذلك للاشتراك في الاسم والأب والزبيرية، ولأن نفس علي بن الحكم بن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في باب الكنى أن أبا شعيب مولاه، قد ذكره في باب الأسماء

[ 188 ]

مع حذف كلمة (الأنباري) حيث قال: صالح بن خالد المحاملي أبو شعيب مولى علي بن الحكم بن الزبير وهذا ينصرف لا محالة إلى من ترجمه في نفس الكتاب بنفس ذلك العنوان وهو علي بن الحكم بن الزبير ولو قصد شخصا آخر غير من ترجمه لكان عليه التنبيه. وبهذا يثبت اتحاد الأنباري الذي ترجمه الكشي مع ابن الزبير الذي ترجمه النجاشي، أي الرابع مع الثاني. وأما المرحلة الثانية: حاصل الكلام فيها أن الثالث لو كان غير من تصادق عليه العنوان الثاني والرابع للزم من ذلك، أن يكون الشيخ قد أغفل ذكر شخص من الرواة في فهرسته - وهو من تصادق عليه العنوانان الثاني والرابع، مع أنه من البعيد عدم إطلاعه على وجوده مع إثباته في تلخيص رجال الكشي الذي تم على يد الشيخ نفسه. كما أن من البعيد عدم إطلاعه على كتابه الذي شهد النجاشي في الفهرست به مع وجود طريق للنجاشي إليه، وقد وقع فيه من كان للشيخ طريق إلى جميع كتبه ورواياته كسعد مثلا. وأما المرحلة الثالثة: فتتميمها يتم بدعوى أن الأول إن رجع إلى أحد الثلاثة فهو المطلوب، وإلا فمن تصادقت عليه العناوين الثلاثة أشهر بلا إشكال بمرتبة يصح دعوى انصراف اللفظ إليه. القرينة الرابعة: إن من لم يوثق من هؤلاء الأربعة شخصان كما تقدم وهما الأول والثاني، وقد ذكرهما الشيخ في رجاله كما مضى. فنلاحظ: أولا: أن الظاهر أن هذين الشخصين اللذين لم يرد توثيقهما بعنوانهما أحدهما متحد مع من ذكره الشيخ في فهرسته ووثقه وهو علي بن الحكم الكوفي إذ يلزم من فرض التعدد أن يكون الشيخ مهملا في رجاله من ذكره في فهرسته ووثقه ونسب له كتابا، مع أن رجال الشيخ بطبيعته أعم من فهرسته، لأنه موضوع لمطلق الرواة، والفهرست موضوع لخصوص

[ 189 ]

المصنفين، ورجاله متأخر عن فهرسته، فمن المستبعد أن يكون قد عدل في الرجال عن ذلك الشخص المعروف إلى ذكر شخص آخر مجهول غير معنون وليس له كتاب. ونلاحظ ثانيا: أن الظاهر أن أحد هذين الشخصين اللذين لم يرد توثيقهما بعنوانهما متحد مع الأنباري الثقة الذي ذكره الكشي، وإلا لزم أن يكون الشيخ قد أهمل في رجاله الأنباري الذي ذكره الكشي، ومن المستبعد عدم ذكره في الرجال مع وصف الكشي له بأنه لقي من أصحاب الصادق (ع) الكثير، وهو مثل ابن فضال وابن بكير، مع أن رجال الشيخ مبناه على الاستقصاء وهو مطلع على هذا الشخص بحكم إحاطته برجال الكشي، وتلخيصه له واشتمال التلخيص عليه. وفي هذا الضوء ينتج أن الشخصين غير الموثقين بعنوانهما أحدهما متحد ظاهرا مع الكوفي الثقة، وأحدهما متحد ظاهرا مع الأبناري الثقة فإن فرض أن المتحد مع الكوفي مغاير للمتحد مع الأنباري ثبتت وثاقة الكل وإن فرض أن أحدهما متحد مع الكوفي الثقة والأنباري الثقة وبقي الآخر مغايرا للثقتين، فهنا نحتاج إلى الاستعانة بجزء مما مضى في القرينة الثانية، فإن فرضنا أن المغاير هو علي بن الحكم المطلق ضممنا ما مضى من دعوى الانصراف، وإن فرضناه النخعي ضممنا ما مضى من القرينة على اتحاد النخعي مع الكوفي الثقة، أو على اتحاده مع الأنباري الثقة. القرينة الخامسة: أن علي بن الحكم الأنباري نفس علي بن الحكم ابن الزبير، لأن الكشي ذكر عن الأول أنه نسيب (أو ينسب إلى) بني الزبير الصيارفة، والثاني ذكره النجاشي والشيخ في رجاله بعنوان علي بن الحكم بن الزبير. وهذه القرينة لا تكفي وحدها لإثبات المطلوب بل لا بد من ضم شئ مما سبق كالقرينة على اتحاد من ذكره النجاشي مع

[ 190 ]

من ترجمه الشيخ في فهرسته، ودعوى الانصراف حينئذ عن علي بن الحكم المطلق على فرض مغايرته لمن تصادقت عليه العناوين الثلاثة. وقد يستشهد لوحدة علي بن الحكم بن الزبير الذي ذكره النجاشي مع الكوفي الثقة الذي ذكره الشيخ بما ذكره الوحيد في التعليقة: من أن الراوي عمن ذكره الشيخ - رحمه الله تعالى - والراوي عمن ذكره النجاشي شخص واحد، وهو أحمد بن محمد. ويندفع: بأن الراوي عنه في طريق النجاشي هو أحمد بن أبي عبد الله البرقي والراوي عنه في طريق الشيخ أحمد بن محمد، على نحو الإطلاق، ولعله أحمد بن محمد بن عيسى، بقرينة وقوع الصدوق في طريق الشيخ هذا، وتصريح الصدوق في مشيخته بأحمد ابن محمد بن عيسى في طريقه إلى علي بن الحكم. وعلى أي حال ففيما تقدم كفاية لإثبات حجية روايات علي بن الحكم باعتبار إثبات الوحدة ولو بضم الانصراف. فإن قيل: إن الانصراف لا يكفي، فإنه إذا لم يثبت وحدة الجميع وفرضنا مغايرة الأول لغيره، فهذا يعني كون الأول راويا في الجملة وله روايات، والعمل بظهور اللفظ الموجب للانصراف إلى غيره في تمام الموارد يوجب طرح العلم الإجمالي بوجود روايات له في الجملة، فيقع التعارض بين الظهورات الانصرافية. قلنا: لا تعارض. أما أولا: فلعدم العلم بالتغاير وغاية ما في الأمر احتماله. وأما ثانيا: فلأنه على فرض التغاير لا علم بوجود روايات له في الكتب الأربعة وما بحكمها بالذات. وأما ثالثا: فلاحتمال أن يكون ما نقل عنه داخلا في ما نقل عن علي بن الحكم بطرق ضعيفة. وهكذا يتلخص: أن رواية ابن أبي يعفور الدالة على طهارة دم البق معتبرة وتامة سندا ودلالة، فلا إشكال في المسألة.

[ 191 ]

[ وكذا ما كان من غير الحيوان، كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء (ع). (1) ويستثنى من دم الحيوان، المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف، سواء كان في العروق، أو في اللحم، أو في القلب، أو في الكبد، فإنه طاهر (2). ] (1) سوف نتكلم في هذا الفرع عند تعرض سيد الماتن (قده) لدم البيضة. (2) ويمكن أن يستدل عليه بعدة وجوه: الأول: قصور مقتضي النجاسة إثباتا، بناء على ما هو الصحيح من عدم ثبوت دليل على نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة، كي يكون مرجعا في حالة الشك. الثاني: الإجماع، حيث لم ينقل عن أحد الإشكال في هذا الحكم وإنما استفاض دعوى الإجماع عليه في كلماتهم. وهذا الإجماع بصيغته الفتوائية حاله حال الإجماع المتقدم في دم ما لا نفس له، من حيث ورود تلك المناقشات عليه. غير أنه بالإمكان صياغته في المقام بإرجاعه إلى الارتكاز وعمل أصحاب الأئمة (ع)، ومن بعدهم من المسلمين إلى زماننا هذا. فإن هذا البناء العملي والقولي الموروث على معاملة الدم المتخلف معاملة الطاهر، مع عدم ورود أسئلة عنه في الروايات، رغم كثرة ابتلاء الناس والرواة بالمسألة، وكونهم قد سألوا الأئمة (ع) عن أشياء أقل أهمية في حياتهم اليومية فأقول: إن مثل هذا الإجماع القولي والعملي كاشف عن وضوح الطهارة في أذهان المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، إذ احتمال غفلتهم عنه موضوعا أو حكما ينفيه كون الدم المتخلف محل ابتلائهم في حياتهم اليومية كثيرا، وكون حكم نجاسة الدم

[ 192 ]

مركوزة في الجملة في أذهانهم. وافتراض أنهم سألوا عنها وأفتاهم المعصوم عليه السلام بالنجاسة، ومع ذلك لم يصل إلينا كلامه، ينفيه أن شيوع الابتلاء بها يستلزم تظافر نقل الحكم بالنجاسة لو كان، وتأكيد الأئمة عليهم السلام والرواة على ترسيخه في ذهن المتشرعة من أصحابهم. فلا يبقى إلا أن يكون ذلك باعتبار موافقة المعصومين (ع) مع ما هو مقتضى الطبع العقلائي والأولى من عدم استقذار ما يتخلف في الذبائح بعد خروج المتعارف الكاشف عن طهارته شرعا. وكون الطهارة على وفق الطبع الأولي مع عدم وجود ردع عنها هو الذي يفسر لنا عدم وقوع السؤال من الرواة عن طهارته كثيرا، وعدم توافر الدواعي على نقلها كذلك. ثم إن المدرك على الطهارة لو كان هذا الوجه فلا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، باعتباره دليلا لبيا، فلا يمكن الرجوع إليه كلما شك في طهارة دم متخلف، خلافا للحال على الوجه الأول. وهذا من الفوارق بين الوجهين، وإن كان يغلب على الظن دخول تمام مراتب التخلف في الإجماع، فلا يبقى فرق بين الوجهين على مستوى التطبيق. الثالث: التمسك بما دل على حلية الحيوان بعد التذكية، إما بتقريب: أنه شامل بإطلاقه لكل جزء من أجراء الحيوان بعد التذكية ومنه الدم المتخلف، ولازم حليته طهارته. وإما بتقريب: أن اللحوم المذكاة لا تنفك عند استعمالها عادة عن دماء متخلفة فيها، إذ تفكيك اللحم وغسله إلى درجة تخرج منه كل الدماء المتخلفة أمر على خلاف العادة العرفية، فبدلالة الاقتضاء هذه تثبت حلية الدم في اللحم أيضا. ويرد على التقريب الأول: أن دليل الحلية ينفي الحرمة بملاك الميتة بعد حصول التذكية، فلا يمكن التمسك به لنفي الحرمة الثابتة بملاك الدمية أو البولية أو غيرهما كما هو المطلوب في المقام.

[ 193 ]

وأما التقريب الثاني، فيمكن أن يناقش فيه بأحد وجهين: الأول: ما ذكره المحقق الخونساري (ره) من أن غاية ما تستدعيه الملازمة الخارجية أن يكون الدم المندك مع اللحم والمغمور بين طياته حلالا وأما الدم المتخلف بعد خروجه فلا، فيرجع فيه إلى إطلاق النجاسة. وهذه المناقشة غير تامة، كما أفاده المحقق الهمداني (ره)، إذ الغالب خروج شئ من الدماء المتخلفة ولو قليلا بعد الطبخ، فلو التزم بنجاسته بعد الخروج لنجس الأطعمة، ولا يمكن أن يقصد من تجويز الأكل تجويزه بشرط عدم الطبخ. الثاني: أن مثل هذه الدلالة لا تشمل أكثر مما يعتاد وجوده من الدم المتخلف مع اللحم، فلا يعم مثل الدم الكثير المتخلف في باطن الذبيحة. وهذا النقاش لا دافع له إلا دعوى: عدم الفرق عرفا في الدماء المتخلفة بين ما يتخلف في الباطن وما يندك في جوف اللحم الذي يمكن إخراجه عنه بالعصر ونحوه، فلو تم ارتكاز عدم الفرق تم هذا الوجه لإثبات طهارة الدم المتخلف بإطلاقه. الرابع: قوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا... ". حيث يستدل به على اختصاص الحرمة بالدم المسفوح، فإن فسر ذلك بالدم الخارج حال الذبح فالدم غير المسفوح يشمل المتخلف حتى بعد خروجه وإن فسر بالدم المنصب من العرق فيختص غير المسفوح بالمتخلف غير الخارج من العرق، وعلى كلا التقديرين تثبت الطهارة بالملازمة. وهناك اعتراضان على هذا الاستدلال: الاعتراض الأول - تقديم إطلاق آية التحريم في قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " عليها، حيث لا يعلم بورودها قبل تلك

[ 194 ]

الآية كي تخصص بالمسفوح، إن لم يدع الاطمئنان بتأخر آية التحريم لورودها في سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت، وتلك الآية في سورة الأنعام المكية، ومع العلم بتأخر آية التحريم أو احتمال ذلك يكون المتبع إطلاقها فإن المورد وإن كان من موارد الدوران بين النسخ ورفع اليد عن الإطلاق الأزماني في آية الأنعام، أو التخصيص ورفع اليد عن الإطلاق الأفرادي في آية التحريم، إلا أنه في خصوص المقام لا يوجد إطلاق أزماني لآية الأنعام المتقدمة جزما أو احتمالا، لأنها لا تنفي وجود حرام في الواقع غير ما ذكر من العناوين، وإنما تنفي وجدانه فيما أوحي إلى النبي (ص) إلى ذلك الحين، فلا ينافي أن يوحى إليه بعد ذلك محرم آخر فلا معارض لإطلاق آية التحريم. هذا على تقدير إحراز تأخرها وأما مع الشك في التقدم والتأخر فيكون من موارد الشك في وجود المخصص لإطلاقه التي يكون الأصل فيها عدم المخصص وحجية العموم. وبهذا ظهر أن إطلاق الروايات الدالة على نجاسة الدم - لو تم - أيضا يكون مقدما على آية الأنعام لأنها لا إطلاق أزماني لها وإنما كنا نحكم بمضمون الآية لولا الدليل بمقتضى الاستصحاب. غير أن هذا البيان موقوف على أن لا نعمل بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) إذ قال: " ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه... ثم قرأ هذه الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلي... " (1). وهي صريحة في إمضاء نفي الآية لمحرم آخر غير ما ذكر فيها إلى الأبد، فتكون دالة على نفوذ مدلول الآية وبقائه، الذي يستدعي تخصيص آية التحريم بالدم المسفوح بمقتضى الحصر. ولكن العمل بهذه الصحيحة مشكل إذ لا يوجد فقيه يفتي بانحصار


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة.

[ 195 ]

[ نعم إذا رجع دم المذبح إلى الجوف لرد النفس أو لكون رأس ] المحرمات فيما ذكرته الآية الشريفة، فلا بد وأن تحمل الرواية على محامل التقية وموافقة العامة بعد إباء سياقها عن التخصيص. الاعتراض الثاني: دعوى عدم دلالة الآية في نفسها على حلية الدم المتخلف إذ لا موجب له إلا توصيف الدم بالمسفوح، والوصف خال عن المفهوم على ما قرر في محله. وهذا الاعتراض يمكن أن يجاب عليه: تارة: بأن الوصف يدل على المفهوم الجزئي، وأن الحكم غير ثابت في بعض موارد فقدان الوصف على الأقل، كما حققناه في محله. وعندئذ يمكن دعوى: تعيين ذلك في الدم المتخلف بالارتكاز العرفي، أو لأنه القدر المتيقن. وأخرى: بأنا نتمسك بسياق الحصر في الآية حيث نفى وجود محرم غير ما ذكر. لا يقال: من المحتمل قويا أن يكون الحصر في الآية إضافيا بالنسبة إلى ما كان يتخيل في ذلك العصر حرمته وليس حصرا حقيقييا، إذ ما أكثر المحرمات الثابتة جملة منها بالقطع واليقين. فإنه يقال: - هذا لو سلم ولم يعمل برواية محمد بن مسلم المتقدمة - يرد عليه أن الدم غير المسفوح داخل فيما يضاف إليه الحصر بقرينة ذكره الدم مقيدا بالمسفوحية. وهكذا يتلخص: أن الاستدلال بالآية الكريمة على طهارة المتخلف غير مفيد، لأنه لو تم إطلاق يدل على النجاسة قدم عليها بقاء، وإلا كفانا عدم تمامية المقتضي للنجاسة.

[ 196 ]

[ الذبيحة في علو كان نجسا (1). ] (1) الدم المتخلف بالعناية تارة: يكون برجوعه إلى الداخل بعد خروجه، كما لو رد الحيوان نفسه فرجع قسم من الدم إلى الجوف. وأخرى بالمنع عن خروجه من أول الأمر، كما لو سد المذبح، أو كان رأس الحيوان عاليا فتخلف مقدار من الدم كان مقتضى الطبع خروجه. وفي كلا القسمين تارة: نفترض تمامية المقتضي للنجاسة بحسب مقام الإثبات في نفسه، وإنما خرجنا في المتخلف لمقيد. وأخرى: نفترض قصور المقتضي لدليل النجاسة في نفسه. أما على التقدير الأول: فلا بد وأن ننظر إلى المقيد ليرى هل يشمل المتخلف بالعناية أم لا؟. ولا إشكال في عدم شموله للمقام لو كان هو الإجماع، أو دلالة الاقتضاء في روايات جواز أكل الذبيحة، لعدم الإجماع في المقام إن لم يدع الإجماع على العدم، وعدم تمامية دلالة الاقتضاء لغير المتعارف تخلفه وهو المتخلف بالطبع. ولو كان المدرك هو الآية الكريمة فشمول مفهومها للقسم الأول من التخلف، أعني الرجوع بعد الخروج واضح العدم، لصدق الدم المسفوج عليه بعد خروجه من الذبيحة ولو رجع بعد ذلك، إذ لا يراد بالمسفوح ما يبقى مسفوحا وخارجا عن الذبيحة إلى الأبد. وأما شمولها للقسم الثاني وعدمه فمبني على أن يراد بالمسفوح ما خرج فعلا، وأما لو أريد به ما من شأنه الخروج فأيضا يكون المتخلف بالعناية داخلا في منطوقها لا المفهوم. وأما على تقدير القول بعدم تمامية الإطلاق في دليل النجاسة في نفسه كما تقدم اختياره، فقد يقال به أيضا في المتخلف بعد الرجوع، فضلا عما لم يخرج أصلا.

[ 197 ]

[ ويشترط في طهارة المتخلف أن يكون مما يؤكل لحمه على الأحوط فالمتخلف من غير المأكول نجس على الأحوط (1). ] وفيه: أولا: تمامية المقتضي بالارتكاز القاضي بعدم الفرق بينه وبين الدم الخارج غير الراجع، حيث لا يرى العرف بينهما فرقا إلا من ناحية موضع التجمع ومكانه، وهو ليس بمفرق. وثانيا: لو أنكرنا الارتكاز المذكور وفرضنا احتمال العرف دخل الرجوع في الطهارة فلا أقل من ارتكاز أن دخالته ليست بنحو الشرط المتأخر لطهارة الراجع من أول الأمر، فإنه لا فرق عرفا في الدم الخارج بالفعل حين خروجه بين ما سوف يرجع وما لا يرجع جزما، فاحتمال دخالة الرجوع في طهارة المتخلف لو كان فهو من باب كون تخلفه بعد رجوعه موجبا لارتفاع نجاسته ومن الواضح أنه على هذا التقدير يكون المرجع هو استصحاب النجاسة الثابتة قبل الرجوع. نعم هذا البيان مخصوص بالمتخلف بعد الخروج، ولا يجري على المتخلف بالعناية من دون خروج، غير أن الارتكاز الأول كاف للحكم بالنجاسة فيه أيضا. (1) اختصاص الطهارة بالمتخلف في الذبيحة المأكولة أو شمولها للمتخلف في الذبيحة من غير المأكول فضلا عن المتخلف في العضو غير المأكول كالطحال مبتن على مدارك الحكم بطهارة الدم المتخلف. فإذا كان المدرك قصور إطلاق دليل النجاسة في نفسه فهو جار في الموردين أيضا. ولو كان المدرك هو الإجماع القولي على الطهارة فمن الواضح اختصاصه بالمتخلف من ذبيحة مأكولة وفي عضوها المأكول، لأنه مورد الإجماع. ولو كان المدرك هو الإجماع بصيغته العملية الارتكازية،

[ 198 ]

[ (مسألة - 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة، من إنسان كان أو من غيره، حتى العلقة في البيض، والأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض (1). لكن إذا كانت في الصفار وعليه جلده لا بنجس معه البياض إلا إذ تمزقت الجلدة. ] فلا يبعد دعوى: التفصيل بين المتخلف في عضو غير مأكول من ذبيحة مأكولة فتشمله السيرة، وبين المتخلف في ذبيحة غير مأكولة فلا علم بشمولها. ولو كان المدرك دلالة الاقتضاء في أدلة تجويز أكل الذبيحة فمن الواضح اختصاصها بما يتخلف في العضو المأكول، لأنه الذي جوز أكله. ولو كان المدرك هو الآية الكريمة، فلو التزمنا بحرمة شرب الدم من غير المأكول كحرمة نفسه فالحلية الثابتة في الآية مخصصة لا محالة ومعه لا يمكن التمسك بلازمها وهي الطهارة، وإلا فتشمله الآية وتثبت فيه الطهارة أيضا. وحيث إن الصحيح عندنا هو المدرك الأول، فالمتجه هو الحكم بالطهارة في الموردين معا، لولا شبهة الإجماع المدعى من قبل غير واحد من الأصحاب على النجاسة المقتضي للاحتياط. (1) الدم تارة: لا يكون منسوبا إلى الحيوان بوجه كالدم المصنوع كيمياويا، أو بالإعجاز. وأخرى، ينتسب إلى الحيوان بمجرد كونه مظروفا بالواسطة له، كنقطة الدم الموجودة في البيض. وثالثة: ينتسب إليه مضافا إلى هذه الظرفية بكونه مبدأ لنشوء الحيوان، كالعلقة في البيض، ورابعة: ينتسب إليه مضافا إلى المبدئية بكونه مظروفا للحيوان مباشرة، كالعلقة المستحيلة من المني في الإنسان أو الحيوان. ولا شك في أن هذه الأقسام

[ 199 ]

مترتبة في خفاء الحكم بالنجاسة فيها. فالقسم الأول أخفى الأقسام، لوضوح أن الحكم بنجاسته يتوقف أولا: على ثبوت مطلق يدل على نجاسة الدم بعنوانه، وقد عرفت عدمه. وثانيا: على عدم احتمال تقوم مفهوم الدم عرفا بالإضافة إلى الحيوان، وإلا لم ينفع الإطلاق. وثالثا: - بعد افتراض سعة المفهوم - على عدم الانصراف عن هذا النحو من الدم، لا لمجرد ندرته حتى ينتقض بدم حيوان يخلق بالمعجزة فإنه في الندرة كالدم المخلوق بالإعجاز، بل بضم مناسبات الحكم والموضوع التي تقتضي ارتكازا تساوي نسبة النجاسة إلى دم الحيوان الطبيعي ودم الحيوان الإعجازي، ولا تقضي مثل ذلك في دم الحيوان مع الدم المخلوق إعجازا. وأما القسم الثاني: فهو يتوقف على الأمر الأول فقط لوضوح صدق الدم عرفا وانصرافا عليه، فلو تم مطلق يقتضي نجاسة الدم يشمله. وأما لو لم يتم دليل إلا على نجاسة دم الحيوان بهذا العنوان، فقد يستظهر من الإضافة الجزئية الفعلية، وقد يستظهر ما يعم الجزئية الشأنية المنطبقة على العلقة، وقد يستظهر عدم اختصاص الإضافة بالجزئية وشمولها لعلاقة الظرفية أيضا، ويتوقف شمول الدليل حينئذ للقسم الثاني على الاستظهار الثالث، مع عناية شمول الظرفية للظرفية بالواسطة. وأما القسم الثالث: فلا شك في شمول المطلق له لو كان. وأما مع اختصاص دليل النجاسة بدم الحيوان فيتوقف الشمول على نكتة الشمول للقسم الثاني، أو على استظهار ما يعم الجزئية الشأنية. وأما القسم الرابع: فهو مشمول للمطلق لو كان، والدليل نجاسة دم الحيوان على غير الاستظهار الأول من الاستظهارات الثلاثة المتقدمة. ومن مجموع ما ذكرناه ظهر أن للمنع عن نجاسة تمام الأقسام الأربعة

[ 200 ]

[ (مسألة - 2): المتخلف في للذبيحة وان كان طاهرا ولكنه حرام، الا ما كان ما كان في اللحم مما يعد جزء منه (1). ] مجالا، خصوصا القسم الاول فانا لا نسلم بوجود مطلق يدل على نجاسة كل دم أو على نجاسة دم كل حيوان، ولو سلم فلا يشمل تمام الا قسام المذكورة على التفصيل الذي اوضحناه. (1) لا شك في حلية ما يعتبر من الدم تابعا للحم، وان لم يكن مستهلكا فيه حقيقة بالنظر العرفي، وذلك للسيرة القطعية التي يستكشف بها تخصيص ادلة حرمة الدم، والدلالة الالنزامية العرفية لدليل حلية الذبيحة بالتذكية، مضافا الى مفهوم الوصف في قوله تعالى: " دما مسفوحا " بناء على دلالة مفهوم الوصف على انتفاء الحكم بانتفاء الوصف ولو في الجملة، وكون الانتفاء في مثل المقام هو القدر المتيقن من تلك القضية المهملة، وعدم تقديم اطلاق تحريم الدم في الآية الأخرى، على تفصيل تقدم عند البحث عن طهارة الدم المتخلف. واما ما لا بعد تابعا كذلك فهو حرام، لشمول اطلاقات الحرمة له، وعدم وجود المخصص، لعدم انعقاد السيرة على حليته، وعدم امكان اثبات حليته بمفهوم الوصف المشار إليه آنفا، لانه لو تم فهو قضية مهملة لا اطلاق فيها والمتيقن منها الدم التابع. مضافا الى امكان دعوى: كونه مسفوحا وعدم اختصاص المسفوح بالمنصب حين الذبح خاصة " كما ان دليل حلية الحيوان بالتذكية لا يقتصى بالالنزام حلية الدم غير التابع كما هو واضح. واما دعوى: الاستدال على حلية الدم المتخلف مطلقا بحصر محرمات الذبيحة في الروايات بامور ليس الدم منها، كما عن صاحب الحدائق (قدس سره) فغريبة، لا شتمال روايات محرمات الذبيحة على الدم ايضا، كرواية ابراهيم

[ 201 ]

[ (مسألة - 3): الدم الابيض إذا فرض للعلم بكونه دما نجس، كما في خبر فصد العسكري صلوات الله عليه، وكذا إذا صب عليه دواء غير لونه الى للبياض (1). ] ابن عبد الحميد عن ابى الحسن (ع) وغيرها كما يظهر بالمراجعة. وعليه فما في المتن هو الصحيح. (1) الدم تارة: يصبح ابيض بسبب خارجي عارض كالصبغ، واخرى يكون ابيض بحسب تكونه. اما الاول فلا اشكال في نجاسة، اما لا ستصحاب نجاسة، واما للتمسك بالاطلاق اللفظي في دليل نجاسة الدم لو كان لو ضوح عدم خروجه عن كونه دما بذلك. واما للتمسك بغير المطلق من ادلة نجاسة الدم بعد مساعدة العرف على التعدي لا قتضاء الارتكاز العرفي الغاء مثل هذه الخصوصية. واما الثاني فان كان على نحو لا يصدق عليه الدم عرفا، فلا اشكال في عدم شمول دليل النجاسة له. وان كان مصداقا للدم عرفا، فشمول الدليل له مبنى، اما على وجود الاطلاق اللفظي في دليل نجاسة الدم أو على لغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي، وكلاهما غير ثابت. وان شك في مصداقيته للدم عرفا بنحو الشبهة المفهومية، فلا مجال لا جراء استصحاب الدمية فيه ولو فرضت له حالة سابقة كذلك، اما بناء على انكار اطلاق في الدليل الاجتهادي للنجاسة فواضح، واما بناء على ثبوت الاطلاق في مثل رواية عمار فلعدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية كما لا يجري حينئذ استصحاب النجاسة لعدم العلم بالنجاسة الدم لا يشمل الدم في داخل جسم الانسان فلا بأس بالحكم بطهارته ما لم يقم اجماع تعبدي علي النجاسة في مثله.

[ 202 ]

[ (مسألة - 4): للدم للذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس ومنجس للبن (1). (مسألة - 5): الجنين يخرج من بطن المذبوح ويكون ذكاته بذكاة امه تمام دمه طاهر ولكنه لا يخلو من اشكال (2). ] (1) سواء نشاء عن ضغط في الحلب مع ضعف الحيوان، أو عن جرح في الباطن أو غير ذلك، فانه نجس باعتباره دما مسفوحا عرفا وداخلا في القضية المتيقنة من دليل النجاسة، ولو لم نقل بوجود اطلاق شامل فيه، لوضوح عدم الفرق بحسب الارتكاز العرفي بين الاسباب المؤدية الى ظهور الدم. (2) وتحقيق الكلام في ذلك يقع تارة: بعد البناء على وجود اطلاق في دليل نجاسة الدم. واخرى: مع انكار ذلك. فعلى الاول يكون الاطلاق شاملا لمحل الكلام ومقتضيا لنجاسة المسفوح من دم الجنين، فنحتاج للحكم بطهارته الى مقيد. والمقيدات السابقة التي اخرجت الدم المتخلف في الذبيحة عن الاطلاق قاصرة عن اخراج مطلق دم الجنين بما فيه المسفوح منه، اما الاجماع الفتوائي فدليل لبى يقتصر فيه على القدر المتيقن. واما السيرة من المتشرعة فغير معلومة هنا، إذ يحتمل كون العادة جارية في مقام الاستفادة من الجنين على ذبحه وخروج مقدار من دمه. واما قوله تعالى " أو دما مسفوحا " بناء على تمامية الاستدلال به فلا يمكن الاستدلال به في المقام، إذ مع ذبح الجنين يصدق عنوان المسفوح على المقدار الذي يخرج فكيف نحكم بطهارة الكل. واما ما دل على جواز اكل الذبيحة بالتذكية الدال التزاما على طهارة الدم المتخلف فلا يدل

[ 203 ]

[ (مسألة - 6): للصيد للذي ذكاته بآلة للصيد في طهارة، ما تخلف فيه بعد خروج روحه اشكال، وإن كان لا يخلو عن وجه. واما ما خرج منه فلا اشكال في نجاسة (1). ] بالتزام على طهارة تمام دم الجنين في المقام، إذ لا يلزم من نجاسة ما يخرج منه عادة بالذبيح تعذر الاستفادة منه الا بعناية غير عرفية، كما كان يلزم ذلك من نجاسة المتخلف. وقد يقرب الحكم بطهارة مطلق دم الجنين بوجه مختص بالمقام، وبيانه: ان قوله تعالى: " ذكاتة الجنين ذكاة أمه " دل على أن الجنين كانه ذبح وذكى فيضم الى دليل أن ما بقى في المذبوح طاهر، فيكون الأول موسعا لموضوع الثاني وحاكما عليه. وفيه: أولا: ان ذلك يتوقف على أن يكون التنزيل في الدليل الأول الحاكم بلحاظ تمام الآثار، لا منصرفا الى الحلية فقط. ثانيا: أن موضوع الدليل المحكوم مركب من الذبح وكون الدم متخلفا، ومجرد تنزيل ذبح الجنين لا يكفي، بل لا بد أن ينزل أيضا دم أمه منزلة دمه على نحو يصدق على دم الجنين أنه دم متخلف بلحاظ ما خرج من دم الأم. وعلى الثاني لا بد في التعدي من القدر المتيقن للدليل على النجاسة من الجزم بعدم الفرق فقهيا أو ارتكاز عدمه عرفا، وقد قلنا فيما سبق. ان الدم المتخلف بالقسر حالة حال الدم المسفوح ارتكاز، لكن المقام يختلف الى حدما عن ذلك، لأن القسر هنا طبيعي لا عنائي فالجزم بالتعدي لا يخلو من اشكال. (1) لا اشكال في أن المقدار الخارج بآلة الصيد دم مسفوح وداخل في المتيقن من دليل النجاسة. وأما الباقي فهل يحكم بطهاته، أو يقال

[ 204 ]

[ (مسألة - 7): للذم المشكوك في كونه من الحيوان اولا محكوم بالطهارة. كما ان للشئ الاحمر للذي يشك في انه دم ام لا كذلك. وكذا إذا علم انه من الحيوان للفلانى ولكن لا يعلم انه مما له نفس اولا، كدم الحية وللتمساح. وكذا إذا لم يعلم انه دم شاة أو سمك (1). ] بأن طهاته منوطة بالتخلف عند فتح المجرى الطبيعي بالذبح ولا يكفي التخلف عن الخروج من الفتحة التي توجدها آلة الصيد؟. الظاهر هو الطهارة، أما بناء على عدم الالتزام بوجود اطلاق في ديل النجاسة فواضح واما بناء على تمامية الاطلاق فللزوم الخروج عنه، لأن لازمه تعين ذبح الصيد في مقام الاستفادة منه، إذ بدون ذلك لا يحكم بطهارة المتخلف فيتعذر أكله الا بعنايات غير عرفية، ومن الواضح قيام السيرة على عدم الذبح، فالمتعين الحكم بطهارة المتخلف. (1) تتلخص هذه المسألة في فروع أربعة: الفرع الأول: انه إذا شك في كون شئ دما أم لا، فهو محكوم بالطهارة. ولا اشكال في عدم ترتيب آثار النجاسة عليه. الا أن الكلام في تخريج ذلك على ضوء الأصول الموءمنة، إذ قد يقرب ذلك بعدة وجوه: أحدهما: التمسك بأصالة الطهارة. وهو موقوف على تمامية عموم في دليلها يشمل موارد الشك في النجاسة الذاتية. وقد تقدم تفصيل الكلام عن ذلك في موضع سابق من هذا الشرح. ثانيها: التمسك بالاستصحاب الحكمي، وذلك: اما باجراء استصحاب عدم جعل النجاسة له، فيما إذا كانت الشبهة مفهومية، لرجوعها الى الشك في الجعل الزائد. واما باجراء استصحاب الطهارة المتيقنة في زمان ما

[ 205 ]

لهذا المائع المشكوك حتى على تقدير كونه دما، لان الدم ما دام في الباطن طاهر، فنستصحب تلك الطهارة. واما باجراء استصحاب العدم الأزلي للنجاسة المجعولة الجاري في موارد الشبهة الموضوعية، فيما إذا سلم بان الدم منذ يوجد في الباطن نجس، فان فعلية هذه النجاسة مسبوقة بالعدم الازلي الثابت قبل وجود الموضوع، فيستصحب. اما الاستصحاب الاول فلا يتم في الشبهات الموضوعية، لان الشك فيها انما هو في مرحلة الانحلال وتطبيق الكبرى على صغرياتها، وليس شكا في سعة الكبرى وحدود جعلها. واما الاستصحاب الثاني فلا يتم حتى لو قبل بطهارة الدم في الباطن لان طهارته انما يقال بها لقصور دليل نجاسة الدم لشمول الباطن، فيرجع في الدم الباطن الى قاعدة الطهارة. فان اريد بالاستصحاب استصحاب الطهارة الواقعية فهي غير محرزة ثبوتا، وان اريد استصحاب الطهارة الثابتة ولو بالاصل فلا معنى لذلك مع امكان الرجوع الى دليل الاصل ابتداء لاثبات الطهارة الظاهرية. وامل الاستصحاب الثالث، فقد يلاحظ عليه انه مبنى على مقايسة نجاسة الدم بالاحكام التكليفية كوجوب الحج على المستطيع، فكما ان فعلية وجوب الحج تابعة لوجود المستطيع خارجا كذلك فعلية النجاسة تابعة لوجود الدم خارجا، فيكون لها عدم ازلي بعدم الدم. مع ان وصف القذارة لشئ في نظر العرف يختلف عن وصف الوجوب على المستطيع، حيث انه لا يتعقل الوجوب على المستطيع الا بعد وجوده، فينحل الجعل الى قضية شرطية مؤداها: لو وجد مستطيع لوجب عليه الحج، وبذلك تكون فعلية الوجوب تابعة لفعلية وجود الشرط. ولكنه يتعقل كون الشئ قذرا في نفسه بحيث يكون وجوده وجودا للقذر، لا انه بعد الوجود يوصف بالقذارة. فجعل

[ 206 ]

النجاسة للدم لا ينحل الى قضية شرطية موازية، بمعنى انه إذا وجد الدم كان قذرا، بل الى قضية مفادها إذا كان الشئ دما فهو قذر، وكون الدم دما لا يتوقف على وجوده، وهذا يعني ان المجعول فعلي بنفس الجعل دون توقف على وجود الموضوع. ويترتب على ذلك: ان المستصحب هو عدم المجعول الثابت بعدم الجعل، لا عدمه الازلي الثابت بعدم وجود الموضوع. ثالثها: التمسك بالاستصحاب الموضوعي فيما إذا كانت الشبهة موضوعية لا مفهومية، لعدم جريان الاستصحاب في المفهوم المجمل. وذلك باجراء استصحاب العدم الازلي لدمية المائع المشكوك الثابت قبل وجوده. وقد يقال باجراء استصحاب عدم كونه دما ولو بني على عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان مادة هذا المائع لم تكن دما في زمان يقينا فيستصحب ذلك. وفيه: ان هذا مبني على جريان الاستصحاب في موارد الشك في الاستعملة، لان المقام منه، حيث ان تحول الغذاء الى دم، يعتبر استحالة عرفا، وهو لا يجرى على ما يأتي ان شاء الله تعالى في بحث المطهرات: وقد يقال: بعدم جريان الاستصحاب لنفي دمية المائع ولو قيل باجراء الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان الدمية من الخصائص الذاتية لا العرضية والخصوصيات الذاتية لا يقين بعدمها اصلا، لان ثبوت الشئ لذاته ضروري بقطع النظر عن وجوده: وتفضيل الحال في ذلك: ان الحكم بالنجاسة ان كان بجسب الفهم العرفي حكما مترتبا على وجود الخارجي للدم، فمن الواضح ان هذا الوجود لم يكن قبل تحققه وجودا للدم، فيستصحب العدم الازلي لذلك. وان كانت النجاسة بحسب الفهم العرفي حكما لذات الدم في نفسه بقطع النظر باقذارة، فلا يمكن اجراء استصحاب عدم دمية ذات المائع المشكوك،

[ 207 ]

لان المائع إذا كان دما فلا انفكاك بين فرض ذاته وفرض الدمية، كما هو واضح. الفرع الثاني: انه إذا علم بكونه دما وشك في كونه من الحيوان أو غيره، فهو محكوم بعدم النجاسة، اما لاصالة الطهارة، أو للاستصحاب الحكمي، أو للاستصحاب الموضوعي. اما الاول: فالكلام فيه كما تقدم في الفرع السابق واما الثاني: فهو تام بالبيان المتقدم. ولا يرد عليه: ان الشبهة إذا كانت مفهومية - كما إذا شك في ان دم البيضة هل يصدق عليها عنوان دم الحيوان - كان المقام من موارد التمسك بعموم دليل نجاسة الدم، إذ يدور امر المخصص له المخرج لدم غير الحيوان بين الاقل والاكثر فلا تصل النوبة الى الاستصحاب. ووجه عدم الورود: ان اختصاص النجاسة بدم الحيوان ليس من باب التخصيص، ليتمسك بالعام في موارد الشك، بل لقصور دليل النجاسة من اول الامر. واما الثالث: اي استصحاب عدم كون الدم من حيوان، فيرد عليه: ان الدم الذي لا يكون من حيوان لم تثبت طهارته بدليل اجتهادي ليتنقح موضوعه بالاستصحاب، وانما ثبتت طهارته بقاعدة الطهارة بعد قصور دليل النجاسة، فلابد من الرجوع إليها ابتداء، كما اشرنا الى نظير ذلك في الفرع السابق. الفرع الثالث: انه إذا علم بكونه دم حيوان معين وشك في ان هذا الحيوان ذو نفس سائلة فهو محكوم بالطهارة. وتفضيل ذلك: ان الشبهة تارة: مفهومية، واخرى: مصداقية. فعلى الاول: ان بنى على وجود اطلاق في دليل نجاسة الدم وان طهارة دم ما لا نفس له مستندة الى التخصيص المنفصل، تعين التمسك بالمطلق لاثبات النجاسة، ولا تصل النوبة الى الاصول. وان بنى على عدم وجود اطلاق وان طهارة ما لا نفس

[ 208 ]

له مستندة الى قصور المقتضى، فلا بأس باجراء اصالة الطهارة والاستصحاب الحكمي على ما تقدم، دون الاستصحاب الموضوعي لعدم جريان الاستصحاب في المفهوم المجمل. وعلى الثاني: يرجع الى القاعدة والى الاستصحاب الحكمي. وقد يتمسك بالاستصحاب الموضوعي، اي استصحاب عدم كون الحيوان ذا نفس سائلة بنحو العدم الازلي ولكنه مشكل، لان ما ليس له نفس سائلة ان كان موردا للدليل الاجتهادي على الطهارة فلا بأس بالاستصحاب الموضوعي لتنقيح موضوع هذه الطهارة أو نفي موضوع النجاسة، واما إذا كان نفي النجاسة عن دم ما ليس له نفس على اطلاقه ناشئا من قصور دليل النجاسة والرجوع الى الاصل، فلا يفيد الاستصحاب المذكور لنفي الموضوع الواقعي للنجاسة، بل لابد من الانتهاء مع ذلك الى القاعدة، ومعه يلغو اجراء الاستصحاب. الفرع الرابع: انه إذا علم بكونه دم حيوان مردد بين السمك الذي لا نفس له والدجاج الذي له نفس. والحال فيه: من حيث الرجوع الى القاعدة أو الاستصحاب الحكمي كما تقدم. واما من حيث الاستصحاب الموضوعي فلا يمكن اجراء استصحاب عدم كون الحيوان المنسوب إليه هذا الدم ذا نفس سائلة، لانه من استصحاب الفرد المردد، لان ذات ذاك الحيوان اما مقطوع الاتصاف بهذا الوصف أو مقطوع الاتصاف بعدمه. وقد يتمسك - كما عن السيد الاستاذ - باستصحاب عدم كون الدم دم حيوان ذى نفس سائلة. ولكن يرد عليه: ان الموضوع للحكم بالنجاسة هو دم الحيوان ذى النفس السائلة، فإذا اخذ هذا الموضوع للحكم بنحو التقييد امكن اجراء الاستصحاب المذكور، وإذا اخذ الموضوع بنحو التركيب - كما هو المستظهر في سائر الموارد - كان الموضوع مركبا من دم حيوان وكون الحيوان

[ 209 ]

[ فإذا رأى في ثوبه دما لا يدري انه منه أو من للبق أو للبرغوث يحكم بالطهارة (1). واما للدم المتخلف في للذبيحة إذا شك في انه من القسم للطاهر أو للنجس، فالظاهرز الحكم بنجاسته عملا بالاستصحاب، وان كان لا يخلو عن اشكال. ويحتمل للتفضيل: بين ما إذا كان للشك من جهة احتمال رد للنفس فيحكم بالطهارة لاصالة عدم للرد، بين ما إذا كان لاجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة عملا باصالة عدم خروج المقدار المتعارف (2). ] ذانفس سائلة، والأصل حينئذ لا بد من اجرائه في ذات الجزء الذي تتم فيه أركانه، لا في المجموع بما هو مجموع، لانه خلف التركيب، ومن الواضح أن الجزء الأول مقطوع الثبوت، والجزء الثاني لا يمكن استصحاب عدمه لأنه من استصحاب الفرد المردد كما تقدم. (1) التحقيق هو الفرق بين تردد الدم بين كونه دم انسان أو دم سمك، وتردده بين كونه دم انسان أو دم برغوث أو نحوه من الحيوانات التي ليس لها دم بالأصالة. ففي الأول: تجري الأصول المؤمنة كما سبق واما في الثاني: فيجري الاستصحاب الموضوعي المقتضى للنجاسة، لأن هذا الدم يعلم بأنه دم انسان ونحوه حدوثا - إذا علم بأنه على تقدير كونه من برغوث فقد انتقل إليه من انسان أو نحوه مما له نفس سائلة - ويشك في تبدل عنوانه، فيستصحب العنوان المتيقن، ويحكم بنجاسته: (2) مفروض المصنف - قدس سره - هو الكلام في الشبهة المصداقية للمتخلف والمسفوح، وقد قسم ذلك الى فرعين: أحدهما: فيما إذا شك في خروج المقدار المتعارف والكلام فيه:

[ 210 ]

تارة: يقع في الأصل الحكمي. وأخرى: في الأصل الموضوعي. أما الأصل الحكمي: فقد يتمسك باستصحاب النجاسة الثابتة حال الحياة. ولكنه مدفوع بعدم وجود دليل على نجاسة الدم في باطن الححيوان - حتى لو تم اطلاق في مثل موثقة عمار السابقة - لعدم شموله للدم الباطن. وقد يتمسك - بناء على ذلك - باستصحاب الطهارة ولكنه موقوف على قيام دليل اجتهادي على طهارة الباطن، كما لو تم مفهوم قوله تعالى: " دما مسفوحا ". واما إذا كانت طهارة الباطن بالأصل، فهو المرجع، ولا محصل حينئذ لتوسيط الاستصحاب: واما الأصل الموضوعي: فيمكن أن يقرب لاثبات النجاسة بأحد وجهين: الأول: التمسك باستصحاب عدم خروج المقدار المتعارف وتحقيق الحال في ذلك: انه تارة: نفرض أن الدليل دل على نجاسة كل دم وخرج بالتخصيص الدم المتخلف. ويترتب على ذلك أنه لو لم يخرج المقدار المتعارف كان الكل نجسا ذاتا. وأخرى: نفرض - كما هو الأقرب - أن الدليل لم يدل على نجاسة كل دم ثم ورد عليه تخصيص، بل دل ابتداء على نجاسة الدم المسفوح ولو بتعميم المسفوح لما سفح بالفعل وللمسفوح شأنا أي ما كان من شأنه الخروج ولم يخرج لمانع. ويترتب على ذلك: انه لو لم يخرج المقدار المتعارف لا يكون الكل نجسا ذاتا، بل بعضه نجس استصحاب عدم العنوان المحكوم عليه بالطهارة، سواء فرضناه عنوانا بسيطا - كما إذا فرض استثناء المتخلف مثلا فيستصحب عدم التخلف - أو فرضناه مركبا، كما إذا فرض استثناء دم ذبيحة خرج منه المقدار المتعارف بأن يكون الموضوع مركبا من دم ذبيحة وخروج المقدار المتعارف منها فيستصحب عدم الجزء الثاني فتثبت النجاسة.

[ 211 ]

واما إذا أخذنا بالفرضية الثانية وكانت النجاسة حكما لدم معين وعنوان وجودي كالمسفوح ولو شأنا، فاستصحاب عدم الخروج أو عدم التخلف لا يثبت هذا العنوان الا بنحو الأصل المثبت، فلا تثبت النجاسة: الثاني: التمسك بالاستصحاب بوجه آخر. توضيحه: اننا إذا فرضنا مثلا أن المقدار المتعارف خروجه هو أوقية قد أصبحت بالسفح ولو سفحا شأنيا، سواء كانت قد خرجت أولا. ويشار حينئذ الى الدم الموجود في الذبيحة فعلا ويقال: ان لم يكن هذا نجسا ذاتا فقد كان ملاقيا حتما لذاك الدم الذي صار نجسا، فان الملاقاة معلومة ولو بلحاظ حال الحياة، ونشك في انقطاع الملاقاة وعدمه، إذ لو خرج مجموع الأوقية فقد انقطعت الملاقاة والا فلا، فتستصحب وتثبت النجاسة. من قبيل ما لو لا قي الثوب مع الخشبة وعلمنا بأنها تنجست، وشك في بقاء الملاقاة الى حين نجاسة الخشبة فتستصحب الملاقاة الى حين النجاسة. لا يقال: العبرة بملاقاة النجس بعنوان كونه نجسا، وهذا لا يثبت الا بالملازمة. فانه يقال: انه لو ثم هذا الاشكال لبطل أيضا استصحاب نجاسة الملاقي - بالفتح - لاثبات نجاسة الملاقى. والجواب: يكون بالالتفات الى أن هذه الموضوعات ترجع الى التركيب، فموضوع النجاسة هو الملاقاة مع جسم، وان يكون ذلك الجسم نجسا. فلو علم بالجزء الأول وشك في الثاني جرى استصحابه، كما في استصحاب نجاسة الملاقي - بالفتح - وان علم بالثاني وشك في الاول جرى أيضا استصحابه، كما في المقام وفيما ذكرناه من مثال الخشبة. وعليه فهذا الاستصحاب فيما نحن فيه يحكم بالنجاسة. الا أن هذا الاستصحاب انما يجري فيما إذا شك في خروج المقدار المعلوم تعارف خروجه، لا فيما علم بالمقدار الخارج وشك في مقدار المتعارف

[ 212 ]

لاجل الشك في قدر الدم الذي يشتمل عليه الحيوان، فانه في مثل ذلك لا يمكن استصحاب الملاقاة مع الدم المتعارف ظهوره، لأنه من استصحاب الفرد المردد، لأننا نعلم بانقطاع الملاقاة مع واقع الدم المتعارف خروجه على تقدير أن يكون المقدار المعلوم خروجه هو المتعارف. على أن هذا الاستصحاب في المورد الذي يجري لا يثبت النجاسة لابتلائه بالمعارض، إذ لو لوحظ ما هو الموجود في الذبيحة من الدم فيشك في كونه دما مسفوحا. والنجاسة متعلقة بالمسفوح، فيستصحب عدم كونه دما مسفوحا. وبناء عليه يقال: إنه ليس دما نجسا على أساس كونه مسفوحا لنفي ذلك بالاستصحاب، وليس نجسا من باب الملاقاة للعلم بعدم ملاقاته لشئ آخر. وبعد تعارض الاستصحابين يرجع الى أصالة الطهارة الفرع الثاني: فيما إذا علم بخروج المقدار المتعارف وشك في الرجوع فالدم المحتمل كونه هو الراجع يحتمل فيه النجاسة الذاتية، والباقي الملاقي له تحتمل فيه النجاسة العرضية. وقد يتمسك فيه لنفي النجاسة باستصحاب عدم الرجوع أو عدم رد النفس، وهو لا يثبت عدم كون هذا الدم راجعا الا بالملازمة كما هو واضح. وقد يستبدل - نظرا لذلك - باستصحاب بقاء هذا الدم في الذبيحة. والتحقيق: ان النجاسة إذا قيل بانها لم تثبت في دليلها الا على عنوان الدم المسفوح ولو شأنا لم يكن هناك اثر لاستصحاب بقاء الدم، بل يجرى استصحاب عدم كونه مسفوحا. وإذا قيل: بان الدليل دل على نجاسة دم الذبيحة مطلقا وخرج منه بالتخصيص الدم المتخلف، فان كان الخارج خارجا بعنوان ثبوتي بسيط كعنوان المتخلف، جرى استصحاب عدم هذا العنوان لاثبات النجاسة، ولا يفيد استصحاب بقاء الدم في الذبيحة. وان كان الخارج من اطلاق دليل النجاسة الدم الباقي في الذبيحة، فهنا افتراضان:

[ 213 ]

[ (مسألة - 8): إذا خرج من الجرح أو الدمل شئ اصفر يشك في انه دم أم لا، محكوم بالطهارة. وكذا إذا شك من جهة للظلمة انه دم ام قيح، ولا يجب عليه الاستعلام (1). ] احدهما: ان يكون موضوع الحكم بالطهارة الدم الباقي مع خروج المقدار المتعارف. والآخر: ان يكون الموضوع الدم الباقي بعد خروج غيره بالمقدار المتعارف، فعلى الاول يفيد استصحاب بقاء هذا الدم لاثبات الطهارة لان الموضوع للطهارة يكون مركبا من جزئين: احدهما يحرز بهذا الاستصحاب والآخر محرز بالوجدان وهو خروج المقدار المتعارف. وعلى الثاني لا يفيد الاستصحاب المذكور، لان الجزء الآخر في الموضوع - وهو خروج غيره بالمقدار المتعارف - غير محرز وجدانا، ولا يمكن اثباته بالاستصحاب، كما هو واضح. (1) إذا شك في النجاسة بنى على الاصول المؤمنة الحكمية والموضوعية ولم يجب الفحص، إما لعدم وجوب الفحص ولو بمعنى يقابل غمض العين في مطلق الشبهات الموضوعية، واما لعدم وجوب ذلك في خصوص الشبهات الموضوعية للنجاسة، بقرينة لسان مثل قوله: " ما ابالى أبول اصابني أو ماء إذا لم أعلم " (1) ونحوه من الالسنة: وانما الجدير بالبحث هنا احتمال الحكم بنجاسة الشئ الاصفر الخارج ولو لم يكن دما لاشتماله على صفرة الدم. وما يقرب به الحكم بالنجاسة احد أمور: إما كونه ملاقيا للدم في الباطن. وإما اشتماله على الدم فعلا بقرينة الصفرة ولا يضر استهلاكه بتنجيسه، كالدم الذي ينجس القدر مع انه يستهلك فيه. وإما كون المائع متغيرا بلون النجس ولو فرض عدم هامش (1) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات

[ 214 ]

[ (مسألة - 9): إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في انها دم أو ماء اصفر يحكم عليها بالطهارة. وكذا إذا شك من جهة للظلمة انه دم ام قيح، ولا يجب عليه الاستعلام (1). (مسألة - 10): الماء الاصفر للذي ينجمد على الجرح عند للبرء طاهر، الا إذا علم كونه دما أو مخلوطا به فانه ] ملاقاته للنجس في زمان، بناء على ان التغير بالنجس ولو بلا ملاقاة يوجب انفعال المعتصم فضلا عن غيره. والكل غير صحيح: اما الاول: فلان الدم في الباطن ليس بنجس مضافا الى ان الملاقاة في الباطن كذلك لا توجب السراية. واما الثاني: فلان الانفعال انما يتصور مع الاستهلاك فيما إذا حصلت الملاقاة مع النجس آناما ثم استهلك النجس فيما لاقاه، وفي المقام الدم حينما لا قى في الباطن لم يكن نجسا ولا منجسا، وبعد الخروج كان مستهلكا. ودعوى: عدم الاستهلاك لان الالتفات الى التغير حافظ للالتفات عرفا الى وجود الدم، إذ لا يتغير الماء بنفسه، فالدم موجود عرفا فينجس الماء. مدفوعة: بان التغير لا ينافي الاستهلاك، فكأن التغير تحول من الذات الى الصفة عرفا. واما الثالث ففيه: ان من يقول بان التغير بوصف النجس منجس ولو بدون ملاقاة، انما يقول به فيما إذا كان هناك نجس موجود سبب التغير ولو بالمجاورة في اوصاف الماء المعتصم، وفي الباطن، وحينما خرج كان مستهلكا ولا وجود له عرفا. فالظاهر هو الحكم بطهارة المائع المذكور. (1) ظهر الحال في ذلك مما سبق فلاحظ.

[ 215 ]

[ نجس، الا إذا استحال جلدا (1). (مسألة - 11): الدم المراق في الامراق حال غليانها نجس منجس وان كان قليلا مستهلكا وللقول بطهارته بالنار - لرواية ضعيفة - ضعيف (2). ] (1) على ما يأتي في بحث مطهرية الاستحالة ان شاء الله تعالى. (2) لا اشكال في ان مقتضى القاعدة هو النجاسة، لان الاستهلاك في طول الملاقاة زمانا، فلا يمنع عن منجسية الملاقاة واما بلحاظ الروايات فتوجد هنا روايات ثلاث قد يستدل بها على طهارة المرق الملقي فيه الدم بالطبخ: الاولى: رواية زكريا بن آدم قال " سألت أبا الحسن (ع) عن قطرة خمرا ونبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير " قال: يهراق المرق أو يطعمه اهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله قلت: فانه قطر فيه الدم. قال: الدم تأكله النار " (1). وهذه الرواية ضعيفة سندا بابن المبارك. واما من حيث الدلالة فقد يقال: باجمال الرواية، لاحتمال ان يكون النظر فيها الى محذور الحرمة الثابتة في الدم الطاهر، لا الى نجاسة الدم، فلا تدل على مطهرية النار وقد يدفع هذا الاجمال: بان ارتكازية زوال محذور الحرمة بالاستهلاك - لأنه يوجب انعدام موضوعها - تقتضي صرف ظهور الرواية الى ما لا يكون مفروغا ارتكازا وهو ارتفاع محذور النجاسة بالنار: مضافا الى ان تقييد الدم بالطاهر خاصة بلا موجب. ولكن في مقابل ذلك ارتكاز ان محذور النجاسة لا يزول عن الملاقى بانعدام النجس بعد الملاقاة، وهو يوجب كون التعليل ناظرا الى محذور الحرمة وارتفاعها، لا الى مطهرية النار للمرق


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات ح 8.

[ 216 ]

لان كون النار تأكل الدم لا يناسب علة لنفي محذور النجاسة لو كان فتحكمل الرواية على الدم الطاهر. الثانية: رواية سعيد الاعرج قال: " سألت ابا عبد الله (ع): عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر اوقية من دم أبؤكل؟. قال: نعم، فالنار تأكل الدم " (1). وهذه الرواية من حيث السند تامة، إذ لا تأمل الا في سعيد الاعرج وهو ثقة. إما لا ستظهار كونه عين سعيد بن عبد الرحمن الاعرج المصرح بوثاقته من النجاشي، كما هو الاقرب. أو لان بعض الثلاثة - كصفوان - يروى عنه على اي حال سواء ثبت تعدده اولا. واما من حيث الدلالة: فتأتي هنا نفس القرينة التي جعللناها في الرواية السابقة شاهدة على بن جعفر في كتابه - على ما في الوسائل - عن اخيه قال: " سألته: عن قدر فيها الف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها اوقية دم هل يصلح اكله؟ فقال: إذا طبخ فكل، فلا بأس " (2) وهذه الرواية تامة سندا، لصحة سند صاحب الوسائل الى الشيخ الطوسي وصحة سند الشيخ الى كتاب علي بن جعفر. واما دلالتها فقد يستشكل فيها بوجوه: الأول: ما حاوله السيد الاستاذ - دام ظله - في المقام، من ايراد نفس ما ورد على الروايتين السابقين من القرينة الصارفة عن النجاسة. وفيه: أنه فرق بين هذه الرواية والروايتين السابقتين فانه فيهما قد عبر بأكل النار للدم، وهذا لا يناسب كونه تعليلا لزوال النجاسة الحاصلة بالملاقاة


(1) وسائل الشيعة باب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة

[ 217 ]

لأن انعدام المنجس بعد التنجيس ليس مطهرا في الارتكاز العرفي. واما في هذه الرواية فقد ورد: " إذا طبخ فكل فلا بأس "، وهذا يدل على مطهرية الطبخ وايجابه ارتفاع النجاسة الحاصلة بالملاقاة، وليس ذلك على خلاف الارتكاز، إذ لم تعلل مطهرية الطبخ بكونه موجبا لانعدام الدم المنجس. الثاني: ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - أيضا من أن هذ الحديث يشمل الدم النجس بالاطلاق، وهو معارض بالعموم من وجه مع اطلاق دليل نجاسة الملاقي للدم الشامل لما بعد الطبخ بالنار، ففي صحيحة علي ابن جعفر عن أخية قال: " وسألته: عن رجل رعف وهو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟. قال: لا "، فيتعارضان في في مورد الدم النجس المطبوخ. وبعد التساقط يرجع الى استصحاب النجاسة عند من يقول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. ونلاحظ: ان اطلاق الحكم بأنه لا يصح الوضوء من الماء المذكور لا يمكن أن يشمل فرض الطبخ، لأن مجرد وضع الماء على النار لا يسمى طبخا، وانما يكون ذلك باضافة اللحم ونحوه بنحو يكون مرقا، ومعه يخرج عن الاطلاق ولا يكون صالحا في نفسه للوضوء منه فليس في الاطلاق المذكور نظر لما بعد الطبخ المساوق للاضافة. هذا مضافا: الى منع نظر أدلة الانفعال عموما الى المدني، باعتبار مدينة الشائل والمسؤول منه، ولا أقل من الاجمال، ومن المعلوم أنه إذا حمل الرطل على المدني أو المكي دون العراقي كان ماء القدر كرا ومعتصما فلعل الحكم بالطهارة باعتبار ملاقاة الدم له اضافته، أو باعتبار اعتصام

[ 218 ]

المضاف بالكرية أيضا. وفيه: - مضافا الى بعد فرض الملاقاة قبل الاضافة وبطلان فرض اعتصام المضاف بالكرية - ان ظاهر الجواب: اناطة نفي البأس بالطبخ وهو لا يناسب الا مع حمله على مطهرية الطبخ، والا فان اندفاع محذور النجاسة يكون بالاعتصام واندفاع محذور الحرمة بالاستهلاك، نظرا الى كثرة الماء ولا دخل للطبخ في ذلك. وعلى هذا فلولا عدم وجود قول معتد به بمطهرية الطبخ أو النار في مورد هذه الروايات لأمكن المصير الى ذلك بلحاظها وهنا روايتان وردنا في مطهرية النار في مورد الانفعال بالميتة، وقد يتعدى من موردهما إذا تمت دعوى عدم الفرق قطعا أو ارتكازا. احداهما: رواية أحمد بن محمد عبد الله بن زبير عن جده قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الواب فتموت، فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز؟ قال: إذا أصابته النار فلا بأس بأكله " (1) وهذه الرواية تفترض إنفعال ماء البئر، وبعد ثبوت إعتصامه لا بد من حمل البأس فيها على التنزه لا على النجاسة، فلا تكون دالة على مطهرية النار، بل على ارتفاع الحزازة التنزيهية بها، هذا مضافا الى ضعف سندها وعدم ثبوت وثاقة أحمد بن محمد المذكور. والأخرى: رواية محمد بن أبي عمير عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام " في عجين عجن وخبز، ثم علم ان الماء كانت فيه ميتة، قال: لا بأس أكلت النار ما فيه " (2). وهي - مضافا الى سقوطها سندا بالارسال - يمكن المناقشة في دلالتها:


(1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الماء المطلق ح 17 (2) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الماء المطلق ح 18

[ 219 ]

[ (مسألة - 12): إذا غرز ابرة أو ادخل سكينا في بدنه أو بدن حيوان، فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر وان علم ملاقاته لكنه خرج نظيفا فالا حوط الاجتناب عنه (1). (مسألة - 13): إذا استهلك الدم الخارج من بين الاسنان في ماء للفم فالطاهر طهارته، بل جواز بلعه. نعم لو دخل من الخارج دم في للفم فاستهلك، فالاحوط الاجتناب عنه. والاولى غسل للفم بالمضمة أو نحوها (2). بأن ظاهر الأكل كون المأكول شيئا عينيا، فلا معنى لحمله على أكل النجاسة الحكمية، ومع الحمل على عينية المأكول يكون مفاد الرواية مساوقا للتعليل الوارد في بعض الروايات المتقدمة، فلا يناسب كونه تعليلا لارتفاع النجاسة بل لارتفاع الحرمة فيختص بالميتة الطاهر في نفسها. (1) ان لم يعلم الملاقاة للدم في الباطن فهو طاهر بلا إشكال، ولو لاستصحاب عدم ملاقاته للدم. ولا تضر ملاقاته لما هو ملاق للدم لأن الملاقي الداخلي للدم لا يتنجس به كما هو واضح. وأما مع الجزم بالملاقاة للدم، فان خرج الشئ ملوثا فلا اشكال في النجاسة، وإلا فهو من ملاقاة الشئ الخارجي للدم الداخلي في الداخل، وكونها منجسة محل الكلام، وإن كان الأقرب العدم، لعدم الدليل على نجاسة الدم في الداخل، وعدم اطلاق في دليل السراية لمثل هذه الملاقاة لو فرضت نجاسته في نفسه. (2) ليس وجه الفرق في النظرة - قدس سره - طهارة الدم الأول وإلا لما قيد الفرع الأول بالاستهلاك فكأنه يعترف بنجاسة الدم الخارج من الاسنان، إما لا طلاق في دليل نجاسة الدم، أو للدخول في القدر المتيقن وهو المسفوح باعتبار انقطاعه عن أصله. بيد أن هذا الدم لا ينجس ماء

[ 220 ]

[ (مسألة - 14): الدم المنجمد تحت الاظفار أو تحت الجلد من البدن ان لم يستحل وصدق عليه الدم نجس. فلو انمزق الجلد ووصل الماء إليه تنجس. ويشكل معه الوضوء أو الغسل، فيجب اخراجه ان لم يكن حرج، ومعه يجب ان يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة، فيتوضأ أو يغتسل (1). هذا إذا علم انه دم منجمد، وان احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرض - كما قد يكون ذلك غالبا - فهو طاهر. السادس والسابع الكلب (2). ] الريق، لأن الباطني لا ينجس الباطني، فإذا استهلك فيه لم يبق محذور في بلغ ماء الريق. وأما الدم الخارجي المستهلك في ماء الريق، فحيث أن ملاقاته لماء الريق منت ملاقاة الخارجي الباطني فقد يكون منجسا له، ومعه لا يفيد استهلاكه في ارتفاع المحذور، ولهذا احتاط الماتن في هذا الفرض والصحيح عدم شمول دليل الانفعال لذلك. (1) بل قد يقال: بتعين اليتمم عليه، لأن دليل الجبيرة لا يشمل جميع موارد تعذر غسل العضو ولو لم يكن جرح أو قرح، على ما يأتي تفصيله وتحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. (2) لا اشكال في نجاسته، وقد استفض نقل الاجماع على ذلك: وكذلك الروايات، بلسان أنه رجس نجس، أو بلسان اراقة الماء الملاقى له أو بلسان الحكم بتطهير الملاقى له، ونحو ذلك فتلاحظ روايات الفضل أبي العباس ومحمد بن مسلم ومعاوية بن شريح وغيرها (1). وإنما الكلام فيما يتوهم كونه معارضا مع دليل النجاسة وهو أربع روايات:


(1) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات

[ 221 ]

الأولى: رواية سعيد الأعرج قال: " سألت أبا عبد الله عن الفأرة والكلب يقع في السمن والزيت ثم يخرج منه حيا. قال: لا بأس بأكله " (1) وهي تامة سندا لوثاقة سعيد الأعرج كما تقدم. وتقريب الاستدلال بها: أن الترخيص في أكل السمن والزيت الملاقي للكلب - مع ضم ارتكاز سراية النجاسة عرفا بملاقاة النجس وارتكاز حرمة أكل النجس متشرعيا - يدل على عدم نجاسة الكلب، فيعارض دليل النجاسة. نعم لو لا الارتكازين المذكورين لأمكن دعوى: ان الرواية كما تلائم عدم نجاسة الكلب تلائم أيضا عدم انفعال ملاقي النجس أو جواز أكل النجس فيتعارض مجموع أدلة نجاسة الكلب وانفعال الملاقي وحرمة أكل النجس بل قد يقال حينئذ بأن المتيقن من رواية الأعرج جواز أكل السمن الملاقي للكلب إما تخصيصا وإما تخصيصا، ومعه يسقط اطلاق دليل عدم جواز أكل النجس للعلم بتخصيصه أو تخصصه، ويتمسك عندئذ بدليل نجاسة الكلب بلا معارض. غير أن كل ذلك لا مجال له بعد ملاحظة ظهور الرواية في طهارة الكلب ابتداء بضم الارتكازين المذكورين. ويرد على الاستدلال بالرواية أمور: الأول: أنها انما تدل على طهارة الكلب بضم الارتكازين المذكورين باطلاقها لصورة عدم انجماد الدهن والسمن، فيقيد بصورة الانجماد وعدم الرطوبة، بلحاظ دليل نجاسة الكلب وتكون الرواية حينئذ في مقام دفع احتمال أن الدهن الجامد يتنجس بالكلب ولو مع عدم الرطوبة. غير أن هذا التقييد بعيد عرفا. اما أولا فلان ارتكاز عدم السراية بلا رطوبة وعدم انفعال الدهن الجامد يمنع عن صرف سؤال السائل الى ذلك. فان قيل: إن ارتكاز نجاسة الكلب وسراية النجاسة مع الملاقاة بالرطوبة، يمنع أيضا عن الحمل على


(1) وسائل الشيعة كتاب الأطعمة والاشربة الباب 45 من أبواب الأطعمة المحرمة

[ 222 ]

فرض الرطوبة. ومع تصادم الارتكازين يبقى الاطلاق على حاله. يقال: ان ذهاب فقهاء معاصرين للراوى الى طهارة الكلب يبرر توجه أسئلة عن ذلك الى الامام عليه السلام. وقد جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: ان جملة من المذاهب قالت بطهارة الكلب الحى. واما ثانيا: فلأن التعبير بالوقوع في السمن والخروج منه حيا يقتضي انغماسه فيه، والا كان من الوقوع عليه لا فيه، والانغماس يناسب الذوبان، لأن الدهن الجامد لا ينغمس فيه الكلب عادة إذا وقع عليه، ولا يعرضه للموت حتى ينبه على خروجه حيا. الثاني: أنه لو فرض اباء الرواية عن التقييد وصراحتها في الطهارة - ولم تكن هناك رواية أخرى دالة على الطهارة الا بنفس المستوى - سقطت بالمعارضة مع ما هو صريح في النجاسة عرفا كرواية الفضل: انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الكلب. فقال: رجس نجس، لا يتوضأ بفضله، وأصبب ذلك الماء وإغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (1). ونرجع بعد ذلك الى ما هو ظاهر في النجاسة، وهو ما يشتمل من الروايات على الأمر بالغسل (2)، بناء على ما بنينا عليه في الأصول من تعميم فكرة الرجوع الى العام الفوقاني عند معارضة الخاصين، الى كل ظاهر مع صريحين. وان شئت فامزج هذين الايرادين في صيغة واحدة وهي: ان الرواية ان كانت دلالتها بالظهور والاطلاق كان دليل النجاسة مقيدا، وان كانت صريحة سقطت بالمعارضة مع الصريح في النجاسة، ورجعنا الى الظاهر في النجاسة.


(1). سائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات (2) كرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال " سألته عن الكلب وشرب من الاناء. قال اغسل الاناء " وسائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات.

[ 223 ]

الثالث: ان خبر الطهارة معارض بالسنة القطعية، لا ستفاضة نصوص النجاسة وقطعية صدور بعضها اجمالا. وخبر الواحد المعارض للدليل القطعي كتابا أو سنة ساقط عن الحجية. وهذا الايراد انما يتم إذا بنى على أن خبر الطهارة ظاهر في ذلك، أو على أنه صريح مع افتراض الصراحة في كل أخبار النجاسة. وأما إذا افترضت الصراحة في خبر الطهارة وعدمها في أخبار النجاسة أو في بعضها، فلا يتعين كونه مخالفا للسنة القطعية، لا مكان قرينيته حينئذ. ولكنه مع هذا يسقط عن الحجية للوثوق النوعي بل الشخصي بخلل فيه، بسبب الوضوح الارتكازي للنجاسة والتطابق الفتوائي على ذلك، وتظافر ظواهر الروايات عليها، فان كل ذلك يوجب امارة ان لم تفد الاطمئنان الشخصي بالنجاسة، فهي على الاقل امارة اطمئنانية نوعية توجب خروج الخبر عن أدلة الحجية. الثانية: رواية علي بن جعفر: " سألته عن الفأرة الكلب إذا أكلا من الجين وشبهه، أيحل أكله؟ قال: يطرح منه ما أكل ويحل الباقي قال: وسألته عن فارة أو كلب شربا من ذيت أو سمن. قال: ان كان جرة أو نحوها فلا تأكله، ولكن بنتفع به كسراج أو نحوه، وان كان أكثر من ذلك فلا بأس بأكله، إلا أن يكون صاحبه موسرا يحتمل أن يهريق فلا ينتفع به في شئ " (1). والرواية في طريق قرب الأسناد ضعيفة بعبد الله بن الحسن، ولكنها صحيحة بلحاظ نقل صاحب الوسائل - قدس سره - لها عن كتاب علي بن جعفر. وتقريب الاذستدلال بها: ان الامام (ع) فصل بين الفقير والغني وهو يناسب الطهارة، لأن النجاسة لا تندفع بمجرد الفقر. وكلمة الشرب قرينة على عدم الانجماد ووجود الرطوبة. وعدم الأنفعال مع الملاقات بالرطوبة


(1) وسائل الشيعة باب 45 من أبواب الأطعمة المحرمة

[ 224 ]

يدل على طهارة الكلب. ويمكن دفع ذلك على ضوء جملة مما تقدم في مناقشة الرواية السابقة. الثالثة: رواية ابن مسكان عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: نعم الا أن تجد غيره فتتنزه عنه " (1) وتقريب الاستدلال بها واضح ولكنه يندفع بسقوطها سندا ودلالة. اما سندا فلأن من يروي عن ابن مسكان هو ابن سنان المنطبق على محمد بن سنان جزما أو احتمالا وأما دلالة: فلا مكان تقييها بالماء الكثير. والمقيد ما دل على انفعال الماء بملاقاة الكلب. وقد يجاب على الاستدلال بالرواية: بأنه لو سلم ورودها في القليل كانت من أدلة اعتصام الماء القليل لا من أدلة طهارة الكلب (2). ويرد عليه: أنها على فرض ورودها في القليل تكون دالة على الجامع بين طهارة الكلب وعصمة الماء القليل " فتعارض مع مجموع دليلي نجاسة الكلب وانفعال الماء القليل. الرابعة: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع): قال: " سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال: ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس " (3). إذ يقال: ان هذا يدل على طهارة الكلب، لأنه لو كان نجسا لما كان النضح كافيا للتطهير غير أنه لو سلم ذلك فانه يدل حينئذ على طهارة الميتة أيضا، فيكون معارضا مع مجموع أدلة نجاسة الكلب والميتة، وهذا يوجب سقوطه، لو لم يمكن تقييده بصورة الجفاف بدعوى: أنه مطلق من هذه الناحية فيقيد، والمقيد ما دل على الانفعال بالملاقاة للكلب مع الرطوبة، ويشهد لذلك ما دل من الروايات على التفصيل بين * (1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الاسئار (2) التنقيح ج 2 ص 33 (3) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات

[ 225 ]

فرض الجفاف والرطوبة، والأمر بالنضح في الأول والأمر بالغسل في الثاني. ويستخلص من ذلك كله: ان دليل النجاسة تام. ومقتضى اطلاقه عدم الفرق بين كلب الصيد وغيره، وان نسب الى الصدوق - قدس سره - القول بطهارة كلب الصيد. ولا ارى له تقريبا الا دعوى: التمسك باطلاق قوله تعالى: " فكلوا مما امسكن عليكم "، فانه يدل على جواز الاكل بدون غسل، وهذا يعنى طهارة الفريسة، ويدل بالالتزام العرفي على طهارة المفترس، لان سراية النجاسة بالملاقاة ارتكازية. وحينئذ يكون هذا الاطلاق معارضا مع اطلاق دليل نجاسة الكلب لكلب الصيد " والتعارض بالعموم من وجه. فاما ان يتساقطا ويرجع الى الاصل، أو يقدم اطلاق الآية باعتباره كتابيا قطعيا، إذا لم يكن دليل اطلاق النجاسة قطعيا من حيث السند. وتندفع الدعوى المذكورة: بوضوح ان الآية الكريمة ليست في مقام البيان من ناحية النجاسة، وانما هي في مقام بيان نفي محذور كونه ميتة لا الحلية الفعلية للاكل مطلقا هذا مضافا الى ورود بعض الروايات في الكلب السلوقي خاصة الذي تكون كلاب الصيد منه عادة. ففي صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألت ابا عبد الله (ع) عن الكلب السلوقي فقال: إذا مسسته فاغسل يدك " (1). فتكون الرواية مقيدة لاطلاق الآية لو كان وذلك لان الآية وان وردت فيما هو معد للصيد بالفعل والكلب السلوقي قبل تعليمه وبعده، بمعنى انه لا يحتمل مطهرية التعليم، فان كان مقصود القائل بطهارة كلب الصيد طهارة النوع الذي تتخذ منه كلاب الصيد عادة واثبات ذلك بالآية، فهذه الرواية حجة على خلافه، وتكون مقيدة لا طلاق الآية. وان


(1) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب النجاسات

[ 226 ]

[ والخنزير (1) البريان. ] كان مقصوده طهارة خصوص ما هو معلم بالفعل ولم تكن الآية تدل عنده على اكثر من ذلك خلاف الارتكاز الذى اشرنا إليه. فيرد عليه: ان الرواية تكون حينئذ بحكم الاخص لانصراف كلب الصيد من عنوان الكلب السلوقي على نحو لا يمكن عرفا تقييده بغيره. (1) كما هو المعروف بين فقهائنا على نحو لم يعرف فيه أدنى خلاف ولعل هذا الاتفاق الفتوئي والارتكازي كاف في حصول الاطمئنان بنجاسة الخنزير، مع وفاء الروايات باثبات ذلك، وهي كثيرة: منها: رواية زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: " قلت له: ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير. قال: إذا فرغ فليغسل يده " (1). وهذه الرواية تامة دلالة، لدلالة الامر بالغسل على ذلك. وسندا لان جهة الاشكال فيه تنشأ من دخول سيف التمار في السند حيث لم يوثق وتندفع برواية صفوان عنه. ومنها: رواية يرد الاسكاف قال: " سألت ابا عبد الله (ع): عن شعر الخنزير يعمل به. قفال: خذ منه فاغسله بالماء حتى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه ثم اجعله في فخار جديدة ليلة باردة " فان جمد فلا تعمل به، وان لم يجمد فليس عليه دسم فاعمل به، واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة. قلت: ووضوء؟ قال: لا، اغسل يدك كما تمس الكلب " (2). وهذه الرواية تامة سندا بعد اثبات وثاقة برد الاسكاف برواية صفوان عنه في نفس سندها، وتامة دلالة وحاصل مفادها: التفصيل بين فرض دهنية الشعر وعدمها، والنهي عن استعماله في الفرض الاول ارشادا


(1) وسائل الشيعة باب 87 من أبواب ما يكتسب به. (2) وسائل الشيعة باب 87 من أبواب ما يكتسب به.

[ 227 ]

الى صعوبة التخلص منه، والامر بالغسل عند مسه في الفرض الثاني، وهو ارشاد الى النجاسة. وما في الرواية من بيان عتملية مخصوصة انما هو لامتحان شعر الخنزير لتعرف دسومته. ومنها: رواية برد قال: " قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك انا نعمل بشعر الخنزير فربما نسى الرجل فصلى وفي يده شئ منه. قال: لا ينبغي له ان يصلى وفي يده شئ منه. وقال: خذوه فاغسلوه، فما كان له دسم فلا تعملوا به " وما لم يكن له دسم فاعملوا به فاغسلوا ايديكم منه " (1) وليس ما يدل على النجاسة في هذه الرواية - قوله: ينبغي له ان يصلى وفي يده شئ منه، إذ لو لوحظ هذا بمفرده لامكن ان يكون بلحاظ انه مما لا يؤكل لحمه، بل امره بالغسل الذي يناسب النجاسة لا المانعية، لان المانعية يكفى فيها مجرد الازالة. وسند الرواية لا يخلو من اشكال من ناحية برد المردد بين برد الخياط وبرد الاسكاف فان لم يثبت انه الاسكاف سقطت الرواية عن الحجية لعدم ثبوت وثاقة الخياط، وان ادعى الانصراف الى الاسكاف - باعتبار ترجمته في فهرستي الشيخ والنجاشي معا، ووجود كتاب له واصل اليهما بطرقهما بخلاف الخياط الذي لم يقع له ذكر الاتسميته في رجال الشيخ - تم سند الرواية لوثاقة الاسكاف كما تقدم. ويؤيد ذلك، الرواية الآتية الدالة على ان برد الاسكاف كان هذا عمله. ومنها: رواية برد الاسكاف قال: " قلت لابي عبد الله (ع) اني رجل خراز لا يستقيم عملنا الابشعر الخنزير نخرز به. قال خذ منه وبره فاجعلها في فخارة اوقد ثم تحتها حتى يذهب دسمه ثم به " (2).


(1) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب ما يكتسب به (2) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب ما يكتسب به

[ 228 ]

وهذه االرواية وان كانت تامة سندا، الا انها لا تدل على المقصود وانما تدل على مركوزية محذور في ذهن السائل، وتقرير الامام له على ذلك ولعل ذلك المحذور هو محذور الصلاة فيما لا يؤكل. ومنها: رواية سليمان السكاف قال: " سألت ابا عبد الله (ع): عن شعر الخنزير يخرز به. قال: لا باس به، ولكن يغسل يده إذا اراد ان يصلى (1) ". وهذه الرواية تدل على المقصود بالامر بالغسل. لكن في سندها سليمان الاسكاف وهو لم يوثق ولم يرو عنه احد الثلاثة. نعم روى عنه ابن ابي عمير بالواسطة وهذا لا يكفي. ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: " سألته: عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟. قال: ان كان دخل في صلاته فيلمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه، الا ان يكون فيه اثر فيغسله. قال: وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات " (2) وهي الرواية الوحيدة التي لا غبار على سندها. قوله فيها " الا ان يكون فيه اثر فيغسله " ظاهر في الحكم بالنجاسة، سواء قبل بشمول الاثر للرطوبة كما هو الظاهر، أو خصص بالاثر العيني كالشعر، فان كون المحذور لا يندفع الا بالغسل، يساوق النجاسة. وهذه الدلالة تامة حتى إذا رجع الاستثناء الى الشق الثاني فقط، وهو ما إذا لم يكن قد دخل في صلاته، الشلاة لا تصحح قطعها. كما ان قوله " يغسل سبع مرات " في ذيل الصحيحة واضح جدا في النجاسة.


(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب النجاسات (2) نفس المصدر.

[ 229 ]

ومنها: رواية خيران الخادم قال: " كتبت الى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير، أيصلى فيه أم لا؟ فان اصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فان الله انما حرم شربها. وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب (ع): لا تصل فيه فانه رجس " الحديث (1). والمتبادر من الرجس هنا النجاسة، لان السؤال ينصرف الى السؤال عن النجاسة الارتكاز مانعية ملاقاة النجاسة عن الصلوة، وعدم ارتكاز مانعية ملاقاة شئ اخر عنها. فان عملنا بهذا الظهور في الخمر - كما هو الصحيح - فنعمل به هنا، وان لم نعمل به في الخمر جمعا بينه وبين روايات طهارة الخمر اشكل التمسك به هنا، لان الرجس مفهوم واحد. وإذا حمل على الجامع بين النجاسة اللزومية وغيرها لم تبق دلالة على المقصود. واما السند: فضعيف ولا أقل بسهل بن زياد. هذه اهم الروايات الدالة على النجاسة وهناك ايضا روايات اخرى كرواية المعلى بن خنيس (2)، ورواية علي بن رئاب (3)، ورواية علي ابن محمد (جعفر) (4)، ورواية دعائم الاسلام (5) غير انها لا يخلو من مناقشة سندا ودلالة. وفيما ذكرناه كفاية. وقد يعارض ذلك بروايات يتوهم منها الطهارة: منها رواية اسماعيل بن جابر قال: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في طعام اهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله. ثم سكت هنية، ثم قال: لا تأكله. ثم سكت هنيئه ثم قال: لا تأكله، ولا تتركه تقول


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات (2) وسائل الشيعة باب 32 من أبواب النجاسات (3) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب النجاسات (4) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات (5) المستدرك باب 9 من أبواب النجاسات والأواني.

[ 230 ]

انه حرام، ولكن تتركه تتنزه عنه، ان في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " (1) وهذه الرواية من ادلة طهارة اهل الكتاب. وقد يستدل بها في المقام على طهارة لحم الخنزير، بدعوى: انه لو كان نجسا لكان الاجتناب عن الآنية الملاقية له الزاميا ل تنزيهيا. وتندفع بان التنزه انما هو بلحاظ معرضية الاناء لذلك، لا مع فرض الفراغ عن الملاقاة خارجا. ومنها: الأخبار الآتية في طهارة شعر الخنزير ونحوه مما لا تحله الحياة بدعوى: التعدي منه الى سائر أجزائه. ولكن التعدي بلا موجب على تقدير تسليمها في موردها، لان احتمال التفصيص عرفي. ومنها: مرسلة الفقيه: " سئل أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام فقيل لهما: إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير (أي شحمه) عند حاكتها، أنصلي فيها قبل أن نغسلها؟ فقالا: نعم لا بأس إنما حرم الله أكله وشربه، ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه " (2). وهذه الرواية وان كانت في الفقيه مرسلة ولكنها ذكرت في علل الشرائع للصدوق مسندة عن أبيه عن سعد، وينتهي الأسناد الى بكير عن أبي جعفر، والى أبي الصباح وأبي سعيد والحسن النبال عن أبي عبد الله. ولا يضر بالسند عدم ثبوت وثاقة جملة من هؤلاء بعد فرض ثبوت وثاقة بعضهم مضافا الى أن أربعة من هذا القبيل ممن لم يثبت عدم وثاقة واحد منهم قد يوجب الوثوق. واما من حيث الدلالة فلا اشكال في دلالتها على الطهارة بل صراحتها في ذلك. ولكنها ساقطة عن الحجية: أولا: لأنها معارضة بمجموع ما دل على نجاسة الخنزير، وما دل على عدم جواز الصلاة فيما يؤكل لحمه


(1) وسائل الشيعة باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة (2) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات

[ 231 ]

[ دون البحري منهما (1). ] وما دل على نجاسة الميتة لأن الميت من الخنزير ميتة على أي حال لعدم قابلية للتذكية، وما دل على نجاسة الخمر. وهذا المجموع قطعي اجمالا، ومعارض القطعي ساقط وثانيا: لان نفس روايات نجاسة الخنزير في نفسها قطعية ولو بلحاظ الشهرة والاجماع والارتكاز، المقتضى للكشف عن صدور روايات بمضمونه من الأئمة عليهم السلام. وبتعبير أصح: ان نجاسة الخنزير ثابتة بالاطمئنان الشخصي على ضوء مجموع تلك القرائن فلا اعتبار بالمعارض وثالثا: ان هذه الرواية صريحة في الطهارة فلتعارض ما هو صريح عرفا في النجاسة، ويرجع بعد ذلك الى ما هو ظاهر في النجاسة. (1) الظاهر عدم جواز التمسك بأدلة نجاسة الكلب والخنزير لاثبات نجاستهما: اما للجزم بأن اطلاق اللفظ عليهما مجازي للمشابهة، بمعنى كونه بالنسبة الى حيوانات البحر كالكلب والخنزير بانسبة الى حيوانات الأرض. واما لاحتمال ذلك على نحو يمنع عن الاطلاق، ولو سلم كونه حقيقة فلا يسلم الاشتراك المعنوي، ومع الاشتراك اللفظي لا يمكن التمسك بالاطلاق كما هو واضح. وقد ذكر المحقق الهمداني - قدس سره - رواية يستدل بها على طهارة الكلب البحري ويستأنس بها لطهارة الخنزير البحري وهي: صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سأل رجل أبا عبد الله (ع) وأنا عنده: عن جلود الخز فقال: ليس به بأس. فقال الرجل: جعلت فداك انها علاجي (في بلادي) وانما هي كلاب تخرج من الماء. فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا خرجت من الماء تعيش خارج الماء؟ فقال الرجل:، لا فقال: ليس به بأس " (1).


(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب لباس المصل

[ 232 ]

[ وكذا رطوباتهما وأجزائهما، وان كانت مما لا تحله الحياة كالشعر والعظم ونحوهما (1). ] وهذه الرواية واضحة في طهارة الكلب البحري، فانه لا يوجد كلب بحري يعيش في البر، وإنما كان سؤال الامام (ع) استدراجا لبيان النكتة. وأما إستفادة طهارة الخنزير البحري من الرواية فتتوقف على أحد أمرين: الأول: دعوى ارتكاز مساواة الكلب والخنزير متشرعيا. والثاني: استفادة ضابط كلي من التعليل المقتنص من سؤال الامام عن قدرة الحيوانات على الحياة خارج الماء. بيان ذلك: انه لا إشكال في أن الطهارة في ظاهر الحديث مفرغة على عدم عيش الحيوان خارج الماء، وهذا فيه احتمالان: أحدهما: أن تكون مفرغة على ذلك ابتاء بأن يكون عدم العيش خارج الماء بنفسه ملاكا للطهارة، وعليه فان استفيد كون ذلك تمام الملاك للطهارة أمكن التعدي الى الخنزير البحري أيضا. والاحتمال الآخر: أن تكون الطهارة مفرغة على عدم الكلبية، وكون الحيوان لا يعيش الا في الماء ملاك لعدم كونه كلبا لتقوم مفهوم الكلب بكونه حيوانا بريا والتعدي منه الى الخنزير حينئذ يتوقف على الجزم بأن ما هو مقوم لمفهوم الكلب من هذه الناحية مقوم لمفهوم الخنزير أيضا. ومقتضى الجمود على اللفظ وإن كان قد يعين الأول غير أن مناسبات الحكم والموضوع قد تجعل الاحتمال الثاني أقرب، لأن المائية لا تناسب أن تكون بمجردها مانعة عن النجاسة وإنما المناسب ارتفاع النجاسة بارتفاع الكلبية. (1) لأن مقتضى القاعدة بلحاظ أدلة النجاسة في المقام هو ذلك حتى إذا قبل بعدم شمول دليل نجاسة الميتة لهذه الأجزاء لعدم شمول الموت لها. وذلك: لأن الموضوع في المقام عنوان الكلب والخنزير وهو شامل

[ 233 ]

للاجزاء التي لا تحلها الحياة. وجملة من الروايات الباب وان لم يكن فيها اطلاق، كما ورد في الولوغ فان الولوغ يقتضي ملاقاة ما تحله الحياة عادة ولكن يكفينا روايات أخرى مطلقة تقدم ذكرها كرواية محمد بن مسلم في الكلب السلوقي " إذا مسسة فاغسل يدك ". ورواية على بن جعفر الآمرة بغسل الثوب عند اصابة الخنزير له. وفي الكلب لا يوجد مقيد للاطلاق فيؤخذ به بلا إشكال. وإنما الكلام في الخنزير إذ توجد فيه روايات يمكن الاستدلال بها على طهارة ما لا تحله الحياة منه: منها: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقي به الماء من الئبر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال لا بأس " (1). وقد يورد على الاستدلال بها تارة: بابداء احتمال أن السؤال ليس من جهة النجاسة، بل من جهة جواز الوضوء بماء استخدام في مقدماته استعمال نجس العين، لاحتمال حرمة استعمال نجس العين. وأخرى: بأن هذه الرواية من الروايات عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس، ولا دلالة لها على عدم نجاسة شعر الخنزير بوجه (2) اما الايراد الأول، فقد تقدم في موضع سابق من هذا الشرح: ان حمل الرواية على ذلك خلاف الظاهر (3) وأما الايراد الثاني، ففيه: انه لو فرض في مورد الرواية الفراغ عن ملاقاة ماء الدلو لشعر الخنزير فالحكم بجواز الوضوء منه يكشف عن الجامع بين طهارة شعر الحنزير وعدم انفعال الماء القلبل بملاقاة النجس، وحيث أن الثاني منفي بالدليل


(1) وسائل الشعية باب 14 من أبواب الماء المطلق (2) التنقيح ج‍ 2 ص 37 (3) راجع مباحث انفعال الماء القيل من الجزء الاول

[ 234 ]

الخاص فبضم هذا الدليل الخاص الى هذه الرواية يتم الدليل على طهارة شعر الخنزير على نحو يقيد اطلاق دليل النجاسة. الا أن أصل افتراض ملاقاة الماء في الدلو حال انقطاعه عن الئبر للحبل ليس بمعلوم، بل المنصرف من الرواية كون السؤال بلحلظ تقاطر الماء من الحبل في الدلو، كما تقدم عند دراستها في بحث انفعال الماء القليل، وعليه فتكون دالة على الجامع بين طهارة شعر الخنزير وعدم انفعال الماء بملاقاة المتنجس. وبذلك تحصل المعارضة بالعرض بين اطلاق دليل نجاسة الخنزير لشعره واطلاق دليل انفعال الماء القليل لملاقاة المتنجس. فان انكرنا الاطلاق الثاني اما راسا، أو لوجود مقيد له، بقى اطلاق دليل النجاسة بلا معارض، والا سقط الاطاقان بالمعارضة. هذا كله بقطع النظر عما دل على نجاسة شعر الخنزير بالخصوص كرواية برد الاسكاف المتقدمة، والا كان المتعين الرجوع إليه في اثبات النجاسة دون ان تصلح الصحيحة للمعارضة معه، لعدم تعين دلالتها على طهارة شعر الخنزير، وعدم وجود الدليل الخاص على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس. ومنها: رواية الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - قال: " قلت له: شعر الخنزير يجعل حبلا ويستقى به من البئر التي يشرب منها، أو يتوضاء منها؟ فقال: لا بأس به " (1). وبعد توثيق الحسين بن زرارة ولو بلحاظ رواية أحد الثلاثة عنه كصفوان، تكون الرواية معتبرة سندا. واما من الناحية الدلالة: فهناك فرق بين هذه الرواية وسابقتها باعتبار قوة ظهور الرواية السابقة في ان السؤال عن حكم ماء الدلو، بخلاف هذه الرواية حيث جعل فيها (يشرب


(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق

[ 235 ]

ويتوضأ منها) وصفا للبئر، فيالامكان دعوى: اتجاه السؤال نحو ماء البئر ابتداء وانه هل ينفعل بملاقاة شعر الخنزير، فيكون الجواب دالا على الجامع بين طهارة شعر الخنزير واعتصام ماء البئر، والفرد الاول من هذا الجامع منفى بالدليل دون الفرد الثاني، فيتعين تطبيقه على الثاني، ومعه لا يتم الاستدلال بالرواية على طهارة شعر الخنزير. فان قيل: ان الثاني منفى ايضا بروايات انفعال ماء البئر، فان عملنا بها انتجت - بضمها الى رواية الحسين - مقيدا لاطلاق دليل نجاسة الخنزير ومعارضا لما دل على نجاسة شعر الخنزير بالخصوص. وان اسقطنا روايات الانفعال بالمعارضة مع روايات الاعتصام كان المجموع المركب من رواية الحسين بن زرارة ودليل نجاسة شعر الخنزير طرقا آخر للمعارضة مع روايات الانفعال، ويسقط الجميع. قلنا: ان نبى على الجمع العرفي بين روايات انفعال ماء البئر وروايات اعتصامه بحمل الانفعال على التنزه، فلا اشكال في تعين تطبيق الجامع المستفاد من رواية الحسين بن زرارة على اعتصام ماء البئر، فلا يتم الاستدلال بها على طهارة شعر الخنزير. وان بنى على استحكام التعارض بين روايات الانفعال وروايات الاعتصام في ماء البئر لم يبن على سقوط اطلاق ما دل على نجاسة الخنزير للشعر في نفس المرتبة لان روايات الانفعال لو خليت وحدها لصلحت لتقييده فيرجع إليه بعد تساقط مجموعنى الانفعال والاعتصام من روايات ماء البئر. ومنها رواية زرارة قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء؟ قال: لا بأس " (1). ولا بأس سند هذا الحديث وان كان فيه أبو زياد النهدي، لأنه ممن يروي عنه ابن أبي عمير. ولكنها أضعف دلالة مما سبق، لأن السؤال فيها


(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق

[ 236 ]

[ ولو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر فتولد منهاما ولد، فان صدق عليه اسم احدهما تبعه، وان صدق عليه اسم احد الحيوانات الاخر أو كان مما ليس له مثل الخارج كان طاهرا وان كان الاحوط الاجتناب عن المتولد منهما إذا لم يصدق عليه اسم احد الحيوانات الطاهرة، بل الا حوط الاجتناب عن المتولد من احدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم الطاهر فلو نزى كلب على شاة أو خروف على كلبة، ولم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة، فالاحوط الاجتناب عنه وان لم يصدق عليه اسم الكلب (1). ] اتجه نحو نفس عملية جعل جلد الخنزير دلوا يستقى به. ولا قرينة على كون ذلك ملحوظ بما هو طريق الى حيثية الانفعال وجودا وعدما، لامكان أن يكون الملحوظ هو حكم استعمال الميتة ونجس العين في نفسه، فان احتمال حرمة ذلك احتمال معقول في العرف المتشرعي، كما يكشف عنه ذهاب المشهور من العلماء الى الحرمة. وتحصل من مجموع ذلك. أن الأجزاء التي لا تحلها الحياة من الخنزير محكومة بالنجاسة أيضا. (1) المتولد من كلب وخنزير أو من أحدهما من طاهر - لو كان هذا ممكنا - ان صدق عليه اسم الكلب أو الخنزير فلا أشكال في نجاسة، لدخوله تحت اطلاق دليل نجاستهما. وان صدق عليه أحد الحيوانات الثابت طهارتها بدليل اجتهادي فلا اشكال في طهارته، لدخوله تحت اطلاق ذلك الدليل وان كان يرى بمجوعه ملفقا من الكلب والخنزير فقد يبنى على

[ 237 ]

نجاسة أيضا، لأنه وإن لم يمكن الحكم بنجاسة بكل من دليلي نجاسة الكلب ونجاسة الخنزير بمفرده، لعدم كونه مصداقا لموضوعه، ولكن الدلالة الالتزامية العرفية لمجموع الدليلين تقتضي نجاسة الملفق. فان قيل: بأن الدلالة الالتزامية العرفية الحاصلة من ضم أحد الدليلين الى الآخر معتبرة فهو، وان استشكل في ذلك بدعوى: ان موجع هذه الد لالة الى الظهور العرفي لأن الملازمة عرفية لا عقلية، والظهور العرفي لا يعقل تصور قيامه بمجموع خطابين منفصلين الا مع قيام دليل على لزوم تنزيل الخطابات المنفصلة منزلة الخطاب الواحد المتصل من هذه الناحية. أمكن إثبات النجاسة في المقام بالدلالة الالتزامية العرفية الدليل الواحد المشتمل على نجاسة الكلب والخنزير معا، كرواية برد الاسكاف المتقدمة. وان كان المتولد حيوانا على غير الوجوه المتقدمة كان مقتضى الأصول المؤمنة الحكم بطهارته أو عدم انفعال ملاقيه. وما يتصور كونه حاكما عليها إنما هو الاستصحاب، بأحد تقريبات ثلاثة: الأول: استصحاب نجاسة الثابتة احينما كان دما وعلقة في داخل الكلبة أو الخنزيرة أو حينما كان منيا. ويرد عليه أن المقام من موارد الاستحالة فلا يجري الاستصحاب، على ما يأتي في محله أن شاء الله تعالى الثاني: استصحاب نجاسة الثبتة عند ما كان جنينا إذا كانت أمه كلبة أو خنزيرة بوصفه جزء منها. ويرد عليه: ان الجنين ليس جزء من أمه، بل هو كالبيض بالنسبة الى الدجاجة من قبيل المظروف مع الظرف. الثالث: استصحاب النجاسة الجامعة بين العرضية والذاتية، بأن يقال: ان هذا الحيوان كان ملاقيا مع النجاسات كالدم في بطن الأم وبعد أن يحصل المطهر وهو زوال العين في الحيوان، يشك في ارتفاع النجاسة فيستصحب الجامع بين النجاسة العرضية المعلومة الانتفاء على فرض وجودها

[ 238 ]

[ الثامن: الكافر بأقسامه، حتى المرتد بقسميه واليهود والنصارى والمجوس (1). ] والنجاسة الذاتية المعلومة البقاء على فرض حدوثها. وهذا الاستصحاب يعتبر من القسم الثاني من استصحاب الكلي، إن قلنا: إن النجس الذاتي لا يقبل النجاسة العرضية، وإلا فهو من القسم الثالث، ولكن من النحو الذي يكون الفرد المشكوك فيه على فرض ثبوته معاصرا للمتيقن من أول الأمر. وعلى كل حال فلو جرى هذا الاستصحاب لا يثبت إلا نجاسة السطح لا تمام الطبقات كما هو المطلوب. ويرد عليه: لو سلم الاستصحاب وتمامية أركانه في نفسه أنه محكوم لأن عدم الكلي في موارد استصحاب الكلي إذا كان حكما شرعيا مترتبا على عدم الفرد الطويل جرى استصحاب عدم الفرد الطويل، وكان حاكما على استصحاب الكلي. وما نحن فيه من هذا القبيل، لأن كل جسم لم تجعل له نجاسة ذاتية يطهر بالمطهر، وهذا جسم بالوجدان وغير نجس ذاتا بالاستصحاب. وقد يتوهم الجواب على اسستصحاب الكلي في المقام: بأن العلم الإجمالي بالنجاسة العرضية أو العينية منحل بإجراء أصالة الطهارة لإثبات طهارته العينية ظاهرا، ومع انحلاله لا يمكن إجراء استصحاب المعلوم الإجمالي. ويندفع هذا التوهم: أولا: بأن أصالة الطهارة إنما يتحقق موضوعها عند عدم العلم بالنجاسة فتثبت الطهارة، لا عند العلم بأصل النجاسة والشك في عينيتها لأن مفادها الطهارة الفعلية لا الحيثية. وثانيا: بأن جريان الأصل المذكور لا يوجب انحلال العلم الإجمالي المذكور بنحو يمتنع جريان الاستصحاب في معلومه إلا بملاحظة النكتة التي ذكرناها. (1) المعروف بين فقهائنا الحكم بنجاسة الكافر. وقد ينقل القول

[ 239 ]

بطهارته - ولو في الجملة - عن بعضهم. والمعروف بين فقهاء العامة الحكم بطهارته، ولكن ذهب بعضهم أيضا إلى نجاسة الكافر بنحو يشمل الكتابي أيضا، كابن حزم (1). وقد استدل للنجاسة بالإجماع، والكتاب والسنة. أما الإجماع فتقريبه: أن دعوى الإجماع على النجاسة قد استفاضت في كلمات عدد كبير من الفقهاء، كالسيد المرتضى، والشيخ الطوسي والمحقق الحلي، وغيرهم. وإذا انضم إلى هذه الاستفاضة الاطلاع المباشر على فتاوى عدد كبير من علمائنا، وعدم العثور على خلاف معتد به، بل على مطلق الخلاف في المشرك ونحوه من أقسام الكفار، وما هو الملحوظ من ارتكازية الحكم بالنجاسة في أذهان مختلف طبقات الطائفة، استخلصنا من ذلك كله الوثوق بحصول إجماع تعبدي على النجاسة، بنحو يكشف عن تلقي ذلك من الأئمة عليهم السلام. ومن الواضح أن حجية هذا الإجماع - كأي إجماع - تستند إلى كونه سببا لليقين أو الاطمئنان بثبوت معقده شرعا على أساس حساب الاحتمالات وكونه تجميعا لقرائن احتمالية يحصل من تراكمها الاطمئنان. ولهذا يجب أن تلحظ مجموع القرائن التي لها دخل في إيجاد هذا الاطمئنان إثباتا ونفيا إذ قد يتفق كون أمارة مقتضية لليقين في نفسها ولكنها لا تؤدي إلى ذلك عند مزاحمتها ببعض القرائن المنافية. وليس الإجماع أو نقل الإجماع بعنوانه موضوعا للحجية شرعا، لئلا يتوقف العمل به على ملاحظة القرائن. وهناك عدة نقاط يمكن إثارتها حول الاستدلال بهذا الإجماع، إما بلحاظ بعض أصناف الكفار أو مطلقا: النقطة الأولى: التشكيك في وقوع هذا الإجماع بإبراز القرائن على


(1) راجع المحلى ج 1 ص 129.

[ 240 ]

وجود الخلاف. وهذا التشكيك ليس عليه شواهد وأرقام محددة بلحاظ المشرك، ولكن بالإمكان تحصيل بعض الشواهد الباعثة على التشكيك بلحاظ غير المشرك، أو على الأقل بلحاظ الكتابي. فمنها كلام المحقق الحلي (قدس سره)، إذ قسم الكفار إلى قسمين: المشرك وأهل الكتاب وادعى الإجماع على نجاسة المشرك، وأما بالنسبة إلى أهل الكتاب فلم يدع مثل ذلك، وإنما استعرض أسماء عدد من العلماء القائلين بالنجاسة، فلو كان المحقق قد أحرز الإجماع على النجاسة في كلا القسمين لما ساق التعبير بهذا النحو. ومنها: دعوى ابن زهرة في الغنية الإجماع المركب، إذ قال: التفرقة بين نجاسة المشرك وغيره خلاف الإجماع، فإنه لو كان يرى انعقاد الإجماع على نجاسة الكافر مطلقا لما عدل إلى الاستدلال بالإجماع المركب على نجاسة غير المشرك. ومنها: كلام الشيخ الطوسي قدس سره في تفسيره لسورة المائدة في قوله تعالى: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " إذ ذكر: " أن أكثر أصحابنا قالوا: إن طعام أهل الكتاب الحبوب وأما ذبائحهم وما ساوروه بالرطوبة فغير جائز " إذ قد يستظهر من هذه العبارة أن جملة من أصحابنا يجوزون - خلافا للأكثر - ما ساوره الكتابي بالرطوبة اللهم إلا أن يكون التعبير بالأكثر بلحاظ الفتوى بحرمة دبيحة الكتابي لا بلحاظ الفتوى بحرمة ما ساوره بالرطوبة. ومنها: أيضا كلام الشيخ الطوسي (قدس سره) في النهاية، استظهر منه القول بطهارة أهل الكتاب وهو قوله: " ويكره أن يدعو الإنسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه. وإن دعاه فليأمر بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء ". ولكن هذا الظهور لا يمكن الأخذ به، لأن للشيخ في

[ 241 ]

كلام متقدم بأسطر على ما نقلناه نصا يدل بوضوح على فتواه بالنجاسة فلا بد من حمل كلامه هذا على فرض عدم المساورة برطوبة، عملا بما دل من الروايات على إناطة الإذن في مؤاكلة الكتابي على الوضوء المحمول على الغسل. كصحيحة العيص بن القاسم الآتية، بعد تقييدها بكيفية لا تسري معها النجاسة، فيكون أمر الكافر بغسل يديه أدبا شرعيا صرفا. ومنها: ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) في أجوبة بعض مسائله: من الحكم بكراهة سؤر اليهود والنصارى. وهو لا يناسب القول بالنجاسة، لظهور الكراهة في كلام المفيد وأمثاله في المعنى المصطلح المقابل للحرمة. ويبقى استغراب: أن يكون المفيد قائلا بالطهارة ولا يؤثر ذلك عنه بل يدعي تلامذته كالمرتضى والشيخ الطوسي الإجماع على النجاسة، وهم أكثر الناس اطلاعا على رأي أستاذهم. وقد يدفع هذا الاستغراب: بإمكان افتراض عدول الشيخ المفيد (قدس سره) عن الفتوى بالطهارة، إذ لا نعرف تاريخ صدور الحكم بالكراهة منه، فلعله كان في بداية أمره، وفي مرحلة تأثره بأستاذه ابن الجنيد وابن أبي عقيل اللذين ينسب إليهما القول بالطهارة. ومنها: ما نسب إلى القديمين ابن أبي عقيل وابن الجنيد من القول بالطهارة. فعن الأول: أنه قال بطهارة سؤر الكتابي. وهذا بمجرده إنما يدل على قوله بالطهارة إذا لم يفترض اختصاص السؤر اصطلاحا في كلام مثله بالماء المطلق، وإلا أمكن أن يكون مبنيا على عدم انفعال الماء القليل. وعن الثاني: أنه قال: " ولو تجنب من أكل ما صنعه أهل الكتاب من ذبائحهم وفي آنيتهم، وكل ما صنع في أواني مستحلي الميتة، ومؤاكلتهم ما لم يتيقن طهارة أوانيهم وأيديهم، كان أحوط ". وكلمة " أيديهم " إن رجعت إلى الجميع كان كلامه واضحا في نفي

[ 242 ]

النجاسة العينية عن الكتابي، وإن رجعت إلى خصوص مستحلي الميتة فلا يستفاد من كلامه حينئذ إلا االتوقف عن الفتوى بالنجاسة. النقطة الثانية: إننا إذا رجعنا إلى عصر أقدم من عصور الفقه الإمامي أي عصر الرواة، نجد أن قضية نجاسة الكفار لم تكن أمرا مركوزا في أذهان الرواة إلى زمان الغيبة، ولهذا كثر السؤال عن ذلك بين حين وحين وفرض في بعض تلك الأسئلة أنهم يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة كما في رواية الحميري الذي هو من فقهاء الإمامية في عصر الغيبة الصغرى إذ كتب إلى صاحب الزمان (ع): " عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة وينسجون لنا ثيابا فهل تجوز الصلاة فيها قبل أن تغسل؟ إلخ ". وحمل جميع الأسئلة على أنها بملاك علمي بحت بعيد جدا. كما أن حمل فرض الحميري لنجاسات عرضية في حياة الكافر، على أنه يقصد إبراز قوة احتمال تنجس الثياب التي يحوكها بلا شاهد. بل إن افتراض السائل لعدم الغسل من الجنابة في الكافر واضح الدلالة على أنه لم يكن قد ارتكزت في ذهنه نجاسة الكافر العينية، وإلا فأي أثر للغسل بالنسبة إليه. وحيث إن الإجماع إنما يكون حجة باعتبار كشفه عن التقي الارتكازي من عصر الرواة، فيكون ما ذكرناه نقطة ضعف في كاشفية هذا الإجماع. النقطة الثالثة: إن ابتلاء المسلمين بالتعايش مع أصناف من الكفار في المدينة وغيرها على عهد النبي (ص) كان على نطاق واسع، واختلاطهم مع المشركين كان شديدا جدا خصوصا بعد صلح الحديبية، ووجود العلائق الرحمية وغيرها بينهم، فلو كانت نجاستهم مقررة في عصر النبوة لانعكس ذلك وانتشر وأصبح من الواضحات، ولسمعت من النبي (ص) توضيحات كثيرة بهذا الشأن، كما هو الحال في كل مسألة تدخل في محل الابتلاء إلى هذه الدرجة. ولا توجد في مثل هذه المسألة دواعي الإخفاء، وأي داع

[ 243 ]

إلى ذلك مع ظهور الإسلام، وعدم منافاة هذا الحكم مع أغراض أولياء الأمر بعد النبي (ص). وحتى لو افترضنا أن الحكم بالنجاسة كان في ظرف نزول سورة التوبة التي نزلت بعد الفتح، فإن طبيعة الأشياء كانت تقتضي شيوعه وانتشاره أيضا، فعدم وجدان شئ من هذه اللوازم العادية عند ملاحظة التاريخ العام يشكل عامل تشكيك في مسألتنا. النقطة الرابعة: إن اشتهار الاستدلال على نجاسة الكافر بالآية الكريمة بين الأصحاب، ووجود وجوه اجتهادية لتقديم روايات النجاسة على روايات الطهارة على ما يأتي، يوجب - على الأقل - احتمال استناد عدد كبير من المجمعين إلى مدرك اجتهادي في الفتوى بالنجاسة، فلا يكون كاشفا مستقلا عن المقصود ما دام إجماعا مدركيا. ودعوى: أن الإجماع على نجاسة أهل الكتاب يجب أن يكون مستندا إلى جهة فوق الاجتهاد، لأن وضوح وجود الجمع العرفي بين روايات الطهارة وروايات النجاسة بحمل الأخيرة على التنزه، يكشف عن استناد المجمعين إلى جهة فوق ذلك في طرح أخبار الطهارة. مدفوعة: بأن صناعة الجمع العرفي، وكونه متقدما على سائر أنحاء التصرف الأخرى بما فيها الحمل على التقية، ليست بدرجة من الوضوح في فقه جملة من فقهائنا المتقدمين، على النحو الذي لا يصح معه افتراض تطبيقهم للصناعة على وجه آخر. وفي كلماتهم شواهد عديدة على ذلك: فمن هذه الشواهد في كلام الشيخ الطوسي (قدس سره) ما ذكره في مسألة نجاسة الخمر والمسكر الذي وردت فيه أخبار صريحة في الطهارة، وأخبار تأمر بالغسل منه. إذ حمل أخبار الطهارة على التقية، مع أن العامة لا يقولون بالطهارة: قاال في كتاب التهذيب: " والذي يدل على أن هذه الأخبار محمولة على

[ 244 ]

التقية ما تقدم ذكره من الآية، وأن الله تعالى أطلق اسم الرجاسة على الخمر ولا يجوز أن يرد من جهتهم عليهم السلام ما يضاد القرآن وينافيه. وأيضا قد أوردنا من الأخبار ما يعارض هذه. ولا يمكن الجمع بينهما إلا بأن نحمل هذه على التقية، لأنا لو عملنا بهذه الأخبار كنا دافعين لأحكام تلك جملة ولم نكن آخذين بها على وجه وإذا عملنا على تلك الأخبار كنا عاملين بما يلائم ظاهر القرآن فحملنا هذه على التقية، لأن التقية أحد الوجوه التي يصح ورود الأخبار لأجلها من جهتهم فنكون عاملين بجميعها على وجه لا تناقض فيه (1). فنراه (قدس سره) يفضل الجمع بالحمل على التقية على الجمع العرفي الذي يقتضي تقديم روايات الطهارة، ويرى أن العمل بهذه الروايات إسقاط للمعارض رأسا، بخلاف الحمل على التقية. ومعه فأي استبعاد يبقى في أن يكون الشيخ وأمثاله في فتواهم بالنجاسة وتقديم رواياتها مستندين إلى وجوه اجتهادية من هذا القبيل؟! من قببيل: دعوى الجمع بين الطائفتين بحمل أخبار الطهارة على التقية، أو ترجيح أخبار النجاسة بالموافقة للكتاب أو بالإكثرية، أو بالموافقة للأصل لو بني على أصالة الاحتياط في الشبهة الحكمية، أو بكونها قطعية الصدور إجمالا لتظافرها بخلاف أخبار الطهارة أو إيقاع التعارض بين الطائفتين واختيار أخبار النجاسة ولو لنكتة الظن الشخصي على طبقها إذا بني على التخيير، أو افتراض التساقط بين الطائفتين في الكتابي والرجوع إلى الآية كعام فوقي. فهذه وجوه سبعة يمكن افتراض كل واحد منها في بعض المجمعين، بعد أن لاحظنا إمكانية استبعادهم للجمع العرفي بالحمل على التنزه. النقطة الخامسة: التشكيك في ثبوت الإجماع بمناقشة مستندات إثباته


(1) تهذيب الأحكام، الجزء الأول من طبعة النجف عام 1390 ه‍ ق، ص 280 - 281.

[ 245 ]

وهذه النقطة تختلف عن النقطة الأولى في أن المقصود في الأولى إبراز المعارض الدال على وجود الخلاف، والمقصود هنا التشكيك في بعض دلائل الإجماع في نفسها. وقد أشرنا سابقا إلى أن منشأ الوثوق بإجماع المتقدمين على المحقق (ره) واتفاقهم على النجاسة مجموع أمور ثلاثة وهي: استفاضة نقل الإجماع، وعدم نقل الخلاف، والعبارات التي يمكننا تحصيلها مباشرة من أقوال المتقدمين مما يدل على الإفتاء بالنجاسة. أما نقل الإجماع في كلمات العلماء المتقدمين على المحقق الحلي الذي تحفظ في المعتبر من دعوى الإجماع في غير المشرك، فقد وجد في جملة من كلماتهم (قدس الله أسرارهم). فمنها: عبارة السيد المرتضى (قدس سره) في الانتصار، حيث ذكر، " أن مما انفردت به الإمامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر. وخالف جميع الفقهاء في ذلك ". والتتبع في كتاب الانتصار يكشف عن أنه لا يقصد بالإجماع - حين يدعيه - ما نريده من الاتفاق. فقد ادعى الإجماع في مسائل تشتمل على خلاف واضح، كدعواه الإجماع على انفعال البئر مع مخالفة العماني وابن الغضائري وجملة من العلماء، وكدعواه الإجماع على اشتراط إسلام الذابح وغير ذلك. ومنها: عبارته أيضا في شرح الناصريات، والمتن لجده الأمي. قال الماتن: " سؤر المشرك نجس ". فذكر في التعليق عليه: " عندنا أن سؤر كل كافر - بأي ضرب من الكفر كان كافرا - نجس " وكلمة (عندنا) إن أراد بها عند الطائفة لا عند الشارح دل على الإجماع بالمقدار الذي يلحظ ثبوته من الاتفاق في موارد إجماعاته المنقولة عادة. وكل من العبارتين تعرضتا إلى نجاسة سؤر الكافر، ولم تتضمن

[ 246 ]

دعوى الإجماع على نجاسة الكافر مباشرة. ونجاسة السؤر أعم من نجاسة ذي السؤر عند جملة من فقهائنا الأقدمين، حتى أن صاحب المعالم (قدس سره) عقد بحثا في أنه: هل توجد ملازمة بين طهارة ذي السؤر وطهارة سؤره؟، وذكر: أن المشهور قالوا بالملازمة، وأنه خالف جماعة من الفقهاء، كالشيخ في جملة من كتبه، وابن الجنيد، وابن إدريس. وأن جملة من الفقهاء قالوا فيما لا يؤكل لحمه مع طهارته بنجاسة سؤره وهذه النكتة تقتضي تعذر استكشاف الإجماع على نجاسة الكافر من نقل الإجماع على نجاسة سؤره في كلام السيد المرتضى وغيره. ومنها: عبارة الشيخ (قدس سره) في تهذيب حيث ذكر: " أنه أجمع المسلمون على نجاسة المشركين والكفار إطلاقا ". وهذه العبارة بظاهرها لا يمكن الأخذ بها، لعدم ذهاب المخالفين من المسلمين إلى القول بنجاسة الكافر. فلا بد إما من تأويل كلمة المسلمين وإرادة الشيعة بها، وهو أمر بعيد في تلك المرحلة من الفقه الإمامي الذي كان منفتحا فيها على أقوال فقهاء العامة والفقه السني عموما. أو تأويل النجاسة وإرادة ما يعم النجاسة المعنوية، ومعه لا يبقى وثوق بمفاد النقل المذكور. ومنها: كلام ابن زهرة في الغنية، حيث قال: " والثعلب والأرنب نجسان، بدليل الإجماع المذكور. والكافر نجس بدليله أيضا، وبدليل قوله تعالى: " إنما المشركون نجس ". وهذه العبارة - كما ترى - لا تعطي إجماعا على نجاسة الكافر إلا مثل الإجماع في الثعلب والأرنب اللذين لا إشكال في طهارتهما، أو على الأقل ليس فيهما ارتكاز عام للنجاسة. فهذه هي عمدة عبارات نقل الإجماع الواصلة إلينا من فقهاء ما قبل المحقق الحلي (ره). وأما الثاني - وهو عدم نقل الخلاف، أو نقله في نطاق محدود جدا

[ 247 ]

عن القديمين ابن الجنيد وابن أبي عقيل، الذي كان خلافه المنقول بلسان الإفتاء بجواز سؤر الكافر، الأمر الذي لا يمكن تأويله بإرجاعه إلى عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة. فهناك نكتة بهذا الصدد تجب ملاحظتها وهي: أن فقه الشيعة كان مبناه قبل مبسوط الشيخ الطوسي - كما أشار إليه في مبسوطه - على ممارسة الفتاوى بمقدار مضامين الروايات، وكانت كتب أصحابنا الفقهية مقتصرة عادة على الفتوى بمتون الأخبار مع حذف الأسانيد والتنسيق. وهذه الحقيقة تجعل دعوى الإجماع على التفصيلات والتفريعات التي لا تستنبط عادة من الروايات بصورة مباشرة، بل بالتفريع والاجتهاد أقل أهمية من دعوى الإجماع على حكم في مسألة يترقب أخذه بعنوانه من الروايات. ونجاسة الكافر وإن لم تكن من التفريعات والتفصيلات، ولكنها ملحقة بها، لأن نجاسة الكافر لم تكن بهذا العنوان مطرحا للبحث عادة في متون كتبهم قبل الشيخ. والوجه في ذلك: أنه لم يرد في الأخبار الحكم بنجاسة الكافر بهذا العنوان، ولما كانت الروايات الواردة في النجاسات متجهة عادة إلى بيان حكم السؤر، ومتكفلة للأمر بغسل الثياب والبدن ونحوهما مما يلاقي تلك النجاسات، نجد أن جملة من كتب الأقدمين خالية من فصل تحت عنوان النجاسات، كما يذكر في كتب الفقهاء المتأخرين عنهم، وإنما يتعرضون إلى النجاسات تحت عنوان (الأسئار) في باب المياه، وتحت عنوان (تطهير الثياب والأواني)، تبعا لمضامين الروايات ولهذا لا نجد تعرضا لنجاسة الكافر بهذا العنوان في جملة مما وصل إلينا من عبائر الأقدمين، كهداية الصدوق، ومقتعه، وفقيهه، والمقنعة للمفيد ونحو ذلك. وما دام طرح المسألة في الفقه القديم كان مطابقا لمتون الروايات كما رأينا، فما نستطيع أن نفترض الإجماع عليه على أفضل تقدير هو حرمة سؤر الكافر أو نجاسة هذا السؤر. وأما نجاسة نفس الكافر على نحو تسري

[ 248 ]

النجاسة إلى كل ما يلاقيه فقد تكون دعوى الإجماع على ذلك متأثرا بالاجتهاد واستنتاج القول بنجاسة الكافر من القول بحرمة سؤره، مع أنه لا ملازمة كما تقدم. وقد نقل السيد المرتضى القول بحرمة سؤر الكافر عن جملة من علماء السنة، مع أنهم يفتون بطهارة الكافر. وبهذا يظهر أن بالإمكان افتراض ذهاب عدد من الأقدمين إلى القول بالطهارة، ولا يضر بذلك عدم نقل الخلاف، بعد أن عرفنا أن نجاسة الكافر بهذا العنوان لم يكن مطرحا للحديث والبحث في الفقه القديم، بحكم تبعية الفقه القديم لمتون الروايات. فليس من الضروري أن ينعكس الخلاف في أصل نجاسة الكافر إذا كان هناك خلاف. نعم انعكس خلاف ابن أبي عقيل، لكن لا بصيغة أن الكافر طاهر، بل بصيغة على مستوى الطرح القديم للمسألة، حيث نقل عنه الفتوى بجواز سؤر الكافر وكذلك الشيخ المفيد. وأما الثالث - أي عبارات الأقدمين الواصلة إلينا، والتي تدل على الفتوى بالنجاسة - فلا إشكال في وجود عبارات من هذا القبيل، ولكن بعضها لا يخلو من إشكال. فمنها: عبارة الصدوق (قدس سره) في الهداية، إذ قال: " ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام ". وهذا تعبير مطابق للروايات كما هو دأبه. وقد لا يدل على النجاسة، خصوصا بلحاظ عطف ولد الزنا على الكافر، إذا افترضنا أن الصدوق يوافق المشهور القائلين بطهارته. ولم نجد في باب التطهير من النجاسات في هذا الكتاب أي تعرض للكافر. ومنها عبارة الصدوق في المقنع في كتاب الصلاة قال ما حاصله: (ولا تصل وقدامك التماثيل. ولا تجور الصلاة في شئ من الحديد.

[ 249 ]

وإياك أن تصلي في ثوب أصابه خمر. ولا تصل في السواد. ولا تصل على بواري اليهود والنصاري) ولم نجد له تعرضا للكافر في كتاب الطهارة من هذا الكتاب. والعبارة المذكورة ليست واضحة في الفتوى بنجاسة الكافر، حيث يلاحظ أنه ذكر مجموعة مما نهي عنه، وبعض تلك النواهي تنزيهية حتى عنده، وهذا يعني كونه بصدد ذكر ما في متون الروايات من أحكام مهما كان نوعها. ومنها: عبائر الصدوق في الفقيه، إذ يقول في باب المياه وطهرها ونجاستها: " ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام، وأشد من ذلك سؤر الناصب ". ويقول في أبواب الصلاة وحدودها: " روي أبو جميلة عن أبي عبد الله: أنه سإله عن ثوب المجوسي ألبسه وأصلي فيه؟ قال: نعم. قال: قلت: يشربون (يشترون خ ل) الخمر؟ قال: نعم نحن نشتري السابرية فنلبسها ولا نغسلها ". وينقل في باب الصيد والذباحة عدة روايات، بعضها ينهى عن سؤر اليهودي والنصراني، وبعضها يأمر بغسل آنية المجوس. واستظهار فتوى الصدوق بالنجاسة على أساس ذكره هذه الروايات ذات الألسنة المختلفة المناسبة للنجاسة، وعدم ذكر شئ واضح الدلالة على الطهارة ليس ببعيد، وإن كان ليس بواضح. ومنها: كلام المفيد (قدس سره) ولنا منه أثران: أحدهما المقنعة التي شرحها الشيخ الطوسي. والآخر: العبارة التي ينقلها المحقق في المعتبر عما كتبه المفيد في أجوبة بعض مسائله أما الثاني فهو قول بالكراهة. وأما الأول فقد ذكر فيه: " وإذا مس ثوب الإنسان كلب أو خنزير وكان يابسين فليرش موضع مسهما بالماء. وكذلك الحكم في الفأرة والوزغة يرش الموضع

[ 250 ]

الذي مساه. وكذلك إن مس واحد مما ذكرنا جسد الإنسان أو وقعت يده عليه، وكان رطبا، غسل ما أصاب منه وإن كان يابسا مسحه بالتراب وإذا صافح الكافر المسلم ويده رطبة بالعرق أو غيره غسلها من مسه بالماء وإن لم يكن فيها رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب ". وهذا في نفسه ظاهر في النجاسة. ولكن هنا شيئا وهو: أن ديدن الأقدمين كان على ذكر المناهي والأوامر الموجودة في الروايات، بدون أن يكونوا بصدد بيان الحرام من المكروه والواجب من المستحب وليس حال تلك النواهي والأوامر حال ما يراد الآن في الرسائل العملية، فيصعب على هذا الأساس حصول الاطمئنان بأن الأمر بالغسل في كلام فقيه من هذا القبيل إلزامي أو تنزيهي، خصوصا إذا لوحظ أن كلام المفيد المتقدم يشتمل على الفأرة والوزغة، وعلى مسح اليد ببعض الحيطان إذا مسها الكافر يابسا، فهل كان يرى المسح بالحائط واجبا؟! والغسل من الفأرة واجبا؟! أو أن هذا انسياق مع التنزيهات الموجودة في الروايات؟ ومنها: كلام السيد المرتضى في شرحه للناصريات، إذ يقول: " عندنا أن سؤر كل كافر - بأي ضرب من ضروب الكفر كان كافرا - نجس لا يجوز الوضوء به ". ومنها: كلام الشيخ الطوسي في النهاية قال: " ولا بأس بأسئار المسلمين... ويكره استعمال سئور الحائض إذا كانت متهمة... ولا يجوز استعمال أسئار من خالف الإسلام من سائر أصناف الكفار...، ولا بأس بسؤر كل ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان ". وقال فيه أيضا: " فإن علمت فيه نجاسة أو أدخل يده فيه يهودي أو نصراني أو مشرك أو ناصب ومن ضارعهم من أصناف الكفار فلا يجوز استعماله على حال ".

[ 251 ]

وهاتان العبارتان تتعرضان لحكم سؤر الكافر، ولا يستفاد منها نجاسة الكافر إلا بناء على الملازمة بين الفتوى بعدم جواز استعمال سؤر الكافر والفتوى بنجاسة الكافر. وقال في باب تطهير الثياب من النهاية: " وإذا أصاب ثوب الإنسان كلب أو خنزير أو ثعلب أو أرنب أو فأرة أو وزغة وكان رطبا وجب غسل الموضع الذي أصابه فإن لم يتعين الموضع وجب غسل الثوب كله وإن كان يابسا وجب أن يرش الموضع بعينه فإن لم يتعين، رش الثوب كله وكذلك إن مس الإنسان بيده أحد ما ذكرناه أو صافح ذميا أو ناصبا معلنا بعداوة آل محمد وجب عليه غسل يده إن كان رطبا، وإن كان يابسا مسحها بالتراب ". وهذه العبارة لم يرد بها الإلزام في تمام الموارد قطعا فلا يمكن إثبات الفتوى بالنجاسة بها وإنما تشتمل على متون الأخبار، لأن الشيخ نفسه في نفس النهاية يفتي بالجواز والطهارة في جملة من الموارد إذ يقول: " إذا وقعت الفأرة والحية في الآنية أو شربتا منها ثم خرجا حيا لم يكن به بأس " ويقول أيضا: " ولا تنجس مياه الغدران بولوغ السباع والبهائم والحشرات وسائر الحيوان فيها إلا الكلب خاصة والخنزير فإنه ينجسها إن كان دون الكر ". نعم أقوى عبارة للشيخ الطوسي في النهاية تدل على النجاسة ما ذكره في كتاب الأطعمة والأشربة إذ قال: " ولا تجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه ". إلا أنه (قدس سره) يقول بعد هذا ببضعة أسطر: " ويكره أن يدعو الإنسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه

[ 252 ]

وإن دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء ". ومن هنا وقع المحقق قدس سره في ضيق لدى الجمع بين عبارتي الشيخ المتقاربتين، فحمل العبارة الثانية على فرض عدم الرطوبة وأن الغسل شئ تعبدي. ولعل هذا أولى من حمل النجاسة في العبارة الأولى على النجاسة المعنوية. وعبارات الشيخ في المبسوط والتهذيب أوضح في النجاسة، فقد صرح في المبسوط بأن الكافر نجس. واستدل في التهذيب بالآية الكريمة التي مفادها - إذا تمت دلالتها - نجاسة نفس الكافر لا حرمة سؤره فحسب. ومنها: ما في ككتاب المراسم لسلار قال: " وإزالة النجاسة على أربعة أضرب: أحدها: بالمسح على الأرض والتراب... والآخر: بالشمس والآخر برش الماء على ما مسه، كمس الخنزير والكلب والفأرة والوزغة وجسد الكافر إذا كان كل ذلك يابسا. والآخر: ما عدا ما ذكرناه من النجاسات، فإنه لا يزول إلا بالماء. وهذه العبارة وإن دلت على فتواه بنجاسة الكافر غير أنه ساقه مساق الفأرة والوزغة فلا تكشف الفتوى عن ارتكاز إلا بمقدار ما يمكن افتراضه فيها. ومنها: ما في كتاب الوسيلة إذ جاء فيه في أحكام الماء: " وإذا لم يبلغ كرا نجس بوقوع كل نجاسة فيه، وبمباشرة كل نجس العين مثل الكلب والخنزير وسائر المسوخ، وكل نجس الحكم مثل الكافر والناصب بارتماس الجنب فيه. ولا ينجس بولوغ السباع والبهائم والحشار منه سوى الوزغ والعقرب... إلخ ". وجاء فيه في باب غسل الثياب: " فما تجب إزالة قليله وكثيره أربعة أضرب: أحدها: يجب غسل ما مسه إن كانا رطبين أو كان أحدهما رطبا والثاني: يجب رش الموضع الذي مسه يابس بالماء إن كان ثوبا. والثالث: يجب مسحه بالتراب إن مسه البدن يابسين. والرابع: يجب

[ 253 ]

غسل ما أصابه بالماء على كل حال. فالأول والثاني والثالث: تسعة أشياء الكلب، والخنزير، والثعلب، والأرنب، والفأرة، والوزغة، وجسد الذمي، والكافر، والناصب، والرابع: أحد وعشرون، وعد منها: بول ما لا يؤكل لحمه، وذرق الدجاج، والخمر، وكل شراب مسكر ولعاب الكافر.. إلخ. ونلاحظ بوضوح: أن الكافر جعل في قائمة النجاسات التي تشتمل على الثعلب والأرنب والفأرة وذرق الدجاج، ومثل هذا لا يمكن أن يكشف عن ارتكاز غير قابل للمناقشة بشأن نجاسة الكافر. وفي كتاب جواهر الفقه لابن البراج، لم يقع نظري على ما له تعرض لنجاسة الكافر، نعم طرح هذا السؤال وهو: إذا كان كافرا وتيمم أو توضأ ثم أسلم هل يكون تيممه أو وضوئه صحيحا؟. ثم أجاب بالنفي لأن ذلك عبادة يفتقر في صحتها إلى النية ولا تصح عمن هو كافر. ومثله في الخلاف للشيخ الطوسي. وهذه العبارة لو استشم منها شئ فإنما تستشم الطهارة لا النجاسة، إذ على القول بالنجاسة كان بالإمكان تعليل بطلان العمل بنجاسة الأعضاء وتنجس الماء، ولا أقل من حيادية العبارة المذكورة. ومنها: عبارة الغنية المتقدمة لابن زهرة، وقد أفتى فيها بنجاسة الكافر والثعلب والأرنب. والمستخلص من كل هذا العرض: أن كلمات الأقدمين جملة منها غير واضحة في الفتوى بنجاسة الكافر، وبعضها ظاهر في عدم النجاسة وجملة منها اقترنت فيها الفتوى بنجاسة الكافر بالفتوى بنجاسة أشياء أخرى لا يلتزم بنجاستها، الأمر الذي يوجب احتمال كون مدرك النجاسة في الجميع عندهم على نحو واحد، وهو مجرد الاستفادة من ظواهر الروايات على نحو يمكن رفع اليد عنه بظهور أقوى والخالي من كل نقاط الضعف

[ 254 ]

هذه ليس إلا بعض تلك الكلمات. النقطة السادسة: أن الروايات الدلة على الطهارة تارة: تلحظ بما هي حجة تعبدا على نفي النجاسة، وهذا استدلال بالسنة وسوف يأتي الكلام عنه. وأخرى: تلحظ بما هي قرينة ظنية بقطع النظر عن دليل الحجية وما يقتضيه على نحو يمكن استخدامها كعامل مزاحم لتأثير الإجماع في حصول العلم بالنجاسة، وهذا هو المقصود في المقام. لأن حجية الإجماع ليست إلا بسبب إفادته للعلم بحساب الاحتمالات، فيكون كل كاشف ظني على خلافه مؤثرا بدرجة ما في المنع عن تكون العلم على أساسه. غير أن القرينة الظنية قد لا تكون ذات أهمية معتد بها في المقام والنكتة في ذلك: أن صدور أخبار الطهارة مترقب على كل حال، سواء كان الحكم هو الطهارة أو النجاسة. أما على الأول: فلأجل بيان الواقع. وأما على الثاني: فلأجل توفر ظروف التقية عادة، إذ في المسائل التي يعم الابتلاء بها ويكون اتفاق العامة فيها على خلاف المتبنى من قبل أهل البيت يبعد عدم وقوع بعض الحالات التي تفرض التقية فيها بيان الحكم على وفقها ولهذا نلاحظ في مسائل من هذا القبيل وجود روايات على طبق مذهب العامة عادة إلى جانب الروايات التي تبين الحكم الواقعي. وعليه فلا تكون لأخبار الطهارة كاشفية تكوينية معتدا بها. ولكن بالرغم من ذلك فإن لها كاشفية مزاحمة على أي حال، إذا لاحظنا أن بعض ألسنة تلك الروايات وخصوصياتها لا يناسب التقية، من قبيل ما دل على النهي عن الوضوء بسؤر الكتابي مع استثناء صورة الاضطرار، ومن قبيل كون الراوي لبعض الروايات مثل علي بن جعفر، خصوصا مع كثرة روايات الطهارة وصراحتها وعدم وجود شئ من التذبذب والتزلزل في البيان في أكثرها. وهناك مبعدات متفرقة في الفقه للقول بالنجاسة: من قبيل: جواز

[ 255 ]

نكاح الكتابية مع استبعاد إمضاء الحياة الزوجية بين الطاهر بالذات والنجس بالذات، وتشريع تغسيل الكتابي للمسلم في بعض الحالات، ونحو ذلك. وحيث إن أكثر هذه النقاط تختص بمثل الكتابي من الكفار، فما يمكن أن نستخلصه من مجموع ما تقدم سقوط الإجماع المدعى عن الحجية بالنسبة إلى الكتابي، ومن هو من قبيله من الكفار. وأما بالنسبة إلى المشرك ومن هو أسوأ منه، فإن لم يمكن التعويل على الإجماع فيه جزما لضئالة منافذ التشكيك، فلا أقل من التعويل عليه بنحو الاحتياط الوجوبي. وأما الكتاب الكريم فقد استدل على النجاسة بقوله تعالى: " إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " (1). وتحقيق الكلام في هذه الآية يقع في ثلاث جهات: الجهة الأولى: في إمكان استفادة النجاسة بالمعنى المبحوث عنه من كلمة (نجس) في الآية. وتوضيحه: أن كلمة نجس - بفتح الجيم - مصدر، والنجاسة اسم مصدر، وأما الوصف فهو نجس بكسر الجيم. نعم ذكر بعض: أن كلمة نجس بفتح الجيم تأتي أيضا بمعنى الوصف. وهذا لو سلم فلا شك في أن الظاهر من الآية الكريمة إرادة المعنى الأول أي المصدر، إذ بناء على الوصفية كان مقتضى الطبع المطابقة بين الوصف والموصوف في الجمع، بخلافه على المصدرية، لأن نفس العناية التي لا بد من إعمالها في الشخص الواحد عند حمل المصدر عليه يمكن إعمالها في مجموع الجماعة. وعليه يقع الكلام في تعيين المراد من المعنى المصدري في الآية، فإن القذارة تتصور على أنحاء ثلاثة: الأول: قذارة حسية قائمة بالجسم خارجا.


(1) سورة التوبة الآية 28.

[ 256 ]

الثاني: قذارة قائمة بالشخص أو المعنى وقد يعبر عنها بالخبث وسوء السريرة، ويقول الراغب الأصفهاني: " إن هذه قذارة تدرك بالبصيرة لا بالبصر ". الثالث: قذارة قائمة بالجسم غير قابلة للتعدي إلى الآخر. فمثلا الخمر مسكر، والإسكار صفة لجسم الخمر، فإذا كان الإسكار قذارة واقعية أو اعتبارية فالخمر بجسمه قذر، كما في القسم الأول، إلا أن هذه القذارة بناء على هذا التصوير لها لا تقبل السريان، بخلاف القسم الأول. وهذا هو الذي يشار إليه في الروايات الدالة على طهارة الخمر بلسان أن الثوب لا يسكر. ثم إن هذه القذارات الثلاث تارة: تكون حقيقية كما في الأجسام الحاملة عرفا للقذارة المتعدية، وفي الإنسان الخبيث، وفي الخمر بناء على كون الإسكار قذارة واقعية. وأخرى: تكون اعتبارية، فالقذارة الاعتبارية إنما هي اعتبار لنفس هذه القذارات الثلاث. أما اعتبار القذارة الأولى: فمن قبيل اعتبار الشارع نجاسة الكافر بناء على نجاسته. وأما اعتبار القذارة الثانية: فهذا مما لا نحتمله في الشريعة، ولكن لو تمت أخبار تنقيص وتخبيث ولد الزنا احتمل حملها على هذا المعنى. وأما اعتبار القذارة الثالثة: فمن قبيل الجتابة والحيض ونحوهما من الأحداث. فالجنابة مثلا ليست قذرا معنويا قائما بالروح، كما يقال: إن الحدث ظلمة نفسانية، فإن هذا كلام شعري، بل المستفاد من الأخبار كون الجنابة حالة في الجسم، ولهذا ورد أن تحت كل شعرة جنابة وهذه الحالة تعتبر قذارد عند الشارع، بدليل التعبير عن الغسل بالطهارة، كما في قوله: " وإن كنتم جنبا فاطهروا ". فهي قذارة قائمة بوصف في الجسم ولا تسري إلى جسم آخر بالملاقاة، لأن ذلك الوصف لا يسري كذلك. ولهذا جاء

[ 257 ]

في روايات طهارة الثوب الملاقي لبدن الجنب: أن الثوب لا يجنب وورد في عرق الجنب والحائض: أن الجنابة والحيض حيث وضعهما الله. والعجب أن بعضهم - بعد أن ذكر النجاسة الشرعية التي هي قذارة جسمية والقذارة المعنوية - أنكر تصور قسم ثالث من القذارة وادعى: أن فرض قذارة قائمة بالجسم غير القذارة الأولى غير مألوف ولا مقبول عند أهل الشرع، مع أنا لاحظنا أن هذا القسم الثالث هو المستفاد من الشرع في مثل الجنابة والحيض. وهكذا يتضح: أن القذارة متى كانت صفة ابتدائية للجسم كانت قذارة جسمية قابلة للسريان بالملاقة ومتى كانت قائمة بصفة ثابتة للجسم ولم تكن تلك الصفة قابلة للسريان بالملاقاة فلا تسري القذارة إلى الملاقي بالرغم من كونها قذارة جسمية. وتعدد أقسام القذارة لا ينافي أنها ذات معنى واحد معروف. والأقسام المذكورة إنما تختلف في مركز القذارة والنجاسة، فهو تارة الجسم، وأخرى المعنى أو النفس، وثالثة صفة قائمة بالجسم. ولا انصراف إلى أحد الأقسام إلا بضم المنابسات والملابسات. والنجاسة الشرعية ليست معنى آخر للفظ القذارة، وإنما هي اعتبار للنجاسة الحقيقية. وعلى هذا الأساس فقد يستشكل على الاستدلال بالآية الكريمة بأن لفظة النجاسة يمكن حملها على معناها الحقيقي اللغوي، أي القذارة فلا تعطي إلا الطعن في المشركين بالقذارة والوساخة، ولا موجب لحملها على الفرد الاعتباري من القذارة المدعاة في المقام. وقد يقرب استفادة الفرد الاعتباري من الآية الكريمة بعدة وجوه: الوجه الأول: دعوى أن هذا المعنى هو الإصلاح الشرعي في زمن النبي (ص)، إما على أساس الحقيقة الشرعية، أو القرينة العامة. وأورد عليه السيد الأستاذ (دام ظله): بأن هذا يتوقف على تسليم

[ 258 ]

أصل تشريع النجاسة في الجملة في زمان نزول الآية، وهذا غير معلوم لما نعلم من أن الأحكام بينت بالتدريج ولكن التحقيق أن المظنون قويا تشريع أصل النجاسة قبل هذه الآية، فإن هذه الآية نزلت في سورة التوبة كما هو معلوم في السنة التاسعة من الهجرة في أواخر أيام النبي (ص) والمظنون قويا تشريع عدة نجاسات إلى ذلك الزمان. ويشهد لذلك أمور: منها: أن تدريجية الأحكام إنما كانت لمصحلة تكليف الناس وإعدادهم ومن المعلوم أن نجاسة بعض النجاسات على وفق الطبع العقلائي فلا موجب لتأخير تشريعها. وحينما دخل الرسول (ص) المدينة كان متعارفا عند أهل المدينة الاستنجاء بالحجر أو الماء، وكان البراء بن معرور الأنصاري أول من استنجى بالماء من المسلمين فنزلت في حقه " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " (1). ومنها: أن بعض روايات الإسراء - وهو قبل الهجرة - فيها إشارة إلى النجاسة، إذ يقارن فيها بين هذه الأمة والأمم السالفة التي قصرت فحملت عليهم تكاليف شاقة في حالة إصابة البول للبدن ونحوه، وأما هذه الأمة فقد جعل الماء لها طهورا. ومنها: ما ورد في بعض روايات حب النبي (ص) للحسن أو للحسين - على اختلاف متونها -: من أنه كان في حجر النبي فبال فأريد أخذه أو تأنيبه، فمنع النبي (ص) ودعا بماء فصبه عليه، وفي بعضها أن النبي: " بال عليه الحسن والحسين قبل أن يطعما فكان لا يغسل بولهما من ثوبه ". ومنها: قوله تعالى في سورة المائدة " فتيمموا صعيدا طيبا "، بناء على كون الطيب بمعنى الطاهر الشرعي، كما هو مقتضى استدلال الفقهاء


(1) سورة البقرة الآية 222.

[ 259 ]

بالآية على اشتراط طهارة التراب. وافتراض طاهر كذلك يساوق افتراض تشريع النجاسة. والمنقول أن سورة المائدة قبل سورة التوبة فإذا أوجبت هذه الشواهد وغيرها الظن الاطمئناني بسبق تشريع النجاسة لم يتم الجواب المذكور. غير أن الصحيح مع هذا عدم تمامية أصل الوجه، لأن النجاسة وإن كانت مشرعة إجمالا في ذلك الزمان، ولكن المتتبع يكاد أن يحصل له القطع بأن لفظة النجاسة لم تكن قد خصصت للتعبير عن القذارة الشرعية، وإنما كان يعبر عنها بتعبيرات مختلفة في الموارد المتفرقة. ولهذا نلاحظ أن مجئ لفظ (النجاسة) في مجموع الأحاديث المنقولة عن النبي (ص) إما معدوم وإما نادر جدا، لا في طرقنا فقط، بل حتى في روايات العامة التي تشتمل على ستمائة حديث عن النبي (ص) في أحكام النجاسة، ولم أجد فيها التعبير بعنوان النجس إلا في روايتين: في إحداهما نقل الراوي: أن رسول الله (ص) قال: " إن الهر ليس بنجس "، وفي الأخرى: نقل أن صحابيا واجه النبي وهو جنب فاستحى وذهب واغتسل واعتذر من النبي فقال (ص) " سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ". وهذا يكشف عن ضئالة استعمال لفظة النجاسة ودورانها في لسان الشارع، الأمر الذي ينفي استقرار الاصطلاح الشرعي بشأن هذه اللفظة. الوجه الثاني: دعوى حمل النجاسة على النجاسة الشرعية بقرينة حالية خاصة، وهي ظهور حال المولى في كونه في مقام المولوية، فلو حمل اللفظ على النجاسة غير الشرعية الاعتبارية لكان هذا إخبارا من قبل المولى عن أمر خارجي، وهو خلاف الظهور الحالي المذكور. ويرد عليه - مضافا إلى إمكان منع هذا الظهور في القرآن الكريم الذي له أغراض تربوية شتى - أن نجاسة المشرك ذكرت تعليلا لحكم شرعي وهذا

[ 260 ]

مناسب لمقام المولوية، سواء أريد بالعلة النجاسة الشرعية أو النجاسة الواقعية. الوجه الثالث: دعوى أن الأمر دائر بين القذارة الخارجية والقذارة الاعتبارية، والأول لا يحتمل كونه علة لمنع المشركين من الاقتراب إلى المسجد الحرام، إما لوضوح عدم انطباقها على كثير منهم، وإما لوضوح أن مجرد القذارة الخارجية لا يوجب حرمة الاقتراب، فيتعين الثاني. ويرد عليه - مضافا إلى أن الحمل على الثاني يقتضي عدم الالتزام بكون النجاسة الشرعية لشئ مناطا لحرمة دخوله ولو لم يلزم سراية أو هتك - أنه يوجد فرد معنوي من القذارة الخارجية كما تقدم، والحمل عليه لا يرد عليه الإشكال المذكور. ثم إنه يوجد مبعد لما تدعيه هذه الوجوه الثلاثة من الحمل على النجاسة الاعتبارية، وهو أن الآية الكريمة سيقت مساق حصر حقيقة المشركين بأنهم نجس بلحاظ أداة الحصر، فكأنه لا حقيقة لهم سوى ذلك، وهذا إنما يناسب النجاسة الحقيقية المعنوية لا النجاسة الاعتبارية. الوجه الرابع: دعوى الإطلاق في كلمة (نجس)، وأنه بالإطلاق تدل الآية الكريمة على نجاسة المشرك بتمام شؤنه ومراتبه نفسا وبدنا، فتثبت النجاسة المعنوية والجسمية. وبعد معلومية عدم النجاسة الجسمية الحسية في بدن المشرك تحمل على نجاسة البدن الاعتبارية. فليس الأمر دائرا بين نجاسة النفس ونجاسة البدن، ليدعى عدم تعين الثاني، بل الإطلاق كفيل بإثباتهما معا. ويرد عليه: أن النفس والبدن ليسا فردين من الموضوع في القضية لتثبت بالإطلاق نجاستهما معا، بل مرجعهما إلى نحوين من ملاحظة المشرك فقد يلحظ بما هو جسم، وقد يلحظ بما هو شخص معنوي. ولحاظه بما هو جسم ومعنى معا وإن كان أمرا معقولا، ولكنه لا يفي به الإطلاق

[ 261 ]

لأن الإطلاق ينفي أخذ قيد زائد في الموضوع، وليس له نظر إلى توسعة اللحاظ، وإدخال حيثيات عديدة تحته، بل يحتاج ذلك إلى قرينة خاصة. وعليه فالظاهر عدم تمامية الحمل على المعنى الشرعي فلا يتم الاستدلال بالآية الكريمة. الجهة الثانية: في أنه بعد افتراض حمل النجاسة على الاعتبار الشرعي قد يقال: أن الأمر يدور بين عنايتين: أحدهما: عناية حمل المبدأ على الذات. والأخرى: عناية تقدير كلمة (ذو) ولا مرجح للعناية الأولى ومع احتمال العناية الثانية لا تدل الآية إلا على كون المشرك ذا نجاسة، وهذا يلائم مع النجاسة العرضية. ويرد عليه - مضافا إلى أن عناية حمل المصدر أخف من عناية التقدير عرفا - أن مقتضى إطلاق كون المشرك ذا نجاسة عينية نجاسته كما هو واضح وحصر حقيقة المشرك بالنجاسة أنسب بالنجاسة العينية من النجاسة العرضية كما لا يخفى. الجهة الثالثة: في أنه بعد افتراض تمامية الاستدلال بالآية الكريمة على نجاسة المشرك، هل يمكن أن نثبت بها نجاسة الكتابي وغيره من أقسام الكفار؟. وتوضيح ذلك: أن المشرك تارة: يراد به في الآية الكريمة معناه اللغوي، وهو كل من كان متلبسا بالشرك في الواقع سواء دان بعنوان الشرك أو لا. وأخرى: يراد به معناه الاصطلاحي، الذي كان المجتمع الإسلامي يسير عليه، تمييزا للمشرك عن الذمي، وهو عبارة: عمن يدين بالشرك بعنوانه، فلا ينطبق على من كان واقع عقيدته شركا وإن لم يقبل عنوان الشرك لنفسه كالنصراني. فعلى الأول لا إشكال في شمول الآية لأقسام من الكفار الكتابيين

[ 262 ]

كالنصارى والمجوس، إلا أن نجاسة النصراني حينئذ تكون بوصفه مشركا فلا تشمل نصرانيا لو اتفق إيمانه بالنصرانية دون تورط في شركها وتثليثها. وقد يناقش على هذا التقدير بدعوى: أن الأخذ بإطلاق كلمة (المشرك) في الآية غير ممكن، لأن المشرك عنوان يطبق على كثير من العصاة المسلمين أيضا كالمرائي مثلا، فلا بد أن يكون المقصود نوعا خاصا من المشركين، ومعه لا يمكن التمسك بإطلاق الآية للمشرك من الكتابيين (1). ويندفع ذلك: بأن المشرك وإن كان ينطبق على كل من أشرك شخصا مع الله تعالى في مقام من المقامات المختصة به من وجوب الوجود، أو الخالقية أو الألوهية، أو الحاكمية وجوب الطاعة، أو الاستعانة الغيبية، وغير ذلك، إلا أنه ينصرف إلى الإشراك بلحاظ مرتبة الألوهية والعبادة، لأنها هي المرتبة التي يكون اختصاص الله تعالى بها مركوزا. هذا مضافا إلى أن ارتكاز طهارة المسلم ولو كان مرائيا وعاصيا يكون بمثابة القرينة المتصلة على تقييد الإطلاق، ومعه لا موجب لرفع اليد عن الإطلاق إلا بمقدار اقتضاء هذه القرينة اللبية على التقييد. وعلى التقدير الثاني تختص الآية بالمشرك المقابل للكتابي كما هو واضح. وليس من المجازفة دعوى ظهور كلمة المشرك عند الإطلاق في الثاني، لكونه اصطلاحا عاما في المجتمع الإسلامي. ومما يؤيد المعنى الثاني جعل الشرك ملاكا لمنع المشركين من الاقتراب إلى المسجد الحرام فإن وضوح أن من يقصد بهذا المنع - عمليا - هم المشركون الوثنيون - دون الكتابيين الذين لا يقدسون الكعبة أصلا وليسوا في معرض الوصول إليها - قد يشكل قرينة على ذلك. وكذلك ما تصدى له النص القرآني عقيب ذلك من تطمين أهل مكة بقوله: " وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء " فإن


(1) التنقيح ج 2 ص 44.

[ 263 ]

العيلة إنما تخاف بسبب تحريم مجئ المشركين الوثنيين الذين اعتادوا المجئ. ويكفي على أي حال افتراض تكافئ المعنيين في إجمال الآية الكريمة. وأما السنة، فهناك عدة روايات يستدل بها على النجاسة. ومنها: رواية سعيد الأعرج قال: " سألت أبا عبد الله عن سؤر اليهودي والنصراني. فقال: لا " (1). وهي من حيث السند تامة، إذ لا غبار عليها إلا من ناحية سعيد الأعرج الذي لم يوثق بهذا العنوان. والتغلب على ذلك يتم بإثبات وثاقته: إما بلحاظ رواية صفوان عنه بسند صحيح. وإما بإثبات اتحاده مع سعيد ابن عبد الرحمن الأعرج الذي وثقه النجاشي صريحا، بتقريب: أن الشيخ في فهرسته اقتصر على ذكر سعيد بن عبد الرحمن الأعرج السمان. والنجاشي في كتابه اقتصر على ذكر سعيد بن عبد الرحمن الأعرج، وأنهى طريقه إليه إلى صفوان. فلو كان سعيد هذا متعددا للزم اقتصار الشيخ في كل من كتابيه على أحدهما، وعدم تعرض النجاشي لمن تعرض له الشيخ في فهرسته بالنحو المذكور. كما نلاحظ أيضا انتهاء طريقي الشيخ والنجاشي معا إلى صفوان. وأما من حيث الدلالة، فتقريب مفادها بنحو يتم الاستدلال أن يقال: بأن السؤال عن سؤر الكافر قد يكون سؤالا عن حكمه الوضعي من حيث الطهارة والنجاسة، وقد يكون سؤالا عن حكمه التكليفي وجواز استعماله وعدمه وبقرينة كلمة (لا) في الجواب يعرف أن السؤال عن الحكم التكليفي، ولكن حيث لا موجب في المرتكز العام لعدم جواز الاستعمال إلا النجاسة كان الجواب دالا بالالتزام العرفي على النجاسة. ويرد عليه: أن سؤر الإنسان نمنع فيه وجود ارتكاز يقضي بعدم


(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأسئار.

[ 264 ]

تأثر الحكم التكليفي فيه إلا بالطهارة والنجاسة، لأن ما ورد في سؤر المؤمن وسؤر الجنب وولد الزنا والحائض، يشكل موجبا لافتراض أن المرتكزات المتشرعية كانت لا تأبى عن اكتساب السؤر منقصة أو كمالا بلحاظ الجهات المعنوية لصاحب السؤر، فلا يكون النهي عن سؤر الكافر كاشفا عن النجاسة. ومنها: رواية أبي بصير عن أحدهما (ع): " في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني؟ قال: من وراء الثوب، فإن صافحك بيده فاغسل يدك " (1). وسندها لا بأس به، لولا الإشكال بلحاظ وقوع وهيب بن حفص في طريق الكليني، والقاسم في طريق الشيخ، وكل منهما محتمل الانطباق على غير الثقة. وأما دلالتها على النجاسة فبلحاظ الأمر بغسل اليد، كما هو الحال في سائر موارد الأمر بالغسل. ولكن قد يعترض على ذلك: أولا: بأن الغالب في مورد المصافحة عدم الرطوبة، وحينئذ يكون ارتكاز عدم سراية النجاسة بدون رطوبة قرينة على أن الأمر بالغسل ليس بلحاظ النجاسة، وإنما هو أمر تنزيهي. وثانيا: بأن الملحوظ لو كان هو النجاسة لوقع المحذور في المصافحة من وراء الثوب أيضا، إذ يتنجس الثوب حينئذ. ولا بأس بالاعتراض الأول. وأما الثاني فهو مبني على ما هو مقتضى الطبع من أن الذي لا يريد أن يصافح باليد هو الذي يضطر إلى أن يصافح من وراء الثوب. وأما إذا لاحظنا حاق عبارة الحديث ولم نستظهر التسامح فيها، رأينا أنه يقول: فإن صافحك بيده فاغسل يدك، يدلا عن القول: إن صافحته بيدك فاغسل يدك وذلك يناسب مصافحة الكافر من وراء ثوبه فلا يبتلى المسلم بنجاسة لباسه. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع): " في رجل


(1) وسائل الشيعة باب 14 من النجاسات.

[ 265 ]

صافح رجلا مجوسيا. فقاال: يغسل يده ولا يتوضأ " (1) وتقريب الاستدلال بها كما تقدم. ويرد عليه أن حمل الحديث على سراية النجاسة ولو بدون رطوبة على خلاف الارتكاز العرفي، وحمله على السراية في فرض وجود الرطوبة حمل على فرد نادر، لأن الغالب في المصافحة عدمها، فيتعين الحمل على احتمال ثالث، وهو أن نفس المصافحة للمجوس بذاتها قذر يطرأ على اليد من قبيل قذارة الجنابة والحيض، وهذا أحد الأقسام الثلاثة للقذارة التي تقدمت عند الحديث عن الآية الكريمة. ولا بد في رفع الأوصاف القذرة التي تطرأ على الجسم من استعمال الماء. غاية الأمر أن بعضها يرفع بالغسل كما في قذر الجنابة والحيض، وبعضها بالوضوء كما في قذر الريح مثلا، وبعضها بالغسل (بالفتح) فقط كما في قذر المصافحة، إذ نلاحظ أن الإمام عليه السلام نفى الوضوء وأثبت الغسل. وكم فرق بين قذارة المصافحة وقذارة يد الكافر السارية إلى يد المسلم بسبب المصافحة. ويؤيد حمل الرواية على ما ذكرناه رواية أخرى لخالد القلانسي قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): ألقى الذمي فيصافحني. قال: امسحها بالتراب وبالحائط. قلت: فالناصب. قال: اغسلها " (2) فكأن المصافحة مع الكافر قذارة تشتد كلما كان الكافر أشد كفرا أو عداوة، ولهذا يكتفى في إزالة قذارتها بالمسح أحيانا. ومنها: صحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى (ع): " عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام. قال: إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل " (3).


(1) وسائل الشيعة باب 14 من النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 14 من النجاسات. (3) وسائل الشيعة نفس الباب المتقدم.

[ 266 ]

ومفادها التفصيل بعد فرض العلم باغتسال النصراني بين حضوره وعدم حضوره. ومن هنا قد يستشكل: بأن النصراني إذا كان نجسا ولم يكن ماء الحوض معتصما بالاتصال بالمادة وتنجس بسببه، فأي فرق بين حضوره وعدمه؟. ويندفع بأن الاستشكال تارة: يكون بلحاظ انفعال ما في الحوض الصغير. وأخرى: بلحاظ التقاطر على المسلم من المسيحي. وثالثة: بلحاظ نجاسة نفس جدار الحوض ونحوه بيد النصراني مع احتياج المسلم إلى مسه. والمنظور بالتفصيل في الرواية الجهتان الأخيرتان بعد فرض علاج الجهة الأولى بإيصال الماء بالمادة، وبذلك يتضح الفرق بين فرضي الحضور وعدمه ولا بأس بدلالة الرواية على نجاسة الكافر، إذ لولا ذلك لم يكن هناك موجب لاشتراط اغتسال المسلم وحده، وأمره بغسل الحوض أولا. ومنها: ما في الوسائل عن البرقي في المحاسن، بسند معتبر إلى زرارة عن أبي عبد الله (ع): " في آنية المجوس، قال إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء " (1). وتصحيح نقل الوسائل للرواية من المحاسن يكون بالتركيب بين طريق الشيخ إلى المحاسن وطريق صاحب الوسائل إلى الشيخ ودلالتها على النجاسة واضحة، باعتبار ظهور الأمر بالغسل في نجاسة الآنية وحمل النجاسة على النجاسة الحاصلة بسبب النجاسات التي يساورها المجوسي في طعامه وشرلبه خلاف الظاهر، لمنافاته للإطلاق، ولظهور العنوان في كون استعمال المجوسي للآنية المصحح لإضافتها إليه هو الميزان في الأمر بالغسل. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عن آنية أهل الذمة والمجوس. قال: لا تأكلوا من آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " (2). وتقريب الاستدلال


(1) وسائل االشيعة باب 14 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب النجاسات.

[ 267 ]

واضح. غير أن قوله في الجملة الأخيرة " ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " إن استفدنا منه كونه تقييدا للنهي عن الأواني الوارد في صدر الرواية دل على عدم نجاسة الكافر، وأن نجاسة أوانيه بسبب آخر. ويكفي لسقوط الاستدلال إجمال الفقرة الاأخيرة من هذه الناحية، لأنه يكون من اتصال ما يحتمل قرينيته وهو يوجب الإجمال. ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال: " سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة، وأرقد معه على فراش واحد، وأصافحه قال: لا " (1). والاستدلال بها على النجاسة يتوقف على استبعاد أن يكون الكلام - سؤالا وجوابا - متجها إلى حال هذه العناوين من حيث الحزازة النفسية فيها لا من حيث سراية النجاسة. وأما مع افتراض هذا الاحتمال بنحو لا ظهور في خلافه فلا يمكن الاستدلال بالرواية على النجاسة بل يلتزم بهذه العناوين، ما لم تقم قرينة من الخارج على الترخيص ويؤيد هذا الاحتمال غلبة انتفاء الرطوبة في الحالات المذكورة كما أشير سابقا. ومنه يظهر الحال في رواية عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: " سألت أبا عبد الله عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أما أنا فلا أواكل المجوسي، وأكره أن أحرم عليكم شيئا تصنعون في بلادكم " (2) فإنه لو سلم أن استنكاف الإمام (ع) عن مواكلة المجوسي كان بسبب التحريم، وأن التحريم عام، وامتناعه عن التحريم على الآخرين كان بمعنى امتناعه عن إخراجهم عما تقتضيه التقية من المساورة، فلا يدل التحريم المذكور على النجاسة بعد عدم انحصار ما يترقب كونه منشأ لذلك في الارتكاز المتشرعي العام في النجاسة.


(1) وسائل الشيعة الباب السابق. (2) وسائل الشيعة باب 53 من الأطعمة المحرمة.

[ 268 ]

ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال: " سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه. قال: لا بأس، ولا يصلي في ثيابهما وقال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده، ولا يصافحه. قال: وسألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان، هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله " (1) وتفصيل الكلام في هذه الرواية أنا إذا لاحظنا السؤال الأول مع جوابه لم نجد فيه دلالة على النجاسة، لعدم اشتمال الجواب على الأمر بالغسل الظاهر في ثبوت النجاسة للمغسول، وعدم كون النجاسة هي النكتة الوحيدة المحتملة ارتكازا لتلك النواهي، لكي ينسبق الذهن العرفي إليها، خصوصا مع عدم توفر الرطوبة السارية غالبا في إقعاد الكافر على الفراش أو مصافحته ويؤيد اتجاه النظر إلى غير النجاسة ما ورد في رواية أخرى لعلي بن جعفر (2) عطف فيها على العناوين المذكورة عنوان المصاحبة، الواضح عدم كونها منجسة، فإن هذا يعني ملاحظة حيثيات نفسية للحزازة. وأما إذا لوحظ جواب السؤال الثاني فهو يقتضي - مضافا إلى إفادة نجاسة الكافر - تخصيص قاعدة الطهارة أيضا، وهذا بنفسه مبتلى بالمعارضة بروايات بعضها صحيح السند، على نحو يتعين حمل الجواب المذكور على الاستحباب، حتى لو قيل بنجاسة الكافر ففي صحيحة عبد الله بن سنان قال: " سأل أبي أبا عبد الله (ع) وأنا حاضر: إني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي، فأغسله قبل أن أصلي فيه؟. فقال أبو عبد الله (ع): صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك


(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة كتاب الأطعمة والأشربة أبواب الأطعمة الحرمة باب 22.

[ 269 ]

فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه " (1). ومنها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع): " سأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟. قال: لا إلا أن يضطر إليه " (2). وتقريب الاستدلال بها: أن النهي عن الوضوء منه بمجرد إدخال الكافر يده ينسبق منه عرفا إفادة النجاسة، والترخيص في حال الاضطرار يعني الجواز في حالة التقية. ويرد عليه: أن حمل الاضطرار على التقية خلاف ظاهر الكلمة، أو إطلاقها على أقل تقدير بنحو يكون المتيقن منها الاضطرار الطبيعي، ومعه تكون الرواية على الطهارة أدل كما هو واضح، بل قد تكون سببا في إبطال دلالة رواية على بن جعفر المتقدمة في ماء الحمام الآمرة بالغسل من النصراني وإجمالها، باعتبار اتصال هذا النص بذاك وتلاحق السؤالين، غير أن الظاهر عدم حصول الإجمال في ذلك النص، لأن جواب السؤال الثاني لا يعتبر قرينة متصلة بالنسبة إلى جواب السؤال الأول، ولو كان السؤال الثاني عقيب جواب السؤال الأول مباشرة وسلم كون الجمع من الجمع في المروي لا في الرواية. ومنها: رواية هارون بن خارجة عن الصادق (ع): " إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ قال: لا " (3). ورواية عيص المأخوذة من كتاب المحاسن قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي أفآكل من طعامهم؟ قال: لا " (4) وتقريب الاستدلال بهاتين الروايتين أن النهي عن الأكل من طعامهم بعد فرض أصل المخالطة


(1) وسائل الشيعة باب 74 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الأطعمة المحرمة. (4) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الأطعمة المحرمة.

[ 270 ]

والمؤاكلة ينصرف إلى جهة النجاسة، دون حزازة المعاشرة، لأن هذه الحزازة ثابتة فيما فرض من مخالطة ومؤاكلة، ودون حزازة السؤر، لأن وحدة القصعة لم تفرض، وإنما فرض كون الطعام طعامهم، والمؤاكلة لا تستلزم وحدتها، فالسؤال عن خصوصية كون الأكل من طعامهم لا بد أن يكون بلحاظ النجاسة. وقد يستشكل: بأن كون النظر إلى نجاسة الكافر لا يناسب الفراغ عن جواز أصل مؤاكلته ولو من طعام المسلم، لأنها تتضمن غالبا الملاقاة بالرطوبة، فكيف اختص محدذور نجاسة الكافر بفرض الأكل من طعامهم؟! وهذا شاهد على أن الملحوظ النجاسات والمتنجسات التي تتواجد في طعام الكفار عادة بسبب الميتة والخمر وغيرهما، فلا دلالة في ذلك على نجاسة الكافر بعنوانه. إلا أن هذا مبني على أن يقصد بالمؤاكلة المفروغ منها الاشتراك في قصعة واحدة، وحمل المؤاكلة والمخالطة على ذلك بلا موجب كما أن دعوى: أن غاية ما تدل عليه الروايتان نجاسة طعام الكافر، وهي كما قد تكون بسبب مساورة الكافر، قد تكون بسبب استعماله للنجاسات مدفوعة: بأن ذلك خلاف الإطلاق، بل خلاف ظاهر إضافة الطعام إلى الكافر بعنوانه في مقام النهي عنه، الظاهر في كون تصديه له هو المنشأ في ذلك. هذه هي أهم الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة. ومن ذلك يظهر حال ما لم نتعرض له. وقد اتضح تمامية بعضها سندا ودلالة. وعليه فيقع الكلام في مرحلتين: إحداهما: في الروايات المدعى دلالتها على الطهارة. والأخرى: في كيفية الجمع بين الطائفتين. أما المرحلة الأولى: فقد استدل على الطهارة بعدة روايات. منها: صحيحة العيص " سألت أبا عبد الله (ع) عن مؤاكلة

[ 271 ]

اليهودي والنصراني والمجوسي. فقال: إن كان من طعامك وتوضأ فلا بأس " (1). وتقريب الاستدلال: تارة: بلحاظ نفس فرض غسل الكافر ليديه فإن الغسل ظاهر بمادته في المطهرية، وهو لا يناسب النجاسة الذاتية. وأخرى: بلحاظ الترخيص في مؤاكلة الكافر، فإن الترخيص في المؤاكلة وإن كان قد يلحظ فيه نفي الحرمة النفسية لهذا العنوان، دون تعرض لنفي محذور النجاسة الذي يحصل في بعض حالات المؤاكلة، فيكون الترخيص جهتيا، ولكن التقييد بكونه من طعام المسلم قرينة على أنه ترخيص فعلي لوحظ فيه دفع محذور النجاسة أيضا. ولا يمكن أن يقيد الترخيص في المؤاكلة بغير المؤاكلة في قصعة واحدة مع الرطوبة بقرينة دليل نجاسة الكافر لأن لازم ذلك أن تكون إناطة جواز المؤاكلة بوضوء الكافر إناطة تعبدية محضة، وهو خلاف المنساق من الدليل عرفا، الظاهر في الحمل على أمر مرتكز عرفي وهو المنع عن محذور السراية. وقد يستدل بهذه الرواية على أصالة النجاسة العرضية في الكافر بلحاظ إناطة جواز مؤاكلة الكافر بغسل يديه، فإن هذا كما يكشف عن الطهارة الذاتية يقتضي بإطلاقه أصالة النجاسة العرضية، وبهذا يمكن أن يقيد إطلاق الروايات السابقة - الدالة على النهي عن سؤر الكافر والأمر باجتنابه والغسل منه - بما إذا لم يعلم عدم نجاسته العرضية. ويرد على هذا أولا: أن ما يدل على النجاسة من الروايات السابقة ظاهر في بيان النجاسة الواقعية بمقتضى عدم أخذ الشك في الموضوع فتقييده بصورة الشك ينافي ظهور الخطاب في الواقعية، فلا موجب لتقديم هذا النحو من الجمع على الجمع بحمل الأمر بالاجتناب والغسل في روايات


(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب الأطعمة المحرمة.

[ 272 ]

النجاسة على الاستحباب، مع حفظ واقعية كلا الخطابين. وثانيا: أن المتن الموجود في حديث العيص متهافت، لأن الصيغة المتقدمة للمتن هي صيغة كتاب الكافي وقد نقلها صاحب الوسائل في بابي النجاسات والأطعمة. وهناك صيغة وردت في التهذيب والفقيه، مع وحدة الراوي والإمام والناقل عن الراوي، بنحو يبعد تعدد الرواية، وهي هذه " سألته عن مؤاكلة اليهودي والنصراني، قال: إذا كان من طعامك فلا بأس. قال: وسألته عن مؤاكلة المجوسي فقال: إذا توضأ فلا بأس ". والفارق بين الصيغتين أنه في هذه الصيغة جعل كون الطعام للمسلم شرطا لمواكلة اليهودي والنصراني، وجعل الغسل شرطا لمواكلة المجوسي، بينما جعل مجموع الأمرين معا شرطا لمواكلة الجميع في صيغة الكافي وإذا لاحظنا صيغة لبفقيه والتهذيب نجد أنه لم يؤمر فيها بالغسل بالنسبة إلى اليهودي والنصرايي فإن كان احتمال الفرق بينهما وبين المجوسي موجودا لم يكن في الرواية بهذه الصيغة ما يقتضي أصالة النجاسة العرضية فيهما، وإن كان المرتكز عدم الفرق أمكن إسراء الأمر بالغسل المبين بالنسبة إلى المجوسي إليهما أيضا فيتحد مفاد الصيغتين. ولكن مع هذا قد يحمل الأمر بالغسل في صيغة التهذيب والفقيه على الاستحباب، باعتبار سكوت الإمام (ع) عنه في مقام الجواب على السؤال الأول، فإن تأخير مثل هذا البيان لتقية أو نحوها وإن كان ممكنا غير أن التعرض لذلك في جواب السؤال الثاني يكشف عادة عن عدم وجود نكتة للتأخير من هذا القبيل، وهذا يناسب كون اشتراط الغسل استحبابيا لتكون استحبابيته هي بنفسها نكتة السكوت عنه في جواب السؤال الأول ثم التعرض له من خلال استمرار الجواب وتكرار السؤال. وثالثا: أن بعض روايات الطهارة الآتية تأبى عن الجمع المذكور لصراحتها في نفي أصالة النجاسة العرضية.

[ 273 ]

ومنها: موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال: " سئلته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنه يهودي؟ فقال: نعم. قلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال: نعم " (1). وتقريب الاستدلال بها: أن جواز الوضوء من ذلك الماء مع وضوح اشتراط الطهارة في الماء المتوضى به يدل على عدم انفعال الماء باليهودي الكاشف عن عدم نجاسته. وقد يستشكل في ذلك: بأن الجواز المذكور يلائم عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة أيضا. ويندفع بأنه إذا سلمت ملائمة الجواز لكلا الأمرين، فبضم أدلة انفعال الماء القليل - بعد عدم احتمال الفرق بين نجس ونجس - يتحصل الدليل على طهارة الكتابي. هذا مضافا إلى إمكان دعوى ظهور السؤال في الرواية في استعلام حال الكتابي، لا حال الماء القليل من حيث الاعتصام وعدمه، لأن تعرض الماء القليل في حياة المسلم الاعتيادية لملاقاة نجاسة أخرى أكثر جدا من تعرضه لملاقاة الكتابي، ففرض ملاقاته للكتابي دون تلك النجاسات ينسبق منه النظر إلى حال الكتابي، لا حال الماء، اللهم إلا أن يحتمل نظر السائل إلى حال الماء لا من ناحية الاعتصام والانفعال، بل من ناحية كونه سؤر الكافر، فينحصر تتميم الاستدلال على المطلوب به حينئذ بضم دليل انفعال الماء القليل. ومنها: ما مضى في أخبار النجاسة من صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع): " أنه سأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلا أن يضطر إليه "، فإن الكتابي لو كان نجسا لتنجس الماء به ولما جاز الوضوء به حتى في فرض الانحصار بل ينتقل إلى التيمم وعدم جواز الوضوء بالنجس حتى مع الانحصار إن


(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأسئار.

[ 274 ]

كان أمرا ارتكازيا في أذهان المتشرعة، فالترخيص المذكور في الرواية يدل بالدلالة الالتزامية العرفية على طهارة الكتابي، وإلا تعين ضم الدليل الخارجي على عدم جواز الوضوء بالنجس حتى مع الانحصار إلى الرواية، ليتحصل من المجموع ما يدل على طهارة الكتابي. وحمل الاضطرار على التقية، لكي تلائم مع النجاسة المستفادة من صدر الرواية بلا موجب، لأنه: إن كان بدعوى استظهار ذلك من نفس لفظ الاضطرار، فهو خلاف المفهوم عرفا من اللفظ الشامل للاضطرار الناشئ من الانحصار، بل المختص بمثل ذلك في المقام بنكتة أنه أضيف الاضطرار إلى الماء لا إلى الوضوء، وهذا ظاهر عرفا في أن حيثية الاضطرار قائمة بنفس الماء وهو الانحصار، وأما التقية فهي حيثية قائمة بالوضوء وإن كان بقرينة صدر الرواية، بناء على ظهوره في نفسه في النجاسة فالأمر على العكس، فإن الصحيح تحكيم ظهور الذيل في الصدر، لأن الذيل استثناء من الصدر، والظواهر التي تحصل في جانب التقييد هي التي تتصرف في ظهورات المقيد. كما أنه قد يستشكل: بأن الرواية - على خلاف الرواية السابقة - مطلقة من ناحية قلة الماء وكثرته، فتكون أدلة نجاسة الكتابي مقيدة لإطلاق الرواية، بنحو تحمل على الكثير خاصة غير أن تقييد الرواية بحملها على الكثير خاصة بعيد جدا، لندرة الكثير في بيئة الرواي، وبعد خفاء اعتصام الماء الكثير على مثل علي بن جعفر. ومنها: رواية إسماعيل بن جابر قال: " قلت لأبي عبد الله (): ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ قال: لا تأكله. ثم سكت هنية. ثم قال: لا تأكله. ثم سكت هنيئة. ثم قال: لا تأكله، ولا تتركه تقول

[ 275 ]

أنه حرام، ولكن تتركه تتنزه (تنزها منه خ ل) عنه أن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " (1) وهي معتبرة سندا، وواضحة دلالة على طهارة أهل الكتاب، لأن عدم تحريم طعامهم مع أنه يلاقي عادة أجسامهم بالرطوبة، باعتبار أن الظاهر من الإضافة كونهم قد طبخوه وهيأوه، وهذا يلازم الملاقاة برطوبة غالبا خصوصا في ذلك العصر، وتعليل التنزه بمعرضية الأواني للخمر ولحم الخنزير دون معرضيتها لملاقاة رطوباتهم، يدل على عدم نجاستهم. ومجرد تكرار النهي في صدر الرواية لا يعني كونه إلزاميا وكون الذيل تقية، لأن الاهتمام الذي يشعر به التكرار يناسب غير الالزام أيضا، إذ ما أكثر الموارد التي بين فيها بعض المطلوبات غير الالزامية بألسنة مشددة، فلعل المقام منها غير أن استشعار الإمام (ع) كون هذا التأكيد موجبا لانفهام اللزوم وجعله ينصب قرينة على عدم اللزوم. وكما تنفي الرواية النجاسة العينية كذلك تنفي أصالة النجاسة العرضية. ولا يمكن عرفا تقييدها بما إذا علم بأن صاحب الطعام قد غسل يده عند كل مساورة لطعامه، لكي تكون ملائمة مع أصالة النجاسة العرضية كما هو واضح. ومنها: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود: قال: " قلت للرضا (ع): الخياط أو القصار يكون يهوديا أو نصرانيا، وأنت تعلم أنه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله؟ قال: لا بأس " (2) ومن الواضح أن السؤال إنما هو عما يمارسه من ملابس المسلمين بلحاظ الطهارة والنجاسة، كما يشهد بذلك قوله: " تعلم أنه يبول "، فنفي البأس يدل على طهارة أهل الكتاب بالمعنى المقابل للنجاسة الذاتية، وبالمعنى المقابل لأصالة النجاسة العرضية. ومثل هذه الرواية لا يمكن تقييدها بما إذا علم بغسل يده قبل ممارسة الملابس لكي


(1) وسائل الشيعة باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة. (2) التهذيب ج 2 ص 115.

[ 276 ]

تلائم مع أصالة النجاسة العرضية، لأن السائل قد فرض أنه يبول ولا يتوضأ أي لا يغسل، وهذا يعني أنه لا يعلم بغسل يده حين الممارسة، وإلا لم يكن هناك أثر لفرض أنه يبول ولا يتوضأ. ومنها: صحيحة أخرى لإبراهيم عن الرضا عليه السلام قال: " قلت للرضا: الجارية النصرانية تخدمك وإنت تعلم أنها نصرانية، لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة. قال: لا بأس تغسل يديها " (1) والكلام فيها تارة: يقع بلحاظ الطهارة الذاتية. وأخرى بلحاظ النجاسة العرضية. أما الأول: فلا إشكال في دلالتها على الطهارة الذاتية. إما بتقريب: أن نفي البأس عن الخدمة - مع كون الملحوظ للسائل حيثية النجاسة وملاقاتها للأشياء بالرطوبة، بقرينة فرضه أنها لا تتوضأ ولا تغتسل - واضح في نفي النجاسة الذاتية. أو بتقريب: أن قول الإمام (ع) " تغسل يديها " يدل على ذلك لأن النجس العيني لا معنى لغسله. ولا فرق في هذين التقريبين بين كون القضية المسئول عنها حقيقية أو خارجية. واستظهار كونها خارجية بقرينة قول الرواي " الجارية النصرانية تخدمك "، والاستشكال عندئذ بأن وجود النصرانية عند الإمام (ع) لعله كان بسبب ظروف اضطرارية ناشئة من النقية. مدفوع، بأن الاستظهار المذكور لا موجب له، وتعبير الرواي المذكور ليس إلا على حد تعبيره شخصيا في الرواية السابقة " وأنت تعلم أنه يبول "، فإنه أسلوب في االبيان. ولو فرضنا القضية خارجية فإن الرواية تكون حينئذ أدل على الطهارة، لاقتران الفعغل بالقول. واحتمال التقية منفي بالأصول العقلائية العامة. ولو ثبت كون وجود النصرانية عند الإمام اضطراريا وبسبب التقية فلا يعني ذلك أن بيانه مبني على التقية


(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب النجاسات.

[ 277 ]

فأصالة الجد في بيانه جارية على كل حال. وأما الثاني: فقد يقال: بأن الرواية وإن دلت على الطهارة الذاتية ولكنها تدل أيضا على أصالة النجاسة العرضية، باعتبار إناطتها نفي البأس بغسل اليدين الشامل بإطلاقه لفرض الشك أيضا. وتحقيق الكلام في ذلك: أن قوله (ع) " تغسل يديها " يمكن حمله على الإخبار، فيناسب مع القضية الخارجية، ويناسب أيضا مع القضية الحقيقية، بأن يكون إخبارا عن لازم عادي عرفي لهذه القضية الحقيقية. ويمكن حمله على الإنشاء والأمر بالغسل، فيناسب مع القضية الحقيقية. فإن حمل على الإخبار فلا يدل على اشتراط غسل اليدين حتى مع عدم العلم بنجاسة يديها، وإنما هو إخبار في مقابل إخبار السائل بعدم التطهير بقوله " لا تتوضأ ولا تغتسل "، ومفاده أنها تغسل يديها، وهو كاف في تطهير محل الابتلاء منها كخادمة، وليس المقصود من ذلك تشريع غسل على خلاف القواعد العامة، بل التأكيد على التزامها بتلك القواعد في حدود ما يحتاج إليه. وإن حمل على الإنشاء والأمر فالمتيقن منه صورة العلم بالنجاسة العرضية، وأما إطلاقه لصورة الشكك فهو وإن كان ثابتا في نفسه، إلا أن ما هو نص عرفا في نفي أصالة النجاسة العرضية من روايات الطهارة يقيد هذا الإطلاق. ومنها: رواية زكريا بن إبراهيم قال: " دخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت: إني رجل من أهل الكتاب، وإني أسلمت، وبقي أهلي كلهم على النصرانية، وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد فآكل من طعامهم فقال لي: يأكلون الخنزير؟ فقلت: لا، ولكنهم يشربون الخمر. فقال لي: كل معهم واشرب " (1) ولا شك في دلالتها على الطهارة، غير أنها


(1) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب الأطعمة المحرمة.

[ 278 ]

غير تامد سندا. ولا تخلو من شئ متنا، بلحاظ أنها أناطت بظاهرها الترخيص في الأكل والشرب باجتناب لحم الخنزير، ولم تعتبر شربهم للخمر مانعا عن ذلك: إما لدعوى طهارته، أو لأنه ليس في معرض تنجيس الطعام بخلاف لحم الخنزير، وكلاهما كما ترى. كما أن ابتلاء الكفار بلحم الميتة من ذبائحهم أشد من الابتلاء بلحم الخنزير، ولو يشر إلى ذلك مع وضوح نجاسة الميتة. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: " سألته عن آنية أهل الكتاب. فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير " (1) والاستدلال بمفهوم الشرط الثابت خصوصا في مثل المقام الذي أخر فيه الشرط عن الجزاء، فإنه يدل على جواز الأكل في آنيتهم إذا لم يكونوا يأكلون فيها النجاسات، وهذا يدل على طهارتهم، لأن العادة جارية بملاقاتها لهم بالرطوبة. وقد جاء متن متقارب يشتمل على القضية الوصفية بدلا عن الشرطية - على ما تقدم في روايات النجاسة - غير أنه لو سلم عدم المفهوم للوصف، واقتضاء ذلك للتهافت في مقام النقل على تقدير وحدة الرواية، فلا سبيل إلى الجزم بوحدة الرواية، وإن اتحد الراوي والناقل عنه، لوجود عدة اختلافات بين المتنين. وعدم صراحتهما في وحدة الإمام المنقول عنه. ومنها روايات جواز الصلاة في الثوب الذي يرده المستعير الذمي بدون غسل ما لم يعلم أنه نجسه، كما في رواية عبد الله بن سنان. وفي الثوب الذي يصنعه المجوسي بدون غسل أيضا، كما في رواية معاوية ابن عمار ورواية المعلى بن خنيس. بدعوى: أن ملاقاة الثوب للكافر بالرطوبة في هذه الحالات أمر معلوم عادة، فيدل الجواز على الطهارة.


(1) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب الأطعمة المحرمة.

[ 279 ]

وهي دعوى قابلة للإنكار: أما فيما يصنعه المجوس فواضح، لأن حياكة الثوب لا تلازم الملاقاة برطوبة. وأما في الثوب الذي استعاره الذمي فالأمر كذلك، ما دام فرض الرواية قابلا للانطباق على الاستعارة القصيرة الأمد التي لا يحصل فيها عادة علم بالملاقاة مع الرطوبة. هذه أهم الروايات التي يمكن أن يستدل بها على الطهارة. وهناك روايات أخرى في نفس الباب أو في أبواب أخرى متفرقة يمكن الاستئناس بها للحكم بالطهارة، من قبيل ما دل على جواز نكاح الكتابية ولو في الجملة، وما دل على أمر الكافر عند الضرورة بأن يغتسل ثم يغسل الميت ونحو ذلك. وأوجه الاستئناس واضحة. وقد تبين: أن روايات الطهارة هذه تشتمل على عدد تام سندا ودلالة غير أنه قد يستشكل في تماميته حجية، بلحاظ تطابق الأصحاب على القول بالنجاسة، الذي لا يمكن تفسيره: بعدم اطلاعهم على تلك الروايات لأنها لم تصلنا إلا عن طريقهم، أو بعدم استظهارهم للطهارة منها، مع وضوح ذلك عرفا في جملة منها، أو بتقديم أخبار النجاسة عليها، بوجه مع وضوح الجمع العرفي بالحمل على التنزه. فيتعين تفسير ذلك باطلاعهم على خلل في النقل، أو خلل في المنقول، بمعنى وجود ارتكاز واضح للنجاسة يكشف عن عدم مطابقة المنقول للواقع. وعلى كلا التقديرين تسقط روايات الطهارة عن الحجية. أما على الأول: فلأن اعتقاد الأصحاب بالخلل في النقل أمارة مهمة توجب سلب الوثوق بالروايات، المؤدي إلى خروجها عن دليل الحجية. وأما على الثاني: فلأن نفس ذلك الارتكاز يكون حجة علينا. والتحقيق: أن افتراض استناد الأصحاب إلى الاطلاع على الخلل في النقل بعيد جدا، إذ ليس في كلماتهم أي تعرض لذلك ولو إجمالا. فهذا

[ 280 ]

الشيخ الطوسي (قدس سره) لا يرمي ما يدل على الطهارة بالخلل أو نحو من الشذوذ، الذي رمى به ما دل على جواز الوضوء بماء الورد ونحوه ونلاحظ أن جملة من روايات الطهارة قد أفتى الأصحاب بمضمونها وإن لم يستفيدوا منها الطهارة. فالشيخ الطوسي قدس سره يذكر: " أنه يكره أن يدعو الإنسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، وإن دعاه فيأمره بغسل يده ثم يأكل معه إن شاء "، وقد ذكر المحقق الحلي: " أن هذه الفتوى مبنية على رواية العيص "، وهذا يعني أن الشيخ عمل بها، وإن لم يستفد منها الطهارة لحملها مثبلا على فرض عدم الرطوبة. كما أن الشيخ قد تمسك ببعض روايات الطهارة لإثبات النجاسة، فقد استدل على النجاسة برواية علي بن جعفر في ماء الحمام مع ذيلها، الذي عرفت منا أنه يدل على الطهارة، ومعنى ذلك عدم صحة افتراض الخلل في النقل في تلك الروايات، وإلا لما صح الاستدلال بها على شئ. ومما يؤكد عدم الخلل في النقل تعدد روايات الطهارة وكثرتها بنحو يضعف احتمال الخلل في النقل فيها جميعا. مضافا إلى أن جملة منها قد أخذها أصحاب المجاميع من كتب الأصول رأسا، كرواية علي بن جعفر التي نقلها الطوسي من كتابه، ورواية العيص التي نقلها الصدوق من كتابه. وأما افتراض ارتكاز راسخ دعا الأصحاب إلى اعتقاد الخلل في المنقول وطرحه فقد ناقشناه نفصيلا عند تقييم الإجماع المدعى على النجاسة، ومحاولة التعرف على مدى قدرته على إثبات ذلك، وانتهينا إلى عدم الاعتقاد بالافتراض المذكور، واحتمال أن يكون موقف الأصحاب السلبي من روايات الطهارة مستندا - ولو في الجملة - إلى عوامل اجتهادية، استعرضناها فيما سبق. ومعه لا يبقى مانع عن المصير إلى حجية أخبار الطهارة في نفسها والجمع بينها وبين أخبار النجاسة، بحمل تلك على التنزه، خصوصا مع

[ 281 ]

اشتمال المقام على روايات صريحة في النهي التنزيهي، تعتبر شاهدا على هذا الجمع. واستبعاد إعراض الأصحاب أو غفلتهم عن الجمع العرفي المذكور بدون افتراض ارتكاز قاهر يقتضي النجاسة، قد مر فيما تقدم من بحث في نقد الإجماع وتقييمه بعض المضعفات له فلاحظ. مضافا إلى أنه لو كشف موقف الأصحاب عن وجود عامل وراء صناعة الروايات فالجزم بأن هذا العامل هو مرتبة من الارتكاز الكاشفة كشفا قطعيا لدينا عن النجاسة غير ممكن لما أشرنا إليه سابقا من قرائن عدم وجود مثل هذا الارتكاز في أذهان فقهاء الرواة إلى عصر الغيبة. وبعد تزاحم القرائن من الطرفين لا يحصل اليقين بتلك المرتبة من الارتكار. ويوجد احتمال أن يكون المستند ارتكاز الحزازة ولزوم التجنب في الجملة عن الكافر والارتكازات قد تتعمق وتتسع على مر الزمن بحيث يكون أصلها الوقعي أضيق دائرة مما انتهت إليه من خلال ملابسات نفسية وفكرية مختلفة. كما يوجد احتمال حصول الاطمئنان الشخصي لجملة من الأصحاب بالنجاسة استنادا إلى روايات النجاسة، ويكون هذا العامل المؤثر في طرح أخبار الطهارة وهذا الاحتمال معقول في نفسه بالنسبة إلى جملة من الأصحاب على الأقل، إذا لاحظنا أن ما تمت دلالته على النجاسة عندهم أكثر عددا مما تمت دلالته عندنا، كما يظهر بمراجعة الروايات التي استدل بها الشيخ الطوسي على النجاسة، وأن ما كان ملحوظا من أخبار الطهارة لعله أقل مما تجمع متأخرا بعد توفر مجاميع الحديث والنظرة المجموعية إليها ونحن نلاحظ: أن الشيخ في كتاب الطهارة من التهذيب ذكر في بيان عدم جواز الوضوء من سؤر الكفار: الاستدلال بالآية الكريمة، وجملة من الروايات، واقتصر في مقام نقل المعارض على رواية واحدة وهي رواية

[ 282 ]

عمار الساباطي، ثم أولها (1). وذكر في باب تطهير الثياب وغيرها: الاستدلال على غسل الملاقي للكافر بالآية، وجملة من الروايات، ولم يذكر معارضا أصلا (2) بينما ذكر جملة من الروايات الدالة على الطهارة في مكاسب التهذيب. فإذا أضفنا إلى ذلك ما أشرنا إليه سابقا: من أن صدور مقدار من الروايات ذات الدلالة على الطهارة كان أمرا مترقبا، باعتبارها الرأي المتبنى سنيا على العموم، وفي كل مسألة من هذا القبيل يوجد عادة بعض البيانات الموافقة للرأي العام السني، وتظافرها وكثرتها ينتزع منه نوع من التأكيد والاهتمام، الذي يوضح إلزامية الحكم... أمكننا على ضوء ذلك كله أن نفهم كيفية حصول الاطمئنان الشخصي لجملة من الأصحاب بالنجاسة استنادا إلى روايات النجاسة نفسها. وافتراض هذا الاطمئنان بالبيان المذكور يصلح تفسيرا لموقف جملة من الأصحاب، وإبرازا للعامل الخرجي الذي دعى إلى طرح قواعد الجمع العرفي. وإن لم نكن نشارك في هذا الاطمئنان، لأن ما تمت عندنا دلالته على النجاسة أقل عددا، وما تجمع لدينا من روايات الطهارة فيه من الصراحة وعدم التذبذب في البيان والتظافر والمخالفة للتقية في بعض الخصوصيات، ما لا يسمح بحصول الاطمئنان أو الظن الشخصي ببطلان دلالته على الطهارة. على أنه كما يترقب صدور أخبار الطهارة ولو لم يكن الحكم هو الطهارة من أجل التقية - وبذلك يضعف الكشف التكويني لأخبار الطهارة - كذلك يترقب صدور أخبار الأمر بالغسل واجتناب، ولو لم يكن


(1) التهذيب ج 1 ص 223. (2) التهذيب ج 1 ص 262.

[ 283 ]

الحكم هو النجاسة، لأن التنزه معلوم المطلوبية على أي حال. وعدم نصب القرينة المتصلة على نفي الإلزام في سيلق الطلب التنزيهي أمر مألوف وشائع، فيشكل ذلك نقطة ضعف مقابلة في الكشف التكويني لأخبار النجاسة، الأمر الذي يحول دون حصول الاطمئنان الشخصي لدينا بالنجاسة. وصفوة القول: أنا إذا كنا لا نحتمل غفلة الأصحاب عن صحة الجمع العرفي بالحمل على التنزه، فيمكن أن نفسر إعراضهم عنه في المقام بأحد الأمرين: إما الارتكاز ولكن بمرتبة لا تتنافى مع القرائن على عدم وجود ارتكاز حاسم على النجاسة في أذهان فقهاء الرواة. وإما الاطمئنان الشخصي الناشئ من مجموعة أمور لا نسلمها، ولكننا لا نستبعد افتراض تسليمها عند جملة من الأصحاب. وإذا كنا نحتمل الغفلة في شأن جملة من الأصحاب عن ضرورة تقديم الجمع العرفي - كما تبرره بعض القرائن كتصريح الشيخ الطوسي بتقديم الجمع بالحمل على التقية على الجمع العرفي - في نص أشرنا إليه سابقا عند مناقشة الإجماع - فيمكن أن نفسر عمل الأصحاب بأخبار النجاسة على أساس اجتهادي يلائم مع الاعتراف بحجية أخبار الطهارة في نفسها. وذلك من قبيل ترجيح أخبار النجاسة بالأكثرية، أو بمخالفة العامة، أو بموافقة الكتاب، أو جعل العام الكتابي مرجعا بعد التساقط. إلى غير ذلك من الوجوه الاجتهادية التي تقدمت الإشارة إليها في بحث الإجماع. وعليه فلا موجب لسقوط أخبار الطهارة عن الحجية في نفسها. وعلى ضوء ذلك كله نلاحظ أن أدلة القول بالنجاسة لم يتم شئ منها في الكتابي. وأن المتيقن من تلك الأدلة - التي عمدتها الإجماع - المشرك ومن يوازيه، أو من هو أسوأ منه كالملحد. وعلى هذا يتجه التفصيل بين هذا المتيقن وغيره، فيحكم بالنجاسة في حدود المتيقن، ويحكم بالطهارة فيما زاد

[ 284 ]

ذلك. بقيت في المقام عدة تنبيهات: الأول: أن جملة من الفقهاء غير الإمامية استدلوا على طهارة أهل الكتاب بقوله تعالى: " اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعاممكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن... " (1). والتحقيق: أنه إن أريد الاستدلال بحلية طعام أهل الكتاب على طهارتهم بدعوى: أن هذا التحليل مسوق لنفي النجاسة مباشرة. فهو مندفع بأن الظاهر من المقطع القرآني المذكور أنه بصدد إلغاء البينونة، ونفي المقاطعة بين الجماعة المسلمة وأهل الكتاب، وليس ناظرا إلى نفي النجاسة بعنوانها. ولهذا فإن النص القرآني يحلل طعام المسلمين للكتابي كما يحلل طعامه لهم، ومن الواضح أن تحليل طعام المسلمين للكتابي ليس في مقام نفي نجاسة المسلم، بل التحليلان معا يستهدفان غرضا تشريعيا واحدا، وهو ما ذكرناه من إلغاء الببينونة، ولهذا عطف على ذلك جواز نكاح الكتابية أيضا فالسياق كله متجه نحو ذلك، فهو يدل على أن إضافة الطعام إلى أهل الكتاب وكونه طعامهم ليس ملاكا للاجتناب والمقاطعة. وإن أريد الاستدلال بالآية على الطهارة بدعوى: أنها تفهم ضمنا لأن الكتابي لو كان نجسا ومنجسا لكان ارتباط الطعام به وكونه طعامه مما يقتضي الاجتناب عنه لنجاسته. فهو موقوف على أن تكون إضافة الطعام إلى أهل الكتاب بمعنى ما يعدونه ويطبخونه من طعام، كالأمراق مثلا التي إضافتها إلى الكتابي بهذا المعنى مساوقة عادة لملاقاته لها بنحو موجب للسراية. وأما إذا كانت الإضافة بمعنى ما يكون ملكا لأهل الكتاب وتحت


(1) سورة المائدة الآية 8.

[ 285 ]

سلطانهم من الطعام، فمن الواضح أن هذه الإضافة لا تتضمن الملاقاة المسرية دائما، وفي هذا الضوء يعلم أنا فسرنا الطعام بالبر، أو بما كان كالبر من المواد الأساسية للغذاء، إما لكونه أحد المعنيين للكلمة لغة، أو لورود تفسير بذلك في الروايات، فمن الواضح عندئذ أن الآية الكريمة أجنبية عن إفادة الطهارة، لأن ظاهر إضافة الطعام إلى أهل الكتاب بناء على تفسيره بالبر ونحوه إضافة ملكية والسلطنة، وهذا يجعل مفاد الآية الكريمة نفي الحرمة من ناحية كون الطعام ملكا للكتابي وتحت سيطرته في مقابل احتمال حرمته ولو من باب لزوم مقاطعة أهل الكتاب وقطع التعامل معهم. وإن فسرنا الطعام بما يكون غذاء فعليا، فقد يقال أيضا: بأن الآية لا تدل على الطهارة، لأن نظرها إلى نفي الحرمة من ناحية إضافة الطعام إلى الكتابي بإضافة الملكية والسلطنة، وهذا لا ينافي الحرمة في بعض ما يضاف إليه كذلك بسبب الملاقاة المسرية الموجبة للنجاسة. ولكن الصحيح: أن الطعام إذا كان بمعنى ما هو معد للأكل فعلا فإن إضافته إلى أهل الكتاب ظاهرة في إضافته بما هو معد للأكل، بحيث تكون حيثية الإعداد مضافة إليهم أيضا، وهذا لا يكفي فيه مجرد كونه ملكا لهم، بل يعني كونه هو الطعام الذي يعدونه لأكلهم بطبخ ونحوه، ويكون في معرض تناولهم منه. ونفي الحرمة من ناحية مثل هذه الإضافة دال عرفا على عدم النجاسة، لأن هذه العادة جارية في مثل هذه الإضافة على استتباعها للملاقاة بالرطوبة، فنفي الحرمة من ناحيتها يقتضي عدم النجاسة. فينحصر أساس التشكيك في الاستدلال بالآية الكريمة بحمل الطعام على البر ونحوه من المواد، ولو تعبدا بالتفسير الوارد في الروايات، إذ معه تكون الإضافة بمعنى الملكية والواجدية، ونفي الحرمة من ناحيتها لا يقتضي نفي النجاسة كما هو واضح.

[ 286 ]

وقد يتوهم على هذا الأسااس: أن تلك الروايات المفسرة بنفسها تكون من أدلة نجاسة الكافر، باعتبارها كأنها مسوقة لنفي إفادة الآية للطهارة ويندفع: بأن الغرض منها لا ينحصر بذلك، بل قد يكون هدفها نفي إفادة الآية لحلية ذبائح أهل الكتاب، كما يظهر من بعضها فلاحظ. الثاني: أن المنتحل للإسلام المحكوم بكفره يمكن القول بطهارته. إما بدعوى استفادة ذلك من روايات طهارة أهل الكتاب، لأن النسبة المزيفة إلى الكتب السماوية السابقة إذا كانت تستوجب الطهارة، فكذلك النسبة المزيفة إلى القرآن المجيد بالفحوى أو الأولوية. وإما بتقريب: عدم تمامية دليل على نجاسته، حتى لو قيل بنجاسة أهل الكتاب، لأن الآية الكريمة موضوعها المشرك، فلا تشمل المنتحل للإسلام الخالي انتحاله من الشرك. والروايات الدالة على النجاسة - لو تمت - فموضوعها الكتابي والمجوسي ونحوه، فلا يمكن التعدي من ذلك إلى مدعي الإسلام، لاحتمال الفرق واقعا وارتكازا. نعم موثقة عبد الله بن أبي يعفور وردت في الناصب وهي " وإياك أن تغتسسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت، فهو شرهم. فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وأن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه " (1) وهذه الرواية قد يستدل بها لنجاسة الناصب خاصة. وقد تلغى خصوصيته فيتعدى إلى كل كافر منتحل للإسلام، أو إلى الكافر مطلقا ويرد عليه: - مضافا إلى عدم إمكان التعدي لوضوح الرواية في الخصوصية - أن النجاسة في الرواية لا ظهور لها في النجاسة الحكمية، بلحاظ التعبير بأنه شرهم، والشرية تناسب النجاسة المعنوية، وقد جاء الحكم بأجسية الناصب في مقام تعليل


(1) وسائل الشيعة باب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 287 ]

تلك الشرية، وتقضي مناسبات العلة والمعلول ظهور الأنجسية في الحزازة المعنوية أيضا، أو حدوث الإجمال الموجب لسقوط الاستدلال. والإجماع يمكن التشكيك في شموله له، حتى لو قيل بشموله للكتابي أيضا، لأن من المحتمل أن يكون المراد من الكافر في كلمات المجمعين - أو جملة منهم ممن لا ينعقد الإجماع إلا بلحاظهم - من يدين بملة أخرى غير ملة الإسلام، لا مطلق من يحكم بكفره. وقد يشسهد لذلك عطف الناصب على لكافر في جملة من عبائر المتقدمين، مع أن المشهور أن الناصب محكوم بكفره، فلو أريد من كلمة (الكافر) المعنى العام للزم أن يكون هذا من عطف الخاص على العام، وهو خلاف الظاهر. وفي بعض عبارت المتقدمين عبر بالكفر بمختلف ملله، وهو يناسب ما ذكرناه أيضا. ومما يعضد افتراض طهارة مدعي الإسلام، الدليل اللبي. إما بتقريب: أنه لو كان مبنى الشيعة في زمن الأئمة عليهم السلام على نجاستهم لاشتهر ذلك وشاع الحكم بالنجاسة، لشدة الكلفة وكثرة الابتلاء، خصوصا مع ما خلقه عهد بني أمية من النصب والعداوة لأهل البيت في جملة من الناس حتى كان بعض الشيعة في أيام الصادقين يتحرجون عن الزواج فحصا عن امرأة سليمة. وإما بتقريب: أنه لولا أن المرتكز طهارة مدعي الإسلام لكثر السؤال من قبل أصحاب الأئمة عليهم السلام، فإن ابتلائهم بالناصب ونحوه من المنحرفين لم يكن بأقل من ابتلائهم بالكتابي، فكما كثر السؤال في الكتابي عن شؤون مساورته كان ينبغي أن نجد نظير ذلك في محل الكلام، فعدم ذلك يكشف عن البناء العام على الطهارة. الثالث: أن النواهي المذكورة في روايات النجاسة، كالنهي عن السؤر ونحوه، إن استظهر منها النجاسة حملت على التنزه بلا إشكال، بعد تمامية

[ 288 ]

دليل الطهارة والجمع العرفي بينه وبينها. وأما إذا نوقش في ظهور تلك النواهي في النجاسة وبني على أصالتها كما تقدم، فقد يقال حينئذ: بأن مجرد قيام الدليل على الطهارة لا يكفي لرفع اليد عن ظهور تلك النواهي في الإلزام فلا بد حينئذ من قرينة على الترخيص في الأفعال التي تعلق بها النهي، وهي كما يلي: الأول: الأكل والشرب من سؤر الكتابي. فقد ورد النهي عنه صريحا في رواية سعيد الأعرج بنقل الصدوق: إذ سأل عن سؤر اليهودي والنصراني، أيؤكل أو يشرب؟ قال: لا. وظاهرا في نفس الرواية بنقل الكليني، إذ لم ترد فيه جملة (أيؤكل أو يشرب) غير أن الأكل والشرب هو المنصرف من الانتفاعات المضافة إلى السؤر بما هو سؤر. ويرفع اليد عن ظهور النهي المذكور في الإلزام بقرينة صحيحة العيص المتقدمة التي استظهرنا منها كون الأكل في قصعة واحدة مع الكتابي، بقرينة إناطة مؤاكلته بأن يتوضأ. الثاني: الوضوء بسؤر الكتابي والاغتسال به. فقد جاء في رواية علي بن جعفر المتقدمة: النهي عن الوضوء بماء أدخل الكافر يده فيه، إلا إذا اضطر إليه وهذا النهي استظهرنا منه النجاسة سابقا فيحكم فيه دليل الطهارة ومع التنزل تكون القرينة على الترخيص موثقة عمار الساباطي المتقدمة المرخصة في التوضي من ماء شرب منه اليهودي، لأن حمل الموثقة على صورة الاضطرار ليس عرفيا، لأنه تقييد بفرد نادر، فيتعين حمل النهي على التنزه. ويبقى الإشكال من ناحية قيام الإجماع على عدم جواز الوضوء بسؤر الكتابي، وهو إجماع لا ترد عليه جملة من التشكيكات التي أوردناها على دعوى الإجماع على النجاسة لأن عدم جواز الوضوء بالسؤر المذكور مما تعرض له الأصحاب القدماء في متونهم الفقهية مباشرة. فإن جاء تشكيك فهو التشكيك من ناحية كونه

[ 289 ]

مدركيا، ومستندا إلى النهي في مثل رواية علي بن جعفر، مع عدم تحكيم موثقة عمار الساباطي عليها، إما للغفلة عن الجمع العرفي. أو لعدم العثور على رواية عمار الصريحة في الجواز، بلحاظ أنها مما تفرد الشيخ الطوسي بنقلها من بين المشايخ الثلاث، رغم عقد الكليني في الكافي بابا بعنوان (حكم سؤر اليهودي والنصراني... إلخ). وقد نقلها الشيخ - على الظاهر - من كتاب سعد بن عبد الله، لا من الأصول المتقدمة، فلا غرابة في عدم اطلاع الجميع عليه. أو للمناقشة في دلالة الموثقة بحملها على صورة الظن بقرينة كلمة (على)، كما صنع الشيخ الطوسي (قدس سره). أو لغير ذلك من الاحتمالات التي إن استطاعت بممجموعها أن تجعل افتراض مدركية الإجماع معقولا، سقط عن الحجية ومع هذا فإن الاحتياط لا ينبغي أن يترك. الثالث: النهي عن الصلاة في ثياب الكتابي في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة: (ولا يصل في ثيابهما) ويفهم من ذلك المانعية، لا الحكم التكليفي. فإن استظهر منها كونها بلحاظ النجاسة حكم فيها دليل الطهارة وإلا كانت القرينة على الترخيص صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في الثوب الذي يستعيره الذمي، والمرخصة في الصلاة فيه، بعد معلومية أن المستعير إنما يستعير الثوب ليلبسه، وأن مناط النهي في صحيحة علي بن جعفر كون الثوب مورد لبس الكتابي لا تملكه له. الرابع: النهي عن المصافحة في روايتي علي بن جعفر وفي كل منهما لا يمكن الحمل على الإلزام، إذ في أحدهما: " قال: سألته عن مؤاكلة المجوس في قصعة واحدة، وأرقد معه على فراش واحد، وأصافحه. قال: لا ". ولما كانت المؤاكلة جائزة، بقرينة رواية العيص تعذر حمل (لا) على الإلزام وفي الأخرى: " قال: لا يأكل المسلم مع المجوس

[ 290 ]

[ وكذا رطوباته وأجزاؤه، سواء كانت مما تحله الحياة أو لا (1) ] في قصعة واحدة، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده، ولا يصافحه ". وبعد ثبوت عدم الحرمة في بعض المذكورات، يمنع السياق عن استفادة حرمة الباقي. ومن مجموع ما ذكرنا ظهر حال غير ما تعرضنا له أيضا فلاحظ. (1) نجاسة ما لا تحله الحياة من قبيل الشعر من الكافر تتوقف على إطلاق في دليل نجاسته يشمل ذلك. فإن كان الدليل الآية الكريمة صح التمسك بالإطلاق، لإثبات نجاسة المشرك بتمام أجزائه. وكذلك إذا كان الدليل مثل موثقة ابن أبي يعفور، لأن مقتضى أطلاقها حمل النجاسة على تمام أجزاء الناصب، بل هذه هو مقتضى أشديته من الكلب عرفا. وأما إذا كان الدليل أخبار الأمر بالغسل عند المصافحة ونحوها، فمن الواضح عدم الإطلاق فيها لمثل الشعر. وكذلك أخبار السؤر، إذ لا يصدق السؤر بمجرد إصابة الشعر وينحصر طريق إثبات نجاسة مثل الشعر - حينئذ - بدعوى: إلغاء الخصوصية، لاستبعاد العرف التفكيك بين أجزاء الكافر من حيث النجاسة مع أن نسبة الكفر إلى الجميع على نحو واحد، وليس من قبيل التفكيك في أجزاء الميتة بلحاظ اختلاف نسبة الموت إليها. أو فرض إطلاق في معقد الإجماع بنحو يصح التمسك به، بأن يكون نظر مدعي الإجماع إلى النجاسة على الإطلاق، لا إلى نجاسة الكافر في مقابل ما عليه العامة من الطهارة، بنحو يلائم مع فرض كونها من قبيل نجاسة الميتة ومع فرض كونها من قبيل نجاسة الكلب. وأما رطوبات الكافر، فواضح أن ماء الريق مثلا ليس من أجزاء الكافر، كما أن الحليب ليس من أجزاء المرضعة، فلو جمدنا على ظاهر دليل نجاسة الأجزاء لم يشمل الرطوبات، فتتوقف دعوى نجاستها العينية على أن

[ 291 ]

[ والمراد بالكافر: من كان منكرا للألوهية، أو التوحيد، أو الرسالة، أو ضروريا من ضروريات الا دين مع الالتفات إلى كونه ضروريا، بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة والأحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقا، وإن لم يكن ملتفتا إلى كونه ضروريا (1). يكون التفكيك بينها وبين الأجزاء في النجاسة العينية غير عرفي. فإن تم ذلك كان الدليل اللفظي الدال على نجاسة الكافر - على تقدير تماميته - دالا على نجاسة هذه الرطوبات، وإلا كانت نجاستها بالسراية لا بالذات. (1) اتضح مما سبق أن النجاسة لا تدور مدار الكفر بعنوانه، لكي تثبت نجاسة كل من حكم بكفره، فالبحث في تحقيق المراد بالكافر ليس مفيدا من ناحية إثبات النجاسة، وإنما ينتج بلحاظ الآثار الأخرى الدائرة بحسب لسان أدلتها مدار الكفر والإسلام. وتفصيل الكلام في ذلك: أن من آمن بالمرسل والرسول، والتزم إجمالا بهذه الرسالة فهو مسلم حقيقة. ونريد بالتزامه الإجمالي بالرسالة: إيمانه بكل ما يحتمل أو يظن أو يقطع باشتمال الرسالة عليه فهو حق إذا كانت الرسالة مشتملة عليه حقا، أي الإيمان بهذه القضية الشرطية في حدود الأشياء التي يحتمل أو يعتقد باشتمال الرسالة عليها. فمن يرى بطلان شئ ما، ويحتمل أو يعتقد باشتمال الرسالة عليه، فهذا يعني أنه على الأقل يحتمل فعلا بطلان الرسالة. وأما من يرى بطلان حسن الظلم حتى لو حسنته الشريعة، وهو قاطع في نفس الوقت بعدم تحسين الشريعة له، فهو مؤمن فعلا بالشريعة. واعتبار أي قيد زائد في الإسلام على ما ذكرناه يكون تعبديا، وبحاجة

[ 292 ]

إلى دليل، وقد ذكر بهذا الصدد قيدان: أحدهما: ما ذكره السيد الأستاذ (دام ظله) وهو الإيمان بالمعاد. إذ ذهب إلى أن إنكار المعاد يوجب الكفر بعنوانه، حتى إذا لم يرجع إلى الإيمان بالرسالة. وتمسك لإثبات ذلك بآيات لا تدل على المقصود كقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا " (1)، وقوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر " (2)، وقوله تعابلى: " ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر " (3). وكأن السيد الأستاذ يستظهر من عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله أنه كالإيمان بالله في كونه دخيلا في الإسلام وكفر منكره. ولكنا نلاحظ: إن هذا العطف لا يدل على شئ من ذلك، وإنما يعبر عطف الإيمان باليوم الآخر عن التهديد بالنار في مقام التأكيد على ما ذكر في صدر الكلام: من الرد إلى الله والرسول، أو عدم كتمان ما في الأرحام، ونحو ذلك. وكذلك استدل (مد ظله): بقوله تعالى: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر " (4). وذلك لعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله. غير أن ذلك لا يعني كونه في حكمه الخاص المبحوث عنه هنا. ويمكن أن يستدل أيضا بقوله


(1) سورة النساء آية 59. (2) سورة البقرة آية 228. (3) سورة البقرة آية 232. (4) سورة البقرة آية 177.

[ 293 ]

تعالى: " إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون " (1) إذ بين خصوصيتين في مقام الانتقاص منهم، وظاهر ذلك كونهما نقصين عرضيين، فلو كان إنكار الآخرة نقصا على أساس رجوعه إلى الكفر بالله لما تم ذلك. ويرد عليه: أن كونه نقصا مستقلا شئ، وكون هذا النقص ملاكا مستقلا للكفر شئ آخر وعليه فدخل الإيمان بالمعاد في الإسلام إنما هو باعتبار كونه من أوضح وأبده ما اشتملت عليه الرسالة، وليس قيدا مستقلا في الإسلام. والقيد الآخر ما ذكره جماعة من الفقهاء، بل ادعي أنه المشهور وهو: أن لا يكون منكرا لضروري من ضروريات الدين. ومنكر الضروري تارة: يؤدي إنكاره هذا إلى إنكار الرسالة، لالتفاته إلى الملازمة بينها وبين ما أنكره. وأخرى: يرى عدم هذه الملازمة، فلا يسري الإنكار إلى أصل الرسالة. ففي الأول لا شك في كفره، وإنما الكلام في الثاني الذي يكون كفره مبنيا على أخذ القيد المذكور تعبدا في تحقق الإسلام. وقد استدل على ذلك ببعض الروايات، كرواية عبد الله بن سنان، المشتملة على: أنه من ارتكب كبيرة وزعم أنها من حلال أخرجه ذلك من الإسلام (2). وقد اعترض على ذلك بأمرين: الأول: ما ذكره السية الأستاذ (دام ظله) من أن الكافر له مراتب وعدة إطلاقات. فقد يطلق الكافر في مقابل المسلم، وقد يطلق في مقابل المؤمن، أو في مقابل المطيع، والشكور، فلا يتعين الإطلاق بلحاظ الأول وأنت تلاحظ أن الرواية لم يرد فيها التعبير بالكافر، وإنما قالت بخروجه


(1) سورة يوسف الآية 37. (2) سوف يأتي نص الصحيحة مع مداركها.

[ 294 ]

من الإسلام، فهو واضح في اللحاظ الأول، ولا مجال لدعوى الإجمال فيه. على أن لفظ الكافر عند الإطلاق ينصرف إلى ما يقابل المسلم أيضا. الثاني: ما ذكره المحقق الهمداني (قدس سره) من أن الأخذ بإطلاق الرواية يقتضي كفر مستحل الحرام، سواء كانت حرمته ضرورية أو لا، علم بأنه من الإسلام أو لا، فيشمل المجتهد الذي يخطي في فتواه بالحلية، وهذا غير مقصود جزما. فلا بد من تقييد الرواية: إما بكون الحرمة المدعى نفيها ضرورية، وهذا يناسب الاستدلال بالحديث. وإما بكونها معلومة. وبين القيدين عموم من وجه، ولا معين للقيد الأول. وأورد السيد الأستاذ (دام ظله) على ذلك: بأن مقتضى إطلاق الرواية، كفر كل من استحل حراما، ويرفع اليد عن هذا الإطلاق بمقدار ما يقتضيه قطعنا بعدم كفر مستحل الحرام بدون ضرورة ولا علم، ويبقى الباقي تحت إطلاق الرواية، فيتم الاستدلال بها. والتحقيق: أن الرواية لا تشمل في نفسها المجتهد المستحل باجتهاده للحرام وتختص بالمستحل الذي تنجزت عليه الحرمة بالعلم أو غيره من المنجزات. ومثل هذا الاستحلال يوجب الكفر لتعارضه مع الإيمان الإجمالي بالرسالة، ولا يفي ذلك بمقصود المستدل، وفيما يلي نص الرواية لكي يتضح الحال: " عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يرتكب الكبيرة فيموت، هل يخرجه ذلك من الإسلام، وإن عذب كان عذابه كعذاب المشركين، أم له مدة وانقطاع؟ فقثال: من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال، أخرجه ذلك من الإسلام، وعذب أشد العذاب وإن كان معترفا أنه أذنب ومات عليها، أخرجه من الإيمان ولم يخرجه من

[ 295 ]

الإسلام، وكان عذابه أهون من عذاب الأول " (1) ومن الواضح اختصاص الرواية بمن تنجزت عليه الحرمة، بقرينة العقاب ولفظة الارتكاب. وعليه فلا يستفاد من الرواية كفر من أنكر الضروري لشبهة أوجبت غفلته عنه مع إيمانه الإجمالي بالرسالة. ثم إن الرواية لو تمت دلالتها على كفر المستحل ولو لشبهة. فإثبات تمام المدعى بها يتوقف أولا: على إلغاء خصوصية استحلال الحرام، لكي يتعدى إلى إنكار غير الحرمة من الأحكام الضرورية. وثانيا على إلغاء دخل الارتكاب الفعلي للحرام في الحكم بالكفر، كما هو مقتضى الجمود على عبارة الرواية. ومثل هذه الرواية بعض الروايات الأخرى، كرواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (ع) قال: - في حديث -: " فقيل له أرأيت المرتكب للكبير يموت عليها، أيخرجه من الإيمان، وإن عذب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين، أو له انقطاع؟. قال: يخرج من الإسلام إذا زعم أنها حلال، ولذلك يعذب بأشد العذاب... " (2). وفي بعض الروايات علق فيها الحكم بالكفر على عنوان الجحود، كما في رواية داود بن كثير الرقي قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): سنن رسول الله (ص) كفرائض الله عز وجل؟ فقال: إن الله عز وجل فرض فرائض موجبات على العباد، فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وحجدها كان كافرا... الحديث " (3). وقد أخذ في هذا الحديث (الحجود)، وهو إنما يعلم بصدقه عند العلم، فلا يستفاد من الرواية أكثر


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب مقدمة العبادات. (2) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب مقدمة العبادات. (3) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب مقدمة العبادات.

[ 296 ]

[ وولد الكافر يتبعه في النجاسة (1). ] مما تقتضيه القاعدة. وهناك رواية العجلي عن أبي جعفر (ع) قال: " سألته عن أدنى ما يكون العبد به مشركا. فقال: من قال للنواة أنها حصاة وللحصاة أنها نواة، ثم دان به " (1). وتوضيح ذلك: أن الإنسان قد يقول للنواة أنها حصاة في مقام الكذب، وهذا خارج عن فرض الرواية. وأخرى: يقول ذلك ويجعله دينا، بنحو لا بد من الجري على طبقه اعتقادا أو عملا، وهذا تشريع لدين في مقابل الله تعالى، وشرك، بمعنى أنه أشرك مع الله غيره في أحد المقامات التي ينفرد بها، وهو مقام تشريع الدين. غير أن الرواية لا تدل على أن هذا الإشراك مع الله في مقام التشريع يوجب الكفر، بالمعنى الذي تترتب عليه الآثار المعهودة للكفر. (1) قد يقرب القول بنجاسة ولد الكافر - كما عليه المشهور - بعدة وجوه: منها: التمسك باستصحاب النجاسة الثابتة له عندما كان دما أو منيا ويدفع: بتغير الموضوع بالاستحالة. ومنها: التمسك باستصحاب النجاسة الثابتة له عندما كان جنينا باعتبار جزئيته للكافر فيما إذا ولد من أم كافرة. ويدفع: بأن الجنين ليس جزءا من الأم، ولا تشمله نجاستها العينية. ومنها: التمسك بنفس دليل نجاسة الأبوين لإثبات نجاسته بالفهم العرفي، لأن الولد عصارة من الأبوين، كما يفهم نجاسة المتولد من كلب وخنزيرة من دليل نجاستهما. ويدفع: بأن الولد إنما يكون كذلك بلحاظ


(1) الكافي الجزء الثاني ص 397 من الطبعة الحديثة.

[ 297 ]

الصفات الطبيعية للأبوين، فلا يتم هذا البيان في مورد كان ملاك نجاسة الأبوين صفة عرضية كالكفر. ومنها: ما دل على عقاب أولاد الكفار وكفرهم، فيشملهم دليل نجاسة الكافر. ويرد عليه: أولا: أن هذا موقوف على تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الكافر بنحو مفيد في المقام. وثانيا: أن تلك الروايات منافية بظاهرها للغدل الإلهي، وذلك كرواية عبد الله بن سنان: " عن ولد الكفار الذين يموتون قبل البلوغ؟ قال: كفار يحشرون إلى جهنم " فلا بد من طرحها. مضافا إلى أن بعضها لا يدل على أكثر من تسجيل العقاب وبعضها وإن طبق عنوان (الكافر) كما في الرواية المذكورة، إلا أنه بقرينة سؤال السائل عن حال ما بعد الموت يتجه التطبيق على هذه الحالة، وينحصر أثره حينئذ بالعقاب. ومنها: ما دل في أحكام الأسر على أن إسلام الأب إسلام ولده (1) والاستدلال بذلك يتوقف على أن يكون ذلك مقتضيا - عرفا أو عقلا - لتنزيل كفره منزلة كفر ولده أيضا بلحاظ سائر الأحكام بما فيها النجاسة بناء على كونها حكما لطبيعي الكافر. واقتضاؤه لذلك ممنوع كما هو واضح. ومنها: دعوى: أن ولد الكافر كافر حقيقة ولو لم يكن مميزا، لأن التقابل بين الإسلام والكفر تقابل التناقض، أو تقابل العدم والملكة مع أخذ القابلية النوعية، فيشمله دليل نجاسة الكافر. ويرد عليه: أولا: عدم وجود إطلاق لفظي في دليل نجاسة الكافر ليشمله، ولا يكفي مجرد كفره لكي تشمله روايات نجاسة الكتابي كما هو واضح. وثانيا: أن فرض كون الكفر مقابلا للإسلام بأحد النحوين المذكورين على خلاف المرتكز العرفي والمتشرعي، القاضي بكون الكفر


(9 1 لاحظ وسائل الشيعة كتاب الجهاد باب 43.

[ 298 ]

مقابلا للإسلام بتقابل العدم والملكة مع أخذ القابلية الشخصية في طرف العدم أو بتقابل التضاد كما قد يستظهر من رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام " لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا " (1)، ورواية محمد بن مسلم قال: " كنت عند أبي عبد الله (ع) جالسا عن يساره وزرارة عن يمينه، فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن شك في الله؟ فقال: كافر يا أبا محمد. قال: فشك في رسول الله؟ فقال: كافر. ثم التفت إلى زرارة، فقال: إنما يكفر إذا حجد " (2). إذ قد يفهم من الروايتين أن الكفر بمعنى الحجود، وهذا أمر وجودي. ويقيد صدر الرواية الثانية الدال على كفر الشاك بما إذا حجد وأنكر. غير أن لازم ذلك الحكم بعدم كفر الشاك في الله والنبوة غير المنكر وهو على خلاف الارتكاز. ومن هنا قد تحمل الروايتان على مرحلة البقاء والنظر إلى من كان مسلما في نفسه، وأنه لا يخرج من الإسلام بمجرد عروض الشك ما لم ينكر، فيدل ذلك على أن الشك الطارئ لا يخرج عن الإسلام. بل قد تكون الرواية الأولى ناظرة إلى الجهل ببعض الفروع والأحكام بعد افتراض الإيمان بالله ورسوله، وتكون بصدد بيان أن الجاهل بها إذا لم يتسرع بالإنكار والحجود فهو باق على إسلامه، وهذا معنى ثابت على القاعدة. وعلى أي حال فإن لم يثبت كون التقابل بين الكفر والإسلام بنحو التضاد فهو من تقابل العدم والملكة. وليس الكلام في تطبيق المصطلح الفلسفي لهذا العنوان، حتى يقال: إنه يكفي فيه القابلية النوعية، بل في الاستظهار العرفي القاضي بأخذ القابلية الشخصية في المقام، وعليه فلا يمكن أن يصدق عنوان الكافر على غير المميز من أولاد الكفار.


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب مقدمة العبادات. (2) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب حد المرتد.

[ 299 ]

[ إلا إذا أسلم بعد البلوغ أو قبله، مع فرض كونه عاقلا مميزا وكان إسلامه عن بصيرة على الأقوى (1). ] ومنها: الإجماع المدعى في لسان جماعة من تبعية أولاد الكفار لهم في النجاسة: وهذا الإجماع قد يقرب بصيغة: الإجماع البسيط. وقد يقرب بصيغة الإجماع المركب، إذ يقال: إن ولد الكافر المميز المعتنق لدين أبويه نجس بلا إشكال لكفره ويضم إلى ذلك، الإجماع على عدم الفصل بينه وبين غيره من أولاد الكفار، فيحكم بنجاسة الجميع. أما التقريب الأول، فيرد عليه: أن التبعية بهذا العنوان ليست موجودة في جملة من كلمات الفقهاء الأقدمين، وإنما الوارد مصاديق التبعية في بعض الموارد، كما في باب الأسر والتغسيل وعدم التوارث. ومن المحتمل أن يكون ذلك، منشأ لحدس أو استظهار الإجماع على كبرى التبعية مطلقا حتى في النجاسة، فيكون من الإجماعات المدعاة على أساس الحدس التي لا معول عليها. ويؤيد وهن الإجماع تعبير العلامة ب‍ (الأقرب)، واحتمال كونه مدركيا ومستندا إلى بعض الوجوه الأخرى. وأما التقريب الثاني، فيرد عليه: إن عدم الفصل غير الإجماع على الملازمة، والمفيد هو الثاني، وما قد يدعى إحرازه هو الأول. وعليه فلا موجب للحكم بنجاسة أولاد الكفار. (1) إذا نبي على نجاسة ولد الكافر فلا شك في ارتفاع النجاسة العينية بالإسلام بعد البلوغ، على ما سيأتي في بحث المطهرات، إن شاء الله تعالى. وأما إذا أسلم ولد الكافر قبل بلوغه، فقد يقال: بطهارته لعدم شمول دليل النجاسة له، لأن دليل نجاسة ولد الكافر إن كان هو الإجماع فلا شك في اختصاصه بغير الصبي المسلم، وإن كان نفس دليل نجاسة الكافر - لأن

[ 300 ]

[ ولا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزنا (1) ولو في مذهبه. ] كل من هو غير مسلم كافر - فمن الواضح عدم شموله لمورد الكلام. ولكن التحقيق: أن هذا لا يكفي للحكم بطهارته، إذ يجري استصحاب النجاسة العينية، مع عدم قيام دليل اجتهادي على الطهارة، لأن الموضوع العرفي للقضية المتيقنة محفوظ في مرحلة البقاء، وذلك لأن الموضوع العرفي للنجاسة هو الجسم دائما، وسائر الجهات الأخرى حيثيات تعليلية، فمتى شك في بقاء النجاسة مع انحفاظ ذات الجسم جرى استصحابها. ولو سلم أن العنوان مقوم للموضوع عرفا فالعنوان النجس حدوثا ليس عنوان الكافر ليقال بعدم انحفاظه بعد تبدل الكفر بالإسلام، بل هو عنوان ولد الكافر وهذا محفوظ بنفسه في مرحلة البقاء، غاية الأمر يشك في بقاء النجاسة للشك في دخل عدم الإسلام في موضوع الحكم بالنجاسة، وهذا لا ينافي انحفاظ الموضوع العرفي، فإن العرف لا يرى نجاسة من أسلم من صبيان الكفار على تقدير ثبوتها نجاسة حادثة، بل يراه استمرار النجاسة السابقة وعليه يشكل الحكم بطهارة أولاد الكفار إذا أسلموا قبل البلوغ ما لم يقم دليل اجتهادي على طهارتهم، ولا يوجد مثل هذا الدليل حتى مع البناء على قبول إسلامهم، لعدم وجود دليل اجتهادي لفظي على طهارة كل مسلم ليتمسك بإطلاقه للصبي المذكور، فلاستصحاب محكم. (1) قد يقال: إن المسألة مبنية على أنه هل يستفاد من أدلة نفي إرث ولد الزنا نفي الولدية شرعا أو لا؟ فعلى الأول لا موجب للحكم بنجاسة ابن الكافر من الزنا. وعلى الثاني يكون ولد الكافر حقيقة وشرعا، فيشمله دليل نجاسة أولاد الكفار.

[ 301 ]

[ ولو كان أحد الأبوين مسلما فالولد تابع له إذا لم يكن عن زنا (1)، بل مطلقا على وجه (2) مطابق لأصل االطهارة. (مسألة - 1): الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين (3) ] ولكن التحقيق: أن المسألة غير مبنية على ذلك، بل قد يقال: بالطهارة حتى على التقدير الثاني، لعدم وجود إطلاق لفظي في دليل نجاسة ولد الكافر ليتمسك به. وقد يقال: بالنجاسة حتى على التقدير الأول بدعوى: أنه إذا تم دليل لفظي على نجاسة ولد الكافر فهو يدل بالفحوى العرفية على نجاسة ولد الزنا، إذ لا يحتمل عرفا كون طيب الولد دخيلا في إيجاد النجاسة، فهذه نكتة لنفهام نجاسة ولد الزنا من الدليل المذكور بالفحوى العرفية. (1) لقصور دليل النجاسة عن الشمول لهذه الحالة. ولتحقيق ذلك لا بد من ملاحظة نوع الدليل، فإن كان مدرك نجاسة ولد الكافر التمسك باستصحاب النجاسة الثابتة عند كون الولد منيا أو جنينا جرى هذا المدرك في المقام أيضا، وإن كان مدرك النجاسة نفس دليل نجاسة الوالدين باعتبار كون الولد عصارة لهما فلا يشمل صورة إسلام أحدهما، وإذا كان المدرك مثل رواية ابن سنان الحاكمة: بأن ولد الكفار يدخلون مدخل آبائهم، أو رواية حفص الحاكمة: بأن إسلام الأب إسلام ولده، فهو منطبق في حالة كون الأم مسلمة. (2) لأن قصور مدرك النجاسة على بعض التقادير ثابت في فرض كون التولد من المسلم بسبب الزنا أيضا فلاحظ. (3) لأن الأصل طهارته. وما قد ييستدل به على نجاسته إما نفس دليل نجاسة الكافر، بدعوى كونه كافرا، وإما الروايات الخاصة الواردة

[ 302 ]

[ سواء كان من طرف أو من طرفين، بل وإن كان أحد الأبوين مسلما كما مر. ] في سؤره. أما الأول، فيرد عليه: أولا: إنه لا إطلاق في دليل نجاسة الكافر ليتمسك به لإثبات نجاسة ولد الزنا، ولو ثبت كون هذا الوصف سببا في كفره تعبدا. وثانيا: إنه لا دليل على كفر ولد الزنا، سوى ما قد يتوهم من استفادة ذلك مما دل على عدم قبول شهادته وعدم جواز الائتمام به وعدم كون ديته دية المسلم ودخوله النار، ببدعوى أن نفي تلك الآثار عن ولد الزنا مع ضم أصالة عدم التخصيص في أدلتها، ينتج خروجها تخصصا المساوق لكفره. ويندفع: بأنه لا تجري أصالة عدم التخصيص لإثبات التخصص مضافا إلى أن جملة من الآثار المنفية آثار لما هو أخص من الإسلام. ودعوى: أن المستظهر من الروايات المذكورة تنزيل ولد الزنا منزلة الكافر بلحاظ جميع الآثار، مدفوعة: بأن ألسنتها خالية منن التنزيل، أو غير وافية بإطلاقها فلا دليل إذن على كفر ولد الزنا، بل إن الكفر الحقيقي غير محتمل وجدانا إذ يرى خلافه في الخارج. وأما الثاني: فقد استدل بجملة من الروايات على نجاسته، منها: رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع)، قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فإن فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب، وإن الناصب أهون على الله من الكلب " (1).


(1) وسائل الشيعة باب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 303 ]

ويرد على التمسك بالرواية: أن الاستدلال على النجاسة إن كان بالنهي عن غسالة ولد الزنا، فهو إنما يكون إرشادا إلى النجاسة فيما إذا لم يكن المورد معرضا عرفا ومتشرعسا لاحتمال حزازة معنوية، وإلا كان مجملا من هذه الناحية، والمقام من هذا القبيل. وإن كان بقوله " لا يطهر " فهو إنما يدل إذا كانت الطهارة في مقابل النجاسة، لا في مقابل طيب المولد الذي هو نحو طهارة يقابلها نحو مناسبب لها من القذارة، وهذا النحو من الطهارة إن لم يكن هو المنصرف في المقام فلا أقل من احتماله بنحو يوجب الإجمال، بل يشهد له قوله " لا يطهر إلى سبعة آباء " مع وضوح عدم النجاسة بالمعنى المصطلح في الولد الشرعي لابن الزنا. ومما يعزز حمل الحزازة على جهة معنوية: التعبير بالشر والهوان في مقام المقايسة بين الناصب وولد الزنا، أو بينه وبين الكلب. وقد ذكر السيد الأستاذ (دام ظله): أن الأخبار الناهية عن الاغتسال من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، معللا بأن فيها غسالة ولد الزنا، لا دلالة لها على نجاسة ولد الزنا، وذكره مقارنا للنصارى واليهود لا يقتضي نجاسته، لأن النهي بالإضافة إليهم ليس من باب النجاسة. غير أنا لم نجد عطف اليهودي والنصراني على ولد الزنا في أي رواية من الروايات الناهية عن الاغتسال من بئر ماء الحمام، حتى تتوهم قرينيته على النجاسة، وإنما ذكر الناصب كما في هذه الرواية، أو الجنب أو الزاني كما في بعض الروايات الآتية. اللهم إلا أن يريد مرسل الوشا الآتي. غير أنه لم يذكر فيه ماء الحمام أصلا. ومنها: رواية حمزة بن أحمد: " سألته - أو سأله غيري - عن الحمام. قال: أدخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت

[ 304 ]

وهو شرهم " (1) ويظهر الحال في رد الاستدلال بها مما تقدم. ومنها: ما رواه علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (ع) - في حديث - إنه قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فإنه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم (2) ويتضح الإيراد عليه مما تقدم. مضافا إلى إدراج الاغتسال من الزنا في نفس السياق، فإنه قرينة على ملاحظة الحزازة المعنوية، وإلا فلا فرق بين الاغتسال من الزنا والاغتسال من جنابة أخرى من ناحية النجاسة والطهارة بقطع النظر عن فرض اتفاق العرق أحيانا، بناء على نجاسة عرق الجنب من الحرام. ومنها: مرسل الوشا عمن ذكره عن أبي عبد الله " إنه كره سؤر ولد الزنا، وسؤر اليهودي، والنصراني، والمشرك، وكل من خالف الإسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب " (3) ويرد عليه: أن الكراهة تلائم مع الكراهة المصطلحة. والسياق كما يشتمل على ما هو مفروض النجاسة كالمشرك كذلك يشتمل على ما ثبتت طهارته كالكتابي. هذا مضافا إلى أن النهي عن سؤر إنسان لا يدل على النجاسة، كما تقدم. وهناك رواية لزرارة " لا خير في ولد الزنا... الحديث " (4) وأخرى لمحمد بن مسلم " لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب إلي من ولد الزنا... الحديث " (5) وكونهما غير دالتين على النجاسة في غاية


(1) وسائل الشيعة باب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المصدر السابق نفسه. (3) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأسئار. (4) ثواب الأعمال للصدوق ص 254. (5) وسائل الشيعة باب 75 من أبواب أحكام الأولاد.

[ 305 ]

[ مسألة - 2): لا إشكال في نجاسة الغلاة (1). ] الوضوح، وعليه فولد الزنا محكوم بالطهارة. (1) لمحاولة إثبات النجاسة للغلاة طريقان: الأول: إثبات نجاستهم إبتداء بقطع النظر عن كفرهم ويستدل لذلك: بما عن الكشي بسنده عن أبي الحسن (ع) - في أمر فارس بن حاتم - من قوله: " ولكن صونوا أنفسكم عن الخوض والكلام في ذلك وتجنبوا مساورته... الحديث "، فيستفاد من النهي عن مساورته كونه نجسا. ولكن الرواية غير تامة سندا، ولا متنا، ولا دلالة. أما السند: فلضعفه بعدة أشخاص منهم: جبرئيل بن أحمد الذي يروي عنه الكشي وعلي ابن محمد وأما المتن، فلوقوع الاختلاف فيه، إذ رويت فقرة الاستدلال بعبارة (وتوقوا مشاورته) (1) وأما الدلالة فلأن المساورة المنهي عنها لم يعلم كونها من السؤر بمعنى النهي عن سؤره، ليتوهم دلالة ذلك على النجاسة، بل لعلها بمعنى المواثبة والمنازعة، لأن ساوره لغة بمعنى حافزه وزاحمه وواثبه، فيرجع إلى النهي عن الدخول معه في الجدال والقيل والقال. هذا مضافا إلى عدم وجود إطلاق في الرواية يمكن التمسك به لتمام أصناف الغلاة، لورودها في شخص خاص. الثاني: إثبات نجاستهم من حيث الكفر. وهذا مركب من مقدمتين: إحداهما: أن الكافر نجس. والأخرى: أن الغلو يستوجب الكفر أما المقدمة الأولى، فقد تقدم الإشكال في إطلاقها لمنتحلي الإسلام، وعليه فالغلاة الناسبون أنفسهم إلى الإسلام ليسوا مشمولين لدليل النجاسة ولو ثبت كفرهم. وأما الا مقدمة الثانية، فتوضيح الحال فيها: أن الغلو تارة: يكون


(1) اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي الحديث 1004 و 1010.

[ 306 ]

بلحاظ مرتبة الألوهية، وأخرى: بلحاظ مرتبة النبوة، وثالثة: بلحاظ شؤون أخرى من الشؤون المتصلة بصفات الخالق تعالى وأفعاله. أما الغلو بلحاظ مرتبة الألوهية، فيتمثل تارة: في اعتقاد الشخص بأن من غلا في حقه هو الله تعالى. وأخرى: في اعتقاده بأنه غير الله الواجب الوجود، إلا أنه شريكه في الألوهية واستحقاق العبادة، إما بنحو عرضي أو بنحو طولي. وثالثة: في اعتقاده بحلول الله أو اتحاده مع ذلك الغير. وكل ذلك كفر: أما الأول، فلأنه إنكار لله. وأنا الثاني، فلأنه إنكار للتوحيد وأما الثالث، فلأن الحلول والاتحاد مرجعهما إلى دعوى ألوهية غير الله، لأنهما بالنظر العرفي واسطتان في الثبوت فينافي مع عقد المستثنى منه بحسب المدلول العرفي لشهادة أن " لا إله إلا الله " بل ينافي مع عقد المستثنى أيضا، لأن كلمة " الله " في عقد المستثنى بحسب مدلولها الارتكازي تشتمل على كثير من الصفات المنافية لأحوال من غلا في حقه كالمشي في الأسواق والأكل والشرب. وأما الغلو بلحاظ مرتبة النبوة، فيتمثل في اعتقاد المغالي بأن من غلا في حقه أفضل من النبي وأنه همزة الوصل بين النبي والله أو أنه مساو له على نحو لا تكون رسالة النبي بين الله والعباد شاملة له. وكل ذلك يوجب الكفر، لمنافاته للشهادة الثانية بمذلولها الارتكازي في ذهن المتشرعة المشتمل على التسليم بأن النبي (ص) رسول الله إلى جميع المكلفين من دون استثناء. وأما الغلو بلحاظ الصفات والأفعال بمعنى نسبة صفة أو فعل لشخص ليس على مستواهما، فإن كان اختصاص تلك الصفة أو الفعل بالله تعالى من ضروريات الدين دخل في إنكار الضروري على الخلاف المتقدم فيه وإلا لم يكن كفرا. ويدخل في الأول: ادعاء تفويض الأمر من الله تعالى

[ 307 ]

[ والخوارج، والنواصب (1). ] لأحد من عباده، ونسبة الخلق، والإحياء، والإماتة، ونحو ذلك من أنحاء التدبير الغيبي لهذا العالم إلى أحد من الناس. وقد يستدل على استتباع الغلو للكفر مطلقا ولو تعبدا برواية مرازم قال: قال أبو عبد الله (ع): " قل للغالية توبوا إلى الله، فإنكم فساق كفار مشركون " (1). وهذا الاستدلال غير تام. أما أولا: فلصعف سند الرواية بعلي بن محمد. وأما ثانيا: فلضعف الدلالة باعتبار تكفل الرواية لقضية خارجية، حيث يأمر الإمام الرواوي أن يقول للغالية ذلك الكلام فلا بد أن يكون المنظور جماعة معينين، وليس الغلو بعنوانه مذهبا معينا محددا، وإنما هو درجات وألوان، فتكفير جماعة منهم لا يثبت كفر الغلاة على الإطلاق. والجمع بين الفسق والكفر والشرك في سياق واحد مما يوهن أيضا دلالة الكفر على المعنى المساوق للمروق من دين الإسلام. (1) لإثبات نجاسة النواصب طريقان، كما تقدم في الغلاة. الأول - محاولة الاستدلال على نجاستهم ابتداء بعدة روايات: منها - روايات حمزة بن أحمد، وعلي بن الحكم عن رجل، وابن أبي يعفور، المتقدمة في بحث نجاسة ولد الزنا مع المنقشة في دلالتها على النجاسة مضافا إلى ضعف أسانيدها جميعا. ومنها: موثقة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله المتقدمة في أدلة نجاسة الكافر، والتي جاء فيها: " وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة: اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه ".


(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب أحكام حد المرتد ح 41.

[ 308 ]

ويرد على الاستدلال بها: أن أنجسية الناصب من الكلب ذكرت تعليلا لقوله " فهو شرهم "، وشرية الناصب ظاهرة في الحيثية المعنوية وهذا وإن لم يوجب - للزوم التناسب بين العلة والمعلول - حمل النجاسة على جهة معنوية أيضا، فلا أقل من اقتضائه لإجمال كلمة النجاسة في جانب التعليل. ومنها: رواية خالد القلانسي المتقدمة في أخبار نجاسة أهل الكتاب قال: " قلت لابي عبد الله: ألقى الذمي فيصافحني. قال: امسحها بالتراب والحائط. قلت: فالناصب. قال: اغسلها ". والرواية ساقطة دلالة، لأن غلبة عدم الرطوبة المسرية عند المصافحة، مع ارتكاز عدم التنجيس بدونها، قرينة على أن الأمر بالغسل تنزيهي أو لجهة معنوية وساقطة سندا، لعدم ثبوت وثاقة أكثر من واحد من رجال السند، كعلي بن معمر وكذلك خالد القلانسي، بناء على عدم ثبوت وحدته مع خالد بن ماد القلانسي الذي وثقه النجاشي والشيخ، لتعدد خالد القلانسي، بشهادة ذكر الشيخ الطوسي في رجاله لثلاثة بهذا الاسم في أصحاب الإمام الصادق واقتصار فهرستي الشيخ والنجاشي على خالد بن ماد القلانسي. وتوثيقه ليس قرينة على وحدة العناوين الثلاثة، لاختصاص الفهرستين بالمصنفين خاصة، اللهم إلا أن يدعى انصراف خالد القلانسي المطلق إلى المصنف وعلى أي حال يكفي عدم ثبوت وثاقة علي بن معمر في سقوط الرواية. ثم لو ثبتت نجاسة النواصبب بدليل مباشر، فقد يدعى أن ذلك يكون بنفسه دليلا على كفرهم، لأن المسلم لا يحكم بنجاسته. ويرد على ذلك: أولا: أنه لم يدل دليل اجتهادي لفظي على أن كل مسلم طاهر، ليتمسك به لإثبات عدم الإسلام عند قيام الدليل على عدم الطهارة. وثانيا: أنه من التمسك بالإطلاق أو العموم في موارد دوران الأمر بين التخصيص والتخصص. الثاني - إثبات نجاستهم بملاك الكفر، وقد تقدم الإشكال في الكبرى

[ 309 ]

لعدم شمول دليل نجاسة الكافر لمنتحلي الإسلام. وأما الصغرى: فإن بلغ بغض الناصبي لأهل البيت إلى درجة يحمل معها ما يقطع أو يحتمل صدوره من النبي في حقهم على الخطأ والهوى فهذا خلاف التصديق الإجمالي بالرسالة المقوم للإسلام، فيوجب الكفر وأما إذا كان بغضه سببا في جزمه بعدم صدور شئ من المدح والتكريم من النبي (ص) في حق أهل بيته، فينكر على هذا الأساس ورود أمر من الشريعة بالولاء لهم ولو بالمعنى الأعم، فهذا يوجب الكفر إذا قلنا بأن منكر الضروري بما هو منكر لذلك، كافر لأن إنكار لزوم ولايتهم بالمعنى الأعم إنكار لما هو ثابت بالضرورة من الدين. ولو تشكك أحد في بلوغ وضوح هذه الولالة إلى درجة الضرورة بسبب عوامل الضغط والإخفاء والتحريف، لم يكن ذلك مهما، لأن مدرك كفر منكر الضروري لو قيل به إنما هو رواية عبد الله بن سنان المتقدمة ولم يؤخذ فيها عنوان إنكار الضروري، بل أخذ عنوان من يرتكب الكبيرة وهو يرى أنها حلال، وهذا العنوان منطبق في محل الكلام جزما، والمتيقن خروجه بالتخصيص من إطلاق الرواية لا يشمل الناصبي المذكور. وأما إذا لم نقل بموضوعية إنكار الضروري بعنوانه للكفر، فلا يثبت الكفر في الحالة المذكورة، إلا أنه يمكن أن يتمسك حينئذ لإثبات الكفر في مطلق الناصب والمبغض لأهل البيت بالروايات الواردة بمضمون: حبنا إيمان وبغضنا كفر، وبعضها صحيح السند (1) فيدل على أن عدم بغضهم شرط تعبدي في الإسلام، لأن الظاهر من الكفر المعنى المقابل للإسلام. وتوصيف الحب بأنه إيمان لا يعني إرادة المرتبة المقابلة للإيمان من الكفر، لأن كون حبهم إيمانا يقتضي ثبوت ما يقابل الإيمان بمجرد عدم حبهم ولو لم يكن هناك بغض وهذا يناسب مع كون بغضهم كفرا وسوف يأتي تتمة تحقيق ونقد لهذا الاستدلال


(1) الوسائل باب 10 من أبواب حد المرتد.

[ 310 ]

عند الحديث عن المجسمة. هذا حكم الناصب عموما. وأما الخوارج، فقد يقال: إن الخوارج بمعنى الفرقة الخاصة المكفرة لأمير المؤمنين عليه السلام يندرجون في النواصب، فيحكم بكفرهم، وبنجاستهم إذا بني على كفر النواصب ونجاستهم. والخوارج بمعنى الخارجين على إمام زمانهم المحاربين لحجة الله في خلقه لا يتعين أن يكونوا نصابا، إذ قد تكون محاربتهم للإمام بسبب إغراءات المقام وشهوة الجاه مع عدم بغض الإمام والتحقيق: أن نجاسة الناصبي أو كفره، إن كان المدرك لإثبات ذلك ما دل على أن بغضهم كفر، لم يشمل هذا الدليل بلفظه الخارج على الإمام بدون بغض، وتبقى حينئذ دعوى: إمكان الشمول بالفحوى العرفية وإن كان المدرك روايات النهي عن سؤر الناصب لأهل البيت، فمن الواضح أن من يحاربهم ويعتدي عليهم من أوضح مصاديق الناصب، لأنه ينصب لهم العداوة، فينطبق عليه العنوان وإن لم يكن مبغضا بقلبه. وإن كان المدرك ما دل على كفر منكر الضروري، فقد لا يكون المبغض منكرا للضروري، وقد يكون المحارب غير المبغض منكرا للضروري إذا ادعى وجوب محاربة أهل البيت وقتالهم مع ضرورة عدم ثبوت ذلك في الشريعة. وقد يستدل على كفر الخوارج بالخصوص، تارة: بالنبوي الدال على مروقهم من الدين كمروق السهم وأخرى: برواية الفضيل قال: دخلت على أبي جعفر (ع) وعنده رجل، فلما قعدت قام الرجل فخرج، فقال عليه السلام لي: يا فضيل ما هذا عندك؟ فقلت: وما هو؟ قال: حروري قلت: كافر. قال: إي والله مشرك (1). أما الأول، فالاستدلال به موقوف على ن يكون المراد بالدين الإسلام


(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب أحكام حد المرتد ح 55.

[ 311 ]

[ وأما المجسمة (1). ] لا الطاعة، وهو ساقط سندا على أي حال. وأما الثاني، فلا ينبغي أن يحمل على التطبيق الحقيقي للعنوان على الخارجي، لوضوح أنه ليس مشركا بالمعنى المنصرف من اللفظ، ولا على التطبيق التنزيلي بلحاظ الآثار الشرعية لأنه لا يناسب اختيار الإمام لعنوان المشرك في مقام التنزيل، مع أن الآثار الشرعية مترتبة عادة على عنوان الكافر بما فيها النجاسة، بناء على نجاسة طبيعي الكافر، وليس للمشرك بعنوانه أحكام شرعية داخلة في محل ابتلاء الأفراد لكي يحمل على التنزيل بلحاظها. وهذا يوجب ظهور سياق الكلام في كونه متجها نحو إدانة الحروري، وكونه كالكافر والمشرك من حيث البعد عن الحقيقة ورضا الله تعالى. (1) المجسم: تارة: يعتقد بالجسمية الاعتيادية بلوازمها، من النقص والحاجة والاضمحلال. وأخرى: يعتقد بها بدون لوازمها. وثالثة: يعتقد بسنخ آخر من الجسمية على نحو تدعى مناسبته لعالم الربوبية. والأول كافر بلا إشكال، لأدائه إلى إنكار الله تعالى بمعناه الارتكازي المستبطن لصفات الكمال، المأخوذ في عقد المستثنى من كلمة (التوحيد). وأما الثاني فكفره يتوقف إما على كون عدم التجسيم بعنوانه مأخوذا ضمنا في موضوع عقد المستثنى من الكلمة الشريفة، أو على كونه من ضروريات الدين مع الالتزام بكفر منكر الضروري وكلا الأمرين محل منع. وكفر الثالث أبعد احتمالا من الثاني هذا على مقتضى القاعدة. وأما بلحاظ الروايات الخاصة، فقد ورد تكفير المجسمة أو المشبهة في عدة روايات فقد جاء في رواية الصدوق عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا - في

[ 312 ]

[ والمجبرة (1). ] حديث - " قال: من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر " (1). ومثل هذا الحديث مطلق لفرض الالتزام بلوازم ذلك وعدمه، فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه بينه وبين ما دل بإطلاقه على أن ضابط الإسلام هو الشهادتان، ومادة الاجتماع المجسم غير المعتقد بلوازم التجسيم، فيبنى على إسلامه، إما تقديما للدليل الثاني، أو للرجوع إلى المعنى العرفي لعنوان المسلم والكافر المأخوذين في موضوعات الأدلة بعد تساقط العامين من وجه ولا يتوهم أن روايات تكفير المشبه والمجسم مقيدة لدليل إسلام من آمن بالشهادتين، لأنه بمثابة دليل الشرطية. لأن هذا التوهم مبني على استظهار كونها في مقام جعل شرط في الإسلام تعبدا، لا في مقام بيان ما يؤدي إلى الكفر من الاعتقادات، مع أنه محتمل إن لم يكن الأظهر فإن قيل: إن تقييد تلك الروايات بمن التزم بلوازم التجسيم يلزم منه إلغاء عنوان التشبيه والتجسيم وكون المناط إنكار الله تعالى، كان الجواب على ذلك: أنه بعد كون الروايات في مقام بيان ما يكون سببا للكفر، فلا يلزم مما ذكرناه إلغاء العنوان، لأنه هو السبب نعم لو استفيد من الروايات أنها في مقام إنشاء الكفر تعبدا على هذا العنوان لزم من التقييد المذكور إلغاؤه عن الموضوعية. (1) المجبر: إذا كان يعتقد بما يستتبعه من إنكار التكليف والعقاب فهو كافر بلا إشكال. وإن لم يعتقد بذلك إيمانا منه بإمكان صدور الظلم والقبيح من الله تعالى فهو كافر أيضا، لدخول العدل في المدلول الارتكازي للموضوع في عقد المستثنى من كلمة التوحيد. وإن أنكر لوازم الجبر لإنكار الحسن إالقبح العقليين فليس بكافر، لتوافر أركان الإسلام


(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب أحكام حد المرتد ح 3.

[ 313 ]

[ والقائلون بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم، إلا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذهبهم من المفاسد (1). ] فيه. ودعوى: إثبات كفره، إما أن يكون بلحاظ كونه منكرا للضروري بناء على كون عدم الجبر من المعطيات الإسلامية بالضرورة، وإما بلحاظ الروايات الخاصة المكفرة للمجبر. وكلاهما غير تام: أما الأول، فللمنع عن كون المسألة ضرورية، مع كل ما وقع من إجمال وتضارب في النصوص والأقوال، ومنع كون منكر الضروري كافرا خصوصا في مثل المقام، لأن عمدة المدرك لذلك رواية عبد الله بن سنان الواردة فيمن زعم أن الكبيرة حلال وهي لا تشمل الضروريات الاعتقادية البحتة، لأن موردها إنكار الضروري من الأحكام العملية. وأما الثاني، فلأن حالها حال الروايات الواردة في تكفير المشبه وقد تقدم حالها. مضافا إلى الضعف في أسانيدها كما يظهر بالمراجعة. (1) لا شك في أن الاعتقاد بمرتبة من الثنائية التي توجب تعقل فكرة الخالق والمخلوق مقوم للإسلام، إذ بدون ذلك لا معنى لكلمة التوحيد. فالقول بوحدة الوجود إن كان بنحو يوجب عند القائل بها رفض تلك الثنائية فهو كفر، وأما إذا لم ير القائل تنافيا بين وحدة الوجود ومرتبة معقولة من الثنائية المذكورة فلا كفر في قوله، ولو فرض ثبوت التنافي واقعا. وتوضيح الحال في ذلك: أن مفهوم الوجود المنتزع من الخارج، تارة: يقال بأن منشأ انتزاعه نفس ما يقع موضوعا في القضية الحملية التي يكون مفهوم الوجود محمولا فيها، وهذا معناه القول بأصالة الماهية. وأخرى: يقال بأن منشأ انتزاعه حقيقة وراء ذلك، وتكون الماهية بدورها متنزعة عن تلك

[ 314 ]

[ (مسألة - 3): غير الاثنا عشرية من الشيعة إذا لم يكونوا ناصبين ومعادين لسائر الأئمة ولا سابين لهم طاهرون (1). ] الحقيقة أيضا، وهي سنخ حقيقة لو أمكن تصورها مباشرة لكان ذلك مساوقا للتصديق بوجودها وطارديتها للعدم، وهذا قول بأصالة الوجود وعلى الأول لا إشكال في التكثر لتعدد الماهيات. وأما على الثاني فتارة: يقال إن نسبة مفهوم الوجود إلى تلك الحقيقة، نسبة الكلي إلى الفرد بنحو تتكثر الأفراد، أو نسبة العنوان إلى المعنون مع وحدته. فعلى الأول يكون مفهوم الوجود ذا مناشئ انتزاع متعددة بعدد أفراده. وعلى الثاني تثبت وحدة حقيقة الوجود. وعليه فتارة: يقال بأن هذه الحقيقة مختصة بالله تعالى، وأن موجودية غيره بالانتساب إليه لا بوجدانه للحقيقة نفسها، وهذا قول بوحدة الوجود وتعدد الموجد. وأخرى: يقال بأن تلك الحقيقة لا تختص بالواجب تعالى، بل كل الموجودات ذاقت طعمها، فهذ قول بوحدة الوجود والموجود. وعليه فتارة: يقال بفارق بين الخالق والمخلوق في صفع الوجود، نظير الفارق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي في صقع الماهيات. وأخرى: يرفض هذا الفارق ويدعى أنه لا فرق بينهما إلا بالاعتبار واللحاظ، لأن الحقيقة إن لوحظت مطلقة كانت هي الواجب، وإن لوحظت مقيدة كانت هي الممكن. والاحتمال الأخير في تسلسل هذه التشقيقات هو الموجب للكفر، دون الاحتمالات السابقة لتحفظها على المرتبة اللازمة من الثنائية. (1) المعروف بين فقهائنا طهارة المخالفين، لانحفاظ أركان الإسلام فيهم، وانطباق الضابط المبين للإسلام في الروايات عليهم، كما في رواية سماعة عن أبي عبد الله (ع): " قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله (ص) به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث

[ 315 ]

وعلى ظاهره جماعة الناس (1) ". هذا مضافا: إلى أنه لم يقم دليل على نجاسة من ينتحل الإسلام من الكفار، فضلا عن المخالفين. وأما محاولة إثبات نجاستهم فهي بدعوى: كونهم كفارا وقيام الدليل على نجاسة الكافر مطلقا. والكبرى ممنوعة كما تقدم. وأما الصغرى فقد تقرب بثلاثة أوجه: الأول: كون المخالف منكرا للضروري، بناء على كفر منكر الضروري. ويرد عليه: - مضافا إلى عدم الالتزام بكفر منكر الضروري - أن المراد بالضروري الذي ينكره المخالف، إن كان هو نفس إمامة أهل البيت فمن الجلي أن هذه القضية لم تبلغ في وضوحها إلى درجة الضرورة، ولو سلم بلوغها حدوثا تلك الدرجة فلا شك في عدم استمرار وضوحها بتلك المثابة لما اكتنفها من عوامل الغموض. وإن كان هو تدبير النبي وحكمة الشريعة على أساس أن افتراض إهمال النبي والشريعة للمسلمين بدون تعيين قائد أو شكل يتم بموجبه تعيين القائد يساوق عدم تدبير الرسول وعدم حكمة الشريعة، فإن هذه المساوقة حيث إنها تقوم على أساس فهم معمق للموقف فلا يمكن تحميل إنكار مثل هذا الضروري على المخالف، لعدم التفاته إلى هذه المساوقة أو عدم إيمانه بها. الثاني: الروايات التي تطبق عنوان الكافر على المخالف. ويرد على ذلك: أن الكفر فيها يتعين حمله على ما لا يقابل الإسلام فيكون مساقها مساق ما طبق فيه عنوان الكفر على العاصي للإمام كما في رواية المفضل عن الكاظم (ع) إذ ورد فيها: " ومن عصاه فقد كفر "، مع وضوح أن المعصية لا توجب الكفر المقابل للإسلام. وهذا الحمل يبرره أولا: ما دل على كون الضابط في الإسلام التصديق بالله


(1) الكافي ج 2 ص 25.

[ 316 ]

وبالرسول، المحفوظ في المخالف أيضا. فإن قيل: إن الروايات المذكورة مقيدة لدليل ذلك الضابط أو حاكمة عليه. يقال: إن ذلك ممتنع، لأنه من قبيل تخصيص الأكثر المستهجن عرفا مضافا إلى ما يشتمل عليه من إشارة واضحة إلى تطبيق الضابط على ما عليه الناس خارجا. وثانيا: الارتكاز والسيرة. وذلك إما بتقريب: أن السيرة والبناء العملي منعقد على التعامل مع المخالف معاملة المسلم، وهو كاشف عن إسلامه. أو بتقريب: أن تعايش الموالين لأهل البيت مع عموم المسلمين وشدة احتياجهم إلى معرفة حكمهم من هذه الناحية ومدى الحرج التي يترتب على افتراض كفر المخالفين، كل ذلك يجعل من المؤكد أن يكون حكم المخالفين من هذه الناحية أمرا واضحا مركوزا في أذهان الموالين، وهذا يعني أنه كان أحد الأمرين مركوزا في الذهن المتشرعي العام نظرا إلى طبيعة المسألة وأهميتها. وعليه فإن لم ندع القطع بأن المركوز كان هو إسلام المخالفين وطهارتهم، فلا أقل من احتمال ذلك بنحو معتد به، وهو يوجب احتمال القرينة المتصلة الموجب لإجمال الروايات المذكورة، لأن الارتكاز من قبيل القرائن المتصلة. وقد حققنا في الأصول أن احتمال القرينة المتصلة المعتد به يوجب الإجمال. الثالث: ما دل من الروايان على أن المخالف مطلقا ناصب. وهي - سواء كان مفادها التعبد وتنزيل المخالف منزلة الناصب بالحكومة أو شرح كلمة الناصب، وأن مرادهم من الكلمة مطلق المخالف - تثبت أن حكم الناصب ثابت للمخالف. فإذا ثبت كفر الناصب ونجاسته ثبت ذلك في مطلق المخالف وقد يعترض على ذلك: بأن هذه الروايات غاية ما يستفاد منها كون المخالف ناصبا، وهذا لا يقتضي الحكم بنجاسته، لأن النجاسة ليست مترتبة على طبيعي الناصب، بل الناصب لأهل البيت دون الناصب لشيعتهم. ويندفع هذا الاعتراض بأن الروايات لا إشكال في ظهورها في الاتجاه إلى عنوان الناصب

[ 317 ]

[ (مسألة 4): من شك في إسلامه وكفره، طاهر وإن لم يجر عليه سائر أحكام الإسلام (1). ] المأخوذ في ألسنتهم عليهم السلام، وتوسعته إما تنزيلا أو اصطلاحا فتكون لها حكومة على الأدلة التي أخذت في موضوعها عنوان الناصب. فالتحقيق في رد هذه الروايات: - مضافا إلى ضعف السند في كلها أو جلها - ما تقدم من مناقشة للروايات السابقة. (1) إذا لم تكن له حالة سابقة ولو بالتبعية فهذا واضح. فإنه تجري فيه أصالة الطهارة، لتعذر إحراز موضوع النجاسة بالاستصحاب، لأن موضوعها ليس مجرد عدم الإسلام ليدعى استصحابه ولو بنحو العدم الأزلي بل الكفر، وهو إما أمر وجودي في مقابل الإسلام، أو عدم خاص بنحو العدم الملحوظ في تقابل العدم والملكة، ومثل ذلك لا يمكن إثباته بمجرد استصحاب العدم البحت، كما هو واضح. بل قد يجري الاستصحاب النافي للموضوع. إلا أن ذلك كله لا يجوز ترتيب الأحكام المعلقة في لسان أدلتها على عنوان الإسلام، لعدم إحرازه أو إحراز عدمه البحت بالاستصحاب الذي يترتب عليه نفي تلك الآثار وإن لم تثبت به النجاسة. وأما إذا كان مسلما بالتبعية فقد يقال: يجريان الاستصحاب المثبت لإسلامه. إما بتقريب: إجراء الاستصحاب في نفس الإسلام. وإما بدعوى: أن المستفاد من مثل رواية محمد بن مسلم المتقدمة - بعد حملها على من كان ناشئا في الإسلام حدوثا - أن الكفر منوط بالجحود وأن الإسلام منوط بعدمه، فيكون موضوع الحكم بالإسلام مركبا من كونه ناشئا في الإسلام وعدم جحوده. والجزء الأول محرز وجدانا بحسب الفرض، والثاني محرز بالاستصحاب فيحكم بإسلامه.

[ 318 ]

أما التقريب الأول فيرد عليه: أن الإسلام المتيقن حدوثاا إسلام تنزيلي وهو مقطوع الارتفاع وما هو مشكوك بقاء لا يتيقن بحدوثه. وأما التقريب الثاني، فهو مبني على استفادة ما ذكرناه من كون الحكم بالإسلام في حق الناشئ في ظله لا يتوقف على أكثر من أمر عدمي. وقد يستدل على ذلك تارة: بالسيرة على عدم مطالبة أولاد المسلمين بالشهادتين. وأخرى: برواية زرارة المتقدمة: " لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا ". وثالثة: برواية محمد بن مسلم التي أشرنا إليها آنفا، إذ قال في حق الشاك في النبي والله " إنما يكفر إذا جحد " أما السيرة، فهي ممنوعة، لأن الواضح منها عدم الإلزام بالتلفظ بالشهادتين. وهذا كما يلائم المدعى المذكور، يلائم الاكتفاء بمطلق إبراز التصديق بالرسالة ولو بظهور الحال وهو أمر ثابت غالبا في أولاد المسلمين فلا يمكن الاستدلال بها على كفاية الأمر العدمي في الإسلام. وأما رواية زرارة، فهي - مضافا إلى ضعف سندها بمجحمد بن سنان - مطلقة من حيث كون المجهول غير المجحود من قبيل النبوة والتوحيد أو من الأحكام فتعارض ما دل على دخل التصديق بالنبوة والتوحيد في الإسلام، الشامل بإطلاقه لأولاد المسلمين أيضا ومثل هذا الاعتراض لا يتجه على رواية محمد ابن مسلم لأنها واردة في مورد كون المجهول من أصول الدين، فتكون أخص مطلقا من الدليل المعارض. وهي سليمة السند بناء على وثاقة خلف ابن حماد الواقع في طريقها، بإرجاعه إلى خلف بن حماد بن ناشر، المشهور بوثاقته من النجاشي فلاحظ. وأما إذا كان كافرا بالتبعية فقد يستدل على نجاسته بوجهين: أحدهما: الاستصحاب الموضوعي، أي استصحاب كفره المقتضي لنجاسته، بناء على نجاسة الكافر. إما بتقريب: استصحاب الكفر الثابت حدوثا بلحاظ التبعية. أو بدعوى: أن ابن الكافر يناط كفره شرعا بمجرد

[ 319 ]

[ التاسع الخمر (1). ] عدم إظهار الشهادتين، فمع الشك يجري استصحاب العدم لإثبات الحكم بكفره شرعا. أما الأول، فيرد عليه: ما أشرنا إليه من أن الوجود التنزيلي للكفر معلوم الارتفاع، والوجد الحقيقي مشكوك الحدوث. وأما الثاني، ففيه: أن الكفر الحقيقي ليس مجرد عدم بحت، بل هو عدم متضمن للقابلية والملكة، كالعمى بالنسبة إلى البصر، فكما لا يثبت العمى باستصحاب العدم البحت للبصر كذلك لا يثبت الكفر باستصحاب العدم المذكور. ولم يثبت أن الشارع حكم بالكفر تعبدا على موضوع عدمي لنحرز باستصحاب ذلك العدم موضوع هذا الكفر الحكمي. والوجه الآخر: الاستصحاب الحكمي، أي استصحاب نجاسة ولد الكافر الثابتة حال صغره، لانحفاظ الموضوع العرفي للنجاسة. وهذا الاستصحاب إنما يجري فيما إذا لم يكن بالإمكان نفي موضوع النجاسة بالاستصحاب وإلا كان حاكما عليه وذلك بأن يقال: إن الكفر إما أمر وجودي أو أمر عدمي متضمن لمعنى ثبوتي كالعمى، وعلى كلا التقديرين يجري استصحاب عدمه. ويترتب على ذلك نفي النجاسة، لأن أحد موضوعي النجاسة وهو الولد الصغير للكافر منتف وجدانا، والموضوع الآخر وهو الكافر منفي بالاستصحاب، فلا مجال لإجراء استصحاب النجاسة. (1) لا شبهة في أن المعروف بين فقهائنا - بل فقهاء المسلمين عموما - نجاسة الخمر. وقد استدل على ذلك: بالإجماع، والكتاب، والسنة. أما الإجماع، فقد استدل به جملة من الفقهاء. ولعل أولهم ابن زهرة في الغنية، وتبعه ابن إدريس، وشاع الاستدلال به بعد ذلك في كلمات طبقات: المحقق، والعلامة، والشهيد، والمتأخرين.

[ 320 ]

والأصل في دعوى الإجماع كلام السيد المرتضى، وآخر للشيخ رحمهما الله. فلقد قال المرتضى في كتاب الناصريات: " الخمر نجس وكذلك كل شراب يسكر كثيره. ولا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم. والذي يدل على نجاستها قوله تعالى: " إنما الخمر والميسر... الآية ". وقال الشيخ الطوسي في المبسوط: " والخمر نجسة بلا خلاف وكل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر ". وأما ادعاء الإجماع عند المتأخرين فإنه يرجع إلى مثل هاتين الشهادتين وقد ذكرنا مرارا: أن الإجماع أمارة عقلائية بحساب الاحتمال، فلا بد من ملاحظة ما يتدخل في الكشف عن الحكم الوقعي إثباتا ونفيا، ليقدر مدى إمكان حصول الاطمئنان على أساس الإجماع المذكور. وبهذا الصدد نستعرض عدة نقاط: النقطة الأولى: في مدارك الإجماع ومناقشتها. وتوضيح ذلك: أنه إما أن يدعي إحراز المذكور بالإجماع بالوجدان، أو يدعي ثبوته بالنقل. فإن كان الأول - كما يظهر من كلام الشيخ صاحب الجواهر قدس سره - فالجواب: إن هذا الوجدان غير موجود، لا عندنا فحسب، بل حتى عند من استدل بالإجماع ممن هو قبل صاحب الجواهر، وأقرب بمئات السنين إلى عصر الفقهاء الأقدمين الذين هم المعيار في قيمة الإجماع وكاشفيته فهذا هو العلامة الحلي الذي استدل بالإجماع يقول في المختلف: " الخمر، وكل مسكر، والفقاع، والعصير إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه، نجس. ذهب إلى ذلك أكثر علمائنا، كالشيخ المفيد، والشيخ أبي جعفر، والسيد المرتضى وأبي الصلاح، وسلار، وابن إدريس. وقال أبو علي بن أبي عقيل: من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن

[ 321 ]

عليه غسلهما، لأن الله إنما حرمهما تعبدا لا لأنهما نجسان. وقال أبو جعفر ابن بابويه: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر. لنا: أولا: الإجماع على ذلك. فإن السيد المرتضى قال " لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ " وقال الشيخ: " الخمر نجس بلا خلاف ". وقول السيد المرتضى والشيخ حجة في ذلك، فإنه إجماع منقول بقولهما وهما صادقان، فيغلب على الظن ثبوته والإجماع كما يكون حجة إذا نقل متواترا فكذا إذا نقل آحادا ". وهذا الكلام - كما ترى - يدل على أن العلامة مع سعة اطلاعه وشموله الفقهي لم يحصل لديه إحراز مباشر للإجماع، ولا نقل مستفيض له، وإنما اعتمد على نقله بأخبار الآحاد الثقاة. وليس مراد العلامة بالإجماع الذي لم يدع إحرازه مباشرة الإجماع المطلق ليقال: بأن ذلك لا يضر بكون مرتبة معتد بها من الإجماع محصلة لأن وجود الاختلاف الجزئي لا يضر بتحصيل المقدار الحجة من الإجماع وذلك لأن الإجماع الذي نقله عن السيد إجماع مقرون بشئ من الخلاف أيضا، وليس إجماعا مطلقا، ومع هذا عول في إثبات هذا المعنى من الإجماع على أخبار الآحاد. وهذا المحقق أستاذ العلامة يقول في المعتبر: " الخمر نجس العين. وقال محمد بن بابويه، وابن أبي عقيل منا: ليست نجسة، وتصح الصلاة مع حصولها في الثوب، وإن كانت محرمة. ثم إن الأخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة. والاستدلال بالآية فيه إشكالات. لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط في الدين ". وهكذا نجد أن المحقق أيضا لم يتبين دعوى الإجماع، وإنما التجاء إلى الاحتياط في الدين بعد الاعتراف بوجود الاختلاف.

[ 322 ]

وإن كان المدعى ثبوت الإجماع بالنقل، فلا بد أن يكون النقل واصلا إلى درجة الاستفاضة بنحو يوجب الاطمئنان، وإلا دخل في الإجماع المنقول الذي لا نقول بحجيته، خصوصا مع وجود نحو من الوهن في دعوى السيد والشيخ. أما السيد، فلأن مسلكه في دعوى الإجماع - الذي يؤدي به إلى دعواه على فتاوى يكاد أن يتفرد بها - يزيل الوثوق بظاهر كلامه عند ادعاء الإجماع. وأما الشيخ، فقوله: " بلا خلاف " مبني على ضرب من التسامح، إذ كيف يخفى عليه خلاف مثل الصدوق الذي هو على رأس مدرسة فقهية كبيرة. النقطة الثانية: في إثبات وجود الخلاف. وقد أشرنا مرارا إلى أن الجانب الكيفي مهم في تقييم الخلاف المضر بانعقاد الإجماع، وليست الأهمية للجانب الكمي فقط، لأن دلالة الإجماع على الحكم ليست تعبدية، وإنما هي على أساس نجميع القرائن التي تقتضي كشفه عن ارتكاز مسلم وتلق واضح للحكم من أيدي الأئمة والرواة. فإذا وجد مخالفون قلائل فلا بد أن تدرس نوعيتهم، فإذا كانوا من القدماء الواقعين في خط التسلسل العلمي والمتفاعلين درساا وتدريسا وأخذا وإعطاء مع الوسط الفقهي الإمامي عموما كان خلافهم مضرا، أو مساعدا على الإضرار بكشف الإجماع، لأن ما يترقب أن يكشف عنه من ارتكاز وتلق مسلم إنما يفترض في ذلك الوسط وأما إذا كانوا بعيدين عن ذلك الوسط غير متغلغلين فيه بتلك الدرجة فلا تكون لخلافهم قيمة معتد بها. وفي هذا الضوء ندرس مدى وجود الخلاف مع الالتفات إلى نوعية المخالفين: إن الخلاف قد نسب إلى الصدوق ووالده. وهما من كبار الوسط الفقهي الإمامي في قم وإلى ابن أبي عقيل والجعفي وهما من شيوخ أصحابنا

[ 323 ]

في العراق، وكلهم من المقاربين لعصر الأئمة أو المعاصرين لمقدار منه. أما الصدوق رحمه الله، فهناك مدركان لإفتائه بالطهارة: أحدهما: في مقنع في باب شارب الخمر والغناء إذ يقول: " ولا تجالس شارب الخمر، ولا تأكل على مائدة يشرب عليها خمر، ولا تصل في بيت فيه خمر محصور في آنية. وقد روى فيه رخصة. ولا بأس أن تصلي في ثوب أصابه خمر، لأن الله حرم شربها، ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته ". والآخر في الفقيه وذلك في موضعين: الأول: ما نقله من الرواية الدالة على جواز الصلاة في الثوب الملاقي للخمر، بدون إشارة إلى معارض لها، وذلك في باب ما يصلى فيه، إذ ورد في هذا الباب قوله: " وسئل أبو جعفر وأبو عبد الله إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها، أنصلي فيها قبل أن نغسلها؟ فقال: نعم لا بأس، إنما حرم الله أكله وشربه، ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه ". فإذا ضم إلى ذلك تعهده في مقدمة الفقيه بأن لا يذكر إلا الروايات التي يفتي على طبقها تم الاستشهاد وإن كان الإفتاء على طبق هذه الرواية غريبا، لاقتضائها طهارة ودك الخنزير أيضا. والثاني: في باب ما ينجس الثوب والجسد قال: " ولا بأس بالصلاة في ثوب أصابه الخمر، لأن الله عز وجل حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته. فأما في بيت فيه خمر فلا تجوز الصلاة فيه " وهذه العبارة واضحة الدلالة في الطهارة، خصوصا بلحاظ التعليل بحصر المحذور في الحرمة. وهناك عبائر للصدوق ربما يستظهر منها فتواه بالنجاسة: منها: ما في المقنع في باب ما يصلى فيه وما لا يصلى، قال: " لا يجوز أن يصلي في بيت فيه خمر محصور في آنية. وروي أنه يجوز. وإياك أن تصلي في

[ 324 ]

ثوب أصابه خمر ". إلا أن هذا لا ينبغي جعله معارضا لما تقدم، لأن الصدوق من شأنه في المقنع الإفتاء بمضامين الروايات وعلى أسلوبها، فلو ورد نهي عن شئ وترخيص فيه في روايتين أفتى بالنهي وأفتى بالترخيص معا، وينتزع من مجموع الفتويين الحكم بالكراهة، كما هو الحال في الروايات. وهذا يظهر لمن يلاحظ كتاب المقنع. ومنها: ما في الفقيه في باب أحكام المياه، قال: (إن وقع في البئر بعير أو صب فيها خمر فانزح الماء كله. وقال: إن وقع في البئر قطرة دم أو خمر أو ميتة أو لحم خنزير فانزح منها عشرين دلوا ". ومنها: ما في الفقيه في باب المياه: " وإن قطر خمر أو نبيذ في عجين فقد فسد، فلا بأس ببيعه من اليهود والنصارى بعد أن يبين لهم والفقاع مثل ذلك " والإنصاف عدم صلاحية هذه العبائر للمعارضة مع صريح ما تقدم، فيحتمل حمل النزح على التعبد أو التنزيه، وحمل الفساد على حرمة الأكل. وعلى أي حال فالظاهر من مجموع كلمات الصدوق الإفتاء بالطهارة، وإن كان في النفس من واقعية هذا الظهور شئ. وأما والد الصدوق، فقد نسب إليه القول بالطهارة، ولعل الأصل في هذه النسبة شهادة ابن إدريس في السرائر، إذ قال: " والخمر نجس بلا خلاف، ولا تجوز الصلاة في ثوب ولا بدن أصابه منها قليل أو كثير إلا بعد إزالتها مع العلم بها وقد ذهب بعض أصحابنا في كتاب له - وهو ابن بابويه - إلى أن الصلاة تجوز في ثوب أصابه الخمر. قال: لأن الله حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته، معتمدا على خبر روي، وهذا اعتماد منه على أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، وهو مخالف للإجماه من المسلمين فضلا عن الطائفة، من أن الخمر نجسة. وقد أجمع أصحابنا

[ 325 ]

على أن االصلاة لا تجوز في ثوب أصابته نجاسة إلا بعد إزالتها ". وهذا مبني على حمل عنوان ابن بابويه على الأب، باعتباره الأقرب إلى بابويه. ولكن من المحتمل إرادة الصدوق به، لأن العبارة التي نسبها إليه متحدة مع عبارة الصدوق المتقدمة. وقد يؤيد ذلك حصر المخالفين في بعض كلمات الأصحاب الثلاثة: الصدوق، والجعفي، وابن أبي عقيل. وقد نقل خلاف بعض هؤلاء العلامة في المختلف حيث قال: " وقال أبو علي ابن أبي عقيل: من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما لأن الله إنما حرمهما تعبدا لا لأنهما نجسان ". ونقل الشهيد في الذكرى خلاف الصدوق والجعفي، والحسن. ولعل كلام المحقق المتقدم نقله مشعر بوجود اختلاف أوسع في المسألة فلاحظ. النقطة الثالثة: أننا نستدل بالإجماع على الأغلب باعتبار كشفه بصورة متسلسلة عن وضوح الحكم المجمع عليه بين الأصحاب في زمن الأئمة، بينما توجد بعض الروايات تدل على أن المسألة كانت خلافية بينهم، فيستكشف أن الارتكاز تكون أخيرا على أساس استنباط الفقهاء. ففي رواية خيران الخادم أنه: " كتب إلى الرجل يسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير يصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فإن الله إنما حرم شربها وقال بعضهم: لا تصل فيه فكتب (ع): لا تصل فيه فإنه رجس " (1). والرواية وإن كانت غير صحيحة السند، إلا أنه يحتمل صدورها. وبقدر الاحتمال الوجوداني لصدورها تكون عاملا مضادا للكاشفية التكوينية للإجماع. إلا أن مما يوهن أمر الرواية عطف لحم الخنزير على الخمر أيضا. وهناك رواية أخرى لكليب بن معاوية: " قال: كان أبو بصير وأصحابه يشربون النبيذ


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات.

[ 326 ]

يكسرونه بالماء، فحدثت أبا عبد الله (ع). فقال لي: وكيف صار الماء يحل بالكسر؟! مرهم لا يشربون منه قليلا ولا كثيرا، ففعلت، فأمسكوا عن شربه، فاجتمعنا عند أبي عبد الله (ع)، فقال له أبو بصير: إن ذا جاءنا عنك بكذا وكذا. فقال: صدق يا أبا محمد، إن الماء لا يحل المسكر فلا تشربوا منه قليلا ولا كثيرا " (1). ومن المعلوم: أنه لو كان المرتكز في ذهنهم النجاسة لكان من البعيد أن يتوهموا كسر محذور النجاسة بالماء، لأن من الواضح أن النجس إذا زيد ماءا تنجس ما يلقى فيه ولا يطهر، وإنما ينشأ هذا التوهم عند قصر النظر على محذور الحرمة، فيكشف عن عدم ارتكاز النجاسة في ذهن ثلة من فقهاء أصحاب الأئمة. والرواية وإن وردت في النبيذ المسكر، إلا أنه تنفع للغرض المطلوب على أي حال. النقطة الرابعة: إن من المحتمل مدركية الإجماع واستناده إلى الوجوه الصناعية. وهذا الاحتمال هنا أوجه منه في مسألة نجاسة الكافر، لأن افتراض عدم اعتقاد ثلة من الأصحاب في المقام بالجمع العرفي، وبصلاحية أخبار النجاسة للحمل على التنزه، أقرب من افتراض مثل ذلك في تلك المسألة. وكلما كان الوجه الصناعي للفتوى المجمع عليها أقرب إلى الوجاهة كان احتمال المدركية أكبر. وقد تقدم في مسألة نجاسة الكافر: نقل نص عن الشيخ الطوسي يبرر به الفتوى بتقديم أخبار النجاسة على أخبار الطهارة بوجوه اجتهادية، دون أن يستعين في طرح روايات الطهارة بدعوى: الشذوذ، أو مخالفة الضرورة، ونحو ذلك. النقطة الخامسة: إن روايات الطهارة إذا لوحظت بقدر كشفها الاحتمالي التكويني - بقطع النظر عن حجيتها التعبدية - تشكل أمارة احتمالية


(1) وسائل الشيعة باب 18 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 327 ]

توهن الإجماع، وأماريتها أقوى من أمارية روايات الطهارة في مسألة نجاسة الكافر، لأننا ذكرنا هناك: أن الرأي السائد بين علماء المسلمين من السنة في عصر الأئمة كان هو طهارة الكافر، وفي مثل ذلك يحصل ظن قوي بصدور روايات تدل على الطهارة على أي حال، إما جدا أو تقية، وهذا يعني أن صدور روايات الطهارة على فرض النجاسة ليس بأبعد من فرض صدورها على فرض الطهارة، لأن دوافع التقية متوفرة. وهذا الكلام لو تم هناك لا يأتي في هذه المسألة، لأن المشهور بين فقهاء السنة في عصر الأئمة هو الفتوى بالنجاسة، فيكون صدور روايات الطهارة على فرض عدم الطهارة واقعا في غاية البعد، وهذا يقوي أماريتها الوجدانية على ما ينافي الإجماع، خصوصا مع وثاقة الرواة ومعروفيتهم. ولا يبعد مع أخذ مجموع هذه النقاط الخمس بعين الاعتبار سقوط الإجماع في هذه المسألة عن الصلاحية لإيجاد اليقين أو الاطمئنان الشخصي بالحكم الشرعي. وأما الكتاب الكريم فقد استدل منه بالآية الكريمة: " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ". بدعوى أن كلمة (رجس) تدل على النجاسة، ولو من ناحية دعوى الشيخ الطوسي الإجماع على كون الرجس بمعنى النجس. ويمكن أن يورد على هذا الاستدلال بالوجوه الآتية: أولا: أنه عطف على الخمر، الميسر بمعنى القمار، وهو عمل لا تعقل نجاسته، فلا بد أن يراد بالرجس معنى يناسب جعله وصفا للعين والعمل معا، وهو الحزازة والخباثة. ويمكن أن يقال: إن الميسر يطلق على ما يلعب به، وقد جاءت عدة روايات تفسر الآية بذلك. ففي رواية جابر عن أبي جعفر (ع): " قال: لما أنزل الله على رسوله " إنما الخمر والميسر

[ 328 ]

والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ فقال: كلما تقومر به، حتى الكعاب والجوز. قيل: فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوا لآلهتهم. قيل: فما الأزلام؟ قال: قداحهم التي يستقسمون بها " (1). ومثلها رواية العياشي في تفسيره. وثانيا: أن الرجس لم يحمل على نفس الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، بقرينة قوله: " من عمل الشيطان "، بما حمل عليه الرجس إنما هو عمل من الأعمال، فلا بد من تقدير الشرب واللعب ونحو ذلك. ويمكن أن يقال: إنه لم ينظر إلى هذه الأعيان من الخمر والميسر بما هي أعيان، بل بما هي أشياء مصنوعة، وبهذا عبر عنها بالعمل. فكأن المقصود بيان أن فكرة إيجاد الخمر والميسر فكرة شيطانية، فنفس الخمر من عمل الشيطان وصنعه، ولا حاجة إلى تقدير، ومعه يكون الرجس محمولا على نفس الخمر. وثالثا: أن كلمة (رجس) لم يثبت وضعها لخصوص النجس الاعتباري أو انصرافها إلى ذلك في عصر نزول الآية، وإنما هي بمعنى الحزازة والاستخباث، وهذا المفهوم كما له فرد اعتباري وهو النجاسة الشرعية له أفراد معنوية أيضا. ولا معنى للتمسك بإطلاقه لإثبات تمام تلك الأفراد لأنه وقع محمولا في القضية، والإطلاق للأفراد إنما يتم في جانب الموضوع. ورابعا: يوجد في الآية الكريمة ما يكون عدم نجاسته من الواضحات كالميسر والأزلام، حتى بعد حملها على ما يلعب به وعلى القداح. وأما السنة، فالكلام فيها يقع في مقامات: المقام الأول: في الروايات التي يمكن أن يستدل بها على النجاسة وهي عديدة: منها: رواية يونس عن بعض من رواه عن أبي عبد الله (ع):


(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب ما يكتسب به.

[ 329 ]

" قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه وإن لم تعرف موضعه فااغسله كله. وإن صليت فيه فأعد صلاتكك " (1). وهذه الرواية تدل على النجاسة، بلحاظ الأمر بالغسل الظاهر في النجاسة كما مر ملاكه. وبلحاظ الأمر بالإعادة، فإن ظاهره فرض الصلاة في الثوب الذى أصابه الخمر لا في الخمر، وهذا يعني مانعية الثوب عن الصلاة ولا مع زوال عين الخمر، والمنصرف ارتكازا من ذلك كون المانعية بملاك النجاسة إلا أن الرواية ضعيفة سندا بالإرسال. ومنها: رواية زكريا بن آدم. قال: " سألت أبا الحسن (ع): عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير؟ قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب، واللحم اغسله وكله. قلت فإنه قطر فيه الدم. قال: الدم تأكله النار إن شاء الله. قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم. قال: فقال: فسد. قلت: أبيعه من اليهودي والنصارى وأبين لهم؟ قال: نعم فإنهم يستحلون شربه قلت: والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شئ من ذلك؟ قال: فقال: أكره أنا أن آكله إذا قطر في شئ من طعامي " (2). وتقريب الاستدلال بها: إما بلحاظ الأمر بإراقة المرق الذي قطرت فيه قطرة خمر أو نبيذ، بدعوى: أن المحذور لو كان منحصرا بالحرمة لحصل الاستهلاك ولارتفعت الحرمة أو بلحاظ الأمر بغسل اللحم الدال على النجاسة مكما تقدم ملاكه أو بلحاظ الحكم بفساد العجين الذي قطرت فيه قطرة مسكر، بدعوى: ظهور الفساد في النجاسة. والمهم هو الوسط من هذه التقريبات. أما الأول، فيمكن التأمل فيه: بأنه موقوف على فرض ارتكازية زوال محذور حرمة الخمر بالاستهلاك، مع أن ارتكاز ذلك


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات.

[ 330 ]

في أذهان المتشرعة غير معلوم، مع ما يلاحظ من شدة اهتمام الشارع بلزوم التجنب عن المسكر، فلعل الأمر بالإراقة كان بلحاظ عدم كفاية الاستهلاك في رفع محذور الحرمة، في مقابل الدم الذي حكم فيه بكفاية ذلك بقوله: " الدم تأكله النار:. وكما يكون النظر في هذه الجملة إلى محذور الحرمة فقط، كذلك في الجملة الأولى. وأما الثالث، فهو لا يخلو عن تهافت مع ما سبق، إذ فرض أن قطرة الدم تفسد العجين، بينما لم تكن تفسد المرق فيما تقدم بلحاظ أن النار تأكل الدم. وعلى أي حال لا يتعين حمل الفساد على النجاسة، لإمكان أن يكون بلحاظ الحرمة وعدم كفاية الاستهلاك في زوال الحرمة، وطرو حرمة الأكل على شئ معد للأكل، فساد له. وأما سند الرواية فضعيف، لأن الرواي عن زكريا بن آدم في نقل الشيخ هو: الحسن بن مبارك، وفي نقل الكليني: الحسين بن مبارك. والأول غير معروف بنحو يظن رجوعه إلى الثاني. والثاني غير موثق. ومنها رواية عمار بن موسى عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خل، أو ماء، أو كامخ. أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس. وقال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر. قال: تغسله ثلاث مرات. وسئل أيجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " (1). ودلالة الرواية على النجاسة تامة بلحاظ الأمر بالغسل وتعليق نفي البأس عليه ووضوح كون الغسل مقصودا بعنوانه كما هو ظاهره. لا لأجل الإزالة بقرينة الأمر بتثليث الغسلات مع الدلك. والسند تام أيضا. ومنها رواية الكليني، عن محمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن أبي جميل البصري عن يونس بن عبد الرحمن عن هشام بن الحكم: " أنه


(1) وسائل الشيعة باب 51 من أبواب النجاسات.

[ 331 ]

سأل أبا عبد الله (ع) عن الفقاع. فقال: لا تشربه فإنه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله (1). والأمر باالغسل ظاهر في النجاسة بالملاكات المتقدمة، وهو تفريع على خمرية الفقاع فيكون ظاهرا في نجاسة كل خمر، فالدلالة تامة. وأما السند فطريق الكليني المذكور، فيه إرسال، والشيخ الطوسي نقله بلا إرسال (2) مع أن صاحب الوسائل (قدس سره) لم يشر إلى هذا الفرق بين الطريقين في الموضع الأول وهناك نقطة ضعف مشتركة بين الطريقين، وهي ورود أبي جميلة أو أبي جميل في السند فالرواية ساقطة سندا. ومنها: نفس رواية عمار السابقة، بلحاظ زيادة جاءت في طريق الشيخ ولم ينقلها الكليني، وهذه الزيادة بنفسها تدل على النجاسة، وهي أنه: " سأله عن الإناء يشرب فيه النبيذ. فقال: تغسله سبع مرات وكذلك الكلب ". والأمر بالغسل سبعا وإن كان لا بد من حمله على الاستحباب، لكفاية الثلاث في التطهير من الخمر وعدم تقبل الارتكاز احتمال أشدية النبيذ من الخمر ولكنه على أي حال يستأنس به للحكم بالنجاسة، لأن النجاسات الخفيفة لم يرد بشأنها الأمر بالغسل سبعا ولو استحبابا، فما يرد فيه ذلك يفهم كونه نجاسة حقيقية لا تنزيهية، وإن كان تسبيع الغيسل تنزيهيا. ومنها: رواية عمار عن أبي عبد الله (ع): " قال: لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر، لأن الملائكة لا تدخله. ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله " (3). وهي تدل على النجاسة: أولا: بلحاظ النهي عن الصلاة في ثوب


(1) وسائل الشيعة - الباب - 38 - من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة - الباب - 27 - من أبواب الأشربة المحرمة. (3) وسائل الشيعة - الباب - 38 - من أبواب النجاسات.

[ 332 ]

أصابه خمر، فإن إطلاقه لغرض عدم بقاء عين الخمر يدل عرفا على كون المانعية بسبب النجاسة، لا بسبب عين الخمر بعنوانه. وثانيا: بلحاظ جعل الغاية للنهي، الغسل، فإن ذلك يؤكد كون أساس المانعية هو النجاسة لظهور مادة الغسل في كونها تنظيفا وإزالة للقذر. وقد يستشكل: بناء على كون النهي الأول في الرواية تنزيهيا، ولو بمناسبة نوع التعليل فإن ذلك يوجب - سياقيا - ثلم ظهور النهي الثاني في الإلزام. وأما من ناحية السند فالرواية صحيحة، ولو بلحاظ سندها في التهذيب على الأقل، إن لم يتم سندها في الاستبصار. ومنها: صحيحة الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله (ع): عن دواء عجن الخمر. فقال لا والله ما أحب أن أنظر إليه، فكيف أتداوى به؟! إنه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير، وترون أناسا يتداوون به " (1) والرواية تامة سندا. والاستدلال مبني على التمسك بإطلاق ما في الحديث من التنزيل، المقتضي لترتب أحكام لحم الخنزير على الخمر، ولحم الخنزير له حكمان: أحدهما: ثابت بالضرورة من الدين وهو الحرمة والآخر: ثابت بالضرورة من الفقه وهو النجاسة. فيحكم على الخمر بالحرمة والنجاسة. وكون الملحوظ في السؤال جواز الاستعمال وحرمته لا يوجب هدم إطلاق التنزيل المؤكد للحرمة بضم النجاسة إليها. وهنا إشكال عام في التمسك بإطلاقات أدلة التنزيل في حالة وجود القدر المتيقن من ناحية نفس الكلام، وحاصله: أن الإطلاق إن كان ناشئا من مقدمات الحكمة المعروفة فلا يضر به وجود القدر المتيقن، وأما إذا كان ناشئا من نكتة خاصة مبنية على عدم وجود القدر المتيقن من ناحية الكلام فينثلم وجودها. والإطلاق في دليل التنزيل ليس من قبيل الأول، لوضوح أن مقدمات الحكمة إنما يجري دائما في طرف الموضوع


(1) وسائل الشيعة - الباب - 20 - من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 333 ]

للقضية الحملية لا في طرف محمولها، فإذا قيل: الفقيه عالم، يثبت بمقدمات الحكمة أن كل فقيه عالم، لا أن الفقيه عالم بكل علم، بل يكفي أن يكون عالما بعلم واحد لأن المحمول يلحظ بنحو صرف الوجود. وفي دليل التنزيل قد وقع التنزيل محمولا فقيل مثلا: الخمر كلحم الخنزير أو الطواف صلاة فيكفي صرف التنزيل ولو بلحاظ أثر لإشباع حاجة القضية إلى محمول، فيثبت بالإطلاق: أن كل طواف صلاة لا أن الطواف بمنزلة الصلاة في كل منازلها وشؤونها. وإنما ينعقد الإطلاق في دليل التنزيل بدلالة الاقتضاء العرفية في حالة عدم وجود قدر متيقن في البين، لأن ظهور الكلام في إفادة أمر عملي مع عدم التعيين، وعدم التعيين يوجب فهم الإطلاق. وأما مع وجود المتيقن بقرينة خاصة أو بالانسياق الارتكازي لأثر مخصوص لأظهريته ووضوحه فلا موجب للتمسك بإطلاق دليل التنزيل لإثبات سائر الآثار. والجواب على هذا الإشكال: أن العناية التي تصحح جعل الطواف صلاة - مثلا - لها مراتب، وكلما كان الطواف واجدا لمرتبة أكبر من خصوصيات الصلاة كانت العناية المذكورة أخف، وبهذه النكتة يثبت الإطلاق في أدلة التنزيل، أو على الأقل فيما كان بلسان حمل المنزل عليه على المنزل فتدبر جبدا. ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في حديث النبيذ: " قال: ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا " (1). ولا شك في وضوح دلالتها، إلا أنها ساقطة سندا لوقوع إرسال فيه قبل أبي بصير ومنها: رواية عمر بن حنظلة قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى يذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال: لا والله ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات وباب 20 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 334 ]

الحب " (1). والاستدلال بها: إن كان بلحاظ الأمر بالإراقة فهذا إنما يدل على النجاسة في غير ما ينحصر عرفا الانتفاع الملحوظ فيه بالأكل والشرب كما في المقام. وإن كان بلحاظ أن المحذور لو كان منحصرا في الحرمة لما وجد في مفروض الرواية لأجل الاستهلاك فقد تقدم الإشكال على ذلك. وأما سند الروية فالإشكال فيه بلحاظ عمر بن حنظلة الذي لم يشهد بتوثيقه صريحا إلا أنه يمكن توثيقه بما صح من رواية ابن أبي عمير عنه، أو بشهادة الإمام له بأنه لا يكذب في رواية رواها يزيد بن خليفة في مواقيت الصلاة بعد ضم تويثق يزيد بن خليفة بما صح من رواية صفوان عنه إلى ذلك. ومنها: رواية هرون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (ع): " في رجل اشتكى عينيه فنعت له بكحل يعجن بالخمر. فقال: هو خبيث بمنزلة الميتة، فإن كان مضطرا فليكتحل به " (2) ويتمسك بإطلاق التنزيل لإثبات النجاسة. ولكن لا يبعد أن يكون النظر في الرواية إلى الحرمة فقط بقرينة الترخيص في حال الاضطرار، مع أن النظر في المنع لو كان إلى النجاسة أيضا لكان اللازم التنبيه على لزوم غسل الظاهر من الموضع ويضاف إلى ذلك ضعف سند الرواية بيزيد بن إسحاق. ومنها: رواية علي بن جعفر عن أخيه. قال: " سألته عن طعام يوضع علي سفرة أو خوان قد أصابه الخمر أيؤكل عليه؟ قال: إن كان الخوان يابسا فلا بأس " (3) إذ يدعى أن التفصيل بين حالة الرطوبة وعدمها يوجب انسباق الذهن العرفي إلى محذور سراية النجاسة. واحتمال: أن يكون


(1) وسائل الشيعة باب 18 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 21 من أبواب الأشربة المحرمة. (3) وسائل الشيعة باب 62 من أبواب الأطعمة المحرمة.

[ 335 ]

المحذور هو الحرمة التكليفة للأكل من سفرة عليها خمر وفي حالة عدم اليبوسة يصدق هذا العنوان فيحرم. مدفوع: بأن السؤال إنما هو عن وضع الطعام على السفرة لا الأكل، اللهم إلا أن يكون أخذ ذلك موردا للسؤال باعتباره مؤديا عادة إلى الأكل من تلك السفرة، أو يكون من المحتمل في ارتكاز المتشرعة حرمة نفس وضع الطعام على سفرة عليها خمر. ومنها: رواية يونس في الميتة، عنهم عليهم السلام: " قالوا: خمسة أشياء ذكية مما فيه منافع الخلق...، وإنما كره أن يؤكل سوى الأنفحة مما في آنية المجوس وأهل الكتاب لأنهم لا يتوقون الميتة والخمر " (1). ولولا نجاسة الخمر لم يكن وجه للاجتناب عن الأواني التي يشرب بها. غير أن الكراهة في الرواية ليس لها ظهور في حكم إلزامي. والرواية ساقطة سندا بإسماعيل بن مرار. ومنها: رواية محمد بن مسلم قال: " سألت أبا جعفر عن آنية أهل الذمة والمجوس. فقال: لا تأكلوا في آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " (2) وإطلاق النهي الفرض عدم وجود شئ من العين ينسبق منه عرفا النجاسة. والرواية تامة سندا. ومنها: رواية عبد الله بن سنان قال: " سأل أبي أبا عبد الله (ع) وأنا حاضر: إني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي، فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله: صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن


(1) وسائل الشيعة الباب 32 أبواب الأطعمة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 72 من أبواب النجاسات.

[ 336 ]

أنه نجسه... " (1)، فإن قول السائل واضح في ارتكاز نجاسة الخمر ولحم الخنزير في ذهنه. والإمام (ع) وإن لم يكن في مقام البيان من هذه الناحية، وإنما كان في مقام بيان جريان الاستصحاب، غير أن سكوته إمضاء عرفا لما ظهر من كلام السائل من ارتكاز النجاسة، والرواية تامة سندا. ومنها: ما رواه الشيخ بسند صحيح عن عبد الله بن سنان قال: " سأل أبي أبا عبد الله: عن الرجل يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الحبري (الجري ظ) ويشرب الخمر فيرده، أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: لا يصلي فيه حتى يغسله " (2). وقد ذكر صاحب الوسائل أن الكليني روى الخبر عن خيران الخادم قال: سألت أبا عبد الله... " وذكر مثله. ونقل في موضع آخر عن الكليني الرواية نفسها عن عبد الله بن سنان (3) ونقل خيران عن الإمام الصادق (ع) مباشرة لا يناسب طبقته. وتقريب الاستدلال بالرواية كما تقدم في الرواية السابقة والأمر بالغسل فيها محمول على الاستحباب بقرينة الرواية السابقة، غير أن عطف الخمر على الجري مع عدم نجاسته يوجب ضعف استفادة الإمضاء من سكوت الإمام عليه السلام. ومنها روايات البئر من قبيل رواية كردويه قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن البئر يقع فيه قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر. قال ينزح منها ثلاثون دلوا " (4).


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 74 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات. (4) وسائل الشيعة باب 15 و 16 من أبواب الماء المطلق.

[ 337 ]

وقد تقدمت بعض المناقشات بشأن استفادة النجاسة من روايات النزح في بحث الميتة فلاحظ. ومنها: رواية علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: " سألته عن النضوح يجعل فيه النبيذ، أيصلح للمرأة أن تصلي وهو على رأسها؟ قال: لا حتى تغتسل منه " (1). ودلالتها واضحة، وسندها معتبر بلحاظ نقل صاحب الوسائل لها عن كتاب علي بن جعفر، لا بلحاظ ورودها في قرب الإسناد المشتمل على عبد الله بن الحسن. ومنها: رواية علي بن جعفر أيضا عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: " سألته عن رجل يمر بمكان قد رش فيه خمر قد شربته الأرض وبقى نداوته، أيصلى فيه؟ قال: إن أصاب مكانا غيره فليصل فيه، وإن لم يصب فليصل، ولا بأس " (2). إذ يستدل بالنهي عن الصلاة على نجاسة المكان بالخمر وتنجيسه. إلا أن هذا غير متعين في النهي، فلعله باعتبار المانعية المستقلة لنداوة الخمر، كالنهي عن الصلاة في بيت فيه خمر ويؤيده الترخيص في حال الانحصار دون الإشارة إلى الابتلاء بمحذور النجاسة. هذه أهم الروايات التي يمكن الاستشهاد بها للنجاسة. وهناك روايات أخرى واضحة السقوط سندا أو دلالة، يظهر الحال فيها مما ذكرناه. المقام الثاني: فيما قد يجعل معارضا لتلك الروايات، وهو عدد من الروايات أيضا: منها: رواية حفص الأعور قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل قال: نعم " (3) فإنه سواء


(1) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 30 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 51 من أبواب النجاسات.

[ 338 ]

كان السؤال بلحاظ احتمال النجاسة أو بلحاظ احتمال الحزازة التكليفية في استعمال ظروف الخمر يدل على الجواب على عدم النجاسة. أما على الأول فواضح، وأما على الثاني فلأن الخل لو كان ينجس فليس عرفيا أن يبين جواز وضعه في دن الخمر تكليفا مع السكوت عما يستتبع ذلك من نجاسة الخل وحرمة استعماله، لأن من يضع يريد أن يستعمل ما وضعه عادة. كما أن تقييد الجواب بالغسل - ولو بلحاظ خبار النجاسة - ليس عرفيا، لأن ظاهر السؤال النظر إلى كفاية التجفيف بعنوانه في دفع المحذور المحتمل فالجواب يدل على كفاية ذلك، فلو كان دفع المحذور متوقفا على الغسل على أي حال لم يكن للتجفيف دخل في ذلك. ولكن غاية ما تدل عليه الرواية عدم تنجيس الدن للخل، وهذا كما يلائم مع طهارة الخمر يلائم أيضا مع عدم تنجيس المتنجس الأول الخالي من عين النجاسة للمايع، إذا فرضنا أن التجفيف مساوق لذلك. والرواية ساقطة سندا بحفص الأعور الذي لم يثبت توثيقه. ومنها: رواية الحسين بن أبي سارة قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) إن أصاب ثوبي شئ من الخمر أصلي فيه قبل أن أغسله؟ قال: لا بأس إن الثوب لا يسكر " (1) والاستدلال بها على الطهارة بلحاظ ترخيص الإمام في الصلاة في الثوب بدون غسل، فإن قيل: إن هذا إنما يدل على عدم المانعية لا على طهارة الخمر. قيل: إنا نضم إلى ذلك ارتكاز مانعية النجس الموجب لدلالته بالالتزام على طهارة الثوب، أو نستفيد الطهارة من التعليل بأن الثوب لا يسكر، الواضح في أن محذور الخمر منحصر بالإسكار وهو لا يسري إلى الثوب ليكون فيه محذور. ودعوى: أن التعليل أدل على نجاسة الخمر، لأنه يدل على أن


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات.

[ 339 ]

الثوب لو كان يسكر لما جازت الصلاة فيه وليس ذلك إلا لنجاسة المسكر ويتحصل من ذلك أن الخمر نجس ولكنه غير منجس للثوب. مدفوعة: بأنا لا نريد بنفي النجاسة عن الخمر إلا المعنى الذي يساوق عدم انفعال الملاقي به، إذ لا يترتب حينئذ أثر عملي على نجاسة الخمر المأخوذة بنحو لا تسري بالملاقاة. هذا مضافا إلى أن قوله: " الثوب لا يسكر " لا يعني ما ذكر سواء أريد أنه لا يكون مسكرا للألبسة كما يسكر الخمر شاربه أو أن الثوب لا يسكر بإصابة الخمر له كما يسكر الإنسان بشربه للخمر. أما على الأول، فيكون مفاد التعليل عرفا أن الثوب الذي أصابه الخمر لا يسكر المصلي الذي يلبسه فلا محذور فيه، وهذا يدل على أن محذور الخمر بالنسبة إلى الصلاة إنما هو مانعية الإسكار، وما دام لبس الثوب المذكور لا يوجب إسكار المصلي فلا بأس به، فيكون دليلا على نفي المانعية بملاك النجاسة. وأما على الثاني فلا معنى لدعوى دلالة التعليل على عدم جواز الصلاة في الثوب لو كان يسكر لنجاسته، لأن النجس هو المسكر لا السكران، والعبارة التي وردت تعليلا إنما تقال عرفا في العادة لبيان أنه لا محذور سوى الإسكار في الخمر، من دون نظر إلى ما هو الحكم لو فرض محالا أن الثوب كان مسكرا أو كان يسكر. وسند الرواية تام، لأن الحسين بن أبي سارة ثقة. إما لأنه الحسن ابن أبي سارة الموثق عند النجاشي، باعتبار أنه لم يذكر حسين بن أبي سارة بالتصغير في كتب الرجال. وإما لرواية ابن أبي عمير عنه. ومنها: رواية الحسين بن أبي سارة أيضا قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نخالط اليهود والنصارى والمجوس، وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون فيمر ساقيهم ويصب على ثيابي الخمر. فقال:

[ 340 ]

لا بأس به، إلا أن تشتهي أن تغسله لأثره " (1) والدلالة واضحة، غير أن السند ليس تاما لاشتماله على صالح بن سيابة الذي لم يثبت توثيقه. ومنها: رواية عبد الله بن بكير قال: " سأل رجل أبا عبد الله (ع) وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب، قال: لا بأس " (2). وهي تامة دلالة وسندا. ومنها: رواية الحسن بن موسى الحناط قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي. فقال: لا بأس " (3). وهي في الدلالة كسابقتها وأما السند فإن كان الراوي هو الحسن كما ذكرناه نقلا عن الوسائل فهو ثقة، لرواية ابن أبي عمير عنه، غير أن الوارد في التهذيب والاستبصار (الطبعة الجديدة) عنوان الحسين بن موسى الحناط، ونفس الحناط له نسخة بدل وهي (الخياط) كما في جامع أحاديث الشيعة، فإن حصل الوثوق بأن أحدهما عين الآخر - ولو بلحاظ اقتصار كل من الفهرستين على أحدهما، حيث اقتصر الشيخ في فهرسته على الحسن بن موسى الحناط واقتصر النجاشي على الحسين بن موسى الخياط، ووقوع ابن أبي عمير في الطريق في كل منهما، وإن كان طريق النجاشي ضعيفا - فهو، وإن لم يثبت ذلك - ولو بلحاظ ذكر الشيخ في رجاله لكلا العنوانين في أصحاب الصادق عليه السلام - لم يتم سند الرواية. ومنها: رواية علي الواسطي قال: " دخلت الجويرية وكانت تحت عيسى بن موسى على أبي عبد الله (ع) وكانت صالحة، فقالت: إني أتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التي أمتشط بها الخمر وأجعله في رأسي قال: لا بأس " (4). والدلالة واضحة، لأن الخمر لو كان نجسا ففي


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات. (3) وسائل الشيعة باب 39 من أبواب النجاسات. (4) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب الأشربة المحجرمة.

[ 341 ]

ذلك بأس كما هو واضح. والإشكال في الدلالة: بأن السؤال إنما هو عن نفس العمل، لاحتمال حرمة استعمال الخمر بأي نحو، فلا يدل نفي البأس إلا على عدم حرمة ذلك تكليفا. مدفوع: بأنه لو سلم عدم انسباق حيثية النجاسة من السؤال فلا أقل من التمسك بإطلاق نفي البأس، لأن التنجيس بنفسه بأس. ولو سلم أن البأس المنفي هو البأس في العمل بمعنى حرمته خاصة لا البأس من ناحيته بنحو يشمل سراية النجاسة، فلا أقل من كون سكوت الإمام عن محذور السراية مع أهميته ودخوله في محل الابتلاء ظاهرا عرفا في عدم وجود محذور من هذا القبيل. غير أن سند الرواية ساقط بعلي الواسطي. ومنها: رواية حريز عن بكير عن أبي جعفر (ع) قيل له: " إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها، أنصلي فيها قبل أن نغسلها؟ فقال: نعم لا بأس، إن الله إنما حرم أكله وشربه ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه " (1). ورواها حريز عن أبي الصباح، وأبي سعيد والحسن النبال عن أبي عبد الله (ع). وهذه الرواية تامة في نفسها دلالة، غير أن الذي يضعف أمرها ما تدل عليه ضمنا من جواز الصلاة في جزء من الخنزير، وهذا يجعل الرواية معارضة لا مع روايات نجاسة الخمر فقط، بل مع روايات نجاسة الخنزير أيضا، ومع روايات مانعية ما لا يؤكل لحمه الثابتة في الخنزير بقطع النظر عن نجاسته. ولا يمكن القول: بأن مورد الرواية ليس نصا في بقاء ودك الخنزير في الثوب إلى حين الصلاة، بل ولا في وجود الرطوبة السارية عند الملاقاة معه. لأن التعليل واضح في جواز الصلاة فيه، فتكون الرواية بلحاظ جزء من مدلولها ساقطة وجدانا أو بالمعارضة


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات.

[ 342 ]

للدليل القطعي، وهذا يقتضي سقوط الرواية في تمام المدلول عن الحجية إما لعدم تعقل التبعيض في الحجية في أمثال المقام عرفا، أو لكون ذلك أمارة نوعية على وجود خلل في الرواية بنحو يسلب الوثوق بها ويخرجها عن دليل الحجية. وأما من حيث السند فالرواية معتبرة لا سيما أن الأربعة الذين يروون الرواية عن الإمام فيهم الثقة، مضافا إلى ما في اتفاق أربعة لم يثبت ضعف أي واحد منهم من تعزيز لسند الرواية. ومنها: رواية علي بن رئاب في قرب الإسناد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي فأغسله أو أصلي فيه؟ قال: صل فيه إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر، إن الله تعالى إنما حرم شربها " (1). والرواية واضحة الدلالة على الطهارة، وصحيحة السند. ومنها: رواية علي بن جعفر قال: " وسألته عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه، هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس " (2) والاستدلال بها - بعد ظهور أن الذي أصاب ثوبه هو الماء الذي صب فيه الخمر لا نفس الخمر - موقوف على أن يراد بماء المطر الماء النشئ من التقاطر، لا ما هو مطر بالفعل، فإنه عندئذ يشمل بإطلاقه صورة الانقطاع والقلة، فيدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة الخمر، وهو كاشف عن طهارته. وأما سند الرواية فهو تام. ومنها: رواية علي بن جعفر الواردة في الصلاة في مكان رش بالخمر وقد تقدم نصها في روايات النجاسة. والتمسك بها لإثبات الطهارة إما بتقريب: التمسك بإطلاق قوله " وإن لم يصب فليصل "، فإن مقتضى


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب الماء المطلق.

[ 343 ]

إطلاقه صحة الصلاة بمجرد عدم إصابة مكان آخر جاف، سواء كان الوقت وسيعا بنحو يجف قبل خروجه أو لا، وسواء كان بالإمكان تجفيفه بالعناية أو وضع شئ يمنع عن السراية أو لا، بل لعل الغالب إمكان التحفظ بنحو من الأنحاء، فول كان المكان نجسا ومنجسا للزم التحفظ ولما ارتفع المحذور بمجرد عدم إصابة مكان آخر في حال إرادة الصلاة كما هو ظاهر الرواية. وإما بتقريب: استفادة ذلك من قوله: " ولا بأس "، لظهوره في نفي البأس الملحوظ للسائل في مقام الاستعلام، لم تم استظهار أن البأس المحتمل للسائل هو النجاسة لا مانعية نداوة الخمر عن الصلاة بالأصالة. وإما بتقريب: استظهار أن قوله: " وإن لم يصب فليصل ولا بأس " ناظر بجملة " فليصل " إلى الإذن في الصلاة، وب‍ " لا بأس " إلى عدم نشوء محذور وتبعة من ناحية الصلاة، لأن نفي البأس لو كان بمعنى نفي البأس في إيقاع الصلاة لكان تأكيدا بحتا، بخلاف ما إذا فرض نظره إلى نفي البأس بلحاظ ما بعد وقوع الصلاة، وحينئذ يدل على نفي النجاسة كما هو واضح. غير أن هذا مبني على أن يكون الحمل على مثل ذلك التأكيد خلاف الظاهر، مع أنه عرفي في أساليب المحاورة. وإما بتقريب الإطلاق المقامي وعدم التنبيه على ما يترتب على الصلاة في ذلك المكان عند الانحصار من النجاسة ولزوم غسل الأعضاء بعد ذلك. إلا أن افتراض هذا الإطلاق بلا موجب، لأنه لم يحرز كون الإمام في مقام البيان من سائر الجهات، فلعله اعتمد في توضيح ذلك على ما تقتضيه القاعدة. والرواية على أي حال ضعيفة سندا بعبد الله بن الحسن. ومنها رواية حفص الأعور التي جاء فيها: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني آخذ الركوة فيقال: إنه إذا جعل فيها الخمر وغسلت

[ 344 ]

ثم جعل فيها البختج كان أطيب له، فنأخذ الركوة فنجعل فيها الخمر فنخضخضه ثم نصبه فنجعل فيها البختج، قال: لا بأس به " (1) وهذه الرواية قد يستدل بها على النجاسة باعتبار ورود غسل الركوة فيها، وقد يستدل بها على الطهارة إما بدعوى: عدم وجود كلمة " وغسلت " في الرواية كما يلاحظ في الطبعة الجديدة من الكافي، وإما مع التسليم بوجودها - كما هو الظاهر لاشتمال الرواية عليها في الطبعات القديمة للكافي وفي نقل صاحب الوسائل عن الكليني - بدعوى: أن الظاهر من الغسل غسل الركوة بالخمر لا غسلها منه، لأنه ذكر في سياق ما يكون دخيلا في طيب البختج والغسل الشرعي لأجل التطهير لا دخل له في ذلك، ولأن الراوي حينما شرح العملية مرة ثانية بقوله: " فنجعل فيه الخمر فنخضخضه " لم يشر إلى غسل الركوة بغير الخمر. ولكن التعويل على هذه الرواية متعذر حتى لو تمت هذه الدعوى، لكونها مرفوعة. ومن هذا الاستعراض يتضح أنه ليس لدينا ما تم سندا ودلالة وحجية على الطهارة في خصوص الخمر إلا روايتين، إحداهما لابن أبي سارة والثانية لعلي بن رئاب. وهناك رواياتان تامتان سندا ودلالة إحداهما: تدل على طهارة مطلق المسكر وتشمل الخمر بالإطلاق، وهي رواية ابن بكير. والأخرى: تدل بالإطلاق على طهارة الخمر، وهي رواية علي بن جعفر في ماء المطر الذي صب فيه الخمر، وقد يكون مثلها رواية علي بن جعفر الأخرى الواردة في الصلاة على مكان رش فيه الخمر. المقام الثالث: في تشخيص الوظيفة الفقهية تجاه الطائفتين المتعارضتين من الروايات، وذلك من خلال اقتراح عدة مواقف:


(1) وسائل الشيعة باب 30 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 345 ]

الموقف الأول: طرح الروايات الدالة على الطهارة، بدعوى سقوطها عن الحجية في نفسها، فيكون التعارض بين روايات النجاسة وبينها من التعارض بين الحجة واللاحجة. وتقريب ذلك بأحد وجوه: أولها: أن إعراض المشهور عن العمل بها مع وضوحها وانتشارها في كتب الحديث يكشف كشفا نوعيا أو شخصيا عن خلل في بعض جهاتها على نحو تخرج عن إطلاق دليل الحجية. ويرد عليه: إن هذا إنما يتم إذا لم يكن ترك المشهور للعمل بها قائما على أساس الاجتهاد والصناعة، واعتقاد اقتضائها لتقديم أخبار النجاسة، كما يظهر من الشيخ الطوسي قدس سره، إذ رأينا في نص نقلناه عنه سابقا أنه يقدم أخبار النجاسة على أخبار الطهارة لمخالفة الأخيرة للكتاب أو لموافقتها للعامة، وابن إدريس حينما تعرض لأخبار الطهارة رماها بأنها أخبار آحاد ولم يشر في كلمات المتقدمين إلى وجود خلل خاص فيها. ثانيها: أن أخبار الطهارة مخالفة للكتاب الكريم كما أشار إليه الشيخ الطوسي قدس سره، بلحاظ دلالة كلمة " رجس " في الآية الشريفة على النجاسة، والأخبار المخالفة بظهورها للكتاب خارجة عن دليل الحجية. ويرد عليه ما تقدم من عدم دلالة الآية الكريمة على النجاسة. وثالثها: أن أخبار النجاسة في نفسها قطعية إجمالا لاستفاضتها فتكون روايات الطهارة مخالفة للسنة القطعية، وهي كالمخالفة للكتاب الكريم توجب الخروج عن إطلاق دليل الحجية. ويرد عليه: أن جملة من روايات النجاسة قابلة للحمل على التنزه بالجمع العرفي، أو قابلة للتقييد حيث تستفاد النجاسة من إطلاقها، فإن أريد الاستفاضة بضم هذه الجملة لم يفد لإثبات عنوان المخالفة الموجبة للسقوط عن الحجية، وإن أريد ادعاء الاستفاضة بدونها فهو واضح البطلان.

[ 346 ]

الموقف الثاني: إعمال الجمع العرفي بتقديم ظهور أخبار الطهارة على ظهور أخبار النجاسة في مقام التوفيق بينهما عرفا، وذلك بأحد تقريبين: أولهما: دعوى اشتمال أخبار النجاسة على ما يصلح للحكومة على روايات الطهارة، وهو صحيح علي بن مهزيار قال: " قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (ع): جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع): في الخمر يصيب ثوب الرجل، أنهما قالا: لا بأس بأن تصلي فيه إنما حرم شربها ". وروى عن (غير) زرارة عن أبي عبد الله (ع): أنه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صليت فيه فأعد صلاتك. فاعلمني ما آخذ به؟ فوقع بخطه وقرأته: خذ بقول أبي عبد الله (ع) " (1)، فإن المراد بقول أبي عبد الله الذي أمر بالأخذ به القول الذي اختص بالنقل عنه، دون ما كان قولا لكلا الإمامين، لأنه هو الذي يصلح أن يميز عن القول المشترك بهذا العنوان عرفا، دون العكس، كما هو واضح وباعتبار النظر في هذه الروايات إلى دليل الطهارة تكون حاكمة عليه. وتحقيق الكلام في ذلك: أن قول أبي الحسن (ع) خذ بقول أبي عبد الله يمكن تصويره بثلاثة أنحاء: الأول: أن يكون المقصود جعل الحجية للخبر الثاني بعد قصور دليل الحجية العام عن شمول الخبرين لتعارضهما، فتكون الرواية من الأخبار العلاجية ولكن في فرض شخصي للتعارض، ولا شك في لزوم الأخذ بمقتضاه حينئذ ولو خالف مقتضي الأخبار العلاجية، لأنه أخص منها، وإن لم يكن ذلك من الحكومة المصطلحة.


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات.

[ 347 ]

الثاني: أن يكون المقصود الكشف عن وجود قصور في كشف الكلام المشترك للإمامين عن الواقع، وأن هذا القصور غير موجود في كشف الكلام المختص بأبي عبد الله، ولهذا تعين الأخذ به. وعلى هذا يكون بمثابة ما لو صرح الإمام بأن كلامي الفلاني لا تأخذ به لأنه كان تقية أو لظروف غير طبيعية، ولا شك عندئذ في تقدمه بالحكومة لأجل النظر والتفسير، ولو في مرحلة الكشف عن المراد الجدي. الثالث: أن يكون المقصود بذلك تكذيب النقل الأول وتصويب النقل الثاني. وبناء عليه لا يكون هذا من الحكومة بشئ، لأن الحاكم ما كان مفسرا للمحكوم مع الاعتراف بأصل وجوده، وأما نفي الرواية لصدور ما يناقضها المنقول في رواية أخرى فلا يحقق الحاكمية بل التكاذب وبتعبير آخر: أن النظر الموجب للتقدم بالحكومة هو النظر التفسيري لا النظر التكذيبي. أما النحو الأول فهو خلاف الظاهر جدا، لوجود فرق واضح بين الرواية في محل الكلام والأخبار العلاجية التي لم يشخص فيها مورد معين للتعارض، الأمر الذي يعين نظر السائل إلى استعلام الحكم الظاهري وحال الحجية، بخلاف الرواية في المقام التي شخص فيها مورد التعارض بنحو يمكن طلب العلم بالحكم الواقعي للمسألة، وفي مثل ذلك يكون ظاهر السؤال والمراجعة استعلام حكم المسألة واقعا، ومعه يكون حمل جواب الإمام على علاج مرحلة الحجية خلاف الظاهر. وأما النحو الثاني فلا قرينة عليه في مقابل النحو الثالث، سوى ما يمكن أن يستظهر من جواب الإمام الذي أضاف فيه القول إلى أبي عبد الله لا إلى الراوي من الفراغ عن صدور كلا القولين من الأئمة. ولكنه مدفوع بأن التعبير في جواب الإمام عن النص المتكفل للنجاسة بقول أبي عبد الله - لو سلم كونه يعني تصويب هذه الإضافة وليس مجرد عنوان

[ 348 ]

معرف ومشير إلى أحد الخبرين - فغاية ما يقتضيه كون هذا النص صادرا من أبي عبد الله، لا الفراغ عن صدور كلا النصين. ومما يبعد النحو الثاني: ما سوف يأتي إن شاء الله من أن احتمال صدور نصوص الطهارة تقية موهون جدا. وعليه فإن لم نجزم بالنحو الثالث فلا أقل من احتماله بنحو معتد به، ومعه لا يثبت في ارواية ظهور يقتضي التقدم بالحكومة. ومما ذكرناه ظهر الحال في رواية خيران الخادم أيضا قال: " كتبت إلى الرجل (ع) أسأله عن الثوب يصيب الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟، فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم: صل فيه فإن الله إنما حرم شربها. وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب عليه السلام: لا تصل فيه فإنه رجس " (1). وهذه الرواية أوضح من الرواية السابقة في النظر إلى الحكم الواقعي ابتداءا بنحو تعد من إحدى الطائفتين المتعارضتين، وهي ضعيفة السند بسهل. والتقريب الآخر للجمع العرفي: هو حمل أخبار النجاسة على التنزه لصراحة أخبار الطهارة في نفي النجاسة اللزومية، فيرفع اليد عن الظاهر بقرينة الصريح، وينتج عكس ما أنتجه التقريب السابق للجمع العرفي. وقد تقدم منا مرارا أن مجرد كون أحد المتعارضين صريحا بنحو لا يقبل التأويل بخلاف الآخر لا يكفي للجمع العرفي، بل لا بد من فارق معتد به بين فحوى الدلالة على وجه لا يتحير العرف في مقام فهم المراد من مجموعها، وسوف نشير فيما يأتي إلى أن في بعض روايات النجاسة من الظهور ما لا يصلح صريح أخبار الطهارة للقرينية عليه في النظر العرفي وإن أمكن التأويل عقلا، خصوصا أن نفس استفاضة أحد المضمونين ووروده بكثرة قد لا يساعد عذفا على حمل كل ذلك على مجرد التنزه والاستحباب


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات.

[ 349 ]

الموقف الثالث - بعد فرض حجية كل من الطائفتين في نفسها وتعذر الجمع العرفي -: يدعى تقديم أخبار النجاسة بحمل أخبار الطهارة على التقية، إعمالا للمرجح العلاجي في مقام التعارض. والتقية تدعى بأحد وجهين: أولهما: أن أخبار الطهارة موافقة لمذهب بعض العامة، كما أشار الشيخ الطوسي قدس سره. والتحقيق: أن المشهور في الفقه السني بمختلف مذاهبه هو الحكم بالنجاسة، حتى ذكر السيد المرتضى قدس سره أنه: " لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم "، وأكثر من نسب إليهم القول بالطهارة من فقهاء السنة ممل لا يمكن افتراض اتقاء الإمام الصادق عليه السلام منهم، فضلا عن الباقر (ع). فقد قيل: أن الطهارة أحد القولين للشافعي أو قئل الشافعية ومن الواضح أن ولادة الشافعي بعد وفاة الإمام الصادق، فلا معنى لاتقائه منه. ونسب القول بالطهارة إلى ليث بن سعد، وهو وإن كان معاصرا للإمام الصادق (ع) غير أنه كان يسكن في مصر، فهل يحتمل عادة أن الإمام وهو في الحجاز أو العراق يتقي من فقيه في مصر، ولا يعتنى بما ذهب إليه فقهاء الحجاز والعراق؟! وإذا افترضنا صدور بعض نصوص الطهارة من الإمام الباقر المتوفى سنة 114 ه‍ كان عدم تعقل اتقائه من ليث في غاية الوضوح، لأن ليث ولد سنة 93 ه‍ فيكون عمره حين وفاة الباقر عليه السلام حوالي عشرين عاما. ونسب القول بالطهارة إلى داود المولود سنة 202، وهو متأخر ولادة عن وفاة الإمام الصادق، فكيف يفرض الاتقاء منه؟! ونسب القول أيضا إلى ربيعة، وهو وإن كان معاصرا للإمام الصادق (ع) ولكنه كان فقيها منعزلا، ولم يتحقق له في حياته

[ 350 ]

من المقام الرسمي أو الاجتماعي ما يناسب الاتقاء منه، خصوصا إذا قبلنا صدور بعض النصوص السابقة في الطهارة من الإمام الياقر الذي كان ربيعة شابا عند وفاته. وعليه فافتراض التقية بهذا المعنى غير محتمل عادة في نفسه، فضلا عن دعوى صدق عنوان ما وافق العامة على أخبار الطهارة. والوجه الثاني: الذي ذكر في تصوير التقية: هو أن تكون روايات الطهارة تقية من الحكام والسلاطين الذين كانوا يشربون الخمور ولا يتجنبون مساورته. وهذا الوجه في غاية الغرابة والانحراف عن التفكير السليم إلى درجة لم أكن أرضى بأن يتفوه به فقيه، وذلك: أما أولا: فلأن ما دل على ترجيح المخالف للعامة على الموافق ناظر إلى الموافقة والمخالفة بلحاظ ما عليه تدين العامة وشرعهم، لا ما عليه عمل فساقهم وفجارهم. وأما ثانيا: فلأنه كيف يمكن أن نحتمل في الأئمة عليهم السلام أنهم ينزلون إلى مستوى الإفتاء بغير الواقع تبريرا لفسق الحكام، فإن مثل هذا لم يكن يصدر من المتعففين من فقهاء السنة أنفسهم، فكيف يصدر من أئمة أهل البيت؟! وما كان الأئمة يمارسونه من تقية مع الحكام إنما يرجع إلى التعامل معهم كحكام وعدم التجاهر بعدم صلاحيتهم للحاكمية لا تبريك فسقهم وفجورهم. وأما ثالثا: فلأن الخلفاء المعاصرين للإمام الصادق لم ينقل في التاريخ أنهم شربوا خمرا بل لم ينقل ذلك إلا عن شواذ الخلفاء وأشباه الخلفاء في عصور أخرى، ولم يتفق في زمان من تلك الأزمنة أن يكون قد بلغ استهتار الخليفة إلى درجة التجاهر بمساورة الخمر وشربه والتصدي للتنكيل بمن يفتي بنجاسته، وأي فائدة لشاربي الخمر في تطهيره مع التأكيد على حرمته؟! ونحن نلاحظ على عكس

[ 351 ]

ما ادعي أن الأئمة عليهم السلام شنوا حملة شديدة ضد الفكرة القائلة بإباحة غير الخمر من أنواع الأنبذة التي يسكر كثيرها دون قليلها، ولم يؤثر عنهم أي تساهل في ذلك، فلو كان هناك اتجاه نحو مجاملة فسق السلاطين لاقتضى خلاف تلك الحملة، حتى روي عن الإمام الصادق (ع) في شأن النبيذ المسكر: والله إنه لشئ ما اتقيت فيه سلطانا ولا غيره (1). ثم إن روايات الطهارة بحسب ألسنتها لا تناسب الحمل على التقية لوضوحها وصراحة بعضها واشتمالها على التعليل بأن الله إنما حرم شربها لا الصلاة فيها، مع أن لسان التقية عادة لسان الإجمال والاضطراب لا التفصيل والتعليل والتأكيد. وشاهد آخر: إذا لاحظنا رواية حريز وهو عطف ودك الخنزير على الخمر، مع أنه لم يفت أحد من فقهاء السنة بطهارة شحم الخنزير ولحمه ولم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه أكل لحم الخنزير. ومما تقدم ربما تنقدح صيغة ثالثة للحمل على التقية معاكسة للوجهين السابقين، وهي حمل أخبار النجاسة على التقية، لما عرفت من موافقتها للرأي الفقهي العام عند السنة. وهذا حمل معقول في نفسه، وأوجه من الوجهين السابقين للتقية، ولكنه أيضا لا يناسب أخبار النجاسة، لأننا نلاحظ فيها نوعا من التأكيد البالغ والحث الشديد على التجنب، والأمر بغسل الملاقي ثلاث مرات كما في رواية عمار، وعطف النبيذ والمسكر على الخمر، فلو كان الحكم الواقعي هو الطهارة فلما ذا هذا الإلحاح والتأكيد على الغسل والتجنب؟!، خصوصا مع عدم وجوب تعدد الغسل عند العامة وعدم نجاسة الأنبذة، بل حلية شرب القليل منها عند جملة منهم إذا كان المسكر كثيرها فقط، فمع ملاحظة جملة من هذه الخصوصيات التي لا تقتضيها التقية يحصل الوثوق بعدم صدور روايات النجاسة تقية.


(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 352 ]

الموقف الرابع: بعد افتراض عدم وجود المرجح العلاجي يبنى على التساقط، ويرجع في الخمر أو ملاقيه إلى أصالة الطهارة ونحوها من الأصول المؤمنة. وهذا الموقف إنما يصح فيما إذا لم يكن في داخل إحدى الطائفتين ما يكون بمثابة العام الفوقي، بحيث لا يصلح أن يكون طرفا للمعارضة في الرتبة الأولى، وإنما يصلح أن يكون مرجعا بعد تساقط المتعارضين. وأما في حالة اشتمال إحدى الطائفتين على شئ من هذا القبيل فلا بد من الرجوع إليه، ولا يجوز البناء على التساقط المطلق من الجانبين. الموقف الخامس: في تحقيق تلك الحالة وإثبات اشتمال إحدى الطائفتين على ما يكون مرجعا بعد التساقط. ولنمهد لذلك بتوضيح الفكرة كبرويا، فنقول: إن الأصحاب جروا في مورد تعارض الخاصين المطابق أحدهما لعام فوقي على الالتزام بتساقط الخاصين والرجوع إلى العام، بنكتة أن العام لا يصلح لمعارضة الخاص المقابل فيكون مرجعا بعد تساقط الخاصين، ولكنهم دأبوا في نفس الوقت حينما توجد طائفتان متعارضتان في مسألة بدون جمع أو مرجح على إيقاع التعارض والتساقط بينها جميعا دون تصنيف لروايات كل من االطائفتين من ناحية درجة دلالتها على الحكم مع أنه قد تشتمل إحدى الطائفتين على درجتين من الدلالة على الحكم، وتكون الطائفد الثانية كلها صالحة للقرينة على الدرجة الثانية دون الأولى، ففي مثل ذلك تكون الروايات ذات الدرجة الثانية من الطائفة الأولى بمثابة العام الفوقاني، وإن كان الموضوع واحدا في جميع الروايات، غير أن نكتة سلامة العام الفوقي عن المعارضة وتعينه للمرجعية جارية فيها أيضا وعلى هذا الأساس لا بد من إدخال هذا التصنيف في الحساب. وبناء على ذلك نقول: إن أخبار النجاسة على مراتب: المرتبة الأولى: ما كان منها كالصريح في الدلالة على النجاسة بحيث

[ 353 ]

لا يصح عرفا حمله على التنزه، من قبيل موثقة عمار قال: " لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات ". المرتبة الثانية: ما كان ظاهرا في النجاسة مع إمكان الحمل على التنزه عرفا في مقام الجمع، كالروايات المشتملة على مجرد الأمر بالغسل. المرتبة الثالثة: ما كان دالا على النجاسة بالإطلاق ومقدمات الحكمة وهو أضعف من سابقيه دلالة، وذلك من قبيل ما اشتمل على التنزيل الذي يشمل إطلاقه النجاسة. المرتبة الرابعة: ما كان دالا على النجاسة بالإمضاء السكوتي عما كشف عنه سؤال السائل من ارتكاز نجاسة الخمر في ذهنه. وقد يتصور أن هذا نحو إطلاق أيضا فيدخل في المرتبة الثالثة، ولكن الصحيح أنه مرتبة رابعة لأن مثل هذا الإمضاء السكوتي يرتفع لو كان في كلام الإمام عليه السلام ما يدل على نفي الأمر المرتكز ولو بالإطلاق ومقدمات الحكمة، إذ لا يصدق السكوت حينئذ، وإذا كان الإطلاق الحكمي هادما لهذه الدلالة عند الاتصال فهو مقدم عليها في الحجية عند الانفصال لو وقع التعارض بينهما. وأما أخبار طهارة الخمر فهي على مرتبتين: الأولى: ما دل بالصراحة العرفية على ذلك، كرواية علي بن رآب ورواية ابن أبي سارة. الثانية: ما دل على طهارة الخمر بالإطلاق، كرواية علي بن جعفر الواردة في ماء المطر الذي أصابه الخمر، ورواية ابن بكير الواردة في مطلق المسكر. وأما رواية علي بن جعفر الأخرى الواردة في الصلاة في مكان رش بالخمر إذا لم يوجد غيره: فإن قيل بأن دلالتها على الطهارة بلحاظ إطلاق الترخيص فيها لفرض سعة الوقت أو إمكان التجفيف كان حالها حال روايته في ماء المطر. وإن قيل بأن دلالتها بظهور نفي البأس

[ 354 ]

[ وكل مسكر مائع بالأصالة (1) ] في نفي النجاسة كانت مرتبة برأسها بين المرتبتين المذكورتين. فعلى الأول يتساقط الصريحان من الطائفتين ويقيد ما دل بالإطلاق على الطهارة بما يكون ظاهرا في النجاسة. وعلى الثاني يتساقط الصريحان بالمعارضة وكذلك الظاهران من الطائفتين والمطلقان منهما وتنتهي النوبة إلى المرتبة الرابعة من مراتب أخبار النجاسة بوصفها بمثابة المرجع الفوقاني لعدم سقوطها بالمعارضة مع أخبار الطهارة بسبب عدم صلاحيتها لمعارضة أخبار الطهارة، وبذلك تثبت نجاسة الخمر. (1) الكلام في غير الخمر من المسكرات يقع في مقامين: أحدهما: في نجاسته كالخمر بعد الاعتراف بعدم كونه خمرا. والآخر: في إلحاقه موضوعا بالخمر لكي يشمله نفس دليل نجاسة الخمر. أما المقام الأول، فيشتمل على ثلاث جهات: الجهة الأولى: في نجاسة المسكر من النبيذ. وحاصل الكلام في ذلك: باسترجاع المواقف السابقة التي ذكرناها في بحث نجاسة الخمر، لنلاحظ بعض جهات الامتياز في المقام. أما الموقف الأول فهو لو تم هناك لجرى في المقام بلحاظ إعراض المشهور طابق النعل بالنعل، ولكن لا يجري بلحاظ المخالفة للكتاب أو للسنة القطعية، لأن الكتاب إنما يتعرض للخمر خاصة، والسنة ليست قطعية إلا بضم ما هو وارد في الخمر خاصة. وأما الموقف الثاني، فالجمع بالحمل على التنزه كما لا يتم هناك لا يتم هنا أيضا، لإباء بعض روايات النجاسة عن الحمل على التنزه كرواية عمار. وأما الحكومة فهي على تقدير تماميتها تجري في المقام أي ضا،

[ 355 ]

لأن قول أبي عبد الله الذي أمر بالأخذ به في صحيحة علي بن مهزيار يشتمل على نجاسسة النبيذ أيضا، وإن كان معارضه المصرح به في تلك الصحيحة مختصا بالخمر، إلا أن المناط في سريان الحكومة شمول ما ثبتت حجيته بوجه خاص لغير الخمر. ودعوى: أن غاية ما يثبت بالصحيحة تقديم قول أبي عبد الله على القول الآخر المتضمن لنجاسة الخمر وما يتحد معه في المضمون، ولا تدل على تقديمه على ما يعارضه بلحاظ مضمون آخر. مدفوعة: بأن إذا حملنا الأمر بالأخذ بقول أبي عبد الله على جعل حجية خاصة لرواية هذا القول، فمن الواضح أن هذه الحجية تثبت تمام مضمونه حينئذ، ولا يعارضه بلحاظ هذه الحجية ما دل على طهارة النبيذ. لأن هذه الحجية تختص بالقول المذكور. وإذا حملنا الأمر المذكور على تشخيص ما هو الصادر جدا من غيره فهو أيضا يعني أن كل ما يعارضه فهو ليس جديا، فتتم الحكومة على روايات طهارة النبيذ أيضا. وأما الموقف الثالث: فهو وإن كان غير تام في الموردين، كما هو واضح ولكنه هنا أقل سخفا لعدم استبعاد وجد قول معتد به بطهارة بعض الأنبذة التي يسكر كثيرها بل حليتها، ولكنه على أي حال ليس على نحو يصدق معه عنوان الموافق للعامة على أخبار الطهارة. وأما الموقف الرابع: فيظهر حاله مما يأتي. وأما الموقف الخامس، فتحقيق الحال فيه: أن روايات النجاسة من المرتبة الثالثة والرابعة كانت مخصوصة بالخمر، وعليه فروايات نجاسة النبيذ المسكر ذات مرتبتين. فمن المرتبة الأولى رواية عمار ورواية علي بن مهزيار إذ ورد فيهما عنوان النبيذ، ولا يمكن عرفا حملها على التنزه. ومن المرتبة الثانية رواية عمار التي ورد فيها عنوان المسكر في مقابل الخمر والمتيقن منه النبيذ، ورواية علي بن جعفر الواردة في النبيذ، ولا يكون

[ 356 ]

دليلا على طهارة الخمر. ومن هنا يمكن تصنيف الروايات الدالة على طهارة النبيذ إلى عدة رتب: الأولى: ما دل بالصراحة العرفية على الطهارة، وهو كل ما كان صريحا في طهارة الخمر، ورواية عبد الله بن بكير التي وردت في النبيذ. الثانية: ما دل بالظهور، وهو ما كان دالا بالظهور على طهارة الخمر على تقدير وجوده: ويضاف إليه رواية أبي بكر الحضرمي قال: " قلت لأبي عبد الله أصاب ثوبي نبيذ أصلي فيه؟ قال: نعم. قلت: قطرة من نبيذ قطر في حب أشرب منه؟ قال: نعم. إن أصل النبيذ حلال وإن أصل الخمر حرام " (1) بناء على ظهوره في طهارة النبيذ المسكر، إما لانصراف السؤال إلى خصوص المسكر لوضوح عدم نجاسة النبيذ بمجرد النبذ، وإما لاستظهار أن المقصود من التعليل بيان أنه حيث كان النبيذ بعنوانه ليس حراما كاخمر وإنما يحرم إذا كان مسركا فلم يحكم بنجاسته أصلا، لا بيان أن النبيذ ليس دائما حراما كالخمر فلا يكون دائما نجسا والرواية صحيحة سندا لثبوت وثاقة أبي بكر الحضرمي برواية الأزدي والبجلي عنه. الثالثة: ما دل بالإمضاء السكوتي على طهارة النبيذ وهو خبر كليب ابن معاوية المتقدم، وقد تقدم أن ظاهره ارتكاز الطهارة لدى أبي بصير ولم يردع الإمام (ع) عن هذا الارتكاز. والخبر معتبر سندا لرواية صفوان عن كليب. وعلى هذا الأساس يتساقط الصريحان والظهوران ويتشكل من المرتبة الثالثة من أخبار الطهارة ما يكون بمثابة المرجع الفوقي. ولو قطع النظر عن هذه المرتبة تم الموقف الرابع حينئذ من التساقط المطلق والرجوع إلى


(1) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات.

[ 357 ]

الأصول النافية. الجهة الثانية: في نجاسة المسكر من غير النبيذ مما هو معد للشرب وتوضيح حكمه: إنا إذا قلنا بطهارة النبيذ المسكر فغيره طاهر أيضا كما هو واضح، وإن قلنا بنجاسته فقد يقال: بأنه لا موجب لإسراء النجاسة إلى غير النبيذ، إما بتقريب: أن روايات النجاسة أخذ في موضوعها عنوان الخمر والنبيذ ولم يؤخذ المسكر على إطلاقه، إلا في رواية لعمار: " لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر... ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر " وهي غير تامة دلالة، لأن السياق يقتضي الحمل على التنزه بقرينة تنزيهية النهي الأول. وإما بتقريب: أن ما دل على طهارة الخمر أو النبيذ المسكر إنما سقط عن الحجية في مقابل معارضه، بلحاظ صحيحة علي بن مهزيار الآمرة بالأخذ بقول أبي عبد الله، والوارد في هذا القول عنوان " خمر أو نبيذ يعني المسكر "، وكلمة " يعني المسكر " بمعنى إرادة النبيذ المسكر لا تفسير النبيذ بطبيعي المسكر، ولا أقل من احتمال ذلك، فلا يبقى موجب لإسقاط ما دل على طهارة غير النبيذ من المسكرات عن الحجية في مقابل معارضه. ويرد على التقريب الأول: أولا: أن رواية عمار المذكورة تامة دلالة كما تقدم، فتكفي دليلا لإثبات المدعى. وثانيا: أن خصوصية النبذ في عنوان النبيذ المسكر ملغية بالارتكاز العرفي، ومع إلغائها تدل نفس نصوص النجاسة في النبيذ المسكر على النجاسة فيما كان من قبيله من المسكرات. ويرد على التقريب الثاني: أنه لا يوجد هناك فيما تم من روايات الطهارة ما يدل على طهارة المسكر بصورة مستقلة، ليدعى التمسك به لإثبات طهارة غير النبيذ من المسكرات، بل نصوص الطهارة بين ما هو وارد في الخمر، أو في النبيذ، أو في النبيذ والمسكر كرواية عبد الله بن

[ 358 ]

بكير، والأول والثاني لا يمكن التمسك بهما لإثبات طهارة غير الخمر والنبيذ بعد البناء على نجاستهما كما هو واضح، والثالث لا يمكن التفكيك فيه عرفا بين النبيذ وغيره لصراحته في عدم الفرق. الجهة الثالثة: في المسكر المائع غير المتعارف شربه خارجا، وهذا عنوان ذكره السيد الأستاذ لتطهير (الاسبرتو). وقد يستفاد من كلماته عدة نكات في مقام إثبات طهارته: الأولى: أن الحكم بالنجاسة ينشأ من صحيحة علي بن مهزيار، وهي غير مشتملة على محل الكلام لاختصاصها بالخمر والنبيذ. الثانية: دعوى الانصراف في المطلقات إلى المتعارف. الثالثة: لو سلم عدم الانصراف يقع التعارض بين أخبار الطهارة وأخبار النجاسة، ولا موجب لترجيح أخبار النجاسة بلحاظ موافقة أخبار الطهارة لعمل العامة كما كان يقال في الخمر، لأن المسكرات غير المعتاد شربها لم تكن موجودة وقتئذ ليعرف موقف العامة منها. والتحقيق: أنا إذا بنينا على طهارة غير الخمر من المسكرات قلنا بالطهارة في المقام أيضا وإلا كان مقتضى إطلاق عنوان المسكر في مثل موثقة عمار النجاسة في محل الكلام، ولا تفيد النكات المذكورة. أما الأولى، فلأن ما يكون دليلا على طهارة غير المعتاد من المسكر نفس الروايات الواردة في طهارة الخمر والنبيذ بلحاظ إطلاقها فإذا استفدنا من صحيحة ابن مهزيار أنها في مقام إسقاط هذه الروايات عن الحجية بوجه وإثبات الحجية لأخبار االنجاسة فلا يمكن التمسك بإطلاق روايات الطهارة حينئذ، إذ لا معنى لدعوى بقائها على الحجية أو الجدية بلحاظ فرد نادر وهو المسكر غير المتعارف فقط، مع سقوطها عن الحجية أو الجدة في جل مدلولها. نعم لو كان هناك خبر وارد في خصوص ذلك

[ 359 ]

الفرد النادر لم يكن موجب لإسقاطه عن الحجية أو الجدية. وأما الثانية: فلأن انصراف المسكر إلى ما هو المتعارف شربه إن كان بلحاظ أن القسم الآخر نادر لا وجود له عادة في عصر صدور النصوص، قيرد عليه: أن مجرد ندرة الوجود في عصر صدور النص لا توجب الانصراف ما دامت نسبة إنطباق جامع المسكر بما هو مفهوم على الفرد النادر وغيره بنحو واحد. وإن كان بلحاظ أن مناسبات الحكم والموضوع عرفا تقتضي اختصاص الموضوع بما يكون معدا للشرب، ففيه: أنا لا نسلم وجود مثل هذه المناسبات في الارتكاز العرفي، لأن العرف لا يأبى بارتكازه عن كون الإسكار بنفسه نكتة للنجاسة سواء تعارف الشرب أو لا، ومعه لا موجب لتقييد الإطلاق. وأما الثالثة: فيرد عليها أولا: أنه لو كانت طهارة المسكر غير المعتاد مفاد رواية خاصة مبتلاة بالمعارض لأمكن أن يدعى أنه لا موجب لترجيح معارضها عليها، إذ لم يثبت موافقتها للعامة، ولكن الواقع أن دليل طهارة مطلق المسكر دليل واحد وكذلك دليل نجاسته، وبعد التعارض بينهما وإعمال المرجح العلاجي في إسقاط دليل الطهارة لموافقته لعمل العامة بحسب الفرض في جل مدلوله وهو المسكر المتعارف وتقديم دليل النجاسة عليه لا معنى للاحتفاظ لدليل الطهارة بالحجية على نحو التكافؤ مع معارضته بلحاظ الفرد النادر خاصة وهو المسكر غير المتعارف، لأن السند واحد والمفروض سقوطه بإعمال المرجح العلاجي. وثانيا: إنا لو افترضنا أن المسكر غير المتعارف بنفسه مورد لروايتين متعارضتين، فكيف يتصور أن التقية تقتضي الإفتاء بطهارة الخمر ولا تقتضي الإفتاء بطهارة سائر المسكرات؟! إذ من الوضح أن الإفتاء بنجاسة أي مسكر إفتاء بنجاسة الخمر، لعدم احتمال أسوئية غير الخمر، وعليه فنفس

[ 360 ]

النكتة التي يفترض اقتضاؤها لحمل نصوص نفي النجاسة عن الخمر على التقية تقتضي أيضا حمل نصوص نفي النجاسة عن غيره من المسكرات على التقية أيضا. ثم إن السيد الأستاذ فرع على طهارة المسكر غير المتعارف الحكم بطهارة (الاسبرتو) المتخذ من الأخشاب، أو المتخذ من الخمر المعبر عنه بجوهر الخمر المتحصل بتبخير الخمر وأخذ عرقها، لأنه من المسكر غير المتعارف شربه ولا يصدق عليه عنوان الخمر. أما ما كان منه متخذا من الأخشاب فعدم خمريته واضح، وأما ما أخذ من الخمر بالتبخير فلأن التبخير يوجب الاستحالة كما في تبخير البول وغيره. والصحيح: أن ما يتخذ من الأخشاب ليس مسكرا، بل هو سم قاتل. وتوضيح ذلك: أن مادة المسكر وهي الكحول من مشتقات الفحوم الهيدر وجينية التي هي من مشتقات الكيمياء العضوية، ويراد بالكيمياء العضوية: العلم الذي يبحث في تركييبات الفحم والهيدروجين والأوكسجسن وأحد المركبات التي اكتشفت في هذا العلم مركب من الفحم والهيدروجين وتسمى بمركبات الفحم الهيدروجينية ويكثر وجودها في البترول وغيره وهي سم قاتل. إلا أنه يمكن إجراء تعديل كيمياوي عليها بأن تستبدل ذرة من الهيدروجين منها بمركب كيمياوي يشتمل على الهيدروجين والأوكسجين بنسبة تختلف عن نسبتها في الماء، وبذلك تتحول إلى مادة أخرى تسمى بالكحول فإذا استبدلت منه ذرة واحدة يسمى بالكحول الآحادي، وإذا استبدلت ذرتان يسمى بالكحول الثنائي وهكذا. وأخذ هذه الذرات منه يخفف سميته أو يزيلها. فالكحول الثنائي وما بعده ليس فيه سم وتظهر فيه حلاوة كحلاوة السكر، وليس فيه إسكار أصلا. والكحول الآحادي خفيف السمية وهو الذي ينشأ منه الإسكار ويشتمل على الفحم، وكلما

[ 361 ]

ازداد الفحم فيه ازدادت سميته. وكما أن زيادة الفحم عامل موجب لزيادة السمية كذلك قلة الفحم توجب زيادة السمية أيضا، باعتبار أنها توجب سيولته الشديدة المساعدة على انتشاره في الجسم وتسميمه له، وهذا يعني أن ما يشتمل على الفحم أكثر في حد ما سم، وما يشتمل على فحم أقل من حد ما سم أيضا، والمرتبة الوسطى تكون مرتبة ضعيفة من السمية غير قاتلة وهي الإسكار. والكحول في هذه الحالة الوسطى لا تقتل بما هي سم وإنما يحدث الموت عند الإفراط في استعمالها باعتبار أنها تسد منافذ الدماغ فتمنعه عن أخذ بقية المواد الضرورية للحياة فيتوقف الدماغ ويموت الإنسان، حيث أن مادة الكحول بتمام مراتبها تتجه نحو الدماغ فإذا ما نزلت إلى المعدة شقت طريقها مباشرة إلى الدماغ، وبذلك تختلف عن سائر المخدرات الأخرى كالأفيون والبنج التي تجري في المجاري الطبيعية في المعدة وتنتشر في تمام الجسم. ثم إن مادة الكحول تارة: لا تخلط بمائع آخر وهي التي يطلق عليها اسم الكحول كيميائيا، وأخرى: تخلط بمائع آخر يخففه وهو الاسبرتو وهذا على قسمين: كامل وهو ما كانت نسبة الكحول فيه تقارب ثلاثة أرباع، وناقص وهو ما كانت نسبة الكحول فيه حوالي النصف وهو المتعارف المستعمل طبيا، وهذا لا يقتل وليس سما، وإنما اعتاد المحضرون لهذه المادة على أن يضيفوا إليه مادة خارجية سامة لأجل صيانته من الاستثمار في مجال اللهو، وضمان استعماله في الأغراض الطبية والصحية. وعلى هذا الضوء نقول: إن الاسبرتو المتخذ من الأخشاب ليس هو المتعارف في المجال الطبي، وإنما يستعمل عادة لتحليل بعض المواد والعناصر وهو سم محض، لأن عنصر الفحم فيه أقل من الحد الذي يكون نسبة الفحم في المسكر، وقد يسمى في لغة العلم بالكحول الميترية. وهذا يعني

[ 362 ]

أنه ليس مسكرا ليكون الحكم بطهارته استثناء من حرمة المسكرات، لأن الإسكار ليس إلا تلك المرتبة الضعيفة من السمية التي تحصل في الكحول الآحادية عند توازن معين بين السيولة ومقدار الفحم، فإذا زادت السمية وأصبحت قاتلة نتيجة اختلال هذا التوازن لم تكن المادة من المسكر بشئ بل من السموم. وأما الاسبرتو المتخذ من الخمر فهو أيضا ليس الاسبرتو المتعارف طبيا، فإن المتعارف لا يتخذ من الخمر، وإنما تتخذ من الخمر الطبيعي الخمور المركزة التي يعتادها أهل الفسوق والفجور، والتي يؤدي التركيز إلى كون نسبة الحكول فيها أكبر. فهي الثلث أحيانا والنصف أحيانا أخرى وبالتقطير يتناقص باستمرار المائع المختلط بالكحول وتكبر نسبة الكحول ولا يؤدي ذلك إلى الاستحالة وخروجه عن كونه خمرا بل هو خمر مركز وأقسام الخمور التي استحدثها الشيطان الأوروبي الحديث كلها من هذا القبيل وقياس ذلك على تبخير البول حيث يستحيل المائع الحاصل بتبخيره ويخرج عن كونه بولا قياس مع الفارق، لأن التبخير يوجب تصاعد الأجزاء المائية من البول وانفصالها عن بقية الأجزاء ومعه لا يصدق عنوان البول على تلك الأجزاء المائية المنفصلة، وأما تبخير الخمر فهو لا يوجب تجريد المائع عن مادة الكحول بل جعل نسبة هذه المادة فيه أكبر، ومن الواضح أن خمرية الخمر عرفا بهذه المادة. وأما ما هو المتعارف في المجال الطبي خارجا فلا يؤخذ من الخمر بل من مواد أخرى، ولا شك في كونه مسكرا، وفي أن سميته أحيانا ليست إلا بسبب إضافة بعض السموم إليه، وإن عدم تعارف شربه عند الفساق نشأ من ذلك. وطهارته مبنية على دعوى: اختصاص النجاسة بالخمر أي المسكر المتخذ من العصير العنبي. وقد اتضح حتى الآن أن إدلة النجاسة

[ 363 ]

في المقام لا تكون حجة إلا في إثبات نجاسة الخمر خاصة، وبذلك نصل إلى الحديث عن الإلحاق الموضوعي. المقام الثاني: في إلحاق المسكرات عموما بالخمر إلحاقا موضوعيا، لكي يكفي نفس دليل نجاسة الخمر للحكم بنجاستها. والإلحاق الموضوعي تارة: يكون إلحاقا لغويا وأخرى: إلحاقا تعبديا بدليل حاكم شرعي، فهنا بحثان: البحث الأول: في الإلحاق اللغوي، وتوضيحه: أنه لا إشكال في كون المسكر المتخذ من العصير العنبي خمرا، كما لا شك في أن الخمر يطلق تارة عليه وأخرى على طبيعي المسكر المائع. وهذا الأخير إما أن يكون معنى مجازيا للمشابهة، وإما أن يكون بنحو الاشتراكك اللفظي بين الخاص والعام، وإما أن يكون هو المعنى الحقيقي الوحيد ويكون المسكر لبعنبي موردا للاستعمال بلحاظ كونه فردا منه. فعلى الثالث تثبت نجاسة المسكرات المائعة بنفس دليل نجاسة الخمر، وبذلك يختل بعض ما تقدم من افتراضات كافتراض كون رواية عبد الله بن بكير مثلا دالة على طهارة الخمر بالإطلاق ونحو ذلك. وأما على الأولين فلا يمكن إثبات نجاسة مطلق المسكر بدليل نجاسة الخمر، أما على الأول فواضح، وأما على الثاني فلأن حمل المشترك اللفظي على أعم معنييه يحتاج إلى قرينة. والظاهر أن الاحتمال الثالث ساقط، إذ مضافا إلى تنصيص بعض اللغويين على اختصاص الخمر بالمسكر العنبي، ومساعدة الفهم العرفي على ذلك، توجد عدة طرائف من الروايات تؤيد الثنائية بين الخمر والمسكرات غير المتخذة من العصير العنبي، لعلها تبلغ بمجموعها حد الاستفاضة والتواتر، وهي كما يلي: أولا: روايات النجاسة التي عطف فيها المسكر أو النبيذ على الخمر

[ 364 ]

كقوله في موثقة عمار: " لا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر " ورواية علي بن مهزيار: " إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله "، فجعل النبيذ أو المسكر قسيما للخمر شاهد على اختصاص كلمة الخمر بالمسكر العنبي. ثانيا: ما ورد في المقارنة من حيث الحرمة بين الخمر والنبيذ، فعن محمد بن عبدة النيسابوري قال: " قلت لأبي عبد الله (ع): القدح من النبيذ والقدح من الخمر ساوء؟ قال: نعم سواء. قلت: الحد فيهما سواء؟ قال: سواء " (1). ثالثا: ما دل على: أن الخمر لم تحرم لاسمها ولكن حرمت لعاقبتها فما فعل فعل الخمر فهو خمر (2) فإن هذا يدل على أن الخمر اسم لكل مسكر وإلا لم تكن هناك حاجة في تعميم الحرمة إلى القول بأن الحرمة تدور مدار العاقبة لا الاسم. ورابعا: ما دل من الأخبار وفيها الصحاح على: أن الله تعالى حرم في كتابه الخمر، ورسول الله (ص) حرم غير الخمر من المسكرات والله أمضى ذلك (3). وهذا الذي استقربناه من اختصاص الخمر بالمسكر العنبي لغة يطابق نكتة واقعية أيضا، وهي: أن الكحول - التي هي مادة الإسكار - الأصل فيها هو سكر العنب، وحينما يراد اتخاذ المسكر من غير العنب يتعين تحويل سكره إلى سكر عنبي، ثم يحول إلى الخمر. ولعل هذا الاكتشاف يبرز السر في أن العنب خصص من بين سائر المواد التي يصنع المسكر منها


(1) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 19 من أبواب الأشربة المحرمة. (3) وسائل الشيعة باب 15 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 365 ]

بالروايات الدالة على: أن حصة من العنب للشيطان. البحث الثاني: في الإلحاق بدليل حاكم. وهذا ما قد يستشهد له بعدة روايات، من قبيل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: قال رسول الله (ص): الخمر من خمسة: العصير من الكرم والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر " (1) والتحقيق: أن هذه الرواية وأمثالها كما قد تحمل على عناية الحكومة وتوسعة الموضوع ادعاء بافتراض استعمال كلمة الخمر في معناه الخاص وتطبيقه بالعناية على غير أفراده، كذلك يمكن أن يكون التطبيق حقيقيا بافتراض استعمال كلمة الخمر في المعنى الأعم وهو طبيعي المسكر، وتكون العناية في استعنمال الكلمة لا في التطبيق. ولئن تم الاستدلال عن النجاسة بالرواية على التقدير الأول - تمسكا بإطلاق دليل التنزيل مثلا - فلا يتم على التقدير الثاني كما هو واضح. والتقدير الثاني إن لم يكن هو الأظهر إذ جعل المسكر العنبي في مقابل سائر أنواع المسكر وهو لا يناسب ادعاء كونها منه، فلا أقل من عدم أظهرية التقدير الأول. ودعوى: أن التقدير الثاني يقتضي تفريغ الجملة من المولوية وهو خلاف الظاهر، مدفوعة: بأن الإسكار لما كان ذا مراتب، وكانت بعض مراتبه الخفية محل الكلام في استتباعها للحرمة كان من شأن الإمام أن ينبه على أن المسكر المحرم يشمل تمام تلك المراتب. وقد يقال: إنه لو دل دليل على أن المسكر خمر استبعد فيه التقدير الثاني، إذ لو أريد بالخمر المعنى الأعم لكان مرجعه إلى أن المسكر مسكر وهو لا محصل له، فيتعين حينئذ حمله على التنزيل وتطبيق المعنى الأخص


(1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 366 ]

[ وإن صار جامدا بالعرض (1). ] للخمر الطبيعي المسكر بالحكومة، فيستدل بإطلاقه على إثبات النجاسة. ولكن هذا الاستدلال غير تام أيضا. أما أولا: فلأن كلمة الخمر حتى مع استعمالها في المعنى الأعم تحمل ضمنا على الإشارة إلى الحرمة المعهودة المرتكز ثبوتها للمسكر في الجملة، فيكون مفاد " كل مسكر خمر ": الإشارة إلى أن هو المسكر الحرام ينطبق على كل مسكر، ولا يتعين عندئذ الحمل على الحكومة والتنزيل. وأما ثانيا: فلأن مثل هذا اللسان لم يرو في صحيحة، إلا في رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (ع) " قال: إن الله عز وجل لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر " (1)، وحيث إن التنزيل هنا فرع على الحرمة، فلا إطلاق فيه يقتضي ثبوت غير الحرمة من الآثار. وقد تلخص من مجموع ما ذكرناه: أن الصحيح هو التفصيل بين الخمر وغيره من المسكرات، فالأول يحكم بنجاسته إضافة إلى حرمته، والثاني يحكم عليه بالحرمة فقط دون النجاسة. (1) قد يقال في مقام تقريب نجاسته بعد الانجماد: وأنه كان نجسا ولم يطرأ عليه مطهر (2). غير أن منهج البحث في المقام باعتباره شبهة حكمية يقتضي الفحص عن أن دليل نجاسة الخمر هل يمكنه أن يشمله بعد الانجماد إما بالإطلاق أو بضم الاستصحاب أو لا؟، فإن تعذر ذلك كان الأصل عدم النجاسة الذاتية، ولا يلزم في ارتفاع النجاسة الذاتية ورود المطهر بل يكفي في ارتفاعها ارتفاع موضوعها بنحو لا يجري الاستصحاب


(1) وسائل الشيعة - الباب - 19 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) التنقيح ج 2 ص 101.

[ 367 ]

[ لا الجامد كالبنج (1) وإن صار مائعا بالعرض. ] ولا إشكال في عدم إمكان التمسك بإطلاق دليل نجاسة الخمر لعدم خمرية العين المنجمدة، وأما استصحاب النجاسة العينية فلا بأس بجريانه بناءا على عدم كون الخمر مقوما لموضوع النجاسة عرفا، وكون الموضوع العرفي ذات الجسم المحفوظ في حالتي الميعان والانجماد، هذا كله بقطع النظر عما يستفاد من روايات انقلاب الخمر خلا، من كفاية ذهاب اسم الخمر في ارتفاع المحذور، فإن ذلك يدل على مطهرية ذهاب اسم الخمر مطلقا ولو لم يصدق عنوان الخل. فإن قيل: بأن انجماد الخمر يؤدي إلى خروجه عن كونه خمرا ولو لزوال مادة الكحول لسرعة فنائها وكون المنجمد خصوص العنصر المائي منه، حكم بطهارته. وقد يأتي لهذا الكلام مزيد تتميم في بحث المطهرات. (1) الكلام تارة: يقع في الصغرى أي في مسكرية الجامد، وأخرى في نجاسة الجامد على تقدير مسكريته، أما الصغرى: فالظاهر أن البنج ونحوه من المخدرات ليس من المسكرات بحسب الفهم العلمي والعرفي معا أما الفهم العلمي: فهو يرى تقوم المسكر بمادة الكحول التي من خصائصها اختراق المعدة والاتجاه رأسا إلى الدماغ، بينما كل المخدرات - عدا الحشيشة - لا تنتشر في الجسم إلا بالطريق الطبيعي، ولهذا يتصور البنج الموضعي دون المسكر الموضعي وأما الفهم العرفي: فهو يفرق بين الإسكار والتاخدير كما يفرق بين الحار والبارد فليس كل حالة تقابل الصحو سكرا عرفا، بل إن ما يقابل الصحو إن كان حالة تقتضي غالبا التهيج فهي السكر، وإن كانت تقتضي عادة الانكماش فهي الخدر. وعلى هذا الأساس لا تكون المخدرات غير الحشيشة محرمة بعنوانها الأولي، وإنما هي محرمة بعنوان كونها مضرة والفرق العملي بين الحرمتين يظهر في الاستعمالات الضئيلة التي لا يترتب عليها ضرر، فإنها

[ 368 ]

[ (مسألة - 10): ألحق المشهور بالخمر العصير العنبي إذا غلى قبل أن يذهب ثلثاه وهو الأحوط وإن كان الأقوى طهارته ] ليست بمحرمة على هذا التقدير بينما تكون محرمة على تقدير كون المخدر مسكرا. وأما نجاسة المسكر الجامد فهي على مسلكنا بلا موجب، لأننا اخترنا اختصاص النجاسة بالخمر، ولا شك في عدم صدقه على المسكر الجامد. وأما إذا بني على تعميم النجاسة، فإن كان بلحاظ الإجماع فلا شك في عدم شموله للمسكر الجامد. وإن كان بلحاظ تطبيق عنوان الخمر على سائر المسكرات في رواية " الخمر من خمسة " فقد يقال بشموله للمسكر الجامد أيضا. ودعوى: عدم المناسبة بين المسكر الجامد والخمر لكي يطبق أحدهما على الآخر، مدفوعة: بأنه يكفي للمناسبة اشتراكها في الإسكار. ولكن للمنع عن الشمول وجها وذلك لأن أبرز آثار الخمر حرمة الشرب، فيكون تطبيق الخمر على المسكر تنزيلا ظاهر في إثبات حرمة الشرب للمسكر، وهذا بنفسه قرينة على اختصاص المنزل بالمسكر المائع خاصة لأنه الذي يتعقل شربه، ولا يمكن التحفظ على إطلاق المنزل للجامد إلا بجعل الأثر الثابت بالتنزيل حرمة التناول بدلا عن حرمة الشرب ليناسب المائع والجامد معا، مع أن المركوز من أحكام الخمر حرمة الشرب بهذا العنوان. وإن كان بلحاظ تقديم روايات النجاسة على أخبار الطهارة، لسقوط الأخيرة عن الحجية عند المعارضة بسبب حكومة الصحيحة أو موافقتها للعامة، فقد يدعى: أن جملة من نصوص النجاسة وإن كان مختصة بالمائع لاشتمالها على التعبير بالقطرة ونحو ذلك ولكن موثقة عمار: " لا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله "، يمكن التمسك بإطلاق

[ 369 ]

[ نعم لا إشكال في حرمته (1). ] المسكر فيها للجامد أيضا. اللهم إلا أن يقال: أن المنصرف من إناطة النهي بمجرد إصابة المسكر للثوب أنه مفروض الميعان، لأن الجامد لا تكون إصابته للثوب بمجردها موجبة للنجاسة. (1) الكلام في العصير المطلق المغلي تارة يقع في حرمته، وأخرى في نجاسته. فهنا مقامان: أما المقام الأول فيشتمل على ثلاث جهات، باعتبار انقسام العصير المحتمل حرمته إلى العنبي، والزبيبي، والتمري. الجهة الأولى: في حرمة العصير العنبي بالغليان. ولا إشكال في أنه إذا لم يحصل في عصير العنب إسكار ولا غليان فلا يحرم عند كل المسلمين. كما لا إشكال عند فقهاء الشيعة في الحرمة إذا حصل فيه الإسكار سواء حصل في العنب غير المطبوخ أو بعد الطبخ، لأن المسكر من غير المطبوخ خمر بلا إشكال، والخمر محرم بالكتاب والسنة، والمسكر من المطبوخ إما خمر فيحرم كذلك وإما لا يكون خمرا لفرض أخذ عدم الطبخ السابق في مفهوم الخمر فهو مسكر على أي حال، وكل ما أسكر كثيره فقليله حرام. وأما في الفقه السني فلا إشكال في خمرية المسكر من غير المطبوخ وحرمته مطلقا. وأما المطبوخ إذا أصبح مسكرا فقد وقع الخلاف في خمريته، ونقل عن أبي حنيفة عدم كونه خمرا بدعوى: تقوم الخمر بعدم الطبخ السابق، ومن هنا ذهب البعض من فقهاء السنة إلى جواز القليل منه لأنه غير مسكر، على أساس عدم قبولهم لقاعدة أن ما أسكر كثيره فقليله حرام. وأما إذا غلى العصير العنبي ولم يسكر فالمستفاد من كلمات فقهائنا:

[ 370 ]

جعل العصير العنبي المغلي بعنوانه من المائعات المحرمة إلى جانب الخمر والفقاع والمسكر، كما يظهر بمراجعة كلمات المتقدمين والمتأخرين التي أطلق فيها القول بحرمة العصير العنبي المغلي، سوى ما قد يبدو من بعض عبائر الشهيد في الدروس، والعلامة في الإرشاد والمختلف. فإن الشهيد (قدس سره) ذكر: أن العصير العنبي إذا غلى واشتد حرم، وكذلك العلامة، وهذا ظاهره الخلاف مع المطلقين من الفقهاء كالصدوق ومن بعده. اللهم إلا إذا فسر الاشتداد بالغلظة الحاصلة بمجرد الغليان لا على الشدة في الطعم والريح والفساد مما هو مساوق للإسكار، إلا أن الحمل على تلك الغلظة خلاف ظاهر عطف الاشتداد على الغليان المقتضي للتغاير بينهما، على أن الغلظة بالنحو المفهوم عرفا إنما تحصل بعد الغليان بمدة. وتحقيق الحال في حرمة العصير العنبي: أنه بعد الفراغ عن وجود أدلة اجتهادية - فضلا عن الأصول العملية - تدل على حلية كل شراب والفراغ عن وجود مخصص أخرج المسكر، يقع الكلام: في أن دليل حرمة العصير العنبي بالغليان هل هو مخصص ثان يوجب حرمته وإن لم يكن مسكرا أو لا؟. وصفوة القول في ذلك: أن الروايات الدالة على حرمة العصير العنبي المغلي يحتمل فيها احتمالات: الاحتمال الأول: عدم كونها مخصصا جديدا لأدلة الحل، بدعوى: أن العصير العنبي المغلي مسكر مطلقا، سواء كان غليانه بنفسه على أساس حرارة الشمس أو بالنار. ولم نلاحظ من ادعى هذه الدعوى إلى أيام الوحيد البهبهاني، فقد ادعى (قدس سره): مساوقة مطلق الغليان للإسكار، ووافقه على ذلك تلميذه بحر العلوم (قدس سره). وقد نفى مشهور المتأخرين هذه الدعوى، وذكر المحقق الهمداني والسيد الأستاذ أنه لو كان مجرد الغليان موجبا للإسكار لكان تحصيل المسكر في غاية

[ 371 ]

السهولة، فلماذا نرى الفسقة العاشقين للخمر يبذلون الكثير في سبيل تحصيل الخمر؟!. وذكر بعض الأصحاب: أننا لا ندري هل مجرد الغليان يوجب السكر أو لا؟!، ولا يمكننا معرفة ذلك لتعذر التجربة علينا، ولا موجب لتحقيق الواقع، لأن الشبهة موضوعية وليس من وظيفة الفقيه حلها، وبغض النظر عن الأخبار الخاصة تجري الأصول المؤمنة. والحقيقة: أن التعرف على ذلك له دخل في فهم روايات العصير العنبي، ومعرفة كونها مسوقة لتخصيص مستقل أو لا، كما أن ما يلاحظ من بذل الفسقة للكثير في سبيل إعداد شرابهم الفاجر فلعله لأجل الحصول على الخمر الجيد، فإنه كلما كان أعتق كان أجود وأكثر إسكارا، وقد قيل: كلما زاد بالترك جودة فهو مسكر. وفصل بعض فقهائنا المتأخرين - كشيخ الشريعة الأصفهاني (قده) -: بين الغليان بالنار فلا يسكر، والغليان بنفسه فيسكر، واستظهر من كلمات جملة من الفقهاء المتقدمين أن هذا كان مسلما عندهم. وهذا التفصيل هو الصحيح، وبذلك يبطل الاحتمال المذكور النافي لاستفادة التخصيص الزائد بدعوى أن كل عصير عنبي مغلي مسكر. ويشهد لهذا التفصيل عدة قرائن: القرنة الأولى: ما يشهد به الخبراء في تجاربهم العلمية، من أن الكحول الدي هو مادة الإسكار لا يسمح الغليان بالنار لظهوره، وإنما يظهر من خلال تصاعد تدريجي بطئ لدرجة الحرارة، كما يحصل في العصير الذي ينش من قبل نفسه. القرينة الثانية: أن غير فقهاء الإمامية من سائر المسلمين لا يوجد فيهم من يحرم العصير العنبي بالغليان بالنار، وهذا معناه أنهم يتناولونه عادة، فلو كان مسكرا مع شيوع استعماله عندهم لانعكس وأصبح واضحا. القرينة الثالثة: وهي مستفادة من روايات أهل البيت عليهم

[ 372 ]

أفضل الصلاة والسلام، وتدل على نصف المدعى أي على أن الغليان من نفسه يوجب الإسكار. وجملة من الروايات وإن كانت واردة في العصير التمري والزبيبي إلا أنه لا يحتمل الفرق في ذلك بينهما وبين العصير العنبي لأن الميزان كل عصير يحتوي على مادة سكرية تتحول إلى كحول. وهذه الروايات لا تصرح بالمقصود وإلا لانقطع الكلام في ذلك، وإنما تدل على أمرين: أحدهما: أن حرمة العصير منوطة بالإسكار، والآخر: أن العصير إذا غلى من نفسه حرم، وبضم أحدهما إلى الآخر يثبت المطلوب، وبعض الروايات يمكن أن يستفاد منها كلا الأمرين، وبعضها يستفاد منها أحدهما. فمنها، رواية حنان بن سدير قال: " سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في النبيذ، فإن أبا مريم يشربه ويزعم أنك أمرته بشربه فقال: صدق أبو مريم، سألني عن النبيذ فأخبرته أنه حلال ولم يسألني عن المسكر، ثم قال: إن المسكر ما اتقيت فيه أحدا سلطانا ولا غيره... إلى أن قال: فقال له الرجل: هذا النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أي شئ هو؟ فقال: أما أبي فكان يأمر الخادم فيجئ بقدح فيجعل فيه زبيبا، ويغسله غسلا نقيا، ويجعله في إناء، ثم يصب عليه ثلاثة مثله أو أربعة ماء، ثم يجعله بالليل ويشربه بالنهار ويجعله بالغداة ويشربه بالعشي، وكان يأمر الخادم بغسل الإناء كل ثلاث أيام لئلا يغتلم فإن كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ " (1). فإن صدر الحذيث يدل على أن الميزان في الحرمة هو السكر، وأن ما يترتب المنع منه على تقدير السؤال عنه إنما هو المسكر وذيله يدل على أن الحلية في النبيذ منوطة بقصر المدة وهذا يعني أنه مع مرور عدة أيام ينشأ محذور الإسكار بسبب غليانه في نفسه. ومنها: رواية صفوان الجمال قال: " كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به


(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 373 ]

فقلت لأبي عبد الله (ع) أصف لك النبيذ. فقال: بل أنا أصفه لك قال رسول الله (ص). كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام فقلت له: هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة. فقال: ليس هكذا كانت السقاية إنما السقاية زمزم، أفتدري أول من غيرها؟ قلت: لا. قال: العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة، أفتدري ما الحبلة؟ قلت: لا. قال: الكرم، فكان ينقع الزبيب غدوة ويشربونه بالعشي وينقعه بالعشي ويشربونه غدوة يريد به أن يكسر غلظ الماء على الناس، وأن هؤلاء قد تعدوا، فلا تقرنه ولا تشربه " (1). وهذا الحديث واضح في أن مناط الحرمة هو الإسكار، إذ يلاحظ أن السائل حينما أراد أن يصف النبيذ للإمام في مقام السؤال عن حكمه لم يسمح له بالشرح، بل قال: بل أنا أصفه لك " كل مسكر حرام " كما دل على أن البقاء مدة أطول من مثل العشي إلى الغدوة يعرض للحرمة، ولا وجه لذلك إلا ما يتعرض له العصير حينئذ من النشيش والغليان. ومنها: رواية معاوية بن وهب قال: " قلت لأبي عبد الله (ع) إن رجلا من بني عمي وهو من صلحاء مواليك يأمرني أن أسألك عن النبيذ وأصفه لك. فقال: أنا أصف لك: قال رسول الله (ص) كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام " - الحديث - (2) ويستفاد من جواب الإمام والضابط الذي استغنى بإعطائه عن الاستماع إلى مواصفات النبيذ المسؤول عنه: أن المناط في الحرمة هو الإسكار فقط. فإذا ضم ذلك إلى ما في سائر الروايات من وجود محذور فيما يدخر من نبيذ إذا مرت عليه أيام أنتج أن العصير إذا نش بنفسه كان مسكرا. ويلاحظ في هذا المجال روايات محمد بن مسلم، وإبراهيم بن أبي البلاد، وأيوب بن راشد، ويزيد ابن خليفة، والفضيل بن يسار، في أبواب الأشربة المحرمة.


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 374 ]

الاحتمال الثاني: عدم كونها مخصصا جديدا لأدلة الحل، لا بدعوى: أن كل عصير مغلي مسكر: بل بدعوى: أن الحرمة الواقعية للعصير العنبي المغلي بالنار المستفادة من روايات الباب مخصوصة بما عرض له الإسكار وذلك إما بأن يقال: إن روايات الباب مفادها الحكم الظاهري بالحرمة لكون العصير العنبي المغلي بالنار عرضة للإسكار غالبا ببقاء أدنى مدة: فحكم بحرمته ظاهرا على الإطلاق لأجل شيوع احتمال الإسكار فيه مع اختصاص الحرام الواقعي بالمسكر. أو يقال: بأن مفادها الحكم الواقعي بالحرمة، إلا أنه يوجد ما يقيدها بخصوص فرض الإسكار. وما يمكن أن يفرض قرينة على تقييد روايات الباب بخصوص المسكر بأحد هذين النحوين أمور: أحدها: رواية عمر بن يزيد: " قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يهدى إليه البختج من غير أصحابنا. فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه، وإن كان ممن لا يستحل فاشربه " (1). والبختج: هو عصير عنبي مطبوخ، والإمام (ع) قد جعل استحلال صاحب الهدية للمسكر إثباتا ونفيا ميزانا لحرمة الشرب وحليته، ولو كان المغلي حراما في عرض حرمة المسكر لما كان هذا الميزان صحيحا، لأن عدم استحلاله للمسكر ليس قرينة على حلية هذا البختج، بل هو كعدم استحلاله لسائر المحرمات المتيقنة، وهذا بخلاف ما إذا كانت الحرمة المترتبة في البختج بنفس نكتة الإسكار، فإن القرينة حينئذ واضحة ولكن هذه القرينة قابلة للمناقشة وذلك بأن يقال: لعل الميزان المذكور لا لدخل ذلك بنفسه بل لأمارته بلحاظ لازمه النوعي، فإن من لا يستحل المسكر عادته غالبا أن يطبخ العصير على الثلث حتى لا يكون معرضا للإسكار بالبقاء مدة فيخسره، ومن


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 375 ]

يستحل المسكر كثيرا ما يطبخه على ما هو أكثر من الثلث إذ لو طبخه على الثلث لما أمكن أن يسكر بعد ذلك بالإدخار، فكأن الإمام (ع) يجعل الميزان المذكور أمارة على أنه طبخ على الثلث. ثانيها: رواية معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع): عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: (خمر) لا تشربه... الحديث (1). وسيأتي الكلام في هذه الرواية سندا ومتنا ودلالة في بحث طهارة العصير إن شاء الله تعالى. ومحل الشاهد فيها في المقام قوله: " خمر لا تشربه "، فإن الأمر يدور في هذه الجملة بين كون حمل عنوان الخمر على العصير المذكور ادعائيا وعنائيا بلحاظ الآثار، أو تقييد إطلاق الحديث بما هو الغالب في البختج المطبوخ على النصف من أنه يدخر ويشتد ويسكر بالتدريج، فإذا قلنا بأن الثاني أخف عناية من الأول كان ذلك شاهدا على الختصاص الحرمة بفرض الإسكار إلا أن هذا الكلام لا يتم بناءا على أخذ عدم سبق الطبخ في مفهوم الخمر وإلا كان الحمل عنائيا على أي حال. وكذلك بناءا على التشكيك في ورود كلمة: (خمر) في الحديث، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ثالثها: الروايات الدالة على: أن الله حرم الخمر ورسول الله (ص) حرم من الأشربة كل مسكر، من قبيل رواية الفضيل بن يسار: " حرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله (ص) المسكر من كل شراب " (2) بناءا على استفادة الحصر منها وكون الحرام من الأشربة المتعارفة هو المسكر فحسب، بدوعى: كونها في مقام بيان تمام ما حرم من الأشربة المتعارفة


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 15 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 376 ]

فتدل بمفهومها على أن غير المسكر من الشراب حلال، فتعارض بالعموم من وجه مع روايات الباب الدالة بإطلاقها على حرمة العصير المغلي ولو لم يسكر، وبعد التساقط نرجع إلى أصالة الحل، فيثبت اختصاص الحرمة في العصير المغلي بالمسكر. إلا أنه لم يعلم بأن الرواية ونظائرها بصدد الحصر وبيان تمام المحرمات من الأشربة، بل هي في مقام توزيع العمل بين الله ورسوله من يحث التحريم في خصوص المسكرات. غير أن بالإمكان أن نعوض عن الاستدلال بهذه الروايات بالاستدلال بآية حلية الطبيات التي يقتضي إطلاقها المقامي حلية كل ما هو طيب في النظر النوعي. وباعتبار ورودها في سورة المائدة بصورة متأخرة عن تشريع حرمة الخمر وإشباع الأذهان بخباثته فلا تشمل المسكرات، غير أنها تشمل العصير المغلي غير المسكر، فتعارض بالعموم من وجه مع روايات الباب، وتقدم الآية في مادة الاجتماع. ولكن هذا إذا لم نستظهر تقديم روايات الباب بملاك دلالي على أساس دعوى ظهورها في موضوعية العصير المغلي للحرمة، ومع تقديم المعارض عليها وتقييدها بالمسكر من المغلي يلزم إلغاء العنوان رأسا. رابعها: رواية محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلى من ساعته، أيشربه صاحبه؟ فقال: إذا تغير عن حاله وغلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (1). وهذه الرواية فيها احتمالات تأتي إن شاء الله في بحث محللية ذهاب الثلثين. الشاهد هنا قوله: " إذا تغير عن حاله وغلا فلا خير فيه " فإنه لا ينبغي حمل تغير الحال على الغليان، إذ - مضافا إلى أن المتفاهم عرفا من الحال الطعم والرائحة ونحوهما من الخواص - أن الطعن ظاهره


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 377 ]

التغاير، وكثيرا ما يستعمل التغير في الاشتداد والإسكار، وحيث إن تغير الحال له مراتب، والغليان مساوق لمرتبته المستبطنة للإسكار، أنيطت الحرمة في العصير المطبوخ على النار بحصول التغير بدرجة يحصل معها الغليان وهو مساوق للإسكار، فتدل الرواية على عدم حرمة العصير المطبوخ بدون ذلك ولكن الرواية ساقطة سندا لإرسالها. الاحتمال الثالث: أن ننكر الإطلاق في روايات حرمة العصير العنبي المغلي في نفسه، بلا حاجة إلى التفتيش عن مقيد. وهذا وإن كان يبدو غريبا في بادئ النظر، ولكن يمكن تقريبه بما يلي وهو: أن الروايات التي حكمت بحرمة العصير العنبي المغلي طائفتان: أحداهما ما ورد في المطبوخ والبختج والطلا. والأخرى: ما ورد من الروايات التي لم يؤخذ في لسانها الطبخ، بل علقت الحرمة فيها على نفس العصير منوطا بالغليان. وهناك مسألتان كانت مطروحتين للبحث على الصعيد الفقهي العام بين المسلمين، وحصل بشأنهما نقاش وأخذ ورد واسع من عصر الصحابة إلى أيام الإمام الصادق عليه السلام. والمسألة الأولى تتعلق بالطلا: وذلك أن العصير العنبي غير المطبوخ لا إشكال عند المسلمين في حرمته كثيره وقليله إذا غلا وأسكر، وإنما وقع الكلام بينهم في العصير العنبي المطبوخ على النار، والأصل في ذلك قصة عمر بن الخطاب مع أهل الشام، إذ لا يظهر تعارف الطلا قبل هذه القصة حيث راجع أهل الشام عمر شاكين له فساد بطونهم لتعودهم على الأغذية الثقيلة وحرمة المسكر عليهم، فجاء نصراني وقال: إننا تعودنا على شراب نشربه في موسم الصوم ليقوينا على العبادة، فجاء بشرابه وهو عصير عنبي مطبوخ وكان غليظا كالرب، فوضع عمر أصبعه فيه فقال: لكأنه طلأ الإبل

[ 378 ]

(وهو النفط الذي يطلى به الإبل)، ثم التفت عمر إلى عبادة بن الصامت الصحابي الجليل وكان جالسا إلى جانبه فقال: ما ترى في هذا؟ فقال: أنا لا أرى أن النار تحلل الحرام. فانزجر منه عمر ونسبه إلى الحمق وأفتى بالحلية، فلما أباح لهم ذلك سكر بعض المسلمين، فأقام الحد عليه، ونهاهم عن التجاوز في الشرب إلى حد الإسكار. ويبدو من هذه القصة أن عمر أراد تحليل الشرب من المسكر بالمقدار الذي لا يسكر إذا طبخ على النار ثم أسكر، ولذا قال له عبادة: أنا لا أرى أن النار تحلل الحرام. وقد بدأ النزاع منذ ذلك الوقت حول هذه النقطة، وامتد في عصور الصحابة والتابعين والفقهاء فهناك من رأى رأي عمر، وهناك من اتفق مع عبادة في موقفه غير أن الطرفين معا كانا متسالمين على أن الطبخ بالنار بنفسه ليس من موجبات الحرمة، وإنما الكلام بينهم في أنه هل يوجب تعطيل الغليان الحاصل بعد الطبخ عن إيجاد الحرمة أو لا؟ وكلمات الفقه السني مشحونة بتحرير النزاع على هذا الوجه وبالاختلاف بين المحللين في مقدار الطبخ الموحب لسلخ الغليان عن السببية للحرمة، فقد ذهب البعض: إلى أن الطبخ الموجب لذلك هو الطبخ المذهب للنصف وذهب آخرون إلى أنه الطبخ المذهب للثلثين، وبعض ثالث قال: بكفاية مطلق الطبخ، وأما أتباع عبادة بن الصامت فقالوا: إن الطبخ إلى ذهاب الثلثين يوجب التحليل لعدم الإسكار خارجا حينئذ. فإذا عرفنا أن الاستفهام المركوز في الذهن العام من أيام عمر إلى أيام أصحاب المذاهب هو أن الطبخ بالنار هل يحلل ما كان حراما لولا الطبخ أو لا - لا أنه هل يكون محرما بنفسه أو لا؟ - كان من الطبيعي أن يوجه إلى الإمام هذا الاستفهام، وأن يتصدى عليه السلام لإبداء رأيه بهذا الشأن فقال ما قال من الروايات بشأن الطلا التي حاصلها: أنه إذا زاد الطلا

[ 379 ]

على الثلث فهو حرام، وإذا طبخ على الثلث فهو حلال. فيكون معنى هذا الكلام في ضوء الارتكاز المذكور أنه إذا لم يطبخ على الثلث صار حراما بعد ذلك بالسكر. وهذا الارتكاز إن لم يوجب ظهور روايات الطلا في كونها تعقيبا على النزاع المعروف المركوز بنحو يناسبه، فلا أقل من اقتضائه للإجمال، بمعنى أننا نحتمل أن الارتكاز المعاصر كان بنحو يوجب ظهور روايات الطلا في ذلك عند السامع، واحتمال القرينة المتصلة موجب للإجمال. وتوجد عندنا مؤيدات لما احتملناه في معنى روايات الطلا: منها: نفس استثناء ذهاب الثلثين، فإن القيد المأخوذ في كلام المولى إن لم يكن له نكتة مركوزة في ذهن العرف حمل على التعبد، وإن كان له نكتة مركوزة عرفا انعقد له ظهور بملاك الانسباق العرفي للنكتة المركوزة في أن القيد بلحاظها. وذهاب الثلثين من هذا القبيل، فإن فيه نكتة مركوزة عرفا وهي إخراج المائع عن القابلية للإسكار، وكان العمل على ذلك خارجا، بمعنى أن من كان يتحاشى عن شرب المسكر في المطبوخ يطبخ العصير على الثلث، ومن كان لا يتحاشى عن ذلك يطبخ العصير على النصف أو نحوه، فينصرف الكلام إلى الملحوظ في التحريم إثباتا ونفيا هو الإسكار، بعد فرض عدم عرفية افتراض حرمة واقعية للأعم من المسكر وغيره، بملاك احتياط المولى نفسه خوفا من أن يقع العبد في الاشتباه. ومنها: ما مضى من رواية معاوية بن عمار حيث قال فيها: " رجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف " ونحن لم نجد شخصا من المخالفين في حدود ما لاحظناه أبدى احتمال الحرمة في العصير العنبي المطبوخ على النار مع كونه مسكرا، وإنما اختلفوا في

[ 380 ]

أنه إذا طبخ ثم أسكر فهل قليله حلال أو حرام؟، فأكبر الظن أن هذا المخالف المشار إليه في الرواية كان ممن لا يستحل المسكر، لا أنه لا يستحل المطبوخ على النصف بما هو، ومع ذلك عبر عنه بأنه لا يستحل المطبوخ على النصف وهي عبارة مشابهة جدا لعبارة: أن الطلا إذا زاد على الثلث فهو حرام. وهذا يؤيد أن أمثال هذه العبارات كان يراد بها الإشارة إلى ما ذكرناه، من أن الطلا لا ترفع حرمته الإسكارية بمجرد الطبخ، لا فرض حرمة جديدة تحصل بنفس الطبخ على النار. وبهذا تسقط دلالة الطائفة الأولى من الروايات على حرمة مستقلة. والمسألة الثانية هي: أن العصير العنبي الذي لا إشكال في حرمته إذا غلا وأسكر ما هو ميزان التحريم فيه؟ فهناك من يقول: إن الميزان هو الغلياان. وآخر يقول: إن الميزان هو أن يغلي ويزبد. وثالث يقول بل البقاء ثلاثة أيام. ورابع: يجعل الميزان البقاء عشرة أيام. هذا نزاع تضمن جهات نظر وكلمات كثيرة من الصحابة والتابعين والفقهاء. وهذا يجعل من المحتمل قويا في الروايات الدالة على أن العصير العنبي إذا غلى ونش حرم، والتي لم يؤخذ فيها عنوان الطبخ بالنار، أن تكون ناظرة إلى هذا المعنى، ومسوقة لبيان أن الميزان في التخمير وثبوت حكم الخمر الغليان والنشيش دون سائر العناوين المذكورة في كلمات المتنازعين وليست مسوقة لبيان حكم ما إذا غلى بالنار ولم يسكر. فمثلا في رواية جاء: " لا بأس بشرب العصير ستة أيام. وقال ابن أبي عمير: معناه ما لم يغل "، فهذا ردع عن كون الميزان عدد الأيام. وفي رواية أخرى جاء: " إذا نش العصير أو غلى حرم "، فهذا ردع عن اشتراط الإزباد مثلا. والحاصل: فرق بين أن تساق مثل هذه القضية لإنشاء حرمة بها، وبين أن تساق لتحديد الميزان في حرمة مفروغ عنها. وارتكازية

[ 381 ]

النزاع المذكور وشيوع الكلام فيه في عصر النصوص إن لم يوجب انصراف الروايات إلى المعنى الثاني، فلا أقل من الاحتمال بنحو موجب للإجمال فيتعذر التمسك بالإطلاق. والإنصاف: أن المصير إلى القول بحلية العصير المطبوخ ما لم يسكر في ضوء ما قلناه ليس مجازفة، لولا دعوى الإجماع على الحرمة في كلام شخص كالمحقق قدس سره في المعتبر إذ تساءل: إن العصير العنبي المغلي هل يحكم بنجاسته مطلقا أو لا يحكم بذلك إلا على تقدير الاشتداد؟، وذكر أن فيه كلاما، وأما الحرمة مطلقا فعليها إجماع فقهائنا. وهذا واضح في نفي مطلق الخلاف في الحرمة، خصوصا إذا التفتنا إلى القول بالنجاسة في الطبقات المنظورة للمحقق من الفقهاء محدود جدا، ومع ذلك فرض خلافا في ذلك، بينما ادعى الاتفاق في جانب الحرمة. فالعبارة ظاهرة في دعوى الإجماع بمعنى يقابل حتى الخلاف الجزئي المحدود. وقد يناقش في هذا الإجماع بوجوه: فأولا: هو إجماع منقول. وثانيا مدركي جزما أو احتمالا لقوة افتراض الاستناد إلى روايات المسألة. وثالثا: أن الشهيد في الدروس والعلامة في المختلف قد يبدو منهما المخالفة، وهذا يكشف عن عدم كون الإجماع الذي ذكره المحقق مفيدا لليقين بالنسبة إليهما فإذا لم يفدهما ذلك مع قرب عهدهما بمدعيه فكيف يفيدنا؟!. ورابعا: أن السيد المرتضى قدس سره في كتاب الانتصار المعد لنقل موارد الخلاف بين الشيعة والسنة لم يذكر العصير العنبي وذكر الفقاع وغيره، مع أن أحدا من فقهاء السنة فيما لاحظنا لميقل بحرمة العصير العنبي المغلي. وهذه الموهنات تؤدي إلى عدم الجزم بالحرمة الواقعية، ولكنها لا تسقط الإجماع المذكور عهن الصلاحية للإلزام بالاحتياط. أما كونه إجماعا منقولا: فواضح أن الإجماع المنقول في بعض الموارد قد يوجب ثبوت

[ 382 ]

المطلب فيما إذا انضمت إليه خصوصيات وقرائن تعززه. فإذا كان الناقل مثل المحقق في سعة اطلاعه، مع وضوح عبارته، وقيام القرينة فيها على عدم المسامحة وغض النظر عن الخلافات الجزئية، وأضيف إلى ذلك التتبع من الخارج. وعدم وجدان فقيه قبل المحقق يترائى منه القول بالحلية ولا وجدان كلام يدل على نقل الخلاف، ففي ذلك كله ما يعزز الإجماع المنقول. وأما احتمال المدركية: فإذا فرضنا أن الفقهاء قبل المحقق قد أجمعوا على فهم الحرمة المطلقة من روايات الباب، فهذا بنفسه شاهد قوي على أن سلفهم من أصحاب الأئمة عليهم السلام لم يكونوا قد فهموا من الأئمة عليهم السلام إناطة حرمة العصير المغلي بالإسكار، وإلا لأصبحت الحلية بعد ذلك من الواضحات، لأن المسألة على ما يبدو من الروايات كانت واسعة الانتشار، وكانت الأنبذة وأقسام العصير محل ابتلاء العموم بدرجة كبيرة، وكل مسألة بهذه الدرجة من ابتلاء الناس بها واهتمامهم بالتعرف على حكمها وشغفهم باستعمالها لو كان حكمها عدم الحرمة لكان مقتضى العادة انتشار ذلك وشيوعه، خصوصا مع مطابقته مع موقف العامة، ولو كان عدم الحرمة منتشرا وشائعا بين أصحاب الأئمة لكان ذلك بنفسه مفسرا لروايات الباب، ولما أمكن للفقهاء المتصلين بعصرهم أن يجمعوا على فهم الحرمة المطلقة من آثار الأئمة عليهم السلام. وأما خلاف العلامة والشهيد فغير واضح، لأن عبارتهما كما تقدم وإن كانت قريبة من القول بإناطة الحرمة بالسكر، إلا أن كون ذلك مخالفا للمشهور فقهيا على أقل تقدير يوجب على تقدير إرادتهما أن يصرحا بذلك القول ويركزا عليه تنبيها على خلافهما في المسألة للمشهور. وأما عدم تعرض السيد المرتضى قدس سره للعصير العنبي في عداد موارد الخلاف بين الشيعة والسنة، فلعله لأجل أن السنة لم يكونوا يقبلون

[ 383 ]

حرمة المسكر من المطبوخ رأسا، وأنه كان يرى أن حلية العصير العنبي المغلي غير المسكر من فروع حلية المسكر من المطبوخ وعدم حرمة قليله فناقش الأصل دون الفرع. الاحتمال الرابع: هو الالتزام بأن روايات الباب متكفلة لتخصيص زائد لعموم دليل الحل باقتضائها حرمة العصير العنبي المغلي ولو لم يكن مسكرا. وهذا هو المتعين ولو احتياطا، بلحاظ ما تقدم في مناقشة الاحتمالات الثلاثة السابقة. وبعد افتراض الفراغ عن حرمة العصير العنبي المغلي مطلقا يقع الكلام في مسائل: المسألة الأولى: وهي أن الأصحاب بعد اتفاقهم على ارتفاع الحرمة عن المطبوخ على النار بذهاب الثلثين وقع الكلام بينهم في المغلي بنفسه بسبب حرارة الشمس، وأنه إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه هل يحلل أو لا؟ فذهب المشهور إلى حليته بذلك، وذهب شيخ الشريعة - قدس سره - إلى أن ذهاب الثلثين إنما يحلل المغلي بالنار وأما المغلي بنفسه فلا يحل إلا بالتخليل ونسب هذا القول إلى بعض المتقدمين. ولشيخ الشريعة - قدس سره - في إثبات مذهبه ثلاثة أساليب: الأسلوب الأول: هو التمسك بمجموع روايات الباب، وبيان ذلك: أنها تنقسم إلى طائفتين: الأولى: ما دلت على حرمة العصير المغلي من دون أن تقيد الحرمة فيها بعدم ذهاب الثلثين. والثانية: الروايات التي تقيد الحرمة بما قبل ذهاب الثلثين وهي روايات الطلا والبختج والطائفة الثانية مختصة بالمغلي بالنار لأن الطبخ بالنار هو المفروض في موضوعها والطائفة الأولى مختصة بالمغلي بنفسه وذلك لأنه وإن لم يذكر فيها هذا القيد للغليان ولكن عدم ذكر سبب الغليان يوجب الانصراف إلى الغليان

[ 384 ]

بنفسه، لأنه لو كان الغليان بسبب خارجي لكان ذلك مؤونة زائدة تحتاج إلى القرينة. وعليه يلاحظ أن تمام الروايات التي وردت فيها الحرمة مطلقة جاءت في المغلي بنفسه، وتمام الروايات التي وردت فيها الحرمة مقيدة بعدم ذهاب الثلثين وردت في المغلي بالنار، وليس هذا صدفة وإنما هو للكشف عن مطلب واقعي وهو إطلاق حرمة المغلي بنفسه وتقييد حرمة المغلي بالنار بما قبل ذهاب الثلثين، ولا تعارض بين الطائفتين لاختلاف الموضوع فيهما فنأخذ بكل منهما في موضوعها. وتحقيق الكلام في هاتين الطائفتين: هو أن المحتملات فيهما ستة فنذكر كل واحد منها لنرى أنه هل هو في صاالح القول الذي ذهب إليه شيخ الشريعة، أو في صالح القول المشهور؟، ونرى أن أيا من المحتملات هو الصحيح واحدة. الاحتمال الأول: ما اختاره شيخ الشريعة من أن الطائفة الأولى مختصة بالمغلي بنفسه والثانية مختصة بالمغلي بالنار. والكلام في هذا الاحتمال، تارة يقع في مناقشته، وأخرى في أنه على تقدير تسليمه هل هو في صالح شيخ الشريعة أو لا؟. أما مناقشة هذا الاحتمال، فهذا الاحتمال - كما ترى - يتركب من دعويين إحداهما: دعوى اختصاص الطائفة الأولى بالمغلي بنفسه، لأن فرض السبب الخارجي مؤونة زائدة يصرف عنها الكلام. والأخرى: دعوى اختصاص الطائفة الثانية بالمغلي بالنار. وسوف يأتي الكلام عن الدعوى الثانية في دراسة الاحتمال الثاني من احتمالات الطائفتين. وأما الدعوى الأولى فقد يناقش فيها تارة: بأن الطائفة الأولى - خلافا لما ادعاه شيخ الشريعة - مختصة بالمغلي بالنار، بدعوى إن رواية حماد: " قلت: أي

[ 385 ]

شئ الغليان. قال: القلب " (1) تحكم على سائر روايات الطائفة الأولى وتفسر الغليان فيها بالقلب، ومن الواضح أن انقلاب العالي سافلا وبالعكس لا يكون عادة إلا في موارد الغليان بالنار. وأخرى: بأنه ما معنى دعوى العناية الزائدة في فرض السبب الخارجي للغليان مع أن كل غليان له سبب خارجي لا محالة. وثالثة: بأن النار لما كانت هي الإداة المتعارفة لإغلاء العصير ونحوه وبها تطبخ الأشياء فينصرف الغليان إلى ما كان بسببها. ورابعة: بأن الطائفة الأولى مطلقة شاملة للمغلي بنفسه وبالنار. ودعوى: الانصراف إلى الغليان بنفسه لكون السبب الخارجي مؤنة زائدة، مدفوعة بأن المولى ليس في مقام بيان السبب إذ لا دخل للسبب في غرض المولى فلا معنى لهذا الانصراف. أما الاعتراض الأول، فيندفع بأن القلب ولو ببعض مراتبه محفوظ في موارد الغليان بنفسه أيضا وإن كان في موارد الغليان بالنار أشد. وأما الثاني، ففيه أن المقصود ليس كون غليان العصير بدون نار غليانا بدون سبب خارجي حقيقة بل كونه كذلك عرفا. وأما الثالث، ففيه أن غليان العصير ليس كغليان المرق، فإن تم ما ذكر من الانصراف في غليان المرق لا يتم في غليان العصير، لأن غليانه بنفسه أمر ملحوظ شائع أيضا باعتبار ما يترتب عليه من الفوائد الشيطانية وظهور الإسكار. وأما الرابع، فتحقيق الحال فيه بنحو يظهر حال أصل الاحتمال أيضا: أنا تارة: نقول بأن الغليان بنفسه لا يساوق الخمرية والإسكار، وأخرى: نقول بأن غليان العصير بنفسه يساوق خمريته وإسكاره كما هو الصحيح وفاقا لشيخ الشريعة قدس سره. فعلى الأول يتعين الإطلاق في روايات الطائفة الأولى وشمولها للمغلي بنفسه والمغلي بالنار معا، لعدم الموجب للانصراف كما أشرنا في


(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 386 ]

الاعتراض الرابع. وأما على الثاني فقد يقال: إن ظاهر الدليل كون المغلي بهذا العنوان موضوعا للحرمة لا بما هو طريق للإسكار والخمرية، لأن حمل العنوان المأخوذ في موضوع الحرمة على المعرفية والطريقية خلاف الظاهر ومعه يتعين حمل روايات الطائفة الأولى على المغلي بالنار خاصة لأنه هو القابل لجعل الحرمة عليه بهذا العنوان دون المغلي بنفسه، لأن فرض ثبوت حرمة عليه بهذا العنوان يلزمه الالتزام بحرمتين عليه إحداهما بعنوان المغلي والأخرى بعنوان الخمر، وهو غير محتمل فقهيا، فإذا أريد الحفاظ على دخل الغليان بعنوانه في موضوع الحرمة المنشأة في روايات الطائفة الأولى فلا بد من تجاوز احتمال اختصاصها بالمغلي بنفسه، بل واحتمال شمولها له بالإطلاق أيصا. وأما أن هذا الاحتمال هل هو في صالح مدعى شيخ الشريعة فتحقيقه: أنا إذا قلنا بأن الغليان بنفسه لا يساوق الإسكار فلا شك في أن هذا الاحتمال في صالحه، وأما إذا قلنا بأن العصير المغلي بنفسه هو المسكر والخمر بعينه كما تقدم فلا يتم ما رامه شيخ الشريعة من التمسك بإطلاق الطائفة الأولى لإثبات حرمة المغلي بنفسه حتى بعد ذهاب الثلثين، إذ لا يمكن المصير على هذا التقدير إلى تكفل هذه الطائفة لإنشاء حرمة على عنوان المغلي بما هو لكي يتمسك بإطلاقها لما بعد ذهاب الثلثين، لاستلزامه كونه محرما بحرمتين بما هو مغلي وبما هو مسكر، وهو غير محتمل فقهيا. فلا بد من الالتزام إما بأن هذه الروايات ليست في مقام بيان حرمة المغي بل في مقام تحديد الميزان في اتصاف العصير بالحرمة الثابتة لعنوان المسكر، وإما بأن هذه الروايات وإن كانت في مقام بيان الحرمة إلا أن الغليان لم يؤخذ - بما هو - موضوعا لهذه الحرمة بل أخذ بنحو يناسب مع المعرفية، لكي تكون الحرمة في فرض الإسكار عين الحرمة المجعولة على المسكر لا حرمة أخرى، فعلى الأول لا يكون للروايات إطلاق يقتضي حرمة العصير المغلي مطلقا حتى بعد

[ 387 ]

ذهاب الثلثين، لأن مرجعها حينئذ إلى حرمة المسكر، ومن الواضح أننا نتكلم في ذهاب الثلثين المساوق لعدم الإسكار. وعلى الثاني يمكن تصوير الإطلاق في الحرمة المستفادة من تلك الروايات لفرض ذهاب الثلثين، غاية الأمر أن الحرمة في حالات الإسكار يكون الغليان معرفا لموضوعها وهو الإسكار وفي الحالات الأخرى يكون الغليان بعنوانه موضوعا لها، غير أن هذا الإطلاق يقع طرفا للمعارضة مع إطلاق دليل حلية الطيبات بنحو العموم من وجه، لأن العصير المغلي بعد ذهاب الثلثين وارتفاع سكره يشمله عنوان الطيبات في دليل الحلية، ولا يمكن تقديم إطلاق الحرمة بدعوى: أن العكس يوجب إلغاء عنوان الغليان وعدم دخله بنحو الموضوعية لاندفاعها: بأن رفع اليد عن ظهور العنوان المذكور في الموضوعية مفروض في المقام فلا يكون محذورا جديدا، وعليه فقد يقدم دليل الحلية في مادة الاجتماع باعتباره كتابيا، ولا يتم حينئذ ما اختاره شيخ الشريعة قدس سره. الاحتمال الثاني: أن تكون الطائفة الأولى مطلقة تشمل المغلي بالنار والمغلي بنفسه، والطائفة الثانية المغياة بذهاب الثلثين مختصة بالمغلي بالنار والكلام يقع تارة: في تقييم الاحتمال، وأخرى: في كونه لصالح مختار شيخ الشريعة. أما تقييم الاحتمال، فالجزء الأول منه وهو دعوى الإطلاق في الطائفة الأولى تقدم حاله، واتضح أنه يتم بناء على عدم كون الغليان بنفسه مساوقا للإسكار ويشكل بناء على المساوقة. وأما الجزء الثاني منه وهو دعوى اختصاص الطائفة الثانية بالمغلي بالنار فقد يناقش فيه بلحاظ روايتين: الأولى: رواية محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته أيشربه صاحبه؟.

[ 388 ]

قال: إذا تغير عن حاله وغلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (1). وهذه الرواية قد يقال - في البداية -: أن موضوعها هو المطبوخ بالنار لأن السؤال عنه. ويمكن أن يقال في مقابل ذلك: أن الرواية مطلقة، لأن السؤال إذا كان عن خصوص المطبوخ بالنار فالجواب يبين قاعدة عامة والمورد لا يخصص الوارد، والقرينة على عمومية الجواب قوله " ذا تغير عن حاله وغلا "، إذ يعرف بذلك أن مرجع الضمير ليس الواقعة المسؤول عنها بالخصوص وإلا فالمفروض فيها الغليان، فلم يكن من المناسب تكرار قيد الغليان لو لم يكن الجواب قاعدة عامة. ويمكن أن يقال إن هذه الرواية مختصة بالمغلي بنفسه، وتوضيح ذلك: أن كلمة (حتى) في الحديث يحتمل فيها أنها للغاية أي إلى أن يغلي، ويحتمل أن تكون بمعنى التعليل أي لكي يغلي من ساعته، فإن الخمارين كان من شأنهم أن يطبخوا العصير لكي يتهيأ للتخمر بصورة أسرع، ويكون مفاد الرواية على هذا الاحتمال: أن العصير طبخ حتى يغلي بعد ذلك من نفسه في وقت قريب. وبناء عليه يكون مورد السؤال هو المغلي بنفسه ويكون الجواب نصا فيه. وهذا الاحتمال هو الظاهر في مقابل احتمال كون حتى للغاية وذلك لعدة قرائن: منها: قوله " من ساعته "، فإنه لو كانت حتى للغاية لم يتضح وجه لهذه الكلمة لأن الغاية مفادة بقوله: " حتى يغلي "، وأما إذا كانت للتعليل فقد تكون للكلمة دخل في الغرض بأن يكون الغرض هو جعله بنحو يسرع إليه الغليان من نفسه بسبب الطبخ. ومنها: قوله: " يطبخ بالنار حتى يغلي " فإن الطبخ لا يصدق إلا حين الغليان فلا معنى لفرض الغليان غاية له وحمل الطبخ على مجرد


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 389 ]

الوضع على النار خلاف الظاهر. ومنها قوله (إذا تغير عن حاله وغلا) فإن تغير الحال بمعنى تغير الطعم وميله إلى الاشتداد في الغليان بالنار يكون بعد الغليان ونزول درجة الحرارة وفي الغليان من نفسه يكون قبل الغليان فلو قصد بالغليان الغليان بالنار لكان التعبير المذكور المشعر بأن التغير يكون قبل الغليان أو معه في غير محله. والإنصاف أن الرواية ظاهرة ولو لبعض هذه القرائن في مدعى المشهور من أن المغلي بنفسه يحل بذهاب ثلثيه إلا أنها ضعيفة سندا. الثانية رواية عبد الله بن سنان التي تمسك بها السيد الأستاذ دام ظله في مقابل شيخ الشريعة قدس سره قال ذكر أبو عبد الله أن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال (1) وهذه الرواية على ما ذكر دام ظله موضوعها مطلق العصير فيشمل المغلي بنفسه ويدل على حليته إذا ذهب ثلثاه بالطبخ. والتحقيق أن قوله (إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه) لو تصورناه بنحو مفاد كان التامة فكأنه قال: العصير إذا وجد فيه طبخ مستمر إلى ذهاب الثلثين فهو حلال كان لما ذكره دام ظله مجال ولكن الظاهر من الحديث أنه أريد ذلك بنحو مفاد كان الناقصة فكأنه قال: العصير إذا كان طبخه بنحو يذهب الثلثين فهو حلال فالطبخ داخل في موضوع القضية ويكون مفروض الوجود والشرط هو الخصوصية القائمة بالطبخ وهي ذهاب الثلثين ومن المعلوم أنه بناء على هذا الاحتمال لا يمكن التمسك بإطلاق الرواية لأن موضوع القضية ليس هو ذات العصير بل العصير المطبوخ وإطلاقها لما غلى بنفسه ثم طبخ يشبه إطلاقها لما غصب ثم طبخ فإنها بصدد علاج الحرمة الناشئة من الطبخ لا بصدد علاج كل حرمة.


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 390 ]

والنكتة في استظهار مفاد كان الناقصة من الجملة المذكورة أنه لو جعل الطبخ داخلا في الشرط لا في الموضوع كان المستفاد منه أن الطبخ شروع في سبب الحلية بينما الأمر ليس كذلك فإن العصير بالطبخ يحرم ثم استمراره في الطبخ يحلله وهذا يناسب كون الطبخ مأخوذا في طرف الموضوع وكون الشرط في الحلية استمرار الطبخ المفروغ ولا يصح جعل الطبخ بنفسه دخيلا في الشرط إلا مع افتراض غليان سابق في العصير وهو عناية زائدة وقد يقال: إن هذه العناية الزائدة يوجد ما يصلح للدلالة عليها وهو كون الرواية ناظرة إلى دليل حرمة العصير ودليل الحرمة موضوعه العصير المغلي لا مطلق العصير. إلا أن ظاهر الرواية بناءا على كونها ناظرة إلى دليل حرمة العصير أنها ناظرة إلى الحرمة الثابتة في لسان دليلها للعصير بما هو عصير وهي ليست إلا حرمة العصير المغلي بالنار بناءا على ما تقدم في تحقيق حال الطائفة الأولى وأما العصير المغلي بنفسه فهو حرام بما هو مسكر لا بما هو عصير. هذا حال تقييم الاحتمال الثاني وأما أن هذا الاحتمال هل يثبت قول شيخ الشريعة أو لا؟ فالذي يبدو في أول النظر أنه يكفي لإثباته إذ قد افترض فيه أن روايات الحرمة التي لم تقيد بعدم ذهاب الثلثين مطلقة تشمل المغلي بنفسه وروايات التقييد بما قبل ذهاب الثلثين تختص بالمغلي بالنار فتقيد الطائفة الأولى بالطائفة الثانية في خصوص المغلي بالنار وتبقى على إطلاقها بالنسبة للمغلي بنفسه. ومن الغريب ما ذكره بعض من أن روايات الطائفة الأولى المطلقة موضوعها طبيعي المغلي ومحمولها الحرمة والروايات المقيدة بعدم ذهاب الثلثين إما أن تقيد موضوع الطائفة الأولى بالمغلي بنفسه أو تقيد محمولها بعدم ذهاب الثلثين فإن فرض الأول صح كلام شيخ الشريعة إذ لا يبقى دليل على

[ 391 ]

ارتفاع حرمة المغلي بنفسه إذا ذهب ثلثاه وإن فرض الثاني كان الحق مع المشهور لإن مطلق العصير المغلي تصبح حرمته مقيدة بما قبل ذهاب الثلثين وليس تقييد الموضوع مقدما على تقييد المحمول ووجه الغرابة أنه لا وجه لتقييد الموضوع ولا وجه أيضا لتقييد المحمول إلا بلحاظ بعض حصص الموضوع وهو خصوص المغلي بالنار لأن التقييد ضرورة تقدر بقدرها. والتحقيق أن هذا الاحتمال وإن كان في صالح شيخ الشريعة بلحاظ روايات الباب ولكن قد توقع المعارضة بالعموم من وجه بين إطلاق الطائفة الأولى لفرض ذهاب الثلثين في المغلي بنفسه المساوق لارتفاع الإسكار وإطلاق دليل حلية الطيبات الشامل لغير المسكر من الأشربة. الاحتمال الثالث أن يكون موضوع الطائفة الأولى مطلق المغلي وموضوع الطائفة الثانية ولو بلحاظ بعض رواياتها ذلك أيضا وهذا الاحتمال في صالح المشهور كما هو واضح وقد تقدم ما يعرف به حال هذا الاحتمال. الاحتمال الرابع أن تكون الطائفة الأولى مختصة بالغليان بنفسه على النحو الذي ادعاه شيخ الشريعة والطائفة الثانية مطلقة ولو بلحاظ بعض رواياتها وقد عرفت حال كل من هاتين الدعويين وهذا الاحتمال قد يقال بأنه يقتضي على فرض ثبوته إيقاع المعارضة بالعموم من وجه بين الطائفتين لأن الطائفة الأولى موضوعها خصوص المغلي بنفسه سواء ذهب ثلثاه أو لا والطائفة الثانية موضوعها مطلق المغلي الذاهب ثلثاه ومادة الاجتماع هي المغلي بنفسه إذا ذهب ثلثاه وقد يقال إن الطائفة الثانية حاكمة على الأولى بملاك النظر لأنها تنظر إلى حرمة العصير وتفترضها ثم تحكم بارتفاعها بذهاب الثلثين وهذا يتوقف أولا على أن تكون الروايات المدعى حكومتها في مقام بيان المحلل فقط لا في مقام بيان الحرمة وتقييدها وإلا لم يكن هناك موجب لافتراض نظرها إلى دليل للحرمة وراءها حتى تكون حاكمة عليه

[ 392 ]

وثانيا على عدم اختصاص نظرها - لقرينة - بخصوص الحرمة الثابتة للعصير المغلي بالنار كما مرت الإشارة إلى ذلك سابقا. الاحتمال الخامس أن يبنى على ورود كلتا الطائفتين في خصوص المغلي بالنار وقد ظهر حال هذا الاحتمال مما تقدم وقد يقال بناءا عليه أنه يتم ما ذكره شيخ الشريعة لأن ورود الطائفتين معا في المغلي بالنار لا يعني حلية المغلي بنفسه بل هو حرام على أي حال ولو لم نقل بأن الغليان بنفسه يساوق الإسكار بلحاظ الإجماع ومعه فيجري استصحاب بقاء الحرمة بعد ذهاب الثلثين ولكن قد يتمسك حينئذ بعموم حلية الطيبات الحاكم على الاستصحاب المذكور. الاحتمال السادس أن يفترض عكس الاحتمال الأول وهو في صالح المشهور وقد عرفت حاله مما تقدم. هذا كله في الأسلوب الأول لشيخ الشريعة في إثبات مدعاه. أما الأسلوب الثاني فهو التمسك ببعض الروايات الخاصة وهو روايتان. الأولى رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (1) وتقريب الاستدلال بها أن هذه الرواية تشتمل على شرط وهو إصابة النار للعصير وجزاء وهو الحرمة المقيدة بعدم ذهاب الثلثين ومقتضى قانون الشرطية انتفاء الجزاء وهو هنا الحرمة المقيدة بانتفاء الشرط ويكون انتفاء الشرط في المقام تارة بعدم الغليان رأسا وحينئذ لا إشكال في عدم الحرمة فالجزاء منتف وأخرى بالغليان بنفسه من دون إصابة النار وحينئذ لا إشكال في ثبوت أصل الحرمة فيجب أن يكون انتفاء الجزاء وهو الحرمة المقيدة بانتفاء قيدها ومعنى ذلك ثبوت الحرمة المطلقة للمغلي بنفسه على نحو لا ترتفع إلا بالتخليل.


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 393 ]

وتحقيق الكلام في ذلك يقع في ثلاث نقاط: إحداها في أن هذه الجملة هل لها مفهوم أو لا؟ والثانية في أنه على فرض المفهوم هل يدل المفهوم على انتفاء الحرمة المقيدة؟ والثالثة أنه لو فرض وجود مفهوم يدل على انتفاء الحرمة المقيدة فهل يثبت بذلك حرمة العصير العنبي المغلي بنفسه وإن ذهب ثلثاه ما لم يخلل؟ أما النقطة الأولى فمن الواضح أنه لم تستعمل في هذه الجملة أداة شرط فدعوى المفهوم قد تكون على أساس الالتزام بالمفهوم في الوصف واللقب وهذا غير تام كبرى إذ لا نقول بالمفهوم لهما نعم لا بد من تصور فائدة في القيد حتى لا يكون لغوا ويكفي فائدة لذكر إصابة النار أنه لو لم يذكرها لكان الموضوع أوسع من الحرام إذ ليس كل عصير حراما قبل ذهاب الثلثين فالقيد احترازي في الجملة وقد تكون دعوى المفهوم على أساس مفهوم الشرط الثابت في الجملة وإن لم يوجد فيها أداة الشرط صريحا وذلك بقرينة الفاء فإنه قرينة على ملاحظة نحو من الشرطية والترتب وهذا يمكن الإيراد عليه بأمرين أحدهما مبني على أن ملاك مفهوم الشرط استفادة التعليق والفاء لا يفيده وإن أفاد نحوا من الترتب اللزومي والآخر أن الفاء ليست أحسن حالا من أدوات الشرط وقد بينا في علم الأصول أن القضية الشرطية إنما تدل على المفهوم إذا لم يكن الشرط فيه محصصا لموضوع القضية والمرجع الضمير في الجزاء وإلا سقطت دلالته على المفهوم نظير قولنا من يجيئك فأكرمه والرواية من هذا القبيل. وأما النقطة الثانية فإن قيل فيها بأن المفهوم هو انتفاء مطلق الحرمة فالرواية لا تدل على مقصود شيخ الشريعة وحينئذ يخصص المفهوم بإخراج المغلي بنفسه عنه لثبوت حرمته قطعا وإن قيل إن المفهوم هو انتفاء الحرمة المقيدة كان ذلك في صالحه وتحقيق الكلام في المقام أن كلمة حتى في

[ 394 ]

الروية فيها احتمالان: الأول: أن يقصد بها نسبة تامة وتجعل غاية لمفاد الجزاء فكأنه قال كل عصير غلا بالنار فهو حرام وهذه الحرمة مستمرة إلى أن يذهب الثلثان وهذا يعني أنه قد طرأ على الحرمة أمران نسبة التعليق ونسبة الغاية في عرض واحد فمفاد المفهوم ارتفاع ذات الحرمة وبعد حصول الغاية ترتفع الحرمة بمفهوم الغاية. الثاني: أن يقصد بها الغاية بنحو مفاد النسبة الناقصة فكأنه قال كل عصير غلا بالنار فهو حرام مستمرا إلى أن يذهب الثلثان فالاستمرار لوحظ بنحو الوصفية والموصوف به إما أن يكون مادة الجزاء وهي الحرمة فكأنه قال فهو حرام بحرمة مستمرة وإما أن يكون هيئة (فهو حرام) فعلى الأول يكون المفهوم انتفاء الحرمة المقيدة وذلك لأن المعلق في القضية الشرطية هو هيئة الجزاء والغاية صارت قيدا في مادة الجزاء أي في موضوع الهيئة فالتعليق تعليق لما قد قيد بالغاية في المرتبة السابقة وعلى الثاني هيئة الجزاء طرفا لنسبتين إحداهما تامة وهي التعليق المفترض استفادته من القضية الشرطية والأخرى ناقصة وهي النسبة الغائية وحينئذ يمكن أن يفرض تقدم أي واحد من النسبتين في مقام اللحاظ على الأخرى وذلك بأن يفترض تارة أن المقصود جعل المعلق مغيا بذهاب الثلثين ويمكن أن يفترض أن المقصود جعل المغي بذهاب الثلثين معلقا وهذا الأخير هو الذي يثبت اقتضاء المفهوم انتفاء الحرمة المقيدة دون سابقه. والرواية على هذا الأساس إما مجملة وإما ظاهرة في غير ما يكون المفهوم معه مقتضيا لانتفاء الحرمة المقيدة بنحو يلائم مع ثبوت الحرمة المطلقة باعتبار أن المتفاهم عرفا من الرواية أن المفهوم لا يجعل الحرمة أشد مما هو مجعول في المنطوق.

[ 395 ]

وأما النقطة الثالثة فلو سلم أن المفهوم يقتضي انتفاء الحرمة المقيدة فهل يثبت بذلك أن المغلي بنفسه يحرم بنحو لا يحل إلا يالتخليل؟ التحقيق أنه لا يثبت هذا المعنى وذلك أما أولا فلأن موضوع القضية هو العصير وهذا منصرف عن العصير المغلي بنفسه المساوق للخمر لأن العصير في الارتكاز العرفي عنوان مقابل للخمر نعم لو قيل بأن الغليان بنفسه لا يساوق الخمرية لما كان هناك موجب للانصراف المذكور. وثانيا أن انتفاء الحرمة المقيدة كما يكون بثبوت حرمة مطلقة لا ترتفع إلا بالتخليل كذلك يكون بثبوت حرمة مطلقة من ناحية ذهاب الثلثين ومغياة بزوال صفة الإسكار سواء حصل ذلك قبل ذهاب الثلثين أو بعده قبل التخليل أو بعده. وثالثا لو سلم اقتضاء المفهوم بإطلاقه ثبوت الحرمة في العصير المغلي بنفسه بعد ذهاب الثلثين ولو زالت عنه صفة الإسكار فهذا الإطلاق في المفهوم معارض مع إطلاق آية حلية الطيبات التي تشمل كل عصير غير مسكر والمعارضة بالعموم من وجه نعم لو ادعى شخص أن المعلق في الرواية ليس هو الحرمة المقيدة بل نفس التقييد وكون الحرمة منوطة بعدم ذهاب الثلثين كان المفهوم عنده أخص لأنه يختص مورده حينئذ بالعصير المغلي بنفسه لأن غير المغلي لا حرمة فيه أصلا. ثم إنه لو تم في المفهوم إطلاق يقتضي بقاء الحرمة في المغلي بنفسه بعد ذهاب الثلثين فإن قيل بأن روايات محللية ذهاب الثلثين مختصة بالمغلي بالنار فهو وإن قيل بالإطلاق في بعضها للمغلي بنفسه وقع التعارض بالعموم من وجه وتعين على شيخ الشريعة حينئذ أن يتمسك بمطلقات حرمة العصير إذا غلا. الرواية الثانية لعمار الساباطي قال وصف لي أبو عبد الله (ع) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا فقال لي تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه

[ 396 ]

بأن تصب عليه اثني عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كانت أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور سخن قليلا حتى لا ينش... الحديث (1). وهذه الرواية تارة يستدل بها على حرمة العصير الزبيبي بالغليان حتى يذهب ثلثاه وهذا بحث يأتي إن شاء الله تعالى، وأخرى يستدل بها على المدعى في المقام كما صنعه شيخ الشريعة قدس سره ومورد استدلاله قوله (فإذا كان أيام السيف وخيشت أ ن ينش) وتقريبه أنه لو كان ذهاب الثلثين محللا لما نش بنفسه فلا معنى للخشية من النشيش إذ المفروض أنه سوف يطبخه إلى ذهاب الثلثين. ويرد عليه أنه لم يذكر وجه الخشية وإنما بين علاجها بعد الفراغ عن افتراضها في ذهن عمار ولا ينحصر هذا الوجه المفترض في ثبوت حرمة مطلقة للمغلي بنفسه لا ترفع بالتخليل وتوضيح ذلك أنه إذا بني على نجاسة كل مسكر كما هو المشهور ومختار شيخ الشريعة فمن الواضح بعد البناء على أن المغلي بنفسه مسكر كما هو مختاره أيضا أن العصير ينجس عندئذ بالنشيش الحاصل بنفيه ويكون الطابخ معرضا للنجاسة خلال عملية الطبخ بسبب ترشح شئ من العصير ويكفي ذلك تفيرا للخشية وأما إذا بنينا على عدم نجاسة غير الخمر من المسكرات فيمكن أن نفسر الخشية بأن الحرمة التي تحصل بالنشيش في نفسه المساوق للإسكار لا ترتفع إلا يزوال الإسكار وهو أمر لا بد من إحرازه وقد لا يتأتى إحرازه إلا بعد ذهاب الثلثين مع أن الإمام (ع) يريد أن يصف له المطبوخ بنحو يحل بمجرد ذهاب الثلثين وهذا شئ غير دعوى الحرمة التي لا ترتفع إلا بالتخليل. الأسلوب الثالث الاستدلال بروايات التخليل وتوضيح ذلك أن


(1) وسائل الشيعة - الباب - 5 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 397 ]

العصير العنبي إذا غلا بنفسه أصبح مسكرا والمسكر محكوم عليه بالحرمة إلى أن يتخلل بمقتضى روايات التخليل وهذا الأسلوب لا مجال له عند من ينكر مساوقة الغليان بنفسه للإسكار وأما بناءا على صحة ذلك كما هو المختار كان مقتضى روايات التخليل المدعى دلالتها على انصار المحلل بالتخليل أن الحرمة في المغلي بنفسه تبقى بعد ذهاب الثلثين أيضا فإن لم يوجد في روايات محللية ذهاب الثلثين ما يشمل بالإطلاق العصير العنبي بنفسه فهو وإلا وقع التعارض بالعموم من وجه وتعين الرجوع إلى مطلقات حرمة العصير العنبي بالغليان على فرض وجودها ولكن التحقيق أن روايات التخليل لا تدل على حصر المحلل بالتخليل بل على إناطته بزوال الإسكار ولو لم يصبح العصير خلا فإن رويات التخليل بعضها من قبيل رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلا قال لا بأس (1). وهذا المضمون لا يستفاد منه حصر المحلل بالتخليل كما هو واضح وبعضها يستفاد منه كون المناط زوال الخمرية والإسكار لا حصول صفة الخلية وهو رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) أنه قال في الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا فقال إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس (2) وبعضها قد ينمسك به لإثبات حصر المحلل بالتخليل وهو ما رواه محمد بن أبي عمير وعلي بن حديد جميعا عن جميل قال قلت لأبي عبد الله (ع) يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمرا فقال خذها ثم أفسدها قال علي وأجعلها خلا (3) فإن قوله (ثم أفسدها) وإن كان لا يدل على أكثر من تحويلها عن الخمر والإسكار لأن إفساد


(1) وسائل الشيعة باب 31 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 31 من أبواب الأشربة المحرمة. (3) وسائل الشيعة باب 31 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 398 ]

كل شئ بحسبه إلا أن قوله (وأجعلها خلا) قد يقال إنه يدل على الحصر المدعى لأنه إرشاد إلى المحلل وقد أرشده إلى التخليل ولكن يرد على ذلك أن هذه الجملة اختص علي بن حديد بنقلها دون محمد بن أبي عمير فلا يتم سندها بناءا على عدم ثبوت توثيقه على أن من المحتمل أن تكون من كلام علي بن حديد هذا مضافا إلى أن الإمام (ع) لعله كان في مقام بيان محلل يتحفظ فيه على المائع المذكور وذهاب الثلثين يذهب فيه ثلثا المائع وعلى ضوء مجموع ما ذكرناه اتضح أن الصحيح في العصير العنبي المغلي بنفسه أنه يحل بزوال اسم الخمرية وصفة الإسكار عنه لا بذهاب الثلثين كما يقول المشهور ولا بخصوص التخليل كما يقول شيخ الشريعة قدس سره. المسألة الثانية في أنه هل يكفي ذهاب الثلثين بغير النار أو لا؟ والمشهور هو الكفاية تمسكا بإطلاق دليل محلليته وذهب السيد الأستاذ دام ظله إلى اختصاص المحلل بالغليان بالنار واعترض على الاستدلال بالإطلاق بأمرين الأول: عدم وجود رواية من روايات التحليل بذهاب الثلثين ذات إطلاق من هذه الناحية بل هي جميعا مختصة بالغليان بالنار. الثاني: أنه لو وجد الإطلاق ففي مقابله ما يدل بمفهومه على عدم كفاية ذهاب الثلثين بغير النار. أما الأمر الأول فمقصوده بذلك أنه بعد فرض وجود دليل يدل على حرمة العصير العنبي المغلي يكون مقتضى إطلاقه أنه يحرم سواء ذهب ثلثاه بالنار أو بغيرها أو لم يذهب والمقيد ورد في الطلا والبختج ونحوهما من العناوين المختصة بالذهاب بالنار فيبقى غيره تحت إطلاق الحرمة. ولكن توجد روايتان يستفاد الإطلاق منهما. الأولى: رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) كل عصير

[ 399 ]

أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (1). والمظنون أن نظر المشهور في دعواهم للإطلاق إلى مثل هذه الرواية فإن قوله (حتى يذهب ثلثاه) ظاهر عرفا في كونه غاية للحرمة فيكون مفاد الرواية أن كل عصير أصابته النار فهو حرام والحرمة تستمر إلى ذهاب الثلثين وهذا مطلق يشمل فرض كون ذهاب الثلثين بسبب تلك الإصابة للنار أو إصابة أخرى لها أو بغير النار وقد تحمل الغاية في المقام على كونها غاية للإصابة فيكون مفاد الرواية أن كل عصير أصابته النار فهو حرام وإذا استمرت الإصابة إلى أن يذهب ثلثاه فهو حلال وعليه لا إطلاق في الرواية غير أن هذا الحمل خلاف الظاهر فإنه مهما كان عندنا شرط وجزاء أو ما يشبههما وذكر في الجزاء غاية فالمستفاد عرفا أنه غاية للجزاء لا للشرط. والرواية الثانية رواية محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته أيشربه صاحبه؟ فقال إذا تغير عن حاله وغلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (2) وهذه الرواية مطلقة إلا أنها ضعيفة سندا فيكتفى بإطلاق الرواية الأولى. نعم هنا كلام آخر وهو أنه يبقى للسيد الأستاذ دام ظله أن يقول إن المغلي بغير النار لم تثبت حليته إذا ذهب ثلثاه بغير النار فإن موضوع الروايتين إنما هو المغلي بالنار وأما المغلي بنفسه فدليل السيد الأستاذ على حليته بذهاب الثلثين إنما هو رواية عبد الله بن سنان قال ذكر أبو عبد الله أن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال (3) وهذه


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة. (3) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 400 ]

الرواية تختص بذهاب الثلثين بالنار فبناءا على تصوراته دام ظله من حقه التفصيل بين المغلي بالنار والمغلي بنفسه لانحصار دليل حلية المغلي بنفسه بذهاب الثلثين عنده في تلك الرواية ولكننا في فسحة من الالتزام بهذه التفصيل الذي لم يلتزم به المشهور لما قلنا من أن الميزان في الحلية هو زوال الإسكار وذلك يوجب الحلية على القاعدة سواء كان بالنار أو بغيرها بلا حاجة إلس التمسك بإطلاق الروايات. وأما الأمر الثاني وهو وجود الدليل على عدم الكفاية فيدعى أنه رواية أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله (ع) وسئل عن الطلا فقال إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال وما كان دون ذلك فليس فيه خير (1) واستشهاد السيد الأستاذ بصدر الرواية بلحاظ المفهوم بتقريب أن مقتصى مفهوم الصدر أنه إن لم يطبخ إلى ذهاب الثلثين فليس بحلال وهو مطلق يشمل فرض ذهاب الثلثين بغير النار وعدمه. وتحقيق الكلام حول ذلك يتلخص في عدة كلمات. الأولى: أنه بعد افتراض وجود الإطلاق الموافق لمذهب المشهور لا ينبغي أن يدعى أن المفهوم المذكور مقيد له بل ينبغي أن يقال إنه معارض له بنحو العموم من وجه وبعد التساقط يرجع إلى إطلاق (إذا غلا حرم) الثانية، أنه دام ظله تمسك بمفهوم صدر الحديث ولم يتمسك بمنطوق ذيله وهو قوله (وما كان دون ذلك فليس فيه خير) فإن كانت هذه الجملة الثانية تشمل تمام ما يدعى من مفهوم للجملة الأولى فلما ذا عدل عن التمسك بالمنطوق إلى المفهوم وإلا بطلت سعة المفهوم إذ الظاهر عرفا أن الجملة الثانية في مقام توضيح مفهوم الجملة الأولى فتوجب ضيق دائرة المفهوم ولا أقل من صلاحيتها لذلك بنحو توجب الإجمال.


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 401 ]

الثالثة: كما يمكن أن يستدل برواية أبي بصير كذلك يمكن أن يستدل بالمفهوم في رواية عبد الله بن سنان فإن كان مقصود السيد الأستاذ دام ظله ذكر رواية أبي بصير من باب المثال فلا كلام وإن كان مقصوده حصر الاستدلال بها فلا بد من إبراز مميز لها عن رواية عبد الله بن سنان ومجرد أن الموضوع في رواية أبي بصير الطلا وفي رواية عبد الله بن سنان العصير لا يوجب فارقا بعد وضوح كون العصير إشارة إلى العصير المعهود حرمته وهو المغلي. الرابعة: إن انتزاع المفهوم المذكور من رواية أبي بصير فرع أن يكون الموضوع هو الطلا ويكون الطبخ إلى أن يذهب الثلثان شرطا للحلية غير أن لازم ذلك اشتراط ذهاب ثلثي الطلا في حليته مع أنه يكفي ذهاب ثلثي العصير كما هو واضح وهذا يصلح قرينة على أن الموضوع ليس هو الطلا بل طبخ الطلا أي الطبخ الذي يصير به العصير طلا فكأنه قال: طبخ العصير طلا إذا استمر إلى ذهاب الثلثين كان حلالا ومفهومه على هذا عدم الحلية بالطبخ غير المذهب للثلثين لا عدم الحية بغير الطبخ مما يذهب الثلثين ومما يعزز فهم ذلك من الرواية الجملة الثانية وهو قوله (وما كان دون ذلك فليس فيه خير) فإن هذا تصريح بالمفهوم ونلاحظ أنه قد فرض فيه الطبخ محفوظا لكنه دون ذهاب الثلثين وهذا يعني أن الطبخ مفروغ عنه في موضوع القضية منطوقا ومفهوما. وبما ذكرناه ظهر حال التمسك برواية عبد الله ابن سنان بعد الالتفات إلى أن موضوعها الطبخ وأن الشرط فيها أخذ بنحو مفاد كان الناقصة كما تقدم. المسألة الثالثة - إن الحرمة في العصير المغلي هل تبدئ عند الغليان كما كنا نعبر حتى الآن أو قبله حين حصول النشيش وهو الصوت الذي يسبق هيجان الأجزاء وغليانها وقد اختار الماتن قدس سره في المتن كفاية النشيش

[ 402 ]

في الحرمة ولعله نظر في ذلك إلى رواية ذريح قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول إذا نش العصير أو غلا حرم " (1) لظهورها في كفاية النشيش في حصول الحرمة وقد اعترض على الاستدلال بها بأمور: الأول: ما ذكره السيد الأستاذ دام ظله وغيره من أنه لا بد من الالتزام بأن الحرمة لا تحصل إلا بالغليان لأن هذه الرواية معارضة بروايات تدل على أنه لا حرمة قبل الغليان من قبيل رواية حماد بن عثمان " لا يحرم العصير حتى يغلي " (2) وروايته الأخرى " تشرب ما لم يغل فإذا غلا فلا تشربه قلت: أي شئ الغليان قال: القلب " (3) ولا يمكن تقييد هذه الروايات برواية النشيش إذ يلزم من ذلك إلغاء مبدئية الغليان للحرمة وكونها حاصلة بسبب سابق وهو غير تقييد هذه المبدئية بحال دون حال. أقول: لم ينقح في هذا الوجه المرجع بعد التعارض والتساقط فكأنه بنى على أن رواية النشيش تعارضت مع كل روايات الباب وتعين الرجوع بعد التساقط إلى الأصول المرخصة أو عمومات الحل في حين أنه يوجد عندنا مرجع فوقاني من نفس روايات الباب وهو ما علق فيه الحرمة على إصابة النار كرواية عبد الله بن سنان (كل عصير أصابته النار فهو حرام) ولو خلينا وهذا اللسان لقلنا بكفاية الإصابة وهي مجرد وصول حرارة النار إلى الماء وتأثيرها فيه وهذا أعم من النشيش والغليان معا ومثلها رواية أخرى ورد فيها (وقد روي عنهم (ع) في العصير أنه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه) (4) وهكذا نحصل على عام فوقي يدل


(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأشربة المحرمة. (3) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأشربة المحرمة. (4) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 403 ]

على كفاية مطلق إصابة النار في حصول الحرمة وقد ورد عليه مخصص وهو ما دل على عدم الحرمة قبل الغليان وهذا المخصص ابتلي بالمعارض في النشيش فبعد التساقط يتعين الرجوع إلى ذلك لعام الفوقي التام سندا ودلالة فتثبت الحرمة. الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ دام ظله أيضا من أنه لم يثبت كون الغليان معطوفا على النشيش في الرواية ب‍ (أو) بل ثبت أن العطف بالواو وذلك لأن شيخ الشريعة قدس سره ينقل أن في بعض نسخ الكافي الصحيحة وقع العطف بالواو وهو ثقة أمين يشمل دليل الحجية خبره وقد أخبرنا بصحة النسخة المشتملة على الواو وعليه لا تدل الرواية على كون النشيش موضوعا للحرمة. ولنا ثلاث كلمات بصدد التعليق على هذا الكلام: الكلمة الأولى - إننا لا نحتمل عقلائيا أن شيخ الشريعة يقصد بشهادته بصحة نسخة الواو وجود سند متصل له إلى الكليني ينقل الرواية بالواو إذ نقطع عادة بأنه لا طريق له إلى الكتب إلا نفس طرقنا وإنما حكم بصحة نسخة الواو على أساس النظر والتخمين ولذا يقول: إنا لو حملنا الرواية على (أو) فلا بد من إرجاع ذلك في المعنى إلى الواو فالأولى الالتزام بنسخة الواو وعليه فكلامه في مقام تصحيح نسخة الواو نظري ولا يكون حجة. يبقى أن نثبت بشهادة شيخ الشريعة قدس سره وجود نسخة للكافي بالواو فيثبت التهافت بين النسخ وعدم حجية شئ منها وبذلك لا تثبت الحرمة بمجرد النشيش إلا أن إجمال الحديث باعتبار تهافت النسخ بشهادة شيخ الشريعة أيضا غير صحيح إذ يرد عليه - أولا: أنه إذا سقطت نسخ الكافي عن الحجية رجعنا إلى نسخ التهذيب وهي ب‍ (أو) إذ حجية نسخة الكافي مستندة إما إلى الاطمئنان - إذا رأينا نسخا عديدة متفقة - أو إلى أصالة عدم الخطأ وبعد التهافت

[ 404 ]

لا يحصل الاطمئنان ولا تجري أصالة عدم الخطأ فلا يتعين عندنا ما هو نقل صاحب الكافي ولكن ثبت عندنا نقل الشيخ الطوسي ولا يعارضه نقل الكليني لعدم تعين منقوله ولا نقل نساخ الكافي لأننا لا نعرف وثاقتهم. وثانيا: إننا لا نسلم تساوي النسخ بل نقدم نسخة (أو) وذلك لأن مدرك حجية كل من النسختين إذا كان هو الاطمئنان أو أصالة عدم الخطأ بعد عدم احتمال التعمد في الكذب فالنسختان متعارضتان بنحو متكافئ ولكن يوجد هناك مدرك آخر لحجية نسخة (أو) وهو ثبوتها بسند معتبر بحكم نقل صاحب الوسائل وصاحب الوافي لها لأن نسخ الوافي والوسائل متفقة على تسجيل " أو " وأما النسخة المعارضة فلم يثبت لها سند معتبر فدليل الحجية يشمل نسخة (أو) بلا معارض. الكلمة الثانية - أنا لو سلمنا وجود سند متصل لشيخ الشريعة ينقل بموجبه نسخة الواو غير أنه لا يصلح لمعارضة السند المتصل لصاحب الوسائل الذي ينقل بموجبه (أو) لأن السند المفترض تسليما غير معلوم وسند الوسائل معلوم واضح الصحة. الكلمة الثالثة - أن تهافت النسخ يمكن إثباته بنحو أتقن قبل ولادة شيخ الشريعة قدس سره وتوضيح ذلك أننا لو لاحظنا الوسائل والوافي والبحار لرأينا أن الأولين نقلا (أو) عن التهذيب والكافي والأخير نقل أولا الواو ثم قال وأما ما في التهذيب من (أو) فكذا وهذا واضح في أن المجلسي أخذ الواو من الكافي إذ ليس له مدرك آخر غير التهذيب والكافي فإذا افترضنا أن لكل من المجلسي وصاحبي الوسائل والوافي سندا متصلا وقع التعارض بين النقلين بلحاظ دليل الحجية وينبغي الكلام حينئذ في أن التعارض هل يخنص بطريقي النسختين الواردتين في مقام تعيين عبارة الكافي ويبقى نقل التهذيب ب‍ (أو) سليما عن التعارض أو أن نقل

[ 405 ]

التهذيب يدخل طرفا للمعارضة أيضا ويسقط الجميع في عرض واحد والتحقيق أن الأمر يختلف باختلاف المبنى في كيفية تصور حجية الخبر مع الواسطة فالتصور المتعارف لحجيته هو أن يقال أن المخبر المباشر لنا يخبرنا عن خبر من قبله فيثبت لنا خبر من قبله على أساس حجية المخبر المباشر ومن قبله يخبر عن خبر من قبله فيثبت لنا ذلك الخبر وهكذا فبناء على هذا التصور لا معارض لنقل التهذيب لأن كتاب البحار يثبت خبر من قبله وهكذا إلى أن يصل إلى الكافي وكذلك كتاب الوسائل فيتعارضان في تعيين خبر الكافي قبل أن يصلا إلى إثبات خبر ذريح فنقل التهذيب عن ذريح يبقى بلا معارض إذ لا يوجد ما يصح لمعارضته أما نقل الكليني فلأنه لم يثبت اشتماله على الواو مع تهافت نسخ الكافي وأما نقل البحار للواو عن الكافي فلأنه لا تكاذب بين نقل التهذيب ونقل البحار فإن التهذيب ينقل عن ذريح أنه نطق ب‍ (أو) والبحار ينقل عن الكافي أنه قال إن ذريحا نطق بالواو ولعل كلا هذين الكلامين صادقان. لكن المختار في تصوير حجية الخبر مع الواسطة هو أن الناقل المباشر عن الإمام ينقل حكما واقعيا ونقله له موضوع لحكم ظاهري منجز للواقع وهو الحجية فالناقل عنه ناقل لموضوع ذلك الحكم الظاهري وهذا النقل الجديد يشمله دليل الحجية بهذا اللحاظ ويكون بنفسه موضوعا لحكم ظاهري منجز لذلك الحكم الظاهري المنجز للواقع وهكذا إلى أن نصل إلى الناقل المباشر لنا الذي يكون نقله موضوعا لحكم ظاهري عاشري مثلا ويكون حجة لأنه نقل موضوع حكم الشارع فيثبت ذلك الحكم وبناء على هذا التصور يقع التعارض لا محالة بين خبر التهذيب وخبر البحار وخبر الوسائل والوافي في عرض واحد ويسقط الكل فإن نقل التهذيب موضوع لحكم ظاهري ينجز الحرمة عند النشيش ونقل البحار موضوع لحكم ظاهري يعذر عن الحرمة عند النشيش فلا محالة يتعارضان

[ 406 ]

ويتساقطان غاية الأمر أن نقل البحار له معارض آخر وهو نقل الوسائل والوافي فيسقط الكل في عرض واحد. الثالث: أن يقال: إن هذه الرواية في نفسها متهافتة معنى فلا ينبغي التعويل عليها وجعلها طرفا للمعارضة مع الروايات الأخرى أو تقديمها عليها إذ لا يتحصل منها معنى معلوم فلا بد من تأويلها ومعه لا يعلم المعنى المقصود حتى نتمسك به والوجه في ذلك هو أن عطف الغليان على النشيش ب‍ (أو) لا يناسب الواقع لأن الغليان متأخر عن النشيش دائما وهذا بخلاف عطفه عليه بالواو إذ قد يكون الأثر مترتبا على مرتبة غير أن بعض المراتب السابقة تذكر مقدمة على سبيل التمهيد والترقي. وقد يجاب بأن النسبة بين النشيش والغليان عموم من وجه لإمكان حصول الغليان رأسا وذلك عند غلبة النار أو قلة الماء جدا بنحو لا يظهر الصوت ويحصل الغليان غير أن هذه الفروض نادرة قد يمنع عن كونها مصححة عرفا للعطف ب‍ (أو). الرابع ما ذكره السيد الأستاذ دام ظله من إنكار كون النشيش شيئا آخر غير الغليان ويحصل قبله وإنما هو نفسه واستشهد لذلك بما في أقرب الموارد من تفسير النشيش بالغليان نعم يتجه حينئذ سؤال وهو أنه إذا كان النشيش بمعنى الغليان فما معنى عطف الغليان عليه ب‍ (أو) وأجاب دام ظله بأن الفرق بينهما هو أن النشيش يطلق في الغليان بنفسه والغليان يطلق في الغليان بالنار واستشهد لذلك بأنه لم ير إطلاق الغليان في الروايات إلا على الغليان بنفسه كما أن النشيش لم يطلق فيها إلا على الغليان بنفسه كما في رواية عمار الساباطي (وخشيت أن ينش). أقول: أما أن النشيش هو الغليان فبعيد عن المتبادر العرفي وعما جاء في معاجم اللغة من تفسير الأول بالصوت والثاني بالقلب فليلاحظ لسان العرب والصحاح والقاموس وتاج العروس وفقه اللغة للثعالبي فإنها متطابقة

[ 407 ]

على ذلك ومعه لا عبرة بكلام صاحب كتاب أقرب الموارد الذي هو ابن الأمس وطريقه إلى معرفة اللغة أمثال ما ذكرناه. نعم يمكن أن يقال أن النشيش وإن كان هو الصوت إلا أن الصوت له مراتب ولعله عبارة عن الصوت بمرتبة مساوقة للغليان ويحتمل ذلك قولهم (النشيش صوت الماء إذا غلا) إذا حملنا الشرط على الموضوعية لا المعرفية ويشهد لتطرق هذا الاحتمال ما جاء في لسان العرب من قوله (وقيل إن النشيش من حين يبدأ الماء بالغليان) وإذا قام هذا الاحتمال تعذر الاستدلال بالرواية على أسبقية الحرمة على الغليان وأما الترديد بين النشيش والغليان مع تلازمهما بناء على هذا الاحتمال فيمكن أن يكون بلحاظ مقام الإثبات لا الثبوت لأن إحدهما يرى والآخر يسمع وإمكان الافتراق بينهما إثباتا يصبح العطف ب‍ (أو) عرفا كإمكان الافتراق ثبوتا وعليه فلا تتم دلالة الرواية على الحرمة قبل الغليان. ومما ذكرناه ظهر حال التمسك لإثبات كفاية مطلق الصوت في الحرمة برواية عمار الساباطي المتقدمة حيث جاء فيها (وخشيت أن ينش). المسألة الرابعة - فيما إذا غلا العنب بدون عصير وتوضيحه: أن ماء العنب تارة يخرج بالعصير ويغلى وهذا هو المتيقن من النصوص وأخرى يخرج من العنب بالتشقيق ونحوه من دون عصر ويغلي وهذا أيضا يحرم لأن خصوصية العصر المأخوذة في موضوع النصوص ملغية بالارتكاز العرفي فإطلاق الروايات يشمل هذا الفرد وإنما الكلام فيما إذا لم يخرج ماء العنب وإنما غلا وهو في موضعه وتفصيل ذلك أن ماء العنب في داخله له حالة طبيعية وهي أنه ليس بماء وإنما هو جسم مصمد مشبع بالرطوبات وهذه الرطوبات لو تجمعت لصارت ماءا وله حالة بالعناية وهي أن نفرض أنا أمسكنا العنب وضغطنا عليه بحيث كونا في داخله سائلا من دون أن يخرج إلى الخارج ثم عرضناه للحرارة

[ 408 ]

إلى أن غلا من دون أن يتشقق وهذا مجرد فرض غير عملي خارجا فإن كان موضوع الكلام هو الأول كما هو الظاهر فلا معنى لفرض الغليان عندئذ إذ ليس هناك ماء للعنب بالفعل وغليان نفس الحبات ليس هو موضوع الحرمة وإن كان المراد الثاني على فرض إمكانه ففرض غليان الماء العنبي عندئذ معقول غير أن روايات الباب أخذ فيها قيدان خروج الماء وكونه بالعصر والثاني الغي بالارتكاز العرفي وأما الأول فلا ارتكاز يقضي بإلغائه فلا يشمل دليل الحرمة الماء المغلي في داخل العنب ما لم يصبح مسكرا. المسألة الخامسة - أن العصير المحرمة بالغليان لا الإسكار إذا طبخ فصار دبسا قبل ذهاب الثلثين وإن كان الفرض بعيدا فهل يحل بذلك مع وضوح تعذر الاستمرار بطبخه لاختراقه حينئذ وإذا لم يحصل التخليل بذلك مما هو المحلل وهذا يفرض الكلام في مقامين: المقام الأول - في كفاية صيرورته دبسا في الحلية والكلام في ذلك يقع في جهتين: إحداهما في مقتضي الحرمة إثباتا والأخرى في المانع عن الأخذ بالمقتضي على تقدير ثبوته. أما الجهة الأولى فما يتصور مقتضيا لحرمة الدبس المذكور إما إطلاق الدليل وإما استصحاب الحرمة وهناك عدة وجوه لإثبات عدم الإطلاق فإن تم أحدها وثبت معه عدم جريان استصحاب الحرمة أصبح المقتضي قاصرا. الوجه الأول إن لفظ الرواية وإن كان مقتضى الجمود عليه الشمول للدبس المذكور إلا أنه منصرف عنه ولو لندرته بمعنى أن اسلتزامه الدبسية لذهاب الثلثين عادة يصلح أن يكون قرينة عرفية يعتمد عليها المولى في منع إطلاق خطابه لفرض الدبسية قبل ذهاب الثلثين النادر الوقوع. وهذا الكلام لا بد من تكميله ببيان عدم جريان استصحاب الحرمة إذ قد يتمسك بالاستصحاب لإثبات الحرمة ما دام موضوع الدليل محفوظا

[ 409 ]

فإن انصراف الدليل لا ينافي انحفاظ الموضوع ودفع الاستصحاب يمكن أن يتم بالتمسك بعمومات حلية الطيبات لأن التمسك بالعام مقدم على استصحاب حكم المخصص والعام هنا يقتضي بإطلاقه المقامي إمضاء النظر العرفي في الطيب المساوق للطهارة والحلية كما هو واضح فلا يجري استصحاب الحرمة ولا استصحاب النجاسة لو قيل بها حدوثا. الوجه الثاني - أن الدليل دل على حرمة الشرب والدبس لا يشرب واحتمال حرمة أكل الدبس المذكور احتمال بدوي لا يثبت بالإطلاق ولا بالاستصحاب، وأجاب السيد الأستاذ دام ظله على ذلك بأن روايات الباب أخذ في بعضها الشرب ولكن بعضها الآخر جعل فيه نفس العصير موضوعا للحرمة من دون ذكر عنوان الشرب كما في رواية عبد الله بن سنان ويرد عليه بأن الحرمة بعد احتياجها إلى فعل مقدر لعدم تعلقها بالعين ابتداء على ما هو المعروف بينهم يتعين كون المعلق أمرا محذوفا يقدر حسب ما يقتضيه المناسبات العرفية ومن الواضح أن المناسب عرفا لعنوان العصير هو الشرب فيكون هو المقدر ولو سلم أن كلا من الشرب والازدراد الشامل للأكل أيضا مناسب فلا معين للمفهوم الأعم وليس المورد من موارد التمسك بالإطلاق ومقدمات الحكمة لأنها إنما تجري فيما إذا علم بالكلمة الصادرة فعلا أو الصادرة ولو تقديرا وشك في أن المراد مطلقها أو مقيدها لا فيما إذا ترددت الكلمة بين كلمة لها مفهوم أعم وكلمة لها مفهوم أخص. وإذا تم هذا الوجه امتنع إجراء استصحاب الحرمة لتغاير الموضوع باعتبار مباينة الأكل للشرب نعم لو بني على نجاسة العصير العنبي المغلي حدوثا تمت أركان الاستصحاب ويترتب عليه حينئذ حرمة الأكل وينحصر دفعه بالتمسك بعموم حلية الطيبات الحاكم كما عرفت في الوجه السابق لأن هذا العموم المقتضي بإطلاقه لإمضاء النظر العرفي في

[ 410 ]

تشخيص الطيب يدل على الطهارة لأن الطيب يستبطن ذلك فهذا الوجه لا يخلو من وجاهة اللهم إلا أن يقال إن الدبس ببعض مراتبه البدائية التي يصدق معها الميعان يتصور عرفا بشأنه الشرب فيشمله إطلاق الدليل ويتعدى إلى المراتب الأخرى المجردة عن الميعان بالدلالة الالتزامية للجزم بعدم الفرق. الوجه الثالث - ما ذكره جماعة من الفقهاء من أن ذهاب الثلثين وإن جعل غاية للحرمة في الروايات إلا أن النكتة المطلوبة من هذه الغاية موجودة في المقام وقد اعترض السيد الأستاذ دام ظله على ذلك بأنه رجم بالغيب إذ لا ندري بكنه تلك النكتة إلا أن الإنصاف أن هذا الوجه قريب من النفس إذا ضم إلى ما ذكر استظهار النكتة بقرينة الارتكازات العرفية إذ يوجد ارتكازان لا إشكال في ثبوتهما. أحدهما ارتكاز أن الطبخ للعصير العنبي يوجب كونه عرضة للإسكار والآخر أنه بذهاب ثلثيه يغلظ ويفقد تلك الأجزاء التي بها يصير مسكرا ويسقط عن المعرضية للإسكار وعليه فينسبق بسبب هذين الارتكازين من دليل اشتراط ذهاب الثلثين في التحليل أنه لهذه النكتة وهذا الانسباق نوع من التبادر الذي يعطي للدليل ظهورا عرفيا في ذلك فيكون الميزان في التحليل هو الإخراج عن المعرضية للإسكار وهو يحصل بصيرورة العصير دبسا ولا مجال حينئذ لاستصحاب الحرمة لحكومة الظهور العرفي المدعى في الدليل عليه. الوجه الرابع ما ذكره الشهيد الثاني قدس سره في المسالك من أن روايات الحرمة أخذ في موضوعها العصير وهذا ليس عصيرا بل هو دبس واعترض عليه السيد الأستاذ دام ظله بأن مطهرية الانقلاب تحتاج إلى نص خاص وأن ما ذكره الشهيد خلط بين الانقلاب والاستحالة فالاستحالة مطهرة على القاعدة لتبدل الصورة النوعية فيها بخلاف الانقلاب. والتحقيق أن نظر الشهيد قدس سره إلى حرمة العصير لا إلى نجاسته التي وصفها في

[ 411 ]

المسالك بأنها من المشهورات التي لا أصل لها ولا شك في أن الدليل الدال على حرمة عنوان لا يقتضي ثبوت الحرمة بعد زواله ولهذا قلنا في بحث مطهرية انقلاب الخمر خلا أن عدم شمول دليل نجاسة الخمر للخل المنقلب عن الخمر لا يحتاج إلى روايات خاصة وقد أكد السيد الأستاذ في بحث الانقلاب أن الحكم بارتفاع الذاتية بزوال العنوان على القاعدة فلا أدري لما ذا اعترض بهذه الصورة على الشهيد في المقام وقد كان الأنسب أن يعترض عليه بأن الانقلاب لا يرفع محذور النجاسة العرضية الحاصلة بسبب ملاقاة الظرف هذا بناءا على افتراض النجاسة حدوثا وأما على ما عرفت من أن نظر الشهيد إلى الحرمة فلا يرد الاعتراض المذكور أيضا نعم قد يرد عليه أن العصيرية بعد أن كانت من الخصوصيات التي لا يتعير الموضوع العرفي للحرمة بزوالها فيجري استصحاب الحرمة بناءا على جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية ويمكن دفع ذلك حينئذ بالتمسك بعموم حلية الطيبات. وهذه الوجوه الأربعة لإثبات قصور القتضي لو لم تتم جميعا لكفى تمامية بعضها في البناء على عدم حرمة الدبس المذكور. وأما جهة الثانية وهي في وجود المانع بعد فرض تمامية الإطلاق في دليل الحرمة فالذي ينبغي البحث عن مانعيته في نظري هو رواية عمر بن يزيد قال قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كان يخضب الإناء فاشربه (1) والخضاب بمعنى إعطاء اللون الخاص المساوق للكثافة والقدر المتيقن من ذلك صيرورته دبسا فيتمسك بإطلاق هذه الرواية لإثبات جواز الشرب قبل ذهاب ثلثيه إذا صار دبسا بمرتبة يصدق معها الشرب. ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بعدة تقريبات: الأول: أن هذه الرواية تارة تفسر بمعنى إعطاء الحكم الواقعي فحينئذ


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 412 ]

تتم دلالتها على المقصود وأخرى تفسر بمعنى إعطاءالحكم الظاهري في مورد الشك في ذهاب الثلثين فلا تدل على المقصود وإنما تفيد جعل الخضاب أمارة على ذهاب الثلثين ومقتضى طبع الدليل وإن كان هو الحكم الواقعي ما لم يؤخذ الشك في موضوعه إلا أن الرواية في خصوص المقام مجملة لأن اسم كان غير مذكور في الجواب وإنما يرجع إلى ما ذكره السائل والسؤال محذوف وكما يحتمل أن يكون قد سأل عن الحكم الوقعي كذلك يحتمل أن يكون قد سأل عن فرض الشك كما هو الحال في روايات أخرى تعرضت لحال الشك، منها - رواية لنفس عمر بن يزيد قلت لأبي عبد الله الرجل يهدى إليه البختج من غير أصحابنا... إلخ (1). الثاني أنه مع تسليم دلالتها على الحكم الواقعي لا بد من ملاحظة نسبتها مع روايات محللية ذهاب الثلثين وتوضيح ذلك أن هذه الرواية تدل بمنطوقها على قضية موجبة وهي جواز الشرب مع خضاب الإناء وبمفهومها على قضية سالبة وهي عدم جواز الشرب عند عدم الخضاب وروايات محللية ذهاب الثلثين تدل بالمنطوق على قضية موجبة وهي جواز الشرب مع ذهاب الثلثين وتدل بالمنطوق وبالمفهوم على قضية سالبة وهي عدم الجواز مع عدم ذهاب الثلثين والقضية الموجبة من كل منهما تعارض القضية السالبة من الأخرى بالعموم من وجه وحينئذ إن احتملنا ثبوتا كون ذهاب الثلثين بلا خضاب غير كاف في الحلية بأن لم يقم إجماع ونحوه على كون ذهابهما علة تامة للحلية قلنا إن الأمر دائر بين تقييد القضية الموجبة في كل منهما بالسالبة في الأخرى وتقييد السالبة بالموجبة فعلى الأول يكون المحلل مجموع ذهاب الثلثين والخضاب ولا يكفي أحدهما وعلى الثاني يكون أحدهما كافيا وحيث لا مرجح لأحد التقييدين على الآخر فيتساقطان ونرجع في مادة الاجتماع إلى


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 413 ]

مرجع فوقي وهو عموم حرمة العصير المغلي فإن القدر المتيقن خروجه منه هو فرض اجتماع الخضاب مع ذهاب الثلثين. وإن لم نحتمل - بقرينة الإجماع - أن يكون ذهاب الثلثين محتاجا إلى قيد آخر أصبح منطوق قوله: إذا كان يخضب الإناء فاشربه هو المخصص لما دل على عدم جواز الشرب قبل ذهاب الثلثين وذلك لأن العكس غير ممكن إذ لو قيدنا خضاب الإناء بذهاب الثلثين - وقد افترضنا كفاية ذهابهما - لزمت لغوية أخذ الخضاب فهذا إلغاء للدليل لا تقييد له فالأمر يدور بين إلغاء دليل وتقييد دليل آخر ومتى دار الأمر بينهما تعين التقييد فيثبت كون الخضاب كافيا هذا كله إذا افترضنا أن فرض ذهاب الثلثين بدون خضاب أمر عادي وأما إذا قلنا بأن خضاب الإناء يحصل عادة قبل ذهاب الثلثين لأنه ليس بمعنى الدبسية فيكون ذهاب الثلثين أخص أو بحكم الأخص مطلقا من خضاب الإناء فتقيد رواية الخضاب بروايات إناطة الحلية بذهاب الثلثين. الثالث أنه بعد الغض عن كل ما مضى يقال إن هذه الرواية تعارض رواية معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن البختج فقال: إذا كان حلوا يخضب الإناء وقال صاحبه قد ذهب ثلثاه وبقي الثلث فاشربه (1) وهذه الرواية واردة في مورد الشك في ذهاب الثلثين بقرينة قوله (وقال صاحبه قد ذهب ثلثاه) فقيد الإمام الجواب بأمرين أحدهما الخضاب والثاني شهادة صاحبه بذهاب الثلثين فلو كان الخضاب يكفي وحده في الحلية الواقعية لم يكن هناك حاجة إلى ضم شهادة صاحب العصير بذهاب الثلثين إليه بخلاف ما إذا لم يكن الخضاب محللا فقد يكون المجموع منه ومن إخبار صاحب العصير قد اعتبر أمارة على ذهاب الثلثين. والمستخلص من مجموع ما تقدم عدم حرمة الدبس المذكور.


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 414 ]

المقام الثاني - فيما يكون محللا للدبس إذا لم نقل بحليته في المقام الأول وقد قيل بأنه يلقى عليه الماء ثم يغلى حتى يكتمل ذهاب الثلثين وهذا لا يخلو من إشكال مطلقا أو على بعض التقادير على الأقل فإنه إذا قيل بعدم صدق عنوان العصير على الدبس المذكور والتزم بحرمته إما للاستصحاب التنجيزي للحرمة بدعوى أن زوال هذا العنوان لا يوجب تغير الموضوع وإما لأجل النجاسة لأن مجرد انقلاب العنوان لا يدفع محذور النجاسة فيشكل عندئذ إثبات محللية ومطهرية ذهاب الثلثين بالنحو المذكور بلعدم شمول دليل المحللية له بعد زوال عنوان العصير عنه لأن الدليل إنما يقتضي كون ذهاب الثلثين محللا ومطهرا للعصير العنبي لا لكل محرم ونجس هذا تمام الكلام في مسائل حرمة العصير العنبي. الجهة الثانية - في حرمة العصير الزبيبي وعدمها. ولا شك في حرمته بالغليان إذا أصبح مسكرا كما هو الحال في المغلي بنفسه وأما بقطع النظر عن الإسكار فقد يستدل على حرمة المغلي من العصير الزبيبي بوجوه: منها - التمسك بإطلاق كلمة العصير أو عمومها في روايات تحريم العصير العنبي إذ لم يقيد فيها بكونه عنبيا كما في رواية ابن سنان (كل عصير أصابته النار فهو حرام) والصحيح في الجواب على هذا الوجه أن العصير قد يطلق بلحاظ معناه الاستقلالي أي شئ يعصر ويضغط بغض النظر عن منشائه وأخرى يلحظ بالمعنى الإضافي أي عصير العنب والسفرجل ونحو ذلك فإن أريد الأول فقد يتوهم وجود الإطلاق في الروايات وإن أريد الثاني فهذا يعني أن المقصود منه ملحوظ ضمنا ومقدر ذهنا والمتيقن من هذا المقدر هو العنب ولا مجال لإجراء مقدمات الحكمة لإثبات الأعم في موارد تردد المقدر بين مفهومين أحدهما أعم من الآخر كما أشرنا إلى ذلك سابقا فلا يمكن التمسك بإطلاق العصير في الروايات والمتعين بحسب المتفاهم العرفي

[ 415 ]

هو الثاني لوضوح أن مجرد كون الشئ يعصر ليس ملاكا للحرمة بالارتكاز العرفي ولهذا ألغيت بالارتكاز خصوصية العصر رأسا كما تقدم والتزم بشمول الحكم بالحرمة لما إذا غلا ماء العنب الخارج بدون عصر فارتكازية أن نفس العصر بما هو لا دخل له في الحرمة يكون قرينة عرفا على ملاحظة المعنى الإضافي المستبطن للتقدير ومعه يبطل الإطلاق لعدم الدليل على كون المقدر هو الأعم وقد يؤيد القرينة المذكورة استلزام الحمل على المعنى الأول لتخصيص الأكثر وهو مستهجن إذا لم نفرض احتفاف الكلام بارتكازات لبية عرفية توجب إخراج ذلك الأكثر وإلا لم يكن مستهجنا لأن المستهجن تخصيص الأكثر بالمنفصل لا بالمتصل. وقد يجاب عن التمسك بالإطلاق بما نقله شيخ الشريعة قدس سره عن النراقي من أن استعمال كلمة العصير في الروايات لو كان جاريا حسب الأوضاع النوعية لهيئة فعيل أمكن التمك بإطلاقها إذ لم يؤخذ في هيئة فعيل خصوصية شئ ولكنه ليس كذلك بل هو استعمال مجازي لأن فعيل تدل بطبعها على اسم الفاعل تارة وعلى اسم المفعول أخرى وفي المقام لا يصح استعمال كلمة العصير لا بمعنى اسم الفاعل من قبيل الخطيب والبشير لأن فاعل العصر إنما هو الإنسان ولا بمعنى اسم المفعول من قبيل الجريح والكسير لأن المعصور إنما هو العنب فاستعمال العصير في ماء العنب مجاز ومعه فقد يكون مستعملا في الخاص ابتداء. وقد اعترض شيخ الشريعة قدس سره على كلام النراقي أن كلمة فعيل كما تطلق على المفعول الذي يتعدى الفعل إليه بلا واسطة كما في جريح كذلك تطلق على ما يتعدى الفعل إليه بالحرف كما في نقيع إذ تطلق على الماء وليس هو المنقع بل المنقع فيه وعليه فإطلاق عصير على الماء حقيقي لأنه وإن لم يكن هو المعصور لكنه المعصور منه. وهذا الكلام غريب فإن المعصور منه يعني

[ 416 ]

المعصر من العنب وهذا يعني أن الفعل تعدى بمن إلى العنب وأما ماء العنب فقد تعدى الفعل إليه مباشرة وليس الماء بالنسبة إلى العصير كالماء المنقع فيه بالنسبة إلى النقيع. والصحيح في دفع كلام النراقي قدس سره إنكار المجازية لأن الماء جزء لعنب فهو يعصر بعصير العنب حقيقة ولو سلمت المجازية فهي ذات نكتة عرفية نسبتهما إلى كل أقسام العصير على نحو واحد فينعقد ظهور في الإطلاق أيضا لولا ما تقدم منا. ويظهر من صاحب الحدائق قدس سره دعوى وجود المقيد لو سلم الإطلاق في كلمة العصير الواردة في الروايات والمقيد ما دل من الروايات على أن العصير من الكرم كما في رواية عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (الخمر من خمسة العصير من الكرم والنقيع والزبيب... الحديث) فكأنه يستفيد من قوله العصير من الكرم حصر العصير بما يؤخذ من العنب ويرد عليه أن هذا إنما يتصور فيما إذا كان القول المذكور مشتملا على نسبة تامة فقد يستظهر منه الحصر حينئذ لكن الأمر ليس كذلك فإن هذا الكلام وقع إخبارا عن أقسام الخمر وجملة العصير من الكرم جملة ناقصة ذكرت كقسم من أقسام الخمر فلا تدل على حصر العصير بالعنب بوجه. ثم إنه قد ينفى انطباق عنوان العصير على ماء الزبيب رأسا بدعوى أن العصير هو الماء المستخرج لا الملقى على الشئ من الخارج فلا تشمل الروايات ماء الزبيب ولو تم الإطلاق فيها، وهذا الكلام إن أريد به نفي عنوان العصير على الماء بمجرد إلقائه على الزبيب فهذا واضح ولكننا نتكلم حينئذ عما امتصه الزبيب من هذا الماء وإن أريد به أن العصير متقوم بكون الماء المعصور موجودا بالأصالة في ما يعصر منه فعهدة هذه الدعوى على مدعيها بل الظاهر أن العصير إذا لحظ بمعناه الاستقلالي وبما هو شئ

[ 417 ]

يعصر فهو ينطبق على ما يخرج بالضغط من الماء ولو كان امتصاص المضغوط له عرضيا وعلى أي حال فما ذكرناه أولا كاف في دفع التمسك بالإطلاق ومنها - الاستدلال برواية زيد النرسي حيث ورد في كتاب منسوب إليه أنه قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الزبيب يدق ويلقى في القدر ثم يصب عليه الماء ويوقد تحته فقال: لا تأكله حتى يذهب الثلثان ويبقى ثلثه فإن النار قد أصابته قلت: فالزبيب كما هو في القدر ويصب عليه الماء ثم يطبخ ويصفى عنه الماء فقال: كذلك هو سواء إذا أدت الحلاوة إلى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثم نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم كذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد (1) وهذه الرواية بهذا المتن نقلها في البحار عن أصل زيد النرسي إلا أن جملة من الفقهاء نقلوا هذه الرواية عن أصل زيد النرسي بمتن آخر يختلف بمقدار ما عن هذا المتن إلا أنه يتفق في إثبات أصل الحرمة ولا شك في ظهور الرواية في الحرمة والإشكال في ذلك بدعوى أن التعبير ب‍ (حرم) في فرض الغليان في نفسه والعدول عن ذلك إلى (فسد) في فرض الغليان بالنار يقتضي اختلاف المقصود وكون المراد في الأخير غير الحرمة مدفوع بأن الفساد ظاهر عرفا في الحرمة والعدول لا يقتضي اختلاف المقصود خصوصا مع التعبير ب‍ (وكذلك) فإنه واضح عرفا في المساواة في الحكم فلا إشكال في الدلالة وإنما الكلام في سندها فقد نقلت الرواية عن أصل زيد النرسي وهو من أصحاب الصادق والكاظم ولم تنقل في الكتب الأربعة وإنما وجدت الرواية في نسخة مخطوطة منسوبة لمنصور بن الحسن الآبي عثر عليها المجلسي وذكرها في البحار وشاع الاستدلال بها. والكلام في هذا السند يتلخص في أربع نقاط: النقطة الأولى: في تحقيق حال زيد النرسي فإن هذا الرجل لم يصرح


(1) مستدرك الوسائل باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 418 ]

بتوثيقه غير أنه يمكن إثبات وثاقته إما عن طريق رواية ابن أبي عمير عنه بسند صحيح في جملة من الروايات بناء على الكبرى المقبولة لنا وهي: أن الثلاثة - ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى وابن أبي نصر البزنطي - لا يروون إلا عن ثقة أو عن طريق وقوعه في أسانيد كامل الزيارات بناءا على كبرى غير مقبولة تقتضي بشمول توثيق صاحب الكتاب لجميع من دخل في أسانيده النقطة الثانية: في تحقيق أن زيدا هل له أصل بالنحو الذي تفترضه الرواية المذكورة أو لا؟ فالشيخ الطوسي والنجاشي ذكرا أنه كان له كتاب ونقلاه عن ابن أبي عمير وصرح النجاشي بطريقه إليه ويعارض ذلك ما نقله الشيخ في الفهرست عن الصدوق وشيخه إذ قال: زيد النرسي وزيد الزراد لهما أصلان لم يروهما محمد بن علي بن الحسين. وقال في فهرسته: لم يروهما محمد بن الحسن الوليد وكان يقول: هما موضوعان وكذلك كتاب خالد بن عبد الله بن سدير وكان يقول وضع هذه الأصول محمد بن موسى الهمداني ويمكن أن نضعف هذه الشهادة النافية بأمور: منها - ما نقل عن ابن الغضائري - على تقدير ثبوت كلماته - من تخطئة الصدوق وشيخه في ذلك قائلا: قال أبو جعفر: إن كتبهما موضوع وضعه محمد بن موسى السمان وغلط أبو جعفر في هذا القول فإني رأيت كتبهما مسموعة من محمد بن أبي عمير. غير أن ظاهر كلام ابن الغضائري على تقدير ثبوته الاعتماد في معارضة أبي جعفر على قرينة حدسية وهي أنه لو كان محمد بن موسى هو الواضع لوقع في طريق نقل الموضوع وهذه القرينة ندركها أيضا فلا يزيدنا كلام ابن الغضائري شيئا. ومنها: انتشار النقل في كتب الأصحاب عن محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي كما في كتب الصدوق نفسه وكتاب كامل الزيارات والكافي حتى قال بعضهم إن الصدوق لعله أيضا عدل عن إنكاره للأصل لأنه نقل

[ 419 ]

عن محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي في كتاب ثواب الأعمال إلا أن هذه القرينة لا يمكن الاعتماد عليها إذا لم يعلم كون النقل عن أصل النرسي وليس في المنقول ما يدل على ذلك. ومنها - أن الروايات المنقولة عن زيد النرسي في الكتب المعتبرة موجودة في الأصل المنسوب إليه ومن العبيد بحساب الاحتمالات وضع كتاب مزور على شخص وتقع فيه من باب الصدفة تمام الروايات التي نقلت في الواقع عنه ولكن هذا إنما يستبعد إذا لم يكن الواضع بصيرا واحتمل إعماله للعناية في التلبيس والتقاط الصحيح ودسه في غيره للتمويه. ومنها - أنه يغلب على الظن أن يكون كلام الصدوق وشيخه مبنيا على الحدس لا على الحس واضح إذ يبعد ذلك أن الرجال الذين وقعوا في طريق النجاشي إلى النرسي والزراد كلهم تقريبا من كبار القميين أي من كبار الحوزة التي عاش فيها محمد بن الحسن الوليد واصدوق ففي ترجمة زيد الزراد قال النجاشي له كتاب أخبرنا به محمد بن محمد (يعني المفيد وهو ليس قميا) قال حدثنا جعفر بن محمد (يعني ابن قولويه القمي من كبار القميين) قال حدثني أبي وعلي بن الحسين (يعني أبا الصدوق الذي ضعف الكتاب) قال حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم القمي... إلخ فهؤلاء معاصرون للصدوق ولشيخه أو متقدمون عليهما حسب اختلاف رتبهم فكيف يفرض أن تزوير تلك الأصول كان واضحا عند الصدوق وشيخه على مستوى الحس واختفى مع ذلك على هؤلاء الذين عاشوا نفس ظروفه هذا مضافا إلى ما أشار إليه ابن الغضائري من قرينة خلو الطريق من محمد ابن موسى على عدم صحة التهمة فلا يبعد إذن وجود أصل لزيد في الجملة. النقطة الثالثة - هي أنه كيف نثبت وجود هذه الرواية في أصل زيد النرسي فقد وجوت نسخة عتيقة قال عنها المجلسي بأنها بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي ولنفرض الآن العلم بأن تلك النسخة كانت بخط

[ 420 ]

الشيخ منصور ولكن من الواضح أن كتاب زيد النرسي ليس من المتواترات التي لا تحتاج إلى سند فلا بد من معرفة سند الآبي الذي هو من تلامذة الطوسي إلى زيد النرسي الذي هو من أصحاب الصادق والكاظم بعد الفراغ عن وثاقة الآبي نفسه وقد جاء في أول هذه النسخة على ما في البحار: حدثنا الشيخ أبو محمد هارون موسى بن أحمد التلعكبري أيده الله قال حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد سعيد الهمداني قال حدثنا جعفر بن عبد الله العلوي أبو عبد الله المحمدي قال حدثنا محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي وهذا السند بتمامه لا بأس به إلا أن هذا ليس هو كلام الآبي وإنما استنسخ الآبي هذه النسخة عن شخص آخر وهو محمد بن الحسن القمي وهذا ينقل عن التلعكبري ولا يمكن للآبي أن ينقل عن التلعكبري مباشرة وقد قال المجلسي قدس سره أخذناها من نسخة عتيقة مصححة بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي وهو نقله من خط الشيخ الجليل محمد بن الحسن القمي وكان تاريخ كتابتها (يعنى عند القمي) سنة 374 وذكر (يعني القمي) أنه أخذها وسائر الأصول المذكورة بعد ذلك من خط الشيخ الأجل هرون بن موسى التلعكبري وهنا يوجد إشكالان في هذا السند أحدهما أن الشيخ الآبي لم يعاصر محمد بن الحسن القمي والموثوق به أنه لم يكن مولودا بعد في تاريخ كتابة النسخة فلا بد له من طريق إليه وهو مجهول عندنا، وقد يعالج هذا الإشكال بلحاظ كان الآبي حصل على النسخة بخط القمي فلعل خط القمي لقرب العهد كان معروفا مشهورا على نحو ترجع شهادة الآبي معه إلى الحس. والإشكال الآخر أن محمد بن الحسن القمي لم تثبت وثاقته لا من كان بهذا العنوان الذي ورد في كلام المجلسي ولا بعنوان أبي الحسن محمد بن الحسين بن أيوب القمي الذي نقل المحدث المحقق النوري وجدان اسمه على نسخة من أصل زيد الزراد وبذلك يسقط السند. النقطة الرابعة - لو سلمنا تمامية سند الآبي إلى زيد يبقى أنه كيف

[ 421 ]

نثبت أن النسخة التي وجدها المجلسي هي بخط الآبي وليس هناك شاهد على ذلك إلا وجود اسمه عليها وليس للمجلسي طريق متصل في مقام نقلها ومجرد أن الروايات المنقولة في الكتب عن زيد موجودة في هذه النسخة لا يوجب الاطمئنان بعدم وقوع التحريف على الأقل بزيادة أو نقيصة خصوصا مع اشتمال النسخة على روايات غريبة ومعان مستنكرة من قبيل رؤية الله تعالى ومخاصرة المؤمن له يوم القيامة وقال هكذا: يخاصره (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) وهذه يوجب احتمال أن هذه النسخة هي التي زورها محمد بن موسى ولعلها غير النسخة التي كان للنجاشي طريق صحيح لها إلى محمد بن أبي عمير. ونستخلص من كا ذلك عدم تمامية الرواية. الوجه الثالث - رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثه ثم يرفع فيشرب منه السنة؟ فقال: لا بأس به (1) فيقال لو فرض حليته حتى قبل ذهاب الثلثين فأي وجه للتقييد بذهاب الثلثين وبقاء الثلث في هذه الرواية. إلا أن هذه الروية غير تامة سندا ولا دلالة: أما من حيث السند فلأنه رواها الكليني بسند فيه سهل بن زياد وهو غير ثابت الوثاقة عندنا ورواها الحميري في قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر ولا نبني على وثاقة عبد الله بن الحسن. وأما من حيث الدلالة فلأن غاية ما تدل عليه هذه الرواية هي أنه كان من المركوز في ذهن السائل وجود محذور فارق بين ما قبل ذهاب الثلثين وما بعده والإمام (ع) أمضاه بالسكوت وكما يحتمل أن يكون ذلك المحذور المركوز في ذهنه هو الحرمة الفعلية كذلك يحتمل أن يكون هو


(1) الوسائل ج 17 ب 8 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 2 ص 236.

[ 422 ]

المعرضية للإسكار. ومما يشهد أو يؤيد الثاني قوله: فيشرب منه السنة، فهذا مؤيد لكون نظره إلى الحرمة التي تحصل من امتداد الزمان وهي حرمة النش من نفسه والإسكار فيرجع جواب الإمام إلى أنه بعد ذهاب الثلثين ترتفع المعرضية والحرمة الإسكارية. الوجه الرابع - رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام قرارقر تصيبني في معدتي وقلة استمرائي الطعام فقال لي: لو تتخذ نبيذا نشربه نحن وهو يمرئ الطعام ويذهب بالقراقر والرياح من البطن، قال: قلت له: صفه لي جعلت فداك قال: تأخذ صاعا من زبيب فتنقيه من حبه وما فيه ثم تغسل بالماء غسلا جيدا ثم تنقعه في مثله من الماء أو ما يغمره ثم تتركه في الشتاء ثلاثة أيام بلياليها وفي الصيف يوما وليلة فإذا أتى عليه ذلك القدر صفيته وأخذت صفوته وجعلته في ناء وأخذت مقداره بعود ثم طبخته طبخا رقيقا حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم تجعل عليه نصف رطل عسل وتأخذ مقدار العسل ثم تطبخه حتى تذهب الزيادة ثم تأخذ زنجبيلا وخولنجان ودارصيني وزعفران وقرنفلا ومصطكى وتدقه وتجعله في خرقة رقيقة وتطرحه فيه وتغليه معه غلية ثم تنزله فإذ برد صفيت وأخذت منه على غدائك وعشائك قال: ففعلت فذهب عني ما كنت أجده وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إن شاء الله (1). وقد يناقش في دلالة الحديث بحمله على أن السائل راجع الإمام هنا كطبيب والإمام أعطاه وصفة فيدل على أن ذهاب الثلثين دخيل في الدواء ويؤيد ذلك بأن في بعض الروايات نقل الأمر بذهاب الثلثين عن الأطباء كما عن السياري عمن ذكره عن إسحاق بن عمار قال: شكوت إلى


(1) الوسائل ج 17 ب 5 من أبواب الأشربة المحرمة ح 4 ص 231 و 232.

[ 423 ]

أبي عبد الله (ع) بعض الوجع وقلت له إن الطبيب وصف لي شرابا آخذ الزبيب وأصب عليه الماء للواحد اثنين ثم أصب عليه العسل ثم أطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث قال: ليس حلوا؟ قلت: بلى، قال: أشربه ولو أخبره كم العسل (1). إلا أن حمل الحديث على مراجعة الإمام بوصفه طبيبا بعيد في نفسه والذي يظهر من ملاحظة مجموع الروايات الواردة في هذا الباب أن الناس وقتئذ وقعوا في مشكلة حينما حرم عليهم الخمر والمسكر لأنهم كانوا معتادين على أن يستعينوا على هضم غذائهم باستعمال المسكر حتى أفتى بعض علمائهم بجواز استعمال المسكر الكأس والكأسين والثلاثة والأربعة ما لم يبلغ درجة توجب فقد وعيه وصيرورته إنسانا غير متوازن وهذا الشخص يشتكي من هذه الناحية إلى الإمام بما هو إمام أي بما هو محرم للمسكر فيقول: أنت تحرم المسكر وأنا مبتلى بالقراقر فما ذا أصنع فيقول: اشرب ما نحن نشربه أي اشرب شرابا ليس مسكرا أو محرما. والحاصل أن ظهور الرواية في أن الإمام بصدد بيان شراب خال من المحذور الشرعي والاطمئنان بذلك ولو بلحاظ مجموع الروايات مما لا ينبغي الإشكال فيه. لكن لعل هذا المحذور هو المعرضية للإسكار لا الحرمة الفعلية فالشارع أعطى قاعدة عامة وهي أنه بعد التثليث لا يكون مسكرا ويكون حلالا ما لم يثبت صدفة إسكاره فالرواية مجملة إن لم نقل بأن ظاهرها هو ذلك أي النظر إلى المعرضية للإسكار بقرينة قوله: وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إنشاء الله فهذا يناسب النظر إلى المحذور الذي ينشاء من طول الزمان وهو الإسكار.


(1) المصدر ح 5 ص 232.

[ 424 ]

مضافا إلى أن الحديث غير معتبر سندا لما فيه من الإرسال بغض النظر عن ملاحظة حال نفس المذكورين في السند. الوجه الخامس - رواية عمار وله روايتان والمطمئن به أنهما واقعة واحدة باعتبار أن كلا منهما تتعرض إلى سنخ سؤال واحد وجواب واحد بتنان تفاصيله مع وحدة الراوي عنه والراوي عن الراوي عنه فيحصل الاطمئنان بحساب الاحتمالات بأنه واقعة واحدة ولكن نقل بالمعنى فاختلف النقل وأحد السندين غير معتبر والآخر معتبر وإن أطلق في بعض الكتب على كلتا الروايتين أنهما موثقتان. أما الطريق غير المعتبر فهو هذا: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن علي بن الحسن (يعني ابن فضال) أو رجل عن علي بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى الساباطي (1) فهنا كأن محمد ن يحيى متردد لا يدري هل سمع الحديث ابتداء من علي بن الحسن أو سمعه من رجل عن علي بن الحسن وبهذا يسقط عن الحجية. وأما الطريق الآخر المعتبر فهو هذا: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق عن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال سئل عن الزبيب كيف يحل طبخه حتى يشرب حلالا قال تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثني عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان من غد نزعت سلافته ثم تنزع مائه فتصبه على الأول ثم تطرحه في إناء واحد ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثثه وتحته النار ثم تأخذ رطل عسل فتغليه بالنار غلية وتنزع رغوته ثم تطرحه على المطبوخ ثم اضربه حتى يختلط به واطرح فيه إن شئت زعفرانا وطيبته إن شئت بزنجبيل قليل قال فإن أردت أن تقسمه أثلاثا لتطبخه


(1) وسائل الشيعة ج 17 باب 5 من أبواب الأشربة المحرمة ح 2 ص 230.

[ 425 ]

فكله بشئ واحد حتى تعلم كم هو ثم اطرح عليه الأول في الإناء الذي تغليه فيه ثم تضع فيه مقدارا وحده حيث يبلغ الماء ثم اطرح الثلث الآخر وحده حيث يبلغ الماء ثم اطرح الثلث الآخر وحده حيث يبلغ الماء ثم توقد تحته بنار لينة حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (1). وتقريب الاستدلال بهذه الرواية هو أن عمارا يسئل أنه كيف يحل طبخه بحيث يشرب حلالا فبين الإمام (ع) أنه لا بد من إذهاب الثلثين ومقتضى ذلك الحرمة قبل ذهاب الثلثين. والإنصاف عدم تمامية الدلالة إذ أنا لو نظرنا إلى السؤال وحده فإنما يدل على ارتكاز محذور في نظر الراوي يبتلى به العصير الزبيبي أحيانا فأراد أن يعرف طريقا يتخلص به عنه ولعل ذاك المحذور عبارة عن مشكلة الإسكار لا الحرمة بالغليان ولو لم يسكر وأما جواب فإن كان الإمام (ع) في مقام حصر الطريقة المحللة دل على أن المحلل منحصر في إذهاب الثلثين ولا يكفي التعجيل بالشرب قبل أن يتخمر ولكن لم يثبت كونه (ع) بصدد الحصر فلعله بصدد بيان مصداق حلال لا محذور فيه ولو كان بصدد الحصر للزم انتفاء الحل بانتفاء أي قيد من هذه القيود الكثيرة المذكورة في الكلام في حين أنه ليس كذلك حتما. الوجه السادس - التمسك بإطلاق الشراب في بعض الروايات من قبيل رواية عمار في حديث أنه سئل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول هذا مطبوخ على الثلث قال إن كان مسلما ورعا مؤمنا (مأمونا) فلا بأس بأن يشرب (2). وهذا من أسخف الاستدلالات وهو أسخف من الاستدلال بإطلاق


(1) الوسائل ج 17 الباب 5 من أبواب الأشربة المحرمة ح 3 ص 231. (2) وسائل ج 17 الباب - 7 - من أبواب الأشربة المحرمة ح 6 ص 235.

[ 426 ]

العصير فإنه يرد عليه كلما ورد هناك مضافا إلى أنه ليس بصدد بيان حرمة الشراب وإنما هو - بعد الفراغ عن حرمة الشراب - بصدد بيان الوظيفة الظاهرية عند الشك في ذهاب الثلثين من ذلك الشراب المحرم في نفسه. الوجه السابع - هو التمسك بالاستصحاب التعليقي بأن يقال: إن هذا حيثما كان عنبا كان عصيره يحرم بالغليان فكذلك الآن والبحث عن كبرى الاستصحاب التعليقي في محله في الأصول وبينا هناك جريانه في أمثال هذه الموارد على تفصيل لا يسعه المقام هنا والحاصل أن الكبرى عندنا تامة وإنما الكلام في الصغرى فهنا إشكال قوي ذكره عدة من الفقهاء وهو أنه يشترط في الاستصحاب وحدة الموضوع تنجيزيا كان أو تعليقيا والموضوع هنا ليس واحدا لا بدعوى أن الزبيب والعنب اثنان عرفا وأنه كصيرورة الكلب ملحا فإنه بالإمكان أن يقال إن صيرورة العنب زبيبا إنما هو عبارة عن جفافه وجفاف الشئ المرطوب لا يوجب عرفا صيرورته موضوعا جديدا مغايرا للأول بل بلحاظ أن العصير في القضية المتيقنة أريد به الماء الأصلي للعنب وفي القضية المشكوكة أريد به ماء خارجي ممزوج معه فقد تعدد الموضوع فلا يجري الاستصحاب هذا تمام الكلام في أدلة حرمة العصير الزبيبي إذا غلا ولم يكن مسكرا وقد اتضح عدم تمامية شئ منها. وهناك أدلة على عدم حرمة العصير الزبيبي في مقابل أدلة الحرمة ننظر فيها لكي نرى هل يتم شئ منها أو لا وتظهر فائدتها على تقدير البناء على تمامية بعض الأدلة السابقة على الحرمة فيعارض بما دل على الحلية فقد يتوصل إلى تقييد دليل الحرمة بصورة الإسكار مثلا وقبل الخوض في أدلة عدم الحرمة نذكر نكتة وهي أن ما يعقل من أدلة الحرمة تقييده بصورة الإسكار بمقتضى أدلة الحلية إنما هو ما يكون من قبيل رواية عمار الساباطي: سئل عن الزبيب كيف يحل طبخه حتى يشرب حلالا إلخ، وقد جاء في

[ 427 ]

الجواب قيد ذهاب الثلثين بناءا على استفادة الحصر من ذلك فتدل بمفهوم الحصر على الحرمة قبل ذهاب الثلثين وهذا مطلق يشمل فرض الإسكار وعدمه فيمكن تقييده بفرض الإسكار وأما ما يكون بلسان أن العصير الزبيبي إذا غلا يحرم من قبيل رواية زيد النرسي فلا يمكن عرفا تقييده بخصوص حالة الإسكار لأن المستفاد من كون الحرمة لعنوان العصير الزبيبي المغلي وتقييده بالإسكار يرجع إلى إلغاء هذا العنوان والرجوع إلى عنوان آخر وهو المسكر الذي هو حرام سواء كان زبيبا مغليا أو لا إذا عرفت ذلك فلنشرع في أدلة حلية العصير الزبيبي وهي ستة: الدليل الأول - عمومات الحل من قبيل آية: خلق لكم ما في الأرض جميعا، فإنها تدل على حلية كل شئ للإنسان إلا ما خرج بالدليل. وهذا الدليل وإن كان تاما في نفسه ولكنه لا يقاوم شيئا من أدلة الحرمة لو تمت عدا الاستصحاب فيقدم عليه بناءا على ما هو الصحيح من تقدم العام عند دوران الأمر بين عموم العام واستصحاب حكم المخصص وأما الأدلة الأخرى فتقدم عليه لو تمت لكونها أخص منه. الدليل الثاني - الأدلة الاجتهادية للحل التي موضوعها غير المسكر وهذا هو فرقه عن الأول إذ الأول يشمل المسكر وأنواعه ثلاثة: الأول - ما دل كتابا وسنة على حصر الحرام من الطعام بالميتة والدم والخمر والمسكر ونحو ذلك من قبيل رواية محمد بن عذافر عن أبيه عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له: لم حرم الله الخمر والميتة ولحم الخنزير والدم فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده وأحل لهم ما وراء ذلك من رغبة فيما أحل لهم ولا زهد فيما حرمه عليهم ولكنه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله لهم وأباحه لهم وعلم ما يضرهم

[ 428 ]

فنهاهم عنه - الحديث - (1) بناءا على أن يكون هذا في مقام البيان من هذه الناحية فيدل على حلية ما عدا ذلك. الثاني - ما دل على حصر الحرام من الشراب بالمسكر من قبيل رواية تحف العقول التي جاء فيها: وما يجوز من الأشربة من جميع صنوفها فما لم يغير العقل كثيره فلا بأس بشربه (2) وهناك روايات بمضمون حرم الله الخمر بعينها وحرم رسول الله (ص) من الأشربة كل مسكر من قبيل رواية الفضيل (3) وسبق الكلام في أنه هل يستفاد منها الحصر أو لا؟. الثالث: ما دل على تحليل الطيبات وهو الآية الشريفة إذ الطيبات لا تشتمل المسكر بحسب الارتكاز المتشرعي. فهذه الأدلة تعارض بالعموم من وجه مع ما دل على حرمة العصير الزبيبي إذا كان قابلا للتقييد بغير المسكر من قبيل موثقة عمار فإن هذه الأدلة تدل على حلية ما عدا المسكر سواء كان عصيرا زبيبيا أو لم يكن وذاك يدل على حرمة العصير الزبيبي سواء كان مسكرا أو لا وبعد التعارض يبنى على الحلية إما لترجيح جانب أدلة الحل لأن بعضها من الكتاب الكريم وإما للتساقط والرجوع إلى ما أشير إليه في الدليل الأول من عمومات الحل. الدليل الثالث - ما دل من الروايات على أن مناط التحريم في النبيذ هو الإسكار وهذا يدل بظهوره على أنه بلا إسكار لا يوجد تحريم فيقع طرفا للمعارضة مع موثقة عمار التي دلت - حسب الفرض - على حرمة العصير الزبيبي المطبوخ سواء أسكر أو لا وهذه الروايات بعضها ورد في العصير التمري وهذا لا ينفعنا إذ كلامنا في العصير الزبيبي وبعضها ورد


(1) وسائل الشيعة ج 17 باب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1 ص 2. (2) وسائل الشيعة ج 17 باب 42 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث الوحيد في الباب ص 62. (3) وسائل الشيعة ج 17 باب 15 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 6.

[ 429 ]

في العصير الزبيبي أو مطلق يشمل الزبيبي والتمري معا كما أن الذي ينفعنا في المقام لإيقاع المعارضة بينه وبين موثقة عمار إنما هو ما ورد في العصير المطبوخ أو على الأقل يشمل بإطلاقه المطبوخ وأما ما يختص بما قبل الطبخ فليس له أي تعارض مع موثقة عمار وقبل الشروع في ذكر هذه الروايات نذكر صناعة المطلب على التقادير المتصورة في الروايات ثم نشرع في التكلم في كل واحدة من تلك الروايات لنرى أنها داخلة في أي تقدير من تلك التقادير وهي تقادير ستة اثنان منها لا يفيدنا في مقام إيقاع المعارضة بينها وبين موثقة عمار وهما كما ظهر مما قلناه عبارة عن تقدير كون الرواية مخصوصة بالعصير التمري وتقدير كونها مخصوصة بما قبل الطبخ وأربعة منها تفيدنا. التقدير الأول - أن تكون الرواية الدالة على أن المناط في التحريم هو الإسكار مطلقة من حيث كون النبيذ زبيبيا أو تمريا ومن حيث ما قبل الطبخ وما بعد الطبخ. الثاني - أن تكون مطلقة من حيث الزبيبية والتمرية ومختصة بما بعد الطبخ. الثالث - أن تكون بعكس الثاني أي مطلقة من حيث الطبخ وعدمه ومختصة بالزبيب. الرابع - أن تكون واردة في خصوص الزبيب وفيما بعد الطبخ. وهذه الروايات على أي تقدير من هذه التقادير الأربعة تنفع في المقام مقابل موثقة عمار لكنه على اختلاف الدرحات فأحسن هذه التقادير الرابع فإن الرواية تصبح أخص مطلقا من موثقة عمار وتقيدها بصورة الإسكار فإن موثقة عمار تدل على حرمة العصير الزبيبي المطبوخ مطلقا وهذه الرواية المعارضة تدل - حسب الفرض - على حلية العصير الزبيبي المطبوخ إذا

[ 430 ]

لم يكن مسكرا. وأما على التقادير الثلاثة الأخرى فتعارض الرواية مع موثقة عمار بالعموم من وجه: أما التقدير الأول فالمفروض أن هذه الرواية تدل على حلية النبيذ غير المسكر سواء كان زبيبيا أو تمريا وسواء كان مطبوخا أو غير مطبوخ وموثقة عمار تدل على حرمة النبيذ الزبيبي المطبوخ سواء كان مسكرا أو لا مادة الاجتماع هي النبيذ الزبيبي المطبوخ غير المسكر ومادة الافتراق التي يشملها دليل الحلية هو النبيذ غير المسكر الذي يكون تمريا أو يكون غير مطبوخ ومادة الافتراق التي يشملها دليل الحرمة هو النبيذ الزبيبي المطبوخ المسكر. وإذا ضممنا إلى موثقة عمار رواية أخرى يفرض دلالتها على الحرمة كموثقة عمار إلا أنها في التمر لا في الزبيب كانت نسبة رواية الحل إلى مجموع روايتي التحريم العموم من وجه أيضا إلا أن مادة الاجتماع حينئذ عنوان النبيذ المطبوخ غير المسكر زبيبا كان أو تمرا ومادة الافتراق التي يشملها دليل الحرمة هي النبيذ قبل الطبخ غير المسكر ومادة الافتراق التي يشملها دليل الحرمة هي النبيذ المطبوخ المسكر. وأما على التقدير الثاني فالمفروض أن الرواية تدل على حلية النبيذ المطبوخ غير المسكر سواء كان زبيبا أو تمريا فأيضا نسبتها إلى موثقة عمار عموم من وجه فمادة الاجتماع هي النبيذ الزبيبي المطبوخ غير المسكر ومادة الافتراق لدليل الحلية هي النبيذ التمري المطبوخ بلا إسكار ولدليل الحرمة هي الزبيبي المطبوخ المسكر. لكن إذا ضممنا إلى موثقة عمار رواية أخرى دلالتها كالموثقة إلا أنها في التمر تبين الفرق بين هذا التقدير والتقدير الأول لأن رواية الحل حينئذ تصبح أخص من مجموع روايتي الحرمة فلا يمكن تقديم مجموعهما

[ 431 ]

عليها وإلا كان معناه إلغاء عنوان الإسكار التي جعل في رواية الحل هو المناط للحرمة فتتقدم رواية الحل على مجموعهما ويقع التعارض بينهما على ما هي القاعدة العامة في أخصية دليل من مجموع دليلين. وأما على التقدير الثالث فالمفروض أن الرواية تدل على حلية النبيذ الزبيبي غير المسكر سواء كان مطبوخا أو لا والنسبة بينها وبين موثقة عمار عموم من وجه فمادة الاجتماع هي الزبيبي المطبوخ غير المسكر ومادتا الافتراق هما الزبيبي غير المسكر قبل الطبخ والزبيبي المطبوخ المسكر والآن بعد ما عرفنا صناعة المطلب نشرع في ذكر الروايات. ونبدأ بالقسم الذي يمكن دعوى أن الملحوظ فيه خصوص المطبوخ فنقول: إن هنا ثلاث روايات يمكن أن يتوهم دخولها في هذا العنوان: الرواية الأولى - رواية سماعة قال: سألته عن التمر والزبيب يطبخان للنبيذ؟ فقال: لا وقال: كل مسكر حرام وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام وقال: لا يصلح في النبيذ الخميرة وهي العكرة (1). والمسؤول مضمر لكنه الإمام بقرينة عامة ذكرناها في موارد منها في الأصول في بحث الاستصحاب. فيقال: إن قوله: كل مسكر حرام يكون بصدد إعطاء الضابط فيكون له ظهور في الحصر وهو بالطبخ ينضج ويكون متهيئا للسكر فذكر الإمام عليه السلام أولا النهي ثم أعطى الضابط وهو السكر فقبل السكر ليس حراما. وأما سند الرواية ففيه عثمان بن عيسى وفي وثاقته كلام إلا أن المختار اعتباره.


(1) وسائل الشيعة 5 / 17 من أبواب الأشربة المحرمة ج 17 ص 269.

[ 432 ]

والوجه في اختصاص هذه الرواية بما بعد الطبخ هو قوله في السؤال [ يطبخان للنبيذ ] وهي على تقدير تمامية دلالتها تكون صريحة في النبيذ الزبيبي. إلا أن هذه النسخة بهذا الشكل الذي ذكرناه جاءت في الحدائق ولا أدري هل كل نسخ الحدائق هكذا أو لا؟ إلا أنه في الوسائل لا توجد جملة - يطبخان النبيذ - وإنما يوجد بدلا عنها (يخلطان النبيذ) وقد وردت نواهي عديدة عن النبيذ المخلوط على ما ذكره بعض علماء السنة يكون أكثر سكرا وهذه النواهي تكفي لاسترعاء الانتباه إلى المخلوط بالخصوص والسؤال عنه. الرواية الثانية - رواية يونس بن عبد الرحمن عن مولى جرير بن يزيد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت له إني أصنع الأشربة من العسل وغيره فإنهم يكلفوني صنعتها فأصنعها لهم فقال: اصنعها وادفعها إليهم وهي حلال من قبل أن تصير مسكرا (1). وكلمة الصنع وإن لم يكن معناها الطبخ لكن من أظهر أفرادها أو المتيقن منها (مثلا) الطبخ ففي كل زمان يوجد من يكون صانعا للأشربة وهو طبعا يطبخ في أكثر الأحيان وهذا الشخص منهم فالرواية تقول: إن المطبوخ حلال ما لم يسكر نعم هي مطلقة من حيث الزبيبية إلا أن الرواية ساقطة سندا بمولى جرير (حر خ ل) لأنه مهمل في كتب الرجال ولم يثبت توثيقه. الرواية الثالثة - ما عن عبد الله بن حماد عن محمد بن جعفر عن أبيه في حديث أن وفد اليمن بعثوا وفدا لهم يسألون عن النبيذ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: وما النبيذ؟ صفوه لي قال يؤخذ التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ثم يوقد تحته حتى يطبخ فإذا


(1) وسائل الشيعة ج 17 ح 3 ب 38 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 433 ]

انطبخ أخرجوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماءا ثم مرس ثم صفوه بثوب ثم ألقي في إناء ثم صب عليه من عكر ما كان قبله ثم هدر وغلا ثم سكن على عكره فقال رسول الله (ص): يا هذا قد أكثرت علي أفيسكر؟ قال نعم فقال: كل مسكر حرام فرجع القوم فقالوا يا رسول الله (ص) إن أرضنا أرض دوية ونحن قوم نعمل الزرع ولا نقوى على ذلك العمل إلا بالنبيذ فقال صفوه لي فوصفوه كما وصفه أصحابهم فقال رسول الله (ص) فيسكر؟ قالوا نعم، قال: كل مسكر حرام وحق على الله أن يسقي كل شارب مسكر من طية خبال أتدرون ما طينة خبال؟ قالوا: لا. قال: صديد أهل النار (1). وهذه أحسن الروايات من حيث وضوحها في المطبوخ فالسائل يبين بأصرح بيان أنه مطبوخ ومع هذا يسأل النبي (ص) هل يسكر أو لا؟ فهي كالصريح في حلية المطبوخ غير المسكر إلا أنها في خصوص التمر في المقام ثم إنها ضعيفة سندا بإبراهيم بن إسحاق. وهناك روايات أخرى لا تختص بالمطبوخ بل ليس لها إطلاق يستفاد منه شمول المطبوخ فلا تفيد في مقام المعارضة مع موثقة عمار. فمنها - رواية حنان بن سدير قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في النبيذ فإن أبا مريم يشربه ويزعم أنك أمرته بشربه فقال صدق أبو مريم سألني عن النبيذ فأخيرته أنه حلال ولم يسألني عن المسكر ثم قال إن المسكر ما اتقيت فيه أحدا سلطانا ولا غيره قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام فقال له الرجل هذا النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أي شئ هو؟ فقال: أما أبي فكان يأمر الخادم فيجئ بقدح فيجعل فيه زبيبا ويغسله غسلا نقيا


(1) الوسائل ج 17 ب 24 من أبواب الأشربة المحرمة ح 6 ص 284.

[ 434 ]

ويجعله في إناء ثم يصب عليه ثلاثا مثله أو أربعة ماءا ثم يجعله بالليل ويشربه بالنهار ويجعله بالغداة ويشربه بالعشي وكان يأمر الخادم بغسل الإناء في كل ثلاث أيام لئلا يغتلم فإن كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ (1). فبقرينة ذيل الحديث المفسر لما أراد من النبيذ نعرف أن النظر إلى النبيذ غير المطبوخ فمناط الحرمة هو الإسكار في النبيذ غير المطبوخ فلا تدل على المقصود من أن المناط في حرمة المطبوخ هو الإسكار وإن كان صاحب الحدائق (قده) ساق جميع الروايات مساقا واحدا وجعلها دالة على المقصود من دون أن يشقق. ومنها - رواية الكلبي النسابة أنه سئل أبا عبد الله عليه السلام عن النبيذ فقال: حلال فقال: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك فقال: شه شه تلك الخمرة المنتنة قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله (ص) تغير الماء وفساد طبائعهم فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له فيعمد إلى كف من تمر فيقذف (فيلقيه خ ل) به في الشن فمنه شربه ومنه طهوره فقلت وكم كان عدد التمر الذي في الكف قال ما حمل الكف فقلت واحدة أو اثنتين فقال ربما كانت واحدة وربما كانت اثنتين فقلت وكم كان يسع الشن ماءا فقال ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك فقلت بأي الأرطال فقال: أرطال مكيال العراق (2). فالإمام (ع) يحكم أولا بحلية النبيذ ثم يقول: إننا نضع فيه الخميرة فيحكم بالحرمة لأنه مسكر فيستفاد أن المناط هو الإسكار بناءا على أن النبيذ يشمل الزبيبي لكن بقرينة ذيل الحديث يعرف أن النظر إلى غير المطبوخ.


(1) وسائل الشيعة ب 22 من أبواب الأشربة المحرمة ح 5 ص 281. (2) الوسائل ج 1 ب 2 من أبواب الماء المضاف ح 2 ص 147 و 148.

[ 435 ]

ومنها - رواية أيوب بن راشد قال: سمعت أبا البلاد يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن النبيذ فقال: لا بأس به فقال: إنه يصنع (يوضع) فيه العكر فقال أبو عبد الله (ع) بئس الشراب ولكن انتبذه غدوة واشربه بالعشي فقلت: هذا يفسد بطوننا فقال أبو عبد الله (ع) أفسد لبطنك أن تشرب ما لا يحل لك (1). فهذه الرواية أيضا بقرينة قوله: انبذه غدوة واشربه في العشي ظاهر في إرادة خصوص غير المطبوخ وأن النظر إلى مسألة طول الزمان لا الطبخ. ومنها - رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: استأذنت لبعض أصحابنا على أبي عبد الله (ع) فسأله عن النبيذ فقال حلال فقال: أصلحك الله إنما سألتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلى حتى يسكر فقال أبو عبد الله (ع) قال رسول الله (ص) كل مسكر حرام، إلى آخر الحديث (2). وهذه الرواية أحسن من سوابقها باعتبار أنه كان فيها قرينة على أن النظر منصب على غير المطبوخ وأما في هذه الرواية فلا قرينة على ذلك فيمكن دعوى الإطلاق إلا أنه يمكن أن يقال في مناقشة الإطلاق أنه عندنا عمليتان: النبيذ. الطبخ، وكل منهما يحتمل كونه منشاء للحرمة وحينما يسئل عن النييذ فالسؤال مرجعه إلى السؤال عن النبيذ بما هو نبيذ أي عن أن النبيذ هل يوجب الحرمة أو لا ولا ينظر إلى السؤال عن العملية الثانية ولا أقل من إجمال العبارة. ومنها - رواية كليب الأسدي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن النبيذ فقال إن رسوال الله (ص) خطب الناس فقال: أيها الناس ألا إن كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام (3) وهذه الرواية كسابقتها.


(1) وسائل الشيعة ج 17 ب 30 من أبواب الأشربة المباحة، ص 218. (2) الوسائل ج 17 ب 17 من أبواب الأشربة المحرمة ح 7 ص 269 وص 270. (3) = = = = = = = ح 2 ص 268.

[ 436 ]

وهناك قسم ثالث من الروايات وهي ما يكون فيها إطلاق من حيث الطبخ وعدمه فتدل على أن مناط الحرمة هو الإسكار مطلقا. فمنها - رواية حنان بن سدير عن يزيد بن خليفة وهو رجل من بني الحارث بن كعب قال: سمعته يقول: أتيت المدينة وزياد بن عبيد الله الحارثي عليها فاستأذنت على أبي عبد الله عليه السلام فدخلت عليه وسلمت عليه وتمكنت من مجلسي قال فقلت لأبي عبد الله عليه السلام إني رجل من بني الحارث بن كعب وقد هداني الله عز وجل إلى محبتكم ومودتكم أهل البيت قال: فقال لي: وكيف اهتديت إلى مودتنا أهل البيت فوالله إن محبتنا في بني الحارث بن كعب لقليل قال فقلت له جعلت فداك إن لي غلاما خراسانيا وهو يعمل القصارة وله همشهريجون أربعة وهم يتداعون كل جمعة لتقع الدعوة على رجل منهم فيصيب غلامي كل خمس جمعة فيجعل لهم النبيذ واللحم قال ثم إذا فرغوا من الطعام واللحم جاء بإجانة فملأها نبيذا ثم جاء بمطهرة فإذا ناول إنسانا منهم قال: لا تشرب حتى تصلي على محمد وآل محمد فاهتديت إلى مودتكم بهذا الغلام قال فقال لي استوص به خيرا واقرأه مني السلام وقل له يقول لك جعفر بن محمد انظر شرابك هذا الذي تشربه فإن كان يسكر كثيره فلا تقربن قليله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام قال: فجئت إلى الكوفة وأقرأت الغلام السلام من جعفر بن محمد قال: فبكى ثم قال لي: اهتم بي جعفر بن محمد (ع) حتى يقرئني السلام؟ قال قلت نعم وقد قال لي قل له انظر شرابك هذا الذي تشربه فإن كان يسكر كثيره فلا تقربن قليله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام وقد أوصاني بك فاذهب فأنت حر

[ 437 ]

لوجه الله إنه لشراب ما يدخل جوفي ما بقيت في الدنيا (1). وليس في هذا الحديث نقطة ضعف سندا إلا من حيث زيد بن خليفة الذي نصححه برواية صفوان عنه والإنصاف أنه لا بأس بدعوى أن هذه الرواية تجعل الضابط للحرمة هو الإسكار في طبيعي النبيذ إذ الرواي لم يكن في مقام السؤال عن حكم النبيذ حتى يقال إنه ظاهر في النظر إلى جانب النبيذ فقط وإنما كان في مقام نقل القصة ولم يبين أنه كان مطبوخا أو لا فيتم الإطلاق بملاك ترك الاستفصال والإمام صار في مقام الشفقة على الغلام وتنبيهه على الحرام الموجود في النبيذ ولك يذكر إلا المسكر ولو كان المطبوخ أيضا حراما لنبه ليه والنبيذ - على ما سوف يأتي إنشاء الله - يشمل التمري والزبيبي فلا بأس بهذه الرواية سندا ودلالة. ومنها - رواية صفوان الجمال قال: كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لأبي عبد الله عليه السلام أصف لك النبيذ؟ فقال: أنا أصفه لك قال رسول الله (ص): كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام فقلت له: هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة، فقال: ليس هكذا كانت السقاية إنما السقاية زمزم أفتدري أول من غيرها؟ قلت لا قال العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة، أفتدري ما الحبلة؟ قلت لا قال كرم فكان ينقع الزبيب غدوة ويشربونه بالعشي وينقعه بالعشي ويشربونه غدوة يريد به أن يكسر غلظ الماء على الناس وأن هؤلاء قد تعدوا فلا تقربه ولا تشربه (2). فقوله: أنا أصفه لك إلخ معناه أنه لا داعي إلى أن تصف لي النبيذ


(1) فروع الكافي في باب أن رسول الله (ص) حرم كل مسكر قليله وكثيره ح 16 من كتاب الأشربة والوسائل في ذيل 9 / 17 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) الوسائل ج 17 ب 17 من أبواب الأشربة المحرمة ح 3 ص 268.

[ 438 ]

وإنما أعطيك القاعدة العامة وهي: إن كان كثيره مسكرا حرم كثيره وقليله وإلا فلا، وهذه الرواية فيها خصوصية تدعونا إلى القول بإطلاقها من حيث الطبخ وعدمه وهي: أن صفوانا لو كان يقول: ما تقول في النبيذ فكان الإمام عليه السلام يقول: كل مسكر حرام، لورد ما مضى من أن النظر إلى النبيذ لا إلى الطبخ لكنه لم يقل هكذا وإنما أصبح بصدد ذكر الخصوصيات في نبيذ خاص فالإمام عليه السلام قال: لا داعي إلى ذلك والضابط العام هو الإسكار وعدمه فالرواية واضحة في جعل مناط الحرمة الإسكار في طبيعي النبيذ والرواية تامة سندا أيضا وأما موضوعها فالنبيذ مطلق يشمل الزبيبي بل ذيل الروية قرينة على تيقن الزبيبي. ومنهل - رواية معاوية بن وهب قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن رجلا من بني عمي وهو من صلحاء مواليك يأمرني أن أسئلك عن النبيذ وأصفه لك فقال: أنا أصفه لك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام، فقلت فقليل الحرام يحله كثير من الماء؟ فرد بكفه مرتين: لا لا (1). وتقريب الاستدلال بها كالرواية السابقة وسندها تام أيضا إلا أن النبيذ في هذه الرواية يشمل الزبيبي بالإطلاق لا بالصراحة كالرواية السابقة. بقي هنا إشكالان عامان قد يوردان على كثير من الروايات: أحدهما - أن يقال: إن الروايات التي موضوعها عنوان النبيذ بإطلاقه لا تشمل الزبيبي بدعوى أن النبيذ مخصوص بالتمري مستشهدا لذلك برواية عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): الخمر من خمسة: العصير من الكرم والنقيع من الزبيب والبتع من العسل والمزر


(1) الوسائل ج 17 ب 17 من أبواب الأشربة المحرمة ح 1 ص 267 وص 268.

[ 439 ]

من الشعير والنبيذ من التمر (1) فالعصير الزبيبي سماه باسم النقيع وإنما أطلق النبيذ على العصير التمري. وفيه: إن هذا لا يدل على أن كلمة النبيذ مخصوصة بالتمر وإنما هذا مجرد اتخاذ تعبير لكل قسم نعم لعله يدل على الأنسبية أو أكثرية الشيوع وهذا لا يوجب الاختصاص. وأما دعوى الحقيقة الشرعية أو المتشرعية بنحو تختص كلمة النبيذ حين تطلق في الروايات بالتمري ففيها أنه يبعد هذا الاستقرار في بناء الشرع والمتشرعة ما ورد في الروايات العديدة من إطلاق الكلمة فيها على الزبيبي بل في أكثرها (كلمة أكثرها تكون لإخراج الرواية الأولى فإنها داخلة فيما قبل بل دون ما بعد بل) استعملت الكلمة في الزبيبي بلا قرينة ثم يعلم صدفة من ذيل الحديث أنه أريد به الزبيبي ففي رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال شكوت إلى أبي عبد الله (ع) قراقر تصيبني في معدتي وقلة استمرائي الطعام فقال لي لم لا تتخذ نبيذا نشربه نحن وهو يمرئ الطعام ويذهب بالقراقر والرياح من البطن قال فقلت له صفه لي جعلت فداك قال تأخذ صاعا من زبيب فتنقيه من حبه وما فيه، إلى آخر الحديث (2). فقد أطلق في هذه الرواية النبيذ على المتخذ من الزبيب وفي رواية حنان بن سدير قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله (ع): ما تقول في النبيذ؟ فإن أبا مريم يشربه ويزعم أنك أمرته بشربه فقال: صدق أبو مريم سألني عن النبيذ فأخبرته أنه حلال وما يسئلني عن المسكر ثم قال إن المسكر ما اتقيت فيه أحدا سلطانا ولا غيره قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام فقال له الرجل: هذا


(1) الوسائل ج 17 ب 1 من أبواب الأشربة المحرمة ح 1 ص 221. (2) الوسائل ج 17 ب 5 من أبواب الأشربة المحرمة ح 4 ص 231 وص 232.

[ 440 ]

النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أي شئ هو؟ فقال: أما أبي فكان يأمر الخادم فيجئ بقدح فيجعل فيه زبيبا إلخ (1). فهذه الرواية كما ترى يؤيد إطلاق كلمة النبيذ على الزبيبي فإن فيه الحكم بحلية النبيذ وأن أبا مريم سئله عن النبيذ فأخبره أنه حلال وله ينصب في حدود ما جاء في هذا الحديث قرينة على أن المقصود هو الزبيبي أو ما يشمل الزبيبي ومع ذلك تراه في آخر الحديث حينما يريد أن يصف النبيذ يصف المتخذ من الزبيب. ومثلها رواية صفوان الجمال المتقدمة فلاحظ. والذي يطالع مجموع الروايات يشرف على القطع ببطلان دعوى اختصاص من هذا القبيل. وثانيهما أن يقال إن دوران النزاع الفقهي والديني الواسع النطاق في أوساط العامة حول حرمة القليل من النبيذ المسكر يوجب انصراف الأسئلة الموجهة إلى الأئمة من الرواة عن النبيذ إلى الاستفهام عن هذه النقطة فيكون السؤال عن النبيذ المسكر ويكون الجواب تأكيدا على حرمة كل مسكر ولا يكون للسائل نظر إلى النبيذ غير المسكر الذي لم يكن موضعا للخلاف بين المخالفين ولكن يظهر بملاحظة الروايات بطلان دعوى الانصراف المذكور ولهذا كان الإمام يجيب حينما يسأل عن النبيذ بالحلية فلو كان السؤال ظاهرا في استعلام حال النبيذ المسكر لما أجاب الإمام بذلك فلاحظ رواية عبد الرحمن بن الحجاج ورواية حنان بن سدير ورواية الكلبي النسابة ورواية أيوب بن راشد. الدليل الرابع - رواية أبي بصير قال كان أبو عبد الله (ع) تعجبه الزبيبة فقد استدل الشهيد الثاني بها وكذلك المقدس الأردبيلي على ما في الحدائق وتقريب الاستدلال أن الزبيبة طعام يطبخ ويجعل فيه الزبيب والغالب


(1) الوسائل ج 17 ب 22 من أبواب الأشربة المحرمة ح 5 ص 281.

[ 441 ]

في مثل ذلك عدم ذهاب الثلثين ويرد عليه ما أفاده في الحدائق من أننا لا نعرف الزبيبة فلعلها ما يعمل بتلك الطريقة المبينة في موثقة عمار المتقدمة أو نحو ذلك وأما انتزاع شهادة من استدلال الشهيد والمقدس بالرواية على نوع الزبيبة فهو في غير محله لأن الاستدلال قد يكون مبنيا على تشخيص اجتهادي لمعنى الزبيبة فلا يكون من باب الشهادة. الدليل الخامس - رواية إسحاق بن عمار قال: شكوت إلى أبي عبد الله (ع) بعض الوجع وقلت له إن الطبيب وصف لي شرابا آخذ الزبيب وأصب عليه الماء للواحد اثنين ثم أصب عليه العسل ثم أطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث قال أليس حلوا قلت بلى قال اشربه ولم أخبره كم العسل (1) وقوله أليس حلوا كناية عن عدم التغير المؤدي إلى الإسكار فإن حمل ذلك على الشرطية لم يدل إلا أن على الحلية في مورد السؤال المفترض فيه ذهاب الثلثين منوطة بعدم الإسكار وإن حمل على التعليل كما لا يبعد دل على كون المناط في الحرمة الإسكار ثبوتا وعدما فيكون من قبيل روايات الدليل الثالث إلا من حيث إن هذه الرواية وردت في مورد ذهاب الثلثين وعلى أي حال ففي سند الحديث إرسال يوجب سقوطه. الدليل السادس - ما ذكره الشهيد قدس سره من التمسك بروايات محللية ذهاب الثلثين لأن الزبيب عنب ذهب ثلثاه بل أكثر ويرد عليه أولا أن روايات الحرمة والحلية موضوعها العصير أي الماء السائل والعنب ليس فيه إلا رطوبات لو تجمعت لأصبحت ماءا سائلا فهو لا يحرم بالطبخ ولا يحل بذهاب الثلثين. وثانيا: لو سلم أن دليل الحرمة بالطبخ والتحليل بذهاب الثلثين يشمل العنب لكن إذا قصد بما ذكر رفع الحرمة الثابتة بدليل حرمة العصير


(1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 442 ]

العنبي فهذه الحرمة لم تكن مدعاة في المقام أصلا وإن قصد رفع الحرمة الثابت بدليل حرمة العصير الزبيبي فمن الواضح أن دليل محللية ذهاب الثلثين للعصير العنبي لا ربط له بحرمة العصير الزبيبي وقد تحصل من كل ما تقدم حلية العصير الزبيبي إذا غلا بالنار وأما إذا غلا بنفسه فهو حرام بملاك الإسكار. الجهة الثالثة في حرمة العصير التمري ومع قصر النظر على ما يختص به العصير التمري نلاحظ روايتين. الأولى رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) في حديث أنه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل قال خذ ماء التمر حتى يذهب ثلثا ماء التمر (1) والنضوح طيب كان يجعل فيه عدة عناصر منها نبيذ التمر وقوله (حتى يذهب ثلثا ماء التمر) الصادر جوابا عن قول السائل (كيف يصنع به حتى يحل) يدعى أنه ظاهر في توقف الحل على ذهاب الثلثين. الثانية رواية عمار أيضا عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن النضوح قال يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يمتشطن (2) فلولا توقف الحل على ذهاب الثلثين لم يكن وجه للأمر بذهابهما. والروايتان تامتان سندا ومن المحتمل احتمالا معتدا به كونهما رواية واحدة لتقارب المضمون جدا أو الاشتراك في الرواة الأربعة الأوائل فبحساب الاحتمالات يقرب إلى الذهن وحدتهما ولا يترتب أثر عملي على وحدتهما أو تعددهما إلا فيما إذا تمت دلالة إحدى الروايتين بصيغتها الخاصة دون الأخرى إذ مع فرض التعدد حينئذ تكفي الرواية التامة دلالة ومع فرض الوحدة لا يكفي ذلك لعدم ثبوت إحدى الصيغتين بعينها.


(1) وسائل الشيعة باب 32 من أبواب الأشربة المحرمة. (2) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 443 ]

والظاهر عدم تمامية الدلالة في الروايتين معا إذ يرد على الاستدلال بأية واحدة منهما اعتراضان متعاكسان في الخفاء والظهور بمعنى إن ورود الاعتراض الأول على الاستدلال بالرواية الأولى أظهر في ورود الثاني والرواية الثانية على العكس. الاعتراض الأول أن النظر في هذه الرواية إلى فرض التعتيق كما صرح به في الرواية الأولى وقد نقل في الحدائق عن جملة من أرباب الللغة أن النضوح كان يشتمل على ماء التمر وكان يعتق حتى يتفاعل ويستند ويغلي وهذا يعني أن مورد السؤال هو ما إذا غلا من نفسه وقد مضى أن ذلك يساوق الإسكار ولا إشكال في حرمة المسكر وهذا الاعتراض وروده على الاستدلال بالرواية الأولى واضح لوجود كلمة المعتق فيها فهو يسأل عن أنه كيف يعتق بنحو لا يحرم ويكون الجواب ناظرا إلى الحرمة الناشئة من التعتيق لا من الطبخ وأما وروده على الاستدلال بالرواية الثانية فلا يخلو من خفاء لعدم التصريح فيها بالتعتيق إلا أنه وارد مع ذلك وذلك لاحتمال أخذ العتق في مفهوم النضوح كما فسر بذلك. الاعتراض الثاني أن الرواية إذا دلت على الحرمة فهي دالة على حرمة التمشط والتطيب بهذا الطيب كما صرح بذلك في الرواية الثانية بقوله ثم يتمشطن مع أنه لا يحتمل فقهيا حرمة التطيب به في نفسه تعبدا بلا إسكار وإنما المحتمل المبحوث عنه حرمة الشرب وعليه فلابد من حمل الرواية على فرض الإسكار فلا يتم الاستدلال بها وهذا الاعتراض بالنسبة إلى الرواية الثانية واضح لمكان قوله يتمشطن وأما بالنسبة إلى الرواية الأولى فلا يخلو من خفاء لعدم التصريح بالتمشط وإن كان الظاهر وروده لأن الحلية أضيفت فيها إلى نفس النضوح وحينما تضاف الحلية أو الحرمة إلى الأعيان يعين متعلقها بمناسبات الحكم والموضوع والمناسب مع النضوح

[ 444 ]

التطيب لا الأكل والشرب. وعليه فالصحيح أن العصير التمري المغلي بالنار محكوم بالحلية كسابقه ما لم يصبح مسكرا. هذا كله فيما يتصل بالمقام الأول وهو البحث عن حرمة العصير المغلي بأقسامه الثلاثة. وأما المقام الثاني فيقع البحث فيه عن النجاسة ونتكلم فيه عن نجاسة العصير العنبي خاصة لأن احتمالها في غيره لا موجب فقهي له. وتوضيح الكلام في العصير أن هذا العصير إذا غلا من نفسه وقلنا بأن الغليان بهذا النحو يساوق الإسكار كما هو الصحيح فهو نجس أما بناءا على نجاسة كل مسكر فواضح وأما بناءا على المختار من اختصاص النجاسة بالخمر فكذلك لأن هذا خمر حقيقة كما تقدم وأما إذا غلا بالنار أو غلا بنفسه ولم يصبح مسكرا بناءا على عدم مساوقة هذا الغليان للإسكار فالظاهر عدم نجاسته وذهب بعض الفقهاء إلى النجاسة وما ينبغي أن يبحث عن دلالته على النجاسة رواية معاوية بن عمار قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف فقال: خمر لا تشربه (1) ووجه الاستدلال أن البختج المطبوخ على النصف وإن لم يكن خمرا حقيقة إلا أنه أطلق عليه الخمر بنحو الحكومة وتقتضي ذلك إثبات آثار الخمر له ومنها النجاسة. ويقع الكلام حول هذه الرواية في المتن تارة وفي الدلالة أخرى فهنا جهتان: أما الجهة الأولى وهي المتن فالصيغة الآنفة الذكر هي صيغة التهذيب


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 445 ]

وأما الكافي فلا يشتمل على كلمة خمر التي هي محور الاستدلال وعليه فصحة الاستدلال تتوقف على إثبات صيغة التهذيب ويمكن المناقشة في ذلك بعدة تقريبات. التقيب الأول - أن الكليني أضبط من الشيخ في النقل كما يظهر تتبع نتاجهما فتقدم أصالة عدم النقيصة على أصالة عدم الزيادة حتى مع البناء في حالة تساوي الراويين في الضبط على تقديم أصالة عدم الزيادة لأن احتمال الزيادة أغرب لأن البناء العقلائي على تقديم أصالة عدم الزيادة يختص بفرض التساوي والإقدام الأضبط. وفيه أنا إذا سلمنا وجود المعارضة بين المتنين وأن مقتضى البناء العقلائي تقديم من يعلم بكونه أضبط من الآخر فلم يثبت كون طرف المعارضة مع الشيخ هو الكليني المعلوم كونه أضبط إذ لعل من أنقص هو محمد بن يحيى فإن هذه الرواية رواها الشيخ الطوسي يسنده إلى أحمد بن محمد وظاهره النقل عن كتاب أحمد بن محمد الذي بدأ به السند في التهذيب وأما الكليني فقد رواها عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد ولا ندري أنه نقلها عن كتاب أحمد بن محمد أو تلقاها مشافهة أو استنساخا من محمد بن يحيى عنه فعلى تقدير التلقي بتوسط محمد بن يحيى يأتي احتمال الحذف من قبل محمد بن يحيى ولم يثبت لنا باستقراء أن محمد بن يحيى أضبط من الشيخ الطوسي هذا كله لو سلمنا وحدة أحمد بن محمد وأما إذا احتملنا كون أحدهما أحمد بن محمد بن خالد والآخر أحمد بن محمد بن عيسى جاء احتمال الخطأ في الأعلى أيضا. التقريب الثاني أن الشيخ الطوسي نقل الرواية عن كتاب أحمد بن محمد وطريقه إلى أحمد بن محمد هو الكليني سواء كان ذاك هو أحمد بن محمد بن خالد أو أحمد بن محمد بن عيسى فإذا فرض أن هذه الواسطة بنفسه أخبر بعدم كلمة الخمر قدم قوله.

[ 446 ]

وفيه أنه لو سلم التعارض وأن البناء العقلائي يقرر أن نقل الأسبق رتبة في سند الرواية مقدم على نقل من ينقل عنه إذا تعارضا فيكفي في رد هذا التقريب أن الشيخ الطوسي لم يثبت كونه روى ذلك بتوسط الكليني لأن بعض طرقه إلى أحمد بن محمد بن عيسى لا تشتمل على الكليني فلاحظ. التقريب الثالث أنه يبنى على التعارض والتساقط بعد التسليم بعدم المرجح ومعه لا يبقى دليل على تنزيل العصير العنبي منزلة الخمر. ويرد عليه أن التعارض في أمثال المقام موقوف على انتزاع شهادة من المنقص بعدم وجود الزيادة وهذه الشهادة فرع كون زيادة على نحو يوجب فصلها عما نقله المنقص تغييرا في معنى ما اقتصر المنقص على نقله وليس كذلك في المقام فإن الزيادة هنا غاية ما يدعى لها أنها تعطي معنى جديدا إلا أن معنى غيرها يتحدد على أساسها وفي مثل ذلك لا يتم انتزاع الشهادة المذكورة. التقريب الرابع إن كتاب التهذيب وإن كان متواترا إلا أن كل كلمة منه لم يثبت تواتر ها بالخصوص وإنما يبنى على وجودها بلحاظ الشهادة العملية من النساخ المعتبرة لا بلحاظ دليل الحجية لتوقفه على معروفيتهم وإحراز وثاقتهم بل بلحاظ الاطمئنان الخارجي ومن الوضح أن هذا الاطمئنان يزول مع الاطلاع على اختلاف المنقول من متن الرواية في كتابي الكافي والتهذيب. ويرد عليه أن المدعى إن كان زوال الاطمئنان بعدم تعمد الناسخ للكذب والتدليس فعهدة ذلك على مدعيه مع وضوح عدم الداعي للكذب في أمثال المقام وإن كان زوال الاطمئنان بعدم الغفلة والخطأ فلا يضر ذلك لجريان أصالة عدم الغفلة وكون الناسخ غير محرز الوثاقة لا يضر بجريان هذا الأصل لوضوح عدم اختصاصه عقلائيا بالثقاة. التقريب الخامس أن أصل وجود الزيادة المذكورة في كتاب التهذيب لم يثبت لأن النسخ التي بأيدينا فعلا منه وإن كانت مشتملة عليها إلا أن

[ 447 ]

صاحب الوافي وصاحب البحار وصاحب الوسائل اتفقوا على نقل الرواية عن التهذيب مع إسقاط كلمة خمر وهذا يكشف على الأقل عن اختلاف نسخ التهذيب فتسقط هذه الكلمذ عن الحجية بل قد يتعين ترجيح النسخة المنظورة لأصحاب الوافي والبحار والوسائل لوجود طرق معتبرة لهم إلى التهذيب بينما لا يوجد لما يتوفر فعلا من نسخ التهذيب طريق معتبر يضمن ثبوت كل كلمة فيها. وكلما تعارضت نسختان لإحداهما طريق معتبر قدمت على الأخرى. ودعوى أن أصحاب تلك المجاميع حيث إنهم كانوا في مقام نقل الرواية عن الكافي والتهذيب معا فقد غفلوا عن الفارق بين النسختين بشهادة اشتهار تثبيت كلمة الخمر في الرواية عند نقلها عن التهذيب والاستدلا بها على النجاسة. مدفوعة بأن الحمل على الغفلة خلاف الظاهر خصوصا في صاحبي الوافي والبحار حيث نقلا الرواية عن الكليني والشيخ في عرض واحد بينما نقلها الشيخ الحر عن الكليني ثم أشار إلى رواية الشيخ لها وأما الاشتهار المذكور فهو غير واضح لأن هذه الرواية لم يستدل بكلمة الخمر فيها على النجاسة إلا من قبل الملا محمد أمين الاسترابادي من فقهائنا المتقدمين على الثلاثة أصحاب المجاميع وقد اشتبه قدس سره في نقلها إذ ذكر أنها رواية محمد بن عمار ولم يسندها إلى كتاب التهذيب بالخصوص ولم أجد في كتب أصحابنا السابقين عليه الاستدلال بالرواية على النجاسة على أساس تثبيت كلمة الخمر فيها بل صرح جملة منهم كالشهيد الأول بأنه لم ير دليلا على نجاسة العصير العنبي بينما ذكر بعد سطرين من ذلك أن الفقاع نجس لأنه أطلق عليه الخمر في كلام الإمام فلو كان واقفا على كلمة الخمر في رواية التهذيب لكان من المترقب أن يشير إلى إمكان استفادة النجاسة من ذلك.

[ 448 ]

[ سواء غلى بالنار أو بنفسه (1) وإذا ذهب ثلثاه صار حلالا (2) سواء كان بالنار أو بالشمس أو بالهواء (3) بل الأقوى حرمته ] وأما الجهة الثانية وهي الكلام في دلالة الرواية فيمكن أن يورد عليها بأمرين الأول أن تطبيق كلمة الخمر على العصير المذكور كما يمكن أن يكون بعناية الحاكمية ادعاءا وكذلك يمكن أن يكون تطبيقا حقيقا مع إعمال عناية في التقييد بخصوص ما صار مسكرا من البختج ومع التساوي بين إعمال العناية في نفس التطبيق والحمل وإعمال العناية في تقييد المحمول عليه لا يتم الاستدلال. الثاني أن كلمة لا تشربه قد تكون تفريعا على تطبيق الخمر على العصير وقد تكون تفسيرا للمراد من ذلك التطبيق إذا كان مرجع التطبيق إلى التنزيل. فعلى الأول يصح التمسك بإطلاق التنزيل بخلافه على الثاني ومع عدم ظهور الكلام في أحد الوجهين يسري الإجمال إلى التنزيل فلا يمكن التمسك بإطلاقه. وهكذا يتضح عدم وجود دليل على نجاسة العصير وأن الأقرب طهارته. (1) تقدم في الجهة الأولى من المقام الأول في التعليقة السابقة أن المغلي بنفسه بقطع النظر عن الروايات الخاصة لإسكاره وأما المغلي بالنار فيتوقف إثبات الحرمة له على تمامية دلالة الروايات الخاصة وقد فصلنا الكلام في ذلك. (2) تقدم الكلام عن ذلك في المسألة الأولى من مسائل الجهة الأولى في المقام الأول واتضح أن المغلي بالنار لا خلاف في أنه يحل بذهاب الثلثين وأما المغلي بغير النار ففي حليته بذلك خلاف وقد مر بحث ذلك مفصلا هناك. (3) هذه هي المسألة الثانية من مسائل الجهة الأولى المتقدمة.

[ 449 ]

[ بمجرد النشيش وإن لم يصل إلى حد الغليان (1) ولا فرق بين العصير ونفس العنب فإذا غلى نفس العنب من غير أن يعصر كان حراما (2). وأما التمر والزبيب وعصيرهما فالأقوى عدم حرمتهما أيضا بالغليان وإن كان الأحوط الاجتناب عنهما أكلا (3) بل من حيث النجاسة أيضا. (مسألة 2): إذا صار العصير دبسا بعد الغليان قبل أن يذهب ثلثاه فالأحوط حرمته (4) وإن كان لحليته وجه وعلى هذا فإذا استلزم ذهاب ثلثين احتراقه فالأولى أن يصب عليه مقدار من الماء فإذا ذهب ثلثاه حل بلا إشكال. (مسألة 3): يجوز أكل الزبيب والكشمش والتمر في الأمراق والطبيخ وإن غلت (5) فيجوز أكلها بأي كيفية كانت ] (1) تقدم تحقيق ذلك في المسألة الثالثة من مسائل الجهة الأولى. (2) هذه هي المسألة الرابعة من مسائل الجهة الأولى. (3) تقدم تفصيل الكلام في ذلك في الجهتين الثانية والثالثة من المقام الأول كما تقدم الكلام عن النجاسة في المقام الثاني وقد اتضح أن ما في المتن من عدم الحرمة وعدم النجاسة هو الصحيح. (4) وإن كان الظاهر عدم الحرمة وقد مر تحقيق الكلام في ذلك في المسألة الخامسة من مسائل الجهة الأولى فلاحظ. (5) وأما بناءا على عدم حرمة العصير الزبيبي والتمري فواضح وأما بناءا على الحرمة مع عدم الالتزام بالنجاسة فإن كان موضوع الحرمة هو

[ 450 ]

[ على الأقوى. العاشر الفقاع (1) وهو شراب متخذ من الشعير على وجه مخصوص ويقال: إن فيه سكرا خفيا وإذا كان متخذا من غير الشعير فلا حرمة ولا نجاسة إلا إذا كان مسكرا. ] العصير الزبيبي فمن الواضح جواز الاستعمال في المقام لأن نفس الزبيب ليس عصيرا والمرق مجموعه لا يصدق عليه العصير وإنما يصدق هذا العنوان - لو سلم - على القطرات التي امتصها الزبيب من المرق وهي مستهلكة في مجموعه وإن كان موضوع الحرمة من قبيل ما ورد في بعض الروايات من عنوان ماء وضع فيه الزبيب فطبخ فهو يصدق على المرق ويكون حراما وأما بناءا على النجاسة فيحرم مجموع المرق وينجس ولا ينافي ذلك الاستهلاك المشار إليه لأنه من استهلاك النجس بعد الملاقاة. (1) المعروف بين فقهائنا نجاسة المفقاع بل جعله نجسا بعنوانه في مقابل المسكر وما يمكن أن يستدل به على ذلك أحد وجوه. الأول - دعوى الإجماع غير أنه تقدم أن هذه الدعوى لم تكن كافية لإثبات النجاسة في الخمر فكيف بالفقاع. الثاني - ما دل على نجاسة الفقاع بعنوانه وهو رواية هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عن الفقاع فقال لا تشربه فإنه خمر مجهول وإذا أصاب ثوبك فاغسله (1). والرواية تامة دلالة بلحاظ الأمر بالغسل إلا أنها ساقطة سندا بالإرسال. الثالث - دليل الحكومة وهو ما دل من الروايات على تطبيق عنوان الخمر على الفقاع فيستفاد منه إجراء تمام الأحكام بما فيها النجاسة تمسكا بإطلاق التنزيل فلاحظ روايات الوشا وابن فضال وعمار ومحمد بن سنان


(1) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 451 ]

والحسن بن الجهم وزاذان (1). وقد ورد في بعضها: هي الخمر بعينها وفي بعضها التعبير بالخميرة وفي بعضها هو خمر مجهول أو خمرة استصغرها الناس. والتحقيق: أنا إذا بنينا على نجاسة كل مسكر تعين القول بنجاسة الفقاع باعتباره مسكرا بلا حاجة إلى التمسك بإطلاق التنزيل في هذه الروايات لأن الفقاع مختص لغة بالمغلي بنفسه وإنما سمي فقاعا لما يظهر عليه من الزبد والتفقع وهذا مسكر فيكون نجسا بناءا على ذلك. وإذا بنينا بلحاظ سائر الأدلة على اختصاص النجاسة بالخمر بالمعنى الأخص فلا يمكن أن نثبت بهذه الروايات نجاسة الفقاع لأنه بني على أن يراد بالخمر فيها الخمر بالمعنى الأخص ويكون التطبيق على الفقاع عنائيا من باب التنزيل مع أنه يمكن أن يراد بالخمر المعنى الأعم وهو المسكر ويكون التطبيق حقيقيا والعناية في الكلمة لا في التطبيق والمقصود من الروايات عندئذ علاج الشبهة المفهومية للإسكار بتوضيح أن مفهومه يشمل المراتب الضعيفة من التأثير الموجودة في الفقاع أو علاج الشبهة الموضوعية بالكشف عن وجود الإسكار ولا تستفاد منه نجاسة الفقاع عندئذ لأن النجاسة على هذا المبنى ليست من أحكام طبيعي المسكر ولا معين للاحتمال الأول في مقابل الثاني بل هناك ما يشهد للثاني ويعززه فإن التعبير بأنه خمر مجهول يناسب التطبيق الحقيقي لا العنائي الإنشائي وكذلك التصغير في قوله: " خميرة " فإنه لا يناسب التطبيق الإنشائي ويناسب التطبيق الحقيقي ومما يشهد أيضا للتطبيق الحقيقي التأكيد في مثل قوله: " هي الخمر بعينها " فإنه يناسب القضية التي لها صدق وكذب وكذلك التعبير باستصغار الناس لخمرية الفقاع فإن التطبيق لو كان إنشائيا لا يعبر عن شئ خارج نطاق الإنشاء فما معنى فرض استصغار الناس له. وقد تلخص مما تقدم أن الفقاع مسكر ونجاسته تتوقف على إثبات نجاسة كل مسكر.


(1) وسائل الشيعة باب 25 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 452 ]

[ (مسألة 4): ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في معالجاتهم ليس من الفقاع (1) فهو طاهر حلال. ] (1) لأن الفقاع ما اتخذ من الشعير على وجه مخصوص كما عبر الماتن في المسألة السابقة فليس كل ماء شعير فقاعا والظاهر أن ما يميز الفقاع عن ماء الشعير الطبي هو الغليان بنفسه المساوق لصيرورته مسكرا وهذا هو الضابط فإذا لم يكن ماء الشعير مسكرا فلا يوجب للحكم بنجاسته لا بلحاظ أدلة نجاسة طبيعي المسكر ولا بلحاظ الروايات الخاصة المتقدمة في الفقاع. أما الأول فواضح وأما الثاني فلما عرفت من اختصاص الفقاع بالمغلي بنفسه المساوق للإسكار. ثم لو قيل بأن الفقاع يشمل حقيقة غير المسكر أيضا فقد يتوهم حينئذ إمكان إثبات نجاسته بالروايات المتقدمة التي تطبق عنوان الخمر على الفقاع بدعوى التمسك بإطلاقها للفقاع غير المسكر أيضا. ولكن يندفع ذلك بأن الخمر المطبق في تلك الروايات على الفقاع: إن كان بالمعنى الأعم وهو طبيعي المسكر فيلزم من شمول الفقاع المطبق عليه للمكسر وغيره الجمع بين التطبيق الحقيقي والتنزيل العنائي في حمل واحد لأن حمل العنوان على المسكر من الفقاع حقيقي وعلى غيره عنائي وهذا الجمع حتى لو كان معقولا لا يمكن إثباته بالإطلاق لما فيه من العناية وإن كان الخمر المطبق في تلك الروايات على الفقاع بالمعنى الأخص وهو المسكر العنبي فالحمل عنائي على كل حال حتى بالنسبة إلى المسكر من الفقاع فلا يلزم من إطلاق الفقاع للمسكر وغيره الجمع بين الحقيقة والعناية في حمل واحد غير أن العناية المقدمة لحمل الخمر على المسكر من الفقاع عناية عرفية وهي مشابهة للخمر في أظهر الخصائص وأما عناية حمل الخمر على غير المسكر فهي غير عرفية وترجع إلى مجرد الادعاء والتنزيل التعبدي وحينئذ تكون عرفية العناية الأولى بنفسها مانعة عن انعقاد الإطلاق بنحو يشمل الفقاع غير المسكر أيضا وفي بعض الروايات ما يدل على الحلية والطهارة في فقاع غير المسكر.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية