الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح العروة الوثقى - السيد محمد باقر الصدر ج 2

شرح العروة الوثقى

السيد محمد باقر الصدر ج 2


[ 1 ]

بحوث في شرح العروة الوثقى تأليف محمد باقر الصدر الجزء الثاني

[ 2 ]

ماء المطر اعتصامه - شروط الاعتصام - مظهريته -

[ 3 ]

حدود المطهرية - فروع وتطبيقات

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل [ ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري فلا ينجس ما لم يتغير وان كان قليلا سواء جرى من الميزاب أو على وجه الارض أم لا (1). ] (1) تعرض - قدس سره - في هذه العبارة إلى جهتين: احداهما أصل اعتصام ماء المطر، والاخرى عدم اشتراط هذا الاعتصام بالجريان. أما الجهة الاولى، فلا اشكال، فتوى - وارتكازا - في اعتصام ماء المطر. وأما بمقتضى صناعة الدليل: فروايات انفعال الماء القليل وان كان جملة منها لا إطلاق فيها لماء المطر، ولكن ما كان من قبيل مفهوم: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ) كاف لاثبات انفعال ماء المطر القليل، باطلاقه، لان المفهوم بلحاظ افراد الماء انحلالي، وان لم يلتزم بانحلاليته بلحاظ افراد النجس، فلابد إذن من مقيد. وما يمكن الاستدلال به للتقييد عدة روا يات، منها رواية الكاهلي، عن رجل عن أبي عبد الله في حديث (قال: قلت: يسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير، وأرى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات علي، وينتضح علي منه، والبيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا. قال: ما بذا بأس، لا تغسله، كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر) (1): ومن


(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 5.

[ 6 ]

الواضح ان الجمل التي ساقها الراوي انما هي بعناية اثبات مرور المطر على النجاسة، وملاقاته لها، فحكم الامام بنفي البأس واضح الدلالة على الاعتصام ودعوى: ان مورد الرواية تغير ماء المطر، ولا اشكال في انفعاله بالتغير ومع عدم العمل بها في موردها لا يمكن التمسك بها لاثبات المطلوب. يمكن دفعها: بأن قول الراوي (أرى فيه التغير... الخ) ليس ظاهرا في دعوى رؤية التغير بعين النجس، وانما يدل على رؤية التغير ووجود آثار القذر في الماء، فيمكن أن يكون المرئى هو التغير بأوساخ السطح، ويكون المقصود من بيان ذلك التأكيد على ان الماء جرى على السطح، ومر على المواضع النجسة منه، بدليل ما صحبه من آثار القذر خصوصا مع بعد امكان تمييز الراوي للتغير وكونه تغيرا بعين النجس بمجرد رؤية ماء المطر وانما الذي يتاح بالرؤية عادة مشاهدة أصل التغير. ولكن مع هذا لا يمكن التعويل على الرواية المذكورة من جهة الارسال. ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع): (في ميزابين سالا أحدهما بول، والاخر ماء المطر، فاختلطا، فأصاب ثوب رجل، لم يضره ذلك) (1) ودلالتها على الاعتصام واضحة. وقد يستشكل في ذلك بأن فرض الاختلاط بين البول وماء المطر واصابة المختلط للثوب كون البول محفوظا بالفعل وغير مستهلك، وفي مثل هذه الحالة لا اشكال في انفعال الماء، بل لا اشكال في انفعاله إذا تغير بالبول ولو مع استهلاك البول فيه فكيف يمكن الاستدلال بالرواية؟. والجواب: ان هذا مبني على ان فاعل (أصاب) هو نفس فاعل (اختلطا)، أي المختلط المركب من البول والماء، إذ قد يكون له ظهور حينئذ في فعلية الاختلاط حين الاصابة، ولكن الظاهر ان فاعل أصاب هو المتحصل بعد الاختلاط،


(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 4.

[ 7 ]

والمتحصل بعد الاختلاط من ميزاب ماء وميزاب بول قد يكون ماء محضا، لاستهلاك البول فيه. ولو فرض الاجمال في فاعل أصاب، وتردده بين المختلط وبين المتحصل بعد الاختلاط، أمكن رفع الاجمال وتعيين الثاني، بضم الدليل القطعي على عدم الطهارة في فرض فعلية الاختلاط. وقد يستشكل أيضا مع التسليم بأن فاعل (أصاب) هو المتحصل بعد الاختلاط: بأن هذا ينطبق على صورة عدم استهلاك البول، أو استهلاكه مع تغير ماء المطر به، فيلزم من ذلك طهارة الماء الذي أخرجه البول عن الاطلاق أو غيره وهو باطل جزما. والجواب ان مرجع ذلك إلى دعوى وجود الاطلاق في الرواية لهذه الصورة، والاطلاق قابل للتقييد هذا، على ان فرض كون البول بنسبة تقتضي انخفاظه وعدم اندكاكه في ماء المطر ليس فرضا عرفيا اعتياديا في نفسه، لان ماء المطر لا يجرى بعناية شخص، ومن أجل ذلك فهو لا يجرى إلا إذا كان بدرجة عالية من الكثرة، والبول انما يجري عادة بعناية تبول صبي ونحوه، فهو يجري ولو كان ضئيلا. وعدم عرفية الفرض المذكور بنفسه يكون قرينة على انصراف الذهن العرفي في مقام فهم مورد الرواية إلى الفرض الاخر العرفي وهو فرض استهلاك البول، ولا يبقى حينئذ إلا الشمول لمورد التغير بالاطلاق القابل للتقييد. ومنها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): (أنه سأل عن السطح يبال عليه، فتصيبه السماء، فيكف فيصيب الثوب. فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه) (1). وتوضيح الكلام في الاستدلال بالرواية: انا إذا لاحظنا جملة لا بأس به نجد أن الضمير المجرور فيها المنفي عنه البأس مردد في بادئ الامر بين ماء


(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 1.

[ 8 ]

المطر الذي ينزل على السطح، أو السطح، أو الماء الذي يكف منه على الثوب أو الثوب. وقد يستظهر ان المنفي عنه البأس هو نفس ما يكون محطا لنظر السائل، وحيث ان كلام السائل ظاهر في ان السؤال متجه نحو الثوب، وما وكف عليه من ماء المطر، لا نحو السطح بما هو، بقرينة أنه لم يكتف بفرض السطح ونزول المطر عليه، بل فرض وكوف المطر من السطح ووقوعه على الثوب، فلو كان المقصود استطلاع حال السطح لما كان هناك موجب عرفي لهذا الافتراض الزائد، وعليه فيكون المنفى عنه البأس هو الثوب، أو الماء الذي أصابه من السطح. وقد يستظهر بصورة معاكسة ان مرجع الضمير المجرور المنفي عنه البأس هو نفس مرجع الضمير في قوله (ما أصابه من الماء أكثر)، لظهور الكلام في وحدة مرجع الضميرين، ومرجع الضمير في قوله (ما أصابه) هو السطح لا الثوب، إذ لم يفرض في الثوب أنه أصابه بول، وانما فرض ذلك في السطح، فيكون الظاهر من الضمير المجرور المنفي عنه البأس هو السطح أيضا. وهذا الاستظهار هو المتعين، ولا ينافيه ظهور الضمير المجرور في قوله (لا بأس به) في الرجوع إلى ما هو مصب سؤال السائل، لان صيغة السؤال تناسب التوجه إلى حكم السطح أيضا، وليست ظاهرة في انحصار نظر السائل في الثوب. وعليه فتكون الجملة الاولى في جواب الامام (لا بأس به) متكفلة للحكم بمطهرية ماء المطر للسطح. وأما بناء على ارجاع الضمير المجرور إلى الماء النازل من السطح أو الثوب فلا تكون الجملة الاولى متكفلة للمطهرية المذكورة مباشرة، بل تكون دالة بالمطابقة حينئذ على طهارة الماء النازل، أو الثوب، وتحتاج استفادة طهارة السطح من هذه الجملة حينئذ إلى تقريب، من قبيل أن

[ 9 ]

يقال: ان الغالب في الماء النازل من السطح أن يكون نزوله بعد انقطاع المطر، وصيرورته ماء غير معتصم، فلو لم يكن السطح قد طهر بنزول المطر عليه لتنجس الماء بعد انقطاع المطر عنه بسبب السطح، فما يدل على طهارة الماء النازل يدل بالالتزام حينئذ على طهارة السطح. وهذا التقريب غير تام - بناء على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس الخالي من عين النجس - لان السطح بعد انقطاع المطر عنه ان كان محتويا على عين النجس بالفعل فلا اشكال في عدم طهارته، وان لم يكن محتويا على ذلك ولو باعتبار استهلاك ما كان عليه من بول في ماء المطر حال تقاطره من السماء فلا يكون ماء المطر بعد انقطاع التقاطر من السماء ملاقيا مع عين النجس، بل مع المتنجس على تقدير بقاء السطح على نجاسته، فلا يلزم من عدم فرض طهارة السطح نجاسة الماء النازل منه، ما دام الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس. وعلى كلا التقديرين: لا اشكال في دلالة نفي البأس على اعتصام ماء المطر لان المفروض في مورد الرواية ملاقاته للسطح الذي يبال عليه، وهو يقتضي أحيانا ملاقاة الماء لنفس البول. فإذا كان المنفي عنه البأس مباشرة في قوله: (لا بأس به) هو الماء النازل أو الثوب دل على طهارة هذا الماء، ولو كان ملاقيا للنجس، وهو معنى الاعتصام. وإذا كان المنفي عنه البأس مباشرة هو السطح، فلا اشكال أيضا في دلالة قوله (لا بأس به) على نفي المحذور فيما فرضه السائل، بتمام مراحله من السطح والماء النازل والثوب إذ لو كان الماء النازل والثوب نجسين مع ارتفاع النجاسة عن السطح، لم يكن معنى لاقتصار الامام في مقام الجواب على نفي البأس عن السطح، وعدم التعرض لنجاسة الماء النازل والثوب، فالقول المذكور يدل أيضا على طهارة الماء النازل ضمنا، وبذلك يثبت الاعتصام.

[ 10 ]

وقد يستشكل في الاستدلال بالرواية المذكورة: بأن نفي البأس الذي هو محط الاستدلال قد علل بأن ما أصاب السطح من ماء أكثر من البول وهذا يعني ان مناط اعتصام ماء المطر أو مطهريته مجرد أكثريته من البول ولو مع انخفاظ البول أو تغير الماء به، ومع وضوح عدم امكان الالتزام بذلك وبطلانه يكون الكلام مجملا، ويسرى الاجمال إلى الجملة المعللة، ويتعذر الاستدلال بها. والجواب ان مقتضى الجمود على لفظ الاكثرية وان كان ذلك، ولكن هذا الجمود ليس عرفيا، بقرينة انه لم يفرض هناك بول موجود بالفعل على السطح عند نزول المطر، وانما فرض سطح يبال عليه، وهذا أعم. فان اريد بالجمود المذكور تفسير الاكثرية بأكثرية ماء المطر من البول الموجود فعلا، فهذا خلاف الظاهر، إذ لم يفرض وجود بول بالفعل، وان اريد بذلك تفسير الاكثرية بأكثرية ماء المطر مما أصاب السطح من البول طيلة المدة، فهذا أيضا ليس عرفيا لان الاكثرية بهذا المعنى ليس للمستعلم طريق عرفي إليها، وانما هناك طريق عرفي إلى معرفة الاكثرية بلحاظ الاثر، لا بحسب الكمية، والاكثرية بلحاظ الاثر مساوقة للقاهرية وعدم تغير الماء بأوصاف البول. فان كان المنظور في الجملة الاولى (لا بأس به) الحكم بمطهرية المطر للسطح، فتكون الجملة الثانية في مقام بيان ضابط هذه المطهرية، وهي الاصابة مع عدم تغير ماء المطر، وان كان المنظور في الجملة الاولى الحكم بطهارة الماء النازل من السطح، فتكون الجملة الثانية في مقام بيان ضابط هذه الطهارة، وان ماء المطر ما دام قاهرا على أوصاف النجس لا ينفعل، وهو معنى الاعتصام. ومنها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) (قال: سألته عن البيت يبال على ظهره، ويغتسل من الجنابة، ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من

[ 11 ]

مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال إذا جرى فلا بأس به) (1) وقد فرض في الرواية ان السطح متنجس بالبول، ومع هذا حكم بطهارة الماء وجواز الوضوء منه. واطلاقه يشمل صورة وجود عين البول على السطح عند نزول المطر، وهذا معنى الاعتصام. ودعوى: ان الرواية ليست مختصة بفرض الملاقاة مع عين البول، وانما تدل على طهارة المطر في هذا الفرض بالاطلاق، فتكون معارضة بالعموم من وجه مع اطلاق الماء في مفهوم أخبار الكر لماء المطر، الدال على انفعال الماء القليل بعين النجس ولو كان ماء مطر، وبعد التساقط يرجع إلى اصالة الطهارة. مدفوعة في هذه الرواية وفيما يناظرها: بأن شمول الرواية لملاقاة عين النجس وان كان بالاطلاق، ولكن لما كان هذا الفرد فردا متعارفا بالنسبة إلى السطح الذي يبال عليه وشائعا، لا يكون اخراجه من الاطلاق عرفيا، بل يكون الاطلاق بنفسه قرينة عرفية على إخراج ماء المطر عن موضوع المفهوم في اخبار الكر. هذا إذا لم نقل بأن مفهوم اخبار الكر دال على انفعال القليل بالنجس والمتنجس، وإلا كانت رواية علي بن جعفر أخص مطلقا من المفهوم، لا معارضة بالعموم من وجه. ومنها: ما ورد عن علي بن جعفر أيضا (قال: وسأله عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر، فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله، ويصلي فيه ولا بأس) (2). وهذه الرواية - بعد فرض عدم ظهورها في فرض انقطاع ماء المطر عند صب الخمر في الماء - تكون مع ضم دليل نجاسة الخمر دالة على اعتصام ماء المطر، بمعنى ان اعتصامه مستفاد من مجموع الدليلين (هذه


(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 2. (2) ذيل الرواية السابقة.

[ 12 ]

الرواية ودليل نجاسة الخمر)، فان استظهر منه فعلية التقاطر عند صب الخمر فهو، والا قيد اطلاقه لما إذا صب الخمر بعد انقطاع التقاطر بالروايات الخاصة الدالة على انفعال ماء الاناء ونحوه بملاقاة النجس. وأما الجهة الثانية وهي في اشتراط الاعتصام بالجريان، وعدم كفاية صدق ماء المطر بدونه: فالكلام فيها يقع، تارة: في تحصيل اطلاق في أدلة اعتصام ماء المطر يشمل صورة عدم الجريان، ليكون المقتضى للاعتصام اثباتا تاما، بقول مطلق. واخرى: في ما يصلح أن يكون مقيدا للاطلاق على فرض وجوده فمع عدم وجود الاطلاق، أو وجوده ووجود المقيد معا، يتعين القول بالاشتراط. أما الكلام في الامر الاول: فأكثر روايات الباب المعتبرة واردة في مورد الجريان، وليس فيها ما يدل على تعليق الحكم بالاعتصام على عنوان ماء المطر في نفسه، ليقال باطلاقه لعدم توقف صدق هذا العنوان على الجريان ففي صحيحة هشام بن الحكم فرض (ميزابان سالا)، وفي صحيحة هشام بن سالم فرض (ان السماء تصيب السطح وينزل الماء من السطح) وهذا لا يكون عادة إلا مع كون الماء بدرجة معتد بها من الكثرة والجريان وغاية ما يمكن أن يحتمل فيه الاطلاق قوله في صحيحة هشام بن سالم: (ما أصابه من الماء أكثر)، بدعوى ان هذا التعليل يقتضي إناطة الحكم بالمطهرية والاعتصام) بمجرد أكثرية ماء المطر وقاهريته، دون فرق بين فرض جريانه وعدمه، فلو تمت هذه الدعوى يبحث حينئذ في الامر الثاني وهو المقيد بالجريان. والجريان أما شأني أي كون الماء بحيث يجري لو وقع على الارض الصلبة، أو فعلي وهو ما يكون جاريا بالفعل. وقد يقال حينئذ في نفي اشتراط الجريان أنه ان اريد الجريان الفعلي فلازمه ان أدنى ماء على الارض الصلبة يكون معتصما لجريانه، وما هو

[ 13 ]

أغزر منه كثيرا مما يقع على أرض معيقة عن الجريان غير معتصم، وهذا على خلاف الارتكاز العرفي. وان اريد الجريان الشأني فلا دليل على اشتراطه، لان الروايات التي أخذ فيها قيد الجريان ظاهرة في فعلية الجريان كما هو الحال في سائر العناوين. ويندفع هذا الكلام: بأن اشتراط الجريان الفعلي إذا كان على خلاف الارتكاز العرفي، فهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينه على كون الجريان المأخوذ شرطا في الروايات، بمعنى الجريان الشأني أو بكلمة اخرى: يكون قرينة على أنه شرط على وجه الطريقية وبما هو معبر عن غزارة الماء، لا على وجه الموضوعية، فلابد إذن من ملاحظة ما يستدل به من الروايات على اعتبار الجريان، فان تمت دلالتها على ذلك حملناها بقرينة الارتكاز المذكور ومناسبات الحكم والموضوع العرفية على كونه معتبرا بنحو الطريقية. وأهم هذه الروايات صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، التي ورد فيها قوله (إذا جرى فلا بأس به) فتكون مقيدة للمطلقات على فرض وجودها. وقد يستشكل في ذلك: تارة بحمل الجريان فيها على الجريان من السماء، فيكون المقصود من الشرطية المذكورة اشتراط التقاطر من السماء في مقابل الانقطاع. واخرى بحمل اشتراط الجريان على خصوصية في مورد الرواية، وهي ان ماء المطر يقع على مكان متخذ مبالا، وفي مثل هذا المكان إذا لم يجر الماء يتغير عادة، فلهذا جعل الجريان شرطا في بقاء الماء على الطهارة. وكلا الاستشكالين في غير محله: اما الاول فلان الجريان ينصرف إلى الجريان الافقي دون العمودي، ولو اريد اشتراط التقاطر من السماء لكان المناسب التعبير، (بأنه إذا كان جاريا فلا بأس) لا بأنه (إذا جرى فلا بأس) فان التعبير الثاني ظاهر في كفاية حدوث الجريان، وهذا إنما يناسب شرطية الجريان على الارض. وأما الثاني فلان ظاهر أخذ

[ 14 ]

[ بل وان كان قطرات بشرط صدق المطر عليه وإذا اجتمع في مكان وغسل فيه النجس طهر وان كان قليلا (1) لكن ما دام يتقاطر عليه من السماء (2). ] الجريان على ظهر البيت شرطا أخذه بعنوانه، لا باعتباره ملازما لامر آخر وهو عدم التغير، فحمله على عدم التغير بلا قرينة غير صحيح. خصوصا ان المقصود من التقييد بالجريان إذا كان التحفظ من ناحية التغير، على أساس ان الجريان يساوق الكثرة المانعة عن التغير فهذا المقصود حاصل بدون حاجة إلى التقيد بالجريان، لان سؤال الراوي عن أخذ الماء منه للوضوء بنفسه يدل على كثرته، بنحو يمكن اغتراف الماء منه للوضوء، وإذا كان المقصود من التقييد بالجريان التفحظ من التغير على أساس ان الجريان يوجب تحرك الماء عن الموضع النجس، وعدم مكثه عليه بنحو يتغير به، فلازم ذلك التقييد بالجريان من الموضع النجس إلى غيره، لا بصرف الجريان كما وقع في الرواية. (1) بمعنى أنه لا يشترط في التطهير بماء المطر القليل وروده على المتنجس، بل يحصل بورود المتنجس عليه، وسوف يأتي الكلام في تحقيق ذلك ان شاء الله تعالى. (2) تحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: أحدهما في اشتراط بقاء التقاطر في الحكم بالاعتصام. والاخر في أنه هل يشترط في التطهير بماء المطر ورود الماء على المتنجس أو لا. أما المقام الاول فتفصيله: ان لدينا أربع مراتب من ماء المطر، الاولى: الماء المتلبس بفعلية النزول من السماء، وتنتهي هذه المرتبة باستقرار الماء على الارض. الثانية الماء المتصل بالسماء، والاتصال أعم من النزول إذ يصدق على الماء المستمر ما دام التقاطر عليه فعليا لانه نحو اتصال،

[ 15 ]

فهذه المرتبة أوسع من الاولى. الثالثة: الماء المتصل بالسماء ولو بنحو من العناية، أي المتهيئ، للاتصال، فيشمل الماء المستقر الذي انقطع عنه التقاطر شخصا مع بقاء التقاطر في مواقع أخرى قريبة، بنحو ينتزع من ذلك الماء عنوان التهيؤ والصلاحية للاتصال. الرابعة: الماء الناشئ من السماء. فيشمل الماء بعد انقطاع المطر عنه بالمرة، وهذه المرتبة أوسع المراتب. فلابد من ملاحظة دليل اعتصام ماء المطر ومناسبته مع أي مرتبة من هذه المراتب. وتوضيح ذلك ان كلمة المطر تارة تستعمل في اسم المعنى المصدري أي في الماء النازل من السماء واخرى في نفس المعنى المصدري أي عملية النزول وبذلك يكون مصدرا قابلا للاشتقاق منه فيقال مثلا مطرت السماء فان اريد بالمطر - في جملة (ماء المطر) المحكوم باعتصامه في دليل الاعتصام - اسم المعنى المصدري، فالاضافة في الجملة المذكورة تكون اضافة بيانية، أي ماء هو المطر. وان اريد بالمطر نفس المعنى المصدري، فالاضافة نشوية، ولا معنى لكونها بيانية، أي ماء ناشئ من عملية النزول من السماء. وعلى الاول: إذا لم نعمل أي عناية في مفهوم المطر، اختص عنوان ماء المطر بالمرتبة الاولى، وإذا أعملنا عناية في توسيع الماء النازل من السماء بنحو يشمل ما استقر منه على الارض مع اتصاله بما يتقاطر عليه باعتباره امتدادا للماء النازل، انطبق العنوان على المرتبة الثانية، وإذا أضفنا إلى تلك العناية عناية ان ما هو متهيأ للاتصال بحكم المتصل، انطبق العنوان على المرتبة الثالثة، ولا تكفي هذه العنايات لتطبيقه على المرتبة الرابعة. وعلى الثاني إذا لم نأخذ في الاضافة شيئا سوى النشوية، أمكن انطباق العنوان على المرتبة الرابعة، لان النشوية محفوظة حتى بعد الانقطاع، وإذا قلنا يتضمن الاضافة مضافا إلى النشوية شئيا من المواكبة والمقارنة، فيكون

[ 16 ]

المعنى: الماء الناشئ من المطر والمواكب له، فلا ينطبق على المرتبة الرابعة بل على احدى المراتب الثلاث الاولى، حسب درجة المواكبة والمقارنة المأخوذة ضمنا في معنى الاضافة. هذه هي محتملات العنوان في نفسه، فإذا اتضحت نقول: ان الصحيح عدم ارادة المرتبة الرابعة من دليل اعتصام ماء المطر، وذلك: أما أولا: فلا مكان أن تكون الاضافة في ماء المطر بيانيه، ومع كونها بيانية لا يكون للعنوان اطلاق بنحو ينطبق على المرتبة الرابعة، وما دام ذلك محتملا فلا أقل من الاجمال الموجب للاقتصار على القدر المتيقن. وأما ثانيا: فلان القرينة العرفية قائمة على صرف العنوان عن المرتبة الرابعة، ولو فرض كون الاضافة نشوية، وهي المناسبات الارتكازية للحكم والموضوع، فان مجرد الانتساب التاريخي إلى السماء، لا يناسب عرفا ان يكون ملاكا للاعتصام، فنفس المناسبات العرفية الارتكازية تكون قرينة على ارادة ما هو أخص من المرتبة الرابعة، ولو بجعل ظهور للاضافة في البيانية. وعين هذا الكلام نقوله في مثل أدلة اعتصام عناوين ماء النهر أو ماء البحر، فان ارتكازية عدم كون الانتساب التاريخي للبحر أو للنهر عاصما بنفسها تكون قرينة على ظهور الاضافة في البيانية. وثالثا: أنه لو قطع النظر عما تقدم، وفرض الاطلاق بنحو ينطبق العنوان على المرتبة الرابعة، فهذا الاطلاق مقيد بروايات الغدر ان، المفصلة بين الكر والقليل، لان ماء الغدير مشمول للمرتبة الرابعة، وقد حكم بانفعاله مع عدم الكرية. لا بروايات انفعال الماء القليل مطلقا، بعد ضم دعوى: ان كل ماء ينشأ من المطر، كما قيل (1) وذلك لوضوح ان المقصود من نشوء جميع المياه من المطر نشوء المياه الاصلية الاولية، وإلا فمن الواضح ان مياه


(1) التنقيح: ص 236.

[ 17 ]

الانهار لم تنشأ فعلا من المطر، وإنما نشأت من ذوبان الثلوج، التي يرجع أصلها إلى المطر. فالقول: بأن الماء النازل من السماء ما دام ماء ولم يخرج عن حقيقة الماء بالانجماد أو غيره محكوم بالاعتصام، لا يوجب الغاء دليل انفعال الماء القليل رأسا. كما أن الصحيح أيضا عدم اختصاص العنوان بالمرتبة الاولى، بقرينة ان جملة من روايات الباب ناظرة إلى الماء الجاري على الارض، فلابد من الالتزام بدخول المرتبة الثانية تحت الحكم بالاعتصام، وقد يقرب اعتصام الماء المستقر على الارض مع فرض اتصاله بالمطر، حتى مع عدم فرض الاطلاق في دليل اعتصام المطر، بدعوى: انه ماء متصل بالمعتصم فيعتصم به، بلحاظ ما دلت عليه صحيحة ابن بزيع من اعتصام ماء البئر لاتصاله بالمادة (1) ويرد على هذا التقريب ان اتصال الماء المستقر على الارض بالخط العمودي من التقاطر وان كان ثابتا غير أن هذا النحو من الاتصال لا يكفي للاعتصام حتى في مورد الماء الارضية لانه ليس اتصالا حقيقيا ولهذا قالوا بأن الماء إذا كانت عالية ويتقاطر منها الماء، فلا يحكم باعتصام المتقاطر لعدم الاتصال الحقيقي فكذلك هنا. وأما اتصال الماء المستقر مع القطرة الاخيرة من ذلك الخط العمودي الملاقية له، فهو وان كان اتصالا حقيقيا، ولكنه لو كفى لحصول الاعتصام حينه فلا يكفي لحصول الاعتصام في الانات المتخللة بين سقوط قطرة وسقوط اخرى. وأما المرتبة الثالثة، فالحاقها بالمرتبة الرابعة في عدم الاعتصام يتوقف على النظر في مدرك اخراج المرتبة الرابعة من دليل الاعتصام. فان كان المدرك هو إجمال العنوان الموجب للاقتصار على المتيقن، أو قرينية الارتكاز العرفي، فهو بنفسه يقتضي إخراج المرتبة الثالثة أيضا.


(1) مدارك العروة الوثقى ص 222.

[ 18 ]

[ (مسألة - 1) الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ونفذ في جميعه طهر ولا يحتاج إلى العصر أو التعدد (1). ] وإن كان المدرك - بعد فرض وجود الاطلاق في دليل الاعتصام - تقييد هذا الاطلاق بالاجماع، أو بروايات الغدران، فيمكن القول حينئذ بأن القدر المتيقن من المقيد هو صورة انقطاع التقاطر بالمرة، وأما مع بقاء التهيؤ للتقاطر واستمرار المطر على مقربة من الماء فلا جزم بالاجماع، ولا بصدق عنوان الغدير المتوقف على المغادرة، فيتمسك باطلاق دليل الاعتصام. وأما المقام الثاني، فسوف يأتي الكلام عنه في المسألة الاتية ان شاء الله تعالى. (1) هناك خصوصيات يلتزم - عادة - باعتبارها في التطهير بالقليل أو بمطلق المحقون، فلابد من النظر في اعتبارها اثباتا ونفيا عند التطهير بماء المطر، والكلام في ذلك يقع في جهات: الجهة الاولى: في اعتبارها خصوصية العصر، الذي اعتبره شرطا في التطهير بالقليل، واعتبره السيد الاستاذ شرطا في التطهير بالكثير أيضا. ولا موضوع لهذا البحث بناء على انكار اعتبار العصر حتى في الغسل بالقليل كما هو المختار على ما يأتي ان شاء الله تعالى. وأما إذا سلمنا الاعتبار المذكور فيتجه البحث في المقام، سواء قيل بأن العصر بعنوانه يكون شرطا في تطهير الاجسام القابلة للعصر، أو قيل باعتباره بما هو طريق إلى انفصال ماء الغسالة في تلك الاجسام خاصة، أو قيل بارجاعه إلى شرط عام وهو انفصال ماء الغسالة في مطلق الاشياء ما يقبل العصر منها وما لا يقبل، فانه على كل تقدير يقع الكلام في شمول الحكم باعتبار العصر لمورد الغسل بماء المطر، والكلام في ذلك يقع في ثلاث مراحل:

[ 19 ]

المرحلة الاولى: في وجود اطلاق لدليل شرطية العصر يشمل ماء المطر. وتفصيل ذلك: ان مدرك هذه الشرطية ان كان هو دعوى تقوم عنوان الغسل بالعصر، فالمدرك له اطلاق لماء المطر، إذ لا فرق في هذه المقومية بين ماء وماء. فمثل قوله (لا تصل فيه حتى تغسله) دال على عدم الطهارة الا بالغسل المتقوم بالعصر مطلقا، فيثبت بهذا الاطلاق اعتبار العصر في ماء المطر أيضا. وان سلم وجود الاطلاق في دليل مطهرية الغسل وعدم تقومه بالعصر، وادعي ان اعتبار العصر بسبب المقيد، فان كان هذا المقيد هو الاجماع فلا يشمل المطر، لان المتيقن منه الماء غير المعتصم. وإن كان المقيد ما يلاحظ في بعض الروايات من جعل الغسل مقابلا للنضح والصب الكاشف عن أخذ عناية زائدة في الغسل شرعا، مع دعوى ان هذه العناية الزائدة هي العصر، فهذا المقيد لا شمول فيه لماء المطر، لان تلك الروايات واردة في مورد الغسل بالقليل، على ما يأتي توضيحه في الجهة السابعة. المرحلة الثانية انه لو سلم الاطلاق في دليل شرطية العصر بنحو يشمل ماء المطر فهل في دليل مطهرية المطر اطلاق يقتضي عدم اشتراط العصر، بنحو يتعارض الدليلان أو لا؟ وما قد يقال فيه ذلك: إما مرسلة الكاهلي (كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر)، وأما التعليل في صحيحة هشام بن سالم حيث قال: (ان ما أصابه من الماء أكثر منه)، إذ قيل ان مقتضى التعليل جعل مجرد الاصابة كافيا في حصول التطهير، والاصابة غير متقومة بما يتقوم به الغسل من انفصال ماء الغسالة، وهذا يعنى عدم اعتبار العصر (1). أما مرسلة الكاهلي فهي ساقطة سندا، وأما التعليل في الصحيحة فتوضيح الحال


(1) التنقيح ص 239.

[ 20 ]

فيه: ان قوله: (ما أصابه من الماء أكثر) تعليل لقوله (لا بأس به)، وحينئذ فاما أن يقال: بأن مرجع الضمير المجرور في (لا بأس به) هو الماء النازل من السطح الواقع على الثوب كما التزم بذلك في محله من تمسك في المقام بالتعليل. وأما أن يقال: بأن مرجع هذا الضمير هو السطح. فعلى الاول تكون جملة (لا بأس به) بيانا لطهارة الماء النازل من السطح، ويكون التعليل تعليلا لطهارة الماء النازل، لا لمطهرية الماء للسطح فكأن المقصود بالتعليل رفع استبعاد ان ماء المطر لم ينفعل، رغم وقوعه على أرض تكثر عليها النجاسات، وذلك ببيان ان الماء أكثر منها ولم يتغير بها، فلا ينفعل بها، فلا يكون التعليل تعليلا للمطهرية مباشرة ليستدل به على كفاية مجرد الاصابة. وعلى الثاني يكون التعليل تعليلا لمطهرية المطر للسطح فكأنه قال ان السطح طهر لان ما أصابه من الماء أكثر، وحينئذ قد يتوهم استفادة ان الاصابة بمجردها كافية في التطهير بماء المطر، وحيث ان التعليل يقتضي الغاء خصوصية المورد، فهو يدل على ان الاصابة كافية للتطهير بماء المطر في سائر الموارد. ولكن الصحيح ان هذه الاستفادة مع ذلك في غير محلها أيضا، لان الحكم بطهارة السطح لم يعلل باصابة ماء المطر له، بل بأن ما أصابه من ماء المطر أكثر من البول بنحو لم يتغير به. ففرق بين القول بأن السطح طهر لان ماء المطر أصابه، والقول بأن السطح طهر لان ما أصابه من ماء المطر كان كثيرا بنحو لم يتغير بالبول. فان اللسان الاول للتعليل هو الذي يناسب استظهار كفاية الاصابة بمجردها في التطهير، وأما اللسان الثاني فهو ليس تعليلا. لطهارة السطح بالاصابة، بل يوصف قائم بالماء الذي أصاب السطح، وهو كونه أكثر من البول بنحو لا يتغير به. فتمام التعليل إلى بيان ان الماء الذي وقع على السطح لم يتغير بالبول

[ 21 ]

ولهذا طهره، وليس له نظر إلى ان الاصابة هل تكون مطهرة مطلقا، أو مع فرض انفصال ماء الغسالة. نعم يمكن دعوى الاطلاق في الصحيحة بنحو يقتضي عدم اشتراط انفصال ماء الغسالة، بقطع النظر عن التعليل، وذلك بأن يقال: ان مقتضى قوله (لا بأس به) الحكم بطهارة السطح بنزول المطر عليه، سواء انفصل عنه ماء الغسالة أم لا وهذا يدل على عدم اعتبار الانفصال وإلا لما حكم بطهارة السطح إلا في صورة انفصال ماء الغسالة حال نزول المطر. وحينئذ إن كان اعتبار العصر في مورد اعتباره لاجل كونه طريقا إلى انفصال ماء الغسالة، دون احتمال خصوصية في الاجسام التي تقبل العصر، أمكن بالاطلاق الذي ذكرناه نفي الاعتبار. وإن كان اعتبار العصر في الاجسام القابلة للعصر بعنوانه، أو بما هو طريق إلى انفصال ماء الغسالة في خصوص تلك الاجسام، مع احتمال خصوصية فيها، فلا ينفع الاطلاق المذكور لنفي وجوب العصر لان مورد الرواية ليس قابلا للعصر. المرحلة الثالثة أنه بعد فرض الاطلاق في كل من دليلي اشتراط العصر ومطهرية ماء المطر، ما هو علاج التعارض؟. قد يقال بتقديم اطلاق دليل مطهرية ماء المطر لوجهين: أحدهما: ان دليل المطهرية بالعموم لمكان قوله (كل شئ رآه ماء المطر فقد طهر) ودليل الاشتراط شموله لماء المطر بالاطلاق، فيقدم العموم على الاطلاق. ويرد عليه: ان العموم انما هو بلحاظ الافراد، واما كون الطهارة ثابتة لما رآه ماء المطر من حين الرؤية أو بعد انفصال ماء الغسالة فهذا لا يرتبط بالعموم الافرادي الذي هو مفاد (كل شئ)، وانما يرتبط بالاطلاق الاحوالي الذي يقتضي ثبوت الطهارة في تمام الاحوال من حين الرؤية، نعم يمكن أن يقال: ان جعل الرؤية نفسها موضوعا للحكم بالمطهرية، يعتبر لسانا عرفيا للتعبير عن عدم الاحتياج إلى أي مؤونة إضافية، فيكون نفي الشروط الزائدة مدلولا

[ 22 ]

عرفيا لمثل هذا اللسان، ومقصودا بالافادة بنفسه، ولهذا نرى ان لسان (كل شئ رآه ماء المطر فقد طهر) لا يقبل تقييد الطهارة: بما بعد العصر. وهذا بيان لو تم لا يتوقف على ورود أداة العموم في هذا اللسان لان مرجعه إلى التمسك بظهور عنوان الرؤية في نفي سائر العنايات الزائدة إلا ان رواية الكاهلي ساقطة للارسال. الوجه الاخر أن النسبة بين صحيحة هشام بن سالم الدالة على المطهرية ودليل اشتراط العصر وان كانت هي العموم من وجه، إلا أنه لابد من تقديم اطلاق الصحيحة المقتصى لعدم اشتراط العصر على اطلاق دليل الاشتراط، إذ العكس يستلزم لغوية عنوان ماء المطر ومساواته لسائر المياه (1). ويرد عليه: أولا ان ماء المطر لم يأخذه الامام بعنوانه موضوعا للحكم، وإنما كان هو مورد السؤال، ومحذور لغوية العنوان انما يتطرق عند ظهور كلام الامام في عناية أخذه موضوعا للحكم، ومثل هذه العناية غير موجودة فيما إذا انتزعت الموضوعية لعنوان بلحاظ كونه مورد السؤال. وثانيا - ان الغاء عنوان ماء المطر لا يحصل بمجرد القول باشتراط العصر، إذ يكفي في انحفاظه عدم وجوب التعدد اللازم في تطهير المتنجس بالبول بالماء القليل. الجهة الثانية في اعتبار ورود الماء على المتنجس، وتوضيح الكلام في ذلك: ان اشتراط ورود الماء على المتنجس في التطهير بالقليل قد يكون بدعوى: ان مقتضى القاعدة انفعال الماء القليل بالملاقات المانع عن حصول التطهير به، والمتيقن خروجه من ذلك صورة ورود الماء القليل على المتنجس لئلا تلزم لغوية أدلة التطهير، فلا يحكم بالطهارة والتطهير في صورة ورود المتنجس على الماء القليل.


(1) مدارك العروة الوثقى ج 1 ص 224.

[ 23 ]

وقد يكون بدعوى: انصراف الامر بالغسل في التطهير بالماء القليل إلى صورة ورود الماء على المتنجس، لان هذا هو المتعارف غالبا حينما يراد ازالة القذارات بالماء القليل، فهذا التعارف يكون منشأ للانصراف وقد يكون بدعوى: ظهور الامر بصب الماء في اشتراط وروده على المتنجس. فان كان اشتراط ورود الماء على أساس الدعوى الاولى، فمن الواضح عدم شمول هذه الدعوى لماء المطر لاعتصامه. وان كان الاشتراط على أساس الدعوى الثانية فهو أيضا لا يشمل ماء المطر لوضوح عدم وجود الغلبة المذكورة في التطهير بماء المطر، وعدم الموجب للانصراف. وان كان الاشتراط على أساس الدعوى الثالثة، فتفصيل الكلام في ذلك: ان الصب المأمور به في تلك الروايات ينحل إلى خصوصيتين، احداهما: ورود الماء على المتنجس والاخرى: كون الورود بنحو الصب. ومن الواضح، ارتكازا وعرفا - عدم دخل الخصوصية الثانية في التطهير، فمن يستدل بروايات الامر بالصب على اشتراط ورود الماء لابد له أن يدعي أن ظاهر الامر بالصب في نفسه اعتبار كلتا الخصوصيتين، والوضوح الارتكازي المذكور قرينة على عدم دخل الخصوصية الثانية، وأما ظهور الامر في دخل الخصوصية الاولى فيبقى على حالته. وهذا الكلام على تقدير تماميته لا يقتضي اثبات دخل الخصوصية الاولى إلا في موارد الغسل بالقليل المحقون، دون موارد الغسل بماء المطر، وذلك لان بيان اشتراط دخل الخصوصية الاولى بلسان الامر بالصب، مع فرض عدم كون الصب دخيلا بعنوانه في التطهير، يصلح بنفسه قرينة على ان مورد الاشتراط هو الماء الذي يكون وروده على المتنجس عادة بنحو الصب، فبين اشتراط الورود بلسا ن الامر بالصب. وهذا انما هو في الماء القليل المحقون، فان وروده عادة على المتنجس انما

[ 24 ]

يكون بالصب، دون ماء المطر الذي - كثيرا ما يرد على المتنجس بنفس تقاطره من السماء. فبهذه القرينة لا يكون للامر بالصب اطلاق يقتضي اشتراط ورود الماء عند الغسل بماء المطر، بل يكون واردا في مورد الغسل بالقليل المحقون اللهم إلا أن يقال: ان غلبة كون الورود بنحو الصب في نوع الماء القليل، تكفي للتعبير عن اشتراط الورود بلسان الامر بالصب في الماء القليل مطلقا حتى المطر منه. ولكنه لا يخلو من اشكال. الجهة الثالثة في اعتبار التعدد في الثوب المتنجس بالبول، المستفاد من الامر بغسله مرتين في رواية محمد بن مسلم ورواية ابن أبي يعفور (1). والظاهر ان مدرك ذلك له اطلاق يشمل تمام المياه، وغاية ما خرج عنه الماء الجاري بلحاظ صحيحة محمد بن مسلم (2) فيبقى ماء المطر تحت اطلاقه ولا يعارضه اطلاق في دليل مطهرية المطر، لان مرسلة الكاهلي وان كانت صالحة للدلالة على عدم اعتبار التعدد، ولكنها ساقطة سندا. وصحيحة هشام بن سالم: إن جعل قوله فيها (لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر) ناظرا إلى الحكم بنفي البأس عن الماء، وتعليل ذلك بالاكثرية المساوقة لعدم التغير، فلا يكون فيه دلالة على كفاية الاصابة مطلقا في حصول التطهير بماء المطر، لان التعليل يكون تعليلا لعدم انفعال الماء لا للمطهرية


(1) ففي رواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرتين. وفي رواية ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن البول يصيب الثوب قال اغسله مرتين. وسائل الشيعة باب 1 من أبواب النجاسات حديث 1، 2. (2) قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الثوب يصيب البول، قال: اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة.

[ 25 ]

وان جعل قوله (لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر) ناظرا إلى الحكم بنفي البأس عن السطح ومطهرية ماء المطر له، وتعليل ذلك بأن ما أصابه من الماء أكثر فقد يتخيل ان مقتضى التعليل حينئذ الغاء خصوصية المورد وجعل الاصابة مناطا للتطهير، ومقتضى ذلك عدم الاحتياج إلى التعدد مطلقا. ولكن تقدم الفرق بين تعليل المطهرية بنفس الاصابة وتعليلها بأن ما أصاب السطح من ماء المطر أكثر من البول، فان اللسان الاول دال على كون الاصابة بنفسها ملاكا للتطهير، وأما اللسان الثاني فتمام نظره إلى بيان ان ما أصاب السطح من الماء لم ينفعل بالبول لكونه أكثر منه، وليس له نظر إلى بيان ما يحصل به التطهير. ودعوى: ان اطلاق الحكم بطهارة السطح في الصحيحة مع كونه متنجسا بالبول يدل على عدم اعتبار التعدد في المتنجس بالبول إذا غسل بماء المطر، وإلا لقيد بصورة التعدد في اصابة ماء المطر للسطح (1) مدفوعة بانه لو سلم هذا الا طلاق فلا يمكن التعدي من السطح إلى الثوب الذي دل الدليل على اعتبار التعدد فيه خاصة، حتى في الكثير المحقون. الجهة الرابعة في اعتبار التعدد في المتنجس بالبول في غير الثوب من البدن واللباس، إذ ورد الامر بصب الماء عليه مرتين. والظاهر عدم اعتبار ذلك في الغسل بماء المطر، لاختصاص دليل الاعتبار بالماء الذي يصب على المتنجس، وهذا إنما يكون عادة في المياه القليلة المختزنة. وأما ماء المطر المستمر عليه التقاطر من السماء، فلا يكون الغسل فيه عادة بصب الماء منه على المتنجس، بل بغسل المتنجس فيه، فلا يكون الامر بالتعدد شاملا له، وهذا بخلاف التعدد في الثوب، فانه بلسان الامر بغسله مرتين لا بلسان الامر بصب الماء عليه مرتين. الجهة الخامسة في اعتبار التعدد في الانية المتنجسة. والظاهر عدم


(1) مدارك العروة الوثقى ج 1 ص 224.

[ 26 ]

شمول دليل الاعتبار لماء المطر، لانه أما الاجماع، وأما رواية عمار، الامرة بصب الماء في الانية وادارته ثلاثا (1)، على تقدير تتميم سندها والاول القدر المتيقن منه مورد الغسل بغير المعتصم. والثاني لا يشمل الغسل بماء المطر، بقرينة الصب والتحريك الموجب للانصراف إلى الماء القليل. ومع عدم شمول دليل الاعتبار يبنى على عدمه، تمسكا باطلاقات مطهرية الغسل، ولو لم نقل باطلاق خاص في نفس دليل مطهرية ماء المطر. الجهة السادسة في اعتبار التعفير في آنية الولوغ. والظاهر اعتباره لاطلاق قوله (اغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء) (2) ولا معارض لهذا الاطلاق، لما تقدم من عدم وجود اطلاق في دليل مطهرية ماء المطر يقتضي حصول الطهارة بمجرد الاصابة. الجهة السابعة في اعتبار شئ من الفرك والدلك في مقام الغسل. ومدرك هذا الاعتبار ما قد يستفاد من رواية الحلبي: (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن بول الصبي؟، قال: تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا) (3) فان المقابلة بين صب الماء والغسل المؤكد يقتضي تطعيم الغسل المؤكد بعناية، وهذه العناية تتعين في شئ يرى عرفا كونه تأكيدا للغسل، وليس


(1) عن أبي عبد الله (ع) (قال: سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟. قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، وقد طهر). وسائل الشيعة، باب 53 من النجاسات، حديث 1. (2) الواردة في رواية أبي العباس. وسائل الشيعة، باب 70 من النجاسات، حديث 1. (3) وسائل الشيعة، باب 2 من النجاسات، حديث 2.

[ 27 ]

[ وإذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، والا فلا يطهر، إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها (1). ] هذا الا الفرك والدلك. وقد يستدل بمثل هذا البيان على اعتبار العصر بتطبيق تلك العناية على العصر، كما أشرنا في الجهة الاولى. وعلى هذا الاساس يقع الكلام في أن هذه العناية المتمثلة في شئ من الفرك هل تجب عند الغسل بماء المطر أيضا أولا؟ والظاهر عدم الوجوب وذلك لان ظاهر قوله (تصب عليه الماء) كونه ناظرا إلى مورد الغسل بالماء القليل المحقون، لانه هو الذي يكون الغسل به بنحو الصب عادة. والامر بالغسل المؤكد عقيب ذلك انما ورد في نفس المورد، فيكون مختصا بمورد الغسل بالقليل، ولا أقل من اقترانه بما يوجب الاجمال، فلا يكون لاشتراط العناية الملحوظة في الغسل المؤكد اطلاق للغسل بماء المطر. ومنه يظهر ان العناية الملحوظة فيه إذا كانت هي العصر فلا اطلاق لها للغسل بماء المطر أيضا، بل يتمسك باطلاقات الامر بالغسل، التي لم تتضمن تلك العناية الاضافية. وقد تلخص بما ذكرناه أن كل خصوصية ثبت اعتبارها على أساس عدم اعتصام الماء المغسول به، أو استظهر من دليل اعتبارها الورود في الماء القليل المحقون، فلا نلتزم باعتبارها في ماء المطر، تمسكا بمطلقات الامر بالغسل. وكل خصوصية كان في دليل اعتبارها اطلاق نلتزم باعتبارها ما لم يقم اجماع تعبدي على عدم الاعتبار، ولا يمكن نفي اعتبارها بأدلة مطهرية المطر بالخصوص، لما عرفت من قصورها عن اثبات الاطلاق. (1) بناء على عدم كفاية الغسلة المزيلة في التطهير وسوف يأتي في بحث المطهرات ان الظاهر كفايتها في الغسل بالمعتصم، دون القليل الذي

[ 28 ]

[ (مسألة - 2) الاناء المتروس بماء نجس كالحب والشربة ونحوهما، إذا تقاطر عليه طهر ماؤه واناؤه (1) بالمقدار الذي فيه ماء، وكذا ظهره وأطرافه ان وصل إليه المطر حال التقاطر، ولا يعتبر فيه الامتزاج، بل ولا وصوله إلى تمام سطحه الظاهر، وان كان الاحوط ذلك. ] ينفعل بالملاقاة، وعليه تكفي الغسلة المزيلة في الغسل بماء المطر تمسكا باطلاقات الامر بالغسل. وإنما لا نلتزم بذلك في الماء غير المعتصم، لانه ينفعل بالملاقاة، ولا دليل على طهارة المتخلف منه في المحل المغسول. وهذا المحذور لا يأتي في الغسلة غير المزيلة في الماء القليل، لان المختار عدم انفعاله بملاقاة المتنجس الخالي من عين النجس. وبما ذكرناه ظهر انه لا حاجة لاثبات كفاية الغسلة المزيلة في ماء المطر إلى التمسك باطلاق دليل مطهرية المطر بالخصوص، ليستشكل فيه ببعض ما تقدم. (1) يمكن الاستدلال على مطهرية ماء المطر للماء المتنجس بوجوه: منها: ما قد يقال من استفادة - مطهرية ماء المطر للماء المتنجس من صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة، في ميزابين من بول وماء مطر، لان الاختلاط بين ميزابي المطر والبول يؤدي عادة - في مراحل سابقة على استهلاك البول في المطر - إلى تغير بعض القطرات من الماء المجاورة للبول، ثم يزول عنها التغير بغلبة الماء، وحيث حكم في الصحيحة بطهارة الماء، دل ذلك على مطهرية ماء المطر للماء المتنجس (1). ويرد على هذا التقريب: ان حصول التغير في بعض القطرات المجاورة للبول وان كان هو مقتضى العادة، غير ان الحكم بالطهارة في الرواية مطلق يشمل صورة بقاء التغير، وصورة زواله بالتفاعل بين الماء المتغير


مدارك العروة الوثقى ج 1 ص 227.

[ 29 ]

وغيره، وصورة ضآلة الماء المتغير بنحو زال تغيره واستهلك في ماء المطر كما هو الغالب لغزارة ماء المطر الذي يجري من الميزاب عادة ولابد من الالتزام بخروج الاولى من اطلاق الصحيحة، لوضوح نجاسة الماء المتغير، وتبقى تحتها الصورتان الثانية والثالثة. وحينئذ يستفاد من اطلاق الحكم بالطهارة في الصحيحة للصورة الثانية، كون ماء المطر مطهرا للماء المتنجس، وإما اطلاقه للصورة الثالثة فهو أجنبي عن مطهرية المطر، لان المفروض فيها استهلاك المتنجس. وعلى هذا الاساس تقع المعارضة بين اطلاق الحكم بالطهارة في الصحيحة للصورة الثانية، واطلاق دليل نجاسة الماء المتغير المقتضي لبقاء النجاسة حتى بعد زوال التغير، على تقدير تماميته والمعارضة بينها بالعموم من وجه، وبعد التساقط يرجع إلى استصحاب النجاسة. ومنها: التمسك باطلاق عنوان الرؤية في مرسلة الكاهلي، بدعوى حصولها باصابة ماء المطر للسطح الفوقي للماء، ولازم هذا الالتزام بمطهرية المطر للمضاف المتنجس أيضا، وذلك بدعوى: ان المائع بتمامه يلحظ موضوعا واحدا لعنوان الرؤية، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك وسائر ما يمكن أن يكون مدركا لمطهرية الماء المعتصم للماء المتنجس في الجزء الاول وبينا هناك إمكان الاستدلال على ذلك بالتعليل في صحيحة ابن بزيع، وبقاعدة أن الماء الواحد لا يتبعض حكمه (1)، كما تقدم هناك أيضا البحث عن اعتبار الامتزاج وعدمه فراجع. وقد يتمسك في المقام باطلاق صحيحة هشام بن الحكم على حصول الطهارة بمجرد الاتصال (2). ويرد عليه: أنه بعد فرض تغير الماء المجاور للبول لا يمكن عادة فرض زوال التغير عنه إلا بامتزاجه بماء المطر، فكما أن البول يستهلك في


(1) لاحظ ص 289 وكذلك ص 177 من الجزء الاول. (2) مدارك العروة الوثقى، الجزء الاول ص 227.

[ 30 ]

[ (مسألة - 3) الارض النجسة تطهر بوصول المطر إليها، بشرط أن يكون من السماء، ولو باعانة الريح. وأما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر، كما إذا ترشح بعد الوقوع على مكان فوصل مكانا آخر لا يطهر. نعم لو جرى على وجه الارض فوصل إلى مكان مسقف بالجريان إليه طهر (1). ] ماء المطر كذلك الماء المتغير به يختلط به بنحو يستهلك فيه أو يمتزج معه على أقل تقدير، وإما لو فرض مجرد الاتصال، فكيف يتم حينئذ استهلاك البول، وزوال التغير عن الماء المتغير؟! وبتعبير آخر: أن البول والماء المتغير به كلاهما يتم تفاعلهما مع غير المتغير من ماء المطر على نحو واحد، فكيف يتصور عادة استهلاك الاول في ماء المطر دون حصول الامتزاج بالنسبة إلى الثاني؟!. (1) توضيح الكلام في هذه المسألة: ان ماء المطر النازل من السماء تارة يفرض انه يصيب المتنجس ابتداء في خط نزوله من السماء، سواء كان الخط عموديا أو لم يكن عموديا باعتبار تدخل الريح في الانحراف به. واخرى يفرض انه يصيب موضعا آخر ثم يصيب الموضع المتنجس. وعلى الثاني تارة - يفرض ان التقاطر على الموضع المتنجس بتوسط الموضع الاخر مستمر واخرى - يفرض ان الماء الذي أصاب الموضع المتنجس بتوسط الموضع الاخر قد انقطع اتصاله ولم يعد الموضع المتنجس يستمد ماء المطر ولو بتوسط الموضع الاخر. وعلى الثاني فتارة - يفرض ان إصابة ماء المطر للموضع الاخر كان بنحو المرور والماسة. واخرى - يكون بنحو الوقوف عليه ثم الانتقال منه إلى الموضع النجس. وعلى الثاني فتارة - يفرض - بحسب الارتكاز العرفي ومناسبات الاستطراق من مكان إلى مكان - ان المكانين طوليان، بحيث يرى ان الموضع الاول ممر بطبعه للموضع الثاني، كما إذا

[ 31 ]

[ (مسألة - 4) الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر وكذا إذا كان تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض، بل وكذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، وكذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه (1). (مسألة - 5) إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهرا (2) ] أصاب ورق الشجر ثم الارض. واخرى - تفرض عرضية الموضعين بحسب النظر العرفي، كما إذا أصاب موضعا من الارض ثم ارتفع ووقع على موضع آخر منها. والظاهر هو الحكم بالاعتصام والمطهرية في كل هذه الصور عدا الصورة الاخيرة. أما الصورة الاولى، فالامر فيها واضح. وأما الصورة الثانية، التي يفرض فيها استمرار التقاطر من أحد الموضعين إلى الموضع الاخر، فكذلك لان كون الموضع المتنجس يستمد باستمرار من الموضع الاخر يوسع في النظر العرفي من دائرة التقاطر، ولا يجعل الموضع القبلي قاطعا له. وأما الصورة الثالثة، التي يفرض فيها مجرد المماسة للموضع القبلي، فمن الواضح أن هذه المماسة لا تقطع خط التقاطر والاتصال. وكذلك الامر في الصورة الرابعة التي يرى العرف فيها طولية بين المكانين، وكون أحدهما ممرا بطبعه إلى الاخر. وهذا بخلاف الصورة الاخيرة التي لا توجد فيها أي عناية عرفية تقتضي بقاء خط الاتصال محفوظا مع الموضع المتنجس. (1) هذه المسألة تشتمل على تطبيقات لمطهرية ماء المطر للماء المتنجس وقد تقدم الكلام فيها. (2) لابد من التفصيل في ذلك، بين ما إذا كان التقاطر بنحو يحفظ معه خط الاتصال، وما إذا كانت المسارب ضيقة بنحو لا ينفذ منها الماء

[ 32 ]

[ بل وكذا إذا وقع على ورق الشجر ثم وقع على الارض (1). نعم لو لاقى في الهواء شيئا كورق الشجر أو نحوه حال نزوله لا يضر إذا لم يقع عليه ثم منه على الارض، فمجرد المرور على الشئ لا يضره (2). (مسألة - 6) إذا تقاطر على عين النجس فترشح منها على شئ آخر لم ينجس، إذا لم يكن معه عين النجاسة ولم يكن متغيرا (3). ] عرفا وانما تتسرب فيها الرطوبات وبعد تجمعها تنزل ماء. ففي الاول يحكم بالاعتصام، دونه في الثاني. الذي نظر الماتن إليه. (1) تقدم ان الظاهر هو بقاء امتيازات المطر في هذا الفرض من أجل الطولية بين المكانين وكون أحدهما ممرا إلى الاخر عرفا. (2) كما تقدم في شرح المسألة الثالثة. (3) وذلك لان ماء المطر معتصم ما دام خط الاتصال مع السماء محفوظا، فلا ينفعل بملاقاة النجاسة، فإذا حفظ خط الاتصال إلى حين انفصال الماء عن النجس وترشحه إلى غيره فلا موجب لانفعاله، إلا إذا كان متغيرا أو صحب معه شيئا من النجس فينجس به، لانه بعد انقطاع خط الاتصال ماء قليل ينفعل بالملاقاة. نعم إذ فرضنا ان الترشح من النجس كان بعد انقطاع خط الاتصال كما لو فرض نفوذ ماء المطفي النجس، وخروجه من الجانب الاخر، حكم بنجاسته لان الملاقاة مع النجس تكون حاصلة بعد انقطاع خط الاتصال. وبما ذكرناه ظهر أنه لا تهافت بين ما ذكره الماتن في هذه المسألة، وما ذكره في المسألة السابقة، كما ادعى في بعض تعليقات العروة بتوهم

[ 33 ]

[ (مسألة - 7) إذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر ونفذ وتقاطر من السقف لا تكون تلك القطرات نجسة (1)، وان كان عين النجاسة موجودة على السطح ووقع عليها، لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء. وأما إذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجسا (2). وكذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس. ] انه أي فرق بين ورق الشجر والنجس، فكما يكون سقوط المطر على ورق الشجر وانتقاله منه موجبا لفقدانه لامتيازه، كذلك سقوطه على النجس وترشحه منه. ويندفع هذا التوهم: بأن المقصود في المسألة السابقة بيان عدم بقاء ماء المطر على مطهريته الخاصة به بعد سقوطه على ورق الشجر وانتقاله منه، والمقصود في المقام بيان بقائه على طهارته وان فقد مطهريته الخاصة به. (1) لانها لم تلاق النجس إلا حال اعتصامها وانحفاظ اتصالها بخط التقاطر. (2) وهذا بخلاف صورة عدم المرور على النجس فانه لا ينجس. وتخيل: ان الماء وان لم يمر على النجس ولكن الرطوبات الواقعة على السطح باعتبار اتصال بعضها ببعض تسرى النجاسة إليها جميعا، فينجس الماء بملاقاة أي جزء من السطح إذا حصلت بعد انقطاع التقاطر. مدفوع: بان الرطوبات المتصلة على السطح أما أن تكون عرضا بالنظر العرفي، وأما أن تكون ماء. فعلى الاول من الواضح أنها ليست موضوعا مستقلا للنجاسة لعرضيتها، فلا معنى لسريان النجاسة من بعضها إلى بعض، وانما النجس هو الجسم الجامد المرطوب، فتبقى النجاسة في الجزء النجس من السطح،

[ 34 ]

[ (مسألة - 8) إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء (1)، سواء كان السطح أيضا نجسا أم طاهرا. (مسألة - 9) التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طينا (2). (مسألة - 10) الحصير النجس يطهر بالمطر، وكذا الفراش المفروش على الارض، وإذا كانت الارض التي تحتها ] ولا موجب لسريانها إلى الاجزاء الاخرى من السطح، لعدم الملاقاة وعلى الثاني فللتخيل المذكور مجال، بدعوى: ان الماء الممتد على السطح تنطبق عليه قاعدة سراية النجاسة في المائعات فينجس كله، وينجس به تمام السطح. ولكن التحقيق اندفاع هذا التخيل: بان قاعدة السراية في المائعات مختصة بما إذا كان المائع بدرجة من التماسك والتفاعل في أجزائه، بحيث يعوض كل جزء منه عن النقص الحا صل بفقد جزء آخر ويحتل موضعه، لان المنشأ في قاعدة السراية هو تحكيم الارتكاز العرفي في فهم دليل الانفعال، وهو لا يقتضي السراية إلا في مثل ذلك، وهذا النحو من التفاعل غير موجود بين الرطوبات الممتدة على السطح رغم اتصالها وافتراض مائيتها، فلا تسري النجاسة إلى تمام الماء الموجود على السطح. وسوف يأتي تحقيق الحال في ذلك مفصلا في فصل كيفية تنجس المتنجسات إن شاء الله تعالى. (1) لاعتصامه، وأما إذا انفصل الماء في السقف عن خط التقاطر من السماء فينفعل بالملاقاة للنجس. (2) تمسكا بمطلقات المطهرية العامة، أو بمطلقات مطهرية المطر بالخصوص لو قيل بها.

[ 35 ]

[ أيضا نجسة تطهر إذا وصل إليها، نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الارض يشكل طهارتها بنزول المطر عليه إذا تقاطر منه عليها، نظير ما مر من الاشكال فيما وقع على ورق الشجر وتقاطر منه على الارض. (مسألة - 11) الاناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم إذا كان نجسا بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير، لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة إلى التعدد (1). ] ولكن قد يستشكل في طهارة الا بلحاظ ان موضوع التطهير هو الغسل بالماء المطلق، وتغلغل الماء في أعماق الطين يخرجه عن كونه ماء حقيقة ويكون مجرد رطوبات، فلا يصدق عليه الغسل بالماء. وقد يجاب بأن غسل كل شئ بحسبه، ولهذا لو قال الانسان العرفي لاخر: اغسل لي هذا التراب بالماء، فانه يعد ممتثلا إذا صب الماء عليه حتى نفذت الرطوبات المائية إلى أعماقه وصار طينا. وقد يقال: ان هذا الفهم انما يصح لو فرض ورود دليل خاص في غسل التراب بالماء، فانه بدلالة الاقتضاء ولوضوح ان غسله بالماء لا يكون إلا على هذا النحو ينعقد له ظهور فيما ذكر، ولا يتم ذلك بالنسبة إلى المطلقات. اللهم إلا أن يقال: ان الارتكاز العرفي في كيفية الغسل وازالة القذر هو المحكم على دليل التطهير بالماء، وحيث ان الارتكاز يساعد على هذا النحو من الغسل بالماء فيشمله اطلاق الدليل. (1) مر الكلام في الاحتياج إلى التعفير والتعدد في الغسل بماء المطر وليس في آنية الولوغ دليل خاص يقتضي اعتبار التعدد، وانما وجه اعتباره

[ 36 ]

فيها - على القول بالاعتبار - اطلاق دليل التعدد في مطلق الانية، وقد عرفت سابقا قصوره عن الشمول لغسل الانية بماء المطر. وهذا بخلاف دليل التعفير، فان اطلاقه حتى لمورد الغسل بماء المطر ثابت ولا معارض له كما تقدم.

[ 37 ]

ماء الحمام اعتصامه على ضوء القاعدة - مطهرية المادة له على ضوء القاعدة الاعتصام والمطهرية على ضوء النصوص

[ 39 ]

[ (فصل) ماء الحمام بمنزلة الجاري، بشرط اتصاله بالخزانة (1) فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة، إذا كان ما في الخزانة وحده أو مع ما في الحياض بقدر الكر من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة أو عدمه. وإذا تنجس ما فيها يظهر بالاتصال بالخزانة، بشرط كونها كرا وان كانت أعلى، وكان الاتصال بمثل (المزملة). ويجري هذا الحكم في غير الحمام أيضا، فإذا كان في المنبع الاعلى مقدار الكر أو أزيد، وكان تحته حوض صغير نجس واتصل بالمنبع بمثل (المزملة) يطهر، وكذا لو غسل فيه شئ نجس فانه يطهر مع الاتصال المذكور. ] (1) الكلام في ماء الحمام يقع في مقامين: أحدهما. في حكمه على مقتضى القاعدة. والاخر: في حكمه بلحاظ الروايات الخاصة. والكلام في المقام الاول يشتمل على جهتين: الاولى: في حكم ماء الحمام من حيث دفع النجاسة والاعتصام. والثانية: في حكمه من حيث الرفع وازالة النجاسة. أما الكلام في الجهة الاولى فالقاعدة التي نقصد ونتحدث في ضوئها انما هي مضمون: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ) منطوقا ومفهوما اعتصاما وانفعالا، فلابد من ملاحظة دخول ماء الحمام تحت المنطوق أو المفهوم. ومن المعلوم أن الحكم بالاعتصام في المنطوق - عند بلوغ الماء كرا - بتقوم بشرطين، أحدهما: أن يكون الماء البالغ كرا واحدا في نظر

[ 40 ]

العرف، لان المقصود من الدليل تعليق الاعتصام على بلوغ الفرد الشخصي من الماء الكرية، لا بلوغ مجموع المياه. والشرط الاخر: ان لا يوجد ارتكاز عرفي يأبى عن اعتصام الماء الواحد، وإلا كان الارتكاز بنفسه قرينة لبية على تقييد الاطلاق وان كان الماء واحدا. أما الشرط الاول وهو وحدة الماء عرفا: فهل يتقوم بوحدة السطح أو يحصل مع تعدده؟، وعلى الثاني فهل يتقوم بتساوي السطوح على فرض تعددها، أو يحصل مع اختلافها؟، وعلى الثاني فهل تنحفظ الوحدة مع اختلاف السطوح بشرط أن يكون الماء واقفا، أو حتى مع الجريان؟، وعلى الثاني فهل يفرق بين اختلاف السطوح بنحو التسنيم وبنحو التسريح أو يبنى على الوحدة مطلقا؟. والصحيح هو انحفاظ الوحدة مع الاتصال مطلقا في جميع تلك الصور حتى مع اختلاف السطوح بنحو التسنيم وجريان الماء، لان الاتصال يعتبر ميزانا عرفا للوحدة في الماء. وذهاب كثير من الفقهاء إلى عدم الوحدة في فرض اختلاف السطوح مع الجريان، لا يصلح شاهدا لذلك، بدعوى: أن نظرهم يكشف عن انثلام الوحدة عرفا بهذا الاختلاف. وذلك لان الظاهر ان الاعتقاد بانثلام الوحدة في الفرض المذكور نشأ من ملاحظة عنوان الماء الواحد بما هو موضوع لاحكام معينة، من قبيل الحكم بالاعتصام وفي ظل ملاحظة من هذا القبيل ليس بعيدا أن يرى عدم انطباق العنوان على الماء الجاري بلحاظ عاليه وسافله معا، غير أن عدم الانطباق هذا لا يتعين أن يكون بسبب عدم صدق الوحدة عرفا على المجموع من السافل والعالي، بل لعله بلحاظ مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية، لاننا حينما نلحظ العنوان - بما هو موضوع في دليل لحكم مخصوص كالاعتصام مثلا - فسوف يتحكم في فهمنا له مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن

[ 41 ]

فقد لا ينطبق بما هو موضوع لذلك الحكم على فرد، ولكنه إذا لوحظ في نفسه كان منطبقا عليه. وكلامنا لان في تحقيق الشرط الاول وهو وحدة الماء بقطع النظر عما يقتضيه مناسبات الحكم والموضوع، ومن الواضح - بهذا اللحاظ - عدم تعدد الماء. فالماء المنحدر على سفح جبل لا يعتبر مياها متعددة، ولهذا لو لوحظ أي جزء من الماء المختلف السطوح مع الجزء المجاور له تماما نرى وحدتهما عرفا، وكذلك الجزء الثاني مع الثالث ولا نصل إلى جزء حدي، بحيث يعتبر ماء مستقلا مغايرا للجزء المجاور له. وعلى هذا الاساس فالشرط الاول متوفر في ماء الحمام المركب من السافل والعالي، رغم جريانهما واختلافهما في السطوح. وأما الشرط الثاني: فقد يتفق كون الماء واحدا ومع هذا لا يحكم بشمول منطوق دليل الاعتصام له، لخروجه عنه بقرينة ارتكازية وهي مناسبات الحكم والموضوع، فلابد من ملاحظة ذلك في ماء الحمام. وفي الواقع ان ابراز الشرط الثاني إلى جانب الشرط الاول يحل جملة من التشويشات التي نشأت من قصر النظر على الشرط الاول، نذكر منها التشويشين التاليين: التشويش الاول: ان النجس إذا لاقى الماء السافل فلا ينجس العالي الجاري عندهم بهذه الملاقاة. وهذه الفتوى موردها الماء القليل الذي له سافل وعال. وهناك فتوى أخرى وهي: ان السافل يتقوى بالعالي وهذه موردها الماء الكثير الذي له سافل وعال، فيعتصم سافله باتصاله بالعالي وحاصل التشويش في مقام الجمع بين هاتين الفتويين: ان الماء الذي له سافل وعال، ان كان ماءا واحدا، فكما يتقوى السافل بالعالي لكون المجموع ماءا واحدا وقد بلغ الكرية، كذلك ينفعل العالي بملاقاة السافل لكونهما

[ 42 ]

ماء واحدا، وقد لاقى النجاسة وان كان الماء المذكور مائين، فكما لا ينفعل العالي بملاقاة السافل، كذلك لا يقويه لكونه ماء آخر. التشويش الثاني: حول التفصيل بين الماء الكثير الذي له عال وسافل فان سافله يتقوى بالعالي دون العكس، إذ يقال: انه إذا كان واحدا فالاعتصام يثبت له بتمام أجزائه، وان كان ماءين فلا يتقوى سافله بعاليه. ورفع كلا التشويشين - بعد افتراض وحدة الماء الذي له عال وسافل سواء كان قليلا أو كثيرا - ان عدم انفعال العالي بملاقاة السافل وعدم تقويه بالسافل انما هو لمناسبات ارتكازية، بلحاظ وقوع عنوان الماء موضوعا للحكم بالانفعال في دليله، أو موضوعا للحكم بالاعتصام في دليله. أما دليل الانفعال فقد تقدم في الجزء الاول توضيح المناسبات الارتكازية التي اقتضت عدم انفعال العالي بملاقاة النجاسة للسافل. وأما دليل الاعتصام فان العرف يرى بارتكازه ان الكثرة إنما تكون عاصمة ومانعة عن تأثير النجاسة، إذا كانت ابعاض الماء الاخرى بنحو تمد البعض الملاقي للنجاسة) وأما مع فرض عدم كونه صالحا للاستمداد من الابعاض الاخرى كالعالي بالنسبة إلى السافل فلا يرى في الارتكاز العرفي للسافل تأثير في منعته وعصمته، وهذه قرينة لبية تقيد اطلاق دليل الاعتصام تقييدا متصلا. ومنه يظهر الفرق بين العالي والسافل، فان السافل يتقوى بالعالي، لان كلا الشرطين - من وحدة الماء البالغ كرا، وعدم منافاة الارتكاز - محقق. أما الاول فلما تقدم من ان اختلاف السطوح لا يضر بالوحدة ولو مع الجريان، وأما الثاني فلان السافل صالح للاستمداد من العالي، فلا تنطبق عليه النكتة الارتكازية، التي أوجبت عدم تقوى العالي بالسافل وخروجه عن دليل الاعتصام، فيحكم باعتصامه عملا باطلاق دليل الاعتصام. وعلى هذا الاساس، اتضح ان مقتضى القاعدة المستفادة من دليل

[ 43 ]

الاعتصام هو اعتصام ماء الحمام، إذا بلغ المجموع منه ومن مادته الكرية. وأما الجهة الثانية فالتحقيق فيها: ان الماء العالي والسافل إذا بني على وحدته، وقيل: بأن المتمم كرا بطاهر يطهر، كفى بلوغ مجموعة الكرية في ارتفاع النجاسة عن ماء الحمام في الحياض، وإذا بني على وحدته ولم يبن على الطهارة بالتتميم، ولكن بني على قاعدة ان الماء الواحد لا يتبعض حكمه من حيث الطهارة والنجاسة، لزم بلوغ ما سوى المتنجس الكرية، وبتطبيق تلك القاعدة تثبت طهارة الجميع، على بحث سبق في موضعه. وإذا لم نلتزم بوحدة الماء المختلف السطوح لم تنفع القاعدة المذكورة. وحينئذ إذا تم الاستدلال بصحيح ابن بزيع على مطهرية مطلق الماء المعتصم للماء المتنجس بالاتصال، كانت النتيجة لزوم اتصال الماء المتنجس بماء غير مختلف السطوح بالغ حد الكرية. وقد تقدم تحقيق الاستدلال بالصحيح على ذلك. وأما المقام الثاني فقد وردت روايات عديدة تدل على اعتصام ماء الحمام، كرواية داوود بن سرحان، ورواية اسماعيل بن جابر (1) ورواية بكر بن حبيب (2) وغيرها من الروايات، وأهما الرواية الاولى، على أساس تميزها بصحة سندها، وقد جاء فيها قوله: (قلت لابي عبد الله ما تقول في ماء الحمام؟ فقال: هو بمنزلة الماء الجاري (3)). والبحث في هذا المقام يقع في جهتين: الجهة الاولى: في حدود الدفع والاعتصام المستفاد من روايات الباب فقد يقال بدلالتها على اعتصام، أوسع من الاعتصام الذي ثبت بالقاعدة


(1) عن أبي الحسن الاول (ع) قال: ابتدائي فقال: ماء الحمام لا ينجسه شئ. (2) عن أبي جعفر (ع) قال ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة. (3) هذه الروايات في وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الماء المطلق.

[ 44 ]

في المقام الاول، وقد يقال بدلالتها على اعتصام أضيق منه. أما القول الاول، فيستند إلى دعوى: اطلاق عنوان ماء الحمام، المأخوذ موضوعا للحكم بالاعتصام، فان مقتضى اطلاقه الشمول لصورة ما إذا كان مجموع ما في المادة والمجرى والحوض الصغير أقل من الكر أيضا. وتندفع هذه الدعوى: بأن اطلاق الحكم بالاعتصام له مقيد متصل في نفس دليل اعتصام ماء الحمام، وذلك لان هذا الاطلاق اما أن يلتزم به في خصوص ماء الحمام، وأما أن يلتزم به في كل ماءين متصلين على نحو اتصال الحوض الصغير بالمادة وإن لم يصدق على مكانهما اسم الحمام. والاول باطل بقرينة لبية ارتكازية، وهي ارتكاز ان اسم الحمام بما هو لا دخل له في الحكم بالاعتصام، فان العرف يأبى عن كون المكان مما يستحم فيه دخيلا في اعتصام الماء، وهذا الارتكاز بحكم القرائن المتصلة التي تتدخل في تكوين ظهور الدليل. والثاني باطل، بقرينة ان لازمه الحكم بعدم انفعال الماء القليل مطلقا، مع ان روايات ماء الحمام نفسها ظاهرة في الفراغ عن كبرى انفعال الماء في الجملة، فلا تناسب مع الحكم باعتصام الماء مطلقا وبذلك يتعين سقوط الاطلاق المدعى، واختصاص الاعتصام بصورة بلوغ المجموع الكرية، لئلا يلزم أحد المحذورين من مخالفة الارتكاز، أو مخالفة ظهور الروايات نفسها في الفراغ عن كبرى انفعال الماء في الجملة. وبذلك يتحصل من الروايات اعتصام الماء السافل المتصل بالعالي إذا كان المجموع كرا، سواء كان ماء حمام أو لا، وهذا مطابق للقاعدة. وبما ذكرناه في تحقيق الجواب على دعوى الاطلاق، ظهر ان مناقشة هذا الاطلاق لا تبتني على كون القضية في أخبار ماء الحمام خارجية أو حقيقية بتقريب: انها إذا كانت خارجية فلا اطلاق فيها، لنظرها إلى خصوص

[ 45 ]

الافراد الموجودة خارجا، وإذا كانت حقيقة تم اطلاقها (1) وذلك الابتناء المذكور في غير محله، لان القضية حتى إذا فرضناها حقيقية لا اطلاق فيها بقرينة متصلة وهي استلزام الاطلاق لاحد المحذورين المتقدمين، ومرجعه إلى حمل عنوان ماء الحمام على المعرفية واخراجه عن الموضوعية ومن الواضح ان معرفية العنوان أو موضوعيته شئ، وكون القضية خارجية أو حقيقية شئ آخر. هذا كله مضافا إلى إمكان منع الاطلاق في نفسه بقطع النظر عن القرينة المتصلة التي ذكرناها، وذلك لان مهم روايات الباب هو قوله في رواية داود بن سرحان المتقدمة (ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري) لضعف سند أكثر روايات الباب، وهذا القول كما قد يكون مفاده التنزيل بلحاظ الاعتصام، كذلك قد يكون مفاده التشبيه في وحدة الماء، لكي يقضي على منشأ التشكيك في اعتصام ماء الحمام، الناشئ من التشكيك في وحدة ماء الحوض وماء المادة، وذلك بتنظير ماء الحمام بالماء الجاري، الذي لا اشكال في وحدته مع اختلاف السطوح فيها غالبا، فلا يكون الدليل بصدد انشاء اعتصام جديد ليتمسك باطلاقه، بل بصدد تأكيد الوحدة، لكي تنطبق على الماء القاعدة العامة في باب الماء، فلا اطلاق فيه. وأما القول الثاني، فقد يستدل عليه برواية بكر بن حبيب: (ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة)، بدعوى: ان المادة لا تصدق على ما كان أقل من كر، فتدل الشرطية بمفهومها على عدم الاعتصام مع عدم كرية ما في المخزن، وان بلغ المجموع الكرية. وهذه الرواية ساقطة سندا ببكر، ولا تنفع في توثيقه دعوى: ان صفوان يروى عنه وهو لا يروي الا عن ثقة، لان صفوان لم يرو عنه


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 157 الطبعة الثانية.

[ 46 ]

مباشرة بل بالواسطة، فلا تشمله كلية ان صفوان لا يروي الا عن ثقة. وأما دلالتها: فان اريد بعدم صدق المادة على ما كان أقل من كر، دعوى: انصراف المادة إلى المادة المتعارفة في الحمام، فهي أكثر من الكر بمراتب ولا يكفي فيها الكر الحدي. وان أريد بذلك دعوى: ان عنوان المادة في نفسه لا ينطبق على ما هو أقل من كر، لان المركوز في المادة أن تكون لها سعة وإمداد مستمر، فمن الواضح ان المادة بمعناها المركوز في نفسه لا تنطبق على مادة الحمام ولو كانت كرا إلا بالعناية. فالتطبيق عنائي على كل حال. والظاهر ان المتفاهم عليه عرفا من الشرطية في رواية بكر، اشتراط أن يكون لماء الحوض الصغير مادة في مقابل انقطاعه، المساوق لكونه ماءا قليلا، لا في مقابل اتصاله بماء أقل من المادة المتعارفة. فالامر عادة دائر بين اتصال ما في الحوض بالمادة وانقطاعه عنها، والاشتراط بلحاظ اخراج حالة الانفصال، لا حالة كون المجموع كرا حديا مع الاتصال لانها ليست من الحالات المتعارفة. الجهة الثانية في حدود الرفع المستفاد من روايات الباب: والظاهر انه لا يستفاد منها شئ أوسع مما تقتضيه القاعدة، سواء كان النظر إلى مثل لسان: (ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة)، بدعوى: أن نفي البأس يشمل باطلاقه الرفع أيضا، أو إلى مثل لسان: (ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري)، بدعوى: ان هذا التنزيل تنزيل للمادة الجعلية لماء الحمام منزلة المادة الطبيعية للماء الجاري، وحيث ان المادة الطبيعية ثبت كونها دافعة ورافعة فكذلك مادة الحمام. ومن الواضح ان اللسان الاول لا اطلاق فيه لصورة نقصان ما في المخزن عن الكرية بقدر ما في الحوض الصغير من ماء، لان عنوان المادة للحمام منصرف - كما عرفت - عن مثل ذلك، كما أن المادة المفترض سوق

[ 47 ]

التنزيل بلحاظها في اللسان الثاني منصرفة أيضا عن هذا الفرض. مضافا إلى ما تقدم من ان قوله (ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري) قد لا يكون متكفلا لتنزيل تعبدي، وانما هو تشبيه وتنظير لماء الحمام بعاليه وسافله، بالماء الجاري بعاليه وسافله، دون نظر إلى اقامة المادة الجعلية منزلة المادة الطبيعية ليتمسك باطلاق هذا النظر لسائر الاثار، فغاية ما يستفاد من ذلك كون ماء الحمام واحدا. وقد يستدل برواية حنان على الرفع في المقام وقد تقدم الكلام عنها في بحث الماء المتغير وعن عدم امكان الاستدلال بها لاجمالها. ثم انه لو لم يتم اثبات الرفع على القاعدة، واريد اثباته باخبار ماء الحمام، فقد يستشكل في الاستدلال باطلاق اخبار ماء الحمام للرفع بعد فرض تسليم الاطلاق: بانه معارض بالعموم من وجه مع اطلاق دليل انفعال الماء القليل، فماء الحوض الصغير إذا تنجس في حالة انفصاله عن المادة شمله دليل انفعال الماء القليل، ومقتضى اطلاقه الاحوالي بقاء الانفعال حتى بعد الاتصال بالمادة، كما ان مقتضى اطلاق نفي البأس في خبر بكر مثلا - على تقدير ثبوته وعدم إنصرافه إلى الدفع - هو ارتفاع النجاسة بالمادة، فيكون التعارض بالعموم من وجه، وبعد التساقط يرجع إلى استصحاب النجاسة. والجواب على ذلك: أما بدعوى كون اخبار ماء الحمام أخص مطلقا من دليل انفعال الماء القليل، بناء على تعدد الماء باختلاف السطوح، فانه بناء على ذلك يكون ماء الحوض الصغير ماء قليلا، ومقتضى دليل انفعال الماء القليل انفعال بالنجاسة وعدم ارتفاعها عنه. وبهذا يصبح دليل ماء الحمام أخص مطلقا منه، لانه بتمام مدلوله - دفعا ورفعا - يخصص دليل الانفعال، وهذا خلافا لما إذا قلنا بأن ماء الحمام المختلف السطوح واحد

[ 48 ]

عرفا، فان الدفع حينئذ لا يكون تخصيصا لدليل انفعال الماء القليل، بل يشكل مادة افتراق دليل ماء الحمام عنه. وأما بدعوى: ان دليل انفعال الماء القليل ليس له اطلاق أحوالي يشمل ما بعد الاتصال بالمادة، لان ارتكاز وجود مطهرات في الجملة يقتضي كون مفاد دليل الانفعال دائما مقيدا لبا وارتكازا بعدم المطهر، فلا يمكن نفي المطهرية باطلاقه. وأما بدعوى: ان دليل ماء الحمام حاكم على دليل انفعال الماء القليل بالنظر، فيتقدم عليه، وان كانت النسبة العموم من وجه، لان دليل ماء الحمام ظاهر عرفا في المفروغية عن كبرى انفعال الماء بالملاقاة في الجملة، وهذا يعطيه نحوا من النظر الموجب للتقدم بالحكومة.

[ 49 ]

ماء البئر الروايات الدالة على الاعتصام - الروايات الدالة على انفعاله - وجوه الجمع بين الطائفتين - فروع في تطهير ماء البئر وسائر المياه.

[ 51 ]

[ (فصل) ماء البئر النابع بمنزلة الجاري لا ينجس الا بالتغير، سواء كان بقدر الكر أو أقل (1). ] * (1) وقع ماء البئر موضوعا لطائفتين من الروايات. احداهما: دلت على الاعتصام، من قبيل: رواية ابن بزيع (1)، ورواية علي بن جعفر (2) وروايتي معاوية بن عمار (3) ورواية أبي بصير (4) وهي جميعا واضحة الدلالة على الاعتصام. ففي الاولى قوله: (ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير فينزح... الخ) ومن الواضح أن كونه مما لا يفسده شئ هو عين الاعتصام. ودعوى: ان المفروض في الرواية سعة ماء البئر


(1) عن الرضا (ع): (قال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يغير ريحه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح، ويطيب طعمه، لان له مادة). (2) عن أخيه موسى بن جعفر (قال: سأتله عن البئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة أو زبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس). (3) عن أبي عبد الله (ع): (في الفأرة تقع في البئر، فيتوضأ الرجل منها ويصلي، وهو لا يعلم أيعيد الصلاة ويغسل ثوبه؟ فقال: لا يعيد الصلاة ولا يغسل ثوبه). وفي رواية اخرى له أيضا عن أبي عبد الله (ع) (قال: سمعته يقول: لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر، الا أن ينتن، فان أنتن غسل الثوب، وأعاد الصلاة، ونزحت البئر). (4) قال: قلت لابي عبد الله (ع): (بئر يستقي منها ويتوضئ به وغسل منه الثياب وعجن به، ثم علم أنه كان فيها ميت. قال: لا بأس، ولا يغسل منه الثوب، ولا تعاد منه الصلاة). وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق.

[ 52 ]

المساوقة لكثرته. فلا تدل على اعتصام ماء البئر مطلقا مدفوعة بان السعة إما بمعنى السعة في الحكم، فتكون مؤكدة للاعتصام، وأما بمعنى السعة في الماء، وحينئذ لا يراد بها الكثرة الفعلية، إذ لا معنى لتوصيف ماء البئر بالكثرة مع أن الابار مختلفة من هذه الناحية، فبقرينة اختلاف وضع الابار خارجا تكون السعة في الماء ظاهرة في السعة العنائية، باعتبار المادة التي هي مفروضة في نفس عنوان ماء البئر. وفي رواية علي بن جعفر (سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة، أو زنبيل من سرقين أيصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس). وابداء احتمالات غير عرفية من قبيل: حمل زنبيل من عذرة على فضلات مأكول اللحم رغم مقابلته بالسرقين في الرواية، أو حمل لا يفسده شئ على نفي الافساد الذي لا يفيد معه النزح لا يضر بقوة ظهور الروايات المذكورة في الاعتصام. وما كان فيه اطلاق من هذه الروايات لفرض التغير، يقيد بما دل على نجاسة ماء البئر بالتغير فدليل الاعتصام في نفسه تام. والطائفة الاخرى دلت على انفعاله بالملاقاة (1) وهذه الطائفة وان كان كثيرة عددا، ولكن يمكن المناقشة في جملة من رواياتها: فان كل ما دل على البأس - بنحو كان له اطلاق لصورة التغير وعدمه يمكن أن يقال: انه يقيد بفرض التغير، بقرينة روايات الاعتصام، فلا يكون معارضا من قبيل قوله: (وكل شئ وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس) (2) حيث دل بمفهومه على البأس في فرض وقوع ماله دم، فإذا بني فيه على عدم ظهوره في استناد البأس إلى مجرد الملاقاة، وإنما يقتضي ثبوت البأس بالملاقاة للاطلاق فيه


(1) الواردة في وسائل الشيعة أبواب 15، 16، 17، 18، 19، 20، 21، 22 من أبواب الماء المطلق. (2) وهي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) وسائل الشيعة باب: 17 من أبواب الماء المطلق.

[ 53 ]

لحالتي التغير وعدمه، أمكن تقييده بفرض التغير. وكذلك تمكن المناقشة في جملة من الروايات التي وقع فيها السؤال عن وقوع بعض النجاسات في ماء البئر، وجاء الجواب بالامر بمقدار محدد من النزح، وذلك بتقريب: ان جهة السؤال إذا كانت هي الاستفهام عن أصل الانفعال وعدمه، كان الامر بالنزح في الجواب ظاهرا في الارشاد إلى النجاسة، وأما إذا كانت الجهة الملحوظة للسائل - بعد فراغه عن أصل النزح وارتكازه في ذهنه هي مقدار النزح، فلا يكون الامر بمقدار معين من النزح في مقام الجواب، دالا على أصل الحكم بالانفعال، بل على امضاء ما هو المركوز في ذهنه من كون النزح وظيفة شرعية، وأما كونه وظيفة بعنوان كونه تطهيرا لماء البئر، أو عملا تنزيهيا مطلوبا شرعا، فلا يمكن تعيين ذلك بظهور تلك الروايات، بعد فرض كونها واردة للاستطلاع عن مرتبة متأخرة عن أصل تشريع النزح، وهي حده ومقداره.. ومع فرض الاجمال في الجهة الملحوظة للسائل، لا يتعين للجواب حينئذ ظهور في الحكم بالانفعال. وكذلك أيضا يمكن المناقشة في رواية ابن أبي يعفور. عن أبي عبد الله (ع) (قال: إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به فتيمم الصعيد، فان رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم) (1). وذلك ان تقريب الاستدلال بهذه الرواية يمكن أن يكون بأحد وجهين كلاهما لا يخلو عن الاشكال. الاول: ان الافساد فيها بمعنى التنجيس فتدل الرواية على انفعال ماء البئر بالملاقاة. ويشكل: بأن ظاهر الرواية تبرير ترك الغسل، برعاية حق أصحاب البئر، مع انه لو فرض انفعال


وسائل الشيعة باب 3 من أبواب التيمم حديث 2 وباب 14 من الماء المطلق حديث 22.

[ 54 ]

ماء البئر بدخول الجنب لكان الغسل باطلا لنجاسة الماء، بقطع النظر عن كون البئر لقوم آخرين، فلابد من حمل الافساد على معنى يلائم مع صحة الغسل فيه لو أدخل الجنب نفسه في الماء، بقطع النظر عن حق الاخرين. الثاني: ان الافساد فيها بمعنى صيرورة ماء البئر ماءا مستعملا في رفع الحدث الاكبر، وبضم العلم الخارجي بأن محذور الماء المستعمل يختص بالماء غير المعتصم، تكون للرواية دلالة التزامية على عدم اعتصام ماء البئر. ويشكل: بأن لازم ذلك تقييد الجنب بفرض طهارة بدنه، إذ مع نجاسته ينفعل ماء البئر على تقدير عدم اعتصامه والقول بانفعال غير المعتصم بالمتنجس مع أن فرض نجاسة بدن الجنب فرض شائع، لا معنى لحمل الرواية على ما عداه خاصة، بل أولى من ذلك أن يحمل الافساد على مرتبة تنزيهية من القذارة، أو على الفساد الحاصل من تلوث الماء بالوحل بسبب دخول الجنب فيه، فيكون في الرواية دلالة على عدم اعتصام ماء البئر. ومما يؤكد ذلك: أن محذور الماء المستعمل على فرض القول به ليس محذورا واضحا مركوزا، ليذكر في سياق تبرير ترك الغسل، المناسب لالقاء نكتة واضحة مركوزة. ومع هذا تبقى من الطائفة التي يستدل بها على عدم الاعتصام روايات لا شك في دلالتها عرفا على الانفعال، كرواية علي بن جعفر (قال: سألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة، فوقعت في بئر، هل يصلح أن يتوضأ منها؟ فقال: ينزح منها دلاء يسيرة، ثم يتوضأ بها (1)) فان هذه الرواية بقرينة الامر بنزح دلاء يسيرة، لا يمكن حملها على فرض التغير، وبقرينة السؤال عن الوضوء يكون ظاهر السؤال النظر إلى الانفعال وعدمه فيكون الامر بالنزح ظاهرا في الارشاد إلى النجاسة، وكذلك رواية علي


(1) وسائل الشيعة باب 21 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

[ 55 ]

ابن يقطين عن أبي الحسن موسى (ع): (قال سألته عن البئر تقع فيها الحمامة والدجاجة أو الكلب أو الهرة فقال: يجزيك أن تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها ان شاء الله) (1) فان قوله يطهرها ظاهر في انفعال البئر بالملاقاة قبل النزح. ومثلهما رواية اسماعيل بن بزيع (قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (ع): عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فتقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة أو نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع في كتابي بخطه: ينزح دلاء منها) (2) فان قول السائل (ما الذي يطهرها) ظاهر في أن نظره إلى الطهارة والنجاسة، ولا معنى لحمل الجواب على فرض التغير الذي لا يحصل عادة بالقطرات. فيقع الكلام حينئذ في علاج التعارض بين الطائفتين، ويمكن تصوير ذلك بوجوه: الوجه الاول: حمل النجاسة في الطائفة الثانية على مرتبة ضعيفة لا تكون منشأ لاثار لزومية، بل تنزيهية، والنجاسة بهذا المعنى تجتمع مع الطهارة بالمعنى المقابل للمرتبة اللزومية من النجاسة، التي تكون منشأ للحكم ببطلان الوضوء بالماء ونحوه. وقد يورد على هذا الجمع (3) تارة: بانه غير معقول لاستحالة اجتماع الطهارة مع النجاسة ولو بمرتبة ضعيفة منها، لانهما ضدان. واخرى بانه غير عرفي. ويندفع الايراد الاول: بأن الطهارة هي اعتبار النقاء والخلو من القذر


(1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 2. (2) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 21. (3) التنقيح الجزء الاول ص 226، 227.

[ 56 ]

فكما أن للقذر مراتب، كذلك للنقاء، واعتبار النقاء بلحاظ كل مرتبة يقابل اعتبار تلك المرتبة، ولا يضاد اعتبار مرتبة اخرى. فالطهارة بمعنى اعتبار النقاء من المرتبة اللزومية من النجاسة لا تضاد اعتبار المرتبة التنزيهية منها. ويندفع الايراد الثاني: بأن تعدد المراتب للقذارة أمر عرفي وثابت في القذارات العرفية، وبذلك يكون حمل دليل النجاسة على المرتبة الضعيفة في مقام التعارض حملا عرفيا، بعد ارتكازية تعدد المراتب، من قبيل حمل دليل الطلب على المرتبة الضعيفة في مقام التعارض مع دليل الجواز، بلحاظ ارتكازية تعدد مراتب الطلب في النظر العرفي. وإنما لا يصح مثل هذا الحمل والجمع في الاحكام التي ليس لها مراتب في نظر العرف، من قبيل الملكية والزوجية مثلا. وهناك شواهد ومؤيدات لهذا الجمع، منها: الاقتصار في روايتي علي ابن يقطين، ومحمد بن اسماعيل بن بزيع، على الامر بنزح دلاء، مع ان المقدرات للاشياء المذكورة - فتوى ونصا - مختلفة جدا، فلو بني على مطهرية المقدرات، للزم الالتزام بالاجمال أو الاهمال في جواب الامام، مع انه في مكاتبة ولا يتيسر للسائل مراجعته - فورا - في الاستفهام عن التفاصيل. وهذا بخلاف ما إذا التزمنا بأن القذارة المستحقة للنزح تنزيهية، فان مطلق النزح حينئذ يكون مرتبة من التنزيه، فلا يكون في الجواب اجمال أو اهمال. هذا مضافا إلى انه وردت في رواية ابن بزيع كلمة البعرة إما بلسان (ويسقط فيها شئ من غيره كالبعرة أو نحوها). أو بلسان (أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة أو نحوها)، على اختلاف النسخ والاول واضح في المقصود، وكذلك الثاني إذا حمل قوله كالبعرة على التمثيل، لا على بيان المقدار. ومنها: ان ورود الطاهر في جملة ما يوجب نزح ماء البئر تكرر في

[ 57 ]

روايات الانفعال كالعقرب (1) أو الروث، أو البعرة، التي وردت في رواية ابن بزيع، مما يكشف عن كون الحزازة المحكوم بها سنخ حزازة تناسب مع ملاقاة بعض الاجسام الطاهرة أيضا، وليست هي النجاسة اللزومية. ومنها: انه قد يرد في الرواية الواحدة التخيير بين الاقل والاكثر في مقام النزح، فيقال مثلا ينزح ثلاثين أو أربعين (2) أو تذكر عبارات مرنة من قبيل: دلاء يسيرة (3) مما لا يناسب الحكم الالزامي الذي يصاحب التحديد عادة. وهذا بخلاف ما إذا كان النظر إلى مراتب تنزهية من النجاسة فان هذه المراتب لما كانت متكثرة ومرنة، يناسبها التعبير بمثل تلك الالسنة. ومنها: اختلاف تقدير النزح في جملة من الموارد اختلافا عجيبا، ففي الفارة مثلا ورد في رواية علي بن يقطين (دلاء) (4) وفي رواية


(1) كرواية منهال: قال: قلت لابي عبد الله (ع) العقرب تخرج من البئر ميتة قال: استق منها عشرة دلاء). باب 12 من الماء المطلق حديث 7. (2) كرواية سماعة عن أبي عبد الله (ع) في حديث وان كانت سنورا أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين دلوا أو أربعين دلوا. باب 17 من الماء المطلق حديث 4. (3) كما في رواية علي بن جعفر السابقة. (4) عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن البئر تقع فيها الحمامة أو الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرة فقال: يجزيك أن تنزح منها دلاء فان ذلك يطهرها ان شاء الله. التهذيب باب 11 من تطهير المياه النجسة حديث 17 ص 237 وفي الاستبصار باب 20 من أحكام البئر حديث 5 ص 37 وقد نقلها صاحب الوسائل في وسائل الشيعة ولكن مع اسقاط الفأرة والظاهر أنه سقط.

[ 58 ]

معاوية بن عمارة (ثلاث دلاء) (1) وفي رواية الشحام (خمس دلاء) (2) وفي رواية سماعة (سبع دلاء) (3)، وفي رواية أبي خديجة (أربعون دلوا) (4)، وفي رواية عمار ورد نزح البئر كلها (5)، وهكذا غير الفارة. فان تفسير هذا الاختلاف على أساس فكرة المراتب التنزيهية من النجاسة واضح، بخلاف ما إذا افترضنا ان هذه الروايات كلها في مقام بيان المطهر والمزيل للمرتبة اللزومية من النجاسة. ودعوى: ان مقتضى الصناعة مع اختلاف التقدير التحفظ على ظهور الاقل في اللزوم، وحمل سائر التقديرات الاخرى على الاستحباب، لا البناء على الاستحباب في الجميع (6) مدفوعة: بأن هذا يكفي لاثبات المقصود، لان حمل الروايات المتكفلة لسائر التقديرات على الاستحباب وعلى مراتب تنزيهية من القذارة، يعني بنفسه شيوع هذه الفكرة في الروايات الامر الذي يؤكد عرفية الجمع المذكور وقربه من الجو العام للروايات.


(1) قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الفأرة والوزغة تقع في البئر قال ينزح منها ثلاث دلاء. باب 19 من الماء المطلق حديث: 2. (2) عن أبي عبد الله (ع) في الفأرة والسنور والدجاجة والكلب والطير قال فإذا لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء. باب 17، من الماء المطلق حديث: 7. (3) قال: سألته عن الفأرة تقع في البئر أو الطير قال ان أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء. باب 18 من الماء المطلق حديث 1. (4) عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن الفأرة تقع في البئر قال إذا ماتت ولم تنتن فأربعين دلوا باب 18 من الماء المطلق حديث 4. (5) عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن بئر يقع فيها كلب، أو فأرة أو خنزير قال: تنزح كلها. باب 17 من الماء المطلق حديث 8. (6) مدارك العروة الوثقى الجزء الثاني ص 22.

[ 59 ]

فليس المقصود في المقام جعل نفس الاختلاف بين الروايات في تقدير النزح قرينة على حمل الجميع على الاستحباب، لتتجه الدعوى المذكورة، بل المقصود أن تعين حمل أكثر تلك الروايات على الاستحباب والنجاسة التنزيهية، شاهد على عرفية الجمع المذكور بين الطائفتين. ومنها: انه قد يتفق أن يكون شخص واحد راويا لروايتين من كلتا الطائفتين، كابن بزيع، الذي كتب يسأل الرضا (ع) عن المطهر لماء البئر في الرواية المتقدمة من روايات الانفعال، الامر الذي دل على المفروغية عن النجاسة في ذهنه. وكتب إلى الامام الرضا (ع) نفسه يسأله عن ماء البئر فأجاب انه واسع لا يفسده شئ، الامر الذي دل على عدم المفروغية عن النجاسة في ذهنه. فان حملنا النجاسة في رواية الانفعال على المرتبة التنزيهية لم يكن هناك استغراب في صدور السؤالين معا من ابن بزيع، بأن يكون قد سأل عن الحكم اللزومي فاجيب بالاعتصام، ثم سأل عن المطهر بلحاظ المرتبة التنزيهية. وأما إذا لم نلتزم بهذا الحمل، وفرضنا النظر في كلتا الروايتين إلى المرتبة اللزومية من النجاسة، فيشكل تصور صدور السؤالين من ابن بزيع، لان السؤال الذي أجيب بالاعتصام إذا كان هو الاول، فكيف يظهر من سؤاله الثاني المفروغية عن النجاسة؟!، وإذا كان السؤال عن المطهر هو الاول، فهذا يعني مفروغيته عن انفعال ماء البئر فكيف يسأل عنه؟!. إلا أن يفرض تجدد جهة في الاثناء توجب الشك من جديد. ومنها: عدم تعرض روايات النزح أصلا لحال الماء الذي ينزح، فلم يؤمر في شئ منها باراقته ووجوب اجتنابه، كما هو الحال في الروايات الواردة في انفعال الماء القليل. وهذا قد يكون اعتمادا على ظهور النزح نفسه، في ان المقصود به افراز الماء الفاسد، الدال بالالتزام على لزوم إراقته. وقد يكون ذلك لاجل ان تمام النظر إلى نفس النزح، باعتباره

[ 60 ]

أدبا من الاداب الشرعية المقررة لماء البئر عند وقوع القذارات فيه، ولو بنكتة التحفظ على تجدد ماء البئر، واخراجه باستمرار عن حالة التوقف والركود، دون أن يحكم على الماء المنزوح بالنجاسة. ومنها: أنه لو بني على نجاسة ماء البئر قبل النزح وكون النزح مطهرا فهذا أمر بعيد عن الارتكاز العرفي، لاننا نتسأل ما هو موضوع النجاسة: هل هو تمام الماء؟ أو خصوص ما ينزح؟ أو كلي بالقدر الواجب نزحه؟. والكل على خلاف الارتكاز العرفي: أما الاول فلان الماء إذا كان كله نجسا، فكيف يطهر بعض النجس بفصل بعضه الاخر عنه؟!، فان مثل هذه المطهرية غريبة عرفا. وأما الثاني فهو أغرب، لان نسبة القذر الواقع في البئر إلى الجميع واحدة، فكيف تتعين النجاسة فيما ينزح خاصة، وقد لا يقع نزح أصلا؟!. وأما الثالث فهو غير معقول، لعدم تعقل قيام القذارة بالكلي أو بالكسر المشاع، وان تعقل العرف ذلك في الملكية. ولا يبقى بعد ذلك إلا افتراض ان الماء كله ينجس، وبالنزح يتجدد النبع فيكون النبع المتجدد مطهرا للماء الباقي، وهذا أيضا غريب في نفسه، بناء على عدم اعتصام ماء البئر، لان الماء المتجدد نبعه هو بدوره أيضا ماء قليل غير معتصم ينجس بالملاقاة، فكيف أصبح مطهرا لما تنجس، ولو كان موجودا حين تنجس ماء البئر لشملته النجاسة. وهذا خلافا لما إذا افترضنا اعتصام ماء البئر، وكون النجاسة تنزهية أو افترضنا كون النزح في نفسه أدبا شرعيا، بنكتة جعل ماء البئر في حالة حركة وتجدد باستمرار، فان الامر بالنزح حينئذ مناسب، وليس على خلاف الارتكاز. ومنها ورود الامر بالنزح، متصلا بقرينة توجب عدم ارادة النجاسة والحمل على التنزيه، فإذا أمكن باتصال القرينة المذكورة ابطال ظهور

[ 61 ]

الامر بالنزح في النجاسة، واتجاه دلالته نحو التنزيه، أمكن بالقرينة المنفصلة ابطال حجية ذلك الظهور، وحمله على التنزيه، وذلك كما في رواية أبي اسامة ويعقوب بن عثيم عن أبي عبد الله (ع): (قال: إذا وقع في البئر الطير والدجاجة والفارة، فانزح منها سبع دلاء، قلنا: فما تقول في صلاتنا ووضوئنا، وما أصاب ثيابنا؟. فقال: لا بأس به) (1). ويلاحظ في الرواية ان القرينة المتصلة التي تدل على عدم النجاسة لم يلحقها الامام ابتداء بالامر بالنزح، بل أمر بالنزح وسكت، ولو لم يراجعه السائل لما نصب القرينة على عدم النجاسة، فأي استبعاد في حمل الاوامر الاخرى بالنزح، التي سكت عليها الامام ولم يراجعه فيها السائل على الاستحباب. ومنها: سكوت روايات التطهير والنزح عن النجس، المفروض وقوعه في ماء البئر، وعدم النص على لزوم إخراجه بالنزح إذا لم يستهلك وهذا السكوت غريب بناء على انفعال ماء البئر وعدم اعتصامه، إذ كان من المترقب عرفا بناء على ذلك أن يشير إلى لزوم اخراج النجس، إذ ما فائدة النزح مع بقاء النجس، فيكون من الغريب اتكال تمام روايات النزح في الاشارة إلى ذلك على الدلالة الالتزامية. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأن الامر بالنزح أدب تنزيهي تحصل النكتة المقصودة منه ولو لم يحرز اخراج النجس منه. ومنها: ان الروايات الامرة بالنزح والاخبار الدالة على الانفعال لم تفرق بين القليل والكثير من ماء البئر، فهي شاملة للكثير، بل قد يقال: بابائها عن التقييد بالقليل، أما لشيوع الكثرة في مياه الابار، وأما لان بعض مراتب النزح العالية لا تناسب عادة إلا الكثير.


(1) وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق حديث 12.

[ 62 ]

فلو حملت تلك الروايات على وجود نجاسة لزومية، لزم كون ماء البئر النابع أسوأ من المحقون، المعتصم كثيره وهذا يعني دخل المادة في سلب الاعتصام عن ماء البئر الكثير. وهذا على خلاف الارتكاز العرفي. فيكون هذا الارتكاز بنفسه قرينة على كون الامر بالنزح أمرا تنزيهيا وأدبا شرعيا، لو لم يمكن جعله قرينة على التقييد بالقليل من ماء البئر خاصة. ولا ينبغي الشك في صحة الجمع العرفي المذكور، مع ملاحظة مجموع هذه المؤيدات والمقربات، وان كان بعض المؤيدات التي ذكرناها قابلة للمناقشة أو لمنع صلاحيتها للتأييد. الوجه الثاني لعلاج التعارض بين الطائفتين دعوى: ان التعارض بينهما مستحكم، ولا جمع عرفي، ومعه لابد من الرجوع إلى المرجحات. والترجيح مع الاخبار الدالة على الطهارة والاعتصام، لانها موافقة للكتاب الكريم، المتكفل لطهورية الماء على الاطلاق في قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (1). وموافقة الكتاب هي أول المرجحين العلاجيين. ويرد عليه: أولا: ان الجمع العرفي تام، كما تقدم وثانيا: ان الماء في الاية الكريمة ليس له اطلاق افرادي، ليكون اطلاق الكتاب لماء البئر مرجحا للطائفة الدالة على الطهارة، كما أوضحنا ذلك مفصلا في الجزء الاول من هذا الشرح (2). وثالثا: أنه لو سلم الاطلاق الافرادي فلا نسلم الاطلاق الاحوالي بنحو يشمل الحالات المتعقبة للانزال، بما فيها حالة الملاقاة للنجاسة، بل المنساق من الاية الكريمة كون الماء طهورا بحسب طبعه. وان شئت قلت: ان انزال الماء الطهور يكفي في صدقه أن يكون الماء حين النزول طاهرا، ولا يدل على استمرار الطهارة بعد


(1) سورة الفرقان الاية 48. (2) ص 25 من الجزء الاول.

[ 63 ]

ذلك. ورابعا: ان الطهورية من المحتمل أن تكون بمعنى المطهرية كما تقدم في موضعه، ومعه لا تكون الاية متكفلة للطهارة ولا دالة عليها، على كلام سبقت الاشارة إليه في أول الكتاب (1). الوجه الثالث ان التعارض مستحكم، ولا يمكن الترجيح على أساس موافقة الكتاب، فيتعين إعمال المرجح الثاني وهو مخالفة العامة، وهذا المرجح في صالح أخبار الطهارة والاعتصام، لان العامة - على ما نقل السيد الاستاذ - متفقون على انفعال ماء البئر بالملاقاة، ولهذا حمل الاخبار الدالة على النجاسة أو الامرة بالنزح على التقية (2). ويرد عليه: أولا: ما تقدم من عدم استحكام التعارض لوجود الجمع العرفي. وثانيا: ان حمل الاخبار الدالة على النزح أو النجاسة بالسنتها المختلفة على التقية بعيد جدا، وذلك لكثرتها البالغة إلى حد التواتر اجمالا، وكونها أكثر بمراتب من الروايات الدالة على الاعتصام. ومن الواضح ان التقية قد تعرض للامام، ولكن عروضها بهذا الشكل المستمر المتكرر مع اختلاف الاحوال والرواة وطرق الاداء، بحيث يفوق البيانات الجدية بمراتب، دون أن يكون فيها اشارة أو تعريض إلى كون الحال حال تقية وعدم تكفل الاخبار الدالة على الاعتصام شيئا من الاشارة أو التعريض بذلك... أقول ان ذلك مستبعد جدا لمن لاحظ الاحاديث الواردة تقية في الفقه، وخصوصياتها من حيث نسبتها إلى ما يعارضها، مما هو وارد لبيان الواقع، وعدم خلوها عادة من بعض الاشارات والتلميحات في جملة من الموارد. هذا مضافا إلى ما يظهر من جملة من روايات الانفعال


(1) ص 26 من الجزء الاول. (2) مدارك العروة الوثقى الجزء الثاني ص 29.

[ 64 ]

من ان أصل الانفعال بمرتبة من مراتبه كان مركوزا في أذهان الرواة، فكيف يفرض حصول هذا الارتكاز لدى عدد كبير من الرواة لبيانات غير جدية مع ان الغالب في بيانات من هذا القبيل ان تنصم إليها قرائن متصلة أو منفصلة توضح واقع الحال. وثالثا: انه لم يعلم ذهاب فقهاء العامة المعاصرين للصادقين عليهما السلام، إلى القول بانفعال ماء البئر مطلقا على النحو المشهور بين فقهائنا المتقدمين، فان السيد المرتضى - قدس سره - قد صرح في الانتصار: بأن مما انفردت به الامامية، القول بأن ماء البئر ينجس بما يقع فيها من النجاسة، ويطهر عندنا ماؤها بنزح بعضه، وهذا ليس بقول لاحد من الفقهاء، لان من لم يراع في الماء حدا إذا بلغ إليه لم ينجس بما يحله من النجاسات - وهو أبو حنيفة - لا يفصل في هذا الحكم بين البئر وغيرها، كما فصلت الامامية، ومن راعى حدا في الماء إذا بلغه لم يقبل النجاسة - وهو الشافعي - لم يفصل بين البئر وغيرها. ونقل صاحب كتاب الفقه على المذاهب الاربعة (1): أن المالكية قالوا: إذا مات في البئر حيوان بري ذو دم سائل، ولم تتغير البئر فلا ينجس، ويندب أن ينزح منها بقدر ما تطيب به النفس، ولا يحد ذلك بمقدار معين. وهكذا يظهر: أن الحكم بانفعال ماء البئر مطلقا بمجرد الملاقاة، ليس مما اتفقت عليه كلمة فقهاء العامة. الوجه الرابع أن يقال: باستحكام التعارض والتساقط بسبب عدم المرجح العلاجي. وحينئذ يرجع اما إلى العمومات الفوقية الدالة على اعتصام طبيعي الماء، أو إلى اصالة الطهارة بعد الملاقاة مع النجاسة ونحوها من الاصول، على فرض عدم وجود العمومات الفوقية، ونتيجة ذلك هو


(1) ص 7 من الجزء الاول.

[ 65 ]

طهارة ماء البئر بعد الملاقاة ولو كان قليلا. ويرد عليه: أولا: انه لا موجب للتساقط بعد وجود الجمع العرفي كما تقدم. وثانيا: ان اثبات الاعتصام بالرجوع إلى العمومات أو الاصول مشكل: أما العمومات فان اريد ما دل بعمومه على اعتصام طبيعي الماء، كرواية حريز (1) فهو معارض بما دل بعمومه على انفعال طبيعي الماء، كموثقة عمار (2) وماء البئر داخل تحت كلا المطلقين، فلا يتعين أحدهما للمرجعية. مضافا إلى انه مقيد بمثل مفهوم اخبار الكر الدال باطلاقه على انفعال ماء البئر القليل فكيف نرجع في ماء البئر القليل إلى اطلاق اعتصام طبيعي الماء. وان اريد ما دل على اعتصام طبيعي الماء النابع، لشموله بالاطلاق لماء البئر، فيكون هو المرجع. فيرد عليه ان مهم الدليل على اعتصام الماء النابع انما هو نفس صحيحة ابن بزيع الواردة في ماء البئر، والمفروض سقوطها بالمعارضة. وأما الاصول العملية فهي وان كانت تقتضي طهارة ماء البئر بعد الملاقاة، ولكنها لا تثبت الاعتصام بعنوانه، إذا كان هذا العنوان موضوعا لاثار شرعية بالخصوص في قمام التطهير ونحوه. الوجه الخامس: أن يقال بتقديم الاخبار الدالة على النجاسة بعد استحكام التعارض، وذلك لانها متواترة اجمالا، خلافا للاخبار الدالة على الاعتصام


(1) عن أبي عبد الله (ع) (قال: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء وأشرب، فإذا تغير الماء، وتغير الطعم، فلا توضأ منه ولا تشرب). وسائل الشيعة باب 1 من الماء المطلق حديث 1. (2) عن أبي عبد الله (ع) سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه الا أن ترى في منقاره دما فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب. وسائل الشيعة باب 4 من الاسئار حديث 2.

[ 66 ]

فتدخل أخبار الاعتصام في أخبار الاحاد المعارضة للسنة القطعية، فتسقط عن الحجية، لما قرر في محله من عدم حجية خبر الواحد المعارض للدليل القطعي السند كتابا أو سنة. ويرد عليه ان سقوط خبر الواحد عن الحجية بالمعارضة للسنة القطعية فرع استحكام التعارض وعدم الجمع العرفي، وقد تقدم وجود الجمع العرفي بل التحقيق انه يكفينا في المقام للتخلص من محذور سقوط أخبار الطهارة عن الحجية بملاك المعارضة للسنة القطعية، أن تكون أخبار الطهارة صالحة للقرينية ولو بلحاظ مقدار من الاخبار الدالة على النجاسة، ولو لم تكن صالحة للقرينية على الجميع، لان كون الدليل على النجاسة سنة قطعية انما هو على أساس التواتر الاجمالي، وهذا انما يثبت صدور بعض روايات النجاسة في الجملة، فإذا كان بعضها مما تصلح أخبار الطهارة للقرينية عليه احتمل انطباق ذلك البعض المعلوم صدوره بالتواتر الاجمالي عليه، ومعه لا يحرز كون أخبار الطهارة مستحكمة التعارض مع السنة القطعية. هذا كله لو سلم التواتر الاجمالي فيما تمت دلالته من الاخبار على النجاسة، بعد افراز ما ناقشنا في أصل دلالته على ذلك، وأخذ وجود المعارض المتعدد بعين الاعتبار، لوضوح أن وجود المعارض من العوامل المعيقة عن حصول اليقين، بسبب تكاثر الاخبار، فعشرون رواية مثلا ليس لها معارض قد تفيد اليقين على أساس التواتر الاجمالي، وليس كذلك عشرون رواية مبتلاة بمعارض يتكون من خمس روايات مثلا، فالمعارض وان لم يكن في نفسه قطعي السند، ولكنه يصبح من العوامل المانعة تكوينا

[ 67 ]

عن قطعية السند في الطرف الاخر، ومعه لا يدخل في نطاق أخبار الاحاد المعارضة للسنة القطعية. الوجه السادس: يقوم على أساس محاولة أخرى للجمع بين الطائفتين المتعارضتين، بحمل الاخبار الدالة على الاعتصام على فرض كثرة ماء البئر وكريته، وحمل الاخبار الدالة على الانفعال والنزح على فرض عدم الكرية وبمثل هذا الجمع يمكن أن يستدل على قول ثالث في المسألة منسوب إلى بعض الفقهاء، وهو التفصيل بين القليل والكثير في ماء البئر، على نهج الماء المحقون الذي يختلف حكم قليله عن كثيره. وما يمكن أن يوجه به الجمع المذكور أمران: أحدهما: دعوى ان أخبار انفعال ماء البئر مختصة بنفسها بالقليل، وأما أخبار الاعتصام فهي مطلقة تشمل القليل والكثير، ومقتضى القاعدة حينئذ حمل أخبار الاعتصام على الكثير تقييدا لها بأخبار الانفعال، التي هي أخص منها مطلقا، ووجه اختصاص أخبار الانفعال بالقليل، القرينة اللبية الارتكازية، التي تعتبر بحكم القرائن المتصلة. وهذه القرينة هي عبارة عن مجموع ارتكازين: أحدهما: ارتكاز متشرعي لاعتصام الماء المحقون الكر. والاخر ارتكاز عرفي: وهو ان وجود المادة لماء البئر لا يمكن أن يكون سببا لاسوئيته من الماء المحقون، وعلى أساس مجموع هذين الارتكازين يحصل مقيد متصل لاخبار الانفعال بالقليل خاصة، وبهذا تكون أخص مطلقا من أخبار الاعتصام، إذ لا يوجد في أخبار الاعتصام قرينة متصلة على اختصاصها بالقليل، فيتعين التقييد. والصحيح عدم وجاهة هذه الدعوى، لان بعض روايات الانفعال آبية عرفا عن الحمل على القليل خاصة، كما ان بعض روايات الاعتصام آبية عن الحمل على الكثير خاصة. فمن الاول الروايات الدالة على الامر بنزح

[ 68 ]

خمسين دلوا أو أربعين دلوا، أو سبعين دلوا، أو يترواح عليه أشخاص في مقام النزح، فان الغزارة الفعلية التي تفهم عرفا من هذه التقديرات الكبيرة للنزح لا يمكن حملها عرفا على القليل خاصة. هذا بعد فرض دلالة أخبار النزح على النجاسة. ومن الثاني رواية ابن بزيع، التي أخذ فيها الامام عنوان ماء البئر وحكم باعتصامه، لظهور ذلك عرفا في دخل العنوان في الاعتصام، ومع حمله على الكثير يلغو دخل العنوان، خصوصا إذا أرجعنا التعليل بالمادة في ذيل الرواية إلى الحكم بالاعتصام. والامر الاخر: أن يقطع النظر عن القرينة الارتكازية التي أبرزناها في التقريب السابق لتقييد روايات الانفعال بالقليل، ويقال بأن كلا من الطائفتين شامل للقليل والكثير، غير ان موثقة عمار المفصلة بين القليل والكثير (1) تقيد روايات الاعتصام بالكثير، وروايات الانفعال بالقليل وبذلك يرتفع التعارض بين الطائفتين، وقد ظهر الجواب على هذا مما تقدم أيضا. الوجه السابع: أن يفترض كون الطائفتين متساويتين موضوعا في الشمول للقليل والكثير معا، وبعد استحكام التعارض وعدم المرجح تسقط الطائفتان معا، ونرجع حينئذ في ماء البئر القليل إلى مفهوم أخبار الكر، وفي ماء البئر الكثير إلى منطوقها، ونتيجة ذلك التفصيل بين القليل والكثير لوضوح ان أخبار الكر غير مختصة بالمحقون فهي شاملة لماء البئر بالاطلاق فتتعين للمرجعية. وهذا الوجه لا بأس به لو سلم التساقط، ولكنه غير ثابت لوجود


(1) قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة أو رطبة فقال: لا بأس إذا كان فيها ماء كثير. وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق، حديث 15.

[ 69 ]

[ وإذا تغير ثم زال تغيره من قبل نفسه طهر، لان له مادة (1). ونزح المقدارات في صورة عدم التغير مستحب (2). وأما إذا لم يكن له مادة نابعة، فيعتبر في عدم تنجسه الكرية، وان سمي بئرا كالابار التي يجتمع فيها ماء المطر ولا نبع لها (3). ] الجمع العرفي كما تقدم. وبما ذكرناه ظهر ان الصحيح هو القول باعتصام ماء البئر، عملا بروايات الاعتصام، ولا تضر بذلك شهرة القول بالانفعال بين المتقدمين لاحتمال أن يكون تركهم للعمل بأخبار الاعتصام من أجل تطبيق قواعد التعارض، لا من أجل قصور سندي ذاتي فيها في نظرهم، فلا يوجب سقوطها عن الحجية. كما ان الاجماع المدعى والمظنون حصوله في تلك الطبقات ظنا قويا، لا يكفي لاثبات الحكم بالانفعال، لاحتمال استناده إلى نفس ما بيدنا اليوم من الروايات، خصوصا مع أن جملة من كلمات المتقدمين لم يصرح فيها الا بالامر بالنزح دون الحكم بالانفعال. (1) كما في صحيحة ابن بزيع، الدالة على ذلك حكما وتعليلا، كما سبق تفصيلا عند شرح مفادها في بحوث الماء الجاري (1). (2) عملا بروايات النزح، بعد الجمع العرفي بين الطائفتين بالحمل على المراتب، كما تقدم توضيحه. (3) لعدم صدق العنوان ماء البئر عليه حقيقة، لتقوم هذا العنوان بالمادة، بل لو فرض صدقه عليه لم ينفع، بعد أن فهمنا من روايات اعتصام ماء البئر - بقرينة مناسبات الحكم والموضوع، أو بقرينة التعليل في صحيحة ابن بزيع - بأن اعتصام ماء البئر باعتباره ذا مادة، فلا يشمل


(1) راجع الجزء الاول ص 338

[ 70 ]

[ (مسألة - 1) الماء المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغير فطهره بزواله ولو من قبل نفسه (1)، فضلا عن نزول المطر عليه أو نزحه حتى يزول، ولا يعتبر خروج ماء من المدة في ذلك (2). (مسألة - 2) الماء الراكد النجس - كرا كان أو قليلا - يطهر بالاتصال بكر طاهر، أو بالجاري، أو النابع غير الجاري، وان لم يحصل الامتزاج على الاقوى (3). وكذا بنزول ماء المطر (4). (مسألة - 3) لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير، فيطهر بمجرده، وان كان الكر المطهر - مثلا - أعلى والنجس أسفل. وعلى هذا فإذا ألقي الكر لا يلزم نزول جميعه فلو اتصل ثم انقطع كفى. نعم إذا كان الكر الطاهر ] الحكم ما ليس له مادة. (1) لان خصوصية النزح ملغية، كما تقدم عند الحديث عن صحيحة ابن بزيع في بحوث الماء المتغير (1). (2) لاطلاق التعليل في صحيحة ابن بزيع، بالنحو الذي سبق توضيحه في بحوث الماء المتغير. (3) كما تقدم في بحث مطهرية الماء المعتصم للماء المتنجس في مسائل الماء المتغير (2). (4) كما تقدم في بحث مطهرية ماء المطر.


(1) راجع الجزء الاول ص 294. (2) راجع الجزء الاول ص 289.

[ 71 ]

[ أسفل والماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال (1). ] (1) والضابط ان كل اتصال يوجب تقوى أحد المائين بالاخر فهو يكفي لتطهيره بالاخر، إذا كان الاخر كرا. فالسافل يتقوى بالعالي، ولهذا يطهر به إذا كان العالي كرا، والعالي الجاري لا يتقوى بالسافل فلا يطهر عند نجاسته باتصاله بالسافل، وان كان السافل كرا. ونكتة هذا الضابط: ان مدرك مطهرية الكر للماء المتنجس المتصل به، اما تطبيق عنوان المادة عليه المأخوذة في التعليل في صحيح ابن بزيع، بدعوى: إلغاء خصوصية المادة الطبيعية، وكون المادة بمعنى مطلق ما يمد الماء من الماء المعتصم. وأما تطبيق قاعدة ان الماء الواحد لا يتبعض حكمه، وبالاتصال يكون الماءان ماءا واحدا فيطهر جميعه، ومن الواضح ان كلا الامرين لا يجريان فيما إذا كان المتنجس هو العالي واتصل بمعتصم سافل. أما الاول فلعدم صدق الامداد، لوضوح ان الكر السافل لا يمد العالي، ولا موجب لالغاء خصوصية الامداد وان الغينا خصوصية المادة الطبيعية. وأما الثاني فلان المفروض - كما تقدم - ان العالي لا يتقوى بالسافل، وهذا يعني امكان أن ينفعل العالي مع عدم انفعال السافل إذا كان العالي قليلا والسافل كرا وهو يؤدي إلى ان التبعض في الحكم على هذا النحو معقول، فلا موجب للالتزام حينئذ بمطهرية السافل الكر للعالي المتنجس عند الاتصال به. وهذا بخلاف صورة ما إذا كان الماء السافل متنجسا واتصل بالعالي الكر، فان كلا الامرين يجريان فيه. أما الاول فلوضوح صدق الامداد من العالي فيكون مطهرا. وأما الثاني فلان العرف لا يتعقل مع الوقوف نجاسة السافل دون العالي، فأما أن ينجس الجميع وأما أن يطهر الجميع، والاول على خلاف اطلاق دليل اعتصام العالي المفروض الكرية، فيتعين

[ 72 ]

[ (مسألة - 4) الكوز المملوء من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر، ولا يلزم صب مائه وغسله (1). (مسألة - 5) الماء المتغير إذا القي عليه الكر فزال تغيره به يطهر، ولا حاجة إلى القاء كر آخر بعد زواله (2)، لكن بشرط أن يبقى الكر الملقى على حاله من اتصال اجزائه وعدم تغيره، فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس، أو تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلا باقيا على حاله، تنجس ولم يكف في التطهير. والاولى ازالة التغيير أو لا ثم القاء الكر أو وصله به. ] الثاني. وبذلك تثبت مطهرية العالي الجاري أيضا بالاولوية العرفية. (1) أما طهارة ماء الكوز فعلى أساس الاتصال بالماء المعتصم. وأما طهارة نفس الكوز فلكفاية المرة في الغسل بالماء المعتصم، لان رواية عمار الدالة على الامر بالثلاث مخصوصة بالماء القليل، كما أشرنا في فروع ماء المطر، ومع عدم وجوب التعدد لا يلزم صب ماء الكوز أيضا، لان صبه ان كان بلحاظ لزوم فصل ماء الغسالة، فالصحيح عدم تقوم عنوان الغسل بذلك، وان كان بلحاظ انه لا أثر لغمس الكوز الملئ بالماء في الحوض إذ لا يتحقق بذلك احداث الغسل ما دامت الملاقاة للماء ثابتة من أول الامر فلكي يتحقق الغسل إحداثا لابد من تفريغ الكوز وادخاله في الحوض. فمن الواضح ان خصوصية الاحداث وان كان اعتبارها هو مقتضى الجمود على ظهور صيغة إغسل، ولكن الارتكاز العرفي يلغي خصوصية الحدوث في باب الطهارة الخبيثة، لانه يفهم من دليل التطهير بمناسبات الحكم والموضوع ان الميزان وصول الماء. (2) لان الدليل على مطهرية الماء المعتصم للماء المتنجس بعد زوال

[ 73 ]

تغيره يجري في صورة ارتفاع التغير بالكر الملقى - مع مراعاة الشروط المذكورة في المتن - بدون حاجة إلى القاء كر آخر إليه، سواء كان الدليل التعليل في صحيح ابن بزيع، أو قاعدة عدم تبعض الماء في الحكم.

[ 75 ]

طرق ثبوت النجاسة العلم البينة - العدل الواحد - قول ذي اليد - فروع وتطبيقات

[ 77 ]

[ (مسألة - 6) تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم وبالبينة وبالعدل الواحد على اشكال لا يترك فيه الاحتياط وبقول ذي اليد وان لم يكن عادلا ولا تثبت بالظن المطلق على الاقوى (1) ] (1) استعرض في هذه المسألة الطرق المعتبرة لاثبات النجاسة، التي لابد من الخروج بها عن القاعدة الاولية المقتضية للطهارة. وكان الافضل القاء القاعدة أولا ثم بيان طرق الخروج عنها، غير أنه أجل القاء القاعدة بصورة صريحة إلى فصل لاحق في الماء المشكوك. وعلى هذا الاساس سوف نفرض في المقام تمامية القاعدة، ونتكلم عن طرق الخروج عنها تبعا للماتن قدس سره. وتوضيح الحال في ذلك: ان الفقهاء ذكروا عدة طرق لاثبات النجاسة وهي كما يلي: 1 - العلم. ولا شك في الخروج به عن عموم أصل الطهارة، لكونه محققا للغاية التي أخذت في دليل القاعدة، وانما الكلام في ان العلم المأخوذ غاية لها هل هو طريق صرف إلى النجاسة الواقعية، أو مأخوذ في موضوعها؟. وسوف يأتي - ان شاء الله تعالى - تحقيق ذلك عند البحث حول قاعدة الطهارة وتنقيح جهاتها، ويترتب على ذلك عدة ثمرات: منها: أنه بناء على الطريقية لا يفرق بين علم وعلم، وأما بناء على الموضوعية. فيمكن التفصيل بين أنحاء العلم، بأن يدعى مثلا انصراف

[ 78 ]

الدليل عن علم الوسواسي، وسوف يأتي لذلك مزيد توضيح وتحقيق ان شاء الله تعالى. ومنها: أنه بناء على عدم أخذ العلم في موضوع النجاسة الواقعية وكون العلم طريقا صرفا، تقوم سائر الحجج مقامه في تنجيزها، وأما بناء على الموضوعية فلا تقوم الامارات والاصول مقامه بمجرد قيام دليل على حجيتها، لانها لا تقوم مقام القطع الموضوعي ولو كان مأخوذا في الموضوع على وجه الطريقية، على ما حققناه في الاصول، فيحتاج قيامها حينئذ مقام العلم إلى قرينة خاصة. 2 - البينة: ويمكن الاستدلال على حجيتها بوجوه: الاول: استفادة ذلك مما دل على حجيتها في باب القضاء (1)، وحيث ان هذا الدليل وارد في القضاء وفصل الخصومة، فالاستناد إليه لاثبات حجية البينة في أمثال المقام يحتاج إلى توجيه. ويمكن أن يقرب هذا التوجيه بعدة تقريبات: أحدها: ما ذكره المحقق الهمداني - قدس سره - من التعدي عن مورد الدليل بالاولوية أو المساواة، وذلك لانه يقتضي جعل الحجية لبينة المدعي، المعارضة دائما للقواعد التي توافق قول المنكر، والتي قد تكون من قبيل قاعدة اليد وأمثالها من الامارات العقلائية، فإذا كانت البينة حجة رغم معارضتها لمثل قاعدة اليد، فحجيتها في أمثال المقام - مما لا يكون فيها معارض لها سوى اصالة الطهارة ونحوها - أوضح. ولابد أن يرجع هذا البيان إلى دعوى الاولوية العرفية التي توجب دلالة التزامية عرفية في دليل حجية البينة في باب القضاء على حجيتها في


(1) كقوله (ص): (انما أقضي بينكم بالبينات والايمان). وسائل الشيعة باب 2 من أبواب كيفية الحكم والدعوى حديث 1.

[ 79 ]

أمثال المقام لا إلى دعوى الاولوية العقلية ليقال بأنها موقوفة على الاطلاع الشامل على الملاكات الواقعية. وقد اعترض السيد الاستاذ على ذلك نقضا وحلا. أما النقض: فبان حجية شئ في باب القضاء لا تستلزم حجيته في غير هذا الباب، لوضوح ان اليمين حجة في ذلك الباب مع عدم حجيته في غيره. وأما الحل: فبأن باب القضاء يتميز بنكتة وهي لزوم فصل الخصومة حفظا للنظام، ومثل هذه النكتة غير موجودة في سائر الموارد (1). والتحقيق أنه لا يتم النقض، ولا الحل، ولا أصل التقريب. أما النقض: فبتوضيح الفرق بين البينة واليمين، فان حجية اليمين في باب القضاء ليست بمعنى حجيتها في اثبات الواقع الذي يطابق قول المنكر، فان هذا الواقع يثبت بالاصل الجاري دائما على طبق قول المنكر ولهذا يصح لنا ترتيب الاثر عليه ولو لم يكن هناك يمين من المنكر. وانما حجية اليمين بمعنى حجيته في فصل الخصومة، أي كونه موضوعا لحكم الحاكم بفصل الخصومة على طبق الاصل، ومثل هذه الحجية لا معنى لجريانها في غير باب القضاء. وأما بينة المدعي فحجيتها ليست بمعنى كونها فاصلة للخصومة فقط، بل هي حجة أيضا بلحاظ اثبات الواقع على طبق كلام المدعي، إذ لا مثبت له سوى البينة. ومن هنا أمكن دعوى التعدي من حجيتها في اثبات الواقع في باب القضاء إلى سائر الموارد. وأما الحل: فكأنه يراد أن يقال هنا نظير ما يقال عادة في رد الاستدلال بمقبولة ابن حنظلة الدالة على الترجيح بين الحاكمين، إذ قد يستدل بها على اجراء نفس المرجحات بين الروايين، فيعترض على ذلك - عادة - بابراز نكتة توجب عدم التعدي في اعمال تلك المرجحات من


(1) مدارك العروة الوثقى الجزء الثاني ص 55.

[ 80 ]

الحاكمين إلى الروايين، وهي ان التخيير معقول بين الروايتين المتعارضتين، ولكنه غير معقول بين الحكمين المتعارضين، لان المقصود فصل الخصومة وهي لا تفصل بالتخيير فيتعين أعمال المرجحات بين الحاكمين، ولا يلزم ذلك بين الراويين. ففي المقام يقال أيضا ان نكتة فصل الخصومة لعلها هي السبب في جعل الحجية للبينة في باب القضاء، فكيف يمكن التعدي؟! والاعتراض على الاستدلال بالمقبولة وان كان تاما، ولكن توجيه مثله في المقام غير تام، لان نكتة فصل الخصومة انما تستدعي جعل الحجة التي يقضي الحاكم على أساسها، ولكنها لا تعين هذه الحجة في البينة المطابقة لقول المدعى أو في الاصل المطابق لقول المنكر، فترجيح البينة على الاصل في الحجية انما يكون لطريقية البينة في نظر الشارع، وكونها أقوى كشفا من الاصول المعارضة، فيتجه التعدي حينئذ. هذا مضافا إلى أن دليل حجية البينة في باب القضاء ليس قاصرا على موارد الخصومة، بل يشمل موارد القضاء باقامه حد من قبيل حد شرب الخمر ونحوه مما لا خصومة فيه، فلولا شدة اعتماد الشارع على كاشفية البينة عن الواقع لما أناط بها اثبات الواقع، الذي يكون موضوعا لوظيفة شرعية في غاية الخطورة من قبيل الحد، ومعه كيف لا يفهم عرفا من دليل حجية البينة هذا اعتماد الشارع عليها مطلقا، وفي أمثال النجاسة والطهارة؟!. وأما أصل التقريب: فلان اعتماد الشارع على البينة في مورد القضاء والغاءه للاصول في مقابلها، وان كان يكشف عن كونها في نظره أقوى وأصوب كشفا، ولكن لا يلزم من الزام الشارع بالاخذ بها في باب القضاء الزامه بالاخذ بها في غير هذا الباب والغاء الاصول، لان مراتب اهتمام الشارع بالايصال إلى الواقع متفاوتة، فقد يكون غرضه في الايصال إلى الواقع في موارد حقوق الناس وخصوماتهم أشد من غرضه في الايصال إلى

[ 81 ]

الواقع في مثل الطهارة والنجاسة. ثانيها: ما ذكره السيد الاستاذ (1) وتوضيحه: ان البينة في قوله (ص): (إنما أقضي بينكم بالبينات) إذا حملت على معناها اللغوي العرفي كانت بمعنى ما يبين الشئ ويكون حجة عليه، وحيث أن هذا القول نفسه في مقام انشاء الحجية القضائية للبنية، أي كونها حجة في مقام القضاء، فهناك حجيتان في القول المذكور احداهما: مجعولة فيه وهي حجية البينة في القضاء، والاخرى: الحجية المأخوذة في موضوعه التي تدل عليها نفس كلمة البينة بمعناها اللغوي والعرفي، ولابد أن تكون هذه الحجية غير الحجية المجعولة في نفس ذلك القول، فهي إذن الحجية في نفسها. وحيث أن النبي طبق الموضوع على شهادة عدلين فيثبت أنها حجة في نفسها وبذلك يتم المطلوب. وأما إذا حملنا البينة المأخوذة موضوعا لقوله (أقضي بينكم بالبينات) على شهادة عدلين ابتداء، فلا يستفاد من القول المذكور نحو أن من الحجية ليتم هذا التقريب. ويرد عليه أولا: أنه لو سلمت الاستفادة المذكورة فلا يكون في الدليل اطلاق يتمسك به لاثبات أن حجية البينة في نفسها ثابتة في جميع الموارد، لان الدليل كان مسوقا لبيان الحجية القضائية للبينة، لا لحجيتها الاخرى، وإنما أخذت الحجية الاخرى مفروغا عنها في موضوع الكلام، وما دام الدليل غير مسوق لبيانها فلا يمكن اثبات الاطلاق في حجية البينة. وثانيا: أن قوله: (إنما أقضي بينكم بالبينات) لو كان في مقام انشاء الحجية في باب القضاء بهذا الخطاب، فقد يتجه ما ذكر، وأما إذا كان في مقام الاخبار وتوضى أن النبي لا يستعمل في مقام القضاء


(1) مدارك العروة الوثقى الجزء الثاني ص 59.

[ 82 ]

علمه الغيبي، وإنما يعمل الموازين والحجج الظاهرية، فلا يتضمن القول المذكور حينئذ نحوين من الحجية، بل نحوا واحدا. ففرق بين أن يقال جعلت الحجية في باب القضاء لما هو حجة، أو يقال: لا أعتمد في باب القضاء على علم الغيب بل على الحجة، فان الاول تستفاد منه حجية في المرتبة السابقة على الحجية القضائية، بخلاف الثاني. ثالثها: أن يقال إن قوله: (أقضي بينكم بالبينات) بعد ضم الصغرى إليه المتحصلة من فعل النبي وتطبيقه لعنوان البينة على شهادة عدلين، الذي هو أمر معلوم وواضح، يدل على أن شهادة عدلين بينة، أي مما يبين المطلب ويوضحه، وهذه الدلالة وإن لم يكن لها اطلاق في نفسها، ولكن بضم ارتكازية حجية البينة عقلائيا، ينعقد لمثل تلك الدلالة ظهور في امضاء ما عليه العقلاء من حجية البينة، وبذلك يكسب الدليل الاطلاق من اطلاق الارتكاز الممضى. فان الادلة التي تتكفل قضايا مركوزة عقلائيا ينشأ لها ظهور في امضاء الارتكاز، بنحو يكون مفادها تابعا لدائرته سعة وضيقا، ولعل هذا التقريب أوجه من سابقيه. الثاني من الوجوه الدالة على حجية البينة: الاستدلال برواية مسعدة ابن صدقة، التي ورد في ذيلها: (والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة) (1). وقد يستشكل في ذلك: باختصاصها بحجية البينة في مقابل الحل المشار إليه بكلمة (هذا)، لا في مقابل الطهارة. وبعد فرض التجاوز عن هذا الاشكال، أما بدعوى الغاء العرف لخصوصية الحل في مقابل الطهارة، وفهمه جعل الحجية للبينة في مقابل الاصول والقواعد الترخيصية أو بتوسيع نطاق الحل واعطائه معنى يشمل الحلية الوضعية على نحو تكون


(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب ما يكتسب به حديث 4.

[ 83 ]

الطهارة معه نحوا من الحل أيضا. أو بملاحظة آثار الطهارة فتكون البينة حجة على نفي الحلية التي هي أثر الطهارة، ومع عدم امكان التفكيك عرفا بين نفي الاثر ونفي سببه في الامارات المركوز كون مثبتاتها حجة أيضا يثبت نفي الطهارة.. أقول بعد فرض التجاوز بأحد هذه التقريبات يبقى الاشكال من ناحية سند الرواية لعدم ثبوت وثاقة مسعدة بن صدقة. ودعوى أن رواياته كلها متقنة ومحكمة، إنما تدل على فضله لا على وثاقته. الثالث من الوجوه: الاجماع، ولا ينبغي الاستشكال فيه لمن لاحظ كلماتهم في الموارد المتفرقة في الفقه، التي يستظهر منها المفروغية عند الجميع عن حجية البينة على الاطلاق. فان كان هذا الاجماع مستندا إلى رواية مسعدة ابن صدقة، كان بنفسه سببا صالحا للوثوق بالرواية، وإن كان مستندا إلى استظهار الكلية من روايات القضاء، فهذا بنفسه يؤكد عرفية هذا الاستظهار وصحته، وان كان غير مستند إلى ما تقدم فهو اجماع تعبدي، صالح لان يكشف عن تلقي معقده بطريق معتبر فالاعتماد على الاجماع في المقام يمثل هذا البيان ليس ببعيد. 3 - خبر العدل الواحد. ومرد البحث في ذلك إلى الكلام عن حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية، بعد الفراغ في الاصول عن حجيته في الشبهات الحكمية. والبحث في ذلك يقع في ثلاث جهات: الجهة الاولى: في إمكان التمسك بنفس دليل حجية خبر الواحد في الشبهة الحكمية لاثبات حجيته في الشبهة الموضوعية، ولو لم تكن الشبهة الموضوعية ملحوظة فيه بالاطلاق، وذلك بأحد تقريبين: الاول: أن يدعى رجوع الشبهة الحكمية إلى الشبهة الموضوعية في

[ 84 ]

الحقيقة، فيكون دليل الحجية في الاولى دليلا عليها في الثانية، فان زرارة - مثلا - في الشبهة الحكمية لا يخبر عن الحكم الكلي الالهي بوجوب السورة ابتداء، بل عن ظهور كلام الامام الذي هو مصداق لكبري حجية الظهور شرعا، فيكون اخبارا عن الموضوع في الحقيقة. والجواب على ذلك: أن فرقا يظل ثابتا بين خبر زرارة واخبار العادل عن نجاسة الثوب رغم هذا الارجاع، وهو أن خبر زرارة فيه حيثيتان: احداهما: كونه اخبارا عن الموضوع لحجية الظهور. والاخرى: كونه كاشفا - ولو بتوسط كشفه عن كلام المعصوم - عن الحكم الكلي بوجوب السورة، واخبار العادل بنجاسة الثوب يشترك مع خبر زرارة في الحيثية الاولى دون الثانية، فلا يمكن التعدي. وقد ذهب السيد - قدس سره - في المستمسك إلى نظير التقريب المذكور لاثبات حجية خبر الواحد في الشبهة الموضوعية، لكن لا مطلقا، بل ما كان من قبيل الخبر عن اجتهاد الشخص أو وثاقة الراوي، وأفاد في وجه ذلك: أن المراد من عموم ما دل على حجية الخبر في الاحكام الكلية ما يؤدي إلى الحكم الكلي، سواء كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي وخبر العادل عن اجتهاد الشخص وإن كان بلحاظ مدلوله المطابقي اخبارا عن الموضوع الخارجي، ولكن مدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الواقعي الكلي الذي يؤدي إليه نظر المجتهد. واخبار زرارة كذلك أيضا، فانه بمدلوله المطابقي اخبار عن موضوع وهو كلام الامام، وبالالتزام اخبار عن الحكم الكلي، فلا فرق بين الخبرين في الحجية (1). والتحقيق أن دليل حجية الخبر في الشبهة الحكمية لم يدل على حجية الخبر عن الحكم الكلي بهذا العنوان، ليبذل الجهد في إرجاع بعض الاخبار


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 30 الطبعة الثانية.

[ 85 ]

في الموضوعات إلى الخبر عن الحكم الكلي بالالتزام، وإنما دل الدليل المتحصل من السنة المتواترة إجمالا على مضمون مثل قوله: (العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك فعنى يقولان فاسمع لهما وأطع فانهما الثقتان المأمونان) (1). فموضوع الحجية هو الخبر الذي يعتبر أداء عن الامام، وهذا ينطبق على خبر زرارة دون خبر العادل عن الاجتهاد. ومن أجل ذلك قلنا في موضعه من كتاب الخمس: أن أخبار التحليل قد يقال بشمول الدليل المذكور على الحجية لها وان حملت على التحليل المالكي، لانها وإن لم تكن إخبارا عن الحكم الكلي، ولكنها أداء عن الامام، فيشملها موضوع الحجية في ذلك الدليل. الثاني: التعدي بملاك الاولوية العرفية، بمعنى أن العرف يرى أن المولى إذا كان يعتمد على خبر الواحد في إيصال الحكم الكلي أو نفيه، مع ما يترتب على ذلك من وقائع كثيرة من الامتثال والعصيان، فهو يعتمد عليه في إيصال الموضوع ونفيه الذي لا يترتب عليه إلا واقعة واحدة من وقائع الامتثال أو العصيان. وهذه الاولوية العرفية تجعل دلالة التزامية عرفية في دليل الحجية، يثبت بها حجية الخبر في الموضوعات. ولا يخلو هذا البيان من وجاهة. اللهم إلا أن يقال أن الانسداد النوعي لباب العلم الوجداني في الاحكام ثابت دونه في الموضوعات، فلعل ذلك الانسداد أوجب التوسعة التعبدية لدائرة العلم الذي يخرج به عن الاصول في الاحكام، ولم تعمل توسعة مماثلة في الموضوعات. الجهة الثانية: في دعوى أن دليل حجية الخبر في الشبهة الحكمية له اطلاق في نفسه للشبهة الموضوعية أيضا. وتحقيق هذه الدعوى باستعراض المهم من أدلة تلك الحجية، ليرى مدى الاطلاق فيها للشبهة الموضوعية.


(1) وسائل الشيعة باب 11 من أبواب صفات القاضي حديث 4.

[ 86 ]

ومهم تلك الادلة امور: أحدها: السيرة العقلائية ولا اشكال في شمولها للشبهة الموضوعية، وإنما الكلام في دعوى الردع عن اطلاقها لهذه الشبهة، لاحدى روايتين: الرواية الاولى: خبر مسعدة بن صدقة المتقدم، حيث حصر الاثبات بالعلم والبينة، فيدل على عدم حجية خبر الواحد، أما بتقريب: التمسك باطلاق المغيى في قوله: (والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة)، أو بتقريب: أن خبر الواحد لو كان حجة في الموضوعات لزم الغاء عنوان البينة، وهو خلاف الظهور العرفي لاخذ هذا العنوان، وليس مجرد تقييد للاطلاق فحسب. غير ان التقريب الثاني إنما يتمم لو كان المدعى حجية خبر الواحد مطلقا على نحو حجية البينة المجعولة في الخبر، الشاملة لموارد الخصومة ولموارد المعارضة لليد، بل وحتى في مقابل الاقرار على ما قد يظهر من قوله: لعله حر قد باع نفسه)، وإما مع عدم الالتزام بحجية الخبر في هذه الموارد فيبقى لعنوان البينة خصوصية ولا يلزم الغاؤه، فلا محذور إذن سوى تقييد الاطلاق. والجواب عن دعوى الرادعية المذكورة عن السيرة بهذا الخبر يمكن بوجوه: الاول: ان الرواية ضعيفة السند، فهي لا توجب ثبوت الردع. فان قيل: ان احتمال صدقها يوجب على الاقل احتمال الردع، وهو كاف لاسقاط السيرة عن الحجية، لتوقف حجيتها على الجزم بالامضاء الموقوف على الجزم بعدم الردع. قلنا: ان عدم الردع قبل الامام الصادق (ع) في صدر الاسلام محرز، لعدم نقل ما يدل على الردع، ويكشف ذلك عن الامضاء حدوثا، فإذا أوجب خبر مسعدة عن الصادق الشك في نسخ

[ 87 ]

ذلك الامضاء الثابت في أول الشريعة، جرى استصحابه. الثاني: أن الرواية حتى لو صح سندها لا تكفي لاثبات الردع، لان مستوى الردع يجب أن يتناسب مع درجة قوة السيرة وترسخها، ومثل هذه السيرة على العمل بخبر الثقة لو كان الشارع قاصدا ردعها ومقاومتها لصدرت بيانات عديدة من أجل ذلك، كما صدر بالنسبة إلى القياس، لشدة ترسخ السيرة العقلائية على العمل بخبر الثقة وتركزها، ولما اكتفى باطلاق خبر من هذا القبيل. الثالث: أن تحمل البينة في الخبر على المعنى اللغوي، أي مطلق الكاشف، فلا تكون الرواية رادعة، بل يكون دليل حجية الخبر محققا مصداقا للبينة. وهذا بعيد، نظرا إلى صدور الرواية في عصر الامام الصادق (ع) الذي كان المعنى الاصطلاحي للبينة وهو شهادة عدلين قد شاع فيه وتركز في اذهان المتشرعة. ومما يؤكد استظهار المعنى الاصطلاحي أنه بناء عليه يتم التقابل بين (يستبين لك) و (تقوم به البينة)، وأما على الحمل على المعنى اللغوي فلا تقابل، بل يدخل الثاني في الاول، إلا باعمال عناية بحمل الاستبانة على ظهور الشئ في نفسه، لا بمظهر. الرابع: أن الغاية في خبر مسعدة مشتملة على عنواني (الاستبانة) المساوقة للعلم، (والبينة)، ودليل حجية الخبر - وهو السيرة - يجعل خبر الواحد علما بالتعبد، فيكون مصداقا للغاية، ومعه لا يعقل الردع عنه باطلاق المغيى. ويرد عليه أولا: أن هذه الحكومة سنخ ما يدعى في الاصول من حكومة دليل حجية الخبر على الايات الناهية عن العمل بالظن، لاقتضائه كون الخبر علما. وقد أجبنا هناك: بأن مفاد الايات هو النهي عن العمل بالظن ارشادا إلى عدم حجيته، فإذا كانت الحجية بمعنى جعل الامارة

[ 88 ]

علما فمفاد الايات نفسه هو نفي العلمية التعبدية عن الظن، فيكون في عرض دليل الحجية، ولا يعقل حكومة هذا الدليل عليه. ونفس هذا الكلام يأتي في المقام، لان مفاد خبر مسعدة هو حصر الحجة بالعلم والبينة، ونفي ما عداها. وثانيا: أن الحكومة إنما تتم عرفا لو لم تقم قرينة في دليل المحكوم على أن العلم لوحظ بما هو علم وجداني خاصة، كما في المقام فان العلم جعل في مقابل البينة التي هي علم تعبدي، وهذه المقابلة بنفسها قرينة عرفا على أن المولى لاحظ في العلم خصوص الفرد الوجداني بنحو يأبى عن التوسعة بالحكومة. الخامس: ما قيل من أن رواية مسعدة لا يمكن أن تكون رادعة عن السيرة على حجية خبر الثقة، لانها بنفسها خبر الثقة، فلو ردعت عن السيرة لزم منه أن تردع عن نفسها، فيلزم من حجيتها عدم حجيتها. وهذا الجواب أغرب ما قيل في المقام، لان المدعى ردع خبر مسعدة عن العمل بالخبر في الشبهات الموضوعية، وخبر مسعدة نفسه خبر في الشبهة الحكمية لا الموضوعية، فلا يشمله الردع. الرواية الثانية رواية عبد الله بن سليمان الواردة في الجبن. (كل شئ لك حلال، حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة) (1). وجملة من المناقشات في رادعية خبر مسعدة عن السيرة لا تأتي في المقام، إلا أنها تختص بمناقشة أخرى، وهي ورودها في مورد مخصوص، فيتوقف اثبات الردع بها على الغاء خصوصية المورد بالفهم العرفي، ومع ذلك لا يمكن التعويل عليها لضعف سندها حيث لم يثبت توثيق عبد الله بن سليمان راوي الرواية وكذلك بعض من تقدمه في سلسلة السند. ثانيها: سيرة أصحاب الائمة على الرجوع إلى الروايات والاعتماد


(1) وسائل الشيعة باب 61 من الاطعمة المباحة حديث 2.

[ 89 ]

عليها في مقام التعرف على الحكم الشرعي. وقد أثبتنا في الاصول بقرائن وتقريبات خاصة ثبوت هذه السيرة على العمل بالاخبار في مقام الاستنباط وأما انعقادها على العمل بالخبر في الموضوعات على الاطلاق فلا دليل عليه. ثالثها: الكتاب الكريم. وأهم ما استدل به من الكتاب على الحجية آية الكتمان (1) وآية النفر (2) وآية النبأ (3). وعدم شمول الايتين الاوليتين للشبهات الموضوعية واضح. وإنما الكلام في شمول آية النبأ، على تقدير تمامية الاستدلال بمفهومها على الحجية، وشمولها لا اشكال فيه، وإنما الجدير بالبحث علاج المعارضة بين اطلاق مفهوم آية النبأ واطلاق خبر مسعدة بن صدقة، على فرض اعتباره في نفسه، فان كان أحدهما أخص من الاخر قدم الاخص، وإن كان بينهما عموم من وجه سقط اطلاق الخبر، لدخوله في عنوان الخبر المخالف للكتاب، الساقط عن الحجية رأسا. فقد يقال: أن بينها عموما من وجه، لان المفهوم يدل على حجية الخبر في الاحكام والموضوعات، وخبر مسعدة يدل على عدم حجية غير البينة في الموضوعات سواء كان خبرا أو غيره. وقد يقال: أن آية النبأ أخص، لان مفهومها وإن كان يشمل الشبهة الحكمية إلا ان المتيقن منها هو الشبهة الموضوعية باعتباره مورد منطوقها، فتكون كالاخص من اطلاق النفي في


(1) وهي قوله تعالى: (ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون): البقرة: 159. (2) وهي قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) التوبة: 123. (3) وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الحجرات: 6.

[ 90 ]

خبر مسعدة. وقد يقال: أن مفهوم آية النبأ لا يعارض خبر مسعدة بن صدقة بذاته، بل باطلاقه المقتضى لعدم وجوب التعدد، فكأنه يقول خبر الواحد في الشبهة الموضوعية حجية سواء تعدد أولا، وخبر مسعدة يقول لا حجة في الشبهة الموضوعية غير البينة سواء كان خبر الواحد أولا فالنسبة هي العموم من وجه حتى مع تخصيص مفهوم آية النبأ بالشبهة الموضوعية، ويسقط حينئذ اطلاق الخبر في مقابل اطلاق الكتاب. رابعها: الاخبار المستدل بها على حجية خبر الواحد في الشبهة الحكمية، ويكفي في المقام أن تتم دلالة بعضها، لان حجية خبر الواحد في الشبهة الموضوعية لا تتوقف على تواتر النص الدال عليها، كما تتوقف على ذلك حجية الخبر في الشبهة الحكمية، وبالامكان حينئذ تتميم دلالة بعضها من قبيل رواية (العمري وأبنه ثقتان فما أدبا فعنى يؤديان). وتقريب ذلك: أن التفريع في الرواية يجعلها مشتملة على حكم وتعليل، فكأنه قيل: ما أدبا فعنى يؤديان، لانهما ثقتان. وهذا تعليل بالصغرى مع حذف الكبرى. وفي موارد حذف الكبرى من التعليل - ان لم تكن هناك كبرى مركوزة معهودة عقلائيا تناسب الصغرى المصرح بها - تعين ملا الفراغ بتقدير كبرى محددة على نحو يكفي لاقتناص النتيجة المصرح بها لا أوسع من ذلك، لان النتيجة المصرح بها تكون قرينة على ذلك المقدار ولا قرينة على كبرى أوسع من ذلك، فينفي الاوسع بمقدمات الحكمة، بعد فرض كون المولى في مقام بيان التعليل صغرى وكبرى. وإما إذا كانت هناك كبرى معهوده عرفا، ومن المركوز مناسبتها للصغرى المصرح بها، فهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة على ملا الفراغ بتقدير تلك الكبرى المعهودة، ولو كانت أوسع من مقدار الحاجة إلى اقتناص النتيجة ومقامنا من هذا القبيل، فان الحاجة إلى اقتناص النتيجة المستفادة من قوله (ما أدبا

[ 91 ]

فعنى يؤديان) يكفي فيها تقدير حجية خبر الثقة في الاحكام كبرى في القياس، ولكن حيث ان كبرى حجية خبر الثقة بنحو أوسع مركوزة فينصرف ملا الفراغ إليها، حفظا لمناسبات الصغرى والكبرى المركوزة في الذهن العرفي، ومعه يتم الاستدلال على المطلوب. الجهة الثالثة: في الاستدلال على حجية الخبر في الشبة الموضوعية بالروايات الخاصة الواردة بهذا الشأن في الموارد المتفرقة، بأن يستفاد منها حجية الخبر في الموضوعات مطلقا، إما لالغاء خصوصية المورد فيها، للجزم بأن تلك الموارد المتفرقة على اختلافها وتشتتها لا يحتمل اشتراكها جميعا في نقطة تتميز بها عن سائر الشبهات الموضوعية، وإما لالغاء خصوصية المورد بالفهم العرفي، الذي قد يوجب ظهور الدليل أحيانا في مثالية المورد. وهذا الفهم العرفي قد يدعي بلحاظ كل رواية بمفردها، وقد يدعي بلحاظ مجموع الروايات بمعنى ان العرف بعد ملاحظة الروايات في الموارد المتعددة يستظهر بلحاظ المجموع مثالية تلك الموارد، وان كان قد لا يستظهر المثالية لو اقتصر على ملاحظة بعض الروايات في مورد واحد أو موردين، لان احتمال دخل خصوصية مورد واحد أو موردين قد يكون احتمالا عرفيا، بينما لا يكون احتمال دخل خصوصيات الموارد المتفرقة جميعا احتمالا عرفيا، وان كان موجودا ثبوتا. وهذا مبني على ان حجية الظهور تشمل الظهور المتحصل من مجموع أدلة متفرقة عند ملاحظتها جميعا كخطاب واحد، وقد تعرضنا إلى ذلك في الاصول. فمن تلك الروايات رواية معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع): (في جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل، أنه قال في بيع ذلك الزيت يبيعه ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به) (1) وتقريب الاستدلال: ان


(1) وسائل الشيعة باب 42 من أبواب الاطعمة المحرمة حديث 2.

[ 92 ]

الامام (ع) أمر البائع بالبيان. وهذا بمفرده لا يكفي لاثبات الحجية، إذ قد يكون بملاك خروج البائع عن العهدة ولو لم يتعين القبول على المشتري، ولكن علل ذلك بقوله ليستصبح به، وهو ظاهر في المفروغية عن ان المشتري يرتب الاثر على اخبار البائع، ولا موجب لهذه المفروغية سوى حجية الخبر. ومنها رواية ابن بكير قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيها، وهو لا يصلي فيه. قال: لا يعلمه قال: فان أعلمه؟ قال: يعيد) (1) فان الامر بالاعادة انما هو لحجية الخبر. ومنها رواية بكر بن حبيب (قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الجبن وأنه توضع فيه الانفحة من الميتة. قال: لا تصلح، ثم أرسل بدرهم فقال: اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شئ) (2) فان النهي عن السؤال يدل على لزوم القبول على تقدير الاخبار، وإلا لم يكن هناك محذور في السؤال، وذلك معنى الحجية. ويرد على الاستدلال بهذه الروايات أنها واردة في مورد صاحب اليد، فلو سلمت دلالتها على الحجية لا يمكن التعدي ومنها الروايات الواردة في استبراء الامة، وتصديق البائع بعدم مسها، من قبيل رواية حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): (في الرجل يشتري الامة من رجل فيقول اني لم أطأها. فقال: ان وثق به فلا بأس أن يأتيها) (3) وتقريب الاستدلال مبني على استظهار ان المراد بالوثوق الوثوق النوعي لا الشخصي، وإلا دخل في باب الاطمئنان، وهذا الاستظهار بسبب ان


(1) وسائل الشيعة باب 47 من أبواب النجاسات حديث 3. (2) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب الاطعمة المحرمة حديث 4. (3) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء حديث 1.

[ 93 ]

الوثاقة اضيفت إلى المخبر لا شخص الخبر فيتم الاستدلال. ويرد عليه أولا: ان الخبر في مورد الرواية خبر صاحب اليد، فلا يمكن التعدي منه. وثانيا: أنه موافق للاصول لاستصحاب عدم المس، ولا يمكن التعدي من الخبر الموافق للاستصحاب إلى الخبر المخالف له فالشارع وان لم يكتف في مورد الرواية بالاستصحاب، ولكن قد يكون عدم مخالفة خبر البائع للاصل دخيلا في تعويله على الخبر. ومنها رواية محمد بن مسلم: (في الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلي. قال: لا يؤذنه حتى ينصرف) (1)، فانه لولا حجية الخبر لما نهى الامام عن الاخبار، وليس المخبر صاحب يد فيتعدى منه. ويرد عليه: ان المفروض ان المخبر يرى الدم، ومعه يكون الاخبار بالنجاسة مساوقا لالتفات المصلي وحصول العلم له، فلا اطلاق لفرض الشك. وفي بعض نسخ التهذيب جاء (لا يؤذيه) بدلا عن (لا يؤذنه)، ويكون الاشكال حينئذ أوضح، لان النهي عن الايذاء لا يحدد بم يتحقق. ومنها روايات ان المؤذن مؤتمن، كرواية عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي (ع): (قال: المؤذن مؤتمن، والامام ضامن) (2)، فان الاذان أخبار فعلي بدخول الوقت، ويفهم، من حجيته في اثبات الوقت حجية الخبر. ويرد عليه: أنه لم يؤخذ في موضوع الحجية وثاقة المؤذن، وهذا شاهد على عدم كون الحجية بملاك حجية الخبر، فلعل نظر الروايات إلى المؤذن الراتب، كما يناسبه التعبير بالائتمان الذي يحصل في المؤذن الراتب باسناد الامر إليه، فيكون أجنبيا عن محل الكلام.


(1) وسائل الشيعة باب 47 من أبواب النجاسات حديث 1. (2) وسائل الشيعة با ب 3 من أبواب الاذان والاقامة حديث 2.

[ 94 ]

ومنها ما دل على تصديق الثقة في الزوجية، من قبيل رواية سماعة: (قال سألته عن رجل تزوج أمة أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: ان هذه امرأتي وليست لي بينة. فقال: ان كان ثقة فلا يقر بها، وان كان غير ثقة فلا يقبل منه) (1) ودلالتها على حجية أخبار الثقة بالزوجية واضحة، بناء على ان يكون النهي عن المقاربة بمعنى قبول المطلب منه، بقرينة مقابلته بقوله وان كان غير ثقة فلا يقبل منه، لا أن يكون احتياطا بلحاظ المقاربة بالخصوص لاهمية الفروج. غير ان موردها مورد الدعوى والخصومة، لان المرأة تنكر زوجية الرجل الثقة بطبيعة الحال، والاصل معها، لكونها مصدقة في نفي الزوج ومعه لا يكون اخبار المدعي مشمولا لحجية خبر الثقة حتى على القول بها فلا يمكن الاستدلال بالرواية. ومنها ما ورد في توبيخ من أخبر المغتسل بعدم إحاطة الماء بجميع بدنه، كرواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): قال: اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء. فقال: له ما كان عليك لو سكت، ثم مسح تلك اللمعة بيده) (2). ويرد على الاستدلال بها: أن ظاهر الرواية كون الخبر مطابقا للواقع ولهذا ذكر الامام (ع) في ذيلها ان أباه عليه السلام مسح تلك اللمعة، وهذا يعني وجودها كما أخبر المخبر، فيكون أجنبيا عن الحجية التعبدية. ويؤيد ذلك: عدم أخذ أي قيد في المخبر، وكون الاخبار بمثل هذه الواقعة الحسية الحاضرة القابلة للملاحظة فعلا موجبا للوثوق غالبا. ومنها الروايات الدالة على اعتبار قول البائع في تحديد الكيل أو الوزن


(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد حديث 2. (2) وسائل الشيعة باب 47 من أبواب النجاسات حديث 2.

[ 95 ]

عند بيع المكيل والموزون، من قبيل رواية محمد بن حمران: (قال: قلت لابي عبد الله اشترينا طعاما، فزعم صاحبه أنه كان له، فصدقناه وأخذناه بكيله. فقال: لا بأس فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل؟ قال: لا، أما أنت فلا تبعه حتى تكيله) (1) وتقريب الاستدلال بها: ان قوله (فصدقناه) لا يراد به حصول العلم، خصوصا مع التعبير بقوله (فزعم أنه كاله)، وإنما المقصود به التصديق العملي، وقد أمضاه الامام وهو معنى الحجية. ويرد عليه أولا: ان مورد الرواية صاحب اليد فالتعدي مشكل، خصوصا مع عدم أخذ قيد الوثاقة. وثانيا: ان في روايات المسألة نحوا من الاجمال، لان فيها ثلاثة احتمالات: أحدها: احتمال أن يكون خبر الثقة قائما مقام العلم الموضوعي بالكيل، المأخوذ في موضوع صحة البيع بلحاظ حجيته. وثانيها: احتمال أن يكون التعويل على خبر البائع من أجل حصول العلم منه. وثالثها: أن تكون هذه الروايات كاشفة عن توسعة في موضوع الحكم بصحة البيع بمعنى أنه يكفي في صحته أن يكون الكيل معلوما عند الطرفين حين المعاملة، أو مدعى من قبل البائع مع تراضي الطرفين عليه، بقطع النظر عن الحجية التعبدية، لا التراضي كاف لحسم مادة النزاع التي هي حكمة اشتراط الكيل. ويناسب مع الاحتمال الثالث رواية سماعة، لان فيها: (وقلت له عند البيع اني اربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس) (2). فالاحتمال الثالث ان لم يكن هو الاظهر فلا يوجد ما هو أظهر منه على الاقل، فتسقط دلالة الروايات على الحجية التعبدية. ومما يؤيد هذا الاحتمال قوله في ذيل رواية


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث 4. (2) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث 7.

[ 96 ]

محمد بن حمران: (إما أنت فلا تبعه حتى تكيله، لان الملحوظ لو كان هو الحجية التعبدية فلا فرق فيها بين البيع الاول والثاني، بخلاف المراضاة فانها مفروضة في الاول ولم تفرض في الثاني. ومنها ما دل على ائتمان الثقة على الزكاة، من قبيل رواية علي بن يقطين: (قال: سألت أبا الحسن عمن يلي صدقة العشر من لا بأس به فقال: ان كان ثقة فمره أن يضعها في مواضعها... الخ) (1). وتقريب الاستدلال بها مبني على استفادة ان الوثاقة مناط للحجية فيما يكون ثقة فيه سواء كان مالا أو أخبارا. ومنها ما دل على تصديق الثقة فيما يدعي تملكه له من اللقطة، كما في رواية ابن أبي نصر: (قال: سألت الرضا (ع) عن الرجل يصيد الطير... فيطلبه من لا يتهمه فقال: لا يحل له امساكه، يرده عليه) (2) بناء على ان المراد بعدم الاتهام الوقوف، لا مجرد عدم القرينة على الكذب وان المراد بهذا الوقوف الوثوق بالمخبر في نفسه لا بشخص ذلك الخبر، إذ لو اريد مجرد عدم القرينة على الكذب كان أوسع من الوثاقة، ولو اريد الوثوق بشخص الخبر كان أجنبيا عنها. ومنها ما دل على تصديق الثقة بعدم الدخول، من قبيل رواية اسحاق ابن عمار عن أبي الحسن (ع): (قال سألته عن الرجل يتزوج المرأة فيدخل بها فيغلق عليها بابا ويرخي سترا، ويزعم أنه لم يمسها وتصدقه بذلك، عليها عدة؟ قال: لا...، يعني إذا كانا ملحونين صدقا) (3) وبهذا القيد يقيد مثل رواية جميل (قال: لا يصدقان لانها تدفع عن نفسها


(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 1. (2) وسائل الشيعة باب 36 من أبواب الصيد والذبائح حديث 1. (3) وسائل الشيعة باب 56 من أبواب المهور حديث 2.

[ 97 ]

العدة، ويدفع عن نفسه المهر) (1). والاستدلال برواية اسحاق المذكورة مبني على ان الجملة الاخيرة من كلام الامام لا من تفسير الراوي بلحاظ كلمة يعني، وعلى امكان التعدي من مورد الرواية، رغم ان الخبر في مورد الرواية موافق للاصل الطبعي في نفسه، وهو الاستصحاب الذي جمده الشارع في مورد الرواية، فيشكل التعدي منه إلى الخبر المخالف للاصل. ومنها ما دل على وجوب القضاء على من أخبره المخبر بطلوع الفجر وهو يأكل، من قبيل رواية عيص بن القاسم: (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت فنظر إلى الفجر، فناداهم أنه قد طلع الفجر، فكف بعض وظن بعض أنه يسخر فأكل. فقال: يتم صومه ويقضي) (2). بدعوى ان وجوب القضاء يتوقف على حجية خبر المخبر فيكشف عنها، واطلاقها يقيد بالوثاقة للعلم من الخارج بعدم حجية غير الثقة. ويرد عليه ان المفروض في الرواية عدم احتمال الكذب، ولهذا لم يبد من أكل سوى احتمال أنه يسخر، وكان السؤال من زاوية الشخص الذي فرض رؤيته للفجر لا من زاوية من سمع الشهادة، فكان النظر منصرف فيه إلى حيثية بطلان الصوم بالاكل بعد الفجر جهلا وعدمه، ومعه يخرج عن باب الحجية التعبدية. ومنها ما دل على ان الوكيل لا يعزل إلا إذا شافهه الموكل بالعزل، أو أخبره الثقة، كرواية هشام بن سالم التي ورد فيها: (قلت فان بلغه العزل قبل أن يمضي الامر ثم ذهب حتى أمضاه، لم يكن ذلك بشئ. قال: نعم، ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا


(1) نفس الباب حديث 2. (2) باب 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم - وسائل الشيعة.

[ 98 ]

والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافهه بالعزل عن الوكالة) (1). وهذه الرواية وان دلت بالمطابقة على أخذ العلم أو خبر الثقة في موضوع انفساخ الوكالة، وهو حكم على خلاف القاعدة، ويتضمن قيام خبر الثقة مقام القطع الموضوعي، ولكن يفهم عرفا من اقامته مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية في الموضوع، أنه حجة وكاشف شرعا. ومنها ما ورد في الوصية وثبوتها بخبر الثقة، من قبيل رواية اسحاق ابن عمار عن أبي عبد الله (ع) (قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضا، فقال لي: ان حدث بي حدث فاعط فلانا عشرين دينارا، واعط أخي بقية الدنانير، فمات ولم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: أنه أمرني أن أقول لك انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي، فتصدق منها بعشرة دنانير قسمها في المسلمين، ولم يعلم أخوه ان عندي شيئا. فقال: أرى أن تصدق منها بعشرة دنانير) (2). ودلالة هذه الرواية على حجية خبر الثقة عن الوصية واضحة. وليس المراد بصادق الصادق في شخص هذا الخبر، بل الصادق في نفسه المساوق للثقة، ولهذا اضيف الوصف إلى الراوي لا إلى الخبر، وكانت اضافته إليه قبل ذكر نوع الخبر الصادر منه. ولا ينافي الرواية ما دل من الكتاب والسنة على الامر باستشهاد شاهدين على الوصية، لامكان دعوى انصراف ذلك إلى ملاحظة ما تم به الحجة في مقام النزاع والخصومة. نعم قد يقال: بعدم ظهور الرواية في ان جهة الاشكال عند السائل هي حجية خبر الواحد فلعله كان واثقا بصدق المخبر وجدانا، وكان استشكاله بلحاظ جواز تغيير


(1) وسائل الشيعة باب 3 من كتاب الوكالة حديث 1. (2) وسائل الشيعة باب 97 من كتاب الوصية حديث 1.

[ 99 ]

الوصية. ولكن حتى مع هذا يبقى كلامه مطلقا شاملا لصورة عدم حصول الوثوق الشخصي، فيتمسك باطلاق جواب الامام لاثبات الحجية هذا مضافا إلى ان الظاهر ان ما أخبر به الرجل المسلم الصادق لم يكن من باب تغيير الوصية، لان دفع باقي المال إلى الاخ كان على أساس الميراث ولهذا لم يختص بالثلث. وهكذا يظهر ان أحسن روايات الباب الروايتان الاخيرتان. وهذا يعني ان ما دل على حجية خبر الثقة في الموارد المتفرقة، ليس من الكثرة بحيث تكون الكثرة بنفسها منشأ لانعقاد ظهور عرفي، لمجموع تلك الادلة - ككل - في الغاء خصوصيات الموارد. هذا مضافا إلى ورود روايات اخرى في موارد متعددة أيضا، تدل على عدم حجية خبر الثقة بالخصوص أو بالاطلاق، ومعه قد يحصل التدافع في الغاء الخصوصية من الطرفين، من قبيل رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (قال سألته عن رجل ترك مملوكا بين نفر، فشهد أحدهم أن الميت أعتقه. قال: ان كان الشاهد مرضيا لم يضمن، وجازت شهادته، ويستسعى العبد فيما كان للورثة) (1). فانه قد فرض كون الشاهد مرضيا وهو مساوق للوثاقة عرفا، ولم يكن المورد مورد الترافع والخصومة لكي يحتاج إلى البينة، ومع هذا لم يكتف بشهادة الشاهد لاثبات حرية المملوك بتمامه وانما حكم بحريته بمقدار الاقرار، وهذا مناف لحجية خبر الثقة. وكذلك رواية الخثعمي (قال: سألت أبا الحسن موسى (ع) عن أم ولد لي صدق، زعمت انها أرضعت جارية لي أصدقها؟ قال: لا) (2). فالمرأة صدوق ثقة ولا توجد خصومة، ومع هذا لا يثبت


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب العتق حديث 1. (2) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث 2.

[ 100 ]

الواقع بشهادتها، فكيف يجزم بثبوت النجاسة مثلا بشهادة الثقة ولو كان امرأة؟. وقد يكون من هذا القبيل رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) (في الرجل يسمع الاذان فيصلي الفجر، ولا يدري طلع أم لا، غير أنه يظن - لمكان الاذان - أنه طلع. قال: لا يجزيه حتى يعلم أنه قد طلع) (1) فان اطلاقه يشمل فرض وثاقة المؤذن أيضا. ومثل ذلك رواية الحسن بن زياد: (قال: سألت أبا عبد الله عن المطلقة يطلقها زوجها ولا تعلم إلا بعد سنة، والمتوفى عنها زوجها ولا تعلم بموته إلا بعد سنة. قال: ان جاء شاهدان عدلان فلا تعتدان: وإلا تعتدان) (2). ورواية الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (قال: قلت له امرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة أو نحو ذلك. قال فقال: ان كانت حبلى فأجلها ان تضع حملها، وان كانت ليست بحبلى فقد مضت عدتها، إذا قامت لها البينة أنه مات في يوم كذا وكذا. وان لم يكن لها بينة فلتعتد من يوم سمعت) (3). وأحسن منهما رواية ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (ع): (في المطلقة ان قامت البينة أنه طلقها منذ كذا وكذا وكانت عدتها قد انقضت فقد بانت. والمتوفى عنها زوجها تعتد حين يبلغها الخبر، لانها تريد أن تحد له) (4). وانما كانت هذه الرواية أحسن لان ما افترضته الروايتان السابقتان من انتهاء عدة الوفاة مما لا يلتزم به، بخلاف هذه الرواية المفصلة بين عدة الوفاة وعدة الطلاق. وعلى أي حال فهي تدل


(1) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب المواقيت حديث 4. (2) و (3) وسائل الشيعة باب 28 من أبواب العدد حديث 9، 10. (4) نفس الباب السابق حديث 14.

[ 101 ]

على اناطة ثبوت الوفاة المتقدمة أو الطلاق المتقدم بعنوان البينة - تارة - المنصرف في عصر صدور تلك الروايات إلى المعنى الاصطلاحي، أو بعنوان شهادة عدلين صريحا - تارة اخرى - وهو واضح في عدم الاكتفاء بخبر الواحد، مع عدم كون المورد من موارد المرافعة والخصومة. هذا تمام الكلام في أصل الاستدلال على حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية. وبعد الفراغ عن حجيته، يقع الكلام في أن موضوع الحجية هل هو خبر العادل خاصة أو مطلق خبر الثقة؟ ولا شك في ان جملة من الادلة السابقة لها اطلاق يقتضي حجية خبر الثقة مطلقا ولو كان فاسقا، كالسيرة العقلائية، والرويات. نعم لو كان الاعتماد على سيرة المتشرعة من أصحاب الائمة، أو على مفهوم آية البناء، أمكن القول باختصاص الحجية بالعادل لانه المتيقن من سيرة المتشرعة، والموضوع لمفهوم الاية على كلام يأتي. وبعد فرض الاطلاق في دليل الحجية لخبر الثقة الفاسق، قد توقع المعارضة بينه وبين اطلاق منطوق آية البناء، الدال على عدم حجية خبر الفاسق ولو كان ثقة، ويؤدي ذلك إلى عدم حجية خبر الفاسق الثقة، إما للتعارض بين الاطلاقين بالعموم من وجه والتساقط والرجوع إلى اصالة عدم الحجية واما لتقديم اطلاق آية البناء على اطلاق دليل الحجية - إذا كان من قبيل الاخبار - بملاك سقوط الدليل غير القطعي عن الحجية بمعارضة الدليل القطعي وأما لكون آية النبأ رادعة باطلاقها عن اطلاق دليل الحجية، إذا كان دليل الحجية هو السيرة العقلائية التي تتوقف حجيتها على عدم الردع. والتحقيق عدم صلاحية منطوق آية النبأ لشمول خبر الثقة الفاسق، أما لان مناسبات الحكم والموضوع قرينة على ان المراد بالفاسق المأخوذ موضوعا لعدم التصديق هو الفاسق من ناحية الخبر، لا الفاسق من أي

[ 102 ]

جهة، وان كان له مثل هذا الاطلاق لو أخذ موضوعا لحكم آخر كما في دليل عدم جواز الائتمام بالفاسق مثلا وبناء على ذلك لا تكون الاية بمنطوقها دالة على عدم حجية خبر الفاسق الثقة، بل تكون دالة على حجيته باطلاق مفهومها. وأما لان التعليل بالجهالة ظاهر أو محتمل لارادة السفهاهة من الجهالة لا مجرد عدم العلم، والسفاهة لا تنطبق على العمل بخبر الثقة، لعقلائيته. وأما لو قيل باطلاق المنطوق في آية النبأ، فالالتزام بعدم الحجية بملاك التساقط بين الدليلين والرجوع إلى اصالة عدم الحجية غير تام أيضا إذ لو فرض وجود مطلقات فوقية تدل على حجية الخبر مطلقا، وكانت مقيدة بالوثاقة بمقيد منفصل، فهي المرجع بعد تساقط الخاصين، ومع عدم وجودها، أو وجودها وفرض كونها مقيدة بالثقة بقرينة لبية متصلة نرجع إلى استصحاب جعل الحجية لخبر الثقة مطلقا، لان الامضاء في ابتداء الشريعة ثابت فيستصحب عدم نسخه. كما ان الالتزام بعدم الحجية بملاك رادعية اطلاق المنطوق في آية النبأ عن السيرة العقلائية، يتوقف على صلاحية مثل هذا الاطلاق للاعتماد عليه في الردع عن مثل هذه السيرة الراسخة، وقد أشرنا سابقا إلى ان الردع يجب أن يتناسب مع رسوخ السيرة المردوع عنها وعمقها. وقد تلخص من مجموع ما ذكرناه: ان خبر الثقة حجة في الشبهات الموضية الا في مورد دل الدليل فيه على عدم الحجية. 4 - خبر صاحب اليد. وقد استدل على حجية خبر صاحب اليد عن النجاسة والطهارة بوجوه: أولها وأهمها: السيرة العقلائية المتشرعية على تصديق صاحب اليد

[ 103 ]

في طهارة ما تحت يده أو نجاسته. وهذه السيرة وان كانت ثابتة وحجة بلا اشكال، إلا أن الكلام يقع في تكييفها وتخريجها الصناعي. وبهذا الصدد توجد محاولتان: احداهما: ارجاع حجية قول صاحب اليد المذكورة إلى قاعدة عقلائية أعم منها، وهي: (ان من ملك شيئا ملك الاقرار به) فالمركوز عقلائيا هو ان كل من كان مستوليا على شئ ومتصرفا فيه - سواء كان مالا أو أمرا معنويا كالطلاق والتمليك مثلا - فقوله نافذ بالنسبة إليه. وهذا ما حاوله المحقق الهمداني (قدس سره) في مصباحه (1). والتحقيق ان القاعدة المذكورة أجنبية عن حجية قول صاحب اليد المبحوث عنها في المقام. وتوضيحه: ان من المقرر عقلائيا ان اقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، وهذه القاعدة تقتضي ترتيب خصوص الاثار التحميلية دون النفعية أو ما لا يكون تحميليا ولا نفعيا، لان ذلك هو مقتضى كون الاقرار على المقر وكونه نافذا بما هو عليه. وموضوع هذه القاعدة هو الاقرار الصادر ممن يقع التحميل عليه، وبذلك لا تشمل الوكيل في الطلاق لو أقر بايقاعه، لان الاقرار ليس على نفسه بل على موكله، ومن هنا احتيج إلى قاعدة: (ان من ملك شيئا ملك الاقرار به، لتوسيع نطاق موضوع القاعدة الاولى، وجعل اقرار الوكيل بالطلاق نافذا على الموكل، لانه مالك لايقاع الطلاق كما ان الزوج مالك لذلك، دون أي توسيع في نطاق الاثار التي تثبت باقرار الوكيل، فما يثبت باقراره نفس ما يثبت باقرار الموكل، وهو الاثر التحميلي على الموكل خاصة. ومعه فلا معنى لجعل حجية خبر صاحب اليد عن الطهارة والنجاسة مصداقا لقاعدة: (ان ملك شيئا ملك الاقرار به، لما عرفت من اختصاص القاعدة بالاثار التحميلية. كما لا معنى لارجاع


(1) مصباح الفقيه الجزء الثاني ص 96.

[ 104 ]

الامرين معا إلى قاعدة أوسع، لان نكتة قبول خبر صاحب اليد في المقام كاشفيته، وليست نكتة قبول الاقرار من مالك التصرف - سواء كان هو المالك الاصلي كالزوج بالنسبة إلى الطلاق أو المالك بالتوكيل كوكيله - هي الكاشفية، بل الزام العاقل بما يحمل نفسه بنفسه أو بوكيله، ولهذا قد يلزم باقرارين متناقضين، مع انه لا معنى لحجية خبرين متناقضين من صاحب اليد. والمحاولة الاخرى: هي جعل أخبار صاحب اليد بالطهارة والنجاسة مصداقا لطبيعي الخبر الصادر من صاحب اليد على المال، فيما يتصل بشؤون ذلك المال وخصوصياته من كونه طاهرا، أو نجسا، أو ملكا له، أو ملكا لغيره، أو مأذونا في الانتفاع به، إلى غير ذكل من الخصوصيات. والتحقيق: أن جملة من الخصوصيات التي جعلت مصاديق لكبري حجية خبر صاحب اليد ليس الميزان في ثبوتها إخبار صاحب اليد، بل اليد نفسها، أو على الاقل يحتمل في تخريجها عقلائيا ذلك، فلا يمكن أن تجعل مع ما هو محل الكلام مصاديق لكبري واحدة. فمالكية صاحب اليد لما تحت يده ليس الميزان في ثبوتها اخباره، بل نفس اليد، بنكتة ان الاستيلاء الخارجي كاشف عن الاستيلاء والاختصاص التشريعي بتمام مراتبه وهو الملكية، ولهذا تثبت الملكية ولو لم يخبر صاحب اليد بذلك. كما ان ثبوت المراتب الدنيا من الاختصاص - بعد العلم الخارجي بعدم الملكية - يقوم على أساس اليد أيضا، لا الاخبار فان الاختصاص والاستيلاء التكويني يكشف عن تمام مراتب الاختصاص التشريعي، وإذا ثبت من الخارج عدم مرتبة يقيت المراتب الاخرى على ثبوتها. بل يمكن القول: بأن ثبوت ملكية غير صاحب اليد للمال باقرار

[ 105 ]

صاحب اليد ليس من باب حجية خبره، كما في المستمسك (1)، بل من اقتضاء اليد نفسها، مع ضم الاقرار. لان اليد لها مدلول ايجابي وهو اثبات مالكية صاحب اليد لغلبة كون المستولي هو المالك، ومدلول سلبي عرضي وهو نفي مالكية من عداه، لغلبة كون غير المستولي ليس مالكا وهي حجة في المدلول الايجابي، والسلبي معا ما لم يقر صاحب اليد على خلافه والمفروض في المقام ان صاحب اليد أقر بأن المال ليس له، وأنه لزيد لا لعمرو فتسقط من دلالات اليد دلالتها على مالكية صاحب اليد، وعلى نفي مالكية زيد، وأما دلالتها على نفي مالكية عمرو، فلا موجب لسقوطها فينفي باليد - لا بخبر صاحب اليد - مالكية عمرو - وتنفي مالكية صاحب اليد باخباره بالنفي، لا بما هو اخبار من صاحب اليد، بل بما هو اقرار واقرار العقلاء على أنفسهم حجة، وبضم النفي الثابت باليد إلى النفي الثابت بالاقرار تثبت مالكية زيد المقر له، دون حاجة إلى افتراض حجية خبر صاحب اليد بعنوانه. ودعوى: ان مالكية زيد للمال لازم عقلي لمجموع مدلولي الاقرار واليد، فكيف يثبت بها؟!. مدفوعة: اما بامكان الالتزام بمساعدة دليل حجية الاقرار واليد على اثبات مثل هذا اللازم. واما بامكان الالتزام بأن ثبوت مالكية زيد انما هو من باب الدعوى بلا معارض، إذ لا معارض لدعوى مالكية زيد، لان صاحب اليد لا يدعي المالكية، وعمرو لو فرض دعواه للمالكية فهي ساقطة بالمدلول السلبي لقاعدة اليد، فلا تبقى هناك دعوى غير ساقطة في نفسها تصلح لمعارضة دعوى مالكية زيد. وليس المقصود بهذا البيان منع حجية خبر صاحب اليد عن مالك المال، بل التنبيه على أن نكتة ثبوت المالك هناك لا ينحصر تخريجها بحجية


(1) الجزء الاول ص 175.

[ 106 ]

خبر صاحب اليد، لتكون بنفسها شاهدة على المدعي في المقام. كما أنه قد يقال أيضا: ان اخبار صاحب اليد على المال بمالكية زيد له، على تقدير حجيته بما هو اخبار، لا يتعين أن يكون حجة بوصفه إخبار صاحب اليد. بل قد يكون باعتباره مصداقا لقاعدة، أن من ملك شيئا ملك الاقرار به. بتقريب: ان صاحب اليد مالك ظاهرا للمال بحكم الشارع، بقطع النظر عن اقراره، فيكون مالكا للاقرار به للغير بتوسيع نطاق موضوع القاعدة، ودعوى أن موضوعها من كان مالكا لولا الاقرار ولو ظاهرا. ولكن تطبيق القاعدة المذكورة على أخبار صاحب اليد بمالكية زيد لا يخلو من اشكال، لان موضوعها هو كون المقر مالكا لمتعلق اقراره، ومتعلق الاقرار ليس نفس المال بل كون زيد مالكا للمال، وكون زيد مالكا للمال ليس امرا مملوكا للمقر وتحت سلطانه لولا الاقرار، بل ما هو تحت سلطانه لولا الاقرار تمليك المال لزيد، لا كون زيد هو المالك الاصلي للمال، فليس المقام شبيها بالاقرار بالطلاق من قبل وكيل الزوج، فان الوكيل مسلط على الطلاق المقر به فيكون اقراره به نافذا. ورغم المناقشة في المحاولتين السابقتين فنحن لا نشك في انعقاد السيرة على قبول خبر صاحب اليد في الطهارة والنجاسة بنكتة نوعية وهي: (الاخبرية، ولهذا تشمل السيرة سائر الخصوصيات التي يكون مقتضى الطبع أخبرية صاحب اليد - بما هو صاحب اليد - بها من غيره وبهذا يكون الميزان في تطبيق دليل الحجية لخبر صاحب اليد هو انخفاظ هذه النكتة، دون صدق عنوان صاحب اليد بما هو، كما لو كان مدلولا لدليل لفظي. ومع الجزم بانعقاد السيرة بنكتة (الاخبرية) لا حاجة إلى الاستدلال على ثبوتها بما قد يقال: من انعقاد السيرة على تصديق الشخص المكلف

[ 107 ]

بغسل الثياب في غسلها، وانعقادها على تصديق الحجام المكلف بغسل موضع الحجامة في اجادة غسله، وانعقادها على تصديق صاحب البيت في طهارة أوانيه، مع العلم الاجمالي بعروض النجاسة عليها في وقت ما، الامر الذى يقتضي جريان استصحاب النجاسة لولا حجية خبر صاحب اليد (1). وكل هذه الاستدلالات مخدوشة، لان وجه السيرة في هذه الموارد لا ينحصر في حجية خبر صاحب اليد في الطهارة والنجاسة بعنوانه، إذ لعل ملاك السيرة في المورد الاول دخوله في تصديق الامين ولعل ملاكها في المورد الثاني - مضافا إلى ذلك - اجراء أصالة الصحة، لان أصل الغسل محرز والشك في صحته، ولعل ملاكها في المورد الثالث كونه من موارد توارد الحالتين غالبا، فكما يعلم اجمالا بالنجاسة في قوت ما يعلم بوصول الماء إليها في وقت ما أيضا، فتجري اصالة الطهارة بعد سقوط الاستصحابين. ثانيها: الروايات، الظاهرة في لزوم الاعتماد على خبر صاحب اليد. فمنها روايات بيع الدهن المتنجس، التي ورد في بعضها الامر بالاعلام لكي يستصبح به، والاستدلال بها اما بتقريب: ان الامر بالاخبار يستلزم الامر بالقبول والا كان لغواء وأما بتقرييب: ان الامر بالاخبار المعلل في رواية معاوية بن وهب المتقدمة بقوله (يستصبح به) ظاهر في المفروغية عن جري المشتري على طبق اخبار البائع، ولا موجب للفراغ عن ذلك الا حجية اخباره. ويرد على التقريب الاول: ان الامر بالاخبار ليس لغوا حتى مع فرض عدم وجوب القبول، إذ لعله بنكتة الخروج عن نحو من العهدة تفترض على البائع في أمثال المقام، كما يجب عليه الاخبار بالاوصاف الرديئة


(1) التنقيح ج 2 ص 168 - 169.

[ 108 ]

المخفية. ويرد على التقريب الثاني: إن الرواية لا تدل على الحجية التعبدية لانها لم تكن مسوقة لبيان قبول المشتري لاخبار البائع، وانما هي مسوقة لامر البائع بالاخبار، وقد فهم الفراغ عن قبول المشتري من قوله ليستصبح به، فلا يمكن التمسك باطلاق الرواية لاثبات ان المشتري عليه القبول مطلقا بل يكفي افتراض القبول في موارد حصول الاطمئنان، وهو الغالب في مثل اخبار البائع برداءة المبيع. ومن هنا قد يناقش أيضا في الاستدلال بالرواية: بأن موردها الاخبار الذي يكون نحوا من الاقرار من صاحب اليد، والتعدي من الاخبارات الشبيهة بالاقرار إلى غيرها غير ممكن. ومنها رواية بكر بن حبيب المتقدمة، حيث ورد فيها النهي عن السؤال من بائع الجبن، وهو يكشف عن وجوب القبول، وإلا لم يكن موجب للنهي عن السؤال. وهذا الاستدلال غير تام، وذلك لان النهي عن السؤال يحتمل فيه أربعة احتمالات: الاول أن يكون فرارا عن مغبة السؤال، حيث يستتبع الجواب، وقد يكون الجواب شهادة بالنجاسة. الثاني: أن يكون النهي عن السؤال من باب النهي في مورد توهم الوجوب، إذ يتوهم وجوب الفحص وعدم امكان اجراء الاصول المؤمنة بدونه فينهى عن ذلك، فلا يدل الا على عدم الوجوب، كما ان الامر في مورد توهم الخطر لا يدل إلا على عدم الحرمة. الثالث أن يكون النهي ارشادا إلى ان حجية يد المسلم ليست مشروطة بصدور الاخبار من قبله، فهو نهي في مورد توهم الوجوب الشرطي لصدور الاخبار من صاحب اليد، وكونه دخيلا في حجية يده. الرابع: أن يكون صدور الاخبار من صاحب اليد على خلاف مقتضى يده من الحلية والطهارة مسقطا لحجية اليد، فالنهي تحذير من أن يصدر من صاحب اليد ما يسقط يده عن الحجية. وهذا أجنبي عن حجية خبر

[ 109 ]

صاحب اليد، إذ فرق بين أن يكون خبر صاحب اليد، حجة، وبين أن تكون حجية يده في موردها مشروطة بعدم الاخبار منه على خلافها. والثاني مسلم، والاول هو محل الكلام فعلا. وبعد توضيح الاحتمالات الاربعة نقول: أنه يرد على الاستدلال بالرواية أولا: أنه موقوف على الاحتمال الاول، مع أنه لا معين لاستظهاره وثانيا: أنه حتى لو سلمنا الاحتمال الاول فلا يعلم من الرواية ان مغبة السؤال المحتملة هل هي وجوب القبول التعبدي لو أخبر البائع بالنجاسة، أو كونه في معرض حصول الاطمئنان له من اخباره؟. وليس الكلام مسوقا لهذه الجهة ليتمسك باطلاقه. هذا كله اضافة إلى ان الرواية ينبغي حملها على نحو من التنزه، بعد معلومية طهارة الانفحة. ومنها رواية ابن بكير المتقدمة (في رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه قال: لا يعلمه. قال: فإن أعلمه. قال: يعيد). والاستدلال بها، اما بلحاظ جملة لا يعلمه، حيث ان النهي عن الاعلام انما هو بلحاظ وجوب القبول. وليس المراد بالاعلام ايجاد العلم، بل الاخبار، بقرينة ان هذا هو ما يكون تحت اختيار البائع، فتنصرف مادة الاعلام إلى الاخبار فيدل على الحجية التعبدية لاخبار صاحب اليد. واما بلحاظ الامر بالاعادة الكاشف عن لزوم ترتيب الاثار على اخبار البائع، وهو معنى الحجية. وكلا اللحاظين في الاستدلال ممنوع. اما اللحاظ الاول. فيرد عليه: ان النهي عن الاعلام قد يكون من النهي في مورد توهم الوجوب، إذ قد يتوهم وجوب الاعلام تخلصا من محذور التسبيب، فلا يدل النهي حينئذ إلا على عدم محذور في مثل هذا التسبيب، لا على الحجية. ولو

[ 110 ]

سلم ان النهي بلحاظ ما قد يترتب عليه من مشقة في حق المستعير، فقد تكون المشقة بلحاظ حصول الوثوق باخبار المعير، وليست الرواية مسوقة لذلك ليتمسك باطلاقها، فلا تدل على الحجية التعبدية. واما اللحاظ الثاني فقد يورد عليه: أولا: بأن جهة السؤال كما قد تكون هي التشكك في حجية خبر صاحب اليد، قد تكون هي اجزاء الصلاة الواقعة مع النجس جهلا مع الفراغ عن ثبوت النجاسة بخبر صاحب اليد، والاستدلال انما يتم على الاول. واما على الثاني فلا يتم، إذ لا نظر إلى كيفية ثبوت النجاسة بخبر صاحب اليد ليتمسك بالاطلاق من هذه الناحسة، فلعل ثبوتها به كان بلحاظ الوثوق الشخصي. وثانيا: ان الرواية مدلولها المطابقي هو وجوب الاعادة وبطلان الصلاة، ومدلولها الالتزامي ثبوت النجاسة بخبر صاحب اليد. وما دل من الروايات على نفي الاعادة عمن صلى في النجس جهلا يوجب سقوط المدلول المطابقي للرواية، ومعه يسقط المدلول الالتزامي وبتعبير آخر. أنه يوجب حمل الامر بالاعادة على الاستحباب، ومععه لا يتعين الالتزام بحجية الخبر، إذ يكفي في الاستحباب احتمال النجاسة. وثالثا: أنه نترقى عما ذكرناه في الايراد الاول، ونستظهر ان جهة السؤال هي إجزاء الصلاة الواقعة في النجس، لا حجية خبر صاحب اليد، بقرينة ملاحظة السؤال لزمان ما بعد الفراغ من الصلاة، مع ان الجهة الثانية لا يفرق فيها بين الازمنة ويؤيده التعبير بالاعلام، الظاهر عرفا في الاخبار الذي يكون مساوقا لثبوت المطلب، وهو يعني ان المنظر ليس إلى الثبوت وعدمه. وهذا البيان إذا لم يوجب الجزم باستظهار ان جهة السؤال هي الاجزاء وعدمه، بعد فرض الثبوت، فهو يوجب على الاقل احتمال هذا الاستظهار، فيسقط الاستدلال بالرواية، حتى لو أمكن دفع الايراد الاول، بانه مع عدم نصب السائل لقرينة

[ 111 ]

على اتجاه نظره إلى احدى الجهتين يكون الظاهر منه الاتجاه إلى النتيجة، وهي وجوب الاعادة، المتوقف على مجموع الامرين من عدم الاجزاء وثبوت النجاسة بالخبر، فيدل جواب الامام بالاعادة على ثبوت كلا الامرين، وأمكن رفع الايراد الثاني، بتصوير عرضية المدلولين وكونهما مستفادين في رتبة واحدة، بنحو يمكن التفكيك بينهما في الحجية. ومنها رواية اسماعيل بن عيسى: (قال سألت أبا الحسن (ع) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه) (1) وتقريب الاستدلال بها: ان الرواية فرضت عدم الاحتياج إلى السؤال مع كون البائع مسلما، ولزوم السؤال مع كون البائع غير مسلم والرواية وان لم تصرح بالمسؤول منه، ولكن بالمناسبات العرفية يتعين في البائع، وهذا يقتضي تصديقه فيما يخبر به، والا لما أجدى السؤال منه، وهو معنى قبول خبر صاحب اليد. وإذا ثبت ان خبره حجة في اثبات الطهارة، يثبت بالاولوية العرفية انه حجة في اثبات النجاسة، لان صاحب اليد إذا كان يصدق فيما هو في مصلحته من أوصاف الكمال لما له، فتصديقه فيما هو على خلاف مصلحته من أوصاف المال أولى عرفا، بنكتة ان احتمال الكذب أبعد حينئذ. ويرد عليه هذا الاستدلال: أولا: ان الملحوظ اثباته باخبار صاحب اليد لعله جواز الصلاة في الفراء، لا طهارته، بناء على ان مشكوك التذكية لا تثبت النجاسة فيه باستصحاب عدم التذكية بل عدم جواز الصلاة فالطهارة ثابتة بالاصل بقطع النظر عن اخبار صاحب اليد بها.


(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات حديث 7.

[ 112 ]

وثانيا: ان الامر بالسؤال - إذا لم يكن البائع مسلما لعله يرجع إلى الامر بالفحص واستعلام الحال، فيكون أجنبيا عن باب جعل الحجية. ومنها ما دل من الروايات على حلية وطهارة ما في أيدي المسلمين وأسواقهم، من لحوم وجلود، وهي روايات عديدة، ولكنها أجنبية عن محل الكلام، لان المناط فيها نفس اليد لا خبر صاحب اليد، ومن الواضح على هذا الاساس اختصاصها بموردها، وعدم شمولها لامثال المقام الذي يعلم فيه بعدم كفاية مجرد اليد لاثبات الطهارة. ثالثها: التمسك باطلاق التعليل الوارد في اخبار قاعدة اليد بانه لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق) (1) فان مفاد التعليل هو تبرير قاعدة اليد بلزوم الحرج الشديد النوعي بدونها، وقد عبر عن هذا الحرج بتعطيل السوق، ومقتضى اطلاقه: ان كل ما يلزم من عدم حجيته الحرج المذكور فهو حجة وخبر صاحب اليد كذلك، إذ لو لم يكن حجة في اثبات الطهارة لكان اللازم الاجتناب عند الدخول إلى بيت شخص عما فيه، للعلم اجمالا بنجاسته في وقت ما واستصحابها ما لم تقم بينة على الطهارة (2). ويرد عليه نفي هذا النحو من الحرج، لما تقدم من ان الغالب توارد الحالتين، ومعه لا يجري استصحاب النجاسة، بقطع النظر عن حجية خبر صاحب اليد. فالمهم في الدليل على اثبات النجاسة والطهارة بخبر صاحب اليد انعقاد السيرة على ذلك. وعلى ضوء البحوث المذكورة يتبين: ان النجاسة تثبت بالعلم والبينة وخبر الثقة، وخبر صاحب اليد، ولا تثبت بالظن، لعدم الدليل على حجيته في المقام، بل للدليل على عدم حجيته، وهو اطلاق دليل قاعدة


(1) الوسائل باب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى رواية حفص بن غياث. (2) مدارك العروة الوثقى ج 2 ص 54 - 55.

[ 113 ]

[ (مسألة - 7) إذا أخبر ذو اليد بنجاسته وقامت البينة على الطهارة قدمت البينة (1) ] الطهارة بناء على ما حققناه في الاصول، من أن إطلاق دليل الاصل بنفسه ينفي أي حكم ظاهري مخالف في مورده، سواء كان المنفي بلسان الاصل أو الامارة. بقي الكلام فيما قد يقال من أن المستفاد من روايات البختج عدم حجية أخبار صاحب اليد، بل وحتى أخبار الثقة بذهاب الثلثين ما لم يكن مسلما عارفا ورعا. وسوف يأتي تحقيق ذلك في فصل متأخر - إن شاء الله تعالى - عند التكلم في طرق ثبوت النجاسة في مطلق الاشياء، ويتضح عندئذ ان روايات البختج لا يستفاد منها أي تقييد للمقدار الثابت من حجية خبر صاحب اليد وخبر الثقة. (1) تعرض الماتن قدس سره في هذه المسألة لصورتين من صور التعارض، بينما صور التعارض أكثر من ذلك، ويحسن إستيعابها. الصورة الاولى: التعارض بين خبر صاحب اليد غير الثقة والبينة وتحقيق ذلك: ان مدرك حجية البينة إذا كان هو دليل حجيتها في مورد القضاء مع التعدي منه، فمن الواضح أن قرينة التعدي تقتضي إسراء نفس الدرجة من الحجية الثابتة في مورد القضاء إلى سائر الموارد. وحجية البينة في مورد القضاء حجية حاكمة على القواعد والاصول، بما فيها خبر صاحب اليد، فكذلك في سائر الموارد. وهكذا الامر إذا كان مدرك الحجية رواية مسعدة بن صدقة، لدلالتها على هذه الدرجة من الحجية للبينة. وأما إذا كان مدرك حجية البينة ارتكاز اعتبارها بعنوانها، فلابد من مقايسته إلى ارتكاز اعتبار خبر صاحب اليد، ليرى ما هو الفعلي من الارتكازين في مورد التعارض.

[ 114 ]

واما إذا لم نقل بحجية البينة بعنوانها، لا بدليل لفظي، ولا بارتكاز عقلائي وانما دخلت البينة في دليل حجية خبر الواحد، فيدخل في التعارض بين خبر صاحب اليد غير ثقة وخبر الثقة، وسوف يأتي أن خبر صاحب اليد يقدم في مثل ذلك، وحينئذ لابد من النظر إلى ملاك التقديم، ليلاحظ ثبوته فيما إذا تعدد خبر الواحد أولا. الصورة الثانية: التعارض بين خبر الثقة الذي ليس له يد والبينة. ولم يتعرض الماتن إليه، لعدم ذهابه إلى حجية خبر الثقة. والصحيح فيه تقدم البينة ببيانين أحدهما إجمالي، وهو انك عرفت تقدم البينة على خبر صاحب اليد، وسوف تعرف تقدم خبره على خبر الثقة، فينتج تقدم البينة على خبر الثقة. والبيان الاخر تفصيلي، وهو ان البينة بعنوانها تارة: يفترض عدم قيام الدليل على حجيتها، فتدخل البينة في دليل حجية خبر الثقة. وأخرى يفترض قيامه على حجيتها فعلى الاول لا يوجد لدينا إلا دليل حجية خبر الثقة الشامل للمتعارضين، فلابد من التساقط. ومجرد وجود فردين من موضوعة في طرف، وفرد آخر في الطرف الاخر، لا يبرر تطبيق دليل الحجية على ذلك الطرف. وأما على الثاني فيلتزم بتقديم البينة. أما بتقريب: ان لدينا دليلين للحجية، أحدهما: دليل حجية خبر الثقة، وهو شامل لخبر الثقة ولخبر البينة بما هو خبر الثقة أيضا، والاخر: دليل حجية البينة الذي لا ينطبق إلا على أحد المتعارضين. والاول مبتلي بالاجمال الداخلي، لان إطلاقه لكل من المتعارضين ينافي إطلاقه للاخر بمخصص لبي متصل، وهو حكم العقل باستحالة حجية المتعارضين، فيرجع إلى دليل حجية البينة بلا معارض، ودعوى: ان إطلاق دليل حجية

[ 115 ]

البينة معارض باطلاق دليل حجية خبر الثقة للخبر المعارض للبينة، مدفوعة: بأن الاطلاق الثاني غير موجود، بسبب ابتلاء دليل حجية خبر الثقة بالاجمال الداخلي. وأما بتقريب: أن الدليل إذا دل على حجية البينة بعنوانها، مع أن المفروض حجية خبر الواحد الذي هو جزء البينة، فهذا بنفسه يكون قرينة عرفا في مقام الجمع بين الدليلين على أن الحجية المجعولة لعنوان البينة حجية حاكمة، وبدرجة مقدمة على حجية خبر الواحد، والا لكان ضم الجزء الثاني من البينة إلى جزئها الاول لغوا عرفا. الصورة الثالثة: التعارض بين خبر صاحب اليد الثقة والبينة. وقد اتضح مما تقدم في الصورتين السابقتين تقدم البينة، لانها مقدمة على كل من دليل حجية خبر صاحب اليد ودليل حجية خبر الثقة، فتتقدم على مجمع الحجتين. الصورة الرابعة: التعارض بين خبرين أحدهما لثقة أجنبي والاخر لثقة وصاحب يد في نفس الوقت. فهناك دليلان اذن، أحدهما: دليل حجية خبر الثقة، وهو شامل بطبعه للمتعارضين. والاخر: دليل حجية صاحب اليد، وهو منطبق على أحدهما. فقد يقال: ان الدليل الاول مبتلى بالاجمال الداخلي، لاستحالة شموله لكلا الفردين، فيبقى اطلاق الدليل الثاني بدون معارض. وقد يقال في مقابل ذلك: ان هذا فرع وجود اطلاق في الدليل الثاني لخبر صاحب اليد المعارض بخبر الثقة، وهو غير موجود، لان الدليل السيرة، وهي غير شاملة لهذا الفرض. ولكن الصحيح شمولها، لا ببيان: ما يرى وجدانا من عدم التحاشي عن معاملة صاحب اليد المدعى للمالكية معاملة المالك، لمجرد شهادة ثقة

[ 116 ]

أجنبي بالنفي (1) فان هذا خلط بين حجية اليد وحجية خبر صاحب اليد ففي المثال تكون اليد حجة، وعدم زوال هذه الحجية بخبر الثقة الاجنبي لا يبرهن على عدم زوال حجية خبر صاحب اليد بذلك، فيما كانت الحجية فيه بملاك الخبر، لا مجرد اليد كما في المقام. بل ببيان: ان النكتة العقلائية المقتضية للاعتماد على خبر صاحب اليد محفوظة حتى مع المعارضة المذكورة وهي الاخبرية النوعية، وكون أهل البيت أدرى بما فيه. فالسيرة العقلائية شاملة، ودليل حجية خبر الثقة مبتلى بالاجمال الداخلي، فيتقدم خبر صاحب اليد. الصورة الخامسة: التعارض بين خبرين أحدهما لثقة أجنبي والاخر لشخص ليس بثقة ولسكنه صاحب يد، فيحصل التعارض بين دليل حجية خبر الثقة الشامل للاول فقط، ودليل حجية خبر صاحب اليد الشامل للثاني فقط ولا اجمال داخلي، في كل من الدليلين، لعدم شموله للمتعارضين معا. فان كان كلا الدليلين لبيا راجعا إلى السيرة، تقدم خبر صاحب اليد، لما عرفت من انعقاد السيرة على ذلك، بنكتة (الاخبرية) حتى في فرض المعارضة. وان كان كل من الدليلين لفظيا تعبديا، بنحو لا يرجع إلى مجرد امضاء السيرة، فان كان لاحدهما اطلاق دون الاخر أخذ به، وان لم يكن لاحدهما اطلاق سقط كلا الخبرين، وان كانا معا مطلقين قدم ما كان منها قطعي السند على الاخر، كما لو كان دليل حجية الثقة آية النبأ مثلا وفي فرض عدم مزية من هذا القبيل يسقط الخبران معا عن الحجية. وان كان أحد الدليلين لفظيا دون الاخر، لوحظ اللبي، فان كان له سعة حتى لمورد التعارض أخذ به، ولا يصلح مجرد الاطلاق في الدليل اللفظي - لو كان - للردع. والصحيح من هذه الفروض الاول، وهو فرض لبية الدليلين، لان


(1) التنقيح ج 1 ص 293. (

[ 117 ]

وإذا تعارضت البينتان تساقطتا إذا كانت بينة الطهارة مستندة إلى العلم وان كانت مستندة إلى الاصل تقدم بينة النجاسة (1). الدليل على الحجيتين السيرة، والادلة اللفظية - لو كانت - فانما هي مسوقة مساق الامضاء، والسيرة منعقدة على العمل بخبر صاحب اليد. الصورة السادسة: التعارض بين خبرين لصاحبي اليد بالاشتراك على مال واحد، بناء على ما هو الظاهر من حجية خبر كل منها في نفسه، لان النكتة العقلائية والسيرة شاملة لليد الضمنية أيضا. وتوضيح حكمه: ان الشخصين إذا كانا متساويين في الوثاقة - سلبا أو ايجابا - فالمتعين هو التساقط، وان كان أحدهما ثقة دون الاخر قد يقال: ان أدلة الحجية إذا كانت لفظية، ففي هذا الفرض سوف يكون دليل حجية خبر صاحب اليد مبتلى بالاجمال الداخلي، فيرجع إلى دليل خبر الثقة، وإذا كانت لبية فحيث ان نكتة الاخبرية معطلة بالتعارض، فلا يبعد دعوى السيرة حينئذ على إعمال نكتة الوثاقة والعمل بخبر الثقة. الصورة السابعة: التعارض بين بينتين. وهذا الفرض تعرض له الماتن ويأتي توضيحه ان شاء الله تعالى. (1) هذا الفرض هو الصورة السابعة للتعارض التي أشرنا إليها آنفا والكلام فيه يقع في مقامين: أحدهما في حكم التعارض المستحكم بين البينتين، والاخر في انه متى يستحكم. أما المقام الاول فالبحث فيه ينقسم إلى جهتين: الاولى: في حكم التعارض بلحاظ الدليل العام لحجية البينة وتفصيله: ان دليل الحجية ان كان هو السيرة العقلائية، فلم يعرف انعقادها على العمل بالبينة المعارضة، ولو كانت ذات مزية كمية أو كيفية، ما لم تبلغ إلى درجة

[ 118 ]

الوثوق الشخصي، فالمتعين هو التساقط. وان كان دليل الحجية دليلا لفظيا تأسيسا فمع تساوي البينتين في المزايا، لا اشكال في التساقط، ومع وجود مزية كمية أو كيفية في احداهما، فان كانت المزية بنحو لا توجب زوال احتمال التقدم للبينة الفاقدة للمزية، فالحكم هو التساقط أيضا، وان كانت بنحو توجب زوال هذا الاحتمال وتردد البينة الفاقدة بين السقوط مع واجدة المزية معا أو السقوط بمفردها، صح التمسك باطلاق دليل الحجية لاثبات حجية البينة الواجدة للمزية، ولا يعارضه اطلاقه للبينة الاخرى، لانه ساقط جزما أما وحده أو مع الاطلاق الاخر. الثانية: في حكم التعارض بلحاظ ما دل في باب القضاء على تقديم البينة الاكثر عددا واستحلاف صاحبها، كرواية أبي بصير، إذ ورد فيها قوله: (أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه) (1). فقد يقال: بالتعدي من مورد القضاء إلى غيره في الترجيح بالعدد، كما صح التعدي في أصل حجية البينة. وقد استشكل في ذلك: بأن الرواية لا تدل على ترجيح البينة الاكثر عددا في الحجية، وإلا لما احتيج إلى الاستحلاف مع حجيتها، وانما تدل على تعيين اليمين على صاحب البينة الاكثر عددا (2). ويرد عليه: إن الاحتياج إلى اليمين انما يدل على نفي حجية البينة بمعنى ميزانيتها في فصل الخصومة وتوقف الفصل المذكور على اليمين. ونفي كون البينة ميزانا في فصل الخصومة أعم من نفي الحجية في اثبات الواقع فخبر الثقة حجة مثلا في إثبات الواقع مع عدم ميزانيته في فصل الخصومة كما هو واضح، فإذا أضيف إلى الرواية المذكورة ما دل على حصر اليمين


(1) وسائل الشيعة كتاب القضاء باب 12 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعاوي حديث 1. (2) مدارك العروة الوثقى ج 2 ص 73 - 74.

[ 119 ]

بالمنكر ونفيه عن غير المنكر الا من خرج بالتخصيص، دلت على أن صاحب البينة الاكثر عددا الذي وضع عليه اليمين منكر، ولما كان فرض ذلك مساوقا لفرض مطابقة قوله للحجة، كشف عن حجية البينة الاكثر عددا. ولو كانت البينة أكثر عددا تسقط بالمعارضة من حيث الحجية مع الاخرى، فلماذا يفرض اليمين على من له تلك البينة؟! ولماذا لا يفرض على صاحب اليد باعتبار مطابقة قوله لليد؟، لان المفروض في رواية أبي بصير تعارض بينة الداخل مع بينة الخارج. والصحيح عدم التعدي ببيان آخر: وهو أن الترجيح بالاكثرية العددية مطلقا ليس أمرا ارتكازيا كأصل حجية البينة، فلا معنى لتحكيم الارتكاز في الغاء خصوصية المورد وهو باب القضاء، ومع عدم الاطلاق في دليل الترجيح لا يمكن إعمال مفاده في المقام. وأما المقام الثاني: فحيث أن البينة قد تستند إلى الوجدان تارة وإلى التعبد أخرى، فلابد أن يلاحظ أنه متى يستحكم التعارض والتكافؤ بين البينتين؟ وعلى هذا الضوء يمكن القول بأن تعارض البينتين له أقسام: أحدها: أن تكون احداهما مستندة إلى الوجدان والاخرى إلى التعبد. ولا اشكال فتوى وارتكازا في هذا القسم في تقديم البينة الوجدانية. وإنما الكلام في تخريج ذلك إذ يقال - عادة - في توجيهه أن البينة الوجدانية حاكمة على الاصل الذي هو مستند البينة التعبدية، لكونها رافعة لموضوعه وهو الشك، فتبطل البينة التعبدية لانها تبقى بدون مستند بعد بطلان الاصل (1). وهذا القدر من البيان لا يكفي لتبرير التقديم فنيا، وذلك لان البينة الوجدانية تارة: يفرض وصولها إلى الشاهدين المستندين إلى الاصل وإحرازهما


(1) مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 176 التنقيح ج 1 ص 293.

[ 120 ]

لها. وأخرى: يفرض عدم الوصول. والفرض الاول خارج عن محل الكلام، لانه مساوق لفرض سحب البينة التعبدية شهادتها، فلا توجد شهادتان متعارضتان ليقع الكلام في تقديم احداهما. واما الفرض الثاني فهو المناسب لافتراض التعارض فعلا بين بينة وجدانية وأخرى تعبدية، ولا موجب فيه لسقوط الاصل الذي إستندت إليه البينة التعبدية، لان هذه البينة تستند إلى الاصل الجاري في حقها، وجريانه فرع تمامية موضوع الاصل في حقها لا في حق المشهود لديه. وحينئذ فان قلنا بأن حجية الامارة بوجودها الواقعي ليست حاكمة على دليل الاصل، وإنما تكون حاكمة عليه بوجودها الواصل، فلا حاكم على الاصل الجاري في حق البينة التعبدية، وان قلنا بأن حجية الامارة بوجودها الواقعي حاكمة على دليل الاصل فهذا يعني أن الاصل الجاري في رتبة مفاد الامارة ساقط واقعا لوجود الحاكم. ولكن البينة المستندة إلى الاصل قد يجري في حقها إستصحاب عدم البينة الوجدانية. لعدم وصولها وهذا الاستصحاب لا يكون محكوما لتلك البينة بوجودها الواقعي كما هو واضح فعلي أي حال يمكن تصوير جريان الاصل فعلا في حق البينة التعبدية، ومعه لا تكون بلا مستند، فلا موجب لسقوطها. والتحقيق أن يقال في وجه التقديم: إن جواز إستناد البينة إلى الاصل تارة يكون بمعنى أنها تشهد بنفس الاصل، وأخرى يكون بمعنى شهادتها بالواقع إستنادا إلى الاصل، فيكون الاصل حيثية تعليلية لجواز الشهادة بالواقع. فعلى الاول لا محصل لشهادة البينة المستندة إلى إصالة الطهارة إلا الشهادة على عدم علمها بالنجاسة، لان إصالة الطهارة بكبراها إنما تثبت

[ 121 ]

بدليلها الاجتهادي، وبصغراها ليست إلا عدم العلم بالنجاسة. والشهادة بعدم العلم بالنجاسة لا معنى لها إلا عدم الشهادة بالنجاسة، وعدم الشهادة بالنجاسة لا يعارض الشهادة بها. وأما البينة المستندة إلى الاستصحاب، فهي شهادة في الحقيقة بصغري الاستصحاب، لان الكبرى إنما تثبت بدليلها الاجتهادي، وصغرى الاستصحاب هي، ثبوت الحالة السابقة، فالشهادة بالاستصحاب شهادة بالحالة السابقة، والبينة الوجدانية شهادة بالحالة الفعلية فيتعين الاخذ بها. وعلى الثاني يقال: ان حجية البينة لو كانت على وجه الموضوعية - بحيث يحتمل أن يكون لقيامها دخل نفسي في لزوم العمل - لامكن إيقاع التعارض بين البينتين. وأما مع إستظهار الطريقية المحضة من دليل حجيتها فلا يقتضي دليل حجيتها حينئذ إلا تنزيل السامع منزلة الشاهد، لا جعله أشد من الشاهد إثباتا للمطلب. وواضح إن البينة الوجدانية لو وصلت إلى البينة التعبدية لرفعت اليد عن أصلها، فلو لم يتعين ذلك على السامع المشهود لديه، لكان معناه ان البينة التعبدية أثبتت له المطلب بدرجة أكبر من إثباتها لديها، وهو خلاف المفهوم عرفا وارتكازا من دليل الحجية. ثانيها: أن تكون البينتان معا وجدانيتين، ويقال عادة بالتساقط حينئذ. والتحقيق: ان مراتب الاثبات الوجداني مختلفة: فإذا كان الوجدان الذي تدعى البينتان استنادهما إليه من مرتبة واحدة فالمتعين التساقط. واما إذا كان احداهما أقوى من الاخر، بحيث لو اجتمع المدركان الوجدانيان لدى السامع لحكم أحدهما على الاخر بحساب الاحتمالات، فاللازم عندئذ تقديم البينة التي تدعى الاستناد إلى الوجدان الاقوى، لما تقدم من ان دليل حجية البينة ينزل السامع منزلة الشاهد ولا يجعله أشد منه. والمفروض ان السامع لو اجتمع لديه كلا وجداني البينتين لحكم أحدهما على الاخر

[ 122 ]

فكذلك مع التنزيل. ثالثها: أن تكون البينتان معا تعبديتين. وهذا القسم يشتمل على فرضين: الاول: أن تكون احداهما مستندة إلى استصحاب النجاسة والاخرى إلى اصالة الطهارة. فيتعين الاخذ باولالى، لان الثانية لا محصل لشهادتها إلا الشهادة بصغري اصالة الطهارة وهي عدم العلم، ومرجعه إلى عدم الشهادة بالنجاسة، ومثل هذا لا يعقل أن يعارض أي شهادة اخرى. الثاني: أن تكون البينتان مستندتين إلى الاستصحاب، والمعروف حينئذ تساقطهما. والتحقيق هو التفصيل، وذلك: لان الشهادة المستندة إلى الاستصحاب شهادة في الحقيقة بصغري الاستصحاب، لان كبراها ثابتة بدليلها الاجتهادي والصغرى، هي الحالة السابقة، فان علم من داخل أو من خارج ان زمان الحالة السابقة الملحوظ في كل من البينتين واحد، حصل التعارض والتساقط بينهما. وان علم بتعدد الزمان لم يكن بينهما تعارض، بل أخذ بأحدث الحالتين السابقتين، لان نسبة البينة الملاحظة لاحداث الحالتين إلى الاخرى نسبة البينة الوجدانية إلى التعبدية. وان لم يعلم الزمان الملحوظ للحالة السابقة في كل من البينتين واحتمل وحدته وتعدده، فلا محذور في ثبوت الحجية لكلتا البينتين، لان حجية كل منهما انما تقضي اثبات صغرى الاستصحاب كما عرفت، وهو الحالة السابقة، فمع حجيتهما معا تثبت حالتان سابقتان مختلفتان، ولا محذور في ذلك، وبهذا يتحقق الموضوع لاستصحابين متعارضين وهو يؤدي إلى تساقطهما. فالتساقط على هذا الضوء بين الاستصحابين الذين يجريهما المكلف، بعد احراز موضوعيهما بالبينة. واما على المعروف فالتساقط بين البينتين لا الاستصحابين. ويظهر الاثر العملي

[ 123 ]

فيما إذا كانت للمكلف حالة سابقة وجدانية هي النجاسة مثلا، فعلى المعروف من ايقاع التساقط بين نفس البينتين لا مانع بعد تساقطهما من الرجوع إلى استصحاب النجاسة، المحرزة وجدانا في السابق. وأما على المختار من عدم التعارض بين البينتين وايقاع التساقط بين الاستصحابين، فسوف يكون استصحاب الطهارة معارضا باستصحاب النجاسة، وبعد التعارض يرجع إلى اصالة الطهارة. ثم انه إذا كانت الحالة السابقة الملحوظة في احدى البينتين محددة زمانا دون الاخرى، دخل - على المختار - في مجهول التاريخ ومعلومه، فعلى القول بالتفصيل يجري استصحاب الحالة السابقة المحددة بدون معارض. ولا فرق في كل ما ذكرناه من التفصيل، بين البناء على ان الشهادة التعبدية شهادة بالتعبد، أو شهادة بالواقع استنادا إلى التعبد، بعد استظهار الطريقية من حجية البينة. وحيث عرفنا - في ضوء ما تقدم - ان بينة الوجدان تقدم على بينة الاصل بالنحو الذي حققناه في القسم الاول، احتجنا إلى علاج نقطة مهمة وهي تحديد الموقف فيما إذا تردد أمر البينة بين أن تكون وجدانية أو تعبدية. وهذا التردد له ثلاث صور: الصورة الاولى: أن تكون احدى البينتين معلومة الوجدانية، والاخرى مرددة بين الوجدان والاصل، ففي مثل ذلك يعلم بسقوط الاخرى وجدانا إما لوجود المعارض على تقدير وجدانيتها، وأم لوجود الحاكم على تقدير تعبديتها. أما الاولى فلا يعلم بسقوطها، وانما يشك في ذلك، للشك في وجود المعارض لها، لاحتمال وجدانية البينة الاخرى، وكل امارة لم يحرز معارض لها تكون حجة، إما تمسكا باطلاق دليل حجيتها ابتداء، بدعوى ان الخارج من الاطلاق بحكم العقل صورة العلم بالمعارض، دون وجوده

[ 124 ]

الواقعي المجهول، وإما تمسكا باستصحاب عدم المعارض، إذا قيل بتقيد الموضوع في دليل الحجية بعدم المعارض الواقعي، بناء على المختار من ان الاحكام الظاهرية الواقعة في مرتبة واحدة متنافية بوجودها الواقعي ولو لم تصل. وعليه فتكون البينة الاولى المحرزة وجدانيتها هي الحجة. الصورة الثانية: أن تكون احداهما معلومة التعبدية والاخرى مرددة بين التعبد والوجدان. وقد يتوهم هنا جريان ما قلناه في الصورة السابقة بدعوى: ان معلومة التعبدية ساقطة على كل حال جزما، إما للمعارض وأما للحاكم، ولا علم بسقوط البينة الثانية، لعدم احراز المعارض لها فتكون حجة. ولكن التحقيق عدم صحة ذلك: لان البينة الثانية ان كانت وجدانية فنحن نتمسك في الحقيقة لاثبات مفادها باطلاق دليل حجية البينة، وإن كانت تعبدية مستندة إلى الاستصحاب فهي شهادة بصغري الاستصحاب، وهي الحالة السابقة، ونحن نتمسك - بعد احراز الصغرى تعبدا - باطلاق دليل الاستصحاب للتعبد ببقاء الحالة السابقة، فالامر مردد اذن بين اطلاقين واطلاق دليل الاستصحاب يعلم بسقوطه وجدانا، لان البينة الثانية ان كانت تعبدية فالاستصحابان متعارضان، وان كانت وجدانية فلا موضوع للاستصحاب. واما اطلاق دليل حجية البينة فهو غير معلوم السقوط، وفي مثل ذلك لا يمكن التمسك بالمردد بين هذين الاطلاقين. وبذلك اختلف عن الصورة السابقة، التي كان الشك في سقوط البينة المعلومة وجدانيتها شكا في شخص اطلاق معين، وهو اطلاق دليل حجية البينة، للشك في معارضه. ففرق بين الشك في سقوط الاطلاق المستدل به وعدمه، وبين تردد بين ما هو ساقط جزما وغيره، واصالة عدم المعارض انما تجري في

[ 125 ]

الاول لا في الثاني. فان قيل: ان البينة الثانية إذا كانت تعبدية فالتمسك أيضا باطلاق دليل حجية البينة، لا باطلاق دليل الاستصحاب، لان الاستصحاب حكم شرعي للحالة السابقة، ودليل حجية البينة القائمة على الحالة السابقة يتعبدنا بأحكامها التي منها الاستصحاب، فالاستصحاب يثبت باطلاق ذلك الدليل لا باطلاق دليل الاستصحاب. قلت: أولا: ان هذا لا يتم بناء على ان المأخوذ في موضوع الاستصحاب اليقين بالحالة السابقة، وان الامارة تقوم بلحاظ دليل حجيتها مقام القطع الموضوعي، لان حكومة دليل الحجية على القطع الموضوعي حكومة واقعية، فيتحقق بها توسعة واقعية لموضوع دليل الاستصحاب، وبهذا يكون التمسك لاثبات النجاسة الفعلية - مثلا - باطلاق دليل الاستصحاب. وثانيا: لو سلمنا ان حكومة دليل حجية البينة على موضوع دليل الاستصحاب ظاهرية لا واقعية، بحيث يكون التعبد بالاستصحاب من شؤون اطلاق دليل حجية البينة، فهذا يعني ان البينة الثانية المرددة بين الوجدان والتعبد، ان كانت وجدانية فالتمسك باطلاق دليل حجية البينة لاثبات النجاسة الواقعية بالبينة وان كانت تعبدية فالتمسك باطلاق دليل حجية البينة لاثبات النجاسة الاستصحابية بالبينة، فهناك إذن اطلاقان أو مدلولان يفترضان - بدلا - في دليل حجية البينة، والثاني معلوم السقوط وجدانا، دون الاول، فيكون المقام من دوران الاطلاق - المستدل به - بين اطلاق معلوم السقوط وغيره وان شئت قلت: ان مدلول الاطلاق المستدل به يدور بين مدلول ساقط جزما ومدلول غير معلوم السقوط. وهذا بخلاف البينة المعلومة وجدانيتها في الصورة السابقة، فان اطلاق دليل

[ 126 ]

[ (مسألة - 8) إذا شهد اثنان بأحد الامرين، وشهد أربعة بالاخر، يمكن بل لا يبعد تساقط الاثنين بالاثنين، وبقاء الاخرين (1) ] حجية البينة يشملها ويقتضي - تعبدا - ثبوت الواقع بها، وشخص هذا الاطلاق لعله مدلول معين لا يعلم سقوطه، فهو من الشك في سقوط الاطلاق المستدل به، لاحتمال المعارض. فالفرق بين الصورتين واضح. فالصحيح في الصورة الثانية - إذن - عدم حجية كل من البينتين: اما معلومة التعبدية، فللجزم بسقوطها وجدانا. واما الثانية فللشك في سقوطها، وتردد الاطلاق المتكفل لاثبات مؤداها فعلا بين ما هو معلوم السقوط وغيره، وفي مثله يحكم بعدم الحجية. الصورة الثالثة: ان لا يستظهر من داخل ولا من خارج الوجدانية أو التعبدية لشئ من البينتين. فكل منهما إذا كانت وجدانية فهي شهادة الحالة الفعلية، وإذا كانت استصحابية فهي شهادة بصغري الاستصحاب لا بكبراه أي بالحالة السابقة، وهذا يعني وجود شهادتين بأحد الامرين من الحالة السابقة أو اللاحقة، وبذلك لا يحرز وجود التعارض بين الشهادتين لانه فرع احراز نظرهما معا إلى حالة واحدة، فلا مانع من شمول دليل الحجية لهما معا، فيثبت بذلك الجامع بين الحالتين، وهو يكفي لاجراء الاستصحاب في كل من الطرفين فيتعارض الاستصحابان. وهكذا يكون التساقط في الاستصحابين لا في الحجيتين المفترضتين للشهادتين. (1) تقدم الكلام عن الترجيح بالاكثرية في الصورة السابقة من صور التعارض في المسألة المتقدمة، واتضح أنه لا موجب للترجيح بها، لا بلحاظ دليل حجية البينة، ولا بلحاظ ما دل على الترجيح بها في باب القضاء. وظاهر المتن استقراب مطلب يؤدي نتيجة الترجيح بالاكثرية وان لم يعن

[ 127 ]

[ (مسألة - 9) الكرية تثبت بالعلم والبينة (1) وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجه، وان كان لا يخلو عن اشكال (2) ] تقديم البينة الاكثر عددا، وهو أن يتساقط اثنان من الطرفين ويبقى اثنان في جانب البينة الاكثر عددا على الحجية، فيكون الحجة فعلا مجموع الثالث والرابع لا الاربعة كما يعنيه الترجيح بالاكثرية. ويمكن أن يقرب ذلك: بأن البينة لها فردان في أحد الجانبين، وفرد واحد في الجانب الاخر، فيسقط مع ما يماثله، ويبقى الفرد الثاني في ذلك الجانب سليما عن المعارضة. ويرد عليه: أولا: ان البينة هي ما زاد على واحد، فليس الاربعة فردين من موضوع دليل الحجية بل فردا واحدا. وثانيا: انا لو سلمنا أخذ التثنية في موضوع الدليل، فالمتعين ايقاع التعارض بين اطلاق دليل الحجية لفرد في جانب واطلاقه لفردين في الجانب الاخر وثالثا: لو سلم ان الفرد الواحد لا يصلح أن يعارض الا فرادا واحدا بعينه، فتعين أحد الفردين في الجانب الذي توفر فيه الشهود الاربعة للمعارضة دون الاخر بلا معين، وعنوان أحد الاثنين ليس فردا حقيقا ولا عرفيا من موضوع دليل الحجية. (1) لشمول دليل حجيتها لسائر الموارد كما تقدم. (2) إذا كان المدرك لحجية خبر صاحب اليد الدليل اللفظي التعبدي، المتمثل في الروايات الدالة على قبول قوله في الطهارة والنجاسة، فلا اطلاق في دليل الحجية لمحل الكلام، كما هو واضح. وإذا كان المدرك هو لزوم الحرج النوعي المنفي في أخبار قاعدة اليد، فهذا أيضا لا يجري في المقام لعدم الحرج. وإما إذا كان المدرك السيرة العقلائية، فهي بوجودها الارتكازي محققة جزما، لان نكتة الاعتماد العقلائي على أخبار صاحب اليد بالطهارة والنجاسة لم تكن نكتة نفسية في هذين العنوانين، بل نكتة طريقية وهي

[ 128 ]

الاخبرية المحفوظة في المقام. وبوجودها الفعلي التطبيقي لم يعلم بثبوتها على نطاق واسع في عصر الائمة عليهم السلام، لعدم شيوع المياه المحقونة الكثيرة في ذلك الزمان. والاستدلال بالسيرة تارة، يكون: بوصفها محققة لموضوع الحكم الشرعي، كالاستدلال بها على وجود شرط ضمني لعدم الغبن في المعاملة وهذا الشرط موضوع لوجوب الوفاء شرعا وأخرى: بوصفها دالة على الحكم الكلي مباشرة كالاستدلال بها على حجية خبر الواحد مثلا. ولا شك أن السيرة التي يستدل بها على تحقيق الموضوع لا يتوقف الاستدلال بها على أن تكون موجدة في عصر الائمة عليهم السلام، لان تحقيقها للموضوع أمر تكويني. وأما السيرة المستدل بها على أصل الحكم فيتوقف الاستدلال بها على إثبات إمضاء الشارع لها، وهو يستكشف من عدم الردع، غير أن عدم الردع إنما يكشف عن الامضاء فيما إذا كانت السيرة موجودة في عصرهم عليهم السلام، وإما مع عدم وجودها فلا يكون سكوتهم كاشفا عن الامضاء. وحينئذ يقع الكلام في أن كاشفية السكوت وعدم الردع عن الامضاء هل يكفي فيها الوجود الارتكازي للسيرة، بمعنى وجود النكتة التي تدعو العقلاء إلى الجري على وجه مخصوص لو توفر الموضوع؟ أو تتوقف على الوجود الفعلي والتطبيقي للسيرة. فعلى الاول. يتم الاستدلال بالسيرة في المقام على ثبوت الكرية بأخبار صابح اليد. وعلى الثاني لا يتم، لعدم إحراز الوجود التطبيقي للسيرة على نطاق واسع في عصر الائمة (ع). بل يقع الاشكال على الثاني في الاستدلال بكثير من السير العقلائية فيما يستجد من أفراد نكاتها الارتكازية. فالسيرة على التملك بالحيازة لها نكتة تشمل تملك الطاقة الكهربائية بالحيازة، أو تملك غاز الاوكسجين بها

[ 129 ]

[ كما ان في أخبار العدل الواحد أيضا اشكالا (1) ] مثلا، ولكن ليس لها في مجال أمثال هذه الاموال المستجدة تطبيقات فعلية معاصرة للائمة (ع) فمن يشترط في الاستدلال بالسيرة على امتدادات النكتة العقلائية أن يكون على طبق الامتداد تطبيق فعلي معاصر للائمة (ع) ويستشكل من أجل ذلك في حجية خبر صاحب اليد بالكرية، عليه ان يستشكل في الاستدلال بالسيرة على تملك الكهرباء والغاز بالسيرة أيضا، مع اني لا أظن التزامه بذلك. وحل المطلب: ان استكشاف الامضاء من عدم الردع أو كان بملاك ان النهي عن المنكر واجب، فلو لم يكن عمل العقلاء مشروعا لوجب على الامام النهي عنه، فيكشف عدم ردعه عن الامضاء والمشروعية، لتعين الاقتصار على حدود التطبيقات الفعلية للسيرة المعاصرة للائمة (ع) لان المنكر على تقدير عدم رضاء الشارع بالسيرة هو عملها الخارجي، لا ارتكازها. ولكن هذا ليس هو ملاك استكشاف الامضاء من عدم الردع، والا لتوقف على احراز شروط النهي عن المنكر، التي منها أن يكون الفعل منكرا في نظر الفاعل، مع انه كثيرا ما يكون جاهلا قاصرا باعتبار غفلته وغلبة طبعه العقلائي عليه، فلا يكون آثما، ليجب ردعه، بل الملاك في استكشاف الامضاء من عدم الردع ظهور حال الشارع (النبي (ص) أو الامام (ع)) فانه بحكم مقامه وتصديه لتربية مجتمعه على نهج الهي رباني يكون ظاهر حاله عند السكوت عن حاله من حالات العقلاء امضاؤها، وهذا الظهور الحالي حجة كالظهور اللفظي، وهو كما ينعقد بلحاظ الوجود التطبيقي للسيرة كذلك ينعقد بلحاظ الوجود الارتكازي لها وعليه فاخبار صاحب اليد بالكرية معتبر. (1) أظهره الحجية، تمسكا باطلاق دليل حجيته، وقد كان على من

[ 130 ]

[ (مسألة - 10) يحرب شرب الماء النجس الا في الضرورة ويجوز سقيه للحيوانات، بل وللاطفال أيضا. ويجوز بيعه مع الاعلام (1) ] استشكل في حجية أخبار صاحب اليد بالكرية ان يستشكل هنا أيضا بملاك واحد، لان من يرى ان مدرك حجيتها منحصر بالسيرة العقلائية، ولا يرى حجيتها الا بمقدار وجودها التطبيقي الفعلي في عصر الائمة (ع) ينبغي له أن لا يلتزم بحجية خبر العدل الواحد عن الكرية، لعدم وجود تطبيق فعلي واسع النطاق لهذا الجانب من السيرة في عصر الائمة (ع) نتيجة لقلة المياه غالبا، فان ادعي الجزم بعدم الفرق بين هذا الموضوع وغيره من الموضوعات، فليدع الجزم بعدم الفرق بين الكرية وغيرها من الخصوصيات التي تكون تحت اختيار صاحب اليد، ويكون أخبر بها نوعا من غيره. (1) ينبغي الكلام حول هذه المسألة في عدة جهات: الجهة الاولى: في حرمة شرب الماء النجس، بل حرمة تناول مطلق الشراب والطعام النجس. وقد استدل على ذلك بعدة طوائف من الروايات: منها: ما دل على الامر باهراق المرق النجس، نظير رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع): (ان أمير المؤمنين (ع) سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فارة. فقال يهراق مرقها، ويغسل اللحم ويؤكل) (1). ومنها: ما ورد من الامر باراقة الماء الذي وقعت فيه النجاسة (2).


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الماء المطلق حديث 3. (2) من قبيل موثقة سماعة: (وان كان أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس ان لم يكن أصاب يده شئ من المني، وان كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله). باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 4.

[ 131 ]

فان الامر بالاراقة في هاتين الطائفتين دال على عدم صلاحية النجس للانتفاع به في أكل وشرب. ومنها: ما ورد في مثل السمن والزيت والعسل، كرواية معاوية بن وهب: (قال قلت له جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل. فقال أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، والزيت يستصبح به) (1). والتفريق فيها بين الزيت وبين السمن والعسل، باعتبار ميعان الاول غالبا بحيث تسرى النجاسة بالملاقاة إلى كل أجزائه، فيسقط عن صلاحية الانتفاع به إلا في مثل الاستصباح. وهذه الطوائف الثلاث لا شك في دلالتها على حرمة تناول النجس، ولكن موردها جميعا الشراب والطعام الملاقى لعين النجس، فالتعدي منه إلى المتنجس بالمتنجس يتوقف اما على التثبيت بالاجماع، واما على دعوى انصراف تلك الروايات إلى كون الحرمة بملاك نجاسة الشراب والطعام. دون دخل لمرتبة النجاسة وخصوصيتها في ذلك، واما على التفتيش عن روايات اخرى سليمة من هذا النقص وواجدة للاطلاق. والتحقيق وجود مثل هذه الروايات، وهي على طوائف أيضا: الطائفة الاولى: ما دل على الاجتناب عن سؤر الكتابي (2) بناء على انصراف النهي عن سؤره إلى حيثية النجاسة لا حيثية معنوية، وعلى عدم كونه نجسا ذاتا، وإلا كان مورد الرواية ملاقي عين النجس. فانه - بناء على عدم النجاسة الذاتية - إذا حملنا النهي عن سؤر الكتابي على جعل


(1) باب 6 من أبواب ما يكتسب به حديث 4. (2) كرواية سعيد الاعرج، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن سؤر اليهودي والنصراني فقال: لا. وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الاسئار حديث 1.

[ 132 ]

اصالة النجاسة العرضية في الكافر فمن الواضح دلالته حينئذ على حرمة تناول الطعام المتنجس بالمتنجس، وإذا حملنا النهي على التنزه فلا يخلو أيضا من نحو دلالة على كبرى حرمة الطعام المتنجس بالمتنجس، ويكون بصدد التنزيه عن محتملات ذلك المحذور. الطائفة الثانية: ما دل على النهي عن الاكل في أواني الكفار قبل غسلها (1). ودلالة هذه الطائفة لا تتوقف على فرض عدم النجاسة الذاتية للكافر، لان الاناء على أي حال تنجس، فالاكل فيه أكل من الطعام المتنجس بالمتنجس. الطائفة الثالثة: ما دل على النهي عن الاكل في أواني الخمر والميتة الموجودة لدى الكفار (2) والكلام فيها هو الكلام في الطائفة الثانية. الجهة الثانية: في حرمة التسبيب إلى شرب الغير للنجس مع كون الغير مكلفا في الواقع. فان كان التكليف منجزا على الغير بالوصول فلا اشكال في عدم جواز التسبيب المذكور لانه اعانة على المعصية، وان لم يكن منجزا فهناك مجال للبحث في جواز التسبيب وعدمه. والكلام في ذلك تارة يقع بلحاظ مقتضى القاعدة، واخرى بلحاظ الروايات الخاصة ونقصد بالقاعدة التكلم على ضوء نفس الخطابين الواقعيين بالاجتناب عن النجس، المتوجهين إلى المسبب - بالكسر - والمباشر.


(1) كرواية زرارة عن الصادق (ع) انه قال في آنية المجوس: (إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء). باب: 54 من الاطعمة المحرمة حديث 2. (2) كرواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن آنية أهل الذمة والمجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر. باب 54 من الاطعمة المحرمة حديث 3.

[ 133 ]

اما الكلام فيما تقتضيه القاعدة بلحاظ الخطاب المتوجه إلى المسبب، فقد يقال: ان هذا الخطاب يقتضي حرمة التسبيب، إذ ان النهي عن شئ كما يشمل وجوده المباشري يشمل أيضا وجوده التسبيبي. فكما ان خطاب لا تقتل يشمل تحريم إثارة الحيوان أو الطفل عن انسان ليقتله، كذلك خطاب لا تشرب النجس يشمل التسبيب إلى الشرب المذكور (1). ويرد عليه: ان مادة الفعل المدخول للنهي تارة: لا تكون مضافة إلى المخاطب المكلف إلا باضافة الفاعلية، كما في القتل، واخرى: تكون مضافة أيضا باضافة الموردية، كما في شرب النجس، فان المكلف ليس مجرد فاعل له بل هو مورد له. وفي مثل ذلك لا معنى لدعوى التمسك باطلاق المادة لاثبات حرمة الوجود التسبيبي أيضا، كما إذا سبب المكلف إلى شرب الغير للنجس، لان عدم شمول الحرمة لمثل ذلك لا لانه مستند تسبيبا إلى المكلف المسبب حتى يقال ان المباشرة ليست قيدا في الحرام، بل لان الشرب ليس شربه وليس هو موردا له. فالحرام على المكلف شربه للنجس، فمتى أوجد شربه للنجس - ولو تسبيبا - فقد أوجد ما هو محرم عليه. وأما ايجاده لشرب غيره للنجس فليس مصداقا للمادة المنهي عنها حتى يشملها اطلاق النهي. وأما الكلام فيما يقتضيه الخطاب الاخر المتوجه إلى المباشر، فقد يقرب استفادة المنع عن التسبيب منه بأحد تقريبين: الاول: ان الخطاب المتوجه إلى المباشر يكشف عن غرض لزومي للمولى في تركه لشرب النجس، والغرض اللزومي للمولى واجب التحصيل على جميع العبيد، فيلزم على الاخر أن لا يسبب إلى تفويت ذلك الغرض. ويرد عليه: ان الغرض اللزومي قابل للتبعيض من حيث اللزوم


(1) مدارك العروة الوثقى ج 2 ص 84.

[ 134 ]

حسب انحاء عدمه وتفويته، فقد يكون بعض أنحاء تقويته غير مرضي به دون البعض الاخر، حسب درجة اهتمام المولى بذلك الغرض اللزومي، والكاشف عن ذلك هو الخطاب، والخطاب المتوجه إلى المباشر لا يكشف عن اباء المولى فعلا عن تفويت الغرض من قبل غير المخاطب. الثاني: ان الخطاب المتوجه إلى المباشر يدل بالدلالة الالتزامية العرفية على عدم رضاء المولى بالتسبيب إلى ايقاعه من المباشر، فان المولى إذا وجه خطابه إلى أحد مأمور به قائلا: لا تدخل علي، يفهم العرف من ذلك منع الاخرين من ادخاله، وهذه استفادة عرفية صحيحة في بعض مراتب التسبيب بلا اشكال. هذا كله على مقتضى القاعدة. وأما بلحاظ الروايات الخاصة، فقد ورد في روايات بيع الدهن المتنجس الامر بالاعلام، ليستصبح به المشتري، ويستفاد من ذلك: ان تسليط الغير على مال نجس، يكون معرضا لانتفاعه به فيما هو مشروط بالطهارة واقعا، لا يجوز بدون اعلام بنجاسته، لان التسليط في هذه الحالة بدون اعلام نحو من التسبيب، وقد لا تكون هذه المرتبة من التسبيب داخلة في الدلالة الالتزامية العرفية للخطاب المتوجه نحو المباشر، ولكنها على أي حال غير جائزة بلحاظ الروايات الخاصة. ويمكن الاستيناس لحرمة التسبيب بما ورد من الامر باراقة المرق ونحوه إذا تنجس، إذ لو كان اعطاء النجس للغير جائزا لكان هذا من وجوه الانتفاع به، مع ان الامر بالاراقة ارشاد إلى عدم صلاحيته للانتفاع به بوجه. نعم هذا انما يتم إذا قيل بأن الامر بالاراقة ارشاد إلى عدم صلاحيته لمطلق الانتفاع، لا إلى عدم صلاحيته لمباشرته في مقام الانتفاع وإلا لما دل على تحريم التسبيب. وكذلك لا يدل على تحريم التسبيب لو

[ 135 ]

قيل باجمال الامر بالاراقة وصلاحيته للارشاد إلى كل من المطلبين. ثم ان ما يحرم من التسبيب على أساس كل ملاك قد يختلف عما يحرم منه على أساس ملاك آخر. فعلى أساس التمسك بالخطاب المتوجه إلى المسبب، بدعوى شموله للوجود التسبيبي، يحرم التسبيب الذي يوجب اسناد الفعل عرفا إلى المسبب فلا يشمل مجرد تسليط الاخر على النجس، بل يختص بما إذا كانت ارادة المباشر مقهورة للمسبب. وعلى أساس التمسك بالخطاب، المتوجه إلى المباشر بلحاظ دلالته الالتزامية العرفية نقول: ان المتيقن من هذه الدلالة التسبيب بالتشويق نحو الفعل، أو اكراه الاخر عليه، دون مطلق ايجاد المقدمات المساعدة على صدوره من الغير. وعلى أساس روايات الاعلام يكون تسليط الغير على مال نجس، معرض عادة للانتفاع به فيما هو مشروط بالطهارة واقعا بدون اعلامه، لونا من التسبيب المحرم، ولو لم يصح اسناد الفعل إلى المسلط، ولم يصدر من المسلط تشويق أو اكراه. وعلى أساس روايات الامر بالاراقة وتمامية دلالتها على المطلوب، يمكن أن يستفاد منها حرمة التسبيب بالمعنى المنطبق على التسليط المذكور، لانه نحو انتفاع بالشئ. الجهة الثالثة: في التسبيب إلى تناول الاطفال للماء النجس ونحوه. وتحقيق الكلام في ذلك: ان مدرك عدم جواز التسبيب إلى تناول المكلف للنجس، ان كان هو استفادة ذلك من الخطاب المتوجه إلى المسبب، بدعوى شموله للوجود التسبيبي أيضا، فهذا الوجه - لو تم - يجري في التسبيب إلى شرب الطفل أيضا، لانه وجود تسبيبي للمسبب، فيشمله

[ 136 ]

خطابه بحسب الفرض. وان كان المدرك استفادة ذلك من الخطاب المتوجه إلى المباشر، فلا موضوع لذلك في المقام إذ لا خطاب في حق المباشر. وان كان المدرك هو روايات الامر بالاعلام، فهي مختصة أيضا بما إذا كان المشتري مكلفا، اما للانصراف، واما لان تفريع الاستصباح على الاعلام قرينة على ان المشتري ممن يتأثر موقفه بالاعلام، وهذا انما يكون في المكلف. وان كان المدرك روايات الامر بالاراقة، فلا بأس بدعوى دلالتها على حرمة اعطاء النجس للاطفال أيضا، إذ لو جاز ذلك لكان هذا من الانتفاعات الشائعة المباحة، لاشتمال كل بيت عادة على الاطفال. فالامر بالاراقة إذا كان يدل على عدم صلاحية الماء للانتفاع به، فهو يعني عدم جواز اعطائه للاطفال أيضا. نعم روايات الامر بالاراقة مخصوصة بالماء والطعام الملاقي لعين النجس ولهذا فصلنا في الاطفال بين الشراب والطعام المتنجس بغير عين النجس، فيجوز اعطاؤه للاطفال لعدم شمول روايات الامر بالاراقة له، وبين الشراب والطعام المتنجس بعين النجس، فالاحوط وجوبا عدم اعطائه للاطفال، بلحاظ الروايات المذكورة. والفرق بين روايات الامر بالاراقة وروايات الامر بالاعلام، مع انها جميعا واردة في الشراب والطعام الملاقي لعين النجس. ان تعليل الامر بالاعلام بالاستصباح ظاهر عرفا في كون العلة للامر بالاعلام عدم الوقوع في المخالفة من ناحية النجاسة، ولهذا يتعدى منه إلى مطلق الطعام والشراب النجس. وأما الامر بالاراقة فلا يحتوي على قرينة من هذا القبيل توجب التعدي كذلك، فيقتصر على مورد.

[ 137 ]

الجهة الرابعة: في جواز سقي الماء النجس للحيوانات والزرع. ولا ينبغي الاشكال في جوازه، لعدم تطرق شئ من وجوه المنع السابقة له، بما فيها الوجه القائم على أساس الاستدلال بروايات الامر بالاراقة، باعتباره كناية عن عدم صلاحيته للانتفاع به. فان الملحوظ في الكناية الانتفاعات الاعتيادية الشائعة في الحياة المألوفة لكل انسان، دون مثل تلك الانتفاعات بسقي الحيوان والاشجار، مما يفرض في بعض الاحيان. الجهة الخامسة: في جواز بيع الماء النجس. والصحيح جوازه، لشمول اطلاقات الصحة له بعد فرض وجود منفعة محللة له، من قبيل السقي ونحوه. ولا مقيد لتلك الاطلاقات، لعدم تمامية دليل على عدم جواز بيع عين النجس بهذا العنوان، فضلا عن بيع المتنجس، وانما تم الدليل على عدم جواز بيع بعض الاعيان النجسة بالخصوص، كالكلب غير الصيود والخنزير والخمر، وتفصيل الكلام في ذلك في مباحث البيع.

[ 139 ]

الماء المستعمل (حكم الماء المستعمل في رفع الحدث. حكم الماء المستعمل في رفع الخبث - ماء الاستنجاء - أحكام ماء الغسالة - فروع وتطبيقات).

[ 141 ]

[ فصل في الماء المستعمل الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر من الحدث والخبث وكذا المستعمل في الاغسال المندوبة (1). وأما المستعمل في الحدث الاكبر فمع طهارة البدن لا اشكال في طهارته (2)، ورفعه للخبث (3) ] (1) الماء المستعمل، ان كان مستعملا لغرض غير شرعي أو لغرض شرعي غير التطهير ورفع الحدث كالوضوء التجديدي، أو لرفع الحدث الاصغر كالوضوء من الحدث بالاصغر أو الغسل المستحب منه بناء على اغنائه عن الوضوء، أو للمساهمة في رفع الاكبر بنحو الوضوء كوضوء المستحاضة المتوسطة بناء على دخله في رفع الحد ث الاكبر فهو طاهر مطهر بلا اشكال، لعدم شمول أدلة المنع المتوهم له، فيكفي في طهارته ومطهريته الاصول والاطلاقات. وانما الخلاف في المستعمل بنحو الغسل في رفع الحدث الاكبر، أو بنحو التطهير من الخبث، حيث، قد يدعى سقوطه عن الصلاحية لرفع الحدث به حتى مع فرض طهارته. (2) للاستصحاب، أو التمسك بأدلة طهارة الماء إذا قيل باطلاق أحوالي فيها. (3) تمسكا باطلاقات الامر بالغسل، وباستصحاب المطهرية بناء على قبول مثل هذا الاستصحاب التعليقي.

[ 142 ]

[ والاقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضا وان كان الاحوط مع وجود غيره التجنب عنه (1). ] (1) وقد استدل على عدم مطهريته من الحدث بعد روايات: منها: رواية عبد الله بن سنان: (عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل عن الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه. وأما الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به) (1). وحاصل الكلام في الرواية: ان (قال) المتكررة، اما أن تكون مسندة إلى الامام في المرتين اما بنحو الكلام الواحد أو بنحو القولين المستقلين وأما ان يكون الاول مسندا إلى الراوي والاخر إلى الامام. كما ان الضمير المجرور في كلمة (أشباهه)، تارة يرجع إلى الوضوء، واخرى إلى الذي يغتسل به من الجنابة، وثالثة إلى جامع الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة. وفي الرواية قرائن توجب سقوط الاستدلال بها على بعض هذه الاحتمالات، كما أن فيها قرينة توجب سقوطه على جميعها. أما القرائن المرتبطة ببعض الاحتمالات: فمنها انه إذا فرض كون القولين للامام (ع)، وان الضمير المجرور في (أشباهه) راجع إلى الماء يلزم - مع إبقاء الرواية على اطلاقها - أن يكون الامام قد أخرج من قوله الاول الدال على جواز الوضوء بالماء المستعمل، تمام ما يستعمل في رفع الخبث أو رفع الحدث الاكبر، وهذا اخراج لاكثر الافراد شيوعا، بنحو لا يجعل القاء الكلام الاول المتكفل لجواز الوضوء بالماء المستعمل عرفيا مع


(1) الوسائل باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 13.

[ 143 ]

معلومية انصرافه إلى المستعمل الشرعي خاصة. وهذا بخلاف ما إذا حمل عدم الجواز في القول الثاني على انه بلحاظ نجاسة الماء المستعمل في رفع الخبث أو الجنابة غالبا، فان التدارك بهذا النحو لا يخرج الكلام الاول الملقى عن كونه عرفيا. ومنها انه إذا فرض كون القولين للامام، رجع الضمير المجرور في أشباهه إلى الماء الذي يرفع به الخبث والجنابة، فلابد أن تكون المشابهة بلحاظ أبرز صفة مركوز مشتركة بين الماء الذي يرفع الخبث والماء المزيل للجنابة، والنجاسة هي هذه الصفة المركوزة المشتركة، أو على الاقل لا توجد صفة اخرى تتبادر إلى الذهن قبلها، اللهم إلا عنوان الماء المستعمل والمفروض انه قد حكم في القول الاول بجوازه، وهذا يعني ان جهة المشابهة الموجبة للمنع لابد أن يكون أمرا آخر غير مطلق الاستعمال، وهي النجاسة تعيينا أو ترديدا بينها وبين نحو مخصوص من الاستعمال على وجه يوجب الاجمال. وأما القرينة الموجبة لسقوط الاستدلال على كل حال فهي قوله في ذيل الرواية (وأما الماء الذي يتوضأ الرجل به... الخ)، فانه أخذ في الجواز أمرين: أحدهما كون الماء للوضوء، والاخر: كون الجسم طاهرا وظاهر أخذ الامر الاول عرفا كونه استطراقا إلى تحقيق الامر الثاني، وكون النظر بتمامه في الجواز متجها إلى طهارة الجسم، بنكتة ان أعضاء التوضئ ليست مما تكون نظيفة تارة ونجسة اخرى، بل فرض الوضوء يستبطن عادة فرض الطهارة، لكونها شرطا مقوما فيه، فابرازها بعد افتراضه يكون قرينة على اتجاه النظر نحوها. وانما ذكر المتوضي دون المغتسل لغلبة تحقق الطهارة في المتوضي، وغلبة عدمها في الجنب المغتسل. وان لم يكن هذا هو مقتضى ظهور الذيل فهو محتمل على الاقل، بدرجة توجب اجمال

[ 144 ]

الصدر بالاتصال بما يحتمل قرينيته. هذا هو المهم في المناقشة، دون دعوى: منع اطلاق ما يغتسل به من الجنابة لصورة طهارة الماء، لان التطهير من الخبث يقع خارجا وفي الاخبار البيانية بداية لعملية الغسل. إذ يرد عليها: ان عدم انفصال التطهير عن الغسل لا يلازم اجتماع الغسالتين، خصوصا إذا اريد الاحتفاظ بالماء المستعمل. ودون دعوى: ان المنصرف ارتكازا من جهة المنع هي النجاسة، لان مانعية الاستعمال بدون فرض النجاسة ليست أمرا عرفيا. إذ يرد عليها: ان عدم عرفيتها في نفسها لا يستدعي عدم عرفية استعمالها في عصر صدور النصوص، لشيوع الفتوى بين علماء العامة في ذلك العصر بأن الماء المستعمل طاهر وليس بمطهر. وأما سند الرواية فقد ورد فيه أحمد بن هلال ممن قد يوجب وهنه ولعل أوجه طريق إلى تصحيحه أن يقال: بأن غاية ما ورد فيه ذمه وثبوت انحرافه، وهو لا ينافي الوثاقة في الرواية، فيمكن حينئذ اثبات وثاقته بوروده في أسانيد كامل الزيارات، بناء على ما ذهب إليه السيد الاستاذ من توثيق تمام من يقع في هذه الاسانيد من الرواة. نعم بناء على انكار ذلك - كما هو الصحيح - والاقتصار في التوفيق على من ينقل عنه صاحب المزار مباشرة، لا يبقى ما يثبت وثاقة أحمد بن هلال. ومنها: رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) (قال: سألته عن ماء الحمام. فقال: ادخله بأزار، ولا تغتسل من ماء آخر، إلا أن يكون فيهم جنب أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا) (1). وقد اعترض على الاستدلال بها: بأن الاستثناء من النهي لا يدل على وجوب الاغتسال من الماء الاخر، كما هو المقصود. وأجيب: بأن


(1) وسائل الشيعة باب: 7 من أبواب الماء المطلق حديث 5.

[ 145 ]

النهي ليس مولويا بل ارشاد إلى صحة الغسل من نفس الماء، فالاستثناء منه دال على عدم صحة الغسل وهو المدعي (1). ويمكن تطوير الوجه المذكور بنحو لا يرد عليه هذا الجواب، وذلك بأن يقال: ان النهي عن الاغتسال من ماء آخر وان كان ارشادا وليس مولويا تحريميا، ولكن لا يتعين أن يكون المرشد إليه بالنهي عن الماء الاخر صحة الغسل بماء الحمام، ليكون الاستثناء من النهي دالا على عدم الصحة، بل قد يكون المرشد إليه نفي الحزازة في الغسل بماء الحمام، فلا يدل الاستثناء إلا على وجودها مع الجنب، وهي أعم من البطلان. وان شئت قلت: ان النهي كما يصح في مورد توهم الوجوب كذلك يصح في مورد توهم الافضلية، والنهي في المقام نهي في مورد توهم وجود مقتض للغسل بالماء الاخر، وهذا المقتضى المتوهم كما قد يكون هو الوجوب كذلك قد يكون هو الافضلية، فلا يدل الاستثناء الا على أفضلية التنزه عن ماء الحمام مع وجود الجنب، فالاعتراض وارد. ثم ان الرواية تفترض ماءين: أحدهما ماء الحمام، والاخر الماء الذي تنهى عن الاغتسال به والعدول إليه ما لم يكن هناك جنب فلابد لمعرفة الموقف من الرواية من تشخيص هذين الماءين. وقد ذكر السيد الاستاذ: ان الماء الاخر الذي نهي عن الاغتسال به ليس هو ماء المادة الموجود في المخزن الكبير لقرينتين: احداهما: ان المخزن الكبير لا يتعارف الاغتسال منه ليتجه النهي عن ذلك. والاخرى: ان ما في المخزن يشتمل على اكرار من الماء وأي مانع من الاغتسال في مثله وان اغتسل فيه الجنب، فان النزاع في الماء المستعمل مختص بالقليل. كما انه لم يرد به ماء الاحواض الصغيرة لعدم تعارف الاغتسال في الحياض، ولا يتيسر الدخول فيها


مدارك العروة ج 2 ص 110.

[ 146 ]

لصغرها، فيتعين أن يراد بالماء المنهي عنه بقوله (ولا تغتسل من ماء آخر) ماء الغسالة الذي تتجمع فيه فضلات الاستعمال. وهذا النهي ليس بلحاظ كونه ماء مستعملا في دفع الخبث أو الحدث الاكبر، لاندكاك ما يستعمل في ذلك مع سائر ما يصل إلى مجمع الغسالات من مياه، فلابد من حمل النهي على التنزيه (1). ونلاحظ تشويشا في هذا الكلام، لان ظاهره كونه بصدد تعيين الماء الاخر المقابل لماء الحمام والذي نهى عن الاغتسال منه، بينما يظهر من قرائته انه في مقام تعيين ماء الحمام المقابل للماء الاخر، وإلا فكيف يقال بنفي ارادة ماء الخزانة لانه أكثر من الكر فلماذا ينهى عنه؟!. فان هذا الكلام غريب لو كان المراد تشخيص الماء الاخر المنهي عنه، لان النهي عن الماء الاخر ليس في مقام ابطال الغسل به ليقال: انه لا وجه لبطلان الغسل بماء الخزانة حتى لو كان مستعملا لكثرته، بل النهي المذكور نهي في مورد توهم الوجوب، ومرجعه: إلى انه ليس من اللازم - أو من الافضل - العدول عن ماء الحمام إلى الماء الاخر. وعليه فالصحيح ان المراد بالماء الاخر هو ماء الخزانة، ولا تتجه كلتا القرينتين المذكورتين لنفي ذلك. أما القرينة الاولى: فلان ماء الخزانة - وهو فيها - وان لم يكن من المتعارف الاغتسال فيه، ولكن المقصود ليس ذلك، بل استمداد ماء جديد من الخزانة بتفريغ الحوض الصغير وملئه بماء من المادة. فالنهي نهي عن الاغتسال بماء الخزانة ولو بسحبه إلى الحوض الصغير. وأما القرينة الثانية فلان النهي عن الاغتسال بماء الخزانة ليس في مقام


(1) التنقيح ج 1 ص 306 - 309، ويلاحظ هنا أن التشويش الذي أوضحه السيد الاستاد - دام ظله - غير موجود في تقرير (مدارك العروة الوثقى) فلاحظ.

[ 147 ]

ابطال الاغتسال به كما عرفت، فالماء الاخر هو ماء الخزانة بسحبه إلى الحوض الصغير، وماء الحمام الذي جعل مقابلا له هو الماء الفعلي الموجود في الحوض الصغير. ومحصل الرواية على هذا الاساس أنه يجوز لك أن تغتسل من ماء الحوض الصغير الموجود فعلا فيه، ولا موجب للاغتسال من ماء آخر بسحب ماء جديد من الخزانة إلا مع وجود الجنب. وليس في مقابل هذا التفسير للرواية إلا احتمال أن يراد بماء الحمام مجمع الغسالات وبالماء الاخر الماء الموجود في الحوض الصغير. وهذا خلاف ظاهر عنوان ماء الحمام فان ظاهره الماء المعد بطبعه للاستحمام به، وما هو كذلك ماء الحياض الصغار لا الغسالة. والاستشهاد لحمل ماء الحمام على ماء الغسالة بالروايات الناهية عن الاغتسال منها، بدعوى: كشف النهي فيها عن معرضيتها للاغتسال بها. مدفوع: بانا لا ننفي ذلك، وانما ندعي منافاة ظهور ماء الحمام للحمل على الغسالة المذكورة، ولهذا لم يعبر عن الغسالة في شئ من تلك الروايات التي استشهد بها بماء الحمام، بل عبر بالبئر والغسالة وانما عبر بماء الحمام في روايات الاعتصام التي اريد منها ماء الحياض الصغار. وهكذا يتعين ان ماء الحمام هو ماء الحياض الصغار الموجود فعلا فيها، والماء الاخر هو ماء الخزانة بسحبه من جديد والاغتسال منه، ومفاد الرواية الاذن في الاغتسال من ماء الحمام وعدم الاحتياج إلى سحب ماء جديد من الخزانة، إلا أن يكون فيهم جنب أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا، فحينئذ لا يغتسل من ماء الحمام. ومن الواضح ان عدم الاغتسال حينئذ من ماء الحمام - الحوض الصغير - ليس بلحاظ كونه ماء مستعملا، لان الاغتسال منه لا يكون إلا بالاغتراف، فلابد أن يكون بلحاظ محذور آخر كمحذور النجاسة، فيسقط الاستدلال بالرواية. مضافا

[ 148 ]

إلى كونها معارضة حينئذ بروايته الاخرى، الدالة على جواز الاغتسال من ماء الحمام حتى مع وجود الجنب (1). ومنها: رواية ابن مسكان قال حدثني صاحب لي ثقة انه سأل أبا عبد الله (ع) (عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، فيريد أن يغتسل، وليس معه اناء، والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع؟ قال: ينضح بكف بين يديه، وكفا من خلفه، وكفا من يمينه، وكفا عن شماله، ثم يغتسل) (1) وتقريب الاستدلال بها: ظهورها في ارتكاز مانعية الماء المستعمل في ذهن السائل، وقد أمضى الامام (ع) ذلك. ويرد عليه: انه لو سلم الامضاء - وكون ما بينه الامام (ع) طريقة لتفادي الماء المستعمل، لا أدبا شرعيا في نفسه لا أثر له في دفع المحذور المتوهم للسائل - فغاية ما يقتضيه ذلك ثبوت المحذور المتصور للسائل، وبعد استظهار اتجاره نظر السائل إلى محذورية عنوان الماء المستعمل لا إلى النجاسة يثبت وجود محذور في استعمال الماء المستعمل ولكن لا دلالة في الرواية على لزومية هذا المحذور، بل يكفي لوقوع المحاورة المروية أن يكون في الماء المستعمل حزازة تنزيهية في نظر السائل وأراد تحديد موقفه تجاه ذلك. وقد أجاب بعضهم عن الاستدلال: بأن الطريقة التي بينها الامام (ع) لما كانت غير مانعة عن وصول الماء، بل مساعدة أحيانا، فيستكشف انه


(1) وهي رواية محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (ع) (الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه قال: نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه ثم جئت فغسلت رجلي وما غسلتهما الا مما لزق بهما من التراب). وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الماء المطلق حديث 2. (2) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب الماء المضاف حديث 2.

[ 149 ]

كان في مقام ردع السائل عن ارتكازه وتعليمه أدبا شرعيا مستقلا (1). ولكن الانصاف: ان حمل جواب الامام على ذلك يجعله غير عرفي، لان سياقه دال على التجاوب مع ارتكاز السائل وتعليمه طريقة التخلص، فالاكتفاء في مقام بيان الردع بجملة ظاهرها التجاوب والامضاء واريد بواقعها أدب شرعي لا علاقة له أصلا بمحط نظر السائل، ولا كاشف عن رادعيتها الا نفس عدم اجداء مضمونها في التخلص من المحذور، ليس أمرا عرفيا، ولا تأويلا مستساغا عرفا. ولعل الاحسن من ذلك في فهم فقه الرواية: أن يحمل كلام الامام عليه السلام على الامر بالنضح على نفس الجسد من جوانبه الاربعة لا على الارض، فان الجنب حينئذ يغسل رأسه ثم يغسل جسده بالبلل الذي حصل عليه من النضح وبهذا يتخلص من محذور الماء المستعمل. ومنها: رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) (سئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ) (2) بدعوى: ظهورها في اعتقاد الراوي بالمحذور في اغتسال الجنب، وقد أمضى الامام (ع) هذا المحذور في غير الكر، ومع ضم دليل طهارة الماء المستعمل نستكشف ان المحذور هو المعانعية لا النجاسة. ويرد على هذا الاستدلال: أولا: ان الامام لو فرض ظهور كلامه ضمنا في امضاء المحذور المتصور للراوي، فهو ليس في مقام بيان ذلك المحذور، ليتمسك باطلاق كلامه لاثبات ان محذور اغتسال الجنب ثابت مطلقا حتى مع تجرده عن


(1) مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 187 الطبعة الثانية، مدارك العروة الوثقى ج ص 119. (2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 150 ]

النجاسة ورفع الخبث، كما لا يتمسك باطلاقه لاثبات نجاسة أبوال الدواب مطلقا، وانما يثبت وجود المحذور بنحو القضية المهملة المتيقن منها فرض الاغتسال بملازماته العرفية من رفع الخبث معه. ودعوى: ان ظاهر أخذ عنوان الاغتسال كونه بنفسه موضوعا للمحذور لا بلازمه، مدفوعة: بأن هذا الظهور انما هو فيما إذا أخذ العنوان موضوعا للحكم لا فيما أخذ في كلام السائل بقصد الاشارة إلى المحذور المركوز في ذهنه، إذ يكفي في صحة الاشارة كونه ملازما عرفا لما فيه المحذور. وثانيا: ان ظاهر جواب الامام كون المحذور المنظور هو النجاسة، وبعد عدم الالتزام بها في الماء المستعمل القليل لا يبقى في الرواية دلالة على اثبات محذور آخر. ومنها: روايات النهي عن الاغتسال من غسالة ماء الحمام، المشتملة على تعليل ذلك بانه يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب (1). ويرد على الاستدلال بها: ان ظاهر هذه الروايات النظر إلى محذور النجاسة لا محذور الماء المستعمل، لوضوح ان غسالة غسل الجنب تستهلك في بئر الغسالات، ومع الاستهلاك يكون بقاء المانعية على خلاف الارتكاز العرفي، الامر الذي يوجب صرفه إلى النجاسة أو إلى محذور تنزهي، كما يناسبه عطف ولد الزنا الذي لا اشكال في عدم نجاسته. وقد يستدل على الجواز برواية علي بن جعفر السابقة - بنحو تكون قرينة على حمل روايات عدم الجواز على الكراهة جمعا لو تمت دلالتها -


(1) من قبيل ما جاء في رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الاول (ع) أنه قال لي حديث (ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم). باب 11 من الماء المضاف حديث 1.

[ 151 ]

[ وأما الماء المستعمل في الاستنجاء ولو من البول فمع ] إذ جاء فيها قوله: (وان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه فان ذلك يجزيه) (1). ويرد على الاستدلال بها: أولا: ان السائل فرض في صدر الرواية عدم وجود ماء آخر، حيث: قال (سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقيه أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة، أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره)؟ فلا يمكن التعدي إلى صورة الاختيار. ودعوى: ان عدم وجدان ماء آخر لا يعني العجز عن الغسل الذي يتفادى فيه استعمال الماء المستعمل ولو بالاقتصار على مرتبة التدهين، فلو لم يجز استعمال الماء المستعمل في حال الاختيار لتعين الغسل التدهيني، مدفوعة: بأن هذا مبني على صحة الغسل والوضوء التدهيني، مع أنه محل الاشكال عندنا. وثانيا لو سلمت دلالة الرواية على الجواز، فموردها جواز اغتسال الشخص من الماء المستعمل له في شخص ذلك الغسل، واحتمال الفرق موجود عرفا وشرعا خصوصا مع ان كل غسل يشتمل بالدقة لا محالة على استعمال الماء المستعمل في شخص ذلك الغسل بمرور الماء من جزء إلى جزء قبل الانفصال، فكما يجوز قبل الانفصال قد يجوز مع الانفصال أيضا، فلا يمكن التعدي من ذلك إلى المستعمل في غسل سابق. والروايات التي استدل بها على عدم الجواز جملة منها ليس لها اطلاق يشمل الماء المستعمل في شخص ذلك الغسل، وما له اطلاق يكون مقيدا بهذه الرواية، لا محمولا على الكراهة جمعا.


(1) مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 187 الطبعة الثانية.

[ 152 ]

[ الشروط الاتية طاهر (1). ويرفع الخبث أيضا، لكن لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ولا في الوضوء والغسل المندوبين ] (1) ماء الاستنجاء فيه أربعة احتمالات: أحدها: النجاسة. وقد يمكن استظهار ذلك ممن سكت عن استثنائه من فقهائنا المتقدمين. وثانيها الطهارة، وهو المنسوب إلى كثير من الفقهاء، وان كانت النسبة إلى جملة من المتقدمين لا تخلو من اشكال، لانهم عبروا بنفس مفاد الروايات المناسب للعفو أيضا. وثالثها: النجاسة. لكن مع العفو، بمعنى عدم انفعال الشئ بملاقاته. ورابعها: النجاسة مع العفو بلحاظ سائر الاثار. والمتيقن من النصوص هو العفو بلحاظ عدم انفعال الملاقى، وهي عديدة لابد من ملاحظتها: فمنها: رواية الاحول عن أبي عبد الله (ع) في حديث: (قال: الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به فقال: لا بأس. فسكت. فقال: أو تدري لم صار لا بأس به؟. قال قلت: لا والله. فقال: ان الماء أكثر من القذر) (1). ومورد السؤال هو الثوب استظهارا أو اجمالا، وليس الماء، فلا يكون نفي البأس دالا بالمطابقة على طهارة الماء، بل على طهارة الثوب. وقد علل ذلك بأكثرية الماء، وبعد حمل الاكثرية على الاكثرية المساوقة للقاهرية وعدم التغير، يرجع إلى تعليل طهارة الثوب بأن الماء ليس بمتغير وارتكازية انفعال الماء القليل في الجملة - التي صارت منشأ لاستغراب السائل من طهارة الثوب واحتياجه إلى التفسير - تصلح بنفسها قرينة لحمل (اللام) في قوله (ان الماء أكثر) على الماء المنظور، وهو ماء الاستنجاء لا طبيعي الماء، فينتج: ان ماء الاستنجاء غير المتغير لا ينفعل به الثوب. وهذا وحده لا يكفي لاثبات طهارة ماء الاستنجاء، ما لم تضم عناية زائدة


(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب الماء المضاف حديث 2.

[ 153 ]

- على ما سيأتي ان شاء الله تعالى - لاحتمال أن يكون نجسا غير منجس. اللهم إلا أن يقال ان مناسبات التعليل والمعلل، التي هي على حد مناسبات الحكم والموضوع تجعل العرف يفهم ان المعلل بأكثرية الماء من القذر ليس هو طهارة الثوب ابتداء، بل بتوسط طهارة ماء الاستنجاء، فالمعلل المباشر محذوف، وتلك المناسبات قرينة عليه، لان عدم تغير الماء وأكثريته يناسب عرفا أن يؤثر حكما في نفسه، وبتبع ذلك يتغير حكم الثوب، ومع هذا لا يمكن التعويل على الرواية لضعف سندها وارسالها. ومنها: رواية محمد بن نعمان الاحول قال قلت لابي عبد الله (ع): (أخرج من الخلاء فاستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به. فقال: لا بأس به) (1) ونفي البأس دال على الطهارة. ولكن ظاهر العبارة ان المنفي عنه البأس هو الثوب لانه مورد السؤال لا الماء، أو على الاقل لا ظهور في الماء، ومعه لا تتم الدلالة المطابقية على طهارة الماء، وانما يثبت العفو بمعنى عدم انفعال الملاقي. ومثلها رواية لمحمد بن النعمان (2) وأوضح منها في عدم الدلالة رواية الهاشمي حيث سأل أبا عبد الله (ع) (عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟ قال: لا) (3) فان هذه الرواية واضحة في الاتجاه بالسؤال نحو الثوب. فالمتيقن من الروايات إذن طهارة الملاقي، وعليه فاستفادة طهارة نفس الماء تحتاج إلى عنايه، ويمكن تقريبها بأحد وجوه ثلاثة: الوجه الاول: أن يمنع الاطلاق في أدلة انفعال الماء القليل لماء الاستنجاء


(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب الماء المضاف حديث 1. (2) عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له استنجا فيقع ثوبي فيه وأنا جنب فقال: لا بأس. نفس الباب حديث 4. (3) نفس الباب حديث 5.

[ 154 ]

لانه اما الاجماع، وهو غير منعقد في المقام. وأما الروايات المتفرقة، وهي واردة في موارد خاصة، ولا يمكن التعدي منها إلى مورد الخلاف. ويرد عليه: أولا: وجود مطلقات من قبيل مفهوم اخبار الكر، الدال على الانفعال بالنجس، والمحمول اطلاقه المقامي على الملاقاة التي تكون في نظر العرف منشأ للسراية، والملاقاة الاستنجائية منها. وثانيا: ان العرف يلغي خصوصيات الموارد في الروايات المتفرقة، ويحملها على المثالية كخصوصية كون الماء في اناء أو في ساقية ونحو ذلك، ومن جملتها خصوصية موضع الملاقاة، ومعه ينعقد الاطلاق. الوجه الثاني أن يقال: بأن طهارة الثوب ان كانت لطهارة ماء الاستنجاء فلا تخصيص في دليل انفعال الملاقي للماء النجس، وان كانت مع نجاسة ماء الاستنجاء يلزم تخصيص هذا الدليل، فبضم اطلاق هذا الدليل إلى روايات طهارة الثوب يثبت الحكم بطهارة ماء الاستنجاء. والتحقيق: انا تارة: نقول بعدم اجراء اصالة عدم التخصيص في موارد دوران الامر بين التخصيص والتخصص في المطلقات، كما هو الصحيح واخرى: نقول باجراء الاصل المذكور. فعلى الاول لا يمكن التمسك باطلاق دليل انفعال الملاقي للماء النجس لاثبات طهارة ماء الاستنجاء لانه معلوم السقوط تفصيلا، إما تخصصا واما تخصيصا، فلا تجري اصالة عدم التخصص لاثبات التخصص. وأما على الثاني فتقع المعارضة بين اطلاق هذا الدليل الدال على التخصيص وطهارة ماء الاستنجاء، واطلاق دليل انفعال الماء القليل الشامل لماء الاستنجاء. والمتعين - حينئذ - الحكم بانفعال ماء الاستنجاء. إما على أساس دعوى: ان الاطلاق في دليل انفعال ماء الكر موجود وهو مفهوم اخبار الكر. وأما دليل انفعال الملاقي للماء النجس فليس الا مثل موثقة عمار، الواردة في الماء المتسلخة فيه الفارة، وروايات بل القصب

[ 155 ]

بماء القذر ونحوها، وهي روايات خاصة لا اطلاق فيها للملاقي لماء الاستنجاء فمع قطع النظر عن الغاء الخصوصيات بالارتكاز العرفي يمكن القول: بأن الاطلاق في دليل انفعال الماء موجود، وفي دليل انفعال الملاقي للماء النجس غير موجود. وإما أن يعترف بوجود الاطلاق في كل من الدليلين، ولو بضم الغاء الخصوصيات بالارتكاز العرفي. ويقدم اطلاق دليل انفعال الماء القليل، لانه متحصل من الروايات المستفيضة المقطوع بصدور بعضها اجمالا. وأما روايات انفعال الملاقى للماء القذر فليست كذلك. وبذلك يدخل في التعارض بين قطعي السند وغيره، فيقدم القطعي. الوجه الثالث: أن يدعى التلازم الارتكازي العرفي بين نجاسة الشئ ونجاسة ملاقيه، فما يدل على طهارة الملاقي - بالكسر - يدل بالالتزام العرفي على طهارة الملاقى - بالفتح - ولهذا يستفاد - مثلا - طهارة العقرب من لسان الحكم بطهارة ما لاقته، أو طهارة بول الخفاش من لسان مماثل (1). ويرد عليه: ان هذه الدلالة الالتزامية الارتكازية انما يتجه التمسك بها في مثل لسان الحكم بطهارة ما لاقى العقرب لعدم التدافع في ذلك المورد وأما في المقام فهناك تدافع، لان ارتكاز التلازم بين الملاقى والملاقى في النجاسة كما يمكن ضمه إلى دليل طهارة الملاقي لماء الاستنجاء للحصول على دلالة التزامية فيه تثبت طهارة ماء الاستنجاء، كذل يمكن ضمه إلى دليل نجاسة العذرة الشامل للعذرة عند ملاقاة ماء الاستنجاء لها جزما للحصول على دلالة التزامية في دليل نجاسة العذرة على نجاسة ماء الاستنجاء. والتحقيق: عدم وجود هذه الدلالة الالتزامية في روايات طهارة الملاقى لماء الاستنجاء، لان فرض السؤال فيها عن حكم الملاقى لماء


(1) مدارك العروة الوثقى ج 2 ص 134.

[ 156 ]

وأما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء والغسل. وفي طهارته ونجاسته خلاف، والاقوى: ان ماء الغسلة المزيلة للعين نجس، وفي الغسلة الغير المزيلة الاحوط الاجتناب (1). * * الاستنجاء مساوق لفرض التشكك في الملازمة بين نجاسة الشئ ونجاسة ملاقيه، إما في مرتبة ملاقاة الثوب لماء الاستنجاء، أو في مرتبة ملاقاة الماء للعذرة. كما ان فرض الجواب بطهارة الثوب مع بداهة نجاسة العذرة - ارتكازا - مساوق للتأكيد على انثلام تلك الملازمة في احدى المرتبتين، وهذا يعني القرينة المتصلة اللبية على انثلام تلك الملازمة في احدى المرتبتين ومعها لا يبقى في دليل طهارة الثوب ظهور فعلي في طهارة ماء الاستنجاء والمتعين - حينئذ - الرجوع إلى اطلاق دليل انفعال الماء القليل. فالظاهر نجاسة ماء الاستنجاء وترتب سائر آثار النجاسة عليه سوى انفعال الملاقى، ومن ذلك يعرف الوجه في عدم جواز استعماله في الوضوء والغسل، لاشتراطهما بطهارة الماء. بل لا يجوز استعماله في رفع الخبث أيضا لنفس السبب. ثم ان شمول العفو لملاقى الماء الذي غسل به موضع البول يتوقف: إما على شمول العنوان له، وهو لا يخلو من اشكال. واما على كون وجوده في ماء الاستنجاء أمرا غالبيا، بحيث يكون عدم التنبيه عليه بالخصوص كاشفا عرفا عن عدم ارتفاع العفو بسبب ذلك. (1) الكلام في طهارة ماء الغسالة يقع في مقامين: أحدهما: على ضوء القواعد. والاخر: على ضوء الروايات الخاصة. أما المقام الاول فالكلام فيه على ثلاث مراحل: المرحلة الاولى في الغسالة المتعقبة بطهارة المحل غير الملاقية لعين النجس

[ 157 ]

والحكم بطهارتها يمكن أن يقرب بعدة وجوه: الاول: دعوى القصور الذاتي في اطلاقات أدلة انفعال الماء القليل، إما عن الشمول لفرض الملاقاة للمتنجس الخالي من عين النجس مطلقا، وإما عن الشمول لفرض هذه الملاقاة الواقعة خلال التطهير. وهذه الدعوى بتقريبها الاول صحيحة، لما تقدم في محله من عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس. وان لم يكن تقريبها الثاني تاما، إذ لو فرض الاطلاق في دليل انفعال الماء القليل للمتنجس فهو شامل للغسالة أيضا، فانا إذا فرضنا هذا الاطلاق في مفهوم اخبار الكر - وقلنا ان مفهومها موجبة كلية شامله للمتنجس أيضا - فمن الواضح انه يدل حينئذ على الانفعال بالملاقاة وهي حاصلة في حالة التطهير، فالاطلاق شامل للغسالة. وإذا فرضنا الاطلاق في روايات: (ان أدخلت يدك في الماء وقد أصابها شئ من المني فاهرق ذلك الماء)، فهي وان كانت واردة في غير مورد التطهير بناء على اشتراط التطهير بالقليل بوروده على المتنجس ولكن الخصوصية ملغية بالارتكاز العرفي. الثاني: ابراز المانع الخارجي عن التمسك باطلاق دليل الانفعال للغسالة، بعد تسليمه في نفسه. وهذا المانع له تقريبات: أحدها: ايقاع المعارضة بين اطلاق دليل انفعال الماء القليل لماء الغسالة، واطلاق دليل ان الماء المتنجس ينجس، لان الجمع بينهما غير ممكن لاقتضائه تنجس الثوب بالماء المغسول به، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى اصالة الطهارة. ويرد عليه: أولا: ان الاومر بلحاظ الدليل الثاني دائر بين التخصيص والتخصص، ومع العلم بسقوطه تفصيلا لا يمكن جعله معارضا لاطلاق دليل الانفعال. وثانيا: ان دليل تنجيس الماء المتنجس ليس له اطلاق

[ 158 ]

للغسالة حتى مع فرض نجاسته، لان الدليل انما هو مثل موثقة عمار القائلة (اغسل كل ما أصابه ذلك الماء)، وهي واردة في ماء متنجس في المرتبة السابقة، والعرف لا يساعد على الغاء الخصوصية، لوضوح تقبل العرف قذارة الماء المغسول به مع نظافة المغسول، فلا يتعدى من القول بأن الماء المتنجس في نفسه ينجس إلى القول بأن الماء المتنجس بنفس ما غسل به ينجس المغسول به. ثانيها: ايقاع المعارضة بين اطلاق دليل الانفعال، واطلاق دليل ان الماء المتنجس ينجس، لكن لا بتطبيقه على نفس الموضع النجس الذي غسل به، بل على ما يجاوره مما يمتد إليه عادة. فان الغسل يمتد عادة إلى مواضع طاهرة مجاورة، والالتزام بانها تتنجس يستدعى تطهيرها، ويتكرر في تطهيرها نفس المحذور. والجواب: هو نفس ما تقدم بالنسبة إلى التقريب السابق. ثالثها: ايقاع العارضة بين اطلاق دليل الانفعال، واطلاق دليل ان الماء المتنجس لا يطهر جزافا، وانما يطهر بالاتصال بالمعتصم لامتناع الجمع بين الدليلين، لادائه إلى نجاسة الماء المتخلف في الثوب المغسول، لعدم موجب لارتفاع النجاسة عنه من اتصال بكر ونحوه. وبعد هذا نضم ارتكاز: ان الماء الواحد لا يمكن أن يتبعض في الحكم، وندعي ان المتخلف مع المنفصل ماء واحد قبل الانفصال فيكون دليل ان الماء إذا تنجس لا يطهر إلا بالمعتصم دالا أولا على طهارة الماء المتخلف، ودالا بتبع ذلك على طهارة الماء المنفصل، وتسرى بذلك معارضته لدليل الانفعال من المتخلف إلى المنفصل. ويرد عليه: أولا: ان دليل عدم ارتفاع النجاسة عن الماء إلا باتصاله

[ 159 ]

بالمعتصم يعلم بسقوطه عن الماء المتخلف من الغسالة، إما تخصصا لعدم حدوث النجاسة فيه، واما تخصيصا للقطع بطهارته فعلا عند تخلفه، ومعه لا يصلح للمعارضة. وثانيا: ان هذا الدليل غير موجود، اللهم إلا الاطلاق الاحوالي لنفس دليل انفعال الماء القليل، بمعنى ان مقتضى الاطلاق الافرادي في هذا الدليل نجاسة الغسالة، ومقتضى اطلاقه الاحوالي عدم ارتفاع هذه النجاسة. ولو سلم هذا فكيف يعقل أن يجعل هذا الاطلاق الاحوالي مسوغا لرفع اليد عن الاطلاق الافرادي، الذى يكون الاطلاق الاحوالي متفرعا عليه؟!. رابعها: ايقاع المعارضة بين اطلاق دليل الانفعال، ودليل ان الماء المتنجس لا يكون مطهرا، لان الجمع بين الدليلين يقتضي عدم ارتفاع النجاسة أصلا، لان الغسالة تتنجس في آن الملاقاة، والنجس لا يكون مطهرا والفرق بين هذا التقريب والتقريبين الاوليين: ان الجمع بين الدليلين في ذينك التقريبين كان يقتضي حدوث نجاسة اخرى، والجمع هنا يقتضي عدم ارتفاع النجاسة التي غسل الشئ بلحاظها. ويرد عليه: أولا: ان الامر في الدليل الثاني دائر بين التخصيص والتخصص. وثانيا: نفي مثل هذا الدليل، لان المراد بان الماء المتنجس لا يطهر ان كان الماء المتنجس بغير ما يراد تطهيره به فهو مسلم، وغير منطبق على المقام، وان اريد ما تنجس بنفس ما يطهر به فعدم مطهريته أول الكلام لان عدم جواز التطهير بالمتنجس انما استفيد من لسان الامر باراقة الماء النجس ونحوه من الالسنة، وكلها ناظرة إلى ما هو نجس بقطع النظر عن عملية التطهير. ثم ان أي دليل يقع طرفا للمعارضة مع دليل انفعال الماء القليل، إذا كان من أخبار الاحاد يقدم عليه دليل الانفعال بناء على قطعية سنده

[ 160 ]

بتظافر الروايات الدالة عليه. الثالث: دعوى وجود قرينة لبية متصلة تقيد اطلاق دليل انفعال الماء القليل، بنحو لا يشمل الغسالة التي نتحدث عنها. وذلك لان تطبيق اطلاق هذا الدليل على الغسالة المذكورة له أربعة أنحاء، وكلها على خلاف الارتكاز. أحدها: أن يطبق الدليل على تمام الغسالة وحتى بعد تخلفها في الثوب وهذا خلاف الارتكاز القاضي بطهارة الثوب بكل ما يلتصق به ويندك فيه من ماء. ثانيها: أن يطبق على تمام الغسالة ويلتزم بارتفاع النجاسة عن المتخلف وهو أيضا خلاف الارتكاز الابي عن أن يكون مجرد تخلف الماء وعدم انفصاله موجبا لارتفاع النجاسة عنه. ثالثها: أن يطبق على الغسالة المنفصلة فقط من حين انفصالها. وهذا أيضا خلاف الارتكاز الحاكم بأن ملاقاة الماء للنجس إذا لم توجب تنجسه في حينه فلا توجب ذلك بعد زوال الملاقاة وبعده عنه. رابعها: أن يطبق على الغسالة المنفصلة فقط ولكن لا من حين الانفصال، بل من أول أزمنة الملاقاة. وهذا خلاف ارتكاز ان الماء الواحد لا يتبعض حكمه من حيث الطهارة والنجاسة. ونتيجة ذلك كله إنحسار اطلاق دليل الانفعال عن ماء الغسالة بالقرينة اللبية. ويرد على هذا الوجه: امكان تبني التطبيق الثاني، ويلتزم بأن ارتفاع النجاسة بمجرد التخلف وانفعال ما ينفصل وان كان على خلاف الارتكاز إلا ان ما هو مخالف للارتكاز ارتفاعها بنحو السالبة بانتفاء المحمول، واما ارتفاعها بنحو السالبة بانتفاء الموضوع - باعمال عناية عرفية لفرض الماء المتخلف بحكم المستهلك والمندك في جانب الثوب المغسول به - فليس أمرا

[ 161 ]

على خلاف الارتكاز. فالاستهلاك العرفي بوجوده الحقيقي وان لم يكن ثابتا، ولكنه ثابت بنحو من العناية، فكما ان استهلاك الماء المتنجس في المعتصم مطهر له بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، كذلك استهلاكه واندكاكه في الثوب المغسول به. والصفة المشتركة بين الماء المعتصم والثوب المغسول به عدم انفعالهما بالماء المستهلك فيهما، اما الاول فلاعتصامه، وأما الثاني فلان ما دل على انفعال الملاقي للماء المتنجس لا يشمل ما تنجس الماء بغسله. كما ان العرف لا يرى تقذر الجسم بالماء الذي تقذر بسبب استعماله في تنظيفه وهذا هو الفرق بين الماء المتخلف في المغسول والماء المتنجس في المرتبة السابقة إذا أصاب الثوب وتخلف فيه، فانه باصابته للثوب ينجس الثوب. وإن شئتم قلتم: ان الثوب مع ما يختلف فيه من رطوبات لا يراه العرف موضوعين للحكم بالنجاسة والطهارة، بحيث يتصف أحدهما بالطهارة والاخر بالنجاسة، لاستهلاك أحدهما واندكاكه في جنب الاخر. ففي مورد التطهير حيث يعلم بأن الثوب يطهر بالغسل ولا ينفعل بماء الغسالة من جديد تسرى الطهارة إلى ما يتخلف فيه أيضا لعدم تبعضهما في الحكم. فالمطهر للرطوبات المتخلفة ليس هو مجرد انفصال ما انفصل، بل اندكاكها في جنب الثوب، بنحو، يعتبر المجموع موضوعا واحدا - للطهارة أو للنجاسة - غير قابل للتبعض. وأما في غير مورد التطهير - كما إذا القينا ماءا نجسا على ثوب وتخلفت فيه رطوباته - فهو وان كان موضوعا واحدا غير قابل للتبعض أيضا، إلا ان حكمه هو النجاسة لان الثوب قد انفعل بالملاقاة. المرحلة الثانية: في الغسالة المتعقبة بطهارة المحل لعين النجس ويتصور فرض هذه الغسالة في موارد عدم وجوب التعدد ولابد من ملاحظة الوجوه الثلاثة السابقة لمعرفة الحكم هنا: أما الوجه الاول: فلا اشكال في

[ 162 ]

عدم جريانه في الغسالة الملاقية لعين النجس، لان أدلة انفعال الماء القليل انما كانت قاصرة عن الشمول لملاقاة المتنجس، لا النجس. ودعوى: ان دليل الانفعال هو مفهوم اخبار الكر، وهو موجبة جزئية، فلا يمكن التمسك باطلاقها. مدفوعة: أولا: بانه لو نسلم عدم الاطلاق اللفظي في سائر أدلة الانفعال لصورة الملاقاة التطهيرية للنجس فلا شك في ان الارتكاز العرفي يلغي خصوصية كون الملاقاة بهذا العنوان أو بعنوان آخر، فينعقد الاطلاق بتوسط هذا الارتكاز. وثانيا: بأن كلمة شئ في أخبار الكر إذا كان المراد بها الملاقاة، دل المفهوم - بناء على كونه موجبة جزئية - على ان الملاقاة في الجملة منجسة، وهي ذات فردين: الملاقاة التطهيرية، وغيرها. والمتيقن الثاني وأما إذا اريد بالشئ عين النجس، فلا شك في ان عين النجس داخل في المنطوق والمفهوم، وبعد العلم بدخول عين النجس في الموجبة الجزئية للمفهوم صح التمسك باطلاقها الاحوالي، لاثبات كونه منجسا ولو في حال الملاقاة التطهيرية، إذ لا مانع من افتراض الاطلاق الاحوالي في الافراد المتيقن دخولها في موضوع الموجبة الجزئية القتنصة بالمفهوم. فالملاقاة التطهيرية على الاول تكون فردا من موضوع القضية، وعلى الثاني تكون حالة من حالات الفرد المتيقن دخوله في تلك القضية. وأما الوجه الثاني - وهو إيقاع التعارض بين اطلاق دليل الانفعال واطلاق دليل الاخر - فلو تم في المرحلة الاولى فلا يتم بنفس الطريقة هنا لان الجمع بين الدليلين لا محذور فيه الا الالتزام ببقاء النجاسة في المغسول، وغاية ما يلزم من ذلك عدم كفاية الغسلة المزيلة. ولا مانع من الالتزام بذلك الا دعوى اقتضاء الاطلاق في دليل الامر بالغسل كفايتها، فلابد

[ 163 ]

من جعل هذا الدليل حينئذ طرفا ثالثا للمعارضة. كما ان الوجه الثالث - وهو المنع عن تطبيق دليل الانفعال لقرينة لبية متصلة - لا يجري أيضا، إذ لا مانع من اطلاقه، ولا يلزم منه أي مخالفة للارتكاز، وانما يلزم منه عدم كفاية الغسلة المزيلة في التطهير، فتصل النوية - حينئذ - إلى المعارضة بين اطلاق دليل انفعال الماء القليل بعين النجاسة واطلاق الامر بالغسل، بناء على ظهوره في كفاية الغسلة المزيلة للعين. وبناء على قطعية سند دليل الانفعال يتقدم عند المعارضة على كل دليل يقابله إذا كان ظنيا. المرحلة الثالثة: في الغسالة الملاقية لعين، والتي لا تتعقبها طهارة المحل. ومن الواضح عدم جريان الوجوه الثلاثة فيها. أما الاول فلان المفروض ملاقاة عين النجس. وأما الثاني فلانه لا يلزم محذور من الجمع بين الدليلين الا عدم كفاية تلك الغسلة في التطهير، وهذا مفروض في المقام. وأما الثالث فلان تطبيق دليل الانفعال على تمام تلك الغسالة لا يخالف الارتكاز، بعد البناء على عدم كفايتها في التطهير. المقام الثاني: في حكم الغسالة على ضوء الروايات الخاصة. والكلام فيه يشتمل على جهتين: الاولى: في الروايات المستدل بها على النجاسة وهي عديدة. منها: رواية عبد الله بن سنان المتقدمة، حيث دلت على عدم جواز الوضوء من الماء الذي يغسل به الثوب، وهو كاشف عن نجاسة الغسالة. والغريب ان السيد الاستاذ دفع هذا الاستدلال هنا: بأن المنع فيها من استعمال الغسالة حكم تعبدي وغير مستند إلى نجاستها (1) بينما ذكر في مناقشة الاستدلال بالرواية المذكورة على مانعية الماء المستعمل عن رفع الحدث به:


(1) مدارك العروة الوثقى ج 2 ص 147.

[ 164 ]

ان النهي عن الوضوء بالماء المستعمل في الرواية مخصوص بالماء الملاقي للثوب النجس، وللجنب المنجس (1). وإن شئت قلت: ان الرواية يستفاد منها أحد الامرين: أما نجاسة الغسالة، وأما المانعية التعبدية لها وللماء المستعمل في رفع الجنابة. لان النهي ان كان بملاك نجاسة الماء استفيد الاول، وان كان بقطع النظر عن ذلك استفيد الثاني. فمن استظهر بقرينة الذيل اتجاه النهي بلحاظ الامر الاول تمت دلالة الرواية عنده على نجاسة الغسالة، ومن لم يستظهر تشكل لديه علم اجمالي تعبدي بنجاسة الغسالة، أو ببطلان الوضوء بالماء المستعمل في رفع حدث الجنابة. فالمهم ضعف سند الرواية. ومنها: الاخبار الناهية عن غسالة الحمام، وقد مثل لذلك (2) برواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: (واياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت...) الحديث (3) وروايته الاخرى: (لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا... وفيها غسالة الناصب...) (4). وهاتان الروايتان أجنبيتان عن محل الكلام، بناء على ما هو المعروف من نجاسة الكافر. فان اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب نجس عيني وليس الماء المنحدر من جسده ماء غسالة بالمعنى الفقهي المقصود في المقام وهو ما يستعمل في التطهير، لان عين النجس لا تطهر بالماء، فلا إشكال في نجاسة ذلك الماء.


(1) نفس المصدر ص 104 - 107. (2) التنقيح ج 1 ص 341. (3) (4) وسائل الشيعة باب 11 من الماء المضاف حديث 5، 4.

[ 165 ]

كما ان ولد الزنا لم يفرض نجاسته العرضية، ليكون الماء المنحدر عن جسده ماء غسالة بالمعنى المبحوث عنه. وكأن الذي أوجب ادراج هاتين الروايتين هو مجئ لفظ الغسالة فيها. نعم يمكن ابراز مثل رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الاول (ع) (قال: سألته - أو سأله غيري - عن الحمام. قال: أدخله بميزر وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب ب لنا أهل البيت وهو شرهم) (1) بناء على حمل ما يغتسل به الجنب على ما يتطهر به من الخبث. غير ان عطف ولد الزنا مع معلومية طهارته يكون قرينة على حمل الامر. على التنزيه، ولو لامر معنوي، فلا يدل على نجاسة الغسالة. ومثل ذلك رواية علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (ع) - في حديث - انه قال: لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب...) (2) فان تقييد الغسل بكونه من الزنا، وعطف ولد عليه قرينة على ما أشرنا إليه. ومنها: رواية العيص التي رواها الشيخ في الخلاف، ونقلها صاحب الوسائل عن الشهيد في الذكرى، والمحقق في المعتبر. (قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء. فقال: ان كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه) (3). والاستدلال بالرواية يتوقف: أولا: على أن يكون المراد بقوله (ان كان من بول) ان كان الوضوء من بول، لا ان القطرة من بول.


وسائل الشيعة باب 11 من الماء المضاف حديث 1. (2) وسائل الشيعة باب 11 من أبواب الماء المضاف حديث 3. (3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 14.

[ 166 ]

وثانيا: على أن يكون صدق عنوان الوضوء من البول صادقا حتى مع جفاف البول وزواله عرفا، والا لاختص بفرض ملاقاة الغسالة لعين النجس وكلمة (قذر) التي عطفت على كلمة (بول) لا اطلاق فيها للمتنجس لانها ان كانت بالمعنى المصدري فلا يبعد اختصاصها بعين النجس أيضا، فلا تدل الرواية على أكثر من انفعال الغسالة بعين النجس. وثالثا: على تمامية سند الرواية، المتوقف على اثبات صحة طريق الشيخ إلى العيص. ومجرد وجود طريق صحيح له إلى كتاب للعيص في الفهرست لا يكفي لاثبات انه يروي هذه الرواية بنفس ذلك الطريق، لامكان أن يكون مرويا عن طريق المشافهة بالوسائط، أو من كتاب آخر منسوب إلى العيص، أو من نسخة اخرى من نفس الكتاب غير النسخة المتلقاة بالطريق الصحيح. ومنها: رواية عمار الامرة بغسل الاناء ثلاث مرات مع التفريغ في كل مرة، فيقال: ان التفريغ في المرة الاخيرة ليس الا بنكتة نجاسة ماء الغسالة. والجواب: ان بالامكان الالتزام باشتراط انفصال ماء الغسالة - أما لتقوم مفهوم الغسل به، أو على أساس تعبدي - ومعه لا يبقى في الرواية دلالة على النجاسة. ولو سلمت دلالتها وقعت طرفا للمعارضة، مع ما يدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس. الجهة الثانية: في الروايات المستدل بها على الطهارة. فمنها: رواية الاحول المتقدمة، تمسكا باطلاق التعليل فيها: (ان الماء أكثر من القذر)، الشامل لجميع الغسالات. ويرد على ذلك: ان الماء في التعليل ان حمل على العهد اختص بماء الاستنجاء، وتعذر التمسك باطلاقه، وان حمل على الجنس كان دالا على عدم انفعال الماء القليل مطلقا فتعارضه - حينئذ - جميع أدلة الانفعال. منها: خبر عمر بن يزيد: (قال قلت: لابي عبد الله (ع) اغتسل

[ 167 ]

في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ما ينزو من الارض فقال: لا بأس به) (1). والاستدلال بهذا الخبر غريب، لان ظاهر فرض السائل كون المكان مما يبال فيه اتجاه نظره إلى كون القطرة لاقت الموضع المتنجس بالبول، والملتزم بطهارة الغسالة لا يلتزم بطهارة الماء الملاقي للموضع النجس بغير نحو التطهير أيضا، فلا بد له أن يحمل نظر السائل على الشك في الملاقاة للموضع المتنجس بالبول، فلعل الجواب بنفي البأس كان بلحاظ هذه الجهة، وان مجرد كون المكان يبال فيه لا يكفي للحكم بالنجاسة، ما لم يحصل الجزم بالملاقاة. وحيث ان ملاقاة القطرة لعين النجس على بدن الجنب غير مفروضة أيضا، فلا يمكن التمسك حينئذ باطلاق نفي البأس لاثبات طهارة الغسالة الملاقية لعين النجس، ما دامت حيثية السؤال كون القطرة قد سقطت على محل يبال فيه. ومنها: رواية الاحول الاخرى (قلت: له استنجي ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب قال لا بأس). وتقريب الاستدلال بها. أن فرض السائل كونه جنبا ظاهر في ان المني كان ملحوظا في الاستنجاء، أما مع البول والغائط، أو بدونهما، ومع ذلك حكم بطهارة الملاقى للغسالة. ويرد عليه: أولا: ان غاية ما يقتضيه توسيع نطاق العفو الثابت في ماء الاستنجاء بنحو يلحق غسل المني في موضعه بغسل البول والغائط في العفو عن ملاقيه. وثانيا: ان فرض السائل الجنابة قد يكون لاحتمال دخلها بما هي حدث في الحكم الشرعي. ومنها: رواية محمد بن مسلم، المتكفلة لغسل الثوب في المركن


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 7.

[ 168 ]

[ (مسألة - 1) لا اشكال في القطرات التي تقع في الاناء عند الغسل، ولو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة المحدث الاكبر (1) ] مرتين (1). وتقريب الاستدلال بها: ان غسل الثوب في المركن، اما بغمسه في ماء المركن، وأما بوضعه في المركن وصب الماء عليه. وعلى الوجهين يلزم محذور من فرض نجاسة الغسالة، أما على الاول فيلزم انفعال ماء المركن بالغسلة الاولى، وحينئذ يتنجس الثوب بالغمسة الثانية. وعلى الثاني يلزم انفعال المركن نفسه بالغسالة، وحينئذ يتنجس الثوب عند طرحه فيه في المرة الثانية لصب الماء عليه. والمحذور انما يندفع بتطهير المركن، ومع عدم التنبيه على ذلك يستكشف طهارة الغسالة. وهذا التقريب لو سلم وفرض كون المولى في مقام البيان من سائر الجهات، فغايته الاطلاق لفرض ملاقاة الماء لعين النجس، فيقع طرفا للمعارضة مع أدلة انفعال الماء القليل بملاقاة عين النجس بالعموم من وجه وتقدم عليه. وبهذا يظهر أنه لا موجب للخروج عما هو مقتضى القاعدة في الغسالة وهو التفصيل بين ملاقي النجس منها وملاقى المتنجس، وفي كل مورد يحكم فيه بطهارة الغسالة يحكم فيه أيضا بمطهريتها من الخبث والحدث، لعدم تمامية رواية عبد الله بن سنان المتقدمة لاثبات المانعية التعبدية. (1) من دون فرق في ذلك بين أن نقول بوجود اطلاق في دليل المانعية المفترض - وهو خبر عبد الله بن سنان المتقدم - يشمل تلك القطرات أو نمنع عن وجوده، وذلك. لوجود ما يدل بالخصوص على نفي المحذور في تلك القطرات، كرواية الفضيل، نعم يظهر الاثر العملي فيما لا يكون


(1) تقدمت في هامش ص 24 من هذا الجزء.

[ 169 ]

[ (مسألة - 2): يشترط في طهارة ماء الاستنجاء (1) أمور: الاول: عدم تغيره في أحد الاوصاف الثلاثة (2) ] مشمولا لرواية الفضيل كما إذا كان المستعمل بنسبة النصف أو الثلث إلى ما في الاناء، فيقع الكلام حينئذ في اطلاق رواية عبد الله بن سنان له. وقد ادعي بهذا الصدد عدم الاطلاق فيها، لان موضوع المنع فيها هو الماء المستعمل، والماء إذا تركب من المستعمل وغير المستعمل لم يصدق عليه عنوان المستعمل بوجه، ومعه يبقى تحت اطلاقات طهورية الماء (1). ويرد عليه: ان الماء المستعمل الملقى في الاناء بعد فرض عدم استهلاكه ووجوده بالفعل عرفا فهو فرد من موضوع دليل المنع، فالمقدار الذي يقع من الوضوء به يكون باطلا، وهذا يكفي لاثبات بطلان الوضوء فكأن من نفى الاطلاق لاحظ المجموع المركب من المائين فردا واحدا مرددا بين الدخول تحت الاطلاق والخروج، وحيث أنه حين يلحظ بما هو مركب لا يصدق عليه عنوان الماء المستعمل فادعي عدم شمول دليل المانعية له. ولكن عدم صدق العنوان على المركب لا يلزم منه عدم صدقه على جزئه والجزء قابل لان يقع بنفسه موضوعا للمانعية فيشمله اطلاق الدليل. (1) أو في العفو الخاص الذي يتميز به ماء الاستنجاء. (2) وقد يقرب هذا الشرط بأحد وجهين: الاول: ايقاع التعارض بين اطلاق ما دل على طهارة ماء الاستنجاء الشامل لفرض التغير، واطلاق ما دل على نجاسة الماء بالتغير، وتقديم الثاني على الاول، لانه بأداة العموم في بعض رواياته، كرواية حريز: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء وأشرب) (2). والعموم الاداتي


(1) التنقيح ج ص 344. (2) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

[ 170 ]

[ مقدم على الاطلاق الحكمي في روايات الاستنجاء (1) ] وهذا الوجه غريب ب إذ يرد عليه: ان طرف المعارضة مع روايات ماء الاستنجاء على فرض دلالتها على طهارته انما هو مفهوم رواية حريز وما هو مدخول اداة العموم منطوقها فبالعموم الوضعي يثبت ان كل غلبة للماء على النجاسة تحفظ له طهارته، وأما أنه لا يوجد شئ آخر بدلا عن الغلبة يحفظ هذه الطهارة فهذا من شؤون انحصار العلة للجزاء بالشرط المصرح به، وهذا الانحصار انما يستفاد من الاطلاق وعدم ذكر البدل: وما يراد اثباته بروايات الاستنجاء ليس هو ان بعض انحاء الغلبة للماء لا تحفظ الطهارة، ليعارض العموم الوضعي في رواية حريز، بل ان هناك علة اخرى تحفظها أيضا، وهي استعمال الماء في الاستنجاء. هذا مضافا إلى اشكال سندي في رواية حريز، تقدم في بحوث الماء المتغير، واشكال في دلالة اخبار ماء الاستنجاء على الطهارة تقدم آنفا، إذ أوضحنا أنها لا تدل على أكثر من عدم انفعال الملاقى، وبذلك لا تعارض رواية حريز بوجه. وانما ينبغي ايقاع المعارضة بين اطلاق روايات الاستنجاء لحال التغير واطلاق ما دل على انفعال ملاقي الماء النجس. وبهذا الصدد إذا افترضنا دليلين على انفعال الملاقى، أحدهما وارد في ملاقي طبيعي الماء النجس، كروايات القصب المبتل بماء قذر، والاخر وارد في ملاقي الماء النجس المتغير خاصة، كرواية عمار في الفارة المستلخة في الماء، بناء على ان تسلخها في ماء قليل يساوق تغيره، أمكننا القول بأن النسبة بين روايات الاستنجاء والدليل الاول على انفعال الملاقى هي العموم والخصوص المطلق والنسبة بينهما وبين الدليل الثاني العموم من وجه. فيتعارض اطلاق روايات


(1) التنقيح ج 1 ص 346.

[ 171 ]

ماء الاستنجاء لحال التغير مع اطلاق الدليل الثاني لماء الاستنجاء - بعد الغاء خصوصية مورده بالارتكاز العرفي - ويرجع بعد تساقط الاطلاقين إلى اطلاق الدليل الاول لانفعال الملاقى، لانه أعم مطلقا من روايات ماء الاستنجاء، فيصلح للمرجعية بعد تساقط الخاصين، فيثبت انفعال الملاقى لماء الاستنجاء المتغير. الثاني: ان عنوان ماء الاستنجاء منصرف للاشارة إلى حيثية الملاقاة مع النجاسة، فالحكم المجعول فيها ظاهر في ان ماء الاستنجاء معفو عنه بلحاظ حيثية الملاقاة، لا بلحاظ حيثية اخرى كالتغير، وليس في روايات ماء الاستنجاء نظر إلى ذلك (1). وهذا الكلام متجه بناء على أن يكون مفاد روايات ماء الاستنجاء طهارة الماء، فان المتيقن منها حينئذ هو كونها بصدد بيان عدم منجسية الملاقاة المأخوذة في عنوان ماء الاستنجاء، لا عدم منجسية الملاقاة المقرونة بعناية زائدة، وهي التغير. واما بناء على أن تكون الروايات ناظرة إلى طهارة الملاقى فقط وعدم انفعاله، فحيث أن كون الماء الملاقى بالفتح نجسا هو تمام الموضوع لنجاسة الملاقى، وليست نجاسة ماء الاستنجاء على نحوين بالملاقاة تارة وبالتغير اخرى، بل هي بالملاقاة مطلقا، وليس التغير إلا حالة مقارنة قد تنضم إلى ماء الاستنجاء المتنجس بالملاقاة وقد لا تنضم، فقد يقال حينئذ: أنه لا معنى للتجزئة في نظر روايات العفو عن ماء الاستنجاء، إذ ليس هناك في مقابلها إلا ما د على ان الماء النجس منجس، وليس التغير مفردا للموضوع في هذا الدليل، إذ لا دخل له في ايجاد النجاسة في الماء القليل أصلا، لان الماء القليل ينفعل دائما بمجرد الملاقاة، ولا أثر بعد ذلك للتغير، فهو مجرد حالة من الحالات المقارنة،


(1) التنقيح ج 1 ص 345.

[ 172 ]

[ الثاني: عدم وصول نجاسة إليه من خارج (1) ] فكما يشمل العفو الثابت في روايات ماء الاستنجاء سائر الحالات المقارنة، كذلك يشمل حالة الاقتران بالتغير. اللهم إلا أن يقال: ان التغير وان كان حالة مقارنة، ولكنه يختلف عن سائر الحالات المقارنة في ان المركوز عرفا دخله في النجاسة، ولو في تأكيدها وشدتها، بحيث تكون الملاقاة سببا لمرتبة من النجاسة، ويكون التغير بالملاقاة الواقع بعدها سببا في مرتبة أشد من النجاسة بحسب الارتكاز العرفي. ومع تصور مرتبتين من هذا القبيل، يمكن أن يدعي حينئذ نظر روايات العفو عن ماء الاستنجاء إلى العفو بلحاظ المرتبة الاولى الحاصلة بالملاقاة، لا بلحاظ يشمل المرتبة الثانية الحاصلة بالتغير. (1) اما بناء على استفادة الطهارة من روايات ماء الاستنجاء، فلان المستفاد منها عدم انفعاله بملاقاة نجاسة موضع النجو، ولا نظر فيها إلى عصمته عن الانفعال بملاقاة اخرى. واما بناء على استفادة العفو عنه بلحاظ الملاقى، فالامر كذلك أيضا، لان ملاقاة الماء للنجاسة الخارجية وملاقاته للنجاسة المخصوصة في موضع النجو فردان من سبب النجاسة شرعا، ونظر روايات العفو عن ملاقي ماء الاستنجاء متجه إلى العفو بلحاظ نجاسته الناشئة من ملاقاة النجاسة المخصوصة، لا العفو بلحاظ نجاسته الناشئة من ملاقاة النجاسة الخارجية. ولا يقال: ان حال ملاقاة النجاسة الخارجية كحال التغير، فكما تقدم ان روايات ماء الاستنجاء - بناء على ان مفادها هو العفو - يمكن أن يدعي اطلاقها لفرض التغير أيضا، كذلك يمكن أن يدعى في المقام اطلاقها لفرض الملاقاة الخارجية. لانه يقال: ان دعوى الاطلاق في العفو لفرض التغير هناك، كانت مبنية على ان التغير مجرد حالة من حالات المقارنة لماء

[ 173 ]

[ الثالث: عدم التعدي الفاحش على وجه لا يصدق معه الاستنجاء (1). الرابع: أن لا يخرج مع البول أو الغائط نجاسة اخرى مثل الدم (2). نعم الدم الذي يعد جزءا من البول أو الغائط لا بأس به (3) ] الاستنجاء النجس بالملاقاة فلا يتجزأ العفو بلحاظه، لان النظر انما يكون متجها نحو النجاسة بدون اختصاص ببعض حالاتها المقارنة دون بعض، وأما في المقام فالملاقاة للنجاسة الخارجية ليست حالة مقارنة، بل هي سبب للتنجيس في نفسه، فيتجه عرفا دعوى التجزئة في نظر الروايات الحاكمة بالعفو، وكونها بصدد العفو بلحاظ النجاسة الناشئة من الملاقاة مع النجو لا النجاسة الخارجية. ولا يقال: ان ملاقاة ماء الاستنجاء للنجاسة الخارجية إذا كانت بعد انفعاله بملاقاة موضع النجو فلا ينجس بتلك الملاقاة، لانه نجس بملاقاة موضع النجو، والنجس لا يتنجس، فليست هناك نجاستان في ماء الاستنجاء، ليقال ان العفو عن الملاقى انما هو بلحاظ احداهما فقط. لانه يقال: ان المتنجس يتنجس أيضا، إذا كان للنجاسة الاخرى أثر زائد مصحح لجعلها عرفا، كما في المقام، فان أثرها في المقام انفعال الملاقى، وعليه فلا يشمل العفو موارد الملاقاة للنجاسة الخارجية، فيرجع فيها إلى اطلاقات الادلة الاولية. (1) والا خرج عن اطلاق روايات الاستنجاء، وشملته اطلاقات الادلة الاولية. (2) لعدم احراز نظر روايات الاستنجاء إلى نجاسة اخرى، سواء كانت داخلية أو خارجية، فيبقى تحت الاطلاق. (3) إذا كان مستهلكا عرفا في البول والغائط، لعدم صدق الملاقاة

[ 174 ]

[ الخامس أن لا يكون فيه الاجزاء من الغائط بحيث يتميز (1). واما إذا كان معه دود، أو جزء غير منهضم من الغذاء، أو شئ آخر لا يصدق عليه الغائط، فلا بأس به (2) ] مع الدم عرفا حينئذ. وأما مع عدم الاستهلاك فلا عفو. فكأن المراد بالجزئية ما يساوق الاستهلاك العرفي. (1) فان هذه ملاقاة منفصلة عن عملية الاستنجاء، فهي غير مفترضة في عنوان روايات ماء الاستنجاء، ليكون لها اطلاق يقتضي عدم المحذور من ناحيتها، فتبقى تحت الاطلاقات. نعم الاجزاء المندكة وغير المتميزة لما كان بقاؤها غالبيا في ماء الاستنجاء، فلا محذور فيه، لشمول الدليل له حينئذ بقرينة الغلبة، بل لا محذور - على القاعدة - لان الاندكاك مساوق للاستهلاك، ومعه لا تصدق الملاقاة مع النجس عرفا. (2) تارة: يراد بذلك فرض خروج الدود مع الغائط، ويكون المقصود حينئذ التنبيه على الفرق بين ما إذا انضم إلى الغائط في المخرج نجس عيني كالدم، أو ما ينجس بنفس الغائط. فانضمام الاول مضر بالعفو دون الثاني واخرى: يراد فرض وجود الدود في ماء الاستنجاء بعد انتهاء عملية الاستنجاء. فان اريد الاول فقد يقال في وجه التفرقة: ان الدود لما كان متنجسا بنفس الغائط، فيكون أولى عرفا بعدم التأثير منه، لكونه متفرعا عليه في النجاسة، وهذا بخلاف النجس العيني الاخر. وقد يدفع ذلك: بأن العفو لم يكن بملاك خفة النجاسة، بل لمصلحة التسهيل، فلا معنى لاعمال هذه الاولوية. اللهم إلا أن يقال: بأن العرف لا يتعقل التفكيك بين النجس والمتنجس من هذه الناحية، سواء كان ملاك الحكم الخفة أو التسهيل ولكن افتراض عدم تعقل العرف هذا بلا موجب.

[ 175 ]

[ (مسألة - 3): لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد، وان كان أحوط (1). (مسألة - 4): إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء، ثم أعرض، ثم عاد، لا بأس، الا إذا عاد بعد مدة ينتفى معها صدق التنجس بالاستنجاء، فينتفى حينئذ حكمه (2). (مسألة - 5): لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الاولى والثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد (3). ] وان اريد الثاني، فلا ينبغي الاشكال في ان حال الدود الموجود في ماء الاستنجاء بعد انتهاء العملية حال أي متنجس يلاقيه الماء حينئذ، إذ في هذا الظرف لا عفو عن الملاقاة مطلقا. (1) والوجه في عدم الاشتراط ان عنوان ماء الاستنجاء صادق في كلتا الحالتين، وهو موضوع العفو في الروايات. ودعوى: ان مع سبق اليد تتنجس اليد، فيكون ماء الاستنجاء ملاقيا للمتنجس الخارجي فينجس مدفوعة: بأن هذا المحذور وارد حتى مع سبق الماء على اليد، إذا لم تتحقق ازالة العين بتمامها قبل استعمال اليد، لان اليد تتنجس حينئذ. وماء الاستنجاء يلاقي اليد على كل حال، إما حدوثا على فرض سبقها، وأما بقاءا على فرض سبقه. نعم لو بدأ الغسل الاستنجائي بعد سحب اليد نهائيا أو استعملت اليد بعد إزالة عين النجس بالماء بالمرة لم يلزم المحذور ولكنه فرض غير شائع، فالاطلاق محكم. (2) لان مرتبة من الاستمرارية والتعاقب دخيلة في صدق العنوان. وأما استمرارية القصد عقلا فليست معتبرة، ولا يضر انثلامها. (3) لاطلاق القرينة التي استندنا إليها سابقا في اثبات شمول روايات ماء الاستنجاء للاستنجاء البولي، وهي غلبة وقوع كل ذلك في مكان واحد.

[ 176 ]

[ (مسألة - 6): إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد. ومع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات في وجوب الاحتياط من غسالته. (مسألة - 7): إذا شك في ماء انه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة (2). وان كان الاحوط الاجتناب. ] يتوقف ذلك على أمرين: الاول: صدق عنوان ماء الاستنجاء وعنوان النجو، وعدم اختصاصه بالموضع المعد بطبعه. الثاني: تكفل الروايات للقضية على نهج القضية الفرضية لينعقد الاطلاق اللفظي فيها، لا على نهج القضية الشخصية كما إذا تحدث السائل عن نفسه، والا لم ينعقد الاطلاق اما اللفظي منه فلوضوح ان القضية شخصية بحسب الفرض، وليس الحكم فيها واردا على فرض كلي ليتمسك باطلاقه. واما الاطلاق بملاك ترك الاستفصال، فلانه انما ينعقد مع فرض عدم وجود ظهور حال يعين حال تلك القضية الشخصية، والا لم يحتج إلى الاستفصال ليثبت الاطلاق بملاك ترك الاستفصال. وعليه يمكن أن تفرض سلامة السائل واعتياديته سببا في الاستغناء عن الاستفصال، فلا يكشف تركه عن الاطلاق. والامر الثاني ان تم في بعض الروايات، فتتميم الامر الاول مشكل لعدم الجزم بصدق عنوان النجو على غير الموضع المعد بطبعه. والتعدي يتوقف على الجزم بعدم الفرق واقعا أو ارتكازا، وهو أشكل. (2) يقع الكلام في هذا الفرع تارة: على مبنى طهارة ماء الاستنجاء واخرى: على مبنى العفو. فعلى الاول قد يقال: بالطهارة، تمسكا باستصحابها وقاعدتها. ولا شك في جريان هذه الاصول في نفسها، وانما الكلام في وجود أصل

[ 177 ]

موضوعي حاكم ينقح موضوع النجاسة، على أساس ان المطلقات دلت على نجاسة كل ماء قليل لاقى النجاسة، وخرج من ذلك - بمخصص منفصل - ماء الاستنجاء، فأصبح موضوع العام مركبا: من ماء قليل لاقى النجاسة وعدم كونه ماء استنجاء - بناء على ان العام بعد التخصيص لا يتعنون بعنوان وجودي مضاد لما خرج بالتخصيص، وانما يؤخذ في موضوعه نقيض ما خرج - والجزء الاول محرز بالوجدان، والجزء الثاني محرز باستصحاب عدم كون هذا الماء ماء استنجاء، وهو استصحاب تام الاركان، بل قيل بأنه يجري حتى مع عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان الماء له حالة سابقة عدمية مع انخفاظ وجوده، إذ لم يكن ماء استنجاء قبل الاستعمال (1). والتحقيق: ان عنوان ماء الاستنجاء الخارج بالتخصيص مشتمل بالتحليل على عدة خصوصيات، وهي: الماء والملاقي لشئ، وكون ذاك الشئ نجسا، وكونه غائطا، وفي موضع النجو، فمجموع هذه الخصوصيات تشكل عنوان ماء الاستنجاء. فان فرض ان هذه الخصوصيات مأخوذة بنحو التقييد، فماء الاستنجاء موضوع مقيد لا مركب، ونقيضه هو عدم مجموع تلك الخصوصيات بما هو عدم المجموع. ولا شك حينئذ في ان المجموع بما هو مجموع يعلم بعدمه قبل الاستعمال، مع انحفاظ وجود الماء فيستصحب، ولو لم نقل بالاستصحاب في العدم الازلي. وان فرض انها مأخوذة بنحو التركيب، فالمجموع بما هو مجموع ليس موضوعا للاثر الشرعي في دليل ماء الاستنجاء، بل الموضوع ذوات الاجزاء، وحينئذ فلا يمكن استصحاب عدم المجموع، بل لابد من استصحاب عدم ذات الجزء، ولهذا يتعين ملاحظة ان أركان الاستصحاب للعدم في أي جزء تتم. ومن المعلوم ان الماء معلوم الملاقاة للنجاسة، فالشك انما هو في حدوث الجزء


(1) مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 202 الطبعة الثانية.

[ 178 ]

الاخير من الموضوع المركب المأخوذ في دليل ماء الاستنجاء، وهو كون النجاسة الملاقية للماء غائطا في الموضع المخصوص. فإذا علم مثلا بأن هذا الماء غسل به شئ، ولم يعلم انه هل غسل به موضع النجو من النجو أو من الدم فالشك في الحقيقة في ماهية النجاسة التي تحقق الغسل بلحاظها، وفي مثل ذلك ينحصر الطريق لاثبات النجاسة باستصحاب عدم كون تلك النجاسة نجوا وهو من استصحاب العدم الازلي لان النجاسة منذ مبدأ وجودها مرددة بين الدم والغائط. وقد لا يكون هناك شك أصلا فيما هو دم وفيما هو غائط، وانما الشك في كيفية استعمال الماء، وانه هل استعمل في تطهير موضع النجو من النجو أو في تطهير اليد من الدم، فلا معنى هنا لاستصحاب عدم كون الملاقي للماء نجوا، لان ذات الملاقي اما نجو يقينا أو دم يقينا فلا شك فيه. والملاقى بوصف كونه ملاقيا وان كان مشكوكا، ولكن اجراء الاستصحاب فيه لا يصح الابناء على فرضية التقييد دون التركيب، لان مرجعه إلى استصحاب عدم المجموع. وأما استصحاب عدم الملاقاة للنجو، فلا يثبت موضوع النجاسة، لان موضوعها - بناء على التركيب - ملاقاة الماء للنجس، وأن لا يكون هذا النجس نجوا، فالطريقة الوحيدة لاحراز هذا الموضوع هو استصحاب عدم كون النجس نجوا، وهو من استصحاب العدم الازلي، والمفروض انه لا شك في كون هذا النجس نجوا وفي كون ذاك دما، فيتعين في مثل ذلك الرجوع إلى قاعدة الطهارة. نعم لو كان عنوان ماء الاستنجاء مأخوذا بنحو التقييد، جرى استصحاب عدمه مطلقا كما عرفت. هذا كله على مبنى الطهارة: وأما على مبني العفو فنجاسة الماء معلومة وانما الشك في نجاسة ملاقيه. وقد دل الدليل العام على انفعال الملاقى للماء

[ 179 ]

[ (مسألة - 8) إذا اغتسل في كر كخزانة الحمام أو استنجى فيه، لا يصدق عليه غسالة الحدث الاكبر (1)، أو غسالة الاستنجاء أو الخبث ] النجس، وخرج منه بالتخصيص، ماء الاستنجاء، حيث لا ينفعل ملاقيه. فان قيل بأن موضوع العام يتركب بعد التخصيص من ملاقاة ماء نجس وعدم كون الماء ماء استنجاء، جرى استصحاب عدم كون هذا الماء ماء استنجاء، وليس هذا من استصحاب العدم الازلي، وبه يحرز موضوع الانفعال للملاقي. وان قيل بأن موضوع العام يتركب بعد التخصيص من ملاقاة ماء نجس وعدم كون نجاسته ناشئة من النجو، تعين اجراء استصحاب العدم الازلي، لان عدم كون نجاسته من النجو ليس له حالة سابقة الا الحالة الازلية السابقة على وجود النجاسة. ومبنى الوجهين: أخذ عنوان ماء الاستنجاء بنحو التقييد، أو التركيب. ولا حاجة على مبنى العفو إلى اجراء الاستصحاب في نفس النجاسة التي لاقاها الماء لنفي كونها نجوا، ليقع الاشكال في ذلك فيما إذا كان التردد في كيفية استعمال الماء لا في ماهية النجاسة، لان المأخوذ في موضوع انفعال الملاقى للماء نجاسة الماء، لا ملاقاته للنجس. (1) وقد قيل في توجيه ذلك: ان رواية عبد الله بن سنان انما دلت - على فرض تماميتها - على عدم جواز رفع الحدث بالماء الذي اغتسل به الجنب وأزيل به الخبث، وهذا يختص بالماء الذي مس بدن الجنب وأصابه إذ لولا مماسته له لم يصدق عليه أنه ماء اغتسل به الجنب، فلا يصدق على الكر العنوان المزبور (1). ويرد عليه: أنه حتى لو فرض التسليم بأن الاغتسال بالماء يعني


(1) التنقيح ج 1 ص 351 - 352.

[ 180 ]

[ (مسألة - 9) إذا شك في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط يبنى على العدم (1). (مسألة - 10) سلب الطهارة أو الطهورية عن الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر أو الخبث استنجاء أو غيره انما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد، كخزانة الحمام ونحوهما. (مسألة - 11) المتخلف في الثوب بعد العصر طاهر (2) ] المماسة، فهذا لا يدفع المحذور، إذ لا مانع حينئذ من تطبيق دليل المنع على الاجزاء التي أصابت بدن الجنب من الكر، فيثبت عدم جواز رفع الحدث بها. ومن الواضح عند تكرار اغتسال الجنب في الكر ان هذه الاجزاء تزداد، وبانتشارها في الكر يصبح الاغتسال فيه بنحو صحيح متعذرا للجزم عادة بأن بعض ما يصيب البدن في حال الاغتسال من تلك الاجزاء فكأن الكلام المذكور مبني على افتراض ان الكر بمجموعه فرد واحد من موضوع الدليل، فاما أن يشمله المنع أو لا، مع أنه لا محذور في شمول دليل المنع لخصوص ما يصدق عليه عنوان موضوعه عليه، كما هو الحال - مثلا - في دليل الانفعال بالتغير فيما إذا تغيرت اجزاء في داخل ماء كثير، فان الدليل ينطبق على تلك الاجزاء، لا على الماء كله، فليكن دليل المنع كدليل التغير. والمهم في عدم شمول المنع - على القول به - للكثير الاجماع، وبعض الروايات، كرواية صفوان بن مهران الجمال، ورواية محمد بن اسماعيل بن بزيع، الدالتين على جواز رفع الحدث بالماء الكثير الذي يغتسل فيه الجنب. (1) لاستصحاب العدم. (2) الكلام في الماء المتخلف يقع في جهتين: الاولى: في حكمه

[ 181 ]

[ فلو أخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة، وكذا ما يبقى في الاناء بعد اهراق ماء غسالته ] وهو في الثوب. والاخرى في حكمه بعد افرازه. أما الجهة الاولى: فلا اشكال في طهارته، لما تقدم من عناية استهلاكه عرفا واندكاكه في جنب الثو، بمعنى ان العرف لا يتعقل اختلاف الثوب معه في الحكم، بل يراهما موضوعا واحدا. وحيث ان الثوب طهر بالغسل فيطهر المتخلف معه. وأما الجهة الثانية: فتارة يتكلم عن حكمه من حيث الطهارة، واخرى من حيث كونه ماء مستعملا بلحاظ المانعية التعبدية. أما الاول فلا اشكال في طهارته لانه لا موجب لنجاسته إلا الملاقاة الاولى، وبعد فرض سقوط أثرها بتبعية الماء المتخلف للثوب في الطهارة لا معنى - عرفا - لتأثيرها من جديد. وأما الثاني: فقد يقال: بعدم شمول المنع التعبدي له، لتقوم الغسل بانفصال الماء، فالمتخلف لما لم ينفصل في عملية الغسل لا يصدق عليه انه غسل به الثوب فلا يشمله اطلاق رواية عبد الله بن سنان. ويرد عليه - مضافا إلى ما سيأتي في محله ان شاء الله تعالى، من عدم تقوم مفهوم الغسل بانفصال ماء الغسالة - أن تقوم الغسل بذلك لا يعني عدم صدق ماء الغسالة على المتخلف، وتوضيحه: ان غسل الثوب بماء تارة يقال: انه لا يتوقف على انفصال شئ منه أصلا، واخرى يقال: انه يتوقف على انفصال المقدار المتعارف، وثالثة يقال: ان الغسل بكل جزء من ذلك الماء يتوقف على انفصال ذلك الجزء. والكلام المذكور لتقريب عدم المنع في الماء المتخلف. انما يتم على الاحتمال الثالث، وهو غير متعين بعد التجاوز عن الاحتمال الاول، بل الصحيح - بعد تجاوزه - هو الاحتمال الثاني، ومعه يصدق عنوان الغسل بتمام الماء بشرط انفصال

[ 182 ]

[ (مسألة - 12) تطهر اليد تبعا بعد التطهير، فلا حاجة إلى غسلها (1). وكذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب (2) ونحوه ] المتعارف منه، فمع انفصال المتعارف يصدق على الجميع انه غسل به الثوب بما فيه الماء المتخلف. والذي يسهل الامر عدم القول بالمنع التعبدي رأسا. (1) المعروف هو طهارة اليد بالتبعية. واثبا ت ذلك في غاية الاشكال لانه ان كان بدعوى تنظيره بطهارة الماء المتخلف بالتبعية، ففيه ان الماء المتخلف انما يطهر كذلك لعدم تعقل العرف اختلافه في الحكم مع الثوب مع ان هذا الاختلاف متعقل بالنسبة إلى الغاسل، مع المغسول، لكونهما أمرين منفصلين، فالعناية الارتكازية للتبعية هناك لا تجري هنا. وان كان بدعوى الاطلاق المقامي في أدلة التطهير، إذ لو كانت اليد تبقى على نجاستها للزم التنبيه على الامام، ففيه ان ذلك فرع كون بقاء اليد على النجاسة أمرا مغفولا عنه عادة، ولو لارتكاز طهارتها بالتبعية عرفا، وبعد معرفة عدم وجود مثل هذا الارتكاز كما أشرنا إليه فلا غفلة نوعية، ولا موجب حينئذ لفرض الاطلاق المقامي، بل تكفي الاحالة على القواعد وسائر الادلة. وان كان بدعوى لغوية الحكم بطهارة الثوب بالغسل ما لم يحكم بطهارة يد الغاسل، لانه سوف يكسب النجاسة من جديد بملاقاة يد الغاسل، فيرد عليه. ان يد الغاسل كثيرا ما تغسل أيضا في نفس العملية فتطهر بغسلها، ولا موجب حينئذ لانفصال الثوب. هذا مضافا إلى ان يد الغاسل غالبا من المتنجس الثاني، وهو لا ينجس. (2) الكلام في الظرف هو الكلام في اليد فلا يطهر إلا بغسله، وهو كثيرا ما يحصل بنفس العملية، في غير ما يصدق عليه عنوان الاناء الذي يحتاج تطهيره إلى التعدد، لما ورد في رواية عمار من لزوم غسله

[ 183 ]

[ (مسألة - 13) لو أجرى الماء على المحل النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته، فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر، وان عد تمامه غسلة واحدة ولو كان بمقدار ساعة، ولكن مراعاة الاحتياط أولى (1) ] بالقليل ثلاثا. ودعوى ان رواية محمد بن مسلم (أغسله في المركن مرتين) تدل على الطهارة بالتبعية، لظهورها في عدم الاحتياج إلى تطهير المركن، مع أنه إناء محتاج إلى التعدد ثلاثا، ولا يكفى في تطهيره الغسل الضمني الحاصل له. مدفوعة بعدم الجزم بانطباق عنوان الاناء على مثل المركن. مضافا إلى ان الغالب في المركن كونه متنجسا ثانيا فلا يكون منجسا، فلعل السكوت عن تطهيره بهذا الاعتبار. (1) الكلام في هذه المسألة: تارة يقع في ان المحل النجس هل يطهر قبل قطع الماء عنه أولا؟. واخرى: بعد الفراغ عن طهارته في ان الماء الجاري عليه بقاء هل يعتبر ماء مستعملا أو لا؟. أما الاول فالظاهر الطهارة، لان المأخوذ مطهرا ليس هو عنوان الغسلة حتى يقال ان الغسلة لا تزال قائمة ولا تتم إلا بانقطاعها، بل الغسل، والغسل يصدق بصب المقدار الكافي من الماء سواء قطع أولا. بل حتى لو فرض أخذ عنوان الغسلة يتعين الحكم بالطهارة، إذ بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفا يعرف ان الميزان هو انغسال المحل النجس، وهذا حاصل قبل انقطاع الغسلة. وأما الثاني فلا اشكال في طهارة الماء بقاء لعدم ملاقاته للنجس، وحتى لو ادعي صدق عنوان الغسالة على الجميع أيضا، لان النجاسة لم ترتب على عنوان ماء الغسالة، بل على ملاقاة النجس، وهي غير حاصلة بل لو رتب الحكم بنجاسة الملاقى في دليل على عنوان ماء الغسالة، فهو بالارتكاز

[ 184 ]

[ (مسألة - 14) غسالة ما يحتاج إلى تعدد الغسل - كالبول مثلا - إذا لاقت شيئا لا يعتبر فيها التعدد (1) وان كان أحوط ] العرفي يرجع أيضا إلى الحكم بالانفعال بالملاقاة للنجس غير الحاصلة في المقام لان العرف لا يتعقل النجاسة التعبدية، وانما يتعقلها بالسراية والسراية فرع نجاسة الملاقى - بالفتح -. وأما حكم الماء الجاري بقاء من حيث جواز رفع الحدث به، فالظاهر جواز ذلك أيضا، ولو قيل بالمنع التعبدي في ماء الغسالة، لان وحدة الغسالة لا ينافي تبعضها في الدخول تحت موضوع دليل المنع، بعد أن فهم منه ان موضوع المنع هو الغسالة المؤثرة في رفع الخبث أو الحدث، والغسلة الطويلة بقاء لا أثر لها في ذلك. (1) عدم اعتبار التعدد يتوقف على اثبات اطلاق يقتضي كفاية مطلق الغسل، ولو كان اطلاقا مقاميا، بأن يدعي الاطلاق المقامي في أدلة مطهرية الماء المقتضي للحوالة على العرف في تشخيص كيفية ازالة القذر، أو الاطلاق المقامي في نفس أدلة النجاسات باعتبار ان مفادها هو جعل الشئ فردا من القذر بالاعتبار، ويفهم العرف من ذلك أن شأنه شأن القذر العرفي في كيفية التطهير، ما لم تتم قرينة خاصة على تصرف شرعي في تلك الكيفية. وأما لو منع الاطلاق المقامي بكلا تقريبيه فالحصول على الاطلاق اللفظي في الروايات مشكل، وان حاول ذلك السيد الاستاذ في عدة روايات (1). منها: رواية عمار عن أبي عبد الله: (أنه سئل عن رجل ليس عليه


(1) مدارك العروة الوثقى ج 2 ص 179 - 180.

[ 185 ]

[ إلا ثوب، ولا تحل الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله، كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة) (1) ويرد على الاستدلال بهذه الرواية: ان المفروض في كلام السائل الفراغ عن نجاسة الثوب ولزوم غسله، واتجاهه بالسؤال إلى تشخيص الوظيفة في حال العجز عن الغسل، فقول الامام في الجواب (فإذا أصاب ماء غسله) ليس في مقام بيان ما هو المطهر، بل في مقام بيان لزوم الاعادة والتدارك بعد وجدان الماء. ومنها رواية زرارة: (قال قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني... إلى أن قال: تعيد الصلاة وتغسله) (2) ويرد على الاستدلال بها نظير ما تقدم. ومنها رواية عمار عن أبي عبد الله في الرجل إذا قص أظفاره بالحديد أو جز شعره أو حلق قفاه، فان عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلي. سئل فان صلى ولم يمسح من ذكل بالماء. قال: يعيد الصلاة لان الحديد نجس) (3) فان حكمه بكفاية المسح بالماء معللا بأن الحديد نجس يعطى ان طبيعة النجس تنجس ملاقيها. وتزول نجاستها بمجرد اصابة الماء. ويرد عليه ان التعليل بنجاسة الحديد ليس تعليلا لكفاية مطلق المسح بل لبطلان الصلاة بدون مسح، أي غسل، ومقتضى قانونية التعليل وإسراءه ان كل صلاة وقعت قبل غسل النجس فهي باطلة، لا ان كل نجس يكفي فيه مطلق المسح. ومنها: رواية العيص بن القاسم المتقدمة في بحث ماء الغسالة، حيث


وسائل الشيعة باب 45 من أبواب النجاسات الحديث 8. (2) وسائل الشيعة باب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 2. (3) وسائل الشيعة باب 83 من أبواب النجاسات الحديث 6.

[ 186 ]

[ (مسألة - 15) غسالة الغسلة الاحتياطية استحبابا يستحب الاجتناب عنها (1) ] ورد فيها إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه، فان مقتضى الاطلاق فيها كفاية مطلق الغسل في ملاقي الغسالة التي غسل بها من البول، غير ان الرواية ضعيفة السند كما تقدم. وقد حاول السيد الاستاذ تصحيح سند الرواية بأن ظاهر قول الشهيد قال العيص أنه اخبار حسي، وكلما دار أمر الخبر بين الحسية والحدسية حمل على الحسية، وبما ان الشهيد لم يكن معاصرا للرجل فلا مناص من حمل قوله هذا على أنه وجدها في كتاب قطعي الانتساب إلى العيص (1). ويرد على ذلك: ان احتمال تواتر شخص نسخة من كتاب العيص في زمان الشهيد بحيث تكون كل عبائره وألفاظه كالمحسوس في غاية الضعيف وانما المتعارف - على أفضل تقدير - أن يكون لمثل الشهيد طريق أو بضعة طرق إلى الكتاب، وحيث أنها مجهولة لدينا فلا يمكن التعويل عليها. ومع عدم تمامية الاطلاق في الروايات الخاصة، وعدم التعويل على الاطلاق المقامي بالنحو الذي استظهرناه، يجب الرجوع إلى الاطلاق الاحوالي لدليل نجاسة المغسول لو سلم مثل هذا الاطلاق، ومع الخدشة فيه بما تكررت الاشارة إليه مرارا، يجري استصحاب النجاسة على القول بجريانه في الشبهة الحكمية، ومع عدم هذا القول تجري قاعدة الطهارة لو كان دليلها غير قاصر عن الشمول في نفسه لموارد الشك في بقاء النجاسة ومع القصور كما أشرنا إلى وجهه مرارا لابد من الرجوع إلى اصول طولية حكمية. (1) احتياطا لاحتمال نجاستها، أو كونها موضوعا للمنع التعبدي الواقعي بناء على القول به.


(1) مدارك العروة الوثقى ج 2 ص 14 8 - 149.

[ 187 ]

الماء المشكوك (قاعدة الطهارة - سندها - حدود مفادها - النسبة بينها وبين غيرها - سائر الجهات المتعلقة بها - فروع وتطبيقات)

[ 189 ]

[ فصل في الماء المشكوك الماء المشكوك نجاسته طاهر الا مع العلم بنجاسته سابقا (1) ] (1) وذلك لقاعدة الطهارة، ولاستصحابها فيما كانت حالته السابقة هي الطهارة، أو لقاعدة الطهارة وحدها في موارد توارد الحالتين. ويحسن بهذا الصدر تنقيح قاعدة الطهارة وتحقيق نكاتها، والمهم من شؤونها وذلك في عدة جهات: الجهة الاولى: في مدرك القاعدة. وتوضيحه: ان بالامكان الاستدلال على قاعدة الطهارة - بوصفها أصلا برأسها في قبال الاستصحاب وسائر الاصول - بوجهين: الوجه الاول: رواية عمار: (كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك) (1). وهذه الفقرة جاءت في ذيل حديث طويل جاء في التهذيب (2)، وقد نقله الشيخ قدس سره باسناده إلى محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد ابن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى الساباطي. وسند الحديث تام لولا أحمد بن يحيى المشترك بين الموثق وغيره. نعم جملة من فقرات الحديث وردت في مواد أخرى من الكتب الاربعة بحذف أحمد بن يحيى. فالشيخ نقل مثلا في الاستبصار (3) جملة من صدر الحديث


وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات حديث 4. (2) ج 1 ص 284. (3) ج 1 ص 25.

[ 190 ]

بالسند التالي: (أخبرني الحسين بن عبيدالله، عن عدة من أصحابنا، عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن ادريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن بن علي، عن عمرو بن سعيد الخ). وكذلك نقل الكليني في الكافي (1) شبيها بما في الاستبصار (عن أحمد بن ادريس. ومحمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن... الخ). ونقل الصدوق في الفقيه (2) مرسلا جزءا من الصدر وليس في جميع ما نقلوه الفقرة التي تضمنت قاعدة الطهارة، فلا يكفي سقوط أحمد بن يحيى في الكافي والاستبصار والفقيه لتصحيح سند القاعدة. والتخلص من هذه المشكلة يكون بأحد طريقين: اما باثبات اشتباه الشيخ في التهذيب بذكره لاحمد بن يحيى، ولو بلحاظ تكرر كلمة أحمد في السند الذي قد يوجب التشويش، وأما باثبات وثاقة هذا الواسطة الذي انفرد التهذيب بذكره. أما الطريق الاول فلما كان الاشتباه على خلاف الاصل فلابد من قرينة لاثباته وما قد يصلح أن يكون قرينة عليه سقوط أحمد بن يحيى في الاستبصار لان الحديث المذكور في الاستبصار هو نفس الحديث، غاية الامر انه نقل جزءا منه على أساس التقطيع في الروايات. ولا يحتمل العكس بأن يكون الاشتباه في نسخة الاستبصار، وذلك لان الاستبصار ينقل بواسطة الكليني ونحن نرى ان الكافي مطابق مع الاستبصار في اسقاط أحمد بن يحيى. ولكن الانصاف ان هذه القرينة لا توجب الوثوق بزيادة أحمد بن يحيى بنحو يرفع اليد عن ظهور الاصول العقلائية في عدم الاشتباه، خصوصا بعد الالتفات إلى نكتتين:


(1) ج 1 ص 9. (2) ج 1 ص 10.

[ 191 ]

الاولى: ان طريق الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى في الاستبصار مختلف عن طريقه إليه في التهذيب، فالرواية لم تؤخذ من مصدر واحد في الموردين ففي التهذيب بدأ بمحمد بن أحمد بن يحيى، وطرقه إليه في المشيخة وفي الفهرست ليس فيها الكليني. وأما في الاستبصار فينقل الحديث عن الحسين بن عبيدالله، عن عدة من أصحابنا، عن محمد بن يعقوب الكليني عن أحمد بن ادريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى. الثانية: ان هناك اختلافا في التعبير بين نسختي التهذيب والاستبصار بلحاظ متن الرواية، مما يؤكد ان هذه مأخوذة بنحو وتلك مأخوذة بنحو آخر، لا أن هذا تكميل لذلك وذاك تقطيع لهذا. والذي يظهر بالمقارنة بين موارد الرواية في الكتب الاربعة: ان الصيغة التي وقع الكليني في طريقها واحدة تقريبا، سواء بلحاظ ورودها في الكافي أو في الاستبصار أو التهذيب بطريق مشتمل على الكليني (1) بينما يختلف المنقول في الفقيه والمنقول في التهذيب بطريق غير مشتمل على الكليني، فقد ذكر فيها مثلا الدجاج بدلا عن الحمام، بينما المذكور في الصيغة التي وقع فيها الكليني الحمام. نعم يمكن أن يبعد وجود أحمد بن يحيى كوسيط بين محمد بن أحمد بن يحيى وأحمد بن الحسن بعدم معهودية مثل هذا الوسيط بينهما في سائر الروايات، وعدم وقوعه الا في شخص ذلك الموضع من كتاب التهذيب ولكن سوف يأتي ان من المحتمل أن يكون الوسيط محمد بن يحيى لا أحمد بن يحيى، ومحمد بن يحيى من مشايخ محمد بن أحمد بن يحيى على ما سيأتي ان شاء الله تعالى. وأما الطريق الثاني لتوثيق سند الرواية فهو توثيق الواسطة المذكورة


(1) كافي التهذيب ج 1 ص 228.

[ 192 ]

في سند التهذيب المتقدم، وذلك بأن يقال: ان أحمد بن يحيى مردد بين ثلاثة بعد تجاوز من يروى عنه الصدوق مباشرة باسم أحمد بن يحيى، لوضوح عدم ارادته في المقام وهم أحمد بن يحيى من غلمان العياشي، وأحمد بن يحيى المقرى، وأحمد بن يحيى بن حكيم الا ولدي. والاول لا يناسب أن يكون هو الواسطة في السند لتأخر طبقته، كما ان الثاني لا يناسب فيه ذلك لتقدم طبقته وكونه ممن يروى عنه أصحاب الامام الكاظم (ع) فيستبعد نقله عن أحمد بن الحسن الذي هو من أصحاب الامام الهادي (ع)، فيتعين الثالث وهو ثقة، وبذلك يتم سندا لرواية. هذا ولكن قد وقع في بعض نسخ التهذيب محمد بن يحيى، بدلا عن أحمد بن يحيى، كما في جامع الاحاديث، وهو شخص غير ثابت التوثيق، لان من الواضح انه ليس هو محمد بن يحيى شيخ الكليني فقد وقع محمد بن يحى هذا في طريق الشيخ إلى روايات محمد بن أحمد بن يحيى، فليس هو محمد بن يحيى الواقع بعد محمد بن أحمد بن يحيى. ويمكن أن يكون محمد بن يحيى الواقع في هذه المرتبة من السند هو محمد بن يحيى المعاذى، المعدود في الذين استثناهم ابن الوليد من روايات محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري. وهذا الاستثناء ان دل على التضعيف فهو، والا فالرجل غير ثابت الوثاقة الا بلحاظ وروده في أسانيد كامل الزيارات، بناء على التوثيق العام لرجال هذه الاسانيد. غير ان هذا التوثيق العام لا نقول به. وعليه فلا يمكن التعويل على رواية الرجل وما دام من المحتمل أن يكون الوسيط محمد بن يحيى لا أحمد بن يحيى فلا يمكن الاعتماد على الرواية! بل يمكن استبعاد كون الوسيط أحمد بن يحيى إذ لم يعهد ذلك في سائر روايات محمد بن أحمد بن يحيى. اللهم إلا أن يقال في محاولة لتصحيح سند الرواية: ان التهافت في نسخ التهذيب وتذبذبها بين محمد يحيى وأحمد بن يحيى يوجب زوال اطمئنان

[ 193 ]

الشخصي بكل منهما، وحيث ان المعيار في الاعتماد على النسخ المعروفة بتفاصيلها إنما هو الاطمئنان بعدم تعهد الكذب من الناسخ المنضم إلى اصالة عدم الاشتباه، فسوف يزول بالتهافت المذكور معيار حجية كل من النسختين وهو الاطمئنان الوجداني، ومعه تبقى النسخة التي نقلها صاحب الوسائل قدس سره والتي اشتملت على أحمد بن يحيى على الحجية، لان له طريقا تعبديا إلى النسخة ولم ينكشف خلافه. والحاصل: ان ما هو واصل من نسخ التهذيب عن غير طريق الشيخ الحر وأمثاله انما يكون حجة في اثبات التفاصيل بملاك الاطمئنان الوجداني، ومع زواله بالتهافت يزول ملاك الحجية، بخلاف النسخة الواصلة عن طريق الشيخ الحر، فانها حجة على أساس طريق تعبدي معتبر فيعول عليه، ما لم ينكشف خلافه فتدبر جيدا. الوجه الثاني تصيد القاعدة واستظهارها من الموارد المتفرقة، بدعوى ان المستظهر منها ان الشك بنفسه ليس ملزما في باب النجاسة شرعا، وان احتمال الطهارة يكفي في اثباتها. والروايات المتفرقة التي تدل على ذلك عديدة، نذكر جملة منها: فمن تلك الروايات رواية حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (ع): (قال: ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم) (1). ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) (قال: سألته عن الفارة والدجاجة والحمام وأشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال: ان كان استبان من أثره شئ فاغسله، وإلا فلا بأس) (2). ورواية عمار الساباطي: (أنه سأل أبا عبد الله: عن رجل يجد في انائه فارة، وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا، أو اغتسل منه، أو غسل ثيابه، وقد كانت الفارة متسلخة فجاء في ذيل الجواب: أنه ان كان انما


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات حديث 5، 3.

[ 194 ]

رآها بعد ما فرغ من ذلك فلا يمس من ذلك الماء شيئا وليس عليه شئ لانه لا يعلم متى سقطت فيه، ثم قال: لعله أن يكون انما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها) (1). ورواية حنان بن سدير (قال: سمعت رجلا سأل أبا عبد الله فقال أني ربما بلت فلا أقدر على الماء، ويشتد ذلك علي. فقال: إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك) (2) وهذه الرواية ان حملناها على ما قبل الاستبراء فكأن المقصود التخلص من محذور انتقاض الوضوء بالبلل المشتبه ومحذور النجاسة، وان حملناها على ما بعد الاستبراء فالمقصود التخلص من محذور النجاسة. والمقصود من مسح ذكره بريقه هو مسح مكان آخر غير ما لاقى البول. وهذه الروايات وان كانت واردة في موارد خاصة، ولكن المنساق من لسانها الغاء خصوصية المورد، وان مجرد ابداء الشك في النجاسة كاف للتأمين عنها. فالامام حينما يبدي أنه لا يبالي إذا لم يكن يعلم، أو ينفي البأس مع عدم الاستبانة، أو يبرز الشك في تقدم وقوع الفارة لاثبات طهارة الشخص، أو يعلم طريقة لايجاد الشك في النجاسة تخلصا من لزوم الغسل، يفهم العرف من كل ذلك ان الميزان في التأمين مجرد عدم العلم بالنجاسة، دون نظر إلى خصوصيات الموارد، وهو المعنى المطلوب من قاعدة الطهارة. وتفصيل ذلك ان استفادة قاعدة الطهارة بمعناها المقصود من تلك الروايات المتفرقة تتوقف: أولا: على الغاء خصوصية المورد من كونه ثوبا، أو كون النجاسة المحتملة بولا، ونحو ذلك من الخصوصيات.


(1) وسائل الشيعة باب 4 من النجاسات حديث 1. (2) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 7.

[ 195 ]

وثانيا: على الغاء دخل الحالة السابقة، وكون الطهارة مفروضة سابقا في الحكم. إذ لو لم يحصل الالغاء الاول للزم الاقتصار على مورد الروايات ولا يتعدى إلى كل ما يشك في طرو النجاسة عليه. ولو لم يحصل الالغاء الثاني للزوم احتمال رجوع الحكم بالطهارة إلى قاعدة الاستصحاب، بدلا عن قاعدة الطهارة نفسها. أما الالغاء الاول فيساعد عليه الارتكاز العرفي، لان دخل خصوصيات ما يحتمل تنجسه أو ما يحتمل تنجيسه على خلاف الارتكاز، فينعقد للروايات - بضم هذه القرينة اللبية - اطلاق من هذه الناحية. وإما الالغاء الثاني فقد يستشكل فيه بتقريب: ان الروايات المتفرقة كلها واردة في مورد من المعلوم فيه ان الحالة السابقة هي الطهارة، وبذلك يحتمل كون الحالة السابقة دخيلة في الحكم بالطهارة، وهذا يعني احتمال رجوع الحكم بالطهارة فيها إلى الاستصحاب دون قاعدة الطهارة. ولكن إذا استظهرنا من مثل قوله: (إذا لم أكن أعلم) التعليل رجع إلى الحكم بالطهارة معللا بعدم العلم، ومثل هذا اللسان التعليلي ظاهر في ان عدم العلم هو تمام العلة للحكم بالطهارة دون مدخلية للحالة السابقة، وان كانت ثابتة في مورد الروايات. وإن لم نحمل أمثال القول المذكور على التعليل وافترضناه مجرد اشتراط فقد يقوى حينئذ الاستشكال المذكور، بدعوى: ان الشرطية إنما يستفاد منها كون الشرط علة تامة دون دخل شئ آخر معه باعتبار اطلاقها لفرض فقد ذلك الشئ الاخر، ولا يمكن في المقام التمسك بمثل ذلك لنفي دخل الحالة السابقة، لان مورد الرواية يستبطن عادة انحفاظ الحالة السابقة، وكونها هي الطهارة، فلا اطلاق لفرض فقد الحالة السابقة ليستفاد من ذلك العلية التامة للشرط أي لعدم العلم.

[ 196 ]

اللهم إلا أن يقال: ان انحفاظ الحالة السابقة وكونها هي الطهارة في مورد الروايات المتفرقة لا ينافي أمكان استظهار العلية التامة للشرط، باعتبار اناطة المولى للحكم في مقام البيان به دون ذكر شئ آخر معه، وهذا يعني أن استفادة عدم دخل شئ آخر مع الشرط في ايجاد الجزاء لا تتوقف على انعقاد اطلاق للشرطية لفرض فقد ذلك الشئ الاخر، ليقال بعدم مثل هذا الاطلاق في المقام. بل أن نفس اناطة الحكم في الشرطية بشرط وعدم تقييد الشرط بشئ آخر بالواو، يدل على عدم دخل الشئ الاخر لاصالة التطابق بين مقام الاثبات ومقام الثبوت، وعليه فيستفاد من الروايات المذكورة أن عدم العلم بنفسه تمام الموضوع للحكم دون دخل لفرض الطهارة وتعينها كحالة وتعينها كحالة سابقة في ذلك. نعم لا يمكن أن تضاف إلى الروايات المذكورة مثل رواية معاوية ابن عمار (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث، وهم يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها؟ قال: نعم) (1). ورواية عبد الله بن سنان في الثوب الذي استعاره الذمي وهو يشرب الخمر ويأكل الخنزير: (صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فانك أعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه) (2). أما الرواية الاولى فلانه لم يذكر فيها كون الشك نكتة للحكم، وإنما حكم الامام بجواز الصلاة في تلك الثياب. وهذا الحكم مجمل قابل للانطباق على نكتة الاستصحاب، كما يكون قابلا للانطباق على نكتة قاعدة الطهارة لان المورد واجد لكلتا النكتتين. وإما الرواية الثانية فلانه قد يدعي ظهورها


(1) وسائل الشيعة باب 73 من النجاسات حديث 1. (2) وسائل الشيعة باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1.

[ 197 ]

في الاستصحاب، باعتبار أخذ الحالة السابقة في موضوع الحكم. ومثلها أيضا مرسلة محمد بن اسماعيل: (في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر). فان لحاظ الحالة السابقة موجود في هذه الرواية، ولا يعلم ان الحكم بالطهارة لذلك أو بقطع النظر عن الحالة السابقة. والمقصود في المقام من قاعدة الطهارة اثبات كون الشك في نفسه ملاكا للتأمين من ناحية النجاسة شرعا، بدون احتياج إلى ملاحظة الحالة السابقة. الجهة الثانية: في ان قاعدة الطهارة هل تختص بما إذا كان الشك في النجاسة بنحو الشبهة الموضوعية، أو تشمل موارد الشبة الحكمية. وتحقيق ذلك: ان مدرك القاعدة إذا كان منحصرا بالوجه الثاني فلابد من الالتزام باختصاصها في موارد الشبهة الموضوعية، لان الروايات المتفرقة جميعا انما وردت في الشبهات الموضوعية والغاء الخصوصية لا يقتضي التعدي إلى الشبهة الحكمية، لعدم وجود ارتكاز يقضي بعدم الفرق بين الشبهة الحكمية والموضوعية. فغاية ما يتحصل من تلك الروايات أن الشك في الموضوع كاف للتأمين، وإما الشك في الحكم الكلي فلا دليل على مؤمنيته من ناحية تلك الروايات. واما إذا تم المدرك الاول للقاعدة، وهو العموم في رواية عمار، فلا بأس بشمول قوله (كل شئ نظيف) لموارد الشبهة الحكمية والموضوعية. ودعوى: ان العموم إما أن يكون بلحاظ الانواع، كعرق الابل الجلالة والمسكر ونحو ذلك، أو بلحاظ الافراد، كهذا الفرد من العرق أو هذا الفرد من الشراب. ولا يصح أن يكون بلحاظ الانواع والافراد معا، لعدم التقابل بينها، مع ظهور العموم في تقابل مفردات العام، فان كان بلحاظ الانواع اختص بالشبهة الحكمية، وإن كان بلحاظ الافراد

[ 198 ]

اختص بالشبهة الموضوعية. مدفوعة: بامكان اختيار كون العموم بلحاظ الافراد، كما هو الطبع الاولى للعمومات ما لم تقم قرينة على لحاظ الانواع، فكل فرد لا يعلم بقذارته نظيف. ومن المعلوم ان الفرد قد لا يكون معلوم القذارة للشك في انطباق الموضوع عليه، وقد لا يكون معلوم القذارة للشك في جعل الكبرى، وهذا يعني جريان القاعدة في موارد الشبهة الحكمية والموضوعية معا. الجهة الثالثة: ان القاعدة هل تشمل موارد الشك في النجاسة الذاتية أو تختص بموارد النجاسة العرضية؟. وهذا تفصيل في عرض التفصيل السابق، لان كلا من النجاسة الذاتية والعرضية يتصور فيها الشبهة الحكمية تارة والشبهة الموضوعية اخرى. والصحيح: انه إذا تم المدرك الاول للقاعدة - وهو العموم في رواية عمار - صح التمسك به لاجراء القاعدة في موارد الشك في النجاسة الذاتية أيضا، سواء كان الشك بنحو الشبهة الحكمية كما إذا شك في نجاسة الحيوان الجلال، أو بنحو الشبهة الموضوعية كما إذا شك في كون حيوان جلالا مع معلومية نجاسة الجلال مثلا وأما مع انحصار المدرك في الوجه الثاني فيشكل اجراء القاعدة في موارد الشك في النجاسة الذاتية، لان مورد الروايات المتفرقة هو الشك في النجاسة العرضية، ولا يساعد الارتكاز على الغاء الفرق بين النجاستين، لان أشدية النجاسة الذاتية توجب احتمال الفرق في المقام. ودعوى: ان مثل قوله: (لا أبالي أبول أصابني أم ماء إذا كنت لا أعلم) يدل على ان مناط عدم المبالاة هو عدم العلم بالنجاسة، وهذا المناط محفوظ في مورد الشك في النجاسة الذاتية أيضا. مدفوعة بان متعلق (لا أعلم) هو ما فرض عدم المبالاة به قبل ذلك، وهو انه أصابه البول

[ 199 ]

أو الماء، فكأنه يقول أنا طاهر ما دمت لا أعلم ان ما لاقاني بول أو ماء. فعدم العلم ببولية المائع جعل مناطا لطهارة بدن الانسان الذي أصابه ذلك المائع، ولا يمكن أن يستفاد من ذلك ان عدم العلم ببولية المائع يكون مناطا للحكم بطهارة نفس ذلك المائع أيضا. الجهة الرابعة: في تقسيم ثالث وهو ان الشك تارة يكون شكا في النجاسة من أول الامر، واخرى يكون شكا في طرو النجاسة، فيقع الكلام في ان القاعدة هل تشمل كلا القسسمين أو تختص بمواد الشك في طرو النجاسة وهذا التقسيم في عرض التقسيمين السابقين. فقد يكون الشك في النجاسة الذاتية وتكون النجاسة المشكوكة طارئة سواء كانت الشبهة حكمية كما إذا شك في نجاسة بدن الجلال، أو موضوعية كما إذا شك في كونه جلالا بعد فرض نجاة الجلال. وقد يكون الشك في النجاسة الذاتية وتكون النجاسة المشكوكة من أول الامر، سواء كانت الشبهة حكمية كما إذا شك في نجاسة عرق الابل الجلالة، أو موضوعية كما إذا شك في كون هذا العرق منها. وقد يكون الشك في النجاسة العرضية وتكون النجاسة المشكوكة طارئة سواء كانت الشبهة حكمية كما إذا شك في الانفعال بملاقاة المتنجس، أو موضوعية كما إذا شك في ملاقاة الشئ لعين النجس. وقد يكون الشك في النجاسة العرضية وتكون النجاسة المشكوكة من أول الامر، سواء كانت الشبهة حكمية كما إذا استحال الخمر إلى مائع آخر مباين للخمر في الصورة النوعية العرفية وشك في انفعاله بملاقاة ظرف الخمر، أو موضوعية كما إذا علم في الفرض المذكور بأن ملاقاة الظرف توجب الانفعال وفرضنا ان الخمر قد استحال إلى شئ نراه الان جامدا وشككنا في انه هل استحال رأسا إلى شئ جامد أو استحال إلى شئ مائع

[ 200 ]

فتنجس كله بالملاقاة ثم أصبح جامدا. وينبغي أن يعلم ان دعوى عدم شمول قاعدة الطهارة لموارد الشك في النجاسة من أول الامر واختصاصها بموارد الشك في حدوثها لا يعني اعتبار الحالة السابقة، المساوق لارجاع مفاد الروايات إلى الاستصحاب، لان الشك في الحدوث قد يكون محفوظا مع عدم تعين الحالة السابقة وعدم جريان الاستصحاب كما هي الحالة في موارد توارد الحالتين، فالمغايرة بين مفاد الروايات والاستصحاب محفوظ في هذه الجهة على كل حال. وتحقيق الحال في هذه الجهة: ان مدرك القاعدة ان كان هو العموم في رواية عمار فقد يتوهم شمول العموم فيها لموارد الشك في النجاسة من أول الامر، لان موضوع العام فيها عدم العلم بالقذارة وهو محفوظ على كل حال. ولكن التحقيق: ان الحكم بالنظافة في العام مغيى بقوله (حتى تعلم انه قذر)، وكلمة قذر قد تكون بكسر الذال فتكون بمعنى الوصف، أو بضمه، وعلى الثاني يجوز أن يكون وصفا ويجوز أن يكون فعلا بمعنى تقذره فعلى الاولين تشمل الرواية باطلاقها صورة الشك في النجاسة من أول الاول، وعلى الاخير لا تشمل ذلك، لان الفعل ظاهر في الحدوث. وبما ان كل هذه الامور محتمل تصبح الرواية مما يحمل فيها قرينية المتصل فتكون مجملة. نعم لو ادعي ارتكازية عدم الفرق بين الشك في طرو النجاسة والشك في النجاسة من أول الامر ثبت الحكم مطلقا، ولكن احتمال الفرق وكون طهارة الشئ حدوثا نكتة دخيلة في ملاك جعل قاعدة الطهارة ليس على خلاف الارتكاز. وأما إذا كان مدرك القاعدة هو الوجه الثاني أي الروايات المتفرقة، فقد يقال ان الحال حينئذ أسوأ، لعدم وجود العموم أو الاطلاق فيها،

[ 201 ]

لورودها جميعا في موارد الشك في حدوث النجاسة. ولا يمكن التعدي من ذلك إلى مورد الشك في النجاسة من أول الامر الا مع قيام الارتكاز على عدم الفرق، ولا ارتكاز كذلك، فلابد من التفصيل. وغاية ما يمكن أن يقرب به اطلاق القاعدة على هذا الوجه التمسك بمثل قوله (إذا لم أعلم) في قوله (ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم). وهذا التمسك يتوقف على دعوى: ان متعلق العلم المنفي في قوله (إذا لم أكن أعلم) لما لم يذكر صريحا ولم يعين انه أصل النجاسة والاصابة أو حدوثها، فلابد من تعيينه بالاستظهار، فيستظهر ان المتعلق هو أصل النجاسة، لا حدوثها بعنوانه، فيتحصل من ذلك ان مناط الحكم هو عدم العلم بالنجاسة لا عدم العلم بحدوثها، فيشمل موارد الشك في النجاسة من أول الامر وعهدة هذا الاستظهار على مدعيه. ثم انه بناء على شمول القاعدة لموارد الشك في النجاسة من أول الامر قد توقع المعارضة بينها وبين ظهور دليل استصحاب الطهارة في رواية عبد الله بن سنان في مدخلية الحالة السابقة في الحكم بالطهارة لاحقا، وعدم كفاية مجرد الشك، وهذا الظهور يعارض اطلاق القاعدة أو يقيدها. وقد يجاب: بانه لا معارضة بين الدليلين، فان مفاد دليل الاستصحاب دخل لحاظ الحالة السابقة في الحكم الاستصحابي، ولا ينافي ذلك عدم دخله في قاعدة اخرى غير الاستصحاب كقاعدة الطهارة. وفيه: ان لحاظ الحالة السابقة أخذ في رواية عبد الله بن سنان الدالة على استصحاب الطهارة جزء العلة لجواز الصلاة في الثوب الذي استعاره الذمي، حيث علل الجواز بمجموع أمرين وهما: ان الثوب كان طاهرا حين الاعارة، ولا يقين بتنجيس الذمي له، وظاهر التعليل بذلك دخل مجموع جزئي العلة في الحكم بجواز الصلاة، مع انه لو جرت قاعدة الطهارة بمجرد الشك لم يكن للجزء

[ 202 ]

الاول من العلة دخل في الحكم بجواز الصلاة. وكذلك الحال في صحيحة زرارة الواردة في الشك في طهارة الثوب، حيث يقول (لا تعيد الصلاة لانك كنت على يقين فشككت)، فلو كانت اصالة الطهارة تجري بدون لحاظ الحالة السابقة لما كان لاخذ اليقين السابق أي دخل في عدم الاعادة، مع أن ظاهر تعليل حكم بعلة مركبة من جزئين دخل كل منهما ضمنا فيه. وقد يدفع هذا الاعتراض بوجوه: الاول: ان الحكم المعلل بالعلة المركبة هو الحكم الاستصحابي بجواز الصلاة أو الحكم الاستصحابي بعدم وجوب الاعادة، وهو لا ينافي عدم دخل جزء هذه العلة المركبة في حكم آخر مماثل وهو الحكم المتحصل من قاعدة الطهارة ويرد عليه: ان المعلل في لسان الدليل هو أصل جواز الصلاة أو عدم وجوب الاعادة، لا فرد خاص من أفراد الحكم بالجواز أو الحكم بالعدم، واستصحابية الحكم المعلل انما فهمت بلحاظ نفس التعليل. الثاني: ان الاستصحاب في مورد جريانه حاكم على قاعدة الطهارة ففي مورد جريان الاستصحاب وتمامية أركانه يكون الحكم منحصرا بالحكم الاستصحابي، والحالة السابقة دخيلة فيه. ويرد عليه: مع قطع النظر عما يأتي ان شاء الله تعالى من منع حكومة استصحاب الطهارة على قاعدتها ان ظاهر الدليل كون المعلل طبيعي الحكم لا فردا منه، فلابد أن يكون لطبيعي الحكم توقف على كلا جزئي العلة ولو في الجملة، وان شئت قلت ان التعليل وان لم يدل على المفهوم على حد دلالة أداة الشرط، بحيث يقتضي الانتفاء المطلق عند انتفاء العلة لعدم دلالته على انحصارية العلة، ولكنه يدل على المفهوم في الجملة، بمعنى انتفاء الحكم عند انتفاء العلة ولو في الجملة وفي بعض الفروض، فإذا قيل أكرم زيدا لانه عالم، دل على

[ 203 ]

انه ليس ممن يجب اكرامه على كل حال وان كان قد يجب اكرامه على تقدير العدالة أيضا. وعليه يدل التعليل بالحالة السابقة والشك الفعلي معا على ان الشك الفعلي لا يكفي وحده للجواز على كل حال، والا كان ضم الجزء الاخر إليه لغوا. الثالث: ان المعلل هو التعبد بالواقع، أي جواز الصلاة الواقعي في الثوب تعبدا، أو عدم وجوب الاعادة الواقعي تعبدا، ومن المعلوم أن الاثبات التعبدي للواقع يتوقف على لحاظ الحالة السابقة، لان الاستصحاب وحده هو الاصل المحرز الناظر إلى اثبات الواقع دون قاعدة الطهارة. ويرد عليه مضافا إلى الاشكال في فرض ذاك محرزا دون هذه على ما يأتي ان شاء الله تعالى - أن المعلل في لسان الدليل إنما هو جواز الصلاة في الثوب، وهو أعم من الاثبات التعبدي للواقع والوظيفة العملية، فلابد من تصوير دخل لحاظ الحالة السابقة في الجامع، وهذا لا يكون مع شمول القاعدة لموارد انتفاء الحالة السابقة. الرابع يتوقف على توضيح مقدمة وهي: ان مفهوم التعليل يختلف عن مفهوم الشرط وان كان ثابتا في الجملة، وبيان ذلك: أن مفهوم الشرط يقتضي الانتفاء المطلق للجزاء في جميع حالات فقدان الشرط، لان المعلق على الشرطية في الشرط سنخ الحكم لا شخصه، ومقتضى التعليق انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الشرط، وهو خلف ثبوت أي فرد من طبيعي حكم الجزاء في بعض حالات فقدان الشرط. وإما التعليل فهو وإن كان له مفهوم في الجملة، غير أنه لا يقتضي بمفهومه انتفاء الحكم المعلل في سائر موارد فقدان العلة، كما كان التعليق في الشرطية يقتضي ذلك، لان الانتفاء بهذا النحو من شؤون العلية الانحصارية، والانحصارية لا تستفاد من مجرد التعليل، بخلاف التعليق على الشرط فانه يستفاد منه الانحصار،

[ 204 ]

فلا يكون تعليل حكم بعلة نافيا لوجود علة اخرى. نعم يدل التعليل على عدم ثبوت الحكم المعلل في جميع موارد فقدان العلة، أي على نفي الموجبة الكلية للحكم المعلل. فقولنا أكرم زيدا لانه عالم يلائم مع وجوب الاكرام في بعض حالات عدم العلم أيضا، ولكنه يدل على ان وجوب الاكرام ليس ثابتا في جميع حالات عدم العلم، وإلا لكان التعليل بالعلم لغوا عرفا فالصيانة العرفية للتعليل عن اللغوية بنفسها تكون دليلا على المفهوم بهذا المقدار. وهكذا يكون للتعليل دلالتان: احداهما: الدلالة على دخل العلة وجودا في شخص الحكم المعلل، والاخرى الدلالة على دخل العلة عدما في سنخ الحكم المعلل، بمعنى ان بعض صور انتفاء العلة على الاقل لا يكون سنخ الحكم المعلل ثابتا فيها. وعلى هذا الضوء يكون تعليل الحكم بالطهارة بالحالة السابقة في مثل رواية عبد الله بن سنان - دالا على دخلها في شخص الحكم المجعول في تلك الروايات، وبذلك يثبت ان الحكم المجعول فيها هو الاستصحاب، وعلى ان سنخ ذلك الحكم غير ثابت في جميع الموارد التي لا تكون الطهارة فيها حالة سابقة بنحو سلب العموم لا عموم السلب. ومن الواضح انه في مقابل فرض الطهارة حالة سابقة فرضان: أحدهما فرض النجاسة حالة سابقه، والاخر فرض عدم الحالة السابقة رأسا. ويكفي لاعطاء التعليل حقه من المفهوم بنحو يصدق سلب العموم، أن لا يكون الحكم بالطهارة ثابتا في الفرض الاول من هذين الفرضين، فهو نظير ما إذا قيل (اكرم زيدا لانه عالم). وفرضنا قيام دليل على انه يجب اكرامه إذا كان عادلا أيضا فانه يكفي لاعطاء التعليل حقه من المفهوم أن يكون وجوب الاكرام منفيا ولو في بعض حالات عدم العلم، وهي حالة عدم العلم مع الفسق، فكذلك في المقام.

[ 205 ]

فان قيل: فرق بين محل الكلام والمثال، وهو ان فرض علة اخرى لسنخ الحكم المعلل لا ينافي التعليل إذا كانت في عرض العلة المذكورة في دليل الحكم المعلل، كالعدالة مع العلم، وأما إذا كانت العلة الاخرى المفروضة جامعا أوسع من العلة المذكورة في دليل الحكم المعلل، فافتراض مثل هذه العلة يساوق عرفا الغاء العلة المذكورة في دليل الحكم المعلل، كما هو الحال في المقام، فان العلة التي تفترضها قاعدة الطهارة لسنخ الحكم المعلل هي الشك غير المسبوق بالنجاسة كحالة سابقة، وهذه العلة نسبتها إلى العلة المذكورة في رواية عبد الله بن سنان وهي الشك المسبوق بالطهارة كحالة سابقة نسبة الجامع الاعم إلى أمر أخص منه. والحاصل ان ظاهر التعليل عرفا نفي علية ما هو أوسع لسنخ الحكم، لا نفي علية علة اخرى في عرض العلة المذكورة، وبذلك تتم المعارضة. قلنا: انما يستفاد من التعليل بعلة عدم علية جامع أوسع، إذا ورد في مورد يمكن فيه انفكاك الجامع عن تلك العلة عاده، فإذا قيل مثلا أكرم زيدا لانه عالم عادل، دل - بمفهوم التعليل فيه - على ان العلم مع عدم الكفر بمجرده ليس علة لسنخ الحكم بوجوب الاكرام، إذ لو كان علة لذلك مع كونه أوسع صدقا من العلة المصرح بها، لكان العدول من التعليل به إلى التعليل بالاخص لغوا عرفا. وأما في المقام فالشك في النجاسة المقيد بكون الطهارة هي الحالة السابقة، وان كان أخص مطلقا من الشك غير المقيد بكون النجاسة هي الحالة السابقة، ولكن مع هذا قد يدعى صحة العدول عرفا في رواية عبد الله بن سنان من التعليل بالاعم إلى التعليل بالاخص، لان موردها هو الثوب، ومن الواضح ان انتفاء الحالة السابقة فيه رأسا فرض غير عادي، وانما هو مردد عادة بين أن تكون له حالة سابقة هي الطهارة وان تكون له حالة سابقة هي النجاسة، وهذا يعني ان

[ 206 ]

عدم كون النجاسة حالة سابقة مساوق عادة لكون الطهارة حالة سابقة بلحاظ مورد الروايات، وبذلك يكون التعليل بالاخص مستساغا عرفا، وان كان الاعم علة في نفسه أيضا. الجهة الخامسة: ان قاعدة الطهارة - بعد البناء على عدم تقومها بلحاظ الحالة السابقة وعدم رجوعها إلى الاستصحاب - يقع الكلام في شمولها لموارد العلم بالنجاسة سابقا. والمقصود من الشمول هذا شمول دليل القاعدة في نفسه بقطع النظر عن حكومة دليل الاستصحاب، فان المعروف ان اطلاق القاعدة في نفسه تام، وإنما يرفع اليد عنه بلحاظ حكومة دليل استصحاب النجاسة على دليلها، غير ان بالامكان ان يدعى قصور دليلها في نفسه عن الشمول لموارد العلم بالنجاسة سابقا، وذلك لان مدرك القاعدة: ان كان هو العموم في موثقة عمار فالاطلاق فيه لتلك الموارد غير محرز، لان كلمة (قذر) لو كانت بالمعنى الوصفي فالاطلاق لا بأس به، وأما إذا كانت فعلا بضم الذال فلا اطلاق لموارد الشك في بقاء النجاسة، لان الفعل يستبطن الحدوث فكأنه قال: كل شئ نظيف حتى تعلم بحدوث النجاسة، والمفروض في موارد الشك في بقاء النجاسة تحقق العلم بحدوث النجاسة، ومع تحقق الغاية لا اطلاق في المغيى، وان كان مدرك القاعدة الروايات المتفرقة فلا اطلاق فيها أيضا، لان المقصود من مثل قوله (إذا لم أعلم) عدم العلم باصابة البول، لا عدم العلم ببقاء نجاسة البول وارتفاعه، فليس فيها ما يشمل موارد الشك في البقاء، والتعدي بدون مساعدة الارتكاز غير ممكن. ويمكن تصوير الثمرة بين ما ذهبنا إليه من قصور دليل القاعدة في نفسه عن الشمول لموارد العلم ببقاء النجاسة، وما ذهب إليه المشهور من عدم الشمول لحكومة دليل الاستصحاب، فيما إذا فرض سقوط استصحاب النجاسة للمعارضة مع استصحاب آخر مثلا، فانه على المشهور يمكن الرجوع إلى

[ 207 ]

قاعدة الطهارة، ولا يمكن ذلك على المختار. ويتحقق ذلك على بعض المباني ومثال ذلك: أن يقال بأن استصحاب النجاسة في الشبهة الحكمية ساقط بالمعارضة فانه إذا قيل بذلك وشك في ان الغسل الواحد مطهر أو لا أمكن الرجوع - بعد تعذر استصحاب النجاسة - إلى قاعدة الطهارة على المشهور، ولا يمكن ذلك على المختار - ومثال آخر: إذا قيل بأن استصحابي النجاسة يسقطان بالمعارضة عند العلم الاجمالي بالطهارة، رغم عدم استلزامهما لمخالفة عملية، كما اختاره المحقق النائيني (1) وفرضنا العلم بنجاسة انائين والعلم بارتفاعها عن أحدهما مع احتمال ارتفاعها عنهما معا، فان استصحابي النجاسة يتعارضان على هذا المبنى، ويتحدد الرجوع بعد ذلك إلى قاعدة الطهارة اثباتا ونفيا حسب المختار في هذه الجهة. الجهة السادسة: في جريان القاعدة عند توارد الحالتين، ففي توارد الحالتين لا اشكال في عدم جريان الاستصحاب، إما لقصور دليله في نفسه، أو للتعارض، فيقع الكلام في جريان قاعدة الطهارة، ولابد لمعرفة ذلك من الرجوع إلى مدركيها. فإذا بنينا على المدرك الاول، أي العموم في رواية عمار، فقد يقال - على ضوء ما نبهنا عليه من الاجمال في كلمة قذر - ان هذه القاعدة لا تشمل محل الكلام، لاحتمال كون كلمة قذر فعلا، والفعل يفيد معنى الحدوث فتختص القاعدة بموارد الشك في الحدوث، ونحن في موارد توارد الحالتين نعلم بالحدوث ونشك في البقاء. ولكن الصحيح شمول القاعدة لموارد توارد الحالتين، وذلك لاننا في هذه الموارد عندنا شك في بقاء النجاسة وشك في حدوثها، فلو قسنا هذا الجسم الذي نعلم بتوارد البول والمطر عليه إلى ما بعد إصابة البول له، نرى أنفسنا


(1) فوائد الاصول ج 4 ص 7.

[ 208 ]

شاكين في بقاء النجاسة، وإذا قسناه إلى ما بعد اصابة المطر له رأينا أنفسنا شاكين في حدوث النجاسة، ولاجل قضاء حق الفعل في دلالته على الحدوث يكفي صدق كوننا شاكين في الحدوث، ولو صدق أيضا اننا شاكون في البقاء. وبتعبير آخر: ان الحديث جعل الحكم بالطهارة مغيى بالعلم بحدوث النجاسة، وهذه قرينة على ان أصالة الطهارة انما تجري في مورد لو ارتفع الشك فيه صدفة وعلم بالنجاسة كان ذلك العلم علما بالحدوث، وهذا صادق فيما نحن فيه، فانه لو ارتفع الشك وتبين ان اصابة البول كانت بعد اصابة المطر، لكان يعني العلم بحدوث النجاسة بعد أصابة المطر، كما يعني العلم ببقاء النجاسة أيضا باعتبار آخر. وإذا بنينا على المدرك الثاني، فقد يقال بعدم الشمول بتقريب: أن الروايات المتفرقة وردت في موارد خاصة، وليس منها مورد توارد الحالتين والتعدي منها إليه - بدون مساعدة الارتكاز - متعذر. ولكن الظاهر الشمول لاستظهار الاطلاق من ناحية التعليل المستفاد عرفا من بعض تلك الروايات كقوله ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم، ونحوه، فانه ظاهر في ان الميزان هو عدم العلم بالاصابة، وهذا ثابت في المقام. الجهة السابعة: اتضح مما سبق ان القاعدة على كلا مدركيها قاصرة عن الشمول لموارد الشك في النجاسة من أول الامر، على اشكال في ذلك بناء على المدرك الثاني، كما اتضح أيضا انه على المدرك الثاني - تمنى القاعدة بالقصور عن شمول موارد الشك في النجاسة الذاتية، أو بنحو الشبهة الحكمية ولو كان في الاثناء، فلابد من تحقيق ما يعوض به عن قاعدة الطهارة في موارد قصورها. أما بالنسبة إلى القصور المشترك على المدركين عن الشمول لموارد الشك في النجاسة من أول الامر، فهناك استصحاب العدم الازلي للنجاسة المجعولة

[ 209 ]

المشكوكة من أول الامر، أو لموضوعها المشكوك إذا كانت الشبهة موضوعية وكذلك يجري في الشبهة استصحاب عدم جعل النجاسة للموضوع الكلي المشكوك نجاسته من أول الامر. ومع غض النظر عن هذه الاستصحابات تجري اصالة البراءة عن الاحكام الالزامية الاستقلالية كحرمة الشرب ونحوها، واصالة البراءة عن المانعية. وأما في فرض اعتبار الطهارة شرطا فتجري اصالة الاشتغال، لان الشرطية ليست انحلالية على نحو الانحلال في المانعية. وإما بالنسبة إلى القصور الذي يختص به المدرك الثاني، فحيث ان المفروض فيه الشك في طرو النجاسة، فيجري استصحاب عدمها بلا اشكال. الجهة الثامنة: ان اصالة الطهارة إذا كان في مقابلها استصحاب يقتضي النجاسة، فتارة: يفرض انها في عرض واحد، كما إذا كان الشئ المشكوك نفسه معلوم النجاسة سابقا، واخرى: يفرض كونه فوق قاعدة الطهارة، كما في استصحاب نجاسة الملاقى - بالفتح -، وأصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر -، وثالثة: يفرض العكس، كما في استصحاب نجاسة الثوب المتنجس المغسول بماء لا يجري فيه استصحاب الطهارة لتوارد الحالتين، وانما تجري فيه قاعدة الطهارة. أما في فرض العرضية، فقد تقدم في الجهة الخامسة ان المعروف فيه حكومة الاستصحاب على الاصل، والصحيح قصور المقتضي لدليل القاعدة في نفسه. وأما في الفرض الثاني: فلا اشكال في تقدم الاستصحاب على قاعدة الطهارة ووجه التقدم المعروف هو الحكومة، وكونه يلغي الشك الذي أخذ موضوعا للقاعدة: غير اننا لا نرتضي هذه الحكومة، لعدم الاعتراف باصولها الموضوعية من جعل الطريقية وقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي،

[ 210 ]

كما أوضحناه في الاصول. وانما نقول بتقدم الاستصحاب في المقام، لكونه أصلا موضوعيا، فان نفس كونه أصلا موضوعيا يعتبر نكتة عرفية للتقديم. وتوضيح ذلك حلا موكول إلب بحث الاصول، غير ان بالامكان في المقام توضيحه نقضا بالتكلم عن الفرض الثالث، فان المعروف فيه تقدم قاعدة الطهارة في الماء على استصحاب النجاسة في الثوب المغسول به. ومدرسة المحقق النائيني تعترف بهذا التقديم، مع ان مبانيها في الحكومة وجعل الطريقية لا تصلح للبرهنة على ذلك، لان مفاد قاعدة الطهارة في الماء ليس هو الغاء الشك وجعل العلم التعبدي بالطهارة وآثارها ليرتفع بذلك موضوع استصحاب النجاسة في الثوب المغسول، وهذا كاشف عن لزوم الالتزام بنكتة اخرى لتقديم الاصل الموضوعي على الاصل الحكمي غير الحكومة بملاك الغاء الشك والتعبد بالعلم. الجهة التاسعة: كنا نتحدث حتى الان مفترضين ان قاعدة الطهارة حكم ظاهري، غير ان هناك من ذهب إلى كونها متكلفة لحكم واقعي، فلابد من استعراض ما يمكن أن يقرب به ذلك مع مناقشته. وتوضيح الكلام في ذلك: ان قوله (كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر)، اما أن يكون ظاهرا في الطهارة الظاهرية، أو مجملا، أو ظاهرا في الطهارة الواقعية. فعلى الاول يتم المطلوب من كون القاعدة ظاهرية، وكذلك على الثاني، بضم اطلاق أدلة الاحكام الواقعية الذي يقتضي انحفاظ النجاسة الواقعية حال الشك. واما على الثالث فتكون القاعدة مقيدة لاطلاقات أدلة الاحكام الواقعية بفرض العلم، فلابد لمثل صاحب الحدائق - قدس سره - الذي يظهر منه اختيار واقعية القاعدة (1) أن يثبت


(1) الحدائق الناظرة ج 1 ص 136.

[ 211 ]

الاحتمال الثالث. وما يمكن أن يدعى قرينة عليه: التقابل في الحديث بين كلمتي نظيف وقذر، ولا اشكال في ان المراد بكلمة قذر القذر الواقعي، فيراد بكلمة نظيف النظيف الواقعي أيضا. ولكن هذا الاستظهار غير صحيح وذلك: لان المعقول من أخذ العلم في النجاسة الواقعية أخذ العلم بالموضوع، وأخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، لا أخذ العلم بالمجعول نفسه، لاستلزامه الدور أو الخلف. فان أراد صاحب الحدائق - قدس سره - أخذ العلم بالمجعول في موضوع نفسه فهو مستحيل، وان أراد أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، فهو أمر معقول ولكنه خلاف ظاهر الدليل، فان ظاهره أخذ العلم بالقذارة المجعولة غاية للحكم بالطهارة لا أخذ العلم بجعل النجاسة غاية الطهارة، فلابد إذن من حمل القاعدة على الحكم الظاهري. ومما يؤيد ظاهرية القاعدة قوله (وما لم تعلم فليس عليك شئ)، فانه ظاهر في ان النظر إلى تشخيص الوظيفة العملية: - كما يؤيد ذلك أيضا كون النسبية في الطهارة والنجاسة الواقعية على خلاف الارتكاز العرفي، فان النجاسة الواقعية إذا كانت مقيدة بالعلم لزم كون شئ نجسا بالنسبة إلى شخص وغير نجس بالنسبة إلى آخر، وهو على خلاف الارتكاز العرفي، وهذا بخلاف الطهارة والنجاسة الظاهريتين، فان النسبية فيهما أمر عرفي لان مرجعهما إلى التنجيز والتعذير وهما يختلفان باختلاف الاشخاص. الجهة العاشرة: بعد الفراغ عن ظاهرية القاعدة يقع البحث في كونها أصلا تنزيليا وعدمه، فإذا ثبت تكلفها تنزيل المشكوك منزلة الطاهر الواقعي أمكن دعوى حكومتها على أدلة الاحكام المترتبة على الطهارة، من قبيل دليل لا صلاة إلا بطهور، وتوسعتها لموضوعه، وتكون الحكومة حينئذ

[ 212 ]

واقعية محفوظة حتى في موارد انكشاف الخلاف، لان ملاك الحكومة نفس التنزيل ولا انكشاف للخلاف فيه، ويترتب على ذلك الحكم بالاجزاء كما استقر به صاحب الكفاية قدس سره (1). خلافا لما إذا قيل بتكفل القاعدة لجعل طهارة ظاهرية ابتداء، كما هو واضح. وما يمكن أن يستشهد به للتنزيل نفس ما تقدم لتقريب كلام صاحب الحدائق لاثبات واقعية القاعدة، فانه بعد تعذر حمل النظافة على الواقعية يحمل على الواقعية التنزيلية، حفظا لقرينة التقابل. ولكن التحقيق: ان تنزيل المشكوك منزلة الطاهر الواقعي كما قد يكون بلحاظ الاثار الواقعية المجعولة للطاهر الواقعي، بنحو يقتضي حكومته على أدلة تلك الاثار، كذلك قد يكون بلحاظ عالم العمل والوظيفة العملية، فهو توسعة للطاهر الواقعي في مقام العمل لا في الموضوعية لاثاره الواقعية. وحيث لا يؤخذ الشك في موضوع التنزيل، يتعين الحمل على الاول، واما يؤخذ فيكون التنزيل بالنحو الثاني معقولا أيضا وان لم يكن هو ظاهر الدليل، فلا أقل من الاجمال الموجب لعدم البناء على تنزيلية القاعدة بالنحو الذي يقتضي الاجزاء. الجهة الحادية عشر: قد يقال بوجود قاعدتين للطهارة، احداهما: عامة وهي (قوله كل شئ نظيف... الخ) والاخرى: خاصة بالمياه وهي قوله - في بعض روايات الباب - (الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر) وبشأن هذه القاعدة لابد من التنبيه على عدة نكات: الاولى: ان طهارة الماء بما هو ماء يعتبر رفع الحدث والخبث به من أهم الاثار الملحوظة لها، المفهومة بالظهور العرفي من نفس دليل التعبد بطهارة الماء، فتكون قاعدة الطهارة الواردة في المياه على القول بها ظاهرة


(1) كفاية الاصول ج 1 ص 133 (ط - مشكيني).

[ 213 ]

عرفا في النظر إلى تلك الاثار. وهذا يشكل ملاكا مستقلا لتقديم القاعدة في الماء على استصحاب الحدث أو النجاسة في الثوب المغسول، ولا يجري هذا الملاك في دليل التعبد بطهارة الاشياء عموما، لان طهارة الشئ بما هو شئ لا ينصرف منها عرفا تلك الاثار، بل يكون شمول القاعدة العامة لهذه الاثار بالاطلاق. الثانية: انا إذا التزمنا بدليل خاص لقاعدة الطهارة في المياه، ترتب على ذلك بعض الاثار العملية، كما إذا علمنا اجمالا بنجاسة الماء أو التراب فان دليل قاعدة الطهارة في الاشياء - أي رواية عمار - يبتلى بالاجمال، لان نسبته إلى الطرفين على حد واحد، ولا يعقل شموله للطرفين، لمخصص لبي متصل، وهو محذور الترخيص في المخالفة القطعية، وحينئذ فإذا لم نقل بوجود دليل آخر لقاعدة الطهارة في خصوص المياه، تعذر اثبات الطهارة للماء أو للتراب، وتعين الرجوع إلى الاصول الطولية التي منها اصالة الاشتغال، المانعة عن استعمال الماء فيما هو مشروط بالطهارة، واما مع وجود دليل على القاعدة في خصوص المياه، فيرجع إليه لعدم ابتلائه بالاجمال، لانه لا يشمل الا أحد طرفي العلم الاجمالي، فيحكم بطهارة الماء ظاهرا بدون معارض. الثالثة ان قوله: (الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر) لا يتعين كونه متحدا في المفاد مع قوله: (كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر)، لان فيه احتمالين: أحدهما: أن يكون في مقام جعل الطهارة الظاهرية للماء المشكوك. والاخر: أن يكون في مقام جعل الطهارة الواقعية للمياه ويتعين على الاول كون العلم بالقذارة مأخوذا بنحو الموضوعية، ويتعين على الثاني حمله على الطريقية، فتكون الغاية نفس التقذر لا العلم به. وحيث ان أخذ العلم على وجه الطريقية أمر عرفي شائع، فلا معين لاحد الاحتمالين، ومعه

[ 214 ]

[ والمشكوك اطلاقه لا يجري عليه حكم المطلق الا مع سبق اطلاقه (1). والمشكوك اباحته محكوم بالاباحة إلا مع سبق ملكية الغير (2) ] لا جزم باتجاه الدليل نحو جعل الطهارة الظاهرية، وهذا خلافا لقوله: (كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر)، فانه لا محصل لحمل العلم فيه على الطريقة، وحمل المغيى فيه على الواقع، لان مرجعه حينئذ إلى القول بأن كل شئ نظيف حتى يقذر، ومن الواضح انه بالنظر العمومي الذي يحكم فيه بطهارة كل الاشياء واقعا كيف يفرض عروض القذارة لها. فان قيل ان هذا العموم مخصص بارتكاز متشرعي لوجود نجاسات في الجملة، ومعه يمكن فرض عروض القذارة. يقال: ان هذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة عرفا على صرف العموم عن الواقع إلى الظاهر، ولا يوجد في قوله: (الماء كله طاهر) مثل هذا الارتكاز الصارف. الجهة الثانية عشر: قد يدعى خروج بعض الموارد عن اطلاق دليل قاعدة الطهارة تخصيصا أو تقييدا، منها الدم المشكوك النجاسة، الذي يرى على منقار الطير. ومنها البلل المشتبه بعد البول وقبل الاستبراء بالخرطات، أو بعد المني وقبل الاستبراء بالبول. ومنها غسالة ماء الحمام التي يشك في نجاستها وطهارتها. وسوف نتكلم عن كل مورد من هذه الموارد الثلاثة في الموضع المناسب له من المتن ان شاء تعالى. (1) فيجري استصحاب الاطلاق إذا كان الموضوع محفوظا. وقد سبق تحقيق حكم الشك في الاطلاق والاضافة في بحوث الماء المطلق والمضاف من الجزء الاول. (2) الشك في الاباحة يمكن تصويره على أنحاء:

[ 215 ]

النحو الاول: أن يكون المال من المباحات الاولية، وعلم المكلف بوقوع الحيازة عليه، أما من قبله أو من قبل غيره. والكلام فيه تارة: يقع بلحاظ تملكه والتصرف الوضعي فيه، واخرى: بلحاظ الجواز التكليفي للتصرف. أما اللحاظ الاول فقد يقال: باجراء استصحاب عدم حيازة الغير، وبذلك يتنقح موضوع جواز التملك بالحيازة، فيتملكه بالحيازة (1). ولا يعارضه استصحاب عدم حيازة الشخص إذ لا ينفي الموضوع المذكور بهذا الاستصحاب. ويرد عليه: ان دليل جواز التملك بالحيازة لا يمكن اثبات موضوعه باستصحاب عدم حيازة الغير، لان موضوعه هو المال الذي لم تقع عليه حيازة، والمال المفروض يعلم بطرو الحيازة عليه وبعدم امكان تملكه بحيازة جديدة. أما لانه مملوك للغير، واما لانه مملوك لنفس الشخص بحيازة سابقة. فالحيازة الجديدة يعلم بخروجها عن موضوع دليل التملك بالحيازة، ومعه لا يمكن بالاستصحاب اثبات التملك بها. واما اللحاظ الثاني: فينفعه استصحاب عدم حيازة الغير لنفي موضوع الحرمة التكليفية للتصرف. وهو مال الغير ولا يعارض باستصحاب عدم حيازة الشخص، لان الحلية يكفي فيها مجرد عدم حيازة الغير، وهذا العدم لا يمكن نفيه باستصحاب عدم حيازة الشخص إلا بالملازمة. ولو قطع النظر عن الاستصحاب جرت اصالة الاباحة أيضا. والمناقشة في جريان مثل هذا الاصل برواية الطبري، الدالة على أنه لا يحل مال إلا من وجه أحله ا =، غير صحيحة، لان المقصود ان كان هو التمسك بالرواية وحدها لنفي الحلية فهو تمسك بالعام في الشبهة المصداقية لاحتمال دخول المورد في المستثنى.


(1) التنقيح ج 1 ص 933.

[ 216 ]

وان كان المقصود التمسك بها بضم استصحاب عدم ذلك الوجه الملحوظ في المستثنى، فيرد عليه ان هذا الوجه قد يكون عنوانا لامر عدمي كعدم حيازة الغير، فيكون الاستصحاب محرزا له لا نافيا. وان كان المقصود التمسك بها بضم القاعدة (الميرزائية) في العام الالزامي المخصص بعنوان وجودي، حيث تقتضي القاعدة لزوم احراز العنوان الوجودي. ففيه: أولا: منع القاعدة: كما تقدم في بعض البحوث السابقة من هذا الشرح. وثانيا: ان المستثنى ليس عنوان الوجه، بل الوجه عنوان انتزاعي مشير إلى ما هو المستثنى وهو قد يكون أمرا عدميا كما عرفت، فلا تنطبق القاعدة عليه. النحو الثاني: أن يكون المال ثمرة لمال مملوك من أصله، أما للشخص أو لغيره، فهو مملوك بالتبع لاحدهما، وباستصحاب عدم مالكية الاخر - ولو بنحو العدم الازلي - يرتفع موضوع الحرمة التلكيفية للتصرف، وان كان اثبات مالكية الشخص بذلك متعذرا، إلا إذا كانت هناك حالة سابقا بلحاظ نفس الاصل الذي أنتج الثمرة. النحو الثالث: أن يكون المال لمالك سابق ويعلم بانتقاله منه إلى نفس الشخص أو إلى شخص آخر. وفي مثل ذلك يتعذر على الشخص اثبات مالكيته للمال بالاصل كما هو واضح. وانما الكلام في جواز التصرف في المال، فقد يقال: بجريان اصالة الحل، لان الشبهة موضوعية ولم يحرز كون المال ملكا للغير. وقد يقال: باستصحاب موضوعي حاكم عليها، لان المال كان ملكا لغيره على الفرض، ومقتضى قوله تعالى (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض)، وقوله (ع) (لا يحل مال امرئى مسلم إلا بطيب نفسه) عدم حليته له إلا بالتراضي وطيب النفس، والاصل عدم انتقاله إليه بالتراضي وطيب النفس، وهذا

[ 217 ]

[ (مسألة - 1) إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور الاستصحاب يحكم على اصالة الحل (1). والتحقيق عدم جريان هذا الاستصحاب وذلك لان خطاب لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه ونظائره ينحل إلى تكاليف متعددة بعدد افراد المالكين، فزيد لا يحل ماله إلا بطيب نفسه وعمرو كذلك وهكذا، والمأخوذ في موضوع كل واحدة من هذه الحرمات أمران أحدهما: أن يكون المال ملكا للفرد، والاخر: عدم طيب نفسه، فمتى أحرز هذان الامران ثبتت الحرمة. وفي المقام إذا لوحظ المالك السابق للمال فملكيته للمال مرتفعة جزما، وبذلك لا يحتمل ثبوت تلك الحصة من الحرمة التي تتعلق به، واما الشخص الاخر المحتمل انتقال المال إليه فعدم طيب نفسه محرز، ولكن مالكيته للمال غير محرزة فهناك إذن حصتان من الحرمة احداهما: يحرم مال زيد - المالك السابق - بدون اذنه، والاخرى: يحرم مال عمرو - من يحتمل الانتقال إليه - بدون إذنه. ولا يمكن بالاستصحاب احراز موضوع أي واحدة من الحصتين، لان موضوع الاولى يعلم بعدم انطباقه على المال المردد فعلا، وموضوع الثانية يشك في حدوثه، فالرجوع إلى اصالة الحل بلا مانع. نعم لو قيل بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي أمكن اثبات الجامع بين هاتين الحصتين بالاستصحاب، وذلك باستصحاب كونه ملكا لجامع الغير، ولكنه باطل. النحو الرابع: أن يكون المال مسبوقا بملكية الشخص وملكية الغير معا، على نحو توارد الحالتين، وفي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب - كما هو الحال في سائر الموارد المناظرة - وتجري اصالة الحل، فلا يحكم بالملكية ويحكم بجواز التصرف تكليفا.


(2) التنقيح ج 1 ص 364 - 365.

[ 218 ]

[ - كاناء في عشرة - يجب الاجتناب عن الجميع (1). وان اشتبه في غير المحصور - كواحد في ألف مثلا - لا يجب الاجتناب عن شئ منه (2). (مسألة - 2) لو اشتبه مضاف في محصور يجوز أن يكرر الوضوء أو الغسل إلى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه (3) فإذا كانا اثنين يتوضأ بهما، وان كانت ثلاثة أو أزيد يكفي التوضوء باثنين إذا كان المضاف واحدا، وان كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل، وان كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. والمعياران يزداد على عدد المضاف المعلوم بواحد. وان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها، كما إذا كان المضاف واحدا في ألف. والمعياران لا يعد العلم ] (1) حسب قواعد العلم الاجمالي ومن الواضح ان وجوب الاجتناب عن المغصوب أو شرب النجس وجوب تكليفي، وأما وجوب الاجتناب عن الوضوء فهو شرطي، بمعنى انه لا يحكم بحصول الشرط عند الوضوء بواحد من تلك الاطراف، لعدم وجود المحرز للطهارة بسبب تساقط الاصول الناشئ من العلم الاجمالي. ومن هنا لا نظر في المقام لما إذا توضأ المكلف بأطراف الشبهة على نحو أحرز معه الوضوء بالماء الطاهر، أو أحرز الصلاة مع وضوء بماء طاهر، ويأتي الكلام عن ذلك ان شاء الله تعالى. (2) لعدم وجوب الاحتياط عن تمام الاطراف في الشبهات غير المحصورة، كما حققناه في محله. (3) خلافا لما إذا اشتبه المغصوب في محصور بلحاظ الحرمة التكليفية هناك.

[ 219 ]

[ أصل) * الاجمالي علما، ويجعل المضاف المشتبه بحكم العدم (1)، فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية أيضا. ولكن الاحتياط أولى ] (1) وذلك لان ضابط الشبهة غير المحصورة هو كثرة أطراف العلم الاجمالي إلى درجة توجب الاطمئنان الشخصي بعدم الانطباق على كل طرف فان كثرة الاطراف وان كان من المستحيل أن تؤدي إلى القطع بعدم الانطباق على الطرف، كما برهنا على ذلك في مذهبنا الذاتي في المنطق، ولكنها تؤدي إلى الاطمئنان بالعدم وضعف احتمال الانطباق جدا، وهو كاف للتأمين والحجية وترتيب آثار الاطلاق على فرد واحد، إذ يحصل بعد الوضوء به الاطمئنان الفعلي بالوضوء بالماء المطلق وهو حجة. وأما ما ذكره السيد الاستاذ من ان ضعف الاحتمال انما يوجب عدم الاعتناء به فيما إذا تعلق بمضرة دنيوية، وأما إذا تعلق بأمر أخروي أي العقاب فلا يفرق في لزوم الحاجة معه إلى المؤمن بين ضعفه وقوته، فان احتمال العقاب ولو كان ضعيفا يجب دفعه (1) فلا يمكن المساعدة عليه، وذلك لان المدعى ليس هو عدم الاعتناء باحتمال العقاب، بل ان احتمال المخالفة الواقعية يضعف إلى درجة توجب الاطمئنان العقلي على خلافه، ومعه يسقط عن المنجزية. وبتعبير آخر: لا يعقل أن يبرهن على تنجيز العلم الاجمالي في الشبهة غير المحصورة بأن احتمال العقاب مهما كان ضعيفا يجب الاعتناء به. لان وجود هذا الاحتمال فرع منجزية العلم الاجمالي، والكلام في سقوطه عن المنجزية لمرحلة وجوب الموافقة القطعية، على أساس وجود المؤمن وهو الاطمئنان الشخصي بالامتثال عند الوضوء من أحد الاطراف، وتتمة الكلام في الشبهة غير المحصورة وتحقيق نكاتها في علم الاصول.


(1) التنقيح ج 1 ص 368 - 369.

[ 220 ]

[ * (مسألة - 3) إذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك اطلاقه واضافته، ولم يتقين انه كان في السابق مطلقا، يتيمم للصلاة ونحوها، والاولى الجمع بين التيمم والوضوء به (1) ] (1) الماء المشكوك له صور: الاولى: أن يكون مسبوقا بالاطلاق ويشك في بقائه مع انحفاظ الموضوع، فان كان موضوع وجوب الوضوء وجود الماء جرى استصحاب الاطلاق في الماء لتنقيح موضوعه، وبه يحرز وقوع الوضوء بالماء المطلق بناء على ان الوضوء بالماء المطلق أخذ بنحو التركيب، كما هو الصحيح، بمعنى الوضوء بماء، وان يكون مطلقا، لا بنحو التقييد بمعنى أخذ تقيد الوضوء بالاطلاق تحت الامر، وإلا لم ينفع استصحاب الاطلاق في اثبات هذا التقيد. وان كان موضوع وجوب الوضوء وجدان الماء بما هو حالة قائمة بالمكلف فبعد أخذها بنحو التركيب - بحيث ترجع بالارتكاز العرفي إلى وجدان شئ وكونه ماء مطلقا - يجري استصحاب الاطلاق أيضا بلا محذور. نعم لو كان وجدان الماء مأخوذا بنحو التقييد، فمن الواضح ان استصحاب مائية المائع واطلاقه لا يثبت عنوان الوجدان إلا بالملازمة العقلية، فلابد حينئذ من اجراء الاستصحاب في نفس عنوان الوجدان لتنقيح موضوع وجوب الوضوء، واجرائه في اطلاق الماء الخارجي لاحراز وقوع الوضوء بالماء المطلق. الثانية: أن يكون مسبوقا بالاضافة ويشك في بقائها مع حفظ الموضوع فان كان موضوع وجوب الوضوء وجود الماء وموضوع وجوب التيمم عدمه، كان هذا يعني - بعد ارجاع وجود الماء إلى موضوع تركيبي - انه كلما وجد شئ وكان ماء وجب الوضوء، وكلما لم يكن شئ من الموجود ماء يجب التيمم، فباستصحاب عدم مائية هذا المائع وعدم اطلاقه ينفي

[ 221 ]

موضوع وجوب الوضوء ويثبت موضوع وجوب التيمم. وأما إذا كان موضوع وجوب الوضوء ووجوب التيمم الوجدان وعدمه، فالامر أيضا كذلك بعد ارجاع الوجدان إلى وجدان شئ، وان يكون ماء وعدمه إلى عدم كون شئ مما يجده المكلف ماء. الثالثة: أن تكون للمائع حالتان متواردتان فيتشكل علم اجمالي منجز بوجوب الوضوء أو التيمم، ويتعذر حل هذا العلم بالاستصحاب الموضوعي المثبت لاحدهما والنافي للاخر، كما هو الحال في الصورتين السابقتين. وما يقال في حل هذا العلم الاجمالي وجوه: الاول ما ذكره السيد - قدس سره - في المستمسك من اجراء استصحاب عدم وجدان المكلف للماء لتنقيح موضوع وجوب التيمم، فيما إذا كان المكلف متيقنا بفقد الماء قبل الابتلاء بالمشكوك (1). ويرد عليه: ان موضوع وجوب الوضوء والتيمم ان كان وجود الماء وعدمه، فعنوان الوجدان بما هو حالة نفسية للمكلف ليس لها أثر شرعي ليجري استصحاب عدم الوجدان، بل لابد من اجراء الاستصحاب في نفس الماء وجودا وعدما، والمفروض عدم امكانه. وان كان موضوع وجوب الوضوء والتيمم الوجدان وعدمه، فان رجع الوجدان إلى أمر مركب وهو وجدان شئ وأن يكون هذا الشئ ماءا، فالاستصحاب أيضا انما يجري في تشخيص مائية الشئ واطلاقه اثباتا ونفيا، لا في أصل الوجدان والمفروض في المقام تعذر اجراء الاستصحاب في نفي الاطلاق عن المائع المشكوك. وان رجع وجدان الماء إلى أمر تقييدي أي وجدان الماء بما هو شئ واحد ينحل إلى قيد ومقيد، أمكن اجراء الاستصحاب في نفس الوجدان


(1) المستمسك ج 1 ص 210 الطبعة الثانية.

[ 222 ]

[ سلبا وايجابا. ولكن لازم ذلك أن لا يكون استصحاب الاطلاق مجديا في نفي موضوع وجوب التيمم. فيما إذا كان ماء مسبوقا بالاطلاق في زمان وكان المكلف وقتئذ غير واجد لذلك الماء لبعده عنه وبعد ذلك دخل ذلك الماء في مجال قدرته ولكن مع الشك في بقاء اطلاقه، ففي مثل ذلك يلزم من أخذ وجدان الماء بما هو أمر واحد تقييدي موضوعا لوجوب الوضوء اثباتا ولوجوب التيمم نفيا أن لا يجري استصحاب الاطلاق في الماء، لانه لا يثبت الوجدان المذكور ولا ينفي عدمه إلا بالملازمة العقلية بين الوجود والوجدان فالجمع بين استصحاب الاطلاق في الماء في فرض سبقه بالاطلاق واستصحاب عدم الوجدان في فرض عدم الحالة السابقة لنفس الماء غير ممكن. الثاني: أن يقال بأن طرفي العلم الاجمالي في المقام طوليان، لان أحدهما في طول الاخر ومترتب على عدمه، وفي مثل ذلك ينحل العلم الاجمالي بالاصل النافي للطرف الذي علق الطرف الاخر على عدمه إذ به ينفي مورده وينقح موضوع الطرف الاخر، فيكون بالنسبة إلى الاصل النافي في الطرف الاخر أصلا موضوعيا مثبتا حاكما عليه. والتحقيق انا ذكرنا في الاصول: ان أحد الطرفين للعلم الاجمالي اما أن يكون مترتبا على العدم الواقعي للاخر، أو على الجامع بين العدم الواقعي والتعبد بالعدم. فعلى الاول ينحل العلم الاجمالي - تعبدا - بجريان الاصل النافي، وعلى الثاني يتحقق موضوع الطرف الاخر بجريان الاصل النافي حقيقة، وينحل العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي. ولكن المقام ليس من هذا القبيل، لان وجوب التيمم ليس مترتبا على عدم وجوب الوضوء، بل على عدم وجدان الماء، فالحكمان مترتبان على نقيضين وهما الوجدان وعدمه، وليس أحدهما مترتبا على عدم الاخر ليتم ملاك الانحلال بجريان الاصل النافي

[ 223 ]

حقيقة أو تعبدا. الثالث ما ذكره السيد الاستاذ: من ان موضوع وجوب الوضوء ليس مطلق وجود الماء، بل وجوده بنحو يمكن استعماله في رفع الحدث، وهذا الموضوع يمكن نفيه بالاستصحاب، وذلك لان المكلف - في مفروض المسألة - يشك في ارتفاع حدثه على تقدير التوضوء بالمايع المشكوك لاحتمال اضافته، ومعه لا مناص من استصحاب حدثه لجريان الاستصحاب في الامور المستقبلة، ومقتضاه ان الوضوء من المائع المشكوك كعدمه، وبذلك ينتفي موضوع وجوب الوضوء في حقه، لعدم تمكنه من رفع الحدث بالمائع المشكوك، ويثبت وجوب التيمم، وينحل العلم الاجمالي (1). ويرد عليه: ان مقتضى بنائه للمسألة على صحة جريان الاستصحاب في الامور المستقبلة، انه يتصور استصحابا جاريا بالفعل، ومن الواضح ان ذلك فرع فعلية أركانه بما فيها الشك في البقاء، فلابد من شك فعلي في البقاء، وإذا قطعنا النظر عن فرض وقوع الوضوء فلا شك لدينا في بقاء الحدث، وانما يتصور الشك حين ادخال فرض وقوع الوضوء وادخال هذا الفرض يكون بأحد وجهين: اما بأن يكون دخيلا في الشك، بأن يقال ان شكنا في بقاء الحدث انما هو على تقدير أن نتوضأ. واما أن يكون دخيلا في المشكوك، بأن يقال نشك فعلا في ان الحدث هل يبقي على تقدير الوضوء أولا. وأما إذا لم نعلق الشك ولا المشكوك على تقدير وقوع الوضوء، والتفتنا إلى الشك الفعلي في الحدث الفعلي، فمن الواضح عدم وجود مثل هذا الشك، للعلم بالحدث فعلا. فان أخذ فرض الوضوء دخيلا في نفس الشك. كان معناه اناطة جريان الاستصحاب بفرض وقوع الوضوء ولو في المستقبل، ليحصل حينئذ


(1) التنقيح ج 1 ص 372 - 374.

[ 224 ]

شك فعلي في بقاء الحدث فعلا أو مستقبلا، فمع عدم وقوع الوضوء ولو في المستقل لا شك بالفعل فلا استصحاب. وان أخذ فرض الوضوء دخيلا في المشكوك مع فعلية الشك كان معناه وجود شك فعلي في قضية تعليقية شرطية، وهي انه لو توضأ فالحدث يبقى أولا يبقى، ومرجع هذا إلى الشك في الملازمة بين الشرط والجزاء وليس لذلك حالة سابقة ليستصحب. فان قيل: نختار كون التقدير تقديرا للشك، فيكون ظرف جريان الاستصحاب هو ظرف وقوع الوضوء في عمود الزمان ولو في المستقبل، وهذا يعني ان المكلف يعلم بانه لا يتمكن من تحصيل حكم الشارع بارتفاع الحدث بالوضوء بالماء المشكوك، وبذلك يتحقق موضوع وجوب التيمم وينتفي موضوع وجوب الوضوء. قلنا: ان علم المكلف بانه لو كان ممن سوف يتوضأ لجرى في حقه استصحاب الحدث. يجعله عالما بعجزه عن تحصيل الحكم الظاهري بارتفاع الحدث بالوضوء بالمشكوك، لا بعجزه عن تحصيل الحكم الواقعي بارتفاع الحدث بذلك. فان قيل: أليس الاستصحاب نفيا تعبديا للحكم الواقعي بارتفاع الحدث؟. قلنا: نعم، ولكن في ظرف جريانه وهو ظرف فعلية الشك، وقد فرضتم ان تقدير وقوع الوضوء دخيل في الشك، فلا فعلية للشك وللنفي الاستصحابي الا في ظرف فعلية ذلك التقدير ولو في المستقبل، فمع عدم فعليته لا نافي بالفعل للحكم الواقعي بارتفاع الحدث ليثبت موضوع وجوب التيمم. نعم لو كان موضوع هذ الوجوب هو العجز عن رفع الحدث الاستصحابي بالوضوء بالمشكوك، فهو محرز للعلم بأن الحدث الاستصحابي

[ 225 ]

[ (مسألة - 4) إذا علم اجمالا ان هذا الماء اما نجس أو مضاف يجوز شربه، ولكن لا يجوز التوضي به (1) ] ثابت عقيب هذا الوضوء. ولكنه غير صحيح، وإلا لزم صحة التيمم واقعا حتى مع فرض كون المشكوك ماء مطلقا في الواقع، ولا أظن الالتزام بذلك من أحد. الصورة الرابعة: أن لا تكون للماء المشكوك حالة سابقة أصلا، فان قيل بجريان استصحاب العدم الازلي للاطلاق كان حكم الصورة الثانية جاريا في المقام، والا جرى حكم الصورة الثالثة، وهو تنجيز العلم الاجمالي. (1) ويستند عدم جواز الوضوء به إلى العلم التفصيلي ببطلان الوضوء، وإن كان ملاك البطلان مرددا بين الاضافة والنجاسة. واما جواز شربه فلعدم وجود علم اجمالي يقتضي تنجيز حرمة الشرب، فتكون من المشكوك البدوي، ويجري الاصل المؤمن عنها. وتحقيق ذلك: يقع في مقامين: أحدهما: في انه هل يوجد علم اجمالي بأثر الزامي بحيث يرفع البراءة العقلية على القول بها أو لا؟ والاخر بعد تصوير هذا العلم يقال بانه هل يوجب تساقط الاصول الشرعية المؤمنة في أطرافه بالمعارضة، أو يمكن اجراؤها في بعض أطرافه بدون معارض. أما المقام الاول: فالمعروف عدم وجود العلم الاجمالي بالاثر الالزامي رأسا، لان لدينا أثرين الزاميين، وهما البطلان وحرمة الشرب. والاول معلوم على كل حال، والثاني مشكوك، فلا علم اجمالي بأحدهما. ولكن التحقيق: ان أصل البطلان وان كان معلوما تفصيلا، ولكن اطلاق البطلان لفرض اتصال هذا الماء بالمعتصم مشكوك، لان بطلان الوضوء إذا كان بملاك النجاسة مع اطلاق الماء فلا بطلان بعد الاتصال بالمعتصم الموجب لطهارة الماء المطلق، وإذا كانت بملاك الاضافة فالبطلان ثابت

[ 226 ]

حتى بعد الاتصال بالمعتصم، لعدم خروجه عن الاضافة بمجرد الاتصال، وبهذا ينشأ من العلم الاجمالي بأن الماء أما مطلق نجس أو مضاف طاهر علم اجمالي بأثر الزامي على كل حال، فهو اما يحرم شربه ولكن الوضوء به ليس باطلا في صورة اتصاله بالمعتصم، وأما يكون الوضوء به باطلا حتى في فرض الاتصال بالمعتصم ولكنه لا يحرم شربه. وهذا العلم الاجمالي يكفي لاقتضاء التنجيز واسقاط البراءة العقلية. فان قيل ان أحد طرفيه هو البطلان على تقدير الاتصال بالمعتصم، وهذا أثر تعليقي، وفي مثل ذلك لا يكون العلم الاجمالي منجزا، لاشتراط تنجيزه بأن يكون علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير. قلنا: ان طرف العلم الاجمالي المقصود في المقام ليس أثرا تعليقيا، بل هو اطلاق الاثر الفعلي. وتوضيح ذلك: ان بطلان الوضوء بالماء المضاف منتزع من تعلق الامر بالوضوء بالماء المطلق، وهذا الامر فعلي، كما ان بطلان الوضوء بالماء النجس منتزع من تعلق الامر بالوضوء بالماء الطاهر، فهنا أمر فعلي واحد بالوضوء بالماء المطلق الطاهر. وهناك ثلاث وضوءات بامكان المكلف ايجادها خارجا: أحدها: أن يتوضأ فعلا بهذا الماء المردد بين النجاسة والاضافة، وهذا الوضوء يعلم بانه ليس مصداقا للواجب المأمور به بذلك الامر الفعلي. ثانيها: ان يتوضأ بماء آخر معلوم الاطلاق والطهارة، وهذا الوضوء يحرز كونه مصداقا للواجب. ثالثها: أن يوصل الماء المردد بين النجاسة والاضافة بالمعتصم ويتوضأ به، وهذا الوضوء يشك في كونه مصداقا للواجب الفعلي بحيث يكون مرخصا في تطبيق الوابج الكلي عليه، وعليه يتشكل علم اجمالي، اما بأن هذا الوضوء الثالث ليس مصداقا للواجب الفعلي الملقى في عهدته وهو الوضوء بالماء المطلق الطاهر، واما بأن هذا الماء المردد

[ 227 ]

حرام الشرب فعلا فلا تعليق في الاثر الالزامي أصلا، فلو بنى على الترخيص في تطبيق الواجب الفعلي على الوضوء الثالث والترخيص في شرب الماء، لكان الجمع بين هذين الترخيصين ترخيصا فعليا في المخالفة القطعية لخطاب متوجه فعلا، وهو اما خطاب توضأ بالمطلق الطاهر، أو خطاب لا تشرب النجس. فكم فرق بين المقام وبين ما إذا علم بوجوب اكرام زيد فعلا أو بوجوب اكرم خالد على تقدير أن يصبح عالما، فان هذا ليس علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير، فلو جرت الاصول النافية في الطرفين لم يلزم من ذلك الترخيص في مخالفة خطاب فعلي معلوم، لان خطاب أكرم خالدا على تقدير جعله ليس فعليا. ونكتة الفرق بين المقام وهذا المثال: ان الاتصال بالمعتصم في محل الكلام ليس شرطا من شروط الخطاب، من قبيل علم خالد الذي يؤخذ شرطا لوجوب اكرامه، لوضوح ان الخطاب القابل للتنجيز في المقام هو (توضأ بالمطلق الطاهر)، وهذا فعلي، والاتصال بالمعتصم مقدمة وجودية للحصة من الوضوء التي يشك في كونها امتثالا لهذا الخطاب الفعلي. وأما المقام الثاني: فالماء المذكور ان كانت حالته السابقة هي الاضافة جرى استصحاب الاضافة - أو عدم الاطلاق - واستصحاب الطهارة أو قاعدتها، وبذلك ينحل العلم الاجمالي بأصل مثبت للتكليف في أحد الطرفين وهو استصحاب الاضافة، وأصل ناف في الطرف الاخر وهو أصل الطهارة. وان كانت حالته السابقة هي الاطلاق تعارض استصحاب الاطلاق المستوجب للترخيص في تطبيق الوضوء الواجب فعلا على الوضوء الثالث من الوضوءات المشار إليها آنفا، أي الوضوء بالماء المردد مع ايصاله بالمعتصم، واستصحاب الطهارة المستوجب للترخيص في الشرب من ذلك الماء. وبعد تعارض الاستصحابين يرجع إلى اصالة الطهارة، لاثبات جواز

[ 228 ]

[ وكذا إذا علم انه إما مضاف أو مغصوب (1). وإذا علم انه اما نجس أو مغصوب، فلا يجوز شربه أيضا، كما لا يجوز التوضوء به (2). والقول بانه يجوز التوضوء به ضعيف جدا (3) ] الشرب، وإلى اصالة الاشتغال لاثبات عدم جواز الاكتفاء بالوضوء الثالث وينحل العلم الاجمالي. واما إذا لم تكن للماء حالة سابقة من حيث الاطلاق والاضافة، فان قلنا باستصحاب العدم الازلي للاطلاق فالامر كما في الفرض الثاني، وإلا جرت اصالة الطهارة واستصحابها لاثبات جواز الشرب، واصالة الاشتغال لاثبات عدم جواز الاكتفاء بالوضوء الثالث. وهكذا يتضح ان العلم الاجمالي منحل بالاصول على كل حال، وان الاصول المؤمنة غير متعارضة في أطرافه. (1) المغصوبية هنا. تقوم مقام النجاسة هناك في اقتضائها لحرمة الشرب، فإذا فرض ان بامكان الشخص ازالة هذا المحذور باسترضاء المالك أو شراء المال منه، يكون الامر دائرا بين حرمة الشرب فعلا، وعدم جواز تطبيق الوضوء الواجب فعلا على الوضوء بهذا الماء المقرون باسترضاء المالك والذي هو تحت اختيار المكلف. وقد عرفت منهج البحث في مثل ذلك. (2) لان العلم الاجمالي بالنجاسة أو الغصبية منجز، لانه يستتبع العلم التفصيلي بحرمة الشرب وبطلان الوضوء. لان كلا من النجاسة والغصبية تقتضيان كلا الامرين: (3) وقد ذكر السيد الاستاذ في مبنى هذا القول أنه مبني على ما هو المشهور في مبحث اجتماع الامر والنهي، من ان القول بالامتناع وتقديم

[ 229 ]

جانب النهي لا يوجب بطلان الصلاة أو الوضوء إلا مع العلم بالغصبية، فالغصبية تكون مانعة بوجودها العلمي لا الواقعي. وعليه فلا أثر الزامي لاحد طرفي العلم الاجمالي في المقام وهو الغصبية لان الاثر ان كان حرمة الشرب فهي معلومة تفصيلا، وان كان بطلان الوضوء فهو مترتب على العلم بالغصبية لا على واقعها، فلا يكون العلم الاجمالي بالغصبية أو النجاسة علما اجماليا بموضوع التكليف الفعلي على كل تقدير (1). والتحقيق أن القول المذكور لا وجه له حتى على المبنى المشهور في بحث الاجتماع، لان مقتضى المبنى المشهور هناك ليس أخذ العلم بالغصبية قيدا تعبديا في موضوع البطلان، بل أخذه بما هو منجر لحرمة التصرف حيث ان المشهور يرون امكان احراز ملاك الامر في مادة الاجتماع حتى مع سقوط خطاب الامر وتقديم خطاب النهي عليه، اما للدلالة الالتزامية لخطاب الامر أو لاطلاق المادة فيه أو للاجتماع. ولهذا لا يرى المشهور مانعا من الحكم بصحة العبادة في مادة الاجتماع بعد اشتمالها على الملاك إلا عدم امكان التقرب بها لحرمتها فعلا، وعدم امكان التقرب فرع تنجز حرمة التصرف، لا وجودها الواقعي ولا خصوص العلم بها، بل يكفي بدلا عن العلم سائر المنجزات. فالميزان في البطلان إذن على مسلك المشهور هو تنجز الحرمة الموجب لاستحالة التقرب. وعلى هذا الضوء إذا درسنا العلم الاجمالي بالنجاسة أو الغصبية، لاحظنا ان النجاسة موضوع بوجودها الواقعي للحرمة الوضعية للوضوء - أي بطلانه - والغصبية موضوع بوجودها الواقعي للحرمة التكليفية للوضوء لان التصرف في مال الغير حرام، فيتشكل علم اجمالي بحرمة الوضوء


(1) التنقيح ج 1 ص 370 - 371.

[ 230 ]

وضعا أو تكليفا، وهذا العلم ينجز طرفيه، وبذلك تتنجز الحرمة التكليفية للوضوء بوصفها طرفا للعلم الاجمالي. واصالة الطهارة النافية للحرمة الوضعية تعارض اصالة الحل النافية للحرمة التكليفية للوضوء، وبعد تساقط هذين الاصلين وتنجيز العلم الاجمالي باحدى الحرمتين يصبح التصرف الوضوئي بالماء منجز الحرمة. وفي طول ذلك ينشأ علم تفصيلي بالحرمة الوضعية للوضوء لان الماء ان كان نجسا فالوضوء به حرام وضعا، وان كان مغصوبا - والمفروض تنجز الحرمة التكليفية الغصبية للوضوء بالعلم الاجمالي - فيكون الوضوء حراما وضعا أيضا، لان مادة الاجتماع إذا تنجزت فيها الحرمة أصبحت العبادة باطلة سواء كان المنجز هو العلم التفصيلي أو غيره غير ان العلم التفصيلي بالحرمة الوضعية للوضوء لا يوجب انحلال العلم الاجمالي وابطال منجزيته لانه متفرع على تنجيزه كما هو واضح. وبما حققناه ظهر ان العلم الاجمالي المنجز ينبغي تشكليه على مبني المشهور بالنحو الذي قلناه، ولا حاجة معه إلى تشكيل علم اجمالي بصيغة اخرى على ما افيد وهي العلم بأن هذا الماء، اما لا يجوز التوضؤ به - إذا كان نجسا - وأما لا يجوز التصرف فيه بالرش وسقي الحيوانات - إذا كان مغصوبا (1) إذ قد يتفق عدم وجود هذا العلم الاجمالي، كما إذا كان المالك المحتمل يأذن في الرش والسقي وإنما لا يأذن في الوضوء، فلتبدل حرمة الرش والسقي بالحرمة التكليفية لنفس الوضوء، لكي نحصل في طول تنجيز العلم الاجمالي ببطلان الوضوء، لاجل النجاسة، أو حرمته تكليفا، لاجل الغصب، على علم تفصيلي ببطلان الوضوء وحرمته الوضعية بالنحو الذي شرحناه. ثم لو فرض التزام فقيه بأن العلم بعنوانه دخيل في بطلان مادة * (هامش 1) * التنقيح ج 1 ص 372.

[ 231 ]

[ (مسألة - 5) لو أريق أحد الانائين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبية، لا يجوز التوضوء بالاخر وان زال العلم الاجمالي (1) ] الاجتماع، تعين أيضا تنجيز العلم الاجمالي بالنجاسة أو الغصبية، بلحاظ الحرمة الوضعية للوضوء المترتبة على النجاسة، والحرمة التكليفية له المترتبة على واقع الغصبية، نعم بناء على هذا لا ينشأ في طول تنجز هذا العلم الاجمالي علم تفصيلي بالحرمة الوضعية للوضوء على كل تقدير. (1) لان العلم بالتكليف الفعلي وان كان غير موجود، غير ان العلم الاجمالي بالتكليف المردد بين التكليف الساقط والتكليف الباقي موجود بالفعل، وحيث ان هذا العلم حدث قبل السقوط وفي ظرف فعلية التكليف على كل تقدير، فيكون منجزا، لانه في قوة العلم بالجامع بين فرد قصير من التكليف، وفرد طويل، الذي يؤدي إلى سقوط الاصول المؤمنة في الفرد الطويل بلحاظ تمام حصصه مع الاصول المؤمنة في الفرد القصير. ودعوى: التفصيل في وجوب الاجتناب عن الباقي، بين القول بالعلية. والقول بالاقتضاء. فعلى الاول، يجب الاجتناب عن الباقي ويمتنع اجراء الاصل فيه لوجود العلم الاجمالي. وعلى الثاني، لا يجب الاجتناب إلا إذا سقطت الاصول بالمعارضة، ولا معارضة بعد اراقة أحد الانائين، فيجري الاصل في الباقي بلا محذور (1). مدفوعة: بأن المعارض للاصل الجاري في الفرد الباقي بعد الاراقة لا يلزم أن يكون معاصرا له في الزمان فان المعارضة تحصل بين اطلاق دليل الاصل للفرد القصير في زمان ما قبل الاراقة، واطلاق دليله للفرد الطويل فيما بعد الاراقة. فحال التعارض بين الاصلين في المقام حال التعارض بين الاصول في موارد العلم الاجمالي


(1) المستمسك ج 1 ص 212 الطبعة الثانية.

[ 232 ]

بالتدريجيات، فوجوب الاجتناب عن الباقي لا يفرق فيه بين القول بالعلية والقول بالاقتضاء. ثم إذا فرض عدم انحصار الماء في الباقي، فلا اشكال. وإذا فرض الانحصار، فقد يقال: ان الباقي إذا كان طرفا للعلم الاجمالي بالغصبية، فسوف يكون أمر الوضوء به مرددا بين الحرمة على تقدير كون الباقي هو المغصوب، والوجوب على تقدير كون المراق هو المغصوب. والحرمة منجزة بالعلم الاجمالي بالغصبية، والوجوب منجز بالعلم الاجمالي بوجوب الوضوء أو وجوب التيمم، وبذلك تحصل المنافاة بين العلمين الاجماليين في التنجيز، ومقتضى القاعدة حينئذ هو التخيير بين مراعاة هذا العلم أو ذاك ولكن إذا فرض ان موضوع وجوب الوضوء هو التمكن من استعمال الماء ولو من ناحية المولى - القدرة الشرعية - فسوف يكون تنجيز الحرمة المحتملة بالعلم الاجمالي بالغصبية بنفسه رافعا لموضوع وجوب الوضوء، فلا يتشكل العلم الاجمالي الثاني، وإذا لم نفرض ذلك، فسوف يحصل تزاحم بين التكليفين المعلومين بالعلمين الاجماليين بلحاظ مرتبة الموافقة القطعية، ولا شك في ان جانب الحرمة محتمل الاهمية، فيتقدم. واما إذا كان الباقي طرفا للعلم الاجمالي بالنجاسة، وانحصر الماء به، فسوف يتشكل علم اجمالي بوجوب الوضوء أو وجوب التيمم، لان الماء الباقي إذا كان طاهرا وجب الوضوء به، وإلا وجب التيمم، ولا يوجد أصل ينقح طهارته، للسقوط بالمعارضة، فيكون هذا العلم الاجمالي منجزا، فيجمع بين الوضوء والتيمم ولكن مع تقديم التيمم، إذ لو أخره لعلم بطلانه على كل حال، اما لصحة وضوئه، أو لنجاسة أعضائه، وبعد الجمع بينهما يصبح بدنه من ملاقي الشبهة المحصورة. ولا بأس باجراء أصل الطهارة في البدن، لعدم المعارض في المقام

[ 233 ]

[ ولو أريق أحد المشتبهين من حيث الاضافة، لا يكفي الوضوء بالاخر. بل الاحوط الجمع بينه وبين التيمم (1). (مسألة - 6) ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة (2). لكن الاحوط الاجتناب (3) ] بسبب تلف طرف الملاقى - بالفتح - قبل الملاقاة. هذا لو لم نستفد من الروايات الخاصة الواردة في المائين اللذين يعلم بنجاسة أحدهما، الامرة بالاعراض عنهما والتيمم، أن الحال بعد اراقة أحدهما هو الحال قبل الاراقة، وان الجزم بوجود الطاهر لا يحتمل دخله في تشريع التيمم. وسيأتي الكلام في تلك الروايات ان شاء الله تعالى. (1) للعلم الاجمالي بوجوب الوضوء بالباقي أو التيمم على فرض انحصار ما يحتمل كونه ماء في الباقي، وهذا العلم منجز، كما تقدم في شرح المسألة الثالثة. وقد يدعى. حل هذا العلم في المقام، باستصحاب وجدان الماء المتيقن قبل الاراقة، فيتنقح بذلك موضوع وجوب الوضوء. ويرد عليه، أولا: أنه لا يثبت وقوع الوضوء بالماء المطلق. وثانيا: ان هذا الاستصحاب في نفسه غير جار، لان مرجع وجدان الماء على التركيب في الموضوعات إلى وجدان شئ، وكونه ماء، فالاصل لابد من اجرائه في مائية المائع لا في الوجدان، وأي أصل يثبت مائية المائع الباقي ساقط بالمعارضة مع ما يماثله في المائع الاخر قبل اراقته. (2) إذ لا موجب لاثبات النجاسة حتى على فرض تنجيز العلم الاجمالي كما هو واضح. (3) وهو أما بلحاظ نفس العلم الاجمالي الاول بنجاسة الملاقي - بالفتح - أو الطرف، وأما بلحاظ العلم الاجمالي الثاني بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف.

[ 234 ]

وقد يقال: بعدم صلاحية العلم الاجمالي الاول لتنجيز نجاسة الملاقي لان المعلوم بهذا العلم نجاسة أحد الانائين مثلا، ونجاسة الشئ ليست تمام الموضوع لنجاسة ملاقيه، بل جزءه والجزء الاخر نفس الملاقاة، فلا يكون العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين منجزا لنجاسة الملاقي لاحدهما ولنا بيانات لتقريب منجزية هذا العلم الاجمالي لنجاسة الملاقي، بنحو يوجب خروجها عن دائرة البراءة العقلية المشهورة، غير أن تلك البيانات إذا تمت لا تقتضي التنجيز بنحو تتساقط الاصول الشرعية ويخلو الملاقي - بالكسر - من الاصل المؤمن الشرعي، وقد تعرضنا لتلك البيانات في الاصول، والمهم هنا هو تحقيق حال العلم الاجمالي الثاني الذي تخلص القائلون بعدم وجوب اجتناب الملاقى، عن منجزيته بعده وجوه. الوجه الاول: دعوى، أن أصالة الطهارة في الملاقى - بالكسر - حيث انها في طول اصالة الطهارة في الملاقى بالفتح، فلا تقع طرفا للمعارضة في مرتبتها مع الاصل في الطرف الاخر، بل يتساقط الاصلان العرضيان في الطرفين، ولا يبقى في مرتبة جريان أصل الطهارة في الملاقى - بالكسر - معارض له. وهذا البيان يتوقف: أولا، على القول بالاقتضاء، وانكار علية العلم الاجمالي، والا، لامتنع اجراء أصل الطهارة في أحد طرفيه ولو لم يكن له معارض ما لم يطرأ عليه أحد موجبات الانحلال. وثانيا، على فرض الطولية بين أصل الطهارة في الملاقى - بالفتح - وأصل الطهارة في الملاقي - بالكسر -، وأما لو فرضا عرضيين، وقعا في مرتبة واحدة طرفا للمعارضة مع الاصل في الطرف الاخر. وثالثا، على عدم وجود أصل طولي في الطرف الاخر يكون في

[ 235 ]

رتبة أصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - والا سقطا بالمعارضة. ورابعا على التسليم بكبرى، ان الاصل الطولي لا يقع طرفا للمعارضة في عرض معارضة الاصل الحاكم عليه. أما الامر الاول، فهو تام كما حققناه في الاصول. وأما الامر الثاني، فيواجه اشكالين. أحدهما خاص باصالة الطهارة والاخر عام. أما الاشكال الخاص، فهو أن المجعول في قاعدة الطهارة لما لم يكن هو الطريقية والغاء الاحتمال، فلا يكون أصل الطهارة في الملاقى - بالفتح - رافعا لموضوع أصل الطهارة في الملاقي - بالكسر - على حد ما يدعي من رافعية الاستصحاب السببي لموضوع الاستصحاب المسببي، فالشك في طهارة الملاقي - بالكسر - غير ملغى لا وجدانا ولا تعبدا، فيجري أصل الطهارة فيه في عرض جريان الاصل في الملاقى - بالفتح -. وأما الاشكال العام، فهو أن المأخوذ في موضوع دليل أصل الطهارة عدم العلم بالنجاسة لا عدم العلم بالطهارة، وانما لا تجري أصالة الطهارة مع العلم الوجداني بالطهارة لعدم تعقل الحكم الظاهري في هذه الحالة. وعليه، فإذا كان الاصل الموضوعي موجبا للتعبد بالعلم بالنجاسة كان رافعا لموضوع أصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر -، وأما إذا كان الاصل الموضوعي موافقا، فحتى لو فرض تكفله لجعل الطريقية لا ينفع ذلك في حكومته على أصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - لانه انما يقتضي العلم التعبدي بالطهارة، والمفروض ان دليل أصالة الطهارة لم يؤخذ في موضوعه عدم العلم بالطهارة ليكون دليل التعبد بهذا العلم حاكما، وانما خرجت صورة العلم الوجداني بمخصص عقلي، وهو عدم تعقل الحكم الظاهري معه وهذان الاشكالان، كلاهما يتجهان على الحكومة بتقريبها الذي

[ 236 ]

تختاره مدرسة المحقق النائيني - قده - وهو أن الاصل الحاكم يلغي الشك المأخوذ في موضوع الاصل المحكوم. وإما إذا قلنا ان نفس كون أحد الاصلين جاريا في رتبة الموضوع، والاخر في رتبة الحكم، قرينة عرفية على التقدم مهما كان المجعول فيهما، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فمن الواضح ان هذه القرينة العرفية على التقديم فرع التعارض، ولا تعارض بين أصلين متوافقين. وعليه، فلا موجب للطولية بين أصل الطهارة في الملاقي وأصل الطهارة فيما لاقاه. وأما الامر الثالث، فهو غير تام في مثل الموارد التي يكون الطرف الاخر فيها موردا لاصالة الاباحة، كالماء والطعام، فان اصالة الاباحة في الطرف الاخر نسبتها إلى اصالة الطهارة فيه على حد نسبة اصالة الطهارة في الملاقي - الكسر - إلى اصالة الطهارة في الملاقى - بالفتح - لكون الشك في الحلية والحرمة مسببا عن الشك في الطهارة والنجاسة، فتتعارض اصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - مع أصل الاباحة في الطرف الاخر في مرتبة واحدة. وأما الامر الرابع، فعدم صلاحية الاصل الطولي للمعارضة مع الاصل في الطرف الاخر واختصاص المعارضة بالاصلين العرضيين، يحتاج إلى برهان، وما يمكن أن يبرهن به على ذلك امور. أحدها: ان الاصل الطولي في طول تساقط الاصلين العرضيين، إذ لولا تساقطهما لما وصلت النوبة إلى هذا الاصل المحكوم، وإذا كان الاصل الطولي في مرتبة متأخرة عن تساقط العرضيين فلا يقبل أن يكون معارضا بأحدهما، لان الساقط يستحيل أن يمانع، بعد فرض سقوطه، عما لا يتم مقتضيه إلا بعد فرض ذلك السقوط.

[ 237 ]

ويرد عليه: أن الاصل الطولي في طول سقوط الاصل الحاكم الموافق له، وسقوط الاصل الحاكم ليس في سقوط الاصل العرضي في الطرف الاخر، بل كلا السقوطين في عرض واحد، وينشأ سقوط الاصل الحاكم من مانعية مقتضي جريان الاصل العرضي في الطرف الاخر، فلا طولية إذن بين الاصل الطولي وسقوط الاصل العرضي في الطرف الاخر ليستحيل التمانع بينهما، بل الطولية المباشرة بين الاصل الطولي وسقوط الاصل الحاكم الموافق، وحيث ان هذا السقوط في طول مانعية مقتضي الجريان للاصل العرضي في الطرف الاخر، كان الاصل الطولي أيضا في طول مانعية مقتضي الجريان للاصل العرضي في الطرف الاخر، فلا يلزم من مانعية الاصل العرضي في الطرف الاخر للاصل الطولي كون الساقط المفروض السقوط في مرتبة متقدمة ممانعا عن شئ لا يتم مقتضيه إلا بعد فرض السقوط. ثانيها: أنا سلمنا عدم كون الاصل الطولي في طول سقوط الاصل العرضي في الطرف الاخر، ولكنه في طول سقوط الاصل الحاكم، وسقوط الاصل الحاكم مع سقوط الاصل العرضي الاخر مستندان إلى علة واحدة وهي المعارضة. بين الاصلين، أي المزاحمة بين مقتضى الاثبات لهذا الاصل ومقتضى الاثبات لذلك الاصل في لسان الدليل، وهذا يعني ان الاصل الطولي في طول المعارضة بين الاصلين العرضيين، والاصل المعارض - بالفتح - بما هو معارض لا يعقل جريانه ليقع طرفا للمعارضة مع الاصل الطولي. والفرق بين هذا البيان وسابقه، أنه في السابق أدعي، ان معنى معارضة الاصل العرضي في الطرف الاخر للاصل الطولى كون الساقط بما هو ساقط معارضا لما هو مترتب على سقوطه. وهنا يدعى، أن معنى

[ 238 ]

المعارضة المذكورة هو ان الاصل المعارض - بالفتح - بما هو معارض في المرتبة السابقة يكون معارضا بعد ذلك الاصل الطولي ويرد عليه: أن المعارضة تنحل في الحقيقة إلى مانعيتين. احداهما، مانعية مقتضي الجريان للاصل الحاكم في لسان الدليل عن تأثير مقتضي الجريان للاصل العرضي في الطرف الاخر، وفي مقابلها ممنوعية الاصل العرضى في الطرف الاخر والاخرى، مانعية مقتضي الجريان للاصل العرضي في الطرف الاخر عن تأثير مقتضي الجريان للاصل الحاكم في لسان الدليل، وفي مقابلها ممنوعية الاصل الحاكم. وعلى هذا الاساس، فان اريد ان الاصل الطولي في طول المانعية الثانية، وهي مانعية مقتضي الجريان للاصل العرضي في الطرف الاخر عن تأثير مقتضي الجريان للاصل الحاكم، فهذا صحيح، إذ ببركة هذه المانعية يسقط الاصل الحاكم ويتم موضوع الاصل الطولي. ولكن لا محذور في أن يكون الاصل العرضي في الطرف الاخر بما هو مانع عن الاصل الحاكم معارضا للاصل الطولي، بحيث يزاحم أولا مقتضي الجريان في الاصل الحاكم، ويزاحم في رتبة متأخرة مقتضي الجريان في الاصل الطولي، لان ما هو مفروغ عن مانعيته بعقل أن يكون مانعا. وان اريد. أن الاصل الطولي في طول ممنوعية الاصل العرضي في الطرف الاخر ومانعية الاصل الحاكم له - وهي المانعية الاولى - فهذه الطولية غير صحيحة، لان تمامية موضوع الاصل الطولي وفعلية اقتضائه للجريان انما تتوقف على مانعية الاصل العرضي في الطرف الاخر للاصل الحاكم لا ممنوعيته من قبله، فلا يلزم من معارضة الاصل العرضي في الطرف الاخر للاصل الطولي كون الاصل الممنوع بما هو ممنوع معارضا. ثالثها: انا سلمنا عدم كون الاصل الطولي في طول سقوط الاصل

[ 239 ]

العرضي في الطرف الاخر ابتداء، ولا في طول ممنوعية مقتضية عن التأثير من قبل الاصل الحاكم، ولكن المطلوب مع هذا يتم بلحاظ مجموع أمرين أحدهما، أن الاصل الطولي في طول سقوط الاصل الحاكم. والاخر أن سقوط الاصل الحاكم في مرتبة سقوط الاصل العرضي في الطرف الاخر. فإذا تم هذان الامران ثبت تأخر الاصل الطولي مرتبة عن سقوط الاصل العرضي في الطرف الاخر من أجل تأخره عما هو في مرتبته ومع كونه في طول سقوط الاصل العرضي في الطرف الاخر يستحيل معارضته له. والجواب: ان هذا مبنى على ان ما مع المتقدم رتبة متقدم بالرتبة أيضا، وهذه الكبرى غير صحيحة، فان مجرد كون شئ غير متقدم ولا متأخر بالرتبة عن شئ آخر لا يستدعي تقدمه بالرتبة على كل ما يكون ذاك مقدما عليه بالرتبة، ما لم يتحقق فيه ملاك التقدم الرتبي بالخصوص. رابعها: أننا سلمنا ان التأخر عن أحد العرضيين لا يوجب التأخر عن العرضي الاخر، لكنا نثبت بالبرهان، عدم صلاحية الاصل الطولي للمصادمة مع الاصل العرضي في الطرف الاخر، وان كان هذا الاصل العرضي صالحا للمصادمة مع الاصل الطولي والبرهان هو: أنه يلزم من منع الاصل الطولي عن الاصل العرضي في الطرف الاخر، رجوع الاصل الحاكم بارتفاع معارضة. ورجوعه يعني انعدام الاصل الطولي، وبالتالي انعدام مانعيته، فيلزم إذن من مانعيته عدم مانعيته، فتكون مانعيته مستحيلة وهذا يبرهن على عدم امكان وقوعه طرفا للمعارضة مع الاصل العرضي في الطرف الاخر، لان المعارضة معناها صلاحيته في نفسه للمنع عن جريان الاصل العرضي في الطرف الاخر مع أنه غير صالح لذلك في نفسه، لان المنع المذكور مستحيل لاستلزام وجوده لعدمه.

[ 240 ]

ويرد عليه: أن سقوط الاصل العرضي في الطرف الاخر الناشئ من تمامية مقتضي الاصل الطولي يستحيل أن يكون منشأ لرجوع الاصل الحاكم، لان هذا السقوط متفرع على سقوط الاصل الحاكم، فلا يعقل أن يكون سببا في نفي السقوط عن الاصل الحاكم واجرائه. وانما يعقل جريان الاصل الحاكم عند سقوط الاصل العرضي المعارض له إذا لم يستند سقوط هذا الاصل إلى سقوط الاصل الحاكم نفسه. خامسها: أن سقوط الاصل انما هو للمعارضة، أي للعلم الاجمالي بأن أحد الاصلين ساقط على كل حال، فرارا عن محذور المخالفة القطعية ولما لم يكن هناك مرجح لتطبيق السقوط على أحدهما دون الاخر، تعذر اجراء كل من الاصلين، فالاساس لعدم جريان الاصلين في الطرفين هو العلم الاجمالي بعدم جريان أحدهما بسبب عدم امكان الترخيص في المخالفة القطعية. وفي هذا الضوء نقول: لدينا علمان اجماليان أحدهما، العلم الاجمالي بسقوط الاصل الحاكم أو الاصل العرضي في الطرف الاخر، لان جريانهما معا مساوق للترخيص في المخالفة القطعية، وهذا العلم ينجز طرفيه، بمعنى أنه يمنع عن التمسك باطلاق دليل الاصل الحاكم، ويمنع عن التمسك به لاجراء الاصل العرضي في الطرف الاخر. والاخر، العلم الاجمالي بسقوط الاصل العرضي الطولي أو الاصل العرضي في الطرف الاخر، لان جريانهما معا يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية أيضا، غير ان هذا العلم في طول العلم الاجمالي الاول، لانه فرع تمامية المقتضي للاصل الطولي المتوقف على سقوط الاصل الحاكم بسبب تنجيز العلم الاجمالي الاول، فهما علمان طوليان وبينهما طرف مشترك، وهو سقوط مقتضي الجريان للاصل العرضي في الطرف الاخر.

[ 241 ]

وحينئذ يقال: أن العلم الاجمالي الثاني لا ينجز طرفيه أي السقوطين، لان أحد هذين السقوطين منجز في المرتبة السابقة بالعلم الاجمالي الاول، فيكون منحلا. ويرد عليه: أن العلم الاجمالي الثاني ليس في طول تنجيز العلم الاجمالي الاول للطرف المشترك، وانما هو في طول تنجيزه للطرف المختص بالعلم الاول - أي سقوط الاصل الحاكم -، فلا موجب لفرض كون التنجيز الذي يكسبه الطرف المشترك من العلم الاجمالي الاول أسبق رتبة من التنجيز الذي يكسبه من العلم الاجمالي الثاني، ليكون موجبا للانحلال على فرض تسليم كبرى الانحلال في أمثال ذلك. سادسها: أن تعارض أصلين انما يكون إذا كانا متساويين اقتضاءا ومحذورا، اما اقتضاءا، فبان يكون انطباق موضوع دليل الاصل، وهو عدم العلم، ثابتا بالنسبة إلى كل واحد منهما، وأما محذورا، فبأن يلزم من مجموعهما الترخيص في المخالفة القطعية، ومن اجراء أحدهما دون الاخر نفس ما يلزم من اجراء الاخر دونه من محذور الترجيح بلا مرجح، وأما إذا وجد في أحدهما محذور مستقل يمنع عن جريانه، وراء محذور الترجيح بلا مرجح، فليس الاصلان متساويين محذورا، لان مورد المحذور المستقل لا يمكن الاخذ به بحسب الغرض ولو اريد الترجيح بلا مرجح، فلا معنى للمعارضة بينهما، بل يتعين مورد المحذور المستقل للسقوط. وعلى هذا الضوء، يقال: أن الالتزام بجريان الاصل العرضي في الطرف الاخر تقديما له على الاصل الطولي ينحصر محذوره بالترجيح بلا مرجح، وأما الاصل الطولي فيقطع النظر عن محذور الترجيح بلا مرجح يستحيل جريانه، وذلك، لانه إذا بني على اسقاط الاصل العرضي في الطرف الاخر في مقابل معارضه لفرض عدم المحذور في الترجيح بلا مرجح

[ 242 ]

يدور الامر حينئذ بين تقديم الاصل الطولي عليه، أو تقديم الاصل الحاكم العرضي عليه، وفي هذه الحالة يكون ايثار الاصل الطولي بالتقديم بدلا عن الاصل الحاكم عليه واجدا لمحذور آخر غير محذور الترجيح بلا مرجح، وهو محذور تقديم المحكوم على حاكمه في مقام الاجراء. وإن شئت قلت: ان فرض معارضة الاصل الطولي للاصل العرضي في الطرف الاخر مرجعه إلى فرض معارضة واحدة، طرفها من جانب، الاصل العرضي في الطرف الاخر، وطرفها من جانب آخر، الجامع بين الاصل الحاكم والاصل الطولي. فمن الواضح ان افتراض جريان الاصل الطولي يستبطن افتراضين، أحدهما: تقديم الجامع على الاصل العرضي في الطرف الاخر، وهذا هو الترجيح بلا مرجح. والاخر: تقديم تطبيق هذا الجامع على الاصل الطولي بدلا عن تطبيقه على الاصل الحاكم العرضي وهذا هو محذور تقديم المحكوم على حاكمه. وهذا يعني ان اجراء الاصل الطولي واجد لمحذور مستقل زائد على محذور الترجيح بلا مرجح، وبذلك يكون الاصل العرضي في الطرف الاخر مقدما عليه، ونتيجة ذلك عدم امكان ايقاع المعارضة بين الاصل الطولي والاصل العرضي في الطرف الاخر بل تنتهي النوبة إلى الاصل الطولي بعد تساقط العرضيين. وهذا البيان تام فنا. ولكن قد يقع التأمل في موافقة الارتكازات العرفية عليه، التي هي المقياس في تشخيص المعارضة بين اطلاقات دليل الاصل، لان المعارضة بين الاصلين أو الاصول ترجع في الحقيقة إلى المعارضة بين ظهورات واطلاقات دليل الاصل، والنظر العرفي هو المحكم في حجية الظهور وفي تمييزه معا، فقد يقال: ان ظهور دليل الاصل في الشمول للاصل الطولي ليس حجة في نظر العرف على أساس انه يرى المعارضة بينه وبين ظهور دليل الاصل في الشمول للاصل العرضي في الطرف الاخر.

[ 243 ]

فان قيل: إذا شكك في عرفية هذه العنايات فكيف يمكن اعمالها في الاصول اللفظية، إذ لا شك في مرجعية العام الفوقاني بعد تعارض الخاصين وليس ذلك الا ببرهان، ان اصالة العموم في العام يستحيل أن تقع طرفا للمعارضة مع المخصص للعام، فلا تصل النوبة إليها الا بعد تساقط الخاصين فحال اصالة العموم حال الاصل الطولي في المقام. قلنا: ان اصالة العموم في طول سقوط الخاص المخالف للعام، وهذه الطولية مفهومة عرفا وموجبة لعدم ايقاع المعارضة بينهما. فنسبة اصالة العموم إلى الخاص المخالف نسبة الاصل الطولي إلى الاصل الحاكم، فلا يقاس ذلك بالطولية المراد تصويرها بين الاصل الطولي والاصل العرضي في الطرف الاخر. وعلى ضوء مجموع ما ذكرناه، في تحقيق سلامة الاصل الطولي عن المعارضة اثباتا ونفيا، يتضح: أنه لا موقع للاعتراض على كون الطولية سببا في نجاة الاصل الطولي من المعارضة مع الاصل في الطرف الاخر، بأن أدلة اعتبار الاصول انما هي ناظرة إلى الاعمال الخارجية ومتكفلة لبيان أحكامها ومن هنا سميت بالاصول العملية، وغير ناظرة إلى أحكام الرتبة بوجه، ففي الظرف الذي يجري الاصل في الملاقي يجري فيما لاقاه أيضا ولا تقاس الاحكام الشرعية على الاحكام العقلية المترتبة على الرتب (1). وذلك، لان المدعي ليس كون الطولية سببا في نجاة الاصل الطولي من المعارضة، بملاك افتراض انه انما يجري في مرتبة عقلية متأخرة عن المرتبة العقلية المعدة لجريان الاصلين العرضيين ففي تلك المرتبة لا يوجد أصل سواه وفي المرتبة التي تحتوي على الاصلين العرضيين لا ثبوت للاصل الطولي فان سلامة الاصل الطولى لو كانت بهذا البيان، لاتجه الجواب: بأن


(1) مدارك العروة ج 2 ص 212.

[ 244 ]

الاصل حكم الواقع لا حكم الرتبة. ولكن الامر ليس كذلك، بل المدعي سلامة الاصل الطولي بملاك انه مترتب وجودا على تساقط الاصلين، وما هو مترتب على عدم شئ يستحيل أن يعارضه، بدون فرق بين الاحكام الشرعية أو العقلية أو الامور التكوينية الخارجية، فان الامر الخارجي أيضا إذا كان مترتبا اقتضاءا على عدم شئ فلا يمكن أن يقع التزاحم بين مقتضيه ومقتضى ذلك الشئ، ولا يعني ذلك كون الرتبة وعاء للامر الخارجي، فلابد اذن في مقام الجواب من توضيح ان الاصل الطولي ليس مترتبا على تساقط الاصلين العرضيين ليمتنع تعارضه مع أحدهما على النحو الذي شرحناه. كما اتضح بما ذكرناه أيضا، أن نكات سلامة الاصل الطولي عن المعارضة اثباتا أو نفيا لا يفرق فيها بين أن يكون مفاد الاصل الطولي مغايرا مع مفاد الاصل العرضي الحاكم عليه. كاصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - واصالة الطهارة فيما لاقاه، أو متحدا معه، كاصالة الطهارة في شئ مع استصحاب الطهارة فيه، وإن ميز المحقق النائيني - قده - بين الفرضين، وذهب إلى سلامة الاصل الطولي في فرض المغايرة دون فرض الاتحاد في المفاد. وأفاد في وجه سقوط الاصل الطولي بالمعارضة مع وحدة المفاد، أن تعارض الاصول إنما هو باعتبار تعارض مؤدياتها وما هو المجعول فيها والمؤدي في كل من استصحاب الطهارة وقاعدتها أمر واحد وهو طهارة مشكوك الطهارة (1). ويرد عليه: أن وحدة المدلول في الاصل الحاكم والاصل الطولي لا يقتضي دخول الاصل الطولي في المعارضة، لان ملاك المعارضة ليس مجرد التنافي بين ذاتي المدلولين، بل ذلك مع فعلية الدلالة في كل من


(1) فوائد الاصول ج 3 ص 16 أجود التقريرات ج 2 ص 246.

[ 245 ]

الدليلين، فإذا لاحظنا دليل قاعدة الطهارة ودليل استصحابها نجد ان ذات مدلول دليل القاعدة في هذا الطرف مع ذات مدلول دليل االاستصحاب في الطرف الاخر وان كانا متنافيين، ولكن المدعي ان فعلية الدلالة في دليل قاعدة الطهارة على الطهارة الظاهرية غير ثابتة في عرض دلالة دليل الاستصحاب على الاستصحاب، ومع عدم فعلية الدلالتين في عرض واحد لا يعقل التعارض. الوجه الثاني، لعدم تنجيز العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف، وهو مختص بفرض تأخر العلم بالملاقاة عن العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين، إذ يقال حينئذ: أن الاصل في الطرف الاخر قد سقط بالمعارضة مع الاصل في الملاقى - بالفتح - في زمان سابق بسبب العلم الاجمالي الاول، وفي زمان توقع اجراء أصل الطهارة في الملاقي - بالكسر - لا يوجد أصل معارض له. ويرد عليه: أن التعبد بالاصل العرضي في الطرف الاخر ينحل حسب قطعات الزمان إلى تعبدات متعددة، ومن المعلوم ان التعبد به في زمان العلم بالملاقاة انما يكون ساقطا من ناحية العلم الاجمالي الاول بنجاسة أحد الانائين، إذا كان هذا العلم باقيا إلى ذلك الحين، فهو بوجوده البقائي إلى ذلك الحين مانع عن التعبد في ذلك الظرف لا بصرف وجوده الحدوثي لوضوح أنه لو كان قد ارتفع وانحل لجرى الاصل بعد انحلاله، فالمعارضة بين الاصلين في الانائين في كل زمان فرع بقاء العلم الاجمالي إلى ذلك الزمان. وحينئذ لا معنى للقول بأن الاصل العرضي في الطرف الاخر بتمام تعبداته المتكثرة قد سقط في الزمان السابق بسبب العلم الاجمالي الاول، بل ان التعبد به المترقب في زمان العلم بالملاقاة لا يسقطه الا بقاء العلم الاجمالي الاول إلى ذلك الزمان، والمفروض حدوث علم اجمالي آخر في هذا الزمان وهو العلم بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف، فيكون كل من الوجود

[ 246 ]

البقائي للعلم الاول والوجود الحدوثي للعلم الاجمالي الثاني مانعا عن فعلية ذلك التعبد بالاصل العرضي في الطرف الاخر، ويكون أصل الطهارة في الملاقي - بالكسر - معارضا مع ذلك التعبد بالاصل العرضي في الطرف الاخر في عرض واحد زمانا. غاية الامر، أن ذلك التعبد يوجد فعلا عاملان لاسقاطه. أحدهما: الوجود البقائي للعلم الاجمالي الاول، والاخر الوجود الحدوثي للعلم الاجمالي الثاني - وأما أصل الطهارة في الملاقي - بالكسر - فهو يشترك معه في العامل الثاني للاسقاط: فلا تتحقق النكتة التي يرتكز عليها هذا الوجه، وهي ان الاصل في الطرف الاخر ساقط في زمان سابق، بل هو ساقط في نفس الزمان وان تعددت فيه عوامل الاسقاط. ثم لو فرض تمامية هذا الوجه، وكون الاصل العرضي في الطرف الاخر ساقطا في زمان سابق بحيث يجري أصل الطهارة في الملاقي - بالكسر - بلا معارض في ظرف جريانه، فلابد من الكلام فيما استثناه السيد الاستاذ - دام ظله - منه، إذ استثنى من ذلك صورتين، حكم فيهما بوجوب الاجتناب عن الملاقى. الاولى: فيما إذا كان في الطرف العرضي الاخر أصل مؤمن كان سليما عن المعارضة قبل العلم بالملاقاة، كما إذا علم بنجاسة الاناء أو الثوب ثم علم بملاقاة شئ ثالث للثوب، فانه قبل العلم بالملاقاة تتساقط أصالة الطهارة واستصحابها في الاناء والثوب بالمعارضة، ولكن يختص الاناء بأصل غير معارض، وهو أصل الاباحة، لعدم جريان مثل ذلك في الثوب حيث أنه لا يؤكل ولا يشرب. وحينئذ فبعد العلم بالملاقاة تصبح أصالة الاباحة هذه معارضة لاصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر -، وبعد التساقط يجب الاجتناب عن الملاقى والامتناع عن الشرب من ماء الاناء (1).


(1) التنقيح ج 1 ص 378.

[ 247 ]

والتحقيق: أن أساس الفكرة في الاستثناء وجيه، ولكن لا يمكن المساعدة على تطبيقها على العلم الاجمالي بنجاسة ماء الاناء أو الثوب، لان أصالة الاباحة في الماء ليست سليمة عن المعارض قبل العلم بالملاقاة، بل هي معارضة باصالة البراءة عن مانعية الثوب في الصلاة. بناء على ما هو الاظهر عند المشهور من كون النجاسة مانعة لا كون الطهارة الخبثية شرطا، فانه بناء على ذلك، تكون المانعية انحلالية، ويكون الشك في نجاسة الثوب شكا في فرد زائد من المانع، فتجري البراءة عن مانعيته وتعارض مع أصالة الحل في الماء. اللهم، إلا ان يبنى على كون البراءة وأصالة الحل أصلين ثابتين بدليلين، وحينئذ فالبراءة عن المانعية تعارض البراءة عن حرمة الشرب، ويرجع إلى دليل أصالة الحل بلا معارض. بنا - على ما هو المختار، من ان الطرفين إذا كانا مشتركين في أصول متسانخة ويختص أحدهما بأصل لا مسانخ له في الطرف الاخر جرى هذا الاصل وتساقطت تلك الاصول. ولو كانت الفكرة التي يستند إليها الاستثناء قد طبقت على مثل العلم الاجمالي بنجاسة الاناء أو التراب لكان أوضح، لان التراب لا تجري فيه أصالة البراءة عن المانعية، بناء على ان الطهارة مأخوذة شرطا في ما يتيمم به أو يسجد عليه. الثانية: فيما إذا كانت الملاقاة المعلومة مقارنة لنجاسة أحد الانائين المعلومة اجمالا، وان كان العلم بالملاقاة متأخرا عن العلم الاجمالي بالنجاسة كما إذا علم في يوم الخميس بنجاسة أحد الانائين من يوم الاربعاء، وعلم في يوم الجمعة بأن الشئ الثالث كان ملاقيا لاحد الانائين في يوم الاربعاء ففي مثل ذلك أفيد: أنه يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - وانما لا يجب الاجتناب عنه إذا كانت الملاقاة متأخرة عن النجاسة المعلومة إجمالا.

[ 248 ]

وقد أفيد في وجه ذلك: أن العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين إنما يكون منجزا ما لم ينحل، ولا يعقل بقاء تنجيزه وأثره بعد زواله وانعدامه. فكما إذا علمنا بنجاسة شئ تفصيلا ثم تبدل إلى الشك الساري يرجع إلى مقتضيات الاصول، ولا يقال: أن النجاسة متنجزة بحدوث العلم التفصيلي. لوضوح ان تنجيزه منوط ببقائه فكذلك العلم الاجمالي لا يترتب عليه أثر بعد انعدامه. وفي المقام وان حصل العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين ابتداء قبل العلم بالملاقاة، إلا ان هذا العلم الاجمالي يرتفع وينحل بعد العلم بالملاقاة المقارنة لحدوث النجاسة، ويوجد علم اجمالي آخر متعلق بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف الاخر. ومقتضى ذلك وجوب الاجتناب عن كل واحد من الملاقى والملاقي (1). وهذا الكلام لا يخلو من غرابة، لان مجرد انكشاف ملاقاة الشئ الثالث لاحد الانائين في يوم الاربعاء لا يوجب انعدام العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين وانحلاله، وانما يوجب حصول علم اجمالي آخر معاصر معلوما للعلم الاجمالي المذكور. وبكلمة واضحة: أن المراد بانعدام العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين ان كان انعدام أصل حيثية الانكشاف فيه، فهو واضح البطلان. لبداهة أن انكشاف نجاسة أحد الانائين لا يزال كما هو ولم يتبدل بالشك الساري كما فرض في مثال العلم التفصيلي المتبدل بالشك الساري. وان كان المراد انعدام حد من حدود الانكشاف، حيث ان المعلوم كان نجاسة واحدة، وكان الانكشاف انكشافا لنجاسة مقيدة بكونها واحدة. وأصبح الانكشاف الان انكشافا للمردد بين نجاسة واحدة في الطرف الاخر أو نجاستين في الملاقي والملاقى معا، فلو جارينا هذا التعبير وافترضنا انعدام الحد المزبور


(1) التنقيح ج 1 ص 383 - 384.

[ 249 ]

من حدود الانكشاف، فلا يجدي ذلك لاثبات المدعى، لان التنجيز دائر بقاء مدار ذات الانكشاف لابقائه بحده ذاك لوضوح ان كون النجاسة المنكشفة محدودة بانها واحدة لا دخل له في تنجيز تلك النجاسة حدوثا أصلا لكي يرتفع التنجيز بانعدام هذا الحد وتبدله. فالمقام إذا أريد تشبيهه بموارد العلم التفصيلي ينبغي ان يشبه بما إذا علم تفصيلا بنجاسة اناء وحده ثم علم بعد ذلك بنجاسته ونجاسة اناء آخر مقارنا له بالملاقاة، لا بما إذا علم تفصيلا بالنجاسة ثم تبدل إلى الشك الساري. وليعلم ان السيد الاستاذ - دام ظله -، كما استثنى الصورتين المذكورتين من الوجه المذكور لعدم وجوب الاجتناب عن الملاقى، ذكر في مقابل ذلك، ان هذا الوجه لا يختص بصورة تأخر العلم بالملاقاة عن العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين، بل يشمل أيضا صورة تقدم العلم بالملاقاة على العلم الاجمالي مع فرض كون النجاسة المعلومة اجمالا سابقة على الملاقاة، كما إذا فرض العلم في يوم الخميس بملاقاة الثوب لاحد الانائين في ذلك اليوم وعلم يوم الجمعة بنجاسة أحد الانائين اجمالا من يوم الاربعاء، ففي مثل ذلك تجري اصالة الطهارة في الثوب بلا معارض، ولا يجب الاجتناب عنه، لان الاعتبار في العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين بالمنكشف لا بالكاشف، لوجوب ترتيب آثار المنكشف - وهو نجاسة أحد الانائين - من زمان حدوثه، فيجب في المثال ترتيب آثار النجاسة المعلومة بالاجمال من يوم الاربعاء لا من زمان الكاشف. وعلى هذا فقد تنجزت النجاسة بين الانائين، والشك في طهارة كل منهما يوم الاربعاء قد سقط الاصل الجاري فيه بالمعارضة مع الجاري في الاخر وبقي الشك في حدوث نجاسة أخرى في الملاقى، والاصل عدم حدوثها ولا معارض لهذا الاصل. وعليه لا أثر

[ 250 ]

للعلم الاجمالي الثاني - المتولد من الملاقاة - بنجاسة الملاقى أو الطرف (1). وهذا الكلام، يعني في الحقيقة: الغاء دخل تقدم العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين على العلم بالملاقاة في سلامة الاصل الجاري في الملاقي - بالكسر - عن المعارض، وجعل المناط في سلامة هذا الاصل عن المعارضة تقدم المعلوم الاجمالي على الملاقاة، سواء كان العلم الاجمالي بالنجاسة متقدما على الملاقاة والعلم بها أو متوسطا بينهما أو متأخرا عنهما معا. والتحقيق في المقام: أنه في فرض تأخر الملاقاة عن المعلوم الاجمالي وعدم تأخر العلم بها عن العلم الاجمالي، كما في المثال المفروض، سوف يحصل علمان اجماليان في وقت واحد وهو يوم الجمعة. أحدهما: العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين من يوم الاربعاء. والاخر: العلم الاجمالي بنجاسة الثوب من يوم الخميس - الذي هو يوم الملاقاة - أو نجاسة الاناء الاخر من يوم الاربعاء. والكلام في وجه عدم منجزية العلم الاجمالي الثاني ومنجزيته له معنييان. أحدهما: ان تنجيز العلم الاجمالي لكلا الطرفين فرع تعارض الاصول الشرعية فيهما، فيدعي في المقام: ان الاصول غير متعارضة وان الاصل في الثوب الملاقى يجري بلا معارض. والاخر: ان العلم الاجمالي غير صالح في نفسه للمنجزية بنحو يدعى سقوطه عن التأثير حتى مع البناء على علية العلم الاجمالي وعدم امكان الترخيص الشرعي في أحد طرفيه. والفرق بين هذين المعنيين ان عدم التنجيز على الاول نشأ من جريان الاصل بلا معارض في الثوب، ولهذا يختص ذلك بمسلك الاقتضاء. واما عدم التنجيز على الثاني فهو لعدم صلاحية العلم الاجمالي في نفسه ولهذا يطرد على مسلك العلية أيضا.


التنقيح ج 1 ص 381.

[ 251 ]

فان اريد في المقام المعنى الاول، ودعوى: أن الاصل يجري في الثوب بلا معارض وبسبب ذلك يسقط العلم الاجمالي الثاني عن المنجزية فيرد عليه: ان الثوب وكلا من الانائين لم يصبح مشكوك النجاسة بسبب العلم الاجمالي إلا في زمان واحد، وهو يوم الجمعة في المثال السابق الذي علم فيه بنجاسة أحد الانائين. وظرف جريان الاصل في كل من الانائين والثوب انما هو ذلك الزمان، فأصل الطهارة في الاناء الاخر معارض لاصل الطهارة في الثوب. ودعوى: أن العبرة بالمنكشف، ولهذا يجب في المثال ترتيب آثار النجاسة المعلومة بالاجمال من يوم الاربعاء. مدفوعة: بأن العبرة بالمنكشف في مقدار ما يتنجز لا في تحديد ظرف التنجز فان ظرف حدوث التنجز انما هو ظرف حدوث العلم، لانه معلول له ويستحيل أن يكون سابقا عليه. غاية الامر، أنه بالعلم يحدث تنجز تمام القطعات المنكشفة من يوم الاربعاء، فنجاسة الاناء الاخر في يوم الاربعاء منجزة من يوم الجمعة لا انها منجزة في يوم الاربعاء، والتعارض بين الاصول انما هو بلحاظ تنجيز العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية، وما دام هذا التنجيز تابعا للعلم وحادثا بحدوثه، فظرف التعارض بين أصل الطهارة في الاناء الملاقى - بالفتح - وأصل الطهارة في الاناء الاخر انما هو ظرف حدوث العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين أي يوم الجمعة في المثال، ففي يوم الجمعة يكون أي أصل مقتضي فعلا لاثبات ان احد الانائين طاهر من يوم الاربعاء معارضا للاصل المقتضي فعلا لاثبات ان الاناء الاخر طاهر من يوم الاربعاء، وفي عرض هذين الاصلين زمانا، الاصل المقتضي لاثبات ان الثوب الملاقى طاهر من يوم الخميس فتسقط الاصول كلها بالمعارضة. والحاصل: ان جريان الاصل في الثوب الملاقي بلا معارض فرع

[ 252 ]

* * سقوط الاصل في الاناء الاخر في زمان سابق، مع ان سقوطه كذلك بلا موجب، لانه فرع تنجيز العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية وهو فرع حدوث العلم، وهذا يعني ان ظرف جريان الاصل في الاناء الاخر وجريان الاصل في الثوب الملاقي واحد اقتضاء وسقوطا. نعم مفاد أحد الاصلين والمتعبد به أطول زمانا من المتعبد به في الاخر، لان التعبد في جانب الثوب مفاده طهارة الثوب من يوم الخميس - الذي هو يوم الملاقاة -، والتعبد في جانب الاناء الاخر مفاده طهارته من يوم الاربعاء - الذي هو زمان المعلوم بالاجمال - وأما التعبدان فهما متعاصران اقتضاء وسقوطا. وان اريد في المقام المعنى الثاني، واسقاط العلم الاجمالي عن التنجيز بقطع النظر عن الاصول الشرعية وكونها جارية في أحد الطرفين بلا معارض فيرجع ذلك إلى دعوى، انحلال العلم الاجمالي الثاني بالعلم الاجمالي الاول بحيث يكون جريان الاصل الشرعي في الثوب من نتائج الانحلال لا سببا له وسوف يأتي تحقيق ذلك في الوجه الثالث ان شاء الله تعالى. الوجه الثالث: دعوى الانحلال الحكمي للعلم الاجمالي الثاني بالعلم الاول. وهذا الوجه يختلف عن سابقيه في ابتنائهما على صلاحية العلم الاجمالي الثاني للتنجيز في نفسه وانما يراد اجراء الاصل المؤمن في أحد طرفيه رغم ذلك، بدعوى: أنه بلا معارض، ولهذا كان الوجهان السابقان يتوقفان على انكار العلية والقول بالاقتضاء، وأما هذا الوجه فهو يدعى عدم صلاحية العلم الاجمالي الثاني للتنجيز من دون ربط ذلك باجراء الاصل المؤمن، وبهذا كان يجري على مبنى العلية أيضا. ودعوى الانحلال لها تقريبان التقريب الاول: أن العلم الاجمالي الثاني في طول العلم الاجمالي الاول لكونه ناشئا منه، ولما كان بينهما طرف مشترك، وهو الطرف المقابل

[ 253 ]

للملاقى - بالفتح -، فيكون هذا الطرف المشترك منجزا في المرتبة السابقة بالعلم الاجمالي الاول ومعه يستحيل تنجيز العلم الاجمالي الثاني في مرتبته بل يسقط عن الصلاحية لذلك، لتنجز أحد طرفيه بمنجز سابق. ويرد عليه: أولا، ان العلم الاجمالي الثاني لو سلم انه في طول العلم الاجمالي الاول فهو في عرض أثره وهو التنجيز، فان العلم الاول علة لامرين عرضيين، أحدهما، والتنجيز، والاخر، العلم الاجمالي الثاني بنجاسة لملاقي - بالكسر - أو الطرف، ولا وبالتالي لا يكون تنجيز العلم الثاني في طول تنجيز العلم الاول ليتعذر وينحل بذلك العلم الاجمالي الثاني بقاعدة ان المتنجز لا يتنجز، لما تقدم من أن المتأخر عن أحد العرضيين لا يلزم أن يكون متأخرا عن الاخر أيضا، فتنجيز كل من العلمين يكون في عرض تنجيز الآخر فلا موجب لسقوط أحد العلمين عن المنجزية. وثانيا: أن الطولية ممنوعة، حتى بلحاظ العلمين المولدين للتنجيز فضلا عن الطولية بين التنجيزين، لان العلم الاجمالي المنجز هو العلم بالتكليف لا العلم بالنجاسة. ومن الواضح انه لا طولية بين العلم بحرمة استعمال أحد الانائين والعلم بحرمة استعمال الملاقي لاحدها أو الاخر. وثالثا: أن أصل كبرى الانحلال الحكمي للعلم الاجمالي على أساس تنجيز أحد طرفيه بمنجز سابق واستحالة تنجز المتنجز غير مقبولة، وانما يسقط مثل هذا العلم الاجمالي عن المنجزية للطرف الاخر حيث يجري فيه الاصل المؤمن بلا معارض. وتفصيل ذلك في علم الاصول. التقريب الثاني: ان الميزان في انحلال أحد العلمين وخروجه عن الصلاحية للتنجيز بسبب الاخر سبق معلوم الاخر لا سبق نفس العلم، وهذا الميزان منطبق في المقام على العلم بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف

[ 254 ]

لان معلومه متأخر عن المعلوم في العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف، فينحل به سواء كان متأخرا عنه علما أيضا أو لا. وتوضيح ذلك: على ما يستفاد من تقريرات المحقق النائيني - قدس سره - ببيان أمور: الاول: أن العلم الاجمالي انما يكون منجزا إذا كان علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير، ويترتب على ذلك ان بعض أطراف العلم الاجمالي إذا كان منجزا بمنجز سابق شرعي أو منجز سابق عقلي كالطرفية لعلم اجمالي آخر فلا يكون للعلم الاجمالي أثر إذ لا يكون علما بالتكليف على كل تقدير. الثاني: أن تنجيز العلم انما هو باعتبار صفة كاشفيته وطريقيته لا بوجود نفس بما صفة خاصة، ولهذا لو تعلق العلم بمعلوم سابق فلابد من ترتيب الاثر من ذلك الزمان دون زمان حدوثه ويترتب على ذلك انه إذا فرضنا العلم بنجاسة أحد الانائين يوم السبت، ثم علم يوم الاحد بوقوع نجاسة يوم الجمعة مرددة بين اناء ثالث وواحد معين من الانائين الاولين، سقط العلم الحاصل يوم السبت عن المنجزية بسبب العلم الحاصل يوم الاحد، لان علم يوم الاحد أسبق معلوما وتنجيز العلم تابع للمعلوم وبذلك يخرج علم يوم السبت عن كونه علما بالتكليف على كل تقدير، لان أحد طرفيه - وهو الطرف المشترك بين العلمين - يكون منجزا بتنجيز عقلي سابق وهو التنجيز الحاصل بلحاظ علم يوم الاحد. الثالث: أن ابطال العلم الاسبق معلوما بمنجزية العلم المتأخر معلوما لا فرق فيه بين أن يكون السبق فيه زمانيا، كما هو الحال في المثال السابق، أو رتبيا ولو فرض الاقتران بين المعلومين في الزمان، ومن هذا القبيل العلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين والعلم الاجمالي بنجاسة

[ 255 ]

الملاقى لاحدهما أو الاناء الاخر، فان المعلوم بالعلم الاول أسبق رتبة من المعلوم بالعلم الثاني، إذ في مرتبة سابقة على الملاقاة يعلم بنجاسة أحد الانائين. وهذا يعني ان التكليف في الاناء الاخر منجز في مرتبة سابقة على العلم الاجمالي الثاني بنجاسة الملاقى - بالكسر - أو الاناء الاخر، ومعه لا يصلح العلم الاجمالي الثاني للتنجيز، بل يخرج عن كونه علما اجماليا بالتكليف الفعلي عن كل تقدير (1). وهذه الامور الثلاثة، كلها محل اشكال. أما الامر الاول، فلا شك في اناطة تنجيز العلم الاجمالي بأن يكون علما بالتكليف المولوي على كل تقدير، غير ان هذا المعنى لا ينتفي عن العلم الاجمالي لمجرد وجود منجز عقلي في واحد معين من أطرافه، لان المقصود بالتكليف الذي يشترط كون العلم الاجمالي علما به الالزام المولوي والعلم الاجمالي بالالزام المولوي ثابت فعلا، ولا ينافيه فرض وجود منجز عقلي في أحد أطرافه، بل ولا وجود منجز شرعي كذلك. نعم لو كان المقصود بالتكليف الذي يشترط كون العلم الاجمالي علما به الكلفة المساوقة للتنجز لصح القول بعدم وجود علم اجمالي بالتكليف مع وجود منجز تعييني في أحد الطرفين، لان الكلفة فيه محرزة وجدانا، ولكن الكلفة بهذا المعنى مرجعها إلى التنجيز ونحن نتكلم عن العلم الاجمالي الذي يقع موضوعا للمنجزية، وما هو موضوع للمنجزية انما هو العلم الاجمالي بالالزام المولوي لا العلم الاجمالي بالكلفة المساوقة للمنجزية، فتفسير خروج العلم الاجمالي عن المنجزية بوجود منجز تعييني سابق لاحد طرفيه بعدم كونه علما اجماليا بالتكليف على كل تقدير غير صحيح، ولهذا ذهب المحقق العراقي - قدس سره - في تفسير ذلك، إلى تقريب آخر وهو عدم صلاحية


(1) أجود التقريرات ج 2 ص 262 - 263.

[ 256 ]

العلم الاجمالي للمنجزية، لان المتنجز لا يتنجز، كما أشرنا سابقا. والصحيح لدينا: ان انحلال العلم الاجمالي في موارد وجود منجز تعييني في أحد طرفيه ليس لزوال صلاحيته للمنجزية، لا بملاك خروجه عن كونه علما اجماليا بالتكليف، ولا بملاك ان المتنجز لا يتنجز وانما هو انحلال ناشئ من جريان الاصل المؤمن في بعض الاطراف بدون معارض وتفصيل الكلام في ذلك في علم الاصول. وأما الامر الثاني، فلو سلم الامر الاول فلا مجال لقبول الثاني، لان العلم بمعلوم سابق يستحيل أن يكون منجزا له الا من حينه، لان العلم بالنسبة إلى حكم العقل بالمنجزية ليس طريقا بل هو موضوع، غاية الامر انه موضوع بما هو كاشف فلا منجزية قبل العلم. وكون العلم بمعلوم سابق مقتضيا لترتيب الاثر من ذلك الزمان ليس معناه سبق التنجيز بل تعلق التنجيز الحادث عند حدوث العلم بتمام قطعات المعلوم، فالمعلوم على امتداده يتنجز من الان أي من حين حدوث العلم، وفرق بين تنجز التكليف السابق فعلا والتنجز السابق كما هو واضح. ومعه لا يكون مجرد سبق أحد المعلومين منشأ لانحلال العلم الاجمالي بالمعلوم المتأخر. ثم لو سلم، ان العلم المتأخر ذا المعلوم المتقدم ينجز معلومه من حينه بحيث يكون التنجز سابقا على العلم، ولكن انما يوجب انحلال العلم المتقدم ذي المعلوم المتأخر وخروجه عن كونه علما بالتكليف - حسب تصورات المحقق النائيني - قدس الله سره الشريف - إذا تعين هو لمنجزية الطرف المشترك دون العلم المتقدم، وهذا بنفسه يحتاج إلى نكتة إضافية، فلو علم بنجاسة أحد الانائين يوم السبت، ثم علم يوم الاحد بنجاسة يوم الجمعة أما في الاحمر من ذينك الانائين وأما في اناء ثالث، يتوقف انحلال العلم الحاصل يوم السبت على أن تكون نجاسة الاناء الاخر في يوم السبت منجزة

[ 257 ]

من قبل العلم الاجمالي المتأخر الحاصل يوم الاحد، لكي يخرج بذلك علم يوم السبت عن كونه علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير، مع ان هذا بلا معين، لان كلا من العلمين صالح في نفسه لتنجيز تلك القطعة من نجاسة الاناء الاخر الواقعة في يوم السبت. وأما الامر الثالث: فيرد عليه: أن نجاسة الاناء الاخر الواقعة طرفا للعلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين هي نفس نجاسته الواقعة طرفا للعلم الاجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الاناء الاخر، ولا معنى لفرض السبق والتأخر الرتبي بينهما، فالطرف المشترك بين العلمين إذن واحد ونسبته إلى العلمين على نحو واحد. نعم الطرفان المختصان وهما نجاسة الاناء الملاقى - بالفتح - ونجاسة الملاقي - بالكسر - بينهما طولية وترتب، ولكنهما حكمان في موضوعين، وثبوت أحدهما بمنجز سابق لا يمنع عن كون الاخر تكليفا جديدا زائدا بنحو يكون العلم الاجمالي به منجزا. وقد اتضح حتى الان، أن هذه الوجوه التي افيدت لابطال تنجيز العلم الاجمالي الثاني بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف، واجراء أصالة الطهارة في الملاقي لا يتم شئ منها. وعليه، فلا تجري أصالة الطهارة في الملاقي، بل تسقط بالمعارضة بناء على الاشكال المتقدم في سلامة الاصل الطولي عن المعارضة. ولكن هذا لا يعني وجوب الاجتناب عن الملاقي مطلقا بل يجوز مع ذلك نفي بعض آثار النجاسة عنه ظاهرا في بعض الموارد وان لم يحكم بطهارته، وذلك: فيما إذا لم يكن الطرف الاخر مجرى لاصالة الحل والبراءة بل كان الاصل الجاري فيه متمحضا في الاستصحاب وأصالة الطهارة وكان الملاقي - بالكسر - في نفسه مجري لاصالة الحل والبراءة، بل كانت نجاسته المشكوكة موضوعا لحرمة الشرب أو الاكل، أو للمانعية في الصلاة، ففي مثل ذلك تجري إصالة الحل أو البراءة عن المانعية في

[ 258 ]

الملاقي - بالكسر - بدون معارض، لا لانه أصل طولي، بل لانه أصل لا يوجد في الطرف الاخر ما يسانخه. والمختار في محله أنه كلما وجد في طرفي العلم الاجمالي أصلان متسانخان واختص أحدهما بأصل لا مسانخ له في الاخر سقط المتسانخان وبقي الاصل المختص جاريا بلا معارض، سواء كان عرضيا أو طوليا. فان قيل: إن الاصل في الطرف الاخر يعارض كلا من الاصل المسانخ له في هذا الطرف والاصل المختص به، فاصالة الطهارة في الطرف الاخر مثلا تعارض إصالة الطهارة في هذا الطرف وإصالة الاباحة معا. قلنا: ان معارضة إصالة الطهارة لاصل آخر مرجعها إلى معارضة دليلها لدليل الاصل الاخر، ولدينا دليلان. أحدهما، دليل إصالة الطهارة. والاخر، دليل إصالة الحل. وهناة معارضة داخلية في دليل إصالة الطهارة بين فردين منه، لان برهان عدم تعقل الترخيص في المخالفة القطعية يوجب عدم امكان الجمع بين فردين منه. فان قيل، ان هذا البرهان بمثابة القرينة اللبية المتصلة أوجب الاجمال في دليل قاعدة الطهارة ومعه يستحيل ان يكون معارضا لدليل إصالة الحل أو البراءة، فتجري إصالة الاباحة بلا معارض. وان قيل: بأن هذا البرهان بمثابة القرينة المنفصلة، لم يمنع عن انعقاد ظهورين في دليل إصالة الطهارة للشمول لكل من الطرفين، وحينئذ يكون ظهوره في الشمول للطرف الاخر معارضا لظهوره للشمول لهذا الطرف ولظهور دليل إصالة الحل للشمول لهذا الطرف، ويسقط الجميع بالمعارضة. فالمدار على نكتة ان البرهان المذكور هل يلحق بالقرائن المتصلة، كما هو الظاهر، أو المنفصلة؟.

[ 259 ]

[ (مسألة - 7) إذا انحصر الماء في المشتهين، تعين التيمم. وهل تجب اراقتهما أو لا؟ الاحوط ذلك، وان كان الاقوى العدم (1) ] (1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: أحدهما: في تشخيص حكمها على ضوء القواعد. وتحقيق ذلك: أن الوضوء يتصور على انحاء، فتارة يتوضأ المكلف بكلا المائين تباعا دون أي عناية. واخرى، يتوضأ بأحدهما، ثم يصلي، ثم يتوضأ بالاخر ويصلي. وثالثة، يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يغسل مواضع وضوئه بالماء الاخر ويتوضأ به ويصلي. ورابعة، يتوضأ بأحدهما، ثم يغسل مواضع وضوئه بالماء الاخر ويتوضأ به ويصلي. ولا شك في بطلان الصورة الاولى للعلم فيها ببطلان الوضوء الثاني وبنجاسة البدن وعدم احراز الطهارة الحديثة لاحتمال كون الطاهر هو الثاني. وكذلك الصورة الثانية، فانه وان لم يعلم بوقوع الصلاة في النجس ولكنه يعلم ببطلان الوضوء الثاني ولا يحرز وقوع الصلاة مع الطهارة الحدثية وأما الصورة الثالثة، فلا إشكال في صحتها على القاعدة، لاقتضائها احراز وقوع صلاة مع الطهارة الحدثية والخبثية. وانما الكلام في الصورة الرابعة فان هذه الصورة وان كانت تقتضي احراز الطهارة الحدثية، ولكنها توجب من ناحية أخرى محذور الوقوع في النجاسة وذلك بأحد بيانين. البيان الاول: ما ذكره صاحب الكفاية - قدس سره - من إجراء استصحاب بقاء النجاسة المعلومة تفصيلا حين غسل مواضع الوضوء بالماء الثاني وقبل أن ينفصل عنها ماء الغسالة، فيما إذا فرض قلة الماء الثاني، ولا يعارض باستصحاب الطهارة المعلومة اجمالا في أحد الزمانين أما زمان ما بين الملاقاة بين المائين وأما زمان ما بعد الانفصال، لعدم جريان

[ 260 ]

الاستصحاب في مجهول التاريخ في مقابل الاستصحاب الجاري في معلوم التاريخ (1). واما بناء على عدم التفرقة بين المجهول والمعلوم تاريخه في موارد توارد الحالتين فالاستصحابان متعارضان، كما هو الصحيح، وتجري حينئذ إصالة الطهارة. البيان الثاني: ما ذكره المرحوم المشكيني - قدس سره - في حاشيته على الكفاية، من تصوير علم اجمالي في المقام حين بدء المكلف بغسل وجهه بالماء الثاني، فانه يعلم اجمالا، اما بنجاسة وجهه أو نجاسة سائر أعضاء وضوئه (2). وهذا العلم الاجمالي تارة، يقرب تأثيره على أساس قواعد تنجيز العلم الاجمالي، ويقال: أن مجرد خروج سائر الاطراف بعد ذلك عن الطرفية بغسلها بالماء الثاني لا يبطل تنجيز العلم الاجمالي كما تقدم. وأخرى، يقرب تأثيره باستصحاب بقاء النجاسة المعلومة في البدن إلى ما بعد تطهير سائر الاعضاء بالماء الثاني. أما التقريب الاول، فقد يقال: بعدم تنجيز هذا العلم الاجمالي، بناء على ان الاصول تجري في أطراف العلم الاجمالي إذا لم تؤد إلى الترخيص في المخالفة القطعية الاجمالية. وذلك لان اجراء إصالة الطهارة في الوجه وفي سائر الاعضاء لا يؤدي إلى محذور الترخيص في المخالفة القطعية الاجمالية، لان الاداء إلى هذا المحذور ان كان بلحاظ اقتضاء الاصول المذكورة الترخيص في الصلاة فعلا، فهو غير صحيح، لان الصلاة فعلا محكومة بالبطلان على كل حال، لاستصحاب بقاء الحدث وعدم احراز الوضوء بالماء الطاهر إلى أن يتم غسل سائر الاعضاء بالماء الثاني والتوضؤ به،


(1) كفاية الاصول ج 1 ص 281 (ط - مشكين). (2) كفاية الاصول ج 1 ص 281 (ط - مشكين).

[ 261 ]

وعندئذ، لا يكون الترخيص في ايقاع الصلاة إلا ترخيصا في المخالفة الاحتمالية لذلك العلم الاجمالي بالنجاسة. وليس التكليف بلحاظ الحدث والتكليف بلحاظ الخبث تكليفين مستقلين، ليقال: ان جريان أصول الطهارة فعلا يوجب المحذور - محذور المخالفة القطعية - بلحاظ التكليف الاول، وانضمام ذلك إلى مخالفة التكليف الثاني لا بدفع المحذور. بل ان مرجع التكليفين إلى التكليف الواحد بايقاع الصلاة مع الطهارتين، ولم يحصل من ناحية اجراء إصالة الطهارة في الوجه وسائر الاعضاء ترخيص في تطبيق هذا الواجب على ما يعلم اجمالا بعدم كونه مصداقا له، إذ قبل اتمام الغسل بالماء الثاني لا تجوز الصلاة على كل حال، سواء جرت أصول الطهارة في أعضاء الوضوء جميعا أو لا، لعدم احراز ارتفاع الحدث، وبعد اتمام الغسل بالماء الثاني يخرج غير الوجه من أعضاء الوضوء عن الطرفية للعلم الاجمالي المذكور بالنجاسة، ومعه، لا يبقى له إلا طرف واحد، فلا يكون الترخيص في الصلاة إلا ترخيصا في المخالفة الاحتمالية. وأما التقريب الثاني، فتحقيقه: أن المانعية للنجاسة، بعد الفراغ عن انحلاليتها وتكثرها بتكثر النجاسة، إن كانت تثبت لكل فرد من النجاسة بما هي مضافة إلى موضعها المخصوص من البدن أو الثوب، فالاثر الشرعي ثابت للفرد، وفي مثل ذلك، لا يجري استصحاب النجاسة المذكور في المقام، لان المستصحب ان كان هو النجاسة المضافة إلى موضعها المخصوص، فهو من استصحاب الفرد المردد، للقطع بأن هذا الموضع ارتفعت عنه النجاسة لو كانت حادثة فيه وذاك الموضع لم ترتفع عنه على فرض حدوثها، فلا شك في البقاء والارتفاع. وان كان المستصحب جامع النجاسة أي نجاسة البدن بدون تشخيص، فهذا متعذر، لان

[ 262 ]

المفروض ان الاثر الشرعي المطلوب اثباته وهو المانعية مترتب على الفرد لا على الجامع، أي على نجاسة اليد بما هي يد مثلا لا على نجاستها بما هي بدن. واما إذا كانت المانعية ثابتة - حسب المستظهر من دليلها - لكل نجاسة بما هي نجاسة البدن لا بما هي نجاسة اليد أو الرجل أو الوجه، جرى استصحابها، وكان من القسم الثاني من استصحاب الكلي. وبذلك: يظهر: ميزان التمييز بين استصحاب الفرد المردد المحقق عدم جريانه واستصحاب القسم الثاني من الكلي، فانهما وان كانا متحدين موردا ولكن متى كان الاثر ثابتا للجامع جرى الاستصحاب وكان من القسم الثاني ومتى كان ثابتا للفرد بعنوانه تعذر جريانه وكان من استصحاب الفرد المردد. ومن ذلك ينقدح الجواب على الشبهة العبائية القائلة: بأن لازم جريان استصحاب الكلي ان أحد طرفي العلم الاجمالي لو غسل ولاقت يدي غير المغسول ثم المغسول، يحكم بنجاستها بمجرد ملاقاة: المغسول، رغم العلم بطهارته، لاجراء استصحاب بقاء النجاسة في أحد الطرفين، فتكون اليد ملاقية لمستصحب النجاسة فيحكم بنجاستها. والجواب: ان نجاسة الملاقي - بالكسر - أثر شرعي لنجاسة ذات الملاقي بالخصوص، فنجاسة ملاقي الوجه النجس مثلا أثر شرعي لنجاسة الوجه بما هي نجاسة للوجه، لا لنجاسة الوجه بما هي نجاسة للبدن على الاجمال، وهذا يعني: أن الاثر مترتب على الفرد لا على الجامع، فان أريد اثبات نجاسة اليد باستصحاب نجاسة ذات ذلك الطرف الذي كان نجسا فهو من استصحاب الفرد المردد، وان اريد اثباتها باستصحاب النجاسة بمقدار ما هي مضافة إلى الجامع بين الطرفين فليست موضوعا للحكم الشرعي بنجاسة الملاقي - بالكسر -. ثم، لو فرضنا استلزام الصورة الرابعة للابتلاء بمحذور النجاسة الخبثية، فلابد أن نعرف انه هل يكفي في تطبيق الروايات الخاصة الامرة بالتيمم

[ 263 ]

والاعراض عن المائين على القاعدة، كما حاوله المحقق الخراساني - قدس سره - بدعوى: ان ذلك من أجل التحفظ من محذور النجاسة الخبثية؟. وفي هذا المجال، ينبغي توضيح أمرين. أحدهما: أن ذلك كله لو سلم، فهو لا يكفي لتطبيق النص على القاعدة، إذ لا يفسر تجاوز النص عن الصورة الثالثة الخالية من المحذور. والاخر: أنا لو قطعنا النظر عن الصورة الثالثة وسلمنا بمحذور النجاسة الخبثية في الصورة الرابعة، فهل ان القاعدة كانت تقتضي - لولا النص - تقديم رعاية هذا المحذور والانتقال إلى التيمم؟ قد يقال ذلك، لاجل ان الطهارة الخبثية مقدمة على الطهارة الحدثية المائية في مورد التزاحم ومقتضى ذلك الانتقال إلى التيمم. ولتحقيق هذه النقطة، يجب أن نتكلم في ملاك تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية عند وجدان ماء واحد لا يكفي الا لاحد الامرين، لكي نعرف ان ذلك الملاك، على القول به في ذلك الفرض، هل ينطبق على محل الكلام أو لا؟. وتوضيح ذلك: أن تقديم الطهارة الخبثية، في فرض عدم كفاية الماء لرفع الحدث والخبث معا، أما أن يكون بملاك أن موضوع دليل وجوب الوضوء القدرة الشرعية، ودليل وجوب رفع الخبث يرفع القدرة الشرعية، فيكون حاكما على دليل وجوب الوضوء ورافعا لموضوعه. أو بملاك أن القدرة المأخوذة في كل من الدليلين عقلية، وبهذا يحصل التكافؤ بين الدليلين، غير أنه يقدم دليل وجوب الطهارة الخبثية، إما تطبيقا لقوانين باب التزاحم، على القول بتعقل التزاحم بين الواجبات الضمنية، أو تطبيقا لقوانين باب التعارض، على القول بعدم تعقل التزاحم بينها. اما الملاك الاول، فلا ينطبق على المقام، لان المأخوذ في موضوع دليل وجوب الوضوء القدرة الشرعية على متعلقه، وخطاب لا تصل في

[ 264 ]

النجس لا يكون معجزا مولويا عن الوضوء بالماء الطاهر من المائين المشتبهين وانما يعجز عن الاحتياط بالجمع بين الوضوء بهذا الماء وبذاك، لان الجمع هو الذي يؤدي إلى الابتلاء بمحذور النجاسة الخبثية دون الوضوء باحدهما ولم يؤخذ في موضوع وجوب الوضوء القدرة الشرعية على الجمع وعلى الموافقة القطعية، بل القدرة الشرعية على الموافقة الواقعية لخطابه وهي حاصلة، فلا موجب لحكومة خطاب لا تصل في النجس عليه. بل الدليلان كلاهما فعليان. وأما الملاك الثاني، فهو أيضا لا ينطبق، إذ لا معنى لفرض التعارض بين دليلي توضأ ولا تصل في النجس، بعد امكان جعلهما معا في الواقع فان ميزان التعارض استحالة الجمع بينهما في عالم الجعل ولا استحالة في المقام، فلا يتحقق تعارض ليصل الكلام إلى دعوى تقديم أحد الدليلين على الاخر. وكما لا تعارض بين الجعلين لا تزاحم بين الواجبين، لعدم عجز المكلف عن الجمع بينهما وانما هو عاجز عن تحصيل العلم بالجمع بينهما. وعليه، فاطلاق كل من الدليلين ثابت، ومقتضى ذلك وجوب الصلاة مع الوضوء وعدم النجاسة، وهو وجوب يعقل جعله، لعدم كونه تكليفا بغير المقدور، غاية الامر، أن المكلف لا يتمكن من تحصيل العلم باتيان هذا الواجب، لانه ان توضأ بكلا المائين بالنحو المقرر في الصورة الرابعة أحرز الوضوء ولكن لم يحرز الطهارة الخبثية، وان اكتفى بالوضوء باحدهما أحرز الطهارة الخبثية - ولو بالاصل - ولكن لم يحرز الوضوء. ومقتضى القاعدة حينئذ التنزل إلى الموافقة الاحتمالية للواجب المعلوم، لا تبديله بالتيمم مع فعلية اطلاق دليل وجوب الوضوء. هذا كله في المقام الاول. وأما المقام الثاني: فهو في ملاحظة النص الوارد في المقام، ففي

[ 265 ]

رواية سماعة، (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيها هو وليس يقدر على ماء غيره قال: يهريقهما ويتيمم). ومثلها رواية عمار (1). والكلام يقع في هذا النص - بعد وضوح رفع اليد به عن مقتضى القاعدة - في تشخيص الموضوع تارة، وتحديد المحمول أخرى. أما من ناحية الموضوع، فالظاهر اختصاص مورد النص بالمائين القليلين، فيبقى الباقي تحت القاعدة. ووجه الاختصاص التعبير بقوله (وقع في أحدهما قذر) الظاهر في الانفعال بالملاقاة. ويؤيده عنوان الاناء المناسب لذلك وكذلك فرض كون الاناء معه. وأما من ناحية المحمول، فهناك أمران. أحدهما، الامر بالاراقة. والاخر، الامر بالتيمم. أما الامر بالاراقة، فقد يقال: بعد وضوح عدم كونه أمرا مولويا نفسيا - ولو بقرينة الارتكاز - أنه يتكفل وجوبا استطراقيا بمعنى وجوب الاراقة تحقيقا لموضوع وجوب التيمم وهو الفقدان. ويرد عليه: أن مقتضى ذلك عدم تحقق موضوع وجوب التيمم قبل الاراقة، وهو يساوق وجوب الوضوء، فيكون ايجاب الاراقة المعجز عن وجوب الوضوء غير عقلائي، فلا يصح حمل الدليل على مثل هذا المفاد. نعم، لو فرض ان الفقدان كان قيدا للواجب لا للوجوب رجع إلى الامر بالتيمم المقيد بالفقدان، ولكن قيدية الفقدان للواجب بصورة مستقلة عن تقييد الوجوب به لما كان أمرا غير معهود ولا مفهوم عرفا، فلا يكون الدليل ظاهرا في ذلك، بل هو ظاهر في الارشاد إلى عدم الانتفاع بالماء. أو هو على الاقل محتمل لذلك بنحو يوجب الاجمال، فلا ملزم نفس أو شرطي بالاراقة.


(1) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب الماء المطلق.

[ 266 ]

[ (مسألة - 8) إذا كان إناءان، أحدهما المعين نجس، والاخر طاهر، فأريق أحدهما، ولم يعلم انه أيهما، فالباقي محكوم بالطهارة (1). وهذا بخلاف ما لو كانا مشتبهين واريق أحدهما، فانه * * واما الامر بالتيمم، فقد يستدل به على تعينه بنحو لا يجوز الوضوء حتى بالنحو المتقدم في الصورة الثالثة. ولكن الظاهر عدم دلالته على ذلك، لانه أمر في مورد توهم الحظر، ومثل هذا الامر لا يدل على أكثر من المشروعية. فالمكلف مخير في مورد النص بين التيمم وبين الوضوء بالنحو المشار إليه، وبذلك يقيد اطلاق دليل وجوب الوضوء المقتضي لتعين الوضوء، ولو باستعمال الصورة الثالثة. وبعد رفع اليد عن اطلاقه المقتضي للتعين بروايات الباب يثبت التخيير المذكور. بل لو فرض استعمال الماء في الوضوء بالنحو المذكور في الصورة الرابعة صح الوضوء أيضا، تمسكا باطلاق دليله، حتى لو قيل باستلزام هذه الصورة للابتلاء بمحذور النجاسة الخبثية، غاية الامر، أن المكلف على هذا التقدير يكون مقصرا في تفويت الطهارة الخبثية على نفسه بسوء اختياره، بعدوله عن الصورة الثالثة إلى الرابعة. (1) لجريان الاصول المؤمنة وعدم وجود علم اجمالي موجب لتعارضها لان العلم الاجمالي لم يحصل إلا بعد اراقة أحد الانائين وخروجه بذلك عن محل الابتلاء. فلا يكون العلم الاجمالي منجزا ولا الاصول متعارضة إلا إذا كان للمراق أثر فعلي. من قبيل، ما لو كان قد توضأ به، أو لاقاه بثوبه، فان إصالة الطهارة في المراق تجري حينئذ بلحاظ الاثر الفعلي وتسقط بالمعارضة مع إصالة الطهارة في الباقي.

[ 267 ]

[ يجب الاجتناب عن الباقي (1). والفرق، أن الشبهة في هذه الصورة بالنسبة إلى الباقي بدوية، بخلاف الصورة الثانية فان الماء الباقي كان طرفا للشبهة من الاول وقد حكم عليه بوجوب الاجتناب. (مسألة - 9) إذا كان هناك اناء لا يعلم أنه لزيد أو لعمرو، والمفروض أنه مأذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله، لا يجوز له استعماله (2). وكذا إذا علم انه لزيد - مثلا - لكن لا بعلم انه مأذون من قبله أو من قبل عمرو ] (1) كما تقدم في المسألة الخامسة، لان العلم الاجمالي حدث في ظرف دخول الطرفين معا في محل الابتلاء فكان علما اجماليا بالتكليف الفعلي على كل تقدير وسببا لتساقط الاصول بالمعارضة. (2) وقد قيل في توجيه ذلك: بأن استصحاب عدم إذن المالك ينقح موضوع حرمة التصرف المركب من كو المال للغير. وعدم إذن المالك، والجزء الاول محرز بالوجدان، والثاني بالاستصحاب، فتثبت الحرمة (1). والتحقيق: أن ملكية الغير للمال وعدم الاذن منه اللذين يتألف منهما موضوع الحرمة، تارة يكونان جزئين عرضيين في موضوع الحرمة، فكل من الملكية والاذن المأخوذ عدمه يضافان إلى ذات الغير في مرتبة واحدة واخرى يكونان جزئين طوليين، بمعنى ان الاذن المأخوذ عدمه لا يضاف إلى ذات الغير بل إليه بما هو مالك. فعلى الاول، لا يمكن في المقام اجراء استصحاب عدم الاذن، لان المراد ان كان عدم الاذن المقيد بالمالك بما هو مالك فليس هذا جزء


(1) التنقيح ج 1 ص 390.

[ 268 ]

[ (مسألة - 10) في الماءين المشتبهين، إذا توضأ بأحدهما أو اغتسل، وغسل بدنه من الاخر، ثم توضأ به أو اغتسل ] الموضوع للحكم الشرعي فلا يجري استصحابه، وإن كان المراد عمد الاذن من ذات المالك، فهو جزء لموضوع الاثر الشرعي ولكنه من قبيل استصحاب الفرد المردد، لان ذات المالك مردد بين زيد وعمرو وعدم الاذن من الاول مقطوع الارتفاع ومن الثاني مقطوع البقاء. ومنه يعلم: أنه لو علم بان المال لزيد، وتردد أمر الاذن بين أن يكون صادرا منه أو من عمرو، لا اشكال في جريان استصحاب عدم الاذن، حتى لو فرض ان الاذن لوحظ بما هو مضاف إلى ذات المالك في عرض اضافة الملكية إليه لا في طول ذلك، لان استصحاب عدم صدور الاذن من ذات زيد تام الاركان، فتثبت به الحرمة. ثم، إن لازم اجراء الاستصحاب في فرض تردد المالك بين الاذن وغيره، والبناء على أن الاذن مضاف إلى المالك بما هو مالك، أن ينسد باب استصحاب مالكية زيد للمال، إذا كنا نشك في بقائها مع العلم باذنه فعلا، لان هذا الاستصحاب لا يثبت النسبة التقييدية الملحوظة بين الاذن والملكية، أي لا يثبت صدور الاذن من المالك، فاذن الغير ومالكيته إن لوحظا بنحو العرضية والتركيب لم يجر استصحاب عدم الاذن في فرض تردد المالك بين الاذن وغيره، لانه من استصحاب الفرد المردد، وان لوحظا بنحو الطولية والتقييد لم يجد استصحاب الملكية في فرض الشك في بقائها مع احراز الاذن فعلا لاثبات جواز التصرف، وانما يجدي هذا الاستصحاب إذا قيل، بأن ملكية الغير واذنه مأخوذان بنحو العرضية والتركيب، فيثبت أحدهما بالوجدان والاخر بالاستصحاب.

[ 269 ]

[ صح وضوءه أو غسله على الاقوى (1). لكن الاحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة، ومع الانحصار، الاحوط ضم التيمم أيضا (2) ] (1) تقدم تحقيق ذلك في المسألة السابعة. (2) كأنه استشكل في صحة الوضوء بالنحو المذكور، دون فرق بين فرض الانحصار وعدمه. وتوضيح الحال في ذلك: أن جهة الاستشكال أحد امور. الاول: دعوى، أن دليل وجوب الوضوء مفاده الوجوب التعييني ومع العلم بعدمه، بلحاظ النص الخاص، لا يبقى دليل على أصل تشريع الوضوء والامر به ولو تخييرا، فيقع باطلا لعدم احراز الامر به. وهذه الدعوى، لو تمت في فرض الانحصار، فلا تجري في فرض عدم الانحصار، لان الامر التعييني بالوضوء محرز بدليله في هذا الفرض فلا مانع من التمسك باطلاقه. ولكن الدعوى في نفسها غير صحيحة، لان النص الخاص بعد عدم استفادة الالزام بالتيمم من الامر الوارد فيه لوروده في مورد توهم الحظر لا يقتضي إلا تقييد اطلاق دليل الامر بالوضوء المقتضي للتعيينية، دون رفع اليد عنه رأسا. الثاني: دعوى، ظهور الامر بالتيمم في الالزام التعييني به، ومعه يسقط دليل وجوب الوضوء في المقام. وهذه الدعوى، لو تمت في فرض الانحصار فلا تجري في فرض عدم الانحصار، لان المقيد لدليل وجوب الوضوء، وهو الالزام التعييني بالتيمم، مخصوص بصورة الانحصار. اللهم إلا أن يقال: أن الوضوء بالنحو المذكور إذا كان ساقطا بنحو ينتقل الشارع منه إلى التيمم، وهو بدل طولي، فكيف لا ينتقل منه إلى البدل العرضي في فرض عدم الانحصار

[ 270 ]

[ (مسألة - 11) إذا كان هناك ماءان، توضأ بأحدهما أو اغتسل، وبعد الفراغ حصل له العلم بأن أحدهما كان نجسا ولا يدري انه هو الذي توضأ به أو غيره، ففي صحة وضوئه ] ولكن هذه الدعوى في نفسها ساقطة، لما تقدم من ان النص الخاص لا دلالة فيه على أكثر من مشروعية التيمم. الثالث: دعوى، حرمة الوضوء، لكونه موقعا للمكلف في تفويت الطهارة الخبثية، ومع حرمته يقع باطلا. وهذه الدعوى، لا يفرق فيها بين فرض الانحصار وعدمه. ولكنها ساقطة، لان الواجب هو الصلاة مع عدم النجاسة، والوضوء بالماء الطاهر من المشتبهين ليس في نفسه مصداقا لمخالفة خطاب صل مع عدم النجاسة ليكون حراما، وإنما هو ملازم مع تفويت الطهارة الخبثية، فلا محذور في التقرب به ووقوعه صحيحا. الرابع: دعوى، أن الامتثال التفصيلي مقدم على الامتثال الاجمالي وهذه الدعوى، تجري في فرضي الانحصار وعدمه، لان الوضوء بالماء الثالث في فرض عدم الانحصار امتثال تفصيلي، فيقدم على الوضوء بالنحو المفروض بالمائين المشتبهين. وهذه الدعوي ساقطة لعرضية الامتثالين كما حققنا في الاصول. فاتضح مما ذكرناه: أن الوضوء بالمائين المشتبهين، بالنحو المذكور في المتن، يقع صحيحا على كل حال، في فرضي الانحصار وعدمه. ولا ينافي ذلك استحقاق العقاب بلحاظ تفويت الطهارة الخبثية، فيما إذا فرض عدم وجود ماء آخر يمكن رفع النجاسة به، وقلنا: بأن الوضوء بالطريقة المذكورة يوجب الابتلاء بمحذور النجاسة.

[ 271 ]

[ أو غسله اشكال (1) إذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل اشكال ] (1) وقد ذكر السيد - قدس سره - في المستمسك (1) في توضيح المسألة: أنه تارة يفرض تلف الماء الاخر، واخرى يفرض عدم تلفه. فعلى الاول، تكون صحة الوضوء مبنية على أن جريان قاعدة الفراغ في الوضوء هل يتوقف على احتمال الالتفات حين العمل أولا، فان قيل بالتوقف لم تجر القاعدة في المقام، لان النجاسة المعلومة اجمالا لم يتلفت إليها الا بعد العمل. وان قيل بعدم التوقف، جرت القاعدة وصح الوضوء. وعلى الثاني، يكون العلم الاجمالي قائما، للعلم الاجمالي بنجاسة الاخر أو وجوب الوضوء ثانيا، ومعه يمتنع جريان الاصل المرخص، فان الوضوء بمنزلة الملاقي - بالكسر - الذي يمتنع جريان الاصل المرخص فيه إذا كان العلم الاجمالي القائم بينه وبين طرف الملاقى - بالفتح - حاصلا بعد العلم بالملاقاة والتحقيق: أن صحة الوضوء في فرض تلف الماء الاخر قبل حصول العلم بنجاسة أحد المائين لا تبتني على جريان قاعدة الفراغ اثباتا ونفيا، لامكان احراز صحة الوضوء باجراء اصالة الطهارة في الماء الذي توضأ به بلحاظ أثره الفعلي وهو صحة الوضوء، ولا يعارض باصالة الطهارة في الطرف الاخر لان المفروض تلفه قبل العلم الاجمالي بالنجاسة، فالوضوء صحيح على أي حال أما لقاعدة الفراغ أو لاصالة الطهارة في الماء. وأما في فرض عدم تلف الطرف الاخر، وانحفاظ كلا المائين حين حصول العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما. فيكون المقام شبيها بمسألة ملاقي طرف الشبهة المحصورة مع حصول العلم الاجمالي بالنجاسة بعد العلم بالملاقاة، وتكون قاعدة الفراغ في الوضوء بمثابة اصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - هناك. فان قيل هناك، بان اصالة الطهارة في الملاقى - بالفتح - تسقط


(1) مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 226 الطبعة الثانية.

[ 272 ]

بالمعارضة مع ما يماثلها في الطرف الاخر، وينتهي إلى أصل الطهارة في الملاقي - بالكسر - بلا معارض، على أساس طوليته وكونه في رتبة متأخرة وعدم كون العلم الاجمالي مانعا عن جريان الاصل في أحد طرفيه الا للمعارضة، جرى ذلك في المقام، بناء على جريان قاعدة الفراغ وكونها في طول اصالة الطهارة وعدم وجود أصل طولي في مرتبتها في الماء الاخر كاصالة الاباحة. وان قيل هناك، بأن الطولية لا أثر لها في سلامة الاصل الطولي عن المعارضة، وانما يسقط الاصلان المتسانخان الثابتان بدليل واحد في الطرفين ويسلم عن المعارضة الاصل الذي يختص بأحد الطرفين إذا لم يكن مسانخا أي كان مرجعه إلى دليل آخر، ففي المقام، تسقط اصالة الطهارة في الماء المتوضي به وفي طرفه وفي أعضاء الوضوء، كما تسقط اصالة الحل بالمعارضة في المائين، وتبقى قاعدة الفراغ سليمة عن المعارض، لانها من سنخ آخر، فلا تعارض بقاعدة الطهارة في الطرف الاخر. نعم إذا افترضنا ان الماء المتوضي منه تلف بتمامه حين حصول العلم الاجمالي بالنجاسة لم تكن إصالة الحل متعارضة في الطرفين، وأمكن حينئذ ايقاع المعارضة بين قاعدة الفراغ في الوضوء واصالة الحل في الماء الاخر، لانهما أصلان من دليلين ولم تقع معارضة في داخل كل منهما، فيتعارض الدليلان. وان قيل هناك، بعلية العلم الاجمالي الابية عن جريان الاصل في أحد الطرفين ولو بدون معارض ما لم ينحل العلم الاجمالي بموجب من موجبات الانحلال، فالعلم الاجمالي بوجوب الوضوء ثانيا أو نجاسة الماء الاخر منجز، وينحصر طريق ابطال منجزيته - على القول بالعلية - في دعوى انحلاله وسقوطه عن الصلاحية للتنجيز بتنجز أحد طرفيه في المرتبة السابقة، فكما ادعي في مسألة الملاقي ان العلم الثاني بنجاسة الملاقي - بالكسر -

[ 273 ]

أو الطرف منحل، لكونه في طول العلم الاول بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف، فيكون الطرف منجزا في المرتبة السابقة على العلم الثاني، ومعه لا يصلح هذا العلم للتنجيز. كذلك قد يدعي في المقام، أن العلم ببطلان الوضوء الواقع أو نجاسة الطرف في طول العلم بنجاسة الاناء المتوضي منه أو الطرف، فيكون الطرف منجزا في المرتبة السابقة، فينحل العلم الاجمالي المتأخر. ويندفع هذا التوهم: بأن بطلان الوضوء بنفسه منجز بالعلم بنجاسة أحد المائين، لانها تمام الموضوع للبطلان، بخلاف الملاقي - بالكسر - فانها غير منجزة بنفس العلم الاجمالي بنجاسة أحد المائين عندهم، لانها ليست تمام الموضوع لنجاسة الملاقي، بل هي مع الملاقاة. وعليه فبطلان الوضوء منجز على كل حال. وبما ذكرناه، ظهر وجه النظر فيما أفاده في المستمسك، من امكان المنع من تنجز بطلان الوضوء، بدعوى الانحلال، بناء على ان ترتب العلمين القائمين بالموضوع كاف في انحلال اللاحق بالسابق. ومن أن المتجه بناء على ذلك، التفصيل بين صورة جمع الماء المتوضي به وصورة تلفه، ففي الاولى يبني على الانحلال وفي الثانية على عدمه (1). ووجه النظر: ما عرفت، من أن دعوى الانحلال في المقام لا أثر لها، لان المراد بها اخراج بطلان الوضوء عن المنجزية مع ان بطلان الوضوء يتنجز بنفس العلم الاجمالي بنجاسة أحد المائين، لانها تمام الموضوع له ففرق بينه وبين نجاسة الملاقي - بالكسر - فان هذه انما كان يترقب تنجزها بالعلم الاجمالي الثاني فمع انحلاله يزول عنها التنجيز، واما بطلان الوضوء، فهو منجز بالعلم بنجاسة أحد المائين، فدعوى انحلال العلم الثاني به لا أثر لها. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الماء المتوضي به مجموعا


(1) مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 226 الطبعة الثانية.

[ 274 ]

واما إذا علم بنجاسة أحدهما المعين وطهارة الاخر، فتوضأ وبعد الفراغ شك في أنه توضأ من الطاهر أو من النجس فالظاهر صحة وضوئه، لقاعدة الفراغ (1). نعم لو علم انه كان حين التوضي غافلا عن نجاسة أحدهما يشكل (2). * (هامش 1) * أو تالفا، إذ على الاول يكون لنجاسته أثران يتنجزان بالعلم الاجمالي بالنجاسة، أحدهما بطلان الوضوء به، والاخر حرمة شربه، وعلى الثاني ينحصر أثره القابل للتنجز ببطلان الوضوء. (1) فان احتمال البطلان هنا لا ينشأ من جهات يعلم بعدم الالتفات إليها حين العمل، فاحتمال الاذكرية محفوظ، وهذا كاف لجريان القاعدة. (2) لاختصاصها بموارد احتمال الالتفات، كما بيناه في محله. ثم، مع عدم جريان القاعدة في هذا الفرض، قد يقال: بتصحيح الوضوء، باجراء أصل الطهارة في الماء المتوضي به على اجماله، لانه يشك في طهارته ونجاسته فعلا، ولا معارض لهذا الاصل لعدم وجود علم اجمالي بالنجاسة حتى تسقط الاصول بالمعارضة. والتحقيق: أن هذا الاصل من قبيل استصحاب الفرد المردد، فقد يستشكل فيه: بأن أصل الطهارة ان اريد اجزاؤه في واقع الماء المتوضي به فهو اما معلوم الطهارة واما معلوم النجاسة، وان اريد اجزاؤه في الماء المتوضى به بهذا العنوان فلا أثر له، لان الاثر مترتب على طهارة ذات الماء لا على طهارته بما هو مستعمل في الوضوء، بمعنى ان الوضوء بالماء وكونه طاهرا مأخوذان بنحو التركيب والعرضية فلابد من الوضوء بماء وكونه طاهرا، وهذا يعين اجراء الاصل في ذات الماء، ولو فرض أخذ الموضوع بنحو التقييد وأخذ الطهارة شرطا بما هي طهارة للماء المتوضي به بهذا العنوان لما أمكن اثبات الشرط باستصحاب الطهارة لكونه مثبتا.

[ 275 ]

[ (مسألة - 12) إذا استعمل أحد المشتبهين بالغصبية لا يحكم عليه بالضمان، الا بعد تبين ان المستعمل هو المغصوب (1) ] اللهم إلا أن يقال: ان أصل الطهارة يمكن اجراؤه في واقع الماء المتوضى به، وهو وان كان مرددا بين معلوم النجاسة ومعلوم الطهارة ولكن لا محذور مع ذلك في جعل إصالة الطهارة عليه، لا ثبوتا، لان جعل الحكم الظاهري معقول ما دام الواقع غير منجز بالعلم التفصيلي، ولا اثباتا، لان المفهوم عرفا من الغاية في قوله (حتى تعلم أنه قذر) جعل العلم غاية بما هو منجز وقاطع للعذر، لا أخذ الشك بعنوانه في موضوع الاصل تعبدا، فلا تكون الغاية حاصلة فتجري إصالة الطهارة ويصحح بها الوضوء. (1) في هذا الفرع، يتشكل علمان اجماليان. أحدهما العلم بعدم إذن المالك في التصرف في أحد المالين، والاخر العلم - بعد استعمال أحد المالين - بضمانه أو حرمة التصرف في المال الاخر. فان لوحظ العلم الاجمالي الاول وحده، وقع الكلام في كفايته لتنجيز الضمان واخراجه عن تحت البراءة العقلية المعروفة بينهم. والمعروف عدم صلاحيته لذلك، لان عدم اذن المالك في التصرف في المال المعلوم بالعلم الاجمالي الاول تمام الموضوع لحرمة التصرف وجزء الموضوع للضمان والجزء الاخر الاستعمال والاتلاف الذي يوجب اشتغال الذمة بالمال، فالعلم الاجمالي بعدم الاذن في أحد المالين ينجز حرمة التصرف ولا ينجز الضمان وشغل الذمة لعدم كونه علما بتمام موضوعه. وهذا يتم بالنسبة إلى غير من كان الماء داخلا في عهدته قبل الاستعمال والاتلاف، من قبيل شخص مأذون من قبل صاحب اليد في مالين، غير انه يعلم بأن صاحب اليد قد غصب أحدهما من مالكه، وان مالكه لا يرضى بالتصرف فيه. ففي مثل ذلك لا عهدة قبل الاستعمال على المأذون وعلمه بعدم

[ 276 ]

اذن المالك الواقعي علم بجزء الموضوع للضمان وشغل الذمة، فلو أتلف أحدهما لا يتجزء الضمان بذلك العلم. واما من كان المال داخلا في عهدته قبل الاستعمال، فلا يجري فيه هذا الكلام، وذلك من قبيل الغاصب الذي يعلم اجمالا بأن أحد المالين الواقعين تحت يده قد غصبه وان الاخر له، ففي مثل ذلك يكون عالما بوقوع أحد المالين في عهدته قبل الاستعمال والاتلاف، لان الاستيلاء على مال الغير بدون إذنه معلوم اجمالا، وهو تمام الموضوع للعهدة، والعهدة تقتضي إعادة المال بتمام ما يمكن من خصوصياته وما يمكن اعادته من غير التالف فعلا هو تمام الخصوصيات حتى الشخصية وما يمكن اعادته من التالف غير الشخصية من الخصوصيات، فوجوب رد ما يمكن رده من خصوصيات المال التالف منجز بنفس العلم الاجمالي الاول. وأما العلم الاجمالي الثاني، فهو نظير العلم الاجمالي بنجاسته الملاقي - بالكسر - أو الطرف، لانه تارة يفرض الاتلاف بعد العلم الاجمالي بالغصبية. واخرى يفرض قبله. فان فرض الاتلاف بعد العلم الاجمالي بالغصبية، فلابد من ملاحظة الملاكات التي يستند إليها من يقول بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - إذا كانت الملاقاة بعد العلم الاجمالي بالنجاسة، لنرى هل ان تلك الملاكات تجري في المقام أو لا؟. فان كان الملاك في عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - وعدم تنجيز العلم الاجمالي بنجاسته أو نجاسة الطرف هو تأخره زمانا عن العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف، وسقوط الاصول في الطرف سابقا، الامر الذي يجعل الاصل في الملاقي - بالكسر - بدون معارض، فهذا الملاك نفسه جار في المقام لان التأخر الزماني بنفسه مفروض. وان كان الملاك في جريان اصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر -

[ 277 ]

طوليته وتأخره الرتبي عن إصالة الطهارة في الملاقى - بالفتح - الامر الذي يوجب جريانه في مرتبته بدون معارض، فهذا الملاك لا يجري في المقام، لان إصالة البراءة عن الضمان ووجوب دفع البدل ليست في طول إصالة البراءة عن حرمة التصرف التكليفية في المال لكي تسقط البراءة عن حرمة التصرف في المال في المرتبة السابقة بالمعارضة وتصل النوبة إلى إصالة البراءة عن الضمان بلا معارض. وان كان الملاك في عدم تنجيز العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف كونه معلولا للعلم الاجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف، فيسقط عن المنجزية في مرتبته لان الطرف منجز في المرتبة السابقة بالعلم الاول. فهذا الملاك يأتي في المقام، لان العلم الاجمالي بالضمان أو غصبية المال الاخر متأخر رتبة عن العلم بغصبية أحد المالين، فينحل بتنجيز الطرف المشترك بين العلمين بالعلم السابق. ومن لا يرى تمامية كل هذه الملاكات هناك يرى أيضا تنجيز العلم الاجمالي بالضمان أو حرمة التصرف في المال الاخر. وان فرض الاتلاف قبل العلم الاجمالي بالغصبية، فهو من قبيل فرض الملاقي قبل العلم الاجمالي بالنجاسة. فإذا قبل هناك بتنجيز العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف، يقال هنا، بتنجيز العلم الاجمالي بالضمان أو حرمة التصرف في الاخر. وقد يدعي: ان هذا العلم الاجمالي غير منجز في المقام، لوجود أصل ناف في أحد الطرفين ومثبت في الطرف الاخر، فالضمان مورد للاصل النافي، وحرمة التصرف في المال الاخر مورد للاستصحاب المثبت، وهو إصالة عدم كون الباقي ملكا له أو لمن أذن له في التصرف فيه - لو كان هناك مجيز - حيث ان جواز التصرف في الاموال المتعارفة التي بأيدينا يحتاج

[ 278 ]

إلى سبب محلل له من اشترائها أو هبتها أو اجازة مالكها، والاصل عدم تحقق السبب المحلل، وهو أصل مثبت على وفق العلم الاجمالي، فلا مانع من جريانه. وبهذا تبقى إصالة عدم حدوث الضمان في الطرف المتلف سليمة عن المعارض (1). وهذه الدعوى غير صحيحة، وذلك: لان الاصل الجاري في الباقي كثيرا ما يكون بنحو ينقح موضوع الضمان أيضا، فمثلا، إذا فرضنا، ان المالين يعلم بانهما للغير ويعلم اجمالا بعدم الاذن من الغير في أحدهما، فاستصحاب عدم الاذن يكون جاريا في كلا الطرفين، ويثبت به في الباقي حرمة التصرف وفي التالف الضمان، لان موضوع شغل الذمة هو اتلاف مال الغير بدون إذنه، واتلاف مال الغير وجداني وكونه بلا اذنه بالاستصحاب ففرض استصحاب عدم الاذن من الباقي يساوق فرض استصحاب مماثل في التالف بنحو يتنقح به موضوع شغل الذمه، فلا تصل التوبة إلى إصالة البراءة عن ذلك. وإذا فرضنا، أن المكلف يعلم بان المالين معا كانا له، وان أحدهما انتقلت ملكيته إلى آخر ولكنه غصبه منه، فلا مجال لجريان استصحاب مثبت للتكليف في الباقي، بل الجاري استصحاب بقاء ملكية الشخص للمال، وهو استصحاب ناف، وبعد تساقط الاستصحابين تتعارض البراءة عن ضمان التالف مع البراءة عن حرمة التصرف في الباقي، ويكون العلم الاجمالي منجزا. وإذا فرضنا، أن المكلف يعلم بأن المالين معا لزيد، ويعلم بانه اشترى أحدهما منه ولا يدري أيهما فأتلف أحد المالين يجري استصحاب عدم انتقال كل من المالين إلى ملكه وبقائه على ملك زيد في كلا الطرفين وبهذا الاستصحاب نثبت حرمة التصرف في الباقي بدون إذن زيد وضمان


(1) التنقيح ج 1 ص 394 - 395.

[ 279 ]

التالف لزيد. نعم، هناك صورة واحدة قد يتوهم فيها جريان الاستصحاب بنحو يثبت حرمة التصرف في الباقي ولا يصلح لاثبات الضمان في التالف، وهي ما إذا علم المكلف بأن المالين معا كانا لزيد وعلم بأن أحدهما انتقل إليه والاخر لعمرو وأشتبها ثم استعمل أحدهما وأتلفه. فان كل واحد من المالين لو لوحظ في نفسه لكان طيب نفس زيد بانتقاله إلى المكلف العالم اجمالا غير محرز، فيجري استصحاب عدم طيب نفسه المنقح لموضوع (لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفسه) ولكن لا يتنقح بذلك موضوع الضمان وشغل الذمة، لان موضوعه إتلاف مال الغير، وبالاستصحاب المذكور لا يثبت ان هذا مال الغير. ولكن قد تقدم في أوائل هذا الفصل أن الاستصحاب المذكور لا تثبت به حرمة التصرف أيضا، فلاحظ. وهكذا يتضح: أن فرض كون الباقي موردا لاستصحاب موضوعي منقح لموضوع حرمة التصرف ولا يكون التالف مورد الاستصحاب موضوعي منقح لموضوع الضمان وحاكم على إصالة البراءة عنه، لا يتم، إلا بافتراض صدفة، وهي أن يكون الباقي مملوكا للغير سابقا والتالف غير محرز المملوكية للغير سابقا.

[ 280 ]

الاسئار

[ 283 ]

[ فصل في الاسئار سؤر نجس العين، كالكلب والخنزير والكافر، نجس (1) ] (1) السؤر كلمة لا تخلو من غموض لعدم تداولها في العرف الحاضر بنحو يكشف من تحديد مدلولها الاصلي. وانعقاد اصطلاح الفقهاء على تسمية كل ما باشره جسم حيوان بالسؤر لا يعين حمل اللفظ عليه ما لم يحرز وجود الاصطلاح في لغة الائمة عليهم السلام، وتعريفات اللغويين متفاوتة سعة وضيقا بنحو لا يحصل الوقوف من ناحيتها، والمتيقن من السؤر ما باشره الحيوان بفمه من الشراب، فكل دليل على حكم لهذا العنوان يثبت به جريان الحكم على هذا المتيقن، وأما جريانه على ما زاد فيتوقف على مناسبات الحكم والموضوع. فقد يستظهر منها في دليل شمول السؤر لتمام المعنى الاصطلاحي ولا يستظهر ذلك في آخر، ففي دليل الحكم بنجاسة السؤر لا بأس باستظهار شمول السؤر لمطلق المباشرة بالمناسبات المركوزة للسرابة عرفا، بخلاف دليل التبرك بالسؤر مثلا. ومجرد اطلاق كلمة السؤر في بعض الروايات على بقية الطعام، كما قد يظهر من رواية زرارة (فلا بأس بسؤره، واني لاستحي أن أدع طعاما لان الهر أكل منه) (1) ورواية مناهي النبي (ص) (نهى عن أكل سؤر الفار) (2) لا يدل على استقرار اصطلاح في ذلك بحيث يحمل اللفظ الوارد عنهم مطلقا عليه، ولو لم تقتضيه مناسبات الحكم والموضوع وكذلك أيضا ما دل على اطلاق كلمة السؤر على ما باشره الانسان بغير فمه


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الاسئار حديث 2. (2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الاسئار حديث 7.

[ 284 ]

[ وسؤر طاهر العين طاهر (1) ] كما في رواية عيص بن القاسم في سؤر الحائض (قال: توضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة ثم تغسل يدها قبل أن تدخلها الاناء) (3) فان قلوه قبل أن تدخلها الاناء قرينة على ان السؤر طبق بلحاظ المباشرة باليد وعلى أي حال، فلا اشكال في ان سؤر النجس بالمعنى الاعم للسؤر نجس على أساس الانفعال بالملاقاة التي لا يفرق فيها بين انحاء الملاقاة وانحاء الملاقى. (1) وذلك: لان طاهر العين ان كانت طهارته ثابتة بالاصل فالسؤر أيضا يحكم بطهارته بالاصل، وان كانت ثابتة بدليل اجتهادي دال على طهارة العين ابتداء فهو يدل بالالتزام العرفي على طهارة السؤر لعدم تعقل العرف لتنجيس الطاهر، وان كانت ثابتة بدليل اجتهادي بلسان طهارة سؤره ونفي البأس عنه، كما هو الواقع في اخبار السؤر في المقام، فالامر واضح. كما في رواية معاوية، قال: (سأل عذافر أبا عبد الله (ع) وأنا عنده، عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغال والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال: نعم اشرب منه وتوضأ. قال: قلت له: الكلب؟ قال: لا. قلت: أليس هو سبع؟ قال لا والله انه نجس) (1) ورواية أبي العباس، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا وسألته عنه. فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله) (2) ورواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته عن الكلب يشرب من الاناء. قال: اغسل الاناء. وعن


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الاسئار حديث 1. (2) و (3) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب الاسئار حديث 6، 4.

[ 285 ]

[ وان كان حرام اللحم (1) ] السنور. قال: لا بأس أن يتوضأ بها، انما هي من السباع) (1). ويمكن أن يستفاد من هذه الروايات كبرى ان سؤر كل طاهر طاهر. إما بلحاظ انتزاع هذا العنوان وانسباقه إلى الذهن من الامثلة الكثيرة: التي حكم بنفي البأس عن سؤرها وفضلها في الخبرين الاولين، وأما بلحاظ التعليل بنفي البأس عن فضل السنور بالسبعية، بعد ارجاع التعليل بالسبعية إلى التعليل بما هو مفروض في السبع من الطهارة لا لخصوصية السبعية. وقد تستفاد الكبرى المذكورة من مفهوم التعليل في الخبرين الاولين، حيث علل النهي عن سؤر الكلب بنجاسته. ولكن من المعلوم ان هذا بمجرده لا يكفي لاستفادة الكبرى، لان مقتضى التعليل اسراء الحكم المعلل إلى سائر موارد العلة، وليس له مفهوم يقتضي كون العلة المذكورة علة منحصرة (1) لدخوله تحت الكبرى السابقة، والتصريح ببعض افراده في تلك الروايات. غير ان البعض ذهب إلى وجوب الاجتناب عن سؤر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، استنادا إلى رواية عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (سئل عما تشرب منه الحمامة. فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب) (2) ورواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (قال: لا بأس أن تتوضأ مما شرب منه ما يؤكل لحمه) (3) فانهما تدلان بمفهوم الوصف أو مفهوم التحديد على البأس فيما لا يؤكل لحمه، وهذا البأس إذا ادعي إلى جانبه ارتكاز طهارة العين التي لا يؤكل لحمها، فنفس هذا الارتكاز وارتكاز ان الطاهر لا ينجس يكون قرينة على صرفه عن الدلالة على نجاسة العين


(1) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب الاسئار حديث 3. (2) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الاسئار حديث 2. (3) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الاسئار حديث 1.

[ 286 ]

[ أو كان من المسوخ (1)، أو كان جلالا (2). نعم يكره سؤر حرام اللحم (3)، ما عدا المؤمن (4) والهرة على قول (5) ] نفسها إلى الحزازة في السؤر. وعلى أي حال لابد من حمل هذه الحزازة على التنزه والكراهة جمعا بينها وبين الروايات السابقة. (1) لدخوله تحت الكبرى، بعد البناء على طهارة المسوخ. وسيأتي الكلام عن طهارتها ونجاستها في البحوث المقبلة ان شاء الله تعالى. (2) لما اشير إليه في المسوخ. نعم قد يتوهم: أن النهي عن سؤر ما لا يؤكل لحمه شامل للمحرم بالذات والمحرم بالعرض، وفي الاول وردت قرينة على نفي الحرمة ولم يرد مثل ذلك في الثاني، فيحكم بلزوم الاجتناب في الثاني دون الاول. لكن يرد عليه: أن اللزوم واللا لزوم مدلولان للخطاب وليسا بحكم العقل، وبعد قيام القرينة على عدم اللزوم في المحرم بالذات يتعين حمل الدليل على التنزه ولا يبقى مجال لاستفادة اللزوم منه. (3) لروايتي عبد الله بن سنان وعمار المتقدمتين، وان كان اثبات الكلية بمفهوم الوصف فيهما مشكلا، فان مفهوم الوصف يدل على الانتفاء عند الانتفاء بنحو القضية المهملة، كما بيناه في الاصول، ورواية الوشا عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع) (أنه كان يكره سؤر كل شئ لا يؤكل لحمه) (1) ودلالتها على الكلية لا بأس بها ولكن سندها ساقط. (4) أما للقصور في نفس اطلاق دليل الكراهة، كما عرفت، وإما لما دل على الفضيلة في سؤره. (5) اما للقصور في نفس اطلاق دليل الكراهة، على ما تقدم من


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب اسئار حديث 2.

[ 287 ]

[ وكذا يكره سؤر مكروه اللحم، كالخيل والبغال والحمير (1). وكذا سؤر الحائض (2) ] الاستشكال في استفادة الكلية منه، وإما لقوله في رواية زرارة (واني لاستحي من الله أن أدع طعاما لان الهر أكل منه) إذ لا حياء في ترك المكروه. (1) أما بدعوى: أن المفهوم عرفا مما دل على كراهة سؤر ما يحرم أكل لحمه وجود ملازمة بين حزازة اللحم وحزازة السؤر، غاية الامران الاولى كلما كانت أشد كانت حزازة السؤر أشد. وإما بدعوى: وجود المفهوم في رواية سماعة، قال: (سألته هل يشرب سؤر شئ من الدواب ويتوضأ منه؟. قال: أما الابل والبقر والغنم فلا بأس) (2). وكلتا الدعويين محل نظر أما الاولى، فلوضوح ان مورد الدليل المذكور الحزازة اللزومية للحم، فاستفادة ان المراتب النازلة من هذه الحزازة أيضا توجب حزازة في السؤر بلا موجب. وإما الثانية، فلانه لو سلم المفهوم في رواية سماعة، وان قوله إما الابل والبقر والغنم فلا بأس مسوق مساق الحصر لا مساق التفصيل والاقتصار على حكم بعض الاقسام والسكوت عن الباقي، وسلم ان المفهوم له كلية، فلا يستفاد منه ان الحزازة بعنوان كون الحيوان مكروه اللحم، كما هو واضح. (2) روايات الباب عدة طوائف. الاولى: ما دلت على النهي عن الوضوء من سؤر الحائض دون الشرب منه، كرواية عنبسة عن الصادق (ع) (قال: اشرب من سؤر الحائض ولا تتوضأ منه) (2). الثانية: ما دلت على إناطة النهي عن الوضوء من سؤر الحائض


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الاسئار حديث 3. (2) وسائل الشيعة باب 8 من الاسئار حديث 1.

[ 288 ]

بعدم كونها مأمونة. ففي رواية علي بن يقطين عن أبى الحسن (ع) (في الرجل يتوضأ بفضل الحائض. قال: إذا كانت مأمونة فلا بأس) (1). وقد تكون من روايات هذه الطائفة أيضا، ما رواه في السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب باسناده إلى رفاعة عن أبي عبد الله (ع) قال: (سمعته يقول: ان سؤر الحائض لا بأس أن يتوضأ منه إذا كانت تغسل يديها) (2) وذلك، بأن يفهم من القيد في قوله (إذا كانت تغسل يديها) ما يساوق قوله في رواية علي بن يقطين (إذا كانت مأمونة)، بمعنى انها إذا كانت من عادتها التحفظ والتطهير. الثالثة: ما دلت على النهي عن الوضوء من سؤر الحائض المأمونة أيضا ففي رواية العيص قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن سؤر الحائض فقال: لا توضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة) (3). فبقرينة التقييد في الجملة الثانية يعرف ان النهي في الجملة الاولى عن سؤر الحائض يشمل المأمونة أيضا. ومثلها رواية ابن أبي يعفور قال (سألت أبا عبد الله (ع) أيتوضأ الرجل من فضل المرأة؟ قال: إذا كانت تعرف الوضوء، ولا تتوضأ من سؤر الحائض) (4) فان تقييد الجملة الاولى بمعرفة الوضوء واطلاق النهي عن سؤر الحائض في الجملة الثانية ظاهر عرفا في النظر إلى تعميم النهي في الحائض حتى إلى من تعرف الغسل والتطهير. وكل هذه الطوائف لا تدل على النهي عن غير الوضوء من سؤر الحائض بل تدل بعضها على عدم النهي عن الشرب، فهي من هذه الناحية غير


وسائل الشيعة باب 8 من الاسئار حديث 5. (2) وسائل الشيعة باب 8 من الاسئار حديث 9. (3) وسائل الشيعة باب 7 من الاسئار حديث 1. (4) وسائل الشيعة باب 8 من الاسئار حديث 3.

[ 289 ]

متنافية، وانما التنافي بلحاظ موضوعها وكونه شاملا للمأمونة أيضا بالاطلاق في الاولى وبالصراحة العرفية في الثالثة ومقيدا بعدمها في الثانية. وعلاج ذلك، تارة بالالتفات إلى الناحية السندية، واخرى مع افتراض صحة السند في الطوائف الثلاث. أما مع الالتفات إلى ناحية السند فيزول الاشكال، لان الطائفة الاولى فيها روايات تامة سندا، كرواية عنبسة المتقدمة، بناء على توثيقه برواية ابن أبي عمير عنه، ورواية علي بن جعفر التي نقلها صاحب الوسائل عن كتابة، وغيرهما. وأما الطائفة الثانية فتتمثل في رواية علي بن يقطين، وهي وان عبر عنها في كلام السيد الاستاذ (1) وفي المستمسك (2) بالموثقة، ولكنها ليست كذلك، لان الشيخ يرويها باسناده إلى علي بن الحسن بن فضال عن أيوب عن محمد عن علي، واسناد الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيف، لوجود من لم يوثق فيه وهو علي بن محمد بن الزبير. وقد ألحقنا برواية علي بن يقطين رواية ابن ادريس في السرائر عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، وحيث ان طريقه إليه غير معلوم فهي أيضا ساقطة سندا. اللهم الا أن يقال، ان ما استطرفه ابن ادريس من كتاب محمد بن علي بن محبوب قد أخذه من نسخة للكتاب بخط الشيخ الطوسي كما صرح بذلك في أسراره (3) وحينئذ يكون طريق الشيخ هو طريق ابن ادريس، بعد قبول شهاده ابن ادريس بأن النسخة بخط الشيخ لانها قابلة للاستناد إلى ما يشبه الحس. وأما الطائفة الثالثة، فتتمثل في رواية العيص، وقد رواها الشيخ


(1) التنقيح الجزء الاول ص 399. (2) الجزء الاول ص 230 الطبعة الثانية. (3) لاحظ وسائل الشيعة ج 20 ص 70 الطبعة الجديدة.

[ 290 ]

باسناده إلى علي بن الحسن بن فضال، وهو غير صحيح كما عرفت ورواها الكليني بسند وقع في أوله محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان. ومحمد هذا مردد ولم تثبت وثاقته على جميع التقادير. نعم ورد مثل هذا السند في كامل الزيارات ولكنا لا نبني على توثيق كل رجال السند في كامل الزيارات بل خصوص مشايخ صاحب الكتاب. كما أن رواية ابن أبي يعقوب التي ذكرناها في الطائفة الثالثة ضعيفة سندا أيضا بالمعلى بن محمد. وعليه فإذا تمت المناقشة في كل تلك الاسانيد لم يبق الا الطائفة الاولى، وبذلك تنحل المعارضة ويبقى الكلام حينئذ في وجه الحمل على الكراهة مع ظهور النهي في اللزوم. ورفع اليد عن هذا الظهور يتم بأحد بيانين. أما دعوى، انصراف النهي إلى كونه بلحاظ حيثية النجاسة، وحينما ينضم إليه الاذن في الشرب مع ان شرب النجس حرام أيضا يفهم منه عرفا ان النهي عن الوضوء انما هو لاحتمال النجاسة غير المنجزة، لعدم عرفية التبعيض في التنجيز. وأما دعوى أن المورد من موارد احتمال القرينة المتصلة، تطبيقا لكبري حققناها، وهي انه في كل مورد لا يوجد فيه قائل معتد به باللزوم بين المسلمين يحتمل على هذا الاساس أن يكون عدم اللزوم أمرا ارتكازيا في اذهان المتشرعة في عصر الائمة (ع) بحيث يشكل على فرض وجوده قرينة لبية متصلة على صرف الامر والنهي عن اللزوم، ومع احتمال ذلك يكون المورد من موارد احتمال القرينة المتصلة، وهو موجب للاجمال، كما حققناه في الاصول كاحتمال قرينية المتصل. وأما دعوى قرينية، رواية أبي هلال، قال: (قال أبو عبد الله (ع)

[ 291 ]

المرأة الطامث أشرب من فضل شرابها ولا أحب أن أتوضأ منه) (1). فان بيان النهي بلسان عدم المحبوبية انما يحسن عرفا في المكروه لا في الحرام فيكون سياق التعبير ظاهرا في عدم اللزوم، الا ان سند الرواية ضعيف. واما لو افترضنا صحة أسانيد الطوائف الثلاث، فسوف يقع الاشكال من ناحية الاختلاف الواقع بينها، ويمكن علاجه بأحد وجوه. الاول: أن يقال، ان الظاهر من الطائفة الاولى والطائفة الثالثة كون النهي عن سؤر الحائض بما هو سؤر الحائض، أي بلحاظ جنبة الحدث لا بلحاظ جنبة الخبث، تحفظا على ظهور أخذ عنوان الحائض في الموضوعية وأما الطائفة الثانية التي تنفي البأس فالبأس المنفي عن سؤر الحائض المأمونة فيها مطلق شامل للبأس من ناحية معرضية الحائض للنجاسة ولا يختص بالبأس من ناحية كون السؤر سؤر امرأة حائض، لو لم نقل بالاختصاص بالبأس الاول، والقرينة على اطلاق البأس المنفي هو نفس قيد الائتمان، فان أخذ عنوان المأمونة يدل بمناسبات الحكم والموضوع على النظر في البأس المنفي - ولو بالاطلاق - إلى البأس الذي يكون للائتمان دخل في نفيه، وهو البأس الناشئ من المعرضية للنجاسة. وإذا كان البأس المنفي في الطائفة الثانية مطلقا شاملا لكلا البأسين أمكن تقييد هذا الاطلاق بحمل البأس المنفي في الطائفة الثانية على البأس الناشئ من المعرضية للنجاسة، والمقيد هو ظهور الطائفة الثالثة في اثبات فرد من البأس النفسي، باعتبار كون المرأة حائضا ولو كانت مأمونة. وينتج ذلك الالتزام بفردين من البأس. أحدهما، البأس النفسي بلحاظ عنوان الحائض، والاخر البأس بلحاظ المعرضية للنجاسة، والثاني لا يشمل المأمونة، والاول يشملها. الثاني: بعد فرض وحدة البأس المنظور إليه في تمام تلك الروايات


(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الاسئار حديث 8.

[ 292 ]

يلتزم بالتعارض بين الطائفة الثانية الصريحة في التفصيل بين المأمونة وغير المأمونة والطائفة الثالثة، والرجوع بعد ذلك إلى الطائفة الاولى باعتبارها مرجعا فوقيا بعد سقوط المخصص بالمعارضة. الثالث: أن يقال، أن الطائفة الثالثة، أي رواية العيص، انما تكون صريحة في الاطلاق بصيغتها المتقدمة مع أنه قد وقع تهافت في متنها إذ رواها الشيخ الطوسي في التهذيب (1) والاستبصار (2) عن نفس الراوي والراوي عنه وبنفس العبارة لكن مع اسقاط كلمة لا، وإذا سقطت رواية العيص بالتهافت تعين تقييد الطائفة الثانية. ولكن قد يقال بترجيح نقل الكافي المشتمل على كلمة (لا)، اما لان إصالة عدم الزيادة مقدمة على إصالة عدم النقيصة، واما لاضبطية الكليني من الشيخ في النقل، واما لان سقوط كلمة (لا) يناسب مع استعمال المثنى والقول إذا كانتا مأمونتين بدلا عن القول إذا كانت مأمونة، واما لوقوع التهافت في نفس نسخ كتاب الشيخ بقرينة ان صاحب الوسائل، بعد نقل الرواية عن الكليني، ذكر أن الشيخ روى مثله وهذا يدل على ان النسخة التي كانت عند الشيخ الحر من كتاب الشيخ كانت مطابقة للكافي، ومع التهافت في نسخ كتاب الشيخ يبقى كتاب الكافي سليما عن المعارض. والتقريب الاول، مبني على كلية القاعدة القائلة: بتقديم إصالة عدم الزيادة على إصالة عدم النقيصة، مع أنها ممنوعة، فان الزيادة قد تكون جملة وقد تكون مثل كلمة (لا)، ومن الواضح ان استبعاد أن ينقل الراوي (لا يتوضأ) ب‍ (يتوضأ) ليس بأقل غرابة من العكس. والتقريب الثاني، تام صغرى، ولكن مطلق الاضبطية لا يوجب


التهذيب ج 1 ص 222، الطبعة الجديدة. (2) الاستبصار ج 1 ص 17 الطبعة الجديدة.

[ 293 ]

حجيته مع وجود المعارض ما لم تكن الاضبطية موجبة للاطمئنان الشخصي كما هو الحال في سائر موارد التعارض بين الروايات. والتقريب الثالث، غير تام، لان مجرد كون الانسب هو الاتيان بصيغة التثنية لا يعين اللفظ الصادر، بل ان المناسبات التعبيرية والسياقية تستعمل لاستظهار المعنى بعد تعين اللفظ، واما إذا كان اللفظ الصادر مرددا بين صيغتين وكانت احداهما أنسب بقواعد التعبير لم يكف ذلك لاثبات صدورها ما لم يحصل الاطمئنان الشخصي. فلعل أوجه التقريبات التقريب الرابع، ولكن هل يمكن الاعتماد حقا على كلمة (مثله) في كلام صاحب الوسائل لاثبات تطابق النقلين مع أنه في جملة من الموارد يعبر بذلك مع وجود نحو من الاختلاف؟. الرابع: أن يقال: ان الطائفة الاولى المطلقة لها معارض وهو ما ورد عن علي (ع) من أنه قال: (لا بأس بأن يتوضأ من سؤر الحائض) (1) والمتعارضان متساويان في الموضوع، فإذا لوحظت الطائفة الثانية كانت هذه الطائفة مقيده للطائفة الاولى بغير المأمونة، ولمعارضها بالمأمونة، وبهذا يزول التعارض المذكور. ولكن بعد ملاحظة الطائفة الثالثة تسقط الثانية والثالثة بالمعارضة، وفي طول ذلك تسقط الطائفة الاولى مع معارضها، ولا يبقى حينئذ دليل على أصل الحكم. ويرد عليه: مضافا إلى ضعف سند الرواية النافية للبأس مطلقا لكونها من الجعفريات، ان ظاهر البأس في نفسه البأس اللزومي، فهي انما تدل على نفي البأس. اللزومي. وانما حملنا البأس في الروايات المثبتة على التنزيهي للجزم بعدم اللزوم أو للقرينة عليه، وعليه فلا تعارض بين الرواية النافية والطائفة


(1) في الجعفريات كما في جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 21.

[ 294 ]

[ بل مطلق المتهم (1) ] المثبتة للبأس بعد حمل هذه الطائفة على البأس التنزيهي. الخامس: أن يقال: بأن تعدد مراتب الكراهة محتمل بمعنى أن يكون سؤر الحائض مطلقا مكروها، ويكره سؤر غير المأمونة أشد، فيحمل البأس المنفي في الطائفة الثانية على المرتبة الشديدة من الكراهة، ويحمل البأس المثبت في الطائفة الثالثة حتى للمأمونة على مرتبة ضعيفة. وليس هذا من باب تقييد البأس المنفي في الطائفة الثانية بلحاظ الطائفة الثالثة، لان التقييد فرع الاخصية، والبأس المثبت في الطائفة الثالثة مجمل من حيث المرتبة وليس متعينا في المرتبة الضعيفة ليكون أخص مطلقا من النفي الثابت بالطائفة الثانية، ولكنه نحو من التأويل الذي قد يساعد عليه العرف في مقام الجمع بين الدليلين، ومعه لا تصل النوبة إلى التعارض. ثم، إن المأخوذ قيدا في الطائفة الثانية عنوان المأمونة فتخرج من المطلقات، بناء على تقييد الطائفة الثانية لها بغير المأمونة. وتبقى تحت الاطلاقات المرأة غير المأمونة، ولو من باب الجهل مجالها، إذ لا يصدق عليها عنوان المأمونة، وان لم يصدق عليها عنوان المتهمة أيضا. (1) التعدي من روايات الحائض إلى مطلق المتهم يتوقف، اما على الغاء خصوصية المورد، أو على استفادة التعليل من الشرط في قوله (إذا كانت مأمونة) وكلاهما بلا موجب. أما الاول، فلا يمكن الغاء خصوصية المورد لروايات الحائض، سواء كان مفادها الكراهة النفسية باعتبار جانب الحدث في الحائض، أو الكراهة بلحاظ المعرضية للنجاسة. أما على تقدير استفادة الكراهة النفسية فواضح، وأما على تقدير استفادة الكراهة بلحاظ المعرضية فلان المعرضية تختلف مرتبتها من حال إلى أخرى، وتختلف النجاسات ودرجة

[ 295 ]

اهتمام الشارع بالتحفظ من ناحيتها، فقد يكون للنجاسة الناشئة من دم الحيض وللدرجة الشديدة من المعرضية التي للحائض دخل في ثبوت الكراهة وأما الثاني، فلان ظاهر الرواية كونه شرطا لا تعليلا، فلا يوجب اسراء الحكم إلى غير مورده. ولكن يمكن أن يقال: أن ظاهر قوله (إذا كانت مأمونة) كفاية عدم الوثوق والائتمان في ثبوت الكراهة، من دون فرق بين مراتب المعرضية للنجاسة، كما ان معرضية سؤر الحائض للنجاسة لا تنحصر بملاقاة دم الحيض، بل كثيرا ما يكون بنحو آخر، ومعه لا يبقى فرق بين نجاسة وأخرى. ومما يؤيد التعدي، رواية ابن أبي يعفور قال: (سألت أبا عبد الله (ع) أيتوضأ الرجل من فضل المرأة؟ قال: إذا كانت تعرف الوضوء الخ..) (1) فانها دلت على الحزازة فيما إذا لم تكن تعرف الوضوء، أي الغسل، الامر الذي يجعلها متهمة. غير أن سند الرواية ضعيف، وعلى أي حال فلا شك في ان حسن الاحتياط بعنوان كونه احتياطا لا يختص بمورد دون مورد.


وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الاستاذ حديث 3.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية